بحر المذهب للرويانيكتاب الغضب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة 1: قال: " وإذا شَقَّ رجَلٌ لرجلٍ ثوباً".
الفصل وهذا كما قال: قال ابن فارسٍ الغصب أخذ الشيء مجاهرة لا سراً فإن أخذه من حرز سراً يسمى سرقة، وإن أخذه مكابرةً في صحراء سمى محاربا، وان أخذه استيلاء سمي مختلساً، وان أخذه من شيء كان من مؤتمناً عليه سمي خائناً، وان أخذه قهراً بغلبة وقوة فضلٍ سمي غاصباً والغصب في الشرع منع الإنسان من ملكه والتصرف فيه من غير استحقاقٍ، فإن منع ولم يتصرف كان تعديا ولم يتعلق به ضمان، وإن تصرف ولم يمنع كان تعدياً ولا يتعلق به ضمان لأنه تعد على المالك دون الملك وإذا أجمع بين المنع والتصرف تم الغصب ولزمه الضمان.
والأصل في تحريم الغصب الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] والغصب خارج عن ذلك وأيضا قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1 - 3] وهذا الوعيد على الظلم فيما بين الكيلين تنبيه على تحريم الغصب الذي هو أعظم منه.
وأما السنة فما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل مال أمريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (2)، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الوداع: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا" 3 ومعناه دماء بعضكم على بعض وأموال بعضكم على بعض.
وروى عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً" 4 ومن أخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه فليردها" وذلك ما حرم الله مال المسلم على المسلم، وروي عن عمرو بن يثربي الضمري أنه قال: شهدت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى فقال: [13/أ] "ولا يحل لأحد مال أخيه إلا ما طابت به نفسه" فقلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فأخذت منه شاة

الجزء: 6 - الصفحة: 407

فاجتررتها فعليٌ في ذلك شيء، فقال: "إن لقيتها نعجةً تحمل شفرةً وزناداً بخبث الجميش [فلا تمسها" 5. الجميش 6]: اسم موضع.
وروى يحيى بن عروة عن أبيه عروة أن رجلاً غصب أرضاً من رجل من بني بياضة من الأنصار فغرسها نخلاً "عُماً) فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بقلعه وقال: "ليس لعرق ظالمٍ حق" قال عروة: فأخبرني من رأى الفؤوس تعمل في أصولها 7 وقال أيضاً: رأيتها وأنه لتضرب في أصولها بالفؤوس وإنه لنخلٌ عمُّ حتى أخرجت وقوله: عُماً يعني طوالاً وقيل: يعني عمَّت بخيرها ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عمَّتكم النخلة" 8 يعني عمت بخيرها وقيل: أراد أنها خلقت من فضل طينة أدم - صلى الله عليه وسلم - فصارت عمة في النسب.
وروى سعيد بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ظلم من الأرض شيئاً فإنها تطوقه من سبع أرضين" 9 وزاد جابر مرفوعاً: "وكلف نقل ترابه إلى المحشر" وروي: "من اقتطع شبراً من الأرض" 10 وروى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله من غيَّر منار الأرض" 11 وروي أنه قال: " لعن الله سارق المنار قيل: يا رسول الله وما سارق المنار قال: "يأخذ الرجل العلامة من أرض نفسه إلى أرض غيره" 12 وقال أيضاً: "ملعون من غير تخوم الأرض" 13 يعني حدودها وأعلامها.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فالأموال ضربان حيوان وغير حيوان فأما غير الحيوان فضربان: ما له مثل، وما لا مثل له فإن كان له مثل يلزمه رده إن كان باقياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى ترد" 14 وروي "حتى تؤديه" ويلزمه رد مثله إن كان تالفاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:194] وعلى هذا لو غصب قفيزاً من طعام قيمته دينار فرده أو ردَّ (13/ب) مثله وقيمته درهم لم يكن عليه غيره وهذا لأن الرجوع إلى المثل رجوع إلى المشاهدة والرجوع إلى القيمة

الجزء: 6 - الصفحة: 408

رجوع إلى الاجتهاد، والمشاهدة أولى من الاجتهاد، وإن لم يكن له مثل يضمن بالقيمة.
وحكي عن عبيد الله العنبري أنه قال: يضمن للأشياء كلها بالمثل فإذا أتلف خشبةً يلزمه مثلها من جنسها وكذلك في الثوب وقيل: هو مذهب أحمد ذكره في "الحاوي" 15. وحكي عن داود أنه قال: يجب في الحيوان المثل فيجب في العبد العبد وفي العصفور العصفور وشبَّهه بجزاء الصيد وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعتق شركاً له في عبد قُوّم عليه" 16 فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنهما متلفة بالعتق ولم يأمر بمثيلها ولأن القيمة فيما لا مثل له أعدل فإنهما قد يتساويان في القيمة ويختلفان في الصفة، وقد يتساويان في الصفة ويختلفان في القيمة فاعتبار القيمة أولى.
وأما تشبيهه بجزاء الصيد لا يصح لأن ذلك من حق الله تعالى المبني على المساهلة ونصَّ فيه على المثل بخلاف هذا، واحتج عبيد الله العنبري بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية صنعت طعاماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعثت به فأخذني إفكل فكسرت الإناء فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" 17 والإفكل: الرعدة من الغيرة قلنا: ذكر هذا على وجه المعونة والإصلاح دون بتّ الحكم فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وهذا الطعام والإناء حملا من بيت صفية والغالب أنه ملك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وله أن يحكم في ملكه كيف شاء، أو يحمل على مثل القيمة.
وأما الحيوان فعلى ضربين آدمي وغير آدمي فأما غير الآدمي يضمن بقيمة عند الإتلاف وفي الجناية يضمن ما نقص.
وأما الآدمي فضربان حرّ، وعبد فالحر لا يضمن باليد ويضمن بالجناية، وأما العبد فيضمن باليد والجناية.
فرع حدُّ ماله مثل أن يجتمع [14/أ] فيه شرطان؛ تماثل الأجزاء، وأمن التفاضل كالحبوب، والأدهان، والأثمان، والتمور، والخل ونحو ذلك، فإن كان مكيلاً كان الكيل شرطاً في المماثلة دون الوزن، وان كان موزوناً كان الوزن شرطاً في المماثلة دون الكيل، ولو خيف تفاضله كالثمار الرطبة فلا مثل له وتجب القيمة.
وقيل: حده ما يتساوى أجزاؤه وقيمة أجزائه، وأن يكون على حالة الادخار أو حالة الكمال.
وقال القفال: حده ثلاثة أشياء، أن يكون مكيلاً أو موزوناً، وأن يكون مضبوطاً بالصفة بحيث يجوز فيه السلم، وأن يجوز بيع بعضه ببعضٍ، فالرّبُ لا يكون من ذوات

الجزء: 6 - الصفحة: 409

الأمثال؛ لأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض، والغالية ليست من ذوات الأمثال؛ لأنها لا تضبط بالصفة.
ومن أصحابنا من قال: يكفي شرطان ولا يعتبر جواز أحدهما بالأخر، وأفاد الاختلاف أن الرطب هل هو من ذوات الأمثال أم لا؟ وجهان، والصحيح ما ذكرنا أولاً.
فرع أخر الدقيق من ذوات الأمثال في أصح الوجهين وبه قال المزني وفي القطن وجهان والصحيح أنه من ذوات الأمثال لأن النوع الواحد منه لا يختلف غالباً، وكذلك الإبريسم والغزل والسمن واللبن والثلج والجمد والسكر والفانيد والعسل والمسك والعنبر والكافور والنفط، وقال الشافعي: في الصوف يضمن بالمثل إن كان له مثلٌ وقيل فيه قولان.
فرع آخر في اللحمان ثلاثة أوجه أحدهما: أنها من ذوات الأمثال، والثاني: من ذوات القيم، والثالث: اليابس منها من ذوات الأمثال دون الطري وهكذا حكم الثمار والبقول والبطيخ.
فرع آخر الخبز من ذوات القيم، وقال أبو حنيفة: من ذوات الأمثال وبه أفتى القفال وجوَّز السلم في الخبز وحكاه المزني في المنثور قولاً واختاره واعتبر الجنس والنوع فقط فرع آخر إذا أوجبنا المثل طالبناه به ما دام موجوداً فإن أعوز المثل وتأخر قبضه حتى لا يوجد في ذلك الموضع قال أبو إسحاق: قيل للمغصوب منه: إن صبرت إلى أن يحمل [14/ب] إلى هذا الموضع مثله أو تتسلمه في الموضع الذي يوجد فيه فذاك إليك، وان أبيت إلا أن تطالبه من وقتك في هذا الموضع فليس لك إلا قيمته أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم الانقطاع وهذا ظاهر المذهب ووجهه أنه كان مأموراً بردّ العين مع بقائها ثم صار مأموراً بردّ مثلها بعد تلفها فلزمه القيمة أكثر ما كانت في جميع الأحوال التي هو مأمور بالرد فيها، وقال جماعة من أصحابنا: وهو اختيار ابن أبي أحمد يلزمه قيمة المثل يوم المحاكمة لأن الذي لزمه بالتلف هو المثل ولهذا لو تأخرت المطالبة حتى وجد المثل بعد الفقد كان له المطالبة بالمثل فإذا أراد القيمة يلزمه قيمة ما في ذمته من المثل واعتبر التقويم يوم المحاكمة، وقال القاضي الطبري: هذا وجه محتمل ولكنه خلاف نص الشافعي ولا يصح لأن هذا القائل يجعل المثل بمنزلة المغصوب والمثل لم يتناوله الغصب فلا يجوز أن يجري مجراه.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه أكثر ما كانت قيمته من وقت الغصب إلى وقت

الجزء: 6 - الصفحة: 410

المحاكمة، ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمة المثل وقت العدم ولا اعتبار بما كان زائداً قبله أو بعده لأن نقص ثمنه مع وجود المثل لا يوجب غرم النقص مع دفع المثل فعلم أن ما تقدم من زيادة الثمن ونقصه غير معتبر وقد اعتبرت قيمته في آخر وقت إمكانه وهذا قول للشيخ الجليل أبي عبد الله الحناطي والقاضي أبي عليّ الزجاجي والقاضي الماوردي وجماعة وبه أقول.
ومن أصحابنا من قال: إن كان ذلك مما يوجد في وقت وينقطع في وقت كالعصير وجبت قيمته وقت الانقطاع لأن بالانقطاع يسقط المثل وتجب القيمة، وان كان مما لا ينقطع عن أيدي الناس ولكن يتعذر في موضع تجب قيمته يوم الحكم لأنه لا ينتقل إلى القيمة إلا بالحكم ويحكى هذا عن ابن أبي أحمد، وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: إن وجد له مثل يوم التلف ثم انقطع كالعصير يلزمه قيمته يوم الانقطاع لأن المثل قد استقر في ذمته ها هنا [15/أ] ثم انقطع، وان لم يوجد مثله يوم التلف يلزمه أكثر ما كانت قيمته من وقت الغصب إلى يوم التلف لأنه لما تلف في وقت لا يوجد مثله فيه صار في الحكم كمتلفٍ لا مثل له، وقد قال الشيخ أبو عبد الله الخشن في شرح "التلخيص": قال الشافعي في كتاب الغصب ونقله المزني إلى الجامع الكبير: لو غصب حبا أو تمراً أو أدماً فاستهلكه فعليه مثله إن وجد له مثل فإن لم يوجد له مثل فعليه أكثر ما كانت قيمته ما بين الغصب والتلف والعلة ما ذكرنا، ومن قال يلزمه قيمته يوم المحاكمة خالف هذا النص فحصل ستة أوجهٍ.
وقال القفال: اختلاف أصحابنا في هذا يبُنى على اختلافهم فيما لو أتلف المثل فلم يوجد المثل فغرم القيمة ثم وجد المثل هل للمالك رد القيمة وأخذ المثل؟ أو هل للغاصب استرداد القيمة ورد المثل؟ وجهان أحدهما: له ذلك لأن العدول إلى القيمة كان للضرورة فإذا أتلفت للضرورة بغير الحكم كما لو غصب عبداً فأبق من يده غرم قيمته ثم وجد العبد له الرد واسترجاع القيمة وللسيد الاسترداد ورد القيمة، والثاني: ليس له ذلك لأن للمتلف بدلين المثل والقيمة فإذا عدم المثل فالقيمة هي البدل فإذا بذل القيمة ليس له العود إلى البدل الآخر بخلاف العبد الآبق فإنه عين ماله فله الرجوع إليه متى قدر فإذا قلنا: له الرجوع إلى المثل ورد القيمة فها هنا يغرم أكثر ما كانت قيمته من يوم الغصب إلى يوم فقد المثل لأن العين وإن تلفت حلَّ المثل محل العين وإذا قلنا: ليس له ذلك فها هنا يغرم قيمة المثل يوم فقد المثل ويحتمل أن يقال: يوم يحكم عليه، وقال أصحابنا بالعراق: إذا أخذ القيمة لا يطالب بالمثل بعده إذا وجد وجهاً واحداً والفرق بينه وبين مسألة الآبق أن قيمة الآبق أخذت عند الإياس منه فلزمه الرد عند القدرة وها هنا أخذ القيمة مع العلم بالقدرة عليه من بعد فلم يلزمه ردها بعد القارة عليه، وقال في "الحاوي": إذا عدم المثل فيه قولان حكاهما أبو حفص بن الوكيل أحدهما: يلزمه قيمة الأمل المغصوب أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى يوم التلف، والثاني: يلزمه قيمة المثل.

الجزء: 6 - الصفحة: 411

وفي زمان القيمة وجهان: أحدهما: أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت [15/ب] العام، والثاني: يعتبر قيمته وقت العدم على ما ذكرنا.
فرع آخر لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل يحتمل وجهين أحدهما: لا يلزمه المثل لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه كما قلنا في الماء في الوضوء والرقبة في الكفارة، والثاني: يلزمه لأن المثل كالعين، ولو احتاج في رد العين إلى أضعاف ثمنه لزمه فكذلك المثل وهذا أقيس عندي.
فرع آخر لو اصطلحا على أخذ القيمة مع وجود المثل يصح في أصح الوجهين.
فرع آخر لو اختلفا فقال المالك: للمغصوب مثل وقال الغاصب: لا مثل له فقال المالك: المثل موجود، وقال الغاصب: المثل معدوم يكشف الحاكم عن وجوده وعدمه فإن عدم قد ذكرنا أنه بالخيار بين أن يصبر إلى وجوده وبين أن يعدل إلى القيمة فإن صبر ثم رجع مطالباً بالقيمة قبل الوجود فله ذلك بخلاف السَّلم إذا انقطع المسلم فيه فرضي بالصبر إلى وجوده ثم رجع ليس له الرجوع، والفرق أن تعذر وجود المسلم فيه عيبٌ فإذا رضي به لزمه ذلك بالفقد وصبر المغصوب منه إلى وقت وجود المثل إنظار وتأجيل تطوع به فلم يلزم.
فرع آخر إذا أوجبنا القيمة يجب من نقد البلد الذي تلف فيه لأنه موضع الضمان.
فرع آخر لو لم يتلف العين المغصوبة ولكنه جنى عليها يلزمه ضمان ما نقص فإن كان ثوباً فخرّّقه ومزَّقه، أو كانت آنيةً فرفضها أو كسرها يؤخذ منه الأرش وترد العين إلى صاحبها وليس له تسليم الثوب وغيره إلى الغاصب وأخذ بدله صحيحاً سواء كثرت الجناية أو قلَّت، والأصل فيه كل جناية استقر أرشها لم يجب على الجاني إلا أرشها فقط وهذه المسألة هي التي بدأ بها صاحب الكتاب وهي من باب الجنايات.
وقال أبو حنيفة: إن شق الثوب عرضا فعلى الشاقّ ما نقص ويرده إلى مالكه وان شقه طولاً لا بأخذها من طرفيه حتى لو تلف جل منافعه صار الثوب ملكاً للشاق [16/أ] وعليه قيمته لصاحبه وهذا بعيد عن الصواب لأن الجناية على الأملاك من غير شبهة لا يجوز أن يصير سبباً له مثل الملك كما لو شقه شقاً لم يتلف جل منافعه وعلى هذا يود ما بقي إلى صاحبه عنانا نفعه أو لم ينفعه وربما يقولون: صاحبه بالخيار بين أن يتركه به ويأخذ منه كل القيمة وبين أن يسترده ويأخذ الأرش وبه قال مالك، وحكي عن مالك أنه قال: يتخير المالك بين أن يتركه به ويأخذ منه كل القيمة وبين أن يسترده

الجزء: 6 - الصفحة: 412

ناقصاً ولا أرش له، وحكي عنه أيضاً أنه قال: له أن يرفأ الثوب إذ أراد ثم يغرم ما بين قيمته مخرقاً مرفوءاً وبين قيمته صحيحاً، وإن شاء لم يرفؤ ويغرم ما بين قيمته صحيحاً ومخرقاً وكذلك قال في الإناء إذا كسره أصلحه إن شاء وعندنا ليس له الرفؤ والإصلاح.
فرع آخر لو كان المتلف من جنس الأثمان ولا صنعة فيه كالنقرة والخلاص والتبر يضمن قيمته من غالب نقد البلد فإن كان غالب نقد البلد من غير جنسه مثل إن كان فضة ونقد البلد دنانير أو كان ذهباً ونقد البلد دراهم فعليه أكثر ما كانت قيمته من ذلك من يوم الغصب إلى يوم التلف، وان كان غالب نقد البلد من جنسه مثل إن كان فضة وغالب نقد البلد دراهم نظر، فإن كانت القيمة فوق وزنه سواء أخذ ذلك، وإن كانت قيمته أقل من وزنه أو أكثر من وزنه ضمنه بقيمته من غير جنسه، وإن لم يكن نقد البلد ولا يجوز أخذ قيمته من جنسه لأنه رباً.
فرع آخر لو كان فيه صنعة مباحة كحلي النساء المباح كالخاتم والمنطقة وكانت قيمته أكثر من وزنه كخلخال وزنه مائة وقيمة الصنعة فيه مائة وعشرون تضمنه بغالب نقد البلد من غير جنسه، وإن كان من جنسه فيه وجهان أحدهما: يضمنه مصوغاً بغير جنسه كالسبيكة سواء لئلا يؤدي إلى الربا وهذا اختيار ابن أبي هريرة، والثاني: يضمنه بمثل وزنه من جنسه وبأجرة صياغته، ثم هل يجوز أن تكون الأجرة ذهباً وجهان [16/ب] أحدهما: لا يجوز لئلا يفضي إلى الربا، والثاني: وهو الأصح وبه قال أحمد يجوز لأنه بال من الصياغة ولا يدخلها الربا، ولو دخلها الربا إذا كان ذهباً خالصا لدخلها إذا كان ورقاً لأنه لا يجوز أن يباع مائة دينار بمائة دينار ودرهم وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاة وذكرنا حكم الصنعة المحرمة وحكم الأواني إذا كسرها.
فرع آخر لو غصب أبواباً وأحرقها تلزمه قيمة الأبواب وهل يكون الرماد للغاصب؟ وجهان.
فرع آخر إذا قتل بهيمة يلزمه كمال قيمتها وإن جنى عليها يلزمه ما نقص من قيمتها سواء كان الانتفاع بظهرها دون لحمها كالبغل والحمار، أو بلحمها دون ظهرها كالغنم والطيور أو بهما كالإبل والبقر والخيل وسواء كانت الجناية قلع عين أو قطع طرف أو غيره وقدر الأرش أن يقوم بعد الاندمال فيقال: كم يساوي صحيحاً من غير جرح به، وكم يساوي صحيحاً مندملاً فيكون عليه ما بين القيمتين وإنما قومنا بعد الاندمال لأنه لا يدري سرايتها ونهايتها، وقال أبو حنيفة: إن كان ينتفع بظهرها ولحمها كالإبل والبقر والخيل فقلع عينها يلزمه نصف قيمتها، وان قلع إحدى عينيها يلزمه ربع قيمتها استحساناً،

الجزء: 6 - الصفحة: 413

واحتج بما روي عن عمر رفي الله عنه أنه "قضى في إحدى عيني الدابة بربع قيمتها" وهذا غلط لأنها جناية على بهيمة فلا يتقدر أرشها كما على الحمار، وأما عن روي عن عمر رضي الله عنه محمول على أن ذلك قدر ما نقص كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه "قضى في العين القائمة بثلث الدية" وأراد طريق الحكومة، وحكي عن مالك أنه قال: يلزمه أن يداويها لتبرأ ويقل الغرم وعندنا ليس له ذلك ويمنع، ولو داواها فاندملت وعادت قيمتها كما كانت فلا شيء عليه في ظاهر نص الشافعي ومشهور مذهبه.
فرع آخر لو قطع ذنب حمار القاضي يلزمه ما نقص، وتال مالك: يلزمه جميع قيمته لأن فيه غضاضة على المسلمين [17/أ] ووهنأ في الدين، وذكر أصحابه علة أخرى وهي أنه أتلف عليه عوضه لأنه لا يركبه في العادة وهذا غلط لأنه لو خرق ثيابه أو تعدى في قماشه أو جني على بدنه يسوي بيه وبين غيره، فكذلك في هذه الجناية وهذا لأن الاعتبار في الجنايات بالإتلاف لا بالإعراض فإنه إذ لم يصلح له يصلح لغيره فمنفعته باقية.
فرع آخر إذا جنى على عبدٍ جناية فإن كان مما لا أرش له مقدر في الحر يلزمه ما نقص فيقوم العبد سليماً ويقوم به هذه الجناية فيضمن ما بين القيمتين فإن كان مما له أرش مقدر في الحر مثل قطع اليد والرجل ونحو ذلك نعتبر أرشه بقيمته كما يعتبر أرش أطراف الحر من ديته فيلزم في إحدى يديه نصف قيمته وفي بدنه تمام قيمته هكذا ذكره أصحابنا بالعراق وهو المنصوص، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يلزم فيه ما نقص كما قلنا في البهيمة وهذا أقيس، وقال مالك: لا يلزم المقار في جراحاته إلا في الشجاج الأربع الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة ويلزم في غيرها ما نقص وهذا غلط لأن كل جناية لها في الحر أرش مقدر كان لها أرش مقدر في العبد كالشجاج الأربع.
فرع آخر لو غصب عبداً فسقطت يده بأكلٍة يلزمه ما نقص لأن ضمان الغصب لا يتعلق به وجوب القصاص ولا الكفارة ولا تحمل العقل وكان بمنزلة ضمان الأموال وذكر ابن أبي هريرة عن بعض أصحابنا أنه يجب فيه نصف قيمته كما في الجناية وهذا غلط لما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: يلزمه ما نقص، والثاني: يلزمه الأكثر من المقدر الذي يجب بالجناية ومما نقص حتى لو نقص بسقوط اليد من ألف ستمائة غرم ستمائة، وأن نقص عن أربعمائة غرم خمسمائة وهذا حسن غريب.
فرع آخر لو غصبه وقطع يده فإن قلنا: ضمانهما واحد يلزمه نصف [17/ب] قيمته فإن قلنا:

الجزء: 6 - الصفحة: 414

بالمذهب إن ضمانهما مختلف يلزمه أكثر الأمرين من نصف قيمته أو ما نقص لأن سبب فمان كل واحد منهما قد وجد.
فرع آخر لو غصب عبداً فجاء آخر وقطع يده يلزم الجاني نصف قيمته فإن قلنا: ضمان الغاصب والجناية واحد طالب بنصف القيمة الغاصب أو الجاني لأن الغاصب ضمنه باليد، والجاني ضمنه بالجناية فإن غرم الغاصب يرجع به الغاصب على الجاني، وإن غرم الجاني لم يرجع به على الغاصب وإن قلنا: يلزم الغاصب أكثر الأمرين فإن رجع على الغاصب رجع بالأكثر، ثم إن كان نصف القيمة أكثر مما نقص رجع الغاصب على الجاني بجميعه، وان كان ما نقص أكثر رجع على الجاني بنصف القيمة ولا يرجع بما زاد عليه وان رجع صاحبه على الجاني رجع بنصف القيمة فإن كان ذلك أكثر من النقصان لم يرجع به الجاني على الغاصب بشيء، وإن كان نصف القيمة أقل من أرش النقصان رجع صاحبه بالنصف على الجاني ولا يرجع بما زاد عليه إلا على الغاصب.
فرع آخر لو قطع يدي عبد يلزمه جميع قيمته ويرد العبد إلى صاحبه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: المالك بالخيار بين أن يترك به العبد ويأخذ منه جميع قيمته فيملكه بها وبين أن يسترده ولا شيء، له، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين أن يتركه به ويأخذ منه القيمة وبين أن يسترده مع النقصان.
واحتج الشافعي عليه فقال: وكيف غلط من زعم أن الجاني لو جنى على يد واحدة فأبانها ولم يفسد المملوك أخذه مالكه وقيمة ما نقصه وهو نصف قيمته ثم لو زاد الجاني معصية فقطع يديه فأفسده سقط حق المالك عن الجاني ولا شيء له عليه إلا أن يسلمه إلى الجاني ليملكه الجاني فأسقط حق المالك بالفساد حين عظم وأثبت الحق له حين صغر وجعل للجاني حق الملك في جميع العبد حين عصى وأفسد ولم يجعل له حق الملك في بعض العبد [18/أ] ببعض الفساد حتى يملك نصفه بقطع يد واحدة والله تعالى جعل المالكين أولى بأملاكهم لا يزول عنها ملكهم إلا برضاهم وهذا القول خلاف لأصل حكم الله تعالى بين المسلمين، فإن قيل: أليس يملك الوالد جارية الولد إذا استو لدها لأن الاستيلاد كالاستهلاك لجل منافعها، كذلك ها هنا قلنا: حكي المزني قولاً عن الشافعي أن الوالد لا يملكها بالاستيلاد فلا نسلم، وإن سلمنا فذاك لقوة شبهة الآباء وأما قول الشافعي في هذا الفصل: وهذا خلاف المعقول والقياس فإنما فمل بين المعقول والقياس لنكتةٍ وهي أن من المسائل ما يكون حجتها جلية ظاهرة حتى يكاد يلتحق بحجج العقول ويستدركها العاقل ببديهة عقله استدراكاً يستغني معه عن الاشتغال بترشيح القياس وتحريره ورد الفرع إلى أصله.
وهذه المسألة من هذه الجملة لأن العاقل متى سمع هذا المذهب الذي ذهب إليه الخصم مع هذا التفصيل الذي فصله غلب على

الجزء: 6 - الصفحة: 415

قلبه أنه نوه تحكم وأن تحرير القياس فيها نوع تكلّف.
فرع آخر لو كان للرجل عبد فجني عليه بقطع الأنف أو قلع العين لا يزول ملكه، وقال مالك: إذا مثل بعبده هكذا يصير حراً وزال ملكه واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مثل بعبده فهو حر" 18 وهذا غلط لا تبين به الزوجة في يعتق به المملوك أو نقيس على الجناية التي ليست بمثله.
وأما الخبر فالمقصود به التغليظ والزجر أو نحمله على ما علق عتقه بالمثلة.
فرع آخر لو غصب عبداً فمات في يده أو قتله يلزمه قيمته بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دية حر ووافقنا أبو حنيفة فيه، وإن خالفنا فيما لو قتله وقال: لا تزاد قيمته على عشرة آلاف درهم وينقص عنها عشرة دراهم، ولا فرق في هذا الحكم بين العبد القن والمدبر وأم الولد، وقال أبو حنيفة: لا تضمن أم الولد باليد وخالفه صاحباه وهذا غلط لأنه يضمن قيمتها بالجناية فتضمن باليد كالقن.
فرع آخر لو قطع المالك إحدى يديه في يد الغاصب كان استيفاء لأقل الأمرين من نصف القيمة المقدرة في إحدى [18/ب] اليدين شرعاً أو ما نقص من قيمته وكان ما بقي بعد أقلهما مضموناً على الغاصب، فإن نقص من قيمته ثلثاها أخذ الغاصب بعد رده مقطوعاً يغرم السدس من قيمته لأنه نقص زائد في يده، ولو أعتقه السيد كان قبضاً يبرأ من ضمانه، ولو كاتبه لم يبرأ إلا أن يعتق بالأداء فيبرأ.
فرع آخر لو تراضى الغاصب والمالك على أخذ القيمة عن ضمان المغصوب مع القدرة على المثل وجهان بناءً على الوجهين في جواز أخذ أرش العيب مع القدرة على رد المعيب.
مسألة 19: قال: "ولو غصبَ جاريةً تُساوي مائةً فزادتْ في يدهِ بتعليمٍ منه".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب شيئاً فزاد ني يده مثل إن كانت جارية فسمنت أو تعلمت القرآن أو كان عبداً فتعلم صنعةً فإن هذه الزيادة مضمونة في يده كما لو كانت موجودة يوم الغصب فإن كانت الزيادة قائمة يردها بزيادتها ولا شيء عليه، وإن ذهبت الزيادة بأن هزلت أو نسيت الصنعة أو القرآن، فعادت قيمها إلى أقل من ذلك فعليه ضمان ذلك النقص وبه قال أحمد.

الجزء: 6 - الصفحة: 416

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يضمن هذا النقصان إلا أن يطالبه بالرد وقت الزيادة فيمتنع وهذا غلط لأنها زيادة في عين المغصوب فيضمنها كما لو طالبه بردها فلم يردها مع الإمكان، فإذا تقرر هذا لو كانت قيمتها مائة فسمنت فبلغت قيمتها ألفاً ثم تعلمت القرآن فبلغت قيمتها ألفين ثم ذهب السمن ونسيت القرآن فعادت قيمتها إلى مائة ردها ورد معها ألفاً وتسعمائة، ولو زادت ثم نقصت ثم زادت ثانياً لم تخل الزيادة من أحد أمرين إما أن تكون من جنس الأولى أو من غيرها، فإن كانت من غيرها بأن سمنت فبلغت ألفاً ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت القرآن فصارت قيمتها ألفاً ردها بحالها ورد معها تسعمائة لأن هذه الزيادة غير التي ذهبت وهكذا لو تعلمت فبلغت ألفاً ثم نسيت فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادت إلى ألف ردها وضمن ما نقص، وان كانت الزيادة (19 لم أ) من جنسها مثل أن سمنت فبلغت ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم سمنت فبلغت ألفاً ردها بحالها وهل يلزمه ما نقص؟ وجهان: أحدهما: يلزمه ذلك لأن هذه الزيادة غير الأولى فهي كالجنسين وصار كما لو ولدت المغصوبة ولداً فمات في يد الغاصب، ثم ولدت ولدا آخر لزمه ردها مع ولدها ويلزمه قيمة الولد التالف.
والثاني: لا يلزمه شيء، لأن ما قدرناه تالفاً قد عاد فعلى هذا إن عادت فبلغت قيمتها ألفا أو أكثر ردها ولا شي، عليه، وإن عاد إليها بعض ما ذهب منها سقط بقدر ما عاد إليها وضمن ما بقي، وقال القاضي الطبري: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أتلف سن من قد ثغر ودفع الأرش ثم نبت السن هل يسترد الأرش؟ قولان وعلى هذا إذا كانت سمينة فهزلت في يده حتى صارت قيمتها مائة، ثم سمنت فعادت إلى ألف ثم ردها بسمنها هل يلزمه النقصان على الوجهين؟.
فرع لو تعلمت القرآن فبلغت قيمتها ألفاً ثم نسيت فعادت قيمتها إلى مائة، ثم تعلمت القرآن الذي نسيت فبلغت قيمتها ألفا ردها بحالها وهل يلزمه النقصان؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان أيضاً، ومن أصحابنا من قال: ها هنا وجه واحد أنه لا يلزمه النقصان لأنه يعود العلم الذي كان بخلاف السمن العائد فإنه غير العين الأول قال هذا القائل: ولهذا لو مرض العبد في يد الغاصب ثم برئ لا يضمن ما نقص، وكذلك لو حملت الجارية ونقصت قيمتها بالحمل ثم وضعت وعادت قيمتها إلى ما كانت لا يضمن نقص الحمل، ولو تعلمت غير ما نسيت حتى رجعت قيمتها إلى ما كانت لا يزول ذلك الضمان وجهاً واحداً، ومن أصحابنا من قال في السمن إذا عاد لا يزول الضمان السابق بالهزال قولاً واحداً وفي مسألة التعليم وجهان وهذا اختيار القفال.
فرع آخر قال ابن سريج تفريعاً على هذا: لو غصب زجاجه تساوي درهماً فاتخذها قدحاً

الجزء: 6 - الصفحة: 417

يساوي عشرة فانكسر القدح فصار يساوي درهماً ثم أعاده قدحاً [19/ب] يساوي عشرة ثم انكسر أيضاَ فصار يساوي درهماً، ثم أعاده قدحاًَ فصار يساوي عشرة يرد القدح وثمانية عشر درهماً، وفيه وجه أخر لا يضمن شيئاً لأن اتخاذ القدح من فعله وفعله الثاني كفعله الأول بخلاف السمن.
فرع آخر قال في "الحاوي" 20 تفريغاً على هذا: لو غصب جارية تساوي ألفاً فمرضت حتى صارت إلى مائة، ثم برأت حتى صارت ألفاً، ثم مرضت حتى صارت مائة فيه وجهان أحدهما: يضمن النقص مرةً، والثاني: يضمن النقص كل مرة.
فرع آخر لو غصب عبدا سميناً يساوي ألفا فهزل أو أهزله حتى ذهب سمنه فزادت قيمته بالهزال أو لم ينقص قيمته لفرط سمنه لا شيء عليه لأن ما نقص منه لا قيمة له، كما لو قلم أظفاره أو حلق شعر وأسه، فإن قيل: أليس لو غصب عبداً فخصاه فزادت قيمته بالخصا يلزمه رده وجميع قيمته عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن للخصيتين قيمة مقدرة بالشرع فأوجبنا فيه جميع القيمة بالشرع دون التقويم، ولهذا لو قطع إحدى الخصيتين ونقص أكثر من نصف القيمة في غير الغصب يلزمه نصف القيمة اعتباراً بالشرع دون التقويم وليس كذلك ما نقص من السمن لأنه لا قيمة له في الشرع ولا في السوق فإذا لم ينقص لا يضمن.
فرع آخر لو قطع منه إصبعان زائدة فبرئ، أو زادت قيمته، أو لم تزد قال ابن سريج: لا شيء عليه لما ذكرنا أنه لا قيمة له في الشرع ولا في السوق، وقال أبو إسحاق: يلزمه ما نقص ويقوَّم قبل البرء والدم سائل والجراحة حاصلة قال: ولا أقوَّم قبل البرء إلا في هذه المسألة للضرورة وهي أن لا تهدر الجناية.
فرع آخر لو زادت قيمتها بتعليم الغناء ثم نسيت الغناء فانتقصت قيمتها لا يضمن لذلك النقصان شيئاً ذكره أصحابنا وكذلك كل ما تحسن من محرم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يضمن النقصان ها هنا ولا فرق بين أن تكون الزيادة بتعليم مباح [20/أ] أو محرم لأن قيمتها قد ترتفع بصنعة محظورة كما ترتفع بصنعة مباحة وهذا أقيس والأول أظهر.
فرع آخر لو كان النقصان من جهة السوق مثل أن غصب جارية تساوي مائة فغلا السعر

الجزء: 6 - الصفحة: 418

وعزت الجارية يردها ولا شيء عليه، وقال أبو ثور: يضمن هذا النقصان أيضاً وهذا غلط لأنه لم يحصل النقص في عينها ويستحيل وجوب الضمان بقلة الرغبات فيها بعد كثرة الرغبات فيها فإن قال قائل: أليس لا يفترق الحكم بين أن يحصل التعليم من الغاصب وبين أن يحصل من غيره فما بال الشافعي قيد كلامه بتعليم الغاصب حيث قال: فإن زادت في يده بتعليم منه قلنا: إنما قيد بهذا التعيين التقييد قطعاً لنوعين من التوهم أحدهما: أن الغاصب إذا باشر تعليمها ربما يتوهم أنها إذا نسيت ما تعلمت من الغاصب لم يغرم الغاصب نقصان ذلك لحصول تلك الزيادة من جهته، والثاني: أن الغاصب ربما يتوهم أن له بتعليمها على مالكها أجرة المثل حتى يحسبها له في قصاص النقصان عند التراجع فبين الشافعي أنه لا يستحق أجراً تصرف في ملك الغير متبرعاً بغير إذن، وعلى هذا لو زادت قيمتها بحسن اغتذائه وتربيته إياها ثم تراجعت كان حكم الاغتذاء حكم التعليم، فإن قيل: لم قيد الشافعي بمال الغاصب حيث قال: واغتذاء من ماله ولا فرق في الحكم بين أن يكون الاغتذاء من ماله أو من مال غيره؟ قلنا: الجواب ما ذكرنا من قطع التوهمين.
فرع آخر لو غصب عبداً فصاد به فالصيد للمغصوب منه لأن يده لسيده، وهل على الغاصب أجرته في مدة صيده؟ وجهان أحدهما: يلزمه لأنه غاصب، والثاني: لا يلزمه لأن السيد صار إلى منافعه في ذلك الزمان.
فرع آخر لو كان المغصوب كلباً أو فهداً ففي الصيد وجهان أحدهما: للغاصب لأنه المرسل وعلى هذا يلزمه أجرة الفهد، وفي أجرة الكلب وجهان والوجه الثاني أنه للمالك تغليباً للملك وعلى هذا يلزم الغاصب أجرة ذلك في زمان صيده وجهان على ما ذكرنا.
مسألة 21: قال " "وكذلك [20/ب] هذا في ابيع الفاسد".
وهذا كما قال: معناه إذا اشترى جارية شراء فاسداً وقبضها دخلت في ضمانه كما يدخل المغصوب بالغصب في ضمان الغاصب وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع وبينا أن هذا يدل على أن زيادة المبيع مضمونة على المشترى شراءً فاسداً بخلاف ما قال بعض أصحابنا وهو اختيار ابن أبي هريرة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وفيه نظر، فإن قال قائل: يحتمل أن يكون هذا التشبيه راجعاً إلى أصل الضمان لا إلى كيفية الضمان قلنا: هذا محتمل ولكن أظهر الاحتمالين ما ذكرنا وهو أنه شبهها بالمغصوبة في أصل الضمان وفي كيفية الضمان أيضاً وهذا لأنه زيادة عين نهي عن إمساكها ووجب ردها على صاحبها، فإن قيل: أذن البائع له بالإمساك فينبغي أن لا يضمن له

الجزء: 6 - الصفحة: 419

قلنا: إنما أذن بشرط أن يسلم له العوض، فإذا لم يسلم لم يرض أن تكون العين في يده فكان في الضمان بمنزلة المغصوب وقيل: أراد الشافعي بقوله هذا: بيع الغاصب لا كل بيع فاسد وقد صرح الشافعي هذا ولم ينقله المزني وهذا غير صحيح عندي.
مسألة 22: قال: "والحكم في ولِدهَا الذينَ ولدوا في الغصب كالحكم في بدنها".
وهذا كما قال: ولد المغصوبة مضمون على الغاصب سواء غصبها حاملاً أو حائلاً ثم حدث الحمل، وسواء أمكنه رده على صاحبه أو لم يمكنه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يضمن الولد إلا بالامتناع من الرد بعد المطالبة، وحكي عن مالك أنه فوق بين أن تكون وقت الغصب حاملا أو حائلاً وهذا غلط لأن كل ولد حدث في يده لغيره من عين نُهي عن إمساكها يجب أن يكون مضموناً كولد الصيد في حق المحرم وولد المبيعة بيعاً فاسداً مضمون على المشتري وقد ذكرناه في كتاب البيع.
فإن قيل: أليس الشافعي لما جاء إلى ذكر الولد خص ولد الغصب قال: والحكم في ولدها الذين ولدوا في الغصب فيجب أن لا يضمن ولد المبيعة بيعاً فاسداً قلنا: ذكر حكم الجارية المغصوبة وعطف عليها حكم البيع الفاسد ثم ذكر الولد بعد ذلك [21/أ] فاستغنى بالتشبيه السابق في الأم عن إعادة ذلك التشبيه في الولد.
مسألة 23: قال: "ولو باعها الغاصبُ فأولدها المشتري".
الفصل وهذا كما قال: في هذا الفصل مسألتان الأولى إذا غصب جارية وباعها فوطئها المشتري.
والثانية إذا وطئها الغاصب والأولى مبنية على الثانية فيقدم الثانية ثم نذكر الأولى فالرجل إذا غصب جارية ووطئها لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكونا جاهلين بالتحريم، أو عالمين به، أو أحدهما: عالماً والأخر جاهلاً فإن كانا جاهلين به مثل أن أسلما حديثاَ أو كانا في بادية نائية عن بلد الإسلام أو قالا: كنا نرى إباحة الوطيء إذا كانت مضمونة عليه فلا حد على واحد منهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ويجب المهر على الواطئ لأن كل وطء سقط فيه الحد للشبهة يجب به المهر ثم ينظر، فإن كانت بكراً يلزمه أرش البكارة أيضاً، وان كانت ثيباً فلزم المهر وحده ويلزمه أجر مثلها من حين الغصب إلى حين الرد، وان أحبلها يلحق به النسب.
وإذا ولدت يلزمه أرش ما نقصته الولادة، وأما الولد فإن وضعته حياً فالولد حر وعليه قيمته حين الولادة لأنه أول وقت إمكان التقويم، وإن وضعته ميتاً فلا شيء عليه لأنا لا نعلم حياته قبل ذلك ولأنه لم يحل بينه وبينه وإنما يجب التقويم لأجل الحيلولة وإن ضرب أجنبي بطنها فألقته ميتاً فعليه دية الجنين الحر غرةٌ عبد أو أمةٌ قيمتها عُشر دية أمه لو كانت حرة والغرة للواطئ لأنه وارثه ولا شيء لأمه لأنها مملوكة وللسيد على

الجزء: 6 - الصفحة: 420

الغاصب ضمان جنينها لو كان مملوكاً وهو عُشر قيمة أمه لأنه كان من سبيله أن يكون له لو كان مملوكاً، ولما أحبلها بحرَّ حول ما كان يكون للسيد إلى نفسه فألزمناه قيمة جنينها لو كان مملوكاً فيكون للغاصب على الضارب الغرة خمسون ديناراً وللسيد على الغاصب عُشر قيمة أمه فقابل بين هذا وبين الغرة فإن كانا سواء أخذ السيد ذلك وانصرف، وان كانت القيمة أكثر [21/ب] فعلى الغاصب التمام، وإن كانت القيمة أقل أخذ السيد القيمة وما فضل من الغرة للغاصب، ولو ضربها الغاصب فألقته ميتاً يجب عليه عشر قيمة أمه لسيدها أيضاً لأنه يضمن بالجناية ما يضمنه الأجنبي بجنايته هكذا ذكره أصحابنا.
وأما الأمة فإن كانت قائمة ردها على سيدها ورد معها ما أوجبناه عليه من مهر وأجرة وأرش نقص، وإن كانت تالفة عليه قيمتها ورد ذلك معها إلا شيئين أرش البكارة وما نقصته الولادة لأن هذا يدخل تحت تقويمها لأن التقويم أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف.
وإن كانا عالمين بالتحريم فعليهما الحد ويلزمه المهر إن أكرهها، وإن طاوعته فالمنصوص أنه لا مهر لأنها بغي "ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مهر البغي 24 وفيه قول مخرج يلزمه المهر هكذا قال أصحابنا بالعراق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: النص في هذا الموضع يدل على الإيجاب وهو اختيار ابن الحداد لأن الشافعي أوجب المهر مع الحد على الغاصب ولم يتعرض للفصل بين الطواعية والكراهية والفرق أن بضع الأمة ملك لسيدها ولم يوجد من السيد الرضا بسقوطه بخلاف الحرة، ولهذا لو أباحت الحرة قطع يدها واندملت سقطت دية اليد، ولو أباحت الأمة قطع يدها لا تأثير لإباحتها ويجب الأرش والصحيح ما سبق وقد ذكرنا فيما قبل أن المهر، وإن كان للسيد إلا أن لها طريقاً إلى إسقاطه بالرضاع والردة قبل الدخول فكذلك بهذا السبب، وان أحبلها لم يلحقه النسب والولد مملوك فإن خرج حياً فهو مضمون في يده يرده إلى سيده إن كان باقياً ويلزمه قيمته إن كان تالفاً، وإن خرج ميتاً نقل المزني أنه يلزمه الضمان فقال: قال الشافعي: ويلزمه قيمة من كان منهم ميتاً، واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: لا يلزمه ضمانه لأنا لا نعلم حياته والذي نقله المزني أراد إذا خرج حياً ثم مات في يده ويفارق حالة الجناية لأنها مباشرة يتعلق الحكم بها وهذا أقيس.
وقال جماعة من أصحابنا: يضمن [22/أ] قيمته لو كان ميتاً وهو ظاهر النص لأنه مملوك والمملوك يضمن باليد وقد ثبت اليد عليه قبل ظهوره ويفارق هذا إذا كان الولد حراً وخرج ميتاً لا يضمن لأن الحر لا يضمن باليد إذ لا تثبت عليه اليد، ولو ضرب أجنبي بطنها فألقت جنيناً ميتاً يلزمه عشر قيمة أمه لسيدها ولا حق للغاصب فيه لأنه

الجزء: 6 - الصفحة: 421

مملوك ويفارق هذا إذا كان حراً لأن الواجب فيه الدية فلهذا ورثها الغاصب، وأما الأمة فإن كانت قائمة ردها وما ذكرنا من أرش النقصان بالولادة وغيره ولا فرق بين أن يبلغ قيمة ولدها قار نقصانها بالولادة وبين أن تتقاصر عن ذلك أو تزيد ولا يجبر نقصان الأم بالولد بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا نقص من قيمة الأم مائة وبلغ قيمة الولد مائة رد الأم والولد ولا يغرم من نقصان الأم شيئاً وهذا غلط لأنه لو غصب شجرة فغرسها الغاصب في ملكه فأثمرت ثمرة تقطعت بها أغصانها وانتقصت قيمتها عليه أرش ما نقص منها مع رد العين والثمرة ولا يجبر نقصان الشجرة بالثمرة كذلك ها هنا، وان كانت تالفة رد قيمتها وجميع ما وجب إلا شيئين أرش البكارة ونقصان الولادة على ما ذكرنا.
وإن كان أحدهما جاهلاً والآخر عالماً فإن كان الجاهل هو الواطئ فإن أكرهها لها المهر والحكم كما لو كانا جاهلين وقد مضى بيانه، وان طاوعته فالحكم كما لو كانا عالين إلا في الحد عليها والمهر على المذهبين على ما ذكرنا، فإن كان العالم هو وهي جاهلة فالحكم كما لو كانا عالمين إلا في فصلين سقوط الحد عنها والمهر يجب قولا واحداً.
وأما المسألة الأولى وهي إذا باعها للغاصب فوطئها المشتري فالكلام في ثلاثة فصول فيما يجب من الضمان وفيمن يضمن وفي الرجوع به، فأما ما يجب من الحد والضمان فالحكم في المشتري كالحكم في الغاصب حرفاً بحرف إلا أن الجهالة في حق المشتري أكثر لأنه قد لا يعلمها مستحقة والولد [22/ب] سقط ميتا ها هنا لا ضمان على ما ذكرنا في كتاب البيع ولا تصير الجارية أم ولد له قبل أن يملكها.
وقال المزني: تصير أم ولد له ويقوَّم عليه ولا ترجع منه للحوق ولدها بها في شبهة ملك بخلاف الغاصب وهذا غلط لأن ولدها يلحق بالغاصب أيضا عند الشبهة ولم يوجب ذلك تقويمها عليه فكذلك على المشتري، وأما التضمين فكل ما وجب بفعل المشتري فللسيد أن يرجع به على من شاء منهما فيوجع به على المشتري لأنه وجب بفعله، ويرجع به على الغاصب لأنه سبب يد المشتري ولا يرجع على المشتري بما وجب بفعل الغاصب قبل التسليم بلا خلاف على المذهب.
وأما الكلام في الرجوع نظر، فإن رجع السيد على المشتري رجع بأرش البكارة وما نقصته الولادة، وإن كانت تالفة فقيمتها وقيمة الولد والمهر وأجرة المثل فإذا أخذ ذلك منه فهل يرجع على الغاصب؟ فإن كان قد دخل مع العلم بالغصب لم يرجع بشيء لأنه غرَّ نفسه، وإن كان جاهلاً بالغصب فهل يرجع المشتري عليه بذلك؟ قد ذكرنا فيما مضى أن هذا على ثلاثة أضرب منها ما لا يرجع به عليه قولاً واحداً وهو كل ما دخل على أنه يملكه بعوض وهو أرش البكارة وما نقصته الولادة وقيمتها إن تلفت لأنه قد دخل في العقد على أنه يتلف من ضمانه بعوض وبذل الثمن بمقابلة ذلك فلا يرجع بعوضه على أحد بل يرجع بالثمن الذي دفعه إليه، وكذلك لو حدث بها نقص فغرمه أرش النقص لا يرجع عليه لأنه عوض جزء من العين ولا يرجع عليه بما يغرم من بدل العين.

الجزء: 6 - الصفحة: 422

وحكي عن ابن سريج أنه قال: لو قلنا: يرجع بما يغرم من أرش النقص فله وجه وذلك أن من اشترى شيئاً وقبضه فذلك القبض موجب عليه ضمان الكل دون ضمان النقص والعيب وكذلك البائع قبل القبض يضمن الكل لا البعض وبيان [23/أ] هذا أنه لو تلف في يد البائع لزمه رد الثمن، وإن دخله نقص فليس للمشتري أن يقول: استرد الثمن مع نقص العيب بل إن شاء المشتري رده، وإن شاء أخذه ناقصاً ودفع كل الثمن وفي ضده لو حدث عيب في يد المشتري ثم وجد البائع بالثمن عيباً فرده فليرض بالمبيع يسترده وليس له أرش النقص وبمثله لو تلف عند المشتري استرد البائع كل قيمته إذا رد الثمن بالعيب.
كذلك ها هنا ومنها ما يرجع به قولاً واحداً وهو ما دخل على أنه يستفيد بغير بدل فأخذ منه بدله ولم يحصل له في مقابلة الغرم نفع وهو قيمة الولد فقط لأنه أخذ منه قيمته وولده حر لا ينفعه ولأنه لم يتلفه ولا تلف بإمساكه وحيلولةً من جهته وإنما تلف بالشرع بتدليس من جهة الغاصب وعقد البيع الذي جرى بينهما اقتضى أن لا يكون الولد مضموناً على المشتري فكان له الرجوع به ومنها ما هو على قولين وهو ما دخل على أنه بغير عوض فأخذ منه بدله وحصل له بمقابلته منفعة وهي المهر غرمه وحصل له الاستمتاع والأجرة غرمها وحصلت له الخدمة في مقابلتها فهل يرجع المشتري بذلك أم لا؟ فيه قولان قال في "القديم": يرجح لأنه غرَّه، وقال في الجديد: لا يرجع وبه قال أبو حنيفة لأنه وان غرم فقد حصل له في مقابلة الغرم نفع وأتلف المنفعة بفعله وهذا ظاهر المذهب والفتوى عندي القول الأول.
ومن أصحابنا من عدَّ في هذه الجملة أرش البكارة أيضاً وقال: فيه قولان هل يرجع به أم لا؟ ومن أصحابنا من قال في الأجرة: ينظر إن كان استهلك منافعها فعلى ما ذكرنا، وإن لم يكن استهلكها يرجع بما غرم من الأجرة قولاً واحداً لأن منافعها تلفت من غير صنع من جهته فهي كقيمة الولد وهذا غلط لأن إمساك العين حيلولة بين المنافع وبين صاحبها وإتلاف لها، فلا فرق بين أن يباشر إتلافها أو لا وهذا [23/ب] إذا رجح على المشتري فإن رجع على الغاصب فهل يرجع الغاصب على المشتري أم لا؟ يبُنى على رجوعه بذلك على المشتري فكل ما لو رجع به على المشتري رجع المشتري به على الغاصب فالغاصب لا يرجع به عليه إذا أخذ منه وكل ما لو رجع به على المشتري لم يرجع به المشتري على الغاصب، فإذا أخذ من الغاصب رجع الغاصب به على المشتري لأن الضمان استقر على المشتري.
فرع لو كان الغاصب آجرها مدةً معلومة فإن المالك يرجع على المستأجر بأجرة مثلها، ثم هو يرجع على الغاصب بالمسمى الذي دفع إليه ولا يرجع بأجرة المثل التي غرمها للمالك لأنه دخل فيه على أن تكون المنافع مضمونة عليه، وان تلفت الجارية في يد المستأجر من غير فعله أو نقصت فعلى المستأجر للمالك قيمتها أو ما نقص منها ويرجع على الغاصب قولاً واحداً، لأن مقتضى العقد الذي تعاقداه أن لا يكون ذلك مضموناً

الجزء: 6 - الصفحة: 423

عليه وان أتلفها أو نقصها بجناية من جهته غرّمه ولا يرجع به على الغاصب ولو كان الغاصب أودعه إياها أو وكله في بيعها فتلفت في يده أو نقصت يرجع على الغاصب بما تغرم من القيمة وأرش النقص والأجرة.
فرع آخر لو أن هذا المشتري من الغاصب وطئها جاهلاً لا يغرم إلا مهراً واحداً، وإن كان قد وطئ مراراً لأن الشبهة واحدة، ولو وطئها ثم علمها مغصوبة ثم غلط بها مرة أخرى ووطئها يلزمه مهران لأن الشبهة الأولى قد ارتفعت، ونظيره ما قال أصحابنا في السارق: إذا نقب وأخرج أقل من نصاب ثم أخرج شيئاً آخر حتى تم النصاب، فإن لم يكن أطلع المالك على الأمر فالكل سرقة واحدة ويلزمه القطع، وإن علم المالك وسد النقب ثم عاد السارق ونقب ثانياً وأخرج ثانياً لا يقطع إذا كان في كل دفعة دون [24/أ] النصاب لأنهما سرقتان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر يلزمه بكل وطئ مهر جديد وهذا ليس بشيء.
مسألة 25: قال: "فإن كانَ ثوباً فأبلاهُ المشتري".
الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة مثل مسألة الجارية ولكنهما تختلفان في الصورة وفيه أيضاً مسألتان إحداهما إذا لبسه الغاصب، والثانية إذا اشتراه غيره ولبسه.
فأما الأولى نقول: لا يخلو من أربعة أحوالٍ إما أن لا ينقص في يد الغاصب ولم تمض مدة لمثلها أجرة أو مضت مدة لمثلها أجرة من غير نقص، أو نقص من غير مضيّ مدة لمثلها أجرة أو نقص ومضت مدة لمثلها أجرة معاً، فإن لم تمض مدة لمثلها أجرة ولا نقص في يده ورده على المالك ولا شيء عليه، وإن مضت مدة من غير نقص مثل إن كان شيئاً من الفرش والزلالي ونحوها رد الأجرة معه ولا شيء عليه غيرها، وإن نقص من غير مدة مثل إن كان ثوباً ينقص باللبس كالدبيقيّ والشَّهجاني والقصب نشره وقطع تنور القصب فعليه ما نقص ولا أجرة فإن حصل الأمران معاً مضى مدة ونقص لم يخل النقص من أحد أمرين إما أن يكون بالاستعمال أو بغير استعمال، فإن كان بغير استعمالٍ مثل إن كان من القصب فقطع التنور ولم يستعمله نحو هذا فعليه الأجرة وما نقص معاً، وان كان النقص تحت الاستعمال مثل إن كان فرشاً فاستعمله فذهب من الأجزاء بعضها تحت الاستعمال فهل يضمن النقص والأجرة معاً؟ نقل المزني أنه يرده وما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وقيمته وقد أبلاه فأوجب النقص ولم يتعرض للأجرة، وقال فيمن غصب داراً فسكنها يلزمه أجرة مثلها ولم يتعرض للنقص فاختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: يلزمه أكثر الأمرين من الأجرة أو النقص ويدخل الأقل منهما في الأكثر

الجزء: 6 - الصفحة: 424

لأنهما تجبان بمعنى واحدٍ وهو اللبس فلا يجوز أن يجمع بينهما أو استهلاك الأجزاء في مقابلة الأجرة كما في الإجارة ويفارق العبد إذا غصبه [24/ب] ومضت مدة هُزل فيها بدنه تلزمه الأجرة مع أرش الهُزال بلا خلاف لأن استخدام العبد لا يوجب هُزاله واستعمال الثوب يوجبه بلاه قال هذا القائل: والشافعي نص في الثوب على ما نقص دون الأجرة لأنه في الغالب يكون أكثر من الأجرة ونص في الدار على الأجرة لأنها أكثر من النقص في الغالب، ومنهم من قال: وهو الأصح والمذهب تجب عليه الأجرة مع أرش النقص كما لو كان النقص لا بالاستعمال ولأن الأرش عوض ما أتلفه من أجزاء الثوب والأجرة عوض ما أتلفه من المنافع فاختلف موجبهما فيجتمعان.
وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في السير ما يدل على هذا فقال: لو أخذ بعض الغانمين من الغنم غنماً أو بعيراً وذبحه واتخذ من جلوده دلاء ونعالاً ودرقاً ردها في المغنم ورد أجرة المثل وأرش ما نقص قيمتها ويحتمل أنه أراد ما نقص بالذبح وتقطيع الجلود دون الاستعمال، فإذا قلنا: يلزمه أكثر الآمرين نظر، فإن كانت الأجرة أكثر ولو حبةً لزمت ودخل فيها أرش النقص، وإن كان أرش النقص أكثر ولو حبةً لزم ودخلت الأجرة فيه، وإذا قلنا: يجب كلاهما فعليه أجرة المثل إلى حين الرد.
وأما النقص فعليه أكثر ما نقص من حين الغصب إلى حين البلى لأنه أجزاء تلفت في يد الغاصب فعليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف ولا يراعى زيادة التلف القيمة بعد تلف الأجزاء كما لا يُراعى زيادة قيمة الثوب بعد تلفه، فعلى هذا لو غصب ثوباً قيمته عشرون فتراجع بإتلاف الاستعمال إلى عشرة ثم تراجع من جهة السوق إلى خمسة ثم وده يلزمه عشرة وهذا لأنه لا يغرم نقصان السوق مع رد العين، وذكر المزني هذه المسألة في "الجامع الكبير".
وذكر عن الشافعي أنه قال: عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين الرد ثم قال: هذا غلط بل عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين البلى قال ابن سريج: الأمر على ما قلت وهو مذهب الشافعي وعليه نص غير أنك نقلت إلى [25/أ] جامعك الكبير كلاماً لا نعرفه للشافعي واعترضت عليه وقد قال الشافعي ها هنا وبين قيمته وقد أبلاه ومعناه حين أبلاه دون ما بعده فليس ها هنا خلاف.
وقد ذكر ابن الحداد نحو ما حكي المزني عن الشافعي مع الاعتراض عليه فقال: لو كانت قيمته عشرة فتراجعت بالبلى إلى خمسة ثم ارتفع السوق فصار قيمة هذا البالي عشرة يضمن عشرة، وهو غلط، بل يضمن خمسة لأن القدر الذي بلى ما زادت قيمته من يوم الغصب إلى يوم التلف على خمسةٍ فما حاث من الزيادة بالسوق في الباقي لا يقال: إن القدر الباقي لو كان باقياً يحدث فيه مثله فيجب الغرم فيه على التوهم، ولكن لو تراجعت أولاً بالسوق إلى عشرةٍ من عشرين وبالبلى إلى خمسةٍ ثم رده يضمن عشرة لأنه أتلف بالبلى نصف الثوب وهذا النصف أكثر ما كانت قيمته من يوم القبض إلى يوم التلف عشرة وفرع ابن سريج على ما ذكرنا فرعين فقال: فإن اختلفا فقال الغاصب:

الجزء: 6 - الصفحة: 425

زيادة السوق كانت بعد البلى فلا شيء عليّ، وقال المالك: كانت حين الاستعمال قبل البلى فالقول قول الغاصب لأنه غارمٌ، ولو غصبه ثوباً ثم هلك في يده وقد كانت السوق زادت ونقصت فاختلفا فقال المالك: زادت قبل التلف فعليك الزيادة، وقال الغاصب: بل بعد التلف فلا أضمن الزيادة فالقول قول الغاصب لأنه غارمٌ.
وقال ابن سريج: هذا مخرَّجٌ وفيه نظر قال أصحابنا: هذا صحيح لا نظر فيه لأنه لا شبهة في أن القول قول الغارم عند الاختلاف والأصل براءة الذمة.
وأما إذا باعه الغاصب فأبلاه المشتري وهي المسألة الثانية فالكلام فيها في ثلاثة فصول أيضاً في الواجب ومن يضمن الواجب والرجوع فيه، فأما الواجب فكل ما حصل بفعل المشتري فالحكم فيه كما لو حصل في يد الغاصب وقد ذكرناه، وأما من يضمن فكل ما حصل بفعل الغاصب قبل إقباضه فالضمان عليه وحده لا يرجع به على المشتري وما حصل بفعل المشتري فللمالك أن يرجع به على من شاء منهما من المشتري والغاصب.
[25/ب] فإن قيل: فما تقولون في نقل المزني ها هنا أخذه من المشتري وما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وبين قيمته وقد أبلاه فاعتبر قيمته يوم الغصب في تغريم المشتري وهذا يوجب ضمان النقصان الحادث في يد الغاصب على المشتري؟ قلنا: صوَّر الشافعي المسألة حيث يستوي قيمته يوم الغصب وقيمته قبض المشتري لا بحيث يفضل قيمته يوم الغصب قيمته يوم القبض.
والثاني: لعل الشافعي سمى قبض المشتري غصباً لأنه يضمن بالقبض ما يضمن الغاصب بالغصب فلا يبعد أن يسمى قبضه بهذا الاسم.
والثالث: تأويله أنه غصبه وباعه في الحال ولم يحدث في يد الغاصب نقص.
والرابع: لم يرد به الرجوع على المشتري بل أراد به أن للمالك الرجوع بذلك وعلى من يرجع فإنه على ما بينه في غير هذا الموضع قال أبو حامد: وقد ذكر في "الأم" ما يدل على هذا فقال: يأخذه من المشتري وله ما بين قيمته صحيحاً يوم غصبه وقيمته وقد أبلاه فقد أخبر أن هذا للمالك ولم يقل على من يرجع به المالك، وقد حذف المزني قوله: وله.
والخامس قال القاضي أبو علي البندنيجي: كل هذا ظلم والمزني إنما قال: وله ما بين قيمته يوم قبضه ولم يقل يوم غصبه وغلط الكاتب، وأما الكلام في الرجوع فإن ضمن المشتري هل يرجع على الغاصب؟ فهو على ما ذكرنا في أرش النقص لا يرجع وفي الأجرة قولان، وإن ضمن الغاصب فعلى ما ذكرنا.
فرع لو تزوج بجارية ووطئها ثم استحقت وغرم الناكح مهر المثل، قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يرجع به على الغاصب المزوّج قولا واحداً بخلاف المشتري ها هنا على أحد القولين فإنه يرجع به على الغاصب، والفرق أن الزوج دخل في العقد على أن يضمن منافع البضع بالعوض والمشتري لم يدخل على أن يضمنه قال: ويفارق أيضاً

الجزء: 6 - الصفحة: 426

مسألة الغرور بالحرية في نكاح الأمة إذا فسخ النكاح وغرم المهر هل يرجع على الغارّ بذلك المهر؟ قولان لأن الملك حصل له هناك ثم لما فسخ قطع على نفسه ذلك الملك [26/أ] بسبب العيب والغرور وها هنا في المستحقة لم يستحق الواطئ الوطئ فأتلف من غير استحقاق حتى إن كان الرجل ممن لا يحل له نكاح الإماء وغُرَّ من أمة فلم يصح النكاح ووطئ وغرم المهر لم يرجع بذلك على الغازّ قولاً واحداً كالمتسحقة سواء وفي هذا نظر ويحتمل خلافه.
مسألة 26: قال: "ولستُ أنظرُ في القيمةِ إلى تغيرِ الأسواق وإنما أنظرُ إلى تغيرِ الأبدانِ".
وهذا كما قال: قد بينا أن تغير السوق لا يوجب الضمان ما دام العين باقياً خلافاً لأبي ثور لما ذكرنا أنه ليس بنقصان عين ولا أثر ويخالف نقصان السَّمن ونسيان الصنعة لأنه نقصان يرجع إلى العين وهو المراد بتغير الأبدان ولأن رد العين أقوى من رد بدلها، ثم لو رد البدل وهو المثل ناقصاً قيمته عما كان يوم الغصب لا يضمن فلأن لا يجب الضمان الراجع إلى السوق عند رد العين أولى ولو تلف في يده يجب عليه أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى أن تلف في يده لأنه إذا وجبت القيمة ووجوبها مستند إلى حال الغصب وجبت أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، ويخالف هذا إذا كانت قائمة فإن القيمة غير واجبة فلم يكن لنقصانها اعتبار.
فإن قيل: فكيف أطلق لفظه حيث قال: ولا أنظر إلى تغير الأسواق وقد نظر عند التلف إليه؟ قيل: أطلق الشافعي وأراد به تخصيص بعض الأحوال، ألا ترى أنه صور المسألة في الثوب الباقي حيث قال: أخذه من المشتري وما بين قيمته ثم عطف على هذه الصورة فقال: ولست أنظر في القيمة إلى تغير الأسواق وعلى ما ذكرنا لو غصب ثوباً يساوي مائة فحدث فيه خرق نقصت به من قيمته عشرة ثم نقص السعر عشرة أخرى يلزمه رده مع عشرةٍ وهي التي نقصت بحدوث العيب فيه، ولو غصب ثوباً فقطعه بنصفين وأتلف أحدهما: يلزمه قيمة النصف الذي أتلفه أكثر ما كانت من حين غصب إلى أن تلف، أما النصف الباقي ينظر فيه فإن كان يساوي [26/ب] نصف قيمة الثوب أكثر ما كانت يرده ولا شيء عليه لأنا علمنا أن الخرق لم ينقصه، وإن كانت قيمته أقل من نصف قيمة الثوب نظر في النقصان فإن كان لأجل القطع لزمه، وإن كان لنقصان السوق لم يلزمه.
مسألة 27: قال: "وإنْ كانَ المغصوب دابةً فشغَلهَا الغاصبُ أو لم يشغلها".

الجزء: 6 - الصفحة: 427

الفصل وهذا كما قال: إذا غصب دابة أو داراً فعلى غاصبها أجرة مثلها من يوم غصبها إلى يوم ردها لأن المنافع تجري مجرى الأعيان في معظم الأحكام وقد تلفت المنافع في يد الغاصب وبه قال أحمد، وقال مالك: إن انتفع بها يلزمه الضمان وإلا فلا يلزم.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن المنافع بحالٍ إلا أن يكون في شبهة العقد مثل أن يؤاجر العبد المغصوب نفسه من الغاصب يلزمه أجر المثل إن استعمله، وان لم يستعمله تلزم الأجرة قال: وإذا وجبت الأجرة ها هنا يلزمه الأقل من المسمى أو أجر المثل وهكذا قال في جميع الإجارات الفاسدة واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخراج بالضمان" والغاصب ضامنٌ للعين وكان الخراج له ومنافع العين خراجها حتى قال أبو حنيفة: لو أن الغاصب اكترى الدابة المغصوبة فما قبض من الكراء له ولا يلزمه رده على صاحب الدابة لأنه ضامن للعين والخراج بالضمان فقال الشافعي 28: وليس الغلة بالضمان إلا للمالك الذي قضى له بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أن قوله: الخراج بالضمان إنما ورد في المشتري إذا رد السلعة بالعيب فالخراج له وما ورد في الغاصب بدليل خبر مخلد بن خفاف وقد ذكرناه في كتاب البيع.
وإذا ثبت الحديث في المشتري لا يجوز إلحاق الغاصب به لأن المشتري مالك للسلعة حين يستغلها فتكون الغلة ملكاً له بإزاء ما عليه من ضمان الأمل المملوك، فأما الغاصب فليس بمالك في الأصل وإن كان ضامناً له، وإذا لم يكن مالكا للأمل فكيف يكون للفرع؟ ثم قال المزني: وأدخل الشافعي على من قال: إن الغاصب إذا ضن سقط عنه الكراء قوله [27/أ] إذا اكترى قميصاً فاتزر به أو بيتاً فنصب فيه رحى أنه ضامن وعليه الكراء فمقصود الشافعي من هذا بيان مناقضة أبي حنيفة حيث قال: الخراج بالضمان على الغاصب فإذا ضمن الأصل بالعدوان كانت المنافع له لا يغرمها بحال ثم ناقض فقال: إذا اكترى قميصاً فاتزر به صار ضامناً لما اتزر به وعليه كراؤه لصاحبه فاجتمع عليه ضمان الأصل وضمان المنافع.
وناقض أيضاً فقال: إذا اكترى بيتاً فنصب فيه رحىً أنه ضامن للبيت وعليه الكراء فجمع بين الكراء والضمان فليقل مثل ذلك في سائر المعصومات، فإن اعتذر بأن الأجرة في هاتين المسألتين إنما وجبت بالعقد والمنافع بالعقل تصير مالاً قلنا: هذا المستأجر كان غير ضامن في أول الأمر فلما تعدى في الإجارة صار حكمه حكم الغاصب في ضمان الأصل ثم لم يجعله كالغاصب في حكم المنافع حتى يسقط عنه ما لزم بالعقد كذلك ها هنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 428

فرع لو غصب مكاتبا فحبسه ضمن أجرة مثله، ولو حبسه السيد عن تصرفه فيه وجهان أحدهما: تلزمه الأجرة، والثاني: عليه أنظاره بمال الكتابة قدر تلك المدة التي حبسها فكأنه أخَّر زمان كتابته ذكره في"الحاوي" 29. فرع آخر لو غصب عبداً يحسن صنائع كثيرة تلزمه أجرة أعلى الصنائع ويدخل ما دونها فيها.
مسألة 30: قال: "ولو استكرَهَ أمةً أو حرةً فعليه الحدُ".
الفصل وهذا كما قال: إذا أكره حرةً أو أمةً على الزنا يلزمه الحد لأنه زانٍ، ولا حد عليها لأنها ليست بزانية ويجب المهر عليه اعتباراً بحالها وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين، وقال أبو حنيفة: لا يجب المهر اعتباراً بحال الرجل، وحكي عن مالك أنه قال: إذا أكره أمةً على الزنا يلزم المهر وفي الحرة لا يلزم وهذا غلط لأنه وطئ في غير ملك سقط الحد فيه عن الموطوءة والواطئ من أهل الضمان في حقها فيلزمه المهر لها كما لو وطئها بشبهةٍ، ثم إن الشافعي قال: لا معنى للجماع إلا في منزلتين إلزاماً على أبي حنيفة فقال: للجماع [27/ب] منزلتان إحداهما أن تكون بنكاح، والثاني: أن تكون بصريح الزنا وبين هاتين المنزلتين منزلة ثالثة وهي الإصابة بالشبهة على نكاح فاسد وقد أجمعنا على أن المصابة بالشبهة في نكاح فاسد ملحقة بالمصابة في النكاح الصحيح حتى يوجب المهر عليه عوضاً من بضعها وربما تكون عالمة بفساد النكاح عاصية بالتمكين فالمستكرهة أحسن حالاً من هذه العاصية المقدمة على النكاح الفاسد فوجب أن يثبت لها مهر المثل والحد لا ينافي المهر لأنهما حقان لمستحقين متباينتين، فالحد حق لله تعالى على ما ارتكب من هتك المحارم، والمهر حق لها عوضاً عما استهلك من منافع بضعها كما تعلق بالزنا في نهار رمضان حد الزنا وكفارة الجماع وبالقتل كفارة القتل لله تعالى وعوض النفس للآدمي.
فرع لو اختلفا فادعت الموطوءة الاستكراه وادعى الواطئ الطواعية فيه قولان أحدهما: القول قول الواطئ ولا مهر اعتباراً ببراءة الذمة، والثاني: القول قولها ولها المهر لأنه متلف ويشبه أن يكون بناء على القولين في رب الدابة وراكبها إذا اختلفا في العارية والكراء على ما ذكرنا.
فرع آخر لو غصب جاريةً ولم يطأها ردها ولا شيء عليه، فإن قيل: هلاّ أوجبتم ضمان

الجزء: 6 - الصفحة: 429

الاستمتاع النفي حال بينه وبينها كما أوجبتم ضمان سائر المنافع قلنا: الفرق أنه لا يحصل التفويت هذا هنا لأن لسيدها تزويجها وإحراز مهرها، ولا يجوز إجارتها وهي مغصوبة وأيضاً المقصود من الاستمتاع العوض الواحد ويمكنه تحصيله من هذا الوقت بخلاف الأجرة ولأنه لا يمكن تقويمه بمضي المدة لأنها غير مقدَّرة بخلاف الأجرة.
فرع آخر لو أكره الحربي مسلمة على الزنا لا مهر لأنه لم يلتزم حكم الإسلام.
مسألة 31: قال: "وفي السرقة حكمان".
الفصل وهذا كما قال: إذا سرق ما يبلغ نصاباً فالقطع يلزم لحق الله تعالى والضمان عند تلفه للآدمي وأحدهما: لا يمنع الآخر، وقال أبو حنيفة: إذا قطع السارق [28/أ] لا غرم عليه، وقال مالك: إن كان موسراً قطع وغرم، وان كان معسراً قطع ولم يغرم والدليل على بطلانه ما احتج الشافعي به حيث قال: فإن لم يؤجد فقيمته لأني لم أجد أحداًَ ضمن ماله بعينه بغصب أو عدوان فيفوت إلا ضمن قيمته، وفي قوله بغصب أو عدوان احتراز عن المبيع في يد البائع يكون مضموناً بعينه ولا يضمن البائع قيمته عند فواته لأنه غير مضمونٍ بعدوان ثم قال الشافعي: وفي المغتصبة حكمان على ما ذكر، ومقصوده أن المهر حق لها كالغرم على السارق حق للمالك فكما أجمع بين الغرم والقطع أجمع بين المهر والحد.
فإن قيل: نظم كلام الشافعي في هذا الموضع غير مستقيم لأنه كان يصنف مسائل الغصب فانتقل منها إلى مسألة من كتاب السرقة ثم فرغ منها وعاد إلى مسائل الغصب فأيّ معنى لذلك قلنا: الشافعي ذكر مسألة السرقة ها هنا استشهاداً بها على مسألة المستكرهة.
فإن قيل: كيف يصح الاستشهاد بها وفيها خلاف أيضاً؟ قلنا: في السرقة صورتان إحداهما صورة الوفاق استشهد بها، والثانية صورة الخلاف أثبتها بالدليل ثم بني عليها فأما الوفاق إذا كانت العين المسروقة باقية في يد السارق يتوجه حكمان القطع لله تعالى ورد المال للآدمي ولا يمانع بينهما كذلك في المستكرهة.
وأما صورة الخلاف إذا كانت عين السرقة تالفة أثبتها بالعلة التي ذكرناها ثم بني عليها مسألة المستكرهة والدليل على أن الشافعي قصد هذا أنه لما فرغ من مسألة السرقة عطف عليها فقال: وفي المغتصبة حكمان على ما ذكر والأظهر أن الشافعي اختار سلوك طريق البناء، ألا ترى أنه قال فأثبت ذلك والحد على المغتصب كما أثبت الحد والغرم على السارق وإثبات الحد والغرم إنما هو في صورة الخلاف لأن الغرم لا

الجزء: 6 - الصفحة: 430

يطلق على رد العين المسروقة وإنما يطلق على غرم قيمتها.
مسألة 32: قال: "ولو غصبَ أرضاً فغرسها".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب أرضاً وغرس فيها نخيلاً لزمه [28/ب] قلعها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" وروي بالتنوين لعرق لا بالإضافة فجعل العرق ظالماً لما كان يحصل به الظلم ثم إذا قلعها يلزمه تسوية الأرض على حالها وضمان النقص إن كان قد دخل فيها النقص وأجر المثل في المدة التي أمسكها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجمع بين نقصان الأرض وأجر المثل؟ وجهان أحدهما: يجمع وهو الأصح، والثاني: يلزم أكثر الأمرين منهما وذكرنا مثل هذا في الثوب إذا بليَ وانتقص وهذا بعيد عندي في مسألة الأرض، وقال في "الحاوي" 33: إذا صارت الأرض حفراً تضر بها قال الشافعي ها هنا يردّ ما نقصت الأرض، وقال في كتاب "البيوع": إذا قلع البائع الحجارة المستودعة يلزمه تسوية الأرض ولا يتركها حفراً فقيل فيهما قولان على سبيل النقل والتخريج أحدهما: يضمن النقصان لأنه نقص فعلٍ مضمون، والثاني: يلزمه تسوية الأرض لأن زوال التعدي بالمثل أولى من القيمة وقيل: المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الغاصب متعدَّ فيغلَّظ حكمه بالأرش والبائع غير متعدَّ فخفّف حكمه بتسوية الأرض.
فرع لو غصب أرضاً وغرس فيها ثم باع الغاصب الغراس فإن باع بشرط الترك فالبيع باطل، وإن باع بشرط القلع فالبيع جائزٌ، وإن أطلق فيه وجهان أحدهما: باطل لأن العرف في مثله الترك ولا يستحق الترك ها هنا، والثاني: يجوز ويؤخذ المشتري بالقلع ولكن له الخيار إن لم يكن علم.
فرع آخر لو كان الغرس ملكاً لرب الأرض له أن يطالب الغاصب بالقلع إن كان له غرضٌ ويغرمه النقصان، وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح بوجٍه فهل يجبر الغاصب على قلعه؟ وجهان أحدهما: لا يجبر لأنه عبثٌ وسفه، والثاني: له ذلك لأنه متحكم على الغاصب لتعديه.
فرع آخر لو كانت قيمته تنقص إن قلع عما كانت مليه تبل الغرس نطالب بأرش النقص مع ترك الغراس قائماً فإن قلنا بالوجه الأول إنه لا يجبر على القلع لم يكن له الأرش إذا لم يكن له قائماً نقص وإن قلنا بالوجه الثاني [29/أ] استحق الأرش، وإن كان قائماً

الجزء: 6 - الصفحة: 431

غير ناقص لأنه لما استحق المطالبة به مع التزام مؤونة القلع فأولى أن يستحق المطالبة به مع عفوه عن القلع.
فرع آخر لو غصب أرضا وغصب غراساً وغرس فيها وهرب الغاصب أن يلتزم لهما مؤونة القلع واختلفا في تحملها فعلى من يجب؟ وجهان أحدهما: يجب على صاحب الأرض لأنه يريد أخذ غرسه ثم هي لمن غرمها دينٌ على الغاصب.
فرع آخر لو حمل السيل بذر رجل إلى أرض غيره فنبت هناك قد ذكرنا فيه وجهين قال صاحب "الحاوي" 34: والأصح عندي أن ينظر في الزرع بعد قلعه فإن كانت قيمته مقلوعاً كقيمة الحنطة أو أكثر أجبر على قلعه لأنه لم يدخل عليه نقصُ حين نبت، وإن كانت قيمته لو قلع أقل من قيمة الحنطة ترك ولم يقلع لأنه لم يتعدَّ فيلتزم ضرر عدوانه وما يدخل على رب الأرض من الضرر فقد استدركه بالأجرة التي يستحقها بعد العلم والتنازع ولا أجرة لرب الأرض فيما قبل لأنه لم يكن منه فعل يتعلق به ضمان، وقال مالكٌ: زال ملك الأول وصار ملكاً للثاني وهذا غلط لأن ضياع المال لا يزيل ملك المالك عنه.
فرع آخر يضمن العقار عندنا بالغصب ويتصور فيه الغصب وبه قال مالك ومحمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يضمن بالغصب ولا يتصور فيه الغصب، وروي عن أحمد أنه قال: إذا غرقت الأرض بفعله ضمن وهذا يدل على أن عنده لا يضمن العقار بالغصب وهذا غلط لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من غصب شبراً من أرضٍ طوقه من سبع أرضين" ولأن ما يضمن بالقبض في البيع يضمن بالغصب كالمنقول.
فرع آخر لو غصب أرضاً فلم يزرعها فنقصت بترك الزراعة فيها كأراضي البصرة تلزمه أجرة المثل وما نقص بترك الزراعة.
فرع آخر لو دخل دار رجل بغير إذنه وصاحبها فيها لم يضمنها لأن يد صاحبه ثابتة عليها والغصب أن تثبت يده عليها وتزول يد صاحبها عنها ولهذا نقول: إذا حبس [29 /ب] صاحبه عن ماله لم يضمنه لأن يده لم تثبت عليه، وقال أبو حامد لا نص فيه وهذا يحتمل أن يكون مذهباً، وقال بعض أصحابنا: يضمن نصفها لأن يدهما عليها.

الجزء: 6 - الصفحة: 432

[فرع آخر] لو لم يكن صاحبها فيها فدخلها قال أصحابنا: ضمنها حتى إن أنهدم منها شيء لزمه أرش النقص، وإن قدرها دار نفسه فدخلها قال أصحابنا: يضمن كما لو أخذ ثوب غيره فيظنه لنفسه ضمنه ذكره القاضي الطبري وسمعت فيه وجهاً آخر بخراسان أنه لا يضمن بهذا القدر.
فرع آخر لو اشترى أرضاً من الغاصب وهو لا يعلم فنقصت في يد المشتري فلصاحبها الرجوع بالنقض على من شاء من الغاصب أو المشتري، ولو قبضها المشتري وكانت دارا فنقصها ثم بناها ثانياً فعليه رد العَرصَة على مالكها وعليه ما بين قيمتها مبنيةً ومنقوضةً، وعليه نقض ما بناه وأجرة مثلها من حين القبض إلى حين النقض وأجرة العرصة من حين النقض إلى حين الرد وليس عليه أجرة ما بناه منها وللمالك الرجوع على من شاء منهما على ما ذكرنا وقرار الضمان على من يكون قد ذكرنا.
فرع آخر لو دفن في الأرض المغصوبة ميتاً أخذ الغاصب بنبشه منها، وإن كان فيه انتهاك حرمة الميت ثم إذا نبش ضمن أرش نقصها إن نقصت.
فرع آخر لو قال مالك الأرض: أنا أقر الميت مدفوناً في الأرض إن ضمن لي نقص الأجرة بالدفن فيها ففي إجبار الغاصب على بذله وجهان أحدهما: يجبر على بذله حفظاً لحرمة الميت المتعدَّى هو بدفنه فيها، لا والثاني: يلزمه ذلك لأنه مدفون بغير حق.
فرع آخر لو غصب أرضاً وزرع فيها زرعاً قلع الزرع والغلة لصاحب البذر، وإن كان غاصباً وعليه ما ذكرنا، وحكي عن أحمد ليس له قلع الزرع وصاحب الأرض بالخيار بين أن يدفع إليه ثمن البذر والبقعة وبين أن يقره في الأرض إلى أوان الحصاد بأجرة المثل وهذا غلط قياساً على الغراس، وإن كان قد غصب بذراً وبذره في أرض نفسه كان [30/أ] الزرع لصاحب البذر والغلة له وليس للغاصب عليه أجرة المثل.
فرع آخر لو غصب شجرا فأثمرت ونقصت الثمار بأن شمسَّها فنقصت قيمتها يلزمه ما نقص، وإن تلفت رطباً يلزمه قيمتها، وإن تلفت بعد التشميس يلزمه مثلها ولا يلزمه الأجرة للشجرة، ولكن إن نقصت الشجرة يلزمه أرش النقص.
فرع آخر لو غصب حيواناً وحلب لبنها فإن استهلك اللبن حليباً رد مثله، وإن كان قائماً فإن

الجزء: 6 - الصفحة: 433

كان حليباً رده بحاله، وإن حمض رده وما نقص، وأما أصوافها وأشعارها وأوبارها قال الشافعي: عليه مثلها إن كان لها مثل وقيمتها إن لم يكن لها مثل، وقال أبو حامد: ضمانها بالمثل لا غير كالقطن، ومن أصحابنا من قال: توقف الشافعي فيها والمذهب أنه لا مثل لها لأنها تختلف وتتباين فتضمن بالقيمة وهذا أظهر عندي.
فرع آخر لو غصب بيضاً فحضنها دجاجةً له كانت الفراريج لصاحب البيض ووافقنا المزني في هذا وخالفنا في الحَبّ إذا زرع فقال: الزرع للغاصب ويلزمه مثله فنقيس على البيض، ومن أصحابنا من قال: فيهما وجهان وليس بشيء.
فرع آخر لو غصب بذر الدود وربَّاه حتى صار دوداً وحصل القزّ منه كان القز لصاحبه ولا شيء له خلافاً لأبي حنيفة.
فرع آخر لو غصب عصيراً فصار خمراً في يده رجح ببدل العصير.
وهل له أخذ الخمر؟ وجهان قال أبو حامد: ليس له لوجوب إراقتها وإتلافها، وقال بعض أصحابنا: له أخذها لأنه قد ينتفع بإراقتها في طين أو سقي حيوان ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو صارت خلاً في يد الغاصب رجح به المغصوب منه وفي رجوعه عليه بالقيمة وجهان كنقص المرض إذا زال أحدهما: يرجح بالقيمة لوجوبها عند مصيره خمراً، والثاني: لا يرجع بها لعدم استقرارها وهما مخرجان من اختلاف قوليه في عود السن بعد الذهاب ووجوب الأرش هل يوجب رد الأرش أم لا؟ فإذا قلنا: ترد القيمة ردها والخل فائدة [30/ب] مجددة في المالك ولا ينظر إلى نقصان قيمة الخل، وإن قلنا: لا ترد القيمة نظر، فإن كانت قيمة الخل مثل قيمة العصير أو أكثر فلا شيء على الغاصب سواه، وإن كانت قيمة الخل أقل من قيمة العصير فعليه رد ما نقص من قيمة العصير، وقال أبو حنيفة: إذا صارت خلا فالخل للغاصب وعليه مثل العصير.
فرع آخر لو غصب منه تمراً فعمله دبساً أو سمسماً فعصره فللمالك أن يأخذه وما نقص فإن تركه بالغاصب وطالبه بالبدل فإن كان مما لا مثل له كالتمر اللصيق المكنوز بالبصرة رجع على الغاصب بما استخرجه من دبسه وليس له المطالبة بقيمة تمره، لأن أجزاء المغصوب أخص به من قيمته، وإن كان مما له مثل كالسمسم فيه وجهان أحدهما: أنه بمثابة ما لا مثل له في استرجاع ما استخرج منه، والثاني: المالك يستحق مطالبته بمثل الأصل لأنه أشبه بالمغصوب من أجزائه.

الجزء: 6 - الصفحة: 434

فرع آخر لو استهلك ما قد استخرجه من المغصوب، فإن لم يكن الأصل مثلياً ولم يكن المستخرج منه مثلياً كالتمر المكنوز إذا استخرج بالماء فالمالك يرجع بأكثر قيمته تمراً أو دبساً، وإن كان للأصل مثل وليس للمستخرج منه مثل كالحنطة إذا طحنها دقيقاً فللمالك أن يرجع بمثل الأصل من الحنطة ولا يرجع بقيمة الدقيق لأن مثل ذي المثل أولى من قيمته، ولو كانت الحنطة بعد الطحن زادت قيمتها دقيقاً استحق أن يرجع بعد أخذ المثل بقدر الزيادة في الدقيق كما لو غصب منه جارية فسمنت ثم ردها بعد ذهاب السمن ضمن نقص السمن الحادث في يده مع بقاء العين فلا يضمن نقص الزيادة مع استرجاع المثل أو لا، وإن كان الأمل مما لا مثل له والمستخرج منه مثل كالزيتون إذا اعتصره زيتأ فللمالك أن يضمنه مثل الزيت المستخرج والنقص إن حدث بالزيتون لأنه لما صار المغصوب ذا مثل كان المثل أولى من قيمة الأصل لتقديم المثل على القيمة، وإن كان للأصل والمستخرج مثل كالسمسم إذا اعتصره شيرجاً فالمالك بالخيار في الرجوع بمثل أيهما [31/أ] شاء من السمسم أو الشيرج لثبوت ملكه على كل واحدٍ منهما بعد الغصب فإن رجع بالسمسم وكان أنقص ثمناً من الشيرج فأراد نقصه لم يجز وقيل له: إن رضيت به وإلا فاعدل عنه إلى الشيرج ولا أرش لك، لأن عين مالك مستهلكة ولكل حقك مثلٌ فلا معنى لأخذ الأقل مع الأرش مع استحقاقك لمثل لا يدخله أرش.
فرع آخر لا كانت دابة واقفة فجاء رجل وركبها ولم يسّير ولم ينقلها عن موضعها قال القاضي الطبري: لا أعرفها لأصحابنا والذي عندي أنه لا يضمنها لأن ضمان الغصب عندنا معتبر بضمان القبض في العقد والقبض في العقد في الدابة نقلها وتبديلها كذلك ها هنا، وكذلك إذا وضع يده على ثوب إنسانٍ بغير أمره لم يضمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يضمن وهذا محتمل لأنه استولى عليها بأبلغ غايات الاستيلاء وثبتت يده عليها بذلك القدر.
فرع آخر لو أن الغاصب دفع صاحب الصبرة عن صبرته أو صاحب المتاع عن متاعه فزال عنه لا ضمان ما لم ينقله، وان كان قد حال بينه وبين متاعه ذكره أصحابنا ويحتمل عندي وجهاً آخر يضمن.
فرع آخر لو غصب داراً وفيها متاع ولم ينقله هل يصير غاصبا له؟ وجهان على قياس ما ذكرنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 435

مسألة 35: قال: " ولو حفرَ فيها بئراً".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب أرضاً فحفر فيها بئراً كان للمالك مطالبة الغاصب بطمّها فإذا فعل ذلك نظر، فإن لم يزدها ولم ينقصها أو زادت فليس على الغاصب إلا أجرة المثل، وإن نقصت فعليه أرش النقص وأجرة المثل من حين حفر إلى أن طمَّها وسوّاها إن كان لموضع البئر أجرة هكذا نص الشافعي، فإن كانت بحالها ولم يطالبه مالكها بطمها أو نهاه عن طمها كان ذلك له لأنه قد يقع فيها ما إذا تلف بها ضمنه وقد يكون نقل التراب إلى ملك نفسه أو ملك غيره أو طريق المسلمين، ولو قال له المالك: دع الطم وقد أبرأتك عن ضمان ما يتعلق بك بحفرها فهل له الطم؟ يبنى هذا على صحة البراءة وفيه وجهان: أحدهما: يبرأ لأنه يصير [31/ب] كأنه مأذون له في حفرها ولا فرق بين الإذن المقترن بوقت الحفر وبين الإذن الطارئ وهو الصحيح وبه قال أبو إسحاق والمزني وأبو حنيفة.
والثاني: لا يبرأ لأنه إبراء مما لم يجب ولأنه إبراء عن حقوق سائر الناس وذلك لا يصح منه ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الإبراء عما لم يجب يصح إذا وجد سبب وجوبه وسبب الوجوب ها هنا موجود وهو الحفر ولو لم يتلفظ بالإبراء ولكنه منعه من طمها قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الحكم كما لو تلفظ به لأنه يتضمن رضاه به فإن قال قائل: لمَ قال الشافعي فإن أراد الغاصب دفنها فذلك له، وإن لم ينفعه ودفع الضمان نفع ولا يخلو دفنها عن دفع الضمان قلنا: مراده بيان النفع في الحال ولا نفع له في الحال بل ربما يتضرر ويحتاج إلى نفقةٍ وأعوانٍ وإنما ينفعه ذلك في الثاني لأنه بدفنها يصير أمنا من ضمانها.
ولو وصل بالكلام فقال: وإن لم ينفعه في الحال كان كلامنا مستقيماً وقيل: معناه وإن لم ينفع المغصوب منه وللغاصب غرضٌ فيه على ما ذكرنا فإذا قلنا: لا يبرأ كان الحكم كما لو لم يبرئه وإذا قلنا: يبرأ برئ من ضمانها ثم ينظر، فإن كان له غرض في طمها مثل إن كان طرح ترابها في ملك نفسه أو ملك غيره والغير يطالبه بنقله أو يخاف أن يطالبه وإن لم يطالب بعد أو كان في طريق المسلمين كان له طمها لأن له غرضاً فيه، وإذا رد التراب ها هنا فليس له أن يبسطه على وجه الأرض إذا قال المالك: لا تبسطه وألقه في جانب من الأرض، ولو كان له عين مال من طوبٍ وخشبٍ له نزعه وان انهار البئر ثم يلزمه طمها، فإن قيل: أليس إذا خرق الثوب ليس له رفؤه لا بتلك الخرقة بعينها ولا بخرقة من عند نفسه فكذلك وجب أن لا يجوز له طم البئر؟ قلنا: الفرق أن

الجزء: 6 - الصفحة: 436

الثوب بالرفؤ لا يعود إلى الذي كان لأن المرفوء يخالف الصحيح ويدخل عليه خيطاً أو خرقة من عنده وفي الأرض يعود بالطم إلى ما كانت فافترقا.
مسالة 36: قال: "وكذلك لو زَوَّقَ [32/ب] داراً كان لهُ نزعُ التزويق حتى يردَّ ذلك بحاله".
وهذا كما قال إذا غصب داراً فجصَّصها أو زوقها كان لصاحب الدار مطالبته بنزع التزويق ورد الدار إليه لأنه شغل مال نفسه بملكه فكان له مطالبته بنقله، ولو قال المالك: لا تذع التزويق، وقال الغامب: أريد نزعه كان له لأنه عين ماله، ولا فرق بين أن ينتفع به أو لا ينتفع لأن من له عين مالٍ فله أخذه، وإن لم يكن له فيه منفعة هكذا ذكر عامة أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما له نزعه إذا كان له غرض صحيح في نزعه مثل أن يعلم أنه بنزعه يصل إلى شيء من أعيان ماله التي استنفقها في تزويقها أو كان في التزويق معاليق يخشى انقطاعها وسقوطها على الناس ولحوق الضمان به كما يخشى في البئر، فأما إذا لم يكن له غرض محيح وتيقن أنه لا يصل إلى عين ملك ولا يأمن به من ضمان لا يمكن من إفساد ما زوّق، ثم إذا نزع التزويق نظر، فإن لم ينقص قيمة الدار عما كانت عليه قبل التزويق فلا يلزمه إلا الأجرة من حين القبض إلى حين الرد، وإن كانت ناقصةً عما كانت عليه فعليه أجرة المثل وأرش النقص معاً وإن امتنع الغاصب من إزالة ذلك ووهب أعيان ماله فيها لمالكها هل يجبر المالك على قبولها؟ وجهان: أحدهما: لا يجبر كما لو وهب له جصاً منفصلاً عن ملكه لا يلزمه قبوله.
والثاني: يلزمه قبوله ويجبر عليه لأنه متصلٌ بملكه فيجري مجرى الآثار كغسل الثوب وقصارته، ولو زوق وطَّين بآلةٍ من ملك صاحب الدار ليس للغاصب إتلافه بحالٍ ونقل بعض المتقدمين لو روق بالراء غير معجمٍة من الرواق وحكمه حكم البناء وقد ذكرنا.
مسألة 37: قال: "وكذلك لوْ نقلَ عنها تراباً كان لهُ أن يردَّ".
الفصل وهذا كما قال: إذا نقل التراب عنها مثل إن قشط التراب عن وجهها وحوله عنها فلمالكها مطالبته برد ترابها إليها، فإن كلفه أن يفرشه فيها كالذي كان فله ذلك، وإن كلفه أن يردها إليها ويتركه كالقبة [30/أ] ولا يفرشه فيها وأبى الغاصب إلا أن يفرشه فيها نظر، فإن كان له غرض في ذلك بأن كان فيها حفر فخاف أن يعثر عاثرٌ بها فيقع ويتلف كان له فرشه فيها، فإذا فعل ذلك نظر، فإن زادت الأرض بذلك أو لم تزد ولم ينقص فعلى الغاصب أجر المثل لا غير مدة شغل الأرض برد التراب إليها، وإن كانت

الجزء: 6 - الصفحة: 437

مردودة على صاحبها وإن نقصت فعليه أرش النقص والأجرة معاً، وإن قال صاحب الأرض: لا أدعه يرد التراب إليها، وقال الغاصب: لا بد لي من الرد كان للغاصب أن يرده لأن له في ذلك غرضاً صحيحاً وهو أن يكون نقل التراب إلى أرض نفسه أو إلى أرض غيره غصباً أو إلى طريق المسلمين، وإن كان قد نقله إلى أرض المغصوب منه ليس له رده إليها لأنه لا يخاف منه تبعة في الثاني، وهكذا لو نقله إلى أرض موات ولو قال المالك: انقل التراب كله إلى الجانب الأقصى من الأرض لم يلزم الغاصب ذلك بل يلقيه حيث رفع ويسوي الأرض.
وقال المزني: ليس للغاصب طم البئر ورد التراب إلى الأرض لأن هذا أثر لا عين والآثار لا حق فيها للغاصب لأن ذلك مضرة على أخيه بما لا منفعة له فيه فلم يجز له وهو بمنزلة أن يغصب نُقرةً فطبعها دراهم أو غزلاً فنجه ثوباً أو طيناً فضربه لبناً لا يكون له نقصه ورده إلى حاله، كذلك ها هنا قلنا: المنفعة التي ذكرناها في دفن البئر منفعة ظاهرة وهي أن تسلم من الضمان في المستقبل مثل هذه المنفعة لا يوجد في نقص المنسوج وإفساد الطبع ورد اللبن إلى الطين وعلى هذا لو كان ضرب النقرة أنقص من غيار السلطان له نقضه ورده إلى حاله لأن له فيه غرضاً صحيحاً وهو أن يخرج من خوف السلطان فإن أقل ما فيه أن يُضرب على طريق التعزير ومن أهل العلم من جعل فيه القطع فكان له نقضه ورده إلى حاله حتى لا يظهر أمره، وإن كان بعيار السلطان لم يكن له ذلك لأنه لا غرض حتى لو كان يخاف من العقوبة على هذا أيضاً لأن الضرب إلى السلطان [33/أ] كان له نقضه، وأما في رد التراب إليها غرض صحيح على ما ذكرنا حتى لو نقل التراب إلى صحراء لا حق لأحد فيها، وقال المالك أبرأتك من ضمان التراب ليسر له الرد.
فرع لو نقل عنها تراباً وأتلفه يلزمه رد مثله لأن للتراب مثلا فإن لم يقدر على المثل لأنه من تربة ليس في الناحية مثلها ضمن القيمة وفيها وجهان أحدهما: تقوَّم الأرض وعليها ذلك التراب ثم تقوم بعد أخذه منها ويضمن ما بين القيمتين، والثاني: يضمن أكثر الأمرين من هذا أو من قيمة التراب بعد نقله عن الأرض.
فرع آخر لو غصب أرضاً وقلع منها شجراً والشجر باق ففي كيفية ضمانه ثلاثة أوجه أحدهما: يضمن ما بين قيمة الشجر قائماً ومقلوعاً لأنه متعدَّ على الشجر، والثاني: يضمن ما بين قيمة الأرض ذات شجر قائم وما بين قيمتها والشجر مقلوع فيها لأن تعديه قد سرى إلى الأرض، والثالث: يضمن أغلظ الأمرين لاجتماع العلتين في تغليظ الغصب، ولو استهلك الشجر حين قلعه فضمانه على الأوجه الثلاثة فعلى الوجه الأول يضمن قيمة الشجر قائماً، وعلى الوجه الثاني يضمن ما نقص من قيمة الأرض بقلع الشجر، وعلى

الجزء: 6 - الصفحة: 438

الوجه الثالث: يضمن أغلظ الآمرين.
فرع آخر لو غصب أرضاً وطرح فيها تراباً فزادت قيمتها به ولا يمكن نقلها لاختلاطها وبسطها فيه فإن كان نجساً كالأرْواث والكسايح النجسة فلا شيء للغاصب فيها، وإن كان طاهراً فيه وجهان أحدهما: أنه مستهلك لا شيء له فيه لاستهلاكه إياه بنفسه فيما لا يتميز عنه، والثاني: يكون شريكاً في ثمن الأرض بقدر ثمن التراب كما نقول في صبغ الثوب بصبغ من عنده.
مسألة 38: قال: "ولو غصبَ جاريةً فهلكتْ فقال الغاصبُ: ثمنها عشرة".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب جاريةُ أو عبداً أو غيره فتلف في يده قد ذكرنا أنه تلزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف، وقال أبو حنيفة: تلزمه قيمتها يوم الغصب [33/ب] لأن ما زاد فيها لا يصير مغصوباً، وقال أحمد: يعتبر قيمتها يوم التلف لأن زيادة السوق لا تضمن مع بقاء العين فكذلك بعد التلف وهذا غلط لأنه مخاطبٌ بردها في كل وقت، فإذا فات الرد ضمنها بقيمتها في جميع زمان وجوب الرد، فإذا تقرر هذا لو اختلف الغاصب والمالك في قدر قيمتها فالقول قول الغاصب لأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم لأن الأصل براءة الذمة فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المالك فإن حلف استحق ما يدعيه من القيمة، فإن قيل: أليس قلتم: لو أعتق شقصاً من عبدٍ واختلف هو والشريك في قدر قيمة نصيب الشريك الذي سرى إليه العتق القول قول الشريك الذي لم يعتق، وإن كان الغارم هو الشريك المعتق قيل: متى يسري العتق؟ فيه أقوال: أحدهما: يسري باللفظ فعلى هذا القول قول المعتق لأنه غارم.
والثاني: يسري باللفظ ودفع القيمة.
والثالث: أنه موقوف على أداء القيمة فعلى هذين القولين القول قول الشريك الذي لم يعتق لأنا لا نزيل ملكه إلا بما يقوله ولهذا نقول: المشتري والشفيع إذا اختلفا في مقدار الثمن كان القول قول المشتري لأنا لا نزيل ملكه عما اشتراه إلا بما يقر به.
فرع لو حلف الغاصب ثم أقام المالك بينةً أن القيمة ما ادعاه فالبينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة.
فرع آخر لو أقام المالك شاهدين فشهدا أن قيمته كانت ألفاً قبل الغصب لم يحكم بها، وقال

الجزء: 6 - الصفحة: 439

بعض أصحابنا: يصير لأجل هذه البينة القول قوله المالك مع يمينه لأن الأصل بقاء هذه القيمة ما لم يعلم نقصها وهذا غلط لأن ما قبل الغصب غير معتبر والبينة فيه غير مسموعة، ولو اعتبر هذا لكان القول قوله بلا يمين.
فرع آخر لو شهدت البينة أن قيمتها أكثر من مائة فهي شهادة بالمجهول هل يقبل؟ وجهان وقيل: نص الشافعي أنها لا تقبل لأنها شهادة بالمجهول.
[34/أ].
فرع آخر لو ادعى الغاصب أن قيمتها خمسمائة، وقال المالك: ألف فشهد شاهدان أن قيمتها أكثر من خمسمائة ولم يقولا: قيمتها ألفٌ تقبل هذه الشهادة حتى لا يقبل يمين الغاصب ما لم يقر بزيادة على خمسمائة فإن قال: بل ستمائة وشهد الشاهدان بأنها أكثر من ستمائة طالبنا الغاصب بزيادةٍ على ذلك وهكذا أبداً.
فرع آخر لو لم يقم بينة على قيمته ولكن أقام شاهدين على صفات المغصوبة التالفة بأنها كانت تزكية حسناء صفتها كذا وقيل: إن كانت بهذه الصفات تكون قيمتها أكثر مما قال الغاصب قال في "الأم": لا تقبل هذه الشهادة ولا يسقط قول الغاصب بذلك لأنه يجوز أن يعلم الغاصب بها داء ينقص قيمتها به مع وجود هذه الصفات المشهودة بها ولأن اختلافهما في القيمة لا في الصفة فلم تسمع البينة في غير ما اختلفا فيه، ولأن الجاريتين قد تتفقان في هذه الصفات ولكن تتفاوتان في دقائق الصفات من العقل وخفة الروح وحسن النطق ولا يمكن التقويم عليها وإنما يمكن ذلك على المشاهدة، فإن كان الشاهدان مقوَّمين يقبل قولهما إذا قالا: صفتها كذا وقيمتها كذا ولو شهدا بالقيمة دون الصفة كفى ذلك، فإن قيل: إذا كان الوقوف على كيفية الجارية بالوصف لا يمكن لم جوَّزتم السلم فيها قيل: الأمر في باب السلم أوسع، ألا ترى أنه يكفي في السلم أن يعطيه أقل ما يقع عليه اسم ذلك الموصوف وفي الإتلاف لا يكفي ذلك.
فرع آخر لو أقر الغاصب بالأوصاف وادعى مع ذلك أن قيمتها خمسمائة ويعرف أن الجارية بتلك الصفة تُسوى ألوفاً لا يقبل قوله لأنه غير ممكن ذكره القفال.
فرع آخر لو قال المالك: لا أدري كم قيمة مالي، وقال الغاصب: لا أدري قلنا للمالك: لا بد من أن تبين قدراً: واتق الله فلا تدَّح إلا القدر المتيقن فإن بين قدراً قلنا للغاصب: لا بد لك من أن تقر به أو تدعي أقل من ذلك فيكون القول قولك ولا نرضى منك بقولك لا أدري.

الجزء: 6 - الصفحة: 440

فرع آخر لو قال [34/ب] صاحب الجارية: كانت طباخةً أو قوالةً أو صناعةً وكانت قيمتها ألفين، وقال الغاصب: لم تكن كذلك وكانت قيمتها ألفاً فالقول قول الغاصب لأن الأصل عدم هذه الصفات والمالك يدعي حدوثها، ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر القول قول المالك لأنه أعرفه بملكه وليس بشيء.
فرع آخر لو قال الغاصب: كانت عمياء أو عوراء أو آبقة أو سارقة أو بها داء فكانت قيمتها كذا وأنكر المالك فالقول قول المالك لأن الأصل عدم هذه الصفات وهو المنكر واليمين في جانب المنكر، ومن أصحابنا من قال: القول قول الغاصب لأنه غارمٌ وقيل: فيه قولان وقيل قول واحد وهذا الثاني ليس بشيء، وقال القفال: إن كانت ختت هكذا إلا أنه حدث بها فالقول قول الغاصب، وإن قال: حدث قبل غصبي بها عوراً ونحوه فيه قولان أحدهما: القول قول الغاصب لأن الأصل براءة الذمة، والثاني: القول قول المالك لأن الأصل أن لا حدوث فقد اجتمع ها هنا أصلان.
فرع آخر لو غصب عبداً فعور ثم اختلفا فقال الغاصب: عور قبل الغصب، وقال السيل: بل بعد الغصب فالقول قول الغاصب لأنهما يختلفان في وقت قبض العين والأصل عدم القبض، كما لو دفع إلى قصَّارٍ ثوباً فرد عليه ثوباً وقال: هذا ثوبك وأنكر المالك فالقول قول القصار لأن المالك يدعي عليه قبض غير هذا الثوب وهو ينكره فالقول قوله.
فرع أخر لو قال المالك: هذا المغصوب يأتي في يدك، وقال الغاصب: قد تلف فالقول قول الغاصب ثم فيه وجهان أحدهما: لا شيء عليه للمالك ما لم يصدقه على تلفه، لأنه لا يدعي القيمة وقد حلف الغاصب على تلف العين، والثاني: عليه القيمة للمالك لأنه، وإن كان منكراً للتلف فيمين الغاصب مانعة من القدرة عليه فصار كالآبق يلزم الغاصب قيمته مع بقاء عينه.
مسألة: قال 39: "وما كانَ لهُ كيلٌ فعليه مثلُ كيله".
الفصل وهذا كما قال: قد بينا أن المثليَّ يضمن بالمثل والمماثلة معتبرة بالكيل في المكيل وقد ذكرنا في كتاب البيع [35/أ] إذا أتلف على رجل طعاماً ببلدٍ ثم لقيه ببلدٍ آخر كيف يطالب؟ فلا معنى للإعادة.

الجزء: 6 - الصفحة: 441

مسألة: قال 40: " ولو كان ثواباً فصيغه فزاد في قيمته".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب ثوباً فصبغه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون الصبغ من عند الغاصب، أو من عند غيره فإن كان من عنده لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يزيد، أو ينقص، أو لا يزيد ولا ينقص فإن لم يزد ولم ينقص مثل إن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وكانا بعد الصبغ بقيمة عشرين فهما شريكان هذا بثوبه وهذا بصبغه ولا ضمان على الغاصب لأن الثوب ما زاد وما نقص وفيه بعد هذا مسائل وهي إن اختاراً أن يكون الثوب بحاله لهما فعلا، وإن اختارا بيعه كان الثمن بينهما نصفين، وإن أراد الغاصب إزالة الصبغ عن الثوب كان له ثم إذا أزاله نظر، فإن زادت قيمة الثوب أو لم تزد ولم تنقص فلا شيء له ولا عليه وإن نقصت فعليه ما نقص وإن اختلفا وتنازعا فقال صاحب الثوب: يباع الثوب، وقال الغاصب: أنزع الصبغ فللغاصب نزعه لأنه عين ماله، ولو قال صاحب الثوب أنزع الصبغ، وقال الغاصب: يباع اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يجبر على نزع الصبغ كما يجبر على قلع الغراس والبناء في الأرض المغصوبة وبه قال ابن خيران وأبو إسحاق وهذا لأن الغاصب متعدَّ بصبغه فلا يستحق بتعديه إزالة ملك رب الثوب عن ثوبه، ومنهم من قال: لا يجبر عليه لأنه إذا قلعه لم ينتفع به ولا يجبر على استهلاك ماله وبه قال ابن سريج وهو ظاهر المذهب لأن الشافعي قال: إن شئت فاستخرج الصبغ، وإن شئت فأنت شريك فجعله إلى اختيار الغاصب ولم يجبر على نزعه والفرق بينه وبين البناء والغراس أنه ينتفع بمقلوع البناء والغراس بخلاف هذا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الصبغ سواداً لا شيء للغاصب فيه ورب الثوب بالخيار بين أن يأخذه ولا شيء عليه للصبغ وبين أن يسلمه إلى الغاصب ويأخذ منه قيمته، وإن كان [35/ب] حمرةً أو صفرةً فهو مخير بين أن يأخذه وعليه قيمة الصبغ وبين أن يعطيه الغاصب ويأخذ منه قيمة الثوب، واختلف أصحابه لم خصَّ السواد بإسقاط قيمته فقيل لما فيه من إتلاف أجزاء الثوب، وقال بعضهم: إنما قاله في آخر الدولة الأموية حين كان السواد نقصاناً مذموماً.
فأما بعد أن صار شعار الدولة العباسية وزيادة في الثوب على غيره من الألوان فلا، وهذا ضعيف وتعليلُ لا يختص بالسواد لأن من الألوان ما يكون نقصاناً تارةً وقد يكون زيادة أخرى فاقتضى أن يكون التعليل عاماً في اعتبار النقص وزيادته ولا يكون مختصاً بالسواد، وإن قال الغاصب: لا أختار أن أكون شريكاً فيه ولا أنزع الصبغ ولكني أهبه لصاحب الثوب هل يجبر على قبوله؟ وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 442

أحدهما: يجبر على قبوله وهو ظاهر قوله في "الأم" لأنه قال: لو غصب ساجة وشقَّها ألواحاً وأصلحها أبواباً وسمر فيها مسامير من عنده ثم رد الأبواب على مالكها ووهب له ما فيها من المسامير لزمه قبول ذلك.
والثاني: لا يجبر عليه لأنه لا يجبر الإنسان على قبول هبة العين ابتداء وجملة ما يهب الإنسان لغيره ثلاثة أحدهما: أن يكون عيناً متميزةً عن ماله فلا يجبر على قبولها قولاً واحداً، والثاني: أن يهب له منفعة متصلة بماله فيجبر على قبولها كالسمن والتعليم عند رجوع الزوج في نصف الصداق، والثالث: أن يهب عيناً متصلةً بماله كمسألتنا والغراس في الأرض المغصوبة إذا وهبه من المالك على هذا الاختلاف وكذلك الأبواب المسمرة إذا ردها ووهب منه المسمار هل يجبر على قبولها على هذا الخلاف وإن أراد المالك أخذ الثوب مصبوغاً ولا يضمن للغاصب شيئاً نص في القديم على تولين أحدهما: له ذلك كما لو كان ثوباً فقصره وهذا لأنه صار صفةً لا يمكن تمييزه من ملكه والثاني ليس له ذلك لأن له عين مالٍ فيه وهذا هو المذهب والقول الأول ليس بشيء وقيل: إنه رجع عنه.
ولو قال المالك: ادفع قيمة الصبغ إلى الغاصب [36/أ] ليكون لي الثوب مصبوغاً وامتنع الغاصب لا يجبر عليه كما قلنا في النخيل في أرضه إذا قال: ادفع قيمة النخيل لا يجبر على قبوله.
وقال في "القديم": له ذلك ويجبر الغاصب على قبوله لأنه صار صفةً له بخلاف النخيل وإن زاد ذلك فبلغ قيمته ثلاثين لم تخل الزيادة من أحد أمرين إما أن يكون لاجتماع الصبغ والثوب أو لزيادة السوق فإن كان لاجتماع الصبغ والثوب فالزيادة بينهما نصفين وفيه المسائل التي ذكرناها، ويفارق المفلس إذا صبغ الثوب الذي قيمته عشرة بصبغ تسوى عشرة فبلغت قيمته ثلاثين فالزيادة كلها للمفلس توزع على غرمائه لأنه تصرف في ملكه فالزيادة على قيمة الثوب والصبغ حصلت في ماله وها هنا الملك لهما، وعلى هذا لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة فصارت قيمته ثلاثين تقسم على الثلث والثلثين، وإن كانت الزيادة لأجل السوق نظر، فإن كانت السوق زادت فيهما سواء فالزيادة بينهما والحكم فيه كما لو لم يزد ولم ينقص، وإن كانت السوق زادت في أحدهما: كانت الزيادة لمن زادت سلعته ينفرد بها وإن نقص نظر، فإن بلغ بعد الصبغ قيمته خمسة عشر فالنقصان على الغاصب وحده ويكون الثوب بينهما لرب الثوب الثلثان وللغاصب الثلث وفيه المسائل التي ذكرناها وإن بلغت بعد الصبغ عشرة فلا شيء للغاصب ولا يجيء ها هنا بيع الثوب لأنه ليس للصبغ قيمة ولا هبة الصبغ أيضاً لأنه مستهلك فإن أراد قلع الصبغ وعليه ما نقص كان ذلك له، وإن نقصت عن العشرة فعلى الغاصب ما نقص، ولو أراد قلع الصبغ ها هنا له ذلك أيضاً.
وقال المزني: هذا نظير ما مضى في نقل التراب ونحوه وأراد به أن الصبغ وإن انمحق ولم تزد قيمة الثوب به لا يجوز له نزعه من الثوب كما قال في البئر لا يجوز له

الجزء: 6 - الصفحة: 443

طمها قال أبو إسحاق: وخطأ المزني ها هنا أظهر لأن الصبغ عين مال الغاصب ومن له عين مالٍ فله أخذه انتفع به أو لم ينتفع ولأنه ربما ينتفع به في صبغ ثوب آخر إذا أمر [36/ب] الصبغ بهذه العصارة المستخرجة من هذا الثوب والمسألة مصوَّرة حيث يقدر على الاستخراج، وإن كان الصبغ لغير الغاصب نظر، فإن كان لرب الثوب فقد خلط مالَه بمالِه فإن لم يزد ولم ينقص أو زاد فلا شيء على الغاصب والكل له، وإن نقص فعلى الغاصب ضمان ما نقص، ولو أراد المالك أن يأخذه من غير تقويم له ذلك لأنه لا فائدة في التقويم إذ لا حق فيه لغيره، وإن أراد التقويم ليعرف النقصان فله ذلك ولا أجرة له بحال بما لحقه من المؤونة كما لو أغلى زيتاً بالنار ردَّه ولا شيء عليه لثمن الحطب، وإن كان الصبغ لزيد والثوب لعمرو نظر، فإن لم يزد ولم ينقص فالثوب بين رب الثوب والصبغ نصفان وإن زاد بذلك وكانت الزيادة لاجتماع الصبغ مع الثوب فالحكم على ما مضى.
وقال أصحابنا إذا قلنا: لصاحب الثوب إجبار الغاصب على قلع الصبغ إذا كان الصبغ له فها هنا أيضاً لصاحب الثوب قلعه وعلى الغاصب نقصانه، وإن كانت الزيادة لزيادة السوق نظر، فإن كانت فيهما بالسوية فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانت السوق زادت في أحدهما: فالزيادة لمن زادت قيمة سلعته وحده، وإن نقصت عن عشرين فالنقصان في حق صاحب الصبغ وحده ويكون الثوب بينهما على ما ذكرنا.
وهذا لأن قيمة الثوب كانت عشرة وفي الصبغ بفعل الغاصب حصل النقصان فكان محسوباً عليه.
مسألة 41: قال: "ولو كانَ زيتاً فخلطَهُ بمثله".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب صاعا من زيت فخلطه فيه خمس مسائل ذكرها في "الأم" إحداها: أن يخلطه بزيت خير منه.
والثانية: أن يخلطه بمثله، والثالثة: أن يخلطه بدونه، والرابعة: أن يخلطه بجنس أخر من الأدهان كالشيرق والبان وغيرهما، والخامسة: أن يخلطه بالماء.
فأما الأولى إذا خلطه بزيت خير منه مثل إن غصب صاعاً قيمته درهمان فخلطه بصاع قيمته أربعة فهل يكون كالمستهلك أم لا؟ قال: ها هنا يكون كالمستهلك لأنه قال: الغاصب بالخيار [37/أ] إن شاء أعطى بعينه من عينه ويكون متبرعاً بالجودة: وإن شاء أعطى من غيره مثل مكيلته قال أبو إسحاق: وإنما خَّيره بينهما لأنا لو أجبرناه على أن يعطيه من عينه لأضررنا بالغاصب فإن زيته أجود من زيت المالك، وإن أجبرناه على أن يعطيه من عينه ويرجع عليه بما بين القيمتين لكان رباً لأنه يدفع مكيلة زيتٍ ويأخذ مكيلةً أخرى مثلها وشيئاً من الدراهم وهذا رباً وإن قلنا: يأخذ من الجيد بمقدار قيمة زيته لكان رباً أيضاً وهذا هو المذهب، وقال في كتاب "التفليس"

