اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيمالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بطاعتهم واتباعهم أو بدعائهم وشفاعتهم

التوسل بالأنبياء والصالحين يكون بطاعتهم واتباعهم أو بدعائهم وشفاعتهم

] فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم.
فمجرد دعائه بهم من2غير طاعة منه لهم، ولا شفاعة منهم له، فلا ينفعه، وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى. وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع.3
والمقصود هنا: أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد4ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله أو سئل قضاء الحاجة، ونحو ذلك، مما يفعله بعض الناس، إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك.
فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك، وأسباب الشرك؟ وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد.
وقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر " أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى إن «النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة».
ففعل ابن عمر ذلك " وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.

والكلام هنا في ثلاث مسائل: إحداها: أن التأسي1به في صورة الفعل الذي فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي فعله، فهذا فيه نزاع مشهور، وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين، وغيرهم يخالفهم2في ذلك، والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر رضي الله عنهم وليس هذا مما نحن فيه الآن.3
ومن هذا الباب: أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى فيه، إذا جاء وقت الصلاة؛ فهذا من هذا القبيل.
المسألة الثانية: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتا للصلاة، بل أراد أن4ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره5وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك6وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر - لو فعل ذلك - حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار.
والمسألة الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيرا أو طويلا، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ليصلي فيه ويدعو،

أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال: فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما كان مبنيا على نعله1ومثل ما في2جبل قاسيون، وجبل الفتح3وجبل طورزيتا4الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع.
فهذا ما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة، فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره: وراق ليرقى في حراء ونازل5

وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا الصادقة1فكان2لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ، فقال: لست بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ، فقال: لست بقارئ، قال: مرتين أو ثلاثا، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره»3الحديث بطوله.
فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه4إلى حراء.
ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت - والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم، عند المساجد التي يقال: إنها مساجد عائشة، والجبل الذي عن5يمينك يقال له: جبل6التنعيم،

والحديبية غربيه -. ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا.
ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة.
ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله.
وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام1وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة2وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.
ثم بعده خلفاؤه الراشدون، وغيرهم من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]3وهو غار بجبل ثور، يمان4مكة، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد.

ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه؛ لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك1ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك؛ علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا كان حكم مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل غار حراء الذي ابتدي فيه بالإنباء2والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه3كان قبل الإسلام يتعبد فيه.
وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه.
فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة.
فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها؟ وهذا كما أنه4قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين، فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني: فقيل: يقبله.
وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده.
والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا ولا

هذا، كما تنطق به الأحاديث الصحيحة، ثم هذه مسألة نزاع، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم، أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئا من جوانب البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف، وقد روي: «أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت، فاستلم معاوية الأركان الأربعة. فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية».1
وقد اتفق العلماء على ما مضت2به السنة، من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125].3 فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة، لا يشرع4تقبيله بالفم، ولا مسحه باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها بالفم، ولا مسحها باليد.

وأيضا: فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها.
فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل1صحيحا، فكيف بما لا يعلم صحته، أو بما2يعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجهال أن هذا الموضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمي إبراهيم الخليل، الذي لا شك3فيه، ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال: إنه موضع قدميه، كذبا وافتراء عليه، كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات؟ فإن قيل: قد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره.
قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أريد به المقام عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات4بما لم يشركها فيه سائر البقاع، كما خص البيت بالطواف، فما خصت به تلك البقاع لا يقاس بها غيرها، وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها، ونحن استدللنا على أن ما

لم يشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها.
ومن ذلك القبة1التي عند باب2عرفات، التي يقال: إنها قبة3آدم، فإن هذه لا يشرع قصدها للصلاة والدعاء، باتفاق العلماء، بل نفس رقي الجبل الذي بعرفات الذي يقال له: جبل الرحمة، واسمه: إلال4على وزن هلال، ليس مشروعا باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات: إما عند الصخرات حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم، وإما بسائر عرفات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة».5
وكذلك سائر المساجد المبنية هناك، كالمساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب مسجد الخيف مسجد يقال له: (غار المرسلات) فيه نزلت سورة

المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له (مسجد الكبش) ونحو ذلك.
لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك.
وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به؛ فالأمر فيه أظهر إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام: أن هذا ليس من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي1شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد، من دعاء وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرا له؛ بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد2غيره هناك تحريا لفضله، فبدعة غير مشروعة.
[

جارٍ التحميل