التفاضل بين جنس العرب وجنس العجم
] فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم6وسريانيهم7روميهم وفرسيهم8وغيرهم.
وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم: أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم.
فهو: أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، لمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت1لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أفضل نفسا ونسبا، وإلا لزم الدور.
ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل2الكرماني، صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسنة التي قال فيها: " هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها - فهو مبتدع خارج3من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد4وعبد الله بن الزبير الحميدي5وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية "، وساق كلاما طويلا.... إلى أن قال: " ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق»6ولا
نقول بقول الشعوبية1وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف ". ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه2في رسالة أحمد بن سعيد الإصطخري3عنه - إن صحت - وهو قوله، وقول عامة أهل العلم.
وذهبت فرقة من الناس إلى4أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم.
وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب، التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: القبائل: للعرب، والشعوب: للعجم.
ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.
والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الاعتقاد،
وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك، ولهذا جاء في الحديث: «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق»1مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى2للنفس، ونصيب للشيطان من الطرفين، وهذا محرم في جميع المسائل.
فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمرهم3بإصلاح ذات البين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».4
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله»5وهذان حديثان صحيحان.
وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحصى.
والدليل على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم: ما رواه الترمذي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد6عن يزيد بن
أبي زياد1عن عبد الله بن الحارث2عن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه قال، قلت «يا رسول الله، إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة3من الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم خير البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا»4قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل ".5 الكبى بالكسر والقصر، والكبة: الكناسة.6
وفي الحديث: " الكبوة " وهي مثل: الكبة.7
والمعنى: أن النخلة طيبة في نفسها، وإن كان أصلها ليس بذاك1فأخبر صلى الله عليه وسلم: أنه خير الناس نفسا ونسبا.
وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري2عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة3قال: «جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه سمع شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.4
قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب "، ثم قال: " إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا»5قال الترمذي: " هذا6حديث حسن "7كذا وجدته في الكتاب، وصوابه: «فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا».8
وقد روى أحمد هذا الحديث في المسند، من حديث الثوري، عن
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس رضي الله عنه: «بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: " من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقهم1وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا».2
أخبر صلى الله عليه وسلم: أنه ما انقسم الخلق فريقين3إلا كان هو في خير الفريقين، وكذلك جاء حديث بهذا اللفظ. وقوله في الحديث: «خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم خيرهم فرقتين فجعلني في خير فرقة» يحتمل شيئين: أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض وبنو آدم خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ كان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح.4
ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم.
ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.
ويحتمل أنه أراد بالخلق1بني آدم، فكان في خيرهم، أي في ولد إبراهيم2أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو بني عدنان. ثم جعل بني إسماعيل - أو بني عدنان - قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة: وهم قريش. وعلى كل تقدير، فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم.3
وقد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم، ثم لقريش، ثم للعرب.
فروى الترمذي من حديث أبي عوانة4عن يزيد بن أبي زياد - أيضا -5عن عبد الله بن الحارث، حدثني6المطلب بن أبي7ربيعة8بن الحارث بن عبد المطلب: «أن العباس بن عبد المطلب، دخل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، وأنا عنده، فقال: " ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش: إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان، حتى يحبكم لله ولرسوله - ثم قال -: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو1أبيه»2قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح ".3 ورواه أحمد في المسند مثل هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد.4
هذا ورواه أيضا من حديث جرير5عن يزيد بن أبي زياد، عن
عبد الله بن الحارث، عن1عبد المطلب بن ربيعة قال: «دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودر عرق بين عينيه، ثم قال: " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي».2
فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث، هذان الحديثان: أحدهما: في فضل القبيل الذي منه النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: في محبتهم، وكلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد.
وما فيه من كون عبد الله بن الحارث يروي الأول: تارة عن العباس، وتارة عن المطلب بن أبي وداعة، والثاني عن عبد المطلب بن ربيعة، وهو ابن الحارث بن عبد المطلب، وهو من الصحابة، قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد، وليس هذا موضع الكلام فيه، فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير، لا سيما وله شواهد تؤيد معناه.
ومثله أيضا في المسألة: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي، من حديث الأوزاعي، عن شداد بن أبي3عمار4عن
واثلة1بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»2هكذا رواه الوليد3وأبو4المغيرة5عن الأوزاعي.6
ورواه أحمد والترمذي، من حديث محمد بن مصعب7عن الأوزاعي8ولفظه: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم: إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل: بني كنانة»..9الحديث، قال الترمذي: " هذا حديث حسن
صحيح ".1 وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم؛ لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل على هؤلاء، فعلى غيرهم بطريق الأولى، وهذا جيد، إلا أن يقال: الحديث يقتضي: أن2إسماعيل هو المصطفى من ولد إبراهيم، وأن بني كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل، وليس فيه ما يقتضي أن ولد إسماعيل أيضا مصطفون على غيرهم، إذا كان أبوهم مصطفى، وبعضهم مصطفى على بعض.
فيقال: لو لم يكن هذا مقصودا في الحديث؛ لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة إذا كان اصطفاؤه3لم يدل على اصطفاء4ذريته، إذ يكون على هذا التقدير5لا فرق بين ذكر إسماعيل وذكر إسحاق.
ثم هذا - منضما إلى بقية الأحاديث - دليل على أن المعنى في جميعها واحد.
واعلم أن الأحاديث في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة، وليس هذا موضعها، وهي تدل أيضا على ذلك، إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس، وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه.6
فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة، وغير ذلك من الخصائص.
ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل1بحسبها، والله عليم حكيم ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي2مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]3و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]4".5 وقد قال الناس في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]6وفي قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]7أشياء ليس8هذا موضعها.
[