أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة في يوم عرفة

] فصل1روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين2عن أبيه3عن جابر في حديث حجة الوداع، قال: " حتى إذا زالت الشمس - يعني يوم عرفة - أمر بالقصواء4فرحلت له5فأتى بطن الوادي6فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم7

هذا، في شهركم هذا1في بلدكم هذا2ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي3موضوع4ودماء الجاهلية موضوعة5وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من6ربانا ربا العباس بن عبد المطلب7فإنه موضوع كله.
فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله؛ ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح؛ ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني8فماذا أنتم قائلون؟ ". قالوا: نحن نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت.
فقال - بإصبعه السبابة9يرفعها إلى السماء وينكبها10إلى الناس-: " اللهم اشهد11- ثلاث مرات - "، ثم أذن،

فأقام1فصلى الظهر؛ ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف» وذكر تمام الحديث.2
فقال3صلى الله عليه وسلم: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع».4
وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل دعواهم: يا لفلان5ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم.
ثم خص - بعد ذلك - الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية، من الربا الذي كان في ذمم أقوام، ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل إسلام القاتل وعهده، أو قبل إسلام المقتول وعهده: إما لتخصيصها بالذكر بعد العام، وإما لأن6هذا إسقاط لأمور معينة، يعتقد7أنها حقوق، لا لسنن عامة لهم، فلا تدخل في الأول، كما لم تدخل الديون التي ثبتت ببيع صحيح، أو قرض، ونحو ذلك.
ولا يدخل في هذا اللفظ: ما كانوا عليه في الجاهلية، وأقره الله في الإسلام، كالمناسك، وكدية المقتول بمائة8وكالقسامة، ونحو ذلك؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في

ذلك: ما كانوا عليه وإن لم1ينه في الإسلام عنه بعينه.
وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش2بن عباس3عن أبي الحصين4- يعني الهيثم بن شفي5- قال: " خرجت أنا وصاحب لي يُكنى أبا عامر - رجل من المعافر6- لنصلي7بإيلياء8وكان قاصهم رجل9من الأزد يقال له: أبو ريحانة10من الصحابة.
قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا.
قال: سمعته يقول: نهى

رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشر1؛ والوشم2؛ والنتف3؛ وعن مكامعة4الرجل الرجل بغير شعار؛ ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار؛ وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرا، مثل الأعاجم؛ أو يجعل على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم؛ وعن النهبى5؛ وركوب النمور6؛ ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان ".7 وفي رواية عن أبي ريحانة قال: " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... "8هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس.
رواه عنه

المفضل1بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري2ويحيى بن أيوب.3
وكل منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين: " ثقة ".4 وقال أبو حاتم: " صالح ".5 وأما أبو الحصين - الهيثم بن شَفِيّ - قال الدارقطني: شَفِيّ بفتح الشين وتخفيف الفاء، وأكثر المحدثين يقولون: شُفَيّ، وهو غلط.
وأبو عامر الحجري6فشيخان، قد روى عن كل واحد7منهما أكثر من واحد.
وهما من الشيوخ القدماء.
وهذا الحديث قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على الأصل، وهو: أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعا كان8شعارا

للأعاجم.
فنهى عنه1لذلك، لا لكونه حريرا؛ فإنه لو كان النهي2عنه لكونه حريرا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه: " مثل الأعاجم ". والأصل في الصفة: أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه.
وعلى هذا يمكن تخريج ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة3عن قتادة، عن الحسن، عن4عمران بن حصين، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أركب الأرجوان5ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير ". قال6فأومأ الحسن إلى جيب قميصه، قال: وقال: " ألا7وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له».
قال سعيد: " أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء: على أنها إذا خرجت،

فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت ".1 أو يخرج هذا الحديث على الكراهية فقط.
وكذلك قد يقال في الحديث الأول2لكن في ذلك نظر.
وأيضا، ففي الصحيحين عن رافع بن خديج3قال: «قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى4أفنذبح بالقصب5؟ فقال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة».6

