النهي عن بغض العرب
] ومن9الأحاديث التي تذكر في هذا10ما رويناه من طرق معروفة إلى محمد بن إسحاق11الصغاني12حدثنا عبد الله بن
بكر1السهمي2حدثنا يزيد بن عوانة3عن محمد بن ذكوان4- خال ولد5حماد بن زيد -6عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا7امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم، مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت8النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق السموات سبعا فاختار العلى9منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق، فاختار
من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب، فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم».1
وأيضا في المسألة2ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد3عن قابوس بن أبي ظبيان4عن أبيه5عن سلمان رضي الله عنه.
قال: قال لي6رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق
دينك " قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: " تبغض العرب فتبغضني».
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه1إلا من حديث أبي بدر شجاع بن الوليد.2
فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم: بغض العرب سببا لفراق الدين، وجعل بغضهم مقتضيا لبغضه.
ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بهذا سلمان - وهو سابق3الفرس ذو الفضائل المأثورة - تنبيها لغيره من سائر الفرس؛ لما علمه الله من أن الشيطان قد يدعو بعض4النفوس إلى شيء من هذا.
كما أنه صلى الله عليه وسلم لما قال: «يا فاطمة5بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا،
يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية1عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم»2كان في هذا تنبيه لمن انتسب لهؤلاء الثلاثة أن لا يغتروا3بالنسب ويتركوا4الكلم الطيب والعمل الصالح.
وهذا دليل على أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم: كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان؛ لأنه لو كان تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف، لم يكن سببا لفراق الدين، ولا لبغض5الرسول، بل كان يكون نوع عدوان، فلما جعله سببا لفراق الدين وبغض الرسول دل على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم، وذلك6دليل على أنهم أفضل؛ لأن الحب والبغض يتبع7الفضل، فمن كان بغضه أعظم، دل على أنه أفضل، ودل حينئذ على أن محبته دين؛ لأجل ما فيه من زيادة الفضل،
ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببا للعذاب بخصوصه، كان حبه سببا للثواب، وذلك دليل على الفضل.
وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث آخر، رواه أبو طاهر السلفي1في فضل العرب، من حديث أبي بكر بن أبي داود2حدثنا عيسى3بن حماد زغبة، حدثنا علي بن الحسن الشامي4حدثنا خليد بن دعلج5عن
يونس بن عبيد1عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر».2
وقد احتج حرب الكرماني وغيره بهذا الحديث، وذكروا لفظه: «حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق وكفر».3
وهذا الإسناد وحده فيه نظر، لكن لعله روي من وجه آخر، وإنما كتبته لموافقته معنى حديث سلمان، فإنه قد صرح في حديث سلمان: بأن بغضهم نوع كفر، ومقتضى ذلك: أن حبهم نوع إيمان، فكان هذا موافقا له.
وكذلك قد رويت أحاديث، النكرة ظاهرة عليها، مثل ما رواه الترمذي من حديث حصين4بن عمر، عن مخارق بن
عبد الله1عن طارق بن شهاب2عن عثمان بن عفان3رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي»4قال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر الأحمسي، عن مخارق.
وليس حصين عند أهل الحديث بذاك القوي ".5 قلت: هذا الحديث معناه قريب من معنى حديث سلمان، فإن الغش للنوع لا يكون مع محبتهم، بل لا يكون إلا مع استخفاف6أو مع بغض7فليس معناه بعيدا، لكن حصين هذا الذي رواه، قد أنكر أكثر الحفاظ أحاديثه،
قال يحيى بن معين: " ليس بشيء "1وقال ابن المديني: " ليس بالقوي، روى عن مخارق عن طارق أحاديث منكرة "2وقال البخاري وأبو زرعة: " منكر الحديث "3وقال يعقوب بن شيبة4" ضعيف جدا، ومنهم من يجاوز به الضعف إلى الكذب "5وقال ابن عدي6" عامة أحاديثه معاضيل، ينفرد عن كل من روى عنه ".7 قلت: ولذلك لم يحدث أحمد ابنه بهذا الحديث، في الحديث المسند، فإنه قد كان كتبه عن محمد بن بشر8عن عبد الله بن عبد الله بن
الأسود1عن حصين - كما رواه الترمذي - فلم يحدثه به، وإنما رواه عبد الله2عنه في المسند، وجادة3قال: " وجدت في كتاب أبي، حدثنا محمد بن بشر... وذكره... ".4 وكان أحمد رحمه الله5- على ما تدل6عليه طريقته في المسند - إذا رأى أن الحديث موضوع، أو قريب من الموضوع7لم يحدث به، ولذلك8ضرب على أحاديث رجال فلم يحدث بها في المسند؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب: فهو أحد الكاذبين».9
وكذلك روى عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، حدثنا إسماعيل أبو1معمر2حدثنا إسماعيل بن عياش، عن زيد بن جبيرة3عن داود بن حصين، عن عبيد الله بن أبي رافع4عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغض العرب إلا منافق»5وزيد بن جبيرة عندهم منكر الحديث، وهو مدني، ورواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين مضطربة.
وكذلك6روى أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف
بمطين1حدثنا2العلاء بن عمرو الحنفي3حدثنا4يحيى بن يزيد الأشعري5حدثنا6ابن جريج7عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي».8
قال الحافظ السلفي: " هذا حديث حسن ". فما أدري: أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على الاصطلاح العام؟ وأبو الفرج بن الجوزي1ذكر هذا الحديث في الموضوعات، وقال: قال العقيلي2" لا أصل له "3وقال ابن حبان: " يحيى بن يزيد4يروي المقلوبات عن الأثبات فبطل الاحتجاج به "5والله أعلم.
وأيضا في المسألة: ما روى أبو بكر البزار6حدثنا إبراهيم بن سعيد
الجوهري1حدثنا أبو أحمد2حدثنا عبد الجبار بن العباس3وكان رجلا من أهل الكوفة، يميل إلى الشيعة، وهو صحيح الحديث مستقيمه، وهذا - والله أعلم - كلام البزار، عن أبي إسحاق، عن أوس بن ضمعج4قال: قال سلمان: " نفضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة ". وهذا إسناد جيد، وأبو أحمد هو - والله أعلم - محمد بن عبد الله الزبيري5من أعيان العلماء الثقات، وقد أثنى
عليه1شيخه، والجوهري وأبو إسحاق السبيعي أشهر من أن يثنى عليهما، وأوس بن ضمعج ثقة روى له مسلم.
وقد أخبر سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العرب، فإما إنشاء وإما إخبارا، فإنشاؤه صلى الله عليه وسلم: حكم لازم، وخبره: حديث صادق.
وتمام الحديث قد روي عن سلمان من غير هذا الوجه، رواه الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي2عن سلمان الفارسي أنه قال: " فضلتمونا يا معاشر3العرب باثنتين، لا نؤمكم4ولا ننكح نساءكم " رواه محمد بن أبي عمر العدني5وسعيد6في سننه، وغيرهما.
وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها.
واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة.
ومثل ذلك ما رواه محمد بن أبي عمر العدني1حدثنا سعيد بن عبيد2أنبأنا علي بن ربيعة3عن ربيع بن فضلة4أنه خرج في اثني عشر راكبا كلهم قد صحب محمدا صلى الله عليه وسلم غيرة، وفيهم سلمان الفارسي، وهم في سفر، فحضرت الصلاة، فتدافع القوم، أيهم يصلي بهم، فصلى بهم رجل منهم أربعا، فلما انصرف قال سلمان: ما هذا؟ ما هذا؟ مرارا، نصف المربوعة - قال مروان5يعني نصف الأربع - نحن إلى التخفيف أفقر، فقال له القوم: " صل بنا يا أبا عبد الله؛ أنت أحقنا بذلك، فقال: لا، أنتم بنو إسماعيل الأئمة، ونحن الوزراء ". وفي المسألة آثار غير ما ذكرته، في بعضها نظر، وبعضها موضوع، وأيضا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء، كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم فأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.
[