النهي عن فعل ما يعين الكفار في أعيادهم
] وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك فمن2صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب3دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد، لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل: إهداء الشمع ونحوه في الميلاد أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم4كما ذكرناه.
ولا يبيع5المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر، فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد:6هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور
يانور1ودير أيوب، وأشباهه يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير ذلك؛ إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق2قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق3فلا بأس.
وقال أبو الحسن الآمدي: " فأما ما يبيعون4في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره ". نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم " فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقا بائعا، ومشتريا؛ لأنه قال: " إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس " هذا يعم البائع، والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: " يجلبون " عائدا إلى المسلمين، فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى السوق.
ويحتمل -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي يقيمها الكفار لعيدهم، وقال في آخر مسألته: " يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم " وذلك؛ لأن السائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان5-والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم بمنزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة
في شهود السوق، ولم يسأل عن بيع المسلم لهم إما لظهور الحكم عنده، وإما لعدم الحاجة إليه إذ ذاك، وكلام الآمدي أيضا محتمل1للوجهين.
لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع أيضا؛ لقوله: " إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم "، وقوله: " وإن قصد إلى توفير2ذلك وتحسينه لأجلهم ". فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه3شهود منكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه4لعيدهم عنهم5فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون6لأعياد باطلة.
وأيضا، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل7سوقا يباع8فيها السلاح لمن يقتل به معصوما، أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل9ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن
البائع في هذا السوق ذمي، وقد أقروا1على هذه المبايعة.
ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر -رضي الله عنه- في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي2دار حرب، وحديث عمر -رضي الله عنه- وأحاديث أخر بسطت القول فيها3في غير هذا الموضع4مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية.
فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو:5أن بيع الكفار عنبا أو عصيرا يتخذونه خمرا لا يجوز6وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما.
وقد دل حديث عمر -رضي الله عنه- في إهداء الحلة السيراء7إلى أخ له بمكة مشرك8على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح
الروايتين1ولم يجز بالخمر بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه.
فهذا الأصل فيه اشتباه، فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك، وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان، فقد يقال:2بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب، فإن حمل الثياب والطعام إلى أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة، وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب فهنا أولى، وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك، لكن هل هو منع تحريم؟ أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي.
وقد ذكر عبد الملك بن حبيب3أن هذا مما اجتمع4على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام.
قال عبد الملك بن حبيب في (الواضحة)5كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم، ونهى عنه من غير تحريم، قال: وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى6من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون، فقد كان مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل هذا كله من
ذبائحهم، وبه نأخذ، وهو يضاهي قول الله تعالى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]1وهي ذبائحهم2التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدون.
قال: وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك3ويقولون: (قد أحل الله لنا ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، وما يريدون بها، وروى ذلك ابن وهب4عن ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء5وسليمان بن يسار6وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب7وربيعة8ويحيى بن سعيد9
ومكحول1وعطاء.2
قال عبد الملك: وترك ما ذبحوا لأعيادهم وأقستهم3وموتاهم، وكنائسهم أفضل.
قال: وإن فيه عيبا آخر: أن أكله4من تعظيم شركهم.
ولقد سأل سعد المعافري5مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم يتصدقون به عنهم: أيأكل منه المسلم؟ فقال: " لا ينبغي6لا يأخذه منهم "؛ لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبائح7للأعياد والكنائس.
وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة:8هل يجوز9لمسلم شراؤه؟ فقال: " لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم
لشعائرهم1وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء ".2 وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها3وربما حبست تلك4الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها5من وجهين: الواحد:6من العون على تعظيم الكنيسة.
والآخر: من جهة7بيع الحبس8ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين، ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض9فيها بمنع ولا تنفيذ ولا بشيء.
قال: وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخطة10عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه، وكره ابن القاسم للمسلم يهدي11للنصارى شيئا في عيدهم12مكافأة لهم13ورآه من تعظيم عيدهم14
وعونا لهم1على مصلحة2كفرهم3ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم؟ لا لحما، ولا إداما4ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه.
فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع5على كراهيته، بل هو عندي أشد، فهذا كله كلام ابن حبيب.
وقد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم6ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك.
وأما نصوص أحمد على مسائل هذا الباب: فقال إسحاق بن إبراهيم7سئل أبو عبد الله -رحمه الله- عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل8المسلم منهم؟ فقال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم9على ما هم فيه، وقال أيضا: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل بناء: أبني للمجوس ناووسا10قال: لا تبن
لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه.1
وقد نقل عن محمد بن الحكم2وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء؟ قال: لا بأس به، والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم.
[