اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيمذم بعض خصال الجاهلية

] وأيضا عن عبد الله بن مسعود5رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه6ودعوى الجاهلية ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية.

ومنه قوله فيما رواه أحمد عن أبي بن كعب1قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعزى بعزاء2الجاهلية، فأعضوه3بهن4أبيه، ولا تكنوا».5
وأيضا عن أبي مالك الأشعري6رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن7الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل

موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»1رواه مسلم.
ذم في2الحديث من دعا3بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم4وهذا كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]5فإن في6ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
ومنه قوله لأبي ذر7رضي الله عنه لما عير رجلا بأمه: «إنك امرؤ

فيك جاهلية».1
فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26]2فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية اقتضى3ذمها فما كان من4أخلاقهم وأفعالهم، فهو كذلك.
ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عبيد الله5بن أبي يزيد6

أنه سمع ابن عباس قال: ثلاث1خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة، ونسيت الثالثة قال سفيان2ويقولون: إنها الاستسقاء3بالأنواء".4
وروى مسلم في صحيحه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»5فقوله: هما بهم كفر.6
أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث7كانتا من أعمال الكفار8وهما قائمتان بالناس لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير9كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا10حتى يقوم به أصل الإيمان11وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - إلا ترك الصلاة»12وبين كفر منكر في الإثبات.

وفرق أيضا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن. وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض.1
فقوله:2«يضرب بعضكم رقاب3بعض» تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمون كفارا تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر ومؤمن.4كما أن قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6]5سمى المني ماء تسمية مقيدة ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6].6

ومن هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن عمرو بن دينار1عن جابر بن عبد الله قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب2معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب3فكسع4أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار.
وقال المهاجري: يا للمهاجرين.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية، ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر5بكسعة المهاجري للأنصاري قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة6وقال عبد الله7بن أبي

ابن1سلول: أوقد2تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال3عمر: ألا تقتل4يا نبي5الله هذا الخبيث - لعبد الله -6فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أنه كان7يقتل أصحابه».8
ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر9قال: «اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر10يا للمهاجرين ونادى الأنصاري: يا للأنصار فخرج رسول11الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: لا بأس ولينصر12الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما

فلينصره»1فهذان الاسمان2المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين3من قبل وفي هذا، وانتساب الرجل إلى المهاجرين4أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي5إلى بدعة أو معصية أخرى.
ثم مع هذا لما دعا كل6منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم ليبين النبي7صلى الله عليه وسلم أن المحذور8إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل9الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب.
ومثل هذا ما روى أبو داود وابن ماجه عن واثلة بن

الأسقع1رضي الله عنه قال: قلت: «يا رسول الله ما العصبية قال: أن تعين قومك على الظلم».2
وعن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي3قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» رواه أبو داود.1
وروى2أيضا عن جبير بن3مطعم4أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية».5
وروى6أيضا عن ابن مسعود7عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نصر قومه

على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي1فهو ينزع بذنبه».2
فإذا كان هذا3التداعي في هذه4الأسماء و5هذا الانتساب6الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقا، والتداعي للنسب والإضافات التي هي: إما مباحة، أو مكروهة.
وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق7عن داود بن

الحصين1عن عبد الرحمن بن أبي عقبة2عن أبي عقبة3وكان مولى من أهل فارس قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فضربت رجلا من المشركين فقلت: خذها4وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي5فقال: هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري».6

حضه1رسول الله صلى الله عليه وسلم على الانتساب إلى الأنصار، وإن كان بالولاء، وكان إظهار هذا أحب إليه من الانتساب إلى فارس بالصراحة، وهي نسبة حق، ليست محرمة.
ويشبه -والله أعلم- أن يكون من حكمة ذلك: أن النفس تحامي عن الجهة التي تنتسب2إليها فإذا3كان ذلك لله كان خيرا للمرء.
فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من4أمور الجاهلية مطلقا، وهو المطلوب في هذا الكتاب.5
ومثل هذا ما روى6سعيد بن أبي سعيد7عن أبيه8عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أذهب

عنكم1عبية2الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها3النتن»4رواه أبو داود وغيره5وهو صحيح.
فأضاف العبية6والفخر إلى الجاهلية يذمها7بذلك وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة8إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم9الأمور المضافة إلى الجاهلية.

ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح1عن أبي هريرة رضي الله عنه2عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية3يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية فقتل فقتله4جاهلية5ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده6فليس مني ولست منه».7
ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة8والعداة وأهل العصبية.

فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة وبين أنه إن1مات، ولا طاعة عليه2مات ميتة جاهلية، فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو3معروف من سيرتهم.
ثم ذكر4الذي يقاتل تعصبا لقومه، أو أهل بلده ونحو ذلك وسمى الراية عمية5لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدرى وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا.
وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه، أو دعا بلسانه، أو6ضرب بيده وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا7عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول8الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج9القاتل والمقتول في

النار»1والقسم الثالث: الخوارج2على الأمة3إما من العداة الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل المصر4الذين هم5تحت حكم غيره مطلقا، وإن لم يكونوا مقاتلة، أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية6الذين قتلهم علي رضي الله عنه.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك.

فعلم أنه كان قد قرر1عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة، أو قتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور2الجاهلية وهو المطلوب.
ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد3قال «رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية وفي رواية قلت: على ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم4جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه5مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه».6

ففي هذا الحديث أن كل ما كان من الجاهلية فهو مذموم؛ لأن قوله: فيك جاهلية.
ذم لتلك الخصلة، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود.
وفيه أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية.
وفيه أن الرجل1مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية وبيهودية2ونصرانية3ولا يوجب ذلك كفره، ولا فسقه.
وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع4بن جبير بن مطعم5عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم،6ومبتغ7في الإسلام سنة

جاهلية،1ومطلب2دم امرئ بغير حق ليريق دمه».3
[

جارٍ التحميل