الجزء: 6 - الصفحة: 444

إذا اشترى زيتاً فخلطه بخيرٍ منه فيه قولان أحدهما: أنه يجعل كالمستهلك، والثاني: لا يجعل كالمستهلك فيكونان شريكين فمن أصحابنا من قال: ها هنا أيضاً قولان قال أبو إسحاق: وهذا محتمل في النظر ولكن الشافعي لم يومئ إليه.
ومن أصحابنا من قال: في الغصب قول واحد أنه كالمستهلك، والفرق بينه وبين المفلس أن هناك لا يمكنه الرجوع إلى كمال حقه إذا ضارب الغرماء فجعل شريكاً فيه، وها هنا يرجع في بدله وهو كمال حقه ثم إذا قلنا: إنه لا يجعل كالمستهلك فوجهه أن عين ماله موجودة مختلطة بغيره ولا يتميز عنه وكانا شريكين كما لو اشتريا صاعين معا وعلى هذا فيه قولان: أحدهما: يباعان ويقسم الثمن بينهما.
والثاني: تقسم العين بينهما على قدر القيمتين وأخذ من هذا الزيت المختلط ثلث الصاعين لأن المالك لا يجبر على بيع ملكه ولا يؤدي هذا إلى الرّبا لأن الربا يدخل في البياعات ولم يجبر بين الغاصب والمغصوب في هذا بيع وإنما هو تارك إليه بعض المكيلة مشاعاً والأول اختيار أبي إسحاق، وأما الثانية إذا خلطه بمثله فظاهر النص ها هنا يدل على أنه كالمستهلك أيضاً، واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن سريج وأبو إسحاق: ها هنا لا يجعل كالمستهلك قولاً واحداً ويرجع المالك إلى عين ماله وهو قدر مكيلته من هذه الجملة والشافعي جمع بين المسألتين [37 /أ] ها هنا ورجع جوابه إلى الخلط بالخير دون الخلط بالمثل وكثيراً يفعل الشافعي ذلك، وقال غيرهما: هذا خلاف مذهب الشافعي لأنه أجاب عن المسألتين وفصَّل ذلك في "الأم" 42 فقال: وإن خلطه بمثله قيل للغاصب: إن شئت أعطيته مكيالاً من هذا الزيت لأنه غير مزدادٍ على حقه ولأنه لا يتميز زيته من زيتِه فيصير كالمستهلك فعلى هذا الخلط بالمثل كالخلط بالخير على ما ذكرنا ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه يمكن ها هنا إجباره على إعطائه من عينه لأنه لا يؤدي إلى الضرر بالغاصب فأجبرناه، وأما الثالثة إذا خلطه بأردأ منه فالمنصوص ها هنا أنه كالمستهلك.
ومن أصحابنا من قال: يكون شريكاً فيه ولا يكون كالمستهلك، وقول الشافعي وإن خلطه بشرَّ منه أو صبَّه في بانٍ جوابه يرجع إلى مسألة واحدٍة وهي الصب في البان فإن قلنا: يكون شريكاً فيه يباع لهما ولكل واحد منهما من الثمن بحصة زيته، وفيه قول آخر تقسم الجملة بينهما على قدر القيمتين ولا يؤدي إلى الربا على ما ذكرنا وإذا قلنا: إنه مستهلك فحقه في ذمة الغاصب فعلى الغاصب أن يعطيه مثله من غيره فإن أراد أن يعطيه صاعاً من عينه لم يجبر المالك عليه لأنه دون حقه، وإن طالبه المالك بصاع من عينه لم يجبر الغاصب عليه، وإن كان المالك رضيَ بدون حقه وإن اتفقا على ذلك جاز، وان أراد أن يعطي منه زيادةً بقيمة زيته لم يجبر لأنه رباً.

الجزء: 6 - الصفحة: 445

وقال القاضي الطبري: نص الشافعي أن المالك بالخيار إن شاء أخذ منه محل مكيلته ولا شيء له غيره لنقصان قيمته ويجبر الغاصب على هذا، وإن شاء طالبه بمثل زيته وهذا أصح.
وأما المسألة الرابعة إذا خلطه بغير جنسه فإن كان مما يتميز عنه كالعسل يؤخذ بتمييزه ويلزمه أرش ما نقص من قيمته ومثل ما نقص من مكيلته، وإن كان لا يتميز كالشيرج والبان فهو كالمستهلك بلا خلافٍ لأن تمييزه لا يمكن ولا يجوز أخذه منه لأنه مختلط بغير جنسه فيلزمه [38 /أ] أن يغرم مثل مكيلة زيته، وإن اتفقا محلى أخذ قدر مكيلته منه جاز لأن له أن يأخذ بدل حقه بما يتفقان عليه.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً آخر أنهما يكونان شريكين فيه بقدر القيمة وهذا ضعيفٌ لأن الخلط ها هنا ينقص من كل واحد منهما بخلاف الزيتين إذا خلط الجيد بالرديء لأنه ينقص الجيد ويزيد الرديء فيكونان شريكين فيه، فإن قلنا بهذا الوجه الضعيف فطلبه القسمة ليأخذ ثلث الجملة فإن زيته كان يُسوى خمسةً وخلطه بما يُسوى عشرة فإن قلنا: القسمة بيع لا يجوز لأن اختلاط الزيت بغيره مفضي إلى التفاضل وإن قلنا: القسمة تمييز نصيبٍ جاز.
وأما الخامسة إذا خلطه بالماء أو بشيء يتميز عنه قال الشافعي: إذا أمكن تمييزه حتى يحصل زيته لا ماء فيه ولا ينقص مخالطة الماء إياه أجبر المغصوب منه على قبوله ويجبر الغاصب على تمييزه وإن لحقه مؤونة وإن قيل: مخالطة الماء إياه تنقص قيمته فإن كان قد تناهى نقصانه أخذه وأرش النقصان، وإن لم يتناه نقصانه فيه قولان: أحدهما: المالك بالخيار إن شاء أخذه وأرش ما نقص من قيمته على أنه إذا نقص بعده شيء أخر أقام البينة عليه وأخذه، وإن شاء طالبه بمثل مكيلة زيته من غيره.
والثاني: حكاه الربيح يعطيه هذا الزيت بعينه وما نقصه الماء كالحنطة إذا عفنت عند الغاصب ردها وأرش ما نقص بالعفونة وليس له المطالبة بمثل زيته من غيره لأن عين ماله موجودة متميزة فلا يملك المطالبة ببدلها.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحدٍ والذي حكاه الربيع من كيسه وذلك لأن النقص ها هنا لم يستقر ويُخشى زيادته كل يوم ولا ندري قار ما يزيد حتى نوجب أرشه ويؤدي إلى التنازع أبداً وقد يؤول إلى الهلاك بفعل الغاصب فيجعل في الحال كالهالك فيرجح بمثله بخلاف الحنطة إذا عفنت لأن نقصانها مستقر متناهٍ، ومن أصحابنا من قال: أحد القولين ها هنا أنه يجعل كالمستهلك ويجب عليه بدله، ولو اختار الرجوع [38/ب] إلى هذه العين وبما ينقص كل يوم لا يجبر الغاصب عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين أن المالك بالخيار بين أن يترده ويضمنه ما نقص إلى الآن ولا شيء له في زيادة نقصان توجد بعده وبين أن يتركه به ويرجع بمثله وما تقدم أصح من هذين الطريقين.
فرع لو غصب حنطةً فخلطها بحنطةٍ فالحكم فيه كما ذكرنا في الزيت إذا خلطه بأجود منه

الجزء: 6 - الصفحة: 446

أو بمثله أو بأردأ، وإن خلطها بشعير أو غير ذلك من الحبوب يلزمه تمييزها، وإن شق ولزمته مؤونة بذلك كما لو غصب طعاماً وحمله إلى بلد آخر لزمه رده إليه، وإن لزمته مؤونة عظيمة فيه، وكذلك لو خلطه بجنسه ولكنه يمكنه التمييز مثل صغار الحب بكبار الحب والبيضاء بالسمراء.
فرع آخر لو غصب ألف درهم وخلطه بألف آخر غصبه من آخر ولا يتميز وهما سواء فيه وجهان أحدهما: يقسم بينهما، والثاني: هما بالخيار بين القسمة وبين مطالبة الغاصب بالمثل كما لو كانا مختلفين.
فرع آخر لو غصب حنطةً فزرعها وهي بذر بعد وجمعها ممكن يلزمه جمعها وردها على قياس ما ذكرنا، وقال في "الحاوي" 43 إن قلت: مؤونة جمعها فللمالك أن يطالبه بجمعها وردها، وإن كان يكثر مؤونة جمعها فيه وجهان، وكذلك لو غصب حنطةً في بلد فنقلها إلى غيره هل يكلف الغاصب نقلها ورد عينها أو يجوز له رد مثلها؟ وجهان أيضاً.
فرع آخر لو لم يمكن جمعها فالمالك بالخيار بين أن يطالبه بمثلها وبين أن يصير إلى نباتها وإمكان أخذها فإن أخذ المثل ملك المثل وزال ملكه عن البذر فإذا نبت لا حق له فيه لزوال ملكه عنه بالمثل، وإن صبر إلى نباتها وإمكان أخذها فذلك له لبقائها على ملكه فلو تلف الزرع في الأرض قبل أخذه فإن كان تلفه قبل إمكان أخذه في حال كونه حباً فنقله النمل أو بعد أن نبت على حدٍ لا يمكن أخذه فأكله الدود فعلى الغاصبه ضمانه بالقيمة دون المثل في أكثر أحوالها لأن إعواز [39/أ] أخذه قبل التلف بتعديه، وإن كان تلفه بعد إمكان أخذه بقلاً ذا قيمةٍ فالغاصب بريء من ضمانه لأنه بالترك بعد المكنة من الأخذ قاطع لتعدي الغاصب، وإن كان البذر صار بقلاً ذا قيمةٍ يمكن أخذه فإن رضي بأخذه بقلاً فهو أحق به فإن كانت قيمته أقل من قيمته حباً ضمن النقصان.
فرع آخر لو كانت قيمته نقصت عن قيمة الحب في أول إنباته ثم زادت قيمته بعد تمامه فهل يضمن الغاصب لذلك النقصان؟ وجهان أحدهما: كما لو نقصت الجارية بمرضٍ ثم زال النقص بزوال المرض هل يضمن أم لا؟ وجهان أحدهما: لا يضمن لأنه نقص لم يستقر فجرى مجرى نقص السوق، والثاني: يضمن لأن الضمان قد لزم بحدوث النقص فلم يسقط بحادث زيادة لا يملكها.

الجزء: 6 - الصفحة: 447

فرع آخر لو قال: لا أرضى به بقلاً وأريد مثل المغصوب مني حباً فيه وجهان أحدهما: يجاب إلى طلبته ليصل إلى مثل المغصوب منه، والثاني: لا يستحق ذلك لأن العين المغصوبة موجودة وإن انتقصت كالشاة إذا ذبحت والثوب إذا أخلق.
فرع آخر لو كانت الأرض للغاصب فهل يجبر على استيفاء الزرع في أرضه إلى وقت حصاده؟ وجهان احدهما: لا يجبر عليه وله أخذ المغصوب منه بقلعه لحصول البذر في الأرض بالتعدي، والثاني: يجبر الغاصب على تركه إن بذل له المغصوب منه أجرة المثل من وقت التسليم إلى وقت الحصاد لحصول البذر في أرضه باختياره.
فرع آخر لو صار سنبلاً فللمغصوب منه أخذه في سنبله، وليس له مطالبة الغاصب بالبذل لأنه في سنبله عاد إلى حاله قبل غصبه.
فرع آخر لو أخذ العشر من الغاصب فإن كان والياً لا يجزى أخذه لجوره ضمن الغاصب ذلك، ولو أن الإمام أخذه لا ضمان على الغاصب لجوازه عن فرضه.
فرع آخر لو غصب دقيقاً فنخله واستهلك نخالته فيه وجهان أحدهما: يضمن قيمة النخالة، والثاني: يضمن [39/ ب] أغلظ الأمرين من قيمة النخالة أو من نقص الدقيق بنخل النخالة وقد مضى نظير هذين الوجهين في استهلاك التراب من الأرض.
مسألة 44: قال: "ولو أغلاه على النارِ".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب زيتاً فأغلاه على النار لا يخلو من أربعة أحوال إما أن لا ينقص قيمته ولا مكيلته، أو نقصت مكيلته ولم تنقص قيمته، أو نقصت قيمته دون مكيلته، أو نقصت قيمته ومكيلته، فإن لم تنقص بأن غصب صاعين يساويان أربعة فأغلاهما وقيمتهما بعد الغلي أربعة ومكيلتهما صاعان يردان على المغصوب منه ولا شيء على الغاصب، وإن نقصت مكيلته دون القيمة بأن صار إلى صاع وقيمته أربعة ضمن الصاع الناقص بصاع مثله لأنه تلف بفعله ولا يجبر نقصان العين بزيادة القيمة، وفيه وجه آخر أنه يجبر ذلك بزيادة القيمة وليس بشيء وقيل: فيه وجهان ولا يصح ذلك لأن المنصوص ما ذكرنا، وإن نقصت القيمة دون المكيلة مثل أنه لم ينقص كيلهما ولكن أصابهما حر النار فتغير لونهما أو طعمهما فصارت قيمتهما درهمين فعليه أرش

الجزء: 6 - الصفحة: 448

النقصان ويسترجع المغلي، وإن نقصت كلتاهما فصارت قيمتهما درهماً ورجعا إلى صاعٍ فعليه ضمان الصاع التالف وما نقص من القيمة أيضاً لأن كل واحدٍ منهما يضمن بالانفراد فيضمن عند الاجتماع.
فإن قيل: إذا غصب زيتاً فخلطه بأردأ منه فنقصت قيمته قلتم: المالك بالخيار إن شاء أخذ مثل زيته، وإن شاء أخذ من عينه مثل مكيلته من غير أرش النقصان فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ها هنا يأخذ عين ماله فجاز أن يأخذ معها ما نقص من قيمته وليس كذلك في الخلط لأنه يأخذ بدل ماله ولا يجوز أن يأخذ بدل مكيلته وزيادة دراهم لأنه ربا وهذا كما نقول: لو غصب ديناراً فقرضه أخذه وما نقص من قيمته وان أتلفه لم يجز أن يأخذ ديناراً رديئاً [40/أ] وأرش النقصان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى لفظ الكتاب فمن أصحابنا من يقرأ: وما نقصت مكيلته أو قيمته بفتح التاء، ومنهم من يقرأ: أو قيمته بضم التاء وفي بعض النسخ وما نقصت مكيلنه وقيمته بحذف الألف وفي بعضها أو قيمته بإثبات الألف فمن قرأ: أخذه وما نقصت مكيلتُه وقيمتُه بحذف الألف وضم التاء من القيمة فمعناه إذا كان عين الزيت ناقصة والقيمة ناقصة أخذ العين الناقصة وغرم كلا النقصانين.
ومن قرأ بإثبات الألف وضم التاء فمعناه تنويع الحالتين في النقصان أي إن كان النقصان واقعاً في المكيلة دون القيمة أخذه وما نقصت مكيلته، وإن كان النقصان واقعاً في القيمة دون المكيلة أخذ المكيلة بتمامها أو غرمه نقصان القيمة.
ومن قرأ أخذه وما نقصت مكيلته أو قيمته بفتح التاء وإثبات الألف فمعناه إذا كان النقصان واقعاً في المكيلة وذلك النقصان غير متناه كان المالك بالخيار إن شاء أخذ ما وجد من زيته بنقصه ورجع على الغاصب بأرش النقصان، وإن شاء تركه في يد الغاصب وغرمه مثل زيته إن كان المثل موجوداً أو قيمته إن كان المثل مفقوداً.
فإن قال قائل: على هذه القراءة إذا كان الزيت من ذوات الأمثال كيف يجوز إذا كان النقصان غير متناه أن يخيره الشافعي بين أخذ زيته وأخذ قيمته وهلاَّ قال: أخذه وما نقصت مكيلته أو مثله؟ قلنا: لعله عبّر عن المثل بالقيمة كما يعبر مجازاً عن القيمة بالمثل، وقال الشافعي في كتاب الطهارة في مسألة الجنب والميت: فإن خافوا العطش شربوه ويمّموه وأدوا ثمنه في ميراثه وأراد بالثمن المثل، والثاني: لعله صور المسألة عند عدم المثل والمثل إذا كان معدوماً كان المرجع إلى القيمة وهذه القراءة أضعف القراءات لهذا السؤال.
فرع إذا أغلاه على النار فنقص من قيمته دون مكيلته ولم يكن النقص منتهياً بل يحدث نقص آخر بعده فإن كان ما ينتهي إليه من النقص الثاني [40/ب] محدوداً فليس له إبدال الزيت بغيره وينتظر حدوث نقصانه فيرجع به، ولو تلف الزيت قبل انتهاء نقصانه فهل يرجع بما كان ينتهي إليه من نقص؟ وجهان مخرجان من القولين فيمن قلع سن صبي لم

الجزء: 6 - الصفحة: 449

يُثغر فانتظرنا النبات فمات قبل معرفتنا أنه نبتت أم لا هل يستحق ديته؟ قولان: أحدهما: لا أرش لعدم حدوثه ولو كان باقياً فطالب بالأرش قبل حدوث النقص لم يكن له أيضاً.
والثاني: له أرش للعلم به، ولو كان باقياً فطالب بالأرش قبل حدوث النقص لم يكن له أيضاً.
فرع آخر لو لم يملك الزيت ولكنه باعه قبل انتهاء نقصانه فإن أعُلم به المشتري فلا ود له لعلمه نصيبه، وللمالك أن يرجع على الغاصب بنقصه لأنه عاوض عليه ناقصاً، وإن لم يُعلم المشترى به فله الرد بحدوث نقصه، فإن لم يرض به ورده رجع المالك بأرشه على الغاصب، وإن رضي به ولم يرده ففي رجوعه على الغاصب بأرش نقصه وجهان أحدهما: لا يرجع لأنه بالمعاوضة سليماً قد وصل إليه من جهة المشتري تمام ثمنه، والثاني: يرجع لضمانه له بالغصب ولا يكون حدوث رضا المشتري به براءة للغاصب منه، وإن كان ما ينتهي إليه من النقص في الثاني.
غير محدود فقد ذكرنا قولين وقيل وجهان.
فرع آخر لو غصب عصيراً فأغلاه حتى صار رُبّاً ونقصت مكيلته قال ابن سريج: يرده ولا يلزمه نقصان المكيلة لأن العصير إذا أغلي تداخلت أجزاؤه ويكون نقصان المكيلة بتداخل الأجزاء وذهاب الرطوبة المائية لا بتلفها، وليس كذلك في الزيت فإن نقصانه بتلف بعض الأجزاء، قال صاحب "الإفصاح": هذا عندي غير صحيح لأن النقصان قد حصل فيه من طريق المشاهدة كما في الزيت والأول أصح لأن أجزاء العصير كلها موجودة فيه، وإن كانت قد اجتمعت وثخنت، ألا ترى أنه إذا وُزن يحصل منه مثل وزن العصير، وقوله: إن النقصان حصل من طريق المشاهدة لا يصح لأنه لو غصب دقيقاً ولتَّه بدهن أو عجنه بماء قد نقص مكيلته من طريق المشاهدة ولا يلزمه [41/أ] النقصان لأن الأجزاء موجودة كذلك ها هنا.
فرع آخر لو غصب لبناً فعمله جبناً رجع به جبناً وبالنقص إن كان في قيمته وهل يرجع بنقص مكيلته؟ فيه وجهان كما قلنا في العصير إذا أغلي فانتقص مكيلته.
مسألة 45: قال: "وكذلك لو خلطَ دقيقاً بدقيقٍ فكالزيتِ".
وهذا كما قال: إذا غصب دقيقاً فخلطه بدقيق من عنده قال الشافعي ها هنا: هو كالزيت إذا غصبه ثم خلطه بزيت من عنده، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال وهو الصحيح: معناه أنه يصير شريكاً للغاصب كما نقول في الزيت ولكن لا يجوز قسمة الدقيق، كما لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ بخلاف الزيت لأنه إذا غصب زيتاً فخلطه بزيت من عنده يجوز لهما أن يقتسماه لأن بيع الزيت بعضه ببعض متماثلين جائز وتشبيه الشافعي إياه بالزيت في ثبوت

الجزء: 6 - الصفحة: 450

الشركة بالبيع دون المقاسمة، ومنهم من قال: قول الشافعي: أنه كالزيت أراد في أنه يصير مستهلكاً فتضمن قيمته ولم يرد به أنه كالزيت في أن له مثلاً وهذا لأنه لا مثل للدقيق لاختلاف طحنه المفضي بالصنعة والعمل إلى عدم تماثله ويفارق الحنطة التي ليس للآدميين صنعة في كبر حبها وصغره وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة فعلى هذا إذا خلط الدقيق بالدقيق فيه وجهان أحدهما: يلزمه قيمته، والثاني: يكونان شريكين فيه فيقتسمان ثمنه، ولو أرادا الاقتسام فيه وجهان بناءً على أن القسمة بيع أو إقرار حقٍ، ومن أصحابنا من قال: إن كانت قيمتها متفاوتة لا تجوز القسمة لأنه إذا قسم على القيمة يتفاوت، وإن كانت قيمتها متساوية فعلى وجهين على ما ذكرنا.
وقال أبو الطيب بن سلمة: تجوز القسمة بكل حال لأنه لا ربا في القسمة وهذا لا يصح لأنا إذا قلنا: إنها بيع فالربا فيهما واحد وان قلنا: إقرار حق لا يمكن إيصال كل واحدٍ منهما إلى حقه لجواز أن يكون بعضه أنقص من بعض فيأخذ المكيال من الناعم أكثر فلا تكون قسمة عدل، وقال ابن سريج: هو كالزيت في أن له مثلاً لظاهر كلام الشافعي ها هنا وهذا لأنه لا تتماثل أجزاؤه وإن تفاوت [41/ب] الطحن في النعومة والخشونة وهذا أقرب من تفاوت الحنطة في صغر الحب، وقد روى الكرابيسي عن الشافعي أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق فيكون كالزيت من كل وجهٍ وهذا ضعيف لما ذكرنا ولم تصح رواية الكرابيسي عن الشافعي.
مسألة 46: قال: "ولو كانَ قمحاً فَعَفَّنَ عندهُ ردَّهُ وقيمةَ ما نقص".
وهذا كما قال: إذا غصب حنطةً أو غيرها من الحبوب فعفنت لطول مكثها أو بلها بالماء فإن استقر نقصها ردها وما نقص، وغن لم يستقر فقد ذكرنا فيه الخلاف، وأعلم أن الشيخ أبا حامد جعل العفن كالبلّ، وقال القاضي الطبري: العفن ليس من فعله فلا يضمن ما يتولد منه بخلاف البل فيردها وما نقص به قولا واحدا وهذا أصح، فإن قيل: العفن مضمون عليه لوجوده في يده كالبل الذي حصل بفعله فكل ما تولد منهما سواء في الضمان ولهذا لا فرق بين أن يبتل بما، المطر أو بفعله أو بفعل غيره قلنا: النقص إذا حصل بالبل ثم زاد فتلك الزيادة متولدة من البلل فضمن، وأما العفونة تزيد ببقائه ومكثه في يده كما في الأصل حصل بذلك لا أن بعضها يتولد من بعض فافترقا.
وقال أبو حنيفة: المالك بالخيار بين أن يطالبه ببدل العفنة وبين أن يمسكها ولا شيء له، لأنه لو ضمنه النقصان لحصل له مثل كيله وزيادة وهذا غلط لأن عين ماله باقية وإنما حدث فيها نقصان وكان له ما نقص كما لو كان ثوباً فخرَّقه عرضاً.
مسألة 47: قال: "وإنْ غصَبُه ثوباً وزعفراناً فصبغه به فربُّهُ بالخيار، إن شاء أخذهُ، وإن شاء قومه أبيضَ وزعفرانُه صحيحاً".

الجزء: 6 - الصفحة: 451

الفصل وهذا كما قال: إذا غصب ثوباً وزعفراناً من رجل فصبغه به قد ذكرنا هذه المسألة وأعادها الشافعي ها هنا لأن الزعفران إذا كان صحيحاً كان أثمن منه إذا كان مطحوناً، وروى الربيع مثل هذا اللفظ أيضاً وموضع الإشكال أنه قال: فربه بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء قومه أبيض وزعفرانه صحيحاً وضمنه قيمة ما نقص وهذا الثوب لم يحدث به نقصان لا نهاية له فكيف يتخير المالك في أخذه وتركه، وظاهر اللفظ [42/أ] يقتضي تخييره فنقول: مراد الشافعي بذكر المشيئتين تنويع الحالتين أي: إن كان الثوب والصبغ غير ناقصين أخذ الثوب مصبوغاً ولا شيء له.
وقد قال في الكبير: ولا شيء له والمزني ما نقله، وإن كانت القيمة ناقصة أخذ الثوب ورجح على الغاصب بالنقص ويحتمل معنى ثانياً وهو أن رب الثوب بالخيار بين الاستقصاء في استيفاء حقه وبين المسامحة فإن اختار المسامحة أخذ الثوب مصبوغاً على أي حالٍ كان ولم يغرم الغاصب شيئاً، وإن شاء الاستقصاء قوّم الثوب أبيض وزعفرانه صحيحاً وغرمه ما نقص إلا أن هذا يضعف بما حكينا من لفظ الشافعي في الكبير حيث قال: أخذه ولا شيء له ومن كان له حق فتركه على وجه المسامحة لم يحسن أن يقال: ولا شيء له.
فرع قال 48: ولو غصب من رجل سمناً وعسلاً ودقيقاً فعصده كان لصاحبه أن يقوم كل واحد منها على الانفراد ثم يقومها معصوداً، فإن نقصت قيمتها غرمه النقصان، وإن زادت قيمتها كانت له بزيادتها ولا حق للغاصب فيها ولا أجرة له ولا قيمة ما أحرقه من الحطب، وإن كان نقصانها غير متناهٍ فعلى ما ذكرنا.
فرع آخر لو غصب حنطة فطحنها يلزمه ردها مطحونة فإن نقصت قيمتها يلزمه ما نقص من قيمتها وإن طحنها ناعمة فزادت قيمتها فلا أجرة للغاصب فيما فعل وعليه رد الدقيق إلى صاحبه ولا يملكه بالطحن، وقال أبو حنيفة: يملكه بالطحن وهذا غلط لأنه عدوان محض فلا يملك به المغصوب وهكذا الخلاف إذا غصب غزلاً فنسجه ثوباً أو حديداً فعمل منه السكاكين أو ثوباً فقطعه وخاطه قميصاً، أو غصب شاةً فذبحها وشواها ويمكن أن يقال: هذا النقص بالشيء غير مستقر لأنه في المتعقب فيكون الحكم فيه ما ذكرنا من الطريقين واحتج بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زار قوماً من الأنصار في دارهم وقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة فجعل يلوكها ولا يُسيغها فقال: أن هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير حق فقالوا: نعم يا وسول الله طلبنا في السوق فلم نجد فأخذنا شاةً لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها فقال النبي [42/ب]- صلى الله عليه وسلم -: "أطعموها

الجزء: 6 - الصفحة: 452

الأسارى" 49 فدل على أنه انقطع عنها حق مالكها بالذبح والشواء لأنه لم يأمر بردها إلى مالكها قلنا: يحتمل أنه كان صاحبها غائباً وخاف فسادها فأمر بإطعام الأسارى لاضطرارهم إليها حتى يؤذي القيمة من بيت المال.
فرع آخر لو غصب نقرة فضربها دراهم فهي لصاحب النقرة ووافقنا فيه أبو حنيفة، ثم إن لم يمكن نقص أصلاً ولا زاد فلا شيء، وإن زاد ولم ينقص فالزياد ة للمالك ولا شيء للغاصب وإن نقص من الأجزاء فعليه ضمان ما نقص من الأجزاء وإن نقصت القيمة والأجزاء فمن كليهما.
فرع آخر لو غصب شاة ثم استدعى قصاباً وأمره بذبحها فذبحها يأخذها صاحبها مذبوحة وله أرش النقص ويطالب من شاء من الذابح والغاصب ولكن إن ضمن الذابح رجع على الغاصب لأنه ذبح للغاصب فصار كما لو ذبح بنفسه، ويفارق هذا إذا غصب طعاماً ثم أطعمه غير المالك فغرم الطاعم للمالك لا يرجع به على الغاصب في أحد القولين لأن هناك صرفه إلى ملك نفسه بخلاف الذابح.
فرع آخر لو غصب مجوسي شاةً فذبحها ضمن جميع قيمتها والمغصوب منه أحق بجلدها لأنه بعين ماله فإن غلبه رجل فدبغه هل يملكه؟ فيه وجهان.
فرع آخر لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبح شاة مغصوبة قال في "الحاوي": ضمن المجوسي نصف قيمتها لأنه أحد الذابحين، وضمن المسلم نصفها لو لم يكن المشارك له في الذبح مجوسياً مثاله أن تكون قيمة الشاة عشرين درهماً، ولو ذبحها صارت قيمتها عشرة فيضمن المسلم خمسة والمجوسي عشرة وهذا غريب وعندي يلزم الضمان الكامل عليهما نصفين لأنهما أتلفاها معاً.
فرع آخر لو قال الغاصب في الثوب المصبوغ: أذنت لي في صبغه وأنكر المالك فالقول قول المالك مع يمينه، فلو قال أذنت لك ثم رجعت عن الإذن قبل صبغك، وقال الغاصب: بل كنت إلى حين الصبغ على إذنك فيه وجهان.
فرع آخر لو اختلفا في الصبغ فقال المالك: هو لي [43/أ] وقال الغاصب: بل هو لي فإن كان الصبغ مما يمكن استخراجه فالقول فيه قول الغاصب مع يمينه لأجل يده، وإن كان

الجزء: 6 - الصفحة: 453

مما لا يمكن استخراجه فالقول قول المغصوب منه مع يمينه لأنه صار مستهلكاً في الثوب فجرة مجرى أجزائه.
فرع آخر صبَّاغ الثوب بالأجر إذا اختلفا هكذا فإن كان الصباغ أجيراً منفرداً فالقول قول رب الثوب، وإن كان أجيراً مشتركاً فالقول قول الصباغ، والفرق أن اليد في الأجير المنفرد لرب الثوب واليد في المشترك للأجير فافترقا في هذا الحكم.
فرع آخر لو كان المغصوب حجراً فبني عليه منارة مسجد أخذ بنقض المنارة لرد الحجر ثم عليه غرم نقض المنارة للمسجد فإن كان هو المتطوع ببنائها لخروج ذلك عن ملكه.
مسألة 50: قال: "ولو كانَ لوحاً فأدخله في سفينةٍ".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب ساجةً فبنى عليها جداراً لا يملكها وعليه قلعها وردها على صاحبها، وإن لحقه ضرر عظيم في ذلك وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ردها ويملكها بالبناء عليها فيرد قيمتها وهذا غلط لأنه مغصوب يجوز له رده فوجب رده كما لو بني حولها ولم يبن عليها فإذا ثبت هذا فقلعها وردها، فإن نقصت قيمتها يلزمه أرش النقص، والأجرة إن مضت مدة لمثلها أجرة وإن عفنت تحت البناء بحيث لو أخرجت لا قيمة لها تؤخذ منه قيمتها ولا تقلع لأنها صارت مستهلكة فهو كالثوب إذا احترق، ولو أدخلها في سفينة لا يخلو إما أن يكون على الشط أو في الماء فإن كانت في الشط في موضع لا يخشى من قلع اللوح الغرق فهو كما لو كان في البناء يؤمر بنزعها وردها على صاحبها، وإن كانت في وسط الماء فإن كان اللوح في أعلاها بحيث إذا قلع لا يدخل الماء إليها قلع، وإن كان في أسفلها بحيث إذا قلع دخلها الماء نظر، فإن كان في السفينة أدمي أو بهيمة أو مال لغير الغاصب لا يجوز نزعها حتى ترد إلى الشط، ثم ينزع في موضع يؤمن فيه من غرق الحيوان وهلاك المال، وإن كان فيها مال للغاصب اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: [43/ب] يؤمر بنزعها وإن أدى إلى هلاك ماله كما نأمره بنزع الساجة من بنائه، وإن أدى إلى نقص بنائه ومنهم من قال: ترد إلى الشط ثم يؤمر بنزعها لان لنا طريقاً إلى نزعها من غير هلاك ماله وليس كذلك هناك وهذا أقرب إلى المذهب وأصح وكذلك إن لم يكن فيها مال وخيف غرق السفينة وحدها فإذا قلنا: لا ينزع حتى ترد إلى الشط يخير المغصوب منه فنقول له: إن شئت صبرت حتى تأخذ في الشط عين مالك، وإن شئت طالبت بالقيمة في الحال فأيهما اختار كان له، فإن صبر فالكلام في النقص والأجرة على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين أن يكون المال للغاصب أو لغيره فحكمه نزع

الجزء: 6 - الصفحة: 454

اللوح ورده إلى صاحبه وهذا ضعيف لأنه لم يوجد التعدي من غير الغاصب فلا يجوز إتلاف ماله، وقال أبو حنيفة: لا ينزع اللوح بحالٍ للضرر الذي يلحقه بالنزع فنقول: عندكم لو غصب ألواحاً ومساميراً واستأجر جماعة وكلفهم تركيب السفينة من الأعيان المغصوبة لم يكن لهم حق في أعيان أموالهم بل حقهم في القيمة وأي ضرر لحقه ها هنا فدل أن ما قاله ظاهر الفساد.
فرع لو اختلطت هذه السفينة التي أدخل اللوح في بنائها بعشر سفن للغاصب ولا يوصل إليها إلا بهدم جميعها فيه وجهان: أحدهما: يهدم جميعها حتى يوصل إليه كما يهدم جميح السفينة الواحدة ليوصل إليه.
والثاني: لا يجوز هدم شيء منها إلا أن يتعين اللوح فيها ويلزم القيمة لأنه لا يجوز أن يستهلك عليه مال لا يتيقن التعدي فيه، وأما إذا غصب خيطاً فخاط به شيئاً لا يخلو إما أن يخيط ثوباً أو جرح حيوان فإن خاط ثوباً أمر بفتقه ورد الخيط إلى صاحبه والتزام النقص إن كان قد دخله النقص، وإن خُلقَ الثوب وصار بحيث إذا خرج منه تقطع ولم ينتفع به لا ينزع ويصير كاللوح إذا عفن تحت البناء، وإن خاط به جرح حيوان لا يخلو إما أن يكون آدمياً أو بهيمةً فإن كان آدمياً نظر، فإن خاف من نزعه تلفه لا يحل نزعه قولاً واحداً [44/أ] لأنه لو احتاج إليه في الابتداء له غصبه لذلك، وإن كان يخاف من نزعه شدة الضنى وتباطؤ البرء فيه وجهان بناءً على القولين فيمن خاف من إمساس الماء شدة الضنى أو تباطؤ البرء هل له التيمم أم لا؟ وإن كان يخاف الزيادة في العلة قد قيل: لا ينزع قولاً واحداً وقيل: فيه وجهان أيضاً، وإن كان بهيمةً لا يخلو إما أن يكون مما يحل قتله كالذئب والكلب العقور فيؤمر بنزعه وإن أدى إلى تلفه لأنه لا حرمة له في نفسه وكذلك المرتد، وإن كان مما يحل قتله لا يخلو إما أن يكون مما يحل أكله أو لا يحل فإن كان مما لا يحل أكله فالحكم فيه ما ذكرنا في الآدمي لأن لهذاا الحيوان حرمة في نفسه فإن كان مما لا يحل أكله فيه قولان أحدهما: يؤمو بذبحه ورده رواه الربيع لأن أكثر ما فيه دخول الضرر على الغاصب ويجوز ذلك كما يجوز نقض بنائه، والثاني: وهو ما نقله المزني وهو المذهب لا يذبح بل تلزمه قيمته لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ" وهذا ذبح لغير مأكلةٍ فإذا قلنا: لا ينزع يؤخذ من الغاصب قيمة الخيط ثم إن أخرج الخيط يوماً وهو صحيح ينتفع به فللمالك أن يسترده ويرد القيمة كما قلنا في الآبق إذا غرم القيمة ثم عاد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان في الحيوان المأكول للغاصب، وإن كان لغير الغاصب لا ينزع قولاً واحداً.
فرع لو خاط به جرح حيوان ثم مات الحيوان ثم طالب المالك، فإن لم يكن له حرمة بعد موته ينزع، وإن كان مما له حرمة كالآدمي فإن لم يفحش ابن آدم بعد نزع الخيط

الجزء: 6 - الصفحة: 455

نزع، وإن كان يفحش لم يذع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حرمة ابن آدم بعد موته كحرمته في حياته هكذا ذكر في "الحاوي" 51، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل ينزع بعد موته وجهان؟ والأصح أنه لا ينزع بحالٍ.
مسألة 52 قال: "ولو غصبَ طعاماً فأطعمه من أكله".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب طعاماً ثم أطعمه [44/ب] إنساناً لا يخلو إما أن أطعمه غير المالك أو أطعمه المالك فإن أطعمه غير المالك فالكلام في ثلاثة فصول في الضمان وقدره والرجوع، وأما الضمان فله أن يضمن من شاء منهما من الغاصب والآكل لآنه أتلف مال غيره من غير إذنه والغاصب أخذه من غير إذنه.
وأما قدر الضمان يطالب الغاصب بأكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى حين قبضه الآكل وأكله أو يطالب الآكل بأكثر ما كانت قيمته من حين قبضه إلى أن أكله ولا يضمنه ما حصل في يد الغاصب على ما ذكرنا فيما تقدم.
وأما الكلام في الرجوع لا يخلو الغاصب حين أطعمه من ثلاثة أحوال إما أن يقول: كل وأطلق أو يقول: كل فإنه لفلان غصبته منه أو كُل فإنه مالي فإن قال: كُل وأطلق أو قال: قد وهبته لك فحكمهما سواء هل يرجع الآكل على الغاصب؟ قولان أحدهما: لا يرجع لأنه دخل فيه على أن لا يكون مضمونا عليه، والثاني: لا يرجع لأنه أتلفه في منفعة نفسه وهذا أشبه وهو بمنزلة الرجوع بالمهر على الغاصب إذا غرمه المشتري قولان على ما ذكرنا، وإن غرم الغاصب هل يرجع على الآكل؟ قولان: فإن قلنا: إذا غرم الآكل لم يرجع على الغاصب لا يرجع الغاصب على الآكل.
وإن قلنا: إذا غرم الآكل يرجع على الغاصب لا يرجع الغاصب على الآكل، وقال البصريون من أصحابنا: لو أذن له بأكله فأكله من غير هبةٍ وإقباض يرجع الآكل على الغاصب قولاً واحداً، والقولان إذا أكله بعد الهبة والإقباض فعلى هذا لو غرم الغاصب لا يرجع به على الآكل قولاً واحداً وإن قال: كُلْه فإني غصبته فللمالك أن يرجع على من شاء على ما ذكرنا ثم إن رجع على الغاصب رجع الغاصب على الآكل قولاً واحداً، وإن رجع على الآكل لم يرجع به على الغاصب قولاً واحداً لأنه لم يغرم وإن قال: كُله فهو ملكي فإن رجع على الغاصب فغرم لم يرجع به على الآكل قولاً واحداً لأنه يقول أكلت ملكي فلا أرجع به عليك وإن رجع [45/أ] على الآكل هل له الرجوع على الغاصب؟ قولان وان أطعمه المالك فإن كان يعلم أنه طعامه فقد برئ من ضمانه، وإن لم يعلم فيه قولان: أحدهما: لا يبرأ من ضمانه وهو الصحيح المنصوص لأنه أكله على أنه مال المطعم ولم يأكله على أنه مال نفسه فلا يبرأ من ضمانه.
والثاني: حكاه الربيع عنه أنه يبرأ من ضمانه لأنه باشر إتلافه بنفسه فلا يجوز أن

الجزء: 6 - الصفحة: 456

يرجع بضمانه على غيره وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار المزني، وقال البصريون: إذا قال لمالكه: كله فأكله لا يبرأ من ضمانه قولاً واحداً لأن استهلاكه كان بإذن الغاصب فكان وباله عليه.
فرع لو وهبه ولم يعلمه بحاله فقبضه وأكله فيه طريقان أحديهما أنه لا فرق ففيه قولان أيضاً وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه أطلق الإطعام من غير تفصيل، والثانية أنه لا يبرأ من الضمان قولاً واحداً لأنه رده إلى يده رداً تاماً وليس كذلك إذا أباحه له لأنه لم يرده إليه، ألا ترى أنه لا يجوز للمطعم أن يتصرف فيه إلا بالأكل وحده.
فرع آخر لو دفعه إلى مالكه على وجه يجب به الضمان كالعارية أو الشراء أو الأخذ بالسوم يبرأ في جميع ذلك، ولو دفع إليه وديعة ورهنا أو قراضاً ونحو ذلك لا يبرأ من الضمان ذكره القفال، وفيه وجه أخر يبرأ لأنه عاد إلى يده.
فرع آخر لو علفه دابة المالك أو أطعم عبده لا يبرأ من الضمان قولاً واحداً، وغن علف دابته بإذنه ولم يعلم هو أنه له ينبغي أن يكون على القولين.
فرع آخر لو أذن له بعتقه فإن علم بحاله ينفذ عتقه ويبرأ هو من ضمانه، وإن لم يعلم بحاله قال أبو حامد: لا ينفذ عتقه، ومن أصحابنا من قال: يعتق ولا يبرأ من ضمانه وهو الأصح.
فرع آخر لو كان عبداً فقال: اقتله فإنه ملكي فقتله المالك يبرأ الغاصب على الصحيح من المذهب لأن القتل لا يباح [45/ب] بالإباحة فلا يوجد التعزير، وفيه وجه أخر لا يبرأ من ضمانه.
فرع آخر لو وهب من وجل فأكله ثم اختلفا فقال الغاصب للآكل: علمت غصبه وأنكر العلم فإن قال الغاصب: أعلمتك عند الهبة أنه مغصوب فالقول قول الغاصب وإن قال: علمت من غيري فالقول قول الموهوب له، والفرق أنه إذا ادعى إعلامه بنفسه فقد أنكر عقد الهبة على الصحة فقبل قوله بخلاف ما لو قال: علمت من غيري.
مسألة 53: قال: "وإذا حلَّ دابةً أو فتح قفصاً عن طائر".
الفصل وهذا كما قال: إذا حل دابة أو فتح قفصاً عن طائر نقل المزني أنهما إن وقفا ثم

الجزء: 6 - الصفحة: 457

ذهبا فلا ضمان وهو منصوص في "الأم" في كتاب اللقطة، وقال في القديم: إذا خل دابة أو فتح قفصاً عن طائر فذهبا فلا ضمان وأطلق وجملته أن فيها مسائل إحداها أن يفتح القفص ويهيجه وينفره أو فتحه ينفره فطار فعليه الضمان قولا واحداً وكذلك في الدابة لأنه ألجأه إلى الذهاب.
والثانية أن يفتحه فوقف وقفة ثم طار فلا ضمان عليه قولاً واحداً لأنه نص قوله في كتاب اللقطة وظاهر قوله في القديم، وكذلك الدابة لأن الفتح سبب غير ملجئ والطيران مباشرة وقعت باختيار الطير وإذا اجتمع السبب والمباشرة في الإتلاف ولم يكن السبب ملجئاً وتعلق الضمان بالمباشرة اختص بها كما لو حفر بئراً في طريق المسلمين وجاء أخر فطرح فيها حيواناً لإنسان فمات يلزم الضمان على الطارح دون الحافر.
وقال مالك: يضمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول أخر للشافعي وأنكره أهل العراق، واحتج بأن فتح القفص سبب في إتلافه فضمنه وهذا غلط لما ذكرنا.
والثالثة أن لا يقفا عقيب الفتح والحل وذهبا في الحال فظاهر ما نقله المزني أن عليه الضمان لأنه شرط وقوفهما بعد الفتح ساعة [46/أ] في سقوط الضمان فدليله أنهما إذا لم يقفا وذهبا من ساعتهما يجب الضمان.
وقال في "الإفصاح": ذكر الشافعي في هذه المسألة في كتاب اللقطة، وقال: لا ضمان عليه وأطلق والقاضي أبو حامد خالفه في هذه الحكاية، وقال: شرط الشافعي في كتاب اللقطة ذهابهما بعد وقوفهما في سقوط الضمان، وفي الجملة اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا ضمان عليه ولا فرق بين ذهاب الطير من ساعة الفتح وبين ذهابه بعد وقوفه، وقال: لا أجعل لكلام الشافعي دليل الخطاب وبه قال أبو حنيفة، وهذا لأن هذا السبب غير ملجئ فأشبه إذا وقف ثم خرج، وقال أكثر أصحابنا وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة: يلزمه الضمان لاتصاله بالسبب فصاركالإلجاء وهذا ظاهر ما نقل المزني، ومن أصحابنا من قال: إن كان الدنو منه هيجه ضمن وإلا فلا يضمن قولاً واحداً.
فرع لو أمر طفلاً أو مجنوناً بإرسال طائر في يده فأرسله فطار فهو كفتح القفص عنه أو نفره أو أمر الطفل بتنفيره ضمنه، وإن لم ينفره ولبث زماناً لم يضمنه وإن طار في الحال فيه وجهان.
فرع آخر لو كان الطائر ساقطاً على برجٍ فنفره بحجر رماه به فطار من تنفيره لم يضمن.
فرع آخر لو رمى وجل حجراً في هواء فأصاب طير رجل ضمنه عمد أو لم يعمد لأنه ليس له منع الطائر من الطيران في هوائه، بخلاف ما لو دخلت البهيمة داره فمنعها بضرب لا تخرج إلا به لا يضمنها لأن له مع البهيمة من داره.

الجزء: 6 - الصفحة: 458

فرع آخر لو فتح مراح غنم فخرجت ليلاً فرعت زرعاً فإن كان الذي فتحه المالك ضمن الزرع، وإن كان غير المالك لم يضمنه، والفرق أن المالك يلزمه حفظها بالليل فإذا فتح عنها ضمن لترك حفظها بالليل حتى لو كان نهاراً لا يضمن وغير المالك لا يلزمه حفظها فإذا فتح عنها لم يضمن.
فرع آخر لو حلَّ دابةً مربوطةً على علف أو شعير فأكلته لم يضمن لأن الدابة [46/ب] بالإباحة فلا يوجد التعزير، وفيه وجه أخر لا يبرأ من ضمانه.
فرع آخر لو وهبه من رجل فأكله ثم اختلفا فقال الغاصب للأكل: علمت غصبه وأنكر العلم فإن قال الغاصب: هي المتلفة دونه، وكذلك لو كسرت إناء في الدار لم يضمنه سواء اتصل ذلك بالحل أو انفصل عنه.
فرع آخر لو هدم حائط رجل فدخل آخر فأخذ ماله لم يجب على الهادم ضمان المال بل يجب ضمان الحائط فقط.
فرع آخر لو حل قيد العبد فهرب لا ضمان عليه سواء هرب من ساعته أو بعده لأنه لا يمسك بالقيد عرفاً، وقال بعض أصحابنا: لو كان العبد مجنوناً فحل قيده فخرج يحتمل أن يضمن لأنه تمسك بالقيد عرفاً كالطير.
مسألة 54: قال: "ولو حلَّ زَّقاً أو راوية فاندفقا ضمن".
الفصل وهذا كما قال: إذا حلَّ زقاً فيه شيء فخرج فيه مسائل: إحداها: أن يكون ما فيه مائعاً كالماء والدهن وخرج بحله مثل أن كان خروجه عقيب فتحه يلزم ضمانه لأن المائع لا اختيار له وخروجه كان بفعله وفتحه للزق مع علمه بخروج ما فيه مباشرة لإخراجه بلا خلاف ويفارق الطير لأن له اختياراً.
والثانية: أن يكون الزق مستنداً إلا أنه لما حلا اضطرب فسقط وخرج ما فيه يلزمه الضمان أيضاً لأنه خرج بفعله.
والثالثة: أن لا يخرج عقيب الحل ولكنه لما حله مال أحد جانبيه ولم يزل يميل ويسيل من رأسه قليلاً قليلاً حتى سقط فخرج ما فيه يلزمه الضمان أيضاً، لأنه حصل بسراية فعله.
والرابعة أن لا يخرج عقيب الحل وثبت الزق بعد الحل مستنداً إلى حائط ثم سقط بعد ذلك بهبوب الريح أو

الجزء: 6 - الصفحة: 459

زلزلة أو تحريك إنسان أو لم يعلم كيف سقط فلا ضمان عليه لأن الظاهر أن حله لم يدفعه ولم يحصل من جهته سبب ملجئ.
والخامسة: أن يكون في الزق شيء جامد مثل السمن والدبس فحله ثم وقعت عليه الشمس فذاب ثم اندفق فيه وجهان: أحدهما: لا ضمان عليه لأن الحل كان ولم يكن منه [47/أ] اندفاق وإنما حصل من الذوبان بوقوع الشمس عليه.
والثاني: يلزمه الضمان وهو الصحيح لأن الاندفاق حصل من حله لا بمعنىَّ آخر ويخالف إذا كان ذائباً فوقف ثم أندفق لأنا نعلم أنه حدث فيه أمر آخر دفعه غير الحل، ولو أندفق بسبب آخر بتحريك ريح ونحوه لا يضمن وجهاً واحداً وعند أبي حنيفة يجب ضمان ما في الزق في جميع الأحوال.
فرع 55 لو كان في الزق ما هو بطيء الذهاب كالدبس الثخين والعسل القوي فاندفع يسيراً يسيراً حتى ذهب ما فيه فإن كان مُستعلى الرأس فلبث زمانا لا يندفع شيء منه ثم اندفع فلا ضمان، وإن اندفع في الحال أو كان منكساً رأسه فإن لم يقدر مالكه على استدراك شده حتى ذهب ما فيه ضمنه، وإن قدر على استدراك ما فيه فتركه المالك مع القدرة على استدراك شده فهل يضمن؟ وجهان أحدهما: يضمن كما لو خرق ثوبه وهو قادر على منعه أو قتل عبده وهو قادر على منعه، والثاني: لا يضمن، والفرق أنه في القتل والتخريق مباشر وفي حل الوكاء متسبب والسبب سقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه كمن حفر بئراً فمر بها الإنسان وهو يراها ويقدر على اجتنابها فلم يفعل حتى سقط فيها لم يضمنه الحافر.
فرع آخر 56 لو كان الزق مُستعلى الرأس وهو يندفع بعد الحل يسيراً بعد يسير فجاء أخر فنكسه حتى تعجل خروج ما فيه فذهب فعلى الأول ضمان ما خرج قبل التنكيس وفيما خرج بعده وجهان أحدهما: ضمانه عليهما لاشتراكهما في سبب ضمانه، والثاني: ضمانه على الثاني لسقوط السبب مع المباشرة فمار كالذابح يسقط سراية الخارج.
فرع أخر 57 لو أدنى من الجامد ناراً بعد كشف إناثه وحل وكائه فحمي بها وذاب فلا ضمان على واحدٍ منهما، أما صاحب النار فلم يباشر بها ما يضمن به، وأما كاشف الإناء وحال الوكاء فلم يكن منه عند فعله جناية يضمن بها وصارا كسارقين نقب أحدهما: الحرز وأخرج الأخر المال لم نقطع واحداً منهما لأنه [47/ب] لم يكمل فعل كل واحد فيما يوجب القطع.
فإن قيل: لم ضمن إذا ذاب بالشمس في أحد الوجهين ولم يضمن إذا

الجزء: 6 - الصفحة: 460

كان بالنار؟ قلنا: لأن طلوع الشمس معلوم فصار كالقاصد له ودنو النار غير معلوم فلم يصر قاصداً له هكذا ذكره في "الحاوي" 58، ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان على صاحب النار لأنه باشر الإتلاف بإدناء النار فصار كما لو ألقى رجلاً في بئر حفرها غيره يلزم الضمان على الملقي وليس كالسرقة لأنه يجب الضمان هناك على من أخرج المال والقطع لا يجب لأنه لم يهتك الحرز وهو شرط والضمان يجب بمجرد الإتلاف.
فرع آخر 59 لو كان كاشف الإناء وحال الوكاء هو الذي أدنى النار منه فذاب ضمن وجهاً واحداً بخلاف الشمس في أحد الوجهين لأنه من فعله وليس طلوع الشمس من فعله وصار كتفرده بهتك الحرز وأخذ ما فيه في وجوب القطع عليه.
فرع آخر 60 لو حل رباط سفينة فشردت بعد حل رباطها فغرقت فإن كان غرقها في الحال من غير لبثٍ يضمن لحدوث التلف بفعله، وإن تطاول بها اللبث بعد الحل ثم غرقت بعده فإن ظهر سبب غرقها بحادث من ريح أو موج فلا ضمان لتلفها بما هو غير منسوب إليه، وإن لم يظهر حدوث سبب لتلفها ففي ضمانها وجهان أحدهما: لا يضمنها كما لا يضمن الزق إذا لبث بعد حله ثم مال.
والثاني: يضمن بخلاف الزق لأن الماء أحد المتلفات.
مسألة 61: قال: "ولو غصبَهُ داراً فقال الغاصب: هي بالكوفةِ".
الفصل وهذا كما قال: إذا ادعى رجلٌ على رجلٍ داراً في يده لم تسمع الدعوى حتى يحروها والتحرير أن يعين الدار بذكر حدودها وموضعها فإذا تحررت الدعوى لم يخل المدعي عليه من أحد أمرين إما أن يقر أو ينكر، فإن أنكر حلف وانصرف وإن أقر وقال: له في يدي دار ألزمناه أن يصفها فإذا وصفها لم يخل المدعي من أحد أمرين إما أن يقبل ذلك أو يرد، فإن قبل فغيه ثلاث مسائل إحداها قال: قد أقر بما ادعيته ووصفه ما أقر به تسلم وانصرف.
والثانية قال: [48/ أ] أقر بغير ما ادعيته ووصف ما أقو به قلنا: اقبض التي أقر بها واستحلفه على شيء واحل وهو فيما رد عينه عليه.
والثالثة قال: أقر بما ادعيته ووصف غير ما أقر به قلنا: تسلم التي وصفها واستحلفه على شيئين لأنك تدعي عليه شيئين أحدهما: الدعوى الأولى، والثاني: يدعي أنه قد اعترف لك بها فيحلف على الأمرين معاً هذا إذا قبل ما وصفه فأما إذا رد ما وصغه وقال: هذه التي وصفها ليست لي ففيه مسألتان: إحداهما: قال: أقر بغير ما ادعيته ووصف ما أقر به حلفناه على شيء واحد.

