بعض الأمكنة والقبور التي ابتدعها الناس
] وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه: فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم، أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، لم يمت بدمشق.
والله أعلم قبر من هو، لكنه ليس2بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك.
وكذلك مكان بالحائط القبلي، بجامع دمشق3يقال إن فيه قبر هود عليه السلام، وما عملت أحدا من أهل العلم ذكر أن هودا النبي مات بدمشق، بل قد قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، فإن مبعثه كان باليمن، ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره4ولا مهاجره، فموته بها -والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه بل ذكروا خلافه- في غاية البعد.
وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق، يقال إنه قبر أويس القرني5وما علمت أن أحدا ذكر أن أويسا مات بدمشق، ولا هو متوجه
أيضا، فإن أويسا قدم من اليمن إلى أرض العراق.
وقد قيل: إنه قتل بصفين، وقيل: إنه مات بنواحي أرض فارس، وقيل غير ذلك.
فأما الشام فما ذكر أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها.
ومن ذلك أيضا: قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام أيضا.
فإن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن تسافر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن1الأنصارية، فإن أهل الشام كشهر بن حوشب2ونحوه، كانوا إذا حدثوا عنها قالوا: أم سلمة.
وهي بنت عم معاذ بن جبل، وهي من أعيان الصحابيات، ومن ذوات الفقه والدين منهن.
أو لعلها أم سلمة3امرأة يزيد بن معاوية4وهو بعيد، فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين.
وما أكثر
الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيرة.
ومن ذلك: مشهد بقاهرة1مصر يقال: إن فيه رأس الحسين رضي الله عنه، وأصله2أنه كان بعسقلان مشهد يقال: إن فيه رأس الحسين، فحمل فيما قيل الرأس من هناك إلى مصر، وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل العلم3إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد4بالكوفة، حتى روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغيظه.
وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام، ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث5إنما كانوا بالعراق.
وكذلك مقابر كثيرة لأسماء1رجال معروفين، قد علم أنها ليست مقابرهم.
فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلا، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، اللهم إلا أن يكون قبرا لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، ليس لها من الخصيصة2ما يحسبه الجهال، وإن كانت القبور3الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادا4ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى، فيكون من القسم الثاني.
ومن هذا الباب أيضا: مواضع يقال إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثرا من وطء رسول الله صلى الله عليه وسلم5وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى! فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم.
وفي مسجد قبلي دمشق -يسمى مسجد القدم- أثر6أيضا يقال إن ذلك أثر7قدم موسى عليه السلام، وهذا باطل لا أصل له.
ولم يقدم موسى دمشق ولا ما حولها.
وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رؤى
في المنام هناك، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى، بإجماع المسلمين.
وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صور1فيها2صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه، مضاهاة لأهل الكتاب، كما كان في بعض مساجد دمشق، مسجد3يسمى مسجد الكف، فيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه4حتى هدم الله ذلك الوثن.
وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد.
وفي الحجاز مواضع، كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال: إنه الغار الذي كان فيه5النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله في قوله6تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]7ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور، قريب من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم.
فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة -كائنة ما كانت-8فإن تعظيم
مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها1وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها.
وكما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضا بالفعل.
وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي2أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
فإن ذلك المسجد لما بني ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، وأمر بهدمه.
وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصدًا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما، واتخاذها عيدا هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة.
ويلتحق بهذا الضرب -لكنه ليس منه- مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا.
وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب.
فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جدا.
وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت
من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم.
وغيره قد يثبت غير هذا أيضا مثل: قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها.
ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها: إما1مع العلم بأنه2لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها، المعصومة عن الخطأ.
وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها3الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى4الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك.
وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحيانا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها5وكذلك
يجري لأهل1الأبداد2من أهل الهند وغيرهم.
وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته.
وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس3وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
وقد صح "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير4وإنما يستخرج به من البخيل»5فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما6لا يضر ولا ينفع؟.
وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه7اضطرار الداعي وصدقه8وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه9الله لا لأجل دعائه، وقد
يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة1في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون2مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها.
وقد قال الله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20]3وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6].4 وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة. ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر.5
* * *
[