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالظفر، معللا بأنها1مدى الحبشة، كما علل السن: بأنه عظم.
وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا: الذبح بالسن والظفر المنزوعين؛ لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة2لا خنق فيه.
والجمهور منعوا من ذلك مطلقا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى السن والظفر مما أنهر الدم3فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقا، لم يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا.
وأيضا، فإنه مخالف لتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء: هل يمنع من التذكية بسائر4العظام، عملا بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره.
وعلى الأقوال الثلاثة5فقوله صلى الله عليه وسلم: «وأما الظفر، فمدى الحبشة» بعد

قوله: «سأحدثكم عن ذلك» يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلا على العلة؛ أو وصفا من أوصاف العلة، أو دليلها1والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى2عن ذلك؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به.
وأما العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به3كنهيه عن الاستنجاء به؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها4فإن فيها كلاما ليس هذا موضعه.
وأيضا، في الصحيحين عن الزهري5عن سعيد بن المسيب6قال: " البحيرة التي يمنح7درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء "، وقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي8يجر قصبه

في النار، كان أول من سيب السوائب».1
وروى مسلم، من حديث سهيل2بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أخا3بني كعب، وهو يجر قصبه في النار».4
وللبخاري، من حديث أبي صالح5عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة».6
هذا من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو7أول من نصب الأنصاب

حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء1من2أرض الشام، متشبها بأهل البلقاء، وهو أول من سيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه «يجر قصبه في النار» وهي الأمعاء ومنه سمي القصاب بذلك؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم3إبراهيم.
فتشبه عمرو بن لحي - وكان عظيم أهل مكة يومئذ؛ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم عليه السلام -، فتشبه عمرو بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيما لله ودينا، فكان ما فعله أصل الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبها فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله عز وجل، وتغيير دينه4إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فأحيا ملة إبراهيم عليه السلام وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه.
وفي سورة الأنعام، من عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136] إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 140]5إلى آخر السورة، خطاب مع هؤلاء الضرب؛ ولهذا

يقول تعالى في أثنائها: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148].1 ومعلوم أن مبدأ هذا التحريم: ترك الأمور المباحة تدينا، وأصل هذا التدين: هو من التشبه بالكفار، وإن لم يقصد2التشبه بهم. فقد تبين لك: أن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي: التشبه بالكافرين، كما أن من أصل كل خير: المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار، فكيف إذا جمعت الوصفين؟ ولهذا جاء في الحديث: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها».3
وأيضا، فقد4روى أبو داود في سننه، وغيره من حديث هشيم5أخبرنا أبو بشر6عن أبي عمير بن............................

أنس1عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن2بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القُنْع3شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: " هو من أمر اليهود "، قال: فذكروا4له الناقوس، فقال: " هو من فعل5النصارى "، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه6وهو مهتم لِهَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما قال: ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " له ما منعك أن تخبرنا؟ "، فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله " قال: " فأذن بلال "، قال: أبو بشر: " فحدثني أبو عمير: أن الأنصار

تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضا، لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا».1
وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو عوانة2عن مغيرة3عن عامر الشعبي4أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اهتم5بالصلاة اهتماما شديدا، تبين6ذلك فيه، وكان فيما اهتم به من أمر الصلاة7أن ذكر الناقوس، ثم قال: " هو من أمر8النصارى ". ثم أراد أن يبعث رجالا يؤذنون الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال: " أكره أن أشغل رجالا عن صلاتهم بأذان غيرهم "9وذكر رؤيا عبد الله بن زيد.

ويشهد لهذا ما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي قلابة1عن أنس قال: «لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا2وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارا، ويضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة».3
وفي الصحيحين، عن ابن جريج4عن نافع عن ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة5وليس ينادي بهم أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال قم فناد بالصلاة».6

ما يتعلق بهذا الحديث: من شرع1الأذان، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر، وأمر عمر أيضا بذلك، وما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان قد سمع الأذان ليلة أسري2به.
إلى غير ذلك، ليس هذا موضع ذكره، وذكر الجواب عما قد يستشكل منه.
وإنما الغرض هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا بأنه من أمر النصارى؛ لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى.
هذا مع أن قرن اليهود يقال: إن أصله مأخوذ عن موسى عليه السلام، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدع، إذ عامة شرائع النصارى أحدثها أحبارهم ورهبانهم.
وهذا3يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة4أيضا؛ لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة غير أوقات عباداتهم.
وإنما شعار الدين الحنيف: الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب5الشياطين، وتنزل الرحمة.
وقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم، بهذا الشعار اليهودي والنصراني6حتى إنا رأيناهم في هذا الخميس

الحقير1الصغير2يزفون3البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب4في أوقات الصلوات الخمس، وهو5نفس ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كان يضرب بها طرفي النهار، تشبها منه - زعم6- بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك الأطراف.
وهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم7من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق8هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله؛ سُلِّط عليهم الترك الكافرون9الموعود

بقتالهم، حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم»1كما تقدم.
وكان المسلمون على عهد نبيهم، وبعده، لا يعرفون وقت الحرب إلا السكينة وذكر2الله سبحانه، قال قيس بن عباد:3- وهو من كبار التابعين4-: " كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز ".5 وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه.
كما أن حالهم في الصلاة كذلك.
وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة6من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة.
وليس هذا موضع استقصاء ذلك.

وأيضا، فعن عمرو بن ميمون الأودي1قال: «قال عمر رضي الله عنه: كان أهل الجاهلية، لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، قال: فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاض قبل طلوع الشمس».2
وقد روي في هذا الحديث - فيما أظنه - أنه قال: «خالف هدينا هدي المشركين»3وكذلك4كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب5فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب، ولهذا: صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء، وركنا

عند بعضهم، وكرهوا شدة الإسفار1صبيحة جمع. ثم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين. وأيضا فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه.2
وعن جبير بن نفير3عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: " إن هذه من ثياب الكفار، فلا4تلبسها» رواه مسلم.5
علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم6يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك.
كما أنه في الحديث قال:7إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في

الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار.
ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي1قال: «كتب إلينا عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد: يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم2والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير، وقال: " إلا هكذا " - ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه3الوسطى والسبابة وضمهما».4
وروى أبو بكر الخلال، بإسناد عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتا، فرأى فيه حارستان5فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم ".6 وفي لفظ آخر: (فرأى شيئا من زي العجم

فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم).
وقال علي بن أبي صالح1السواق2" كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس! زي المجوس! ".3 وقال في رواية صالح4(إذا كان في5الدعوة مسكر، أو شيء من منكر آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم).
ولو تتبعنا ما في هذا الباب6عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما دل عليه كتاب الله لطال.7

