الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم
] ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط، وإما في
الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدماء1وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط.2
وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث، هو مما نهي3عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105]4.5 وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]6وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153]78وهو موافق لما رواه9مسلم10في صحيحه، عن عامر بن
سعد1بن أبي وقاص عن أبيه2«أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، من العالية3حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة:4سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنَة5فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».6
وروى7أيضا في صحيحه عن ثوبان8قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى1لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض2وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة3بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم4وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن5لا أهلكهم بسنة بعامة6وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى7أنفسهم، فيستبيح8بيضتهم، ولو اجتمع عليهم9من بأقطارها
- أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي1بعضهم بعضا».2
ورواه البرقاني3في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد4فئام5من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال6طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى».7
وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما1في الأمة، وكان يحذر أمته2؛ لينجو منه3من شاء الله له السلامة، كما روى النزال بن سبرة4عن عبد الله بن مسعود قال: «سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: " كلاكما محسن، ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه مسلم.5
نهى النبي6صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد7كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق؛ لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه،
وعلل ذلك: بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا.
ولهذا قال حذيفة لعثمان1" أدرك هذه الأمة، لا تختلف في الكتاب كما اختلف2فيه الأمم3قبلهم "4لما رأى أهل الشام والعراق5يختلفون في حروف القرآن، الاختلاف الذي نهى عنه النبي6صلى الله عليه وسلم.
فأفاد ذلك بشيئين: أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا.
والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا، والحذر من مشابهتهم.
واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء؛ تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته، أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه1الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض؛ لأن مضمون الضرب: الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان.
ومثل ذلك: ما رواه مسلم - أيضا - عن عبد الله بن رباح الأنصاري2أن عبد الله بن عمرو3قال: «هجرت4إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فسمع5أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه
الغضب، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم من الأمم1باختلافهم في الكتاب».2
فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم3بأن الاختلاف في الكتاب سبب4هلاك من كان قبلنا، وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا، وفي غيره نوعا.5
والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان: أحدهما: يذم6الطائفتين جميعا، كما في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118 - 119]7فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 176]8وكذلك قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]9وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]10
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].1 وكذلك وصف2اختلاف النصارى بقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14].3 ووصف4اختلاف اليهود بقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64]5وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].6 وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق7على ثلاث وسبعين فرقة؛ قال: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»8وفي الرواية الأخرى: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».9
فبين: أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة.
وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة: فساد النية؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض1ونحو ذلك، فيجب2لذلك ذم قول غيرها، أو فعله، أو غلبته ليتميز3عليه، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب4أو بلد أو صداقة، ونحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة5وما أكثر هذا من بني آدم، وهذا ظلم.
ويكون سببه - تارة -6جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل7أحدهما بما مع الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا.
والجهل والظلم: هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].8 [