تفنيد ما ورد في استحباب الدعاء عند القبر
] أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا.
بل قد يقال: هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له.
ويعينون1عينًا أو بئرًا أو شجرة، أو مغارة، أو حجرًا، أو غير ذلك من الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين، فكذلك القول الأول.
ولم يبلغني - إلى الساعة - عن أحد من السلف رخصة في ذلك، إلا ما روى ابن أبي الدنيا2في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي3عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة».4
قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص5أن
ابن أبي مليكة1كان يقول: من أحب أن يقوم وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه.2
قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]3فقال: " صلى الله عليك يا محمد " حتى4يقولها سبعين مرة - ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة.5
فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد6الدعاء عند القبر.
ولا حجة فيه لوجوه: أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن لا يعرف، ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا، وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية، ليس هو من التابعين، ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة، وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين، لم ينقلوا شيئا من ذلك.
ومما يضعفه: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من7صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا»8فكيف يكون من صلى
عليه سبعين مرة جزاؤه1أن يصلي عليه ملك من الملائكة؟ وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه عن البعيد والقريب.
والثاني: أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة، كما ذكر العلماء ذلك في مناسك الحج.
وليس هذا مسألتنا، فإنا قد قدمنا أن من زار زيارة مشروعة، ودعا في ضمنها لم يكره هذا، كما ذكره بعض العلماء، مع ما في ذلك من النزاع، مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عنده للدعاء، وهو أصح.
وإنما المكروه الذي ذكرناه2قصد الدعاء عنده ابتداء، كما أن من دخل المسجد، فصلى تحية المسجد، ودعا في ضمنها، لم يكره ذلك، أو توضأ في مكان وصلى هنالك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة، أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد، فنهي عن3هذا التخصيص.
الثالث: أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته4على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة عليه قبل الدعاء، وفي وسطه وآخره، من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائر الدعاء، كما جاءت به الآثار، مثل قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، الذي يروى موقوفا ومرفوعا: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي.5
وذكر محمد بن الحسن بن زبالة1في كتاب (أخبار2المدينة)، فيما رواه عنه الزبير بن بكار3روى4عنه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي5قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له: محمد بن كيسان، يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة، ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فيقوم عند القبر، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو حتى يمسي.6
فيقول جلساء ربيعة: انظروا7إلى ما يصنع8هذا؟ فيقول: " دعوه، فإنما للمرء ما نوى "، ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار، وهو مضعف عند أهل الحديث، كالواقدي ونحوه.
لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به.
وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين، فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم، لم يكن من فعل الصحابة وغيرهم من علماء أهل
المدينة، وإلا لو كان هذا أمرا1معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ربيعة وأنكروه.
بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل على أنهم على عهد مالك وذويه، ما كانوا يعرفون هذا العمل، وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكر في كتاب مصنف، ما يتضمن استغراب ذلك.
ثم إن جلساء ربيعة - وهم قوم فقهاء علماء - أنكروا ذلك، وربيعة أقره.
فغايته: أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى، لا يقتضي إلا الإقرار على ما يكره، فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه، وكذلك لو أراد الصلاة في وقت نهي.
وإنما الذي أراده2- والله أعلم - أن من كان له نية صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع، إذا لم يتعمد مخالفة الشرع - يعني فهذا الدعاء، وإن لم يكن مشروعا، لكن لصاحبه نية صالحة يثاب على نيته.
فيستفاد من ذلك: أنهم مجمعون على أنه3غير مستحب، ولا خصيصة في تلك4البقعة، وإنما الخير يحصل من جهة نية الداعي، ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه: إما لأنه لم يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيدا، وعن الصلاة عنده.
فإن ربيعة - كما قال أحمد - كان قليل العلم بالآثار.
أو بلغه5ذلك لكن6لم ير مثل هذا داخلا في معنى النهي، أو لأنه لم ير هذا محرما، وإنما غايته أن يكون مكروها، وإنكار المكروه ليس بفرض.
أو أنه رأى
أن ذلك الرجل إنما قصد السلام، والدعاء جاء ضمنا وتبعا.
وفي هذا نظر.
ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا1في صحة الصلاة عند القبر، ومن لم يبطلها قد لا ينهى من فعل ذلك.
والعمدة على الكتاب والسنة، وما كان عليه السابقون، مع أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه.
فقال: حدثني عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان2قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو "3فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه، فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم من البصرة، إما مع الحجيج أو نحوهم، فيسلم4على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا أراد الدعاء الذي5في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا، استدبر القبر.
وذكر محمد بن الحسن، عن عبد العزيز محمد6ومحمد بن إسماعيل7وغيرهما، عن محمد بن هلال8وعن غير واحد من
أهل العلم: أن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي فيه قبره - هو بيت عائشة الذي كانت تسكن، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة1والذي يلي القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصها، وباب البيت مما يلي الشام، وهو2مسدود بحجارة سود وقصة.
ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زوَّاه3لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيها الصلاة من بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - كما حدثني عبد العزيز بن محمد4عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر5عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».6
وحدثني7مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».8
فهذه الآثار، إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار، علم كيف كان حال السلف في هذا الباب.
وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك1من المنكرات عندهم. ولا يدخل في هذا الباب: ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة.2
ونحو ذلك.
فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.
وكذلك أيضا ما يروى: " أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الجدب عام الرمادة3فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس "4فإن هذا ليس من هذا الباب.
ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم: أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو " القائل صلى الله عليه وسلم: «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "،
فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل».1
وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.
فهذا القدر2إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق3بين هذا وهذا.
فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور4واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك.
وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها - فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه.
وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع1كما تقدم.
فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك.
الوجه الرابع2أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله، قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها3اجتماعات كثيرة، في مواسم معينة، وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» وبقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا القبور مساجد، فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك».4
[