الاستدلال من القرآن على النهي عن اتباع الكافرين
] فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة - في الجملة - ثم نتبع ذلك الأحاديث المفسرة في أثناء الآيات وبعدها7قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ - وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ - ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 16 - 18]
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 19]1أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على2بعض.
ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له3وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون: كل من خالف شريعته.
وأهواؤهم: هو4ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم5يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما6يهوونه، ولهذا: يفرح الكافرون7بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا8عظيما ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون9ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان؛ حصل المقصود في الجملة؛ وإن كان الأول أظهر.
وفي هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ - وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: 36 - 37]1فالضمير2في (أهوائهم)، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه3فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن: من يهودي أو نصراني أو غيرهما4وقد قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: 37]5ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك.
ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].6 فانظر كيف قال في الخبر: (مِلَّتَهُمْ)، وقال في النهي7(أَهْوَاءَهُمْ)، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة8لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم.
ومن هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]1﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 146 - 150].2 قال غير واحد من السلف3" معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150]4وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا ". فبين5سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس6
الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]1وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن متابعتهم2في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر3أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة4مع أن قوله: لا تكن مثل فلان، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، ودل على أنه5كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة.
وقال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89]6وقال سبحانه7﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142]8وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ1نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 115]2إلى غير ذلك من الآيات.
وما هم3عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم، فالنهي ثابت عن جنسه، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي4ومقاربته مظنة وقوع المنهي عنه، قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا5فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48] إلى قوله6﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]7ومتابعتهم في هديهم: هي8من اتباع ما يهوَوْنه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه، وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.
واعلم: أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرًا، مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب
من المثلات1﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]2وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]3وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود.
ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا؛ فجميع الآيات دالة على ذلك وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنما يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، إذ كان4هو المقصود هنا.
وأما تمييز دلالة الوجوب، أو الواجب5عن غيرها6وتمييز7الواجب عن غيره، فليس هو المقصود هنا.
وسنذكر إن شاء الله أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة، فإنه هو المسألة المقصودة8بعينها، وسائر المسائل9إنما جلبها10تقرير القاعدة الكلية العظيمة المنفعة.
وقال الله عز وجل:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ - كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ - وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 67 - 73]1بين الله سبحانه وتعالى - في هذه الآيات - أخلاق المنافقين وصفاتهم، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم - وكلا الفريقين مُظهِر للإسلام ووعد المنافقين المظهرين للإسلام مع هذه الأخلاق، والكافرين المظهرين للكفر نار جهنم، وأمر نبيه2بجهاد الطائفتين.
ومنذ بعث الله3محمدا صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى المدينة، صار الناس4ثلاثة أصناف:
مؤمن، ومنافق، وكافر.
فأما الكافر - وهو المظهر للكفر - فأمره بَيِّن، وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة، فإنها هي التي تخاف1على أهل القبلة2فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض، وقال في المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]3وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم وهم مع ذلك ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: 14]4فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يؤمونه مشتركا بينهم، ثم يتخلى بعضهم عن بعض، بخلاف المؤمن؛ فإنه يحب المؤمن، وينصره بظهر الغيب، وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان.
ثم وصف سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم5وفي غيرهم، وكلمات الله جوامع، وذلك أنه لما6كانت أعمال المرء المتعلقة بدينه قسمين: أحدهما: أن يعمل ويترك.
والثاني: أن7يأمر غيره بالفعل والترك.
ثم فعله: إما أن1يختص هو بنفعه أو ينفع به غيره؛ فصارت الأقسام ثلاثة ليس لها رابع: أحدها: ما يقوم بالعامل2ولا يتعلق بغيره كالصلاة مثلا.
والثاني: ما يعمله لنفع غيره كالزكاة.
والثالث: ما يأمر غيره أن يفعله، فيكون الغير هو العامل، وحظه هو الأمر به.
فقال سبحانه في صفة المنافقين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: 67]3وبإزائه في صفة المؤمنين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].4 والمعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل5الصالح.
والمنكر: اسم جامع لكل ما نهى6الله عنه.
ثم قال: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]7قال مجاهد:8" يقبضونها عن
الإنفاق في سبيل الله "1وقال قتادة: " يقبضون أيديهم عن كل خير "2فمجاهد أشار إلى النفع بالمال، وقتادة أشار إلى النفع بالمال والبدن.
وقبض اليد: عبارة عن الإمساك3كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29].4 وفي قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]5وهي6حقيقة عرفية7ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور8
وبإزاء قبض أيديهم قوله في المؤمنين: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 71]1فإن الزكاة - وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية2في الزكاة المفروضة - فإنها اسم لكل نفع للخلق: من نفع بدني، أو مالي.
فالوجهان هنا كالوجهين في قبض اليد.
ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]3ونسيان الله ترك ذكره، وبإزاء ذلك4في صفة المؤمنين: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: 71] فإن الصلاة أيضا تعم الصلاة5المفروضة، والتطوع، وقد يدخل فيها كل ذكر الله: إما لفظا وإما6معنى، قال ابن مسعود7رضي الله عنه: " ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في
السوق "1وقال معاذ بن جبل2" مدارسة العلم التسبيح".
ثم ذكر3ما وعد الله به المنافقين والكفار: من النار4ومن اللعنة، ومن العذاب المقيم5وبإزائه ما وعد6المؤمنين: من الجنة والرضوان، ومن الرحمة.
ثم في ترتيب الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله.1
وقد قيل: إن قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68]2إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمّا وحزنا، وقسوة وظلمة قلب3وجهلا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم، ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيّبون عيشهم إلا بما يزيل العقل، ويلهي4القلب5ومن تناول مسكر، أو رؤية مُلْهٍ، أو سماع مطرب، ونحو ذلك6وبإزاء7ذلك قوله في المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 71]8فإن الله
يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها بما1يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان، والعلم2والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه.
وقال سبحانه في تمام خبر المنافقين: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة: 69]3وهذه الكاف قد قيل: إنها رفع4خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم.
وقيل: إنها5نصب بفعل محذوف تقديره: فعلتم كالذين من قبلكم، كما قال النمر بن تولب:6" كاليوم مطلوبا ولا طالبا " أي: لم أر كاليوم، والتشبيه - على هذين القولين - في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن التشبيه في العذاب ثم قيل: العامل محذوف، أي: لعنهم وعذبهم كما لعن7الذين من قبلكم،
وقيل1- وهو أجود -: بل العامل ما تقدم، أي: وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعنهم كلعن الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم أو2محلها نصب، ويجوز أن يكون رفعا، أي: عذاب كعذاب الذين من قبلكم.
وحقيقة الأمر على هذا القول: أن الكاف تناولها3عاملان ناصبان، أو ناصب ورافع، من جنس قولهم: أكرمت وأكرمني زيد4والنحويون لهم فيما إذا لم يختلف العامل، كقولك5أكرمت وأعطيت زيدا - قولان: أحدهما: وهو قول سيبويه6وأصحابه: أن العامل في الاسم هو أحدهما وأن الآخر حذف معموله؛ لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد.
والثاني: قول الفراء وغيره من الكوفيين: أن الفعلين عملا في هذا الاسم، وهو يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد.
وعلى هذا اختلافهم في نحو قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17].1 وأمثاله. فعلى قول الأولين يكون التقدير: وعد الله المنافقين النار، كوعد الذين من قبلكم ولهم عذاب مقيم، كالذين من قبلكم، أو كعذاب الذين.2
من قبلكم ثم حُذف اثنان من هذه المعمولات؛ لدلالة الآخر عليهما3وهم يستحسنون حذف الأولين.4
وعلى القول الثاني يمكن أن يقال: الكاف المذكورة بعينها هي المتعلقة بقوله: (وعد) وبقوله: (ولعن) وبقوله5﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68] لأن الكاف لا يظهر فيها إعراب، وهذا على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر.
وإذا قيل: إن الثالث يعمل الرفع؛ فوجهه: أن العمل واحد في اللفظ، إذ التعلق تعلق معنوي لا لفظي.
وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل، ومنهم من يجعل التشبيه في العذاب، فالقولان متلازمان إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في الموجَب، وبالعكس فلا خلاف معنوي بين القولين.
وكذلك ما ذكرناه من اختلاف النحويين في وجوب في6الحذف وعدمه - إنما هو اختلاف في تعليلات ومآخذ، لا تقتضي7اختلافا لا في إعراب،
ولا في معنى؛ فإذن: الأحسن أن تتعلق الكاف بمجموع ما تقدم: من العمل والجزاء، فيكون التشبيه فيهما لفظا.1
وعلى القولين الأولين: يكون قد دل على أحدهما لفظا، على الآخر لزوما.2
وإن سلكت طريقة الكوفيين - على هذا - كان أبلغ وأحسن؛ فإن لفظ الآية يكون قد دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف، وإلا فيضمر3حالكم كحال الذين من قبلكم، ونحو ذلك، وهو قول من قدره: أنتم كالذين من قبلكم.
ولا يسع هذا المكان بسطا أكثر من هذا4فإن الغرض متعلق بغيره.
وهذه المشابهة في هؤلاء5بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71]6فإن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من قبل7قال سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69].8 فالخطاب في قوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة: 69] وقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ [التوبة: 69]
إن كان للمنافقين، كان من باب خطاب التلوين والالتفات، وهذا انتقال من المغيَّب1إلى الحضور، كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 3 - 5] ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى المغيب2في قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: 69]3وكما4في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: 22]5وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]6فإن الضمير في قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: 69] الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة كقوله7- فيما بعد -: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة: 70]8وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها، فلا يكون الالتفات إلا في الموضع الثاني.
وأما قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: 69] ففي تفسير عبد الرزاق9عن
معمر1عن الحسن2في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: 69] قال: بدينهم3ويروى ذلك عن أبي هريرة4رضي الله عنه وروي عن ابن عباس5بنصيبهم من الآخرة في الدنيا6وقال آخرون: بنصيبهم من
الدنيا.1
قال أهل اللغة: الخلاق: هو النصيب والحظ، كأنه ما خلق للإنسان، أي ما قدر له، كما يقال: (القسم) لما قسم له، و (النصيب) لما نصب له، أي أثبت.
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102]2أي: من نصيب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة».3
والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم، فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة: 69] فتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا بها للدنيا والآخرة، وكذلك أموالهم وأولادهم، وتلك القوة والأموال والأولاد: هو الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال: هي دينهم، وتلك الأعمال، لو أرادوا بها الله، والدار الآخرة؛ لكان لهم ثواب في الآخرة عليها، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة بها، فدخل في هذا من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان جنس العمل من العبادات، أو غيرها.4
ثم قال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69].1 وفي (الذي) وجهان: أحسنهما أنها صفة المصدر، أي كالخوض الذي خاضوه2فيكون العائد محذوفا كما في قوله3﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: 71]4وهو كثير فاش في اللغة، والثاني: أنه صفة الفاعل، أي: كالفريق5أو الصنف أو الجيل الذي خاضوه، كما لو قيل: كالذين خاضوا.
وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدين6إما أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق.
والأول: هو البدع7ونحوها.
والثاني:8فسق الأعمال ونحوها.9
والأول: من جهة الشبهات.
والثاني: من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.
وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون1فهذا2يشبه المغضوب عليهم، الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه وهذا3يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم.
ووصف بعضهم أحمد بن حنبل4فقال: " رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع
فنفاها1والدنيا فأباها ".2 وقد وصف الله أئمة المتقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]3فبالصبر تُترك الشهوات وباليقين تُدفع الشبهات.
ومنه قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]4وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: 45].5 ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب البصر6الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات».7
فقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة، وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان، فقلّ من تجد1في اعتقاده فسادا إلا وهو يظهر2في عمله.
وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من3قبل استمتعوا وخاضوا، وهؤلاء فعلوا مثل أولئك.
ثم قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ [التوبة: 69] و ﴿وَخُضْتُمْ﴾ [التوبة: 69] خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله، إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار4والمنافقين، عند مبعث5محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه ذم لمن6حاله كحالهم إلى يوم القيامة، وقد يكون خبرا عن أمر دائم7مستمر؛ لأنه - وإن كان بضمير الخطاب - فهو كالضمائر8في نحو قوله: (اعْبُدُوا)9و (اغْسِلُوا)10و
﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]1و (آمنوا)2كما أن جميع الموجودين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة3مخاطبون بهذا الكلام؛ لأنه كلام الله، وإنما الرسول مبلغ له.4
وهذا مذهب عامة المسلمين - وإن كان بعض من تكلم في أصول الفقه، اعتمد أن الضمير5إنما يتناول الموجودين حين6تبليغ الرسول وأن سائر الموجودين دخلوا: إما بما علمناه بالاضطرار من استواء الحكم، كما لو خاطب النبي صلى الله عليه وسلم واحدا من الأمة، وإما بالسنة، وإما بالاجماع، وإما بالقياس، فيكون: كل من حصل منه هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ [التوبة: 69] و ﴿وَخُضْتُمْ﴾ [التوبة: 69] وهذا أحسن القولين.7
وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله1﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: 69]2وهذا هو المقصود هنا من هذه الآية، وهو أن الله قد أخبر أن3في هذه الأمة من استمتع بخلاقه، كما استمتعت الأمم قبلهم، وخاض كالذي خاضوا وذمهم على ذلك، وتوعدهم على ذلك4ثم حضهم على الاعتبار بمن قبلهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ5وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة: 70]6الآية.
وقد قدمنا: أن طاعة الله ورسوله في وصف المؤمنين بإزاء ما وصف به هؤلاء7من مشابهة القرون المتقدمة، وذم من يفعل ذلك8وأمره9بجهاد الكفار والمنافقين - بعد هذه الآية - دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين الخائضين.
[