بحر المذهب للرويانيكتاب مختصر المكاتب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
الكتابة لفظة وضعت لعتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم، وإنما سميت نجومًا لأن العرب كانوا أميين لا يحسبون ولا يكتبون وكانوا يحفظون أوقات السنة وفصولها التي ينتهون فيها ويرجعون إلى محاضرهم ويرسلون فيها الفحول وينتظرون النتاج بالأنواء في طلوع نجم وسقوط رقيبه وجميع ذلك ثمانية وعشرون نجمًا كلما طلع منها طالع سبقط ساقط، [42/ أ] وهي التي جعلت منازل القمر، قال الله تعالى: ﴿والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39]، وكانوا يقولون في الدية: تلزم الرجل نجومًا ليكون أرفق به، وكان الضامن للحق يقول: إذا طلع نجم الثريا أديت من حقك كذا وكذا، وإذا طلع الدبران وفيتك كذا وكذا، وإنما جعل مال الكتابة في الإسلام منجم لأن المكاتب لو جمع عليه نجومًا في أوقات شتى ليتيسر عليه تعجيل شيء بعد شيء ويكون أسلم من الغرر.
وأصل الكتابة، ضم شيء إلى شيء، يقال: كتبت النغلة إذا ضم ما بين شفري فرجها بحلقة أو سير، وكتبت القربة إذا ضم فمها وأوكئ عليه، وسمى الكتيبة من الخيل لتتابعها واجتماعها، وسمي الخط كتابة لضم بعض الحروف إلى بعض فلما كانت الكتابة متضمنة لنجم بعد نجم سميت كتابة لكتب نجم إلى نجم، وقيل: سميت كتابة للعرف الجاري بكتابته في كتاب وثيقة يوقع فيه الشهادة.
والأصل في الكتابة: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
قال ابن عمر وابن عباس: أراد بالخير القدرة على الكسب والاحتراف، وقال الحسن وطاوس والثوري وقتادة: إنه الرشد والصلاح في الدين.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: إنه الكسب والأمانة ليكون بالكسب قادرًا على الأداء وبالأمانة موثوقًا بوفائه، وبه قال عمرو بن دينار ومجاهد.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: يكره أن يكاتب العبد [42/ ب] إذا لم يكن له حرفة، وقال مكحول: أراد به الكسب.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أراد أمانة ووفاء، وقال الكلبي سبب

الجزء: 8 - الصفحة: 266

نزول هذه الآية أن عبدًا لحويطب سأله أن يكاتبه، فامتنع، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما السنة فما روى الشافعي، قال: أخبرنا سفيان قال: سمعت الزهري عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها كاتبته، وإنما سألته كم بقي عليك من كتابتك فذكر شيئا سماه وأنه عنده فأمرته أن يعطيه أخاها أو ابن أختها وألقت الحجاب واستقرت منه، وقالت عليك السلام وذكرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب عنه» وروي أنها قالت له: كم بقي عليك، قال: قلت: ألف درهم قالت: فعندك ما تؤدي قلت: نعم، قال: ادفعها إلى فلان ابن أختها ثم ألقت الحجاب، وقالت: السلام عليك هذا أخر ما تراني.
وذكرت الخبر.
قال الشافعي: ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولست أراه يثبته أهل العلم، قال الشافعي: ويجوز أن يكون أمرها بالحجاب على ما عظم الله تعالى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين وخصهن به وفرق بينهن وبين النساء إن لم يفتين، قال الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]، وقال تعالى [43/ أ]: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وقال تعالى في أزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، فجعل عليهن الحجاب من المؤمنين، وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، فكان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إن كان قاله خاصة أو يكون ذلك بمعنى الاحتياط كما يجوز أن يؤمر بالاحتجاب من المراهق لقرب البلوغ ولأن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وهي ترثه ويرثها للاحتياط فبان أن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.
وجملته أن الشافعي رضي الله عنه ذهب أن المرأة ليس عليها أن تحتجب من مكاتبها وإن كان عنده وفاء.
وضعف حديث أم سلمة وتأوله على تخصيص أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو الاحتياط في الاحتجاب المباح، وأيضًا ما روى سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أعان غارمًا أو غازيًا أو مكاتبًا في كتابته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
وروي: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته»، وروي عن سلمان الفارسي قال: كاتبت أهلي على أن أغرس لهم خمس مائة فسيلة فإذا علقت فأنا حر، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: «اشترط لهم ذلك، فإذا أردت أن تغرس فآذني [43/ ب] فآذنته» فجاء يغرس إلا واحدة غرستها بيدي ف علقن جميعًا إلا الواحدة.
وروي: يغرس الكل إلا نخلة واحدة غرسها عمر

الجزء: 8 - الصفحة: 267

رضي الله عنه، وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال سلمان: كاتبني صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية.
وأيضًا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما مكاتب كوتب على ألف أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما مكاتب كوتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد».
وروي أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم».
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وروي أن بريرة كوتبت على تسع أواق تؤدي في كل عام أوقية، وعرف حالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبدًا له على خمسة وثلاثين ألف درهم.
وروي أن ابن سيرين سأل أنس بن مالك رضي الله عنه أن يكاتبه، فأبى عليه فعلاه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال: أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، فكاتبه وترك عليه من مال الكتابة خمسة آلاف درهم، وروى مسلم بن أبي مريم عن رجل أنه قال: كنت مملوكًا لعثمان رضي الله عنه ف بعثني في تجارة فقدمت عليه فأحمد ولايتي فقمت بين يديه ذات يوم ف قلت: يا أمير المؤمنين أسألك الكتابة فقطب فقال: نعم، ولولا آية كتاب الله تعالى ما فعلت أكاتبك على مائة ألف على أن تعدها [44/ أ] في عدتين والله لا أغصبك منها درهمًا.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الكتابة مستحبة إذا طلب العبد ذلك ولا تجب، وبه قال جمهور العلماء، وقال عمرو بن دينار وعطاء والضحاك وداود: إذا دعا السيد إلى الكتابة بقدر قيمته حر يحب أن يكاتبه، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، وهذا أمر والأمر على الوجوب.
وأيضًا حديث عمر حين طلب سيرين الكتابة على ما ذكرنا، ودليلنا أنه عتق بعوض، فلا يجب على السيد كالاستسعاء.
وأما الآية، قلنا: هذا أمر إباحة ورخصة لأنه مبني على محظور، فإن بيع الرجل ماله بماله محظور وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: 2] ونحو ذلك ونحمله على الندب بدليل ما ذكرنا، وأما خبر عمر رضي الله عنه، قلنا: خالفه أنس بن مالك والقياس مقدم على قول الصحابي عند بعضهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 268

مسألة: قال: «ولا يكون الابتغاء من الأطفال والمجانين».
جملة هذا أن الكتابة لا تجوز إلا لبالغ عاقل، ولا تجوز للمجنون ولا للصبي مميزًا كان أو غير مميز، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن كان مميزًا تجوز كتابته كما يجوز بيعه بإذن وليه، قلنا: هو غير مكلف، فلا تصح كتابته كالمجنون، ويفارق تدبير العبد المجنون، لأنه عتق بصفة ينفرد به السيد لا يحتاج إلى قبول العبد بخلاف الكتابة، فإذا ثبت هذا فالسيد إذا كاتب عبده المجنون، أو الصغير فليس بكتابة صحيحة ولا فاسدة [44/ ب] لأن العبد ليس من أهل الكتابة، ولا يصح منه القبول ولكن لو أدى المال عتق بوجود الصفة لأنه الكتابة تشتمل في معارضة وصفة، وإذا عتق يكون كسبه لسيده، ولا يكون بينهما تراجع، ويفارق العبد البالغ إذا كاتبه سيده كتابة فاسدة فأدى وعتق ثبت بينهما التراجع، لأنه من أهل العقد والضمان، وهذا ليس من أهل العقد والضمان، فلم يثبت بينهما التراجع ويلزمه رد الثمن عليه، ولا يرجع بقيمة السلعة.
فرع إذا كاتب العبد على نفسه، وعن أولاده الصغار لا يجوز في أولاده، وفي المكاتب قولا تفريق الصفقة، وقال أبو حنيفة: يصح في حق الجميع، وإن كان الأب حرًا فكاتب السيد أولاده وقبل الأب عنهم لا يجوز، وواف قنا به أبو حنيفة.
وقال مالك: يجوز.
فرع آخر لو كاتب عبده الصغير الذي لا يميز أو المجنون وقبل السيد عنه لا يجوز، وقال: أبو حنيفة: يجوز، واحتج الشافعي بالآية، وقال: لا يكون الابتغاء إلا من البالغ والعاقل فلا يكون من الصبي والمجنون.
مسألة: قال: «وأظهر معاني الخبر بدلالة الكتاب الاكتساب مع الأمانة».
وجملة هذا أن الله تعالى ندب إلى كتابة العبد إذا كان فيه خيرًا وقد مضى معنى الخير، والدليل على صحة ما ذكره الشاف عي رضي الله عنه أن الله تعالى قال: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180]، الآية.
وأراد به المال والكسب، [45/ أ] وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: 7]، وأراد به الطاعة فحملناه عليهما بدلالة، وهي أن المقصود من الكتابة العتق، وإنما يحصل العتق بالأداء، والأداء إنما يحصل باجتماع الكسب والأمانة، فإن العبد يكتسب ويجمع المال ويؤديه بالأمانة، والديانة فيعتق، والشافعي ذكر هذا في «الأم» مشروحًا فقال: الخير كلمة يعرف ما أريد بها

الجزء: 8 - الصفحة: 269

بالمخاطبة بها، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، فعلمنا أنهم خير البرية بالإيمان وعمل الصالحات لا بالمال، وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [النور: 33]، كان أظهر معانيها بلادلة استدلالنا بها القوة على اكتساب المال والأمانة، لأنه قد يكون قويًا فيكتسب فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وقد يكون ذا أمانة، ولا يكون قويًا على الاكتساب فلا يؤدي، وقيل الخير في كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه، أحدها: المال، وهو ما ذكرنا، وقوله تعالى: ﴿إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: 32]، أي أقمت وتحلفت عن الصلاة حبًا مني للخير، وهو المال وذلك المال كان خيولا عرضت على سليمان صلوات الله عليه فاشتغل بها فنسي صلاة العصر، فلما تذكر قضى صلاته وسبل الخيل كلها في سبيل الله كفارة لذلك، والثاني: الطاعة على ما ذكرنا، والثالث: الاكتساب والقوة والأمانة، وهو في هذه الآية.
واعلم أن الكتابة من خصائص الإسلام بخلاف التدبير [45/ ب] لأن العرب في الجاهلية كانت تعرف التدبير دون الكتابة، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن العبد إذا جمع كسبًا وأمانة استحب كتابته، وإن فقد أحدهما لم يستحب كتابته، ولا يكره، نص عليه في «الأم»، والعبد والأمة البالغة في هذا سواء، وسواء كانوا ذوي صنعة أو لا، ومن أصحابنا من قال: إن كان له دين وأمانة يستحب كتابته أيضًا، وإن لم يكن له كسب لأنه يدفع إليه من مال الصدقات، فيؤدي ويعتق، ومن أصحابنا من قال: تستحب كتابة من له كسب وإن لم يكن أمينًا أيضًا ولكن يقدم في الاختيار مكاتبة الأمين غير المكتسب على مكاتبة المكتسب غير الأمين لأن صاحب الأمانة معاف والأول أصح، لأن الله تعالى ندب إلى الكتابة بشرط أن يعلم فيه خيرًا، وهو الأمانة والاكتساب على ما ذكرنا، فلا يستحب إلا بوجود كلا الشرطين، وقال أحمد وإسحاق: إذا لم يكن كسب يكره كتابته كالأمة إذا لم يكن لها كسب يكره مخارجتها، ودليلنا: أنه تعليق عتق بصفة، فلا يكره كما لو كان له كسب، ويخالف الأمة لأنها ربما تكسب بالفرج الحرام ولا تستفيد العتق وههنا يعان بمال الصدقات ويعتق فلا يكره، وقد قال الشافعي في «الأم» ولا أكره لمالك أن يكاتب مملوكه وإن كان غير قوي ولا أمين، ويأخذ من مكاتبه صدقات الناس فريضة أو نافلة ومن أين أدى المكاتب إلى سيده نجمه فحلال له أن يقبله ويجبر على قبوله [46/ أ] إلا أن يعلم أنه من حرام، فلا يحل له قبول الحرام.
فرع قال في «الأم»: وعلى الحاكم أن يمنع الرجل أن يخارج عبده وإن كان ذا صنعة

الجزء: 8 - الصفحة: 270

إذا كره ذلك ولكن يؤجره وينفق عليه إن شاء، ويمنعه الإمام أن يجعل على أمته خراجًا إلا أن يكون في عمل واجب، وكذلك العبد إذا لم يطق الكسب، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، أحدهما: لا يخارجه إلا برضاه وإن كان ذا صنعة، والثني: إذا كان مطيقًا للكسب وكان ذات صنعة فله أن يخارجه وإن لم يض، وقيل له ذلك قولاً واحدًا، ذكره القاضي الطبري.
مسألة: قال: «وما جاز بين المسلمين في البيع والإجارة جاز في الكتابة».
الفصل أراد به أن كل ما جاز أن يكون عوضًا في البيع جاز أن يكون عوضًا في الكتابة وما لا يجوز أن يكون عوضًا كالخمر والخنزير لا يجوز أن يكون عوضًا في الكتابة، ولا يريد به أن كل ما يجوز في عقد البيع يجوز في عقد الكتابة، وإن شرط خيار الثلاث يثبت في عقد البيع دون الكتابة وكذلك الخيار المجلس وقد مضى شرحه، وقيل: قصد بهذا اللفظ الرد على أبي حنيفة حيث قال: لو كاتبه على عبد مطلق غير موصوف جاز كما قال في النكاح والخلع، ويدفع إليه عبدًا سيدًا بين الأبيض والأسود، وعندنا لا يجوز ذلك كما لا يجوز في البيع والإجارة، وقال أحمد مثل ما قال أبو حنيفة، ودليلنا أن كل ما لا يجوز ان يكون عوضًا في البيع [46/ ب] والإجارة لا يجوز أن يكون عوضًا في الكتابة كالثوب المطلق.
مسألة: قال: «ولا يجوز على أقل من نجمين».
عندنا الكتابة الحالة باطلة، ولا تجوز على أقل من نجمين، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك تجوز حالة وعلى نجم واحد، لأنه عقد على عين فجاز على عوض حال كالبيع، ودليلنا ما روى علي رضي الله عنه أنه قال: الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني.
وهذا يقتضي أقل ما تجوز عليه الكتابة، لأنها تجوز في أكثر من نجمين.
وروى ابن أبي هريرة: في تعليقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الكتابة على نجمين» وهذا نص إن صح وأيضًا فالصحابة رضي الله عنهم كاتبوا على نجوم مختلفة على ما ذكرنا، ولم يكاتب أحد منهم على أقل من نجمين، فلو كان يجوز ذلك لأشبه أن يكون قد فعل ذلك كما فعل على نجمين وأكثر، وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لعبده: والله لا عاقبتك ولا كاتبتك إلا على نجمين، وقال الماسرجسي: رأيت أبا إسحاق المروزي في مجلس النظر نصر هذا الدليل نصرة حسنة، وقال: كانت الصحابة يتسارعون إلى القربة والطاعة خصوصًا إذا كان فيه تعجيل مال حلال فلو كانت الكتابة جائزة على لحم لفعلوا.
وروي أن عثمان رضي الله عنه قال لعبده حين سأل الكتابة: أكاتبك على مائة ألف درهم على أن تعدها في عدتين، والله لا أغصبك منها درهمًا على ما ذكرنا، فقال

الجزء: 8 - الصفحة: 271

العبد: فخرجت من عنده فتلقاني الزبير، [47/ أ] فقال: ما الذي أرى بك، فأخبرته بالقصة، فقال: ارجع، فدخل على عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين قلت كذا، فقال: نعم، فغضب الزبير، وقال: كاتبه كما تقول، فكاتبني فانطلق بي الزبير إلى أهله، فأعطاني مائة ألف درهم، وقال: انطلق فاطلب فيها من فضل الله تعالى، فأديت إلى عثمان ماله وإلى الزبير ماله، وفضلت في يدي ثمانون ألفًا وأيضًا فالكتابة إن كانت مشتقة من الضم والجمع، فأقل ما يكون به الضم والجمع اثنان فيعتبر ضم نجم إلى نجم وإن كانت من كتابة الحظ، فأقل ما تتقيد به الكتابة حرفان فيفتقر إلى نجمين فإن قيل: يتقيد الخط وهو «لا» قلنا: كلمة لا حرفان وهو ألف ولام والحرفان قد يتجانسان، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنا من دد ولا الدد مني»، وأراد اللعب، وقيل: إنها إذا كانت حالة لم تكتب غالبًا وقد رفع الله تعالى الجناح في ترك كتبتها، فقال: ﴿إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: 282] والكتابة مشتقة من الكتبة، وأما البيع فلأنه قادر على ما يتوجه عليه بالمطالبة بتسليمه، وههنا عاجز لأن العبد لا يملك شيئاً.
فرع لو كاتبه إلى أجل ساعتين بمال عظيم يجوز في ظاهر المذهب لأنه ربما يقدر على تسليمه بالاستقراض، وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر لو كاتب من نصفه حر ونصفه عبد كتابة حالة لا نص فيه، وظاهر المذهب أنه لا يجوز، والأقيس جوازه لأنه يقدر على تسليم ما يتوجه عليه المطالبة بأدائه في الحال.
فرع آخر لو قال [47/ ب] لعبده بعت نفسك منك بألف درهم حالة، قال ابن أبي هريرة: فيه وجه محتمل أنه لا يجوز لنه لا يقدر عليه، ونص الشافعي رضي الله عنه في كتاب الإقرار على جوازه لأن العتق فيه يحصل قبل الأداء بخلاف الكتابة.
مسألة: قال: فلو كاتبه على مائة دينار موصوفة الوزن والعين إلى عشر سنين أولها كذا وآخرها كذا يؤدي في انقضاء كل سنة منها كذا فجائز.
جملة هذا أن الكتابة لا تجوز حتى يكون الأجل معلومًا والعوض معلومًا، فالأجل أن يقول: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين نصفها إلى خمس والباقي إلى العشر، أو يقول: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين يحل في كل سنة عشرها يعني عند انقضائها، ويجوز ذلك فإن أراد في خلالها لا يجوز للجهل، وقال في «الأم» لا بأس أن يجعل الدنانير في النجوم مختلفة إذا كان ما يحل منها في كل نجم معلومًا، فأما إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 272

قال: كاتبتك على مائة دينار إلى عشر سنين لا يصح لمعنى واحد وهي أنها كتابة إلى أجل واحد ولا فرق بين أن يقول: يؤديها في عشر سنين أم لا بمقضي عشر سنين حتى يؤدي بعضها عند انقضاء خمس ينين وبعضها عند تمام السنين لم يجز لأن البعض مجهول، وأما العوض فيحتاج أن يكون معلومًا، فإن كاتبه على عوض ينبغي أن يضبطه بالصفات التي يضبط بها المسلم فيه وإن كاتبه على دراهم أو دنانير، فإن ضبط النوع والجنس جاز، وإن أطلق وللبلد نقد واحد جاز وانصرف إليه، وإن كان نقودًا مختلفة [48/ أ] لم يجز حتى يعين ويضبطه ولا يجوز أن يقول: كاتبتك على مائة دينار أو ألف درهم لأنه لا يدري على أي شيء عقد الكتابة.
وجملة هذا أن كل عوض وأجل يثبت في السلم يثبت في الكتابة، وما لا يثبت من العوض والأجل فيه لا يثبت في الكتابة.
فرع لو كاتبه على مال إلى عشر سنين على أن يؤدي أول كل سنة كذا لم يجز لأنه يصير الأول منها حلاً.
فرع آخر لو جعله في وسط السنة: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن وسط السنة ما بين طرفيها فصار مجهولا.
والثاني: يجوز ويكون المحل في نصف كل سنة لأن الوسط على التحقيق موضوع لاستواء الطرفين.
فرع آخر لو كاتبه على نجمين إلى سنتين على أن يكون النجم الأول في آخر السنة الأولى، والثاني: في أول السنة الثانية فيه وجان: أحدهما: لا يجوز لأنها بالاتصال صارت نجمًا واحدًا، والثاني: يجوز لاستحقاق كل واحد منهما في غير زمان الأول لأن الأول يستحق في آخر أجزاء السنة الأولى، والثاني: يستحق في أول جزء السنة الثانية، فصارا مختلفين وإن اتصلا.
فرع آخر لو لم يقل قدر ما يستحقه كل نجم وأطلق فيه وجهان: أحدهما: الكتابة باطلة للجهل بقدر الاستحقاق، والثاني: الكتابة جائزة ويكون المال مقسوما على أعداد النجوم لأن الإطلاق يوجب التسوية، فإن كانت النجوم خمسة استحق في كل نجم خمس المال.
مسألة: قال: ولا يعتق [48/ ب] حتى يقول في الكتابة، فإذا أديت هذا فأنت

الجزء: 8 - الصفحة: 273

الفصل جملة هذا أن الكتابة تشتمل على معاوضة، وصفة المعاوضة قوله: كاتبتك على كذا وكذا، والصفة قوله، فإذا أديت إلى ذلك فأنت حر، فإن ذكرهما جميعًا فهو النهاية، وإن ذكر المعاوضة ونوى الصفة بقلبه جاز.
قال الشافعي رضي الله عنه: يقول فإذا أديت هذا فأنت حر، أو يقول بعد ذلك، قولي: كاتبتك كان معقودًا على أنك إذا أديت فأنت حر كما لا يكون الطلاق إلا بتصريح أو ما يشبهه مع النية، فإن لم يذكره ولم ينوه لا يصح، وقد ذكرنا حكم قوله: دبرتك وكاتبتك هل هما صريحان أم كناية؟ وقال أبو إسحاق قوله: دبرتك جعله الشافعي صريحًا في العتق من العالم ولو كان من المجاهل كان كناية، وقوله: كاتبتك جعله كناية من الجاهل، ولو كان من عالم كان صريحًا فجعلهما صريحين من العالم كنايتين من الجاهل وهذا فاسد لأن صريح الطلاق وكنايته سواء في حق العالم والجاهل كذلك هذا، وقال أبو حنيفة وأحمد قوله: كاتبتك صريح في عقد الكتابة، ولا يحتاج إلى التقيد ولا إلى النية وهذا لا يصح لما ذكرنا، وقال القفال، قال بعض أصحابنا: إذا ذكر ما تتميز به الكناية عن المخارجة كفاه مثل أن يقول: أعاملك وتعاملني أو أضمن لك أرش الجناية أو تستحق علي الإيتاء من الذي يؤدي وعن سهم الرقاب.
مسألة: قال: ولا يجوز على العوض حتى يكون موصوفًا كالسلم.
وقد ذكرنا [49/ أ] ذلك، واعلم أن ههنا إشكالاً وذلك أن مشايخنا قالوا: المعقود عليه في الكتابة رقبة المكاتب وعند أبي حنيفة الاكتساب، فإذا كاتبه على العوض فوجوب العوض على معنى السلم إذ لا يتصور في الذمة عوض من غير ضوات الأمثال إلا في السلم وفي السلم يعتبر رأس المال في المجلس والرقبة ما صارت مسلمة إليه في المجلس لأن تسليم الرقبة بالعتق، فبان أن الكتابة تنعقد على الإكساب، قلنا: هذا السؤال يتوجه على المذهبين لأن الإكساب ما صارت مسلمة في المجلس إذا المنافع غير مخلوقة، فإن قيل: التخلية الموجودة في الحال جعلت كالمنافع المستقبلة في حكم الموجودة المسلمة للضرورة التي بنيت عليها عقود المنافع، قلنا: ولمثل هذه الضرورة جعلت الحيلولة بين الرقبة في البيع والرهن وسائل التصرفات كالتسليم، ولهذه الضرورة باينت الكتابة سائرها حتى جاز للرجل أن يعامل نفسه بملك نفسه.
مسألة: قال: «ولا بأس أن يكاتبه على خدمة شهر ودينار بعد الشهر».
الفصل صورة المسألة أن يكاتب عبدًا على أن يخدمه شهرًا ويؤدي دينارًاه بعد الشهر وأراد الشافعي أن تكون خدمة الشهر متصلة بعقد الكتابة فإن شرط تأخيرها لا يجوز، وإذا

الجزء: 8 - الصفحة: 274

شرط اتصالها فقد عقدت الكتابة على نجمين مختلفين المنفعة والدينار، ولا بد أن يكون كل واحد منهما معلومًا، فالمنعفة تعلم بأن يقول: تخدمني شهرًا، أو تخيط أو تبني والدينار يعلم بما ذكرنا، وأطلق الشافعي أنه إذا كان [49/ ب] على هذا الوجه فلا بأس، واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو إسحاق: إنما يصح إذا جعل بين وقت أداء الدينار وانقضاء الشهر مدة، فيقول: تؤديه بعد الشهر بيومين أو ثلاثة، فأما إن شرط الأداء عقيب الشهر فلا يجوز لأن استيفاء المنفعة يتصل بالعقد والدينار يتصل استيفاؤه باستيفاء المنافع فيصير ذلك في معنى النجم الواحد، فلا يجوز كما لو كاتبه على خدمة شهر ودينار يؤديه إليه في أثناء الشهر لا يجوز، وهذا اختيار القاضي أبي حامد، ومن أصحابنا من قال: المسألة على ظاهرها ولا يحتاج أن يجعل بين الشهر والدينار مدة لأنه يعتبر أن يختلف استحقاق النجمين واستحقاقهما مختلف لأن المنافع تستحق عقيب الكتابة والدينار يستحق بعد انقضاء الشهر، وإنما استيفائهما يتصل، وهذا غير ممتنع.
ألا ترى أنه لو كاتبه على دينارين: دينار بعد شهر ودينار بعد شهرين فأخر المطالبة بالدينار الأول حين حل الدينار والثاني: يستوفي الديناران بمرة واحدة، ولا يؤثر ذلك لأن وقت استحقاقهما مختلف، وهذا القائل يلتزم ما استشهد به أبو إسحاق، فقال: إذا قال: كاتبتك على خدمة شهر ودينار تؤديه في أثناء الشهر جاز أيضًا للمعنى الذي ذكرنا وهو أن وقت استحقاق النجمين مختلف، وهذا اختيار أبي حامد وهو الأصح لأن الشافعي نص في «الأم» على هذا، فقال: إذا كاتبه على منفعة شهر لم يجز حتى يشترط أن يؤدي مالا، إما معها أو بعدها وهذا اختيار [50/ أ] ابن أبي هريرة، والقفال أيضًا، وقال القاضي أبي حامد قوله: معها نقله الربيع، وهذا خطأ منه، فإن قيل: الخدمة نجم حال، وذلك لا يجوز على مذهب الشافعي حتى لو كاتبه على دينارين: دينار عقيب العقد، ودينار بعد شهر لم يجز، قيل: نحن إنما منعنا الكتابة الحالة للعجز عن التسليم عقيب العقد، وإذا شرطنا التنجيم ولا بد منه، وإذا شرط عقيب العقد دينارًا فهو عاجز عقيب العقد عنه، وإذا شرط خدمة شهر، فهو قادر على الخدمة والاعتبار بالمعنى لا باللقب والحلول لقب، وقال أبو إسحاق وغيره هذا نجم مؤجل في الحقيقة لأن الخدمة تتعلق بمضي المدة، وإنما نقول: المنفعة في الإجارة مقبوضة حكمًا على معنى أن للمستأجر التصرف فيها، والعقد عليها، ولم يحصل فيها حقيقة القبض، ألا ترى أنه لو تلفت انفسخ العقد فيما بقي.
فرع قال في «الأم»: ولو كاتبه على خدمة شهر ودينار بعد الشهر فمرض في أثناء الشهر مدة بطلت الكتابة، قال أصحابنا: هذا مبني على مسألة في البيع وهي أن من باع

الجزء: 8 - الصفحة: 275

شيئين فتلف أحدهما قبل القبض، فالعقد باطل في التالف، وهل يتعدى إلى الباقي طريقان، والشافعي رضي الله عنه نص ههنا أنه يتعدى، وقال القاضي الطبري: ههنا قول واحد على ما نص عليه لأن عقد الكتابة لا يقع على بعض العبد فإذا انفسخ في بعضه انفسخ في كله.
فرع آخر قال: وليس له ان يعطيه أحد الخدمة مكانه، ولا عليه إن أراد السيد ذلك [50/ ب] كما لو استأجر حرًا على أن يخدمه فمرض في الشهر لم يكن عليه ولا له أن يخدمه غيره وانقضت الإجارة، وقال مالك: لا تجوز الكتابة على الخدمة أصلا.
مسألة: قال: وإن كاتبه [على أن يخدمه] بعد شهر لم يجز لأنه قد يحدث ما يمنعه العمل بعد الشهر وليس بمضمون يكلف أن يأتي بمثله.
قد ذكرنا هذه المسألة ومعنى هذا الكلام أن الإجارة على العين تجري مجرى بيوع الأعيان ولا يجوز بيع عين وتسليمها مؤخر ولذلك قلنا: إذا أكرى داره في رمضان لشوال لا يجوز.
مسألة: قال في «الأم»: لو كاتبه على أن يخدمه شهرًا حين كاتب وشهرًا بعد ذلك لم يجز لأنه ضرب للخدمة أجًلا لا يكون على المكاتب فيه خدمته.
فرع آخر قال: ولو كاتبه على أن يخدمه شهرًا حين يكاتبه ثم يوفيه لبنًا أو حجارة أو طينًا معلومًا بعد شهر جاز وهذا أجل للمال، ولو قال: على أن يخدمني شهرًا وخياطة كذا وكذا عقيب الشهر جاز لأنه بمنزلة قوله: «كاتبتك على خدمة شهر ودينار بعده».
فرع آخر قال: ولو كاتب على أن يضمن له بناء دار وصفها وسمى معه دينارًا يعطيه إياه قبله أو بعده كان جائزًا لأن هذا عمل يكلف فعله ما يكلف المال ومعه نجم غيره، وكذلك إن كاتبه على ضمان بناء دارين، إحداهما في وقت كذا والأخرى في وقت كذا، كانت هذه كتابة جائزة وليس هذا كالعمل بيده إلى أجل معلوم لأنه إذا كاتب أو استأجر حرًا على أن يعمل [51/ أ] بيده لم يكلف أن يأتي بغيره يعمل له، وإذا ضمن عملا كلف أن يوفيه إياه بنفسه أو غيره.
مسألة: قال: «وإن كاتبه على إن باعه شيئًا لم يجز».
علل الشافعي في هذه المسألة، فقال: لأن البيع يلزم بكل حال، والكتابة لا تلزم متى شاء تركها.

الجزء: 8 - الصفحة: 276

فإن قيل: هذا التعليل كيف يستقيم؟ ولا فرق في فساد مثل هذه الصفقة بين عقدين كلاهما لازم كالبيع والإجارة وبين عقدين، أحدهما: لازم، والثاني: غير لازم، قلنا: هذا التعليل دليل على أن مراد الشافعي بتصوير المسألة أن لا يجعل أحد العقدين شرطا في الثاني كما توهمناه وعللنا له، ولكن صورة مسألته أن يقول: كاتبتك وبعت منك هذا الثوب بألف درهم فجعل الألف ثمن الثوب ومال الكتابة، وذكر الأجل والنجوم فإذا تصور العقد بهذه الصورة ففيه قولان، أحدهما: وبه أجاب ههنا أنهما باطلان للعلة التي ذكرناها وهي أنهما عقدان مختلفان جمعهما في صفقة واحدة لأن البيع يلزم بكل حال، والكتابة لا تلزم متى شاء تركها، والثاني: أن العقدين صحيحان ومن أصحابنا من قال: البيع باطل قولا واحدا وفي الكتابة قولان، لأن أحد شطري البيع لاقى عبده القن ولا يصح مبايعة السيد عبده، ويمكن أن يجاب عنه بأن البيع يقع مع الكتابة فلا يؤدي إلى أن يبيع من عبده القن، وإنما يقع البيع من مكاتبه، فأما إذا تصورت المسألة إذا قال: [51/ ب] كاتبتك على أن تشتري مني هذا العبد بكذا، فالكتابة باطلة قولا واحدًا، وهي باب البيعتين في بيعة واحدة فلو أدى النجوم ههنا عتق وتراجعا بالقيمة سواء باعه ذلك الشيء أو لم يبعه لأنه لم يجعل البيع صفة في العتاق يقف العتاق على وجودها، وإنما الصفة أداء النجوم، وهذا شرط زائد فاسد، وقال القاضي الطبري في الصورة الأولى لا يختلف المذهب أن البيع باطل لما ذكرنا من العلة.
وأما الكتابة قال أبو إسحاق: يبطل أيضا لوجهين، أحدهما: ما ذكرنا أنه جمع بين عقدين مختلفين الحكم، واثاني: أنه جمع بين الصحيح والفاسد بثمن واحد ونص الشافعي في «الأم» على فساد الكتابة، ونقله المزني، وذكر في «الإفصاح» في المسألة وجهين، أحدهما: يبطلان، والثاني: يصحان، وهو خطأ لا شك فيه لأن البيع لا يصح قولاً واحدًا، وإذا صححنا الكتابة وحدها، فهي بجميع العوض فعليه أداء جميع النجوم، والثاني: بحصته فتوزع النجوم على قيمته وقيمة الثوب، ولا فائدة في إثبات الخيار لمكان هذا التفريق لأن المكاتب أبدًا بالخيار، وإذا قلنا: الكتابة فاسدة فعليه إذا جمع النجوم لتحصل الصفة فيعتق به، ثم يتراجعان بالقيمة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ويحتمل قولا آخر أنه إذا أدى ما يخص قيمته من النجوم عتق وتراجعا بالقيمة الكاملة، ولو أفرد الكتابة بالعوض عن البيع فسد البيع وصحت الكتابة، ولو كاتبه كتابة صحيحة ثم اشترى السيد من مكاتبه، أو المكاتب من سيده كان جائزًا [52/ أ] لأن السيد حينئذ ممنوع من مال مكاتبه نص عليه في «الأم».
فرع قال ابن سريج على دينارين: دينار بعد شهر، ودينار يؤديه بعد شهرين على أنه إذا أدى الدينار الأول عتق وأدى الدينار الآخر وهو حر كان فيه قولان، قال بعض أصحابنا: بنى هذه المسألة على الأصل الذي ذكرناه وهو أن الصفقة اشتملت على كتابة وعتق بصفة يقع قبل الأداء وهما مختلفا الأحكام فإن الكتابة من شأنها أن لا يقع العتق

الجزء: 8 - الصفحة: 277

فيها قبل الأداء والعتق على صفة، وعلى مال من شأنه أن يقع ثم يتبعه الأداء فهما عقدان مختلفان فيهما قولان، قال: وليس يمتنع أن يسبق العتق الأداء في الكتابة، فإن الشافعي قال: إذا كاتب عبده على نجمين فأدى أحدهما ثم عجز عن الآخر أو لم يعجز، فقال السيد: أعتقني وأنا أؤدي إليك النجم الآخر، كان جائزًا ويقع العتق ويكون المال ثابتًا يؤديه في نجومه، ومن أصحابنا من قال: هما قولان مختصان بهما، أحدهما: يفسد العقد لأنه شرط فيه ما ينافيه لأن مقتضى الكتابة أن يعتق بعد أداء جميع النجوم فقد شرط خلافه، والثاني: يصح العقد لأنه لو كاتبه مطلقًا فأدى بعض المال فأعتقه على أن يؤدي الباقي بعد عقته جاز على ما ذكرنا فإذا شرط في الابتداء وجب أن يصح.
فرع آخر لو كاتب عبده على مال الغير لم تجز الكتابة سواء كان المال في يد العبد لذلك الإنسان أو في يد المالك، وقال أبو حنيفة: يصح على الدراهم [52/ ب] والدنانير لأنهما لا يتعينان، فالقصد من الإشارة إليهما المقدار وفي العروض اختلفوا إذا أذن له رب العرض في أن يكاتب عليه فمنهم من قال: لا يجوز ومنهم من قال: يجوز، وملك السيد ذلك العوض، وعندنا حصلت الكتابة فاسدة، ولكنه إذا أذن له رب المال بإعطائه سيده فأعطاه وقع العتق ثم يترادان، القيمة لفساد الكتابة وإن أدى بغير إذن المالك لا يحصل العتق بدفع المستحق بخلاف ما لو قال: إن أديت إلى هذا فأنت حر، فإذا أدى عتق وإن كان مستحقا لأنه محض الصفة وهذه كتابة فتقتضي التمليك، وإذا وجد إذن المالك، فقد وجد مقتضى التمليك غير أن الرد وأخذ القيمة إنما لزم لفساد الكتابة.
مسألة: قال: «ولو كاتبه على مائة دينار يؤديها إليه في عشر سنين كان النجم مجهولا لا يدري في أولها أو آخرها» وقد ذكرنا هذه المسألة، قال المزني: «وكذلك لو قال تؤدي إليه في كل سنة عشرة مجهولة أيضا لأنه لا يدري في أول كل سنة أو في آخرها حتى يقول في انقضاء كل سنة عشرة».
مسألة: قال: «ولو كاتب ثلاثة كتابة واحدة».
الفصل إذا كاتب الرجل ثلاثة أعبد أو أربعة على عوض واحد صفقة واحدة نص الشافعي رضي الله عنه أنه يجوز فمن أصحابنا من قال: هو على قول واحد لأن البائع والمشتري في الحقيقة هو السيد وهو واحد فصار كما لو باع عبدًا من رجل بثمن واحد ومن أصحابنا من قال فيه، قولان: كما لو تزوج أربع نسوة في عقد واحد بمهر واحد هل يجوز المهر فيه؟ قولان: وقد مضى شرح ذلك فيما تقدم، وقال أبو إسحاق: لو اشترى ثلاثة أنفس ثلاثة أعبد من مالك كل واحدٍ منهم عبدًا كاملاً بثمن واحدٍ لم يصح قولا

الجزء: 8 - الصفحة: 278

واحدًا حتى يكون ثمن كل واحدٍ من العبيد معلومًا [53/ أ].
ويفارق هذا عقد الكتابة على ثلاثة أعبد فإنه يصح في أحد القولين.
والفرق أن المقصود من الكتابة القربة فخف حكمها والمقصود من البيع المعاينة فيغلظ حكمه ولهذا ينفذ العتق في الكتابة الفاسدة، ولا يصحل المقصود في البيع الفاسد وأيضًا الثمن مقصود في البيع وليس بمقصود في الكتابة فافترقا وهكذا قال ابن أبي هريرة والاصطخري والقاضي الطبري.
وقال ابن سريج فيهما، قولان.
قال أبو حامد والمذهب هذا، لأن الشافعي نص في الكتابة على قولين وهي مثل البيع سواء في باب العوض صحة وفسادًا.
فإذا تقرر هذا فإذا قلنا: تصح الكتابة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، قال الشافعي: المائة مقسومة على قيمهم لا على رؤوسهم لأن المعقود عليه رقابهم وقيمها مختلفة فهي بمنزلة أعيان السلع في البيوع يوزع الثمن على قيمها وتعتبر قيمتهم يوم عقد الكتابة لأنه وقت زوال سلطان السيد عنهم.
وأيهم أدى حصته عتق وأيهم عجز رق وهذا كما يقول لكل واحد من النساء أن يطالب الزج بما يصيبها من المستحق دون ما يصيب صواحبها إذا جمع بينهن بنكاح واحد على صداق واحد، ولذلك إذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم يجب للبائع مطالبة المشتري بثمن العبد الذي سلمه إليه فثبت أنه لا يتعلق أداء واحد منهم بأداء صاحبه ولا عجزه بعجزه ف إن قيل: الكتابة [53/ ب] عند الشافعي عتق بصفة والمكاتب يعتق بقوله: فإذا أديت إلى كذا فأنت حر، فإذا قال لهم السيد: إذا أديتم إلى كذا في نجمين فأنتم أحرار فأدى واحد منهم بعضه وجب أن لا يعتق لأن الصفة لم توجد، قلنا: هذا فيما إذا كان عتقًا بصفة فأما إذا كان معاوضة وهو الكتابة فحكمه حكم المعاوضات وإن كان فيه عتق بصفة، ألا ترى أنه لو كاتبه ثم أبرأه من مال الكتابة عتق! ولو مات السيد فأداه إلى وارثه عتق ولم توجد الصفة في هذين الموضعين فدل على ما قلناه، وقال بعض السلف يتوقف عتق أولهم على آخرهم.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يعتق واحد منهم حت ى يؤدي كل المال فيصير بعضهم ضامنا عن بعض من غير ضمان ولأحدهم أن يؤدي جميع النجوم بل عليه ذلك، إذا طالبه السيد بالجميعليعتق هو وأصحابه ثم يرجع على أصحابه بحصتهم وبه قال مالك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر يوزع عليهم النجوم بالسوية على عدد الرؤوس، وهذا غريب، قال الشافعي وإن مات أحدهم قبل أن يؤدي مات رقيقًا كان له ولد أو لم يكن وقصد به الرد على مالك حيث قال: يقوم وله مقامه في الأداء وعند أبي حنيفة لا تبطل الكتابة بالموت إذا كان له وفاء سواء كان هناك ولد أم لا، وهذا لا يصح لأن العقد مع الوالد لا مع الولد وقد مات مقصود الصدقة بموته، وهو العتق وإذا قلنا: الكتابة فاسدة

الجزء: 8 - الصفحة: 279

فقد بطل حكم المعاوضة وبقي حكم الصفة، [54/ أ] فإن الكتابة مشتملة على معاوضة وصفة، فإذا بطل أحدهما بقي الآخر وللسيد إبطال الصفة هناك والرجوع فيها لأنه التزمها على أن يحصل له العوض الذي سماه، فإذا لم يسلم له ذلك كان له الرجوع.
ثم ينظر فإن رجع فيها وأبطلها بطلت وإن لم يرجع حتى أدى المال عتقوا لوجود الصفة، ويستحق السيد عليهم قيمتهم لأنه أزال ملكه بشرط أن يحصل له العوض، فإذا لم يحصل استحق استرجاع الرقبة فإذا تعذر استرجاعها لتلفها استحق السيد قيمتها كما لو باعه شيئا بيعًا فاسدًا وسلمه وتلف عند المشتري يجب عليه قيمته ويحتسب له بما أدى ويتراجعان.
الفصل وإذا أدى واحد من العبيد حصته فظاهر كلام الشافعي ههنا ونص عليه في الإملاء أنه يعتق لأن الكتابة الفاسدة محمولة على الكتابة الصحيحة، والصحيحة لو أدى أحدهم نصيبه عتق، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق لأن المعاوضة بطلت لفسادها وتجردت الصفة فلا يعتق حتى توجد كمال الصفة وهذا اختيار القفال، فإن قلنا: بالأول حصل التراجع بينه وبين سيده بما أدى من النجوم وبجميع قيمته وبقي الآخر على كتابته الفاسدة بحصته من النجم إلا أن يفسخ السيد كتابته، فتنفسخ.
وإن أدى الوارث بعد موت السيد أو أبرأه السيد، أو أدى الغير عنه متبرعا [54/ ب] أو أدى غير جنس نجم الكتابة لا يعتق لأنه لم توجد الصفة إذا كانت الكتابة فاسدة، وقال أبو حنيفة: يعتق بكل ذلك كما في الكتابة الصحيحة، فإن قيل: العتق المطلق بصفة لا يمكن إبطاله بقوله: أبطلت فلم قلتم ههنا إذا أبطلها السيد بطلت، قلنا لأن هذه ليست بصفة مجردة بل بناها على المعاوضة، فإذا لم يسلم العوض لم يلزمه حكم الصفة.
مسألة: قال: «ولوأدوا فقال: من قلت قيمته أدينا على العدد».
الفصل معنى هذه المسألة أنه كاتبهم على مائة دينار، وقلنا: يصح وكانت قيمة أحدهم خمسين وقيمة الآخر ثلاثين، وقيمة الآخر عشرين، فأحضروا ستين دينار ووزنوها، فقال من قيمته عشرون أنا عتقت لأني قد أديت عشرين وهي حصتي لأن الستين التي أدينا هي بيننا أثلاثًا، وقال الآخران: إنما أدينا على قيمنا فلم يعتق واحد منا، قال الشافعي، فالقول قول من قال: أدينا بالسوية لأن الظاهر أنه في أيديهم أثلاثًا حتى وزنوه وسلموه، فإن قيل: إذا كان المال الذي حملوه سبعين دينارًا يجب أن لا يقبلوا قول من قلت قيمته أنه على عدد الرؤوس لأنه حصته أكثر مما عليه، قلنا: قال أبو

الجزء: 8 - الصفحة: 280

إسحاق: يجوز أن يكون حمله ليؤدي الزيادة على أصحابه، وقال الماسرجسي يجوز أن يكون حمل أكثر مما عليه حتى إن زيف شيء منها بدله، [55/ أ] ولا ينصرف إلا حرا.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أنه كاتبهم على مائة وقيمة أحدهم مائة وقيمة كل واحد من الآخرين خمسون فأدوا مائة، ثم اختلفوا، فقال من كثرت قيمته أديناها على قدر ما علينا فأديت أنا النصف وأنتما النصف فعتقنا، وقال: من قلت قيمته بل أديناها أثلاثًا فأديناها بأكثر مما علينا لنرجع بها عليك أو وديعة عند سيدنا، قال الشافعي: ههنا القول قول من قلت قيمته، وقال في موضع آخر القول من كثرت قيمته، واختلف أصحابنا فيه على طريقتين، أحدهما: المسألة على قولين: أحدهما: القول قول من كثرت قيمته لأن الظاهر معه لأن من عليه قدر من المال لا يؤدي إلى سيده أكثر منه فرجحت بذلك دعواه، والثاني: القول قول من قلت قيمته لأن يد كل واحد منهم على ثلثه فكان القول قوله فيه.
قال أبو إسحاق: وهذا كما أن ثلاثة اشتروا من رجل عبدًا بمائة دينار، اشترى أحدهما نصفه والآخران نصفه وسلموا إليه مائة دينار، وقالوا: هذه وديعة عندك لتدفع إليك الثمن منها، ثم اختلفوا فقال: من قال ما عليه هي بيننا أثلاثًا كان القول قوله.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا ضعيف لأن هذه وديعة وههنا دفعوه بما عليهم.
قال: وأما ما احتج به القائل الأول، فلا يصح لأن اليد أقوى من هذا الظاهر، ألا ترى أنه لو اختلف العطار والدباغ في آلة العطر وهي في يد الدباغ كان القول قوله [55/ ب].
والطريق الثاني: المسألتان على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال القول قول من قلت قيمته إذا كان المدفوع دون ما عليهم يشتركون في أدائه لأن الشافعي فرضها في «الأم» إذا أدوا ستين دينارًا.
والموضع الذي قال القول قول من كثرت قيمته أراد إذا كان المدفوع جميع ما عليهم لأن الظاهر أنهم أدوا ما عليهم، قال أبو حامد: هذا تخريج مليح إلا أنه مخالف لنص الشافعي لأنه نص على أن القول قول من قلت قيمته إذا أدوا مائة دينار أو ستين، قال أصحابنا: وهكذا الحكم في كل شريكين اشتريا جميعًا وثبت الثمن عليهما على الاختلاف فأديا ما عليهما، ثم اختلفا، فقال أحدهما: أدينا على التفاضل، وقال الآخر: أدينا على العدد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الاختلاف في نجم سوى النجم الأخير، فالقول قول من يقول: أدينا على العدد فإنه قد يؤدي زيادة ليحتسب به في النجم الثاني، وكذا في النجم الأخير إذا أدى الذي قال: أدينا على العدد قدرًا يتم به نجمه، ولا يبقى زيادة، والآخر يقول: أدينا على القيمة، فالقول قول من يقول: أدينا على العدد وإن أدوا في النجم الأخير، وقال الذي قال: أدينا على العدد، إني أديت أكثر مما علي لا يسترد البعض، وقال الآخرون: بل أدينا على القيمة

الجزء: 8 - الصفحة: 281

وكل واحد منا أدى القدر الذي عليه، فالظاهر مع هؤلاء الذين يقولون: أدينا على القيمة، فالقول قولهم.
مسألة: قال: «ولو أدى أحدهم عن غيره [56/ أ] كان له الرجوع».
الفصل جملة هذا أنه إذا أدى مكاتب عن مكاتب فلا يخلو، إما أن يكونا مكاتبي رجل أو مكاتبي رجلين، فإن كانا لرجل واحد لم يخل إما أن يؤدي عنه قبل العتق أو بعده، فإن كان قبل العتق، فإن كان ذلك بغير علم السيد لم يصح الأداء لأنه إن فعل ذلك بغير إذن المؤدى عنه فهو هبة وإن كان فعله بإذنه، فهو قرض، والمكاتب لا يملك هبة المال ولا الإقراض بغير إذن السيد، وإن أدى بعلم السيد فعلمه يجري مجرى إذنه ففيه قولان، كما لو ذهب شيئا بإذن سيده إذا أقرضه بإذنه، فإن قلنا: لا يصح، قال الشافعي كان له الرجوع وأراد به أن له أن يرجع على السيد بذلك فيسترجع.
قال أبو إسحاق: ولو سأل السيد أن يحتسب له من نجومه كان عليه أن يفعله ثم يطالب السيد المؤدي عنه، وإن لم يسأل السيد ذلك، ولكن عليه النجم احتسب السيد منه.
وإن لم يسترجع ذلك حتى أدى ما عليه وعتق فهل له أن يسترجع؟ ظاهر كلام الشافعي أنه لا يسترجع لأنه لم تصح هبته وإقراضه لنقصانه، فلما عتق وصار حرًا كاملاً صح ذلك منه، وقال أبو إسحاق: العلة فيه أنه إذا عتق وهو كاف عن المطالبة فقد صح الأداء ن من أدى عنه من الآن، وكانت الاستدامة في ذلك بمنزلة ابتداء الأداء، ومن أصحابنا من قال: له الاسترجاع أيضا لأن ذلك وقع فاسدًا في الأًل فلا يصح بعد ذلك.
وقال القفال: فيه وجان، أصلهما: أن تصرف المحجور عليه لحق الغير [56/ ب] باطل أو موقوف كتصرف المفلس حتى إذا أطلق الحجر ينفذ؟ فيه قولان.
وقيل: نص الشافعي ههنا أنه لا يسترجع ونص إذا عفا المكاتب سيده عن أرش الجناية عليه لا يصح وله الرجوع عليه وإن عتق نفذ، ولا فرق بينهما على قولين، فإذا قلنا: بالأول ينظر فيه، فإن كان أدى عنهم على أن يرجع عليهم كان له الرجوع بما أدى عنهم، فإن كانوا قد عتقوا طالبهم كما يطالب الأحرار بما عليهم من الديون، وإن كانوا لم يعتقوا، فهو بمنزلة الدين الذي يجب على المكاتب، فيقال له: إن عليك دينًا كهذا ونجوم الكتابة للسيد فإن أمكنك أداءهما جميعًا، فأد كليهما، وإن لم يمكنك ذلك، فالدين مقدم على النجوم لأن الدين لازم والكتابة ليست بلازمة، ويمكن السيد الرجوع إلى رقبته من حقه بخلاف صاحب الدين، فيقال للسيد: إن رضيت أن تصبر حتى يقضي الدين ثم يكتسب لك، وإلا عجزناه لصاحب الدين، فإذا عجز دفع إلى من أدى عنه ما وجد في يده ثم يباع من رقبته بقدر ما بقي، هكذا ذكره القاضي الطبري وربما أراد به إذا كان الدين دين الجناية ولا يحتمل غيره.

الجزء: 8 - الصفحة: 282

وإن كان الأداء عنهم بعد عتقه فالأداء يصح لأنه حر يصح منه قضاء دين الغير، ثم ينظر فإن كان أدى بغير إذنه لم يرجع وإن كان بإذنه، فالحكم على ما ذكرنا.
وإن كان المكاتبان رجلين فأدى أحدهما عن الآخر فإن كان ذلك بعد العتق صح الأداء والحكم فيه على ما مضى، وإن كان قبل العتق لم يصح سواء كان بإذن المكاتب الآخر، أو بغير إذنه لأنه يكون هبة وقرضًا [57/ أ] إلا بإذن السيد، فلم يصح، ولا فرق بين أن يكون بعلم السيد أو بغير علمه، ويفارق هذا إذا كانا لواحدٍ لأن المال إذا حصل في يد السيد وعلم به قام ذلك مقام إذنه وههنا يحصل المال في يد غير السيد فيكون هبة وقرضًا بغير إذنه، وإن كان ذلك الأداء بإذن سيده ففيه قولان، وقال القفال: إن أدى بإذن السيد والمؤدى عنه فجائز لأن إقراضه بإذن السيد جائز قولاً واحدًا، وإن كان بإذن السيد لا بإذن المؤدى عنه، ففيه قولان، لأنه هبة بإذن السيد، وهذا أحسن، ولكن ما تقدم أصح عندي، وقال في «الحاوي»: الصورة الأولى إذا أدى أحدهم عن صاحبه بإذنه ليرجع به كالقرض، وجوزنا لم يخل حال المؤدي، والمؤدى عنه من أربعة أحوال، أحدها: أن يعجزا فيرقا فلا رجوع للمؤدي بما أدى لا على سيده، ولا على المؤدى عنه لأنه لا يثبت للسيد على عبده مال، ولا لعبده على سيده، والثانية: أ، يؤديا فيعتقا فللمؤدي أن يرجع على المؤدى عنه بعد عتقه بما أداه.
والثالثة: أن يعتق المؤدى عنه ويبقى المؤدي على الرق، فينظر في عتق المؤدى عنه فغن كان بغير ما اقترضه المؤدي نفذ عتقه، وكان المال المؤدى عنه دينًا للسيد عليه وإن كان عتقه بما اقترضه المؤدي فيه وجهان خرجهما صاحب «الإفصاح» أحدهما: أن عتق المؤدى عنه قد نفذ ورق المؤدي قد استقر ويكون الأداء دينًا للسيد يرجع به على المعتق اعتبارًا بحكم الأداء والعجز، والثاني: [57/ ب] لا يعتق المؤدى عنه بذلك ويحتسب به للمؤدي فإن كان بقدر الباقي عليه من كتابته عتق به وأعيد المؤدى عنه إلى رقه وإن كان أهلاً أعيدا معًا إلى الرق اعتبارًا بحال الكسب، والرابعة: أن يعتق المؤدى عنه وهو على رقه فللمؤدى عنه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يكون في يده ما يفي بمال الكتابة وبدل ما اقترض فيؤديهما ويتحرر، والثاني: أن يعجز عن باقي الكتابة وعن القرض جميعًا فللسيد أن يعيده إلى رقه ويكون قرض المؤدي في ذمة العبد إذا عتق وأيسر رجع به عليه، والثالثة: أن يكون في يده ما يصرف في أحدهما: إما في عتقه أو في قريضه فيقال للمؤدي انتظره بقرضك حتى يؤدي ما بيده في قرضه فإن أجاب فعل ذلك وإن امتنع قيل للسيد: انتظره بنفسه حتى يؤدي ما بيده في قرضه فإن أجاب فعل ذلك، وإن امتنع وتنازعا فالمؤدي للقرض أولى به على ما ذكرنا وهذا ترتيب حسن.
مسألة: قال: «لا يجوز أن يتحمل بعضهم عن بعض».
يعني إذا كاتب ثلاثة أعبد على ما ذكرنا لا يصير بعضهم ضامنًا عن بعض خلافًا

الجزء: 8 - الصفحة: 283

لمالك وأبي حنيفة، فانفرد مالك بأن قال: إذا قعد بعض العبيد عن الاكتساب والأداء كان للثاني: إجباره على ذلك وإلزامه للاكتساب والأداء وقال أيضا: إذا أعتق السيد واحدا منهم نظر فإن أعتق من لا كسب له جاز لأنه لا يضر على الباقين وإن أعتق من له كسب لم يجز لأن على الباقين ضررًا فيه وهذا غلط لأنها معاوضة مطلقة، فلم يلزم كل واحد منهم إلا قدر ما يخصه من العوض كما في البيع، ولو شرط عليهم في العقد [58/ أي أن كل واحد منهم ضامن عن الباقين كانت الكتابة فاسدة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، وهذا ليس بلازم ولا إلى اللزوم، فلا يصح ضمانه وأيضًا لا يجوز لضمان من المكاتب لأنه لا يصح أن يضمن عن حر ولا عن مكاتب ليس معه في عقد كتابته، فلا يصح هذا الضمان أيضًا، ثم قال الشافعي رضي الله عنه ولا يجوز أن يتحمل مال عن نفسه، أي وقت شاء ولو شرط ذلك في عقد الكتابة فسد لأن الكتابة تفسد إذا شرط فيهها شرط فاسد، قال أبو إسحاق: وكذلك لو كاتب عبده على أن يضمن عنه رجل بعينه حر كانت الكتابة فاسدة.
مسألة: قال: «ولو كاتب عبدًا كتابة فاسدة».
الفصل اعلم أن العتق المعلق بالصفات على ثلاثة أضرب عتق معلق بصفة محضة لا مدخل للغوض فيها، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإن كلمت زيدًا فأنت حر ونحو ذلك.
وفي هذا المعنى إذا قال: إن أعطيتني فأنت حر فإن هذا وإن دخله عوض إلا أن المغلب فيه حكم الصفة فلهذه الصفة ستة أحكام، أحدها: أن تقع لازمة لا سبيل للعبد ولا للسيد إلى فسخها بحال ولا أن يتفقا على فسخها لأنها عقدت وعلق بها العتق، وهو حق الله تعالى فلزمت.
والثاني: أن السيد لو أبرأه عن المال الذي علق عتقه به لم يعتق لأنه علق بأداء المال، وفي الإبراء لم يوجد المال.
والثالث: [58/ ب] إذا مات السيد بطلت الصفة لأن إطلاق الصفات يقتضي وجودها في حال الحياة.
والرابع: إن كسب العبد قبل أداء المال يكون لسيده لأنه باق على ملكه، ولم يوجد ما يقطع تصرفه.
والخامس: أنه إذا أدى المال عتق لوجود الصفة وما في يده من فضل الكسب لسيده كما أن فضل الكسب كان لسيده.
والسادس: لا يثبت بين سيده وبينه تراجع لأنه لم يثبت جهته يثبت بينهما التراجع.

الجزء: 8 - الصفحة: 284

والضرب الثاني: عتق معلق بصفة وعوض والمغلب فيه حكم العوض وهو الكتابة الصحيحة، فالمعاوضة لا بد من ذكرها، وهو قوله: كاتبتك على كذا أو الصفة لا بد من ذكرها باللسان أو ينويها بقلبه على ما ذكرنا.
وإنما علينا حكم العوض ههنا لأنه لو كان المغلب للصفة لاحتيج إلى ذكرها كما في القسم قبله ولا يعتبر ذلك بل تكفي النية بالقلب، ويتعلق بهذا أيضًا ستة أحكام، أحدها: أنها تقع لازمة من جهة السيد لا سبيل له إلا فسخها لأنها معاوضة كالبيع، فأما العبد فليس له فسخ العقد ولكن له أن يمتنع من الأداء متى شاء ثم يكون للسيد الفسخ، وإن اتفق السيد والعبد على فسخ الكتابة جاز، ويكون ذلك بمنزلة الإقالة في البيع ويلزم ذلك.
والثاتني: أن السيد لو أبرأ من مال الكتابة عتق كالبائع إذا أبرأ المشتري عن الثمن صح وبرئت ذمته وملك المبيع تامًا.
والثالث: إذا مات السيد لا تبطل بل يؤدي المال إلى ورثته ويعتق كالبيع.
والرابع: إن كسب العبد قبل الأداء يكون له لا لسيده لأنه عقد مع سيده عن التصرفات فيه وأخذ كسبه فهو كما لو باع العبد، كان الكسب للمشتري [59/ أ].
والخامس: أن المكاتب إذا أدى المال عتق ولا تراجع.
والسادس: إذا أدى ما عليه وعتق وبقي فضل الكسب في يده فهو له ملكًا تامًا.
والضرب الثالث: عتق معلق بصفة وعوض والمغلب فيه حكم الصفة، وهو الكتابة الفاسدة ولهذه الصفة أحكام ستة، أحدها: أنها تقع غير لازمة من جهة السيد، وله أن يرجع فيها متى شاء لأنه التزمها بشرط أن يحصل له العوض المشروط، فإذا لم يحصل كان له الرجوع ويفارق الصفة الأولى لأنها صفة محضة التزمها بمجردها فلزمته، ثم إذا ثبت أن الصفة لا تلزم له أن يفسخها بنفسه وله أن يرفعها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم كما لو وجد عيبًا بما اشترى له الفسخ بنفسه وله المرافعة إلى الحاكم حتى يفسخ.
قال الشافعي: وأشهد على ذلك ولم يرد به أن الشهادة شرط وإنما أراد أنه يشهد عليه حتى يثبت أنه قد ردع فعلا يمكن العبد جحود ذلك لأنهما لو اختلفا في الرجوع، ولم يكن مع السيد بينة كان القول قول العبد لأن الأصل أن لا رجوع.
فرع إذا قال أبطلت كتابة عبدي أو فسختها يجوز بمشهد العبد وعيبته ولو نوى إبطالها لا تبطل، وإذا رفعها إلى الحاكم لم يكن له إبطالها إلا بعد ثبوت فسادها ومسألة السيد، فإذا سأل له إبطالها عليه، ولو سأل المكاتب من الحاكم الإبطال لم يكن للحاكم إجابته إليه لأنه حق مختص بالسيد لا يملكه المكاتب وإنما يملك هو الامتناع من الأداء على ما ذكرنا [59/ ب].
والثاني: أن السيد إذا أبرأه لم يعتق.
والثالث: إذا مات السيد بطلت هذه الكتابة على ما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد.
والرابع: أن الكسب للمكاتب لأن الكتابة الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق فيها

الجزء: 8 - الصفحة: 285

بالأداء، فحصل له المعقود عليه وهو العتق فتبعه ملك الكسب.
والخامس: أن العبد إذا أدى المشروط عتق لوجود الصفة وإن فضل في يديه كسب كان له لأن الأصل الكسب له ولا فرق بين أن يكون فساد الكتابة بشرط مجهول أو بعضو فاسد من الخمر والخنزير والميتة والدم.
وقال أبو حنيفة: إن كانت بالميتة أو الدم لا يحصل العتق بالأداء لأنهما ليسا بمال بخلاف الخمر والخنزير فإنهما مالا لأهل الذمة.
وهذا على أصله أن البيع بالميتة والدم باطل وبالخمر والخنزير فاسد يحصل الملك فيه عند القبض.
والسادس: أنه يثبت التراجع فيها بين العبد وبين السيد فيستحق السيد على عبده قيمة رقبته وتجب القيمة من غالب نقد البلد ويستحق العبد على السيد ما دفعه إليه الكسب، ثم إن كان أحد الحقين من غير جنس الآخر لم يتقاصا بل يقبض كل واحد منهما من صاحبه ما له عليه لأن التقاص لا يثبت في الجنسين كالحوالة لا تكون في الجنسين وإن كان أحدهما من جنس الآخر، فإن كان غير الدراهم والدنانير لم يحصل فيه التقاص وإن كان من الدراهم أو الدنانير فهل يتقاصان فيه؟ أربعة أقوال، وهكذا الحكم في دينين من جنس واحد هل يحصل بينهما التقاص فيه هذه الأقوال؟ أحدها: يتقاصان [60/ أ] من غير تراض.
والثاني: لا يتقاصان إلا بالتراضي.
والثالث: يتقاصان إذا رضي أحدهما.
والرابع: لا يحصل التقاص بذلك وإن تراضيا لأنه يكون بيع دين بدين، ولأنه لما لم يصح ذلك في غير النقود من العروض كذلك في النقود، فإذا قلنا: يحصل التقاص لهما بالتراضي أو غير التراضي فإن تساوي الحقان سقط أحدهما بالآخر وإن تفاضلا سقط بقدر ما يتساويان فيه، ويرجع صاحب الفضل بالفضل، وإن قلنا: لا يحصل التقاص فلا يحتاج إلى القبض من الجانبين معا بل يكفي أن يقبض أحدهما، ثم يرد قبضه إلى صاحبه، فإن قيل: ما الفرق بين الحقين من جنس الأثمان وغير الأثمان في حكم التقاص؟ قلنا: قال أبو حامد: الفرق أن ما عدا الأثمان يطلب فيه المعاينة لوجود الاختلاف فيها وقل ما يتساويا والأثمان متساوية يطلب فيها المعاينة.
ومن أحكام الكتابة الفاسدة أن تسقط بها نفقته عن السيد وتكون الجناية مضمونة على السيد في كسبه.
والتقويم فيه يكون حين وقوع العتق بخلاف التقويم في الكتابة الصحيحة إذا احتجنا إلى قسم العوض بين العبيد فإنا نقومهم حين العقد لأنه وقت الحيلولة بينهم وبين السيد، وههنا الحيلولة حصلت بالعتق، وقيل: لهذه الصفة ثمانية أحكام وعد هذه الأحكام فيها.
فرع آخر لو أخذ المكاتب في الكتابة الفاسدة من سهم الزكاة وأدى عتق، وقال في

الجزء: 8 - الصفحة: 286

«الأم»: استرجع من السيد ولم يعتق به لأن فسادها [60/ ب] يخرجه من حكم الرقاب، قال صاحب «الحاوي»: والذي أراه أنه لا يسترجع منه لأنه يجري على حكم الرقاب، قال صاحب «الحاوي»: والذي أراه أنه لا يسترجع منه لأنه يجري على حكم فاسدها في ملك الاكتساب ووقوع العتق به حكم الصحة فكذلك في سهم الرقاب.
مسألة: قال: «ولو لم يمت السيد، ولكنه حجر عليه أو غلب على عقله فأداها منه قبلت ولم يعتق».
وقد ذكرنا أن الكتابة الفاسدة تبطل بموت السيد ولو لم يمت ولكنه جن أو حجر عليه بطلت الكتابة أيضًا لأنه عقد جائز في حقه والعقود الجائزة تبطل بالجنون والحجر كالوكالة وغيرها، ومعنى قولنا: عقد جائز أن له أن يفسخه.
ولن قبضه ليس بصحيح، فلا يحصل الوصف، ولو جن العبد لا تبطل هذه الكتابة لأن الجنون كالحجر فإن كل ما يبطل بالجنون يبطل بالحجر وما لا يبطل الجنون لا يبطل بالحجر وما لا يبطل الجنون لا يبطل بالحجر والعبد محجور عليه أبدًا، فلو بطلت الكتابة بالجنون لوجب أن لا تصح كتابة العبد أبدًا، وهذا ضعيف لأن قوله صحيح قبل الجنون والعلة الصحيحة فيه أن العبد لا يملك إبطال الصفة وإنما له أن يعجز نفسه، فيفسخ السيد إن اختار كما في الكتابة الصحيحة، وإذا كان لا يملك الفسخ لا يفسخ بجنونه، وقيل: لا تبطل بالحجر فإذا أدى إلى وليه عتق.
مسألة: قال: «ولو كان العبد مخبولا عتق بأداء مال الكتابة، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء».
في هذا الفصل مسائل، إحداها: أن يكاتبه كتابة صحيحة، وهو عاقل ثم جن المكاتب فلم تبطل الكتابة، فإذا أدى المال إلى سيده عتق لا لأن الأداء يصح منه ولكن لأن السيد لم يستحق المال، فإذا حصل في يده ما يستحقه كان له أخذه بحقه، فإذا أخذه برئت ذمة العبد من المال [61/ أ] وعتق، ولا تراجع لأن الكتابة الصحيحة لا تقتضي ثبوت التراجع.
والثانية: أن يكاتب عبدًا عاقلا كتابة فاسدة ثم جن العبد فلم تبطل بجنونه أيضًا، فإذا أدى المال عتق بوجود الصفة ويثبت لهما التراجع لأن عقد الكتابة اقتضى لزوم الضمان للعبد وثبوت التراجع بينه وبين السيد فلم يبطل ذلك بالجنون كما لو أدى المال في حال إفاقته.
والثالثة: إذا كاتب عبدًا مجنونًا، فالكتابة فاسدة فإن أدى المال عتق بوجود الصفة وهل يثبت بينهما التراجع؟ نقل المزني أنه لا يثبت ونقل الربيع عن «الأم» أنهما

الجزء: 8 - الصفحة: 287

يتراجعان.
واختلف أصحابنا في المسألة على طرق، أحدها: قال ابن سريج: الصحيح ما نقله الربيع لأنه يعتق بكتابة فاسدة، فلا بد من التراجع، وما نقله المزني كان في الأصل ويرجع أحدهما على الآخر فزاد الناقل لا بالغلط، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله المزني أنه لا تراجع لأن التراجع إنما يكون في عقد فاسد يقتضي الضمان والعقد مع المجنون ليس بعقد، ولا هو من أهل الضمان فصار كما لو كاتب صبيا فأدى المال وعتق لا يثبت التراجع وأما التأويل الذي ذكره ابن سريج، فلا يصح لمعنيين، أحدهما: أنه لو أراد التراجع لقال، ولا يتراجعان ولا يحتاج إلى أن يقول ويرجع كل واحد منهما، والثاني: أنه قال بشيء ولا يصح أن يقول ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بشيء، وقيل: قال أبو إسحاق: ما نقل الربيع أراد إذا عقد معه وهو عاقل ثم جن ولفظه في «الأم»، ولو خبل المكاتب فأداها إلى سيده عتق ونصب الحاكم أمينا، [61/ ب] ويتراجعان كما لو كان العقد صحيحا يرجع لأن كتابة المخبول كتابة فاسدة، ولم يرد به أنه يثبت له أحكام الفاسد مع العاقل في التراجع إذا كاتبه وهو مجنون، والذي نقل المزني أراد أنه إذا كاتبه وهو مجنون.
والفرق ما ذكرنا، وهذه الطريقة أصح، وقال القاضي أبو حامد من أصحابنا من قال: فيه قولان.
قال القفال: والفرق بينه وبين الصبي أن المجنون عارض فهو كعارض شرط فاسد بخلاف الصبي، ومن أصحابنا من سوى بين الصبي والمجنون في التراجع.
فرع لو دفع المال إلى سيده في حال جنون السيد في الكتابة الصحيحة لا يعتق به لأنه لا حكم لقبضه، ثم إذا دفع مرة أخرى إلى الولي عتق ثم إن وجدن عين ماله في يد السيد استرد، وإن كان قد أتلف لا يرجع عليه بضمانه أبدًا، ذكره القفال.
مسألة: قال: «ولو كاتبه كتابة صحيحة، فمات السيد وله وارثان».
الفصل قال أصحابنا: قال الشافعي: ولو كاتبه صحيحة إذ لو عرفنا ذلك ما قبلنا قول من يقول لم يكاتب، وإنما قال لو مات رجل وخلف ابنين وعبدًا فادعى العبد أن أباهما كاتبه فصدقه أحد الابنين.
واعلم أن الشافعي ذكر في «الأم» مسألتين، نقل المزني الثانية، وترك الأولى لسهولتها فالأولى ما ذكرنا من الصورة، ولكن الاثنان كلاهما، فالقول قولهما لأن الأصل عدم الكتابة ويكون يمينهما على نفي العلم لأنه يمين على فعل الغير فإن حلفا برءا وإن نكلا عن اليمين ردت اليمين على العبد، فإذا حلف يحكم بصحة الكتابة [62/ أ].

الجزء: 8 - الصفحة: 288

والثانية: أن يصدقه أحدهما وينكر الآخر فإقرار المقر مقبول ويصير نيبه مكاتبًا لأنه أقر بما يضره فقبل إقراره فيه ثم ينظر فإن كان عدلا وشهد مع شاهد آخر عدل حكم بشهادتهما وثبتت الكتابة، وإن لم يكن عدلا ولم يشهد شاهد آخر لا يجوز أن يحلف العبد معه لأنه لا يدخل فيها الشاهد واليمين لأن المقصود العتق دون المال ويكون القول قول الابن المنكر، فيحلف أنه لم يعلم ذلك فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين ردت اليمين، فإن حلف العبد ثبتت الكتابة، فإن نكل بطلت الكتابة في حقه وثبتت في حق المقر.
فإن قيل: جعلتم نصفه مكاتبًا بغير إذن شريكه وذلك خلاف قول الشافعي رضي الله عنه، قلنا: ههنا لم تقع الكتابة في الأصل محضة بل أقر أن أباه كاتبه جملة، ولكن بطلت في نصفه لإنكار الابن الآخر، فلم يوجب ذلك بطلانها في الباقي، فهو بخلاف ما لو كاتب نصفه ابتداء قصدًا إلى الإضرار بشريكه.
وأيضًا فإن ههنا ضرورة فهو كما لو أوصى أن يكاتب عبده عنه فلم يخرج من الثلث كاتبنا بعضه للضرورة.
فإذا تقرر هذا نظير فيه فإن اتفقا على المهأيأة خدمة يومًا، واكتسب لنفسه يومًا، وإن لم يتفقا على المهايأة لا يجبر عندنا عليها خلافًا لأبي حنيفة.
ثم ينظر فإن عجز نفسه استرقه السيد وما في يده من الكسب يكون له لأن السيد الآخر كان يأخذ كسبه في كل يوم فهذا الباقي حق لهذا الشريك.
وفرع الشافعي على هذا، فقال: إذا وجد في يد المكاتب كسب فاختلف السيدان فيه، [62/ ب] فقال المكذب: كان اكتسابه قبل عقد الكتابة فهو بيننا، وقال الآخر: بل اكتسبه بعد عقد الكتابة، فهو لي، فالقول قول المصدق لأنهما يختلفان في حدوث الكسب قبل الكتابة والأصل أن لا حدوث حتى يعلم ذلك وإن أدى المكاتب ذلك عتق بالأداء وما فضل من الكسب، فهو له ولا يقوم باقية على الابن المصدق ولا على الميت.
أما الابن فلأن التقويم إنما يكون على من باشر العتق أو تسبب إليه وهذا أخبر أن أباه كاتبه وأنه تسبب إلى عتقه، وأما الميت فقد زال ملكه بالموت فهو بمنزلة المعسر وهذا كما نقول إذا ترك ابنين وعبدًا فادعى العبد أن أباهما عتقه فأقر أحد الابنين وأنكر الآخر عتق نصيب أحدهما، وكان ولاءه لأبيه، ولا يقوم عليه.
ولو بادر المصدق فأعتق نصيبه أو أبرأه ثمن نجومه فعتق فهل يقوم عليه نصيب أخيه فيه وجهان، أحدهما: لا يقوم لأنه يعتق على أبيه دونه ولهذا نقول الولاء يثبت له، والثاني: يقوم عليه لأنه يضر بشريكه بتقديمه العتق، والأول أصح فإذا عتق هذا النصف بالأداء وثبت عليه الولاء ولمن يكون هذا الولاء فيه وجهان، أحدهما: يثبت للميت وينتقل إلى ابنيه لأنه عتقد بسبب كان منه وهو عقد الكتابة.
والثاني: يثبت للابن المصدق لأن المنكر أسقط حق نفسه من العتق والولاء، فإذا قلنا: الولاء بينهما فمات دفع إلى الابن المصدق نصف المال ويوقف نصيب المكذب إلى أن يقر به، [63/ أ]

الجزء: 8 - الصفحة: 289

فيدفع إليه، ولو شهد مع المصدق شاهد آخر وهما عدلان وحكمان بكتابة جميعه خلينا كبه فيؤدي إلى الابن المقر نصف مال الكتابة وفي النصف الآخر وجهان، أحدهما: يدفع إلى الابن المنكر، والثاني: يكون بمنزلة ما لو أقر لإنسان وهو يجحد.
مسألة: قال: «ولو ورثا مكاتبا، فأعتق أحدهما نصيبه فهو بريء من نصيبه من الكتابة».
الفصل جملة هذا إذا كاتب عبدًا ثم مات السيد وترك ابنين لا تنفسخ الكتابة بموته لأنها لازمة من جهة السيد ويقوم ابناه مقامه كما يقومان في سائر حقوقه فإذا أدى المكاتب المال إليهما عتق، وكذلك إذا أعتقاه أو أبرأه معًا يعتق ويثبت الولاء عليه للسيد ينتقل إلى عصبته وهما ابناه وإن عجز نفسه استرقاه وما أخذاه من الكسب وما يجدانه في يده يكون لهما، فإن أدى فهل يعتق فعلى ما سنبين إن شاء الله تعالى، وإن أعتقه أحدهما عتق نصيبه بلا خلاف وكذلك لو أبرأه أحدهما عن نفسه من المال عتق نصيبه عندنا.
وقال أبو حنيفة لا يعتق حتى يبرئة الآخر، أو يستوفي نصيبه، واحتج بما لو أبرأه السيد عن نصف النجوم لا يعتق منه شيء، وهذا لا يصح لأنه أبرأه من جميع ما استحقه عليه من مال الكتابة فوجب أن يلحقه العتق كما لو أبرأه سيده من كل النجوم وبهذا فارق ما احتجوا به.
وأيضًا فإعتاقه إياه إبراء عن المال الذي له في ذمته، فإنه لا يستحق عليه غير ذلك والحرية تقع من جهة الأب، ولو أعتق نصيبه عتق فكذلك إذا أبرأه عن قدر نصيبه [63 /ب].
فإذا تقرر هذا وعتق نصيبه فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه قولان، أحدهما: لا يقوم نقله المزني في «جامعه الكبير» واختباره، ونقله إلى «المختصر» في آخر الباب الذي بعد هذا الباب ونصره بأن قال: العتق عن أبيه بدليل أن الولاء له.
قال أبو إسحاق لا يختلف قول الشافعي في الولاء لأنه لأبيهما فوجب أن لا يقوم عليه، والقول الثاني يقوم عليه إن كان موسرًا، قال أبو حامد: وهذا أصح لأنه كان يمكنه أن لا يبرئ ولا يعتق حتى يعتق الجميع أو يعجز الجميع، فلما عجل العتق قبل الأداء إلى شريكه كان ذلك منه جناية أدت إلى تبعيض حريته فوجب التقويم عليه.
وأما فصل الولاء فلا يدل على عدم التقويم لأنه قد يقع العتق والولاء لشخص ويكون التقويم على غيره لأن أحد الشريكين لو قال لصاحبه أعتق نصيبك عني على ألف، فأعتقه فإنه يسري إلى نصيب شريكه ويكون العتق عن السائل والولاء له والتقويم على المباشر للعتق، وكذلك لو قال أجنبي لأحدهما: اعتق نصيبك عني على ألف، فأعتقه فإنه يكون ولاءه للأجنبي، ويقوم على الشريك المعتق لأنه أعتقه.

الجزء: 8 - الصفحة: 290

وقال بعض أصحابنا: في الولاء وجهان ذكره القفال وغيره.
وقال ابن أبي أحمد في «المفتاح» فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: أنه لمن أعتق على حكم الكتابة وما ذكره أبو إسحاق أصح، فإذا قلنا: يقوم.
قال في «المختصر»: يقوم عليه إن عجز إذا كان موسرًا، أو هذا يقتضي أن لا يقوم في الحال.
وهذا اختيار أبي إسحاق لأن عقد الكتابة تقدم [64/ أ] على السراية وفي التقويم فسخ العقد وإسقاط حق الأب من الولاء فلم يقوم ما دام العبد مقيمًا على عقده، فإذا عجز نفسه ورجع إلى ملك صاحبه سرت الحرية حينئذ ويقوم على المعتق، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر يقوم في الحال عليه ولا ينتظر عجزه لأنه إذا اجتمع للعبد الحرية من جهتين بدئ بأعجلهما، والأول أشبه بالمذهب وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن العبد بين شريكين إذا كاتباه، ثم أعتق أحدهما نصيبه، أو أبرأه يقوم عليه نصيب شريكه قولا واحدًا لأن الذي أعتق هو المعتق لا محالة إما بعقد كتابته، أو بإعتاقه بخلاف أحد الوارثين في أحد القولين، ولكن متى يقوم؟ فيه قولان، أحدهما: يقوم في الحال، والثاني: ينتظر تقويمه إلى حال الأداء فإن استغنى عن التقويم بأن أدى وإلا قوم حينئذ، ومن أصحابنا من قال: يقوم ههنا عاجلاً قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من قال: يقوم ههنا بعد العجز قولا واحدًا بخلاف مسألة الشريكين لن أحد الوارثين ليس بمعتق فلا يبطل عقد الكتابة وأحد الشريكين معتق فحصل ثلاثة طرق.
والصحيح الطريقة الأولى، والطريقة الثالثة أقرب من الطريقة الثانية، وكلاهما لا يصح، فإذا قلنا: لا يقوم عليه أصلا ينطر فإن أدى ما عليه من مال الكتابة عتق والولاء بينهما، وكذلك إن أعتقه الآخر أو أبرأه أيضًا، وإن عجز نفسه استرقه وأعاده إلى ملكه فيكون نصفه مملوكًا لهذا الابن الآخر والنصف الآخر قد عتق بإعتاق الابن الآخر فلمن يكون الولاء وجهان على ما ذكرنا، [64/ ب] وإذا قلنا: يقوم عليه في الحال قوم وتنفسخ الكتابة بالتقويم، ويعود هذا النصف مملوكًا له لأنه عتق في ملكه ومتى يحكم بنفوذ العتق فيه ثلاثة أقوال على ما ذكرنا في أحد الشريكين إذا أعتق متى يسيري إلى نصيب الشريك وولاء هذا النصف له وولاء النصف الأول على ما ذكرنا من الخلاف، فمن قال: الولاء للمعتق احتج بظاهر لفظ الشافعي وعتق إن كان موسرًا، وولاؤه له ومن قال: إنه للميت، قال: أراد به ولاء ذلك النصف الذي قوم عليه.
وفي مسألة الشريكين في المكاتب إذا أعتقه أحدهما وقومنا عليه الولاء كله للمقوم عليه بلا إشكال، وهكذا إذا قلنا: يقوم بعد العجز في مسألتنا ولاء النصف الذي قومنا عليه له بلا إشكال.
مسألة: قال: «والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
اعلم أنه إذا كاتب عبدًا لا يعتق بأداء بعض مال الكتابة حتى يؤدي جمعيه، قال بعض «الأم»، وهو عبد في شهادته وميراثه وحدوده والجناية عليه وجنايته بأن لا يعقلها

الجزء: 8 - الصفحة: 291

عاقلة مولاه ولا قرابة العبد وبه قال عمر وابن عمر وزيد وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا أدى قدر قيمته عتق ويؤدي الباقي في حال الحرية، فالخلاف بيننا وبينه إذا كوتب على أكثر من قيمته، وعن علي رضي الله عنه روايتان، أحدهما: أنه إذا أدى نصف مال الكتابة عتق، ويؤدي الباقي في حال الحرية وبه قال عروة [65/ أ] بن الزبير، والثانية: أنه كلما أدى جزءًا عتق بأدائه جزء منه وهو قول داود، وروي عن شريح أنه قال: إذا أدى ثلث كتابته عتق، وكان غريمًا بما فضل عنها.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا كتبت صحيفة المكاتب عتق بها، وكان غريمًا بما عليه، وقد روى عكرمة عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤدي المكاتب بقدر ما أدى ديةن حر ما بقي دية عبد».
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا أصاب المكاتب حدًا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه»، وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه ودليلنا ما ذكرنا من الخبر الصحيح المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما ذكروه، قال أصحابنا: الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنما روي مرسلا أو موقوفًا على علي رضي الله عنه ولأنه جعل ديته بقدر ما عتق منه، ولم يقل إنه يعتق بقدر ما أدى ولا حجة لهم فيه أو نحمله على أحد الروايتين إذا أعتقه بعد موت السيد.
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا يقاوم على المكاتب إلا حد العبد، وأيضًا فهذا لا يخلو، إما أن يجري مجرى المعاوضات فلا يجب على البائع تسليم شيء من المثمن إلا بعد تسليم تمام الثمن أو يجري مجرى العتق المعلق بالصفات فلا يعتق حتى توجد جميع الصفة، فإن قيل: أليس قلتم لو أن أحد الابنين أبرأه عن نصيبه عتق نصيبه.
وكان يجب أن يعتق على مولاه بقدر ما نقص [65/ ب] ثلثا الابن أبرأه عن جميع حقه فعتق عليه والسيد لم يسقط جميع حقه فوازان الابن أن يستوفي السيد جميع حقه فيعتق عليه.
منسألة: قال: «وإن مات وله مال حاضر وولد مات عبدًا».
الفصل هذه المسألة مبنية على أن عقد الكتابة جائز أم لازم فعندنا أنه لازم من جهة السيد

الجزء: 8 - الصفحة: 292

لا يفسخه ما لم يعجز المكاتب من الأداء وغير لازم من جهة العبد فله أن يعجز نفسه متى شاء.
وقال مالك وأبو حنيفة هو لازم من جهة العبد أيضا، فإذا كان له مال يفي بما عليه أجبر على أدائه وليس له الامتناع وإن لم يكن له مال قد ذكرنا أن عند أبي حنيفة لا يجبر على الاكتساب خلافًا لمالك وهذا لا يصح لأن ما لا يجبر العبد على فعله إذا لم يحصل شرطا لعتقه لم يجبر عليه، وإن جعل شرطا لعتقه، كدخول الدار إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر، فإذا تقرر هذا الكلام الآن في الموت هل تفسخ به الكتابة؟ ولا خلاف أنه لا يفسخ بموت السيد على ما ذكرنا، فإذا مات المكاتب فعندنا تنفسخ به الكتابة ويكون ما في يده لسيده، ومات رقيقًا وبه قال أحمد في رواية، وروى هذا عن عمر ورزيد رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ولفظ ابن عمر: إذا مات المكاتب وقد أدى طائفة من كتابته وترك مالا كل ما ترك لسيده ليس لورثته من ماله شيء، وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا ترك المكاتب وفاء بما بقي عليه من الكتابة عتق، وإن ترك [65/ ب] زيادة كانت لولده الأحرار وبه قال عطاء وطاوس والنخعي والحسن وأبو حنيفة ومالك والثوري.
وقد قال أبو حنيفة: إن لم يخلف وفاء انفسخت الكتابة، ومات عبدًا وإن لم يخلف وفاء لم تنفسخ ويؤدي عنه ويحكم بأنه عتق في آخر جزء من أجزاء حياته، ويكون ماله لورثته المناسبين فإن لم يكن كان لمولاه.
وقال مالك: إن لم يخلف ولدًا أو خلف ولدًا حرًا أو مملوكًا ولد قبل عقد الكتابة لا تنفسخ بل يكلف الولد أن يؤدي المال الذي على أبيه، فيعتق ويتبعه الولد في الحرية، وإن لم يكن أجبر هذا الولد على الاكتساب والأداء، وقد ذكرنا عن مالك خلاف هذا على ما ذكره القفال، وهذا الذي ذكرناه أصح من مذهبه، ودليلنا ما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: «من كاتب عبد على مائة أوقية فبقي عليه عشر أواق أو عشرة دراهم فمات فهو رقيق»، ولأنه مات قبل أداء مال الكتابة فوجب أن تنفسخ الكتابة كما لم يخلف وفاء، وأيضًا فالعقد عقد العتق لأنه يقصد به العتق حقيقة، ومحل العتق قد فات فيستحيل بقاء عقد العقد مع فوت المحل.
فرع قال في «الأم»: لو قال سيده بعد موته قد وضعت الكتابة عنه أو وهبتها له أو أعتقه لم يكن حرًا، وكان المال ماله بحاله لأنه إنما وهب لميت مال نفسه.
فرع آخر قال: وإذا مات المكاتب فعلى سيده كفنه ومؤنة قبره لأنه عبد، وكذلك لو كان أحضر المال ليدفعه [66/ ب] إلى سيده، فلم يقبضه سيده حتى مات، مات عبدًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 293

فرع آخر لو قتله سيده قبل أن يقبضه كان ظالمًا ومات عبدًا، وللسيد ماله ويعزر سيده في قتله.
فرع آخر قال: ولو وكل المكاتب من يدفع إلى سيده آخر نجومه ومات المكاتب، فقال: ولد المكاتب الحر قد دفعها إليك الوكيل وأبي حي، وقال السيد: ما دفعتها إلا بعد موت أبيك، فالقول قول السيد لأنه ماله.
فرع آخر لو أقاموا بينة على أنه دفعها إليه يوم الاثنين ومات أبوهم يوم الاثنين كان القول قول السيد حتى تقطع البينة على أنه دفعها إليه قبل موت المكاتب، أو توقت؟، فتقول دفعها إليه قبل طلوع الشمس يوم الاثنين ويقر السيد بأن العبد مات يوم الاثنين بعد طلوع الشمس من يوم الاثنين أو تقوم بينة بذلك، فيكون قد عتق.
فرع آخر لو شهد وكيل المكاتب بأنه دفع لك إلى سيده قبل موت المكاتب لم تقبل شهادته وكذلك لو وكل السيد رجلا يقبض من المكاتب آخر نجومه، فشهد وكيل سيد المكاتب عليه وحلف ورثة المكاتب مع شهادته وكان أبوهم حر وورثه ورثته الأحرار، ومن يعتق بعتقه هكذا نص عليه، ومعناه أن وكيل السيد شهد أنه قبضه من المكاتب، فتقبل شهادته لأنه يشهد على موكله فكان متهم فيه، ويخالف وكيل المكاتب إذا شهد أن المكاتب دفعه إلى سيده لأنه يشهد لموكله فكان متهمًا فيه، وإنما حلف الوارث مع الشاهد الواحد على قبضه لأن ذلك شهادة على قبض مال.
فرع آخر قال في «الأم» [67/ أ]: وكل ما اكتسبه المكاتب بعد الكتابة أو ملكه بوجه من الوجوه فذلك له وكل ما كان في يده قبل عقد الكتابة فهو لسيده، ولو اختلف العبد والسيد في مال في يد العبد بعد الكتابة، فقال العبد: أفدته بعد الكتابة، وقال السيد: قبلها، فالقول قول الع 9 بد مع يمينه وعلى السيد البينة، فإن أقام شاهدين أو شاهدًا وامرأتين أو شاهدًا، وحلف معه أنه كان في يده قبل عقد الكتابة، فهو ليسده وكذلك ما أقر العبد أنه كان في يده قبل الكتابة، ولو شهد الشهود على شيء كان في يد العبد، ولم يجد واحدًا يد له على أن ذلك كان في يده قبل الكتابة كان القول قول العبد حتى يجدوا وقتًا يعلم به أن المال كان في يد العبد قبل الكتابة، وكذلك لو كان في يده يوم الاثنين لغرة شهر كذا والكتابة كانت في ذلك اليوم.
كان القول قول العبد حتى تحد

الجزء: 8 - الصفحة: 294

البينة حدًا يعلم أن المال كان في يده قبل الكتابة.
ولو شهدوا أنه إن كان في يده في رجب فشهدوا على الكتابة في شعبان من سنة واحدة، فقال العبد: كاتبني بلا بينة قبل رجب أو في رجب قبل الوقت الذي شهدت عليه البينة فيه كان القول قول السيد.
فرع آخر لو قال السيد في كتابته كلما أدى منها نجمًا عتق بقدره كانت كتابة فاسدة ويعتق بقسطه لوجود الصفة ويسري العتق إلى باقية وبماذا يرجع السيد على ماكتبه وجهان، أحدهما: بجميع القيمة لأن الكتابة أفضت إلى عتق جميعه ورجع بما أداه إليه، والبثاني: يرجع عليه بقيمة البعض الذي عتق منه بالصفة ولا يرجع عليه [67/ ب] بقيمة ما عتق بالسراية لاختصاص العتق في الكتابة بالصفات دون السراية.
فرع آخر إذا مات وبقي عليه شيء يسير من آخر النجوم بقدر ما يجب عليه إيتاؤه إليه لم يعتق فإن قيل: أليس هذا القدر واجبًا عليه أن يؤتيه، فينبغي أن يعتق ويتقاصا، قيل: الإيتاء غير معلوم، فلا يسقط عليه شيء معلوم ولا يقع به المقاصة لأن على السيد أن يفعله وما عليه أن يفعله لا يقع بنفسه كما لو أوصى بأن يعتق عنه عبد لم يعتق إلا بإعتاق الورثة.
فرع آخر إذا قال لعبده: إن كنت ملكي فقد كاتبتك على كذا فإن كان بشك في ملكه لم يجز وإن علمه ملكًا، فهذا القول تأكيد لم يضره.
فرع آخر إذا قال: إن ملكت عبدًا فلله علي أن أكاتبه وكان بالغًا عاقلاً فملكه يلزمه عرض الكتابة عليه.
فرع آخر لو قال لعبده: إن كنت مأمونًا قادرًا على الكسب فقد كاتبتك بطلت الكتابة للتعليق.
فرع آخر لو قال: كاتبوا أحد عبيدي ولم يكن له إلا واحد كوتب.
مسألة: قال: «ولو جاء بنجم، فقال السيد: هو حرام».
الفصل ينظر في هذا فإن كان مع السيد بينة بذلك لم يجبر على أخذه، بل يقال للمكاتب:

الجزء: 8 - الصفحة: 295

إن جئت بمال آخر وإلا عجزت لأنه إنما كاتبه على شيء يسلم له أو يمكنه التصرف فيه ولا يحمك بهذه البينة لمن أقام له البينة أنه مغصوب منه لأن ذلك لا يدعيه، وإن لم يكن معه بينة يحلف المكاتب، فإن لم يحلف ردت اليمين على السيد فيحلف [68/ أ] ويحكم بأنه مغصوب أو حرام، ولا يجبر على أخذه، وإذا حلف المكاتب يقال لسيده: هذا مال محكوم له به فإما أن تقبضه منه أوتبرئه، فإن أبرأه سقط اليمين عنه وعتق، وإن لم يفعل يقبضه الحاكم وعتق المكاتب، ولو أخذه هو عتق المكاتب ثم ينظر فإن قال السيد: هو حرام، ولم يعين صاحبه يقال له: أمسكه في يدك إلى أن يتبين صاحبه ويمنع من التصرف فيه، وإن قال: هو مغصوب من فلان يلزمه تسليمه إليه، قال: القفال وشهادة السيد أنه مغصوب لفلان لا يقبل بعدما عرض عليه وأن تقبل شهادته ابتداء على مكاتبة بأنه غصب من فلان كذا، فإن قيل: أليس قال الشافعي في كتاب «التفليس» لو اختلف البائع والمفلس، فقال البائع: اخترت عين مالي قبل الإبار والثمرة لي، فقال المفلس: بل بعد الإبار فالثمرة للغرماء فصدق بعض الغرماء البائع في دعواه كان القول قول المفلس ويأخذ الثمرة من لم يصدق البائع دون من صدق، فما الفرق بين الموضعين؟، قلنا: قال أبو إسحاق: إنما أراد الشافعي إذا اختار المفلس ذلك لأن له أن يعين قضاء الدين من أي المال شاء، فأما إذا أراد أن يعطي من كذبه أجبر عليه، وقيل: فيهما قولان، والصحيح الفرق وهو أن ههنا إذا لم يجبر السيد على أخذه كان له مطالبته بمال آخر ثم يمكنه أن يقول في كل مال نحمله إليه مثل ذلك حتى يؤدي إلى عجزه ورقه، فأجبرناه عليه وليس [68/ ب] كذلك الغرماء، فإنهم إذا لم يجبروا على أخذ ما صدقوا البائع عليه لم يكن لهم مطالبة أخرى بمال آخر فلا يؤدي إلى الإضرار بأخذ فافترقا.
فرع قال في «الأم»: ولا يجبر السيد إلا على أحد ما كاتبه عليه فغن كاتبه على دنانير لم يجبر على أخذ الدراهم وكذلك إن كاتبه على دراهم لم يجبر على أخذ الدنانير بدلها وإن كاتب على سلعة لم يجبر على أخذ قيمتها.
فرع آخر قال: وإن جاءه بأجود من ذهبه أو ورقه أو سلعته كان عليه أخذه، بعد أن يجمع ذلك صفة واحدة ويؤيده جودة ولو أعطاه مكان عجوة من التمر صبحًا نيئًا لم يكن عليه أخذه وإن كان خيرًا من العجوة، فإن كاتبه على دنانير حدد جياد من ضرب سنة كذا فأدى إليه من ضرب غير تلك السنة كان عليه أخذه وإن كان الذي كاتبه عليها ينفق في بلد ولا ينفق بالذي أعطاه بذلك البلد لم يجبر على أخذه وإن كان خيرًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 296

فرع آخر لو كان السيد غائبًا فجاء بالنجم إلى الحاكم يوم المحل يقبله منه ليعتق، ولا يقبل قبل المحل إلا أن يعرف أنه لا ضرر من السيد في أخذه نص عليه، ولو كان على حر دين لرجل غائب، فأتى به الحاكم، فهل يقبله على الغائب؟ فيه وجهان، أحدهما: يقبله، والثاني: لا يقبله لأنه ليس للمؤدى فيه غرض إلا سقوط الدين عنه، والنظر للغائب ترك المال في ذمة الملي وربما يتلف في يد الحاكم أمانة بلا ضمان، ويفارق مال الكتابة لأنه يتعلق به العتق بخلاف ذلك.
مسألة: قال: «وليس له أن يتزوج [69/ أ] إلا بإذن سيده».
اعلم أنه إذا تزوج المكاتب فإن كان من غير إذن سيده لا يجوز، فإن تزوج كان باطلاً كالعبد، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما عبد نكح بغير إذن سيده فنكاحه باطل» والمكاتب عبد.
ولأن في يده إتلاف ما في يده بالمهر والنفقة، ولا يجوز للمكاتب وإن أذن له السيد جاز قولاً واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه لأن المكاتب أحسن حالا من العبد ولو أنه أذن للعبد في النكاح جاز، فالمكاتب أولى ولأن المكاتب حاجة إلى النكاح ليحصن فرجه ويحصل له الاستمتاع الذي جبل عليه الآدمي فلو منعناه بإذنه أضررنا به وبهذا يخالف العتق والهبة لا يجوزان من المكاتب مع الأذن في أحد القولين لأنه لا حاجة بالمكاتب إليهما، وأيضًا، فالهبة والعتق استهلاك مال عاجل والنكاح قد يفضي إلى الاستهلاك وقد لا يفضي، ومن أصحابنا من قال في نكاحه بإذن السيد قولان كما في تبرعاته لأنه إخراج مال لا بإزاء مال ذكره القفال، وهذا غير صحيح لما ذكرنا من الفرق، وقال ابن أبي ليلى أن شرط السيد على مكاتبه أن لا يتزوج إلا بأمره وجب أن يستأمره وإن لم يشترط جاز أن يتزوج بغير أمره وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع قال في «الأم»: وإن تزوج بإذن سيده لزمته نفقة زوجته وإن كان له ولد صغير أو كبير زمن محتاج لم تلزمه نفقته وأولاده من المنكوحة حكمهم حكم أمهم، فإن كانت أمهم حرة فهم أحرار، [69/ ب] وإن كانت مملوكة فهم مماليك لسيد أمهم وإن كانت مكاتبة لغير سيده، فليس للأب سبيل عليهم وكانوا مرقوقين على حكم أمهم، أو أرقاء لسيدها على أحد القولين، وإن كانت مكاتبة لسيده كانت معه في الكتابة، أو لم يكن فسواء فالأولاد مرقوقون على حكم أمهم أو أرقاء على ما ذكرنا.
مسألة: قال: «ولا يشتري بحال».
للمكاتب أن يشتري الإماء للفائدة والربح، ولكن لا يجوز أن يطأ أمةً بغير إذن سيده

الجزء: 8 - الصفحة: 297

لأنه ربما يحبلها فتموت في الأداء فيكون فيه تغرير بالمال، وإن أذن له السيد في الوطئ، فإن قلنا: العبد إذا ملك يملك فملكه، وأذن له في الوطء يحل له الوطء وإن قلنا: لا يملك لا يحل له الوطء وهو الصحيح، وقال ابن أبي هريرة يحتمل أن يجوز له ذلك قولاً واحدًا لأن إذن السيد للمكاتب لا يكمل ملكه.
وقال القفال: هل يحل الوطء بالإذن؟ قولان كما في الهبة بإذن السيد، وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك، وهذا لا يصح على ما ذكرنا في النكاح، وإذا قلنا: لا يحل الوطء على قوله الجديد فخالف ووطء لم يجب الحد للشبهة فإن ولجت منه، قال الشافعي: فإن كان لستة أشهر بعد العتق صارت أم ولد له قولا واحدً، قال أبو إسحاق بجواز أن تكون علقت منه بعد العتق، وإن ولدت لأقل من ستة أشهر من حين العتق، قال الشافعي: لا تصير أم ولد له لأنها علقت به في ملك ناقص هذا هو المشهور من قول الشافعي.
وقال أبو إسحاق: على القول الذي نقول إذا وطئها بشبهة فأحبلها [70/ أ] ثم ملكها تصير أم ولدٍ له، فكذلك ههنا تصير أم ولد ونص على هذا في كتاب العدة، ذكر القاضي أبو حامد، أغني هذا النص، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق فيه نظر لأن في تلك، المسألة علقت بحر وههنا علقت بممولك والنص الذي حكاه أبو حامد غير مشهور، وقيل في المسألة وجهان، لأن هذا الولد حرمه الحرية وإن كان مملوكًا لأنه لا يجوز بيعه، وقال القفال إن ولدت لستة أشهر، وكان وطئها بعد العتق صارت أم ولد، وإن لم يكن وطئنا واستبرائها، ثم جاءت بولد لستة أشهر لا تصير أم ولد له ولا يلحقه الولد، وإن لم يستبرئها وجاءت من يوم العتق لستة أشهر، فهو كما لو كان لأقل من ستة أشهر لأن العلوق كان قبل عتقه، ومن أصحابنا من قال: تصير أم ولد له ههنا كما لو أقر بوطئها بعد العتق ولا يستند علوق الولد إلى حالة الرق.
قال: ومتى حكمنا بالعلوق قبل العتق هل تصير الجالية أم ولد؟ فيه قولان، أحدهما: تصير أم ولده فلا يبيعها، وإذا عتق استقر أمر الاستيلاد فيها وإن رق رق لأنها ملكه وثبت لولده منها حكم نفسه كالحر يستولد، والثاني: لا تصير أم ولده في الحال لتعلق حق السيد بها، فإذا قلنا: بهذا فلو عتق هل تصير أم ولده فيه قولان كمن استولد جارية غيره فولد حر ثم ملكها إذ لا تكون جارية المكاتب بأبعد من أن تصير أم ولده من جارية الأجنبي، والصحيح الطريقة الأولى، وأما الولد فثابت النسب ولا مهر عليه لأن [70/ ب] الوطء صادف ملكه وإن كان ناقصًا ولا يعتق عليه الولد، ولكنه يتكاتب عليه ومعنى التكاتب أنه لا يبيعه ولا يتصرف فيه بما يؤدي إلى إزالة الملك، وهكذا لو وهب له ولده ولا يثبت للولد من أحكام الكتابة شيء إلا هذا الحكم الواحد الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ويجبر السيد على أن يضع من كتابته شيئًا».
الإيتاء في الكتابة واجب عندنا وهو أن يحط السيد من مكاتبه شيئًا من مال الكتابة

الجزء: 8 - الصفحة: 298

أورد عليه منه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري هو مستحب غير واجب ودليلنا قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
فأمر بالإيتاء وظاهره الوجوب، وروي عن علي رضي الله عنه موقوفًا ومرفوعًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية «ينزل للمكاتب ويحط به ربع الكتابة»، وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبدًا لخمسة وثلاثين ألفا ووضع عنه خمسة آلاف.
قال الشافعي أحسبه قال: من آخر نجومه، وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنهم كاتب عبدًا فجاءه بنجمه، فقال: اذهب فاستعن به في كتابتك، فقال: لو تركت حتى يكون آخر نجم، قال: إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، وروي عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية، يقول الله تعالى: «ضعوا عنهم من مكاتبتهم»، وروي عن فضالة، قال: كاتبني عمر رضي الله عنه فاستقرض من حفصة مائتي درهم فأعانني بها، فذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ [71/ أ] الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فإذا ثبت هذا، فالكلام في الإيتاء في ثلاثة فصول في وقته وجنسه وقدره، فأما وقته فله وقتان وقت جواز ووقت وجوب، فأما وقت الجواز فهو بعد عقد الكتابة إلى وقت الأداء، وبعد الأداء والعتق لأن القصد منه منفعة العبد، وهذا يحصل في جميع هذه الأوقات.
وأما وقت الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقته بعد العتق كوقت المتعة في النكاح بعد الطلاق.
والمذهب وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة أن وقته قبل العتق لأن الله تعالى فرض للمكاتب سهمًا من الصدقات، وليس للسيد دفع صدقته إلى مكاتبه فوجب عليه بإزائه الإيتاء قبل العتق أيضا، ويفارق المتعة في الطلاق لأن الغرب بها أن لا يخلو العقد من عوض، وذلك يحصل بالإيجاب بعد الطلاق، والغرب بالإيتاء المعونة حتى يحصل له العتق ولا يحتاج إليها بعد العتق ومن أصحابنا من قال: تجب بالعقد ويتضيق وجوبه عند آخر نجومه، قال أبو إسحاق: وإنما يتعين عليه إذا بقي عليه من مال الكتابة قد ما يلزمه أن يدفعه إليه، وقيل: ذلك لا يتعين عليه ومنهم من قال: يجب إذا استأدى منه شيئا بعد العقد وجوبًا موسعًا ويتضيق عند آخر نجومه لأن الله تعالى قال: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، فلا بد من أن يحصل من جهة المكاتب إيتاء شيء حتى يتناوله الأمر بذلك.
وحكى القفال عن بعض أصحابنا [71/ ب] أنه قال: إذا حط أو أتاه مالا قبل آخر النجوم لا يجوز بل أن يحصل العتق بحطه أو يؤتيه بعد العتق ليحصل فيه كمال التمليك.

الجزء: 8 - الصفحة: 299

وأما جنسه فاليسد بالخيار بين أن يحط بعض ما عليه وبين أن يدفع إليه من عنده، فأما الدفع من عنده ثابت بنص الكتاب والحط ثابت بالنسبة بدليل ما ذكرنا من الأخبار والحط أولى من الإيتاء لأنه ربما يصرفه في مال الكتابة، وربما لا يصرفه وإذا حط تحقق نفعه به فكان الحط أولى، وقال الشافعي رضي الله عنه في «الأم»: ويجبر سيد العبد على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ومهما وضع منه لم يجبر على أكثر منه وهذا يدل على أن الحط هو الواجب، وقال بعض أصحابنا الأصل هو الإيتاء أم الحط فيه وجهان، أحدهما: الأصل هو إيتاء، ومعناه إذا أدى جميع النجوم يؤتيه السيد مالا يتعيش به أيامًا ليهيئ أمر نفسه والحط يقوم مقام الإيتاء، والثاني: الحط هو الأصل، والإيتاء يقوم مقامه لأنه لا معنى للأخذ منه والرد عليه، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، فإذا تقرر هذا فالحط لا يتصور إلا من مال الكتابة وفي الإيتاء مسائل، أحدها: أن يدفع إليه من نفس المال الذي أعطاه فيجوز ذلك، والثانية: أن يعطيه من غير الجنس الذي كاتبه عليه لا يجوز بلا خلاف لأن الله تعالى أمر أن يعطى من مال الله يعني مما كوتب عليه، وليس هذا منه نص على هذا في «الأم»، وقال: إلا أن يشاء العبد أن يأخذه، والثالثة: أن يعطيه من غير المال الذي أعطاه، إلا أنه من جنسه، فالمذهب أن ذلك لا يجوز [72/ أ].
ومن أصحابنا من قال: يجوز لأنه ليس بآكد من الزكاة لو عدل عن العين إلى جنسه جاز، فهذا أولى وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ {النور: 33]، وهذا غير ذلك هذا ذكره بعض أصحابنا، وقال القاضي الطبري: المشهور أنه يجوز ذلك.
ومن أصحابنا من غلط، فقال: لا يجوز لأنه الشافعي قال: ويعطيه مما أخذه.
والجواب عنه أن الشافعي أراد من جنسه لا من عينه، وهذا أصح عندي ومعنى قوله: لا يجوز، أي لا يجبر على قبوله فإن وصى المكاتب فلا شك في جوازه.
وأما قدر الإيتاء فليس بمحدود بل للسيد أن يدفع إليه ما شاء مما يقع عليه اسم المال وإن كان حبة نص عليه في «الأم».
وقال أبو إسحاق: يعتبر بمال الكاتهابة فيضع على حسب قلته وكثرته، فإن تراضى العبد والسيد على شيء منه، وإلا رفع إلى الحاكم حتى يجتهد فيه فيضع عنه ما يؤدي إليه اجتهاده كما نقول في المتعة على الموسع قدره على المقتر قدره، وهذا له وجه، ولكن خلاف نص الشافعي رضي الله عنه.
والمستحب أن يضع ربع الكتابة للخبر الذي ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: الثلث وليس بشيء.
فرع لو أدى جميع مال الكتابة وامتنع السيد من الإيتاء، فللمكاتب أن يطالبه به متى شاء

الجزء: 8 - الصفحة: 300

فإن مات قبل (أن) يعطيه أو يضع عنه، قال في «الأم»: يجبر ورثته على ذلك ولا يسقط الدين بموته، بل يتعلق ذلك بتركته كدين الحر سواء.
مسألة: قال في «الأم»: فإن كان ورثته [72/ ب] صغارًا وضع الحاكم عنه أول ما يقع عليه اسم الشيء وما زاد سيد المكاتب أو ورثته إذا كانت أمورهم جائزة فهم متطوعون به، وإن كان هناك وصى الورثة فعل الوصي ذلك، ويجبر الحاكم أن يعطيه أقل الأشياء، فإن كان على الميت دين أو وصية جعل للمكاتب أدنى الأشياء يحاصصهم فإن مات السيد فأعطى وارثه المكاتب أكثر مما يقع عليه اسم الشيء كان لمن بقي من الورثة رده، وكذلك لأهل الدين والوصية، وهكذا سيده إذا أفلس كان للغرماء رد الفضل، والشيء كل ماله ثمن وإن قل وكان أقل من درهم فإن كاتب على دنانير فأعطاه حبة ذهب أو أقل ما له ثمن جاز، وهذا كله نص على أنه غير مقدر.
مسألة: قال: «فإن مات السيد بعد قبض جميع الكتابة حاص بالذي له أهل الدين والوصايا».
قال المزني: يلزمه أن يقدمه على الوصايا على أصل قوله، وهذا كما قال: قال أصحابنا: معنى قول الشافعي أن الذي للمكاتب مقدم على الميراث ولم يرد به أنه يساوي الوصية ولو جاز أن يحمل على ذلك لوجب أن يكون الدين مساويًا للوصايا لأن الشافعي سوى ها هنا بين الجميع وقيل: أراد الشافعي بقوله: حاص أهل الوصايا أي ساواهم في وجوب حقه لا في التقديم والتأخير، وقال القاضي الطبري هذا اللفظ نقله المزني على المعنى وليس هو من كلام الشافعي، وإنما قال الشافعي في «الأم»، فإن كان على الميت دين أو وصية يجعل للمكاتب أدنى الأشياء يخاصمهم به، [73/ أ] وإنما أراد به يحاص أهل الدين فنقل المزني هذا الكلام على المعنى، وجعله صريحًا فيه ليعترض عليه، وقيل: غلط الكاتب وإنما هو حاص أهل الدين دون الوصايا وفي هذا نظر، وقال أبو إسحاق من أصحابنا من قال: إنما أجراه الشافعي مجرى الوصايا لأنه ليس بشيء محدود، فيضرب به مع الغرماء وإنما يمكنه أن يضرب به مع الغرماء إذا كان له حد معلوم.
قال أبو إسحاق: والأول أشبه بمذهبه ومن أصحابنا من علل لهذا الوجه بأن هذا الدين ضعيف لأنه غير مقدر، فسوي بينه وبين الوصايا لضعفه، وهذا ليس بشيء لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يسوي بينه وبين الديون الواجبة، ومن أصحابنا من قال: أراد بأهل الوصايا أهل الديون الذين تثبت ديونهم بالإقرار في حال المرض.
ومن أصحابنا من قال: أراد إذا كان السيد أوصى عند موته بأن يدفع إلى مكاتبة أكثر من القدر الذي يستحقه فيكون، القدر الذي يستحقه من الإيتاء دينارًا واجبًا يحاص به أهل الديون وما زاد على ذلك يحاص به أهل الوصايا.
أو أراد أن القاضي فرض له شيئًا باجتهاده ورضي به الوارث، فهو زيادة على ما

الجزء: 8 - الصفحة: 301

يلزمه ورضي به أهل الوصايا دون أهل الديون فبالأقل يحاص أهل الديون وبالزيادة يحاص أهل الوصايا وهذا ضعيف، وقيل: أراد ديونًا موصى بقضائها فيحاصها وسائر الديون بالقدر الذي قدر الحاكم له.
قال القفال: وهذا كله إذا كان قد استهلك السيد ما قبض، [73/ ب] فإن كان العين باقيًا أو بعضه باقيًا، فما قدره الحاكم يؤخذ من تلك العين من غير مزاحمة.
مسألة: قال: «وليس لولي أن يكاتب عبده».
كل من يلي مال الطفل أو المجنون من أب أو جد أو وصي أو حاكم أو قيم من جهة الحاكم لا يكاتب عبده، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يجوز، وزاد أحمد، فقال: يجوز عتقه على المال أيضًا، وهذا لا يصح لما قال الشافعي: إنه لا نظر له فيه، وأراد أن الكتابة عتق العبد بكسبه وكسبه ليسده لو لم يكاتبه فلا يكون لليتيم فيه حظ ولا نظر، فإن قيل قد يكاتبه على أكثر من ثمنه أضعافًا ويدفع إليه من صدقات المسلمين ولو تركه وكسبه لم يره إلا شيء يسير، قلنا: قد يكسب ويتلف ثم يعود إلى الرق فلا يحصل في يد السيد إلا رقبته بعد تلف كسبه مدة كتابته فإذا تقرر هذا فإن كاتب واحد منهم، فالكتابة فاسدة فإن أدى العبد المال لم يعتق لأن المعاوضة باطلة والعتق بالصفة إنما يقع، فمن يملك إيقاعه والولي لا يقدر على إعتاق عبد الطفل بصفة ثم المال الذي أدى منه حلال لسيده، وإن أعطى من سهم الرقاب رجع الوالي عليه فأخذه ممن صار إليه، لأنه ليس من الرقاب.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه: ولو كان العبد بين محجور عليه بائع أو صبي وبين رجل يلي نفسه لم تجز كتابته أذن فيها المحجور عليه ووليه أو لم يأذن فإن أدى عتق نصيب غير المحجور عليه وتراجع هو والعبد [74/ أي بنصف قيمة العبد وعتق كله عليه إن كان موسرًا وضمن المحجور عليه نصف قيمته مملوكًا، ولا يرجع على المحجور عليه بشيء أخذه منه لأنه أخذه من عبده، وأراد به ما أخذه في حال كتابته.
فرع آخر قال في «الأم»: لو كاتب الصبي عبده لم تجز كتابته سواء أذن أبوه في ذلك القاضي أو نائبه وكذلك لو أعتقه على مال يأخذه منه لأن الصبي ممن لا يجوز عتقه وعند أبي حنيفة تجوز كتابته بإذن السيد.
فرع آخر قال: ولو كاتب محجور عليه عبده لم يجز ولو أدى إليه لم يعتق سواء أدى إليه قبل أن يطلق الحجر عنه أو بعدما أطلق.
وهكذا لو قال له إن دخلت الدار فأنت حر، ثم

الجزء: 8 - الصفحة: 302

أطلق عنه الحجر، ثم دخل الدار لم يعتق يحدد يمينًا أو عتقًا بعد إطلاق الحجر.
فرع آخر قال: لو ادعى عبد على سيده أنه كاتبه، فقال: كاتبتك، وأن محجور، وقال العبد: كاتبتني وأنت غير محجور عليك، ثم حجر عليك، فالقول قول العبد، وعلى السيد البينة.
قال القاضي أبو حامد وإن كان السيد في حجر أطلق عنه، أو كان به جنون، فالقول قوله مع يمينه، وما ادعى من الكتابة باطل.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو كاتب السيد عبده، وهو غير محجور عليه ثم حجر على السيد كانت الكتابة ثابتة ويستأدي وليه الكتابة، فإذا أدى العبد فهو حر، ولو دفع إلى المحجور عليه لا يعتق لأنه قبضه لا يصح ذكره أصحابنا وإن أطلق عنه الحجر بعد ذلك لا يعتق أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان [74/ ب] إذا دفع إليه وقلنا: لا يعتق ثم أطلق الحجر عنه من بعد هل يعتق بالإيتاء السابق قد قيل: قولان، وقيل: قولا واحدًا لا يعتق لأن الحجر عليه لا لغيره.
مسألة: قال: ولو اختلف السيد والمكاتب تحالفا وترادا.
هكذا نقل المزني وقال في «الأم» إذا تصادق السيد والعبد على أن كاتبه كتابة صحيحة واختلفا في الكتابة، فقال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: على ألف تحالفا كما يتحالف المتبايعان ويترادان فمن أصحابنا من قال: لفظ التراد غلط من الكاتب في هذه المسألة لأن العتق لا يرد إذا وقع وهذا يتبين من كلام الشافعي في «الأم» لأنه ذكر التراد فيما شبه الكتابة به من اختلاف المتبايعين لا في الكتابة ومن أصحابنا من قال: المراد به فسخ الكتابة وهو صحيح وجملته أنه إذا اختلفا في مقدار الكتابة أو في مقدار النجوم، أو في مقدار الأجل، أو في جنس مال الكتابة فإنهما يتحالفان، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: القول قول المكاتب وعن أحمد ثلاث روايات: إحداها كقولنا، والثانية: كقول أبي حنيفة، والثالثة: القول قول السيد، ودليلنا أنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما، وليس مع أحدهما بينة فيتحالفان كما في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن.
فإن قيل: القياس أن لا تحالف، ولكن أثبتناه في البيع للخبر، قيل: القياس هو التحالف لأن كل واحد منهما مدعي ومدعى عليه ولأن في الإجارة يثبت التحالف، [75/ أ] ولم يرد فيها الخبر، فلم يصح ما قاله، فإذا تقرر هذا وتحالفا انفسخ عقد الكتابة فإن كان قبل العتق عاد العبد رقيقا كما كان وهذا إذا قلنا: ينفسخ البيع

الجزء: 8 - الصفحة: 303

بالتحالف من غير حكم الحاكم فأما إذا قلنا: في التحالف لا ينفسخ البيع ما لم يفسخ الحاكم بعد التحالف لا يعود العبد رقيقًا ههنا بنفس التحالف بل إذا تراضيا على شيء بعد التحالف أقرا عليه وعتق العبد بأدائه، وإن لم يتراضيا فسخها الحاكم ثم يعود العبد رقيقًا، وإن كان بعد الأداء ووقوع العتق لم يرد العتق ولكنهما يتراجعان بالقيمة لأن العقد ينفسخ ويسقط المسمى فيكون بمنزلة الأداء في الكتابة الفاسدة فيثبت التراجع، فإن قيل: كيف يتصور اختلافهما بعد عتقه، قيل: ذكر الشافعي في الإملاء وحرملة صورة ذلك، فقال: قال الشافعي: لو أن رجلا جاء إلى الحاكم ومعه عبد له، فقال: كاتبت عبدي هذا كتابة صحيحة على ألفي درهم وقبضها منه فعتق، وقال العبد: صدق في كل ما قال إلا في الألفين فإنه ما كاتبني إلا على ألف درهم وأعطيته ألفين على أن يكون لي عنده ألف، وليس لواحد منهما بينة تحالفا كما يتحالف المتبايعان الحران، وكان للسيد على العبد من الألفين قدر قيمته، فإن كانت قيمته أكثر من ألفين رجع السيد بالفضل عليه فإن أقاما جميعًا البينة، فقال بينة العبد كاتبه في شهر رمضان من سنة كذا على ألف، وقال: بينة السيد كاتبه في شوال من تلك السنة على ألفين، [75/ ب] واتفقا على أن الكتابة كانت واحدة، قال الشافعي: كان هذا كذابا من كل واحدة من البينتين للأخرى ويتحالفا وهو مملوك بحاله وإن لم يتفقا على أن الكتابة كانت واحدة.
قال الشافعي: البينة المتأخرة أولى لأنهما قد يكونان صادقين فتكون كتابته في شهر رمضان ثم انقضت الكتابة وأحدث له كتابة أخرى، قال الشافعي: إلا أن تكون البينة الأولى أنه أدى وعتق، فتكون البينتان متعارضتين لأنه لا يمكن أن يكون مكاتبًا بعد العتق.
فرع قال في «الأم»: ولو شهدت بينة المكاتب أنه كاتبه على ألف وأداها السيد ألفا وشهدت بينة سيده أنه كاتبه على ألفين فأدى ألفا ولم يوقت البينتان لم يعتق المكاتب وتخالفا وتراد الكتابة من قبل أن كل واحدة من البينتين تكذب الأخرى فليست إحداهما بأولى أن تقبل من الأخرى، فجعل الشافعي البينتين المطلقتين في التعارض مثل البينتين المؤرختين.
وقول الشافعي: تحالفا وترادا دليل على صحة لفظ التراد في المسألة الأولى، وإن المراد به فسخ العقد.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو شهدا معًا بهذه الشهادة واجتمعا على أن السيد عجله العتق، وقالت: بينة السيد جعل الألف دينًا عليه وأخر ذلك أنفذت له العتق لاجتماعهما عليه،

الجزء: 8 - الصفحة: 304

وأحلفت كل واحد منهما لصاحبه ثم جعلت على المكاتب قيمته ليسده كانتأكثر من ألفين أو أقل من ألف.
ولو تصادقا على أن الكتابة بألف في كل سنة منها كذا فمرت سنون، فقال السيد: لم يؤد إلى شيئًا، وقال العبد: [76/ أ] أديت إليه جميع النجوم كان القول قول السيد مع يمينه، وعلى المكاتب البينة فإن لم يقم بينه وحلف السيد، قيل للمكاتب: إن أديت جميع ما مضى من نجومك الآن وإلا فلسيدك تعجيزك.
فرع آخر قال: ولو قال السيد: قد عجزته وفسخت كتابته وأنكر المكاتب أن يكون فسخ كتابته كان القول قول المكاتب مع يمينه، ولا يصدق السيد على تعجيزه إلا ببينة تقوم على حلول نجم أو نحوم على المكاتب، فيقول: ليس عندي أداء ويشهد السيد أنه فسح كتابته، فيكون كتابة مفسوخة سواء كان هذا عند حاكم أو غير حاكم.
فرع آخر قال: ولو ادعى على سيده أنه كاتبه وأقام بينة بكتابته ولم تقل البينة إلى وقت كذا لم تجز الشهادة وكذلك لو قال: كاتبه على مائة دينار، ولم يثبت في كم يؤديها وكذلك لو قال: مائة دينار منجمة في ثلاث سنين، ولم تقل في كل سنة ثلثها، أو أقل أو أكثر لا تجوز الشهادة حتى يؤقتا المال، والسنين وما يؤدى في كل سنة، فإذا انقضت البينة من هذا شيئا سقطت وحلف السيد وكان مملوكًا وإن نكل حلف العبد وكان مكاتبًا على ما حلف عليه.
فرع آخر قال: ولو أقام بينة على أنه كاتبه وأدى إليه فعتق، أو أقام بينة على أن سيده أقر أنه كاتبه على أنه إذا أدى فهو حر، وأنه أدى إليه وجحد السيد وادعى أن الكتابة كانت فاسدة أعتقته عليه وأحلفت العبد على صحة الكتابة، فإن حلف برئ وإلا حلف السيد وترادا القيمة.
مسألة: قال: «ولو مات العبد المكاتب وكان له ولد من امرأة معتقة».
الفضل صورة المسألة [76/ ب] أن يكاتب عبدًا فتزوج بحرة معتقة فأتت بولد يكون الولد حرا وولاءه إلى الأم لأنه عتق بعتقها، فإن أدى الأب مال الكتابة عتق وجر ولاء ولده عن موالي الأم إلى موالي نفسه.
ولو قال السيد في حال حياة المكاتب قد أدى إلى كتابته عتق بقوله وانجر الولاء إليه، وإن لم يكن صادقًا لأنه يجعل هذا الكلام نمه ابتداءً إعتاق وإبراء.

الجزء: 8 - الصفحة: 305

وإن مات العبد فقامت البينة أن السيد أقر بقبض النجوم في حياته فكذلك الحكم، وإن لم تقم البينة ولكنه يقر بعد موته بأنه كان قد أدى المال وعتق ويدعي ذلك لجر الولاء.
وقال موالي الأم مات قبل الأداء، فالولاء لنا، فالقول قول موالي الأم لأن الأصل بقاء الولاء لهم، فلا ينتقل عنهم إلا بيقين ويحلف مولى الأم على العلم أنه لا يعلم ذلك.
قال في «الأم»: ودفع مال المكاتب إلى ورثته الأحرار بإقرار سيده أنه مات حرًا وهذه الصورة مسألة الكتاب.
فرع لو أقر السيد في مرضه أنه قبض ما على مكاتبه حالا كان على المكاتب أو مؤجلاً صدق، وليس هذا بوصية وإنما هو أقر ببراءة دين كان عليه، فهو كما يصدق على إقراره لحر ببراءة دين له عليه.
مسألة: قال: «ولو قال: استوفيت ما على مكاتبي أقرع بينهما».
صورة المسألة: أن يكون مكاتبان فأقر أنه استوفى ما له على أحدهما وكانت كتابتهما سواءً أو أقر أنه أبرأ أحدهما ما عليه، وإنما أشكل عليه عينه، قال الشافعي: يقرع بينهما ولا خلاف أنه لا يقرع ما دام السيد حيًا بل يرجع إليه، [77/ أ] فيقال له: تذكر، وأخبر به، فإن الظاهر من حال الإنسان أنه إذا نسي شيئًا تذكره وأخبر عنه، فغن تذكر وأخبر به يعتق الذي أخبر به، فإن ادعى الآخر أنه هو الذي عتق، فالقول قول السيد فيحلف له وتسقط دعواه، فإن نكل عن اليمين حلف العبد وعتق أيضًا وإن لم يتذكر حلف لهما إذا تداعياه.
ثم الحكم فيهما بعد اليمين اختلف أصحابنا فيه على وجهين، أحدهما: أن يكون كل واحد منهما على كتابته، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء جميع المال وحكي عن الشافعي هذا الوجه لأن كل واحد منهما لم يستقر له الأداء، والثاني: أن الدعوى ترد على المكاتبين حتى يتحالفا على الأداء، فإن حلفا أو نكلا كانا على الكتابة لا يعتقان إلا بالأداء وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالأداء للحالف منهما دون الناكل وعتق، وكان الناكل على كتابته، وإن مات السيد قبل البيان، ففيه قولان، أحدهما: يقرع بينهما لأن الحرية قد تعينت في أحدهما لا بعينه فوجب تمييز ذلك بالقرعة، ولأن معنى ذلك أن أحدهما حر والآخر مملوك فهو كما لو قال أحدكما: حر، ولم يبين ومات وأراد واحدًا بعينه لأن العتق قد تعين في الذي أدى الكتابة والسيد المخبر عنه، والثاني: لا يقرع بينهما لأن أحدهما قد عتق، فلو أقرعنا أدى إلى نقل الحرية من شخص إلى شخص ولا سبيل إلى ذلك.
وإذا قلنا: بهذا رجعنا إلى الورثة، فإن ذكروا أنهم يعرفون ذلك حكمنا بحرية المعين

الجزء: 8 - الصفحة: 306

بإقرارهم فإن ادعى الآخر ذلك يحلفون له، فإن نكلوا عن اليمين حلف العبد [77/ ب] أن الأول بالإقرار، والثاني: يرد اليمين وإن ذكروا أنهم لا يعرفون ذلك حلفوا لكل واحد منهما ويستوفون المال منهما جميعًا كرجل له دين على رجلين أقر أن أحدهما برئ مما عليه ولم يعينه ومات فالورثة يحلفون لكل واحد منهما ويستوفون الدينين معًا كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: بيان الورثة مقدم على الإقراع في العتق المعين وهذا عتق معين، فإن قال الوارث: لا أعلم يقرع حينئذ على ما ذكره الشافعي ذكرها القاضي الطبري وهذا أصح عندي، وقال صاحب «الشامل»: عندي أنه إذا حلف الوارث لهما أنه لا يعلم عين المؤدي منهما، وقلنا: لا يقرع فقالا: نؤدي على أحدنا إن كانت الكتابتان سواء، وإن اختلف المالان، فقالا: نؤدي الأكثر منهما ليعتق.
كان لهما ذلك لأنه إذا أدى ذلك فقد ثبت أداء جميع ما عليهما بحكم الإقرار السابق، وهذا حسن عندي.
فإن قيل: أليس لو قال: استوفيت ديني من أحد الغريمين ولم يبين، ومات لا يقرع بينهما فما الفرق؟ قيل: الفرق أن ههنا في ضمن الاستيفاء عتقًا والإقراء لحق العتق لا لتبيين الاستيفاء، وهناك استيفاء محض، فلا تشرع القرعة ونظيره لو قال: استوفيت بعض نجوم، أحدهما ولم يبين لا يقرع لأن العتق لا يحصل به، بل الأمر موقوف.
فإن قيل: هلا اعتبرتم ظاهر اللفظ وهو الاستيفاء حتى لا يقرع: لأنه إخبار وليس بإنشاء، وفي ذلك المخبر عنه استيفاء، وعتق والعتق مغلب [78/ أ].
وإذا أقرعنا، فخرجت القرعة لأحدهما عتق، وقد حصلت البراءة تبعًا للعتق وبقي الآخر مكاتبًا.
وإن ادعى أحدهما على الورثة فأنكر له حصل بإنكاره الإقرار للآخر.
ثم رجع الشافعي رضي الله عنه إلى مسألة الخلاف، فقال: والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، قال: وكيف يموت عبدًا ثم يصير حرًا بالأداء بعد الموت؟، وإذا كان لا يعتق في حياة السيد إلا بعد الأداء فكيف يصح عتقه إذا مات قبل الأداء؟ وهذا ذكره دليلا على أبي حنيفة رحمه الله.
مسألة: قال: «ولو أدى كتابته فعتق وكان عرضًا فأصاب السيد به عيبًا فرده».
الفصل جملة هذا أن الكتابة على العرض جائزة كما تجوز على النقود لأنه تثبت في الذمة سلمًا، فإذا كاتب على عرضين موصوفين إل أجلين معلومين، فأداهما على صفتها، فإنه يعتق في الظاهر لأنه أدى المال الذي وقعت الكتابة عليه، فإن أصاب السيد

الجزء: 8 - الصفحة: 307

بالعرض عيبًا فله رده، وإمساكه لأنه ملكه بمعاوضة ولا فرق عندنا بين العيب اليسير والكثير.
وقال أبو حنيفة لا يرد بالعيب اليسير، فإن اختار الإمساك سقط حكم الرد واستقر ملكه على المأخوذ واستقر العتق، وإن اختار الرد فرده وعجز ارتفع العقد، وارتفع العتق الواقع له كالمشتري إذا رد المبيع بالعيب ويفارق هذا إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ثوبًا فأنت طالق وأعطته ثوبًا فإنها تطلق فلو وجد به عيبًا، فرده لم يرتفع الطلاق لأن المغلب هناك حكم الصفة وههنا المغلب حكم المعاوضة، [78/ ب] فإذا رده ارتفع حكمه كالبيع، وقال أحمد: لا يرتفع العتق الواقع به إذا رد لأن المال فيها غير مقصود كما في الخلع وهذا غلط لما ذكرنا، فإن قيل: إذا اختار الإمساك ينبغي أن لا يعتق لأنه لم يعطه جميع ما وقع عليه العقد كما لو كاتبه على عشرة فأعطاه خمسة أو تسعة لا يعتق، قلنا: إذا أمسك المعيب فقد رضي بإسقاط حقه منه فجرى مجرى ما لو أبرأه مما بقي من مال الكتابة، ولأن سلامة الصفة اقتضاها العقد والقدر منصوص عليه فتعلق العتق به لأن حكم الصفة أخف وكفى في سقوط حقه منها إمساكه، وقال أبو إسحاق: العتق قد وقع بقبضة معيبًا لأن كونه معيبًا لا يمنع كونه ملكًا للقابض إلى يفسخ ذلك، وإذا كان ملكه وجب أن يعتق المكاتب لأنه لا يجوز أن يجتمع في ملكه البدل والمبدل، ويقال للسيد إن رضيت به فالعتق نافذ من يوم قبضت، وإن لم ترض به فرده بالعيب فإذا رده عاد مكاتبًا، وقيل له: إن أعطيته سليمًا من العيب فليس له تعجيزك، فإذا عجزت عن ذلك، فليس عليه الصبر وله تعجيزك ورد الكتابة.
قال المسارجسي: وبعض أصحابنا إذا وجد العيب تبينا أن العتق لم يقع فإن أمضاه ورضي به عتق من وقت الرضا وإن رد لم يقع العتق.
وقول الشافعي ورد العتق ليس على ظاهره لأن العتق لا يرد بعد وقوعه، وإنما لم يقع العتق لأنه إذا وجد به عيبًا تبينا أنه لم يأت بالعوض الذي وصفه كالمسلم إليه إذا أتى بالمسلم فيه بغير فته، فإن المعقود عليه [79/ أ] لم يسلمه والذي يدل عليه أن الشافعي شبهه بدفع دنانير نقص، ولا شك أن العتق لا يقع بدفع دنانيرنا فضة.
قال: وقد قال الشافعي في كتاب الخلع: إذا خالع بعبد بعينه فوجد به عيبًا رده، وكان له عليها مهر مثلها، وإنما أوقع الطلاق لأن العقد وقع على عوض موصوف، فإن كان به عيب لم يسلم ما وقع العقد عليه، قال: والدليل على أن العتق إذا وقع لا يرفع أن الشافعي، قال: ولو قال: أنا عبد فلان، فأنكره وقال: ليس لي عتق، فإنه أقر بعده لغيره لم يقبل منه ولا يرفع عتق واقع.
ولأن الشافعي قال: إذا اختلفا في مقدار مال الكتابة بعد قبضه تحالفا ويرجع إلى قيمته، ولا يرفع العتق فصح أن العتق لم يصح في هذه المسألة، وهذا إذا كانت السلعة قائمة، فأما إذا كانت فائتة، قال أبو إسحاق: عاد إلى الكتابة من يوم المعيب لأنه بالتلف وجب للسيد أرشه فكأنه من ذلك اليوم قد بقي من الكتابة مقدار أرش العيب، فيكون مكاتبًا من ذلك الوقت، فيقال له: إن أعطيته نقصان العيب من وقتك وإلا فلسيدك تعجيزك، ولم يقل: يرد العتق، فلو كان العتق باقيًا مع تلف السلعة كبقائه إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 308

كانت باقية لاحتاج أن يرد العتق أولا ثم يعجز، وقال القفال: لو رضي بالعيب بعدما علم به، وفاتت السلعة ففي وقت العتق وجهان، أحدهما: من يوم الدفع، والثاني: من يوم الرضا، قال وإذا أراد الأرش فإن كان العيب ينقص عشر قيمة العوض فعلى العبد أني غرم عشر قيمة [79/ ب] نفسه كما لو أسلم ثوبًا في حنطة، فأخذ الحنطة وأتلفها ثم وجد بها عيبًا ينقص عشر قيمتها فعلى البائع أن يرد عشر الثوب وههنا لا يمكن أن يرد عشر نفسه للفوت بالعتق فيرد عشر قيمة نفسه ومن أصحابنا من قال: يلزمه عشر قيمة العوض، وهذا غلط وهكذا الحكم لو كانت السلعة باقية ولكن حدث فيها عيب آخر، فلم يرض به لا يقع العتق حتى يدفع الأرش.
وإن وجد ما أخذ مستحقًا بان أنه لم يعتق بلا إشكال.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه لو قبضه، وقال له: أنت حر ثم بان استحقاقه، فاختلفا، فقال السيد: أردت أنه حر على حكم الكتابة بقبض ما قبضت.
وقال المكاتب: بل أردت إنشاء الحرية، فالقول قول السيد مع يمينه ثم هو على كتابته إلى أن يؤدي وعلى هذا لو قيل له: طلقت امرأتك، فقال: نعم، طلقتها، ثم اختلفا، قالت المرأة: أردت إنشاء الطلاق أو إقرارًا بطلاق آخر وقال الزوج: أنا قلت ذلك على ظن أن اللفظ الذي كان جرى بيننا وقع به الطلاق، وقد أفتى العلماء بأن ذلك اللفظ ليس بطلاق، فالقول قوله، ذكره القفال، وهو غريب ولو بان استحقاق العرض، ثم قال: أنت حر يعتق الآن بلا إشكال.
مسألة: قال: «ولو ادعى أنه دفع مال الكتابة انظر يومًا».
اعلم أنه إذا اختلف السيد والمكاتب، فقال: أديت المال وأنكر السيد، فإن لم يكن معه بينة، فالقول قول السيد لأن الأصل بقاء الحق في ذمته، وإن كان معه بينة تشهد له فإن كانت حاضرة أقامها، [80/ أ] قال: فإن جاء بشاهد حلف معه وبرئ.
وهذا نص على أنه يقبل فيه شاهد ويمين ولا فرق بين النجم الأول، والثاني: وقد ذكرنا وجهًا آخر أنه لا يقبل في النجم الثاني، وهو خلاف النص وإطلاق الوجهين خطأ وإن ادعى أن له بينة غائبة لا يؤجل أكثر من ثلاثة أيام لأنها آخر حد القلة وأول حد الكثرة، فإن أحضر شاهدًا واستنظر بالثاني، ينظر ثلاثة أيام أخرى، ولو أحضر شاهدين انظر لإثبات عدا لتهما ثلاثًا.
مسألة: قال: «ولو عجز أو مات وعليه ديون بدئ بها على السيد».
الفصل قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا مات سقط دين السيد وبقيت ديون الناس، فيقضي مما في

الجزء: 8 - الصفحة: 309

يديه، فإن بقي شيء لا يلزم سيده قضاءه، وإن لم يمت ولكنه أفلس يبدأ بديون الناس على نجومه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان لسيده عليه دين من معاملة لا من نجوم الكتابة فهو كأحدهم في ذلك، وإنما تقدم الديون على نجوم الكتابة فقط، وإن كان فيهم مجني عليه، ففيه وجها، أحدهما: يشاركهم، والثاني: يصرف ما في يده إلى الغرماء ويعجز ثم تباع رقبته للمجني عليه لأنه يمكن استيفاء حقه من رقبته ولا يمكن استيفاء حق الغرماء من رقبته فكانوا أحق بما في يده، وهذا أصح وهو اختيار القفال وغيره.
قال القفال: فإن مات رقيقًا، وهناك ديون جناية ومعاملة، ففيه وجان أحدهما: يقدم دين المعاملة كما في حال الحياة، والثاني: هما سواء [80/ ب] لأن دين المعاملة كان في المال والأرش كان في الرقبة فلما مات انتقل إلى المال وعندي أن أرش الجناية سقط بموته لفوات محله، وهو الرقبة وليس له تعليق بالمدة.
فرع قال في «الحاوي»: إذا عجز وكانت الجناية أقل من ثمنه بيع منه بقدرها، وكان الباقي منه على رق سيده، فإن أراد السيد أن يستبقي الباقي على الكتابة جاز له لأنه لم يبتدأ بها في بعضه فيمنع منها، وإنما بطلت الكتابة في بعضه فجاز أن يصح الباقي منها، فإذا أدى كتابة باقية عتق، وفي تقويم باقيه على السيد إن كان موسرًا وجهان، أحدهما: لا يقوم عليه لتقديم سبب العتق قبل التبعيض، والثاني: يقوم الباقي ويسري العتق في جميعه لأن اختياره للإنكار كابتداء العتق.
فرع آخر قال: لو بيع بعضه في جنايته قبل أن يحل عليه مال الكتابة لزم السيد أن يقيم على الكتابة في باقية لأنها إذا لزمت في جميعه لزمت في بعضه ولا يقوم عليه باقيه إن عتق بالأداء وجهًا واحدًا لأن عتقه لم يقف على خياره بعد التبعيض.
فرع آخر لو استسخر السيد مكاتبه فحبسه عن العمل واستخدمه، فهو مضموم عليه، فيؤخذ من السيد ثم هل يستأنف له ما فات من زمان الأجلظ قولان أحدهما: لا يستأنف لأنه قد أخذ أجر المتلف، والثاني: يستأنف إذ لا سبيل إلى تعجيزه، وقد أبطل عليه مدته، فإذا قلنا: لا يستأنف فإن وقت أجرة المثل بمال الكتابة عتق، وإن كان فيه فضل بقي له الفضل، [81/ أ] وإن نقص فبذلك النقصان يعجزه السيد إن كان قد حل النجم.

باب كتابة بعض عبد، والشريكين في العبد يُكاتبانه

مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتب بعض عبد».

الجزء: 8 - الصفحة: 310

الفصل إذا كاتب بعض العبد لا يخلو أن يكون باقيه حرًا أو مملوكًا له، أو مملوكًا للغير فإن كان باقيه حرًا صحت الكتابة لأنه يتوفر عليه جميع مقاصد الكتابة ويعطى من سهم الرقاب، وإن كان الباقي مملوكًا له نص على أنه لا يجوز لأنه يملك به كمال الكسب والتصرف فإن له منعه من السفر والغيبة ولا يجوز له أن يأخذ سهم الرقاب لأن السيد يأخذ نصفه لحق الملك وذلك لا يجوز، فصار كما لو كاتب عبدًا بشرط أن لا يسافر ولا يأخذ من الصدقة لا يجوز، وقال بعض أصحابنا: فيه قول مخرج أنه يجوز لأن الشافعي، قال في العبد المشترك: إذا كاتبه أحدهما بإذن شريكه فيه قولان، لأنه شريكه، وهو قد رضي، ومن قال بالأول فرق بأنه أمكنه هناك أن يكاتب كله ليكون العقد مصونًا عما ذكر وأحد الشريكين لا يمكنه أن يكاتب أكثر من نصيبه، فإذا قلنا: لا يجوز فأدى ما سمى عتق بالصفة والنصف الثاني يعتق بالسراية، ويتراجعان بنصف القيمة، وهو أن يؤدي العبد إلى سيده نصف قيمته ويسترد ما أعطاه وإنما قومنا عليه الباقي لأن نصفه عتق بسبب كان منه، ولا يجب على العبد قيمة نصف الذي سوى العتق إليه كما لو قال: [81/ ب] إن دخلت الدار فنصفك حر، فدخل عتق نصفه وسري إلى باقيه، ولا يقوم على العبد النصف الباقي، وقال ابن سُريج هذا إذا أدى ما سمي بعد أداء حق سيده من كسبه، فإن أدى قبل أداء حق سيده منه، ففيه وجها، أحدهما: لا يعتق كما في الكتابة الصحيحة لاستحقاقه لبعضه بحكم الملك فلم يكمل به الأداء، والثاني: يعتق لأن في الفاسد يغلب حكم العتق بالصفة، وقد وجدت الصفة وإن لم يملك كما لو قال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فأعطاه وكان مغصوبًا عتق.
ومن أصحابنا من قال فيا يرجع به السيد على مكاتبه وجهان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يرجع بجميع قيمته لوقوع عتقه عن كتابة فاسدة ذكره في «الحاوي» وإذا قلنا: بالقول المخرج فإن هايأه السيد فكان يكسب يومًا ويخدم يومًا للسيد فأدى النجوم من نصيبه عتق النصف بالكتابة والنصف بالسراية، وإن لم يكن مهيأة بل اكتسب لنفسه كل يوم ووفر على السيد ضعف نجومه عتق أيضًا كما ذكرنا نصفه بالكتابة ونصفه بالسراية وإن لم يدفع إلا مقدار النجوم، فهل يعتق أم لا؟ فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهو مخير يجوز أن يهايئه ويجوز أن لا يهايئه بلا خلاف.
وإن كان الباقي مملوكًا لغيره فإن كاتبه بغير إذن شريكه لا يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماعة، وقال الحكم وعبيد الله العنبري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأحمد: يجوز وهذا لا يصح لأنه إذا كان باقيه مملوكصا فالسيد لا يكنه من الاكتساب والسفر لا يدفع إليه شيء [82/ أ] من الصدقات، فلا يحصل له الأداء الذي هو المقصود لحصول العتق، وحكم الكتابة أن يكون عقدًا لا يكون المكاتب فيه ممنوعًا

الجزء: 8 - الصفحة: 311

من جميع وجود الاكتساب، وإن قلنا: لا يمكنه أخذ الصدقات لأن ذلك يؤدي إلى مقاسمة الشريك فتصير نصف الزكاة إلى سيده الذي لم يكاتبه فإذا ثبت أنه لا يجوز فقد اشتملت على معاوضة وصفة وبطلت المعاوضة فتجردت الصفة وللسيد إبطالها فإن أبطالها صار كأنه لم يكاتبه، وإن لم يبطلها حتى أدى مال الكتابة عتق وثبت بينه بين السيد التراجع على ما ذكرنا وسرى العتق إلى نصيب شريكه إن كان موسرًا ويلزمه قيمته، وإن جمع الكسب وأداه إلى السيد الذي كاتبه، فهل يعتق به وجهان على ما ذكرنا، والظاهر أنه لا يعتق لأنه يقتضي إعطاء ما يملكه وينتفع به وذلك لا يحصل بمال شريكه، وقال بعض أصحابنا بخراسان نقل الربيع: أنه لا يعتق ونص في كتاب ابن أبي ليلى: أنه يعتق فحصل قولان، قال: ولذا لو قال لعبده: إن أعطيتني عبدًا، فأنت حر فأعطاه عبدًا مستحقًا فهل يعتق؟ قولان، وهذا غريب، فإن قلنا: لا يعتق، فالسيد الذي لم يكاتبه يرجع على شريكه بنصف الكسب الذي أخذه من العبد فإن الكسب مشترك بينهما.
ثم إن كان مع العبد ما يؤدي إلى شريكه تمام ما عليه من كسبه وثبت بين المكاتب وبين سيده التراجع على ما ذكرنا في القسم قبله ويسري العتق إلى باقي العبد إن كان موسرًا، ويقوم عليه نصيب شريكه ولا يلزم العبد شيء، لأنه [82/ ب] لم يدخل في عقد الكتابة على ضمانه.
وإن كانت الكتابة بإذن شريكه فحصل، تصح الكتابة فيه قولان نقلها المزني، أحدهما يصح، وبه قال أبو حنيفة ومالك لأنه منع من ذلك لحق شريكه، فإذا رضي به بإسقاط حقه وإدخال الضرر على نفسه يصح ونص على هذا في الإملاء على مسائل محمد بن الحسن.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذنه في ذلك يقتضي أن يؤدي العبد مال الكتابة من جميع كسبه ولا يرجع الإذن بشيء منه وطلب أبو يوسف ومحمد يصير جميعه مكاتبًا لأن التدبير والكتابة يسريان وهذا لا يصح لأنه عقد معاوضة فلا يسري كالبيع، والثاني: نص عليه في «الأم»: أنه لا تصح الكتابة وهو اختيار المزني لما ذكرنا من العلة لأنه لا يكون ممكنًا من جميع وجوه التكسب والتصرف، فإذا قلنا: إنها باطلة فالحكم كما لو كاتبه بغير إذن شريكه سواء، وإذا قلنا: تصح الكتابة فنصف العبد يكون مكاتبًا ونصفه يكون مملوكًا للشريك، ويكون الكسب بينهما والنفقة عليهما، ثم ينظر فإن دفع إلى الشريك الذي لم يكاتب نصف الكسب وجميع النصف الآخر ودفعه إلى السيد الذي كاتبه عتق ولا تراجع لأنه عتق بكتابة صحيحة ولكنه يسري إلى الباقي إن كان موسرًا على ما ذكرنا، وإن جمع الكسب كله وأداه إلى المكاتب فهل يعتق من أصحابنا من قال: فيه وجهان، أو قولان كما ذكرنا في المسألة قبلها، وهذا خطأ بل لا

الجزء: 8 - الصفحة: 312

يعتق قولاً واحدًا والفرق أن الكتابة ها هنا صحيحة والمغلب فيها حكم المعاوضة وفي المعاوضة إذا دفع شيئًا غير مملوك كان بمنزلة ما لم يدفع [82/ أي كما في البيع وفي المسألة قبلها الكتابة فاسدة والمغلب حكم الصفة وقد وجدت الصفة فعتق، وقد ذكرنا أن كسبه مشترك بين المكاتب وبين الشريك، فإن لم يكن مهيأة لا يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات وإن كان بينهما مهايأة يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات للرقاب في أيام نفسه خاصة ذكره في «الحاوي».
وقال الصيمري: إذا جوز كتابته هل يأخذ من الزكاة قولان، وهل تجب المهايأة إذا طلب أحدهما قال في «الحاوي»: فيه وجهان، أحدهما: تجب كالقسمة وأصل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم بين نسائه وهذا مهايأة قد أوجبها لنفسه وعليها، والثاني: لا تلزم لأنها لا تفضي إلى تأخير حق معجل وتعجيل حق مؤخر بخلاف القسمة، وفي قسم الزوجات لا يمكن الجمع بينهن فلا بد من إفراد كل واحدة بحقها فلزمت المهايأة، واحتج المزني على ما اختاره، فقال: زعم الشافعي أنه لو كانت كتابتهما فيه سواءً فعجزه أحدهما وانظره الآخر فسخت الكتابة بعد ثبوتها حتى يجتمعا على الإقامة عليها فالابتداء بذلك أولى.
ثم قال: ولا يخلو إما أن تكون كتابته جائزة كبيعه إياه فلا معنى لإذن شريكه أو لا يجوز فلم نجوزه بإذن من لا يملكه، وهذا اعتراض على القولين وجوابه عن الفصل الأول أن يقال للمزني: هذا جواب على القول الذي لا يجيز الكتابة، فأما على القول الذي يجيز الكتابة فلا تفسخ الكتابة في نصيب من أنظره، وقال القفال: من أصحابنا من سلم هذه المسألة أنه لا يجوز، لأنه بغير إذن الشريك، وإنما تراضيا في الابتداء ليكاتباه معًا، [83/ ب] فإذا اختلفا في التعجيز والإنكار حصل استبقاء الكتابة في النصف بغير إذن الشريك حتى لو قال للذي عجزه: رضيت بأن ينظره صاحبي جاز قولا واحدًا.
وأما الفصل الثاني: إذا باع نصيبه ترك منزلته فلا يحتاج إلى إذن الشريك في بيعه كما لا يحتاج إلى إذنه في استبقاء ملكه، وأما إذا أراد أن يكاتبه، فالكتابة ضرر على شريكه من وجوه شتى بخلاف إعتاق نصفه إذ لا يجد المكاتب بدا من التغلب للتحمل فإذا أذن فقد رضي بالتزام الضرر فجاز، فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي في هذا الفصل أن المكاتب لا يمنع من السفر والاكتساب، والمزني نقل هذا من «الأم»، وحكى المزني في «الجامع الكبير» عن الشافعي أنه قال في «الإملاء»، وليس للمكاتب أن يسافر بغير إذن سيده، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين فمنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال له أن يسافر إذا كان سفرًا قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، فيكون ذلك بمنزلة الحضر، والموضع الذي قال: لا يسافر إذا كان السفر طويلاً لأن فيه تغريرًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، أحدهما: لا يجوز له أن

الجزء: 8 - الصفحة: 313

يسافر إلا بإذن السيد وبه قال مالك: لأنه ممنوع من إتلاف ما في يجده فليس له أن يغيب المال عن سيده لأنه لا يؤمن أن يتلفه من حيث لا يقف عليه سيده ولا يمكنه منعه منه ولأن للمرتهن منع الراهن من السفر بالمرهون فالسيد أولى لأن حق السيد فيما في يد [84/ أ] المكاتب أكثر، فإنه قد يعجز أن يموت فيأخذ السيد جيمعه، والثاني: يجوز ذلك ولا يمنعه منه السيد وبه قال أبو حنيفة وأحمد حتى قال أبو حنيفة: لو شرط عليه سيده في الكتابة أن لا يسافر سقط الشرط وكان له أن يسافر ووجه هذا أن المكاتب في يد نفسه، وإنما للسيد عليه دين والدين لا يمنع السفر كالدين على الحر إذا كان مؤجلا، وقال المزني: هذا أقيس على أصله لأنه إذا كان على كتابته فهو مالك لنفسه ولتصرف إلى أن يعجز فليس له أن يمنعه منه لا سيما وفي السفر منفعة تؤدي إلى حريته، قلت: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله أنه قال: مكتوب في التوراة.
قال الله تعالى: «أحدث سفرًا أحدث لك رزقًا».
مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا فيه سواء».
قال أصحابنا لم يرد بهذا أنه لا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا في قدر الملك سواءً بل يجوز أن يكاتباه معًا قولا واحدًا سواءًا تساويا في الملك أو تفاضلا لأن كل عقدٍ صح مع التساوي صح في الملك مع التفاضل كالبيع، وإنما أراد به، لا يجوز أن يكاتباه حتى يكونا في اعتبار مال الكتابة بقدر الملك سواء، فلا يجوز أن يكون العبد بينهما نصفين ويكون مال الكتابة بينهما ثلثًا وثلثين، ولا يجوز أن يكون العبد بينهما أثلاثًا، ويكون مال الكتابة بينهما نصفين، وإن رضيا لا يجد بدًا من أن يدفع حق احدهما إلى الثاني لأنه ربما يدفع إلى أحد السيدين مائتين، [84/ ب] وإلى آخر مائة ثم يفسخان الكتابة فيحتاج أن يرجع السيد الذي حصل معه مائة على الآخر بخمسين فيكون قد انتفع شريكه بهذه الخمسين مدة بقائها بغير حق ولا سبيل إلى ذلك، ويفارق هذا إذا باعاه من نفسه أحدهما بأكثر من الآخر جاز لأن ذلك لا يتعلق بالكسب والكتابة تتعلق بالكسب وكذلك إذا أجراه بأجرتين مختلفتين لما ذكرنا من الفرق، وهو أنه لا يفضي إلى أن ينتفع أحدهما بملك شريكه، وههنا يؤدي إلى ذلك واختلف أصحابنا في هذه المسألة هل هي أصل بنفسها أم مبنية على غيرها؟ فمنهم من قال: هي مبنية على أصل، وهو أن أحد الشريكين إذا كاتب بإذن شريكه هل يصح؟ فيه قولان، فإذا قلنا: يصح لم يجز ذلك، وعلى هذا يدل كلام الشافعي، فإنه ذكر هذه المسألة في «الأم»، وذكر أنه لا يجوز ثم قال: ولو أجزت هذا أجزت أن ينفرد بكتابة بحصته فثبت أنا إذا جوزنا ذلك جازت هذه الكتابة، وهذا لأن العقد يتعدد بتعدد العاقد فصار كما لو أفرد كل واحد منهما كتابة نصيبه وهذا اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة أصل بنفسها ولا تجوز هذه الكتابة بحال مع التفاضل لأن المعنى الذي ذكرنا

الجزء: 8 - الصفحة: 314

موجود على القولين جميعًا وهذا اختيار القاضي الطبري وأجري على القياس وتلك الطريقة أشبه بكلام الشافعي، ومن أصحابنا من قال قوله حتى يكونا فيه سواءً أراد به: تساويهما في ملكه، فإن تفاضلا وكان لأخدهما ثلثه وللآخر ثلثاه [85/ أي لم يصح لقوة أحدهما فيصير التساوي بينهما معدومًا، ولهذا قيل: فيه سواء، يعني في العبد، ولو أراد الكتابة لقال: حتى يكونا فيها سواءً، وعلى هذا يجوز على مالٍ يتفاضلان فيه، ,به قال أبو حنيفة ذكره في «الحاوي»، ومن أصحابنا من قال: إذا كاتباه معًا فيه طريقان، أحدهما: هل يجوز ذلك فيه قولان، لأن العقد إذا اجتمع في أحد طرفيه عاقدان جرى عليه حكم العقدين فصار كأن كل واحد انفرد به، وفيه قولان، والطريقة الثانية: أنه يجوز قولاً واحدًا وهذا التخريج خطأ لأنه يكمل تصرفه إذا اجتمعا ويجوز أخذه من الصدقات بخلاف ما لو كاتبه أحدهما، فقولاً واحدًا يجوز وإذا قلنا: لا يجوز حتى يتساويان في النجم على قدر الملك لا يجوز أن يشترط أحدهما أن يحل نجمه قبل نجم صاحبه أو يحل لأحدهما في النجم الأول أكثر مما يحل للآخر أن يختلفا في جنس المال بل يجب أن يتساويا في جميع ذلك للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ولو كاتبناه جميعًا بما يجوز، فقال: قد دفعت إليكما مكاتبتي».
الفصل في هذا الفصل مسائل إحداها: أن يدعي أنه دفع إلى كل واحدٍ منهما من المال حقه وأنه عتق فلا يخلو حال الشريكين من ثلاثة أحوال، إما أن يصدقاه أو يكذباه أو يصدقه أحدهما ويكبه الآخر فإن صدقاه عتق لأنهما أقرا ببراءة دمته، وإن كذباه قالقول قولهما لأن الأصل أن لا قبض فيحلفان ويكون المال لهما عليه، وإن صدقه أحدهما يعتق نصيبه بإقراره [85/ ب] بقبض المال، وأما المكذب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم القبض فيحلف ويكون حقه باقيًا على المكاتب ولا تقبل شهادة شريكه عليه، وإن كان عدلا لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه فإنه إذا لم يثبت أن شريكه قبض شيئًا من المال استحق أن يرجع عليه ويأخذ منه نصف ما دفعه إليه فهو بشهادته يسقط عن نفسه حق الرجوع فلم تقبل شهادته، فإذا ثبت هذا فإن نصف العبد قد عتق وهو نصيب المصدق ونصفه باق على الكتابة وهو نصيب المكذب، والمكذب بالخيار إن شاء طلب المكاتب بالخمسمائة التي كاتبه عليها بكمالها وإن شاء رجع على شريكه بمائتين وخمسين، وعلى المكاتب مائتان وخمسون لأن الكسب الذي حصل مع الشريك مستحق لهما، فلا يجوز لأحد الشريكين أن يأخذ شيئًا منه دون صاحبه، فإذا أخذه يصير ضامنًا لنصيب صاحبه منه، وإنما يعتق نصيبه بإقراره بأنه لا حق له عليه فيكون

الجزء: 8 - الصفحة: 315

ذلك بمنزلة الإبراء، فإن اختار الرجوع على المكاتب ومطالبته بالخمسمائة، وأخذها منه، وإن اختار مطالبة كل واحد منهما بما يلزمه ففعل عتق لأنه أدى جميع المال ولا يستحق المكاتب أن يرجع على الشريك المصدق بشيء ولا الشريك يستحق الرجوع على المكاتب بشيء فإنه يقول: أديت ما علي من مال الكتابة والشريك ظالم فيما يرجع علي به، فإنه قد استوفى حقه، ومن أقر أنه مفهوم لا يستحق الرجوع على غيره بما ظلم به وهكذا الشريك المصدق لا يستحق الرجوع على المكاتب بشيء، فإنه يقول [86/ أ] شريكي: قد استوفى حقه من المكاتب، وهو ظالم فيما يرجع به علي، وإن اختار السيد أ، يرجع على المكاتب بخمسمائة فطالبه بها فعجز فله أن يسترقه لأنه قد عجز عن أداء ما عليه، فإذا استرقه حصل نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا وكسبه في المستقبل بينه وبين السيد نصفين.
وأما الكسب الذي وجده في يده فنصفه يكون لسيده الذي استرقه ونصفه يترك عليه لأن نصفه قد عتق بعقد الكتابة، فكان كسب ذلك النصف له كما لو عتق جميعه.
قال الشافعي رضي الله عنه، ولا يقوم باقي العبد على الشريك المصدق، والتعليل الصحيح فيه أن التقويم إنما يراد لحرية العبد وتكميل أحكامه والعبد يقول: أنا عتقت فلا أحتاج إلى التقويم، وإنما غصبني الشريك المنكر على نصفي فسقط التقويم في حقه لأن المغصوب لا يقوم على أحد، قال القاضي الطبري وهذا لا يختلف فيه قول الشافعي ولم يحك أبو إسحاق ولا صاحب «الإفصاح» غير هذا القول، وذكر المزني هذه المسألة في «لجامع الكبير» عن الشافعي هكذا، ثم قال: وهذه المسألة الثانية، وإن ادعى أنه دفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما فقال المدعى عليه، بل دفعه إلينا جميعًا رجع عليه شريكه بنصف ما أقر بقبضه وعتق نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرًا، قال أبو إسحاق: وإذا وجب تقويمه فهو على قولين أحدهما تبطل الكتابة في نصيبه ويقوم على شريكه في الحال كما لو أعتق نصيبه، والثاني: يكون نصيبه [86/ ب] على كتابته فإن عجز حينئذ قوم على شريكه، والفرق بين هذه المسألة، والمسألة التي قبلها أن العبد في هذه المسألة لا يدعي حرية جميعه لأنه لا يعتق بدفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما، فلهذا قومنا على المقر نصيب شريكه، وفي هذه المسألة التي قبلها ادعى دفع نصيب كل واحد منهما إليه وحرية جميعه فلم يجب تقويمه وهو يزعم أنه حر وقال القاضي الطبري من أصحابنا من قال يقوم نصيبه على شريكه وهذا له وجه ولكنه خلاف النص، وقال في «الحاوي» نص الشافعي أنه لا يقوم وعلل بأن العبد يبرئه من ذلك، وفي هذا التعليل نظر لأنه في تكميل العتق م حقوق الله تعالى ما لا يعتبر فيه الإبراء، ولا فرق بين المسألتين عندي على وجه يصح الفرق، وقال بعض أصحابنا ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى، وهل يقوم فيهما على الشريك؟، فيه قولان،

الجزء: 8 - الصفحة: 316

وقال بعض أصحابنا بخراسان قولا واحدًا يقوم فيهما لأنه حصل عتق نصيب الواحد، إما بإقراره أو باتفاق الكل، وله الولاء فيقوم عليه نصيب الشريك وهذا والذي قبله ليس بشيء، والفرق ظاهر، وفي هذه المسألة الثانية القول قول المدعى عليه: أنه لم يقبض الخمسمائة الأخرى لأن الأصل أنه ما قبض وإذا حلف برئت ذمته من دعوى المكاتب عليه، ولا تقبل شهادة الشريك على الشريك الآخر لما ذكرنا والقول قول الشريك المنكر أنه ما قبض حقه، ولا يمين عليه لأنه لم يدع واحد منهما عليه أنه أقبضه وهو بعد إنكاره مخير بين أن يرجع على المكاتب بجميع حقه وبين أن يرجع على المقر بنصفه وعلى المكاتب بنصفه على ما ذكرنا في المسألة قبلها، ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء لما ذكرنا من العلة.
والمسألة الثالثة: أن يكاتب رجلان [87/ أ] عبدًا لهما على ألف كل على واحد منهما على خمسمائة ثم إن المكاتب ادعى أنه أدى الألف إلى أحد السيدين على أن يأخذ منهما خمسمائة، ويدفع إلى شريكه خمسمائة وصدقه السيد، وقال قبضت منك الألف وأخذت منها خمسمائة، ودفعت إلى شريكي خمسمائة، وأنكر الشريك ذلك، وقال ما دفع إلي شيئًا فنصيب المقر يعتق بإقراره بقبض نصيبه ولا تقبل شهادته على شريكه بأنه دفع إليه حقه لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه ويكون القول قول المنكر مع يمينه، فإذا حلف يكون نصيبه مكاتبًا ونصيب شريكه قد عتق، وللسيد أن يطالب بخمس مائة على الكمال من شاء منهما فله أن يطالب المكاتب لأنه كاتبه عليها، ولم يثبت أنه دفع إليه وله أن يطالب الشريك لأنه أقر بقبضها ولم يثبت أنه دفعها إلى الشريك، فإن رجع على المكاتب، وأخذ منه خمس مائة كان للمكاتب أن يرجع على السيد، فيأخذ منه الخمس مائة التي دفعها إليه سواء صدقه في أنه دفعها إلى شريكه أو كذبه لأنه إن كذبه فهو يقول: ما دفعت، ما قبضت وإن صدقه، فهو يقول: أنت منوط كأنه كان من سبيلك أن تدفع دفعًا يبرئني وهو بالشهادة، وإن رجع على شريكه، فأخذ منه خمسمائة لم يكن للشريك أن يرجع على المكاتب لأنه يقول: هو ظالم فيما يرجع به، فلا يستحق الرجوع بما ظلم به فإذا حصل للشريك الخمس مائة، إما من [87/ ب] المكاتب، أو من شريكه عتق العبد كله، وإن تعذر ذلك فإن اختار الرجوع على المكاتب فعجز عن الأداء، وهذا بعيد فإنه إذا رجع على المكاتب فيمكن للمكاتب مطالبة شريكه وأخذ خمس مائة منه فلا يتعذر عليه الأداء، اللهم إلا أن لا يختار الرجوع على شريكه الذي هو سيده ويختار التعجيز، فلا يجبر على الرجوع عليه ومطالبته لأن ذلك بمنزلة الاكتساب، فلا يجبر عليه المكاتب، فإذا تعذر حصول المال من المكاتب فالسيد يعجزه ويسترقه فإذا فعل ذلك عاد نصفه رقيقًا ويقوم على الشريك المقر بالقبض لأنه عتق بسبب كان منه وهو الكتابة، فإذا قوم لزمه نصف قيمته ويرجع عليه الشريك المكذب بخمس مائة لأنه لما استقر العبد استحق نصفه ونصف كسبه، وهو الخمس مائة التي هي كسبه للنصف الذي استرقه فاستحق أخذها فيصير المقر بعد

الجزء: 8 - الصفحة: 317

التعجيز غارمًا لكتابة الحصة، وهي خمس مائة ولقيمتها ولو دفع ذلك قبل التعجيز لم يلزم إلا مال الكتابة وحدها دون القيمة وإن حصل الأداء من جهة المكاتب وعتق باقيه يرجع على سيده المقر بالقبض الخمس مائة التي قبضها منه لأنه عتق بكتابة صحيحة، وقال القاضي الطبري: هذا التقويم على المقر إذا لم يصدق سيده في دفع خمس مائة إلى شريكه وإن كان قد صدقه لم يقوم لأنه يعترف بأنه حر وإن أحكامه قد كملت.
مسألة: قال: «ولو أذن أحدهما لشريكه أن يقبض نصيبه فقبضه ثم عجز».
الفصل جملة هذا أن الرجلين إذا كاتبا عبدًا لهما على ألف درهم فلا يجوز للمكاتب [88/ أ] أن يفضل أحدهما على الآخر فيما يدفعه، ولا أن يقدم أحدهما على صاحبه، بل يدفع إليهما شيئًا واحدًا على السواء في وقتٍ واحدٍ، فإن أذن أحدهما للمكاتب أن يدفع ما حصل له من الكسب إلى شريكه ويقدمه عليه فهل يصح هذا الإذن؟، ويصح قبض الشريك لما يأخذه فقولان منصوصان، أحدهما: لا يصح لأن السيد لا يملك ما في يد المكاتب حتى يقبضه فإذنه فيما لا يملكه لا حكم له ونعني به أنه لا يملكه ملكًا كاملاً فإنه مال مكاتبه وعتقه معلق به، وهذا قول أبي حنيفة واختاره المزني، فقال: هذا أشبه بقوله: أداء المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما في يده موقوف ما بقي عليه درهم، فليس معناه فيما أذن له بقبضه إلا بمعنى استغنى بوزن النصف حتى استوفى فليس يستحق بالسبق ما ليس له كأنه وزن لأحدهما قبل الآخر وصورة هذه المسألة التي استشهد بها المزني: أن يأتي المكاتب بالمال ليعطيهما حقهما فيقول أحدهما لصاحبه اسبقني بوزن نصيبك فسبقه ووزن لأحدهما نصيبه بإذن شريكه لم يعتق نصيبه حتى يزن للآخر مثله قولاً واحدًا حتى لو تلف الباقي قبل أن يسلمه إلى الشريك الآخر كان له أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه.
والقول الثاني: يصح ويحكى ذلك عن قول أبي حنيفة وعلى هذا يعتق نصيبه بقبض قسطه ووجه هذا أنا إنما منعناه من الانفراد ببعضه لحق شريكه، فإذا رضي بتقدمه عليه جاز ومن قال بهذا أجاب عما ذكر المزني بأن في هذه المسألة التي استشهد بها لم يرض بحقيقة السبق لكن إذا أراد أن يوفيهما حقهما منفردين لم يمكنه إلا هذا فهما في الحقيقة قابضان معًا، وههنا قد تطاول [88/ ب] زمان السبق، وخرج عن عادة إيفائهما معًا، فوجب أ، يتم حكم القبض المتقدم بعتق ذلك النصف، وقال القفال: من أصحابنا من بني القولين على جواز كتابة أحد الشريكين بإذن صاحبه لأن في كل واحد من الموضعين يؤدي الأمر إلى كتابة يكون في أحد النصفين، ومنهم من قال: بل ينبني هذا على أن تبرعات المكاتب هل تجوز بإذن السيد لأن هذا التعجيل والتخصيص تبرع

الجزء: 8 - الصفحة: 318

لأحدهما، فإذا قلنا: لا يصح التعجيل فلشريك الرجوع بمثل ما يعجله شريكه، فإن كان مع المكاتب مثله فدفعه إليه استقر التعجيل الأول وعتق كله وإن لم يكن بيده غير ما عجله كان للإذن الرجوع على المتعجل بنصف ما في يده، فإذا رجع لم يعتق شيء منه، وإن قلنا: يصح التعجيل، وهو الأصح عتق نصيبه.
قال أبو إسحاق: فإن كان معه وفاء بنصيب الآخر أداه وعتق عليهما، فإن لم يكن معه وفاء به فلا يختلف المذهب أنه يقوم على شريكه، وقال في «الحاوي»: هل يقوم على شريكه فيه قولان، أحدهما: يقوم في الحال، والكتابة تنفسخ في نصيب شريكه في الحال، ويقوم عليه أختار الشريك تعجيزه، أو لم يختر لأنه إذا تعلق العتق بسببين روعي أعجلهما، والقول الثاني: قاله في «الإملاء» على كتاب مالك لا تنفسخ الكتابة في الحال فإن أدى المكاتب حصة الشريك الآخر عتق وكان الولاء بينهما، وإن عجز قوم نصيبه على الشريك القابض نصيبه إن كان موسرًا وإن كان معسرًا فقد عتق نصفه ورق نصفه.
قال المزني: قد قال: لو أعتقه أحدهما قوم عليه الباقي إن كان موسرصا وعتق كله ولم يؤخذ التقويم إلى حالة العجز وإلا كان الباقي مكاتبًا، ولذلك لو أبرأه، [89/ أي فهو كإعتقاه إياه، قال المزني: هذا أشبه بقوله: يعني أ، تعجيل التقويم في الحال أولى بأصله لهذه المسألة، قلنا: هذا على أحد القولين، فأما على القول الآخر، فلا يقوم في الحال حتى يعجز في المسألة التي أوردها المزني أيضًا، على ما تقدم بيانه فإذا قلنا: تقوم في الحال، فإنجميع ما في يد العبد يكون للشريك لأن التقويم يفسخ الكتابة، والشريك قداستوفى نصيبه، فيكون ما بقي له وهذا إذا كان هذا الذي بقي مثل ما يعجله، فإن كان أكثر من المعجل كانت الزيادة بين الشريك الآذن بحق رقه وبين المكاتب بحق عتقه، وإذا قلنا: يقوم إذا عجز فإن كل ما يكسبه إلى أن عتق نصفه، فهو لسيده الذي لم يقبض نصيبه وما كسب بعده إلى أن قوم يكون بينه وبين السيد الذي لم يقبض نصيبه نصفين لأنه كسبه بنصفه الحر ونصفه المكاتب، وقال في الكتاب في أثناء الفصول فإن مات بعد العجز فما في يديه بينهما نصفان يرث أحدهما بقدر الحرية وهذا على أحد القولين والآخر بقدر العبودية وتسميته الآخر وارثًا عبارة مجاز وقد ذكرنا هذا في كتاب الفرائض.
وهذا إذا استعجل ما عتق نصيبه به فأما إذا استعجل نصيبه من النجم الأول بإذن الشريك ففيه القولان في صحة الإذن وإذا قبض هل يخلص له أم يشاركه فيه صاحبه؟ كما ذكرنا فإن قلنا: صح الإذن أدى العبد مثل ذلك إلى الآخر، فإن لم يبق عنده مال، وعجز فلا شك أن عليه أن يناصف صاحبه ما قبض لأنه كسب عبدهما، فلا يخلص له بأن يقول له شريكه: أذنت لك في أخذه بل يناصفه ويأخذ [89/ ب] مثل ما أخذ، ثم الباقي بينهما واختار بن سُريج أنه لا يأخذه مثل ما أخذ لأنه يقول: لما أذنت لي في الأخذ رضيت بوقوع حقك في ذمته ثم لما عاد رقيقًا سقط دينك عن ذمته بالتعجيز.

الجزء: 8 - الصفحة: 319

مسألة: قال: «ولو مات سيد المكاتب فأبرأه بعض الورثة من حصته عتق نصيبه».
قد ذكرنا هذه المسألة، وقال: ههنا ولاؤه للذي كاتبه يعني الميت لأن العقد له، ولا أقوم عليه، والولاء لغيره، وهذا أحد القولين اللذين ذكرناهما فيما تقدم، ثم قال: وأعتقه عليه بسبب رقه فيه لأنه لم يكن فيه رق فعجز لمن يكن له.
وهذا اللفظ لإيجازه مشكل، وهو جواب سؤال لا يصح إلا بذكر السؤال كأنه يقول: إن قال قائل: إذا لم يقوم على هذا الوارث الذي قد أعتق نصيبه بالإبراء، فلم أعتقت بقوله ذلك النصيب؟ وإذا نفذ العتق فيه بقوله: وجب التقويم عليه، قلنا: إنما يعتق عليه ذلك النصيب بسبب رقه فيه، لأنه لو لم يكن فيه رق لم يكن له إذا عجز ومعلوم أنه إذا عجز كان ذلك النصف له، فإذا لم يعجز فالولاء لمن كاتبه، وإذا كان الولاء لغير هذا الوارث المعتق أو المبرئ لم يجز التقويم عليه.
وحكى المزني في موضع آخر هذين القولين في أصل التقويم على هذا الوارث، وقال في موضع فيها قولان، أحدهما: لا يقوم عليه، والثاني: يقوم عليه إذا عجز وكان له ولاؤه كله لأن الكتابة الأولى بطلت، وأعتق هذا ملكه.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: ههنا نكتة وذلك أنه إذا أعتق أحد الوارثين نصيبه من المكاتب [90/ أ] الموروث.
وقلنا: بالتقويم وانتظرنا العجز فعجز النصف الثاني فقومناه، قد ذكرنا أن الكتابة انتقضت في النصف المقوم بالعجز ف أما النصف الأول الذي أعتقه الوارث فهل يحكم الآن بإبطال الكتابة؟ فيه اختلاف أصحابنا فيه فمنهم من لم يبطل الكتابة فيه، وعليه الأكثرون، ومنهم من أبطل الكتابة فيه وعلل، فقال: العقد عقد واحد فإذا انفسخ بعضه في الانتهاء انفسخ جميعه وكنت استضعفت هذا الوجه حتى دل النص عليه في هذا الموضع حيث حكى المزني القولين في أصل التقويم، وقال في القول الثاني لأن الكتابة الأولى بطلت وأعتق هذا ملكه فوجدناه قولاً منصوصًا، وقال القاضي الطبري معناه ولاء هذا النصف له لا الكتابة إنما بطلت فيه دون نصيب المبرئ، قال المزني: الول أشبه بمعناه يعني أن لا يقوم عليه، واحتج بأنه زعم أنه إذا أبرأه من قدر حقه من مالك الكتابة عتق نصيبه، بمعنى عقد الأب فلم يجز أن يزيل ما ثبت يعني إذا ثبت أن العقد حصل على عقد الأب لم يجز أن يقوم عليه هذا الوارث ثم قال المزني: وإذا زعم أنه إن عجز فقد بطلت الكتابة الأولى فينبغي أن يبطل عتق النصيب بالإبراء من قدر النصيب لأن الأب لم يعتقه إلا بأداء الجميع فكأن الأب أبرأ من بعض مال الكتابة، فلا عتق بإبرائه من بعض مال الكتابة، قلنا: قال أصحابنا لم يرد الشافعي بقوله: بطلت الكتابة في الجميع وإنما أراد في النصيب الذي يقوم على الابن فلم يجب رد العتق، وقال الجويني: رحمه الله اعترض المزني بهذا [90/ ب] على القول الذي استضعفناه ووجدناه نصًا، فقال: إذا حكمنا في الانتهاء بإبطال جميع الكتابة وجب أن يبطل عتق النصف الأول الذي أعتقناه بلفظ الإبراء

الجزء: 8 - الصفحة: 320

ويكون كالسيد لو أبرأه من بعض مال الكتابة.
والجواب: أو الوارث يومئذ كان كالسيد إذا أبرأه عن جميع مال الكتابة لأن الوارث أبرأ عن جميع حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا أن نعترض على ذلك العتق؟ قال: ويحتمل أن يكون جميع كلام المزني من قوله: الأول أشبه بمعناه إلى آخر الباب اعتراضًا واحدًا على هذا القول الذي نصرناه وأجبنا عنه المزني رحمه الله، والله أعلم.

باب ولد المكاتبة

مسألة: قال: «وولد المكاتبة موقوف».
الفصل جملة هذا أنه إذا كاتب أمة فأتت بولد لا يخلو إما أن تأتي به من السيد، أو من غيره فإن أتت به من السيد انعقد حرًا وتصير له أم ولد لأن له فيها ملكًا، وإن كان ضعيفًا، وتكون الكتابة باقية فيها، لأنها عتق بصفة، فلا ينافيها الاستيلاد كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حرة ثم استولدها تكون أم ولده ومعتقته بصفة، فإن أدى مال الكتابة عتقت وبطل حكم الاستيلاد وإن عجزت بطلت الكتابة ويكون الاستيلاد باقيًا فيها فتعتق بموت السيد وإن مات السيد قبل الأداء عتقت بموته وبطلت الكتابة وإن أتت بولد من غير السيد، إما من زوج، أو من زنا يكون مملوكًا لأن الأم مملوكة، [91/ أ].
ولا يصير مكاتبًا لأن الكتابة عقد معاوضة يفتقر إلى إيجاب وقبول ورضى فلا يلزم حكمه إلا لمن عقد معه ويفارق ولد المدبرة يتبعها في التدبير في أحد القولين لأن التدبير يحصل بقبول السيد وحده ومن الفرق أن المكاتبة متى عجزت أو ماتت بطلت الكتابة وكان ولدها رقيقًا، وإذا مات المدبر قبل موت سيده يبطل تدبيره ولم يبطل في ولده ثبت أن الولد دخل في التدبير، ولم يدخل في الكتابة، فإن قيل: ولد المبيعة يدخل في حكم المبيع، وإن كان المبيع يفتقر إلى الإيجاب والقبول، قلنا: لا يدخل في البيع وإنما يتبع في الملك لأن المبيعة صارت ملكًا للمشتري وههنا الملك للمكاتب فلو تبع تبع في العقد دون الملك، وقال أبو حنيفة يسري إلى الولد لأنها سبب ثابت للعتق فسرى إلى الولد كالاستيلاد، وهذا خطأ لما ذكرناه.
فإذا ثبت أنه لا يدخل في الكتابة فما حكمه؟ فيه قولان، أحدهما: أنه مملوك للسيد لأنه عقد يلحقه الفسخ فلا يثبت حكمه في الولد كالرهن، والثني: أنه موقوف على حكم الأم، فإن رقت رق الولد، وإن عتقت عتق الولد، قال الشافعي رضي الله عنه.
وهذا القول أحب إلي، وقال أبو إسحاق: إذا اختار الشافعي هذا القول وجب أن يكون القول الآخر ساقطًا ووجه هذا القول أن الولد يتبع الأم في سبب الحرية كما يتبعها في

الجزء: 8 - الصفحة: 321

الحرية كولد أم الولد، ولأن الولد من كسبها فيقف على عتقها كمالها، فإذا قلنا: الولد يكون مملوكًا للسيد فله أن يتصرف فيه كيف شاء، ولو قيل: كانت قيمته له، وإذا قلنا: إنه موقوف فالكلام على هذا القول [91/ ب] في خمسة أحكام، أحدها: في الجناية عليه، والثاني: في نفقته، والثالث: في كسبه، والرابع: في عتقه، والخامس: في وطئها إذا كانت ثيبًا.
فأما في الجناية عليه، فضربان جناية على نفسه وجناية على طرفه فإن كانت الجناية على نفسه وكانت خطأ يوجب المال فعليه قيمته لأنه مملوك، فيضمن بالقيمة ولمن تكون القيمة فيه قولان، أحدهما: أنها للسيد وهو اختيار الشافعي رضي الله عنه لأنه تابع لأمه، والأم لو قتلت كانت قيمتها للسيد فكذلك قيمة الولد للسيد وعلل أبو إسحاق فقال: لأن الولد لم يجز عليه العتق، ولا هو ملك الأم، وإنما هو ملك لسيده، وإنما وقف على الحرية والرق، فإذا قتل فقيمته للسيد.
وأيضًا لو أعتق السيد الولد عتق فلو كان كسبًا لأمه تستعين به في كتابتها لما جاز أن يعتقه السيد لأنه يتلف على الأم بعتقه كسبه، قال أبو إسحاق: ويخالف هذا ولد المكاتب الذي أوصى له به فقبله أو وطئ جاريته في حال كتابته فولدت منه، فإنه يملك ولده ويصير موقوفًا من أجل ملكه إياه، ولو كان يجري عليه رق على الدوام لكان يستديم لملكه كسائر عبيده ولكن لا يستقر له ملكه على ولده فيعتق عليه إذا كان حرًا ويصير موقوفًا على حريته إذا كان مكاتبًا، فإذا كان كذلك يكون السيد ممنوعًا من ولده، ولا ينفذ فيه عتقه فلما نفذ دل على ما قلنا، والقول الثاني: أن قيمته للمكاتبة تستعين بها في مال الكتابة لأن القصد من الكتابة طلب حصتها، وهذا [92/ أ] من حصتها ولأن السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه قنًا فلا يستحق قيمته، وإذا لم يستحقها السيد كانت لأمه لأنه لا فائدة في إيقاف القيمة بخلاف الولد لأنه يوقف ليعتق، وإذا كانت الجناية عليه عمدصا فإن جعلنا قيمته في الخطأ للسيد، فالقود في العمد مردود إلى خيار السيد، فإن اقتص أو عفا فلا اعتراض للأم عليه وإن جعلنا قيمته للأم، فإن اقتضت كان لها ولم يكن للسيد معها وإن عفت إلى المال كان لها وإن عفت عنهما، ففي صحة عفوها قولان، فإن قلنا: موجب العمد القصاص وحده يجوز ذلك أذن السيد أو لا لأنه لا حق للسيد في القصاص والمال لا يجب إلا باختيار الأم وليس للسيد أن يجبرها على تملكه، وإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين.
أما القصاص أو المال لا يجوز ذلك لأن فيه إتلاف المال، وهل يجوز بإذن السيد قولان كالهبة.
وإذا كانت الجناية على الطرف فإن كانت خطأ توجب المال ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: الأرش للسيد لأنه ملكه، والثاني: الأرش للأم لأن الولد تابع لها، والثالث: أنه موقوف على الولد، فإن عتق بعتق الأم كان الأرش له وإن رق برقها كان للسيد وإن كانت عمدًا، فإن قلنا: الأرش للسيد كان القود في طرفه مستحقًا للسيد وإن جعلناه للأم كان القود في طرفه مستحقًا للسيد، وإن جعلناه موقوفًا على عتق الولد ورقه، فلا

الجزء: 8 - الصفحة: 322

حق للأم في القود، وهو موقوف بين الولد والسيد فإن اجتمعا عليه جاز أن يستوفياه وإن تفرد به أحدهما، لم يجز لأنه إن تفرد به الولد جاز أن يكون للسيد [92/ ب] أن يرق، وأن تفرد به السيد جاز أن يكون للولد إن عتق فلذلك منع أحدهما من التفرد حتى يجتمعا، أو يستقر أمر الولد على عتق فيكون القود له أو على رق فيكون لسيده، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: ولد المكاتبة يتبعها في الحرية فحق الملك للسيد في الولد أو للمكاتبة قولان، وفائدة هذا أنه لو جنى على طرف الولد فالأرش لمن يكون؟ فإن قلنا: للسيد حق الملك فيه، فالأرش موقوف، فإن عتق الولد فذلك له وإ÷ن رق برق الأم كان للسيد، وإن قلنا: حق الملك للمكاتب فالأرش للمكاتبة تستعين بها في كتابتها وإن قتل، فإن قلنا: حق الملك للسيد فأولى أن تكون القيمة له، وإن قلنا: حق الملك للأم، ففيه وجهان أحدهما: للأم، والثاني: للسيد أيضًا لأن حكمه إ÷ذا مات مات رقيقًا وما تقدم أصح على ما فسره في «الأم».
وأما الكلام في كسبه فلن يكون فيه طريقان، أحدهما: فيه ثلاثة أقوال أحدها: للسيد، والثاني: للأم، والثالث: موقوف، والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: للأم، والثاني: موقوف وفيه قول ثالث مخرج أنه للسيد، وهو مخرج من كون القيمة للسيد وهذا ليس بشيء، والقولان منصوصان.
وقال أبو إسحاق ما دام الولد حيًا لا تأخذ الأم كسبه وما في يده ويكون موقوفًا لا يختلف فيه قول الشافعي رضي الله عنه وزعم بعض أصحابنا: أنه في حياته قولان، أحدهما: وهم، والثاني: موقوف ولا نص فيه للشافعي نعلمه، قال الشافعي: والأول: أشبههما يعني أنه موقوف، [93/ أ] وإذا مات يكون للسيد، وقال المزني، بل الآخر أشبههما إذا كانوا يعتقون بعتقها، فهي أولى بها ومما يدل على ذلك قوله، ولو وطئ ابنه مكاتبته أو أمته كان عليه مهر مثلها وهذا يقتضي ما وصفت من معنى ولدها، قال أبو إسحاق: هذا ليس بإلزام صحيح لأن في حياة الولد لا يختلف قوله في الكسب أنه موقوف ولا تأخذ الأم، وإنما اختلف قوله بعد موت الولد، وقال غيره من أصحابنا: فيه قولان، وإن كان حيًا على ما ذكرنا ولا فرق بين المهر والكسب، فسقط السؤال هذا في مهر ابنتها، فأما في مهر أمتها يكون لها لا يختلف القول فيه، وقيل: يقال للمزني: كيف يقال القول الآخر أشبههما، وعلة القول الأول أظهر، وهي قوله لأن المكاتبة لا تملك ولدها.
وأما إيجاب مهر المثل في وطء ابنة المكاتبة وأمتها فللحيلولة ورجاء العتق، ألا ترى أنها إذا لم تعتق كان ذلك المهر للسيد، فإذا قلنا: الكسب للمكاتبة، فإنها تأخذه يومًا بيوم وتستعين به في مال الكتابة، وإذا قلنا للسيد يومًا بيوم ويتصرف فيه، وإذا قلنا: إنه موقوف فإنه يجمع ثم ينظر فإن عجزت الأم واسترق الولد دفع الكسب إلى السيد، وإن عتقت وعتق الولد دفع الكسب إلى الولد، وإن أشرفت المكاتبة على العجز، فإن لم يكن في كسب الولد وفاء لأداء مال الكتابة لا يدفع إليها لأنها لا تستفيد به وإن كان فيه وفاء بمال الكتابة فهل يدفع إليها لتستعين به في مال الكتابة وتعتق، فيه

الجزء: 8 - الصفحة: 323

قولان: أحدهما: لا يدفع إليها لأنها غير [93/ ب] مستحقة له على هذا القول، وكان موقوفصا بين الولد والسيد فلم يكن كلام فيه حق، والثاني: يدفع إليها لأنه وقف طلبًا لحظ الولد إن عتق فإذا أخذته الأم فعتق بعتقها كان أحظ للولد من أن يأخذ السيد فيرق، ولو مات هذا الولد وكسبه موقوف، ففيه قولان بناءً على قيمته لو قتل أحدهما لها والثاني: لسيده، وأما الكلام في نفقته فإن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن لم يكن مكتسبًا، فإن قلنا: كسبه للأم فالنفقة عليها، وإن قلنا: كسبه للسيد فنفقته عليه وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان: أحدهما على سيده لنه على ملكه، والثاني: في بيت المال من سهم المصالح لأنه محتاج، وليس له من ينفق عليه لأن السيد لا يملكه والأم لا تستفيد بالإنفاق عليه.
وأما الكلام في عتقه فإن قلنا: كسبه له أو هو موقوف، والمكاتبة إذا أشرفت على العجز لم يدفع إليها ينفذ عتقه لنه تعجيل الحرية من غير أن يكون على المكاتبة فيه ضرر، وإن قلنا: كسبه للمكاتبة أو قلنا: موقوف ولكن أشرفت المكاتبة على العجز دفع إليها لم ينفذ عتقه لأن في هذا إضرارًا بالمكاتبة وتعطيلاً للكسب عليها.
وقال أبو إسحاق: يعتق الولد قولا واحدًا.
وذكره الشافعي في «الأم»، ومن أصحابنا من قال: لا ينفذ عتقه فيه.
إذا قلنا: ما في يد الولد للأم، وليس بصحيح وهذه الطريقة أصح، وقال في «الحاوي»: إن قلنا: كسبه للأم لا ينفذ عتقه، وإن قلنا: كسبه للسيد نفذ عتقه فيه، وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان مخرجان من القولين في عجز الأم هل تتمم كتابتها بكسبه، [94/ أ] فإنا قلنا: تتمم لم ينفذ عتقه، وإن قلنا: لا تتمم، نفذ فيه عتقه وهكذا لو كاتبه السيد، فهو مبني على نفوذ عتقه فإن قلنا: يصح عتق بأسبق الأمرين من أدائه وأداء أمه لأنه إذا عتق بانفراد كل واحد منهما وجب أن يتحرر عتقه إذا اجتمعا بوجود أسبقهما فإن سبق أداؤه عتق عن كتابته، وإذا سبق أداء الأم عتق بأداء الأم تبعًا وبطلت كتابته بعتقه.
وأما الكلام في وطئها إذا كانت ثيبًا، فإن قلنا: إنها مملوكة له؛ حل له وطئها، وإن قلنا: إنها موقوفة على الأم لحل ذلك لأنه لا يملكها ملكًا تامًا فإن وطئ فلا حد لأن له فيها شبهة الملك وفي المهر ثلاثة أقوال بناءً على الكسب أحدها: لا مهر إذا قلنا: الكسب للسيد، والثاني: يلزم المهر للأم، إذا قلنا: الكسب لها، والثالث: أنه موقوف كالكسب، فإن قلنا: بالوقف ففي كيفية وقفه وجهان: أحدهما: يوقف بعد قبضه من السيد، والثاني: يوقف في ذمة السيد وعلى حال يحرم الوطئ، فإن أحبلها انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك وإن كان ضعيفًا، ولا يلزمه قيمتها لأن القيمة إنما تجب لمن يملكها، والمكاتبة لا تملك ابنتها ولا يلزمه قيمة الولد أيضًا لأنها وضعته، وهي أم ولد له، هكذا قال جميع أصحابنا المتقدمين،

الجزء: 8 - الصفحة: 324

وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: هل يلزم قيمتها؟ ينبغي أن يكون فيه قولان كما إذا قلت ففي قيمتها قولان: أحدهما أنه له، والثاني: أنها لأمها تستعين به على كتابتها [94/ ب].
فرع كيف الحكم في ولد ولدها؟، قال الشافعي رضي الله عنه: ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات وأراد به أن ولد الابن يكون حكمها حكم أمه دون ابنه لأن ولد البنت تبع لها في الرق وولد الابن تبع لأمه في الحرية والرق فصار ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات.
وقال أبو يوسف ومحمد: ولد البنت يكون داخلاً في كتابة جدته، كأمه وهذا نحو ما ذكره الشافعي، وقال أبو حنيفة: يدخل في كتابة أمه دون جدته واحتج بأن الحقوق التي تسري إنما تسري مع الاتصال، فأما الولد المنفصل فلا يسري إليه وهذا الولد اتصل بأمه دون جدته، وهذه لا يصح لأن الولد من كسب أمه والأمههنا تابعة للمكاتبة فكذلك ولدها كسائر كسبها، ونحن نقول بالسراية على ما ذكرنا فيما تقدم فلا يلزمنا ما ذكروا.
مسألة: قال: «وهو ممنوع من وطء مكاتبته».
العم أنه إذا كاتب أمته فليس له أن يطأها لأن الوطء إنما يستباح في زوجته أو ملك تام وليس ههنا واحد منهما، فغن وطئها فلا حد وبه قال جماعة العلماء.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجب عليه الحد لأنه عقد عليها عقد معاوضة كما لو باعها وهذا لا يصح لأن له فيها ملكًا وإن كان ضعيفًا بدليل أنه لو أعتقها نفذ عتقه، ولو زوج ابنته من مكاتبه ثم مات وورثته البنت انفسخ نكاحها، لأنها ملكت جزءًا من زوجها فصار ذلك شبهة في سقوط الحد ولو شرط [94/ أ] في عقد الكتابة عليها أن يطأها كان الشرط والعقد باطلين وحكي عن مالك أنه قال: يصح العقد ويبطل الشرط، وقال أحمد: يصح العقد والشرط لأنه شرط عليه منفعتها فوجب أن يصح كما لو شرط الاستخدام، ودليلنا أنه لا يملك وطئها مع الإطلاق للعقد فلا يملكه بالشرط كما لو زوجها واشترط لنفسه الوطء، ويفارق الاستخدام لأنه يجوز أن يملك بما لا يمك به الوطء من الإعارة والإباحة، والدليل على بطلان قول مالك أن الشرط الفاسد يوجب فساد العقد كما لو شرط في الكتابة عوضًا فاسدًا، فإذا ثبت هذا فإن كانا عالمين بتحريم الوطء عزرًا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً والآخر عالمًا لما عزر العالم دون الجاهل.
وأما المهر، فنقل المزني عن الشافعي أنه قال: إن أكرهها فلها مهر مثلها، قال أبو إسحاق: ظاهر هذا أنه إذا وطئها طائعة لا مهر لها ولا نعلم أن الشافعي قال ذلك بل

الجزء: 8 - الصفحة: 325

نص أن لها مهر مثلها طائعة وطئها أو كارهة لأنه لا حد في هذا الوطئ فهو كما لو وطئ طائعة بنكاح فاسد فلها المهر، لأنه لا حد عليها وهذا هو الصحيح، وإنما يختلف الإكراه وغيره في المواضع الذي لو لم يكرهها لكان عليها الحد، ومن أصحابنا من قال: إذا أكرهها، ولم يتعرض لذكره إذا طاوعته وأوجب في «الأم» في الحالتين فلم يكن بينهما اختلاف، ومن أصحابنا من قال: ما حكاه المزني إن عرف للشافعي [95/ ب] فله وجه وذلك أنها إذا طاوعت فقد أباحت نفسها من غير عوض فلا مهر وهي مفارقة للمنكوحة نكاحًا فاسدًا لأنه المنكوحة لا تمكن إلا على أن لها المهر وليس بين المكاتبة والسيد عقد يوجب المهر لا صحيح ولا فاسد فإذا أباحت نفسها بلا عوض مع علمها به لم يجب لها العوض، قال أبو إسحاق: قد قيل: هكذا ولكنا لا نعرف للشافعي.
قال: ذلك في شيء من كتبه.
وقال في «الحاوي» قد قيل: فيه قولان بناء على الراهن إذا أذن للمرتهن في الوطء فوطئ هل يلزم المهر قولان.
وقال القفال: أخل المزني بالنقل حيث خص بالمهر حالة الإكراه لأن في حالة الطوع يجب أيضًا، وإنما قال الشافعي: حالة الطوع حتى يكون حالة الإكراه أولى وهذا غريب، وذكر صاحب «المنهاج»: أن الصحيح أنه لا مهر لها إذا كانت طائعة وهكذا في الأمة إذا طاوعت على الزنا، وهذا سهو منه في هذا الموضع لما بينا.
وحكي عن مالك أنه قال: لا مهر لها أصلا لأن بضعها ملكه ولهذا لا يجوز له أن تتزوج إلا بإذنه، وهذا لا يصح لأن منافع المكاتبة لها، ولهذا لو وطئها أجنبي بشبهة أو بالإكراه فالمهر لها وإنما يفتقر نكاحها إلى إذنه لأن النكاح لازم إلى الأبد فربما عجزن نفسها وتعود إليه ناقصة بالتزويج، فإذا ثبت وجود المهر، لها قال في «الأم»: فإن أصابها مرة أو مرارًا لم يكن لها إلا صداق واحد حتى تجبر فتختار الصداق، أو العجز فإن اختارت فعاد فأصابها السيد، فلها صداق آخر، قال أصحابنا: [96/ أ] هذا عبارة عن قبض الصداق، وفإذا قبضت ثم وطئها وجب صداق آخر.
وهذا كما لو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، فأصابها رة أو مرارًا يجب صداق واحدًا، فإذا فرق بينهما وقضى بالصداق ثم نكحها نكاحًا آخر فلها مهر آخر إذا وطئها ثم هذا المهر يجب عليه من غالب نقد البلد ثم ينظر فإن لم يكن عليها نجم من مال الكتابة فإنها تأخذ وتتصرف فيه حتى يحل النجم.
ثم قوله: وإن كان حل عليها نجم، فإن كان الذي حل عليها من غير جنس الآخر فهل يصير قصاصًا؟ فيه أربعة أقوال ذكرناها، فإن حبلت المكاتبة فقد ذكرنا أنها تصير أم ولد له والولد حر لا يلزمه قيمته وهي تعتق بحكم الكتابة ويكون كسبها له، ومتى تعتق بالاستيلاد يكون كسبها قبل العتق للسيد، وههنا الكتابة باقية، فإن أدت مال الكتابة قبل موت سيدها عتقت، وكان ما في يدها من الكسب لها، فإن عجزت نفسها

الجزء: 8 - الصفحة: 326

قبل موت السيد وفسخ الكتابة كان ما في يدها له، فإن مات عتقت بموته بحكم الاستيلاد وحدها.
فرع لو أتت هذه المكاتبة بعد الاستيلاد بولد من زوج أو زنا فهذا ولد أم ولد وولد مكاتبة فيتبعها في الاستيلاد قولا واحدا، وهل يتبعها في الكتابة قولان، فإذا قلنا: لا يتبعها فليس له إلا سبب واحد وهو الاستيلاد فيعتق بموت السيد، وإذا قلنا: يتبعها فقد اجتمع لها سببان أيهما سبق عتق به، والحكم فيه كالحكم في الأم على ما ذكرنا.
فرع آخر لو اشترى المكاتبة أمة للتجارة لا يحل للسيد وطئها، فإن وطئها قد ذكرنا أنه لا حد ويلزم المهر ههنا للمكاتبة بلا خلاف، [96/ ب] فإن حبلت انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير أم ولده لأنها عتقت بحر في ملك، ويلزمه قيمتها لأنها مملوكة للمكاتبة وقد أتلفها عليه بالإحبال، ويفارق للثبت على ما ذكرنا لأنها ليست بمملوكة له بل هي موقوفة معها أو مملوكة للسيد.
وأما الولد فلا تجب قيمته لأنه قد ملك الأم بالتقويم، فإذا أتت بولد بعدما صارت أم ولده لم يلزمه قيمته.
وأما إذا أحبل المكاتبة يلزمه قيمة ولدها إذا قلنا: ولدها موقوف لأنها مكاتبة كما كانت وقد أتلف ولدها عليها فلزمته قيمته لها ويدفع إليها أو تستعين بها أو يجعلها قصاصًا، وإذا قلنا: قيمته لو قتل تكون لسيدها فلا قيمة عليه.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في ولدها».
الفصل إنما تتصور هذه المسألة على القول الذي يقول: ولد المكاتبة موقوف على كتابتها وصورتها أن يقول: المكاتبة ولدته بعد المكاتبة.
وقال السيد: ولدته قبل الكتابة فهو ملكي فقد ذكرنا من قبل أن القول قول السيد لأنه اختلاف في التحقيق في قوت الكتابة، فإنها تقول عقدت معي الكتابة ثم أتيت بالولد، وهو يقول: لا بل أثبت به ثم عقدت معك الكتابة، والأصل أن لا عقد ولهذا نقول: لو اختلفا في أصل العقد، فالقول قوله أيضًا، وإذا قلنا: ولدها للسيد لا يتصور الاختلاف، فإنها سواء أتت به قبل الكتابة أو بعدها، فهو للسيد فإن نكل السيد عن اليمين ترد عليها اليمين، فإن نكلت ففي ردها على الولد بعد البلوغ، وجهان.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في [97/ أ] ولد المكاتب من أمته، فالقول قول المكاتب».
في صورة هذه المسألة مضمون محذوف، ولا يمكن حمل اختلافهما على ظاهره

الجزء: 8 - الصفحة: 327

لأنه ولد المكاتب من حرة حر لا يصح فيه الاختلاف، والمسألة مصورة فيمن كاتب عبده ثم زوجه أمته، فالتزويج صحيح ثم اشترى المكاتب من السيد زوجته فينفسخ النكاح عندنا خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله وصارت مملوكة له فأتت بولد فاختلف هو والسيد، فقال السيد: أتت به من قبل أن بعتكها، فهو مملوك لي، وقال: بل أتت به بعدما ابتعتها فهو لي يعتق بعتقي وأمكن ما قالاه، فالقول قول المكاتب لأنهما اختلفا في ملك الولد ويد المكاتب ثابتة على الولد فصار بيده أقوى من السيد.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي رضي الله عنه: أنها لو أتت بولدين، أحدهما قبل الكتابة، والآخر بعدها، فهما للسيد لأنهما حمل واحد وهكذا لو أتت بأحدهما في يوم ملك الأم بأقل من ستة أشهر والآخر بأكثر فهما للسيد، وكذا أفتى الشيخ أبو زيد وليس بصحيح لأن الحمل يتبع الأم في البيع، وإذا وضعت ولدًا وفي بطنها ولد آخر فبيعت فالولد الثاني مبيع معها، وقد نص الشافعي كما قال الشيخ أبو زيد، فنقول: مراد الشافعي رضي الله عنه أنه يحكم بأن الولدين حصلا في ملك السيد ثم معقول أن الذي في البطن يصير مبيعًا يتبع الأم أو نقول صورة المسألة: [97/ ب] أنها أتت بالولد الثاني مع البيع لا بعده فيكونان للسيد.

باب المكاتبة بين اثنين يطأها أحدهما أو كلاهما

مسألة: قال: «إذا وطئها أحدهما فلم تحبل فلها مهر مثلها».
اعلم أنه إذا كانت أمة بين رجلين فكاتباها لا يحل لأحدهما وطئها لأنه قبل الكتابة كان يملك بضعها ملكًا تامًا، ولم يكن يحل الوطئ فبعد الكتابة أولى أن يحل وطئها فإنها توجب تحريمًا لو كان الوطئ حلالاً من قبل، فإن وطئ أحدهما فلا حد لشبهة الملك ثم ينظر فإن كانا عالمين عزرا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً لم يعزر الجاهل ويجب المهر لأنه وطئ شبهة ويكون للمكاتبة لأنه كسبها ثم ينظر فإن لم يكن قد حل عليها نجم من مال الكتابة، فإن كان المهر من جنس مال الكتابة، فإن كان معها بقدر ما يدفع إلى السيد الذي لم يطأها مثل المهر فعلت ذلك وسلمت، وللسيد الذي وطئ عليها قدر المهر فإن المهر يكون بين السيدين لأن الكسب بينهما والمهر من جملة الكسب، فيرجع الذي لم يطأ على الذي وطئ فيأخذ منه نصف المهر فيحصل المهر بينهما نصفين ثم ينظر، فإن فضل باقي مال الكتابة فأدتها إليهما عتقت وإن لم يكن معها شيء فللسيدين أن يعجزاها ويسترقاها، فإن فعلا عادت مملوكة لهما وكسبها بينهما والمهر من جملة الكسب، فإن كانت قبضت المهر من الواطئ فقد برئت ذمته منه، [98/ أ] فإن كان باقيًا بحاله اقتسماه بينهما، وإن كان قد

الجزء: 8 - الصفحة: 328

أتلف فقد تلف من ملكهما معًا، وإن لم تكن قبضت المهر فإن ذلك يكون كسبًا ليسدها ثم ينظر فإن كان في يدها شيء يدفع للسيد الذي لم يطأها بإزاء المهر ويحصل المهر لمن هو عليه فعل ذلك، وإن لم يكن معها شيء آخر، فإنهما يقتسمان المهر بينهما نصفين ويسقط ما بقي من حقهما، وإذا اقتسما نصفين دفع الواطئ إلى صاحبه نصف المهر وسقط نصفه عن ذمته، فإن أتت هذه المكاتبة بولد نظر فإن كان السيد قد استبرأها بعد الوطئ وأتت بولد بعد الاستبراء لستة أشهر فصاعدًا لم يلحق بالسيد بل يحكم بأنه ولد مكاتبته من شبهة أو نكاح أو زنًا فيه قولان على ما ذكرنا، وإن لم يكن استبرأها أو كان قد استبرأها إلا أنها أتت بالولد لأقل من ستة أشهر من حين الاستبراء فإنه يلحق بالوطئ، فإنه واطئ بشبهة وينعقد الولد حرًا ويصير نصف الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك، وإن كان ضعيفًا وجميعها يكون مكاتبًا لهما ثم ينظر في الواطئ فإن كان معسرًا فلا يسري إلى نصيب شريكه وإن كان موسرًا فيسري لأنه كالعتق، وهل يقوم عليه في الحال، أو فيما بعد، فعلى ما ذكرنا من القولين أحدهما: يقوم في الحال تغليبًا للإيلاد على الكتابة للزوم حكمه والثاني: يتوقف تقويمه على العجز تغليبًا لحكم الكتابة على الإيلاد لتقدمه، وقال أبو علي بن أبي هريرة: يقوم عند العجز ههنا قولاً واحدًا وإنما القولان في عتق أحد الشريكين، [98/ ب] والفرق أن السراية هناك إذا كانت في الحال استفادة العتق في الحال فلا ضرر على المعتقة، وههنا يضر التقويم والسراية لا تنفسخ فيما قومناه، وثبت لها حكم الاستيلاد فيقف عتقها على الموت، وإذا كانت مكاتبة يعتق بالأداء في الحال، وقال أبو إسحاق: الطريقة الأولى أصح، وما قاله أبو علي خطأ لأن الإحبال أقوى من العتق، والعتق إذا أوجب التقويم في الحال فالإحبال أولى، والذي قاله من الضرر لا يصح لأنا إذا قومنا في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك وتبقى في نصيب المحبل، فإذا أدت إلى مولاها المحبل نصيبه من المال عتقت وسرى العتق إلى الباقي فالتقويم أحظُ لها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: كلام الشافعي ههناه يدل على أنه لا يقوم في الحال في الإحبال وإنما يقوم يوم العجز قولاً واحدًا، وذلك أنه أجاب ههنا في الإعتاق بأنه يقوم في الحال، فقال: إذا مات الواطئ وعتق نصفها قوم النصف الثاني في الحال، ولم يقل إذا عجزت، وكذلك إذا أعتق أحدهما نصيبه وأجاب في الإحبال بأنه لا يقوم فيه الحال، فقال: فاختارت العجز أو مات الواطئ، فإن للذي لم يطأها نصف المهر، ونصف قيمتها على الواطئ فدل ذلك على أن قوله لم يختلف في الإحبال أن التقويم فيه يوم العجز لما تقدم من العلة وقد بينا خلاف هذا.
فإن قلنا: يقوم في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه بالتقويم وتصير أم ولد الواطئ ويكون النصف الآخر مكاتبًا وهي أم ولد له ثم ينظر فإن أدت مال الكتابة عتق نصفها وسرى العتق [99/ أ] إلى باقيها ويبطل حكم الإحبال والعتق بها، وإن قلنا: لا يقوم في الحال ينظر فإن أدت مال الكتابة إليهما عتقت ويكون الولاء بينهما ويبطل حكم

الجزء: 8 - الصفحة: 329

الإحبال، وإن عجزت نفسها استرقاها وبطلت الكتابة فتقوم حينئذ على الشريك الوطئ ويصير جميعها أم ولد يعتق بموته فهذا الحكم في الأم، وأما الولد فقد حكمنا بحريته فهل يجب على الواطئ شيء من قيمته لشريكه؟.
الحكم في ذلك أن كل موضع أتت به وجميعها أم ولد للواطئ لا يلزمه شيء من قيمة الولد لأنها وضعته في ملكه وكل موضع أتت به ونصفها مكاتب لغيره يلزمه نصف قيمته لشريكه لأنه كان من سبيله أن يكون نصيبه من الولد مملوكًا له فلما صار حرًا باعتقاده وفعله صار متلفًا لذلك النصف عليه فيلزمه قيمته.
وإن مات السيد قبل أن يعجز أو يؤدي فقد عتق نصفها بموته وانفسخت الكتابة فيه، فعلى هذا إن أدت إلى الشريك نصفه عتقت وإن لم تؤد قوم على الميت في تركته لأنه قد وجب بسبب كان منه في حال حياته.
وكل موضع حكمنا بأنها أم ولده والكتابة باقية فمات السيد سبق عتق الاستيلاد على الكتابة فعتقت بموته واستتبع الاكتساب بخلاف العتق بالصفة والعتق بمجرد الإيلاد هذا كله إذا اختارت المقام على الكتابة، فاما إذا اختارت العجز في الحال فالحكم فيها كالحكم في الجارية بين الشريكين إذا أحبلها أحدهما، وحكمه أنه إن كان موسرًا عليه نصف مهرها ويقوم عليه نصيب شريكه، وهل يسري الإحبال في الحال أو بأداء القيمة؟، فعلى ما ذكرنا [99/ ب] فيما تقدم وفي نصف قيمة الولد قولان بناء على القولين في إحباله، فإن قلنا: يسري في الحال فليس عليه نصف قيمة الولد، وإن كان معسرًا فقيمة نصف المهر في ذمته ولا يقوم عليه نصيب شريكه وفي الولد وجهان.
قال ابن أبي هريرة: الولد حر كله ويكون عليه نصف قيمته لشريكه لأنه وطئ شبهة كما لو وطئ أمة غيره بشبهة.
وقال أبو إسحاق يكون الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا لشريكه لأن الولد تابع للأم في الحرية، فهو بمنزلة ما لو ولدت جارية نصفها حر ونصفها مملوك من زوج أو زنا كان الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا، وقيل: إن ابن أبي هريرة علل الوجه الأول أنه يستحيل أن ينعقد الولد ابتداءًا بعضه رقيقًا وبعضه حرًا، فألزم عليه إذا كانت الجارية نصفها حرًا ونصفها مملوكًا فلم يسلم هذه المسألة، وقال: الخلاف واحد.
ويمكن أن يقال: علة ابن أبي هريرة أن الحرية الصادرة عن الملك لا تتبعض، وهذا العتق ليس بسراية ولهذا لا قف عتق الباقي على أداء القيمة قولا واحدًا، فإذا قلنا: لا يقوم، ففيه وجهان: أحدهما: يكون موقوفًا للشريك، والثني: يكون تبعًا لأمه يعتق إن عتقت، وإذا قلنا: تقويم الأم موقوف وعجزت عن أداء مال الكتابة.
فلها وللمحبل حالتان: إحداهما: أن يتفقا على الإنظار بالكتابة في حقه فيجوز ذلك لهما إذا تراضيا به، لأنه لا يتعلق بالكتابة حق لغيرهما بخلاف الشريك غير المحبل، والثانية: أن لا يتفقا على الإنظار بل يختلفان فيه فالكتابة تنفسخ بينهما لأن المكاتبة لا يلزمها المقام على العقد، [100/ أ] والسيد يلزمه الإنظار بالمال.

الجزء: 8 - الصفحة: 330

مسألة: قال: «فإن وطأها فعلى كل واحد منهما مهر مثلها».
جملة هذا أن السيدين إذا كاتبا جارية ثم وطئها كل واحد منهما فإن لم تحبل فلا حد على واحد منهما وغرر العالم منهما والمكاتبة أيضًا إن كانت عالمة وعلى كل واحد منهما كمال مهر مثلها ثم ينظر فإن عجزت نفسها، وفسخت الكتابة فقد سقط عن كل واحد منهما نصف ما عليه من المهر ولزمه النصف الآخر لشريكه فإن كانا سواءً تقاصا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر.
قال الشافعي بأن يطأ أحدهما وهي بكر ويطأ الآخر ثيبًا أو تكون في وطئ أحدهما صحيحة وفي وطء الآخر بغية، ونحو ذلك فإن التقاص يحصل في المقدار الذي اتفقا فيه ولصاحب الفضل أن يطالبه وإن كانت قد قبضت المهرين فقد برئت ذمة السيدين منهما ثم ينظر فإن كانا باقيين اقتسماهما وإن كانا تالفين فقد تلفا من ملكيهما وضمانهما، قال في «الأم»: فإن وطئها أحدهما وهي بكر وجب عليه أرش البكارة لأن ذلك لا يدخل في المهر فسقط عنه النصف ويجب النصف لشريكه، وإذا وجدت الجارية مفضاة، فقال كل واحد منهما: أنت أفضيتها حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط حكم الإفضاء وهكذا إذا اختلفا في الوطئ فكل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت وطئت حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط المهر هذا كله إذا لم تحبل الجارية فإن حبلت الجارية، فالحكم في الحد والمهر على ما مضى.
وأما الولد فينظر فإن ادعى كل واحد من الشريكين أنه استبرأها بعدما وطئها وأتت بالولد بعد الاستبراء [100/ ب] لستة أشهر فصاعدًا لا يلحق بواحدٍ منهما ويحكم أنه أتت به من زنا وقد ذكرنا فيه قولين: كيف يكون حكمه وإن لم يدع أحدهما: الاستبراء لا يخلو حال الولد من أربعة أحوال.
إما أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما أو أمكن أن يكون من الأول دون الثاني أو من الثاني دون الأول أو أمكن أن يكون من كل واحد منهما فإن لم يمكن أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت الوطئ الأول ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطئ الثاني، فإنه ينتفي عنهما ويصير كالولد الذي يؤتى به من زنا فيه قولان على ما ذكرنا وإن أمكن أن يكون من الأول دون الثاني بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من وقت وطئ الثاني يلحق بالأول لأنه يمكن أن يكون منه وينتفي عن الثاني لأن لا يمكن أن يكون منه، ثم لا يخلو، إما أن يكون الأول موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا فالولد يلحقه ويكون حرًا لشبهة الملك ويصير نصيبه من الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه ويستحق عليه تقويم نصيب شريكه كما يستحق ذلك بالعتق وهل يقوم في الحال أم عند التعجيز؟ فعلى ما ذكرنا من القولين فإن قلنا: يقوم في الحال فقوم فإن الكتابة تنفسخ في نصيب الشريك الذي لم يحبل لأن التقويم ينفسخ بالكتابة ويعود نصيبه إلى ملكه ثم يقوم على شريكه وتبقى الكتابة في النصف الذي لشريكه فيكون نصف الجارية مكاتبًا للشريك المحبل وجميعها أم ولد له.

الجزء: 8 - الصفحة: 331

وإن اختار السيد المحبل أن ينظرهما بما عليهما، فإن نصيب شريكه يقوم عليه، [101/ أ] وتنفسخ الكتابة وتبقى الكتابة في نصيبه، فيكون جميعها أم ولد له ونصفها مكاتب له، والحكم فيها إذا أدت وعتقت بالأداء، ولم تؤد فعتقت بالموت على ما ذكرنا في المسألة قبلها.
فإذا ثبت هذا الكلام بعده فيما يستحقه المحبل على لم يحبل وما يستحق الذي لم يحبل عليه، فأما الذي لم يحبل فيستحق على شريكه ثلاثة أشياء: المهر وقيمة نصيبه من الجارية وقيمة نصيبه من الولد، فأما المهر فإنه يستحق عليه نصفه لأنها لم قومت افنسخت الكتابة في نصفها، وعاد إلى ملكه وكان كسب هذا النصف له من المهر من جملة الكسب هكذا ذكر أبو حامد، وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي أنه يلزمه نصف مهر مثلها ولكنه أراد إذا عجزت نفسها، فأما إذا أقامت على الكتابة فإن نصيب الأول صار أم ولد له وهل يقوم في الحال أم إذا عجزت؟ فيه قولان: أحدهما، يقوم في الحال فتنفسخ بالتقويم الكتابة في نصيب شريكه لأن الأول يملك نصيب شريكه إذا قوم عليه وإذا انفسخت الكتابة في نصيب شريكه يكون جميعها أم ولد للأول، ونصفها مكاتب له ونصفها غير مكاتب ويلزمها جميع مهر مثلها، فيكون نصفه للجارية لأنه مكاتب للأول ونصفه للشريك لأنه وطئها، ونصفها مكاتب له، ثم فسخت الكتابة فيه فصار إليه ما كان في يدها، أو استحقته قبضته، أو لم تكن قبضته، وقيل: أراد الشافعي بقوله: ونصف مهرها ذكر النصف الذي لزمه بسبب الملك نفسه.
فإن قيل: [101/ ب] المكاتب لا يملك، فكيف ملك ها هنا قلنا: يملك حكمًا كما بالإرث.
وأما قيمة نصيبه من الجارية، فيستحقه عليه لأنه أتلفه بالإحبال، وأما قيمة نصف الولد، قال الشافعي: وفي نصف قيمة ولدها قولان: أحدهما، يغرمه، والثاني، لا يغرمه وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن وقت نقل ملك النصف إليه بالتسرية متى يكون، وفيه قولان: أحدهما، أنه ينتقل إليه عقيب العلوق من غير فصل فعلى هذا يغرم نصف قيمة الولد لأن العلوق حصل في ملك الغير والثاني أن العلوق حصل في ملكه، وقال أصحابنا بالعراق: وهو مبني على أصل، وهو أن كل موضع وضعت الولد، وهو ملكه لا يلزمه شيء من قيمته وكل موضع وضعت قبل أن يصير جميعها أم ولد وهو إذا قلنا: إنها لا تقوم في الحال، وإنما تقوم بعد العجز فوضعته قبل العجز، وقلنا: الإحبال إنما يسري بعد دفع القيمة، فوضعت قبل دفع القيمة يلزمه نصف قيمته لأنها وضعته ونصفها مملوك لغيره وكان من سبيله أن يكون مملوكًا له، فصار حرًا بفعله واعتقاده.
قال المزني: القياس على مذهبه أن ليس عليه نصف قيمة الولد لأنها بالحبل صارت أم ولد، قال أصحابنا: هذه العلة لا بيان فيها حتى يقال: لأنها بالحبل صارت أم ولده، وانتقل الملك قبل الحبل.
وأما ما يستحق المحبل على الذي لم يحبل، قال في المختصر «المختصر»: «وفي الواطئ

الجزء: 8 - الصفحة: 332

الآخر قولان: أحدهما، يغرم نصف مهرها لأنها لا تكون أم ولد للمحبل إلا بعد أداء نصف القيمة والآخر، يغرم جميع مهر مثلها»، وهذان القولان [102/ أ] مبنيان على القولين في وقت التسوية، فإن قلنا: بتأخير السراية إلى وقت الأداء فليس على الثاني بالوطئ إلا نصف المهر لأن الجارية مشتركة بعد، وإذا قلنا: بتعجيل السراية فعليه جميع المهر لأنه وطئها، والملك خالص للأول ولا شك أنه لا يلزمه غير المهر شيء آخر، واختار المزني إيجاب جميع مهر المثل، وقال: لأنه وطئ أم ولد لصاحبه، وهذا التعليل دعوى لأن من قال بالقول الثاني: جعلها أم ولد لصاحبه بعد أداء القيمة، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما اختار المزني أنها تصير أم ولد له في الحال دون أداء القيمة وهو الذي اختاره الشافعي، فعلى هذا يلزم على الثاني جميع مهر المثل ولا يجب على الأول نصف قيمة الولد كما ذكرنا عن المزني، فإذا قلنا: عليه جميع المهر وعلى الأول جميع المهر، وقد عجزت انتقل نصف المهر والواجب على الأول إلا الثاني فيصير النصف بالنصف قصاصًا إن استويا، ويبقى للأول على الثاني نصف مهر مثلها، وإذا قلنا: عليه نصف المهر وقد عجزت فللأول على الثاني نصف المهر، وللثاني على الأول نصف المهر أيضًا، فيتقاصان إن استويا، ولا يبقى شيء إذا كان المحبل موسرًا، فإن نصيب الأول يصير أم ولده ولا يقوم نصيب شريكه عليه، فيكون نصيب أم ولده وجميعها مكاتبة بينه وبين شريكه، ثم ينظر فإن اختارت المقام على الكتابة وأدى مال الكتابة، وعتقت استحقت على كل واحد منهما كمال مهرها، وإن عجزت كان نصفها مملوكًا للواطئ الثاني ونصفها أم ولد للواطئ الأول، [102/ ب] ويكون لكل واحد منهما على صاحبه نصف مهر مثلها فيقاصان على ما ذكرنا.
وأما الولد فهل ينعقد كله حرًا أو نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف بين ابن أبي هريرة وبين أبي إسحاق.
وقال القاضي الطبري: ما قاله ابن أبي هريرة أصح لما احتج به أنه وطئ شبهة، ولو وطئ جارية غيره بشبة كان الولد حرًا، ويلزمه قيمته في ذمته إذا كان معسرصا إلى أن يوسر فكذلك ههنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهذا غريب.
والحالة الثالثة: إذا أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت وطئ الأول ولأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين من وقت وطئ الثاني، فهذا الفصل لم ينقله المزني إلى «المختصر» وحكمه: أنه ينتفي الولد عن الأول ويلحق بالثاني، ويصير الثاني في هذا القسم كالأول في القسم الأول والأول ها هنا كالثاني هناك إلا في أشهر، فلا يخلو حال الثاني، إما أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فالولد حر ونصيبه من الجارية أم ولده، ويسري إلى نصيب شريكه ويقوم في حقه ومتى يقوم فعلى ما ذكرنا من القولين، فإذا قلنا: يقوم في الحال، أو بعد العجز، فعجزت وقومت، فبالتقويم تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه ويعود رقيقًا ويكون كسبه للشريك، والنصف الآخر يبقى على الكتابة والحكم فيه، إذا أدت أو

الجزء: 8 - الصفحة: 333

عجزت، (فاسترقت) على ما ذكرنا من القسم قبله.
وأما الذي يجب على الثاني والذي يجب على الأول، [103/ أ] فإن الثاني يجب عليه نصف المهر وقيمة نصف الجارية، وأما قيمة نصف الولد، فإنها إن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولد يلزمه ذلك وإلا فلا يلزم، وأما الأول فلا يجب عليه قيمة الجارية ولا قيمة الولد، وإنما يجب عليه نصف المهر فقط لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الذي يخالف القسم قبله، فإن هناك يجب على الثاني الذي لم يحبل كمال المهر في حالة، ونصفه في حالة أخرى وها هنا يجب على الأول الذي قلم يحبل نصف المهر بكل حال، والفرق أن وطئ الجارية في الأول صادف الجارية بعدما صارت أم ولد للأول، فيلزمه كمال المهر ووطئ الأول ههنا لم يصادف، وهي أم ولد للثاني، فإن وطئه سبق وطئ الثاني بل صادفها ونصفها مكاتب له والكتابة تنفسخ في ذلك النصف، فيعود كسبه إليه، فلا يلزمه أكثر من نصف المهر وإن كان الثاني معسرا، فإن نصيبه يصير أم ولده ولا يسري ذلك إلى نصيب الشريك ويلزمه نصف مهر المثل والحكم فيها إذا ردت، أو عجزت على ما ذكرنا وهل ينعقد كله حرًا، أو نصفه حرًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
والحالة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين من وقت وطئ كل واحد منهما، فادعياه، أو ادعاه أحدهما ولم يدعيا، ولا أحدهما الاستبراء يعرض على القافة فإن ألحقته بالأول كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن أن يكون من الأول، وإن ألحقته بالثاني كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن [103/ ب] إلا من الثاني، فإن لم يكن قافه، أو كان فأشكل عليهم، أو ألحقته بهما أو أنفته عنهما ترك حتى يبلغ فينسب إلى أحدهما، وهذا لأن الأنساب تتعاطف، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» وتتعلق بزمان الوقف، ثلاثة أحكام أحدها في كتاب «الأم»، وذلك معتبر بحال الواطئين، فإن كانا موسرين كانت كتابتهما على قولين: أحدهما: باقية بحالها في جميعها ويملك جميع كسبها، ويؤخذ كل واحد منهما بجميع مهرها، إذا أدت عتقت، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما يوقف على البيان ولا تعتق إلا بآخرهما موتًا، وإن ماتا قبل البيان، والثاني: أن الكتابة قد بطلت في نصفها وبقيت في النصف الآخر، وبقي نصف كسبها موقوفًا على من تصير له أم ولد، والنصف الآخر لها تستعين به في كتابتها، فإن أدت تحرر عتق جميعها نصفها بالكتابة ونصفها بالسراية، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما لا بعينه فيوقف أمرها فيه، وفي الفاضل من كسبها بعد العجز، وفي النصف الموقوف من الكسب على ما يتجدد من البيان فيما بعد وإن كانا معسرين، فنصفها يكون في حكم م الولد والكتابة في جميعها باقية والأداء يكون إليهما، فإن عتقت به، بطل حكم الإيلاد، وإن عجزت كان نصفها أم ولد ونصفها موقوفًا ويوقف على البيان، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، فلا يقوم على الموسر لجواز أن يكون الولد من المعسر

الجزء: 8 - الصفحة: 334

فتكون الكتابة بحالها كما لو كانا معسرين لأنها على الصحة، فلا تفسخ بالجواز.
والحكم الثاني: في الولد، وهو يعتبر [104/ أ] بحالها في اليسار والإعسار، ولا يخلو من الأحوال الثلاثة أن يكونا موسرين، فيكون جميع الولد حرًا وإن كانا معسرين فنصفها يكون في حكم أم الولد والكتابة في جميعها باقية، والأداء يكون إليهما، وإن كانا معسرين فنصفه حر، وفي نصفه الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني، يكون مملوكًا، فإن اجتمع الواطئان على بيع نصفه الرقيق جاز ووقف ثمنه على مستحقه منهما وإن تفرد أحدهما ببيع نصفه لم يجز لجواز أن يكون أبًا وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فنصفه حر، وفي الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني يوقف فإن ألحق بالموسر كان حرًا وإن لحق بالمعسر كان مملوكًا، ولو اجتمعا على بيعه لم يجز لتردده بين الرق والحرية.
والحكم الثالث: في النفقة، وهما نفقتان، نفقة الولد ونفقة الأم، فأما نفقة الولد فتعتبر بأحواله الثلاث، فإن حكم بحريته كله يؤخذان جميعًا بنفقته، فإذا لحق بأحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق وإن حكم بحرية نصفه ورق نصفه يؤخذان بها ولا رجوع لأحدهما على صاحبه إذا لحق به لأن الآخر يصير مالكًا لرقه، وإن حكم بحرية نصفه ووقوف نصفه يؤخذان بنفقته، فإذا لحق بالموسر وبان باقيه حرًا رد على صاحبه ما أنفق وإن لحق بالمعسر وبان باقيه مملوكًا، فلا تراجع بينهما.
وأما نفقتها تعتبر بحالها وهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتحرر عتق جميعها بالأداء فنقتها ساقطة عنهما، فلا يؤخذ واحد منهما بها، والثاني: أن يكون جميعها صار أم ولد لعجزها ويسار الواطئين فنقتها واجبة [104/ ب] ويوقف جميعها بها، فإذا بان أنها أم ولد لأحدهما بعينه رجع الآخر عليه بما أنفق، والثالث: أن يكون نصفها أم ولد ونصفها مملوكًا لعجزها، وإعسار الواطئين فنفقتها واجبة عليها ومستقرة بينهما ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه بعد البيان لأنه إذا صار نصفها أم ولد لأحدهما فقد صار نصفها الباقي موقوفًا للآخر فاستويا في التزامه.
وقول الشافعي ههنا: فإذا لحق بأحدهما، أو انتسب إلى أحدهما، وهو معسر فنصفها لشريكه بحاله والصداقان ساقطان عنهما يعني: إذا كانا متساويين في الحال، والحال حال عجزها يدل على أحد الأقوال في التقاص.
مسألة: قال: «ولو جاءت من كل واحد منهما بولد يدعيه ولم يدعه صاحبه».
الفصل جملة هذا أن المكاتبة إذا كانت بين اثنين، فوطئها كل واحد منهما فأتت بولدين وكل واحد منهما لا يدعي الاستبراء، ولا يدعي أنه شارك صاحبه في الوطئ في طهر

الجزء: 8 - الصفحة: 335

واحد، وكان كل واحد منهما يعرف ولده بعينه، والشافعي فرض المسألة فيه إذا عجزت المكاتبة نفسها، فاسترقها السيدان، فالحكم فيها وفي الأمة القن إذا كانت بين شريكين فوطئاها، وأتت من كل واحد منهما بولد حكم واحد ففيه مسألتان إحداهما: أن يكون قد عرف الذي وطئها أولا والذي وطئها ثانيًا، والثانية: أن لا يعرف الأول منهما من الثاني بل كل واحد منهما يدعي أنه لأول وأن الآخر الثاني، فإن تعين الأول منهما من الثاني وادعى كل واحد منهما ولدًا غير الولد الذي يدعيه صاحبه فلا يخلو حالها من أربعة أحوال، [105/ أ] إما أن يكونا موسرين أو كان الأول موسرًا، والثاني، معسرًا، أو كانا معسرين أو كان الأول معسرًا، والثاني، موسرًا، فإن كانا موسرين فالكلام في الحد والتعزير على ما مضى، وأما المهر وكون الجارية أم ولد ووجوب قيمتها وقيمة الولد، فإن الأول لما وطئ وجب عليه نصف المهر لأن نصفها مملوك له ونصفها لغيره ويصير نصيبه منها أم ولده ويقوم عليه نصيب شريكه بالسراية ومتى يسري فيه ثلاثة أقوال: كالعتق سواء، وينعقد الولد حرًا، وهل تجب قيمته ينظر فطإن وضعته بعدما دفع قيمة نصيب شريكه لم تلزمه قيمته لأنا إن قلنا: يسري بالإحبال فقد صار جميعها أم ولد له بنفس الإحبال، وإن قلنا: يسري بالإحبال ودفع القيمة، أو قلنا: هو مراعي، فقد دفع القيمة وصارت أم ولده فلم يلزمه قيمة الولد الذي نصفه في ملكه، وإن وضعت قبل دفع القيمة، فإن قلنا: يسري الإحبال بنفسه أو هو مراعي ودفع القيمة لا يلزمه، وإن قلنا: بالآخر فقد وضعته ونصفها أم ولد له ونصفها مملوك لغيره، فيلزمه نصف قيمة الولد لشريكه فهذا الحكم فيما يجب على الأول، وأما الثاني، فلا يلزمه قيمة شيء من الجارية لأنه لا يتصور أن يكون شيء منها أم ولده على ما بينته، وإنما يلزم في حقه المهر وقيمة الولد فأما المهر فإنه ينظر فإن وطئها، بعدما صار جميعها وأم ولد له فعليه كمال مهر المثل للأول لأنه وطئ أم ولد غيره، وإن وطئها قبل أن صار جميعها أم ولد له فعليه نصف المهر لأنه وطئها ونصفها أم ولد للأول ونصفها مملوك له، وأما الولد فينعقد حرًا [105/ ب] لشبهة الملك ثم ينظر فإن وضعته وقد صار جميعها أم ولد للأول فعليه كمال قيمته، وإن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولده فعليه نصف قيمته، ولا يصير نصيبه من الجارية أم ولد له في الحال سواء أحبلها بعد ما صار جميعها أم ولد للثاني، أو قبله لأنه وإن لم تصر باقية أم ولد للأول، فقد استحق أن تصير أم ولد له وتقوم في حقه فلو جعلناها أم ولد للثاني لأبطلنا حق الأول من التقويم في حقه وسراية الإحبال، ولا سبيل إلى ذلك، وقال القفال في نفوذ الاستيلاد من الثاني في نصيبه على القول الذي نقول: لا يصير جميعها أم ولد للأول في الحال وجهان كما قلنا: إذا أعتق الثاني نصيبه بعدما أعتق الأول نصيبه، وهو موسر، وقلنا: السراية يوم أداء القيمة هل ينفذ وجهان.
فإذا استقر ما يجب لكل واحد منهما على صاحبه فإنهما يتقاصان ما يتساويان فيه على اختلاف الأحول في المقاصة ثم يرجع صاحب الفضل على صاحبه بما بقي له.

الجزء: 8 - الصفحة: 336

وإن كان الأول موسرًا والثاني: معسرا، فالأول لما وطئ لزمه نصف مهر المثل ويصير نصيبه أم ولده، ويري إلى نصيبه شريكه ويقوم عليه، ومتى يسيري فعلى الأقوال الثلاثة، وينعقد الولد حرًا وهل يلزمه قيمته؟ ينظر، فإن كانت وضعته بعد دفع القيمة لم يلزمه، وإن كان قبل دفع القيمة، فإن قلنا: الإحبال يسري بنفسه، أو قلنا: يراعي - ودفع القيمة لم يلزمه، وإن قلنا: يسري بعد دفع القيمة لزمه نصف لقيمته، فيكون حكم الموسر ههنا بحكمه في القسم الأول سواءً [106/ أ].
وأما الثاني، ألمعسر إذا وطئ فإن وطئ بعدما صارت الجارية أم ولد له يلزمه كمال المهر وإن وطئ قبل أن يصير جميعها أم ولد له يلزمه نصف المهر على ما ذكرنا، وهل يصير نصيبه أم ولد، فعلى ما ذكرنا، وأما الولد إن وطئها بعد ما صارت أم ولد الأول، قال أبو إسحاق: ينعقد مملوكًا لأن وطئه صادف أمة لا ملك له فيها ولا يلزمه قيمة الولد، وإن وطئها قبل أ، صارت أم ولد الأول، فقد وطئها ونصفها مملوك له ونصفها أم ولد الأول فيه وجهان على قول أبي إسحاق ويكون نصفه حرًا ونصفه مملوكًا وعلى قول ابن أبي هريرة ينعقد حرًا ويجب على هذا الشريك نصف قيمته في ذمته، فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه إن كانا موسرين إلا في هذا الولد في حق الثاني.
وإن كانا معسرين فالأول لما وطئ يلزمه نصف مهر المثل، صار نصيبه منها أم ولده ولا يسري إلى الباقي، وفي الولد وجهان، فيستوي في هذه المسألة حكم الأول، والثاني: في جميع الأحكام وتصير الجارية أم ولدهما.
وإن كان الأول معسرًا، والثاني: موسرًا فالأول لما وطئ يلزمه نصف المهر ويصير نصيبه من الجارية أم ولده، فلا يسري، وفي الولد وجهان، وأما الثاني لما وطئ لزمه نصف المهر لأن نصفها له ونصفها أم ولد لشريكه ويصير نصيبه أم ولده ولا يسري إلى نصيب شريكه لأنه قد صار أم ولد للأول، ولا يمكن أن يصير أم ولد للثاني، وينعقد ولده حرًا ويجب عليه نصف قيمته [106/ ب] لشريكه فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه، إذا كانا معسرين إلا في الولد على ما بيناه، والكلام في المقاصة بينهما على ما مضى قال المزني لما فرغ من ذكر هذه المسألة: قد مضى قوله في هذه المسألة بما قلت لأنها لو لم تكن للأول أم ولد إلا بعد أداء نصف القيمة لما كان على المحبل الثاني جميع مهرها ولا قيمة ولده منها.
قلنا: جواب الشافعي ههنا صدر على قول تعجيل السراية وعليه فرع حكم المهر والقيمة، ولا يحتج بفرع قول على إبطال قول يرد ذلك الفرع.
والمسألة الثانية: وهي إذا لم يعلم الأول منهما بل كل واحد منهما يدعي أنه هو الأول والمسألة مفروضة فيما فرضنا المسألة قبلها، وهو إذا كان كل واحد منهما لا يدعي الاستبراء ولا يدعي مشاركة صاحبه في الوطئ في طهر واحد، فلا يخلو حالهما من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا موسرين أو معسرين أو أحدهما، موسرًا والآخر،

الجزء: 8 - الصفحة: 337

معسرًا، فإن كانا موسرين، وكل واحد منهما يقول: أنا الذي وطئت أولا فعلى نصف المهر، وقد صار نصيبي أم ولد وسرى ذلك إلى نصيب شريكي فصارت الجارية كلها أم ولد لي وعلي قيمة نصيب شريكي، والولد حر وعلي نصف قيمته إن كان وضعته قبل دفع القيمة وقلنا: الإحبال لا يسري إلا بعد دفع القيمة، ولا شيء علي إذا وضعته بعد دفع القيمة وأنت أيها الشريك، وطئت بعدي فعليك نصف المهر في حالة وكمال المهر في حالة أخرى على ما بيناه في المسألة قبلها ولا يجب عليك شيء من قيمة الجارية وعليك [107/ أ] كمال قيمة الولد في حالة، ونصف قيمته في حالة أخرى، فإذا ثبت هذا فإن كل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية وصاحبه لا يدعي ذلك فسقط إقرارهما فيه، ويبقى الاختلاف بينهما في المهر وقيمة الولد، فإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني النصف لا يفيد الاختلاف، وإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني كمال المهر وهي إذا وطئها بعدما صارت أم ولد الأول فههنا يفيد الاختلاف، فإن كل واحد منهما يدعي على صاحبه نصف المهر، فيحلف كل واحد منهما للآخر على نفي ما يدعيه عليه ويسقط التداعي.
وأما قيمة الولد فإنه إن كان للأول يجب عليه نصف قيمة الولد، وعلى الثاني نصف قيمة الولد، فلا يفيد الاختلاف شيئا بل يتقاصان، وإن كان الثاني يجب عليه كمال قيمة الولد والأول لا يجب عليه شيء أو يجب عليه نصف القيمة فالاختلاف بينهما يفيد فيحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه عليه ويسقط التداعي، فإذا تقرر هذا، فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه في زمان الإشكال: وقفتها وأخذتهما بنفقتها فإذا مات واحد منهما عتق نصيبه وأخذ الآخر بنفقته نصيب نفسه، فإذا مات عتقت وولاؤها موقوف.
وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي في «الأم»، قال عامة أصحابنا: إنما قال الشافعي يعتق نصيب من مات منهما لأن الظاهر أنه ولدها وأنها كانت ملكًا له وشككنا في إحبال شريكه [107/ ب] قد انتشر إلى نصيبه أم لا فأعتقنا نصيبه بالظاهر لأن العتق مبني على الغلبة والسراية، وإذا مات الآخر عتق الباقي ويكون ولاءها موقوفًا لأنا لم نتيقن أن الولاء لأحدهما.
وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»، وقال أبو حامد وأكثر أصحابنا: إذا مات أحدهما لا يعتق منها شيء لأنه يحتمل أن تكون أم ولد للحي خاصة فلا نوقع العتق بالشك.
وهكذا قال صاحب «الحاوي»، فإن اتا عتقت الآن لأنها أم ولد لأحدهما وإن لم يتعين، قال صاحب «المنهاج»: هذا مشكل لأنا لا تعلم المستولد الأول منهما ونعلم أن أحدهما إذا سبق بالاستيلاد وهو موسر فعتق جميعها معلق بموته، ولا يتعلق بموت أحدهما وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: لا يستقيم هذا الجواب إلا على أحد القولين وأحد الوجهين، أما أحد القولين، فالقول الذين يقوم بتأخير السراية إلى وقت الأداء، والأداء لم يحصل لأن الطالب لم يتميز من المطلوب،

الجزء: 8 - الصفحة: 338

وأما أحد الوجهين هو الوجه الذي يقول: إذا أعتق الموسر نصيبه وأخرنا السراية إلى الأداء، فأعتق الثاني نصيبه قبل قبض القيمة نفذ عتقه وكذلك في الاستيلاد ينفذ استيلاده فعلى هذا القول وعلى هذا الوجه إذا مات أحدهما عتق نصيبه يقينًا لأن الميت إذا كان أولهما استيلادًا فنصيب أم ولده باستيلاده، وإن كان الثاني فنصيبه أم ولده يتراخى قبض القيمة.
وإن كانا معسرين فلا يفيد اختلافهما شيئيًا لأن كل واحد منهما يقول: علي نصف المهر، وقد صار [108/ أ] نصيبي أم ولد، ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان فيتقاصان بنصف المهر ويتقاصان بنصف قيمة الولد إذا أوجبنا ذلك، وتكون الجارية أم ولد لهما معًا، فإن مات أحدهما عتق نصيبه منها ويثبت الولاء عليه لعصبته، ونقل الربيع: أن الولاء موقوف إذا كانا معسرين أيضًا ونص في «الأم» عليه، فقال: وولاءها موقوف بكل حال، وإن كانا معسرين أو أحدهما معسر، والآخر موسر، قال أبو إسحاق: هذا سهو منه في النقل، والصحيح ما رواه المزني وهو أنه قيد، فقال: وولاءها موقوف بكل حال إذا كانا موسرين فدل على أنهما إذا كانا معسرين لا يتوقف الولاء بل يكون الولاء بينهما، ويشبه أن يكون الذي في «الأم» شيئًا جرى به القلم، وهكذا قال الماسرجسي والقفال، وهذا لأن الولاء في اليسار مشكل متوقف، وفي الإعسار غير مشكل فلم يجز أن يوقف، وقال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»: أراد به إذا كانا معسرين وقت التنازع والحكم لا في وقت الإحبال، وفي ذلك الوقت كانا موسرين.
وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فالموسر يقول: أنا وطئت أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي أم ولدي وسري إلى نصيب شريكي، وعلي قيمته وولدي حر وعلي نصف قيمته في حال ولا شيء علي في حالة أخرى، وأنت أيها المعسر وطئت بعد ذلك، فعليك كمال المهر في حالة ونصفه وفي حالة أخرى، وولدك أن يكون مملوكًا أو نصفه حر أو جميعه حر، وعليك نصف قيمة الجارية لم يصر شيء منها أم ولد لك والمعسر يقول: أنا وطئت [108/ ب] أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي من الجارية أم ولد ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان، وأنت وطئت بعد ذلك، فعليك نصف المهر وصار نصيبك من الجارية أم ولد وولدك حر وعليك نصف وعليك نصف قيمته.
فأما الاختلاف في المهر وقيمة الولد فإنهما يتحالفان عليه ويسقط ما يدعيه كل واحد منهما على صاحبه منه.
وأما الجارية فقد أقر أن نصفها أم ولد للموسر ونصفها الباقي يدعي هو والمعسر، فيكون موقوفا بينهما، فإذا مات الموسر عتق عليه نصفها وثبت الولاء في هذا النصف لعصبته، والنصف الآخر يوقف فإذا مات المعسر عتق، ويكون ولاء نصيبه موقوفًا بين ورثة السيدين على ما ينكشف فيما بعد.

الجزء: 8 - الصفحة: 339

ونقل المزني: أن جميع ولاءها موقوف إذا كانا موسرين أو أحدهما، وهذا الجواب راجع إلى الموسرين، وقيل: لم يقل المزني جميع الولاء بل قال: وولاءها موقوف إذا كانا موسرين، أو أحدهما، وأراد نصف الولاء إذا كان أحدهما موسرًا.
وقال القفال: هذا إذا قلنا بنفس العلوق تصير أم ولد للموسر، فأما إذا قلنا: يأخذ القيمة، وقلنا: ينفذ استيلاد الشريك في نصيبه، فههنا لم يكن أخذ القيمة فتكون الجارية أم ولد لهما بينهما نصفين وإذا عتقت، فالولاء بينهما نصفين ولا حاجة إلى الوقف.
فرع إذا كاتب اثنان عبدهما فجنى العبد عليهما موضحة لزمه لكل واحد الأقل من أرش الجناية أو القيمة، أو الأرش بالغًا ما بلغ، فلم يؤد إليهما حتى عجز [109/ أ] سقط من حصة كل واحد منهما نصفها، فلو قال قبل عجزه: لا أؤدي إلى كل واحد إلا النصف خوفًا من عجزي، قيل: ليس لك ذلك قبله.

باب تعجيل الكتابة

مسألة: قال: «ويجبر على قبول النجم إذا عجله».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب على مال ثم إن المكاتب عجل للسيد المال قبل محله ينظر، فإن كان من الأشياء التي تتلف ولا تبقى على الدوام كالطعام الرطب ونحو ذلك لم يجبر على قبوله لأن له غرضًا في أن يحصل له هذا المال حين يحل الأجل، وإن كان مما يبقى إلا أنه يلزمه في حفظه مؤنة ككراء البيت مثل القطن ونحوه، لا يجبر عليه وكذلك إذا كان حيوانًا يلزمه كراء الموضع الذي يحفظ فيه، فلا يجبر عليه.
وقول الشافعي: فليس عليه قبوله إلا في موضعه، يعني في موضعه من الزمان وموضعه من المكان، وإن لم يكن في حفظه مؤنة نظر، فإن كان هناك خوف فلا يخلو، إما أن يكون الخوف حال العقد موجودًا، أو لم يكن، فإن كان موجودًا حال العقد، فهل يجبر على قبوله، فيه وجهان: أحدهما، وهو الأصح لا يجبر لأنه خاف عليه في حال القبض قبل حلوله فأشبه إذا كان البلد آمنا حال العقد، ولأن اعتبار حالة الحلول أولى من اعتبار حالة العقد لأنه وقت الاستحقاق، ولا يعلم بقاء خوفه في تلك الحالة فلا يلزمه التسليم، في حالة الخوف، والثاني: يجبر على قبوله لتماثل الزمانين في الخوف نصًا كما لو عقد والبلد خراب وأقبضه المال، والبلد خراب يجبر على قبوله بلا خلاف.
وقيل: هذا ظاهر مذهب الشافعي رر، وهو اختيار ابن أبي هريرة، [109/ ب] وإن كان هذا الخوف معهودًا لا يرجى زواله يلزمه قبوله وجهًا واحدًا ذكره في «الحاوي»، وإن

الجزء: 8 - الصفحة: 340

لم يكن في البلد خوف وفتنة يجبر عليه، فإن أخذه، وإلا أخذه الحاكم عنه، وحكم بعتق العبد، واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وفسره في «الأم»، فقال: روي أن مكاتبًا لأنس رضي الله عنه جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس بن مالك، فأبى أن يقبلها، فقال: إن أنسًا يريد الميراث ثم أمر أنسًا أن يقبلها أحسبه، قال: فأبى فأراد أن يأخذها ويضعها في بيت المال، فقبلها أنس، وعتق هكذا ذكر القاضي الطبري، وروى ابن سيرين عن أبيه، قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم، فكنت فيمن فتح تستر فاشتريت رثة، فربحت فيها، فأتيت أنس بن مالك بكتابته، فأبى أن يقبلها مني إلا نجومًا فأتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: أراد أنس الميراث وكتب إلى أنس أن أقبلها من الرجل فقبلها، وروى بعض أصحابنا أن عمر أخذ ذلك، وقال لأنس: قد أعتقته، فإن شئت أخذتها، وإن شئت وضعتها في بيت المال، وروي أنه قال لعمر: إنه يريد أن أموت فيأخذ مالي وولدي، فقال له عمر: تأخذه، أو أضعه في بيت المال، فأخذه أنس وعتق سيرين.
ومعنى قول عمر أضعه في بيت المال، أي أحفظه عليك، ولم يرد أنه يصير مالا للمسلمين أنفقه عليهم وكانت صورة الحال أنه لم يكن في تعجيله ضرر عليه، وفي هذا دليل على أن المكاتب إذا مات مات رقيقًا، وإن حلف وفاء لأن سيرين قال: يريد أن أموت فيأخذ أموالي وأولادي، ولم ينكر عليه عمر رضي الله عنه، [110/ أ] وروى سعيد المقبري عن أبيه: أن امرأة استرقته من سوق ذي المجاز وقدمت مكة فكاتبته على أربعين ألفًا، فأدى عامة المال، ثم أتى بباقيه، فقالت: لا، والله حتى تأتي سنة بعد سنة وشهرًا بعد شهر فخرج بالمال إلى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك، فقال: ضعه في بيت المال وراسلها أنه قد أخذ المال وعتق أبو سعيد، فإن اخترت أخذته شهرًا بشهر وسنة بسنة، فافعلي فأرسلت وأخذت المال.
وروي معنى هذا عن عثمان رضي الله عنه، فإن قيل: إذا حصل القبض قبل حلول الأجل يجب أن لا يعتق لأن الصفة لم تحصل فإن السيد، قال: إذا أديت إلي في وقت كذا، فإذا قدمه عليه لم توجد الصفة فلا يعتق.
قلنا: المغلب في الكتابة الصحيحة حكم المعاوضة دون العتق بالصفة، فإذا كان كذلك وقبضه برئ المكاتب منه، فإن برئ مما عليه عتق كما لو أبرأه مولاه من غير قبض ويفارق هذا إذا قال: إن أديت إلي ألفا في رمضان، فأنت حر، ثم أعطاه في شعبان لا يعتق لأن المغلب هناك حكم الصفة.

الجزء: 8 - الصفحة: 341

فرع قال في «الأم»: وهكذا لو كاتبه ببلد ولقيه ببلد غيره، فقال: لا أقبض منك في هذا البلد أجبر على القبول حيث كان إلا أن يكون في طريق فيه نهب فلا يجبر على أخذها منه، ثم قال: هذا في الدراهم، والدنانير فأما في الحديد والنحاس والرصاص مما في حمله مؤنه فلا يلزمه أن يقبله ببلده غيره لأن للحمولة مؤنة بخلاف الدنانير والدراهم، فإنه لا مؤنة لحملها، وقال لا فرق في هذا بين أن يأتي به في محله أو معجلا، فإن كان السيد في ذلك البلد لزمه قبوله، وإن لم يكن في ذلك البلد روعيت مسافة البلدين فإن كان بينهما قريب [10/ ب] لا يقصر في مثله الصلاة لزمه قبوله، وإن كان بعيدًا فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لما عليه من الضرر في إبعاد ماله عن بلده، والثاني: يلزمه قبوله لأن أجزاؤهما متماثلة واستيطان كل واحد منهما ممكن.
فرع آخر قال في «الأم»: ولا يكلف المكاتب أن يعطيه ذلك بغير البلد الذي كاتبه فيه فنص على أن المكاتب لا يجبر على دفع ما عليه في غير البلد الذي كاتبه فيه، وهو صحيح.
فرع آخر قال: وإذا حل على المكاتب شيء فتأخر سنة أو أكثر ولم يعجزه سيده، ثم قال سيده: لا أقبضه لأنه في غير وقته أجبر على قبضه إلا أن يبرأه منه لأنه حال.
فرع آخر قال: فإذا تدارك على مكاتبه نجمان أو أكثر ولم يعجزه السيد، ثم قال: أنا أعجزه، لم يكن له ذلك ويقال للمكاتب: أد جميع ما عليك قديمًا وحديثًا فإن فعل، فهو على الكتابة، وإن عجز عن شيء من ذلك، فهو عاجز.
فرع آخر قال: فإن كان في طريق خربة وهي للتلصص أو بلد فيه يهب لم يلزمه قبوله إلا أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه قبوله لأن موضع العقد موضع التسليم إذا لم يذكر للتسليم موضعًا وهذا عند الحلول، فأما إذا أتى به في حال الخوف قبل الحلول فقد ذكرنا.
فرع آخر ولو عجل له بعض الكتابة على أن يبرئه.
الفضل إذا كاتب عبدًا على ألف درهم فجاء بخمسمائة قبل الأجل، وقال: خذ هذه على أن

الجزء: 8 - الصفحة: 342

تبرئني من الباقي لم يصح ذلك فإنه مضارع لربا الجاهلية، وذلك أن من كان له الدين إلى أجل إذا حل دينه يقول تقضي أو تربي، فإن قضى أدى وإن قال: أربي، زاد في الدين وفسح له في الأجل، وهذا المعنى موجود ههنا لأنه يسقط الحق في مقابلة نقصان الأجل [111/ أ] كما كانوا يزيدون في الدين في مقابلة الزيادة في الأجل وهذا لأن الأجال لا يجري عليها المعاوضات، فإذا ثبت هذا لم يصح القبض يسترجع المكاتب ما دفع إليه ويؤديه إذا حل الأجل ويرجع السيد إلى ما أسقط من المال.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «فإن أحب أن يصح هذا فليرض المكاتب بالعجز، ويرض سيده بشيء يأخذه قبل أن يعتقه، فيجوز» فإن قال قائل: فإذا فعل هكذا ارتفعت الكتابة، وإذا ارتفعت فالسيد بالخيار إن شاء أعتقه وإن شاء لم يعتقه، قلنا: كذلك الأمر وما علينا من ذلك، وإنما أراد الشافعي: حالة تراضيهما ليحصل العتق بقبض صحيح، ويكون كالعتق على مال معلوم لما عجز عن مثل ذلك في الكتابة وبه قال صاحب «الإفصاح» وغيره الاحتياط للعبد أن يقول السيد: إذا عجزت نفسك وأديت خمسمائة، فأنت حر، فإذا عجز نفسه وأعطى ذلك فهو حر، ولا يمكن السيد الرجوع عنه وهذا أحوط مما ذكره الشافعي، وقيل: مراد الشافعي ما ذكر صاحب «الإفصاح»، وقال أبو حنيفة: يصح هذا الشرط والبراءة وعتق العبد إذا فعل السيد ما قال العبد وهذا لأن مال الكتابة غير مستقر فلا يكون دينًا صحيحًا، ولا يكون هذا معاوضة عن الأجل، فيحمل على أنه أخذ بعضه وأسقط بعضه وخالفه أبو يوسف وزفر، وهذا غلط لأن هذا ربا لأنه بيع ألف بخمسمائة على ما ذكرنا ولا شك أن هذا عوض في العقد وعدم الاستقرار لا يدل على أنه ليس بدين صحيح كالثمن قبل تسليم المبيع، فإذا تقرر هذا وفعل العبد ذلك وعتق يثبت بين السيد وبينه التراجع، فيحتسب له ما دفع من قيمته ويتراجعان الفضل لأنه جعل بدل العتق [111/ ب] الخمسمائة، والتعجيز، فلا يجوز أن يكون التعجيز بدلا عن العتق فكأنه أوقع العتق على بدل فاسد، فيسقط المسمى ويثبت التراجع بينهما.
واعلم أن المزني قال: قال الشافعي في هذا الموضع: إن وضع وتعجل لا يجوز، وقال في موضع آخر: إن وضع وتعجل جاز فأجازه في الدين، قال المزني: يجوز أحب إلي، قال أصحابنا: ليس ذلك على قولين، وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: يجوز في الدين على ما حكاه المزني هو أن يتعجل ويضع ولا يجعله شرطًا، فإذا كان كذلك فهو جائز، والذي قال: لا يجوز إذا جعله شرطًا وهذا كما قال في كتاب الصلح: إذا كان له على آخر ألف درهم فأعطاه خمسمائة على أن

الجزء: 8 - الصفحة: 343

يبرئه من الباقي لم يجز، وإن أخذ خمسمائة، وأبرأه من الباقي من غير شرط جاز وبرئ، وقيل: أشار المزني إلى قولين، وهو غلط منه وهذا لا يصح لأن المزني لم يعتقد إلا ما ذكرنا من غير إشكال.
فرع آخر لو قال لمكاتبه إن أعطيتني دينارًا، فأنت حر، فأعطاه دينارًا أعتق بدفعه ويغلب حكم الكتابة به فصار العتق فيها على عوض فاسد فيلزم المكاتب فيها قيمته ويرجع بما أداه من قبل مع الدينار الذي عتق به من العبد ويتقاصان مع اتفاق الجنسين ويتراجعان الفضل إن كان فيه وهذا لا يصح لأنه لا تصح المعاوضة على المكاتب.

باب بيع المكاتب وشرائه

مسألة: قال: «وبيع المكاتب وشراؤه في الشفعة له وعليه فيما بينه وبين سيده والأجنبي سواء».
جملة هذا أن المكاتب يصح بيعه وشراؤه من سيده وغيره لأن المقصود من الكتابة حصول العتق، [112/ أ] وإنما يحصل العتق بالأداء والتصرف فوجب أن يمكن من ذلك ليحصل له المال فيؤديه به ويعتق فإن شقص في شركته جاز له أخذه بالشفعة لأنه قد يكون له حظ في ذلك فوجب تمكينه من ذلك وله أن يأخذه من سيده بالشفعة ويأخذ السيد منه بالشفعة لأن السيد ممنوع من التصرف في المال الذي في يده كما هو ممنوع من التصرف في مال الأجنبي، وقال أبو إسحاق في علته: لأن المكاتب مالك لما في يده دون سيده غير أنه ممنوع من إتلاف ما في يده خوفًا من عجزه، وإلا فلا ملك للسيد في ذلك ما دام مكاتبًا وقد يمنع الإنسان أن يتلف ملكه أو يفسده فلا يكون ذلك دليلاً على أن لا ملك له فكذلك المكاتب وإن كان ملكه ناقصًا، فهو المالك والمتصرف ولو كان السيد هو المالك لتصرف هو فيه، وقام بتنميته دون المكاتب فلما كان التصرف إلى المكاتب علم أنه هو المالك ولكن لم يكمل ملكه فلم يكمل تصرفه، وعلى هذا لو كاتبت امرأة عبدها فوطئها بشبهة استحقت عليه مهر المثل، وإن كانا عالمين حدا فإنه لا شبهة بينها وبين عبدها فكيف بينها وبين مكاتبها، وقد قال الشافعي في «القديم»: يملك المكاتب ما في يده.
مسألة: قال: إلا أن المكاتب ممنوع من استهلاك ماله، وأن يبيع بما لا يتغابن الناس بمثله.
جملة هذا أن المكاتب لا يهب ماله ولا يبيعه بالمحاباة ولا يقرض بغير إذن السيد؟ لأنه ممنوع من هذه الأشياء قبل عقد الكتابة وإنما استفاد بالكتابة التصرف الذي فيه خطه ويتوصل به إلى تحصيل المقصود من العتق وهذه الأمور إتلاف للمال لا حظ له

الجزء: 8 - الصفحة: 344

فيها فيمنع منها كما منع منها قبل عقد الكتابة، [112/ ب] وإنما استفاد بالكتابة التصرف ولا فرق في الهبة بين أن يكون على مكافأة أو غير مكافأة لأنه لاحظ له في ذلك، لأن أكثر ما يجب من المكافأة على قول من يجبر ذلك قيمة الشيء الموهوب ويحتاج إلى تسليمه أو لا يطالبه بذلك، فلا حظ له فيها، وقوله: إنه ممنوع من استهلاك طلبه أراد بما ذكر من المحاباة أو الهبة، ولم يرد به الإتلاف المحض لأن سائر الناس ممنوعون من ذلك أيضًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: للمكاتب والمأذون أن يبيعها ما عز وهان من الثمن كالوكيل المطلق بالبيع وكلامنا ههنا أظهر لأن هناك لفظًا عامًا وهو قوله «بيع» ولم يوجد ذلك هاهنا كالولي في مال الصبي، فإن فعل شيئا مما ذكرنا بإذن سيده نص في «الأم» ونقله المزني: أنه يجوز، وقال الربيع: فيه قول آخر لا يجوز، ونص في الخلع على المكاتبة إذا اختلعت بإذن السيد على مال بذلته لم يجز، والخلع قريب من الهبة، فإنه إخراج المال بغير عوض، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين: أحدهما: أنه ينقل جواب كل واحد من المسألتين ويخرج كلاهما على قولين: أحدهما، ولا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا المال غير مملوك لسيد المكاتب، وملك المكاتب عليه ناقص، فإذا وهبه أحدهما وأجازه الآخر لم يجز كما لو زوج الأخ أخته الصغيرة بإذنها لم يجز لأن ولايته عليها ناقصة، ولهذا لو أذن له السيد في وطئ جاريته، لم يجز له وطئها، والثاني، وهو الأصح يجوز لأن المال لم يخرج من بينهما كالشريكين، في المال إذا وهب أحدهما بأن صاحبه جاز، ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، وهي الطريقة الثانية، فقال: [113/ أ] الهبة تجوز بإذن السيد والخلع لا يجوز، والفرق أن بالهبة يحصل الثواب، إما من جهة الله تعالى أو من جهة الآدمي بالمكافأة، ولا يحصل لها بالخلع في مقابلة المال الذي يخرجه من يدها عوض بحال، فلا يصح ولهذا يندب إلى الهبة دون الخلع.
وهذا ليس بشيء والاعتماد على الطريقة الأولى.
فرع لو وهب المكاتب لسيده شيئا فقبله فهما كإذنه فيها فيكون على قولين ونص في «الأم»: أنه يجوز، فإذا قلنا: يصح، فإن قلنا: تجب المكافأة في الهبة المطلقة يجب على السيد أن يكافئه فيدفعه إلى مكاتبه أو يحتسب بها من مال كتابته، وإن قلنا: لا تجب المكافأة وروعي حال المكاتب، فإن أدى مال كتابته من غيره استقر ملك السيد على الهبة، وإن عجز وكان في الهبة وفاءً بما عليه ففي رجوع المكاتب بها ليؤديها في كتابته فيعتق به وجهان: أحدهما: لا يرجع كالهبة للأجنبي، والثاني: يرجع لأن مال الكتابة مستحق للسيد في كتابته فبأي وجه صار إليه استحق به العتق، ولو وهب لولد سيده، فإن كان صغيرًا فالسيد قابلها، فيصير قبوله لها كإذنه فيها، فيكون على قولين،

الجزء: 8 - الصفحة: 345

ولا يرجع بها المكاتب إن عجز ذكره في «الحاوي».
فرع آخر قد ذكرنا أن نكاح المكاتب يجوز بإذن السيد وكذلك نكاح المكاتبة، وقال القفال: لا يصح نكاحها بحال، وإن زوجها سيدها بإذنها قولاً واحدًا لأن ملك السيد فيها ناقص، وهي في نفسها ناقصة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [113/ ب] المشهور أنه لا يجوز وفيه وجه آخر أنه يجوز وكأنهما مبنيان على تبرعات المكاتب، وهذا غير صحيح عند أصحابنا بالعراق.
قال القفال: ولا يجوز أيضًا تزويج أمة المكاتب وإن كان بإذن المكاتب، ولا يجوز للسيد أن يتزوج بأمة مكاتبه ولو تزوج بأمة ثم كاتب عبدًا، ثم اشترى المكاتب تلك الأمة لم يبطل النكاح، وكذلك لا تتزوج المرأة بعبد مكاتبها ولو تزوجت بعبد فاشتراه مكاتبها أو مكاتبتها لم تبطل كما لو اشترى لابنه زوجة ابنه لا يبطل، وقد ذكرنا فيما مضى وجهًا آخر أنه يبطل النكاح كما لا يجوز ابتداء النكاح وهو الأقيس.
مسألة: قال: «ولا يكفر في شيء من الكفارات إلا بالصوم».
قد ذكرنا هذا فيما تقدم لأن له عنية عن التكفير ب المال بأن يكفر بالصوم فلا يجوز له إتلاف المال بغير إذن سيده فيما لا حاجة له فيه، فإن أذن له السيد في التكفير بالمال، فإن كان بالإطعام، أو الكسوة، وقد ذكرنا قولين بناءً على أن العبد يملك بالتمليك أم لا، وقيل: إنهما مبنيان على القولين في تبرعاته بإذن سيده، ولو أذن له في التفكير بالإعتاق لا يجوز.
مسألة: قال: «وإن باع ولم يتفرقا حتى مات المكاتب وجب البيع».
ظاهر هذا أن خيار المجلس ينقطع بالموت، وقد ذكرنا ما فيه من الطرق في كتاب البيع، واختار ابن أبي هريرة أنه يقوم السيد مقامه.
وقوله: وجب البيع أراد لا يبطل البيع بموته، ويقوم السيد مقامه فيه، [114/ أ] قال: وهذا أصح التأويلات، وقال القاضي الطبري: هذا مخالف لكلام الشافعي في «الأم»، وذلك أنه قال: لو باع المكاتب، أو اشترى شراء جائزًا على أن المكاتب بالخيار ثلاثًا، أو أقل فلم تمض أيام الخيار حتى مات المكاتب قام السيد في الخيار مقام المكاتب في رد البيع وإمضائه، ولو باع أو اشترى شراءًا جائزًا بلا شرط خيار، فلم يفترقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه حتى مات المكاتب وجب البيع لأنه لم يختر الرد حتى مات، فالبيع جائز بالعقد الأول ففرق الشافعي بين خيار الشرط وخيار المجلس، فلم يصح ما قال هذا القائل، والظاهر منه قول آخر وأن المسألة على قولين، وأما خيار الشرط، فالفرق بينه وبين خيار المجلس أنه يختص بالعاقد ولا يتعداه وخيار الشرط لا يختص بالعاقد فإنه

الجزء: 8 - الصفحة: 346

يجوز شرطه لغير العاقد فجاز أن يقوم السيد فيه مقام المكاتب.
مسألة: قال: «ولا يبيع بدين».
اعلم أنه لا يجوز للمكاتب أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل لأنه فيه تغريرًا بالمال إذا يخرج السلعة من يده ويستبدل مكانها ما لا يمكنه التصرف فيه، وقال في «الأم»: ولا يبيع بدين، وإن كثر فضله فيه بحال، وإن رهن عبده وأخذ حميلا لأن الرهن يهلك والغريم والحميل يفلس فلا يجوز فإن كان بإذن سيده، قال في «الأم»: يجوز وفيه قول آخر على ما ذكرنا في التبرعات، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يبيع ما يساوي مائة بمائة وعشرين، ويقبض المائة وتبقى العشرون إلى مدة وللمكاتب أن يشتري بالدين لأنه ليس فيه تغرير عليه، ,إنما التغرير على البائع، وهذا إذا لم يطلب منه الرهن به، [114/ ب] وبيع منه ما يساوي بيع مثل الأجل لأنه لا يكون غبنًا.
وإن بيع منه مؤجلاً، فأولى وأجوز وهكذا له أن يستسلم في ذمته لأن له فيه خطأ إلا أنه لا يجوز أن يدفع بذلك رهنًا لأن الرهن أمانة في يده فربما يتلف ولا يضمن ذلك، ويبقى الدين في ذمته على حالته وله أن يستسلف يعني يستقر بين من ليس له أن يرهن في القرض، ولا يجوز أن يقرض ماله، ولا أن يسلف في طعام لأن ذلك دين قد يتلف، وقال في «الأم»: ليس له أن يضارب أحدًا، وإن كان أمينًا لأنه يخرج من يده إلى غيره مالاً ربما لا يصل إليه بأن يموت الرجل أو يجحد أو يفلس.
قال أصحابنا: وله أن يأخذ المال من غيره قراضًا.
قال الشافعي: وله أن يبيع بخيار الثلاث إذا قبض الثمن لأن البيع مضمون على قابضه، إما بالثمن أو بالقيمة، وهذه إشارة إلى قولي الملك إن قلنا: إن الملك للمشتري فمضمون بالثمن، وإن قلنا: للبائع فمضمون بالقيمة.
وقال القفال: لو اشترى أو باع شيئًا لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض إلا أن يسلم المسلم العوض في الحال أو المجلس فذلك القدر لا يمكن الاحتراز عنه، وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: يصح منه السلم الحال فيتسلم العوض في الحال، وهذا بعيد.
مسألة: قال: «ولا يهب لثواب».
وقد ذكرنا ذلك ووجهه أن الهبة في الأصل عقد تبرع، ومذاهب العلماء مختلفة في الثواب ومقداره إذا لم يكن مسمى أحدهما ما يليق به، وهو الأظهر، ولا فائدة فيه ويتأخر ذلك عن الهبة كما ذكرنا.
والوجه الثاني: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم وهذا إضرار به، وفي أصل الهبة بشرط

الجزء: 8 - الصفحة: 347

الثواب قول آخر [115/ أ] إنه باطل ولهذا لا يجوز لولي اليتيم أن يهب بشرط الثواب، وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي رضي الله عنه أنه تجوز تبرعاته بغذن السيد ونص أنه لا تجوز هبته بشرط الثواب أصلا، وهذا لأنه إن كان الثواب مجهولاً ربما يرى بعض القضاة أنه يكفي في الثواب ما يقع عليه الاسم، وبه قال أبو حنيفة، وإن كان الثواب معلومًا، فهو يسلم قبل قبض الثواب، وهذا غير صحيح بل كلاهما على قولين إذا وجد إذن السيد.
مسألة: قال: «وإقراره في البيع جائز».
إنما جاز إقراره لأنه من أهل ابتدائه فكان من أهل الإقرار به كالحر.
قال أصحابنا: وإنما يجوز ذلك ما دام مكاتبًا، فإذا خرج من الكتابة لا يقبل إقراره كما لا يقبل قول الحاكم إذا عزل فيما حكم به، وليس هذا كإقراره الجناية لا يقبل لحق السيد إذا تعلق بالمال لأن السيد لم يسلط عليه بعقد الكتابة، وإن أقر السيد عليه بالجناية لا يقبل أيضًا لأنه لا سبيل له على ماله غير أنه إن أعجزه يومًا أخذ بإقراره ليقضي دين الجناية من ماله، أو من رقبته.
فرع لو أقر المكاتب بالشراء بعد العجز فإن كان برئ من الثمن بدفع أو إبراء يقبل بخلاف ما لو أقر بالبيع لا يقبل لأن فيه إزالة الملك، وفي الشراء إثبات الملك، وإن كان الثمن باقيًا فإن كان بقدر قيمة السلعة ن فذ وإن كان أكثر فإن كان لمغابنة فيه عند الشراء نفذ والشراء مردود، وإن كان بسبب حادث من نقص سعر أو حدوث عيب ينفذ الإقرار يلزم الشراء لأن زيادة الثمن إذا عجز عنها تعلقت بذمته.
وكذلك إقراره بالدين مقبول لأنه بالكتابة سلطه على ما أفضى إليه، فإن عجز ما [115/ ب] بيده عن أدائه كان في ذمته يؤديه بعد عتقه.
مسألة: قال: «ولو كانت له على مولاه دنانير ولمولاه عليه دنانير فجعلا ذلك قصاصا جاز».
اعلم أنه إذا حل للسيد على مكاتبه نجم من مال الكتابة وكان له على سيده من جهة المعاملة دين لم يخل من أن يكون أحد الدينين من جنس الآخر، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه ففيه أقوال.
والمنصوص في التصرف أنهما لا يتقاصان، وإن تراضيا به، وإن كانا من جنسين مختلفين لا يسقط أحدهما بالآخر قولاً واحدًا لأن الجنسين لا يتقاصان، ولهذا لا يجوز أن يحيل بغير جنس ما عليه من الدين.
ولأنه كما يكون دينًا بدين فلم يجز.
فإذا ثبت هذا فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أنا يكونا جميعًا نقدين كالدراهم

الجزء: 8 - الصفحة: 348

والدنانير، أو يكونا عرضين، أو أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا، فإن كانا نقدين لا يحتاج إلى قبض الحقين معًا، بل يقبض أحدهما من صاحبه ثم يرده عما له في ذمته لأن دفع العرض عن الدراهم والدنانير التي في ذمته يجوز.
وإن كان عرضين لا يجوز حتى يقبض كل واحد منهما ماله على صاحبه، فإن أخذ أحدهما من صاحبه ما عليه لم يجز أن يرده عليه بالجنس الذي له عليه لأنه بيع العرض قبل القبض إلا أنه يكون ذلك من جهة العرض، فيجوز، وهذا ليس بقرض لأنه لا يجوز ذلك من المكاتب فيشبه ذلك المسلم فيه.
وإن كان أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا فإن أحضر الذي عليه العرض وسلمه إلى صاحبه، فقبضه جاز له أن يرده عليه بماله في ذمته من النقد، وإن أحضر الذي عليه النقد [116/ أ] وسلمه إلى صاحبه لم يجز له أن يرد عليه بالعرض الذي له في ذمته إلا أن يكون العرض عليه من جهة القرض على ما ذكرنا.
فرع قال في «الأم»: ولو كانت لمكاتبه على رجل مائة دينار فحلت عليه لسيده مائة دينار فإن أراد أن يبيعه المائة التي عليه بالمائة التي على الرجل لم يجز، ولكن إن أحاله على الرج فحضر الرجل ورضي السيد أن يحال عليه بالمائة جاز، وليس هذا بيعًا وإنما هذه حوالة، فأجاز الشافعي الحوالة بما في ذمة الغير ومنع من بيعه.
وعلى هذا إذا كان له في ذمة رجل طعام، أو ثياب من جهة القرض فباعه من غير من هو عليه لم يجز، وكذلك إذا اشترى من إنسان سلعة بدين له في ذمة غير البائع لم يجز، وقال في «الإفصاح» في آخر كتاب الحوال: ذهب بعض أصحابنا إلى جواز ذلك وهذا خلاف النص، ولأنه لا يقدر على تسليم ما في ذمة غيره.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو خلت على مكاتب نجومه فسأل السيد أن يعتقه ويؤخره بما عليه فأعتقه كان العتق جائزًا، واتبعه بما عليه دينًا وكذلك لو كانت النجوم إلى آجال فسأله أن يعتقه وتكون النجوم ثابتة، فأعتقه جاز ويكون دينه عليه في الكتابة بحاله.
مسألة: قال: «وإن أعتق عبده، أو كاتبه بإذنه».
الفصل جملته أنه إذا كاتب عبدًا ثم اشترى المكاتب عبدًا وأعتقه بغير إذن السيد لا يجوز بلا خلاف، لأنه إتلاف للمال، وهكذا إن كاتبه بغير إذنه لا يجوز لأنه يجري مجرى الإعتاق بدليل [116/ ب] أنها في حق المريض من الثلث كالإعتاق.
وقال أبو حنيفة: تجوز كتابته، وهذا لا يصح لما ذكرنا، وأما إذا أعتق، أو كاتب بإذن سيده، هل يصح

الجزء: 8 - الصفحة: 349

فيه قولان: أحدهما: لا يصح لأن العتق إنما يصح من مالك تام الملك، وليس له ذلك لأنه يقتضي الولاء وهو مملوك لا يثبت الولاء له لأنه يجوز أن يعتق فيثبت عليه الولاء ومن كان ممن يثبت عليه الولاء لا يجوز أن تثبت له الولاء، والثاني: يجوز لأن إيقاع الحرية تمليك العبد نفسه فملكه بإذن السيد كالهبة، وهذان القولان من فروع التبرعات.
وقال القفال: إن قلنا: تبرعاته لا تجوز إلا بإذن سيده فهو أولى أن لا يجوز، وإن قلنا: ذلك يجوز فههنا قولان.
وحكى المزني عن «الإملاء» على مسائل مالك أنه قال: إذا كاتب المكاتب عبده لا يجوز، وإذا أدى المال لم يعتق كما لو أعتقه لم يعتق، ثم اختار هذا القول، وهذا التشبيه مشكل لأنه يوهم فرقًا بين الكتابة والعتق، وليس كذلك لأن القولين في إعتاقه كالقولين في كتابته فيحتمل أن يكون مراده بقوله: كما لو أعتقه لم يعتق إذا كان بغير إذن سيده ولا يبعد أن يقيس الكتابة في حال إذن السيد على الكتابة في حالة عدم الإذن أو على الإذن في حالة عدم الأخذ يعني: نقصان ملكه في الحالين، وقيل قصد الشافعي أن يبين أن الكتابة تبرع كالإعتاق، فلا يصح من المكاتب دون إذن سيده كيلا يظن ظان أن الكتابة كالبيع فتصح دون إذن السيد، وقيل: هذا لأن للشافعي قولين في كتابة المكاتب عبده، وفي إعتاقه بإذن السيد قولان ولكن نضه في «الإملاء» يدل [117/ أ] على وجوب الترتيب وكيفية الترتيب ما ذكر القفال، والفرق أن بالكتابة يستفيد عوضًا وفي زيادة ماله منفعة سيده ولا يستفيد بالإعتاق عوضًا، فافترقا، وقال أبو إسحاق: القياس ما اختار المزني لولا ما فيه من الشفعة، فإذا قلنا: لا يصح، فالعتق لا ينفذ والكتابة باطلة والعبد باق على ملكه فإن أدى المال إليه لم يعتق لأنه إنما العتق في الكتابة الفاسدة بأداء المال إذا كان السيد ممن يملك العتق المباشر وههنا لا يملك ذلك، وإذا قلنا: يصح العتق والكتابة تصح أيضًا، فأدى المال وعتق وهو بعد لم يعتق، فلمن يكون الولاء قولان: أحدهما: أنه موقوف، فإن عجز المكاتب كان للسيد، وإن أدى وعتق كان له لأن حكم المكاتب في نفسه وماله موقوف ولأن المكاتب باشر العتق فيستحيل أن يكون الولاء للسيد الذي لم يباشره فيوقف عليه، ثم صور الشافعي رضي الله عنه فائدة الوقف فقال: «فإن مات عبد المكاتب المعتق بعدما يعتق وقف من ميراثه في قول من يقف الميراث كما وصفت، فإن عتق المكاتب الأول فهو له، وإن مات أو عجز فلسيد المكاتب إذا كان حيًا يوم يموت، وإن كان ميتًا فلورثته من الرجال ميراثه»، وإنما قال من الرجال لأن النساء لا يرثن بالولاء إلا في مباشرة العتاق.
وقال أبو حامد على هذا القول: في هذه المسألة قولان: أحدهما، ما ذكرنا، والثاني: ميراثه لسيده لأن الولاء يجوز أن يتوقف فيثبت لشخص ثم ينجر الولاء إلى غيره والميراث لا يجوز لأن يتوقف قط، [117/ ب] ولأن السيد وارث في الحال، فلم ينتظر في المكاتب أن يصير وارثًا كالحر إذا مات وخلف

الجزء: 8 - الصفحة: 350

أبًا مملوكًا وجدًا حرًا كان ميراثه لجده ولا يوقف على عتق أبيه، وقال أصحابنا: هذا القول بعيد لأنه يؤدي إلى توريث السيد من هذا المعتق بلا نسب ولا ولاء، وهذا لا يجوز، وذكر القفال وجهًا آخر أنه يصرف ماله إلى بيت المال، وهذا الوجه الأول أبعد، والقول الثاني: الولاء لسيد المكاتب وبه قال أبو حنيفة، لأن العتق إذا كان معينًا لم يجز أن يكون الولاء موقوفًا كما لا يجوز أن يكون النسب موقوفًا مع تعين الواطئ، وإذا لم يثبت في الحال بطل النسب وكذلك الولاء والمكاتب في الحال من أهل الولاء والسيد من أهله فثبت له.
قال القفال: وعلى هذا يجب أن يجري عن كفارة السيد إذا نوى وأعتقه المكاتب بإذنه، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن النسب قد يقف على بيان القافة أو على الانتساب إذا لم يكن قافة، فكذلك الولاء يجوز أن يوقف ولأن الفرق بين النسب والولاء ظاهر لأن الولاء ينتقل بالجر من مولى الأم إلى مولى الأب بخلاف النسب، ولو أدى المكاتب الثاني المال بعدما عتق المكاتب الأول، فالولاء للمكاتب الأول إذا جوزنا تلك الكتابة لأنه يوم العتق من أهل الولاء.
فرع إذا قلنا: الولاء للسيد فلا فرق بين أن يعجز المكاتب بعد ذلك لو أدى المال وعتق فقد استقر الولاء على السيد فلا ينتقل هكذا قال أصحابنا.
وقال في «الحاوي»: حكى ابن أبي هريرة أنه إذا عتق المكاتب [18/ أ] بعده بالأداء هل يجر ولاء معتقه، وينتقل عن سيده إليه؟.
اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا كما لا يجوز أن ينتقل النسب، والثاني: يجره لأنه باشر العتق، وإذا جاز أن ينتقل ههنا، وقد باشر العتق وهناك لم يباشره.
فرع آخر إذا أعتق المكاتب عبده عن سيده أو عن غير سيده بإذن سيده ففيه قولان.
قال أبو حامد: الصحيح ههنا أنه يعتق والصحيح في عتق المكاتب عن نفسه بإذن سيده أنه لا يعتق لأنه ليس من أهل الولاء.
مسألة: قال: «وبيع نجومه مفسوخ».
الفصل جملة هذا: أنه إذا كاتب عبدًا على مال ثم إن السيد باع ذلك المال الذي له في ذمة المكاتب نص الشافعي ههنا، وفي «الأم» وعامة كتبه: أنه لا يجوز، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، وقال مالك: يصح ذلك لأن السيد يملكها في ذمة المكاتب فصار كسائر أمواله وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما لم يقبض» وهذا عوض غير مقبوض، فهو بمنزلة المسلم فيه، ولأنه ليس بلازم ومتى شاء المكاتب

الجزء: 8 - الصفحة: 351

أسقط ذلك عن نفسه، وقال أبو إسحاق: أومأ الشافعي في «القديم» إلى جوازه أيضًا ولكنه فاسد لا وجه له، وقيل: قال في «القديم» في بيع المكاتب، هل يجوز قولان، فإذا قلنا: يجوز، يجوز بيع رقبته أيضًا، وهذا البناء لا يصح لأن الغرر في المال الذي في الذمة أكثر منه في الرقبة فلا يصح بناء إحدى المسألتين على الأخرى [118/ ب].
وقيل: قال في بيع الديون وهبتها قولان أخرجهما ابن سريج، فههنا كذلك وهذا خطأ أيضًا لأن ذلك في الدين المستقر اللازم.
والصحيح أن المسألة على قول واحد أن البيع باطل.
فرع إذا قلنا: إن البيع باطل فالمشتري لا يملك مطالبة المكاتب بشيء ولا يجوز للمكاتب أن يدفع إليه أيضًا، فإن جمع مالا ودفعه إلى المشتري، فهل يعتق؟، قال الشافعي ههنا، فإن أدى المال إلى المشتري بأمر سيده عتق كما يؤدي إلى وكيله فيعتق، وقال في «الأم»: لا يعتق لأن أصل البيع باطل، وليس هذا كرجل وكله سيد المكاتب لأنه يأخذه لنفسه دون السيد بدليل أنه يضمن واختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن سريج، ينبغي أن يخرج على قولين: أحدهما: لا يعتق وإن أدى إلى المشتري بإذن السيد لأنه أذن له أن يقبضه لنفسه لا للسيد، والذي على المكاتب أن يدفع إلى السيد أو إلى من يقبضه له بإذنه، وهذا لا يصح، والثاني: يعتق صرح البائع بالإذن، أو لم يصرح لأنه قبضه بإذنه وتسليطه كالوكيل، فإذا قلنا: يعتق فقد برئت ذمته من مال الكتابة، لأنه ما عتق إلا بعد براءة ذمته من المال وتبقى المنازعة بين السيد وبين المشتري في المال الذي قبضه من المكاتب وفي الثمن الذي دفعه المكاتب إليه فإن كان المال الذي قبضه المشتري، والثمن الذي دفعه المشتري باقيين يرجع المشتري بما دفع واسترجع منه ما أخذ وإن كانا تالفين حصل التقاص بينهما فيما تساويا فيه [119/أ] ورجع أحدههما على صاحبه بالفضل الذي بقي له، وإذا قلنا: لا يعتق فإن ذمته لا تبرأ من مال الكتابة فيستحق السيد مطالبته بمال الكتابة، ويستحق هو مطالبة المشتري بما دفعه إليه ويستحق المشتري مطالبة السيد بالثمن الذي دفعه إليه.
وقال أبو إسحاق: المسألة على اختلاف حالين، فالذين قال يعتق: أراد إذا باع المال منه وأمر المكاتب بدفعه إليه، فيكون قد قبضه بأمرة ويعتق، والذي قال لا يعتق: أراد به إذا باعه مطلقًا، ولم يأمر المكاتب بالدفع إليه، فلا يعتق لأنه لم يوجد من السيد صريح الإذن بالدفع، وإنما البيع تضمن ذلك، فإذا بطل البيع بطل ما تضمنه.
قال: وهذا هو الظاهر لأن الشافعي في «الأم» لم يشترط إذن السيد في دفعه إلى المشتري وشرط فيما نقل المزني الإذن قال: فإن أدى إلى المشتري بأمر سيده.
قال أبو إسحاق قلت لابن

الجزء: 8 - الصفحة: 352

سريج هذا، فقال: ما تبين لي أن يكون بينهما فرق لأنه لا فرق بين أن يأذن في الدفع أو يلزمه بعقد سيده الدفع، ومن لفظ بالعقد فقد أذن في دفعه، فقلت: هذا يمكن أن يقال لأنه إذا لم ينص على الدفع فالدفع لا يلزمه وإنما دفعه متأولا، وقد كان يمكنه أن يحترز منه بأن لا يسلمه إليه إلا بإذن ينص له السيد عليه، أو يحكم به عليه حاكم، فلا يعتق ويدل على هذا أنه لو أعتقه لم ينفذ عتقه ولم يجعل بمنزلة العتق بإذن السيد وإن كان العقد يتضمن تصرفه بالعتق وغيره، واختار القاضي الطبري طريقة أبي إسحاق.
مسألة: قال: «وليس للمكاتب أن يشتري من يعتق عليه».
الفصل جملة هذا: أن المكاتب إذا اشترى [119/ ب] من يعتق عليه بحكم القرابة كالآباء والأمهات وغيرهم، فإن كان بغير إذن سيده لا يصح الشراء قولا واحدًا.
وقال أبو حنيفة وأحد: يصح الشراء، وقال أبو حنيفة: القياس أن له أن يتصرف بعد الشراء ولكني أمنعه من ذلك استحسانًا، وهذا لا يصح لأنه استهلاك وإتلاف إذ يخرج من يده ويجوز له التصرف فيه وأداء نجومه منه ويأخذ عوض ذلك مالا يمكنه التصرف فيه، وذلك ضرب من إتلاف المال، وإن كان بإذن سيده.
قال عامة أصحابنا: فيه قولان كالتبرعات بإذن سيده، وقال أبو إسحاق: يصح ذلك قولا واحدًا، والفرق بينه وبين التبرعات في أحد القولين، إن التبرعات لا تحصل له عوض بوجه فهي إتلاف محض فلا يصح العوض، وهو أن هذا العبد يصير ملكه ويكتسب فيستعين بكسبه وربما يخفي عليه، فيأخذ هو أرش الجناية ويؤدي ذلك ويعتق هو معه فتحصل له المنفعة بذلك، فجاز والطريقة الأولى أصح لأن هذا العوض غير مقصود ولا متحقق، ولو كان كما قال أبو إسحاق لجاز أن يشتريه بغير إذن السيد وليس هذا بأكثر من الهبة بشرط الثواب وقد نص الشافعي أنه لا يجوز ذلك على القول الذي يقول لا يجوز هبته بإذن السيد.
وحكي أن أبا إسحاق، قال: وينبغي أن يكون على قول له شراؤه بالإذن لأنهما لو اجتمعا على إتلاف المال جاز فجعله أبو إسحاق بمنزلة الإتلاف فيكون مع الإذن كالهبة فلا فرق على هذا بين ما قال أبو إسحاق وبين ما قال غيره.
فرع إذا قلنا: يصح الشراء لم يكن له بيعه وكان موقوفًا على كتابته، فيقف عليه بحكم الملك دون النسب، ولأنه [120/ أ] لا يجوز أن يملك ثمن والد، وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: يجوز بيعه لأنه يملكه وللسيد فيه حق، وهذا يلزم إذا استولد أمته، فإن [ابنه ملكه ولا يجوز له بيعه].

الجزء: 8 - الصفحة: 353

فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «وله أن يقبلهم إن أوصى لهم به ويكسبون على أنفسهم».
وجملته: أنه إذا أوصى له بهم فأراد أن يقبل الوصية ينظر فإنه كان ممن يجب عليه نفقته بأن يكون زمنًا، أو شيخًا ضعيفًا كبيرًا، أو طفلًا صغيرًا لم يجز له قبول ذلك لأنه يستضر بوجوب النفقة عليه ولا ينتفع بشيء ولا فرق بين أن يزن ما في يده من ثمنه، وبين أن ينفق عليه منه، وإن كان جلدًا مكتسبًا يقوم كسبه بنفقته فله أن يقبل ذلك بل هو مندوب إلى ذلك لأنه لا يستضر به بل فيه تكسب، لأنه ينتفع بفضل كسبه، وقد قال الشافعي: «يأخذ فضل كسبهم وما أفادوا» يعني: كل مال استفادوه فكالكسب، وإنما يأخذ ذلك لأنه بمله وليس بحر، فإن قيل: يجوز أن يزمن أو يمرض، ولا يكون له كسب، فيكون ضررًا على المكاتب، قلنا: الاعتبار بالحال دون ما يجوز أن يحدث في الثاني من الزمانة والعجز، وقال الصيمري: إذا أوصى له بابنه الزمن ولا كسب له، له أن يقبل في أصح الوجهين لأنه يجوز أن يحدث له اكتساب بغير عمل، وربما يصح فيعمل، وهذا ضعيف لأنه خلاف الظاهر في الحال، وهذا غريب.
فرع آخر لو قبله وكان له كسب فزمن أو مرض لزمه أن ينفق عليه مما في يده لأنه عبده وملكه، فإن قيل: أليس لا يلزمه أن ينفق على أقاربه؟، قلنا: الفرق أن نف قة الأقارب مواساة بخلاف هذا [120/ ب].
فرع آخر لو جنى واحد منهم في يده، قال الشافعي: «وإن جنوا لم يكن له أن يفديهم وبيع منهم بقدر جناياتهم» وهذا لنأن المفاداة بمنزلة الشراء لأنه إخراج مال في مقابلتهم فكما لا يجوز ذلك لا يجوز هذا، فإن كان بإذن سيده يكون قولان أيضًا كما في الشراء وهكذا الحكم إذا وهب له واحد من هؤلاء، فقبل ذلك.
مسألة: قال: «ولا يجوز بيع رقبة المكاتب».
اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في بيع رقبة المكاتب، فقال في القديم: يجوز ولا أعرف لمن منع منه وجها، وبه قال عطاء والنخعي وأحمد، وقال في «الجديد»: لا يجوز بيعه، وهو الصحيح، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الزهري وربيعة: إن باع رقبته بإذنه صح البيع وإن باع من غير إذنه لم يصح، وروى الطحاوي هذا عن ابن أبي عمران عن أبي يوسف، واحتج عطاء بخبر بريرة، ولأنه بمنزلة العبد

الجزء: 8 - الصفحة: 354

القن في عامة أحكامه، فكذلك في جواز البيع وهذا خطأ لأن الكتابة عقد يمنع رجوع أرش الجناية عليه إليه فيمنع البيع، وإذا قلنا: يصح يكون مكاتبًا كما كان فإن أدى المال إلى المشتري عتق والولاء للمشتري بخلاف وارث المكاتب إذا قبض النجوم، وصار حرًا يكون الولاء للمورث، لأن الوارث يقوم مقامه وينبني ملكه على ملكه بخلاف المشتري، وإن عجز كان رقيقًا للمشتري، وقال أبو ثور: يجوز بيعه وولاؤه إذا عتق للبائع، وهذا غلط لما ذكرناه ومن أصحابنا من أنكر هذا القول، وذكر أن المسألة على قول واحد إنه لا يجوز وذلك القول مرجوع عنه، وذلك لأنه قد باعه [121/ أ] بالعقد الذي عقد عليه ومنع من المكاتب ومن كسبه، وقد ملك المكاتب ذلك إلى أن يعجز فيعود في الرق، فإذا باع رقبته باع ما لا يملكه، فلا يجوز ذلك ولو كان هو مالكًا لرقبته لكانت منافعه له ولكان له وطئها إذا كانت أمة.
قال الشافعي: «فإن قيل: بيعت بريرة» وقصتها قد ذكرنا، ثم أجاب الشافعي، فقال: «لعلها عجزت وهي المساومة بنفسها عائشة رضي الله عنها والمخبرة بالعجز والراضية بالبيع» وشرح أبو إسحاق هذا، فقال: عائشة رضي الله عنها إنما اشترت بريرة بعد العجز لأن عقد الكتابة يلزم السيد ولا يلزم المكاتب وله أن يفسخه، أي وقت شاء، فلما كانت بريرة هي التي سفرت بينها وبين مواليها، وهي المساومة والمطالبة من عائشة أن تشتريها فقد علم أن ذلك رضى منها بفسخ الكتابة، وأنها عجزت نفسها ورغبت في عتق معجل يعينها على التصرف والتكسب للحرية فكان هذا أحظى لها وأعود عليها، ومن أصحابنا من قال: إنها عجزت عن أداء نجمها وشكت إلى عائشة ذلك، فباعها مواليها، فكان لهم تعجيزها وفسخ كتابتها فكان بيعهم فسخًا للكتابة، كما إذا باع البائع المبيع في مدة الخيار كان فسخًا للبيع الأول.
فإذا تقرر هذا فعلى هذا لو باعه قبل العجز، فأعتقه المشتري، قال في «الأم»: كان عتقه باطلا، ولو دفعه النجوم إلى المشتري هل يعتق، فيه قولان على ما ذكرنا في بيع النجوم، ولو باعه قبل أن يرضى بالعجز ثم رضي، قال في «الأم»: كان البيع مفسوخًا حتى يحدث له بيعًا بعد رضاه بالعجز ولو باعه وماله من رجل نزع مال الكتابة من يد المشتري وكان على كتابته، فإن مات المشتري [121/ ب] رجع به المكاتب على لسيده في ماله إن لم يكن حلت عليه الكتابة، فإن كانت حلت عليه أو بعضها كان قصاصًا وإن لم يمت ضمن المكاتب أيهما شاء إن شاء الذي استهلك ماله، وإن شاء سيده.
وقال في «الأم»: ولو باعه ولا مال للمكاتب، أو له مال قليل، فأقام في يد المشتري سنين وحل عليه نجمان من نجومه ورد البيع فسأل المكاتب أن ينظر سنين يسعى في نجميه اللذين حلا عليه، ففيها قولان: أحدهما: لا يكون له ذلك كما لو

الجزء: 8 - الصفحة: 355

حبسه سلطان، أو ظالم، أو مرض أو سبي وكان له أن يحسب على سيده قيمة إجارة السنين من نجومه، فإن أدى عنه كتابته وإلا رجع عليه السيد بما بقي، فإن أداه، وإلا فهو عاجز، وإن كانت في إجارته السنين فضل عن كتابته عتق ورجع بالفضل وأخذه وهكذا لو كاتبه السيد ثم عدا عليه، فحبسه سنة، أو أكثر والثاني: ينظره بقدر حبس السيد له إن حبسه بنفسه أو حبسه بالبيع، قال أصحابنا: ووجه هذا أنه دخل معه في العقد على أن يمكنه من التصرف في المدة التي شركها، فإذا حبسه في بعضها لم يف له بالشرط فلزمه بحبسه مثل ما حبسه، والأول أصح.
ثم قال المزني: فإن قيل: فما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «اشترطي لهم الولاء»، وهذا السؤال لكشف إشكال في الخبر لا لتوجيه القول الجديد والرفع عنه، قال المزني: قلت للشافعي جوابان عن هذا السؤال أحدهما يبطل بالشرط، ويجوز العقد وجعله خاصًا.
قال أبو إسحاق: تفسير هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة رضي الله عنها في ذلك لأنه تقدم إليهم بأن الولاء للمعتق، فلم ينتهوا [122/ أ] عن شرط الولاء لأنفسهم فأمر عائشة بالشراء، وشرط الولاء للبائع ثم أبطل الشرط، وقال: ما بال أقوام، وقال الشافعي: رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله فكان شراء عائشة صحيحًا، والشرط فاسدًا، وكان إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك للبائع في الإنكار عليهم وردعهم عما كانوا عليه، وهذا كما أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الكبائر، فلما أذن لهم فيها بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، توقفوا فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإحرام بالحج، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحج وأمرهم أن يجعلوه عمرة ليكون تغليطًا عليهم في إثبات أوامره، وقيل: هذا هو القول المنصوص في البيع بشرط العتق، أو بشرط الولاء للبائع أن البيع جائز لا على القياس ولكن بالسنة، وهذا معنى قول المزني يجعله خاصًا.
وقيل: لما نهى عن بيع الولاء وهبته ظنوا أن نهيه توجه إلى إفراه بالبيع وأنه إذا كان مشروطًا في بيع جائز صح فأحب أن يفسخه عليه بعد شرطه ليكون الفسخ، أوكد والنهي أغلط كما قلنا في باب جواز العمرة في أشهر الحج.
وقيل: إنهم كانوا في الجاهلية يتبايعون الولاء ويرونه مالا فغلط الأمر فيه مع نهينه عن بيعه بأن أبطله عليهم بعد بيعه ولذلك غضب وصعد المنبر فخطب، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» الخبر إلى آخره.
وقيل: أذن فيه في وقت جوازه ثم نسخ فأظهر نسخه بفسخه كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا وكان كبيرًا ثم نسخ رضاع الكبير، وقال: الرضاعة من المجاعة.
ثم قال المزني: [122/ ب] وقال في موضع آخر، وهذا من أشد ما يغلط فيه وإنما جاء به هشام بن عروة وحده وغيره خالفه وضعفه، وهذا أولى به لأنه لا يجوز في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكانته من الله تعالى ينكر على أناسٍ شرطًا باطلًا، ويأمر أهله بإجابتهم إلى شرط باطل وهو على أهله في الله أشد وعليهم أغلط يريد بهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أذن

الجزء: 8 - الصفحة: 356

لعائشة في اشتراط الولاء للبائع وانفرد بتلك الرواية هشام، وليست بصحيحة لما ذكره من الدليل.
وقيل: هذه زيادة تفرد بها هشام، وقد روى نافع عن ابن عمر عن عائشة رضي الله عنها هذا الخبر فلم يروها، وكذلك الزهري لم يروها وهو أحفظ من هشام، وكذكل عمرة والقاسم بن محمد والأسود بن يزيد وأبو هريرة كلهم رووا عن عائشة، ولم يذكروا أنه أمرها باشتراط الولاء لهم ولعل هشامًا أو عروة حين سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ما يمنعك ذلك» رأى أنه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر وجماعة.
فإن قيل: الزيادة أولى في الإخبار قيل: ترك الزيادة في هذا الموضع أولى من الأخذ بها لثلاثة أمور، أحدها: إنكار الرواة لها على ما ذكرنا، والثاني: منع الشرع منها، والثالث: صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرنا فلا يجوز أن يأذن في المحظور والغرور، وقال بعض أصحابنا: هكذا قال الشافعي، ولكن الخبر في «الصحيحين» من طرق شتى سوى طريق هشام، وهذا الشرط مذكور فيه، والأصح الجواب الأول، [123/ أ] وهو تجويز البيع بالسنة، ثم اشتغل المزني بالتأويل، فقال: ويحتمل لو صح الحديث أن يكون أراد: اشترطي عليهم أن لك إذا اشترطت، وأعتقت الولاء أي لا تغريهم واللغة تحتمل ذلك قال الله تعالى: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: 52] أي عليهم اللعنة، وقال تعالى: ﴿إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وإنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]، يعني فعليها.
وقال تعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2]، أي عليه، فقامت لهم مقام عليهم فتفهم رحمك الله.
وأنكر أبو إسحاق هذا التأويل على المزني على عادته في الرد على المزني إذا وجد السبيل إليه، وقال الماسرجسي: سمعت أبا إسحاق ينكر ذلك، ويقول: هذا يجوز عند الضرورة، ولو جوزنا إبدال حرف بحرف لغير الحاجة والضرورة بطل التفاهم بالخطاب، وذهبت فائدة الكلام، وقال: لا يجوز أن يقصد منع عائشة من شرطها الولاء للبائع بلفظ لا يبني عنه إلا بقرينة الحال ودلالة وفي موضع لا يشكل ولا يلتبس ولأن خروجه مغضبًا، وقوله في خطبته: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله».
يدل على أن الشرط كان لهم فأبطله عليهم، فلا يصح ما ذكره المزني.
وقال ابن أبي هريرة: قوله اشترطي لهم الولاء خارج مخرج الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وهذا بعيد، وقال صاحب «الإفصاح»: أراد اشترطي لهم العتق، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه، واستحقاقه به، وهذا أيضًا عدول عن الحقيقة إلى المجاز، وقال أبو حامد: اشتراط الولاء تقدم العقد لأنه كان وقت المساومة، وإنما يلزم الشرط [123/ ب] إذا اقترن بالعقد فلذلك بطل، فأعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - إبطال حكمه، وهذا ضعيف لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبطل الشرط لفساده، ولم يبطله لأنه كان في غير محله، ولو أراد ذلك لأزال اللبس ولأبان الحكم المقصود.

الجزء: 8 - الصفحة: 357

فرع لو كانت الكتابة فباعها للسيد، فإن كان للسيد علمًا بفسادها صح البيع وفي ذلك فسخ الكتابة الفاسدة، فلا يعتق بعد ذلك بالدفع وإن لم يعلم أو ظن أن الكتابة صحيحة، فإذا هي فاسدة ففي صحة البيع قولان مخرجان كما قال الشافعي: إذا أوصى برقبته لرجل ظنًا أن الكتابة صحيحة وأن الوصية فاسدة هل تصح الوصية، قولان سواءً كان عالمًا بفسادها أو جاهلًا، ومن أصحابنا من قال: لا يصح البيع قولًا واحدًا بخلاف الوصية لأنها تقبل الغرر والجهالة والوقف على الشرائط بخلاف البيع.

باب كتابة النصراني

مسألة: قال: «ويجوز كتابة النصراني».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب النصراني مملوكه جاز كما تجوز كتابة المسلم، وقال بعض الفقهاء: لا تجوز كتابته لأن الله تعالى ندب المسلمين إليها بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
ودليلنا حكم المعاملات والإعتاق يعم الكل، أو نقول: الكتابة تشتمل على المعاوضة والإعتاق بالصفة وكلاهما يجوز منه، وأما قولهم: ندب المسلمين إليها، قلنا: إنما خص المسلمين بالخطاب إكرامًا لهم لا تخصيصًا بالحكم.
ثم جوز كتابته [124/ أ] على الوجه الذي يجوز كتابة المسلم، فإذا كاتب عبده ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين نظر بينهما وحكم بحكم الإسلام، فإذا كانت الكتابة مما تجوز بين المسلمين أمضاها وإن كانت مما لا يجوز ردها لأن الحاكم لا يحكم إلا بما يسوغ في دينه.
ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه فيما كانت الكتابة فاسدة ثلاث مسائل: إحداها: أن يتعاقدا فاسدًا ويقبض السيد العوض ثم أسلما وترافعا، فالحاكم يقرهما على ذلك لا على معنى أنه يحكم بصحته ولكن على معنى أنه لا يتعرض لهما كما نقول: إذا تزوجها على مهر فاسد وتقابضا العوض ثم أسلما.
والثانية: أن يسلما ثم تقابضا في حال الإسلام فالحكم يبطل ذلك، لأن قبض الفاسد لا يصح في حال الإسلام إلا أن العتق وقع بوجود الصفة ويثبت بين السيد وبين المكاتب التراجع، فإن كان مما دفعه إلى السيد لم يحتسب له بشيء وحسب عليه قيمة رقبته، وإن كان له قيمة احتسب عليه بقيمته وعلى العبد بقيمة رقبته، ويتراجعان الفضل.
والثالثة: أن يسلما ثم يتراجها قبل التقابض أو بعد قبض البعض وبقاء البعض يحكم بفسخ الكتابة وإبطالها لأنه ما لم يقبض جميع مال الكتابة فالعتق لا يقع وحكم العقد

الجزء: 8 - الصفحة: 358

لم يتنجز، فحكم ببطلانه وارتفاعه إذا كان مما لا يصح مثله في الإسلام، فإن لم يحكم بفسخ الكتابة فأدى ذلك عتق بالصفة وثبت التراجع، وما أدى في حال الشرك من الحرام فحكمه حكم ما لم يرد شيئًا، فيكون التراجع بجميع القيمة نص عليه فيه «المختصر» لأن العتق وقع في حال الإسلام، فلم ينظر إلى ما أدى في حكم الكفر ويفارق هذا إذا تزوج في حال الشرك [124/ ب] ثم أسلم وقد أسلم إليها بعض الصداق الفاسد في الشرك احتسب عليها بقدر ذلك لما ذكرنا من الفرق في كتاب النكاح، وهو أن الاعتبار في العتق بآخر النجوم لأن العتق يتعلق به دون ما قبله، وفي النكاح لا يعتبر آخره.
وقال أبو حنيفة: إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لا يبطل ويؤدي إليه قيمة الخمر ويعتق كما قال في النكاح، وهذا لا يصح لأنه إذا عقدها ابتداءً بخمر كانت فاسدة بخلاف ما لو تزوجها على خمر لا يفسد النكاح.
وقال القفال: هذا إذا أسلما، أو أسلم السيد لأن ذلك لا يبطل الكتابة، فأما إذا أسلم العبد دون السيد، فإن قلنا: إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فأجبرناه على بيعه فكاتبه يسقط الاعتراض عنه، ولا يباع عليه فههنا أولى أن لا يباع، وإن قلنا: هناك لا يسقط الاعتراض ويباع عليه، فههنا وجهان، والأصح أنه لا يباع لأنه حين عقد الكتابة لم يكن توجه عليه المنع منها في بيع وغيره، وفي إبطال الكتابة إبطال للحق الذي ثبت له الموصل إلى العتق، والثاني: يباع عليه كالمسألة الأولى وهما على القولين في أن أحد الشريكين في المكاتب إذا أعتق نصيبه متى يقوم عليه في الحال، أو بعد التعجيز، فإذا قلنا: لا يباع عليه، ههنا فإذا عجز والسيد كافر يباع عليه لا محالة.
فرع إذا عقد الكتابة في الشرك بحرام وحلال ثم أسلما وتقابضا الحرام في الشرك، وبقي الحلال في الإسلام ففي الكتابة وجهان: أحدهما: يحكم بصحتها لأن الحرام بقبضه في الشرك صار عفوًا، والباقي من الحلال في الإسلام يجوز أن يكون عوضًا، فعلى هذا يؤدي المكاتب الحلال، ويعتق به، ولا تراجع فيه، والثاني: [125/ أ] يحكم بفسادها لأن الحلال بعض العوض في عقد قد فسد وللسيد إبطالها، فإن لم يبطل عتق فيها بالأداء ورجع السيد بقيمته ورجع المكاتب بما أداه، وكان قصاصًا إن تجانس ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: «ولو أن نصرانيًا اشترى عبدًا مسلمًا فكاتبه ففيها قولان».
الفصل قد ذكرنا في شراء الكافر عبدًا مسلمًا هل يصح الشراء؟ فيه قولان، فإذا قلنا: لا تصح فكاتبه، فالكتابة باطلة بلا خلاف، وإذا قلنا: يصح، وهو الذي نص عليه ههنا

الجزء: 8 - الصفحة: 359

فكاتب هل تصح الكتابة؟ فيه قولان: أحدهما: تصح الكتابة، وبه قال أبو حنيفة، ويزول بها الاعتراض، وهو اختيار المزني لأن القصد بالبيع عليه إزالة سلطانه عنه وبالكتابة زالت السلطنة ويستفيد العتق بأداء النجوم، والثاني: لا يصح ولا يزول بها الاعتراض لأنه وإن كان ممنوعًا من استخدامه والتصرف فيه فإنه مسلط عليه في منعه من السفر وهبة ما في يديه .. والتصرف فيه على الإطلاق وفي ذلك عليه ذل وصغار، ولأنه أمر بإخراجه عن ملكه تامًا وليست الكتابة بإخراج تام، ويفارق هذا إذا كاتب الكافر عنده الكافر ثم أسلم لا يباع عليه على المذهب الصحيح المنصوص لأن هناك لم يستحق إزالة ملكه عنه في الأول على ما ذكرنا.
قال المزني: تصح الكتابة لأنه ممنوع من النصراني بكتابته وعسى أن يؤدي، فيعتق يريد به أن للعبد حظًا في ذلك لأنه يؤدي إلى حريته فكان أولى من مطالبته بالبيع وسومح بما عليه من الذل لما يؤدي إليه العتق به.
قال: «وفي تثبيته الكتابة إذا أسلم العبد ومولاه نصراني [125/ ب] على ما قلت دليل، وبالله التوفيق».
يعني المسألة التي ذكرها في الباب قبله، والجواب أنا لا نسلم ذلك على ما ذكر القفال، وإن سلمنا فالفرق ظاهر على ما ذكرنا، فإذا قلنا: الكتابة صحيحة يقر عليها ثم ينظر فإن أدى مال الكتابة عتق، وإن عجز نفسه استرقه السيد، وأزيل ملكه عنه، وإذا قلنا: الكتابة فاسدة يباع عليه، فإن بادر العبد قبل أن يبيع عليه فأدى المال عتق عليه لوجود الصفة ويثبت التراجع بينه وبين سيده لأنه عتق بكتابة فاسدة، فيثبت بينهما التراجع.
مسألة: قال في «الأم»: ولو أن نصرانيصا كاتب أمة له كتابة صحيحة ثم أسلمت واختارت المضي على الكتابة فوطئها السيد فلها مهر مثلها، فإن حملت فالولد حر مسلم لا سبيل عليه لأنه في ملكه، فإن مات النصراني وهي على الكتابة عتقت بموته، وبطل عنها ما بقي من الكتابة عليها ولها ما لها ليس لورثة النصراني منه شيء لأن النصراني كان ممنوعًا من مالها بالكتابة، ثم صارت حرة بموته، فصارت الورثة ممنوعين منه بحريتها، فإن ولدت وعجزت أخذت بنفقتها وحيل بينه وبين إصابتها، فإذا مات فهي حرة ويعمل ما يطيق وله ما اكتسب وأرش ما جنى عليها، فإنها لم تلد ولم يمت النصراني حتى اختارت العجز، قال الشافعي رضي الله عنه: أجبر على بيعها ما لم تلد، قال القاضي أبو حامد: قد قيل: هذا على القول الذي لا يتحقق الحمل ولا يجوز بيعها إذا كانت حاملًا بولدٍ حر مسلمٍ حتى تضع [126/ أ].

باب كتابة الحربي

مسألة: قال: «وإذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم جاء مستأمنين».

الجزء: 8 - الصفحة: 360

الفصل جملة هذا أن الحربي ملكه ثابت على ماله وتصرفه كتصرف المسلم في ماله، وإذا كاتب عبده صحت كتابته كما يصح بيعه ويصح عتقه المنجز والمعلق بصفة، وقال مالك: لا ملك له، وقال أبو حنيفة: لا ملك له صحيحًا وكتابته لا تصح، وكذلك إعتاقه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27]، فأضاف ذلك إليهم وحقيقة ذلك يفيد الملك.
فإذا تقرر هذا وكاتبه في دار الحرب، ثم دخلا دار الإسلام مستأمنين، أو دخلا دار الإسلام بأمان ثم كاتبه، فإنهما ما لم يترافعا إلى الحاكم ويتخاصما إليه الا يتعرض لهما بل نقرهما على ما فعلاه، فإن ترافعا إليه يحكم بينهما بحكم الإسلام، فإن كانت صحيحة في الإسلام أعلمهم صحتها، وأقرهم عليها، وإن كانت فاسدة أعلهم فسادها، وأنه لا يجوز الإقرار عليها فإن قهر العبد سيده على نفسه في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام بأمان ومعه السيد ف قد ملك نفسه وانفسخت الكتابة فيه وملك السيد بقهره إياه ويقر على ذلك لأن دار الحرب دار قهر وغلبة ولذلك لو قال سيده: لا أرضى بالكتابة وقهره على نفسه واستعبده وحمله إلى دار الإسلام كان عبده وبطلت الكتابة، ولو دخلا دار الإسلام ثم قهر سيده على نفسه أو قهره السيد لا حكم لهذا القهر لأن دار الإسلام ليست بدار قهر [126/ ب] وغلبة، بل هي دار حق وإنصاف.
مسألة: قال: «ولو كان السيد مسلمًا فالكتابة ثابتة».
أراد بهذا أن المسلم لو كاتب عبده الكافر في دار الحرب فكتابته ثابتة ككتابته في دار الإسلام فلو قهره على نفسه، ثم حمله إلى دار الإسلام لم تبطل الكتابة بالقهر لأن كتابته له أمان لأن الكتابة عقد يمنع السيد عن نفسه وماله فكان بمنزلة الأمان فلم يجز له استرقاقه وقهره، ويخالف الحربي لأن أمانه للكافر لا يصح، وقد فسره الشافعي رضي الله عنه في «الأم» ونقله المزني مختصرًا.
فإن أدى المال عتق وثبت للمسلم عليه الولاء، ثم يقال له: إلى الآن كنت تابعًا لسيدك وقد صرت حرًا وصار لك حكم نفسك، فإن شئت فاعقد لنفسك عقد الذمة وإن شئت فالحق بدار الحرب، فتكون حربيًا لنا.
فإن لحق بدار الحرب وظهر المسلمون على الدار لم يجز استرقاقه لولاء المسلم عليه، ويفارق هذا إذا كان للمسلم ابن حربي حيث يجوز استرقاقه لأنه ليس في ذلك إبطال نسبه، وفي هذا إبطال الولاء، وقد قال الشافعي ههنا: «فإن سبي لم يكن رقيقًا» يعني إن سبي مكاتب المسلم بعد الأداء لأنه علل فقال: «لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه» وهذا أيضًا اختصره المزني وشرحه في «الأم» هكذا، ثم قال: ولو كان

الجزء: 8 - الصفحة: 361

أعتقه كافرًا بكتابة، أو غير كتابة فسباه المسلمون كان رقيقًا لأن لا أمان له من مسلم نفسه يسترق إذا قدر عليه، ففرق الشافعي بين أن يعتق المسلم فلا يسترق [127/ أ] وبين أن يعتق الكافر فيسترق، وعلل في المسلم بأنه في أمان منه وفي الكافر أنه ليس بأمان من مسلم وسيده يسترق لو قدر عليه، وعلل أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح» بأن لسيده عليه حق الولاء، فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق، وقال ابن أبي هريرة: هذا مراد الشافعي من قوله، لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه.
وقال القاضي الطبري: هذا وإن كان تعليلاً صحيحًا، فليس بمراد الشافعي، وإنما قصد الشافعي به أن نفس الكتابة والعتق عقد أمان له، لأنه يمنع نفسه بكل واحد منهما من نفسه وما له يدل على ذلك أن المسلم إذا كاتب عبده في دار الحرب، ثم قهره على نفسه وحمله إلى دار الإسلام.
قال الشافعي: لا تبطل الكتابة لأنه في أمان منه فدل أن المراد بالأمان ما ذكرنا، وأما الظاهر فما لقاله الشافعي في الكافر أنه الكافر الحربي لأنه قال: ويسترق الذي أعتقه إن قدر عليه، فأما إن كان مكاتبًا لذمي فلحق بدار الحرب قدر ذكرنا وجهين في جواز استرقاقه فظاهر تعليل الشافعي يقتضي أن يجوز لأنه ليس بأمان مسلم.
وأما إذا حارب مكاتب المسلم ومعتق المسلم يجوز قتاله وإن منعنا من استرقاقه لا يختلف المذهب فيه.
مسألة: قال: «ولو كاتب المستأمن عندنا عبده فأراد إخراجه».
الفصل جملة هذا: أن الكافر الحربي إذا كاتب عبده ثم دخلا دار الإسلام بأمان، أو دخلا دار الإسلام بأمان، ثم كاتبه فقد انقطع سلطانه عنه، فإن أراد العبد [127/ ب] الرجوع إلى دار الحرب لم يكن للسيد منعه منه لأن تصرفه قد انقطع عنه، وإنما بقي له في ذمته دين، وإذا أراد السيد الرجوع إلى دار الحرب ينظر في العبد، فإن أراد الرجوع معه لم يمنع لأن للمستأمن أن يرجع إلى دار الحرب، وإذا رجعا فالكتابة باقية بحالها.
وقال أبو حنيفة: إذا رجعا بطلت الكتابة وعتق العبد وهو خطأ لأنه عقد معاوضة فلا يبطل بمثل هذا، ولو امتنع المكاتب من الرجوع مع السيد إلى دار الحرب وجاء إلى الحاحكم وقال: إنه يقهرني على الحمل معه، ولست آمن أن يغلبني على نفسي، ويبطل كتابتي فالحاكم يمنعه منه ويقول له: إن شئت أقمت حتى تقبض نجومه وإن شئت خرجت ووكلت من يقبضها لك، فإن اختار المقام نظر في النجوم، فإن كانت تحل في أقل من سنة فليس عليه الجزية، وإن لم تحل إلا في سنة، فإنه يمنع من المقام في دار الإسلام سنة إلا بجزية، فإذا خرج ورجع إلى دار الحرب فقد انتقض الأمان في نفسه وفي سائر

الجزء: 8 - الصفحة: 362

ماله سوى المكاتب، وما يؤخذ منه، فإن الأمان فيها باق ويجوز أن ينتقص الأمان، فإن أدى المكاتب المال إلى وكيله عتق وبعث الوكيل المال إلى الحربي، وإن عجز المكاتب نفسه رق وعاد ملكًا للحربي كما كان ورد إلى سيده فإن مات سيده قبل أن يرد قال ههنا: يرد إلى ورثته لأنه مال له أمان فوارثه بمثابته، وقال في كتاب السير: يكون مغنومًا ومعناه يكون فيئًا لأنه مال حربي، واختار المزني القول الأول لما ذكرنا من الوجه، فإذا قلنا بالقول الثاني يؤدي مال كتابته إلى بيت المال، فإذا عتق بالأداء يكون ولاؤه [128/أ] لكافة المسلمين، وإن رق كان فيئا لأن الأمان بطل على ما ذكرنا.
وقال ابن أبي هريرة: إذا نقض السيد الأمان، وخرج إلينا محاربًا هل نغنم مكاتبه فيه قولان أيضًا: أحدهما: يغنم كما قلنا في الموت، والثاني: لا ينغم ويكون الأمان مستبقى في حقه لأنه يجوز أن يكون للحربي أمان على ماله دون نفسه.
مسألة: قال: «فإ، خرج ف سبي فمن عليه، أو فودي به».
الفصل عطف الشافعي رضي الله عنه بهذه المسألة عليه إذا مات، وهي إذا خرج السيد إلى دار الحرب وبقي مكاتبه عندنا على ما بيناه فسبى السيد فالإمام فيه بالخيار بين أربعة أشياء أن يمن عليه، أو يقاد به، أو يقتله، أو يسترقه، فإن قتله، فهو كما لو مات، وقد ذكرنا حكمه، وإن أطلقه، أو فاداه بمال أو برجال، فالملك على حالته لأن له أمانًا فيه، فإن كل مال تركه في دار الإسلام ولم يحمله مع نفسه فإن له فيه أمانًا وما يحمله مع نفسه ينتقص الأمان فيه كما ينتقص في نفسه، فإن قيل: أليس قد صار بالسبي رقيقًا وزال ملكه، فلم رددتموه إليه؟، قلنا: نصف الشافعي ههنا على أنه لا يكون رقيقًا لأنه مال فمن عليه به أو فودي، فلم يكن رقيقًا، وإنما يصير رقيقًا باسترقاق الإمام إياه، وإن استرقه الإمام زال ملكه عنه بالاسترقاق ولا ينتقل ماله إلى سيده الذي استرقه لأن السيد إنما يملك إكساب عبده بعد استرقاقه، وذلك مال قد كسبه قبل الاسترقاق، فلم يملك سيده، ولا يكون أيضًا لوارث هذا الأسير المسترق لأنه مملوك حي، ولا يورث مملوك حي، فنقول: كتابته بحالها لا تبطل ولا يجوز أن يؤديها إلى وكيل السيد لأن الاسترقاق أبطل وكالته، ويكون الحاكم هو القابض [128/ب] وحكم الاسترقاق مبني على حكم موته، فإن قلنا: لو مات لا يغنم ماله فههنا أولى أن لا يغنم ويترك حتى يعتق فيسلم إليه أو يموت رقيقًا، فيكون حينئذ مغنومًا ولا موروثًا لأن ورثته لا يرثونه إذا مات عبدًا، وإن قلنا: إذا مات يغنم ماله، فههنا قولان: أحدهما: يغنم ويكون فيئًا لأهل الفيء لأن رقه ينافي ملكه كموته ينافي ملكه، والثاني: لا يغنم لأنه يجوز أن يعتق، فيعود مالكًا بخلاف ما لو مات لاستحالة حياته بعد موته وهذا اختيار أبي إسحاق، والأول اختيار

الجزء: 8 - الصفحة: 363

المزني، وقال صاحب «المنهاج»: اختيار المزني أن يغنم، وهذا الاختيار ليس لنفسه وإنما هو للشافعي رضي الله عنه.
فأما اختياره لنفسه في المسألة السابقة هو القول الثاني فكذلك ينبغي في هذه المسألة أن يكون ذلك اختياره ولفظه ههنا أنه قال: هذا أشبه بقوله عندي لأن الذي حكم به قبل هذه المسألة يعني مسألة موت الحربي في بلاد الحرب قبل أن يسترق، فإن الشافعي في تلك المسألة حكم بهذا القول، وهو أن يكون مغنومًا، وذكر العلة لهذا القول، فقال: «لأنه لما أبطل أن يملك يعني بالاسترقاق بطل عن ماله ملكه» ومن قال بالقول الآخر أجابه بأن حالة الملك مأمولة منه بخلاف الميت على ما ذكرناه.
فإذا قلنا: يكون ماله ومكاتبيه مغنومًا كان ما يؤديه المكاتب فيئًا لبيت المال، فإن عتق بالأداء كان ولاؤه لكافة المسلمين وقد قال الشافعي: فإذا استرق فعتق مكاتبه بالأداء، ومات الحربي رقيقًا لم يكن لرقيق ولاء ولا لأحد بسببه ومعناه وليس لورثة الحربي ولاء على هذا المكاتب بسبب الحربي والحربي ليس من أهل الولاء [129/أ] على عبده.
أو معناه: لا ولاء لأحد من المسلمين بعينه لأن ولاءه لجماعتهم، وإن عجز كان مملوكًا لبيت المال لكافة المسلمين وسواء على هذا القول أن يموت السيد على رقه أو يعتق قبل موته، فإن جعلناه مغنومًا لا يرد إليه، ومن أصحابنا من قال: لا ولاء لأهل الفيء عليه ولكن يبطل ولا يكون لأحد عليه ولاء، وهذا ظاهر ما قاله الشافعي رضي الله عنه ههنا، وهذا لأن الولاء لا يورث، وإنما يخلفه الأقرب فالأقرب من عصباته وأهل الفيء ليسوا بعصبات لهذا الكافر فلم يخلفوه في ولاء مكاتبيه، ولأنه لا ولاء له لأنه لا يجوز أن يكون لأحد بسببه ولاء لأنه خليفته إذا استحقه عنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وإن قلنا: لا يغنم كان ماله موقوفًا على ما يكون من عتقه أو موته، فله، حالتان: إحداهما، أن يعتق قبل موته، والثانية أن يموت قبل رقه فإن عتق قبل موته عاد ماله الموقوف إلى ملكه، وإن كان المكاتب باقيًا على كتابته أداها إليه، وكان ولاؤه إن عتق له، وإن كان قد أداها إلى الحكام أخذ من الحاكم ما قبضه من مكاتبه وكان له ولاء مكاتبه.
وإن مات على رقه كان ماله مغنومًا لا يرد على سيده ولا على وارثه ويعتبر حال مكاتبه، فإن عجز ورق كان مغنومًا وإن أدى وعتق، فإن كان قبل استرقاق سيده ففي ولاءه وجهان: أحدهما، لبيت المال كسائر أمواله، والثاني: يزول الولاء ويرتفع ويصير المكاتب بعد العتق ممن لا ولاية عليه، وهذا معنى قول الشافعي، ولا ولاء لأحد بسببه.
وإن كان عتق المكاتب بعد استرقاق سيده وقبل موته فالولاء ثابت، وفي مستحقه

الجزء: 8 - الصفحة: 364

قولان: أحدهما، لبيت المال، [129/ب] والثاني، لسيد السيد وهما مبنيان على القولين في مكاتب المكاتب إذا عتق الثاني قبل عتق الأول كان في ولاء، الثاني، قولان: أحدهما، للسيد، ,الثاني، موقوف على المكاتب الأول.
وإن كان عتق المكاتب بعد موت سيده يكون ولاءه ثابت لبيت المال قولا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا في الموت لا يغنم ماله فههنا إذا استرق ومات رقيقًا فيه أقوال: أحدها، يكون مغنومًا، وهو الأصح، والثاني، مخرج أنه للسيد الذي مات هو في ملكه، والثالث، مخرج أيضًا أنه لورثته الحربيين فكأنه كان موقوفًا بينه وبين ورثته فتبين بموته أنه ورث ذلك يوم استرق وأصل القولين المخرجين ما قال الشافعي في ذمي جرح فلحق بدار الحرب، فاسترق قبل البرء فمات رقيقًا فيه قولان: أحدهما على الجاني الأكثر من أرش جراحته حرًا، أو ديته حرًا وللسيد منه قدر قيمته، والباقي لورثته ذكره القفال، وفي هذا نظر عندي.
مسألة: قال: «ولو أغار المشركون على مكاتب للمسلمين استنقذه المسلمون».
الفصل إذا كاتب المسلم عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فأسروا المكاتب وحملوه إلى دار الحرب لا يملكون لحق المسلم، فإذا انفلت المكاتب منهم أو ظهر المسلمون على الدار فأخذوه فهو على كتابته وهكذا إذا دخل الكافر دار الإسلام بأمان فكاتب عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فقهروا المكاتب على نفسه، وأحرزوه بدار الحرب ثم انفلت منهم، أو غلبهم المسلمون عليه يكون على كتابته لأنه كان له أمان كما لو أغاروا على نصراني فاستعبدوه، ثم [130/أ] استنقذه المسلمون كان حرًا وكذلك لو أغاروا على حربي في دار الإسلام، وقد دخل بأمان فسبوه ثم استنقذه المسلمون كان له أمانة، قال الشافعي: فإن أراد أن يصبر حتى يتخلص العبد فيؤدي إليه كتابته فعل، وإن أراد أن يعجزه إذا حل عليه نجم وعلم أنه لا مال للمكاتب يؤدي عنه عجزه لأن حقه لا يبطل في تعجزيه بأن أخذه المشركون وأٍروه، فإن عجزه ثم تخلص من أيدي المشركين وثبت أنه كان له مال في وقت تعجيزه غير أنهم لم يقفوا على موضعه، أو لم يمكنه إيصاله إلى سيده بطل التعجيز وأدى إليه، وعتق وإن لم يصح ذلك فالتعجيز صحيح وهو عبده ومن أصحابنا من قال: في هذه المدة التي هو في يد القهر هل تحتسب من أجله قولان: أحدهما، تحتسب، والثاني: لا تحتسب كما لو حبسه السيد، وهذا كالمبيع إذا تلف قبل القبض سقط الثمن سواء كان بتفريط من جهة البائع أو لا والصحيح الأول.
والفرق أنه إذا حبسه السيد فقد تعذرت المنافع بتفريط من جهة السيد بخلاف ما لو حبسه الكفار، فافترقا ويمكن أن يجاب عن هذا الفرق بأن التسليم والتمكين مستحق

الجزء: 8 - الصفحة: 365

على السيد فإذا تعذر لم يفترق الحكم بين أن يكون من جهته أو من جهة غيره، فإذا قلنا: لا تحتسب عليه مدة الحبس، فحلت النجوم فليس للسيد الفسخ لأن الحلول على الحقيقة لم يوجد والمدة ما انقضت في الحكم، وإذا قلنا: يحتسب، وله أن يفسخ عند العجز وهو المنصوص فهل لبه أن يفسخ بنفسه، أو يرفعه إلى الحاكم وجهان: أحدهما: يفسخه بنفسه كما لو كان المكاتب حاضرًا وعجز عن الأداء، والثاني: يرفعه إلى الحاكم [130/ب] ليتكشف من حال المكاتب فإن وجد له ملاً يفي بما عليه أداه، وعتق وإلا فسخ حينئذ، ويخالف حالة الحضور فإنه يعترف بالعجز فيغني عن كشف حاله.
فرع قال أبو إسحق: لو كان الحربي كاتبه عندنا ثم سباه وأخرجه من بلادنا كان على كتابته، فإذا قدرنا على سيده وعليه فأخذناهما جميعًا استرق السيد وبقي العبد على كتابته وفي نجومه التي قد حلت وهو في يد سيده مغلوب على كسبه وعلى نفسه قولان على ما ذكرنا إذا حبسه السيد مدة، قال أبو إسحاق، فإذا قلنا: لا يحتسب على المكاتب بتلك المدة يحتمل أن لا يحتسب على السيد بقيمة خدمته ولا بما أخذه من كسبه، ويحتمل أن يحتسب به عليه، وإن استؤنف الأجل به.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو كان العبد لحق بدار الحرب فلم يحدث له السيد قهرًا يسترقه به حتى خرج إلينا بأمان فهو على الكتابة، ولو لحق بدار الحرب وأدى المكاتب بها، ولم يحدث له السيد قهرًا، وخرجا إلينا كان حرًا.
مسألة: قال: «ولو كاتبه في بلاد الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا كان حرًا».
أراد إذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا مراغمًا سيده من جهة القهر حكمناً لأن الدار دار القهر، فإذا قهر سيده على نفسه ملكها ومن ملك نفسه عتق ثم يقال له: أنت بالخيار بين أن تقيم وتعقد لنفسك ذمة أو تلحق بدار الحرب فتصير حربًا لنا، [131/أ] وإن دخل دار الإسلام بإذن سيده، إما لتجارة أو لحاجه فهو على الكتابة لأنه في يد السيد.

باب كتابة المرتد

مسألة: قال: «ولو كاتب المرتد عبده قبل أن يقف الحاكم ماله كان جائزًا».
جملة هذا: أن المسلم إذا ارتد ثم كاتب عبده، هل تصح كتابته أم لا نص ههنا أنه

الجزء: 8 - الصفحة: 366

يصح كتابته ونص في المرتد إذا دبر عبده على ثلاثة أقوال، واختلف أصحابنا في هذا على طريقين فمنهم من قال: فيها ثلاثة أقوال، ومنهم من قال: في الكتابة قولان: أحدهما، أنها باطلة، والثاني، أنها صحيحة ولا يجيء القول الثالث فيها لأن العقد لا يقف عند الشافعي رضي الله عنه، ولأنه لا يجوز عقد الكتابة على غرر، ألا ترى أنه لا يجوز تعليقه بالمشيئة ولا بمدة مجهولة، فلم يجز أن يكون موقوفًا بخلاف التدبير وهذا اختيار القاضي أبي حامد، وقال: أظهر قوليه، وأولاهما جواز تصرفه كهو قبل ردته، وقال أبو إسحاق: الصحيح، الطريقة الأولى لأنه إنما لا يجوز أن يقف العقد من ملك الغير، فأما في ملك الإنسان يجوز أن يكون موقوفًا بمعنى حادث فيه كما تقول في المريض إذا وهب أكثر من ثلث ماله وسلمه إلى الموهوب له فالهبة موقوفة، فإن صح من مرضه كانت نافذة وإن مات من مرضه رد منها ما زاد على الثلث، فإذا جاز توقف تصرف المريض على ما يظهر من اتصاله بالموت، أو انفصاله عنه بالبرء فكذلك تصرف المرتد [131/ب] يجب أن يكون موقوفًا إلى اتصاله بقتله، أو انفصاله عنه بالتوبة ولا فرق بينهما، وهذا اختيار أبي حامد، ولأن في الكتابة معنى العتق بالصفة كالتدبير سواء فهما سواء في جواز الوقف، ومن قال: بالأول فرق بين المريض وبين المرتد بأن المرتد غلط عليه بما أتى به من الكفر والمريض الجشع له فيها ولا يقدر على إزالته فسومح له في جعل تصرفه موقوفًا، فأما إذا وقف الحاكم ماله على توبته أو قتله على الرده، فكاتب عبده لم تجز الكتابة قولا واحدًا لما أحاط به من الحجر فإذا تقرر هذا، فإن أدى هذا المكاتب المال نظر، فإن أدى قبل أن يحجر عليه، فإن قلنا: الكتابة صحيحة، وهو اختيار المزني ف قد عتق بالأداء ويكون الولاء والمال لسيده لأنه ملكه على هذا القول ثابت على ماله، وإن قلنا: إنها باطلة، فإن أدى لم يعتق لأنه محكوم بزوال ملكه عن ماله ولو أعتق عبده ابتداء لم ينفذ، وإن قلنا: إنها موقوفة نظر، فإن أسلم السيد تبينا أن الكتابة قد صحت ويصح الأداء ويقع العتق، ويكون الولاء للسيد وإن قتل أو مات على الردة تبينا أنها باطلة وأن الأداء لم يصح فيكون العبد فيئًا للملمين، وكذلك ما في يده من المال، وإن أدى بعدما حجر الإمام على المرتد في ماله، فإن قلنا: الكتابة باطلة فليس بلينهما عقد والعبد باق على الرق، فأداؤه كلا أداء، وإن قلنا: إنها صحيحة أو موقوفة فلا يجوز أن يدفع المال إلى السيد لأنه محجور عليه لا يصح منه القبض، فإذا دفع إليه لا يعتق وللحاكم مطالبته بالمال، ثم إن كان ما دفعه باقيًا بحاله أخذه [132/أ] ودفعه إلى الإمام وعتق، وإن كان تالفًا فقد هلك من ضمانه، وإن كان له شيء آخر يدفعه إلى الحاكم، وإلا كان له تعجيزه، فإن أسلم السيد، قال الشافعي: كان عليه أن يحتسب له بما دفع ويعتق عليه العبد، لأنا لم نصحح قبضه لحق المسلمين، فإذا أزال حقهم وصار الحق له صح قبضه ووقع العتق،

الجزء: 8 - الصفحة: 367

ويخالف المحجور عليه للتبذير إذا قبض دينًا له لا يبرأ الدافع، وإن أطلق عند الحجر لأنه لا حجر عليه نظرًا له بخلاف المرتد نص عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كاتب بعد الحجر فإن قلنا: الملك باق، هل تصح كتابته؟ فيه قولان: أحدهما، باطل، والثاني، موقوف كالقولين في المحجور عليه بالفلس، وهذا ضعيف، وقال أيضًا: إذا أسلم السيد بعدما قبض المال بعد الحجر فيه قولان: أحدهما: صح ذلك الأداء على ما ذكرنا حتى إذا كان الحاكم أخذه مرة أخرى رد عليه، وإن عجزه ألغى تعجيزه، والثاني: أنه باطل لا موقوف ولا ملغى التعجيز فيه، وبناؤه على ما ذكرنا من تصرفات المحجور بالفلس، وهذا ضعيف أيضًا.
فرع قال أبو إسحاق: وينبغي للحاكم أن يمنع المرتد من ماله نظرًا للمسلمين لئلا يتلفه في الأيام التي يتأنى به فإنه قد حصر السبب الذي يستحق المسلمون ماله، والظاهر من حاله أنه لا يقصر في إتلافه عليهم ما أمكنه.
مسألة: قال: «ولو ارتد العبد ثم كاتبه جاز».
الفصل إذا كان للمسلم عبد فارتد العبد ثم كاتبه السيد صحت الكتابة لأنها تشتمل على معاوضة وصفة، وتصح المعاوضة على المرتد ويصح عتقه بالصفة [132/ب] ولأن ردته لا تزيل ملك سيده عنه ويجوز بيعه أيضًا بعد الردة، فإن أدى الكتابة إلى السيد قبل الحجز عتق، وصار حرًا مرتدًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن عجز نفسه استرقه السيد، فإن تاب وإلا قتل ويكون ماله لسيده وإن قتل على الردة قبل أن يؤدي وقبل أن يعجز انفسخت الكتابة بقتله، ويكون ما في يده من المال للسيد لأنه قد عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة ولو تبرع بالأداء عن المكاتب المرتد صح وعتق، وإن اكتسب وأدى عتق أيضًا لأنه يملك كسبه فني حالة الردة، وإن صار محجورًا بالبيع والشراء على قول، ويملك بالهبة والوصية أيضًا.
فرع قال في «الأم»: ولا أجيز كتابة السيد المرتد ولا العبد المرتد عن الإسلام إلا على ما أجيز كتابة العبد المسلم بخلاف النصراني ومن لم يسلم قط فيتركان على ما يستحلان في دينهما ما لم يتحاكما إلينا.
فرع آخر قال: ولو لحق السيد بدار الحرب بعد أن ارتد يتأدى الحاكم كتابة مكاتبه فمتى

الجزء: 8 - الصفحة: 368

عجز يرده الحاكم إلى الرق، وإن عتق فولاؤه للذي كاتبه وإن كان مرتدًا، وإذا عجز الحاكم المكاتب فجاء سيده تائبًا فالتعجيز ماض على المكاتب إلا أن يشاء السيد والعبد أن يجددا الكتابة.

باب جناية المكاتب على سيده

مسألة: قال: «وإذا جنى المكاتب على سيده عمدًا».
الفصل اعلم أنه إذا جنى المكاتب على سيده نظر، ف إن كان على طرفه ف الخصم فيه السيد فإن كان عمدًا فله القصاص، وإن كان خطأ فله الدية لأن السيد مع مكاتبه [133/أ] وبكم يفديه ف على ما ذكرنا من القولين، وقال أبو إسحاق: إن كان ما في يد المكاتب لا يفي بالأرض والنجم ف قولا واحدًا لا يفدي نفسه إلا بأقل الأمرين، وإن كان ما في يده يفي بهما، ففيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يفدي بجميع الأرش على ما ذكرنا، والصحيح الطريقة الأولى، وهي النص لأن الزيادة إضرار بالسيد في الجملة فلا تجوز إلا بإذن السيد قولا واحدًا.
فرع آخر قال في «الأم»: لو أن مكاتبًا بين رجلين جنى على أحدهما جناية ضمن الأقل من أرش الجناية وقيمته فإذا أدى فهو على الكتابة وإن عجز عن أدائها مع الكتابة فللمجني عليه تعجيزه، فإذا عجزه بطل عنه نصف الجناية لأنه يملك نصفه وكان لشريكه أن يفديها بالأقل من نصف أرش الجناية، أو نصف قيمته، فإن لم يفعل بيع نصفه في أرش الجناية.
قال: ولو جنى عليهما معًا كان لكل واحد منهما عليه في الجناية ما للآخر، فإن عجز المكاتب، أو عجزاه، أو أحدهما، فهو عاجز وسقط نصف أرش جنايته كل واحد منهما، ويصور إذا جنى كل واحد منهما موضحة وقد ذكرنا فيما تقدم حكمه.
ولو جنى على أحدهما موضحة، وعلى الآخر مأمومة كان نصف أرش الموضحة للمجني عليه فيما يملكه شريكه، ونصف أرش المأمومة للمجني عليه وعلى هذا الباب.
فرع آخر إذا جنى المكاتب على أجنبي خطأ فطلب مستحق الجناية الحجر عليه فقد ذكرنا أنه إن كان الأرش أكثر من قيمته أجيب إلى الحجر عليه لأنه لا يصل إلى الزيادة عليها إلا مما في يده، وإن كان الأرش بقدر قيمته يحتمل وجهين: أحدهما: يجاب أيضًا لأن أرش الجناية يتعلق بما في يده فصار كسائر الديون، والثاني: لا يجاب إليه [133/ب] لثبوت الأرش في رقبته وأنه يرجع عند إعساره إلى أخذ الأرش منها ذكره في «الحاوي».

الجزء: 8 - الصفحة: 369

باب جناية المكاتب ورقيقه

مسألة: قال: «وإذا جنى عبد المكاتب فعلى سيده الأقل من قيمة عبده الجاني يوم جنى».
الفصل اعلم أنه إذا اشترى المكاتب عبدًا للتجارة فجنى هذا العبد على أجنبي إما حر، أو عبد ف إ، كانت الجناية عمدًا فعليه القصاص، فإن عفى عنه فالدية وإن كانت خطأ فعليه الأرش، فإن أراد السيد أن يفديه كان له ذلك لأنه سيده وبكم يفديه ينبني على القولين في الحر في العبد القن، فإن قلنا: يفديه بأقل الأمرين كان للمكاتب أن يفديه بذاك لأنها لا تزيد على ثمن المثل، وإن قلنا: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ أو يسلمه للبيع نظر في الأرش، فإن كان أقل من قيمته فله أن يفديه به، وإن كان أكثر لم يكن له أن يفديه لأنه لا يملك ابتياع هذا العبد أكثر من ثمن مثله وتعتبر قيمة العبد يوم جنايته لا بيوم الفداء لأن تقويم جنايته زمان تعلق الأرش برقبته، وقال القفال: هكذا نص الشافعي وهو مشكل عندي ويجب أن تعتبر قيمته يوم الفداء لأن استدامة ملكه إنما يقع ذلك اليوم ولعل مراد الشافعي إذا تقدم هناك منع من البيع، ثم قال الشافعي: «فإن قوي على أدائها مع الكتابة، فهو مكاتب» يريد به أنه لا يجوز تعجيزه لأن العجز له يظهر بعد وإن أذن له سيده أن يفديه بأكثر من قيمته هل يجوز ذلك؟ فيه قولان كالقولين في هبته بإذن سيده.
فإن قيل: أليس لو ملك المكاتب أباه فجنى الأب [134/أ] قلتم: لا يجوز له أن يفديه أصلاً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه لا يمكن التصرف في أبيه بالبيع، فلم يجز أن يعاوض عنه بخلاف عبده الأجنبي ولهذا لا يجوز له أن يشتري أباه وله أن يشتري من لا يعتق عليه.
مسألة: قال: «وله تعجيل الكتابة قبل الجناية، وقبل الدين الحال».
الفصل إذا كاتب عبدًا فاجتمعت عليه حقوق كثيرة مختلفة من دين اقترضه وثمن مبيع ابتاعهه وأرش جناية، فلا يخلو إما أن يكون قد حجر عليه أو لم يكن حجر عليه، فإن لم يكن حجر عليه فلا يخلو إما أن يكون كلها حالا أو بعضها حالا وبعضها مؤجلا، فإن كان كلها حالا فله أن يقدم ما شاء منها وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا كأرش الجناية لا يكون إلا حالا ومال الكتابة قد يكون حالا، وقد يكون مؤجلا، وكذلك ثمن المبيع، فإن بدأ فقضى الدين الحال جاز ويبقى عليه المؤجل، وإن أراد تعجيل المؤجل نظر،

الجزء: 8 - الصفحة: 370

فإن أراد تعجيل دين الأجنبي لم يكن له ذلك لأنه يجري مجرى التبرع، فهو كالهبة وإن أراد تعجيل مال الكتابة فهو هبة من سيده، فيكون بمنزلة الهبة بإذنه فيه قولان إلا أنه لا يؤدي مال الكتابة من العبد الجاني لأن أرش الجناية يتعلق برقبته وهو مرتهن، فليس له أن يتصرف فيه حتى يفكه من الجناية.
وإن كان قد حجر عليه بأن كان المال الذي في يده يضيق عن ديونه فسأل غرماءه الحاكم الحجر عليه فحجر فإن تصرفه ينقطع بذلك كما قلنا في الحر المحجور عليه ويكون الأمر إلى الحاكم.
قال الشافعي: فيؤدي الحاكم إلى سيده وإلى الناس [134/ب] ديونهم شرعًا، وأراد به أن يقسم بينهم بالحصص ولا يقدم بعضهم على بعض، وهذا لأن الكتابة ما دامت باقية فدين سيده لأن لازم كدين الحر سواء وليس مراد الشافعي أن يقضي كل واحد منهم جميع دينه لأنه ربما يحجر عليه إذا لم يكن في يده ما يفي بما عليه وخيف النقصان، وظهرت أماراته، وهذا ظاهر في كلام الشافعي لأنه قال عقيبه: «فإن لم يكن عنده ما يؤدي هذا كله عجزه» فدل أن ماله لا يفي بديونهم حتى حجر عليه، هكذا ذكره أبو إسحاق، وقال ابن أبي هريرة: يبدأ بدين المعاملة على مال الكتابة وأرش الجناية إذا لم يكن في المال وفاء بالجميع لأن صاحب الدين لا حق له في الرقبة، وكذلك المجني عليه.
وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أن مذهب الشافعي هذا وتأويل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد إذا كان ماله يفي بقضاء ديونه، وإنما حجر عليه لأنه خيف إفلاسه فيسري حينئذ في القسمة والثاني: أنه أراد به إذا رضي أصحاب الديون بذلك وعلى هذا إذا دفع إلى صاحب الدين حقه نظر، فإن بقي معه شيء دفع إلى المجني عليه وقدم على السيد لأنه يأخذ بالجناية والسيد يأخذ بالملك، وحق الجناية مقدم على الملك، ثم إذا قضى حق الجني عليه، فإن بقي معه شيء دفعه إلى السيد وإلا عجزه السيد وإن لم يكف بقي بعد قضاء الدين شيء فلكل واحد من السيد والمجني عليه تعجيزه على ما ذكرنا ثم إذا اختار تعجيزه انفسخت الكتابة وبرئت ذمة المكاتب مما عليه من حق السيد وبقي حق المجني عليه متعلقًا برقبته وإن لم [135/أ] يختر السيد تعجيزه واختار المجني عليه ذلك، قيل: للسيد أتختار الفداء؟، فإن اختار ذلك بقي على الكتابة وإن لم يختر فللأجنبي أن يرفع الأمر إلى الحاكم حتى يفسخ الكتابة ويبيعه في الجناية، فإن كان ثمنه قدر الأرش أو أقل دفع إليه، وإن كان أكثر ف الفضل للسيد وعلى هذا لو أدى أولاً دين السيد لم يعتق إلا بإذن الغرماء وإذا قلنا: يقول أبي إسحاق فأخذ كل واحد منهم بعض حقه فللسيد والمجني عليه تعجيزه إياه لا يفيده شيئًا ويستضر به لأنه ما دام مكاتبًا يكتسب يطالبه بما بقي من حقه فإذا صار عبدًا فماله في ذمته يطالبه إذا عتق، فإن أنظره السيد والمجني عليه ترك على الكتابة، فإن رجعا ف يه وأراد تعجيزه كان لهما لأن الإنظار في الدين الحال لا يلزم

الجزء: 8 - الصفحة: 371

عند الشافعي خلافًا حنيفة والمستحب أن لا يرجعا عن ذلك، وإذا عجزه السيد والمجني عليه، أو أحدهما عاد ملكًا للسيد.
قال الشافعي: «ثم خير الحاكم سيده بين أن يفديه بالأقل من أرش الجناية، أو يباع [فيها] فيعطى أهل الجناية حقوقهم دون من داينه» لأن ذلك في ذمته متى عتق اتبع به، فأوجب الشافعي تسليم العبد، أو أقل الأمرين من الأرش أو يسلمه للبيع، وقد ذكرنا ذلك.
وفرع أبو العباس فقال: إذا مات المكاتب وفي يده مال لا يفي بالحقوق فقد انفسخت الكتابة بالموت وسقط حق السيد من المال، وعاد رقبته إلى ملكه وحق المجني عليه من الأرش يسقط أيضًا لفوات الرقبة فيبقى دين المعاملة ويدفع ذلك من المال الذي في يده، فإن فضل شيء كان للسيد لأنه كسب عبده فهذا كله إذا كان [135/ب] في يد المكاتب مال، قال: فإن لم يكن في يده شيء بحال فلا يخلو، إما أن ينظره أصحاب الحقوق، أو لا ينظروه، فالحكم على ما ذكرنا وعند أبي حنيفة إذا عجزه السيد والمجني عليه يتعلق دين المعاملة بالرقبة كما قال في المأذون إذا ركبه الديون.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا حجر عليه بسبب الديون الحالة هل تحل الديون المؤجلة فيه طريقان: أحدهما: قولان: كما قلنا في الحر المفلس والثاني: تحل قولاً واحدًا بخلاف الحر لأن هناك اجتماع حجر ورق وللرق تأثير في إبطال الذمة بدليل أن الشافعي قال في الحربي: يسترق وعليه دين مؤجل يحل.
مسألة: قال: «وسواء كانت الجنايات متفرقة أو معًا، أو بعضها قبل التعجيز، أو بعده يتحاصون في ثمنه معًا».
اعلم أنه إذا جنى المكاتب جنايات على جماعة فلزم بها أرش نظر، فإن كان في يده مال يفي بالأروش كلها دفع منه وبقي الحكم بينه وبين السيد، فإن أدى النجوم عتق وإن لم يؤد كان له استرقاقه، وإن لم يكن في يده واختاروا تعجيزه والبيع في حقوقهم، فإن كان ثمنه يفي بحقوقهم دف ع إلى كل واحد منهم قدر حقه وإن كان لا يفي قسط ثمنه على أروش الجنايات ودفع إلى كل واحد منهم قدر ما يصيبه منه ولا فرق بين أن يكون جنى على جماعتهم دفعه، أو على بعض بعد البعض أو على بعضهم بعد التعجيز وعلى بعضهم قبل التعجيز، وهذا لأنها مزدحمة على رقبته ف لا ترتيب فيها، فإن أبرأه بعضهم عما وجب له من الأرش رجع حقه إلى الباقين فيسقط عنهم ويتوفر ذلك على حقوقهم لأن المزاحمة قد سقطت، [136/أ] فإن اختار السيد أن يفديه ويبقيه على الكتابة فله ذلك على ما ذكرنا.

الجزء: 8 - الصفحة: 372

فإن قال السيد: ضمنت فداه لزمه الأقل، وإن قال: ضمنت أرش جنايته لزمه الأرش بالغًا ما بلغ.
ثم إنه بعد ما قال: اخترت الفداء، والبيع أو باعه بإذن المجني عليه بشرط اختيار الفداء ونحو ذلك، وإنما شرطنا ذلك المجني عليه في البيع لأن قوله: اخترت الفداء لا يسقط حق المجني عليه من رقبةن العبد ما لم يؤد المال.
فإن جنى هذا العبد بعد اختيار الفداء جناية أخرى فإن أدى السيد الفداء الأول خلص العبد للجناية الثانية، فيباع فيها، وإن احتيج إلى بيعه في الجناية الثانية قبل أن يؤدي السيد الفداء فللأول أن يقول: بيعوه في الجنايتين فيقسمان ثمنه على قدر حقيهما يصرف كل واحد منهما في ثمنه بجميع أرش جنايته، ثم يكون للأول على السيد أن يتم له الأقل من قيمته أو أرش جنايته بحكم اختيار الفداء لأنه في القدر الذي هو النقص الداخل على المجني عليه الأول كأنه مات العبد بعد اختيار الفداء فيلزم السيد الغرم.
مسألة: قال: «ولو قطع يد سيده فبرأ وعتق بالأداء اتبعه بأرش يده».
هذه المسألة مبنية على مسألة في الحر وهي إذا قطع حر يد حر عمدًا فله القصاص قبل الاندمال فإن عفا فهل له الدية قبل الاندمال قولان، فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا، فإذا قطع المكاتب يد سيده عمدًا فقد وجب له القصاص، فإن اختار ذلك كان له استيفاءه في الحال، فإن عفى على مال، أو كانت [136/ب] الجناية خطأ، فوجب الأرش فهل له المطالبة بالأرش في الحال أم ينتظر الاندمال فيه قولان: فإن قلنا: له المطالبة في الحال نظر، فإن كان معه قدر الأرش دفعه إليه ثم إن كان معه وفاء بمال الكتابة، وإلا كان له تعجيزه، فإن لم يكن معه قدر الأرش كان له تعجيزه للأرش، ولمال الكتابة، فإذا فعل ذلك عاد إلى ملكه وسقط عنه مال الكتابة وفائدة الفسخ عود المكاتب رقيقًا قنا هكذا ذكره أصحابنا بالعراق، وقد ذكرنا قبل هذا أن السيد لا يعجزه من أجل الأرش، وهو اختيار القفال وهو القياس على ما ذكرنا، وإذا قلنا: ليس له المطالبة بالأرش قبل الاندمال وهو القول المشهور نظر فإن اندمل قبل أداء مال الكتابة والعتق، فله المطالبة بالأرش والحكم فيه كما ذكرنا إذا قلنا: له المطالبة بالأرش في الحال، وقدر الأرش معتبر بجناية المكاتب فيه قولان: أحدهما: أنه مقدر بأقل الأمرين من قيمة المكاتب، أو دية اليد، والثاني: أنه مقدر بدية اليد، وإن كان إضعاف قيمته، وإن اندمل بعد عتقه بأداء المال، فإنه يؤدي الأرش في حال الحرية، ومنصوص الشافعي: أنه يلزمه أرش اليد، وهو نصف الدية ومن أصحابنا من قال: هل يعتبر بها جناية الحرام جناية المكاتب فيه وجهان: أحدهما: يعتبر بها جناية الحر اعتبارًا بحالة استقرار الأرش بعد حرية المكاتب فيلزمه دية اليد، والثاني: يعتبر جناية المكاتب اعتبارًا بوقت الجناية لأنه جناها وهو مكاتب فيكون على قولين: على ما ذكرنا

الجزء: 8 - الصفحة: 373

أحدهما: أنه يقدر بأقل الأش، والثاني: أنه مقدر بدية اليد ما بلغت، [137/أ] وعرض الشافعي بهذه المسألة أن عتقه بأداء النجوم لا يسقط عنه أرش يده ولم يرد به أن السيد ممنوع من طلب أرش يده أيام كتابته.
فرع لو أعتقه السيد بعد جنايته على يده، فإن كانت عمدًا لم يسقط القصاص بعتقه وإن كان خطأ، فإن لم يكن بيده مال وقت عتقه برئ من أرش الجناية بخلاف عتقه بالأداء ولأن عتقه بالأداء كان من غير اختياره، فلم يتضمن الإبراء من الجناية.
قال صاحب «الإفصاح» قياسًا على ما قال الشافعي: لو جنى المكاتب على غيره، ثم أعتقه سيده ضمن السيد أقل الأمرين من قيمته أو الأرش، وإن كان بيده مال حين أعتقه السيد، فهل يتعلق أرش الجناية بما في يده من المال فيه وجهان: أحدهما: لا يتعلق لأن الأصل في محل الأرش الرقبة والمال الذي في يده تابع لها، وقد أتلف الرقبة باختياره، فسقط حقه بذلك، والثاني: يتعلق بما في يده لأنه كان له الاستيفاء منه قبل العتق فكان الاستيفاء بعده منه لأن العتقد ليس بإبراء ف على هذا لا يبرأ من أرش الجناية بالعتق ويستوفي بما في يده، وقال في «الحاوي»: فإن عجز المال عنه نظر فإن علم السيد بعجز المال برئ من الباقي، وإن لم يعلم بعجز المال لم يبرأ من الباقي ويؤخذ به بعد العتق، ثم إذا طالبه بالأرش بعد العتق لا تتحمل عاقلته، وإن كانت الجناية خطأ لنه جنى في الرق ولا عاقلة له.
مسألة: قال: «وأي المكاتبين جنى وكتابتهم واحدة لزمته دون أصحابه».
يعني إذا كاتب عبيدًا في عقد واحد، وقلنا: يصح فكل واحد منهم يكون مكاتبًا بما يخصه [137/ب] من العوض، ولا يتحمل بعضهم ما يلزمه البعض، وقال بعض السلف: هم كالعبد الواحد ويلزم بعضهم جناية بعض، وحكي هذا عن مالك لأن الأرش في مال الكتابة لا في الرقبة وما لم يؤد جميع النجوم لا يحصل العتق لواحد منهم عنده، وهذا غلط لأن ضمان الجناية لا يصح بدليل أنه لو تعاقد رجلان على أن يضمن كل واحد منهما ما يجنيه الآخر لا يجوز فلا يتضمنه عقد الكتابة كضمان القصاص.
مسألة: قال: «ولو كان هذا الجاني ولد المكاتب وهب له أو ولد له من أمته».
الفصل قد ذكرنا أنه إذا جنى ولده أو والده في ملكه لا يجوز له الفداء، بل يباع في الجناية فإن بيع في الجناية ثم أبرئ المجني عليه من الأرش قبل القبض فكذلك الثمن يبقى للمكاتب، وإن كان هذا ولد المكاتبة وهب لها فقبلته فكذلك، وإن كانت ولدته في

الجزء: 8 - الصفحة: 374

الكتابة، ففي ثمنه القولان، كما في قيمته لو قتل أحدهما: هو للسيد، والثاني: أنه للأم.
وقوله: ههنا لأني لا أجعل له بيعهم أراد بالبيع الشراء أي: لا يجوز للمكاتب أن يشتريهم فلا يجوز له أن يفديهم، وإن كان أرش الجناية أقل من قيمته بيع منه بقدر الجناية كما لا يباع من العبد القن إلا بقدر الجناية وما بقي بحاله يعني من هؤلاء يعتقون بعتق المكاتب، او المكاتبة.
مسألة: «قال: وإن جني بع عبيد المكاتب على بعض عمدًا فله القصاص».
الفصل يعني: أن المكاتب إذا كان له عبيد [138/ أ] فجني بعضهم على بعض نظر في الجناية، فإن كانت موجبة للمال كانت هدرًا، وإن كانت موجبة للقصاص فله أن يقتص من الجاني لأنه يتعلق بمصلحة ملكه فإن في القصاص حياة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل له الاقتصاص دون إذن السيد فيه قولان، وهذا غريب ثم ينظر، فإن اقتص جاز، وإن عفا سقط القصاص ولا مال له بحال، وقال أبو حنيفة: لا يلزم القصاص كما قلنا في الحر يقتل بعض عبيد بعضًا لا قصاص عنده.
ثم قال الشافعي: «إلا أن يكون والدًا يعني والد المكاتب إذا جني على عبد المكاتب، فلا يقتل والده بعبده» لأنه لا يقتل به فلأن لا يقتل بعبده أولى.
ولو كان له ابن مملوك فقتل عبدًا له كان له قتله لأن الابن يقتل بالأب فجاز له أن يقتله بعبد نفسه إذا كانا مملوكين.
وأما إذا كان أحد عبيده والدًا للآخر فقتله لم يقتل به وكان هدرًا.
ولو عجز المكاتب قبل العفو فللسيد القصاص ممن كان يقتص المكاتب، ولا يجوز أن يقتص ممن لم يكن للمكاتب أن يقتص منه.
مسألة: قال: «ولو أعتقه السيد بغير أداء ضمن الأقل من قيمته أو الجناية».
أعلم أنه إذا كاتب عبده ثم جني المكاتب جناية خطأ، أو جناية عمد وعفي عن القصاص فالأرش يتعلق برقبته لأنه بمنزله العبد القن في الجناية، فإن كان في يده مال جاز أن يدفع منه الأرش، وقال أبو حنيفة: لا يدفع إلا مما يكتسب من بعد الجناية، [138/ ب] فإن أعتقه السيد نفذ ولزمه ضمان الجناية لأنه أتلف محل الأرش، ومنع بيعه فهو كما لو قتل العبد الجاني على ما ذكرنا، ولو لم يعتقه السيد ولكنه عتق بالأداء فالضمان على المكاتب فعليه الأقل من قيمة نفسه أو الأرش كما كان ذلك على سيد إذا أنشأ إعتاقه وعلل الشافعي في هذه المسألة، فقال: «لأنه لم يعجز»، معناه لم يعجز

الجزء: 8 - الصفحة: 375

حين بيع رقبته في جنايته، ولكنه عتق بالأداء فطالبناه في زمان حريته بجنايته في زمان كتابته وفي الحقيقة هو المانع من بيع رقبة نفسه وهو المتلف على الجاني دون السيد.
فإن قيل: أليس قد قبض المال والعتق حصل بالقبض بعد الأداء فلم جعلتموه متلفًا دون السيد قيل: جنيه المكاتب أقوى لأن السيد يجبر على القبض إذا طالب المكاتب به وهو لا يجبر على أداء المال وإن عجز المكاتب عن الأداء ورق فهل يعتبر جنايته بابتدائها في حال كتابته أو تعتبر بانتهائها بعد رقه وجهان: أحدهما: يعتبر بابتدائها في الكتابة فعلي هذا يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته، أو أرش الجناية، والثاني: يعتبر بانتهائها في حال رقه، فعلي هذا قولان: أحدهما، يفديه بأقل الأمرين، والثاني، يفديه بكل الأرش، وإن كان أضعاف قيمته إلا أن يمكن من بيعه فلا يلزم أكثر من قيمته.
فرع لو جني المكاتب على سيده خطأ، وقلنا: لا يستحق الأرش قبل الاندمال في قول وكان المكاتب أدي شيئصا من النجوم فتراضيا على أن يكون الباقي محسوبًا من أرش الجناية ففي جوازه قولان بناءً على [139/ أ] القولين في تعجيل الدين المؤجل والأصح ههنا المنع لأنه مع تأجيله مجهول القدر.
مسألة: قال: «ولو كان جني جناية أخرى».
الفصل اعلم أنه إذا جني المكاتب جنايات فتعلق أرشها برقبته ثم أعتقه السيد فلزمه ضمان تلك الجنايات، أو أدي المال فعتق فلزمه ضمانها كم القدر الذي لم يضمن قولان: أحدهما: يضمن أقل الأمرين من أرش كل جناية، أو القيمة لأن المنع من البيع حصل في كل جناية بالعتق فيلزم أقل الأمرين، لكل جناية كما لو جني عبده ففداه ثم جني ثانيًا يلزمه ثانيًا، والثاني: وهو الأصح يلزمه الأقل من أرش الجنايات كلها أو القيمة لأن الأروش كلها تعلقت برقبته، والمنع من الإعتاق حصل دفعة واحدة فكان عليه الأقل من الأروش كلها، أو القيمة، كما لو جني عبده جنايات كثيرة ثم أعتقه السيد يلزمه مثل ذلك.
وهذا اختيار المزني، واحتج المزني بأنه لو عجز وعاد رقيقًا بيع وتحاصوا في ثمنه كذلك ههنا، فإن قيل: إذا عاد رقيقًا يمكن أن يباع في حقوقهم فاشتركوا وههنا المنع حصل من السيد، أو المكاتب بالعتق في كل واحد منهم قلنا: المنع كان مما استحقوه والذي استحقوه المشاركة في الرقبة وبقي ذلك بعد العتق في قدر قيمته وهذان القولان كالقولين في جنايات أم الولد.
فرع هذه المسألة إذا جني المكاتب جنايات خطأ فعجزه السيد ورده إلى الرق فهو بمنزلة

الجزء: 8 - الصفحة: 376

العبد القن، فالسيد بالخيار بين التسليم للبيع وبين الفداء، فإن اختار الفداء [139/ ب] فقد ذكرنا بكم يفدي فإن جني جنايات، وهو مكاتب فاختار الفداء ظاهر ما ذكره الشافعي: أنه يفدي نفسه بأقل الأمرين من أرش كل جنايته، أو القيمة، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: هذه المسألة كالمسألة المتقدمة فيه قولان: لأنه ما دام على الكتابة فبيعه ممنوع فهو كما لو امتنع بيعه بالعتق قال أبو إسحاق: ولا يعرف الشافعي إلا أنه قال: يفدي نفسه بأقل الأمرين وهذا النص على ما ذكرنا غير صحيح ومن أصحابنا من قال: يفديه بأقل الأمرين من أرش كل جناية، أو القيمة على ما نص عليه الشافعي، وحكاه أبو حامد، والفرق أن هناك أتلف محل الأرش بالإعتاق، وههنا الرقبة باقية يمكن بيعها في الجناية فوجب ضمان كل جناية على الانفراد كالعبد القن سواء وهذا الفرق باطل بما لو عجز المكاتب ففسخ السيد الكتابة واختار الفداء، فإنه مانع من البيع مع بقاء الرقبة، ولا يضمن لكل واحد أقل الأمرين في أحد القولين، قال المزني: قد قطع في هذا الباب بأن الجنايات متفرقة أو معًا سواءً، وهو بالحق عندي أولى، يقال له: إنما قال ذلك في حال التعجيز ومسألتنا هذه في حالة عدم العجز فكيف يتشابهان؟.
فرع آخر لو أقر المكاتب بما يوجب القصاص يقبل وإن أقر بما يوجب المال يقبل أيضًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا يقبل كالعبد القن، وهو خلاف النص، فإذا قلنا: يقبل فأقر بجناية أرشها ألف، وقبلنا فعجز بعد ذلك، وعاد رقيقًا فادعي المولى أنالأرض كان خمسمائة، ففيه قولان: أحدهما: [140/ أ] لا يقبل من السيد لأنا قبلنا إقرار المكاتب، والثاني: يقبل منه كما لو أقر الآن بعد العجز لا يقبل على السيد ويقبل تكذيبه ذكره القفال.
مسألة: قال: «فإن جني على المكاتب عبده».
الفضل إذا جني عبد المكاتب على المكاتب جناية خطأ أو جناية عمد وعفا عن القصاص كانت هدرًا على ما ذكرنا ولا يجب على العبد الأرش لأن العبد ملكه، قال: وإن كان هذا العبد ابنه من أمته من أصحابنا من قال: يكون أيضًا هدرًا وهو اختيار أبي حامد.
وقال القاضي الطبري: نص عليه في «الأم»: وهذا مملوكه كغيره، وقال صاحب «الإفصاح»: من أصحابنا من قال: يجوز له أن يبيع منه بمقدار الأرش لأنه لا يملك بيعه من غير حاجة، فيستفيد بالجناية جواز البيع وهذا لا يصح لأنه لو جاز هذا لجاز إذا جني عبده المرهون عليه أن يستفيد به بيعه وفائه من الرهن ولا يختلف المذهب فيه

الجزء: 8 - الصفحة: 377

أن جنايته هناك هدر ولا يستفيد بيعه، وإخراجه من الرهن، ويمكن أن يجاب بأن الراهن لا يستفيد شيئًا ببيعه لأنه يحتاج أن يقضي الدين بثمنه أو يجعله رهنًا مكانه، وههنا يستفيد حصول أرش الجناية له، وقيل ما ذكره أبو علي صاحب «الإفصاح» نص عليه في «اكبير» وفيه نظر.
فرع قال في «الأم»: فإن ملك المكاتب أباه وأمه فجني عليهما جناية فيها قصاص فلهما القصاص، فإن اختارا المال لم يكن لهما ذلك، وكذلك إن كانت الجناية خطأ لم يكن لهما شيء لأنهما غير خارجين من ملكه وقال القاضي الطبري: أوجب الشافعي القصاص على المكتب لمملوكه [140/ ب] لوجود التكافئ بينهما، ولم يجعل الملك شبهة.
قلت: سألت كبار أصحابنا عن المكاتب إذا قتل عبده هل يلزمه القصاص، فلم يقطعوا بجواب حتى رأيت هذا عن القاضي الطبري فذهبت إلى وجوب القصاص لأنهما مملوكان للسيد وقد وجد التكافئ بينهما، ثم رأيت أصول الشافعي دالة على أن لا قصاص عليه وهو المذهب لشبهة الملك ونصه في هذا الموضع من أجل أنه لا يجوز له بيع أبيه ولا أمه فجري منه في الجناية مجري الأحرار دون العبيد، وثبت القصاص بينهما.
قال أصحابنا: ولا نعرف للشافعي مسألة يقتص من المالك للمملوك إلا هذه المسألة الواحدة، وقال في «الحاوي»: لو جني المكاتب على ولده في ملكه فلا قصاص لأنه لا يقتل والد بولد وإن كانت على والده، ففيه وجهان: أحدهما: لا يقصاصأيضًا لأنه عبده والمولى لا يقتص بعبده، والثاني: وقد أومئ إليه الشافعي في بعض كتبه أنه يقتص منه لما ذكرنا من العلة.
مسألة: قال: «وللمكاتب أن يؤدب [رقيقه] ولا يحدهم».
إذا كان للمكاتب عبيد ففعل بعضهم ما يستحق التعزير فله أن يعزره لأنه مملوك له فيه مصلحته ولو فعل ما يوجب الحد لا يملك هو إقامة الحد لأن طريق إقامة الحد الولاية وليس هو من أهل الولاية، وذكر القفال وجهًا عن أصحابنا: أنه يحد لأن إقامته لاستصلاح الملك وهذا خلاف النص.

باب ما جني على المكاتب

مسألة: قال: «وأرش ما جني على المكاتب له [141/أ].
هذا يدل على أنه لا يملك كسبه وأرش ما يجني عليه، وإن كان لا يتصرف فيه تصرفصا مطلقًا، وقال مالك: أرش ما جني على المكاتب لسيده لأنه ليس من كسبه وهو قيمه ملك مستهلك، وهذا غلط لأن المكاتب خارج عن حكم ملكه، ولهذا مهر المكاتبة لها، فأرش الجناية أولى، فإذا تقرر هذا، نقول: إذا جني على المكاتب لا

الجزء: 8 - الصفحة: 378

يخلو إما أن يجني على نفسه أو على طرفه فإن كانت على نفسه فقتل انفسخت الكتابة سواء قتله أجنبي أو سيده، كما لو مات، ثم ينظر، فإن كان القاتل أجنبيًا فعليه القيمة للسيد والكفارة لله تعالى وإن كان الجاني سيده فلا قود عليه لأنه عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة، ولكن تجب الكفارة وقوله: «ولو قتله السيد لم يكن عليه شيء» يعني سوى الكفارة منن القيمة وغيرها ويعزره السلطان، وأما ما في يده من الكسب فإنه للسيد في الموضعين، فإن قيل: ورثتم القاتل في هذه المسألة، قيل: هذا ليس بميراث، وإنما يأخذه السيد بالملك لبطلان كتابته ونظيره أم الولد إذا قتلت سيدها عتقت لأن الحرية ليست بموروثة، وكذلك من له دين مؤجل فقتل من عليه الدين حل وسقط الأجل.
وإن جني على طرفه فإن كان الجاني سيده فلا قصاص لأنه ملكه، وإن كان ضعيفًا، ولكن يلزمه الأرش، وإن كان الجانب أجنبيا، فإن كان حرًا لا قصاص، وإن كان عبدًا يلزم القصاص، وإذا وجب الأرش يكون للمكاتب لأنه من جملة الكسب، وهل له أن يطالب به قبل اندمال الجراح؟ فيه قولان: فإذا قلنا: لا يطالب نظر فإن سرت الجناية إلى نفسه انفسخت الكتابة، ويعود إلى ملك السيد وما في يده من المال، [141/ ب] ثم ينظر في الجاني فإن كان أجنبيًا لزمه قيمه العبد للسيد والكفارة لله تعالى، وإن كان السيد فلا قيمة عليه وتلزمه الكفارة، وإن اندمل الجرح فله المطالبة بإرشه.
وفرض الشافعي المسألة فيه إذا كان قد قطع يده، فوجب نصف قيمته، فإن كان الجاني أجنبيًا، فالمكاتب يأخذ منه الأرش ويتصرف فيه ويؤديه في مال الكتابة، وإن كان الجاني سيده فإنه يستحق عليه أرش الطرف، والسيد يستحق عليه مال الكتابة ويجب الأرش من غالب نقد البلد لأنه بدل عن متلف، ثم ينظر فإن كان أحد الحقين من غير جنس الآخر لم يتقاصا بل يطالب كل واحد منهما صاحبه بحقه فيستوفيه، وإن كان من جنس الآخر نظر، فإن كان قد حل مال فقد تساويا في الحلول والجنس، فهل يصير قصاصًا؟ فيه أقوال، وأجاب الشافعي ههنا إن طلب العبد يكفي لهذه المقاصة، فإن قلنا: لا يصير قصاصًا استوفى كل واحد منهما ما على صاحبه من الحق، وإن قلنا: يصير قصاصًا، فإن تساوي الحقان برئت ذمة كل واحد منهما مما عليه وعتق، وإن كان الأرش أكثر من مال الكتابة برئت ذمة المكاتب من مال الكتابة، وعتق ويكون له مطالبة السيد بفاضل الأرش، وإن كان مال الكتابة أكثر برئت ذمة المكاتب من قدر الأرش ويبقي الباقي فإن أدي وإلا فللسيد تعجيزه، وإن لم يكن حل على المكاتب مال الكتابة لا يجبر على المقاصة إلا أن يختار ذلك فيصير كما لو عجل مال الكتابة، وإذا قلنا: له المطالبة بالأرش قبل الاندمال فالحكم فيه كما لو اندمل وطالبه بالأرش على ما ذكرنا في المقاصة وغيرها إلا أنه ينظر في الأرش، فإن كان مثل دية حر أو أقل منها [142/ ـ] كان له المطالبة بجميعه، وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ أكثر من الدية لأنه ربما

الجزء: 8 - الصفحة: 379

تسري الجناية إلى نفسه، فيعود الواجب إلى قدر الدية.
فإذا أخذ المكاتب من السيد الأرش وأداة وعتق، أو تقاصًا وعتق لم يحل، إما أن تندمل الجناية أو تسري إلى النفس، فإن اندملت استقر حكم ما أخذه من الأرش إلا أن يكون الأرش زائدًا على قدر الدية، فيكون للمكاتب أن يرجع عليه فيطالبه بتمامه وإن سرت الجناية إلى نفسه، فقد مات حرًا وصار الواجب فيه الدية، فإن كان أخذه من السيد قدر الدية فقد استوفى حقه، وإن كان أقل وجب للسيد تمامه، ويكون الفضل موروثًا عن المكاتب لأنه مات حرًا، فإن كان له مناسب استحق ذلك، وإن لم يكن له مناسب نقل إلى بيت المال، ولا يرث السيد شيئًا لأنه قاتل، وقول الشافعي ههنا: «فإن كانت الجناية غير حالة كان له تعجيل الأرش» يعني: إذا كانت النجوم غير حالة كان للمكاتب استعجال الأرش فعبر عن الاستعجال بالتعجيل، وإن مات هذا المكاتب قبل قبض الأرش سقط الأرش عن السيد لأنه صار مالًا، وقال القفال: قال أصحابنا: له استيفاء الأرش في الحال ههنا قبل الاندمال كما نص ههنا، وأن في غيره قولان، والفرق أن المكاتب لو لم يفعل ذلك، وقلنا: اصبر فصبر ربما يموت، وهو رقيق، فبطل حكم الجناية، ويصير هدرًا ولا يؤمر أحد بتأخير حقه إلى أن يصير هدرًا، بل يستقر وجوب دية النفس، فافترقا، [142/ ب] وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قتل السيد مكاتبه وكان في الأرش وفاء بالنجوم وزيادة حكم بأنه مات حرًا، وأخذ من السيد باقي قيمته، ولا تجب الدية، وفي هذا مناقضة لأنه لو مات حرًا لوجبت الدية دون القيمة.

باب الجناية على المكاتب ورقيقة عمدًا

مسألة: قال: «وإذا جني عبد علي المكاتب عمدًا».
الفصل إذا كاتب عبده كتابة صحيحة ثم جني عبد السيد عليه، فقطع طرفًا من أطرافه يجب القصاص، فإن أراد المكاتب أن يقتص ومنعه السيد، وأراد إجباره على العفو على المال فله القصاص، وليس له الإجبار لأن السيد ممنوع من ماله وبدنه، وذكر الربيع هذه المسألة في «الأم»، كما حكاها المزني، ثم قال: وفيه قول آخر: أنه ليس له أخذ القصاص لأنه قد يعجز فيعود مقطع اليد إليه، وقال أبو إسحاق: هذا الذي قاله الربيع يشبه أن يكون شيئًا قاله على مذهب الشافعي برأيه غير محفوظ عنه، ولا نعلم قول الشافعي، اختلف في ذلك، قال: ولو منع المكاتب من أجل ذلك لمنع الورثة من أجل الغرماء والموصي له، ولمنع المحجور عليه بالفلس من أجل الغرماء، ولمنع المريض للغرماء والورثة لأنهم ممنوعون من إتلاف المال، وإن أراد العفو على مال فله

الجزء: 8 - الصفحة: 380

ذلك، لأنه زيادة في ماله وليس للسيد منعه منه، وإن قال: عفوت عن القاص مطلقًا، فهو على القولين، فإن قلنا: موجب العمد القصاص فحسب لم يجب المال [143/ أ] لأن وجوب المال على هذا القول يفتقر إلى اختيار الدية، ولم يوجد ذلك، وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين يتعين الدية بالعفو، ولا يصح الإبراء عنها، ولوقال: عفوت على غير مالٍ فهو كما لو عفا مطلقًا، فإن قلنا: الواجب القصاص فقط لا تجب الدية إلا باختياره ولم يوجد الاختيار، وإن قلنا: يجب أحد الأمرين، فعلى هذا إذا قال: عفوت عن القود وجبت الدية، فإذا قال: على غير مال فهو إبراء، والمكاتب لا يملك الإبراء عن المال فتجب الدية ولا تسقط بعفوه وهكذا إذا قال: عفوت عن القصاص على نصف الأرش، فإن قلنا: الواجب القصاص فقط يجب، ويسقط الباقي، وغن قلنا: أحد الأمرين فقط وجب الأرش بقوله: عفوت، وقوله: على نصف الأرش إبراءٌ عن النصف الآخر، فلا يصح، وهذا كله مثل ما قلنا في المحجور عليه.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: «لو عفا عن القصاص والأرش معًا ثم عتق كان له أخذ المال» لأن ذلك العفو كان في حالة الحجر، وهذا على الصحيح من المذهب ولا قود له لأنه قد عفا، ويملك العفو ولكن لا يملك إتلاف المال، ولو كان هذا العفو عن القصاص والأرش بإذن السيد جاز، وهذا على أحد القولين في التبرعات، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر: أن عفوه عن الأرش موقوف بعدما قلنا: لا يصح في الحال، فإن عتق نفذ ذلك العفو كالقولين في المحجور عليه بالفلس إذا تصرف.
فرع قال في «الأم»: ولو جني عن المكاتب جانية فيها قصاص فبرأ منها، [143/ ب] وأخذ نصف أرشها ثم مات أخذ المولى النصف الباقي كما لو وضع عن إنسانٍ دينا عليه، ثم مات قبل أن يعتق كان لمولاه أخذ ذلك.
فزع آخر قال في «الأم»: ولو حرق السيد للمكاتب مائة صاع حنطة مثل حنطة التي له على الكاتب كان قصاصًا، فإن كان الذي أحرقه خيرًا من حنطته لم يصر قصاصًا حتى يرضي صاحبه، فجعل الشافعي الجنس الواحد إذا كان أحدهما أجود من الآخر قصاصًا برضي صاحب الجيد، وقال في جنسين مختلفين لا يصير قصاصًا، وإن رضيا حتى يقبض أحدهما ما له ثم يرده إليه.
فزع آخر قال في «الأم»: فإن كان ما على الكاتب حالًا من آخر نجومه فوجب على السيد

الجزء: 8 - الصفحة: 381

مثله، ثم عاد السيد فجني على المكاتب جناية كانت الجناية جناية على حر، فإن كان في مثلها القصاص اقتص من السيد، فإن قال: لم أعلم أنه عتق لما صار للمكاتب علي مثل الذي بقي له من كتابته لم يقبل منه كما لو قتل رجلًا كان عبدًا، فعتق ثم قال: لم أعلم بعتقه، قال الربيع: وفيه قول آخر أنه يؤخذ منه دية حر، ولا قود للشبهة.
فرع آخر قال في «الأم»: وإن عتق المكاتب، واختلف هو والجاني، فقال المكاتب: كانت الجناية وأنا حر، وقال الجاني: بل كنت عبدًا مكاتبًا وقت الجناية، قالقول قول الجاني، وعلى الكاتب البينة سواءٌ صدقه في ذلك مولى المكاتب أو كذبه، فإن قطع مولاه الشهادة بأن الجناية كانت على حر قبلت الشهادة، لأنه لا يجر بها إلى نفسه شيئًا، [144/ أ] وكلفته شاهدًا آخر، فإذا أتي به قضيت له بجناية حر.

باب إعتاق السيد المكاتب في المرض وغيره

مسألة: قال: «وإذا وضع السيد عن المكاتب أو أعتقه كتابته في المرض».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب عبده في صحته كتابة صحيحة ثم مرض السيد فأعتق المكاتب أو أبرأه عن مال الكتابة، أو قال: وضعت عنك مال كتابتك، فالحكم في الجميع واحد، فإن بريء من مرضه لزمه ذلك من رأس المال، فيعتق المكاتب وتبرأ ذمته مما عليه كما لو وهب في مرضه، ثم بريء، وغن مات اعتبر ذلك في حق ورثته من الثلث لأنه وصية فاعتبر خروجها من الثلث ثم ينظر في قيمة العبد، وفي قدر المال الذي كاتبه عليه، فإن كان كل واحد منهما يخرج من الثلث إذا اعتبر على الانفراد بأن كانوت قيمته مائة والمال مائة وخمسون والثلث أكثر من مائة وخمسين يحكم بعتق العبد وتبرأ ذمته من مال الكتابة لأنه أيهما اعتبر خرج من الثلث، وإن كان أحد الأمرين يخرج من الثلث والآخر لا يخرج فإنه يعتبر أقلهما، فيعتق به ويلغي حكم الآخر، فإن كان المال الذي كوتب عليه مائة وقيمته مائة وخمسون وثلثه مائة اعتبر المال الذي كاتبه عليه فيخرج من الثلث ويعتق، ولا تعتبر قيمته لأن السيد إنما يملك في ذمة مكاتبه المال الذي عليه ولا حق له في الرقبة، فهو إنما أوصي بالمال الذي له فحسب فلم يعتبر حكم غيره، وإن كان المال الذي عليه مائة وخمسون وقيمته مائة وثلثه مائة يعتبر خروج [144/ ب] قيمته، فيعتق ويلغي حكم المال لأن المكاتب له أن يعجز نفسه متى شاء، فليس ملك السيد على المال الذي عليه مستقرًا وإنما في الرقبة مستقر فاعتبرت قيمتها، وطرح حكم المال، وإن كان كل واحدٍ من قيمة المكاتب والمال الذي عليه لا يخرج من الثلث بأن كانت قيمته مائة وخمسون والمال مائة والثلث خمسون فإنه يعتبر أقلها فتنفذ الوصية فيه

الجزء: 8 - الصفحة: 382

لأن في ذلك مصلحة للعبد وحظًا له، والمطلوب بالكتابة حظه فتنفذ الوصية فيما يحتمله الثلث منه، وهو قدر نصفه ويبقي النصف، فإن أدي إلى الورثة عتق، وإن كان لهم استرقاقه وإنما اعتبرنا الأقل منهما لأنه لو اعتبر كل واحد منهما بكماله كان الاعتبار بخروج أقلهما من الثلث، كذلك إذا اعتبر خروج البعض منهما وجب أن يعتبر الأقل، وإنما سوى الشافعي بين أن يقول المريض لمكاتبه: أعتقتك، أو أبرأتك مما عليك، لأن العتق إبراءٌ مما عليه، فإن قيل: أليس قلتم لو أدي بعض ما عليه لسيده لم يعتق منه شيء حتى يكمل الأداء فلم أعتقتم ههنا بعضه، وقد بقي عليه بعض مال الكتابة قيل: المكاتب إذا أدي إلى سيده بعض مال الكتابة، فلم يحصل الصفة ولا حصل الاستيفاء بحق المعاوضة، فلم يستفد بذلك عتقًا وههنا إنما حكمنا بالعتق في حقه لرأته من مال الكتابة، وإنما رددنا العتق في بعضه لحق الورثة، فافترقا.
مسألة: قال: «ولو أوصي بعتقه عتق بالأقل من قيمته أو بما بقي عليه».
الفضل أعلم أنه إذا كاتب عبدًا في صحته ثم أوصي بعتقه، أو أوصي بأن يبرأ من مال الكتابة، أو يوضع مال الكتابة عنه، [145/ أ] فمات نظر، فإن كان الثلث يحتمل قدر قيمته ويحتمل المال الذي عليه وجب على الورثة تنفيذ الوصية، وإن كان الثلث يحتمل أحدهمنا دون الآخر اعتبر الأقل منهما ويعتق ويلغي حكم الآخر، وإن كان الثلث لا يحتمل واحدًا منهما اعتبر الأقل منهما فتنفذ الوصية فيما يحتمله الثلث منه كما قلنا في المسألة قبلها إلا أن في تلك المسألة إذا احتمل الثلث أخذنا حكم بنفوذ الوصية بفعل الموصي، وفي هذا الموضع لابد من أن ينفذ الورثة ذلك، فإذا ثبت هذا فإنه إذا احتمل الثلث ثلث المال الذي عليه، فإن ذمته تبرأ من ذلك القدر، ويبقي ثلثا المال ثم لا يخلو.
إما أن يكون قد حل عليه مال الكتابة فظاهر ما ذكره الشافعي: أن العتق يتنجز للمكاتب في ثلثه وتبقي الكتابة في ثلثيه إلى وقت حلول المال عليه، وبه قال أبو إسحاق، قال: ومثل هذا أن يكون له على رجل ألف درهم إلى سنة فأبرأه من مرضه ولم يخلف غيره يبرأ في الحال من ثلثه ولا يجوز أن يقال: لا يبرأ حتى يحل الدين عليه ولا أن يعجل الدين قبل محله واجب عليه، وإنما الموضع الذي لا يجوز أن يحصل للموصي له شيء حتى يحصل للورثة مثلاه هو أن يخلف مالًا غائبًا، أو دينًا على غير الموصي له، ومالًا حاضرًا، ولا يجوز أن يأخذ واحد إلا بالقسط لأن الغرر فيما أوصي للموصي له كالغرر فيما خلفه على الورثة، فعلى الجميع أن يصبروا وههنا لا ضرر على الورثة لأنه إن أدي، وإلا عاد الباقي إلى الورثة رقيقًا، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق منه شيء حتى يؤدي إلى الورثة مال الكتابة، ثم يعتق عليه ثلثه لأن

الجزء: 8 - الصفحة: 383

الوصية [145/ ب] لا تتنجز للموصي له إلا بعد أن يحصل للورثة مثلاها، وهو اختيار ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح» والمذهب الأول، ثم قال: وقال في «الإملاء» على مسائل مالك: «لو اعتقه عند الموت ولا مال له غيره عتق ثلثه لأن الثلث لا يحتمل سوى ثلثه، فإن أدي ثلثي كتابته عتق كله، وإن عجز رق ثلثاه».
ثم قال: «ولو قال: ضعوا عني كتابته كانت وصية له، فيعتق بالأقل من قيمته، أو كتابته»، وهذا قد ذكرنا فيما مضي، وقلنا: لا فرق بين أن يقول: أبرؤوه مما عليه أو ضعوا عنه، كل ذلك وصية له بما عليه، ولا فرق بين أن يكون الذي عليه حالًا، أو مؤجلًا يعني صار حالًا بعدما كان مؤجلًا لأن الكتابة الحالة لا تجوز.
مسألة: قال: «ولو كاتبه في مرضه، ولا يخرج من الثلث، [وقفت فإن] أفاد [السيد] مالًا قبل الموت يخرج به من الثلث جازت الكتابة على جميعه».
الفضل المريض إذا كاتب عبده صحت الكتابة لأنه مالك ثم ينظر فإن برأ من مرضه لزمت الكتابة في جميعه، وإن مات من مرضه اعتبرت من ثلثه، وقال أبو حنيفة: يعتبر من رأس المال، وهذا لا يصح لأن الكتابة هبة في الحقيقة لأن الرقبة ملك السيد والكسب له، فإذا كاتبه يبيع ماله بماله، فصار كما لو وهبه، ولا فرق بين أن تكون الكتابة بأضعاف من قيمته، أو أقل، ولأن الكتابة أجريت مجرى العتق المجرد لأن الولاء له في الكتابة كما في العتق المجرد، ثم ينظر فإن احتمل ثلثه [146/ أ] قيمة جميع العبد نفذت الكتابة في جميعه، وإن لم يخلف الميت شيئًا غيره، فإن الكتابة تلزم في ثلثه، قال الشافعي رضي الله عنه: إذا كانت كتابة مثله يعني بلا محاباة، ويبقي ثلثاه موقوفًا على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت الكتابة، وإن ردوا بطلت في ثلثيه وبقيت في الثلث، فإذا أدي المال عتق، فإن قيل: أصلكم أن كتابة بعض العبد لا تجوز، وقد جوزتم ههنا قيل: قال أبو إسحاق: لم يختلف قول الشافعي: أنه لا يجوز أن يكاتب بعض عبده في حياته ولا يختلف قوله أيضًا في أنه يجوز أن يوصي بكتابة بعض عبده بعد مدته لأن حال الموت مخالف لحال الحياة، ويجوز فيه من التعزير ما لا يجوز في حال الحياة، ألا ترى أنه قال في الورثة: إذا ورثوا مكاتبًا، فعجزه أحدهم دون الباقين كان على الكتابة في نصيبهم.
ولأن ما يرثه الوارث فإنما يرثه مستحق الضرر في الثلثين، وليس كذلك الشريك، فإنه لم يستحق عليه الضرر، فلم تجز الكتابة في نصيبه بغير إذن شريكه، وأيضًا الكتابة ههنا وقعت على جميعه وصحت، وإنما فسخت الكتابة في بعضها لموضع الحاجة بخلاف المبتدئ بكتابة البعض، فإن قيل: إذا قلتم بفسخ الكتابة في بعضه وجب أن

الجزء: 8 - الصفحة: 384

يفسخ في الباقي كما قلتم: إذا كاتبا عبدًا ثم فسخ أحدهما في نصيبه تنفسخ في نصيب شريكه، قلنا: إنما فعلنا ذلك في حق الشريك لأنه لو عاد إليه نصيبه وباقيه مكاتب [146/ ب] أضررنا به لأنه يكون ناقص القيمة، فدفعنا ذلك الضرر بفسخ الباقي، وههنا انتقل العبد إليهم ناقصًا بالكتابة فلا معني لإزالة الكتابة في باقيه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: لا تصح الكتابة إلا في ثلثيه، فأدي ثلث النجوم هل يحكم بصحة ثلث آخر إلى أن يتم العتق في كله وجهان ذكرهما ابن سريج: أحدهما: يفعل هكذا، فإذا أدي الثلث الثاني حكمنا بصحة الكتابة في الثلث الثالث، والثاني: وهو المنصوص لا يفعل ذلك، فإذا قلنا بالقول الأول وكاتبنا الثلث الثاني فهل يطالبه بحصته من النجوم في الحال ويجعل كأن مدة الكتابة مضت أو يضرب له مدة مثل المدة التي ضربها الميت؟ وجهان: أحدهما: أن الكتابة إن كانت على مدة سنة، فاستوفينا ثلث النجم عند آخر السنة لم يطالبه بثلث ثان من النجم إلا بعد سنة أخرى ثم بثلث بعد السنة الثالثة، والثاني: يطالب في الحال ثم إذا أدي يكاتب الثلث الثاني، ويطالب بحصته أيضًا، وإلا للورثة تعجيزه لما ذكرنا أنه إذا غصب المكاتب على نفسه حتى مضت المدة هل يستأنف له مدة، أو يطالب في الحال بالنجوم بعدما غرب له أجر المثل قولان.
فرع إذا كاتبنا ثلثه عتق الثلث، ولا يسري إلى الباقي، وإن عجز ورق هذا الثلث فيه وجهان: أحدهما: يعود إلى التركة حتى يؤدي منه الوصايا لأنه إنما اعتبر في الثلث ليعتق، فإذا لم يعتق لم يعتبر فكأنه تركة، والثاني: لا يعود إلى التركة لن اعتباره في الثلث لم يكن موقوفًا على العتق، فإذا عاد بالعجز [147/ أ] إلى الرق صار مالًا مستفادًا لهم.
مسألة: قال: «وما أقر بقبضه في مرضه، فهو كالدين يقر بقبضه في صحته».
عندنا أن الإقرار بقبض النجوم ولا يعتبر من الثلث، بل هو من رأس المال، وإنما يتصور، في إقرار المريض بقبض نجوم كتابة كانت في الصحة، فأما إذا كانت في المرض فأصل الكتابة من الثلث، فلا يفيد الكلام في أن الإقرار كيف يقبل هل يقبل فيما صححنا فيه الكتابة، وقال أبو حنيفة: إن كان عقد الكتابة في الصحة، فالإقرار بقبض النجوم من رأس المال، وإن كانت الكتابة في المرض، فالإقرار من الثلث.
هكذا ذكر بعض أصحابنا، وفيه نظر، والعلة في هذه المسألة: أن المريض يملك القبض، فيملك الإقرار به كالصحيح، وهذا لأن إقرار المرض وإقرار الصحة سواء عندنا.
مسألة: قال: «وإذا وضع عنه دنانير وعليه دراهم».

الجزء: 8 - الصفحة: 385

الفصل يعني إذا كاتب عبدًا على دراهم ثم أبرأه من دنانير أو كاتبه على دنانير ثم أبرأه عن دراهم لا يصح الإبراء بهذا الإطلاق لأنه أبرأه عما لا يستحقه فصار كما لو كان له على عمرو حق فأبرأه زيدًا منه، ولو أبرأه من ألف درهم وله عليه دنانير، ثم قال: أردت بذلك دنانير قيمتها ألف درهم قبل ذلك وبرئت ذمته عن القدر الذي أراده لأنه إبراء عما يستحقه كما لو قال: على ألف درهم إلا قفيز حنطة، وقال: أردت إلا دراهم بقيمة قفيز حنطة يقبل ذلك، ويكون مستثنيًا القيمة بالقفيز من ألف درهم، كذلك ههنا [147/ ب] ذكره أبو إسحاق.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه علل في مسألة الكتاب، فقال: لم يجز لأنه استيفاء، فهذه العلة مشكلة، وذلك أنه لو استوفى بدل الدنانير دراهم جاز، فكيف منع الجواز؟ فقال: لأنه استيفاء، وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: أراد لأنه كالاستيفاء، ولو بطل الاستيفاء الذي ظننا أنه استيفاء صحيح لم يعتق كذلك إذا بطل الوضع الذي ظننا أنه أبراءٌ صحيح لم يعتق.
فزع لو اختلفا، فقال السيد في اللفظ المطلق: أردت به الدراهم، وقال المكاتب: بل أردت قيمة الدراهم من الدنانير، فالقول قول السيد لأنه اختلاف في إرادته، وهو أعلم بذلك، وهكذا لو مات السيد، واختلف المكاتب وورثة السيد فيما ذكرنا، فالقول قول الورثة لأنهم يقومون مقامة، فإن لم يحلف السيد أو الورثة على العلم بإرادة الميت ترد اليمين إلى المكاتب، فإذا حلف حكم به، وهكذا لو أوصي أن يوضع عنه كذا، وهو غير ما وجب عليه، فالوصية باطلة إلا أن يريد: ضعوا بقدر هذه الدنانير من الدراهم التي عليه فيصح.
فزع آخر مسألة: ولو قال: «قد استوفيت آخر كتابتك إن شاء الله أو إن شاء فلان لم يجز».
قد بينا فيما مضي أن الاستثناء يبطل الأقارير والعقود كلها، وقال ههنا: إذا قال: استوفيت إن شاء الله، أو إن شاء فلان لم يجز ولم يكن بهذا إقرارًا لأنه استثناءٌ، قال أبو إسحاق: أما قوله: إن شاء الله استثناء لأنه يستوفي إن شاء الله.
[148/ أ] فأما قوله: إن شاء فلان، فليس باستثناء، وإنما هو كلام محال لأن بمشيئة زيدٍ لا يصير مستوفيًا فلفظ الاستثناء في أحد المشيئتين صحيح دون الآخر، وهكذا ذكر صاحب «الإفصاح»، فقال: إن مشيئة الله تعالى فيما يستقبل، فأما ما دفع فقد سبقت المشيئة

الجزء: 8 - الصفحة: 386

فمعناه، استوفيه إن شاء الله، فأما مشيئة زيد فلا يتعلق بها الاستيفاء في الماضي، ولا في المستقبل، وقال القاضي أبو حامد: كل ذلك ليس باستثناء عند العرب لأن الاستثناء عند العرب لا يجوز فيما مضي من الأفعال، وفي الدائم إنما يجوز في المستقبل، ومعني قول الشافعي: لأنه استثناء أراد أن هذا التقييد يزيل إطلاق القول بالاستثناء ويقول مقام الاستثناء، وهذا صحيح لأن الشافعي قد جعله استثناء فيهما، وقول أبي إسحاق: يؤدي تخطئة الشافعي في قوله.
فإن قال قائل: هو يرده إلى أحد المسألتين، وهي إذا قال: إن شاء الله قلنا: قد قال الشافعي في «الأم»: لو قال قد استوفيت آخر كتابتك إن شئت لم يكن استثناء لأنه استثناء، فدل على أن تقديره: أن هذا التقييد بمنزلة الاستثناء.
فرع قال في «الأم»: ولو قال: وضعت عنك كتابتي كلها إلا دينارًا، أو عشرة دنانير كان بريئًا من الكتابة إلا ما استثني ولا يعتق إلا بالبراءة من آخر الكتابة.
فرع آخر قال: ولو وضع من كتابته شيئًا ثم اختلف هو والمكاتب فقال السيد: وضعت من آخر الكتابة، وقال المكاتب بل مما حل منها، فالقول قول السيد، فإن مات السيد، فالقول قول الورثة، فإن كانوا [148/ ب] صغارًا لا يعربون عن أنفسهم ألزم الحاكم المكاتب أن الموضوع من آخر الكتابة لأنه لا يجوز أن يضع إلا ما يحيط العلم بأنه وضع عنه.
فزع آخر قال: ولو شهد شاهدان للمكاتب أن سيده قال: قد استوفيت منه، أو قال السيد: أليس قد استوفيت، فقال: بلي كان القول قول السيد أنه استوفى منه ما حل من نجومه، وإن ادعي المكاتب أنه أراد آخر النجوم فعليه البينة، فإن قال لم يوفيني إلا درهمًا واحدًا كان القول قوله مع يمينه، وقول الورثة إن مات لأن المكاتب عبد حتى يشهد الشهود أنه قد أوفاه جميع كتابته.
فرع آخر لو شهد الشهود أنه قال: قد استوفيت آخر كتابتك ولم يزد على ذلك فالقول قول السيد، فيما بقي من كتابته في حياته وورثته بعده لأنه يحتمل أنه أراد بقوله آخر كتابتك مما حل عليك فوجب الرجوع إلى بيانه.

الجزء: 8 - الصفحة: 387

باب الوصية للعبد أن يكاتب

مسألة: قال: «ولو أوصي أن يكاتب عبدًا له».
الفصل صورة المسألة: أن يوصي رجل بكتابة عبد له فالوصية تصح، ويعتبر خروج قيمة العبد الموصي بكتابته من الثلث، لأن إخراج الرقبة من ملكه بغير عوضٍ على ما بيناه، ثم ينظر فإن لم يكن أوصي إلا بالكتابة وحدها، فالثلث مصروف إليها، فإن كان أوصي بالكتابة وبأشياء آخر من هبة ووصية ومال أو محاباة، فهل تقدم الكتابة على غيرها أم يسوي بين الجميع لأن المسألة مبنية على أصل وهي أن الرجل إذا أوصي بوصايا في جملتها عتق هل يسوي الجميع أم يقدم العتق [149/ أ] قولان، فإذا أوصي بالكتابة، قال الشافعي: حاص أهل الوصايا وهذا يقتضي التسوية بين الكتابة وغيرها، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين، منهم من قال: فيه قولان أيضًا، كالعتق سواءً لأن الكتابة تتضمن العتق، والشافعي ذكر ههنا أحد القولين، ومنهم من قال: يسوي بين الكتابة وغيرها على ما نص عليه قولًا واحدًا لأن الكتابة معاوضة تجري مجري المعاوضات، ولو أوصي فيه ببيع فيه محاباة سوى بينه وبين غيره كذلك الكتابة، ويفارق العتق لأن له مزية، وهي السراية، فقدم بخلاف الكتابة.
فإذا تقرر هذا فإذا أوصي بالكتابة وحدها، أو بها وبغيرها، وقلنا: إنها تقدم، فإن الثلث كله يتوفر على الكتابة، فإن احتمل الثلث قيمة العبد كوتب وتجبر الورثة على ذلك، ثم ينظر في العبد، فإن لم يختر الكتابة لم يجبر عليها، فإن بعد ذلك بطلت الوصية ولم يجب إليها لأن حقه قد سقط بامتناعه، وإن اختار الكتابة وطلبها فبكم يكاتب لا يخلو إما أن يكون الموصي أطلق الوصية ولم يقدر ما يكاتب عليه، أو قدر ذلك، فإن أطلق فإنه يكاتب على ما جرت العادة بكتابة مثله عليه، ولا يعتبر قيمته فيه لأن الكتابة لا تصح إلا إلى أجلين، والأجل يأخذه قسطًا من العوض فينقص منه لدخوله ويزاد فيه لسقوطه، وإن قدر ما يكاتب عليه كوتب على ذلك القدر لا يزاد عليه، فإن كوتب فأدي المال فإن ذلك المال لا يحتسب من جملة التركة بل يكون حقًا خالصًا للورثة لأن ذلك نماء الرقبة ليس بملكٍ للموصي، وإنما كان ملكه على الرقبة، فحسب فإن ذلك للورثة خالصًا كما لو أوصي بنخلٍ فأمرت.
ثم ينظر فإن لم يؤد تمام المال، أو عجز نفسه، فالورثة يسترقونه، فإن أدي عتق وثبت الولاء عليه [149/ ب] لسيد المكاتب ينتقل إلى العصبات من ورثته لأنه عتق بسبب كان منه، وهي وصية بكتابته، فهذا الحكم فيه إذا كانت قيمة العبد تخرج من الثلث، فأما إذا لم تخرج قيمة العبد من الثلث يكاتب القدر الذي يحتمله الثلث كما إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 388

أوصى بعتق عبده، فإن كان الثلث احتمل أعتق، وإن لم يحتمل أعتق بقدر ما يحتمله الثلث، فإن ال العبد في مطلق الوصية إذا خرجت من الثلث يلزم أن يكون الكتابة بعوض المثل إذ لو عتق ثلث ماله بلا عوض جاز، قلنا: نعم، ولكنه لم يوص بأن يعتق وإنما أوصي أن يعقد فيحتمل أنه بعوض المثل.
فزع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أوصي لرجل بثلث ماله، وأمر أن يكاتب عبده وهو قدر ثلث ماله أيضًا يدفع نصف الثلث إلى الموصي له ويكاتب نصف العبد بخمسمائة إذا كان الثلث ألفًا نص عليه ههنا، فإذا دفع النجم فهل يزاد في الكتابة قد ذكرنا وجهين، فإذا قلنا: يزاد دفع ذلك إلى الموصي له ثلث، ويكاتب ربع العبد على مائتين وخمسين، فإذا دفع ذلك للموصي له بالثلث نصف ويكاتب ثمن العبد على مائة وخمسة وعشرين وعلى هذا يفعل أبدًا إلى أن تتم الكتابة كذا ذكره القفال، وفي هذا التفريع نظر، والثاني: أنه استقر، فلا يزاد في الكتابة، وقيل: إنه يزاد في الكتابة لكن النجوم يكون نماء ملكهم، ولا تجب الزيادة في الوصية بسبب ذلك ولابن سريج في وجه آخر أنه متى لم يخرج جميع الرقبة من الثلث فلا يكاتب أصلًا بل يبطل الوصية فيه، كما لو أراد أن يكاتب بعض عبده، والعبد كله له لا يصح.
مسألة: قال: «ولو قال: كاتبوا أحد عبدي» [150/ أ].
الفصل إذا أوصي فقال: كاتبوا أحد عبيدي، فإن الورثة يكاتبون أي عبد من عبيده شاؤوا، ولا يجوز أن يكاتبوا أمة لأن اسم العبد لا يقع عليها، ولذلك إذا قال: كاتبوا أمة، فلهم أن يكاتبوا أي أمة شاؤوا ولا يجوز أن يكاتبوا عبدًا لأن الاسم لا يقع عليه، ولو قال: كاتبوا عبدًا وكان له خنثي قد حكم بأنه رجل، أو قال: كاتبوا أمة وكان له خنثي حكم بأنها امرأة، فهل تجوز كتابته؟ اختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: يجوز قولًا واحدًا لا يختلف المذهب فيه اعتبارًا بما حكم به، والثانية: فيه وجهاز ذكره أبو حاد، أحدهما ما ذكرنا، والثاني: لا يجوز لأن إطلاق الاسم لا ينصرف إلى الخنثي وإن تبين حالة ولا شك انه في حالة الإشكال لا يدخل في اسم العبد ولا في اسم الأمة، وهذا اختيار الربيع، والأول أصح، وهو اختيار المزني، ولو قال: كاتبوا أحد رقيقي كان لهم الخيار في عبد أو أمة، قال المزني: أو خنثي.
وروي الربيع في لأم أنه لا يجوز خنثي إذا كان مشكلًا فجعل الشافعي إطلاق اللفظ للعبد أو للأمة أو للخنثي الذي بان أنه امرأة، وصح أنه رجل، أو امرأة بتغليب الدلائل، وإن كان مشكلًا، فهو خارج عن العرف لا يقع عليه إطلاق اسم الرجل ولا المرأة، قال أبو

الجزء: 8 - الصفحة: 389

إسحاق: وأرى الشافعي قد نص في بعض الروايات على ما اختاره المزني على مذهبه من جواز الخنثي، ففيه قولان، وقال القاضي أبو حامد فيه وجه آخر على ما اختاره المزني، فجعل القول رواية الربيع، وجعل [150/ ب] اختيار المزني وهو الأصح وجهًا آخر.

باب موت سيد المكاتب

مسألة: قال: «ولو أنكح ابنته مكاتبه برضاها فمات».
الفضل إذا كاتب عبدًا، وكانت له ابنة فزوجها منه برضاها ولا بد من رضاها لأنه رقيق ليس بكفء لها، ولهذا قيد المسألة ثم مات لم تنفسخ الكتابة بموته لأنها عقد لازم، ثم ينظر في البنت فإن لم ترث أباها بأن كان بينهما اختلاف دين، أو كانت قاتلة، فالنكاح بحالة لأنها لم تملك من زوجها شيئًا، وإنما انتقل ملكه إلى مالكٍ آخر فلم يؤثر ذلك في النكاح، وإن ورثته، فإنه تملك جزءًا منه، وينفسخ النكاح بينهما، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ النكاح بينهما، وبناه على أصله أن رقبة المكاتب لا تورث، وإنما يورث المال الذي عليه، وهذا لا يصح لأنه كان ملكًا للسيد وبموته لم يعتق فبقي ملكًا كما كان فورثه ورثته كسائر الأموال، والدليل على هذا أنه لا يبتدئ نكاحها بعد موت السيد بالإجماع.
فرع إذا اشتري المكاتب زوجته الأمة من سيده أو من غيره انفسخ النكاح، وكذلك لو اشترت المكاتبة زوجها من سيده، وقال أبو حنيفة: لا ينفسح النكاح لأن المكاتب لا يملك بدليل أنه لا يجوز له وطئ أمته، وهذا لا يصح لأن المكاتب يملك لأنه يثبت له الشفعة على سيده وللسيد عليه الشفعة وإنما لا يجوز له وطيء أمته لتعلق السيد به كما يمنع الراهن من وطئ المرهونة، وإن كانت ملكه، والدليل على أنه يملكها أنه لا يجوز له أن [151/ أ] يتزوج أمته ابتداء، والملك إذا منع الابتداء منع الاستدامة.
مسألة: قال: «فإن دفع ما عليه من الكتابة إلى أحد الوصيين لم يعتق».
اعلم أنه إذا كاتب عبدًا ثم مات السيد قد ذكرنا أن الكتابة لا تنفسخ، ثم لا يخلو إما أن يكون المال الذي على المكاتب يصرف إلى وارث، أو موصى له، أو إلى الغرماء، فإن كان ينصرف إلى الورثة، فإن كانوا رشيدين فالمال لهم، ثم ينظر، فإن كان الوارث واحدًا دفع المكاتب إليه، وإن كانوا جماعة دفع إلى كل واحد منهم قدر حقه، فإن دفع إلى بعضهم، وأخل بالبعض لم يعتق كما لو كان العبد بين شريكين وكاتباه، ثم دفع المال إلى أحدهما لا يعتق، ولا يجوز في هذا الموضع أن يوصي

الجزء: 8 - الصفحة: 390

السيد بالنظر في مال ولده ولا يقبض مال الكتابة، فإن فعل لم تصح الوصية، وإن دفع المال إلى الوصي لم يعتق لأن الوصية لا تصح في حق أهل الرشد، وإن كان الورثة أطفالًا، أو مجانين، فإن لهم جد فهو الناظر في أمرهم، فلا تصح الوصية معه، فإذا دفع المال إليه عتق وذكر الداركي عن بعض أصحابنا: أن وصي الأب أولى من الجد، وهو قول أبي حنيفة، وهذا الوجه غير مشهور عند أصحابنا، وإن لم يكن لهم جد وأوصي الأب إلى من ينظر في أمرهم صحت الوصية ويجب على المكاتب الدفع إلى الوصي، فإن كان واحدًا دفع إليه، وإن كانا اثنين نظر فإن أوصى إليهما وإلى كل واحدٍ منهما، على الانفراد جاز للمكاتب أن يدفع إليهما وإلى كل واحد منهما فإن أوصى إليهما ولم يوص إلى كل واحد منهما على الانفراد [151/ ب] لم يجز أن يدفع إلى أحدهما بل يجب الدفع إليهما، فإن دفع إلى أحدهما لم يعتق لأن الوصي رضي باجتهادهما معًا، وإن لم يكن الميت أوصى بالنظر في مال الأولاد، فالنظر في أمرهم للحاكم، فيرفع المكاتب الأمر إليه لينصب أمينًا، فيدفع المال إليه ويعتق، وإن كان بعض الورثة كبارًا، وبعضهم صغارًا، فالكبار يقضبون حقوقهم والحكم في حقوق الصغار ما ذكرنا إذا كان الميت قد أوصى أو لم يوص، وإن كان مال الكتابة ينصرف إلى الموصى له، فإن كان قد أوصى به لواحد بعينه، فالحق له فإن دفعه إليه جاز لأنه مستحقه، وقال صاحب «الإفصاح»: لا يجوز وحكاه القاضي الطبرى عنه، وهذا ليس بمذهب، وإن دفعه الوصي ليدفعه إليه جاز أيضًا، وإن كان قد أوصى به لأقوام غير معينين كالفقراء والمساكين، فلا يجوز للمكاتب أن يوصل المال إليهم بنفسه، بل عليه أن يدفعه إلى الوصي فإنه موضع اجتهاد، والميت لم يرض باجتهاد المكاتب، وإنما رضي باجتهاد الوصي.
وإن كان مال الكتابة ينصرف إلى الغرماء وقضاء الديون ينظر فإن كان السيد قد أوصى بأن يقضي من مال الكتابة ديونه فالحكم فيه كما لو أوصي به لرجل بعينه فيجوز للمكاتب دفعه إلى أصحاب الديون، ويجوز أن يدفعه إلى الوصي وليس للورثة ههنا حق، وإن لم يكن أوصى فالحق للورثة والوصي معًا، فلا يجوز للمكاتب أن يدفعه إلا بحضرتهما ورضاهما لأن للورثة في ذلك حقًا، وهو أن لهم أن يأخذوا المال ويقضوا من عندهم.
وإن تلف المال في يد الوصي لا يضر المكاتب لأن القبض قد صح [152/ أ] إذا كانت الوصاية صحيحة، وقال القاضي الطبري: إذا كان عليه دين يحيط بتركته فدفع المكاتب إلى من له الدين، وقد ثبت دينه فقد بريء لوصوله إلى مستحقه نص عليه في «الأم»، وقال صاحب «الإفصاح»: لا يبريء وهو خلاف النص، وهذا خلاف ما ذكرنا عن أصحابنا وهذا النص غريب.
ولو دفع المال إلى الوارث في هذا الموضع قال الشافع: لا يعتق حتى يصل إلى صاحب الدين لأن الوارث إنما يستحق ما فضل عن الدين.

الجزء: 8 - الصفحة: 391

باب عجز المكاتب

مسألة: قال: «وليس لسيده أن يفسخ كتابته حتى يعجز عن أداء نجم».
الفصل إذا كاتب عبده على مالٍ ثم أراد فسخه نظر، فإن لم يكن حل عليه نجم لم يكن له الفسخ وكذلك إن حل عليه نجم ولكن معه ما يؤديه ولم يمتنع من الأداء لأنه لا ضرر على السيد، ولا تعذر عليه حقه، وإن كان قد حل عليه المال، وليس معه ما يؤدي أو كان معه، ولكن امتنع من الأداء، فللسيد أن يفسخ ولا فرق بين أن يتعذر عليه جميع المال، أو بعضه، وبين النجم الأول وبين النجم الثاني، ثم ينظر فإن العبد حاضرًا يفسخه بنفسه، ولا يحتاج إلى حاكم لأنه فسخ مجمع عليه كالرد بالعيب، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ويثبت عند الحاكم أن له على المكاتب مالًا وأنه قد تعذر عليه الأداء، فإذا فعل ذلك استحلفه الحاكم مع البينة على ما تقدم بيان اليمين، وقضي له بالفسخ وهذا لأنه قضاء على الغائب، وقال في «الحاوي»: هكذا قال البغداديون من أصحابنا، [152/ ب] وهذه اليمين استظهار عند أكثر أصحابنا لأن ليمين لا تجب إلا بطلب مستحقها، ومن أصحابنا من قال: هذه اليمين واجبة في فسخ الحاكم كيلًا يفسخ إلا بحق تزول معه الشبهة، وقال البصريون من أصحابنا: ينفرد السيد عند غيبته كما عند حضوره، وقال ابن أبي ليلي: لا يكون عجزه إلا عند الحاكم، وقال أبو يوسف: لا أرده في الرق إلا أن يتوالى عليه نجمان، واحتج بما روى عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: يرد الرجل في الرق حتى يتوالي عليه نجمان، ودليلنا ما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كاتب عبدًا له على ثلاثين ألفًا، فقال له: أنا عاجز، فقال له: امح كتابتك، فقال: امح أنت، ويحمل قول علي رضي الله عنه على الاستحباب، ولأنه دخل في الكتابة على أن يسلم له المال عند انقضاء كل نجم، فإذا لم يسلم ذلك كان له فسخها كما لو توالى عليه نجمان، وروي عطاء بن رباح أن ابن عمر رضي الله عنهما كاتب عبدًا له فأدي تسع مائة وبقيت مائة دينار فعجز فرده في الرق، وروي أن مكاتبًا له عجز فرده مملوكًا، وأمسك ما أخذ منه، وقال: شبيب بن عمر شهدت شريحًا رد مكاتبًا عجز في الرق، ولو كان العبد مليًا فامتنع من أداء النجم الذي حل عليه، أو أدي بعضه فللسيد فسخ الكتابة

الجزء: 8 - الصفحة: 392

ولا يجبر العبد على أدائه خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله، ويخالف المشتري إذا امتنع من أداء الثمن يجبر عليه، ولا يكون للبائع فسخ البيع لأن الكتابة جائزة من جهة العبد غير لازمة على ما تقدم بيانه.
فرع قال في «الأم»: [153/ أ] وإذا كان حاضرًا فطالبه فقال: ليس عندي، فقال السيد: اشهدوا أني قد عجزت، أو أبطلت كتابته، أو فسختها أنفسخت وسواء كانت عند سلطان، أو غيره قال الشافعي: فإن لم يقل شيئًا من هذا فهو على الكتابة، قال أصحابنا: وافشهاد فيه استحباب، فإن قيل: قد قلتم في المشتري إذا عجز عن أداء الثمن لا يختار عين ماله إلا أن يفلسه القاضي ويحجر عليه، وههنا قلتم: إذا كان حاضرًا لا يحتاج إلى القاضي، قلنا: لأن فسخ البائع بعيب في ذمة المشتري، وذلك العيب مزاحمة الغرماء، ولا يحصل ذلك إلا بالحجر والفلس، وههنا الفسخ ليس بعيب يظهر بالعبد، ولكن لاعترافه بالعجز، فإذا حصل ذلك لا يحتاج إلى الحاكم.
فزع آخر قال: ولو حل عليه فلم يطالبه مدة قصيرة أو طويلة، ثم أحضره لم يكن للسيد الامتناع عن قبضه، قال: فإن سألته أن ينظره مدة يؤدي إليها نجمة وفي نسخة يؤدي إليه نجمه، أي إلى السيد لم يكن عليه أي لم يكن واجبًا عليه أن ينظره لأن حقه حال عليه والتأجيل تبرع، فلا يلزم وليس للسلطان أن ينظره أيضًا لأن الحق للسيد، فلا يجبر على ترك حقه، قال الشافعي: إلا أن يحضره ماله ببيعه مكانه، فينظره قدر بيعه معناه أنه إذا أحضر المكاتب واستنظر السلطان لبيعها أنظره قدر بيعها وهذا واجب بالحكم لأنه عرف الأداء وعادة الإيفاء والاستيفاء كما لو قال: أنظرني حتى أصير إلى البيت وأحمل المال، أو أفتح الصندوق، [153/ ب] ونحو ذلك قال أصحابنا: ويعتبر فيه قليل الزمان، وهو لا يجاوز ثلاثة أيام.
فزع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «وإن حل عليه نجم في غيبته فأشهد سيده أن قد عجزه، أو فسخ كتابته فهو عاجز» وزاد في «الأم» فقال: فإن جاء في غيبته وأقام بينه على سيده بقبض النجوم الذي عجزه، أو أبرأه منه أو إنظاره كان على كتابته فدل هذا النص على أن المكاتب إذا قدم ولم يدع ما ذكره أنه يكون عاجزًا وتكون الكتابة منفسخة.
وقال أبوإسحاق: يحتاج إلى الحاكم على ما ذكرنا من قبل، قال القاضي الطبري: هذا خلاف ما نقله المزني وبينه الشافعي في «الأم»، ومعناه أن السيد إذا

الجزء: 8 - الصفحة: 393

فسخها، وهو غائب فلما قدم لم يدع خلاف ما قاله علم أنه كان عاجزًا وإن ادعي خلاف ما قاله وأٌام البينة فهو على الكتابة، ثم قال: وإن رفعها إلى الحاكم حتى يفسخها، فإن الحاكم لا يفسخها حتى يتثبت على ما ذكرنا، وإذا عجزه جعل المكاتب على حجته إن كانت له، وهذا يدل على أن المذهب المنصوص ما قاله البصريون من أصحابنا.
فرع آخر لو أراد المكاتب فسخ الكتابة فيه وجهان: أحدهما: لا يملك لأنه لا ضرر عليه في بقاء الكتابة، وإنما له أن يمتنع من الأداء، والثاني: يملك لأنه عقد لحقه، فملك أن ينفرد بالفسخ كالمرتهن.
فرع آخر لو استنظره لمال غائب ينقله فإن كان على مسافة لا تقصر إليه الصلاة يلزمه إنظاره لأنه في حكم الحاضر، وإن كان على مسافرة يقصر إليها الصلاة لا يلزمه إنظاره لأنه كالقادم، ذكره في «الحاوي».
فرع آخر ولو قال: أنظرني لأقبض دينًا لي فإن [154/ أ] كان مؤجلًا لا يلزمه إنظاره، وإن كان حالًا فإن كان على موسر يلزمه إنظاره، وإن كان على معسر لا يلزمه إنظاره لأنه كالهالك ولهذا لا يلزم فيه الزكاة.
فرع آخر إذا كان هو غائبًا وماله حاضر لا يقضي القاضي عنه النجوم وللسيد حق التعجيز بخلاف ما إذا جن المكاتب وماله حاضر فالحاكم يؤدي عنه النجم، وليس للسيد التعجيز لأن الغائب لو كان حاضرًا لم يلزمه قضاء النجم بل له أن يعجز نفسه، فالحاكم لا يقوم مقامه وهو من أهل الكتابة ويرده إلى ملكه، وإن كان معه مال، فأداه إلى السيد عتق، وإن قال: لي مال أحضره فقد ذكرنا، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ، تولى ذلك بنفسه ولعله فسخ الكتابة في حال غيبته، والمجنون لا يصح منه النظر لنفسه، فالحاكم يقوم مقامه في ذلك ذكرها القفال.
مسألة: قال: «وإن قال قائل: قد أنظرته وبدا لي والمكاتب غائب لم يجز له تعجيزه».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب عبدًا فحل عليهمال الكتابة، فأظهر أنه عاجز عن أدائه فأنظره السيد وأخره بما عليه، فإن الإنظار يصح، ولا يجبر على اختيار الفسخ، فإن رجع بعد

الجزء: 8 - الصفحة: 394

ذلك وطالب بالمال صح رجوعه خلافًا لأبي حنيفة، ثم لا يخلو إما أن يكون العبد حاضرًا أو غائبًا، فإن كان حاضرًا ينظر فإن أظهر العجز كان للسيد أن يفسخ الكتابة ويرده إلى ملكه، وإن كان معه مال فأداه إلى السيد عتق.
وإن قال: لي مال أحضره فقد ذكرنا، وإن كان العبد غائبًا فليس للسيد أن يفسخ في الحال لأن غيبته لنظرته وتأجيله بل يرفع الأمر إلى الحاكم ويثبت عنده الكتاب وحلول المال عليه، وأنه لم يؤد شيئًا ويحلفه الحاكم على ذلك فإن هذا قضاء على الغائب فلا بد من اليمين، فإذا فعل هذا كتب إلى حاكم ذلك البلد بما يثبت عنده، فإذا وصل الكتاب إليه استدعي المكاتب وسأله عن الحال، فإن أظهر العجز كتب إلى حاكم ذلك البلد حتى يخبر السيد بعجز المكاتب [154/ ب] فيفسخ الكتابة وإن ذكر أن له مالًا، فإن لم يكن له وكيل، فإن الحاكم يكلف المكاتب أن يوصل المال إلى سيده إما ينفسه أو ينفذه مع أمين فإذا فعل ذلك وصار المال إلى السيد عتق، فإن أخر الإنفاد حتى مضت مدة لو أنفذ المال كان قد وصل كان للسيد أن يفسخ في الحال، وكذلك الوكيل إذا جعل السيد إليه الفسخ فله أن يفسخ في الحال، قال أبو إسحاق: ظاهر ما نقل المزني أنه قد أنظره مسافة الطريق سواء كان للسيد وكيل في ذلك البلد أو لا ولكن الربيع رواه مفصلًا هكذا، وهو الصحيح وعلى هذا لو كان طريقًا لا يمكن أن يسلك في السنة إلا مرة أنظره إلى ذلك الوقت الذي يمكنه سلوكه فيه، قال أبو إسحاق: فإن كتب إلى الحاكم بأن يقضيه فليس على الحاكم ذلك ولا أن يكون وكيلًا لغيره لأن الحاكم يكلف الحكم دون قبض المال بالوكالة فإن اختار القاضي القبض كان حكمه حكم الوكيل، فإن جاء وكيل ثابت الوكالة يطالب بالتسليم إليه نظر بينهما ويحكم بما يثبت.
مسألة: قال: «ولو غلب على عقله».
الفصل يعني إذا كاتب عبدًا فجن المكاتب لا تنفسح الكتابة بجنونه فإن قيل: هلا قلتم تنفسخ لأنها جائزة من جهته غير لأنه كما تنفسخ الشركة والمضاربة قلنا: العقد الذي ينفسخ بالجنون هو الجائز من الطرفين، فأما اللازم من أحد الطرفين لا ينفسخ به كما لا ينفسخ النكاح بجنون الزوجين لأنه جائز من جهة الزوج لازم من جهة الزوجة ولأن بالكتابة يتعلق العتق بالصفة وذلك يمنع من انفساخها بالجنون [155/ أ] ألا ترى أن مجرد العتق بالصفة لا ينفسخ بالجنون فإذا ثبت عند الحاكم ذلك، فإن وجد للمكاتب مالًا قد ذكرنا أنه يدفعه إلى السيد وحكم بعتقه، وإن لم يجد له مالًا جعل للسيد فسخ الكتابة، وليس له فسخها ما لم يأت الحاكم لأن الحاكم قيم المجانين ثم إذا فسخها لزمه نفقته لأنه عاد إلى ملكه.

الجزء: 8 - الصفحة: 395

فرع لو ظهر له بعد الفسخ مال، أو أفاق المكاتب وأظهر لنفسه مالًا نقض الحاكم حكمه، ودفع المال إلى السيد وحكم بعتقه ورجع السيد على المكاتب بما أنفق عليه لأنه أنفق عليه على أنه عبده، فإذا أبان أنه لم يكن عبده وكان مكاتبًا كان له الرجوع بما أنفق.
فرع آخر لو فسخ الكتابة ثم أفاق العبد وأقام البينة بأنه قد أذي إلى السيد مال الكتابة لم يرجع السيد عليه بما أنفقه لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته فكان مقطوعًا به.
مسألة: قال: «ولو ادعي أنه أوصل إليه كتابته وجاء بشاهد أحلفه معه».
قد ذكرنا هذه المسألة وفسرها في «الأمة»، وقال: إذا حل النجم على المكاتب فسأله سيده أدائه، فقال: قد أديت إليك، أو إلى وكيلك وأنكر السيد لم يعجل السلطان في تعجيزه وأنظره يومًا أو أكثر وأكثر ما ينظره ثلاثة أيام، فإن جاء بشاهد أحلفه معه وأبرأه مما شهد شاهده وإن لم يعدل دعاه بغير، فإن جاء به من يومه أو غده أو بعده وإلا عجزه، وإن ذكر بينة غائبة أشهد أنه ذكر بينة غائبة، وأني قد عجزته [155/ ب] إلا أن يكون معه بينة بما يدعي، فإن جاء بها أثبت كتابته وأخذت سيده بما أخذ من خراجه وبقيمة خدمته، وإن لم يأت بها تم التعجيز، قال أبو إسحاق: ولم يذكر المزني إنظاره ثلاثًا حتى يأتي بالبينة، ولا إذا جاء بالبينة فلم يعدل أنظره ثلاثًا حتى يأتي بغيره وهو أولى مما نقل المزني، قال في «الأم»: وإن عجزه على هذا الشرط ثم جاء ببينة بإبرائه من ذلك النجم وهذا آخر نجومه، ومات المكاتب جعل ماله ميراثًا لورثته الأحرار وأخذ السيد بما أخذ منه وبقيمة خدمته، وإن لم يكن آخر نجومه فقد مات عبدًا، فإن قيل: أليس العتق يثبت بهذا الأداء ولا يثبت العتق بشاهد ويمين، قيل: لا يمتنع أن يقبل، وإن جر إلى ما لا يقبل فيه ذلك كشهادة النساء تقبل في الولادة، وإن جر إلى ثبوت النسب الذي لا تقبل شهادة النساء بحال.
فرع قال في «الأم»: وإذا عجزه السيد أو السلطان، فقال سيده بعد التعجيز قد أقررتك على الكتابة لم يكن عليها حتى يجدد له كتابة غيرها، ولو تأدي منه على الكتابة الأولى، وقال: قد أثبت لك العتق عتق بإثبات العتق وتراجعا بقيمة المكاتب كما يتراجعان في الكتابة الفاسدة وكذلك لو قال: أثبت لك الكتابة الأولى ولم يذكر العتق لأن قوله: أثبت لك الكتابة الأولى إثبات للعتق بها على الأداء ولو نعجزه ثم تأدى منه

الجزء: 8 - الصفحة: 396

كما كان يساوي ولم يقل: قد أثبت لك الكتابة لم يكن حرًا بالإداء [156/ أ] وكان تأديته إليه كالخراج يأخذه منه.
فرع آخر قال في «الأم»: وإن عجز المكاتب عن نجم حل عليه، فقال السيد: أعجز بعضك وأقر بعضك لم يكن ذلك له كما لم يكن له أن يكاتب بعضه، فإن فعل وأدي على هذا عتق كله ويرجع السيد عليه بنصف قيمته.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو كاتب الرجل عبده كتابة صحيحة ثم أفلس السيد فالكتابة بحالها وكان للغرماء أخذ ما عليه من دين الكتابة عند محله.
ولو عجل المكاتب ما عليه قبل محله لم يكن للسيد منعه وكان للغرماء أخذه منه.
قال القاضي أبو حامد: تأويل هذه المسألة أنه أداه إلى الغرماء بإذن السيد، أو بإذن الحاكم فلذلك عتق فأما إذا لم يكن بالإذن، فلا يعتق لأنه لا يبرأ إذا عتق إلا بالبراءة مما عليه فإن كاتبه بعد الوقف وأدي إليه مال الكتابة لم يعتق وأخذ منه ما أدي إليه وبيع العبد عليه، ولو اختلف السيد والغرماء، فقالوا: كاتبته بعد الوقف، وقال السيد: بل كاتبه قبل الوقف، فالقول قول السيد وكذلك لو قال السيد: مع الغرماء كانت الكتابة بعد الوقف، وقال العبد: بل كانت قبل الوقف فالقول قول العبد وعليهم البينة، فإن كانت الكتابة صحيحة، فأقر السيد بعد التفليس أنه قبض منه شيئًا قبل الوقف، فالقول قوله: وكذلك كل ما أقر به الغريم له عليه حق.
مسألة: قال: «ولو دفع الكتابة وكانت عوضًا بصفة [فقبضه] وعتق ثم استحق».
الفضل [156/ ب] قال ذكرنا هذه المسألة وذكرنا أن قول السيد: أنت حر عقيب أدائه المال لا يصير بقوله حرًا إذا ظهر الاستحقاق وأنهما لو اختلفا، فقال المكاتب: أردت بقولك: أنت حر ابتداء الإعتاق، وقال السيد: بل أردت بالعوض الذي أداه، فالقول قول السيد: لأن الظاهر معه، قال أًحابنا: فإن كان ذلك قبل أن أدي إليه العوض ثبت بذلك حريته لأنه لم يكن مضافًا إلى الأداء، ولو قال بعد الاستحقاق: أنت حر عتق عليه، ولا يقبل أني أردت ما ظننته من عتقه بالأداء بخلاف الظاهر ولو قال بعد الأداء والعتق في الظاهر وقبل الاستحقاق أنت حر، ثم قال بعد الاستحقاق بالعتق ما كان من ظاهر الأداء، فهل يقبل منه وجهان محتملان أحدهما: تقبل كما يقبل منه عند الأداء لأنه في الحالتين على سواء، والثاني: لا يقبل ويكون القول قول المكاتب مع يمينه لأن العتق

الجزء: 8 - الصفحة: 397

بالأداء انقضى زمان ظاهره، فصار لما تجدد بعده من لفظ العتق حكم مبتدأ.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه ذكر في «الأم» مسألتين في هذا الفصل، أحدهما: إذا قال لعبده: إن أعطيتين ثوبًا من صفته كذا وكذا، فأنت حر، فدفع ثوبًا على تلك الصفة إلا أنه مستحق للغير لا يعتق لأن الظاهر إعطاء ثوب يملكه وينتفع به والمستحق لا يملك، ولا ينتفع به، والثانية: قال: وكذلك لو قال لعبده: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فغصبه وأعطاه لا يعتق فسوى بين الثوب المطلق وبين الثوب المعين، وقد فصل بينهما في الخلع، فقال: [157/ أ] في الثوب المطلق لا يقع الطلاق وفي المعين، قال: يقع الطلاق فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان نقلًا وتخريجًا، ومنهم من حمله على ظاهرها وفرق بأن الطلاق له من التغليب ما ليس للحرية ألا ترى أنه لا يجوز أن يقف في بعض الشخص بحال والعتق قد يقف في بعض الشخص.
وأيضًا الفرق أن للزوجة مدخلًا في رفع النكاح بالفسخ، فكان رفعه بالطلاق أوسع حكمًا وليس للعبد مدخل في رفع رقه فكان العتق أضيق حكمًا، وقال صاحب «الحاوي»: في هذا الفرق نظر، والذي عندي أن العتق يقع بالمستحسن إذا كان معينًا كالطلاق لأن المغلب فيهما مع التعيين حكم الصفة، وإن لم يكن الخلع أقوى لكونه عقد معاوضة لم يكن أضعف من مجرد العتق بالصفة.

باب الوصية بالمكاتب والوصية له

مسألة: قال: «ولو أوصى به لرجل وعجز قبل الموت، أو بعده لم يجز».
أعلم أنه إذا كاتب عبده ثم أوصى برقبته فإن كانت الكتابة صحيحة لا تصح الوصية لأن للسيد وإن كان يملك المكاتب ملكًا ضعيفًا فإنه يحول بينه وبين التصرف في رقبته ومنفعته ولا فرق بين أن يعجز أو لا يعجز حين يبتديء الوصية بعد الملك بالتعجيز، فإن قال السيد: إذا عجز المكاتب وبطلت كتابته فقد أوصيت به لفلان تكون هذه وصية صحيحة إن عجز لأنه وصية بصفة ونظير هذا أنه لو أوصي لرجل بعبد لا يملكه لا يجوز وإن ملكه بعد ذلك حتى يستأنف الوصية [157/ ب] بعد الملك ولو أوصي بعبد لا يملكه إن ملكه صحت الوصية وعلى هذه إذا أوصي بثلث ماله ولا مال له ثم ملكه فالمشهور جوازه لأن تقديره بثلث مالي إن مكلته فتكون هذه الوصية مضافة إلى ملك فيصح، وإذا قال: أوصيت له بثلث ما اكتسبه أو بثلث ما أملكه إلى الموت يصح لأنها مضافة إلى ملكه.
مسألة: قال: «ولو أوصي بكتابته جازت في الثلث».
يعني: إذا كاتب عبده كتابة صحيحة ثم أوصي بالمال الذي في ذمته، فإن الوصية تصح لأنه مالك لذلك المال، فصار كمات لو أوصي بدين له في ذمة إنسان تصح

الجزء: 8 - الصفحة: 398

الوصية، فإذا ثبت هذا فمات الوصي لزمت الوصية بموته من الثلث ثم ينظر في المكاتب فإن أدي المال إلى الموصي له عتق ولا يحتاج في ذلك إلى إذن الورثة ويثبت عليه الولاء للموصي لأنه عتق بسبب منه وينتقل ذلك إلى العصبات من ورثته، فإن أظهر العجز فللورثة أن يعجزوه وتبطل الوصية، وإن قال الموصي له: أنا أنظره بالمال وأراد الورثة تعجيزه لم يكن له منعهم من حقهم، وهذا كما لو أراد السيد يقره على الكتابة وأراد المجني عليه تعجيزه ليبيع رقبته لم يكن للسيد إسقاط حقه من تعجيزه وبيع رقبته وإن عجز المكاتب نفسه بطلت الوصية، قال في «الأم»: وهكذا لو أوصي بكتابة مكاتبه لرجل وبرقبته لآخر إن عجز كان للذي أوصي له أن يعجزه.
ولو أدي المال عتق ويكون ذلك المال للموصي له، بها وبطلت وصية الآخر، وإن عجز نفسه سلمت الرقبة إلى الموصي له بها وبطلت وصية الآخر بالمال [158/ أ].
فرع قال في «الأم»: ولو قال: أوصيت له بما يعجله مكاتبي من مال الكتابة صحت الوصية لأن تعليق الوصية بالصفات المجهولة تصح ثم ينظر فإن عجل شيئًا مما عليه دفع ذلك إلى الموصي له وإن لم يعجل بل أدي المال في نجومه بطلت الوصية، ولا يجبر على تعجيله ولا يعجز إذا لم يعجله.
مسألة: قال: «ولو كانت الكتابة فاسدة بطلت الوصية» أراد بهذا الوصية بالنجوم والكتابة فاسدة لا تصح لأنه لا يملك بالكتابة الفاسدة المال في ذمته، وقال أبو إسحاق: إلا أن يقول: ما قبضت من نجومه الفاسدة فقد أوصيت به لفلان فتكون هذه وصية صحيحة كما قلنا في الوصية بملك غيره إذا أضافه إلى ملكه ويحكي هذا عن الشافعي رضي الله عنه، وقال الداركي: لا أعرف لهذا وجهًا، وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا قبضته وعتق بالصفة وما أخذ مثل قيمته، أو أقل فقد ملكه فتصح الوصية به.
مسألة: قال: «ولو أوصي برقبته وكتابته فاسدة ففيها قولان».
إعلم أنه إذا كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصي برقبته فيه قولان منصوصان في «المختصر» أحدهما: تصح لأن ملكه لم يزل عن رقبته، والثاني: لا يصح قال المزني: الأشبه بقوله أن يصح لما ذكرنا من العلة، وقال أبو إسحق: يحتمل أن يكون القولان إذا لم يعلم بفساد الكتاة فأما إذا علم بفسادها صحت الوصية قولًا واحدًا، وهكذا إذا باعه بيعًا فاسدًا ثم أوصي به فإن لم يعلم بفساد البيع هل تصح الوصية قولان، وإن علم بفساده صحت الوصية [158/ ب] قولًا واحدًا، قال: ويحتمل أن تكون المسألة على قولين سواء على السدي أن الكتابة فاسدة، أو لم يعلم لأن الكتابة الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق بالأداء ويخالف هذا إذا باع بيعًا فاسدًا ثم أوصي به، وهو يعلم أنه

الجزء: 8 - الصفحة: 399

فاسد صحت الوصية قولًا واحدًا لأن البيع الفاسد ليس كالصحيح.
والصحيح الطريقة الأولى، لأن الشافعي نص في «الأم»، فقال: فيه قولان: أحدهما: الوصية باطلة إلا أن يقول: ليس بمكاتب لأن كتابته فاسدة، فأما إذا أوصي به وهو يراه مكاتبًا، فالوصية باطلة لأنه أوصي به وهو يراه لغيره.
والثاني: جائزة في الوجهين جميعًا لأنه ليس بمكاتب ولا خارج عن ملكه بالبيع الفاسد فقد صرح الشافعي بأن القولين إذا لم يعلم بفساده ونص أيضًا على أنه إذا أوصي بشيء وهو لا يعلم أنه مالكه ثم علم أنه كان قد ورثه فيه قولان، وهو أيضًا نص صريح على مثل ما ذكرنا.
وأما إذا باع شيئًا وعنده أنه لغيره فإذا هو قد ورثه ولم يعلم نص الشافعي على بطلان البيع، قال أصحابنا: وفيه قول آخر يصح البيع لأنه صادف ملكه، ولعلهم أخذوا هذا القول من الوصية ومن أصحابنا من قال: البيع لا يصح قولًا واحدًا بخلاف الوصية لأنها مبنية على الحظر بخلاف البيع.
مسألة: قال: «ولو قال: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقي عليه وبمثل نصفه».
الفصل ذكر الشافعي في هذا الفصل ثلاث مسائل ترك المزني الأولى منها لسهولتها ونقل [159/ أ] الثانية والثالثة والأولى هي أصل للثانية وصورة الأولى أن يوصي رجل، فيقول: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة فقد أوصي أن يوضع عنه نصف ما بقي عليه وزيادة لأن أكثر الشيء ما زاد على نصفه فيضع عنه الورثة نصف ما بقي عليه وزيادة ما شاؤوا من غير تحديد بمقدار.
والثانية التي نقلها المزني وصورتها أن يقول: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه من مال الكتابة ومثل نصفه فقد أوصي بأن يوضع عنه ثلاثة أرباع مال الكتابة وزيادة شيء لأن أكثر ما بقي هو النصف وزيادة عليه ونصف ذلك يكون الربع وزيادة شيء، فإذا كان ألف درهم فأكثر ما عليه خمس مائة درهم وزيادة، وإن قلت: فيوضع عنه خمس مائة درهم إن شاء الورثة أن يكون الزيادة درهمًا ويوضع عنه مائتان وخمسون ونصف درهم، وهو النصف.
جملة الموضوع عنه سبع مائة وخمسون ودرهم ونصف درهم، والباقي عليه.
ولو زاد على ثلاثة أرباع المال درهمًا كفي ولا يلزمه مثل نصف ذلك الدرهم وصار كأن الزيادة على النصف كانت بثلثي درهم والزيادة الثانية بثلث درهم.
والثالثة، أن يقول: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه ومثله فقد أوصي بأن يوضع عنه زيادة على مال الكتابة لأن أكثر ما بقي هو النصف وزيادة ومثل ذلك يكون نصفًا وزيادة، فيكون الجميع أكثر من مال الكتابة فتصح الوصية بمال الكتابة وتبطل في

الجزء: 8 - الصفحة: 400

الزيادة لأنها وصية بمال لا يملك ولا يمكن أن يوضع إلا ما عليه [159/ ب].
مسألة: قال: «ولو قال: ضعوا عنه ما شاء».
الفصل نقل المزني: أنه لا يجوز أن يشاء جميع ما عليه بل يحتاج أن يبقي منه جزءًا، وإن قل، ونقل الربيع عن «الأم»: أنه إذا قال: ضعوا عنه من كتابته ما شاء فشاء كلها لم يوضع عنه حتى يبقي منها شيئًا، فقيد بقوله من كتابته، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: الصحيح ما نقله الربيع، وإنما يوضع البعض إذا قال: ضعوا عنه من كتابته شيئًا لأن «من» تقتضي التبعيض، فأما ما نقله المزني، وهو إذا قال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء، فإذا شاء الكل وضع عنه لأنه علق ذلك بمشيئته مطلقًا، وقال أبو إسحاق: الكلامان معًا صحيحان، أما ما نقله الربيع فصحيح على ما ذكرنا، وأما ما نقله المزني فله وجه صحيح، وذلك لأنه لو أراد وضع جميع مال الكتابة لقال: ضعوا عنه جميع مال الكتابة فلما قال: ضعوا عنه ما شاء كان معناه ما شاء من كتابته فحمل على ذلك، وقيل: معناه في التقدير: ضعوا عنه ما شاء مما عليه، أو من مال الكتابة، فإن لا يصح إلا هكذا فكأن كلمة «من» مضمرة فيه، وهكذا قال القاضي الطبري، وقال صاحب «الإفصاح» إذا قال: من مال كتابته فهو كما قال في «الأم»: وإذا لم يقل ذلك، وأطلق كما نقل المزني: فيه وجهان، وقال القفال: غلط المزني وترك كلمة «من» ولا بد من ذلك ليصح ما ذكر من الجواب.
فرع قال في «الأم»: ولو قال: ضعوا عنمكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا عنه ما شؤوا من كتابته، وإن قل وإذا وضعوا قدرًا، وإن كثر [160/ أ] يكون ذلك بوصيته ولا يقال: الزيادة على الواجب تبرع من جهة الوارث لأن لفظ الموصي يحتمل ذلك ولهم أن يضعوا ذلك عنه من آخر نجومه، أو أولها كما يوصي لرجل بدين عليه من دين حال، أو بأجل وضعوا عنه إن شاء من الحال وإن شاء من المؤجل.
فرع آخر ولو قال: ضعوا عنه نجمًا من نجومه، أو بعض نجومه لم يكن لهم أن يضعوا عنه نجمًا، ولهم أن يضعوا عنه أي نجم شاؤوا.
فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه ما يخف من كتابته، أو ضعوا عنه ما يثقل عليه من كتابته، أو ضعوا عنه جزءًا من كتابته، أو ضعوا عنه كثيرًا من كتابته، أو قليلًا من كتابته، أو ذا بالٍ من كتابته، أو غير ذي بالٍ كان إليهم أن يضعوا عنه ما شاؤوا لأن

الجزء: 8 - الصفحة: 401

القليل يخفف عنه من كتابته، ويثقل عليه مع غيره في كتابته ويكون كثيرًا وقليلًا.
فرع آخر قال: ولو أوصي له بنجم من كتابته وكانت نجومه مختلفة كان ذلك إلى الورثة يعطونه أي نجم شاؤوا متقدمًا، أو متأخرًا أقل النجوم مالًا أو أكثرها، ولو قال: ضعوا عنه أكبر نجومه أو أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مقدارًا لأن الأكبر لا يعبر عنه عن طول الأجل لأنه لا يقال: أجل كبير وصغير، وإنما يقال: أجل طويل وقصير.
فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه أوسط نجومه، فإن كانت ثلاثة وكانت متفقة الآجال والمقدار وضع الثاني، وإن كانت أربعة كانوا بالخيار بين أن يضعوا الثاني أو الثالث لأن له أوسطين، وإن كانت خمسة وضعوا الثالث، وإن كانت مختلفة في [160/ ب] الآجال والمقدار مثل أن يكون أحدهما مائة والآخر مائتين والآخر ثلاثمائة ويكون أحدها إلى شهر والآخر إلى شهرين والآخر إلى ثلاثة أشهر، كانوا بالخيار بين أن يضعوا الأوسط من الآجال والمقدار والعدد.
فرع آخر لو قال المكاتب: أراد السيد في المقدار، وقال الورثة بل أراد في العدد، فالقول قول الورثة أنهم لا يعلمون ما أراد والخيار إليهم وعليهم اليمين، وهكذا الحكم إذا قال: ضعوا عنه نجمًا من أوسط نجومه ولا فرق بين العبارتين.
فرع آخر قال: ولو قال لمكاتبه: إذا عجزت بعد موتي فأنت حر عتق بعجزه بعد الموت لأنه لا يمتنع أن يكون الموت صفة في وقوع العتق كالتدبير، قال أصحابنا: ويصح مثله في قول السيد لعبده: إذا دخلت بعد موتي الدار فأنت حر أن يعتق بموت السيد بدخولها لأن الصفة المطلقة تقتضي حال الحياة، وإذا قيدها بما بعد الموت تعلقت به، وقال صاحب «الحاوي»: وفي هذا نظر عندي، وفرق بينه وبين مسألة المكاتب لأن العبد موروث فجاز أن يعتق المكاتب بالعجز لبقائه على حكم ملك السيد، ولم يعتق العبد بدخول الدار لخروجه عن ملك السيد.
فرع آخر قال: لو ادعي العجز في هذه المسألة فإن كان قبل حلول النجم لم يعتق لأن العجز وقت الاستحقاق، وإن ادعي بعد حلول النجم أنه عاجز اعتبر ما بيده فإن كان معه مال النجم لم يعتق لأنه ليس بعاجز وإن جاز أن يعجز نفسه لأنه على عتقه بالعجز لا

الجزء: 8 - الصفحة: 402

بالتعجيز، وإن لم يكن بيده مال، فالظاهر عجزه، [161/ أ] فيكون القول قوله مع يمينه في التعجيز إن كذبته الورثة لأنه أمر يتعلق به، فالمرجع إليه، فإذا حلف عتق ولو عجز عن آخر النجوم، وقدر على الأول، والثاني: كان عجزًا يعتق به.
فرع آخر لو كاتب عبدًا غائبًا وعبدًا حاضرًا فقبل الحاضر لنفسه وعن الغائب لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا لا يصح لأنه لم يأذن له الغائب بذلك فلا يصح.
فرع آخر لو كاتبه على زقاق خمر فلو عجل دفعها إلى السيد قبل حلول النجم، قال بعض أصحابنا فيه وجهان، وإلا ظهر أنه لا يعتق لأن في الكتابة الفاسدة يعتق بالصفة والصفة عند حلول النجم.
فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي فعبدي مكاتب لا يكون شيئًا إلا أن يقول: كاتب عبدي.
فرع آخر لو خلف لا يبيع عبده فكاتبه لا يحنث لأنه لا يسمي بيعًا في العرف وقيل: فيه وجه آخر يحنث لأنه بيع رقبته منه في الحقيقة.
فرع آخر إذا كاتب عبده المرهون لا يجوز وكذلك إذا كاتب عبده المؤجر لا يجوز لأن الرهن يقتضي البيع والكتابة تمنع البيع والكتابة تقتضي التمكين من التصرف، والإجارة تمنع ذلك.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يجوز كتابة أم الولد والمدبر لأنه عتق بصفة يجوز أن يتقدم الموت فجاز في المدبر وأم الولد بالعتق المعلق بدخول الدار، وقال ابن أبي أحمد في «التخليص»: أم الولد في جميع أحكامه كالأمة إلا في أربع مسائل، لا يجوز بيعها ورهناها وهبتها وكتابتها، ولا يجري فيها الوصايا [161/ ب] أو المواريث، قاله في البيع نصًا وقلته في الباقي تخريجًا، وقال القاضي الطبري: قال في «الأم»: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنه لا يجوز لسيدها بيعها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وهذا يدل على أنه يجوز له أن يكاتبها، قال: ومن أصحابنا من خرج في جواز كتابتها وجهًا آخر أنه يجوز ولأن الشافعي نص أن المكاتبة إذا حبلت من سيدها لم تبطل الكتابة، وقال الداركي: فيه وجهان، وهذا كله تخليط، والفرق بين استدامة الكتابة وابتدائها أن الاستدامة أقوى من الابتداء، وقد أجمع أصحابنا على أن الإحبال يمنع ابتداء الرهن ولا يمنع من استدامته في أحد القولين، ولا يجوز كتابة أم الولد على ما أِار إليه في «الأم»، وهذا أصح عندي لأن الكتابة اعتياض عن رقبتها، ولا يجوز ذلك كالبيع والمشهور عند أصحابنا بخراسان جواز

الجزء: 8 - الصفحة: 403

كتابتها وكذلك عند أكثر أصحابنا بالعراق والتحقيق ما ذكرنا والله أعلم.
فرع آخر ذكره والدي رحمه الله إذا أدي الكاتب المعيب إلى سيده ولم يبق عليه شيء فقبل معرفة السيد بالعيب شهد المكاتب عند الحاكم هل تقبل شهادته؟ يحتمل وجهين، فإذا لم يقبلها وردها فعاد بعد الرضا بالعيب، وأعاد الشهادة هل يقبل هذا المعاد أم لا؟ يحتمل وجهين.
فرع آخر إذا قال لعبده: أت حر مثل هذا العبد، وأشار إلى عبد آخر يحتمل أن لا تقع الحرية لأن حرية البدن غير الحرية في المشتبه به، فيعلم أن القصد به حرية الخلق وهذا يشبه ما يقول: إذا قال: أنت أزني من فلان لم يكن قاذفًا [162/ أ] إلا أن يقول: فلان زان، وأنت أزني منه.
فرع آخر لو قال لعبده: أنت حر مثل هذا وأشار إلى عبد، ولم يقل: هذا العبد احتمل أن يعتقا والأصح أنهما لا يعتقان لأن عتق المشبه به لم يثبت حتى يعتق هذا بتمثيله به، وهو قياس ما ذكرنا في القدف سواء.
فرع آخر إذا قال: فلان أخي ثم [قال:] أردت به الإخوة من الرضاع يجب أن يقبل لأن اللفظ وإن كان محتملًا فالأظهر من محتمليه هو الإخوة من جهة النسب ولا يقبل قول أحد فيما يخالف ظاهر كلامه، ولهذا لما ذكر الله تعالى المحرمات في القرآن قيد الأمهات والأخوات بالرضاع لما قصد ذكرهن ولم يقيد أمهات النسب وأخواته بذكر النسب، ولهذا نقول: لو قال أردت به الإخوة بالإسلام لم يقبل، وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ويحتمل أن يقبل ذلك عندي لأن الناس يسمونه أخًا مطلقًا في بعض البلاد.
فرع آخر إذا أوقع العتق على بعض مملوكه سرى إلى الباقي إذا كان قابلًا للعتق إلا في مسألة ذكرها بعض أصحابنا، وهي: إذا وكل آخر بأني يعتق عبده كله فأعتق الوكيل نصفه، ففي وقوع العتق على النصف وجهان: أحدهما، لا يقع، والثاني، يقع وبه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: لا يعتق إلا النصف ويبقي نصفه لإعتقا المالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قد يستسعي في الباقي، وهذا الوجه ضعيف على أصلنا لأن إعتاق الوكيل عنه كإعتاقه بنفسه فلما امتنع التبعيض هناك كذلك ههنا.
فرع آخر إذا قال لآخر: [162/ ب] أنت تعلم أن العبد الذي في يدي حر حكم بحريته، ولو

الجزء: 8 - الصفحة: 404

قال: أنت تظن أنه حر لم يحكم بحريته، والفرق أن في الأول لو لم يقل بالحرية أدي إلى أن لا يكون المقول عالم بحريته، والسيد معترف بعلمه بذلك، فأوقعنا الحرية ليتحقق هذا المعني، وفي المسألة الثانية إذا لم يوقع الحرية لم يخرج المقول له من أن يكون ظانًا لجواز أن يظن الإنسان الشيء على خلاف ما هو به ومثل هذا في العلم لا يصح.
فرع آخر إذا قال لآخر: أنت ترى أن العبد الذي في يدي حر احتمل أن لا تقع الحرية ويحتمل أن تقع الحرية ويحتمل الرؤية ههنا علم العلم كما قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال لامرأته: إن رأيت الهلال فأنت طالق حنث إذا رآه غيره وتحمل الرؤية على العلم.
فرع آخر رجل ضرب عبد غيره، فقال صاحب العبد للضارب معاتبًا له على الضرب عبد غيرك حر مثلك هل تقع الحرية بهذا القول؟.
قال والدي رحمه الله: عندي أنه لا تقع الحرية لأنه لم يعين عبده.
واللفظ محمول على عبد واحد من عبيد الدنيا كبير عنه مع أنه اعتراف بالحرية وهو مناقض لأنه وصفه بكونه عبدًا حرًا، فهو كما لو قال: عبدي لفلان لا يكون إقرارًا لما فيه من التناقض.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أوصي لعبده بثلث ماله فيه ثلاثة أوجه أحدها: بطلت الوصية، والثاني: تصح بثلث نفسه فقط، والثالث: تصح بجميع ثلثه ويقدم نفسه عليه [163/ أ].

باب عتق أمهات الأولاد

مسألة: قال: وإذا وطئ أمته فولدت ما تبين أنه من خلق الآدميين».
الفصل اعلم أنه إذا وطئ أمته فولدت ولدًا منه، فالولد حر لأنها علقت في ملكه وتسري حرمة الحرية إلى الأم، فتصير أم ولدٍ له لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها بشيء من أنواع التصرفات، ولكن يجوز التصرف في منافعها بالوطئ والاستخدام، فإذا مات السيد عتقت بموته وبه قال عمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب والحسن ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد وأهل مصر وأحمد وإسحاق وكافة أهل العلم.
وروي عن جابر وعبد الله بن الزبير، وبه قال داود والشيعة يجوز بيع أم الولد، وروي الحجازيون عن علي رضي الله عنه أنه حرم بيعها، وروي العراقيون عنه جوازه، وروي الشيعة عن ابن سيرين عن علي رضي الله عنه، أنه قال: اضوا في أمهات

الجزء: 8 - الصفحة: 405

الأولاد بما كنتم تقضون فإني أكره أن أخالف أصحابي يعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وروي عن عبيدة قال: بعث إلى علي رضي الله عنه وإلى شريح أن اقضوا ما كنتم تقضون في أمهات الأولاد فإني أكره الاختلاف.
وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يخطب، فقال: إن عمر شاورني في أمهات الأولاد فاجتمع رأيي ورأيه أن يعتقن فقضي عمر بذلك، [163/ ب] ثم ولي عثمان فقضي بذلك حياته ثم وليت فرأيت أن أرقهن، فقال له عبيدة: رأيي عدلين في جماعة أحب إلى من رأي عدل.
وفي رواية عن علي رضي الله عنه، قال: اجتمع رأيي ورأيي عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة فمن أصحابنا من قال: رجع عن ذلك ومنهم من قال: لم يرجع عن ذلك ولكن العصر الثاني: أجمعوا على أنها لا تباع ويرتفع الخلاف السابق في أحد القولين.
وروي عبد الله بن قارب الثقفي أنه اشتري رجل جارية بأربعة آلاف كانت قد أسقطت من مولاها سقطًا، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأتاه بالدرة ضربًا وقال: بعدما اختلطت لحومكن بلحومهن ودماؤكم بدمائهن بعتموهن وأكلتم أثمانهن لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم أن يأكلوها فباعوها وأكلوا أثمانها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان: إحداهما، أنه قال: هي كشاتك أو بعيرك، والثانية، أنه قال: تجعل في سهم الولد وتعتق عليه، وروي عن سلامة بنت مغفل، فقالت: كنت للخباب بن عمرو فمات ولي منه غلام فقالت امرأته: الآن تباعين في دينه فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال - صلى الله عليه وسلم -: طمن صاحب تركة الخباب»، فقالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تبيعوها وأعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم عنها»، ففعلوا فاختلفوا فيما بينهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: بل هي حرة أعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففي ذا كان الاختلاف.
وروي فرفع خوات إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله: «لا تباع وأمر بها فأعتقت».
وروي عن قتادة أنه قال: إن عمرَ وعُمر يعني عمرَ بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أعتقا أمهات الأولاد ومن بينهما من الخلفاء.
واحتجوا بما روي عن جابر رضي الله عنه، قال: كنا نبيع أمهات أولادنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا إلى أن نهانا عنه عمر رضي الله عنه فانتهينا.
وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما قالا: كنا نبيع أمهات

الجزء: 8 - الصفحة: 406

الأولاد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ودليلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عند موته: «ما أخلف دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة»، قالت عائشة رضي الله عنها، فمارية، فقال: «تلك أعتقها ولدها».
وقال الوليد بن عبد الرحمن عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علي رضي الله عنه أن أم إبراهيم حرة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لأم إبراهيم حين ولدت: «أعتقها ولدها».
وروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة»، وروي: «فهي معتقة من دبر منه»، وروي ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أم الولد لا يبعن ولا يوهبن [164/ ب] ولا يورثن، ويستمتع بها سيدها ما بدا له فإذا مات فهي حرة».
وقال الإمام أحمد البيهقي: هذا رواه ابن عمر عن عمر وغلط من رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي ابن عباس رضي الله عنه، قال: أعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهات الأولاد، وقال: «لا يبعن في دين، ولا يجعلن في وصية».
وأما خبرهن فليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ذلك فأقرهم عليه، ويحتمل أنه نهي عنه بعد ذلك ولم يبلغها النهي ويبلغ عمر ومن تابعه، فأجمعوا على تحريم بيعهن.
وقال الإمام أحمد البيهقي أقوى شيء فيه إجماع الخلفاء، أو نحمله على الاستلاد برفع النكاح.
ورفع إلى شريح رجل تزوج أمة فولدت له أولادًا ثم اشتراها فرفعهم شريح إلى عبيدة، فقال عبيدة: إنما تعتق أم الولد إذا ولدت أحرارًا، فإذا ولدتهم مملوكين، فإنها لا تعتق وبهذا أجاب الشافعي، وقال: لأن الرق جري على ولدها لغيره.
فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي رضي الله عنه: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنها لا تخرج من ملكه في دين ولا غيره.
وهي في ثلاثة أحكام كالحرة في البيع والرهو والهبة، وفي الكتابة خلاف ما ذكرنا وهي في ستة أشياء، كالأمة في ملك أكسابها ونفقتها ووطئها وفي العدة وشهادتها والجناية عليها، وتخالف الحرة في جنايتها خطأ فإن أرشها على السيد وفي تزويجها اختلاف على ما ذكرنا في كتاب النكاح.
وإذا تقرر هذا ففيه مسائل، أحدها: أن تعلق بولد حر في ملكه فتصير أم ولد بلا

الجزء: 8 - الصفحة: 407

خلاف [165/ أ] إلا في مسألة واحدة وهي الراهن إذا أحبل جاريته المرهونة، فإنها لا تصير أم ولده في أحد الأقوال على ما ذكرنا في كتاب الرهن.
والثانية: أن تعلق بولد مملوك في غير ملك بأن يتزوج أمة فأحبلها فأتت بولد يكون مملوكًا، فلا يثبت للأم حكم الاستيلاد بحال خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله إلا في مسألة واحدة، وهي المكاتب يستولد أمته يثبت له حكم الاستيلاد في أحد القولين، وإن كان الولد مملوكًا، والفرق أنه قد ثبت لهذا الولد حكم الحرية، فإنه مكتب على ولده وإن كان مملوكًا في الحال، وفي الولد الحاصل من النكاح لم يثبت حكم الحرية أصلًا، فلا يثبت لأمه حكم الاستيلاد كما لو استولدها بالزنا.
والثالثة: أن تعلق بحر في غير ملكه فهل تصير أم ولده فيه قولان ذكرناهما في مواضع.
فإذا تقرر هذا ينظر فإن أتت بولدٍ تام الخلقة، إما حيًا وإما ميتًأ تعلق بولادته أربعة أحكام، وهي أن تصير أم ولده وتجب فيه الغرة بالجناية، إن كان حرًا أو عشر قيمة أم إن كان مملوكًا وتجب فيه الكفارة وتنقضي به العدة.
وإن أتت بولد ظهر فيه شيء من خلقه الآدمي، إما يد أو رجل أو ظفر ونحو ذلك يتعلق به هذه الأحكام أيضًا، وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخليط، وقال القوابل: إن فيه تخليطًا باطنًا تتعلق به هذه الأحكام أيضًا لأن المرجع فيه [165/ ب] إلى القوابل اللاتي هن أهل المعرفة بذاك وقد شهدت بأنه ولد.
وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، ولكن قالت القوابل: بل هذا مبدأ خلق الآدمي ولو بقي لتخلق وتصور كانت به أم ولد أيضًا، فإن شككن فيه لم تكن به أم ولد، هذا هو الطريق الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، ونقله القاضي أبو حامد ذكره القاضي الطبري، وقال أبو إسحاق: لا تصير بهذا أم ولد قولًا واحدًا، قال أبو حامد وهو ظاهر ما نص ههنا لأنه شرط أن يتبين فيه من خلقه الآدمي، وهذا أصح عندي لأنه لا يسمي ولدًا فلا تصير به أم ولد؟، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، ونص الشافعي في العدة، على أن العدة تنقضي به، وقد شرحنا هذا في الكتاب العدة وذكرنا ما قيل فيه من الطرق.
فرع لو نظر إليه من الرجال من له بصيرة وعلم ذلك قبلنا فيه قول رجلين وإنما نص الشافعي على النساء لأن الرجال قلما يعلمون ذلك وليس ذلك تحتم ولكن هو الأولى والعدالة شرط في النساء وفي الرجال الذين رجعنا إلى قولهم.
مسألة: قال: «فإذا مات عتقت من رأس المال».
إذا مات سيد أم الولد، فإنها تعتق بموته من رأس المال بدليل ما روي أن مارية القبطية

الجزء: 8 - الصفحة: 408

لما أتت بإبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: [166/ أ] «أعتقها ولدها» أي أثبت لها حرمة الحرية وحقها ولم يرد به أنها عتقت في الحقيقة، ولا فرق بين أن يحبلها في الصحة أو في المرض لأنها بمنزلة ما يستمتع به من المأكول والطيب واللباس ونحو ذلك ولا فرق بين المديون وغيره لأن الاستيلاد لما تحقق صار كالاستهلاك بخلاف التدبير، ولهذا جاز بيع المدبر دون أم الولد، وقد روي أن عكرمة سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار، قيل له: بأي شيء تقوله، قال: بالقرآن، قالوا: بماذا قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، وكان عمر رضي الله عنه من أولى الأمر، قال: أعتقت وإن كان سقطًا وروي عنه أنه قال: «أعتقها ولدها وإن كان سقطًا».
مسألة: قال: «وولد أم الوليد بمنزلتها».
أم الولد إذا أتت بولد لا يخلو، إما أن تأتي به من سيدها أو من غيره، فإن كان من سيدها، فهو حر لأن الأول أتت به وهي مملوكة، وكان حرًا فهذا الولد الثاني وقد ثبت لها حق الحرية أولى أن يكون حرًا ولا يثبت الولاء على هذا الولد والاعتبار بالأم في رق الولد وحريته إلا في الاستيلاد فإن الولد في الحرية تبع الأب لا تبع الأم، وإن أتت به من غيره، إما من زوج أو من زنا.
وقول الشافعي من حلال أراد به من زوج فإنه يثبت له الحرية مثل ما يثبت لها وتعلق عتقه بموت السيد، فلا يجوز له التصرف فيه [166/ ب] بما لا يجوز في الأم لأن الولد تبع للأم في الرق والحرية وفي سبب الحرية إذا كان مستقرًا، ثم ينظر فإن مات السيد عتقت الأم والولد بموته، وإن ماتت الأم قبل موت السيد، فقد بطل حكم الحرية فيها، وبقي ذلك الحكم في الولد، فإذا مات السيد عتق بموته من رأس المال لأن الحكم ثبت له ثبوتًا مستقرًا فلم يبطل بموت الأم.
ولأن عتقه غير موقوف على عتق أمه ولكن يوقف عتقه وعتق أمه على موت السيد، فإذا مات السيد بقي من بقي من الولد كجماعة من المماليك تعلق عتقهم بوصف، فمات بعضهم ثم وجد الوصف وبهذا يخالف ولد المكاتب إذا عجزت نفسها وفسخت الكتابة، فإن ولدها يرق لأن أداء المال يسقط بفسخ الكتابة، وذلك العتق معلق بصفة أداء المال، فإذا سقطت الصفة سقط العتق في الأم والولد جميعًا، وقد روي عن ابن عمر رضي اله عنهما أنه قال: إذا ولدت الأمة من سيدها فنكحت بعد ذلك فولدت أولادًا كان ولدها بمنزلتها عبيدًا ما عاش، فإن مات فهم أحرار.
مسألة: قال: «ولو اشترى امرأته وهي أمة حامل منه، ثم وضعت عنده عتق ولدها منه».
الفصل إذا اشترى زوجته وهي حامل فولدت عنده، فإن الولد يكون لسيد الأمة، وقد ملك

الجزء: 8 - الصفحة: 409

ولده فعتق بالملك ولم يرد به الشافعي أنه يعتق يوم الوضع بل حكمنا بعتقه من بطنها يوم اشتراها حاملًا، وإنما هو توسع في العبارة ويثبت عليه الولاء.
وإن ولدت ثم اشتراها وولدها فأولى أن يعتق الولد، [167/ أ] وأمان الأم، فلا تصير أم ولد له أبدًا حتى تحمل منه وهي في ملكه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: تصير أم ولد له لأنها علقت بولد ثابت النسب منه، قوال مالك: إن اشتراها وهي حامل، فولدت عنده في ملكه تصير أم ولد له، وإن اشتراها بعد أن ولدت لا تصير أم ولد له.
ودليلنا: أنها عقلت بولدٍ مملوك، فلا تصير أم ولد له كما لو علقت بالزنا، وقد بينا أنه لو ملك ولد الزنا لا يعتق عليه خلافًا لأبي حنيفة.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أصابها بشبهة فعلقت منه ثم ملكها لم تكن به أم ولد، وقد ذكرنا أنه أحد القولين.
ولو كان بين رجلين أمة فأصابها أحدهما فعلقت قد ذكرنا فيما تقدم حكمه ونشير في هذا الموضع، فنقول: إن كان معسرًا فعليه نصف قيمة ولده ونصف مهر مثلها، وإن كان موسرًا، فعليه نصف قيمتها لشريكه وكلها أم ولد له، وفي نصف قيمة الولد قولان، قال القاضي أبو حامد: لا يلزمه في أولاهما لأنه أتلف حق شريكه منها بالعلوق قبل أن يكون للجنين قيمة، وهذه العلة لا تصح لأنه يوجب أن لا تجب أيضًا إذا كان معسرًا لأنه أتلف حق شريكه منه بالعلوق، قبل أن يكون للجنين قيمة وقد نص على أنه يجب ذلك ولكن العلة صحيحة فيه أنا جعلناها أم ولده في الحال، فيكون الوضع في ملكه فلا تجب قيمة الولد بخلاف ما إذا كان معسرًا فإنها وضعت نصفه في ملكه ونصفه فيملك شريكه لأن نصيب شريكه لم يصر أم ولد له.
ثم قال: «وللمكاتب أن يبيع أم ولده»، وقد ذكرنا حكمه وعند أحمد لا يبيعها، وقال ابن أبي أحمد: [167/ ب] لا تباع أم الولد إلا في ثلاث مسائل، إحداها: هذه، والثانية: أن يطأها فأولدها وهي مرهونة، والثالثة: إذا أحبلها بعد ما حنث وقد شرحناها فيما تقدم.
مسألة: قال: «ولو أوصي رجل لأم ولده أو لمدبره».
الفصل أما أم الولد، فالوصية لها تصح لأن الوصية تلزم بعد الموت وهي حرة في تلك الحالة فيصح أن تملك بالوصية، وأما المدبر والمدبرة، فالوصية لهما تصح أيضًا لأنهما يعتقان بموته، ولكن أم الولد تعتق بموت السيد من رأس المال ويعتبر خروج ما أوصي لها من الثلث، فإن احتمل جميعه نفذت الوصية فيه، وإن لم يحتمل نفذ في القدر الذي يحتمله الثلث، وأما المدبر والمدبرة فيعتبر قيمتهما، وفيه ما أوصي لهما به من الثلث،

الجزء: 8 - الصفحة: 410

فإن احتمل جميع ذلك نفذت الوصية، وإن لم يحتمل بديء باعتبار قيمة المدبر فإن خرجت من الثلث نظر حينئذ فيما أوصي به فإن بقي من الثلث شيء نفذ بقدره، وإن لم يبق شيء من الثلث بطلت الوصية، وإن لم يكن يحتمل الثلث جميع قيمة المدبر عتق منه بقدر ما يحتمله الثلث وبطلت الوصية له.
مسألة قال: «ولو جنت أم الولد».
الفضل إذا جنت أم الولد فالأرش يتعلق برقبتها وعلى السيد أن يفديها لأنه منع بيها بإحبالها، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الأرض بذمتها ويفارق هذا إذا كان له عبد، أعتقه ثم جني تعلق الأرض بذمته فيها.
فإذا تقرر هذا يضمن الأقل من قيمتها أو الأرش بخلاف العبد القن في احد القولين، فإنه يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ [168/ أ] لأنه يمكن بيعه بخلاف أم الولدفإن فداها السيد، ثم جنت ثانيًا، فقد ذكرنا في كتاب الجنايات قولين: أحدهما، أن الثاني يشارك الأول وعلل ههنا لهذا القول بأن إسلامه قيمتها كإسلامه بدنها لو كانت أمة، قنًا: فليس عليه سوى القيمة الواحدة.
ثم قال: ويدخل على هذا أن إسلامه قيمتها لو كان كإسلامه بدنها إلى الأول لزم الأول إخراج تلك القيمة بتمامها إلى الثاني إذا بلغ أرش الجناية الثانية قيمتها كما لو سلم الجارية الجانية إلى الأول فجنت في يده جناية يستغرق قيمتها وجب تسليمها إلى الثاني، والقول الأول أن السيد يغرم جنايتها، الثانية كما غرم الأول واختار المزني هذا القول، وبه قال أبو إسحاق، وقال: هذا أشبه بالحق عندي، ثم احتج المزني بحجة أخرى للشافعي، فقال: «لو كان إسلام قيمتها كإسلام بدنها لوجب أن تكون الجناية الثانية على قيمتها ولبطلت الشركة، وفي إجماعهم على إبطال ذلك إبطال هذا القول، وفي إبطاله ثبوت القول الآخر إذ لا وجه لقول ثالث، نعلمه عند جماعة العلماء ممن لا يبيع أمهات الأولاد».
ثم قال: «وإذا افتكها ربها عن الجناية الأولى صارت بمعناها المتقدم لا جناية عليها ولا على سيدها، فكيف إذا جنت لا يكون عليه مثل ذلك قياسًا؟»، فالجواب: أن السيد في الجناية الأولى قد غرم جميع قميتها لمنعه إياها عن البيع بالاستيلاد، والمنع لم يتكرر من السيد بتكرر الجناية كما يتكرر في العبد القن فكذلك لا يتكرر الغرم عليه، وإنما قلنا: لا يسترجع كل القيمة [168/ ب] من الأول لأن الجناية الثانية لم تحصل في ملك الأول حتى يلزمه الفداء، أو التسليم، وإنما حصلت في ملك السيد، ولكن الجنايات سواء في حق السيد، وهو ما ذكرنا من أن المنع واحد فيها.

الجزء: 8 - الصفحة: 411

واحتج أيضًا بأن قال: «وقد ملك المجني عليه الأرض بحق، فكيف يجني غيره وغير ملكه وغير من هو من عاقلته فيجب عليه غرمه أو غرم شيء منه» وأراد بهذا أن المجني عليه الأول قد ملك الأرض بكماله وهو قيمة أم الولد، فإذا جنت جناية أخرى لم يجز أن يسترجع منه بعض تلك القيمة بجناية حصلت من غيره وغير ملك، وغير من هو من عاقلته ليحترز ذلك عن عبده إذا جني وعن جميعه الذي هو من عاقلته، والجواب أن نقول: نحن إذا سلمنا قيمة أم الولد إلى الأول، نقطع القول بأنها صارت مسلمة له حيث لا يسترجع منه بعضها، ولكن حكمنا له مع جواز نقص ذلك الملك، بمعني عارض في بعض تلك القيمة ألا ترى أن الورثة إذا اقتسموا الميراث حكمنا لهم بالملك؟، ثم إذا وقعت بهيمة في بئر حفرها مورثهم نقضنا ملكهم في التركة بجناية حصلت من غيرهم وغير ملكهم وغير من هو من عاقلته.
مسألة: قال: «وإذا أسلمت أم ولد النصراني».
الفصل إذا كان للذمي أم ولد فأسلمت لا تعتق عليه، ولا تباع ولا تستعي، ولكن يحال بينه وبينها وتجعل في يد امرأة ثقة ينفق عليها من كسبها، فإن فضل شيء من كسبها كان لسيدها، وإن عجز عن نفقتها لزم السيد تمامها، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وقال مالك تعتق بإسلامها [169/ أ] ولا شيء عليها في إحدى الروايتين، وفي الرواية الثانية عنه أنها تباع عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: تستسعي في قدر قيمتها، فإذا أدي عتقت وهو رواية عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: تعتق ثم تستسعي في قيمتها، وقال الأوزاعي: يعتق نصفها، وتستسعي في النصف الباقي، ودليلنا: أنه إسلام طرأ على ملك فلا يقتضي عتقًا كالعبد القن إذا أسلم وقد دللنا على بطلان الاستسعاء.
فرع قال أبو إسحاق: إذا أرادت التزويج في هذه المسألة زوجها الحاكم، وكان للسيد مهرها، وكذلك إن اختار تزويجها وكرهته هي غير أنه لا يزوجها فإنما يزوجها الحاكم، وتكون نفقتها على زوجها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزوجها هو ولا الحاكم لأن ولاية التزويج لا تثبت إلا مع الموالاة في الدين، وهذا أظهر وهو اختيار القفال، والثاني: يزوجها النصراني لأنه يتصرف بالملك، فلا يمنع اختلاف الدين، وما ذكرنا أصح.
فرع قال أبو إسحاق: هذه الجارية ما دامت مقيمة لا تتزوج فهي أحق بحضانة الولد، فإذا تزوجت صار الأب أحق بالولد إلا أن يخاف الفتنة على دينه فيمنع من ذلك، وإذا

الجزء: 8 - الصفحة: 412

كان طفلًا لا يعقل فهو أحق به، قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أسلم خلي بينهما لأن المنع إنما تعلق بكفره، فإذا أسلم زال المانع.
مسألة: قال: «وإذا توفى سيد أم الولد أو أعتقها فلا عدة».
لا تجب العدة عليها، ولكن يجب الاستبراء، فإن كانت [169/ ب] من ذوات الأقراء، فإنها تستبرأ بقرء واحد، وبه قال مالك وأحمد، وقال الثوري: تعتد بقرأين، وقال أبو حنيفة: تعتد بثلاثة أقراء، وقال إسحاق: يلزمها عدة الوفاة، وقد مضت هذه المسألة بشرحها في كتاب العدة وإن كانت من ذوات الشهور، ففيه قولان: أحدهما: يلزمها شهر واحد لأن كل شهر في مقابله قرء، والثاني: يلزم ثلاثة أشهر وهو الأصح لأن براءة الرحم لا تعلم بدون ذلك لأن الولد يبقي في البطن أربعين نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة، فيتصور بعد ثلاثة أشهر وينتفج جوفها، فيعلم أن بها حملًا، وقيل: ذلك لا يعلم واختار المزني القول الأول.
مسألة: قال المزني: «وقد قطع خمسة عشر كتابًا بعتق أمهات الأولاد، ووقف في غيرها».
قال أبو إسحاق: ليس للشافعي في أم الولد إلا قول واحد أنها لا تباع، والذي حكاه المزني إنما هو قول حكاه الشافعي عن غيره وليس يتوقف منه فيه ولفظه في بعض المواضع لا يجوز بيعها في قول من لا يبعها يشير بذلك إلى خلاف كان في السلف، وذلك الخلاف اليوم مهجور، والفقهاء متفقون على منع بيعها فلا يكون هذا توقفًا فغلط المزني في هذا، وقيل: معناه توقف استيضاحًا لحكم الاجتهاد، وإفساد الدعوى للإجماع ردًا على مالك رحمه الله، فإنه ادعي بالاجماع في هذه المسألة بناءً على أصله في أن الإجماع إجماع أهل المدينة فقط لأن عليًا رضي الله عنه استجد خلافه في جواز [170/ أ] بيعها بالكوفة بعد أن وافق أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بالمدينة، فلم يعتد مالك بخلافه بعد خروجه عنها، والشافعي يخالفه فيما يعتقده من الإجماع في تحريم بيعها، وفيما يراه من إجماع أهل المدينة.
مسألة: قال: «وفي كتاب النكاح القديم ليس له أن يزوجها بغير إذنها».
في تزويج أم الولد ثلاثة أقوال ذكرناها في كتاب النكاح، والأصح أنه يجبرها على التزويج، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، فإذا قلنا: بالقول القديم لا يزوجها أصلًا، فإن أذنت، قد ذكرنا عن ابن أبي إسحاق والاصطخري أنهما قالا: لا يزوجها الحاكم على هذا القول لأن الحرية إذا منعت ولاية المولى، وهو السيد فلأن تمنع ولاية الحاكم أولى، وهذا يدل على ضعف هذا القول، وأن الصحيح ما ذكرنا وإذا جوزنا تزويجها فزوجها انقطع ملك السيد عن استمتاعها ويحرم عليه وطئها، ويحل

الجزء: 8 - الصفحة: 413

ذلك لزوجها ويلزمه المهر، ويكون ذلك للسيد لأنه من جملة الكسب.
فرع لو أراد أن يزوج ابنة أم الولد، فهي كالأم فيها ثلاثة أقوال: وإذا جوزنا تزويجها يجوز أن يتزوجها من غير استبراء بخلاف أم الولد لأنها ليست فراشًا للسيد.
فرع آخر لو كان الولد غلامًا لم يكن للسيد إجباره على النكاح لأن ليس بتكسب فيجبره عليه بخلاف الأمل، وليس لهذا الغلام أن يتزوج بغير إذن السيد وفي جواز تزويجه بإذن السيد وجهان، تخريجًا من الأقوال في أمه.
فرع آخر إذا وطئ أخته من الرضاعة [170/ ب] بملك اليمين يلزمه الحد في أحد القولين والتعزير في القول الآخر، والنسب يلحقه ويكون الولد حرًا، وتصير الجارية أم ولد له بكل حال، وليس على أصلنا وطئ يجب به الحد، وتصير الجارية أم ولده غير هذا الوطئ، وهكذا الكافر إذا وطئ أمته المسلمة قبل أن تباع عليه، هل يجب الحد قولان وعلى كل حال تصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه كالمسلم سواء.
فرع آخر أم الولد تضمن بالغصب خلافًا لأبي حنيفة وهذا على أصله أن التضمين يوجب التمليك ولا يملك أم الولد.
فرع آخر قال أحمد: إذا أحبل جارية ابنه تصير أم ولده لا يلزمه قيمتها، ولا مهرها لأنه لا يضمن قيمة ولدها، وهذا لا يصح لأنه لو لم يحبلها لزمه مهرها، فكذلك إذا أحبلها، ولأنها أتلف ملك غيره فيستحيل أن لا يلزمه الضمان.
فرع آخر للسيد إجارة أم الولد على ما ذكرنا وحكي عن مالك أنه ليس له إجارتها لأنه لا يبيعها، فلا يؤجرها كالمكاتبة، وهذا لا يصح لأنه يملك استخدامها فيملك إجارتها كالأمة القن سواء ويخالف المكاتبة لأنه لا يملك استخدامها، والله تعالى أعلم.
تم الجزء الثامن بتقسيم المحقق ويليه إنشاء الله الجزء التاسع وأوله: كتاب النكاح

الجزء: 8 - الصفحة: 414

الجزء: 8 - الصفحة: 415

الجزء: 8 - الصفحة: 416

بَحْرُ المَذْهَبِ في فُروعِ المذْهَب الشّافعي

تأليف القاضيُ العلاّمة فخر الإسلَام شيَخ الشّافعيّة الإمَام أبي المحاسن عَبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي سنة 502 هـ

تحقيق طَارق فَتحي السَيِّد

الجُزء التاسع المحتوى: كتاب النكاح - كتاب الصداق

الجزء: 9 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل