] وأيضا ما2هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة3حدثنا أبو النضر4يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ثابت5حدثنا حسان بن عطية6عن أبي منيب
الجرشي1عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»2وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين وهم أجل من أن يحتاجوا إلى أن يقال: هم من رجال الصحيحين.
وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين3وأبو زرعة4وأحمد بن عبد الله5ليس به
بأس.1
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم2هو ثقة وقال أبو حاتم3هو مستقيم الحديث.4
وأما أبو5منيب6الجرشي فقال: فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة وما علمت أحدا ذكره بسوء وقد سمع منه حسان بن عطية وقد احتج الإمام أحمد7وغيره بهذا الحديث.
وهذا الحديث أقل أحواله8أن9يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51]10
وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو1أنه قال2من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم3وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة.4
فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه5منهم في القدر المشترك الذي6شابههم فيه فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها7كان حكمه كذلك.
وبكل حال يقتضي تحريم التشبه8بعلة كونه تشبها، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع9غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى10وإحفاء الشوارب، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: «غيروا
الشيب، ولا تشبهوا باليهود.»1دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية.
وقد روى في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»2ذكره القاضي أبو يعلى.3
وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير
المسلمين قال محمد بن أبي حرب1سئل أحمد عن نعل سندي2يخرج فيه.
فكرهه للرجل والمرأة وقال: إن كان للكنيف3والوضوء4وأكره الصرار5وقال: هو من زي العجم.
وقد سئل سعيد بن عامر6عنه فقال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن.7
وقال في رواية المروذي وقد سأله عن النعل السندي فقال: أما أنا فلا أستعملها، ولكن إن8كان للطين، أو المخرج9فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا10ورأى على باب المخرج نعلا سنديا فقال: يتشبه11بأولاد الملوك.
وقال1حرب الكرماني2قلت لأحمد: فهذه النعال الغلاظ قال: هذه السندية قال: إذا كان للوضوء3أو للكنيف، أو لموضع ضرورة فلا بأس4وكأنه كره أن يمشي فيها5في الأزقة قيل: فالنعل من الخشب.
قال: لا بأس بها أيضا6إذا كان موضع ضرورة.
قال حرب حدثنا أحمد بن نصر7حدثنا حبان بن موسى،8قال:
سئل ابن المبارك1عن هذه النعال الكرمانية2فلم تعجبه وقال: أما في هذه غنية عن تلك؟.
وروى الخلال3عن أحمد بن إبراهيم الدورقي4قال: سألت سعيد بن عامر عن لباس النعال السبتية5فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة.
سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام
أحمد قال يحيى بن سعيد القطان وذكر عنده سعيد بن عامر1فقال: هو شيخ المصر2منذ أربعين سنة3وقال أبو مسعود بن الفرات4ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر.5
وقال الميموني6رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك وقال: العرب عمائمها7تحت أذقانها8وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد9يكره أن
لا1تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم2بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس.3
ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد4ونحوه وكره هو وغيره5تغميض العين6في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود.7
وقد8روى أبو9حفص العكبري10بإسناده عن بلال بن أبي
حدرد1قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمعددوا، واخشوشنوا، وانتعلوا، وامشوا حفاة.».2 وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كلام الخلفاء الراشدين.
وقال الترمذي: حدثنا3قتيبة.4.........
حدثنا ابن1لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف»2قال3وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه.4
وهذا وإن كان فيه ضعيف فقد تقدم الحديث المرفوع من تشبه بقوم فهو منهم5وهو محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضا من قوله وحديث ابن لهيعة يصلح للاعتضاد كذا كان يقول أحمد وغيره.6
وأيضا ما روى أبو داود7حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي8حدثنا محمد بن ربيعة9حدثنا أبو الحسن
العسقلاني1عن أبي جعفر بن محمد بن2علي بن ركانة، أو محمد بن علي بن ركانة3عن أبيه أن ركانة4صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم قال ركانة: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم5على القلانس».6
وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة وقال: غريب وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن،7
ولا ابن ركانة.1
وهذا القدر لا يمنع أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به، وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع2كقوله: «فرق3ما بين الحلال والحرام الدف والصوت»4فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة5حاصل فلولا أنه مطلوب بالظاهر أيضا لم يكن فيه فائدة.
وهذا كما أن الفرق بين6الرجال والنساء لما7كان مطلوبا ظاهرا
وباطنا «لعن1المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم»2ونفى المخنث3لما كان رجلا متشبها في الظاهر بغير4جنسه وأيضا عن أبي غطفان المري5قال6سمعت عبد الله بن عباس رضي الله7عنهما يقول: حين «صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا
كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه مسلم في صحيحه.1
وروى الإمام2أحمد عن ابن عباس3قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه4اليهود وصوموا قبله يوما5أو بعده يوما».
ورواه سعيد6بالإسناد ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا يوما قبله، أو يوما بعده» والحديث7رواه ابن أبي ليلى8عن داود بن علي9عن أبيه عن
جده ابن عباس.1
فتدبر هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر2سنة ماضية3صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك.4
ولهذا استحب العلماء منهم الإمام أحمد أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وبذلك عللت الصحابة رضي الله عنهم.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع عطاء سمع5ابن عباس رضي الله عنهما6يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود.7
وأيضا عن ابن1عمر رضي الله عنهما2عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّا أمة أمية؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا وهكذا». يعني مرة: تسعة وعشرين، ومرة: ثلاثين. رواه البخاري ومسلم.3
فوصف هذه الأمة بترك الكتاب4والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عبادتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية حيث قال- في غير حديث-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»5وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح»6أي من الهلال إلى الهلال.7
وهذا: دليل على ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين1المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس، والقبط، والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وقد روي عن2غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]3ولكن أهل الكتابين بدّلوا.
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان باليوم واليومين4وعلل الفقهاء ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه5كما زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء
والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه1بها.
وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم.
أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها2من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما3في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم.
وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم4أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص.
وأيضا ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف5أنه سمع معاوية6عام حج على المنبر، وتناول قُصة7من شَعر كانت في يد حرسي8فقال: " يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت
رسول1الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم»2وفي رواية سعيد بن المسيب - في الصحيح - أن معاوية قال ذات يوم: " إنكم أحدثتم3زي سوء، وإن نبي الله4صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور "، قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة.
قال معاوية: " ألا وهذا الزور ". قال قتادة: " يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق ".5 وفي رواية عن ابن المسيب - في الصحيح - قال: " قدم معاوية المدينة، فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه، فسماه الزور ". فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم6عن وصل الشعر: " أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم " يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا قال معاوية: " ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود ".
فما كان من زي اليهود، الذي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع كما أن ما يخبرونا1به2لَمَّا اشتبه صدقه بكذبه: ترك الجميع.
وأيضا ما3روى نافع عن ابن عمر4قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال: قال عمر -: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن5له إلا ثوب فليتزر به6ولا يشتمل اشتمال اليهود» رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح.7
وهذا المعنى صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية جابر وغيره أنه: «أمر في الثوب الضيق، بالاتزار دون الاشتمال»8وهو قول جمهور أهل العلم، وفي
مذهب أحمد قولان.1
وإنما الغرض: أنه قال: «لا يشتمل اشتمال اليهود» فإن إضافة2المنهي عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرا في النهي، كما تقدم التنبيه عليه.
وأيضا فمما3نهانا الله سبحانه فيه4عن مشابهة أهل الكتاب، وكان حقه أن يقدم في دلائل5الكتاب: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16].6 فقوله: ولا يكونوا مثلهم7نهي مطلق عن مشابهتهم8وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي.
وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع، فقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً1وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 73 - 74]2وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: 12]3إلى قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13].4 وإن قوما من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين5قد6أخذوا من هذه الصفات7بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله، ولهذا: كان السلف يحذرونهم8هذا.
فروى البخاري - في صحيحه - عن أبي الأسود1قال: " بعث أبو موسى إلى قراء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا2نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال3لابتغى4واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).
وكنا نقرأ سورة كنا5نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة)6".
فحذر أبو موسى القراء عن1أن يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم.
ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، وتحريف الكلم عن مواضعه، بتبديل2وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود3بما يشبه ذلك.
فروى الأعمش، عن عمارة بن عمير4عن الربيع بن5عميلة الفزاري6حدثنا عبد الله7حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:8«إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم،
واستحلته1أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم، فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده2وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده3أحد، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأوما إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ - يعني الكتاب الذي في القرن- فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن، فوجدوا4فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا، وما لي5لا أومن بهذا؟ إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم: أصحاب ذي القرن،» قال عبد الله: " وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى6منكرا لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره ".7
ولما نهى1الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، ذكر أيضا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله:2﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ3وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 28 - 29]4فإن الإيمان بالرسول:5تصديقه وطاعته6واتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر: أن من اتبعه7كان له أجران، وبذلك جاءت8الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب.
وقد صرح صلى الله عليه وسلم بذلك9فيما رواه أبو داود في سننه، من حديث ابن وهب10أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء11أن سهل بن
أبي أمامة1حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات2رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».3
هذا4الذي في رواية اللؤلؤي5عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة6عنه: " أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز7وهو أمير بالمدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة
المسافر1أو قريبا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها2للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله3عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله4عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات5رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم».
ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب لتنظر ولتعتبر6؟ قال: نعم، فركبوا7جميعا، فإذا بديارٍ بادَ أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها، قال: أتعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما8أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار
أهلكهم الله1ببغيهم وحسدهم؛ إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف، والقدم، والجسد، واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.2
فأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له3مسلم وغيره.
أما ابن أبي العمياء، فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله4لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه: يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في الصحيح.5
فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالتخفيف: ففي الصحيحين عنه - أعني: أنس بن مالك - قال: " كان النبي6صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها ".7 وفي الصحيحين أيضا عنه قال: " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة،
ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ". زاد البخاري: " وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه ".1 وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف: هو2بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام3زيادة على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ويخفف4الركوع والسجود والاعتدال فيهما5عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون كذلك، ومنهم من كان6يقرأ في الأخيرتين7مع الفاتحة، سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم».8
ولهذا لما صلى علي1رضي الله عنه بالبصرة قال عمران2" لقد أذكرني3هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ".4 وكانت صلاة رسول5الله صلى الله عليه وسلم معتدلة: كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود.
وقد جاء هذا مفسرا، عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة6عن العطاف بن خالد7عن زيد بن
أسلم1قال: " دخلنا على أنس بن مالك، فقال: صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود.2
وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين - غير مرة -: " هو ثقة ".3 وقال أحمد بن حنبل: " هو من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث، روى عنه نحو مائة حديث ".4 وقال ابن عدي: " يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث عنه ثقة ".5 وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان6حدثني أبي عن وهب بن مانوس7سمعت سعيد بن جبير8
يقول: " سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا1في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات ".2 وقال3يحيى بن معين: " إبراهيم بن عمر بن كيسان: يماني ثقة ".4 وقال هشام بن يوسف: " أخبرني إبراهيم بن عمر، وكان من أحسن الناس صلاة "5؛ وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم: " صالح الحديث ".6 ووهب بن مانوس - بالنون - يقوله7عبد الله هذا8وكان عبد الرزاق9يقوله: بالباء المنقوطة بواحدة10من أسفل.
وهو شيخ
كبير1قديم، قد أخذ عنه إبراهيم هذا، واتبع ما حدثه2به، ولولا ثقته عنده لما عمل بما حدثه3به، وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم، وما أعلم فيه قدحا.
وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا4ثابت5عن أنس6قال: " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر رضي الله عنه7متقاربة، فلما كان عمر8رضي الله عنه، مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول:9قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول:10قد أوهم ".11 ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا12ثابت وحميد، عن
أنس بن مالك، قال: " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: " سمع الله لمن حمده قام " حتى نقول1قد أوهم.
ثم يكبر ثم يسجد.
وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم ".2 فجمع أنس رضي3الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبيّن أن من إتمامها الذي أخبر به: إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم: أنه ما رأى4أوجز من صلاته، ولا أتم.
فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود؛ لأن القيام، لا يكاد يفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين.
وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، لاعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله: " ما رأيت أوجز ولا أتم ". فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم5والإتمام إلى نفس ما أوجز6؛ فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طول القيام على قيامه7لم يكن دونه في إتمام
القيام، إلا أن يقال: الزيادة في الصورة تصير1نقصا في المعنى، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل: أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال؛ ولأن زيد بن أسلم قال: " كان عمر يخفف القيام والقعود، ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر.
وأحاديث أنس كلها تدل2على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله3أكثر الأئمة.
وسائر4روايات الصحيح تدل على ذلك.
ففي الصحيحين: عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: " إني لا آلو أن أصلي بكم5كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا ". قال ثابت: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: وإذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة6مكث، حتى يقول القائل7قد نسي ".8
وفي رواية - في الصحيح -: " وإذا رفع رأسه بين السجدتين ".1 وفي2رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ثابت: " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي،3وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول4قد نسي5فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه.6
وروى مسلم في صحيحه، من حديث جعفر بن سليمان7عن ثابت، عن أنس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة ".8 فبين أن التخفيف الذي كان يفعله9هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك
يقتضي1ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال: " كانت صلاته متقاربة "، أي يقرب بعضها من بعض.
وصدق أنس2فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المائة3يقرأ في الركعتين بطول المفصل بـ: الم. تنزيل، وهل أتى، وبالصافات، وبقاف؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما هو أخف.4
فأما عمر رضي الله عنه، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله5علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك.
وكان معاذ رضي الله عنه: قد صلى خلفه6الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ فيها بسورة البقرة7فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم8ذلك.
وقال: «أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة.
هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها،