اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيمالنوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعة

النوع الأول مكان لا خصوص له في الشريعة

] فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقصد ذلك المكان، أو قصد5الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك- ضلال بين.
ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار.

وهذه أنواع لا يمكن ضبطها1بخلاف الزمان، فإنه محصور.
وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى.
كما ذكر الله ذلك في كتابه2حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 19 - 22].3 كل واحد من هذه الثلاثة4لمصر من أمصار العرب.
والأمصار التي كانت من ناحية الحرم، ومواقيت الحج ثلاثة: مكة، والمدينة، والطائف.
فكانت اللات: لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ثم اتخذوا تمثاله5ثم بنوا عليه بنية سموها: بيت الربة.
وقصتها معروفة، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لهدمها لما6افتتحت الطائف7بعد فتح مكة8سنة تسع من الهجرة.
وأما العزى: فكانت9لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة

يذبحون عندها ويدعون.
فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها خالد بن الوليد، عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت منها1شيطانة ناشرة شعرها2فيئست العزى أن تعبد.
وأما مناة: فكانت لأهل المدينة، يهلون لها شركا بالله تعالى، وكانت حذو قديد الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي3في أخبار مكة، وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم».4
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم.

فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟.
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء1أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك2عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا.
وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال:3إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين.
فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة4عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة.5
وكذلك إذا نذر طعاما من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو البئر.6
وكذلك إذا نذر مالا7من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت8

لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل1ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، صلى الله عليه وسلم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]2وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75 - 77]3والذين أتى عليهم موسى عليه السلام وقومه4كما قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138].5 فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين6في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد7التي بالهند، والمجاورين عندها.
ثم هذا8المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين

يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له- كان حسنا. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك. فأما ما كان قبرا له أو مقاما، فهذا من النوع الثاني.1
[

جارٍ التحميل