كتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديم
أعلم أن الرهن في اللغة دوام مال من عليه الحق ويبقيه بما عليه من الحق وهو مشتق من الثبوت والدوام تقول العرب: رهن الشيء إذا ثبت والنعمة الرهنة هي الثابتة الدائمة.
ويقال: رهن رهناً ورهنت الشيء فهو مرهون ولا يقال: أرهنت إلا في شاذ اللغة.
ولا يجوز أن يقال: أرهنته بمعنى ارتهنته، ولا يقال: أرهن إذا غل في السلعة، وأرهن ابنه إذا جعله رهينة وخاطر به.
وقال ابن فارس: أهل الرهن حبس الثمن على حق، يقال: فلان رهن بكذا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] أي محبوس حتى يخرج من حقوق الله تعالى، ويجمع الرهن على رهون ورهان [ق 159 أ] والأصل في جواز الرهن الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] فأمر بالكتابة في الدين، ثم قال: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] فأمر بالإشهاد، ثم قال: ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فأمر بالرهن في الدين وأخيراً من صفته أن يكون مقبوضاً.
وقيل: معناه فارهنوا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أي فحرروا، وقرئ هذا بقرائتين فرهن، فرهان، والرهان جمع وقوله رُهُن جمع الجمع.
وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك جمع رهان أيضاً كما يقال: سقف وسقف وقيل: قوله: "فرهان" مستعمل في السبق والنضال، وفي قوله: "فرهن" مستعمل في المعاملات.
والرهينة ليست من هذين بل هي مستعملة في أرهان النفوس.
وأما السنة فروى جعفر بن محمد عن أبيه النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي.
وهذا مرسل رواه الشافعي - رحمه الله -.
وروى مسنداً عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله، وقيل: عدل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا عن أصحابه إلى اليهودي خوفاً أن يحابوه، واختلفوا هل مات قبل فكاكه أم لا؟ [ق 159 ب] قيل: مات
الجزء: 5 - الصفحة: 186
قبل (فكاكه).
وقيل: فكه قبل موته، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه" والصحيح أنه مات قبل فكاكه لما روى عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعاً من شعير.
وأما الخبر الذي ذكرنا فمحمول على من مات ولم يترك وفاءه.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه.
ثم أعلم أن أصل الوثائق بالحقوق ثلاث، رهن، وضمين، وشهادة لا تختلف باختلاف المكان، وكل وثيقة جازت سفراً، وكل ما جاز سفراً جاز حضراً.
والإشهاد خوف التجاحد، والرهن، والضمين خوف الإفلاس والمنع.
وقال مجاهد، وداود - رحمها الله -: لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب.
واحتج بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فشرط في السفر وعدم الكاتب، وهذا غلط لخبر اليهودي فكان ذلك الرهن بالمدينة، ولأن كل وثيقة تجوز في السفر تجوز في الحضر كالضمين، وأما الآية الكريمة التي ذكرناها قلنا: ذكر فيها السفر، لأن الغالب أن الكاتب والشهود لا تنعدم إلا في السفر لأشرط.
مسألة:
قال "أذن الله سبحانه وتعالى بالرهن في الدين، والدين حق فكذلك كل حق لزم [ق 160 أ] في حين الرهن".
الفصل
وهذا كما قال: الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن أمر ندب لا وجوب، لأنه تعالى قال: ﴿َإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] ولهذا قال الشافعي - رحمة الله عليه - أذن الله تعالى في الرهن ولم يقل أمر بالرهن.
وأعلم أن هذه الإشارة إلى أن الآية وردت في دين مخصوص وهو دين السلم ولكن لا يختص جواز الرهن بذلك والكلام الآن في فصلين:
أحدهما: فيما يجوز أخذ الرهن:
والثاني: في الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه.
أما الأول فكل حق لازم في الذمة يجوز أخذ الرهن به، وقيل: كل حق ثابت في الذمة يصح استيفاءه من الرهن، وهذا الحد أولى وذلك مثل الأثمان في المبيعات والقرض.
وأما الصلح، ومال الحوالة، وما الضمان، والأجرة في الإجازة، والمهر في
الجزء: 5 - الصفحة: 187
النكاح، والعوض في الخلع، وقيم المتلفات وأرش الجنايات إذا كان محمداً واستقرت في ذمة الجاني، فإن أخل الشرطان أو أحدهما فكان الحق غير لازم لا يجوز أخذ الرهن به، فمن ذلك البيع لو قال المشتري للبائع: أعطني به وهذا لا يجوز، لأن عين البيع لا تثبت بنفي الذمة وكذلك سائر الأعيان في المغصوب والعارية، ويجوز ذلك، لا يجوز أخذ الرهن، وقال مالك - رحمه الله: [ق 160 أ] كل عين مضمونة بالتلف يجوز أخذ الرهن عليها قبل التلف كالمغصوب ولا يجوز ذلك في الأمانة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها ولا يجوز أخذ الرهن بالبيع، لأنه مضمون بفساد العقد.
وهذا غلط، لأن قبل هلاك العين في يده لم يثبت الدين في الذمة ولا يصح أخذ الرهن به كالبيع، وإنما اشترطنا اللزوم لأن الله تعالى ذكر الرهن في الدين، والدين اسم للحق اللازم
فرع
لا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأنه غير ثابت، لأن للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه، لأنه إذا تعذر مال الكتابة لا يستوفي من الرهن فلا معنى له.
وقيل: فيه وجهان لأصحابنا وليس بشيء.
فإن قيل: الثمن قبل التفوق ليس بلازم وكذلك مدة الخيار الثلاث فيجب أن لا يجوز أخذ الرهن به كمال الكتابة.
قلنا: الفرق أن الثمن قبل التفرق يؤول إلى اللزوم، فيكون في معنى اللازم خلاف مال الكتابة حق أيضاً، ولا يجوز أخذ الرهن به، وكيف عطف قوله فكذلك كل حق لازم على قوله: "والدين حق" قلنا: اللفظ الشافعي - رحمة الله عليه - ما ذكر في الأم: "والدين حق لازم" فكذلك حق لزم والمزني - رحمه الله تعالى - أخل [ق 161 أ] بالنقل فحسن العطف وسقط السؤال.
فرع آخر
لا يجوز أخذ الرهن في الأمانات من الودائع ومال القراض والشركة ونحوها.
وأما الجعل في الجعالة فإن كان بعد عمل العامل يجوز أخذ الرهن به لأنه لازم في الذمة، وإن كان قبل عمل العامل مثل إن قال: من جاء بعبدي الآبق فله دينار.
فقال له رجل: أعطني به رهناً وأنا آتيك به، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه غير لازم كمال الكتابة.
والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار، لأنه يلزم بالعمل دون العقد خلاف الثمن فيصير لازماً بالعقد فافترقا، ولهذا لا يوصف الحق بالوجوب قبل العمل خلاف الثمن وهذا أصح وهو اختيار صاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري.
الجزء: 5 - الصفحة: 188
فرع آخر
وفي عقد السبق والرمي ينظر، فإن لم يكن محلل فهو جعالة، وإن كان هناك محلل ففيه قولان:
أحدهما: أنه جعالة.
والثاني: أنه إجازة وقد مضى حكم الجعالة في الجعالة، والأوجه في الإجازة.
فرع آخر
الدية على العاقلة لا يجوز أخذ الرهن بها قبل الحلول، لأنا لا نعلم هل يجب عليه ذلك عند الحول أم يجوز أن يموت أو يفتقر.
وأما الحول فقد استقر على الموسر عند حلول الحول فيجوز أخذ الرهن به.
فرع آخر
المنافع على ضربين معينة وفي [ق 161 ب] الذمة فالمعينة ما كانت مؤقتة بمدة، مثل أن يقول: أجرتك عبدي هذا شهراً للخياطة فلا يجوز أخذ الرهن بها، لأنه لا يمكن استيفاؤها من ثمن الرهن إذ لا يجوز استبدال الأجير كالعين المبيعة، وأما التي في الذمة مثل أن يقول: استأجرتك لتحصل لي خياطة ثوب كذا أو بناء كذا فيجوز أخذ الرهن فيه لأنه حق مستقر في الذمة له قيمة فيمكن استيفاؤها العمل من الرهن غير ممكن.
فرع آخر
كل حق يجوز أخذ الرهن به يجوز أخذ الضامن به، وفي الجعل الجعالة قبل العمل وجهان كما في الرهن وجهان، وكل حق لا يجوز أخذ الرهن به لا يجوز أخذ الضامن به إلا في مسألة واحدة وهي عهدة المبيع لا يجوز أخذ الرهن بها، وهو أن يقول المشتري للبائع: لا آمن أن يكون المبيع مستحقاً، فأعطني رهناً بالثمن الذي قبضته مني لا يجوز.
وهل يجوز أخذ الضامن بها؟ نص الشافعي - رحمة الله عليه - أنه يجوز، وقال ابن سريج: فيه قول مخرج لا يجوز، لأنه ضمان ما لم يجب، والمذهب الأول وليس بضمان ما لم يجب، لأنه لم يكن المبيع مستحقاً فلا ضمان، وإن كان مستحقاً فهو ضمان مال واجب.
والفرق بين جواز أخذ الضمان به وبين الرهن [ق 162 أ] أن البائع إنما باع المبيع لينتفع بالثمن، فإذا دفع رهناً بالعهدة تعطل عليه الرهن بإزاء الثمن فلا يحصل له منفعة البيع، وإذا أقام ضميناً لا يلحقه ضرر في ذلك، لأنه لا يتعطل شيء من منافع ماله فجاز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ضمان الدرك حتى يقبض الثمن، ثم يضمن بعد ذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 189
ويكون ضمان الأعيان يصح في أحد الوجهين وفي هذا نظر، وأما الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه فله ثلاثة أحوال:
حالة بعد لزوم الحق وهو بعد وجود المبيع والقرض ونحو ذلك فيجوز أخذ الرهن فيها بلا خلاف.
وحالة عند لزوم الحق وهو أن يقول: بعينه بألف وعندي هذا رهن به عندك، فيقول البائع: بعتكة بألف على أن ترهني عبدك هذا، فقال: اشتريت ورهنت يجوز لا يحتاج إلى أن يقول بعد ذلك ارتهنت، لأن الاستدعاء في الرهن قد وجد من البائع، ثم وجد الجواب، ثم لا يلزم هذا الرهن قبل القبض، فإن لم يقبض كان له فسخ البيع، وهذا إنما جوزناه للحاجة بأنه لم يعقده مع ثبوت الحق كان لمن عليه الحق بالخيار يبين أن يرهن وبين أن لا يرهن، وإذا شرطه في العقد صار من حقوقه إلا أنه لا يجبر عليه، ولكن متى امتنع ثبت له الخيار على ما ذكرنا، وقد قال أبو إسحاق العباس: يقتضي أنه لا يجوز [ق 162 ب] هذا الرهن، لأنه قبل لزوم الحق ولكن الشافعي - رحمة الله عليه - أجاره لوقوع الحاجة.
فإن قيل: لم قال: "فكذلك كل حق لزم في حين الرهن" وما تقدم الرهن ومقتضى هذا اللفظ أن الرهن لا ينعقد حتى يكون الدين واجباً قبل عقد الرهن وفي حين عقد الرهن.
قلنا: لا يشترط هذا لما بينا أن العقدين لو وقعا معاً كان جائزاً.
ومعنى اللفظ في حين الرهن أو ما تقدم الرهن بإثبات الألف، وقيل: إن الشافعي قال بالألف، فغلظ المزني في النقل.
وحالة قبل العقد عقد الرهن مثل أن يقول: خذ عبدي هذا رهناً عندك على أن تقرضني غداً، ثم أقرضه في وقته أو غداً لا يجوز الرهن، لأنه ما سبق الحق لا يكون وثيقة به حين لزومه كالشهادة، فإذا لم يكن رهناً يكون أمانة في يده، لأنه مأخوذ يسوم الرهن والمأخوذ رهناً أمانة، فكذلك المأخوذ يستوفيه، وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله -: يصح ذلك رهناً إذا قبض الحق، ووافقنا مالك في أن الضمان قبل الحق لا يجوز فنستدل به ونقيس عليه.
فرع آخر
لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه يصح، وليس ذلك بوثيقة، بل هو بدل مال على عوض صحيح، كما يقول: طلق امرأتك وعلى ألف درهم، أو اعتق عبدك وعلى كذا، لأنا جوزنا هناك قبله لأنه لا يمكنه [ق 163 أ] ضمانه بعد إلقائه في البحر ولا مع إلقائه بخلاف الرهن.
ولو أراد الرهن به أو الضمين قبل الإلقاء لا يجوز وبعد الإلقاء يجوز كلاهما لأنه استقر الضمان عليه.
فرع آخر
إذا جوزنا نفقة الزوجة في قوله القديم فهل يجوز أخذ الرهن به وجهان:
أحدهما: يجوز كالضمان.
الجزء: 5 - الصفحة: 190
والثاني: لا يجوز كالدرك.
مسألة:
قال: "وَلاَ مَعْنَىِ للرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ مَقْبُوضًا ".
الفصل
وهذا كما قال، الرهن قبل القبض لا يلزم وإذا قبضه يلزم به جهة الراهن ولا يلزم من جهة المرتهن، فمتى قال: أبطلت الرهن أو فسخته زال الرهن.
نص عليه الشافعي- رحمه الله- وقال مالك: يلزم بنفس العقد ويجبر على القبض كما قال في الهبة.
وهذا غلط؛ لأن الله تعالى لم يحكم بصحة الرهن إلا بصفة وهي أن يكون مقبوضًا، ولأنه عقد إرفاق من شرطه القبول فلا يلزم إلا بالقبض كالقرض، ولأنه قال، لو مات الراهن لا يجبر وارثه على الإقباض.
فدل أنه يلزم قبل القبض.
وقال أحمد- رحمه الله: إن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا يلزم من غير قبض بنفس العقد فنفس على المكيل حجة عليه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي: من جائز الأمر حين رهن وحين أقبض، وفيه أربع مسائل:
أحدها: أن يكونا [ق 163 ب] جائزي الأمر حين الرهن إلى حين القبض فيصح بلا إشكال.
والثانية: أن يكونا جائزي الأمر حين القبض ولم يكونا جائزي الأمر وقت الرهن، أو أحدهما لم يكن جائز الأمر في تلك الحالة بأن كان ميتًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه لسفه أو فلس لا يصح؛ لأن العقد لم يصح فلا يصح الإقباض من غير عقد.
الثالثة: أن يكونا جائزي الأمر حين العقد ولم يوكنا جائزي الأمر أو أحدهما وقت القبض لا يصح ولا يلزم الرهن، لأن القبض شرط في صحة الرهن فافتقر إلى الرشد كالعقد.
والرابعة: أن يكونا جائزي الأمر وقت الرهن والإقباض، ويمكن تخلل بينهما جنون أو حجر، فظاهر المذهب أن ذلك لا يؤثر ويصح وهو ظاهر النص ههنا؛ لأنه قال: "من جائز الأمر حين رهن وحين قبض "فاعتبر الطرفين دون الوسط، وقد قال بعد هذا: "لو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه وبيعه ولم يبطل بالموت "فالجنون أولى أن لا يبطله.
وقال أبو إسحاق: يبطل الرهن بالجنون قبل القبض لأنه عقد جاز فبطل بالجنون كالوكالة والشركة، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا بخراسان، وقالوا: ذا هو المذهب ومراد الشافعي بما ذكر بقاء صفة جواز الأمر من وقت العقد إلى وقت [ق 164 أ] الإقباض
الجزء: 5 - الصفحة: 191
فجعل قولان مخرجان.
وقال الماسرجسي: كان أبو إسحاق- رحمه الله- يقول ذلك، ثم رجع عنه وقال: لا يبطل الرهن؛ لأن الراهن يؤول إلى اللزوم بخلاف الشركة فهي كالبيع في مدة الخيار، ولأن الوكالة تبطل بموت الوكيل والموكل والرهن لا يبطل بموت المرتهن بالإجماع فافترقا.
فرع
لو رهن السكران شيئًا.
قال بعض أصحابنا بخراسان: صح رهنه في أصح القولين؛ لأن حكمه حكم الصاحي وحكمه يأتي مشروحًا إن شاء الله.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يبطل الرهن بالجنون فرهن وهو جائز الأمر ثم زال عقله ثم أقبضه وهو مجنون لا حكم لإقباضه ثم ينظر فيه، فإن كان له فيه غبطة حتى يجوز له ابتداء عقد الرهن في مثلها جاز له تسليمه إليه، وهذا بأنه كان له مشروطًا في بيع فيه قبل أن يسلم الرهن فسخه البائع، وإن لم يكن غبطة بأن لم يكن مشروطًا في عقد بيع لا يجوز له تسليمه هكذا ذكره جماعة أصحابنا، وقال بعضهم في موضع الغبطة وجهان:
أحدهما: لا يجوز له تسليمه، لأنه ليس للولي أن يخرج من ماله ما ليس بلازم له.
وهذا ضعيف عندي.
فرع آخر
لو كان له غرماء سواه وقد حجر عليه لا يجوز له تسليمه إلى واحد [ق 164 ب] منهم؛ لأن حق جماعتهم عنهم تعلق به وبيع في حقوقهم، ولا فرق بين أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن في قبضه قبل الحجر أو لم يكن قد أذن لم يكن قبضه.
فرع آخر
لو خرس الراهن، قال في "الأم": إذا خرس أو زال عقله قبل قبض الرهن لم يكن للمرتهن القبض، قال أصحابنا: أراد إذا صار بحيث لا يفهم إشارته ولا تعقل إرادته فهو كالحجر عليه، فأما إذا عقلت إشارته فهو كالناطق، فإن قيل قال في "الأم": "متى زال عقل الراهن قبل قبضه لم يكن للران القبض لأنه لم يسلطه على قبضه "وهذا يدل على أنه لو سلطه على قبضه ثم زال عقله يجوز له قبضه، قلنا: له تأويلان:
أحدهما: فرض المسألة فيه إذا رهنه عينًا في يد المرتهن وديعة أو غيرها وأذن بقبضها وأتت مدة يمكنه القبض فيها، ثم زال عقل الراهن فلا يقدح في (الرهن) لأنه
الجزء: 5 - الصفحة: 192
زال بعد لزوم الرهن.
والثاني: فائدة هذا أنه إذا أذن به، ثم زال عقله، ثم اختلف وليه والمرتهن فقال المرتهن: قبضت قبل زوال عقله، وقال الولي بعد ذلك فالقول قول المرتهن؛ لأن العين في يده.
ولو كان هذا الإختلاف قبل الإذن في القبض لم يكن القول قول المرتهن.
مسألة
قَالَ: "وَمَا جَازَ بَيْعُهً جَازَ رَهْنُهُ " [ق 165 أ].
الفصل
وهذا كما قال.
كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها من مشاع وغيره لا يفترقان في الجواز بحالِ، وإنما يفترق في الأموال، وبه قال مالك، والأوزاعي وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وسوار القاضي، وعبيد الله العنبري، وأبو ثور، وداود، وأحمد- رحمهم الله، وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: لا يصح رهن المشاع ولو طرأت الإشاعة هل يبطل الرهن؟ روايتان.
وهذا غلط؛ لأن كل عين جاز بيعها جاز رهنها كما تقرر.
وهذه المسألة مبينة على أن استدامة القبض شرط عنده في صحة الرهن، وبه قال مالك- رحمه الله- وعندنا ليست بشرط لأنه عقد من شروطه القبض، ولا يعتبر استدامته كالهبة مع أبي حنيفة، والقرض مع مالك، ثم إذا رهن المشاع لا يلزم إلا بالقبض وبقبضه المرتهن كما يقبضه المشتري، فإن اتفق المسترهن والشرك على أن يكون في يد أحدهما كان في يده، وإن تنازعا وقال كل واحد منهما: يكون في يدي فالحاكم ينتزعه من أيديهما ويكري عليهما أو يضعه على يدي عدِل.
وقال ابن القاص: الأساء على أربعة أضرب؛ منها ما يجوز بيعه ورهنه وما لا يجوز بيعه ولا رهنه كالوقف والمكاتب وأم الولد والكلب ونحوها، ومنها ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه وبيعه كجارية [ق 165 ب] لها ولد صغير يجوز رهنها على الإنفراد ولا يجوز بيعها على الإنفراد، ومنها ما اختلف القول في وهو الطعام الرطب، والمدبر، والثمرة قبل بدو الصلاح يجوز بيعها وفي رهنها قولان، وهذا غير صحيح لأنه ليس على قولنا ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، والأمة غذا كان لها ولد صغير يجوز رهنها وبيعها أبيضًا لأنها تباع مع ولدها، وإن لم يجز بيعها وحدها في أحد القولين ويجوز رهنها وحدها؛ لأن البيع يفرق بينهما والراهن لا يفرق، فكذلك اختلفت الأحوال في الحقيقة وكذلك الطعام الربك يجوز رهنه بحق حاِل، وفي المؤجل كلام نُنبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن قال قائل: علة الشافعي على هذا الإطلاق تنتقص بالدين، فإنه إذا كان له في ذمة غريمه دين مستقر يجوز بيع ذلك منه بعين على معنى الاستبدال، ولا يجوز رهنه.
قلنا: قصد الشافعي- رحمه الله- به إبطال مذهب من منع رهن المشاع ولم يقصد تحرير
الجزء: 5 - الصفحة: 193
الاعتدال والثاني العلة محورة عن هذا؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه وقبضه فقيد الرهن بقبضه، والدين إذا رهن كان رهنًا لا يتأتي قبضه، والعلة والحكم يعترض كل واحد منهما على الآخر ثم يشتغل بالمناقضة [ق 166 أ] فربما يدفع بالحكم وربما يدفع بطلب الاعتلال، ومن أصحابنا من قال: يجوز رهن ما في الذمة عند الغير كما يجوز الهبة في أحد الوجهين، وهذا خلاف النص.
وهكذا الجواب إن قيل ينتقض بالمنافع يجوز بيعها بعقد الإجارة ولا يجوز رهنها مع أن الإجارة ليست ببيع على الإطلاق.
فرع آخر
لو كانت دار بين رجلين فرهن أحدهما بينهما ماعًا من بيت منها.
قال ابن سريج- رحمه الله-: إن كان بإذن شريكه يجوز، وإن كان من غير إذنه فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو رهن جميع حقه منها.
والثاني: لا يجوز لأنه قد يقاسمه شريكه فيقع هذا البيت في نصيب غير الراهن فيستضر بذلك.
مسألة:
قَاَلَ: "وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقَيْضِ فَلِلرَّاهِنِ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ إِلَى وَارِثِهِ وَمَنْعُهُ ".
وهذا كما قال.
نص الشافعي- رحمه الله- ههنا على أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن.
وقال في موضع آخر: "إن مات الراهن قبل القبض لم يكن للمرتهن أن يقبض الرهن وكان أسوة الغرماء، فقال جماعة من أصحابنا: معناه أنه الفسخ بموت الراهن، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى [ق 166 ب] وفيهما قولان:
أحدهما: يبطل بموت كل واحد منهما.
والثاني: لا يبطل أصلًا.
ومنهم من قال: يبطل بموت الراهن دون المرتهن، والفرق أن الحق يحل بموت الراهن فلا معنى للرهن بعد الحلول ولا يحل بموت المرتهن فيحتاج وارثه إلى قبض المرتهن.
وقال أبو حامد- رحمه الله-: قول واحد لا يبطل بالموت أصلًا.
ونص في غير موضع على أنه لا يبطل بموت واحد منهما.
وقوله في موت الراهن المرتهن أسوة الغرماء لا يقتضي بطلان الرهن، ولكن معناه لا يجوز تخصيصه به لأجل الغرماء، فإن رضوا به
الجزء: 5 - الصفحة: 194
جاز.
وقيل: قال أبو إسحاق- رحمه الله-: يبطل بالموت كما يبطل بالجنون وقد بينا فساده.
وإذا تقرر هذا نظر، فإن مات المرتهن قام وارثه مقامه في الدين، والدين بحاله والراهن بالخيار إن شاء قبض، وإن شاء منع فإن أقبض فلا كلام، وإن منع نظر، فإن كان في دين فلا خيار لوارث المرتهن، وإن كان في بيع له الخيار في إمضاء البيع وصحته، وإن مات الراهن حلّ عليه الحق إن كان مؤجلًا وتعلق بتركته وهذا الرهن من تركته، فإن لم يكن عليه دين سواه والوارث بالخيار بين أن يقبضه من عين هذا الرهن أو من غيره إلا أن يتراضيا بتأخير الحق وقبض هذا الرهن به بالعقد الأول فيصح، وإن كان عليه دبن [ق 167 أ] سواء فالمرتهن أسوة الغرماء ولا يكون أحق بالرهن من غيره إلا أن يتطوعوا بإفراده، فإذا أقبضه الوارث كان أحق به من غيره.
وقال أبو حنيفه- رحمه الله-: إذا شرط الرهن في البيع يجبر الراهن على إقباضه لأنه بالشرط صار صفة العقد لازم.
وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
لو مات البائع قبل إقباض المشتري الرهن وورث ممن لا يجوز أمرهم لصغرهم، فإن لم يكن لهم حظ في إمضاء البيع بلا رهن يجب على وليم أن يفسخ البيع، وإن كان لهم في إمضائه حظ لوفور الثمن، فإن كان الراهن والمشتري معسرًا أو غير أمين فعلى الولي أن يفسخ أيضًا، وإن كان أمينًا موسرًا في وجهان:
أحدهما: يفسخ أيضًا لجواز تغير حاله.
والثاني: لا يفسخ لما فيه من وفور الحظ، وإن كان العقد تم بغيره، وهذان الوجهان مخرجان من الوجهين في ولي ورثة الراهن هل يجوز له إقباض الرهن إذا كان في إقباضه حظ لهم أم لا؟
فرع آخر
قال في "الأم ": ولو رهن عبدًا ثم باعه أو كاتبه أو أعتقه أو أصدقه زوجة أو رهنه ثانيًا وأقبضه بطل الرهن الأول، لأنه أزال ملكه ومات بالعقد الأول وإن أجاره لا يبطل؛ لأن الإجارة لا تنافي عقد الرهن فإنه لو أرهنه ثم [ق 167 ب] أجره صح وكان رهنًا بحاله.
وهكذا لو رهن جارية ثم زوجها لا يبطل الرهن لأنه عقد على المنفعة فلا ينافي عقد الرهن على الرقبة، وقال بعض أصحابنا في الإجارة: إذا قلنا لا يجوز بيع المستأحر ينظر، فإن كانت مدة الإجارة تنقضي قبل حلول الحق لم يكن ذلك فسخًا، وإن كانت لا تنقذي إلا بعد حلوله بزمان كانت فسخًا للرهن.
الجزء: 5 - الصفحة: 195
فرع آخر
قال الشافعي- رحمه الله-: "لو دبره كان رجوعًا عن الرهن ذكره في "الأم "، وفيه قول آخر لا يكون رجوعًا على الرهن، حكاه الربيع والقاضي أبو حامد، لأن تدبيره لا يمنع بيعه والأول المشهور؛ لأن موجب التدبير بالعتق وهو ينافي الرهن بدليل أنه لو رهنه ولم يقبضه كان رجوعًا، وإن كان ذلك لا يمنع من بيعه لأن موجبه ينافي الرهن الأول.
فرع آخر
لو قال: فسخت الرهن انفسخ، ولو أقر بأنها ملك لغيره بطل الرهن أيضًا، ولو رهنها وأقبضها بطل أيضًا، ولو وهبها ولم يقبضها نص الشافعي أنه يبطل ولا يختلف في هذا أصحابنا.
وحكي عن الربيع أنه قال: يبطل تخريجًا لأنه لم يزل ملكه وهو غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو وطئها فالرهن بحاله، ولو أذن للمرتهن في القبض، ثم جن [ق 168 أ] أو أغمى عليه وحجر عليه بطل إذنه ولم يكن للمرتهن قبضه، وإن أذن له ثم رجع عن إذنه قبل أن يقبض صح الرجوع، كما لو أذن له في بيع أو نكاح، ثم رجع وإن رجع بعد القبض لم ينفعه لأنه لزم بالقبض.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: أَرْهَنُكَ دَارِي عَلَى أَنْ تُدَايِنَنِي فَدَايَنَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَعْقِدَ الرَّهْنَ مَعَ الحَقِّ أَوْ بَعْدَهُ ".
وهذا كما قال: ههنا إبهام يوهم أن الرهن والمداينة لو كانا معًا لا يجوز، وهو في قوله "أرهنك داري على أن تداينني فداينه، وإزالة هذا الإبهام معناه تدايني غدًا أو بعد غد لا في حال المعاقدة، والدليل على أن هذا مراده أنه قال في آخره: "لم يكن رهنًا حتى يعقد مع الحق أو بعده "ولما أثبت الألف ههنا حيث قال: "أو بعده "ظهر غلط المزني- رحمه الله- حيث قال في حين الرهن وما تقدم الرهن من غير الألف فدل هذا على إثبات الحق والألف هناك أيضًا.
مسألة:
قَالَ: "وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ الحَاكِمِ وَوَليِّ المَحْجُورِ عَلَيْهِ وَرَهْنُنُمَا عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ لَهُ ".
الجزء: 5 - الصفحة: 196
الفصل
وهذا كما قال: جملة هذا أن الرهن ضربان: ضرب برهن في حق نفسه يكون مطلق التصرف فيما له في الحظ، وفيما لاحظ له فيه، وضرب برهن في حق غيره فنقول: [ق 168 ب] الناظر في حق الغير خمسة؛ الأب، والجد، والوصي من قبل أحدهما، والحاكم، وأمين الحاكم، وكلهم ولي أسباب الولاية تختلف فالأب والجد يليان أنفسهما، والوصي يلي من قبل أحدهما، والحاكم يلي من قبل الإمام، والأمين يلي عن الحاكم.
وكذلك جهات التصرف تختلف فالأب والجد يختصان بأنه يجوز: لكل واحد منهما أن يرهن له من نفسه ويرتهن لنفسه منه، كما يجوز لهما ذلك في البيع والشراء، وليس ذلك لمن عداهما من الأولياء؛ لأن التهمة منتفية عنهما لكونهما كاملي الشفقة بخلاف غيرهما.
فإذا تقرر هذا فالكلام في فصلين.
أحدهما: في الإرتهان، والثاني: في الرهن.
فأما الإرتهان فلا يخلو إما أن يكون في بيع أو قرض، فإن كان في بيع.
قال الشافعي- رحمة الله تعالى-: "لا يجوز إلا أن يبيع فيفصل "وفيه مسائل:
أحدها: إذا كان له عبد يساوي مائة نقدًا فباعه إلى سنة، فإن باعه بمائة إلى سنةٍ فالبيع باطل سواء كان برهن أو بغير رهن؛ لأنه باعه بأقل من ثمنه، وإن باعه بمائة وعشرين بشرط أن تكون المائة نقدًا والعشرون إلى سنة جاز، لأنه فضل بغير غرر، وإن باعه بمائة وعشرين إلى سنة بغير رهن فالبيع باطل؛ لأن فيه غررًا.
وإن باع برهن [ق 169 أ] ولا يسوي مؤجلًا أكثر من ذلك، فنص الشافعي أنه يجوز، وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة، لأنه لا يمكنه أن يبيع فيفصل هكذا في غالب العادة، وقد أمرناه بالتجارة وطلب الربح.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه تغرير بماله معناه يأخذ رأس المال نقدًا والزيادة إلى سنة، فإذا جوزنا ذلك وأخذ رهنًا لم يجز حتى يشهد بالحق مع أخذ الرهن، ويكون المشتري ثقة مليًا يؤمن من جهته الجحود والعجز عن إبقاء الثمن في الظاهر.
وقيل: يجوز للولي أن يبيع مال اليتيم ثمنًا بخمس شرائط؛ أن يكون في الثمن فضل، وأن يكون المشتري ثقة موسرًا، وأن يكون الأجل مقتصدًا غير بعيد؛ لأن في بعده تغريرًا بالدين.
وحده بعض أصحابنا بالسنة حتى إن كان الأجل زائدًا على السنة لا يجوز؛ وأكثر أصحابنا على أنه لا يتقدر بل يعتبر فيه عرف الناس، وشاهد الحال لأنه يختلف باختلاف السلعة والعادات.
وأن يأخذ منه رهنًا، والخامس: أن يشهد عليه على ما ذكرنا فلو أدخل بهذه الشهادة فوجهان:
أحدهما: يبطل البيع والرهن كما لو أخل بأحد الشروط الأربعة.
والثاني: لا يبطل لأنه تأكيد والرهن أقوى استئنافًا من [ق 169 ب] الشهادة ذكره في "الحاوي "وعندي لا يلزمه أخذ الرهن لأنه بخلاف عرف التجارة في زماننا، وإن كان
الجزء: 5 - الصفحة: 197
الارتهان في ذي نظر، فإن كان يدين ل قبل ل أرش من جناية أو دين عن أبيه إلى أجل جاز وهو احتياط، وإن كان في قرض فالقرض لا يجوز إلا بشرطين:
أحدهما: أن يخاف هلاك ماله لنهب أو غرق.
والثاني: أن يكون المقترض ثقة يودع ماله عنده، وإذا وجد الشرطان فأقرض وأخذ الرهن به يجوز؛ لأن الرهن وثيقة لا تضر وأمانة، وإن هلكت لا شيء عليه، وإن سلمت استوفي من ثمنها، فإن عدم الشرطان أو أحدهما لا يجوز إقراض ماله، فإن أقرض صار ضامنًا، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قرضه بحاٍل لأن ترك المال، وإن كان مخوفًا فالقرض مخوف أيضًا، فلم يجز أن يتعجل أحد الخوفين.
ذكره في "الحاوي ". وهو ضعيف لأن القرض أقل عذرًا فجاز.
فرع
إذا ارتهن في حال النهب والفتنة لا ينبغي أن يرتهن منقولًا لأنه يخاف الهلاك على الرهن كما يخاف على ماله، ولكن يرتهن على ما لا يخاف عليه من أرض أو غيرها.
فرع آخر
لو رأى الحظ في أن لا يرتهن شيئًا لا يرتهن، وذلك بأن لا يأمن أن يرفع إلى [ق 170 أ] حاكم حنفي سقوط الدين بتلفه.
وقال في "الحاوي ": يعتبر في صحة القرض ثلاثة شروط؛ أن يقرض لرجلِ ثقة ملئ، وأن يأخذ منه رهنًا فيه وفاء بالمال.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يأخذ رهنًا على القرض بخلاف البيع؛ لأن القرض إنما يجوز عند الخوف على المال فجوز أن لا يأخذ الرهن خوفًا عليه وهذا لا يصح؛ لأن المال إن تلف كان من ضمان المولى عليه، ولو تلف الرهن: لا يكون من ضمانه، فلم يجز له أن يخرجه من يده مع الإمكان.
والثالث: أن يشهد عليه، وإن لم يشهد فيه وجهان على ما ذكرنا، وما تقدم أصح عندي.
فرع آخر
له أن يبيع ماله عند وجود شرطي جواز القرض نساء، ويكون أولى.
ذكر أصحابنا.
فرع آخر
لو أقرض في غير موضع الجواز وتلف ذلك في يد المستقرض يجوز الإرتهان به، وهو في الحقيقة غرامة يتلف لا قرض، وما دامت العين باقية فهي واجبة الرد، والإرتهان بالعين لا يجوز.
الجزء: 5 - الصفحة: 198
فرع آخر
الأم تلي مال الولد بغير توليةِ في أحد الوجهين، وظاهر المذهب أنها لا تلي من غير تولية.
فإذا قلنا: إنها تلي ذلك قامت أم الأم مثلها عند عدم الأم، وفي أب الأم وجهان على هذا الوجه [ق 170 ب]:
أحدهما: له ذلك؛ لأن الأم إذا استحقت هذه الولاية فهو أولى.
والثاني: ليس له ذلك كما لا حضانة له ولا إرث.
فرع آخر
إذا أراد الأب أن يبتاع مال ولده فيه وجهان:
أحدهما: يعقد لفظًا فيقول: بعت كذا من مال ابني على نفسي بكذا وقبلت ذلك لنفسي.
والثاني: يعقد بنيته دون لفظه؛ لأن الإنسان لا يخاطب نفسه، والأول أصح؛ لأنه لا يكون مخاطبًا نفسه؛ لأنَّا نجعل أحد اللفظين عن نفسه والآخر عن ابنه، فيصير كأنه مخاطب.
ذكره في "الحاوي ".
فرع آخر
المكاتب هل يجوز له أن يرهن شيئًا؟ قال الشافعي رحمة الله عليه ههنا: ومن قال إنه لا يجوز ارتهانه إلا فيما يفضل من ولي أو أب لابن طفل، أو عبد مأذون له في التجارة فلا يجوز له أن يرهن شيئًا؛ لأن الرهن أمانة والدين لازم، فالرهن نقص عليهم وظاهر هذا أنه يجوز للمكاتب والمأذون أن يبيعا نساء بالفضل ويأخذ رهنًا.
وقال الشافعي في "الكتابة ": غير أن المكاتب لا يبيع بدين ". واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: هما لولي اليتيم فيما ذكرنا من المسائل، وقول الشافعي: "لا يبيع المكاتب بدين "معناه: بغير رهن، وهذا اختيار القفال.
أو أراد إذا لم يكن [ق 171 أ] فيه حظ.
ومنهم من قال: لا يجوز لهما أن يبيعا بالدين إلا بإذن السيد لهما في ذلك صريحًا، وهو المراد ههنا، لأنه يأخذ رهنًا لا يتصرف فيه، ويخرج ما لا يتصرف فيه فلا يجوز.
وتأويل ما قال ههنا: أن يبيع بمائة نقدًا وأخذ الرهن بالثمن حتى يحمله من البيت فيجوز ذلك في حقهما.
وهذا اختيار القاضي الطبري رحمه الله.
فرع آخر
لو لم يدفع السيد إلى العبد المأذون مالًا وقال له: تصرف، هل له أن يتصرف بثمن
الجزء: 5 - الصفحة: 199
مؤجل ومعجل؟ لأنه لا ضرر للسيد في ذلك حتى يحصل في يده فضل فيكون ذلك للسيد، ثم يكون حكمه حكم المكاتب والمأذون الذي دفع السيد إليه مالًا.
وأما رهن مالِ من اليتيم، والمجنون، والمحجور بدين مؤجل في قرض أو ابتياع فلا يجوز إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الإقراض له أصلح من بيع ماله في نفقته، مثل أن يتوقع له عليه عقارًا ونماء ماشية أو ثمار أو زرع، أو دين يحل ل، أو يقدم مال غائب أو يكون له سلعة كاسدة يتوقع لها موسم.
والثاني: أن يكون المرتهن لذلك ثقة يودع ماله عنده فههنا يجوز.
وكذلك لو اشترى له ما يسوي ألفًا بخمسنائة ويرهن ما يسوي خمسمائة به فلا بأس؛ لأنه إن تلف حصل له ربح [ق 171 ب] خمسمائة، والظاهر أنه لا يتلف، وهذا إذا كان لا يباع إلا برهن.
وكذلك لو وقع نهب أو حريق يخاف على ماله، أو وجد أمينًا يشتري به شيئًا لا يرد عليه التلف من العقار ولا يتبعه إلا بشرط الرهن فرهن، ولا يتصور أن يستقرض منه شيئًا فيرهن في هذه الحالة ماله؛ لأنه يخاف على القرض الذي يأخذه ما يخاف على ارهن الذي تسلمه، فإن لم يوجد الشرطان أو أحدهما فيبيع ماله أصلح من رهنه والإقتراض له فلا يجوز رهنه، وهذا لأن الدين لازم والرهن أمانة، فيكون تلف الرهن عند المرتهن بغير ضمان ويبقى الدين عليه بحاله.
وأما المكاتب والمأذون فليس لهما أن يرهنا من مالهما شيئًا إلا بإذن السيد، أو في الحال التي يجوز لولي اليتيم أن يرهن من ماله على ما بيناه.
ولو قال للمأذون له تاجر تصرف كيف شاء حتى يفضل معه شئ فيكون كما لو دفع إليه مالًا، فإن قال قائل: ما معنى قول الشافعي- رحمه الله-: "ورهنهما عليه في النظر له "في المسألة الأولى؟ قلنا: يحتمل معنيين:
أحداهما: أراد بالرهن الإرتهان: فكأنه قال: يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه إذا كان له ارتهانهما في النظر له.
قالوا: وفي قول: "ورهنهما "واو الحال لا واو العطف، ولا بعد العبارة عن الإرتهان بالرهن [ق 172 أ] وعن الرهن بالإرتهان.
والثاني: وهو الأصح أراد بالرهن حقيقة الرن لا إرتهان، وهما مسألتان اثنتان.
قالوا: (و) حرف العطف لا واو الحال بدليل أنه قال: "ورهنهما له "ولو كان المراد به الإرتهان: "ورهنهما له في النظر له "ألا ترى أنه ذكر الإرتهان بهذه العبارة فقال: "ويجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه له "راجع إلى المحجور لا إلى الإرتهان.
فإن قيل: التفسير يدل على أنه أراد به الإرتهان لا الرهن؛ لأنه قال: "وذلك أن يبيعا فيفضلا ويرتهنا "فاشتغل ببيان الإرتهان دون الرهن.
قلنا: يجوز أن يجمع بين المسألتين ثم يعطف على إحداهما يفسرها ويعرض عن تفسير الأخرى، أو يؤخر تفسير الأخرى.
الجزء: 5 - الصفحة: 200
فإن قيل: لو كان المراد بالرهن حقيقة الرهن كما ذكرت مسألة الرهن بعد هذه المسألة وقد كررها حيث قال: "ومن قلت لا يجوز ارتهانه ... " إلى أن قال: فلا يجوز أن يرهن شيئًا ". قلنا: يحتمل أن يكون هذا التكرير لكمال التقرير، فإنه جمع في أول الفصل بين مسألة الرهن ومسألة الإرتهان، ثم بدأ بنفس الإرتهان ثم رجع إلى مسألة الرهن لتفصيل القول فيها، فبين فيه معنى النظر الذي أطلقه في أول الفصل وهو ظاهر [ق 172 ب].
فرع آخر
لو رهن الوصي عبد اليتيم ثم استعاره الوصي من المرتهن بعد القبض نظر، فإن استعاره لليتيم فلا ضمان؛ لأن له الانتفاع به، وإن كان مرهونًا، وإن استعاره لنفس لم يجز وضمن، وإن استعار مطلقًا ضمن؛ لأن الظاهر أنه استعاره لنفسه.
فإن قال: استعرته لليتيم لم يقبل قوله فيه وضمن.
فرع آخر
لو خلف تركة وعليه ديون فأوصى إلى رجل بقضاء دينه من تركته فرهن الوصي شيئًا من تركته عند بعض غرمائه لم يجز، وإن كان الغريم واحدًا فرهنه عنده لا يجوز أيضًا؛ لأنه جعل إليه قضاء الدين فقط فلا ينصرف إلى غيره.
فرع آخر
لا يجوز للعامل في القراض أن يرهن أو يرتهن إلا بإذن رب المال، وإذا أذن له في الرهن لا يجوز إلا أن يحد له الدين الذي يقع الرهن به.
نص عليه الشافعي رحمه الله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ لابْنِهِ الطَّفْلِ عَلَيْهِ حَقَّ أَنْ يَرْتَهِنَ لَهُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ ".
الفصل:
وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة، وظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه ههنا أنه رهن ماله عند نفسه أو رهن مال نفسه عنده يقتصر على أحد شطريه، فيقول: ارتهنت له من نفسي كذا وكذا، أو رهنت عبدًا من ماله على كذا وكذا، لأن الشافعي [ق 173 أ] اقتصر في تصوير المسألة على ذكر أحد السطرين، وفيه وجه أنه يفتقر إلى التلفظ بالشرطين كما في الشخصين المتعاقدين، وهذان الوجهان في البيع والشراء، وقد ذكرنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 201
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا قَبضَ الرَّهْنُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ إِخْرَاجه مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا فِيهِ مِنَ الحَقِّ ".
وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وإذا قبض لزم من جهته؛ لأنه وثيقة، فلو لم يلزم لم تحصل الوثيقة، ثم ما دام جزء من الدين عليه وإن كان يسيرًا لا يخرج شئ من الرهون من الرهن، وكل جزء منه مرهون بكل الحق وبكل جزء منه، فإن كان الرهن كرا من طعام فذهب كله إلا قفيزًا كان القفيز رهنًا بالدين كله، ولو قضى الدين كله إلا حبة كان الكل رهنًا بالحبة.
فرع
لو رهنه مائة شاة بمائة درهم على أن كل شاة في مقابلة درم فدفع درهمًا، قيل له: أدفعت عن شاة بعينها؟ فإن قال نعم أخذها، وإن قال: بل دفعت عن الجملة خرج عشر كل شاةِ من الرهن.
وقيل: متى تفاوتت القيم ليس له أخذ شيء من الرهن، وإن تساوت أخذ منها شاة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَكْرَى الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَنْفَسِخ الرَّهْنُ ".
وهذا كما قال.
قد قيل: أراد به إذا أكرى الراهن [ق 173 ب] الشيء المرهون من المرتهن أو أعاره إياه لينتفع به لم يبطل الرهن.
ولو تلف تحت يده عند الاستعارة ضمن؛ لأنه مستعير.
وقال أبو حنيفة: إذا اكترى وارتهن فأخرهما يبطل أولهما.
وقيل: إن الشافعي فسره بهذا في الرهن الصغير.
وقيل: أراد به أن المرتهن لو أكرى من الراهن لا معنى للكري، إذا المنافع ليست ل حتى يكري، ولكن مع هذا لا ينفسح الرهن.
وأما الإعارة يجوز أن يطلق هذا اللفظ ويراد به تمكين الراهن مع الانتفاع ولا يبطل به الرهين أيضًا.
وقيل: وهو الصحيح أراد إذا أكري الراهن المرهون من المرتهن، ثم المرتهن أكرى منه أو إعارة ينفسخ الرهن، وتجوز الإجازة الثانية في أحد الوجهين، وإن كان الراهن مالك الرقبة فهو كالوجهين في جواز إجازة المستأجر من المالك:
أحدهما: يجوز كما يجوز من غيره.
والثاني: لا يجوز لأن المنافع من ضمان المالك فلا يجوز أن يضمن له بعد الإجارة وهي مضمونة عليه، وكيفما قلنا فالرهن به لا يبطل.
وكذلك إذا كانت المنفعة
الجزء: 5 - الصفحة: 202
للمرتهن بوصية فأجرها من الراهن وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: استدامة القبض شرط في صحة الرهن، وإذا استحق على المرتهن قبضه بطل الرهن.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ [ق 174 أ] وَدِيعَةِّ لَهُ فِي يَدِهِ ".
وهذا كما قال.
إذا رهنه شيئًا في يد المرتهن كالوديعة، والغصب، والعارية، والمأخوذ سومًا، أو تحوز ذلك صح؛ لأن ذلك أقرب إلى قبضه، ولابد من قبض بعد العقد، وهل يفتقر إلى الإذن بالقبض؟ قال ههنا: لابد من الإذن فيه ومضى مدةِ يتأتى فيه القبض.
وقال في "الإقرار والمواهب ": إذا وهب عينًا في يد الموهوب به له فقلبها تمت؛ لأنه قابض لها بعد الهبة، ولو كانت في يد غيره فقبضها بغير إذن الواهب لم يكن له ذلك.
واختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين:
قال أبو إسحاق رحمه الله: لا فرق بينهما فينقل بجوابه من كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى ويجعل على قولين:
أحداهما: لابد من اعتبار الإذن فيهما؛ لأن الشيء في يده على غير قبض الرهن والهبة، فلا يصير قبض هبةٍ ورهن إلا بإذن.
والثاني: لا يعتبر الإذن فيهما؛ لأن إقراره على العقد إذن منه بالقبض، ولأنه لما لم يفتقر إلى الإذن في القبض.
وقال بعض أصحابنا: المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الهبة تنقل الملك هي أكد من الرهن، كما لو باع لا يفتقر إلى الإذن في القبض، ويصير مقبوضًا له عقيب العقد.
وهذا ضعيف.
ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا يعتبر الإذن فيهما، وأراد بها ذكر في [ق 174 ب] الهبة إذا أذن في القبض، ولكنه أضمر هناك، وفي الرهن صرح وهذا أصح.
والفرق بين الرهن والهبة والبيع أن البيع يوجب القبض فلا حاجة فيه إلى الإذن من البائع إذا كان الشيء في يده، والرهن والهبة لا يوجبان القبض؛ لأنهما تبرع فيحتاج فيما إلى إذنِ.
وإذا تقرر هذا وأذن له بقبضه، فإن كانت الوديعة حاضرة في المجلس فأتى من الزمان ما يمكنه تناولها ورفعها من موضعها فقد صارت مقبوضة عن الرهن، وإن كانت غائبة عنهما.
فإذا أتى من الزمان ما يمكنه الوصول إليها وتناولها فقد صارت مقبوضه؛ لأن قبض الشيء حصوله في يده من غير مانع إلا أن تكون الوديعة مما يزول بنفسه كالعبد والحيوان الذي هو غير مُوثق في موضع ببيعه، فلا يتحقق كونه في الموضع الذي تركه فلا
الجزء: 5 - الصفحة: 203
يصح القبض حتى يصير إليه، أو يصير وكيله إليه مشاهدة نص عليه في "الأم "، وهو اختيار أبي إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: لابد أن يحضره ويشاهده، وإن كان عنده أنه لم يخرج من يده؛ لأن الشافعي رحمه الله قال: "ولو كان في المسجد والوديعة في بيته لم يكن قبضًا حتى يصير إلى منزل وهو فيه" وهذا غلط وتأويل هذا اللفظ ما ذكرنا.
وقال أبو حامد: المنصوص في "الأم "هذا وهو المذهب، وغلط أبو إسحاق [ق 175 أ] حيث حمل هذا على الحيوان دون العقار والثياب، ولفظه في "الأم "أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، والعلة فيه أن يجوز حدوث حادث من سرقة أو حريق أو غصب ونحو ذلك في الكل.
ثم قال: ومن أصحابنا من قال: لو أخبر مخبر أنه شاهده اقتصر على خبره، ويحصل القبض بمضي المدة.
وقال: وهذا ليس بشيء، وما ذكرنا أولى، ذكره القاضي الطبري رحمه الله وهو الظاهر، وقول الشيخ أبي حامد أقيس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، فإن قيل: دعوى القولين محال لأن الشافعي قال أولًا: "فجاءت مدة يمكنه فيها القبض فهو قبض "، ولم يشترط الرجوع إلى منزله، ثم عطف على هذا أنه لا يصير قبضًا حتى يصبر إلى منزله وهما عطفان متقاربان؛ وأعرض الشافعي عن ذكر القولين في.
قلنا: يحتمل أنهما مسطوران للشافعي في موضعين متباعدين فجمعهما المزني متعطفًا أحدهما على الآخر، وقد فعل مثل هذا كثيرًا.
وقال حرملة من عنده: يلزم الرهن بنفس العقد ههنا ولا يحتاج إلى مضي المدة، ولم يساعده غيره من أصحابنا.
وهذا غلط؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وجملة ما ذكرنا أنه لا يحتاج فيه إلى النقل والتحويل لكونه في يده قولًا واحدًا، وهل يحتاج إلى الإذن في القبض؟ [ق 175 ب] على الاختلاف الذي بيناه.
وهل يحتاج إلى المصير إليه ومشاهدته؟ على التفصيل الذي ذكرناه.
فإذا تقرر هذا، لو تلف هذا الرهن بعد الحكم بالقبض انفسخ ولا خيار للمرتهن سواء كان في دين أو بيع، وإن كان التلف قبل الحكم بالقبض بطل الرهن.
فإن كان في دين فلا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع له الخيار، وحكم الوالد في مال الولد إذا رهنه من نفسه مثل هذا في هذه المسائل.
مسألة:
قَالَ: "وَلاَ يَكُونُ القَبْضُ إِلَّ مَا حَضَرَهُ المُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ ".
الجزء: 5 - الصفحة: 204
وهذا كما قال.
يحتمل أن يكون هذا ابتداء مسألة والرهن عين في يد الراهن فلا يكون قبضًا إلا أن يكون القبض من المرتهن أو وكيله ومشاهده، فإن اقتصر على القبض بالقول لم يكن قبضًا كما لا يكون قبضًا في المبيع، ولو وكل الراهن أن يقبض له من نفسه لا يجوز؛ وإنه لا يجوز أن يقبض من نفسه شيئًا لغيره.
وعلى هذا لو أذن لعبد الراهن أو أم ولده بالقبض لا يلزم؛ لأن يده يد الراهن.
ولو أذن لامرأة الراهن ومكاتبه بالقبض يلزم؛ لأن يده ليست يد الراهن.
وقوله: "لاَ حَائل دُونَهُ": معناه لا يتم قبض الراهن إذا كان بينه وبين الرهن حائل يجول بينه وبين القبض يتنوع أنوعًا كثيرة يستغني عن ذكرها.
ويحتمل أن يكون هذا [ق 176 أ] عطفًا على المسألة قبلها، وهي إذا كانت العين في يد المرتهن وهي غائبة عنهما لا يكون قبضًا إلا أن يحضره المرتهن أو وكيله، ويشاهده حال القبض، وهذا أشبه.
لا أعتبر الحضور المجرد، وإنما يكفي ذلك فيما كان وديعة عند المرتهن، فأما ما كان في يد الراهن فيحتاج فيه إلى النقل والتحويل.
مسألة:
قَالَ: "وَالإِقْرَارُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ جَائِزٌ إِلاَّ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ فِي مِثْلِه ".
وهذا كما قال.
إذا رهن رجل عند رجل شيئًا يحضره شاهدين ثم رهنًا ليقبضه المرتهن ورجعا، وأقر الراهن بأن المرتهن قبضه وأمكنه ذلك يصح إقراره، ويجوز للشاهدين أن يشهدا عليه عند الحاكم لو تنازعا، وإن لم يمكن ذلك إلا نادرًا ولا غالبًا، مثل أن يرهنه دارًا بمكة وهما بمصر فأقر في يومه أن المرتهن قبضه لم يصح إقراره، ولم يجز للشاهدين أن يهدا عليه بذلك لعلمهما بكذبه واستحالة كون ما أقرّ به، وهذا أصل في الإقرار متى أمكن صدقه لزمه، وإلا فلا يلزم.
ولهذا لو قال لزوجته: أمي من الرضاع وهي أكبر سنًا منه بحيث يختمل ذلك لزمه.
وإن كانت في سنه أو أصغر سقط إقراره.
فرع
لو اختلفا بعدها رهن وأذن في قبضه فقال المرتهن: قبضه وأنكر الراهن.
قال في "الأم ": "القول [ق 176 ب] قول المرتهن ". وقال في مسألة قبلها: "القول قول الراهن "وليست المسألة على قولين، بل على اختلاف حالين، والذي قال: "القول قول الراهن "إذا وجد في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ورددته إليك.
والذي قال: "القول قول المرتهن "؛ لأن الظاهر من حصوله في يده بعد إقراره بالإذن في القبض أنه باستحقاق، ولا يقبل قول الراهن: رجعت عن الإذن بالقبض ثم قبض من غير إذني.
الجزء: 5 - الصفحة: 205
مسألة:
قَالَ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُحَلِّفَ لَهُ المُرْتَهِنَ أَنَّهُ قَبَضَ مَا كَانَ أَقَرَّ لَهُ بِقَبْضِِ أَحْلَفْتَهُ ".
وهذا كما قال.
إذا أقر الراهن بأن المرتهن قد قبض الرهن ثم اختلفنا فقال الراهن: أقررت له بالقبض ولم يكن قبض لا يقبل قوله.
فلو قال: أحلفوا المرتهن أنه قبض، قال الشافعي رحمة الله عليه: "أَحْلَفْتُهُ ".
واختلف أصحابنا في هذا، قال ابن خيران وجمهور أصحابنا: يحلف، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه دعوى لو صدقه فيها بطل إقراره، فإذا كذبه له استحلافه، ولا فرق بين أن يقول: إنما أشهد على نفسي وأقررت بقول وكيلي وقد بان لي أنه كذب فيه.
أو قال: إنما توليت بنفسي عقد الرهن، وإنما قبضته بالقول، وإقراري مستند إلى قبض من جهة الفعل، وهذا لأنه عذر موهوم يحتمل ذلك، وجرت العادة [ق 177 أ] أن يقر بذلك قبل فعله ليفعله، وهكذا في البيع جرت العادة أن يقر البائع بقبض الثمن وإن لك يكن قبض ليقبض، فحلف المرتهن بالله لقد كان القبض قبضًا كاملًا وكذلك يحلف المتري ولم يكن على التأويل الذي ذكره الراهن أو البائع.
وقال أبو إسحاق: المسألة على رهن غائب في بلد آخر فقال: أقررت بالقبض بكتاب لم يكن صحيحًا، أو كان وكيل كاذبًا فيحلف عليه له، فأما إذا كان الراهن حاضرًا فأقرَّ بقبضه لا يحلف المرتهن؛ لأنه لا عذر له فيما كان حاضرًا فلا يسمع دعواه بالقبض بعد إقراره به، وهذا لا يصح.
ونص في "الأم "أنه يحلف بكل حاٍل.
ذكره أبو حامد رحمه الله.
فرع
لو أقر هكذا ثم قال: أقررت وكذبت ولم يكن على حسب على ذكرنا، لا يحلف ولا يقبل قوله في ذلك.
ونظير هذه المسألة لو أقر لرجل بماٍل وأشهد على إقراره ثم قال: كذبت ما له عليَّ حق، ولكن وعدته لم يقبل ولا يلتفت إلى قوله، فلو قال: أحلفوه حلف على قبول أكثر أصحابنا؛ لأنه قد يقر له على وعٍد يعده.
وعلى قول أبي إسحاق لا يحلف إلا أن يضيفه إلى وكيله وأنه بان له كذبه.
ولو قال: ما أقررت فحلفوه لا يحلف.
وقال قال: هو ثمن خمر أو نحوها يحلف وحملته أنه لابد من تأويل يذكره حتى [ق 177 ب] يستحق الاستحلاف.
فرع آخر
لو قامت البينة على فعل القبض وما هدتهم فقال: ما أقبضه فاحلفوه لا يحلف؛ لأن فيه
الجزء: 5 - الصفحة: 206
تكذيب الشاهدين.
وهكذا لو قامت عليه البينة بالحق لا يحلف لئلا يؤدي إلى تكذيب البينة.
مسألة:
قَالَ: "وَالقَبْضُ فِي العَبْدِ وَالثَّوْبِ وَمَا يَحُولُ أَنْ يَأُخُذَهُ مُرْتَهِنُهُ ".
الفصل:
وهذا كما قال.
قد بيَّنا في "كتاب البيع "أن القبض يختلف باختلاف المقبوضات.
وجملته أن كل قبض يدخل به البيع في ضمان المشتري يلزم به الرهن.
وإن كان سهمًا من عقار قبضه كما يقبض المشاع.
ولا تفتقر صحة القبض إلى حضور الشريك ولا يتم القبض إلا بالتخلية بينه وبين كلها؛ لأن الشقص الشائع يتعذر قبضه ممتازًا ولا يتميز قبل القسمة فلابد من تسليم كلها حتى يصير النصف مُسلمًا.
وإن كان المشاع فيما ينقل ويحول كالثياب والجواهر والحيوان لا يصح الإقباض إلا يحضور الشريك؛ لأن الشيء لا ينقل من مكان إلى مكان إلا يحضره مالكه؛ فإذا وقع القبض فإن اتفقوا أن يكون عند واحٍد من الثلاثة عند المرتهن بعضها رهنًا وبعضها وديعة، أو عند الرهن، أو عند الشريك بعضها رهنًا وبعضها وديعة وإلا وضع على يدي عدل أو يؤاجره الحاكم إن كان لا يضره الاستعمال.
فإن قيل: إذا كان العدل وكيلًا لما كيف يتكامل قبض [ق 178 أ] الجوهرة ويده يد الراهن كما كانت يد المرتهن.
قلنا: العدل يقبض للمرتهن ويحفظ للراهن فإذا قبض العدل الجوهرة استخلص القبض للمرتهن، وهو مشروع من جهة مالك الرهن، وإن اتفقوا على أن يكون مهايأة من الشريك والمرتهن فيكون عند الشريك أيامًا وعند المرتهن أيامًا جاز أيضًا.
فرع
لو خلى بينه وبين الدار وفيها قماش للراهن صح التسليم في الدار.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصح التسليم؛ لأنها مشغولة بملك الرهن.
قال: وكذلك إذا رهن دابة عليها حمل للراهن وسلم الكل إليه لم يصح قبض الدابة.
وهذا لا يصح؛ لأن كل ما كان قبضًا في البيع كان قبضًا في الرهن.
فرع آخر
إذا رهن عنده دارًا فخلى بينه وبينها وهما فيها، ثم خرج الراهن صح القبض.
وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه؛ لأنه إذا كان في الدار يده عليها فلا تصح التخلية .......... تحصل بقوله ورفع يده عنها، ألا ترى أن بخروجه من
الجزء: 5 - الصفحة: 207
الدار لا تزول يده، وبدخوله إلى دار غيره لا تثبت يده عليها، وههنا بخروجه منها حقق قوله فلا معنى لإعادة التخلية.
فرع آخر
إذا رهن رجل عند آخر شيئًا بدين إلى أجل على أنه لم يقبضه إلى محله كان مبيعًا منه بالدين، فالرهن [ق 178 ب] والبيع فاسدان.
أما الرهن فلأنه مؤقت بمحل الدين، ومن شأن الرهن أن يكون مطلقًا.
وأما البيع فمعلق بزمان مستقبل، فيكون هذا الرهن في يد القابض في المدة غير مضمون؛ لأنه مضمون بحكم بيع فاسد وحكم الفاسد من العقد حكم الصحيح في الضمان.
فرع آخر
لو قال: رهنتك هذا إلى سنة، فإن قضيتك فالعبد لي، وإن لم أقضك فالعبد لك بيعًا به فالرهن جائز والبيع باطل.
والفرق بينه وبين المسألة الأولى أن ههنا أخرج مخرج الخبر فلم يقدح في صحة الرهن وبطل البيع لتعلقه بالصفة، وهناك أخرج مخرج الشرط بقوله: علىَّ وكلاهما بطل؛ لأنه شرط في الرهن ما ينافيه.
فرع آخر
لو كان الرهن أرضًا في هذه المسألة التي ذكرناها فغرس فيها، فإن كان قبل انقضاء المدة فقد غرس بإذن الراهن، وإن كان فاسدًا فقد تضمن الإذن في التصرف فيكون الراهن مخيرًا بين ثلاثة أشياء إما أن يقر غرسه، أو يدفع إليه قيمته، أو يجبره على تلفه ويضمن له ما نقص.
فرع آخر
لو تزوج العبد امرأة بألف بإذن سيده، ثم إن السيد ضمن هذا الألف عن عبده وأعطاه العبد نفسه رهنًا بالألف لا يجوز؛ لأن أصل الدين مضمون عن العبد فلم يجز أن [179 أ] يجعله رهنًا في الدين؛ لأن ثبوت الوثيقة غير الموثق فيه، ونظيره من الضمان أن يضمن زيد عن عمرو ألفًا ثم يعود عمرو يضمنه عن زيد فيكون ضمان زيد باطلًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيَّ المْرُتَهِنِ بِغَضْبِ ".
الفصل:
وهذا كما قال.
إذا غصب من رجل شيئًا ثم رهنه المالك عند الغاصب قبل أن
الجزء: 5 - الصفحة: 208
يقبضه منه فعقد الرهن يصح، ويحتاج إلى قبض الرهن، وذلك بمضي المدة والإذن في القبض على ما ذكرنا، وهذا العقد لا يزيل ضمان الغصب.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني رحمهم الله: يزيل ضمان الغصب، وعند أبي حنيفة يصبر مضمونًا ضمان الراهن؛ لأن عنده الرهن مضمون.
وذا غلط؛ لأن استدامة الرهن لا تنافي ضمان الغصب.
وأعلم أن الشافعي رحمه الله عليه احتج في "الأم "على هذه المسألة بأن قبضه من نفسه لا يبرئه من الضمان، ألا ترى أنه لو أذن المشتري للبائع في قبضه المبيع بثمن من نفسه فقبضه لا يبرأ من الضمان.
قال أصحابنا: يمكن أن يفرق بينهما فبقال في المبيع: لم يصح القبض وههنا صح القبض، وإنما صح ههنا لأنه قبض بنفسه بإذن غيره، والبائع قبض لغيره من نفسه، ويصح أن يقبض لنفسه؛ لأن الشيء في يده فلا يقبض لغيره؛ لأنه لا يصل إلى يد غيره.
وهكذا [ق 179 ب] الحكم لو رهن عنده المأخوذ سومًا أو ببيع فاسد.
فرع آخر
لو رهن عنده ثم دفعه الغاصب إلى المالك ثم أقبضه منه المالك برئ من ضمان الغاصب؛ لأنه رجع إلى يد صاحبه.
ولو أبرأه من ضمان الغصب ثم رهنه إياه لم يكن مضمونًا أيضًا؛ لأن الضمان حق للمغصوب منه، فإذا أبرأ منه سقط.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا الإبراء؛ لأن الإبراء من ضمان العين لا يجوز، وضمان القيمة يجب بعد.
وهذا لا يصح؛ لأن سبب الضمان قد وجد فصح الإبراء منه، ألا ترى أنه لو حفر بئرًا فمات ووقع فيها إنسان كان مضمونًا في تركته كما لو كان حيًا؛ لأن سبب الجناية كان منه في حال الحياة، كذلك ههنا.
فرع آخر
لو شرط وضعه على يدي عدل فوضعه الغاصب برئ من الضمان؛ لأن العدل وكيل الراهن.
فرع آخر
لو جعله وديعة عنده فيه وجهان:
أحدهما: لا يزول الضمان كالرهن؛ لأن الراهن أمانة كالوديعة.
والثاني: يزول الضمان وهو الصحيح؛ لأن الوديعة تنافي الضمان لكونها أمانة محضة يرجع نفعها إلى الغير خاصة بخلاف الوهن.
ولهذا لو تعدى المودع في الوديعة خرج من كونها وديعة، ولو تعدى المرتهن في الرهن لا يخرج من الرهن.
الجزء: 5 - الصفحة: 209
فرع آخر
لو أجبر المغصوب [ق 180 أ] من الغاصب لا يزول الضمان بلا خلاف على المذهب؛ وهكذا ذكره جمهور أصحابنا.
وقال في "الحاوي ": إن قلنا بالوديعة يزول الضمان، فالإجارة أولى.
وإن قلنا بالوديعة لا يزول الضمان ففي الإجارة وجهان:
أحدهما: لا يبرأ لأنها أمانة كالوديعة.
والثاني: يبرأ لأن الإجازة صنف من النوع يستحق فيها عوضًا.
فرع آخر
لو جعله مضاربة في يده في وجهان كما في الوديعة.
وقال في "الحاوي "فيه وجه ثالث هو صحيح عندي أنه ما لم يتصرف في العامل بحق المضار؛ فالضمان باق، وإن تصرف فيه بإتباع شيء، فإن ابتاع في ذمته ونقل المال لم يسقط الضمان، وإن ابتاع بعين المال سقط الضمان.
والفرق أنه إذا اشترى بعين المال كان دافعًا للمال إلى مستحقه عن إذن المالك فيبتدئ من حصته، وإذا اشترى في ذمته كان قاضيًا لدين تعلق بذمته لم يبرأ من ضمانه.
فرع آخر
لو أعاره شيئًا ثم رهنه عند المستعير، فإن لم يكن منعه من الانتفاع لا يزول الضمان، وإن منعه من الانتفاع به اختلف أصحابنا فيه.
قال الداركي: كان أبو إسحاق يقول: يزول ضمان العارية؛ لأن ضمان الغصب أكد من ضمان العارية.
ومن أصحابنا من قال: لا يزول الضمان كما لا يزول [ق 180 ب] ضمان الغصب، وهو الصحيح.
وقيل: هما مبنيان على أن العارية هل تبطل بهذا الرهن؟ وفيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل العارية بحدوث الرهن، وله أن ينتفع بها كما قبل الرهن، فعلى هذا ضمانها باق.
والثاني: تبطل العارية.
فعلى هذا يرتفع ضمانها ويفارق المغصوب؛ لأنه لم يرتفع الغضب بالرهن فلم يرتفع حكمه.
فإذا تقرر هذا، قال المزني رحمه الله: يشبه أصل قوله إذا جعل قبض الغصب في الرهن جائزًا كما جعل قبضه في البيع جائزًا، أم لا يجعل الغاصب في الرهن ضامنًا، إذ الرهن عنده غير مضمون لكن الغصب مضمون.
وإنما يلزم هذا الضمان بسبب الغصب
الجزء: 5 - الصفحة: 210
السابق، ولا يشبه الرهن المبيع؛ لأن البيع يزيل الملك فلا يستحيل اقتران الضمان به كالجناية والرهن.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ دَارَيْن فَقَبَضَ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يَقْبِضِ الأثخْرَى".
الفصل
وهذا كما قال.
إذا رهنه عينين لا يخلو إما أن يكون مما ينقل أو مما لا ينقل، فإن كانت مما ينتقل فنقلت إحداهما كما كان قبل القبض انفسخ العقد فيه، وهل ينفسخ في الأخرى؟ مبني على ذكرناه في البيع وفي طريقان:
أحدهما: لا ينفسخ في الباقي قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ طرأ على العقد.
والثاني: فيه قولان؛ فإذا قلنا ينفسخ في الباقي اختلف [ق 181 أ] أصحابنا في العلة، فقيل لجهالة العوض، فعلى هذا لا ينفسخ الرهن، لأنه لا عوض فيه ........ اجتمع الحلال والحرام، فعلى هذا في الرهن الباقي قولان:
فإذا قلنا ينفسخ أو لا ينفسخ في الباقي، فإن كان مشروطًا في بيع ثبت الخيار للبائع في فسخ البيع لتعذر ما شرطه في العقد عليه، وإن رضي بالبيع ما لم يكن له المطالبة بالرهن إلا أن تكون إحدى العينين باقية.
وإن قلنا: لا ينفسخ العقد فله إمساكها، وهذا لجميع الثمن، وبكل جزء منه، وإن لم يكن مشروطًا في بيع فليس له المطالبة؛ لأن العقد تعلق بعينه.
فإن قيل: هلا قلتم أنه ينفسخ لأن الرهن في يده أمانة كما قلتم في العين المستأجرة إذا تلفت في يد المستأجر كانت من ضمان الأجير؟ قلنا: الرهن وإن كان أمانة فالوثيقة منه من ضمان المرتهن؛ لأن ذلك حصل في يده على ما يستحقه بالعقد فكان من ضمانه.
وأما العين المستأجرة فالذي استحقه بالعقد المنفعة والعين غير معقود عليها، وإذا تلفت العين انفسخ العقد في المنفعة التي لم تحصل في يده؛ لأنها تتحدد فلها افترقا.
وإن كان مما لا ينتقل ولا يحول، من أن يرهن داريين فإن احترقت إحداهما قبل القبض فقد تلف خشبها وذلك يأخذ قسطًا من الثمن في البيع، ويكون بمنزلة المنقول، وقد [ق 181 ب] مضى حكمه.
وإن انهدمت ولم يتلف منها إلا التالف فذلك لا يقابله الثمن، إلا أنها تنقض بالانهدام فيثبت المرتهن الخيار إن كان الرهن مشروطًا في بيع ولا يبطل الرهن.
فإن قيل: أليس قلتم إذا انهدمت الدار المستأجرة انفسخت الإجارة، فقولوا في الرهن مثله؟ قلنا: الإجارة عقد على المنفعة، والمنفعة تعذرت به، وههنا استئناف بالعين وهي باقية.
الجزء: 5 - الصفحة: 211
فإن قيل: قلتم لو أوصى بدا ثم انهدمت لا يدخل النقد في الوصية، وقلتم يدخل في الرهن فما الفرق؟ قلنا: الاعتبار بحالة الموت، ولهذا أوصى بثلث ماله اعتبر قدره حال الموت، فإذا انهدمت الدار فاسم الدار قد زال عن الأعيان المنفصلة عند الموت فلا يدخل في الوصية، والاعتبار في الرهن بالعقد، وما دخل في العقد استقر بالقبض، فإن كان الانهدام بعض القبض لا خيار على ما بيننا.
وعلى هذا الذي ذكرنا لو كانتا باقيتين فأقبض أحدهما وامتنع من إقباض الأخرى فالمقبوض مرهون لجميع الحق؛ لأن الرهن وثيقة بكل الحق وبكل جزء من أجزائه على ما ذكرنا.
وحكي عن أبي حنيفة رواية أنه كان المقبوض رهن بحصته من الحق، ثم امتناعه من تسليم الثانية لا يبطل الرهن في الذمة أقبض ........ ولا يبطل أيضًا في التي امتنع من إقباضها حتى يغير عن البطلان بعبارة صالحة، فإن بدا له بعد ذلك تسليمه إليه مسلمة كان رهنًا لازمًا بالعقد السابق، وإن أصر [ق 182 أ] على الامتناع فللبائع فسخ البيع عند الشرط؛ لأنه لم يسلم جميع الشرط.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ بَعْدَ القَبْضِ كَانَتْ رَهْنًا بِحَالِهَا وَمَا سَقَط مِنْ خَشَبِهَا".
وهذا كما قال، إذا رهن دارًا فانهدمت بعد القبض فالرهن صحيح على ما ذكرنا وتكون الدار بطوبها وخشبها وجميع أنقاضها رهنًا؛ لأن كل ذلك أخذ في عقد الرهن على ما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ جَارِيَةً قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ".
الفصل:
وهذا كما قال.
إذا رهن جارية ثم ظهر بها حما فأقر به المرتهن لا يخلو إما أن يكون أقر بالوطء قبل الإقباض أو بعده، فإن أقر به قبله يؤثر الإقرار فيه؛ لأنه يجوز من ذلك الوطء، ويجوز أن تحبل من غيره، والأصل جواز العقد وعدم الحبل، ولا فرق بين أن يكون هذا الإقرار منه بعد عقد الرهن أو قبله؛ لأن الرهن غير لازم في الحالين، ثم ينظر، فإن لم يظهر الحمل فلا كلام، وإن ظهر بها حمل نظر، فإن كان الوقت لا يمكن أن يكون من ذلك الوطء بأن يكون لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من الوطء لم يلحق بالراهن ولم تصر أم ولده ويحكم بأنها أتت به من زنا أو وطء شبهة فيكون مملوكًا للراهن والجارية رهن بحالها، وإن كان الوقت يمكن أن تكون منه بأن كان لستة أشهر فصاعدًا
الجزء: 5 - الصفحة: 212
[ق 182 ب] أو دون أربع سنين تلحق بالراهن وصارت أم ولد له وخرجت من الراهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وضعت لأكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين هل يبطل الرهن؟ وجهان:
أحدهما: لا يبطل الر هن؛ لأن الرهن لا يبطل بالإمكان وإن كان النسب يثبت بالإمكان.
والثاني: يبطل الرهن لأنا حكمنا بالعلو وقبل القبض يلحق النسب به.
وقال أبو الفياض في شرحه: لا يخرج من الرهن بلا خلاف؛ لان الولد لحق به بالفراش لا بالاعتراف بالولد.
وهذا غير صحيح؛ لأن خروجها من الرهن إنما يكون لماذا صارت أم ولده وهي تصير أم ولده بالفراش ما تصير أم ولده بالاعتراف بالولد، فوجب أن تخرج من الرهن إذا لحق ولدها بالفراش كما تخرج إذا لحق ولدها بالاعتراف، ثم ليس للمرتهن فسخ البيع إن كان البيع على هذا الرهن؛ لأنه دخل على بصيرة يوطئه، فإن الإقرار كان قبل العقد أو قبل القبض بعد العقد فهو بمنزلة العلم بالعيب.
هكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا الإقرار وقت العقد لا خيار، وإن كان بعد العقد قبل التسليم فله الخيار بكل حال؛ لأنه رضي بالوطء ولم يرض بالحمل الذي لا يؤول إليه الوطء، فإن الظاهر عدمه، ولهذا جوزنا الرهن حق للبائع من الفسخ بذاك، وإن أقر [ق 183 أ] بالوطء بعد الإقباض، فالولد يلحقه ولكنه متهم في هذا القول، لأنه يريد أن ينزع الرهن من يده فهل يقبل قوله في بطلان الرهن؟ قولان مخرجان بناء على القولين فيه إذا رهن عبدًا ثم قال: كنت أعتقه أو جني جناية:؛
أحدهما: يقبل؛ لان الضرر الذي يلحقه ببطلان ملكه أكثر مما يلحق المرتهن فلا يتهم انه قصد الإضرار بالمرتهن.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه يبطل حق الغير.
فإن قلنا: لا يقبل فالقول قول المرتهن مع اليمين، فإن نكل ردت اليمين على الراهن، فإن نكل فهل يحلف الجارية؟ قولان.
وإن قلنا: القول قول الراهن فهل تلزم اليمين؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في الرهن إذا أقر بالجناية عنده قبل رهنه وقلنا يقبل هل عليه اليمين أم لا؟.
وإذا قلنا: لا يقبل قوله في حق المرتهن فتخلصت من الرهن صارت أم ولدٍ ولا يجوز له التصرف فيها بما لا يجوز في أم الولد للإقرار السابق، وإن أنكر الرهن أن يكون الحمل فيه من كلتا المسألتين كانت الجارية رهنًا، وهذا بأن يدعى الاستبراء، وإنما يشترط دعوى الاستبراء؛ لأن الاعتراف بالوطء يوجب لحوق الولد ما لم يدع الاستبراء.
الجزء: 5 - الصفحة: 213
مسألة:
قَالَ: "وِإِنْ اغْتَصَبَهَا بَعْدَ القَبْضِ فَوَطِئَهَا فَهِيَ بِحَالِهَا".
وهذا كما قال.
إذا رهن جارية ثم أراد وطئها لا يخلو إما إن كانت مما يحبل مثلها أو لا يحبل [ق 183 ب] مثلها، فإن كانت ممن يحبل مثلها لا يحل له وطئها.
فإن قيل: لم لا تبيحون وطئها كما تبيحون سكنى الدار وركوب الدابة.
قلنا: لأن الوطء فاتحة الاستهلاك بالاستيلاد فنظيره أن يجمل على الدابة ما يخشى به عطبها فلا يجوز ذلك له، وإن كانت ممن لا يحبل مثلها لصغر أو كبر فالمذهب أن لا يحل وطئها؛ لأن الفرق بين من يحبل ولا يحبل يتعذر فحسم الباب كما حرم الخمر للسكر وحرم مثلها لمثل هذا المعنى.
وهذا اختيار ابن أبي هريرة -رحمه الله-.
وقال أبو إسحاق: يحل وطئها لأنه لا ضرر فيه.
وهذا أقيس.
وإذا منعنا الوطء لا يجوز أن يطأها دون الفرج وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك يدعو إلى وطأها في الفرج فيمنع الإمساك ...... وقيل الأجنبية.
ذكره في "الحاوي" فإن خالف ووطء لا حد عليه ولا مهر؛ لأنه صادف ملكه، ولو وجب المهر كان له فلا يجب له على نفسه شيء.
ويفارق هذا إذا وطء أمة مكاتبة يلزمه المهر؛ لأن الرهن باقيه للراهن وله الانتفاع به مع استبقاء الرهن وهذا من المنافع، ومنافع مال المكاتب والمكاتبة يحول بينها وبين السيد وهي لهما بحكم عقد الكتابة، ولهذا يلزم المهر.
ثم لا يخلو إما أن تحبل أو لا تحبل، فإن لم تحبل لا يخلو [ق 184 أ] إما أن تكون ثيبًا فلا شيء، وإن كانت بكرًا يلزمه أرش نقص بذهاب البكارة، لأنه إتلاف جزء منها كأطرافها، وهو بالخيار بين أن يجعل ذلك رهنًا معها أو قصاصًا من الحق.
قال الشافعي رحمة الله عليه: "ولا أظن أحدًا يجعل ذلك رهنًا معها ولا يجعله قصاصًا عن الحق".
واعلم أن الشافعي رحمه الله تعالى أطلق لفظ القصاص في هذه المسألة ولم يرد به حقيقة القصاص؛ لأن حقيقته أن يكون لكل واحد من الغريمين في ذمة صاحبه دين فيتقاضيان إذا كان الدينان متجانسين، وليس في ذمة المرتهن هنا دين، وإنما الدينان جميعًا في ذمة الراهن، فمراد الشافعي بذكر لفظ القصاص إذا بعض الدين؛ لأن أرش الاقتصاص موجه على السيد والخيار إليه، فإن شاء أعطاه على جهة الرهن، وإن شاء أعطاه على جهة قضاء الدين إذا كان الدين حالاً، وإن كان مؤجلاً فالمرتهن مخير بين .............. على قبول المعجل على القول المشهور، وإن أحبلها بحقه نسبه والولد حر، وصارت أم ولد في حقه، وهل ينفذ إحياله في حق المرتهن فيخرج من الرهن الحكم فيه؟
الجزء: 5 - الصفحة: 214
وفي ابتداء العتق واحد.
قال في "الأم": وإن كان سرًا نفذ إحياله وإعتاقه ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسر ًا فيه قولان:
أحدهما: ينفذ [ق 184] وتكون القيمة في ذمته تؤخذ منه متى وجد مالاً.
والثاني: لا ينفذ ويكون رهنًا بحالها.
ونقل المزني رحمه الله أنه إذا كان موسرًا ينفذ وإن كان معسرًا لا ينفذ.
وقال في "القديم": والرهن اللطيف إذا أعتق وأجل.
قال عطاء: لا ينفذ ولهذا وجه.
ثم قال: وقال بعض أصحابنا: ينفذ إن كان موسرًا وإن كان معسرًا لم ينفذ، واختار هذا ونظيره.
ثم قال: فإن قال قائل: لم تركت قول عطاء؟ قلنا: لأنه لا ضرر على المرتهن في العتق، لأنا لا نأخذ قيمته، فحصل من هذا أنه كان معسرًا لا ينفذ، وإن [كان] موسرًا فيه قولان، واختار الفصل بين الموسر والمعسر، والفرق ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه أنه إن كان موسرًا يمكن أخذ القيمة منه ووضعها رهنًا مكانه فلا يؤدي إلى الإضرار بالمرتهن، وإن كان معسرًا لا يمكن ذلك.
وهذا كما تقول في أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه إن كان موسرًا ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسرًا لا ينفذ.
وكذلك لو أعتق السيد عبد العبد المأذون إن كان عليه دين لا ينفذ، فكذلك لو أعتق السيد.
وغن لم يكن عليه دين اختلف أصحابنا في المسألة على المرق؛ قال صاحب "الإفصاح" وجماعة: في الإعتاق والإحبال ثلاثة أقوال:
أحدهما: لا ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال عطاء رحمه الله [ق 185 أ] لأنه لما أعلق رقبتها بعقد الرهن أوثقها بحق المرتهن فلا يجوز مناقضة فعله بفعله عند الإحبال والإعتاق.
والثاني: ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله؛ لأن الإعتاق والإحبال صادفا الملك الكامل، وإذا كان معسرًا عند أبي حنيفة يستسعيى العبد في قيمته، ويخالفه أحمد في ذلك، وهذا غلط؛ لأن فيه إيجاد الكسب على العبد ولا وجه له.
والثالث: الفصل بين الموسر والمعسر، وبه قال مالك رحمه الله، وهو الصحيح على المذهب، ووجه ما ذكرنا.
ولم يصرح الشافعي رحمه الله بان المسألة ثلاثة أقوال، ولكن حصل ثلاثة أقوال على وجه التخريج.
وقال أبو إسحاق: إن كان موسرًا ففي نفوذ إحباله وإعتاقه قولان، وإن كان معسرًا فحكمه مبني على الموسر، فإن قلنا هناك فههنا أولى.
وإن قلنا هناك ينفذ فههنا
الجزء: 5 - الصفحة: 215
قولان، أحدهما هذا وهو الأصح؛ لأن الشافعي لم يبين حكم المعسر على الموسر في شيء من كتبه.
ويحكى عن أبي إسحاق انه قال في العتق ثلاثة أقوال، والإحبال مرتب عليه، فإن قلنا العتق ينفذ فالإحبال أولى؛ لأنه فعل فهو أولى من القول؛؛ لأن الأب يستولد جارية ابنه فتصير أم ولده ولا ينفذ عتقه فيها.
وكذلك المريض [ق 185 ب] ينفذ استيلاده في الجارية المستفرغة بالدين ولا ينفذ إعتاقه فيها.
وينفذ الاستيلاد من المجنون والمحجور عليه ولا ينفذ عتقهما.
وإن قلنا العتق لا ينفذ ففي الإحبال قولان لهذا المعنى الذي ذكرنا وفي هذا أيضًا نظر؛ لأن العتق أقوى من الإحبال من وجه، فإن يتنجز في المال بخلاف الاستيلاد، ولأن قول المجنون والمحجور فيما يؤدي إلى اتلاف ماله فلا ينفذ عتقهما وتعلقهما صادف الملك ووجد حقيقة فنفذ، وعند صحة القول فالإحبال والعتق سواء.
ومن أصحابنا من قال: إن كانت معسرًا لا ينفذ الإحبال والعتق قولاً واحدًا، وإن كان موسرًا فيهما قولان.
فرع
قال أصحابنا: على ما ذكرنا أنه لو رهن نصف عبده وأقبضه ثم أعتق النصف الذي لم يرهن عتق وسرى إلى الباقي قولاً واحدًا.
واختلاف المذهب في ابتداء العتق لا في السراية، وهو كما لا يجوز ابتداء العتق في نصيب الشريك ويسري إليه يختلف باليسار والإعسار كما قلنا في الشريك.
وذكر شيخنا ناصر العمري رحمه الله عن بعض أصحابنا أنه لا يسرى إلى المرهون؛ لأنه يؤدي إلى إبطال حق المرتهن، وهذا ضعيف جدًا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في التفريع على القولين، فأولاً نذكر حكم المعتق ثم نذكر حكم الإحبال.
فإذا أعتق وقلنا نظر، فإن كان [ق 186 أ] موسرًا يؤخذ منه قيمته في الحال كما لو قتله، ويعتبر قيمته حين الإعتاق لأنته وقت التلف.
ثم إن الحق حالاً طولب بها حتى يقضي الدين، وإن كان مؤجلاً رهنًا مكان ذلك وبرئت ذمته من قيمته وكان الدين باقيًا في ذمته، ولا يحتاج إلى تجديد الر هن في القيمة لأنها بدل العين المرهونة.
وإن كان معسرًا يكون في ذمته وقيمة الرهن معًا، وإذا أيسر نظر، فإن كان الحق قد حل طولب به، فإذا قضاه برئت ذمته من الحقين، وإن لم يكن حل طولب بالقيمة، وإذا اختار أن يجعل رهنًا مكان الرهن تعلق الحق بالرهن وبرئت ذمته من قيمته وكان الدين باقيصا في ذمته على ما ذكرنا.
والمنصوص أنه يحكم بنفوذ عتقه بنفس اللفظ.
ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال كما في شرائه العتق إلى نصيب الشريك: ينفذ باللفظ.
والثاني ........... والثالث: انه يراعى، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق باللفظ، وإن لم يدفع تبينًا أنه لم يعتق أصلاً.
وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا.
أما المذهب: فنص الشافعي عليه ههنا انه يعتق بنفس اللفظ، وأما الحجاج: أنه لو كان هذا بمنزلة عتق
الجزء: 5 - الصفحة: 216
أحد الشريكين لوجب أن لا ينفذ عند الاعتبار قولاً واحدًا؛ لأنه لا يسري إلى نصيب الشريك عند الإعسار قولاً واحدًا.
وأيضًا [ق 186 ب] إعتاق الراهن صادف ملكًا وغنما يدفع القيمة إلى المرتهن على وجه الاستئناف للمرتهن لا غرمًا للتلف، ولا يتوقف نفوذ العتق على آدابها بخلاف قيمة نصيب الشريك.
وإذا قلنا: لا ينفذ عتقه كان وجود هذا القول منه وعدمه سواء.
فإن زال حق المرتهن عن العين مثل إن قضى الحق وفك الرهن، وبيع العبد في الرهن ثم ملكه بعد ذلك بإرث أو شراء لم يؤثر ذلك العتق فيه.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بعتقه كما لو كانت امة فأحبلها ثم زال حق المرتهن عنها تصير أم ولده، وبه قال مالك رحمه، وهذا غلط.
والفرق أن الإحبال فعل مؤثر ولا يمكن دفعه بعد حصوله، والعتق قول إذا لم يصح يصير لغوًا.
ولهذا ينفذ الإحبال بشبهة الملك دون العتق، وينفذ من المجنون دون العتق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن بيع في الدين ثم ملكه لا يعتق؛ لأنه قول رد وأبطل فلا ينفذ في وقت آخر، وإن قبله بأداء أو إبراء فيه قولان:
أحدهما: لا يعتق.
والثاني: يعتق؛ لانه كان موقوفًا عن الافتكاك من الرهن، وهما كالقولين في إعتاق المفلس وتصرفاته فيه لا تكون موقوفة إلا على قولنا القديم أنه يقف العقود على الإجارة، والصحيح ما ذكرنا.
وأما حكم الإحبال: فإن قلنا ينفذ صارت أم ولده في حقه وحق المرتهن [ق 187 ب] بعقد يتوهم صحته مثل أن يجمع بين الحر والعبد والحمل في البطن لا يفرد بالعقد في البيوع.
فإن قيل: فاجعل الولد في البطن كالمعدوم، ووجه العقد على الأم حتى يصححه.
قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ لأن الولد انفرد عن الأم في العقود لا انفرد عنها في التقويم عند الاستهلاك.
فإن قيل: هذا جوزتم بيعها على القول الذي يقول الحمل لا يعين.
قلنا: للحمل أمارات لا تكاد تخفي على القوابل، وصورة هذه المسألة أنها تحقق تلك الأمارات فإن باعها قبل ظهورها، ثم بان الحمل المستند إلى وقت العقد أبطلنا العقد.
فإن قيل: هلا وقفت العتق بعد ظهور الأمارات على القول بوقف العقود؟ قلنا: لم نفعل ذلك؛ لأن بيعها لا يستغنى عن تعينها، فالإشارة في العقد، ومعقول أنك إذا أشرت إلى الحبلى كانت إشارة غير مقصودة عليها دون حملها؛ لأن الحمل كصفة من صفاتها ما دامت حبلى، وغن حل الحق كانت قد وض 1 عت نظر، فإن ماتت من الولادة يلزمه قيمتها؛ لأنها تلفت في سبب كان منه.
فإن قيل: أليس لو أكره أمه أو حرة على الوطء وأحبلها فماتت بالطلق لم يلزمه ضمانها، كذلك ههنا، قيل: فيه قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 217
أحدهما: يلزمه دية الحرة على قيمته وقيمة الأمة في ماله ولا نسلم، وإن سلمنا فالفرق أن الولد [ق 188 أ] فههنا غير ملحق به فلم يكن سبب تلفها منسوبًا إليه ويلزمه ضمانه.
فإن قيل: أليس لو تزوج أمه بنكاح فاسد ووطئها وأحبلها فماتت من الولادة لا يلزم الضمان، وإن كان الولد لاحقًا به؟ قلنا: قد ذكرنا قولين والفرق بعد التسليم قد سبق، وهو أن الوطء مقصود بعقد النكاح، فإذنها في النكاح إذًا في الوطء الذي هو سبب الاتلاف وههنا المرتهن لم يأذن فافترقا.
وقال بعض أصحابنا في المسألة أيضًا: في وجوب القيمة قولان كما في هذه المسألة، والأظهر ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا متى يعتبر قيمتها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يصير حين وطء العلوق وهو المذهب؛ لأن سبب التلف وجد في هذه الحالة.
والثاني: يصير حين التلف، وهو حالة الوضع، لأنها حالة استقرار التلف، وفي هذه الحالة تجب القيمة، وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثالث: يعتبر قيمتها أكثر ما كانت من حين الوطء إلى حين الوضع والتلف كالمغصوبة، وإذا وجبت القيمة فالحكم في قيمتها كالحكم في قيمة العبد إذا أعتقه.
وإن لم تمت لا يخلو إما أن تنقص أو لا تنقص، فإن نقصت فعليه ما نقص يكون رهنًا معها، فإن جعله قصاصًا بالحق كان أولى، وإن لم تنقص بحالٍ فإنها لا تباع في الدين حتى ترضع اللبأ؛ لأن الولد [ق 188 ب] لا يعيش من دونه، ثم يوجد مرضعة تسقيه اللبن.
ثم إن الشافعي قال: "فإن كانت تسوي ألفًا والحق مائة بيع منها بقدر المائة والباقي لسيدها رقيقًا".
فإن كانت قيمتها مثل الدين بيع جميعها، وإن كانت أقل من الدين فكذلك، وما يبقى من الدين في ذمة الراهن يضرب به مع سائر الغرماء بقسطه، وإن كانت أكثر من الدين بيع منها بقدر الدين، فإن لم يكن هناك من يشتري بعضها باع جميعها للضرورة.
ذكر أبو إسحاق.
وإذا بعنا بعضها وقضى حقه كان بعضها ملكًا للمشتري وبعضها ملكًا للراهن والكسب لهما والنفقة عليهما، ولا يجوز منهما وطئها؛ لأنه لا يملكها ملكًا تامًا، فإن مات الراهن عتق نصيبه بموته وكان الباقي رقيقًا، ولا يقوم على الوارث لا ما أعتق ولا على الراهن الميت؛ لأن ملكه زال بوفاته فصار كالمعسر وإن لم يمت ولكنه اشترى الباقي من المشتري صارت كلها أم ولد قولاً واحدًا.
وهكذا إن باع جميعها ثم ملكها صارت أم ولده أيضًا، لأن الاستيلاد كان في الملك الكامل ولكنا أخرناه لمراعاة المرتهن وبعناها
الجزء: 5 - الصفحة: 218
في دينه، فإذا قضى حقه وتملكها سيرناها أم ولده لمتحض حقه فيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن بيعت ثم ملكها هل تصير أم ولد؟ قولان.
وإن أفتكها [ق 189 أ] من الرهن بأداء أو إبراء من غير أن يباع فيه تصير أم ولده؛ لأن العقد إذا لم يجر في وقته لم يجر بعده حتى يبتدأ بما يجوز، وهذا الاستيلاد بطل في الأصل فلا يصح في ثاني الحال.
قال: ولا يكون إحباله لها أكثر من عتقها، ولو أعتقها بطلت عتقها حتى لو ملكها لا يعتق كذلك ههنا.
وقال في معنى من أعتقها: من لا يجوز عتقه فيها من المجنون والمحجور عليه فلا ينفذ من بعد إطلاق الحجر والإفاقة، وكذلك ههنا لا ينعقد بالملك بعد قضاء حق المرتهن؛ لأن زمان الرهن كزمان الحجر في العين المرهونة.
قلنا: الأول الذي قاله لا يصح، لأنا نقول الاستيلاد بطل في الأصل بل نفذ في حقه في الحال على ما بيناه.
أما مسألة العتق فقد ذكرنا المذهب والفرق.
وأما عتق المحجور لا يسلم؛ لأنه على أحد القولين على ما ذكرنا، فإن فصلت تلك الرقبة عن ديون غرمائه، عتق بسابق لفظه.
وقيل: استدل المزني بمسألة القولين على مسألة الوجهين وهو محال.
وقيل: هذا الاختيار من جهة المزني إنما هو اختيار الشافعي على معاني أصوله وليس يختاره المزني لنفسه، فإن ثبتت حرمة الاستيلاد بأدنى من هذا السبب، وهو إذا استولدها بالنكاح ثم ملكها، قال: تصير أم ولده كما قال أبو حنيفة، فكيف لا يجعلها أم [189 ب] ولده ههنا وقد استولدها بالملك فتحقق ذلك من لا يغلظ عليه، ولو وجدنا من يشتري بعضها ولكن بالتبعيض يقع النقص في قيمتها ببيع بعضها ولا ببيع كلها بمكان ثبوت حق الاستيلاد في الباقي ويفارق هذا إذا باع الحاكم على الغائب جارية مرهونة وفي التبعيض نقصان القيمة لا يجوز ذلك؛ لأنه ليس ذاك من النظر، بل النظر أن يبيع كلها، فإن بيع نصفها على الانفراد بما يشتري بأربعمائة، ولو بيعت صفقة واحدة بيعت بألف ثم يحفظ الحاكم على الغائب فضل الثمن بنفسه أو غيره، ولو بيعت صفقة واحدة بيعت بألف ثم يحفظ الحاكم على الغائب فضل الثمن بنفسه أو غيره، وهذا الأجل أنه لا ضرورة ههنا إلى التبعيض بخلاف ذاك.
فإن قال قائل: لم قال الشافعي في تعليل المسألة المتقدمة، ولا يكون إحباله لها أكثر من عتقها والإحبال أقوى من الإعتاق على ما ذكرنا، وكلام الشافعي يدل على أن الإعتاق أقوى.
قلنا: العتق المنجز يغلب على الاستيلاد بمعنى التعجيل والتأجيل، فإن حرية الاستيلاد تقع مؤجلة أبدًا وحرية التنجيز معجلة، فيحتمل أن الشافعي قال لهذا المعنى: "وَلَا يَكُونُ إِحْبَالُهُ لَهَا أَكْبَرَ مِنْ عِتْقِهَا" ثم عطف المزني عل تعليل الشافعي تفسيرًا من عنده فقال: "يَعْنِي إِذَا كَانَ مُعْسِرًا".
فإن قال قائل: أليس قد ذكر الشافعي في أول المسألة الإعسار حيث قال: "فَإنْ
الجزء: 5 - الصفحة: 219
[190 ب] أَحْبَلَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا لَمْ تُبَعٍْ" فما فائدة كلام المزني وتكريره.
قلنا: كلام المزني منعطف على مسألة العتق التي أوردها الشافعي للتعليل، وهو أنه قال: "وَلاَ يَكُونُ إِحْبَالُهُ لَهَا أَكْبَرَ مِنْ عِتْقِهَا".
فأبطل العتق وتباع.
قال المزني: "يَعْنِي بإِبْطالِ العِتْقِ حَالَة إِعْسَارِ الرَّاهِنِ".
ثم قال بعد هذا: "تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُهَا" قال المزني: "قَدْ قَطَعَ بِعِتْقِهَا فِي كِتَابِ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ".
واعلم أن الشافعي غير مختلف في هذه المسألة أن أم الولد تعتقه بموت السيد، ولا يجوز بيعها بعد ثبوت حرمة الاستيلاد، وقد قطع بذلك في خمسة عشر كتابًا.
وقوله: "فِي قَوْلِ مضنْ يَعْتِقُهَا" ليس بتعليق قول، بل هو تلويح بذكر خلاف ضعيف بين الصحابة، وذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لما اجتمع رأيي ورأي عثمان على أن لا تباع أمهات الأولاد، وأما الآن أرى أن يبعن".
وفد روي عن علي رضي الله عنه أنه راجع رأيه السابق وحرَّم البيع، وقد قال صلى الله عليه وسلم في مارية لما حبلت: "أعتقها ولدها".
وقيل: إنما قال هذا ليعلم أن في المسألة خلافًا بين الصحابة وليست إجماعًا كما يقول مالك إنها إجماع بناء على أصله في أن من خالف من الصحابة [ق 190 ب] خارج المدينة لم يكن خلافه خلافًا.
فرع
لو وقف الراهن المرهون، فإن قلنا: ينفذ العتق ففيه وجهان:
أحدهما: لا بنفذ لأنه إزالة ملك لا يقبل الإبطال كالعتق.
والثاني: لا ينفذ لأنه لا يسري إلى ملك الغير بخلاف العتق فله مزية.
فرع آخر
لو قال الراهن للمرهون: أنت حر إن دخلت الدار بعد ذلك الرهن فيه وجها:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه إذا لم يملك الإعتاق في الحال على ما ذكرنا لم يملك تعليقه بالصفة كما في عبد الغير وهو القياس.
والثاني: يصح؛ لأنه لا يمنع من التصرف الذي لا يضر بالمرتهن.
ألا ترى أنه لا يمنع من الإجارة والاستخدام، وإنما لا يصح إعتاقه لأنه يبطل حق المرتهن، وهذا لا يوجد ههنا، فكذلك لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل بعد حلول الدين وإخراجه من الرهن، فعلي الوجهين.
ولو دخل في الحال الرهن فهو كالعتق المنجز.
فرع أخر
لو رهن عبدًا عند رجلين فأذن أحدهما للراهن في إعتاق نصفه فأعتق صحَّ، ويعتق الباقي إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا لا يعتق على القول الذي يقول: لا ينفذ عتق الراهن.
الجزء: 5 - الصفحة: 220
فرع آخر
إذا أذن المرتهن للراهن بإعتاق فرد الرهن إذنه وقال: لا اعتقه ثم أعتقه.
قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين؛ أحدهما:؛ لا يقع [ق 191 أ] والثاني: يقع.
فرع آخر
قال: ولو قال بعد الإذن من غير رد اعتقه عن كفارته جاز، وإن كان الإذن مطلقًا.
وغن قال: أعتقته إن دخل الدال لم يكن إعتاقًا بالإذن.
ولو قال: أعتقه إن كان كذا وكان ذلك لم يكن إعتاقًا بالإذن أيضًا، ويحتمل جوازه ههنا؛ لان فائدة ذلك العتق المنجز.
فرع آخر
قال: ولو قال الراهن للمرهون وعبدًا آخر: أحدهما حر عتق الذي ليس بمرهون.
قلو قال المرتهن له: أذنت لك تعرض الحرية في الآخر لم يصح اعتبارًا بعبد الغير.
وفيه وجه آخر أنه يقال له: عين الحرية وافرضها، فإن فرضها في المرهون لم يقع على واحد منهما، وإن فرضها في غير المرهون وقع العتق.
وهكذا لو قال لعبده وعبد غيره أحدهما حر على هذا القياس.
وعلى هذا الوجه أيضًا لا اعتبار بالرضا الحاصل بعد الإعتاق وقبل الفرض كما الاعتبار به فيما ذكرنا.
فرع آخر
قال: ولو أذن المرتهن بإعتاق المرهون فقال الراهن له ولغير المرهون: أعتقت أحدهما ثم فرض الحرية في المرهون هل يصح؟ فيه وجهان، والصحيح أنه يصح.
فرع آخر
لو كان عبد نصفه حر ونصفه مملوك فوجب له على مالك نصف دين فرهنه نصفه الذي هو مملوك عنده يصح، ولا سبيل للراهن إلى إعتاق نصفه إلا بإذن الراهن؛ لأن الراهن لا يعتق [ق 191 ب] المرهون إلا بإذن المرتهن.
فرع آخر
لو قتال المرتهن: أعتقه إذا دخل الشهر الفلاني ثم قال: أعتقد اليوم هل يكون هذا رجوعًا عن الأول؟ يمكن أن يقال: لا يكون رجوعًا، فإن أعتقه في ذلك اليوم جاز، وإن أخر عتقه إلى دخول الشهر جاز أيضًا.
فإن عرف من قصده بالقول الثاني الرجوع عن
الجزء: 5 - الصفحة: 221
الإذن الأول كان رجوعًا، وكذلك القول في عبد غيره.
فر ع آخر
لو رهن عبده ثم قبل الإقباض علق عتقه بصفة هل يكون رجوعًا من الرهن وجهان، ذكره والدي رحمه الله.
مسألة:
قَاَلَ: "وَلَوْ أَحْبَلَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ".
إذا أذن المرتهن للراهن في وطء المرهونة فوطئها، فإن لم تحبل فلا كلام والرهن بحاله؛ لأنه لم يحصل به إتلافها، ولا إتلاف شيء منها، فهو كالاستخدام، ولأن مجرد الوطء لا ينافي الرهن، إذ يجوز رهن الموطوءة إذا لم تحبل، وإنما الإحبال هو المنافي له فلا يبطل الرهن، وهذا الوطء حلال له لإسقاط المرتهن حق نفسه، والمنع كان لحقه.
وإن أحبلها فالحكم فيه وفيما لو أذن له بعتقها فأعتقها واحد، وهو أنه ينفذ ذلك ويخرج من الرهن؛ لأن ذلك ينافي الرهن، فإذا فعله بإذنه بطل الرهن.
فإن قيل: لم يأذن بالإحبال وإنما أذن بالوطء وحده فلم ينفذ.
قلنا: الوطء أفضى [192 أ] إلى الإحبال وليس ذلك باختيار الوطئ، فكان الإذن فيه إذنًا في الإحبال، ثم إذا نفذ ليس له مطالبته ببدلها ليكون مرهونًا عنده؛ لأنه أذن مطلقًا كما لو أذن له فقتلها لا يلزم البدل.
وفرع الشافعي على هذا في "الأم" فقال: وإذا أذن في ضرب العبد فضربه فمات لم يضمنه؛ لأن الأمر بالضرب يقتضي كل ضرب، ثم يخالف ضرب الإمام للتعزيز؛ لأن الدليل على أن المراد بالتعزيز ما لا يتلف ولم يدل على مراد المرتهن، فكان الحكم لإطلاق لفظة أو لأن ذلك مشروط بالسلامة بخلاف هذا الضرب فإنه مطلق.
وقال بعض أصحابنا: إنه يضمن بإذنه للضرب للتأديب بشرط السلامة أيضًا كما في الضرب الشرعي.
فرع
لو رجع المرتهن عن الإذن أو العتق لم يعتق برجوعه حكم.
فإن رجع قبله، فإن علم الراهن برجوعه ثم وطء أو أعتق كان بمنزلة ما لو فعله بغير إذنه وقد بيناه.
