الأول دخول سائر الأعياد والمواسم المبتدعة في مسمى البدع المحدثات
] فصل ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات1المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه.
وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار.
والثاني: أنها من البدع.
فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات2فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعين السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»3وفي رواية للنسائي4«وكل ضلالة في
النار».1
وفيما رواه أيضا في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».2
وفي لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا (هذا) ما ليس منه فهو رد».3
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية4عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه5من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».6
وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا، قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]1فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.
نعم: قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده، لكن2لا يجوز اتباعه في ذلك كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا، وقد قال سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].3 قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله ما عبدوهم قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم».4
فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب؛ فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب، ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده، ومثابا أيضا على
الاجتهاد1فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه أو لوجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائما.
ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو عرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل2أو نحو ذلك.
وأيضا، فإن الله عاب على المشركين شيئين: أحدهما أنهم أشركوا به3ما لم ينزل به سلطانا.
والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله عليهم.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه مسلم، عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إني خلقت4عبادي حنفاء فاجتالتهم5الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا».6
قال سبحانه ﴿سَيَقُولُ7الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]
1فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن2المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها.
ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبدوا به الله في زعمهم كما أحدثته3النصارى من أنواع العبادات المحدثة.
وأصل الضلال في أهل الأرض4إنما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله. أو تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى: عبادات يتخذونها دينا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة.5
وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم.6
فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله.
والأصل في العادات: أن لا7يحظر منها إلا ما حظره الله.
وهذه المواسم المحدثة إنما نهى8عنها لما حدث
فيها1من الدين الذي يتقرب به المتقربون2كما سنذكره إن شاء الله.
واعلم أن هذه القاعدة، وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة؛ بدليل قول عمر -رضي الله عنه- في صلاة التراويح: " نعمت البدعة هذه "3وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست بمكروهة، أو هي حسنة؛ للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس.
وربما يضم إلى ذلك مَنْ لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده4بمثابة من إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.
وما أكثر5ما قد يحتج بعض من يتميز6من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها.
والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على
حسن بعض البدع، إما من الأدلة1الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين2أو المتأولين في الجملة.
ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان: أحدهما: أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما قد يقوله بعضهم.
المقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة3هذه بدعة حسنة؛ لأن4فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.
والجواب: أما القول إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحل5لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.
وأما المعارضات، فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك
العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم، ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعارض به.
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها، ولم تنكرها1فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في2عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى؟ ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله3أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين.
والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم: أنه ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وقد يبدي ذو العلم و1الدين له فيها مستندا آخر من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعمله لها2ليس مستندا3إلى ما أبداه من الحجة الشرعية، وإن كانت شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ورسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعا لمن يناظره.
والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل.
وأيضا، فلا يجوز حمل قوله صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة " على البدعة التي نهى عنها بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح4محرم، سواء كان بدعة، أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في5الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن، وما نهى عنه فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير،
لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة.
أو: كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة، ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة.. وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء: أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإنما علم أنه منهي عنه بخصوصه، فقد علم حكمه1بذلك النهي، وما لم يعلم لا يندرج في هذا الحديث، فلا يبقى في هذا الحديث فائدة! مع كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب به في الجمع، ويعده من جوامع الكلم.
الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى، تعليق له بما لا تأثير له، كسائر الصفات العديمة التأثير.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا، إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر- وهو كونه منهيا عنه- كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم2يقصد ظاهره، فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة عنها3نهي4خاص، وليس كل ما فيه5نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ للمتكلم، إلا أن يكون مدلسا، كما لو قال: (الأسود)، وعنى به الفرس، أو: الفرس، وعنى به الأسود.
الرابع:1أن قوله «كل بدعة ضلالة»، وإياكم ومحدثات الأمور، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص، كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال.
الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص، كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع، فإنك لو2تأملت البدع التي نهى3عنها بأعيانها، وما لم ينه4عنها بأعيانها، وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة.
فهذه الوجوه وغيرها: توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد، لا يجوز حمل الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن5يعضد التأويل بدليل صارف، أو لم يعضد، فإن على المتأول6بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه، من ذلك الحديث، ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك.
وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث.
فهذا الجواب عن مقامهم الأول.
وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة
ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن، وهو بدعة: إما أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث.
وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه، فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم.
وإذا عرفت أن1الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين، فعلى التقديرين: الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروه2ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول3أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين مثلا ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من4رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده5بأبي هو وأمي -عليه الصلاة والسلام-.
فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه»1ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثا2وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات3وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»4كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح5رواه أهل السنن.
وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال6الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب
لقيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات1في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم.
وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه "2فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه؛ لقالوا: قول الصاحب3ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب.
نعم، يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى4الروايتين، فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة، أما غيرها فلا.
ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك: بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية، وذلك أن5البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية: فما6لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه7بعد موته أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر
-رضي الله عنه- فإذا عمل1ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ2كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي3عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة: " إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف ".4 ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة.
وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»5لم يرد به كل6عمل مبتدأ، فإن7دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى؛ وقد قال لهم في الليلة الثالثة،
أو الرابعة1لما اجتمعوا: "إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة"2فعلّل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم يكونوا يعملونه من قبل؛ فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم3يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض.
وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير4الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، فعمل المسلمون1بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة.
وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهما من أرض العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عهد بذلك في مرضه فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب»2وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم، وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم، فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود3"كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم".
وكما جاءوا إلى علي4رضي الله عنه في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا: "كتابك بخطك"5فامتنع من ذلك؛ لأن
ذلك الفعل1كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان محدثا بعده، ومغيرا لما فعله هو صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه»2فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن3يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية، كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك قبول العطاء من أولي الأمر محدثا، لكن لما أحدثوا هم4أُحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي5سيفا وقوله له: «قاتل به المشركين، فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره»6فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على
عهد1رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هو بأمره صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط، لكن لما قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوا2ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»3وقد علم أن الزكاة من حقها4فلم تعصم5من منع الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»6وهذا باب واسع.
والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم7يرونه مصلحة إذ لو8اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه
عقل ولا دين فما رآه الناس1مصلحة نظر في السبب المحوج إليه: فإن كان السبب المحوج إليه أمرا حدث2بعد النبي صلى الله عليه وسلم من3غير تفريط منا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن "كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض زال بموته.
وأما ما لم يحدث سبب4يحوج إليه أو5كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودا، لو كان مصلحة ولم يفعل، يعلم أنه ليس بمصلحة.
وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم6يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان: منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ7كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نفاة القياس.
ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون.1
فأما ما2كان المقتضي لفعله موجودا لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما دخل3فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير واحد من الصحابة: «إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون».4
فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات.
كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]5وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33]6
أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على1حسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع.
بل يقال: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيا، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة.
فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإن رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك.
وكذلك لو أراد أن ينصب مكانًا آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة.
ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهيا خاصا عنها، أو نعلم ما فيها من المفسدة.
فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيرا.
فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد2كان ثابتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل3عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء4أنكره المسلمون لأنه
بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم.
فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، أو إن قصدت صلاح دينهم، فلا1تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في2ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم.
وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها»3وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما تقدم، وبينت أن الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل4للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله -لما احتاجوا إلى
المكوس1الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم.
وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى، الذي هو العلم النافع والعمل الصالح، وأقاموا حكمة الله التي بعث2بها رسوله صلى الله عليه وسلم -وهي سنته- لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولميزوا3حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق، بوصف الشهادة التي4جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]5ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون6أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون7أنهم يتمون8به فروع9الدين، وما كان من الحجج صحيحا ومن الرأي سديدا، فذلك له أصل في كتاب الله
وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه.
وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا، وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به1رسوله، وجدوا في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية، والنتائج العظيمة، ما يغنيهم عما قد يحدث في نوعه: كالتغيير ونحوه، من السماعات المبتدعة، الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد، لفّقها بعض الناس.
أو في قدره: كزيادات من التعبدات، أحدثها من أحدثها لنقص تمسكه بالمشروع منها، وإن كان كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء2معذورا فيما أحدثه لنوع اجتهاد.
فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح، وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده، بل قد يكون صدّيقا عظيما، فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحا، وعمله كله سنة، إذ كان يكون بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا باب واسع.
والكلام في أنواع البدع وأحكامها وصفاتها، لا يتسع له هذا الكتاب، وإنما الغرض التنبيه على ما يزيل شبهة المعارضة للحديث الصحيح، الذي ذكرناه3والتعريف بأن النصوص الدالة على ذم البدع، مما يجب العمل بها.
[