الجزء: 6 - الصفحة: 461

والثانية: قال: أقر بما ادعيته ووصف غير ما أقر به حلفاه على الأمرين معاً وعلى هذا من أقر لغيره بدار كلف التعيين فإن عين الدار فقال: هي هذه نطر ني المقر له فإن قال: قد عين ما أقر به تلا للمقر له: فما قولك في التي تدعيها فإن قال: هي لي قلنا: تسلمها واستحلفه أن التي أقر لك بها هي التي عينها فإن قال: التي عينها ليست لي قلنا: قد أقر لك بما لا تدعيه وتدعي عليه أنه عين غير ما أقر به قلنا: فاستحلفه أن التي عينها هي التي أقر لك بها وبطل حكم الإقرار في التي أقر بها لإنكار المقر له نص عليه، وإن امتنع من التعيين قال الشافعي: حبي حتى يعين، وقال أصحابنا: قلنا للمقر له عيّن أنت فإذا عين سألنا المقر فإن قال: هي التي عينها تسلمها وانصرف، فإن قال: ليس له قلنا: فعليك اليمين أنها ليست له فإن حلف سقط التعيين، وإن نكل رددنا اليمين على المقر له فإن حلف تسلمها وإن لم يحلف انصرف حتى يحلف.
فرع 62 لو قال: غصبته داره ثم قال: أردت دارة الشمس أو القمر فإن قال مبتدئاً قبل، وإن قال ذلك جواباً عن دعوى دار عليه قيه وجهان أحدهما: يقبل توله لاحتماله، والثاني: لا يقبل قوله فيه لأنه إذا كان جواباً انصرف عنه الاحتمال إلى ما تضمه الدعوى.
فرع آخر لو ادعى أنه غصب هذه الدار وأقام بينة فشهد أحد الشاهدين أنها ملكه وشهد الآخر أنها [41/ب] حيزه لم تقبل هذه الشهادة لأنها قد تكون حيزه ملكاً وغير ملكٍ فإذ قال: حيزه ملكاً تمت الشهادة.
فرع آخر 63 لو شهد أحدهما: أنه غصبها يوم الجمعة، وشهد الآخر أنه غصبها يوم الخميس لم يحكم بها لأنهما غصبان.
فرع آخر لو شهد أحدهما: فقال: أقر عندي يوم الخميس أنه غصبها، وقال الأخر: أقر عندي يوم الجمعة أنه غصبها قال الشافعي: لم تقبل هذه الشهادة وأجمح أصحابنا أنها مقبولة لأن الإقرار، وإن كان في وقتين فإنه إخبار عن الغصب في وقت واحد ومسألة الشافعي إذا قال أحدهما: الغصب كان يوم الخميس، وقال الأخر: الغصب كان يوم الجمعة.
فرع آخر 64 لو شهد أحدهما: أنه غصبها من وكيله، وقال الأخر: غصبه إياها ولم يقل: غصبها

الجزء: 6 - الصفحة: 462

منه كملت البينة لأن المغصوب من وكيله مغصوب منه فلم تتناف الشهادتان.
فرع آخر لو قال أحدهما: غصبها من وكيله، وقال الآخر: غصبها منه لم تكمل بينته، ولو قال أحدهما: رأيتها مغصوبة في يده يوم الخميس، وقال الآخر: رأيتها مغصوبة في يده يوم الجمعة كملت البينة، ولو قال أحدهما: أقر عندي أنه غصبها يوم الخميس، وقال الآخر: أقر عندي أنه غصبها يوم الجمعة لم تكمل البينة بهما لأنهما غصبان.
فرع آخر لو اعترف له بدارٍ مبهمةٍ ومات قيل للوارث: بيّن فإن لم يبين قيل للمدعي: بيّن أنت، فإن بيّن وعيّن دارا ًقلنا للوارث: ما تقول؟ فإن قال: هي التي أقر له بها أخذها وإن أنكر فقال: ليست هذه فالقول قول الوارث مع يمينه، فإذا حلف سقط تعيين المدعي وقيل للوارث: نحبسك حتى تبين الدار التي أقر له أبوك بها.
فرع آخر لا ادعى داراً في يده فقال: لا أمنعك منها سقطت الدعوى إلا أن يدعي أنه أنهدم شيءٌ منها أو نقصها حين كانت في يده فعليه ضمانه حينئذ فيحلف على أنه لا يلزمه ما ادعاه.
فرع آخر قال ابن أبي أحمد [49/أ] في التلخيص: لو أن رجلاً كان يحمل خشباً فاستراح إلى جدارٍ وأسند الخشبة إليه فسقط الجدار على شيء فأتلفه فإن كان الجدار لغيره ولم يكن بأمر صاحبه فعليه ضمان الجدار وضمان ما سقط عليه، وإن كان الجدار للحمال نظر، فإن سقط من ساعته فعليه ضمان ما سقط عليه، وإن سقط من بعد فلا ضمان عليه قلته تخريجاً قال أبو عبد الله في شرح "التلخيص": هذا صحيح لأنه إذا لم يسقط في الحال فما يحدث بعده هدر لأن كل ما بناه في ملكه أو وضعه في ملكه إذا أنهدم من غير صنع منه لا يجب عليه ضمانه كذلك ها هنا وهذا لأن الفعل مباحٌ غير مضمّن بشرط السلامة وانقضى ذلك، وقال القفال: ما قاله ابن أبي أحمد غلط لأنه لا فرق في الحكم بين أن يكون الحائط ملكه أو غير ملكه فإذا سقط من بعد لا ضمان، وإن كان غير ملكه، وإنما يفترق ضمان نفس الجدار بين أن يكون ملكه أو ملك غيره ويدل على هذا أنه لو فتح قفصاً عن طائر فطار ما فيه لغيره إن طار بعد أن وقف ساعة لا ضمان سواء كان القفص له أو كان ملكاً لغيره كذلك هاهنا.
فرع آخر لو ابتلع دابة جوهرةً لرجل لا يخلو إما أن تكون يد صاحبها عليها، أو لا يد له عليها، فإن لم تكن له يد عليها مثل إن كانت تمشي في الطريق بنفسها نهاراً فلا ضمان على أحد، وحكمها حكم بهيمةٍ لا مالك لها كالصيود لا تتعرض لها ولا لصاحبها، ولو سأله صاحب الجوهرة بيعها منه لم يجبر عليه، وقال أبو حنيفة: إن كانت قيمة

الجزء: 6 - الصفحة: 463

الجوهرة أكثر من قيمة البهيمة أجبر صاحبها على أخذ قيمتها وإلا فلا وهذا غلط لأن ما لا يستحق تملكه باستهلاك الأقل لا يستحق تملكه باستهلاك الأكثر كما لو كسرت إناء أو أكلت طعاماً، وإن كانت يد صاحبها عليه مثل إن كان راكباً أو قائداً أو سائقاً، فإن أمكن صاحب الجوهرة دفعها عنه فلا شيء على صاحب الدابة لأن التفريط من جهة صاحبها لما لم يدفعها عن الجوهرة وهو [49/ب] قادر على دفعها فتصير الجناية منسوبة إليه ذكره ابن أبي هريرة، وإن لم يمكنه دفعه عنها ولم يقدر صاحبها على دفعها أيضا بأن انفلتت من يده لا ضمان أيضاً، وإن كان صاحبها قادراً على دفعها فلم يدفع كان عليه ضمانها لأنه مفرّط في حفظها.
وقال ابن أبي هريرة إن كانت البهيمة بعيراً ضمن، وإن كانت شاةً لم يضمن لأن للعرف في البعير النفور فلزم منعه ومراعاته والعرف في الشاة السكون فلم يلزمه منعها ومراعاته وهذا خطأ لأن سقوط مراعاة الشاة إنما كان لأن المعهود فيها السلامة، فإذا أفضت إلى غير السلامة لزم الضمان كما نقول في ضرب الزوجة وتأديب الصبي.
فرع آخر إذا أوجبنا على صاحبها الضمان فإن كانت البهيمة مما لا يؤكل لحمه لم يجز ذبحها وعلى صاحبها الضمان، وإن كانت مما يؤكل لحمه فيه قولان كما ذكرنا في مسألة الخيط إذا خاط به جرحها.
فرع آخر إذا قلنا: لا تذبح يؤخذ منه قيمة الجوهرة، ثم لو ماتت أو ذبحها لمأكلةٍ فوصل إلى الجوهرة رجع بها المالك ورد القيمة بلا خلافٍ بخلاف ما لو أخذ القيمة بدل المثل ثم قدر عليه لا يرجع بالمثل لأن اتفاقهما على ذبح البهيمة لأخذ ما فيها من الجوهرة حرام فكان أخذ القيمة ضرورة وإذا حصلت الجوهرة زالت الضرورة، ولو اتفقا على القدوم إلى بلد المثل يجوز ولم يحرم فلم يكن فيه ضرورة يعتبر زوالها في الرجوع فإذا أخذ القيمة لا رجوع بعدها.
فرع آخر لو تبايعا بهيمة فأكلت ثمنها فإن كانت بعد قبض الثمن فالبيع صحيح ثم ينظر في البهيمة فإن كانت في يد البائع فالثمن غير مضمون لأن ما جنته في يده مضمون عليه والثمن ملك له وعليه تسليم البهيمة إلى المشتري فإن قدر على الثمن بموت البهيمة أو ذبحها لمالكه رَدَّ على البائع، وإن كانت البهيمة في يد المشتري فالثمن مضمون عليه للبائع فإن كانت غير مأكولة غرم مثله، وإن كانت مأكولةً فهل تذبح لأخذ الثمن منها؟ [50/أ] قولان وإن ابتلعت قبل قبض الثمن فإن كان الثمن في الذمة لا يبطل به البيع وهو باقٍ في ذمة المشتري ثم ينظر، فإن كانت البهيمة عند ذلك في يد المشتري فما ابتلعته غير مضمون على واحدٍ منهما، أما البائع فلزوال يده بالتسليم، وأما المشتري فلأنه ماله وجناية البهيمة من ضمانه، وإن كانت في يد البائع فهو مضمون عليه، فإن

الجزء: 6 - الصفحة: 464

كانت مما لا يؤكل لزمه غرم مثله فعلى هذا يكون له الثمن وعليه مثله فيتقاضَّانه، وإن كانت مأكولة اللحم فهل تذبح؟ قولان: فإن قلنا: لا تذبح لزمه غرم مثل الثمن وتقاصَّاه ولا خيار للمشتري في فسخ البيع.
وإن قلنا: تذبح لم يجز أن يتقاصاه لأن وجود عينه يمنع من استقراره في ذمة البيع والعين لا تكون قصاصاً من الذمة فعلى هذا للمشتري الخيار في فسخ البيع لأن ذبح البهيمة قد استحق في يد البائع وذلك عيبٌ حادث في ضمانه، وإن كان هو المسحتق لما أوجب العيب.
وإن كان الثمن معيّناً فإن كانت غير مأكولة بطل البيع لأنه يتعذر القدرة صار كالتالف ثم ينظر، فإن كانت البهيمة في يد المشتري فهو تالفٌ من ماله والبائع غير ضامن وعلى المشتري رد البهيمة على البائع، فإن قدر على الثمن بموتها رد على المشتري، وإن كانت البهيمة في يد البائع فالثمن مضمون عليه ويغرم مثله، وإن كانت البهيمة مأكولة ففي بطلان البيع قولان بناءً على القولين في الذبح إذا ابتلعته فإن قلنا: لا تذبح فالبيع باطل على ما ذكرنا.
وإن قلنا: تذبح فالبيع لا يبطل لأن الثمن المعين مقدور عليه ثم ينظر، فإن كانت البهيمة في يد المشتري ذبحت ودفع الثمن إلى البائع ولا خيار للمشتري في فسخ البيع لأنه عيبٌ حدث في يده، وإن كانت في يد البائع ذبحت وكان للمشتري الخيار لحدوث العيب في يد البائع، فإن كفَّ البائع عن ذبحها لم يسقط خيار المشتري لأنه لو طالب به من بعد لاستحقه، ولو أبرأ المشتري منه لم يجز لأن البراءة عن الأعيان لا تجوز [50/ ب] ولو وهبه منه لم تجز لأنها هبة ما لم يقبض وخيار المشتري في الأحوال كلها على حاله.
فرع آخر لو مرت بهيمة رجل بقدر باقلانيّ فأدخلت رأسها فيه ولا يخرج منها لا يخلو إما أن يكون بتفريط من صاحبها، أو بتفريط من الباقلاني، أو بغير تفريط منهما أو بتفريط منهما، فإن كان بتفريط مالكها مثل إن كانت يده عليها فكأنه أدخل رأس شاته في قدر غيره هل تذبح؟ وجهان: أحدهما: تذبح لأنه المفرط كما لو غصب ساجةً وبنى عليها ينُقض البناء.
والثاني: لا تذبح وتكسر القدر وعليه ضمان الكسر، وكذلك إن كانت بهيمة لا يؤكل لحمها تكسر القدر ولا تذبح بلا خلاف وتضمن الكسر إن كان الباقلاني مفرطاً مثل إن لم تكن يد صاحبها عليها وكانت قدر الباقلاني في الطريق كسرنا القدر ولا ضمان على أحد، وكذلك إن كان القدر في دكانه ولكنه قدر على دفعها عنها فلم يدفع، وإن لم يكن منهما تفريط مثل إن كانت القدر في دكانه ولا يد لأحد عليها ولم يقدر هو على دفعها عنها، فإن لم تكن البهيمة مأكولة كسرت القدر وضمن كسرها لأنه كسرها لتخليص ملكه، وإن كانت مأكولةً فيه قولان: أحدهما: تذبح البهيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 465

والثاني: تكسر القدر، وإن كان منهما تفريٌط مثل إن أخذا معاً رأسها وأدخلاه معا في القدر فالتخليص مضمون عليهما لاشتراكهما في التعدي كالمتصادمين، فإن لم تكن مأكولةً كسرت القدر وضمن صاحب البهيمة نصف الكسر والباقي هدر، وإن كانت مأكولة فإن قلنا: لا يجوز ذبحها كسرت القدر وضمن نصفها صاحب البهيمة.
وإن قلنا: يجوز ذبحها فتنازعا فقال صاحب البهيمة: تكسر القدر لأضمن نصف كسرها، وقال صاحب القدر: بل تذبح البهيمة لأضمن نصف النقص في ذبحها نظر إلى البادئ منهما لطلب التخليص فجعل ذلك في جنبته فإن بدأ به صاحب البهيمة أجبر على ذبحها وربح [15/أ] بنصف نقصانها فإن بدأ به صاحب القدر أجبر على كسرها ورجع بنصف نقصها فإن كانا ممسكين عن النزاع حتى تطاول بهما الزمان أجبر صاحب البهيمة على ذلك لأن عليه خلاص بهيمته لأنها نفسٌ يحرم تعذيبها وليس على صاحب القدر خلاص قَدره إلا أن يشاء.
فرع آخر لو كانت البهيمة لا توصل إلى منحرها لدخوله في القدر لا يكون عقرها ذكاةً لها لأنه قد يوصل إلى منحرها بكسر القدر فعلى هذا وجب كر القدر لأن عقر البهيمة لغير الذكاة حرام ثم يضمن صاحب البهيمة نصف الكسر.
فرع آخر لو دخل فصيل في دار رجل فكبر ولا يمكن إخراجه إلا بهدم الباب فإن كان التفريط من صاحب الفصيل هل يذبح؟ وجهان فإذا قلنا: لا يذبح أو كان مما لا يؤكل هدمنا الباب والضمان على صاحبه، وإن كان التفريط من صاحب الدار فلا ضمان على أحدٍ في الهدم، وإن لم يكن من واحدٍ منهما تفريط هدم الباب والضمان على صاحب الفصيل لأنه لتخليص ملكه ولم يكن من صاحب الدار تفريطٌ، وإن كان التفريط منهما فعلى صاحب الفصيل نصف ضمان الهدم على ما ذكرنا في القدر.
فرع آخر لو طرح رجل ديناره في محبرة رجل لا تكسر المحبرة إلا أن يضمن صاحب الدينار قيمة المحبرة، وإذا بذل قيمة المحبرة وجب كسرها ورد الدينار إلى صاحبه إلا أن يضمن صاحب المحبرة مثل الدينار فلا تكسر وهذا لأن في ذلك إزالة الضرر عن كل واحدٍ منهما، وإن غصبه صاحب المحبرة وطرحه فيها كسرت المحبرة ولا تجب قيمتها على صاحب الدينار لأنه بتفريط من جهته، وإن لم يكن منهما تفريط قلنا له: إن كسرت المحبرة فعليك ضمان ما نقص بالكسر ولك ذلك لأنه يزول الضرر عنهما به ولرب المحبرة أن يضمن الدينار حتى لا تكسر محبرته، وإن كان منهما تفريطٌ فيه كسرت المحبرة وعلى صاحب الدينار نصف الضمان.
فرع آخر [51/ب] لو سرق فرد خُفَّ وكانت قيمة الخفين عشرة فلما فرق بينهما كانت قيمة

الجزء: 6 - الصفحة: 466

كل واحدٍ درهمين وهلك الذي سرقه يلزمه الضمان وكم يضمن؟ فيه وجهان أحدهما: يضمن ضمان ما هلك في يده وهو درهمان لأنه قيمة ما أتلف، والثاني: يلزمه ضمانه وضمان ما نقص بالتفرقة وهو ثمانية دراهم، وإن كانت قيمة ما بقي أربعة ضمن السارق ستة وهذا أصح، لأن النقصان حصل بفعله ولا يجب القطع بلا خلاف لأن قيمة ما أخرجه درهمان والباقي في ذمته ولا قطع فيما يلزم ذمته من الضمان كما لو أتلف في الحرز شيئاً لا يقطع بضمانه، وقال القفال: الأول أصح لأنه لا يغرم إلا فعلٌ فيه وهذا الباقي لا فعل له فيه وهذا كما نقول في عبد بين شريكين قيمته مائة دينار أعتق أحدهما: نصيبه وهو موسر لا يغرم لشريكه خمسين ديناراً ولكن يقال: كم قيمة نصف هذا العبد إذا بيع نصفه منفرداً فيقال: أربعون إذا العبد لا يُشترى نصفه منفرداً عن النصف الآخر كما يشترى إذا بيع كله وجنايته كانت على هذا النصف خاصةً وفعله كان فيه وحده فضمنه وحده كذلك ها هنا.
وقال الشيخ أبو حامد وجماعة: المذهب هذا الوجه الثاني لأن الخُفٌين كالخف الواحد في الحكم لأنه لا يقع الانتفاع إلا بهما في العادة الغالبة ففي إتلاف أحدهما: إتلاف عينه ورفع تأليفه مع الخفٌ الأخر، فهو كما لو قطع من فرد خفٍ قيمته خمسة بعضه وأتلفه فرجعت قيمة كل واحدٍ من بعضه على انفراده إلى درهم يضمن كل ما نقص كذلك ها هنا ولا يقطع يده على ما ذكرنا في قطع بعض الخف الواحد عنه السرقة لأن الغرم يجب لنقص التأليف وقطع اليد لا يجب إلا بإخراج عين قيمتها ربع دينار من الحرز وقد أخرج ما يُسوي أقل من ذلك فلا قطع، فإن قيل: أليس نقصان السعر لا يلزم مع بقاء عينه فكذلك ها هنا قلنا: ذاك ليس من فعله وهذا من فعله فضمن.
فرع آخر [52/أ] لو أرسل في ملكه ماء فسال إلى ملك غيره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قدر الحاجة أو أكثر فإن كان أكثر يلزمه الضمان لأنه مفرّطٌ فيه، وإن كان قدر الحاجة نظر، فإن كان يعلم أنه يفيض إلى ضيعة غيره مثل إن علم للماء طريقاً كثقب الفارة ونحو ذلك يلزمه الضمان أيضاً لأنه مفرطٌ فيه، وإن لم يعلم ذلك فدخل الماء إلى ملك غيره فلا ضمان عليه لأنه غير مفرط فيه وكذلك إن لم تكن حاجة ولكنه أرسل قدراً جرى به العرف لا ضمان عليه، وقال في "الحاوي": إن لم يكن له في أرضه مفيض له ولا كان في حدودها ما يصده عن الخروج إليه ضمن لما في طبع الماء من الجريان.
فرع آخر الحكم في النار كالحكم في الماء سواء، فإذا أشعل في د اره ناراً فانتشرت وتعدت إلى دار جاره فأحرقتها فإن كانت النار إذا انتشرت فيما هي فيه لم يخرج عن حدود داره لا يضمن لأنه لم يتعد بها، وإن كان انتشارها فيما هي فيه يخرجها عن حدود داره ضمن لأن من طبع النار انتشارها فيما وقعت فيه فصار متعدياً بها فضمن، وإن أجَّج

الجزء: 6 - الصفحة: 467

قدر حاجته فانتشرت إلى غيره بعارض الريح لا يضمن، ولو أشعل في أرضه في يومٍ شديد الريح لا تثبت النار في موضعها ضمن.
فرع آخر لو غصب منه سجلاً أو صكاً أو كتاب عهدةٍ فأتلفه كان عليه قيمته وإن قلت وسواء بطل احتجاج المالك بها في تثبيت أملاكه أم لا، ولو لم يتلفه ولكن محا ما كان مثبتاً فيه من خطّ وثيقةٍ لا شيء عليه إلا أن ينقص بذلك قيمة الكتاب فيضمن ما نقص ولكن يعزر إن فعل ذلك إضراراً به وإبطالاً لوثيقته.
فرع آخر لو أطارت الريح ثوباً في داره فأكلته البهيمة بعد علمه فإن قدر على منعها فلم يمنع ضمن وإن لم يقدر على منعها لم يضمن.
فرع آخر لو علم هو مالك الثوب يلزمه إعلامه فإن لم يعلمه ضمن، وإن علم مالكه بوقوعه فيه ليس عليه إعلامه ولا ضمان عليه في تركه.
فرع آخر لو أطارته الريح بعد تركه فهلك فإن لم يقدر على حفظه عنا هبوبه لا يضمن، وإن قدر على حفظه [52/ب] عند هبوبه فيه وجهان أحدهما: لا يضمن لأنه لم يكن منه ما يضمن به، والثاني: يضمن كما لو أكلته بهيمة يقدر على منعها.
فرع آخر لو كان الثوب حين أطارته الريح إلى داره وقح في صبغ لصاحب الدار فانصبغ به لا ضمان على واحدٍ منهما لعدم التعدي منهما ثم ينظر، فإن أمكن استخراج الصبغ من الثوب استخرجه ويكون نقص الثوب والصبغ هدراً، وإن لم يمكن استخراجه كانا شريكين فيه بقيمة الصبغ والثوب على زيادته ونقصه.
فرع آخر لو سقط في دار رجل طائر مملوك فلا ضمان عليه ولا يلزم إعلام صاحبه به سواء كان عالماً أو غير عالمٍ بخلاف الثوب لأن الطير ممتنع وعوده بنفسه ممكن.
فرع آخر لو دخل الطير في برج صاحب الدار فأغلق عليه باب البرج فإن نوى بإغلاقه تملك الطير ضمنه، وإن لم ينو تملكه فلا ضمان عليه لأنه يملك التصرف في داره كيف شاء.
فرع آخر لو جلس قصَّار في ملك نفسه وبجنبه حمَّام متى دقَّ الثياب في ملكه لا يثبت الحمَّام فله ذلك ولا يلتفت إلى ضرر جاره ذكره أصحابنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 468

مسألة 65: قال: "ولو غصبَهُ دابةُ فضاعت فأدَّى قيمتَهَا".
الفصل وهذا كما قال: إذا غصب دابة فضاعت أو عبداً فأبق ولا يعرف موضعها يلزم الغاصب قيمتها فإذا دفعها يملكها المالك ولا يملك الغاصب العين المغصوبة، فإذا ظهرت بعد دفع القيمة إلى صاحبها كان صاحبها أحق بها ويلزمه رد قيمتها على الغاصب، وقال أبو حنيفة: إذا غرم الغاصب القيمة زال ملك المالك عن العين وملكها الغاصب وإذا قدر عليها لا يلزمه ردها إلا أن يكون الغاصب دفع قيمتها بقوله مع يمينه وكانت القيمة أكثر مما قال.
فللمالك ردها واسترجاع العين والخلاف في فصلين أحدهما: في أن الغاصب هل يملكها بدفع القيمة، والثاني: في أنه إذا قدر عليها هل يلزم الغاصب ردها أم لا؟ والدليل على قولنا إنه غرم ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده فلا يملكه به كما لو غرم قيمة العبد المدبر [53/أ] عند إباقه، فإذا تقرر هذا فإنه يجب على الغاصب أجرتها من حين غصب إلى أن أخذ القيمة قولاً واحداً.
وأما الأجرة من حين سلم القيمة إلى أن رد العين المغصوبة هل يلزم أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: تلزم الأجرة لأن العين باقية على ملكه والمنفعة له ولزمته قبل دفع القيمة لأنه حال بينه وبين ملكه وهذا المعنى موجود بعد دفع القيمة أيضا وهذا ظاهر المذهب، والثاني: لا تلزم الأجرة لأنه ينتفع بالقيمة التي أقيمت مقام العين فلا تلزم الأجرة لمنافع العين وهذا أقيس، وأما نماؤها لمالكها متميزاً كان أو غير متميز ويلزمه ردها مع النماء، ولو زادت العين بعد دفع القيمة ثم ذهبت الزيادة ضمنها في ظاهر المذهب، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أيضاً كما قلنا أيضاً في الأجرة، وكذلك قالوا في زيادة السوق إذا حصلت في هذه الحالة وبلغت العين بعد ذلك هل يضمنها أم لا؟ وأما القيمة إن كانت قائمةً ردها فإن كانت زادت فإن كانت الزيادة غير متميزة كالسمن وتعليم القرآن ردها بزيادتها، وإن كانت الزيادة متميزةً كالثمار والنتاج فهذه الزيادة للمغصوب منه دون الغاصب وهذا يتصور إذا أخذ في قيمتها عبداً أو جاريةً أو شجرة ونحو ذلك، وإن كانت تالفةً رد بدلها مثلها إن كان لها مثل أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وأعلم أن هذه الجملة ذكرها أصحابنا بخراسان والعراق وذكر صاحب "الحاوي" 66 حكم هذه المسألة خلاف هذا فقال: إذا أبق العبد المغصوب فإن قدر على رده بعد زمانٍ يسير لا يجبر على بدل القيمة، وإن كان العبد على مسافةٍ بعيدة يجبر الغاصب على دفع القيمة فإذا دفعها ملكها المالك ملكاً مستقراً وملك الغاصب العبد ملكاً مراعى ليتملَّكه بعد القدرة عليه إن شاء، أو يتوصل به إلى استرداد ما أجبر من دفع القيمة إن شاء لأن الإجبار يمنع من استقرار الملك بالعوض، ثم إذا قدر على العبد فهو

الجزء: 6 - الصفحة: 469

بالخيار بين أن يتملكه الآن وبين أن يرده ولا خيار للمغصوب [53/ب] منه لأن المغصوب منه لما ملك الخيار في الابتداء لم يملكه في الانتهاء، والغاصب لما لم يملكه في الابتداء ملكه في الانتهاء.
فإن اختار تملكه استقر ملكه عليه حينئذ باختياره، وإن طلب القيمة ولم يختر تملّكه قيل للمغصوب منه: إن رددت القيمة عاد العبد إليك ولا أجرة لك فيما مضى لأنك تملكه الآن ملكا مبتدءاً، وإن امتنعت من رد القيمة لم تجبر على ردها لأنك قد ملكتها وبيع العبد ليأخذ الغاصب من ثمنه ما دفعه من القيمة فإذا بيع فإن كان بقدر القيمة أخذ كله، وإن كان أكثر فالزيادة للمغصوب منه لأنها زيادة لم يستقر ملكه عليها، وإن كان أقل يأخذه الغاصب ويكون العجز عائداً إليه لضمانه نقص المغصوب، وإن كان رده ممتنعاً للجهل بمكانه يؤخذ منه قيمته جبراً فإذا أخذها ففي استقرار ملكه على القيمة وجهان أحدهما: أن ملكه مستقر عليها لفوات الرد، والثاني: أن ملكه عليها مراعى لجواز القدرة على الرد ثم إذا وجد العبد بعد أخذ قيمته فهو باقٍ على حكم ملك المالك يأخذه ويرد ما أخذ من قيمته فإذا استرجع رجع بنقص إن كان فيه، وبنماء إن كان وفي رجوعه بأجرته بعد أخذ قيمته وجهان مبنيان على أن ملكه على القيمة هل يكون مستقراً أو مراعى؟ ولو أن أجنبياً تصرف في هذا العبد الأبق رجع المالك عليه بالأجرة وجهاً واحداً وهل يكون مخيراً في الرجوع بها عليه وعلى الغاصب أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين فإن قلنا: يضمن الغاصب الأجرة له الخيار، وإن قلنا: إنه لا يضمن الأجرة ليس له الخيار بل يرجع على المستخدم وحده ثم إذا رجع المالك بما ذكرنا فإن كان ما أخذه الغاصب من القيمة مستهلكاً تقاصّا في مقدار الأجرة وما نقص ورد مثل الباقي منه، وإن كان باقياً فإن قلنا: باستقرار ملكه عليه له أن يأخذه منها قدر ما يستحقه ويرد الباقي بعينه وإن قلنا: إنه مراعى لم يكن له أن يأخذ منه ذلك إلا برضا الغاصب لأن وجود المغصوب رفع ملكه عن القيمة فصار [54/أ] كسائر أموال الغاصب لا يجوز أن يأخذ منها حقه إلا بإذنه إذا أمكن أن يصل منه إلى حقه وليس أن يرتهن القيمة على أخذ الأجرة وله أن يرتهنها على أخذ النقص لأنها بدل عن العين دون المنفعة.
فرع لو قال الغاصب: أنا أشتريها منك وهي عندي وقد عرفتها فباعها إياها فالبيع جائز نص عليه الشافعي قال المزني: قد أجاز بيع الغائب ومنعه في موضع آخر وهذا غير صحيح لأن هذا شيء رآه الغاصب وعرفه فلا يكون بيع الغائب كما لو كانت وديعة في يده فاشتراها بعدما رآها وعرفها وأعلم أن الشافعي يجوّز بيع المغصوب من الغاصب ومن غيره إذا كان قادراً على انتزاعه منه لا يختلف مذهبه فيه، والذي منع الشافعي هو بيع دابةٍ ضاعت من يد الغاصب وهو لا يعلم موضعها لا يجوز بيعها منه للعجز عن التسليم وجملة الأمر أن الغاصب إذا أراد شراء ما غصبه فباعه المالك نظر، فإن لم يأت عليه من المدة ما يجوز تغيره فيه يصح البيع بلا خلاف، وإن أتى عليه من المدة ما يجوز تغيره فيه يصح البيع أيضاً

الجزء: 6 - الصفحة: 470

على الصحيح من المذهب لأن العلم بصفات المبيع قد حصل.
ومن أصحابنا من قال: حكم الرؤية قد بطل بتطاول المدة وجواز التغير فيكون كبيع الغائب لخيار الرؤية وفيه قولان، وإن طالت المدة ونسيا أوصافه فقد بطل حكم الرؤية أيضاً وعلى هذا إذا كحل الإنسان فباع أملاكه التي كان قد رآها من قبل هل يجوز على هذا الخلاف؟ واعلم أن الشافعي قال ها هنا: ولو كان هذا بيعاً ما جاز أن تباع دابة غائبة وهو احتجاج منه على أبي حنيفة بدليل لا يسلمه لأن أبا حنيفة يجوّز بيع الغائب فيقال لهم: لو كان هذا بيعاً لزمكم أن تفصلوا في هذه المسألة بين المدبر والعبد القنّ وقد زعمتم أن الغاصب لو غصب مدبراً فأبق من يده يلزمه أن يغرم قيمته لمالكه ولا يجوز بيع المدبر [54/ب] عندكم فعلمنا أنه غرم ما غرم على طريق الحيلولة لا على طريق المبايعة وأخلَّ المزني بالنقل ها هنا ونقل كلام الشافعي على غير وجهه فقال: ما جاز أن تباع دابةً غائبةً كعين جُنيَ عليها فابيضت أو على سن صبي فانقلعت، ولو أراد قل كلام الشافعي من غير خللٍ لكان يقول وردَّ ما قبض من قيمتها لأنه أخذ قيمتها على أنها فائتة فكأن الفوت قد بطل كعين جني عليها فابيضت، أو على سن صبي فانقلعت فأخذ أرشها بعد أن أيس منها ثم ذهب البياض ونبتت السن فلما عادا رجع حقهما وبطل الأرش بذلك فيهما، ولو كان هذا بيعاً ما جاز أن تباع دابةً غائبةً.
فرع آخر لو أبق العبد المغصوب فاستأجر الغاصب مالكها لطلبها بأجرةِ سمَّاه فيه وجهان أحدهما: يجوز وله الأجرة المسماة لأنه مالك لمنافع نفسه فملك المعاوضة عليها، والثاني: لا تجوز الإجارة ولا أجرة له لأنه لا يصح أن يعمل في ماله بعوض على غيره.
مسألة 67: قال: "ولو باعَهُ عبداً وقبضهُ المشتري ثم أقرَّ البائعُ أنه كانَ غصبَهُ منْ رجلٍ".
الفصل وهذا كما قال: إذا باع رجل من أخر عبداً أو أقبضه إياه ثم أقر البائع أنه كان غصبه من رجل وصدقه ذلك الرجل لا يخلو المشتري من أحد أمرين إما أن يصدق البائع أو يكذبه فإن صدقه فالبيع باطلٌ وسلم العبد إلى المغصوب منه ورجع المشتري على البائع بما دفع إليه من الثمن، وان كذبه المشتري فلا يقبل قول البائع عليه في بطلان حقه من المبيع، وهل يلزم البائع قيمة العبد؟ بيناه فيما مضى فإن رجع العبد إلى البائع بشراء أو هبةٍ أو ميراث أو رد بالعيب لزمه تسليمه إلى المقر له بالغصب لأنه أقر بأنه ملكه لا حق له فيه كما نقول فيمن شهداً بعتق عبدٍ فردت شهادتهما ثم ملكاه عتق عليهما بإقرارهما السابق.
وأما الثمن فإن كان البائع ما قبض الثمن لم يكن له مطالبته به، وإن كان قد قبض لم

الجزء: 6 - الصفحة: 471

يكن للمشتري مطالبته به [55/ أ] لأن أحدهما: لا يدعي على صاحبه شيئاًَ، وإن كان هذا الإقرار من البائع قبل لزوم البيع في مدة الخيار حكمنا ببطلان البيع لأن البائع يملك فسخ البيع في هذه الحالة، وإن أقام البائع بينة بما يدعيه على المشتري بعد لزوم البيع لم تقبل بينته لأنه مكذب لها، وإن أقام المالك بينة بذلك نظر، فإن شهد له البائع لم تقبل شهادته وإن شهد غير البائع قبلت شهادته وحكمنا ببطلان البيع ورجع البائع على المشتري بالثمن إن كان قد قبضه، وإن لم يكن للمدعي بينة وأراد إحلاف المشتري كان له لأنه لما لزمه الحق بالإقرار لزمته اليمين مع الإنكار ويحلف أنه لا يعلم أنه مغصوب فإن لم يدع علمه بذلك لا يلزمه اليمين هكذا ذكره القفال، وكلام أصحابنا يدل على أنه يحلف على البتّ أنه له بحق ولا يلزمه رده إليه وان صدقه المشتري وحده قبل إقراره في حق نفسه وكلف تسليم العبد إلى المدعي ولا يقبل إقراره على البائع في نقض البيع ولا يرجع على البائع بالثمن، وإن كانت المسألة بحالها إلا أن المشتري أعتقه ثم اتفق البائع والمشتري على أن العبد كان مغصوباً لم يبطل البيع لأن هذا البيع تعلق به حق العبد فلا يقبل قولهما على إبطال حقه، فإن صدقهما العبد على ذلك لا يبطل البيع أيضاً لأن بالعتق يتعلق حق الله تعالى فلا يقبل قولهم في إبطال حق الله تعالى، وهل يرجع على البائع بقيمته؟ على ما ذكرناه فإذا قلنا: يرجع فإن شاء رجع بها على البائع، وإن شاء رجع بها على المشتري، فإن رجع على البائع رجع بها البائع على المشتري، وإن رجع بها على المشتري لم يرجع بها على البائع وإنما يرجع بالثمن الذي دفعه إليه، وإنما قلنا: إنه لا يرجع على البائع بما دفع من القيمة لأن الشراء اقتضى أن يكون العبد مضموناً عليه فلا يجوز أن يرجع عليه بضمانه على غيره، ولو كان هذا العبد يُسوى في يد البائع تسعمائة [55/ب] فباعه وسلمه إليه فصارت قيمته في يد المشتري ألفاً فغرم الغاصب ألفاً.
قال القفال: لم يرجع على المشتري إلا بتسعمائة لأنه لم يدخل في هذا العقد ليضمن الزيادة.
قال أصحابنا: يجب أن تستقر تمام الغرامة على المشتري ولا يجب على البائع إلا رد الثمن لأن المشتري أقر بأن البيع كان فاسداً، وفي البيع الفاسد بسبب الغصب يجب الضمان بأكثر القيمة كما في الغصب وهذا هو المذهب، وإنما القولان فيمن اشترى من المالك شراءً فاسداً هل يضمنه بيوم القبض أو بأكثر القيمة وقد مضى ذلك والولاء موقوف في هذه المسألة لأن أحداً لا يدعيه، فإن مات العبد وله مال كان للمدعي وحده لأنهم أجمعوا على أنه عبده، وإن أقام المدعي البينة نقضنا البيع ورددنا العتق وعاد العبد إليه.
فرع لو باع شيئاً ثم قال: بعته وأنا لا أملكه ثم ملكته الآن بإرثٍ من فلان المتوفى فإن قال حين باع: إنه ملكي لم تسمع دعواه ولا بينته لأنه سبق من إقراره ما هو تكذيب لبينته وإن لم يحصل منه ما هو صريح في أنه ملكه وإنما قال: بعتك هذا الشيء، بكذا ثم ادعى ذلك تسمع دعواه فإن كانت له بينة حكم له بها، وإن لم يكن بينة حلف له

الجزء: 6 - الصفحة: 472

المشتري لقد باعه وهو ملكه لأنه لم يحصل من إقراره ما يكون تكذيباً لدعواه وبينته نص عليه في "الأم" حكاه القاضي الطبري وغيره ورأيت مشايخ آمل لا يقبلون هذه البينة، وكذلك قالوا: لو ادعى أن المبيع كان وقفاً عليه ولم يعلم هو لا تسمع دعواه ولا بينته والنص الذي ذكرنا أولى وعليه الفتوى وهذا لأن الإنسان قه يبيع ملكه وغير ملكه وقد يبيعه ولا يعلم الوقفية ثم يعلم.
مسألة 68:قال: "وإنْ كَسَرَ لنصراني صليباً".
الفصل وهذا كما قال: الصليب موضوع على زعمهم أن عيسى ابن مريم صلى الله عليهما قُتل وصلب على مثله فاعتقدوا إعظامه [56/أ] طاعة والتمسك به قربة وقد أخبر الله تعالى بتكذيبهم فقال: ﴿ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] الآية فإن جاهرونا بالصليب وجب إنكاره ثم نظر، فإن كان الإمام شرط عليهم في عقد جزيتهم ترك مجاهرتنا به جاز في الإنكار عليهم أن يعمد إلى تفصيل الصليب وكسره رفعاً لما أظهروه من المعصية به، وإن لم يكن شرط ذلك عليهم في عقد جزيتهم وجب أن يقتصر على الإنكار عليهم في المجاهرة ولا يكسر إلا أن يقيموا بعد الإنكار على إظهاره فيكسر عليهم كسراً لا يوجب غرماً وهو بالتفصيل وإزالة التركيب فإن زاد عليه فإن كان له قيمة وهو مفصل ولم تنقص قيمته بالكسر الذي زاد على التفصيل فلا شيء عليه، وإن نقصت قيمته بالكسر فعليه ما بين قيمته مفصلاً مكسوراً وبين قيمته مفصلاً صحيحاً.
مسألة 69: قال: "ولوْ أراقَ لهُ خمرًا".
الفصل وهذا كما قال: إذا أراق مسلم لنصرانيَّ خمراً أو قتل له خنزيراً لا يضمن، وكذلك إن أراق الذمي هذه الخمرة لا يحكم عليه بالضمان فإن خرق وعاء الخمر يلزمه أرش ما نقص لأن له قيمة في الشريعة والاعتبار بما أوجبته شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - دون ما يعتقده الكفرة الفجرة، وقال أبو حنيفة ومالك: يلزم الضمان له في الخمر والخنزير، وقال أبو حنيفة: فإن أراقها مسلم يلزمه القيمة، وان أراقها ذمي يلزمه مثلها وهذا غلط لأن ما لا يضمن في حق المسلم لا يضمن في حق الذمي كالعبد المرتد والدم، واحتج الشافعي عليهم بالموقوذة لا تُضمن لهم وهم لا يسلّمون ذلك إذا اعتقدوه مالاً واحتجوا بما روي أن عامل عمر - رضي الله عنه - كتب إليه أن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - "ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر أثمانها" فدل أنها مال لهم فتضمن لهم قلنا: معناه لا تتعرضوا عليهم في بيعها [56/ب] وإنما أمر بأخذ العُشر من أثمانها لأنهم إذا تبايعوا وتقابضوا بالرضا حكمنا لهم بالملك ولا ننقضه وسماه ثمناً مجازاً لا حقيقةً.
فرع

الجزء: 6 - الصفحة: 473

[فرع] قال في "البويطي": لو غصب من رجل عبداً فجنى العبد على إنسان فالجناية تتعلق برقبة العبد إلا أنه يتعلق الضمان بالغاصب فإن كان قد قتل فاقتص منه فقد استوفى المجني عليه حقه وعلى الغاصب قيمته للمغصوب منه، وإن كان قد قطع يده فقطعت يده فهو كما لو سقطت يده بأكلةٍ فيلزم على الغاصب ما نقص أو نصف الدية على ما ذكرناه، وإن عفا المجني عليه على مالٍ وباعه فيه وأخذ ثمنه كان لصاحبه أن يرجع به على الغاصب.
وقال بعض أصحابنا: لصاحبه مطالبة الغاصب بفكاكه من أرش الجناية.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قلنا: الواجب الأقل من أرش الجناية أو قيمة العبد فأما إذا قلنا: يجب تسليم العبد للبيع أو يضمن للمجني عليه جميع الأرش فلا يجب على الغاصب تخليصه منه بجمع الأرش.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو غصب عبداً لرجل فجنى العبد في يديه جنايةً ومات العبد فعلى الغاصب تسليم القيمة لمالكه فإذا أخذها المالك كان لأولياء المقتول أن يطالبوا السيد بدية صاحبهم من القيمة لأن حق الجناية تعلق بعين العبد فتعلق ببدله كحق الرهن ثم إذا أخذوا ذلك من السيد كان للسيد أن يرجع على الغاصب فيطالبه بما أخذوا لأن ذلك الغرم لزم والعبد حينئذ مضمون عليه حتى تخلص للسيد قيمة العبد، قال: ولو كان العبد وديعةً فجنى جنايةً استغرقت قيمته ثم قتله المودع بعد ذلك وجب عليه قيمته وتعلق بها أرش الجناية، فإذا أخذها ولي الجناية لم يرجع السيد على المودع لأنه حين جنى عليه لم يكن مضمونا عليه.
فرع آخر [57/أ] وقال أيضاً: لو أن عبداً جنى في يد مالكه جنايةً تستغرق قيمته فبيع في الجناية وأخذ وليُّ كل مقتولٍ نصف الثمن كان للسيد أن يرجع على الغاصب بنصف ثمن عبده لأن نصف الثمن لزم وهو مضمون على الغاصب، فإذا أخذ ذلك كان لأولياء المقتول الأول أن يرجعوا على المالك بما أخذ لأنهم كانوا مستحقين بقيمته كلها ولم يكن للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بشيء لأنه قد غرم له النصف الذي لزم بسببه وإنما أخذ من السيد ما أخذ بما كان وجب وهو في يده.
وقاك القاضي الطبري: العلة في هذه المسألة أنه وجب على الغاصب ضمان نصف الثمن بسبب الجناية فقط، فإذا غرم مرةً ثم أخذ من يد السيد لم يرجع السيد به على الغاصب ثانياً وإنما جعل أولياء المقتول الأول أحق بما نأخذه من الغاصب من نصف الثمن لأنهم استحقوا جميع قيمة العبد قبل تعلق حق الأولياء المقتول الثاني به، وليس كذلك أولياء المقتول الثاني لأنهم لم يستحقوا من العبد إلا نصف الثمن فلم يكن لهم غير ما أخذوه.
قال أصحابنا: في هذه العبارة نظر لأن حق الثاني تعلق بجميع الرقبة أيضاً، ألا ترى أن الأول لو أبرأه استحق الثاني جميع قيمته وينبغي أن يقال: الذي يأخذه من الغاصب إنما هو عوض عما أخذه المجني عليه ثانياً فلا يتعلق حقه به ويتعلق به حق الأول لأنه بدل عن

الجزء: 6 - الصفحة: 474

قيمة الجاني لا مزاحم فيه فكان له قال: فإن كانت المسألة بحالها فمات في يد الغاصب بعد الجنايتين كان للمغصوب أن يطالب الغاصب بالقيمة وإذا أخذها أخذ أولياء المقتولين القيمة نصفين ثم لمالك العبد أن يطالب الغاصب بنصف قيمة العبد ثانياً لأنها أخذت منه بما جناه وهو في يد الغاصب فإذا أخذها كان لأولياء المقتول الأول أن يطالبوا السيد بها لأنهم كانوا قد استحقوا قيمته كلها قبل جناية العبد على الثاني ولم يكن للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بشي، لأنه لم يلزمه إلا ما أخذه منه.
فرع آخر وقال أيضاً: لو أن رجلاً غصب عبدا فقتله عبد [57/ب] عمداً فاختار السيد القصاص لم يكن له على الغاصب شيء، ولو أخذ قيمة عبده من سيد العبد القاتل لم يكن له أيضاً على الغاصب شيء، ولو اختار أن يطالب سيد العبد الجاني بما غرم ولو قصرت قيمة العبد القاتل عن قيمة العبد المقتول فطالب سيد العبد القاتل بقيمة العبد الجاني وأخذها منه كان له أن يرجع على الغاصب بباقي قيمة سيده.
فرع آخر لو غصب رجل عبداً فقُتل في يده رجلاً ثم عدا عبدٌ على العبد المغصوب فقتله عمداً فاختار سيد العبد المغصوب المقتول في يد الغاصب القود كان له ذلك ولم يكن عليه غرم لوليّ الرجل المقتول ولا له على الغاصب شيء.
فرع آخر لو غصب فحلاً فأنزاه على عقبه فلا أجرة عليه فإن نقص بذلك يلزمه ما نقص وكان النتاج تابعاً للأم وحدها، ولو غصب شاة ثم أنزى عليها فحل نفسه فالولد لمالك الأم ولا شي، له في الفحل نقص أو لم ينقص لأنه بفعله.
فرع آخر لو غصب عبداً أمرد فنبتت لحيته في يد الغاصب ونقصت قيمته بها وجب ضمان النقصان على الغاصب خلافاً لأبي حنيفة، ووافقنا أنه لو كان شاباً فصار شيخاً أو كانت جاريةً ناهدةً فسقطت ثدياها يلزمه أرش النقصان.
فرع آخر إذا غصب عبداً فقال الغاصب: رددته حياً فمات في يدك، وقال المالك: مات في يدك وأقام كل واحدٍ منهما بينة بما ادعاه تعارضت البينتان وسقطتا وضمن الغاصب لأن الأصل بقاء العبد عنده حتى يثبت رده حياً، وقال أبو يوسف بينة المالك أولى لأن الأمل الغصب، وقال محمد بينة الغاصب أولى لأن الأصل براءة ذمته وهذا غلط لأن البينتين تعارضتا من كل وجه فلا بد من التساقط لأنه لا ترجيح لأحديهما: على الأخرى.
فرع آخر إذا غصب ألف درهم من رجل وألف درهم من آخر وخلطهما ولا يتميز فإنهما

الجزء: 6 - الصفحة: 475

شريكان فيه، وقال أبو حنيفة يملكهما الغاصب ويجب لكل واحد منهما مثل دراهمه وبناه على أصله في تغيير المغصوب [58/أ] يوجب التملك.
فرع آخر إذا غصب حراً صغيراً فمات في يده لم يضمن، ولو لدغته عقربٌ فمات لا يضمن أيضاً، وقال أبو حنيفة: تضمن عاقلته الدية وهذا غلط قياساً على ما لو مات في يده وقياساً على الكبير.
فرع آخر لو غصب حراً كبيراً وحبسه مدةً لمثلها أجرة فإن استوفى فيها منفعته يلزمه الأجرة لأنه أتلف عليه متقوّماً، وإن لم يستوف منفعته فيه وجهان أحدهما: وهو ظاهر المذهب أنه لا يلزمه الأجرة لأنها تلفت تحت يده كأطرافه وثياب بدنه، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة يلزمه الأجرة لأنها منفعة تضمن بالإجارة فتضمن بالغصب كمنفعة العبد.
فرع آخر لو غصب من مسلم خمراً يمسكها بنية الخلّ هل يلزمه ردها إليه؟ وجهان وظاهر المذهب أنه لا يلزم لخبر أبي طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "أرقها" ولو غصبها من ذمي يلزمه ردها عليه لأنه يقر على شربها.
فرع آخر لو غصب خمراً وتلفت عنده ثم اختلفا فقال المغصوب منه: صارت خلاً ثم تلف فعليك الضمان، وقال الغاصب: بل تلفت خمراً فلا ضمان عليَّ فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته وأنها خمر.
فرع آخر لو اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب فقال الغاصب: إنها لي وادعى المالك أنها له فالقول قول الغاصب لأن العبد وما عليه في يده، ولو شهد شاهدان أنه رأى في يد الغاصب وعليه هذه الثياب فقال الغاصب: كانت لي فالقول قول الغاصب، وفيه وجه آخر القول قول المالك.
فرع آخر لو قال المغصوب منه: غصبتني طعاماً حديثاً، وقال الغاصب: بل غصبتك طعاما عتيقاً فالقول قول الغاصب فإذا حلف جاز للمغصوب منه أن يأخذ العتيق لأنه أنقص من حقه.
فرع آخر إذا غصب حنطة فطحنها ثم تلف الدقيق عنده قد ذكرنا أنه يغرم الحنطة قال والدي رحمه الله: ويحتمل أن يقال: يغرم قيمة الدقيق كما لو غصب خشباً واتخذ منه باباً ثم تلف عنده يضمن قيمة الباب وهذا لأن المغصوب [58/ب] مضمون بأكثر ضمانه من يوم الأخذ إلى يوم التلف ويحتمل أن يقال: المالك بالخيار إن شاء طالبه بمثل الحنطة، وإن شاء طالبه

الجزء: 6 - الصفحة: 476

بقيمة الدقيق لأن سبب ضمانهما حامل وهو قبض الحنطة وتلف الدقيق عنده بعدوان.
فرع آخر لو غصب شيئاً لا مثل له ونقد البلد في ذلك الوقت دراهم ثم تلف في ياه ونقد البلد يوم التلف دنانير فأراد صاحب المال أن يضمنه الدراهم ثم يعدل إلى قيمتها بالدنانير فإن ذلك أحظ له من تضمينه بالدنانير هل له ذلك؟ قال والدي رحمه الله: يحتمل أن له ذلك لأنا نعتبر أكثر القيمة من وقت القبض إلى وقت التلف وهذا أكثر أحوال القيمة، ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالنقد الثاني كما في المسألة قبلها يلزمه قيمة الدقيق وهذا لأن الاعتبار بحال الاستقرار عند تغيٌر الحال.
فرع آخر إذا قال لآخر: أرق ما في هذا الإناء وكان فيه خمر فصارت خلا فأراقه يلزمه الضمان، وكذلك لو قال: اقتُل عبدي هذا وكان مرتداً فقبل قتله صار مسلماً فقتله لزمه الضمان لأن الظاهر أن الإراقة والقتل لصفة الخمرية والردة فتفيد الإذن بهما لهذا الظاهر بدليل أن صاحب الشرع لو كان قال ذلك تقيا الإذن بهذين ويحتمل وجها آخر لا يلزمه الضمان.
فرع آخر رجل حمل إلى أخر دستاراً فيه فاكهةً وقال له: ضعه في دكانك فأخذه ووضعه ثم تناول من الفاكهة شيئاً فجاءه الدافع وقال: ادفع إلي الدستار فإن الفاكهة جملتها لك هل يلزمه التحليل بما تناول يحتمل أن يقال: يلزمه ذلك لأن القبول لم يكن حصل فيه على جهة الهدية ولا تتم الهدية إلا بالقبول إما تصريحاً أو معنى والقبض بعده، فإن قيل: أليس لو دفع الصدقة إلى فقير ولم يعلم أنها صدقة يصح منه القبول، وإن كان لا يعرف جهة الدفع؟ قلنا: هناك وجد منه القبول على جهة التملك بغير عوضٍ والتسليط عليه من جميع الوجوه فأغنى عن معرفة التفصيل وها هنا بخلافه.
فرع آخر لو أن لصاً معروفاً باللصوصية أودع مالاً عند رجل [59/أ] ويغلب على ظنه أن ذلك المال لغيره وربما يكون عليه الظن مثل اليقين ثم طالبه بالرد هل له الرد؟ يحتمل أن يقال: يلزمه الرد وهو القياس لجواز أن يكون ملكاً له واليد علامة الملك ويحتمل أن يقال: يتوقف في الرد ويطلب صاحبه، فإذا لم يظهر مع امتداد الزمان رده وهذا مثل من مات وترك أخاً ويحتمل له وارثاً آخر يتربص مدةً ويتفحص، فإذا لم يظهر وارث آخر سلم المال إليه.
فرع آخر لو أعار من رجل أرضاً ليغرس فيها فغرس ثم مات المعير فمضت مدة لمثلها أجرة هل للوارث مطالبته بأجرة مثل سكان الغراس فقياس المذهب أن له المطالبة لأن العارية بطلت بالموت فصار كما لو بطلت في حال الحياة برجوع المعير فيكون له المطالبة بالأجرة.

الجزء: 6 - الصفحة: 477

فرع آخر إذا سعى رجل بآخر إلى ظالم فأخذ منه الظالم المال أفتى بعض أصحابنا أنه لا يلزمه الضمان في الحكم ولكن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصح هذا الفتوى لأن الضمان لو وجب في الباطن لوجب في الظاهر لأن الحالة ظاهرة في الظاهر والباطن.
فرع آخر لو غصب جاريةً حاملاً من زنى فولدت عنده وكان الغصب بآمل مثلاً والآن بقي المالك والغاصب بجرجان ويطالبه برد الأم والولد عليه هل تلزم مؤونة رد الولد على المالك أو على الغاصب؟ القياس أن تلزم على الغاصب لأنه كان عليه مؤونة الولد حال كونه في بطن الأم لأن في رد الأم رد الولد الذي في البطن فلا يزول هذا الوجوب عن الغاصب بمفارقة الولد الأم.
فرع آخر إذا كان عليه دين لرجل فمات ولا وارث له هل يتصدق به أو يدفعه إلى الحاكم؟ القياس أنه يدفع إلى الحاكم لأن هذا الدين صار لجماعة المسلمين والحاكم نائبهم، فإن قيل: أليس له التصدق باللقطة بعد الحول من غير إذن الحاكم؟ قلنا: هناك لا يدُرى أن الحق لواحدٍ معينٍ من المسلمين أو لجماعتهم وها هنا الحق للجماعة وحق القبض للإمام، ولهذا أجاز في (59/ب) اللقطة التملك بعوضٍ وهذا لأنه يندب إلى أخذ اللقطة، وإذا احتاج إلى الإمام لا يرغب في أخذها، فإن قيل: ما تقول إذا كان من عليه الدين بطبرستان فأنفذ الدين إلى حاكم جرجان هل يبرأ؟ قلنا: إن حمل هو ودفعه إلى قاضي جرجان برئ، وان أنفذه إليه وهو في طبرستان لا يبرأ لأنه في غير ولايته، وقال والدي رحمه الله: الأشبه أنه يبرأ لأنه قائم مقام الإمام مثل هذا القاضي الذي بطبرستان، ولو لم يكن في بلده قاضٍ يلزمه إنفاذه إلى قاضي بلدٍ آخر إذا أمكنه ذلك وكان لا يصل إلى الإمام.
فرع آخر لو دفعه إلى قاضٍ ثم ظهر أنه كان له وارث لا يطالبه وقد برئ بالدفع إلى القاضي لأنه نائب الغائب، وقال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: إن ظهر أنه كان في بلده لا يبرأ بالدفع إلى القاضي بخلاف ما لو كان في بلد آخر، والفرق أنه إذا كان في بلده وكان عالماً بالحال لا يبرأ بالدفع إلى الحاكم فكذلك في حال الجهل لأن العلم والجهل سواء فيما يعود إلى حق الآدمي، وإذا كان في غير بلده يبرأ بالدفع إلى الحاكم عند العلم فكذلك عند الجهل ويحتمل أن يقال: لا يبرأ أصلاً لأنه دفع على تقدير عام الوارث وكان بخلافه وهذا لا وجه له عندي.
فرع آخر متى يجوز للمديون دفع الدين إلى الحاكم مع بقا، صاحبه إذا كان غائباً؟ قال والدي

الجزء: 6 - الصفحة: 478

رحمه الله: ينظر، فإن كان الأداء متعيناً عليه بأن طالبه صاحبه فلم يؤده حتى غاب يلزمه دفعه إلى الحاكم إذا لم يقدر على دفعه إليه أو نائبه لأنه قائم مقامه شرعاً، وإن لم يتعين عليه الأداء لا يلزمه دفعه إلى الحاكم ولو دفع هل يبرأ؟ يحتمل أن يقال: لا يبرأ إلا أن يكون هناك سبب يخاف إن أخر أداؤه يفوت قضاؤه فيبرأ حينئذ لأن الحاكم لا يقوم مقام الغائب عند سلامة الحال وإنما يقوم مقامه في حال الضرورة ولهذا لا يجوز للمودع إيداع الوديعة عند الحاكم إذا لم يرد السفر، ويحتمل أن يقال: يبرأ لأنه يلحقه المشقة في إيصاله إلى صاحبه فساغ له الدفع (60/ أ) إلى الحاكم ليبرأ ذمته وهذا أصح عندي.
فرع آخر إذا كان عليه دين هل يلزمه أداؤه على الفور أو على التراخي؟ يحتمل أن يقال: إن كان وجوبه برضا المالك فهو على التراخي ويتعين أداؤه بالمطالبة أو تخوف منه على ماله فيفوت قضاؤه، وإن كان وجوبه بغير رضا المالك فالقضاء على الفور لأن صاحبه لم يرض بوجوبه في ذمته وهذا لأنه إذا كان برضا المالك فصاحب الدين مندوب إلى أن لا يطالب بالدين، فلو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوباً إلى المطالبة ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخير القضاء ويحتمل أن يقال: إذا كان الوجوب بغير رضاه ينظر، فإن كان صاحبه لا يعلم به لزمه القضاء على الفور، وان كان عالماً به فإن وجب بتعدَّ منه كان على الفور، وان كان بغير تعد وجب على التراخي فالأول مثل الزكاة فإنها على الفور لأن صاحبها لما لم يتعين لم يمكن تقدير وجود الرضا منه، والثاني: كقضاء الصلاة المتروكة بغير عذرٍ، والثالث: كقضاء الصلاة المتروكة بعذر فكما فصلنا في حق الله تعالى هذا التفصيل وجب مثله في حقوق الآدميين وبالله التوفيق.
تم الجزء السادس حسب تقسيم المحقق ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع وأوله: كتاب الشفعة

الجزء: 6 - الصفحة: 479

الجزء: 6 - الصفحة: 480

بَحَرُ المَذْهَبَ في فرُوعِ المذْهَب الشّافعي

تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502

تحقيق طارق فتحي السيد

الجُزء السّابع يحتوي على الكتب التالية: الشفعة - القراض -المساقاة -الشرط في الرقيق- الإجارات العطايا والصدقات والحبس والسائبة- المزارعة وكراء الأرض والشركة في الزرع إحياء الموات -اللقطة- الجعالة- الفرائض

الجزء: 7 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل