أنواع من المحرمات
] ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثل ما بني على6بعض العلماء، أو الصالحين، أو غيرهم ممن كان مدفونًا في مقبرة مسبلة، فبني على قبره مسجد، أو مدرسة، أو رباط، أو مشهد، وجعل فيه مطهرة، أو لم يجعل فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات.
أحدها: أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها: كدفن الميت في المسجد، أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه.
الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم، كما قد علم ذلك في كثير من هذه المواضيع. الثالث: أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبنى على القبور».1
الرابع: أن بناء المطاهر2التي هي محل النجاسات، بين مقابر المسلمين، من أقبح ما تجاور به القبور، لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل3مسلم. الخامس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك. السادس: الإسراج على القبور وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك.4
السابع: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب كما هو الواقع.
إلى غير ذلك من الوجوه.
وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك منامًا فنقبت5لذلك.
وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي
نقبوا ذلك.
ثم ترك ذلك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة.
وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها، اتباعًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتقاء لمعصيته، كما تقدم.
وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقًا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد، ولا يجوز الوفاء بما ينذر لها من دهن وغيره، بل موجبه موجب نذر المعصية.
ومن ذلك الصلاة عندها، وإن لم1يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا»2ولم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجدًا3وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».4
وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه والبزار، وغيرهم بأسانيد جيدة5ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه.
واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل، أو لا يكون. ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن، لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا. فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا.1
وروي عنه صلى الله عليه وسلم2أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»3قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا4وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد5فإني أنهى عن ذلك».6
فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا.
كما قال الشافعي رضي الله عنه: " وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس "1وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في (ناسخ الحديث ومنسوخه)، وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء فإن قبر النبي أو الرجل الصالح، لم يكن ينبش، والقبر الواحد لا نجاسة عليه.
وقد نبيه هو صلى الله عليه وسلم على العلة بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها.
ولأنه قد روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي2أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها».3
ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة».4
فجمع بين التماثيل والقبور.
وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، وقد ذكروا أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين
آدم ونوح عليهما السلام. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى بن محمد بن قيس: "ويعوق ونسرا" قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.1
قال قتادة وغيره: "كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك".2
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي3أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب4ونحو ذلك.
فإن5يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله.
ولهذا نجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون6ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها7في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة -التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره- هي التي حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد
المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة، ونحو ذلك كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها؛ لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ - وإن لم يقصد ذلك - سدا للذريعة. فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن الصلاة عند القبر - أي قبر كان - لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا، بل مزية شر. واعلم أن تلك البقعة وإن كان قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم؛ فلم يغلوا فيهم غلو النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».1
فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربي.2
على هذه.3
المصلحة حتى تغمرها أو تزيد عليها، بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة، ومثبتة لما يوجب1العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة وعن صوم يومي العيدين بل كما حرم الخمر، فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها، وكذلك تحريم القطرة منها، ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها.
وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح والمفاسد وإنما عليه طاعتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]2وقال3﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]4وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم، ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال5وإيثار طاعتهم ومتابعة سنتهم، ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم6بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم، بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم.
وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة.
وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة أو مكروهة؟
وإذا قيل: هي محرمة،1فهل تصح مع التحريم أم لا؟ المشهور عندنا أنها محرمة لا تصح2ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك، وأن صلاته لا تصح.3
[