وإن لم يعلم به الراهن فهل يسقط الإذن؟ وجهان بناء على القولين في عزل الوكيل:
فإن قلنا: يسقط الإذن يصير كما لو أحبل أو أعتق بغير إذن المرتهن وقد ذكرنا.
وإذا قلنا: لا يسقط الإذن فيصير كما لو فعل ذلك بالإذن وقد ذكرنا.
ولو أذن له بالهبة ثم رجع قبل الإقباض له ذلك؛ [ق 192 ب] وإنما يبطل الراهن عند
الجزء: 5 - الصفحة: 222
انضمام القبض إلى عقد الهبة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ اخْتَلَفَا الرَّاهِنُ: أَعْتَقْتُهَا بِإِذْنِكَ".
الفصل:
إذا أعتق الراهن الجارية المرهونة أو أحلبها ثم اختلفا فقال الراهن: إنما فعلت بإذنك أيها المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه واليمين على البت لأن الأصل بقاء الوثيقة وعدم الإذن في إبطالها عند الرقبة، فإن حلف صار كأنه أحلبها أو أعتقها بغير إذنه، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الراهن، فإن حلف فقد ثبت ما ادعاه وبطل الرهن.
وإن نكل عن اليمين فطلبت الجارية ردت اليمين عليها.
نص في "الأم" أنها تحلف.
ونص الشافعي في الوارث أو المفلس إذا أقام شاهدًا واحدًا ونكل عن اليمين هل ترد اليمين على الغرماء؟ على قولين:
أحدهما: ترد عليهم، قاله في "القديم".
والثاني: لا ترد عليهم، قاله في "الجديد".
فمن أصحابنا من خرج في أم الولد قولاً آخر من مسألة الغرماء.
ومن أصحابنا من لم يخرج وهو الصحيح، والفرق بينهما أن أم الولد تثبت حق نفسها فجاز استخلافها، والغريم يثبت مالك الغير بيمينه فلا يجوز ذلك.
ولو كانت المسألة بحالها فمات المرتهن ثم اختلف وارثه والراهن فالقول قول وارث المرتهن على العلم: لا نعلم أن أبانا أذن له في ذلك.
وإن مات الراهن دون المرتهن [ق 193 أ] فاختلف هو ووارث الراهن فالقول قول المرتهن مع يمينه على البت، فإن لم يحلف حلف وارث الراهن على البت لقد كان العتق بإذنك؛ لأنها يمين على الإثبات فتكون على البت وإن كان على فعل الغير.
وإن لم ينكل على المرتهن وحلف كان العتق والإحبال بغير إذن المرتهن وقد بينا.
وذكر الشافعي ههنا أنه إذا حلف هي رهن، وهذا على القول الذي نقول: عتق الراهن لا ينفذ بحال.
فأما إذا قلنا بتنفيذ عتق الراهن بكل حال حكمنا ههنا بالإعتاق لاعتراف الراهن.
وفيه قول ثالث وهو الفصل بين الموسر والمعسر على ما ذكرنا.
ولكن الشافعي لما كشف المذهب في الإذن عند الاختلاف فيه أعرض عن تفصيل القول من تنفيذ العتق.
فرع
لو كان للراهن بينه على ما ادعاه بعد عتقه ففي البينة قولان:
أحدهما: شاهدان عادلان، وهذا إذا قلنا عتق الراهن بغير إذن المرتهن باطل؛ لأنها بينة تثبت العتق، والعتق لا يثبت إلا بشاهدين.
الجزء: 5 - الصفحة: 223
والثاني: يقبل فيه شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين، وهذا على القول الذي نقول: عتق الراهن بغير إذن المرتهن نافذ وأنه للقيمة ضامن؛ لأن هذا اختلاف في ضمان مالٍ، وهو أنه لايلزمه ضمان قيمته؛ لأن الإعتاق بالإذن.
مسألة:
قال: "وَلَوْ أّقَرَّ المُرْتَهِنُ أَنَّهُ (ق 193 ب) أَذِنَ لَهُ بِوِطْئِهَا وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زَوْجٍ لَهَا".
الفصل
إذا أقر المرتهن أنه أذن للراهن في الوطء ولكنه أنكر أن يكون الولد منه وادعى الراهن أنه ولده.
قال في "الأم": "القول قول الراهن بلا يمين".
قال أصحابنا: هذا إذا اجتمع فيه أربعة شروط:
أحدهما: أن يثبت إذنه بإقراره.
والثاني: أن يقر بأنه قد وطء.
والثالث: أن تنقضي أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر من حين الوطء.
والرابع: أن يقر المرتهن أو الولد منها.
فإذا حصلت هذه الشرائط ثم ادعى المرتهن أن الولد ليس منه فالقول قول الراهن بلا يمين، لأني ألحقه به شرعًا حتى لو جحد لم يقبل منه وكان لاحقًا به، فلا معنى لإحلافه على أنه ابنه، فأما إذا عدم شرط مما ذكرنا، مثل أن ينكر المرتهن الإذن أو الوطء، أو مضي المدة، أو كون الولد منها، وقال: التقطته أو استعارته فالقول قوله مع يمينه، وعلى الراهن إقامة البينة على ذلك، فإذا حلف كان الإحبال بغير إذنه ومضى حكمه.
وهذا لأن الأصل عدم الوثيقة وعد هذه الأشياء التي ادعاها الراهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال المرته: أذنت بالوطء ولكن ما وطئت، وقال الراهن: وطئت، إن سبق الراهن بهذا القول فالقول قوله، وإن [ق 194] سبق المرتهن به ففي قبول الراهن جوابان:
أحدهما: القول قول الراهن أيضًا.
والثاني: لا يقبل قوله؛ لأنه يدعي أمرًا كان قبل الرجوع بعد رجوع المرتهن عن الإذن، فصار كما لو قال الوكيل بعد العزل: كنت بعت من فلان لا يقبل ذلك.
والأول أصح، لأن الراهن فيه حقًا ولا حق للوكيل، فجاز أن لا يقبل قوله، وهذا بمشهور والمشهور ما ذكرنا أولاً.
الجزء: 5 - الصفحة: 224
فإذا تقرر هذا قال المزني عقيب هذه المسألة: قال الشافعي: "وَهَذَا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ الجَارِيَة فِي العِتْقِ وَالوِلاَدَةِ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهَا أَوْ قَصَاصًا".
فعطف المزني هذا التفصيل بين المعسر والموسر على مسألة اعتراف المرتهن بالإذن في الوطء، ثم اعترض على الشافعي فقال:
"أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا أَوْ أَحْبَلَهَا وَهِيَ رَهْنٌ فَسَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أُخِذَتْ مِنْهُ القِيمَةُ فَكَانَتْ رَهْنًا مَكَانَهِا أَوْ قَصَاصًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ الرَّهْنِ بِالعِتْقِ وَلاَ بَالإِحْبَالِ وَبِيعَتْ فِي الرَّهْنِ، فَلَمَّا جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ أُمَّ وَلَدٍ لأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بَإِذْنِ المُرْتَهِنِ فَلاَ تُبَاعِ كَأَنَّهَا أَحْبَلَهَا وَلَيْسَتْ رَهْنٌ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُوسِرًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ قِيمَةٌ لأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ فَلاَ تُبَاعُ كَأَنَّهُ أَحْبَلَهَا وَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ فَتَفَهَّمْ".
ومعنى [ق 194 ب] هذا الاعتراض أنهما إذا كانا متصادقين على وجود الإذن في الوطء واستلحق الراهن الولد وجب الحكم بالاستيلاد من غير تفصيل من المعسر والموسر، وتصير كأنها لم تكن رهنًا حين أصابتها وإحبالها، فتوهم المزني أن الشافعي فصل في المسألة المصادقة على الإذن بين المعسر والموسر في مسألة اختلافهما في الإذن بعد استحلاف المرتهن.
وعطف هذا التفصيل في "المبسوط" على تلك المسألة، فترك المزني تصنيف الشافعي وعطف على مسألة الاتفاق في الإذن ما كان معطوفًا على مسألة الاختلاف في الإذن، فالنظم المستقيم في كتبه هذه المسائل أن يكتب أولاً: "ولو اختلفا فقال الراهن: أعتقتها بإذنك وأنكر المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه وهي رهن، وهذا إذا كان الراهن معسرًا" الفصل.
ثم يعطف على ذلك: "ولو أقر المرتهن أنه أذن له بوطئها" الفصل.
فيسقط حينئذٍ اعتراض المزني.
ومن أصحابنا من يغير نسخة "المختصر" فيقدم ما أخر المزني ويؤخر ما قدمه لتكون المسائل على الترتيب، والصواب أن يترك تصنيف المزني على ما أملاه وصنفه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَطِئَهَا المُرْتَهَنُ حُدَّ".
الفصل:
لا يجوز [ق 195 أ] للمرتهن وطء الجارية المرهونة، فإن خالف ووطء لا يخلو إما أن يكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه لا يخلو إما أن يكون عالمًا بالتحريم أو جاهًلا به، فإن كان عالمًا به فعليه الحد؛ لأن وطئه صادف ملك غيره وليس له في
الجزء: 5 - الصفحة: 225
ذلك الملك شبهة، وإنما حقه في الوثيقة فلا يدرأ به الحد، ولأن المستأجر يلزمه الحد إذا زنا بمستأجريه وهو يملك منافعها، وإنما له فيها حق الوثيقة بوجوب الحد أولى، ولا يثبت نسب الولد منه لأنه زنا، ويكون رقيقًا للراهن.
وأما المهر إن أكرهها على الوطء يلزمه المهر؛ لأن المهر يجب للسيد لا لها، فلم يسقط بإذنها كما لو أذنت بقطع يدها.
وهذا لا يصح؛ لأنها زانية كالحرة، والمهر وإن كان للسيد فلها سبيل إلى إسقاط مهرها كما يريد، أو ترضع قبل الدخول رضاعًا يوجب فسخ النكاح فيسقط المهر.
وإن كان جاهًلا لا يلزمه الحد؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، وإذا سقط الحد يلحقه النسب ويكون الولد حرًا لاعتقاده أن الوطء مباح، أو يلزمه قيمة للراهن يوم سقط حيًا، لأنه أتلفه على الراهن باعتقاده وشبهته، وينظر في دعوى الجهالة إذا قال: ظننت أن المرتهن يستحل الوطء بعقد الرهن، أو يملك الجارية به تمليك [ق 195 ب] البيع أو ظننت أنه يسلطني به على منافع البضع تسليط النكاح، فإن احتملت حالته الجهالة بأن يكون قريب العهد بالإسلام لا يبعد أن يخفي عليه ذلك، وإن لم يكن قريب العهد بالإسلام ولكنه كان مستوطن بادية بعيدة لا يخالط أهل العلم كان مصدقًا فيما يدعيه؛ لأن من تباعد عن مجالس العلماء خفيت عليه ظواهر الشريعة وغوامضها وإن تقادم عهده بالإسلام، وإن لم تحتمل حالته الجهالة بأن نشأ في بلاد الإسلام ويخالط العلماء لا يقبل منه ذلك؛ لأنا لو قلنا ذلك أدى إلى إسقاط الحدود وانتهاك المحارم.
وقد روي أن رجًلا سأل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه- رجلاً: متى عهدك بالنساء؟ فقال: البارحة.
فقال: بمن؟ فقال: بأم مثواي.
فرفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه- فادعى الجهالة بتحريم الزنا، فأمر به فاستحلف بين القبر والمنبر وأطلقه فدل على ما ذكرنا.
وأما المهر إن كانت مكرهة أو نائمة أو جاهلة يلزمها المهر قولاً واحدًا.
وإن كانت عالمة بالتحريم فطاوعته فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
وقيل: أحكام الوطء على ثلاثة أضرب:
ضرب يعتبر بكل واحد منهما وهو الحد والغسل، فأيهما كان صغيرًا لا حد عليه ولا غسل، وأيهما كان [ق 196 أ] مكلفًا يلزمه الحد والغسل.
وضرب يعتبر به وحده وهو النسب والعدة، فمن يسقط الحد عنه يثبت النسب والعدة، ولا يعتبر حالها.
وضرب يعتبر بها وحدها وهو المهر متى سقط عنها الحد فلها المهر، ولا يعتبر حاله، ومتى وجب الحد عليها فلا مهر إن كانت حرة، وفي الأمة خلاف.
وإن أذن الراهن للمرتهن في الوطء فقد أساء ويؤدب، ولا يحل الوطء بذلك، فإن خالف ووطء فالحكم في الحد وحرية الولد ورقه ونسبه على ما ذكرنا إذا كان الوطء بغير إذنه.
وإذا ادعى الجهالة هنا وقال: ظننت أنها تحل بإذنه فهي شبهة قوية تقبل من العامة، فإن مثل ذلك يجوز أن يخفي، ويخالف هذا دعوى الجهالة في القسم الأول؛ لأنه أمر ظاهر
الجزء: 5 - الصفحة: 226
لا (يخفى) على من يشاء بين المسلمين، ولا يقبل هذا من العالم الذي يخالط العلماء.
وقال أبو حامد: حكمه كما لو كان بغير إذنه، ولا تقبل هذه الشبهة إلا ممن تقبل منه هناك.
وقيل: يختلف باختلاف الواطئ على ما يعرف من حاله من غفلته وتنبهه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا حد عليه وإن كان عالمًا؛ لأن عطاء ذهب إلى إباحة إعارة الجواري للوطء فيصير ذلك شبهة، وهذا ضعيف.
أما المهر هل يجب ههنا [ق 196 ب] في الموضع الذي يوجب عند عدم الإذن؟ نص الشافعي فيه على قولين:
أحدهما: لا يجب، لأن من استحق المهر بالجهالة فهو كما فهو كما لو قال: اقطع طرفها فقطعه، أو اضربها فضربها لا ضمان.
والثاني: يجب المهر؛ لأنه وطء في غير ملك سقط الحد فيه عن الموطوءة فيجب المهر كما لو وطء بشبهة، ولأن المفوضة يلزم المهر وإن أذنت بالوطء بلا مهر.
وذكر القاضي الحسين من المفوضة قولاً مخرجًا من ههنا أنه لا يلزم المهر لها لإذنها بالوطء من غير مهر وفيه نظر.
وأما قيمة الولد اختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فمنهم من قال: فيه قولان كما في المهر؛ لأنه تولد منت فعل مأذون فيه.
ومن أصحابنا من قال: تجب قيمة الولد قولاً واحدًا كما نص عليه، وهو اختيار القفال.
والفرق بينه وبين المهر: أن صريح الإذن لم يتناول الولد والإحبال، وصريح الإذن يتناول الوطء، والأول أصح؛ لأنه لا فرق بين أن يتناوله صريح الإذن وبين أن لا يتناوله صريح الإذن، ولكنه تولد من فعل مأذون، ألا ترى أنه لو قال الرجل: اقطع اصبعي هذه فقطعها فشلت أخرى بجنبها بسراية القطع لا يلزمه شيء به، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن إذنه لم يفد حرية الولد، وغنما شبهة الواطئ أتلفت رقة ولم يتولد ذلك من [ق 197 أ] المأذون فيه.
وقيل: الصحيح أنه لا يسقط المهر ولا قيمة الولد؛ لأن الواطئ لا يقبل الإباحة فلا يسقط العوض المستحيل الفاسد كما لا يسقط الحد وليس كالقطع؛ لأن الأصل في ضمانه القصاص، وقد سقط ذلك بالإذن، فكذلك المال الذي هو حقه يسقط أيضًا.
وأما الأمة لا تصر أم ولده في الحال، فلو ملكها في ثاني الحال فكل موضع علقت بمملوك لا تصير أم ولده، وكل موضع علقت بحر هل تصير أم ولدٍ له؟ قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له، نقله المزني وحرملة.
والثاني: نص عليه في "الأم" لا تصير أم ولد له.
قال المزني: "قَدْ مَضى فِي مِثْلِ هَذَا جَوَابِي" يريد أنها لا تصير أم ولده في الحال فكذلك في ثاني الحال.
قال أصحابنا: وكذلك قد مضى في مثل هذا جوابنا، والصحيح أنها لا تصير أم ولده، وهناك تصير.
والفرق أن وطء الراهن صادف ملكه وههنا وطء
الجزء: 5 - الصفحة: 227
المرتهن لم يصادف ملكه فافترقا.
فرع
لو أحبلها المرتهن ثم ادعى أن الراهن ملكها منه ببيع أو هبةٍ قبل الوطء فالقول قول الراهن.
فإن حلف تصير كما وطئها قبل تملكها، وإن لم يحلف حلف المرتهن وتكون الجارية أم ولده خارجة من الرهن، ومتى تملكها المرتهن بعدما حلف الراهن تصير أم ولده قولاً واحدًا؛ لأنه اعترف أنه أحبلها [ق 197 ب] في ملكه وغصب عليها الراهن بغير حق فصار كما لو قال: هذه الأمة التي في يد فلان أم ولدي لم يُقبل، ولكن لو ملكها حكمنا بأنها أم ولده.
فرع آخر
هل تكون هذه الدعوى شبهة في درء الحد عنه؟ قولان:
أحدهما: تكون شبهة لتجويز ما ادعاه.
والثاني: وهو الأظهر لا تكون شبهة.
وكذلك ادعى أنه زوجها منه الراهن، ولكن في دعوى التزويج لا يبطل الرهن والولد مملوك.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ إِلَى أَجَلٍ فَأَذِنَ للرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ".
الفصل
إذا أذن المرتهن للراهن في بيع المرهون قبل محله حقه فباعه صح البيع وبطل الرهن، وليس له مطالبته بان يجعل ثمنه رهنًا مكانه أو يجعله قصاصًا من الحق.
وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: له مطالبته بأن يضع ثمنه رهنًا، وبه قال محمد.
وهذا غلط؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من عين الرهن لا يستحقه المرتهن من غير الرهن، فإذا أذن فيه سقط حقه، كما لو أذن بالعتق فأعتقه، ولو رجع عن هذا الإذن فقد ذكرنا ثلاث مسائل إذا أذن بالإعتاق ثم رجع، وتلك المسائل تجئ ههنا.
وقال في "الإفصاح": إن لم يعلم رجوعه فباعه، فإن كان له طريق إلى معرفته هل يجوز؟ وجهان.
وإن لم يكن له طريقًا إلى [ق 198 أ] معرفته يصح وجهًا واحدًا.
وهذا التفصيل لم يقله غيره.
ولو اختلفا فقال المرتهن: بعت بعد أن رجعت عن الإذن وأنكر الرهن وقال: بعت
الجزء: 5 - الصفحة: 228
بعد الرجوع عن الإذن فالقول قول المرتهن؛ لأنه يدعي بقاء الوثيقة والأصل بقاؤها، ولان الأصل لا بيع ولا رجوع فتقابلا وبقى مع المرتهن أصل الأمر.
وقال بعض أصحابنا: إن اتفقا على وقت البيع واختلفا في وقت الرجوع فالقول قول الراهن.
وإن اتفقا على وقت الرجوع واختلفا في وقت البيع فالقول قول المرتهن.
وإن اختلفا فيهما نظر في السابق بالدعوى فيكون القول قوله، وإن ادعياه معًا فيه وجهان:
أحدهما: القول قول الراهن؛ لأن الأصل أن لا رجوع.
والثاني: القول قول المجتهد؛ لأن الأصل أن لا بيع.
ذكره والد رحمه الله وفيه وجهان علاة الإطلاق، وهو ضعيف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيهِ ثَمَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ".
الفصل
إذا أذن المرتهن للراهن في بيع المرهون قبل محل حقه مقيدًا بشرط أن يعطيه ثمنه فباعه، فإن شرط عليه أن يجعل ثمنه رهنًا فيه قولان:
أحدهما: البيع باطل، قاله في "الأم" وهو الصحيح؛ لأن ثمنه مجهول عندهما فصار كما لو شرط رهنًا مجهولاً.
والثاني: قاله في "الإملاء" البيع جائز.
وبه قال أبو حنيفة [ق 198 ب] والمزني وأصحاب أحمد؛ لأنه لما جاز أن يشرط كون العين رهنًا جاز أن يشرط كون بدلها رهنًا؛ لأن الشيء في نفسه يجوز أن يكون رهنًا، وكذلك ثمنه يجوز أن يكون رهنًا، وهذا إذا اعترف المشتري بأن المرتهن هكذا أذن في البيع.
وإن اشترط أن يقضي دينه منه فالمنصوص أن الشرط والبيع فاسد.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر أنه يصح البيع قياسًا على ما قال الشافعي في "الإملاء" في المسألة قبلها، وهذا غلط.
والفرق أن العقد المتقدم لم يتضمن تعجيل حقه من بدل الرهن واقتضى أن يكون بدله رهنًا.
فإذا شرط أن يكون ثمنه رهنًا جاز تخريج القول ولا يجوز ذلك إذا شرط أن يقضي دينه منه.
وقال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد: يصح البيع.
ويحكى عن أبي إسحاق: لا يصح عنه، ويجعل ثمنه رهنًا ولا يجب تعجيل حقه، واحتج المزني أن الشرط الفاسد مقدم على البيع فلم يضره، كما لو قال: وكلتك ببيع ثوبي هذا على أن يكون لك عشر ثمنه فباعه يجوز البيع والشرط باطل، وله أجرة مثله؛ لأن العقد تعرى عن الشرط.
وحكي عن المزني أنه قال: إذا صح البيع نجعل قيمته رهنًا مكانه، وهذا ليس بشيء.
قلنا: المقصود من الشرط للمرتهن تعجيل حقه قبل محله، وهذا ساقط؛ لأنه
الجزء: 5 - الصفحة: 229
[ق 199 أ] لا يجب على الراهن تعجيله فسقط الذي في مقابلته وهو الإذن في البيع، وليس كذلك في الوكيل؛ لأن المقصود للوكيل من عشر الثمن العوض، والمقصود لا يسقط؛ لأنَّا نجعل له أجرة مثله فلم يجب إسقاط إذنه في البيع فافترقا.
فرع
لو اختلف الراهن والمرتهن فقال المرتهن: أذنت لك في بيعه على أن تعطيني ثمنه قصاصًا من الحق، وقال الراهن: بل أذنت لي في بيعه مطلقًا، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الرهن صحيح والراهن يدعي ما يبطله، ولأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله، إذا اختلفا في صفته.
فرع آخر
لو قال المرتهن: صدقت كان لفظي مطلقًا ولكن كان في نيتي وضميري أن يكون ثمنه رهنًا أو قضاء لحقي قبل محله.
قال في "الأم": لم يلتفت إلى قوله ونفذ البيع ويبطل الرهن؛ لأن الإرادة لا يتعلق بها الحكم في العقود وفسخها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِحَقِّ حَالٍ فَأَذِنَ لَهُ فَبَاعَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ".
إذا كان الحق حالاً أو كان مؤجلاً فحل، فقال الراهن: مع هذا العبد فباعه كان له مطالبته بثمنه؛ لأن بيعه قد وجب فكان الظاهر أنه أمره ببيعه لاستيفاء حقه منه بخلاف المؤجل.
وإن شرط [ق 199 ب] ههنا أن يكون ثمنه رهنًا مكانه كان ثمنه رهنًا بمقتضى البيع إلا بالشرط، وكان الشرط تأكيدًا.
وهكذا إن شرط أن يقضي حقه من ثمنه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الخَرَاجِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخُ".
الفصل
قال أصحابنا: أرض الخراج كل بلد فتح صلحًا على أن يكون ملك الأرض للمسلمين، ويؤدون في كل سنة عن كل جريب كذا وكذا، فيكون ذلك أجرة ولا يسقط بإسلامهم، ولا يجوز لهم بيعها وههنا؛ لأن الملك للمسلمين دونهم، وإنما هم أحق بمنافعها بالأجرة كالمستأجر، فإن ضرب الإمام على الأرض خراجًا لا على هذه الصفة فذلك ظلم،
الجزء: 5 - الصفحة: 230
وأما سواد الكوفة فمذهب الشافعي أنها فتحت عنوة, وأن عمر - رضي الله عنه استطاب أنفس الغانمين عن حقوقهم على ما ذكرنا من قبل, ثم وقفها على المسلمين وأجرها من أهلها الذين كانوا فيها بأجرة معلومة في كل سنة.
وهذا اختيار الاصطخرى وعامة أصحابنا.
وقال ابن سريج: لما رأى أهل سواد العراق يتبايعون أرضها ويتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم لا يجوز أن يكون ذلك وقفاً, وإنما عمر - رضي الله عنه - لما استخلصها باهها من أهلها بثمن معلوم, لأنها لو كانت وقفاً لأنكر [ق 200 أ] منكر على بيعهم من ذلك الوقت إلى وقتنا هذا.
قال أبو حامد: وهذا أصح, وإن كان ظاهر المذهب بخلافه.
قال ابن سريج: والذي ذكره الشافعي لم يرد به سواد العراق, بل أراد أن الإمام إذا فتح أرضاً واستخلصها للمسلمين ووقفها عليهم لا يجوز رهنها لأنها غير مملوكة, وهي مال الفيء.
فإذا قلنا بالأول لا يجوز بيعها ورهنها, قال: فإن كان فيها غراس أو بناء للراهن فهو رهن, وينظر فيها إن أفرادها بالرهن أو البيع جاز, وإن رهن الأرض بما فيها من البناء والغراس فالرهن باطل في الأرض على القول الأول.
وأما في البناء والغراس إن قلنا الصفقة تفرق يجوز فيها أيضاً, لأنه لا عوض فيه.
وإن قلنا: التعليل فيه أن العقد جمع محظوراً ومباحاً لم يصح ههنا في الكل.
فإذا قلنا: يصح يكون للمرتهن الخيار في فسخ البيع إن كان الرهن شرطًا في عقد البيع, لأنه لا يسلم له جميع ما اشترط من الرهن, وهذا إذا كان البناء من طين ذلك الموضع, فإن كان من طينه فالرهن والبيع فيه باطل أيضًا على هذا القول قولًا واحدًا, لأن تراب الأرض حكمه حكم الأرض.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ"
الفصل:
إذا رهن [ق 200 ب] أرضًا من أرض الخراج سواء قلنا الرهن صحيح أو قلنا باطل فالخراج على الراهن, لأنه إما أن يكون ثمنًا أو أجرة وكلاهما لا يلزمان المرتهن.
وهكذا إذا أحرها فالخراج على الأجر دون المستأجر.
وقال بعض أصحابنا: إذا جوزنا الرهن والخراج على الراهن فكان معسرًا يباع جزء من الرهن ويصرف إلى الخراج, فإن أدى المرتهن الخراج عن الراهن, فإن كان بغير إذنه إنه لم يرجع عليه , لأنه متطوع به, وإن كان بإذنه نظر, فإن قال: على أن يرجع عليَّ رجع عليه, وإن لم يشترط الرجوع فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 231
أحدهما: يرجع, لأنه أداه بأمره, وهذا اختيار أبى إسحاق والقاضي الطبري, وهو ظاهر كلام الشافعي, لأنه قال: "إلا أن يكون دفعه بأمره".
والثاني: لا يرجع, وهو اختيار ابن أبى هريرة وأبى حامد.
قال أبو حامد: وهذا هو الذي يجئ على المذهب, لأن الشافعي قال: "لو دفع إلى قصار ثوبًا فقصره لا أجره له لأنه لم يشرطها له" وهذا لأنه لم يشترط الرجوع فكان بمنزله أن يسأله التطوع بأدائها عنه.
وقال مالك: يرجع عليه إذا ادعى منه, وإن لم يكن بإذنه كأن يقع ذلك عاد إلى القضاء عنه.
وكذلك قال في المستأجر والأجنبي إذا قضى دينه.
هكذا ذكره أصحابنا عنه.
وقال أصحابه: [ق 201 أ] مذهب مالك أنه ينظر فإن أداه المرتهن مكرهًا يرجع به على الرهن, وإن أداه مختارًا فإن كان صديقًا للراهن يرجع به عليه, وإن كان عدوًا له لم يرجع به عليه.
وهذا غلط, لأنه تطوع به فلا يرجع كما لو وهب منه شيئًا لا يرجع.
واجتح الشافعي بأنه لو دفع المكترى الكراء إلى مالك الأرض المؤاجر من مؤاجره لا يحتسب له كذلك ههنا.
وقال بعض أصحابنا: ربما لا يسلم مالك هذا.
وعلى ما ذكرنا إذا أدى بإذنه لا يكون هذا الرهن مرهونًا بما أدى, بل يكون مرهونًا بأصل الحق, فإن شرط أن يكون رهنًا بالكل فيه قولان, لأنه زيادة الدين في الرهن الواحد.
مسألة:
قَال: "وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِالخَيَارِ ثَلَاثاً فَرَهَنَةُ قَبْلَهَا فَالرَّهْن جَائِزٌ وَهُوَ قَطْعٌ لِخَيَارشهِ".
إذا اشترى عبدًا يشرط الخيار ثم رهنه لا يخلو إما أن يكون الراهن البائع أو المشتري, فإن كان الراهن المشترى نظر, فإن كان الخيار له وحده يجوز ويكون ذلك إجازة للبيع وإبطالًا للخيار, لأنه يملكه ملكًا تامًا, ويمكنه التسليم في الرهن, والخيار ينقطع مرة تعريضًا ومرة تصريحًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب أن يجيز البيع ثم يرهن, فإن رهن قبل [ق 201 ب] الإجازة لم يجز, والأول أصح.
وقيل: مطلق كلام الشافعي ههنا يدل على أنه لا فرق بين أن يكون مقبوضًا له أو لا, وليس رهنه قبل القبض كالبيع, لأن الرهن لا يتضمن إزالة الملك ونقل الضمان, ثم إذا قبضه المرتهن من البائع الأول اندرج قبض البيع تحت قبض الراهن.
وكذلك هبة المبيع قبل القبض يجوز, وقد ذكرنا في " كتال البيع" ما قيل في الرهن والهبة قبل القبض, وإن كان الخيار للبائع كان الراهن باطلًا, لأنه
الجزء: 5 - الصفحة: 232
يعترض على حق البائع بالإبطال.
وهكذا لو كان الخيار لهما, لأن البائع شريكه في الخيار, وهو لم يرض بقطع خياره وإن رضي المشترى به.
وعلى هذا لو كان الخيار للبائع فرهنه المشترى وسكت البائع عن الفسخ حتى انقضت المدة, ثم الملك للمشتري والرهن السابق مفسوخ أيضًا.
وإن حكمنا للمشترى بالملك ساعة عقد الرهن لأنه لم يستفد انبرام الملك إلا بعد انقضاء الخيار, وهل يكون هذا قطعاً لخيار المشترى إذا كان الخيار لهما وأبطلنا الرهن؟ وجهان:
أحدهما: يكون قطعًا, لأنه دليل على اختيار لزوم البيع.
والثاني: لا يكون قطعًا, لأنه لم يصح ذلك.
وإن كان الخيار لهما أو له وحده لأنه يملك الفسخ وحده [ق 202 أ] لحق الخيار ورهنه يدل على اختياره الفسخ والمشتري يريد إمضاء البيع ولا يصح من أحدهما اختيار الإمضاء إلا بموافقة صاحبه فافترقا.
فإن قيل: ما تقولون إذا أفلس المشتري بالثمن فتصرف البائع في المبيع بالبيع أو الرهن أو الإجازة حين أثبتنا له فسخ البيع هل يكون له فسخًا للبيع أم لا؟ قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: يصح تصرفه ويكون فسخًا.
والثاني: لا يكون فسخًا للبيع ويكون تصرفه باطلًا حتى يصرح بالفسخ, لأن ملك المفلس مستقر على المبيع بخلاف المشترى في مدة الخيار, لأنه إما أن يكون مالكاً أو يكون مالكًا ملك غير مستقر فافترقا.
مسألة:
قَالَ: "وَيَجُوزُ رَهْنُ العَبْدِ المُرْتَدَّ".
الفصل:
يجوز رهن العبد المرتد لأن الردة لا تزيل ملك سيده عنه, وإنما يخشي منها تلفه وترجى سلامته.
ويفارق العبد القاتل في قطع الطريق وقدر الإمام عليه قبل التوبة لا يجوز رهنه, لأن قتله مستحق لا ترجى سلامته بحالٍ.
وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه لا يجوز بيع المرتد ولا رهنه, لأن قتله قاطع الطريق المتحتم قتله في وجه.
وعلى هذا يجوز رهنه أيضًا, فإذا ثبت هذا فإن علم بردته فلا مطالبة له قبل أن يقتل, فإذا قتل اختلف أصحابنا فيه, قال أبو إسحاق: [ق 202 ب] طريقه طريق الاستحقاق لأن التلف حصل بمعنى كان سابقًا للعقد, فيكون له فسخ البيع إن كان رهنه شرطًا في عقد البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 233
وقال ابن (أبي) هريرة: طريقه طريق العيب كما لو اشترى حاملًا أو مريضاً فماتت في يده من الولادة أو المرض فعلى هذا لا خيار له في فسخ البيع إن كان رهنه شرطًا في عقد.
وقيل: نص على هذا في "الأم" وعلى هذا في المسألة قولان, فإن قيل: المريض تلف بتزايد المرض في يد المرتهن قيل: والمرتد قتل بإصراره على الردة في يد المرتهن فلا فرق, ولأنه وإن قيل لما كان في يد البائع إلا أنه لما رضي به سقط حكمه وصار كأنه قتل في يده ابتداء ويفارق الاستحقاق, لأنه لا يصح الرضا به, وءن كان غير عالم بأنه مرتد, فإن علم قبل أن يقتل كان له رده وفسخ البيع والرجوع بالثمن قولًا واحدًا, وهذا يدل على أن طريقه طريق العيب دون الاستحقاق, كما قال ابن أبى هريرة, فإن قال: رضيت به حتى أنظر إيش يكون من العبد كان بمنزلة ما لو عقد البيع مع علمه بردته, وقد بيَّناه.
وإن لم يعلم بردته حتى قتل بها فعلى قول أبى إسحاق يرجع بالثمن كله في البيع ويفسخ البيع في مسألة الرهن.
وعلى قول غيره إن كان قد اشتراه يرجع بأرش العيب , وإن [ق 203 أ] كان قد ارتهنته لا خيار له في فسخ البيع ولا يرجع نشئ ويبقى الثمن على المشترى بلا رهن, لأن المرتهن إذا تلف الرهن في يده ثم علم به عيباً لا يكون له الرجوع بابلأرش, ولا خيار له في فسخ البيع نص عليه الشافعي.
هكذا حكاه ابن أبى هريرة والفرق بينه وبين المشترى أن المرتهن ما لم يجبر على تسليم الرهن لا يجبر أيضًا على ........... الأرش ولا يجوز له فسخ البيع إذا لم يكن علم في مسألة الردة, وإن قلنا: إنه عيب والفرق بينه وبين أن يموت ثم يعلم به عيباً غير الردة أن ههنا حصل التلف بمعنى موجود عند الراهن سابق للعقد, فصار كأنه تلف في يده بخلاف ذلك, وهذا الطريق هو الصحيح وعليه نص الشافعي لأنه قال في "الأم" إذا علم بردته ثم قيل كان البيع ثابتاً, وإذا لم يعلم كان له فسخ البيع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا علم بالعيب بعد موته أي عيب كان له الخيار ههنا, لأن منزله العيب منزلة نقد جزءٍ, ولو شرط رهن عشرة فسلم تسعة كان له فسخ البيع, وهذا غلط بخلاف النص.
وأما القاتل ففي جواز بيعه الطرق والرهن قياس البيع.
قال القفال: والصحيح إن كان الجنابة عمدًا وقلنا: موجبة القصاص قسط.
يجوز رهنه.
يجوز رهنه.
وإن قلنا موجبة أحد شيئين أو كانت جنابة خطأ لا يجوز رهنه, [ق 203 ب] لأن الجنابة لو وجدت بعد عقد الرهن بيع في الجنابة وبطل به الرهن, ولأنه محبوس بمال متعلق به فهو كالمرهون.
والصحيح عندي أنه إن كان قتل خطأ لا يجوز رهنه ولا بيعه.
وإن كان قتل عمد فيه قولان, وهو اختيار أبى حامد, فإذا قلنا: الرهن باطل فلا تفريع عليه, فإن قرأه السيد لا يعود الرهن صحيحاً لوقوعه فاسداً فلا تلحقه الصحة أبدًا , وإذا قلنا: إن الرهن صحيح فقتل قوداً فهو كالمرتد إذا قتل, وقد ذكرنا ذلك.
وان كان القتل خطأ فقداه سيده
الجزء: 5 - الصفحة: 234
بقي الرهن بحاله, فإن اختار تسلميه للبيع كان له ويقدم على الرهن, فإن كانت الجنابة تستغرق قيمته بيع فيها, وإن لم تستغرق قيمته بيع بقدر الأرش وكان الباقي رهناً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جوزنا الرهن فرهنه اختيار للفداء فيلزمه الفداء في قول, ويه قال أبو حنيفة , وهذا غلط, لأنه محل الجنابة باق والجنابة لا تنافي الرهن, ولهذا إذا جني بعد الرهن تعلق الأرش بع فلا يبطل الرهن ومتى بيع بالأرش كان قتله بالردة أو بالقصاص, وفيه التفصيل الذي ذكرنا أنه إن كان مع العلم فالمذهب أنه كالعيب وإن كان مع الجهل أنه كالمستحق.
فرع
لو علم أنه كان مرتدًا فتاب, فإن قلنا في البيع [ق 204 أ] إنه عيب في الحال له الخيار في مسألة الرهن المشروط في البيع وجهاً واحدًا, وإن قلنا إنه ليس بعيب في البيع في الحال لا خيار له في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن وجهًا واحدًا, وهذا لأن في أحد الوجهين يعتبر وجوب القتل في الابتداء, وفي الوجه الثاني يعتبر سقوطه في الانتهاء بالتوبة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ أَلْفاً بِرَهْنٍ ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّاهِنُ أَنْ يَزِيدَهُ أَلْفاً".
الفصل:
إذا استقرض من رجل ألف درهم برهن, ثم سأله أن يقرضه ألف أخر بذلك الرهن فيه قولان.
قال في "القديم": يجوز ويكون رهنًا بألفين, ويه قال مالك, وأبو يوسف واختاره المزني وهذا لأن الرهن وثيقة كالضمان, ثم أن يضمن حقاً أخر فجاز أن يرهن ثم يرهن بحق أخر.
وقال في"الجديد": لا يجوز ويه قال أبو حنيفة, ومحمد وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا, لأن الرهن السابق ينعقد فلا سبيل إلى التزايد من غير استئناف العقد بعد الفسخ, كما لو تعاقد على دار عقد الكراء سنة بعشرة ثم تكارياها ملك السنة بعضها بعشرين لم يصح الكراء الثاني إلا بعد فسخ الأول , فإذا قلنا: باطل فالرهن الأول بحاله, فإذا أراد أن يكون رهنًا بالحقين معًا تفاسخا الرهن الأول واستأنفا [ق 204 ب] رهناً بألفين معاً, فإن لم يتفاسخا ولكن إقرار الراهن أنه رهن بألفين معاً كان رهنًا بألفين في الظاهر, وإنما في الباطن على قول القديم يكون رهنًا ولا يكون رهنًا على قوله الجديد, فإن أراد أن يكون رهنًا في الباطن على القولين ينبغي أن يتفاسخا, ثم يتعاقدا.
ولو شهد الشهود على إقراره بذلك جازت الشهادة في الحكم ولا يتمخض لأن الشهادة إذا احتملت وجد
الجزء: 5 - الصفحة: 235
الصحة حملت على الصحة, وإنما قيد الشافعي بذكر ههنا لأن حكم الحاكم لا يغير حقائق البواطن عما هي عليه, ولو تصادقا مع شهادة هذين الشاهدين على توالى العقدين من غير فسخ واستئناف كان العبد رهنًا بالألف الأول, لأنهما إذا تصادفا استغنيا عن الحكم بالظاهر, وفيما نقله المزني خلل لأنه اقتصر على قوله: "فإن تصادفا فهو على ما قالا" فلا يستفاد من هذا القدر مقصود المسألة لأنهما إذا تصادفا أخبرا عن العقد الأول وإلحاق الزيادة به فقد قالا قولاً محتملاً معنيين:
أحدهما: رهن العبد بألفين على جهة الإلحاق.
والثاني رهن العبد بألف لنفي الزيادة الملحقة, فإذا اقتصر على ما ذكر ترك الكلام من حد الإشكال والكلام المستقل بمعناه, قال في "الكبير": فإن تصادقا فهو ما قالا والعبد [ق 205 أ] رهن بالألف.
قال أبو إسحاق: وإنما أراد الشافعي أن يعلمنا الحيلة في جعله رهنًا بالحقين معًا على وجه لا غرر على الراهن فيه, فقال: يقرّ بذلك فيلزم في الظاهر ثم يتفاسخان في الباطن ثم يرهنه بألفين فيصح ظاهرًا وباطنًا, فإن امتنع أقام عليه الشهادة ولزمه الحكم في الظاهر, فإن عرف الشهود كيفية الحال بينهما, فإن كانا يعتقدان المذهب الجديد كان لهما أن يشهدا بذلك, وإن كانا يعتقدان القديم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسوغ لهما الشهادة من غير تفصيل لأنهما بما هو حق عندهما.
والثاني: لا يسوغ لهما ذلك.
وهذا اختيار أبى إسحاق وهو الأصح, لأن الشاهد ناقل الاجتهاد إلى الحاكم فيلزمها تفصيل الحال كما يعرفان حتى يجتهد الحاكم فيه, ومن أصحابنا من قال: هذا إن كان الشاهدان من أهل الاجتهاد يلزمها تفصيل ذلك قولاً واحداً.
وهكذا القول في كل شهادة طريقها الاجتهاد, ولا فرق بين أن يشاهد صورة الحال وبينهما إذا شهدا على تلك الصورة أو شهدا على الإقرار وعلما الباطن, ولو أقر على ما ذكرنا, ثم أدعى أنه إنما رهنه بالحق الثاني رهنًا مستأنفاً هل يحلف المرتهن أم لا؟ ينبني على القولين فلا يحلف على قوله "القديم" لأنه رهن بهما فلا معنى [ق 205 ب] ليمينه.
وعلى قوله "الجديد" يحلف لأنه رهن بأحد الحقين دون الأخر في الباطن, هذا إذا أنكر المرتهن التفصيل, وقيل: هذان الوجهان من الوجهين في الراهن إذا أقر بتسليم الرهن, ثم قال: لم أكن سلمت ويسأل يمين المرتهن هل يختلف؟ وجهان فأما إذا ادعى المرتهن أنهما تفاسخا العقد الأول ثم تعاقداه على ألفين معاً دفعة واحدة, ولو قال الراهن: ما تفاسخنا بل زدنا ألفًا في وجهان:
أحدهما: القول قول المرتهن أيضًا, لأن الظاهر معه وإطلاق إقرارا الراهن محمول على الصحة.
والثاني: القول قول الراهن, لأن الأصل أن لا فسخ والأول أقوى لأن إقرار الراهن أنا عقدنا عقدًا ثانيًا كالدليل على حصول الفسخ بينهما كما لو نكحها يوم الخميس
الجزء: 5 - الصفحة: 236
ثم (نكحها) يوم الجمعة, فالظاهر أنه ما نكح إلا بعد ما طلق في يقبل قوله: إني ما طلقت بل حددت النكاح ويلزمه المهران.
وكما لو قال اختاره بدليلين:
أحدهما: قال: قال الشافعي: لو جني المرهون فتعلق الأرش برقبته فلم يفده السيد ففداه المرتهن ليكون العبد رهناً بحاله بالحق الأول ربما فداه من الأرش يصح
والثاني: قال: لما جاز أن يزيده في الحق رهنًا جاز أن يزيده حقاً.
قلنا: أما الأول اختلف أصحابنا فيه [ق 206 أ] فمنهم من قال: إنما ذكره على قوله "القديم", فأما على قوله "الجديد" لا يجوز ذلك.
ومنهم من قال: هذا الجواب ذكره في "الجديد" ويصح ذلك على القولين.
والفرق أن هذا من مصلحة الرهن وحفظه على المرتهن لأن أرش الجناية يتعلق برقبته واستيفاء يؤدي إلى إبطال الرهن بخلاف مسألتنا.
وأما الدليل الثاني لا يصح, لأن الدين ليس بمشغول بالرهن فلا تمتنع الزيادة في الرهن والرهن مشغول بالدين فلا يجوز شغله ثانيًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا قَدْ صَارَتْ فِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ عَلَى ادَمِيَّ أَوْ فِي مَالٍ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخُ".
هذا المسألة قد مضت وذكرنا أنه لا يجوز بيع الجاني خطأ على الصحيح المذهب, ولا فرق بين أن تكون الجناية على مال أو ادمي, لأن الجناية على الأموال كالجناية على الآدميين في تعلق الضامن برقبته.
ولا فرق بين أن يكون الأرش مثل قيمته أو اقل أو أكثر.
قال الشافعي: "هذا أكثر من أن يكون رهنه بحق, ثم رهنه بعد الأول, وهذا ترجيح للشافعي من الجناية على الرهن في تعلقها برقبة العبد, وإنما رجح الجناية على الرهن الأصل لا يختلف فيه وهو أن العبد المرهون لو جني في الرهن جناية بيع في جنايته ويؤخر حق [ق 206 ب] المرتهن, ثم لا يجوز ورود الرهن على الراهن فلأن لا يجوز ورود الرهن على الجناية أولى, وقال في "الحاوي": كيف يتعلق برقبته جناية الخطأ؟ وجهان:
أحدهما: وجب ابتداء في رقبته.
والثاني: وجب ابتداء في ذمة العبد, ثم انتقل وجوبه إلى رقبته, لو أعتق وجب أرشها في ذمته, والأول أصح, فإذا قلنا بالوجه الثاني فيه قول مخرج أنه إذا كان موسراً يجوز رهنه, ثم إن فداه السيد استقر رهنه وإن بيع في الجناية بطل رهنه, والصحيح أنه باطل بكل حالٍ.
الجزء: 5 - الصفحة: 237
فرع
لو خلف تركه وعليه دين فأوصى إلى رجل فقضى دينه, فرهن الوصي شيئاً من التركة عند بعض الغرماء لم يجز, لأن التركة تعلق بها حق الغرماء أجمعين فلا يجوز له رهنها عند بعضهم, وإن كان الغرين واحدًا لم يجز أيضاً, لأن الملك للورثة, ولا يجوز للوصي أن يتصرف فيها إلا بالوجه الذي أذن له, فإن رضي به الورثة جاز.
فرع آخر
لو مات وخلفت تركة وعليه دين وله وارث رشيد فرهن وارثه هذه التركة في دين عليه.
قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح الرهن لأنه غريم الميت قد تعلق دينه بها فلا يجوز رهنها به, كما لو رهن المرهون لا يجوز.
والثاني: يصح الرهن لأنه [ق 207 أ] ملكه وليعلق عليه حقًا بعقده واختياره بل تعلق ذلك من غير اختيار والمذهب الأول, ولهذين الوجهين أصل صحيح وهو أنه إذا باع ماله بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في قدر الزكاة؟ قولان, وهكذا في بيع العبد الجاني خطأ ورهنه قولان, لأن الزكاة والجناية تعلقا في غير الاختيار والعقد.
فرع آخر
لو كانت المسألة بحالها وخلف وارثًا وتركةً فرهن الوارث التركة, ثم بان أنه كان على الميت دين بالبينة فهل يصح رهن الوارث؟ وجهان, فإذا صححنا الرهن يقول للوارث: إما أن تقضى الدين الذي على الميت من مالك وإلا فسخنا الرهن وقضينا منه دين الميت, لأن حقه سابق.
فرع آخر
لو باع عبداً وقبض ثمنه ومات وخلف تركة فرهنها الوارث, فرد العبد فأخذه الوارث وتلف في يده وثبت للمشترى الرجوع بالدرك, هل يصح ذلك الرهن الذي عقده الوارث؟ قال ابن سريج فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح.
والثاني: الحكم فيه كما لو رهنه وقد تعلق به حق الغرماء, فيكون على ما مضى من الوجهين, لأن هذا الحق وإن تجدد بحلفه على التركة بعد موته فإن سببه كان من هذا الميت قبل وفاته, وهذا الحكم في حق تجدد تعلقه بالتركة [ق 207 ب] وقد تصرف الوارث فيها, مثل أنه حفر بئراً في غير ملكه, ثم مات وخلف تركة فتصرف الوارث فيها, ثم وقع في البئر بهيمة لرجل فماتت كان الدرك في الترك وهل يصح ذلك التصرف؟ على الوجهين, فإذا صححنا الرهن فالحكم ما مضى وهو أنه يقال له: إما أن تقضى هذا الدين
الجزء: 5 - الصفحة: 238
من مالك وإلا فسخنا تصرفك لأن سببه كان سابقًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ارْتَهَنَهُ وَقَبَضَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ جَنَي قَبْلَ الرَّهْنِ جِنَايَةً ادَّعَى بِهَا".
الفصل:
إذا رهن عبدًا وأقبضه, ثم أقر الراهن أنه جني جناية على رجل قبل الرهن توجب المال, لا يخلو إما أن يقبل المقر له إقراره منه أو يرده, فإن رده سقط إقراره, ولأنه أقر لمن لا يدعيه ويكون العبد رهنًا كما كان, وإن قبله لا يخلو المرتهن من أحد أمرين, إما أن يصدق الراهن فيما أقر به أو يكذبه, فإن صدقه نفذ إقراره وثبت أنه قد رهن عبدًا قد جني وقد مضى حكمه, وإن أنكر المرتهن وكذبه فهل القول قوله أو قول الراهن؟ فيه قولان:
أحدهما: القول قو الراهن كما لو أجر عبده, ثم أقر عليه بجناية قبل عقد الإجارة قبل إقراره وبيع فيها, فكذلك الرهن, ولأنه غير متهم في إقراره, فءن الدين مستقر في ذمته.
وهذا [ق 208 أ] الإقرار ضرر يلحقه وحق تعلق بعتق عبد, ومن أقر على نفسه بما يتضرر به قبل إقراره.
والثاني: القول قو المرتهن وهو الصحيح, ويه قال أبو حنيفة, والمزني ولأنه يبطل وثيقة المرتهن فلا يملكه الراهن كالبيع, ويخالف الإقرار في المؤاجر, لأن الإجارة لا تمنع البيع فلا يمنع فلا يمنع الإقرار, وهكذا لو أقر أنه غصبه من فلان قبل الرهن, ثم رهنه وكان قد باعه من فلان أو وهبه منه وأبضه, ثم رهنه هل يقبل إقراره؟ قولان: وهكذا لو قال: كنت أرهنت من فلان وأقبضته, ثم رهنت عندك.
فإذا تقرر هذا, فأن قلنا: القول قول الراهن هل عليه اليمين؟ فيه قولان, وقيل وجهان:
أحدهما: عليه اليمين, وهو اختيار أبى حامد.
وقال نص عليه الشافعي لأن قوله متردد بين الصدق والكذب فوجب إحلافه.
والثاني: لا يمين عليه, وهو اختيار القاضي الطبري, وقال: الشافعي: أحد القولين القول قول الراهن ولم يذكر يمينه.
والثاني: القول قول المرتهن مع يمينه, فذكر يمينه, ولأنه لو رجع إقراره لم يقبل واليمين إنما تكون في الموضع الذي لو رجع قبل رجوعه.
وأصل هذا أنه إذا تداعيا رجلان نكاح امرأة فأقرت لأهدهما خل يحلف للأخر؟ قولان.
وأصل ذلك [ق 208 ب] أنها لو رجعت عن الإقرار الأول وأقرت للثاني هل تغرم للثاني؟ قولان, فإذا قلنا: لا يمين عليه أو قلنا عليه اليمين وحلف, فقد ثبت أنه رهن وقد جني فيه قولان.
فإذا قلنا:
الجزء: 5 - الصفحة: 239
الرهن صحيح يباع منه بقدر الأرش ويكون الباقي رهنًا, وإن لم يشتر بعضه بقدر الأرش بيع جمعيه وما يفضل عن الجناية يكون رهنًا.
وإذا قلنا: الرهن باطل يباع من العبد بقدر الأرش ولا يكون الباقي رهنًا, وقد يكون الثاني ............. لأنَّا أثبتنا حق الجناية لحق وليها, ولهذا لو رد إقراره للراهن بطل إقراره وكان الرهن صحيحًا , فلم نمض إقراره إلا في قدر الجناية خاصة وإن كان الباقي رهنًا بخلاف ما إذا جني ثم رهنه, وعلى كل حال الخيار ثابت للمترهن في فسخ البيع المعقود على شرط هذا الرهن.
وإذا قلنا عليه اليمين فيمينه على القطع لأنها على الإثبات على فعل نفسه ويثبت به جناية العبد, وإذا قلنا القول قول المرتهن فعليه اليمين قولًا واحدًا لأنه لو رجع عن إنكاره قُبل منه ويمينه على العلم, وهو أن يحلف بالله الذي لا اله إلا هو ما يعلم أنه جني عليه, لا اليمين إذا كانت على نفي فعل الغير كانت على العلم دون القطع, والأيمان أربعة أقسام:
يمين على إثبات فعل نفسه, ويمين على [ق 209 أ] نفي فعل نفسه, ويمين على إثبات فعل الغير, ويمين على نفي فعل الغير, فأما على العلم فإن حلف ثبت عقد الرهن وهل يلزم الراهن أرش الجناية؟ قولان نصوصان:
أحدهما: يلزم ذلك للمجني عليه, لأنه مقر له لحق في رقبة عبده, وقد حال بينه وبين استيفائه منه فوجب أن يلزمه في سائر ماله, كما لو أقر بأنه جني عليه ثم قتله.
والثاني: لا يلزمه ذلك لأنه تصرف في ملكه والمنع ليس من جهته وإنما هو من جهة الشريعة.
قال القفال: وهذان القولان مبنيان على ما لو قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان صح لأول إقراره وهل الغرم للثاني قولان, فإذا قلنا: يلزم الأرش ههنا هل يلزمه أقل الأمرين أو يلزمه الأرش بالغًا ما بلغ؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو الصحيح يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو الأرش جناية, لأن تسليم الجاني المبيع غير ممكن فأشبه أم الولد إذا جنت يلزم السيد أقل الأمرين, وهذه طريقة أبى إسحاق.
وقال أكثر أصحابنا: يلزمه الأرش فعاد العبد إلى ملك الراهن بالانفكاك أو بالشراء بعد البيع في حقه تعلق به حق الجناية, لأن حق المرتهن كان هو الحائل وقد [ق 209 ب] زال ذلك, وعلى هذا القول لا فرق بين أن يكون موسراً أو معسرًا, لأنه أقر في رقبة العبد لا على ذمته, وإذا علق الحقين لرجلين في رقبة واحدة استحال تحويل الغرم إلى ذمته, لا يكون سببًا لمطالبته به بما هو برئ عند اعتباره, وإن نكل المرتهن عن اليمين.
نص الشافعي أن اليمين ترد على المجني عليه لأنه هو المدعي جناية العبد على نفسه أو ماله أو مورثه, والمرتهن يحلف على نفي دعواه فوجب رد اليمين عليه, وفيه قول أخر: أنه يرد على الراهن لأنه الذي باشر عقد الرهن فكانت الخصومة له مع المرتهن والأول أصح, لأن
الجزء: 5 - الصفحة: 240
الراهن لو ادعى ذلك من غير دعوى المجني عليه لم يسمع منه، ومن أصحابنا من قال: ترد على الراهن قولًا واحدًا كما تقول في الوارث إذا أقام شاهدًا واحدًا الميت يحلف معه دون الغرماء، وهذا لا يصح، والفرق أن المجني عليه يثبت الحق لنفسه والراهن والوارث يثبت الحق لنفسه أولًا ثم يقضي به الدين فنظير الوارث نظير المجني عليه.
ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا يرد على المجني عليه لما ذكرنا فحصل ثلاث طرق.
فإذا قلنا: ترد على المجني عليه فحلف استحق، وإن نكل هل ترد على الراهني؟ وجهان كما ذكرنا لو اختلف الراهن والمرتهن فقال الراهن: أحبلتها بإذن المرتهن وأنكر المرتهن الإذن، فالقول قول المرتهن مع يمينه فإن [ق 210 أ] نكل ترد اليمين على الراهن، فإن نكل هل ترد اليمين على الجارية؟ قولان، وكذلك إذا امتنع المفلس من اليمين عند الرد هل يحلف الغرماء؟ قولان.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا ترد على المجني عليه فنكل هل ترد على [....] قولان كمسألة الإحبال سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: ترد على المجني عليه فنكل سقط حقه والعبد رهن، وإن قلنا: ترد على الراهن فنكل هل ترد على المجني عليه؟ قولان:
أحدهما: ترد لأن الراهن متهم في هذا النكول والحق يحصل للمجني عليه بيمينه.
والثاني: لا ترد عليه لأن يمين الرد لا تنقل من أحد إلى أحد.
وهذا كله إذا كانت الجناية خطأ، فإن كانت الجناية عمدًا فلا يقبل قول سيده عليه.
فإذا تقرر هذا.
قال المزني: القول قول المرتهن ويلزم الغرم على الراهن، واحتج بأن من أقر بما يضره لزمه إقراره، ومن أقر بما يبطل حق غيره لم يجز إقراره على غيره.
ثم قال الشافعي: "لو أقر أنه أعتقه، ثم رهنه لم يقبل قوله ولم ينفسخ الرهن ولكن إن كان موسرًا أخذت قيمته وتجعل رهنًا مكانه، وإن كان معسرًا بيع في الرهن" قلنا: اخترت القول الصحيح ولكن في الإقرار بالعتق قولان أيضًا كالإقرار بالجناية، وهذا الجواب الذي ذكر في هذا الموضع [ق 210 ب] على أصح الأقاويل في الفصل بين الموسر والمعسر، إذا أعتق الراهن المرهون وإذا بيع هذا العبد أقر سيده المعسر بحريته، ثم رجع إليه بملك حادث عتق عليه؛ لأنه أقر من قبل أنه حر، وفيه قول آخر: أنه لا يعتق، لأنَّا ألغينا لفظ الحرية في الابتداء فلا نعطيها حكم التنفيذ في الانتهاء.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان والأول أصح.
وأما قوله: إن كل من أقر بما يضر غيره لا يقبل قلنا: هذا إذا كان متهمًا فيه، فأما إذا لم يكن متهمًا يقبل كالعبد يقر بالجناية عمدًا يُقبل، وإن أضر سيده.
وإذا أقرت المرأة بجناية العمد قُبل وإن أضر بزوجها لعدم التهمة.
وههنا غير متهم عل ما بينا، وإذا لم يقبل إقراره بالعتق يصير كالعتق المبتدأ فيه أقاويل على ما ذكرنا.
وأما إذا باع عبدًا، ثم أقر أنه جني أو أعتقه أو باعه من آخر، ثم باعه منه ونحو
الجزء: 5 - الصفحة: 241
ذلك لا يقبل قولًا واحدًا؛ لأن ملكه قد زال.
وهكذا لو كاتب عبده ثم أقر بجنايته قبل الكتابة يقطع تصرفاته عنه، إلا أنه إذا أقر أنه إن كان قد عصبه أو باعه ثم كاتب يكون ذلك إبراء له من مال الكتابة؛ لأنه يقول: لا أستحق عليك شيئًا ويعتق.
وإذا أقر أنه كان جني لا يكون ذلك إبراء له؛ لأن العبد وإن كان جانيًا فهو مملوك له وتصح كتابته.
وأما إذا [ق 211 أ] أقر أنه كان قد أعتقه يُقبل ويعتق.
فرع
لو جني عبد على مولاه ثم رهنه وجوزناه كان رهنه إياه دليلًا منه على عفوه عنه ذكره أصحابنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ جَنَي بَعْدَ الرَّهْنِ، ثُمَّ بَرِئ مَنَ الجِنَايةِ بِعَفْوٍ أَوْ صُلْحٍ".
الفصل
إذا رهن عبده، ثم جني، ثم أبرأه المجني عليه من أرش الجناية كان رهنًا بحاله؛ لأن الجناية لا تبطل عقد الرهن، وإنما البيع في أرش الجناية يبطله فإذا أبرأه من أرشها بقي الرهن.
وهكذا لو اصطلح رب الجناية والسيد عن الجناية على مال يبذله سيده، وإن كان تشقيصه عند البيع للجناية نقص يحصل في قيمته.
قال القفال: بيع الكل وأدى منه قدر الجناية، ويكون الباقي رهنًا عند المرتهن، ولا يثبت للمرتهن خيار بيع المرهون في هذه الجناية؛ لأنها حدثت بعد عقد الرهن.
وقال سائر أصحابنا: بيع البعض إلا أنه لا يمكن بيع البعض فيباع الكل ويكون الباقي رهنًا، ولا يفصلوا بين أن يكون في التشقيص نقص أم لا، والصواب التفصيل.
وقال أبو حنيفة: إذا جني العبد المرهون كان ضمان الجناية على المرتهن، فإن فداه كان مرهونًا كما كان، ولا يرجع بالفداء.
وإن بيع في الجناية أو فداه السيد سقط دين المرتهن إن كان بقدر الفداء أو دونه، وهذا بناه على أصله أن الرهن مضمون على المرتهن [ق 211 ب] وعندنا الرهن أمانة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ دَبَّرهُ ثُمَّ [ق 211 ب] رَهَنَهُ كَانَ الرَّهْنُ مَفْسُوخًا".
إذا دبر عبده ثم رهنه، نص ههنا أنه لا يجوز.
وقال في "الأم": لو رجع في التدبير ثم رهنه فيه قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 242
أحدهما: الرهن باطل.
والثاني: صحيح
ومعنى المسألة أن التدبير وصيَّة إذ تعليق عتق بصفٍة.
فإن قلنا وصية صح الرجوع عنه بالقول وصح الرهن.
وإن قلنا تعليق عتق بصفةٍ لم يصح الرجوع عنه بالقول ولم يصح الرهن.
ثم قال في "الأم" أيضًا: ولو دبره ثم رهنه ثم قال بعد ذلك: كنت رجعت في التدبير قبل أن أرهنه فيه قولان.
ولو دبره ثم رهنه ثم رجع في التدبير بعد الرهن لم يجز حتى يبتدئ بما يجوز.
وكان هذا دليل على أن الرهن باطل على القولين.
واختلف أصحابنا في المسألة على طرقٍ؛ منهم من قال: الرهن باطل قولًا واحدًا؛ لأن الرهن لا يزيل الملك وليس برجوع عن التدبير؛ لأن أحدهما لا ينافي الآخر.
وقال هذا القائل: لو أوصي بشيء ثم رهنه كان رجوعًا عن الوصية.
وإن قلنا إن التدبير كالوصية لأنه أكد من الوصية؛ لأن التدبير يلزم بمجرد الموت من غير قبول فلم يصح الرجوع عنه إلا بصريح القول أو بما يزيل الملك.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ فإن قلنا يصح الرجوع عنه بما لا يزيل ملكه فالرهن [ق 212 أ] يكون رجوعًا فيبطل التدبير ويصح الرهن.
وإن قلنا لا يصح الرجوع إلا بما يزيل الملك فالتدبير بحاله ولا يصح الرهن.
وهذه الطريقة أصح.
ومنهم من قال: يصح الرهن على القولين جميعًا؛ لأن المدبر لما جاز بيعه جاز رهنه ولا يكون رجوعًا عن التدبير.
فعلى هذا إذا حل الحق نظر، فإن كان للراهن مال غير هذا، أو أدى الدين من ماله فالعبد انفلت من الرهن وهو مدبر يعتق بموته، وإن لم يؤد الدين من ماله قيل له: تختار الرجوع عن التدبير، فإن اختار ذلك ورجع عن التدبير بيع العبد ووفي الدين من ماله وبطل التدبير.
وإن امتنع من الرجوع في التدبير، فإن كان له مال أجبر على قضاء الدين من ماله وفك العبد من الرهن ويكون مدبرًا، وإن لم يكن له مال يباع العبد في الدين ويقضي دين المرتهن؛ لأن المرتهن إنما أخذ من الرهن للاستئناف، حتى إذا تعذر الوصول إلى الدين من جهته استوفاه منه.
وقول الشافعي: "الرهن مفسوخ": معناه يزول الرهن ببيع المدبر على ما قلنا.
وقال ابن سريج: فيه وجه آخر على هذه الطريقة إذا لم يكن له مال غيره ولا يرجع في التدبير، حكمنا في هذه الحالة بأن الرهن وقع فاسدًا؛ لأنَّا إنما صححناه ظنًا منه أنه ينفك عن الرهن أو يرجع عن [ق 212 ب] التدبير، فإذا لم يفعل حكمنا بفساد الرهن.
وقال أبو إسحاق: هذا ضعيف؛ لأنًَّا إذا صححنا الرهن يلزم الوفاء بموجبه، ولا يجوز أن يحكم بفساده بامتناعه من أداء حقه.
الجزء: 5 - الصفحة: 243
ومن أصحابنا من قال: يصح الرهن ويبطل التدبير، وهو اختيار المزني، فحصل أربعة طرق.
واحتج المزني بأن الشافعي قال: لو دبر عبده ثم وهبه هبة بتاتٍ بطل التدبير أقبضه أو لم يقبضه، والهبة قبل القبض كالرهن سواء.
قلنا: قال أصحابنا: إذا وهب وامتنع من إقباضه يبني على القولين.
فإن قلنا وصية كان رجوعًا عن التدبير.
وإن قلنا: عتق بصفةٍ لا يكون رجوعًا عن التدبير.
ومن أصحابنا من قال: يكون رجوعًا عن التدبير على القولين.
والفرق على قول من لا يقول بهذه الطريقة إن الرهن ليس بإزالة الملك وإنما هو وثيقة للمرتهن، والهبة تتضمن إزالة الملك بانضمام القبض إليه، فقصده إلى الهبة قصد ما يزيل ملكه، فكان ذلك رجوعًا عنه.
واحتج المزني بأن الشافعي قال: ولو قال للمدبر: إن أديت بعد موتي كذا فأنت حر بطل التدبير"، فدل على أن التدبير وصية.
قلنا: هذا ذكره على أحد القولين.
فأما على القول الآخر لا يكون إبطالًا للتدبير.
فإذا تقرر هذا، ههنا في اللفظ إشكال، وذلك أنه علل لإبطال الرهن فقال: "كان الرهن مفسوخًا"؛ [ق 213 أ] لأنه أثبت له عتقًا قد يقع قبل حلول الرهن فلا يسقط العتق والرهن غير جائز.
ولا يختلف المذهب في تقديم الدين عل عتق المدبر والتدبير من الثلث كسائر الوصايا، فإذا دبره ثم رهنه إما أن يسبق حلول الدين موت الراهن، وإما أن يموت الراهن قبل محل الحق.
فإن جاء المحل والراهن حي بيع المدبر في دين المرتهن.
وإن مات الراهن في جميع الأحوال، وإنما يخشي ذاك في العتق بصفةٍ فإنه ربما توجد الصفة قبل المحل ويعتق ويبطل التدبير، اللهم إلا أن يكون مراد الشافعي بهذا التعليل تأخيره، وهو أن الراهن للعبد حق حريته بعقد التدبير وقصد القربة إلى الله تعالى به.
فإذا رهن فقد تعمد إلى إبطال تلك القربة، إذا ربما يباع في الرهن فلا يجوز إبطال قربته من جهة التدبير إلا بإزالة الملك، والرهن لا يزول الملك به، فتقدير تعليله لأنه أثبت له حق عتق على جهة القربة، وقد يقع ويؤخذ سببه وهو الموت قبل حلول الحق فلا يسقط العتق، أي يستديم التدبير ويمنع الرهن كيلا يسقط حق العتق ولم يرد به أنه إذا مات وعليه دين عتق مدبره قبل أداء دينه.
فرع
إذا قلنا يصح الرهن ولا يبطل التدبير وبيع عليه لحق المرتهن ثم ملكه [ق 213 ب] الراهن من بعد هل يعود إلى التدبير قولان مبنيان على القولين في عود اليمين بعد الزوال.
الجزء: 5 - الصفحة: 244
فرع آخر
قال في "الأم": "لو رهنه وأقبضه ثم دبره كان التدبير موقوفًا" فإذا حل حق المرتهن فإن قضي دينه من ماله وفك العبد من الرهن كان العبد مدبرًا، وإن لم يكن له مال أو كان له مال فامتنع من قضاء دينه منه فإنه يقال له: تختار الرجوع عن التدبير، فإن اختار ذلك بيع في الرهن وبطل التدبير.
وإن قال: لا أختار الرجوع فيه يجبر على بيعه ويستوفي المرتهن حقه من ثمنه ويبطل التدبير، وإن مات هذا الراهن فقد حل حق المرتهن بعتق المدبر ينظر، فإن كان قد حلف المدبر من ثلاثة، وإن لم يحلف تركه غير المدبر بيع من المدبر بقدر الحق، فإن فضل منه فضل عتق ثلث ما بقي منه بعد قضاء الحق.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: عندي تدبير المرهون يبني على القولين في عتقه؛ لأن التدبير سبب من أسباب العتق، وهذا خلاف النص، ولا يشبه العتق؛ لأنه يبطل حق المرتهن من غير الرهن، لأنه يمنع من بيعه والتدبير لا يمنع البيع فلا يبطل حق المرتهن فافترقا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح أن المدبر المطلق والمدبر المقيد [ق 214 أ] فيما ذكرنا من الحكم سواء.
وصورة المقيد أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، وإن قتلت فأنت حر.
ومن أصحابنا من قال: هو كالعتق بصفةٍ لا يجوز الرجوع عنه بالقول قولًا واحدًا وحكم رهنه يأتي.
مسألة:
قَالَ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: إَنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ رَهَنَهُ كَانَ هَكَذَا"،
إذا أعتق عبده بصفةٍ ثم رهنه، فإن كان يعلم أن حلول الدين يتقدم على وجود الصفة بمدة يمكنه بيعه واستيفاء الحق من ثمنه يصح الرهن قولًا واحدًا، مثل إن قال: أنت حر إذا مضت سنة ثم رهنه بدين يحل بعد شهر أو أكثر قبل السنة.
قال والدي رحمه الله: وإذا رهنه بدين يحل قبل السنة ينبغي أن يبقي من المدة ما يمكن البيع فيها من جهة العادة وإلا فلا يجوز.
وإن رهنه بحق يعلم أن وجود الصفة تتقدم على حلول الحق لا يصح الرهن قولًا واحدًا، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، ثم رهنه بدينٍ إلى سنة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، وخرج القول الآخر من الثمرة الرطبة إذا رهنها
الجزء: 5 - الصفحة: 245
بحقٍ يتأخر حلوله عن وقت فسادها وهذا لا يصح؛ لأن في الثمرة لا بغية للراهن في إفسادها، فالظاهر أنه يبيعها إذا خشي عليه الفساد، وليس كذلك [ق 214 ب] العتق فإنه قربة مرغوب فيها، والظاهر أنه يقصد تحصيلها فافترقا.
ولو علقه بقدوم زيد أو دخول دار ونحوه مما يجوز أن يتقدم على حلول الحق ويجوز أن يتأخر عنه ثم رهنه قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز رهنه قولًا واحدًا؛ لأنه معقود على غررٍ.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأنَّا ذكرنا أن التدبير تحقق بصفة ورهنه صحيح على أحد القولين، فكذلك هذا، وهذا لأن الأصل جواز الرهن في .... وربما يحل الحق قبل وجود الصفة فيمكن الوفاء به.
وهذا ضعيف؛ لأن الظاهر بقاء السيد وجواز موته لا يمنع صحة العقد كما يجوز بيع الحيوان؛ لأن الظاهر بقاء حياته، وإن كان الموت مجوزًا، وليس كذلك وقوع العتق؛ لأن وجود الصفة ممكن في كل وقت، وليس لعدم الصفة ظاهر يكون العقد مجهولًا عليه، ولأن جواز الموت عزيز لا يمكن الاحتراز منه بخلاف ذاك فافترقا، والمنصوص الأول والتعليل الذي ذكره في المدبر أليق بهذا الموضع، وعند أبي حنيفة يجوز رهنه بكل حالٍ.
مسألة:
قَالَ: وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا حُلْوًا كَانَ جَائِزًا".
الفصل
إذا رهن عصير العنب يجوز رهنه؛ لأنه مائع يجوز بيعه فجاز رهنه.
وقال [ق 215 أ] الماسرخسي: عندي العصير والفواكه الرطبة سواء؛ لأن الفواكه كما يجوز فسادها كذلك العصير إذا ترك يحدث فيها الشدة فتفسد.
وهذا لم يقله غيره، وهذا لا يصح؛ لأن العصير يمكن إصلاحه بطرح الخل الذي يمنع الشدة فيجبر الراهن عليه، كما إذا رهن ثمرة رطبة يمكن تجفيفها صح الرهن وأجبر الراهن على التزام ...... والإنفاق عليه.
قال: "فإن حال إلى أن يصير خلًا أو مزًا أو شيئًا لا يسكر كثيره فالرهن بحاله"؛ لأنه في الحال الثانية مال مملوك كما كان العصير في الابتداء مالًا مملوكًا، وقد يرهن الصغير فيكبر والمريض فيسعى، والمهزول فيسمن والرهن باقٍ كما كان.
وقيل: نقل المزني: فإن استحال مزًا وهو سهو في النقل، وعصير العنب لا يصير مزًا.
وقيل: هذا صحيح وله وجه، وهو أن عصير الشعير يستحيل مزًا فالمسألة في عصير العنب والشعير وغيرهما.
وكذلك إذا طرح في عصير العنب دقيق الشعير ينقلب مزًا، وإن حال إلى أن يسكر بطل الرهن؛ لأن الملك يبطل بذلك والملك أقوى، وصار كما لو رهن عبدًا فمات في يد المرتهن.
وقال أبو حنيفة: لا يبطل الملك ولا الرهن؛ لأنه يرجى عود نفسه كما لو ارتد
الجزء: 5 - الصفحة: 246
العبد.
وهذا غلط؛ لأنه لا يضمن متلفها في الحال [ق 215 ب] ولا تصح تصرفاته فيها بخلاف المرتد فإنه تصح فيه تصرفاته.
وقال ابن خيران: إذا انقلبت خمرًا بينا أن العقد الأول وقع باطلًا؛ لأن ظهوره في الزمان الثاني يدل على ابتدائه في الزمان الأول.
وهذا غلط؛ لأنه لو صح هذا لوجب إذا باع عصيرًا فصار خمرًا في يد المشتري يبطل البيع، ولم يقل هذا أحد.
فإن عاد خلًا من غير صنعة آدمي قال الشافعي: "هو رهن"؛ لأنه لما عاد ملكه عاد بحقوقه وكان الرهن من حقوقه.
فإن قيل: أليس لو انفسخ الرهن بسببٍ آخر لا يعود إلا بعقد جديد، فلم قلتم ههنا يعود من غير عقد جديد؟ قلنا: الفرق أن هناك انفسخ والملك باق فلا يعود إلا بعقد جديد من الملك، ههنا انفسخ لزوال الملك، والملك إذا زال زال بحقوقه، وإذا عاد عاد بحقوقه.
فإن قيل: إذا عاد خلًا ملكه ملكًا جديدًا فينبغي أن يحتاج إلى عقد جديد.
قلنا: ليس كذلك يعود ملكه السابق، بدليل أنه لو مات وفي يده خمر وعليه دين فانقلبت خلًا يقضي منه ديونه، فلو كن ملكًا جديدًا لكان للورثة.
وهذا كما لو أسلمت زوجة الكافر حرم عليه وطئها وخرجت به عن حكم العقد، فلو أسلم الزوج قبل انقضاء العدة عاد حكم العقد.
وفرّع أبو العباس على مسألة العصير [ق 216 أ] وهو أنه لو كان له عند رجل ألف في ذمته به رهن فصالحه منه على كر طعام وبرئت ذمته عن الألف، وزال الرهن بزوال الألف عن الذمة.
ومن شرط هذا الصلح القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته عن الطعام وعاد الألف إليها، فإذا عاد عاد برهنه كالعصير إذا صار خمرًا ثم عادت خلًا عاد الرهن.
وقال والدي رحمه الله: ولو قبضه قبل التفرق ثم تقايلا صحت الإقالة وتعود الدراهم إلى ذمته ولا يعود الرهن.
ويحتمل أن يقال: يعود؛ لأن الدراهم وجبت عن السبب السابق لا بحكم الصلح، والرهن من حقوقها فيعود الرهن مع الحق.
ولو أخذ الرهن على هذا الكر من الطعام في ذمته ثم تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته من الطعام وبطل الرهن به، وعادت الدراهم إلى الذمة برهنها.
وقال ابن خيران: إذا عاد الخمر خلًا لا يعود الرهن إفساد العقد عليه على ما ذكر، وعلى ما ذكر لو كان رهنه مشروطًا في البيع ليس للمرتهن فسخ البيع.
وعلى قول ابن خيران في بطلان البيع قولان كما لو شرط في أول العقد.
الجزء: 5 - الصفحة: 247
فرع
لو رهن شاة فماتت فدفع الراهن جلدها هل يعود رهنًا؟ قال ابن خيران: يعود كالخمر إذا صارت خلًا.
وقال [ق 216 ب] أبو إسحاق: لا تعود رهنًا؛ لأن الرهن استحدث ملكه عليه بصنعة فلا يعود رهنًا في الملك الجديد، وفي الخمر لا صنع له فيها يعودها خلًا، وإنما عاد ملكه المتقدم بنفسه فعاد بحقه من الرهن.
وقال أبو الطيب الساوي: قيل لأبي إسحاق: ما تقول في شاة ماتت فغصبها غاصب ودبغ جلدها، هل يملكه الغاصب أم لا؟ فقال: لا أقول إن الغاصب يملكها بما استحدثه من الدباغ.
فقيل له: يلزمك أن تقول: الملك للغاصب؛ لأن عندك هذا ملك مستحدث يصنع من جهته كما قلت لا يعود الرهن إذا دبغه الراهن.
فقال: الفرق أن فعل الغاصب لا حكم له؛ لأن يده ليس بحقٍ فوجوده وعدمه سواء.
كما لو غصب من رجل كلبًا غير معلم وعلمه كان الأول أحق به، ولا حكم لفعل الغاصب فوجوده وعدمه سواء.
فقيل له: قد قال الشافعي: إذا تحجر مواتًا ولم يحيه فجاء رجل فأحياه فإحياء الملك للثاني دون الأول وإن كان يد الأول بحقٍ فقال يد المتحجر لم تستند إلى ملكٍ سابق، فلما وجد سبب الملك من الثاني أبطل يده ويد صاحب الشاة أسندن إلى ملك سابق، فكانت يده أقوى وكان أحق بالملك من الثاني.
قال أصحابنا: هذا الذي ذكره دليل عليه، وذلك أن يد الراهن مستندة إلى ملك سابق، فإذا عاد الملك ثبت أن الملك السابق [ق 217 أ] وقال أبو حنيفة: لا يزول ملك الراهن من الجلد بالموت، ولا يبطل حق المرتهن عن الجلد بالموت، وإذا دبغ فهو مرهون.
فرع آخر
لو كان له خمرة فأراقها فجمعها رجل آخر فصارت خلًا في يده، أو وهبت خمرًا من رجل فصارت خلًا في يد الموهوب له بعود الملك وفيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى الأول؛ لأنه لابد للثاني عليها فإن يده لا تقر عليها فصار كما لو غصبها من الأول فصارت خلًا في يده تكون للمغصوب منه، وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: يعود إلى الثاني؛ لأن الأول قد رفع يده عنه وقد حصل في يد الثاني، فإذا عاد ملكه كان صاحب اليد أولى به.
كما لو ماتت شاة فألقاها في مزبلة فجاء إنسان ودبغ جلدها كان له، وليس كمثله الغصب؛ لأن يد الثاني تعترض فلا تصير ملكًا له.
وهكذا في جلد الميتة لو ألقاها صاحبها فجاء رجل وأخذ الجلد ودبغه كان له بخلاف ما لو غصبه، وهذا أصح عندي.
ويد الثاني تثبت عليها حين رفع الأول يده، وهذا إذا حل له هذا الفعل لغرض صحيح،
الجزء: 5 - الصفحة: 248
فأما إذا حرم عليه جميع الخمر فيده لا تثبت عليها ولا يملك بذلك.
فرع آخر
لو صار العصير خمرًا في يد الراهن قبل القبض بطل الرهن، فإذا عاد خلًا لم يعد الرهن [ق 217 ب] ويخالف إذا كان بعد القبض؛ لأن الرهن قد لزم وصار تابعًا للملك.
ولو اشترى عصيرًا فصار خمرًا في يد البائع ثم عاد خلًا فسد العقد ولم يعد ملك المشتري بعودها خلًا.
والفرق بينه وبين الرهن أن الرهن عاد تبعًا لملك الراهن، وههنا بعود ملك البائع لعدم العقد، ولا يصح أن يبيعه ملك المشتري.
فرع آخر
لو عاد خلًا بصنعة آدمي بطرح الملح أو الخل ونحوه فإنها نجسة كما كانت ولا تحل به، وهذا التحليل حرام.
وبه قال أحمد ومالك في رواية.
وروي عن مالك يكره تخليلها، ولكنه إذا خللها حلت.
وقال أبو حنيفة: يجوز تخليلها، وإذا صارت خلًا حل.
وهذا غلط لما روي أنس - رضي الله عنه - أن أبا طلحة - رضي الله عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا فقال: "أهرقها" فقال: ألا أخللها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا".
وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنتخذ الخمر خلًا؟ قال: "لا".
واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحل الدباغ الجلد كما يحل الخل الخمر"، قلنا: لا أصل له، ثم نحمله على ما لو تخلل بنفسه.
فرع آخر
لو وقع ملح بإطارة الريح فتخللت طهرت بلا شك.
هكذا قال الصيمري وعندي يحتمل وجهًا آخر مما قال أصحابنا أنه إذا [ق 218 أ] وقع فيه الملح نجس، ثم بعدما صارت خلًا نفي نجاسة الملح.
فرع آخر
إذا خلل خمرًا بدواء فيه وجهان:
أحدهما: أنه خل على الإطلاق إلا أنه تنجس.
والثاني: أنه لا يسمى خلًا ولا خمرًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 249
فرع آخر
إمساكها بنية المعالجة حرام، وإمساكها بنية أن تصير بنفسها خلًا.
قال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي، ولكنه لو خالف فصارت خلًا بنفسها حل.
وقال القفال وجماعة: يجو إمساكها إذا كانت بنية الخل، وإن كنت نجسة في هذه الحالة ولا قيمة على متلفها وإنما يحرم إمساكها إذا كان قصده الشراب أو البيع، أو يخاف على نفسه شربها، وهذا هو الصحيح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تخمرت وكانت بنية الخل هل تنجس؟ وجهان.
وفائدته الضمان على المتلف وجواز الصلاة معها.
وهكذا الوجهان في البيضة إذا صارت دمًا.
وهذا غلط فاسد فسادًا ظاهرًا لا يجوز القول به بوجه.
فرع آخر
لو تركها في الشمس أو عرضها للهواء حتى صارت خلًا، فالمذهب أنها تحل؛ لأنها استحالت من غير شيء خالطها فصارت كالإمساك المجرد.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل لأنه ضرب من الصنعة والمعالجة.
فرع آخر
لو قال المرتهن: استحالت خلًا بنفسها، وقال الراهن: بل صارت خلًا بالتخليل فيه وجهان: [ق 218 ب]
أحدهما: القول قول الراهن ويبطل الرهن.
والثاني: القول قول المرتهن ويكون رهنًا.
وهذان الوجهان مخرجان من إقرار الراهن بجناية المرهون.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتَكَهُ عَصِيرًا فَصَارَ فِي يَدَيْكَ خَمْرًا".
الفصل
لو كان العصير رهنًا في ثمن مبيع وكان البيع بشرط فاستحال خمرًا، فإن كان قبل قبضه بطل الرهن والمرتهن بالخيار بين أن يمضي البيع بغير رهن أو يفسخ، وإن كانت الاستحالة بعد قبضه بطل الرهن ولا خيار للمرتهن؛ لأن الرهن هلك بعد القبض.
وإن اختلفا فقال المرتهن: صار خمرًا عندك فلي الخيار.
وقال الراهن: بل صار خمرًا عندك، قال الشافعي: "فيه قولان:
أحدهما: القول قول المرتهن"، وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني؛ لأن هذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في أصل القبض فالمرتهن يقول: أقبضي الخمر، وإقباض
الجزء: 5 - الصفحة: 250
الخمر لا يصح، والراهن يقول: أقبضتك العصير فصح الإقباض.
ولو اختلفا في القبض فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل أن لا يقبض.
والثاني: القول قول الراهن، وهو الصحيح؛ لأن الشدة قد تحدث كما يحدث العيب في المبيع.
ولو اختلف البائع والمشتري فقال البائع: بعتك سليمًا فحدث العيب عندك.
وقال المشتري: بعتنيه معيبًا فالقول قول [ق 219 أ] البائع، وهما اتفقا ههنا على أنه رهنه عينًا وأقبضها إياه، واختلفا في عيب حادث فالقول قول من ينفي ذلك.
فإذا قلنا بالقول الأول فللمرتهن الخيار في فسخ البيع، ولو أراد الراهن أن يبدله رهنًا آخر ليبطل خياره في الفسخ، كان له الامتناع من قبوله؛ لأن الذي اشترطه رهنًا لم يسلم له رهنًا.
وإذا قلنا بالثاني أرقنا الخمر وليس للمرتهن على الراهن بدل يرهنه لأنه وفي له بشرطه والبيع لازم.
ولو أراد إمساك الخمر ليستحيل خلًا كانا ممنوعين من الإمساك في ظاهر المذهب؛ وقد ذكرنا ما قيل فيه.
فرع
لو اختلفا في أصل العقد فقال الراهن: رهنتك عصيرًا، فقال المرتهن: رهنتني خمرًا.
قال ابن أبي هريرة: ههنا قول واحد القول قول المرتهن؛ لأن المرتهن لم يقر بعقد صحيح، والراهن يدعي ذلك فكان القول قول المرتهن مع يمينه، كما لو قال: بعتك كذا، فقال: لم أشتر كان القول قوله مع يمينه.
وقال غيره من أصحابنا: فيه القولان أيضًا؛ لأنه معترف بحصول عقد وقبض، وإنما يدعي صفة في المعقود عليه والأصل عدمها.
فرع آخر
لو رهنه عبدًا وأقبضه في محمل ملفوفًا ثم اختلفا في موته، فقال الراهن: أقبضتك حيًّا ومات عندك، وقال المرتهن: أقبضتني ميتًا فيه [ق 219 ب] طريقان:
أحدهما: القول قول المرتهن قولًا واحدًا؛ لأنه لم يقر بقبض العقد؛ لأن الميت لا يقبض، والمرتهن في العقد قد أقرّ بقبض وادعى الفساد فالقول قول من ينفي الفساد في أحد القولين.
والطريق الثاني: قال أبو إسحاق وجماعة: لا فرق، وفيه قولان أيضًا، وعليه نص الشافعي في "الأم"؛ لأن القبض شرط فالاختلاف فيه كالاختلاف في العقد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على أن فساد الرهن هل يفسد البيع؟
فإن قلنا لا يفسد فالمسألة على قولين.
وإن قلنا يفسد ففي اختلاف المتبايعين في
الجزء: 5 - الصفحة: 251
المعنى المفسد للبيع قولان، والأصح قول من يدعي فساده، فههنا القول قول المرتهن ويفسد بيه البيع؛ لأنه يحتاج إلى فسخه، وقد ذكرنا بخلاف هذا فيما تقدم، وفي هذا النظر.
وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأن الراهن مدع.
قلنا: هل النزاع إلا في هذا، فإن من قال القول قول الراهن جعل المرتهن مدعيًا استحقاق لزوم البيع، والمرتهن عند التحقيق أشبه بالمدعي من الراهن على ما بيَّناه فلا معنى لما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الاختلاف بينهما في عيب بالعبد أو نحوه، فقال الراهن: كان بعد القبض.
قال المرتهن: كان وقت القبض فالقول قول الراهن [ق 220 أ] بلا إشكال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا بَاسَ أَنْ يَرْهَنَ الجَارِيَةَ وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ".
الفصل
يجوز رهن الجارية ولها والد صغير دون ولدها؛ لأن هذا ليس بتفرقة.
ومعنى هذا التعليل أن منافع الجارية المرهونة لسيدها، فإذا رهنها دون ولدها الصغير فلم ضم الولد إليها لتحتضنه وترضعه عند المرتهن وتكون الأم مرهونة والولد غير مرهون فليس كبيع الأم دون الولد؛ لأن تسليمها إلى المبتاع بعد تملكه إياها دون الولد تفرقة بينها وبين ولدها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا توله والدة بولدها" وقيل: معناه لأنه ليس بتفرقة في ثاني الحال، أي لا تباع دون الولد كالجارية إذا جنت ولها ولد صغير تباع مع الولد.
فإذا تقرر هذا ينظر، فإن حل الحق فإن قضاه من قضاه فذاك، وإن أراد قضاه من ثمنها بيعت مع ولدها، وكان للمرتهن من ثمنها ما قابل قيمة جارية ذات ولد فيقال: كم قيمتها ذات ولد؟ قالوا: مائة، وكم يساوي ولدها وحده قالوا: خمسين فيكون للمرتهن من الثمن ثلثا الثمن، وإنما اعتبرنا قيمة جارية ذات ولد؛ لأنه تعلق حق المرتهن بها على هذه الصفة، وهكذا الحكم فيه إذا ارتهنها ولها ولد ولم يعلم ثم علم ورضي به [ق 220 ب] فبيعت بغير قيمة جارية ذات ولد على ما ذكرناه.
ويفارق هذا إذا رهنها حائلًا فأتت بولد مملوك من زوج أو زنا بيعًا معًا ويكون للمرتهن من ثمنها ما قابل جارية لا ولد لها؛ لأن حق المرتهن تعلق بها ولا ولد لها ولم يرض بولدها بخلاف ما تقدم، فيقال ههنا: كم تساوي ولا ولد لها؟ قالوا: مائة، وكم يساوي الولد؟ قالوا: عشرون.
قلنا: يمكن للمرتهن منها خمسة أسداس الثمن.
الجزء: 5 - الصفحة: 252
ومن أصحابنا من قال: تباع الأم دون الولد، ويجوز ذلك ههنا للضرورة كما لو كان الولد حرًا.
ذكره القاضي الطبري وهذا لا يصح، الشافعي قال: "وليس تبقى الأم مع الولد"، بمعنى أوجب بيعها بأكثر من فسخ البيع في الأم لمكان الولد.
فرع
لو علم المرتهن بحالها لا خيار له، وإن لم يعلم أن لها ولدًا، قال جماعة أصحابنا: له الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا تباع دون ولدها ففي خياره وجهان:
أحدهما: له الخيار لما يلحقه من النقص في قيمتها إذا بيعت مع الولد.
والثاني: لا خيار؛ لأن بيعها مع الولد لا يوجب النقص يقينًا وقطعًا، بل قد يجوز أن يحدث في قيمتها زيادة وتوفيرًا.
مسألة:
وَلَوْ ارْتَهَنَ نَخْلًا مُثْمِرًا فَالثَّمَرُ خَارجٌ مِنَ الرَّهْنٍ".
الفصل
[ق 221 أ] إذا رهن نخلًا مطلعة نظر، فإن كان الطلع قد أُبر لم يدخل في الرهن؛ لأنه لا يدخل في البيع مع أنه أقوى فلأن لا يدخل في الرهن أولى، وإن اشترطه دخل فيه، وإن كان الطلوع غير مؤبر، نص في "الأم" أنه لا يدخل في الرهن ويخالف البيع من وجهين:
أحدهما: أن البيع أقوى؛ لأنه يزيل الملك.
والثاني: أن ما يحدث بعد العقد من الطلع لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع، فكذلك الموجود في حال العقد لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع.
ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه يدخل في الرهن ونسبه إلى "القديم" ولا يعرف ذلك في "القديم" ولا يصح هذا القول، وكذلك الكلام في الحمل والصرف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في الحمل على قولين بناء على أن للحمل حكمًا أم لا.
وكذلك في الطلع قولان، وما ذكرناه أصح.
مسألة:
قَالَ: "وَمَا هَلَكَ فِي يَدَي المُرْتَهِنِ مَنْ رَهْنٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ".
لهذه المسألة باب يأتي، والقصد بذكرها هنا أنه لا فرق بين فاسد الرهن وصحيحه
الجزء: 5 - الصفحة: 253
في أنه أمانة لا ضمان فيه إلا بالتعدي؛ لأن ما كان أمانة بأصل الشرع في حكم عقد صحيح حاكي [ق 221 ب] فاسدة صحيحة في سقوط الضمان كالشيء المستأجر.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا رَهَنَهُ مَا يُفْسِدُ مِنْ يَومِهِ أَوْ غَدِهِ".
الفصل
إذا رهن ما يفسد في مدة قصيرة، فإن كان ما يمكن استصلاحه كالرطب والعنب فإن رهنه صحيح وينظر فيه، فإن حل الحق قبل أن يخشي فساده بيع فيه، وإن كان يخشي فساده قبل محل الحق، قال الشافعي: "يشمس ويجفف" ويجب ذلك على الراهن، فإن امتنع منه يجبر عليه؛ لأنه يقصد إبطال وثيقة الرهن، وإن كان مما لا يمكن إصلاحه كالبقل والبطيخ والقثاء، فإن رهنه بحق حال جاز، وإن كان بحق مؤجل نظر، فإن كن يحل بعد فساده نظر، فإن شرط أن لا يباع عند فساده الرهن، وإن شرط أن يباع عند خوف فساده صح الرهن، ويجعل ثمنه رهنًا؛ لأن المقصود يحصل به، وإن أطلق فيه قولان:
أحدهما: يصح؛ لأن الظاهر أنه لا يترك الثمرة حتى تفسد ولكنه يبيعها عند خوف الفساد فيحمل مطلق العقد عليه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن بيعه عند محل الحق فلا تحصل به الوثيقة وهذا ظاهر المذهب.
واختلف أصحابنا في معنى لفظ الشافعي:
"وَمَنَعَنِي مِنْ فَسْخِهِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ بَيْعَهْ قَبْلَ مَحَلَّ الحَقِّ عَلَى أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ الحَقِّ حَقَّهُ".
أذن للراهن عند خوف الفساد ببيع الثمرة بشرط تعجيل الدين من ثمنها لا يجوز ذلك وإذا قلنا: باطل فلا كلام، وإذا قلنا: صحيح [ق 222 أ] قال بعض أصحابنا: يباع عند خوف الفساد ويوضع ثمنه رهنًا؛ لأن العرف يقتضي ذلك، ولو امتنع الراهن أو المرتهن من ذلك أجبر عليه، وقد تنتقل الوثيقة من العين إلى القيمة بأسباب وهذا من جملتها.
وقال بعض أصحابنا: إذا خيف فساده فهو بالخيار بين بيعه ويكون ثمنه رهنًا، وبين تركه، وإن هلك لا يجبر على بيعه، لأنه بيع رهن قبل محل الحق.
ويفارق هذا تشميس الرطب؛ لأنه من مؤنة الرهن فأوجب عليه، وههنا تكليف بيع، ونقل ملك فلا يجبر عليه وهذا أقيس، والأول أظهر؛ لأن في ضمنه الإذن ببيعه عند خوف الفساد.
وقيل: الأصح جواز الرهن لهذا المعنى.
الجزء: 5 - الصفحة: 254
فرع
رهن اللحم بمنزلة رهن الثمرة التي يمكن تجفيفها؛ لأن اللحم يقدد فلا يفسد، ولو أراد الراهن بيعها أو تجفيفها ممكن الإيجاب إلى ذلك.
ولو قال: أريد أن أجعل ثمنها رهنًا.
فرع آخر
لو رهن ما لا يفسد العبد بشرط أن يباع العبد ويجعل ثمنه رهنًا فكأنه بلا عذر، ظاهر المذهب أنه لا يجوز.
وقال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما جاز البيع لما ذكرنا من العذر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن نقل العقد من محل إلى محل لا يمكن، كما لو نقل من عبدٍ إلى عبدٍ لا يجوز وإن تراضيا.
فرع آخر
لو رهن نخلًا عليها ثمرة مع الثمرة، فإن كان [ق 222 ب] محل الحق مع إدراكها أو قبل إدراكها صح، ويباعان في الدين.
وإن كان بعد إدراكها والثمرة مما يمكن إصلاحها جاز أيضًا.
وإن لم يكن استصلاحها كالرطب الذي لا يجيء منه تمر طريقان:
أحدهما: يصح على طريق البيع قولًا واحدًا، والقولان عند الإفراد.
والثاني: فيه قولان أيضًا، وإذا قلنا: لا يصح فهل يبطل في الكل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا بِلَا نَخْلٍ فَأَخْرَجْتُ نَخْلًا.
الفصل
إذا رهن أيضًا بيضاء لا غراس فيها، فنبت فيها غراس من نخل وغيره سواء نبت بنفسه مثل أن يدخل الماء النوى إليها، أو زرعها الراهن فالغراس خارج من الرهن.
فإذا تقرر هذا فلا يؤمر الراهن بقلعه قبل حلول الحق؛ لأنَّا نعلم صورة بالمرتهن في الحال فإنه يجوز أن يقضي دينه من غيرها، ويجوز أني يكون ثمن الأرض وفيها غراس تفي بحق المرتهن فلا يقلع، فإذا حل الحق نظر، فإن قضي دينه من غيرها فقد خرجت الأرض من الرهن، وإن لم يقض دينه من غيرها أو لم يكن له مال سواها فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون عليه ديون لغيره من الغرماء، أو لا يكون غريم له غيره، فإن لم يكن له غريم
الجزء: 5 - الصفحة: 255
غيره نظر في الأرض إذا بيعت من غير الغراس فيها، فإن كان [ق 223 أ] ثمنها يفي بالحق بيع [الأرض] وحدها، وإن كان لا يفي بالحق لنقصان قيمتها بوجود الغراس فيها يجبر الراهن أن يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة الأرض بيضاء لا غراس فيها، وبين أن يبيع الأرض وحدها ويجبر بالنقص الذي دخل في ثمنها بالغراس من سائر ماله وبين أن يقلع الغراس ويسلم الأرض مسراه من غير غراسٍ.
وإن كان هناك غرماء غيره لا يجوز للحاكم قلع الغراس؛ لأنه ينقص قيمة الغرس فيؤدي إلى الإضرار بالغرماء، ولكنه يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة أرض بيضاء لا غراس فيها للمرتهن ويعطي الباقي لسائر الغرما.
فإن قيل: أليس قلتم في الأمة إذا بعناها مع الولد فدخل في ثمنها نقص يضم الولد إليها في المبيع لا يجبر النقص من الثمن الولد؟ قلنا: لأن ضم الولد إلى الأم في البيع واجب بالشرع لا صنع للراهن فيها، فلم يجب جبران النقص، وليس كذلك الغراس؛ لأنَّا ضممناه إلى الأرض لسقيه الراهن الغراس في الأرض لا للوجوب بالشرع.
وأيضًا هناك ثبت للمرتهن حق الرهن في أرض بيضاء ثم حدث الغراس، وههنا وجود الولد متقدم على الراهن ودخل فيه راضيًا بنقص الولد فلم يجب جبران النقص.
فوزانه أن تكون الجارية [ق 223 ب] المرهونة زنت فمات بالولد بعد الرهن، يكون حكمها واحد على ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا ههنا إشكال، وذلك أن الشافعي قال:
"فَأَعْطَى المُرْتَهِنُ ثَمَنَ الأَرْضِ وَالْغُرَمَاءُ ثَمَنَ النَّخْلِ".
وهذا يقتضي أن يختص الغرماء بثمن النخل دون المرتهن في جميع الأحوال، ولا خلاف أنه ينظر في قيمة الأرض التي وصلت إلى المرتهن لما بيعت، فإن كانت وفق حقه اختص الغرماء بثمن النخل، وإن تقاصرت عن حقه خاصصهم في ثمن النخل ببقية حقه، وكذلك إن كانت قيمة الأرض أكثر من حق المرتهن رد الفضل على سائر الغرماء بتحاصصون فيه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا بيعت الأرض مع النخل ففي كيفية توزيع الثمن على الأرض والنخل وجهان:
أحدهما: تقوّم الأرض بيضاء، ثم تقوّم مع النخل، ثم يوزع الثمن أي قدر كان عليهما، مثل أن تكون قيمة الأرض بيضاء ألفًا وبيع الغراس ألفًا ومائة وبيعا بألفٍ وزع الألف على أحد عشر سهمًا.
والثاني: تقوّم الأرض بيضاء والنخل قائمة لو انفرد كل واحد منهما ثم يوزع الثمن عليهما حتى إن زاد الثمن على قيمتها فالزيادة لها بالحصة وإن نقص بالنقصان عليهما.
مثل أن يقال: الأرض بيضاء تساوي ألفًا والنخل وحدها قائمة تساوي مائتين، ثم إذا بيع قدر بيع [ق 224 أ] قسم على السهام الاثني عشر، وإن كانت لو قوّمت الأرض مع
الجزء: 5 - الصفحة: 256
النخل لا تبلغ إلا ألفًا ومائة، وإن كانت قد زادت قيمتها بذلك مثل إن كانت قيمتها ولا نخل بها مائة وقيمة النخل مائة وقيمتها معًا ثلاثمائة بيعًا معًا، ويكون للمرتهن ما قابل قيمة الأرض وللغرماء ما قابل قيمة النخل ونقسط الزيادة بينهما؛ لأن الزيادة بهما معًا.
فرع
إذا رهنه أرضًا قد دفن فيها النوى لا يخلو إما إن علم المرتهن أو لا فإن لم يعلم فله الخيار إذا علم؛ لأن يتبين النقص بذلك، ثم إن رد جاز وإن اختار الإمساك أو كان علم بالنوى المدفون، أو علم بالنخل فيها فرهنها دون نخلها فالحكم في الكل واحد، وهو أنه لا يقلع النخل في الحال على ما ذكرنا.
ولكن إذا حل الحق وبيعت مع الأرض قسط الثمن عليهما ويدفع إلى المرتهن قيمة أرض فيها غراس؛ لأنه لما رضي بذلك استحق قيمتها على تلك الصفة، ولا يقلع ههنا بحالٍ.
وهذا إذا كان هناك غرماء وقد حجر عليه بفلس، فأما إذا لم يكن ذلك فالأرض تباع في الحق وحدها سواء كان ثمنها وفق الحق أو دونه أو فوقه، وقيل في كيفية التوزيع وجهان على ما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ:"وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا وَنَخْلًا ثُمَّ اخُتَلَفَا".
الفصل
إذا رهنه أرضًا واتفق على أن الراهن قال: بحقوقها فوجدت فيها [ق 224 ب] نخل، واختلف فقال الراهن: حدث النخيل بعد العقد فهي خارجة من الرهن، وقال المرتهن: كانت موجودة حال العقد فهي داخلة في الرهن لم يخل من ثلاثة أحوال؛ إما أن يمكن ما قال الراهن دون المرتهن، أو ما قال المرتهن دون الراهن، أو ما قالا ممكن فإن أمكن ما قال الراهن دون المرتهن، مثل إن عقد الرهن من عشر سنين والنخل يومئذٍ فسل سنةٍ ونحو ذلك فالقول قول الراهن بلا يمين، وإن أمكن ما يقول المرتهن دون الراهن مثل أن يعقد الرهن منذ سنة النخل باسق طويل، فقال الراهن: حدث بعد العقد فالقول قول المرتهن بلا يمين، وإن أمكن الأمر وأشكل ذلك فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنهما متفقان على أن النخيل ملك الراهن واختلفا في حدوث عقد الرهن عليهما والأصل أن لا عقد.
وقال المزني: "القول قول المرتهن لأن يده على النخيل"، وهذا سهو منه؛ لأن اليد إنما تدل على الملك لا على العقد، فإذا حلفا الراهن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن هذه النخل أحدثتها بعد العقد على الأرض، وهكذا لو رهن مع النخيل واختلفا هكذا في بعض النخيل فيها، فإذا حلف يكون حكمه حكم المسألة قبلها.
قال أصحابنا: فإن كان هذا الرهن في البيع فاختلفا في وقوع البيع على رهن النخيل
الجزء: 5 - الصفحة: 257
[ق 225 أ] الذي تداعيا به فيجب أن يتحالفا، وقد حلف الراهن فيقال للبائع المرتهن: أتقنع أن تكون الأرض رهنًا بلا نخيل، فإذا قنع فلا كلام، وإن لم يقنع قيل للراهن: أتسمح أن يكون النخيل رهنًا مع الأرض؟ فإن سمح فلا كلام، وإن لم يسمح قيل للبائع: قد حلف الراهن ولم تحلف أنت، فاحلف أنت لقد رهنتها بنخلها، وإن حلف قيل له: أنت بالخيار بين أن تقيم على البيع أو تفسخ؛ لأن محل الرهن ما سلم لك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال الراهن قد كانت هذه النخيل فيها ولكن استثنيتها، وقال المرتهن: ما استثنيت.
أو قال الراهن: رهنت الأرض دون النخيل، وقال المرتهن: بل مع النخيل.
فأما إذا قال: رهنتك جميع النخيل التي في الأرض لكن هذه النخلة بعينها لم تكن حينئذٍ، وقال المرتهن: قد كانت فالقول قول الراهن لأنهما ما اختلفا في صفة العقد وكيفيته، وفي هذا نظر؛ لأنه يقول: كان الشرط هذه النخلة بعينها مع الباقي وهو ينكر ذلك فهو اختلاف في قدر الرهن المشروط فيتخالفان كما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا حَلَّ الحَقَُ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ يَجُزْ".
