الوجه الأول من دلائل الإجماع
] فصل وأما الإجماع1فمن وجوه من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة2على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: " أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا3أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم4قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير5على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر
صليبا1ولا كتبا،2في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا3ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين " رواه حرب4بإسناد جيد.5
وفي رواية أخرى رواها الخلال: " وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا6في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا7في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج8يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير9ولا نبيع الخمور... " إلى أن قال: " وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسليمن في لبس قلنسوة10ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق
شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ".1 وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها.
وهي أصناف: الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر2في الظاهر، ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز3في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع.
وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز4عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين5وغيرهما، يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.
ومقصودهم من هذا التميز: كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني1بإسناده في شروط أهل الذمة، عن خالد بن عرفطة2قال: " كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار: أن تجز3نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة4المسلمين؛ حتى يعرفوا ".5 وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: " أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا؛ لم يجز لأحد من المسلمين صبغ6ثوب من ثيابهم؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه ". قلت: وهذا فيه خلاف: هل يلزمون7بالتغيير أم8الواجب9إذا امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافا.
وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده، أن عمر بن
الخطاب كتب: " أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة: أن1يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن؛ حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن2عن ذلك، فليدخلن في3الإسلام طوعا أو كرها ". وروى أيضا أبو الشيخ4بإسناده، عن محمد بن قيس5وسعد6بن عبد الرحمن بن حبان، قالا: " دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال: فمن أنتم؟ قالوا نحن بنو تغلب، قال: أولستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، قال: عليّ بجلم7فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا، يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم8من شق واحد ".9
وعن مجاهد أبي1الأسود قال: " كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يضرب الناقوس خارجا من الكنيسة2". وعن معمر3" أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنع من قِبَلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب، وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس4المناطق على أوساطهم واتخذوا الوفر5والجمام6وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعد عنه شيئا ".7 ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب؛ إذ الغرض هنا: التمييز.
وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل8بأهل الذمة في خلافته، واستشار9في ذلك الإمام10أحمد بن11حنبل، وغيره،
وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة. ومن جملة الشروط.1
* ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها2كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك.
* ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم3كأصواتهم بكتابهم.
فاتفق عمر رضي الله عنه، والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم4ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور5على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها.6
* ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار7الذي شرعه الله تعالى.
ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها، بالموافقة، فيها8نوع من إكرامهم9فإنهم يفرحون بذلك، ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل.
[