[

فصول الكتاب · 117 فصل · 553 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم · 553 صفحة
مقدمة الكتابتقديم بقلم معالي الدكتور الوزير عبد الله بن عبد المحسن التركيمقدمة[القسم الأول: الدراسة]ترجمة موجزة للمؤلف.ترجمة موجزة للمؤلفوصف النسخ المخطوطة للكتابالكتاب المحقق اسمه وتاريخ تأليفهمنهج تحقيق الكتاب والتعليق عليهدراسة تحليلية لبعض موضوعات الكتابأولا الموضوع الرئيس للكتابثانيا دراسة لبعض موضوعات الكتابالموضوع الأول تنبيه المؤلف على أصلين مهمين[الموضوع الثاني بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتُليت بها الأمة][الموضوع الثالث أثر التشبُّه على الأمة]الموضوع الرابع قواعد أساسية في التشبهالموضوع الخامس فئات من الناس نهينا عن التشبه بها[الموضوع السادس النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديمًا وحديثًا]الموضوع السابع متى يباح التشبه بغير المسلمينالموضوع الثامن في الأعياد والاحتفالات البدعيةالموضوع التاسع في الرطانةالموضوع العاشر حول مفهوم البدعةالموضوع الحادي عشر حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها[القسم الثاني: الكتاب محققا مع التعليق عليه]خطبة الحاجة من كتاب المحققسبب تأليف الكتابفصل في حال الناس قبل الإسلامبعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتلي بها بعض المسلمينالأمر بمخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهرفصل في ذكر الأدلة على الأمر بمخالفة الكفار عموما وفي أعيادهم خصوصابيان المصلحة في مخالفة الكفار والتضرر والمفسدة من متابعتهمالاستدلال من القرآن على النهي عن اتباع الكافرينالاستدلال من السنة على النهي عن اتباع الكافرينالاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلمأنواع الاختلافعود إلى الاستدلال من القرآن على النهي عن مشابهة الكفارالنهي عن موالاة الكفار ومودتهم
وجوه الأمر بمخالفة الكفار
ذم بعض خصال الجاهليةالفساد وأنواعه
التشبه مفهومه ومقتضاه
التشديد على النفس أنواعه وآثارهفصل في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة في يوم عرفةفصل في الإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهمالوجه الأول من دلائل الإجماعالوجه الثاني من دلائل الإجماعالوجه الثالث في تقرير الإجماعفصل في الأمر بمخالفة الشياطينفصل في الفرق بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجمالناس ينقسمون إلى بر وفاجر ومؤمن وكافر ولا عبرة بالنسبالتفاضل بين جنس العرب وجنس العجمالنهي عن بغض العربأسباب تفضيل العربفصل في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافهفصل في أقسام أعمال الكفارفصل في الأعيادطرق عدم جواز موافقتهم في أعيادهمالطريق الأول أنه موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في دينناالطريق الثاني الكتاب والسنة والإجماع والاعتبارالنهي عن موافقتهم في أعيادهم بالكتابالنهي عن موافقتهم في أعيادهم بالسنةالنهي عن موافقتهم في أعيادهم بالإجماع والآثارالنهي عن موافقتهم في أعيادهم بالاعتبارفصل في مشابهتهم فيما ليس من شرعنافصل في مفهوم العيد والحذر من التشبه بالكفار في أعيادهمفصل في أعياد الكفاربعض ما يفعله الناس من المسلمين من البدع في ذلكالنهي عن فعل ما يعين الكفار في أعيادهمبيع الدار ونحوها للذمي وإجارتها لهابتياع الذمي أرض العشر من مسلماستئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع للكنيسةقبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهمذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتابَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ما ذبح على النصبذبائح الجن المزعزمةعودة إلى تفصيل القول فيما ذبح على النصبفصل في صوم أيام عيد الكفارفصل في صوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركينفصل في سائر الأعياد والمواسم المبتدعةما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر لوجهينالأول دخول سائر الأعياد والمواسم المبتدعة في مسمى البدع المحدثاتالثاني اشتمالها الفساد في الدينفصل في الأعياد الزمانية المبتدعةأنواع الأعياد الزمانية المبتدعةفصل في الأعياد المكانية المبتدعةفصل في أنواع الأعياد المكانيةالنوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعةبعض الأمكنة والقبور التي ابتدعها الناسفصل في النوع الثاني من الأمكنةالنوع الثاني ما له خصيصة لا تقتضي اتخاذه عيداإطلاق العيد على المكان الذي يقصد الاجتماع فيهما يتصل بالقبور من زيارتها والصلاة عندها واتخاذها مساجد والبناء عليهاأنواع من المحرماتالدعاء عند القبوررد القول بأن الأمة أجمعت على استحسان الدعاء عند القبورأثر العبادة والدعاء عند القبور ليس دليلا على استحسانهاأنواع الشركالدعاء بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم عند القبرتفنيد ما ورد في استحباب الدعاء عند القبربعض بدع القبورفصل في عدم جواز سائر العبادات عند القبورفصل في العكوف عند القبور ومجاورتها وسدانتهافصل في مقامات الأنبياء وحكم قصدهاأقوال العلماء وبيان القول الصحيح وأدلتهالأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندهاالاستسقاء بأهل الخير الأحياء إنما يكون بدعائهمالتوسل إلى الله بالأعمال الصالحةالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بطاعتهم واتباعهم أو بدعائهم وشفاعتهمالمساجد التي تشد إليها الرحالفصل في المسجد الأقصىفصل في عدم اختصاص بقعة بقصد العبادة إلا المساجدأقوال الناس في الشفاعة والقول الحق في ذلكأصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتبأصل دين الأنبياء واحد وإنما تنوعت الشرائعغلط طوائف في مسمى التوحيد وبيان الحق في ذلكالخاتمة
جارٍ التحميل