َمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾
[المائدة: 3]8قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل ".
وقال حنبل: قال عمي1" أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به2وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ". وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا3عما ذبحت النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به4ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله عز وجل من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله عز وجل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]5وقال:6﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]7فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ". وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني8يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]9فلا أرى هذا ذكاة ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3].10 فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم،
وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة1فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب.
وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]2﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]3فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]4وعند أبي عبد الله أن تفسير ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]5إنما عنى به6الميتة.
وقد أخرجته7في موضعه.
ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره8وقال ابن أبي موسى: ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح للزهرة.9
والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا يعجبني.1
وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم.
ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين2ونحوه، هل يسمى حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى فرضا؟ على روايتين.
ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر.
فقال أحمد: مما أهل لغير الله به3أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به. وكذلك مذهب مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم.4
وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]5قال
ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل.
ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا فيما لم يسموا1غير الله.
فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء2وأبو أمامة، والعرباض بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم.
والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث.
نقل ابن3منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم4الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل.
قال أحمد: المسلم5فيه اسم الله، يؤكل.
ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير6اسم الله.
ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله عز وجل ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]1وفي عموم قوله ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]2؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله.
يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به3وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير4الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟ وتسمية5الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قربانه:6" اللهم7منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر "8
اتباعا لقوله تعالى ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].1 والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة22يذبحونها قربانا إليهم، وتارة33يجمعون بينهما، وكل ذلك -والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا)4عبادة له؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] [