] وذلك لوجوه: * أحدها6أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى كان المعنى7علة للحكم، كما في قوله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا8الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]9
وقوله1﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]2وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني»3وهذا كثير معلوم.
فإذا4كان نفس الفعل المأمور به مشتقا من معنى أعم منه؛ كان نفس الطلب والاقتضاء قد علق بذلك المعنى الأعم، فيكون مطلوبا بطريق الأولى.
* الوجه الثاني: أن جميع الأفعال مشتقة، سواء كانت5مشتقة من المصدر، أو كان المصدر مشتقا منها، أو كان كل6منهما7مشتقا من الآخر، بمعنى: أن بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى، لا بمعنى: أن أحدهما أصل والآخر فرع، بمنزلة المعاني المتضايفة8كالأبوة والبنوة أو كالأخوة من الجانبين، ونحو ذلك.
فعلى كل حال: إذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرا مطلوبا للآمر، مقصودا له كما في قوله: اتَّقُوا اللَّهَ1و2﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]3و ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136]4و ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72]5و ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: 84].6 فإن نفس التقوى، والإحسان، والإيمان، والعبادة7أمور مطلوبة مقصودة، بل هي نفس المأمور به.
ثم المأمور به أجناس لا يمكن أن8تقع إلا معينة، وبالتعيين تقترن9بها أمور غير مقصودة10للآمر، لكن لا يمكن العبد إيقاع الفعل المأمور به؛ إلا مع أمور معينة له، فإنه إذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]11فلا بد إذا أعتق العبد رقبة أن يقترن بهذا المطلق تعيين: من سواد، أو بياض، أو طول، أو قصر،
أو عربية، أو عجمية، أو غير ذلك من الصفات، لكن المقصود: هو المطلق المشترك بين1هذه المعينات.
وكذلك2إذا قيل: اتقوا الله3وخالفوا اليهود؛ فإن التقوى تارة تكون بفعل واجب: من صلاة، أو صيام، وتارة تكون بترك محرم: من كفر أو زنا، أو نحو ذلك، فخصوص ذلك الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره، فإذا رئي رجل على4زنا فقيل: له اتق الله؛ كان أمرا له5بعموم التقوى، داخلا فيه خصوص6ترك ذلك الزنا؛ لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه.
كذلك إذا قيل: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم "7كان أمرا بعموم المخالفة، داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية؛، لأنه سبب اللفظ العام.
وسببه: أن الفعل8فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه على سبب يوجب9أن يكون داخلا فيه لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه -10وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر11على سببه - لأن العموم هاهنا من جهة المعنى - فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.
فإن قيل: الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك1لا عموم فيه بل يكفي فيه المخالفة في2أمر ما، وكذلك سائر ما يذكرونه فمن أين اقتضى ذلك المخالفة في غير ذلك الفعل المعين؟. قلت: هذا سؤال قد يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها ويلبسون به على الفقهاء وجوابه من وجهين.3
أحدهما: أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من الأسماء والأفعال المطلقة قد يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه4لا من جهة عموم الجنس لأنواعه؛ فإن العموم ثلاثة أقسام: 1 - عموم الكل لأجزائه: وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام، ولا أفراده5على جزئه.
2 - عموم الجميع6لأفراده: وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده.
3 - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه: وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده.
فالأول: عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]1فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين2والجبهة ونحو ذلك وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاء3المسمى بانتفاء جزئه.
وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صل فصلى ركعة وخرج بغير سلام أو قيل: صم فصام بعض يوم لم يكن ممتثلا لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم4المطلق وكذلك إذا قيل: أكرم5هذا الرجل.
فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلا؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوءه.
فلما6قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»7فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعا لم يكن مكرما له؛ لانتفاء أجزاء8الإكرام، ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة
وذلك يحصل بإطعام1لقمة كذلك2إذا قال: خالفوهم.