إذا شرط الراهن بعد عقد الرهن أن الحق إذا حل عليه باع المرتهن الرهن لنفسه واستوفي حقه منه، فإن هذا توكيل باطل وشرط فاسد؛ لأن الإنسان لا يجوز [ق 225 ب] أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه؛ لأنه متهم فيه فإنه يريد أن يروج البيع، ويريد الراهن أن يتربص به ويستقصي في طلب الزيادة في ثمنه فلم يجز.
فإن قيل: أليس لو دفع المسلف إليه دراهم إلى المسلف ليشتري به طعامًا صح.
قلنا: لو وكله بأن تشتريه لنفسه لم يجز، وإن وكله ليشتريه له دون نفسه جاز.
والفرق بينهما أن هذا الشراء لا حق له فيه، وإنما هو للسلف فجاز أن يكون وكيلًا لغيره في حق غيره، وليس كذلك بيع الرهن فإنه حقه، فلم يجز أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه.
فإن قيل: أكثر ما فيه أنه توكيل فاسد، وإذا باع الوكيل وكالة فاسدة يجوز، فلم لا يجوز ههنا؟ قلنا: فساد الوكالة إذا كان لمعنى يرجع إلى عقد البيع منع صحة البيع، وقد بيَّنا أن الوكالة ههنا ترجع إلى عقد البيع، وهو أنه إذا باع فإنما يبيع لغيره في حق نفسه وذلك لا يجوز.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا.
وإذا ثبت أن البيع باطل كان للمرتهن مطالبة الراهن ببيعه وإيفاء حقه من ثمنه، فإن امتنع منه رفعه إلى الحاكم ليبيع عليه ويدفع ثمنه إليه، وإن كان هذا شرطًا في عقد الرهن
الجزء: 5 - الصفحة: 258
فإنه شرط (فاسد) في عقد الرهن [ق 226 أ] فهل يفسد الرهن ههنا؟ أصل ذلك إن كان رهن شرط من شرطًا فاسدًا إن كان نقصانًا في حق المرتهن بطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه فيكون على قولين.
وكل موضع قيد الرهن وكان على بيع هل يبطل البيع بفساده؟ قولان.
وهذا كله إذا كان الراهن غائبًا عن مجلس البيع، فإن كان حاضرًا فباع المرتهن بحضرته، فإنه إذا أراد تعجيل البيع وتضييع حق المرتهن فيه منعه منه.
وقال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي أيضًا، وقول الشافعي:
"لَمْ يَجُرْ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِلَّا بأَنْ يَحْضُرَهُ رَبُّ الرَّهْنِ"، أراد رب الرهن بيعه إذا حضره دون المرتهن؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلًا فيما يتعلق بحق نفسه.
قال الشافعي:
"فَإِن امْتَنَعَ أَمَرَ الحَاكِمُ بِبَيْعِهِ" والأول أصح وهو ظاهر النص.
فرع
لو قال: إذا حل الحق بعه لي واقبض الثمن ثم استوف منه حقك فالبيع وقبض الثمن جائز في استيفائه لنفسه.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز ذلك ولابد من أمين موفي ومستوفي.
والثاني: يجوز ذلك إذا ائتمنه عليه غير أنه يحتاج إلى أن يزنه مرة أخرى على نفسه وما لم يستوفه لنفسه فهو أمانة في يده كالرهن، وإذا استوفي دخل في ضمانه.
وهكذا الحكم في كل [ق 226 ب] من باع مال غيره في حق نفسه بتولية، مثل إن وكل سيد العبد الجاني المجني عليه في بيع العبد بما تعلق له برقبته، أو وكل الحاكم أمينه في بيع مال الغير في حق نفسه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْعَدْلِ جَازَ بَيْعُهُ".
الفصل
إذا شرطا أن يصغاه على يدي عدلٍ جاز الشرط وتكون يد العدل يد الراهن ووثيقة للمرتهن، وقال ابن أبي ليلي وداود: لا يجوز هذا القبض؛ لأن القبض من تمام هذا العقد فتعلق بأحد المتعاقدين كالإيجاب والقبول.
وهذا غلط؛ لأنه قبض في عقد فصح فيه التوكيل كسائر القبوض، ويفارق العقد؛ لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه؛ لأنه مخاطب بخلاف هذا.
فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على نقله عن يده جاز؛ لأن الحق لهما فجاز نقله.
الجزء: 5 - الصفحة: 259
برضاهما، وإن اختلفا نظر الحاكم فيه، فإن كان عدلًا ثقة أقره في يده، وإن كان فاسقًا انتزعه من يده.
وكذلك المرتهن إذا كان الراهن نقله من يده ويرفعه إلى الحاكم حتى ينقله عنه إلى غيره، وإن وكل الراهن هذا العدل ببيعه إذا حل الحق جاز؛ لأنه لا حق له في هذا البيع.
فإن قيل: هلا قلتم إن هذه الوكالة لا تصح لأنها وكالة بصفة، كما لو قال: إذا قدم الحاج أو جاز رأس الشهر [ق 227 أ] فقد وكلتك، فإن هذه وكالة باطلة.
قلنا: في مسألتنا الوكالة مطلقة غير مؤقته، وإنما البيع فيها مؤقت فجاز بخلاف ذاك.
فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على عزله عن الوكالة جاز، وإن عزله أحدهما فإن كان هو الراهن انعزل؛ لأنه وكيله في البيع، وإن عزله المرتهن اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: ينعزل وهو المذهب؛ لأن الشافعي قال:
"جَازَ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَحَدُهُمًا"؛ لأن الوكالة متعلقة بحقهما فبطل رجوع كل واحد منهما.
وقال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع دون المرتهن، ألا ترى أن الراهن لو انفرد عن المرتهن بالتوكيل صح، ولو انفرد المرتهن بالتوكيل في بيعه لم يصح إلا أن يدعي خيانة العدل ويقيم عليه البينة، فيكون له منعه من البيع.
قال: وقول الشافعي:
"مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَخَدُهُمَا" أراد ما لم يمنعه الراهن عنه بيعه؛ لأنه إن كان وكيل الراهن فلا يبيع إلا بإذن المرتهن.
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس للراهن أن ينفرد بعزله؛ لأن هذه الوكالة صارت من حقوق الراهن فلم يكن للراهن إسقاطه.
وهذا غلط؛ لأنها وكالة فكان للموكل فسخها كسائر الوكالات.
وأما ما ذكروا لا يصح؛ لأن الوكالة عقد بانفراده سوى الرهن كما لو باع شيئًا بشرط الرهن [ق 227 ب] لا يقال العقد من حكم البيع وهو عقد آخر كذلك ههنا.
فإذا تقرر هذا، ينظر إذا حل الحق، فإن اتفقا على البيع جاز العدل أن يبيعه، وإن أذن له أحدهما، فإن أذن له الراهن به لم يكن له بيعه حتى يستأذن المرتهن؛ لأنه له فيه حقًا، وإن أذن له المرتهن به هل يحتاج إلى استئذان الراهن في البيع؟ وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يحتاج إلى استئذان؛ لأنه قد وكله في البيع وأذن مرة فلا يحتاج إلى الإذن ثانيًا.
وقال ابن أبي هريرة: يلزمه أن يستأذنه؛ لأنه ربما كان له غرض فيه، وهو أن يقضي الحق من عنده ونقله من الراهن.
الجزء: 5 - الصفحة: 260
فرع
قال في "الأم": وإن مات العدل, فإن اتفق الراهن والمرتهن على وضعه في يد عدل آخر جاز, وأن تنازعا حمل إلى الحاكم فيجعله على يد عدلٍ آخر, وليس لأحدهما أن ينفرد به, لأن لكل واحد منهما فيه حقًا.
فرع آخر
لو كان الرهن في يد المرتهن فمات المرتهن, فإن رضي الراهن أن يكون على يد الوارث جاز, وإن لم يرضه واتفقا على عدلٍ يكون عنده جاز, وإن اختلفا جعله الحاكم عند العدل, وليس للوارث إمساك الرهن بغير إذن الراهن, لأنه ما وثق به, وإنما وثق بمورثه, وإن كان وارث المرتهن طفلاً وكان [ق 228 أ] أبوه أوصى إلى رجل بالنظر في ماله ما لم يكن للوصي إمساك هذا الرهن أيضًا بغير إذن الراهن.
مسألة:
قال: "وَلَو بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثلِهِ فَلَم يٌفَارِقهُ حَتَّى جَاءَ مَنْ يَزِيدُهُ قَبلَ الزِيادَةِ, فَإِن لَم يَفعَل فَبيعُهُ مَردُودٌ".
إذا أذنا بالبيع نظر, فإن صرحا له فقالا: بع نقدًا بنقد البلد بألفِ لم يجز له أن يخالف شيئًا مما أذنا له به غير أن له يبيع بأكثر من ألفٍ إن قدر عليه, وإن لم يصرها بشيء بل وقع الإذن بالبيع مطلقًا اقتضى ثلاثة أشياء, وهي أن بيعه بثمن مثله نقدًا بنقد البلد, فإن خالف منها بطل البيع.
وقال أبو حنيفة: له أن يبيع كيف شاء.
وهكذا الخلاف في الوكيل المطلق بالبيع غير العدل.
فإذا تقرر هذا وخالف ما ذكرنا, فإن كان البيع قائمًا رده, وإن كان تالفًا فللمرتهن أن يضمن من شاء من المشتري والعدل والراهن, فإن رجع على المشتري رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الحق, ولا يرجع المشتري على أحد بشيء؛ لأن الشيء تلف في يده عن بيع فاسد فاستقر الضمان عليه وإن رجع على الراهن رجع بحق نفسه, وللراهن أن يرجع على من شاء من العدل والمشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري, وإن [ق 228 ب] رجع على المشتري لم يرجع على أحد هذا إذا كان الخلاف في النقد, وإن كان الخلاف في نقصان الثمن فالذي له أن يبيع بثمن مثله أو لا يتغابن الثاني بمثله في العادة, مثل أن يكون ثمن مثله عشرة والمغابنة في مثله بدرهم فباعه بتمامه فالبيع باطل, وإن باع بتسعة جاز, وهذا يختلف باختلاف أجناس الأموال, فإن اللؤلؤ لتثمينه يتغابن
الجزء: 5 - الصفحة: 261
فيها الناس بمائة درهم أو بخمسين ونحو ذلك, وكذلك العبيد والإماء ولا يُعد هذا غبنًا فاحشًا.
وإذا أبطلنا البيع وكان المبيع تالفًا له أن يرجع به على العدل.
نص في "نختصر الرهن" على قولين: المذهب: أن له الرجوع بكمال قيمته أيضًا وهو عشرة.
والثاني: يرجع عليه بتغابن الناس بمثله, وهو ما حط عن تسعة إلى ثمانية فيرجع عليه بدرهم واحد؛ لأنه القدر الذي تعدى فيه, ثم هو يرجع بالتسعة على المشتري.
والأول: أصح؛ لأنه أخرج العين من يده على وجه لم يجز له فيضمن جميع قيمتها.
ولو أن المشتري اشتراه بما يتغابن الناس بمثله لم يرجع عليه بشيء, ولكن يلزمه تمام القيمة ههنا كذاك العدل.
ومثل ما قال أصحابنا في الزكاة إذا لم يعط واحدًا من الأصناف مع القدرة يضمن نصيله, وكم يضمن؟ وجهان:
أحدهما: القدر الذي لو أعطاه في الابتداء جاز؛ لأن التفضيل جائز [ق 229 أ] والثاني: القدر الذي يخصه سوى بينهم.
هذا إذا خالف, فإن لم يخالف فباعه بثمن مثله أو ما يتغابن الناس بمثله فالبيع صحيح.
وإن جاءه زائد فزاد في الثمن نُظر, فإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم تنفع الزيادة, وإن كان قبل لزوم البيع, مثل أن يزيد في الثمن في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط, قال الشافعي: "عليه قبول الزيادة" فإن لم يفعل فالمذهب أن البيع ينفسخ؛ لأن كل ما يكون في مدة الخيار, فهو كما يكون حالة التعاقد, ولو زيد حالة التعاقد فباع بدون الزيادة وبطل البيع كذلك ههنا.
وعلى هذا إن تلفت السلعة في يده ضمن قيمة السلعة بالزيادة.
ومن أصحابنا من قال: لا تبطل, لأن الزيادة مظنونة فلا ينفسخ بها العقد, وهذا يبطل بحالة التعاقد فإنها مظنونة أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال الثاني بعدما زاد: بدا لي ولا أزيد بل إن البيع الأول لم يبطل, وهذا كما أنه لو بذل الابن الطاعة لأبيه في الحج يلزمه أن يأمره به, وإن رجع عن الطاعة قبل أن يحج أهل بلده بأن أنه لم يجب وإنما يحكم وجوبه إذا ثبت على الطاعة حتى يحجوا.
قال القفال: لكيفية قبول [ق 229 ب] الزيادة باستئناف العقد الثاني مع المشتري الثاني من غير فسخ العقد الأول, فتضمن العقد الثاني فسخًا للبيع السابق, وإنما جعلنا قبول الزيادة معلقًا بالعقد؛ لأنه لو فسخ الأول بلفظ الفسخ ربما يمتنع الثاني فيبطل المقصود من العقدين, وهذا معنى قول الشافعي: "قبل الزيادة", وهذا يدل على صحة أحد الوجوه إذا باع البائع في زمان المجلس من آخر صح, وانفسخ البيع الأول فلا
الجزء: 5 - الصفحة: 262
يحتاج إلى أن يقول: فسخت البيع الأول.
مسألة
قال: "وَإذَا بِيعَ الرَّهِنُ فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقبِضَهُ المُرتهَنٌ" إذا باع العدل الرهن بيعًا صحيحًا فثمنه من ضمان الراهن إلى أن يقبضه المرتهن؛ لأن ثمن المبيع قائم مقام المبيع.
ولو هلك المبيع في يد العدل وهو أصل لا ضمان على العدل؛ لأنه أمين, فكذلك إذا هلك الثمن.
ثم للمرتهن مطالبة الراهن لحقه, وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: من ضمان المرتهن.
فأما أبو حنيفة بناه على أصله أن الرهن مضمون على المرتهن والثمن بدله.
وأما مالك فيقول: الثمن للمرتهن وبيع له فكان من ضمانه.
وهذا غلط؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع والصمن ملكه وهو ظامين له في قبضه فكان من ضمانه,
أما قوله "الثمن للمرتهن" لا يصح؛ لأنه للراهن وإنما تعلق به الاستيفاء له.
وأما قول الشافعي ههنا [ق 230 أ] "فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ" أراد من ضمانه كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن من راهنه" يعني من ضمان راهنه, وذلك عادة العرب في حذف المضاف.
مسألة:
قال: "وَلَو مَاتَ الرَّاهِنُ فَأَمَرَ الحَاكِمُ عَدلاً فَبَاعَ الرَّهنُ وضَاعَ الثَّمَنُ مِن يَدَي العَدلِ فَاستَحَقَّ الرَّهنُ".
الفصل:
إذا كان الرهن على يدي عدلٍ وقد وكلاه ببيعه عند محل الحق, فمات الراهن, وكان الحق خالاً أو حل عليه الحق بوفاته انفسخت الوكالة, فإن أراد الوارث قضاء الحق من غير الرهن أو من عنده جاز, وإن امتنع نصب الحاكم أمينًا ليبيع هذا الرهن, إما ذلك العدل أو غيره, فإذا باع الرهن وسلمه إلى المشتري وقبض الثمن فتلف الثمن في يد الأمين وخرج الرهن مستحقًا فالكلام فيه أربعة فصول؛ في المستحق, والمرتهن, والعدل, والمشتري.
وهكذا لو كان هذا في مفلس قد نصب الحاكم ليبيع ماله فباع عينًا من ماله وسلمها إلى المشتري وقبض الثمن فضاع من يده وخرج المبيع مستحقًا يكون الكلام في المستحق والغرماء والأمين والمشتري.
فبدأ بالمستحق فيأخذ عين ماله؛ وإن كان مع المستحق بينة حلف المستحق مع يمينه؛ لأنا نقضي بالبينة بغير يمين المدعي
الجزء: 5 - الصفحة: 263
[ق 230 ب] إلا في ثلاث مسائل: الميت والغاصب, والصبي, والمجنون سواء قلنا يحلف أو لا يأخذ خقه وينصرف.
وأما المرتهن: فقد بان له أن الرهن كان باطلاً وأن حقه بغير وثيقة, فإن كان الرهن في دين فلا خيار له, وإن كان في بيع فله الخيار, وإن اختار المقام على البيع كان أسوة الغرماء.
أما العدل: فلا ضمانة عليه؛ لأنه أمين الرهان في حفظ ملكه, وأمين المرتهن في حفظ وثيقة, وواسطة بين البائع والمشتري وقد تلف الشيء في يده من غير تفريط؛ لأنه وإن كان قد قبض الثمن بغير حق فقد سلمه إليه مالكه ليسلمه إلى مستحقه في الظاهر.
هكذا ذكر جماعة أصحابنا.
وقال القفال: إذا نصب الراهن والمرتهن عدلاً فوقع الأمر على هذا الوجه يرجع المشتري بالثمن على العدل؛ لأنه جفعه إليه ثم يرجع هو على الراهن لأنه يصدقه على أنه وكيل, وإن كان العدل منصوبًا من جهة القاضي هل للمشتري الرجوع على العدل أم لا عهدة على العدل بل يرجع في مال الراهن؟ وجهان:
أحدهما: لا رجوع على القاضي إذا تولى البيع بنفسه وهو ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: يرجع على العدل كما في المسألة الأولى.
قال: وقول الشافعي:
"لَم يَضمَنِ العَدلُ" أي لم يضمنه ضمانًا لازمًا وقصده الرد على أبي حنيفة حيث فال: العهدة [ق 231 أ] على العدل للمشتري ثم يرجع هو على الراهن, وهذا خلاف النص والصحيح ما ذكرنا.
ولا رجو على العدل في الصورة الأولى إذا صدق المشتري أنه عدل وواسطة في العقد, أو ذكر العدل عند العقد أنه وكيل لما ذكنا من العلة,
وأما المشتري يرجع بالدرك في مال من بيع عليه وهو المفلس, أو الميت أو الراهن, وكذلك كل من باع على الغير مالً وهم ستة: الأب, والجد, والوصي, والحاكم, والوكيل, والأمين.
ووافقنا أبو حنيفة في الحاكم والأمين, وخالفنا في الوكيل, والأب, والجد, والوصي فقال: يلزممهم العهدة ويرجع المشتري عليهم ثم يرجعون على من بيع المال عليهم بما ضمنوا.
وقال مالك: يرجع المشتري على المرتهن ويعود دينه في ذمة الراهن كما كان, لأنه بيع له, وهو لما ذكرنا من قبل.
فإذا تقرر هذا, فإن كان في الماء وفاء بدين المرتهن والمشتري جميعًا قضيا معًا منه.
وإن لم بكن فيه وفاء بهما نقل المزني وحرملة أنه أسوة الغرماء, ولا فصل بين المفلس ولا مسألة الميت إذا بيع في تركته شيء رهنًا كان البيع أو غير رهن.
واختلف أصحابنا في هذا على طريقتين؛ فمنهم من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: أنه أسوة الغرماء وهو الأصح, لأنه بذل الثمن لتحصل له السعة إذا [ق 231 ب] استحقت بالبينة بعد حصوله له فاستحق الرجوع بالثمن, فإذا كان تالفًا ثبت
الجزء: 5 - الصفحة: 264
حقه في الذمة كالمرتهن فهما سواء.
والثاني: يقدم على الغرماء؛ لأن في تقدمة مصلحة, إذ لو لم يقدم لم يشتر أحد من مال المفلس خوفًا من أن يخرج مستحقًا فيضيع ماله, فقدمناه كما قدمنا أجرة الخياط والحمال ونحو ذلك.
ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين, فالموضع الذي يقدم على الغرماء ما إذا كان للمفلس أعيان مال موجودة ههنا يقدم, والموضع الذي قال إنه أسوة الغرماء أراد إذا لم يكن له أعيان مال بحالً, وإن لم يكن له غير الذي يبيع عليه ففات الحجر عنه ثم ملك بعدها مالاً فاعيد الحجر عليه ههنا يكون المشتري أسوة الغرماء قولاً واحدًا, ومنهم من قال: فيه قولان.
فرع
لو باع العدل برضاهما وتلف الثمن في يده وخرج المبيع مستحقًا فلا عهدة على العدل على ما ذكرنا.
ولو دفع الثمن إلى المرتهن فالمشتري يرجع على الراهن أيهما شاء.
وهذا غلط للمعنى الذي ذكرنا من قبل.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كان الرهن على يدي عدل فباعه بإذنهما وقبض الثمن وسلمه إلى الراهن, وسلمه الراهن إلى المرتهن وقبض المشتري المبيع ثم أصاب به عيبًا فله رده, والرد [ق 232 أ] على الراهن؛ لأنه هو البائع وله الرجوع بالثمن ولكنه لا يرجع على المرتهن؛ لأن قبضه وقع صحيحًا مستقرًا وقد دفععه الراهن إليه بحقٍ ودخل في ملك الراهن أولاً, ولهذا لو أراد الراد أن يحبسه ويقضي دينًا من مال آخر له ذلك.
ويفارق هذا إذا استحق الرهن من يد المشتري له أن يطالب المرتهن بماله؛ لأنه قبض الثمن ولم يكن مستحقًا له فافترقا في الرجوع عليه.
وأما الراهن: إن كان قد ذكر في العقد أنه وكيل للراهن وبيع له فلا رجوع إليه, وكانت الحكومة بين الراهن والمشتري دون العدل, فإن كان للمشتري بينة بأن العيب كان موجودًا حال العقد أو بعد العقد وقبل القبض رجع بالثمن عليه, وإن لم يكن له بينة نظر فإن كان عيبًا لا يحدث مثله كالإصبع الزائد له رده بلا يمين, وإن كان يحدث مثله فالقول قول الراهن, وإن أطلق العدل البيع ولم يقل إنه وكيل الراهن في بيعه فالحكومة بين العدل وبين المشتري؛ لأن الظاهر أنه تصرف لنفسه فكانت العهدة عليه.
وهذا أصل في تصرف الوكيل متى ذكر أنه وكيل تعلق الحكم بموكله, ومتى أطلق تعلق به, فإذا كانت ....... وبين المشتري, فإن كان للمشتري فإن كان للمشتري بينة أن العيب كان موجودًا رد العبد ورجع بالثمن على العدل [ق 232 ب] ورجع العدل به على الراهن, وإن لم يكن معه بينة
الجزء: 5 - الصفحة: 265
فإن كان عيبًا يحدث مثله نظر, فإن كان أفر الراهن والعدل معًا أن العيب كان موجودًا حال العقد رده على العدل ورجع عليه بالثمن, ورجع العدل على الراهن.
وإن كذبه العدل والراهن معًا فالقول قول العدل؛ لأن معه سلامة العقد, فإن حلف العدل سقطت دعوى المشتري, فإن نكل رددنا اليمين على المشتري, فيحلف ويرد العبد ويرجع بالثمن على العدل, ثم لا يرجع العدل به على الراهن؛ لأنه يقول: العيب حادث والرد باطل والرجوع عليَّ بالثمن ظلم, وإن كان العدل صدق المشتري وحصل الخلاف بينه وبين الراهن, قال القاضي أبو الطيب: الذي عندي أن القول قول العدل؛ لأنه أمينه فيقبل قوله عليه.
وكلام أصحابنا يدل على أنه لا يقبل قوله عليه والله أعلم.
مسألة:
قال: "وَلَو بَاعَ العَدلُ فَقَبَضَ الثَّمَن فَقَالَ: ضَاعَ, فَهوَ مُصَدَّقُ".
إذا باع العدل وقبض الثمن, ثم ادعى أن الثمن ضاع من يده فالقول قوله لأنه أمين.
فإن اتهم أحلف كالمودع سواء, فإذا حلف حكمنا أن الثمن من ضمان الراهن خلافًا لأبي حنيفة على ما ذكرنا.
مسألة:
قالَ: "وَلَو قَالَ: دَفَعَتهٌ إِلَى المٌرتَهِنِ وأَنكَرَ [ق 233 أ] ذَلِكَ المُرتهَنُ فَالقَولُ قَولَهُ وَعَلَى الدَّافِعِ البَينَةُ".
إذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن وأنكر المرتهن ذلك لا يقبل قوله على المرتهن, وعلبه البينة أنه دفعه إليه, والقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنه ليس بوكيله ولا أمينه.
وفال أبو حنيفة: يقبل قول العدل عليه مع يمينه, وإذا حلف سقط حق المرتهن لا على جهة أنه أثبت القبض على المرتهن بيمينه ولكن لأجل أنه يصبر كأنه تلف الثمن في يده, ولأن العدل أمين فقيل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه, ولا يقبل في إيجاب الضمان على غيره.
وهذا غلط؛ لأنه ليس وكيل للراهن في دفع الدين إلى المرتهن, وإنما هو وكيل للمرتهن في حفظ الراهن له فلا يقبل قة=وله فيما ليس بوكيل فيه من جهته عليه.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأنه إذا لم يقبل قوله عليه وجبت أن لا يسقط حقه ولا يكون بمنزلة الإتلاف؛ لأنه لم يدع التلف.
فإذا تقرر هذا فإذا حلف المرتهن حكمنا أنه لم يقبض شيئًا من العدل, وأن حقه باق, ثم هو بالخيار إن رجع على الراهن؛ لأن حقه ثابت في ذمته وبين أن يرجع على .......... لأنه لم يثبت ما ادعاه فكان له المطالبة, وإن ضمن الراهن رجع الراهن على العدل؛ لأنه وإن كان قد دفعه بإذنه بق 233 ب] وكان وكيلاً فيه, فإنه أذن له في دفع يبرئه, فإذا دفع إليه دفعًا غير مبرئ كان ضامنًا, وإن
الجزء: 5 - الصفحة: 266
صدقه أنه دفعه, قال أصحابنا: فإن كان دفعه بحضرة الراهن واعترف الراهن بذلك لم يرجع الراهن على العدل؛ لأنه إذا حضر كان التفريط في ترك الإشهاد منسوبًا إليه.
وهكذا إذا لم يكن بحضرته إلا أنه كان قد أشهد عليه شاهدين أو شاهدًا وامرأتين ثم ماتا أو فسقا فلا ضمان عليه قولاً واحدًا.
وإن أشهد عليه شاهدًا واحدًا ومات فيه وجهان:
أحدهما: يضمن لأن الشاهد الواحد ليس ببينة فقد فرط فيه.
والثاني: لا يضمن وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأن الشاهد مع اليمين بمنزلة الشاهدين, فكان له أن يعول على يمينه مع الشاهد الواحد, وإن رجع على العدل لا يرجع على الراهن؛ لأنه يقول: ظلمني المرتهن فيما أخذ مني ثانيًا.
مسألة:
قال: "وَلَو بَاعَ بِدَينٍ كَانَ ضَامِنًا" أي: إذا باع وسلم.
فأما مجرد البيع لا يوجب الضمان, وأراد أنه ضامن القيمة؛ لأن ضمان الثمن إنما يتوجه عند صحة البيع وهذا البيع في الأصل فاسد, وقد ذكرنا هذه المسألة.
مسألة:
قال: "وَلَو قَالَ لَهُ أَحدَهُمَا: بِعْ بِدَنَانِير, وَقَالَ الآخرُ: بِع بِدِرهَم".
الفصل.
إذا اختلفا في جنس الثمن الذي يباع الرهن به [ق 234 أ] فقال الراهن للعدل: بعه بالدراهم, وقال المرتهن: بالدنانير لم يكن له بيعه حتى يتفقا على ما يباع؛ لأن لكل واحد منهما حقًا فيه, فإن لم يتفقا رفع إلى الحاكم حتى ينظر فيه, فإن كان كل واحد منهما يريد غير نقد البلد باعه الحاكم بنقد البلد, فإن كان جنس حقه منه صرفه إليه, وإن لم يكن جنس حقه صرفه في جنس حقه ووفاه إياه, وإن كان ما يقوله الآخر ليس بنقد البلد وما يقوله الآخر نقد البلد على ما ذكرنا لا؛ لأنّا قدمنا قوله ولكن لأنه يقتضيه الحكم وإن كان ما يقوله كل واحد منهما نقد البلد وكان في البلد نقدان, فإن كان أحدهما أغلب باعه بالأغلب, وإن استويا باعه بالأحظ, وإن استويا باعه بجنس حقه باع بما هو أسهل صرفًا إلى جنس الحق, فإن استويا عين الحاكم.
قال أصحابنا: وكذلك إذا كان حقه دراهم فقال المرتهن: أريد البيع بالدنانير وقال الراهن: أريد بالدراهم ويحصل من ثمنه مقدار حقه بيع بالدراهم ولا يراعى قول المرتهن؛ لأنه لا غرض له في هذا الموضع.
وعلى هذا لو كان الأرفق به أن يباع بجنس
الجزء: 5 - الصفحة: 267
الدين, وإن لم يكن نقد البلد باع به أيضًا, ذكره بعض [ق 234 ب] أصحابنا بخراسان.
مسألة:
قال: "فَإِن تَغَيَّرَت حَالُ العَدلِ فَأَيُّهُمَا دَعَا إلَى إخراجِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ".
إذا تغيرت حال العدل بفسق أو ضعف عن القيام به من كبر أو علة أو حدث عداوة لهما أو لأحدهما, فإن اتفقا على نقله من يده إلى غيره نقل إليه, وإن اختلفا فيمن ينقل إليه رفع إلى الحاكم حتى ينقله إلى يد من يراه, وإن اختلفا في حدوث معنى من الثلاثة نظر الحاكم فيه, فإن ثبت عنده نقله من يده, وقال أصحابنا: ومن جملة تعديله أنه يجني عن المرهون عمدًا, فإن جنى خطأ لم يقدح ذلك في عدالته, وإن وجب عليه غرم الجناية فيأخذه القاضي ويرده عليه ليحفظه كما حفظ الأصل المجني عليه, كما لو جني غيره وأخذ الأرش جاز أن يوضع عند هذا العدل إذا لم يتفقا على إخراجه من يده كالأصل سواء.
مسألة:
قال: "وَلَو أَرَادَ العَدلَ رَدَّهُ وَهُمَا حَاضِرَان".
الفصل.
إذا أراد العدل عزل نفسه عن الحفظ ورد الرهن لا يخلو الراهن والمرتهن من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا حاضرين, أو أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا, أو غائبين, فإن كانا حاضرين كان له الرد عليهما لأنه [523 أ] أمينها متبرع بالحفظ عليهما وليس له الرد على أحدهما لأنه أمين لكل واحد منهما والحق لهما, وللراهن حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة.
فإن خالف فرده على أحدهما فقد تعدى ويؤخذ منه قيمته تكون رهنًا مكانه إن تلف سواء سلمه إلى الراهن أو إلى المرتهن, ولهذا لو أتلفه الراهن تؤخذ قيمته وتكون رهنًا, وإن أراد رده إليهما فامتنعا من قبوله مضى إلى الحاكم وعرفه حتى يجبرهما على قبوله, فإن امتنعا قبل هو عنهما, فإن حمله إلى الحاكم وسلمه إليه مع حضورهما كان عليه الضمان؛ لأن الحاكم لا يلي على رشيد وإنما ينوب عنهما عند الامتناع, وفي هذا الموضع يلزم الضمان على الحاكم أيضًا, وإن كان أحدهما غائبًا والآخر حاضرًا لم يكن له دفعه إلى الحاضر, فإن دفعه إليه ضمن الآخر جميع قيمته, فإن قيل: هلا قلتم يضمن النصف.
وقيل: الفرق أن هناك لكل واحد منهما نصفها, وههنا ملك الجميع لأحدهما ووثيقة للآخر, ولهذا لو أتلفه الراهن يلزمه تمام قيمته للراهن فلهذا ضمن كله.
وإن كانا غائبين فإن كان لهما وكيل حاضر في استرجاع الودائع والرهون رده على
الجزء: 5 - الصفحة: 268
[ق 235 ب] وكيلهما, وإن لم يكن لهما وكيل فإن كان للعدل عذر من مرض أو سفر رده إلى الحاكم إن قدر عليه سواء كانت الغيبة طويلة أو قصيرة, وإن لم يكن للحاكم كان له أن يضعه على يد ثقة يودع ماله عنده لأنه موضع ضرورة كما نقول في المودع, وإن لم يكن له عذر, وقال: لست أختار التبرع بهذا الحفظ نظر في غيبتها, فإن كانت بعيدة رده إلى الحاكم ليحفظه وليس له رده إلى غير الحاكم ههنا؛ لأنه لا حاجة به إليه, وإن سلمه إلى غير الحاكم ضمنه, ثم إن شاء الحاكم فولى حفظه بنفسه وإياه قصده الشافعي بقوله:
"لَم أَرَ أَن يَضطَّرَّهُ عَلَى حَبسِهِ وإِنَما هِيَ وِكَالَةٌ لَيسَت لَهُ فِيهَا مَنفَعَةٌ" فإن لم يكن حاكم في هذه المسألة ليس له أن يودع عند غيره لأنه لا حاجة, وإن كانت الغيبة قريبة وهي ما لا يقصر فيها الصلاة ولم يقبله وأمره بالتوقف حتى يكتب إليهما ويعلمهما بذلك فيختارا لأنفسهما من يحفظ الرهن عليهما كما قلنا في الحاضرين سواء لأنهما في حفظ المقيمين, وإن سلم العدل إلى ثقة في داره, فإن كان منفردًا بالحفظ فعليه الضمان, وإن لم يكن منفردًا بالحفظ.
وإنما أعطاه ليحمله إلى صندوق أو خزانة فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يخرجه عن يده وقبضه وسلطانه, وإنما [ق 236 أ] استعان بغيره في حفظه فهو كما لو كانت دابة فسلمها إلى سائس يحفظها ويعلفها ويسقيها.
فرع
لو جعل المتراهنان الرهن في يد عدلين جاز ويكونان أمينين في الحفظ لهما, فإن أراد أحد العدلين أن يسلمه إلى العدل الآخر ليكون كله في يده, قال ابن سريج: فيه قولان يعني وجهان:
أحدهما: لا يجوز, فعلى هذا يكون يدهما عليه معًا, وإذا سلم إليه ما في يده وهو نصفه فعليه ضمانه لأنه الذي تعدى فيه, وإنما تثبت يدهما عليه بأن يتركاه في بيت أو موضع يكون يد كل واحد منهما ثابتة عليه.
والثاني: يجوز لأنه يشق عليهما ذلك.
فإن قيل: أليس قال الشافعي: "إذا أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما التصرف دون الآخر قولاً واحدًا" قلنا: الفرق على هذا الوجه لأنه لا يشق اجتماع الوصيين على التصرف وههنا اجتماعهما على الحفظ يشق عليهما.
وقال أبو حنيفة: فإن كان مما لا ينقسم جاز لكل واحد منهما إمساك جميعه, وإن كان مما ينقسم لم يجز واقتسماه.
وهذا غلط قياسًا على ما لم ينقسم, وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يضعاه في يد أحدهما بكل حالٍ.
وهذا لا يصح لأن المتراهنين لم يرضا إلا بخفضهما جميعًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 269
فرع آخر
[ق 236 ب] إذا قلنا بالوجه الثاني فاختلفا, وفال كل واحد منهما لا أسلم كله إلى صاحبي, فإن كان مما لا ينقسم أقر في أيديهما, وإن كان مما ينقسم ولا صرر في قسمته كالحبوب والأدهان قسمناه بينهما ويكون عند كل واحد منهما نصفه, فإن ترك جميعه في يد صاحبه ههنا.
قال ابن سريج: لا ضمان عليه على هذا الوجه كما لو كان فيما لا ينقسم وكما لو كان قبل القسمة, وقيل: عليه الضمان لأنه لا ضرر عليه في إمساكه نصيبه فحصل وجهان, ولأنه لما قسم انفرد كل واحد منهما بنصيبه من الأمانة فلا يجوز تفويضه إلى صاحبه بخلاف ما قبل القسمة.
فرع آخر
لو جعلا الرهن على يدي عدل ووكلاه ببيعه إذا حل الحق فلما حل قال: بعته وقبضت ثمنه وضاع مني أو أتلف في يدي, فإن صدقاه في القبض, وكذباه في الضياع والتلف وصدقاه في البيع.
قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان:
أحدهما: يقبل قوله وتبرأ ذمة المشتري لأنه أمينهما في التصرف فيقبل قوله فيما يتضمن ذلك التصرف وقبض الثمن من جملته.
والثاني: لا يقبل قوله لأن قوله: قبضت الثمن من المشتري إبراء منه فلا يقبل قوله في ذلك.
فرع آخر
لو كذباه في البيع فقال: قد بعت وسلمت وقالا: [ق 237 أ] ما بعت فهذه المسألة مشهورة بالقولين:
أحدهما: يقبل قوله عليهما.
والثاني: لا يقبل.
فرع آخر
لو أتلف أجنبي الرهن في يد العدل أخذت منه قيمته وجعلت رهنًا مكانه في يد العدل؛ لأن أمانته لم تبطل بجناية الأجنبي, وهذه القيمة مستفادة من الرهن فهي ........ يكون أمينًا في حفظه ولا يجوز له بيع قيمته بجنس حقه.
وكذلك لو كان للمتلف مثل فأخذ مثله لم يكن له بيعه؛ لأن الوكالة بالبيع تعلقت بعين الرهن, فإذا بطلت وكالته, فلا يجوز له بيع بدله إلا بإذن محدد من الراهن.
ذكره ابن سريج.
الجزء: 5 - الصفحة: 270
فرع آخر
لو غصبه غاصب من يد العدل وجب رده إليه, وإذا رده إليه زال عنه الضمان لأن الراهن رضي بتسليمه إليه.
فرع آخر
لو جعلاه على يد عدل ووكلاه ببيعه عند محل الحق فحل الحق قال ابن سريج: فإن كان الرهن مقبوضًا جاز ذلك, وإن كان غير مقبوض نظر, فإن قال: بعه رهنًا لم يجز لأنه لا يصير رهنًا قبل القبض, وإن قال: بعه مطلقًا جاز له البيع ويصير كما لو وكله ببيع سائر أملاكه الذي لم ير ههنا.
فرع آخر
قال: ولو جعلاه على يد صبي لم يكن رهنًا؛ لأنه لا يصح قبضه لنفسه فكيف يصح لغيره, وإن وكلاه بالبيع لم يجز أيضًا لأنه ليس من أهل [ق 237 ب] البيع, وإن جعلاه على يد عبد وأذنا له في البيع لم يجز للعبد لأنه مستحق المنافع لسيده فلا يستعملها في حق غيره, وعلى هذا لا يصح قبضه.
ولا فرق بين أن يكون مأذونًا في التجارة أو غير مأذون ولا فرق بين أن يكون بجعل أو غير جعل.
فرع آخر
لو جعلاه في يد كاتب فإن كان بغير جعل فهو كالعبد, وإن كان يجعل يجوز, لأنه يملك إتلاف منافعه بعوض, وإن كان لا يملك التبرع بمنافعه.
فرع آخر
لو جعلاه على يد ذمي جاز؛ لأنه يكون وكيلاً للمسلم في البيع والحفظ.
وكذلك إذا جعلاه على يد العاهد, فإن أراد أن يخرج إلى دار الحرب كان لمن شتء من المتراهنين انتزاعه من يده.
فرع آخر
لو كان الراهن والعدل ذميين وكان الرهن خمرًا والمرتهن مسلم فباع الذمي الخمر وأخذ ثمنها فالرهن لا يصح, وهل يجبر المرتهن على قبول الثمن أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم قبوله لأنه حرام بالشرع وهو الأصح واختاره القاضي الطبري.
والثاني: يلزمه قبوله؛ لأن هذا الثمن صار مالاً من أموال الذمي بالقبض, ألا ترى أنَّا نقرهم عليه, ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- في أهل الذمة في الخمر: ولهم بيعها وخذوا منهم عشور أثمانها, فعلى هذا قلنا له [ق 238 أ] إما أن تقبض أو تبرئ.
الجزء: 5 - الصفحة: 271
فرع آخر
لو سافر المرتهن بالعبد المرهون ضمنه, وإذا عاد إلى البلد لم يزل ضمانه, وللراهن أن يسأل الحاكم لينقل العبد من يده لما ظهر من يكربه وليس للراهن نقله بنفسه.
فرع آخر
لو أخذ المرتهن من يد العدل فقد تعدى فيه وضمنه, فلو أراد رده إلى العدل برئ من ضمانه.
وكذلك لو أخذه الراهن من يده ضمنه, فإن أراد رده إلى يده.
زال الضمان لأنه رد إلى الوكيل.
فرع آخر
لو كان الرهن عبدًا فقتله المرتهن يلزمه قيمته وتكون رهنًا مكانه ثم ينظر, فإن كان القتل عمدًا لم يرد القيمة إليه لأنه فسق بالقتل, وإن اتفقا على كون القيمة عند عدل جاز, وإن اختلفا فالحاكم ينصب من يكون في يده, وإن كان القتل خطأ ردت قيمته إلى يد المرتهن على ما ذكرنا في أرش الجناية كما لو كان القاتل أجنبيًا, وإنما يصح هذا بأن يقبض الراهن القيمة ثم يردها إلى يد المرتهن لتتميز عن أعيان ماله.
ولو كان الحق حالاً فقد وجب على المرتهن القيمة حاله وله على المرتهن دين, وإن اتفقا في الجنس يتقاصان ويترادان الفضل, وإن كانا من جنسين لم تصح المقاصة ولكن الراهن يقبض القيمة ويصرفها إلى جنس حقه ويقبضه إياها.
فرع آخر
لو اختلفا فقال المرتهن: رهنتني العبد [ق 238 ب] الذي هو في يدي بالحق الذي لي عليك, وقال الراهن: ما رهنته وإنما الذي رهنته قد أتلفته وعليك قيمته, فالقول قول الراهن في الموجود أنه لم يرهنه؛ لأن الأصل أنه لا رهن والقول قول المرتهن فيما يدعي عليه من الإتلاف؛ لأن الأصل أن لا قتل ولا غرم.
فرع آخر
قال في "الأم": لو وكل وكيلاً ليرهن عند آخر شيئًا على عشرة دراهم يأخذها منه فرهنه ثم اختلفا فقال الوكيل: أخذت عشرة ورهنته بها, وقال المرتهن: بل رهنته على عشرين وبهذا كان قد وكلتك, فالقول قول الوكيل مع يمينه.
وقال أبو حامد ههنا: لا نزاع بين الموكل والراهن والمرتهن ههنا وفيه نظر لأن المرتهن إذا ادعى إذن الراهن يقبض العشرين له أن يحلفه, لأنه لو أقر به لزمه, وإن تصادق الوكيل والمرتهن وأنكر الموكل فالقول قول الموكل مع يمينه لأنه ينكر الإذن, فإذا حلف كان الشيء رهنًا بعشرة وضمن
الجزء: 5 - الصفحة: 272
الوكيل للمرتهن عشرة لأنه أقرّ له بالقبض والراهن ينكره فكان عليه ضمانه.
ومن أصحابنا من قال: "إذا صدق المرتهن الوكيل أن له الموكل بذلك ليس له أن يطلبه بضمان هذه العشرة, وهذا صحيح.
فرع آخر
لو رهن الوكيل بها عبدًا للموكل, ثم اختلفا فقال الوكيل: إنما أديت لك في رهن الثوب [ق 239 أ] دون الثوب, وقال الوكيل: أمرتني برهن العبد دون الثوب فالقول قول الموكل مع يمينهح لأنه يدعي عليه الإذن, فإذا حلف لم يكن واحد منهما رهنًا لأنه لم يلزم رهن العبد, والأصل أن لا رهن والمرتهن يفي الرهن في الثوب فسقط حقه منه وبقي الدين بلا رهن.
فرع آخر
لو أقام كل واحد منهما بينة على ما ذكر, قال الشافعي في باب الرسالة في الرهن من "الأم": "كانت بينة الرسول أولى ولا تعارض فيهما.
وإن قال: نهيتك عن رهن العبد وأقام على ذلك بينة, قال الشافعي: لا يتعارضان أيضاف وبينة الرسول أولى لأنه يجوز أن نهاه عن رهن العبد, ثم أذن له فيه, ويجوز أن يكون نهاه بعد ما رهنه فلا ينفعه رجوعه.
فرع آخر
لو رهن أمه فجني عليها أجنبي فألقت جنينًا ميتًا وجب فيه عشر قيمة أمه يأخذه السيد ولا يكون رهنًا؛ لأن ولد الرهن لا يدخل في الرهن, وإن نقصت الأم نظر, فإن كان نقصانًا لا أثر له فلا شيء عليه, وإن كان نقصانًا له أثر مثل الجرح أخذ منه أرشه ويكون رهنًا معها أو قصاصًا من الحق.
فرع آخر
لو كانت بهيمة فألقت جنينًا نظر , فإن كان ميتًا يلزمه أرش ما نقص من الأم ولا يجب فيه شيء مقدر ويكون هذا الأرش رهنًا معها وإن خرج [ق 239 ب] الجنين حيًا, ثم مات قال في "الأم" فيه قولان:
أحدهما: تجب قيمته لأنه خرج حيًا يمكن تقويمه.
والثاني: يجب عليه أكثر الأمرين من قيمته أو نقصان الأم لأن النقص مضمون والولد مضمون ولا يجوز الجمع بينهما فوجب أكثر الأمرين.
قال بعض أصحابنا: فإن كان الأكثر نقصان الأم كان المأخوذ رهنًا, وإن كان
الجزء: 5 - الصفحة: 273
الأكثر قيمة الولد كان المأخوذ للراهن لأنه قيمة الولد.
فرع آخر
لو برئ الراهن من الدين بقضاء أو حوالة أو إبراء زالت الوثيقة وبقي الرهن أمانة في يد العدل إن كان في يديه كالوديعة وليس عليه رده قبل المطالبة؛ لأنه متمسك بالإذن فهو كالوديعة المجردة سواء.
وقال أصحابنا: يجب أن يقال إذا أبرأه المرتهن ولم يعلم الراهن به أن يعلمه ذلك أو يرده عليه؛ لأنه لم يرض بتركه في يده بعد زوال الوثيقة بخلاف ما لو علم فسكت لأنه رضي بتركه في يده.
فرع آخر
لو ادعى المرتهن رد الرهن على الراهن وأنكر الراهن ذلك.
قال ابن سريج: القول قول الراهن بخلاف المودع, والفرق أن المرتهن يمسكه لمننفعة نفسه فلم يقبل قوله في رده على صاحبه كامستأجر يدعي رد ما استأجر لا يقبل قوله, والمودع قبضه لمنفعة صاحبه لا لمنفعة نفسه فقيل قوله في [ق 240 أ] الرد على صاحبه.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك الوكيل بغير جعل يقبل قوله كالمودع.
فرع آخر
إذا حل الحق طولب الراهن بالدين فإن امتنع, قال أبو إسحاق: حبسه الحاكم وأجبره على البيع, فإن أقام على الارتفاع باعه عليه وهكذا إذا كان عليه دين من غير رهن فامتنع من أدائه ........ وخالفنا أبو حنيفة في كلتا المسألتين فقال: لا يباع عليه وربما يسلمون المسألة الأولى لأنه لما رهن فقد رضي ببيعه عليه عند الامتناع.
فرع آخر
لو رهنه شيئًا فتلف في يد المرتهن, ثم جاء مستحق فاستحقه.
قال ابن سريج فيه جهان:
أحدهما: للمستحق أن يطالب الراهن دون المرتهن؛ لأن الراهن هو الغاصب ولم يكن من المرتهن غصب ولا إتلاف, فإذا رجع عليه به لم يرجع الراهن على المرتهن بشيء؛ لأن يد المرتهن يد الراهن.
والثاني: له أن يرجع على من شاء منهما, وبه قال جميع أصحابنا, والوجه الأول غريب, وقال القاضي الطبري: أشار إليه الشلفعي في موضع من الأم حتى رأيت بعض أصحابنا يقول: فيه قولان, فإذا قلنا بالمذهب فإن رجع على الراهن لم يرجع على المرتهن وإن رجع على المرتهن رجع المرتهن على الغاصب لأنه غيره, ومن أصحابنا من
الجزء: 5 - الصفحة: 274
قال لا يرجع المرتهن على الراهن؛ لأن [ق ب] التلف في يده وأمسكه لمنفعة نفسه وهو ضعيف, ولو كان أتلفه المرتهن بجناية فللمستحق أن يطالب من يشاء منهما, فإن رجع على المرتهن لم يرجع على الراهن, وإن رجع على الراهن رجع على المرتهن ما غرم فيحصل الضمان مستقرًا على المرتهن في هذه المسألة ويستقر الضمان على الراهن في المسألة قبلها.
فرع آخر
لو كان عبدًا فأبق في يد المرتهن وخرج مستحقًا كان حكمه حكم ما لو تف في يده, وإن كان الرهن ماشية فتوالدت, ثم تلفت في يده مع النتاج ثم خرجت مستحقة كان في الأولاد والأمهات وجهان:
أحدهما: يرجع المستحق على الغاصب دون المرتهن.
والثاني: يرجع على من شاء.
قال ابن سريج: وما فاته من الرهن فهو في المودع مثله.
فرع آخر
لو باع من رجل عبدًا بألف درهم فجاء أجنبي فدفع إلى البائع, ثم خرج العبد مستحقًا كان على البائع رد الألف على الباذل دون المبتاع, لأنَّا بينَّا أن المبتاع لم يكن عليه شيء, وأن البذل لم يصح عنه, وإن وجد المبتاع به عيبًا فرده على البائع.
قال ابن سريج فيه وجهان:
أحدهما: يرده على الباذل لأنه إسقاط حق وليس بتمليك للمشتري.
والثاني: يرجع إلى المشتري.
وهكذا الحكم في الأجنبي إذا بدل صداق [ق أ] امرأته, ثم طلقها قبل الدخول بها هل يرجع نصفه إلى الباذل أو إلى زوجها قال أصحابنا: فيه وجهان قياسًا على ما ذكر ابن سريج لأنه لا فرق بينهما.
فرع آخر
لو أقر أجنبي أنه قبل المرهون فكذبه المرتهن دون الراهن تؤخذ القيمة منه للراهن ولا تكون رهنًا؛ لأنه لا يدعيها المرتهن, ولو مات المرتهن واعترف وارثه بما قال الراهن لم يكن له حق في القيمة أيضًا؛ لأنه لا يثبت له ما لم يثبت لموروثه.
قال والدي رحمه الله: ويحتمل أن يقال: يدفع إليه القيمة لتكون رهنًا عنده لأن صاحب الحق في هذه الحالة الوارث قياسًا على ما قال الشافعي إذا أقام المدعي للوقف شاهدًا واحدًا, ولم يحلف معه ثم مات وأراد وارثه أن يحلف له ذلك في أحد القولين.
وهكذا لو أقر بحق إلى هذا الوارث؟ يخرج على هذين الوجهين.
ولو صدقه
الجزء: 5 - الصفحة: 275
المرتهن وكذبه الراهن أخذت منه قيمته ويكون رهنًا عنده, فإذا حل الحق وقضى حقه من غيرها ردت القيمة إلى المقر؛ لأنه أقرَّ لمن لا يدعيه.
وفيه وجه آخر يوضع في بيت المال, وإن لم يقبض الراهن دينه من غيرها قضى منها.
فرع آخر
لو رهنه مالاً [ق 241 ب] فقبضه المرتهن من غير إذن الراهن فاسترجعه الراهن ثم أذن له فقبضه بغير قبض ثاني.
وكذلك لو قبض المشتري المبيع قبل أداء الثمن فاسترجعه البائع ثم اعتبر القبض مستأنفاً ولا يصح القبض السابق.
فرع آخر
إذا باعه الراهن بإذن المرتهن وقبل انقطاع الخيار رجع عن الإذن, هل يبطل البيع؟ وجهان, والأشبه أنه لا يبطل.
ذكره والدي رحمه الله.
قال: ولو أذن بهبته فوهبه ولم يقبضه صح رجوع المرتهن في أصح الوجهين.
قال: والأصح ههنا أنه يصح الرجوع؛ لأن الرهن لم يبطل بعد هذه الهبة, ألا ترى أن الراهن لو فسخ الهبة عاد الملك رهنًا, وفي البيع إذا فسخ الراهن البيع بحق خياره يحتمل وجهين, ويتبنى ذلك على مسألة العصير ينقلب خمرًا ثم يصير خلاً وفيه قولان:
وعندي فيما ذكره نظر, والأصح أنه لا يصح الرجوع لما ذكرنا أن الهبة تنافي مقتضى عقد الرهن, وأن يتصل بها القبض, ولا يعود الرهن بفسخ البيع, ويفارق مسألة العصير للمعنى الذي ذكرنا فيها فيما تقدم.
فرع آخر
لو قال الراهن للمرتهن: بعت هذا المرهون منك فقال المرتهن: قبلته لا يصح إلا أن يكون المرتهن سأله البيع منه أولاً, ثم إذا أجابه هل يحتاج إلى قوله قبلت؟ قد ذكرنا في "البيع".
ولو وكل الراهن [ق 242 أ] المرتهن بيعه, قال أبو الفياض: إن كان بحضرته جاز, وإن كان بغيبته فيه وجهان.
فرع آخر
لو أذن الراهن بيع المرهون مطلقًا فباعه بثمن مؤجل فإن الحق حالاً لم يجز لمعنى الإصرار, وإن كان مؤجلاً جاز, وليس كالوكيل بالبيع؛ لأن الراهن يبيع لنفسه بخلاف الوكيل, ويحتمل أن يقال: لا يصح البيع؛ لأن المرتهن رفع البيع بقول يقتضي الحلول, وله أن يخص رفع المنع لجهة دون جهة, ألا ترى أنه لو أذن له ببيعه حالاً لا يجوز أن يبيعه مؤجلاً.
الجزء: 5 - الصفحة: 276
فرع آخر
لو رهن خاتمًا فلبسه المرتهن صار ضامنًا وعليه أجرة مثله إن لبسه مدةً يكون لمثلها أجرة, ويجوز إجاره عند أصحابنا.
مسألة:
قال: "وِلَو جَنَي المَرهُونَ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَهُ القَصَاصُ".
الفصل:
إذا جني العبد المرهون لا يخلو إما إن جنا على أجنبي, أو على سيده, أو على من يرثه السيد, فإن جني على أجنبي فقد ذكرنا حكمه أنه يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ لأن حق الأرش برقبة العبد أخص وأكد من تعلق دين المرتهن به, بدليل أن الأرش يسقط دين الراهن بموت العبد ولا يسقط دين المرتهن به.
فإذا تقرر هذا, فإن كان الأرش أقل من قيمة العبد فهو الواجب, فإن اختار السيد [ق 242 ب] الفداء بقي العبد رهنًا كما كان, وإن لم يختر الفداء يباع منه بقدر الأرش على ما ذكرنا, وإن كان أكثر من قيمة العبد فيه قولان, والأصح أنه يلزم أقل الأمرين من القيمة أو الأرش على ما ذكرنا.
وإن كانت الجناية على سيده لا يخلو إما أن تكون نفسًا أو من دون النفس, مثل إن قطع يده أو رجله أو نحو ذلك فله القصاص.
ويفارق هذا إذا سرق مال سيده لا يقطع؛ لأن الغالب أن مال السيد لا يكون محرزًا عن العبد, وهل للسيد أن يقتص منه لنفسه, أو يقتص له السلطان؟ وجهان:
أحدهما: يجوز له كما يجوز إذا زنا.
والثاني: لا يجوز له لأنه الخصم في القصاص.
فإن اختار القصاص فلا كلام, وإن عفا على مالٍ قال الشافعي: "لا يثبت المال" لأن المال الذي يثبت للمجني عليه على عبده في رقبةٍ والرقبة مملوكة له ومال من أنواله فلم يجز أن يعفو على مال ويثبت له المال ويتبعه في الجناية فيبطل الرهن ويسقط حق المرتهن, وإن كانت الجناية خطأ فإنها هدر والعبد رهن لحاله على ما نص عليه الشافعي.
وعلى مذهب ابن سريج يجب أن يكون له بيع العبد وإسقاط حق المرتهن منه.
وإن كانت نفسًا فللوارث أن يقتص منه, فإن عفا على مالٍ نص الشافعي في [ق 243 أ] "الأم" على قولين:
أحدهما: ليس له ذلك لأنه قائم مقام مورثه وهو الصحيح.
والثاني: له ذلك؛ لأن الجناية حصلت في غير ملكه.
الجزء: 5 - الصفحة: 277
فعلى هذا يباع العبد بمقدار الدية, فيأخذ الوارث فإن بقي من العبد شيء كان رهنًا.
وهكذا لو كان القتل الخطأ أو شبه العمد هل يثبت المال في رقبة العبد؟ قولان.
ويشبه أن يكون أصل المسألة إذا كان القتل الخطأ وجبت الدية, فمن يستحقها على العاقلة؟ قولان:
أحدهما: يستحقها المقتول بآخر جزء من أجزاء حياته ثم يخلفها للورثة.
والثاني: يملكها الوارث ابتداء على العاقلة, فإذا قلنا يملكها المقتول لم تثبت ههنا.
وفرع "الأم" على هذا فقال: إذا قتل السيد وله ابنان وكان القتل عمدًا فلهما القصاص والعفو, فإن اقتصا فلا كلام, وإن عفوا على مال فعلى ما مضى من القولين.
فإذا قلنا: ليس لوارثه العفو على مال سقط المال.
وإذا قلنا: له العفو على مال ثبت حق الذي لم يعف؛ لأن حقه من القود سقط بغير اختياره.
وأما حق العافي: فإن عفا على مال ثبت, وإن عفا مطلقًا هل يثبت المال؟ قولان: بناء على موجب العمد, فإن قانا: موجبه القود فقد سقط المال, وإن قلنا: أحد شيئين ثبت المال, وإن عفا على غير مال لا يلزمه شيء, وإن جني [ق 243 ب] على ابن سيده أو أبيه أو من يبرئه من قرابته أو مواليه ولا وارث له غيره فللسيد أن يقتص منه وله أن يعفو على ما نص عليه في "الأم" فمن أصحابنا من قال: لا يختلف المذهب فيه, ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: كالوارث الذي ذكرنا والأول أصح, والفرق بين المسألتين أن السيد لم يكن له أن يعفو على مال فلم يكن لوارثه أيضًا, وليس كذلك موروث السيد, فإن كان له أن يعفو على مال فكان وارثه قائمًا مقامه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح أنه لا يثبت له ذلك لأن ابتداء الوجوب يكون الراهن الوارث؛ لأن الدية تثبت للوارث ابتداء في القول الصحيح وقال: وعلى هذا إذا كانت الجناية على طرف الابن ومات بسبب آخر حتى لم تصر جناية هذا العبد نفسًا بل وجبت دية الطرف, كذلك الابن ثم صار الإرث إلى الأب, ففي ثبوت مثل هذا للسيد على عبده وجهان, والأصح أنه كما انتقل إليه سقط, وكذلك ثبت له الدين على عبد الغير, ثم ملك العبد وأعتقه هل يبيعه بذلك الدين؟ وجهان؛ والأقيس أنه كما ملك سقط الدين وفي هذا كله نظر والأصح ما تقدم.
ولو جني على مكاتب سيده, فإن كان دون النفس فللمكاتب أن يقتص منه وله أن يعفو على مال؛ [ق 244 أ] لأن الجناية حصلت في ملك غيره وصار له ما كان لغيره, نص عليه.
قال: وهكذا الحكم فيه إذا قبل المكاتب حكاه القاضي الطبري, وإن جني على سيده فإن لم يكن مرهونًا, فإن كان عمدًا له القصاص, وإن عفا على مال لا يصح على المنصوص, وفيه قول مخرج لابن سريج.
الجزء: 5 - الصفحة: 278
وهكذا إن كانت الجناية خطأ أو عمد خطأ, ولا فرق بين أن يكون المقتول عبدًا قنًا, أو مدبرًا, أو معتقًا بصفةٍ, أو أم ولدٍ.
قال في "الأم": فإن كان المقتول ممن لا يقاد به القاتل مثل قتل الوالد أو الأم فلا قصاص ولا يثبت له المال لأنه كالخطأ في ثبوت المال.
وإن كان المجني عليه مرهونًا كالجاني لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكونا مرهونين عند رجلين, فإن كانت الجناية عمدًا كان للسيد أن يقتص منه وكان له أن يعفو على مال لأجل حتى حق المرتهن لا لحق السيد, فإن أقبض بطل الرهنان وبقي الحقان بلا رهن وإن عفا مطلقًا.
فإن قلنا: العمد يوجب القود فقط, ويثبت المال بالاختيار لم يثبت المال.
وإن قلنا: يوجب أحدهما لا بعينه ثبت المال, وإن عفا على غير مالٍ.
قال الشافعي: "لم يكن للمرتهن منعه من ذلك".
قال أصحابنا: هذا القول الذي نقول به الواجب في العمد القصاص, وإنما المال يثبت باختيار الولي.
[ق 244] فأما إذا قلنا: الواجب أحدهما لا بعينه ثبت له المال ههنا, ولا يجوز له إسقاطه لتعلق حق المرتهن به, فإذا تكرر هذا فكل موضع قلنا ثبت المال تعلق برقبة القاتل حقان: أرش ودين, فيقدم الأرش على الدين, فإن كانت قيمة القاتل أكثر مثل إن كانت قيمته مائتين وقيمة المقتول مائة بعنا منه بقدر قيمة المقتول يكون رهنًا, فكان المقتول والباقي بحاله, فإن لم يكن بيعه بعضه بيع كله وأخذ من ثمنه قيمة المقتول يكون رهنًا فكان المقتول وما لقي مكان المقتول, وإن كانت قيمة القاتل أقل فيه وجهان:
أحدهما: ينقل القاتل برمته إلى مكان المقتول.
والثاني: يباع القاتل فإن فيه فائدة, وهي أن يرغب فيه راغب فيزيد في ثمنه فيكون قدر الزيادة رهنًا مكان القاتل.
وإن كانا مرهونين عند رجل واحد, فإن كان لحق واحد فلا يجوز عفوه على مالٍ؛ لأن المرتهن لا غرض له في ذلك, وإن كانا بحقين في صفقتين فإن كانت خطأ أو عمد خطأ تعلقت قيمة المقتول برقبة القاتل, وإن كانت عمدًا فالسيد بالخيار بين القصاص والعفو.
فإن قيل: بطل الرهنان وبقي الحقان بلا رهن, وإن عفا على مال بيت المال, وإن عفا مطلقًا أو على غير مال فعلى قولين.
فكل موضع لا يثبت المال لا يخلو [ق 245 أ] الحقان وقيمة العبد من ثلاثة أحوال؛ إما أن يتفق الحقان والقيمتان أو تتفق القيمتان ويختلف الحقان, أو يتفق الحقان وتختلف القيمتان, فإن اتفق الحقان والقيمتان مثل إن كان كل واحد من الحقين مائة وقيمة كل واحد من العبدين مائة أقر القاتل مكانه؛ لأنه لا فائدة في بيعه ولا في نقله, هكذا قال أصحابنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 279
وقيل ينبغي أن يعترض على البيع فربما يرغب راغب فزاد في ثمنه فيكون قدر قيمته المقتول رهنًا مكان المقتول, وما يبقى رهنًا مكان القاتل.
وإن اتفقت القيمتان واختلف الحقان, مثل إن كانت قيمة كل واحد منهما مائة وأحدهما رهن بمائة والآخر رهن بمائتين نظر فإن كان المقتول رهنًا بالمائتين خير من أن يكون رهنًا بالمائة, وهل يباع وينقل ثمنه أو ينقل بعينه؟ على الوجهين.
وإن كان المقتول رهنًا بالمائة أقر القاتل مكانه ولا ينقل إلى مكان المقتول؛ لأن إقراره رهنًا بالمائتين خير من نقله رهنًا بمائه, وإن اتفق الحقان واختلفت القيمتان, مثل إن كان كل واحد من الحقين مائه وقيمة أحدهما مائه وقيمة الآخر مائتين نظر, فإن كان قيمة المقتول مائتين أقر القاتل مكانه؛ [ق 245 ب] لأنه لا معنى في نقله إليه وإن كانت قيمة المقتول مائه وقيمة القاتل مائتين بعنا من القاتل بقدر قيمة المقتول بكون رهنًا مكان المقتول, وما بقي من القاتل يكون رهنًا مكانه, هذا كله إذا كان الحقان حالين أو مؤجلين.
فإن كان أحد الحقين حالاً والآخر مؤجلاً بعنا القاتل بكل حال, وجعلت قيمته مكان المقتول رهنًا, ليكون المؤجل برهن ويستوفي المعجل الذي عليه الدين, وإن كان القاتل بالمؤجل والمقتول بالمعجل بيع القاتل ليتعجل به استيفاء الدين من ثمنه.
مسألة:
قال: "وإقرَارُ العَبدِ المَرهوُنِ بِمَا فِيهِ قَصَاصٌ جَائِزٌ كَالبَيِّنةِ".
قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم, ولا فرق ههنا بين أن يكذبه الراهن أو المرتهن أو يصدقاه وقد ذكرنا أنه إن أقر بما يوجب المال فإقراره باطل, وقول الشافعي ههنا: "باطل" يعني في حق سيده.
مسألة:
قال: "وَإذَا جَنَي العَبدُ فِي الرَّهنِ قِيلَ لِسَيِّدِهِ: إن فَدَيتَهُ بِجَميعِ الجِنايَةِ فَأنتَ مُطوِّعٌ وَهوَ رَهنٌ".
الفصل: إلى آخر كلام المزني رحمة الله عليه, قوله:
"بجميع الجناية" يدل على أن السيد إذا اختار الفداء بالأرش يلزمه بالغًا ما بلغ, وإن زاد على قيمة الرقبة, وهذا قول قديم لم ينص عليه في شيء من كتبه الجديدة, ويحتمل أن يكون مراده بهذا اللفظ المطلق دون [ق 246 أ] الأحوال دون بعض, وهو إذا كان جميع الجناية مثل قيمة الرقبة, وإذا امتنع السيد من الفداء للمرتهن أن يفديه على القولين, ثم إذا فداه بإذنه وشرط أن يكون الرهن رهنًا بذلك أيضًا.
قال الشافعي ههنا: "يجوز" وقد ذكرنا.
قال المزني: يدل على أن الزيادة في الدين في الرهن الواحد يجوز.
الجزء: 5 - الصفحة: 280
وقال أبو إسحاق: يحتمل هذا وجوبًا ههنا أنه أراد الشافعي أنهما يفسخان الرهن الأول ويرهنانه بالك.
والثاني: ذكره على أحد القولين.
والثالث: جوز علي القولين؛ لأنه يتعلق به مصلحة الرهن علي ما تقدم بيانه، وقد بينا الفرق.
مسألة:
قال: "فإن كان السَّيدُ أمر العبد بالجناية".
الفصل:
إذا أمر عبده المرهون بالجناية علة إنسان بقطع طرفه أو قتله، فإن كان العبد بالغًا عاقلًا مميزًا فالسيد آثم والعبد هو الجاني وعليه القصاص، لأن اختياره أقوى من أمر سيده إياه، فإن عفا المجني عليه أو وليه علي مال بيع العبد في الجناية على ما بيناه، وإن كان صبيًا مميزًا فكذلك السيد آثمًا، والجاني هو العبد، إلا أنه لا قصاص عليه لأنه لم يبلغ ويباع في الجناية، وإن كان صبيًا غير مميز أو كان بالغًا أعجميًا لا يميز فالسيد هو الجاني ويكون العبد كالآلة.
قال الشافعي ههنا:
فبيع في [246 ب] الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته تكون رهنًا مكانه" واعترض علي الشافعي في ذلك فقيل: إذا كان السيد هو الجاني وجب أن يتعلق الأرش بذمته ولا يتعلق برقبة العبد ولا يباع فيه، ولا يخرج من الرهن فقوله: "بيع في الجناية وكلف أن يأتي بمثل قيمته" غلط لا شك فيه.
والجواب: قلنا: من أصحابنا من أخذ بظاهر كلام الشافعي وقال: يباع العبد في الجناية؛ لأنه وإن كان كالآلة للسيد فقد حصل منه مباشرة القتل، وقال: في المسألة وجهان، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وهذا غلط بل مذهب الشافعي ما ذكرنا، وهذا العبد كالآلة، ولو رهن سكينًا ثم قتل بها لم يكن الأرش بالسكين تعلق كذلك ههنا.
وتأول ما قال الشافعي ههنا أنه لم يقل يباع في أرش الجناية، بل قال: "فبيع"،وأراد إن باعه بعض الحكام باجتهاده لم ينقض، وكلف السيد أن يأتي بقيمته فتكون رهنًا مكانه، لأنه كان هو السبب في بيعه وإخراجه من الرهن.
ومن أصحابنا من قال: تأويل المٍسألة أن البينة قامت علي العبد بالجناية فقال السيد: أنا أمرته بالجنياة بيع العبد للبينة كان إقرار السيد لا يقبل على المجني عليه في إسقاط حقه من رقبة العبد، ويلزم قيمته للمرتهن؛ لأن إقراره على نفسه مقبول.
ومن أصحابنا من قال: إنما لا يباع [ق 247 أ] العبد إذا كان السيد موسرًا فيؤخذ أرش الجناية من سائر ماله، فأما إذا كان معسرًا يباع العبد لأنه وإن كان كالآلة للسيد فإنه مباشر للفعل، وإذا لم يصل إلى الأرش من جهة السيد بعناه، فإذا أيسر السيد أخذنا منه
الجزء: 5 - الصفحة: 281
قيمته للمرتهن، وعلى هذا لو أمر صبيًا لا يميز بقتل رجل فقتله فعفا ولي الجناية عن القصاص إلي الذمة والآمر معسر والصبي القاتل موسر تؤخذ الدية من مال الصبي ويرجع الصبي علي الآمر إذا أيسر في أحد الوجهين، والصحيح أنه لا يؤخذ من ماله بحالٍ؛ لأن الجناية المنسوبة إلى الآمر وهو كالآلة.
مسألة:
قال: "ولو أذن له برهنه فجنى فبيع في الجناية فأشبع الأمرين أنه غير ضامن".
الفصل:
إذا طلب من رجل عبدًا ليرهنه على دراهم يستقرضها لنفسه أو شيء يشتريه يثمن في ذمته إلي أجل فأعطاه إلى رجل، فأعطاه إياه فرهنه، نص الشافعي في " كتاب الرهن الصغير" فيه علي قولين:
أحدهما: أن السيد بمنزلة المعير والراهن بمنزلة المستعير وتكون أحكام العبد أحكام العارية؛ لأن في الضمان يتعلق الحق بذمة الضامن، وههنا لا يتعلق بالذمة شيء فدل أنه عارية.
والثاني: أن السيد بمنزلة الضامن للحق في رقبة عبده والراهن بمنزلة المضمون عنه.
ونص [ق 247 ب] على هذا في "الرهن الكبير".
وهذا أصح لأنه عقد وثيقة فالإذن فيه كالإذن في الضمان عنه مالًا، ولأن أعيان ماله كالذمة، بدليل أنه يشتري بعين ماله ويشتري في الذمة، فإذا صح أنه يضمن في الذمة صح الضمان في ماله، ولأن منافع هذا العبد لسيده، فلو كانت عارية لكانت منافعه للمستعير دون السيد.
فإذا تقرر هذا وقبض العبد علي ذلك ورهنه هل يصح؟ إن قلنا: كالضمان صح.
وإن قلنا: كالعارية فالمذهب أنه يصح أيضًا.
وقال ابن سريج: لا يصح الرهن؛ لأن العارية عقد جائز ومتى صح هذا الرهن لزم وخرج عن مقتضى العارية فلا يجوز، وهذا لبس بشيء؛ لأن العارية لا تلتزم وله مطالبة الراهن بفكه متى شاء، ولأن العارية قد تلزم، وذلك إذا أعاره حائطًا ليبني عليه جذوعًا، فإذا صح هذا فإذن أذن له في رهنه ثم رجع نظر، فإن رجع قبل إقباض الرهن صح، وليس للمستعير أن يرهنه.
وإن رجع بعد الإقباض لم يقدح هذا الرجوع في عقد الرهن؛ لأنه وقع بإذنه.
فإذا ثبت هذا، فإن قلنا إنه عارية يجوز أن يستأذن السيد في رهنه، وإن لم يبين مقدار الحق وجنسه وهل هو حال أو مؤجل، لأنه يجوز أن يعير عبدًا، ولا يبين جهة الانتقاء، ويعير دابة مطلقًا ويحمل عليها إلى أن [ق 284 أ] يسترد صاحبها، وقد قيل: إذا قال: ارهنه بما شئت فرهنه بقدر قيمته جاز، وإن رهنه بأكثر من قيمته فيه وجهان،
الجزء: 5 - الصفحة: 282
والأصح أنه يجوز.
فإذا قلنا: إنه لا يجوز فهل يبطل في الكل أو قدر الزيادة؟ وجهان.
وإذا قلنا: إنه ضمان لا يجوز إلا أن يبين مقدار الحق الذي يرهنه به وجنسه، وهل هو حال أو مؤجل؟ فإذا قلنا: إن ذلك شرط أو قلنا: ليس بشرط ولكنه ذكره وعينه لا يجوز مخالفته، فإن خالفه نظر فإن خالفه في الجنس لم يصح الرهن قولًا واحدًا، وإن خالفه في الصفة فأذن له في المؤجل فرهنه في حال أو إلى مدة دونه فالرهن باطل، وإن خالفه في المقدار فأذن له في رهنه بمائة فرهنه بمائة وعشرة اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: يبطل في الزيادة، وهل في المقدار المأذون؟ فيه قولا بناء على تفريق الصفحة.
ومنهم من قال: يبطل في الكل قولًا واحدًا، وعليه نص الشافعي؛ لأنه بمنزلة الوكيل إذا خالف في المقدار يبطل بيعه قولًا واحدًا، ألا ترى أنه لو أذن لرجل في بيع عشرة أقفزة من الطعام بدينار فباع أثني عشر قفيزًا لم يصح بيعه في الكل كذلك ههنا.
وإن رهنه بأقل من ذلك جاز؛ لأنه أراد خيرًا لأنه إذا لم يخالف ورهنه بما أذن فيه [ق 284 ب] من الجنس والمقدار والصفة، فهل للسيد أن يطالبه فكاكه قبل محل الحق؟ نص في "الرهن الصغير" علي قولين، وبني القولين على أنه عارية أو ضمان.
فإذا قلنا: إنه عارية كان له مطالبته بفكاكه؛ لأن له أن يرجع في العارية في أي وقت شاء.
وإن قلنا: ضمان ليس له أن يطالب المضمون عنه بفكاكه قبل محل الحق، كالضمان ليس له أن يطال المضمون عنه بخلاصه قبل محل الحق، ولا شك أنه يطالبه بفكاكه لأنه وإن كان ضمانًا توجه عليه المطالبة فيلزمه التخلص منه.
فإذا قلنا: له أن يطالبه بفكاكه وقلنا: ليس له فكاكه قبل محل الحق فطالبه به، فإن قضى دينه وفكه رده علي سيده، وإن عجز عن قضاء دينه كان للمرتهن أن يطالب سيده ببيعه، فإن لم يفعل سأل الحاكم ببيعه، فإذا باعه قضى الدين من ثمنه كان للسيد أن يرجع علي الراهن بالضمان علي القولين؛ لأنا إن قلنا عارية فقد ملكت في يده.
وإن قلنا: ضمان فقد ضمن عنه في رقبة عبده وغرم فله الرجوع عليه بما غرم.
وأما قدر ما يرجع عليه مبني على ما بيع فيه، وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: بيع بثمن مثله، وكان ثمن مثله مائة رجع السيد بالمائة على القولين جميعًا.
والثانية: بيع بدون ذلك ولكن بما لا يتغابن الناس بمثله، مثل إن باعه بتسعين فبكم [ق 249 أ] يرجع عليه؟ على القولين؛ إن قلنا: عارية رجع بالمائة؛ لأن العارية تضمن بقيمتها أبدًا.
وإن قلنا: ضمان رجع عليه بتسعين لأنه ما غرم عليه إلا تسعين.
والثالثة: بيع بمائة وخمسين وقيمته مائة يبني على القولين؛ فإن قلنا: عارية ضمن مائة لا غير؛ لأنه قيمة العارية.
وإن قلنا؛ ضمان رجع بمائة وخمسين؛ لأنه قد غرم عنه هذا القدر.
هكذا ذكره جماعة أصحابنا.
وقال القاضي الطبري: يرجع بما باع قولًا واحدًا وإن قلنا عارية؛ لأن ثمن العبد ملك صاحبه وبيع العبد واجب عليه، ولهذا لو سقط حق المرتهن رجع العبد عليه، فإذا قضى بثمنه دينه رجع به عليه، وإنما يضمن القيمة إذا كان الثمن دونها وهذا صحيح.
الجزء: 5 - الصفحة: 283
ولو هلك العبد بغير البيع في الدين من غير تفريط من الراهن، مثل إن مات حتف أنفه، أو جني بعد القبض جناية فبيع فيها، هل يضمن الراهن؟ قولان: فإذا قلنا: إنه عارية ضمن.
وإن قلنا إنه ضمان لا يضمن، وبه أجاب ههنا؛ لأن القبض غير مضمون عليه وقد هلك بغير تفريط ولم يغرم الضامن عنه شيئاً.
وقال أبو حنيفة: يرجع عليه بما سقط بذلك من حق المرتهن؛ لأن عنده الرهن مضمون بالدين.
فرع
لو طالبه بفكاكه عند حلول الحق فلم يفعل ففكه [ق 249 ب] السيد من ماله وقضى الدين، فإن قضاه بغير إذن الراهن فلا رجوع له، وإن قضاه بإذن الراهن كا له الرجوع به سواء شرط الرجوع عليه أو لم يشرط؛ لأنه قضى عنه بإذنه إذا قلنا إنه ضمان، وإن قلنا إنه عارية فقد تعلق الحق برقبة العبد، فإن قضى عنه بإذنه لم يحتج إلى شرط الرجوع.
فرع آخر
لو أعاره ليرهنه بحق إلي أجل، والحق إلي أجل إنما يكون في البيع فرهنه بالحق فقبض السيد عنه بإذنه قبل محله رجع به عليه في المال؛ لأنه يرجع علي الوجه الذي قضاه وقد قضاه عاجلًا فيرجع عاجلًا.
فرع آخر
لو اختلفا فقال السيد: قضيت عنك بإذنك.
وقال الراهن: بغير إذن فالقول قول الراهن مع يمينه.
قال في "الأم": وإن شهد المرتهن للسيد أنه قضاه بإذن المرتهن قبلت شهادته؛ لأنه لا يجر بها نفعًا ولا يدفع عن نفسه ضرًا؛ لأنه يسلم للمرتهن ما دفع إليه، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه.
وهكذا لو ادعى السيد أنه قضى بعض الحق بإذن الراهن وأقام على ذلك بينة، وكان للمرتهن شاهدًا في هذه قبلناه ورجع عليه بما قضى عنه.
فرع آخر
لو استعار من رجل عبدًا فرهنه بمائة عند اثنين صح وكان إفراد كل نصف عنه بعقد منفرد، فللراهن أن يقضي أيهما شاء [ق 250 أ] خمسين ويخرج نصف العبد من يده عن الراهن
فرع آخر
لو استعار رجلان عبدًا من رجلين ورهناه عند رجل بمائة، فههنا عقدان أيضًا كل
الجزء: 5 - الصفحة: 284
نصف له عقد مفرد، فأي الراهنين قضى ما عليه خرج نصف العبد من الرهن.
فرع آخر
لو استعار واحد عبدًا من رجلين ورهنه عند واحد بمائة، فإن قضى المائة خرج جميع العبد من الرهن، وإن قضى خمسين ليخرج نصيب أحد السيدين، نص الشافعي في "الرهن الصغير" علي قولين:
أحدهما: ليس له ذلك، كما لو استعار رجل من رجل فأدى بعض الحق لا ينفك من الرهن شيء؛ لأن الراهن واحد وإن كان السيد اثنين.
والثاني: له ذلك؛ لأن الاعتبار بالملك دون العاقد فكان بمنزلة الصفقتين.
وقال في "الحاوي": هذا إذا كان المرتهن جاهلًا بالحال، فإن كان عالمًا بالحال فللراهن ذلك قولًا واحدًا، فعلى هذا إذا قضى خمسين خرج نصف العبد من الرهن ثم إن كان الرهن في دين لا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع نظر، فإن دخل فيه مع العلم فلا خيار له، وإن كان جاهلًا قال ابن سريج: فيه قولانن يعني وجهان:
أحدهما: لا خيار له؛ لأنه حصل له رهن الكل وإنما انفك بعده.
والثاني: له الخيار؛ لأن كل الرهن لم [ق 250 ب] يسلم بكل الحق جزء منه، وإن لم يعلم المرتهن صورة الحال ولم يقر به لا يقبل قول الراهن أنه أخذه من رجلين.
فرع آخر
لو كان عبد بين اثنين فأذن أحدهما لشريكه برهنه في حق يأخذه لنفسه فرهنه بمائة ثم أراد أن يعطي خمسين ويخرج نصيبه أو نصيب شريكه من الرهن، نص في "الرهن الصغير" على قولين كالمسألة قبلها.
فرع آخر
لو أخذ عبدًا من رجلين ورهنه عند رجلين بمائة كان نصفه رهنًا عند أحدهما بخمسين من نصيب السيدين، والنصف الآخر من نصيب السيدين، فأقضى الراهن أحدهما خمسين خرج ما هو رهن عنده وهو نصف العبد ورجع إلى السيدين، وإن قال أحدهما: أعطيتك خمسة وعشرين أخرج نصيب أحد السيدين من يديك وهو ربع العبد هل له ذلك؟ علي القولين.
فرع آخر
لو كان عبدا لسيدين لكل واحد منهما نضفهما فاستأذن كل واحد منهما صاحبه في رهن نصيبه بخمسين فأذن له، فرهن أحدهما عبدًا عند زيد بمائة نصفه ملكه ونصفه لشريكه
الجزء: 5 - الصفحة: 285
ورهن الآخر العبد الآخر عند زيد بمائة نصفه له ونصفه لشريكه نظر، فإن [كان] ذلك بغير شرط فالحكم فيه علي ما ذكرنا، وإن كان بشرط فيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يقول [ق 251 أ] لزيد: رهنت عندك هذا العبد بمائة النصف منه لي ونصفه لشريكي على أني متى قضيتك المائة خرج هذا العبد كله من الرهن، ونصيبي من العبد الآخر الذي رهنه شريكي عندك، فهذا شرط فاسد؛ لأن إطلاق العقد يقتضي أن لا يخرج بقضاء الدين غير العبد المرهون، فإذا شرط ذلك نافي مقتضى العقد فأبطله، وهذا الشرط يتضمن نقصان حق المرتهن فيبلط الرهن قولًا واحدًا.
والثاني: إذا شرط أن يخرج هذا العبد والعبد الآخر كله من الرهن فهذا أفسد من الشرط الأول يبلط به الرهن قولًا واحدًا.
والثالثة: إذا قال: متى قضيتك المائة لم يخرج عبدي من الرهن حتى يقضي شريكي دينك فيخرجان معًا، فهذا فاسد أيضًا؛ لأنه خلاف مقتضى العقد ولكنه زيادة وثيقة للمرتهن، فهل يبطل الرهن؟ قولان:
فرع آخر
لو أخذ عبدًا من رجل آخر وأذن له كل واحد منهما في رهنه بخمسين درهمًا فرهنهما بمائة درهم عند رجل واحد وعلم المرتهن بذلك فقضاه خمسين.
قال بعض أصحابنا: له أن يفك أحدهما من الرهن قولًا واحدًا.
وقال القاضي الطبري: هذا غلط عندي، ولا فرق بين العبدين وبين العبد الواحد فيجب أن يكون فيه قولان أيضًا كما ذكرنا في العبد الواحد.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى سواد "المختصر" قال [ق 251 ب] الشافعي:
"فأشبه الأمرين أنه غير ضامن".
وهذا يوهم أن الكناية راجعة إلى السيد وليست براجعة غليه، وإنما ترجع إلى المستعير بدليل أن الشافعي فرض القول في رجوعها إلي فقال:
"فأشبه الأمرين أنه غير ضامن"، وإنما اختلف قوله في ضمان المستعير، وأما المعير فلا يضمن شيئًا حتى يتوهم رجوع الكناية إليه.
ثم قال الشافعي في تعليل هذه المسألة:
"وليس كالمستعير الذي منفعته مشغولة".
وهذا اللفظ بهذا الإيجاز في غاية الإشكال لمن تأمله، ومعناه أن المستعير ههنا لا يضمن، وليس كالمستعير للاستخدام؛ لأن منفعته بالخدمة مشغولة عن معيره ومنفعة هذا العبد المستعار المرهون للمعير وهو مستخدمه، فكيف يضمنه معيره ومستخدمه معير،
الجزء: 5 - الصفحة: 286
وإنما يضمن المستعير العارية؛ لأنه أولى بمنفعتها في مدة الاستعارة إلى أن يردها على صاحبها، وقد أخذها من غير استحقاق فقوله:
"كالمستعير الذي" وكلمة الذي في منزله المفعول لا في منزلة الفاعل، وقوله:
"بخدمة العبد" إضافة إلى الخدمة إلي الخادم لا إلى المخدوم.
وأما قوله:
"وللسيد في الرهن أن يستخدم عبده" يحتمل أنها مسألة مستأنفة، وأراد منافع الرهن للراهن خلافًا لأبي حنيفة وقد ذكرناه.
ويحتمل أن يكون كما التعليل المشكل الذي شرحناه، ومعناه: وللسيد المعير عبدًا رهن أن يستخدم وليس يستخدمه المستعير، فكذلك [ق 252 أ] فصلنا بين هذه العارية وبين سائر العواري إذا تلف العبد فجعلنا في ضمان قيمته علي المستعير؟ قولين.
فرع آخر
لو كان المرهون دابة فأراد أن يركبها بنفسه، أو كان دارًا فأراد أن يسكنها، قال في "الرهن الصغير" و"الرهن القديم": ليس له ذلك إلا بإذن المرتهن.
وقال في سائر كتبه: له ذلك.
فقيل: فيه قولان؛ لأنه لا يؤمن جحوده إذا عاد إلى يده وهذا لا يصح؛ لأن الجحود يتوهم إذا عاد إلى يد مستأجره أيضًا.
وقيل: المسألة على حالين، فإن كان غير مأمون والجحود منه مخوف ليس له ذلك، وإن كان بخلاف هذا له ذلك.
فرع آخر
إذا أذن الراهن للعبد المرهون في الحج لم يجز إن لم يمكنه إلا بمفارقة بلد المرتهن، ويعلم إخلافه قبل حلول الدين جاز وإلا فلا يجوز.
فرع آخر
[إذا] رهنه عبدًا بحق فتطوع رجل فضمن الحق جاز، فإذا حل الدين ففيه قولان:
أحدهما: يطالب الراهن فإن عجز عدل إلى الرهن.
والثاني: يطالب المرتهن فإن عجز عن البيع أو تعذر عدل إلى الضامن.
مسألة:
قال: "والخصم فيما جنى على العبد سيده".
إذا رهن عبده وأقبضه فجنى عليه جان فقتله أو قطع يده كان الخصم فيما جنى عليه سيده لا المرتهن، فالدعوى على الجاني وتثبيته وإقامة البينة عليه إلى [ق 252 ب] السيد
الجزء: 5 - الصفحة: 287
دون المرتهن؛ لأن ملك الأرش ثبت للراهن دون المرتهن وإنما للمرتهن حق الإمساك، فإن أنكر الجاني الجناية على العبد ولم يكن للسيد بينة فالقول قول الجاني مع يمينه، فإن نكل عن اليمين ردت اليمين على السيد، فإن حلف استحق، وإن نكل فهل ترد على المرتهن؟ قولان على ما بيناه في رد اليمين على أم الولد في أول "كتاب الرهن".
قال الشافعي: وإن أحب يحضر المرتهن الخصومة ليعاون الراهن ويؤيده وليعلم ما يقضي الراهن به من الأرش فيأخذه رهنًا كان ذلك له، وإن لم يحضره فإن كان الراهن يأخذ الأرش ويدفعه إلى المرتهن فيكون رهنًا عنده أو عند العدل إن كان العبد رهًا عند العدل، وإن شاء جعله قصاصًا من الحق.
فرع
قال: ولو عفا المرتهن كان عفوه باطلًا؛ لأن الأرش ملك للسيد، ثم إذا أخذ السيد الأرش بعد ذلك هل للمرتهن مطالبته به؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: بطل رهنه فيه؛ لأن تحت قوله: عفوت عن الأرش، أبطلت رهني فيه فلا يكون له مطالبته به.
ومنهم من قال: لا يبطل رهنه؛ لأن عفوه لم يصح فكان وجوده وعدمه سواء.
وقول الشافعي: "كان عفوه باطلًا"، يرجع إلى الأرش إلى إبطال الوثيقة وهو المذهب.
فرع آخر
قال في "الأم": ولو كان الجاني عبدًا فأراد الراهن أو المرتهن أو هما أخذ العبد من [ق 253 أ] سيده بالأرش وأبى السيد ذلك لم يكن لهما، فإن رضي السيد ذلك وأبي الراهن، أو المرتهن أخذه بالحق لم يؤخذ بالحق وبيع بأرش الجناية، ويكون ثمنه رهنًا مكان العبد المقتول.
فرع آخر
قال: لو اختار الراهن أخذ المال من الجاني ثم فرط في أخذه حتى هرب الجاني لم يغرم شيئًا بتفريطه وليس عليه أن يضع رهنًا مكانه، وكان الجاني كعبد رهنه سيده فهرب منه.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لو عفا الراهن عن الجاني فلم نجوز عفوه وأخذ المال فجعلناه رهنًا ثم فكه بقضاء أو إبراء رده على الجاني.
قال أصحابنا: فيه قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 288
أحدهما: هذا هو أن عفوه موقوف.
والثاني: باطل وهما كالقولين عفو المفلس عن الدين وتصرفاته كلها.
مسألة:
قال: "ولو رهنه عبدًا بدنانير وعبدًا بحنطة فقتل أحدهما صاحبه كانت الجناية هدرًا".
قد ذكرنا هذه المسألة، وهو أن يرهن عبدين عند رجلين بحقين مختلفين فقتل أحدهما صاحبه.
وفرض المسألة ههنا إذا كانت قيمة الحنطة مثل ذلك في الدنانير، فلم يكن في العفو مالٍ فائدة، فأما إذا كان الحق الذي كان العبد المقتول رهنًا به أكثر، فقد قلنا إن العفو صحيح على مالٍ فيباع العبد الجاني ويجعل ثمنه [ق 253 ب] رهنًا مكان العبد المقتول
مسألة:
قال: "واكره أن يرهن من مشرك مصحفًا".
الفصل:
قد ذكرنا في البيع شراء الكافر مصحف القرآن والعبد المسلم، وأما الراهن اختلف أصحابنا فيه علي طريقتين:
أحدهما: فيه قولان أيضًا، ولا فرق بينهما.
والثاني: إن قلنا يجوز البيع فالرهن أولى.
وإن قلنا: لا يجوز البيع أجبر على وضعه في يد عدل ولا يترك في يد المشترى.
قال الشافعي: هل رقيق لا يذل لمن يده عليه.
وقيل: فيه طريقة أخرى وهي أن يصح الرهن قولًا واحدًا؛ لأنه ليس في جريان الصغار والذل عليه فإنه يوضع على يدي العدل فلأن للإنسان أن يرتهن إياه ويستديم الرهن عليه، ولا يجوز أن يستفيم عقد البيع عليه، فدل علي الفرق.
ولا يجوز إلا عند عدل مسلم، وإن كان كافرًا موثوقًا به لأمانته في مثله والكراهة ههنا كراهة التبرئة لا كراهة التحريم في أحد القولين، ولهذا عطف عليها وأجبره على أن يضعها على يدي مسلم"، ولو رضي الراهن بتسليمها إلى المرتهن الكافر ولا يعتبر رضاه؛ لأن الحق في ذلك للإسلام، وكذلك إن رضي العبد أيضًا.
ثم قال: "ولا بأس برهنه ما سواهما"، وهو كما قال: يجوز أن يرهن عند المشرك ما عدا ذلك من المملوكات وإن كان سلاحًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [ق 254 أ] رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي بشعير أخذه إلى أهله، وإن كان في ذلك شوكة
الجزء: 5 - الصفحة: 289
للمشركين يكره ذلك، ولكن قال قائل: إطلاق هذا اللفظ يدل على جواز رهن كتب الأخبار عنده وأنت منعت ذلك، قلنا: مقصود الشافعي إطلاق هذا اللفظ الأسلحة وجواز رهنها وإن كان فيها شوكة للمشركين.
ولم يقصد به تعميم الجواب، لأن المعنى موجود في هذا وهو خوف الاستهانة والاستهلاك.
وقد نص الشافعي في رواية الربيع علي هذا الأصل الذي ادعيناه، وهو إلحاق كتب الأخبار بكتاب الله تعالى فيما يؤول إلى الاحترام والتوقير.
وعلى هذا التأويل يمنع المسافر بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أرض العدو، كما يمنع المسافر بكتاب الله تعالى إلى أرضهم.
قال صلى الله عليه وسلم: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض الكفار".
ويكره للمحدث عمن كتب الأخبار حملها إليها.
باب الرهن والحميل في البيع
مسألة:
قال: "ومعقول إذا أذن الله عز وجل بالرهن أنه زيادة وثيقة".
الفصل:
في بعض النسخ "ومعقول إذا أذن الله تعالى بالرهن لأنه زيادة وثيقة لصاحب الحق".
الفصل:
قال مشايخنا: أخل المزني بالنقل ونقل كلامًا محذوف الخبر منقطع الجواب [ق 254 ب] لأنه قال: "ومعقول إذا أذن الله تعالى بالرهن لأنه زيادة وثيقة لصاحب الحق وإنه ليس بالحق بعينه ولا جزءًا من عدده" ثم لم يعطف على هذه الجملة مقصوده جوابًا وتركها مبترة، ثم أستأنف عقيب هذه الجملة ما عطف الشافعي في الكبير عليها فيقول: فليس بمضمون ردًا على أبى حنيفة حيث جعل الرهن مضمونًا بالدين ومعناه أذن الله تعالى في الرهن لزيادة وثيقة ليس الرهن جزءًا من الدين ولا عين الدين، فكيف يسقط الدين بتلفه كما يزعم أبو حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: هذا اللفظ مما يمكن إجراءه بنفسه مستغنيًا عن غيره علي الراويتين جميعًا، ولا عتب على المزني في ذلك ففي الرواية الأولى وهي قوله: إنه زيادة وثيقة" وسيأتي الكلام أن يقال: أذن الله تعالى بالرهن فمعول أنه زيادة وثيقة ولو جعلناه مضمونًا زائله معنى الوثيقة وعدم الرهن يكون أنفع له من وجوده.
والجواب الثاني للجملة السابقة قوله: "فلو باع رجل شيئاً على أن يرهنه به" ومعنى سياق الكلام على هذا الجواب
الجزء: 5 - الصفحة: 290
أن يقال: معقول الرهن مأذون لزيادة وثيقة لصاحب الحق وليس بالحق ولا جزء من عدده, فإذا باع بيعًا وضمنه بشرط الرهن والرهن مأذون فيه من جهة الله تعالى لم يفسد البيع [ق 255 أ] بهذا الشرط, فاستقل الكلام بنفسه من غير إضمار جواب.
وأما إذا أقرأنا باللفظ على الرواية الثانية وعلى قوله: "لأنه زيادة وثيقة" فللكلام جواب واحد وهو جواب الثاني الذي ذكره من صحة البيع مع اشتراط الرهن فيه, وقيل: قصد به الرد على مالك حيث قال: يلزم الرهن بنفس العقد ويجب على الراهن تسليمه فقال: ليس هو الحق بعينه ولا جزء من عدده حتى يحب تسليمه.
فإذا تقرر هذا, لا يجوز شرط الرهن حتى يكون معلومًا لهما بالصفة والرؤية فلو قال: على أن ترهني ما في كمك وهو لا يعلم ما في كمه لأنه معنى فيه مصلحة البيع لا يثبت إلا بالشرط, ويعطيه من الرهن ما يليق بذلك الحق في العادة, وقال: يجوز شرط الضامن وإن لم يكن معينًا, وعند أبي حنيفة: لا يحتاج إلى تعيين الضامن ويحتاج إلى تعيين الرهن.
وعندنا يحتاج إلى تعيين الضامن بالمشاهدة؛ لأن الصفة لا تأتي عليه, ثم إذا بطل الرهن هل يبطل البيع؟ قولان:
أحدهما: يبطل كما يبطل بالأجل المجهول.
والثاني: لا يبطل وهو اختيار المزني.
فرع
هل من شرطه أن يكون من يوضع الرهن على يديه معلومًا في العقد؟ وجهان:
أحدهما: لا يشترط ذلك ويوضع على يد من يتفقان عليه, فإذا اختلف انظر الحاكم فيه ووضعه على يد عدل [ق 255 ب].
والثاني: يشترط ذلك فيلزم أن يبين من يكون في يده ذلك والأول أصح.
فرع آخر
لو شرط الشاهدين وأطلق يجوز, والفرق بينه وبين الرهن أنه لا عرض في أعيان الشهود؛ لأنه المقصود منهم العدالة فلم يكن من شرطه تعيينها بخلاف هذا, وأن الشاهدين معلومان بالشرع بخلاف الرهن والضامن.
فرع آخر
لو شرط إشهاد شاهدين معينين وامتنعا من الشهادة, لم يجبر المشتري على إشهاد غيرهما وللبائع الخيار لفقد الشرط, فلو أشهد المشتري غيرهما من العدول فهل يسقط خيار البائع؟ وجهان:
أحدهما: لا يسقط كما لو شرط ضامنًا فضمن آخر غيره, وهو اختيار القفال.
والثاني: وهو الأصح يسقط لأن الشهادة لا تختلف باختلاف الشهود.
الجزء: 5 - الصفحة: 291
فرع آخر
(لو) شرط ضمينًا هل يبطل البيع؟ قولان أيضًا كما قلنا في الوهن المجهول, والأصح أنه لا يبطل لأنه عقد مضموم إلى عقد بالشرط يفتقر إلى إيجاب وقبول, فجاز أنه لا يتعدى فساد أحدهما إلى الآخر بخلاف الجهالة من الثمن, لأنها جهالة في صلب العقد فكذلك الجهالة في الأجل جهالة في صفة العقد فيبطل البيع قولاً واحدًا.
فرع آخر
لو آتاه برهن أنفس من الرهن المعين أو بضمين أيسر من المعين له أن لا يقبل ويفسخ البيع.
فرع آخر
لو قال: ضمنت لك عن فلان ألف درهم على أنني [ق 256 أ] أعطيك بها رهنًا ففي صحة الضمان وجهان:
أحدهما: يصح أنخ رهن شرط مع وجوب الحق, فعلى هذا الضامن بالخيار بين أن يعطيه الرهن أو يمنعه.
والثاني: الضمان فاسد لأنه وثيقة, فإذا شرط فيه الاستئناف بالرهن صارت وثيقة الضمان واهية فبطلت.
فرع آخر
لو أعطاه رهنًا بألف على أن قلانًا يضمن الألف كان في صحة الرهن وجهان كما ذكرنا في الضمان, لأن شرك الضمان في الرهن كشرط الرهن في الضمان.
أحدهما: الرهن الصحيح والمشروط ضمانه بالخيار بين أن يضمن أو لا يضمن.
والثاني: باطل لوهاء الاستئناف بالرهن عند شرط الضمان فيه.
فرع آخر
لو كان بالدين رهن وضامن يجوز, فإذا حل الحق فيه قولان وحكاهما القاضي أبو حامد أن لصاحب الحق مطالبة الضامن وليس له بيع الرهن إلا بعد تعذر استيفائه من الضامن, لأنه يمكن استيفاؤه من غير إزالة ملكه عنه.
والثاني: له بيع الرهن واستيفاء حقه من ثمنه وليس له مطالبة الضامن إلا بعد التعذر؛ لأن الرهن بيده أخذه لاستيفاء حقه.
والصحيح أن يقال: صاحب الحق بالخيار بين مطالبة الضامن وبين بيع الرهن؛ لأن ضمان الحق لا يمنع مطالبة غيره ومطالبة غيره له لا يمنع مطالبة الضامن والمضمون عنه سواء.
الجزء: 5 - الصفحة: 292
فرع آخر
[ق 256 ب] لو أحاله بالألف على أن يعطى المحال به رهنًا ففي جوازه وجهان مبنيان على أنهما بيع أو عقد إرفاق, فإن قلنا بيع يجوز اشتراط الرهن فيها, فعلى هذا يبطل القدح الشرط الباطل فيها.
والثاني: لا تبطل لخروجها عن عقود والمعارضات والتحاقها بعقود الإرفاق.
فرع آخر
لو وهب له عبدًا وأذن له في رهنه صح ولم تتم الهبة؛ لأن الإذن بالرهن ليس بقبض, ثم إن أقبض المرتهن ثم الرهن بالعقد السابق عن إذنه والقبض الحادث عن إذنه تتم الهبة؛ لأن قبضه رهنًا غير قبضه هبه ويكون حكم هذا كحكم المعاري في الرهن.
فإذا تقرر ما ذكرنا, رجعنا إلى سواء المختصر قال: "لم يجبر الراهن على تسليم الرهن" وقد ذكرنا هذا فيما مضى وإذا امتنع فللبائع الخيار, وكذلك لو شرط الضمين فامتنع من الضمان كان له الخيار, وإن اجتهد المشتري في تخليصه ولم يوجد منه تفريط في ذلك.
قال الشافعي ههنا: " وليس للمشتري رد البيع لأنه لم يدخل عليه نقص يكون له به الخيار".
وقصد به الرد على مالك فإنه أثبت للمشتري الخيار في الفسخ, لأن المشتري إذا كان معه ضامن ضمنه عنه كانت المطالبة عليه أخف منها إذا انفرد بها, ولا معنى لهذا التعليل؛ لأن الحميل لو ضمن أيضًا كان للبائع تخصيص المشتري بالمطالبة والإعراض عن [ق 257 أ] مطالبة الحميل.
المسألة:
قال: "ولو أصاب المرتهن بعد القبض بالرهن عيبًا".
الفصل:
إذا أصاب بالرهن المشروط عيبًا بعد القبض والعيب متقادم كان له رده وفسخ عقده؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر به عند محل الحق وبيع الرهن في الدين, فإن اختلفا أنه حدث بعد القبض أو قبله فهو كالاختلاف في العيب بالمبيع, وقد ذكرنا فيه ثلاث مسائل.
مسألة:
قال: "ولو قتل الرهن بردةٍ أو قطع بسرقةٍ".
الفصل:
إذا رهن مرتدًا أو سارقًا, وقد ذكرنا أن الرهن صحيح وبينا حكمه وإن حدث ذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 293
بعد القبض لم يكن له فسخ البيع, وإن حدث ذلك بعد الرهن وقبل القبض فله الخيار في فسخ البيع, وقال المزني:
في هذا دليل على أن البيع وإن جهلاً الرهن أو الحميل غير فاسدٍ, وإنما له الخيار في فسخ البيع أو إثباته لجهله بالرهن أو الحميل".
وجوابه أن يقال: الرهن مجهولاً كان باطلاً إبطال البيع بفساد الرهن المشروط في صلبه, فأما إذا خرج المرهون مرتدًا أو سارقًا فالرهن في الأول صحيح, لأن المرتد قابل للبيع والرهن والهلاك طارئ فهو كموت العبد فافترقا.
مسألة
قال: "ولو مات في يده وقد دلس فيه بعيبٍ قبل أن يختار فسخ [ق 257 ب] البيع لم يكن له أن يختار لما فات من الرهن".
معناه: أن العبد المرهون إذا مات في يد المرتهن, ثم اطلع على عيب به ولم يكن أطلع عليه قبلٍ موته لم يكن له خيار فسخ البيع لا لأجل موته ولا لأجل عيبه؛ لأن الرهن قد قبض قبضًا فلا يوجب موته خيارًا, ولم يطلع على العيب في وقت يمكنه الرد ففات حقه من العيب, وسواء كان الرهن على ذلك العيب فكتمه تدليسًا أو لم يكن علمه, وذكر الشافعي التدليس تنبيهًا على عدم التدليس.
وهكذا لو اطلع المرتهن على العيب فلم يتيسر له رده وفسخ عقده حتى مات العبد لا خيار له أيضًا, وليس للمرتهن بأرش العيب ليكون رهنًا على ما ذكرنا من قبل, وعلى هذا لو رهنه عبدين فأقبضه أحدهما فتلف في يد المرتهن, ثم تلف الآخر في يد الراهن لم يكن له فسخ البيع لأنه لا يمكنه أن يرد عليه ما قبضه, وإنما يثبت الرد بالعيب إذا أمكنه رد ما قبض على صفته كما في البيع, إلا أن في البيع له الأرش لأن في مقابلته عوضًا بخلاف الرهن.
مسألة:
قال: "ولم يشترطا رهناً [في البيع] فتطوع المشتري فرهنه".
الفصل
إذا لم يشترط الرهن في عقد البيع فتطوع المشتري فرهنه وأقبضه لم يكن له فسخه حتى يقضي جميع الحق؛ لأن الرهن يصير لازمًا بمضامة القبض, كما لو تبرع رجل [ق 258 أ] بضمان دين لا يجد خلاصًا إلا بقضاء أو إبراء كذلك ههنا ولو رهن في هذا الموضع, ثم امتنع عن الإقباض لم يكن له خيار فسخ البيع لأنه لم يدخل في العقد هذا الشرط.
الجزء: 5 - الصفحة: 294
مسألة:
قال: "ولو اشترطا أن يكون المبيع نفسه رهنًا فالبيع مفسوخ".
أن يكون المبيع رهنًا بالثمن نظر, فإن اشترط في عقد البيع أن لا يخرجه من يده ويكون رهنًا عنده حتى يوفيه الثمن لم يصح؛ لأنه رهن ما يملك ولا البيع أيضُا؛ لأنه شرط تأخير تسليم جميع البيع إلى أن يستوفي جميع الثمن, وذلك يخالف مقتضى البيع؛ لأن مقتضاه أن لا يجبر البائع على تسليم البيع أو لا يجبر المشتري على تسليم الثمن, ولأنه إذا وفي بعض الثمن يجبر على تسليم ما يقابله من البيع, فإذا شرط خلافه بطل, وإن شرط أن يسلمه إليه, ثم يرد عليه ليكون رهنًا في يده لا يجوز أيضًا؛ لأن التسليم الذي يقتضيه البيع مطلق, وقد شرط تسليمه غير مطابق فكان مخالفًا لمقتضى البيع كما لو قال: أسلمه إليك, ثم تهبه لي, ولأنه لا يلزمه التسليم المبيع حتى يقبض الرهن, وهذا نقيض تسليم المبيع قبل قبض الرهن فلا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الثمن مؤجلاً لا يجوز هذا الشرط ويبطل به البيع؛ لأن [ق 258 ب] حكم المؤجل أن يجب تسليم البيع في الحال ولا يجوز حبسه لاستيفاء الثمن, وإن كان الثمن حالاً, فإن قلنا: إذا تنازعا في البداية بالتسليم يجبران معًا أو لا يجبران أو يبدأ بالبائع لا يجوز هذا الشرط أيضًا, وإن قلنا البداية بالمشتري وهو القول المخرج, اختلف أصحابنا في هذا؛ فمنهم من قال: يجوز أن يشترط أن لا يخرجه من يده ويكون رهنًا عنده حتى يوفيه الثمن؛ لأن مقتضى العقد الحبس حتى يقبض الثمن فلا فرق بين أن يقول: على أنه رهن عندي, أو يقول: على أن لا أسلمه إليك حتى أقبض الثمن, ومنهم من قال: لا يجوز ذلك؛ لأن الارتهان حكم آخر والحبس لاستيفاء الثمن حكم آخر والملك بعد لم يتم على المبيع فشرط ارتهانه ورهنه فاسد.
مسألة:
قال: "ولو قال الذي عليه الحق: أرهنك على أن تزيد لي في الأجل".
الفصل
إذ كان لرجل على رجل دين مؤجل إلى شهر فقال من عليه الدين: أرهنتك هذا الشيء بالدين الذي لك على أن تزيدني في أجله ففعل كان الرهن باطلاً؛ لأن الرهن جعله بدلاً عن الأجل فلا يجوز الحق لازم, كان قبل, وصار ما يزيد أن من الأجل مردودًا كأنه لم يكن, ولا فرق بين حق لازم عن قرص أو [ق 259 أ] بيع أو غيرهما؛ لأن الزوائد لا تلحق أصل الدين بعد الانبرام.
مسألة:
قال: "وإذا أقر أن الموضوع على يديه قبض الرهن جعلته رهنًا".
الجزء: 5 - الصفحة: 295
إذا تبايعا عبدًا بألف وأقر معًا أنه دفع برهن مقبوض وأنه على يد عدل وأنكر العدل ذلك لزم الرهن في حق المتراهنين, فإن كان عبد المرتهن وتراضيا على بقيته في يده جاز, وإن اختلفا جعله الحاكم على يدي عدل, وهكذا لو كان في يد الراهن, وقال: عاد إلى الخدمة وإن تراضيا بكونه وإلا جعله الحاكم على يدي عدل, وهذا لأن العدل وكيل فلا يسمع إنكاره مع إقرار الموكل, كما لو وكل ببيع سلعة فقال الوكيل: بعتها من فلان وصدقه المشتري, وقال الوكيل: ما بعتها منه قبل قول الموكل وحكم بصحة البيع, ولا خيار المرتهن في فسخ البيع لأنه قد اعترف بقبض الرهن بالثمن, وإن كان الرهن تالفًا فادعى المتراهنان أن العدل أتلفه مفرطًا فيه لم يقبل قولهما عليه, والقول قوله مع يمينه: فإذا حلف بريء فيكون المبيع برهن ملك بعد قبضه باعترافهما فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع, هذا إذا تقارا على ذلك, فأما إذا اختلفا فقال الراهن: قبض العدل وتلف في يده وأنكر المرتهن ذلك, فالقول [ق 259 ب] قوله: فإذا حلف كان له خيار الفسخ, فغن أقام الراهن البينة بما يدعيه نظر, فإن شهد له غير العدل الذي يدعي الراهن بالقبض وأنكر المرتهن لا يقبل إقرارهما عليه, وهكذا لو أقر المرتهن والعدل بالقبض وأنكر الراهن لم يقبل قول عليه وشهادة العدل عليه لا تقبل أيضًا.
مسألة:
قال: "وأيهما مات قام وارثه مقامه".
إذا مات الراهن والرهن على يدي عدل ومات المرتهن قام وارث كل واحد منهما, فقام الميت والعدل بحفظه للراهنين كما كان يحفظه للمرتهنين, وأما العدل إذا ما أحدهما قبل قبض الرهن كيف حكمه, وإذا مات أحدهما بعد القبض, فإن مات الراهن حل عليه الدين ونقول لوارثه: إما أن تقضي دين المرتهن من غير الرهن وتأخذ الرهن وتوفيه حقه, فإن امتنع منها باع الحاكم الرهن وأوفاه حقه, وغن مات المرتهن فالدين المؤجل لا يحل على الراهن لأن الأجل حق الراهن دون المرتهن, فيرث وارثه الدين في ذمة الراهن بحقه من الوثيقة, وقام مقام مورثه في حفظ الرهن, فإن قال الراهن: لا أرضى بحفظ [ق 260 أ] الوارث ذكرنا أنه يوضع على يدي عدل بخلاف ما لو كان المرتهن حيًا, فقال: لا أرضى بكونه في يده لا يلتفت إلى قوله حتى تتبين الجناية.
مسألة:
قال المزني: "وجملة قوله في اختلاف الراهن والمرتهن".
الفصل:
إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق لا يخلو إما أن يكون مستقرًا أو غير
الجزء: 5 - الصفحة: 296
مستقر, فإن كان مستقرًا كالقرص وقيمة المتلفات وثمن البيع فقال المرتهن: الحق ألف ورهنتني هذه العبد به, وقال الراهن: لا بل الحق خمسمائة فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل أن لا رهن إلا في المقدار الذي أقر به الراهن فيحلف على ذلك, وعلى المرتهن البينة فيما يدعيه من الزيادة, وقول الزيادة, وقول الشافعي:"فيما لا يشبه أو يشبه" أراد به الرد على مالك حيث قال: إن كانت قيمة العبد ألفًا فالقول قول المرتهن, وإن كانت خمسمائة فالقول قول الراهن؛ لأنه الظاهر أن الرهن يكون بقدر الدين, وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" ولم يفضل.
ولأنهما لو اختلفا في أصل الحق فالقول قول الراهن فكذلك إذا اختلفا في قدره, وإن كان الحق غير مستقر مثل ثمن المبيع قبل القبض فقال: "بعكته بألف على رهن هذا العبد, وقال المشتري: بل بخمسمائة على رهن هذا العبد تحالفًا؛ لأنه اختلاف المتبايعين [ق 260 ب] في قدر الثمن, وإن كان اختلافهما في قدر الرهن, فإن كان الحق مستقرًا فقال: رهنتني عبدين به, وقال الراهن: رهنتك عبدًا واحدًا فالقول قول الراهن, وإن كان الحق غير مستقر فقال: بعكته على رهن هذين العبدين, وقال المشتري: على رهن هذا العبد الواحد تحالفا لأنه اختلاف المتبايعتين في قدر الرهن, وهكذا لو قال المشتري من غير شرط الرهن يتحالفان, فإذا تحالفا قد ذكرنا حكمه فيما تقدم, ولو اختلفا في أصل وجود الرهن, فقال الراهن: لم أرهنك شيئًا, وقال المرتهن: رهنتني فالقول قول الراهن.
وكذلك لو تصادقا على وجود الرهن واختلفا في تعيينه, فقال المرتهن: رهنتني هذه الجارية التركية, وقال الراهن: بل هذه الهندية, فالقول قول الراهن أيضًا, وكذلك لو قال المرتهن: رهنتني هذين العبدين, وقال الراهن: رهنت أحدهما بعد أن افقا على ان الشرط في البيع كلا العبدين فالقول قول الراهن أيضًا؛ لأن الأصل أنه لم يرهن, وإن شرط ذلك, فإن قيل: فما معنى قول المزني:"والقول قول المرتهن في الرهن" قلنا: نحن نجعل القول قوله في كثير من المسائل غير ما ذكرنا, وذلك أنهما أنهما لو اختلفا في وجود الرهن المشروط في العقد فقال الراهن: قد وفيت لك بشرطك [ق 261 أ] ورهنت عندك ما اشترطت فليس لك فسخ البيع, وأنكر المرتهن ذلك فالقول قول المرتهن فيحلف ويفسخ.
وكذلك لو تصادقا في الرهن, ثم ادعى الراهن على المرتهن أنك أذنت لي في بيته, وقد بعته أو في إعتاقه وقد أعتقته فالقول قول المرتهن, وكذلك لو اختلفا في فكاك الرهن بعد الانفلات فالقول قول المرتهن, وكذلك إذا اختلفا بعد تلف الرهن في حالة التعدي في قدر قيمته فالقول قول المرتهن.
وقال أبو حامد: تأويله أنه إذا كان في بيع متحالفًا يبدأ بيمين البائع وهو المرتهن فقوله: "القول قول المرتهن" يعني في البداية, وقال في "الحاوي": الصحيح أنه إذا
الجزء: 5 - الصفحة: 297
اختلفا في البيع فقال الراهن: ابتعت بلا رهن, وقال المرتهن: ما بعتك إلا برهن فالقول قول الراهن أنه لزمه بغير رهن, والقول قول الراهن أنه لزمه بغير رهن, والقول قول المرتهن في الرهن أنه وثيقة بالحق.
ألا ترى أنه قال بعده: "ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه" وهما لا يتحالفان إلا في مسألة البيع: فأما في تلفه بتعدٍ أو غيره فإنما يحلف أحدهما.
إذا حلفا هكذا لا يلزم الراهن ولا يلزم البائع إمضاء بلا رهن وكان بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين إمضائه بلا رهن, وقال: ههنا يبدأ المشتري باليمين بلا خلاف في المذهب؛ لأن يمينه لإنكار عقد الرهن ويمين البائع لفسخ البيع بعدم الرهن فيقدم المشتري, فإن قيل: إذا كانت [ق 261 ب] المسائل مختلفة هكذا فما بال المزني أطلق اللفظ إطلاقًا, قلنا: يحتمل أنه أراد أحد قسمي المسائل ويحتمل أنه أراد بهذا الإطلاق ما عطف عليه قوله: "فيما شبه" ردًا على مالك على ما ذكرنا, فمتى ادعى المرتهن على الراهن أنك لم تسلم إلي ما اشترطناه رهنًا على فسخ البيع وأنكر الراهن فالقول قول المرتهن, سواء أشبهت الحال ما قال الراهن أو أشبهت ما قال المرتهن.
فرع:
لو اختلف الراهن والمرتهن في صفة الحق, فقال: رهنتني عبدك سالمًا في ألف حال, فقال الراهن: بل في ألف مؤجل, فإن اتفقا على أن للمرتهن ألفًا حالاً وألفًا مؤجلاً, ثم اختلفا هكذا فالقول قول الراهن مع يمينه ما رهنته من الألف الحال, ويخرج سالم من الرهن في المؤجل والحال.
أما في الحال بيمين الراهن, وأما في المؤجل فبإنكار المرتهن, وإن اتفقا على أن الألف واحد, وأن سالمًا رهن به واختلفا في حلوله وتأجيله ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المرتهن ويصير [سالم] رهنًا بألف حالٍ.
والثاني: القول قول الراهن أن الألف مؤجل ويصير سالمًا رهنًا في ألف مؤجل.
وهذان القولان مبنيان على أن من أقر بدين مؤجل هل يقبل في الأجل قولان.
فرع آخر
لو قال المالك: بعتك عبدي الذي في يدك بألف فقال: بل رهنته بألف حلف صاحب اليد ما اشتريت وحلف المالك ما رهنت والألف [ق 262 أ] وجاب عليه, لأنه مقر يقبض الألف وقد حلف دافع الألف إلى ما اشتريت فيجب رد الألف, وعلى عكسه لو قال: رهنته بألف فقال: بل بعتنيه حلف المالك ما بعت, وأما الراهن فباطل لأن المرتهن لا يدعيه ويجب رد الألف؛ لأن صاحب الألف يقول: أنا زعمت أنه لا دين لي عليك لكن بحكم إن اشتريت العبد بما دفعت فإذا حلفت أنك لم تبع فرد المال الذي أقررت بقبضه.
الجزء: 5 - الصفحة: 298
مسألة:
قال:" ولو قال رجل لرجلين وهنتماني عبدكما هذا بمائةٍ وقبضته منكما".
الفصل:
إذا باع رجل من رجلين شيئًا بألف ردهم, ووجب على كل واحد منهما خمسمائة درهم, فادعى البائع عليهما أنهما رهناه عبدًا لهما بالألف الذي له عليهما.
فإن صدقاه جميعًا كان رهنًا, فإن أحدهما حصته خرج نصف العبد من الرهن.
وقال أبو حنيفة: لا يخرج من الرهن شيء, وهذا غلط؛ لأن رهن رجلين من رجل بمنزلة الصفقتين.
وإن صدقه أحدهما وكذبه الآخر كان نصيب المصدق رهنًا ويكون القول قول المكذب مع يمينه, فإذا حلف لم يكن نصيبه رهنًا.
فإن كان المصدق عدلاً للمرتهن على شريكه فتقبل شهادته ويحلف المرتهن معه, واستحق رهن نصيبه لأن لا يجر بشهادته منفعة ولا يدفع عن نفسه بها مضرة, فلم يكن فيها [ق 262 ب] معنى يوجب ردها, وإنما قلنا: يجكم في الرهن بالشاهد واليمين؛ لأن المقصود من الرهن المال ويثبت بالشاهد واليمين ما يكون المقصود منه المال, ولو قال كل واحد منهما: أنا لم أرهن نصيبي وإنما رهن صاحبي نصيبه عندك فالقول قول كل واحد منهما مع يمينه, وإن شهد كل واحد منهما على صاحبه للمرتهن وهو عدل فقد حصل شاهد واحد على كل واحد منهما فيخلف معه ويحكم له برهن جميع العبد, فإن قيل: كان يجب أن تقبلوا شهادة الذي شهد أولاً دون الذي شهد ثانيًا كما قال الشافعي في شاهدين شهدا على رجلين بقتل رجل وشهد المشهود عليهما على الشاهدين بالقتل تقبل شهادة الأولين فقط, قلنا: الفرق أن هناك الآخران واقعان عن أنفسهما فلم تقبل شهادتهما وههنا ليس واحد من هذين دافع عن نفسه بشهادته شيئًا بشهادته فقبلناها.
قال أبو حامد: هكذا قال أصحابنا ولكنه سهو عندي, والذي يجيء على المذهب أنه لا تقبل شهادتهما؛ لأن المرتهن معترف أن كل واحد منهما جحد حقًا ومنع حقًا وكذب في إنكاره, ومن كذب المشهود له شاهده لا تقبل شهادته.
قال أصحابنا: هذا لا يصح, لأن التخاصم لا يثبت فسق أحد المتخاصمين لجواز أن يلحق أحدهما بشبهته فيما يدعيه وينكره, ولهذا لو تداعا رجلان حقًا وتخاصما فيه [ق 263 أ] ثم شهدا عند الحاكم بشيء آخر لم ترد بذلك شهادتهما, وإن كان أحدهما لابد ظالمًا فلم تكن الدعوى عنه جرحًا فيه ولا عداوة؛ لأنه يشهد لخصمه لا عليه.
فرع
لو ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده بألف فأقر لأحدهما بالنصف وأنكر الآخر فشهد المقر له على المقر لصاحبه بما يدعيه.
الجزء: 5 - الصفحة: 299
قال بعض أصحابنا بخراسان: لا تقبل شهادته نص عليه الشافعي وهو اختيار القفال, قال أصحابنا: هذا إذا ملكا ذلك الرهن ميراثًا لهما فلا يثبت الرهن في جزء إلا وكان بينهما, فأما إذا ملكاه بالشراء فتقبل شهادته لشريكه؛ لأن أحد الشريكين في الدار لو شهد في الثاني لمدعي على المدعي عليه قبل, ولو صدقهما يصير رهنًا منهما.
فعلى هذا لو قضى دين أحدهما ينفك نصف الرهن.
وقال أبو حنيفة: لا ينفك فإذا انفك نصفه, ثم أراد أن يتصرف في النصف الذي انفك عن الرهن نظر, فإن كان لا يحتمل القيمة هل ينقسم؟ قولان بناء على أنها بيع أو إفراز حق وفيه قولان.
فرع آخر
إذا كان لرجلين على رجلين ألف درهم فرهناهما داراً كانت هذه الصفقة كأربعة عقود, فإن عقد الواحد مع الاثنين كالعقدين, وعقد الاثنين مع اثنين عقود فيكون كل بيع من الدار ههنا بربع الألف, فإذا ادعيا عليهما أنكما رهنتما عندنا هذه الدار بألف نظر [ق 263 ب] فإن كذا هما معًا فالقول قول الراهنين, وإن صدقاهما فالدار رهن عندهما معًا, وإن صدقه أحدهما صار نصف الدار عنده رهنًا بخمسمائة وإن صدقًا معًا أحدهما صار نصف الدار عنده رهنًا بخمسمائة عليهما, وإن صدق أحدهما واحدًا منهما صار ربع الدار رهنًا عنده بمائتين وخمسين, ولو صدق أحدهما أحد المدعيين وكذب الآخر وصدق الآخر الذي كذبه الأول, وكذب الذي صدقه الأول ثبت على كل واحد ربع الألف الذي أقر هو له ورهن ربع الدار منه وهو نصيب هذا, والذي ثبت الرهن فيه وهو نصف الدار وهو النصف من نصيب هذا, ونصيب ذلك.
وبيان هذا أن المدعيين زيد وعمرو والمدعى عليهما خالد وبكر وصدق خالد زيدًا دون عمرو, وبكر صدق عمرًا زيد فإقرار خالد لزيد حصل بنصف الدار رهنًا بخمسمائة غير أن زيدًا ليس يدعي منه إلا النصف فالنصف الآخر لا يثبت, فكذا إقرار بكر لعمرو حصل بنصف الدار رهنًا بخمسمائة غير أنه ليس يدعي منه إلا النصف فالنصف الآخر لا يثبت.
قال ابن سريج: ما أتيت على هذه المسألة إلا احتجت إلى الفكر حتى أثبته على حاشية الكتاب.
مسألة:
قال: "وإن كان له رجلٍ ألفان إحداهما برهنٍ والأخرى بغير رهنٍ فقضاه ألفًا".
الفصل:
لو كان لرجل [ق 264 أ] عر رجل ألفان أحدهما برهن والآخر بغير رهن فقضى
الجزء: 5 - الصفحة: 300
ألفًا ثم اختلفا, فقال القاضي: قضيت الذي بالرهن, وقال المرتهن: بل قضيت أولف الذي بلا رهن ففيها ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون اختلافهما لفظ القاضي فقال المرتهن: أنت قلت حين القضاء هذا عن الذي بلا رهن, وقال الراهن: قلت في حال القضاء هذا عن الذي بالرهن فالقول قول القاضي مع يمينه؛ لأنه في الابتداء لو قال: أقضي الذي هو بالرهن لم يكن للمرتهن أن يمتنع منه, فإذا اختلفا بعد قضائه كان القول قوله مع يمينه, ولأنه هو الفاعل له فيرجع إليه في صفته كالمطلق يرجع إليه في مقدار الطلاق, ولأنه الألف ملكه فلا يزول ملكه عنه إلا على الصفة التي يدعيها, كما لو قال: بعتك عبدي بألف وقال: بل رهنته عندي فالقول قوله أنه ما اشتراه حتى لا يلزمه الألف.
والثانية: اتفقا على أنه ما نطق بشيء حين القضاء واختلفا في نيته فالقول قول القاضي لأنه أعلم بنيته.
والثالثة: اتفقا على أنه قضاه مطلقًا ولم يبين أحدهما في حال القضاء.
قال أبو إسحاق: كان للقاضي أن يصرفه إلى أيهما شاء ولا يمين عليه في ذلك, كما لو طلق إحدى امرأتيه لا يعنيها له أن يجعله في أيهما شاء.
وكذلك لو كان له مال حاضر ومال غائب فدفع الزكاة [ق 264 ب] وأطلق له أن يعينها عن أحد المالين أيهما شاء, قال ابن أبي هريرة: تكون الألف عن الألفين نصفين؛ لأن كل واحد منهما مساوٍ للآخر في القضاء فلم ينصرف إلى أحدهما دون الآخر, ويفارق الزكاة لأنه لا مطالب بها فله الاختيار في الصرف إلى أيهما شاء, وههنا المرتهن مطالب بها, وأما الطلاق لا يمكن قسمته بين الزوجات بخلاف هذا والأول أصح, فإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة: لو اتفقا بعد الدفع على أن تكون الألف قضاء من أحد الألفين فيه وجهان:
أحدهما: يجوز ذلك لأنه ما كان له قبل الدفع جاز بعد الدفع.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز ذلك؛ لأن الإبراء قد حصل بالدفع فلا يجوز نقل دين بدين.
وعلى ما ذكرنا قال أصحابنا: لو أقرض مشرك مشركًا بألفين فقضاه ألفًا, ثم أسلمنا فإن اتفقا على أنه دفع هذا عن الربح يقر عليه رأس المال, وإن اتفقا دفع رأس المال لم يبق عليه شيء لأنه ربح القرض يسقط بالإسلام.
وإن اختلفا فالقول قول الدافع, فإن قال: لم يكن لي بينة له أن يصرف إلى أصل المال حتى لا يبقى عليه شيء على قياس قول أبي هريرة عليه نصف رأس المال وهو خمسمائة.
وعلى هذا لو كان لرجلين على رجل ألف درهم فوكلا باستيفائه فدفع المديون خمسمائة [ق 265 أ] إليه وقال: هي خاصة فلان فهي له كما قال وإن لم يقل ولم ينو نظر, فإن وكله الدافع ليكون وكيله في الإيصال إلى المستحق فله الخيار بعد ذلك, بل يقول: اصرفه إلى فلان.
وكذلك لو كان عين أحدهما فله أن يصرف إلى الآخر, وإن كان لم يوكل لكن دفع إليه بحكم أنه وكيل المستحقين وأطلق, فعلى الوجهين:
الجزء: 5 - الصفحة: 301
أحدهما: يكون بينهما تصفين.
والثاني: يكون له الخيار كما ذكرنا.
ولو كانت المسألة بحالها وأبرأ المرتهن من أحد الألفين, ثم اختلفا فقال الراهن: أبرأتني من الألف الذي به الرهن وقال المرتهن: لا من الألف الذي لا رهن به فالقول قول المرتهن ههنا, لأنه هو الفاعل للإبراء سواء قال: تلفظت به, أو قال: نويت, كما كان قول القاضي في المسألة قبلها.
وإن أطلق فعلى الوجهين كما ذكرنا, ولو كان المالان مختلفين ألف والآخر تسعمائة والمدفوع ألف.
قال بعض أصحابنا على ما قال ابن أبي هريرة: يقع من كل واحد منهما خمسمائة ويحتمل أنه على قدر المالين عند تفاوتهما, فإن قال قائل: أصل الشافعي أن الخصمين إذا تداعيا واختلفا فادعى أحدهما على صاحب نية وضمير إلا ملفوظًا وأنكر الخصم ذلك, فالقول قول المنكر ولا يمين عليه, فكيف اشترط الشافعي اليمين في هذه المسألة؟ قلنا: [ق 265 ب] الشافعي صور المسألة في لفظ اختلفا فيه لا في النية اختلفا فيه لا في نية اختلفا فيها, فأما إذا تنازعا في النية فالقول قله ولا يمين عليه وهكذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني.
وقال القاضي الطبري وجماعة: يلزمه اليمين في النية أيضًا؛ لأنه وإن كان الكلام في النية وأقر بأني نويت كما زعمت لزمه الإقرار, وإن لم يقبل الرهن فلابد من اليمين, ولكن لو قال القابض: ما نويت ولكن أنا نويت أن يكون من المال الذي لا رهن به فههنا لا يمين على الدافع لأنه لابد عن القابض عليه شيئًا, والقول قول الدافع بلا يمين لأن الحكم لنيته لا لنية القابض.
مسألة:
قال: "ولو قال رهنته هذه الدار التي يديه بألفٍ ولم أدفعها إليه فغصبنيها".
الفصل
لو ادعى الراهن على المرتهن فقال: رهنته هذه الدار التي في يد المرتهن ولم أسلمها إليه ولكنه غصبنيها, وأنكر المرتهن الغصب فالقول الراهن في عدم التسليم؛ لأن الأصل عدمه.
وكذلك لو قال: الراهن: رهنتها إياه ثم تكارها مني رجل فأنزلها المرتهن فالقول قول الراهن أيضًا.
وهكذا لو قال الراهن: تكارها هو بنفسه فنزلها وما سلمتها إليه تسليم الرهن, فالقول قول الراهن أيضًا للعلة السابقة.
واعلم أن الشافعي أطلق قوله في هذه [ق 266 أ] المسائل وجعل القول في جميعها قول الراهن مع يمينه, ومعلوم أن الرجل إذا أنكر غصبًا يدعي عليه فالقول قوله مع يمينه أنه غير غاصب.
ومراد الشافعي في هذه المسائل أن القول قول الراهن في تسليم الرهن في جميع ما يدعيه.
وأما إذا ادعى الراهن على المرتهن توابع الغصب وعهدته فالقول قول
الجزء: 5 - الصفحة: 302
المرتهن ما غصبتها؛ لأن الأصل عدم الغصب وبراءة الذمة كما جعل كما جعل القول في التسليم قول الراهن؛ لأن الأصل عدم التسليم وكذلك البائع إذا قال: لم أقبض فحق الحبس له فيه باق فالقول قوله وكذا الواهب.
قال القفال: ولو شاهدنا أنه بعد عقد الرهن سلم العين إلى المرتهن ولم يقل خذه رهنًا ثم ادعى أنه أودعه إياها على جهة أخرى فالقول قوله مع يمينه أيضًا, وقال جماعة أصحابنا: في هذا نظر ويحتمل أن يقال: إذا أطلق القبض يقع عن قبض الرهن وكذلك في البيع يصير مسلمًا للبيع.
فرع
لو كان عبدان في يديه لرجلين فقال لسيدهما رهنتهما عندي بألف, فقال السيد: إنما رهنت أحدهما عندك بغير عينه لم يكن واحد منهما رهنًا, وكان الألف عليه بإقراره بلا رهن؛ لأنه لا يجوز في الأصول أن يقول: رهنتك أحد هذين العبدين نص عليه في "الأم" [ق 266 ب].
فرع آخر
لو كان في يديه عبد فقال لسيده: رهنته عندي بألف دينار, وقال السيد: لا بل بألف درهم فالقول قول السيد سواء قال العبد: صدق المرتهن أولاً لأنه لا يقبل قول العبد فيه.
فرع آخر
لو قال: رهنتك داري بألف وقبض الدار ولم أقبض الألف منك, وقال المرتهن: بل قبضت الألف فالقول قول الراهن لأنه لم يقر بأن عليه ألفًا, فإذا حلف لا شيء عليه والدار خارجة من الرهن.
فرع آخر
لو كان لرجل عند رجل ألف فقال من عليه الحق: رهنتك عبدي هذا وقال المرتهن: بل رهنته عندي وعند زيد بألفين ألف لي وألف له قبلك فالقول قول الراهن.
قال الشافعي: ويكون العبد رهنًا عند هذا المرتهن, قال الشيخ أبو حامد: وهذا لا يجيء على مذهبه بل نصفه يكون رهنًا عند هذا ونصفه خارج من الرهن؛ لأنه إذا أقر أنه رهنه عندهما بألفين كان نصفه رهنًا عنده ونصفه رهنًا عند الآخر, لأن عقد الواحد مع الاثنين كالعقدين المنفردين, وقول المنفردين, وقول الشافعي"كان رهنًا عنده أراد كان قدر حقه منه رهنًا
الجزء: 5 - الصفحة: 303
بألف, فإن قال: رهنتكه بالألف الذي قبلي, فقال المرتهن: صدقت والألف الذي أقررت به لي نصفه لزيد قبل قول المرتهن في الدين ويكون الراهن على ما اعترف المرتهن به [ق 267 أ].
[ق 267 أ] باب الزيادة في الرهن وما يحدث فيه
قال: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والرهن محلوب ومركوب".
إذا رهن رهنًا كان نماؤه ومنافعه من نتاج ولبن وولد وثمرة شجر وركوب ملكًا للراهن لا حق للمرتهن فيه, وبه قال مالك, وأحمد, وروى الخرقي عن أحمد عن أحمد أنه أراد أنه اعتق المرتهن على الرهن كان له الانتفاع بقدر ما أنفق, وإن لم يأذن الراهن له في النفقة, وروى صاحب "الحاوي" عن أحمد أن جميع نماء الرهن ومنافعه ملك للمرتهن دون الراهن ينفق على الرهن فالنماء والمنافع له, وإن كان المرتهن المنفق فكله له, وبه قال قوم من أهل المدينة.
وروي عن أحمد, وإسحاق أنهما قالا: للمرتهن أن يشرب من لبنها.
وقال أبو حنيفة: المنافع تعطل فلا ينتفع به الراهن ولا المرتهن والنماء والنماء المتميز منه مرهون كالأصل.
وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن محلوب ومركوب, وعلى الذي يحلبه ويركبه نفقته" ومعلوم أن نفقة الرهن على راهنه فكذلك له كربه.
ودره أيضًا.
قال الشافعي: أصل المعرفة [ق 267 ب] بهذا الباب أن للمرتهن حقًا في رقبة الرهن دون غير.
ومما يحدث مما يتميز عنه غيره, ومعناه أن وثيقته متعلقة بالرقبة لا بزوائده, فإذا حدث زيادة ممتازة فهو غير الرهن ولاحق له فيما هو غير الرهن.
وأما الفوائد التي هي غير متميزة كالسمن والكبر تكون رهنًا مع الأصل لأنه لا سبيل إلى تمييزها.
وحكي عن مالك أنه قال: ما كان من جنس الرهن كالولد يدخل في الرهن وما لم يكن من جنسه كالثمار لا يدخل في الرهن.
وهذا غلط لأن كل واحد منهما نماء متميز لا فرق بينهما.
فرع
الصوت الحادث بعد عقد الرهن للراهن يستوفيه وينتفع به, وأما الصوف الذي كان
الجزء: 5 - الصفحة: 304
موجودًا وقت الرهن, قال الشافعي: لا يدخل في الرهن وكذلك اللبن الموجود وقت العقد, وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قال الربيع: وفيه قول آخر يدخل كلاهما في الرهن وإنما لا يدخل ما يحدث من بعد.
فعلى هذا إن احتاج إلى جزه جزه الراهن ويضع رهنًا مع الشاة واللبن المتسارع إليه الفساد, فيبيع ذلك اللبن الموجود عند العقد ويضع ثمنه رهنًا مع الشاة, وهذا اختيار بعض أصحابنا بخراسان.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيهما قولان, وقيل: هذان القولان مبنيان على أنه إذا رهن [ق 268 أ] أرضًا وفيها غراس هل يدخل الغراس في الرهن؟ قولان.
وقال بعض أصحابنا: قولاً واحدًا, لا يدخلان فيه, وما ذكره من كيسه؛ لأن الصوب واللبن نماء متميز فلا يدخل في العقد وإن كان موجودًا وقت العقد كالولد.
وقال ابن أبي هريرة: يدخل الصوف دون اللبن؛ لأن الصوف متصل يستبقي بخلاف اللبن.
فرع آخر
قال أصحابنا: كل شجرة يقصد ورقها كالآس والورد والتوت أو يقصد غصنها كالخلاف فحكمها حكم الصوف واللبن لا يدخل في الرهن على ما نص عليه الشافعي في الصوف واللبن.
فرع آخر
لو أتت المرهونة بولد من زنا أو زوج أو ولدت البهيمة, وقد ذكرنا أن ذلك الولد لا يدخل في الرهن ويكون الولد في يده أمانة وهل له استدامة إمساكه بغير إذن الراهن؟ قال أصحابنا: في ولد الوديعة يكون أمانة وهل له إمساكه بغير إذن المودع؟ وجهان وكذلك ههنا.
ثم اعلم أن الشافعي لما تكلم ههنا في ولد المرهونة.
ذكر بعض أصحابنا في هذا الموضع حكم الأولاد ما يتبع أمه منها وما لا يتبع فقال: أما ولد المبيعة إن حدث بعد البيع يكون ملكًا للمشتري من حيث إن الأم ملكه, وإن كان موجودًا عند البيع دخل في البيع قولاً واحدًا, وهل يأخذ قسطًا من [ق 268 ب] الثمن؟ قد ذكرنا قولين.
ولا يجوز للبائع حبسه لاستيفاء الثمن بل يلزمه تسليمه إلى المشتري على ما ذكرناه من قبل, وأما ولد المقبوضة سومًا مضمون كالأم سواء قولاً واحدًا وأما ولد العارية هل يضمنون؟ وجهان:
أحدهما: مضمون كولد المغصوبة.
والثاني: لا يكون مضمونًا, ثم في أحد الوجهين يلزمه رده إلى صاحبه ولا يجوز له حبسه مع قدرته على رده في الوجه الثاني لا يلزمه رده حتى يطالبه صاحبه كما قلنا في ولد
الجزء: 5 - الصفحة: 305
الوديعة في أحد الوجهين, وأما ولدت قبل موت الموصي لا يدخل في الوصية, وإن ولدت بعد موت الموصي وقبول الوصية فهو للموصي له, وإن ولدت قبل قبوله فهو مبني على القولين فإن قلنا: يملك بالقبول فهو للوراثة, وإن قلنا: مراعى فإن قيل كان له وإن رد كان للورثة, وأما ولد الوديعة فالصحيح أنه لا يكون وديعة لأنه لم يوجد منه قبول في استحفاظه, وقد حصل في يده, من غير اختيار صاحبه فهو في معنى الثوب تلقيه الريح في داره لا يجوز له إمساكه مع القدرة على رده؛ فإن أمكنه رده فأمسكه مع القدرة على رده فعليه ضمانه, وفيه وجه آخر يكون وديعة كالأصل, وأما ولد الأضحية يدخل في حكمها قولاً واحدًا, وأما ولد المكاتبة فيه قولان:
أحدهما: [ق 269 أ] مملوك للسيد يتصرف فيه.
والثاني: موقوف يعتق بعتقها, ولا نقول على هذا القول إنه داخل في عقد الكتابة ويكون مكاتبًا كالأم, بل يكون موقوفًا مع الأم لا يجوز للسيد التصرف فيه, فإن أردت مال الكتابة عتقت وعتق الولد تبعًا, وإن عجزت وفسخت الكتابة عادت رقيقة كما كانت والولد يصير رقيقًا له يتصرف فيه كيف يشاء, وفي ولد المدبرة قولان, وفي ولد المعتقة بصفة قولان:
أحدهما: هو لسيدها.
والثاني: يتبع الأم في الصفة وفي واد أم الولد لا خلاف أنه يتبعها في حرمة الولادة يعتق بموت الأم.
مسألة:
قال: "وكذلك سكنى الدار وزرع الأرض".
الفصل:
قد ذكرنا أنه لا يجوز للراهن الانتفاع بالمرهون ومنافعه له, والآن نتكلم على التفصيل, فإذا رهن دارًا فسكناها الراهن, فإن أراد أن يكريها كان له ذلك ولا يجوز أن يزيد مدة الإجارة على محل الحق سواء قلنا بيع المؤاجر لا يجوز أو قلنا يجوز؛ لأنا وإن جوزنا فالإجارة تنقص الثمن فيكون ضررًا على المرتهن, ولو كان الرهن إلى سنة فأجر أكثر من سنة فيه قولان بناء على جواز بيع المؤاجر.
فإذا قلنا: لا يجوز فهي باطلة فيما زاد على السنة وفي السنة قولان بناء على تفريق الصفقة, وإذا قلنا: يجوز صحت الإجارة [ق 269 ب] ثم ينظر, فإن لم يكن يوكس في ثمن الرهن فهي لازمة في جميع مدتها وليس للمرتهن الاعتراض فيها, وإن كانت توكس بطلت فيما زاد على السنة, وهل يعطل في السنة؟ قولان لأن ما فعله الراهن مما يوكس في ثمن المرهون مردود كتزويج الأمة سواء رضي بذلك المرتهن فيما بعد أم لا, وإن أراد
الجزء: 5 - الصفحة: 306
إعادتها فله ذلك قولاً واحدًا, وإن أراد أن يسكنها بنفسه أو كان عبدًا فأراد أن يستخدمه بنفسه, قد ذكرنا فيه طريقين, ومن أصحابنا من قال: ليس للراهن استخدام العبد بنفسه إذا لم يكن ثقة قولاً واحدًا بخلاف سكنى الدار على أحد القولين لأنه يقدر على إخفاء العبد دون الدار, وإذا جوزنا ذلك فالحكم في الدار والعبد سواء في فصل واحد وهو أن العبد يكون عند من يستخدمه نهارًا ويأوي بالليل إلى من يمسكه رهن, والبهيمة كالعبد سواء بعد أن يركبها أو يكريها بحيث لا يزول سلطان المرتهن عنها في جوف البلد ونحوه, ولا يجوز له إخراجها من البلد إلا بإذن المرتهن, وأما رهن الأمة فكالعبد سواء إلا في فصلين:
أحدهما: لا يكون إلا عند امرأة ثقة جاز تركها في يده باتفاقهما, فإذا كانت عنده امرأة ثقة يمنعه ذلك من الخلوة بها, فإن لم يكن عنده امرأة ثقة أو لم يكن عند العدل [ق 270 أ] ذلك لا يجوز وضعها على يده لأنه يحصل بها الخلوة, وإذا اتفقا على ذلك لا يجوز أيضًا, ولا فرق بين أن تكون جميلة أو لا, ولو رهن جارية ولم يشرط في عقد الرهن من تكون عنده الجارية.
قال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا وفيما عدا الجارية وجهان, والفرق أن ما عداها يجوز أن يكون عقد المرتهن ويجوز أن يكون عند غيره, والجارية لا يجوز إلا أن تكون ثقة من النساء أو عند من عنده امرأة فلا يضر ترك الشرط وحمل مطلق العقد على وضعها في يد امرأة ثقة.
والثاني: أنه إذا أراد السيد أن يستخدمها نظر, فإن كانت لها صنعة أراد استعمالها في الصنعة في بيت المرأة الموضوعة على يدها جاز, وإن أراد أن يستخدمها في بيته, ثم ترد إلى المرأة الثقة التي وضعت على يدها نظر, فإن كانت بكرًا لم تدفع إليه؛ لأنا لا نأمل من أن يطأها فيذهب بكارتها فيكون ذلك نقصان في ثمنها, وإن كانت ثيبًا, فإن كانت ممن تحبل فكذلك لا يجوز له أن يخلو بها؛ لأنا لا نأمن أن يطأها فيحبلها فيؤدي إلى نقصان ثمنها وتلفها, وإن كانت ممن لا تحبل لصغرها أو كبرها, فإن قلنا: يجوز وطئها يجوز أن يخلو بها ويستخدمها, وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هذا مخافة الوطء ولا يجوز له تزويجها لأنه [ق 270 ب] ينقص من ثمنها خلافًا لأبي حنيفة, ويجوز له أن يكريها امرأة ثقة تخدمها, وكذلك لا يجوز له تزويج العبد المرهون؛ لأن فيه ضررًا, وإن كان ثوبًا لم يكن له لبسه لأنه يضر به ويترك في يد المرتهن ليلاً ونهارًا.
وكذلك ما ينتفع به مع بقاء عينه كالحنطة ونحوها تترك في يد المرتهن, وإن كان الرهن أرضًا بيضاء فمنافعها للراهن, فإن أراد البناء والغراس لم يكن له, وإن خالف وفعل فقد أساء, ولا يقلع حتى يعلم ما يكون عند محل الحق على ما بيناه, ولو قال: اقلعه وانقضه إذا حل الحق لا يمنع منه إلا أن تنقص قيمته بذلك فيمنع, قال الشافعي: ولو أراد الراهن أن
الجزء: 5 - الصفحة: 307
يحدث فيها عينًا أو يحفر بئرًا, فإن كانا يزيدان ولا ينقصان لا يمنع, وإن كانا ينقصان يمنع ولو أراد أن يزرعها نظر, فإن كان زرعًا يضر بالأرض منع منه, فإن زرع لم يقلع لجواز أن يقضي الحق, وإذا حل الحق والزرع باق في الأرض فالحكم فيه كالحكم إذا رهن أرضًا, ثم غرسها على ما ذكرنا, وإن أراد أن يزرعها لا يضر بها فله ذلك إذا كان مما يحصد قبل محل الحق, وإذا كان الزرع فيما يتأخر, قال الشافعي: "ليس له ذلك" قال الربيع: فيه قول آخر إن له ذلك لإمكان قلعه إذا حل الحق ولم يحصده, قال بعض أصحابنا: فيه قولان, فإن قلنا: [ق 271 أ] لا يجوز يمنع, وإن قلنا: يجوز بيعها دون الزرع لا يمنع, ثم إذا زرع, وحل الحق فإن قضاه الحق ترك زرعه, وإن لم يقضه بيعت الأرض, فإن كان بيعها مع بقاء الزرع فيها وفاء لم يقلع وبيعت من مون الزرع, وإن لم يكن وفاء أخذ بقلعه إلا أن يجد من يشتريها منه بحقه على أنه يقلع الزرع ثم يقر المشتري الزرع في أرضه إن شاء متطوعًا, وإن كان بهيمة فأراد جز صوفها, ينبغي أن يجز في وقت لا يضر بالماشية ويستبقي ما يكون حفظًا.
ولو رهنه نخلاً كان للراهن تأثيرها وتصريف جريتها وما يتساقط خارج من الرهن كالجريد والليف والعراجين؛ لأن كل هذا كالنماء الذي لا يتميز, وإن قيل: هذه الأشياء كانت حال العقد ولم تحدث بعد الرهن قيل: ما حدث منها قام مقامها وصار بمنزلة المنفعة خارجًا عن الأصول فكان للراهن, وإن كانت النخيل مزدحمة فأراد الراهن نقلها وتحويلها من ذلك المكان إلى مكان آخر من الأرض التي هي رهن معها لم يكن له سواء قبل التحويل أو لم يقبل.
ولو أراد تحويل البعض ليزول الازدحام وكان فيه نفع لما يبقى يجوز ذلك له, والفرق أن في تحويل البعض مصلحة متيقنة بخلاف تحويل الكل حتى لو تيقنا هناك أنه أحمد للعاقبة وثبتت [ق 271 ب] حقيقته له ذلك في غير أرض الرهن لا يجوز بحال, فإن ثبت الذي حوله فلا كلام وإن لم يثبت فهو جذع مرهون مع الأصل لو كان قائمًا كالجذوع أو الجمار والقلوب فهو رهن معها, وكلما كان قائمًا كالليف والكرانيف لم يكن رهنًا فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, وكذلك التفت نخلة وقالوا: إن حولت إلى محل آخر من الأرض المرهونة انغرست للراهن ذلك, وإن قيل: لا تنغرس أو أراد نقلها إلى أرض غير مرهونة ليس له ذلك إلا برضي المرتهن.
مسألة:
قال: "وعليه مؤنة رهونه".
إذا كان الرهن عبد أو أمة أو بهيمة فالنفقة من الطعام والشراب والعلب ونحوها على الراهن, قال صلى الله عليه وسلم: "له غنمه وعليه غرمه".
الجزء: 5 - الصفحة: 308
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا, والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا, وعلى الذي يركب ويحلب النفقة".
وروى نحو قلنا عن الشعبي, وابن سيرين, فإن قيل: أليس قلتم في الأمة المزوجة نفقتها على زوجها وملكها ومنفعتها للسيد فناقضتم الاستماع للزوج, وإذا سلمنا إلى الزوج .... معه فعلى [ذلك فإن] الاستماع من منفعتها تبطل على سيدها فلهذا أوجب النفقة على زوجها, ولو مرض المرهون واحتاج إلى الدواء وجب على الراهن ذلك.
وقال أبو حنيفة: نفقة المطعم والمشرب على الراهن ونفقة المراعاة والحفظ على المرتهن, ونفقة الدواء [ق 272 أ] معتبرة بقيمة الرهن, فإن كانت بقدر الحق أو الحق أو أقل فهو للمرتهن, وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الحق فهي على الراهن والمرتهن بالقسط, مثاله أن يكون الحق بقيمة نصف الرهن فالنفقة بينهما نصفان وهكذا قال في أجرة راد الآبق من الإباق, وهذا مبني على أصله أن يد المرتهن يد ضمان, وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا, ولأنه من مؤنة الرهن فكان على الراهن كالنفقة.
فرع
لو امتنع الراهن من علاجه لا يجبر عليه لأنه قد يبرأ بغير علاج, وإن احتاج إلى فصد أو حجامة فللراهن ذلك لأنها غير مخوفةٍ في العادة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لأبي كعب رضي الله عنه في الفصد.
وقيل: الفصد أخوف من الحجامة ولكن من العادة كلاهما غير مخوف, وقد قال صلى الله عليه وسلم: "قطع العروق مسقمة" والحجامة خير منه, فإن لم يكن حاجة يمنع من الفصد ولا يمنع من الحجامة لاستبقاء الصحة.
فرع آخر
لو قال المرتهن: أنا أتولى المعالجة بعد امتناع الراهن عنها, فإن قال بشرط أن على الراهن ما أنفقه لم يكن له, وإنه قال: أتطوع به فإن كان فيه مصالحة ولا يخشى منه التلف لا يمنع منه.
فرع آخر
لو مات فكفنه وتجهيزه على الراهن؛ لأن المؤن بعد الموت يجب على من تجب النفقة في حياته.
مسألة:
قال: "والفرق بين الأمة تعتق أو تباع ولدها وبين [ق 272 ب] الرهن أنه
الجزء: 5 - الصفحة: 309
إذا أعتق أو باع زال ملكه, وحدث الولد في غير ملكه, وإذا رهن فلم يزل ملكه وحدث الولد في ملكه".
الفصل:
قصد به الرد على أبو حنيفة حيث قال: ولد المرهون يدخل في العتق: ففرق الشافعي بينهما بما ذكر, وهو فرق صحيح وقاس على ولد المؤاجرة لا يتبعها في الضمان.
مسألة:
قال: "وأكره رهن الأمة إلا أن توضع عبى يدي امرأة تقةٍ".
الفصل:
رهن الإماء في الجملة لما يخشى عليها لما يخشى عليها إلا أن يوضع على يدي امرأة ثقة فيؤمن ما يخشى عليها, وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" فإن خالف وشرط أن تكون عند المرتهن فالشرط باطل على ما ذكرنا, ولكن لا يبطل الرهن لأنه لا يعود إلى ضرر في حق أحد المتعاقدين.
مسألة:
قال: "ولو كان الرهن ماشيةً فأراد الراهن أن ينزي عليها".
الفصل:
إذا رهن ماشية فحولة, ثم أراد أن ينزيها على إناث ليست بمرهونة كان له؛ لأن ذلك نماء الفحولة, وإن كانت الماشية المرهونة إناثًا فأراد أن ينزي عليها فحولة ..... وإن قلنا للحمل حكم ولا يباع حتى تضع نظر, فإن كان الوضع يتقدن على حلول الحق كان له ذلك, وإن كان يتأخر فليس له ذلك, لأنه يمنع المرتهن من بيعها, فإن خالف فأنزي عليها فحملت فإنها لا تباع حتى تضع, ثم تباع الأم مع الولد فيعطى المرتهن قيمة [ق 273 أ] الأم حائلاً كما قلنا في الأرض إذا رهنها بيضاء فعرس فيها نخيلاً.
وقال بعض أصحابنا: هذا على قول من قال من أصحابنا إن الحمل في البهائم زيادة من كل وجه, فإذا قلنا: الحمل نقص في البهائم لأنه يهزل اللحم يجب أن لا يكون للراهن أن ينزي عليها بحالٍ إلا بإذن المرتهن, وإن كان ظهور الحمل بعد محل الحق
الجزء: 5 - الصفحة: 310
يجوز أيضًا؛ لأنا لا ندري عند حلول الحق أنها حملت أن لا.
فرع
إذا أراد الراهن أن يرعى ماشيته لم يكن للمرتهن منعه من ذلك إلا أنها تأوي بالليل إلى يد الموضوعة على يده, وأما المرتهن أو العدل ولو أراد أحدهما أن ينتجع نظر, فإن الموضع مخصبًا لا حاجة بها إلى الانتجاع لم يجز نقل الماشية إلا برضاهما, وإن كان الموضع مجدبًا فأيهما أراد أن ينتجع كان له؛ لأن في مقامهما فيه إضرارًا بها, فإن كان المستنجع الراهن كان المرتهن بالخيار بين أن يسلمها إليه ويرضى بأمانته وبين أن يسلمها إلى ثقة غير الراهن, وإن انتجعا إلى جهة واحدة ترك الرهن في يد المرتهن كما كان, وإن انتجعا إلى جهتين مختلفتين, قال الشافعي: يكون في الجهة التي يكون الراهن فيها؛ لأن منافعه له ويكون على يد عدلٍ إن لم يرض المرتهن أن يكون في يد الراهن.
فرع آخر
لو رهن عبدًا ثم أراد أن يختنه, قال الشافعي: كان له وبيس للمرتهن [ق 273 ب] منعه؛ لأن ذلك سنة وزيادة وليس فيه نقص وكذلك الجارية.
وقال في "الأم": لو رهن عبدًا أو أمة صغيرين لم يمنع أن يعذرهما لأن ذلك سنة فيهما.
وأراد أنه ثابت بطريق السنة لا أنه غير واجب, ويحتمل أنه أراد سنه في هذا السن واجب على البالغ, وقال أصحابنا: هذا إذا كان يبرأ قبل محل الحق فيستكمل برؤه ويعود لونه, وإن كان لا يبرأ لا يجوز له أن يفعله بغير إذن المرتهن؛ لأن ذلك يغير اللون وينقص الثمن.
وكذلك إذا كان الحق حالاً ليس له, وإذا جوزنا له ذلك فإنما يجوز في هواء معتدل لا حر شديد ولا برد مفرط؛ لأنه مخوف في الحر والبرد.
فرع آخر
لو أراد أن يقطع منه شيئًا مثل السلعة أو قطع الطرق للأكلة, فإن خشي من تركه التلف ويرجى من قطعة السلامة كان له قطعه ولم يكن للمرتهن منعه, وإن كان من تركه ومن قطعه التلف من يكن لواحد منهما قطعه, وإن اتفقا على قطعه جاز لهما, وإن كان لا يخشى من تركه ويخشى من قطعه ولكن الغالب السلامة فيه وجهان, وقال أبو إسحاق: ليس له ذلك, واختاره القاضي الطبري؛ لأنه الغالب فيه المنفعة والصلاح, فصار كالمتيقن صلاحه ومنفعته, وإن كان إذا قطعه يزيد في قيمته كالأصبع الزائدة التي إذا قطعها يزيد في قيمته ويخاف من قطعها التلف ولا يخاف من تركها الضرر لا يجوز لواحد منها قطعه [ق 274 أ] لأنه تعريض للتلف من غير حاجة, فإن كان الغالب السلامة فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
الجزء: 5 - الصفحة: 311
فرع آخر
لو كان الرهن دابة فاحتاج إلى توديج أو تبزيغ أو تعريب, قال الشافعي: للراهن فعله وليس للمرتهن منعه منه والتوديج للدابة مثل الفصد للآدمي والودجان: عرقان غليظان عريضان عن يمين نقرة النحر ويساره والوريدان بجنب الودجين لا يجري فيهما الدم.
وأما التبزيغ: فهو فتح الرهصة وهو الماء يجتمع في الحافز.
يقال: بزغ البيطار الرهصة وذلك من الشق, ولهذا يقال: بزغت الشمس إذا طلعت.
وأما التعريب: أن يشرط البيطار إشعار الدابة شرًا خفيفًا لا يضر بالعصب ثم يعالجها والأشاعر فوق الحافر, وهذا كله جائز للراهن لأن فيها مصلحة لملكه من غير ضرر.
فرع آخر
لو جني على العبد المرهون, فأخذ الأرش حيوانًا له أن ينتفع به ويكون رهنًا, ولو أراد مصالحة الجاني من ....... على عرص لم يكن له إلا برضي المرتهن.
فرع آخر
لو كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى إصلاح وتسوية وسقي وجداد كان على الراهن كعلف الدابة, وأن تشميتها قال في "الأم": "عليه التشميس وقال في موضع آخر: ليس عليه ذلك وهما في حالين فالذي قال عليه ذلك إذا كان الحق مؤجلاً, والذي قال ليس عليه ذلك إذا كان الحق حالاً, ولو أراد أن يحمل على [ق 274 ب] الدابة المرهونة ما يكدهما أو يكري الدار المرهونة من القصارين والحدادين ليس له ذلك لأنه يضر بالمرتهن.
باب رهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل
والرجل يرهن الشيء الواحد من رجلين
مسألة:
قال: " وإذا رهناه عبدًا بمائةٍ وقبض المرتهن فجائز".
إذا كان بين رجلين عبد فرهناه بمائة درهم عند رجل له عليهما جاز الرهن كما يجوز البيع, ويحتاج إلى قبض وتسليم كما نقول في رهن الواحد, وكذلك لو راهناه على التعاقب صح الرهن بعد الرهن.
ووافقنا أبو حنيفة في المسألة الأولى, وخالفنا في الثانية؛ لأنه يمنع رهن المتاع ويقول في المسألة الأولى: ليس برهن مشاع, وإذا رهنا هكذا يكون بمنزلة عقدين؛ لأن في أحد طرفيه عاقدين, فإذا وفاه أحدهما دينه أو بريء منه أنفك نصيبه من الرهن, ثم
الجزء: 5 - الصفحة: 312
ينظر, فإن كان مما ينقسم ويتساوى أجزاؤه كالحبوب وما يكال ويوزن يجبر شريكه على مقاسمته, وإن كان عبدًا أو مواشي لا يجاب إلى القسمة؛ لأنها أعيان مختلفة والقسمة فيها مناقلة الملك للمرتهن منعهما منه, وكذلك إذا كان حجرتان فأراد أن ينقسما على أن يتعين حق كل واحد منهما في حجرة منفردة فللمرتهن منعهما, فإن كان الرهن براحًا أجزاؤه متساوية في القيمة كان بمنزلة الحبوب, وإن كان دارًا فطالب أحدهما بالقسمة [ق 275 أ] أجبر الآخر عليها إذا لم يكن رهنًا, وإن كان رهنً فيها وجهان:
أحدهما: لا يجبر لأن ثمن نصفهما مشاعًا أكثر من ثمن نصفها مقسومًا.
والثاني: يجبر ولا يعتبر رضي المرتهن؛ لأن هذا الضرر لا يتبين فيها, فإذا قيل: قيد الشافعي كلامه بقوله معًا فقال:
"إذا رهناه معًا عبدًا بمائةً".
فما فائدة هذا التقييد إذا كان يصح الرهن سواء رهناه معًا أو أحدهما بعد الآخر على التعاقب؟ قيل: إنما قيد هكذا ليوافق مسائل الباب ترجمة الباب؛ لأنه ترجم الباب برهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل الواحد, وأيضًا فائدته التنبيه على موضع الإجماع لأنهما إذا رهناه معًا كانت مسألة إجماع, وإذا ترتب العقد إن كانت مسألة خلاف على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان مما يقسم بالأجزاء فعلى قولين بناء على أن القسمة بيع أو إقرار حق, فإن قلنا بيع لا يجوز لأنه بيع المرهون بغير المرهون, فإن يبيع نصف هذا بنصف ذاك, وإن كان مما يقسم بالقيمة لا يجوز قولاً واحدًا [3/ 151] نص عليها لأنها بيع.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني, ذكره القفال, والذي في حفظي عنه أنه متى ما لم يكون في القسمة رد شيء فهو على القولين, وإن احتاجت إلى رد شيء يكون بيعًا قولاً واحدًا, وقول الشافعي ههنا: كان الذي افتك نصفه أن يقاسم المرتهن بإذن شريكه على قولنا إنه إفراز حق [ق 275 ب] غير أن الشافعي شرط إذن الشريك.
وقال بعض أصحابنا: لا يشترط ذلك بل هو استحباب لا يجبر عليها عند الامتناع, والصحيح أنه لابد من الإذن غير أنه إن امتنع من الإذن يرفعه إلى الحاكم حتى يجبر شريكه على القسمة والأصح ما ذكرنا فيما تقدم.
مسألة:
قال: " ولو رهنه من رجلين بمائةٍ وقبضاه فنصفه مرهون لكل واحدٍ منهما".
صورته: أن يكون لرجلين على رجلين ألف درهم لكل واحد منهما ألف فرهن عندهما شيئًا بألف فالرهن صحيح كالبيع وكان بمنزلة الصفقتين, فإن اتفقا على أن يكون
الجزء: 5 - الصفحة: 313
في يد عدل فقبضه العدل صح قبضه لهما, وإن وكلا رجلاً بقبضه لهما صح, وإن وكل أحدهما صاحبه بقبضه صح قبضه لهما, ثم إذا صار مقبوضًا فقضى دين أحد المرتهنين وأبرأه منه خرج نصفه من الرهن لم ذكرنا, وعند أبي حنيفة: يجوز هذا الرهن ولكنه موهون عند كل واحد منهما بتمامه, وإذا قضى دين أحدهما لا ينفك منه شيء, وهذا خطأ لأنه يقول: على كل واحد منهما ضمان نصفه, فإن الرهن عنده مضمون فلو كان كما قال لكان على كل واحد منهما ضمان كله.
مسألة:
قال: "ولا يجوز أن يأذن رجل لرجلٍ في أن يرهن عبده إلا بشيءٍ معلومٍ".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وهذا جواب على أن يجري مجرى الضمان, ثم إن لم يكن المرتهن عالمًا بأن العبد [ق 276 أ] مستعار فله الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن.
إذا قلنا إنه عارية واسترده ولا يبطل خياره بأن يأتي الراهن أو المعير بعبد آخر يجعله مكانه إلا أنه يقضي الدين في الحال فيبطل به الخيار, ولو حل الحق والراهن معسر فقال المرتهن: أنا أنظر ولا أطالب الراهن بحقي.
قال له: إما أن تقبض حقك, وإما أن ترضى بدين لا رهن به وترد الرهن علي, كالمضمون عنه إذا مات والدين مؤجل فقد حل عليه بموته ولم يحل على الضامن, فإن لم يطالب صاحب الدين بحقه من ورثة الميت يقول: إما أن تطلب حقك فتأخذه , وإما أن تبريني من الضمان إذ لا آمن أن يحل الحق علي فيطالبني به وقد تلفت التركة فلا يمكنني الرجوع بشيء, ذكره أصحابنا بخراسان, وقال الشيخ أبو محمد الجويني في المنهاج: ولو طالب المستعير الراهن السيد المستعير بانفكاك ذلك الرهن كان له مطالبته به, لأن ذلك من توابع إذنه, قال: وهذا معنى قول الشافعي ههنا ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان له ذلك" ويحتمل غير هذا المعنى واللفظ مشكل والأولى به ما ذكرت.
قال: وإذا طالب المعير بالانفكاك كان بالخيار بين أن يقضي ذلك الدين من مال نفسه وافتك عبده, ثم رجع بما قضى على المستعير, وبين أن يسلم العبد للبيع [ق 276 ب] حتى يرقى للغريم حقه من ثمنه, ولو امتنع الغريم عن قبض الحق من مال العين له ذلك لأنه ليس بغريم له, ومن يتبرع بقضاء دين على رجل لم يجب على ري الدين قبوله ولا يقال له: إما أن تقبض أو تبرئ بخلاف المديون إذا أراد القضاء أجبر رب الدين على القبض أو الإبراء , وإذا امتنع من قبض الدين من سيد والراهن معسر بيع العبد, وإن كان حالاً لهذا السيد العبد الذي له الامتناع من ماله؛ لأن حق الرهن متعلق برقبته, والرقبة محل الضمان, وليست ذمة السيد محل
الجزء: 5 - الصفحة: 314
الضمان, هذا معنى قوله:
"وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده".
أي لم يرد الغريم قبض الدين من المعير أسلم المعير عبده المرهون ليباع في الدين, وهذا في الإشكال كالأول.
ويحتمل أن يقال: معنى قوله:
" وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
أي علم المرتهن في الانتماء أن ذلك العبد المرهون لم يكن ملك الراهن, وإنما كان مستعارًا ولم تطب نفسه بقبض حقه من ثمن ذلك الرهن أسلم العبد المرهون, أي فكه وطلب حقه من الرهن المستعير, والذي يؤيد الاحتمال أن الشافعي قال:
وتبع في ماله حتى يوفي الغريم حقه, وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
فظاهر هذا الكلام أن الغريم إن لم يرد بيع ذلك العبد بشبهه وكراهة في ثمنه رده على [ق 277 أ] سيده وطلب حقه من محله, ويحتمل أن يكون معنى قوله:
ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان ذلك له".
أي أراد مرتهن العبد أخذ الراهن بالافتكاك وقضى الدين كان ذلك له إذا كان الدين حالاً, وإن لم يقبضه بيع في ماله أي بيع في دينه حتى يوفي الغريم حقه, ثم قال: "وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
إذا حل الحق ورضي مرتهن العبد بترك المطالبة وتأخير حقه فليرد العبد على سيده على ما ذكرنا من قبل, وهذا أولى عند جماعة أصحابنا بالعراق.
مسألة:
قال: "ولو رهن عبده من رجلين وأقر لكل واحدٍ منهما بقبضه".
إذا رهن عبده عند رجلين وأقر لكل واحد منهما بالرهن والقبض, فادعى كل واحد منهما أن رهنه وقبضه كان قبل صاحبه لا يخلو من أربعة أحوال:
إما أن يكون في يد الراهن, أو في يد العدل, أو في يد المرتهن, أو في يدهم فإن كان في يد الراهن فأقر به لأحدهما دفع الرهن إليه, فإن طلب الآخر يمينه هل يحلف أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحلف لأن اليمين تعرض على الإنسان ليرتدع فيرجع عما قوله إلى الحق, وإن رجع ههنا عن أقواله لم يقبل منه فلم يكن لعرض اليمين عليه فائدة وهو الصحيح.
والثاني: يحلف لأنه ربما ينكل عن اليمين [ق 277 ب] فترد اليمين عليه فيصير
الجزء: 5 - الصفحة: 315
مساويًا لصاحبه, فإذا قلنا: يحلف فحلف فالمقر له أولى بالرهن, وإن نكل عن اليمين رددنا اليمين عليه, فإن نكل فالحكم على ما بيناه, وإن حلف فيه ثلاث أوجه:
أحدهما: الرهن ينفسخ لأنهما قد تساويا فحصل أحدهما اليمين بالنكول والرد وللآخر الإقرار, ولا نعلم أيهما الأول فانفسخ الرهن إذ لا يمكن أن يجعل كله مرهونًا عند كل واحد منهما.
والثاني: يكون بينهما نصفين لتساويهما فيه.
والثالث: يكون المقر له أولى بالرهن, ويجب على الراهن الآخر قيمة الرهن تكون رهنًا عنده بحقه قصاصًا منه؛ لأن رد اليمين بعد النكول بمنزلة الإقرار, كما لو أقر للثاني ههنا بعدما أقر للأول, وكما لو رهنه ثم أقر أنه كان قد جني على رجل ادعاها المجني عليه لم يقبل قوله وألزماه قيمته له في أحد القولين, وكذلك في مسألة الغصب إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان, وفيه قول مخرجٍ أنه لا يغرم للثاني شيئًا, وكذلك لو أقر لواحد, ثم أقر للثاني لا يقبل ولا يغرم الثاني شيئًا وهو الصحيح, لأنه أقر للثاني بما لزمه ويجوز أن يخفي عليه في الأول ولم يتلف مالاً فلا يلزمه الغرم, وإن كان الرهن في يد العدل فهو بمنزلة ما لو كان في يد الراهن لا فرق بينهما [ق 278 أ] وإن كان الرهن في يد أحد المرتهنين فإن أقر به للذي هو في يده فإنه أولى به لأنه قد اجتمع إليه وإقرار الراهن وهل يحلف الراهن للآخر قولان على ما ذكرنا, وإن أقر للذي في يده فيه قولان:
أحدهما: إقرار الراهن أولى من اليد فينزع من يد من هو في يده ويسلم إلى الآخر؛ لأن اليد في الرهن لا تفيد شيئًا, فإن يد المرتهن يد الراهن فلا تقوى بيده دعواه, ولأن تحت قوله: إن الآخر هو الذي رهنته وأقبضته, أو لأن الذي في يد الراهن غاصب للرهن, وأن قبضه ليس بصحيح, ولو اختلفا فقال الراهن: غصبتنيه, وقال المرتهن: بل قبضه منك كان القول قول الراهن, وإن لم يكن لهذه حكم فدل على ما قلناه.
والثاني: أن صاحب اليد أولى, كما إذا باع رجلين وسلمه إلى كل واحد منهما والمبيع في يد أحدهما فأقر به لمن ليس في يده, فإن صاحب اليد أولى من المقر له والأول أصح.
قال المزني: أولاً أصح القولين أن المصدق أولى من صاحب اليد لأنه حق من الحقوق اجتمع فيه إقرار المرتهن ورب الرهن.
وأراد دعوى المرتهن وإقرار الراهن فاستجاز تسمية الدعوى إقرارًا وليس بالعبارة المستحسنة, ثم اختار الثاني وهو أن الرهن عند [ق 278 ب] من هو في يده؛ لأن الراهن قد أقر له بالقبض كما لو أقر لصاحبه وله فضل يد على صاحبه فلا يقبل عليه دعوى الراهن من بعد, ثم قال:
إلا أن يقر الذي في يديه أن كل واحدٍ منهما قد قبضه فيعلم بذلك أن قبض صاحبه قبله".
الجزء: 5 - الصفحة: 316
ومعناه: أن الذي في يده الرهن من هذين الخصمين المتداعمين إن أقر بأن كل واحد منهما قد قبضه أبطل بهذا الإقرار دعواه ولزمه دفع الرهن إلى صاحبه ليكون رهنًا عنده, وذلك أن الرهن إذا كان الآن في يده وهو مقر أن صاحبه قد قبض استقينا أن قبض صاحبه قبل قبضه والمتقدم من القبضين هو الصحيح والمتأخر منهما غصب, قال أصحابنا: الذي رجع عنه المزني أصح لما بينا أن يد المرتهن لا تفيد شيئًا, وإن كان الرهن في أيديهم جميعًا, فإن نصف الرهن يكون للمقر له أولى به, لأنه قد اجتمع له في يده وإقرار الراهن, وهل حلف الراهن للآخر؟ قولان على ما ذكرنا.
والصحيح أنه لا يحلف على ما ذكرنا, وفي النصف الآخر الذي صاحبه قد حصل له إقراره وحصل لصاحبه به فهل يكون الإقرار أولى أم اليد؟ قولان على ما بيناه فيكون الحكم في هذا القسم مرتبًا على ما ذكرنا قبله.
ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي ههنا أن القول قول الراهن في جميع العبد [ق 279 أ] وقال ابن أبي هريرة في النصف الذي في يد المرتهن الآخر على قولين, وهذا لا يصح لأنهما استويا في اليد وفضل أحدهما بالإقرار فكان الحكم له وهذه الطريقة أصح.
وقال أبو حامد: وفي المسألة التي قبلها إذا قلنا يحلف فنكل وحلف الآخر وقلنا: النكول مع رد اليمين يجري مجرى البينة على المدعى عليه يقتضي هذا القول أن يؤخذ الرهن من يد الأول وينقل إلى يد الحالف لو قامت له البينة بما يدعيه, وأصحابنا لم يذكروا هذا وعندي لا يصح هذا التخريج؛ لأن هذا يجري مجرى البينة في أحد القولين في حق الدعاء عليه إذا لم يكن هناك حق ثالث وههنا حق ثالث وهو المرتهن الآخر, فإن قيل: قلتم في المسألة الأولى: أصح القولين أنه لا يحلف وقد أقر الراهن لكل واحد من المرتهنين بقبضه كله, وهذا الإقرار إثبات حق لكل واحد منهما بلا تعيين فكيف تتوجه عليه اليمين إذا أبطل ما أثبت؟ قلنا: هذا الإقرار مطلق وليس الرهن في يد كل واحد منهما يترجح أحدهما على صاحبه باليد, ولا يبعد أن يرهنه عند واحد منهما ويسلمه إليه, ثم يرجع إليه للاستخدام فيرهنه عند الثاني ظانًا أن هذا الرهن يرد على الرهن ويسلمه إليه ثم يعود إليه للاستخدام فيعتبر لكل واحد منهما بقبضه كله [ق 279 ب] فيكون صادقًا في إقراره على الظاهر صادقًا في تفسيره عند الاستفسار وحق الرهن والقبض للأول منهما دون الثاني إذ يستحيل أن يكون كل واحد منهما مرتهن كله بعقد صحيح فهذا في التفسير كالمؤتمن, ومعلوم أن المستودع إذا أضاف ملك الوديعة إلى مالك لم تتوجه عليه اليمين في تلك الإضافة كذلك ههنا, هذا كله إذا أقر الراهن لأحدهما فأما إذا قال: لا أعلم أنهما أول, فإن لم يدعيا علمه انفسخ الرهن, وإن ادعيا على حلف الراهن أنه لا يعلم أيهما أول قولاً واحدًا, لأنه لو رجع وبين .... قبل, فإن حلف انفسخ الرهن لأنهما عقدان أحدهما باطل لا بعينه فبطلا, كما لو زوج المرأة وليان ولم يعلم وعين السابق, ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ الرهن لأنه يمينه لم تكن لنفي الرهن بل كانت لنفي العلم فيكون الحكم كما لو نكل عن اليمين ينفسخ, وإن حلف أحدهما دون الآخر
الجزء: 5 - الصفحة: 317
يقضي الذي حلف, وإن حلفا معًا فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ التعارض.
والثاني: يكون رهنًا بينهما نصفين لتساويهما ولا يجيء ههنا الوجه الثالث وهو إيجاب القيمة على الراهن؛ لأن الراهن لم يكن منه إقرار حصلت به حيلولة بوجه من الوجوه.
فرع
لو أقاما البينة على أنه رهنه عبده وأقبضه فقد تعارضتا [ق 280 أ] وفي البينتين المتعارضتين أربعة أقوال: التساقط, والإقرار والقسمة, والوقف, وهل تستعمل القسمة هنا فيجعل بينهما نصفين وجهان.
باب بيع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وغيره
قال: "وإذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها".
إذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها هل يدخل البناء والشجر فيه؟ قد بيناه في "كتاب البيع".
وقال أبو حنيفة: هل يدخل الغراس والبناء في الرهن بالإطلاق لكن الرهن لا يصح, لأنه سلم أنه لا يدخل في البيع فكذلك في الرهن.
مسألة:
قال: "ولو رهن شجرًا وبين الشجر بياضٍ رهن دون البياض".
إذا رهن شجرًا أو نخلاً لم يدخل البياض الذي في تضاعيفهما في الرهن قولاً واحدًا؛ لأنه لا يدخل في البيع, فلأن لا يدخل في الرهن أولى.
وأما الأرض التي هي نغرس الشجر لا تدخل الرهن قولاً واحدًا, وهل يدخل في البيع؟ وجهان:
أحدهما: يدخل فيه؛ لأن بقاءها به فهو بمنزلة عروقها.
والثاني: لا تدخل لأنه لا تدخل في اسم الشجر فلا يدخل في البيع وهو الأصح.
وكذلك الخلاف في قرار البناء وفائدة الوجهين إذا استقلع الشجر بعد البيع هل يلزمه رد الغرس إلى البائع؟ وجهان.
والفرق بين الرهن والبيع ما تقدم أنه البيع عقد قوي يزيد [ق 280 ب] الملك فاستتبع الغرس بخلاف الرهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الرهن أيضًا وجهان, وفيه نظر.
وقال أبو حنيفة: رهن البناء والغراس دون مواضعها لا يجوز, ولا رهن الأرض واستثنى البناء والغراس لم يصح الرهن.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه يصح في الغراس؛
الجزء: 5 - الصفحة: 318
لأن الغراس عبارة عنه وعن موضعه.
وهذا غلط؛ لأنه يصح بيعه على هذا الوجه فصح رهنه.
مسألة:
قال: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله قبل يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن".
ذكر الشافعي ههنا ثلاث مسائل:
إحداهما: إذا رهن الأصل مطلقًا ولم يذكر الثمرة, فإن كانت مؤبرة لم يدخل في الرهن, وإن لم تكن مؤبرة فقد ذكرنا حكمها, ونص ههنا أنها لا تدخل في الرهن وهو الصحيح.
وقال أبو حنيفة: يدخل في الرهن بكل حالٍ بخلاف البيع على أصله أنه لا يجوز الرهن على الأصل دون الثمرة, والعقد ينبني على الصحة.
وهذا غلط؛ لأن المؤبر إذا لم يدخل البيع بالإجماع مع قوته فلأن لا يدخل في الرهن أولى.
والثانية: يرهن الأصل والثمرة فيصح الرهن فيها إن كان بدين حال, وإن كان بدين مؤجل يدرك الثمرة عند حلول الدين أو بعده يصح أيضًا, وإن كانت تدرك قبل حلوله ولا تجف إلى حلوله, فإن كانت مما تجف يحص الرهن أيضًا ولزمه الراهن [ق 281 أ] تجفيفها؛ لأن ذلك من مصلحتها وإن كانت مما لا تجف ولا تتلف فمن أصحابنا من قال: في صحة رهنها قولان, كما لو رهن طعامًا يفسد قبل المحل.
ومنهم من قال: يصح ههنا قولاً واحدًا؛ لأن الثمار لو تلفت بقي الأصل, وفي الطعام لا يبقى شيء وقد تقدم ذكر هذا.
فإذا قلنا: يبطل في الثمرة هل يبطل في الأصل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
والثالثة: أن يرهن الثمرة منفردة, فإن كان قد بدأ صلاحها فرهنها بحق حال يجوز, سواء كانت بشرط القطع أو مطلقًا.
وإن كانت بحق مؤجل فإن كان بجامع الإدراك أو قبله جاز, وإن كان يتأخر حلوله عن الإدراك, فإن كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها جاز فتجفف وقت الصرام, وإن كانت مما لا يمكن تجفيفها هل يصح الرهن؟ قولان.
وإن لم يكن بدا صلاحها فإن كان بحق حال وشرط القطع جاز؛ لأن البيع هكذا يجوز, وإن رهنها مطلقًا فيه قولان؛ أحدهما: يبطل كالبيع.
والثاني: يجوز؛ لأن مقتضى الرهن بيعه بالحق, فإذا كان الحق حالاً اقتضى العقد قطعه في الحال لجري الشرط, وإن رهنها بحقٍ مؤجل بشرط القطع عند الحلول أو بلا شرط مطلقًا هل يجوز؟ قولان منصوصان:
أحدهما: لا يجوز كما لو باع مطلقًا أو بشرط القطع بعد مدة.
قال أبو إسحاق: وهذا أصح نص عليه في "كتاب التفليس".
والثاني: يجوز [ق 281 ب] بخلاف البيع؛ لأن في مقابلته عوضًا هناك, فإذا أطلق يحصل الغرز بخلاف الرهن.
الجزء: 5 - الصفحة: 319
وقيل: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يلزم شرط القطع مع حلول الدين لا في العقد قبل حلول الدين.
والثاني: يلزم شرط القطع مع العقد شرط في صحة الرهن.
والثالث: أن اشتراط قطعها ليس بواجب, لا حال العقد, ولا عند حلول الدين.
وهذه الأقوال إذا علم أن حلوله قبل بدو الصلاح.
وعلى هذا لو قال الراهن: أقطعها عند حلول الدين وأبيعها.
وقال المرتهن: بعها على الرؤوس النخل بشرط القطع, فالقول قول المرتهن؛ لأن قطعها تصرف لم يوجبه العقد ولا الشرط إذا جرت العادة ببيعها على رؤوس النخل.
فأما إذا كانت العادة الجارية ببيعها مقطوعة فالقول قول الراهن.
فإن قلنا بالقول الأول كان حكمها حكم الطعام الرطب؛ لأن قطعها واجب, وإن كانت مما لا يبقى فقولان.
وإذا قلنا بالثاني فرهنها جائز سواء كانت مما تجف أو لا, وأما الزرع إذا رهنه أخضر فهو بمنزلة رهن الثمرة قبل بدو صلاحها, وقد ذكرنا حكمها.
مسألة:
قال: وإن كان من ثمر شيء فرهنه وكان يخرج يعده غيره منه فلا يتميز الخارج".
الفصل:
إذا رهن ثمر شجرة تحمل حملاً بعد حمل في سنة كالتين والباذنجان نظر فيه, فإن كان بعد بدو الصلاح فيه يجوز بحق حالٍ, وإن رهنه بحق مؤجل نظر, فإذا كان لا يحل إلا بعد حدوث حمل آخر واختلاطه به بحيث لا يتميز عنه فالرهن بالطل؛ لأنه لا يمكن بيعه عند حلول الحق والحاجة إلى بيعه داعية.
وقال [ق 282 أ] أبو إسحاق: إلا أن يتفقا في الابتداء, وأنهما يقطعان الخارجة قبل ظهور الحادثة, وخوف الاختلاط فيجوز, وإن كان الحق يحل قبل الاختلاط جاز الرهن, فإذا حل الحق فطالب المرتهن ببيعه بيع ووفي حق المرتهن من ثمنه, فإن دافعه الراهن به حتى حدث حمل آخر واختلط به نظر, فإن كان الحادث يتميز به الأول فالرهن بحاله ويباع المرهون, وإن كان لا يتميز ففيه قولان:
أحدهما: الرهن يبطل في الحال, لأنه لا يقدر على تسليمه ولا يمكن بيعه في الحق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن العقد وقع صحيحًا والجهالة الطارئة لا تبطل العقد كإباق العبد للمبيع, ولأنه يمكن في حقه بأن يتطوع الراهن بتسليم الكل, وهذا أظهر.
فإذا قلنا بهذا القول قلنا للراهن: أتسمح بأن يكون الكل رهنًا؟ فإن سمح صار رهنًا
الجزء: 5 - الصفحة: 320
ولم يكن للبائع الخيار في البيع الذي يشترط فيه الرهن.
وإن قال: لا أسمح قلنا لهما: اتفقا على قدر الرهن، فإن اتفقا فلا كلام، وإن اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه سواء كانت الثمرة في يده أو في يد المرتهن.
وقال المزني: "القول قول من الثمرة في يده منهما".
وهذا غلط؛ لأن يد المرتهن لا اعتبار بها، لأن يده يد الراهن فلا تقوى بها دعواه على الراهن.
وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلام الشافعي ههنا [ق 282 ب] دليل على أن هذين القولين في البيع؛ لأنه قال: وفيه قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: [يَفْسَدُ الرَّهْنُ كَمَا يَفْسَدُ الْبَيْعُ]، فأجاب في البيع مع الرهن، أن يقال: إذا صححنا البيع فالرهن أولى، وإن لم نصحح البيع ففي الرهن قولان.
والفرق أن الرهن نوع وبيعه ليس بمعاوضة كالبيع، وتأثير الجهالة في عقود المعاوضات أكثر من تأثيرها في غير المعاوضات.
ثم قال:
"وَالْقَولُ قَوْلُ الرَّاهِنُ فِي الثَّمَرّةِ المُخْتَلَطَةِ مِنَ الْمَرْهُونَةِ".
كما لو رهنه حنطة فاختلطت بحنطة للراهن فكان القول قويه فاحتمل هذا التشبيه أن تكون مسألة الحنطتين إذا اختلطتا على قولٍ واحد في صحة العقد، وهذا أظهر الاحتمالين لأنه قاس عليه.
ويحتمل أن تكون مسألة الحنطة كمسألة الثمرة في حكم القولين.
فإن سوينا فلا فرق، وإن رتبنا فكيفية الترتيب أن يقال: إذا صححنا في الحنطة مع الاختلاط فالثمرة أولى، وإن لم نصحح في الحنطة ففي الثمرة قولان.
والفرق أن الاختلاط في الحنطة فوق الاختلاط في الثمرة، والتمييز بغير القسمة ممتنع ميؤوس في جميع الأحوال، وفي الثمار ربما شاهدها شاهدان قبل الاختلاط فيقدران على التمييز بما عندهما من العلامة السابقة، فإن كانت صورة المسألة الثمار مثل صورة مسألة الحنطة حتى يكون التمييز ميؤوسًا على الإطلاق فالمسألتان سواء، ويتعذر [283 أ] الفرق.
فإن قال قائل: قد قال الشافعي في المسألة السابقة:
"إِذَا رَهَنَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا لَمْ يَجُز الرَّهْنُ إِلاَّ أَنْ يَتَشَارَطَا أَنَّ المُرْتَهِنَ إِذَا حَلَّ حَقُّهُ قَطَعَهَا وَبَاعَهَا فَيَجُوزُ الرَّهْنُ"، وهذا يقتضي أن اشتراط القطع يجوز أن يكون على نوع من التأخير وإن كان مؤخراً كانت الآفات غير مأمونة مدة التأخير.
قلنا: كان الشافعي صوَّر المسألة في حض رجل لم يبق من أجله إلا زمان قليل ينقضي عن قريب والثمرة لم تدرك، والغالب من ذلك الزمان القريب الأمن من الآفات، فإذا اشترط قطعها عند المحل كان صحيحاً، وإن كان بخلاف ذلك لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في البيع قولان؛ قبل القبض، وفي الرهن لا فرق أن يكون قبل القبض أو بعده، والفرق أن القبض في البيع بقطع العلائق فيكون القول قول
الجزء: 5 - الصفحة: 321
(المشتري) في قدر المختلط؛ لأن الثمرة في يده وفي الرهن العلائق بعد القبض تثبت بين الرهن والمرتهن فلا فرق فيه بين أن يكون قبل القبض أو بعده.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ ثَمرةً فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة، وقوله: "فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا"، أراد ليس على المرتهن ذلك، ولم يرد أن الراهن يجبر عليه إذ لا يجبر أحد على تنمية ماله وإن كان مرهوناً بخلاف نفقة الحيوان؛ لأن له حرمة.
هكذا ذكره بعض [ق 283 ب] أصحابنا بخراسان.
وظاهر ما قال أصحابنا بعراق أنه يجبر عليه، وفينا يؤدي إلى نقصانها وهلاكها وهذا أصح.
وإذا جاء أوان الجداد على الرهن لأن في تركه إتلافه فهو كمؤنة موضع الحفظ يلزمه.
وقيل: أوان الجداد لم يكن له؛ لأن في ذلك نقصاً لها وإبطالًا لثمنها إلا أن يصيبها عطش أو يكون الحمل ثقيلًا يخاف منها على الأصل فيجوز للراهن قطعها؛ لأن ذلك موضع الضرر.
وإن تراضيا من غير ضرورة على قطعها كان لهما؛ لأن الحق في ذلك لهما.
فإذا اتفقا على إسقاطه جاز، وإن حل الحق فطالب المرتهن الراهن بتشميسها لم يكن له؛ لأن حقه في بيعها دون تنقيتها فلم يكن له المطالبة بتشميسها.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ أَبَى المَوْضُعَةَ عَلَى يَدَيْهِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي مَنْزِلِهِ إِلاَّ بِكِرَاءٍ قِيلَ لِلرَّاهِنِ: عَلَيْكَ مَنْزِلٌ تُحَرَّزُ فِيهِ".
إذا كانت الثمرة مما تجف واحتاجت إلى موضع تكون فيه، فإن تطوع من هو على يده بذلك فلا كلام، وإن امتنع فالأجرة على الراهن، فإن امتنع منه اكترى الحاكم من ماله إن كان له مال ظاهر وإلا باع من المرهون بقدر الكراء.
ولو قال المرتهن: أنا أدفع الأجرة وتكون دينًا عليه بغير رهن جاز.
وإن قال: يكون الرهن رهنًا بها، فيه طريقان كأرش الجناية إذا [ق 284 أ] فداه المرتهن على أن يكون رهناً به، وبالأصل إن كان الراهن غائباً واحتيج إلى كراء الموضع الذي فيه يعرف الحاكم ذلك، وإن أنفق هو في الكراء من غير إذن الحاكم، فإن كان بقدر على الحاكم فلا يرجع عليه، وإن كان لا يقدر على الحاكم فهل يرجع فهل يرجع عليه؟ وجهان بناء على مسألة الحمال إذا هرب.
باب ما يفسد الرهن من الشرط وما لا يفسد
قَالَ: "وَإِن اشْتَرَطَ المُرْتَهِنُ مِنْ مَنَافِعِ الرَّهْنِ شَيْئاً فَالشَّرْطُ بَاطِلُ".
الجزء: 5 - الصفحة: 322
إذا رهنه رهنًا وشرط فيه شرطًا لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون شرطًا لا ينافي مقتضى العقد أو ينافي مقتضاه، فإن كان شرطاً لا ينافي مقتضاه مثل أن يقول: بشرط أن تقبضه، أو بشرط أن يباع الحق متى حل للإيفاء، أو بشرط أن يكون على يدي ثقةٍ أو نحو ذلك، فالرهن صحيح والشرط تأكيد، وإن كان شرطًا ينافي مقتضاه لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون نقصانًا في حق المرتهن أو زيادة فيه، فإن كان نقصانًا مثل أن يقول: بشرط أن لا يقبضه أو لا يباع بالدين ونحو ذلك فالرهن باطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه مثل أن يقول: يباع قبل محل الحق بأي ثمن كان، أو الزوائد تكون رهنًا هل يبطل الرهن قولان.
والفرق أن الشرط الذي يزيد في حق المرتهن [ق 284 ب] إذا سقط بقي الرهن تاماً، فالشرط الذي ينقص في حق المرتهن إذا سقط بقي الرهن ناقصاً غير تام فلم يصح، وأما في البيع لا فرق بين شرط يزيد في الثمن أو ينقص منه في أنه يبطل، لأنه يأخذ قسطاً من الثمن فيؤدي إلى جهالة الثمن.
فإذا تقرر هذا، واشترط المرتهن على الراهن منافع الرهن لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يشترط أن ملكها له، أو يشترط أن ملكها له، أو يشترط أنها تدخل في الرهن، فإن اشترط أن ملكها له فالشرط والرهن والبيع باطل قولًا واحدًا؛ لأنه لم يرض بالثمن المذكور في البيع إلا بأن يكون معه ملك المنافع وذلك مجهول، وإن لم يكن شرط هذا شرط هذا البيع هل يبطل الرهن به؟ فيه قولان لأنه زيادة في حق المرتهن، وإن اشترط أن منافعه تدخل في الرهن فالشرط باطل، وهل يبطل الرهن؟ قولان:
أحدهما: يبطل وهو الأصح لأنه يعتبر موجب العقد.
والثاني: لا يبطل.
فإذا أبطلنا الرهن هل يبطل البيع؟ قولان: وعند أبي حنيفة لا يبطل الرهن بالشروط الفاسدة كالهبة عنده يبطل البيع، وقيل: قال الشافعي في القديم، و"مختصر الرهن" يصح الشرط وما يتجدد يكون رهناً مع الأصل، وهو قول عطاء.
ووجه هذا أنه يدخل في العقد تبعاً إذا اشترط فيجوز أن يكون مجهولًا، وذكر القاضي أبو علي الزجاجي أن الشافعي قال في "القديم" [285 أ] في الشرط: ولولا حديث معاذ ما رأيته جائزًا.
فإذا قلنا: يجوز الرهن ولا يصح هذا الشرط فلأنه جمع بين معلوم ومجهول فيخرج على قولي تفريق الصفقة، وأصح القولين أنه يجوز في المعلوم بخلاف البيع؛ لأن هناك يبطل في المعلوم قولًا واحدًا؛ لأنه لا حاجة في الرهن إلى توزيع الحق بخلاف البيع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٌ فَقَالَ: زِدْنِي أَلْفاً عَلَى أَنْ أَرْهَنَكَ بِهِمَا مَعاً".
الجزء: 5 - الصفحة: 323
الفصل.
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم بلا رهن، فقال الذي عليه الألف: أقرضني ألفًا آخر على أن أعطيك بها هذا الشيء رهنًا لم يصح؛ لأن ذلك قرض جر منفعة، ولو قال: بعني عبدك بألف على أن أعطيك به وبالألف الذي لك عليَّ من غير رهن داري هذه رهنًا بهما جميعًا كان البيع باطلاً قولاً واحداً؛ لأنه باع العبد بشرط أن يرهن بالألف الذي بلا رهن، فكان ذلك في معين يتعين في بيعه لأنه لا فرق بين أن يقول: بعتك بكذا على أن تبيعني دارك بكذا، أو على أن تؤاجرني دارك بكذا، أو على أن ترهنني دارك بدين ولا يتعلق بهذا البيع.
ويخالف هذا إذا قال: بعتك هذا العبد بألف على أن ترهنني دارك به لا يجوز؛ لأن هذا يتعلق بمصلحة هذا البيع، فإنه شرط فيه وثيقة العوض الذي ملك [ق 285 ب] به، وليس كذلك شرط الرهن بدين آخر فإنه مما يتعلق بمصلحة هذا العقد فاقترقا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا رَهْناًوَشَرَطَ المُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ".
وههنا مسألتان:
إحداها: أن تكون المنفعة للمرتهن ملكًا.
والثانية: أن تكون له رهنًا، ففي المسألة الأولى ثلاث مسائل:
إحداها: لو كان له عليه ألف درهم مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي لك عليَّ وتكون منفعتها لك، فهذا شرط فاسد لمنافاته مقتضى الرهن، وهل يبطل الرهن؟ قولان، وقد ذكرنا.
والثانية: أن يقول: أقرضني ألفًا على أن أرهنك داري ومنفعتها لك فهذا قرض فاسد؛ لأنه قرض جر منفعة، وإذا أبطل القرض بطل الرهن.
والثالثة: أن يقول: بعني هذا العبد على أن أرهنك داري ويكون منفعتها لك فإن قدر المدة يكون بيعاً وإجارة وفيه قولان، وإن لم يقدر المدة فالإجارة باطلة للجهالة والبيع باطل لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن، هكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال أبو حامد: الشرط فاسد.
وهل يفسد الرهن؟ قولان، ثم إذا قلنا: يبطل ففي بطلان البيع قولان، وهذا ظاهر كلام الشافعي لأنه جعل له الخيار في الرهن والبيع على ما ذكره القاضي لا يجيء هذا ووجهه [ق 286 أ] أنه لم يجعل المنفعة عوضًا، وإنما شرطها له بحكم الوثيقة والمسألة الثانية منصوصة في الأم وفيها ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون عليه ألف مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي عليَّ أو
الجزء: 5 - الصفحة: 324
منفعتها رهن عندك، فهذا شرط فاسد، وقد ذكرنا.
والثانية: أن يقول: أقرضنى ألفًا على أن أراهنك داري ومنفعتها قرض عندك، فهذا قرض صحيح لأنه لم يجر به منفعة، وأكثر ما فيه أنه استرط رهنًا فاسدًا وذلك لا يبطل فإذا ثبت هذا فالشرط فاسد، وهل يبطل الرهن؟ قولان.
والثالثة: أن يقول: بعني عبدك بألف على أن أرهنك داري فتكون منفعة الدار ههنا معها فهو شرط باطل، وهل يبطل الرهن والبيع؟
قَالَ المُزَنِيُّ: "أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِشَرْطٍ وَغَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ وِإِنْ أُجِيزَ حَتَّى يُبْتَدَأَ بِمَا يَجُوزُ".
وهذا الذي قاله المزني غير صحيح، لأنه قدر أن الشافعي لما قال:
"وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى هَذا الشَّرْطِ فَالبَائِعُ بِالْخَيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ".
أنه أثبت له الخيار على القول الذي يقول البيع صحيح؛ لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن وقيل: الصحيح أن البيع باطل والشافعي نص عليه، وغلط المزني فيما نقل أن البائع بالخيار.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ اشَتَرَطَ عَلَى المُرْتَهَنِ أَنْ لاَ يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ مَحَلِّ الحَقِّ إِلاِّ بِمَا يُرْضِي الرَّاهِنَ".
الفصل:
وهذا من الشرط [ق 286 ب] الذي ينقص حق المرتهن، وقد ذكرنا حكمه، ثم قال: "وَلَوْ رَهَنَهُ نَخْلاً عَلَى أَنَّ مَا أَثْمَرَتْ دَاخِل فِي الرَّهْنُ".
وقد ذكرنا هذه المسألة أيضاَ، ثم قال المزني:
"مَا قَطَعَ بِهِ وَأَثْبَتَهُ أَوْلَى".
فأراد به أن البيع يصح، وإن بطل الشرط وهذا اختياره في نظائرها، ثم احتج على ذلك بما قال الشافعي:
"لَوْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ العَصِيرَ فَرَهَنَهُ إِيِّاهُ هُوَ مِنْ سَاعَتِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الخَيَارُ فِي البَيْع لأَنَّنُ لَمْ يُتِمَّ لَهُ الرَّهْنُ".
فصحيح البيع مع فساد الرهن، قلنا: في مسألة العصير قولان أيضًا، وقد ذكرنا ذلك.
وقيل في مسألة العصير كان الرهن صحيحاً وإنما فسد بعده فلا تشبه مسألتنا.
وقال صاحب التقريب: إنما قال إلى غير المبيع إن وقع على هذا الرهن فسخ أو
الجزء: 5 - الصفحة: 325
كان البائع بالخيار فهو تعليق قول منه في صحة البيع، وأشار إلى القولين، وإنَّا لم نصرح به لأن مقصوده أن الشرط باطل خلاف ما قال في القديم أن الشرط صحيح، ثم ذكرنا قولين في صحة الرهن بعد بطلان هذا الشرط سواء كان الرهن مشروطاً في بيع أو لم يكن، وإن كان كلام الشافعي كالمفضل بين الحالين إلا أن يقول بفساد البيع حينئذٍ يفسد الرهن لا محالة، وقيل: في هذه المسألة يحصل [ق 287 أ] أربع أقاويل على قول أبي إسحاق، وعلى مذهبه أبي علي ثلاثة أقاويل:
أحدها: يصح الشرط والرهن ويصح البيع.
والثاني: يفسد الشرط والرهن ويصح البيع.
والثالث: يفسد الشرط والرهن والبيع وهو الذي نص عليه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّا فَقَالَ: أَرْهَنْتُكَهُ بِمَا فِيهِ".
الفصل:
إذا رفع إليه حقاً، وقال: أرهنتكه بما فيه لم يجز الرهن فيما فيه؛ لأنه مجهول وهل يبطل في الحق؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
ولو قال: رهنتك هذه الخريطة بما فيها لم يجز الرهن في الجميع؛ لأن الخريطة لا قيمة لها وإنما يقصد ما فيها فإذا كان المقصود مجهولاً بطل الرهن في الجميع، وهذا الذي قاله الشافعي من الفرق بين الحق خرج على خريطة لا قيمة لها، فإن كان الحق لا قيمة له والخريطة من ديباج لها قيمة كان الجواب كالضد مما ذكرناه فيكون في الخريطة جائزًا على أحد القولين، وفي الحق باطلًا قولًا واحدًا، ولو قال: رهنتك هذا الحق ولم يقل بما فيه كان الحق رهنًا؛ لأن ما فيه لم يرهنه، ولو قال: رهنتك هذه الخريطة ولم يقل بما فيها.
قال بعض أصحابنا: كان الرهن باطلًا؛ لأن الخريطة على ما قال الشافعي لا قيمة لها مقصودة ظن وإنما المقصود ما فيها فكأنه رهن ما فيها، وإن لم يشرطه وليس كذلك الحق فإن له قيمة مقصودة، ولو قال [ق 287 ب]: رهنتك هذه الخريطة دون ما فيها كان الرهن في الخريطة جائزًا؛ لأنَّا علمنا أنه رهن الخريطة وحدها ورضيا بقيمتها، وإن كانت القيمة يسيرة فجاز ولو لم يكن لها قيمة أصلاً لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: نقل المزني في الحق أنه يجوز، وفي الخريطة أنه لا يجوز فالمسألتان على قولين وهذا ليس بشيء، وإنما أشكل على هذا القائل هذا لأنه لم يعرف أصول الشافعي.
الجزء: 5 - الصفحة: 326
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ شُرِطَ عَلَى الْمُرْتَهَنِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ وَدَفَعَهُ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ".
هذا الشرط باطل لأنه ينافي مقتضي الرهن، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا من الشرط الذي ينقص حق المرتهن فيبطل قولاً واحداً.
قال صاحب "الإفصاح": هل يبطل الرهن بهذا الشرط؟ قولان؛ لأن شرط الضمان لا ينقص بحق المرتهن؛ لأنه لا يمنعه ذلك من استيفاء حقه منه عند محله، ويخالف هذا إذا قال: لا تبعه إلا باختياري أو باختيار فلان؛ لأن كل هذا يمنع من استيفاء الحق منه فلم يكن الرهن تامًا، ثم إذا بطل الرهن لا يضمن؛ لأن ما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده كما نقول في الإجارة والقراض وما يضمن صحيحه يضمن فاسده كالبيع.
باب الرهن غير مضمون
[ث 288] أخبرنا محمد بن إسماعيل.
الخبر.
اختلف أصحابنا في الرهن على خمسة مذاهب؛ فذهبت طائفة إلى أنه أمانة في يد المرتهن لا يسقط الحق بتلفه ولا شيء منه كالوديعة، وبه قال الشافعي وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وهو إحدى الروايتين عن علي رضي الله عنه وبه قال النخعي والثوري، الرهن مضمون بأقل الأمرين من القيمة أو الحق، فإن كانت قيمته ألفاً ورهن بخمسمائة فنصفه مضمون، نصفه أمانة، وإن كانت قيمته خمسمائة والدين ألف فتلف سقط نصف الدين وبقي النصف.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال إسحاق: هو مضمون لجميع قيمته وإن زادت على الحق يترادان الفضل وهو الرواية المشهورة عن علي رضي الله عنه وقال الحسن، وشريح، والنخعي، والشعبي هو مضمون بالحق الذي هو مرهون به بالغاً ما بلغ.
وقال مالك: إن تلف بسبب ظاهر كالحريق والغرق والنهب الظاهر فالقول قوله ولا ضمان عليه.
وإن كان بسبب باطن كالسرقة فالقول قول الراهن فيضمنه المرتهن؛ لأنه متهم فيه، وهذا غلط لما احتج به الشافعي من الخبر المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أدلة:
أحدها: أنه قال: "لا يغلق الرهن" قال أبو عبيدة: معناه لا يسقط [ق 288] الدين بتلفه.
والثاني: قال: "الرهن من صاحبه"، ومعناه من ضمان صاحبه.
والثالث: وهو الأقوى وعليه غرمه.
والغرم: النقص وقيل: معنى قوله: "لا يغلق الرهن" أي لا يتعلق ولا ينعقد حتى ينفك.
وقوله: "الرهن من صاحبه" معناه لصاحبه والعرب تضع (من) موضع (اللام) وإذا كان ملكه كان تلفه من ملكه.
الجزء: 5 - الصفحة: 327
واحتج أيضًا بأن الله تعالى: جعل الرهن وثيقة للمرتهن كما جعل الشهود وثيقة له فلو كان دينه يسقط بتلفه لكان الارتهان مهاطرًا لا مستوثقًا، وكان ترك الارتهان خيرًا له لئلا يسقط عن ذمة غريمه إلا باستيفاء أو إبراء، وليس المرتهن بمعتدي حين قبض ولا حين تلف ولا بين ذلك ولا الرهن ثمن ولا بثمن فالضمان محال.
واحتجوا بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن بما فيه" وروى أبو حنيفة أن رجلاً رهن فرساً عند رجل فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: "ذهب حقك" قلنا: أما الأول: أراد محبوس بما فيه.
وأما الثاني: رواه مصعب بن ثابت، عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم ومصعب ضعيف، وعطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
ثم نحمله على أنه أراد به ذهب حقك من الوثيقة.
مسألة:
قَالَ: "وَمَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ وَخَفِيَ سَوَاءٌ" [ق 289 أ] قصد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ولا وجه لما قال من التهمة، لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة على السرقة، ثم قال: "وَلاَ يَضْمَنُ المُرْتَهَنُ وَلاَ المَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الرَّهْن شَيْئاً إِلاَّ فِيمَا يَضْمَنَا فِيهِ من الْوَدِيعَةِ بِالتَّعَدِّي".
وقد ذكرنا هذا.
والتعدي إما بالاستعمال أو التفريط في حفظه، ثم قال:
"قَضَاهُ مَا فِي الرَّهْنِ، ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّهْنُ فَحَبَسَهُ عَنْهُ وَهُوَ يُمْكِنُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ".
وجملته أنه إذا قضاه الدين واستحق رد الرهن عليه فطالبه برده فأخر الرد نظر، فإن كان بعذر بأن كان الطريق محفوفًا أو كان الباب مغلقًا وكان يخاف فوق الجمعة أو الجماعة أو الصلاة أو كان .......... شديد فأخر الرد لذلك فلا ضمان عليه، وإن لم يكن عذر فأخره فتلف يلزمه الضمان وهو قيمته أكثر ما كانت من حين منع إلى حين تلف.
فرع
مؤنة رد الرهن بعد الفكاك على من تلزم؟ ظاهر المذهبه أناه تلزم الراهن، وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: على المرتهن لأنه يجب رده عليه.
والثاني: لا تلزم المرتهن لأنه كالمودع.
الجزء: 5 - الصفحة: 328
فرع آخر
إذا استعار المرتهن رهن بين الراهن لينتفع به ضمنه بذلك، لأنه صار في يده لمنفعته نفسه منفردًا، وعند أبي حنيفة: لا يضمن في حالة لأنه خرج من قبض الرهن إلى قبض العارية، وعند العارية غير مضمونة [ق 289 ب].
فرع آخر
لو أسلم في طعام وأخذ به رهنًا، ثم تقابلا في عقد السلم برئت ذمة المسلم إليه من الطعام ووجب عليه رد رأس المال وبطل الرهن؛ لأن الدين به سقط، ولم يكن له حبسه على رأس المال لأنه لم يرهنه به.
فرع آخر
لو أقرضه ألفًا برهن، ثم أخذ الرهن عيناً سقط القرض عن ذمته وبطل الرهن، فلو تلفت العين في يد المقترض انفسخ العقد في العين وعاد القرض والرهن، لأنه متعلق به كما لو صار العصير خمراً، ثم عاد خلاَّ يعود الرهن به.
فرع آخر
لو باع من رجل شيئًا بثمن مؤجل عن أن يرهنه عبده وسلم المبيع إلى المشتري فتلف المبيع والعبد في يد المشتري كان للبائع فسخ البيع، لأنه لم يسلم إليه العبد الذي شرط عليه رهنه، وقد بيَّنا أنه تلف المبيع عندنا لا يمنع من فسخ العقد فيه كما تجوز الإقالة فيه، ثم إذا فسخه يرجع عليه بقيمة المبيع دون الثمن.
فرع آخر
لو رهنه عبدًا لمورثه وهو لا يعلم أنه قد ورثه، ثم علم أنه كان ورثه لم يصح عقد الرهن.
نص عليه في "الأم".
وكذلك لو وكل وكيلاً في شراء عبد ثم رهنه، وهو لا يعلم أنه اشتراه، ثم علم أنه كان قد اشتراه لم يصح الرهن، لأنه عقد وهو شاك في ملكه، وفيه قول مخرج أنه يجوز لأنه صادف ملكه.
فرع آخر
لو رأى عبدًا من بعيد فقال [ق 290 أ] إن كان هذا عبدي فقد رهنتكه لم يصح الرهن.
وكذلك لو قال: إن كانت الثياب التي في خزانتي أو صندوقي باقية، فقد رهنتك لم يصح الرهن.
فرع آخر
لو أصدق امرأته صداقًا فأعطاها به رهناً، ثم طلقها قبل الدخول بها سقط نصف الصداق ولم يفتك من الرهن شيء.
الجزء: 5 - الصفحة: 329
فرع آخر
قال أصحابنا في هذا الموضع: وليس هذا موضعه، قال ابن سريج: الوصي في بيع التركة بالخيار إن شاء باعها بنفسه، وإن شاء وكل في بيعها سواء كان مما يتولى مثله أو لا يتولى؛ لأن الميت أقامه مقام نفسه ولا يمكن الرجوع إليه فلم يجز أن يوكل فيه غيره.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما، فإن كان مثله لا يتولى بيع مثله كان لهما التوكيل، وإن كان مثله يتولى في بيع مثله فلا يجوز لهما التوكيل.
فرع آخر
إذا قال لعبده: أنت ابني تقع الحرية، وهل يعتق المرهون بهذه اللفظة؟ فإن قلنا: يصح عتقه يعتق، وإن قلنا: لا يصح عتقه بني على الإقرار بالحرية في المرهون، وفيه قولان كإقرار الراهن بالغضب، فإن جوزنا الإقرار وقعت الحرية وإلا فلا.
الجزء: 5 - الصفحة: 330