التشديد على النفس أنواعه وآثاره
] وأما في حديث أنس المتقدم من قول4النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات5رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».6
ففيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع.
والتشديد: تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب: بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات7وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، في الطيبات.
وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة.
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما عليه النصارى من الرهبانية
المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين.1
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، يفعله الله: إما بالشرع وإما بالقدر.
فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة2التراويح معه3ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل: أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب.
وأما بالقدر: فكثير4قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور5عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارة6إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء7مشقة ومضرة.
وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث، موافق لما قدمناه في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]1من أن ذلك يقتضي كراهة موافقتهم في الآصار والأغلال.
والآصار: ترجع إلى الإيجابات الشديدة.
والأغلال: هي التحريمات الشديدة.
فان الإصر: هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب.
والغل: يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور.
وعلى هذا دل قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].2 وسبب نزولها مشهور.
وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي3صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا4كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم5وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم6أما أنا فأصلي الليل أبدا.
وقال7الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا.
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: " أنتم الذين1قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، رواه البخاري، وهذا لفظه2ومسلم، ولفظه: عن أنس: «أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش.3
فحمد الله وأثنى فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا4؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».5
والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد: في العبادة، وفي ترك الشهوات؛ خير من رهبانية النصارى، التي هي: ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صوما وصلاة.
وقد خالف هذا - بالتأويل ولعدم العلم - طائفة من الفقهاء والعباد، ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه، عن العلاء بن عبد الرحمن6عن
القاسم بن عبد الرحمن1عن أبي أمامة: «أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة2قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله»3فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمته4سياحتهم الجهاد في سبيل الله.
وفي حديث آخر: «إن السياحة هي الصيام»5أو «السائحون هم الصائمون»6أو نحو ذلك.7
وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن8
من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: 112].1 وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: 5].2 وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير3مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة.
ولهذا قال الإمام أحمد: " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين "4مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها5متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها6«لا رهبانية في الإسلام».7
والغرض هنا: بيان ما جاءت به الحنيفية: من مخالفة8اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل9ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا، أو من هذا.10
ومثل هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما11قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
غداة1العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى» فلقطت له سبع حصيات، من2حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه3من حديث عوف بن أبي جميلة4عن زياد بن حصين5عن أبي العالية عنه6وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقوله: «إياكم7والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال.
والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده8أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك.
والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال1من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171].2 وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة3الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار.4
ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من5قبلنا إلا6الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن7الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا.
ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى8بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، في شأن المخزومية التي سرقت9لما كلم أسامة.10...............
فيها1رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».2
وكان بنو مجزوم من أشرف3بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم: أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت4الرسول، فضلا عن بنت غيره.
وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة5عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال:
" هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم.
فدعا رجلا من علمائهم قال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع1على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان2الرجم فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ3أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: 41] إلى قوله4﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: 41].5 يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم6والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]7﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]8﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]9في الكفار كلها ".10
وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي1قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي2منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني3أنهاكم عن ذلك».4
وصف صلى الله عليه وسلم أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء5والصالحين مساجد وعقّب6هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه صلى الله عليه وسلم ينهانا7عن ذلك.
ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا؛ إما مظهر للنهي، وإما8موجب للنهي، وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة9وعلامة على أن الله ينهانا10عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي.
وعلى التقديرين: يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود1؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».2
وفي لفظ3لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».4
وفي الصحيحين عن عائشة، وابن عباس5قالا: " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا ".6 وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: " أن أم سلمة وأم حبيبة7ذكرتا
لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها1بأرض الحبشة، يقال لها: مارية.
وذكرتا2من حسنها3وتصاوير فيها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور4أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل».5
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن الأربعة6وقال الترمذي: " حديث حسن "7وفي بعض نسخه: " صحيح ".8
فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح1صريح في النهي عن المشابهة في هذا2ودليل على الحذر من3جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من4هذا الجنس.
ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور5واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار؛ إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا.
وفيه من الآثار ما لا يليق1ذكره هنا، حتى روى أبو يعلى الموصلي2في مسنده:3حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة4حدثنا زيد5بن الحباب6حدثنا جعفر بن إبراهيم7- من ولد ذي الجناحين - حدثنا علي بن عمر8
عن أبيه1عن علي بن حسين2أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، فقال: " ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي3عن النبي4صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».
وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ5في مستخرجه.6
وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد1أخبرني سهيل بن أبي سهيل2قال: " رآني الحسن بن الحسن3بن علي بن أبي طالب4رضي الله عنه عند القبر فناداني، وهو في بيت
فاطمة1يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " إذا دخلت المسجد فسلم.
ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء ".2 ولهذا ذكر الأئمة - أحمد وغيره، من أصحاب مالك وغيرهم -: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو، فإنه يستقبل القبلة3ويجعل الحجرة عن يساره.
[