فالمخالفة3المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء، أو في أكثرها على طريق التساوي؛ لأن المخالفة المطلقة ضد4الموافقة المطلقة فيكون الأمر بأحدهما نهيا عن الآخر، ولا يقال: إذا خالف5في شيء ما فقد حصلت المخالفة، كما لا يقال: إذا وافقه في شيء ما فقد حصلت الموافقة.
وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ، فإن اللفظ يستعمل مطلقا ومقيدا.
فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع6موارده مطلقها ومقيدها؛ كان أعم من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه وذلك المعنى المطلق يحصل بحصول بعض مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته المطلقة والمقيدة.
وأما معناه في حال إطلاقه فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد بل يقتضي أمورا كثيرة لا يقتضيها اللفظ المقيد.
فكثيرا ما يغلط الغالطون هنا.
ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء المطلق وبين المائية المطلقة الثابتة في المني والمتغيرات وسائر المائعات، فأنت تقول عند التقييد: أكرم الضيف بإعطاء7هذا الدرهم.
فهذا إكرام مقيد، فإذا قلت: أكرم الضيف.
كنت آمرا بمفهوم اللفظ المطلق وذلك يقتضي أمورا
لا تحصل بحصول إعطاء1درهم فقط.2، وأما القسم الثاني من3العموم فهو عموم الجميع4لأفراده كما يعم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]5كل مشرك.
والقسم6الثالث من أقسام العموم: عموم الجنس لأعيانه كما يعم قوله: «لا يقتل مسلم بكافر»7جميع أنواع القتل والمسلم8والكافر.
إذا تبين هذا فالمخالفة المطلقة لا تحصل بالمخالفة في شيء ما إذا كانت الموافقة قد حصلت في أكثر منه9وإنما تحصل بالمخالفة في جميع الأشياء أو في غالبها، إذ المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة فلا يجتمعان، بل الحكم للغالب وهذا تحقيق جيد، لكنه10مبني على مقدمة وهو11أن المفهوم من لفظ المخالفة عند الإطلاق، يعم المخالفة في عامة
الأمور الظاهرة، فإن خفي هذا1في هذا الموضع المعين فخذ في: الوجه الثاني2وهو العموم المعنوي وهو أن المخالفة مشتقة، فإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة، كما تقدم تقريره3وذلك ثابت في كل فرد من أفراد4المخالفة فيكون العموم ثابتا من جهة المعنى المعقول، وبهذين الطريقين يتقرر العموم في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]5وغير ذلك من الأفعال.
وإن كان أكثر الناس إنما يفزعون إلى الطريق الثاني وقل منهم من يتفطن6للطريق الأول وهو7أبلغ إذا صح.
ثم نقول:8هب أن الإجزاء يحصل بما9يسمى مخالفة، لكن الزيادة على القدر المجزئ مشروعة؛ إذا كان الأمر مطلقا كما في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]10ونحو ذلك من الأوامر المطلقة.
الوجه الثالث1في أصل التقرير2أن عدول3الأمر عن لفظ الفعل الخاص به إلى لفظ أعم منه معنى كعدوله4عن لفظ: أطعمه.
إلى لفظ: أكرمه.
وعن لفظ: فاصبغوا5إلى لفظ:6فخالفوهم7لا بد له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعنى أولى من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، وليست هنا فائدة تظهر إلا تعلق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص8وهذا بين عند التأمل.
الوجه الرابع: أن العلم بالعام عاما يقتضي العلم بالخاص، والقصد العام9عاما يوجب القصد للمعنى الخاص، فإنك إذا علمت أن كل مسكر خمر، وعلمت أن النبيذ مسكر، كان علمك بذلك الأمر العام وبحصوله في الخاص موجبا لعلمك10بوصف الخاص كذلك إذا كان قصدك طعاما مطلقا، أو مالا مطلقا، وعلمت وجود طعام معين أو مال معين في مكان حصل قصدك له إذ العلم والقصد يتطابقان في مثل هذا والكلام يبين مراد المتكلم ومقصوده.
فإذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا كان ما ذكرناه من الترتيب الحكمي يقتضي أنه قاصد بالأول1لذلك المعنى العام وأنه إنما قصد ذلك الفعل الخاص لحصوله به.
