الوجه الثاني من دلائل الإجماع
] الوجه الثاني من دلائل الإجماع1أن هذه القاعدة، قد أمر بها غير واحد، من الصحابة والتابعين، في أوقات متفرقة، وقضايا متعددة، وانتشرت ولم ينكرها منكر.
فعن قيس بن أبي حازم2قال: " دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، على امرأة من أحمس3يقال لها: زينب4فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي! فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش.
قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول! وقال: أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ ! قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس " رواه البخاري في صحيحه.5
فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدا بذلك عيب هذا العمل، وذمه.1
وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يشرع في الإسلام.
فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].2 والمكاء: الصفير ونحوه.
والتصدية: التصفيق.
فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام.
وكذلك: بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة3أو ترك كل4ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهي خاص في
عامة هذه الأمور، بخلاف السعي بين الصفا والمروة، وغيره من شعائر الحج، فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة.
وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: " إياكم وزي أهل الشرك ".1 وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين.
وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد2حدثنا عاصم3عن أبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال: " اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، والسراويلات، والقوا الركب، وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، وقال: «لا تلبسوا من الحرير، إلا ما كان هكذا "، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه».4
وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى1حدثنا زهير، حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: " جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد2إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهانا عن لبوس الحرير وقال: " إلا هكذا " ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصبعيه»3وهذا ثابت على شرط الصحيحين.4
وفيه: أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية، وهي زي5بني معد بن عدنان، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد، ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى، وقد تقدم هذا مرفوعا.
والله أعلم به.
وروى الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسود بن عامر6حدثنا حماد بن
سلمة عن أبي سنان1عن عبيد بن آدم2وأبي مريم3وأبي4شعيب5أن عمر كان بالجابية - فذكر فتح بيت المقدس - قال حماد بن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: " سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول لكعب: أين ترى أن أصلي، فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال: عمر ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.6
قلت: صلاة النبي الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بيت المقدس في ليلة الإسراء: قد رواها مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت1عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال-: فركبته حتى أتيت المقدس.
قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء.
قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال: جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة.
قال: ثم عرج بنا إلى السماء»2وذكر الحديث.
وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ينكر أن يكون صلى فيه؛ لأنه لم يبلغه ذلك، واعتقد أنه لو صلى فيه لوجب على الأمة الصلاة فيه.
فعمر رضي الله عنه عاب على كعب3مضاهاة اليهودية، أي مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة؛ لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية، وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها.
وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة، ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا، فلم يفر عبقري فريه، حتى صدر الناس
بعطن1فأعز2الإسلام، وأذل الكفر وأهله، وأقام شعار3الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه تذرع4إلى نقض عرى الإسلام، مطيعا في ذلك لله ورسوله، وقافا عند كتاب الله، ممتثلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتذيا حذو صاحبيه، مشاورا في أموره للسابقين الأولين، مثل: عثمان وعلي وطلحة5والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وغيرهم، ممن له علم، أو فقه، أو رأي، أو نصيحة للإسلام وأهله.
حتى إن العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من1استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة، وإعزازه بعد إذ أذله الله، حتى روي عنه أنه حرق الكتب العجمية وغيرها.
وهو الذي منع أهل البدع من أن ينبغوا، وألزمهم2ثوب الصغار، حيث فعل بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة.3
وسيأتي عنه4إن شاء الله تعالى، في خصوص أعياد الكفار، من النهي عن الدخول عليهم فيها، ومن النهي عن تعلم رطانة الأعاجم، ما يبين5به6قوة شكيمته، في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم، ثم ما كان عمر قد قرره من السنن والأحكام والحدود.
فعثمان رضي الله عنه، أقر ما فعله عمر، وجرى على سنته في ذلك، فقد علم موافقة عثمان لعمر في هذا الباب.
وروى سعيد1في سننه: حدثنا هشيم، عن خالد الحذاء2عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب3عن أبيه4قال: " خرج علي رضي5الله عنه، فرأى قوما قد سدلوا، فقال: ما لهم؟ كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم ".6 ورواه ابن المبارك وحفص بن غياث7عن خالد.
وفيه: " أنه رأى قوما قد سدلوا في الصلاة، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم8".9
وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة: " أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة.1
وقد روى أبو داود، عن سليمان الأحول2وعسل3بن سفيان4عن عطاء، عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه».5
ومنهم من رواه عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، لكن قال هشيم: حدثنا عامر الأحول6قال: " سألت عطاء عن السدل في الصلاة،
فكرهه.
فقلت: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم "1والتابعي إذا أفتى2بما رواه دل على ثبوته عنده.
لكن قد روي عن عطاء، من وجوه جيدة: أنه كان لا يرى بالسدل بأسا، وأنه كان يصلي سادلا3فلعل هذا كان قبل أن يبلغه الحديث، ثم لما بلغه رجع، أو لعله نسي الحديث، والمسألة مشهورة، وهو: عمل الراوي بخلاف روايته، هل يقدح فيها؟.4
والمشهور عن أحمد وأكثر العلماء: أنه5لا يقدح فيها؛ لما تحتمله المخالفة من وجوه غير ضعف الحديث.
وقد روى عبد الرزاق عن، بشر بن رافع، عن يحيى بن
أبي1كثير2عن أبي عبيدة بن عبد الله3" أن أباه كره السدل في الصلاة ".4 قال أبو عبيدة: «وكان أبي يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه».5
وأكثر العلماء يكرهون السدل مطلقا.
وهو مذهب أبي حنيفة6والشافعي7والمشهور عن أحمد.8
وعنه أنه9إنما10
يكرهه1فوق الإزار دون القميص؛ توفيقا بين الآثار في ذلك، وحملا للنهي على2لباسهم المعتاد.
ثم اختلف: هل السدل محرم يبطل الصلاة؟.
فقال ابن أبي موسى3فإن صلى سادلا، ففي الإعادة روايتان، أظهرهما: لا يعيد.
وقال أبو بكر عبد العزيز4" إن لم تبد عورته؛ فلا5يعيد باتفاق.
ومنهم من لم يكره السدل، وهو قول مالك6وغيره.
والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر7هذا هو المنصوص عن أحمد، وعلله: بأنه فعل اليهود، وقال حنبل8" قال أبو عبد الله: والسدل أن يسدل9أحد طرفي الإزار ولا ينعطف به عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب
وغيره1مكروه السدل2في الصلاة ".3 وقال صالح بن أحمد: " سألت أبي عن السدل في الصلاة؟ فقال: يلبس الثوب، فإذا لم يطرح أحد طرفيه على الآخر، فهو السدل ".4 وهذا هو الذي5عليه عامة العلماء.
وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي6وابن عقيل7من أن السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن8قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.
وليس الغرض1عين هذه المسألة، وإنما الغرض أن عليا رضي الله عنه شبه السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعلهم، فعلم أن مشابهة اليهود: أمر كان قد استقر عندهم كراهته.
وفُهر اليهود - بضم الفاء -: مدارسهم.
وأصلها: بهر2وهي عبرانية فعربت، هكذا ذكره الجوهري3وكذلك ذكر ابن فارس4وغيره: أن فهر اليهود: مدارسهم.
وفي (العين) عن الخليل بن أحمد5أن6فهر اليهود: مدارسهم.
وسنذكر عن علي رضي الله عنه، من كراهة التكلم بكلامهم، ما يؤيد7هذا، وما8في الحديث المذكور من النهي عن تغطية الفم، فقد علله بعضهم
بأنه فعل المجوس عند نيرانهم التي يعبدونها، فعلى هذا: تظهر1مناسبة الجمع بين النهي عن السدل، وعن تغطية الفم، بما في كلاهما2من مشابهة الكفار، مع أن في كل منهما معنى آخر يوجب الكراهة، ولا محذور في تعليل الحكم بعلتين.
فهذا عن الخلفاء الراشدين، وأما سائر الصحابة رضي الله عنهم فكثير، مثل: ما قدمناه عن حذيفة بن اليمان: أنه لما دعي إلى وليمة فرأى شيئا من زي العجم خرج وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم ".3 وروى أبو محمد الخلال4بإسناده عن عكرمة5عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " سأله رجل: أحتقن؟ قال: لا تبد6العورة، ولا تستن بسنة المشركين ". فقوله: " لا تستن بسنة المشركين "7عام.
وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي1حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الحجاج بن حسان2قال: " دخلنا على أنس بن مالك فحدثني أخي3المغيرة4قال: وأنت يومئذ غلام، ولك قرنان، أو قصتان، فمسح رأسك وبرك عليك وقال: احلقوا هذين، أو قصوهما5فإن هذا زي اليهود6"7علل النهي عنهما بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة8مطلوب عدمها، فعلم أن زي اليهود - حتى في الشعر - مما يطلب عدمه، وهو المقصود.
وروى ابن أبي عاصم1حدثنا وهب بن بقية2حدثنا خالد الواسطي3عن عمران بن حدير4عن أبي مجلز5أن معاوية قال: " إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم ".6 يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن فضالة بن عبيد7«أنه
أمر بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها».1
رواه مسلم.2
وعن3علي أيضا قال: «أمرني النبي4صلى الله عليه وسلم أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته».5
رواه مسلم.
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، حتى يموت: حشر معهم يوم القيامة ".6 وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها: أنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت7" لا تشبهوا باليهود ". هكذا رواه بهذا اللفظ8سعيد بن منصور،
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم1عن مسروق، عن عائشة، وقد تقدم من رواية البخاري في المرفوعات.2
وروى سعيد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح3عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب4قال: " دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة، فنظر إلى شرافات، فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرافات5- شبهتها بأنصاب الجاهلية، فمر6بها أن تكسر ".7 وروى سعيد أيضا عن ابن مسعود: أنه كان يكره الصلاة في
الطاق1وقال: " إنه في2الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب ".3 وعن عبيد بن أبي الجعد4قال: " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد ".5 يعني الطاقات.
وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة.
وهذه القضايا التي ذكرناها: بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدا خالف ما ذكرناه عن الصحابة رضي الله عنهم، من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل ليس هذا موضعه.
وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة6وإن كان قد يختلف في بعض أعيان المسائل لتأويل.7
فعلم اتفاقهم على كراهة التشبه بالكفار والأعاجم.
[