الدعاء بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر
] وأما ما ذكر في المناسك، أنه بعد تحية النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه.
وذكر أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه1- بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقًا، بل يؤمر به2كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده.
وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا3يدنو من القبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره، وإنما4اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما5إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة، أو أمامها.
ولعل هذا الذي ذكره الأئمة، أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه6عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم7فلما نهي أن يتخذ القبر مسجدًا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه.
وقال1مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف2عند3قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي ".4 ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت5لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل مسطحًا.6
وكذلك7قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد. فروى ابن بطة، بإسناد معروف عن هشام بن عروة، حدثني أبي، وقال: " كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر وركبته. فسري عن عمر بن عبد العزيز.8
وهذا أصل مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلى إليه، ألا ترى أن الرجل9لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل10الصالح، سواء كانت في المشرق
أو غيره، وهذا ضلال بين، وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض1الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسوله صلى الله عليه وسلم وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى. ومما يبين لك ذلك، أن نفس السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد راعوا فيه السنة، حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا».2
وبقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»3فكان4بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك.
ولهذا كره مالك رضي الله عنه5وغيره من أهل العلم، لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم6على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. وقال: " وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك.7
ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام، فما علمت أحدًا رخص فيه، لأن ذلك النوع من
اتخاذه عيدًا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته "1كما نقول ذلك في آخر صلاتنا.
بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحد: أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع.
فخاف مالك وغيره، أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة، نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا.
وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم2يجيئون إلى المسجد الحرام كل يوم خمس مرات يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون3عليه، لعلمهم رضي الله عنهم بما4كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد، كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته.
والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك.
قال سعيد5في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد6حدثني
أبي1عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه.2
وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع - الصحيح3- يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائمًا ولا غالبًا.
وما أحسن ما قال مالك: " لن يصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها "4ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره.
ولهذا كرهت الأئمة5استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه.
فكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها منفصلة عن مسجده6وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات وغُيِّرَ، والحجرة على حالها7هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك8وكان عمر بن عبد العزيز عامله على
المدينة، فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، كسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكرهه.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا.
قلت له: فالمنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه.
قال أبو عبد الله: شيء يروونه1عن ابن أبي فديك2عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر: أنه مسح على المنبر.
قال: ويروونه3عن سعيد بن المسيب في الرمانة.4
قلت: ويروون عن يحيى بن سعيد، أنه حين أراد الخروج إلى العراق، جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسنه ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء.
قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون.
فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل.
ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.
فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة، التي هي5موضع
مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره.
وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده على قبره يدعو له.
والفرق بين الموضعين1ظاهر.
وكره مالك التمسح بالمنبر.
كما كرهوا التمسح بالقبر.
فأما اليوم فقد احترق المنبر، وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رخص فيه، لأن الأثر2المنقول عن ابن عمر وغيره، إنما هو التمسح بمقعده.
وروى الأثرم بإسناده، عن القعنبي3عن مالك، عن عبد الله بن دينار4قال: رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر..5 الوجه الثالث: في كراهة قصدها للدعاء: أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك، متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا» كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما، لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبًا ومكانًا.
وذكرنا عن أحمد وغيره، أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف1فيستقبل القبلة.
وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين، كمالك وغيره.
ومن المتأخرين: مثل أبي الوفاء2ابن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي.
وما أحفظ - لا عن صاحب ولا تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم -، فكيف يجوز - والحال3هذه - أن يكون الدعاء4عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه5ولا تأمر به. نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره.6
وفلان يدعى عند قبره، ونحو ذلك.
والإنكار7على من يقول ويأمر به، كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه8المسألة أو مقلدًا، فيعفو الله عنه.
[