ففي قوله: أكرمه.
طلبان طلب2للإكرام المطلق وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به الفعل3المطلق؛ وذلك؛ لأن حصول المعين مقتض4لحصول المطلق، وهذا معنى صحيح، إذا صادف فطنة من الإنسان وذكاء؛ انتفع به في كثير من المواضع وعلم به طريق البيان والدلالة.
بقي5أن يقال هذا يدل على أن6جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وهذا صحيح لكن قصد الجنس قد يحصل الاكتفاء فيه7بالمخالفة في بعض الأمور، فما زاد على ذلك لا حاجة إليه.
قلت: إذا ثبت أن الجنس مقصود في الجملة8كان ذلك حاصلا في كل فرد من أفراده ولو فرض أن الوجوب سقط بالبعض؛ لم يرفع9حكم الاستحباب عن الباقي.
وأيضا فإن ذلك يقتضي النهي عن موافقتهم؛ لأن10من قصد
مخالفتهم1بحيث2أمر3بإحداث فعل يقتضي مخالفتهم فيما لم تكن الموافقة فيه من فعلنا، ولا قصدنا كيف4لا ينهانا عن أن نفعل فعلا فيه موافقتهم سواء قصدنا موافقتهم أو لم نقصدها.
الوجه الخامس: أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا5على أنه علة له من غير وجه حيث قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم.
فإنه يقتضي أن علة6الأمر بهذه المخالفة كونهم لا يصبغون فالتقدير: اصبغوا؛ لأنهم لا يصبغون وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد المخالفة لهم ثابت بالشرع، وهو المطلوب يوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا حسن تعقيبه به، وهذا وإن دل على أن7مخالفتهم أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون8في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن هنا شيئين: أحدهما: أن نفس المخالفة لهم في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب
المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض1الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان.
والثاني: أن نفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون مضرا أو منقصا فينهى عنه، ويؤمر بضده2لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا3وهو إما مضر أو ناقص4؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة، وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله فهو يقبل الزيادة والنقص، فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال، ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط، فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورهم5حتى ما هم عليه من إتقان بعض6أمور دنياهم قد يكون مضرا بأمر7الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا8لمخالفة فيه صلاح لنا.
وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب9وأشد ومتى كان القلب مريضا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشبه10
مريض القلب في شيء من أموره، وإن1خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله2فإن من في قلبه مرض قد يرتاب3في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن ملك4هو غاية صلاح من أطاعه5من العباد في معاشهم ومعادهم.6
وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم7منفعة بها.
ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام، لاستحق8بذلك ثواب الآخرة، ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم، وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى.
فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل9وغيره من الأئمة10يعللون11الأمر
بالصبغ1بعلة المخالفة قال حنبل2سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، لا يتشبه بأهل الكتاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا بأهل الكتاب».3
وقال إسحاق بن إبراهيم4سمعت أبا عبد الله يقول لأبي5
: يا أبا هاشم1اخضب ولو مرة واحدة، أحب لك2أن تخضب، ولا تشبه باليهود.
وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود.».3 قال الترمذي: حديث حسن صحيح.4
وقد رواه النسائي من حديث محمد بن كناسة5عن هشام بن6عروة7عن عثمان بن
عروة1عن أبيه2عن الزبير3عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود»4ورواه أيضا من حديث عروة عن عبد الله بن عمر لكن قال النسائي: كلاهما ليس بمحفوظ.5
وقال الدارقطني6المشهور عن عروة مرسلا.7
وهذا اللفظ دل1على الأمر بمخالفتهم2والنهي عن مشابهتهم فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا3التشبه4يكون محرما بخلاف الأول.
وأيضا ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أحفوا5الشوارب، وأوفوا6اللحى».
رواه البخاري ومسلم7وهذا لفظه فأمر بمخالفة المشركين مطلقا ثم قال: «أحفوا الشوارب8وأوفوا9اللحى».
وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، فإن
الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات كقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]1فهذا الذبح والاستحياء هو سوء العذاب كذلك هنا هذا2هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا3لكن الأمر بها أولا بلفظ مخالفة4المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عينت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة5علة6تقدم العام على الخاص كما يقال: أكرم ضيفك: أطعمه، وحادثه.
فأمرك بالإكرام أولا دليل على أن إكرام الضيف مقصود، ثم عينت7الفعل الذي يكون إكراما8في ذلك الوقت. والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: لا يصبغون فخالفوهم. وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس».9
فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس10أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم، أو علة أخرى،
أو بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق: أنه علة تامة؛ ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس، في هذا وغيره، كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدى المجوس.
وقال المروذي1سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا2فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم.3
وقال أيضا: قيل لأبي عبد الله: يكره4للرجل أن يحلق قفاه، أو وجهه.
فقال: أما أنا فلا أحلق قفاي.
وقد روي فيه5حديث مرسل عن6قتادة
كراهيته1وقال: إن حلق القفا من فعل المجوس.2
قال3وكان4أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة.
وقال أحمد5أيضا: لا بأس أن يحلق قفاه وقت6الحجامة.7
وقد روى عنه ابن منصور8قال: سألت أحمد عن حلق القفا9فقال: لا أعلم فيه حديثا إلا ما يروى عن إبراهيم10أنه كره قردا يرقوس11وذكر الخلال12هذا وغيره.
وذكره أيضا بإسناده عن الهيثم بن حميد1قال: حف القفا من شكل المجوس.
وعن المعتمر بن سليمان التيمي2قال: كان أبي إذا جز شعره لم3يحلق قفاه. قيل له: لم؟ قال: كان يكره أن يتشبه بالعجم.4
والسلف تارة5يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، وتارة بالتشبيه بالأعاجم، وكلا العلتين منصوصة6في السنة مع أن الصادق صلى الله عليه وسلم قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء كما7قدمنا بيانه.
وعن شداد بن أوس8رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا
اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم»1رواه أبو داود.2
وهذا مع أن نزع اليهود نعالهم مأخوذ عن موسى عليه السلام لما قيل له: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12].3 عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»4رواه مسلم في صحيحه.5
وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين6أمر مقصود للشارع وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم1قال: «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون».2
وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر3لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
وإذا كان4مخالفتهم سببا لظهور الدين فإنما5المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون6نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة.
وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب7الأنصاري8رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال9أمتي بخير أو10على الفطرة ما لم يؤخروا
المغرب إلى أن تشتبك النجوم»1ورواه ابن ماجه2من حديث العباس3ورواه الإمام أحمد من4حديث السائب بن يزيد.5
وقد جاء مفسرا تعليله: لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم6مضاهاة لليهودية،7ويؤخروا8الفجر إلى
محاق1النجوم مضاهاة للنصرانية.2
قال3سعيد بن منصور4حدثنا أبو معاوية5حدثنا الصلت بن بهرام6عن الحارث7بن وهب عن أبي8عبد الرحمن الصنابحي9
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية1ولم ينتظروا بالفجر محاق النجوم مضاهاة2للنصرانية3ولم4يكلوا الجنائز إلى أهلها».5
وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبيد الله6بن إياد7بن لقيط8عن أبيه9عن ليلى10
امرأة بشير1بن الخصاصية2قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة3فنهاني عنه بشير4وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن ذلك وقال: «إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله5وأتموا الصوم كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا». وقد رواه أحمد في المسند.6
فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم7ويشبه8أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها.
وعن حماد9عن ثابت10عن أنس رضي الله عنه: «أن اليهود كانوا إذا
حاضت1المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم2فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ3قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]4إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح.
فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير5وعباد بن بشر6فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن.
فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن7قد وجد8عليهما فخرجا
فاستقبلهما1هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما2فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما» رواه مسلم.3
فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه.
ثم إن المخالفة كما سنبينه4تارة تكون في أصل الحكم وتارة في وصفه.5
ومجانبة الحائض: لم يخالفوا في أصله6بل خولفوا7في وصفه8حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي9في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الباب - باب الطهارة - كان على اليهود10فيه أغلال11عظيمة فابتدع النصارى ترك ذلك كله حتى
إنهم لا ينجسون شيئا، بلا شرع من الله1فهدى الله الأمة الوسط بما شرعه لها إلى وسط2من ذلك وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضا مشروعا، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود3وملابسة ما شرع الله اجتنابه مقاربة للنصارى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي أمامة4عن «عمرو بن عبسة5قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة فإنهم6ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا7رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرآء عليه8قومه، فتلطفت9حتى دخلت
عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال1أنا نبي.
فقلت: وما نبي؟ قال2أرسلني الله.
فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء.
فقلت3له: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد.
قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال فقلت: إني متبعك.
قال: إنك لا4تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى5حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني.
قال6فذهبت إلى أهلي، وقدم7رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر8الأخبار وأسأل الناس حين9قدم نفر من أهل10يثرب11من أهل المدينة.
فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك.
فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت12يا رسول الله، أتعرفني قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة.
قال: فقلت: يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة قال: صل
صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع1فإنها تطلع حين2تطلع بين قرني3شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة4محضورة5حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن6حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان7وحينئذ يسجد لها الكفار» وذكر الحديث8رواه مسلم.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، معللا9بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان10وأنه حينئذ يسجد لها الكفار.
ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان11ولا أن الكفار يسجدون
لها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسما لمادة المشابهة بكل طريق، ويظهر بعض فائدة ذلك بأن من الصابئة المشركين اليوم1ممن يظهر الإسلام ويعظم الكواكب، ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه، ويسجد لها وينحر ويذبح.
وقد صنف2بعض المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والبراهمة كتبا في عبادة الكواكب توسلا بذلك زعموا إلى مقاصد دنيوية من الرئاسة3وغيرها وهي من السحر الذي كان4عليه الكنعانيون5الذين6ملوكهم النماردة7الذين بعث الله8الخليل صلوات الله وسلامه عليه بالحنيفية وإخلاص الدين كله لله إلى هؤلاء المشركين.
فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا، تحققت حكمة الشارع
صلوات الله وسلامه عليه1في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، سدا للذريعة وكان فيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها، مما يكون كفرا أو معصية بالنية، ينهى المؤمنون عن ظاهره وإن لم يقصدوا به قصد المشركين سدا للذريعة وحسما للمادة.
ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على2حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد3له صمدا.4
ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى5عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد فسادا، فإن القبلة
شريعة من الشرائع1قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45].2 وأيضا3عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون4وفي رواية تلك5صلاة المغضوب عليهم6وفي رواية «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد7على يده».8
رواهن9أبو داود.
ففي هذا الحديث النهي عن هذه الجلسة معللا بأنها جلسة المعذبين، وهذه مبالغة في مجانبة هديهم.
وأيضا فروى10البخاري عن مسروق11عن عائشة أنها كانت تكره
أن يجعل1يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله2ورواه أيضا من حديث أبي هريرة قال: «نهى عن الخصر3في الصلاة»4وفي لفظ: «نهى أن يصلي الرجل مختصرا.»5قال6وقال هشام7وأبو هلال8عن ابن سيرين9
عن أبي هريرة1نهى النبي صلى الله عليه وسلم2وهكذا رواه مسلم في صحيحه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم.3
وعن زياد بن4صبيح5قال: «صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان6رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه.» رواه أحمد7وأبو داود8والنسائي.9
وأيضا عن جابر1بن عبد الله رضي الله عنهما2أنه قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر3يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفا4تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا».
رواه مسلم5وأبو داود6من حديث الليث7
عن أبي الزبير1عن جابر.. ورواه2أبو داود وغيره3من حديث الأعمش4عن أبي5سفيان6عن جابر قال: «ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على