بحر المذهب للرويانيكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه من الجامع من كتاب أحكام القرآن ومن إباحة الطلاق ومن جماع عشرة النساء وغير ذلك

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد قرئت لقبل عدتهن (قال) والمعنى واحد".
قال في الحاوي: الأصل في إباحة الطلاق الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وهذا وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عام الحكم فيه وفي جميع أمته.
فهو من الخاص الذي أريد به العموم.
فروى قتادة عن أنس قال طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فقيل له: "راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة".
وقوله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنّ﴾ أي في طهرهن إذا لم يجامعن فيه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فطلقوهن لقبل عدتهن.
قال الشافعي والمعنى واحد وقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وفي قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ تأويلان: أحدهما: إنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث وأنه يملك الرجعة في الاثنتين ولا يملكها في الثالثة, وهو قول عروة وقتادة.
روى هشام بن عروة عن أبيه, كان الرجل يطلق ما شاء, ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته, فغضب رجل من الأنصال على امرأته فقال لها: لا أقربك ولا تخلصين مني, قالت له: كيف؟ قال أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك, قم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك, قال: فشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:

الجزء: 10 - الصفحة: 3

﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية فقدرة بالثلاث, ولذلك قال عروة نزل الطلاق موافقًا لطلاق الأعشى في تقديره بالثلاث حين يقول: أجارتنا بيني فإنك طالقة وموموقة ما أنت فينا ووامقة أجارتنا بيني فإنك طالقة كذلك أمور الناس تغدو وطارقة وبيني فإن البين خير من العصا وإلا تزال فوق رأسك بارقة والتأويل الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قرء واحدة وأن لا يجمع بينهم في قرء واحد, وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وأبي حنيفة.
وفي قوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] تأويلان: أحدهما: إن الإمساك بالمعروف الرجعة بعد الثانية والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة.
روى سفيان عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وهو قول عطاء ومجاهد.
والتأويل الثاني: فإمساك بمعروف الرجعة بعد الثانية أو تسريح بإحسان هو الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها.
وهذا قول السدي والضحاك.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: 236] الآية.
فأما السنة: فروى حميد بن عبد الرحمن عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك ليس هذا طلاق المسلمين, تطلق المرأة قبل عدتها".
وروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث جدهن جد وهزلهم جد: " النكاح والطلاق والعتاق".

الجزء: 10 - الصفحة: 4

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة واحدة ثم راجعها.
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه تزوج العالية بنت ظبيان فمكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
فإذا ثبت إباحة الطلاق بالكتاب والسنة وما تعقبها من إجماع الأمة فالطلاق في اللغة هو التخلية, مأخوذ من قولهم نعجة طالق إذا خليت مهملة بغير راع.
ومن قول النابغة: تناذرها الراقون من سوء سمها تُطلق طورًا وطورًا تراجع فصل والطلاق لا يصح إلا من زوج ولا يقع إلا على زوجة, فيختص الزوج بالطلاق وإن اشتركا الزوجان في عقد النكاح, وهو أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] إن الرجل يملك الطلاق ولا تملكه الزوجة, فإن قيل فلم اشترك الزوجان في النكاح وتفرد الزوج بالطلاق, قيل لأمرين: أحدهما: أنه لما اشترك الزوجان في الاستمتاع جاز أن يشتركا في عقد النكاح, ولما اختص الزوج بالتزام المؤونة جاز أن يختص الزوج بإيقاع الفرقة.
والثاني: أن المرأة لم يجعل الطلاق إليها, لأن شهوتها تغلبها فلم تؤمن منها معاجلة الطلاق عند التنافر والرجل أغلب لشهوته منها, وأنه يؤمن منه معالجة الطلاق عند التنافر.
مسألة: قال الشافعي: "وطلق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض في زمان النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تظهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (قال) وقد روى هذا الحديث سالم بن عبد الله ويونس بن جبير عن ابن عمر يخالفون نافعًا في شيء منه قالوا كلهم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض ثم تظهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" ولم يقولوا ثم تحيض ثم تظهر (قال): " وفي ذلك دليل على أن الطلاق يقع على الحائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالمراجعة إلا من لزمه الطلاق".
قال في الحاوي: الطلاق ينقسم ثلاثة أقسام: طلاق سنة, وطلاق بدعة, وطلاق لا سنة فيه ولا بدعة.

الجزء: 10 - الصفحة: 5

فأما طلاق السنة فهو: طلاق المدخول بها في طهر لم تجامع فيه.
وأما طلاق البدعة فطلاق اثنتين الحائض والطاهر التي قد جومعت في طهرها أما الحائض فكان طلاقها بدعة؛ لأنها طلقت في زمان لا يحتسب به من عدتها وأما المجامعة في طهرها, فلإشكال أمرها هل علقت منه فلا يعتبر بالطهر وتعتد بوضع الحمل, أو لم تعلق منه فتعتد بالطهر.
وأما التي لا سنة في طلاقها ولا بدعة فخمس: الصغيرة والمويسة والحامل وغير المدخول بها والمختلعة.
أما الصغيرة والمويسة فلا عتدادهما بالشهور التي لا تختلف بحيض ولا طهر.
وأما الحامل فلا عتدادها بوضع الحمل الذي لا يؤثر فيه حيض ولا طهر.
وأما المختلعة فلأن خوفهما من أن لا يقيما حدود الله يقتضي تعجيل الطلاق من غير اعتبار سنة ولا بدعة.
وإذا انقسم الطلاق على هذه الأقسام الثلاثة فقسمان منهما يجمع على وقوع الطلاق فيهما: أحدهما: طلاق السنة, مجمع على وقوعه.
والثاني: ما لا سنة فيه ولا بدعة مجمع على وقوعه.
والثالث: مختلف فيه وهو طلاق البدعة في حيض أو في طهر مجامع فيه, فهو محظور محرم بوفاق, واختلف في وقوعه مع تحريمه, فمذهبنا أنه واقع وإن كان محرمًا وهو قول الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء.
وحكي عن ابن عليه والسبعة وبعض أهل الظاهر أنه غير واقع استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: 1] فاقتضى ذلك الفرق بين المأمور به والمنهي عنه في الوقوع كما اقتضى الفرق بينهما في التحريم.
وبما روى ابن جريح عن أبي الزبير: قال: سأل عبد الرحمن بن أيمن بن عبد الله بن عمر وأبو الزبير يسمع عن رجل طلق زوجته وهي حائض فقال ابن عمر طلقت زوجتي وهي حائض فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فردها علي ولم يره شيئًا, وهذا نص في أنه لا يقع ولو وقع لرآه شيئًا.
ولأن النكاح قد يحرم في وقت وهو في العدة والإحرام كما يحرم الطلاق في وقت وهو الحيض والطهر المجامع فيه.

الجزء: 10 - الصفحة: 6

ثم كان عقد النكاح في وقت تحريمه باطلًا, وجب أن يكون الطلاق بمثابة إذا وقع في وقت تحريمه.
ولأنه لو كل وكيلًا في طلاق زوجته في الطهر وطلقها في الحيض لم تطلق؛ لأجل مخالفته وإيقاع الطلاق في غير وقته مخالفة الله تعالى في وقت الطلاق أولى أن لا تقع بها طلاق, وهذا خطأ.
ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع ابن عمر, أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس, فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء.
فموضع الدليل منه أنه أمره بالرجعة موجب لوقوع الطلاق, لأن الرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق.
فإن قيل: أمره بالرجعة إنما هو أمر بردها إليه, قلنا: هذا تأويل فاسد من وجوه: أحدهما: أن الرجعة بعد ذكر الطلاق تنصرف إلى رجعة الطلاق.
والثاني: أنه ما ذكر إخراجها فيؤمر بردها, وإنما ذكر الطلاق وكان منصرفًا إلى رجعتها.
والثالث: أن المسلمين جعلوا طلاق ابن عمر هذا أصلًا في طلاق الرجعة وحكم العدة ووقوع الطلاق في الحيض ولم يتأولوا هذا التأويل فبطل بالإجماع.
وروى الحسن عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض طلقة وأردت أن أتبعها طلقتين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: راجعها, قلت أرأيت لو طلقتها ثلاثًا قال: كنت قد أبنت زوجتك وعصيت ربك.
وهذا نص في وقوع الطلاق في الحيض لا يتوجه عليه ذلك التأويل المعلول ومن القياس أنه طلاق مكلف صادف ملكًا فوجب أن ينعقد كالطاهر.
ولأن رفع الطلاق تخفيف وقوعه تغليظ, لأن طلاق المجنون لا يقع تخفيفًا وطلاق السكران يقع تغليظًا؛ لأن المجنون ليس بعاص والسكران عاص.
فكان المطلق في الحيض أولى بوقوع تغليظًا من رفعه عنه تخفيفًا, ولأن النهي إذا كان لمعنى ولا يعود إلى المنهي عنه لم يكن النهي موجبًا لفساد ما نهى عنه, كالنهي عن البيع عند نداء الجمعة لا يوجب فساد البيع.
كذلك النهي عن الطلاق في الحيض, إنما هو لأجل تطويل العدة لا لأجل الحيض, فلم يمنع النهي عنه من وقوع الطلاق فيه.
فأما استدلاله بالآية فنصها يوجب وقوع الطلاق في العدة, ودليلها يقتضي أن لا يقع

الجزء: 10 - الصفحة: 7

في العدة, لكن إذا عارض دليل الخطاب بعد صرفه عن موجبه, وقد عارضه من حديث ابن عمر ما يوجب صرفه عن موجبه.
وأما استدلالهم بقول ابن عمر فردها علي ولم يره شيئًا فضعيف لتفرد أبي الزبير به ومخالفة جميع الرواة فيه مع أن قوله لم يره شيئًا يحتمل أنه لم يره إثمًا, ولم يره شيئًا لا يقدر على استدراكه, لأنه قد بين أنه يستدرك بالرجعة.
وأما استدلالهم بالنكاح, فالفرق بين النكاح حيث بطل بعقده في حال التحريم وبين الطلاق حيث أمره بإيقاعه في حال التحريم, أن الطلاق أوسع حكمًا وأقوى نفوذًا من النكاح لوقوع الطلاق مباشرة وسراية, ومعجلًا ومؤجلًا.
وعلى غرر لا يصح النكاح على مثله, فجاز أن يقع في وقت تحريمه وإن لم يصح عقد النكاح في وقت تحريمه.
وأما استدلالهم بالوكيل فالجواب عنه أن الوكيل إذا خالف الإذن زالت وكالته وليس يرجع بعد زوالها إلى ملك فرد تصرفه.
والزوج إذا خالف رجع بعد المخالفة إلى ملك فجاز تصرفه.
مسألة: قال الشافعي: "وأحب أن يطلق واحدة لتكون له الرجعة للمدخول بها وخاطبًا لغير المدخول بها ولا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثًا لأن الله تعالى أباح الطلاق فليس بمحظور وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر موضع الطلاق فلو كان في عدده محظور ومباح لعلمه إياه صلى الله عليه وسلم إن شاء الله, وطلق العجلاني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا فلم ينكره عليه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم ركانة لما طلق امرأته البتة ما أردت؟ ولم ينهه أن يزيد أكثر من واحدة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يملك من عدد الطلاق أكثر من ثلاث, لما قدمناه من قول الله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. فإذا أراد أن يطلق ثلاثًا فالأولى والمستحب أن يفرقها في ثلاثة أطهار, فيطلق في كل طهر واحدة, ولا يجمعهن في طهر ليخرج بذلك من الخلاف وليأمن به ما يخافه من ندمه فإن طلقها ثلاثًا في وقت واحد وقعت الثلاث ولم تكن محرمة ولا بدعة والسنة والبدعة في زمان الطلاق لا في عدده.
وبه قال من الصحابة الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف.
ومن التابعين ابن سيرين ومن الفقهاء أحمد بن حنبل.
وحكي عن السبعة وعن داود بن علي وطائفة من أهل الظاهر أن طلاق الثلاث لا يقع, فاختلف القائلون بهذا هل يكون واحدة أم لا؟ فقال المغربي: تكون واحدة وقال آخرون: لا يقع منهن شيء.
وقال أبو حنيفة: طلاق الثلاث واقع لكنه حرام مبتدع.

الجزء: 10 - الصفحة: 8

وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود, ومن الفقهاء مالك والعراقيون.
واستدل من منع وقوع الطلاق الثلاث بأن الله تعالى فرق طلاق الثلاث بقوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فلم يجز أن يجمع ما أمر بتفريقه؛ لأنه ارتكاب ما نهى عنه, وما حرم من الطلاق لا يقع كالمراجعة.
وبما رواه عبد الله بن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام أبي بكر, وصدر من أيام عمر واحدة: فقال عمر: قد استعجلتم في أمر كان لكم فيه أناة, وجعله ثلاثًا.
فلا يجوز لعمر أن يخالف شرعًا ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتفع النسخ بموته.
وبما رووه عن معاوية بن عمار عن أبي الزبير عن ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا في الحيض فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يراجعها, فإذا طهرت فليستقبل بها العدة إن شاء طلق وإن شاء أمسك, وهذا نص.
فصل واستدل أبو حنيفة على أن طلاق الثلاث محرم وإن كان واقعًا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].
فتضمنت هذه الآية تفريق الطلاق في الأطهار من الوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ وإحصاؤها إنما يكون انتظارًا لوقوع الطلاق فيها.
والثاني: قوله تعالى فيها ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يريد به الرجعة والرجعة لا تكون في الثلاث, وإنما تكون فيما دون الثلاث.
وبقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فدل على أنه لا يجوز فيه أن يكون مرة.
وبما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم هكذا أمرك ربك إنما السنة أن تستقبل بها الطهر ثم تطلقها في كل قرء طلقة.
وبما رواه الحسن عن ابن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض طلقة وأردت أن أتبعها طلقتين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: راجعها فقلت أرأيت لو طلقتها ثلاثًا فقال: كنت قد أبنت زوجتك وعصيت ربك, فلولا أن جمع الثلاث محرم ما كان به عاصيًا.
وبما رواه إبراهيم عن عبد الله بن عبادة الصامت عن أبيه عن جده أنه قال طلق بعض آبائي ألفًا, فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن أبانا طلق أمنا ألفًا

الجزء: 10 - الصفحة: 9

فهل له من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيما فعل؛ فيجعل له من أمره مخرجًا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه.
قال: ولأنه إجماع الصحابة, روي أن عمر بن الخطاب كان إذا برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره.
وأن رجلًا أتى عبد الله بن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا فقال ابن عباس إن عمك عصي الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا وأن عليًا وابن عباس أنكراه فكان إجماعًا, لعدم المخالف فيه.
ولأنه عدد يتعلق به البينونة فوجب أن يتكرر كاللعان.
ودليلنا على الفريقين قول الله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]. فكان رفع الجناح عنه من غير تمييز لعدد يوجب التسوية بين الأعداد.
وروى سهل بن سعد الساعدي, أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته قال: كذبت عليها إن أمسكتها, هي طالق ثلاثًا.
فلو كان الجمع بين الطلاق والثلاث محرمًا لأبانه صلى الله عليه وسلم وأنكره, لأنه لا يقر على منكر.
وروي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ألبته, فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "ما أردت بالبتة قال واحدة فأحلفه أنه ما أراد أكثر منها" فدل على وقوع الثلاث لو أرادها من غير تحريم.
وروى سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن عمرو بن المغيرة طلق فاطمة بنت قيس ثلاثًا بكلمة واحدة, فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأن عبد الرحمن بن عوف طلق تماضر بنت الأصبغ الكلبية ثلاثًا في مرضه فلم ينكره الصحابة عليه, وتماضر هي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن, فدل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة بعده على إباحة بين الثلاث, وروي عن الحسن بن علي أن امرأته عائشة الخثعمية قالت له بعد قتل أبيه: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال لها: أو يقتل أمير المؤمنين وتشتمين اذهبي فأنت طالق ثلاثًا, فلم ينكر ذاك أحد من الصحابة فدل على إباحته عندهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 10

وروي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عمن طلق امرأته مائة طلقة فقال: ثلاثة لها وأقسم الباقي على نسائها.
ومن القياس أنه طلاق وقع في طعم لم يجامعها فيه فوجب أن يكون مباحًا كالطلقة الأولى, ولأن كل طلاق جاز تفريقه جاز جمعه, أصله طلاق الزوجات يجوز أن يجمعهن في الطلاق وأن يفرقهن.
ولأن كل طلاق جاز تفريقه في الأطهار جاز إيقاعه في طهر, أصله إذا طلق في طهر ثم راجع فيه ثم طلقها فيه ثم راجع وثم طلقها فيه ثم راجع.
ولأن الثلاث لفظ يقطع الرجعة فجاز إيقاعه في طهر لا جماع فيه كالواحدة بعد اثنتين أو كالخلع.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ فمن وجهين: أحدهما: أن المقصود به عدد الطلاق, وأنه ثلاث وأنه يملك الرجعة بعد اثنتين ولا يملكها بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره ولم يرد به تفريق الطلاق أو جمعه.
والثاني: أن قوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يقتضي في وقت واحد لا في وقتين كما قال تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] يعني أجرين في وقت واحد, لا في وقتين.
وهم يحرمون وقوع الطلقتين في وقت كما يحرمون وقوع الثلاث.
وأما الجواب عن الاستدلال بحديث ابن عمر, فهو أنه لم يطلق إلا واحدة في الحيض وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو طلقتها ثلاثًا كنت قد أبنت امرأتك وعصيت ربك, يعني بإيقاعهن في الحيض لا بالجمع بينهن.
وأما أمره له في الخبر الثاني أن يطلق في كل طهر واحدة فعلى طريق الاستحباب والندب.
وأما الجواب عن حديثه البراء بن عازب فمن وجهين: أحدهما: أن الدارقطني رواه وذكر أنه ضعيف مجهول الراوي.
والثاني: أن قوله: طلقها على غير السنة؛ لأنه طلقها ألفًا وهو لا يملك إلا ثلاثًا.
وأما الجواب عن استدلالهم بالإجماع فهو غير منعقد بمن ذكرنا خلافه من الصحابة وقد اختلفت الرواية عن ابن عباس, روى سعيد بن جبير أن رجلًا أتى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك, وبقيتهن وزرًا اتخذت آيات الله هزوًا.
وأما الجواب عن قياسهن عن اللعان فمن ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الفرقة لا تقع على قولهم باللعان حتى يوقها الحاكم فلم يجز أن يكون أصلًا لما يوقع الفرقة.
والثاني: أن عدد اللعان لا يصح مجموعة فوجب تفريقه, والطلاق يصح مجموعة فلم يجب تفريقه.

الجزء: 10 - الصفحة: 11

والثالث: أنه لما جاز عدد اللعان في وقت واحد اقتضى أن يجوز عدد الطلاق في وقت واحد.
وأما استدلال من أنكر وقوع الثلاث بحديث ابن عباس عن عمر: فهو ضعيف لا يعرفه أصحاب الحديث, ولو سلمناه لاحتمل قوله كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام أبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة فقال عمر: قد استعجلتم في أمر كان لكم فيه أناء وجعله ثلاثًا.
فمن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإنه إن أراد بالثانية والثالثة طلقت واحدة وإن أراد الاستئناف طلقت ثلاثًا.
وإن لم يكن له إرادة فعلى قولين: أحدهما: قاله في الإملاء تطلق واحدة.
والثاني: قاله في "الأم" تطلق ثلاثًا.
فعلم عمر أنهم كانوا يريدون به التأكيد فتكون واحدة, ثم صاروا يريدون به التأكيد فجعلها ثلاثًا, وإنما حملناه على هذا الاحتمال مع بعده؛ لأن عمر لا يجوز أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء عمله من دينه, ولو خالفه لما أقرته الصحابة على خلافة.
ألا تراه يقول: لا تغالوا في صدقات النساء فلو كانت مكرمة لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقامت إليه امرأة فقالت: يعطينا الله وتمنعنا يا ابن الخطاب قال الله تعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة ليفعل الرجل بماله ما شاء, وهم أن يخالف بين ديات الأصابع حتى ذكر له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في اليدين الدية وفي أحدهما نصف الدية وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل, فرجع عما هم به وسوى بين دياتها.
وأما استدلالهم بما رووه عن ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها فلا يعرفه أهل الحديث, وإنما الخبر أنه قال أرأيت لو طلقتها ثلاثًا فقال كنت قد أبنت امرأتك وعصيت ربك.
ولو صح لكان محمولًا على أنه طلقها ثلاثًا في ثلاثة أوقات, فأمره بالرجعة في إحداهن بل قد روي أنه طلقها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلقها ثانية على عهد أبي بكر, ثم طلقها ثالثة في زمن عمر, فضبط الرواة طلاقه على ما ذكرنا, فاقتضى أن يكون رواية من أطلق محموله على هذا البيان والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ولو طلقتها طاهرًا بعد جماع أحببت أن يرجعها ثم يمهل ليطلق كما أمر وإن كانت في طهر بعد جماع فإنها تعتد به".
قال في الحاوي: فقد ذكرنا أن طلاق البدعة طلاقان: أحدهما: الطلاق في الحيض.

الجزء: 10 - الصفحة: 12

والثاني: الطلاق في طهر قد جومعت عليه.
أما طلاق الحيض فلتحريمه علة واحدة, وهو أن بقية حيضها غير محتسب به من عدتها عند من جعل الأقراء الأطهار, وعند من جعلها الحيض, فصارت بالطلاق فيه غير زوجة ولا معتدة, وأما المطلقة في الطهر المجامع فيه فلتحريمه علتان: أحدهما: أنها ربما علقت من وطئه فصارت له أم ولد فلحقه ندم من طلاق أم ولده.
والثانية: أنها تصير مرتابة في عدتها هل علقت من وطئة فتكون عدتها بوضع الحمل؟ أو لم تعلق فتكون بالإقراء؟ لكنها تعتد ببقية طهرها قرءًا فإذا طلق إحدى هاتين إما في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه فقد طلقها طلاقًا بدعيًا محرمًا, واستحببنا له أن يراجعها؛ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين طلق في الحيض أن يراجع, واستدراكًا لمواقعة المحظور بالإقلاع عنه ولا تجب عليه الرجعة.
وأوجبها مالك في طلاق الحائض استدلالًا بهذين.
والدليل على أن الرجعة غير واجبة وإن استحبت قول الله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ فخيره بين الرجعة والترك وقال تعالى: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: 228] فدلت على أن الرجعة غير واجبة من وجهين: أحدهما: أنه جعلها حقًا للأزواج لا عليهم.
والثاني: أنه قرنها بإرادة الإصلاح.
ولأن الرجعة إما أن تراد لاستدامة العقد أو إعادته, فإن أريدت لإعادته لم تجب, لأن ابتداء النكاح لا يجب, فإن أريدت لاستدامته لم تجب؛ لأن له رفعة بالطلاق ولأن تحريم الطلاق في الحيض كتحريمه في طهر مجامع فيه, ثم لم تجب الرجعة في طهر الجماع كذلك في الحيض.
فأما حديث ابن عمر وقول النبي صلى الله عليه وسلم مره فليراجعها حتى تُطهر ثم تحيض ثم تُطهر ثم فإن شاء طلق بعد وإن شاء أمسك.
فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يأمره بنفسه وجعل عمر هو الآمر له بقوله: مره فليراجعها دل على أن الأمر معدول به عن الوجوب إلى الاستحباب, لأنه عدل به عمن تجب أوامره إلى من لا تجب أوامره.
والثاني أن قوله: ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك ارجع المشيئة إلى جمع المذكور من الرجعة والطلاق, وما رد إلى مشيئة فاعله لم يجب.
وأما استدلاله بأن فيه استدراكًا لمواقعة المحظور, فالمحظور هو وقوع الطلاق والطلاق الواقع لا يستدرك بالرجعة وإنما يقطع تحريمه.
فصل فإن ثبت أن الرجعة مستحبة غير واجبة فهي في المدخول بها إذا طلقت أقل من

الجزء: 10 - الصفحة: 13

ثلاث, لأن غير المدخول بها لا رجعة لها والثلاث لا رجعة معها فتكون الرجعة مع هذين الشرطين.
ثم الزمان الذي يستحق فيه الرجعة مقدر, وإن كان الشافعي قد أطلقه, فإن طلقت في الحيض كان الأمر بارتجاعها ما كان حيضها باقيًا, فإن طهرت من تلك الحيضة التي طلقت فيها سقط استحباب الرجعة وكانت إلى خياره, لأنها قد صارت في طهر لا يحرم عليه طلاقها فيه فلم يؤمر بارتجاعها فيه.
وإن طلقت في طهر قد جومعت فيه كان مأمورًا بارتجاعها في بقية طهرها وفي الحيضة التي بعد طهرها, فإن راجعها في هذا الحال فقد أتى بما أمر به وندب إليه, وإن لم يراجعها حتى دخلت في الطهر الثاني الذي لا يحرم عليه طلاقها فيه سقط ما كان مندوبًا إليه من الرجعة وكانت إلى خيارة.
فصل فأما حديث ابن عمر فقد رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مُره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم فإن شاء طلق بعد وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء.
ورواه سالم ويونس بن جبير عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مُره فليراجعها حتى تحيض ثم إن شاء طلقها بعد وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها الله النساء, فخالف نافع لسالم وليونس في زيادة الطهر؛ لأن رواية سالم حتى تحيض ثم إن شاء طلق فأذن له أن يطلق في الطهر الأول بعد الحيضة التي طلق فيها وهذا صحيح.
وفي رواية نافع, حتى تُطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق, فأذن له أن يطلق في الطهر الثاني دون الأول, والطلاق في الطهر الأول كالطلاق في الطهر الثاني فاختلف أصحابنا في أي الروايتين أثبت وأصح.
فقال بعضهم: الأصح رواية سالم ويونس, فأما نافع فوهم في زيادة الطهر الثاني؛ لأن حكم الطلاق في الطهر الأول كحكم الطلاق في الطهر الثاني.
وقال آخرون من أصحابنا: إن رواية نافع أصح وأثبت, وإنما حذف سالم ويونس ذكر الطهر الثاني اختصارًا.
فإن قيل: فإذا كانت رواية نافع أصح فلم أذن له أن يطلق في الطهر الثاني ولم يأذن له أن يطلق في الطهر الأول وهما في الحكم سواء.
قيل: قد أجاب أصحابنا عن هذه بأربعة أجوبة: الأول: أنه لما كان طلاق ابن عمر في الحيض موجبًا لتطويل العدة عليها قابله رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق العقوبة له بتطويل الرجعة إلى الطهر الثاني وإن جازت في الطهر الأول.

الجزء: 10 - الصفحة: 14

والجواب الثاني: أنه لما أوقع ابن عمر الطلاق في غير زمانه قابله رسول الله صلى الله عليه وسلم باستدامة الرجعة بعد زمانها.
والجواب الثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن تتحقق رجعته ويقوي حكمها بالوطء فيها, وزمان الوطء بعدها هو الطهر الأول, فإذا وطء فيه خرج إيقاع الطلاق فيه.
وكان طلاق بدعة فلذلك لم يأذن له أن يطلق فيه, وأذن له أن يطلق في الطهر الثاني.
والجواب الرابع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يكمل الاستبراء بعد الرجعة وكماله يكون بطهر بعد حيضة كاملة.
والطهر الأول لم يكن بعد حيضة كاملة؛ لأن الطلاق كان في بضاعتها وإنما الطهر الثاني بعد حيضة كاملة فلذلك جعل له أن يطلق فيه, والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ولو لم يدخل بها أو دخل بها وكانت حاملًا أو لا تحيض من صغر أو كبر فقال أنت طالق ثلاثًا للسنة أو للبدعة طلقت مكانها لأنها لا سنة في طلاقها ولا بدعة".
قال الماوردي: اعلم أن النساء ضربان: ضرب لا سنة في طلاقهن ولا بدعة وضرب يتعلق بطلاقهن حكم السنة والبدعة.
فأما اللاتي لا سنة في طلاقهن ولا بدعة فأربع.
إحداهن: الصغير التي لم تحض, والثانية: التي قد يئست من الحيض, والثالثة: الحامل, والرابعة: غير المدخول بها, وقد ذكرنا المعنى في أن لا سنة في طلاقهن ولا بدعة مع المختلعة التي وإن كانت بالحيض والطهر من أهل السنة والبدعة, فقد صرف الخلع طلاقها عن أن تكون لسنة أو بدعة.
وأما التي يتعلق بحكمها بطلاقها حكم السنة والبدعة فهي المدخول بها إذا كانت حاملًا من ذوات الحيض والطهر, فتصير من أهل السنة والبدعة في الطلاق باجتماع ثلاثة شروط.
أن تكون مدخولًا بها, وأن تكون حاملًا, وأن تكون من ذوات الأقراء بالحيض والطهر.
فرع فإذا تقرر ما وصفناه فهذه المسألة مصورة على طلاق من لا سنة في طلاقها ولا بدعة من النساء الأربع, الصغيرة, والمؤيسة, والحامل, وغير المدخول بها فإذا قال لواحدة منهن أنت طالق للسنة طلقت في الحال ولم يكن طلاق سنة؛ لأنها ليست من أهل السنة فيراعى ذلك فيها وهكذا لو قال لواحدة منهن أنت طالق للبدعة طلقت في الحال ولم يكن طلاق بدعة؛ لأنها ليست من أهل البدعة حتى يراعى ذلك فيها, فإن قيل: فهلا

الجزء: 10 - الصفحة: 15

انتظر بها حتى تصير من أهل السنة والبدعة فتطلق للسنة أو البدعة, كما انتظر بالحائض إذا قيل لها: أنت طالق للسنة أن تطهر فتصير من أهل السنة قيل: لأن ذات الحيض في الطهر من أهل السنة والبدعة, فانتظر بطلاقها أن تكون للسنة أو البدعة, وهؤلاء الأربع لسن من أهل السنة والبدعة فلم ينتظر بطلاقهن ما لا يتصفن به من سنة ولا بدعة كما أن الأجنبية لما لم تكن من أهل الطلاق لم ينتظر بها عقد النكاح لوقوع الطلاق.
فرع فلو قال لإحدى هؤلاء الأربع أنت طالق للسنة إذا صرت في الطلاق من أهل السنة روعي ذلك فيمن أمكن مراعاته فيها, وانتظر بها أن تصير من أهل السنة؛ لأنه طلاق مقيد بشرط فلم يقع قبل وجود الشرط, والفرق بين الأمرين أن هذا شرط للطلاق فانتظر.
وذلك صفة للطلاق فلم ينتظر, وإذا كان كذلك فإن كانت صغيرة انتظر بها أن تحيض ثم تٌطهر فتُطلق, وإن كانت حاملًا انتظر بها أن تضع حملها وينقضي نفاسها وتُطهر فتطلق وإن كانت غير مدخول بها انتُظر بها أن يجامعها, وينقضي طهر المجامعة والحيض الذي بعده ثم تطهر فتُطلق.
فأما المؤيسة فلا ينتظر بها ذلك, لأنه غير ممكن فيها, فلا يقع الطلاق عليها وعلى هذا لو قال لإحدى هؤلاء الأربع أنت طالق للبدعة, إذا صرت في الطلاق من أهل البدعة روعي ذلك.
فإن كانت صغيرة انتظر بها أن تحيض فتُطلق وإن كانت غير مدخول بها انتظر بها أن يجامعها فتطلق سواء جامعها في طهر أو حيض, لأنها تصير بعد جماعة من أهل البدعة في الحالتين.
وإن كانت حاملًا انتظر بها أن تضع حملها ثم تطلق في أول نفاسها, فإن الغسل في أحد الوجهتين أو بسقوطه عنها في الوجه الثاني؛ لأن الغسل إن وجب فلوضع الحمل الجاري مجرى الإنزال لا إنه لأجل النفاس.
فرع فلو قال لإحدى هؤلاء الأربع أنت طالق للسنة, وقال: أردت بنيتي أنها تطلق إذا صارت من أهل السنة لم يقبل ذلك منه في ظاهر الحكم, ولزمه الطلاق معجلًا لغير السنة, ودين فيما بينه وبين الله تعالى فيما نوى, فلم يلزمه الطلاق أن تصير فيه من أهل السنة وجرى ذلك في مجرى قوله أنت طالق وقال: أردت بذلك إن دخلت الدار لم يقبل منه في ظاهر الحكم, ودين فيما بنيه وبين الله تعالى في الباطن, فلم تطلق إلا بدخول الدار, وهكذا لو قال لإحداهن أنت طالق للبدعة وقال: أردت بنيتي أنها تطلق إذا صارت من أهل البدعة لم يقبل منه في ظاهر الحكم وألزم تعجيل الطلاق, ودين في الباطن ولم يلزمه الطلاق إلا أن تصير إلى تلك الحال.

الجزء: 10 - الصفحة: 16

ولو قال لإحدى هؤلاء الأربع أنت طالق للسنة إن كان يقع طلاق السنة, فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقول ذلك مع الشك في حالها؛ لأنه شك في الصغيرة هل حاضت أو لم تحض؟ أو شك في الحمل هل هو حمل أو غلط أو شك في المؤيسة هل انقطع حيضها أو تأخر أو شك في غير المدخول بها هل كان قد دخل بها أو لم يدخل؟ فلا طلاق عليه في الحال ولا إذا صارت من أهل السنة في ثاني حال؛ لأنه علق ذلك بوجود الشرط في الحال.
والضرب الثاني: أن يقول ذلك وهو على يقين أنها ليست في الطلاق من أهل السنة ففيه وجهان: أحدهما: أنه شرط ملغي لاستحالته ويقع الطلاق في الحال.
والوجه الثاني: أنه معتبر مع استحالته فلا يقع الطلاق في الحال ولا أن صارت من أهل السنة في ثاني حال كما لو قال: أنت طالق إن صعدت السماء لم تطلق وإن علق بشرط مستحيل وهكذا لو قال لإحداهن: أنت طالق للبدعة إن كان يقع عليك طلاق فإن كان مع الشك فيهن لم يقع الطلاق, وإن كان مع اليقين فعلى وجهين.
فرع ولو قال لإحدى هؤلاء الأربع أنت طالق للسنة في الحال؛ لأنه قد جمع بين صفتين متضادين يستحيل اجتماعهما في النساء عمومًا وانفرادهما في هؤلاء خصوصًا فألغيت الصفتان وعجل وقوع الطلاق, ولو قال لإحداهن: أنت طالق للسنة ولا للبدعة طلقت في الحال وهي منصفة بهذا الحكم لأنه لا سنة في طلاقها ولا بدعة.
فرع وإذا رأت الحامل دمًا يضارع الحيض صفة وقدرًا, فقال لها: أنت طالق للسنة أو قال: للبدعة, فهو على اختلاف قول الشافعي في الدم على الحمل, هل يكون حيضًا أم لا؟ فعلى قوله في القديم, لا يكون حيضًا ويكون دم فاسد.
فعلى هذا يكون كطلاق الحامل ذات النقاء, إن قال لها: أنت طالق للسنة, طلقت في الحال, سواء كانت في حال الدم أو في وقت انقطاعه, ولم يكن طلاق سنة, وإن كان قال أنت طالق للبدعة طلقت في الحال ولم يكن طلاق بدعة.
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد: أن دم الحامل إذا ضارع الحيض في الصفة والقدر كان حيضًا, فعلى هذا إن قال لها أنت طالق للسنة نظر, فإن كان بعد انقطاع حيضها طلقت, وإن كان في وقت حيضها ففي وقوع طلاقها وجهان.
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها لا تطلق فيه لكونه حيضًا فصار كحيض الحائض.
والوجه الثاني: وهو قول أكثر أصحابنا: أنها تطلق فيه بخلاف حيض الحائل؛ لأن

الجزء: 10 - الصفحة: 17

الحائل تعتد بالطهر دون الحيض فلذلك صار طلاقها في الحيض بدعة.
والحامل تعتد بوضع الحمل دون الطهر والحيض فلم يكن طلاقها في بدعة, وعلى هذا لو قال لها وهي تحيض على الحمل أنت طالق للبدعة, فإن كان ذلك في حال حيضها طلقت في الحال وإن كان في حال طهرها فعلى ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: أنها تطلق في الحال إذا قيل: إن طلاقها في الحيض ليس ببدعة.
والوجه الثاني: أنها لا تطلق إلا في الحيض, إذا قيل: إن طلاقها في الحيض بدعة فعلى هذا لو لم تر بعد طلاقه حيضًا حتى ولدت, طلقت في نفاسها بعد الولادة, لأننا قد أثبتنا على هذا الوجه حكم هذه الصفة فلذلك وجب انتظارها, ولكن لا يختلف أصحابنا إن وطئها في طهرها على الحمل لا يكون الطلاق فيه طلاق بدعة وهذا يقتضي أن يكون طلاقها في الحيض لا يكون طلاق بدعة.
فرع وإذا تزوج حاملًا من زنا صح نكاحها عندنا, وجاز له وطؤها في حملها وإن خالفنا فيه مالك فإن طلاقها للسنة, فإن لم يكن قد دخل بها تعجل طلاقها؛ لأن غير المدخول بها لا سنة في طلاقها ولا بدعة, فإن دخل بها لم يتعجل طلاقها وانتظر بها أن تضع حملها وينقضي نفاسها, فتطلق في أول طهرها بعد النفاس, بخلاف الحامل منه.
والفرق بين الحامل منه وبين الحامل من زنا حيث لم يكن في طلاق الحامل سنة ولا بدعة وكان في طلاق الحامل من زنا سنة وبدعة لأنه إذا طلق الحامل منه اعتدت بوضعه فارتفعت السنة والبدعة في طلاقها.
وإذا طلق الحامل من زنا لم تعتد من بوضعه واعتد بالأقراء فتثبت السنة والبدعة في طلاقها, فعلى هذا لو كانت تحيض على الحمل, فإن لم نجعله على قوله في القديم حيضًا لم نعتبره, وإن جعلناه حيضًا على قوله في الجديد اعتبرناه, فإذا طهرت منه على الحمل طلقت للسنة.
وعلى هذا لو قال لها: أنت طالق للبدعة, وقد جامعها على حملها, وقع عليها في الحال طلاق البدعة, لأن حكم هذا الحمل ملغي, وهو طهر قد جومعت فيه, فكان الطلاق فيه طلاق بدعة, ولو حاضت عليه بعد جماعه, وجعلناه حيضًا, وطهرت منه ثم طلقها للبدعة لم تطلق إلا أن تحيض على الحمل فتطلق أو يطأها في هذا الطهر فتطلق, أو تضع حملها وتصير في نفاسها فتطلق, لأن الطلاق في الحيض بدعة, وفي طهر الجماع بدعة, وفي النفاس بدعة, والله أعلم بالصواب.
فرع ولو قال لزوجته وهي حامل منه إذا ولدت ولدًا فأنت طالق للسنة فلا طلاق عليه قبل الولادة, فإذا ولدت لم تطلق حتى ينقضي نفاسها, لأنه جعله بالولادة واقعًا للسنة فلذلك روعي انقضاء نفاسها, فلو كانت المسألة بحالها فولدت ولدين طلقت بعد الأول

الجزء: 10 - الصفحة: 18

وقبل وضع الثاني, لأنها بوضع الأول قد وجد شرط طلاقها, وصارت مع بقاء الثاني حاملًا, والحامل إذا طلقت للسنة وقع طلاقها في الحال, لأنه لا سنة في طلاقها ولا بدعة.
مسألة: قال الشافعي: "وإن كانت تحيض فقال لها أنت طالق ثلاثًا للسنة فإن كانت طاهرًا من غير جماع طلقت ثلاثًا معًا وإن كانت مجامعة أو حائضًا أو نفساء وقع عليها الطلاق حين تظهر من الحيض أو النفاس وحين تظهر المجامعة من أول حيض بعد قوله وقبل الغسل وإن قال نويت أن تقع في كل طهر طلقة وقعن معًا في الحكم وعلى ما نوى فيما بينه وبين الله".
قال الماوردي: وإذا قد مضى طلاق من لا سنة في طلاقها ولا بدعة, فهذه المسألة مقصورة على طلاق ذات السنة والبدعة من ذوات الحيض والطهر, وهو الضرب الثاني من النساء وهو أن يجتمع فيها ما قدمنا من الشروط الثلاثة.
أن تكون مدخولًا بها, وأن تكون حائلًا, وأن تكون من ذوات الحيض والطهر.
فإذا قال لهذه التي قد تكامل فيها شروط السنة والبدعة أنت طالق للسنة لم يخل حالها من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون في طهر لم تجامع فيه, فيقع طلاقها في الحال؛ لأنه طلاق للسنة.
والقسم الثاني: أن تكون حائضًا فلا طلاق عليها في حال الحيض فإذا انقضى بقية حيضها طلقت بدخولها في أول الطهر قبل الغسل, سوء انقطع الحيض لأقله أو لأكثره.
وقال أبو حنيفة إن انقطع حيضها لأكثره طلقت قبل الغسل, وإن انقطع حيضها لأقله لم تطلق إلا بعد الغسل, وهذا خطأ, لأن ما وقع فيه طلاق السنة بعد الغسل وقع فيه طلاق السنة قبل الغسل قياسًا على أكثر الحيض, وكذلك لو كانت نفساء لم تطلق في نفاسها, لأن النفاس في حكم الحيض.
فإذا طهرت منه طلقت قبل الغسل مثل الحيض.
والقسم الثالث: أن تكون في طهر قد جامعها فيه فلا طلاق عليها في الحال؛ لأنها من غير أهل السنة في الطلاق, فإذا انقضى بقية طهرها الذي جامعها فيه وحاضت بعده حيضه كاملة ودخلت في أول الطهر الثاني طلقت, لأنه حينئذ طلاق السنة إلا أن يجامعها في آخر الحيض وأول الطهر فلا تطلق فيه؛ لأنه بدأها وهي مجامعة وصار طهرًا جامعها فيه لا يقع فيه طلاق السنة, وهكذا لو فعل ذلك مع أول كل طهر لم تطلق.

الجزء: 10 - الصفحة: 19

فصل وإذا قال لها: أنت طالق للبدعة لم يخل حالها من الأقسام الثلاثة: أحدهما: أن تكون حائضًا فتطلق في الحال, لأن الحيض زمان البدعة وكذلك لو كانت نفساء طلقت؛ لأن النفاس كالحيض.
والقسم الثاني: أن تكون في طهر جامعها فيه فتطلق, لأن طهر المجامعة زمان البدعة وسواء أنزل من جماعة أو لم ينزل إذا التقى ختاناهما, لأنه حكم يستقر به الدخول ويكمل به المهر وتجب به العدة.
والقسم الثالث: أن يكون في طهر لم يجامعها فيه فلا طلاق حتى تحيض فتطلق, لأن الحيض زمان البدعة, أو يجامعها في ذلك الطهر فتطلق؛ لأن طهر المجامعة زمان لطلاق البدعة ثم يعتبر حال جماعة فيه, فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون حين أولج ذكره نزع وأقلع فقد طلقت بالإيلاج ولم يلزمه بعد وقوع الطلاق مهرًا بالإخراج؛ لأنه ترك.
والقسم الثاني: أن يكون قد نزع بعد إيلاجه ثم استأنف الإيلاج بعده,, فعليه مهر مثلها بالإيلاج الثاني؛ لأنها طلقت بالإيلاج الأول فصار مستأنفًا للإيلاج الثاني بعد طلاق رجعي فلزمه فيه مهر المثل.
والقسم الثالث: أن يكون حين أولج استدام الإيلاج ولم ينزع حتى انتهى جماعه ففي وجوب مهر المثل عليه وجهان.
أحدهما: لا مهر عليه اعتبارًا بأوله فإنه كان وهي زوجة, والوجه الثاني: عليه مهر المثل اعتبارًا بآخره؛ لأنه كان وهي مطلقة.
فرع وإذا قد مضى ما يقع به الطلاق السنة في زمانه, وما يقع به طلاق البدعة في زمانه, فقد استقر زمان الطلاقين فاعتبرهما فيما تفرع منهما.
فإن قال: أنت طالق لا للسنة كانت طالقًا للبدعة, لأنه إذا لم يخل هذا الطلاق من هاتين الصفتين كان نفي إحداهما إثباتًا للأخرى.
وهكذا لو قال: أنت طالق لا للبدعة, كانت طالقًا للسنة, لأن نفي البدعة إثباتًا لضدها ولو قال: أنت طالق للسنة أو البدعة, رجع إلى خياره ليوقع ما شاء من طلاق السنة أو البدعة؛ لأن لفظه أو موضوعه للتخيير.
ولو قال: أنت طالق للسنة والبدعة طلقت في الحال لتعارض الصفتين وتنافي اجتماعهما فألغيتا: ثم ينظر في الحال: فإن كان زمان البدعة كان طلاق بدعة, وإن كان زمان السنة كان طلاق السنة, وهذا لو قال: أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة طلقت في الحال, لأنه قد جمع في النفي بين صفتين لابد من وجود إحداهما فسقط حكم نفيه

الجزء: 10 - الصفحة: 20

وتعجل وقوع الطلاق فإن كان زمان السنة كان طلاق سنة, وإن كان زمان البدعة كان طلاق بدعة.
ولو قال: أنت طالق في السنة وأنت طالق بالسنة كان كقوله أنت طالق للسنة, فيقع عليها طلاق السنة, ولو قال: أنت طالق بالبدعة أو أنت طالق في البدعة كان كقوله: أنت طالق للبدعة فيقع عليها طلاق البدعة, ولو قال: أنت طالق طلاق الحرج فقد حكي ابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه طلاق الثلاث, وليس للشافعي فيه نص, لكن قياس مذهبه أن يكون طلاق بدعة, فيقع عليها طلاق البدعة, ولو قال: أنت طالق للساعة وقع عليها طلاق السنة.
فرع ولو قال لها: أنت طالق طلقتين إحداهما للسنة والأخرى للبدعة, وقعت إحدى الطلقتين في الحال, لأنه لا يخلو أن تكون حال سنة أو بدعة, فإن كانت حال سنية كانت الأولى سنية فوقعت الثانية في زمان البدعة, وإن كانت حال بدعة كانت الأولى بدعية فوقعت الثانية في زمان السنة.
ولو قال: أنت طالق طلقتان للسنة والبدعة احتمل وجهين: أحدهما: أن يجعل إحداهما للسنة والأخرى للبدعة إثباتًا لحكم الصفتين, لأنه إذا أمكن اجتماعهما لم يسقطا.
والوجه الثاني: أن تلغي الصفتان ويعجل إيقاع الطلقتين, لأن الظاهر من الصفتين عودهما إلى جميع الطلقتين, فلم يجز أن يفيد المطلق كما لم يجز أن يطلق المقيد.
فرع ولو قال: أنت طالق ثلاثًا للسنة فهي مسطور المسألة فتقع الثلاث معًا في زمان السنة ولا يتفرقن في ثلاثة أطهار؛ لأن السنة والبدعة عندنا في زمان الطلاق لا في عدده.
وقال أبو حنيفة ومالك: يتفرق الثلاث في ثلاثة أطهار, ولا يقع في طهر واحد, لأن السنة والبدعة عندهما في الطلاق وفي عدده وقد مضى الكلام معهما.
فعلى هذا لو قال: أردت أن يتفرقن في ثلاثة أطهار فيقع في كل طهر واحدة لقول أبي حنيفة ومالك, فهذا محتمل وهو مخالف للظاهر, فلا يقبل منه في ظاهر الحكم ويقبل منه فيما بينه وبين الله تعالى, فيدين فيه فلا يقع في باطن الحكم إلا على ما نوى, وإن وقع في ظاهر الحكم معجلًا, وهكذا لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا ثم قال: أردت للسنة, فإن كانت الحال وقتًا لطلاق السنة طلقت في الحال ثلاثًا للسنة في ظاهر الحكم وباطنه, وإن كانت الحال وقتًا لطلاق البدعة, فقد ذكر محتملًا يخالف ظاهر الإطلاق, فيقع الطلاق معجلًا في ظاهر الحكم اعتبارًا بظاهر الطلاق, ولا يقع في باطن الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى إلا على ما نوى من طلاق السنة إذا جاء

الجزء: 10 - الصفحة: 21

زمان السنة, ولو قال: أنت طالق ثلاثًا للسنة ثم قال سبق لساني بقول السنة وإنما أردت طلاق الثلاث على الإطلاق قبل منه وقع الطلاق الثلاث سواء كان للسنة أو للبدعة, لأنه وإن خالف ظاهر لفظه فهو أغلظ عليه وأضر به, ومن يبين الأخف بالأغلظ قبل منه ظاهرًا وباطنًا, ومن بين الأغلظ بالأخف لم يقبل منه في الظاهر, وإن قبل منه في الباطن إذا كان محتملًا.
مسألة: قال الشافعي: "ولو كان قال في كل قرء واحدة فإن كانت طاهرًا حبلى وقعت الأولى ولم تقع الثانية إن كانت تحيض على الحبل أو لا تحيض حتى تلد ثم تظهر فإن لم يحدث لها رجعة حتى تلد بانت بانقضاء العدة ولم يقع عليها غير الأولى".
قال الماوردي: وصورتها في رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا في كل قرء واحدة فقد صرح بتفريق الثلاث في ثلاثة أقراء, فلا يقعن إلا هكذا, فإذا كان كذلك فلا يخلو حال المرأة من أحد أمرين, إما أن تكون من أهل السنة والبدعة, أو لا تكون منهن.
فإن كانت من أهل السنة والبدعة فلا يخلو حالها من أن تكون حائضًا أو طاهرًا, فإن كانت حائضًا لم تطلق في حال حيضها حتى إذا طهرت طلقت في أول طهرها؛ لأنه أو زمان السنة, فإذا حاضت الحيضة الثانية ودخلت في أول الطهر الثاني طلقت طلقة ثانية, سواء راجع بعد الأولى أو لم يراجع, فإذا حاضت الحيضة الثالثة ودخلت في أول الطهر الثالث, طلقت طلقة ثالثة, سواء راجع بعد الثانية أو لم يراجع.
فأما العدة فإن لم يكن قد راجعها بنت على عدة الطلقة الأولى, فإذا انقضى الطهر الثالث بدخول الحيضة الرابعة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج, وإن راجعها لم يخل حاله بعد الرجعة من أن يطأها فإن وطئها استأنفت العدة بعد الطلقة الثالثة التي بعد رجعته, ووطئه ويكون ذلك الطهر الذي وقعت فيه الطلقة الثالثة قرءًا واحدًا فتأتي بعده بقرأين, وإن لم يطأها بعد رجعته فهل تبني على العدة أو تستأنها على قولين: أحدهما: أنها تبنى على عدة الطلقة الأولى, لأن الرجعة قد بطلت بما تعقبها من الطلاق.
والقول الثاني: أنها تستأنف العدة من الطلقة الثالثة؛ لأن الرجعة قد أبطلت ما تقدمها من الطلاق.
فإما إذا كانت عند الطلاق طاهرًا طلقت في الحال واحدة, لأن بقية هذا الطهر قرء وسواء كان قد وطئها في هذا الطهر أم لا, لأن طهر الجماع قرء يقع به الاعتداد كما تعتد بطهر ليس فيه جماع, إلا أم الطلقة في طهر الجماع تكون بدعية.
وفي طهر غير الجماع تكون سنية, وهو إنما علق بالطلاق بالقرء لا بالسنة فلذلك روعي ما يكون قرءًا وإن لم يكن الطلاق فيه للسنة, فإذا وقعت الطلقة الأولى في الطهر الأول لم يحل له جماعها إن لم يراجعها وإن راجعها فيه حل له جماعها فهي بقية

الجزء: 10 - الصفحة: 22

طهرها فإذا حاضت حرم عليه جماعها في الحيض, فإذا دخلت في أول الطهر الثاني طلقة ثانية وحرم عليه جماعها فيه إن لم يراجعها, وإن راجعها فيه حل له جماعها في بقيته فإذا حاضت الحيضة الثانية, حرم عليه جماعها في حيضها, فإذا دخلت في الطهر الثاني طلقت ثالثة وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
فأما العدة فعلى ما ذكرنا, فإن لم تراجع بنت على عدة الطلقة الأولى وانقضت عدتها بانقضاء الطهر الثالث, وإن راجعها فإن جامعها بعد الرجعة استأنف العدة من وقت الطلقة الثالثة, وإن لم يجامعها فعلى ما مضى من القولين.
أحدهما: يبني على عدة الطلقة الأولى, والقول الثاني: يستأنف العدة من وقت الطلقة الثالثة, فلو قال لها في آخر طهرها: أنت طالق في قرء واحدة ثم حاضت قبل تمام كلامه أو مع تمامه من غير أن يتصور فيهما طهر منفصل.
قال أبو العباس بن سريج: تطلق فيه وتعتد به قرءًا لوجود الطلاق فيه, وهذا خطأ, بل لا يقع فيه الطلاق ولا يقع به اعتداد؛ لأن وقوع الطلاق بالكلام إنما يكون بعد تمام الكلام لا بأوله ألا تراه لو قيده بقيمة كلامه بشرط كان الطلاق محمولًا على ذلك الشرط ولو وقع بأوله ما حمل على شرط آخر, ولم يجد بعد تمام كلامه طهرًا يكون قرءًا, فيكون شرطًا لوقوع الطلاق ولذلك لم تطلق.
فرع وأما الحال الثانية وهو أن تكون من غير أهل السنة والبدعة وذلك بأن تكون واحدة من أربع: إحداهن: أن تكو غير مدخول بها فتطلق واحدة في الحال طاهرًا كانت أو حائضًا, وقد بانت بها لأنه لا عدة عليها ومن لا عدة عليها فلا قرء لها فتجري مجرى طلاقها للسنة فيقع الطلاق عليها في الحال, وإن لم تكون للسنة, فإن لم يتزوجها حتى مضى لها بعد الطلقة الأولى طهران انحل طلاقه فيما بقى من الطلقتين, وإن تزوجها قبل مضي الطهرين فعود طلاقه فيما بقي من الطلقتين, وإن تزوجها قبل مضي الطهرين فعود طلاقه على قولين؛ لأنه عقد طلاق في نكاح وجد شرطه في غيره.
والثانية: أن تكون حاملًا فتقع عليها في الحال طلقة واحدة, لأن الحمل قرء معتد به وتكون طلقة لا سنة فيها ولا بدعة, فلو كانت تحيض على حملها لم تطلق في الأطهار التي بين حيضها سوى الطلقة التي وقعت بحملها, سواء حكم له بحكم الحيض أم لا؛ لأنه وإن كان حيضًا فليست أطهاره أقراء يعتد بها, وإذا لم تطلق إلا واحدة بالحمل فإن لم يراجعها حتى وضعت فقد انقضت عدتها وبانت, فإن استأنف نكاحها بعد مضي طهرين من حملها لم يعد عليها طلاق, وإن استأنفه قبل مضي الطهرين ففي عود طلاقه قولان على ما ذكرناه.
وإن راجعها قبل وضعها فإذا طهرت بعد نفاسها طلقت ثانية, فإذا حاضت ودخلت في الطهر الثاني طلقت ثالثة, فإن لم يراجع اعتدت من الطلقة الثانية, وإن راجع

الجزء: 10 - الصفحة: 23

ووطء اعتدت من الطلقة الثالثة, وإن راجع ولم يطأ فعلى ما مضى من القولين.
والثالثة: أن تكون صغيرة قد دخل بها فتطلق في الحال واحدة, فإن لم يراجعها حتى مضت أربعة أشهر فقد بانت بها, وإن راجع قبل مضي ثلاثة أشهر ولم تطلق بعد رجعته ما لم تحض؛ لأنه قد وقع طلاقها فيه, فإذا حاضت ثم طهرت طلقت ثانية, فإذا حاضت ودخلت في الطهر الثاني طلقة ثالثة وحرمت عليه إلا بعد زوج والكلام في العدة عليها مضى.
والرابعة: أن تكو مؤيسة فتطلق في الحال واحدة كالصغيرة, فإن لم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها وبانت, ولو تزوجها لم يعد الطلاق قولًا واحدًا؛ لأنها في طهر قد وقع طلاقها فيه, وإن راجعها كانا على النكاح ولا تطلق بالطهر بعد الرجعة؛ لأنه هو الطهر الذي وقع فيه الطلاق الأول ولا يتصور مع الإياس أن تحيض, فإن حاضت فهي غير مؤيسة فتطلق إذا طهرت من حيضها طلقة ثانية, ثم تطلق ثالثة في طهر إن كان لها بعد حيضة أخرى.
فرع: في تعليق الطلاق بالطهر وإذا قال لها وهي حائض: إذا طهرت فأنت طالق طلقت بعد انقطاع دمها بدخولها في أول الطهر, سواء انقطع دمها لأقل الحيض أو لأكثره, وسواء اغتسلت أو لم تغتسل, ويكون طلاق سنة, ولو قال لها وهي طاهر إذا طهرت فأنت طالق, لم تطلق في هذا الطهر حتى تدخل في طهر مستقبل, وذلك بأن تحيض بعد الطهر ثم تطهر فتطلق بدخولها في أول الطهر الثاني؛ لأن لفظة إذا موضوعة للمستقبل, ألا تراه لو قال يا زيد إذا جئتني فلك دينا وهو عنده لم يستحق الدينار حتى يستأنف المجيء إليه بعد هذا القول, ولكن لو قال لها إن كانت طاهرًا فأنت طالق, فإن كانت في الحال طاهرًا طلقت, وإن كانت حائضًا لم تطلق في الحال إلا إذا طهرت؛ لأنه جعل وجود طهرها في الحال شرطًا في وقوع الطلاق ألا تراه لو قال لها: إن كنت في الدار فأنت طالق فكانت في غير الدار لم تطلق بدخول الدار, ولو قال لها: إذا طهرت طهرًا فأنت طالق فإن كانت في الحال حائضًا, فإذا مشى عليها بعد هذا الحيض طهر كامل ودخلت في أول الحيضة الثانية طلقت وكان طلاق بدعة لوقوعه في الحيض, وإن كانت في الحال طاهرًا فإذا مضى بقية طهرها وحيضة بعدها ثم طهر كامل ودخلت في أول الحيضة الثانية طلقت وكان طلاق بدعة, وإنما كان كذلك, لأن قوله إذا طهرت طهرًا يقتضي كمال طهر مستقبل, ولو قال لها أنت طالق في طهرك, فإن كانت في تلك الحال طاهرًا طلقت, وإن كانت حائضًا طلقت إذا طهرت فيقع الطلاق في هذا بالطهر في الحال وبالطهر المستقبل وإذا وقع الطلاق بالطهر في الحال لم يقع بالطهر المستقبل؛ لأن وجود الشرط قد (استوفى) حكمه.

الجزء: 10 - الصفحة: 24

فرع: في تعليق الطلاق بالحيض وإذا قال لها وإذ هي طاهر إذا حضت فأنت طالق طلقت بدخولها في أول الحيض ويكون طلاق بدعة, فإذا رأت الدم في زمان العادة فالظاهر أنه أول الحيض فيحكم بوقوع الطلاق, فإن استدام يومًا وليلة تحقق وقوعه, وإن انقطع لأقل من يوم وليلة بان أنه لم يكن حيضًا وأن الطلاق لم يقع, وإن رأت الدم قبل وقت العادة فالظاهر أنه ليس بحيض, وأن الطلاق لم يقع, وإن استدام يومًا وليلة بان أنه كان حيضًا وأن الطلاق وقع بأول الدم, ولو قال لها وهي حائض: إذا حضت فأنت طالق, لم تطلق في بقية حيضها حتى تطهر منها ثم تحيض بعد طهرها فتطلق كما ذكرنا في الطهر, ويكون طلاق بدعة, ولو قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق, فإن كانت طاهرًا: فإذا مضى بقية طهرها ثم حيضة كاملة بعدها ثم دخلت في أول الطهر الثاني طلقة وكان طلاق سنة.
ولو كانت حائضًا فإذا مضى بقية حيضها ثم طهر كامل ثم حيضة كاملة ثم دخلت في أول الطهر الثاني طلقت, وكان طلاق سنة, ولو قال لها: إن كنت حائضًا فأنت طالق, فكانت طاهرًا لم تطلق في الحال ولا إذا حاضت في ثاني حال, ولو قال لها أنت طالق في حيضك طلقت بالحيض في الحال.
فإن لم تكن فبالحيض المستقبل كما قلنا في الطهر, فلو قال: كلما حضت فأنت طالق طلقت بدخولها في الحيضة الأولى طلقة واحدة, وبدخولها في الحيضة الثانية طلقة ثانية, وبدخولها في الحيضة الثالثة طلقة ثالثة, لأن لفظ كلما موضع للتكرار, ويكون الثلاث كلهن طلاق بدعة وتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الرابعة, لأن لها في الثلاث حيض طهرين فتأتي بالطهر الثالث وانقضاؤه يكون بدخولها في الحيضة الرابعة, ولو كان قال لها كلما حضت حيضة فأنت طالق, طلقت ثلاثًا بدخولها في الطهر الثالث وانقضت عدتها بدخولها في الحيضة الرابعة, ويكون هذا طلاق سنة, لأنه يقع في أول كل طهر.
فرع آخر منه: وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق فقالت: قد حضت فإن صدقها فيه طلقت, وإن أكذبها فقولها فيه مقبول على نفسها, وله إحلافها, وقد طلقت, ولو قال لها: قد حضت؟ فقالت: لم أحض طلقت بإقراره ولو قال لها: إذا حضت فضرتك عمرة طالق, فقالت: قد حضت, فإن صدقها طلقت ضربتها, وإن أكذبها لم تطلق ضرتها, لأن قولها في حيضها وإن كان مقبولاً على نفسها، مع تكذيب الزوج فهو غير مقبول على غيرها إلا بتصديق الزوج.
كالمودع يقبل قوله في الوديعة هلة ما ذكرنا ولا يقبل قوله في ردها على غيره.
فلو قال لها: إذا حضت فأنت وضرتك طالقتان فقالت قد حضت فإن صدقها طلقت هي وضرتها، وإن أكذبها طلقت هي.
ولم تطلق ضرتها لأن قولها على نفسها مقبولًا وعلى ضرتها غير مقبول, فإن صدقتها الضرة على الحيض لم يؤثر تصديقها, لكن لها إحلاف الزوج على تكذيبها, وهو مخير في يمينه بين أن يحلف أن تلك لم تحض أو يحلف أن الضرة لم تطلق؛ لأن المقصود بالحيض

الجزء: 10 - الصفحة: 25

وقوع الطلاق في أن تكون اليمين معقودة عليه.
فرع آخر منه: ولو قال وله زوجتان: إذا حضتما فأنتما طالقتان, فإن حاضت إحداهما لم تطلق واحدة منهما, وإن حاضتا طلقتا, فلو قالتا قد حضنا, فإن صدقهما طلقتا, وإن أكذبهما لم يطلقا, لأن طلاق كل واحدة منهما بحيضها فحيض ضرتها, وقولها وإن كان مقبولًا ف على نفسها فقول ضرتها غير مقبول عليها, فلو صدق إحداهما وكذب الأخرى, طلقت المكذبة دون المصدقة؛ لأن المكذبة قولها مقبول على نفسها, وقد صدق عليها ضرتها فطلقت, فضرة المصدقة مكذبة عليها فلم تطلق.
فلو قال وهن ثلاث إذا حضتن فأنتن طوالق, فإذا حاضت واحدة منهن أو اثنتان لم تطلق واحدة منهن, فإذا حضن معًا طلقت كلهن, فلو قلن: قد حضن فإن صدقتهن طلقن وإن كذبهن لم يطلق, وإن صدق واحدة وكذب اثنتين لم تطلق واحدة منهن؛ لأن في طلاق كل واحدة منهن مكذبة عليها, ولو صدق اثنتين وكذب واحدة طلقت المكذبة وحدها؛ لأنه قد صدق ضريتها عليها, ولا تطلق كل واحدة من المصدقتين؛ لأن في إحدى ضرتيها مكذبة.
ولو كن أربعًا فقال: إذا حضتن فأنتن طوالق فقلن: قد حضنا فإن صدقهن طلقن وإن كذبهن لم يطلقن, وإن صدق واحدة وكذب ثلاثًا لم يطلقن, وكذلك لو صدق اثنتين وكذب اثنتين لم تطلق واحدة منهن؛ لأن طلاق كل واحدة يكون بحيضها وحيض ضرائرها قد كذب عليها ضرة, فلو صدق ثلاثًا وكذب واحدة طلقت المكذبة وحدها دون المصدقات؛ لأن قول المكذبة مقبول على نفسها وقد صدق ضرائرها عليها فطلقت.
وكل واحدة من المصدقات قد كذب عليها واحدة من ضرائرها فلم تطلق.
فرع آخر منه: وإذا كان له أربع زوجات فقال: أيتكن حاضت فضرائرها طوالق فإن حاضت واحدة منهن لم تطلق, وطلق كل واحدة من ضرائرها واحدة؛ لأن حيض كل واحدة شرط في طلاق غيرها, فإن حاضت ثانية لم تطلق هي, وطلقت الحائض الأولى واحدة, وطلقت كل واحدة في الحيضة الثانية ثانية, فإن حاضت ثالثة طلقت بها الأولى طلقة ثانية وطلقت الثانية طلقة ثانية وطلقت بها والرابعة طلقة ثالثة, فإن حاضت الرابعة طلقت بها الأولى طلقة ثالثة, وطلقت بها الثانية طلقة ثانية, وطلقت بها الثالثة طلقة ثالثة, فيطلقن ثلاثًا ثلاثًا, فلو قلن: قد حضنا فإن كذبن لم تطلق واحدة منهن, لأن طلاقها بحيض ضرائرها لا بحيضها, وإن صدق واحدة منهن وكذبت الباقيات طلقت كل واحدة من المكذبات الثلاث واحدة واحدة, لأنه قد صدق عليها واحدة, ولا تطلق المصدقة؛ لأن كل واحدة من ضرائرها مكذبة.
ولو صدق اثنتين وكذب اثنتين طلقت كل واحدة من المكذبتين طلقتين؛ لأنه صدقها عليها ضرتين وطلقت كل واحدة من المصدقتين طلقة واحدة, لأنه قد صدق

الجزء: 10 - الصفحة: 26

عليها ضرة واحدة, ولو صدق ثلاثًا وكذب واحدة طلقت المكذبة ثلاثًا؛ لأنه قد صدق عليها ثلاث ضرائر وطلقت كل واحدة من المصدقات طلقتين؛ لأنه قد صدق عليها ضرتين, ولو صدق الأربع كلهن طلقت واحدة منهن ثلاثًا؛ لأنه قد صدق عليها ثلاث ضرائر.
فرع وإذا قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق واحدة, فإذا حضت حيضتين فأنت طالق اثنتين, فحاضت حيضتين طلقت ثلاثًا, بالأولى منهما طلقة؛ لأنها قد حاضت حيضة؛ وبالثانية طلقتين: لأنها قد حاضت حيضتين.
ومثاله أن يقول: إن كلمت رجلًا فأنت طالق واحدة, وإن كلمت شيخًا فأنت طالق واحدة وإن كلمت زيدًا فأنت طالق واحدة فكلمت زيدًا وكان شيخًا طلقت ثلاثًا, واحدة بأنه رجل وثانية بأنه شيخ وثالثة بأنه زيد, ولو كلمت عمرًا وإن كان شابًا لم تطلق إلا واحدة بأنه رجل, ولو كان شيخًا لم تطلق الاثنتين واحدة بأنه رجل وثانية بأنه شيخ, ولكن لو قال لها: إذا حضت فأنت طالق واحدة, ثم إذا حضت حيضتين فأنت طالق اثنتين لم تطلق ثلاثًا إلا بثلاث حيض لأجل قوله, فيقع منهما بالحيضة الأولى طلقة ولا تطلق بالحيضة الثانية شيئًا, فإذا حاضت الحيضة الثالثة صارت مع الحيضة الثانية صفة لوقوع الطلقتين فتطلق حينئٍذ ثلاثًا, وإنما كذلك, لأن ثم توجب التراجي والفضل, والواو توجب الاشتراك والجمع, فلذلك فافترقا في هذين الموضعين.
فرع آخر: إذا قال وله امرأتان: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقتان ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: أنه علق طلاقهما بحيضة منهما ومستحيل أن يشتركا في حيضة واحدة ولا بحيض إحداهما؛ لأنها لا تكون الحيضة منها فصار تعليق الطلاق بها لغوًا فلم تقع.
والوجه الثاني: أن الشرط صحيح وتعليق الطلاق به جائز, ومعنى قوله: إذا حضتما حيضة أي إذا حاضت كل واحدة منكما حيضة فأنتما طالقتان, والكلام إذا كان مفهوم المعنى وأمكن حمله على الصحة, وإن كان على وجه المجاز لم يجز حمله على الإلغاء والفساد, فإذا حاضت كل واحدة حيضة كاملة طلقت طلاق السنة لوقوعه في أول الطهر وإن حاضت إحداهما دون الأخرى لم تطلق واحدة منهما, وأصل هذه المسألة: اختلاف المتقدمين من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة فيمن قال لامرأتيه إذا ولدتما ولدًا فأنتما طالقتان, فذهب الربيع بن سليمان من أصحابنا وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنهما لا يلحقهما بالولاد طلاق, لأنه إن ولدت إحداهما لم يكن ذلك منهما وإن ولدتا معًا لم يكن ذلك ولدًا, فلذلك لم تطلق واحدة منهما بولادتها ولا بولادتهما, وذهب أبو إبراهيم المزني ومحمد بن الحسن إلى أن تعليق الطلاق بهما صحيح والمراد به ولادة كل واحدة منهما, فإذا ولد إحداهما لم تطلق واحدة منهما, وإن ولدتا معًا طلقتا.

الجزء: 10 - الصفحة: 27

مسألة: قال الشافعي: "ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة وقعت اثنتان في أي الحالين كانت والأخرى إذا صارت في الحال الأخرى قلت أنا أشبه بمذهبه عندي أن قوله بعضهن يحتمل واحدة فلا يقع غيرها أو اثنتين فلا يقع غيرهما أو من كل واحدة فيقع بذلك ثلاث فلما كان الشك القول قوله مع يمينه ما أراد ببعضهن في الحال الأولى إلا واحدة وبعضهن الباقي في الحال الثانية فالأقل يقين وما زاد شك وهو لا يستعمل الحكم بالشك في الطلاق".
قال الماوردي: وصورتها في رجل قال لامرأته؛ أنت طالق ثلاثًا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة, فالبعض اسم مبهم يجوز أن يطلق على أقل الثلاث وعلى أكثرها, وعلى العدد الصحيح منها والمكسور, فإذا جهل بعض الثلاث للسنة وبعضها للبدعة لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يقدر بلفظه.
والثالث: أن يقدر بنيته, فإن أطلق ولم يقدر بلفظه ولا بنيته اقتضى إطلاق التسوية بين البعض وإن لا يفضل أحدهما على الآخر, كما لو أقر بدار لرجلين كانت بينهما من غير تفضيل, لأنه ليس تفضيل أحدهما بالزيادة بأولى من تفضيل الآخر, فلذلك وجب التسوية بينهما, وأن يكون كل واحد من البعضين طلقة ونصفًا, فيجعل البعض الواقع في الحال طلقة ونصفًا, والطلاق لا يتبعض بل يكمل فوجب أن يقع في الحال طلقتان, فإن كانت الحال الأولى حال السنة, كانت الطلقتان للسنة, ووقعت الثالثة للبدعة, وإن كانت الحال الأولى حال البدعة كانت الطلقتان للبدعة, والطلقة الثالثة للسنة.
وقال المزني: إطلاق التبعيض يقتضي تعجيل أقلهما, فلا يقع في الحال الأولى إلا واحدة؛ لأن ذلك يقين والزيادة شك, وإذا اقترن بيقين الطلاق شك لم يعمل إلا على اليقين دون الشك وهذا خطأ؛ لأن التسوية بين البعضين في الإطلاق أولى من التفضيل لما ذكرنا, وإن قدر كل واحد من البعضين بلفظ, حمل على ما قدره بلفظه سواء عجل الأكثر فأوقع في الحال الأولى طلقتين, وفي الحال الأخرى طلقة أو عجل الأقل فأوقع في الحال الأولى طلقة وفي الحال الأخرى طلقتين أو سوى بين الحالين فأوقع في الأولى طلقتين وفي الأخرى طلقة؛ لأن التقدير ملفوظ به كالطلاق فوجب أن يعمل عليه, وإن قدر كل واحد من البعضين بنيته نظر فإن نوى بأعجل البعضين أكثرهما أو التسوية بينهما عمل على نيته فوقع في الحال الأولى طلقتان, وفي الحال الثانية طلقة.
وإن نوى بأعجل البعضين أقلهما, وهو أن يقع في الحال الأولى واحدة وفي الحال الثانية طلقتان ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه يقبل منه في الظاهر والباطن, ولا يقع في الحال الأولى إلا واحدة ويقع الحال الأخرى طلقتان كما لو قدره بلفظه.

الجزء: 10 - الصفحة: 28

والوجه الثاني: وهو قول بعض أصحابنا: أنه لا يقبل منه في الظاهر ويلزمه في الحال طلقتان في ظاهر الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى كما لو قال: أنت طالق ثم قال بوقت إلى شهر وهذا خطأ والفرق بينهما أن البعض حقيقة وليس كذلك إطلاق الطلاق, إذا نوى أن يكون إلى شهر؛ لأن حقيقته تعجيل الطلاق فجاز أن لا يحمل في الظاهر على نيته, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قال أنت طالق أعدل أو أحسن أو أكمل أو ما أشبهه سألته عن نيته فإن لم ينو شيئًا وقع الطلاق للسنة".
قال الماوردي: إذا قال: أنت طالق أعدل الطلاق أو أكمل الطلاق أو أفضل الطلاق أو أحسن الطلاق أو أهنأه أو أسراء أو أسوأه أو أنهاه أو قال: شبه ذلك من صفات الحمد لم يخل حاله من أحد أمرين: إما أن يكون له فيه نيه أو لا نية فيه, فإن لم يكن فيه نية وجب حمله على طلاق السنة, لأنه الأعدل الأفضل الأجمل الأكمل سواء تغلظ ذلك عليه بالتعجيل أو تخفف بالتأجيل, وإن كانت طاهرًا طلقت في الحال طلاق السنة, وإن كانت حائضًا لم تطلق حتى إذا طهرت طلقت حينئذ للسنة وإن كانت له نية فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون نيته موافقة لظاهر لفظه وهو أن ينوي طلاق السنة فيحمل على ما نوى من طلاق السنة وتكون النية تأكيدًا للظاهر؛ لأنه إذا حمل على طلاق السنة في غير نية كان أولى أن يحمل عليه مع النية.
والضرب الثاني: أن تكون نيته مخالفة لظاهر لفظه, وهو أن يريد به طلاق البدعة لأنه اعتقد أن الأعدل مع قبح طريقها, والأجمل بسوء خلقها, أن يطلق للبدعة فهذا على ضربين.
أحدهما: أن يكون ذلك أغلظ حاليه بأن تكون حائضًا أو مجامعة فيحمل على طلاق البدعة, ويقع الطلاق في الحال؛ لأنه أغلظ.
والضرب الثاني: أن يكون ذلك أخف حاليه بأن تكون في الحال طاهرًا غير مجامعة, دين فيما بينه وبين الله تعالى.
وهل تقبل منه في ظاهر الحكم أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يقبل منه في ظاهر الحكم, ولا يلزمه وقوع الطلاق إلا إذا صارت إلى حال البدعة, لأن ما ذكره من التأويل قد يحتمل أن يعدل بظاهر اللفظ إليه ثم لا يلزمه في ذلك إلا طلقة واحدة ما لم يرد أكثر منها.
فإن قيل فيه إذا قال: أنت طالق أكمل الطلاق يلزمه الثلاث لأنها أكمل الطلاق قيل: الثلاث هي أكمل الطلاق عددًا وقد يجوز أن يريد أكمل الطلاق صفة وحكمًا, فلم يجز أن يحمل على كمال العدد دون الصفة إلا بنية؛ لأن الثلاث زيادة فلم تقع إلا

الجزء: 10 - الصفحة: 29

باليمين ولكن لو قال أنت طالق أكثر الطلاق وقع ثلاثًا؛ لأن الكثرة لا تكون إلا في العدد, دون الصفة, ولو قال: أنت طالق أكثر الطلاق كان واحدة ولم يكن ثلاثًا إلا بالنية, لأنه الأكثر قد يعود إلى الصفة كما يعود إلى العدد, والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قال أقبح أو أسمج أو أفحش أو ما أشبهه سألته عن نيته فإن لم ينو شيئًا وقع للبدعة".
قال الماوردي: وهذا نصه ما تقدم من صفة الطلاق بصفات الحمد فإذا قال لها: أنت طالق أقبح الطلاق أو أسمج الطلاق أو أفحش الطلاق أو أردأه أو أنداه أو أضره أو أنكره أو أمره, أو ما أشبه ذلك من صفات الذم, فإن لم تكن له نية حمل على طلاق البدعة, لأنه الأسمج, الأقبح, الأضر الأمر.
وإن كانت نية نظر فيها فإن وافقت ظاهر لفظه, أن يريد به طلاق البدعة حمل عليها, وكان عشرتها هو الأسمج الأقبح, فإن كان ذلك أغلظ حاليه وأعجلهما عمل عليه وقل قوله فيه, وإن كان أخف حاليه وأبعدهما دين فيه, وفي قبوله منه في الحكم وجهان: أحدهما: لا يقبل منه اعتبارًا بظاهر اللفظ.
والثاني: يقبل منه لاحتمال ما ذكرنا من التأويل.
فرع ولو قال: أنت طالق أشد الطلاق ولم يكن له نية طلقت في الحال من غير مراعاة سنة ولا بدعة, لأن أشد الطلاق تعجيله وتكون رجعية, وكذلك لو قال أنت طالق أطول الطلاق أو أعرض الطلاق أو أقصر الطلاق كانت واحدة رجعية؛ لأن الطلاق لا طول له ولا عرض.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أنت طالق أكبر الطلاق أو أطول الطلاق أو أعرض الطلاق أو أشد الطلاق طلقت طلقة واحدة بائنة, ووافق في الأقصر والأصغر أنها تكون رجعية, وعندنا لا تكون الواحدة بائنة بحال إلا في غير المدخول بها, والكلام معه يأتي.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قال أنت طالق واحدة حسنة قبيحة أو جميلة فاحشة طُلقت حين تكلم".
قال الماوردي: وهذا كما قال: إذا قصد الطلاق بصفتين مختلفتين فقال: أنا طالق واحدة حسنة قبيحة, أو جميلة فاحشة, أو ضارة نافعة, أو سنية بدعية وقع طلاقها في الحال, سواء كانت في حال السنة أو في حال البدعة, واختلف أصحابنا في تعليل ذلك فقال بعضهم: وهو الظاهر من تعليل الشافعي أنه وصفها بصفتين أحدهما صفة طلاق السنة والأخرى صفة طلاق البدعة, وهي في أحد الحالتين, ووقع الطلاق

الجزء: 10 - الصفحة: 30

عليهما بوجود إحدى الصفتين.
وقال آخرون: بل العلة فيه أن تقابل الصفتين أوجب سقوطهما، لأجل المضادة فيهما فصارت الطلقة بسقوط الصفتين مطلقة، فوقع الطلاق بها في الحال، ولو قال: أنت طالق طلاق الحرج والسر، وقع الطلاق عليها في الحال، لأن طلاق الحرج هو طلاق البدعة فصار واصفاً لها بصفتين متضادتين فيقع بها الطلاق معجلاً على ما ذكرنا من اختلاف العلتين فلو قال: أردت بالحرج طلاق ثلاث وبالسنة أن يكون في كل طهر واحدة، فهذا يحتمل ظاهر كلامه أيضاَ.
وهو أغلط عليه من الواحدة المعجلة فتقع ظاهراً وباطناً على ما نوى.
ولو قال: أنت طالق ملئ مكة أو ملئ الدنيا، طلقت واحدة لم يرد أكثر منها.
لأن الطلاق لا يشمل محلاً، فيقع في مكان دون مكان.
ويكون معنى قوله: ملئ الدنيا أي يظهر ذكرها في الدنيا، وقد ظهر فيها ذكر الواحدة كظهور الثلاث.
مسألة: قال الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدُمَ فُلاَنٌ لِلسٌنَّةِ فَقَدُمَ فُلاَنٌ فَهِيَ طَالِقٌ لِلسٌنَّةِ".
قال الماوردي: لأنه علق بطلاقها بشرط وصفة، فالشرط قدوم زيد والصفة أن يكون طلاق السنة فوجب أن تعتبر الصفة بعد وجود الشرط فلا طلاق قبل زيد، فإذا قدم فقد وجد الشرط فوجب مراعاة الصفة فإن كانت عند قدوم زيد في طهر لم تجامع فيه، طلقت حال قدومه لوجود الشرط والصفة معاً، وإن كانت حائضاً أو في طهر قد جومعت فيه، لم تطلق بوجود الشرط لعدم الصفة حتى إذا صارت في طهر لا جماع فيه، طلقت بحدوث الصفة بعد وجود الشرط ولا يعتبر اجتماع الصفة والشرط.
ولكن لو قال: إذا قدم فلان وأنت من ذوات السنة فأنت طالق، لم تطلق إلا بقدوم فلان وهي في ظهر لا جماع فيه، لأنه قد جعل الصفة شرطاً، وجعل طلاقها معلقاً باجتماع شرطين، فلم تطلق بوجود أحدهما ولا بانفرادهما.
ولو قال: إذا قدم زيد فأنت طالق، ولم يعلقه بسنة ولا بدعة، طلقت بقدومه طاهراً كانت أو حائضاً.
لكن إن كانت طاهراً فهو طلاق سنة، وإن كانت حائضاً فهو طلاق بدعة، غير أنه يأثم به، لأنه لم يقصده.
ألا ترى أن متعمد وطئ الشبهة آثم، ومن لم يتعمده غير آثم، وإذا لم يأثم لم يندب إلى الرجعة كالإثم، لأن المقصود بالرجعة قطع الإثم، ولا فرق بين قوله: أنت طالق إذا قدم زيد وبين قوله إن قدم زيد، أنها لا تطلق إلا بقدوم زيد، لأنهما جميعاً حرفا شرط.
ولكن لو قال: أنت طالق إذا قدم زيد، وأنت طالق أن قدم بفتح الألف طلقت مكانها، لأنهما حرفا جزاء عن ماض سواء كان زيد قد قدم أم لا؟ لأنه إن لم يقدم بطل الجزاء وثبت الحكم.

الجزء: 10 - الصفحة: 31

فرع ولو قال: أنت طالق للسنة إذ جاء يوم الجمعة، فيوم الجمعة شرط وطلاق السنة صفة فإن جاء يوم الجمعة وهي في طهر لا جماع فيه طلقت، وإن كانت في يوم الجمعة حائضاً فإذا طهرت طلقت، ولو كان قال لها: أنت طالق للسنة في يوم الجمعة فإن كانت فيه طاهراً طلقت، وإن كانت حائضاً فيه لم تطلق إذا طهرت، لأنه جعل وقوع طلاقها على هذه الصفة في يوم الجمعة شرطاً، فلم يقع في غيره.
ولم يجعله في المسألة الأولى شرطاً فجاز أن يقع في غيره فلذلك افترقا.
فرع ولو قال لصغيرة أو حامل أو غير مدخول بها: إذا قدم زيد فأنت طالق للسنة.
فإن قدم زيد قبل بلوغ لصغيرة ووضع الحامل، ووطء غير المدخول بها طلقت في الحال، لأنه لا سنة في طلاقهن ولا بدعة.
وإن قدم زيد بعد حيض الصغيرة، ووضع الحامل، ووطئ غير المدخول بها، روعي فيهن طلاق السنة اعتباراً بحال الشرط لا وقت العقد، فإن كن في طهر طلقن، وإن كن في حيض لم يطلقن فيه حتى إذا طهرن طلقن والله أعلم.
مسألة: قال الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِفُلاَنٍ طَلَّقَتْ مَكَانَهُ".
قال الماوردي: أما إذا قال: أنت طالق لفلان فهي طالق في الحال، لأن معناه لأجل فلان، وأما إذا قال: أنت طالق لرضي فلان، فقد ذهب قوم إلى أن رضي فلان شرط في وقوع الطلاق، وهذا خطأ بل الطلاق واقع في الحال، لأن معناه أنك طالق لرضي فلان كقوله لعبده: أنت حر لرضي الله، أو لوجه الله، فإنه يعتق ولا يكون شرطاً، لأن معناه لرضي الله، فإن قال: أردت بقولي لرضي فلان الشرط وأن معناه إن رضي فلان فلا تطلق إن لم يرض فلان دين فيما بينه وبين الله تعالى، فلم يقع إلا أن يرضي فلان.
فأما الظاهر ففيه وجهان: أحدهما: يقع الطلاق في الظاهر معجلاً اعتباراً بحكم الظاهر في الجزاء.
والوجه الثاني: لا يقع في الظاهر إلا على ما نوى، إذ رضي فلان اعتباراً باحتمال الكلام في كونه شرطاً.
فرع ولو قال: أنت طالق إن رضي زيد وإذا رضي زيد، صار الرضي شرطاً في وقوع الطلاق، لأن إذا وإن من حروف الشرط المستقبلية، فإن رضي زيد وقع الطلاق، وإن لم يرض لم يقع، لكن الرضي في قوله: إن رضي على الفور فإن تراخى الرضي لم يصح، وفي قوله إذا رضي على التراخي، فلو رضي ولو رضي ولو بعد طول زمان صح، لما ذكرنا قبل

الجزء: 10 - الصفحة: 32

من الفرق بين إن وإذا.
وأما رضي زيد فلا يعرف إلا بقوله قد رضيت من غير أن يعتبر أمارات فعله كالمشيئة، لكن إن كان زيد صادقاً في رضاه وقع الطلاق في ظاهر الحكم.
وهل يدين فيما بينه وبين الله تعالى وجهين: أحدهما: يدين اعتباراً بحقيقة الرضي به بالقلب.
الثاني: لا يدين اعتباراً بالقول الذي لا يتحقق ما سواه.
وكذلك لو قال: أنت طالق إن شاء زيد فقال زيد: شِئت كاذباً كان الطلاق واقعاً في الحكم.
وهل يدين فيه أم لا؟ على وجهين، فأما إذا قال: أنت طالق إذا رضي زيداً وأن رضي زيد بفتح الألف طلقت من غير اعتبار الرضي لأنهما حرفا جزاء عن ماض.
فرع ولو قال لها: أنت طالق رضي زيد وكان زيد صغيراً فرضي في صغره ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا حكم لرضاه، لأنه بالصغر خارج من أن يكون من أهل الرضا، فعلى هذا لا تطلق برضاه في صغره، من غير أهل الرضي، ولا تطلق برضاه في كبره لتراخي الرضي.
والوجه الثاني: وهو ضعيف أنها تطلق بقوله في صغره: قد رضيت تغليباً لحكم الطلاق بالصفة، وهكذا لو قال لها: أنت طالق إن شاء زيد وكان زيد صغيراً فقال: قد شئت كان وقوع طلاقها على هذين الوجهين، وهكذا لو قال لها وهي صغيرة أنت طالق إن شئت فقالت: قد شئت.
كان وقوع طلاقها على هذين الوجهين.
ولكن لو قال للبالغ وهي سكري من شراب محرم، أنت طالق إن شئت فشاءت في سكرها طلقت لأن السكران في حكم الصاحي، ولو قال لها وهي صغيرة: أنت طالق إن دخلت الدار، فطلقت وجهاً واحداً كما لو علق ذلك بدخول من لا قصد له من حمار أو بهيمة طلقت.
فرع ولو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شئت.
فقال الزوج: قد شئت ففيه وجهان: أحدهما: أن الطلاق واقع لحصول مشيئتها بمشيئة الزوج.
والوجه الثاني: وهو أولاهما- أن الطلاق لا يقع لأمرين: أحدهما: أن تعليق الطلاق بمشيئتها يقتضي وجود مشيئة مطلقة، وهي علقت مشيئتها بمشيئة الزوج فكانت منه غير مطلقة.
والثاني: أن تعليق المشيئة بالصفة لا يجوز، لأنه لو قال لها: أنت طالق إن شئت إن قام زيد لم يصح، كذلك إذا علقت مشيئتها بمشيئة الزوج.

الجزء: 10 - الصفحة: 33

فصل ولو قال: أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثاً، فقالت: قد شئت ثلاثاً لم تطلق واحدة ولا ثلاثاً، لأنه جعل وقوع الواحدة مشروطاً بأن لا تشاء ثلاثاً، فإذا شاءت ثلاثاً عدم الشرط في الواحدة فلم تقع.
فأما الثلاث فالمشيئة فيها شرط في رفع الواحدة، وليس بشرط في وقوع الثلاث والله أعلم.
مسألة: قال الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ أَنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَفَ عَنْهَا حَتَّى نَمُرَّ لّهّا دَلاَلَةٌ عَلَى الْبَرَاَءَةِ مِنَ الْحَمْلِ".
قال الماوردي: أما قوله: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فمعناه إن كنت حائلاً فأنت طالق، فلا يخلو إما أن تكون حاملاً أو حائلاً، فإذا نفاه عن أحدهما تعلق بالآخر.
وإذا كان كذلك فالظاهر عند اشتراه حالها أنها حائل، فيحرم عليه وطئها، لأن الظاهر وقوع الطلاق عليها، وعليه أن يستبرئها بعدة حرة، ثلاثة أقراء هي أطهار.
وسواء كان قد استبرأها قبل عقد طلاقة أم لا، لأن هذا استبراء طلاق في الظاهر، فلم يجز أن يعتد به قبل زمان وقوعه.
وإذا كان كذلك لم يخل حالها عند انقضاء الأقراء من أن تكون مستبرئة أو غير مستبرئة.
فإن كانت غير مستبرئة بانت بالظاهر، وهل تحل للأزواج قبل أن تمضي قبل أن تمضي مدة أكثر الحمل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنها قد حلت في الظاهر للأزواج وإن جاز في الممكن أن يكون بها حمل، كما تحل التي نجز طلاقها إذا اعتدت بثلاثة أقراء وإن أمكن أن يكون بها حمل.
والوجه الثاني: أنها محرمة على الأزواج حتى تمضي مدة أكثر الحمل وهي أربع سنين فتبين وقوع الطلاق عليها بيقين، كونها حائلاً وقت عقد طلاقها، والفرق بين هذه وبين التي نجز طلاقها فأمكن بعد الأقراء الثلاثة أن تكون حاملاً فلا تحرم على الأزواج بهذا التوهم الممكن، وتحرم في مسألتنا بهذا التوهم الممكن، أن التوهم في هذه المسألة يوقع شكاً في وقوع الطلاق، فجاز أن تحرم على الأزواج، والتوهم في الطلاق الناجز لا يوقع شكاً في وقوع الطلاق، وإنما يوقعه في العدة مع انقضائها بحكم الشرع في الظاهر، فجاز أن لا تحرم على الأزواج.
فرع وإن كانت عند انقضاء الثلاثة أقراء مستبرئة بأن طهر منها أمارات الحمل وشواهده، ففي استباحة وطئها بهذه الأمارات وجهان يخرجان من اختلاف قوليه، في نفقة الحامل المعتدة: أحدهما: يستبيح وطئها بأمارات الحمل اعتباراً بالظاهر وتغليباً لحكمه.

الجزء: 10 - الصفحة: 34

والوجه الثاني: أنه لا يستبيح وطئها وهو على تحريمه لجواز أن يكون غلطاً وريحاً ولا يكون حملاً صحيحاً.
والوطء المحظور لا يجوز أن يستباح بالشك، فعلى هذا لها حالتان: إحداهما: أن لا تضع حملاً، فالطلاق قد وقع من وقت العقد، والعدة قد انقضت بالأقراء الثلاثة من بعد العقد، فإن كان وطئها فهو وطء شبيهة، تعتد منه ثلاثة أقراء لا يملك فيها رجعة.
والحال الثانية: أن تضع ولداً فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تضعه لأقل من ستة أشهر من عقد الطلاق فلا طلاق عليه لعلمنا بكونها حاملاً عند عقده، لأن الحمل لا يكون أقل من سنة.
والقسم الثاني: أن تضعه لأكثر من أربع سنين، فالطلاق واقع والعدة منقضية بالأقراء الثلاثة، لأن الحمل لا يجوز أن يستديم أكثر من أربع سنين فيتعين بذلك أنها كانت عند وعقد الطلاق حاملاً فإن كان وطئها قبل الحمل، اعتدت بثلاثة أقراء، لأنه وطء شبهة.
والقسم الثالث: أن تضعه ما بين ستة أشهر وأربع سنين، فللزوج حالتان إحداهما أن لا يكون قد وطئها في هذه المدة فيحكم لحملها بالتقدم، ووجوده عند عقد الطلاق فلا يقع الطلاق.
والحال الثانية: أن يكون الزوج قد وطئها، فينظر في وضع الحمل، فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء لأكثر من ستة أشهر من وقت العقد فهو حمل متقدم وقت العقد فلا يقع الطلاق، وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر من الوطء والعقد جميعاً ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها تطلق تغليباً لحكم حدوته لا بناءً على يقين منه، وفي شك في تقدمه.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها لا تطلق لجواز تقدمه، وتغليباً لحكم اليقين في بقاء نكاحه وإسقاطاً للشك في وقوع الطلاق والله أعلم.
فصل فأما إذا عكس مسألة الكتاب فقال: إن كنت حائلاً فأنت طالق فهو ممنوع من وطئها حتى يستبرئها لجواز أن تكون حاملاً فتطلق، وفي هذا المنع وجهان: أحدهما: أنه منع تحريم كالمنع في قوله: إن كنت حائلاً فأنت طالق.
والوجه الثاني: أنه كراهة لا تحريم وقد أشار إليه الشافعي في "الإملاء"، والفرق بين أن يعلق طلاقها بوجود الحمل فيكون المنع لكراهة لا لتحريم وبين أن يعلقه بعدم الحمل فيكون المنع منع تحريم هو أن الأصل أن لا حمل فحرم وطئها، إذا علقه بعدمه، ولم يحرم إذا علقه بوجوده.
وإذا لزم استبراؤها لوطئه لم يخل حاله من أن يكون قد استبرأها قبل عقد طلاقها، أو لم يستبرأها، فإن لم يكن قد استبرأها فعليه أن

الجزء: 10 - الصفحة: 35

يستبريء، وفي قدر ما يستبراء به وجهان: أحدهما: بثلاثة أقراء هي ثلاثة أطهار لأن استبراء الحرة لا يكون بأقل منها كالعدة.
والوجه الثاني: أنه يستبرئها بقرى واحد لأنه استبراء لاستباحة الوطء وليس باستبراء من فرقة، فجرى مجرى استبراء الأمة المشتراة والمسيبة وخالف الاستبراء في المسألة المتقدمة، لأنه استبراء الفرقة، فعلى هذا هل يكون القرء طهراً أو حيضاً؟ فيه وجهان من اختلاف الوجهين في استبراء الأمة: أحدهما: أنه الطهر.
والثاني: أنه الحيض، وإن كان قد استبرأها قبل عقد طلاقه، ففي إجزائه عن استبرائه بعد عقده وجهان: أحدهما: يجزئ، لأنه قد يعلم به براءة الرحم.
والوجه الثاني: أنه لا يجزئ، لتقدمه على سببه، كما لا يجزئ استبراء أمة قبل الشراء عن أن يستبرئها بعد الشراء، وإذا كان كذلك لم بخل حالها بعد الاستبراء من أن تظهر بها أمارات الحمل أو لا تظهر، فإن لم تظهر بها أمارات الحمل ولا استبرأت بنفسها بعد زمان الاستبراء فهي على الزوجية وله وطئها، وإن ظهر أمارات الحمل انتظر به حال الوضع، ولا يخلو حاله إذا وضعته من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تضعه لأقل من ستة أشهر من وقت عقده فالطلاق به واقع لعلمنا بوجوده وقت العقد وقد انقضت العدة بانفصاله، وسواء كان قد وطئها ما بين عقد طلاقه ووضعه أم لا.
والقسم الثاني: أن تضعه لأكثر من أربع سنين من وقت عقده، فلا طلاق عليه لعلمنا أنه كان معدوماً عند عقده، والولد لا حق به، سواء كان يطأ أم لا، لأنها فراش له.
والقسم الثالث: أن تضعه لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين، فلا يخلو حال الزوج من أن يكون قد وطئ في هذه المدة أو لم يطأ، فإن لم يطأ طلقت، لعلمنا بوجود حكماً وقت العقد، وإن وطاء فلا يخلو أن تضعه قبل ستة أشهر من وطئه، أو بعدها، فإن وضعته قبل ستة أشهر من وطئه أو بعدهما، فإن وضعته قبل ستة أشهر من وقته فهو حمل متقدم عند العقد، فالطلاق واقع بوضعه منقضية، وإن وضعته بعد ستة أشهر من وطئة فقد يجوز أن يكون متقدماً، ويجوز أن يكون حادثاً، والطلاق لا يقع بالشك فلا يلزمة الطلاق وجهاً واحداً والله أعلم.
مسألة: قال الشَّافِعِيُّ: " وَلَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِقْنِي فَقَالَ كُلَّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ طُلَّقَتْ امْرَأتُةُ الَّتِي سَأَلَتْهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَزَلَهَا بِنِيِتَّهِ".
قال الماوردي: وهذا كما قال: إذا قالت له واحدة من نسائه طلقني إما لخصومة وتغاير بين الضرائر أو لغير ذلك فقال: نسائي طوالق.
فهذا على ضربين:

الجزء: 10 - الصفحة: 36

أحدهما: أن يرسل هذا القول من غير نية في عزل واحدة منهن، فيطلقن جميعاً، السائلة وغيرها، وقال مالك: لا تطلق السائلة وتطلق من سواها، استدلالاً بأنها توجهه بالخطاب، ولو أرادها لقابلها بالمواجهة فلما عدل إلى خطاب غائب خرجت من جملتهن.
وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لما كان لو قال مبتدئاً: كل نسائي طوالق، طلقت هذه الحاضرة، وإن لم تكن سائلة في الطلاق لعمومها، لدخولها في عموم اللفظ دون سببه، فلذلك قلنا: إنهن يطلقن جميعاً فقد صار مالك في هذا الموضع تاركاً لمذهبه ومذهبنا.
فأما استدلاله، بأن عدوله عن المواجهة يخرجها من الخطاب، فتفسد به إذا قال مبتدئاً، لأنها تدخل في الطلاق ولو لم يتناولها الخطاب لم تطلق.
فصل والضرب الثاني: أن تكون له نية في عزل واحدة منهن فلا تطلق المعزولة منهن سواء كانت السائلة أو غيرها، ويطلق من سواها.
وقال أبو حنيفة: تطلق المعزولة منهن سواء في العموم كدخولها في التعيين وهذا فاسد، لأن اللفظ يصلح لجماعتهن من غير استثناء واحدة منهن كما يصح استثناء واحدة منهن، وإذا صلح لكلا الأمرين جاز أن يصرفه إلى أيهما شاء كالعموم، وفي هذا الوجه خالف التعيين، فإذا ثبت أن طلاق المعزولة لا يقع فالظاهر من كلام الشافعي أنه لا يقع ظاهراً ولا باطناً، فإن اتهمته المعزولة أحلفته وقال أصحابنا: لا تطلق في الباطن، وفيما بينه وبين الله تعالى، ويطلق في ظاهر الحكم، لأن إطلاق القول يخالف تقييد النية، فدين فيه ولم يقبل في الحكم، والله أعلم بالصواب.

بَابَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ مِنَ الْكَلاَم وَمَا لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِالنَّيَّةِ والطَّلاَقِ مِنَ

الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الرَّجْعَةِ وِمِنْ كِتَابِ النٌكَاحِ مَنْ إِمْلاَءِ مَسَائِلِ مَالِكِ وَغَيْرِ ذَلِك قَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه اللهُ " ذَكَرَ اللهُ تعالى الطَّلاَقَ فِي كِتَابِهِ بِثَلاَثَةِ أَسْمَاءَ الطَّلاَقِ وَالْفِرِاقِ وَالسَّرَاحِ".
قال الماوردي: أما الطلاق فلا يقع إلا بالكلام وما قام مقامه عند العجز عن الكلام.
ولا يقع بمجرد النية من غير كلام، فلو نوى طلاق امرأته لم تطلق.
وقال ابن سيرين ومالك في إحدى رواياته تطلق بمجرد النية حتى لو نوى طلاق امرأته طلقت، استدلالاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّمَا لِكُلَّ امْرِئ مَا نَوَى" قال: ولأنه لما وقعت الفرقة بينة الردة، جاز أن تقع الطلاق ودليلنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ اللهَ تعالى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتُ بِه بنية أَنْفُسهَا".

الجزء: 10 - الصفحة: 37

والنية من حديث النفس.
فاقتضى أن تكون موضوعة عنه، ولأن الطلاق إزالة ملك والملك لا يزول بمجرد النية كالعتق والهبة، ولأن الطلاق أحد طرفي النكاح فلم يصح بمجرد النية كالعقد.
وأما قوله عليه السلام: "إِنَمَا لِكُلَّ امْرِئ مَا نَوَى" فالمواد به ثواب قربه إلى فعلها، فلم يدخل فيه نية الطلاق، لم يفعل.
فأما الردة فلأن ثبوت الردة توقع الفرقة والردة فتكون بمجرد الاعتقاد كالإيمان وليس كالطلاق.
فصل فإذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بالقول.
فالألفاظ فيه تنقسم ثلاثة أسام: قسم يكون صريحاً فيه، والصريح ما وقعت به الفرقة من غير نية، وقيم يكون كناية فيه.
والكناية ما وقعت به الفرقة مع النية ولم تقع به من غير نية، وقيم لا يكون صريحاً فيه ولا كناية: وهو ما لا يقع به الفرقة سواء كانت معه نية أو لم تكن.
فأما صريح الطلاق فهو على مذهب الشافعي ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح وقال أبو حنيفة: صريج الطلاق لفظة واحدة وهي الطلاق دون الفراق والسراح استدلالاً بأن كل لفظ تعارف الناس استعماله في الطلاق وغير الطلاق، لم يكن صريحاً في الطلاق، قياساً على قوله أنت علىَّ حرام، وقد تعارف الناس استعمال الفراق والسراح في غير الطلاق، فلم يكن صريحاً في الطلاق.
ودليلنا هو: أن كل لفظ ورد به القرآن قصد الفرقة بين الأزواج كان صريحاً فيها كالطلاق، وقد ورد القرآن بهذه الألفاظ الثلاثة.
أما الطلاق فبقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]. وبقولة: ﴿ِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
وغير ذلك.
وأما السراح فبقوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِحُ بِإِحُسَنٍ﴾ وقال ﴿فَتعالانَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28].
وأما الفراق فبقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2].
اعترضوا على هذه الدلالة، وهي دلالة الشافعي بخمسة أسئلة: أحدهما: أن قالوا: هذا منتقض بالفدية، قد ورد بها القرآن في الفرقة بقولة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. وليس بصريح في الطلاق فعنه جوابان: أحدهما: أن الفدية لفظ صريح في حكمه أنه فسخ أو طلاق على أحد القولين.
والثاني: أن مقصود الفدية استباحة مالها به، بعد أن كان محظوراً قبله بقوله: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20].
فنسخ بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. والسؤال الثاني: أن قالوا: الكناية قد ورد بها القرآن في العتق بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33].
والفك قد ورد به القرآن في العتق بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾ [البلد: 12،13]. وليس الكناية والفك من صريح العتق

الجزء: 10 - الصفحة: 38

وكذلك السراح والفراق جاز وإن ورد بهما القرآن أو لا يكون من صريح الطلاق، فعنه جوابان: أحدهما: ليس يلزم إذا كان ما ورد به القرآن في الطلاق صريحاً، أن يكون ما ورد به القرآن في الطلاق صريحاً ولا يكون افتراقهما فيه مانعاً من أن يختص كل واحد منهما بحكمه.
والثاني: أن الكناية المراد بها العقد المكتوب بين السيد وعبده دون العتق وهي صريح فيه، وأما فك الرقبة، فلنزول ذلك سبب، وهو أن أبا الأشد بن المحيي كان ذا قوة يُدِلّ بها فأنزل الله تعالى فيه: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد (5)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)﴾ [البلد: 11].
أي أنه وإن ذل بقوته فليس يقدر على اقتحام العقبة، إلا بفك رقبة، فخرج الخبر عن صفة مقتحمها، ولم يخرج مخرج الأمر فيصير بذلك معتقاً لها.
السؤال الثالث: أن السراح لو كان صريحاً كالطلاق، لما سُئِلَ رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم نُزُلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿اُلطَّلَقُ مَرَتَاَنِ﴾ عن الثَّالِثَةِ حَتَّى بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿أَوْ تَسْرِحُ بِإحَسَنٍ﴾ ولكان السائل يعلم أنه صريح فيستغني عن السؤال.
فالجواب عنه: أن صريح الطلاق وكنايته من الأحكام الشرعية التي تخفي عن أهل اللغة فسأله ليعلم صريح الشرع دون اللغة، وذلك مما لا يستغني عنه أحد.
والسؤال الرابع: أن الطلاق إنما كان صريحاً، لأن القرآن ورد به، ولكن لأنه لا يستعمل في غير الفرقة، لذلك صار صريحاً، والفراق والسراح قد يستعملان في غير الفرقة فكانا كناية.
قيل: قد يستعمل الطلاق في غير الفرقة، فيقال: فلان قد طلق الدنيا، إذا زهد فيها وطلقت فلاناً من وثاقه، وقد داعب الشافعي بعض إخوانه فقال: أذْهَب حُصَيْن فَإِن ودكَ طَالِق منَّي ولَيْسَ طَلاَق ذَاتِ البَيْنِ فما أنكر ذلك حد من أهل اللغة، فلما لم يمنع من استعمال الطلاق في غيره أن يكون صريحاً فيه، كذلك الفراق والسراح.
والسؤال الخامس: أن الطلاق كان صريحاً لكثرة استعماله، والفراق والسراح يقل استعمالهما فكانا كناية، قيل: الصريح حكم شرعي فاقتضى أن يراعى فيه عرف الشرع لا عرف الاستعمال، وهما في عرف الشرع كالطلاق، وإن خالفاه في عرف الاستعمال.
وقياس ثان: وهو أن إزالة الملك إذا سرى لم يقف صريحه على لفظ واحد كالعتق.
وقياس ثالث: وهو أن الطلاق أحد طرفي النكاح، فوجب أن يزيد صريحه على لفظه واحدة كالعقد، وقياس رابع: وهو أن كل لفظ لا يفتقر في الطلاق عند الغضب والطلب إلى نية الطلاق كان صريحاً فيه كالطلاق، وقياس خامس: أنه أحد نوعي الطلاق فلم يقف على لفظة واحدة، كالكناية لأن الطلاق صريح وكناية.

الجزء: 10 - الصفحة: 39

فأما الجواب عن قياسهم فقد مضى في أجوبة الأسئلة ثم المعنى في الأصل أنه لم يرد به القرآن والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدُ طَلَّقْتُكِ أَوْ فَارَقْتُكِ أَوْ شَرَّحْتُكِ لَزِمَهُ" قال الماوردي: إذا ثبت ما دللنا عليه، أن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ، الطلاق والفراق والسراح، فإذا قال لها: أنت طالق أو قد طلقتك، أو أنت مطلقة، أو يا مطلقة، كان كل هذا صريحاً في وقوع الطلاق.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لها: أنت مطلقة، لم يكن صريحاً، لأنه إخبار، وإذا قال لها يا نطلقة لم يكن صريحاً، لأنه نداء، وهذا خطأ، لأن إخبارها وندائها إنما يكون بحكم قد استقر عليها، ولو لم يستقر لما صح أن يكون نداء ولا خبراً، ولأن قوله أنت طالق إخبار، وهو صريح، فكذلك قوله: "أنت مطلقة"، فإذا صح أن يكون النداء صريحاً وهكذا لو قال لها: أنت مفارقة أو فارقتك، كان صريحاً في وقوع الطلاق عليها، وهكذا لو قال: أنت مسرحة أو قد سرحتك، أو يا مسرحة، كان كل هذا صريحاً في وقوع الطلاق عليها.
فصل لو قال لها: أنت طالق يا مطلقة صار هذا النداء بعد تقديم الطلاق محتملاً فيرجع فيه إلى إرادته، لزيادته طلاق، أو لنداء من وقع عليها الطلاق، وكذلك نظائر هذا فصل وإذا قال لها: أنت الطلاق ففيه وجهان: أحدهما: أنه صريح يقع بغير نية اعتباراً باللفظ.
والوجه الثاني: يكون كناية، لأنها تكون مطلقة، ولا يكون طلاقاً.
فصل إذا قال لها رجل طلقت امرأتك هذه فقال: نعم، فقد اخنلف أصحابنا هل يكون صريحاً في وقوع الطلاق أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو الأظهر: أنه يكون صريحاً لا يرجع فيه إلى إرادته كما يكون الإقرار عند سؤال الحاكم صريحاً.
والوجه الثاني: أن يكون كناية يرجع فيه إلى إرادته، لأن ظاهره إخبار عن سؤال.
مسألة: قال الشافِعِيُّ: "وَلَمْ يَنْوِ فِي الْحُكْمِ وَيَنْوِي فِيمِا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله تعالى لأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ طَلاَقاً مِنْ وَثَاقٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدهِ أَنْتَ حُرَّ النَّفْسِ وَلاَ يَسَعُ امْرَأَتَهُ وَعَبْدَهُ أَنْ يَقْبَلاَ مِنْهُ".

الجزء: 10 - الصفحة: 40

قال الماوردي: اعلم أنه لا يخلو حال من تلفظ بصريح الطلاق من أربعة أقسام: أحدها: أن يقصد اللفظ وينوي الفرقة، فيقع به الطلاق إجماعًا، إذا كان المتلفظ من أهل الطلاق.
والقسم الثاني: أن يقصد اللفظ ولا ينوي الفرقة، فيقع به الطلاق، لأن الصريح لا يفتقر إلى نية وهو قول جمهور الفقهاء، وقال داود: لا يقع به الطلاق إلا مع النية استدلالًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكل امرئ" وهذا خطأ.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاث جدهن وهزلهم جد.
النكاح والطلاق والعتاق".
ولأن الفرقة تقع بالفسخ تارة وبالطلاق أخرى.
فلما لم يفتقر الفسخ إلى النية، لم يفتقر الطلاق إليها، ولأنه لما لم يفتقر صريح العتق إلى النية، لم يفتقر صريح الطلاق إلى النية ولأنه قد افترق في الطلاق حكم الصريح والكناية، فلو افتقر الصريح إلى النية، لصار جميعه كناية، وإذا كان كذلك فقد وقع الطلاق مع عدم النية ظاهرًا وباطنًا.
والقسم الثالث: أن يبعد اللفظ ويريد به طلاقة من وثاق، أو فراقًا إلى سفر، أو تسريحًا إلى أهل، فيلزمه الطلاق في ظاهر الحكم، ويدين فيما بينه وبين اله تعالى في الباطن.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الطلاق في الظاهر والباطن، ولا يدين كما لا يدين إذا تلفظ بالطلاق، ويريد به غير الطلاق.
ودليلنا: قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسبوا العبد حساب الرب"أي لا تحاسبوه إلا على الظاهر دون الباطن، وإن كان الله تعالى يحاسب على الظاهر والباطن.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنما أحكم بالظاهر ويتولي الله سرائر"، ولأن اللفظ يحتمل ما نوى، لأنه لو صرح به لكان محمولًا عليه فاقتضى إذا نواه أن يكون مدينة فيه، لأنه أحد احتماليه وليس كذلك إذا وقع الطلاق مريدًا به غير الطلاق، لأنه يسلب اللفظ حكمه الذي لا يحتمل غيره.
والقسم الرابع: أي لا يقصد اللفظ ولا يريد به للفرقة وإنما يسبق لسانه غلطًا أو دهشًا أو كان أعجميًا [لا يعرف لفظ الطلاق ولا حكمه] فالطلاق لازم له في ظاهر الحكم وهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يلزمه في الباطن.
فصل وأما زوجة المدين في طلاقه، إذا ألزم الطلاق في الظاهر دون الباطن، فلا يخلو حالها من ثلاثة أقسام: إما أن تعلم صدقه فيما دين فيه فيسعها فيما بينها وبين الله تعالى أن تقيم معه وتمكنه من نفسها، ولا يكره لها، ويجب على الزوج نفقتها، ويحرم عليها النشوز عنه، فإن نشزت لم يجيرها الحاكم، وإن أثمت لوقوع طلاقه في الظاهر،

الجزء: 10 - الصفحة: 41

واختلف أصحابنا في الحاكم إذا رآهما على الاجتماع.
هل يلزمه التفرقة بينهما أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه بحكم الظاهر الفرقة.
والوجه الثاني: لا يلزمه لأن ما هما عليه من الاجتماع.
يجوز إباحته في الشرع، فلو فرق الحاكم بينهما ففي تحريمها عليه في الباطن وجهان من اختلاف الوجهين في وجوب حكمه بالفرقة.
والقسم الثاني: أن تعلم الزوجة كذبه فيما دين فيه، فعليها الهرب منه، ولا يسعها في حكم الظاهر والباطن أن تمكنه من نفسها، وإن جوزنا للزوج أن يستمتع بها، وإن سألت الحاكم أن يحكم بينهما بالفرقة لزمه الحكم بها، ويجوز لها بعد انقضاء العدة أن تتزوج بغيره ويجوز لمن خطبته أن يتزوجها إن لم يصدق الزوج فيما دين فيه، فإن علم صدقة لم يجز أن يتزوجها إن لم يحكم الحاكم بينهما بالفرقة.
وفي جواز ترويجه بها بعد الحكم بالفرقة وجهان.
والقسم الثالث: أن لا تعلم الزوجة صدقة فيما دين فيه ولا كذبه فيكره لها تمكينه من نفسها لجواز كذبه، وفي تحريمه فيما بيتها وبين الله تعالى وجهان: أحدهما: لا تحرم عليها في الباطن تغليبًا لبقاء النكاح، فعلى هذا تكون في حكم القسم الأول.
والقسم الثاني: يحرم عليها في الباطن تغليبًا لوقوع الطلاق في الظاهر فعلى هذا يكون في حكم القسم الثاني.
فلو ادعى عليه تصديقه فيما دين فيه وأنكرته، ففي وجوب إحلافها عليه وجهان بناء على ما مضى والله أعلم.
مسألة: قال: الشافعي: "وسواء كان ذلك غضب أو مسألة طلاق أو رضا وقد يكون السبب ويحدث كلام على غير السبب".
قال الماوردي: أما صريح الطلاق، فيستوي حكمه في الغاضب والرضي، وعند مسألة الطلاق، وفي الابتداء وهذا متفق عليه.
وأما كنايات الطلاق فحكمها عندنا في الغضب والرضي سواء.
وعند مسألة الطلاق وفي الابتداء أنه لا يقع إلا بنيته وإرادته.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن لم يقترن بالكنايات سبب، من غضب أو طلب علم يقع بها الطلاق إلا مع النية، وإن قارنها سبب من طلب أو غضب فعند مالك يقع الطلاق بجميعها من غير نية، وعند أبي حنيفة: يقع الطلاق بستة ألفاظ منها بغير نية، وهي قوله: أنت خلية أو برية أو بتة، أو بائن أو حرام أو أمرك بيدك، ولا يقع بغيرها من الكنايات إلا مع النية، على ما سنذكره في موضعه، استدلالًا بأن دلالة الحال تصرف الكلام عن حقيقته وموضوعه إلى غيره، وتخصه دون حكم، استشهادًا بأن الخلع لو

الجزء: 10 - الصفحة: 42

اقترن به العوض كان صحيحًا، ولو تجرد عن العوض كان كناية، فاختلف حكمه بالقرينة، كذلك سائر الكنايات، ولأنه لما كان جزاء الشرط مقصورًا عليه، وجب أنيكون الحكم عن سبب محمولاً عليه.
قال: ولأنه لفظ من ألفاظ الطلاق، ورد على طلب الطلاق، فوجب أن يكون طلاقًا كالفراق والسراح.
ودليلنا ما روي: "أن ركانه بن عبد يزيد طلق امرأته سهميه ألبنة، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: طلقت امرأتي البتة، فقال له: ما أردت بها، فقال والله ما أردت إلا واحدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الله إنك ما أردت إلا واحدة؟ فقال: والله ما أردت إلا واحدة".
فرجع فيه إلى إرادته، ولو اختلف حكمه بالسبب، أو عند الغضب والطلب، لسأله عنه ولبينه له.
ولأن الأحكام لا تختلف بالغضب والرضي كسائر الأحكام، ولأن الكناية أحد نوعي الطلاق فلم تختلف الرضي والغضب كالصريح، ولأنها كناية لم تقترن بنية الطلاق، فلم يكن طلاقًا كالرضي وعدم الطلب.
فأما الاستدلال: بأن دلالة الحالي تصرف الكلام عن حقيقته وموضوعه، فقد قال الشافعي: إن الأسباب متقدمة والإيمان بعدها محدثة، وقد يخرج على مالها وعلى خلافها، فأخذته لمخرج يمينه، فإذا كان لفظه عامًا، لم اعتبر بخصوص السبب.
وإذا كان لفظه خاصًا لم اعتبر بعموم السبب ويرجع عن نية الطلاق في حال الغضب وفي استشهاده كلام مضى، ني موضعه يمنع به من صحة الاستشهاد.
وأما قياسهم على الفراق والسريع فلأنها صريحان في الرضي والغضب ك"الطلاق".
وأما الشرط والجزاء مخالف للحكم والسبب لأمرين: أحدهما: اتصال للشرط وانفصال السبب.
والثاني: أن الشرط منطوق به فلم يدخله احتمال، والسبب غير منطوق به، فدخله الاحتمال والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " فإن قال قد فارقتك سائرًا إلى المسجد أو سرحتك إلى أهلك أو قد طلقتك من وثاقك أو ما أشبة هذا لم يكن طلاقًا فإن قيل قد يكون هذا طلاقًا تقدم فأتبعه كلامًا يخرج به من قبل قد يقول: لا إله إلا الله فيكون مؤمنًا يبين آخر الكلام عن أوله ولو أفرد "لا إله" كان كفرًا".
قال الماوردي: وهذا صحيح، إذا قيد بصريح الطلاق بما يغلب حكم الصريح، مثل أن يقول: قد طلقتك من وثاقك وفارقتك إلى المسجد، وسرحتك إلى أهلك، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقول ذلك فاصلًا بين قوله: طلقتك، وبين قوله من وثاقك، فقد استقر

الجزء: 10 - الصفحة: 43

حكم الطلاق في الوقوع بإمساكه على قوله قد طلقتك ولا يؤثر فيه، ما استأنفه بعد الإمساك من قوله من وثاقك ولظهر أول الكلام مربوطًا بآخره كما لا يؤثر الاستثناء بمشيئة الله ويبين العدد بعد انقطاع الكلام.
والضرب الثاني: أن يقول ذلك متصلًا، لا يفصل بين قوله: طلقتك وبين قوله: من وثاقك فيصير أول الكلام مربوطًا بآخره، فيخرج أوله من الصريح، بما اتصل فيه وفي آخره.
كما لو اتصل بالكلام استثناء، صار حكم أوله محمولًا على الاستثناء بآخره.
فإن قيل: فقد قدح صريح الطلاق بقوله: قد طلقتك، وقد يجوز أن يتعقبه ندم، فيصله بقوله من وثاقك، قيل: لا معنى لهذا التوهم لأن الكلام المتصل يتعلق الحكم بجميعه لا ببعضه، ألا ترى لو قال: لا إله إلا الله، كان موحدًا بالإيمان، وإن كان أوله نفيًا وآخره إثباتًا، وليس لقاتل أن يقول: قد كفر بقوله لا إله ثم خاف فاستدرك بقوله لا إله، فينبغي أن يحكم بكفره، ولا يحكم بإيمانه، وإذا كان كذلك، صار اللفظ الصريح بما اتصل به من القرينة، كناية يقع به الطلاق إن نواه، ولا يقع به إن لم ينوه.
فصل وإذا قال الرجل لامرأته: أنا طالق منك، كان كناية يقع به الطلاق إن نواه، ولا يقع إن لم ينوه، وكذلك لو جعل إليها طلاق نفسها، فقالت: أنت طالق مني كان كناية، يقع بها الطلاق، إن نوته، ولا يقع إن لم تنوه، وقال أبو حنيفة: لا يقع بهما الطلاق إلا إذا قال الزوج: أنا طالق منك، ولا إذا قالت الزوجة: أنت طالق مني، ولو قال الزوج: أنا بائن منك، أو أنا حرام عليك، قال أبو حنيفة: يقع به الطلاق إن نواه، واستدل أبو حنيفة على ما خالفنا فيه بأن رجلًا جعل أمر امرأته بيدها، فطلقت زوجها، فسأل عبد الله بن عباس عن ذلك، فقال: خطأ الله نؤها، هلا طلقت نفسها، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك: ولأنه لما اختصر اسم الطلاق بالزوجة دون الزوج، فقيل لها: إنها طالق، ولم يقل للزوج: إنه طالق، وجب أن يختص حكم الطلاق بالزوجة دون الزوج، فتقع الفرقة بالطلاق عليها ولا تقع بالطلاق عليه، لأن ثبوت الحكم يقتضي ثبوت الاسم، وانتفاء الاسم يقتضي انتفاء الحكم كما أن انتفاء اسم الزوجية يوجب انتفاء حكمها وثبوت اسمها يوجب ثبوت حكمها، قال: ولأن الزوج لو كان محلًا لوقوع الطلاق عليه، لكان صريح الطلاق فيه صريحًا، ولكان حكمه به متعلقًا فلما انتفي عنه صريح الطلاق، ولم تجب عليه العدة من الطلاق، دل على أنه ليس بمحل للطلاق كالأجنبي، ولأن قوله لزوجته: أنا طالق منك، كقوله لعبده: أنا حر منك، فلما لم يكن هذا عتقًا، لم يكن هذا طلاقًا، قال: ولأن الطلاق هو الإطلاق من الحبس، والزوجة محبوسة عن الأزواج.
فجاز أن يقع عليها الطلاق والزوج غير محبوس بها عن الزوجات، لم يجز أن يقع عليه الطلاق.
ودليلنا ما روي عن عبد الله بن مسعود، سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن وقوع الطلاق على الزوج فقال عمر: "كيف ترى أنت، فقال: أرى أنها واحدة، وزوجها

الجزء: 10 - الصفحة: 44

أحق بها، فقال عمر- رضي الله عنه- نعم ما رأيت، فدل ذلك على إجماعها على أن وقوع الطلاق على الزوج كناية فيه، ولأنه أحد الزوجين فجاز أن تقع الفرقة، بوقوع الطلاق عليه كالزوجة، ولأن ما صلح أن تقع به الفرقة إذا وقع على الزوجة، جاز أن تقع به الفرقة إذا وقع على الزوج.
كالتحريم والبينونة، ولأن من صح إضافة كناية الطلاق إليه صح إضافة صريحة إليه، كالزوجة طردًا وكالأجنبية عكسًا.
والاستدلال من هذا الأصل هو: أن صريح الطلاق أقوى من كنايته، فلما وقعت الفرقة بكناية الطلاق في الزوج كان وقوعها بصريحه به أولى.
فأما استدلاله بحديث ابن عباس، فقد خالف عمر وابن مسعود، وقول الاثنين أقوى من قول الواحد.
وأما استدلاله بانتفاء الاسم عن الزوج أوجب انتفاء حكمه فباطل بقوله: أنا بائن منك، وحرام عليك، على أن حكم الطلاق متعلق بكل واحد منة الزوجين وإن اختص أحدهما بالاسم.
وأما استدلاله بأنه لما لم يكن صريح الطلاق فيه صريحًا ولا وجب عليه العدة لم يكن محالًا له.
فالجواب عنه أنه لما لم يكن في حقيقته صريحًا، لأن الصريح ما اقترن به عرف الاستعمال عندهم وعرف القرآن عندنا ولم يتناول جهة الزوج عرف الاستعمال وعرف القرآن، فكان صريحًا، وقد تناوله في جهة الزوجة عرف الاستعمال وعرف القرآن فكان صريحًا.
وأما العدة فهي الامتناع من الأزواج والزوجة ممنوعة من ذلك، في حال الزوجية فمنعت منه بعد الزوجية والزوج غير ممنوع منه في حال الزوجية، فلم يكن ممنوعًا منه بعد الزوجية.
وأما الاستدلال بقوله لعبده: أنا حر منك، فقد اختلفا أصحابنا هل يكون كناية عن عتقه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: يكون كناية في عتقه، يعتق به إذا نواه، فعلى هذا يسقط الاستدلال به.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يكون كناية، ولا يعتق به، فعلى هذا الفرق بينهما، أن العتق إنما هو إزالة الرق، والرق يختص بالعبد دون السيد فلم يصح العتق إلا أن يتوجه اللفظ إلى العبد دون السيد، وليس كذلك الطلاق، لأنه رفع الزوجية التي قد اشترك فيها الزوجان، فجاز أن تقع الفرقة بوقوعها على الزوجين.
وأما استدلاله بأن الطلاق هو إطلاق من الحبس، وهذا مختص بالزوجة دون الزوج ففيه جوابان: أحدهما: أن الطلاق هو الإطلاق من عقد النكاح والعقد متعلق بهما فجاز أن يكون الطلاق واقعًا عليها.
والثاني: أنه وإن كان إطلاقًا من حبس، فهو محبوس بها عن نكاح أختها، وخالتها وعمتها وعن نكاح أربع سواها، كما كانت محبوسة عن غيره فجاز أن يقع الطلاق

الجزء: 10 - الصفحة: 45

عليه، لينطلق من حبس هذا التحريم كما وقع عليها، فانطلقت من حبس التحريم والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قال أنت خلية أو بائن أو بريئة أو بتة أو حرام أو ما أشبهة فإن قال قلته ولم أنو طلاقًا وأنوى به الساعة طلاقًا لم يكن طلاقًا حتى يبتدئه ونيته الطلاق وما أراد من عدد".
قال الماوردي: قد ذكرنا أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى ثلاثة أقسام صريح وكناية وما ليس بصريح ولا كناية، مما الصريح فقد ذكرنا انه ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، ومعنى الصريح انه لا يفتقر في وقوعه إلى نية، وأما الكناية فهو الذي لا يقع الطلاق به إلا مع النية، وهو كل لفظ دل على المباعدة.
وقال الشافعي في كتاب "الرجعة": كل ما يشبه الطلاق فهو كناية، والكنايات ضربان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة ستة ألفاظ، بتة وخلية وبرية وبائن وبتلة وحرام.
والباطنة اعتدي واذهبي والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك ولا حاجة لي فيك وانكحي من شئت واستبرئي وتقنعي وقومي واخرجي وتجرعي، وذوقي وكلي واشربي واختاري وما أشبه ذلك على ما سنشرحه، وكلا الأمرين الضربين عندنا سواء، وحكم الظاهرة والباطنة عندنا واحد.
فإن اقترن بالنية وقع به الطلاق وإن تمرد عنها لم يقع.
وقال مالك: الكنايات الظاهرة يقع بها الطلاق الثلاث من غير نية، فإن نوى بها واحدة كانت في غير المدخول بها ما نوى، وفي المدخول بها ثلاثًا.
وقال أبو حنيفة: جمع الكنايات الظاهرة والباطنة يقع بها الطلاق، إذا قارنها أحد ثلاثة أشياء: النية أو الغضب أو طلب الطلاق، ولكن ما كان ظاهرًا وقع بائنًا، وما كان منها باطنًا وفي رجعيًا، إلا أن يريد بهم ثلاثًا فتكون ثلاثًا، ولو أراد اثنتين لم تكن إلا واحدة، ولو أراد بصريح الطلاق ثلاثًا أو اثنتين، لم تكن إلا واحدة، وله في كل لفظة مذهب يطول شرحه، لكن تقريب جملته ما ذكرناه فصار الخلاف معه في أربعة فصول: أحدهما: أن الغضب والطلب هل يقومان في الكناية مقام النية أم لا؟ والثاني: أن وقوع الطلاق بالكنايات الظاهرة هل يكون بائنًا أم لا؟ والثالث: إذا أراد بالكنايات اثنتين هل تكون اثنتين أم لا؟ والرابع: أنه أراد بصريح الطلاق الثلاث هل تكون ثلاثًا أم لا؟ فأما الفصل الأول: في الطلب والغضب فقد مضى الكلام فيهما، وذكرنا أنه لا تأثير لهما في صريح ولا كناية.
فصل وأما الفصل الثاني: وهو أن وقوع الطلاق بالكنايات الظاهرة، هل يكون رجعيًا إذا

الجزء: 10 - الصفحة: 46

لم يرد به ثلاثًا، فعندنا يكون رجعيًا إن أراد به واحدة أو اثنتين، أو لم تكن له نية في عدده.
وقال أبو حنيفة: يكون بائنًا، لا يملك فيه الرجعة استدلالًا بأن قوله: أنت بائن لفظ يقتضي البينونة فوجب أن يقمع الطلاق به بائنًا كالثلاث، ولأنه لا يخلو أن يعمل هذا اللفظ في وقوع الطلاق، فيجب أن يقع على مقتضاه، وإن لم يعمل تجردت النية عن لفظ عامل، فيجب أن لا يقع به طلاق.
ودليلنا حديثركانة بن عبد يزيد حين طلق امرأته سهمية البتة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عما أراد بألبتة فقال: واحدة، فأحلفة عليها، وردها عليه، فدل على أنها لا تكون ثلاثًا.
فخالف قول مالك وتكون رجعية بخلاف قول أبي حنيفة، وروي أن المطلب بن حنطب طلق امرأته ألبتة، فقال له عمر أمسك عليك زوجك، فإن الواحدة لا تبت، وهذا دليل عليهما، وروي أنه قال: فإن الواحدة بتت، يعني بانقضاء العدة إن لم يمسك.
وروي أن التوأمة طلق امرأته ألبتة فقال عمر: ما أردت قال: واحدة فاستحلفه، فقال: أتراني أقيم على فرج حرام، فأحلفه وأقره على نكاحه، وليس يعرف لعمر في هذا مخالف، فكان إجماعًا على مالك وأبي حنيفة، لأن وقوع الطلاق إذا تجرد عن عدد وعوض، كان رجعيًا في المدخول به، قياسًا على قوله: أنت طالق، أو اعتدي أو استبرئي رحمك، أو أنت واحدة، فإن أبا حنيفة وافق على هذه الأربع أنه يملك بها الرجعة، ولأنها معتدة يلحقها الطلاق فوجب أن يملك رجعتها كالمطلقة بالصريح، وبما ذكرنا من الكناية، ولأن ما لا يتعلق بصريح الطلاق لم يتعلق بكنايته، لتحريم الثلاث، ولأن م لم يمنع صريحه من الرجعة لم تمنع كنايته من الرجعة لقوله: أنت واحدة، هو كناية أنت طالق.
ولأن صريح الطلاق من كنايته فلما لم يرفع الصريح الرجعة، فأولى أن لا ترفعها الكناية، ولأنه لو نوى بالطلاق صريح أنه بائن لم يرفع الرجعة، فإذا تجرد لفظ البائن عن الصريح، فأولى أن لا يرفع الرجعة، فأما استدلاله بأنه لفظ يقتضي البينونة، فمنتقض بقوله: أنت طالق بلا رجعة لي عليك، تكون طالقًا وله الرجعة، فلم يرتفع بهذا اللفظ، وإن كان مقتضيًا للبينونة ثم المعنى في الأصل الذي هو الثلاث، استيفاء العدد، وأما استدلاله بأنه إذا وقع به الطلاق وقع مقتضاه، فمنتقض بلفظ الطلاق، لأنه يقتضي طلاقًا من جنسه، وقد يكون رجعيًا لا يخرج به من جنسه.
فصل وأما الفصل الثالث: وهو إذا نوى بالكنايات اثنتين وقع اثنتان عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا تقع إلا واحدة، استدلالًا بأن قوله: أنت بائن يتضمن البينونة وهي نوعان: صغرى وهي التي تثبت الرجعة وتحل قبل زوج، وكبرى وهي التي تقطع

الجزء: 10 - الصفحة: 47

عصمة الرجعة ولا تحل إلا بعد زوج، فإذا أراد الكبرى وكانت الثلاث نبعًا وإن لم يرد الكبرى وقعت الصغرى، لأنها لا تنفك عنها وهي واحدة، فأما الثنتان فخارج منهما، ولأن لفظ البينونة لا يتضمن عددًا، لأن البائن مثل الحائض والطاهر، ولا يحسن أن تقول: أنت بائتنان كما لا يحسن أن تقول: أنت حائضتان وطاهرتان، فإذا لم يتضمن العدد لم يجز أن يعلق عليه العدد.
ودليلنا هو: أن كل عدد ملك إيقاعه بالصريح، ملك إيقاعه بالكناية كالثلاث، ولأن وقوع الثلاث أغلظ من وقوع الثنتين، لأن الثالثة لا تقع إلا بعد الثانية.
فإذا وقعت الثنتان مع الثالثة فأولى أن تقع الثنتان دون الثالثة، فأما استدلاله بأن البينونة بالصريح لا تكون بواحدة فهو أنه ليس وقوعها بالواحدة، وأن يصح ضم ثانية إليها، كالمختلفة، وإن كانت تبين بالواحدة يجوز أن يخالفها على اثنتين.
وأما استدلاله بأن لفظ البائن لا يتضمن عددًا، لأنه لا يحسن أن يقال أنت بائنتان ففاسد بالثلاث، لأنه لم لم يتضمن العدد لم تقمع الثلاث، وإذا جاز أن تقع ثلاثًا، جاز أن تقع ثنتين ولا يمتنع أن يقال: أنت بائن ثنتين، كما لا يمتنع أن يقال: أنت بائن ثلاث.
فصل وأما الفصل الرابع: وهو إذا نوى بصريح الطلاق ثلاثًا، فقال: أنت طالق، ونوى الثلاث كانت ثلاثًا، ولو نوى اثنتين كانت اثنتين، فيحمل صريح الطلاق على ما نوى من عدده، وقال أبو حنيفة: لا يقع بصريح الطلاق إلا واحدة، ولو قال: أنت طالق ينوي طلقتين أو ثلاثًا لم تقع إلا واحدة، إلا أن يتلفظ بالعدد نطقًا، أو يقول أنت طالق ناويًا الثلاث فتطلق ثلاثًا وفرق بين قوله: أنت طالق ينوي ثلاثًا فيطلق واحدة، وبين قوله: أنت الطلاق وينوي الثلاث، فيطلق ثلاثًا، بأن الطلاق مصدر يحتمل العدد، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾.
وقوله: أنت طالق إخبار عن صفة، لا تحتمل العدد كما لا تحتمل دخول العدد في قولهم أنت قائم وقاعد وركع وساجد وجعل هذا للفرق بينهما دليلًا.
قال: ولأن الطلاق صريح في الواحد فلم يجز أن يجعل كناية في الثلاث، لأنه يؤخر إلى أن يكون اللفظ الواحد في الجنس الواحد صريحًا وكناية في حال واحدة وهذا فاسد ودليلنا أن قوله: أنت طالق، عند أهل العربية اسم فاعل، لأنهم يقولون طلقت فهي طالق كما قالوا حاضت فهي حائض، وضربت فهي ضارب، واسم الفاعل يحتمل العدد، لأنه يجب أن يفسر بأعداد المصادر فيقال: أنت طالق طلقتين، وأنت طالق ثلاث تطليقات ومائة طلقة وضارب مائة ضربة، ولو كان الاسم لا يتضمن أعداد مصادره، فأحسن أن يعتبر به كما لا يحسن أن يقال: أنت ضارب طلقة، وقائم قعدة.
ولذا تضمن العدد بدليل ما ذكرنا، جاز أن يقع به الثلاث، كما يقع بقوله: (أنت) الطلاق.

الجزء: 10 - الصفحة: 48

وتحريره قياسًا: أن كل لفظ جاز أن يكون العدد فيه مظهرًا، جاز أن يكون العدد فيه مضمرًا، والمصدر إذا قال: أنت الطلاق.
ودليل ثان: وهو أنه لو قال: أنت طالق ثلاثًا وقعت الثلاث، بقوله أنت طالق وكان قوله ثلاثًا تفسير للعدد المضمر فيه، ألا تراه لو وقال لغير مدخول بها، أنت طالق ثلاثًا طلقت ثلاثًا ولو كانت الثلاث لا تقع إلا باللفظ الأول، لما وقع عليها إلا واحدة، لأن غير المدخول بها لا تطلق بلفظ بعد لفظ، لأنه لو قال: أنت طالق وطالق وقعت الأولى ولم تقع الثانية.
وإذا جاز أن يكون العدد فيه مضمرًا فيه، إذا أظهره، جاز أن يكون مضمرًا فيه إذا نواه.
وتحريره قياسًا: أن كل عدد جاز أن يتضمنه مصدر الطلاق، جاز أن يتضمنه اسم الطلاق كالمظهر.
ودليل ثالث: وهو أنه لو قال: أنت طالق، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثًا ونية الثلاث أقوى من إشارته بالثلاث، لأن الكناية تعمل فيها النية، ولا تعمل فيها الإشارة فلما وقعت الثلاث بالإشارة، فأولى أن تقع بالنية، وأما استدلاله بأن قوله: أنت طالق إخبار عن صفة، لا تتضمن عددًا فهو خطأ، لما ذكرنا أنه اسم يحتمل العدد بما بيناه من جواز قوله: أنت طالق ثلاثًا، وقوله: أنت حائض وطاهر وقائم وقاعد، فهو مما لا يجوز أن يجتمع منه عدد في حال واحدة، فلم يتضمن العدد، وليس كذلك الطلاق؛ لأنه لا يصح أن يجتمع منه العدد في حالة واحدة، فجاز أن يتضمن العدد، كما يجوز أن يقول: أنت عالم عِلْمِينِ، وجائر جورين فيجوز أن يتضمنه العدد.
وأما استدلاله بأنه صريح في الواحدة، فلم يجز أن يكون كناية في الثلاث، فغير مسلم، لأنه إذا نوى الثلاث، كان صريحًا فيها، ولم يكن صريحًا في واحدة، كناية في اثنتين فلم يسلم لهم الاستدلال.
فصل وإذا تمهد حكم الكناية وأن الطلاق لا يقع بها إلا مع النية، فإن تجردت عن النية لم يقع بها طلاق، لأن قوله: أنت خلية يحتمل خلية من خير، وخلية من شر وخلية من زوج فلم يحمل على إحدى احتمالاته يغير نية، وكذلك قوله: أنت بائن يحتمل من الخير والشر والزوج وكذلك سائر الكنايات، يتقابل فيها الاحتمال، فلم يقع بها طلاق من غير نية، فلما إذا وجدت الكناية ونية الطلاق، فلا يخلو حال النية من أربعة أقسام: أحدها: أن تكون النية متقدمة على جميع اللفظ، فلا يقع الطلاق، ولأن النية تجردت عن لفظ فلم يقع بها طلاق، واللفظ تجرد عن نية، فلم يقع به طلاق.
والقسم الثاني: أن تكون النية متأخرة عن جميع اللفظ فلا يقع الطلاق أيضا، لما ذكرنا أن اللفظ لما تجرد عن النية لم يقع به طلاق، والنية لما تجردت عن اللفظ لم يقع بها طلاق.

الجزء: 10 - الصفحة: 49

مثال هذين: نية الصلاة، إن تقدمت على الإحرام لم تصح، وإن تأخرت عنه لم تصح.
والقسم الثالث: أن تكون النية مقارنة لجمع اللفظ، فتوجد من أول اللفظ إلى آخره فالطلاق واقع، والنية معًا، ولا يكون وقوعه بأحدهما، وإن كان اللفظ هو المغلب لظهوره.
والقسم الرابع: أن توجد النية في بعضي اللفظ وتعدم في بعضه، إما أن توجد في أوله وتعدم في آخره، أو توجد في آخره، وتعدم في أوله، مثل أن يقول لها: أنت بائن، فينوي عند قوله: أنت با، بترك النية عند قوله ئن، أو يترك النية عند قوله: أنت با وينوي عند قوله ئن، ففي وقوع الطلاق به وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يقع اللفظ إذا اعتبرت فيه النية، كان وجودها عند بعضها، كعدمها في جميعه كالنية في تكبيرة الإحرام.
والوجه الثاني: أن الطلاق واقعه لأن استصحاب النية في جميع ما يعتبره فيه النية ليس بلازم كالصلاة لا يلزم استصحاب النية في جميعها.
والأصح عندي، أن ينظر في النية فإن وجدت في أول اللفظي وقع به الطلاق، وإن عدمت في آخره كالصلاة، إذا وجدت النية في أولها، جاز أن تعدم في أخرها، وإن وجدت النية في آخر اللفظ وعدمت في أوله، لم يقع له الطلاق، كالنية في أخر الصلاة، ولأن النية إذا انعقدت مع أول اللفظ، كان باقيه راجعًا إليها، وإذا خلت من أوله صار لغوًا وكان ما بقي منه مع النية ناقصًا، فخرج من كنايات الطلاق، وهذا التفصيل أشبه بنص الشافعي.
لأنه قال: لم يكن طلاقًا حتى يبتدأ ونيته الطلاق، فاعتبرها ني ابتداء اللفظ والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " (قال) ولو قال لها أنت حرة يريد بها الطلاق ولأمته أنت طالق يريد العتق لزمه ذلك".
قال الماوردي: وهذا صحيح، أما صريح العتق فهو كناية في الطلاق إجماعًا فإذا قال الرجل لامرأته، أنت حرة أو أنت معتقة، بريد طلاقها، طلقت، لأن عتق الأمة إطلاق من حبس الرق كما أن طلاق الزوجة إطلاق من حبس النكاح، فتقارب معناهما، وأما صريح الطلاق فهو كناية عندنا في العتق، فإذا قال لأمته أنت طالق، أو مسرحة أو مفارقة، بريد عتقها عتقت، وقال أبو حنيفة: لا تعتق ولا يكون صريح الطلاق كناية في العتق، وإن كان صريح العتق كناية في الطلاق، استدلالًا بأن الطلاق يوجب التحريم وتحريم الأمة لا يوجب عتقها، لأنه يملك من تحرم عليه بنسب أو رضاع، ولا تعتق عليه، ولا يشبه قوله لزوجته، أنت حرة فتطلق، لآن عتق الأمة تحريم، وتحريم الزوجة موجب لزوال الملك عنها، فجاز أن يكون طلاقًا لها، قال:

الجزء: 10 - الصفحة: 50

ولأن كل لفظ كان صريحًا في تحريم الحرائر لم يكن كناية في عتق الإماء كالظهار، ولأن لفظ الطلاق أضعف حكمًا من لفظ الحرية، لأنه مختص بإزالة الملك عن الاستمتاع، والحرية تزيل الملك عن الرق والاستمتاع، فجاز أن تكون الحربة كناية في الطلاق لقوتها، ولم يجز أن يكون الطلاق كناية في العتق لضعفه، كالبيع لما كان أقوى من الإجازة، جاز أن تنعقد الإجارة بلفظ البيع، ولم يجز أن ينعقد البيع بلفظ الإجارة.
ودليلنا قول البنيّ صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" فكان على عمومه، ولأن صريح ما يجري فيه النية أنه كناية، في مثله كالعتق في الطلاق، ولأن كل لفظ صح استعماله في الطلاق، صح استعماله في العتق، كقوله: لا سلطان لي عليك، ولأن ما صح وقوع الطلاق به، صح وقوع الحرية به، كقوله أنت حرة، ولأن صريح الطلاق أقوى من كنايته فلما وقعت الحرية بكناية الطلاق، فأولى أن تقع بصريحه، ولأنه لما كانت الحرية كناية في طلاق الحرة، وهي صفتها في حال الزوجية، فأولى أن يكون الطلاق كناية في عتق الأمة وليس من صفتها في حال الرق.
فأما استدلاله بان تحريم الطلاق لا ينافي بقاء الرق، فالجواب عنه أن صريح الطلاق إنما كان كناية في العتق، لأنه يتضمن الإطلاق من حبس العتق، لا بما يتعلق به من التحريم، وأما قياسهم على الظهار، فالظهار عندنا كناية ني العتق كالطلاق فسقط الاستدلال به ثم لو سلم لهم هذا الأصل - وليس بمسلم - لكان الفرق بينهما، لأن الطلاق مزيل للملك مع التحريم فجاز أن تقع به الحرية، والظهار مختص بالتحريم من غير أن يزول به الملك، فلم تقع به الحرية.
وأما استدلالهم بأن لفظ الطلاق أضعف من لفظ العتاق لاختصاصه بإزالة الاستمتاع عن المنفعة دون الرقبة، فالجواب: أنه وإن ضعف عنه في الإماء فهو أقوى منه في الحرائر، ثم لا ينكر أن يساويه في القوة إذا انضمت إليه النية كما تساويه كناية الطلاق التي هي أضعف من صريح الطلاق، إذا انضمت إليه النية، واستشهادهم بالبيع والإجارة، فهم لا يجوزون عقد الإجارة بلفظ البيع، كما لا يجوز عقد البيع بلفظ الإجارة وإن جاز عندنا، والفرق بينهما أن لفظ البيع أهم من لفظ الإجارة، فجاز أن يعقد الأخص باللفظ الأعم، ولم يجز أن يعقد الأهم باللفظ الأخص والله أعلم.
مسألة: قال: الشافعي: "ولو ثقال لها أنت طالق واحدة بائنًا كانت واحدة يملك الرجعة لأن الله تعالى حكم في الواحد والثنتين بالرجعة كما لو قال لعبده أنت حر ولا ولاء ليعيليك حرًا والولاء له جعل عليه الصلاة والسلام الولاء لمن أعتق كما جعل الله الرجعة لمن طلق واحدة أو اثنتين وطلق ركانة امرأته ألبتة فأحلفة النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا واحدة وردها عليه وطلق المطلب بن حنطب امرأته ألبتة فقال عمر رضي الله عنه أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة بتت وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل

الجزء: 10 - الصفحة: 51

قال لامرأته حبلك على غاربك ما أردت؟ وقال شريح أما الطلاق فسنة فأمضوه وأما ألبتة فبدعه فدينوه (قال) ويحتمل طلاق ألبتة يقينًا ويحتمل الإبتات الذي ليس بعده شيء ويحتمل واحدة مبينة منه حتى يرتجعها فلما احتملت معانى جعلت إلء قائلها".
قال الماوردي: وهذا الكلام يشتمل على فصلين: أحدهما: أنه إذا طلق امرأته واحدة بائنة كانت رجعية، ولا تبين بالواحدة، وإن جعلها بائنة، كما لا يسقط ولاء العتق، وإذا شرط سقوطه في العتق.
وقال أبو حنيفة: تكون الواحدة بائنة إذا جعلها بائنة، وتسقط الرجعة فيها بإسقاطه لها، وبني على أصله، إذا قال لها: أنت بائن يريد به الطلاق، أنها تطلق واحدة بائنة، لا يملك فيها الرجعة، وقد مضى معه فيه، ثم تفسد مذهبه ها هنا من وجهين أيضًا: أحدهما: أنه لو قال لها: أنت طالق واحدة بائنة، كانت طالقًا واحدة غير بائنة.
والثاني: أنه لو قال لها: أنت طالق واحدة، لا رجعة لي فيها، كانت طالقًا واحدة له الرجعة، كذلك في الواحدة والثانية.
والفصل الثاني: في الكناية يشتمل على فصلين: أحدهما: أن الكناية لا يقع الطلاق بها إلا مع النية، وإن وقع بالصلاريح ردَّا على مالك حيث أوقع الطلاق بالكناية من غير نية، وعلى من ذهب إلى قول داود: أن الطلاق لا يقع بالصريح من غير نية، وقد مضى الكلام معهما والفرق بين الصريح والكناية، في اعتبار النية في الكناية، دون الصريح من وجهين: أحدهما: أن الصريح لا يحتمل إلا معنى واحد، فحمل على موجبة من غير نية، والكناية تحمل معاني، فلم تنصرف إلى أحدهما إلا بنية، ألا ترى أن ما كان من العبادات لا تعقد إلا على وجه واحد، كأداء الأمانة، وإزالة النجاسة لم تفتقر إلى نية، وما كان محتملًا كالصوم لم يصح أن يكون عبادة إلا بالنية.
والثاني: أن الصريح حقيقة والثاني مجاز، والحقائق يفهم مقصودها بغير قرينة والمجاز لا يقوم مقصوده إلا بقرينة، فلذلك افتقرت الكناية إلى نية، ولم يفتقر الصريح إلى نية.
والفصل الثاني: أن الكناية إذا وقع بها الطلاق مع النية كالبائن والبتة والخلية والبرية كان رجعيًا، إلا أن ينوي ثلاثًا، وقال أبو حنيفة: يكون بائنًا، لا يملك فيه الرجعة وقد مضى الكلام معه فيه.
مسألة: قال الشافعي: "ولو كتب بطلاقها فلا يكون طلاقًا إلا بأن ينويه كما لا يكون ما خالفه الصريح طلاقًا إلا بأن ينويه".
قال الماوردي: أما وقوع الطلاق بخير الكلام فينقسم ثلاثة أقسام: فعل وكناية وإشارة، فأما الفعل: مثل الضرب والإخراج من المنزل، وما جرى مجراه من الإبعاد

الجزء: 10 - الصفحة: 52

والطرد، فلا يقع به الطلاق وإن نواه وعند مالك يكون طلاقًا، لأنه يوقع الطلاق بمجرد النية، فأولى أن يوقعه بالفعل مع النية وفيما مضى من الدليل، على أن الطلاق لا يقع بالنية، دليل على أنه لا يقع بالفعل، وإن اقترنت به النية.
والدليل عليه أيضًا: أن الطلاق أعظم حكمًا من الإيلاء والظهار، لأنه يساويهما في قصد التحريم، ويزيد عليهما في رفع العقد، فلما لم يصح الإيلاء والظهار إلا بقوله دون النية والفعل، كان الطلاق بذلك أولى.
فصل وأما الكناية وهو أن يكتب بخط يده، أنت طالق، أو قد طلقتك، أو أنت مطلقة فقد اختلف الناس فيما حكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل: أنها صريح في وقوع الطلاق بها لا يفتقر إلى نية كالكلام، لأن الله تعالى قد أنذر بكتبه فقال تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 91].
وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة بمكاتبة من كاتبه، ولأنها تقوم في الإفهام مقام الكلام، ثم هي أعم من إفهام الحاضر والغالب مسن الكلام المختص بإفهام الحاضر دون الغائب، ولأن العادة جارية باستعمالها في موضع الكلام، فاقتضى أن يكون جارية في الحكم مجرى الكلام، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - قد جمعوا القرآن في المصحف خطأ، وأقاموه مقام تلفظهم به نطقًا، حتى صار ما تضمنه إجماعًا لا يجوز خلافه، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكتابة ليست صريحًا في الكلام ولا يجري عليها حكم الصريح من الكلام، لأن الله تعالى قد أرسل رسوله نذيرًا لأمته ومبلغًا لرسالته فقال تعالى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: 199] فلو كانت الكتابة كالكلام الصريح، لمكن الله تعالى رسوله منها، ولعلمه إياها لنكون مع تكليف الإنذار ممكنًا من آلائه، وكاملًا لصفاته، ومعانًا عليه من سائر جهاته، حتى لا يناله نقص فيقصر، ولا ضعف فيعجز، ولكان لا يبعث رسولًا، إلا أميًا لا يكتب، وإن تكلم، كما لا يبعث رسولًا أخرس، لا يتكلم وإن كتب، وفي فحوى هذا دليل على خروج الكتابة من صريح الكلام، ولأنها لو قامت مقام صريح الكلام لأجزأ من كتب القرآن في الصلاة عن أن يتكلم به في الصلاة، ولاقتضى من المرتد إذا كتب الشهادتين عن أن يتكلم بالشهادتين، وفي امتناعنا من ذلك خروج الكتابة من حكم الكلام، ولأنه لو كانت الكتابة صريحًا كالكلام لصح بها عقد النكاح، كما يقع بها فيه الطلاق، وفي إجماعنا على أن عقد النكاح بها لا يصلي دليل على خروجهما من صريح الكلام في الطلاق، فإذا تقرر أن ليست الكتابة صريحًا في الطلاق، فقد اختلف قول الشافعي، هل يكون كناية فيه أم لا؟ على قولين: أحدهما: وأشار إليه في كتاب الرجعة.
وقال به أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: أنها لا تكون كناية، ولا يقع بها طلاق وإن نواه، لأنها فعل فأشبهت سائر الأفعال، ولأن كتابة اليد ترجمان اللسان ومعبر عنه كما أن كناية الكلام ترجمان القلب ومعبر عنه فلما لم تقم الكتابة مقام الصريح إلا بنية

الجزء: 10 - الصفحة: 53

القلب لم تقم الكناية مع الكلام إلا بنطق اللسان.
والقول الثاني: وهو الصحيح نص عليه ها هنا وفي الإملاء، وقال أبو حنيفة ومالك: إن الكتابة كناية في وقوع الطلاق بها مع النية، ولا يقع بها الطلاق إن تجردت عن النية، لأنها نقص عن الكلام لاحتمالها وتخالف الأفعال المخاطب بها، ولأن العرف في استعمالها أنها بدل من الكلام، تقتضي أن يتعلق عليها بعض أحكام الكلام، فصارت كالمحتمل فيه من اعتبار النية فيه: فصل فإذا قلنا بالأول أن الكتابة ليست صريحًا ولا كناية، فلا يقع بها الطلاق وإن نواه من حاضر ولا غائب، وكذلك العتق، فإن قلنا بالثاني في أن الكتابة كناية يقع بها الطلاق إذا اقترنت بالنية، ولا يقع بها الطلاق إذا تجردت عن النية، فكذلك العتق، ويصح بها الطلاق والعتاق من الغائب، وهل يصح من الحاضر أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح من الحاضر كما يصح من الغائب، لأن كنايات الطلاق والعتاق من الحاضر والغائب سواء، فكذلك الكتابة.
والوجه الثاني: أنه لا يصح بها الطلاق والعتاق، من الحاضر والنائب لأمرين: أحدهما: أنها من الغائب ضرورة كإشارة الأخرس، ومن الحاضر غير ضرورة كإشارة الناطق.
والثاني: أنها مستعملة في عرف الغائب، وغير مستعملة في عرف الحاضر فأما الظهار بالكتابة فهو كالطلاق على قولين، وأما الإيفاء بالكتابة فلا يصح قولًا واحدًا، لأن الإيلاء يمين بالله تعالى لا ينعقد بالكناية، وأما عقد البيع والإجابة بالكتابة.
فإن قيل: إن الطلاق لا يقع بهما ولا يكون كناية فيه فأولى أن لا ينعقد بها بقع ولا إجارة، وإن قيل: إن الطلاق يقع بها، وإنها كناية فيه، ففي عقد البيع والإجارة بهما وجهان، من اختلاف أصحابنا ني عقد البيع والإجارة بصريح العقد وكنايته على وجهين: أحدهما: لا تصح بالكتابة.
إذا قيل: إنه لا تصح بالكنايات والوجه الثاني: أنه تصح بالكتابة إذا قيل: إنه تصح بالكنايات وقد حكي أبو حامد المروزي: أنه وجد نصَّا عن الشافعي، أنه إذا كتب إلى رجل في بلد أني قد بعتك داري، فيه بكذا صح البيع، إذا قبله المكاتب إليه، وكان له الخيار ما لم يفارق مجلسه، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " فإذا كتب إذا جاءك كتابي فحتى يأتيها".
قال الماوردي: وإذا قد مضى الكلام، حكم الكتابة بالطلاق إنها ليست صريحة فيه، وفي كونها كناية قولان، فلا يخلو حال من كتب بطلاق زوجته من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقترن بكتابته لفظ.

الجزء: 10 - الصفحة: 54

والثاني: أن يقترن بها نية.
والثالث: أن عام تتجرد عن لفظ ونية، فإن قارنها لفظ، وقع الطلاق، لأن اللفظ لو تجرد عن الكتابة وقع به الطلاق، فإذا انضم إلى الكتابة فأولى أن يقع به، وإن قارنها نية الطلاق، ففي وقوع الطلاق بها قولان، إن قيل: كناية وقع الطلاق، وإن قيل: ليست كناية لم يقع، وإن تجردت الكتابة عن قول ونية لم يقع بها الطلاق، لأنه يحتمل أن يكون كتب حاكيًا عن غيره، أو مجربًا لخطه، أو مرهبًا لزوجنه، فإذا تقرر ما وصفنا، فصورة هذه المسألة أن يكتب إلى زوجته إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، إما مع لفظ اقترن به فكان طلاقًا قولًا واحدًا وإما مع نية اقترنت بخطه، فكان طلاقًا في أصح القولين، وعليه تفرع جميع هذه المسائل.
فهو طلاق معلق بصفة، وهو مجيء الكتاب إليها، فإن لم يجئها الكتاب لم تطلق فإن تأخر لهلاكه فقد بطلت صفة طلاقها، فهو غير منتظر سواء كان هلاكه بسبب منها أو من غيره، وإن تأخر مع بقائه فالصفة باقية، وتعليق الطرق بها منتظر لمجيء الكتاب إليها، لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون سليمًا، فالطلاق واقع سواء قرأته أو لم تقرأه، لأنه علق طلاقها بمجيئه لا بقراءته، ولو كان كتب إذا جاءك كتاب وقرأتيه لم تطلق لمجيئه حتى تقرأه، فإن قرأ عليها لم تطلق، إن كانت تحسن القراءة، وطلقت إن كانت لا تحسنها اعتبارًا بالعرف.
والقسم الثاني: أن يصل الكتاب ممحو الكتابة، فلا طلاق، لأن الكتاب هو المكتوب وما لا كتابة فيه فهو كأخذ وليس بكتاب، سواء كان هو الماحي له أو غيره، ولكن لو تطلست كتابته ولم يمح نظر فإن كان مفهوم القراءة طلقت، وإن كان غير مفهوم لم تطلق.
والقسم الثالث: أن يصل الكتاب وقد ذهب بعضه، فإن كان الذاهب منه موضع طلاقها لم تطلق، لأن مقصوده لم يصل، وإن كان موضع طلاقها باقيًا والذاهب من غيره، فقد اختلف أصحابنا في وقوع طلاقها بها على أربعة أوجه: أحدها: لا تطلق سواء كان الذاهب منه مكتوبة أو غير مكتوب، لأن الواصل منه بعضه.
والوجه الثاني: أنها تطلق، سواء كان الذاهب مكتوبة أو غير مكتوب، لأن المقصود منه هو لفظ الطلاق واصل.
والثالث: إن كان الذاهب من المكتوب لم تطلق، لأن بعض الكتاب وإن كان الذاهب من غير المكتوب طلقت، لأن المكتوب هو جمع الكتاب.
والوجه الرابع: إن وصل أكثره طلقت، وإن وصل أقله لم تطلق اعتبارًا بالأغلب.
مسألة: قال الشافعي " فإن كتب أما بعد فأنت طالق من حين كتب".
قال الماوردي: وهذا صحيح إذا اقترن بكتابته نية الطلاق فيقع الطلاق بالأصح من قوليه، الذي تفرع عليه، لأنه كتب طلاقًا ناجزًا، ولم يعلقه بوصول الكتاب إليها،

الجزء: 10 - الصفحة: 55

فيعمل وقوعه في الحال، كما لو تلفظ بطلاقها ناجزًا وخالف أن يكتب، إذا وصل إليك كتابي فأنت طالق، فلا يطلق إة بوصوله، لأن هذا مقيد بصفة، وذلك ناجز، فلو كان قال لها: إذا أتاك طلاقي فأنت طالق، ثم كتب إليها إذا جاءك كتابي فأنت طالق، فجاءها الكتاب طلقت طلقتين، إحداهما بوصول الكتاب والثانية بمجيء الطلاق، لأن الصفتين موجودتين في وصوله، وعلى مثاله أن يقول لها: إن أكلت ننف رمانة فأنت طالق وإن أكلت رمانة، فأنت طالق، فأكلت رمانة فتطلق طلقتين لأنها قد أكلت نصف رمانة وأكلت رمانة ولو قال لها: كلما أكلن نصف رمانة فأنت طالق وكلما أكلت رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة طلقت طلقتين، لأن فيها نصفين، فطلقت طلقتين وهى رمانة، فطلقت ثالثة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن شهد عليه أن هذا خطة لم يلزمه حتى يقر به".
قال الماوردي: وصورتها أن تدعي المرأة على زوجها، أنه كتب إليها بطلاقها، وتحضر كتابًا بالطلاق تدعي أنه كتابه وينكر أن يكون كتابه، فإن لم تصل المرأة الدعوى بأنه كتابه، ناويًا للطلاق، لم يحلف الزوج، وإن وصلت دعواها، بأنه كتب ناويًا أحلف الزوج حينئٍذ على إنكاره، فإن كان منكرًا للكتاب، أحلف أنه ما كتبه وإن كان منكرًا للنية، أحلف أنه ما نوى، وإن أحلف أنها لم تطلق منه لم يجز، لأنه قد يكون ممن لا يعقد وقوع الطلاق بالكتاب، ويعتقده الحاكم فإن شهد عليه عند إنكار الكتاب شاهدان، أنه خطه وكتابه لم تطلق، لأن الكتابة لا يقع بها الطلاق إلا مع النية، والشهادة وإن صحت على الكتابة فلا تصح على النية، لأن النية تخفي والكتابة لا نخفي، ولذلك قال الشافعي -رضي الله عنه- لم يلزمه حتى يقرّ به، يعني يقر بالكتاب والنية مع كتابته، فإن قيل فكيف تصح الشهادة على خطه؟ قيل: بأن رأياه يكتبه، ولا تغيب الكتاب عن أعينهما حتى يشهدا به، فإن لم يكونا رأياه، يكتبه ولكنهما عرفا خطه لم يجز أن يشهدا به، لأن الخط (يشبه الخط)، وإن رأياه قد كتبه وغاب الكتاب عنهما لم يجز أن يشهدا به، لجواز أن يكون مزورًا عليه فيتشبه به وهذه الشهادة لا تلزم الشاهدين، أن يشهدا بها، ولا الحاكم أن يستدعيهما، لأنه لا يتعلق بها حكم.
فصل فأما الإشارة بالطلاق، فإن كانت من الأخرس، قامت مقام نطقه، ووقع الطلاق بإشارته كما يقع طلاق الناطق بلفظه، إذا كانت إشارته مفهومة، وتكون الإشارة منه طلاقًا صريحًا وإن كانت الإشارة من ناطق، لم يقع بها الطلاق لا صريحًا ولا كناية،

الجزء: 10 - الصفحة: 56

لأنه قادر على الكلام الذي هو بالطلاق أخص.
فلو قال: أنت وأشار بأصابعه الثلاث مريدًا بها الطلاق لم تطلق، لأن يقوله أنت بدء وليس بصريح في الطلاق ولا كناية، فالإشارة بعد البدء، لا يقع بها الطلاق، ونية الطلاق قد تجردت عن لفظ فلم يقع بها الطلاق، ولكن لو قال: أنت طالق كذا وأشار بإصبع واحدة طلقت واحدة، ولو أشار بإصبعين، طلقت طلقتين، ولو أشار بثلاثة أصابع، طلقت ثلاثًا، وقامت إشارته مقام الثلاث، مع قوله هكذا مقام نيته بالثلاث نص عليه ابن سريج، فلو أشار بثلاث أصابع قائمة وبإصبعين معقودتين فإن أراد الثلاث القائمة طلقت ثلاثًا، وإن أراد الإصبعين المعقودتين طلقت ثنتين، وإن لم تكن نية، طلقت بالثلاث أصابع ثلاثً، لأن فيها زيادة إشارة.
قال أبو العباس بن سريج: ولو قال: أنت طالق، ولم يقل هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث لم يلزمه بالإشارة عدد.
مسألة: قال الشافعي:" ولو قال لامرأته اختاري أو بيدك فطلقت نفسها فقال ما أردت طلاقًا لم يكن طلاقًا إلا بأن يريده ولو أراد طلاقًا فقالت قد اخترت نفسي سئلت فإن أرادت طلاقًا فهو طلاق وإن لم ترده فليس بطلاق".
قال الماوردي: اعلم أن للزوج في الطلاق ثلاثة أحوال: أحدها: أن يتولاه لنفسه مباشرًا فيقع الطلاق بمباشرته.
والحال الثانية: أن يستنيب فيه وكيلًا، فيقوم الوكيل في الطلاق الذي استنابه فيه مقام نفسه على ما سنذكره.
والحال الثالثة: أن يفوضه إلى زوجته وهي مسألتنا فيكون ذلك تمليكًا لها ولا يكون توكيلًا واستنابة، وهو جائز يصح به وقوع الفرقة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه، فاخترنه فلولا أن لتخييرهن تأثير في الفرقة إن اخترتها، ما كان لتخييرهن معنى، وإذا كان كذلك لم يخل حال تفويضه الطلاق إلى زوجته من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون بصريح منهما.
والثاني: بكناية منهما، والثالث: بصريح منه وكناية منها، والرابع: بكناية منه وصريح منها.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون بصريح منهما جميعًا فصورته: أن يقول لها طلّقي نفسك فتقول: قد طلّقت نفسي، فقد وقع الطلاق بطلاقها لنفسها، ولا يراعى من أصل الطلاق ووقوعه نية واحد منهما، فأما عدد الطلاق فلهما فيه ثلاثة أحوال: أحدها: أن يذكراه.
والثانية: أن ينوياه.
والثالثة: أن يطلقاه، فإن ذكراه فلهما فيه حالتان: أحدهما: أن يتفقا عليه.

الجزء: 10 - الصفحة: 57

والثانية: أن يختلفا فيه، فإن اتفقا عليه وقع العدد الذي اتفقا عليه كأنه قال لها: طلّقي نفسك واحدة، فطلّقت نفسك واحدة، أو قال لها: طلقي نفسك طلقتين، فطلقت نفسها طلقتين، أو قال لها: طلّقي نفسك ثلاثًا فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثًا وقع الثلاث أو ما اتفقا عليه من العددي وإن اختلفا فيه وقع أل العددين.
مثاله: أن يقول لها: طلّقي نفسك ثلاثًا فتطلق نفسها واحدة فلا تطلق إلا واحدة، ولو قال لها: طلّقي نفسك واحدة فطلّقت نفسها ثلاثًا لم تطلق إلا واحدة.
وقال أبو حنيفة: إن قال لها: طلّقي نفسك ثلاثًا فطلقت نفسها واحدة لم تطلق.
وقال مالك: مثل هذا وأما إن نويا العدد ولم يذكراه حملا فيه على نيتهما، فإن اتفقا في نية العدد فنويا طلقتين أو ثلاثًا كان على ما نويا من العدد.
وقال أبو حنيفة: لا تأثير للنية في العدد، وقد مضى الكلام معه، فءن اختلفا في النية كان العدد محمولًا على أقل الثنتين كما لو أظهراه قولًا، فإن نوى الزوج ثلاثًا ونوت الزوجة واحدة كانت واحدة وإن لم يذكرا عددًا ولا نوياه طلقت واحدة.
فصل وأما القسم الثاني: وهو أن يكون بذله كناية وقولها كناية كقوله: اختاري نفسك فتقول: قد اخترت نفسي، فلا يقع الطلاق حتى ينوياه جميعًا فإن نواه دون الزوجة أو الزوجة دون الزوج لم يقع.
وقال مالك: يقع وإن لم ينويه ولا واحد منهما بناء على أصله في أن الكناية الظاهرة لا تفتقر إلى نية.
وقال أبو حنيفة: إذا نواه الزوج وحده وقع الطلاق وإن لم تنوه الزوجة، استدلالًا بما روي أن الصحابة سئلوا عمَّن خير زوجته فقال عمر: إن اختارت نفسها فواحدة ولها الرجعة، وإن اختارت زوجها فلا طلاق، وتابعه ابن مسعود، وابن عباس، وقال علي بن أبي طالب - عليه السلام - إن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها.
وقال زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها طلقت ثلاثًا وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة فأوقع جميعهم الطلاق عليها باختيارها نفسها، ولم يعتبروا النية، فصاروا مجمعين على أن النية غير معتبرة من جهتها، قال: ولأن تعليق الطلاق عليها لا يوجب اعتبار نيتها فيه كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، طلقت بدخول الدار، وإن لم ينوه كذلك في الاختيار ودليلنا هو: أنه لما كان تخيير الزوج لها كناية، يرجع فيه إلى نية، لاحتماله أن يكون أراد اختاري نفسك للنكاح أو الطلاق، فوجب أن يكون اختيارها لنفسها كناية، ترجع فيه إلى نيتها لاحتماله أن يكون اخترت نضب لنكاحك أو طلاقك، ألا تراها لو قالت: قد اخترت نفسي لنكاحك لم تطلق، كلك إذا أطلقت، فأما استدلاله بإجماع الصحابة، فلا دليل فيه لأنهم لم يعتبروا نية الزوج، وهي معتبرة عندنا

الجزء: 10 - الصفحة: 58

وعنده، فكذلك إذا لم يعتبروا نية الزوجة، ويكون ذلك منهم لعلمهم بوجود النية منهما.
وأما استدلاله بدخول الدار، فحسبنا به دليلًا، لأنه لما كان إذا علق طلاقها صح، بدخول الدار لم تطلق لا بوجود للدخول منها، كذلك إذا خيرها في طلاق نفسها، لم تطلق حتى تختار طلاق نفسها، فإذا تقرر أن النية معتبرة منهما، وأن الطلاق لا يقع إلا بنيّتهما فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تختار نفسها.
والثانية: أن نختار زوجها.
والثالثة: أن لا يكون لها اختيار.
فإن اختارت نفسها، طلقت واحدة رجعية، وإن اختارت زوجها أو لم يكن لها اختيار لم تطلق، وبه قال من الصحابة: عمر وابن مسعود وابن عباس، وقال أبو حنيفة: إن اختارت نفسها طلقت واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها لم تطلق، وقال ربيعة: إن اختارت نفسها طلقت واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، طلقت واحدة رجعية، وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وقال زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها طلقت ثلاثًا، وإن اختارت زوجها طلقت واحدة بائنة.
والدليل على أن اختيارها لزوجها لا يكون طلاقًا، منا رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير نسائه بدأ بي، فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا تعجلى حتى تستأمري أبويك، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتعالانَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] الآية: فقلت في أيّ هذين أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، ولم يكن قال لهن رسول الله، فاخترته طلاقًا من أجل أنهن اخترنه.
ومن الدليل عليه أيضًا: أن اختيارها لزوجها ضد اختيارها لنفسها، فلما طلقت باختيارها نفسها، وجب أن لا تطلق باختيار زوجها، لأن اختلاف الضدين يوجب اختلاف الحكمين.
والدليل على أنها تكون واحدة رجعية، ولا تكون ثلاثًا ولا واحدة بائنة، ما قدمنا في حكم الطلاق إذا وقع بالكناية، وهكذا لو قال لها أمرك بيدك، فقالت: قد اخترت نفسي أو قال لها: أبيني نفسك، فقالت: قد أبنت نفسي، وهكذا لو اختلفت الكناية منهما، فقال لها: حرّمي نفسك فقالت: قد حرمت نفسي لم يقع الطلاق حتى ينوياه جميعًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 59

فصل فإن قال لها: اختاري نفسك، فقالت: قد اخترت أبي وأمي، لم يقع به الطلاق، وإن نوته، لأنه ليس بصريح ولا كناية، إذ ليس اختيارها لأبيها موجبة لفراق زوجها.
ولو قالت: قد اخترت الأزواج ففي وقوع الطلاق به إذا نوته وجهان: أحدهما: يقع به الطلاق، لأنها لا تحل للأزواج مع بقائها على نكاحه.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يقع به الطلاق لعلتين.
إحداهما: أنه من الأزواج.
والثانية: أن اختيارها لنفسها لا تكون ذات زوج، فعلى هذا لو قالت: قد اخترت زيدًا ناويًا للطلاق طلقت على التعليل الأول، ولم تطلق على التعليل الثاني.
فصل وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بذله صريحًا وقبولها كناية.
فصورته أن يقول لها: طلّقي نفسك، أو قد جعلت بيدك طلاق نفسك، فتقول: قد اخترت نفسي أو قد أبنت نفسي، فتعتبر نية الزوجة ولا تعتبر نية الزوج، لأن صريح الزوج لا يفتقر إلى نية وكناية الزوجة تفتقر إلى النية، فإذا قالت ذلك ناوية للطلاق طلّقت، على قول جمهور أصحابنا، وقال منهم أبو عبيد بن حربويه، وأبو علي بن خيران: لا تطلق لأن قبول الصريح يكون صريحًا للنكاح، وهذا فاسد، لأن الكناية مع النية تقوم مقام الصريح بغير نية، وجرى اختلاف الصريح والكناية مجرى اختلاف الصريحين، واختلاف الكنايتين وإذا كان كذلك وسئلت الزوجة عن نيتها، فقالت: ما أردت الطلاق، لم تطلق، فإن أكذبها الزوج طلقت بإقراره أنها قد نوت، وإن قالت: أردت الطلاق، طلقت فإن أكذبها كان القول قولها مع يمينها، لأن النية باطنة لا تعرف إلا من جهتها.
وقال أبو سعيد الإصطخري: القول قول الزوج مع يمينه، ولا يصدق قولها في وقوع الطلاق عليه كما لو ادعته، وكما لو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فقالت: قد دخلت، وهذا خطأ، لأن تعليق الطلاق بما يعتبر فيه نيتها، أخفي من تعليقه بحيضها، فلما كان لو قال لها إذا حضت فأنت طالق، فقالت: قد حضت، قبل فيه قولها، وإن أكذبها، فأولى أن يقبل قولها فيما تعلق من نيتها، لأن إقامة البينة على نيّتها، أشد تعذرًا من إقامتها على حيضها، لاستحالة تلك وإمكان هذه، وخالف قوله لها: إن دخلت الدار فأنت طالق فتدعي دخولها، فلا يقبل قولها، لأنه يمكنه إقامة البينة على دخولها.
فصل وأما القسم الرابع: وهو أن يكون بذله كناية وقبولها صريحًا فصورته: أن يقول لها اختاري نفسك أو أمرك بيدك، فتقول قد طلّقت نفسي، فتعتبر نية الزوج ولا تعتبر نية

الجزء: 10 - الصفحة: 60

الزوجة، لأن كناية الزوج تفتقر إلى النية، وصريح الزوجة لا يفتقر إلى النية، فإن قالت أردت الطلاق طلقت، وإن قال لم أرده، لم تطلق، وإن جن أو مات قبل أن تعلم إرادته، لا تطلق وكان لها ميراثها منه، لأن إرادته مجوزة والطلاق لا يقع بالشك، فلو قال لها: أمرك بيدك فأراد به طلاقها في الحال، ولم يجعله بذلا يقف على قبولها.
قال الشافعي في كتاب "الإملاء": لم تطلق، لأن هذا القول منه إذا اقترن بالإضافة إليها صار صريحًا، في جعل الطلاق إليها، وتعليقه بقبولها، فلم يقع إلا به، ويحتمل أن يقع به الطلاق، لأنه من كناياته الجاري مجرى قوله .. قد ملكتك نفسك، وتزوجي من شئت فيقع به الطلاق إذا نواه، ولكن لو قال لها: طلّقي نفسك وأراد به وقوع الطلاق عليها من غير أن يقفه على قبولها وتطليقها لنفسها لم تطلق إلا أن تطلق نفسها، لأنه لا يحتمل غيره.
فصل ولو قال لها: إن أحببت فراقي، فأمرك بيدك، لم تطلق إذا طلقت نفسها، حتى تقول قبل الطلاق قد أحببت فراقك، ثم تطلق نفسها فتطلق حينئٍذ، لأنه مقيد بهذا الشرط ولو قال لها: إذا مضت سنة فأمرك بيدك، أو قال لها: إذا قدم زيد فأمرك بيدك لم يجز، لأنه تمليك مؤجل، وبذل منتظر، فإن طلقت نفسها بعد مضي السنة، أو بعد قدوم زيد، لم تطلق لبطلان التمليك، وفساد البذل، ولكن لو قال: أمرك بيدك تطلقين نفسك بعد سنة أو إذا قدم زيد، ففيه قولان: أحدهما: نص عليه في "الإملاء" وهو قول أبى حنيفة واختيار المزني أنه جاز، تغليبًا لحكم الطلاق بالصفة، ولها إذا مضت السنة أو قدم زيد أن تعجل طلاقها، فإن أخرته لم تطلق.
والقول الثاني: نص عليه في الجديد، وهو الأصح لا يجوز تغليبًا لحكم التمليك، الذي لا يجوز أن يعلق لأجل منتظر ولا بصفة متوقعة، فان طلقت نفسها عند مضي السنة، وقدوم زيد لم تطلق، لبطلان التمليك، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " لا أعلم خلافًا أنها إن طلقت نفسها قبل أن يتفرقا من المجلس وتحدث قطعًا لذاك أن الطلاق يقع عليها فيجوز أن يقال لهذا الموضع إجماع".
قال الماوردي: إذا جعل إليها طلاق نفسها فهو تمليك، يراعى فيه تعجيل القبول، والقبول أن تطلق نفسها فتملك بتعجيل الطلاق ما ملكها، وإذا كان كذلك فقد قال الشافعي ها اهنا: إن طلقت نفسها قبل أن يتفرقا من المجلس أو يحدث قطعًا لذلك، وقع الطلاق عليها، فجعل وقوع الطلاق عليها مقيدًا بشرطين:

الجزء: 10 - الصفحة: 61

أحدهما: أن يكون قبل افتراقهما عن مجلسها.
والثاني: أن يكون قبل أن يحدثا ما يقطع ذلك من قول أو فعل، فلم يختلف أصحابنا أنها متى طلقت نفسها بعد افتراقهما عن المجلس، لم تطلق، ومتى طلقت نفسها في المجلس بعد أن حدث تشاغل بغيره من كلام أو فعال لم تطلق.
واختلف أصحابنا هل يكون خيارها ممتدًا في جميع المجلس أو يكون على الفور؟ على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر كلامه ها هنا، وفي "الإملاء" أنه ممتد في جميع المجلس، فمتى طلقت نفسها فيه طلقت، وإن تراخى الزمان.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي والمحققين من أصحابنا: أنه على الفور في المجلس، لأنه قبول تمليك، فأشبه القبول قي تمليك البيع والهبة، وإطلاق الشافعي من محمول على هذا الشرط، لأن أصوله مقررة عليه، ولأنه ذكر الإجماع فيه، أنها إذا طلقت نفسها على هذه الصفة، كان إجماعًا ولا يكون إلا أن يتعجل على الفور من غير مهلة.
وقال مالك في إحدى روايتيه: لها أن تطلق إلى شهر، وفي الرواية الثانية: ما لم تمكنه من وطئها، وكلا القولين مردود ومدفوع بما ذكرنا من التعليل.
فصل وإذا ملكها طلاق نقسها، ثم رجع في التمليك، قبل أن تطلق نفسها صح رجوعه وبطل تمليكه، فإن طلقت نفسها لم تطلق، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو علي بن خيران من أصحابنا: ليس له الرجوع، وإذا طلقت نفسها بعد رجوعه طلقت، استدلالًا بأنه طلاق معلق بصفة، فلم يملك الزوج الرجوع فيه، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنه لا يملك إبطال هذه الصفة وتطلق متى دخلت الدار.
ودليلنا هو أنه تمليك للطلاق لوقوفه على قبولها، وللمالك وبعد بذله أن يرجع فيه قبل قبوله منه، كما يرجع في بذل الهبة والبيع، قبل قبولهما منه، وخالف تعليق طلاقها بدخول الدار، لأنه لا يقف على قبولها، وليس لها إبطال ذلك على نفسها، فلم يكن له إبطال ذلك عليها، وليس كالتمليك الذي لها أن تبث على نفسها، فكان له إبطاله عليها، وإذا صح رجوعه كما ذكرنا، فمتى طلقت نفسها بعد علمها برجوعه، كان في وقوع طلاقها وجهان، من الوكيل في القصاص إذا لم يعلم بالرجوع حتى اقتص والله أعلم.
مسألة: قال المزني: "وقال في الإملاء على مسائل مالك: وإن ملك أمرها غيرها فهذه وكالة متى أوقع الطلاق وقع ومتى شاء الزوج رجع".

الجزء: 10 - الصفحة: 62

قال الماوردي: وهذا كما قال والوكالة في الطلاق جائزة، لأن فاطمة بنت قيس طلقها وكيل زوجها، بمشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمضاه، ولأنه لما جازت الوكالة في النكاح مع تغليظ حكمه كان جوازها في الطلاق أولى، فإذا وكل رجلًا عاقلًا جاز، سواء كان حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا، ولا يجوز أن يوكل مجنونًا ولا صغيرًا، لأنه لا حكم لقولهما، وفي جواز لامرأة وجهان مضيا في الخلع، ثم الوكالة على ضربين: أحدهما: أن تكون مطلقة وهو أن يقول: قد وكلتك في طلاق زوجتي فلانة، فله أن يطلقها على الفور والتراخي بخلاف ما لو ملكها الطلاق لنفسها، لأن هذه نيابة وذاك تمليك، فإن ذكر له من الطلاق عددًا لم يتجاوزه، فلو قال له: طلقها ثلاثًا فقال لها: أنت طالق ثلاثًا، طلقت ثلاثًا، ولو قال لها: أنت طالق ونرى أن يكون ثلاثًا فيه وجهان: أحدهما: تطلق ثلاثًا، لأن نية الثلاث تقوم مقام التلفظ بالثلاث.
والوجه الثاني: لا تطلق ثلاثًا ولا تقوم نيته مقام نية الزوج، لأن الزوج مدين في الطلاق معمول على نيته فيه، والوكيل غير مدين في الطلاق فلم يعمل على نيته فيه، وهكذا لو طلقها الوكيل بالكناية مع النية، كان على هذين الوجهين، فلو وكله أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة، ففي وقوعها وجهان: أحدهما: يقع، لأنه بعض ما وكل فيه.
والوجه الثاني: لا يقع لأنه وكل في طلاق بائن، وهذا الطلاق غير بائن فصار غير ما وكل فيه، فلو وكله أن يطلقها واحدة، لم تقع الثلاث، وفي وقوع الواحدة وجهان: لو وكله في طلاق واحدة من نسائه ولم يعينها له ففيه وجهان: أحدهما: أن أيتهن طلقها صح، لأن وقوع الطلاق المبهم جائز، فكان التوكيل فيخ جائزًا.
والوجه الثاني: أنه يجوز أن يطلق واحدة قبل أن يعينها الزوج، فءن طلق واحدة منهن قبل تعيينها لم تطلق، لأن إبهام الطلاق من جهة الزوج يجوز، لأنه موقوف على خياره في التعيين، ومن جهة الوكيل لا يجوز لأنه غير موقوف على خياره في التعيين.
فصل والضرب الثاني: أن تكون الوكالة مقيدة، وهو أن يوكله في طلاقها على صفة، وهو أن يأمره أن يطلقها في يوم الخميس، فلا يجوز أن يطلقها إلا فيه، فإن طلقها في غيره لم تطلق، أو يأمره أن يطلقها للسنَّة، فإن طلقها للبدعة لم تطلق، أو يأمره أن يطلقها للبدعة، فإن طلقها للسنة لم تطلق، فلو قال له: طلقها إن شئت لم يقع طلاقه حتى يقول قد شئت ولا يكون إيقاعه للطلاق مشيئة منه، لأنه قد يوقع الطلاق بمشيئة وغير مشيئة، والمشيئة لا تعلم إلا بالقول.
وليس من شرط مشيئته الفور بخلاف ما لو علق الطلاق بمشيئتها، لأن تعليقه للطلاق بمشيئتها، تمليك فروعي فيه الفور وتعليقه للطلاق بمشيئته صفة، فلم يراع فيها الفور، ولأنه جعل إليها طلاقها إذا شاء، فلما جاز

الجزء: 10 - الصفحة: 63

أن يطلقها على الفور والتراخي جاز أن تكون مشيئته مع الطلاق المتراخي، لكن من صحة مشيئته أن يخبر بها الزوج قبل طلاقه فإن أخبر بها غيره ثم طلق لم يقع، لأنه إذا كان إخباره بها شرطًا، كان إخبار الزوج بها أحق، وأولى أن يكون شرطًا، فلو قال له: طلقها إن شاءت، روعيت مشيئتها عند عرض الوكيل الطلاق عليها، فانه لا يجوز أن يطلقها إلا بعد عرض الطلاق عليها وسؤالها عن مشيئتها، فتصير حينئٍذ مشيئتها معتبرة على الفور، فإن عجلها وقع الطلاق، وإذا أوقعه الوكيل بعدها، سواء أوقعه على الفور أو على التراخي، فإن تراخت مشيئتها، لم يقع الطلاق بعدها، لفساد المشيئة.
فصل وليس للوكيل في الطلاق أن يوكل غيره فيه، فان وكل وكيلين في طلاق زوجة واحدة وجعل إلى كل واحد منهما أن يطلقها، فأيهما سبق بطلاقها ثلثًا، بطلت وكالة الآخر ولو جعل إلى كل واحد منهما أن يطلقها واحدة فإذا سبق أحدهما طلقها واحدة لم تبطل وكالة الآخر وجاز له أن يطلقها أخرى، والفرق بينهما ما صح.
وهكذا لو وكل واحدًا في طلاقها ثلاثًا ثم بادر الزوج طلقها ثلاثة بطلت الوكالة.
ولو طلقها الزوج واحدة، كانت الوكالة بحالها في الطلقتين الباقيتين، وإن طلقها الوكيل ثلاثًا وقع منهما طلقتان، لأنهما الباقيتان من طلاق الزوج، بعد الواحدة التي أوقعها ولو وكله في طلاقها واحدة ثم طلقها الزوج واحدة، لم تبطل الوكالة ما لم تنقض العدة، فإن طلقها الوكيل واحدة في العدة، طلقت سواء راجعها الزوج من طلقته، أو لم يراجع، فلو انقضت عدتها من طلقة الزوج ثم استأنف نكاحها ففي بقاء الوكالة وجواز طلاق الوكيل لها وجهان: أحدهما: الوكالة باقية وطلاق الوكيل لها واقع.
والوجه الثاني: أن الوكالة قد بطلت وطلاقه غير واقع، وهذان الوجهان من اختلاف قوليه في عقد الطلاق في نكاح، هل يجوز أن يقع في غيره أم لا.
فصل فإذا رجع الزوج عن الوكالة أو جن أو مات، لم يكن له أن يطلق، فإن طلق لم يقع، فلو لم يعلم الوكيل بجنون موكله أو موته فطلق، لم يقع طلاقه، لأن الطلاق لا يصح أن يقع عن زوج ميت، أو مجنون، ولو لم يعلم الوكيل برجوع الزوج حتى طلق، كان في وقوع طلاقه قولان من اختلاف توليه في الموكل في القصاص، إذا اقتص قبل العلم بالعفو.
مسألة: قال الشافعي: "ولو جعل لها أن تطلق نفسها ثلاثًا فطلقت واحدة فإن لها ذلك".

الجزء: 10 - الصفحة: 64

قال الماوردي: وهذا صحيح، إذا قال لها: طلّقي نفسك ثلاثًا، فطلقت نفسها واحدة، طلقت واحدة، وقال مالك إذا قال طلّقي نفسك ثلاثًا، فطلقت واحدة لا يقع شيء وإذا قال: طلّقي واحدة فطلقت ثلاثًا، وقعت الثلاث، وعنه لا تطلق استدلالًا بأن قبولها بعض ما ملكها موجب لفساد القبول، وبطلان التمليك كما لو باعها عبدين بمائة فقبلت أحدهما لم يصح.
ودليلنا هو: أن من ملك إيقاع الطلاق الثلاث ملك إيقاع الطلقة الواحدة كالزوج.
وأما استدلاله بتبعيض القبول في البيع فإنما لم يصح، لأن البذل إنما كان في مقابلة ثمن لم يحصل له بالتبعيض، فلذلك لم يصح قبول البعض، ولولا الثمن لصح، ألا ترى لو وهب لها عبدين، فقبلت إحداهما صح، فكذلك الطلاق.
فصل فإذا جعل إليها أن تطلق نفسها واحدة، فطلقت نفسها ثلاثًا، طلقت واحدة.
وقال أبو حنيفة: لا تطلق، لأن ما عدلت إليه غير مأذون به، فلم يجز.
ودليلنا هو: أنه إذا اجتمع في طلاقها مأذون فيه وغير مأذون فيه، لم يمنع غير المأذون فيه من وقوع المأذون فيه، ما لو جعل إليها طلاق نفسها، فطلقت نفسها وضرائرها، وادعى فيه أن الواحدة لا تتميز عن الثلاث، غير صحيح لأن المأذون فيه متميز عن غير المأذون فيه وربما حكي هذا للقول عن أبي حنيفة ولأول عن مالك.
مسألة: قال الشافعي: "وقال فيه وسواء قالت طلقتك أو طلقت نفسي إذا أرادت طلاقًا قال الماوردي: وهذا كما قال إذا جعل إليها طلاق نفسها، فإن قالت قد طلقت نفسي، طلقت وكان هذا صريحًا لا يفتقر إلى نيتها.
وإن قالت: قد طلقتك كانت كناية يقع به الطلاق إذا نوته، وقال أبو حنيفة: لا يقع به الطلاق وإن نوته، وقد مضى الكلام في هذه المسألة.
مسألة: قال الشافعي: "ولو طلق بلسانه واستثني بقلبه لزمه الطلاق ولم يكن الاستثناء إلا بلسانه".
قال الماوردي: اعلم أن الاستثناء في الطلاق على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يصح مضمرًا ومظهرًا.
والثاني: ما لا يصح مضمرًا، ولا مظهرًا.
والثالث: ما يصح مظهرًا ولا يصح مضمرًا.
فأما ما يصح إظهاره وإضماره فهو ما جاز أن يكون صفة للطلاق، أو أمكن أن يكون حالًا للمطلقة، فالذي يجوز أن يكون صفة للطلاق مثل قوله: أنت طالق [من]

الجزء: 10 - الصفحة: 65

وثاق، أو مسرحة إلى أهلك، أو مفارقة إلى المسجد فإن أظهره بلفظه صح وحمل عليه في الظاهر والباطن، ولم يلزمه الطلاق، لأنه وصفه بما يجوز أن يكون من صفاته، فيغير الطلاق فلذلك لم يقع به الطلاق، وإن لم يظهره قي لفظه وأضمره في نيته صح إضماره، ودين فيه ولم يلزمه الطلاق قي الباطن، اعتبارًا بالمضي ولزمه الطلاق في الظاهر اعتبارًا بالمظهر وأما الذي يمكن أن يكون حالًا للمطلقة فمثل قوله أنت طالق إلى رأس الشهر، ولو دخلت الدار، أو إن كلمت زيدا، فإن أظهر ذلك بلفظه عمل عليه في الظاهر، ولم يقع عليها الطلاق إلا على الحال التي شرطها، وإن أضمره بقلبه، ولم يظهره بلفظه دين فيه، وفي الباطن فلم يلزمه الطلاق إلا بذلك الشرط، اعتبارًا بإضماره ولزمه الطلاق في ظاهر الحكم اعتبارًا بإظهاره، فهذا ضرب.
فصل وأما ما لا يصح إضماره ولا إظهاره، فهو ما كان فيه إبطال ما أوقع ونفي ما أثبت، كقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، أو أنت طالق إلا أنت، فالطلاق واقع والاستثناء باطل في إطهاره باللفظ وإضماره بالقلب، لأن وقوع الطلاق يمنع ممن رفعه، لاسيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق".
والفرق بين هذا حيث بطل وبين الضرب الأول حيث صح: أن ذلك صفة محتملة وحال ممكنة، يبقى معها اللفظ على احتمال مجوز، وهذا رجوع لا يحتمل ولا يجوز، وإذا بطل هذا الاستثناء بما عللنا، وقع الطلاق ظاهرًا وباطنًا.
فصل وأما الضرب الثالث: وهو ما يصح إظهاره ولا يصح إضماره، فهو الاستثناء من العدد، أو الشرط الواقع بحكم الطلاق، فالاستثناء من العدد، أن يقول: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين والشرط الرافع لحكم الطلاق، أن يقول: أنت طالق إن شاء الله، فإن أظهره في لفظه متصلًا بكلامه صح، وكان محمولًا عليه في الظاهر والباطن فلا يلزمه الطلاق إذا قال: إن شاء الله ويقع عليها طلقة واحدة، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين، لأن بعض الكلام مرتبط ببعض، فأوله موقوف على آخره، وهو كلام لا ينقض بعضه بعضًا، فصح ولو لم يتلفظ بهذا الاستثناء بلسانه وأضمره بقلبه ونوى بقوله: أنت طالق أن يكون معلقًا بمشيئة الله، أو قال: أنت طالق ثلاثًا ونوى إلا اثنتين، لم يصح ما أضمره من الاستثناء بمشيئة الله، ومن العدد، ووقع الطلاق ثلاثًا في الظاهر والباطن، وإنما كان صحيحًا مع الإظهار مع الإضمار، لأن حكم اللفظ أقوى من النية، لأن الطلاق يقع بمجرد اللفظ من غير نية، ولا يقع لمجرد النية من غير لفظ، فإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 66

تعارضت النية واللفظ، يغلب حكم اللفظ لقوته على حكم النية لضعفه، فوقع الطلاق وبطل الاستثناء.
فلو قال: وله أربع نسوة: أنتن طوالق، واستثنى واحدة منهن فعزلها من الطلاق صح استثناؤه من طلاقهن، مظهرًا ومضمرًا، فلا يقع طلاقها إن استثناها ظاهرًا بلفظه لا في الظاهر ولا في الباطن، ولا يقع طلاقها إن استثناها، باطنًا بنيته في الباطن، وإن كان واقعًا، وإن كان واقعًا في الظاهر ولكن لو قال للأربع: أنتن يا أربع طوالق، وأراد إلا واحدة فإن استثناها بلفظه صح، وإن عزلها بنيته لم يصح، كالاستثناء من العدد لأنه قد صرح بذكر الأربع، ولم يصرح بذكرهن فيما تقدم، فلو قال لزوجته: أنت طالق وأراد بقلبه الإشارة بالطلاق إلى إصبعه دون زوجته لم يقبل منه في ظاهر الحكم، واختلف أصحابنا هل يدين في باطن الحكم فيما بينه وبين الله تعالى أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يدين فيه لاحتمله.
والثاني: وهو أصح: لا يدين فيه، ويلزمه الطلاق في الظاهر والباطن جميعًا لأمرين: أحدهما: أن الإصبع لا يتوجه إليها طلاق انفصاله ولا طلاق تحريم.
والثاني: أنه أوقع طلاقًا على أن لا يكون طلاقًا فصار كقوله: أنت طالق إلا أنت، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " ولو قال أنت على حرام يريد تحريمها بلا طلاق فعليه كفارة يمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته فأمر بكفارة يمين (قال الشافعي) رحمه الله لأن تحريم فرجين حلين بما لم يحرما به".
قال الماوردي: وهذا كما قال: إذا قال الرجل لزوجته: أنت علي حرام، فإن أراد به الطلاق، كان طلاقًا يقع من عدده ما نوه من واحدة أو اثنتين أو ثلاث، وإن لم ينو عددًا، كانت واحدة رجعية، وإن أراد به الظهار كان ظهارًا، وإن أراد به الإيلاء لم يكن إيلاًء، لأن الإيلاء يمين، لا ينعقد بالكناية وأن أراد يه تحريم وطئها لم يحرم، ولزمه كفارة يمين، وإن لم يكن له إرادة لم يتعلق به طلاق ولا ظهار ولا تحريم، وهل تجب به كفارة يمين أم لا؟ على قولين ذكرهما في "الإملاء": ولو قال لأمته: أنت علي حرام، فإن أراد به عتقها، عتقت وإن أياد تحريم وطئها لم تحرم وكفر كفارة يمين، وإن لم يكن أراد، لزمته كفارة يمين قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال على قولين كالحرة، ومنهم من خرج الحرة والأمة في وجوب الكفارة عند فقد الإرادة على ثلاثة أقاويل:

الجزء: 10 - الصفحة: 67

أحدهما: تجب في الحرة والأمة.
والثاني: لا تجب في الحرة ولا في الأمة.
والثالث: تجب في الأمة، ولا تجب في الحرة، لأن التحريم في الأمة أصل، وفي الحرة فرع ولا ينعقد به الأحوال كلها يمين، هذا مذهبنا.
وقد اختلف الصحابة ثم التابعون - رضي الله عنه - في لفظ التحريم الذي يوجب إذا فقدت فيه الإرادة على ثمانية أقاويل: أحدها: ما حكي عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنها يمين يجب بها إذا حنث كفارة يمين، وبه قالت عائشة والأوزاعي.
والثاني: ما حكي عن عمر - رضي الله عنه- أنها طلقة رجعية، وبه قال الزهري.
والثالث: ما حكي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه يكون ظهارًا تجب به كفارة الظهار وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال: سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل.
والرابع: ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه يكون طلاقة لا تحل منه إلا بعد زوج، وبه قال: زيد بن ثابت وأبو هريرة، وابن أبي ليلى ومالك.
والسابع: ما حكي عن النخعي أنها طلقة بائن، وبه قال: الحكم بن عيينة، وحماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري.
والثامن: ما حكي عن أبي حنيفة: أنه يكون إيلاء، يؤجل فيه أربعة أشهر فإن وطاء فعليه كفارة يمين، وإن لم يطأ حتى مضت أربعة أشهر طلقت طلقة بائنة، فيصير قوله موافقًا لقول أبي بكر - رضي الله عنه - أنها يمين، ثم يزيد عليه بما يعلق عليها من حكم الإيلاء، ويقول إنه لو حرم طعامه أو ماله على نفسه كان يمينًا يلزمه بها كفارة يمين ولا يلزمه عند الشافعي، بتحريم طعامه وماله كفارة.
واستدل أبو حنيفة على أن التحريم يمين يوجب ما ذكره من الإيلاء والكفارة بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2] فكان استدلالًا بذلك من وجهين: أحدهما: أن الذي حركه على نفسه مختلف فيه، فحكي عروة وابن أبي مليكة، أنه حرم العسل على نفسه لأنه كان يشربه عند بعض نسائه، فقالت الباقيات: نجد منك ريح المعافير، والمعافير صمغ العرفط، لأن من النحل ما يكون يرعاه، فيظهر فيه ريحه، وكان يكره ريحه، فحرمه على نفسه ثم كفَّر.
وحكي الحسن وقتادة، أنة حرم مارية على نفسه، لأنه كان خلا بها في منزل حفصة، فغارت فحرّمها ثم كفَّر، فدل على وجوب الكفارة في الإماء والطعام، وكفارة اليمين تجب في الإماء.
والثاني: أن الله تعالى قال: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فدل بهذا النص على أن التحريم على يمين، وبما روى ابن عباس عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما، أنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 68

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحرام يمين تكفر" وهذا نص.
ولأن ما أوجب كفارة اليمين في الزوجة والآمة، كانتر يمينًا توجب الكفارة في الطعام والمال كالحلف بالله تعالى.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ فأنكر الله تعالى على نبيّه صلى الله عليه وسلم ما أحله له، فدل على أن التحريم لم يقع فبطل به قول من جعله طلاقًا وظهارًا، وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ دليل على أنه حرم ما أحل الله له، بيمين حلف بها، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين، ولم يكن التحريم بيينًا، لأن اليمين إنما يكون خبرًا عن ماض ووعدًا بمستقبل، فلم يجز أن يكون يمينًا، ويدل على ما قلناه ما روي عن عائشة رضي الله عنها - قالت: آلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرًا، وحرم جاريته يومًا بيمين، وكفّر عن تحريمه.
فبطل بهذا أن يكون التحريم يمينًا، أو يصير مؤليًا، وأخبرت أنه كفر عن تحريم العارية دون العسل، ويدل عليه مبرم طريق الاعتبار.
أن كل لفظ عربي عن اسم لله تعالى وصفته لم تنعقد به اليمين، قياسًا على كنايات الطلاق والعتاق وسائر الكلام.
فأما الجواب عن الآية فهو ما قدمناه من الاستدلال بها، وقد روى الحسن وقتادة والشعبي أنه حرم مارية عن نفسه بيمين حلف بها.
وأما حديث ابن عباس عن عمر، فقد رواه عبد الله بن محرز عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقد ذكر الدارقطني أن ابن محرز ضعيف، ولم يروه عن قتادة على أنه يحمل قوله: "الحرام يمين يكفر"، أي في الحرام كفارة يمين، وأما القياس بالمعنى في الأصل أنه خالف الله تعالى فانعقدت به اليمين.
مسألة: قال الشافعي: " ولو قال كل ما أملك على حرام يعنى امراأته وجواريه وماله كفر عن المرأة والجواري كفارة يمين واحدة ولم يكفر عن ماله".
قال الماوردي: وهذا صحيح، إذا حرم على نفسه ما يملك من نسائه وجواريه وأمواله، فلا كفارة عليه في الأموال لما ذكرنا، وأنه لا حرمة له ولا تغليظ ولا حد في تناول محظوره، وأما نساؤه وجواريه، فإن أراد تحريم وطئهن لزمته الكفارة، وفيها قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم، وظاهره نصه ها هنا، عليه كفارة واحدة، لأن لفظة التحريم واحدة.
والقول الثاني: عليه لكل واحدة من نسائه وجواريه كفارة، اعتبارًا بأعدادهن، لأن كل واحدة منهن محرمة، ومثله من ظاهر من أربع نسوة له بكلمة واحدة كان فيما يلزمه من الكفارة قولان: أحدهما: كفارة واحدة، لأن اللفظة واحدة.

الجزء: 10 - الصفحة: 69

والثاني: أربع كفارات، باعتبار أعدادهن لأن كل واحدة منهن محرمة أنه مظاهر من كل واحدة منهن.
وهكذا من قذف جماعة بكلمة واحدة، كان فيما يلزمه من الحد قولان: أحدهما: حد واحد، لأن اللفظة واحدة.
والثاني: يحد لكل واحد حد، لأنه مقذوف في عيشه.
وأما إذا حرمهن غير مريد لتحريم وطئهن، ففي وجوب الكفارة قولان: على ما مضى: أحدهما: لا كفارة فيه، ويكون لفظ التحريم كناية في وجوب الكفارة، لا يتعلق به مع فقد الإرادة حكم.
والقول الثاني: أنه صريح في وجوب الكفارة مع فقد الإرادة، فيجب عليه به الكفارة.
واختلف أصحابنا فيما يلزمه منها، فذهب جمهورهم آلي أنها على قولين كما لو أراد به تحريم وطئهن: أحدهما: كفارة واحدة.
والثاني: بأعدادهن وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا تجب عليه كفارة واحدة، قولًا واحدًا، وفرق بينهما بأنه في إرادة التحريم، يحرم لكل واحدة منهن، فجاز اعتبار الكفارة بأعدادهن، ومع فقد الإرادة، فالحكم في الكفارة متعلق باللفظ دونهن، فلم يكن لاعتبار عددهن وجه، فلزمه كفارة واحدة، والله أعلم.
مسألة: قال المزني: "وقال في الإملاء وإن نوى إصابة قلنا أصب وكفر".
قال الماوردي: إنما أراد الشافعي بهذا، وأن جوز تقديم الكفارة في تحريم الوطاء.
الفرق بينه وبين الظهار لأنه في الظهار تنجب عليه تقديم الكفارة على الوطء، ويعضي الله تعالى إن أخرها، لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ويجوز له في تحريم الوطء أن يقدم الإصابة ويؤخر الكفارة، وإن تقدم وجوبها على الإصابة، وجاز تعجيلها لأنها غير مقيدة بشرط.
فصل فلو قال لنسائه: أنتن علي حرام يريد تحريم وطئهن، إن أصابهن فلا كفارة عليه في الحال حتى يصيبهن، لأنه جعل التحريم مشروطة في نيته بإصابتهن، فإذا أصابهن وجبت الكفارة عليه حينئٍذ ويقبل ذلك منه في الظاهر والباطن، بخلاف ما ينويه من شروط الطلاق، الذي يقبل منه في الباطن دون الظاهر لأن هذا مما يختص بوجوب الكفارة

الجزء: 10 - الصفحة: 70

التي هي من حقوق الله تعالى التي يدين فيها، فاستوى فيها حكم الظاهر والباطن، وليس كالكلام الذي يتعلق به حق لآدمي، فجاز أن يختلف فيه حكم الظاهر والباطن، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِي: "وَلَوْ قَالَ كَالْمَيْتَهِ وَالدَّمِ فَهُوَ كَالْحَرَامِ".
قال الماوردي: إذا قال لزوجته أو لأمته: أنت عليه كالميتة والدم، أو كلحم الخنزير، فهذا قد يستعمل في كنايات الطلاق والظهار والعتق، فإن أراد بها طلاقًا أو ظهارًا أو عتقًا صح، وإن لم يرد به ذلك فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام.
أحدها: أنه يريد به تحريم الوطئ، فيكون كناية فيه فتجب به الكفارة، لأنه إذا كان كناية في الطلاق فأولى أو يكون كناية في تحريم الوطء تجب به الكفارة، وإن لم يقع به التحريم، كقوله أنت عليّ حرام، يريد تحريم الوطء.
والقسم الثاني: أن يريد به لفظ التحريم، فيجعله قائمًا مقام أنت علي حرام، فإن قلنا إن الحرام صريح في وجوب الكفارة، كان هذا كناية عنه، لأن الصريح يكنى عنه، فيصير بالنية جاريًا مجرى قوله: أنت علي حرام، فتكون الكفارة به واجبة، وإن قلنا إن الحرام كناية في الكفارة لا يتعلق به مع فقد الإرادة حكم، فلا شيء عليه في هذا، لأن الكناية ليس لها كناية.
والقسم الثالث: أن لا يريد شيئًا فلا شيء عليه، لأن الكناية مع فقد الإرادة لا يتعلق بها حكم، والله أعلم بالصواب.
فصل وإذا قال لزوجته وهي محرمة، أو حائض أو في عدة عن طلاق رجعي، أو في ظهار لم يكفر عنه: أنت عليّ حرام، يريد تحريم وطئها لم تجب عليه كفارة، لأن وطأها محرم عليه، وهكذا لو قال لأمته، وقد زوجها أو كتبها.
أنت عليّ حرام، يريد تحريم وطئها، لم تلزمه الكفارة، لأن وطئها محرم عليه، وإن قال ذلك لهما: وهما على الحال التي ذكرنا، لا يريد تحريم وطئها، فإن جعلنا اللفظ صريحًا في وجوب الكفارة وجبت عليه، لأن الحكم يصير معلقًا باللفظ وأن جعلناه كناية فيهما، لم تجب عليه.
فصل وإذا قال لزوجته: فرجك عليّ حرام أو قال: رأسك عليّ حرام فهما سواء وليس لذكر الفرج زيادة حكم، لأنه بعضها كرأسها، فدخلا في قوله: أنت عليّ حرام، فجرى عليه حكمه وإن كان لفظ التحريم أعم، فإن أراد بتحريم الفرج والرأس تحريم الوطء، لزمته الكفارة وإن لم تكن له إرادة فعلى قولين، ولو قال بطنك عليّ حرام، كان صريحًا في وجوب الكفارة لانتفاء الاحتمال عنه.

الجزء: 10 - الصفحة: 71

فصل ولو قال: أنت عليّ حرام طالق، ولا نية له طلقت، ولم تلزمه الكفارة، وصار ما تعقب التحريم من الطلاق تفسيرًا له، ولو قال: أنت عليّ حرام وأنت طالق، لم يصر الطلاق تفسيرًا لاستئنافه بلفظ مبتدأ، ولزمته الكفارة في التحريم، على أحد القولين.
ولو قال: أنت عليّ حرام كظهر أمي، ولا نية له، كان مظاهرًا ولم تلزمه بالتحريم كفارة، لأنه قد نفسر إطلاقه، بقوله: كظهر أمي، فيكون ظهارًا، ولا يكون طلاقًا.
والثاني: أن يريد، الطلاق بقوله: أنت عليّ حرام، فيكون مطلقًا مظاهرًا.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا مَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ مِثْلُ قَوْلِهِ بَارَكَ اللهُ فِيكِ أَو اسْقِينِي أَوْ أَطْعمِينِي أَوْ ارْوِينِي أَوْ زَوِّدِينِي وَمَا أَشبهَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَإِنْ نَوَاهُ وَلَوْ أَجَزْتُ النِّيَّةَ بِمَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ أَجَزْتُ أَنْ يُطَلِّقُ فِي نَفْسِهِ".
قال الماوردي: قد ذكرنا أن الألفاظ في الطلاق تنقسم ثلاثة أقسام: صريح وقد مضى، وكناية وقد تقدم، وما ليس بصريح ولا كناية، وهو هذا، كقوله: أطعميني أو اسقيني أو زوديني وما أحسن عشرتك وما أظهر أخلاقك، وما جرى مجرى هذه الألفاظ التي توضع للفرقة ولا تتضمن معنى البعد، فلا يقع بها الطلاق، سواء نواه أو لم ينوه، لأن الطلاق لوقوع بما لا يتضمن معنى الفرقة، لوقع بمجرد النية، وقد رددنا على مالك في إيقاعه الطلاق بمجرد النية، في إحدى الروايتين عنه، وهو قول محمد بن سيرين.
فأما إذا قال لها: اطعمي أو اشربي، كان كناية يقع به الطلاق، إذا نواه.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يكون كناية، كما قال اطعميني واسقيني، وهذا فاسد لأن قوله اطعمي واشربي، يتضمن معنى البعد، لأن معناه اطعمي مالَكِ واشْرَبي شرابك وهي تفعل ذلك في الأغلب، إذا خلت من زوج، وقوله: اطعميني واسقيني، إذنًا لها وتقريب، فجرى هذا مجرى قوله اقري، وليس بكناية وجرى ذلك مجرى قوله اذهبي، وهي كناية، ولو قال: تجرعي وتفصصي، كان كناية، وافق عليه أبو إسحاق، ولو قال: جرعيني وغصصيني كان فيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: لا يكون كناية، كما لو قال: اطعميني واسقيني.
والثاني: يكون كناية، لأن معناه جرعني فرقاك، وغصصتيني لبعادك، ولو قال لها: بارك الله فيك، لا يكون كناية، ولو قال: بارك الله لك، كان كناية، والفرق بينهما ما ذكرناه.
فصل وأما إذا قال لها: أنت الطلاق، فقد اختلف أصحابنا، هل يكون صريحًا، لأن

الجزء: 10 - الصفحة: 72

الطلاق صريح، فعلى هذا يطلق واحدة، إلا أن يريد أكثر منها.
والوجه الثاني: تكون كناية، لأنها في نفسها لا تكون طلاقًا، وإنما يقع الطلاق عليها إذا أوقعه، فلذلك صار كناية فيرجع فيه إلى إرادته، فإن لم يرد به الطلاق لم يقع.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ لِلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا للِسُّنَّةِ وَقعَنَ مَعًا".
قال الماوردي: أما إذا طلق غير المدخول بها ثلاثًا، طلقت ثلاثًا وهو قول الجمهور، وقال عطاء بن يسار: والمغربي تطلق واحدة، لأنها قد بانت بقوله: أنت طالق، فلم يقع عليها بعد البينونة بقوله ثلاثًا شيء، وهذا فاسد، لأن وقوع الثلاث هو بقوله: أنت طالق، لاحتماله العدد، وقوله ثلاثًا تفسيرًا منه للعدد المراد بقوله: أنت طالق، ولذلك جاء به منصوبًا، لكونه تفسيرًا، كما لو قال له: علي عشرون درهمًا، صار الدرهم لكونه منصوبًا، تفسيرًا للعدد كذلك الثلاث تفسيرًا للعدد.
وقد حكي عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن غير المدخول بها، إذا طلقت ثلاثًا، قال عطاء بن يسار: فقلت ولاثنتين، فقال عبد الله بن عمر: وأما هي الواحدة بينتها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره.
فصل فإذا تقرر أن طلاق الثلاث: يقع على غير المدخول بها، كوقوعه على المدخول بها فقال لها وهي غير مدخول بها: أنت طالق ثلاثًا للسنة، وقعن معًا في الحال، على أي حال كانت من حيض أو طهر، لأننا قد ذكرنا أن غير المدخول بها، لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وليس عندنا في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وعند أبي حنيفة، أنها تطلق واحدة تبين بها ولا يقع عليها غيرها بناء على أصله، في أن طلاق الثلاث بدعة، وأن السنة فيه، أن تقع في كل قرء طلقة، وهي بالطلقة الأولى قد بانت، فلم يقع عليها غيرها، وقد مضى الكلام معه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَتِ، الأُولَى وَبَانَتْ بِلَا عِدَّةٍ.
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتعالى أَعْلَمُ".
قال الماوردي: وهذا في غير المدخول بها، إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، مريدًا بالثانية والثالثة الاستئناف، طلقت واحدة باللفظ الأول، ولم تقع الثانية والثالثة لأنها بالأولى بانت.
وقال مالك: تطلق ثلاثًا إذا قال لها: متصلًا لأن بعض الكلام مرتبط ببعض، وحكم أوله موقوف على آخره، فجرى مجرى قوله: أنت طالق ثلاثًا، وهذا فاسد، لأنه طلاق مرتب قدم بعضه على بعض فإذا وقع ما تقدم منه منع من وقوع ما تأخر عنه، وخالف

الجزء: 10 - الصفحة: 73

قوله: أنت طالق ثلاثًا، لأنهن وقعن معًا باللفظ الأول من غير ترتيب، وحكي عن الشافعي في القديم: إنها تطلق ثلاثًا كقول مالك فخرجه ابن أبي هريرة قولًا ثانيًا، وأباه سائر أصحابنا وجعلوه جوابه عن مالك.
فصل فإذا قال لغير مدخول بها: أنت طالق طلقتين ونصفًا، طلقت طلقتين ولم تقع عليها الثالثة لانفرادها عن ما قبلها بواو العطف، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا نصف واحدة، طلقت ثلاثًا لأن الباقي بعد الاستثناء، طلقتان ونصف بكلمة واحدة فكملت ثلاثًا.
فصل فإذا قال لغير مدخول بها: أنت طالق واحدة بعدها واحدة، فهي طالق واحدة ليس بعدها شيء، لأنها قد بانت بالواحدة.
ولو قال لها: أنت طالق واحدة قبلها واحدة ففيه وجهان: أحدهما: لا طلاق عليه، لأن وقوع الطلاق عليها يوجب وقوع طلقة قبلها ووقوع ما قبلها يمنع من وقوعها، فاقتضى تنافي الدور وإسقاط الجميع.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنها تطلق واحدة ليس قبلها شيء، لأن وقوع ما قبلها موجب لإسقاطها، وإسقاط ما قبلها يوجب إثباتها، وإسقاط ما قبلها، ولو قال أنت طالق واحدة معها واحدة، ففيه وجهام: أحدهما: تطلق طلقتين، لأنهما يقعان معًا لا تتقدم إحداهما على الأخرى، فصار كقوله: أنت طالق طلقتين.
والوجه الثاني: وهو قول المزني أنها تطلق واحدة، ليس معها شيء، لأنه قد أفردها، فصار كقوله: أنت طالق واحدة بعدها واحدة.
فصل ولو قال لها وهي غير مدخول بها: إذا دخلت الدار فأنت طالق واحدة، ثم قال لها: إذا دخلت فأنت طالق ثنتين، فدخلت الدار، طلقت ثلاثًا لوقوعهن معًا في حالة واحدة.
فصل ولو قال: إذا دخلت الدار، فأنت طالق واحدة، معها واحدة، فدخلت الدار، طلقت ثنتين لوقوعهما معًا، ولو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق واحدة، بعدها واحدة طلقت بدخول الدار واحدة، ليس بعدها شيء، لأنها رتبهما.
ولو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق واحدة قبلها واحدة، كان على ما مضى من الوجهين: أحدهما: أنها لا تطلق بدخول الدار أصلًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 74

والثاني: تطلق واحدة ليس قبلها شيء.
ولو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق طالق، فدخلت الدار ففيه وجهان: أحدهما: أن يقع عليها بدخول الدار طلقتان، لأن كل واحدة منهما تقع بدخول الدار من غير ترتيب.
والوجه الثاني: لا يقع عليها إلا طلقة واحدة، كما لو قال لها مواجهة: أنت طالق وطالق، لم يقع عليها إلا واحدة، وهذا فاسد لأنه في المواجهة يترتب وفي تعليقه بدخول الدار غير مرتب ولعل قائل هذا الوجه، أوقع الوحدة، لأن المواجهة عنده، توجب الترتيب والله أعلم.

باب طلاق الوقت وطلاق المكره

مسألة: قال: "وأيُّ أجلٍ طلّقَ إليهِ لم يلزمْهُ قبل وقتِهِ".
إذا علق طلاقها بصفة تعلق بها سواء، كانت الصفة قد توجد وقد لا توجد كقوله: إذا كلمتِ زيدًا فأنت طالق ونحوه.
أو كانت الصفة توجد لا محالة، مثل قوله: إذا طلع الفجر أو الشمس أو أهل الهلال فأنت طالق ولا يسبق الطلاق الصفة بحال.
وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: إذا علقه بصفة توجد لا محالة يقع الطلاق في الحال، وبه قال الزهري وسعيد بن المسيب والحسن، واحتجوا بأن النكاح لا يكون مؤقتًا بالزمان لأنه لا يجوز أن يتزوجها شهرًا للنهي عن نكاح المتعة ولأنه عزم على إيقاع الطلاق لا محالة فوقع وهذا غلط لأنه علق إطلاق بصفة صحيحة.
فلم يقع قبل وجودها، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق.
وكما لو علق بموت زيد لا يقع قبله، وإن كان الموت كائنًا لا محالة ولأنه إذا ثبت فيه الأجل المجهول فالأجل المعلوم أولى ولأن في تعليق العتق لا فرق بين الصفتين كذلك هاهنا، وأما العزم على الطلاق لا يوقع الطلاق على ما تقدم بيانه.
فرع لو قال: أنت طالق بعد شهر أو آلي شهر لا يقع قبل شهر.
وسئل ابن عباس: عن الرجل يقول: أنت طالق آلي سنة قال: هي امرأته آلي سنة.
وقال أبو حنيفة: إن قال آلي شهر وقع في الحال لأنه جعل ذلك أجلًا لمدة الطلاق لا شرطًا في وقوعه [1/ ب] وهذا غلط بل كلاهما شرط لأنه لا فرق بين قول القائل أنا خارج بعد شهر، أو أنا خارج آلي شهر في أن الشهر أجل لخروجه، ولأن كلمة (إلى)

الجزء: 10 - الصفحة: 75

تستعمل في انتهاء الفعل كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] فلا يقع مع الاحتمال.
فرع آخر لو قال لها: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، ثم قال لها: عجلت لكِ الطلقة التي طلقتكها مما ذكره الشافعي في الإملاء كان ما يدل على أنه إن أراد تعجيل تلك الطلقة لم تتعجل ولا يقع الطلاق في الحال بل تطلق عند مجيء الشهر، وإن لم يرد تعجيل ذلك بل أوقع الطلاق في الحال وقع في الحال وفي رأس الشهر طلقة أخرى.
مسألة: قال: "ولو قالَ في شهرِ كذا، أو في غرةِ هِلالِ كذا طلقتْ في المَغيبِ من الليلةِ التي يرى فيها هلالُ ذلكَ الشهرِ".
إذا قال: أنت طالق في شهر رمضان طلقت في أول جزء من الشهر وهو إذا غربت الشمس من آخر يوم شعبان لأنه لم يخص وقتًا من وقت فوجب أن يقع في أوله حتى يكون في جميع الشهر طالق وقال أبو ثور: طلقت عند انقضائه واحتج بأنه يحتمل وقوعه في أوله وآخره فلا نوقعه بالشك.
وهذا غلط لما ذكرنا ولأن الطلاق المعلق بالصفة يقع بأول وجود الصفة كما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخل يقع في أول دخول الدار، وإن لم يتوسطها، ولو قال: أردت ما قال أبو ثور أو وقوعه في أول يوم منه لم يقبل في الحكم لأنه خلاف الظاهر ودُيّن فيما بينه وبين الله تعالى لأنه يحتمل لأن الشهر كله ظرف للوقوع، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يقبل في الحكم وقال أنت طالق في غرة هلال رمضان أو في غُرة رمضان.
[2/ أ] الهلال أو في دخول شهر رمضان أو في استقباله وقع الطلاق أيضًا مع أول جزء من أول ليلة منه، فإن قال: أردت به في اليوم الأول منه أو في آخر يوم منه لم يقبل هاهنا فيما بينه وبين الله تعالى لأنه لا يحتمل ما نواه إلا في الغرة فإنه يقال ثلاث ليالٍ من أوله غرة يقبل فيما بينه وبين الله تعالى إلى ثلاثة أيام في الغرة ولا يقبل فيما بعدها بحال، ولو قال في أول شهر رمضان.
وقال: أردت أن تكون طالقًا في آخره لم يدين أصلًا لأن آخره لا يطلق عليه اسم أوله، ولو قال: في آخر يوم من أوله دين لاحتماله فإنه من أوله ولو قال: أردت في آخر النصف الأول منه هل يدين فيه أم لا؟ فيه وجهان.
فرع لو قال: أنت طالق في مستهل شهر رمضان طلقت بغروب الشمس في أول ليلة منه، ولو أراد به ما بعد اليوم الأول منه لم يدين، وإن أراد اليوم الأول إلى آخره دين فيه، لأنه مستهل أيامه.

الجزء: 10 - الصفحة: 76

فرع آخر قال في "البويطي" لو قال: أنت طالق إلى الهلال فليس عليه شيء حتى يهل الهلال إلا أن يكون نوى أنتِ طالق من الساعة إلى الهلال فتطلق من ساعته وظاهره أنه لا يمنع من وطئها قبله، وقال مالك: يمنع من الوطء وكذلك في كل يمين على فعل يفعله يمنع من الوطء حتى يفعله لأن الظاهر أنه على حنث ما لم يفعل وهذا غلط لأنه لم يقع الطلاق فلا يمنع من الوطء لليمين كما لو حلف لا يفعل كذا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في غدٍ كانت طالقًا إذا دخل أول ذلك وهذا خلاف قوله: امرأته طالق إن لم أقصد في شعبان كان له شعبان كله لأن ما بقي من شعبان شيءٍ فهو من الوقت الذي وقت.
وكذلك لو قال: أنت طالق يوم كذا كانت طالقًا في أوله حين يطلع الفجر، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يقع إلا في آخر أجزاء ذلك اليوم وهذا غلط لأنه لو قال: أنت [2/ ب] طالق في غدِ اليوم يقع الطلاق، وإن لم يمض اليوم كذلك هاهنا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في انسلاخ شهر رمضان أو مضي شهر رمضان أو نفاذ شهر رمضان طلقت لغروب الشمس من آخر يوم من الشهر لأن انسلاخه وانقضائه به، وقيل: إذا قال في سلخ شهر كذا ففيه أوجه: أحدها: هذا، والثاني: يقع قبل انقضائه بثلاثة أيام لأنها للسلخ كالغرة ثلاثة أيام من أوله والثالث إذا مضى جزء من الشهر يقع فإنه إلى الانسلاخ ذكره صاحب "التقريب" وليس بشيء.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في أول آخر شهر كذا طلقت في اليوم الآخر من الشهر إذا طلع الفجر فإن كان الشهر تامًا طلقت في أول يوم الثلاثين، وإن كان ناقصًا طلقت في أول اليوم التاسع والعشرين لأن للشهر أولًا وآخرًا، فأوله أول يوم منه وآخره آخر يوم منه، وقال ابن سريج: طلقت في أول الجزء من ليلة السادس عشر منه لأنه آخر الشهر هو النصف الثاني منه فأوله أول جزء منه، ولو كان بالضد من هذا فقال: أنت طالق في آخر أول شهر كذا فعلى الوجهين أيضًا عند ابن سريج يقع عند انسلاخ الخامس عشر من الشهر لأنه آخر أوله وعند سائر أصحابنا وهو الصحيح يقع عند انقضاء أول يوم من الشهر لأنه آخر أوله، وقيل: عند انقضاء الليلة الأولى من الشهر في آخر الليلة.
ولو قال: أنت طالق في أول آخر الشهر فعلى قول ابن سيرج: تطلق عند طلوع الفجر من اليوم السادس عشر لأن عنده إن أول آخر الشهر أول الليلة السادس عشر فكان آخرها طلوع الفجر من يومها والثاني: وتطلق بغروب الشمس في آخر يوم منه لأن أول آخره على هذا الوجه طلوع الفجر من آخر أيامه وكان آخره غروب شمسه [3/ أ].

الجزء: 10 - الصفحة: 77

فرع آخر لو قال: أنت طالق في أول آخر أول الشهر فيه وجهان: فعلى قول ابن سريج تطلق بطلوع الفجر من اليوم الخامس عشر؛ لأن آخر أوله عند غروب الشمس من اليوم الخامس عشر فكان أوله طلوع فجره، والثاني: تطلق بطلوع الفجر من أول يوم من الشهر لأن آخر أول الشهر غروب الشمس من أول أيامه فكان أوله طلوع الفجر.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان، قال بعض أصحابنا: يقع في رجب، وقال بعضهم: يقع في شوال وهو الأظهر، وقال بعضهم: يقع في شعبان واختاره القاضي الطبري.
فرع آخر لو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا طلقت في غد لأنه يقين ولو قال: أنت طالق اليوم وغدًا طلقت واحدة في الحال ورجعنا إلى بيانه في غدٍ، فإن أراد وقوع أخرى فيه طلقت أخرى، وإن أراد وقوع طلقة في هذين اليومين لم تطلق إلا واحدة، وإن أراد به تأخير الطلاق من اليوم إلى غدٍ لم يقبل في الحكم ودين فيما بينه وبين الله تعالى، وإن لم يكن له إرادة فيه وجهان أصحهما وهو قول العراقيين: لا تطلق إلا واحدة في اليوم، والثاني: تطلق في اليوم واحدة وفي غدٍ أخرى لأنه معطوف على اليوم فجرى مجرى حكمة تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
فرع آخر لو قالَ: أَنتِ طالقٌ في اليومِ بعضَ تطليقةٍ في غدٍ بعضَ تطليقةٍ طُلقتْ في اليومِ واحدة ثم إن أراد الباقي من التطليقة الأولى في غدٍ لم تطلق في غدٍ لأنه تعجل باقيها بالتكميل في اليوم، وإن أراد بعض تطليقة أخرى طلقت في غدٍ تطليقة ثانية تكميلًا للبعضين، وإن لم يكن له إرادة فيه وجهان: [3/ ب] أحدهما: لا تطلق إلا واحدة لأنها تعين.
والثاني: تطلق تطليقتين واحدة واحدة في اليوم وأخرى في غدٍ.
مسألة: قال: "ولو قالَ: إِذَا رَأَيْتُ هِلَالَ شَهْرِ كَذَا أحنث إذَا رَأَىه غيْره".
إذا قال: إذا رأيت هلال رمضان فأنت طالق، فإن رآه بنفسه طلقت، وإن رآه غيره طلقت أيضًا.
وقال أبو حنيفة: لا تطلق ما لم يره بنفسه، وهذا غلط لأن رؤية الهلال في الشرع عبارة عن العلم به ومطلق الإيمان يحمل على ما يعود في الشرع بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
وأجمعوا أن المراد به العلم،

الجزء: 10 - الصفحة: 78

وكذلك عرف الناس في ذلك أنهم يريدون به الهلال نفسه لا رؤيته ببصره وهذا كما يقول القائل: ما رأيت أعجب من هذا ولا يريد رؤيته ببصر بل يريد علمه بوقوعه.
فرع آخر لو رأى الهلال في آخر يوم شعبان قبل غروب شمسه أشار الشافعي في "الأم" إلى أنه لا يقع الطلاق قبل غروب الشمس لأن هلال الشهر في أول ليلة منه وما قبل الغروب ليس بهلال الشهر ولهذا لا يفطرون لرؤيته، وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: منها، والثاني: يحنث لأنه هلال شهر رمضان وإن تقدمه.
فرع آخر لو لم ير الهلال وعلم دخول الشهر بالعدد مثل أن غمَّ عليهم وقع الطلاق لأنه رؤية الهلال في الشرع أعني بأنه العلم بدخول الشهر ذكره ابن إسحاق.
فرع آخر لو لم ير الهلال في أوله حتى صار قمرًا وأراد به نفسه فلم ير حتى صار قمرًا فيه وجهان: أحدهما: أن يحنث تغلبيًا للإشارة إلا أن يريد حقيقة الاسم، والثاني لا يحنث اعتبارًا بحقيقة الاسم إلا أن يريد الإشارة [4/ أ] وهذا اختيار القفال، وإن أراد هلالًا ما يحتمل أن يطلق وإن رأى بعدما صار قمرًا.
فرع آخر لو رأى صورة الهلال في الماء لا تطلق.
فرع آخر اختلف أصحابنا في أنه متى يصير الهلال قمرًا؟ فمنهم من قال: يصير قمرًا بعد ثلاثة أيام وهو الذي ذكره القفال.
والثاني: يصير قمرًا إذا استدار.
فرع آخر لو قال: أردت رؤيته بنفسي لا يقع الطلاق ما لم يره هو بنفسه ويقبل قوله في الحكم والباطن لأن الشافعي قال: إلا أن يريد رؤية نفسه، وقال القفال: فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني لا يقبلها الحكم وهذا ضعيف.
فرع آخر قال القفال: لو قال بالفارسية: كرماه سينم لا يقع الطلاق إلا أن برؤية نفسه إذا كان بصيرًا لأنه لا ينطلق إلا على الرؤية بنفسه نفسها وفيه وجه ظاهر أنه لا فرق بين لغة الفارسية والعربية باكتفاء الناس برؤية الناس.

الجزء: 10 - الصفحة: 79

مسألة: قالَ: "ولو قالَ: إذا مضتِ سنةٌ وقدْ مضى مِنَ الهلالِ خَمْسٌ لم تَطلقْ حتّى تمضيَ خمسٌ وعشرون ليلةٌ".
الفصل إذا قال: إذا مضت سنة فأنت طالق تعلق ذلك بالسنة الشرعية وهي اثنا عشر شهرًا كل ما بين الهلالين شهر سواء كان ناقصًا أو تامًا ثم ينظر في يمينه، فإن وافق غيره هلال شهر من السنة عددت اثنا عشر شهرًا، فإذا انقضت وقع الطلاق، وإن وافق وقت يمينه في أثناء الشهر كان حلف وقد مضى منه خمس ليالٍ فهذا الشهر محسوب بالعدد لتعذر اعتبار الهلال فيه فيعد ما بقي منه فيضبطه حتى يضيف إليه [4/ ب] تمام ثلاثين يومًا بعد مضي أحد عشر شهرًا بالأهلة، فإن كان الباقي من شهر الطلاق خمسة وعشرون يومًا أضاف بعد أحد عشر شهرًا خمسة أيام، وإن كان الباقي منه أربعة وعشرين يومًا أضاف بعد أحد عشر شهرًا ستة أيام، وقال أبو حنيفة: يتقدر ثلاثمائة وستين يومًا لأنها أيام السنة عرفًا وهنا غلط لأن ما يقدر بالشهور لا يراعى فيه كمال الأيام فيما يتعلق بالسنين لا يراعي فيه كمال الشهور.
فرع آخر لو قال: إذا مضت السنة بالألف واللام فأنت طالق يحل على السنة العربية حتى لو قال هذا في ذي الحجة ثم أهل هلال المحرم طلقت وهو كقوله: إذا مضى اليوم فأنت طالق يحمل على باقي اليوم، ولو قال: أردت سنة كاملة يدين ولا يقبل في الحكم، ولو قال في الليل: إذا مضى يوم فأنت طالق، فإذا أمسى من غدٍ تلك الليلة طلقت، وإن قال: ذلك بالنهار لا تطلق حتى يمضي باقي النهار، ثم تمضي الليلة ثم يمضي من الغد قدرًا يصل آلي تلك الساعة التي قال فيها فحينئذٍ تطلق.
فرع آخر لو شك في وقت عقده لهذا الطلاق هل كان أول الشهر أو بعد عشر مضت منه؟ لم يلزمه الطلاق إلا بعد مضي عشر من الشهر الثالث عشر لأن الطلاق لا يقع بالشك، وهل يحرم عليه في هذا الشهر وطئها؟ وإن لم يقع طلاقها فيه وجهان أحدهما: وهو الأظهر لا يحرم.
والثاني: يحرم للشك في إباحتها كما لو اشتبهت زوجته أجنبية ذكره في الحاوي.
فرع آخر لو قال في المسألة الأولى: أردت السنة العددية لم يقبل في الحكم عندنا ذكره في الحاوي، ويحتمل عندي أن يقبل في الحكم لأنه مشهور العرف.
[5/ أ] كما قال أبو حنيفة رحمه الله.

الجزء: 10 - الصفحة: 80

فرع آخر ذكر الشافعي - رحمة الله - عليه في المسألة الأولى: وقد مضى من الهلال خمس ولا فرق بين أن يمضي منه أقل من ذلك وأكثر إلا ان يكون قد مضى جزء يسير مما لا يمنع وقوع اسم الشهر عليه فلا يمنع ذلك احتسابه شهرًا ويكمل ذلك القدر والاعتبار بالهلال ذكره بعض أصحابنا وهو حسن.
مسألة: قالَ: "ولو قالَ لها: أنتِ طالقٌ الشَّهْرَ المَاضِي طلقتْ مكانَها".
الفصل إذا قال أنت طالق تمام أول الشهر الماضي أو في الشهر الماضي أو أنت طالق أمس فيه خمس مسائل إحداها: أن يقول: أردت أن أوقع الطلاق الآن ويكون الوقوع أمس قال الشافعي: طلقت في الحال لأنه وصف الطلاق بما لا يتصف به فلغت الصفة.
وقال الربيع في قول آخر: أنه لا يقع الطلاق لأنه أوقع الطلاق على وجه محال واختلف أصحابنا فيها على طريقتين فقال ابن خيران: المسألة على قولين كما قال الربيع لأن الشافعي قال: إذا قال لها: إن صعدت السماء فأنت طالق لم يقع الطلاق، وقال هاهنا: يقع فنقل جوابه من صعود السماء إلى هاهنا فقال: هذه على قولين وقال في صعود السماء المسألة على وجهين: المنصوص: لا تطلق وفيه وجه منقول من هاهنا أنها تطلق وقيل: الوجهان في الصعود فإن قال: إن أحييت ميتًا يقع لأن الإحياء لا يدخل تحت قدرتها بخلاف الصعود والطيران.
وقال عامة أصحابنا هاهنا يقع الطلاق قولًا واحدًا، وما ذكره الربيع مذهبه وفي صعود السماء لا تطلق قولًا واحدًا لأن استحالة صعوده بخلاف العادة لا لأنه غير داخل في القدرة ولذلك صارت صفة معتبرة لا يقع الطلاق بإلغائها وإيقاع الطلاق الحادث في الزمان [5/ ب] الماضي يستحيل لخروجه عن القدرة فصارت الصفة ملغاة والطلاق فيه واقعًا ويمكن أن يقال: إيقاعه الطلاق في الزمان الماضي يتضمن وقوعه في المستقبل وذلك غير محال.
والثانية: أن نقول: لم يكن له فيه نص في الأم ونقلُه المزني يقع الطلاق وذكر الربيع ما ذكرنا، وقال ابن هريرة: لو قال: أنت طالق للشهر الماضي وقع في الحال قولًا واحدًا كما لو قال: أنت طالق لفلان أو لرضا فلانٍ والقولان إذا قال في الشهر الماضي وليس لغيره هذا التفصيل وهو حسن.
والثالثة: أن يفوت بيانه إما بالغيبة أو الموت أو الجنون فيقع في الحال أيضًا.
والرابعة: أن يقول: أردت به طلاقًا كنت طلقتها فيه ثم تزوجتها من بعد أو أردت طلاقًا طلقها زيدٌ وكانت زوجته ثم تزوجتها من بعد، نُظِرَ فإن صدقته كان كما اتفقا عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 81

لأنه يحتمل ما قال: وإن صدقته أن الطلاق قد كان وقع عليها في الشهر لكنها ادعت أنه ما أراد ذاك الطلاق، وإنما أراد إيقاع الطلاق في الحال فالقول قوله لأنها قد اعترفت بوقوع الطلاق عليها في الشهر الماضي فكان أعرف بما نوى، وإن أنكرت فقالت: ما طلقتني ولا أحد طلقني في الشهر الماضي فهو مدّعٍ أن لا طلاق فإن كانت له بينة بما ادعاه فالحكم كما لو أقرت بأن الطلاق قد كان وقع عليها، وإن لم يكن بيّنة لم يقبل منه لأنه يخالفه الظاهر، فإن ادعى عليها فالقول قولها مع يمينها فإذا حلفت وقع الطلاق في الحال.
وقيل: يقبل منه في الحكم لأنه محتمل كلامه.
والخامسة: أن يقول: أردت بقولي أنت طالق في الشهر الماضي إخبار عن طلاق طلقتها في ذلك الوقت وهي زوجتي فهاهنا يقبل منه لأنه أقر أنه طلق زوجته فقبلنا قوله فيه [6/ أ] لأنه ما رفع ما اعترف به ويفارق هذه المسألة التي قبلها لأنه أخبر عن طلاق ثم رفع حكمه بكل حال فلهذا لم يقبل منه فإذا أثبت أن القول قوله فإذا حلف حكمنا بأن الطلاق وقع من ذلك الوقت.
فقال القفال: ولا نفقة لها إن كان مفارقًا لها من يومئذٍ أو غائبًا وهذا لا يصح بل لا يقبل قوله في اسقاط حقها من النفقة والسكنى أيضًا في ظاهر المذهب، وأما العدة تكون من هذا الوقت لأنها أنكرت ذلك فاعترفت بوقوعه الآن فقبلنا قولها فيما يضرها، وإن صدقته على ذلك فالعدة من ذلك الوقت.
قال القفال: هذا إذا كان مفارقًا لها لا يتعاشران معاشرة الأزواج والزوجات، فأما إن كان يعاشرها فالعدة من هذا الوقت، وإن لم يكن منه إصابة بعد ذلك التاريخ إذ لا يجوز أن يرى زوجين يختلطان اختلاط الزوجين ثم يفارقها وتنكح في الحال غيره بعدما عرفنا نه مدخول بها.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أنت طالق في الشهر الماضي ولا نية له فإن كان في الشهر الماضي زوجة لم تطلق في الحال وإلا فلا تطلق وهذا غلط لما ذكرناه.
فرع لو قال: إذا قدم زيد فأنت طالق قبله بشهر فإن قدم زيد بعد شهر طلقت قبل قدومه بشهر لأنه إيقاع طلاق بعد عقده، وإن قدم قبل شهر فيه طريقان أحدهما: فيه قولان أيضًا كما ذكرنا عن الشافعي والربيع في مسألة إذا قال: أنت طالق في الشهر الماضي لأن في التقدير كليهما طلاق في الزمان الماضي وفي كلا الموضعين أوقع الطلاق قبل عقده والثاني: وعليه أكثر أصحابنا لا يقع منهما قولًا واحدًا والفرق [6/ ب] أن هناك لا يستحيل أن يمضي شهر فأكثر ثم يقدم فيكون مطلقًا في الحال أو أمر في المستقبل، فإذا لم يوجد ذلك سقط حكم كلامه وهاهنا لا يتصور له حكم غير مستحيل فتسقط الاستحالة ويبقى الطلاق.
فرع آخر لو قال: أنت طالق قبل موتي بشهر فمات قبل شهر لم تطلق، ولو ماتت في هذه المسألة ثم مات بعدها لا يقع عليها إلا أن تموت بعد شهر ويكون موتها قبله لأقلّ من

الجزء: 10 - الصفحة: 82

شهر ليكون الشرط بعد موتها والطلاق لا يقع بعد الموت، وهكذا لو ماتت قبله بشهر سواء لم يقع الطلاق عليها مع الموت كما لا يقع الطلاق عليها بعد الموت، وقال القاضي الطبري: إذا ماتت وعاش الرجل شهرًا من حين ماتت عندي انها مطلقة لأنها طلقت قبل موتها.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد ثم ماتت في أول يوم قدم زيد في آخره هل يقع الطلاق؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله ابن الحداد في فروعه يقع لأنه إذا قال لها: أنت طالق في يوم السبت طلقت بعد طلوع فجره، فكذلك إذا قال: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد كان قدومه في اليوم الذي يقتضي وقوع الطلاق فيه فوجب أن يقع الطلاق عليها.
والثاني: قال ابن سريج لا يقع لأن قدوم زيد يوجب وقوع الطلاق بعده حتى لا يقع قبل وجود شرطه ويخالف تعليق الطلاق باليوم وحده لأنه في تعليقه باليوم معلق بشرطٍ واحد وقد وجد بطلوع الفجر فوقع فوي تعليقه بقدوم زيد تعليق لطلاقها بشرطين فلم يقع الطلاق [7/ أ] إلا بهما وعلى هذا لو قال لعبده: إذا قدم زيد فأنت حر ثم باعه في أول يوم قدم زيد في آخره عتق على قول ابن الحداد وبطل البيع ولم يقس على قول ابن سريج لوجود الشرط بعد صحة البيع.
فرع آخر إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر ثم خالعها وقدم زيد فإن قدم قبل شهر لم تطلق بقدومه وصح الخلع، وإن قدم بعد شهر فإن كان الخلع قبل قدومه بأكثر من شهر صح الخلع ولم تطلق بقدوم زيد لأنها بانت بالخلع قبل قدوم زيد بأكثر من شهر، وإن كان الخلع قبل قدومه بأقل من شهر وقدم زيد بعد عقد الطلاق بقدومه بأكثر من شهر طلقت بقدوم زيد وبطل الخلع لتقدم الطلاق بقدوم زيد على الخلع فصار الخلع واقعًا بقد وقوع الطلاق عليها بقدوم زيد.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في شهر قبل رمضان تطلق في شعبان، ولو قال: في شهر قبله رمضان طلقت في شوال، ولو قال في شهر بعد رمضان طلقت في شوال، ولو قال: بعده رمضان طلقت في شعبان لأن دخول الهاء على قبل وبعد مخالف لحذفها منهما تعليلًا بما يظهر من الفرق بينهما فعلى هذا لو قال: أنت طالق في شهر قبل ما قبل رمضان طلقت في رجب لأن ما قبل رمضان شعبان وما قبل شعبان رجب، ولو قال: في شهر قبل ما قبله رمضان طلقت في رمضان لأن ما قبله رمضان شوال وما قبل شوال رمضان على هذا لو قال: أنا طالق في شهر بعدما بعد رمضان طلقت في ذي القعدة، ولو قال: في شهر بعد ما بعده رمضان طلقت في رمضان، ولو قال: أنت طالق في

الجزء: 10 - الصفحة: 83

شهر ما بعد رمضان [7/ أ] طلقت في رمضان، ولو قال: في شهر قبل ما بعده رمضان طلقت في رجب لأن ما بعده رمضان شعبان وقبل شعبان رجب، ولو قال: أنت طالق في شهر بعد ما قبله رمضان طلقت في رمضان لأنه قبل ما بعده، ولو قال: في شهر بعدما قبله رمضان طلقت في ذي القعدة، ولو قال: أنت طالق في شهر قبل ما قبل ما بعد رمضان طلقت في شعبان، ولو قال: في شهر قبل ما بعده رمضان طلقت في جمادي الآخرة، ولو قال: أنت طالق في شهر بعد ما قبل رمضان طلقت في شوال، ولو قال: في شهر بعد ما بعد ما قبله رمضان طلقت في ذي الحجة.
فرع آخر لو قال: إن ضربتكِ فأنت طالق قبل ضربي إياكِ بشهر فإن ضربها قبل مضي شهر لم تطلق وانحلت اليمين ولو أمله شهرًا فأكثر ثم ضرب حنث واستند ذلك الطلاق آلي ما قبله بشهر، وقال أبو حنيفة: يقع الطلاق عقيب الضرب ولا يستند ووافقنا أنه إذا قال: قبل موتي أو موتك بشهر فمات بعد مضي أكثر من شهر يقع الطلاق ويستند فنقيس عليه.
فرع آخر لو قال: أنت طالق غدًا أمس أو أمس غدًا فإنما تطلق غدًا في المسألتين جميعًا لأنه جعله ظرفًا لإيقاع الطلاق فلا يقع قبله، ولو قال أنت طالق غد أمس أو أمس غد ففي المسألتين يقع الطلاق اليوم لأنهما عبارتان في الحال إذ كل يوم منه غد أمسه أو أمس غده.
فرع آخر قال: ولو قال لها: أنت طالق إذا طلقتك فإذا طلقها وقعت عليها واحدة بابتدائه الطلاق والأخرى بالحنث، إذا قال لها أنت طالق إذا طلقتك فمعناه إذ أحدثت طلاقك وفي عبارة عن الذي يباشرها وعن طلاق يقع بصفة يحدثها عليها، فإن طلقها طلقت واحدة بالمباشرة وأخرى بالصفة، فإن قال: [8/ أ] لم أرد به الصفة وإنما أردت إذا طلقتك فأنت طالق بطلاقي الذي وقع عليك.
قال في "الأم": لم يقبل في الحكم ودين فيما بينه وبين الله تعالى لأن ظاهر قوله غير ما قال ولا يسعها أن تقيم معه لأنها لا تعرف من صدقه ما يعرف هو من صدق نفسه، فإن كانت المسألة بحالها فقال لها بعد ذلك، إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقع عليها طلقة بدخول الدار وأخرى بالصفة لأن الطلاق الواقع بدخول الدار أحدثه عليها، ولا يقع الطلاق قبل دخول الدار لأنه تعليق طلاق لا إيقاع طلاق، ولو قال لها: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: إذا طلقتك فأنت طالق فدخلت الدار وقعت واحدة بالشرط دون الحنث لأنه لم تطلق

الجزء: 10 - الصفحة: 84

بعد ما حلف بالطلاق فلم يقع الحنث وعلى هذا لو قال لها: كلما طلقتك فأنت طالق معناه كلما استأنفت إحداث طلاق عليك فأنت طالق وهذا الكلام موضوع على التكرار، فإذا قال لها بعد ذلك: أنت طالق وقع بها طلقة بالمباشرة وأخرى بالصفة لأنه أحدث طلاقًا عليها ولا يقع لوقوع الثانية عليها طلقة ثانية لأن وقوع الثانية ليس بطلاق أحدثه عليها بعد عقد الصفة فلا يقع بوقوعها غيرهما فإن طلقها أخرى فهو إحداث طلاق عليها فيقع ويقتضي أن يقع لوقوعه أخرى ولكن لم يقع لأن الطلاق قد فني، فول تصور أن يكون له أربع طلقات لوقعت الرابعة وهذا إذا كان مدخولًا بها فإن كانت غير مدخول بها طلقت واحدة بالإيقاع ولا يقع أخوى بالحنث لأنها قد بانت وهكذا المدخول بها إذا قال لها هذا ثم طلقها طلقة ثانية مثل أن يطلقها بعوض لم تطلق أخرى وقد انحلت يمينه، وإن خالعها من غير ذكر [8/ ب] الطلاق، فإن قلنا الخلع طلاق انحلت يمينة، وإن قلنا الخلع فسخ لا تنحل يمينه.
فرع آخر قال ابن سريج: لو كان لو زوجتان عمرةُ وحفصة فقال: يا عمرةُ إذا طلقت حفصة فأنت طالق ثم قال لعمرة: أنت طالق طلقت عمرة واحدة بالمباشرة ولا تطلق حفصة، ولو قال لحفصة: أنت طالق وقع الطلاق عليها بالمباشرة ووقع الطلاق على عمرة لأن طلاق حفصة طلاقٌ أحدثه عليها فطلقت به عمرة.
فرع آخر قال: لو قال لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق فقد علق أولًا طلاق عمرة بطلاق حفصة ثم علق طلاق حفصة بطلاق عمرة فإذا طلق إحداهما بعد ذلك نظر فإن طلق عمرة طلقت طلقة بالمباشرة، وطلقت حفصة طلقة بالصفة لأنه قد أحدث الطلاق على عمرة فإذا طلقت حفصة عاد على عمرة طلقة أخرى لأن الذي طلقت به حفصة طلاق أحدثه عليها فطلقت عمرة طلقتين وطلقت حفصة طلقة، وإن طلق حفصة أولًا طلقت طلقة بالمباشرة وطلقت عمرة طلقة بالصفة ولا يعود على حفصة طلاق بالطلاق الذي وقع على عمرة لأنه ليس هو الطلاق الذي علق به طلاق حفصة فإنه ما أحدثه على عمرة فإن كانت بالعكس من هذا فقال لعمرة: إذا طلقتك فحفصة طالق فقد علق أولًا طلاق حفصة بصفة هي طلاق عمرة، ثم قال لحفصة: إذا طلقتك فعمرة طالق فإذا طلق واحدة منهما نظر فإن طلق حفصة طلقت طلقتين وعمرة طلقة، وإن وقع طلق عمرة طلقت طلقة وحفصة طلقة واحدة والتعليل ما مضى.

الجزء: 10 - الصفحة: 85

فرع آخر قال: لو قال لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق، ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق [9/ أ] ثم عاد إلى عمرة فقال لها بعد هذا كلما طلقت حفصة فأنت طالق فإن طلق عمرة طلقت بالمباشرة وطلقت حفصة بالصفة ثم عاد إلى عمرة طلقة أخرى بوقوع الطلاق على حفصة وإن طلق حفصة طلقت بالمباشرة وطلقت عمرة طلقة بالصفة ثم عاد إلى عمرة فطلقت أخرى لأنه لما كرر الصفات كان كل طلاق يقع على واحدة بالصفة يكون صفة به يعود الطلاق على صاحبتها.
مسألة: قالَ: "لو قالَ لَها: أنتِ طَالِقٌ كُلَّما وَقَعَ علَيْكِ طَلاقِي".
الفصل إذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فمعناه على أي حال وقع عليك الطلاق فأنت طالق فأن قال لها: أنت طالق وقعت بها طلقة بالمباشرة وثانية بوقوع الأولى وثالثة بوقوع الثانية حتى لو كان يملك ألف طلقة في المثل وقعت كلها، وكذلك لو قال لها بعد هذا القول: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقع بها ثلاث طلقات.
فرع لو قال أولًا: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فدخلت الدار وقع ثلاث طلقات.
فرع آخر لو كانت له زوجتان حفصة وعمرة فقال لعمرة: كلما وقع على حفصة طلاقي فأنت طالق ثم قال لحفصة: كلما وقع على عمرة طلاقي فأنت طالق، ثم قال لإحديهما أنت طالق طلقت كل واحدة منهما ثلاثًا.
فرع آخر لو قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فلا يتكرر الطلاق هاهنا لأن كلمة إذا لا توجب التكرار بخلاف كلمة كلما فإذا قال لها بعد ذلك أنت طالق وقعت طلقة بالمباشرة وأخرى بالصفة ولا تقع الثالثة.
فرع آخر لو قال: إذا وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق ثم قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق [9/ ب] فدخلت طلقت واحدة بالدخول والأخرى بالصفة، ولو قدم فقال: إذا دخلتِ الدار فأنت طالق ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق فدخلت طلقت طلقتين طلقة بالدخول وأخرى بالصفة لأن الصفة وقوع الطلاق بها على أي وجه كان.

الجزء: 10 - الصفحة: 86

فرع آخر لو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق وإذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال لها: أنت طالق طلقت ثلاثًا طلقتان، بقوله: أنت طالق والثالثة وقوع الطلاق عليها.
فرع آخر لو قال: كلما أوقعت عليك فأنت طالق فهذا معناه كلما باشرت أنا ذلك وحدي لا غيري فإذا قال: أنت طالق طلقت طلقتين طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة، ولو قال بعد هذا القول: إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت طلقت واحدة لا غير لأن الطلاق بدخول الدار ما أوقعه هو هكذا ذكر أصحابنا ويحتمل خلاف هذا لأنه أوقع الطلاق عليها بشرط وإذا وجد الشرط فهو الوقع للطلاق عليها فلا فرق بين هذا وبين أن يقول: إن طلقتك فأنت طالق ووجدته عن بعض أصحابنا.
فرع آخر لو قال أولًا: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: إذا أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق ثم دخلت الدار طلقت بدخول الدار ولم تطلق غيرها ما أوقع الطلاق عليها.
فرع آخر قال أصحابنا على قياس ما ذكرنا لو قال لعبده: إذا طلقت امرأتي فأنت حر ثم قال لهاك إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت طلقت وعتق العبد، ولو قدم التعليق بدخول الدار ثم دخلت الدار طلقت ولم يعتق العبد [10/ أ] ولو قال: إذا وقع طلاقي عليها فأنت حر فدخلت الدار يعتق العبد وطلقت قدم التعليق أو أخرَ.
فرع آخر لو قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم أعاد هذا اللفظ ثانيًا وقعت طلقة لأن الثاني حلف بالطلاق فحنث به، ولو أعاد هذا اللفظ ثالثًا طلقت، ولو أعاد هذا اللفظ رابعًا طلقت تمام الثلاث وهذا في المدخول بها فإن كان غير مدخول بها لا يقع إلا واحدة، ولو قال: إن طلقتك فأنت طالق ثم أعاد هذا اللفظ مرارًا لم يقع شيء لأن الثاني وما بعده ليس بإيقاع الطلاق عليها.
فرع آخر لو قال لغير المدخول بها: إن طلقتك فأنت طالق ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فإذا وطئها بنصف الحشفة طلقت ثلاثًا واحدة بالوطيء وثانية بالأولى لأنها صارت بالوطيء مدخولًا بها تجب العدة عليها وبالثانية بالثانية، وأما الحدُ فإن نزع ثم عاود يلزمه وإن استدام الإيلاجة الأولى ففي الحد وجهان.

الجزء: 10 - الصفحة: 87

فرع آخر لو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم وكل في طلاقها فطلقها الوكيل لم تطلق غيرها لأن طلاق الوكيل ليس من فعله، ولو قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم طلقها وكيله واحدة فيه وجهان أحدهما: لا تطلق غيرها.
والثاني: تطلق ثلاثًا لأنه واقع من جهته وإن لم يكن من فعله.
فرع آخر قال لأربع نسوة: كلما طلقت واحدة منكن فصواحباتها طوالق وكن مدخولًا بهن فإذا طلق واحدة طلقت بالتنجيز والأخرتان بالحنث فلما طلق الثانية طلقت بالتنجيز الأولى والأخرتان بالحنث فلما طلق الثالثة طلقت الطلقة الثانية بالتنجيز وطلقت الأولتان والأخيرة بالحنث فلم يبق له على واحدة منهن ملك فلا معنى لتطليق الرابعة [10/ ب].
فرع آخر لو قال: كلما وقع طلاقي على واحدة منكن فصواحباتها طوالق فطلق واحدة منهن طلقن ثلاثًا ثلاثًا.
ولو قال: كلما طلقت واحدة منكن فأنتن طوالق فلما طلق الأولى حصلت لها طلقة بالتنجيز وطلقة بالحنث ولصواحبها لكل واحدة طلقة فلما طلق الثانية لحقها طلقة بالتنجيز وطلقة بالحنث فتم لها الثلاث وتم للأولى الثلاث وحصلت لكل واحدة من الأخرتين طلقة أخرى فلما طلق الثالثة بانت منه الثالثة والرابعة بالثلاث.
فرع آخر لو قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق أو إذا انسلخ الشهر فأنت طالق أو إذا قدم الحجيج فأنت طالق لم يحنث لأنه ما حلف بطلاقها ولكنه علق طلاقها بصفة تلك الصفة لا يمنعها بيمينه فإن طلوع الشمس لا يمنع بيمين والحلف أن يمنع نفسه بها عن فعل شيء أو يوجب عليها فعل شيء كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ونحو ذلك وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحنث بكل هذا لأنه يمين قالوا وعلى هذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة عند ابن سريج تنحل تلك اليمين ويقع ذلك الطلاق الآن وعند غيره يقع طلقة في الحال بقوله عجلت ثم إذا جاء رأس الشهر تقع أخرى وهذا غير مشهور، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى: كله يمين إلا في ثلاثة أشياء أن يقول: إذا حضت أو إذا طهرت أو إن شئت فأنت طالق لأن المقصود بقوله حضت أو طهرت السنة أو البدعة والمقصود بقوله إن شئت التمليك الذي يراعى فيه الرد والقبول وهذا خطأ لأن اليمين ما قصد بها المنع من شيء أو الحث على شيء أو التصديق على شيء مثل أن يقول: إن لم أكن دخلت الدار فأنت طالق وهذا لا يوجد إذا قال: إذا جاء

الجزء: 10 - الصفحة: 88

رأس الشهر أو طلعت الشمسُ [11/ أ] فأنت طالق فلا يقع إلا بما ذكرنا فرع آخر لو كانت المسألة بحالها فقال: إن دخل زيد الدار فأنت طالق فإن كان زيد ممن قد يطيعه ويمتنع من الدخول بقوله فهي يمين بالطلاق فتطلق، وإن كان زيد سلطانًا أو ذا قدرة لا يطيعه فهو طلاق بصفة وليس بيمين فلا يقع خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله.
فرع آخر لو قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، وإذا لم أحلف بطلاقك فأنت طالق وإذا لم أحلف بطلاقك فأنت طالق ثم سكت طلقت طلقتين قاله أبو علي الزجاجي رحمه الله تخريجًا.
فرع آخر لو قال لهما: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان ثم ذكر ذلك مرة أخرى وقع عليها طلقة لأنه حلف بطلاقهما بعد اليمين الأولى، وكذلك إن عاد ذلك ثالثًا وقعت طلقة ثانية، وإن أعاده رابعًا طلقت طلقة ثالثة، ولو قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق ثم كرر ذلك لم يقع على واحدة منهما طلاق لأنه حلف بطلاق عمرة أن لا يحلف بطلاقهما وأعاد الحلف بطلاق عمرة فلم يحنث؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما.
فإن قال بعد هذا: إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق طلقت عمرة لأنه قد حلف بطلاقهما، فإن قال بعد هذا: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق لم تطلق حفصة لأنه لم يحلف بطلاقهما بعد يمينه على ذلك بطلاقهما فإن قال بعده: إن حلفت بطلاقهما فحفصة طالق طلقت حفصة، وإن قال: إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق طلقت عمرة.
فرع آخر لو كانت له زوجتان مدخول بها وغير مدخول بها فقال: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان ثم أعاده ثانيًا طلقت كل واحدةٍ واحدةً فإن أعادة ثالثًا لم تطلق واحدة منهما، أما غير المدخول بها فلأنها بانت، وأما المدخول بها فلأن وقوع الطلاق عليها بأن يكون حالفًا بطلاقهما وهو غير حالف بطلاق غير المدخول بها لأن بعد بينونتها لا يكون حالفًا بطلاقها.
فرع آخر لو قال لها: إذا لم أحلف [11/ ب] بطلاقك فأنت طالق وكرر ذلك ثلاث مرات نُظر فإن كان فرق هذه الألفاظ فسكت بين كل يمينين يحنث يمكنه أن يحلف فلم يفعل فقد وقع ثلاث تطليقات لأن إذا في النفي تقتضي الفور، وإن كان لم يفرق أيمانه لم يحنث في الأولى لأنه حلف عقيبها وكذلك الثانية وإنما حنث في الثالثة لأنه لم يحلف عقيبها، ولو قال: كلما لم أحلف بطلاقك فأنت طالق فإن هذا يقتضي التكرار فإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 89

مضى من الزمان ما يمكنه أن يحلف فيه ثلاثة أيمان فلم يحلف طلقت ثلاثًا وكذلك إذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق.
فرع آخر لو كان له أربع نسوة وعبيد فقال: كلما طلقت واحدة منكن فعبد من عبيدي حر وكلما طلقا اثنتين فعبدان حران وكلما طلقت ثلاثة فثلاثة أعبد أحرار وكلما طلقت أربعًا فأربعة أعبد أحرار ثم قال: لهن أنتن طوالق أو طلق واحدة واحدة طلقت الأربع قال في "الإفصاح": ويعتق خمسة عشرة عبدًا وعلى هذا عامة أصحابنا ووجهه أن الأربعة أربعة آحاد ومرتين اثنان وواحد ثلاثة وواحد أربعة فيكون أربعة أعبد بالآحاد وأربعة أعبد بالاثنين وثلاثة أعبد بالثلاثة وأربعة أعبد بالأربعة فيكون الجميع خمسة عشر، قال في "الإفصاح": ويحتمل أن يقال: تعتق سبعة عشر لأن في الثالثة ثلاث صفات صفة الواحدة والاثنتين والثلاث فإن الثالثة مع الثانية اثنان فنزيد عبدان آخران ويصير الجميع سبعة عشر وهذا لا يصح لأنه يلزمه أن يقول في الرابعة يحتمل أربع صفات هي واحد واثنان وثلاثة وأربعة فتعتق بالرابعة عشرة أعبد فيبلغ عدد العبيد عشرون وقد قال به بعض أصحابنا وهو قول أبو حنيفة رحمه الله ويلزم هذا القائل أن يقول [12/ أ] فق الرجل إذا قال: كلما أكلت نصف رمانة فعبد من عبيدي حر فأكل رمانة إنه يعتق ثلاثة أعبد لأنه إذا أكل نصفها يعتق عبد وإذا أكل ربع النصف الثاني يعتق عبد آخر فلما أجمعنا على أنه يعتق عبدان لأن الرمانة ليس لها إلا نصفان فكذلك الأربعة فيها اثنان مرتين وثلاثة مرة واحدة، وقال أبو الحسن القطان: يعتق عشرة أعبد بالواحدة واحدة، وبالاثنتين اثنان، وبالثلاث ثلاثة وبالأربع أربعة وهذا لا بأس به ولكن الخمسة عشر أقول لأن كل يقضي التكرار وفي الأربع أربعة آحاد واثنتين مرتين، ومن أصحابنا من قال: يعتق ثلاثة عشرة، بالواحدة واحدة وبالثانية ثلاثة وبالثلاثة أربعة وبالأربعة خمسة فحصل خمسة أوجه، ولو لم يقل كلما وذكر هذه الأيمان بلفظ إن وإذا يعتق عشرة من العبيد بلا إشكال واحد واثنان وثلاثة وأربعة.
فرع آخر لو قال: إن كلمت رجلًا فأنت طالق، وإن كلمت زيدًا فأنت طالق، وإن كلمت فقيهًا فأنت طالق فكلمت زيدًا وكان فقيهًا يقع ثلاث تطليقات لوجود جميع الصفات فيه، وإن كان واحدًا.
مسألة: قالَ: "ولَوْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ إذا لَمْ أُطَلِّقْكِ".
الفصل الحروف المستعملة في الطلاق سبعة: "إن وإذا ومتى ومتى ما وأي وقت وأي حين

الجزء: 10 - الصفحة: 90

وأي زمان".
فإذا استعملت في الطلاق لا يخلو، إما إن علق بها عطية أو لم يعلق بها عطية فغن علق بها عطية فقد ذكرنا حكمة في كتاب الخلع، وإن لم يعلق عطية لا يخلو أمام إن ذكر ذلك في الإثبات أو في النفي فإن ذكر في الإثبات فكلها على التراخي مثل قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو إذا دخلت أو متى دخلت، وكذلك إذا قال: متى طلقتك فأنت طالق [12/ ب] أو إذا طلقتك أو إن طلقتك الكل واحد، فأما في النفي فلا خلاف أن خمسة ألفاظ منها على الفور وهو قوله: متى ومتى وما وأي وقت وأي حين وأي زمان إن لم أفعل كذا، أو إن لم أطلقك فأنت طالق، فإذا مضى وقت يمكنها فيه أو يمكنه أن يطلقها فلم يوجد ذلك وقع الطلاق، والفرق بين هذا وبين الإثبات أن تقديره في الإثبات أي وقت طلقتك فأنت طالق وتقديره في النفي أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، فافترقا، ولو قال: أردت متى فاتني طلاقك فأنت طالق هل يقبل في الحكم وجهان، ولا خلاف انه إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق أنه على التراخي، فلا يقع عليها الطلاق حتى يموت أحد الزوجين، فإذا مات أحد الزوجين وقع عليها الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياة الميت، وهو الزمان الذي لا يتسع لإيقاع حروف الطلاق فيه، فإنه الوقت الذي فاته فيه الطلاق، وقال القفال: أما في موتها فقبيل الموت، وأما في موته فقبيل العجز عن الطلاق المتصل بالموت حتى لو جن واتصل الجنون تبينا أن الطلاق واقع قبيل الجنون، وكذلك لو انفسخ النكاح بسبب ومات قبل البينونة تبينا وقوع الطلاق قبل الفسخ وهذا أحسن ولكنه خلاف ظاهر المذهب، وأما كلمة إذا فالمنصوص أنه على الفورية.
قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهم الله على التراخي كقوله إن: لأن كليهما يستعمل شرطًا وهذا قول بعض أصحابنا فقال يتعذر الفرق بين كلمة إن وكلمة إذا فينقل جوابه في كل واحد منهما إلى الآخر وتخريجهما على قولين، ومن أصحابنا من قال: النصان على ظاهرهما وهو الصحيح والفرق ظاهر وذلك أن كلمة إذا عند أهل اللغة وأهل النحو موضوع للوقت فإذا قال لها: [13/ أ] إذا لم أطلقك فأنت طالق معناه عندهم أي وقت لم أطلقك فأنت طالق فإذا مضى عليه وقت يمكنه أن يطلقها فيه فلم يطلق وقع الطلاق لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها يدل عليه أن إذا يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال عن الوقت كما يصلح متى ومتى ما وأي وقت وأي حين، ألا ترى أنه إذا قال الرجل لآخر أي: وقت تلقاني وأي وقت تقضي حقي فقال: إذا شئت أو إذا زالت الشمس، أو إذا دخل الليل أو إذا قدم الحاج صح هذا الجواب كما إذا قال: متى شئت ومتى زالت الشمس ومتى دخل الليل ومتى قدم الحاج فدل على أن إذا ومتى واحد، وأما كلمة إن فإنه يفيد الشرط دون الوقت والزمان، ألا ترى انه لا يصلح أن يكون جوابًا عن سؤال الوقت على ما بيناه فافترقا، قال المزني: فرق الشافعي - رحمه الله عليه - بين إذا وإن فألزم في إذا لم يفعله من ساعته ولا يلزمه في أن إلا بموته فحكي كيف فعل الشافعي ولم يبين أنه راضٍ بما قاله أو يخالفه

الجزء: 10 - الصفحة: 91

وتعرض عليه فإن كان معترضًا فمن حقه أن يأتي بالدليل لينظر فيه.
فرع أخر لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار أو إذا دخلت الدار فهاتان اللفظتان توجب وقوع الطلاق في الحال لأنهما كلمتا تعليل كأنه يقول: أنت طالق لأنك دخلت الدار، ذكره القفال، وقال أبو حامد وجماعة: إن لم يكن الرجل من أهل الإعراب يقع في الحال على ما ذكرنا، وقال القاضي الطبري: يقع في الحال إلا أن لا يكون من أهل الإعراب، فيقول: أردت به الشرط فيقبل قوله لأن الظاهر منه أنه لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة وهذا أولى لأن قبل أن يتبين لنا مراده يجب حمل لفظه على مقتضاه في اللغة، فأما [13/ ب] أن يكون لعدم معرفته بالكلام يصرف اللفظ عما يقتضيه بغير قصده فلا.
وحكي أن أبا يوسف قال: قال للأصمعي: بين يدي الخليفة أيها الأصمعي ضيعت أيامك يعني في الأدب فقال: أيها القاضي ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فقال: إذا دخلت الدار يقع فقال: أيها القاضي ضيعت أيامك حتى لم تفصل بين كلمة التفصيل وكلمة التعليق، وقال في "الحاوي": إن لم يكون عالمًا بالإعراب فيه وجهان.
فرع آخر لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق: فسكت مدة يمكنه طلاقها وقعت ثلاثًا متواليات لأن كلما للتكرار فإذا مضى الزمان الأول طلقت، ثم إذا مضى ثاني طلقت اخرى ثم إذا مضى زمان ثالث طلقت الثالثة.
فرع آخر قال ابن سريج في كتاب "الفنية": لو قال لها: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم فخرج اليوم قبل أن يطلقها لم تطلق لأن الصيغة فاتت بخروج اليوم ولا يقع الطلاق بعد خروج اليوم لامتناع صفته ووافقه جماعة على هذا، وقال القاضي الطبري وأبو حامد: هذا منه بعيد وليس على ما قاله بل الطلاق يقع عليها قبل خروج اليوم لأن معناه إن فاتني طلاقك اليوم فأنت طالق والطلاق يفوته إذا بقي من النهار زمانٌ لا يتسع لإيقاع حروف الطلاق فيه فوقع الطلاق قبل الليل كقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق وقع الطلاق به قبيل موته كذلك هاهنا، وقال في "الحاوي": هذا فاسد؛ لأن وقوع الطلاق إذا لم يكن إلا بلفظ الطلاق فزمان لفظه زمان وقوعه مثلان، فإذا ضاق عن أحدهما ضاق عن أحدهما ضاق عن الآخر، ولكن لو قال: إن لم أبع عبدي اليوم فأنت طالق [14/ أ] الدار وهي مطلقة، فإن دخلتها غير مطلقة لم تطلق كما لو قال: إن

الجزء: 10 - الصفحة: 92

دخلت الدار راكبة وإن طلق وكان الطلاق رجعيًا، ثم دخلت الدار طلقت طلقتين آخرتين بدخول الدار.
فرع آخر لو كرر حرف الشرط ويسميه أهل العلم اعتراض الشرط على الشرط فقال: أنت طالق إذا ركبت إن لبست لا يقع باللبس والركوب، فإن ركبت ولبست على ما قاله في لفظه بان بدأت بالركوب ثم عقيبه باللبس لم تطلق، وإن خالفت ترتيب اللفظ فبدأت باللبس وعقيبه بالركوب طلقت لأن قوله إذا ركبت إن لبست فقد جعل اللبس شرطًا في الركوب فوجب أن يتقدم عليه لأن الشرط يتقدم على المشروط، وهكذا لو قال: أنت طالق إذا قمت إذا قعدت لم تطلق حتى يتقدم القعود على القيام لأنه جعل القعود شرطًا في القيام، وإن كان حرف الشرط فيهما واحدًا، وهكذا لو قال: أنت طالق إن أكلت إن تكلمت لم تطلق حتى يتقدم الكلام على الأكل، وكذلك لو قال: إن أكلت الخبز إن شربت الماء فأنت طالق لا تطلق حتى تشرب الماء قبل أكل الخبز فإن أكلت أولاً ثم شربت ثم أكلت طلقت حينئذٍ، وعلى هذا لو قال: أنت طالق إذا دخلت الدار إن كلمت زيدًا إن ضربت عمرًا لم تطلق حتى يفعل الثلاث بعكس لفظه فبدأ بضرب عمر وثم بكلام زيد ثم بدخول الدار، لأن كل واحد منهما شرط ففيهما تقدمه فوجب أن يتقدمه.
فرع آخر لو قال: أنت طالق مريضةً بالنصب كان المرض شرطًا فما لم تمرض لم تطلق لأن نصبه على الحال يخرجه مخرج الشرط، ولو قال: مريضة بالرفع طلقت في الحال لأنه بالرفع يصير صفة لها هذا فيمن كان من أهل العربية، فأما من لا يفرق بين الرفع والنصب فيه وجهان، أحدهما: أن حكمه حكم أهل العربية [14/ ب]، لأن الحكم يتعلق باللفظ سواء عرف حكمه أو جهله مثل صريح الطلاق وكنايته، والثاني: يستوي فيه حكم الرفع والنصب في وقوع الطلاق لأن الأعراب دليل على المقاصد والأغراض، فإذا جهلت عدمت، ومن أصحابنا من قال: إذا قال بالرفع لا يقع إلا في حال المرض أيضًا، وإن كان من أهل العربية لأن قوله: مريضة نكرة تكون صفة لمعرفة وقد عرفها بالإشارة إليها فلا تكون إلا حالاً وإنما لحن في إعرابها وهذا لحن لا يغير المعنى فمعناه بالرفع تطلقين وأنت مريضة، وهكذا لو قال: أنت طالق وَجِعَة فنصب أو وجِعة أو رفع.
فرع آخر لو قال لأربعة نسوة: أيتكن لم أطأها اليوم فصواحباتها طوالق فإن خرج اليوم قبل

الجزء: 10 - الصفحة: 93

أن يطأ واحدة منهن طلقت كل واحدة منهن ثلاثًا، لأن لكل واحدة ثلاث صواحبات لم تطأ، وإن وطئ واحدة طلقت الموطوءة ثلاثًا لأن لها ثلاث صواحب لم توطأ وطلقت كل واحدة من الباقيات تطليقتين لأن كل واحدة صاحبتين لم توطأ، فإن وطئ اثنتان طلقت كل واحدة من الأخرتين طلقة فإن وطئ ثلاثًا منهن طلقت كل واحدة منهن طلقة ولم تطلق الرابعة لأن ما بقي لها صاحبة لم يطأ فإن كانت المسألة بحالها فأطلق ولم يقيده باليوم فماتا أو إحداهما كان الموت بمنزلة خروج اليوم على ما فصلناه.
فرع آخر قال المزني في "المنثور": إذا قال لامرأته: إذا طلقتك طلقة أملك عليك فيها الرجعة فأنت طالق قبلها ثلاثًا، ثم قال لها: أنت طالق لم يقع عليها شيء لأن هذه الطلقة لو وقعت لوجب أن تكون رجعية واقتضى ذلك وقوع الثلاث، فإذا وقعت الثلاث لم يملك فيها الرجعة، وإذا لم يملك الرجعة [15/ أ] لم يقع الثلاث، ولو لم يكن مدخولاً بها أو طلقها بعوض وقع ما باشر لأنه شرط طلاقًا على صفة يملك فيها الرجعة وهذا على صفة لا يملك فيها الرجعة وفرع أصحابنا على هذا فقالوا: لو قال لها متى وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم قال: أنت طالق لا يقع أيضًا للدور الذي ذكرنا.
قالوا: وهذا مذهب ابن سريج وهو الحيلة في أن لا يقع طلاق على زوجنه وهذا أسهل من الخلع فإذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت قبلة ثلاثًا وهكذا لو حلف بالطلاق الثلاث لا يطأها فالحيلة أن يقول لها هذا ويطأ فلا يقع.
وعلى هذا إذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا وكلما فسخت نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثًا لا ينفذ الفسخ ولا الطلاق بحال ومن هذا اللحن لو قال لها: إن وطئك وطئًا مباحَا فأنت طالق قبله فإذا وطئها لم يقع لأنه لو وقع لما كان الوطء مباحًا وقيل إن ابن سريج وافق في هذا لأنه لا يؤدي إلى سد باب الطلاق، وعلى هذا لو قال: إن ظاهرت منك فأنت طالق قبله ثلاثًا فظاهر لا يصح خلافًا لابن سريج، ولو كان له عبد وزوجة فقال لها: مهما دخلت الدار وأنت زوجتي فعبدي حر قبل دخولك وقال لعبده: مهما دخلت الدار وأنت عبدي فزوجتي طالق قبل دخولك ثم دخلا معًا لم تطلق ولم يعتق ووافقنا ابن سريج لأنه لا يؤدي إلى سد باب الطلاق واختلف أصحابنا في ذلك فذهبت طائفة إلى ما ذكرنا، منهم أبو بكر بن الحداد والقفال الشاشي [15/ ب] وأبو حامد والقاضي الطبري وجمهور مشايخ خراسان واحتجوا بأنه إن أوقع عليها ما أوقعه وجب أن يقع الطلاق المعلق به لأن الشرط إذا حصل وجب حصول المشروط، وإذا وقع قبله ثلاثًا لم يقع ما أوقعه لأنه لا يملك أكثر من ثلاث، وإذا لم يقع ما أوقعة لم يقع الثلاث فإثبات هذا الطلاق الموقع يؤدي نفيه فلا يجز إثبات وإيقاعه ومثل هذا قاله الشافعي رحمة الله عليه إذا زوج الرجل عبده حرّة بصداق قيمته لها ثم باعها العبد بالصداق قبل الدخول لم يصح البيع لأنه لو صح ملكت

الجزء: 10 - الصفحة: 94

زوجها وإذا ملكها انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح سقط مهرها لأن الفسخ كان من جهتها قبل الدخول وإذا سقط المهر بطل البيع لأنه هو عوضه فأفسد البيع لأن ثبوته يؤدي إلى بيعه كذلك هاهنا، وقال بعضهم: يقع الطلاق المباشر دون المعلق بالصفة وبه قال ابن أبي أحمد فغنه قال في "التلخيص": وكل من طلق امرأته بصفة وقع الطلاق بمجيء الصفة إلا واحد وهو إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم ثلاثًا إن طلقتك غدًا واحدة فطلقها غدًا واحدة وقعت الواحدة دون الثلاث، وحكي القاضي الطبري هذا عن ابن سريج فإنه قال في زيادات الطلاق، إذا قال لغير المدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق أخرى قبل التي أوقعتها عليك فطلقها وقعت التي أوقعها ولم تقع الأخرى لأنها لو وقعت لم تقع عن التي أوقعها، وقال صاحب "الحاوي": من حكي عن ابن سريج خلاف هذا فقد وهم وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة وابن أبي هريرة لن الناجز أصل هو أقوى والمعلق بالصفة نوع هو أضعف [16/ أ] فلم يجز أن يكون أضعفهما رافعًا لأقواهما ولأن طلاق الصفة لا يقع إلا بعد وقوع الناجز والناجز لا يرتفع إلا بعد وقوعه لأنه يؤدي إلى سد باب الطلاق.
وقال بعضهم: يقع طلاق المباشر وتمام الثلاث من الطلاق المعلق بالصفة، وقال أبو عبد الله الحسن في "شرح التلخيص" وجماعة من أصحابنا وبه قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا بأن الذي يؤدي إثباته إلى نفيه ما زاد على تمام الثلاث فوجب أن يقع تمام الثلاث، وقال في مسألة "التلخيص" يطلق غدًا طلقةً واحدة بالمخاطبة وهي في الحقيقة الثالثة وتطلق اليوم طلقتين بالصفة لأنه علق وقوع ثلاث تطليقات بالصفة ووقوع اثنتين منها جائز ووقوع الثلاثة بمجموعه ممتنع.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف ما نص عليه في المنثور وهو الصحيح وما عداه باطل ولو صح هذا القول لبطل مسائل الدور أجمع والفتوى عندي على هذا واعلم أن الشيخ ابن الصباغ - رحمه الله - ذكر هذه المسألة في "الشامل" وطول الكلام فيها وقال من قال: لا يقع الطلاق ها هنا فقد اخطأ خطأً ظاهرًا وليس ذلك بمذهب الشافعي وذلك أنه علق الثلاث بوقوع الواحدة فصار وقوع الواحدة شرطًا في وقوع الثلاث ولا يجوز تقدم المشروط على الشرط، ولو جاز ذلك لبطل كونه شرطًا فيه، قال ولا يشبه هذا مسألة بيع الزوج صداقها لأن البيع يرد عليه الفسخ بتعذر ما أوجبه وهاهنا يتعذر ذلك، ولهذا لو باع مغصوبًا لا يجوز لتعذر التسليم في ثاني الحال وليس كذلك الطلاق لأنه متى وقع لا يطرأ عليه ما يرفعه [16/ ب] فما يترتب على وقوعه لا يؤثر فيه وإلا لزم إذا قال لامرأته: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم ارتدت أو ملكها فإن الفسخ يحصل، وإن كان إثباته يؤدي إلى نفيه لأنه إذا وقع الطلاق قبله بانت ولم ينفسخ النكاح لعدمه، وكذلك إذا قال لأمته إذا صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة قبل الصلاة فيقضي

الجزء: 10 - الصفحة: 95

أن لا تصح صلاتها مكشوفة الرأس ومع هذا صححوا الصلاة.
والجواب على هذا: أنَّا لا نقدم المشروط على الشرط ولكن نقول لا يحصل الشرط لأن تحصيله يؤدي إلى نفيه على ما قررنا ولا يصح العذر والذي ذكر في مسألة البيع لأن تعذر تسليم العوض للمعنى الذي ذكرنا وعين ذلك المعنى يوجب سقوط حكم اللفظ في مسألتنا لنا نرفع الطلاق بعد وقوعه، وأما مسألة الصلاة فلا يلزم لأنه لا يمكن إبطال الفسخ ولا إبطال الصلاة لأنه ليس مالك لها، وأما الطلاق فهو مالك لإيقاعه وترك إيقاعه وتعليقه فتقدر على التصرف فيه بما يمنع ثبوت حكمه والله أعلم.
ويترتب على هذه المسألة مسألة وقعت ببلدة عمان وهي: رجل حلف بالطلاق الثلاث غنه لا يحج السنة فأفتى له بعض الأصحاب أن يقول لامرأته: إن حنثت في يميني فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا فإذا قال ذلك ومضت السنة ولم يحج لم تطلق وبه قال القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: فرق بين هذه المسألة والتي قبلها لأنه انقدت يمينه على الحج فلا يملك حلها وهذا ضعيف لأنه يجوز أن يعلق الطلاق على صفة ثم يسقط كلمة بصفة أخرى بدليل أنه قال: [17/ أ] إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثلاثًا صحت هذه الصفة ثم يملك، إسقاطها بان يقول: أنت طالق قبل انقضاء الشهر وهكذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا على هذين الوجهين.
مسألة: قال: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ إذا قدِمَ فلانُ فقدِمَ ميتًا أو مُكرهًا لم تْطلُقْ".
إذا قال: إذا قدم زيدٌ فأنت طالق فأتى به ميتًا لم يقع الطلاق لأنه لم يقدم وإنما قُدم به وإن قدم مكرهًا فإن حمل على المركوب من غير اختيار لا يقع الطلاق أيضًا لما ذكرنا، وإن كان باختياره وقع فإن ضرب حتى ركب المركوب باختياره أو مشى برجليه فقدم ففيه قولان، وهذا أصل في مسائل كثيرة فمتى أكره على فعل شيء ففعل بنفسه مثل إن أكره على القتل فقتل أو أكره الصائم على الكل فأكل هل يكون عليه القود في القتل وهل يفطر في الأكل؟ قولان، وإن كان مسلوب الفعل بكل حال بأن أخذ ورمى به على إنسان فمات به ذلك الإنسان أو أوجر في حلقه شيءٌ فلا شيء على المرمى ولا يفطر، وأما إذا قدم باختياره نظر، فغن كان قصد بقوله إذا قدم فلان فأنت طالق تعليق الطلاق بالصفة ولم يقصد فيه منعه من القدوم مثل أن يقول: إذا قدم الحاج أو قدم الصديق بالصفة ولم يقصد فيه منعه من القدوم مثل أن يقول: إذا قدم الحاج أو قدم الصديق أو قدم الأمير فأنت طالق فمتى قدم باختياره عالمًا بيمينه أو جاهلًا وقع الطلاق.
كما إذا قال: إذا دخلت هذه البهيمة الاصطبل فأنت طالق فدخلت وقع الطلاق، وإن قصد به منعه من القدوم لعلمه بأنه يشق عليه طلاقها، قال ابن أبي هريرة: إذا حلف على فعل غيره وهو لا يعلمه ففعله من غير علمه يحنث قولًا واحدًا ولا يجيء فيه

الجزء: 10 - الصفحة: 96

القولان [17/ ب] كما لو قال: إن دخل هذا الحمار فأنت طالق فدخل حنث قولًا وحدًا، وإذا حلف على فعل غيره مع علمه به ففعله ناسيًا أو مكرهًا فيه قولان، والفرق إن الحلف على فعل غيره مع علمه إنما يكون لمنعه من فعله فيكون بمنزلة قوله: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فيقصد منعها من الكلام فإذا كلمته ناسية فغنها لم تقصد مخالفته وإحناثه فهل يقع الطلاق؟ قولان، وإذا لم تعلم بقصده تعليق الطلاق بصفة خصته على ما بيناهُ، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بكل حال سواء علم بيمينه ثم نسي أو لم يعلم ذكره أبو حامدٍ والأول أصح، ومنهم من قال: يحنث قولًا واحدًا وهو الأشبه بقول الشافعي وهو اختيار مشايخ البصرة، لأن القصد إنما يراعى في قصد دون المحلوف عليه لأن الحالف لا بدّ أن يكون ذا قصدٍ فجاز أن يراعى القصد في فعله ويجوز أن يكون المحلوف عليه غير ذي قصد فلم يراع القصد في فعله.
فرع آخر قال في "الأم": لو قال: كلما قدم فلان فأنت طالق فقدم ثم خرج ثم قدم ثانيًا ثم خرج ثم قدم طلقت ثلاثًا لأن الشرط على التكرار.
فرع آخر لو كان المحلوف على قدومهِ قرابة لأحدهما يرجع إلى قصد الحالف على قصد أن يمنعه من القدوم بيمينه او أراد أن يجعله صفة له دون اليمين مثل يقصد إلى أن يطلقها إذا حصل معها محرمٌ لها ولا يطلقها وحده.
فرع آخر لو قال: إذا حصل زيد بأمكَ فامرأتي طالق فحصل بها ميتًا طلقت.
مسألة: قالَ: "ولَوْ قال: إِذَا رَأَيتِهِ فَرأَتهُ فَي الحالِ حَنِثَ".
قصد به الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها فإن هاهنا إذا رأته في تلك الحال حيًا وميتًا حنث لأنه رأته ميتًا [18/ أ] كما يقال رأته حيًا، وإن رأته ناسيًا فعلى ما ذكرنا من الخلاف وكذلك إذا أكرهت على النظر.
فرع آخر لو قال: إذا رأيت فلانًا فاطلعت في المرآة فرأت صورة زيدٍ فيها أو اطلعت في الماء وزيدٌ في مقابلة الماء لم تطلق لم تره وإنما رأت مثاله كما لو رأت في المنام.
فرع آخر لو رأته من وراء زجاج لا يمنع مشاهدة ما وراءه وقع لأنها رأت هاهنا جسم زيد ورأت في المرآة مثال زيد ولا يكون الزجاج الحائل مع وجود الرؤية مانعًا منها.

الجزء: 10 - الصفحة: 97

فرع آخر لو قال: إن ضربت زيدًا فأنت طالق فضربته ميتًا لا يحنث لأن معنى الضرب وهو الإيجاع لم يحصل، ذكره القفال، وقال القاضي الطبري يحنث لأن الضرب اقتضى صفةً من المضروب بخلاف ما لو قال: إن كلمته فأنت طالق فكلمته ميتًا لا يحنث لأن الكلام يقتضي صفة من المتكلم ولأن يراعي ظاهر اللفظ في اليمين ولهذا لو ضربهُ وهو سكران فلم يتألم به بُر في يمينه والأول أصح عندي.
فرع آخر لو قال: إن مسسته فأنت طالق فمسته حيًا أو ميتًا حنث.
فرع آخر لو قال: إن قذفتيه فأنت طالقٌ فقذفته ميتًا يحنث لأن قذف الميت كقذف الحي.
فرع آخر لو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنت طالق يشترط أن يكون قاذفًا في المسجد وبمثله لو قال: إن قتلت فلانًا في المسجد فأنت طالق يشترط أن يكون المقتول في المسجد، وإن كان القاتل خارجًا بأن رمى إليه حنث.
فرع آخر لو قال: من أخبرني منكن بقدوم زيدٍ فهي طالق فأخبرنهُّ معًا طلقن جميعًا لأن كل واحدة مخبرة، ولو قال من بشرني منكن بقدوم زيد فهي طالق فبشرنه دفعة واحدةً طلقن جميعًا، [18/ ب] وإن بشرت واحدة طلقت دون الباقيات لأن البشارة تحصل في الأول وما بعد ذلك فهو خير ليس ببشارة وهذا إذا كانت المبشرة صادقة، فإن كانت كاذبة لا يقع الطلاق لأنه مع الكذب ليس ببشارة لأن البشرى ما سرت وهي لا تسر إلا بالصدق، وكذلك في الخبر عن الكذب لا يقع الطلاق كذا ذكره القفال، واختاره صاحب "الحاوي"، وقال أبو حامد: يقع وإن كانت كاذبة لأن الخبر يدخله الصدق والكذب والخبر ذكر الشيء وقد ذكرت وجماعة من أصحابنا على هذا.
فرع آخر لو قال: أيتكنَّ أخبرتني إن زيدًا قد قدم فهي طالق فإذا أخبرته واحدة بقدومه طلقت وإن كانت كاذبة لأنه علق بالإخبار وقد وجد ذكره القفال.
مسألة: وإِنْ قَالَ: "ولو حَلَفَ لَا تَأخُذ مالَكَ علىّ فأجْبَرَهُ السُّلْطانُ فَأخَذَ مِنهُ المَالَ حنِثَ، وإِنْ قَالَ: لا أُعْطِكَ لمْ يحنَثْ".
أراد به إذا أجبر السلطان الذي عليه الحق فأعطاه مكرهًا وأخذ صاحب الدين مختارًا حنث قولًا واحدًا لنه إنما حلف على الأخذ لا على الإعطاء والإكراهُ إنما يؤثر في

الجزء: 10 - الصفحة: 98

الفعل المحلوف عليه دون غيره فأما إذا أجبر السلطان الآخذ فأخذه فيكون على قولين، وإن قبض الحاكم ذلك ثم هو أخذه من الحاكم لم يحنث الحالف لأنه لم يأخذ ماله عليه بل قبض مال نفسه من الحاكم فإن ذمته برئت بقبض الحاكم، ولو وضعه في حجره أو بين يديه لم يحنث لأنه لم يأخذ كذلك، ولو قال: لا تأخذ مني فأخذ منه حنث سواءً كان الأخذ مكرهًا أو طائعًا إن جعله في جيبه أو كمه أو حجره والقياس انه يحنث لأنه قد أعطاه وإن أخذه [19/ أ] السلطان منه ثم أخذه من له الحق لم يحنث لأنه ما أعطاه وإنما أعطاه السلطان، ولو أجبره السلطان فأعطى بنفسه فيه قولان، ما ذكرنا.
فرع لو قال: إن أخذت حقك فأنت طالق فجاء رجل وقضى دينه عنه قال الدرامي: لا يحنث لأنه بدل حقه وعندي يحتمل وجهًا آخر.
فرع آخر لو قال لغريمه: امرأتي طالق إن لم أجرّك على الشوك ولا نيه له، قال بعض أصحابنا إذا ماطله مطالاً بعد مطال بَر في كلامه وعلى هذا لو حلف انه يضربها حتى تموت ولا نية له فضربها ضربًا مؤلمًا بُرَّ.
مسألة: قال: "ولَوْ قَالَ: إِن كَلَّمتِهِ فَأَنتِ طالقٌ فكلمَتْهُ حيثُ يَسْمعُ حنِثَ، وَإِنْ لمْ يَسْمَعْ".
إذا قال إن كلمت فلانًا فأنت طالقٌ فكلمته حيث يسمع حنث، وإن لم يسمعه لعارض ضجة أو لغط أو شغل لأنه يقال: كلمته فلم يسمع وإن كلمته لحنث لا يجوز أن يسمعه لانخفاض صوتها وبعد ما بينها وبينه من المسافة لم يحنث لأن التكلم عبارة عن خطاب يفهمه المخاطب، وقال القفال هاهنا: وإن سمع أيضًا لا يحنث وهذا غريب.
فرع لو كان أصم قال أبو إسحاق: ينظر فإن كلمته ورفعت صوتها بحيث يجوز أن يسمعه مثله وقع الطلاق، وإن لم يسمع لأن الاعتبار بإمكان السماع وإن كلمته بحيث لا يجوز أن يسمعه الأصم لم يحنث، وإن كان السميع يسمع مثله، وقال أبو حامد وجماعة: فيه وجهان، أحدهما: يحنث لأن عارض الصمم كعارض اللغط وهو اختيار القفال.
والثاني: لا يحنث لأنها لم تكلمه بشيء يسمع مثله وهذا أظهر لأن مثله غير مكلّم قال الله تعالى: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذَا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: 80].

الجزء: 10 - الصفحة: 99

فرع آخر قال في "الحاوي": لو أشارت بالكلام إليه حتى علم فيه وجهان [19/ ب] أحدهما: لا يحنث لأن الإشارة ليست كلامًا.
والثاني: يحنث لأن هكذا يكلم الأصم.
فرع آخر لو كلمت الحائط كلامًا لم يسمعه إلا زيد فيه وجهان، أحدهما: لا يحنث كما لو كلمت غيره، والثاني: يحنث لأن الحائط لا يكلم فصار الكلام متوجهًا إلى من يجوز أن يكلم.
فرع آخر لو كلمته ميتًا أو نائمًا لم يحنث لأن الموتى لا يكلمون وإنما يكلم من يسمع ويجيب، فإن قيل فقد كلم النبي صلى الله عليه وسلم قتلى بدرٍ فقال: "يا شيبة يا عتبة" فقيل له: أتكلم الموتى؟ فقال: "لستم بأسمع منهم".
قيل تلك معجزة النبي صلى الله عليه وسلم والميت لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿ومَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: 22].
فرع آخر لو كلمته وهو مجنون مغلوب عليه لم يحنث لأن مثله لا يكلم، وقال القفال في المجنون: يحنث وهذا حسنٌ عندي.
فرع آخر لو كلمته وهي سكرانة حنث لأن فعل السكرانة بمنزلة فعل الصاحية، وقال القفال: فيه قولٌ مخرج لا يحنث من طلاق السكران فإنه لا يقع في أحد القولين، وإن كان المكلم سكرانًا فإن كان مختلط العقل بحيث لا يميز ولا يسمع مثله لا وإلا فيحنث.
فرع آخر لو كلمته ناسيةً حنث قولاً واحدًا وهو اختيار البصريين، وقال بعض أصحابنا فيه قولان وهكذا لو كلمته مكرهةً، وقال جماعة من البصريين هاهنا على قولين وفي غير هذا الموضوع إذا علقه على فعل الغير فوجد مع النسيان قول واحد أنه يحنث، والفراق أن ما لا يقصد من الكلام ليس بكلام يجري ذلك مجرى هذيان النائم ولو كلمت وهي مجنونة لم يحنث.
فرع آخر لو سلمت على جماعة وفيهم ذلك الرجل فإن لم تعن لهُ حنث وإن عزلته بنيتها ففي حنثه وجهان.

الجزء: 10 - الصفحة: 100

فرع آخر لو مزح فقال إن كلمت حمارًا أو ميتًا أو جدارًا فأنت طالق فكلمت به حنث في يمينه.
فرع آخر لو كلمتهُ [20/ أ] مكرهةً فعلى قولين كما ذكرنا.
فرع آخر لو قال: إن أمرتك بأمر فخالفتيني فأنت طالقٌ ثم قال: إن لم تصعدي السماء فأنت طالق فيه وجهان، أحدهما: طلقت لأنه لم تفعل ما أمرها، والثاني: لا تطلق لأن الأمر في العرف ما أمكن إجابة المأمور إليه وهذا غير ممكن.
مسألة: "قالَ: ولو قالَ لمدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ".
الفصل إذا قال لامرأته: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن لم يكن دخل بها بانت بواحدة على ما ذكرنا، وإن كانت مدخولًا بها وقعت الأولى وسُئل عن الثانية والثالثة، فإن قال: أردت الاستئناف بكل واحدة منها طلقت ثلاثًا، وإن قال: أردتُ التأكيد وإفهام الطلاق امرأته فالقول قوله ولم يقع غير الأولى فإن خالفته الزوجة يحلف الزوج وهكذا لو قال: أردت بالثانية الاستئناف وبالثالثة التأكيد فهو على ما نوى، وإن لم يكن له نية فيه قولان: إحداهما: نص عليه في "الأم" طلقت ثلاثًا وهو الأصح واختيار المزني وبه قال مالك وأبو حنيفة لأن الكلام الثاني مستقل بنفسه غير متعلق بالأول ولا ينبني عليه فيلزمه به ما يلزم بالأول ولأن لفظ الإيقاع يقتضي وقوع الطلاق وإنما يحتمل التأكيد إذا أريد به كما يحتمل لفظ العموم التخصيص ولكن لا يحمل على التخصيص إلا عند الإرادة، والثاني قاله في "الإملاء": طلقت واحدة لأنه يحتمل الاستئناف فلا يجوز إيقاع الطلاق بالشك.
فرع غاير بين الألفاظ بحروف العطف وقال: أنت طالق وطالق فطالق أو بل طالق أو ثم طالق يقع ثلاث تطليقاتٍ، قال في الأم: فإن قال أردت به [20/ ب] الإفهامَ والتأكيد لم يدين في الحكم وهذا يدل على أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: أنت طالق بطالق طلقت اثنتين بخلاف ما لو قال: عليَّ درهم فدرهم وقد ذكرناه في الإقرار.

الجزء: 10 - الصفحة: 101

فرع آخر قال في "الإملاء": لو قال: أنت طالق وطالق لا بل طالق إن أراد بالثلاث الاستئناف أو أطلق كان ثلاثًا، ولو قال: إنما شككت في الثانية هل أوقعتها ثم استدركت إيقاعها ظنًا مني أني ما أوقعتها فالقول قوله ولا تقع الثالثة لأن الاستدراك في هذا صحيح، وقال في "الحاوي": إن أراد في الباطن فالأمر على ما قاله، وإن أراد أنها لا تقع ظاهرًا وباطنًا ففيه نظر لأن تغاير الألفاظ يجعل لكل طلقةٍ حكم نفسها فلا يقبل منه في ظاهر الحكم ما أدى إلى وقعها.
فرع آخر لو غاير من ألفاظ الطلاق مع اتفاق الحروف بأن يقول: أنت طالق، أنت مفارقة، أنت مسرّحة فيه وجهان، أحدهما: يكون لمغايرة الحروف فتطلق ثلاثًا من غير سؤال لأن الحكم بلفظ الطلاق أخص منه بحروف الطلاق، والثاني: يغلب حكم الحروف المشاكلة وإن كانت ألفاظ الطلاق متغايرة لأن الحروف هي العاملة في وقوع الحكم باللفظ فعلى هذا يرجع إلى ما أراد بالثانية والثالثة، فإن أراد التأكيد أو الاستئناف يقبل وإن أطلق فيه قولان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق وطالق وطالق وقع الأول والثاني ويرجع في الثالثة إليه لأن الثالث على صفة اللفظ الثاني ولذلك لو قال أنت طالق فطالق فطالق أو طالق بل طالق بل طالق أو طالق ثم طالق ثم طالق، وكذلك لو قال أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، وقال ابن البياض تطلق هاهنا ثلاثًا بلا إشكال.
فرع آخر لو قال: هاهنا أردت بالثانية التكرار وبالثالثة الاستئناف [21/ أ] قبل قوله في الثالثة ولم يقبل قوله في الثانية لأنها خلاف الظاهر وقد قلنا في اللفظتين المختلفتين يحمل الثاني على الاستئناف في الحكم.
فرع آخر لو اتفقت الألفاظ ولكن قال: أردت بالثانية الإيقاع والاستئناف وبالثالثة تأكيد الأولى فيه وجهان لأصحابنا أحدهما: لا يجوز ذلك ويقع الثلاث كما لو فصل اللفظ من اللفظ لأنه لا يجوز أن يتخلل بين المؤكد والمؤكد به كلامٌ، والثاني: يجوز ذلك ويقع الاثنان على ما أراد.
فرع آخر لو قال: أنت طا طا طالق طلقت واحدة.

الجزء: 10 - الصفحة: 102

فرع آخر لو قال: أنت طالق ثم بعد مضي زمان قال: أنت طالق يقع ثنتان وإن أراد به التأكيد لا يقبل في الحكم بخلاف ما لو أقر بدرهم ثم أقر بدرهم يقبل وقد ذكرناه في كتاب الإقرار.
فرع آخر لو قال: أنت طالق واحدة بل ثنتين طلقت ثلاثًا ذكره ان سريج لأنه قد استدرك بالثنتين الإضراب عن واحدة ولا يصح الإضراب عن الأولى، وقال بعض أصحابنا: هذا غير صحيح بل لا يلزمه إلا طلقتان لأنه إذا استدرك زيادةً على الأولى بطل حكم الإضراب لدخوله في المستدرك كما لو قال: علي درهم لا بل درهمان لم يلزمه إلا درهمان.
فرع آخر قال لإحدى زوجتيه: أنت طالق واحدة لا بل هذه ثلاثًا طلقت الأول واحدة وطلقت الثانية ثلاثًا لأنه استدرك بالثانية الإضراب عن طلاق الأولى ولا يمكن الإضراب عن الأولى.
فرع آخر لو قال لزوجة واحدة: أنت طالق واحدة لا بل ثلاثًا إن دخلت الدار قال ابن الحداد: طلقت في الحال واحدة وطلقت بدخول الدار وتمام الثلاث إن كانت مدخولًا بها وهذا قياس قول ابن سريج في قوله: أنت طالق واحدة لا بل ثنتين يقع ثلاث وقال [21/ ب] بعض أصحابنا: هذا غير صحيح لدخول الواحدة في الثلاث فاقتضى أن يكون الشرط راجعًا إلى الجميع ولا تطلق قبل دخول الدار شيئًا، فإذا دخلتها طلقت ثلاثًا وهذا اختيار صاحب الحاوي.
مسألة: قالَ: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ طلاقًا فهيَ واحدةٌ".
هذا تأكيد الكلام بالمصدر فإن نوى به التأكيد أو أطلق حمل على التأكيد، وإن نوى به طلقة مستأنفة وقعت لأنه يحتمل، وإن نوى به الثلاث وقع الثلاث بلا خلاف وهكذا لو قال أنت طالق الطلاق.
مسألة: قالَ: "وكلُّ مُكْرهٍ ومغلوبٍ على عقلِهِ فلا يلحقُهُ الطلاقُ".
في اللفظ إشكال لأن الإكراه إذا كان بحق في المولى يقع الطلاق فيحتمل أنه قصد به الرد على أبي حنيفة رحمه الله فلم يستعمل تمام البيان ويحتمل أنه قصد الإكراهين.

الجزء: 10 - الصفحة: 103

بالبيان ولكن أجاب عن أحد القولين في المولى أنه لا يجبر على الطلاق بل يطلق القاضي وهو اختيار المزني وعامة أصحابنا طلاق المكره غير واقع في الجملة لذلك عتقه وعقوده إذا قصد باللفظ دفع الإكراه عن نفسه والأصل فيه أن القصد إلى اللفظ في الطلاق معتبر عندنا فإذا لم يقصد لم يقع ولهذا لو سبق لسانه الطلاق لا يقع فيما بينه وبين الله تعالى وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وروي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وشريح والحسن وعطاءٍ والقاسم وجابر بن زيد وسالم وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري: طلاق المكره وعتقه نافذ وبه قال النخعي والزهري وقتادة والشعبي وقال أبو حنيفة: نكاحه ينفذُ أيضًا وسائر العقود لا تنفذ ولكن تنعقد وله فسخه وهذا غلط [22/ أ] لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق في إغلاق"، قال أبو عبيد والعتنبي: الإغلاق الإكراه.
وروت عائشة رضي الله عنها مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".
وروي "في غلاق" وروى قدامة بن إبراهيم أن رجلًا تدلى بحبل يشتار عسلًا في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلف لتقطعنه أو لتطلقني ثلاثًا فذكرها الله والإسلام فأبت إلا ذلك فطلقها ثلاثًا فلما ظهر إلى عمر ابن الخطاب فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها فقال: "ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق"، وروي أنه قال: لا طلاق في إغلاق.
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على مقهور يمين".
وقال ثابت الأعرج تزوجت أم ولد لوالد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وله منها ولد فوثب عبد الرحمن فجعل الرهن في رجلي يقول: تزوجت أم ولد أبينّا بغير علم منا فو الله ما ننزع منك حتى تطلقها ثلاثًا فطلقتها ثم لحقت بعبد الله بن الزبير فقال: لا طلاق لمستكرهٍ أنت أحق بامرأتك ثم سألت ابن عمر فقال ما قال ابن الزبير فولد له رجلان قال عمرو بن دينار وقد رأيتهما فإن قيل: روى أبو عبيد عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه قدامه بن إبراهيم أنه قال: فرفع الأمر إلى عمر فأبانها منه قيل قال أبو عبيد روي عن عمر خلافه، قال الشيخ أحمد البيهقي رحمه الله: المحفوظ عن عمر ما ذكرنا، وهذا أشبه أن يكون غلطًا من أبي عبيد أو من يزيد، واحتجوا بما روي أن رجلًا كان نائمًا مع امرأته فجلست على صدره ووضعت السكين على حلقه وقالت له: طلقني ثلاثًا أو لأذبحنك فطلقها ثلاثًا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم [22/ ب] فأخبره بذلك فقال: "لا قيلولة في الطلاق" قُلنا: لم يقبل

الجزء: 10 - الصفحة: 104

قوله في الإكراه، وهو ظاهر من حالة أن المرأة لا تقدر على ذلك فطلقها طوعًا، فإذا تقرر هذا فلا خلاف أنه إذا طلق مكرهًا، وروي بغيره بأن قال: أردتُ من وثاق أو أردت أنها كانت طالق من زوج غيري يقبل في الحكم ولا يقع شيء بخلاف حالة الطوع، لأنه لو أراد ذلك لا يقبل في الحكم لأن الظاهر من الإكراه أنه أراد ما قال ولا خلاف أنه لو اختار اللفظ وأقر به أو أكره على طلقة واحدة فطلقها ثلاثًا أو أكره على تعليق الطلاق بصفة فنجزه أو أكره على التنجيز، فعلق أنه يقع الطلاق وحكي شيخنا ناصر - رحمه الله - عن أبي الوليد النيسابوري من أصحابنا أنه قال: لا يقع وإن نوى الطلاق لأن اللفظ من غير اختياره فبقي مجرد النية وهذا ضعيف، وإن أطلق ولم ينو ولم يور بغيره لا يقع الطلاق أيضًا عن أكثر أصحابنا، وقال بعضهم: فيه وجهان، أحدهما: هذا لأنه لفظ حمل عليه من غير حق فلا حكم له كالإقرار بالطلاق.
والثاني: أنه يقع الطلاق لأنه كان قادرًا على التورية فتركها فصار مختارًا للطلاق ولهذا تلزمه التورية إذا أكره على كلمة الكفر وهذا اختيار القفال.
فرع المولى إذا أكره على الطلاق عند امتناعه من الفيء فطلق يقع الطلاق لأنه إكراه بحق، ولو نذر عتق عبد بعينه فامتنع من إعتاقه فأكره حتى أعتق نفذ لما ذكرنا، وعلى هذا لو أكره الذمي على الإسلام فأسلم لا يصح إسلامه لأنه لا يحل إكراهه عليه، ولو أكره الحربي على الإسلام فأسلم صح إسلامه [23/ أ] لأنه إكراه بحق، ولو أكره الذمي أو الحربي على الإقرار بالإسلام فأقر لا يصح لأنه إكراه بحق.
ولو أكره الذمي أو الحربي على الإقرار بالإسلام فأقرّ لا يصح لأنه لا يجب على المسلم إكراه واحد منهما على الإقرار بالإسلام إنما يجب في الحربي الإكراه على إنشاء الإسلام.
ولو قال: طلق امرأتك وإلّا اقتصصت منك لا يكون إكراهًا لأنه أوعده بالحق.
فرع آخر لو قال: طلق وإلا قتلتُ نفسي لا يكون إكراهًا.
فرع آخر حد الإكراه ماذا؟ قال أصحابنا: أصل الإكراه يفتقر إلى ثلاث شرائط: أن يكون المكره قاهرًا غالبًا وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون عام القدرة كالسلطان والمتغلب، والثاني: أن يكون خاص القدرة كاللص والسيد مع عبده.
والثاني: أن يغلب على ظن المكره إن الذي يطلب منه متى لم يفعله وقع به الوعيد الذي يهدده.
والثالث: أن يكون الذي يهدده به مما يلحقه به ضرر فيما يخصه في نفسه.
فرع آخر اختلف أصحابنا في الضرر الذي يتواعد به، منهم من قال: أن يخاف قتلًا أو جرحًا وقد قال أبو إسحاق قريبًا من هذا وذلك أنه قال: الإكراه فعل مبرح أو فعل مؤثر تأثيرًا يؤدي إلى الموت، فأما إذا هدده بأخذ ماله أو حبسه من غير منع الطعام والشراب فلا

الجزء: 10 - الصفحة: 105

يكون إكراهًا حتى لو هدد بأخذ ماله لا يكون إكراهًا، وقال أيضًا لا إكراه إلا أن ينال بالضرب.
وقال ابن أبي هريرة: هذا كله إكراه، والتهدد بأخذ المال وإتلافه إكراه لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له أن يدافع عن ماله كما جعل له أن يدافع عن نفسه وإن هدده بالضرب اليسير والصفع والشتم والحبس فإنه يختلف باختلاف أحوال الناس، لأن في كل هذا ضررًا [23/ ب] وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في "كتاب المكره" من يخاف مخوفًا عليه دلالة أن امتنع من قبول لما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم والاختلاف باختلاف أحوال الناس، أما إن كان الرجل من ذوي المروءات والأشراف الذي يستضر بالضرب اليسير والشتم والحبس القليل كان إكراهًا، وإن كان من الشطار والسقاط الذين عادتهم الضرب والشتم والحبس لا يكون إكراهًا، وبه قال صاحب الإفصاح وهو الصحيح والمذهب، وقال القفال في شرح عيون المسائل: حدُ الإكراه في كل موضع أن يخوف الرجل بما لا يطيقه ويشق عليه تحمله في بدنه مثل القتل أو الضرب المبرح أو الحبس الطويل، فأما اللطمة واللطمتان أو حبس يوم أو يومين أو كان شريفًا فخوف بأن يجرد من ثيابه في الملأ أو ينكل به في البلد، أو يركب حمارًا ويطاف به، ونحو ذلك فليس بإكراهٍ وكذلك الإكراه بإتلاف المال، لأن الإكراه في البدن لا في المال، وعلى هذا لو قال لرجل: إن أتلفت مال فلانٍ وإلا قتلك فأتلف فهو مكره ولا يغرم المال الذي أتلفه، وبمثله لو قيل: له إن أتلفت مال فلان وإلا أتلفنا مالك فأتلف فعليه الضمان ولا نجعله مكرهًا.
قال: وقد غلط أهل هراة في صورة المكره وكنت بها وقد انجلى عنها الرئيس القديم وأقيم مقامه سواء كان هذا الرئيس الثاني يأتي بأقوام من أهل هراة يتهمهم بأن عندهم ودائع ذلك الرئيس القديم فينكرون ويحلفون بالطلاق ويطلقهم فسئلت عن وقع الطلاق في هذه الحالة فأفتيت بأن الطلاق يقع فنازعني أهل هراة فيها، وقالوا: يجب أن لا يقع لأنها يمين مكرهٍ [24/ أ] فقلت: ليس هذا يمين مكره لأن الإكراه أن يخوف في بدنه بشيء فأما في مال غيره فلا إكراه، فإذا حلف أن لا وديعة عندي بالطلاق وعنده وديعةٌ فكأنه افتدى المال بالطلاق فوقع الطلاق إذ الإكراه هاهنا ليس على الطلاق وعلى هذا لو حبس السلطان رجلًا ليصادر فباع أمواله في تلكم الحال فالبيع نافذ لأنه لم يكره به على البيع وإنما أكرهه على بدل ماله والفتوى عندي هاهنا أن يحلف ويوري ولا يقع الحنث حتى لا يتلف مال الغير والله أعلم.
وروي عن أحمد في رواية أنه قال: الوعيد لا يكون كرهًا لأنه لم يحلقه ما يستضر به، وقال: المكره إذا كان القتل أو الضرب الشديد وهذا غلط لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد، لأنه لا يمكن إزالة ما يقع به وإنما يخاف ما يوعد به وقد قال شريح: القيد كره والوعيد كره وفي قصة المشتار عسلًا لم يكن إلا الوعيد، وذكر صاحب "الحاوي" هذا الفصل شرحًا حسنًا فأوردته على وجهه وذلك أنه يعتبر في المكره ثلاثة شروط،

الجزء: 10 - الصفحة: 106

أحدها: أن يكون قاهرًا على ما ذكرنا.
والثاني: أن يغلب في النفس بالأمارات الظاهرة أن سيفعل ما يتوعد به إن لم يجب.
والثالث: أن يكون بظلم ويعتبر في المكره ثلاثة شروط أحدها: أن لا يقدر على دفع الإكراه عن نفسه لا بالذبّ من المكره، والثاني: أن يعلم إن خوّف المكره بالله تعالى لم يخف لبغيه.
والثالث: أن لا يكون له ناصر يمنع منه ولا يمتنع بكفه عنه، فإن عدم أحدها لا يكون مكرهًا، قال: والإكراه ادخال الضرر البين على المكره، وذلك يكون من أحد سبعة أوجه، أحدها: القتل وهو الأعظم، والثاني: الجرح إما بقع طرفٍ أو إنهار دم فهو إكراه [24/ ب] للألم وربما يسري إلى النفس، والثالث: الضرب يكون إكراهًا لألمه وضرره إلا أن يكون في قوم أهل الشطارة والصعلكة الذين يتفاخرون بالصبر على الضرب فلا يكون إكراهًا في أمثالهم.
والرابع: الحبس.
والخامس: أخذ المال.
والسادس: النفي عن بلده، والسابع: السب والاستخفاف.
فرع آخر قال: لو هدد بقتل غيره فإن كان بينهما بعضية كالوالدين وإن علوا والمولودين وإن سفلوا، كان إكراهًا لأن البعضية تقتضي التمازج في الأحكام.
وقال القاضي الطبري: لو هدده بإدخال الضرر على ولده فهو كنفسه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وليس شيء، وإن كان من غير ذي رحم محرم كبني الأعمام والجار والصديق لا يكون إكراهًا لأن بين جميع الناس تناسبًا بعيدًا، وإن كان ذا رحم محرمٍ كالإخوة والأعمام والعمات فهل يكون التهديد بقتلهم إكراهًا؟ وجهان، أحدهما: لا يكون إكراهًا لعدم البعضية.
والثاني: يكون إكراهًا لوجود المحرمية كالوالدين.
فرع آخر قال: لو هدده بطول الحبس كان إكراهًا، وإن كان قصير الزمان كاليوم ونحوه لا يكون إكراهًا لقربه وقلة ضرره، وإن كان لا يعلم طوله ولا قصره كان إكراهًا لأن الظاهر من المحبوس على شيء أنه لا يطلق إلا بعد فعله وحكم القيد إذا هدد به حكم الحبس لأنه أحد المانعين من التصرف.
فرع آخر قال: إذا خوف بأخذ المال ينظر فإن كان كثيرًا يؤثر أخذه في حاله كان إكراهًا وإن كان قليلًا لا يؤثر في حاله لا يكون إكراهًا، وإن كان كثيرًا إلا أنه لا يؤثر في حاله لسعة ماله فيه وجهان، أحدهما: يكون إكراهًا لقدر المال للنفوس به، والثاني: لا يكون إكراهًا اعتبارًا [25/ أ] بحاله التي لا يؤثر المأخوذ فيها، وقال الماسرجسي: لو قيل لغني: افعل كذا وإلا أخذت منك خمسة دراهم لا يكون إكراهًا.
فرع آخر لو أكرهه بالنفي عن بلده فإن كان ذا ولد وأهل ومالٍ لا يقدر على نقله معه كان

الجزء: 10 - الصفحة: 107

إكراهاً، وإن قدر على نقلها ومكن منها فيه وجهان، أحدهما: لا يكون إكراهًا لتساوي البلاد كلها في مقامه فيما شاء منها، والثاني: يكون إكراهًا لأن النفي يكون عقوبةً كالحد وفيه مشقة شديدة.
فرع آخر قال: السبّ والاستخفاف إن كان من عامة الناس وسفلتهم الذين لا يتناكرون ذلك فيما بينهم ولا ينقص جاههم لا يكون إكراهًا فيهم، وإن كان من ذوي الصيانات وذوي المروءات فيه وجهان، أحدهما: يكون إكراهًا لما يلحقهم من وهن الجاه وألم القلب.
والثاني: لا يكون إكراهًا لأن الناس علموا أنه مظلوم به، قال: والأصح عندي أنه ينظر في حال الإنسان فإن كان من أهل الدنيا وطالبي الرتبة فيها كان ذلك إكراهًا في مثله لأنه ينقص ذلك من جاهه بين نظرائه، وإن كان من أهل الآخرة وذوي الزهادة في الدنيا لم يك ذلك إكراهًا في مثله، لأنه لا ينقص ذلك من جاهه بين نظرائه، بل ربما كان أعلا لذكره مع كثرة ثوابه، هذا مالك بن أنس رحمه الله جرد السياط فيما كان يفتي به من سقوط يمين المكره فكأنما كان خليًا خُلّيَ به في الناس.
فرع آخر ينظر في المكره فإن تلفظ به غير قاصد للفظه ولا مريد لإيقاعه لم يقع، وإن قصد لفظه وأراد إيقاعه يقع، وإن قصد لفظه ولا يريد إيقاعه فيه وجهان، أحدهما: لا يقع لفقد الإرادة في الوقوع.
والثاني: يقع لقصده لفظه والمختار إذا تلفظ به ولم يرد [25/ ب] وقوعه وقع.
فرع آخر طلاق الهازل وعتقه نافذ بلا خلاف لأنه اختار لفظ، وإن لم يختر حكمه وصورته أن يقول لزوجته: طلقتك ظنها أجنبية ونحو ذلك وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والعتاق والنكاح" وروى أبو هريرة "النكاح والطلاق والرجعة".
فرع آخر لا يقع طلاق المغلوب على عقله من المجنون والنائم والمغمى عليه، ولا يقع طلاق الصبيّ لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه، وقال علي رضي الله عنه: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه

الجزء: 10 - الصفحة: 108

والصبي.
وقال أحمد في رواية: إذا عقل الصبي الطلاق يقع طلاقه وهذا غلط لما ذكرنا ولا غير مكلفٍ كالمجنون.
مسألة: قالَ: "طلاقُ السكرانِ مِنْ خمرٍ أو نبيذٍ".
الفصل نصَّ الشافعي رضي الله عنه في عامة كتبه: أن طلاق السكران واقع ونصّ على أنه إذا أسلم في حال سكره ثم ارتد استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قال: المزني وقال الشافعي في التنبيه: في ظهار السكران قولان، وهذا لا يعرف للشافعي ولكن نقله المزني عن أمالية القديمة ولعله سمعه منه لفظًا فيكون طلاقه على قولين أيضًا.
أحدهما: يقع وبه قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والنخعي وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن ومحمد بن سيرين والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد في رواية.
والثاني: لا يقع، وبه قال عثمان بن عفان وربيعة والليث وطاوس ويحيى بن سعيد وهو اختيار المزني وابن سريج وأبي سهل الصعلوكي وسهل وأبي ظاهر الزيادي والكرخي [26/ أ] وإسحاق وأبي ثورٍ وداود وابن القاسم الصفار من أصحابهم وهو رواية عن علي وابن عباس رضي الله عنهم وهو الصحيح عندي، وبه أفتي، ورواه بعض أصحابنا عن عمر بن عبد العزيز وأبي يوسف، وقيل: قولٌ واحدٌ للشافعي أنه يقع ولم يوجد في القديم ما نقل المزني، وإن ظهر به المزني فلعله حكاية مذهب الغير وعلى هذا أكثر أصحابنا، وروي أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن طلاق السكران فقال: إذا طلق السكران جاز طلاقة وإن قتلَ قُتل، وقال الحسن: السكران يجوز طلاقه وعتقه ولا يجوز شراؤه ولا بيعه، وقال الزهري: أُتي عمر بن عبد العزيز برجل سكران فقال: إني طلقت امرأتي وأنا سكران فكان رأي عمر معناه أن نجلده وأن يفرق بينهما فحدثه أبان بن عثمان عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ليس للمجنون والسكران طلاق، فقال عمر: كيف تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان؟ فجلده ورد إليه امرأته.
قال الزهري: فذكر ذلك له لرجاء بن حيوة فقال: قرأ علينا عبد الملك بن مروان كتاب معاوية بن أبي سفيان فيه السنن إن كل أحدٍ طلق امرأته جائز إلا المجنون والدليل على أنه لا يقع طلاقه أنه لا يعلم ما يقول فأشبه النائم فإن قيل: النائم النائم غير عاصٍ وهذا عاصٍ يغلظ عليه قلنا: باطل بالنائم وقت الصلاة حتى تخرج وقتها عمدًا فإنه عاصٍ ولا يقع طلاقه فإن قيل: هو عاصٍ بترك الصلاة لا بالنوم قلنا: هذا عاصٍ بالشرب لا بالسكر فإنه من الله تعالى، وكما أن السكر تولد من السبب فكذلك [26/ ب] تولد من النوم فلا فرق، وأيضًا لو ضرب على

الجزء: 10 - الصفحة: 109

رأسه بشيء حتى زال عقله ثم طلق لا يقع طلاقه بالإجماع، وهذا عاصٍ واحتج الشافعي رحمه الله تعالى على من خالفه في وقوع الطلاق بأن المعصية بشرب الخمر لا تسقط عنه فرضًا ويعاقب، فلا يقاس على المثال بزوال عقله وهو المجنون وهذا ظاهر ولكن يدخل عليه ما ذكرنا والله أعلم.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: حد السكر أن يختلط كلامه ويتمايل في مشيه، وقال أبو ظاهر الزيادي: هو أن يصير إلى حالة يبدر من لسانه كلامه من غير قصده، وقال العامري: عند أبي حنيفة هو أن يذهب عقله كله بحيث لا يعرف الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل، وقال أبو يوسف: حده أن يذهب عقله كله بحيث لا يعرف الأرض من السماء ولا المرأة من الرجل، وقال أبو يوسف: حده أن يذهب عقله بحيث لا يقيم منطقًا ولا جوابًا، فقال القفال: سمعتُ هذا عن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله وكنت أنكر أن هذا كيف يتصور حتى سمعتُ المحمودي من أصحابنا قال: كنت أجتاز ببعض الطريق فإذا أنا بسكران وقع في وحلٍ وكان البرد شديدًا وهو يقول: يا ستي سلي اللحاف ظنًا منه أنهُ نايم في بيته فعلمتُ أنه لا يعرف الليل من النهار والسماء من الأرض والوحل من اللحاف.
فرع إذا أكره السكران وأوجر في حلقه لا طلاق لارتفاع المأثم وأصحاب أبي حنيفة يختلفون فيه.
فرع آخر لو قال: أكرهت على السكر ولم أعلم أنه مسكر وقد طلق فالقول قوله مع يمينه.
فرع آخر اختلف أصحابُنا في علة وقوع الطلاق، فقال ابن سريج: العلة فيه أنه متهم فيه لفسقه [27/ أ] ولا يعلم سكره إلا من جهته فعلى هذا يلزمه الطلاق وجميع الأحكام المغلظة والمخففة في الظاهر دون الباطل ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، ومن أصحابنا من قال: العلة أنه يغلظ عليه بالمعصية فعلى هذا يلزمه التغليظات وما كان يحفظ كالنكاح والرجعة وقبول الهبات والبياعات لا تصح، وقال جمهور أصحابنا: العلة إسقاط حكم سكره بتكليفه وإنه كالصاحي فعلى هذا يصح الجميع التغليظ والتخفيف ظاهرًا وباطنًا، قال القاضي أبو حامد: وكنت أذهب إلى الوجه الثاني حتى وجدت نصًا للشافعي أنه يصح رجعته وإسلامه من الردة فرجعت إلى هذا الوجه الآخر.
فرع آخر قال القفال: الصحيح أن في جميع أقواله وأفعاله قولين حتى في وجوب القصاص عليه بالقتل والحد بالقذف ففي أحد القولين حكمه حكم الصاحي وفي القول الثاني

الجزء: 10 - الصفحة: 110

حكمه حكم المجنون, ومن أصحابنا من قال: القولان في الأقوال دون الأفعال ومن أصحابنا من قال: فيما عليه قول واحدٌ أنه كالصاحي وفيما له قولان.
فرع آخر لو شرب دواءً أو بنجًا فزال عقله فإن كان للدواء فهو معذور كالمجنون لا يقع طلاقه, وإن قصد به زوال العقل للهو والجنون فلا نص فيه ولكن قياس ما قال في الصلاة أنه يلزمه قضاء الصلوات وهو كالسكران, وقال في"الحاوي" فيه وجهان, أصحهما: إنه كالسكران لأنه عاص.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة لا يقع طلاقه وأن كان عاصيًا لأن الشراب مطرب تدعو النفوس إلى تناوله فغلظ حكمه زجرًا عنه كما بالحد بخلاف هذا, وحكي العامري عنه [27/ ب] أنه لو أغمي عليه من سكره لا يقع طلاقه أيضًا.
فرع آخر لو سكر ثم جن فإن لم يتولد الجنون من سكره لا يقع طلاقه, وإن تولد من سكره فحكمه حكم السكران وإن جن ثم سكر لا يقع طلاقه وهو كغير السكران.
فرع آخر إذا قلنا لا يقع طلاقه ينبغي أن لا يفعل الطلاق حين قاله يتيقن زوال عقله حتى يقبل قوله فأما إذا اتهمناه أو قال بعد الصحو: عقلت الطلاق حين تكلمت يقع طلاقه بلا إشكال.

باب الطلاق والحساب والاستثناء

مسألة: قالَ: "ولوْ قالَ: أنت طالقٌ واحدةٌ في اثنتين".
الفصل إذا قال لها: أنت طالق واحدة في اثنتين لا يخلو إما أن يكون عارفًا بالحساب أو جاهلاً فإن نوى مقرونه ثلاثًا ويكون معنى قوله في اثنتين أي مع اثنتين وقد يذكر ويراد به كما قال تعالى: ﴿أولئك الذين حق عليهم القول أمم﴾ [الأحقاف:18] أي مع أمم وإذا أطلق وقال: لا نية لي وقعت واحدة لأنه إذا لم يفهم ما قال لم يقصد إلى لفظ الإيقاع فهو كقول الأعجمي: أنت طالق وهو لا يعرف معناه لا يقع شيء, وإن قال: أردت موجبه عند أهل الحساب قال عامة أصحابنا: يقع طلقةٌ لأنه إذا لم يفهم معناه في نفسه لم يكن طلاقًا بأن يفهمه غيره, كما لو قال الأعجمي: أنت طالق ثم قال: ما فهمت ذلك لكني أردت موجبه عند أهل اللسان لا يقع شيء, وقال أبو بكر الصيرفي: يكون على ما أراد فيقع طلقتان لأن ذلك مقتضي الحساب [28/ أ] وإن كان عارفًا بالحساب فإن قال: أردت مقرونةً طلقت ثلاثًا, وإن

الجزء: 10 - الصفحة: 111

قال: أردت أن يكون الثنتان ظرفًا كما يقال ثوبٌ في صندوقٍ وسيفٌ في غمدٍ يقع واحدة ويقبل قوله, وإن قال: أردت به الحساب يقع اثنتان, وإن أطلق وقال له نية لي نقل المزني وحكاه عنه لفظًا في"جامعه الكبير" إنه يقع واحدة لأنه يحتمل في اثنتين واقعتين ويحتمل في اثنتين باقيتين عليك فلا يلزمه إلا اليقين.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال يقع اثنتان, لأنه صريح في اثنتين, لأن عبارة أهل اللسان بها على الاثنتين, وبه قال أحمد.
وقال القفال: فيه قولان مبنيان على ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق هل يحمل على التكرار أو الاستئناف عند الإطلاق؟ فيه قولان فإن أخذنا بظاهر اللفظ هناك وهو الاستئناف يقع اثنتان هاهنا, وإن أخذنا باليقين هناك هاهنا يقع واحدة, وإن ادعت المرأة أنه أراد مقرونة فالقول قوله مع يمينه.
وقال أبو حنيفة: يقع طلقة واحدة بكل حال سواء قصد به الحساب أو لم يقصد إذا لم يقصد مع اثنتين, واحتج بأن الضرب إنما يصح فيما له مساحة فتكون واحدة في اثنين اثنين, فأما ما لا مساحة له فلا حقيقة له في الحساب, وإنما حصل منه لفظ الإيقاع في واحدة فوقعت دون غيرها وهذا غلط لأن هذا اللفظ موضوع في العدد لاثنين, فإذا أراده وقع به من الطلاق ما وضع له, وأما ما ذكر فلا يصح لأنه للحساب في الأصل فصار مستعملاً في كل ما له عدد.
فرع لو قال: أنت طالق اثنتين اثنتين يقع ثلاث تطليقاتٍ إذا كان يعلم الحساب وقصده لأن ذلك عبارة [28/ ب] عن أربعة, وعند أبي حنيفة يقع طلقتان وإن لم يقصد الحساب, فعلى المنصوص يقع طلقتان وعلى قول أبي إسحاق يقع ثلاثة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق واحد مقرونة باثنتين ونوى واحدة ففي قوله وجهان, وإن أطلق فوجهان, أحدهما: يقع ثلاث, والثاني: يقع طلقتان ذكره جدي الإمام رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةٌ لا يقعْ عليكِ فهي واحدةٌ".
إذا قال: أنت طالق واحدة لا يقع عليك تقع طلقة لأن قوله: أنت طالق واحدة إيقاع في الشرع, وقوله لا يقع عليك كذب لأن الله تعالى أوقعها فالخبر عنها بأنها لا تقع كذب وأيضًا, فإن قوله لا تقع رفع لجميع ما أوقعه عليها وذلك لا يصح فهو كقوله أنت ثلاثًا إلا ثالثًا.
فرع قال ابن سريج في كتاب "الغنية": لو قال: أنت طالق لا وقعت طلقة وسقط قوله:

الجزء: 10 - الصفحة: 112

لا, ولو قال: أنت طالق أو لا؟ يقع الطلاق لأنه استفهامٌ تقديره أو لست بطالق فلم يقع.
فرع آخر لو قال: أنت طالق واحدة أو لا شيء فالذي يقتضيه قياس قول ابن سريج أن لا يقع شيء وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد, وقال محمد يقع واحدة لأن قوله أو لا شيء يرجع إلى ما يليه من اللفظ, وهو قوله واحدة دون لفظ الإيقاع, وهذا لا يصح لأن الواحدة صفة للطلقة الموقعة فصار كقوله أنت طالق أو لا شيء, ولو قال: أنت طالق بل لا طلقت ذكره ابن أبي أحمد.
فرع آخر لو قال: أنت لا طالق لم يقع شيءٌ لأنه قدم حرف النفي.
فرع آخر لو قال: أنت طالق اثنتين لا يقعان عليك طلقت اثنتين, وكذلك لو قال ثلاثًا لا يقعن عليك طلقت ثلاثًا, ولو قال: أنت طالق واحدةً وثانيةً لا تقع عليك أو قال: وثانيةٌ لا [29/ أ] طلقت واحدةً.
فرع آخر لو قال: أنت طالق طلقتين لا يقع واحدة منهما صار استثناء وطلقت واحدة كما لو قال: أنت طالق اثنتين إلا واحدة, وذكر جدي وجهًا أنه يقع اثنتان ولا يكون استثناء وهو ضعيف.
فرع آخر لو قال: أنت طالق من واحدةٍ إلى ثلاث وقعت ثلاث تطليقات, وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يقع اثنتان, وقال زفر: يقع واحدة وكلاهما يحتمل على مذهب الشافعي, ففي المسألة ثلاثة أوجه: وجه القول الأول: أن الثلاث اسم لثلاثة آحاد مجموعةٍ فقد دخل آحاد الثلاث في قوله إلى ثلاث فيقع الكل, كما لو قال إلى تمام الثلاث.
ووجه القول الثاني: أنه أوقع ما بين الواحدة وبين الثلاث وما بينهما هي الثانية, غير أن ضرورة الثانية أن يكون له أو ل فأوقعنا الأولى بضرورة ويجوز أن يكون ثانية لا ثالثة فلم توقع وهذا أقرب إلى المذهب.
ووجه القول الثالث: أن لفظه للطلقة الثانية فلا يقع غيرها, كما لو قال: أنت طالق آخر الثلاث تقع الثالثة دون الثانية والأولى وهذا أقيس، قال شيخنا ناصر: وهكذا الحكم إذا قال: أنت طالق ما بين الواحد إلى الثلاث.
مسألة: قال: "ولو قال: واحدةً قبلها واحدةٌ كانت تطليقتين".

الجزء: 10 - الصفحة: 113

إذا قال: أنت طالق واحدة قبلها نص الشافعي رضي الله عنه على أنه يقع طلقتين ولا خلاف فيه واختلف أصحابنا في كيفية وقوعها, فقال أبو إسحاق: قوله: أنت طالق طلقة إيقاع في الحال لطلقة وقوله: قبلها طلقة إخبارٌ عن طلقة قبلها وليس بإيقاع لأن الطلاق في الحال في وقت مضى بحال, وقال ابن أبي هريرة: كل واحدة منهما إيقاع فيقع طلقة عقيب طلقة وهذا لا يصح [29/ ب] لأن الشافعي فرّع على هذا في "الأم" فقال: إن قال: أردت بقولي قبلها طلقة طلاقًا كنت طلقتها قبل هذا فإن علم ذلك قبل منه وإلا لا يقبل منه في الحكم, ويدين فيما بينه وبين الله تعالى فدل على بطلان ما قاله ابن أبي هريرة, ومن أصحابنا من حكي خلاف هذا عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة, فقال: قال أبو إسحاق تقع هذه الواحدة التي تجعلها قبل التي أوقعها على موجب لفظه اعتبارًا بموجب اللفظ ويكون وقوعها بعد لفظه وقبل التي أوقعها بلفظه فيجعل تأخر الطلاق مؤخرًا ليتقدمه طلاق الصفة حتى لا يكون وقوعه سابقًا للفظه, وقال ابن أبي هريرة يقع مع التي أوقع ولا يقع قبلها لئلا يكون وقوع الطلاق سابقًا للفظ الطلاق, كما لو قال: أنت طالق أمس, وقع في اليوم لهذا المعنى وهذا أصح ولا يصح ما قاله أبو إسحاق لأن ناجز الطلاق يقع بنفس اللفظ لا بتعقبه, لأنه لو قال لها: أنت طالق ومات مع آخر كلامه من غير فصل طلقت, ولو كان يقع بعده لم تطلق فعلى قول أبي إسحاق تقع الطلقتان عليها بعد لفظه بزمانين ليقع كل واحدة من الطلقتين في كل واحد من الزمانين وعلى قول ابن أبي هريرة تقع الطلقتان بنفس اللفظ من غير زمان يعتبر بعده واختار القاضي الطبري: أنه يترتب في فيقع طلقةً بعد طلقة ويصير كأنه قال: قال: أنت طالق طلقة بعد ساعة فكأنه أوقعها متأخرة وطلقة قبلها في الحال وهذا أظهر.
فرع لو قال: أنت طالق طلقةً بعدها طلقة يقع طلقتان وتكون واحدةً بعد واحدةٍ على موجب لفظه بلا خلاف إلا على قول أبي إسحاق تقع الأولى بعد قوله أنت طالق طلقة, وتقع الثانية بعد قوله: بعدها طلقة وعلى قول ابن أبي هريرة: تقع الأولى مع قوله: أنت طالق [30/ أ] وتقع الثانية بعد قوله: بعدها طلقة.
فرع آخر قال في "الأم": فإن قال في هذه المسألة: أردت بقولي: بعدها طلقة سأوقعها عليك بلفظ جديد قبل فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم لأنه خلاف الظاهر, وقال في"الحاوي": إن صدقته قبل منه ظاهرًا وباطنًا, وإن كذبه لم يقبل ظاهرًا على ما ذكرنا, وكذلك لو قال: أنت طالق قبل طلقة أو بعد طلقة وقعت طلقتان أيضًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 114

فرع آخر لو قال: أنت طالق طلقةً قبلها طلقة وبعدها طلقة طلقت ثلاثًا, ولو قال: أنت طالق طلقة قبلها وبعدها طلقة طلقت ثلاثًا أيضًا, لأنه أوقع نصف واحدة قبلها والنصف الثاني بعدها والنصف يكمل بطلقة وفيه وجه آخر: تقع طلقتان وليس بشيء.
فرع آخر لو كان له زوجتان حفصة وعمرة فقال لعمرة: كلما حلفت بطلاق فأنت طالق فقد حلف بطلاق عمرة لأنه علق طلاقها بالصفة فإن قال بعد ذلك لحفصة: كلما حلفت بطلاق عمرة فأنت طالقٌ فقد حلف بطلاق حفصة فتطلق عمرة, فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة طلقة ثانية فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة ثانية فإن أعاد القول لحفصة طلقت عمرة ثالثة, فإن أعاد القول لعمرة لم تطلق حفصة لأن عمرة قد بانت فلا يمكن أن يحلف بطلاقها فطلقت عمرة ثلاثًا وطلقت حفصة طلقتين.
فرع آخر لو قال لها: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق قد ذكرنا هذه المسألة, وكذلك لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق ولا فرق بين كلما وإذا في هذا إلا في موضع واحد وهو أنه لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال بعد هذا: إن دخلت الدار فأنت طالق, وإن خرجت منها فأنت طالق, وإن لبست فأنت طالق طلقت ثلاثًا, ولو كان عقد الصفة بكلمة إذا لم تطلق إلا واحدة لأن إذا لفعل مرة وكلما للتكرار [30/ ب] فأن لم يكن مدخوًلا بها لا يقع إلا واحدة.
فرع آخر لو قال: كلما حلفت بطلاقك فأنت طالق وعبد من عبيدي حر فأعادها بعد العقد ثلاثًا وعتق ثلاثة أعبد, فإن أعاد رابعًا فلا طلاق ولا عتق لأنه لا طلاق بعد ثلاث فإن كان غير مدخولٍ بها لا يقع إلا واحدة ولا يعتق إلا عبد واحد.
مسألة: قال: "ولو قال: رأسك أو شعرك أو يدك أو رجلك أو جزء من أجزائك طالقٌ".
الفصل إذا طلق جزءًا من أجزائها مشاعًا طلقت بلا خلاف سواءٌ كان ذلك الجزء مجهولاً أو معلومًا فإن طلق جزءًا معينًا أي جزءٍ كان طلاقًا عندنا والأصل فيه أن يتصل بها اتصال الخلقة مثل اليد والرجل والظفر والشعر وغير ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يقع الطلاق إلا أن يضيفه إلى الرأس أو الوجه أو الرقبة أو الظهر أو الفرج لأنه يعبر بهذه الأشياء عن جميع البدن, وهكذا الخلاف في العتق إلا أنه قال: لو قال لعبده: فرجك حر لم

الجزء: 10 - الصفحة: 115

يعتق, ولو قال لأمته ذلك تعتق.
وقال أحمد: إذا أضافه إلى عضو ى ينفصل في حال الحياة يقع, فأما إذا أضاف إلى الشعر والسن والظفر لا يقع وهذا غلط لأنه أضاف الطلاق إلى جزءٍ استباحه بعقد النكاح فيقع على الجملة كالأعضاء الخمسة.
فرع إذا قال: شعرك طالق ظاهر المذهب أنه يقع الطلاق على الجملة بهذا اللفظ لأنه لما علم الطلاق لا يتبعض قصد بتطليق بعضها تطليق جميعها.
ومن أصحابنا من قال: يقع ذلك على الجزء ثم يسري إلى الباقي لأن الطلاق على السراية وهذا أصح عندي, وفائدة هذا تتبين فيما لو لم يكن لها يد في الكتف فقال: يدك طالق هل يقع؟ فأن قلنا بالأول [31/ أ] يقع, وإن قلنا بالثاني لا يقع, وقيل: في الشعر وجهان بناءً على أن فيه روحًا أولاً وفي السن وجه واحدٌ.
فرع آخر لو كان لها إذن مقطوعة ملصقة فإذا أضاف الطلاق إليه قال أهل العراق من أصحابنا: لا تطلق, وقال القفال: طلقت وسمعت مشايخنا بخراسان يذكرون فيه وجهين والصحيح عندي ما ذكره القفال والأقرب إلى المذهب غيره.
فرع آخر لو قال: ريقك أو دمعك أو لبنك أو منيك أو دمك طالق لا يقع الطلاق لأنه لا يتصل بها اتصال الحلقة وإنما البدن وعاء له, وقال القفال: فيه وجهان قال: والصحيح عندي أنه لا يقع إلا في دمك فإنه يقع قال: وكذلك إذا قال: روحك طالق يقع على قياس قول غيره لا يقع وقيل: إن اللبن والمني كالدم يقع الطلاق بالإضافة إليه وجهًا واحدًا والوجهان في الدمع والريق وهذا ليس بشيء.
وقال ابن أبي ليلى: يقع الطلاق بالإضافة إلى الريق وإلى كل ما في بدنها.
فرع آخر لو أضاف إلى الجنبين لا يقع الطلاق وذكر الإمام أبو على السنجي فيه وجهًا آخر أنه يقع وليس بشيء.
فرع آخر لو أضاف إلى فعلها فقال: أكلك أو شربك أو قيامك طالق أو أضاف إلى حواسها فقال: نظرك أو سمعك أو زوقك أو لمسك طالق لا تطلق إلا أن يرقعه على جوارح هذه الحواس فيقول عينك أو إذنك طالق فيقع.
فرع آخر لو قال: عقلك طالق لم يقع لما ذكرنا من العلة.

الجزء: 10 - الصفحة: 116

فرع آخر لو قال: بياضك أو سوادك أو لونك طالق فيه وجهان, أحدهما: يقع لأنه من ذاتها الذي لا ينفصل عنها, والثاني: لا يقع لأن الألوان أعراضُ تحل الأجسام وليست كالذات.
فرع آخر لو قال: غمك أو فرحك أو عمرك طالق [31/ ب] قال جدي الإمام رحمه الله: فيه وجهان والمذهب أنه كناية فإن أراد طلاقًا وقع وذكر مثله إذا قال: حركتك أو سكونك أو سمعك طالق.
فرع آخر لو قال: أوقعت الطلاق في قميصك أو ثوبك فهو كناية ذكره جدي الإمام رحمه الله وكذلك لو قال: أوقعت عندك أو في دارك أو دار أبيك طلاقًا كان كناية أيضًا.
فرع آخر لو قال لها: أقبلي نفسك فقالت: قبلت أو قال لأبيها أو لأخيها: اقبلها, فقالت: قبلت أو قال أبوها: قبلت, فإن نويا طلاقًا وقع وإلا فلا يقع.
فرع آخر لو استحق فسخ النكاح بالعيب فقال: فسخ النكاح في يدها لا نص فيه, وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان, وقال أهل العراق من أصحابنا: لا يصح ذلك وجهًا لأنه لا يسري كسراية الطلاق.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا فرجك طلقت لأنها لا تتبعض والاستثناء لا يسري.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا أنت طلقت لأنه يرفع جميع ما قبله.
فرع آخر لو قال: يا حفصة أنت طالق ورأس عمرة بالرفع طلقا وقيل: إذا لم ينو هل تطلق عمرة؟ وجهان وولو قال: رأس عمرة بالكسر لم تطلق عمرة لأنه صار خراجًا مخرج القسم برأس عمرة على طلاق حفصة.
مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالق بعض تطليقة كانت تطليقة".
إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقةٍ وقعت طلقة, وقال داود: لا يقع شيء لأن الشرع لم يرد بإيقاع نصف الطلاق وهذا غلط لأن الله تعالى قال: {فإن طلقها فلا تحل له

الجزء: 10 - الصفحة: 117

من بعد} [البقرة:230] فلا تحل له من بعد ولم يفصل ولأن التحريم والتحليل إذا اجتمعا غلب التحريم كما لو طلق نصفها [32/ أ] ولأن التحريم بتبعض فغلب ويكمل.
فرع لو قال: أنت طالق بعض طلقةٍ طلقت طلقة كما لو قال: نصفك طالق.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصفي طلقة طلقت طلقة كقوله أنت طالق طلقةً.
فرع آخر لو قال: نصف طلقتين فيه وجهان, أحدهما: يقع طلقةً واحدة وهو الصحيح لأن نصفهما واحدة.
والثاني: تقع طلقتان, لأن معناهُ النصف من كل واحدة منهما.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين كانت ثلاثًا ذكره القفال وجماعة, وقال صاحب"الإفصاح": يحتمل وجهين, أحدهما: تطلق اثنتين والنصف الثالث لغو.
والثاني: تطلق ثلاثًا ويكون تقديره أنت طالق ثلاث مرات نصف طلقتين فيكون ثلاث طلقات والأول أبين.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقةِ فيه وجهان: يقع طلقة والنصف الثالث لغو, والثاني: يقع طلقتان وهو اختيار القفال لأن ثلاثة أنصاف تطليقةٍ هو طلقة ونصف فيملك طلقتان وكذلك في الإقرار: إذا قال: علي ثلاثة أنصاف درهم فيه وجهان, أحدهما: يلزمه درهمان, والثاني: يلزمه درهم ونصف لأن الإقرار لا يكمل ولذلك إذا قال: علي ثلاثة أنصاف درهمين فيه وجهان, أحدهما: يلزمه درهمان لأن الدرهمين نصفان كل نصف منهما درهم والفاضل لغو, والثاني يلزمه ثلاثة دراهم.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصفي تطليقتين يقع طلقتان لأن نصف تطليقتين واحدة فنصفهما طلقتان بالتكميل.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصف تطليقة ومثله فيه وجهان, أحدهما: تطلق واحدة لأن [32/ ب] مثل النصف نصف فصار كأنه قال: أنت طالق نصفي تطليقةٍ والثاني: يقع طلقتان لأنه أدخل واو العطف هاهنا ولم يضعها هاهنا إلى طلقة واحدة, وعلى هذا لو قال: أنت طالق نصف طلقة ومثله يقع على الوجه الأول تطليقتان, وعلى الوجه الثاني ثلاث تطليقات.

الجزء: 10 - الصفحة: 118

فرع آخر لو قال: أنت طالق نصفه وضعفها طلقت اثنتين وجهًا واحدًا, والفرق أن المثل نظير والنصف يكرر.
فرع آخر لو قال: أن نصف طالق طلقت كما لو قال: نصفك طالقٌ, ولو قال: أنت نصف طلقة فيه وجهان, أحدهما: تطلق واحدةً إذا قلنا أنت طالق صريح, وإذا قلنا: كناية لا يقع هاهنا إلا أن ينوي.
فرع آخر قال الشافعي: رحمة الله عليه في إباحة الطلاق: إذا قال: أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقةٍ وقعت ثلاثًا لأنه عطف جزءًا من طلقةٍ على جزءٍ من طلقةٍ وظاهره أنها طلقات متغايرة, قالوا: ولو قال: أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقةٍ سدس وقعت طلقة واحدة لأنه ليس في قوله ثلث طلقةٍ لفظ الإيقاع ولا عطف على ما فيه لفظ الإيقاع, فهو كما لو قال: أنت طالق طلقة لم يقع إلا واحدة, قال أصحابنا: والتدين في الحكم إذا عطف بالواو لأنها متغايرة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثنتين إلا نصف كل واحدة فهما لا يقعان عليك طلقت ثنتين.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أقلهن ولا نية له طلقت ثلاثًا, ولو قال: إلا أكثرهن طلقت اثنتين.
فرع آخر لو قال: أنتما طالقان إلا أنت يا زينب طلقتا.
فرع آخر لو قال لأربع زوجات له: طوالق إلا زينب لم تطلق زينب.
فرع آخر لو قال: أنت نصف طلقةٍ وثلث طلقة وسدس طلقة فهو كما لو قال: أنت طلقة [33/ أ] وقد ذكرنا فيه وجهين, أحدهما: أنه صريح فيقع هاهنا ثلاث, والثاني: كناية فيقع ما نوى.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصف ثلث سدس, ولم يقل طلقة وقعت طلقة بقوله أنت

الجزء: 10 - الصفحة: 119

طالق, وكذلك لو قال نصفًا وثلثًا وسدسًا ولم يزد على هذا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصف وثلثي طلقة فيه وجهان, أحدهما: تطليقتان لأنه زاد على الواحد سدس تطليقة فحمل ذلك السدس.
والثاني: لا يقع إلا واحدة لأنه أضاف النصف والثلثين إلى طلقة واحدة والطلقة نصفًا وثلثين فلغت الزيادة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق نصف ثلاث تطليقات وقعت اثنتان إلا أن يريد نصف كل واحدة تقع ثلاث.
فرع آخر لو قال: ثلثي تطليقتين أو ثلثي ثلاث تطليقات طلقت ثنتين إذا لم يرد بقوله ثلاث تطليقات تقسم كل طلقة فإن أراد ذلك يقع ثلاث.
فرع آخر لو قال: أنت طالق خمسة أنصاف تطليقة وقعت ثلاث, ولو قال: خمسة أرباع تطليقة طلقت ثنتين, وكذلك ستة أخماس تطليقة طلقت ثنتين, ولو قال: نصف طالق نصف تطليقة لزمته تطليقة واحدة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق واحدة في نصف واحدة فإن نوى الزيادة على الواحدة قبل قوله، وإن لم ينو شيئًا أو واحدة فهي واحدة.
فرع آخر لو نظر إلى امرأتين زوجة وأجنبية فقال: إحداكما طالق فالقول قوله فإن قال أردت زوجتي طلقت, وإن قال: أردت الأجنبية لم تطلق قال في "الإملاء" لأن الطلاق على امرأته لا يقع إلا بأحد أمرين: إما بالإشارة إليها وهو أن يقول: أنت طالق أو بالصفة وهو أن يذكر اسمها وقد عدم [33/ ب] الأمران جميعًا, وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع على امرأته لأن الإنسان لا يقصد في العادة إلى طلاق الأجنبية, وقيل: هو وجه لبعض أصحابنا ولكنه خلاف المنصوص.
فرع آخر قال ابن سريج: لو كان اسم زوجته زينب فقال: زينب طالق ثم قال: أردت زينب جارة لها لم يقبل منه في الحكم والفرق بين هذه المسألة وبين المسألة قبلها أن في هذه المسألة ما طلق إلا واحدة وجارتها ما شاركتها في هذا الاسم لفظًا, وإنما شاركتها في أن الاسم موجود فيها والظاهر في العادة أن المراد به الزوجة فلا يقبل منه غير ذلك وليس كذلك إذا قال إحداها طالق لأن كل واحدة منهما شاركت الأخرى لفظًا فيقبل

الجزء: 10 - الصفحة: 120

منه ما نواه.
وقال القاضي الطبري: قال الداركي عن أبي جعفر الترمذي أنه قال: إذا قال: فلانة طالق فسمى امرأته باسمها ثم أردت امرأة أجنبية اسمها اسم امرأته وهي مطلقة من زوجها يقبل ذلك منه في الحكم إلا أن يكون في لفظه ما يدل عليه بأن يقول: فلانة امرأتي أو يقول طلقت فلانة وهذا اختيار القاضي الطبري وهو الصحيح عندي.
فرع آخر لو قال: لأم امرأته بنتك طالق ثم قال: أردت بيتك التي ليست بزوجةٍ لي, قال القاضي الطبري: الذي عندي على قياس ما قاله في"الإملاء": أن يقبل منه, وقال صاحب "الحاوي": هذا وإن كان تفريعًا ولم يذكر اسمًا فهو بالاسم أشبه فيخص الاسم لقوته بالزوجية فيلزمه الطلاق في الحكم ويدين في الباطن.
مسألة: قال: "ولو قال لأربع نسوةٍ: فقد أوقعت بينكن تطليقةً كانتْ كلُ واحدةٍ منهن طالقًا".
إذ قال [34/ أ] واعلم أن الاستثناء ضد المستثني منه فهو من الإثبات نفي, ومن النفي إثبات تقول جاءني القوم إلا زيدًا معناه جاؤوا وما جاء زيد وما أحد إلا زيدًا معناه ما جاء أحد وجاء زيد فيكون ابدأ من الذي يليه ولا يجوز استثناء الكل بحالٍ, فإذا تقرر هذا فقال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدةً أثبت ثلاثًا ونفي طلقه فيقع طلقتان ولو قال ثلاثًا إلا طلقتين أثبت ثلاث ونفي طلقتين فيقع طلقة, ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا تقع ثلاثًا لأنه استثناء الكل فلا يصح.
فرع أخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا نصف طلقة ثلاثًا لأنه أنفي طلقتين ونصف طلقة فكأنه قال: أنت طالق طلقتين ونصف طلقة تقع ثلاث نص عليه وفيه وجه آخر تقع طلقتان لأن هذا استثناء صحيح فلا باغي وهذا أصح لأنا لا نلغه بل نكمل الباقي.
فرع آخر لو قال: أنت طالق طلقتين ونصف طلقة إلا نصف طلقة قال أصحابنا: طلقت ثلاثًا لأن قوله طلقتين ومصف كقوله ثلاثًا, وقال القاضي الطبري: العلة فيه إن استثناء النصف لا يجوز ولا يجوز أن يكون راجعًا إلى الكل لأن النصف صار جملة واحدة بحرف العطف.
فرع آخر لو قال: أنت طالق طلقتين ونصف إلا واحدة, قال ابن الحداد: طلقت ثلاثًا لأن نصف الثالثة يسوى فيصير واحدة كاملة وقد دمها إلى اثنتين بواو العطف فصار كقوله: أنت طالق اثنتين وواحدة إلا فتطلق ثلاثًا ويسقط استثناء الواحدة لرجوعه إلى الواحدة ومن أصحابه من قال: تطلق تطليقتين [34/ ب] لأن واو العطف هاهنا دخلت

الجزء: 10 - الصفحة: 121

فيما لا يستغنى عنه وسراية الطلاق تستقر بعد الاستثناء, فإذا استثنى واحدة من اثنتين ونصف بقيت واحدة ونصف فتحمل اثنتين, ومن أصحابنا من قال في قوله: أنت طالق فطالق إلا طلقة يصح الاستثناء ويقع طلقة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق إلا طلقة وقعت ثلاثًا نص عليه في "الأم" لأنه عاد الاستثناء إلى الذي يليه فيرفع كله فكأنه قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة, ومن أصحابنا من قال: طلقت طلقتين ويصح الاستثناء لأنه أوقع ثلاثًا وبقي واحدة وهذا ليس بشيء.
فرع آخر لو قال: أنت طالق طلقتين ونصفًا فيه ثلاثًا أوجه, أحدها: تطلق ثلاثًا لأن الطلقة ونصفًا لا تجوز أن تستثني من نصف طلقة فسقط الاستثناء ويكمل الواقع ثلاثًا.
والثاني: تطلق طلقتين لأن النصف طلقته الواقعة مع طلقتين صارت ثلاثًا وقد استثنى منها طلقة ونصفًا فبقيت طلقة ونصف قابلت طلقتين.
والثالث: تطلق واحدة لأن كمال الواقع يكون بعد الاستثناء منه وقد استثنى طلقه ونصف من طلقتين ونصف فبقيت واحدة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا طلقة وطلقة طلقت طلقة لأن قوله وطلقة عطف على ما نفاه بالاستثناء فلا يبقى إلا طلقة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة واثنتين فيه وجهان, أحدهما: تطلق ثلاثًا إسقاطًا لجميع الاستثناء كما لو استثنى الثلاث من الثلاث دفعة واحدة.
والثاني: تطلق اثنتين إسقاطًا لآخر العددين وإثباتًا للأول لأن الأول صح فيطرح الثاني لاستحالته [35/ أ] , قال القفال: وكذلك الوجهان إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين وواحدة أو قال: إلا اثنتين وإلا واحدة.
فرع آخر لو قال: أردت بقولي إلا اثنتين وواحدة إثبات الواحدة لا استثناءها تقع اثنتان وجهًا واحدًا, إلا أنه استثنى من الثلاث اثنتين فبقيت واحدة ثم أوقع واحدةً فتقع اثنتان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة يقع ثلاثًا وبه قال أبو حنيفة, وقال أبو يوسف ومحمد: يقع طلقة وهو وجه لأصحابها لأن استثناء اثنتين جائز وإنما لا يصح استثناء الثالثة وهذا لا يصح لأن العطف يوجب اشتراك العطف مع المعطوف عليه فيصير كأنه استثنى ثلاثًا من ثلاث وقد ذكرنا نظيره.

الجزء: 10 - الصفحة: 122

فرع آخر لو قال: أنت طالق خمس طبقات إلا ثلاث طلقات وقعت طبقتان, وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح": يقع ثلاث لأن الاستثناء يرجع إلى ما يملك من الطلقات, فأما ما لم يملكه فلا حكم له فما زاد على الثلاث وجوده وعدمه سواء, فكأنه استثنى الثلاث من الثلاث وذلك لا يصح فوقع الثلاث, وعلى هذا لو قال: أنت طالق خمسًا إلا اثنتين وقعت واحدة في قولهما وفي قول عامة أصحابنا يقع ثلاث والأول أصح وهو المنصوص لأن البويطي ذكر هذه المسألة في آخر كتاب الطلاق, فقال وإذا قال: أنت طالق ستًا إلا أربعًا وقعت اثنتان, وذكر ابن الحداد في مسائله وقال: يقع طلقتان كما حكاه البويطي ووجهه إن عن الثلاث عبارتين, إحداهما: إلا لثنتين, والثانية: الثلاث فإذا قال: خمس إلا اثنتين فكأنه قال: ثلاث وكان الاستثناء منه بمنزلة الاسم الواحد.
[35/ ب].
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إلا أربعًا, قال ابن حداد: يقع الثلاث وبه قال زفر لأنه استثنى أربعًا لأنه استثنى أربعًا من الثلاث الأخر دون الذي قبله وذكر في البويطي: يقع ثلاثًا وذكر الكرخي عن أبي يوسف ومحمد: أنهما قالا: إذا قال: أنت طالق اثنتين واثنتين إلا اثنتين يقع طلقتان لأن الاستثناء من كل الجملة وإذا أمكن تصحيح الاستثناء لا يسقط.
فرع آخر قال القاضي أبو على الزجاجي: على قياس ما ذكرنا لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أربعًا إلا واحدة طلقت ثلاثًا, ولو قال أربعًا إلا ثلاثًا إلا واحدة طلقت طلقتان, ولو قال: ثلاثًا إلا أربعًا إلا ثلاثًا طلقت طلقتين, ولو قال: أربعًا إلا واحدة وإلا اثنتين طلقت واحدة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة وقعت طلقتان لأن طلقتان لأن قوله ثلاثًا إثبات وقوله إلا اثنتين نفي وقوله إلا واحدة إثبات وجملته أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: يقع ثلاث تطليقات ويبطل الاستثناء الأول والثاني لأن يرفع الكل فيسقط وإذا سقط الأول سقط الثاني لأنه متعلق به وهذا اختيار ابن أبي هريرة, والثاني: إن الاستثناء الأول يسقط ويصح الثاني فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين يقع طلقة واحدة, والثالث: يصح الاستثناء الأول والثاني لأن الاستثناء الأول إنما يسقط إذا وقع السكت عليه, فإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 123

قال إلا ثلاثًا إلا اثنتين فكأنه استثنى واحدة لأن الثلاث إلا اثنتين عبارة [36/ أ] على الواحد فيكون قد استثنى من الثلاثة الأولى واحدًا فيقع طلقتان أو يقول يستعمل الحطاب كله فأثبت ثلاثًا ونفي ثلاثًا ثم أثبت من الثلاث المنفي طلقتين فيكون طلقتان.
فرع آخر لو قدم الاستثناء فقال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثًا طلقت ثلاثًا وسقط الاستثناء أنه يعود إلى ما تقدمه ولا يصح أن يعود إلى ما تقدمه ولا يصح أن يعود إلى ما تعقبه, وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: يصح هذا الاستثناء لأن التقديم فيه لغة العرب, قال الفرزدق يمدح هشام بن إبراهيم خالد هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس إلا مملكًا أبو أمه حيٌ يقاربه وتقديره وما مثله في الناس حيٌ يقاربه إلا ملكًا أبو أمه أبو الممدوح.
فرع آخر الاستثناء يصح بجميع الحروف المستعملة فيه وهي إلا وغير وسوى وعدا وحاشى وخلا فإن قال ثلاثًا خلاً واحدة أو حاشى واحدة طلقت اثنتين وفي غير يستعمل الإعراب بضم الراء منها تارة ويفتح أخرى فإن قال: ثلاثًا غير واحدة بالفتح كان استثناء, ولو قال غير واحدة بضم الراء قال أهل العلم بالعربية: تطلق ثلاثًا لأنه بالضم يصير نعتًا ولا يكون استثناء, ولا يكون استثناءً أنت طالق ثلاثًا ليست واحدة زلا نص عن أصحابنا فإن كان المطلق من أهل العربية الذي يستعمل الإعراب في كلامه فالجواب ما قالوه, وإن كان من غيرهم كان على وجهين: على ما قدمنا من أمثاله.
مسألة: قال: "ولو قال: كلما ولدت ولدًا فأنت طالقٌ واحدةٌ فولدتْ ثلاثةٌ في ببطنٍ طلقتْ بالأولِ واحدةٌ".
الفصل [36/ ب] إذا قال لها: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق واحدة فولدت ثلاثًا في بطن طلقت بالأول واحدة, بالثاني أخرى وإن انقضت عدتها بالثالث ولا يقع الطلاق بالولد الذي تنقضي به العدة لأنها تبين يه, ألا ترى أنه إذا قال: إن متُ فأنت طالق فماتت لا يقع الطلاق لأنها تبين بالموت, فإن راجعها حين وضعت ولدين فولدت الثالثة وهي زوجته وقعت الثالثة, وحكي عن ابن خيران عن الشافعي أنه قال في "الإملاء": إذا ولدت الثالث طلقت ثالثة واستقبلت العدة وهكذا حمى ابن الحداد في مسائله عن الإملاء وقال: فيه قولان وهكذا ذكر القفال قال: ويخرج على هذا أنه إذا قال للرجعية: أنت طالق مع انقضاء عدتك هل يقع؟ فيه قولان وقال أيضًا: هذان القولان

الجزء: 10 - الصفحة: 124

مبنيان على أن الرجعية إذا طلقت في حال العدة هل تستأنف العدة أو تبني؟ قولان فإن قلنا: تبني وافق ولادتها للولد الثالث انقضاء العدة فلا تقع الثالثة, وإن قلنا: تستأنف حصل ولادتها للولد الثالث بين عدة بمضي وعده تستأنف فلم يقع في غير عدةٍ فلا يلغى.
وقال بعض أصحابنا ليست المسألة على قولين ولا يصح ما ذكروا عن الإملاء فإن صح فتأويله: أنه راجعها بعد الطلقتين ثم ولدت والمسألة على قول واحد إذا لم يراجعها على ما ذكرنا, ولو ولدت أربعًا طلقت ثلاثًا وانقضت عدتها بالرابع بلا خلاف, ولو ولدت ولدين وقعت طلقة بالأول وتقضي عدتها بالثاني ولا يقع عليها بالثاني طلاق على القول الصحيح, وإن ولدت ولدًا واحدًا وقعت طلقة ويلزمها أن تعتد بثلاثة أقراءٍ بعده وهذا إذا كان بين الولد الثاني والثالث أقل من ستة أشهرٍ فإن كان بينهما ستة أشهر [37/ أ] فأكثر كان الثالث حملاً حادثًا لا يلحقه نسبه وتكون العدة قد انقضت بالولد الثاني ولا يقع عليها إلا طلقة واحدة ولا يقع عليها بالثاني والثالث شيءٌ وعلى هذا لو كان بين الأول والثاني أكثر من ستة أشهرٍ طلقت بالأول وحده طلقة وتنقضي عدتها قبل وضع الثاني والثالث لأنهما من حمل مستأنف ولحوقهما به كمن وضعت بعد انقضاء عدتها, وقال في "الحاوي" هكذا ذكره أبو حامد ولا يصح هذا عندي لأنه لا يمتنع أن يطأها في العدة قبل انقضاء الفرء الثالث فتعلق وتكون باقية في عدتها إلى وضعه فتقضي به العدة فلا وجه لما قاله بل نقول: ينظر في الثاني والثالث فإن كان بينهما أكثر من ستة أشهرٍ انقضت عدتها بالثاني ولم تطلق به وكان لاحقًا بالزوج وصار الثالث مولودًا بعد انقضاء العدة فيكون لحوقه على ما يذكر في المولود بعد انقضاء العدة, وإن كان بين الثاني والثالث أقل من ستة أشهرٍ فهما من حمل واحد, فعلى هذا تطلق بالثاني ثانية ولا تنقضي به العدة لبقاء الحمل وتنقضي عدتها بالثالث ولا تطلق به ويلحقان بالزوج كالأول, ولو ولدت ولدين وقعت طلقة سواء كان بينهما ستة أشهر أو أقل.
فرع لو ولدت ولدين معًا من غير سبق لكونهما في مشيمةٍ تطلق بينهما طلقتين وعليها الاعتداء بثلاثة أقراء, ولو ولدت ثلاثة أولاد معًا طلقت بهم ثلاثًا ويلزمها الاعتداد بالأقراء لأنه وجدت الصفات كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالقٌ, وإن كلمت عمرًا فأنت طالق, وإن كلمت خالدًا فأنت طالق فكلمتهم دفعة واحدة طلقت ثلاثًا.
فرع آخر لو ولدت أربعة واحدًا منفردًا والثلاثة مجتمعين معًا طلقت بالأول واحدة وانقضت

الجزء: 10 - الصفحة: 125

عدتها بالثلاث ولم تطلق بواحدٍ [37/ ب] منهم لاجتماعهم في انقضاء العدة فيجري عليهم إذا اجتمعوا في الطلاق حكم الافتراق وفي العدة حكم الواحد فإنها لو وضعت أربعة لمرة طلقت ثلاثًا والفرق أنه يجوز أن يقترن عدد الطلاق ولا يجوز أن تقترن العدة والطلاق.
فرع آخر لو قال: إذا ولدتِ مني فأنت طالقٌ فولدت وقالت: هو من زنا وصدقها الزوج طلقت ولا يقبل ذلك ما لم ينفه باللعان.
فرع آخر لو قال لها: إذا ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد وقعت طلقة بالواد الأول ولا يتكرر لأن إذا لا تقتضي التكرار.
فرع آخر لو قال لها: إذا ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقةٍ, وإذا ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين نظر فإن ولدت أولاً ذكرًا ثم أنثى وقعت طلقة وبانت بالأنثى, وإن ولدت أولاً أنثى وقعت طلقتان وبانت بالذكر, وإن ولدتهما معًا وقعت ثلاث تطليقات, وإن أشكل وقعت طلقة والورع أن يدعها لئلا يكون الطلاق ثلاثًا.
فرع آخر لو ولدت خنثى واحدةً في الحال, ثم إن بان أنثى تبين أنه وقعت أخرى.
فرع آخر لو ولدت ذكرًا وانثيين في هذه الصورة نظر فإن كان الأول هو الذكر ثم ولدت الأنثيين طلقت بالأول طلقة وبالأنثى طلقتين وتنقضي العدة بالثالث, وإن ولدت انثيين ثم الذكر وقعت طلقتان بالأولى ولا يقع بالثانية شيء وتنقضي العدة بالذكر لأنه لا تقتضي التكرار, وإن ولدت أنثى ثم ولدت ذكرًا ثم ولدت أنثى وقعت ثلاث تطليقات وهكذا إذا ولدت أنثى وذكريين, وإن أشكل طلقت طلقتين والاحتياط ثلاثًا.
فرع آخر لو قل لها: إن كان في بطنك ذكر فأنت طالق طلقةً وإن كان في بطنك أنثى [38/ أ] فأنت طالق طلقتين فولدت ذكرًا وأنثى طلقت ثلاثًا, ولو قال: وإن كان ما في بطنك ذكرًا فأنت طالق طلقة فولدت ذكرًا وأنثى لم تطلق لأن الصفة لم توجد.
فرع آخر لو قال: إن كان حملك ذكرًا فأنت طالق واحدة, وإن كان حملك أنثى فأنت طالق طلقتين فولدت ذكرًا وأنثى لم تطلق لأن حملها لم يكن ذكرًا ولا أنثى بل كان ذكرًا وأنثى.

الجزء: 10 - الصفحة: 126

فرع آخر إذا ولدت ما في فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد لم تطلق إلا بهم جميعًا ثم تعتد بثلاثة أقراء.
فرع آخر لو قال: إن ولدت ولدًا فأنت طالق, وإن ولدت غلامًا فأنت طالق فولدت غلامًا طلقت طلقتين لأنه قد وجدت الصفتان صفة الغلام وصفة الولد.
فرع آخر لو قال لمملوكته: إذا ولدت ولدًا فهو حرٌ وامرأتي طالق فولدته نظر, فإن كان حيًا عتق وطلقت, وإن كان ميتًا طلقت ولم يعتق لأن الميت لا يعتق.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال لها: إن كنت حاملاً بغلام فأنت طالق طلقة, وإن ولدت جارية فأنت طالق طلقة, فإن ولدت غلامًا تبينًا أنه وقع عليها طلقة من القول وانقضت عدتها بوضعه, وإن ولدت جارية وقع عليها تطلقةً بولادتها واعتدت بالأقراء, وإن ولدت غلامًا وجاريةً فإن كان الغلام أولاً تبينًا أنها طلقت طلقةً, وإذا ولدت الجارية انقضت عدتها بوضعها ولم يقع بولادتها شيء لأنها تبين بولادتها, وإن ولدت الجارية أولاً تقع طليقتان لأن بولادة الجارية يقع عليها طلقة وبولادة الغلام نتبين إنها طلقة من حين الإيقاع وتنقضي بولادته العدة.
فرع آخر [38/ ب] قال ابن الحداد: لو قال: إن كان أول ولدٍ تلدينه غلامًا فأنت طالق واحدة, وإن كان جارية فأنت طالق ثلاثًا فولدت غلامًا وجارية, فإن كان الغلام أولاً وقعت واحدة وانقضت العدة بوضع الجارية ولم يقع بها شيء, وإن ولدت الجارية أولاً وقعت ثلاث وانقضت العدة بوضع الغلام, وإن أشكل الأول منهما وقع اليقين, ولو قال: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت طالق ثلاثًا يعنى من هذا الحمل فإن ولدت غلامًا وجارية وقعت طلقة وانقضت العدة بولادة الجارية ولم يقع بولادها شيء, وإن ولدت واحدًا فإن كان غلامًا وقعت طلقة لأن اسم الأول يقع عليه, وإن كانت جارية لم يقع شيء لأن اسم الآخر لا يقع عليها ذكره ابن الحداد, وقال القاضي الطبري: ينبغي أن يقال في الغلام مثله لأنه إذا لم يقع عليه اسم الآخر إلا بعد الأول لا يقع أيضًا اسم الأول إلا لما بعده آخر.
فرع آخر ذكره في "الحاوي" لو قال: يا حفصة إن كان أول ما تلدين ذكرًا فعمرة طالق,

الجزء: 10 - الصفحة: 127

وإن (كان) أنثى فأنت طالق فولدت ذكرًا وأنثى فإن كان الذكر أولاً تطلق هي بعدها, وإن ولدتهما معًا لا تطلق واحدة منهما لأنه ليس في الولدين أول, ولو ولدت واحدًا بعد آخر وأشكل هل تقدم الذكر أو الأنثى طلقت إحداهما لا بعينها, ويكون كالطلاق الواقع على إحدى زوجتيه وقد أشكلت.
فرع آخر لو كان له أربع نسوةٍ فقال: كل ما ولدت واحدةٌ منكن فصواحباتها طوالق فولدت جميعًا فإن ولدن في حالةٍ واحدة تطلق كل واحدة ثلاثًا بولادة كل واحدة منهن وتعتد كل واحدة بالأقراء, وإن ولدن واحدة بعد واحدة قال ابن الحداد [39/ أ] والقفال وجماعة: تطلق الأولى ثلاثًا وتنقضي عدتها بالأقراء, والثانية تطلق واحدة وتنقضي عدتها بالولادة, والثالثة تطلق طلقتين وتنقضي عدتها بالولادة, والرابعة تطلق ثلاثًا وتنقضي عدتها بالولادة لأن الأولى لما ولدت طلقت كل واحدة من الثلاث طلقة واحدة ولم تطلق هي لأن ولادة كل واحدة صفة في وقوع الطلاق على غيرها لا عليها فلما ولدت الثانية بانت بولادتها لوقوع الأولى عليها وطلقت بها الأولى واحدة وطلقت بها الثالثة طلقة ثانية وطلقت بها الرابعة طلقة ثانية, فإذا ولدت الثالثة طلقت بها الأولى ثانية ولم تطلق الثانية لانقضاء عدتها بالولادة وطلقت بها الرابعة طلقة, وهذه الثالثة تنقضي عدتها بالولادة بعد وقوع طلقتين عليها, فإذا ولدت الرابعة طلقت بها الأولى طلقة ثالثة ولم تطلق الثانية والثالثة لانقضاء عدتها وانقضت عدتها بالولادة.
وقال ابن القاضي في "التخليص": واختاره القاضي الطبري وجماعة من المتأخرين: لا يقع على الأولى طلاق وتطلق كل واحدة من الثلاث تطليقة لأن الأولى لما ولدت لم يقع عليها ووقع على كل واحدة من الثلاث تطليقة نطليقة فإذا ولدت الثانية انقضت عدتها ولم تطلق غيرها لأنه بالبينونة خرجت من أنت تكون صاحبة لهن, والشرط أن تكون صاحبة حالة الوقوع وهي بعد الولادة إلا أن تكون صاحبةً حالة الولادة وخرجن ببقائهن في العدة أن يكون صواحب لها فلم يوجد شرط الطلاق فيهن فم يطلقن, وكذلك الثالثة والرابعة تنقضي عدتهما ولم يطلق بهما غيرهما, وقال صاحب "الحاوي": لا يصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يرجع إلى إرادة الزوج بقوله هذا [39/] فإن أراد به الشرط فالجواب على ما قاله ابن القاضي, وإن أراد به التعريف فالجواب على ما قاله ابن الحداد, وإن لم يكن له إرادة أوقات الرجوع إلى إرادته بالموت كان محمولاً على التعريف دون الشرط لأن الشروط عقود ولا تثبت بالاحتمال.
فرع آخر لو ولدت اثنين معًا ثم اثنين معًا في هذه الصورة التي ذكرناها فعلى قول ابن الحداد

الجزء: 10 - الصفحة: 128

كل واحدة من الأولتين ثلاثًا ثلاثًا وتنقضي عدتهما بالأقراء وتطلق كل واحدة من الآخرين تطليقتين وتنقضي عدتهما بالولادة لأن الأولتين إذا ولدتا طلقت كل واحدة منهما تطليقة بولادة صاحبتها وطلقت كل واحدة من الأخريين تطليقثين بولادة كل واحدة من الأوليتين, فإذا ولدت كل واحدة من الأخرتين لم تطلق واحدة بولادة صاحبتها لانقضاء عدتها بولادتها وطلقت كل واحدة من الأولتين تطليقتين بولادة الأخريين فاستكمل طلاق الأولتين ثلاثًا ووقع على الأخريين طلقتان وعلى قول ابن القاضي تطلق كل واحدة من الأولتين واحدة واحدة بولادة صاحبتها وكل واحدة من الأخريين تطلق تطليقتين بولادة الأوليتين, ولا تطلق الأولتان بولادة الأخريين لأنهما قد خرجتا بانقضاء العدة والولادة من أن تكونا صاحبتين للأوليتين.
فرع آخر لو قال: كلما ولدت واحدة منكن فسائركن طوالق فالجواب بإجماع أصحابنا على ما قال ابن الحداد في قوله: فصواحباتها طوالق لأن قوله فسائركن منصرف إلى غير التي ولدت لأن ذلك مشتق من السؤر وهو ما بقي بعد الشرب فكأنه قال: فالباقيات طوالق.
فرع آخر لو قال: كلما ولدت واحدة منكن فأنتن طوالق يدخل [40/ أ] الوالدة فإذا ولدت كلهن واحدةً بعد واحدةٍ الأولى ثلاثًا طلقة بولادة نفسها وطلقتان بولادة الأخريين وعليها العدة لأن الطلاق الثلاث لحقتها بعد ولادتها وتطلق الثانية طلقة بولادة الأولى وتنقضي عدتها بولادة نفسها, وتطلق الثالثة طلقة بولادة الأولى وطلقة بولادة الثانية وتنقضي عدتها بولادة نفسها وتطلق الرابعة ثلاث تطليقات وتنقضي عدتها بولادتها وفي هذه الصورة لا خلاف بين ابن الحداد وابن القاضي.
فرع آخر لو ولدن كلهن في واحد في هذه الصورة طلقت كل واحدة ثلاثًا بولادة نفسها وبولادة اثنتين من الباقيات لا بأعيانهما وعلى جميعهن العدة لأن الطلاق وقعٍ عليهن بعد الولادة ولو ولدت اثنتان منهن معًا ثم ولدت الآخرتان في وقت واحد معًا طلقت كل واحدة من الأولتين ثلاثًا طلقة بولادة نفسها وطلقة بولادة صاحبتها وطلقة بولادة واحدة من الآخريين لا بعينها وعليها العدة وتطلق الآخرتان تطليقتين وتنقضي عدتهما بولادتهما.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق ثم طلقهن طلقة طلقة ثم ولدن, فإن ولدن دفعة واحدة لم تطلق واحدة منهن بولادة الأخرى لأن عددهن تنقضي بولادتهن فلا يقع الطلاق مع البينونة, وإن ولدت واحدة بعد واحدة بانت الأولى بولادتها ووقع على الباقيات طلقة ثانية, وإذا ولدت الثانية بانت ووقع على

الجزء: 10 - الصفحة: 129

الثالثة وثالثة وعلى الرابعة ثالثة وبانتا فإذا ولدتا انقضت عدتهما ولم يقع بولادتهما شيء, وعلى قول ابن القاضي تبين كل واحدة بولادتهما ولا يقع على الباقيات شيء [40/ ب] لأنهن بالبينونة خرجن من أن يكن صواحباتها.
فرع آخر إذا قال: إذا دخلت بك فأنت طالق ولا نية له فقبلها أو لمسها بشهوة أو وطئها دون الفرج طلقت وفيه وجه آخر لا تطلق إلا بالجماع في الفرج.
مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالقٌ إن شاء الله لم يقع".
إذا قال: أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق, وكذلك لو قال: لعبده أنت حر إن شاء الله لا يعتق وجملته إن الاستثناء يدخل في الطلاق والعتاق والإيمان والنذور والأقارير فيحل ذلك ويرفعه, وفي الطلاق لا فرق بين أن يكون مباشرة كقوله: أنت طالق ومعلقًا بصفة كقوله أنت طالق إذا طلعت الشمس إن شاء الله أو يكون يمينًا كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله فكل هذا واحد لا يقع الطلاق, ونص في الأقارير أنه لو قال: علي ألف إن شاء الله لا يكون إقرارًا, وقال: لا فصل بين أن تعلق بمشيئة الله تعالى بما يحبه الله ولا يكرهه أو بالضد من هذا لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى فلا يعلم أنه قد شاءه حتى يكون, وبه قال طاوس والحكم بن عتبية وجاهد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه, وقال الزهري ومالك والليث: لا يدخل الاستثناء في الطلاق والعتاق والإقرار وإنما يدخل في الإيمان بالله خاصة.
وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: ترتفع بمشيئة الله حكم جميع الإيمان بالله وبالطلاق وبالعتق ولا يرتفع به وقوع الناجز من الطلاق والعتق والنذر والإقرار, وقال أحمد: لا يرتفع به حكم النذر والعتق والإقرار ويرتفع به حكم غيرها, وحكي عن أحمد [41/ أ] أنه قال: لا يرتفع الطلاق خاصةٌ لأنه وصل إيقاعه بما يرفعه في الحال وفي ثاني الحال فلم يصح كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا وهذا غلط لأنه وقع جميع ما أوقع من حيث أثبته فلا يجوز وهاهنا علق بالمشيئة ولا يعلم حصولها على ما بينا والصحيح عن أحمد ما ذكرنا أولاً, وحكاه القفال عن مالك وهو غلط عليه وحجته أن الله تعالى شاء العتق والنذر وندب إليه وكره الطلاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق".
والدليل على بطلان هذا المذهب ما ذكرنا, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين ثم قال في أثرها إن شاء الله لم يحنث فيما حلف عليه".
وقد روى عطاءٌ عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله أو لغلامه أنت حر إن شاء الله أو عليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله فلا شيء

الجزء: 10 - الصفحة: 130

عليه".
وروى المقدام بن معدي كرب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاستثناء في الطلاق والعتاق جائز" ولأن الطلاق وإن كان مكروهًا فإذا وقع وقع بمشيئة الله تعالى ولا يصير الشيء موجودًا إلا بمشيئة الله تعالى.
وقد روي أن يهوديًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشيئة فقال: "المشيئة لله" فقال: إني إن أشاء أقعد فقال: "شاء الله أن تقعد" فقال: إني إن أشاء أن أقوم فقال: شاء الله أن تقوم فقال: إني إن شاء أقطع هذه النخلة فقال: شاء الله أن تقطعها", فنزل جبريل وقال: [41/ ب] لقنت الحجة.
وفي ذلك نزل قوله تعالى ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:5] الآية".
فرع اختلف أصحابنا في قوله: إن شاء الله هاهنا هل يكون ذلك استثناء يمنع من انعقاد ذلك كله؟ أو يكون شرطًا تعلق به فلم يثبت حكمه لعدمه على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر المذهب أنه استثناء يمنع من انعقاده فلا يثبت له حكم ولا عقد.
وقال أبو إسحاق المروزي هو شرط فلم يلزم لعدمه, وإن كانت منعقدة ذكره في"الحاوي".
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الله, أو إن شاء الله أنت طالق لا طلاق عندنا, وهكذا لو قال: أنت طالق بمشيئة فلان, أو إذا شاء الله أو متى شاء الله.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن لم يشأ الله لم يقع الطلاق لأنه لا فرق بين أن يعلق على وجود مشيئته وبين أن يعلق على عدم مشيئته.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ما لم يشأ الله لا يقع أيضًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق أن شاء الله بفتح الألف وقع الطلاق, وكذلك لو قال: إذ شاء الله لأن تقديره أنت طالق لأن الله شاء.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله فالمذهب أنه يقع الطلاق لأنه جعل المشيئة مخلصًا له من الحنث, وإذا جهل المخلص من الحنث وقع الحنث كما لو قال: أنت

الجزء: 10 - الصفحة: 131

طالق إلا أن يشاء زيد فلم تعلم مشيئته وقع الطلاق وفيه وجه آخر أنه لا يقع الطلاق لأنه علق الطلاق بعدم المشيئة أن لا تطلق فإذا لم يعلم ذلك لم يقع الطلاق.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ما شاء الله قال بعض أصحابنا: يقع الطلاق لأن حقيقة ما شاء الله لما مضى من المشيئة وتقع واحدة لأنا لا نعلم مشيئته لأكثر من ذلك.
فرع آخر لو قال: [42/ أ] أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله, أو قال: أنت طالق ثلاثًا وواحدة إن شاء الله فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع طلاقه ويرجع الاستثناء إلى الكلام كله, وكذلك لو قال: أنت طالق وطالق إن شاء الله وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يرجع إلى الثاني ويقع الأول وهذا غلط لأن الاستثناء اتصل بالكلام من غير قطع فأشبه إذا قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله.
فرع آخر لو قال: أنتما طالقان إن شاء الله كان الاستثناء راجعًا إليهما, ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق وإن شاء الله فإن أراد بالاستثناء عمرة الأخيرة طلقت حفصة, وإن لم تطلق عمرة وإن أرادها لم يطلقا, وإن أطلق كان الاستثناء راجعًا إليهما لأن المجموع بالواو كالجملة الواحدة.
وقال أبو حنيفة: يرجع إلى أقرب المذكور فتطلق حفصة دون عمرة, وقال بعض أصحابنا ولو قال: أردت بالاستثناء حفصة الأولى دون الثانية حمل على إرادته وطلقت عمرة الأخيرة دون حفصة الأولى وعند أبي حنيفة يرجع إلى الثانية ويقع الأول.
فرع آخر قال الشافع: في "الأم" في الإيمان: إذ قال: إن شاء الله لا يقع الطلاق إذا أراد الاستثناء, فأما إن كان قصده إن شاء الله كقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23 - 24]. أو كان مشتهرًا بقوله إن شاء الله فسبق على لسانه لم يكن الاستثناء.
وقال أصحابنا: لو لم يعرف تفسير قوله إن شاء الله يقع الطلاق أيضًا لأنه لم يرد به الاستثناء.
فرع آخر قال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: إن لم يكن من عزمه هذا الاستثناء ولكنه لما فرغ من [42/ ب] أنت طالق ندم فتدارك بقوله: إن شاء الله حكمه في الظاهر بأنه استثنى إذ لا يعرف باطن الحال ولكن فيما بينه وبين الله تعالى واقع والاستثناء غير عاملٍ قال: وكذلك لو لم ينو في الابتداء الاستثناء بقوله: إلا اثنتين ثم بدا له من بعد فاستثنى عقيبه يقع الطلاق وادعى في هذا إجماع الأمة واختاره القفال وغيره ولم يذكره أصحابنا بالعراق وقياس المذهب أنه يصح الاستثناء, وإن لم يكن على هذا الوجه لأن

الجزء: 10 - الصفحة: 132

الكلام واحدٌ وآخره منوط بأوله ليظهر بأجره حكم أوله وقيل وجهان, أحدهما: تعتبر نيته في أوله, والثاني: يكفي أن ينوي قبل الفراغ منه فإن حتى لم ينوه حتى فرغ من الكلام ثم بدا له يقع وجهًا واحدًا وعليه عامة أصحابنا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الله وشئت فقالت: شئت لم تطلق لأنه لا يعلم مشيئة الله تعالى.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء فلان فما فلان قادرًا على المشيئة لم تطلق فلو مات حكمنا بأنها طلقت قبيل عجز فلان عن المشيئة وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء زيد فشاء وهو عاقل يقع وإن كان زائل العقل فإن كان يجنون أو إغماء فقال: شئت لم يقع, وإن كان بسكر يقع لثبوت الأحكام بأقواله ويحتمل وجهًا آخر أنها لا تطلق لأن سكره يوجب تغليظ الحكم على نفسه لا على غيره.
فرع آخر لو مات زيد أو غاب أو خرس لم يقع لأنه لا تعلم مشيئته لأن المشيئة إنما تعلم من جهة النطق لا من جهة الإشارة هكذا نص الشافعي رحمه الله عليه, قال أصحابنا: إذا خرس فيه وجهان, أحدهما: هذا لأن تعليق الطلاق بمشيئته تعلق بقوله: شئت لأنه إذا قال ذلك وقع الطلاق شاء أو لم يشأ فإذا خرس فقد تعذر ذلك [43/ أ] ولأن المشيئة وقت الطلاق كانت نطقًا فلم تثبت بالإشارة وعلى هذا لو كان أخرس وقت التعليق فشاء بالإشارة طلقت, والثاني: يقع الطلاق بإشارته وأراد الشافعي رحمة الله تعالى عليه الأخرس الذي لا يحسن الإشارة وهذا لأن إشارة الأخرس تقوم نطقه مع العجز في وقت البيان فلا اعتبار بما تقدمه ألا ترى أنه لو كان أخرس وقت الطلاق ناطقًا عند البيان لم تصح مشيئته إلا بالنطق, وإن صحت منه وقت الطلاق بالإشارة.
فرع آخر لو اختلفا فقالت: قد شاء وأنكر الزوج فالقول قوله.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شاء الحمار فهذا من الشروط المستحيلة لأنه لا مشيئة للحمار فجرى مجرى قوله أنت طالق إن صعدت السماء وفيه وجهان.
فرع آخر لو اختلفا فقال الزوج: كنت مغلوم العقل بالنوم أو الإغماء وعرف ذلك وقالت

الجزء: 10 - الصفحة: 133

المرأة تجاننت أو تناومت أو تغاشيت فالقول قوله لأنه أعرف بنفسه.
فرع آخر لو قال: طلقتك في حال الجنون وقالت: بل طلقتني بعد الإفاقة فإن أنكرت أن يكون قد جن فالقول قولها مع يمينها لأنه على أصل الصحة, وإن أقرت بأنه كان مجنونًا في وقت فيه وجهان, أحدهما: القول قوله ولا طلاق لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: القول قولها ويقع الطلاق لأن الأصل الإفاقة.

باب طلاق المريض

مسألة: قال: "وطلاق المريض والصحيح سواء".
المريض إذا طلق امرأته نفذ طلاقه لأن المرض لا يزيل التكليف ثم ينظر فإن كان رجعيًا لم يؤثر في المهر ولأن الرجعية في معنى الزوجة فأيهما مات ورثه الآخر سواء كان المرض مخوفًا أو لم يكن, فإن انقضت عدتها [43/ ب] انقطع الميراث ولا يجعل فارًا من ميراثها إذلو أراد الفرار لأبانها, وإن كان باينًا مثل أن طلقها ثلاثًا أو طلقها الطلقة التي بقيت له عليها فإن بانت لم يرثها قولاً واحدًا, وإن ماتت نص في الرجعة والعدد والإملاء على مسائل مالك على قولين, أحدهما: ترثه وهو قول مالك وأبي حنيفة وعامة أهل العلم, وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وربيعة والليث والأوزاعي والثوري وأحمد.
والثاني: لا ترثه وهو الأقيس والصحيح وبه قال ابن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وهو اختيار المزني وأبي ثور رواه ابن اللبان عن علي رضي الله عنهم, واحتجوا بما روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته فورثها عثمان رضي الله عنه ولأن التهمة لحقته في قطع إرثها فغلظ عليه توريثها كالقائل حرم المراث للتهمة وهذا غلط لأن سبب الإرث هنا النكاح فالإرث بالنكاح ولا نكاح بحال كالإرث بالنسب ولا نسب بحال.
وأما ما ذكره من الإرث لا حجة فيه لأن عبد الرحمن خالفه حين قصد قطع حقها بالطلاق, وقال: ما فررت من كتاب الله تعالى أنه أباح الطلاق.
وقال ابن أبي الزبير: ورث عثمان تماضر ولو كنت أنا ما ورثتها, وقال ابن أبي مليكة سألت عبد الله بن الزبير عن رجل يطلق امرأته في مرضه فيبتها فقال: أما عثمان فورثها وأما أنا فلا أرى أن أورثها ببينونة إياها ولأنه روي أنها سألت الطلاق وعندهم لا ترث وأما التهمة فلا تصح لأنها موجودة إذا طلقها قبل الدخول ولا ترث.

الجزء: 10 - الصفحة: 134

فرع إذا قلنا: ترثه فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ترثه ما دامت في العدة فإذا انقضت لم ترث, وبه قال أبو حنيفة [44/ أ] والاوزاعي والليث وأحمد في رواية وهذا لأنه إذا لم تكن في عدة لم يبق النكاح ولا علقه من علقه فلا معنى للميراث, وقال عمر رضي الله عنه: ترثه في العدة ولا يرثها.
وروي في حديث تماضر أن عبد الرحمن بن عوف مات وهي في عدتها, وروي أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه ورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
والثاني: أنها ترث ما لم تتزوج وبه قال أحمد في الرواية وابن أبي ليلى وقد روي عن أبي بن كعب أنه قال: والذي يطلق وهو مريض لا يزال مورثها حتى يبرأ أو تتزوج ولأنها لم تتزوج فالتهمة لاحقه بالزوج, فإذا تزوجت تبينًا أنها رضيت بذلك وخرج هو عن التهمة.
والثالث: أنها ترث أبدًا وبه قال مالك وربيعة لأن الفرقة هي السبب القاطع للميراث فإذا لم ينقطع بها الإرث لم ينقطع فيما بعد فعلى هذا القول والذي قبله لو كان الطلاق قبل الدخول بها ورثت وعلى القول الثالث يتصور أن ترث المرأة من زوجين وثلاثة وعلى القولين الأولين لا ترث إلا من زوج واحد.
فرع آخر لو طلق في مرضه أربع زوجات له وتزوج بأربع سواهن صح النكاح, فإن قلنا: إن المطلقات يرثن قال الماسرجسي: فيه وجهان, أحدهما: يكون الربع أو الثمن بين جميع المطلقات والزوجات يشتركن فيه وهو الصحيح لأن كل واحدة منهن ترث بالإنفراد, فإذا اجتمعن ورثن كالأربع, والثاني: أنه للأربع الأوائل المطلقات دون المتزوجات لأن حقهن أسبق, وقال أبو حامد: فيه ثلاثة أوجه وقيل ثلاثة أقاويل.
والثالث: أنه للمتزوجات دون المبتوتات لأن ميراثهن بالنص والشرع منع توريث الزيادة على الأربع وهذا اختيار القفال وهذا ضعيف [44/ 4] لأن الشرع منع نكاح الزيادة على الأربع فأما إرث المطلقات فقد ثبت بإجماع الصحابة فلا يسقط نكاح غيرهن ولو يرد الشرع بمنع الزيادة على الأربع من الميراث.
فرع آخر لو أقر في مرضه أنه طلقها ثلاثًا في صحته ومات من ذلك المرض لم ترثه على القولين لأن المريض إذا أقر بما فعله في حال الصحة كان بمنزلة ما فعله في حال صحته.
ألا ترى أنه لو أقر في مرضه أنه وهبه في صحته وأقبضه كان من رأس المال؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا كما لو طلقها في مرضه لأن التهمة موجودة والأول أصح نص عليه في "الأم" وبه قال أبو إسحاق وهو قول أبو حنيفة وهو كما

الجزء: 10 - الصفحة: 135

لو أقر أنه أعتق في الصحة كان من رأس المال.
فرع آخر قال أبو حنيفة رحمه الله: لو أقر في مرضه أنه كان طلقها في الصحة ثم أوصى لها ومات فإن لها أقل الأمرين من الوصية أو الميراث لأنه متهم إذا كانت الوصية أكثر وكان أخرجها من الميراث لتصح الوصية لها, وإذا كان الميراث أكثر فلا تهمة وهي وصية لغير وارث.
قال القفال: وينبغي أن يكون مذهبنا هكذا, وقال بعض أصحابنا بخراسان: والأقيس أن لها الوصية بالغةً ما بلغت إذا خرجت من الثلث وهو اختيار شيخنا ناصر وبه قال أبو يوسف ومحمد.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن شئت فشاءت وقع الطلاق ولا ترثه قولاً واحدًا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: لأنه غير متهم في طلاقها لقطع ميراثها, وقال ابن أبي هريرة من أصحابنا: ترث وبه قال مالك وأحمد في رواية.
وهكذا الخلاف لو سألته الطلاق فأجابها إليه أو خالعها واحتجوا بأن ميراثها ثبت بقصة [45/ أ] عبد الرحمن وامرأته سألته الطلاق وهذا غلط لأنه لم يطلقها عبد الرحمن بن عوف عقيب سؤالها.
وقد روي أنها سألته الطلاق فقال: إذا حصنت ثم طهرت طلقها, وإذا تأخر لم يكن جوابًا بل كان طلاقًا مبتدأ ولأن تماضر أخذت المال صلحًا لا إرثًا ولو سألته أن يطلقها طلقةً فطلقها ثلاثًا لأنها لم تسأله طلاقًا يقطع ميراثها في الحال.
فرع آخر لو علق طلاقها بصفة نظر فإن كانت صفة لها منها يد كقوله إن مشيت أو خرجت من الدار أو إن صليت التطوع أو إن صمت التطوع ونحو هذا لم ترث قولاً واحدًا.
وإن كانت صفة لابد لها منه مثل قوله إن قمت أو قعدت أو أكلت أو شربت أو كانت صفة تحرم عليها تركها كقوله: إن صليت الفرص, أو إن صمت الفرض فهو على القولين لأن عليها ضررًا في ترك هذه الأشياء شرعًا وطبعًا.
فرع آخر قال في "الحاوي": لو علق طلاقها بما لابد لها من الأكل والشرب على ما ذكرنا ففعلته قبل وقت الحاجة فيه وجهان, أحدهما: يجري عليها حكم الاختيار اعتبارًا

الجزء: 10 - الصفحة: 136

بوقت الفعل لأنها تجد بدًا من تقديمه قبل الحاجة.
والثاني: يجري عليها حكم عدم الاختيار اعتبارًا بحال الفعل لأنها لا تجد بدًا من فعله.
فرع آخر لو قال: إن كلمت أبويك فأنت طالق ثلاثًا فكلمتهما ترث لأن ترك كلامهما معصية ذكره أصحابنا, لو قال: إن خرجت إلى منزل أبيك أو إلى منزل ابنك فأنت طالق فخرجت إلى منزل واحد منهما طلقت ولا ترث لأنه لا حاجة بها إلى ذلك ولا يجوز لها أن تخرج إلى منزلهما من غير إذن الزوج, ولو علق طلاقها بكلام غيرهما من الأقارب [45/ ب] فكلمت طلقت ولم ترث, وقال الحسن بن زياد: وإن كلمت ذا محرمٍ ورثت كالأبوين.
فرع آخر لو قال قي صحته: إن كلمت زيدًا فأنت طالق, أو إن دخلت الدار فأنت طالق ثم مرض فدخل الدار وكلم زيدًا ترث لأنه متهم بإيقاع الفعل في مرض موته.
فرع آخر لو قال في صحته: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثًا فمرض ومات ترثه على هذا القول, وكذلك لو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثًا فلم يطلقها حتى مات طلقت قبل وفاته بلحظة ورثت لأنه كان يمكنه أن يختار في أن لا يقع عليها الطلاق الثلاث فلما ترك ذلك كان متهمًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في آخر أجزاء صحتي المتصل بأول أسباب موتي طلقت فيه ولم ترث وإن كان متهمًا لأنه طلاق في الصحة فلم يجز أن ترث ذكره في"الحاوي".
فرع آخر لو قال في صحته: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق, أو إذا قدم زيدٌ فأنت طالق ثلاثًا فحصلت الصفة وهو مريض وقع الطلاق ولم ترثه قولاً واحدًا.
وقال القفال: فيه قولان, أحدهما: أنها كالمبتوتة في المرض.
والثاني: أنها كالمبتوتة في الصحة اعتبارًا بحالة التعليق وهي حالة الصحة.
وفي القول الأول اعتبارًا بحالة الوقوع وهما كالقولين فيمن علق عتق عبده بمثل هذه الصفة فوجدت في المرض هل يعتبر العتق من الثلث أو من رأس المال قولان.
وأبو حنيفة ناقض هاهنا فجعل العتق من الثلث اعتبارًا بحالة الوقوع ولم يورث هذه المبتوتة اعتبارًا بوقت التعليق.
وقال مالك وزفر: ترث لأن الطلاق وقع عليها في مرضه وهذا غلط لأنه لا يتهم به في قطع ميراثها (فلم) ترث.
[46/ أ].

الجزء: 10 - الصفحة: 137

فرع آخر لو قال: في صحته أنت طالق قبل موتي بشهر وغاب بعد شهر من قوله طلقت قبل موته بشهر فإن كان وقوع الطلاق عليها لم ترثه لأنه طلاق في الصحة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ترث لأن التهمة موجودة وكلام القفال يدل عليه وهو غريب, وإن كان مريضًا فالصحيح أنها لا ترثه لأنه عقد طلاق يجوز أن يكون وقوعه في الصحة.
ومن أصحابنا من قال: ترثه لأنه لما قيده بزمان الموت ضار منهما بالتعرض له وهو الأقيس.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثلاثًا ثم برأ من برضه ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا خلافًا لزفر, ولو طلق امرأته الأمة أو الذمية ثلاثًا في مرضه ثم عتقت أو أسلمت ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا لأنها طلقها في حالة ليس بينهما توارث, وكذلك لو كان هو عبدًا ثم عتق.
فرع آخر لو اختلفت هي وورثة الزوج فقالت: طلق بعد عتقي وإسلامي وقالوا: طلق قبل العتق والإسلام فالقول قول الورثة لأن الأصل أن لا ميراث.
فرع آخر لو اختلفت الحرة وورثة الزوج فقالت: طلقني في مرضه فلي الميراث وقال: الورث طلقك في الصحة فلا ميراث فالقول قولها ولها الميراث لأن الأصل فيها استحقاق الميراث وشككنا في تقدم الطلاق.
فرع آخر لو قال: للذمية في مرضه إن أسلمت فأنت طالق فأسلمت ورثت لتهمته.
فرع آخر لو قال: لها السيد إن طلقك الزوج غدًا فأنت اليوم حرة فطلقها الزوج غدًا ثلاثًا في مرضه لم ترث قولاً واحدًا سواء علم الزوج بذلك أم لا لأن العتق لا يقع إلا بالطلاق.
فرع آخر لو قال سيد الأمة [46/ ب] أنت حرة غدًا وقال زوجها وهو مريض: أنت طالق ثلاثًا بعد غدٍ ثلاثًا, وهل ترث؟ ينظر فإن كان الزوج جاهلاً بعتق السيد لم ترثه قولاً واحدًا, وإن كان عالمًا فعلى القولين.
فرع آخر لو طلقها طلقة رجعية ثم أعتقها سيدها ومات زوجها نظر فإن كان قبل انقضاء العدة

الجزء: 10 - الصفحة: 138

ورثته لأن الرجعية في معنى الزوجات, وإن مات بعد انقضاء العدة لم ترثه لأنه غير متهم في ذلك الطلاق.
فرع آخر لو قال: في مرضه إذا عتقت فأنت طالق ثلاثًا فعتقت ترث على هذا القول.
ولو قال ذلك وهو صحيح لم ترث بلا خلاف.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثم ارتدت ثم استلمت ثم مات لم ترثه قولاً واحدًا نص عليه لأنه أخرجت نفسها عن الميراث بالردة.
فرع آخر لو طلقها في مرضه ثم ارتد هو ثم عاد إلى الإسلام لم ترثه لأنه حدث حالة لو مات فيها لم ترثه ولفظ الشافعي عندي أنها لا ترث في هذه المسألة.
فرع آخر لو كان مريضًا فارتد ومات لم ترثه لأنه لا يقصد بالردة الفرقة.
فرع آخر لو انفسخ نكاحها في مرضه بأحد العيوب الخمسة فيه وجهان, أحدهما: أنها في حكم الطلاق.
والثاني: لا ترثه قولاً واحدًا لأنه بسبب من جهتها.
فرع آخر لو قذفها في حال صحته ثم لاعنها في مرضه لا ترثه نص عليه الشافعي رضي الله عنه.
وقال القفال: بمفهومه أن القذف واللعان لو كانا في المرض ترثه في أحد القولين, وقال غيره من أصحابنا: لا فرق بين أن يكون القذف في المرض أو الصحة لأنه [47/ أ] مضطر إلى ذلك لإسقاط الحد عن نفسه ونفي النسب, وقيل فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: ترثه كالطلاق وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
والثاني: لا ترثه لأنه لا يتهم به للحوق العار في لعانه.
والثالث: ينظر فإن لاعنها في المرض عن قذف في صحته لم ترثه, وإن كان في قذف في المرض ورثته لأن تقدم القذف في الصحة يزيل التهمة وبه قال محمد.
فرع آخر إذا قلنا: ترث لا تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة, وقال أبو حنيفة: تنتقل لأنها ترث من زوجها كالرجعية وهذا غلط لأن باينة بالطلاق فعدتها عدة الطلاق,

الجزء: 10 - الصفحة: 139

وتخالف الرجعية لأنها لو لم ترث منه بإن كانت أمة رجعية تنتقل إلى عدة الوفاة بموته بخلاف هذه.
فرع آخر لو كان مريضًا فقال: إن بريت من مرضي فأنت طالق فبرأ ثم مات طلقت ولا ترث قولاً واحدًا.
فرع آخر إذا طلقها في مرضه المخوف ثم قتل قبل أن يصح منه ورثته في أصح القولين لأن المرض اتصل بالموت فهو كما لو مات منه.
فرع آخر لو قال: أنت طالق قبل موتي قال ابن الحداد: وقع الطلاق في الحال لأن ذلك قبل موته كما لو قال: أنت طالق في كل سنةٍ وقع فب الحال طلقة لأنه في السنة.
ولو قال: أنت طالق قبيل موتي لم يقع في الحال بل يقع في الجزء الذي قبيل الموت لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء اليسير الذي يبقى, وهو كما لو قال: أنت طالق قبل رمضان وقع عقيب اليمين.
وإذا قال قبيل رمضان وقع في آخر جزء من شعبان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق مع موتي لم يقع الطلاق لأن تلك الحالة حالة البينونة.
ولو قال: لعبده أنت حر [47/ ب] مع موتي عتق لأنه يصح أن يقول: أنت حر بعد موتي, ولا يجوز أن يقول: أنت طالق بعد موتي.
ثم أعلم أن المزني احتج بقول الشافعي: الناس إنما يرثون من حيث يورثون وهو في احتجاجه على أبي حنيفة حيث قال: في ولدٍ تداعاه رجالٌ يلحق بهم ثم يرث هذا المولود من كل واحدٍ منهم كمال ميراثه ولا يرث منه كل واحدٍ منهم إلا بعض الميراث, فقال: يجب أن يستووا في الميراث لأن الناس إنما يرثون من حيث يورثون.
فقال المزني: لما اجتمعنا هاهنا أنه لا يرثها فكذلك هي وجب أن لا ترثه لهذا الذي ذكره الشافعي وأصحابنا أجابوا عن هذا بأنه قد يوجد الإرث مع أحد الجانبين دون الآخر, ألا ترى ابن العم يرث ابنة العم ولا ترث منه والجد مع ابنة ابنته, وإن الأخ مع عمته كذلك فيبطل الدليل.

باب الشك في الطلاق

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى عليه: لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" علمنا أنه لم يزل تيقن طهارته إلا بتيقن حدثه, كذلك من استيقن نكاحها ثم شك في الطلاق لم يزل اليقين إلا بيقين".

الجزء: 10 - الصفحة: 140

إذا شك هل طلق امرأته أم لا؟ فهما على الزوجية لأن الأصل الزوجية فهو شك طرأ على يقين فيسقط الشك وهما على الزوجية والورع أن يحنث نفسه, فإن كان في اعتقاده أنه متى طلق طلق واحدة جعلها رجعية وراجعها واعتقد أنها على اثنتين فلا يضره ما فعل, وإن كان في اعتقاده أنه متى [48/ أ] طلق طلق ثلاثًا الزم نفسه بأن يوقع الطلاق عليها لتحل لغيره بلا شبهةٍ ولا يقول: ألزمت نفسي لأنه ربما لا يكون قد طلق فيبيح زوجته للغير بل يبتدي ويوقع الطلاق احتياطًا, وقال شريك بن عبد الله: إذا شك في الطلاق طلق واحدة ثم راجعها حتى تصح الرجعة يقينًا وهذا غلط لأن لفظ الرجعة ممكن مع الشك في الطلاق فلا يحتاج يقين الطلاق, وإذا وقع الطلاق ثم شك في عدده بني علي اليقين فإن تيقن الواحدة وشك في الثانية جعلها واحدة, وإن تيقن طلقتين وشك في الثالثة فهما طلقتان والورع أن يجعل الطلاق في الزيادة وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجماعته, وقال مالك وأبو يوسف: يلزمه الأكثر احتياطًا وهذا غلط لأن كل ما لو وقع الشك في أصله بني على اليقين فإذا أوقع في عدده بني على اليقين كما في الصلاة.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا ألزمه الأكثر لا تحل له إلا بعد زوج فإذا تزوجها ثانية بعد زوج ثان وطلقها واحدة طلقت ثلاثًا لجواز أن يكون طلقها في النكاح الأول اثنتين فبقيت معه على واحدة, فإذا تزوجها ثالثة بعد زوج ثان وطلقها واحدة طلقت ثلاثًا لجواز أن يكون طلقها في النكاح الأول واحدة ويسمى طلاق الدولابي.
مسألة: قال: ولو قال: حنثت بالطلاق أو بالعتق وقف عن نسائه.
الفصل إذا حنث بالعتق أو بالطلاق ولا يبدي ذلك بأن قال: إن كان هذا الطير غرابًا فنسائي طوالق وإن لم يكن غراًبا فعبيدي أحرار فطار الطير قبل أن يعلم ما هو.
أو قال: إن كان هذا المقبل زيدًا فنسائي طوالق [48/ ب] وإن لم يكن زيدٌ فعبيدي أحرار فغاب الشخص قبل أن يعرف وقع الحنث في أحد الملكين قطعًا ولكنا نجهل عينه فنأمره بالتوقف عن وطء النساء وعن التصرف في العبيد كما لو طلق واحدة منهن ثلاثًا وأشكال يوقف عن وطء الكل لأنه قد تحقق الحنث كذلك هاهنا فإذا توقف كلفناه البيان عن الطائر لأنه قد شاهده ونأخذه بنفقتهم جميعًا فإن الامتناع من قبله حتى يتبين ولا يقرع بينهما في حياته فإن بيانه أقوى من القرعة, فإن تبين فقال: كان غرابًا طلق النساء ونظر في العبيد, فإن ادعوا أنه حنث فيهم دون النساء فالقول قوله فإن حلف رقوا, وإن نكل عن اليمين حلفوا, وعتقوا فتطلق النساء بإقرار ويعتق العبيد بنكوله ورد اليمين, وإن صدقوه على الرق, وإن قال: كان في غرابٍ عتق العبيد وينظر في النساء فإن صدقنه فهن على

الجزء: 10 - الصفحة: 141

الزوجية, وإن أنكرن وقلن كان غرابًا فالقول قوله فإن حلف سقط دعواهن ويكون اليمين على البت وإن نكل وحلفن وطلقن وعتق العبيد بإقراره وطلقت الزوجات بيمينهن ونكوله فإن قيل: أليس قلتم: إذا أنكح الوليان امرأةً فأقرت لأحدهما بأنه السابق وادعى الأخر عليها هل تحلف قولان فما الفرق؟ قيل لأن السيد هاهنا لو أقر للعبيد عتقوا وأقر للنساء فكان لغرض اليمين فأيده وهو أن تقبل رجوعه عن إقراره الأول وهناك لو أقرت للثاني ثانيًا لا يقبل إقرارها فلم يكن لغرض اليمين عليها فائدة.
وإن لم يتبين لا يخلو إما أن يقول: لا أبين أو يقول: لست أعلم نظر, فإن قال: لا أتبين حبساه حتى يبين وإن قال: لست أعلم نظر فإن صدقه النساء والعبيد توقف حتى ينكشف الأمر وإن ادعوا [49/ أ] علمه فادعى عليه أحد الفريقين فالقول قوله فيحلف أنه لا يعلم أيش كان الطائر ولا يحبس ويوقف عن الملكين حتى يتبين أمره أو يموت, فإن نكل عن اليمين ردت عليهم وحبس لهم ورجع إلى بيانهم إن كان عندهم علم كما يجوز رد اليمين إذا نكل اليمين لهم ثم إن اتفق الفريقان على أن الحنث كان بعتق العبيد حلفوا دون النساء وعتقوا بإيمانهم ولم تحل النساء للشك في طلاقهن, وإن اختلف الفريقان فأدعى النساء الحنث بطلاقهن وادعى العبيد الحنث بالعتق حلف كل واحدٍ من الفريقين على ما ادعاه وطلق النساء بإيمانهم وعتق العبيد بإيمانهم, وإن كان مع بعضهم بينة بما كان الطائر أقامها وحكمنا بها, وقال القفال: إذا قال: لا أعلم يجعل امتناعه من الإقرار للعبيد إذا كان الدعوى منهم مثلاً إنكارًا ثم تعرض اليمين فيجعل سكوته وإعادته قول لا أدري نكولاً فيحلفون ويعتقون ثم النساء يدعين حكم عليه هكذا بإنكارٍ ثم بنكول فيحلفن ويطلقن وهذا حسنٌ ولكن ظاهر المذنب ما تقدم.
فرع لو قال: كنت أعلم ولكني نسيت فانتظروني حتى أتذكر نظر.
فرع آخر لو ادعى علبه أحد الفريقين فأنكر يكون ذلك إقرارًا منه للآخرين وهذا لا إشكال فيه.
فرع آخر لو عين في النساء وأكذبه العبيد حلف لهم, فإن نكل عن اليمين قد بينا أنه يرد اليمين عليهم فلو لم يسألوا أحلافه هل يحلفه الحاكم عنهم أم لا؟ وجهان, أحدهما: يحلفه لأن في عتقهم حقًا لله تعالى.
والثاني: لا يحلفه لأن قولهم في تصديقه مقبول بغير يمين, ولو روعي حق الله تعالى لحلف وإن صدقوه.
فرع آخر إذا أراد السيد في زمانه الوقف أن يستخدم العبيد وينفق عليهم وأراد العبيد أن يكتسبوا لأنفسهم وينفقوا من كسبهم [49/ ب] فيه وجهان: أحدهما: القول قول السيد

الجزء: 10 - الصفحة: 142

تغليبًا لسابق الملك.
والثاني: القول قولهم تغليبًا لحكم التحريم وهكذا لو كان بدل العبيد إماءً.
فرع آخر لو مات قبل أن يتبين فهل يرجع إلى بيان الورثة؟ ظاهر المذهب لأنه لا يرجع لأن الشافعي قضى هاهنا بالقرعة فلو كان البيان مرجوًا من الورثة لما قضي به كما في حياته, ولأن ذلك يتضمن إسقاط الورثة بأن بينوا الطلاق في النساء وبعض الورثة لا يسقطون البعض, ولهذا لا يجوز للورثة أن يلاعنوا على نفي النسب الذي أنكره المورث, وقيل: فيه وجهان وقيل قولان, وقال القفال: فيه طريقان أحدهما: قول واحدٌ وهو الصحيح لما ذكرنا.
والثاني: فيه قولان كما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها فمات قبل البيان هل يرجع إلى الوارث؟ قولان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: يرجع إليهم لأنهم قائمون مقامه في حقوقه وجميع أموره, فإذا قلنا: لا يرجع إليهم أو لم يكن له وارث أو كان ولو يعلم أقرعنا بينهم فإن خرجت القرعة على الطلاق لم يعمل في الطلاق لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق وإنما أقرعنا بينهما للعتاق, فإذا كان كذلك تعين الزوجات على الزوجية بالشك ويرثن لأنه لم يحكم بطلاقهن.
قال الشافعي: والأولى أن يدعن ميراثهن, قال القفال: وهل تعاد القرعة؟ وجهان والمذهب أنه لا يعاد, وإن خرجت أولاً القرعة على العبيد عتقوا والنساء على أصل الزوجية لا بالقرعة, وهل يرثنه أم لا؟ ينظر فإن كن ادعين علمه بأن الطير كان غرابًا لم يرثن لأنهن اعترفن بأنهن [50/ أ] طلقن ثلاثًا ثلاثًا, وإن لم يكن منهم دعوى ورثن والورع أن لا يرثن كيلا يكون الحنث فيهن فإن كان بعضهن ادعين ذلك دون البعض ورث من لم يدع ذلك من ادعاه, وقال أبو ثور: إذا وقعت القرعة على النساء يطلقن كما يعتق العبيد بها وهذا غلط لأنه لو طلق واحدةً من نسائه لا بعينها لم يقرع بينهن بخلاف ما لو أعتق واحدًا من عبيده لا بعينه وهذا لأن العتق محله الملك, وفي الملك تدخل القرعة في النكاح فكذلك في الطلاق الذي محله فإن قيل: كيف تصح القرعة؟ في شيئين, أحدهما: لا مدخل لها فيه قلنا: لا يمتنع مثل ذلك كما يقبل شاهد وامرأتان في السرقة التي يجب فيها القطع فيغرم بها, وإن كان لا يقطع بها كذلك هاهنا تدخل القرعة فتعمل في الرق والحرية, وإن كان لا مدخل لها في الطلاق.
فرع آخر إذا خرجت القرعة على النساء فلم يطلقن هل يزول بهذه القرعة الشك عن رق العبيد أم لا؟ ظاهر المذهب أنه زال ذلك عنهم لأن القرعة إن لم تعمل في الطلاق الزوجات عملت في نفي الحرية عن العبيد, ومن أصحابنا من قال: الشك بحاله في رق العبيد لأن القرعة إذا لم تعمل فيها خرجت عليه لم يعمل في غيره فيكون العبيد على أصل

الجزء: 10 - الصفحة: 143

الملك بالشك ويجوز بيعهم ويكون مع ذلك مشكوك في لعانه وهو اختيار القاضي الطبري, وقال ابن أبي هريرة: هل يتصرف في العبيد على أصل الملك أو يتصرف فيهم وهو شاك في ملكهم وجهان, وفائدة الوجهين, أنا إذا قلنا: يتعين على أصل الملك فله بيعهم ولا يكره له ذلك [50/ ب] وإذا قلنا: يبقى على الإشكال يكره له بيعهم ونقول لهم: الورع أن لا تبيعوهم فإن باعوهم صح البيع وكذلك يكره لهم الاستمتاع إن كنّ إماءً ولا نحرمه لأن الرق مشكوك فيع فإن قيل: أليس منعتم الموروث من التصرف لأجل الشك؟ فهلا منعتم الوارث من التصرف آنفًا؟ قلنا: الفرق في حق المورث تيقنا الحنث في أحد ملكيه, إما النساء, وإما العبيد فأوقفنا عنهما, وأما الورثة إنما يملكون العبيد دون النساء فلم نتيقن الحنث في حقهم وهذا كما لو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا فنساؤه طوالق وقال آخر: إن لم يكن غرابًا فعبيدي أحرار ولم يعلم لا يوقف على واحدٍ منهما ملكه لأنه لا يتيقن الحنث في حقه.
فرع آخر لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فنسائي طوالق, وإن كان حمامًا فعبيدي أحرار ولم يعلم ذلك لم يحنث هاهنا لجواز أن يكون غير غراب وغير حمام وهو من جملة الشك في الطلاق والعتاق.
فرع آخر لو رأى رجلان طائرًا فقال أحدهما: إن كان هذا غرابًا فامرأتي طالق وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فامرأتي طالق فطار ولم يعلم قد ذكرنا أنه لا يحكم على واحد منهما بالطلاق لأن الأصل لكل واحد منهما بقاء النكاح وهذا كما أنه يجوز أن يجتهد في إناءين أحدهما نجس ويتوضأ كل واحدٍ منهما ويصلي يجوز, ولا يجوز أن يتوضأ بهما رجل واحد.
فرع آخر لو قال: هذا في اليمين بحرية عبدين بأن قال أحدهما: إن كان غرابًا فعبدي حر, وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر, وطار الطائر لم يعتق عبد واحد منهما لأن كل واحدٍ منهما شاك في وقوع الحرية على عبده, فإن بادل كل واحدٍ منهما عبده بعبد صاحبه صح الملك ونظر [51/ أ] فإن لم يكن أحدهما كذب صاحبه لم يعتق عليه, وإن قال: كل واحدٍ منهما لصاحبه بل كلن ما قلت وخالفه عتق على كل واحدٍ منهما ما يملكه بإقراره السابق, وإن لم يتبادلا ولكن اشترى أحدهما عبد صاحبه, قال صاحب "الإفصاح": يحتمل أن يقال: يقف عنهما لأن فيهما حرًا لا محالة ولم يذكر القفال غيره ويحتمل أن يقال: له بيعهما لأن بيع كل واحد منهما كان جائزًا فلا يحرم بالشك.

الجزء: 10 - الصفحة: 144

وقال أبو حامد: عتق ما اشتراه لأنه لما أمسك عبد نفسه كان ذلك إقرارًا بأن عبد صاحبه هو الذي عتق فإذا صار الحق له بعد ذلك عتق, كما لو قال: عبد فلان حر ثم ملك وفي هذا نظر لأنه يحتمل أنه في إمساك عبده على الرق خاطئًا وإنه هو الحر.
فرع آخر لو كان له امرأتان فقال: إن كان هذا حمامًا فزينب طالق, وإن لم يكن حمامًا فعمرة طالق وخفي الأمر فإنه يحال بينه وبينهما حتى يتبين.
ولو قال: إن كان حمامًا فزينب طالق, وإن كان غرابًا فعمرة طالق وخفي الأمر لا يلزمه شيء لأنه يحتمل أنه كان غير الحمام والغراب.
مسألة: قال: ولو قال: إحداكما طالقٌ ثلاثًا منع منهما.
الفصل إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم أشكلت مثل 0 أن يرى إحدى امرأتيه منطلقة فقال لها أنت طالق وأشكلت وأنكرت كل واحدة منهما أن تكون هي المنطلقة أو عينها ثم نسي, أو قال: إحداكما طالق وهو يريد إحداهما بعينها ثم نسي أو لم ينس يكون إقرارًا وإخبارًا عن التي طلقها وليس بتعين طلاق بالاختيار والشهوة ثم إذا بين لا يخلو إما أن يبين قولاً أو فعلاً فإن بين قولاً فقال: هذه التي طلقتها طلقت هذه والثانية زوجته, وإن بين بالفعل بأن وطئ إحداهما لم يكن ذلك دليلاً [51/ ب] على أنها الزوجة والأخرى المطلقة والفرق بين البيان بالفعل لا يقبل هو أن الناس أجمعوا على أنه لو وطئهما جميعًا لم تطلق كل واحدة منهما, ولو قال بلسانه: طلقت هذه لا بل هذه طلقتا جميعًا فدل الفرق.
فرع آخر لو بين بالقول وقال: هذه التي لم أطلقها فهذه زوجته والأخرى مطلقة.
فرع آخر لو قال: هذه التي طلقتها لا بل هذه طلقتا معًا لأنه أقر بطلاق واحدة ورجع عنها فأقر بطلاق الأخرى وقبل ما أقربه ثانيًا ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى.
فرع آخر لو كانت الزوجات ثلاثًا فقال: طلقت هذه لا بل هذه طلقن جميعًا.
فرع آخر لو قال: طلقت هذه بل هذه طلقت الأولى وأبهم الطلاق في الثانية والثالثة فنكلفه البيان.

الجزء: 10 - الصفحة: 145

فرع آخر قال ابن سريج: ولو قال: طلقت هذه أو هذه فقد أبهم الطلاق في الأولى والثانية وطلق الثالثة لأن معنى قوله: وهذه أي: وطلقت هذه.
وقال أبو حامد: ظاهر هذا الكلام غير ما قال أبهم الطلاق بين الأولى وبين الثانية والثالثة لأن قوله: وهذا معناه طلقت هذه أو هاتين فكأنه شك في تطليق الأولى أو تطليق الثانية والثالثة وهذا أولى لأن على قول ابن سريج يحتاج أن يحتاج أن يضمر وهذه طلقتها وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى إضمار شيء.
فرع آخر لو كن أربعًا فقال: طلقت هذه أو هذه فقد أبهم الطلاق في الأولى وفي الثانية وفي الثالثة وفي الرابعة فنكلفه البيان.
فرع آخر لو قال: هذه وهذه أو هذه وهذه ولم يقل: لا بل قلنا: حصل الطلاق في الأوليين أو الأخريين فإن بين بعده إحدى الأولتين طلقتا دون الأخرتين, وإن بين إحدى الأخرتين طلقتا [52/ أ] دون الأولتين.
فرع آخر لو قال: هذه أو هذه وهذه أو هذه قلنا: يحتمل أنه تبين إحدى الأخرتين فعليه أن يبين واحدة منن الأولتين وواحدة من الأخرتين ويحتمل أنه جعلهن أقسامًا الأولى قسم والثانية مع الثالثة قسم والرابعة قسم فإن بين الأولى أو الرابعة لم تطلق غير التي بين وأن بين إحدى الوسطتين طلقتا معًا ذكره القفال.
فرع آخر قال القفال: لو قال: هذه أو هذه وهذه فكن ثلاثًا وأشار إلى ثلاث من جملة الأربع احتمل أنه أراد الأولى وحدها أو الأخرتين وحدهما فيقال: له بين ماذا أردت ويحتمل أنه أراد الأخيرة بكل حال مع إحدى الأولتين فيقال له: بين إحدى الأولتين.
فرع آخر إذا وطئ إحداهما لا يكون دليلاً على أنها الزوجة على ما ذكرنا ثم نقول له: عليك البيان قولاً فإن بين في التي وطئها فلا كلام وطئ زوجته, وإن تبين في الأخرى فالزوجية في الأخرى والمطلقة موطوءة بشبهةٍ فلها مهر مثلها, وقال القفال: فإن كان الطلاق ثلاثًا جددناه إن لم يدع الشبهة ويوجب المهر بكونها معذورة بالجهل.
فرع آخر إذا بين كان الطلاق من وقت الإيقاع دون البيان, والعدة من وقت الإيقاع بلا خلاف بين أصحابنا بالعراق لأن البيان هاهنا إخبار عن طلاق وقع ويعين ولهذا لا نقول له:

الجزء: 10 - الصفحة: 146

في الأول بين المطلقة بل نقول عين المطلقة.
وقال القفال: فيه قولان, أحدهما: وهو الأظهر هذا.
والثاني: إنه من يوم البيان ثم قال: وهذا لا يصح وإنما يخرج من قول الشافعي في النكاح الفاسد إذا فرق فيه بين الزوجين هل تكون العدة من آخر الوطء أو من يوم التفريق؟ قولان والفرق ظاهر وهو أن هناك كان يستفرشها على حكم الزوجية, وإن لم يطأها زمانًا وهاهنا قد خلينا بينهما فلم يكن مستفرشًا لها.
[52/ ب].
فرع آخر إذا بين الطلاق في إحداهما فللأخرى عليه اليمين إن ادعت أن الطلاق كان لها, فإن نكل حلفت وطلقت أيضًا.
فرع آخر لو أرسل ولم يعين واحدةً منهما مثل أن يقول: إحداكما طالق ولم يقصد بقلبه إحداهما بعينها فإنا نكلفه البيان ونطالبه ونشدد عليه هاهنا لأنه موكول إلى اختياره وشهوته ونعذره إن امتنع حتى لا تكون غير امرأته محبوسةً بسببه ويلزمه نفقتها فإن قال: عينت في هذه طلقت وكانت الأخرى زوجةً ولا يسمع دعوى الأخرى عليه لأنه اختيار شهوةٍ.
وقال مالك: يقع الطلاق عليهما لأن إرسال الطلاق عليهما يجعل لكل واحدة منهما فيه خطأ.
قال: ولو قال: إحداكما طالق ثلاثًا ثلاثًا وهذا غلط لأنه أضاف الطلاق إلى واحدة فلا يقع على اثنتين كما لو عين واحدةً.
وقال داود: لا طلاق على واحدة منهما كما لو قال: لأحد هذين الرجلين علي درهم لا يلزم شيء ٌ وهذا غلط لأنه اجتمع الحظر والإباحة وأمكن تميزها فوجب التمييز.
فرع آخر لو قال: في هذه المسألة عينت في هذه لا بل هذه لم تطلق الأخرى لأنه الحق الطلاق بواحدة منهما فإذا عينه في إحداهما فقد اختار وقوعه عليها ولا يصح الرجوع فيه فلم يكن لقوله: لا بل هذه معنى وليس كذلك إذا كانت معينة وأشكلت فإن قوله: هذه إخبار عن المطلقة, فإذا قال: لا بل هذه كان رجوعًا عن الإقرار الأول إلى الثاني فيلزمهما كما لو قال: لفلان علي درهم لا بل دينار يلزمه الدرهم والدينار.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: تطلقان معًا كما في المسألة قبلها وهذا على القول الذي يقول: البيان في المبهم يوجب وقوع الطلاق باللفظ دون [53/ أ] التعيين والوجه الأول على القول الذي يقول: لا يقع باللفظ بل بالتعيين وهذا غريب.

الجزء: 10 - الصفحة: 147

فرع آخر لو قال عند التعيين: هذه وهذه أو هذه وهذه وهن أربع فالطلاق يحصل في الأول لما ذكرنا ولو قال: هذه أو هذه قلنا: ما زدتنا بيانًا, وإذا قال: هذه أو هذه وكن ثلاثًا قلنا: تعين في إحدى الأولتين وخرجت الثالثة عن أن تعين فيها فيقال له: عين في إحدى الأولتين.
فرع آخر قال الشافعي: لو قال هاهنا: هذه ثم قال: أخطأت بل هذه طلقتا معًا ومعناه أنه إذا قال: بل هذه يكون منه استئناف طلاقها فيطلقان معًا.
فرع آخر لو وطئ واحدة منهما هل يكون اختيارًا لها وطلاقًا للأخرى؟ قال المزني وأبو إسحاق وعامة أصحابنا وبه قال أبو حنيفة: يكون طلاقًا للأخرى واختيارًا لهذه لهذه كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار كان اختيارًا لفسخ البيع وهذا لأنه اختار شهوته والظن بالمسلم أنه لا يترك زوجته ويطأ أجنبية مطلقة محرمة, وقال بعض أصحابنا: لا يكون اختيارًا لها لأن الطلاق لا يقع إلا بالقول كما في القسم الأول, وحكاه أبو حامد عن ابن أبي هريرة ولا يصح عنه وإنما الصحيح عنه القول الأول.
وقال القفال: فيه قولان وهو غريب وظاهر مذهب الشافعي الثاني لأن الشافعي قال: منع من وطئها, فلو كان الوطء اختيارًا لم يمنع.
وقال أحمد: الوطء لا يكون تعيينًا ولا القول وإنما يعين بالقرعة, وروي ذلك عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ولأن الطلاق وقع على إحداهما فليس له تعيينه باختياره كما لو على واحدة منهما بعينها ثم نسي.
وحكي عن أحمد القرعة في هذا الأصل أيضًا وهذا غلط لأن الزوج يملك إيقاع الطلاق وتعيينه [53/ ب] ابتداءً فإذا أوقعه ولم يعينه كان له تعينه لأنه استيفاء ما يملكه.
ويخالف الأصل الذي قاسوا عليه لأنه استوفي هناك في ملكه من الطلاق والتعيين فليس له الرفع من واحدة إلى غيرها.
فرع آخر إذا قلنا: الوطء يكون بيانًا قال أبو إسحاق: كان الوطء مباحًا لأنه لا يحرم ما يحصل به البيان وعلى قول غيره يحرم الوطء قبل البيان وهو ظاهر كلام الشافعي على ما ذكرنا وهذا لأن إحداهما مطلقة فيلزمه التوقف عنها حتى يعين الطلاق فيمن شاء منهما.

الجزء: 10 - الصفحة: 148

فرع آخر إذا لم يجعل الوطء بيانًا أخذ بتعيينه قولاً وهل يلزمه تعيينه في غير الموطوءة أو يكون على خياره في تعيينه في أيهما شاء؟ وجهان, أحدهما: يلزمه تعيينه بالقول في غير الموطوءة ليكون الوطء لزوجته.
والثاني: يكون خياره في تعيينه في أيتهما شاء كما كان مخيرًا لو لم يطأ.
فرع آخر إذا قلنا: يكون على خياره فعينه في الموطوءة تعين فيها وهل يكون الطلاق واقعًا بهذا التعيين أو يكون واقعًا باللفظ المتقدم؟ وجهان قال أبو إسحاق: يقع في وقت التعيين وبه قال أبو حنيفة لأنه يظهر حكمه عنده, وقال ابن أبي هريرة: باللفظ المتقدم والوطء صادفها وهي غير زوجةٍ غير أنه لا حد عليه بحال وهذا لأن الطلاق قد وقع بدليل أن نأمره بالتوقف عنهما وحرمت عليه إحداهما لا بعينها فكيف يكون الطلاق من حين التعيين ويكون التحريم سابقًا؟ ومن أصحابنا من حكي عن ابن أبي هريرة ما ذكرنا عن أبي إسحاق, وعن أبي إسحاق ما ذكرنا عن ابن أبي هريرة والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر إذا قلنا: الطلاق يقع بالتعيين فالعدة من وقت التعيين, وبه قال أبو حنيفة.
وإذا قلنا: الطلاق يقع باللفظ المتقدم ففي العدة وجهان, أحدهما: من وقت التعيين اعتبارًا بالتغليظ [54/ أ] في الأمرين.
والثاني: من وقت الفظ المتقدم, وقال القفال: فيه قولان ولعله أراد تخريجًا لأن النص غير ظاهر على القولين, وقيل: المذهب أن الطلاق باللفظ والعدة من وقت التعيين إلى اختياره وشهوته كانت كل واحدة منهما على حكم الزوجية حتى يتبين وهو كما يقول في المنكوحة نكاحًا فاسدًا إذا فرق القاضي بينهما وجبت العدة من حين التفريق بينهما, وإن كان التحريم سابقًا كذلك هاهنا.
فرع آخر قال القفال: إذا عين الطلاق في الموطوءة هل يلزمه المهر لها؟ وجهان بناءً على أن الطلاق من وقت الإيقاع أو من حين التعيين وظاهر المذهب أنه يلزمه المهر.
فرع آخر لو كان نكاح إحداها فاسدًا فإن كان الطلاق مرسلاً غير معين وقع على زوجته ولا يرفع إلى خياره لأنه لا يقع الطلاق إلا عليها, وإن كان معينًا وقال: أردت المنكوحة نكاحًا فاسدًا قبل منه.
وكذلك لو اتفقت الزوجتان في الاسم والنسب ونكاح إحداهما فاسد فذكرهما باسمهما ونسبها اللذين يشتركان فيه وقال: أردت به المنكوحة نكاحًا فاسدًا قبل منه.
وقال أبو حنيفة: إن قال: إحداكما طالق فيلزمه, وإن اشتركا في الاسم والنسب لم

الجزء: 10 - الصفحة: 149

يقبل منه, ووافقنا في العبدين إذا اشتركا في الاسم وشراء أحدهما فاسد وشراء الآخر صحيح, وقال: يا فلان أنت حر وأراد المشترى فاسدًا قبل منه فنقيس عليه.
فرع آخر لو شك في طلاق زوجته فأقام معها وأصابهما فماتت وأخذ ميراثها ثم تيقن ذلك الطلاق فيها أخذ منه مهر مثلها للإصابة ورد جميع ما أخذه من ميراثها, ولو مات هو وأخذت ميراثها من تركته ثم أقرت بأنها علمت أنه قد طلقها ثلاثًا ولا تصدق على أن لها مهرًا بالإصابة سواءً ادعت الجهالة [54/ ب] بتحريم الأصل أو لم تدع ذلك, إذا ادعت انه غصبها على نفسها أو لا اللهم إلا أن تقر لها الورثة بما ذكرت فترد الميراث ولها مهر مثلها بالإصابة, ولو قال: لا أدري أطلقت نسائي أو واحدة منهن أم لا ثم مات ورثنه معًا ولا يمنعن من ميراثه بالشك في طلاقهن.
فرع آخر لو قال: إذا جاء غد فأنت طالق أو عبدي حرٌ بعد غدٍ لم تطلق إذا جاء غدٍ لأنه أوقع الطلاق أو العتق بعد غدٍ ولم يعين, فإذا جاء بعد كان الخيار إليه في تعين الطلاق أو العتق.
مسألة: قال: "فإن ماتتا أو إحداهما قبل أن يقر وقفنا له من كل واحدةٍ منهما ميراث زوج".
الفصل إذا ماتت إحداهما فيما ذكرنا من الصورة لم يتعين الطلاق في الأخرى, وقال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الأخرى لأنه لا يجوز أن يطلق بعد موتها وهذا غلط لأنه يملك تعيين الطلاق قبل موتها فكذلك بعد موتها كما لو طلقها بعينها ثم أشكلت, فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي رحمة الله تعالى عليه في الميراث إذا حصل الموت قبل البيان ثلاث مسائل إحداها: إذا ماتتا فلا فرق بين أن تموتا معًا أو تموت واحدة بعد واحدة فيوقف من تركة كل واحدةٍ منهما ميراث زوج, وقلنا له: بين ثن ينظر فإن كان الطلاق معينًا فالبيان أخبارٌ فإن قال: هذه المطلقة دون هذه نظر فإن صدقه الوارث في هذا ورثها وبانت الثانية, وإن كذبه الوارث وقال: بل طلقت الأخرى فالقول قوله مع يمينه, وإن كان الطلاق مبهمًا فمتى عينه في واحدة طلقت وورث الأخرى ولا اعتراض للوارث هاهنا لأن بيانه اختيار شهوةٍ فلا اعتراض لهم عليه لما صح إيقاعه بعد الموت ولا إشكال أنه لا يرث التي عين الطلاق فيها سواء قلنا: الطلاق من وقت الإيقاع أو من [55/ أ] وقت البيان لأن من قال: إنه من وقت البيان قال: تستند الفرقة إلى وقت الإيقاع, وإن لم يوجد حقيقته إلا بعد الموت وهذا هو الدليل على ضعف هذا القول

الجزء: 10 - الصفحة: 150

فإن الصحيح أنه قولٌ واحدٌ من وقت الإيقاع، وقال أبو حنيفة: رحمه الله: إذا ماتتا بطل التعيين وله نصف ميراث زوج من تركة كل واحدة منهما، وإن ماتت إحداهما تعين الطلاق في الحية على ما ذكرنا.
المسألة الثانية: إذا مات أولاً وبقيتا وقفنا من تركته ميراث زوجة ولكنا لا نقسمه بينهما لأن المستحق واحدة منهما، وإن لم يكن له وارث وقف حتى يصطلحا، وإن كان له وارث، وقال: لا أبين فكذلك نفقه حتى يصطلحا، وإن قال وارثه: أنا أبين الزوجة من غيرها هل يرجع في البيان إليه؟ الظاهر أنها على قولين وقيل: وجهان، فإذا قلنا: يرجع إليه قام مقام مورثه وإذا قلنا: لا يرجع إليه وقف حتى يصطلحا واختلف أصحابنا في موضع القولين فقال أبو إسحاق: سواء كان الطلاق معينًا أو مبهمًا فالكل على قولين.
وقال بعض أصحابنا: القولان إذا كان الطلاق معينًا فإن كان مبهمًا فلا بيان للوارث لأنه بيان اختيار وشهوٍة وهذا أصح، وقال القفال: إذا مات هو وهما حيان فالوارث لا يقوم مقامه قولًا واحدًا لأنه لا غرض له في ذلك وإنما القولان إذا ماتتا أو ماتت إحداهما قبله فيكون له في البيان غرض صحيح.
ولو قال لعبديه: أحدكما حرٌ ومات قبل التعيين والبيان فهل يقوم الوارث مقامه؟ قولان وإن كانا حيين لأن له غرضًا صحيحًا في تعيين أحد العبدين ما ليس في تعيين إحدى الزوجتين لتفاوت العبدين في القيمة والأغراض.
المسألة الثالثة: إذا ماتت واحدٌ ثم مات هو ثم ماتت الثانية والمسألة إذا كان الطلاق معينًا ثلاثًا فيرجع إلى الوارث [55/ ب] فإن قال: طلق التي ماتت أولًا دون التي بقيت ثم ماتت بعد موته فقد آثر على نفسه لأنه يقول: ما ورثها والدي بل ورثته الثانية، وإن قال: طلق التي ماتت آخرًا دون التي ماتت أولًا فقد أقر بأن والده ورث الأولى ولم ترثه الأخرى فإن صدقه الوارث فيما يقول فهو على ما ذكر، وإن لم يصدقه الوارث هل يقبل فيما أخبر؟ قولان منصوصان: أحدهما: يقبل قوله كما في القسم الأول والثاني: لا يقبل وهو الأصح لأنه يريد إحراز المال من الميته الأولى وحرمان الثانية من الميراث فهو متهم فيه.
فإذا قلنا: إنه يقبل قوله يحلف على العلم أنه ما طلق الأولى ويحلف على البت أنه طلق الأخرى ويحتاج إلى يمينين إذا كانت على فعل نفسه كانت على القطع نفيًا كانت أو إثباتًا، وإذا كانت على فعل غيره فإن كانت نفيًا فهي على العلم، وإن كانت إثباتًا فهي على البت والقطع، فإذا خلف كان لوالده الميراث من الأولى ولا ميراث للثانية من تركته، وإذا قلنا: لا يقبل قوله وقف له من الأولى ميراث زوج ووقف من تركته للثانية ميراث زوجة حتى يصطلحوا وهذا الحكم لو ماتت إحداهما ثم مات الزوج وبقيت الأخرى حيًة ولم تمت على ما ذكرنا حرفًا بحرفٍ.
فرع لو كان له أربع زوجات فقال: زوجتي طالق وقع على واحدٍة منهن وكان عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 151

البيان، وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال: تطلق الأربعة وحكاه أصحابنا عن ابن عباس رضي الله عنه واحتجوا بأن لفظ الواحد في الإثبات قد يعبر به عن الجنس قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: 187]. وأراد ليالي الصيام وتقول العرب: درهمي لك وعبدي لك ويريدون [56/ أ] كل الدراهم والعبيد وهذا غلطٌ لأنه أوقع الطلاق على واحدة فلا يقع على الجماعة كما لو قال: إحدى نسائي طوالق، وأما ما ذكروه لا يصح لا يستعمل ذلك مجازًا والكلام يحمل على الحقيقة مهما أمكن.

باب ما يهدم الزوج من الطلاق

مسألة: قالَ الشافعيُّ رحمةُ اللهِ تعالى عليهِ: "لمّا كانتْ الطلقةُ الثالثةُ توجبُ التحريمَ كانتْ إصابةُ زوجةِ غيرهِ توجبُ التحليلَ".
الفصل إذا طلق امرأته طلقًة أو طلقتين وانقضت عدتها ثم تزوجت بزوج آخر وأصابها ثم طلقها ثم رجعت إلى الزوج الأول بنكاح جديد كانت عنده على ما بقى من الطلاق وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وزفر ومحمد، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تعود إلى الزوج الأول بالطلاق الثلاث وقد هدم الزوج الثاني تلك الطلقة أو الطلقتين كما يهدم الطلاق الثلاث، واحتج الشافعي بأن هذه الإصابة لا تفتقر إليها الإباحية فلا تؤثر في الطلاق كإصابة المولي والوطء بالشبهة وبهذا فرق إذا كان قد طلقها ثلاثًا لأنها تفتقر إلى الإصابة فأثرت تلك الإصابة في الطلاق، وقد روي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تزوج امرأًة ثم طلقها فتزوجت فطلقها زوجها ثم نكحت الآخر رجعت على ما بقى من الطلاق".
فرع قال ابن سريج: لو قال: لها متى أمرتك بأمر فخالفتيني فأنت طالق ثم قال: لا تكلمي أباك وأمك فخالفت وكلمتهما لم تطلق لأنها خالفت النهي لا الأمر وقال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: تطلق لأن النهي عن الخروج من ذلك الموضع أمرٌ [56/ ب] بضده وهذا أقيس عندي لجريان العادة تسميته أمرًا.
فرع آخر قال في "الإملاء" لو قال لها: متى نهيتني عن منفعة أمي فأنت طالق فقالت له: لا تعطِ من مالي شيئًا لم يحنث لأنه لا يجوز أن يعطي أمه مالها، وإذا أعطاها لا يجوز أن تنتفع به.
فرع آخر لو قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدًا وعمرًا وبكرًا مع خالدٍ، فإن أراد في بكر مع

الجزء: 10 - الصفحة: 152

خالد استئناف كلام كان شرط الطلاق كلام زيدٍ وعمرو دون بكر وخالد، فإذا كلمت زيدًا وعمرًا معًا أو على الانفراد طلقت، وإن كلمت أحدهما لم تطلق، وإن أراد بقوله: وبكرًا مع خالدٍ الشرط صار شرط الطلاق كلامهم كلهم فإن كلمتهم إلا واحدًا منهم لم تطلق لأنه جعل شرط الطلاق اجتماعهما في الكلام، وإن جمعت بين بكر وخالد في الكلام وفرقت بين زيد وعمرو في الكلام طلقت لأنه لم يجعل الجمع في زيد وعمرو شرطًا.
وإن قال ذلك من غير إرادة حمل ذكر بكر وخالد على الاستئناف دون الشرط لأن اختلافه في حكم الإعراب وخالف بينهما في حكم الشرط وهو نصب الأول ورفع الثاني.
وقال بعض أصحابنا: قوله: وفلان مع فلان يقتضي أن يكون كلاهما لفلان وفلان في الحال كون فلان مع فلان وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154]. وكانت هذه الجملة حالًا في الأولى كذلك هاهنا وهذا ليس بمشهور.
فرع آخر لو صرح وقال: إن كلمت هذين في حال كون فلان مع فلان أو أراد هذا بما تقدم من اللفظ نظر فإن كلمتهما وفلان لم يكن مع فلان لم تطلق، وإن كلمتهما وكان حين الكلام [57/ أ] فلان مع فلان وقع الطلاق.
فرع آخر لو قال: إن كلمت زيدًا وعمرًا فأنت طالق فقد علق الطلاق بكلامهما، فإن كلمتهما وقع الطلاق، وإن كلمت أحدهما لم يقع.
ولو قال: إن كلمت زيدًا أو عمرًا فأنت طالق فكلمت واحدًا منهما طلقت لأنه علق الطلاق بكلام كل واحد منهما.
فرع آخر لو قال: إن كلمت زيدًا أو عمرًا أو بكرًا فأنت طالق فكلمت أحدهم طلقت واحدةً على ما ذكرنا، وإن كلمتهم قال ابن سريج: تطلق ثلاثًا لأن كلام كل واحد منهم شرط يتعلق به الجزاء إذا انفرد فوجب أن يتعلق به الجزاء إذا اجتمع.
وقال صاحب "الحاوي": عندي أنها لا تطلق إلا واحدًة لأن الجزاء واحد علق بأحد ثلاثة شروط فوجب أن لا يتعلق بها إذا اجتمعت بها الأجزاء واحدة.
ولكن لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق، وإن كلمت عمرًا فأنت طالق، وإن كلمت بكرًا فأنت طالق ثلاثًا لأنها ثلاثة شروط علق بكل شرط منهما جزاءً منفردًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 153

فرع آخر لو قال: أنت طالق لا كلمت زيدًا أو عمرًا وخالدًا فكلمتهم طلقت، وإن كلمت بعضهم لم تطلق.
ولو قال: أنت طالق لا كلمت زيدًا ولا كلمت عمرًا ولا خالدًا، فإن كلمت واحدًا منهم طلقت.
فرع آخر لو قال: لامرأتيه إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان فدخلت كل واحدة منهما كل واحدة من الدارين طلقتا وإن دخلت إحداهما إحدى الدارين ودخلت الأخرى الدار الأخرى فيه وجهان، أحدهما: طلقتا لأن دخول الدارين موجود منهما.
والثاني: وهو الأصح لا تطلقان حتى تدخل كل واحدة منهما كل واحدة من الدارين لأنه لو أفرد طلاق كل واحدة منهما الدخول بدخول الدارين لم تطلق إلا بدخولهما معًا.
[57/ ب] وكذلك لو قال: إن ركبتما هاتين الدابتين فأنتما طالقان فركبت كل واحدة منهما كل واحدة من الدابتين، أو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان فأكلت كل واحدة أحد الرغيفين.
فرع آخر لو قال: إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الأخرى فأنت طالق لم تطلق إلا بدخولهما جميعًا لأنه علق الطلاق بدخولهما.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى فأيهما دخل وقع الطلاق.
وكذلك لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، وإن دخلت الأخرى طلقت بدخول كل واحدة منهما ويفارق الأولى لأنه جعل الطلاق جوابًا لدخولهما.
فرع آخر قال ابن سريج: لو قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فامرأتي طالق ثم أعتقه في الحال طلقت لأن معناه إن فاتني بيعه اليوم وبالعتق فاته البيع، ولو دبره لم تطلق لأن التدبير لا يمنعه من البيع ثم ينظر فإن باعه لم تطلق وإن لم يبعه طلقت.
فرع آخر لو كاتبه في الحال لم تطلق أيضًا في الحال لأنه يجوز أن ينفسخ فيجوز بيعه.
وإذا قلنا: إذا أعتقه طلقت في الحال في زمان طلاقها وجهان، أحدهما: طلقت عقيب عتقه.
والثاني: طلقت في آخر اليوم إذا ضاق عن وقت البيع لو كان بيعه ممكنًا.
فرع آخر لو قال: إن كنت أملك أكثر من مائة فأنت طالق وكان معه خمسون درهمًا فإن قال معناه لا أملك زيادًة على مائة لم يحنث لأنه صدق لأن الذي معه خمسون لا يملك

الجزء: 10 - الصفحة: 154

أكثر من هذه ولا أكثر من ألف، وإن قال: أردت أملك مائة ولا أملك زيادة عليها حنث، وإن طلق ولم يكن له نيةٌ فيه وجهان، أحدهما: يحنث [58/ أ] لأن معناه إثبات مائٍة معه ونفي ما زاد عليها، وعلى هذا لو ملك أكثر ولو قيراطًا طلقت.
فرع آخر لو قال: إن كنت أملك إلا مائة فأنت طالق، وكان يملك أقل من مائة يقع طلاقه، ومن أصحابنا من حكي فيه وجهين والأول أصح لأن إلا هاهنا مستثناة من نفيٍ فوجب أن يكون إثباتًا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غدٍ فإن جعل غدًا شرطًا في وقوع الطلاق عليها اليوم لم تطلق اليوم لأن الشرط لم يوجد.
وإذا جاء غدٍ لم تطلق أيضًا لأن الطلاق يقع عقيب وجود الشرط فلا تطلق بوجود الشرط قبل زمان وجوده ويخالف هذا إذا قال: أنت طالقٌ قبل وفاتي بشهر لأنه ما جعل موته شرطًا به يقع الطلاق، وإنما رتب الطلاق على هذا فمثاله هاهنا أن لو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غدٍ وأنا صحيحٌ أو أنت من أهلي فإذا جاء غدٍ طلقت على ما رتب لأنه ما جعل غدًا شرطًا، وإنما رتب وقوعه على هذا الوجه.
فرع آخر.
لو قال: أنت طالق اليوم غدًا فإن قال: معناه تطلقين اليوم فإن من طلق اليوم فهي طالقٌ غدًا طلقت اليوم طلقة ولم تطلق غدًا شيئًا.
وإن قال: معناه تطلقين اليوم وتطلقين غدًا طلقت اليوم طلقًة وغدًا طلقًة.
وإن قال: معناه تطلقين اليوم أو غدًا طلقت مكانهما لأنه جعل كل واحد من اليومين محلًا لوقوع الطلاق مطلقة.
وإن قال: معناه اليوم تطلقين نصف طلقٍة وغدًا نصف طلقة أخرى طلقت اليوم طلقٍة وغدًا طلقة أخرى.
وإن قال: معناه نصف طلقٍة اليوم والنصف الباقي منها غدًا يقع في اليوم طلقة تكميلًا للطلقة الواقعة فيه وهل تطلق من غدٍ؟ وجهان [58/ ب] ذكرهما ابن سريج، أحدهما: لا تطلق لأن البعض الذي أوقعه في غده قد تكمل في يومه.
والثاني: تطلق لأن البعض الذي في يومه يكمل في الشرع لا بتقديم ما أخره فوجب أن يكون الذي في غده واقعًا بالإرادة لأن الأصل لا طلاق.
فرع آخر لو قال: طلقت هذه أو هذه وهذه، قال ابن سريج: تطلق الثانية وإحدى الأولتين فيلومه تعيينها لأنه شك فيهما وعطف الثالثة على المطلقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 155

وقال أبو حامد: ينبغي أن تكون الثالثة أيضًا مشكوكًا في طلاقها لأنه عطفها على الشك ومن اختار قول ابن سريج أجاب عن هذا بأنه عدل عن لفظ الشك إلى واو العطف فينبغي أن ر يشاركهما في الشك ويكون معطوفًا على الجملة.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو تزوج رجل بجارية والده عند عدم الطول وخوف العنت وصح النكاح ثم قال لها: إذا مات أبي فأنت طالقٌ ثم مات أبوه فيه وجهان، قال ابن سريج وجماعة لا يقع الطلاق وينفسج النكاح بالملك لأنه التقى الفسخ والطلاق فلم يقع الطلاق.
وقال المزني: في "المنثور": لو قال لامرأته الأمة: إذا ملكتك فأنت طالقٌ في حال ملكي فملكها انفسخ النكاح ولا يقع الطلاق وهو اختيار القاضي الطبري.
وقال أبو حامد: عندي يقع الطلاق لأن صفة الطلاق موته والطلاق يقع عقيب الصفة، وأما الفسخ فلا يقع عقيب الملك فلا يلتقي زمان الطلاق مع زمان الفسخ فيقع الطلاق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن النكاح لا يجتمع مع الملك لأن الملك ينافيه فيحصل الملك والبينونة في حالٍة واحدٍة وذلك عقيب الموت [59/ أ] من غير فصلٍ.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها ومات الأب وعليه دين يستغرق قيمتها فمذهب الشافعي أن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة فيكون حكمه كما لو لم يكن عليه ففي الطلاق وجهان.
وقال الإصطخري: الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة فعلى هذا يقع الطلاق لأنه لم يملكها.
فرع آخر لو كان الدين لا يستغرق جميعها فقد انتقل الملك في الكل على مذهب الشافعي وفي البعض على قول الإصطخري فيكون الحكم كما لو لم يكن عليه دين لأن ملك البضع ينافي النكاح كملك الكل.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها فقال زوجها: إذا مات أبي فأنت طالق وقال أبوه: إذا مت أنا فأنت حرة فقد تعلق بموت والده طلاقها وعتقها، فإذا مات أبوه نظر فإن لم يكن عليه دين وخرجت من الثلث عتقت بموت أبيه ويقع الطلاق لأنه ما ملكها، وإن لم تخرج من الثلث عتق منها بقدر الثلث وملك الزوج ما بقى منها، وهل يقع الطلاق على ما مضى؟ قال عامة أصحابنا: لا يقع وهو ظاهر المذهب.
وقال أبو حامد: يقع، وإن أجاز الورثة فإن قلنا: الإجازة ابتداء عطية من جهة الورثة لم يقع الطلاق.
وإن قلنا إنها تنفيذ لما فعله الموروث وقع الطلاق، وإن كان عليه دين يحيط بالتركة لم تعتق لأنها لا

الجزء: 10 - الصفحة: 156

تخرج من الثلث ثم هو على قول الشافعي ملكها وهل يقع الطلاق على ما مضى؟ وعلى الإصطخري لم يملكها فيقع الطلاق، وإن كان الدين لا يحيط بالتركة فالحكم كما لو لم يكن دين، ولو كاتبها المولى ثم مات لم يقع الطلاق على قول ابن الحداد لأنه ينتقل ملكها إلى الورثة وينفسخ نكاحها.
فرع آخر لو قال: لامرأته [59/ ب] الأمة إذا أعتقك سيدك فأعتقها طلقت وكانت عدتها عدة الحراير وإن قال لها سيدها: إذا طلقك زوجك فأنت حرة فطلقها عتقت وفي عدتها قولان، أحدهما: عدة حرة.
والثاني: عدة أمٍة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن كلمت فلانًا إلى أن يقدم زيدٌ أو حتى يقدم زيد أو حتى يأذن زيد، قال ابن سريج: إن كلمته قبل قدوم زيد أو قبل إذنه وقع الطلاق لأن هذا التحديد يرجع إلى شرط دون الطلاق فيكون تقديره إن كلمته من الساعة إلى أن يقدم إن كلمته من الساعة إلى أن يقدم فلان فأنت طالق، وإن كلمته بعد قدومه أو إذنه لم تطلق لأن التحديد يصح دخوله في الشرط ولا يصح دخوله في الطلاق ألا ترى أنه يصح أن يقول: إن كلمت فلانًا على أن يقدم فلان فأنت طالق، لا يصح أن يقول: أنت طالق إلى أن يقدم فلان فإذا كان كذلك عاد إلى ما يصلح عوده إليه دون ما لا يصلح وعلى هذا لو قال: جعلت الغاية في قدوم عمرو حدًا للطلاق لا يصح لأن وقوع الطلاق يمنع تحديده إلى غاية.
فرع آخر لو قال: يا زانية أنت طالق ثلاثًا إن شاء الله يرجع الاستثناء إلى الطلاق ويكون قاذفًا لأن يازانية اسم مشتق من فعل لا يصح دخول الاستثناء فيه لأنه يصح أن يقول: أنت طالق ثلاثًا إن شاء الله ولا يصح أن يقول: يا زانية إن شاء الله وهكذا لو قلب الكلام فقال: أنت طالق ثلاثًا يا زانية إن شاء الله رجع إلى الطلاق دون القذف.
وقال محمد: يرجع إليهما لأنه لا يصح رجوعه إلى الأبعد دون الأقرب وهذا فاسدٌ بما ذكرنا أن الأسماء المشتقة من الأفعال والصفات لا يصح دخول الاستثناء فيها [60/ أ].
فرع آخر لو قال: يا طالق أنت طالق ثلاثًا بقوله يا طالق وعاد الاستثناء إلى قوله أنت طالق ثلاثًا لأن الاستثناء يعود إلى ما أوقع لا إلى الأسماء المشتقة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا يا طالق إن شاء الله فكذلك أيضًا.
وقال محمد: يعود الاستثناء إليهما معًا فلا تطلق.
فرع آخر قال ابن سريج: لو كانت له زوجتان حفصة وعمرة فقال: يا حفظة فأجابته عمرة فقال: أنت طالق فإن قال: قدرتها حفصة ولم أعلم أن عمرة أجابتني طلقت عمرة في

الجزء: 10 - الصفحة: 157

الحكم لأنه خاطبها بالطلاق فقال: أنت طالق ولا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى، وأما حفصة فإنها تطلق بإقراره في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه يقع الطلاق على حفصة خاصة لأنه يحتمل أن يكون أوقع الطلاق التي ناداها دون التي أجابته، وكذلك إن قال: أنا أردت بقولي أنت طالق حفصة وعلمت أن التي أجابتني عمرة طلقت عمرة بظاهر الخطاب في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى على ما أراد وتطلق حفصة بإقراره في الظاهر والباطن، وإن أشار إلى عمرة وقال لها: أنت طالق يا حفصة ولم يشر إلى حفصة فإن عمرة تطلق بالإشارة إليها ولا تطلق حفصة، وإن قال: أنا قدرت أن المشار إليها هي حفصة وإن قال: أنا قصدت أن أطلق حفصة ظاهرًا وباطنًا وطلقت عمرة في الحكم وهذا لأن التسمية تسقط مع الإشارة إلى العين، ولهذا لو أشار إلى امرأةٍ أجنبية فقال لها: أنت طالق يا حفصة ظنها زوجته حفصة لم يقع الطلاق على حفصة لأنه ما أشار الطلاق إليها ولا أرسله نحوها.
فرع آخر لو أرى أجنبية في الطريق [60/ ب] فقال: حفصة طالق ولم يشر إليها تطلق زوجته لأنه قد سماها وأوقع الطلاق عليها، ولو قال: إنما أردت هذه الأجنبية بالطلاق دون زوجتي لا يقبل قوله، وقال في "الحاوي": لو رأى أجنبية فظنها زوجته عمرة فقال لها: أنت طالق وأشار إليها لم يقع على زوجته، ولو سمى فقال: يا عمرة وأشار إلى الأجنبية أنت طالق ولم يعلم أنها أجنبية طلقت زوجته عمرة في الظاهر للتسمية وكان في الباطن مدينًا لأجل الإشارة.
فرع آخر لو قال لها: إن تظاهرت منك فأنت طالق مني ثلاثًا قبل ظهاري منك فظاهر منها وقع الظاهر ولزمته الكفارة بالعود ولم يقع الطلاق لأن الطلاق معلق بشرط لا يمكن تصحيحه بحال لأنا متى ألزمناه الطلاق بطل الظهار وفي بطلان الطهار بطلان الطلاق ويقع المسألة في دورٍ.
فرع آخر قال ابن الحداد: إذا قال لامرأته: إن اشتريتك فأنت طالق ثلاثًا وقال لها سيدها: إن بعتك فأنت حرة فاشتراها منه عتقت وطلقت ثلاثًا، لوجود الصفتين، قال أصحابنا: أما العتق فيقع على جميع الأحوال في انتقال الملك في مدة الخيار لأنه يتعقب العقد خيار المجلس فله إيقاع العتق فيه لأنه يملك فيه لأنه يملك فيه فسخ البيع، وأما الطلاق فإنما يقع إذا قلنا: الخيار يمنع انتقال الملك أو قلنا: إنه مراعى، فأما إذا قلنا: الخيار

الجزء: 10 - الصفحة: 158

لا يمنع انتقال يجب أن ينفسخ بالملك ولا يقع الطلاق ويجيء هاهنا ما ذكره أبو حامدٍ إذا علق طلاقها بموت أبيه وكان أبوه مالكها أن الطلاق يقع لأن الملك يحصل عقيب الشراء والفسخ يترتب عليه والطلاق يقع عقيب الشراء قال ابن الحداد: وقد نصَّ الشافعي على أن الحرَّ إذا اشترى امرأته الأمة فلن يتفرق والبائع حتى طلقها ثلاثًا فإن تم الشراء [61/ أ] فلا طلاق لأنه يستدل على أن طلاقه صادف أمته لا امرأته، وإن لم يتم الشراء عمل طلاقه وحرمت عليه وهذا على القول الذي يقول: الملك موقوف مراعى.
فرع آخر قال ابن سريج: لو طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت صبيًا مرضعًا فأرضعته خمس رضعاتٍ في الحولين حرمت عليه وانفسخ نكاحها، ثم أنها تزوجت بزوج آخر ودخل بها وطلقها أو مات عنها فإنها لا تحل للزوج الأول لأنها أرضعت زوجها الصغير فصارت من حلائل أبنائه فحرمت على الآباء.
فرع آخر قال: كان رجلٌ ببلخ فقالت له امرأته: اصبغ ثيابي يكن لك فيه أجرٌ، فقال الرجل: إن كان لي فيه أجر فأنت طالق ثلاثًا فقالت المرأة: هذه المسألة وقعت ببلخ فاستُفتي فيها إبراهيم بن يوسف العالم فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف عالمًا فأنت طالق فاستفتي إبراهيم فقال: لا يحنث في اليمين الأولى لأنه مباح ولا أجر في المباح، ويحنث في اليمين الثانية لأن الناس يُسمونني عالمًا واليمين تقع على عرف الناس.
وقال بعض أصحابنا: يحنث في اليمين الأولى إن قصد بذلك برًا لأن الرجل قد يؤجر في المباح واللعب مع امرأته وجاريته وفي جماعهما إذا قصد به تعففهما وتطيب قلبهما، وإن كان مباحًا وهذا صحيح ظاهر.
فرع آخر لو أن رجلين كانا على سلم أحدهما على أول الدرج من السلم والآخر على الدرجة العليا منه فقال الذي هو على الدرجة العليا منها للذي على الدرجة السفلى: إن نزلت منها قبل أن تصعد فامرأتي طالق، وقال الآخر: وأنا وإن صعدت إليك قبل أن تنزل إليَّ فامرأتي طالق فرفع السلم كما هو وهما عليه فوضع على الأرض أو حول فجعل أعلاه أسفله فقد خرجا جميعًا من اليمين [61/ ب] بانتقالهما عن الحال علقا الطلاق عليها.
فرع آخر قال: لو قال لها وهي حامل: إن ألقيت ما في بطنك فأنت طالق فألفته نظر فإن كان ذلك مخلوق الولد وقد مضى عليه أكثر من أربعين يومًا لم يقع الطلاق، وإن أسقطت

الجزء: 10 - الصفحة: 159

في أربعين يومًا من أول العلوق طلقت، وإنما فرقنا بين الحالتين لما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أهل الخبرة إن الولد إنما يكون في الرحم أربعين يومًا ثم يخرج بعد ذلك إلى البطن.
فرع آخر قال: لو قال لها: إن لم تصومي يوم الجمعة فأنت طالق، أو إم لم تصلي غدًا ركعتين فأنت طالق فحاضت قبل أن يمكنها الصلاة أو وافق يوم طهرها يوم النحر أو يوم الحيض فتركت الصوم والصلاة طلقت إن شاء الله لأنه لا صلاة لها مع الحيض ولا صوم أيضًا في يوم النحر ويوم الحيض، ولو قال لها إن لم تصومي يوم النحر، أو إن لم تصلي في وقت الحيض فأنت طالق فصامت يوم النحر أو صلت في حيضها لم تطلق، والفرق أن الكلام إذا أطلق وأرسل إرسالًا يحمل على الصحة والسلامة، وإذا عين واستقصى في الوصف والشرط كان على ما شرط ووصف صحيحًا كان أو فاسدًا ونظيره ما ذكرنا لو قال لها: إن لم تبيعي هذا الحر فأنت طالق فباعته لم تطلق، وإن كان البيع فاسدًا، ولو قال: إن بعت مالك فأنت طالق فباعت حرًا لم تطلق.
وقال بعض أصحابنا في المسألة الأولى: إذا قلنا: لا يقع الطلاق عند عدم الاختيار لا يقع هاهنا أيضًا وهو الصحيح عندي.
فرع آخر قال لو قال لها: أنت طالق إن سألتيني الخلع إن لم اختلغك فقالت: وأمتي حرة إن لم أسألك ذلك قبل الليل، فإن سألته الخلع فقال الزوج: خالعتك على ألفُ تعطينها فقالت [62/ أ] لا أقبل بَرَّ كلٌّ منهما ولم يحنث.
فرع آخر قال لو قالت له امرأته: يا أحمق فقال لها إن كنتُ أحمق فأنت طالق فإن لم يرد بطلاقه إياها نظر في أموره وأحواله في مثل سنه وصناعته، فإن وجد في ذلك ناقصًا في مراتب أمثاله نقصًا بلا مرض ولا سبب من سُكر أو غيره علم أنه أحمق فيقع الطلاق وإلا فلا يقع.
فرع آخر قال لو قالت له امرأته: ما أنت إلا غوغا فقال الرجل: إن كنت غوغا فأنت طالق فإن أراد الشرط دون المجازاة لقولها فإن كان الرجل يجتمع مع المفسدين والذين يمخرقون على العامة في الأسواق ويجنباهم الناس ولا بغية له من يقع أو دفع ضره طلقت، وإن كان بخلاف ذلك (لم) تطلق.

الجزء: 10 - الصفحة: 160

فرع آخر لو قال لها: أنت طالق إن أحببت دخول النار فقالت: أحببتُ دخولها فيه وجهان، أحدهما: لا يقع ولا يقبل قولها لأنه يكذبها العادة الظاهرة فإن أحدًا من العقلاء لا يرضي بها ويحب ذلك.
والثاني: يقع ويقبل قولها لأن المحبة معني يوجد في قلبها وهى أعلم بالحال فقد تحب ذلك، إما لضعف رأيها أو بلوغها الطريقة التي يسلكها بعض الصوفية فإن أحوالهم على ما يقال: تبلغ إلى حد يحبون دخول النار بدلًا من المعاتبة والمحاسبة وفي الكفرة من يرضي ذلك جزعًا على نفسه وفي الناس من يلقى نفسه في النار لدفع مضرة هي أعظم من ذلك وقد يلقى نفسه فيها لئلا ينتقم منه عدوه.
فرع آخر لو قال لها: إن لم تُعرّفيني عدد الجوز الذي في هذا البيت فأنت طالق فإن المخلص من ذلك أن تذكر عددًا يتيقن [62/ ب] أنه أكثر من عدد ذلك الجوز ولم تطلق لأنه حينئذٍ قد عرفته عدده وما زاد عليه من العدد لغو، وكذلك، لو قال: إن لم تعرفيني عدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت طالق فإنها تخبره بعدد حتى يتيقن الزيادة على ما يحتمل من العدد.
فرع آخر قال المزني في المنثور: لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا ثم قال لامرأة أخرى: أنت شريكتها في هذا الطلاق ثم قال لامرأةٍ له أخرى وأنت شريكتها في هذا الطلاق فقال الشافعي: تطلق الأولى منهن ثلاثًا والثانية اثنتين والثالثة واحدة.
قال المزني: وعندي تطلق كل واحدة منهن ثلاثًا وذلك أنه جعلهن كلهن مشتركات فيما أوقع من الطلقات بينهن لكل واحدة ثلثها فنجزأها فتكون واحدة.
فرع آخر قال المزني في (المنثور): لو قال لها: إذا قدم أبوك فأنت طالق فقالت له: لم تؤخرها عجلها لي الساعة فقال: عجلتها لك يريد بذلك الطلقة التي عقدها بقدوم أبيها القياسُ عندي وبالله التوفيق إن الطلقة قد انعقدت مؤخرة فلا يجوز أن يكون أبدًا في عينها عجلة وقد شرحنا نظير هذه المسألة قبل هذا.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام وقع الطلاق عليها إذا طلع الفجر من اليوم الثالث، ولو قال في مضى ثلاثة أيام فإنها تطلق إذا مضت ثلاثة أيام فإن كان قال: بالليل طلقت إذا غربت الشمس من اليوم الثالث: وإن كان قال ذلك بالنهار طلقت حتى يصير إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الرابع.

الجزء: 10 - الصفحة: 161

فرع آخر قال في (البويطي) لو قال: أنت طالق في مكة أو بكة أو في الدار أو في البحر فهي طالق [63/ أ] ساعة تكلم به إلا أن يكون نوى إذا كنت بمكة أو في الدار وهذا يدل على أنه إذا نوى ذلك يقبل منه في الحكم أيضًا لأنه محتمل وهذا لأن المطلقة بغير مكة يكون مطلقة بمكة وكذلك إذا قال: أنت طالق في الظل وهما في الشمس، وقال في (الحاوي): إن أراد كونها بمكة دونه أو كونه بمكة دونها روعي ذلك، وإن لم يكن له إرادة روعي حُصولها بمكة دونه لأنه هو الأظهر من الكلام فإذا حصلت بمكة طلقت سواء كان الزوج بها أم لا، فإن لم يكن في مكة لا يقع الطلاق وما قاله (البويطي) لا يصح لأنه يسقط فائدة التخصيص ويبطل بقوله: أنت طالق في غد فإنها لا تطلق في مجيء غدٍ، وإن كانت المطلقة في اليوم مطلقة في غدٍ.
فرع آخر قال ابن سريج بعد ما حكي عن البويطي ما ذكرنا لو قال لها: أنت طالق في الشتاء وهما في الصيف لا يقع الطلاق إلا إذا دخل الشتاء لأن هذا يذكر للشرط.
فرع آخر لو قال: إن كلمتني فأنت طالق وقالت: إن كلمتني فعبدي حر طلقت ولم يعتق عبدها لأنها كلمته.
فرع آخر لو قال لهما: إن ضربت زيدًا فأنت طالق فضربته على ثوبه فأن أحس بالضرب من تحت الثوب طلقت سواًء آلمه أو لم يؤلمه، وإن لم يحس بالضرب لم تطلق.
فرع آخر لو قال لها: إن ضربتك فأنت طالق فعضها أو قطع شعرها قال ابن سريج: لا يحنث لأن هذا ليس بضرب، وحكي عن المزني أنه قال: أنا واقف في هذا لأني إن قلنا: لا يقع على البعض اسم الضرب احتملته اللغة، وإنما أتوقف لأنه لا بد من ضربٍ بالأسنان وأنه يحصل به بالإيلام.
فرع آخر لو قال لها: أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر [63/ ب] فقد ذكرنا أنه إذا قدم بعد شهر ولحظة تسنا أن الطلاق وقع عقيب عقد الصفة، فإن عقد هذه الصفة ثم خالفها ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة تبينا أن الطلاق وقع قبل عقد الخلع، فإن كان الطلاق ثلاثًا

الجزء: 10 - الصفحة: 162

فقد ذكرنا أن عقد الخلع باطل لأنها خالع بعد الصفات الثلاث، وإن كان الطلاق رجعيًا يصح الخلع لأن خلع الرجعية جائز، فإن كانت المسألة بحالها فمات أحدهما بعد عقد الصفة بيوم فورثه الآخر ثم قدم زيد بعد شهر ولحظة فالميراث باطل لأن الوفاة بعد الطلاق الثلاث، فإن كانت المسألة بحالها فخالفها بعد يوم ثم قدم زيدٌ بعد عقد الخلع بشهر ولحظة فالطلاق يقع قبل قدومه بشهر ولحظة والخلع قد سبق الطلاق لأنه وقع قبل قدومه بشهر ويوم فالخلع صحيح والصفة قد ارتفع حكمها، فغن كانت المسألة بحالها فطلق ثلاثًا ثم قدم زيد بعد الطلاق بشهر ولحظة فالطلاق الذي باشرها به واقع لأنه قبل وقوع الطلاق، فإن مات أحدهما بعد عقد الصفة بيوم ثم قدم زيد بعد الوفاة بشهر ولحظة فالميراث صحيح لأن صفة الطلاق وجدت بعد الوفاة فلا يقع الطلاق على من بانت بالوفاة، ولو قال لأمةٍ: أنت حرة قبل قدوم زيد بشهر فباعها ثم قدم زيد بعد البيع بشهر ولحظة فالبيع جائز لأنه قبل العتق والعتق لا يقع لأن الصفة وجدت بعد خروجها عن ملكه.
فرع آخر قال القفال: لو قال: إذا قدم زيدٌ غدًا فأنت طالق غدًا فماتت من الغد بكرةٌ، ثم قدم زيد وقت الظهر هل يتبين أنها كانت مطلقة، وجهان بناًء على ما لو نذر وقال: لله علَّ أن أصوم يوم يقدم زيدُ [64/ أ] في نصف النهار هل يلزمه قضاء يوم؟ قولان واختلف أصحابنا في أصل القولين فمنهم من قال: أصله أنه إذا قدم هل يتبين أن صوم ذلك كان واجبًا؟ فيه قولان فإن قلنا: يتبين أنه كان واجبًا ها هنا يتبين أن الطلاق ها هنا وقع في ابتداء النهار، ومنه من قال: أصله أن صوم بعض النهار هل يصح؟ قولان فمن قال به قال: لا تطلق هذه ولا يتبين أنها مطلقة وهذا حسن لكن المذهب ما ذكرنا فيما تقدم قبل هذا ذكره الجمهور من أصحابنا.
فرع آخر ابن سريج لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا قبل أن تكلمي فلانًا بشهر ثم طلقها واحدةٌ وتزوجت زوجًا غيره ثم كلمته بعد شهر من يوم قال لها أنت طالق ثلاثًا قبل أن تكلمي فلانًا بشهر فإن الواحدة تقع عليها ولا تقع عليها الثلاث، ولو كانت المسألة بحالها وكان قد دخل بها طلقت واحدةُ، فإن لم تنقض عدتها حتى تكلم فلانًا فإنها تبين بثلاث ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ويقع عليها من الثلاث ما بقى وهو اثنتان.
فرع آخر لو قال لها: متى لم أطلقك واحدةُ فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: أنت طالق بُرُ في يمينه ولا حنث عليه، وإن سكت في أثر كلامه ساعة طلقت ثلاثًا ووقت ذلك أن يتبع الطلاق اليمين في نحو ما يتبع الاستثناء اليمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 163

فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال مملوك لامرأته: أنت طالق غدًا اثنتين فأُعتق قبل الغد فلم يأت وقت الطلاق حتى كان حُرًا فله الرجعة إذا جاء ذلك الوقت ووقع الطلاق، ألا ترى أن الذي لم يدخل بامرأته لو قال لها: أنت طالق غدًا واحدة فدخل بها قبل الغد فإن أتى بالغد وهما حيان وقعت واحدة وله الرجعة لان الطلاق لم يقع حتى صارت مدخولًا بها.
[64/ ب] فرع آخر قال ابن سريج: لو قال: أنت طالق يوم لا أطلقكٍ فمضى يوم لم يطلقها فيه طلقت بالحنث، ولو قال: أنت طالق يوم لا أدخل دار زيدٍ طلقت إذا مضى عليه وقت يمكنه أن يدخل فيه دار زيد من ليل أو نهار ولا يراعى فيه مضى يوم.
قال: لأن الناس يريدون بمثل هذا الوقت دون اليوم المقدر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال:] 16 أراد به الوقت ولم يرد به نهار اليوم، قال صاحب (الحاوي): هذا التعليل إن صح في قوله لا أدخل دار زيد صح في قوله يوم لا أطلقكِ، وليس الفرق بينهما معنى يصح فإن حمل ذكر اليوم في دخول الدار عبارة عن الوقت جعل ها هنا أيضًا، وغن لم يجعل في أحدهما لم يجعل في الآخر.
قال: ولو قال: ليلة لا أدخل فيها دار زيدٌ فأنت طالق لم تطلق إلا بمضي ليلةٍ لا يدخل فيها دار زيد، والفرق بين الليلة واليوم أن العرف مستعمل بأن الوقت قد يُعبّر عنه باليوم ولا يُعبّر عنه بالليلة، وإن أراد فيما ذكرنا النهار دون الليل والوقت دين في القضاء لأنه متحمل، وعلى هذا لو قال: يوم أدخل الدار فأنت طالق ولا نية له لم يحمل على الوقت على ما ذكرنا، وقال ابن الحداد: وهو اختيار القاضي الطبري يحمل على اليوم الذي هو بياض النهار، وإن لم يدخل ذلك اليوم تبينا أنها طلقت في أوله ويعتبر فيه مضى اليوم لان اليوم حقيقته في جميعه واستعمال في هذا الوقت مجاز فيحمل على الحقيقة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إلى حين أو إلى زمان طلقت إذا سكت لأنه حين وزمان.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال الرجل لإحدى امرأتيه: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل هذه يريد الأخرى فإن دخلت الأول [65/ أ] طلقتا جميعًا، وإن دخلت الثانية لم تطلق واحدة منهما وإنما كان كذلك لأنه علق طلاق الأولى بدخول الدار ثم رجع عن ذلك وعلق بدخولهما طلاق الأخرى فتعلق به، ولم يصح رجوعه عن طلاق الأولى فتعلق طلاقهما بدخولهما الدار، ومن أصحابنا من قال: إذا دخلت الثانية وقع عليها الطلاق، وكذلك الأولى يقع عليها بدخولها لأنه علق طلاق الأولى بدخولها ثم رجع عن هذه

الجزء: 10 - الصفحة: 164

الصفة جملة إلى أن علق طلاق الثانية بدخولها فلزمه الصفة الأولى والثانية ومن نصر ابن الحداد قال: لا تنعقد يمينه في الثانية بالكناية لأن الشافعي قال: لو قال رجل: يميني في يمينك لم تنعقد يمينه، وقال المزني: سألت الشافعي عن ذلك في الطلاق فقال: لا يمين إلا على الحالف دون صاحبه، قال أصحابنا: هذا خطأ لأن اليمين في الطلاق تتعقد بالكناية، وإنما اليمين بالله عز وجل لا تنعقد ويحتمل ما رواه المزني أنه أراد به إذا لم ينو بقوله الطلاق، وذكر صاحب (الحاوي) هذه المسألة وقال: لو كان له زوجتان حفصة وعمرة فقال: يا حفصة، إن دخلت حفصة طلقت حفصة وعمرة كما لو قال: حفصة طالق لا بل عمرة طلقتا معًا، وإن أراد لا بل إن دخلت عمرة الدار فهي طالق فتطلق حفصة وحدها بدخول الدار وتطلق عمرة أيضًا بدخول الدار، وإن أطلق فيه وجهان، أحدهما: يحمل على الحالة الأولى، والثاني: يحمل على الحالة الثانية بدخول كل واحدة منهما موضع لطلاقها ولا تطلق عمرة بدخول حفصة.
فرع آخر قال أصحابنا: إذا قال رجل لرجل: يميني في يمينك نص الشافعي رحمة الله عليه على ما ذكرنا وينظر فإن أراد أنك إذا صرت حالفًا [65/ ب] بطلاق امرأتك فقد صرت حالفًا لا يصح ذلك وإن أراد به الحنث نظر، فإن كان ذلك الرجل قد طلق امرأته وأراد به أن امرأتي كذلك طلقت أيضًا وأنه أراد به أنه متى طلقت امرأتك وقع الطلاق على امرأتي، فإذا وقع عليها الطلاق طلقت امرأته أيضًا، وقال ابن أبى أحمد: لا تطلق في هاتين المسألتين أيضًا، وإن أراد به أنك إذا صرت حانثًا بطلاق امرأتك فقد صرت حانثًا لا يصح وفيه وجد آخر يصح.
فرع آخر قال ابن سريج: قال الشافعي: لو قال رجل لها: أنت طالق أين كنت فطلقها تطليقه لم يقع عليها إلا هي لأنها إذا طلقت واحدةٌ فهي طالقٌ أين كانت، وكذلك قوله حيث كنت وأين كنت ومن أين كنت قال ابن سريج: قوله لا يقع عليها إلا هي يعنى أنه حين قال: أنت طالق أين كنت طلقت بهذا القول واحدة ولم يتكرر عليها الطلاق بعد ذلك وقوله يطلقها أي بهذا القول لأنه طلقها بعد طلاقها آخر والله أعلم.
فرع آخر لو قال لامرأتين له، أطولكما حياةً طالق ثلاثًا الساعة، فإذا ماتت إحداهما قبل صاحبتها علمنا أن الطلاق كان قد وقع على الباقية يومئذٍ فاعتد بها من يومئذٍ، فإن كانت قد حاضت ثلاث حيض قبل موت صاحبتها فقد انقضت عدتها لمضى ثلاثة قروء

الجزء: 10 - الصفحة: 165

بعد وقوع الطلاق، وإن كان وطئها في عدتها هذه وهى لا تشعر فعليه مهر مثلها وعليها العدة من وطئ وهى ثلاثة أقراءٍ ولا يملك الرجعة إذا كان الطلاق مما يملك الرجعة فيه ولا بقية العدة من يوم وقوع الطلاق ولا تحل لغيره إلا بانقضاء العدة من يوم كان الوطء ذكره ابن سريج.
فرع آخر لو قال لها: إن خرجت إلا بإذني فأنت طالق [66/ أ] فأذن لها فلم تعلم بالإذن فخرجت على ظن أنها تطلق فالظاهر من المذهب أنها لا تطلق، وفيه قولٌ آخر أنها تطلق وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهذان القولان مبنيان على الوكيل إذا عزل فتصرف قبل العلم بالعزل هل يصح؟ قولان، وقد قال الشافعي: ها هنا الورع أن يحنث نفسه ولم يرد به أنه وقع الطلاق لخروجها بل أراد به يحسبها طلقة رجعية ثم يراجعها وإن كان ثلاثًا سرحها بثلاث ثم يتزوجها حتى تنكح زوجًا غيره.
فرع آخر لو قال: إن تزوجت فأنت طالق فأبانها ثم تزوجها هل تعود اليمين؟ قد ذكرنا فيه قولين، فإن قلنا: نعود فلو تزوج أخرى في حال ما بانت هي منه هل تنحل ذلك اليمين حتى لو نكحها ثانيًا وتزوج أخرى لا تطلق ينظر، فإن قال: إن تزوجت انحلت اليمين، وإن كان قال: إن تزوجت عليك فيه قولان، وقال مالك: إن تزوج عليها وضيعة يجعل كأنه لم يتزوج عليها.
فرع آخر لو قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق لا تطلق ما لم ييئس منه فإن ماتت هي نظر فإن كان قال: إن لم أتزوج عليك طلقت قبيل الموت وإلا فلا، ثم إذا ماتت هي لا يرثها، ولو مات هو هل ترثه؟ قولان، على ما تقدم بيانه، ولو قتل وأجهز قتله قال القفال: في كرّة لا ترثه لأنه لم يوجد من جهته عجز، وقال في كرّةٍ ترثه لأنه وجد العجز في حالةٍ لطيفةٍ قبل خروج الروح.
فرع آخر لو قال: أنت طالق كيف شئت فما لم تشأ لم يقع الطلاق وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يقع طلقة في الحال وإليها المشيئة في الكيفية إن شاءت كانت رجعية، وإن شاءت كانت بائنة، وإن لم تنشأ شيئًا [66/ ب] تقع رجعية، واحتج بأنه أوقع أصل الطلاق وجعل صفته مشيئتها لأن ما لا حصول له لا يتكيف ولا كيفية للمعدم بدليل قول الشاعر: خليلي كيف صبرك بعدنا فقلت وهل صبر فتسأل عن كيف؟ وهذا غلط لأنه بالمعدوم إذا كان للشيء جهات يقال: كيف أخيط هذا القميص وكيف ابني هذه الدار وللطلاق جهات فيحسن أن يقول: كيف وقوعه نوضحه أنه لو

الجزء: 10 - الصفحة: 166

صرّح فقال: أنت طالق إن شئت كيف سبب تعلق بمشيئتها وصح ذلك.
فرع آخر لو قال: أنت طالق ما لم تحبلي أو قال: ما لم تحيضي طلقت إذا لم تحبل في الحال أو تحيض فإن كانت حائضًا أو حبلى طلقت لأنه على حبل وحيض مستقبل ولم يعلم حبلها ووضعت لأقل من ستة أشهر طلقت لأنه لم يكن لحبل مبتدأ وإن وضعت لستة أشهر فصاعدًا نظر فإن كان حين خاطبها به غير مباشرٍ بعد اللفظ، وإن كان حين خاطبها بذلك مباشرًا لها ففي وقوع الطلاق وجهان، أحدهما: يقع لأن وقوع الطلاق عموم إلا بشرط مشكوك فيه، والثاني: لا يقع لأنه معلق بشرط مشكوك فيه، قال صاحب (الحاوي) فقد يحمل الأيمان بالطلاق على العرف كالأيمان فإذا حلف على غيره بالطلاق ليجرُ به على الشوك فإذا مطله مطلًا بعد مطل بَرّ في يمينه اعتبارًا بالعرف، ولو قال: ليضربنها حتى تموت فضربها ضربًا مؤلمًا وجعًا لا يقع الطلاق اعتبارًا بالعرف وهذا إذا أطلق ولم يرد به حقيقة اللفظ، فإن أراد حُمل عليه وهكذا نظائر ذلك وأشباههُ.
فرع آخر لو قال: أنت طالقٌ إن كلمتك، وأنت طالق إن دخلت الدار طلقت باليمين الأولى لأنه صار مكلمًا باليمين الثانية سواء جاء باليمين الثانية متصلًا [67/ أ] باليمين الأولى أو منفصلٌ عنها.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن كلمتكِ ثم أعاد فقال: أنت طالق إن كلمتك طلقت لأنه صار مكلمًا بإعادتها.
فرع آخر لو قال: أنت طالق إن كلمتك فأعلمي ذلك فإن قال هذا منفصلًا حنث، وإن قاله متصلًا فيه وجهان، أحدهما: يحنث، والثاني: لا يحنث لأنه من كلمات يمينه قاله في "الحاوي".
فرع آخر لو اتهم زوجته بسرقة فقال: أنت طالق إن لم تصدقيني هل سرقت؟ فخروجه يقينًا من يمينه أن تقول له: سرقت وتقول له: ما سرقت فيتيقن صدقها في أحدهما ولا يحنث.

الجزء: 10 - الصفحة: 167

فرع آخر لو حلف بالله تعالى أو بالطلاق على شيء يحمل أمرين يعنى أحدهما بالنية، فإن لم يحلف في حظره وإباحته فالنية فيه نية الحالف دون المستحلف، وإن اختلف في حظره وإباحته، فإن كان الحالف مظلومًا والمستحلف ظالمًا كالحالف الشفوي أن لا شفعةٌ عليه للجار أو كان حنفيًا فحلف لا شيء عليه للمدبر فالنية في اليمين نية الحالف دون الحاكم المستحلف، وإن كان الحلف ظالمًا كالشفوي، إذا حلف أن لا يمين عليه للمدبر والحنفي إذا حلف أن لا شفعة عليه للجار كانت النية نية الحاكم المستحلف دون الحالف فكأنها لا تكون عليه نية المستحلف إلا في هذا الموضع وحده هكذا ذكره في (الحاوي)، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان، أحدهما: ما ذكرنا لأنه لا يعتقد ثبوت الشفعة للجار، فإذا حلف أنه لا يستحق عليه الشفعة كان صادقًا ولو حكم الحاكم عليه يلزمه طلقة فيما حكم، وإن كان يخالف اعتقاده لأن ترك ذلك يؤدى إلى إبطال الأحكام، فأما إذا لم يحكم عليه وحلفه يلزمه في الباطن على ما يعتقده دون اعتقاد الحاكم.
والثاني: أنه تقع يمينه على ما يعتقده الحاكم بكل حال لأن الحاكم [67/ ب] إذا حكم عليه بالشفعة بالجواز لزمه الانقياد له ولا يكون له الامتناع، فإذا استحلفه كان على ذلك، وقيل: هذا مبنى على أن حكم الحاكم في المجتهد هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا؟ فإن قلنا: ينفذ ظاهرًا وباطلًا يلزمه في الباطن على ما يعتقده، وإن قلنا: ينفذ في الظاهر دون الباطن فالحكم على ما سبق وقيل: اليمين يتعلق بظاهر اللفظ عند الحاكم ولا يقول يكون علق به الحاكم لأن الحاكم لو يرى غير ظاهرها لم يتعلق الحكم بنيته إلا أن أصحابنا عبروا بأن الحاكم إذا حلفه فالنية نية الحاكم لأن الحاكم لا يحلفه وينوى خلافه وحكم المسائل المختلفة ما ذكرنا.
فرع آخر لو حلف حالف في غير مجلس الحاكم ونوى ما يجوز أن يراد باللفظ في مجاز اللغة تعلقت يمينه بذلك في الباطن، وأما الظاهر فإن كان في طلاق لم يقبل منه لتعلق حق غيره به، وإن كان في غير طلاق كيمين بالله تعالى أو نذر فالقول قوله لأنه لا يتعلق به حق لطالب به، وعلى هذا لو حلف على شيء ماضٍ أنه ما فعله وقد فعله ونوى في يمينه ما فعله بالصين أو على ظهر الكعبة، أو حلف على شيء مستقبل لا يفعله ونوى لا يفعله في الصين حمل على نيته ولا يحنث.
وعلى هذا لو قال: نسائي طوالق ونوى نساء قرابته لم تطلق نساؤه فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قيل هل: أطلقت زوجاتك فقال: نعم وأراد نعم بني فلانٍ يدين في الباطن، ولو حلف ما كاتبت فلانًا ولا كلمته وأراد بالمكاتبة عقد الكتابة وبالكلمة ما

الجزء: 10 - الصفحة: 168

جرحته حمل على ما نوى، وكذلك لو حلف وقال: ما أخذت لا جملًا ولا بقرةً ولا ثورًا ولا عنزٌ [68/ أ] ونوى بالجمل السحاب وبالبقرة العيال وبالثور والقطعة من الأقط الأكمة السوداء حمل على ما نوى ولم يحنث، ولو قال: ما شربت لك ماءٌ وأراد المني حمل على ما نوى وعلى هذا يجوز له أن يورى عن الظاهر ولا يحرم ذلك عله إذا لم يقصد به التوصل إلى محظور، قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾] الأنبياء: 62 - 63 [الآية، وقيل: إنه كان نوى إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم، وروى أن سويد بن حنظلة أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حلف بالله أن وائل بن حجر أخوه لنخلصه من العدو، فقال له النبيصلى الله عليه وسلم: (صدقت المسلم أخو المسلم) وعلى هذا لو قال: ما عرفت فلانًا ولا أعلمته ولا سألته حاجةٌ، وأراد ما جعلته عريفًا وبالأعلام ما شققت شفته وبالحاجة شجرة صغيرة بالبر تسمى الحاجة تعلقت يمينه دون ظاهر لفظه، وكذلك لو قال: والله ما في بيتي فرش ولا حصير ولا بارية ونوى بالفرش صغار الإبل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:142]، وقال عز وجل ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:8] أي: حبسًا ويسمى الملك أيضًا حصيرًا لأنه يحجب عن الناس والبارية المدى التي تقطع، وكذلك لو قال: جواري أحرارٌ ونوى به سُفنه لم تعتق إماؤه.
فرع آخر لا يقع الطلاق في النكاح الفاسد وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك وأحمد: يقع في النكاح المختلف فيه وهذا غلط، لأنه نكاحٌ فاسدٌ فلا يقع فيه الطلاق كالمجمع على فساده [68/ ب].
فرع آخر لو قال: أنت وأشار بثلاثة أصابع ونوى الطلاق لا يقع لأنه قوله أنت ليس من ألفاظ الطلاق، ولو قال: أنت الثلاث ونوى الطلاق لا يكون شيئًا أيضًا وهذا اختيار القاضي الطبري لما ذكرنا، وسمعت بعض أصحابنا يثول: يقع الطلاق ثم اختلفوا، فمنهم من قال: يقع الثلاث، وإن لم ينوٍ لأنه صرح بالثلاث، والثاني يقع واحدة والأول أظهر أنه لا يقع شيء.
فرع آخر لو قال لها: إن سرقت منى شيئًا فأنت طالق ثم دفع إليها كيسًا فأخذت منه شيئًا لم يقع الطلاق لأنه خيانة وليس بسرقة.
فرع آخر لو قال: أنت طالق لإرادة الله يقع لأن معناه لأجل إرادته، ولو قال: أنت طالق

الجزء: 10 - الصفحة: 169

بإرادة الله لا يقع لأن ظاهره التعليق.
فرع آخر لو كان له ثلاث نسوةٍ فقال: أيتكن لم تخبرني اليوم بعدد ركعات فرائض الصلوات في اليوم والليلة فهي طالق.
فقالت واحدة: سبعة عشر ركعة، وقالت الأخرى: خمسة عشر ركعة، وقالت: إحدى عشر ركعةٌ، من أصحابنا من قال: لا تطلق واحدة منهن لأن خمسة عشر ركعة عدد صلوات الحصر يوم الجمعة وإحدى عشر عدد ركعات صلاة السفر، ومن أصحابنا من قال: تطلق من عدت خمسة عشر وإحدى عشر للعادة.
فرع آخر لو قال لها: توزن من قال أصحابنا هذا كذب محض لا يقع شيء إلا بالنية، وقال القاضي الإمام الحسين: عندي إن كان هذا بين يدي القاضي يكون إقرارًا بالبينونة ففرق بينهما.
فرع آخر لو قال لامرأته: قد خرجت اليوم [69/ أ] من هذه الدار فقالت هي: لم أخرج فقال لها: إن كنت خرجت اليوم من هذه الدار فأنت طالق هل يقع بهذا اللفظ؟ قال القاضي الحسين: يقع لأنه أقر بخروجها من الدار أولاً ثم علق الطلاق به، ولو قال لها: إن كنت خرجت اليوم من الدار فأنت طالق ثم قال لها: قد خرجت وقالت: لم أخرج تطلق بإقراره.
فرع آخر لو قال لها: حلال نورمن حرامست أكذبه امرور إن جاء به يردن برده وحلفت المرأة أنى ما خرجت قال: إنه لا يقع لأنه يعلق الطلاق، ولو قال: توارزى من نسبه طلاق مشيئته ما توازخانه يردن بوده نوا يكون وحلفت بأن ما خرجت يقع الثلاث لأنه في ضمن كلامه هذا إقرار بأنها كانت خرجت، وأنا أكافيها بالطلاق الثلاث فجعل خروجها عن الدار تعليلًا للطلاق لا تعليقًا، قال: ولو قال لها: إن لم تصل في الحال فأنت طالق فقامت لتصل فحاضت يقع وعندي لا يقع هاهنا على ما سبق بيانه.
فرع آخر لو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق وكرر ذلك فإن كان في مجالس مختلفة فدخلت الدار طلقت ثلاثًا ولا يقبل قوله أنه أراد التكرار وفيه وجهٌ آخر أنه يقبل منه ذلك، وإن كان في مجلس واحدٍ، فإن قال: أردت به التكرار يقبل، وإن أطلق فقولان.
فرع آخر لو كان عبده يعبد صنمًا فقال له: إن لم أَسؤْكَ في معبودك فأنت حرٌ فكسر صنمه لم يحنث ذكره المزني في (منثوره).

الجزء: 10 - الصفحة: 170

فرع آخر لو رأى طائرًا فقال: إن لم آخذ هذا الطائر فامرأتي طالق [69/ ب] فطار الطير ثم اصطاد طائرًا وزعم أن هذا ذلك أيضًا واحتمل كل واحدٍ من الأمرين، قال والدي رحمه الله: يحمل أن يقع الطلاق، لأن الأصل أنه لم يأخذ ذلك الطائر وأنه لم يبر يمينه ويحمل أن لا يقع لأن الأصل بقاء النكاح، وهكذا لو قال: فعبدي حرٌ هل تقع الحرية على هذا الاحتمال.
فرع آخر اختلف أصحابنا في الطلاق الواقع بالقول، هل هو واقع معه أو عقيبه؟ فقال بعضهم: يقع مع القول، وقال بعضهم: يقع عقيبه وعلى هذا لو قال: أنت طالق في حال تلفظي بهذه اللفظة هل يقع الطلاق؟ على الوجه الأول يقع ولا تأثير لهذا التقييد لثبوت مقتضاه دونه وعلى الوجه الثاني: لا يقع حال اللفظ وهل يقع عقيبه؟ يحتمل وجهين: اعتبارًا بقوله لامرأته: أنت طالق في الشهر الماضي وفيه خلاف.
فرع آخر لو قال: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء حياتي، قال والدي الإمام رحمه الله: يجب أن يقع لأن الزوجية باقية في تلك الحالة فإن قيل: أن لا يقع لأن الوقوع يكون عقيب الجزء وذلك وقت الموت فلا يجوز وقوع الطلاق فيه، ألا ترى أنه إذا قال: أنت طالق وقع الطلاق عقيب القول لا معه؟ قيل: فيما نحن فيه لا يجيء هذا لأن الوقوع باللفظ الذي هو التعليق وحالة الوقوع هو الجزء الأخير لأن الوقوع بعد ذلك الجزء وبه خالف ما ذكره من المثال لأن القول هناك وجد في الجزء الأول فجعلنا حالة الوقوع بعده وهاهنا القول سبق الجزء الأخير فلا ضرورة بنا إلى تأخير الطلاق عن الجزء الأخير وهذا واضح.
فرع آخر لو قال لامرأته: أنت طالق اليوم أو غدًا فإن اختار الثلاث وقع الثلاث، وإن اختار واحدةً [70/ أ] وقعت واحدة، وإن لم يختر ومات وقعت واحدة وهل يقوم وارثه مقامهُ في هذا الاختيار؟ يحتمل قولين قياسًا على ما لو طلق إحدى امرأتيه، ومات قبل التعيين هل يقوم الوارث مقامهُ في التعيين؟ قولان، ولو قال الزوج: اخترت طلقتين لم يقع إلا واحدة لأنه ذكر لفظ الطلاق على وجهِ يقتضي إثبات الخيار بين شيئين فلا يجوز إثبات خيار ثالث لمخالفة اللفظ ويحتمل أن يقال: يقع طلقتان لأنه إذا صح منه اختيار الواحدة فلأن يصح اختيار اثنتين وفيه صورته أولى.
فرع آخر لو قال: هذه المرأة محرّمة عليَّ تحريمًا مؤبدًا قال والدي رحمه الله: الأصح أنها تحرم عليه بهذا القول لأنه يؤاخذ بموجب إقراره، ولا يقال: قد يعتقد التحريم مؤبدًا

الجزء: 10 - الصفحة: 171

خطأ، لأن الإنسان مأخوذ بموجب إقراره، وإن احتمل ما ذكرتم كما لو أقر بالبيع أو النكاح حُمل على الصحيح، وإن احتمل اعتقاده للصحة فيما هو باطل فإن قيل: لو أخبره رجلٌ بنجاسة الماء قال الشافعي: لا يقبل قوله حتى يتبين فكذلك هاهنا، قيل: لأن الأصل طهارة الماء فلا يزول بقول الغير مع الإجمال وهاهنا يزيل الإباحة بقول صاحب الحق وقول الإنسان يقبل على نفسه فإن قيل: في حق هذا المخبر لا يحكم بنجاسة الماء أيضًا لأنه لو توضأ صح قيل: لأن في الماء يقبل الرجوع لأنه لو أقر بنجاسته، ثم قال: أخطأت ولم يكن نجسًا قبل قوله وهاهنا الرجوع غير مقبول.
فرع آخر إذا قال: امرأةُ زيد طالق واسمه زيد لم يقع الطلاق على امرأته إلا أن يريدها، ولو قال: نساء الزيدين طوالق وقع الطلاق [70/ ب] على امرأته، والفرق أن في الأول إنما دخل تحت لفظ زوج زيد واحد لا يعينه فوجب الرجوع في بيانه إليه، وفي الثاني: الداخل تحت اللفظ نساء جميع الزيدين فلهذا وجب إدخال هذا القائل تحت هذه اللفظة.
فرع آخر لو ناداه رجل فقال: يا زيد فقال مجيبًا له: امرأة الزيد طالق وقع الطلاق، وإن أجابه بأنه قال: امرأة زيد طالق لم يقع إلا أن يريد نفسه، والفرق أن في الأول أشار إلى ما تقدم ذكره ألا ترى أنه عرّف زيدًا بالألف واللام فوقع الطلاق على امرأته لأجل الإيقاع أو الإقرار، وفي الثاني: لم يحصل منه ما يقتضي لونه جوابًا لأن هذا الكلام الصادر منه مستقل بنفسه، ولم يوجد منه تعريفه بالألف واللام فلم يقع الطلاق لأن هذا اللفظ يقتضي زيدًا واحدًا فكان الرجوع إليه واحدًا في عينه ويتبين هذا أن لو قال لعبده: اضرب زيدًا فلم يضربه فقال له: اضرب الزيد انصرف إلى المأمور بضربه أولًا ولا يحسن الاستفهام، ولو قال: عند إعادة القول اضرب زيدًا لحسن الاستفهام فدل على الفرق.
فرع آخر لو قالت لزوجها: طلقني فقال: هبه إني طلقتك أو قال العبد لسيده: اعتقني فقال: هب إني أعتقتك لا يعتقان لأن اعتقاده لا يوقع الحرمة ولا اعتقاده يوقع الطلاق، وأمره بذلك ليس له تأثير في الإيقاع.
فرع آخر إذا قال لها: أنا مستبرئ رحمي منك ونوى طلاقها لا يقع الطلاق لأن معناها لا يصح فيه محال فتتجرد النية ومجرّد النية لا يوقع الطلاق، ويخالف إذا قال: أنا منك طالق لأن معنى هذا اللفظ صحيح في حق الزوج، وقيل: فيه وجه آخر أنه يقع الطلاق لأن الحق ثابت له في رحمها وصاحب الحق في الشيء يضاف إليه ذلك الشيء.

الجزء: 10 - الصفحة: 172

فرع آخر إذا قال [71/ أ] مناديًا لآخر: يا رق سته أي تي زي فقال: ذلك لبيك لم يكن هذا إقرارًا بالطلاق لأنه دعاه بصفة فقوله: لبيك إجابة للدعوة لا أنه اعتراف بالصفة، وهكذا إذا قال: يا زاني فقال: لبيك لم يكن هذا اعترافًا بالزنا، وكان المنادي قاذفًا يلزمه موجب القذف.
فرع آخر لو قال لها: إن خرجت إلا بإذني فأنت طالق فأذن لها بالخروج ثم رجع عن الإذن ثم خرجت لم يحنث، وفيه وجه آخر يحنث لأن الإذن بطل بالرجوع، وذكر والدي الإمام أن الشافعي نص على أن الإذن لم يبطل بالرجوع والفرق بينه وبين الوكالة تبطل بالرجوع إذ الخروج منها وقع مأذونًا ولم يكن وجد منه في يمينه شرط يقال: الإذن والمقام عليه فلم يعتد إلا ما تناوله شرط وخلفه يخالف الوكالة لأن الفعل وإن كان مأذونًا فيه ووقع مأذونًا فقد كان الشرط هناك من جهة الشارع المقام على ذلك الإذن والبقاء عليه إلى وقت الفعل فاعتبرناه على ما اقتضاه الشرع ولا يجب اعتقاد هذا الشرع هناك لأن الاعتبار فيه بوجود الصفة فقط.
فرع آخر إذا من فعل الناسي لا يوجب الحنث بل تصير اليمين منحلةً بفعل الناسي لا نص فيه ويحتمل أن يقال: لا تصير منحلة والأظهر أنها منحلة ولا يمتنع أن تصير منحلة ولا يوجب حكمها كما لو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق فأبانها فدخلت الدار ثم رجعت ودخلت ثانيًا لا يقع الطلاق فالدخول في غير النكاح يوجب انحلال اليمين ولا يوجب الطلاق.
فرع آخر إذا كان لمسلم زوجة نصرانية فقال لها: إن أسلمت وأنكرتِ فإن كان قبل الدخول حرمت عليه ويلزمه نصف المسمى، وإن قال واحدة في زمان لا يتسع لانقضاء العدة بين قوله وإنكارها فهما على النكاح، وإن كان يتسع حرمت ولها كمال المسمى فمضى أصل المسألة ووجه آخر [71/ ب] إنهما على النكاح لإنكارها.
فرع آخر لو قال العبد لزوجته: إن مات مولاي فأنت طالق طلقتين ثم دبره السيد ومات وخرج المدبر من ثلاثة طلقت زوجته طلقتين وله أن يراجعها كما لو قال لها: أنت طالق غدًا طلقتين فاعتق قبل غد يملك الرجعة بعد وقوع الطلاق.
فرع آخر لو قال لها: طلقي نفسك فقالت: الطلاق لي لازم فيه وجهان، أحدهما: يقع الطلاق وهو الأصح، والثاني: لا يقع إلا أن ينوي، ذكره جدي الإمام رحمه الله.

الجزء: 10 - الصفحة: 173

فرع آخر قال جدي رحمه الله: لو قال ما لي طالق فإن لم ينوِ به الصدقة فلا يلزمه شيء، وإن نوى صدقة ماله فيه وجهان، أحدهما: يلزمه أن يتصدق به وهو الأصح، والثاني: لا يلزمه شيءٌ فإن قلنا بالأول فيه وجهان، أحدهما: يلزمه التصدق بجميع ماله، والثاني: أنه مخير بين أن يتصدق به أو يكفر كفارة يمين واحد.
فرع آخر لو قال عليَّ الطلاق الثلاث فإن نوى كان طلاقًا وإلا فلا شيء، وقال المزني في منثوره: هكذا أو قال: لا نص فيه للشافعي، ثم قال: وكثير من الناس لا يعرفون هذا إلا طلاقًا.
فرع آخر لو قيل له: أطلقت امرأتك فكتب نعم ولا يتلفظ به هل يقع الطلاق؟ وجهان، ذكره جدي رحمه الله، وقال أيضًا: لو كتب الأخرس ولم يشر وجهان.
فرع آخر لو قال لها: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك فتزوج فيه قولان، ذكرهما في الإملاء أحدهما: لا يكون أمرها بيدها، والثاني: يكون أمرها بيدها إذا قبلت في المجلس ذكره جدي رحمه الله.
فرع آخر لو قال لها عظم الله أجرك فيك أو عظم الله أجرك أو أبعدك الله ونوى طلاقًا يقع الطلاق، ولو قال: راجعتك أو أحسن الله جزاك ونوى الطلاق فيه وجهان.
فرع آخر لو قال: أنت طالق أربعة أنصاف تطليقة فيه وجهان، أحدهما: يقع طلقتان، والثاني: يقع طلقة واحدة.
فرع آخر قال في "الإملاء": [72/ أ] لو قيل لرجل أطلقت: امرأتك فقال قد كان بعض ذلك يرجع إليه فإن قال أردت أي: علقت طلاقها بصفة قبل منه لأن هذا بعض الطلاق وإن قال: أردت إني كنت طلقتها طلاقًا منجّزًا قبل منه أيضًا، وإن قال: لم أكن طلقتها قبل منه أيضًا لأن قوله قد كان بعض ذلك لبس بإخبار عن الطلاق فلم يلزمه طلاق بذلك.
فرع آخر قال في "الإملاء": لو قال: كل امرأةٍ لي طالق وكان ناسيًا أن له زوجة يلزمه الطلاق لأن الزوجية موجودة والقصد إلى الطلاق موجود، وقيل: لا يقع الطلاق في الباطن في أحد الوجهين، وقيل: لو لم يعلم أصلًا لا يقع ولو علم ثم نسي يقع.

الجزء: 10 - الصفحة: 174

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل