بحر المذهب للرويانيكتاب الصدقات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "فرض الله تبارك وتعالى على أهل دينه المسلمين في أموالهم لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسعهم حبسه عمن أمروا بدفعه إليه أو ولاته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
اعلم أن وجوب الزكاة يتعلق بثلاثة أحكام: إحدها: المال الذي تجب فيه.
والثاني: المال الذي تجب عليه.
والثالث: المستحق الذي تصرف إليه.
فأما المال الذي تجب فيه فقد ذكرنا في كتاب "الزكاة" أنه المال الثاني على شروطه الماضية وأما المالك الذي تجب عليهم فهم المسلمون واختلف أصحابنا في المشركين ها هم مخاطبون بها؟ وإن لم تؤخذ منهم على وجهين بناء على اختلاف أصحابنا، هل خوطبوا مع الإيمان بالعبادات الشرعية أم لا؟ فذخب أكثر أصحابنا إلى أنهم مخاطبون بالعبادات الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج كمخاطبتهم بالإيمان، وأنهم معاقبون على ترك ذلك لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)﴾ [المدثر:42 - 44] وقال آخرون: وهو قول العراقيين أنهم في حال الكفر إنما خوطبوا بالإيمان وحده، ولم يتوجه إليهم الخطاب بالعبادات الشرعية إلا بعد الإيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، ولان الزكاة لو وجبت عليهم لطولبوا بها بعد إسلامهم".
فصل وأما المستحق لصرف الزكاة إليه فهذا الكتاب مقصور عليه، والأمل فيه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103] أي تطهر ذنوبهم وتزكى أعمالهم فكان في هذه الآية وجوب لأدائها من غير ذكر لمستحقها وقال تعالى: {وَفِي

الجزء: 6 - الصفحة: 304

أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)} [الذاريات:19] فأما السائل: فهو الذي يسائل الناس لفاقته.
وفي المحرم خمسة تأويلات: أحدهما: أنه المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئاً ولا يعلم بحاجته، وهو قول قتادة.
والثاني: أنه المحارف الذي لا يتيسر له مكسبه، وهو قول عائشة.
والثالث: أنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، وهو قول ابن عباس.
والرابع: أنه المصاب بزرعه وثمره بعينه من لم يصب وهو قول ابن زيد.
والخامس: أنه المملوك وهو قول عبد الرحمن بن حميد.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" وقال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حيث بعثه إلى اليمن: "يا معاذ بشر ولا تنفر ويسر ولا تعسر، ادعه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم حقاً يؤخذ من أغنيائهم فيرد على فقرائهم" 2 فدل ما ذكرنا من الكتاب والسنة على أن الزكاة مصروفة في ذوي الفقر والحاجة من غير حرفة ولا تعيش وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمنا أنه من اجتهاده إلى أن كان ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة اليماني، فقال: إعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فاضرب عنقه، فقال: دعه 3 فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)﴾ [التوبة:58] ثم إن الله تعالى نزه بنيه عن هذا العتب وتولى قسمها بين أهلها فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:58] إلى قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60] أي عليم بالمصلحة حكيم في القسمة فعند ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لم يرض في قسمة الأموال بملك مقرب ولا نبي مرسل" حتى تولى قسمها بنفسه فصار مال الزكوات مقسوماً في أهله بنص الكتاب كالفيء والغنيمة.
وروى زياد بن الحارث الصدائي، فقال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعته فجاءه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال: "إن الله تعالى لم يرض في الصدقة بحكم نبي ولا غيره حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك حقك" 4.

الجزء: 6 - الصفحة: 305

فصل فإذا ثبت أنها تصرف إلى من سماه الله تعالى من الأصناف الثمانية فلا يجوز صرفها إلا إلى المسلمين كما لم يجز أخذها إلا من المسلمين هذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال ابن شبرمة: يجوز صرف الزكوات كلها إلى أهل الذمة، وكذلك الكفارات وقال أبو حنيفة: يجوز أن تصرف إليهم زكاة الفطر استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل ذات كبد حرى أجر" وبرواية سعيد بن جبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أهل الذمة من الصدقات، ولأن كل من جاز أن تدفع إليه صدقة التطوع جاز أن تدفع إليه زكاة الفطر كالمسلم.
ودليلنا رواية أنى بن مالك أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله نشدك الله، الله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا، فقال: نعم، فأخبر أن المأخوذ منهم عم المردود عليهم وهي من المسلمين مأخوذة فوجب أن تكون عليهم مردودة، ولأنه مال يخرج على وجه الطهر فلم يجز دفعه إلى من ليس من أهل الطهرة قياساً على زكاة المال: ولأن من لا يجوز دفع زكاة المال إليه لا يجوز دفع زكاة الفطر إليه كالأغنياء وذوي القربى، ولأن من نقص بالكفر حرم دفع الزكاة إليه كالمستأمن: ولأن الله تعالى خولنا أموال المشركين استعلاء عليهم فلا يجوز أن نملكهم أموالنا استدلالاً لهم.
فأما عموم الآية والخبر مخصومان بما ذكرنا.
وأما حديث سعيد بن جبير، فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه مرسل لا يلزمنا العمل به.
والثاني: أنه محمول على صدقة التطوع.
والثالث: يجوز أن يكون افترض منهم لأهل الصدقة فرد عليهم الفرض من مال الصدقة.
وأما قياسهم بأنه من يجوز دفع صدقة التطوع إليه كالمسلم فمنتقض بذوي القربى، ثم المعنى في المسلم أنه يجوز دفعه زكاة المال إليه وليس كذا الذمي، فكان إلحاقه بالمستأمن أولى، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال لأنهم أمناء على أخذه لأهله ولم نعلم أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرها عاماف لا يأخذها فيه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لو منعوني عتاقاً مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها".
قال الماوردي: أعلم أن الأموال ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة هي المواشي والزروع والمعادن، والباطنة الذهب والورق وعروض التجارات فأما الباطنة: فأرباب التجارات وسائر الأموال فصاحبها بالخيار في تفريقها بنفسه أو دفعها إلى الإمام العادل

الجزء: 6 - الصفحة: 306

ليتولى تفريقها بنفسه ولا يلزم دفعها إليه، وهو قول الجمهور.
وأما الظاهرة ففيها قولان: أحدهما: قاله في القديم: إن على أربابها دفع زكاتها إلى الإمام ولا يجزئهم تفريقها بأنفسهم وبه قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: وهو قوله في الجديد: إن أربابها بالخيار في دفعها إلى الإمام أو تفريقها بأنفسهم، ودليل قوله في القديم أن دفعها إلى الإمام واجب وهو مذهبه مالك وأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة:103] وإذا دلت هذه الآية على أن على الإمام الآخذ دلت على أن على الأرباب الدفع، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنياتكم فأردها على فقرائكم" فدل ذلك من قوله على مثل ما دلت عليه الآية، وقال أبو بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة لو منعوني عتاقاً أو عقالاً مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه، فوافقته الصحابة بعد مخالفته، فدل على أن عليه الأخذ وعليهم الدفع بإجماع الصحابة، ولأنه حق يتعلق بالمال الظاهر يصرف إلى الأصناف على أوصاف، فوجب أن يكون تفرد الإمام به شرطاً في أجزائه كالخمس.
ودليلنا، قوله في الجديد أن تفرد أربابها تفريقها يجوز لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فجعل كلا الآمرين مجزئاً وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:274] فدل عموم الآيتين على جواز إخراج الصدقات فرضاً ونفلاً من غير تخصيص.
وروي أن أبا ثعلبة الخشني حمل صدقته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فردها وحملها إلى أبي بكر فردها وحملها إلى عمر، فردها، فلو كان تفرده بإخراجها لا يجزئه لما استجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردها عليه، لأن فيه تضييعاً لها من غير إجزاء، ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه، ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه كالكفارات؛ ولأن ما أخرج زكاة لم يجز دفعه إلى الإمام كالمال الباطن، ولأن من جاز له أن ينفرد بإخراج زكاة المال الباطن جاز له أن ينفرد بإخراج زكاة المال الظاهر كالإمام.
فصل فإذا تقرر توجيه القولين انتقل الكلام إلى التفريع عليهما فإذا قيل بوجوب دفعها إلى الإمام، وإن تفريق ربها لا يجوز، فلا يخلو حال الإمام من أن يكون عادلاً أو جائزاً، فإن كان الإمام عادلاً، فعلى رب المال أن يدفعها إلى الإمام أو إلى من استخلفه الإمام عليها من عماله وسعاته، فإن كان الإمام والعامل حاضرين كان رب المال بالخيار في دفعها إلى أيهما شاء والأفضل أن يدفعها إلى الإمام، لأنه أصل.
وإن كان الإمام غائباً عن المال والعامل حاضراً، فعلى رب المال أن يدفعها إلى

الجزء: 6 - الصفحة: 307

العامل، وليس له أن يؤخرها حتى يدفعها إلى الإمام وإذا دفعها رب المال إلى الإمام أو إلى عامله برئ رب المال منها، وكانت يد الإمام ويد عامله سواء لنيابته عنه، فإن هلك ذلك في يده كان تالفاً لأهل السهمان من مال أهل السهمان ولم يضمنه إلا بالعدوان.
وإن كان الإمام جائراً لم يجز دفعها إليه، لأنه بالجور قد خرج من الأمانة، وجاز لرب المال أن يفرقها بنفسه للضرورة، فإن دفعها إلى الإمام الجائر لم يجز رب المال إلا أن يعلم وصولها إلى أهل السهمان، ولا يكون الإمام الجائر نائباً عنهم، فإن هلك المال في يده أو استهلكه بنفسه، فعلى رب المال إخراجها ثانية سواء أخذها الإمام الجائر منه جبراً أو دفعها إليه مختاراً.
وقال أبو حنيفة: يجزئه أخذ الإمام الجائر لها سواء أخاها جبراً أو دفعها رب المال مختاراً.
وقال مالك: إن أخذها الإمام الجائر جبراً أجزأه، وإن دفعها رب المال مختاراً لم يجزئه.
واستدل من أجاز ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "السلطان يفسد، وما يصلح الله به أكثر، فإن عدل فله الأجر عليكم، وإن جاز فله الوزر وعليكم الصبر" فلما جعل وزر جوره عليه لم يجز أن يعود على غيره، في تكليف رد المال الإعادة يحتمل لوزره، ولأن الإمام الجائر في استيفاء الحدود كالعادل فكذلك في الزكاة، ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: أحدهما: أن من سقطت الحدود باستيفائه لها سقطت الزكاة بقبضه لها كالعادل.
والثاني: أن ما سقط باستيفاء الإمام العادل له سقط باستيفاء الإمام الجائر له كالحدود ولأن خيانة النائب لا تقتضي فساد القبض كالوكيل.
ودليلنا، ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم" فجعل حدوث المعصية منه، وإن كان من المعصية بعيداً رافعاً لوجوب الطاعة، وإذا ارتفعت طاعة الوالي لجوره صار كغيره من الرعية التي لا تجزئ الزكاة بأخذهم لها، ويتحرر من اعتلال هذا الخبر قياسان: أحدهما: أن من سقطت طاعته سقطت نيابته كالعاصي.
والثاني: أن من بطلت نيابته لم يصح قبضه كالوكيل، ولأن الإمام يختص بتنفيذ الأحكام كما يختص باستيفاء الأموال فلما لم تنفذ أحكامه بجوره لم يصح استيفاؤه الأموال بجوره وتحريره أن ما وقفت صحته على عدالة الإمام كان مردوداً بجوره كالأحكام، ولأن إمامته تبطل بجوره كما تبطل بعزله وخلعه، ثم ثبت أنه لو قبضها بعد خلع نفسه لم تقع موقع الأجزاء كذلك إذا قبضها بعد جوره.
وتحريره: أن ما أبطل إمامته منح من إجزاء قبضه كالخلع.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر، فمن وجهين: أحدهما: اختصاص الوزر بالإمام دون الأحكام.

الجزء: 6 - الصفحة: 308

والثاني: أنه وإن لم يتعد وزره إلى غيره لم يتعد وزر غيره إليه، ورب المال مأخوذ بوزر زكاته حتى تصل إلى مستحقها فلم يسقط عنه وزرها لها.
وأما قياسهم على الحدود فهي من حقوق الله تعالى المحضة التي لا حق فيها لآدمي والمقصود بها الزجر الحاصل بعد الإمام وجوره، ولذلك جوزنا لغير الإمام من سيد العبد والأمة أن يحدهما، وليس كذلك الزكاة، والمقصود بها وصولها إلى مستحقها، وذلك بجور الإمام معدوم فافترقنا.
وأما قياسهم على الوكيل فالمعنى في الوكيل أن وكالته لا تبطل بجنايته؟ فلذلك صح قبضه والإمام تبطل ولايته بجوره فلذلك لم يصح قبضه.
فصل وإذا قيل بالقول الجديد: إن دفع الزكاة إلى الإمام ليس بواجب، وإن تفريق أرباب الأموال لها جائز، فإن كان الإمام جائزا لم يجز دفعها إليه، وإن كان عادلاً كان رب المال بالخيار في زكاة ماليه الظاهر والباطن بين دفعها إلى الأمام أن تفريقها بنفسه، فإن أراد دفعها إلى الإمام كان بالخيار بين أن يسلمها إلى الإمام وهو أفضل أو إلى عامله وإن أراد تفريقها بنفسه كان بالخيار أن يتولاها بنفسه وهو أفضل أو بوكيله.
فإن قيل: فما أفضل الأمرين؟ أن يدفع زكاة ماله إلى الإمام أو تفريقها بنفسه.
قيل: إن كان ماله ظاهراً فدفع زكاته إلى الإمام أفضل لما فيه من إظهار الطاعة بأن يقتدي به الجماعة، وإن كان ماله باطناً فتفرده بإخراج زكاته أفضل من دفعها إلى الإمام لما قد استقر عليه فعل الأئمة الراشدين من إقرار أرباب الأموال على إخراجها، ولتكون مباشرة التأدية ما لزمه من حقها وليخص أقاربه وذوي رحمه بها.
فإن قيل: فأي الأمرين أفضل في تفريق الزكاة؟ أن تخفى أو تبدى؟ قيل: إن كان الإمام هو المفرق لها فإبداؤها أفضل من إخفائها سواء كان زكاة مال ظاهر أو باطن، لأنه ثابت فيها فكان إظهار إخراجها أفضل له أن إخفائها وكتمها، وإن كان المفرق لها رب المال، فإن كانت زكاة مال ظاهر فالأفضل له إظهارها بالعدول أهل السهمان عن الإمام إليه، ليعلم الإمام أنه قد أخرج ما عليه، وإن كانت زكاة مال باطن، فالأفضل إخفاؤها إذا أخرجها من أن يجهز بها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] ولأن إخفاءه في حقه أبعد من الرياء وفي حق أهل السهمان أبعد من الاستحياء، والله أعلم.
مسألة 5 قال الشافعي: "فإذا أخذت صدقة مسلم دعي له بالأجر والبركة كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:103] أي ادع لهم".

الجزء: 6 - الصفحة: 309

قال في الحاوي: وهذا كما قال: لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] وفي قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:103] تأويلان: أحدهما: الاستغفار لهم، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أنه الدعاء لهم، وهو قول الأكثرين.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] ثلاثة تأويلات: أحدها: قربه لهم رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثالث: أمن لهم.
ثم الدعاء ندب على الآخذ لها إن لم يسأل الدعاء وأوجبه داود، وإن سئل الدعاء، ففي وجوبه عليه وجهان: أحدهما: أنه واجب لرواية عبد الله بن أبي أوفى عن أبيه، قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقات قومي فقلت: يا رسول الله صل علي فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" 6، وليقع بذلك الفرق بين الجزية المأخوذة صغاراً بين الزكاة المأخوذة تطهيراً.
والثاني: أنه مستحب غير واجب، لأن أجره على الله تعالى لا على الآخذ لها كغيرها من العبادات التي لا يلزم الدعاء لفاعلها.
وقيل: إنه إن كان الإمام هو الآخذ لها لزمه الدعاء لما في دفعها إليه من إظهار طاعته، وإن كان الفقير وهو الآخذ لها لم يلزمه وقيل: بضده: إن الدعاء يلزم الفقير دون الإمام، لأن دفعها إلى الإمام متعين والى الفقير غير متعين، فأما ما يدعو به الآخذ فقد مضى في كتاب الزكاة.
مسألة 7 قال الشافعي: "والصدقة هي الزكاة والأغلب على أفواه العامة أن للثمر عشراً والماشية صدقة وللورق زكاة وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا كله صدقه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد كان الشافعي يرى في القديم: أن المأخوذ من الزرع والثمر يسمى عشراً، والمأخوذ من الماشية يسمى صدقة، والمأخوذ من الذهب والورق يسمى زكاة، ولا يجعل لاختلاف الأسماء تأثيراً في اختلاف الأحكام.
وقال أبو حنيفة: هي مختلفة الأسماء على ما ذكرنا، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف الأحكام، فخص المأخوذ من الزرع والثمر باسم العشر دون الصدقة والزكاة، وجعل حكمه مخالفاً لحكم الصدقة والزكاة من وجهين:

الجزء: 6 - الصفحة: 310

أحدهما: وجوب العشر في مال المكاتب والذمي، وإن لم تجب في مالهما وصدقة ولا زكاة.
والثاني: جواز مصرف العشر في أهل الفيء، وإن لم تصرف فيهم صدقة ولا زكاة.
وقال الشافعي في الجديد: الأسماء مشتركة والأحكام متساوية، وإن المأخوذ من الزرع والثمر يجوز أن يسمى صدقة وزكاة، أما تسميته بالصدقة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: فما دون خمسة، أوسق من التمر صدقة، وأما تسميته زكاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدي زكاته زبيباً كما تؤدي زكاة النخل ثمراً" 8 وإذا ثبت أن الأسماء مشتركة ثبت أن الأحكام متساوية، ولأنه لما ثبت ذلك في مال المسلم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في المال حق سوى الزكاة" 9 ثبت أنه زكاة، ولأن كل ما كان طهرة للمسلم في ماله كان زكاة لماله كالزكاة.
مسألة 10 قال الشافعي: "فما أخذ من مسلم من زكاة مال ناض أو ماشية أو زرع أو زكاة فطر أو خمس ركاز أو صدقة معدن أو غيره مما وجب عليه في ماله بكتاب أو منه أو إجماع عوام المسلمين فمعناه واحد وقسمه واحد وقسم الفيء خلاف هذا فالفيء ما أخذ من مشرك تقوية لأمل دين الله وله موضع غير هذا الموضع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال كلما وجب في مال المسلم من حق، إما بحلول الحول كالمواشي وزكاة الذهب والورق أو بتكامل المنفعة كالزروع والثمار أو الاستفادة كالمعادن والركاز أو عن رقبة كزكاة الفطر، فمصرف جميعه واحد في السهمان الموضوعة في الزكوات والصدقات بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية إلى أنه ما تجب زكاته بالحول إذا حال عليه في يده أحوال زكاة في كل حول كالمواشي والذهب والورق، وما يجب زكاته بتكامل المنفعة كالزروع والثمار، إذا بقي في يده أحوال لم يزكه إلا الزكاة الأولى وما استفيد من معادن الذهب والورق أو ركاز زكى في كل حول؛ لأنهما ذهبه وورق يراعى فيها بعد الاستفادة حلول الحول، وخولف الشافعي في هذه الجملة في أربعة أشياء: أحدها: الزروع والثمار، فجعل أبو حنيفة مصرف عشرها مصرف الفيء دون الزكاة، وقد مضى الكلام معه في كتاب الزكاة.
والثاني: زكاة الفطر جعل مالك مصرفها في المساكين خاصة، وقال أبو سعيد الاصطخري: إن فرقت في ثلاثة فقراء أجزأت.

الجزء: 6 - الصفحة: 311

والثالث: المعادن.
والرابع: الركاز، جعل أبو حنيفة مصرفها الفيء استدلالاً بثلاثة أشياء: أحدهما: أن المستحق فيها الخمس كالفيء والغنيمة مباينة لمقادير الزكوات كلها، فانصرف مصرف الفيء لا مصرف الزكاة.
والثاني: أن الحق فيها معجل وفي الزكاة مؤجل فلو جريا مجرى الزكاة المأخوذة من المسلمين لتأجلت ولما تعجلت المأخوذة من المشركين.
والثالث: إذا اعتبر بالركاز حال الدافن أنه كافر، وقد ملك عنه كالفيء والغنيمة.
ودليلنا، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنه حق يجب في مال مسلم فلم يجز أن يكون فيئاً كالزكاة، ولأن أربعة أخماسه لما خرجت عن حكم الفيء خرج خمسه عن حكم الفيء.
وتحريره أن ما لم يجز على المستبقى منه حكم الفرع لم يجز على المأخوذ منه حكم الفيء كسائر أموال المسلمين، ولأن حق المعدن والركاز لما اختص ببعض أموال دون بعض كالزكاة كان زكاة ولم يجز أن يكون فيئاً لاستواء حكمه في جميع الأموال.
وأما الجواب عن استدلاله باستحقاق الخمس فيه فهو أن مقادير الزكوات مختلفة فتارة يكون ربع العشر وتارة نصف العشر وتارة العشر، ولا يخرج عن أن يكون جميع ذلك زكاة فكذلك تكون تارة الخمس، ولا يخرج عن أن يكون زكاة ويكون اختلاف المقادير بحسب اختلاف المؤمن ألا ترى أن ما سقي بناضح أو رشاء لما كثرت مؤنته قلت زكاته، فكانت نصف العشر وما بسيح أو سماء لما قلت مؤونته كثرت زكاته، فكانت العشر، ولما لم يكن للركاز مؤنته أضعفت زكاته فكانت الخمس.
وأما الجواب عن استدلاله بتعجيل الحق فيه فهو لأنه تعجلت الفائدة به فتعجل الحق، وما تأجلت الفائدة به تأجل الحق فيه، ألا ترى أن ما لم تكمل فائدته إلا بالحول ووعي فيه الحول كالمواشي، وما كملت فائدته قبل الحول لم يراعى فيه الحول كالزروع والثمار.
وأما الجواب عن اعتباره بحال الدافن دون الواجد فهو أن اعتباره بالواجد دون الدافن أولى من وجهين: أحدهما: أنه اعتبر بحال الدافن لما جاز أن يسلك لجواز أن يكون لمن لا يملك عليه ما له من مسلم أو من هو على دين موسى وعيسى قبل التبديل أو لمن لم تبلغه الدعوة، وكل هؤلاء لا يجوز أن تملك عليهم أموالهم فلم يجز أن يعتبر به الدافن.
والثاني: أنه لو اعتبر به الدافن لما جاز أن يملك الواحد أربعة أخماسه، ولكان إما ملكا للغانمين أو لأهل الفيء فيثبت أن اعتباره بحال الواحد أولى من اعتباره بحال الدافن والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 312

مسألة 11 قال الشافعي رحمه الله: "وقسم الصدقات كما قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] ثم أكدها وشددها فقال فريضة من الله" الآية وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال قم الصدقات يستحق في الأصناف الثمانية، ولا يجوز الاقتصار على بعضها مع وجود جميعها وقال أبو حنيفة يجوز اقتصار أي الأصناف شاء، وإن دفع جميع الزكاة إلى نفس واحدة من صنف واحد أجزأه وقال مالك: يدفعها إلى أمس الأصناف حاجة.
وقال إبراهيم النخعي: إن كثرت الزكاة دفعها إلى الأصناف كلها، كما قال الشافعي وإن قلت دفعها إلى أي الأصناف ساء كما قال أبو حنيفة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فجعل تخصيص الفقراء بها خيراً مشكوراً فدل على جوازه، وصرف ذلك في حقه وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ [المعارج:24 - 25] فدل على جواز تفردهم به، وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" 12 وبما روي من أن سلمة بن صخر الأنصاري ظاهر من امرأته فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - عجزه عن الكفارة، فقال له: "انطلق إلي بصدقة بني زريق فلتدفع إليك فأطعم منها وسقاً من تمر ستين مسكيناً، وكل أنت وعيالك بقيتها" 13 فدل نص هذا الخبر على جواز دفعها إلى نفس واحدة عن صنف واحد.
قالوا: ولأن الله تعالى خص الأصناف الثمانية بالذكر كما خص الصنف الواحد بالذكر، فلما لم يلزم استيفاء جميع الصنف فجاز الاقتصار على بعضه لم يلزم استيفاء جميع الأصناف، وجاز الاقتصار على بعضها ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أنها صدقة يجوز أن يخص بها بعض الفقراء فجاز أن يخص بها بعض الأصناف كالكفارات.
والثاني: أن من جاز الاقتصار عليه في الكفارات جاز الاقتصار عليه في الزكواة قياساً على بعض الفقراء.
قالوا: ولأن لو استحق كل صنف منهم سهماً يخصه لما جاز فيمن فقد أن يرد سهمه على من وجد، وفي إجماعهم على جواز ذلك مع فقد بعضهم دليل على

الجزء: 6 - الصفحة: 313

جوازه مع وجود بعضهم.
قالوا: ولأن المقصود بها مد الخلة التي لا يمكن أن يعمر بها الجميع فلا فرق بين أن تكون من صنف واحد ومن جميع الأصناف، كما لا فرق بين أن تكون من بعض الصنف أو من جميعه.
ودليلنا، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية والدليل فيها من وجهين: أحدهما: أنه أضاف الصدقة إلى الأصناف الثمانية يلام التمليك وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك، وكلما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك اقتضت الإضافة ثبوت الملك كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
فإن قيل: فالإضافة إلى الأشخاص توجب التمليك لتعيين المالك، والإضافة إلى الأوصاف لا توجب التمليك للجهالة بالمالك ألا تراه لو قال هذه الدار لزيد صح إقراره، ولو قال هذه الدار لإنسان لم يصح إقراره.
قيل: قد يصح تمليك الأصناف كما يصح تمليك الأعيان ألا تراه لو قال: قد أوصيت بثلث مالي للفقراء والعازمين صح أن يملكوه كما يصح إذا أوصى به لزيد وعمرو وبكر أن يملكوه.
والدليل الثاني: من الآية أن للإضافة وجهين: تشريك وتخيير ولكل واحد منهما صيغة، وصيغة التشريك الواو كقوله أعط هذا المال لزيد وعمرو، فيقتضي اشتراكهما فيه ولا يقتضي تفرد أحدهما به، وصيغة التخيير تكون ب"أو" كقوله: أعط هذا المال لزيد أو عمرو فيكون مخيراً في إعطائه لأحدهما، ولا يقتضي أن يشرك بينهما، فلما كانت الإضافة في آية الصدقات على صيغة التشريك دون التخيير وجب حملها على ما اقتضته.
فإن قيل: فيحمل ملك الأصناف الثمانية لجميع الصدقات لا لكل صدقة منها فتدفع صدقة زيد إلى الفقراء وصدقة عمرو إلى المساكين وصدقة بكر إلى الغارمين.
قيل: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن أبا حنيفة لا يعتبر هذا في الصدقات.
والثاني: أنه قد يجوز أن يتفق جميع أهل الصدقات على صرفها كلها في أحد الأصناف فلا يوجد ما ذكره على أن حقيقة هذه الإضافة تقتضي أن تكون كل صدقة لمن سمى ألا ترى أن رجلاً لو قال: هذه الدور الثلاثة لزيد وعمرو وبكر كانت كل دار بينهم أثلاثاً، ولم يجعل كل دار من الثلاثة لكل واحد من الثلاثة ثم يدل على ذلك من طريق السنة ما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقات فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لم يرض في قسمه الصدقات بنبي مرسل ولا ملك مقرب فتولى قسمتها بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".

الجزء: 6 - الصفحة: 314

فأخبر أنها مقسومة ثمانية أجزاء، وأن الواحد لا يعطى منها إلا قدر حقه، وهذا نص لا يحتمل خلافه ولأنه مال أضيف شرعاً إلى أصناف فلم يجز أن يختص به بعض تلك الأصناف كالخمس ولأنه مال لو جعل لصنف واحد لم يعده فوجب إذا جعل الأصناف أن يقتسموه كالوصايا ولأن الفقراء أحد أصناف الصدقات فلم يجز أن يختصوا بها كالعاملين.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271] فهو أن المقصود بالآية تفضيل الإخفاء على الإبداء لإتيان المصرف، وإنما قصد بيان المصرف، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ِ﴾ [التوبة:60] الآية فوجب أن يقضي بهذه الآية على تلك أو تحمل هذه على الفرض وتلك على التطوع.
وكذلك الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾ [الذاريات:19] على أنه جعل للسائل والمحروم في ذلك حقاً ولا يتمنع أن يكون لغيرهم فيه حق.
وأما الجواب عن قوليه - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فمن وجهين: أحدهما: أنه متروك الظاهر لأن أبا حنيفة وإن جوز دفعها إلى الفقراء فليس يمنع من صرفها في غيرهم من الأصناف فيكون معنى قوله في "فقرائكم" أي في ذوي الحاجة منكم وجميع أهل الأصناف من ذوي الحاجات وإن اختلفت حاجاتهم.
والثاني: المقصود بالخبر عود الصدقات علينا وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستبد بشي، منها دوننا فحمل الخبر على مقصوده كالذي رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في سائمة الإبل: "في كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء" 14 فحمل هذا الخبر على المقصود به في أنه ليس لآل محمد فيها شيء، ولم يحمل على أخذ الشطر إن منع.
وأما الجواب عن حديث سلمة بن صخر الأنصاري.
فمن وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون صدقة بني زريق كانت وقفاً لا زكاة فلا يكون فيها دليل.
والثاني: أن معناه فليدفع إليك حقك منها، أو يكون: لم يبق منها إلا حق فيعتبر واحد فدفعه إليه.
وأما الجواب عن استدلالهم لما جاز دفعها إلى بعض الصنف جاز دفعها إلى بعض الأصناف فهو أن دفعها إلى بعض الصنف تخصيص عموم فجوزناه ودفعها إلى بعض

الجزء: 6 - الصفحة: 315

الأصناف نسخ نص فأبطلناه.
وأما الجواب عن استدلالهم برد سهم من فقد من الأصناف على من وجد فهو باطل بميراث الزوجات الأربع الربع، ولو بقيت واحدة لكان لها فلم يصح الاستدلال.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن المقصود هو سد الخلة فمن وجهين: أحدهما: أن المقصود ببعضه سد الخلة في الفقراء والمساكين وبعضه معونة لفك رقاب المساكين والغارمين.
والثاني: أن المقصود سد خلات الأصناف كلها لا بعضها فلم يسلم الدليل.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا من وجوب مصرفها في الأصناف كلهم لم يخل حال رب المال من أن يتول تفريقها بنفسه أو يدفعها إلى الأمام فإن فرقها بنفسه سقط منها سهم العاملين عليها لأنهم لا عمل لهم فيها وقسم على سبعة أصناف إن وجدوا فإن أخل ببعضهم ضمن سهمهم منها، وإن دفعها إلى الإمام أو ساعيه كانت يده لأهل السهمان بنيابته عنهم وولايته عليهم، وكان حصولها في يد الإمام أو ساعيه مسقطاً لفرضها عن رب المال ثم الإمام بالخيار بحسب ما يؤدي اجتهاده إليه في أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف ويكونوا ثمانية يدخل فيهم العاملين عليها إن عملوا فيها أو يدفع كل صدقة إلى صنف من الأصناف؛ لأن جميع الصدقات إذا دخلت بيده صارت كالصدقة الواحدة.
مسألة 15 قال الشافعي: "ولا يخرج عن بدل وفيه أهله وقال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه: "فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال زكاة الأموال يجب صرفها في بلد المال ولا يجوز نقلها عنه، فإن نقلت فقد أساء ناقلها وفي إجزائها قولان: أحدهما: يجزئه وهو قول أبي حنيفة ويكون عنده مسيئاً إلا أن تكون البلد الذي نقلها إليه أمس حاجة فلا يكون عنده مسيئاً.
والثاني: لا يجزئه نقلها وعليه الإعادة، وبه قال مالك والثوري: فإذا قيل بالأول أنه يجزئ وهو قول أبي حنيفة فدليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية فكان على عمومه، وروي أن قبيصة بن المخارق الهلالي وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني تحملت بحمالة فأعني فقال: نؤدها

الجزء: 6 - الصفحة: 316

عنك إذا قدمت لنا نعم الصدقة.
فدل على أنه قد كانت تحمل إليه صدقات البلاد.
وروي أن عدي بن حاتم حمل صدقة قومه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إلى أبي بكر من بعده.
وروي أن معاذ بن جبل قال لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة 16 فدل على أنه قد كان ينقل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة اليمين إلى المدينة، ولأن ما لزم إخراجه للطهرة لم يختص ببلده كالكفارة ولأنه لما جاز فعل الصلاة في غير بلد الوجوب جاز نقل الزكاة إلى غير بلد الوجوب.
إذا قيل بالقول الثاني أن ذلك لا يجزئ وهو القول الأصح، فدليله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" 17. فجعل وجوب أخذها من أغنياء اليمن موجباً لردها على فقراء اليمن.
فإن قيل: فلا يمنع ذلك من نقلها عن بلد من بلاد اليمن إلى غيرها من بلاد اليمن، وإن دل على المنع من نقلها إلى غير اليمن.
قيل: لما جعل محل الوجوب محل التفرقة اقتضى أن يتميز فيها بلاد اليمن كما يتميز بها جميع اليمن على أن من جوز نقلها سوى في الجواز بين الإقليم الواحد والأقاليم، ومن منع من نقلها سوى في المنع بين الإقليم الواحد والأقاليم، وقد روي عن معاذ أنه قال: أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته 18 فجعله النقلة عن المكان بعد وجوب الزكاة فيه يمتنع من نقلها عنه، وذلك صار عنه بالأمر الذي تقدم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار كالمنقول عنه نصاً، ولأن حقوق الله تعالى ضربان: أحدهما: على الأبدان.
والثاني: في الأموال.
فلما كان في حقوق الأبدان ما يختص بمكان دون مكان، وهو الطواف والسعي والوقوف بعرفة وجب أن يكون في حقوق الأموال ما يختص بمكان دون مكان، وهو الزكاة ولأن اختصاص الزكاة بالمكان كاختصاصهما بأهل السهمان، فلما لم يجز نقلها عن أهل السهمان لم يجز نقلها عن المكان وأما الأجوبة عن دلائل القول الأول فالآية قصدها بيان أهل السهمان دون المكان فلم يعدل بها عن مقصودها.

الجزء: 6 - الصفحة: 317

وأما حديث قبيصة بن المخارق فمحمول على أحد وجهين: إما على ما في سواد المدينة من الصدقات أو على ما لم يوجد في بلد المال مستحق لها.
وأما قول معاذ "ائتوني بخميس أو لبيىس"، فإنه محمول على مال الجزية، لأن المهاجرين بالمدينة من بني هاشم وبني المطلب يصرف إليهم الجزية ولا تصرفه إليهم الزكاة.
وأما نقل عدي بن حاتم صداقات قومه ففيه أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن يكون قومه حول المدينة وفي موادها فنقل زكاتهم إلى أهل المدينة.
والثاني: أنه يجوز أن يكون نقلها ومستحقوها بالمدينة ليتولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمها فيهم.
والثالث: أنه أظهر الطاعة بنقلها لاسيما وقد منع الناس الزكاة على عهد أبي بكر ثم يجوز أن يكون ردها إليه ليفرقها.
على أنه قد روي عن أبي بكر أنه رد عليه صدقات قومه وأما الكفارة فالفرق بينهما وبين الزكاة في الجواز ما جعلوه فرقاً بينهما في الكراهة لأنهم كرهوا نقل الزكاة ولم يكرهوا نقل الكفارة.
وكذلك الجواب عن الجمع بين الصلاة والزكاة أن الفرق بينهما في الكراهة فرق بينهما في الجواز على أن الصلاة لا ينتفع أهل البلد بإقامتها فيهم، وينتفعوا أهل البلد بتفريق الزكاة فيهم فجاز أن يكون لهم في فريق الزكاة حق، وإن لم يكن لهم في إقامة الصلاة حق.
فصل فإذا تقرر اختصاص الزكاة بمكانها ووجوب تفريقها في ناحيتها فلا يخلو حال الزكاة من أن تكون زكاة مال أو زكاة فطر، فإن كانت زكاة مال فالمراعى فيها مكان المال لا مكان المالك فلو كان في ناحية وماله في أخرى كانت ناحية المال ومكانه أحق بتفريق زكاته فيها من ناحية المالك ثم في ناحية المال التي هي أحق بتفريق زكاته فيها وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهما من المال لمسافة أقل من يوم وليلة؛ لأنها مسافة الإقامة التي لا يقصر في مثلها الصلاة فكانت حد المستحق الزكاة.
والوجه الثاني: أنها البلد الذي فيه المال، وما أحاص به ببنائه دون ما خرج عنه، وإن كانت زكاة زرع وثمر في صحراء لا بنيان فيها ففي أقرب البلاد والبنيان إليها، وسواء كان البلد صغيراً أو كبيراً يكون جميع أهل البلاد مستحقين لها، وإن كانت زكاة مال ناض، فإن كان البلد صغيراً فجميع أهله فيه سواء، وإن كان البلد واسعاً كالبصرة وبغداد

الجزء: 6 - الصفحة: 318

كان جبران المال من أهل البلد أخص بها من غيرهم، وهل يكون ذلك هن طريق الأولى أو من طريق الاستحقاق على وجهين: أحدهما: أنهم أولى بهما لأجل الجوار، وإن لم يكونوا أحق فإن فرقت في غيرهم من أهل البلد أجزاء وإن عدل عن الأولى.
والثاني: أنهم أحق بها وإن فرقت في غيرهم من أهل البلد لم يجزه إذا قيل إن نقل الزكاة، ولا يجزئ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:36] يعني الجار ذي القربى الجار القريب في نسبه، والجار الجنب البعيد في نسبه، فاعتبر في القريب والبعيد الجوار ثم قال: "والصاحب بالجنب" وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أنه الرفيق في السفر وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
والثاني: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك وهو قول ابن زيد.
والثالث: أنها الزوجة التي تكون إلى جنبك وهو قول ابن مسعود.
هذا إذا كان رب المال هو المفرق لزكاته فأما إن فرقها الإمام أو عامله فجميع أهل البلد فيها سواء، لما في مراعاة الإمام لذلك مع الاجتماع الزكوات بيده في المشقة التي لا يقدر عليها ولا يمكنه حفظها فأما زكاة الفطر، فإن كان مال المزكي في بلد أخرجها منه، وإن كان ماله في غير بلده فغيها وجهان: أحدهما: أن يراعى فيه بلد المال لا بلد المزكي لتعلق وجوبها بالمال فكان بلد المال أحق أن يراعى كسائر الزكوات.
والثاني: أن يراعى فيه بلد المزكي لأنها عنه لا عن ماله فكان بلده أن يراعى إخراجها فيه أولى من بلد ماله.
مسألة 19 قال الشافعي: "ويرد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الزكاة مستحقة للأصناف الثمانية المنصوص عليهم في كتاب الله تعالى فإذا كانوا هم المستحقون لم يخل حالها من ثلاثة أقسام: إما أن يفرقها رب المال بنفسه أو يدفعها إلى الإمام أو يدفعها إلى عامل الإمام عليها، فإن فرقها رب المال بنفسه سقط منها سهم العاملين عليها لفقد عملهم فيها، ووجب قسمها على الأصناف السبعة على سبعة أسهم متساوية لا يفضل صنفاً على سهمه، وإن كانوا في أمس الحاجة ولا ينقص صنفاً عن سهمه وإن كانوا أقل حاجة، لأن الله تعالى تولى قسمتها بنفسه وقطع الاجتهاد فيها بتفضيل أو نقصان، فإن فضل صنفاً على غيره وكان التفضيل متطوعاً وضمن للمفضول قدر حصته من الفضل كما لو أسقط جميع

الجزء: 6 - الصفحة: 319

سهمه صار لجميعه ضامناً.
فأما سهم كل صنف فإن قدر على تفريقه في جميع الصنف كان أولى، وإن فرقه في بعض الصنف أجزأه إذا فرقه في ثلاثة منهم فصاعداً، ولا يجزئه إن يفرقه في أقل من ثلاثة إذا وجدوا لأنهم أقل الجمع المطلق، وله الخيار في الصنف الواحد بين التسوية بينهم والتفضيل، والأولى أن يكون بينهم على قدر حاجتهم فإن تساووا في الحاجة سوى بينهم في العطية، وإن كان لو سوي أجزأه وإن تفاضلوا في الحاجة فاضل بينهم في العطية، وإن كان لو سوى أجزأه فلو فرق سهم الصنف الواحد في أقل من ثلاثة ودفعه إلى اثنين فإن كان لعدم الثالث من ذلك الصنف أجزأه، وإن كان مع وجوده ضمن حصة الثالث، وفي قدرها وجهان: أحدهما: يضمن ثلث ذلك الهم اعتباراً بالتساوي فيه.
والثاني: يضمن قدر الأجزاء وهو القليل الذي لو أعطاه ثالثاً أجزأه.
فصل وإذا دفعها إلى الإمام سقط عنه فرضها بقبض الإمام؛ لأنه نائب عن أهل السهمان في فرضها فصارت يده كأيديهم ثم سهم العاملين عليها قد سقط منها لفقد عملهم، وليس للإمام أخذه لأن نظره لا يختص بالصدقات وإن تولاها فلم يستحق فيها سهماً، وإنما هو عام النظر ورزقه في مال الغير ثم هو بالخيار بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه من ثلاثة أمور: إما أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف، وإما أن يجمع جميع الصدقات ويفرقها بالتسوية بين جميع الأصناف ثم يفاضل بين كل صنف أو يساوي، وإما أن يدفع كل صدقة إلى أحد الأصناف فيراعى التسوية بينهم في جميع الصدقات، فإن أخل بصنف من الأصناف فلم يعطهم شيئاً من جميع الصدقات ضمن في أموال الصدقات لا في مال نفسه قدر سهمهم من تلك الصدقات وخالف في ذلك رب المال الذي لا يضمنه في مال نفسه.
فصل وإن دفعها إلى العامل أجزأه وكان سهم العامل فيها ثابتاً فإن فوض الإمام إليه جبايتها وتفريقها أخذ سهم الجباية والتفريق وفعل فيها مثل ما فعله الإمام إلا أن خياره بين أمرين بين أن يفرق كل صدقة في جميع الأصناف، وبين أن يجمع جميع الصدقات ويصرفها في جميع الأصناف، وليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام لأن نظر العامل خاص لا يستقر إلا على ما جباه وربما صرف فلم يقض باقي الأصناف، وإن اقتصر الإمام بالعامل على جباية الصدقات دون تفريقها أخذ العامل منها قدر حقه من الجباية دون التفرقة، ولم يكن للعامل أن يفرقها، فإن فرقها ضمن ما فرقه في مال نفسه، وكان الإمام بالخيار بين أو يتولى تفريقها بنفسه فيسقط منها سهم التفرقة، وبين أن يولى من عمال الصدقات من يفرقها فيأخذ منها سهم التفرقة.

الجزء: 6 - الصفحة: 320

فصل فأما إذا عدم بعض الأصناف فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعدموا في جميع البلاد فيسقط بعدمهم ويقسم الصدقة على من وجد منهم فإن كان الباقون من الأصناف خمسة قسمت الزكاة على خمسة أسهم لكل صنف منهم سهم، وإن بقي ثلاثة أصناف قسمت على ثلاثة أسهم لكل صنف سهم.
فإن قيل: أفليس لو وصى بثلثه لثلاثة فقد أحدهما لم يرد سهمه على من وجد فهلا كانت سهام الأصناف هكذا.
قيل: لأن ليس للصدقات مصرف غير الأصناف فلم يجز أن يرد سهم المفقود عليهم والضرب على غيرهم، ولمال الميت مصرف غير أهل الوصايا فلم يرد سهم المفقود عليهم.
والثاني: أن يعدموا في بلد المال ويوجدوا في غير البلاد، فينقسم مال من عدم منهم من بلد المال ثلاثة أقسام: قسم ينقل سهمهم، وقسم لا ينقل سهمهم، وقسم اختلف أصحابنا في نقل سهمهم، فأما من ينقل سهمهم إلى البلاد التي يوجدون فيها فهم الغزاة ينقل سهم سبيل الله المصروف إليهم من بلد المال الذي فقدوا فيه إلى البلاد التي يوجدون فيها من الثغور وغيرها؛ لأنهم يكثرون في الثغور ويقلون في غيرها فلم يكتفوا بسهمهم من صدقات بلادهم، وأما من لا ينقل سهمهم فهم العاملون عليها؛ لأنهم إذا قعدوا قام أرباب الأموال مقامهم فيها؛ ولأن سهمهم يسقط مع الحضور إذا لم يعملوا فكيف بهم إذا قهدوا، وأما من اختلف من أصحابنا في نقل سهمهم فهم باقي الأصناف، وفيهم وجهان: أحدهما: لا ينقل اعتباراً بتغليب المكان على الصنف ويقسم على من وجد دون من فقد كما يعتبر عدم الماء في جواز التيمم لمكان عدمه، ويعتبر حال ابن السبيل بمكان حاجته.
والثاني: ينقل اعتباراً بتغليب الصنف على المكان فينقل إلى أقرب البلاد التي توجد فيها من فقد من الأصناف، لأن استحقاق الأصناف لها ثابت بالنص واختصاص المكان بها ثابت بالاجتهاد، فإذا تعارض كان تغليب ما ثبت بالنص أولى من تغليب ما ثبت بالاجتهاد والله أعلم بالصواب.
مسألة 20 قال الشافعي: "ويجمع أهل السهمان أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها وأسباب حاجتهم مختلفة وكذلك أسباب استحقاقهم معان مختلفة" قال في الحاوي: وهذا كما قال مال الصدقات لا ينصرف إلا في ذوي الحاجات إلا أنها ضربان:

الجزء: 6 - الصفحة: 321

أحدهما: من يدفع إليه لحاجته إليها وهم الفقراء والمساكين والمكاتبون وأحد صنفي الغارمين الذي أذنوا في مصالح أنفسهم وبنو السبيل.
والثاني: من تدفع إليه لحاجتنا إليه وهو العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، وأحد صنفي الغارمين وهم الذين أذنوا في صلاح ذات البين، والغزاة، فمن دفعت إليه لحاجته إليها لم يستحقها إلا مع الفقر ولم يجز أن يدفع إليه من الغنى.
ومن دفعت إليه لحاجتنا إليه جاز أن تدفع إليه من الغنى والفقر ثم ينقسم جميعهم ثلاثة أقسام: فمنهم من يأخذها ويستحقها بسبب متقدم ومنهم من يأخذها ويستحقها بسبب مستحدث، فأما الذي يأخذها ويستحقها بسبب متقدم فهم ثلاثة أصناف: الفقراء والمساكين والعاملون عليها؛ لأن السبب الذي به أخذوا وبه استحقوا هو الفقر والمسكنة والعمل، وذلك متقدم على الأخذ فإذا قبضوها فقد استقر ملكهم عليها فلا يجوز أن تسترجع منهم وإن زال سبب استحقاقهم.
وأما الذي يأخذها ويستحقها بسبب مستحدث فهو صنفان: بنو السبيل، والغزاة، فيأخذ ابن السبيل ليبتدئ سفره، ويأخذ الغازي ليبتدئ جهاده فإذا أخذوا سهمهم منها لم يستقر ملكهم عليه إلا أن يسافر ابن السبيل ويجاهد الغازي فيستقر حينئذ ملكهم على ما أخذوا، فإن لم يسافر ابن السبيل ولم يجاهد الغازي استرجع منهما ما أخذاه لفقد السبب الذي يعتبر به الأخذ والاستحقاق، وأما الذي يأخذها بسبب متقدم واستحقاق مستحدث فهم ثلاثة أصناف المؤلفة قلوبهم يدفع إليهم لتغير نياتهم المتقدمة ويستحقونها بجنس نياتهم المستحدثة والمكاتبون يأخذونها للباقي عليهم من أموال كتابتهم ويستحقونها بما يستحدثون من قضاء ديونهم وزوال غرمهم، فهؤلاء إن حدث منهم بعد أخذها ما به يستقر الاستحقاق من حسن نيات المؤلفة وعتق المكاتبين بالأداء وقضاء ديون الغارمين بالقضاء فلا يجوز الرجوع عليهم بشيء منها لاستقرار الاستحقاق، والحادث بعد الأخذ بالسبب المتقدم وإن لم يحدث منهم بعد الأخذ ما يستقر به الاستحقاق، فلم يحسن به نيات المؤلفة قلوبهم، ولم يؤد المكاتبون ذلك في عتقهم ولا قضاه الغارمون في ديونهم فهذا ينظر، فإن كان سبب الأخذ باقياً وهو بقاء الكتابة على المكاتبين وبقاء الدين على الغارمين لم يسترجع ذلك منهم، لأنه يجوز أن يستأنف دفعها إليهم فلم يجز أن يسترجع المتقدم منهم وكذلك المؤلفة لأن ضعف نياتهم التي قصدوا له بتآلفهم باق يقتضي استئناف العطاء فلم يجز أن يعارض بالاسترجاع المنكر وإن كان سبب الأخذ قد زال مع بقاء الصدقة بأيديهم كعتق المكاتب تبرعاً أو بأداء من كسب وزال الغرم بإبراء أو بقضاء من كسبه استرجعت منهم؛ لأن سبب الاستحقاق لم يوجد.
مسألة 21 قال الشافعي: "فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمني الضعاف الذين لا حرفه لهم وأهل

الجزء: 6 - الصفحة: 322

الحرفة الضعيفة الذين لا تقع فيهم موقعاً من حاجتهم ولا يسألون الناس.
وقال: وفي الجديد زمناً كان أولى أو غير زمن سائلاً أو متعففاً.
قال الشافعي: والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفه لا تقع منه موقعاً ولا تغنيه ولا عياله.
وقال في الجديد: سائلاً كان أو غير سائل.
قال المزني: أشبه بقوله ما قاله في الجديد؛ لأنه قال: لأن أهل هذين السهمين يستحقونهما بمعنى العدم وقد يكون السائل بين من يقل معطيهم وصالح متعفف بين من يبدونه بعطيتهم".
قال في الحاوي: اعلم أن الفقر والمسكنة اسمان يشتركان من وجه ويفترقان من وجه، فأما الوجه الذي يشتركان فيه فهو الضعف، وأن كل واحد منهما إذا أفرد بالذكر شاركه الآخر فيه حتى لو وصى بثلث ماله الفقراء شاركهم المساكين ولو وصى به للمساكين شاركهم الفقراء.
وأما الوجه الذي يفترقان فيه فهو أنه إذا جمع بينهما تميزا ثم اختلف في تميزهما عند الاجتماع هل يكون التميز بينهما باختلافهما في الحاجة أو باختلافهما في الصفة فذهبت طائفة إلى تميزها بالاختلاف في الصفة مع تساويهما في الضعف والحاجة ومن قال بهذا اختلفوا في الصفة التي بها وقع التمييز بينهما على أربعة أقاويل: أحدها: أن الفقير هو المحتاج المتعفف عن السؤال والمسكين هو المحتاج السائل وهذا قول ابن عباس والحسن والزهري.
والثاني: أن الفقير هو ذو الزمانة والمسكين هو الصحيح الجسم من أهل الحاجة، وهذا قول قتادة.
والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون والمساكين غير المهاجرين، وهذا قول الضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي.
والرابع: أن الفقراء من المسلمين والمساكين من أهل الكتاب، وهذا قول عكرمة.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء إلى أن تميزها بالاختلاف في الضعف والحاجة وإن تساويا في الصفة وأن أحدهما أسوأ حالاً من الآخر، فبذلك تميز عنه ثم اختلفوا في أيهما أسوأ حالاً الفقير أو المسكين، فذهب الشافعي إلى أن الفقير هو أسوأهما حالاً وهو الذي لا شي، له أو له يسير تافه لا يؤثر في قدر حاجته.
والمسكين: هو الذي له ما يؤثر في حاجته، ويقتصر على كفايته، فإذا كانت كفاية الواحد عشرة فإن وجدها فليس بمسكين ولا فقير، وإن عدمها أو وجد أقلها كان فقيراً، وإن وجد أكثرها كان مسكيناً وهذا في أهل اللغة قول الأصمعي وقال أبو حنيفة المسكين أسوأ حالا من الفقير فالمسكين عنده على صفة الفقير عندنا، والفقير عنده على صفة المسكين عندنا، وهو في أهل اللغة قول الفراء وثعلب واختاره أبو إسحاق المروزي من أصحابنا استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد:16] أي ملصق بالتراب لضره وعربيه وليس أحد أسوأ حالاً ممن هذه صفته، فدل على أن المسكين أسوأ حالاً

الجزء: 6 - الصفحة: 323

من الفقير، وبقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:177] والسائل أحسن حالاً فدل على أن المسكين أسوأ حالاً، ولأن الله تعالى خص بمصرف أموال الطهرة من ذوي الحاجات من القرب والكفارات على المساكين دون الفقراء، فدل تخصيصهم بالذكر على اختصاصهم بسوء الحال.
قالوا: وقد حكي عن يونس قال: قلت لأعرابي أمسكين أنت، فقال: لا والحمد لله بل فقير، فدل على أن الفقير أحسن حالاً من المسكين؛ لأن الحمد يكون على أحسن الحالين ويدل على هذا أيضا قول 22: أما الفقير الذي كانت حلوبته وفقاً العيال فلم يترك له سيد فسماه فقيراً وله حلوبة وهي وفق عياله.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] فبدأ بذوي الحاجات بالفقراء والبداية تكون بالأهم فاقتضى أن يكون الفقر أسوأ حالاً، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:15] ولم يقل المساكين فدل على أن الفقير أمس حاجة وأسوأ حالاً من المسكين، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:79] فسماهم مساكين ولهم سفينة، فدل على أن المسكين أحسن حالاً.
وروى أبو زهرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:273] 23 فكان هذا نصاً في أن المسكين أحسن حالاً.
وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر" 24 فكان هذا نصاً على أن الفقير أسوأ حالاً وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" 25 فدل على أن المسكين أحسن حالاً.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يتعوذ من الفقر اللازب يعني اللازم فدل على أن الفقير أسوأ حالاً.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس المسكين الذي لا مال له،

الجزء: 6 - الصفحة: 324

ولكن المسكين الأخلق الكسب قال ابن علية: الأخلق الكسب: المخارف، ولأن في اشتقاق الفقر والمسكنة دليلاً على أن الفقر أسوأ حالاً من المسكنة.
أما الفقر فقد اختلف في اشتقاقه فقال قوم: هو مشتق من انكسار الفقار، وهو الظهر الذي لا تبقى معه قدرة.
وقال آخرون: هو مشتق من الفاقة، ومن قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾ [القيامة:25] وفيها ثلاثة تأويلات: أحدهما: أنها الفاقرة الداهية العظمى، وهو قول مجاهد.
والثاني: أنها الهلاك المستأصل، وهو قول السدي.
والثالث: أن السر المحلى، وهو قول قتادة، وعلى أي التأويلات كان فهو للمبالغة في سوء الحال.
وأما المسكنة فقد اختلف في اشتقاقها فقال قوم: هي مشتقة من التمسكن وهو الخضوع، وقال آخرون: هي مشتقة من السكون، لأن المسكين ما يكن إليه فدل على أنه أحسن حالاً، ولأن شواهد أشعار العرب تدل على ذلك، أنشد ابن الأعرابي لبعض العرب 26: هل لك في أجر عظيم تؤجره تغيث مسكيناً قليلاً عسكره عشر شياه سمعه وبصره قد حدث النفس بمصر يحضره فسماه مسكيناً وله عشر شياه، فدل على أن للمسكين مالاً وأنه أحسن حالاً وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾ [البلد:16] فهو أن المراد بالمسكين ها هنا الفقير لأنه لم يطلق ذكره، ولكن قيده بصفات الفقراء، وقد يطلق اسم المسكين على الفقير كما ذكرنا، وإنما كلامنا في المسكين الذي قد أطلقت صفته.
وأما الجواب عن الآية الأخرى فهو أن السائل لا يكون أحسن حالاً من المتعفف: لأنه قد يسأل فيحرم ويتعفف فيعطى.
وأما الجواب عن قول الأعرابي: لا والحمد لله أنا فقير، فهو إذا أبان بذلك منزلته في الشكر مع شدة الضر.
وأما الشعر فلا دليل فيه: لأنه بعد أخذ الحلوبة سماه فقيراً حين لم يترك له سبد، فإذا ثبت أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، فقد يكون الفقير سائلاً وغير سائل وقد يكون المسكين سائلاً وغير سائل، وهو معنى قول الشافعي في الجديد والقديم من التسوية فظن المزني أن قوله قد اختلف فيه فجعل الجديد أولى وليس كما ظن والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 325

مسألة 27 قال الشافعي رحمه الله: "فإن كان رجل جلد يعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغني عياله أو لا عيال له يغني نفسه بكسبه لم يعطه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال المكتسب بصنعته قدر كفايته وكفاية عياله لا يكون فقيراً وتحرم عليه الزكاة، وإن لم يكن له مال وقال أبو حنيفة: لا تحرم عليه الزكاة وإن كان مكتسباً يملك نصاباً تجب فيه الزكاة أو ما يبلغ قيمته نصاباً فجعل الفقر معتبراً بعدم النصاب وإن كان قادراً على كفايته بنفسه وجوز له أخذ الزكاة، وجعل الغناء معتبراً بملك النصاب وإن عجز عن كفايته وحظر عليه أخذ الزكاة استدلالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] والفقير هو العادم، وهذا عادم وإن كان مكتسباً، وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" 28 فميز الأغنياء بأخذ الصدقة منهم وميز الفقراء بدفع الصدقة إليهم، فوجب أن يكون من تؤخذ منه الصدقة غنياً وإن كان غير مكتسب، ومن تدفع إليه فقيراً، وإن كان مكتسباً.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من سألنا أعطيناه" 29 وقال: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" 30 وقد سئل المكتسب فوجب أن يعطى؛ ولأنه لا يملك نصاباً ولا قيمته فوجب أن يكون فقيراً تحل له الصدقة قياساً على غير المكتسب؛ ولأنه لما لم يكن المكتسب غنياً في وجوب الحج والتكفير بالعتق لم يكن غنياً في تحريم الزكاة؛ ولأنه لما حلت الزكاة من سهم الغارمين حلت له من سهم الفقراء والمساكين ودليلنا ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عدي أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقات فصعد النظر فيهما وصوب وقال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب" 31 فجعل الكسب كالغني بالمال في تحريم الصدقات.
وروى سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة قوي" 32 فحرم الصدقة بالقدرة على الكسب كما حرمها بالغنى؛ ولأنه مستديم القدرة على كفايته فوجب أن تحرم عليه الزكاة والمسكنة كالقادر على

الجزء: 6 - الصفحة: 326

نصاب أو كالمشتغل لوقف؛ ولأن من حرمت عليه المسألة حرمت عليه الصدقة كالغني، ولأنه لما كان الاكتساب كالغنى في سقوط نفقته عن والديه ومولوديه ووجوبها عليه لوالديه ومولوديه كان كالغني في تحريم الصدقات.
فأما الجواب عن الآية فهو أن الفقر ليس العدم وإنما هو الحاجة، والمكتسب غير محتاج وأما الجواب عن قوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فهو أنه قد يكون في الناس من لا تؤخذ منه ولا تدفع إليه فهو مالك ما لا يزكى فكذلك المكتسب فجاز أن يكون منهم من تؤخذ منه فتدفع إليه وهو مالك ما يزكى إذا كان غير مكتسب.
وأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سألنا أعطيناه" فهو أن معناه من أظهر لنا الفقر قبلنا منه، لأن الأصل في الناس العدم.
وأما قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس"، فهو دليلنا لأن أبا حنيفة يمنعه إذا كان ثمن فرسه نصاباً ونحن نعطيه إذا كان محتاجاً.
وأما قياسه على غير المكتسب فالمعنى فيه الحاجة والمكتسب غير محتاج.
وأما قوله: "لما لم يكن الاكتساب كالمال في وجوب الحج والتكفير بالعتق كذلك في تحريم الزكاة" فهو فاسد بنفقات الأقارب التي يجعل الاكتساب فيها كالمال، ثم وجوب الحج والتكفير بالعتق يتعلقان بوجود المال والمكتسب غير واجد، وتحريم الزكاة يتعلق بالكفاية والمكتسب مكتف وبالله التوفيق.
مسألة 33 قال الشافعي: "فإن قال الجلد لست مكتسباً لما يغنيني ولا يغني عيالي ولا عيال وليس عند الوالي يقين ما قال فالقول قوله، واحتج بأن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقة فقال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي مكتسب" قال الشافعي: رأى عليه الصلاة والسلام صحة وجلداً يشبه الاكتساب فأعلمهما أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب ولم يعلم أمكتسبان أو لا فقال: "إن شئتما" بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا لمكتسب فعلت".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تقرر فرق ما بين الفقير والمسكين بما ذكرنا فخص رجل ادعى فقراً مسكنة فللوالي على الصدقة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعلمه فقيراً فيدفع إليه لعلمه من سهم الفقراء ولا يكلفه ببينة ولا يميناً.
والحال الثانية: أن يعلمه غنياً فلا يدفع إليه من سهم الفقراء شيئاً فإن ادعى تلف ماله لم يقبل قوله إلا ببينة، فإذ أقامها على تلف ماله الذي كان به غنياً سمعها من

الجزء: 6 - الصفحة: 327

شاهدين أو شاهد وامرأتين، وسواء كانت بنيته من أهل المعرفة الباطنة أم لا، وإن أقام البينة على فقره لم يسمعها إلا من أهل المعرفة الباطنة به؛ لأنه قد يستر الغنى ويتظاهر بالفقر فلم تسمع منه البينة بعد تقدم العلم بغناه إلا ممن يعرف باطن أمره من أقاربه وجيرانه، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لقبيصة بن المخارق: "إن المسألة حرمت إلا في ثلاث ذكر فيها أو رجل أصابته جائحة" الخبر إلى أن قال: حتى يشهد له ثلاثة من ذوى الحجى من قومه 34. إن تدخلت له المسألة فاختلف أصحابنا في الثلاثة هل يكونون شرطاً في بينته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر الثلاثة تغليظاً، وإن شهادة العدلين مجزئة.
والثاني: أن الثلاثة ها هنا شرط، فعلى هذا هل يكون شهادة أو خبراً على وجهين: أحدهما: أنها شهادة غلظت يراعى فيها عدالة الشهود في الحقوق لنقلها خلاف المعلوم.
والثاني: أنه خبر لزم فيه الاحتياط فميز بعدد وروعي فيه صدق المخبرين لا عدالة الشهود.
والحالة الثالثة: أن يجهل الوالي أمره ولا يعلمه غنياً ولا فقيراً فلا يخلو حال السائل من أحد أمرين: إما أن يكون ظاهره موافقاً لمسألته أو مخالفاً لها، فإن كان ظاهره موافقاً لمسألته لما عليه من سمات الفقر والفاقة ودلائل الضر في ضعف بدنه ورثاثة هيئته فهذا يعطى من سهم الفقراء تعويلاً على شاهد حاله من غير قول يوعظ به ولا يمين يحلف بها، وإن كان ظاهره مخالفاً لمسألته وهو أن يكون قوي البدن حسن الهيئة فينبغي للوالي أن يقول له على طريق الوعظ والإخبار بحال من يحل له الصدقة، ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذين سألاه الصدقة فصعد النظر فيهما، وصوب ثم قال: "إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب" فإذا قاله له هذه المقالة وأقام على المسألة وأنه يستحق الصدقة أعطاه منها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين: "إن شئتما" فدل على أن ذلك لهما، وهل يحلف على فقره قبل الدفع إليه أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يحلف؛ لأن الأصل الفقر ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عرض اليمين على الرجلين.
والثاني: يحلفه على فقره؛ لأن ظاهره بخلاف قوله، فأما إن دعي عيالاً ففي قبول قوله فيهم وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 328

أحدهما: لا يقبل قوله في دعوى العيال إلا ببينة تشهد بهم، لأنها دعوى تخالف الظاهر.
والثاني: أنه يقبل قوله فيهم كما يقبل قوله في نفسه لاختصاصهم به وإضافتهم إليه لكن لا تقبل إلا يمين يحلف بها وجهاً واحداً، لأنه يستزيد بها على حق نفسه.
مسألة 35 قال الشافعي: "والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها ومن لا غنى للوالي عن معونته عليها وأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدمة وإن كانا من القائمين بالأمر يأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق لأنهما لا يليان أخذها وشرب عمر رضي الله عنه لبناً فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل أصبعه فاستقاءه.
قال: ويعطى العامل بقدر غنائه من الصدقة وإن كان موسراً لأنه يأخذه على معنى الإجارة".
قال في الحاوي: وقد ذكرنا أن سهم العاملين على الصدقات ثابت إذا تولوا قبضها وتفريقها، وساقط منها إذا تولى رب المال بنفسه فإن قال رب المال المتولي للتفريق زكاته أنا آخذ سهم العاملين لنفسي للقيام بالعمل في التفرقة مقام العاملين لم يجز لأن العامل من ولاه الإمام قبضها وتفريقها نيابة عن أهل الصدقات، ورب المال إنما هو نائب عن نفسه لأنه لا يجوز أن يكون وكيلاً عليها لغيره؛ وإذا كان هكذا لم يخل حال رب المال إذا دفع زكاة ماله إلى الوالي من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يدفعها إلى الإمام الذي هو الخليفة على الأمر.
والثاني: أن يدفعها إلى والي الإقليم الناظر في جمع أموره.
والثالث: أن يدفعها إلى العامل الذي ولاه الإمام قبضها وجعل نظره مقصوراً عليها، فإن تولاه الإمام سقط منها سهم العاملين عليها؛ لأن ولاية الإمام عامة قد أخذ رزقه عليها من بيت المال فلم يجمع له بين رزقين على عمل واحد، ولما روى الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلبن فشربه فأعجبه فقال من أين لك هذا فقال: مررت بلقاح الصدقة فأعطونيه فجعلته في سقائي فاستقاءه عمر رضي الله عنه، فدل على أنه يحرم عليه مال الصدقة، ولذلك لم يستبقه في جوفه.
فإن قيل: فما تأثير استقائه بعد استهلاكه ومن أكل حراما لم يلزمه أن يستقيئه.
قيل في استيقائه لذلك ثلاثة أمور: أحدها: أن يعلم الناس تحريم الصدقات على الإمام.
والثاني: أن من أخذ مالاً يحل له من مغصوب وغيره فتغير في يده لم يملكه بخلاف ما قال أبو حنيفة.

الجزء: 6 - الصفحة: 329

والثالث: لئلا يستديم الاغتذاء والانتفاع بحرام، وهكذا لو تولى قبض الصدقات وتفريقها وإلى الإقليم سقط منها سهم العاملين لأنهم في عموم ولايته على ذلك الإقليم الذي قد ارتزق على عمله فيه جار مجرى الإمام.
فأما إذا اختص لعامل بقبض الزكاة تفريقها ثبت فيها حينئذ سهم العاملين عليها ليكون مصروفاً إلى العامل وأعوانه فيها وإذا كان كذلك وجب أن يوصف من يجوز أن يكون عاملاً فيها بها في القبض والتفرقة وهو من تكاملت فيه ست خصال: أحدها: البلوغ لأن الصغر معه قبض ولا تقبيض.
والثانية: العقل الذي يصح التمييز به.
والثالثة: الحرية.
والرابعة: الإسلام لأن الكفر يمنع من الولاية على مسلم لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:1] وقدم أبو موسى الأشعري من البصرة على عمر بحساب استحسبه عمر فقال من عمل هذا فقال: كاتبي فقال: أين هو؟ قال: هو على باب المسجد قال: أجنب هو؟ قال: لا، ولكنه ذمي فأمره بعزله وقال: لا تأمنوهم إذ خونهم الله تعالى، ولا تقربوهم إذ بعدهم الله: والخامس: الأمانة لأنها بيانه ليقصد بها حفظ المال على غير المستنيب فأشبه ولي اليتيم الذي إن خيفت خيانته سقطت ولايته.
والسادسة: الفقه بأحكام الزكوات فيما تجب فيه من الأموال وما لا تجب وفي مقاديرها وقدر الحق فيها وأوصاف مستحقيها ومبلغ استحقاقهم منها لئلا يكون جاهلاً بما هو موكول إلى نظره، فلا يصح تقليده كالحاكم إذا كان جاهلاً وليس يلزم من عامل الصدقة أن يكون ففيهما في جميع الأحكام؛ لأن ولاية الحاكم جامعة فاحتاج أن يكون عالماً بجميع الأحكام وولاية عامل الصدقات مخصوصة فلا يحتاج إلى أن يكون عالماً يعني أحكامها، فإذا تكاملت فيه هذه الخصال الستة جاز أن يكون عاملاً عليها وسواء كان رجلاً أو امرأة وإن كرهنا تقليد النساء لذلك لما عليهن من لزوم الحفر لأن المرأة لما جاز أن تلي أموال الأيتام جاز أن تلي أموال الصدقات فأما أعوان العامل من كتابه وحسابه وجباته ومستوفيه فأجورهم من سهم العاملين لعملهم فيها، ولا يلزم اعتبار الحرية والفقه فيهم، لأنهم خدم فيها مأمورون ويلزم اعتبار الخصال الأربعة من البلوغ والفضل والإسلام والأمانة.
وأما الرعاة والحفظة لها بعد قبضها ففي أجورهم وجهان: أحدهما: أنها من سهم العاملين عليها.
والثاني: من أصل الصدقات فأما أجرة الحمالين والنقالين فإن كانت عند أخذ ذلك من أرباب الأموال ففيها وجهان: كالرعاة، والحفظة وإن كانت لحملها لأهل الصدقات فأجورهم في أموال الصدقات وجهاً واحداً.
وأما أجور الكيالين والوزانين والعدادين، فعلى وجهين:

الجزء: 6 - الصفحة: 330

أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها على أرباب الأموال، لأن ذلك من حقوق التسليم والتمكين فأشبه أجرة الكيال والوزان في المبيع يختص بها البائع دون المشتري.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنها في سهم العاملين والفرق بين هذا وبين البيع مكيل في حق البائع، وهذا مكيل في حق أهل السهمان فصار ما يلزم من أجور العمل في أموال الصدقات تنقسم أربعة أقسام: أحدها: ما كان في سهم العاملين من الصدقات وهو العامل وأعوانه.
والثاني: ما كان في أموال الصدقات من غير سهم العاملين وهو أجور الحمالين والنقالين إلى أهل الصدقات.
والثالث: ما كان على أرباب الأموال في أحد الوجهين ومن سهم العاملين في الوجه الثاني وهو أجرة الكيال والوزن.
والرابع: ما اختلف أصحابنا فيه وهو أجرة الرعاة والحفظة فأخذ الوجهين أنه من سهم العاملين.
والثاني: من مال الصدقات.
فصل فإذا ثبت ما وصفنا فالإمام فيمن قلده من عماله الصدقة بين أمرين: إما أن يعقد معه إجارة على عمل معلوم في زمان معلوم بأجرة معلومة فيكون العقد لازماً له وله الأجرة إذا عمل، وإما أن يجعلها جعالة فيقول: إن عملت كذا فلك كذا، فتكون هذه جعالة لا تلزم وله إن عمل ما يسمى له فإن استعمله من غير جارة ولا جعالة فله أجرة الثمل ثم لا يخلو سهم العاملين عليها وأجرهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتساويا فتكون الأجرة بقدر سهمهم من غير زيادة ولا نقص فنقص عليها وقد استوفوا أجورهم من سهمهم وسواء كانوا أغنياء أو فقراء، لأنها معاوضة فلم يعتبر فيها الفقر.
وقد روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمسة".
العامل عليها وغاز في سبيل الله 36. الحديث وروى ابن الساعدي قال: بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاملاً على الصدقة فلما رجعت بها وأديتها أعطاني عمالتي فقلت: إنما عملت لله وإنما أجري على الله، فقال: خذ ما أعطيتك، فقد قلت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلت فأعطيت مثل ما أعطيت فقلت مثل ما قلت فقال: "إذا أعطيت

الجزء: 6 - الصفحة: 331

من غير أن تسال فكل وتصدق" 37 لدل على ما ذكرنا من الخبرين على جواز ذلك مع الغنى والفقر.
والثاني: أن تكون أجور العاملين أقل وسهمهم أكثر فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجورهم، ويرد الفاضل منه على السهمان كلها بالتسوية ولا يستبقي لعامله غلى غير ذلك الصدقة.
والثالث: أن تكون أجور العاملين أكثر وسهمهم أقل فيدفع إليهم سهمهم ويتمم له باقي أجورهم ومن أين يتمم؟ فيه قولان: أحدهما: من تلك الصدقة التي عملوا فيها لاختصاص عملهم بها.
والثاني: من مال المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة لأن ذلك جملتها.
فصل وأما استعمال ذوي القربى على الصدقات فإن تطوعوا بالعمل من غير أجر جاز وسقط من تلك الصدقة التي عملوا فيها سهم العاملين عليها كما يجوز للإمام أن يتولاها، وإن كان من ذوي القربى لأنه يأخذ منها ويسقط سهم العاملين منها، وإن أراد العامل من ذوي القربى أن يعمل عليها ويأخذ سهم عمله منها، ففي جوازه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجوز لأنها معاوضة لا يراعى فيها الفقراء فلم يراعى فيها النسب، ولأنه لما جاز أن يفاضلوا على عملهم فيها ما يلزم رب المال من أجره الكيل والوزن وما يلزم أهل الصدقات من أجرة الحفظ والنقل، جاز أن يفاضلوا عليه بما يزم في مال الصدقات من سهم العاملين.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يجوز لتحريم الصدقات عليهم، روي أن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عمالة الصدقة فقال: إن الصدقة من أوساخ الناس لا يحل لمحمد وأل محمد منها شيء".
وروي عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، ولأن الله تعالى جعل سهمهم من خمس الخمس من الفيء والغنيمة عوضاً عن مال الصدقة.
والثالثة: وهو قول أبي سعيد الاصطخري إن كانوا يعطون سهمهم من الخمس لم يجز وإن كانوا لا يعطون جاز لأن لا يجمعوا بين مالين إن أعطوا لا يحرموا المالين إن منعوا، فأما مولى ذوي القربى فقد اختلف أصحابنا فيهم على وجهين: أحدهما: أنهم كذوي القربى في تحريم الصدقات عليهم لرواية أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل على الصدقة رجلاً من بني مخزوم فقلت له:

الجزء: 6 - الصفحة: 332

أثبت لي سهماً منها، فقال حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك فقال: "إن مولى القوم منهم وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" 38. والثاني: أنها لا تحرم عليهم ويجوز أن يكون المولى منهم عاملاً عليها، لأن تحريمه على ذوي القربى لأمرين تفردوا بهما عن مواليهم: أحدهما: شرف نسبهم الذي فضلوا به.
والثاني: سهمهم من الخمس الذي تفردوا به.
فوجب أن يختصوا بتحريم الصدقات دون مواليهم والله أعلم.
فصل إذا تلفت الصدقة في يد العامل فهو عليها أمين لا يضمنها إلا بالعدوان ثم لا يخلو أن يكون قد أخذ سهمه منها أو لم يأخذ، فإن أخذه لم يلزمه رده؛ لأنه قد استحقه بعمله، إلا أن يكون قد أخذ أجرة القبض والتفريق، فيلزمه إذا تلفت قبل التفريق أن يرد من الأجرة ما قابل أجرة التفريق، وإن لم يكن قد أخذ سهمه من المال قبل تلفه أعطى أجره من سهم المصالح من الخمس، لم يفوت عليه بغير بدل وبالله التوفيق.
مسألة 39 قال الشافعي: "والمؤلفة قلوبهم في متقدم الأخبار ضربان: ضرب مسلمون أشراف مطاعون يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتم ما يرون من نيات غيرهم، فإذا كانوا هكذا فأرى أن يعطوا من سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهامهم مع المسلمين وذلك أن الله تعالى جعل هذا السهم خالصاً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فرده في مصلحة المسلمين.
واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة يوم حنين من الخمس مثل عيينة والأقرع وأصحابهما ولم يعط عباس بن مرداس وكان شريفاً عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مال الشافعي رحمه الله لما أراد ما أراد القوم احتمل أن يكون دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأى أن يعطيه من ماله حيث رأى أن يعطيه لأنه له - صلى الله عليه وسلم - خالصاً للتقوية بالعطية ولا نرى أن قد وضع من شرفه فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد أعطى من خمس الخمس النفل وغير النفل لأنه له وأعطى صفوان بن أميه ولم يسلم ولكنه أعاره أداة فقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين أول النهار فقال له رجل غلبت هوازن وقتل محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال صفوان بن أميه بفيك الحجر فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن ثم أسلم قومه من قريش وكان كأنه لا

الجزء: 6 - الصفحة: 333

يشك في إسلامه والله تعالي أعلم.
قال الشافعي: فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطي من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أحب إلى للإقتداء بأمره - صلى الله عليه وسلم - ولو قال قائل كان هذا السهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لع أن يضع سهمه حيث يري فقد فعل هذا مرة وأعطي من سهمه بخيبر رجالاً من المهاجرين والأنصار لأنه ماله يضعه حيث رأي ولا يعطي أحداً اليوم على هذا المعني من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحداً من حلفائه أعطي أحداً بعده.
ولو قيل: ليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان كان مذهباً والله أعلم.
قال: وللمؤلفة في قسم الصدقات سهم والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق أحسبه بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيراً وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلي بلاء حسناً والذي يكاد يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار أنه أعطاه إياها من سهم المؤلفة فإما زاده ترغيباً فيما صنع وإما ليتألف به غيره من قومه ممن لم يثق منه بمثل ما يثق به من عدي بن حاتم.
قال: فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة ولن تنزل إن شاء الله تعالى وذلك أن يكون العدو بموضع منتاط لا يناله الجيش إلا بمؤنه ويكون بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بلية فأري أن يقووا بسهم سبيل الله من الصدقات وإما أن لا يقاتلوا إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة أو ما يكفيهم منه وكذا إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه ببعد ديارهم وثقل مؤناتهم ويضعفون عنه فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه من امتناع أكثر العرب بالصدقة على الرده وغيرها لم أر أن يعطى أحد من سهم المؤلفة ولم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا رضي الله عنهم أعطوا أحداً تألفاً على الإسلام وقد أغنى الله- فله الحمد- الإسلام عن أن يتألف عليه رجال.
وقال في الجديد: لا يعطى مشرك يتألف على الإسلام لأن الله تعالى خول المسلمين أموال المشركين لا المشركين أموال المسلمين وجعل صدقات المسلمين مردودة فيهم".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن مالكاً وأبا حنيفة أسقطا سهم المؤلفة كما أسقط أبو حنيفة سهم ذي القربى للاستغناء بقوة الإسلام واستعلاء أهله على الفريقين، وقد مضى الكلام في سهم ذوي القربى.
فأما سهم المؤلفة فهو باق على ما سنشرحه قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60] وتآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
والمؤلفة قلوبهم على عها النبي - صلى الله عليه وسلم - ضربان: مسلمون ومشركون.
فأما المشركون فضربان: أحدهما: أشراف مطاعون فيهم قوة وبأس وليس لهم في الإسلام نيات لكنهم إن أعطوا كفوا عن قتال المسلمين، وعن أذارهم مجتازين، أو مسافرين، وإن لم يعطوا قاتلوهم وتتبعوهم بالأذى في أسفارهم ومساكنهم مثل عامر بن الطفيل فقد كان ذا غلظة

الجزء: 6 - الصفحة: 334

على المسلمين، وقتل أهل بني معونة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتآلفه ويستكفه فأتى المدينة وقال: يا محمد شاركني في أمرك، وكنت أنت على المدر وأنا على الوبر، فقال: لم يجعل الله ذلك لي قال: والله لأملأتها عليك خيلاً ورجالاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يأبى الله ذلك عليك وأبناء قبيلة الأرض والخزرج يعني الأنصار فخرج من عنده بأخبث نية فأخذته غدة مات بها وقد نزل على امرأة من سلول قال: وهو يجود بنفسه غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
والثاني: من الكفار أشراف ومطاعون لهم في الإسلام ونيات لم تخلص إن أعطوا قويت نياتهم في الإسلام فأسلموا، وإن لم يعطوا بقوا على كفرهم مثل صفوان بن أمية فإنه كان ذا نية في الإسلام واستعار منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أداة فأعاره مائة درع وحضر معه حنيناً وقال: قد انهزمت الصحابة في أول الوقعة أحسن مما قاله بعض المسلمين الذين أسلموا عام الفتح بمكة، فإن أبا سفيان قال عند الهزيمة غلبت هوازن، وقتل محمد، فقال له صفوان بن أمية: لفيك الحجر، والله لرب قريش أحب إلى من رب هوازن، فلما انجلت الوقعة وأحيزت غنائم هوازن أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - منها مائة بعير، فلما رآها وقد امتلأ بها الوادي فقال: هذا عطاء من لا يخاف الفقر ثم أسلم بعد ذلك.
هذان الضربان من المشركين تألفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي جواز تآلفهم الآن بعد وفاته قولان: أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60] والقول الثاني: لا يجوز لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله بما أعطاهم من قوة وزادهم من قدرة عن أن يتآلفوا بأموالهم مشركاً، ويكون تآلف النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم إما عن حاجة إليهم عند قلة المسلمين وكثرتهم، وإما لأنه كان يعطيهم من ماله الذي ملكه الله تعالى من خمس الخمس، فكان يصنع به ما شاء مما ليس لغيره من الولاة أن يصنع مثله.
فإذا قيل: لا يجوز أن يتآلفوا بمال لما جعل الله تعالى أموالهم للمسلمين حولاً، ولم يجعل لهم في أموال المسلمين حقاً منعوا ذلك من أموال الصدقات وغيرها.
وإذا قيل: بجواز تآلفهم جاز إذا وجد فيهم نفع التآلف يعطوا مع الغنى والفقر لا من أموال الصدقات التي جعلها الله تعالى للمسلمين ولكن من سهم المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة المعدة لمصالح المسلمين العامة.
فصل وأما المسلمون من المؤلفة فضربان: ضرب لم يختلف قوله في جواز تآلفهم.
وأما الضرب الذي اختلف قوله في جواز تآلفهم وحملهم فيه على حكم المشركين فضربان:

الجزء: 6 - الصفحة: 335

أحدهما: الأشراف المطاعون وقد حسنت في الإسلام نياتهم ولكن في إعطائهم تآلف لقومهم وترغيب لأكفائهم ونظرائهم كالزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاهما تآلفاً لقومهما وترغيباً لنظرائهما.
والضرب الثاني: أشراف مطاعون قد أسلموا بنيات ضعيفة إن أعطوا قويت نياتهم وحسن إسلامهم، وإن منعوا وبما أفضى بهم ضعف النية إلى الردة فقد أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمثال هؤلاء مثل عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي، فإنه تآلف كل واحد منهما بمائة بغير وترك العباس بن مرداس السلمي فلم يعطه ثقة بحسن إسلامه كما ترك الأنصار وقصر به على مهاجرة الفتح حتى استعتب العباس بن مرداس فيما أنشده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شعره حيث يقول: كانت ذهاباً تلافيتها وكرى على القوم بالأجرع وحتى الجنود لكي يدلجوا إذا هجع القوم لم أهجع أتجهل نهبي وذهب العبي د بين عيينة والأقرع الأبيات إلى آخرها.
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطي مائة 40 بعير فاحتمل إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك له أحد أمرين: ذكرهما الشافعي: أحدهما: أن يكون قد بطن به حسن النية في الإسلام فمنعه ثم بان منه ضعف النية فتآلفه.
والثاني: أن يكون على حسن نيته لكن خشي نقص الرتبة وحظ المنزلة فأحب المساواة بينه وبين أكفائه فأعطاه مع حسن إسلامه وهذا أشبه الأمرين بشعره، فهذان الضربان من مؤلفة المسلمين قد تآلفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وفي جواز تآلفهم الآن بعد وفاته قولان: أحدهما: يجوز اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - مع عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:60] ولأن أبا بكر رضي الله عنه لما أتاه عدي بن حاتم الطائي بثلاثمائة بعير من صدقات قومه أعطاه منها ثلاثين بعيراً ليتآلف بها قومه، وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد، فيمن أطاعه من قومه فلحق به في زهاء ألف وجل وأبلى بلاء حسناً.
والثاني: لا يجوز أن يتآلفوا لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله بالقوة والكثرة عن أن يتألف فيه أحد، ولأن عمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم ما تآلفوا من مال الصدقات أحداً وقد روى حسان بن عطية: أن عيينة بن حصن أتى عمر فسأله شيئاً فلم يعطه فقال: وقل الحق من ربك تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:29] فإن قيل: لا يعطى الكفار فلا مقال وإذا قيل: يعطون تآلفاً لقلوبهم، فعن المال الذي يتآلفون منه قولان:

الجزء: 6 - الصفحة: 336

أحدهما: هو سهم المؤلفة من الصدقات، فإن النص على سهمهم منها، ولأن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم ثلاثين بعيراً من صدقات قومه.
والثاني: أنهم يعطون من مال المصالح وهو خمس الخمس من الفيء والغنيمة لأنهم من جملتها، ويعطون ذلك مع الغناء والفقر.
فصل وأما الضرب الثاني: من المسلمين الذين لم يختلف قول الشافعي في جواز تآلفهم فهم أربعة أصناف: أحدها: أن يكونوا من أعراب أو غيرهم من المسلمين في طرف من بلاد الإسلام بإزاء مشكرين لا يقاتلونهم على الإسلام إلا بمال يعطونه، إما لفقرهم، وإما لضعف نيتهم وفي مسير المجاهدين إليهم مشقة عظيمة والتزام مال جزيل.
والثاني: أن يكون من ذكرنا بإزاء قوم مرتدين لا يقاتلونهم على الردة إلا بمال إما لفقر أو لضعف نية، وفي تجهيز الجيش إليهم مؤنة ثقيلة.
والثالث: أن يكونوا بإزاء قوم من البغاة وهذه حالهم معهم.
والرابع: أن يكونوا بإزاء قوم مانعي الزكاة ولا يقاتلونهم على بذلها إلا بمال فهؤلاء الأصناف الأربعة يجوز تألفهم بالمال لما في تآلفهم من معونة المسلمين ونفعهم والذب عنهم وفي المال الذي يتألفون منه ثلاثة أقاويل ورابع معلول: أحدها: من سهم المؤلفة من الصدقات لأنهم من المؤلفة.
والثاني: من سهم سبيل الله لأنهم غزاة.
والثالث: من مال المصالح من الخمس لأنهم من جملة المصالح.
والرابع: المعلول أنهم يعطون من سهم المؤلفة وسهم سبيل الله وهذا قول معلول لما فيه من الجمع في دفع الصدقة بين سببين من سهمين فاختلف أصحابنا في هذا القول على ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا على القول الذي جوز الشافعي فيه إعطاء الشخص الواحد من الزكاة الواحدة بسببين من سهمين إذا كانا فيه موجودين، فأما على القول الذي منع فيه من ذلك فلا يعطون إلا من أحد السهمين.
والثاني: أن ذلك على ظاهره في إعطائهم من السهمين معاً على القولين جميعاً لوجود كل واحد من السببين فيهم مع الحاجة الداعية إليهم وإنما يمنع من إعطاءه بالسببين لمن كانت حاجته إلينا.
والثالث: أنه مختلف باختلاف الحال فيمن قاتل منهم مانعي الزكاة أعطي من سهم المؤلفة ومن قاتل منهم المشركين أعطى من سهم الغزاة والأصح عندي في هذا القول الرابع غير هذه الوجوه الثلاثة أنه يجمع لهذه الأصناف كلها بين سهم المؤلفة وبين سهم

الجزء: 6 - الصفحة: 337

سبيل الله في الجملة إلا أن يصبح الشخص الواحد منهم لا يجوز أن يعطى من السهمين لكن يعطى بعضهم من سهم المؤلفة ولا يعطى من سهم سبيل الله، ويعطى بعضهم من سهم سبيل الله ولا يعطى من سهم المؤلفة فيكون الجمع بين السهمين للجنس العام والمنع من الجمع بينهما للشخص الواحد، وهذا أصح ما يحمل عليه تخريج هذا القول الرابع، والله أعلم.
مسألة 41 قال الشافعي: "والرقاب المكاتبون من حيز إنما الصدقات والله أعلم ولا يعتق عبد يبدأ عتقه فيشتري ويعتق".
قال في الحاوي: وهذا صحيح والرقاب صنف من أهل الصدقات، لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:177] فاختلف الفقهاء فيهم فذهب الشافعي إلى أنهم المكاتبون يعطون المسمى لهم يستعينون به في مال كتابتهم ولا يبتدئ عتق رقاب تشترى، وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب عليه السلام وفي التابعين قول سعيد بن جبير والنخعي.
وفي الفقهاء قول أبي حنيفة والثوري.
وقال مالك: الرقاب أن يبتدأ عتق رقاب تشترى وهو في الصحابة قول عبد الله بن عباس، وفي التابعين قول الحسن البصري، وفي الفقهاء قول أحمد وإسحاق استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:177] وفيها ثلاثة أدلة: أحدها: أن مطلق اسم الرقبة يتناول العبد القن دون المكاتب بدليل قوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:89] يقتضي عتق العبد القن دون المكاتب.
والثاني: أن الله تعالى أضاف سهمان الصدقات إلى الأصناف بلام التمليك: "إنما الصدقات للفقراء" وخالف صيغة اللفظ في الرقاب بأن حذف لام التمليك، فقال: وفي الرقاب فجعل ذلك فيهم ولم يجعله لهم فاقتضى أن لا يملكه المكاتبون ويشترى به عبيد يعتقون ليصح أن يكون فيهم ولا يكون لهم.
والثالث: أن المكاتبين من جملة الغارمين فلو أريدوا بالآية لاكتفى بذكر الغارمين عن ذكرهم ولأن ما وجب من أموال الطهرة نوعان زكوات وكفارات، فلما كان في الكفارات عتق وجب أن يكون في الزكوات عتق.
وتحريره: أنه أحد نوعي الطهرة فوجب أن يختص بعتق، ويفرقه كالكفارات، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:60] ومنها سبعة أدلة: أحدها: أن الله تعالى جعل ذلك في الرقاب لا في السادة، وملك يجعله في السادة لا في الرقاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 338

والثاني: أن سائر الأصناف لما استحقوا الأخذ وجب أن يكون صنف الرقاب مستحقاً الأخذ.
والثالث: أن الله تعالى ذكر في الآية ثمانية أصناف وقرن فيها بين كل صنفين يتقارب معناهما فنقارب في حاجتنا إليهم وفرق بين سبيل الله وابن السبيل لأن معناهما متقارب في اختصاصهم بقطع مسافة، وفرق بين الرقاب والغارمين، فوجب أن يكون معناهما متقارباً فلما أخذ الغارمون لما في الذمة اقتضى أن يأخذ الرقاب لما في الذمة.
الرابع: أن الله تعالى جعل المصروف إلى الأصناف صدقة وفي صرفه في العتق يصير ثمناً يخرج عن حكم الصدقة.
والخامس: أن الله تعالى جعل كل صنف من أهل الذمة، ممن يمكن دفع سهمه إليه من كل صدقة ولا يمكن إذا جعل سهم الرقاب في العتق أن يعتق سهمهم من كل صدقة إذا جعل في المكاتبين أمكن أن يدفع إليهم في كل صدقة.
والسادس: أنه لو صرف سهم الرقاب في مكاتبين وبقي عليهم من آخركم آخر نجم ما يعتقون به فأعطوا ما عتقوا به أجزأ، ولو خرجوا من حكم الآية لم يجز كالعتق في الكفارة فدل على أنهم المواد بالآية.
والسابع: أن الله تعالى لو أراد بالرقاب المعتق لقرنه بذكر التحرير كالكفارة حيث قال: "فتحرير رقبة مؤمنة" ولا يقتضي أن يحمل مطلق الرقاب في الصدقة على المقيد منها في الكفارة لأن في المطلق في الرقاب ما يجزئ وهو ما ذكرنا من المكاتبين، فكان حمل المطلق على المطلق أولى من حمله على المقيد، وخالف تقيد الشهادة بالعدالة في موضع وإطلاقها في آخر، لأنه ليس في الشهادة مال يعتبر فيه العدالة، فلذلك وجب حمل المطلق على المقيد، ويدل عليه من طريق الاعتبار أنه ضعف من أهل الصدقة فوجب أن يكونوا على صفة يستحقوا بها الأخذ قياساً على سائر الأصناف، ولأن العتق يقتضي ثبوت الولاء للمعتق فلو أعتق سهم الرقاب لم يخل أن يثبت على المعتق ولاء أو لا يثبت عليه، ولا سلب حكم العتق.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لمن أعتق" 42 وإن ثبت عليه الولاء لم يخل أن يكون لرب المال أو لغيره فلم يجز أن يكون لغيره؛ لأنه غير معتق بماله ولم يجز أن يكون لرب المال الأمرين: أحدهما: أنه ما اشتراه ولا أشتري له.
والثاني: أنه لا يستفيد بإخراج زكاته ملكاً كسائر الأصناف فثبت امتناع العتق.
فإن قيل: فلو أخذ الغارم سهمه وعليه لرب المال دين جاز أن يستعيده من دينه فيصير ملكاً له.

الجزء: 6 - الصفحة: 339

قيل: ليس هذا في كل غارم ولا الغارم الذي عليه الدين يلزمه رد ذلك بعينه، لأنه لو دفع غيره أجزأ.
فأما الجواب عن استدلالهم من الآية من أن مطلق الرقبة يتناول العبد القن دون المكاتب فهو أن ادعاء ذلك غير مسلم؛ لأنه إن أطلق تناول القن وغيره، وإن قيد بقرينة كالتحرير تخصص لأجل القرينة بالقن دون غيره فلما أطلق ذكر الرقاب في الصدقة وجب أن يحمل على عمومه ولا يجري مجرى ما خص في الكفارة بقرينة.
وأما الجواب عن استدلالهم من الآية بأن الله تعالى أصناف الصدقات إلى أهل السهمان بلام التمليك إلا الرقاب فهو أنه قد قال مثل ذلك في الغزاة وبني السبيل فقال: "وفي سبيل الله وابن السبيل" لا يقتضي ذلك أن لا يدفع إليهم تمليكاً كذلك الرقاب.
وأما الجواب عن استدلالهم فيها بأن المكاتبين من جملة الغارمين فمن وجهين: أحدهما: أنهم غير الغارمين لأن ديونهم غير مستقرة وديون الغارمين مستقرة.
والثاني: أنهم وإن تقاربوا في المعنى فإنه يستفاد بذكرهم أن لا يقتصر على الغارمين لو لم يذكروا عليهم دون الغارمين؛ لأنهم منهم وجرى ذلك مجرى ذكر الفقراء والمساكين وإن كانوا متقاربين يستغنى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر؛ لأن لا يقتصر على أحدهما حتى يلزم الجمع بينهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بالكفارات فهو أن المأمور بإخراجه في الكفارات هو العتق لذلك لو أعتق رقبة يملكها أجزأه، والمأمور بإخراجه في الصدقات هو المال ولذلك لو أعتق رقبة يملكها لم يجزه فافترقا.
فصل فإذا ثبت أن سهم الرقاب مصروف في المكاتبين فلا يخلو حال المكاتب من أحد أمرين: إما أن يكون قادراً عليه من مال الكتابة أو عاجزاً عنه، فإن كان قادراً عليه وذلك بأحد وجهين: إما بمال في يده بقدر الباقي من مال كتابته أو بصناعة يكتسب بها فذلك يكونا في الحكم سواء ولا يجوز أن يدفع إليه من شيء من الصدقات لأنها مصروفة في ذوي الحاجات وليس هذا المكاتب منهم وإن كان عاجزاً عما عليه من مال الكتابة فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون نجم الكتابة قد حل عليه أو لم يحل، فإن كان نجم الكتابة قد حل عليه واستحق السيد المطالبة به دفع إليه وكان رب المال والعامل بالخيار بين أن يدفعه إلى المكاتب حتى يدفعه المكاتب إلى سيده أو يدفعه ابتداء إلى السيد بأمر المكاتب أو بغير أمره، وإن كان نجم الكتابة لم يحل ومطالبة المكاتب به لم تجب ففي جواز الدفع إليه وجهان: أحدهما: لا يدفع إليه لأن غير محتاج إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 340

والثاني: يدفع إليه لأنه قد يحل مال النجم فيحتاج إليه.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل المكاتب بعد الدمع إليه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعتق بالأداء فقد استقر استحقاق ما أخذه من كتابته.
والثاني: يعتق بغير أداء مال الصدقة وذلك إما بإبراء السيد له أو بأداء آخر عنه أو بأدائه من كسبه فيكون الحكم في هذه الأحوال الثلاثة سواء، وينظر فإن كان ذلك في النجم الأخير أسترجع منه ما دفع إليه؛ لأنه لم يكن للأخذ تأثير في المقصود من عتقه، وإن كان فيما قبل النجم الأخير وقد أداه فيه لم يسترجع؛ لأنه قد كان لذلك الدفع تأثير في تحرير العتق ولو استرجع لم يعتق.
والثالث: أن يسترقه السيد بالعجز فلا يخلو حال المدفوع إليه من أحد أمرين: إما أن يكون في النجم الأخير أو فيما قبله فإن كان في النجم الأخير استرجع المدفوع إليه سواء كان باقياً في يد المكانب أو قد قبضه السيد منه، لأن المقصود من العتق لم يقع، وإن كان فيما قبل النجم الأخير من النجوم المتقدمة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون ذلك باقياً في يد المكاتب فيسترجع منه ولا يجوز أن يأخذه السيد بعد العجز ولا يتملك المكاتب بعد الرق لفوات المعنى المبيع للأخذ.
والثاني: أن يكون السيد قد قبضه منه، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قد قبضه من مال النجم الذي عجزه فيه فهذا يسترجع منه أيضاً لفوات المقصود بذلك الأخذ.
والثاني: أن يكون قد قبضه منه من مال نجم متقدم قبل نجم التعجيز، ففي جواز استرجاعه منه وجهان: أحدهما: يسترجع منه لفوات المقصود من العتق فشابه مال النجم الأخير.
والثاني: لا يسترجع منه لأن لكل نجم حكماً.
فصل فإذا وجب استرجاع المأخوذ من مال الصدقة فتلف قبل الاسترجاع فلا يخلو حال تلفه من أحد أمرين.
إما أن يتلف في يد السيد أو في يد المكاتب، فإن تلف في يد السيد فهو مضمون عليه بالغرم سواء تلف استهلاكه له أو بغيره، لأنه أخذه على وجه البدل عن العتق فإذا فات العتق ضمنه بالرد إن بقي، وبالغرم إن تلف كالمبيع، وإن تلف في يد المكاتب فعلى ضربين: أحدهما: أن يتلف باستهلاكه فإن تلف باستهلاكه ضمن فمان المغصوب يقدم على

الجزء: 6 - الصفحة: 341

ديون المعاملات فإن فاق ما بيده عن غرمه ضمنه في رقبته، وإن تلف بغير استهلاكه فعلى ضربين: أحدهما: أن يتلف بيده قبل عجزه.
والثاني: أن يتلف بعد عجزه فإن تلف قبل عجزه، فعلى ضربين: أحدهما: أن يتلف قبل إمكان دفعه إلى سيده فلا ضمان عليه ولا على سيده؛ لأنه كان مؤتمناً على أدائه.
والثاني: يتلف بعد إمكان دفعه إلى سيده فهذا على ضربين إما أن يكون قد حل عليه نجم الكتابة وأخر دفع ذلك إليه فهو مضمون عليه ضمان المغصوب لعدوانه بتأخير الأداء.
والثاني: أن لا يكون نجم الكتابة قد حل عليه ففي ضمانه عليه وجهان من اختلاف الوجهين في جواز الدفع إليه قبل حلول النجم عليه.
أحدهما: يضمنه إذا جعل كالذي حل عليه في جواز الدفع إليه.
والثاني: لا يضمنه إذا لم يجعل في جواز الدفع إليه كالذي حل عليه وإن تلف في يده بعد عجزه فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون تلفه بعد إمكان رده على رب المال أو العامل فهذا مضمون عليه ضمان المغصوب لعدوانه بتأخير الرد ويكون الضمان في رقبته دون ما بيده لتقدم استحقاق ما بيده في معاملاته.
والثاني: أن يكون تلفه قبل إمكان رده فهو غير مضمون على المكاتب لأنه ما قبضه لنفسه ولا كان متعدياً في جنسه وهل يكون مضموناف على سيده فيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه لأنه ما صار إليه.
والثاني: يضمنه لأن المكاتب قبضه لسيده ويده بعد العجز كيده.
مسألة 43 قال الشافعي: "والغارمون صنفان: صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم لعجزهم فإن كانت لهم عروض يقضون منها دونهم فهم أغنياء لا يعطون حتى يبرؤوا من الذين ثم لا يبقى لهم ما يكونون به أغنياء وصنف دانوا في صلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها وإن بيعت أضر ذلك بهم وإن لم يفتقروا فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا سهمهم.
واحتج بأن قبيصة ابن المخارق قال: تحملت بحمالة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "نؤديها عنك أو نخرجها عنك إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة المسألة حرمت إلا في ثلاث رجل تحمل

الجزء: 6 - الصفحة: 342

بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش وقواماً من عيش ثم يمسك ورجل أصابته جائعة فاحتاجت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت" قال الشافعي رحمه الله: "فبهذا قلت في الغارمين وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تحل له المسألة في الفاقة الحاجة" يعني والله أعلم من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين وقوله حتى يصيب سداداً من عيش" يعني والله أعلم اسم الغنا ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة؛ لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني" فبهذا قلت يعطى الغازي والعامل وإن كانا غنيين والغا رم في الحمالة على ما أبان عليه السلام لا عاماً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: والغارمون صنف من أهل الصدقات، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:60] فجعل لهم من الصدقات سهماً وهو صنفان: صنف أدانوا في مصالح أنفسهم، وصنف أدانوا في مصالح غيرهم، فأما من أدان في مصلحة نفسه فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قد أدان في حق.
والثاني: في بتذير.
والثالث: في معصية.
فأما الأول وهو أن يكون قد أدان في حق فكر جل أدان في جوائح إصابة أو نفقات لزمته أو معاملات أضرت أو زكوات وجبت وحج أدى وفرض قضى إلى ما جرى مجرى ذلك من واجبات أو مباحات فيجوز أن يدفع إلى من صار بها غارماً من سهم الغارمين إذا كان فقيراً، فأما إن كان غنياً فلا يخلو ماله من أن يكون ناضاً أو عقاراً فإنه كان ماله ناضاً كالذهب والورق وعروض التجارات فلا يجوز أن يدفع إليه من سهم الغارمين لأنه مستغن عن المعونة على قضاء دينه، ولأنه قل ما يخلو موسر من دين فيجعل كل الموسر من الغارمين، وإن كان ماله عقاراً من دور وضياع كفى أثمانها بدينه ففي جواز إعطاءه من سهم الغارمين قولان: أصحهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع وأكثر كتبه أنه لا يجوز أن يعطى لأنه قادر على قضاء دينه كالموسر بمال ناض.
والثاني: قاله في القديم وحكي عنه في كتاب "الأم" أنه يجوز أن يعطى، لأن العاجز عن قضاء الدين إلا من عقار مستقاً هو بالمعسرين أشبه عنه بالموسرين فاقتضى أن يكون من حملة الغارمين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد أدان في تبذير كرجل بذر في الشهوات

الجزء: 6 - الصفحة: 343

واللذات وأسرف في الصلاة والهبات لا في بر ولا تقوى فهذا لا يعطى من سهم الغارمين، وله ما يقدر على قضاء دينه منه من ناض أو عقار، لأنه ممنوع من التبذير، فلأن يعود تبذيره على ماله أولى من أن يعود على مال الصدقات، وإن كان فقيراً لا يقدر على قضاء دينه من ناض ولا عقار جاز أن يعطى من سهم الغارمين؛ لأنه منهم في الغرم والحاجة.
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون قد أذان في معصية فإن لم يتب منها وكان مصراً على تلك المعصية لم يجز أن يعطى من سهم الغارمين؛ لأنه ممنوع من المعصية فلا يجوز أن يعان عليها بتحمل الغرم فيها، وإن كان قد تاب منها وأقلع عنها لم يجز أن يعطى من سهم الغارمين مع الغني بمال ناض أو عقار؛ لأن ماله في غرم المعاصي أولى من مال الصدقات وفي جواز إعطائه مع الفقر وجهان: أحدهما: يجوز لبقاء الغرم مع زوال المعصية.
والثاني: لا يجوز لأنه غرم سببه المعصية.
فصل وأما من أدان في مصلحة غيره فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قد أدان في إصلاح ذات البين في تحمل دية لنفس أو طرف كف بها فتنة بين قبيلتين وقطع بها حرباً بين طائفتين، فهذا يعطى من سهم الغارمين مع الفقر والغنى الناض والعقار ولا يراعى فيه فقر، ولا اعتبار لرواية سفيان عن هارون بن رباب عن كنانة بن نعيم عن قبيصة بن المخارق: أنه تحمل بحمالة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله فقال: نؤديها عنك ونخرجها من نعم الصدقة يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فيسأل حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك ورجل أصابته حاجة وفاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إن قد حلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك ما سوى ذلك من المسألة فهو سحت، ولأن ذلك غرم من المصالح العامة فكان أولى من الغرم في المصالح الخاصة، ولأنه لما جاز أن يعطى في الغرم من حاجته إلينا، فأولى أن يعطى في الغرم من حاجتنا إليه.
والثاني: أن يكون قد أدان في صلاح ذات البين في غرم مال كف به فتنة ومنع به حرباً فيجوز أن يعطى مع الفقر والغنى بالعقار وفي جواز إعطائه مع الغنى وجهان: أحدهما: يجوز كالغرم في الدم لما فيهما من قطع الفتنة.
والوجه الثاني: لا يجوز لأن للدم فضلاً على غيره.
والثالث: أن يكون قد أدان في مصلحة لا تتعلق بقطع فتنة ولا منع حرب كرجل أدان في عمارة مسجد أو جامع أو بناء حصن أو قنطرة أو فك أسرى أو ما جرى مجرى

الجزء: 6 - الصفحة: 344

ذلك من المصالح العامة التي تتعلق لحسم فتنة، فهذا يجوز أن يعطى مع الفقر والغنى بالعقار ولا يجوز أن يعطى مع الغنى بالناض؛ لأنه في النفع متردد بين الأمرين فاقتضى أن يكون فيه متردداً متوسطاً بين الحكمين.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام الغارمين فلا يجوز أن يزاد الواحد منهم على قدر دينه، ويكون الغارم هو المتولي لقبضه ودفعه إلى غرمائه، فإن دفع رب المال أو العامل حقه إلى غرمائه بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز بخلاف المكاتب الذي يجوز دفع حقه إلى سيده، بأمر.
وغير أمره.
والفرق بينهما أن المكاتب محجور عليه في حق سيده، وليس الغارم محجوراً عليه في ديون غرمائه، فلو كان الغارم محجوراً عليه بالفلس فدفع إلى غرمائه بالحصص جاز، وإن كان بغير إذنه، لأنه يصير بالحجر في معنى المكاتب فلو كان دين الغارم مؤجلاً ففي جواز الدفع إليه وجهان كالمكاتب قبل حلول النجم عليه.
فصل فإذا أخذ الغارم سهمه وجب عليه أن يصرفه في دينه وهو بالخيار في دفعه إلى غرمائه شاء إلا أن يكون غارماً في حمالة دية قد أعطى فيها من مال الصدقات مع غنائه، ويكون عليه دينان دين الحمالة ودين عن معاملته فعليه أن يصرف ما أخذه في دين الحمالة ولا يصرفه في دين المعاملة، ولو قد أخذ مع الفقر في دين المعاملة كان بالخيار في أن يصرفه فيما شاء في دين المعاملة أو دين الحمالة، والفرق بينهما أن الشرط في دين المعاملة أغلظ، لأنه لا يستحقه إلا بالفقر ودين الحمالة، أخف لأنه يستحقه مع الغنى والفقر فجاز أن يصرف ما غلظ شرط استحقاقه فيما خف شرطه، ولم يجز أن يصرف ما خف شرط استحقاقه فيما غلظ شرطه فإذا أراد الغارم أن يصرف ما أخذه في غير دينه لم يجز لاستحقاقه في الدين إلا أن يعدم قوت يومه فيجوز أن يأخذ منه قوت يومه وحده؛ لأنه غير مستحق في دينه كالمفلس يقسم ماله بين غرمائه إلا قوت يومه.
فصل وإذا أخذ الغريم سهمه فلم يصرفه في دينه حتى أبرى، منه أو قضى عنه أو قضاه من غير استرجع منه كما قلنا في المكاتب إلا أن يقضيه من قرض يقترضه فلا يسترجع منه؛ لأن الفرض ما أسقط عنه الدين، وإنما انتقل من يستحق إلى مستحق فصار كالحوالة، فلو أبرئ من الدين أو قضاه من غير قرض فلو يسترجع منه ما أخذه حتى لزمه دين أخر صار به من الغارمين ففي استرجاعه وجهان: أحدهما: لا يسترجع منه لأنه لو استرجع لجاز أن يرد إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 345

والثاني: أنه يسترجع لأنه يصير كالمستسلف له قبل غرمه، والله أعلم.
مسألة 44 قال الشافعي: "ويقبل قول ابن السبيل أنه عاجز عن البلد لأنه غير قوي حتى تعلم قوته بالمال ومن طلب بأنه يغزو أعطى ومن طلب بأنه غارم أو عبد بأنه مكاتب لم يعط إلا ببينة لأن أصل الناس أنهم غير غارمين حتى يعلم غرمهم والعبيد غير مكاتبين حتى تعلم كتابتهم ومن طلب بأنه من المؤلفة لم يعط إلا بأن يعلم ذلك وما وصفت أنه يستحقه به".
قال في الحاوي: وهذا صحيح والذي قصده الشافعي بذلك أن يبين من يقبل قوله من أهل السهمان في استحقاق الصدقة ومن لا يقبل قوله إلا ببينة ونحن نذكر حكم كل صنف من الأصناف الثمانية.
أما الفقراء والمساكين فإن لم يعلم لهم غناء متقدم قبل قولهم في الفقر والمسكنة غير بينة، وإن علم لهم مال متقدم لم يقبل قولهم في تلفه وفقرهم إلا ببينة تشهد لهم بذلك.
وأما العاملون عليها فحالهم في العمل أشهر من أن يحتاجوا إلى بينة أو تحليف يمين.
وأما المؤلفة قلوبهم فلا يرجح إلى قولهم لأنهم ممن تدعو الضرورة إليهم بظهور الصلاح وتآلفهم.
وأما المكاتبون فلا يقبل قولهم في دعوى الكتابة إلا ببينة تشهد بها وبالباقي منها لأن الأصل أنهم غير مكاتبين فإذا تصادق المكاتب والسيد عليها وعلى الباقي منها ففيه وجهان: أحدهما: أن تصادقهما بغنى عن البينة بعد إحلافهما؛ لأنه قد صار بالتصادق مكاتباً في الظاهر.
والثاني: أنه لا يقبل ذلك منهما مع التصادق إلا ببينة لأنهما قد يتواطأن على ذلك اجتلاباً للنفع.
وأما الغارمون فمن استدان في إصلاح ذات البين فحاله فيه أظهر من أن يكلف عليه بينة فإن شك في قضائه الدين من ماله أحلف؛ لأن الأصل بقاؤه ومن أدان في مصلحة نفسه لم يقبل قوله في دعوى الدين إلا ببينة؛ لأن الأصل براءة الذمة فإن تصادق الغارم ورب الدين كان على ما ذكرنا من الوجهين.

الجزء: 6 - الصفحة: 346

وأما ابن السبيل فالقول قوله في فقره، والقول قوله في إرادته للسفر، وفي إحلافه على أنه مريد للسفر وجهان: أحدهما: يحلف على إرادة السفر ولا يعطى إلا بعد يمينه، وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: لا يحلف لأنه إن لم يسافر استرجع منه وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
وأما الغازي فيقبل قوله فيما يريد أن يستأنفه من غزوه وهل يحلف على إرادة الغزو أم لا على وجهين: أحدهما: يحلف وهو قول المروزي.
والثاني: لا يحلف وهو قول ابن أبي هريرة.
مسألة 45 قال الشافعي: "وسهم سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو من أهل الصدقة فقيراً كان أو غنياً ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلي الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين لأنه يدفع عن جماعة أهل الإسلام".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
سهم سبيل الله مصروف في الغزاة، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال أحمد بن حنبل: وهو مصروف في الحج، وبه قال ابن عمر استدلالاً بما روي أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اركبيها فإن الحج في سبيل الله" 46. ودليلنا هو أن سبيل الله إذا أطلق فهو محمول على الغزو ولقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:41] وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف:4].
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله" ولأن مال الصدقات مصروف في ذوي الحاجات وليس الحج منها، ولأن مال الصدقات لا ينصرف إلا في الجهات المالكة فخرج الحج منها، ولأن الحج وإن كان عن رب المال فلا يجب إلا مع عجزه وفي غير زكاته من أمواله وإن كان عن غيره فلا يجوز أن يصرف فيه زكاة غيره، وإن كان في الحجاج أعطوا إما من سهم الفقراء أو من سهم بني السبيل فبطل بذلك ما قالوه وليس يمتنع ما جاء به الخبر من أن الحج من سبيل الله لقرينه وإن كان إطلاقه يتناول الجهاد.

الجزء: 6 - الصفحة: 347

فصل فإذا ثبت أن سهم سبيل الله مصروف في الغزاة فالغزاة ضربان: ضرب هم من أهل الفيء وهم المرتزقة من أهل الديوان فهو لا يأخذ أرزاقهم على الجهاد من مال الفيء ولا يجوز أن يعطوا من مال الصدقات.
والثاني: هم أهل الصدقات وهم الذين لا أرزاق لهم إن أرادوا غزواً وإن لم يريدوا قعدوا وقد سماهم الشافعي أعراباً فهم غزاة أهل الصدقات يجوز أن يعطوا منها مع الفيء والفقر.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يعطوا إلا مع الفقر، وإن كانوا أغنياء لم يعطوا استدلالاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" ولأن من تجب عليه الصدقة لا يجوز أن تدفع إليه الصدقة كالأصناف الباقية.
ودليلنا رواية أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني" ولأن من أخذ الصدقة لحاجتنا إليه جاز أن يأخذها مع الغني والفقر كالعامل.
فإن قيل: فالعامل يأخذ أجرة، لأنه في مقابلة عمل.
قيل: هو صدقة: وإن كان في مقابلة عمل لتحريمه على ذوي القربى وعلى أن ما يأخذه الغازي في مقابلة عمل وهو الجهاد ولذلك يسترجع منه إن لم يجاهد.
فأما الخبر فمخصوص العموم.
وأما القياس فغير مسلم الأصل.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا أعطى الغازي من سهم سبيل الله قدر كفايته إن كان المال متسعاً وكفايته تعتبر من وجهين: أحدهما: قرب المغزى وبعده.
والثاني: أن يكون فارساً أو راجلاً فإذا أعطى ذلك فلم يغز استرجع منه وإن غزا فبقيت بقية لم تسترجع؛ لأن ما أخذه في مقابلة عمل قد عمله فلو خرج للغزو ثم عاد قبل لقاء العدو فهذا على ضربين: أحدهما: أن يرجع قبل دخول أرض العدو فهذا يسترجع منه جميع ما أخذه ولا يعطى منه قدر نفقته؛ لأن المفقود من غزوة قد فوته بعوده.
والثاني: أن يرجع بعد دخول أرض العدو، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون وفقة مع المشركين، قابل فيها المجاهدون فتأخر هذا على

الجزء: 6 - الصفحة: 348

حضورها فهذا يسترجع منه ما أخذه، لأن المقصود بالغزو لقاء العدو.
والثاني: أن لا تكون وقفة ولا حارب المجاهدون فيها أحداً لبعد المشركين عنهم فهذا لا يسترجع منه ما أخذه لأن المقصود بغزوهم هو الاستيلاء على ديارهم وقد وجد لبعدهم.
مسألة 47 قال الشافعي: "وابن السبيل عندي ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده لأمر يلزمه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وبنو السبيل هو صنف من أهل السهمان قال الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] وبنو السبيل هم المسافرون؛ لأن السبيل الطريق سموا بها لسلوكهم لها وهم ضربان: مجتاز ومنشئ.
فأما المجتاز فهو المار في سفره ببلد الصدقة.
وأما المنشئ: فهو المبتدئ لسفره عن بلد الصدقة وهما سواء في الاستحقاق وقال أبو حنيفة ومالك: ابن السبيل من أهل السهمان هو المجتاز دون المنشئ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:60] يعني ابن الطريق وهذا ينطبق على المسافر المجتاز دون المنشئ الذي ليس بمسافر مجتاز.
ودليلنا هو أن ابن السبيل يعطي لما يبتدئه من السفر لا لما مضى منه فاستوي فيه المجتاز المنشئ، لأن كل واحد منهما مبتدئ؛ لأن المسافر لو دخل بلداً أو نوى إقامة خمسة عشر يوماً صار في حكم المقيمين من أهله ويصير عند إرادة الخروج كالمنشئ ثم يجوز بوفاق فكذا كل مقيم منشئ وفيه انفصال عن الاستدلال.
فإن قيل: فكيف يسمى من لم يسافر مسافراً.
قيل: كما يسمى من لم يحج حاجاً ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]. فصل فإذا تقرر أن المجتاز والمنشئ سواء فلا يخلو حاله فيما ينشئه من سفر من ثلاثة أقسام: إما أن يكون في طاعة أو يكون في معصية أو يكون مباحاً، فإن كان سفره طاعة كالحج وطلب العلم وزيارة الوالدين أعطى من سهم ابن السبيل معونة على سفره وطاعته، وإن كان سفره معصية كالسفر لقطع الطريق وإتيان الفجور، فلا يجوز أن يعطى ولا يعان على معصية كما يمنع من رخص سفره، فإن تاب العاصي في سفره صار بعد التوبة

الجزء: 6 - الصفحة: 349

كالمبتدئ للسفر فيعطى نفقة باقي سفره بعد توبته وإن كان سفره مباحاً فعلى ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون لغير حاجة كالسفر إلى نزهة وتفرج فلا يجوز أن يعطى وإن أبيحت له الرخص لأن مال الصدقات مصروف إلى ذوي الحاجات وليس هذا منها ولكن لو سافر للنزهة بماله ثم انقطعت به النفقة لعوده جاز أن يعطى لحاجته وضرورته.
والثاني: أن يكون لحاجة ماسة كالسفر في طلب غريم هرب أو عبد آبق أو جمل شرد فهذا يعطى لسد حاجته.
والثالث: أن يكون لحاجة لكنها غير ماسة كالسفر في تجارة ففي جواز إعطائه وجهان: أحدهما: يعطى لوجود الحاجة.
والثاني: لا يعطى لأنه طالب للاستزادة.
فصل فإذا ثبت من يجوز إعطاؤه من بني السبيل فلا يخلو إما أن يكون منشئاً للسفر أو مجتازاً فيه، فإن كان منشأ لسفره لم يجز أن يعطى إلا مع الفقر وهو بالخيار بين أن يأخذ من سهم الفقراء والمساكين ومن سهم ابن السبيل، وإن كان مجتازاً في سفره جاز أن يأخذ مع العدم في سفره وإن كان غنياً في بلده، ولم يجز أن يأخذ إلا من سهم بني السبيل ولا يأخذ من سهم الفقراء والمساكين لمراعاة الجوار في الفقر، وليس المجتاز جاراً ثم يعطى عند اتساع المال بحسب مسافة سفره، فإن أراد العود أعطي نفقة ذهابه وعوده ونفقة ثلاثة أيام هي مقام المسافر في بلاد سفره، وإن لم يرد العود أعطي نفقة الذهاب وحده ولم يعط نفقة ثلاثة أيام لانتهاء سفره بالقدوم، فإن قصر بعد المسافة في نفقته وضيق على نفسه حتى بقيت معه بقية بعد انتهاء سفره استرجعت منه.
والفرق بينه وبين الغازي لم تسترجع منه بقية نفقته أن الغازي كالمعاوض على غزوه عناء فلم يلزمه رد الباقي لاستكمال العمل والمسافر معان على سفره فلزمه رد ما زاد على معونته، فإن أخذ ابن السبيل نفقة سفره ثم أفاد قدر نفقته استرجع منه ما أخذ، ولو أخذ الفقير ثم أفاد ما زال به فقره لم يسترجع منه ما أخذه.
والفرق بينهما أن ابن السبيل يعطى لأمر منتظر فاعتبرت حاله فيما بعد والفقير يعطى للحال التي هو فيها فلم يعتبر حاله من بعده، ولو أن ابن السبيل أخذ نفقة سفره إلى غاية قدرها مائة فرسخ شطر المسافة ثم قطع سفره نظرنا في نفقته، فإن كان أنفق في شطر المسافة جميع نفقته نظر، فإن كان قد فعل ذلك لغلاء سعر أو زيادة مؤنة لم يسترجع منه وإن كان لسرف في شهوة وإكثار استرجعت منه نفقة الباقي من سفره كما لو لم يسافر وأنفق في ذلك في مقامه استرجع منه جميعاً؛ لأنه أخذها ليستقبل بها ما لم يفعله والله أعلم بالصواب.

الجزء: 6 - الصفحة: 350

باب كيف تفريق قسم الصدقات

مسألة 48 قال الشافعي رحمه الله: "ينبغي للساعي أن يأمر بإحصاء أهل السهمان في عمله حتى يكون فراغاه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وأنسابهم وحالاتهم وما يحتاجون إليه ويحصى ما صار في يديه من الصدقات فيعزل من سهم العاملين بقدر ما يستحقون بأعمالهم فإن جاوز سهم العاملين رأيت أن يعطيهم سهم العاملين ويزيدهم قدر أجور أعمالهم من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة ولو أعطاهم ذلك من السهمان ما رأيت ذلك ضيقاً ألا ترى أن مال اليتيم يكون بالموضع فيستأجر عليه إذا خيف ضيعته من يحوطه وإن أتى ذلك على كثير منه.
قال المزني: هذا أولى بقوله لما احتج به من مال اليتم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا توجه عامل الصدقات إلى عمله في جباية الصدقات وتفريقها، فينبغي له مع ابتداء تشاغله بجبايتها أن يستنيب من يتصرف له أحوال أهل السهمان حتى يعرف أهل كل صنف منهم فيثبت كل واحد باسمه ونسبه وحليته، وإنما أثبت الأنساب والحلي لئلا يأخذ الواحد من صدقة مرتين فيميز كل صنف منهم على ما وصفنا ليعلم أعداد الأصناف وعدد كل صنف منهما ويكون فراغه من تفرقه ذلك مع فراغه من جباية الصدقات حتى لا يتأخر عن أهلها وجودهم ولا يلزم لها مؤونة بالإمساك، ولا تكون معرضة للتلف بالاحتباس فإذا فعل ذلك لم يخل أن يكون بتلك الناحية جميع تلك الأصناف أو بعضهم، فإن كان بها جميع الأصناف قسم الصدقة على ثمانية أسهم متساوية، ولا يفضل بعض الأصناف على بعض، وإن تفاضلوا في الحاجة والكثرة؛ لأن الله تعالى أضافها إليهم بلام التمليك وجميع بينهم بواو التشريك فاقتضى أن يكونوا فيها سواء فإن وجد خمسة أصناف وعدم خمسة، قسم الصدقة على ثلاثة أسهم، فإذا فعل ذلك فأول سهم يبدأ بقسمه سهم العاملين عليها لأمرين: أحدهما: أنه مستحق على عمل فصارت كالمعاوضة وغيره مواساة.
والثاني: أنه مقدر بأجورهم من زيادة ولا نقصان فهو قدر حقهم أو يكونوا أكثر من أجورهم فيعطوا منه قدر أجورهم، ويرد الباقي على سهام أهل السهمان بالسوية أو يكون أقل من أجورهم فيجب أن يتمم لهم أجورهم، ومن أين يكون تمامها، قال الشافعي: هاهنا أعطاهم من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة فلو أعطاهم من السهمان ما رأيت ذلك ضيفاً فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدهما: يخرج ذلك على قولين:

الجزء: 6 - الصفحة: 351

أحدهما: أن يتممها من سهام أهل السهمان لاختصامهم بالعمل فيها.
والثاني: يتممها من مال المصالح وهو سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة لأن ذلك من جملتها ولأن لا يفضلوا على أهل السهمان.
والمذهب الثاني: أن ليس ذلك على قولين، ولكن للإمام اجتهاد رأيه في أحد الأمرين فأيهما أداه اجتهاده إليه كان مذهبنا.
والمذهب الثالث: أن ذلك على اختلاف حالين، فإن كان في أهل السهمان تماسك يقنعهم الباقي بعد أجور العاملين تممت أجورهم من مال الصدقات، وإن كانوا ذوي فاقة لا يتماسكون بما يبقى تممت أجورهم من مال المصالح والله أعلم.
مسألة 49 قال الشافعي: "وتفض جميع السهمان على أهلها كما أصف إن شاء الله تعالى كان الفقراء عشرة والمساكين عشرين والغارمون خمسة وهؤلاء ثلاثة أصناف وكان سهمانهم الثلاثة من جميع المال ثلاثة آلاف فلكل صنف ألف فإن كان الفقراء يغترفون سهمهم كفافاً يخرجون به من حد الفقر إلى أدنى الغنى أعطوه وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى أدنى الغنى أقل وقف الوالي ما بقي منه ثم يقسم على المساكين سهمهم هكذا وعلى الغارمين سهمهم هكذا وإذا خرجوا من اسم الفقر والمسكنة فصاروا إلى أدنى أسم الغنى ومن الغرم فبرئت ذممهم وصاروا غير غارمين فليسوا من أهله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد ذكرنا أن مال الصدقات مقسوم على الموجودين من أهلها فإن كملوا قسمت على ثمانية أسهم، وإن قلوا قسمت على من وجد منهم فإن كان الموجودون بعد العاملين ثلاثة أصناف الفقراء والغارمون والمساكين، وقسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية سواء تساوي أصناف في الأعداد والحاجة أو تفاضلوا فإذا كان الفقراء على المثل الذي صوره الشافعي عشرة والمساكين عشرين، والغارمون خمسة، وقد قسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية فكان كل سهم منها ألف درهم قسم سهم الفقراء عليهم، وهو الألف على قدر حاجاتهم فإنه ربما تفاضلت حاجاتهم، وربما تساوت، فيقتسم على الحاجة لا على العدد، وكذلك سهم المساكين يقسم بينهم على قدر حاجاتهم، ويقسم سهم الغارمين على قدر ديونهم، كما يقسم مال المفلس بين غرمائه على قدر ديونهم لا على أعداد رؤوسهم.
فإن قيل: فأيهم يبدأ بالعطاء قبل أن يعجل حضور أحدهم، وتأخر الباقون بدأ بمن تعجل حضوره على من تأخر، وإن حضروا جميعاً، فقد قيل: يبدأ بأشدهم حاجة وأمسهم ضرورة، وقيل: يبدأ بمن إذا فيض عليهم سهمهم وبقيت منه بقية لتفضي على الباقين قبل القسمة فلا يحتاج فيها إلى استئناف قسمتها منه.

الجزء: 6 - الصفحة: 352

وقيل: يبدأ بمن بدأ الله تعالى به في أية الصدقات على ترتيبهم فيها، فأما الصنف فيبدأ بأسبق أهله، فإن جاؤوا معاً بدأ بأمسهم حاجة وضرورة، فإن تساووا بدى بمن يرى، هذا كله من طريق الأولى، وبأيهم بدأ من الأصناف والأعيان جاز ثم يقسم سهم الفقراء وهو ألف عليهم، وهم عشرون بحسب حاجاتهم، ويقسم سهم الغارمين وهو ألف عليهم، وهو خمسة بحسب ديونهم، مثال ذلك أن يكون دين أحدهم مائة درهم ودين الآخر مائتي درهم، ودين الثالث ثلاثمائة درهم، ودين الرابع أربعمائة درهم، ودين الخامس خمسمائة درهم فيكون مبلغ دينهم ألف درهم وخمسمائة، وسهمهم ألف درهم هي ثلثا دينهم فيعطى كل واحد من دينه ثلثه، ولو كان سهمهم ألف درهم وخمسمائة درهم لكان كافياً لجميعهم فيعطى كل واحد جميع دينه، ولو كان سهمهم وألفي درهم أعطي كل واحد منهم قدر دينه وحبس الباقي عنهم، وكذلك يفعل بالفقراء والمساكين.
فصل فإذا قسم ذلك عليهم كما وصفنا لم يخل حالهم من ستة أقسام: أحدها: أن تكون سهام جميعهم وفق كفاياتهم من غير زيادة ولا نقص فقد استوفوها وخرجوا بها، إن استحقوا مثلها من غيرها.
والثاني: أن تكون سهام جميعهم مقصرة عن كفاياتهم، فإذا قسمها فيهم من الباقي من كفاياتهم من أهل الصدقات فيما يأتي منها حتى يستوفوا قدر الكفايات إن أمكنت.
والثالث: أن يكون سهام جميعهم زائدة على قدر كفاياتهم فإذا أخذوا منها قدر كفاياتهم نقل الفاضل عنهم إلى أقرب البلاد بهم.
والرابع: أن تكون سهام بعضهم وفق كفاياتهم وسهام بعض مقصرة عن كفاياتهم فإذا قسم الكافي على أهله خرجوا به من أهل الصدقة.
وإذا قسم المقصر على أهله كانوا في الباقي من أهل الصدقة.
والخامس: أن تكون سهام بعضهم زائدة على قدر كفاياتهم وسهام بعضهم ناقصة عن كفاياتهم فإذا فض الناقص على أهله، وحبس من الزائد ما فضل عن وفق الكفاية ففي مصرفه وجهان: أحدهما: أنه يرد الفضل إلى أهل السهام المقصرة حتى يستوفي جميع الأصناف قدر كفاياتهم تغليباً لحكم المكان أن لا تنقل صدقة إلى غيره، وفيه مستحقها.
والوجه الثاني: أن تنقل الفضل عن السهام الزائدة إلى تلك الأصناف من أقرب البلاد بهم ولا ترد على غيرهم تغليباً لحكم الأعيان أن لا يفضل بعض الأصناف على بعض.
والسادس: أن تكون سهام بعضهم وفق كفاياتهم وسهام بعضهم زائدة على قدر كفاياتهم فإذا قسم الكافي وحبس الزائد عن أهله نقلت تلك الزيادة إلى أقرب البلاد بهم

الجزء: 6 - الصفحة: 353

لا يختلف، ولكن إذا نقلها فهل يختص بها أهل تلك الأصناف أو تكون كالصدقة المبتدأة تقسم في جميع الأصناف على وجهين بناء على الوجهين الماضين: أحدها: أن يختص بها أهل تلك الأصناف إذا قيل في القسم الماضي بتغليب الأعيان وأن الفاضل ينقل إلى أقرب البلاد ولا يرد على باقي الأصناف.
والثاني: أن الفاصل يقسم في أقرب البلاد على جميع الأصناف، إذا قيل في القسم الماضي بتغليب المكان، وأن الفاضل يرد على باقي الأصناف والله أعلم.
مسألة 50 قال الشافعي: "ولا وقت فيما يعطى الفقير إلا ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنا قل ذلك أو كثر مما تجب فيه الزكاة أو لا تجب لأنه يوم يعطاه لا زكاة فيه عليه وقد يكون غنيا ولا مال له تجب فيه الزكاة وفقيراً بكثرة العيال وله مال تجب فيه الزكاة وإنما الغنى والفقر ما يعرف الناس بقدر حال الرجال".
قال في الحاوي: اعلم أن الكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين: أحدهما: فيمن يجوز أن يأخذ بالفقر من الزكاة.
والثاني: في القدر الذي يجوز أن يعطاه من الزكاة وكلا الأمرين معتبر بأدنى الغنى واختلف الناس في أدنى الغنى على ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل أن أدنى الغنى على ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل أن أدنى الغنى خمسون درهماً، فلا تحل الزكاة لمن تملكها ولا يجوز أن يعطى أكثر منها، وقد حكي ذلك في الصحابة عن عمر وعلي وسعد رضوان الله عليهم، وبه قال من الفقهاء الزهري والثوري.
والثاني: ما ذهب إليه أبو حنيفة: أن أدنى الغنى نصاب تجب فيه الزكاة فلا يحل الزكاة لمن يملك نصاباً ولا يعطى منها نصاباً، فإذا ملك مالاً تجب فيه الزكاة من عقار ورقيق، فإن احتاج إليه كدار يسكنها أو دابة يركبها أو أمة يستخدمها حلت له الزكاة، وإن كانت قيمته أكثر من نصاب، وما استغنى عنه من ذلك اعتبرت قيمته، فإن بلغت نصاباً حرمت عليه الزكاة، وإن نقصت عن نصاب حلت له الزكاة.
والثاني: مذهب الشافعي أن الغنى غير معتبر بالمال، وإنما هو القدوة على الكفاية الدائمة لنفسه ولمن تلزمه نفقته إما بضاعة أو تجارة أو زراعة، وبيان ذلك أن الناس أربعة أصناف: صناع، وتجار، وأصناف عقار وأصحاب مواش.
فأما الصناع فكالفلاحين والملاحين والنجارين والبنائين، فإن كان الواحد منهم يكتسب بضاعته قدر كفايته على الدوام لنفسه، ولمن تلزمه مؤنته حرمت عليه الزكاة، وإن

الجزء: 6 - الصفحة: 354

لم يملك ديناراً ولا درهماً، وإن كان لا يكتسب بضاعته قدر كفايته على الدوام حلت له الزكاة وأن يأخذ منها تمام كفايته.
وأما التجار فهم الذين يستمدون أرباح بضائعهم، فإن كانت بضاعة الواحد منهم تربحه غالباً قدر كفايته كان غنياً تحرم عليه الزكاة، وإن لم يملك نصاباً، وإن كانت لا تربحه قدر كفايته كان فقيراً وإن ملك نصاباً وحل له أن يأخذ من الزكاة، ما إذا ضمه إلى بضاعته ربح بها قدر كفايته، وذلك يختلف بحسب اختلافهم في متاجرهم فإذا كان البقلي يكتفي بخمسة دراهم والباقلاني بعشرة والفاكهاني بعشرين والخباز بخمسين والبقال بمائة والعطار بألف والبازاز بألفي درهم والصيرفي بخمسة آلاف والجوهري بعشرة ألاف وملك كل واحد ممن ذكرنا بضاعته التي يكتفي بربحها حرمت عليه الزكاة، وإن ملك أقل منها حلت له الزكاة أن يأخذ منها تمام بضاعته التي يكتفي بربحها حتى أن البقلي إذا ملك خمسة دراهم هي كفايته كان غنياً والجوهري إذا ملك تسعة ألاف درهم هي دون كفايته كان فقيراً أو مسكيناً، وكذلك القول من أصحاب العقار والمواشي إن كان يستغل منها قدر كفايته حرمت عليه الزكاة، وإن كان لا يستغل منها قدر كفايته حلت له الزكاة أن يأخذ منها ما يشتري به من العقار والمواشي ما إذا ضمه إلى ماله ما اكتفى بغلته على الدوام.
فصل فأما أحمد فاستدل برواية ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الناس وهو غني كانت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه"، قيل: يا رسول الله وما غناه قال: خمسون درهماً أو عدلها" 51. وأما أبو حنيفة فاستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" 52 فجعل المأخوذ منه غير المدفوع إليه قالوا، ولأنه مالك لنصاب من مال فوجب أن يكون غنياً تحرم عليه الصدقة أصله، إذا كان له كفاية على الدوام قالوا؛ لأن اعتبار الكفاية لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعتبروا كفاية زمان المقدر أو كفاية العمر فلم يجز أن يعتبر العمر لأنه مجهول وأما الزمان المقدر فلستم في اعتباره بسنته بأولى من اعتباره بأقل منها أو أكثر، فبطل اعتبار الكفاية ودليلنا حديث قبيصة بن المخارق: أنه تحمل بحمالة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله فقال: نؤدها عنك من نعم الصدقة يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في ثلاثة: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤدها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت.
فدل نص هذا الخبر على أن الصدقة تحل بالحاجة وتحرم بإصابة القوام من العيش وهو

الجزء: 6 - الصفحة: 355

الكفاية على الدوام من غير أن يعتبر النصاب ولأن من عجز عن الكفاية الدائمة زال عنه حكم الغنى كالذي لا يملك نصاباً، ولأن ملك النصاب والحاجة معنيان مختلفان يجوز اجتماعهما فجاز اجتماع حكمهما، وهما أخذ الصدقة منه بالنصاب ودفعها إليه بالحاجة كالعشر؛ ولأنه لما لم يكن ملك قيمة النصاب من المتاع والعروض يمنح من أخذ الصدقة لأجل الحاجة لم يكن ملك النصاب مانعاً منها لأجل الحاجة.
وتحريره: أنه ذو حاجة فلم تحرم عليه الصدقة بالقدرة على نصاب كمالك المتاع.
وأما الجواب عن استدلال أحمد بحديث ابن مسعود فهو أنه لم يقصد به تحديد الغنى في جميع الناس وإنما أراد به من كانت كفايته خمسين درهماً، بدليل ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الناس وله قيمة أوقية فقد ألحف" 53 يعني لمن كان مكتفياً بها.
وروى سهل ابن الحنظلية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل وعنده ما يغنيه فقد استكثر من النار" 54 قيل: وما يغنيه، قال: قدر ما يغذيه ويعيشه وهذا فيمن يكتسب بصنعته قدر عشائه وغذائه.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" فهو أنه قصد بذلك إنما يأخذه من صدقاتهم ليس يأخذه لنفسه وأهله، وإنما يرده على فقرائهم من ذوي الحاجات، وليس يمنع أن يكون المأخوذ منه مردوداً عليه كالعامل وابن السبيل، وكالمأخوذ منه العشر والعشر عندنا زكاة، وأما إذا كان واجداً لكفاية فتحرم عليه الزكاة لوجود الكفاية لا يملك النصاب فلم يصح قياسهم.
وأما استدلالهم بأنه لا يخلو اعتبار الكفاية من أن يكون بالعمر أو بزمان مقدر فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فكان مذهب أبو العباس بن سريج إلى أنه معتبر بزمان مقدر وهو سنة وذلك أولى من اعتباره بأقل منهما أو أكثر، لأن الزكاة تجب بعد سنة، فاعتبر في مستحقها لكافية السنة، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يعتبر في ذلك كفاية العمر ولئن كان العمر مجهولاً فالكفاية فيه لا تجهل؛ لأن كفاية الشهر من أجل معيناً أو صنعة تدل على كفاية العمر وإن جهل.
فإن قيل: فقد يمرض فيعجز عن الكسب أو يغلا السعر فلا يكتفي بذلك القدر.
قيل: إذا كان ذلك صار حينئذ من أهل الصدقة كما أنه قد يجوز أن يملك النصاب فيصير من أهل الصدقة.
مسألة 55 قال الشافعي رحمه الله: "ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم

الجزء: 6 - الصفحة: 356

وقيامهم وأمانتهم عليهم فيأخذ لنفسه بهذا المعنى ويعطي العريف ومن يجمع الناس عليه بقدر كفايته وكلفته وذلك خفيف لأنه في بلاده".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وليس وإن كان الشافعي قد ذكره فإنما أعاده ليبين قدر ما يعطى كل صنف من أهل السهمان بعد أن يبين كل صنف منهم، فالعاملون عليها صنف من أهل السهمان يعطون أجورهم منها صدقة.
وقال أبو حنيفة: هو أجرة وليس بصدقة؛ لأنهم يأخذونه مع الغنى ولو كانت صدقة حرمت عنده على الأغنياء، وهذا خطأ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:60] فلم يجز أن يزال عن الصدقة حكمها باختلاف المتملكين، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع ذوي القربى من العمل عليها لتحريم الصدقات عليهم، ولو خرجت عن حكم الصدقة إلى الأجرة ما منعهم منها، وليس ينكر أن تكون الأجرة صدقة إذا كانت مأخوذة من مال الصدقة فإذا ثبت هذا فإن كان العاملون عليها مستأجرين بعقد إجارة لم يجز أن يكون المسمى فيه من الأجرة أكثر من أجور أمثالهم، كما لا يجوز في المستأجر على أموال الأيتام أن يسمى له أكثر من أجرة المثل وإن لم يكونوا مستأجرين، بعقد كان لهم أجرة المثل كمن استهلك عمله بغير عقد، وذلك يختلف بقرب المسافة وبعدها وقلة العمل وكثرته.
قال الشافعي: "وأماناتهم" ليس يريد أنه قد يجوز أن يستعمل غير أمين ولكنه إن كان معروف الأمانة كانت أجرته أكثر من غير المعروف بالأمانة، وإن كان لا يجوز أن يستعمل عليها غير أمين، ومن العاملين عليها العريف والحاشر والحاسب والكيال والعداد فأما العريف: فعريفان: عريف على أرباب الأموال، وعريف على أهل السهمان.
فأما العريف على أرباب الأموال فهو الذي يعرفهم ويعرف أموالهم، وهذا يجب أن يكون من جيران أهل المال ليصلح أن يكون عارفاً بجميعها وبأربابها.
وأما عريف أهل السهمان فهو الذي يعرف كل صنف منهم ولا يخفى عليه أحوالهم، وهذا يجب أن يكون من جيران أهل السهمان ليصح أن يكون عارفاً بظاهر أحوالهم وباطنها، وكلا الفريقين أجرته من سهم العاملين وأجرتهما أقل لأنهما ممن لا يحتاج إلى قطع مسافة لكونهما من بلد الصدقة لا من المسافرين إليه.
وأما الحاشر فحاشران: حاشر لأهل السهمان يقتصر على النداء في الناحية باجتماعهم لأخذ الصدقة، وهذا أقلهما أجرة لكونه أقلهم تحملاً.
والثاني: حاشر الأموال لأنه لا يلزم العامل أن يتبع المواشي سارحة في مراعيها فاحتاج إلى حاشر يحشرها في مياه أهلها، وهذا أكثرهما أجرة لكونه أكثرهما عملاً، وكلاهما أجرتهما في سهم العاملين.
فأما الحاسب فهو الذي يحسب النصب، وقدر الواجب فيها وما يستحقه كل صنف

الجزء: 6 - الصفحة: 357

من أهل السهمان، ويجوز أن لا يكون من جيران المال، وأجرته من سهم العاملين، فإن كان كاتباً كانت أجرته أكثر وإن لم يكن كاتباً وكان العامل يكتب وإلا احتاج إلى كاتب يكتب ما أخذ من الصدقات من كل مالك ثبت عليه قدر ماله ومبلغ صدقته، وما أعطى كل صنف من أهل السهمان بإثبات أسهم كل واحد ونسبه وحليته، وقدر عطيته وكتب براءة لرب المال بأداء صدقته، ويعطى أجرته من سهم العاملين.
وأما العداد فهو الذي يعد مواشي أرباب الأموال فيعطى أجرته من سهم العاملين.
وأما الكيال: فكيال مال رب المال، وكيال لحقوق أهل السهمان، فأما كيال المال على رب المال ففي أجرته وجهان مضياً.
وأما الكيال لحقوق أهل السهمان، ففي أجرته وجهان: أحدهما: في مال أهل السهمان.
والثاني: من سهم العاملين، وربما احتاج العامل إلى غير من ذكرنا من الأعوان فيكون أجور من احتاج إليه منهم على ما ذكرنا من اعتبار حاله فيما يختص به من عمله والله أعلم.
مسألة 56 قال الشافعي: "وكذلك المؤلفة إذا احتيج إليهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المؤلفة قلوبهم إن احتيج إليهم أحد أصناف أهل الصدقات على ما وصفنا من أقسامهم وأحكامهم وقدر ما يعطاه الواحد منهم ما يتآلف به قلبه فيقلع عن سيء الاعتقاد، فإذا صح اعتقاده وحسن إسلامه خرج من جملة المؤلفة قلوبهم، وإن لم يؤثر فيه ما أعطى منح لئلا يكون سهمهم مصروفاً في غير نفع، وإن أثر تأثيراً لم يستكمل معه حتى الاعتقاد أعطى من بعد حتى يستكمل حسن إسلامه وصحة اعتقاده.
مسألة 57 قال الشافعي: "والمكاتب ما بينه وبين أن يعتق وإن دفع إلى سيده كان أحب إلى".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام أن المكاتبين هم المستحقون لسهم الرقاب في الصدقات، وقدر ما يعطاه كل واحد منهم معتبر بما عليه، فإن كان الباقي عليه وهو عاجز عنه من أخر نجومه أعطى جميعه، ولأن كان من أوسط نجومه أعطى مال ذلك النجم الذي قد حل عليه، وهل يجوز عند اتساع المال أن يعطى ما عليه من باقي نجومه حتى يستكمل عتقه أم لا؟ على وجهين بناء على الوجهين في جواز إعطائه مال النجم قبل حلوله:

الجزء: 6 - الصفحة: 358

أحدهما: يعطى مال ذلك النجم وحده، وهذا على الوجه الذي لا يجوز إعطاء النجم قبل حلوله.
والثاني: يعطى الجميع، وهذا على الوجه الذي يجوز فيه أن يعطى مال النجم قبل حلوله.
مسألة 58 قال الشافعي: "ويعطى الغازي الحمولة والسلاح والنفقة والكسوة وإن اتسع المال زيدوا الخيل".
قال في الحاوي: أما غزاة الصدقات فلهم سهم سبيل الله منها وما يعطونه منها معتبر بمؤنة غزوهم وإن كان الجهاد في بلدهم أعطوا النفقة والسلاح والحمولة التي تحملهم ورحالهم، إما في ماء أو على ظهر ثم لا يخلو أن يكونوا فرساناً أو رجالة فإن كانوا فرساناً أعطوا نفقات خيلهم ومؤنتهم في ذهابهم وعودتهم، وإن كانوا رجالة لا خيل لهم، فإن كانوا لا يقاتلون إلا رجالة على الأرض لم يعطوا الخيل، وإن كانوا يقاتلون فرساناً أعطوا الخيل إذا عدموها.
فإن قيل: فكيف يعطون من مال الزكاة الخيل والسلاح وليس فيها خيل ولا سلاح.
قلنا: لا يخلو دافع الزكاة إليهم من أحد أمرين.
إما أن يكون رب المال أو الوالي فإن كان دافعها رب المال أعطاهم أثمان الخيل والسلاح ليتولوا شراء ذلك لأنفسهم ولم يجز أن يشتريه رب المال لهم؛ لأن إخراج القيم في الزكوات لا يجوز، وإن كان الوالي عليها هو الدافع لها ففيه وجهان: أحدهما: تدفع إليهم أثمانها، ولا يجوز أن يتولى شراءها رب المال، وهذا قول أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة.
والثاني: يجوز أن يتولى شراء ذلك لهم، والفرق بينه وبين رب المال أن للوالي عليهم ولاية ليست لرب المال، فجاز أن يتولى شراءه لهم إن لم يتوله رب المال.
مسألة 59 قال الشافعي رحمه الله: "ويعطى ابن السبيل قدر ما يبلغه البلد الذي يريد من نفقته وحمولته إن كان البلد بعيداً أو كان ضعيفاً وإن كان البلد قريباً وكان جلداً الأغلب من مثله لو كان غنياً المشي إليها أعطي مؤنته ونفقته بلا حمولة فإن كان يريد أن يذهب ويرجع أعطي ما يكفيه في ذهابه ورجوعه من النفقة".
قال في الحاوي: والذي يعطاه ابن السبيل معتبر بكفايته في سفره بحسب قربه وبعده

الجزء: 6 - الصفحة: 359

وذهابه وعوده فيعطى ما يكفيه من نفقة ومؤونة فإن كان جلداً يقدر على المشي في سفره لم يزد على مؤونته، وإن كان لا يقدر على المشي وإن كان مسافراً في بحر لا يجد من الركوب بدأ أعطي مع النفقة كراء مركوبة، فإن أراد العودة أعطى مع اتساع المال نفقة الذهاب والعودة ونفقة مقام المسافر وهو مدة ثلاثة أيام ولا يزاد عليها وقد ذكرنا من ذلك ما أقنع.
مسألة 60 قال الشافعي: "فإن كان ذلك يأتي على السهم كله أعطيه كله إن لم يكن معه ابن سبيل غيره وإن كان لا يأتي إلا على سهم، سهم من مائة سهم من سهم ابن السبيل لم يزد عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يخلو حال ابن السبيل وكل صنف من أصناف أهل السهمان من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونوا ثلاثة وهم أقل الجمع المطلق لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، فالواجب أن يقضي عليهم سهمهم بقدر حاجاتهم ولا يجوز الاقتصار على بعضهم سواء كان دافع الزكاة هو الوالي أو رب المال فإن كان سهمهم وفق كفاياتهم من غير زيادة ولا نقص أعطوه فإن أعطى اثنان منهم وحرم الثالث ضمنت حصته بقدر حاجته، وإن كان سهمهم أقل من كفاياتهم لم يخل حال المعطي من أحد أمرين: إما أن يكون ربه المال أو العامل فإن كان رب المال قسمه على خياره من تسوية وتفضيل، وإن كان العامل قسمه بينهم على قدر الحاجة ووكلوا في باقي كفاياتهم على ما يأتي من الصدقات، فإن أعطى اثنان منهم وحرم الثالث ضمنت حصته، فإن كان فاعل ذلك هو العامل ضمن حصة الثالث بقدر حاجته، وإن كان رب المال ففي قدر ما يضمنه قولان: أحدهما: ثلث سهمهم اعتباراً بالعدد.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ أن يدفعه إليهم، لأن التسوية بينهم لا تلزم، وإن كان سهمهم أكثر من كفاياتهم أعطوا منه قدر كفاياتهم من غير الزيادة، وفيما يصنع بالفاضل من سهمهم وجهان مضيا.
أحدهما: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يرد على باقي الأصناف.
والثاني: ينقل إلى أهل ذلك الصنف في أقرب البلاد بهم.
فصل والقسم الثاني أن يكونوا أكثر من ثلاثة كأنهم كانوا عشرة فصاعداً فهذا على ضربين:

الجزء: 6 - الصفحة: 360

أحدهما: أن يكون سهمهم وفقاً لكفاية جميعهم فالواجب أن يقسم على جميعهم ولا يجوز الاقتصار على بعضهم، فإن اقتصر المعطى على بعضهم وحرم الباقين ضمن لمن حرمه قدر كفايته وجهاً واحداً سواء كان المعطي رب المال أو العامل.
والثاني: أن يكون سهمهم يقضي عن كفاية جميعهم، فهذا على ضرين: أحدهما: أن يكون المعطي رب المال فيجوز له أن يقتصر ثمنهم على ثلاثة فصاعداً ولا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة لاستحقاق ذلك لأقل الجمع فإن اقتصر على اثنين ضمن حصة الثالث، وفي قدرها وجهان مضيا.
أحدهما: الثلث.
والثاني: قدر الأجزاء.
والثاني: أن يكون المعطي الوالي فعليه أن يفرق ذلك على جميعهم، ولا يجوز أن يقتصر على بعضهم والفرق بينهم وبين رب المال أن ما يعطيه رب المال هو بعض الصدقات فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان وما يعطيه الوالي هو جميع الصدقات فوجب أن يفرقه على جميع أهل السهمان فهذا قسم ثان.
فصل والقسم الثالث أن يكونوا أقل من ثلاثة كأنه وجد واحدافه لم ير سواه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون السهم أكثر من كفايته فيعطي منه قدر كفايته، وفيمن ينقل إليه الفاضل منه الوجهان الماضيان: أحدهما: إلى باقي الأصناف.
والثاني: إلى ذلك الصنف في أقرب البلاد.
والثاني: أن يكون السهم كله بقدر كفاية هذا الواحد، ففي جواز دفع جميعه إليه وجهان: أحدهما: وهو مذهب الشافعي المنصوص عليه في هذا الموضع يجوز أن يدفع إليه جميع السهم لأنه لما جاز الاقتصار على بعض الأصناف عند عدم من سواه جاز الاقتصار على بعض الأصناف عند عدم من سواه جاز الاقتصار على بعض الصنف عند عدم من سواه.
والثالث: أنه لا يجوز أن يعطيه من السهم إلا ثلثه من غير زيادة، لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم، وهو ثلثاه لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم، وهو ثلثاه إلى ذلك الصنف في أقرب البلاد ولا يعاد على باقي الأصناف.

الجزء: 6 - الصفحة: 361

مسألة 61 قال الشافعي: "ويقسم للعامل بمعنى الكفاية وابن السبيل بمعنى البلاغ لأني لو أعطيت العامل وابن السبيل والغازي بالاسم لم يسقط عن العامل اسم العامل ما لم يعزل ولا عن ابن السبيل اسم ابن السبيل ما دام مجتازاً أو يريد الاجتياز ولا عن الغازي ما كان على الشخوص للغزو".
قال في الحاوي: وإنما قصد الشافعي بذلك تمييز أهل السهمان، وأنهم صنفان: أحدهما: ما يعطى بالاسم حتى يزول عنه.
والثاني: من يعطى لمعنى يقترن بالاسم، لا يراعى زواله عنه، فأما المعطون بالاسم حتى يزول عنهم فأربعة أصناف.
الفقراء يعطون حتى يستغنوا فيزول عنهم اسم الفقر والمساكين يعطون حتى يستغنوا فيزول عنهم اسم المسكنة والمكاتبون يعطون حتى يعتقوا فيزول عنهم اسم الكتابة، والغارمون يعطون حتى يقضوا ديونهم، فيزول عنهم اسم الغرم، فأما المعطون لمعنى يقترن بالاسم ولا يراعى زوال الاسم عنه فأربعة أصناف.
العاملون يعطون أجورهم وإن سموا بعد الأخذ عمالاً.
والمؤلفة قلوبهم يعطون وإن سموا بعد الأخذ مؤلفة.
والغزاة يعطون وإن سموا بعد الأخذ غزاة، وبنو السبيل يعطون وإن سموا بعد الأخذ بني السبيل ولا يراعى فيهم زوال الاسم عنهم كما يراعى فيمن تقدمهم.
مسألة: قال الشافعي: "رأي السهمان فضل عن أهله رد على عدد من عدد من بقي السهمان كان بقي فقراء ومساكين لم يستغنوا وغارمون لم تقض كل ديونهم فيقسم ما بقي على ثلاثة أسهم فإن استغنى الغارمون رد باقي سهمهم على هذين السهمين نصفين حتى تنفذ السهمان وإنما رد ذلك لأن الله تعالى لما جعل هذا المال لا مالك له من الآدميين بعينه يرد إليه كما ترد عطايا الآدميين ووصاياهم لو أوصى بها لرجل فمات الموصى له قبل الموصي كانت وصيته راجعة إلى ورثة الموصي فلما كان هذا المال مخالفاً المال يورث ههنا لم يكن أحد أولى به عندنا في قسم الله تعالى وأقرب ممن سمى الله تعالى له هذا المال وهؤلاء من جملة من سمى الله تعالى له هذا المال ولم يبق مسلم محتاج إلا وله حق سواه".
قال في الحاوي: إذا قسمت الزكاة على الموجودين من الأصناف فكانت سهام بعض الأصناف أكثر من كفاياتهم، وسهام الباقين من الأصناف أقل من كفاياتهم لم يعط

الجزء: 6 - الصفحة: 362

المكتفون ببعض سهامهم إلا قدر كفاياتهم ونقل عنهم الفاضل من كفاياتهم ثم مذهب الشافعي المنصوص عليه في هذا الموضع وغيره: أن يرد على باقي الأصناف الذين قصرت سهامهم عن كفاياتهم على ما وصفه من المثال في القسمة، وذهب بعض أصحابه إلى أنه ينقل الفاضل من تلك السهام إلى أهلها في أقرب البلاد، ولا يرد على باقي الأصناف لأن لا يفاضل بين الأصناف مع تسوية الله تعالى بينهم، وما ذهب إليه الشافعي أصح لثلاثة معان: أحدها: أنه لا يجوز العدول بالصدقة عن جيران المال ما وجدوا، وفي هذا عدول عنهم.
والثاني: أنه لما عدم بعض الأصناف وجب رد سهمه على من وجد ولا ينقل، فأولى لي أن يكون الفاضل عن كفاية الموجودين يرد على من احتاج ولا ينقل.
والثالث: أنه لما كانت الوصايا إذا ضاقت ورد بعضهم حصته منها ردت على من بقي ولم ترد على الورثة كانت الصدقة بمثابتها، والله أعلم.
مسألة 62 قال الشافعي: "أما أهل الفيء فلا يدخلون على أهل الصدقة وأما أهل الصدقة الأخرى فهو مقسوم لهم صدقتهم فلو كثرت لم يدخل عليهم غيرهم وواحد منم يستحقها فكما كانوا لا يدخل عليهم غيرهم فكذلك لا يدخلون على غيرهم ما كان من غيرهم من يستحق منها شيئاً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وهي جملة تشتمل على فصلين: أحدهما: تمييز أهل الصدقة عن أهل الفيء.
والثاني: تمييز أهل الصدقات بعضهم عن بعض.
فأما تمييز أهل الصدقة عن أهل الفيء فقد ذكرناه، وقلنا لمن قال: الفيء لأهله لا يجوز أن يأخذ منه أهل الصدقات، وأما الصدقة لأهلها، لا يجوز أن يأخذ منها أهل الفيء، وهو قول أهل الحجاز وإن خالف فيه أهل العراق بعد مضي الكلام فيه.
وأما تمييز أهل الصدقات فهو معتبر بحال معطيها، فإن كان رب المال هو المعطي تميزوا بالجواز فإذا أعطى زكاة ماله لأهلها من جيرانه فإن اكتفوا بها لم يجز أن يأخذوا من زكاة غيرهما، وإن لم يكتفوا جاز أن يأخذوا من زكاة أخرى، لأن أرباب الأموال قد يتجاورون فيكون في جيران جميعهم أهلاً لصدقاتهم كلهم، فإن كان العامل هو المعطي فأهل عمله أهل الصدقات التي يجيبها، فإذا فرقها فيهم لم يجز أن يأخذوا من غيرها هن الصدقات سواء اكتفوا بما قد أخذوا من الصدقات أم لا؛ لأنه لا حق لهم في صدقة ليس

الجزء: 6 - الصفحة: 363

من أهلها، وهو معنى قول الشافعي: "فكما لا يدخلون على غيرهم فكذلك لا يدخل عليهم غيرهم"، ودل الشافعي بهذا على أن الصدقة إذا فضلت عن كفاية بعضهم فاحتاج إليها الباقون أنها لا تنقل عنهم تعليلاً بأنهم لما لم يدخلوا على غيرهم في صدقة أخرى لم يدخل عليهم غيرهم في الفاصل من صدقات بعضهم، وهذا تعليل صحيح.
فإن قيل: فما الفرق بين ما يعطيه العامل وبين ما يعطيه رب المال.
قيل: الفرق بينهما أن رب المال يعطى بعض الصدقات فجاز أن يعطى الأخذ من صدقة أخرى، والعامل يعطى جميع الصدقات فلم يجز أن يعطي الأخذ من صدقة أخرى، والله أعلم.
مسألة 63 قال الشافعي: "وإن استغنى أهل عمل ببعض ما قسم لهم وفضل عنهم فصل رأيت أن ينقل الفضل منهم إلى أقرب الناس بهم في الجوار".
قال في الحاوي: إذا استغنى أهل ناحية ببعض صدقاتهم ووجب نقل فاضلها إلى أقرب البلاد بهم، لأنه لا حق لهم فيما فضل عن كفاياتهم فكان أقرب الناس بهم أحق بها من غيرهم فلو قرب منهم بلدان، فإن كان أحدهما أقرب إليهم من الأخر كان أقرب البلدين أولى من أبعدهما سواء كان الأقرب مصراً أو قرية، وإن كانا في القرب سواء نظر في العامل في الصدقة، فإن كانت مع رب المال كان بالخيار في إخراجها في أي البلدين شاء، وإن كانت مع الوالي كان عليه أن يخرجها في البلدين معاً، أن على الوالي أن يعم وليس على رب المال أن يعم، ولو تساويا في القرب إليهم قربة وبادية استويا في الاستحقاق، وكانا كالبلدين المتساويين في القرب سواء كانا في جهة واحدة أو في جهتين من عمل واحد أو من عملين إلا أن يكون أحد البلدين من ولاية هذا العامل والآخر من غير ولايته فيكون البلد الذي هو في ولايته أولى بنقل هذا الفاضل إليهم من البلد الذي ليس فيه ولايته.
مسألة 64 قال الشافعي: "ولو ضاقت السهمان قسمت على الجوار دون النسب وكذلك إن خالطهم عجم غيرهم فهم معهم في القسم على الجوار فإن كانوا أهل بادية عند النجعة يتفرقون مرة ويخطلطون أخرى فأحب إلي لو قسمها على النسب إذا استوت الحالات، وإذا اختلفت الحالات فالجوار أولى من النسب وإن قال من تصدق إن لنا فقراء على غير هذا الماء وهم كما وصفت يختلطون في النجعة قسم بين الغائب والحاضر ولو كانوا بالطرف من باديتهم فكانوا ألزم له قسم بينهم وكانت كالدار لهم وهذا إذا كانوا

الجزء: 6 - الصفحة: 364

معاً أهل نجعة لا دار لهم يقرون بها فأما إن كانت لهم دار يكونون لها ألزم فإني أقسمها على الحوار بالدار.
وقال في الجديد: إذا استوي في القرب أهل نسبهم وعدي قسمت على أهل نسبهم دون العدى وإن كان العدى أقرب منهم داراً وكان أهل نسبهم دون العدى وإن كان العدى أقرب منهم داراً وكان أهل نسبهم منهم على سفر تقصر فيه الصلاة قسمت على العدى إذا كانت دون ما تقصر فيه الصلاة لأنهم أولى باسم حضرتهم وإن كان أهل نسبهم دون ما تقصر فيه الصلاة والعدى أقرب منهم قسمت على أهل نسبهم لأنهم بالبادية غير خارجين من اسم الجوار وكذلك هم في المنعة حاضرو المسجد الحرام".
قال في الحاوي: لهذه المسألة مقدمتان: إحداهما: أن الصدقة إن قسمها العامل لزمه أن يقسمها على جميع أهل السهمان، ولا يجوز أن يقتصر من كل صنف على طائفة حتى يقسمها على على جميعهم وإن قسمها رب المال جاز أن يقتصر من كل صنف على طائفة أقلها ثلاثة، ولا يلزمه أن يفرقها في جميع الصنف إلا أن تتسع صدقته لجميعهم فيلزمه من الاتساع أن يفرقها في الجميع، والفرق بين العامل وبين رب المال ما قدمناه، فإن العامل يقسم جميع الصدقات فيلزمه أن يقسمها في جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات فجاز أن يقسمها في بعض أهل السهمان.
والمقدمة الثانية: أن ينقل الصدقة عن مكانها لا يجوز إذا وجد فيه أهلها، وإن نقلت فقد أساء ناقلها، وفي أجزائها قولان.
فإن عدم أهل السهمان في مكانهما نقلت إلى أقرب البلاد به.
فإذا تقررت هاتان المقدمتان فلا يخلو قسم الصدقات من أن يتولاه رب المال أو العامل، فإن تولاه العامل فلا يخلو أن يكون صدقات أمصار أو بواد، فإن كانت صدقات أمصار لزمه أن يقسم صدقه كل مصر في أهله وأهل المصر من اشتمل عليهم بنياته وأحاط بهم سوره، فأما من خرج عن سوره ولم يتصل ببنيانه فإن كانوا على مسافة يوم وليلة فصاعداً لم تكن لهم في زكاة ذلك المصر حق لكونهم من المصر على سفر يقصر فيه الصلاة، فلم يجز أن يضافوا إليه وإن كانوا على مسافة أقل من يوم وليلة، ففيهم وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم مستحقون لصدقات المصر وهم كسكانه في أن الخارج إليهم لا يكون مسافراً يستبيح القصر.
والثاني: أنه لا حق لهم في صدقاته، لأنه لا يجوز أن يضاف إلى بلد من ليس فيه والذي أراه مذهب وهو أصح عندي من هذين الوجهين أن ينظر في الخارج عن المصر فإن كان ممن يلزمه حضوره كصلاة الجمعة كان مضافاً إلى أهله في استحقاق صدقاتهم كما كان مضافاً إليهم في وجوب الجمعة عليه في مصرهم، وإن كان ممن لا يلزمه حضور

الجزء: 6 - الصفحة: 365

المصر لصلاة الجمعة لم يكن مضافاً إلى أهله في استحقاق صدقاتهم كما لم يضف إليهم في وجوب الجمعة عليهم في مصرهم، وهذا حكم صدقات الأمصار إذا قسمها العامل في أهلها، وسواء في ذلك من كان قاطناً في المصر أو طارئاً إليه، وأقارب أرباب الأموال والأجانب؛ لأن استيعاب جميعهم في قمة العامل واجب.
وإن كان ما يقسمه العامل صدقات بادية لا تضمنهم أمصار فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكونوا مقيمين بمكان قد استوطنوه من باديتهم لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفاً ولا ينقلون عنه لمرعى ولا كلاء، فهؤلاء كأهل المصر لاشتراكهم في المقام، وإن اختلفوا في صفات المساكن فتكون صدقاتهم مقسومة فيمن كان نازلاً معهم في مكانهم، وهل يشركهم من كان على مسافة أقل من يوم وليلة أم لا على ما حكيناه من الوجهين.
والثاني: أن يكونوا ممن ينتجع الكلأ، وينتقل لطلب الماء والمرعى فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكونوا مجتمعين لا ينفصل حال بعضهم من بعض، فجميعهم جيران وإن تميزت أنسابهم فتقسم الزكاة في جميعهم وفيمن كان منهم على مسافة أقل من يوم وليلة وإن تميزوا عنهم وجهاً واحداً بخلاف أهل الأمصار، لأن البادية لما لم تضمهم الأمصار روعي في تجاورهم القرب والبعد، فمن كان منهم على أقل من مسافة يوم وليلة كان جارا لقربه ومن كان على مسافة يوم وليلة فصاعداً لم يكن جاراً لبعده.
والثاني: أن يتميز حالهم وتنفصل كل حلة عن الأخرى، فتقسم زكاة كل حلة عن الأخرى فتقسم زكاة كل حلة على أهلها، وعلى من كان منها على أقل من مسافة يوم وليلة، وهذا حكم العامل إذا تولى قسمها بنفسه في الأنصار والبوادي.
فصل وإن كان رب المال هو المتولي لقسم زكاته على ما قدمناه من جوازه في تفضيل حكم المال الظاهر والباطن فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون من أهل الأمصار أو من البوادي فإن كان من أهل الأمصار لم يكن من خرج عن مصره من جيرانه، ولا من مستحقي زكاته وجهاً واحداً بخلاف ما يقسمه العامل؛ لأننا نراعي فيما يقسمه رب المال الجوار وفيما يقسمه العامل الناحية، ثم لا يخلو حال مصره من أحد أمرين: إما أن يكون صغيراً أو كبيراً، فإن كان صغيراً كان جميع أهل جيرانه، فإن كان أهل الصدقة فيه أجانب من رب المال أو جميعهم أقارب له فجميعهم سواء، وله أن يدفع زكاة ماله إلى من شاء منهم بعد أن يعطى من كل صنف ثلاثة فصاعداً، وإن كان بعضهم أقارب لرب المال وبعضهم أجانب منه كان أقاربه أولى

الجزء: 6 - الصفحة: 366

بزكاته من الأجانب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير الصدقة على ذي الرحم الكاشح" 65 يعني المعادي، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صدقتك على غير ذي رحمك صدقة وعلى ذي رحمك صدقة وصلة" 66 فإن عدل بها عن أقاربه إلى الأجانب فقد أساء وأجزأته؛ لأن تقديم الأقارب من طريق الأولى مع اشتراك الأقارب والأجانب في الاستحقاق، وإن كان البلد كبيراً واسعاً، فقد اختلف أصحابنا هل يراعى فيه الجوار الخاص والجوار العام؟ على وجهين: أحدهما: أن المراعى فيه الجوار الخاص، فعلى هذا يكون جيرانه من أضيف إلى مكانه من البلد.
وقيل: إنهم إلى أربعين دار من داره، ولا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا قول.
والثاني: أنه يراعى فيه الجوار العام لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:36] يعني البعيد، فعلى هذا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا هو الظاهر من قول البغداديين، فعلى الوجه الأول: إن فرقها في غير جيرانه من أهل بلده لأن ناقلاً لزكاته عن محلها، وعلى الوجه الثاني لا يكون ناقلاً لها وهو أصح الوجهين.
فصل وإن كان رب المال بدوياً، فعلى ضربين: أحدهما: إن يكون في حلة قاطناً بمكانها لا يظعن عنها شتاء ولا صيفاً فهي كالبلد وجميعها جيران سواء صغرت أو كبرت؛ لأنها لا تبلغ وإن كبرت مبلغ كبار الأمصار فيخص منهم أقاربه، فإن عدل عنهم إلى الأجانب أجزأ، ولا يكون من فارق الحلة جاراً، وإن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، ولأن ذلك جار للحلة، والواحد من الحلة جيرانه أهل الحلة، فبان الفرق بينهما.
والثاني: أن يكون في حلة ينجع الكلأ ويظعن الماء والمرعى، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون الحلة مجتمعة لا ينفصل بعضها عن بعض فجميع أهلها جيرانه كبرت أو صغرت.
والثاني: أن تكون متفرقة كتميز كل جماعة منهم عن غيرهم، إما لتميزهم في الأنساب وإما لتميزهم في الأسباب فهذا على ضربين: أحدهما: أن يختلفوا في الرحيل والنزول، فيكون جيرانه من الحلة من يرحل برحيله وينزل بنزوله ولا تكون الفرقة التي تخالفه في الرحيل والنزول جيراناً له.
والثاني: أن يتفقوا في الرحيل والنزول، ففيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 367

أحدهما: أن جميع الحلة من الفرق كلها جيران له اعتباراً باتفاقهم في النجعة، وإن تفرقوا في البقعة كما يتفرق أهل الأمصار في محالهم، ويكونوا جيرة إذا جمعهم المصر.
والثاني: أن جيرانه منهم من هو في بقعته دون من فارقه اعتباراً بالمكان فعلى الوجه الأول إن عدل بزكاته إلى غير طائفة من فرق الحلة لم يكن ناقلاً لها، وعلى الوجه الثاني يكون ناقلاً لها.
مسألة 67 قال الشافعي: "وإذا ولي الرجل إخراج زكاة ماله قسمها على قرابته وجيرانه فإن ضاق فآثر قرابته فحسن".
قال في الحاوي: وإن كان لرب المال أقارب فلا يخلو أن يكونوا جيرانًا أو أباعد، فإن كان أقاربه جيراناً فلا يخلو أن يكون معهم أجانب أم لا، فإن لم يكن معهم أجانب فقد استحقوا زكاة ماله بالجوار وجاز الفضيلة بالقرابة وإن كان معهم أجانب، فعلى ضربين: أحدهما: أن تسع زكاته للأقارب والأجانب فيفضها على الفريقين.
والثاني: أن تضيق زكاته على الفريقين فأقاد به أولى بزكاته من الأجانب لكن اختلف أصحابنا هل الأفضل أن يخلط بأقاربه نفراً من الأجانب أو يتوفر بها على أقاربه؟ على وجهين: أحدهما: أن يتوفر بها على أقاربه للخبر المتقدم.
والثاني: أن الأولى أن يخلط بهم نفراً من الأجانب لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15)﴾ [البلد:14 - 15] فجمع بين القريب والبعيد في استحقاق الثناء.
فصل فأما إذا كان جيرانه أجانب وأقاربه أباعد فجيرانه الأجانب أولى بزكاته من أقاربه الأباعد وقال أبو حنيفة: أقاربه الأباعد أولى من جيرانه الأجانب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صدقة امرئ وذو رحمه محتاج" ولأن اجتماعهم في النسب صفة لازمة واجتماعهم في الجوار صفة زائلة، ولأن النفقة لما وجبت بالنسب دون الجوار كان اعتبار النسب في الزكاة أولى من اعتبار الجوار.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:36] الآية وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجار أحق بسقبه" 68 أي بقربه ولأنه لما تميز الأقارب بوجوب النفقة تميز الجيران باستحقاق الزكوات؛ ولأنه لما كان جيرانه في الحرب كان جيرانه في بلده أولى بها من

الجزء: 6 - الصفحة: 368

أقاربه في غير بلده وتحريره قياساً أن قرب الدار أحق بالزكاة في قرب النسب قياساً على دار الحرب فأما الخبر فمحمول على أحد وجهين: أحدهما: على صدقة التطوع.
والثاني: على ذي الرحم الذي يجب نفقته، فأما الاعتبار للزوم الصفة في النسب دون الجوار ففاسد بالشفعة حيث روعي فيها الجوار دون النسب وأما الاستدلال بوجوب النفقة بالنسب دون الجوار فهو أحق أن يكون دليلاً عليهم لتميز مستحقي النفقة عن مستحقي الزكاة، والله أعلم.
مسالة 69 قال الشافعي: "وأحب إلي أن لا يوليها غيره لأنه المحاسب عليها والمسؤول عنها وأنه على يقين من نفسه وفي شك من فعل غيره".
قال في الحاوي: وكذلك دفعها إلى الأمام أولى من استنابة الوكيل فيها لأنها تسقط عنه بقبض الإمام لها ولا تسقط عنه بقبض وكيله لها، فأما رب المال والإمام، فإن كان المال ظاهراً فدفع زكاته إلى الإمام أولى من تفرد رب المال بإخراجها على قوليه في القديم والجديد لكنها على القديم من طريق الاستحقاق وعلى الجديد من طريق الأولى وإن كان المال باطناً، ففيه وجهان أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق إن دفعها إلى الإمام أولى وتفرد رب المال بإخراجها؛ لأن الإمام يعم بها جميع أهل السهمان إذا انضمت إلى غيرها، ورب المال يخص بها بعضهم ولأن رب المال إذا دفعها خطأ إلى غير مستحق لم يسقط فرضها عنه، ولو دفعها الإمام خطأ إلى غير مستحق سقط فرضها عنه.
والثاني: أن رب المال أولى بإخراجها من دفعها إلى الإمام؛ لأن ما باشره مع عباداته كان أفضل مما عول فيه على غيره؛ ولأنه أوسع اجتهاداً في مستحقي زكاته من الإمام؛ ولأنه أعرف منه بأقاربه وذوي رحمه.
مسألة 70 قال الشافعي: "وأقل من يعطى من أهل السهم ثلاثة لأن الله تعالى ذكر كل صنف جماعة فإن أعطى اثنين وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم وإن أخرجه إلى غير بلاه لم يبن لي أن عليه إعادة لأنه أعطى أهله بالإثم وإن ترك الجوار".
قال في الحاوي: اعلم أن قسم الصدقة يختلف فيها حال العامل وحال رب المال من وجهين: أحد الوجهين: أن على العامل فيما يقسمه أن يعم به جميع أهل (السهمان)، ويجوز

الجزء: 6 - الصفحة: 369

لرب المال أن يقتصر في كل صنف على ثلاثة فصاعداً، فالفرق بينهما قد ذكرناه وهو أن العامل يقسم جميع الصدقات، فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان.
والثاني: أن على العامل أن يقسم سهم كل صنف على قدر حاجاتهم، ولا يجوز أن يساوي بينهم مع تفاضلهم في الحاجة ولا أن يفاضل بينهم مع تساويهم في الحاجة، ورب المال يقسم ذلك على خياره مع تسوية وتفضيل، ولا يلزمه أن يقسمه بينهم على قدر الحاجة والفرق بينهما أن العامل لما لزمه أن يعم جميع أهل السهمان لم يلزمه التسوية بينهم بحسب الحاجة، وكان على خياره في قدر العطاء كما كان على خياره في تميز العطاء فإذا ثبت الفرق بين هذين الوجهين فقد مضى الكلام فيما يتولاه العامل؛ فأما رب المال فلا يجوز أن يقتصر من الصنف الواحد على أقل من ثلاثة، إذا وجدوا؛ لأن الله تعالى ذكر كل صنف بلفظ الجمع المطلق وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وأقل الجمع ثلاثة فرقاً بين الجمع والتثنية، فأما الجمع بين الأصناف كلهم فيستوي فيه العامل ورب المال فلا يجوز لرب المال أن يخل بصنف منهم إذا قدر عليه في بلده كالعامل، والفرق بين هذا وبين أن لا يلزمه استيعاب كل صنف بخلاف العامل، لأن الله تعالى جعل كل زكاة لجميع الأصناف ولم يجعلها الجميع كل صنف فإذا تقرر أن الواجب عليه أن يعطي ثلاثة من كل صنف بالخيار بين التسوية بينهم والتفضيل اعتباراً بالحاجة، فأي هذه الثلاثة فعلى أجزأه، فإن قسمها على اثنين مع وجود الثالث ضمن حصة الثالث وفي قدر ما ضمنه، قولان: أحدهما: ثلث ذلك السهم وهو المنصوص عليه في هذا الموضع اعتباراً بالتسوية عند ترك الاجتهاد في التفضيل.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ اعتباراً بما جعل من الخيار والله أعلم بالصواب.
مسألة 71 قال الشافعي: "وإن أعطى قرابته من السهمان ممن لا تلزمه نفقته كان أحق بها من البعيد منه وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا ولده ولا يعطى ولد الولد صغيراً ولا كبيراً زمناً ولا أخاً ولا جداً زمين ويعطيهم غير زمني لأنه لا تلزمه نفقتهم إلا زمني".
قال في الحاوي: قد ذكورا أن أقارب صاحب المال من مناسبه وذوي رحمه أولى بزكاة ماله من الأجانب، وإذا كان كذلك فهم ضربان: ضربة تجب نفقاتهم، وضرب لا تجب.
فأما من تجبه نفقته بفقره وزمانته من أقاربه فهم الوالدون والمولودون؛ فالوالدون الآباء، والأمهات والأجداد من قبل الآباء والأمهات.

الجزء: 6 - الصفحة: 370

وأما المولودون فالبنون والبنات وبنو البنين وبنو البنات.
وأما من لا تجب عليه نفقتهم فهم من عدا من ذكرنا من الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن اتصل بهم من أبنائهم.
وقال أبو حنيفة: تجب نفقة كل ذي رحم محرم والكلام عليه في كتاب النفقات فإذا كان الأقارب ممن تجب نفقاتهم كانوا أولى بالزكاة من الأجانب البعداء سواء كان يتطوع بالنفقة عليهم أم لا.
وقال أحمد بن حنبل: إن تطوع بالنفقة عليهم صاروا في تحريم الزكاة كمن تجب نفقتهم.
وهذا خطأ، لأن له قطع ما تطوع به من النفقة فلم تحرم عليهم الصدقة كتطوعه بنفقات الأجانب.
فصل وإن كانوا ممن تجب نفقاتهم لم يجز أن يدفع إليهم من الزكاة بأن كانوا فقراء أو مساكين لأنهم بوجوب نفقاتهم عليه قد صاروا به أغنياء، ولأنه يصير مرتفقاً بها في سقوط نفقاتهم عنه، فلم يجز لهذين الأمرين أن يعطيهم من سهم الفقراء والمساكين، فأما إن كانوا من العاملين عليها جاز أن يعطيهم سهم العاملين منها؛ لأن سهمهم في مقابلة عمل فكان عوضاً فإن كانوا من المؤلفة أعطاهم من سهم المؤلفة إن كانوا أغنياء ولم يعطهم منه إن كانوا فقراء، لأنه تسقط نفقاتهم عنه بما يأخذونه منه فصار مرتفقاً بها.
وإن كانوا مكاتبين جاز أن يعطيهم من سهم الرقاب؛ لأن نفقة المكاتب لا تجب على مناسب وإن كانوا من الغارمين جاز أن يعطيهم من سهمهم سواء كانوا ممن أداء في مصلحة نفسه أو مصلحة غيره فلا يعطى إلا مع الفقراء، وإن كانوا ممن أدان في المصالح العامة فيعطى مع الغنى والفقر؛ لأن ما يعطونه يلزمهم صرف ديونهم التي تجب عليه قضاؤها عليهم، فليس يرتفق بها في سقوط نفقتهم.
وإن كانوا من الغزاة أعطاهم من سهم سبيل الله قدر ما يستعينون به في مؤونة حمولتهم، وثمن سلاحهم ودوابهم ونفقات خيلهم وغلمانهم ولا يعطيهم نفقات أنفسهم لوجوبها عليه حتى لا يصير مرتفقاً بسقوطها عنه.
وإن كانوا من بني السبيل أعطاهم من سهمهم كراء مسيرهم ولم يعطهم نفقات أنفسهم إلا ما زاد على نفقة الحضر لئلا يصير مرتفعاً بها في سقوطها عنه؛ لأنه لا يلزمه أن يسافر بهم ولا يقرهم كما لا يلزمه أن يقضي ديونهم فجاز أن يعطيهم منها ما اختص بالسفر والغزو والله أعلم.
مسألة 72 قال الشافعي: "ولا يعطي زوجته لأن نفقتها تلزمه فإن أدانوا أعطاهم من سهم

الجزء: 6 - الصفحة: 371

الغارمين وكذلك من سهم ابن السبيل لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه فلا يكونون أغنياء عن هذا به كما كانوا به أغنياء عن الفقر والمسكنة".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في الأقارب المناسبين، فأما الزوجة فلا يخلو حالها من أحد أمرين: إما أن تكون مقيمة أو مسافرة فإن كانت مقيمة لم تخل من أن تكون مطيعة أو ناشزة فإن كانت مطيعة تلزمه نفقتها ولم يجز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين، لأنها غنية به وإن كانت ناشزة لم تلزمه نفقتها وسقطت عنه بالنشوز ولا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء، والمساكين، وإن لم يكتسب لقدوته على الكفاية فأما إعطاء الزوجة من سهم العاملين فليست ممن يستعمل على الزكاة فيعطاه وأما من سهم المؤلفة فلا يجوز أن تعطى لأن المؤلفة هم الرجال المقاتلة، ولو قيل: يعطى لكان مذهباً لأن ما يقصد من حسن إسلام الرجل وترغيب قومه في الإسلام موجود في المرأة.
وأما إن كانت مكاتبة أو غارمة جاز أن تعطى من سهم الرقاب والغارمين؛ لأنه لا يلزمه قضاء دينها، وأداء كتابتها، أما من سهم سبيل الله فلا يجوز أن تعطاه؛ لأنها ليست من أهل الجهاد وأما من سهم بني السبيل فنذكر حكم سفرها، فلا يخلو أن تسافر وحدها أو مع زوجها فإن سافرت مع زوجها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فلا يعطيها من سهم ابن السبيل؛ لأن مؤنة حمولتها تلزمه لأجل إذنه، وإن كان بغير إذنه فلها النفقة لكونها معه ولا يلزمه حمولتها لخروجها بغير إذنه، ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل كراء حمولتها؛ لأن سفر معصية وإن سافرت وجدها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه فإن كان بغير إذنه فلا نفقة لها لكونها ناشزة، ويجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين بخلاف المقيمة الناشزة.
والفرق بينهما أن المقيمة إذا نشزت قدرت على النفقة بتعجيل المطاوعة ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل؛ لأنه سفر معصية، وإن كان سفرها بإذنه، فعلى ضربين: أحدهما: فيما يختص بزوجها فعليه نفقتها وحمولتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل.
والثاني: أن يكون فيما يختص بها ففي وجوب نفقتها قولان: أحدهما: تجب عليه، فعلى هذا لا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لقناها به، ويجوز أن يعطيها سهم بني السبيل لأن حمولتها لا تلزمه.
والثاني: لا نفقة لها، فعلى هذا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ويجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل.
فصل فأما إذا كانت في عدة طلاقه فإن وجبت نفقتها لكونها رجعية أو حاملاً في طلاق

الجزء: 6 - الصفحة: 372

بائن فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لوجوب نفقتها عليه، ولا من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن لم تجب نفقتها لكونها حائلاً في طلاق بائن جاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل، وإن كانت في عدة من وطئه بشبهة فإن كانت حائلاً لم تجب عليه نفقتها، فجاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن كانت حاملاً ففي وجوب نفقتها عليه قولان: أحدهما: تجب، فيجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا يعطيها من سهم بني السبيل.
والثاني: تجب نفقتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل.
فصل فأما الزوجة فيجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها من السهام كلها وقال أبو حنيفة: لا يجوز استدلالاً بأنه أحد الزوجين فمنع زكاة صاحبه كالزوج إلى زوجته.
ولأنه وارث لا يسقط بالحجب فوجب أن يمنع من الزكاة كالأب ولأنه قد ترتفق بدفع زكاتها إليه؛ لأنه قد يستغنى بها فتلزمه لها نفقة موسر.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] وحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" 73 فكان على عمومه.
فإن قيل: فهذا محمول على التطوع، لأنه جمع بين الزوج والولد ولا يجوز أن يدفع إلى الولد من الفرض فثبت أنه التطوع، فعن ذلك جوابان: أحدهما: وهو جواب أبي عبيد أنه يحتمل أن يكون أولاده من غيرها.
والثاني: وهو جواب الشافعي أن أولاده وإن كانوا منها فإنهم كانوا بالغين أصحاء فسقطت نفقاتهم، وجاز دفع الزكاة إليهم.
ومن القياس أنه نسب لا يستحق به النفقة فلم تحرم به الصدقة قياساً على ذوي الأرحام، ولأن الزوج مع الزوجة بمنزلة الأجنبي في سقوط النفقة فوجب أن يكون بمنزلته في استباحة الصدقة.
فأما الجواب عن قياسهم على منع الزوج من دفعها إلى زوجته فهو لأن نفقتها تلزمه فمنعت من صدقته ونفقته لا تلزمها فلم يمنع من صدقتها وأما قياسه على الأب أنه لا يسقط بالحجب، فالمعنى فيه أن الأب تميز باستحقاق النفقة فيمنع من الصدقة، وليس كذلك الزوج.

الجزء: 6 - الصفحة: 373

وأما الجواب عن قولهم أنها قد ترتفق بدفع زكاتها إليه، فهو أنها لا ترتفق بالدفع، وإنما ترتفق بما قد يحدث بعده من اليسار وذلك لا يمنع من الزكاة كمن دفعها إلى غريم له فأخذها من بعد قبضها من دينه جاز، ولا يكون ذلك رفقاً يمنع من جوازها لحصول ذلك بعد استقرار الملك بالقبض كذلك ما يأخذه الزوج والله أعلم.
مسألة 74 قال الشافعي رحمه الله: "فأما آل محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات، وإن كانوا محتاجين وغارمين وهم أهل الشعب وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب ولا تحرم عليهم صدقة التطوع وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقلت له أشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة".
قال في الحاوي: وجملته أن الناس في صدقة الفرض والتطوع ينقسمون ثلاثة أقسام: منهم من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع، ومنهم من تحل له الصدقتان جميعاً، ومنهم تحرم عليه صدقة الفرض دون التطوع.
فأما من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع فهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رفع الله تعالى من قدره وفضله على جميع خلقه.
روى أبو رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" 75. وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدتموه وقال: لولا أخاف أن تكون صدقة لأكلتها" 76. وروي أن سلمان الفارسي حمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - طبقاً من رطب فقال: "ما هذا"؟ قال: صدقة، قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" فحمل إليه طبقاً آخر فقال: "ما هذا"؟ قال: هدية، قال: "إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها".
وإذا ثبت هذا فقد كان يمتنع من صدقة الغرض تحريماً وفي امتناعه من صدقة التطوع قولان: أحدهما: أنه كان يمتنع منها تحريماً كالقرض، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من لحم تصدق

الجزء: 6 - الصفحة: 374

به على بريرة قال: "هو لها صدقة لنا هدية وصدقات اللحوم بالمدينة كانت من ضحايا تطوع غير واجبة".
والثاني: أنه كان يمتنع منها تنزيهاً لا تحريماً، لأنه قد كان يصلي في المساجد وهي صدقات ويشرب من بئر رومة بالمدينة وبئر زمزم بمكة وهما صدقتان.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: ما كان من صدقات التطوع على الأعيان كانت محرمة عليه، وما كان منها مسألة على الكافة لم تحرم عليه مثل صلاته في المساجد وشربه من الآبار.
والذي أراه عندي أصح أن ما كان منها أموالاً مقومة كانت عليه محرمة وما لم تكن أموالاً مقومة كانت له مباحة، فعلى هذا كانت صلاته في المساجد وشربه من بئر رومة وزمزم، ولو كانت الصدقة المسيلة ثمار لا تحل له، وعلى قول ابن أبي هريرة تحل له.
فصل وأما من تحرم عليه الصدقة- الفرض دون التطوع- فهم آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرواية أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمرة الصدقة فجعلها في فيه فنزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فيه بلعابها وقال كخ كخ، وقال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة".
وسأله الفضل بن العباس عمالة الصدقات فغضب وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس".
فدل هذا الخبران على تحريم الفرض عليهم.
فأما التطوع فحلال لما روي أن جعفر بن محمد شرب من سقايات بين مكة والمدينة.
فقيل: له: أليس قد حرم عليكم الصدقات؟ فقال: إنما حرم الله علينا الصدقات المفروضات؛ لأن الله تعالى عوضهم مالاً واحداً عن مال واحد، فإذا ثبت أن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحرم عليهم الصدقات المفروضات دون التطوع فهم ذو القربى من بني هاشم وبني المطلب.
وقال أبو حنيفة: إنما تحرم على آل العباس وآل حمزة وآل الحارث بني عبد المطلب وعلى آل علي وآل جعفر والفضل ولا تحرم على آل أبي لهب ولا على غير المذكورين من بني عبد المطلب ولا على جميع بني المطلب، وهذا خطأ؛ لأن من استحق سهم ذي القربى منع صدقة الفرض وقد ثبت أن سهم ذي القربى مشترك بين جميع بني هاشم وبني المطلب وكذا صدقة الفرض حرام على جمع بني هاشم.
وأما من تحل له صدقة الفرض والتطوع فهم سائر الناس تحل لهم صدقاه الفرض والتطوع بالفقر وصدقات التطوع مع الغنى والفقر، وقد دللنا عليه من قبل.

الجزء: 6 - الصفحة: 375

مسألة 77 قال الشافعي: "وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم فقالوا أعطنا بالغرم والفقر قيل لا إنما تعطيكم بأي المعنيين شئتم فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يديه حقوقهم وإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه ولا فجائز كما يعطى المكاتب فإن قيل: ولم لا يعطى بمعنيين؟ قيل: الفقير مسكين والمسكين فقير يجمعهما اسم ويتفرق بهما اسم فلا يجوز أن يعطى إلا بأحد المعنيين ولو جاز ذلك جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل وغاز ومؤلف فيعطى بهذه المعاني كلها فالفقير هو المسكين ومعناه أن لا يكون غنياً بحرفة ولا مال فإذا جمعا معاً فقسم لصنفين بهما لم يجز إلا أن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بدئ به أشدهما فقراً وكذلك هو في اللسان".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل من أهل الصدقات جمع بين سببين يستحق بكل واحد منهما فيهما كغارم فقير، وعامل مسكين طلب أن يطعى بالفقر أو بالغرم أو بالعمالة والمسكنة فالذي نص عليه الشافعي في هذا الموضع، وأكثر كتبه أنه لا يجوز أن يجمع له بهما ولا يعطى إلا بأحدهما وقال في كتاب فرض الزكاة من قسم الصدقات: أنه يجوز أن يعطى بالسببين، فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني وكثير من البغداديين أن ذلك على قولين لاختلاف نصه في الموضعين.
أحد القولين: أنه لا يجوز أن يعطى إلا بأحد السببين، وهذا هو الأشهر قوله، والأصح من مذهبه لئلا يؤدي ذلك إلى الأخذ بجميع الأسباب كما لا يورث المجوس إذا اجتمعت له قرابتان إلا بأحدهما.
والقول الثاني: يجوز أن يعطى بهما معا؛ لأنه لما جاز أن يأخذ بالسبب الواحد إذا انفرد به جاز أن يأخذ بالسببين إذا اجتمعا فيه، وكما يجوز أن يورث الزوج إذا كان ابن عم لها بالسببين.
والثاني: قاله أبو حامد المروروذي جمهور البصريين: أن ذلك على قول واحد لا يعطى إلا بأحدهما ولا يجمع له بينهما وما قاله في فرض الزكاة من جواز إعطاءه بالسببين محمول على أنه من زكاتين.
والثالث: أنه يجوز أن يعطى بالسببين إذا اختلفا ولا يجوز أن يعطى بهما إذا اتفقا فاختلافهما أن يكون أحدهما لحاجته إلينا، والآخر لحاجتنا إليه كالعامل إذا كان فقيراً والغازي إذا كان مسكيناً، واتفاقهما أن يكونا معاً لحاجته إلينا كالفقير إذا كان غارماً والمسكين إذا كان مكاتباً، كما أنه لا يورث أحد بسببين متفقين كغرضين أو نصيبين

الجزء: 6 - الصفحة: 376

ويورث بسببين مختلفين من فرض وتعصيب، فإذا تقرر هذا: إنه لا يعطى بهما وكان فقيراً غارماً خير في إعطائه بأي السببين شاء من فقر وغرم، فإن اختار أن يعطى بالفقر سلم إليه وكان لصاحب الدين أن يأخذه من دينه، وإن اختار أن يعطى بالغرم جاز أن يسلم إليه وجاز أن يعطيه لصاحب الدين بأمره.
فإن قيل: فأيهما أولى، قلنا: إن كان بقدر دينه كله فأولى دفعه إلى صاحب الدين وإن كان أقل فالأولى دفعه إلى الغارم لعله أن يتجر به فينمى.
وإن قيل: يجوز أن يعطى بالسببين أعطى بالفقر والغرم، فإن كان في سهم الغرم وفاء لدينه استبقى سهم الفقر، وإن كان يعجز عن دينه كان له أن يأخذ منه سهم الفقر ليستوفي دينه، والله أعلم بالصواب.
مسألة 78 قال الشافعي: "فإن كان فيهم رجل من أهل الفيء ضرب عليه البعث في الغزو ولم يعط فإن قال لا أغزو واحتاج أعطي فإن هاجر بدوي واحتاج واقترض وغزا صار أهل الفيء وأخذ فيه ولو احتاج وهو في الفيء لم يكن له أن يأخذ من الصدقات حتى يخرج من الفيء ويعود إلى الصدقات فيكون ذلك له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقات ينصرف إليهم مال الفيء دون الصدقات وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء ينصرف إليهم مال الصدقات دون الفيء وضرب هم من أهل الصدقة، فأما غزاة أهل الفيء فهم المقترضون في ديوان الفيء من المقاتلة فهو لا يعطون أرزاقهم من مال الفيء ولا يجوز أن يعطوا من الصدقات وأما غزاة أهل الصدقات فهم المتطوعة من الأعراب وأهل الصنائع من أهل الأمصار الذين إن شاؤوا غزوا وان شاؤوا أقاموا، فهؤلاء إذا أرادوا الغزو أعطوا من مال الصدقات من سهم سبيل الله، ولم يجز أن يعطوا من مال الفيء لرواية عباس، وقال: كان أهل الفيء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعزل على أهل الصدقات، وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء، فلو أن رجلاً من أهل الفيء معترضاً في ديوانه ضرب عليه البعث في الغزو أو لم يضرب عليه فأراد الخروج من أهل الفيء والدخول في أهل الصدقات ليغزوا إن شاء ويقعد عنه إن اختار كان ذلك له لأنه لم يكن عليه عقد لازم وإنما هو جعالة فيسقط رزقه من ديوان الفيء ويعطى من مال الصدقات، ولو أن أعرابياً من أهل الصدقات هاجر وأراد أن يقترض من ديوان الفيء جاز أن يقرضه الإمام فإذا رآه الإمام أهلاً لذلك، خرج من أهل الصدقات.

الجزء: 6 - الصفحة: 377

مسألة 79 قال الشافعي رحمه الله: "وإن لم يكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدئ القسم على خمسة أسهم أخماساً على وصفت فإن ضاقت الصدقة قسمت على عدد السهمان ويقسم بين كل صنف على قدر استحقاقهم ولا يعطى أحد من أهل سهم وإن اشتدت حاجته وقل ما يصيبه من سهم غيره حتى يستغني ثم يرد فضل إن كان عنه ويقسم".
قال في الحاوي: وهذه مسألة قد مضت، فذكرنا أن أهل السهمان ثمانية أصناف فإن كملوا قسمت الزكاة أثماناً بينهم متساوية، وإن عدموا نقلت إلى أقرب البلاد بهم، وإن وجد بعضهم قسمت على من وجد منهم، وسقط سهم من عدم إلا الغزاة فإنهم يسكنون الثغور فينقل إليهم سهمهم إن كان الإمام هو القاسم لها.
فأما إن كان رب المال هو المتولي لقسمها سقط سهمهم إن عجز عن إيصاله إليهم؛ لأن الإمام يقدر على نقل سهمهم على ما لا يقدر عليه أرباب الأموال فافترق الحكم فيه.
مسألة 80 قال الشافعي: "فإن اجتمع حق أهل السهمان في بعير أو بقرة أو شاة أو دينار أو درهم أو اجتمع فيه اثنان من أهل الهماز أو أكثر أعطوه ويشرك بينهم فيه ولم يبدل بغيره كما يعطاه من أوصى لهم به وكذلك ما يوزن أو يكال".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان مال الزكاة ينقسم قليلة ويتجزأ كالحبوب أعطي كل واحد من أهل السهمان حقه منه ولم يشرك فيه بين اثنين للاستغناء عن الشريك، وإن كان مما لا يتجزأ، كالإبل، والبقر، والغنم فإن اتسعت الصدقة أن ينفرد كل واحد منهم ببعير له أو بقرة أو شاة لم يشرك بينهم وأفرد كل واحد منهم بحقه وإن ضاقت الصدقة عن ذلك جاز أن يشرك الجماعة في البعير الواحد أو البقرة أو الشاة الواحدة سواء كانت الجماعة من صنف واحد أو أصناف بعد أن يبين حصة كل واحد منهم فيه؛ لأن التفضيل بينهم بحسب الحاجة معتبر من جهة العامل وغير معتبر من جهة رب المال، فإن لم يبين حصة كل واحد كانوا في الظاهر شركاء بالسوية فلم يجز أن يباع ذلك ويقسم عليهم ثمنه قبل أن يملكه إياهم، لأن القيم في الزكاة لا تجزئ، وسواء كان القاسم رب المال أو العامل، لأنهم أهل رشد لا يولى عليهم بعجز أرباب السهام إلا أن تدعو العامل الضرورة إلى بيعه، وإما لعطب الحيوان وخوفه من تلفه، وإما لبعد المسافة وإحاطة مؤونة نقله بجميع قيمته فيجوز له في هاتين الحالتين بيعه للضرورة، وقسم ثمنه فيهم، ولا يجوز ذلك لرب المال بحال لثبوت الزكاة في ذمة رب المال دون العامل وأن

الجزء: 6 - الصفحة: 378

للعامل ولاية ليست لرب المال.
قال الشافعي: وكذلك ما يوزن أو يكال يعني في أنه لا يجوز بيعه على أهل السهمان إلا عند الضرورة فتجوز للعامل دون رب المال.
مسألة 81 قال الشافعي: "وإذ أعطى الوالي من وصفنا أن عليه أن يعطيه ثم علم أنه غير مستحق نزع ذلك منه إلى أهله فإن فات فلا ضمان عليه لأنه أمين لمن يعطيه ويأخذ منه لا لبعضهم دون بعض لأنه كلف فيه الظاهر وإن تولى ذلك رب المال ففيها قولان أحدهما أنه يضمن والأخر كالوالي لا يضمن.
قال المزني ولم يختلف قوله في الزكاة أن رب المال يضمن".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في زكاة دفعت إلى مستحق لها في الظاهر فبان غير مستحق لها في الباطن، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يكون الضمان فيه على الدافع واجباً سواء كان الدافع لها إماماً أو مالكاً.
والثاني: ما لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً.
والثالث: ما يختلف في وجوب الضمان فيه بحسب اختلاف الدافع إن كان إماماً أو مالكاً.
فأما القسم الأول: الذي يجب فيه الضمان على الدافع إماماً كان أو مالكاً فهو أن تدفع إلى من لا يجوز الدفع إليه إلا ببينة على سبب استحقاقه كالمكاتب والغارم، فإذا دفعها إلى من ذكر أنه مكاتب أو غارم بغير بينة ثم بان أنه غير مكاتب ولا غارم فعلى الدافع الضمان إماماً كان أو مالكاً، لأن إخلاله بالبينة التي هي شرط في جواز الدفع تفريط منه، فإن أمكنه استرجاعها من المدفوع إليه مكان مسترجعاً لهما في حق نفسه لا في حق أهل السهمان لوجوب ضمانها عليه فلو دفعها بينة ثم بان أن البينة شهدت بزور أو خطأ كانت البينة ضامنة فإن كان الدافع إماماً ضمت البينة ذلك لأهل السهمان وكان الإمام بريئاً من الضمان وإن كان الدافع مالكاً كانت البينة ضامنة للمالك الذي هو رب المال وكان وجوبها باقياً في ذمة رب المال، والفرق بينهما أن للإمام ولاية على أهل السهمان ليست لرب المال.
فصل وأما القسم الثاني الذي لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً فهو أن يدفعها إلى من يستحقها بسبب يستحدثه كابن السبيل والغازي فلا يسافر ابن السبيل ولا يغزو الغازي فلا ضمان على الدافع، لأنه لم يكن منه تفريط في الدفع سواء كان إماماً

الجزء: 6 - الصفحة: 379

أو مالكاً؟ لأن بالدفع قد سقطت الزكاة عن رب المال من غير أن يكون مراعاً بإحداث سفر أو جهاد لكن على الدافع مطالبة المدفوع إليه فإن كان عام الزكاة باقياً خيره في المطالبة بين رد ما أخذه وبين أن يستأنف سفراً، وغزواً، وإن كان عام الزكاة قد انقضى طالبه بالرد من غير تخيير، لأن زكاة كل عام مستحقة لأهلها في ذلك العام، لا في غيره، فإن لم يسترجع منه حتى سافر وغزا في العام الثاني نظر فإن كان قد أخذ في العام الثاني من زكاة ثانية استرجع منه ما أخذه في العام الأول، لأنه قد أخذ في العام الثاني ما استحقه بسفره وغزوه، وإن كان لم يأخذ في العام الثاني من زكاته ثانية يسترجع منه ما أخذه العام الأول، وكانت بمثابة زكاة أخرت من عام إلى عام، فإنها تقع موقع الأجزاء، وإن كره التأخير مع إمكان التعجيل فلو مات المدفوع إليه قبل السفر والغزو ولم يكن استرجاع ما أخذ، كان ذلك تالفاً في حق أهل السهمان.
فصل وأما القسم الثالث: الذي يختلف فيه الضمان باختلاف حال الدافع إن كان إماماً أو مالكاً فهو مسألة الكتاب، وهو أن يدفعها إلى من يستحقها بالفقر والمسكنة فتبين غير مستحق فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يستحقها لعدم الفقر.
والثاني: أن لا يستحقها مع وجود الفقر لسبب يمنع من جواز الأخذ فأما الضرب الأول: فهو أن يدفعها إلى رجل ظن به فقراً فبان غنياً، فإن كان الدافع لم يجتهد عند الدفع ضمن إماماً أو مالكاً لأن ترك الاجتهاد تفريط وإن كان قد اجتهد عند الدفع نظر فإن كان الدافع لها إماماً أو والياً عليها من قبل الإمام لم يضمن، لأنه أمير عليها لم يفرط فيها ولكن له استرجاعها من الآخذ لها إن كان حياً من تركته إن كان ميتاً سواء شرط عند الدفع أنها زكاة أو لم يشرط؛ لأن الوالي لا يدفع من الأموال إلا ما وجب وإن كان الدافع لها هو رب المال، ففي وجوب ضمانه قولان: أحدهما: أنه لا يضمن كالإمام.
والثاني: يضمن بخلاف الإمام، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن للإمام عليها ولاية ليست لرب المال فلم يضمنها إلا بالعدوان.
والثاني: أن الإمام بريء الذمة من ضمانها قبل الدفع فلم يضمنها إلا بتفريط ظاهر ورب المال مرتهن الذمة بضمانها قبل الدفع فلم يبرأ منها إلا باستحقاق ظاهر.
والثالث: أن الإمام لا يقدر على دفعها إلى مستحقها إلا باجتهاد دون اليقين فلم يضمن إذا اجتهد، ورب المال يقدر على دفعها إلى مستحقها بيقين، وهو الإمام مضمونة إذا دفعها بالاجتهاد.
فإذا تقرر هذا نظر في رب المال، فإن شرط عند الدفع أنها زكاة كان له استرجاعها من الآخذ لها إذا كان غنياً، وإن لم يشترط ذلك عند الدفع نظر في الآخذ لها فإن صدقه

الجزء: 6 - الصفحة: 380

أنها زكاة لزمه ردها، وإن لم يصدقه من يلزمه ردها بخلاف الإمام؛ لأن رب المال قد يعطى فرضاً وتطوعاً فلم يسترجع إلا بشرط والإمام لا يعطى إلا فرضاً واجباً فجاز أن يسترجع بغير شرط، ولأن للإمام ولاية على أهل السهمان فكان قوله عليهم مقبولاً وليس لرب المال عليهم ولاية فلم يقبل قوله عليهم فكان هذا فرقاً بين الإمام ورب المال في جواز الاسترجاع عند عدم الشرط، ولكن اختلف أصحابنا هل يكون لرب المال إحلاف المدفوع إليه؟ أنه لا يعلم أن ما أخذه تعجيل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له إحلافه، لأنه لو عمل لزمه الرد.
والثاني: ليس له إحلاف لأنه هو المفرط حيث لم يشترط، ولكن لو قال رب المال: شرطت التعجيل وقال المدفوع إليه: لم يشترط، كان له إحلافه وجهاً لوجه.
فصل وأما الضرب الثاني وهو أن يكون غير مستحق لها مع الفقر لسبب يمنع من جواز الآخذ كفقير دفعت إليه، وظاهره الحرية فبان عبداً أو كان ظاهره الإسلام فبان كافراً، أو كان ظاهره أنه في سائر الناس فبان في ذوي القربى من بني هاشم بني المطلب رضوان الله عليهم فإن كان الدافع لم يجتهد في الآخذ لها عنا الدفع فعليه الضمان والياً كان أو مالكاً، وإن كان قد اجتهد فقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين: إحداهما: أن الخطأ في ذلك كالخطأ في الفقير فلا يضمن إن كان والياً وفي ضمانه أن يكون مالكاً قولان، فهذه طريقة كثير من المتقدمين.
والثانية: أن الخطأ في هذا أخص بالضمان من الخطأ في الفقير فيضمن الدافع إن كان مالكاً، وفي ضمانه إن كان والياً قولان، وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من المتأخرين وفرقوا بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام بأنه لا يعلم يقين الفقر قطعاً فجاز أن يعمل فيه على الظاهر، ويعلم يقين الحرية والإسلام قطعاً فلم يجز أن يعمل فيه على الظاهر.
مثاله: أن من صلى خلف جنب أو محدث لم يعد صلاته لأنه لا يعلم يقين طهارة إمامه قطعاً، فإذا عمل فيها على الظاهر لم يعد، ولو صلى خلف امرأة وكافر، أعاد؛ لأنه قد يعلم يقين كون إمامه رجلاً مسلماً فإذا عمل على الظاهر أعاد.
وسوى أبو حنيفة بين خطأ الوالي والمالك وفرق بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام الذي قدمناه وفيما مضى دليل كاف.
مسالة 82 قال الشافعي: "ويعطى الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمرة والزرع والمعدن

الجزء: 6 - الصفحة: 381

والماشية فإن لم يأت الولاة لم يسع أهلها إلا قسمها فإن جاء الولاة بعد ذلك لم يأخذوهم بها وإن ارتابوا بأحد فلا بأس أن يحلفوه بالله لقد قسمها في أهلها وإن أعطوهم زكاة لتجارات والفطرة والركاز أجزأهم إن شاء الله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الأموال ضربان: ظاهرة كالثمار، والزروع والمواشي، وباطنه كالدراهم والدنانير وعروض التجارات والركاز وزكاة الفطر فما كان منها باطناً لم يلزمه دفع زكاته إلى الإمام وجاز لأربابها أن يتولوا إخراجها وقسمها في أصلها وإن دفعوها إلى الولاة جاز وما كان منها ظاهراً ففيها قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد أنها كالباطنة يجوز لأهلها أن يتولوا إخراج زكاتها ولا يلزمهم دفعها إلى الإمام.
والثاني: أن عليهم دفع زكاتها إلى الإمام أو عامله عليها، ولا يجوز لأربابها أن يتولوا إخراجها بأنفسهم مع القدرة على دفعها إلى الإمام أو عامله عليها، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد مضى توجيه القولين.
فإن تأخر الإمام وعامله وتعذر على أرباب الأموال دفع زكاتهم إليه فهل لهم على القول القديم إخراجها بأنفسهم أم لا على وجهين: أحدهما: لا يجوز وتكون محبوسة عليه حتى يأتي فيتولى إخراجها لأن من استحق قدر مال لم يجز أن يدفع إلى غيره لتأخره كالديون.
والثاني: وهو ظاهر نصه في هذا الموضع يجب على أهلها تعجيل إخراجها بأنفسهما إذا تأخر الوالي عنهم؛ لأنه مستحق لجهات يمكن إيصاله إليها والوالي نائب، وتأخر الوالي النائب لا يوجب تأخر الحق كالوالي والوكيل، فإذا أخرجها أربابها عند تأخر الوالي ثم حضر فأخبروه بإخراجها فالقول قولهم وله إحلافهم إن استراب بهم، وفي هذه اليمين وجهان: أحدهما: أنها مستحقة، فإن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم الزكاة.
والثاني: أنها واجبة فإن نكلوا عنها أخذت منهم الزكاة بالوجوب المتقدم لا بالنكول وقد مضى تعليل ذلك في كتاب الزكاة.
مسألة 83 قال الشافعي: "إنما يستحق أهل السهمان سوى العاملين حقهم يوم يكون القسم".
قال في الحاوي: اعلم أن الشافعي قد نص في هذا الموضع على أن استحقاق أهل السهمان للزكاة يكون يوم القسم ونص في كتاب الزكاة أنها إذا وجبت في قرية فمات أحد

الجزء: 6 - الصفحة: 382

أهل السهمان أن نصيبه لوارثه فجعلها مستحقة يوم الوجوب وليس ذلك على قولين وإنما هو باختلاف حالين فالموضع الذي جعلها مستحقة يوم الوجوب إذا تعين أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليهم في قرية فيها من كل صنف من أهل السهمان ثلاثة فما دون فيكونوا في استحقاقها معنيين لا يجوز العدول عنهم إلى غيرهم، فعلى هذا يكون استحقاقهم لها معتبراً بيوم الوجوب لا بعد القسم، فلو مات أحدهم كان حقه لوارثه ولو غلب أو أيسر لم يسقط حقه منها ولو حضر القرية بعد الوجوب غريب لم يجز دفعها إليه.
والموضع الذي جعلها مستحقة يوم القسم إذا لم يتيقن أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليه في بلد كبير فيه كل صنف من أهل السهمان عدد كبير فيلزمه أن يعطى من كل صنف ثلاثة ويمنع الباقين، فلا يكونوا فيها معنيين فيكون الاعتبار باستحقاقهم يوم القسم لا يوم الوجوب، فعلى هذا لو مات أحدهم قبل القسم لم يعط وارثه ولو غاب أو أيسر لم يكن له فيها حق ولو حضر غريب بعد الوجوب وقبل القسم أعطى وبالله التوفيق.

باب ميسم الصدقات

مسألة 84 قال الشافعي رحمه الله: "ينبغي لوالي الصدقات أن يسم كل ما أخذ منها من بقر أو إبل في أفخاذها ويسم الغنم في أصول آذانها وميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل والبقر ويجعل الميسم مكتوباً بالله؛ لأن مالكها أداها لله تعالى فكتب لله وميسم الجزية مخالف لميسم الصدقة لأنها أديت صغاراً لا أجر لصاحبها فيها وكذلك بلغنا عن عمال عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يسمون.
وقال أسلم لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر رضي الله عنه: ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل.
قال: قلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال عمر: أمن نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ قلت: لا بل من نعم الجزية قال: فأمر بها عمر: أردتم والله لأكلها فقلت: إن عليها ميسم الجزية.
قال: فأمر بها عمر فنحرت.
قال: فكانت عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا وجعل منها في تلك الصحاف فيبعث بها إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون الذي يبعث به إلى حفصة رضي الله عنها من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حظها.
قال: فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث به إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا عليه المهاجرين والأنصار.
قال: ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلوماً فلا يشتريه الذي أعطاه لأنه خرج لله كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر رضي الله عنه في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه ويباع أن لا يشتريه وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة لأنهم تركوها لله تعالى".

الجزء: 6 - الصفحة: 383

قال في الحاوي: وهذا كما قال: الميسم عندنا مستحب في مواشي الزكاة والجزية وحكي عن أبي حنيفة كراهيته لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان ودليلنا رواية أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسم إبل الصدقة 85. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى العباس وهو يسم إبله في وجوهها فقال: يا عباس لا تسم في الوجه فقال: العباس والله لا وسمتها بعد هذا إلا في الجاعرتين.
وروى ابن عيينة عن عاصم بن مسعد بن نقادة عن أبيه عن جده نقادة الأسدي، أنه قال: يا رسول الله إني رجل مغفل فأين أسم قال: في موضع الجرم من السالفة، فقال: يا رسول الله أطلب لي طلبة، قال: أبغني حلبانه ركبانة غير أن لا تولد ذات ولد عن ولدها.
المغفل صاحب الإبل الغفل التي لا سمة عليها والجرم: الزمام.
والسالفة: مقدم صفحة العتق، والحلبانة: ذات لبن يحلب والركبانة ذات ظهر يركب، وروى زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل قلت: فكيف تأكل من الأرض، قال عمر: من نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ فقلت: الإبل هي من نعم الجزية، فقال عمر: أردتم والله أكلها فقلت: إن عليه وسم الجزية، قال: فأمر بها فنحرت.
الحديث فدل على أن الميسم فعل الأئمة وإجماع الصحابة، ولأن به تمتاز الأموال مع تميز مستحقها وليكون إذا ضلت سبباً لردها فإذا ثبت جواز الوسم، فالكلام فيه يشتمل على فصلين: أحدهما: أن يكون الميسم منها.
والثاني: فالذي يكتب عليه.
فأما مكانه فهو كل موضع صلب من البدن وقل شعره، فإن كان في الإبل والبقر فعلى أفخاذها وإن كان في الغنم فعلى أصول آذانها، ويكون ميسم الغنم ألطف لأنها ضعيفة لا تصبر من الألم على ما يصبر عليه غيرها، فأما ما يكتب فإن كانت من نعم الصدقة كان بالخيار بين ثلاثة أسماء، إما أن يكتب عليها صدقة أو طهرة أو لله، وهذا أحبها إلى الشافعي تبركاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، وإن كانت من الجزية كان بالخيار بين أمرين: إما أن يكتب جزية أو يكتب صغاراً، وهذا اجتهاد الشافعي إتباعاً لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29] فأما تمييزها بجدع الأنوف وقع الآذان فمكروه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن المثلة 86، والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 384

باب الاختلاف في المؤلفة

مسألة 87 قال الشافعي رحمه الله: "قال بعض الناس لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سبيل الله في الكراع والسلاح في ثغور المسلمين".
قال في الحاوي: قد مضت مسائل هذا الباب مشروحة بدلائلها وإنما أورده الشافعي مقصوراً على ذكر الاختلاف فيها والاحتجاج عليها فاقتصرنا منه على الإشارة إلى تفصيل ما أورده، فمن ذلك مسألتان قدمهما في هذا الفصل: إحداهما: في سهم المؤلفة.
والثانية: في سهم سبيل الله.
فأما سهم المؤلفة فإن أبا حنيفة أسقطه وزعم أن لا مؤلفة للاستغناء عنهم بقوة الدين وإعزاز المسلمين، وهو عند الشافعي ثابت على الشرح الذي قدمناه؛ لأن الله تعالى أثبت لهم في آية الصدقات سهماً فلم يجز نسخه بعد انقطاع الوحي؛ ولأن ما بقي للإسلام أعداء يلزم جهادهم بقي مؤلفة يتآلف قلوبهم كالعصر الأول.
وأما سهم سبيل الله تعالى، فإن أبا حنيفة زعم أنه مصروف مع سهم المؤلفة في الكراع والسلاح في ثغر المسلمين وعند الشافعي أنه مصروف على ما قدمناه في الغزاة والمجاهدين، ولا يجوز أن يشتري به كراعاً ولا سلاحاً لمن لم يتعين منهم، لأن الله تعالى جعل مال الصدقات مصروفاً إلى مالكين فإن تعين الغزاة الذين يعطون تلك الصدقات واحتاجوا إلى كراع وسلاح فإن كان قاسم الصدقة رب المال لم يجز أن يشتري لهم بسهمهم كراعاً وسلاحاً ودفع إليهم عين ماله ليتولوا لأنفسهم شراء ما احتاجوا إليه من كراع وسلاح لئلا يصير رب المال دافعها قيمة زكاة إذ يمنع الشافعي منها وإن كان قاسم الصدقة والياً ففي جواز إتباعه ذلك لهم وجهان مضيا.
مسألة 88 قال الشافعي: "وقال بعضهم ابن السبيل من مر يقاسم في البلد الذي به الصدقات".
قال في الحاوي: وهذه مسألة ثالثة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن ابن السبيل الذي يستحق سهمه من الصدقات هو المجتاز ببلد الصدقة دون المنشئ لسفره منه ليكون مصروفاً إلى من تناوله حقيقة الاسم، وعند الشافعي أنه مصروف إلى المجتاز والمنشئ اعتباراً بالعموم، ولأن المنشئ جاز للمال فكان أولى من المجتاز الغريب، ولأنه لما جاز أن يعان المجتاز على بعض سفره فأولى أن يعان المنشئ على جميع سفره.

الجزء: 6 - الصفحة: 385

مسألة 89 قال الشافعي: "وقال أيضاً حيث كانت الحاجة أكثر فهي واسعة كأنه يذهب إلى أنه فوضى بينهم يقسمونه على العدد والحاجة لأن لكل أهل صنف منهم سهماً".
قال في الحاوي: وهذه مسألة رابعة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن مال الصدقات لا يلزم صرفه في جميع الأصناف ولكن يصرف في أمسهم حاجة ويعدل عن الباقين، وعند الشافعي: أنه يصرف في جميع الأصناف الثمانية المسماة في آية الصدقات؛ لأن الله تعالى سمى لكل صنف منهم حقاً، فلم يجز العدول عن بعضهم كما لم يجز العدول عن جميعهم، ولأنه لما كان عطايا الآدميين من الوصايا إذا سمى فيها أصناف لم يجز الاقتصار على بعضها كانت عطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لو كانت الحاجة معتبرة لبطل حكم التصريف والتسمية، والله أعلم.
مسألة 90 قال الشافعي: "ومن أصحابنا من قال: إذا تماسك أهل الصدقة وأجدب آخرون نقلت إلى المجدبين إذا كانوا يخاف عليهم الموت كأنه يذهب إلى أن هذا مال من مال الله عز وجل قسمة لأهل السهمان لمعنى صلاح عباد الله على اجتهاد الإمام".
قال في الحاوي: وهذه مسألة خامة أراد بها أبا حنيفة، فإنه يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره بحسب ما يؤدي اجتهاد الإمام إليه في شدة الحاجة، وعند الشافعي أنه لا يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره لأحل الحاجة لما قدمناه من الدليل.
فإن قيل: فقد نقل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمدينة قيل أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة.
أحدها: أنه يحتمل أن يكون نقل إلى المدينة ما فضل من جيران المال.
والثاني: أنه كان من بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً فكانوا أحق بها.
والثالث: أنه يحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا؛ لأنه كان وقت الردة فلم يستحقونها مع الردة فنقلت إلى المدينة.
والرابع: أنه يحتمل أن يكون قد حملت إلى أبي بكر إظهارا لطاعته؛ لأن الناس قد كانوا منعوا الزكاة في ذلك الوقت، فلما أظهروا الطاعة بنقل الزكاة ردها عليهم ليتولوا قسمها في جيرانهم.
مسألة 91 قال الشافعي: " وأحسبه يقول وتنقل سهمان أهل الصدقات إلى أهل الفيء بأن

الجزء: 6 - الصفحة: 386

جهدوا وضاق الفيء وينقل الفيء إلى أهل الصدقات إن جهدوا وضاقت الصدقات على معنى إرادة صلاح عباد الله.
وقال الشافعي: وإنما قلت بخلاف هذا القول لأن الله جل وعز جعل المال قسمين أحدهما في قسم الصدقات التي هي طهرة فسماها الله لثمانية أصناف ووكدها وجاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يؤخذ من أغنيائكم فترد على فقرائهم لا فقراء غيرهم ولغيرهم فقراء فلا يجوز فيها عندي والله أعلم أن يكون فيها غير ما قلت من أن لا تنقل عن قوم وفيهم من يستحقها ولا يخرج سهم ذي سهم منهم إلى غيره وهو يستحقه وكيف يجوز أن يسمي الله تعالى أصنافاً فيكونون موجودين معاً فيعطي أحد سهمه وسهم غيره ولو جاز هذا عندي جاز أن يجعل في سهم واحد جميع سهام سبعة ما فرض لهم ويعطى واحد ما لم يفرض له والذي يخالفنا يقول: لو أوصى بثلثه لفقراء بني فلان وغارمي بني فلان رجل آخر وبني سبيل بني فلان رجل آخر إن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه وأن ليس لوصي ولا والي أن يعطى الثلث صنفاً دون صنف وإن كان أحوج وأفقر من صنف لأن كلا ذو حق سمي له وإذا كان هذا عندنا وعند قائل هذا القول فيما أعطي الآدميون أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطوه فعطاء الله أولى أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطى.
قال: وإذا قسم الله الفيء وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أربعة أخماسه لمن أوجف على الغنيمة للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم ولم نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فضل ذا غناء على من دونه ولم يفضل المسلمون الفارس أعظة الناس غناء على جبان في القسم وكيف جاز لمخالفنا في قسم الصدقات وقد قسمها الله تعالى أمين القسم بعضاً دون بعض وينقلها عن أهلها المحتاجين إليها إلى غيرهم لأن كانوا أحوج منهم أو يشركهم معهم أو ينقلها عن صنف منهم إلى صنف غيره.
أرأيت لو قال قائل لقوم أهل غزو كثيراً وجفوا على عدو أنتم أغنياء فآخذ ما أوجفتم عليه فأقسمه على أهل الصدقات المحتاجين إذا كان عام سنة لأنهم من عيال الله تعالى هل الحجة عليه إلا من قسم الله له بحق فهو أولى به وإن كان من لم يقسم له أحوج منه وهكذا ينبغي أن يقال في أهل الصدقات وهكذا لأهل المواريث لا يعطى أحد منهم سهم غيره ولا يمنع من سهمه لفقر ولا لغنى ومضى معاذ بن جبل رضي الله عنه أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ففي هذا معنيان: أحدهما: أنه جعل صدقته وعشرة لأهل مخلاف عشيرته لم يقل لقرابته دون أهل المخلاف والأخر أنه رأى أن الصدقة إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تحول عنهم صدقته وعشره بتحوله عنهم وكانت كما ينبت بدأ فإن قيل فقد جاء عدي بن حاتم أبا بكر رضي الله عنه بصدقات والزبرقان بن بدر فهما وإن جاءا بها فقد تكون فضلاً عن أهلها ويحتمل أن يكون بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيئ من اليمن ويحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا فلم يكن لهم فيها حق ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر رضي الله عنه ثم يردها إلى غير أهل المدينة وليس في

الجزء: 6 - الصفحة: 387

ذلك خبر عن أبي بكر نصير إليه فإن قيل: فإنه بلغنا أن عمر رضي الله عنه كان يؤتى بنعم من الصدقة فبالمدينة صدقات النخل والزرع والناض والماشية وللمدينة ساكن من المهاجرين والأنصار وحلفاً لهم وأشجع وجهينة ومزينة بها وبأطرافها وغيرهم من قبائل العرب فعيال ساكني المدينة بالمدينة وعيال عشائرهم وجيرانهم وقد يكون عيال ساكني أطرافها بها وعيال جيرانهم وعشائرهم فيؤتون بها وتكون مجمعاً لأهل السهمان كما تكون المياه والقرى مجمعاً لأهل السهمان من العرب ولعلهم استغنوا فنقلها إلى أقرب الناس بهم وكانوا بالمدينة.
فإن قيل: فان عمر رضي الله عنه كان يحمل على أبل كثيرة إلى الشام والعراق فإنما هي والله أعلم من نعم الجزية لأنه إنما يجعل على ما يحتمل من الإبل وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحداً وقد كان يبعث إلى عمر بنعم الجزية فيبعث فيبتاع بها إبلاً جلة فيحمل عليها.
وقال بعض والناس: مثل قولنا في أن ما أخذا من مسلم فسبيله سبيل الصدقات".
قال في الحاوي: وهذه مسألة سادسة أراد بها أهل العراق، ولعل أبا حنيفة معهم فإنهم جوزوا نقل الصدقات إلى أهل الفيء، ونقل الفيء أهل الصدقات اعتباراً بشدة الحاجة ثم اختلفوا بعد النقل، وهل يقضي من نقل عنه سهمه إذا اتبع مال المنقول إليه؟ فمنهم من أوجب القضاء، ومنهم من أسقطه وعند الشافعي لا يجوز نقل الصدقة إلى أهل الفيء وإن جهدوا ولا نقل الفيء إلى أهل الصدقات وإن جهدوا، ويقسم كل واحد من الحالين في أهله؛ لأن الله تعالى سمى لكل مال مالكاً فلم يجز أن يعدل به عنه لما فيه من إبطال النص، ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالغنيمة عمن سماه الله تعالى فيها انقيادا لحكم النص، وإن كان غيرهم أشد ضرورة وأمس حاجة لم يجز في مال الفيء والصدقات أن يعال به عن حكم النص، ولأنه لما كانت عطايا الآدميين من الوصايا لا يجوز أن يعدل بها عمن سميت له فعطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالمواريث عمن سماه الله تعالى إلى من هو آثر وأحوج، فكذلك مال الفيء والصدقات؛ ولأن عمر رضي الله عنه كان يسم إبل الصدقة ميسم وإبل الجزية ميسم فلولا تميز المستحق لكل واحد من المثالين لما ميز بالميسم.
فإن قيل: فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحمل على إبل كثيرة من إبل الصدقة إلى الشام والعراق، فدل على جواز دفع الصدقة إلى أهل الفيء.
قال الشافعي جواباً عن هذا: إن عمر إنما كان يحمل على إبل الجزية لا على إبل الصدقة، لأن أكثر فرائض الإبل في الصدقات لا يحمل عليه، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ليبعث إليه بنعم الجزية فيبعث بها فيبتاع بها إبلاً يحمل عليها.
مسالة 92 قال الشافعي: "وقالوا والركاز سبيل الصدقات ورووا ما روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 6 - الصفحة: 388

قال: "وفي الركاز الخمس" وقال: "المعادن من الركاز وكل ما أصيب من دفن الجاهلية من شيء فهو ركاز" ثم عادا لما شدد فيه فأبطله فزعم أنه إذا وجد ركازاً فواسع له فيما بينه وبين الله تعالى أن يكتمه وللوالي أن يرده عليه بعدما يأخذه منه أو يدعه له فقد أبطل بهذا القول السنة في أخذه وحق الله في قسمه لمن جعله الله له ولو جاز ذلك جاز في جميع ما أوجبه لله لمن جعله له.
قال: فإنا روينا عن الشعبي أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهم فقال علي رضي الله عنه لأقضين فيها قضاء بيناً أما أربعة أخماس فلك، وخمس للمسلمين.
ثم قال والخمس مردود عليك.
قال الشافعي رحمه الله: فهذا الحديث ينقض بعضه بعضاً إذا زعم أن علياً قال: والخمس للمسلمين فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه أو يدعه له وهذا عن علي مستنكر، وقد رووا عن علي رضي الله عنه بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك فهذا الحديث أشبه بحديث علي رضي الله عنه لعل علياً علمه أميناً وعلم في أهله فقراء من أهل السهمان فأمره أن يقسمه فيهم.
قال الشافعي رحمه الله: "وهم يخالفون ما رووا عن الشعبي من وجهين أحدهما أنهم يزعمون أن من كانت له مائتا درهم فليس للوالي أن يعطيه ولا له أن يأخذ شيئاً من السهمان المقسومة بين من سمى الله تعالى ولا من الصدقات تطوعاً والذي يزعمون أن علياً ترك له خمس ركازه رجل له أربعة آلاف درهم ولعله أن يكون له مال سواها ويزعمون أنأ إذا أخذ الوالي منه واجباً في ماله لم يكن له أن يعود عليه ولا على أحد يعوله ويزعمون أن لو وليها هو لم يكن له حبسها ولا دفعها إلى أحد يعوله".
قال الشافعي رحمه الله: "إذا كان له أن يكتمها وللوالي أن يردها إليه فليست بواجبة عليه وتركها وأخذها سواء وقد أبطلوا بهذا القول السنة في أن في الركاز الخمس وأبطلوا حق من قسم الله من أهل السهمان الثمانية فإن قال: لا يصلح هذا إلا في الركاز.
قيل: فإن قيل لك: لا يصلح في الركاز ويصلح فيما سوى ذلك من صدقة وماشية وعشر زرع وورق فما الحجة عليه إلا كهي عليك؟ والله سبحانه وتعالى أعلم".
قال في الحاوي: وهذه مسألة سابقة أراد بها أبا حنيفة، فإنه جعل في الركاز الخمس للخبر المروي فيه ثم ناقض في قوله بعد وجوب الخمس فيه، فجعل واجد الركاز مخيراً بين إظهاره للإمام وبين كتمه ثم جعل للإمام إذا ظهر له الركاز، مخيراً بين أخذ خمسه منه وبين رده عليه وعول فيه على أنه ضعيف رواه الشعبي منقطعاً: أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهماً فقال علي لأقضين فيها قضاء بيناً، أما أربعة أخماسه فلك وخمس للمسلمين ثم قال: والخمس مردود عليك، وهذا خطأ بل الخمس مستحق لأهل الصدقات لا يجوز تركه عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الركاز الخمس" 93 ولأنه لا يخلو أن يكون

الجزء: 6 - الصفحة: 389

واجباً فلا يجوز تركه أو غير واجب فلا يجوز أخذه، ولأنه لو كان غنياً لم يكن له حبس الخمس على نفسه بوفاق أبي حنيفة فكذلك إذا كان فقيراً كالعشر.
فأما حديث الشعبي فقد قال الشافعي بعضه ينقض بعضاً إذا زعم أن علياً قال: إن الخمس للمسلمين، فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه، وهذا عن علي مستنكر، وقد روي عن علي رضي الله عنه بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك وهل الحديث أشبه بعلي عليه السلام مما رواه الشعبي، ولأن رد الصدقة على الفيء لا يجوز عنده، ومن وجد أربعة آلاف درهم كان غنياً عنده ببعضها ولعله قد كان يملك غيرها فكيف يجوز أن يرد عليه صدقة هو عنده غير مستحق لها ولو جاز مثل هذا في الركاز لجاز في غيره من الصدقات، فدل على فساد ما ذهب إليه وتناقض ما عول عليه وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
تم كتاب الصدقات والحمد لله كثيراً وصلواته على سيدنا محمد وآله يتلوه بحول الله وعونه كتاب النكاح وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الجزء: 6 - الصفحة: 390

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل