بحر المذهب للرويانيكتاب الطهارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فإن قيل: لم بدأ بهذا الكتاب دون سائر الكتب؟ قلنا: هذا السؤال محال؛ لأنه ما من كتاب يبدأ به إلا ويتوجه عليه هذا السؤال.
ثم أنه إنما بدأ به لأنه تأمل أحكام الشرع فوجدها قسمين، عبادات ومعاملات، فقدم العبادات لوجوبها على العباد من غيرها، ثم رتب العبادات على ما رتبها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا".
فكان أول الشرائع ذكرًا في هذا الخبر بعد ذكر الشهادتين هو الصلاة، غير أن الصلاة تفتقر إلى الطهارة لا تصح إلا بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور".
فلهذا افتتح بها بالطهارة وعقبها بالصلاة وغيرها من العبادات كما في [19 أ/ 1] الخبر.
فإن قيل: لم قال باب الطهارة ولم يأت فيه بأحكام الطهارة، وهي الوضوء والغسل؟ قيل: إنه بين فيه الماء الذي يتطهر به، والماء الذي لا يتطهر به وهو من حكم الطهارة أيضًا، أو نقول: مراده كتاب الطهارة أو أبوب الطهارة، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالباب، لأن الفقه كله كالكتاب الواحد، وكل نوع منه كتاب وباب منه، ولأن الشافعي ذكر في تصنيفه كتاب الطهارة ثم ذكر باب ما تجزئ به الطهارة، ثم افتتح بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية ثم قال: والغسل إنما يكون في العادة بالماء هو ما خلقه الله ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وهذا أحسن، ولكن قال المزني: اختصر على ما ذكر أخيرًا.
فإن قيل: لم قال: قال الشافعي: قال الله تعالى والقولين لا يستدلان طريق صحبة التواتر والإجماع؟ قلنا: أراد أن الشافعي أحتج به، ولو لم يذكر الشافعي لظن أن المزني هو المحتج به.
فإذا تقرر هذا، وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] قوله عليه الصلاة والسلام في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" والأصل في طهارة الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 41

وتطهيره هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] وأراد بالسماء السحاب، وسمي سماء لسموه وارتفاعه.
والطهور يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: الطاهر لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] [19 ب/ 1] يعني طاهرًا.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم متعدٍ، وهو المراد به هاهنا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11].
والثالث: ماء يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به.
وقال أبو حنيفة، والأصم، وأبو بكر بن أبي داود: المراد به الطاهر، وهو اسم لازم غير معتد، وفائدة الخلاف أنه لا يجوز التطهير بغير الماء لرفع الحدث ولرفع الخبث عندنا، وعند أبي حنيفة يجوز رفع الخبث بغير الماء، وهذا غلط؛ لأنه لم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التوضأ بماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه" فنقلوا منه أنه يتطهر به لأنه طاهر، ولأن أهل اللغة يطلقون اسم الطهور على ما يوجد فيه التطهير، يقولون: ماء طهور، وتراب طهور، ولا يقولون خل طهور، ولا زيت طهور.
فدل على ما قلناه.
وقال مالك وأصحاب الظاهر: الطهور هو ما يتكرر منه الطهر، حتى لا يحكم لكما بالاستعمال، كما يقال: صبور شكور أي يتكرر منه الصبر والشكر.
وأما الخبر الذي ذكره هو مختصر مما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء لشفاهنا، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي [20 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم "هو الطهور ماؤه الحل مييته" والأرماث: هي خشب يضم بعضها إلى بعض ويركب عليها في البحر.
وفي رواية: "إن العركي قال: يا رسول الله، إنا نركب" والعركي: هو الصياد.
وقال الشافعي: "هذا الحديث هو نصف علم الطهارة".
فإن قيل: لو قال نعم كفاه، فما الفائدة في تطويل الكلام؟ قيل: لأنهم سألوه عن حال الضرورة، فلو قال: نعم لم يستفيدوا من ذلك حكمه في حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور بكل حالٍ.
فإن قيل: وكيف أجاب عن الميتة ولم يسئل عنها؟ قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ناصب الشرع، فله أن يبتدئ البيان من غير سؤال، غير أنه لما رآهم يجهلون أمر الماء مع الآية الظاهرة عرف أنهم ... بطهارة ميتة وحلها مع قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، أجهل، فأجاب عما سألوا، وعما عرف أنهم يجهلونه، وهذا كما روي أن أعرابيًا أساء الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "توضأ كما أمرك الله"؟ ثم علمه

الجزء: 1 - الصفحة: 42

الصلاة، لأنه لما رآه بجهل أمر الصلاة مع أنها تقام ظاهرة يرى بعضهم صلاة بعض، عرف أنه الوضوء مع أن الناس يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم أجهل.
مسألة: قال "فَكُلُّ ماءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أّوْ مَالِحٍ".
الفصل وهذا كما قال، نقل المزني ثلاثة أقسام من المياه: الأول: ما يجوز التطهر به من غير كراهية.
والثاني: ما يكره التطهر به من حيث الطب، وهو ماء الشمس، والثالث: ما لا يجوز التطهر [20 ب/ 1] به وهو إذا خالطه ماء يغلبه، وبدأ في القسم الأول بماء البحر، فيجوز التوضأ به عند جمهور العلماء، وروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنهما منعا الوضوء به، وقالا: التيمم أحب إلينا منه.
وروي أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال لما سئل عنه: بحر ثم نار ثم بحر ثم نار، فذكر سبعة ماء بحر وسبعة أنوار.
وقال سعيد بن المسيب: إن كان واجدًا لماء آخر لم يجز التوضأ به، وإن كان عادمًا جاز، وهذا غلط للآية التي ذكرناها.
وماء البحر هو ما نزل من السماء أيام نوح صلى الله عليه وسلم، والخبر الذي ذكرناه.
وروى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله".
وروى: "من لم يطهره ماء البحر".
وأما ما ذكره ابن عمر وعبد الله بن عمرو فلا معنى تحته، وقد قال القفال: أجمعت الأمة على جواز التوضأ.
فتأويلي ما روي عنهما أن المسافر المحوجة إلى التيمم هي أحب إلينا من ركوب البحر، ولم يصح عنهما المنع من التوضأ به وقيل: إنهما قالا: يكره ذلك، وعندنا لا يكره ذلك.
وأما اللفظ الآخر: أراد من ركب البحر أعان على نفسه، وأراد به بحور جهنم، وأن بحور الدنيا تصير يوم القيامة نيرانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6] أي ستسجر وتجعل نيرانًا.
فإذا تقرر هذا، قال: "عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ" وهذا صحيح يجوز التوضأ بهما لقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12] [21 أ/ 1] وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسيره: هما بحران يتوضأ بأيهما شئت.
يعني بالعذب أو المالح، ولأنهما صفتان خلقت الماء عليهما فلا يضر التطهر.
فإن قيل: قوله: "مالح" خطأ؛ لأنه يقال: ماء مالح ولا يقال مالح إلا لما خرج الملح فيه، ولذلك لا يجوز التوضيء به، وقيل: قوله: "مالح" جائز في اللغة، قال عمر بن أبي ربيعة:

الجزء: 1 - الصفحة: 43

وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ مَالحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقَهَا عَذْبَا ثم قال: "أو بئر" وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من بئر بضاعة"، ثم قال: "أو سماء" وأراد به ماء المطر، وسمي سماء لأنه يمطر من السماء وهو السحاب ثم قال: "أَوْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ" قيل: فيه خلل؛ لأن الشافعي قال: "أَوْ ثَلْجِ أُذِيب"، ونقل المزني ذلك، وهذا لا يصح؛ لأن هذا معطوف على قوله: "فَكُلَّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ".
فإذا تقرر هذا، فلا شك في جواز التوضئ بالماء الذائب منها، لأنه ماء منعقد في الحقيقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم اغسلني بالثلج والبرد".
فرع لو أخذ الثلج أو البرد وأمره على وجهه على هيئته، فإن كان الهواء حرًا يذوب ويسيل عليه جاز، وأن لا يجري عليه لا يجوز.
وقال الأوزاعي: يجوز، وهذا غلط؛ لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، ولو مسح به رأسه جاز لأنه يذوب منه شيء بحرارة الرأس وإن قل، يكفي ذلك.
فرع آخر لو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب [21 ب/ 1] عليها، ثم يجري ماؤه عليها، ففيه وجهان: أحدها: يجوز والثاني: لا يجوز؛ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا، والأول أظهر عندي.
فرع آخر الماء الذي ينعقد منه الملح لجوهر في الماء دون التربة، كأعين الملح الذي ينبع ماء مائعًا ويصير لجوهره ملحًا جامدًا.
قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب: يجوز التوضئ به؛ لأنه ماء حقيقة، ولا يضر جموده كما يقول في الجليد والبرد.
وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإمام أبي سهل الصعلوكي: لا يجوز التوضأ به؛ لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقير، ولأنه يخالف طبعه طبع الماء، فإن الماء يتجمد في الشتاء ويذوب في الصيف، وهذا الماء يتجمد في الصيف.
ثم قال: "مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ".
وهذا صحيح عندنا لا يكره التوضئ بالماء المسخن.
وحكي عن مجاهد أنه قال: يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم.
وروي عن شريك بن عبد الله أنه قال: أجنبت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعت حجارة وسخنت ماء وتغسلت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر علَّي.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

وقال أنس رضي الله عنه: كان يسخن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في القمقم ثم يتوضأ به للصلاة.
وروي عن عمر- رضي الله عنه- أنه كان يغتسل بالماء الحميم.
وروي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنا نسخن لعمر بن الخطاب [22 أ/ 1]- رضي الله عنه - الماء في قمقم، وكان يغتسل منه ويتوضأ.
وحكي عن أحمد أنه كان يكره الماء المسخن بالنجاسة؛ لأنه لا يؤمن حصول نجاسة فيه، وهذا غلط؛ لأن وجود النجاسة لا يوجب الكراهة كالماء في الصلاة.
مسألة: قال: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ".
الفصل وهذا كما قال ما أخذ المزني بالنقل، لأن لفظ الشافعي: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّس" وقد كرهه كاره من جهة الطب، فميز بين الفقه والطب، ولفظ المزني: "إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ" يخلط أحدهما بالآخر، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء المشمس هو على ضربين: أحدها: ما قصد بالشمس، فإن لم يقصد كماء المصانع والغدران والأنهار والبحور لا يكدره التوضئ به، لأنه لا يمكن الإحتراز منه، ولا يؤثر فيه الشمس أيضًا لكثرته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة توضئوا من ماء الحياض بين مكة والمدينة وكان ماؤها مشمسًا وإن قصد بتشميسه في إناء أو نحوه فإنه يكره التوضئ به شرعًا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فإنهما قالا: لا يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: دخل علَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت له ماءًا في الشمس فقال: "لا تفعلي هذا يا حميراء فإنه يورث البرص".
وروى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه [22 ب/ 1] وضح فلا يلومن إلا نفسه".
وروى جابر أن عمر بن الخطاب كره ذلك، وقال: إنه يورث البرص.
ومن أصحابنا من قال: لا يكره كما قال أبو حنيفة؛ لأن الشافعي قال: "لَا أَكْرَهُ" ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 45

ذكر الطب على وجه الحكاية، والطب المذكور فيه غير صحيح، ومدار الخبر على وهب القرشي وهو ضعيف، وهذا الوجه ضعيف عند أصحابنا.
فإن قيل: كيف يصح هذا الخبر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى"؟ قلنا: أراد العدوى من إنسان إلى إنسان، بأن يجالسه أو يخالطه، فأما الضرر المتولد من مأكول أو مشروب، أو استعمال شيء في يده، فليس هو من العدوى.
فرع تأثير الشمس في مياه الأواني تارة يكون بالحر وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء، وإن لم تؤثر الشمس فيه فإنه لا يكره.
فرع آخر لا فرق في الآنيتين أن يقصد بشمسيه أولًا.
قال بعض أصحابنا: المكروه هو ما قصد بشمسيه، وهذا غلط؛ لأنه معنى النهي وهو أنه يورث البرص لا يختص بالقصد وعدمه.
فرع آخر لا فرق فيه بين بلاد تهامة والحجاز وبين سائر البلاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في البلاد الحارة إذا شمس في آنية الصفر فيعلوه شيء مثل الهب فذاك يضر، وفي غيره لا يكره، وهذا غلط لعموم الخبر.
فرع آخر لو حمي بالشمس ثم برد ففيه وجهان: أحدها: أنه يكره لثبوت الحكم فيه قبل البرد [23 أ/ 1].
والثاني: لا يكره؛ لأن معنى الكراهة هو الإبل الحما وقد زال.
وفيه وجه ثالث أنه يدفع فيه إلى عدول الأطباء، فإن قالوا بعد برده أنه يورث البرص يكره كره، وإلا فلا يكره، وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشرعية، ولأن من الأطباء من ينكر أنه يورث البرص، فلا يرجع إلى قولهم فيه.
فرع آخر استعمال الماء المشمس فيما لا يلاقى الجسد من غسل ثوب أو إزالة نجاسة عن أرض لا يكره، ولو استعمله في طعام فإن كان يبقى مائعًا فيه كالمرق يكره، وإن كان لا يبقى مائعًا فيه كالدقيق المعجون به أو الأرز المطبوخ فيه لم يكره.
فرع آخر لو توضأ به جاز مع الكراهة؛ لأن المنع ليس لمعنى في الماء، فهو كما لو توضأ من ماء في إناء ذهب يجوز.
فرع آخر لا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم، وقال أحمد في رواية: إنه يكره، واحتج بما روي ... قال: سمعت العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- قائمًا عند زمزم يقول:

الجزء: 1 - الصفحة: 46

لا أحله لمغتسل ولكنه لشارب حل وبل.
وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن الناس كلهم يتوضؤون به في الأعصار، ولكونه نابعًا من عين شريفة لا يمنع الوضوء به كعين سُلْوَان.
وأما قول العباس: يحتمل أنه قال لضيق الماء في وقته لعينه وكثرة الشاربين.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يكره التوضؤ بالماء الحار الشديد والبارد المفرد؛ لأنه لا يمكنه إسباغ الوضوء به.
مسألة: قال: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاِء وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ".
الفصل [23 ب/ 1] وهذا كما قال: هذا هو القسم الثالث من مسائل الباب وقوله: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ" أي وما جاوز ما ذكرنا من القسمين، ثم فسره بقوله: "مِنْ مَاِء وَرْدٍ" يريد به الماء المعتصر من الورد.
وقوله: "أَوْ شَجَرٍ" أراد المعتصر من الشجر، أو ما ينزل عنها إذا قطعت رطبة.
وقوله: "أَوْ عَرَقٍ" قرئ بثلاث قراءات، بفتح العين والراء وبكسر العين وتسكين الراء، وبفتح العين وتسكين الراء.
فأما الأولى: فهو الرشح من الآدمي وغيره من الحيوانات لا يجوز التوضئ به، وقد يحصل من العرق ما يمكن التوضئ به بمكة في البيت الحرام عند اجتماع الناس في الموسم، بحيث لو كان هناك ميزاب يسيل منه، وهذا بعيد عندي.
وأما القراءة الثانية: فهو الماء الذي يسيل من أصل الشجر إذا قطع، وهو في شجر الكرم والجوز، والخلاف في وقت الربيع.
وقيل: هو عرق يكون على جنب البعير، وذلك أن العرب يعطشون البعير ثم يرونه بالماء عند الأسفار الشاسعة التي يخشى فيها إعواز الماء، فإذا ألحقهم العطش يقطعون ذلك العرق فيسيل منه الماء.
وقال بعض أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأن الشافعي لم يتعرض للماء النجس في هذا الباب وهذا ماء نجس.
وأما القراءة الثالثة: فهو ماء الكروش، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت قطع المفاوز عطشوا الإبل ثم أوردوها الماء، فتحمل الماء في كروشها فإذا عدموا الماء نحروها واعتصروا كروشها وشربوا وهذا أظهر، لأنها [24 أ/ 1] الشجر تقدم ذكره.
والشافعي قال في "الأم": "ولو اكتظ كرشًا فعصره لم يجز التوضئ به".
والاقتظاظ: هو مشتق من غلظ الماء؛ لأن ماء الكرش يكون غليظًا، وذكر المحاملي- رحمه الله- في تصنيفه: أنه لا يجوز التوضئ به وإن كان طاهرًا، وهذا سهو منه؛ لأنه لا شك في نجاسته.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: كل رشح الحيوان مثل الماء أو غيره من المائعات إذا أغليت فارتفع من غليانها بخارًا وتولد منها رشح، فظاهر لفظ الشافعي يقتضي أنه لا يجوز التطهر به، لأنه يسمى عرقًا، وهذا غير صحيح عندي في الماء؛ لأن الماء إذا غلى فرشحه يكون ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، فهو ماء مطلق يجوز التطهر به.
مسألة: قال: "أَوْ مَاِء زَعْفَرَاٍن، أَوْ عُصْفُرٍ، أَوْ نَبِيٍذ، أَوْ مَاِء بُلَّ فِيِه خُبْزٌ".
الفصل إلى آخره، وهذا كما قال، قد تقدم الكلام في النبيذ، والمراد به الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب حتى يتحرى فيه، فإن كان حلوًا غير مسكر فهو طاهر لا يجوز التطهر به.
وقيل: إن تحرى فيه يجوز التطهر به، وإن كان مسكرًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا التطهر به أصلًا، ويجب الحد بشربه وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة إلا في النجاسة والحد وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه يتوضأ به ويتيمم معه، وبه قال محمد.
وروي عنه رواية ثالثة وهي الأشهر، أنه [24 ب/ 1] يجوز التوضأ به إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، واحتج بخبر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له: يا عبد الله أمعك ماء؟ فقلت: لا، ولكن معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور".
قلنا: رواية مظعون، فإن صح نحمله على الماء الذي نبذ فيه التميرات لسلب ملوحة الماء على عادة العرب، ولم يتغير بعد بدليل أنه قال: "شجرة طيبة وماء طهور".
فأفردهما بالذكر.
فأما الماء الذي بل فيه خبز فإنه أراد به إذا تفتت فيه وتهرى.
فإن قيل: ذلك لا بأس به وإن تغير به أدنى شيء.
وقوله: "حَتَّى يُضَاَف إلى مَا خَالَطَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَجُوُز التَّطَهُّرُ بِهِ" وعلى هذا عامة النسخ.
وفي بعضها: "أَوْ خَرَجَ مِنْهُ" بالألف، ومقتضى الكلام عند حذف الألف أن ماء الورد يجوز الوضوء به ما لم يخالطه زعفران أو غيره، وهذا من مواضع الإشكال، فمعناه حتى يضاف إلى ما خالطه إن كانت الإضافة إلى المخالطة، وحتى يضاف إلى ما خرج منه إن كان الإضافة إلى الأصل الذي يعتصر الماء منه، فتقدير الكلام إثبات الألف وإن لم تكن في عامة النسخ.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء ضربان؛ مطلق ومضاف.
فالمطلق هو ما استجمع أوصافه الثلاثة اللون، والطعم، والرائحة، يجوز التطهر به.

الجزء: 1 - الصفحة: 48

والمضاف على سبعة أضرب [25 أ/ 1]: مضاف إلى صفة تزايله كالماء السخن ونحوه وقد ذكرناه.
ومضاف إلى صفة لا تزايله كالماء المستعمل فهو طاهر غير طهور.
ومضاف إلى وعائه كالكوز والجرة.
ومضاف إلى قراره كماء البئر والنهر يجوز التطهر به.
ومضاف إلى ما خرج منه كماء الورد لا يجوز التطهر به.
ومضاف إلى ما جاوره من غير مخالطة كماء العود اليابس والعنبر، نص في "الأم" على جواز التوضئ به.
وروى البويطي: وإن ظهرت رائحته، لأنه تغير مجاورة لا مخالطة، فصار كما لو تروح الماء بجيفة على شط نهر فإنه يجوز التوضئ به.
وروى البويطي في مختصره: أنه لا يجوز التوضئ به، فقال: وإذا وقع في الماء الطاهر زعفران ومسك أو عنبر، أو عصفر، أو دهن فغلب لونها أو طعمها أو ريحها لا يتوضأ به.
فقيل: في المسألة قولان، وقيل: المسألة على قول واحد.
وتأويل ما ذكره البويطي إذا اختلط به ومضاف إلى ما خالطه، مثل الزعفران والعصفر والدقيق، فينظر فإن لم يغير له وصفًا فالتطهر به جائز، وإن غير له وصفًا من لون أو طعم أو ريح لا يجوز التطهر به كما في تغير النجاسة، وهو اختيار ابن سريج، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما لا يجوز التوضئ به لو أصاب الماء بحال تضاف إليه، فإن تهرى فيه وامتزج، فأما إذا ظهر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يضاف إليه الماء، فإنه يجوز التوضئ [25 ب/ 1] به في المذهب المشهور، وهذا أصح.
وحكي عن الشافعي أنه قال: "يعتبر ذهاب الأوصاف الثلاثة جميعًا، لأن القليل من ماء الورد يغير الرائحة، والقليل من الخل يغير طعم ولا يزيل إطلاق الاسم.
وقيل: أصل المسألة أن الثوب إذا غسل من الخمر فبقي رائحتها هل يبقى حكم؟ قولان.
وقال أبو حنيفة: يجوز التوضئ به بكل حال ما لم يسلب وقته، ووافقنا في ماء الباقلا المغلي أنه لا يجوز التوضئ به فيقيس عليه وحكي عن الزهري أنه قال: الماء الذي بل فيه خبز يجوز التوضئ به سواء غيره أم لم يغيره.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا وقع فيه زعفران أو عصفر وصار بحيث يصنع به الثوب لا يجوز التوضأ به.
فرع لو طبخ الأرز أو الحمص بالماء، فإن انخَّل في الماء لا يجوز التطهر به، وإن لم ينحل ولا تغير به بالماء، فإنه يجوز التطهر به.
وإن تغير به الماء من غير انحلال أجزائه فيه وجهان: أحدهما: يجوز التطهر به كما لو تغير بلا انحلال من غير طبخ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه بالطبخ صار مرقًا ذكره في "الحاوي".

الجزء: 1 - الصفحة: 49

فرع لو تغير الماء بالشمع يجوز استعماله كما لو تغير بدهن، ولو تغير بشحم أذيب فيه بالنار، فيه وجهان: أحدها: يجوز استعماله، لأن الشحم دهن.
والثاني: لا يجوز؛ لأن مخالطة الشحم للماء يحوله مرقًا.
قال في "الحاوي": وعلى هذا المني إذا وقع في الماء كان طاهرًا، فلو غير الماء فيه وجهان: أحدها: لا يجوز استعماله [26 أ/ 1] كما لو تغير بمائع غير المني.
والثاني: يجوز استعماله لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن، وهذا تفريع بعيد.
فرع آخر إذا وقع الكافور في الماء فتغير به، وهذا لأن الكثير يخالط الماء والقليل لا يخالط بالرائحة رائحة مجاورة.
وقال أبو حامد: هذا لا يصح، والمذهب أنه لا يجوز التطهر به لأن الشافعي قال في "الأم": "ولو صب فيه مسكًا أو ذريرة أو شيئًا ينماع فيه فظهر فيه ريحه لا يتوضأ به" والكافور ينماع فيه، وهو في معنى المسك.
وقيل: الكافور نوعان: نوع فيه دسومة فيتفتت فيه ولا ينماع ويرسب فتاته في الماء، فهذا لا يضر، ونوع ينماع فيه فإن كثر بحيث لو كان له نوع نظم عليه حتى يضاف إليه الماء لا يجوز التوضأ به.
وهو اختيار القفال، والصحيح عندي الأول؛ لأن له رائحة زكية فالقليل تغير الماء الكثير مجاورة، ولهذا قال الشافعي في غسل الميت: "ويجعل في كل ماء قراح كافورًا" فدل أنه لا يضره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان بناء على ما لو بقي رائحة الخمر في الأرض بعد غسلها، هل تطهر؟ قولان فإن قلنا: لا حكم للرائحة هناك فلا يضر هنا.
فرع آخر إذا وقع في الماء قطرات أو بان، فتغيرت رائحته، قال في "الأم": "لا يمنع التوضأ به" وقال بعده بقليل: "لا يجوز التوضأ به، لأن يخالطه".
قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، والقطران على ضربين؛ ضرب لا يختلط [26 ب/ 1] بالماء ويقف عليه، وهو نوع منه كالدهن يعلو الماء فلا يمنع التوضأ به؛ لأن به تغير المجاورة.
وضرب يختلط بالماء فيمنع التوضأ به إذا غلبه.
وقال القاضي الطبري: ننحى فيه قول البويطي فيكون فيه قولان.
فرع آخر إذا وقع فيه أوراق الشجر فتغير بها قال الشافعي: "يجوز استعمال به" قال أبو إسحاق: لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 50

تغير بالمجاورة فلا يضره.
وقال غيره: لا، لأنه يمكن حفظ الماء منها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يضر الماء وهو الأصح.
والثاني: يضره.
والثالث: إن كان خريفيًا لا يضره، وإن كان ربيعيًا فإنه يزيل طهوريته.
والفرق من وجهين: أحدهما: أنه يخرج من الربيعي رطوبة تختلط بالماء بخلاف الخريفي، فإنها يابسة كالخشب.
والثاني: أن الربيعي قلما يتأثر من الشجر فيمكن صون الماء عنه بخلاف الخريفي، ولو تغير بالثمار فإنه يزيلها لطهورته بلا خلاف.
فرع آخر لو كان ورق الشجر مرقوقًا ناعمًا بغير الماء لم يجز استعماله؛ لأنه تغير مخالطة، وقال أبو حامد: يجوز استعماله كما لو كان صحيحًا، وهذا غلط؛ لأن تغيره مجاورة بخلاف هذا.
ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر إذا تغير الماء بالملح وغلب عليه، لا يجوز التوضأ به؛ لأنه معدن وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا.
والثاني: لا يزيل الطهورية بحاٍل، وهو اختيار القفال؛ لأن الملح هو [27 أ/ 1] ما في الأصل.
والثالث: وهو اختيار أبي حامد: إن كان ملح حجر يزيل الطهورية، وإن كان ملح جمد مثل أن يرسل الماء في أرض محالة فتصير ملحًا لا يزيل الطهورية، لأن به ماء يتغير بمجاورة الأرض.
فرع آخر لو قال: وقع في الماء ما لا يغيره كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، وعرق الآدمين، وهذا يبعد لأنه لابد من أن يتفرد عنه بطعم، فإن اتفق ذلك فمن أصحابنا من قال: يعتبر الغالب منها بالكثرة كما في الماء المستعمل، فإن كان الغالب الماء فإنه يجوز التطهر به، وإن كان الماء مغلوبًا فلا يجوز التطهر به.
ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار القفال- لا يراعى هذا، بل ينظر فإن خالطه قذر لو كان له رائحة أو لون غلب عليه وصيره مثل نفسه، فإنه يزيل طهوريته وإلا فلا يزيل، وهذا حسن.
فإن قيل: الأشياء تختلف في ذلك فبأيها تعتبر؟ قيل: يعتبر بما هو للأشبه.
فرع آخر لو خالطه التراب أو غيره، فإن صار نجسًا بطبعه فلا يجوز التطهر به وإن كان جاريًا بطبعه ولكن تغير طعمه ولونه يجوز التطهر به؛ لأنه قرار الماء والماء لا ينفك عنه غالبًا.
وقيل: لأنه طهور في نفسه فلا يزيل الطهور به.
والعلة الأولى هي أصح؛ لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 51

لو تغير بالأوراق والطحلب فإنه يجوز التطهر به.
وإن لم يتغير فطهور.
وقال في الحاوي.
فيه قولان: أحدها: لا يجوز، لأنه [27 ب/ 1] مذرور.
وهذا بعيد عندي.
وقال في حرملة: لو كان الماء يجري على حجر الكحل والنورة فتغير صفته منه يجوز التوضئ به؛ لأنه قراره.
ولو أخذ حجر النورة فسحقه وطرحه فيه لا يجوز التوضئ به؛ لأن تغيره بصنعة آدم ويمكن الاحتراز منه وعلى قياس هذا لو جفف أوراق الشجر وسحقه وطرحه في الماء فغيره لا يجوز التوضئ به وقال: لو أخذ ترابًا فطرحه في الماء فكوره لا يمنع التوضئ به؛ لأن هذا لم يغير عن أصل خلقته، وهو يوافق الماء في الطهورية حتى لو غيره عن أصل خلقته.
فإن طبخ الطين ودقه فطرحه في الماء لا يجوز التوضئ به.
وقال شيخنا الإمام ناصر- رحمه الله-: فيه وجهان؛ المنصوص ما ذكرنا، والوجهان غلط، ولو تغير الماء بطول المكث في المكان أو تغير لحيائه يجوز التوطئ به، نص عليه في البويطي و"الأم".
فرع آخر لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع استهلك فيه كماء الورد والعرق، قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز التوضئ به؛ لأنه يقطع أنه غسل بعض الأعضاء بغير ماء، وقال الشيخ أبو حامد: غلط فيه؛ لأنه استهلك فيه فسقط حكمه، إلا أنه لو كان معه من الماء وفق الكفاية مرة مرة فصب عليه رطلًا من ماء ورد فاستهلك فيه، فإنه يجوز التوضئ بكله، وإن كنا نقطع بأنه غسل بعض أعضاء الطهارة بغير الماء، ولأن صاحب "الإفصاح" قال: لو خالطه ولم [28 أ/ 1] يغيره فتوضأ به ونفي منه بقدر المائع جاز؛ لأنه لم يتوضأ بغير الماء، وهذا لا يصح؛ لأن الذي استعمله بعضه ماء وبعضه مائع، والذي نفي كذلك.
ولا يجوز أن يكون الذي نفي هو المائع خاصة.
فرع آخر إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض، قال في "القديم" إذا لم يبق إلا الأثر الذي لا يخرجه إلا الماء صار معفوًا عنه، ويجوز له أن يصلي معه.
وقال في "الجديد": لا يجزيه إلا أن يغسله، ولا شك أنه لا يطهر بذلك.
وجه الأول وهو قول أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض" وروى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ الرجل بخفه أو نعله نجاسة يطهره بالتراب".
وجه القول الثاني: وهو الصحيح أنه لباس

الجزء: 1 - الصفحة: 52

نجس فلا يزول حكم نجاسته بالدلك كالثوب.
فرع آخر لو أكلت الهرة فارة ثم ولغت في الماء القليل تنجس الماء؛ لأّنا تحققنا نجاسة فمها.
ومن أصحابنا من قال: لا ينجس؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات".
ولأن الاحتراز منه لا يمكن، وهذا خلاف النص، وإن غابت ثم عادت فشربت؟ فيه وجهان: أحدها: ينجس؛ لأن الأصل نجاسة فمها.
والثاني: لا ينجس؛ لجواز أنها وافت في ماء كثبر، فطهر فمها، والأصل طهارة الماء، وهذا إن احتمل ذلك، وقد قال في مختصر البويطي: [28 ب/ 1] لا بأس بفضل الهرة والسباع والدجاج والطيور، إلا أن يكون في مناقير الطيور وأفواه السباع نجاسة، ويكون الماء أقل من خمس قرب فلا يجوز الوضوء به، وهذا يدل على أن سؤرها لا يكره، وعند أبي حنيفة يكره سؤر الهرة وإن لم ينجس، وهذا غلط؛ لما روى داود بن صالح التمار عن أمه، قالت: أرسلتني مولاتي بهريسة إلى عائشة -رضي الله عنها - فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضيعها، وعندها نسوة، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت عائشة قالت النساء: كلن وابقين موضع فم الهرة، ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، ثم قالت: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم".
وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة.
فرع آخر كل ما يدفع الحدث لا يجوز إزالة النجاسة به على ما ذكرنا خلافاً لأبي حنيفة.
وبقولنا قال محمد، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت النجاسة على البدن لا تجوز إلا بالماء، وإن كانت على غيره فإنها تجوز بغير الماء، وهذا غلط، لأنه لا فرق في القياس بينهما.
واعلم أن الشافعي عبر في هذا الباب بعبارة التطهر به حولها، ومنعا لأنها عبادة جامعة للوضوء وإزالة النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما.

باب الآنية

[29 أ/ 1] مسألة: قال: (ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت).
وهذا كما قال: وروى في ترجمة هذا الباب: باب في الآنية، وروى باب الآنية وهو الأشهر.
والقصد من هذا الباب بعد ذكر المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز، ذكر الأواني الطاهرة التي يجوز منها التطهر، والتي لا يجوز؛ لأن الغالب من

الجزء: 1 - الصفحة: 53

المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني.
وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها.
فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ.
وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها.
ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ".
وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [29 ب/ 1] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر".
وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره".
وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها".
ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني.
وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة.
واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة أمه.
واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهراً في حياته ظاهراً وباطناً، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،

الجزء: 1 - الصفحة: 54

أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلاً وبه قال علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [30 أ/ 1] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت.
وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان.
إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان.
ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا.
ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه.
وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضاً، وبه قال داود.
وروى هذا عن أبى حنيفة.
وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير.
وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل.
وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم-، وروى هذا عن مالك أيضاً.
وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير.
وقول الشافعي [30 ب/ 1]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل.
وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة.
والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره.
والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر.
وروى عن سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا.
وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شناً.
ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها

الجزء: 1 - الصفحة: 55

يذهب رجسها أو نجسها وخبثها".
ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهراً.
قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها.
والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [31 أ/ 1] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب.
قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة.
والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".
وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء".
ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب.
قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهاباً قبل الدباغ وبعده يسمى أديماً أو صوفاً.
فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟ وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد.
وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت.
بل كان نجساً قبله بخلاف هذا.
والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد.
وروت عائشة - رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع [31 ب/ 1] بجلود الميتة إذا دبغت".
واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها".
قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما

الجزء: 1 - الصفحة: 56

حرم أكلها": تحريماً لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع.
قالوا: لو كان نجساً لم يطهر بالدباغ؟ قيل: يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهراً كالخمر يصير خلاً.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد.
والثاني: في جواز بيعه.
والثالث: في جواز أكله.
فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر.
قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد.
ويجوز أيضاً بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه.
وفي خبر ميمونة -رضي الله عنها - ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ".
فصار تنبيها على ما يقوم مقامها.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [32 أ/ 1]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال.
فلا يفسد بورود الماء عليه مدة.
ومن أصحابنا عن زاد وصفاً رابعاً، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت.
وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله.
وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا.
وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضاً، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به.
وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلاً.
وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس.
فرع ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجساً؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

فرع آخر [32 ب/ 1] قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء.
قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر.
وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف.
وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان.
وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده.
فرع آخر جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكاً لربه.
والثاني: يكون ملكاً لدابغه.
والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكاً للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه.
وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه".
وهذا الجلد محرم قبل الدباغ.
وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضاً على سبيل [33 أ/ 1] التمليك.
وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به".
فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه.
وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب.
وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولاً واحداً، وإنما القولان في بيعه ورهنه.
وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولاً واحداً؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان.
قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".

الجزء: 1 - الصفحة: 58

وقيل: إنما بني قوله في "القديم" على أن باطن الجلد لا يطهر بالدباغ، وهذا ليس بشيء.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: قوله القديم أصح؛ لأن الدباغ لو أفاد الإباحة لم تصح فيما يوكل لحمه كالمزكاة.
وقال القفال [33 ب/ 1]: القولان في جميع الجلود ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه طاهر لا حرمة له ولا يتضرر بأكله، وهذا أقيس.
وذكره ابن كج رحمه الله تعالى.
مسألة: قال: "وَلاَ يَطْهَرُ بالدِّبَاغِ إِلاَّ الإِهَابُ وَحْدَه".
وهذا كما قال، أراد به: ولا يطهر من الميتة بالدباغ إلا الجلد والمشبعة التي فيها الولد إذا انفصلت من الحيوان يكون نجساً ولا يطهر بحال، فأما الصوف والشعر والريش والقرن والعظم قلا يطهر بحالٍ، وهو ظاهر المذهب.
ذكره القاضي أبو حامد في جامعه، وقال الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق: فيها قولان: أحدها: أنها طاهرة كالخشب وهذا ليس بصحيح.
وأما الصوف والشعر والريش، فالنص هاهنا، وهو رواية الربيع وحرملة والبويطي أن فيها حياة وتنجس بالموت ولا تطهر بحالٍ وهو ظاهر المذهب.
وروى ربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، فإذا دبغ الجلد طهر تبع الشعر وهذا لا يصح؛ لأن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يصلحه، بل يمزقه فلم يقر طهارته بللحم بخلاف الجلد.
وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع من تنجيس شعر بني آدم فمن أصحابنا من قال: هذا لكرامة الآدميين، وحكمه مقصور على شعورهم، وهذا [34 أ/ 1] هو الصحيح.
ومنهم من قال: هذا لأنه اعتقد أنه لا وقع في الشعر، فهو قول في جميع الشعور.
فعلى هذا حصل أربعة أقوال: أحدها: الكل طاهر إلا شعر الكلب والخنزير، ولا روح فيها وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني.
وقال أبو حنيفة في شعر الكلب مثله، وفي شعر الخنزير روايتان عنه، وقال مثل هذا في العظم والسن والقرن وخالفه فيها مالك، وأحمد، وإسحاق والمزني ووجه هذا القول أنه لا يحسن ولا يألم.
والقول الثاني: فيه روح والكل نجس إلا ما يؤخذ من الحيوان المأكول ني حياته أو بعد ذكاته لا جزء من حيوان ينمو بحياته فينجس بنجاسة موته كسائر الأجزاء.
وبه قال عطاء والحسن، والأوزاعي والليث بن سعد.
وحكي عن حماد أن فيه روحاً وينجس لموته، ولكنه يطهر بالغسل.
وروي نحوه عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، والليث، ووافقونا في العظم أنه لا يطهر بحالٍ.
والثالث: الجلد على ماذكرنا، وبه قال مالك.
والرابع: أنه شعر بني آدم هو مخصوص بالطهارة للكرامة وما عداه نجس إلا ما ذكرناه.
ومن أصحابنا من قال: تنجس بالموت ولا رفع فيه كاليد الشلاء لا روح فيها،

الجزء: 1 - الصفحة: 59

وتنجس بموت الحيوان لاتصالها به وهو ضعيف.
فإذا تقرر هذا، فعلى المذهب المشهور الحيوان على ثلاثة أضرب، نجس، وطاهر يؤكل لحمه، وطاهر لا يؤكل لحمه، فالنجس ما كان [34 ب/ 1] نجساً في حال حياته، فلا سبيل إلى طهارة شعره.
وأما ما يؤكل لحمه فشعره طاهر إذا جز وحلق، وإذا زكى، فلو نتف أو قطع بضعة لحم منه وعليها صوف أو شعر لا نص فيه.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إنه نجس لأنه غير مأذون فيه.
ومنهم من قال: إنه طاهر وهو كالذبح بسكين، قال: يفيد الإباحة مع الكراهة والتحريم وتنجس شعره في موضع واحد، وهو إذا مات حتف أنفه.
وأما ما لا يؤكل لحمه من الطاهر كالبغل والحمار ونحوها فشعره طاهر في موضع واحد، وهو ما دام قائماً عليه في حياته، فإن جز منه أو حلق أو مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح نجس، فإن دبغ الجلد فهو يطهر الشعر تبعاً، فهو على ما ذكرنا من القولين.
وأما شعر بني آدم قال بعض أصحابنا: الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، والصحيح أنه لا ينجس؛ لأنه يؤمر بغسله تعباً فإن قلنا: لا ينجس بالموت فشعره وشعر ما لا يؤكل لحمه واحد.
وقيل في شعره قول واحد إنه طاهر، لأنه صح رجوعه فيه.
وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قلنا شعر غيره من الآدميين طاهر فشعره أولى.
وإن قلنا: ذاك نجس ففي شعره وجهان.
قال أبو جعفر الترمذي وجماعة: هو طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه فرق شعره على أصحابه، ولو كان نجساً [35 أ/ 1] منه كالدم والبول.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في بوله ودمه وجهان أيضاً؛ لأن ابن الزبير حسا دمه تبركاً ولم ينكر عليه.
وروي أن أبا طيبة شرب دمه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع محاجمه إلى علي - رضي الله عنه -، فقال: "واره حيث لا يراه أحد" فشرب دمه وقال: واريته حيث لا يراه أحد، فقال: "لعلك شربتها".
فقال: نعم.
فلم ينكر عليه.
وروي أنه أم أيمن شربت بوله فقال: عليه الصلاة والسلام: "لا ينجع بطنك" وهذا بعيد.
وقد روي أنه نهى أبا طيبة عن مثله وقال: "حرم الله جسمك على النار".
وروي عن سالم بن أبي سالم الحجام، قال: حجمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وليث المحجمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم شربته، فقلت: يارسول الله شربته، فقال: "ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم كله حرام، لا تعد".

الجزء: 1 - الصفحة: 60

فرع الوسخ الذي ينفصل عن الآدمي في الحمام حكمه حكم ميتة الآدمي نجس يعفي عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه كدم البراغيث، وفسر بعض أصحابنا القليل بالشعرة والشعرتين، وقال: إذا وقع في الماء القليل فإنه يعفي عنه، ذكره أهل العراق.
وفيه نظر؛ لأن العفو عن يسير النجاسة لا يكون في الماء؛ لأنه يتعدى وينتشر بخلاف الثوب.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وَلَوْ كَانَ الصَّوفُ وَالْشَّعْرُ وَالْرَّيشُ [35 ب/ 1] لاَ يَمُوتِ بِمَوْتِ ذَوَاتِ الرُّوحِ، أَوْ كَانَ يَطْهُرُ بِالدَّبَاغِ لَكَانَ ذَلِكَ في قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَسَبيِّهَا، وَجَازَ في عَظْمِهَا، لأَنَّه قَبْلَ الدِّباغِ وبَعْدَهُ سَوَاءُ".
وقصد به الرد على مالك لا على أبي حنيفة، وكان الشافعي شك في مذهبه فلم يتيقن أنه يقول: لا ينجس الأشياء البادية بالموت أصلاً، أو يقول: تنجس ولكنها تطهر بالدباغ فألزمه الدليل على .... فقال: إن زعمت أنها لا تنجس بالموت فهلا قلت ذلك في السن والعظم والقرن، وإن زعمت أنها تنجس ثم تطهر بالدباغ، فهلا قلت ذلك في هذه الثلاثة أيضاً؛ لأن هذه الأشياء الستة قبل الدباغ وبعده سواء، لا تأثير للدباغ فيها كتأثيره في الجلد.
ومن أصحابنا من قال: إنه قصد به الرد على أبي حنيفة ومالك، وتقديره: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، كما قال أبو حنيفة، أو كان يطهر بالدباغ كما قال مالك، كان س في قرن الميتة وسيما دليل على أبي حنيفة، إلا أنه لا يسلم ذلك، فننقل الكلام إليه، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي اَلَعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78].
وقوله: وكان في عظمها دليل على مالك والأول أصح.
وعلى هذا قوله: "وجاز في عظمها".لم يقتصر فيه على مجرد العطف كما اقتصر في السن تحسيناً للعبادة، ولا معنى له غيره، فتقديره: لكان ذلك قي قرن الميتة وسنها وعظمها.
فرع إذا ماتت شاة وفي ضرعها [36 أ/ 1] لبن كان نجساً لا يحل شربه.
وقال أبو حنيفة، وداود: يحل شربه؛ لأن السحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالأنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس بمنزلة موت الحيوان، وهذا غلط؛ لأنه مائع غير الماء، وفي وعاء نجس فكان نجساً، كما لو حلب في إناء نجس ولا علم لنا بما ذكروه عن الصحابة.
فرع آخر إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيضة، فإن كانت رخوة ضعيفة فهي كاللبن، وإن كانت

الجزء: 1 - الصفحة: 61

قوية وصلبة قشرها فهي طاهرة، كما لو وقعت البيضة في ماء نجس.
وقال بعض أصحابنا: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاهرة لأن فيها جمودة والثاني: أنها نجسة وإن تصلبت، وحكام ابن المنذر عن علي -رضي الله عنه - وعلل بأنها ميتة.
وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً.
وقيل: اختاره الشافعي مرة، والثالث: التفصيل على ما ذكرناه، وهو المذهب؛ لأن البيضة مودعة في الحيوان لا تحلها الحياة والموت، ولو تفرخت هذه البيضة كان الفرخ طاهراً بلا خلاف.
فرع البيضة لذا صارت مذرة واختلطت الصفرة بالبياض طاهرة وحكمها حكم اللحم إذا نتن.
فرع آخر إذا انفصلت البيضة من الدجاجة ففي بللها وجهان أحدهما: أنه ظاهر كالمنى، والثاني: أنه نجس وهو الظاهر وهكذا الوجهان في البلل الخارج تبع الحمل.
فرع آخر إذا ماتت الظبية وفيها فارة مسك تنجس الفارة [36 ب / 1] وجهاً واحداً بخلان البيض لأن للبيض نماء بعد موت الدجاجة وليس لفارة المسك نما.
فرع آخر المرة العفرة نجسة لأنها غذاء يغير إلى النساء.
فرع آخر أنفحة السخلة المذبوحة إذا لم تكن شربت إلا اللبن طاهرة؛ لأنها وإن كانت غذاء متغير فما تغير إلى الفساد، فإن ماتت فهي نجسة.
فرع آخر البلغم عند الشافعي طاهر.
وحكي عن المزني أنه قال: هو نجس.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه -: "ما نحامنك ودموع عينيك إلا سواء".
ولأنه يخرج من الرأس أو من الحلق والصدر فكان طاهراً كالمخاط.
فرع آخر الماء الذي يسيل في النوم طاهر وإن كان متغير الرائحة كاللعاب، وإن علم أنه خرج من المعدة لمرض أو علة، ويعرف ذلك بالنتن فهو نجس.
فرع آخر لو رأى شعراً فلم يعلم أنه من شعر مأكول أو غير مأكول، فيه وجهان بناء على أن أصول الأشياء هل هي على الخطر أو على الإباحة؟ ولو علم أنه شعر مأكول ولا يدرى هل أخذ في حياته أو بعد موته؟ فهو طاهر ذكره بعض أصحابنا ويحتمل وجهاً آخر.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

فرع آخر لو باع جلد الميتة بعد الدباغ وعليه شعر، وقلنا شعره نجس، فإن باع الجلد وحده دون شعره يجوز، وإن باع مع شعره ففي الشعر لا يجوز، وفي الجلد قولان بناء على جواز تفريق الصفقة، وإن باعه مطلقاً فيه [37 أ/ 1] وجهان: أحدهما: أنه لا يدخل الشعار في البقع لأنه غير مقصود، ولا يصح فيه البيع فيصح بقع الجلد.
والثاني: يدخل في البيع لاتصاله بالمبيع، فيكون كما لو قال: يقبل مع الشعر.
فرع آخر إذا عمل من الجلد المنجوس حوض فطرح فيه ماء، فإن كان دون قلتين صار نجساً، وإن بلغ قلتين فأكثر فالماء طاهر والإناء نجس، ويجوز التوضاء منه إذا كان الوضوء لا ينقصه عن القلتين.
مسألة: قال: "وَلاَ بِدُهْن في عَظْمِ فيلٍ" وهذا كما قال.
قرئ هذا بثلاث قراءات بتشديد الدال والهاء، وبتشديد الدال وتخفيف الهاء، وبتخفيف الدال وتشديد الهاء والمعنى واحد، وأراد به أنه لا يستعمل دهن في عظم فيل لنجاسته؛ لأن الفيل لا يؤكل لحمه.
وقال مالك: إذا ذكيِّ الفيل فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول.
وإن مات فعظمه نجس؛ لأن العظم يحله الموت.
قال النخعي: طهارة العاج خرطه، فإذا خرطا صار طاهراً.
وقال الليث: إذا طبخ حتى خرج دهنه كان طاهراً.
وقال أبو حنيفة: لا ينجس كما قال في سائر العظام.
واحتج الشافعي - رحمه الله - بكراهته من عمر - رضي الله عنه- لذلك، وهذه كراهة تحريم؛ لأن العاج هو ألطف من أن تعافه النفس حتى تكرهه كراهه تنزيه، إلا أنهم كانوا يعدلون عن لفظة التحريم إلى لفظة الكرامة احتراماً للشريعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116] [37 ب/ 1] ويجوز أن يعبر عن التحريم بالكراهة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38] أي محرماً.
فإن قيل: روي أن في جهاز فاطمة -رضي الله عنها سوار من عاج؟ قيل: إنه كان من عظم بعير، وقيل: من زبل، وهو عظم سمكة في البحر وسمي عاجاً لبياضه.
فإذا نقرر هذا فلو اتخذ مشطاً لا يجوز أن يمشط به إذا كان أحدهما رطباً، فإن كان المشط والشعر مايتتين، قال في "البويطي": يكره الانتفاع في شيء تمسه يده، وإن كانت تمسه يابسة فلا تنجسه.
وإن أراد أن يجعل فيه الدهن للاستصباح أو الاستعمال في غير أبدان المتعبدين، فالصحيح من المذهب أنه جائز.

الجزء: 1 - الصفحة: 63

مسألة: قال: (فَأَمَّا جِلْدُ كُلُ مُذَكِيِّ يُؤْكَل لَحْمَهُ فَلاَ بَاسَ بِالْوضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ".
وهذا كما قال، الحيوان على ضربين: أحدها: يحل أكله، فإذا ذبح فلحمه وجلده طاهر، ويجوز استعمال جلده وحوله حوضاً للماء قبل دباغه ما لم يصبه دم أو ورث، فإن أصابه ذلك غسله.
والثاني: ما لا يحل أكله فذبحه وموته سواء، نص عليه في "الأم" ولم ينقله المزني.
وقال مالك وأبو حنيفة: يطهر كله بالذبح إلا الخنزير والإنسان وهذا غلط؛ لأن المقصود بالذكاة إباحة اللحم عرفاً وشرعاً، وهذه الذكاة لا تفيد المقصود، فلا يفيد البائع.
مسألة: قال: "وَلاَ أكْرَهُ مَنَ الآنيَةِ إِلاَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَّ".
وهذا كما قال.
أراد به ولا أكرم من الآنية الطاهرة شيئاً [38 أ/ 1] إلا الذهب والفضة، فإني أكرههما من حيث الاستعمال لا من حيث التطهير خاصة فإذا تقرر هذا فالأواني على ضربين: متحدة من جنس الأثمان، ومتحدة من غير جنس الأثمان.
فأما المتحدة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة لا يحل استعمالها بحالٍ في شيء من الأشياء.
وقال في كتاب الزعفراني من القديم لا يحل ذلك كراهة وتنزيها لا تحريماً؛ لأن الغرض بذلك تركه التشبه بالأعاجم والخيلاء وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم، وهذا غلط لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم".
وروي "نار جهنم" بالرفع، فمعنى الرفع كأنه قال: إنما يصون نار جهنم، والجرجرة هي الصوت، ومعناه تلقى في جوفه نار جهنم حتى يسمع صوته يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعاً متتابعاً يسمع له صوت، والجرجرة في حكاية ذلك الصوت، وهذا وعيد يقتضي التحريم، ومعنى النصب كأنه يقول: إنما يجرجر نار جهنم، فيكون جرجر على هذا المعنى مضاعف جر، وهو أن هذا الفعل يكون سبباً لعذابه في نار جهنم، وهذا كما قال تعالى: ﴿إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10] وقال داود: يحرم الشرب منها فقط؛ لأن الخبر ورد في الشرب وهذا غلط، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تلبسوا الحرير [38 ب/ 1] والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
آخر هذا الخبر يدل على أن التحريم عام في الشرب وغيره وروى حذيفة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل والشرب تنبيهاً على غيرهما، فإن خالف وأكل فالأكل محرم والمأكول حلال.
ومن أراد أن

الجزء: 1 - الصفحة: 64

يتوقى المعصية فيها فليخرج الطعام منها ثم يأكله إن شاء.
كما حكي أن فرقد السيخي والحسن البصري - رحمهما الله - حضرا وليمة فقدم إليهما طعام في إناء فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وكبه على الخوان، وقال: كُل الآن إن شئت.
وهكذا لو توضأ منها فالوضوء صحيح، وإن كان الفعل محرماً: لأن المنع لم يكن في الماء خلافاً لداود.
وأما اتخاذها هل يحل؟ قيل: فيه قولان، وقبل وجهان والأصح أنه لا يحل كالملاهي، وعلى هذا لا يضمن بالكسر ولا يستحق الأجرة باتخاذها وأما المتخذة من غير جنس الأثمان فضربان: ثمين وغير ثمين.
فإن لم يكن ثميناً كآنية النحاس والرصاص والفخار والزجاج، فكلها مباح.
وقالت عائشة: "كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من تور من شبة".
وإن كان ثميناً كان لصنعه فيها كالمخروط عن الزجاج فهو مباح كلبس الثوب الكتان النفيس، وإن كان لنفاسة جوهره مثل البلور والياقوت والعقيق فيه قولان.
في حرملة: حرام لأن فيه سرفاً وخيلاء.
وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه مباح [39 أ/ 1] وهو المشهور.
آنية من غير جنس الأثمان فأشبه المخروط من الزجاج؛ لأن السرف فيه غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس، فلا يخاف افتتان العوام.
وقال القفال: هذا مبني على أن تحريم آنية الذهب والفضة لأعيانها، أو لمعنى فيهما.
قال في الحديث: تحرم لأعيانهما كأحكام كثيرة اختصت بالذهب والفضة دون غيرهما.
وقال في القديم: يحرم لمعنى الخيلاء والفتنة فعلى القول الأول لا تحرم آنية التور نحوه، وعلى القول الثاني تحرم.
قال: وعلى هذا لو اتخذها من ذهب وغشاها بالرصاص.
فإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا المغني فهو حلال.
قال: ولو اتخذها من رصاص وموهها بالذهب، فإن اعتبرنا المعنى فلا تحل، وإن اعتبرنا العين حل.
فرع في الأواني المتخذة من الطيب الرفيع كالعود المرتفع والكافور المصاعد والمعجون من المسك والعنبر وجهان مخرجان، وفي غير المرتفع من المسك والصندل وجه واحد يجوز استعماله.
مسألة: قال: "وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَّ بِالْفِضَّةِ لَئِلاَّ يَكُونَ شَارِباً عَلَى فِضَّةِ".
وهذا كما قال المضبب أن يكون جزءاً من أجزاء الإناء فضة، واختلف أصحابنا في هذه المسالة.
قال القفال: التضبيب على شفة الإناء لم يحبز استعماله في الشرب، وأن

الجزء: 1 - الصفحة: 65

كان في غيرها يجوز؛ لأنه لا يكون شارباً على فضة، ويروى هذا عن مالك.
وقال غيره: لا فرق بين أن يكون في شفته [39 ب/ 1] أو في غيرها.
وقول الشافعي: "لئلا يكون شاربا على فضة" يريد من إناء فيه فضة.
ثم من أصحابنا من قال: هذه كراهة تنزيه بخلاف آنية الذهب والفضة؛ لأنه قال: "ولا أكره من الأواني إلا الذهب والفضة".
وأراد بتلك الكراهة التحريم فخرج منها المضبب.
والصحيح أنه على التحريم.
وقوله: " وَلاَ أَكْرَهُ مِنَ الأَوَانِيِ إِلاَّ الْذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" قصد به بيان جنس الأواني المحرمة والمباحة، فلا يدل على ما قاله القائل الأول.
ثم المضيب على أربعة أضرب: يسير للحاجة كحلقة القصعة وشعيرة السكينة، وضبة القصف فهذا مباح.
وروى أنه كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة فيها سلسلة من فضة.
ومعنى قولنا: "للحاجة": أنها في موضع الحاجة، وإن قام غير الضبة مقامها ني ذلك وقيل: لغير حاجة فلا يحرم لعلته، ويكره لعدم الحاجة إليه وهو مراد الشافعي هنا، وكثير الحاجة مثل أن يتشقق الإناء فتكثر فيه الضبات، فيكسره لكثرته ولا يحرم للحاجة، وكثير لغير حاجة فهر حرام.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم وإن كان جميع الإناء مضبب.
واحتج بأنه إناء جاوره فضة فلا يحرم استعماله، كما لو أخذ الإناء بكفه وفيها خاتم، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب من إناء الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر ني جوفه نار جهنم".
ولأن [40 أ/ 1] سرفاً وخيلاء كما في إناء الذهب، ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر في الكثير لحاجة، وفي القليل لغير حاجا إنها حرام.
فرع لو ضبب في الإناء دراهم أو دنانير وشرب منه لم يكره، فإن أثبتها عليه بالمسامير فهي كالضبات سواء.
ولو شرب بكفه ماء وفي إصبعه خاتم فضة فلا بأس.
مسألة: قال: "وَلاَ بَاسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكِ".
الفصل وهذا كما قال.
أراد به أنه لا يكرم للحدث أن يتوضأ من ماء مالكه مشرك.
وكذلك لا يكره التوضاء بما فضل عن وضوء المشرك ما لم يعلم النجاسة فيه.
وجملته أن أواني المشركين وثيابهم هي على ثلاثة أضرب يتحقق طهارتها، مثل إن اشتراه ولم يستعمله فلا يحرم استعماله وضرب يتحقق نجاسته فهذا يحرم استعماله.
وضرب يحتمل أمرين ولا يعلم حاله.
فالأصل الطهارة سواء كانوا يتدينون النجاسة كالمجوس يدينون الغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 66

ببول البقر، والبراهمة من الهند يتدينون استعمال الأبوال كلها.
أو لا يتدينون ذلك كاليهود والنصارى فيجوز استعمالها، نص عليه في الإملاء، وحرملة، لما روى الشافعي -رحمه الله- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توضأ من ماء قي جرة نصرانية.
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، وهذا غلط لما ذكرنا، [40 ب/ 1] والمراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم.
فإذا تقرر هذا.
قال في "القديم": "لا أكره استعمال آنية الماء وأكره سائر الأوان" لأن الماء يرد على آنية الماء مرة بعد مرة ويطهرها، والثياب المستعملة كلها مكروهه، والسرويلات أشد كراهة؛ لأنها أقرب إلى محل النجاسة من الثوب.
وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي قال: "وأحب أن لا تستعمل أوانيهم إلا بعد الغسل، إلا أن أواني الماء هي أخف حالاً" وهذا يدل على أن في آنية الماء نوع كراهة، والصحيح ما ذكرنا.
وقال أبو إسحاق: إن كانوا لا يدينون استعمال النجاسة فإن الأصل النجاسة فلا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل، إلا آنية الماء فإنها على الطهارة لورود الماء عليها.
ومن أصحابنا من قال: إن كانوا يدينون لا يلزم اجتنابهم، ولكن لا يعتقدون العبادة في استعمالها كالدهرية والزنادقة يجوز استعمال ثيابهم لأن الأصل الطهارة، ويكره لخوف النجاسة.
وإن كانوا يعتقدون العبادة في استعمالها يجوز استعمال مياههم ويكره.
وأما ثيابهم: فإن لم يلبسوا كثيراً يجوز استعمالها.
وإن كثر لباسهم لها فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن الظاهر نجاستها [41 أ/ 1].
وقال ابن أبي هريرة: يجوز مع الكراهة؛ لأن الأصل الطهارة.
وقال القفال: فيه قولان مخرجان قياساً على ما قال الشافعي في تراب المقرة المنبوشة إذا صلى عليه ولم يشاهد فيه نجاسة فيه قولان: أحدها: يجوز بناء على أصل الطهارة.
والثاني: لا يجوز بناء على الغالب.
وكذلك القولان في وحل الطريق إذا أصاب الثوب والغالب نجاسته.
وروى أو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: إنا نأتي دار قوم من المشركين يشربون الخمر ويأكلون الخنازير، فنطبخ قي قدورهم ونأكل في أوانيهم.
فقال: " واستغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فأرخصوها بالماء فإن الماء طهور" وهذا يدل على تغليب الطاهر على الأصل.
فرع قال بعض أصحابنا: الماء الذي يتقاطر من المزاريب، هل يباح استعماله إذا لم

الجزء: 1 - الصفحة: 67

يعلم يقين الطهارة؟ وجهان.
لأن الغالب على السطوح النجاسة والأصل طهارة الماء فيقابل الأصلان.
فرع أخر لا باس أن توقد عظام الميتة تحت القدور ويطبخ بها، ويؤكل ما فيها.
ولو سجر التنور بالسرقين هل ينجس التنور بالدخان؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس.
والثاني: لا ينجس، كبخار المعدة لا ينجس الفم.
فإذا قلنا: إنه ينجس، فينبغي أن يكسح بمكسحة جافة، ثم يلزق به الخبز لو استصبح بزيت نجس، ففي دخانه وجهان.
فإذا قلنا: إنه نجس هل يعفي عنه؟ وجهان: أحدهما [41 ب/ 1]: يعض للمشقة.
والثاني: لا يعفي؛ لأن نجاستها نادرة والتحرر ممكن، والأصح الأول، وعندي أنه طاهر والله أعلم.

باب السواك

مسألة: قال:"وَأُحِبُّ السِّوَاكَ للصَّلوَاتِ".
الفصل وهذا كما قال.
لما فرع ش ذكر المياه والأواني، بدأ بذكر أحكام الوضوء، وقدمها على أحكام الغسل؛ لأنه أكثر فروعاً، ثم بدأ في أمر الوضوء بباب السواك لأنه يندب إليه في الوضوء وفي غيره.
وجملته: أن السواك سنة مستحبة.
وقال: أراد أهل الظاهر هو واجب عند كل صلاة، لكن تركه لا يقدح في الصلاة وقال إسحاق: السواك واجب، فإن تركه عامداً يبطل الصلاة.
وهذا غلط لما احتج به الشافعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال: ولو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق.
وفي بعض النسخ: "أو لم يشقق" والأصل في استحبابه أخبار كثيرة منها هذا، وأيضاً فقد روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: و"كان السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القلم من لدن الكاتب" وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من سنن المرسلين؛ الحناء، والسواك، والتعطر والنكاح" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طهروا أفواهكم لقراءة القرآن" يعني بالسواك.

الجزء: 1 - الصفحة: 68

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة [42 أ/ 1] للرب، مثراة للمال، مطردة للشيطان".
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك" وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "أوصاني جبريل عليه السلام بالسواك حض خفت أن يدرني".
وروى أنه قال: "استاكوا ولا تأتوني قلحا" والقلم صفرة الأسنان وروي أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا قام من الليل شوص فاه بالسواك" قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل والمص مثله.
وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال" في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، مذهب الجفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، ويقطع البلغم، ويزيد في الحسنات".
وهو من السنة ويستحب في خمسة أحوال عند القيام من النوم، وعند الوضوء للصلاة، وعند القيام للصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند تغير الفم.
والفم يتغير في أربعة أحوال عند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وعند شدة الجوع، وعند أكل الأشياء المريحة كالبصل والثوم.
وقول الشافعي: "والأزم" قيل: أراد طول السكوت.
وقيل: فرط الجوع، وهذا أصح، لأن عمر - رضي الله عنه - قال للحارث بن كلدة وكان طبيب العرب ما الداء؟ قال: الأكل.
قال: فما الدواء؟ قال: الأزم - يعني به الجوع من الحمية، وفيما نقل المزني خلل عن ثلاثة أوجه: أحدها: نقل [42 ب/ 1] واجب السواك للصلاة عند كل حال تغير فيها الفم، وهو خلاف المذهب، فكان من حقه أن يزيد واو فيقول: وعند كل حال.
والثاني: نقل "وكل ما يغير الفم" وفي نسخة: "كل ما يغير الفم"، ولفظ الشافعي: "وأكل ما يغير الفم"، فصحف الأكل بالكل، وهذا توهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلود يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا.
والثالث: أنه نقل الخبر وعطف عليه: "ولو كان واجباً"، والشافعي قال: "وليس

الجزء: 1 - الصفحة: 69

بواجب" ولو كان واجباً بذكر المذهب ثم اشتغل بالاستهلال، وحذف المزني المذهب، والأحسن ما ذكره الشافعي.
فإذا تقرر هذا، فهو مستحب في كل الأوقات إلا للصائم، ثم بعد الزوال خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يكره له ذلك يعد الزوال أيضاً وهو في ثلاثة أحوال أشد استحباباً للصلوات والاستيقاظ من النوم.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقد ليلاً أو نهاراً ثم استيقظ استاك".
والحالة الثالثة عند تغير الفم.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وأحب أن لا يستاك بخشبة يابسة لجرح الفم ولا بخشبة رطبة لا تنفي، ولكن يستاك بخشبة يابسة قد لينت بالماء حتى تزيل الصفرة ولا تجرح".
قال: "وبأي شيء استاك مما يقلع الصفرة [43 أ/ 1] ويزيل الوسخ جائز".
ولا فرق بين العود والخرقة والخشب، فإن اقتصر على إصبعه لم يجزه، لأنه لا ينفي؛ وعندي أنه إذا كان إصبعه خشناً كما يكون للعمال يقوم مقام السواك.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" "الأصابع تجزئ عن السواك" ويمرر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ليجلو جميعاً من الصفرة، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ليزيل الخلوف عنه، ويستاك على عرض الفم، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستاك عرضاً.
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً"، وإنما قال: "وادهنوا غباً" لما فيه من دون الثوب، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الأرقاء، وقال أبو عبيد: هو كثرة التدهين.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ادهنوا يذهب البؤس عنكم والبسوا تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مواليكم فإنه أكبت لعدوكم".
فرع يستحب من يبدأ في السواك بجانبه الأيمن، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء حتى في سواكه وظهور وانتقاله.
فرع آخر يستحب أن يستاك بالأراك لما روى أبو خيرة "أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يستاك بالأراك" فإن تعذر استاك بعراجين النخل، فإن لم يكن استاك بما يجده.
فرع لا يعد السواك من [43 ب/ 1] سنن الوضوء، بل هو سنة بنفسه.
وقيل: فيه وجه آخر أنه من سنن الوضوء وليس بشيء.

الجزء: 1 - الصفحة: 70

فرع جلاء أسنانه بالحديد أو يردها بالبرد مكروه؛ لأنه يذيب الأسنان، ويقضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكب الصفرة والخلوف قيها، ولذلك "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشرة والمتوشرة".
وهي التي تبرد أسنانها بالمبرد.
فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يقلم الأظفار، ويغسل البراجم، ويقص الشارب، وينتف الإبط، ويحلق العانة؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء" يعني الاستنجاء: قال الراوي: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة والاستنشاق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان.
وقال: والانتضاح بدل الانتفاص.
وقوله: من الفطرة: أي من السنة.
يعني من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم في قوله تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] وأول من أمر بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم وذلك قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، وكان من زي الكثيرين قص اللحى وتوفير الشارب، فندب صلى الله عليه وسلم إلى مخالفتهم في الزي والهيئة [43 أ/ 1] وغسل البراجم بتنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ.
وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع.
وانتقاص الماء للاستنجاء به، وكذلك الانتضاح وأصله من النضج وهو الماء القليل.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول: عند ابتداء السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثتي، وأثبت بها لهاتي، وباراك لي فيه يا أرحم الراحمين.

باب نية للوضوء

مسألة: قال: "وَلاَ يُجْزِئُ طَهَارَةُ مِنْ غُسْلِ، وَلاَ وُضُوءِ وَلاَ تَيَمُّمِ إِلاَّ بِنَّيِة".
وهذا كما قال.
اعلم أن أول فرائض الوضوء النية، فبدأ المزني بباب النية، ثم عقبه باب الأفعال، ومعنى النية عزيمة القلب، وهو أن يقصد بقلبه أن يكون فعله الذي يباشره لله تعالى فرضاً أو تطوعاً.
فإذا تقرر هذا، فكل طهارة من حدث تفتقر إلى النية سواء في ذلك الكبرى، كالغسل، والصغرى كالوضوء.
وسواء كان بالمائع أو الجامد كالتيمم.
وبه قال ربيعة، ومالك والليث، وأحمد وإسحاق.
وروي ذلك عن على - رضي الله عنه - وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 71

الحسن بن صالح بن حي والأوزاعي في رواية، وزفر: أنه لا يفتقر شيء منها إلى النية.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية، وهي رواية [44 ب/ 1] عن الأوزاعي واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقولة: وهما طهارتان - يعني الوضوء والتيمم -وأراد عن حدث، فكيف يفترقان في وجوب النية في إحداها دون الأخرى.
والدليل على الخاص قول الحسن بن صالح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وقوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان".
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر".
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه".
وروي أن عثمان -رضي الله عنه - كان قاعداً يتطهر فمسح ماء من فيه ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مما ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد في مقعدي هذا يتطهر، فقال: "ما من عبد يتطهر إلا كانت خطاياه أسرع انحداراً من طهوره".
فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية.
وقيل في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان" أي شطر الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتكم، والصلاة لا تستغني عن النية، فكذلك الوضوء.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] [45 أ/ 1] الآية، ولم يذكر النية، بينا هذه الآن هي حجتنا؛ لأنها تقتضى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ للصلاة، كقولك: إذا سافرت فتزود، معناه للسفر.
حكي عن ابن سريج أنه قال: إزالة النجاسة تفتقر إلى النية، ... بخلاف قول الشافعي: وهما طهارتان.
وقيل: إنه اختيار الإمام سهل الصعلوكي، وعندي أنه لا تصح هذه الحكاية عنهما، وعلى ما ذكرنا لو توضأ الكافر أو اغتسل ناوياً، ثم أسلم لا يجوز له أن يؤدي به قرضاً خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه ليس من أهل النية عندنا.
وقال في "الحاوي": فيه وجه آخر يجوز له أن يؤدي به فرضاً؛ لأنه أصح قصداً من الصبي، وذكر المزني في "المنثور" أن طهارة الصبي ناقصة إذا بلغ إعادة الوضوء والغسل.

الجزء: 1 - الصفحة: 72

فرع المرتد إذا اغتسل في ردته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز.
وقال في "الحاوي": هل يجوز؟ فيه وجهان.
فرع آخر لو كانت الذمية حائضاً فانقطع دمها فاغتسلت ثم أسلمت، المذهب أنها لا تصلي بهذا الغسل أيضاً؛ وقال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: لها أن تصلي؛ لأنه صح غسلها في حق الوطء حتى يحل للزوج وطئها، فصح غسلها في حق الصلاة أيضاً، وهذا غلط؛ لأنها مأمورة بالغسل بحق الزوج، وصح غسلها في حق الوطء لا بحق الله تعالي، وإنما صح لأجل الوطء للضرورة.
فرع آخر لو أن الذمية اغتسلت ولم تنو أنه للحيض.
قال بعض أصحابنا: لا يحل وطئها كالمسلمة إذا لم تنو، فصح غسلها بنيتها لموضع الحاجة [45 ب/ 1] وهذا كما يصح من الذمي العتق عن الكفارة بنية، ولو لم يبق لا يجوز عن الكفارة.
قال هذا القائل: ولا يصح ما قال أصحابنا يصح غسلها في حق الآدمي دون حق الله تعالى؛ لأن الآدمي لا حق له في الغسل، بل حقه في الوطء، والوطن من شرط إباحته حصول الغسل بحق الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا: يجوز وطئها إذا اغتسلت بغير نية للضرورة، كما يقول في المجنونة المسلمة.
وهذا أقيس عندي.
فرع آخر لو أسلمت بعد الغسل هل يجوز وطئها؟ الظاهر أنه لا يحل، لأن الضرورة زالت.
وقيل: فيه وجهان.
وقيل: هل يجوز لها أن تصلي؟ وجهان بناء على هذين الوجهين.
فرع آخر لو ارتدت بعد الدخول ثم اغتسلت من الحيض لا يصح غسلها أصلاً؛ لأنه لا يباح وطئها أصلاً، ويحتمل وجهين على ما ذكرنا عن صاحب "الحاوي".
فرع آخر المجنونة المسلمة إذا اغتسلت من الحيض دل وطئها به للضرورة، ولا يصح غسلها في حق الصلاة.
وقيل: هل لها أن تصلي بذلك الغسل؟ وجهان ما قلتا في الذمية إذا أسلمت.
فرع آخر لو غسل الزوج امرأته المجنونة لا يفتقر الزوج إلى النية، لأن غسلها ني حق نفسه ولو لم يرد إصابتها لها وجب غسلها.
ويفارق الميت في أحد الوجهين يفتقر إلى نية

الجزء: 1 - الصفحة: 73

الغاسل؛ لأنه يستحق تعبد الله تعالى.
ومن أصحابنا من قال: يغسلها زوجها وينوي استباحة [46 أ/ 1] الاستمتاع.
ثم إذا عقلت هل تصلي به؟ وجهان، وفيه نظر.
فرع آخر المسلمة إذا اغتسلت من الحيض بنية إباحة الاستمتاع، هل يباح وطئها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بخلاف الذمية؛ لأنها تقدر على الغسل للأمرين فلا تحتاج حاجة إلى التبعيض.
وعندي انه يحل وطئها ويحل لها أن تصلي به أيضاً تنوي استباحته ما لا يستباح إلا بالغسل، فصارت كالجنب تغتسل بنية الله في المسجد يجوز لها أن تصلي به.
ولعل القائل الأول أراد به إذا نوت استباحة الاستمتاع فقط وتفت استباحة غيره.
فإذا تقرر هذا فالكلام في النية في ثلاث فصول: في محلها، وموضعها، وصفتها.
فأما محلها فهو القلب، لقوله تعالى ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] والإخلاص بالقلب، فإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه فهو الكمال.
وإن نوفي بقلبه ولم يتلفظ بلسانه جاز.
وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجز؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فصار كما لو نوى بقلبه قراءة الفاتحة ونفكرها ولم يتلفظ بها لا يجوز.
وإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه غير ما نواه فإنه يجوز ويلغي ما تلفظ به.
وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: النية هي اعتقاد بالقلب وذكر باللسان ليظهر بلسانه ما اعتقده بقلبه، فيكون على كمال من نبتا وثقة من اعتقاده، فلا يجوز حتى ينوي ويتلفظ.
وأما موضعها: فلها موضعان: استحباب، ووجوب: [46 ب/ 1] فأما الاستحباب: فهو أن ينوي مع ابتداء طهارته عند غسل اليدين ويستديم ذكرها إلى آخرها حتى تشمل نيته الفرائض والسنن.
وقال أبو حامد يستدعها إلى أن يغسل شيئاً من محل الفرض، والأول أصح.
وقال القفال: النية أن ينوي مرتين؛ مرة عند غسل البدن، ومرة عند غسل الوجه وهذا أحسن.
وأما الوجوب: فهو أن ينوي مع غسل جزء من محل الفرض وهو الوجه.
فرع لو نوى في الابتداء واستدام إلى غسل الوجه، فقد أتى بالسنة، ولو عرّبت نيته قبل البدأة بغسل الوجه.
فإن عزيت قبل المضمضة والاستنشاق لا يجوز؛ لأن غسل اليدين ليس من أفعال الوضوء الراتبة، وإنما أمر بهما لخوف النجاسة على ما ورد في الخبر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، والأظهر أنه يجوز؛ لأن الصحيح أنه يحتسب ابتداء الوضوء من غسل اليدين، وهذا غير صحيح عندي.
وقال هذا القائل: لو نوى مع الاستنجاء أو السواك ثم غربت نيته قبل غسل اليدين، فيه وجهان بناء على أنه من جملة الوضوء أم لا؟ وهذا ليس بشيء.

الجزء: 1 - الصفحة: 74

فرع آخر لو كان ناوياً عند المضمضة ثم عزيت نيته، فإن غسل شيئاً من ظاهر الوجه عند المضمضة أجزأه؛ لأن نيته قارنت الواجب.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد غسل الوجه.
ويلزمه غسل ذلك القدر مرة أخرى، وهذا ليس بشيء وإن لم يكن غسل ... الوجه ففيه وجهان [47 أ/ 1] أحدها: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه لم يقارن النية بعد الواجب.
والثاني: يجوز لأنها قارنت ما هو من وظائف الوضوء وروايته، وهذا اختيار القفال.
فرع آخر لو نوى عند غسل الوجه، هل يكون فاعلاً سنة المضمضة والاستنشاق؟ من أصحابنا من قال: لا يكون فاعلاً للسنة ولا يجوز فصلها؛ لأنها غربت عن النية.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما هذا.
والثاني يكون فاعلاً للنية؛ لأنها من جملة طهارته وقد أتى بالنية لها في محلها.
وأما في غسل الجناية إذا نوى في أول جزء منه فغسله يجوز؛ لأن كل ما سرى منه يكون فرضاً.
وأما صفتها: فإن نوى رفع الحدث أو الطهارة من الحدث جاز.
ولو نوى استباحة فعل من الأفعال، فالأفعال هي على ثلاثة أضرب: عنها ما تجب له الطهارة.
ومنها ما لا تجب له الطهارة ولا تستحب.
ومنها ما يستحب له الطهارة ولا يجب.
فما يجب له الطهارة كصلاة الفرض، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر وحمل المصحف.
فإذا نوى بها فعل شيء من هذه الأشياء ارتفع حدثه وجاز له إذ جمع الصلوات بها؛ لأنه يتضمن ذلك رفع الحدث.
وأما ما لا يجب له الطهارة ولا يستحب كالأكل والشرب، واللباس والطيب، ولقاء السلطان وزيارة الوالدين.
فإذا نوى واحد منها لم يرتفع حدثه.
وأما ما يستحب له الطهارة ولا تجب كقراءة القرآن، والقعود [47 ب/ 1] في المسجد.
وسماع الفقه والحديث، والأذان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا نوى واحده منها هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الأكثرين-:لا يرتفع حدثه، لأنه أمر يباح من غير طهارة.
والثاني: يرتفع حدثه؛ لأن الأفضل أن يكون على الطهارة.
فإذا قصد فقد نوى رفع الحدث، وهذا اختيار بعض مشايخ خراسان.
والأول أصح عندي.
وقول الشافعي: " أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفِ" أراد مماساً للمصحف، وقيل: أراد حمل المصحف، فعبر عنه بالقراءة؛ لأن أكثر ما يحمل المصحف لقراءته.

الجزء: 1 - الصفحة: 75

وأما الغسل للجنابة فينقسم أيضاً هذه الأقسام الثلاثة، إلا أنه مما يستحب له الوضوء يجب له غسل الجنابة، مثل قراءة القرآن، والليث في المسجد، فإذا نواه بالغسل ضح وجهاً واحداً، وإن نوى غسل الجنابة أو رفع الحدث عن جميع بدنه أجزأه (0) ولو نوى في غسله الاحتباس في المسجد، أو نوى به الحدث في الوضوء هل يرتفع حدثه؟ وجهان؛ لأن الغسل والوضوء لهذا هو مستحب غير واجب.
فرع لو كان جنباً فاغتسل ينوي بنية الجمعة.
قال أكثر أصحابنا: لا يجزيه عن الوضوء؛ لأن قصد التنظف به لا ينافي حصول الطهارة به لصلاة الجمعة؛ لأن من لا يريده [48 أ/ 1] للصلاة فلا يستحب له.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
فدل أن الغسل ينوب مناب الوضوء.
فرع لو نوى بوضوئه، طهارة مطلقة.
قال في "البويطي" يجوز، وهو اختيار القاضي الإمام أبى الحسن صاحب "الحاوي"، لأن الطهارة ترفع الحدث.
وقال سائر أصحابنا: لا يجوز، ومعناه نوى طهارة من الحدث، وقصده أن يبين أنه يجزيه وإن لم ينو به فعل الصلاة.
فرع أخر لو توضأ المحدث ينوي تجديد الطهارة، هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدها: يرتفع لأن نيته تضمنته.
والثاني: لا يرتفع، لأنه قصد به التطوع ولا يتضمن رفع الحدث، وهو المذهب.
فرع آخر لو نسي الجناية فاغتسل بنية رفع الحدث الأصغر أجزأه في أعضاء وضوئه، وهو الوجه، واليدين، والرجلان؛ لأن غسل هذه الأعضاء واجب فيهما.
وفيه وجه آخر لا يجزئه أصلاً؛ لأنه لم ينو الجناية.
فرع أخر لو نسي الجناية فنرى رفع الحدث مطلقاً، فالجواب ما ذكرنا وفيه وجه آخر يجوز غسله تاماً؛ لأن الجناية حدث.
وقال في "الحاوي": لو أصابته الجناية وحدها فنوى رفع الحدث ولم يقل الأكبر يجوز؛ لأن نيته تنصرف إلى حدثه الذي هو فيه.
ولو كان به حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ونوى ذلك، فلو قلنا: يسقط الأصغر بالأكبر فيجزيه عن حدثه [48 ب/ 1] الأكبر.
وإن قلنا: لا يسقط لا يجزيه عن واحد منهما لامتيازها وإن إطلاق النية يقتضي التشريك بينهما.
ولو قيل: يجزيه عن الحدث الأصغر لأنه أخفهما كان مذهباً.

الجزء: 1 - الصفحة: 76

فرع آخر لو نوى المحدث رفع الحدث الأكبر يجوز؛ لأنه يجوز أن يرتفع الأدنى بالأعلى، وإن كان لا يرفع الأعلى بالأدنى.
وكذلك نوى رفع الجنابة وقيل: فيه هنا وجه آخر لا يجوز؛ لأنه نوى غير ما عليه وهو ضعيف.
فرع أخر لو نوى رفع حدث الغائط فكان حدثه بولاً يجوز.
ومن أصحابنا من قال: إن غلط فيه يجوز، وإن تعمد ذلك ففيه وجهان: أحدها: يصح كما لو كان غالطاً.
والثاني: لا يصح، لأنه نوى ما لبس عليه وهو غير معذور.
فرع آخر لو أحدث أحداثاً ونوى رفع واحد منها ولم ينو رفع الباقي، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرتفع جميعها وهو الأظهر؛ لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحداً ارتفع الكل.
والثاني: لا يرتفع؛ لأنه لا ينو رفع جميع الأحداث.
والثالث: على وجه آخر، وهو أنه إن نوى آخر الأحداث ارتفع جميعها؛ لأنها تداخلت فيها بعدها.
وإن كان أولها لم يرتفع ما بعده وهذا غريب.
[49 أ/ 1] فرع آخر لو نفي الباقي وقال: لا أرفع الأحداث الباقية يجئ فيه الأوجه الثلاثة، وعندي أنه لا يجوز وضوءه لأنه ناقص في النية، فصار كما لو قال: أرفع الحدث ولا أرفع.
فرع آخر لو نوى أن يستبح به صلاة الظهر دون غيرها، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المذهب يصلي ما شاء من الصلوات؛ لأن الصلاة إلى عينها لا يستبحها إلا بعد رفع الحدث، فإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي ما شاء، ولأن هذا إبطال للطهارة بعد صحتها من غير حدث، وهذا لا يجوز.
والثاني: لا يصح وضوءه ونتيه باطلة؛ لأنه إذا لم يرتفع حدثه لغيرها لم يرتفع لها.
والثالث: يرتفع حدثه للظهر وحدها؛ لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة، وهي طهارة المستحاضة.
ذكره ابن سريج، وهو أضعف الوجوه.
فرع آخر قال في "الأم" لو وضأه غيره وهو ناو يجوز؛ لأن الفعل لا يعتبر فيه، ولهذا لو جرى عليه المطر وهو ناوٍ فإنه يجوز.
وقال داود: لا يجوز، وهو غلط لما ذكرناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 77

فرع آخر إذا فرق النية على أعضائه، مثل إن نوى رفع الحدث عند يديه ونحو ذلك، فيه وجهان: أحدها: لا يجوز لأنها جنابة واحدة فأشبهت الصلاة.
والثاني: يجوز لأن تغيير النية في أثنائها لا يبطل حكم ما فعل منها، ويكون فيه تبعيض النية.
فرع آخر لو نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها لم ينقطع؛ لأن الحدث قد ارتفع فلا تعود إلا بوجوب سبب [49 أ/ 1] وإن نوى قطعها في أثنائها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل طهارته كما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها.
والثاني: لا تبطل ما مضى، وهو الأصح.
كما لو نسي النية ونوى التبرد تنقطع النية ولا تبطل ما مضى، وتفارق الصلاة؛ لأنه متى انقطعت نيتها بطلت، فعلى هذا إذا عاد ونوى فإن لم يتطاول الفصل بنى على طهارته وأتمها، وإن تطاول الفصل كان على القولين في الموالاة هل تجب أم لا؟ فرع آخر لو توضأ رجل من حدث فأغفل مسح رأسه، ثم توضأ ثانياً وعنده أنه على طهر ونوى به نجز ذلك الوضوء، فلما فرغ منه ذكر أنه نسي من الوضوء الأول مسح الرأس، قال: من اتخذ أولًا يجزيه الوضوء الثاني، وعليه أن يعيد مسح رأسه وغسل رجليه وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري؛ لأن تجديد الوضوء يستحب مع زوال الحدث فهو لا يتضمن رفع الحدث، فإذا نواه لا يرتفع به الحدث، كما لو كان جنبًا فنسى الجنابة واغتسل للجمعة لم يجزه عن الجنابة.
ومن أصحابنا من قال: يجزيه مسح الرأس من الوضوء الثاني، ونية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث؛ لأن معنى التجديد أنه مثل الأول، فإذا لم يرفع الحدث لا يكون تجديدًا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا.
قال هذا القائل: ولا يشبه هذا إذا نسي سجدة من الصلاة ثم سجد للقرآن لم يجزه عن سجدة [50 أ/ 1] في الصلاة في أصح الوجهين؛ لأنه واقع في موضعه هو التلاوة وبقاء سجود الصلاة لم يمنع من صحته بخلاف هذا.
فرع آخر لو أن جنبًا اغتسل فأغفل لمعة من جسده، ثم اغتسل بعده للجمعة، ثم تذكر أنه كان نسي لمعة في غسل الجنابة يلزمه إعادتها؛ لأن الغسل للجمعة لا يجوز عن غسل الجنابة.
فرع آخر لو ترك لمعة من وجهه في المرة الأولى من وضوء المفروض ولم يعلم، ثم غسلها بنية المرة الثانية أو الثالثة.
قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النفل لا يغني عن.
الفرض.
والثاني: يجوز؛ لأن نيته اشتملت في الابتداء على أن ما يغسله أول

الجزء: 1 - الصفحة: 78

مرة فهو فرض، وما يغسله مرة ثانية فهو سنة، وغسله للموضع المتروك هو أول غسل يجزي عن الفرض بخلاف نية التجديد، فإنه لم يوجد نية الفرض أصلًا وهذا أصح.
فرع آخر لو شك هل احتلم أم أحدث؟ وكان من قبل على يقين الطهارة، فالأصل الطهارة، إلا أنه يؤمر بالتطهير، احتياطًا، فلو تطهر ثم بان أنه كان محدثًا هل يجزيه أم يجب الإعادة؟ وجهان.
ذكره القفال.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو توضأ وترك لمعة بوجهة، ثم نسى أن يكون قد تطهر يتوضأ، وعنده أنه محدث، فصارت تلك اللمعة مغسولة في المرة الثانية صحت صلاته بلا خلاف.
وكذلك لو كان هذا في غسل الجنابة؛ لأنه نوى في الوضوء الثاني رفع الحدث، وهذا [51 أ/ 1] عندي إذا كان ذاكراً للنية وقت غسل تلك اللمعة.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو غسل الجنب جميع بدنه بنية رفع الجنابة إلا قدميه، ثم غسل قدميه بنية رفع الحدث يصلح؛ لأن غسل القدمين في الحدث لا يجوز؛ لأن في غسل الحدث مسح، والمسح لا يجوز مع الجنابة.
فرع آخر لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث والتبرد والتنظف أجزأه، نص عليه في "البويطي".
ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه؛ لأنه شرك بين الفرض وغيره، وهذا غلط؛ لأن كل معنى يقتضيه الفعل فنيته فيه لا تضره.
كما لو جمع بين الفرض وتحية المسجد لا يضره؛ لأنه يحصل بالفرض تحية المسجد وإن لم ينوها، وبمثله لو نوى في ركعتي الصبح ركعة سنة الصبح لم يجز؛ لأنه لو لم ينو ذلك لم يحصل له، ولذلك لو أدرك الإمام في الركوع فكبر ينوي به الافتتاح وتكبير الركوع لا يجوز.
فرع آخر قاله الإمام جدي: لو أجنبت امرأة من بنات تسع، فنوت في غسلها رفع حدث الحيض هل يجوز؟ وجهان، والأصح جوازه.
فرع آخر ذكره والدي الإمام - رحمه الله - لو توضأ ونوى أن يؤدي به صلاة لا يدركها بهذا الوضوء أصلًا، مثل إن توضأ في رجب لصلاة العيد هل يجوز أن يؤدي به سائر الصلوات؟ قياس المذهب أنه يجوز؛ [51 أ/ ا] لأنه نوى أداء ما لا يستباح إلا بالوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 79

فرع آخر لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوء لا يجوز؛ لأن الوضوء يرفع الحدث السابق دون المتأخر.
وقال جدي الإمام - رحمه الله-: يجوز، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: "لو توضأ مع ريح ثم علم أن حدثه بول يجوز وضوءه" وهذا لا يصح عندي؛ لأن في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذاك.
فرع آخر لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث بل ينوي استباحة الصلاة.
وقال ابن سريج: يجوز أن ينوي به رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق هذه الصلاة.
فرع آخر المستحاضة لا تنوي رفع الحدث في طهارتها، بل تنوي استباحة الصلاة.
قال القفال: ويستحب أن تجمع فتنوي استباحة رفع الحدث.
وقال الإمام أبو عبد الله الخضري من أصحابنا: يجب أن تجمع بين نية رفع الحدث وبين استباحة الصلاة، فتكون رافعة للحدث السابق ومستبيحة للحدث اللاحق.
فر ع آخر قال الإصطخري: "لو أجنب الكافر ثم أسلم سقط حكم الجنابة بإسلامه، لأن الإسلام يجب ما قبله".
والمرتد لو أجنب ثم أسلم لا يسقط كالصلاة لا تسقط عنه بالردة، ولم يوافقه سائر أصحابنا على هذا.
مسألة: قال: "وَإِنْ نُوَى يَتَوَضَّأَ ثُمْ عَزَبَتْ نِيَتُه" الفصل وهذا كما قال: قوله: يتوضأ: أي توضأ بعض الوضوء؛ لأن الغروب بعد الكمال لا يضر، وأراد به أن [51 ب/ 1] استصحاب النية إلى آخر الطهارة لا يجب لأن فيه مشتقة، ولكن تجب استدامة حكمها، فلا يجوز له أن يغير نيته إلى شيء آخر، فإن غير نيته إلى التبرد أو التنظف عند غسل الرجلين مثلًا، فإن كان ذاكرًا للنية الأولى يحتسب غسل الرجلين، ويلزمه أن يعيد ذلك بنية رفع الحدث، فإن لم يطل الفصل من علته، وإن طال فيه قولان بناء على تفريق الوضوء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدها: هذا والثاني: لا يضره.
كما لو كان ذاكرًا للنية الأولى؛ لأن النية العازبة كالمذكورة، وهذا لا يصح؛ لأن العقل من الفاعل لا يقع إلا لغرض، فإذا عزبت نيته لا يمكن إضافته إلا إلى الغرض

الجزء: 1 - الصفحة: 80

الأول فجوزنا.
وإذا نوى به التبرد واستقل بعرضه فلا يضاف إلى الأول.
فرع لو كان يتوضأ على طرف نهر فنوى وغسل بعض الأعضاء، ثم زلق رجله ووصل الماء إلى جميع الأعضاء هل يتم وضوءه؟ وجهان كما لو غسل الباقي بنية التبرد دون رفع أصل النية لأن الماء وصل إلى أعضاء الطهارة بعد إيصال النية بأولها ولا يقصد النية.

باب سنة الوضوء

قال: أخُبَرنَا سُفْيَانُ عن الزهري وذَكَرَ الْخَبر.
ثُم قَالَ: "فإذا قَامَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاَةِ مِنْ نَوٍْم أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضَّيءٍ فَأٌحبّ أَنْ يُسَمَّيَ [52 أ/ 1] الله".
وهذا كما قال.
القصد بيان أفعال الوضوء والسنة والطريقة في الحقيقة، فكأنه عبر عن كيفية الوضوء سنته، والخبر ورد على عادة العرب أنهم كانوا يستنجون بالأحجار لعزة الماء، ثم ينام أحدهم في إزار فيعرق فتصيب يده موضع الاستنجاء ربما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فال يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن لا يدري أين باتت يده".
وجملته أن الوضوء يشتمل على ثلاثة أفعال: واجبات، ومسنونات، وهيئات فالواجبات: ما كان شرطًا لا يتم الضوء إلا به.
والمسنونات: هو ما كان راتبًا في الوضوء وليس بشرط.
والهيات: ما هو دون ذلك.
فأول الأفعال التسمية في ابتدائه، وهو أن يقول: بسم الله.
وهي مستحبة غير واجبة، فإن سها عنها سماها متى ذكرها قبل أن يكمل الوضوء، نص عليه في "الأم".
وإن ذكرها بعد إتمام الوضوء فقد فات محلها فلا نأتي بها.
وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان نأتي بها.
وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان في أفعالها الراتبة، والهيئة ما تهيأ بها لعقل العبادة.
وهكذا يقول في غسل اليد من قبل الوجه، وهذه ممانعة في العبادة مع تسليم المعنى.
وقال إسحاق وأحمد في رواية: التسمية واجبة، فإن تركها عمدًا بطل وضوءه.
واحتج بقوله [52 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه".
وهذا غلط لقوله تعالى:"إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ" [المائدة:6] الآية، ولم يذكر التسمية.

الجزء: 1 - الصفحة: 81

وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوءه".
ومعنى هذا الطهارة من الذنوب؛ لأن رفع الحدث لا يتبعض، فدل أن التسمية موضوع الفضيلة، ولأنها عبادة لا يشترط الذكر في أثنائها فلا يشترط في أولها كالصوم.
وأما خبرهم فنحمله على نفي الفضيلة والكمال، أو أراد بالذكر النية؛ لأن محل الذكر القلب، وحكي عن داود أنه قال: هي واجبة ولا يجوز وضوءه وإن تركها ناسيًا، وهو غلط أيضًا لما ذكرنا.
مسألة: قال:" ثُمَّ يُفْرغٌ مِن إِنَائِهِ على يَدَيْهِ وَيَغْسِلهُمَا ثَلاَثًا".
وهذا كما قال إذا سمى الله تعالى يستحب له أن يغسل يديه ثلاثًا؛ لأن عثمان وعليًا وعبد الله بن زيد - رضي الله عنهم - وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلهم غسل كفيه ثلاثًا، وهذا ليس بواجب، سواء قام من النوم أو لم يقم.
وقيل: يستحب أن يقول إذا قام من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك.
وقال [53 أ/ 1] الحسن البصري: هو واجب لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها أراق الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه أمر به لأجل النجاسة، فصار حكمًا بحصول النجاسة.
وقال داود: هو واجب تعبدًا، فإن لم يفعل وأخل يده في الإناء صار الماء مهجورًا ولا ينجس؛ لأن الماء عنده لا ينجس ما لم يتغير.
وحكي أصحاب داود عنه أنه قال: إن من قام الليل لا يجوز له غسل اليد في الإناء حتى يغسلها، ولا أقول إن غسل اليد واجب؛ لأنه لو صب الماء في يده وتوضأ به ولم يغسل يده جاز، فإن غمس يده في الماء لا يغسل الماء.
وقال أحمد في رواية: إن قام من نوم الليل وجب عليه أن يغسل يديه ثلاثًا، فإن غمسها في الإناء قبل ذلك أراق الماء، وإن قام من نوم النهار أو لم يقم من النوم لا يجب، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والبيوتة بالليل دون النهار، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:6] الآية، ولم يذكر غسل الكفين ثلاثًا.
وقال زيد بن أسلم: معناه: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، ولأن غسل اليد إن كان لخوف النجاسة فبالشك لا تجب؛ لأن الأصل الطهارة وإن كان للتعبد فقد وجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، فلا يجب تكراره كغسل سائر الأعضاء، والخبر هو محمول على الاستحباب بدليل أنه قال: "فإن لا يدري أين [ب 53/ 1] باتت يده"، وهذا أمر موهوم فكان الاحتياط.

الجزء: 1 - الصفحة: 82

إذا تقرر هذا، فإن لم يكن قام من النوم وتيقن طهارة اليدين فله أن يغسلهما في الإناء، وإن قام من النوم أو كان شاكًا في طهارته فالمستحب أن يفرغ من الإناء على يديه، ولا يدخلهما في الإناء خوفًا من النجاسة، وإن لم يكن مستنجيًا بالأحجار، فلا يخلو البدن من نثره، فربما يحكها ويسيل منها شيء ينجس يده، فإن غمسها في الإناء لا ينجس الماء؛ لأن الأصل الطهارة.
وإن تيقن نجاسة اليد فغمسها في الإناء، فإن كان أقل من قلتين تنجس، وإن كان قلتين لا ينجس ما لم يتغير.
وقال في "الحاوي": هكذا ذكره الشيخ أبو حامد، والصحيح من المذهب وبه قال جماعة أصحابنا: أن القائم من النوم وغيره سواء في هذا، فلا يغمسان إلا بعد غسلهما، لأنهما لما استويا في سنة الغسل، وإن ورد النص في القائم من النوم استويا في تقديم الغسل على الغمس، وهذا لأن حكم السنة يثبت مع زوال السبب كما يثبت سنة الرمل في الطواف مع زوال السبب وهو مراءاة المشركين، وهذا غريب ثم إن كان يتوضأ من إناء فإن كان نقلته على يده تركه على يساره وقلبه عن يمينه، وإن كان يعرف منه وغرف الماء بيمينه لأنه أمكن.
واعلم بأن أبا هريرة - رضي الله عنه - لما روى هذا الخبر قال له أعرابي من أشجع من أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - إذا جئنا مهراسكم كيف نصنع؟ فقال: أعوذ [54 أ/ 1] بالله من شرَّك.
والمهراس حجر كانوا يتوضؤون منه بالمدينة لا يمكن أن يقع على اليد إلا بإدخال اليد، وكانت الصحابة يتوضؤون منه.
قال أصحابنا في مثل هذا الموضع: يرفع الماء بفيه ويغسل يديه، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه النظيف ويغسل يديه بما ينال منه أو يستعين بغيره.
مسألة: قال: "ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنَى في الإِنَاءِ فَيَغْرِفُ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ".
وهذا كما قال: استجب الشافعي إدخال يده اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في كل شيء، ثم قال: فَيَغْرٍفُ غَرْفَةً" وهي بفتح الغين مصدر غرف يغرف، وبضم الغين اسم للماء الذي يكون في كفه.
والكلام الآن في فصلين أحدهما: في حكمهما.
فأما حكمهما يفيد أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء وغسل الجنابة.
وبقه قال مالك، وربيعة، والزهري، والأوزاعي.
وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد في رواية: هما واجبتان.
وقال أبو ثور، وداود، وأحمد في رواية: الاستنشاق فيهما دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبتان في الجنابة دون الوضوء.
واحتجوا بما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المضمضمة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة".
واحتج أبو ثور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا".
وهذا غلط

الجزء: 1 - الصفحة: 83

لقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة"، وعد منها المضمضة والاستنشاق.
وقال [ب 54/ 1] صلى الله عليه وسلم لأم سلمة - رضي الله عنها: "يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" وبإفاضة الماء على رأسها لا تحصل المضمضة والاستنشاق.
وروى ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس".
وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت بالوضوء فوضأني جبريل صلى الله عليه وسلم فرض الوضوء، وسننت أنا فيه الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق، وغسل الأذنين، وتخليل اللحية، ومسح القفا" وهو إسباغ الوضوء.
وأما خبره الأول قال الدارقطني - رحمه الله -: وهم فيه من وصله وهو مرسل يرويه سليمان بن موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو محمول على تأكيد استجابة.
وأما الخبر الثاني: فرواه بركة الحلبي وهو كذاب ومتروك.
والظاهر لأنها لا تجب ثلاثًا أن الفرض محمول على التقدير.
وأما الخبر الآخر: فمحمول على الاستحباب.
وأما كيفيتها: فالكلام فيهما على فصلين: أحدهما في الجائز والثاني: في الأفضل.
فأما الجائز: فهو أن يوصل الماء إلى الفم والأنف ثلاثًا بغرفة أو غرفتين، أو أكثر.
فأما الأفضل: ظاهر ما نقل هاهنا وهو المنصوص في "الأم" أنه، يجمع بينهما بغرفة واحدة.
وقال في "البويطي": "ومن تمضمض واستنشق من غرفة واحدة أجزأه، وتفرقهما أحب إلى" فالمسألة على قولين: أحدهما: الجمع بينهما أفضل، ووجهه ما روي [55 أ/ 1] عبد خير، عن علي - رضي الله عنه- أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ولأنه أقل لإضاعة الماء وأبعد عن الإسراف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الوضوء سرفًا ولو كنت على شاطئ".
والثاني: تفريقهما أفضل وهو الأصح، ووجه ما روى عن عثمان - رضي الله عنه - أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو، وروى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره،

الجزء: 1 - الصفحة: 84

فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق.
ولأن الفصل بينهما أشبه بأعمال الوضوء في سائر الأعضاء، وأقرب إلى النظافة وأمكن، ويحمل رواية علي - رضي الله عنه - على الجواز.
فإذا قلنا بالأول، قال القفال وساعده بعض أصحابنا: الجمع أن يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا بالبقية، قال: وهو ظاهر كلام الشافعي.
وقال أبو حامد، وهو اختيار أبي يعقوب الأبيوردي: الجمع أن يغرف ثلاثا غرفات يجمع بكل واحدة بين المضمضة والاستنشاق ويقدم المضمضة، وهذا أصح، [55 ب/ 1] لأنه أمكن.
وقيل: الجمع أن يأتي بهما في حالة واحدة ولا يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا ضعيف.
وإذا قلنا بالقول الثاني، قال أبو حامد: التفريق أن يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يغرف غرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا.
وقال القاضي أبو حامد: يغرف ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، والأول هو ظاهر كلام الشافعي.
وقيل.
الاستنشاق على هذا القول وليس بشيء.
فرع المستحب في المضمضة أن يأخذ الماء بفيه ويديره في فيه ثم يمجه، وفي الاستنشاق أن يأخذ بأنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم ينثره، لما روى عمرو بن عبسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد يغرف وضوءه ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وأنفه وخياشيمه مع الماء".
قال الشافعي: "وَيُبْلِغُ خَيَاشِيمَهُ الْمَاءَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا".
وأراد بالخياشيم أصول الأنف وهي العظام التي في الأنف، ويبلغ الماء إليه أو إلى ما دونه ويسمي إلا في حالة الصوم، فإنه يرفق فيها ولا يبالغ لئلا يسبق الماء إلى دماغه فيوجب الفطر؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا".
فرع قال الشافعي في "الأم": استحب إدخال الماء في العينين ولا أبلغ به تأكيد [56 أ/ 1] المضمضة والاستنشاق.
قال أصحابنا: هو من هيئات الوضوء؛ لأنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يفعله، وهو دون المضمضة والاستنشاق.
لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 85

روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرو عنه إدخال الماء في العينين؛ لأن الفم والأنف يتغيران فيزيل الماء تغيرهما، والعين لا تتغير، وظاهر النص أنه يستحب ولكنه دون استحباب المضمضة، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ولا يغسله، لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا ولا فعلًا وهو يؤدي إلى الضرر، وهذا هو اختيار أكثر أصحابنا.
وقال صاحب "الحاوي": "لا يجب ولا يبين".
وهل يستحب؟ قال أبو حامد: يستحب للنص في "الأم".
وقال غيره: لا يستحب وهذا أصح؛ لأنه ما لا يبين لا يستحب، وفعل ابن عمر لا يدل عليه إذ لم يفعله رضي الله عنه.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْرِفُ المَاءَ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاَثًا".
الفصل وهذا كما قال.
الماء بيديه لأنه ربما يتعذر غسل الوجه كله بغرفة ويغترفها بيد واحدة، وليس شرط؛ لأنه إن أمكن ذلك جاز.
وغسل الوجه هو أول أركان الطهارة من الأفعال، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وحد الوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن وهو مجمع اللحيين طولًا، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضًا.
والاعتبار في منبت شعر الرأس بغالب خلقة الإنسان، ولابد على الأقرع - وهو الذي نزل شعر رأسه إلى [56 ب/ 1] جبهته - ولا أصلع - وهو الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - ولا يجوز للأقرع الاقتصار على ما دون منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين ومنتهى اللحيين والذقن، وفميا نقل المزني خلل من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه قال: من منابت شعر رأسه، والشافعي قال: من دون منابت.
والثاني: قال: إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، وأراد بالإقبال ما لم يتعطف من ظاهر لحيته وذقنه لحد الوجه بالوجه، والشيء لا يحد بنفسه.
والثالث: أنه قال: ومنتهى اللحية، وهذا يفيد أنه يغسل إلى منتهاها، ومنتهاها الحلق ولا يجب ذلك.
فإذا تقرر هذا فالجبهة موضع السجود، والجبينان هما العظمتان الناتئان في جانبي الجبهة وهما من الوجه.
والصدغان هو الشعر المحازي لرأس الأذن، وما نزل منه إلى ابتداء العذار وهما من الرأس.
وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه: أحدها وهو قياس قول ابن سريج: هما من الوجه بحصول المواجهة بهما.
والثاني وهو قياس أبي إسحاق: هما من الرأس لاتصال شعرهما بشعر الرأس.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

والثالث: وهو قول الجمهور: ما استعلى من الصدغين عن الأذنين من الرأس، وما انحدر عن الأذنين من الوجه؛ لأن الوجه محدود بالأذنين، وهذا أصح عندي.
وقال في "البويطي": لو كان أمرد غسل صدغيه، وإن كان ملتحيًا أمر الماء على الصدغ إلى الأذن.
قال [57 أ/ 1] أصحابنا: أراد بالصدغ ها هنا العذار، وهو الخط الممتد من الصدغ على العظم الذي يحاذي وتد الأذن بينه وبين وتد الأذن بياض، فيلزمه إفاضة الماء على العذارين وغسل ما تحتهما، وكذلك على الذقن، وعلى العنفقة وهو الشعر الذي على الشفة لاستواء المقفلة والمنشلة".
فالمقفلة هي العنفقة، والمنشلة ما تحت الخاتم، والنوعيان ويستحب غسلهما مع الوجه لأنهما في سمت الناصية، والناصية من الرأس.
وتسمى أيضًا الحالجة، يقال: رجل أحلج على هذا المعنى، وأما موضع التحذيف وهو الشعر النابت في أعالي الجبهة، وهو ما بين سبيط الرأس ومنحدر الوجه يؤخذ بالحفاف والتحذيف.
وقد يعبر عنه بأنه الشعر الداخل إلى الجبينين من جانبي الوجه ما بين العذار والنزعة وفيه وجهان.
قال أبو إسحاق: من الرأس؛ لأنه يتصل نباته بشعر الرأس، والله تعالى فرق بين الرأس والوجه بنبات الشعر.
ومن قال بهذا قال: حد الوجه من منابت شعر الرأس ليخرج منه موضع التحذيف.
وقال ابن سريج، وابن أبي هريرة: هو من الوجه لحصول المواجهة به في منحدر الوجه، وأن العادة فيه التحذيف، وقد جعله الناس بالعرف وجهًا وأنه شعر من بياض الوجه [57 ب/ 1] كالحاجب.
ومن قال: هذا حد الوجه، يقال: من قصاص الشعر إلى الذقن ليدخل فيه موضع الحذيف، وهذا اختيار صاحب: "الحاوي"، والمشهور عند عامة أصحابنا الوجه الأول، والاعتبار في التسمية بأهل اللغة، وأهل اللغة لم يجعلوه من الوجه.
وقال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي في "الإملاء" إنه من الرأس، وحكاه الإمام القاضي طاهر الطبري - رحمه الله - وحكى عن مالك أنه قال: لا يجب غسل العذار ولا البياض الذي بين الأذن والوجه، وهذا غلط؛ لأنه ينطلق عليه اسم الوجه.
وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد غسله دون اللحى؛ لأن الشعر حصل حائلًا بينه وبين الوجه، وهذا غلط؛ لأن أحدًا من أهل اللغة لم يذكره مع الوجه في حده ولا تقع المواجهة به، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه ولم يغسلها مع الوجه، واحتج الزهري بقوله صلى الله عليه وسلم: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إليه كما أضاف

الجزء: 1 - الصفحة: 87

البصر.
قلنا: عبر بالوجه عن الجملة لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، أو ذكره مجازًا على معنى أنه يجاوره، والعرب تسمي النتوء باسم ما جاوره مجازًا.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: [58 أ/ 1] لو نبت الشعر على جبهته غسل من منجرف الرأس، ولو نبت على بعض جبهته دون بعض كالأغم ففيه وجهان: أحدهما: يغسل من المنبت وهو الأصح.
والثاني: من منحرف الرأس، وهذا لا يصح عندي، والمذهب في حد ما يجب غسله ما ذكرنا في كل حال.
فرع آخر روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يسن الماء على وجهه ولا يشنه.
والسن بغير إعجام هو صب الماء.
والشن بالإعجام هو تفريق الماء قال أصحابنا: يستحب أن لا يفعل ذلك.
مسألة: قال: "فَإِنْ كَانَ أَمْرَدَ غَسْلَ بَشَرَةِ وَجْهِهِ كُلُّهَا".
وهذا كما قال.
ذكر الشافعي في "الأم" أربع مسائل نقل المزني الأولى والرابعة، وترك الثانية والثالثة.
فالأولى: إذا لم يكن على وجهه شعر، بأن يكون أمرد أو أثط يلزمه غسل بشرة وجهه كلها، والغسل هو إمرار الماء على المحل المغسول زائدًا على إمرار البلل فإن ذلك مسح.
والثانية: أن يكون له لحية حقيقة لا تستر ما تحتها من البشرة يغسلها وما تحتها.
والثالثة: أن يكون بعضها كثيفًا وبعضها خفيفًا، والكثيف هو الذي لا يمكن رؤية البشرة تحتها.
وقيل: الكثيف وغسل ما تحت الخفيف وتخليله، ويستحب تخليل الكثيف أيضًا.
والرابعة: وهي التي نقلها المزني مع الأولى، وهي أن تكون اللحية كلها كثيفة يجب إفاضة الماء على ما قابل حد [58 ب/ 1] الوجه قولًا واحدًا.
ويستحب تخليل اللحية ولا يجب لما روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد خلل لحيتك بالماء عند الطهور" وروي: "خلل لحيتك إذا توضأت للصلاة".
وقال المزني، وأبو حامد، وابن جريج: يجب إيصال الماء إلى ما تحت بشرته كما

الجزء: 1 - الصفحة: 88

في الجنابة وكما في شعر الحاجبين، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس - رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه".
وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، فإنه كان كثير اللحية.
قال على بن أبي طالب - رضي الله عنه - في وصفه: "كان عظيم الهامة عظيم اللحية" ويفارق الجنابة لأنها لا تتعلق بجميع البدن، ولا يتكرر فلا يشق إيصال الماء إلى ما تحته بخلاف هذا، وأما شعر الحاجبين، فإنه لا يكثر غالبًا.
وقال أبو حنيفة في الشعر المحاذي لمحل الغرض يجب مسحه.
وفي رواية أخرى: يجب مسح ربعه، وبه قال أبو يوسف في رواية: وروي عن أبي يوسف: يسقط عن البشرة ولا يتعلق بالشعر، وهذه رواية شاذة عن أبي حنيفة أيضًا.
احتج أبو حنيفة بأن الغرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا كما في الرأس، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] واللحية من الوجه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا غطى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه".
[59 أ/ 1] ويفارق شعر الرأس، لأن فرض البشرة تحت المسح، فانتقل إلى الشعر على صفته، فينبغي أن ينتقل من البشرة في الوجه إلى الشعر على صفته.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يخلل لحيته ويدلك عارضه بعد الدلك".
وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي".
وقال إسحاق: لو تركه عامدًا أعاد الصلاة.
وحكي ذلك عن أبي ثور.
وقال أصحابنا: يستحب له أن يمسح مآقيه بسبابتيه؛ لأنه قد يجتمع فيمها كحل أو رمض فيزول بذلك ويصل الماء إليهما، لما روى أبو أمامة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ومسح مرة واحدة، وكان يمسح المآفين".
فرع لو أفاض الماء على شعر لحيته ثم حلقه أو نتفه لا يبطل وضوءه.
وقال ابن جرير: يبطل، كما لو نزع الخفين بعد المسح، وهذا غلط؛ لأن الشعر من جملة الخلقة، فزواله لا يوجب غسل ما تحت الجلد، ويفارق الخف لأنه كان بدلًا ولم يكن أصلًا، فبطل حكم المسح عليه بظهور الأصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

فرع آخر ذكر الشافعي الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها في الوجه، وهي خمسة: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العينين؛ لأن الشعر فيهما خفيف لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحتها، وفي الشارب أمر الشرع بتخفيفه.
قال القفال في العنفقة: إن كانت [59 ب/ 1] منفصلة عن اللحية فهي كالحاجب والشارب، وإن كانت متصلة بها كثيفة ففيه وجهان؛ أصحهما أن حكمها حكم اللحية الكثيفة يغسل ظاهرها.
والثاني: يلزمه غسل ما تحتها.
قال: وبناء الوجهين على اختلاف المعنى في الحاجب والشارب.
فإن قلنا: العلة هناك أن المغسول من الوجه محيط به، وإليه أشار في "الأم" لا يوجد هاهنا.
وإن قلنا: العلة هناك أن الغالب أنه لا يكثر يوجد هاهنا، وما تقدم أصح.
فرع قال في "حرملة": لو نبتت للمرأة لحية وجب عليها إيصال الماء إلى البشرة التي تحتها وإن كانت كثيفة؛ لأنها نادرة فأشبه شعر الذراعين إذا كان كثيفًا.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ اليُمْنَى إلى المِرْفَقِ".
وهذا كما قال.
أراد بالذراع اليد من رؤوس الأصابع إلى المرفق، وهو مفصل الساعد والعضد، وغسل اليدين فرض على هذا الوجه، ويدخل المرفقين في فرض الغسل، ويستحب أن يزيد حتى يغسل العضد.
وقال زفر، وأبو بكر بن داود: لا يجب غسل المرفقين؛ لأن الحد لا يدخل في المحدود، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، وهذا غلط؛ لأن اسم اليد إذا أطلق يقتضي اليد إلى الإبط؛ لأن الله تعالى لما أطلق اليد في التيمم مسحت الصحابة أيديهم إلى الإباط لكن الله تعالى استثنى ما عدا المرفقين: " إلَى المَرَافِقِ " [المائدة:6] أي مع المرافق، كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أي مع الله [160 أ/ 1]، وقوله تعالى: ﴿ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:2]، أي: مع أموالكم.
وقوله تعالى: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52]، أي: مع قوتكم.
وحكي أبو إسحاق المروزي عن المبرد أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كما قال: يغسل هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.
وقد روى جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.
وهذا من فعله خرج مخرج البيان لمجمل الأمر.
وإذا بدأ باليمنى وقدمها على اليسرى استحبابًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأتم

الجزء: 1 - الصفحة: 90

فابدءوا بميامنكم".
وقوله: "ثلاثًا ثلاثًا" يرجع إلى اليدين لا إلى المرفقين خاصة.
وفي المرفق لغتان؛ مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، ومرفق بفتح الميم وكسر الفاء.
مسألة: قال: فإن كَانَ أقْطَعَ الْيَدَيْنِ غسل مَا بَقِيَ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيِنِ".
وهذا كما قال.
به ذكرنا الواجب إذا كان سليم اليدين، وأما الأقطع ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أقطع اليدين من الكوعين، وهو المراد بع غسل ما بقي، وقد يعبر عن الكفين باليدين.
قال الله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وأراد الكشف إلى الكوع، وكذلك لذا كان أقطع من نصف الذراع غسل ما بقي.
والثانية: أن يكون أقطع اليدين من فوق المرفقين، فلا فرض عليه، ويستحب أن يغسل ما بقي من العضد إلى المنكب لأنه موضع التحجيل وإسباغ [60 ب/ 1] الوضوء، وظاهر من ذكرها هنا أنه استحبه الأقطع خاصة، وأصحابنا قالوا: يستحب للصحيح أيضًا، لأنه من جملة إسباغ الوضوء وقد روي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يغسل العضدين مع الذراعين والساقين مع القدمين، ويقول: أحب أن أطيل غرتي.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه استحب غسله.
وأنكر ابن داود على الشافعي هذا الاستحباب وهو غلط؛ لما ذكرنا.
وقيل: تطويل الغرة هو أن يغسل بعض مقدمة الرأس مع الوجه، وتطويل التحجيل هو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم.
والثالثة: أن يكون أقطع اليدين مع المرفقين.
فقال المزني: إنه لا فرض عليه.
فمن أصحابنا من قال: غلط المزني في النقل.
وقد قال الشافعي في رواية الربيع: "وإن كان أقطع اليدين من فوق المرفقين فلا فرض عليه".
وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: معنى رواية المزني من المرفقين أي مع المرفقين فهي موافقة لرواية الربيع.
وقال الإمام أبو محمد الجويني - رحمه الله -: قد وجدت هذه اللفظة للشافعي في "القديم" فلا يجوز تغليط المزني.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بتاء على القولين في مائية المرفقين.
أحدهما: أن المرفق هو طرف عظم الزند الذي على طرف عظم الذراع، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط الغرض، وهو رواية المزني.
[61 أ/ 1] والثاني: المرفق اسم لمجموع طرفي العظمين، فعلى هذا قد بقي أحد الطرفين فيلزمه غسله، وهي بداية الربيع.

الجزء: 1 - الصفحة: 91

ومنهم من قال: المرفق هو مجموع طرفي العظمين قولًا واحدًا، والقولان في أن المرفق هل يجب غسله تبعًا للذراعين، أو قصد أحدهما يجب غسله تبعًا للذراع ليقع به استيعاب غسل الذراع، وهذا كغسل الوجه لا يمكن إلا بغسل شيء من الرأس، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط فرض الغسل ليسقط المتبوع.
والثاني: يلزمه غسل المرفق قصدًا كالذراع، فعلى هذا لا يسقط غسل ذلك.
فرع قال في "البويطي": لو توضأ ثم قطعت يده لم يجب غسل ما ظهر غسله، فإن أحث بعد ذلك وجب غسل ما ظهر من يده بالقطع؛ لأنه صار ظاهرًا وكذلك إذا توضأ ثم قلم أظفاره لم يجب عليه غسل الموضع الذي قلمه، ولو كان مثقوب الكف يرى الضوء من الجانب الآخر يلزمه إيصال الماء إليه.
ولو كان إصبع زائدة يلزمه غسلها في الوضوء.
فرع لو خلق له كفان في ذراع يلزمه غسلهما في الوضوء وتقطع في السرقة إحداهما؛ لأن الطهارة مبنية على الاحتياط والحد يسقط بالشبهات، ولو خرجت في وجهه أو ذراعه سلعة فإنه يلزمه غسلها.
فرع آخر لو خلق [61 ب/ 1] له يدان ينظر، إن كانت في الطول سواء غسلهما، وإن كانت إحداهما ناقصة غسل الكاملة إلى المرفقين، ثم ينظر في الناقصة، فإن كانت على محل الفرض كالكوع والساعد فإنه يلزم غسل كلها، وإن كانت على غير محل الفرض، مثل أن خُلعت على العضد والمنكب نُظر، فإن قصرت عن مجاراة الفرض فلا فرض عليه، وإن حاذى شيء منها محل الفرض فعليه غسل ما حاذى محل الفرض منها؛ لأنها قد تحاذي محل الفرض.
وهذا اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض، واسم اليد يقع على ما لو كانت قصيرة ولم تبلغ محل الفرض ولا يجب غسلها وهذا هو أقرب عندي.
فرع آخر لو سقطت جلدة من ذراعه وتدلت يلزمه غسلها، وإن سقطت من ذراعه والتحمت بذراعه يلزمه غسلها أيضًا وإن كان بعضها يلزمه إدخال الماء تحتها لأن سقطت من عضه والتحمت بذراعه يلزمه غسل ما التحم بذراعه دون ما على عضده، ولا يجب غسل ما تحتها وتكشيطها بلا إشكال.
وإن نابت من الذراع لم يجب غسلها وإن سقطت من الذراع وانعطفت على العضد والتحمت، ولم تبن من الذراع، فإنه يلزم غسلها، وما كان على محل الفرض من الذراع ولا يجب غسل ما جاوزه؛ لأنه لما التحمت بالعضد

الجزء: 1 - الصفحة: 92

صار حكمها حكمه.
وإن كانت يد نابت لا يجب غسلها.
وإن قطع من الذراع جلدة بالقطع [62 أ/ 1] إلى العضد فتركها متدلية لم يجب غسلها؛ لأنها من العضد فإن قطعت من العضد إلى الذراع وتركها متدلية من الذراع وجب غسلها جميعًا، والفرق بينه وبين اليد حيث قلنا: إذا حاذى محل الفرض غسله بخلاف هذا؛ لأن اسم اليد يطلق عليه بخلاف هذا.
فرع آخر إذا لم يجد الأقطع من يوضئه إلَّا بإجرة مثله فإنه يلزمه أن يتأجر كما يلزمه شراء الماء فإن لم يجد من لم يجد ماًء ولا ترابًا.
ذكره القاضي أبو حامد.
فرع آخر إذا طالبت أظافره حتى خرجت عن حد يده، فهل يجب غسل ما خرج عن محل الفرض؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة ومن أصحابنا من قال: يجب غسلها قولًا واحدًا وهو الصحيح؛ لأنه نادر لا يشق غسلها.
مسألة: قال: "ثْمَّ يَمْسَحُ رأُسَهُ ثَلاَثًا".
الفصل وهذا كما قال: مسح الرأس هو الثالث من أعمال فرائض الوضوء واختلف العلماء في قدر الواجب منه، فعندنا الواجب هو ما يقع عليه اسم المسح ولا يتقدر بشيء.
وبه قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وهو قول الأوزاعي، والثوري، وداود.
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها الربع.
والثانية قدر الناصية.
والثالثة قد ثلاث أصابع، وقيل [62 ب/ 1]: كل هذا يرجع إلى الربع، وعليه يقولون.
وحكي عن أبي يوسف نصف الرأس.
وقال مالك: يجب مسح جميع الرأس، فإن ترك أكثر من ثلاث شعرات عامدًا لا يجوز، فإن وقال غيره من أصحابه: إن ترك شيئًا بغير قصد جاز.
وقال المزني: يجب مسح كله من غير تفصيل، وبه قال أحمد في رواية، وعنه رواية أخرى يجب مسح أكثره.
فإن ترك الثلث فما دونه أجزأه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:6]، وهذا يقتضي مسح جميعه وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والياء للتبعيض فيما يستقل الكلام بدونه، كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم أو بالمنديل، ويراد به البعض، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وعلى عمامته، والناصية دون الربع، فإنها ما بين النزعتين.
واحتجوا بأنه عضو يجب استيعابه كالوجه في التيمم قلنا:

الجزء: 1 - الصفحة: 93

الفرق أن التيمم بدل من الغسل في محل الغسل، فحذى به حذوه، وهذا ليس ببدل شيء يجب تقديره به، فجاز فيه ما يقع عليه الاسم.
وأما المسنون فهو أن يستوعب جميع الرأس بالمسح بلا خلاف.
وكيفيته أن يأخذ الماء بيديه ويرسلها لينزل الماء عنها، ثم يضع يديه على مقدم رأسه ويضع طرف سبابته على طرف [163 أ/ 1] سبابته الأخرى، ويجعل إبهاميه على الصدغين، ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه؛ لأن بعض شعر الرأس مقبل وبعضه مدبر على القفا، فإذا اذهب بهما إلى قفاه مسح الوجه الأعلى من الشعور على القفا دون الباطن منه، فإذا ردهما إلى المكان الذي بدأت انقلبت الشعور ظهرًا لبطن، وحصل به مسح الكل، وإذا فعل هكذا حصلت مسحة واحدة.
ولو بدأ بالمسح من جانب آخر جاز، وهذا لما روى عبد الله بن زيد الأنصاري في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مسج رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى فقاه ثم درهما إلى المكان الذي بدأ منه".
وقد قال الشافعي: "فَيَمْسَحَ جَمِيعَ رَاسِهِ وَصَدْغَيْهِ".
فمن قال من أصحابنا: إن الصدغان من الرأس، قال: إنما أمر به لاستيعاب مسح كل الرأس.
ومن قال هما من الوجه، قال: أمر بمسحهما وإن لم يكونا منه ليصير بالمجاوزة إليهما مستوفيًا لجميع الرأس.
وقال بعض أصحابنا: قوله: "وصَدْغَيْهِ" فهو من المشكلات؛ لأن الصدغين من حد الوجه يجب غسلهما من الوجه وأدخلهما هنا في مسح الرأس، وهذا الإشكال قد ارتفع بما ذكرنا.
وقال القفال: هذا الذي ذكره الشافعي هو إذا كان في شعره أدنى طول، فأما المحلوق أو صاحب الذؤابة [63 ب/ 1] فلا فائدة في رد اليد إلى الوضع الذي بدأ منه، ولو رد لا يحصل به مسحة ثانية، بل يحتاج الثانية إلى ماء جديد فلا يحصل بهذا الرد تعميم ولا تثليث والمستحب أن يكرر هذا.
قلنا: كل مرة بماء جديد وبه قال أنس - رضي الله عنه - والأوزعي، والثوري.
وقال أبو حنيفة: يمسح مرة واحدة ولا سنة في الزيادة.
وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور.
وربما يقوله إنه بدعة.
وقال ابن سيرين: يمسح مرتين.
وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل أعضاءه ثلاثًا ومسح برأسه ثلاثًا" وعن عثمان، وعلي - رضي الله عنهما - وروايتنا أولى لأنها زائدة.
وقال بعض أصحابنا: في الرأس فرض وسنتان وهيئة، فالفرض ما ذكرنا، والسنتان

الجزء: 1 - الصفحة: 94

هما الاستيعاب والتكرار، والهيئة هي أن يبدأ بمقدم الرأس ويجعل إبهاميه على صدغيه، ويلصق رأس إحدى سبابتيه بالأخرى ثم يقبل يديه على ما ذكرنا.
فرع لو غسل رأسه بدل المسح جاز وقام ذلك الغسل مقام المسح؛ لأنه مسح وزيادة، وقيل: فيه وجهان وليس بشيء.
فرع آخر لو مسح أقل من ثلاث شعرات يجوز؛ لأنه أقل ما يقع عليه الاسم.
وقال ابن أبي أحمد: لا يجوز أقل من ثلاث شعرات كما في الحلق والحج، وهذا غير صحيح.
فرع آخر لو مسح شعرة واحدة، فالمعروف عندنا أنه إن وقع عليه الاسم جاز.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان: أحدهما: [162 أ/ 1] يجوز وبه قال سفيان.
والثاني قاله البصريون من أصحابنا: لا يجوز لتعذر ذلك في الإمكان إلا بمشقة.
قال صاحب "الحاوي": والذي هو أولى بالحق عندي أنه لا يتقدر أقله إلا بثلاث شعرات ولا بما دونها، وأنه يعتبر مسح أقله بأن يمسح أقل شيء من أصبعه على أقل شيء من رأسه، فيكون هو الأقل الذي يجوز دونه، لأنه أقل من يقتصر عليه في العرف وما دونه خارج عن الرأس ولم يمسح، فإن وضع ورفع، أو قطر على رأسه قطرة من الماء ووقفت في المحل ولم تسل ولم تنشتر، قال أهل العراق: يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو الأقيس.
والثاني: لا يجوز وهو اختيار القفال؛ لأن هذا يسمى مسًا لا مسحًا.
وعلى هذا قال: إذا مسحت المرأة فوق خمارها فنشف البلل إلى رأسها أو شعرها، الذي تحت الخمار، فإن لم تحرك خمارها حتى ينتقل البلل من موضع آخر لا يجوز.
ولو أمرت الخمار المبلول على الرأس جاز ولو أمرت اليد على الوقاية لم يجز، لأن المسح لم يحصل.
فرع آخر لو كان أصلع أو محلوق الرأس مسح أي موضع شاء من بشرة رأسه.
وإن كان على رأسه شعر مسح أي موضع شاء من شعره.
فإن أوصل الماء إلى بشرة رأسه، ولم يمسح على شعره لم يجز؛ لأن الفرض انتقل إلى الشعر الساتر؛ لأن الرأس هو اسم لما ترأس وعلا، وهكذا ذكره جمهور أصحابنا، وهو اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: إنما يتصور هذا أن يمسح أصول الشعر دون أعلاه، فإن كان تحت الشعر بشرة لا شعر عليها كان المسح عليها كا لو كانت مكشوفة.
وأطلق بعض

الجزء: 1 - الصفحة: 95

أصحابنا بخراسان أنه يجوز؛ لأن البشرة أصل، وإن كان بعض رأسه محلوقًا وبعضه غير محلوق، إن شاء مسح المحلوق، وإن شاء مسح الشعر.
وإن مسح على الصدغين أو النزعتين جاز على ما ذكرنا.
ولو مسح على شعره ثم حلقه لم يبطل حكمه خلافًا لابن جرير.
فرع آخر لو كان له جمة فمسح على ما سقط عن منابت شعر رأسه لم يجز.
وهكذا لو رد المسترسل فعقده على رأسه ثم مسح على المعقود لم يجز.
ولو مسح على الشعر الذي على منابت الرأس ولكنه أزيل عن منبته لم يجز؛ لأنه حينئذ شعر على غير منبته فهو كالعمامة، نص عليه في "الأم".
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من أخذ بظاهره وقال: إذا مسح على أصل النبات جاز.
وإن مسح على ما انحط من منبته لا يجوز، وإن كان تحته بشرة الرأس.
وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال أبو حامد: المذهب أنه يجوز؛ لأنه مسح على ما لم ينزل عن الرأس وإن زال عن منبته.
وأراد الشافعي بما ذكر في "الأم" إذا كانت له طرة فردها [65 أ/ 1] فوضعها على رأسه ثم مسح عليها لا يجوز، والدليل على هذا أنه قال في "الأم": وقد أزيل عن منبته بل زال بنفسه، هذا أقيس وأصح عندي.
فرع آخر قال الشافعي رحمه الله: "لو كان على رأسه عمامة أحب أن يمسح على العمامة مع الرأس، فإن تركه لم يضر"، وهذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته، فإن اقتصر على مسح العمامة دون الرأس لم يجز.
وقال الأوزاعي، وأحمد، والثوري، وداود، وابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي: يجوز، إلا أن أحمد، والأوزاعي قالا: يحتاج أن يلبسهما على الطهارة كالخفين.
وحكي عن أحمد أنه قال: يجوز إلا أن يكون تحت الحنك.
واحتجوا بما روى أبو عبيد بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحسين بالمسح على المشاوز والنساخين" والمشاوز هي العمائم.
والنساخين: هي الخفاف.
ولأنه عضٌو فدخل له في التيمم فيجوز المسح على سائره كالرجل وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:6] والعمائم لا تسمى رأسًا، ولأنه عضو لا يلحق السنة في إيصال الماء إليه غالبًا فلا يجوز الاقتصار فيه على حائله كاليدين، ولا يجوز أن يمسح على القفازين.
وأما خبرهم: قلنا: أراد أن يمسحوا وعليهم المشاوز أو أمر بالمسح على العمامة

الجزء: 1 - الصفحة: 96

بعد أداء فرض المسح على الناصية تشبهًا بمن يعم الرأس بالمسح ليعلم [65 ب/ 1] أن التعميم سنة.
وقيل: في أنه مسح على عمامته أراد والعمامة على رأسه فمسح على ناصيته ليعلم أن الاستيعاب لا يجب، إذ لا يمكن الاستيعاب في الغالب من دون رفع العمامة.
وقيل: دخل البلل منها إلى الرأس وليس كالمسح على الخفين؛ لأنه رخصة لا يعدى بها موضعها، ولا مجال فيه للقياس إذ الحاجة ماسة إلى لبس واستدامتها،، وفي نزعه مشقة ولا مشقة في تنحية العمامة عن مقدم الرأس.
مسألة: قال: "ويمسح أُذُنَيْهِ ظَاهِرهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بمَاٍء جَدِيٍد ثَلاَثًا" وهذا كما قال.
حكم الأذنين منفرد عن الرأس وعن الوجه، فيأخذ لهما ماًء جديدًا يمسح به ظاهرهما وباطنهما ولا يجب مسحهما؛ لأن الله تعالى لم يذكره، وروي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنه - وهما من الرأس، ويستحب أن يأخذ لهما ماًء جديدًا، وبه قال أحمد فوافقنا في الحكم دون الاسم.
وروي عن أحمد: هما من الرأس ويجب مسحهما على الرواية التي توجب استيعاب الرأس، ويجزيه إن مسحهما بماء الرأس.
وروي القفال عن مالك أنهما من الوجه يمسحان بالماء الذي يغسل به الوجه.
وقال أبو حنيفة: هما من الرأس يمسحان بماء الرأس، وبه قال الأوزاعي.
وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والحسن البصري، وقال الشعبي، والحسن بن صالح: يغسل ما قبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما على الرأس.
وروي هذا [66 أ/ 1] عن علي رضي الله عنه، وبه قال إسحاق في رواية، وعنه رواية أخرى: مسح الأذنين واجب.
واحتجوا بما روي أبو أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأذنان من الرأس".
وروي ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأذنيه مسحة واحدة".
وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأخذ ماًء جديدًا.
وروي: "وأمسك مسبحتيه لأذنيه" وأراد بقوله: "الأذنان من الرأس" أنهما لا يغسلان مع الوجه، بل يمسحان كما يمسح الرأس.
فإذا تقرر هذا فلا يعتبر عندنا أن يكون الأخذ لهما جديدًا، فإنه لو أخذ الماء لمسح رأسه ومسح رأسه ببعض يده، وأمسك بعضها لمسح الأذنين، فمسح سبابتيه باطنهما وإبهاميه ظاهرهما.
وروي هذا عن ابن عمر، والحسن، وعطاء - رضي الله عنهم-: أن السنة أن يدخل إصبعيه في صماخي أذنيه لتحصل المبالغة، وهل يأخذ لهما ماًء جديدًا.
حكي البويطي عن الشافعي أنه سن ذلك، فيكون إدخال الإصبعين في الصماخين بماء جديد سنة مؤكدة على مسح الأذنين.
ذكره في "الأم" أيضًا، وهو اختيار القاضي

الجزء: 1 - الصفحة: 97

الطبري.
وهذا لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه وهما يفردان بالماء كذلك هذا.
وذكر بعض أصحابنا في كيفية أن يضع إبهامه على ظاهر الأذن ويمرها نحو العلو، ويمسح باطن الأذن بالمسبحة ويدخل [66 أ/ 1] خنصره في صماخي الأذن وهذا حسن يتحقق به هذا القول.
وقال البغداديون من أصحابنا: يدخل إصبعيه في الصماخين بماء أذنيه، ويكون ذلك من جملة مسح الأذنين ولا يكون سنه زائدة، فإن ترك مسح الأذنين لم يعد بعد القراع من الوضوء وإن قدم مسح الأذنين على مسح الرأس جاز على سنة مسح الأذن، وإن ترك المستحب من تقديم مسح الرأس عليه كما لو قدم الاستنشاق على المضمضة جاز.
وقال في "الحاوي" هي يجب الترتيب في المسنونات؟ وجهان: أحدهما: يجب، فإن نكس فلا يعتد بالسنة ما قدمه، فإذا قدم المضمضة على غسل الكفين أو الاستنشاق على المضمضة لا يحتسب، وكذلك لو قدم مسح الأذنين على مسح الرأس.
والثاني: لا يجب ويحتسب لأنها لما كانت مسنونة فالترتيب مسنون أيضًا.
ويستحب أن يمسحهما ثلاثًا هكذا خلافًا لأبي حنيفة.
وحكي عن ابن سريج أنه كان يغسلهما ثلاثًا مع الوجه ويمسحهما ثلاثًا مع الرأس، ويمسحهما بماء جديد ثلاثًا احتياطًا.
فرع هل يستحب البدء باليمين فيهما؟ قال جدي الإمام - رحمه الله -: فيه وجهان، والظاهر أنه لا يستحب ذلك لإمكان الجمع بينهما، حتى لو كان أقطع اليد يستحب ذلك.
وقيل: السنة أن يطهر الأذنان في حالة واحدة وليس في أعضاء الوضوء عضوان السنة فيهما هذا إلا هذا.
مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ [67 أ/ 1] رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا".
الفصل وهذا كما قال.
غسل الرجلين فرض، وهو الفرض الرابع من الأفعال، وبه قال جمهور العلماء.
وقال الشيعة من الإمامين: يجب مسحهما إلى الكعبين، ولا يجوز الغسل، وربما لا يحدون بالكعبين.
وقال داود، وأهل الظاهر: يجمع بينهما.
وقال ابن جرير: هو مخير بين الغسل والمسح، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6] بعطف الأرجل على الرؤوس كما عطف الأيدي على الأوجه.
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "عضوان مغسولان وعضوان ممسوحان".
ولأنه عضو لا مدخل له في التيمم فجاز مسحه كالرأس، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم.
توضأ مرة

الجزء: 1 - الصفحة: 98

مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وفيه غسل الرجلين.
وروي أن عثمان وعليًا، وعبد الله بن زيد، والربيع بنت معوذ - رضي الله عنهم - وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوا أرجلهم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه".
وروي أن قومًا توضئوا فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعقابهم تلوح جفافًا، فقال "ويل للأعقاب من النار".
وروي أنه قال "خللوها قبل أن تخللها".
يعني في أصابع الرجل.
ومن جوز المسح [67 ب/ 1] لم ير التخليل، ولأنه، عضو محدود في كتاب الله تعالى كاليد، ويعني به أنه قال: ﴿إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] كما قال: ﴿إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6]، وأما الآية فإنها قرئت بالنصب فيكون معطوفًا على الأيدي.
وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قرأ بالنصب، وقال: هو من القديم والمؤخر.
وقرأ ابن عباس بالنصب، وقال: رجع إلى الغسل، وكذلك مجاهد، وعروة.
وأما القراءة الأخرى، فقد قال سيبويه، والأخفش وغيرهما: إن جرَّهما بالجوار لا بحكم العطف، كما تقول العرب: حجر ضب خرب، أو قد يذكر الاسمان والفعل الموصل بهما يصلح لأحدهما، كقول الشاعر: ويزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن العيون، يدل عليه أن المسح لو كان في كتاب الله تعالى لكان الاتفاق فيه والاختلاف في الغسل، واتفقنا على جواز الغسل.
وقال أبو علي الفارسي: قراءة الجر وإن كانت عطفًا على الرؤوس فالمراد بها الغسل؛ لأن العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا، ولهذا فإنهم يقولون: تمسحت للصلاة يريدون به الغسل، فلما حد ذلك بالكعبين دل أنه أراد به الغسل، أو يقول: أراد به

الجزء: 1 - الصفحة: 99

مسح الرجل في حالة مخصوصة وهي حالة لبس الخف.
وأما قول علي - رضي الله عنه - أراد به إذا لبس الخف، لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه مسح على الخف وقال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول اله [68 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر خفيه خطوطًا بالأصابع".
ومن رأي المسح على الخفين لا يرى مسح الرجلين.
وروي الحارث عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمركم".
فإذا تقرر هذا يجب غسل الرجلين مع الكعبين خلافًا لزفر كما قال في المرفق وقد مضى الكلام عليه.
مسألة: قال: "وَالْكَعْبَانِ وَهُمَا الْعَظْمَتَانِ النَّاتِئَانِ".
الفصل وهذا كما قال: عندنا الكعبان وهما العظمان النائتان من جانبي القدمين، وهما مجمع مفصل الساق والقدم.
وقال محمد: الكعب هو موضع الشراك على ظهر القدم، وبه قالت الإمامية، ويحكى هذا عن أبي يوسف وقيل عنهم أنهم قالوا: في كل رجل كعب واحدة وهي عظم مستقر في وسط القدم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6]، فلو كان في كل رجل كعب واحدة لقال إلى الكعاب كما قال: ﴿إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة:6]، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تراصوا بينكم في الصلاة لا يتخللكم الشيطان".
قال الراوي: ففعلنا حتى أن كعب أحدنا، تمس كعب صاحبه، وهذا إنما يكون إذا كان الكعب ما ذكرنا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن سليم - رضي الله عنه -: "ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين".
فدل أن الكعبين أسفل الساق لا ما قالوا من ظاهر القدم.
وقال الزبيري من أصحابنا [68 ب/ 1]: الكعب في لغة العرب ما قاله محمد، ولكن الشافعي عدل عنه بالشرع، ولقد أخطأ؛ لأن الكعب ما وصفه الشافعي في اللغة، حكي عن قريش كلهم، ولا يختلف لسانهم أن الكعب اسم للناتئ بين الساق والقدم، ولسانهم أولى من لسان أهل اليمن، لأن القرآن نزل بلسانهم وذلك لغة أهل اليمن،

الجزء: 1 - الصفحة: 100

ولأن الاشتقاق يدل عليه.
وذاك أنه لما اسم استدار وعلا، وكذكل قالوا: كعب ثدي الجارية إذا استدار وعلا، ويقال: جارية كاعب إذا نهد ثديها.
وسميت الكعبة كعبة لا ستدارتها، وهذا فيما ذكره الشافعي.
فإن قيل في البهائم في كل رجل كعب واحد فكذلك في الآدمي.
قلنا: خلقة الآدمي هي خلاف خلقه البهيمة؛ لأن كعب البهيمة فوق ساقها وكعب الآدمي هو دون الساق.
مسألة: قال: "وَيُخَلَّلُ بَيْنَ أَصَابِعْهُمَا".
وهذا كما قال.
إذا علم وصول الماء إلى أصابع الرجلين يستحب له التخليل، ولو كانت أصابعه متناضة متلاصقة يجب إيصال الماء إلى ما بينها، فإن التصق بعضها ببعض لا يجب الجرح والخرق.
وقال الشافعي: "ليس عليه أن يفتق ما كان مرتوقًا" ولا يسن هذا بحال والأصل فيه خبر لقيط بن صبرة.
قال أصحابنا: ويبدأ في تخليل أصابعه باليمني من خنصره إلى إبهامه [69 أ/ 1] ثم اليسرى من إبهماه إلى خنصره ليكون تخليلها نسقًا على الولاء.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يخلل بخنصره اليسرى من أسفل الرجل".
ثم قال الشافعي: "وَذَلِكَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ الله".
وإنما استثني لأن الكمال إنما يكون بالإتيان بجميع ما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل بعض السنة غربت عنه فلم يستحب قطع القول.
وقيل: إنما استثني لأنه لم يذكر إدخال الماء في العينين في الجديد، وذكره في القديم على ما ذكرناه، فخشي ذاك.
وقيل: هذا يعود إلى ما ندب إلى فعله في المستقبل، وتقديره: فتوضأ كذلك إن شاء الله.
فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي بعد مسح الأذنين غسل الرجلين ولم يذكر مسح العنق، وهذا يدل على أن مسح العنق غير ثابت عنه.
وقال أصحابنا بخراسان: هو سنة بماء جديد وإن لم يرد فيه خبره.
وذكره ابن أبي أحمد في "المفتاح".
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يمسحه مع الرأس".
قلت: رأيته في تصنيف الشيخ أبى الحسن أحمد بن فارس بن زكريا "بإسناده عن فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ ومسح يديه على عنقه وقي الغل يوم القيامة".
وهذا صحيح إن شاء الله، وقيل: إنما لم يذكر [69 ب/ 1] الشافعي مسح العنق لأنه غير مقصود بالمسح، بل هو تابع للقفا في المسح، والقفا تابع للرأس لتطويل الغرة.
مسألة: قال: "وَأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه".

الجزء: 1 - الصفحة: 101

الفصل وهذا كمان قال.
قال أصحابنا: لم يقل الشافعي: وأحب بل قال ويمر؛ لأنه إذا لم يجز على أحد القولين أن لا يغسله لا يحسن أن يقول واجب, والحكم في الشعر الساقط عن حد الوجه طولًا, والخارج عنه عرضًا نحو الأذنين أنه يستحب أن يقبض الماء عليه, وهل يجب؟ نص في "الأم" على قولين: أحدهما: يجب وهو التصحيح؛ لأنه شعر نابت على بشرة الوجه فيجب إيصال الماء إليه كالشعر الذي يقابل حد الوجه.
والثاني: لا يجب, وبه قال أبو حنيفة, ومالك, وهو اختيار المزني؛ لأنه شعر ليس تحته بشرة الوجه كالصدغ, ولا خلاف أنه يستحب تخليله ولا يجب غسله.
وذكر الزبيري في كتابه فيه قولان: أحدهما: يجب غسله.
والثاني يجب إفاضة الماء عليه وهذا غلط.
واحتج المزني على اختياره بأن الشافعي لم يجعل ما سقط عن منابت شعر الرأس من الرأس في حكم الغسل.
قلنا: الرواية من الرأس؛ لأنه لو حضر المحرم من طرف ذؤابته أجزأه عن الحلق, والفرق هاهنا في الطهارة هو أن الرأس [70 أ/ 1] اسم لا ترأس وعلا, وما سقط من الشعر ليس بعال فلا يجوز المسح عليه, والوجه اسم لما يواجه واللحية مما تواجه [70 أ/ 1] بها فوجب غسلها مع البشرة, ولأن الاحتياط معناه في موضعين فلا يجوز المسح هناك احتياطًا, ونوجب إمرار الماء عليه هاهنا احتياطًا.
فرع قال أصحابنا: المستحب لمن فرغ من الوضوء لأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله, لما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبه فُتح له ثمانية أبواب الجنة, فدخل من أي باب شاء" وقيل: يرفع بصره إلى السماء ثم يقول هذا, ويصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ثم يستغفر الله تعالى عند فراغه, فقد روي في الخبر ذلك.
ويستحب أيضًا أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك, لما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من توضأ- وقال هذا- كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة".
ويستحب أن يقول أيضًا: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.

الجزء: 1 - الصفحة: 102

فرع آخر قال أبو علي في الإفصاح: يستحب أن لا ينفض يديه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [70 ب/ 14] أنه قال: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم".
وقال: ولا يكره ذلك لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتسل وجعل ينفض يديه".
فرع أخر إذا فرغ من وضوءه فالمستحب أن لا ينشف آثار الوضوء من الماء, وكذلك في الغسل, ولا خلاف أنه يجوز ذلك, وهل يكره ذلك؟ اختلفت الصحابة فيه على ثلاثة أقوال: فروي عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال: لا بأس به في الطهارتين.
وبه قال مالك, والثوري, ووجهه ما روي عن قيس بن سعد - رضي الله عنه- قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلًا فاغتسل, فأتينه بملحفة ورسية فالتحف بها, فكأني أرى أثر الورس على عكنه، وروى أصحابنا بخراسان: "على كتفيه" وهو مُصًحَّف عندي.
وروى أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف أعضاء وضوءه بها وروي أنس أنه كان يتمسح بها.
وروى أبو هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فتمسح بثوب نظيف فلا بأس, ومن لم يفعل فهو أفضل" لأن الوضوء يوزن مع سائر الأعمال يوم القيامة.
وروي عن علي - رضي الله عنه- أنه قال: يكره ذلك فيهما, وبه قال ابن أبي ليلي, ووجهه ما روي عن ميمونة - رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم, فوضعت له الوضوء فتوضأ, فأتيته بمنديل يده ورده.
وروى ابن المنذر [71 أ/ 1] بإسناده عن ابن عباس عن ميمونة هذا الخبر في الغسل فلم يأخذه وجعل ينفض يديه.
وقيل: إن الماء يسبح على الأعضاء ما دام عليها.
وروي عن أبي عباس - رضي الله عنهما- أنه قال: لا بأس به في الغسل ويكره في الوضوء جمعًا بين الخبرين.
وروي عن جابر أنه قال: "إذا توضأت فلا تتمرك".
قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي, والذي يقتضيه المذهب أنه يستحب له أن لا ينشف, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بأصحابه ثم تركهم ومضى, فاغتسل وعاد ورأسه

الجزء: 1 - الصفحة: 103

يقطر من الماء.
ولكنه لا يكره لما روي أن عثمان, وأنس, والحسين بن علي, وبشر بن أبي مسعود - رضي الله عنهم- كانوا يأخذون المناديل, ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ لاستغنائه عنه فنشف أصحابه.
وقال بعض أصحبنا بخراسان: هل يستحب التمسح بالخرقة؟ فيه وجهان وهذا ليس بشيء.
فرع آخر قال أصحابنا: ويستحب إذا كان في يديه خاتم أن يحركه مع علمه بوصول الماء إلى ما تحته إلا أن يكون الخاتم واسعًا فلا يحتاج إلى التحريك, لما روى أبو رافع - رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه في إصبعه".
فرع آخر قال الشافعي: "وأحب أن لا يستعين في وضوءه بأحد ويتولاه بنفسه".
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ, فأراد بعض أصحابه أن يصب عليه الماء, فقال "أنا [71 ت/ 1] لا أستعين على وضوئي بأحد".
فإن استعان بمن يصب الماء على يديه جاز, ولا بأس به, ويقيمه على يساره لأنه أمكن له من الماء وأحسن في الأدب لما روى عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه- أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته فتبعته بالماء, فلما فرغ سكبت الماء على يديه, فغسل وجهه ويديه, ومسح برأسه وعلى خفيه.
وروي أن أسامة, والربيع بنت معوذ صبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يكره الاستعانة بالغير إلا لعذر, وإنما استعان بالمغيرة لثقل ثيابه عليه, أو لأنه كان في السفر فأراد أن لا يتأخر عن الرفقة تعليمًا للحزم والاحتياط.
فرع إذا شك بعد الفراغ من طهارته هل مسح رأسه أم لا؟ قال أبو حامد: هي كالصلاة لا يؤثر فيها الشك بعد الفراغ منها.
فقيل له: فهذا يؤدي إلى الدخول في الصلاة بطهارة مشكوك فيها؟ فقال: يجوز ذلك كما لا شك هل أحدث أم لا؟ ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الدخول في الصلاة, وشكه بعد الفراغ منها

الجزء: 1 - الصفحة: 104

كشكه قبل الفراغ منها؛ لأن جواز الشروع في الصلاة يفتقر إلى تقديم الطهارة عليه, فما لم يتيقن وجوبه لا يجوز له فعلها, كمسافر إذا أراد الجمع فصلى صلاة الظهر في وقته ثم شك هل ترك منها فرضًا لم يجز له أداء العصر بعده جمعًا؛ لأن جواز العصر في الوقت [72 أ/ 1] الظهر يقتضي إلى تقديم صلاة الظهر عليها بنية الجمع, فما لم يتيقن ذلك لا يجوز الجمع, ويفارق ما ذكره في الصلاة لأنها مقصورة بنفسها؛ لا أنها شرط لجواز غيرها بها, ولهذا وجود الماء بعد الفراغ من التيمم كوجوده قبل الفراغ منه.
وعلى هذا لو خطب يوم الجمعة, ثم شك هل ترى منها فرضًا لا يجوز له أداء الجمعة ما لم يتيقن إتمامها, ولأن الفراغ من الطهارة شروع فيها في الحقيقة؛ لأنه ينفي حكمها ويبطل بالحدث, فصار كالشك في أثناء الصلاة, وهذا أصح عندي.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الوقت قريبًا أعاد الصلاة وأتممها, وكلاهما ليس بشيء.
ورأيت بعض أصحابنا قالوا: إذا سلم ثم شك هل ترك بعض الركعات فيه قولان: أحدها: قال في "القديم": لا يضر؛ لأن الأصل أنه يقضي في الصلاة على السلامة.
والثاني: قاله في "الجديد": يلزمه الإتمام, فإن كان قريبًا بني, وإن كان بعيدًا استأنف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته بالصلاة فلا يسقط الفرض إلا بيقين, وهذا غريب.
وإن عرض الشك في الوضوء وهو الصلاة, سمعت الإمام جدي يقول: يتمها ولا يصلي صلاة ثانية إلا بعد إزالة الشك قياسًا على المتيمم يرى الماء في صلاته فيمضي فيها.
ويحتمل على قياس ما ذكرنا أنه يلزمه الخروج منها وإزالة [72 ب/ 1] الشك واستئناف الصلاة.
فرع وروى أبو هريرة - رضي الله عنه- قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الوضوء, وإبكاء السقاء , وهذا مستحب لأنه أحوط له, وإذا توضأ من إناء جعله عن يمينه وأخذ منه الماء؛ لأن ذلك أمكن له.
فرع آخر إذا توضأ وعلى يده حناء؛ فإن كان عين الحناء باقيًا لم يزل لم يجز الوضوء, بل عليه أن يزيله, فإن لم يبق إلا اللون لم يضر, وإن قطر على بعض أعضائه شيء له جسد مثل شحم ذائب جمد عليه أو شمع أو دهن سندروس, لم يجز وإن كان دهنًا مانعًا فزال وزاب الدسم فمسَّ الماء بشرته ولكن لم يثبت عليه جاز الوضوء؛ لأن ثبوت الماء على العضو ليس بشرط, وقيل غير هذا وليس بشيء.
فرع آخر تجديد الوضوء مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم: "من جدد وضوءًا على وضوء جدد الله له نورًا

الجزء: 1 - الصفحة: 105

يوم القيامة".
قال أصحابنا: إنما يستحب ذلك إذا أدى به فرضًا لا يستحب, وإن كان قد أدى به نقلًا إلا أن يكون قد غسل أعضاءه في الوضوء مرة أراد فضيلة التكرار فيستحب ذلك, وهذا لأن المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجديده للفرائض دون النفل.
قلت: ويحتمل أنه إذا أدى به نفلًا يسحب أيضًا؛ لأنه ظهر تأثير الوضوء السابق في [73 أ/ 1] أداء فعل لا يجوز إلا بالوضوء.
ثم رأيت عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا صلى به نافلة فيه وجهان, هل يستحب تجديده لصلاة أخرى له؟ لا.
ولو سجد للتلاوة أو الشكر لا يستحب التجديد وجهًا واحدًا، ولا يكره لو فعل؛ لأنه أدى ماله تحليل وتحريم, ولو لم يفعل شيئًا يكره التجديد.
وهكذا لو توضأ وقرأ القرآن عن المصحف, أو اغتسل الجنب وقرأ القرآن عن ظهر القلب ثم أراد التجديد يكره؛ لأنه لم يؤد به ماله تحليل وتحريم.
فرع آخر لو خُلق لرجل قد مات في رجل واحدة, فإن كانت دون الكعب فإن يلزم غسلهما بكل حال, وإن كانت إحداهما فوق كعب الأخرى, فالقدر الذي حاذي الكعب إذا سفل منها غسله والباقي لا يجب, كما ذكرنا في اليدين على عضد واحد.
مسألة: قال: "وَإِنْ غَسَل وَجْهًهُ مَرَّةً".
الفصل وهذا كما قال.
القصد به بيان أول الوضوء, وهو أن يغسل وجهه مرة, وذراعيه مرة, ويمسح ببعض رأسه مرة قدر ما يسمى مسحًا.
قال القفال: ولو كان بعض شعرة, ويغسل رجليه.
وذكر في تضاعيف هذا الفصل أن المسح على الشعر المجاوز عن حد الرأس لا يجوز, وأن النوعين من الرأس.
وقال: "وَعَمَ بِكُلِّ مَرَّةٍ مَا غَسَل".
أي استوعب محل غسله المحل المغسول من هذه الأعضاء, ليعلم وجوب التعميم [73 ب/ 1].
ثم رجع إلى غسل الرجلين, ولا يضر اعتراض هذا الكلام في الوسط.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: جملة فرائض الوضوء على قوله الجديد سنة؛ النية, وغسل الوجه واليدين, ومسح بعض الرأس, وغسل الرجلين, والترتيب.
وعلى قوله القديم سبع, فزاد فيها الموالاة, ومن أصحابنا من قال ثمانية, والثامن هو الماء الطاهر.
والسنة عشر, خمس قبل الوجه: التسمية, وغسل الكفين, والمضمضة, والاستنشاق, والمبالغة فيهما.
وخمس بعد الوجه وهي البدأة باليمين, واستيعاب

الجزء: 1 - الصفحة: 106

الرأس بالمسح, ومسح الأذنين, وإدخال السبابتين في صماخي الأذنين بماء جديد, والتخليل في اللحية وأصابع الرجلين.
ومن أصحابنا من ذكر السواك قبل الوجه, وهو اختبار ابن سريج فجعله سننًا, وزاد ابن أبي أحمد مسح العنق فجعله سننًا, وقيل بدل مسح العنق يطول الغرة, وذكر بعض أصحابنا التكرار في جملة السنة.
وقيل: الوضوء مشتمل على الواجبات, والسنن, والفضيلة [74 أ/ 1]، والهيئات.
فهي أربع، وهي: إدخال الماء في العينين، وتطويل الغرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء, فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".
والختم بالشهادتين والدعاء في كل عضو يغسله, وهو ما روي في الأخبار فيقول في ابتدائه: بسم الله, والحمد لله الذي جعل الماء طهورًا.
وفي غسل الكفين: اللهم أحفظ يدي من معاصيك جلها.
وفي المضمضة: اللهم أجر على لساني الصدق, والصواب أن يقول: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسًا لا أظمأ بعده, وفي الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة جناتك ونعمك.
وفي الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وفي اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني, وحاسبني حسابًا يسيرًا.
وفي اليد اليسر: الله لا تعطني كتابي بشمالي ومن رواء ظهري.
وفي مسح الرأس: اللهم أحفظ رأسي وما حوي, وبطني وما وعى, أو يقول: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
أو يقول: اللهم حرم شعري وبشرتي على النار.
وفي مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وفي مسح العنق: اللهم أعتق رقبتي من النار والمظالم.
وفي الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام, أو يقول: اللهم أجزني على الصراط, ولا تجعلني [74 ب/ 1] ممن يتردى في النار.
وقيل: الهيئات الخمس, والخامسة البدأة بالوجه بأعلاه, وفي اليدين بالكفين, وفي الرأس بمقدمه، وفي الرجلين بأطراف أصابعه: وقيل: إن صب عليه غيره الماء فإنه يبتدأ بالكعبين إلى الأطراف هيئة.
وقيل: غسل الكفين والتسمة من الهيئات أيضًا وما تقدم أصح.
فإذا تقرر هذا احتج الشافعي رحمه الله بعد هذا على الاختصار على بمرة مرة جائز؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة, وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به, ثم توضأ مرتين مرتين, وقال: " من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي, ووضوء خليلي إبراهيم".

الجزء: 1 - الصفحة: 107

وأن التثنية والتثليث مستحب؛ لأنه قال: "من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" أي يضعف أجره.
وأن التثليث سنة, وعادته دعاؤه للأنبياء قبله.
والشافعي قال: "والمرتان فضيلة, والثلاث سنة" وإنما قدم الفضيلة علة السنة؛ لأنه لة أخر الفضيلة لظن ظان أن كلما زاد على الثلاث كان أفضل, فأخر السنة ليعلم أنه لا يجوز مجاوزة السنة.
وقال الشافعي في " الأم": " لا أحب أن يزيد على ذلك" فإن زاد لم يضره.
حكاه القاضي الطبري.
وقيل (75 أ/ 1): قال في "الأم": تكره الزيادة.
فإن فعل لم يأثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن زاد هذا فقد أساء".
رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأراد بقوله: أساء أي خالف السنة.
وقوله: ظلم يعني جاوز الحد؛ لأن الظلم مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه, ولم يرد به أنه يأثم.
وروي: "ممن زاد أو نقص" الخبر.
واختار أبو حامد أنه لا يكره, لأنه زيادة عمل وبر, والأصح أنه يكره, وقيل: يحرم وليس بشيء.
وحكي عن مالك أنه قال: لا معنى للتكرار, والمرة الواحدة هي الأفضل, وهذا غير صحيح عنه عندي.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: التكرار واجب, وهو غلط ظاهر, بدليل ما روينا من الخبر .. ثم أعلم أن هذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعالاً مختلفة في أحوال شتى, وهذا هو الأقرب, ويحتمل أنه كان منه في حالة واحدة على طريق التعليم؛ لأن مثل هذا بدعة إذا لم يكن على وجه التعليم, فإن من توضأ يكره له أن يتوضأ ثانيًا قبل أن يصلي بوضوئه صلاة, وقبل أن يحدث.
ثم قال الشافعي: وفي أتركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة", ولم يرد به الزجر حتى يسمى تارك السنة, ولكن أراد به أن هذه الأشياء مسنونة لا مرفوضة, ثم قال: "وليس الأذنان من الوجه فيغسلان ولا من الرأسي (76 ب/ 1) فيجزي مسحه عليهما فهما سنة على حيالهما" وقصد به الرد على مالك حيث قال: هما من الوجه يمسحان بالبلل الذي غسل به الوجه.
والرد على أبي حنيفة حيث قال: هما في الرأس, فقال الشافعي: لو كانتا من الوجه لغسلنا مع الوجه, ولو كانتا من الرأس لأجزأ المسح عليهما من الرأس.
وأخل المزني في عبارته من وجهين: أحدهما: أن اللفظ الشافعي محتمل مشتمل على بيان المذهب وبيان الدليل, ولفظ المزني يعطي بيان المذهب ولا يعطي بيان الدليل.
والثاني: أنه قال: فيغتسلان, وجواب التفي بالفاء يكون منصوبًا, وعلامة النصب في التثنية سقوط النون, فكان من حقه أن يقول: وليست الأذنان من الوجه فيغتسلا, بإسقاط النون ومن أصحابنا من يعتذر له بأنه يجوز إثبات النون في هذا الموضع, كما

الجزء: 1 - الصفحة: 108

قال الله تعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات:36) ثم احتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما, يريد به البياض المتصل بهما فوقهما من الرأس ولا على ما وراءها مما يلي منابت شعر الرأس إلى الأذنين, ولا على ما يليهما إلى العنق يريد به البياض الذي هو تحت الأذنين مما يلي العنق مسح, يعني مع الرأس (76 أ/ 1) مع كون هذه أقرب إلى الرأس, فلأن لا يكون على الأذنين مسح مع كونهما أبعد من الرأس خلقة واسمًا أولى, فإن منعوا وقالوا: ذلك البياض الذي فوق الأذنين من الرأس, قلنا: هو محال, لأنا نعرف حد الرأس من غيره بنبات الشعر في العرف والعادة, وهذا الموضع لا ينبت عليه الشعر كالجبهة والقفا, فلا يكون من الرأس.
ثم احتج المزني, لو كانتا من الرأس أجزأ من حج حلقهما عن تقصير الرأس- يعني أن من فرغ من أعمال العمرة, وأراد أن يتحلل عليه أن يحلق رأسه أو يقصر.
فلو كان على أذنيه شعر فحلقه عن تقصير الرأس لم يجزئه بالإجماع.
وإن أكمل به رفع الرأس عندهم, فإن المشروع عندهم الربع أو تقصيره وهذا احتجاج صحيح.
وربما يمنع بعض المتأخرين منهم فيعتمد على ما اعتمد عليه الشافعي أولاً, وهو أنه لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس, وهذا لا شك فيه.
ثم قال: "وَالْفَرقُ بَيْنَ مَا يُجْزِئُ مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأَسِ, وَلاَ يُجْزِئُ إلاَّ مَسْحُ كُلَّ الْوَجْه فَي الْتَّيِمُّمِ".
الفصل وقصد به الرد على مالك على ما تقدم بيانه, وقد ذكرنا الفرق بين مسح الوجه في التيمم, ومسح الرأس في الوضوء لا يدخل على الفرق الذي ذكرنا, المسح على الخفين لا يلزم استيعابه لأنه ليس ببدل غسل الرجل, بل هو رخصة وتخفيف, فاستيعابه مخرجه عن موضوعه ليس هو ببدل في محل أصله, بل هو سائر الأصل بخلاف مسح (76 ب/ 1) الوجه في التيمم.
مسألة: قال: "وَإِنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ أَجْزَأَهُ".
الفصل وهذا كما قال: تفريق الطهارة وهو يسير وكثير, فاليسير لا يؤثر فيها, وفي الكثير قولان قال في "القديم": يبطلها ويجب استئنافها كما في الصلاة.
وبه قال قتادة, ومالك, والليث, والأوزاعي, وأحمد.
وروي عن أحمد أنه قال في الغسل: لا يبطله.
ووجه هذا ما روي عن عمرو- رضي الله عنه- أنه رأى رجلاً توضأ وترك في قدمه موضع

الجزء: 1 - الصفحة: 109

ظفر, فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة.
وروي عن بعض أصحابنا بخراسان أن رجلاً صلى وعلى ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم تصبها الماء, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء والصلاة.
وقال في "الجديد": لا يبطلها وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة, والثوري, والحسن, والنخعي, وعطاء, وطاووس, وسعيد بن المسيب -رضي الله عنهم-.
وهذا لأن كل عبارة جاز تفريق النية على أبغاضها جاز تفريق أبغاضها كالزكاة.
واحتج الشافعي- رحمة الله- على هذا بابن عمر- رضي الله عنهما- وذلك أنه توضأ فدعي إلى جنازة, فقام بعد مسح رأسه وهو لابس خفيه حتى أتى المصلى, ثم دعا بماء فمسح على خفيه, ثم صلى على الجنازة قال الشافعي: وما بين سوق المدينة والمصلي مسفة يجف أعضاء الطهارة في أدنى منها.
ولم ينكر عليه (77 أ/ 1) أحد.
فإذا تقرر هذا فحد التفريق الكثير أن يجف العضو الذي غسله مع اعتدال الهواء والحال, كان اشتد الجر والريح فسارع الجفاف.
وإن كثر البرد والمطر تباطأ الجفاف فلا يعتبر ذلك, والاعتبار في ذلك بين كل عضو لا بأول الطهارة وآخرها.
فإذا غسل وجهه ويديه, ثم مسح برأسه قبل أن يجف الماء على يديه جاز, وإن جف الماء على وجهه.
وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يعتبر فيه عرف, فإذا حصل زمانًا طويلاً خرج عن العرف في طاهرات الناس صار مفرطًا.
واختلف أسحابنا في محل القولين, فمنهم من قال: القولان إذا لم يكن عذر, فإن كان عذرًا مثل نفاذ الماء وطلبه ثانيًا أو انكسار الكوز, أو انقلاب الماء, أو الهرب من ظالم لا تبطل طهارته قولاً واحدًا, وهذا هو اختيار القفال, وبه قال مالك, والليث.
وقيل: إنه نص في "الأم" على هذا الفرق, وأومئ في "الأم" إليه.
وهذا لأنه جوز في الصلاة التفريق بعذر سبق الحدث في قوله القديم, فالطهارة أولى.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما.
فرع إذا جوزنا التفريق هل يلزمه تجديد النية؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه, لأن النية الأولى انقطعت وبطل حكمها, ولأن النية تراد لتمييز العادة من العبادة, وإذا طال الفصل لا يتميز إلا بالنية.
وهذا اختيار أبي حامد.
والثاني: لا يلزمه ذلك, وهو الأظهر, واختاره (77 ب/ 1) القاضي الطبري, لأنه لم يقطع حكم النية الأولى, ولأن التفريق إذا كان لم يقطع حجك النية كنا في الحج.
فرع آخر التفريق في التيمم كحكمه في الوضوء.
وقال صاحب "الحاوي": قال جمهور أصحابنا: التفريق الكبير يبطل التيمم قولاً واحدًا والفرق بينه وبين الوضوء, أن تعجيل التيمم للصلاة هو مستحق, فإنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة وتعجيل الوضوء غير

الجزء: 1 - الصفحة: 110

مستحق, وكذلك التفريق في الغسل كحكمه في الوضوء.
وقال صاحب" التلخيص": يجوز تفريق الغسل قولاً واحدًا.
وهذا ليس بشيء, وذكرناه عن أحمد.
مسألة: قال: "وَإِنْ بَدَأَ بِذِراعَيْه قَبْلَ وَجْهِهِ رَجَعَ إَلَى ذِرَاعَيْهِ".
الفصل وهذا كما قال: الترتيب شرط في الوضوء والتيمم هو أن يبدأ فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه, وبه قال ابن عباس, وقتادة, وأحمد, وإسحاق, وأبو عبيد, وأبو ثور, وروي هذا عن علي - رضي الله عنه- في رواية, وقال أبو حنيفة: لا يلزم الترتيب فيهما, وبه قال ابن مسعود, وسعيد بن المسيب, والحسن وعطاء, والزهري, والنخعي, ومكحول, والاوزاعي, ومالك, وهو رواية عن علي- رضي الله عنه- واحتج الشافعي عليهم بالآية وهي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ﴾ (المائدة:6) الآية وأشار إلى أن الواو في العطف توجب الترتيب, واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ "78 أ/ 1"اللهِ﴾ (البقرة:158) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله به"، والبداية بالصفا ثم بالمروة واجبة حتى لو بدأ بالمروة لم يحتسب مشيه إلى الصفا فكذلك ها هنا البداية بغسل الوجه واجبة.
فإذا تقرر هذا فلو غسل ذراعيه أولاً ثم غسل وجهه ينظر فإن كان ذاكرًا للنية عند غسل وجهه ويغسل ذراعيه وهو مراد الشافعي بقوله" رجع إلى ذراعيه فغسلهما حتى يكونا بعد وجهه" وإن لم يكن ذاكرًا للنية الأولى عند غسل الوجه استأنف غسله مع النية, وقوله: فإن صلى فالوضوء على غير ولا رجع فبني على الوضوء وأعاد الصلاة دليل على جواز تفريق الوضوء فإذا لم يجز يلزم الاستنشاق ها هنا لأنه طال الفصل بالصلاة.
فرع لو نسي في الوضوء لا يجوز وضوءه قولاً واحدًا, وحكي ابن أبى أحمد قولاً أخر عن"القديم" أنه يجوز وليس بمشهور.
وقيل: القولان فيه بناء على القولين فمن نسى قراءة الفاتحة في الصلاة, هل يجوز؟ قولان, وهذا بيس بشيء.
فرع آخر لو غسل أعضاء أعضاؤه أربعة اثنين دفعة واحدة معًا لم يجز, لأن الترتيب لم يحصل.
ولو اغتسل المحدث بدل الوضوء فيه وجهان ذكرهما ابن سريج.
أحدهما: يجوز لأنه يجوز عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأصغر (78 ب/ 1) أولى.
والثاني: لا يجوز وهو الأصح, لأن الغسل غير الواجب فلا يسقط ترتيبًا واجبًا

الجزء: 1 - الصفحة: 111

ويفارق الجنب المحدث, لأن حكم الحدث سقط بالجنابة فقط ولا ترتيب فيه.
فرع آخر لو انغمس المحدث في ماء ونوى الوضوء فمكث ساعة يترتب الماء على أعضائه جاز, وإن لم يمكث ساعة لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والأصح أنه لا يشترط المكث لأنه لما انغمس في الماء ترتب في ألطف الأزمنة وما تقدم أصح في هذا.
فرع آخر لو أحدث ثم أجنب, قال أبو إسحاق: يغتسل ويسقط الوضوء والترتيب نص عليه الشافعي في "الأم".
وقال ابن أبي هريرة: فيه ثلاثة أوجه إحداهما: هذا, والثاني: يدخل الوضوء في الغسل دون الترتيب, فيلزمه أن يرتب أعضاء وضوءه, ثم يغسل الباقي وهذا لأنه يفرد الوضوء بالترتيب وفي غسل الأعضاء يشتركان فيه فتدخلا فيه دون الترتيب.
والثالث: يلزمه الوضوء والغسل ولا يدخل أحدهما في الآخر لأنهما عبادتان مختلفتان فعلاً وحكمًا, والأول أصح, وترتيب الوضوء يسقط بالغسل كترتيب العمرة تسقط بالحج, والعمرة تخالف الحج وتدخل في ألج, وقيل فيه وجه رابع أنه يدخل الوضوء في الغسل ولكنه يحتاج أن ينو بهما كما ينوي الحج والعمرة, وأما إذا أجنب (79 أ/ 1) ولم يحدث ويتصور ذلك إذا لف على فرجه خرقة وأولج من غير أن يمس جزءًا من بدنها يلزمه الغسل وحده من غير ترتيب وجهًا واحدًا, ولو أجنب أولاً ولم يحدث على ما ذكرنا ثم أحدث.
قال ابن سريج: الحكم فيه كما لو أحدث ثم أجنب, ومن أصحابنا من قال: لا حكم للحدث ها هنا وجهًا واحدًا, والفرق أن الحدث متقدم لما طرأ على أعضاء طاهرة ثبت حكمه, وهذا المتأخر طرأ على أعضاء غير طاهرة فسقط حكمه, وأيضًا الصغرى لا تدخل على الكبرى كما لا يصح إدخال العمرة على الحج في أحد القولين, ويصح أو قال: الحج على العمرة قولاً واحدًا.
فرع آخر لو أجنب الرجل فغسل بعض بدنه ولم يغسل من أعضاء وضوءه شيئًا ما بقي من بدنه عن الجنابة ويجزيه من غير ترتيب على المذهب المنصوص, ولو غسل أعضاء وضوءه ثم أحدث قبل أن يغسل الباقي من بدنه قال أكثر أصحابها: يغسل الباقي من بدنه عن الجنابة ويتوضأ للحدث مرتبًا لا يجزيه أحدهما دون الآخر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يغسل الباقي من بدنه لأن الحدث لا حكم له ما

الجزء: 1 - الصفحة: 112

دامت الجنابة باقية كما لو أجنب, ثم أحدث قبل غسل شيء من بدنه, ولو غسل بدنه إلا رجليه, ثم أحدث فعلي قول من يقول: لا حكم للحدث مع بقاء الجنابة يغسل رجليه وبكفيه, وعلى قول سائر (79 ب/ 1) أصحابهما: يغسل أعضاء الوضوء غير الرجلين من الحدث على الترتيب, ولا تأثير للحدث في الرجلين, فلو قدم غسلهما على الأعضاء الثلاثة جاز, وهذا في الحقيقة هو وضوء ليس فيه غسل الرجلين كما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإن قدم يسرى يديه قبل اليمنى أجزأه".
وهذا هو كما قال: الترتيب بين اليمنى واليسرى هو مستحب غير واجب خلافًا للشيعة, وروي ذلك عن أحمد, والدليل عليه قوله تعالى: (وأيديكم) (المائدة:6) يذكرهما دفعة واحدة ولأنهما كالعضو الواحد لا ترتيب فيه, وقال علي- رضي الله عنه- "ما أبالي بدأت بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء".
مسألة: قال: " ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا".
وهذا كما قال: وأراد بالمصحف ما كتب فيه كلام تعالى وهو القرآن.
ولا يجوز للمحدث والجنب والحائض والنفساء مسه ولا حمله, وبه قال جماعة العلماء, وقال الحكم, وداود: يجوز لهم مسه وحمله, وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: 79] فإن قيل: أراد به اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة, قيل: لا يحتمل هذا لأنه قال بعده: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ (الواقعة:8) , ولأن الملائكة لا يكونون إلا مطهرين, فدل أنه أراد به المطهرين من الآدميين الذين يتكلفون الطهارة بعد الحدث.
وروي أنا النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم- رضي الله عنه-: " لا تمس القرآن (80 أ/ 1) إلا وأنت على طهر" , وقال عبد الله بن أبي بكر كان في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبت له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى نجران: "أن لا يمس القرآن إلا الطهر " وروي: " لا يمس القرآن إلا طاهر".
وروي عن معاذ- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في عهده حين بعثه: "إلى اليمن أن لا يمس القرآن إلا طاهر".
فرع لا يجوز حمله بعلاقة ولا خريطة, وقال أبو حنيفة: يجوز, وحكاه ابن المنذر عن الحكم, وحماد, والحسن, وعطاء, وأحمد, كما يجوز حمله في جملة الرحل والأمتعة وهذا غلط, لأنه مكلف قاصد إلى حمله من غير ضرورة فلم يجز له كما لو

الجزء: 1 - الصفحة: 113

حمله بغير علاقة, ولأن الحمل أكثر من المس فكان أولي بالمنع, وأما حمله في جملة الأمتعة بغير مقصود, وإنما يمنع منه إذا كان قصدًا, وكما أنه لا يجوز حمل ورقه من جملته, ويجوز حمل كتاب الفقه, وإن كان فيه آيات من القرآن, لأنه لم يقصد الكتاب للقرآن.
وروى ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ثم كتب إليهم في كتابه: " بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ " (آل عمران:64) الآية.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا يجوز حمله أصلاً, وإن كان في جملة المتاع (80 ب/ 1) لأنه حامل للمصحف وهو الأقيس.
فرع آخر لا فرق في المس عندنا بين مس المكتوب منه, وبين ما هو منسوب إليه من قبله وظرفه وحواشيه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وصندوقه المتخذ له.
وهذا عندي أنه يريد به عند الحمل, فإن مش الصندوق دون المصحف لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: له أن يمس ما عدا كوضع الكتابة.
وهذا غلط لأنه جزء من المصحف كالمكتوب.
فرع آخر الدراهم التي عليها القرآن, قال أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لهم حملها في الرق إذا كتب فيه شيء من القرآن.
والثاني: يجوز لأنهم لا يقصدون بحملها ومسها من القرآن حمل المال ولا فرق بين أن يكون فيها ﴿قل هو الله أحد﴾ (الصمد:1) أو غير ذلك.
وقال صاحب "الحاوي": إن كان لا يتداولها الناس كثيرًا ولا هم يتعاملون بها غالبًا كالتي عليها سورة الإخلاص لا يجوز حملها لأن الحرمة للمكتوب من القرآن, وإن كان يتداولها الناس كثيرًا ويتعاملون بها غالبًا, هل يجوز لهم حملها فيه وجهان, أحدهما: يجوز للمشقة الغالبة.
والثاني: لا يجوز وهو اختيار من أبي هريرة, وهذا أحوط عندي والأول أقيس.
فرع لو كان القرآن مكتوبًا على طعام مأكول هل يحرم مسه فيه وجهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

فرع آخر هل يجوز مس كتاب المزني ونحوه الذي (81 أ/ 1) فيه آيات من القرآن؟ قيل: وجهان وجه واحد أنه يجوز وهو الأصح.
فرع آخر الثياب التي كتب على ظهرها- أي من القرآن- قال أصحابنا فيه وجهان, وقيل: فيه وجه واحد أنه يجوز, لأن المقصود غيره وهو كالبيت الذي نقش عليه القرآن يجوز مسه.
وقال صاحب "الحاوي":لا يجوز لهم لبسها وجهًا واحدًا لأن الكتابة كلها قرآن والمقصود بلبسها التبرك بما عليها من القرآن.
فرع آخر لو تصفح أوراقه بخشبة فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه غير مباشر له ولا الحامل له والخشبة بائنة منه وهو الأصح.
والثاني: لا يجوز, لأن الخشبة منسوبة إليه وهو الأظهر عند أصحابنا بخراسان.
وقال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا لما ذكرنا من العلة, ولو تصفح بكمه الملفوف على يده لم يجزه وجهًا واحدًا لأنه لا يمس لكمه واضع ليده عليه.
فرع لو كتب وهو محدث غير حامل له كان وضع اللوح على الأرض ولا يمسه إلا رأس قلمه, فإنه يجوز لكن كتابته بأكثر من تلاوته وللمحدث لأن يتلو القرآن وإن كان جنبًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كالتلاوة.
والثاني: يجوز لأن التلاوة أغلط من الكتابة, لأن المصلي لو كتب الفاتحة لا يجوز عن تلاوتها فجاز للجنب أن يكتب القرآن, وإن لم يتناوله, هكذا ذكره صاحب (الحاوي) وسائر أصحابنا لم يفرقوا (81 ب/ 1) بين المحدث والجنب, وقالوا: فيها وجهان.
فرع آخر هل يجوز للصبيان مس المصحف من غير طهارة؟ فيه وجهان.
أحدهما: يجوز لموضع الحاجة والضرورة, وإنه لا تكليف عليهم ولا يمكن حفظ طهارتهم.
والثاني: لا يجوز, ويمنعون منه كالبالغ, وهذا أحوط والأول أصح, وأما الطفل الذي لا يميز له يمنع منه مسه لأنه لا يؤمن تكربته.
فرع قال بعض أصحابنا: لا يمنع الصبي من مس اللوح في المكتب؛ لأن فيه مشقة

الجزء: 1 - الصفحة: 115

[وهل] يمنع البالغ من مس اللوح الذي كتب عليه القرآن في حال حدثه؟ وجهان: أحدهما: لا يمنع لأنه كتب لغرض وهو التعليم ولهذا المجيء كل الوقت.
والثاني: أنه يمنع وهو الأصح عندي ولا شك أنه يكره ذلك.
فرع آخر هو يجوز له مس تفسير القرآن؟ قال أصحابنا: إن كان القرآن المتلو منه أكثر من تفسيره لا يجوز, وإن كان التفسير أكثر من القرآن المتلو ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز تغليبًا لحرمة القرآن.
والثاني: يجوز اعتبارًا بالأغلب, ومن أصحابنا من قال: إن كان القرآن مكتوبًا بخط غليظ والتفسير بخط أدق منه فحكمه حكم المصحف, وإن كان مكتوبًا بخط واحد فإنه يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس القصد منه كتب القرآن ككتب الفقه التي فيها آيات القرآن, وكذلك يكره له مس (82 أ/ 1) كتب أخبار رسول الله ولا يحرم.
فرع لو كان على بدنه نجاسة فأراد أن يحمل المصحف بعضوه الذي لا نجاسة عليه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ممنوع من الصلاة وهو اختيار الصميري من أصحابنا.
والثاني: وهو الأصح أنه يجوز لأن النجاسة لا تتعدى إلى غير ما هي عليه بخلاف الحدث, ولو أراد أن يمسه بيده النجسة فلا إشكال أنه لا يجوز.
فرع آخر لو أراد حفل التوراة والإنجيل أو سهمًا.
قال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك للحرمة.
وقال جمهور أصحابنا: يجوز لأنها منسوخة فقصرت حرمتها عن حرمة القرآن ولأنها مبدلة, قال الله تعالى: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) (البقرة:75) والمبدل لا حرمة له.
فرع آخر لو استباح واحد منهم فعل الصلاة إما بالطهارة بالماء عند وجوده أو بالتيمم عن عدمه ارتفع هذا المنع كما في الصلاة, ولو لم يجد ماءً ولا ترابًا, حكي في أحد القولين: ولا يمسه, ولا يحمله لأنه لا ضرورة إليه.
مسألة: قال: " ولا يمنع من قراءة القرآن إلا جنبًا".
وهذا كما قال في نسخة: إلا الجنب.
فالمنصوب نصبه على الحال, أي لا يمتنع إلا في حال الجنابة, وأراد المرفوع لا يمتنع عن قراءة القرآن إلا شخص جنب, وأراد قراءة القرآن عن ظهر القلب من غير المس لا يحرم إلا على الجنب, وظاهره يقتضي أن

الجزء: 1 - الصفحة: 116

لا تمتنع (82 ب/ 1) الحائض ولا النفساء, وحكي هذا القول عن الشافعي رواه أبو ثور, وقال ابن المنذر قال الشافعي في (القديم) هذا, واختلف أصحابنا فيه على وجهين, فمنهم من قال: فيه قولان, ومنهم من قال: قول واحد أنها لا تقرأ كالجنب, زهو قوله الجديد لما روى ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن " وما ذكره ابن المنذر عن القديم لا نعرفه, وأبو ثور قال: جوز أبو عبد الله للحائض والنفساء قراءة القرآن وأراد به مالك لأن كنيته أبو عبد الله فهذا هو الصحيح لأن الجنابة هي أخف من الحيض, فإن امتنع منه الجنب فالحائض أولى واحتج مالك بأن الحيض والنفساء يمتد ويطول فيؤدي إلى نسيان القراءة بخلاف الحدث, وربما تكون معلمة فيتعطل كسبها بذلك, قيل: يمكنها أن تتفكر فيه بقلبها ولا تحرك لسانها لئلا تنسى وتنظر في المصحف, ويقلب غيرها أوراقه.
وقال داود: يقرءون ما شاءوا به, قال ابن المنذر: روي أنه سئل سعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب؟ فقال: نعم, أليس هو في جوفه, وقال ابن عباس: يقرأ ورده, وهو جنب, وروى نحو قولنا عن عمرو وعلي، والحسن, والنخاعي والزهري, وقتادة- رضي الله عنهم- وقال أبو حنيفة, وأحمد يقرأ دون الآية, وقال مالك (81 أ/ 1) في الجنب: يقرأ آيات يسيرة, وقال الأوزعي: لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب والنزول (سبحان الذي سخر لنا هذا) (الزخرف:13) الآية, وقال تعالى: " ربي أنزلني منزلاً مباركًا " (المؤمنون: 29) الآية.
واحتج داود بأن وجوب الطهارة لا تمنع القراءة أصل وجوبها عن الحدث الأصغر.
قلنا: حكم الحدث اخف ويتكرر فيشق عليه المنع بخلاف الجنابة, وهذا غلط لما روى عن علي- رضي الله عنه- أنه قال: أن النبي صلي الله عليه وسلم (لم يكن يحجبه عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة).
ذكره أبو داود وروى لم يكن بحجزه.
وقال علي- رضي الله عنه- أيضًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن بكل حال, فإذا كانت الجنابة فلا ولا حرف, وقال عمرو بن حزم: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقرأ القرآن إلا طاهرًا) وأراد طاهرًا من الجنابة.
فرع هل يجوز قراءة القرآن وفمه نجس, قال والدي- رحمه الله- يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز للحرمة كما لا يجوز مس المصحف ويده نجسة.
والثاني: يجوز ويكره كما يجوز قراءته محدثاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 117

فرع آخر لو قال: بسم الله أو الحمد لله.
فإن قصدت به قراءة القرآن لا يجوز ويأثم, وإن كان قصده التبرك, أو افتتاح الأمر عند العطاس أو الأكل, أو ابتداء الغسل يجوز ومن أصحابنا من قال: لا يسن للجنب التسمية في ابتداء الغسل, وان كان يقصد به التبرك (83 ب/ 1) لأنه نظمه نظم القرآن, ويحرم عليه القرآن, ولهم أن يذكروا الله تعالى وتسبيحًا وتهليلاً وتحميدًا.
قالت عائشة-رضي الله عنها- لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك ذكر الله تعالى على كل أحيانه , والمراد به ما ذكرناه.
فرع آخر العادم لماء والتراب وهو جنب يؤمر بالصلاة تشبهًا في أحد القولين ولا يزيد على قراءة الفاتحة من القرآن لأنه لا يحتاج إلى قراءة الزيادة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان.
أحدهما: هذا, والثاني: لا يقرأ يل يأتي بالأذكار بدل القرآن كما لو كان عاجزًا بأنه لا يحسن القرآن؛ لأنه عاجزًا أيضًا لعقد الطهارة.
فرع أخر الكافر لا يمنع من سماع القرآن لقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الل﴾ (التوبة:6) وهل يمنع من التعلم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب آيات القرآن إلى الكفار.
والثاني: يمنع لأنه لا يؤمن منهم إلا استهزاء في الخلوة, بخلاف السماعة.

باب الاستطابة

قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وذكر الخبر.
وهذا كما قال أعلم أن الاستطابة والإستجمار والاستنجاء معناها واحد, وهو إزالة عين الغائط والبول من مخرجهما المعتاد إلا أن الاستجمار عبارة عن إزالته بالأحجار دون الماء لأنه مستو من الجمار وهي الحجارة.
وقد قال (84 أ/ 1) صلي الله عليه وسلم "من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" أي من استعمل الحجر فيه فليجهله وترًا فإنه جعله شفعًا فلا حرج.

الجزء: 1 - الصفحة: 118

وأما الإستطابةً والاستنجاء بعير فكل واحد منهما عن تنقية مخرج البول والغائط بالماء والأحجار معًا، لأن الإستطابةً مشتقةً من الطيب؛ فكأنه بهذا القول يطيب ذلك الموضع، والاستنجاء مشتق من النجو هو القطع، يقال: نجوت الشجرةَ واستنجيتها إذًا كأنه قطع الأذى عن نفسه بالماء أو الحجارة، وقال القتييي: هو مأخوذ من النجوةً وهي ما ارتفع من! لأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها والأول أصح.
فإذا تقرر هكذا.
فالأصل في الاستنجاء الخبر الذي ذكره الشافعي، وهو ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها لغائط ولا بول وليستنجِ بثلاثةَ أحجار" ونهى عن الروث والرمةً وإنما قال: أنا لكم مثل الوالد أرقع الحشمةً بينهم ربينه حين أراد ذكر ما يحتشم منه، وقيل: إنما قال ذلك تثبيتها على أن كل والد أن يعلم ولده ما يحتاج إليه من أمر دينه كما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمته أمر دينهم.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "علموا أولادكم الطهارة [84 ب/ 1] والصلاةً وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أأبناء عشر؛ وقوله: فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط: أراد به الموضع المطمئن من الأرض وكان أهل المدينةَ إذ ذاك يقضون حوائجهم في الصحاري فيأتون الموضح المطمئن فيها؛ يستترون به عن الأبصار فأمرهم أن لا يستقبلوا القبلةً لقضاء حوائجهم من الغائط، وهو ي يخرج من الإنسان، سمي باسم ذلك الموضع الذي يقضي حاجته فيه.
فإذا تقرر هذا لا يجوز عند استقبال القبلةً ولا استدبارها لغائط ولا بول في الصحراء ولا في فضاء من الأرض، ويجوز في البيوت والبنيان أن يجلسوا كيف شاءوا، وبه.
قال العباس ابن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر، وعائشة - رضي الله عنها - ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في البنيان أيضًا، وبه قال أبو أيوب الأنصاري؛ والنخعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وروي عن أبي حنيفةً روايةً أخرى يجوز فيها الاستدبار.
وقال عروةً بن الزبير، وربيعةً: يجوز كل ذلك فيهما، وبه قال داود، واحتج الشافعي على جواز ذلك في البنيان لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ظهرت على إجار لحفصة - رضي الله عنها فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا في بيت من بيوت حفصةً على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس، ومن اشمل [85 أ/] بيت المقدس في المدينةً بعد استدبار الكعبةً يدل على جواز ذلك في البنيان.
والإجار سطح أحيط به حائط من جوانبه والأولى من هذا ما روي عن عائشةً -

الجزء: 1 - الصفحة: 119

رضي الله عنها - قالت؛ ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا يكرهون استقبال القبلةً بفروجهم فقال: "أوقد فعلوها استقبلوا بمقعدتي في القبلةً".
ولأن في الصحارى معنيين: أحدها: احترام القبلةً.
والثاني: أنه قال ما يخلو عن مصل من جني آو ملك أو إنس فيقع المصلي على عورته ولا يوجد كلا المعنيين معًا في البنيان.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان على بعير" في صحراء فزل وأبرك بعيره بين يديه وأرسل ذيله من ورائه وقعد يبول مستقبلًا القبلةً فقيل له: أليس قد نهي عن ذلك فقال ذلك إذا لم يكن بينك وبين القبلة ساتر.
واحتجوا بما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تتقبلوا القبلةً لغائط ولا بول ولكن شرقوا أر غربوا" فقدمنا الشام فوجدنا مرا حيض قد بنيت قبل القبلةً فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله - عز وجل - قلنا: نحمل الخبر على الصحراء.
وقول أبي أيوب يعارضه قول ابن عمر - رضي الله عنهما - فإن قيل فما تأويل ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن استقبال القبلتين [58 ب/] قلنا: له تأويلان أحدها: أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلتهم ثم نهى عن استقبال الكعبةً لما صارت قبلةً فجمع الراوي ما فرقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقتين.
والثاني: أراد بالمدينةً نهى عن استقبال الكعبةً واستقبال بيت المقدس؛ لأنه يصير مستدبر الكعبةً ولا يجوز استقبالها ولا استدبارها وسمى بيت المقدس قبلةً؛ لأنها كانت قبلةً على عادةَ العرب في استصحاب الاسم بعد زوال المعنى، ولهذا فإنهم يسمون البالغ يتيمًا.
فرع قال أصحابنا: استقبال ست المقدس واستدباره للغائط يكره لأنه كان قبلة ولا يحرم النسخ.
فرع أخر قال أصحابنا إذا جلس في الصحراء للغائط إلي ما يستره من جبل أو دابةً أو دار هل يغلب حكم الصحراء في المنع أو يغلب حكم السترةً في الجواز؟ وجهان: احدهم: يغلب الستر لوجود الاستتار.
وقد قال ابن عمر - رضي الله عنه - والثاني: يغلب حكم المكان؛ لأن القضاء فيه أغلب، وعلى هذا لو كان من مصرين خراب قد صار قضاء كالصحراء وجهان: أحدها: يعتبر صفة المكان.
والثاني: بقيةَ حكم المكان.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

فرع آخر قال أصحابنا: يجب أن لا يكون البناء أقل من مؤخرةَ الرجل وهو قريب من ذراع عندي، ويشترط قرب البناء منه، فإن كان حوله جدران متباعدةً لا يجوز، ولو كان في الصحراء وهذه أو شيء [86 ا/ 1] يستره جرى ذلك مجرى البنيان.
مسالة: قال: "وإن جاء من الغائط أو خرج من ذكرهِ أو دبرهِ شيء" الفصل وهذا كما قال.
عبر الشافعي بلفظ القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: (43)] وجملته أي الاستنجاء واجب عنده.
إما بالماء أو بالأحجار، فإن لم يستنج وصلى لم تجز صلاتهِ.
وبهِ قال أحمد، وإسحاق، وداود، ومالك في رواية.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وهو رواية عن مالك، وبه قال المزني، وعلى هذا قاس أبو حنيفةَ النجاسةً في الثوب والبدن فجوز الصلاةً معها إذا كان قدر درهم يغلي، يريد بذلك الواسع، ولم يجوز إذا كان أكثر وقال: لو جازت النجاسةً في محل الاستنجاء قدر الدرهم لا يجوز في إزالته إلا المائع.
واحتج الشافعي عليه بالخبر الذي ذكرنا، وأيضًا فقد روي أن بعض المشركين قالوا لسلمان الفارسي - رضي الله عنه - إن صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءةَ قال: أجل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلةً أو ندبرها لغائط أو بول وأن نستنجي بأيماننا، وأن نستخم بدون ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجح "ولا عظيم.
وروى بأن أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[86 ب/ 1] قال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثةً أحجار يستنجي بها".
فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين: أحدها: في الجواز.
والثاني: في الأفضل فأما الأفضل.
هو أن لجمع بين الماء والأحجار، فيستعمل أولًا الأحجار، ثم الماء، لأن الله تعالى: أثنى على أهل قباء فقال تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿التوبة:08﴾ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما هذه الطهارة التي أثنى الله عليكم بها؟ فقالوا: نحن نستنجي بالأحجار ثم نتبعها الماء فقادت عليكم به" ولأنه إذا فعل كذا يكون ألطف وأنقى وأحوط، وهذا هو معنى انتفاص الماء الذي في الخبر، وقيل: وضع الماء من الليل وتغطيته مسنون.
وأما الواجب فهو آن يقتصر على الماء أو الأحجار، والأفضل أن يقتصر على الماء، فإنه يزيل العين والأثر

الجزء: 1 - الصفحة: 121

بخلاف الأحجار، فإن اقتصر على الأحجار مع وجود الماء جان للخبر الذي ذكرناه خلافًا للزيديةً والهاشميةً.
وروى أبو أمامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يطهر المؤمن ثلاثةَ أحجار، والماء أطهر".
وروي عن خزيمةً بن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإستطابةً فقال: "ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجيع".
وروي عن عائشةً - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد لحاجتهِ فجاء عمر بماء فوقف وراءه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[87 أ/ ا] ما معك يا عمر؟ فقال: ماء نتوضأ به قال: إ لم أومر, بالماء كلما توضأت، ولو فعلت ذلك صار سنة".
ومن الناس من كره الاستنجاء بالماء لأنه طعام وهذا لا يستوي بالحكايةً.
فإذا تقرر هذا فالاقتصار على الأحجار إنما يجوز بشرطين أحدها: أن يأتي بثلاثةً أحجار.
والثاني: أن يحصل الإنقاء فإن أنقاه بحجرين يلزمه استعمال الثالث, وإن لم ينق بثلاثةً أحجار يلزمه أن يزيد حتى ينقى، وإذا جاوز الثلاث فالمستحب أن يقطع على الوتر كما ذكرنا من الخبر.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك وداود: الواجب هو الإنقاء فقط ولا يشترط فيه العدد.
وعند أبي حنيفةَ.
يستحب الاستنجاء.
وفي الاستحباب لا بد عن العدد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبيحةَ ليلةً الجن وقال: ائتني بثلاثةَ أحجار فأتيته بحجرين وروثه فرس، فألقى الروثةَ وقال: لا هذا ركس أبغني ثالثا، أي أعني على طلبه - وقوله ركس أي رجيع، رد من الطهارةً إلى حال النجاسةً يقال: ركست الرجل إذا نكسته في الشر.
واحتج مالك إن المقصود هو الإنقاء؛ لأنه لو لم يحصل بثلاثةَ أحجار تلزمه الزبالةً، قيل عليه: أقضي الأمرين من العدد أو الإنقاء، ويوجد نظيره في مواضع كثيرة.
واحتجوا بأن العدد في الاستنجاء بالماء لا يعتبر كذلك [87 ب/ ا] في الاستنجاء بالأحجار.
قيل: الفرق أنه يحصل بالماء حقيقةً الطهارةً فلا يعتبر فيه العدد، وبالأحجار يحصل التخفيف، والطهارة، فيعتبر فيها العدد احتياطًا، وهذا كانقضاء العدةَ إن كان بوضع الحمل لا يراعى العدد، وإن كان بالإقراء يعتبر بالعدد، فإذا تقرر هذا فالخارج من الآدمي ضربان:

الجزء: 1 - الصفحة: 122

أحدهما: يوجب الغسل وهو المني والحيض والولد فلا يعتبر منه الاستنجاء لأن عليه غسل جميع البدن.
والثاني: يوجب الوضوء وهو علي ضربين معتاد ونادر، فإن كان معتادًا فعز ضربين ريح وغير ريح، فإن كان ريحًا فلا استنجاء عليه به، وإن كان عينًا كالغائط والبول فيجب الاستنجاء منه ويجوز فيه الأحجار على ما ذكرنا، وإن كان نادرًا فعلى ضربين رطب ويابس، فالرطب هو الدم والقيح والصديد يحب الاستنجاء منه قولًا واحدًا، وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟ قولان: أحدها: لا يجوز إلا الماء نص عليه في "الأم" وقوله ها هنا: أو خرج من ذكره أو دبره شيء أي ما هو معتاد، وهذا لأنه نادر لا يتكرر فلا يبق عليه استعمال الماء فيه.
والثاني: يجوز فيه الاقتصار على الأحجار نص عليه في حرملةً؛ لأنه نجس خارج من محل الحدث فأشبه المعتاد والأول أظهر.
وإن كان يابسًا كالحصاةً والنواةً والدود نظر فإن كان عليه رطوبةً [88 أ/] يلزمه الاستنجاء قولًا واحدًا.
لم تكن رطوبةً فهل يجب الاستنجاء؟ قولان: أحدها: لا يجب، وهو اختيار المزني لأنه كالريح.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يعري عن الرطوبة، وإن لم يشاهد كالبعرةً اليابسةً، وقيل في البعرةً اليابسةً التي لا بلل فيها حكمها حكم الحصاةً أيضًا، فإذا أوجبنا الاستنجاء هل تجزئ الأحجار؟ على ما ذكرنا من القولين.
وقال القفال: إذا أوجبنا الاستنجاء ها هنا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا؛ لأن النجاسة التي يتوهمها معتادةً وهذا عندي على ما قال - رحمه الله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان بناء على أن الاعتبار بالخارج أو المخرج.
فإن اعتبرنا الخارج لا تجزئ الأحجار، وإن اعتبرنا المخرج تجزئ الأحجار، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا خرج المعتاد متلوثًا بغير المعتاد.
فآما إذا خرج غير المعتاد خالصًا فلا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا، والصحيح أن لا فرق.
فإذا تقرر هذا يحرز الاستنجاء بالأحجار وبما في معنى الأحجار من الآجر والخشب والخرقة، وإن ورد النص الظاهر بالأحجار.
وقال داود: لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار.
وحكي ذلك عن زفر وهو رواية عن أحمد، وهذا غلط لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الروث والرمةً؛ لأن تخصيصها [88 ب/] بالنهي تنبيه على جوازه بغير ما - وروى الدارقطني بإسناده عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثةً أحجار، أو ثلاثةَ أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب"، أو يقول: غير الأحجار في معناها فقسنا عليها.
وإنما ذكر الأحجار في الخبر المشهور؛ لأنها أكثر وجودًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 123

فإن قيل: أليس في رمي الجمار لا يقوم غير الأحجار مقام الأحجار فكذلك هنا؟ قلنا: ذاك غير معقول المعنى وهو الإنقاء أو تخفيف النجاسةً وهذا يوجد في غير الأحجار.
فإذا تقرر هذا فخذ ما يجوز به الاستنجاء.
قال بعض أصحابنا: هو أن يكون طاهرًا منقيًا لا حرمةً له، ولا متصلًا; بحيوان، ومعنى التقى أنه يزيل العين حتى لا يبقى إلا.
أثرًا لاصقًا لا يخرجه إلا الماء.
وقال: أهل خراسان: هو أن يكون طاهرًا منشفًا لا حرمةً له.
وقيل: يدل المنشف أن يكون قالعًا.
وقيل: أن يكون جامدًا طاهرًا منقيًا غير مطعوم، وهذا أصح بالجامد لا بد منه؛ لأنه لو استنجى بغير الماء من المائعات كماء الورد ونحوه لا يجوز، ولو غسل الحجر النجس والماء عليه فأتم لا يجوز به الاستنجاء؛ لأنه يزيد تنجيسًا ولا يزيل شيئًا وإن كان نديًا زال عنه رطوبة الماء.
ولم يجف بعده فهل يجوز استعماله؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لبقاء النداوةً.
والثاني: يجوز لذهاب [89 أ/] الرطوبة وقيل: يختلف بقلة النداوةً وكثرتها فأن كانت النداوةً قليلةً فإنه يجوز، والطاهر لابد منه؛ لأنه لو استنجى بروث، أو عظم ميتة، أو حجر نجس لا يجوز فإن خالف وفعل لم يقع مرع الاستنجاء.
وقال أبو حنيفة: يقع موقعه من حيث الاستحباب، وهذا غلط للخير الذي ذكرناه، نم إذا نجس هذا المحل بنجاسةً أخرى.
هل يجوز أم يقتصر فيها على الحجر؟ فال بعض أصحابنا: يجوز؛ لأن هذه النجاسةً صارت تبعًا للنجاسةً الأولى وحصلت من حكمها، والصحيح أنة لا يجوز؛ لأن المحل نجس بغير الخارج منه، فهو كما لو استنجى بالماء ثم نجس ذلك المجل بنجس.
غير الذي خرج منه لا يجوز الاستنجاء فيه بالحجر، كذلك ها هنا.
وأما المنقي فلا بد منه، أو هو أن يكون؛ خشنًا، فإن كان أملس كالقارورة، والجحر الصماء، والسيف الصقيل، والزجاج والصفر، والرصاص لا يجوز الاستنجاء به لأنه لا ينقي العين بل يزيد المكان تلوثًا، وكذلك كل ما لا ينقي لنعومته كالخز والحرير، وللينه كالطين والشمع، أو لضعفه ورخاوته كالفحم لا يجوز الاستنجاء به، وعلى هذا الكاغد أن كان على صقالته لم يجز الاستنجاء به وإن كان برنكس جاز، وكذلك أوراق الشجر، فإن خالف واستنجي به ينظر، فإن لم يبل النجاسةً إلى محل آخر جاز وإلا فلا يجوز وهذا معنى المنشف، لأن الأملس والشيء [89 أ/] المبل لا ينشف.
وأما كونه غير مطعوم لا يدمنه ويريد بالمطعوم ما كان طعامًا لنا كالخبر والتمر ونحوه، وما كان طعامًا لإخواننا من الجن كالعظم، فلا يجوز الاستنجاء به بحال طاهرًا كان أو غير طاهر، قالعًا فإن تكون رمةً وهو العظم أو غير قالع، لأن غير الطاهر نجس والطاهر أملس أو مأكول وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال لرويفع بن ثابت الأنصاري: يا رويفع

الجزء: 1 - الصفحة: 124

لعل الحياةَ ستطل بك فأخبر الناس أن من استنجى بعظم أو رجيع فهو بريء من محمد".
وقال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالعظم طاهرًا كله أو نجسًا من حيث الاستحباب.
وقال مالك: يجوز بالطاهر منه فقط.
وقيل في معنى الرجيع السرقين سمي به لرجوعه عن الطهارةً إلى النجاسةً.
وقيل للرجيع: الحجر الذي قد استنجى به مرةً فإنه إذا أراد أن يستنجي به ثانيًا رجع إليه.
وروي أن الجن قالت: يا رسول الله مر أمتك أن لا يستنجوا بالعظم والروث، فإن العظم زادنا والروث علف دوابنا.
وقال أبو حنيفة: يجوز بالمأكول أيضًا كالماء المروب, وبه قال مالك، وهذا غلط لأنه نجاسةً سببها المأكول فلا تزال المأكول، وتفارق الماء؛ لأنه تدفع النجاسةً عن نفسه بخلاف هذا.
وقيل: حد مما يجوز به الاستنجاء أن يكون جامدًا طاهرًا قالعًا للنجاسةً عن محترم ولا [90 أ/ 1] مخلف، وفيه احتراز عن التراب إذا لم يجوز به الاستنجاء في أحد القولين؛ لأنه يخلف على المحل جزءًا منه.
لو استنجي بيده، أو بعقبه، أو بذنب حيوان، أو عضو من أعضائه أو صوف على ظهره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه جامد طاهر منقي غير مطعوم، وهذا هو اختيار أبي حامد وجماعةً.
وقال بعضهم: لا يجوز وهو اختيار القاضي الطبري وجماعةً؛ لأنه إذا لم يجز بالطعام والعظم للنهي، وإن كان يحصل يهما الإنقاء، فلأن لا يجوز بما له حرمةً أولى، ولأن الرخصةً لا تتعلق بالمنهي.
وقيل: إن استنجي بيد نفسه لا يجوز، وإن استنجي بيد غيره يجوز، كالسجود على يد نفسه لا يجوز، وعلى يد غيره يجوز، وهذا يحكى عن أبي حامد، ولا معنى لهذا الفرق، ولا لهذا القياس.
فرع أخر لو استنجى بالذهب، أو الفضةَ، أو حجارةً الحرم من أصحابنا من قال لا يجوز كالمأكول للحرمةً.
والثاني: يجوز لأن لماء زمزم حرمةٌ تمنع من الاستنجاء، ولو استنجى به فإنه يجوز بالإجماع.
فرع الاستنجاء باللحم لا يجوز لأنه يؤكل بعد عمد، ولو استنجى بحيوان فيه وجهان، والصحيح جوازه لأنه غير مأكول، ويحرم أكله حيًا.
بخلاف اللحم الني، وهذا إذا لم يكن فيه من النعومةً واللين ما يمنع الإزالة.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

فرع آخر اليقطين يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا ويجوز [90 ب/ ا] يابسًا، ويجوز الاستنجاء بنوى الثمار المأكولةً، ويجوز بقشر الرمان، وهكذا لو استنجى برمانةً حبها فيها جاز؛ لأن المباشرةً في الاستنجاء.
كانت بقشرها وهو غير مأكول.
فرع لو كان قشره قد يؤكل رطبًا ويابسًا كالبطيخ لا يجوز بحال، وإن كان قشره يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا كاللوز والباقلاء يجوز يابسًا ولا يجوز رطبًا.
فرع آخر كلما تأكله البهائم والآدميون.
فإن كان أكل الآدميين له أكثر فلا يجوز الاستنجاء به.
وإن استويا فيه مخرجان من اختلاف أصحابنا في ثبوت الدنيا فيه.
فرع آخر لو استنجى بالمصحف أو بكتاب الفقه والأخبار هل تقع الموقع؟ فيه وجهان بناء على ما ذكرنا من الخبرين، ولا شك أنه يعصي به إن كان عالمًا بل ويكفر للاستهزاء به.
أو قيل في الاستنجاء بالخبز مع العصيان وجهان وليس بشيء.
فرع لو جعل الثلاثةً من ثلاثةً أصناف أجناس خشب وخرق وحجر فاستنجى به أجزأه، ولو استنجي بالخرقة مرة لا يجوز أن يستنجي بالوجه الآخر منها؛ لأنه يصل هذا النحو إلى الوجه الأخر مصير الكل نجسًا، ولو لف بعض الخرقةً على بعض حتى صارت النجاةَ الأولى من دون عليها من الخرقةَ أجزأه.
فرع أخر نص الشافعي على جواز الاستنجاء بالآجر قال أصحابنا [91 ب/ ا] هذا: على عادةً الناس في عصره بمصر والحجاز، فإنهم كانوا لا يخلطون السرقين بترابه بل كانوا يخلطوا به البن والرماد، وكذا أهل العراق في الأول لم يكونوا يخلطون الروث، والآن يخلطون الروث فعلى هذا لا يجوز الاستنجاء به إليهم.
ومن أصحابنا من قال: علم الشافعي بطرح الرقين فيه ولكنه أجازه؛ لأن النار تحرق الرقين فلا تبقي منه شيء، فإذا غسل الآجر بعده طهر ظاهره ويجوز الاستنجاء به حينئذ.
وإن كسره لا يجوز الاستنجاء بظاهر موضع الكسر حتى يغسله أيضًا؛ لأن النار تأتي على الرقين الباطن فتخرقه أيضًا.
وقال أبو حامد: لا يجوز بموضع الكسر أصلًا، وأراد واش أعلم إذا لم يحترق الرقين الذي على ظاهر موضح الكسر.
فرع آخر لو استنجى بالتراب.
قال في "البويطي": لا أكره الاستنجاء باللبان، ولا بورق

الجزء: 1 - الصفحة: 126

الشجر، ولا بالتراب.
قال أصحابنا: أراد به المدر الصلب الذي تتهيأ إزالة النجاسةُ به، فإن كان متناثرًا لا يجوز؛ لأنه لا يقني النجاسةً بل يلتصق بعض التراب بالنجاسةً.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بكل تراب والأول أصح.
فرع آخر قال من رواية الربيع: يجوز الاستنجاء بالفحم وروي، يجوز الاستنجاء بالمقاييس.
وقال في روايةَ "البويطي": لا يجوز بالحممةُ فقيل قولان والصحيح أنه على [91 ب/ ا] حالين: فإن كان صلبًا بحيث لا يلتصق بشرته من السواد إلا قدر ما يلتصق من المدر يجوز.
وإن كان رخوًا لا يجوز.
وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستنجاء بالحممة.
فرع لو بقي ما لا يزول بالحج، ولكن يزول بالخرقةً وصفات الخرق ظاهر مذهب الشافعي.
وبه قال عامةُ أصحابنا يلزمه إزالته لأنه يمكن أزالته بعين الماء، وفيه وجه آخر لا يلزمه إزالته؛ لأنه لما كان فرصةً سقط بالأحجار لؤمه آنفًا ما يزول بالأحجار.
هكذا ذكره صاحب الحاوي وعندي الصحيح الوجه الثاني وهو المذهب؛ لأن الأحجار هي الأصل في الاستنجاء على ما ورد به الشرع وجرت به العادةً.
مسألة: قال: "ولا تستنجي بحجر قد مسح به مرةً إلا أن يكون قد ظهر بالماء" وهذا كما قال معناه طهر بالماء وجف بعد بطهارته؛ لأنه قيد بالماء ونص في الإملاء على أنه إذا زال الأثر بالشمس يطهر من غير غسل.
وبه قال أبو حنيفةَ، والأصح الأول فإذا قلنا بقول الإملاء.
فلو جف بالظل حتى زال.
الأثر قولان أيضًا، وكذلك القولان في أرض نجسة جنت بالشمس أو بالظل، وقيل: إنه مرتب.
فإن قلنا بالشمس لا تطهر فبالظل أولى.
[92 أ/] وإن قلنا بالنص يطهر يفي الظل قولان.
فإن قيل: أليس كره الشافعي أن يرمي بحجر قد رمي به مرة، فلم لا يكره ها هنا؟ قيل: لأنه قد قيل: إن ما يقبل منه يرفع، وها لم يقبل منه يترك هناك، فكره الرمي كغير المقبول، وها هنا القصد إزالةُ النجاسةَ يحجر طاهر، وقد وجد ذلك.
فإن قيل: أليس لو شهد بحق ثم أعاد الشهادة فإنما لا.
تقبل فكذلك لا يجوز إعادة الاستنجاء الحجر الأول.
قيل: الفرق.
هو أن القصد من الشهادة أن يغلب على الظن صدق الشهود في شهادتهم وبالتكرار لا يحصل عليه الظن، وها هنا القصد ما ذكرنا فافترقا.
فإن قيل: أليس بالماء المستعمل لا يجوز التطهر فكيف جاز بالحجر المستعمل؟ قلنا: لأن الماء قد؛ أزال مانعًا من الصلاةً بخلاف الحجر.

الجزء: 1 - الصفحة: 127

فرع لو شك هل استنجي به مرة أم لا.
قال في "الأم": كرهت له أن يستنجي بهَ، فإن استنجى أجزأه لأن الأصل الطهارة.
فرع إذا استنجى بحجر ولم يتلوث بالنجاسةً ثم أراد أن يستنجى به ثانيًا ففيه وجهان: أحدها: لا يجوز كالتراب المستعمل في التيمم.
والثاني: يجوز كالدواء المستعمل في دفع الجلد يستعمل في غيره، وليس كالماء المستعمل؛ لأنه أزال الحدث عن البدن والتراب في التيمم أزال حكمه في الحال، أو الحجر لا يزيل النجاسةً تحقيقًا، فإذا [92 أ/] كان حكم النجاسةً ثابت للمحل لم ينتقل الحكم إلى الحجر.
مسألةً: قال: "والاستنجاء من البول هو كالاستنجاء من الخلاء").
وهذا كما قال أراد به أن يجب من البول ويقيم ساعةُ تم ينشر ذكره ثلاثًا قبل الاستنجاء بيده اليسرى، وهو أن يضع إصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر ثم يسلت المجرى بتلك الأصبع إلى رأس الذكر.
وهذا لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات" والنتر هو الدلك الشديد - وقيل: يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع أصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى، فإذا انتهى إلى الذكر نشر الذكر باليسرى، وهذا أمكن حكاه الساجي.
والأصل في هذا ما روي آن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تنزهوا من البول، فإن عامةُ عذاب القبر منه، وروي أبو هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال "عذاب القبر من البول والنميمة فإياكم وذلك".
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمةَ، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" وروى: "لا يتنزه" فإن استنجى بعد انقطاعه ولم ينشر جاز، لأن الظاهر أن بوله قد انقطع.
وحكي بن الحسن بن صالح أن البول يخرج [92 أ/] ما لم يغسل بالماء، فإذا غسل انقطع ويكون الماء كالجسم له.
وقال الأوزاعي: من أشفق أن يكون في إحليله شيء من

الجزء: 1 - الصفحة: 128

البول فليمش خطوة أو خطوتين فإنه ستنزل ما أشفق منه، وهذا عندي حسن مستحب.
فرع قال أصحابنا: يكره أن يحشو الإحليل بقطنةٍ؛ لأنه لم يعقل بين الصحابة وفيه تشديد.
مسألة: قال: "ويستنجي بشماله" وهذا كما قال: يكره الاستنجاء باليمين للخبر الذي ذكرنا ين سلمان الفارس.
رضي الله عنه - وقالت عائشةٌ وحفصةٌ - رضي الله عنها: كان يمين رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره للاستنجاء وغيره من الأذى وروى أنه قال: "إن الشيطان يأكل بيساره ويستنجي بيمينه فكلوا باليمين واستنجوا باليسار " وروي أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا خلا فلا يستنجى بيمينه" قال أصحابنا: ويستحب أن يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء، فإن كان يستنجي من الغائط أخذ الحجر بشماله واستنجى به، وإن كان يستنجي من البول فإن كان الحجر كبيرًا أو جدارًا أخذ الذكر بشمالهِ وآمر عليه في ثلاثةُ مواضع، ولا يمر مرتين على موضع واحد، فإن فعل فإنه لا يجزي إلا الماء.
وإن كان الحجر صغيرًا فإن أمكن أن يجعله بين [93 أ/] عقبيهِ وأمر ذكره عليه فعل، وإن لم يمكنه أخذ الحجر بيمينه والقضيب بيساره ثم يمره على الحجر، ولا يمر الحجر على الغضون ولا يحرك اليمين لئلا يكون مستنجيًا باليمين، وهذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهىَ عن مس الذكر بيمينه" ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يأخذ بيساره الحجر لأنها المقصود بالاستنجاء، ويكون ذكره بيمناه.
فعلى هذا الوجه ينبغي أن يمسح الحجر على ذكره هكذا ذكره صاحب "الحاوي" والأول أصح وأظهر وان كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره، وإن كان أقطع اليسرى أو كان بها عِلةً استنجى بيمينه للضرورة.
فرع لو بال وجف لا يستنجى بالحجر، ولو تغوط وجف ثم استنجى بالحجر.
قال أصحابنا: لا يجوز لأن الحجر لا يزيل النجاسةً الجامدةُ، والأصح أن يقال:

الجزء: 1 - الصفحة: 129

إن كان يقلعها الحجر جاز وإلا فلا يجوز إلا الماء.
فرع إذا استنجى من الغائط بالماء ما يقع له العلم بزوال النجاسةُ عينًا وأثرًا، فإن شم من أصبعه اليسرى الوسطى رائحةُ النجاسةُ هل يكون دليلًا على بقاء النجاسةً في محل الاستنجاء؟ وجهان: أحدها: يدل على بقائها، ولا يسقط فرص الاستنجاء؛ لأن ذلك يكون لتعديها من محل الاستنجاء فعلى هذا يكون المستنجي مندوبًا إلى ثم أصبعه.
والثاني [94/ 1]: أنه لا يدل على بقاء النجاسةَ هناك؛ لأن بقاء النجاسةَ في عضو لا يدل على بقائها في غيره.
فعلى هذا لا يكون المستنجي لأجل الاستنجاء مندوبًا إلى شم أصبعه.
ذكره ني الحاوي.
فرع آخر قال أصحابنا: شرط من يستنجى بالحجر أنه لا يقوم عن موضع الغائط؛ لأن بالقيام تنطبق الآليتان فتنقل النجاسةً من مكان إلى مكان.
مسألة: قال: "وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة" الفصل إلى قوله: "مًا لَم يَعُدُ الْمُجرج، وهذا كما قال: ذكرنا ما يجوز به الاستنجاء والكلام الآن في الموضع الذي يجوز استعمال الأحجار فيه، والذي لا يجوز بالذي نقل المزني أن الحجارة تجوز ما لم يعد المخرج - أي ما لم تجاوز.
فإن عدد المخرج لا يجوز إلا الماء.
ونقل عن القديم أنه يجوز إذا لم ينتشر فرق العادةَ في ذلك الموضع وحوله.
ونقل الريح وذكره في "لأم" وحرملةُ يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الآليتين.
وفيه ثلاث مسائل: إحداها: إذا لم يعد المخرج بحالٍ أو عداه ولكن انتشر حول حلقة الدبر على المادةُ ولم يرد أجزأه الحجارةً قولًا واحدًا، نص عليه في جميع كتبه، وغلط المزني فيما نقله، ولا يعرف الشافعي ذلك، ولعله سقط عن المزني قوله وحوله، وأراد وحوله فتركه اختصارًا, وذكر في "البويطي": يجوز الاستنجاء بالأحجار ما لم يعد الشرح، وهو أيضًا غلط، وأراد وحوله أيضًا وهذا لأن [(94) ب/] وصول النجاسةً إلى هذا الموضع يكثر ويتكرر، ولا يتصور أن لا يتعدى المخرج فيشق فيه استعمال الماء، وعلى هذا لو تقاطر إليه بعد الانفصال عنه لا يجوز فيه إلا الماء، وإن كان قريبًا من المخرج بحيث يشير إليه في العادةً ثم إن أمكنه غسل ذلك المتقاطر والاستنجاء بالأحجار في موضع

الجزء: 1 - الصفحة: 130

(الخروج) فعل، وإن لم يمكنه ذلك لتقاربها واتصال أحدهما بالآخر لا يجوز في كله إلا الماء.
والثانيةُ: أن يزيد على ذلك إلى ما بين الآليتين ولم يظهر على الآليتين هل تجزيه الحجارة؟ قولان: أحدها: يجزيه لأن قوت المهاجرين كان النمر وهو يلين الطبع فتصل النجاسةً غالبًا إلى هذا الموضع، وكانوا يستنجون بالأحجار.
والثاني: لا يجوز لأنه نادر وأراد بما ذكر في "الأم" وحرملة ما فسره في القديم وهذا أقيس.
والأول ظاهر المذهب.
والثالثةُ: أن يظهر على الآليتين فلا يجوز فما ظهر على الآليتين إلا الماء قولًا واحدًا، وفيما يظن على القولين اللذين ذكرناهما هكذا أطلق أصحابنا، وهذا عندي إن أمكن الفصل بين ما.
يغسل وبين ما يستعمل فيه الحجر ويبعد ذلك أومن أصحابنا من قال: في المسألةً ثلاث أقوال تجعل رواية.
المزني قولًا وما قل في "القديم" قولا ثانيًا .. وما قال في "الأم" قولًا ثالثًا، وهذا ليس بشيء وأما البول قال أبو إسحاق في "الشرح"، إذا جاوز البول مخرجه حتى رجع على الذكر أو [5 أ/] أسفله لم يطهره إلا الماء، وليس الذكر كالدبر، لأن ما يخرج من الدبر لا بد من أن ينتشر، وما يخرج من الذكر لا ينتشر.
وهكذا ذكر "البويطي" فقيل قول واحد في هذه المسألةً.
وقال القاضي الطبري: رأيت في "الأم" قال:.إذا انتشر البول إلى ما أقبل على الثقب أجزأه الاستنجاء، فإن جاوز ذلك الموضع لم يجز فيما جاوز إلا الماء.
وهذا قول آخر.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إن انتشر قدر العادةً جاز فيه استعمال الأحجار، وإن جاوز موضع القطع إلى باطن الذكر أو ظاهره أو جنبيه لم يجز فيه استعمال الأحجار.
وإن جاوز المعتاد ولكن لم يخرج عن موضع القطع فيه قولان أو هذا غير صحيح لما ذكرنا من النص.
فصل في كيفية الاستنجاء اعلم أن الواجب أن يستنجي بثلاثةَ أحجار يعم بكل حجر منها المحل.
فإن بقي شيء زاد حتى ينقي.
وقد روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثةَ أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربةَ".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقبل بحجر ويدبر بحجر ويطلق الثالث" واختلف أصحابنا

الجزء: 1 - الصفحة: 131

في هذا على وجهين.
قال أبو إسحاق: صورته أن يأخذ حجرًا ويضعف على مقدم صفحته المنى ثم يذهب به إلى آخرها، ثم يضع الثاني على مؤخر صفحته اليسرى، ثم يمره إلى آخرها، [95 ب/ ا] ثم يضع الثالث على الصفحتين فيمسحهما معًا به.
وقال ابن أبي مريرةُ: يضع الأول على مقدم صفحته اليمنى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يضع الثاني على مقدم صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر اليمنى، ثم يمره إلى آخرها حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يطلق بالثالث على الصفحتين معًا، وهذا أصح؛ لأن العدد المعتبر في إزالة النجاسةً من شرطه أن يعم المكان بكل مرةً كما قلنا في عدد غسل الإناء، ولوغ الكلب، وعلى ما قال أبو إسحاق لا يوجد هذا، وعلى هذا ينبغي آن يدير الدم الذي يستنجي به في يده قليلًا حتى لا تصيب النجاسة موضعا أخر بل كما يصبب متجافي عن البدن.
فرع قال الشافعي والبكر والثيب في الاستنجاء سواء.
قال أصحابنا: أما في الغائط فالرجل والمرأة سواء فلا إشكال.
وأما في البول إن كانت بكرًا ففرجها سدود وفيه ثقبتان، ثقبه للبول في أعلا فرجها كالإحليل، وثقبه في أسفل الفرج وهر مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد.
فإذا اقتضت انشقت الثقبةُ التي يخرج منها الحيض وتصير ثيبًا، فالبول يخرج من البكر في أعلا فرجها ولا يدخل في فرجها شيء منه، فالحجارةً تجزيها.
وأما الثيب [96 ب/ ا] فربما ينزل البول إلى فرجها - يعني موضع الحيض - فإن علمت أنه لم يزل فهي كالبكر، وإن علمت أنه ينزل في فرجها فلابد من غسل ما أصابه البول من فرجها.
وأطلق أصحابنا أنه لا يجوز لها الاستنجاء بالأحجار، لأن الغالب أن البرد ينزل في مدخل الذكر ويتاحشَ.
وقيل نص الشافعي في "الأم" أن لها أن تستنجي بالأحجار لأن منفذ البول لم يتغير بزوال البكارة فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع قال الشافعي: فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع من دم الحيض أو البول لا يجزيها إذا لم تكن عذراء إلا إدخال الماء في فرجها وشبهه الشافعي بما بين الأصابع، وظاهره أنه لا يبطل صومها به ويجزيها إذا كانت عذراء ما دون العذرةً.
قال أصحابنا: وإنما يجب إيصال الماء إلى الموضع الذي يظهر عند جلوسها وقيامها فأما ما عدا ذلك فهو في حكم الباطن ويبطل الصوم بوصول الواصل إليه فلا يكلفا إيصال الماء إليه.
فرع آخر لا يحوز للخُنثىَ أن يستنجى بالحجر إلا من الغائط.
فأما في المبالين فلا يجوز الماء ما دام مشكلًا لأن القبل أحدهما والآخر العضو الزائد ففي حال الإشكال يقع الاستنجاء في العضو الزائد فلا يجوز.

الجزء: 1 - الصفحة: 132

مسألةُ: قال: "والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزئ وبالعظم فلا يجزئ" وهذا كما قال الاستنجاء باليمين يكره ولكن لو فعل جاز.
وقال [96 ب/ ا] داود: لا يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينه وبين الاستنجاء بالعظم في النهي، وهذا غلط، والفرق ما ذكره الشافعي؛ وهو أن النهى هناك لا لمعنى يعود إلى الآلة لأن الآلة صالحة للاستنجاء وهو الحجر الذي في يده اليمنى وإنما النهي لمعنى الأدب فجاز، وفي العظم النهي لمعنى في الآلة فلا يجوز، وهذا كالوضوء لا يجوز بالماء النجس ولكنه يجوز بالماء في الإناء المغصوب وكذلك لا يجوز الذي بسن أو ظفر ويجوز بسكين مغصوب، وإن أثم بغصبه.
فإن قيل: أليس لو توضأ بالماء المغصوب يجوز فلم يجوز بالعظم إذا أنقى؟ قيل: لأن الاستنجاء بالجامد رخصةً للمشقةً فإذا كان محرمًا لم تحصل الرخصة، كسفر المعصية لا يترخص به بخلاف ذلك.
وقول المزني والعظم ليس بطاهر غلط، وإنما قال الشافعي: والعظم ليس بنظيف.
ومعناه أنه لا يخلو عن دسومةً وزهومةً فلا ينظف؛ لأن من العظم ما هو طاهر بمظهر.
وقيل: إنه تعلل من المزني للعظم النجس.
مسألة: قال: "وَلَا بَأسَ بِالْجِلِد الْمَدْبُوغِ أنْ يُسْتَطَابَ بِهِ" وهذا كما قال: الجلد على ضربين جلد طاهر وجلد نجس فأما النجس فلا يجوز الاستنجاء بلا إشكال.
وأما الطاهر فعلى ضربين أحدها: أن يكون مدبوغًا والثاني: [97 أ/ 1] أن يكون غير مدبوغ، فإن كان مدبوغًا ففيه قولان: أحدها: يجوز الاستنجاء به سواء كان جلدها يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل، وهو الأصح نص عليه في "الأم" كأنه إن كان لينًا فهو كالخرقةً، وإن كان خشنًا فهو كالحجر.
والثاني: لا يجوز نص عليه في حرملةٍ لأنه كالعظم وقد الشاة فتؤكل بجلدها، وهذا لا يصح، لأنه لا يقعد الأكل في العادة فلا يعد مأكولًا، وهذا في جلد الميتةً بعد الدباغ: إن قلنا: يجوز بيعه يجوز الاستنجاء به قولًا واحدًا، وإن قلنا: لا يجوز بيعه فهل يجوز الاستنجاء به؟ ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه لما جعل في حكم الميتةً في تحريم البيع كذلك في تحريم الاستنجاء.
والثاني: يجوز وهذا لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هلا أخذوا أهابها قد بغوه فانتفعوا به" وهذا هو من جملةً الانتفاع به بخلاف البيع.
ومن أصحابنا من قال هذا على اختلاف حالين بالذي قال يجوز إذا كان قديمًا يابسًا والذي قال لا يجوز هو إذا كان طريًا لينًا وقيل: الذي قال يجوز أراد به ظاهر الجلد وخارجه؛ لأنه خارج عن حال

الجزء: 1 - الصفحة: 133

اللحم لخشونتهِ وغلظهِ.
والذي قال: لا يجوز أراد به باطن الجلد وداخله لأنه باللحم أشبه، وهذا ليس بالشيء، وإن لم يكن مدبوغًا ولكنه جلد مذكاةً فيه قولان قال في "الأم" وحرملةً لا يجوز الاستنجاء به [97 ب/ 1] وهو أشبه الأشياء بالعظم، ولأنه طبعه طبع اللحم وهذا هو الصحيح.
وقال في "البويطي": يجوز.
ومن أصحابنا: من قال: لا يجوز قولًا واحدًا، وأراد بما قال في "البويطي" بعد الدباغ؛ لأنه أطلق وبعد الدباغ يجوز قولًا واحدًا.
وآما الجانب الذي يلي الصوف أو الشعر فلا إشكال أنه يجوز؛ لأنه يبقى وليس بطعام.
فرع لو احترق العظم بالنار حتى ذهبت سهركته ولزوجته وخرج عن حاله، كان ميتًا لا يجوز لأنه نجس، وإن كان مذكى ففيه وجهان: أحدهما: يجوز الاستنجاء به لأن النار قد أحالته عن حاله فصارت كالدباغةً قيل الجلد المزكي كما كان عليه إلى حال يجوز الاستنجاء به.
والثاني: لا يجوز لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الرمةً - والرمةً هي اسم البالي - فلا فرق بين أن يصير باليًا بالنار، والفرق بين النار في العظم وبين الدباغةً في الجلد، أن الدباغةً تنقل الجلد إلى حالةً زائدةً، فأفادت حمًا زائدًا، والنار تنقل العظم إلى حالةً ناقصةً فكان, أولى أن يصير حكمه ناقصًا ذكره في "الحاوي".
مسالة: قال "وَإنْ اسْتَطَابَ بِحَجَرٍ لهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ كَانَ كَثلَاثةِ أَحْجَارٍ".
وهذا كما قال إذا استنجي بحجر له ثلاثة أحرف ومسح بكل حرف مسحة جاز، والعدد المشروط في الاستنجاء ليس [98 أ/ 1] عدد الأحجار؛ بل عدد المسحات بالمواضع الطاهرة.
وقوله: إذا بقي أراد أن لا تصل النجاسةً من حرف إلى حرف آخر.
وقال داود، وأهد الظاهر: لا يجوز ولا بد من عدد الثلاث، فقال الشافعي: أرأيت لو استنجى بثلاثةً مواضع من جبل أما يجزيه؟ وقد روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليمسح بثلاث مسحات" ولأن القصد قلع النجاسةَ مع العدد.
وقد وجد ذلك فإذا تقرر هذا فالمستحب آن يمح بثلاثةً أحجار متفرقةً نص عليه.
مسألةً: قال: "وَلَا يُجزِي أن يَسْتَطيبَ بِعَظْمٍ وَلا نَجِس".
وهذا كما قال: روى نجِس بكسر الجيم- وروى: نجَس بالفتح ومن روى بالفتح جعله صفة للعظم، فمعناه لا يجزي أن يستطيب بعظم وليس بنجس ومن روى الفتح جعله ابتداء نهى عن الاستنجاء بالنجاسةَ.
وقد ذكرنا ما قيل فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 134

فرع لو تغوط آو بال ثم توضأ قبل الاستنجاء جاز وضوءه، وكان الاستنجاء باقيًا عليه.
فإن أحب اقتصر إلى الماء أو على الحجارةَ، ويتوقى أن لا تمس يده قبله أو دبره، فإنه يلف على يده خرقةً، فإنه إن مسه بطل وضوءه نص عليه في "البويطي" وغيره ولو تيمم قال الاستنجاء في "الأم" "والبويطي": لا يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر أنه يجوز.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال- فيه قولان: أحدها: لا يحوز وهو المشهور؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبح [98 ب/ 1] الصلاة، فإذا فعله على وجه لا يستبيح به الصلاة لم يجز كما لو تيمم قبل دخول وقت الصلاةً بخلاف الوضوء، وأيضًا إذا تيمم يلزمه طلب ما يستنجى به، ولا يتعين له الحجر بل الماء والحجر، فإذا قد وجب عليه طلب الماء فبطل التيمم بوجوب طلب الماء، وهذا لا يوجد في الوضوء.
والثاني: يجوز قياسًا على الوضوء، وهذا اختيار القاضي الطبري قال: وهذا أقيس، وليس على القول الآخر دليل يصح عندي.
وقال صاحب "الإفصاح": في الوضوء والتيمم قولان.
وحكي المزني في المشهور عن الشافعي أن الوضوء قبل الاستنجاء لا يجوز، ووجهه أن خروج الحدث هو الوجب فلا يصح فعله مع بقاء موجبه، ألا ترى أنه لا يصح الغسل من الحيضةً مع اتصاله.
ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني لا يعرف للشافعي والمسألة على قول واحد في الوضوء أنه يجوز وهو الصحيح، وقيل: في التيمم قول واحد ولا يجوز، وما ذكره الربيع فمن كتبه وتخريجه.
فرع آخر لو كانت النجاسةً على بدنه سوى موضع الاستنجاء.
قال بعض أصحابنا قول واحد هاهنا يجوز الضوء والتيمم قبل غسله، والفرق أن التيمم لا يستباح به الصلاة من هذه النجاسةً فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسةُ النجو، أو يقول خروج النجاسةً من محل [99 أ/ 1] الاستنجاء ينتقض الطير فبقاء النجاسةَ عليه يمنع صحة التيمم بخلاف خروج النجاسةَ من غير موضعها وهذا هو اختيار صاحب الإفصاح.
وقال غيره: فيه وجهان: أحدها: لا يجوز تيممه وهو الأقيس.
وقيل: نص عليه في "الأم" والفرق ضعيف.
والثاني: يجوز على ما ذكرنا.
فرع آخر لو تيمم ثم حدث على بدنه نجاسةً قال بعض أصحابنا: هل يبطل تيممه فيه وجهان كما لو تيمم ثم ارتد لأن النجاسةَ تمنع الصلاةً كالردةُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

فصل في آداب الخلاء أعلم أنها أحد وعشرون أدبًا أحد عشر منها يختص بمكان الاستنجاء وغيره يختص بالمستنجي في نفسه، أما في مكان الاستنجاء فالأبعاد عن أبصار الناس إلى حيث لا يراه أحد، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد قضاء حاجته أبعد المذهب.
وروي أنه كان يذهب بحاجته إلى المعمس وهي على ميل من المدينة.
وثاني: أن يستتر بستره لئلا يراه مارا ما بربوة أو شجرة أو في وهذه فإن لم يجد جمع رملا وجلس خلفه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحدثوا في القزع فإنه مأوى الخافين" والفزع الموضع الذي لا بنيان فيه، وهو مأخوذ من فزع الناس الذي لا شعر فيه، وقوله: مأوي الخافين: مأوى الجن سموا خافين لاستخفائهم [99 ب/ 1]، وفي البنيان لا يحتاج إلى هذا؛ لأن موضع الخلاء مهيأ مستور.
الثالث: أن يتوفي مهاب الريح لأنها ترده عليه.
والرابع: أن يرتاد لبوله أرضًا لينة رمالًا أو ترابًا فإن لم يجد دق الأرض بشيء حتى يلين فلا يترشش عليه لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله".
وروي لأنه كان يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم منزله.
وقال أبو موسي الأشعري: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار وبال ثم قال هذا والدمث: المكان السهل الذي يتخذ فيه البول فلا يرتد على البائل وقوله: فليرتد: أي ليطلب وليتحرك والأشبه أن ذلك الجدار غير مملوك لأحد لأنه لا يجوز ذلك في ملك أحد.
والخامس أن يتوقى البول في ثقب أو سرب أو شقاق لما روى عبد الله بن سرخس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في حجر.
ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان يلسع ذكره.
وحكى أن سعد بن عبادة بال في حجر بالشام فاستلقى ميتًا فسمع الجن تنوح عليه بالمدينة: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهمين فلم تُخط فؤاده والسادس: أن يتوفي الجدار وقوارع الطرق والمواضع [100/ أ] التي يجلس فيها الناس أو تنولها السيارة لئلا يتأذوا بها، وهذا لما روى معاذ بن جبل أن البني صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد، وهي طرق الماء وقارعة الطريق، والظل".
وروى أبو هريرة أن النبي قال:"اتقوا اللعانين" قيل: وما

الجزء: 1 - الصفحة: 136

اللعانان يا رسول الله قال:" (الذي) يتخلى في طريق الناس أو ظلهم".
وأراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقبلًا.
والسابع: أن لا يبول في مساقط البحار تحت الأشجار المثمرة فتنجس ويكره ذلك.
والثامن: أن يتوفي في القبور أو قريبًا منها لحرمة أهلها.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط عليه فكأنما جلس على جمرة".
والتاسع: أن لا يبول في الماء القليل الجاري لا يغتسل به طهورًا ومشروبًا، ولا يبول في الماء الراكد.
والعاشر: يستحب أن لا يستقبل فرجه الشمس والقمر.
فإن خالف لا يأثم.
والحادي عشر: يكره له أن يبول في موضع ويتوضأ فيه لما روى عبد الله بن معقل أن النبي قال:" لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فإن غلبة الوسواس منه.
وأما الآداب التي في نفسه فعشرة: أحدها: أن ينزع الخاتم قبل دخوله ويضعه إذا كان عليه أسم الله تعالى روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم [100 ب/ 1] اتخذ خاتمًا فكان إذا دخل الخلاء وضعه.
وإنما وضعه لأنه كان عليه أسم الله تعالى محمد سطر ورسول سطر والله سطر.
قال أصحابنا: ويستحب أن يفارق الدينار والدرهم لأن فيه أسم الله تعالى كالخاتم.
وروت عائشة-رضي الله عتها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه أو يحوله من يساره إلى يمينه.
وبه قال بعض أصحابنا وروى: أنه كان يلبس خاتمه في يساره فإذا أراد أن يستنجس حوله من يساره إلى يمينه.
والثاني: أن يقدم رجله اليسرى عند دخوله ويؤخر اليمنى ويقدم اليمنى عند خروجه منه، فإن الموضع الشريف يقدم اليمنى وهذا موضع خسيس.
والثالث: أن يقول عند دخوله بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وأراد أن تحضرها الشياطين وتترصدها بالأذى والفساد؛

الجزء: 1 - الصفحة: 137

لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى.
قال أبو عبيد: الخبث: الشر والخبائث: هم الشياطين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن إن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله".
وروي أنه كان يقول إذا دخل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث [101/ أ] والخبائث والرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
وعن بعض السلف أنه قال: عند الاستنجاء: اللهم أجعلني من الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، وهذا يحمل في غير الكنيف أن لا يكون مكروهًا، ويقول عند خروجه: غفرانك الحمد لله الذي أفنى طعمه وأبقى في جسدي منفعته، وأخرج عن ي فقالت عائشة -رضي الله عنها- كان رسوب الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: غفرانك.
والغفران مصدر كالمغفرة، وفيه إضمار الطلب والمسألة كأنه يقول: اللهم إني أسألك غفرانك.
وروى طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج أحدكم من الخلاء فليقل الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأميك عليَّ ما ينفعني".
والرابع: أن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض لما روى عن رسول الله صلى الله عليه السلام قال:" إذا قضى أحدكم حاجته فلا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض".
والخامس: أن يعتد على رجله اليسرى وينصب اليمنى عند قعوده عن الخلاء ويضم أحد فخذيه إلى الآخر.
روى في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل هكذا وقال سراقة بن مالك: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى.
والسادس: يستجب له أن [101 ب/ 1] لا يبول قائمًا ويجلس لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه"نهى عن البول في الهواء".
وروى عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
وروى مسلم عن ابن مسعود-رضي الله عنه- وقال عمر-رضي الله عنه- ما بلت قائمًا منذ أسلمت.
فإن قيل: فما تأويل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال

الجزء: 1 - الصفحة: 138

قائمًا.
ورواه حذيفة قلنا: البساطة: هي ملقى التراب، والقمام ونحوه ولعلع لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام.
وقيل: أنه كان برجله جرح فلم يتمكن من القعود معه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا من جرح كان بمأبضه.
المأبض: هو ما تحت الركبة من كل حيوان.
وروي عن الشافعي-رضي الله عنه أنه قال: كان العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا.
فلعله كان به إذ ذاك وجع القلب والله أعلم.
وهذا الآن المعتاد من فعله أنه كان يبول قائمًا وهو المستحسن في العادات لئلا يترشش عليه، فإن قيل: فما تأويل ما روى عن عمر-رضي الله عنه- أنه بال قائمًا.
وقال: البول قائمًا أحسن للدبر؟ قلنا: أرد إذا تفاج قاعدًا استرخت مقعدته، وإذا كان قائمًا كان أحسن لها.
ولعل هذا كان منه لعذر بدليل ما ذكرنا.
والسابع: أن ينثر ذكره ثلاثًا بعد أن يتنحنح لتخرج بقايا بوله من ذكره على ما ذكرنا [102/ أ] وأن لا يمس ذكره بيمينه.
والثامن: أن يغض بصره وطرفه ولا يكلم أحد لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي سعيد الخدري: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك.
يقال: ضربت الأرض إذا أبيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت.
والتاسع: يكره له أن يرد السلام لما روى عن المهاجر بن قنفد أنه سلم وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ رد عليه.
ويكره له أن يشمت عاطسًا، أو يحمد الله إذا عطس، أو يذكر الله عز وجل أو يقول: مثل ما يقول المؤذن، لما روى في حديث الهاجر بن قنفذٍ أنه قال: "إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر" ويجوز أن يذكر الله تعالى في نفسه لما روى أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب متى أذكرك فقال الله تعالى: اذكروني على كل حال قال يا رب ربما أكوم في موضع استحى فيه من ذكرك فقال: أذكرني في نفسك.
والعاشر: يستحب له أن لا يطيل الجلوس على الخلاء.
قال لقمان، عليه السلام: طول القعود على الحاجة ينجع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور، فاقعد هوينًا وأخرج وقبل.
والحادي عشر: يغطى رأسه عند الخلاء لما روي"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء

الجزء: 1 - الصفحة: 139

غطى رأسه".
وقال أبو بكر [102 ب/ 1] الصديق-رضي الله عنه- إني لأدخل الكنيف أغطي رأسي حياء من ربي عز وجل.
فرع قال بعض أصحابنا: يكره أن يقولك أهرقت الماء لقوله صلى الله عليه وسلم"لا يقولن أحدكم أهرقت الماء ولمن ليقل أبول" فرع آخر قال بعض أصحابنا: يدلك يده بالأرض عند غسل موضع الاستنجاء من الدير لما روى أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
ويأخذ حفنة من ماء فينصح بما فرجه وداخل إزاره بعد ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي-رضي الله عنه-:" انصح فرجك" وفعله هو وقال:" أمرني به جبريل- عليه السلام.
فرع قال أصحابنا: لا بأس أن يبول في الإناء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان يبول فيه بالليل يوضع تحت سريره.
وروي أنه كان له فخارة يبول فيها بالليل تحت سريره.

باب الحدث

مسألة: قال:"وّالَّذِي يُجِبُ الوُضُوءَ الْغَائِط وَالْبِوْلُ".
الفصل وهذا كما قال: موجبات الوضوء أربعة أشياء لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في هذا العدد، إلا إنه في اثنين.
فأما المتفق فالخارج من إحدى مخرجي الحدث القبل والدبر.
والثاني: الغلبة على العقل.
وأما اللذان يختلف فيهما: فعندنا ملامسة النساء ومس الذكر، عندهم [103/ أ] الخارج النجس من غير السبيلين والقهقهة في الصلاة، وسيأتي شرحهما إن شاء الله.
فإذا تقرر هذا فالخارج من السبيلين أو أحدهما ببعض الوضوء نادرًا كان أو معتادًا، ريحًا كان أو غنيًا من قبل كان الربح أو دبر، عامدًا كان أو ساهيًا وعلى أي حال.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزم الوضوء بالريح الخارج من قبل المرأة إلا أن

الجزء: 1 - الصفحة: 140

تكون موضأة، وهذا غلط قياسًا على الخارج من الدبر.
وقال مالك: أو وضوء في غير المعتاد من القيح والدم والصديد والمذي إذا استدام، ووافقنا في الاستحاضة أنه ينقص الوضوء.
وقال ربيعة: لا وضوء في دم الاستحاضة أيضًا.
وروى هذا غير مالك وهذا أغلط؛ لأنه خارج من المخرج المعتاد للحدث فأشبه البول.
وروى عن على-رضي الله عنه- أنه قال: كنت رجلًا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني فأنفذت إليه المقداد بن الأسود فقال: مره فلينضح فرجه بالماء ثم يتوضأ فإن كان فحل مذاء.
وروى عن علي-رضي الله عنه- أنه قال: كنت أكثر الغسل من المذي حتى تشقق ظهري فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" إنما يكفيك أن تنضح على فرجك وتتوضأ وضوءك للصلاة" فإن قيل: كون الخارج غير معتاد لكون المحل غير معتاد، بأن خرج من ينفك أو فرج أو فم وذلك [103 ب/ 1] لا يوجب الوضوء كذل هذا.
قلنا: النادر إذا خرج لا ينفك عن شيء يسير من المعتاد، وإن كان أدنى بلل، وذلك القدر كاف لبطلان الوضوء.
وقال داوود: لا يجب بالدود والدم خاصة وهو غلط أيضًا لما ذكرناه.
والمذي: ماء رقيق يخرج عند الشهوة يكون على رأس الذكر ريحًا.
والودي: ماء ثخين يخرج بعد البول متقطعًا كدرًا وهما نجسات، ولو أدخل قطنة أو سمسمة في إحليله أو سارًا وهو الميل ثم أخرجه انتقضت الطهارة بخروجه على كل حال سواء اختلط بغيره أو لا.
فرع لو أطلعت دودة رأسها من أحد ولم ينفصل حتى رجعت، هل يجب الوضوء؟ وجهان: أحدهما: يجب لأن ما طلع صار خارجًا وهو الأظهر عندي.
والثاني: لا يجب لأن الخارج لم ينفصل.
فرع آخر لو انسد المخرج المعتاد وانفتح للبول أو النجو موضع آخر.
قال الشافعي في حرملة: إن كان دون المعتدة انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوقها لم ينتقض.
وقال في موضع: ينتقض الوضوء وأطلق.
قال أصحابنا: الحكم فيه أنه إن كان دون المعدة ينتقض الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] ولم يفصل، ولأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا بد لكل أحد من موضع يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد الأصل وانفتح موضع آخر [104/ أ] صار الثاني هو المعتاد، فانتقص الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوق المعدة فيه قولان.
أحدهما: ينتقض الوضوء لما ذكرناه.
والثاني: لا ينتقض نص عليه في حرملة.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

وهو اختيار المزني، لأن الغائط هو الذي أحالته المعدة، وهذا بمنزلة القيء، ولو لم ينسد المعتاد ولكن انفتح موضع آخر والأصلي بحاله، فالمذهب المشهور أنه ينتقض بخروج الخارج منه؛ لأن الشافعي شرط انسداد المخرج ومن أصحابنا من قال: إن كان دون المعدة فيه قولان مخرجان.
أحدهما: لا ينتقض لأن المعتاد باق، وهذا الجائفة لا ينتقض الوضوء بما يخرج منها.
والثاني: ينتقض لتكرار خروج المعتاد منه فيصير كالمحل المعتاد.
وإن كان فوق المعدة فهو مبني على القولين إذا كان الأصلي منسدًا، فإن قلنا هناك لا ينتقض فههنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض فههنا وجهان.
فرع آخر إذا قلنا: ينتقض الوضوء بخروج الخارج منه، هل ينتقض الوضوء بمسه؟ فيه وجهان: أحدهما: ينتقض لأنه مخرج معتاد للحدث الأصلي.
والثاني: لا ينتقض لأنه لا يسمى فرجًا ولا ذكرًا، والخبر ورد بذلك وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار عند الاستنجاء؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه مخرج للحدث.
والثاني: لا يجوز لأنه نادر والاستنجاء بالحجر في الموضع المعتاد [104 ب/ 1] للخبر.
قال أصحابنا: وهل يجب الغسل بالإيلاج؟ فيه وجهان أيضًا: أحدهما: لا يجب لأنه ليس بفرج حقيقة.
والثاني: يجب في حكم الفرج.
فرع آخر لو نام عليه ملصقًا بالأرض هل يكون كالنائم قاعدًا في سقوط الوضوء عنه؟ وجهان إذا قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه.
فرع الرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة وحكي عنه أبي حنيفة ومحمد: أنها طاهرة لأنها من جنس البلغم وهذا غلط.
لأن المعدة نجسة فما يخرج منها نجس كالقيء والبلغم يخرج من الصدر لا من المعدة.
مسألة: قال:" وّالْنَّوْم مُضْطَجِعًا وقَائِمًا ورَاكِعًا وسَاجِدًا" الفصل وهذا كما قال: النوم على ثلاثة أضرب.
أحدهما: أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في غير الصلاة إما مضطجعًا، أو متكئًا، أو مكبوبًا، أو مستلقيًا فكل ذلك يوجب الوضوء سواء تحقق أنه خرج منه أو لم يتحقق.
وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبس مجلز وحميد الأعرج، وعمرو بن دينار-رضي الله عنهم- أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء به حتى يتحقق خروج الخارج منه، وبه قالت الإمامية.
واحتجوا بأن النوم ليس بحدث فلا ينتقض الوضوء بالشك.
وهذا غلط

الجزء: 1 - الصفحة: 142

لما روى علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ" وأراد [105/ 1] باستطلاق الوكاء: خروج الحدث والنائم في الغالب، ولأن الظاهر من النائم خروج الحدث، ويجوز النفل عن الأصل، فالظاهر كما أن الأصل براءة الذمة ويجوز سلفها بقول الشاهدين وخبر الواحد، ولو نام قائمًا قال في"الأم" يجب الوضوء وقال في"البويطي": إذا نام قائمًا فزالت قدماء عن موضع قيامه فعليه الوضوء بظاهرة أنه إذا لم تول قدماء لا يجب الوضوء، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، وقيل: قول واحد: ينتقض، وما قاله في"البويطي": أراد أنه يمكن منه النوم حتى زالت قدماء، ولم برد به مفهومه، وهذا هو الصحيح.
والنوم الثاني أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في الصلاة إما راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا.
اختلف قول الشافعي فيه قال في"القديم": لا ينتقض الوضوء؛ لأنه يشق على المتهجدين، وبه قال في مالك، وابن المبارك والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نام العبد في سجوده باهى الله الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده بيدي" فدل على أنه لا يبطل سجوده به.
وقال في "الجديد": ينتقض الوضوء وهو الصحيح للخير الذي ذكرناه، والقصد بإخبارهم مدحه على الاجتهاد ومكابدة النوم، بدليل أن النائم لا يمدح على الفعل ولا يذم.
وقال أبو حنيفة: ولا وضوء على من نام على حالة من أحوال الصلاة في حال الاختبار [105 ب/ 1]، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة.
واحتج بما روى ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا وضوء على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" قلنا هذا لا يصح، لأن رواية أبو خالد الدلاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن العباس، ولم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وليس هذا منها، وأبوا العالية ضعف، أو تحمله على النعاس بدليل العلو وهي أنه قال:"فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" والساجد تسترخي مفاصله.
وحكى عن أحمد أنه قال: إن كان يسيرًا لا ينتقض وضوءه، وإن كثر ينتقض وضوءه".
وكذلك قال في نوم القاعد.
ووافقنا في المضطجع أنه ينتقض قليلًا كان أو كثيرًا فيقيس عليه.
والثالث: أن ينام جالسًا معتدًا على الأرض بإليتيه فلا ينتقض الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، متربعًا كان أو غير متربع قولًا واحدًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وقال أبو إسحاق: فيه قولان، ولا يعرف للشافعي هذا القول الآخر، إلا أنه قال: لا يبين لي أن أوجب الوضوء عليه فقد مرض القول.
وقال: لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ أي حالاته كان، وهذا ليس بقول آخر؛ لأنه لم برجع إلى النظر، بل رجع إلى الخبر.
وقيل في"البويطي": ومن نام جالسًا أو قائمًا حتى رأى [106 أ/ 1] رؤيا وجب عليه الوضوء، وهذا يصدق ما قاله أبو إسحاق: لا يمكن أن يجمل على ما لو لم يكن معتمدًا على الأرض بإليتيه، ولا فرق عندنا بين أن يكون مستندًا أو غير مستند.
وقال أبو حنيفة: إن كان مستندًا ينظر، فإن كان يسقط لو رفع المسند انتقض وضوءه.
وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأن الاعتبار بتمكنه على محل الجدث، وقد وجد.
وقال مالك: إن كان يسيرًا لا ينقص، وإن كان كثيرًا ينقص.
وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال المزني: النوم يوجب الوضوء بكل حال.
وبه قال أبو عبيد وحكي هذا عن إسحاق.
وهذا غلط لما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه".
وروى أيضًا أنه: قال"من نام قاعدًا فلا وضوء عليه، ومن نام على جنبه فعلية الوضوء" وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوضع يده على حذيفة وكان نائمًا فانتبه فقال: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ فقال:"لا، أن تضع جنبيك على الأرض" ولأنه ليس هو يحدث في نفسه وإنما ينتقض الوضوء بتوهم خروج الخارج غالبًا، فإذا كان محفوظًا عنه بالتمكن على محل الحدث لا ينقص الوضوء كالقليل منه.
فرع قال في"الأم": "والنوم الذي يوجب الوضوء الغلبة على العقل كائنا ذلك ما كان قليلًا [106 ب/ 1] أو كثيرًا، فأما ما لا يغلب على عقل مثل النعاس أو حدث من النفس بحيث لا يخفي عليه كلام من يتكلم بحضرته لا يجب به الوضوء.
وقال فيه: لو شك هل نام أم لا، وخطر بباله شيء لا يدري أنه رؤيا أو حديث نفس فهو غير نائم حتى يستيقن النوم، ولو استيقن الرؤيا ولم يستيقن النوم فهو نائم، وعليه الوضوء؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في النوم.
فرع آخر لو نام قاعدًا متمكنًا ثم زال عن مستوى جلوسه انتقص وضوءه إن انتبه بعدما سقط، وإن انتبه عند زواله عنه مستوى جلوسه لا ينتقص وكذلك إن كان زواله عن مستوى جلوسه بيديه وانتباهه معًا لا ينتقص.

الجزء: 1 - الصفحة: 144

فرع لو جلس على إليتيه رافعًا لركبتيه مجتبيًا عليهما فيه وجهان.
أحدهما: لا ينتقص كالمتربع.
والثاني: ينتقص وضوءه لأنها جلسه لا تحفظ الأرض سبيله من خروج الخارج.
وقال بعض لأصحابنا: ينظر، فإن كان النائم على هذه الحالة نحيف البدن بعروق الإلية انتقص وضوءه؛ لأن السبيل لا يكون محفوظًا، وإ، كان لحم البدن يتطبق إليتاه، على الأرض في هذه الحالة لا ينقض وضوءه؛ لأن السبيل يكون محفوظًا.
وعلى هذا قال أصحابنا: لو كان الرجل مهزولا فنام قاعدًا على العظم ولم يتمكن مقعده من الأرض ينتقص وضوءه لهذا المعنى.
فرع قال بعض أصحابنا: [107 أ/ 1] إذا قلنا: إذا نام في الصلاة لا ينتقص وضوءه لحرمة الصلاة، أو نام مضطجعًا وكان يصلي في فرضه مضطجعًا، أو قعد للتشهد الأول مفترشًا فنام، فهل يبطل وضوءه؟ قولان.
وهذا غريب مسألة: قال:"وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِحُنُونٍ أِوْ مَرَضٍ" الفصل وهذا كما قال: الغلبة على العقل بجنون أو مرض أو إغماء أو سكر ينتقص الوضوء بكل حال؛ لأنه أبلغ حالًا من النائم، فإن النائم إذا نبه ينتبه، وإذا حرك تحرك، وإذا ضرب تألم لخلاف هذا.
قال الشافعي في"حرملة": قد قيل: قل ما يغمى على الإنسان إلا وينزل، فإن صح هذا اغتسل، وإن لم يصح توضأ.
وقال في"الأم": قد قيل ماجُن الإنسان إلا أَنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال.
وإن شك فيه أحببت له أن يغتسل احتياطًا.
قال أصحابنا: أراد به إن كان زوال العقل ينزل غالبًا اغتسل أنزل أو لم ينزل، وتعلق الغسل بزوال العقل كما يقول في النائم إذا نام زائلًا عن مستوى الجلوس تعلق بعض الطهر بعين النوم، وإن قيل: قد ينزل وقد لا ينزل كان زوال عقله في باب الغسل بمنزلة النون قاعدًا في باب الوضوء، إن أنزل يلزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه وجوبًا، ويستحب كما يستحب الوضوء في نوم القعود.
ذكره أبو حامد وجماعة.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء [107 ب/ 1] على المغمى عليه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء، وأجمعوا أنه لا يجب الغسل به.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه إذا زال عقله بالسكر لم ينتقص وضوءه؛ لأنه كالصاحي في الأحكام وعلى هذا هل ينعزل وكيله؟ وجهان.
وهذا ليس بشيء.

الجزء: 1 - الصفحة: 145

مسألة: قال:"وَملاَمَسَةُ الرَّجلِ الْمَرأَةَ".
الفصل وهذا كما قال: اختلف العلماء في الملامسة فقال الشافعي:"إذا لمس الرجل امرأة وأفضى شيء من جسده إلى شيء من جسدها من غير حائل انتقض وضوءه، سواء مسهما بيده أو برجله، أو بشهوة أو بغير شهوة، عامدًا كان أو ناسيًا".
وبه قال ابن عمرو، وابن مسعود، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومحكول، والأوزاعي، وحكي عن الأوزاعي أنه إن مسها بيده أو بأحد أعضاء وضوءه انتقص، وإن مسها بغيرها لا ينتقص.
وقال مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد والثوري في رواية إن مسها بشهوة انتقص وضوءه، وإن كان بغير شهوة لم ينتقص.
وقال مالك والليث: إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقص أيضًا، واراه عن الشافعي بقوله:"والملامسة أن يفضي بشيء منه إلى جسدها لا حائل بينهما".
وقال ربيعة: ينتقص الوضوء بالملامسة بكل حال سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا.
[108 أ/ 1] وقال عطاء: إن لمس امرأة تحرم عليه انتقص وضوءه، وأن لمس من تحل له لم ينتقص وضوءه.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا ينتقص الوضوء بلمس النسا أصلًا إلا أن يتجردا أو يتعانقا، ويضع فرجه على فرجها، وينقش لما أي يجد هزة للشهوة في نفسه.
وبه قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، وهو رواية عن الثوري، وعطاء إلا أنهم لم يذكروا التجرد والتعانق.
وقال محمد: لا وضوء في التجرد والتعانق أيضًا ما لم يرد بللًا، وهذا أقيس من قول أبي حنيفة.
وقال داود: إن قصد لمسها انتقص، وإن لم يقصد لم ينتقص.
وبه قال الثوري في رواية، وبعض أصحابنا جعلوا هذا قولًا مخرجًا للشافعي من قوله:" لا وضوء في لمس ذوات المحارم" لأنه لا شهوة في هذا اللمس، وهذا لا يصح عندي.
والدليل على بطلان قول الكل وقوله تعالي: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] وهذا الاسم يقع على كل لمس يحصل به التقاء السرتين، ولم يفصل بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة، أو بقصد أو بغير قصد، أو بأحد أعضاء وضوءه أو بغيره.
فأن قبل: أليس في الإحرام يفرق بين اللمس بشهوة أو غير شهوة في وجوب الفدية، فكذلك ههنا وجب أن يفرق؟ قلنا هناك نهى عن الاستمتاع والترفه، وذلك يفترق بالشهوة وعدمها، ونقض الطهارة لا يتعلق بالاستمتاع، فلا تفرق فيه بين أن يكون بشهوة أو غير شهوة.
واحتج [108 ب/ 1] أبو حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل عائشة-رضي الله عنها- صلى ولم يتوضأ.
قلنا: يجوز أن يكون مع الحائل، أو كان مخصوصًا بذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

ونحتج على مالك في اللمس مع الحائل بشهوة فنقول: لا يسمى مسًا مع الحائل، أو كان مخصوصًا بدليل أنه لو حلف لا يلمس امرأة فهي مع الحائل لا يحنث، أو يقيس على الحائل الصفيق.
فرع لو لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها بحال لذوات المحارم مثل الأم والأخت، نص في"حرملة" على قولين: أحدهما: ينتقص وضوءه، وهو ظاهر قوله في"الجديد" و"القديم؛ لأنها من جنس من يقصد بالشهوة، والظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] ولم يفصل.
والثاني: لا ينتقض وهو الأصح؛ لأنها ليس لمحل الشهوة شرعًا فأشبهت الرجل، ولا فرق بين الأم والأخت من الرضاع أو من النسب، ذكره القاضي أبو علي البندنيجي نصًا.
ومن أصحابنا من فرق فقال: إذا كان محرمًا له بالسبب ينتقص وضوءه قولًا واحدًا، ولا وجه لهذا عندي.
فرع لو لمس صغيرة أجنبية لا تشتهي، أو عجوزًا كبيرة أجنبية لا تشتهي لا نص فيه للشافعي.
وقال أصحابنا: فيه قولان مخرجان بناء على ذوات المحارم.
ومن أصحابنا من قال قول واحد في العجوز: أنه ينتقض الوضوء لأنها محل الوطء ولكل ساقطة لاقطة.
فرع إذا لمس صغائر [109 أ/ 1] المحارم والعجائز منهم اللاتي لا يشتهين في العادة، فإن قلنا في الكبائر: لا ينتقص الوضوء فها هنا أولى، وإن قلنا هناك ينتقص فها هنا قولان مخرجان.
فرع لو لمس امرأة ميتة، أو لمست المرأة رجلًا ميتًا ينتقض الوضوء؛ لأن كل لمس لو كان بين حيين نقض الطهر، فكذلك إذا كان بين حي وميت كالتقاء الختانين.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن يجري ذلك مجري الكبائر والصغائر اللاتي لا يشتهين فلا ينتقص الوضوء بلمسها في قول مخرج، وهذا صحيح لأن الميتة ليست محل الشهوة ولا تشتهي غالبًا.
فرع آخر إذا لمس يدًا مقطوعة أو عضوًا منها لم ينتقص وضوءه؛ لأنه لا يدخل في قوله تعالى: ﴿َوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] ولا يسمى لامس امرأة، وخرج عن أن سكون محلًا للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان كالوجهين فيمن مس ذكرًا مقطوعًا، وهذا لا يصح.
والفرق أن أسم الذكر يقع على المقطوع، والنبي صلى الله عليه وسلم علق الوضوء بمس

الجزء: 1 - الصفحة: 147

الذكر، وههنا أسم النساء لا يقع على اليد المقطوعة وعلى هذا قالوا: هل يجوز النظر إلى الذكر المقطوع أو يد المرأة المقطوعة أو شعرها المقطوع؟ فيه وجهان.
فرع إذا لمس امرأة ينتقض طهر اللامس وهل ينتقص طهر الملموس؟ فيه قولان.
أحدهما: ينتقص وهو المنصوص في عامة كتبه؛ لأنه لمس يشتركان في [109 ب/ 1] الالتذاذ به، فينتقص طهرها كالتقاء الختانين.
والثاني: لا ينتقص.
قاله في حرملة؛ لأنه لمس ينقص الطهارة الصغرى فينتقص طهر دون الملموس، كمس لا ينتقص الوضوء في حق الممسوس قولًا واحدًا.
ومن قال بالأول فرق بأن الملامسة مفاعلة، فإذا اجري بين اثنين فكل واحد ملامس، وههنا لا يسمى الممسوس ملسًا والفتوى عندي أنه لا ينتقص طهر الممسوس؛ لأنه لا يسمى لامسًا.
وقد روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش فقمت اطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه في السجود، فلما فرغ من صلاته قال لها"أتاك شيطانك" فلو انتقص طهره لقطع صلاته.
فرع لو لمس شعرها نص في"الأم" أنه لا ينتقص وضوءه سواء كان بشهوة أو غير شهوة، ولو احتاط فتوضأ كان أحل إليَّ.
قال أصحابنا: وكذلك لو لمس بشرتها بشعره، وكذلك لو لمس سنها أو ظفرها أو لمسها بسنه أو بظفره، هذا لأنه لا لذة في لمسها غالبًا، ولا ينبغي بلمسها للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولا معنى له مع النص، وقيل: فيه قولان وهذا أيضًا غير صحيح.
وقال ربيعة، ومالك: لا ينتقص الوضوء بلمسها إن كان بشهوة [110 أ/ 1].
فرع لو لم يدر أمس بشرتها أو شعرها ينتقص الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
فرع لو كان صغيرًا أو مستحسنًا أمرد فلمسه رجل.
قال الأصطخري: ينتقص وضوءه؛ لأنه تميل إليه الشهوات وخالفه سائر أصحابنا.
مسألة: قال:"وَمَسُّ الْفَرْجِ بِبَطْنِ الْكَفَّ"

الجزء: 1 - الصفحة: 148

الفصل وهذا كما قال.
اختلف العلماء في مس الفرج عل ينتقص الوضوء؟ فعند الشافعي إذا مس ذكره ببطن كفه، أو لمست المرأة فرجها ببطن كفها انتقص الوضوء.
وبه قال عمرو بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن سيار، والزهري، والليث، ومجاهد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي- رضوان الله عليهم أجمعين- وعن مالك رواية أخرى يعتبر في مسه الشهوة.
قال أبو حنيفة: لا ينتقص الوضوء يمسه، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، والحسن، وقتادة، والثوري، وربيعة.
وهو راوية عن سعد بن أبي وقاص، وراية عن ابن عباس-رضي الله عنهم أجمعين, واحتجوا بما روى عن طلق بن علي إنه قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال:" ها هو إلا مضغة منه أو بضعة منه" [110 ب/ 1] وهذا غلط لما روي عن عروة بن الزبير قال: "دخلت على مروان فتذاكرنا نواقض الوضوء فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
قال عروة: فلقيت بسرة بعد ذلك فصدقته.
وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسًا من الصحابة وعمل بها أصحاب الحديث.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ويل للذين يمسون فروجهم ويصلون ولا يتوضوؤن" فقالت عائشة: هذا الرجال أفرأيت النساء.
فقال: إذا مست المرأة فرجه توضأت.
وأما خبر طلق بن علي، قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان: رواية قيس بن طلق وهو ضعيف، ثم إن خبرنا متأخر وناقل عن العادة، وفيه احتياط فكان أولى.
فرع بطن الكف ما بين الأظفار والزند، فإن مسه برؤوس البنان يبطل وضوءه على الصحيح من المذهب.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان وهو ضعيف.
فرع آخر لو مسه بخلال الأصابع لا يبطل وضوءه نص عليه في"الأم" وقيل: فيه وجهان،

الجزء: 1 - الصفحة: 149

ولا معنى له، وكذلك لو مس بحرف يده لا وضوء نص عليه في"البويطي".
وقال أبو العياض من أصحابنا: إن مسه بما بين أصبعيه مستقبلًا لعانته بطن كفه ينتقص وضوءه، وإن كان مستقبلًا فطاهر كفه لا ينتقص مراعاة للأغلب في مقاربة الباطن، وهذا لا وجه له لاستواء المعنى في [111 أ/ 1] الحالين.
فرع لو مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه لا ينتقص وضوءه، وبه قال جماعة العلماء.
وقال الأوزاعي: إن مسه بأحد أعضاءه وضوءه ينتقص.
وقال عطاء والأوزاعي، وأحمد في رواية: ينتقص وضوءه إذا مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه، وكذلك إن مسه بساعده؛ لأن ذلك من جملة يده.
وحكة هذا عن مالك، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أفض أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه حائل فليتوضأ" والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، تقول العرب: أفضيت بيدي إلى الأرض ساجدًا على هذا المعنى.
فرع آخر لو مس أنثييه أو إليتيه فلا وضوء عليه، وكذلك أو مس ما بين الدبر والذكر.
وروى عن عروة أنه يجب بمس الأنثيين والعانة، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم"ومن أمضى بيده على ذكره فليتوضأ" فخص الذكر، ولأنه ليس لمخرج الحدث فأشبه فخده.
واحتج بما روي قال:" من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ" قلنا: قال أصحاب الحديث: هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول عروة أدرجه بعض الرواة.
وقال هشام بن عروة: قال عروة: إذا مس رفغه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ.
فرع آخر لو مس ذكر غيره يلزمه الوضوء كما لو مس ذكره نفسه.
وقال داود: لا يلزم غلا مش ذكر نفسه [111 ب/ 1]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص ذلك، وهذا غلط؛ لأن هتك الحرمة هناك أكثر لولا حاجة به إليه.
وقد روت بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوضوء من مس الذكر ومس الفرج".
فرع آخر لو مس ذكر الصغير انتقض وضوءه.
وروي عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: لا وضوء فيه، وروي عن أحمد أيضًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم

الجزء: 1 - الصفحة: 150

يتوضأ.
ولأنه يجوز مسه والنظر إليه فلا ينتقض الوضوء بمسه، وهذا غلط لعموم الخبر الذي ذكرناه"، ولأنه ذكر آدمي فأشبه ذكر الكبير، والخبر الذي ذكروه يحتمل أنه كان من وراء حائل، مع أنه لم يصح الخبر على الوجه الذي ذكروا.
فرع آخر لو مس ذكر الميت انتقض وضوءه نص عليه.
وحكي عن إسحاق أنه لا ينتقض، وهذا غلط للخبر، ولأنه ينتقض في الحي فينتقض في الميت كالجماع واللمس.
فرع آخر لو مس الذكر بباطن أصبعه الزائدة انتقض وضوءه.
وقال صاحب الإفصاح: يحتمل أن لا ينتقض وضوءه لأنه الخبر ينصرف إلى اليد المعهودة فلا طلاق، وهذا غلط لأنه من جملة اليد بدليل وجوب غسله في الوضوء.
فرع آخر لو مس بيد شلاء ففيه وجهان، وكذلك لو مس ذكرًا أشل بيد صحيحه أو مسدودًا لا يخرج منه شيء، ففيه وجهان بناء على الوجهين [112 أ/ 1] فيمن مس ذكرًا مقطوعًا؛ أحدهما: أن ينتقض وضوءه اعتبارًا بالاسم.
والثاني: لا ينتقض وضوءه لفقد المعنى وهو وجود اللذة غالبًا.
وقال بعض أصحابنا: ليس ذكر الحي الأشل بأخف من ذكر الميت، ففي ذكر الميت وجه مخرج أنه لا ينتقض وضوءه.
وبه قال مالك.
فرع آخر لو كان له أصبع زائدة لا على سنن البنان.
قيل: فيه وجهان، والصحيح أنه لا ينتقض وضوءه بالمس به أصلًا.
لو مس ذكرًا زائدًا إن كانا عاملين ينتقض الوضوء بمس كل واحد منهما، وإن كان أحدهما عاملًا دون الآخر فإنه ينتقض لمس العامل دون غيره.
ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر لوجب ذكره من أصله فمس موضع القطع.
قال أصحابنا: ينتقض وضوءه، ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا ينتقض وهو القياس.
فرع آخر لو مسه من غير قصد انتقض وضوءه.
وحكي عن مالك: أنه لا ينتقض وهو غلط للخبر.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

فرع آخر لو مست المرأة فرجها انتقض وضوءها، وكذلك إن مسه الرجل وذلك في المحارم.
وقال مالك: لا ينتقص.
وهذا غلط لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمت إحداكن فرجها فلتتوضأ".
فرع آخر لو مس الدبر وهي الحلقة نفسها دون ما حولها انتقض الوضوء.
وقال ابن أبي أحمد: لم يوجب [112 ب/ 1] الشافعي في"القديم" من مس الدبر.
فمن أصحابنا من رد هذه الرواية، ومنهم من قبلها وقال: فيه قولان.
وقال مالك داود: لا ينتقض وضوءه وهذا غلط؛ لأنه مخرج معتاد للحدث فأشبه القيد.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه سلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ" وظاهره أنه أراد به دبره، قالوا: لا يقصد مسه ولا يفضى مسه إلى خروج خارج، فأشبه سائر الأعضاء.
قلنا: باطل بذكر الميت والأشل.
واعلم أن المزني نقل: "وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْدُبُرًا أَوْ مَسُّ الْحَلْقَةِ نَفْسِهَا مِنْ الدُّبُرِ".
وفيه أشكال وذلك انه لا ينتقض الوضوء إلا بمس الحافة، وهذا العطف يوهم خلاف هذا المذهب، فيتناول قوله" سواء كان الفرح قبلًا أو دبرًا أو مس الحلقة على الجمع، ومعناه لو جمع في المس بين مس مس الحلقة وما حواليها، أو اقتصر على مس الحلقة نفسها انتقص الطهر.
وفائدة العطف يشبه الاستدلال؛ لأن الدبر اسم شامل للإليتين وغيرهما، وقد ذكر في نسخة: وسواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، إذ ليس الحلقة نفسها وهذا اللفظ يزيل الإشكال.
فرع لو مس بذكره دبر غبره.
قال بعض أصحابنا بالعراق: قياس المذهب أنه ينتقض وضوءه؛ لأنه مسه بآلة مسه، وهذا لا يصح عندي؛ لأن الاعتماد فيه على الخبر ولم يرد في هذا [113 أ/ 1] الموضع.
فرع لو مس ذكر بهيمة لا ينتقض وضوءه.
وروى ابن عبد الحكم، عن الشافعي أنه ينتقض وضوءه، ورد عامة أصحابنا هذه الرواية، فقيل: قولان: أحدها: ينتقض

الجزء: 1 - الصفحة: 152

وضوءه كما يجب الغسل بالإيلاج في فرجها.
والثاني: لا ينتقض وضوءه وهو الأصح؛ لأنه لا حزمة لها ولا يعيد عليها في الستر والكفين والذقن.
وقيل: قول واحد أنه لا ينتقض وضوءه.
فرع آخر إذا قلنا لا ينتقض وضوءه.
بلمس فرج البهيمة.
قال بعض أصحابنا: لو أدخل يده في باطن فرجها هل ينتقض وضوءه؟ وجهان أحدها: ينتقض لأن للباطن من الحرمة ما ليس للظاهر.
والثاني: لا ينتقص وضوءه وهو الأصح، ذكر بعض أصحابنا بخراسان: لا وجه للوجه الأول في الحقيقة.
قال عطاء: إن مس فرج البهيمة المأكولة انتقض الوضوء وإلا فلا.
وقال الليث: ينتقض الوضوء بمس فرجها على الإطلاق لقوله (صلي الله عليه وسلم) "الوضوء من مس الفرج" ولم يفصل قلنا: هذا اللفظ غير معروف، أو مطلق هذا الاسم لا ينصرف إلى البهيمة في العادة.
وقال أبو إسحاق: لما لم ينتقض الوضوء بلمس الأنثى من البهائم لا ينتقض بمس فرجها.
فصل في الخناثى الخنثى الذي له ذكر الرجال وفرج النساء.
أحدهما أصلي [113 ب/] والثاني: خلقة زائدة، فإن كان ذكرَا فالذكر أصل والفرج خلقة زائدة، وإن كان أنثى فالفرج أصل، والذكر خلقة زائدة، فإذا مس ذكره أو فرجه أو مس ذلك غيره فالأصل في الطهارة البناء على الأصل.
فمتى تيقن الطهارة لم تزل بالشك.
وإن مس الخنثى ذكر نفسه لا ينتقض وضوءه بجواز أن يكون أنثى مس من نفسه خلقة زائدة، وإن مس فرج نفسه لم ينتقض أيضًا لجواز أن يكون ذكرًا وهو ثقبة زائدة، وإن مسها معًا من نفسه انتقض وضوءه؛ لأنه لا ينفك عن مس ذكرًا وحلقة زائدة من امرأة.
فإن مس فرجه لم ينتقض وضوءه بجواز أن يكون قد مس من رجل خلقة زائدة.
وإن مسته امرأة نُظر، فإن مست فرجه انتقض وضوءها لأنه لا يخلو عن مس فرج امرأة، أو مس حلقة زائدة من رجل، وإن مست ذكره لم ينتقض لجواز أن يكون مست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس خنثى من خنثى نُظر، فإن مس ذكره لم ينتقض لجواز أن يكونا أنثيين فمست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس فرجه لا ينتقض أيضًا لجواز أن يكون مس رجل من رجل خلقة زائدة، وإن مسهما معًا انتقص وضوءه؛ لأنه لا ينفك من مس ذكر أو فرج، وإن مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرج الآخر انتقض طهر [114 أ/ 1] أحدهما قطعًا لا يعنيه، لأنه إن كانا ذكرين فقد مس ذكرًا، وإن كانا أنثيين فقد مس فرجاً، وإن كانا ذكراً وأنثى فقد مس رجل امرأة، فلا بد من أن ينتفض طهر أحدهما، قطعًا لا بعينه ولكن لا يحكم ينقض طهر واحد منهما، ولكل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يصلي وحده، لأن الأصل الطهارة وهو يشك أنه هل انتقض طهره أم لا، وهذا كما لو شاهد نفسان طائرًا.
فقال أحدها:

الجزء: 1 - الصفحة: 153

إن كان غرابًا فامرأتي طالق.
وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر، فطار ولم يُعلم، فكل واحد منهما على أصل ملكه.
فصل قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مس أحدهما قبليه وصلى ثم توضأ ومس قبله الآخر وصلى فقد صلى إحدى صلاتين يغير طهارة، فهل يلزمه إعادة الصلاتين؟ وجهان.
والأصح أنه لا يلزمه لأنهما حادثتان ولم يتعين الخطأ، فهي كمسألة الحالفين في الطير.
وهذا عندي خطأ والمسألة على وجه واحد أنه يلزمه إعادتهما، كمن تيقن أنه نسى سجدة من إحدى الصلاتين فإنه يلزمه إعادتهما في مسألة الحلف الخطأ في شخصين وهاهنا الخطأ وقع لشخص واحد.
مسألة: قال: " وَكُلٌّ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ" الفصل وأراد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ثم قال:" وَلَا اسْتنجَاءَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ" وهذا إشارة [114 ب/ 1] إلى أن الاستنجاء لا يجب إلا بخروج عين يتوهم منها تلويث للمخرج خلافًا للشيعة، ثم قصد المزني بعد هذا أن يتكلم في المسألة الخلافية، وينقل ما اعتمد عليه الشافعي من الحجج، فبدأ بمسألة النوم قاعدًا.
ونقل في حجة الشافعي عن أنس- رضي الله عنه- أما أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كانوا ينتظرون العشاء فينامون.
قال الشافعي: أحسبه أنه قال: فعودًا ينامون، وهذا هو الأليق بهم في انتظارهم خروج رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
في المسجد، وروى من غير شك،" فينامون قعودًا حتى تخفق رؤوسهم" والظاهر أن مثل هذا لا يخفي على رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان ينام قاعدًا ويصل ولا يتوضأ، ولم ينكر عليه أحد.
ثم تكلم المزني فقال: قال الشافعي:" لَوْ صِرْنَا إِلَي النَّظَرِ كَانَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ بِأَّيَّ حَالاَتِهِ كَانَ" كأن أراد أن النوم في القياس هو كالإغماء يوجب الوضوء في أي حال كان، ثم عارض خبر الشافعي بالخبر وأثر الشافعي بالأثر، حتى يجب الرجوع، إلي النظر الذي ذكره الشافعي فأورد خبر صفوان بن عسال المرادي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفري لا مع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن عن بول أو غائط أو نوم".
وروى: لا من جنابة ومعناهما متقارب [115 أ/ 1] قوله: مسافرين أو سفري شك في الملفوظ به من هذين اللفظين وقوله: سفري جمع مسافر.
فاحتج منه بأنه قرن النوم بالبول والغائط، وينتقض الوضوء بالبول والغائط على كل حال، فكذلك بالنوم على كل حال.
ثم أيد ذلك، فقال:" ولو

الجزء: 1 - الصفحة: 154

اختلف حدث النوم لاختلف حدث الغائط، وإنه لو كان فيه تفصيل لأبانه (صلي الله عليه وسلم) كما أبان في أكل الناسي أنه لا يفطر الصائم.
ثم ذكر خبر آخر وهو قوله (صلي الله عليه السلام) "العينان وكاء السه"، الخبر، ثم قال في معارضة الأثر أثر عائشة وأبي هريرة أنهما قائلا:" من استجمع نومًا فعليه الوضوء مضطجعًا كان أو قاعدًا".
ثم أيدهما بما روي عن الخن ثم رجع إلى النظر.
وقال هو في معنى من أغمي عليه فلزمه الوضوء على كل حال، فكذلك هذا.
والجواب عنه أن يقول: أما خبر صفوان فالقصد به بيان جواز المسح على الخفين في الوضوء دون الغسيل لا غير، فلا يعارض به خبر أنس- رضي الله عنه- الذي قصد أن نوم القاعد لا يوجب الوضوء.
وأما الخبر الآخر فهو حجة عليه؛ لأنه أشار إلى أن النوم حدث لأنه مس خروج الحدث من مخرجه، وهذا لا يوجد في القاعد، إذ لو خرج به غالبًا.
وأما الأثر عن عائشة وأبي هريرة نحمله على القاعد غير المتمكن، بدليل أثرنا فيكون جمعا بينهما [115 ب/ 1].
وأما الإغماء فقد بينا الفرق بينه وبين النوم فيما تقدم.
وأما الحدث فلأن عينه ناقض بظاهر الكتاب والأخبار بخلاف النوم، ثم عقب الكلام في النوم بالكلام بالملامسة.
وقد ذكرنا الخلاف فيها.
واحتج الشافعي بالآية فإنه تعالى قرن الملامسة بالنوم والغائط، ثم أيد بقول ابن عمر- رضي الله عنه- قُبلة الرجل لامرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا التعريف بالألف واللام إشارة إلى الملامسة في الآية، خلاف ما روى أبو حنيفة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن المراد به الجامعة، ثم قال: وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قريب من معنى قول ابن عمر- رضي الله عنه- وإنما ترك ذكر لفظه لشياعه فيه وهو أنه روى عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: أيهز أحدكم امرأته هز البكر ثم لا يتوضأ، عليه الوضوء، ثم ذكر الكلام في مس الذكر.
واحتج بخبر بسرة ينت صفوان وقد ذكرنا، ثم قال: وقاس الدبر بالفرج مع ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- إذا مست المرأة فرجها توضأت، وأنكر أصحابنا على المزني هذه العبارة.
وقالوا: اسم الفرج فيقع على الدبر فلا يصح قوله: وقاس الدبر بالفرج.
وإنما يصح أن لو قال: وقاس الدبر بالذكر والقبل.
وأيضاً ذكر حديثه عائشة في الفرج ولا يجوز أن يؤيد الأصل بالأثر؛ لأن الأصل يكون متفقا عليه [116 أ/ 1]، وإنما يؤيد الفرع المقيس بالأثر، وإنما يصح هذا بما روي عن عائشة: إذا مست المرأة دبرها توضأت.
ولم ينقل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يمكن تصحيح عبارته بأنه أراد وقاس الدبر بعلة الفرج فكأنه قال: أحد الفرجين كالذكر ثم بين تعليق الحكم بصفة الفن وبحديث عائشة- رضي الله عنها- ثم أن أصحاب الظاهر ينكرون قياس المسكوت عنه في الشرع على المنصوص عليه ههنا وسلموا في تقويم نصيب الشريك الذي لم يعتق على الشريك المؤسر قياس الأمة على العبد.
وإن ورد الخبر في العبد فاحتج عليه الشافعي قاله هناك.

الجزء: 1 - الصفحة: 155

مسألة: قال:" وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ قَيئٍ أَوْ رُعَافٍ" الفصل وهذا كما قال: عندنا جميع ما يخرج من غير السبيلين من القيء والرعاف ودم الفصد والحجامة لا ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا.
وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفي، وعائشة، وجابر، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومكحول، وربيعة، ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان طاهرًا فلا وضوء، وإن كان نجسًا ينقض الوضوء، إلا أنه فصل في القيء فقال: إن كان ملأ الفم فإنه ينقض الوضوء، وإن كان أقل لا ينقص الوضوء.
وقال في الرعاف: إن سأل ينقص [116 ب/ 1] الوضوء، وإن لم يسل لا ينقص.
رقال فيمن بصق دمًا ت إن كان الغالب الدم نقض الوضوء وإلا فلا ينقض.
وبه قال الثوري: والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن أحمد قال: إن كان الدم قطرة أو قطرتين فلا وضوء.
وروى عنه أنه قال:" إن خرج قدر ما يعفي عن غسله وهو قدر الشبر لا ينقص الوضوء".
وقال ابن أبي ليلى: ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا.
وروى ذلك عن عمر، وعلي وابن سيرين، وعطاء، وزفر- رضي الله عنهم- واحتجوا بما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من قاء أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم واحتج الشافعي عليهم بالأثر والنظر.
أما الأثر فما روى أن ابن عمر- رضي الله عنه- عصر بترة بوجهه فخرج منها دم فدلكه بين إصبعيه، ثم قام إلي الصلاة ولم يغسل يده.
وروى عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه قال اغسل عنك أثر المحاجم وحسبك.
وروى عن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بصوفه ثم صلى، عن القاسم ليس على المحتجم وضوء.
وهذا الذى ذكر ابن المسيب والقاسم استئناس وإلا فلا حجة لأنهما من التابعين.
وإنما الحجة في أقوال الصحابة وأفعالهم.
وقد روى الشيخ القفال، عن الشيخ أبي زيد بإسناده، عن ابن عباس- رضي الله عنه [117 أ/ 1]- إيجاب الوضوء من الحجامة والرعاف وذهب بعض أصحابه إلى وجوب الغسل من

الجزء: 1 - الصفحة: 156

الحجامة فأنكره وقال: اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك فلا دليل فيه للشافعي.
وروي في هذا الباب ما هو أولى من كل هذا، وهو ما روى الدارقطني بإسناده عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وصلي ولم يتوضأ".
وأما النظر فقوله: كما وضوء في الحبشاء المتغير بخلاف مخرج الحدث فإنه سوى فيه بين النجو والريح.
وقيل: أراد بالحبشاء المتغير القيء دون ملء الفم، وأما خبرهم قلنا: القلس هو الريق الحامض يخرج من الحلق فلا وضوء فيه عندهم.
وقيل: إنه مرسل يرويه ابن أبي مليكة مرسلًا، أو يحمل على الاستحباب، أو على غسل ما أصابه بدليل ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وَلَيْسَ فِي قَهْقَّهَةِ المُصْلَّي وَلَا فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ وُضُوءٌ" وهذا كما قال: القهقهة لا توجب الوضوء يحال عندنا.
وبه قال جابر، وأبو موسي الأشعري، وعطاء، والزهري، وعروة، والقام، ومحكول، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يجب الوضوء بالقهقهة في الصلاة.
ويه قال الشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن، والأوزاعي، في رواية.
واحتجوا بما روى أبو العالية أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كان يصلي فتردي [117 ب/ 1] أعمى في بئر، فضحك طوائف من القوم فأمر رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
الذين ضحكوا بإعادة الوضوء والصلاة.
وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: "تعاد الصلاة من القهقهة ولا يعاد الوضوء" وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم):" الضاحك في الصلاة والمتكلم سواء" وأما الخبر الذي ذكره فهو مرسل ضعيف؛ لأن الله تعالى وصف الصحابة بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:29 [فكيف يضحكون.
وفي موضع تردى الأعمى في البئر وهو موضح الرحمة، أو نحمله على الاستحباب.
وقال بعض أصحابنا: يستحب ذلك لرقع الخلاف والجناية الصادرة منه.
وأما الكلاف فلا ينقص الوضوء بحال حسنة وقبيحة مثل القذف والكبائر من المعاصي تنقص الوضوء.
واحتجوا بقوله (صلي الله عليه وسلم): "خمس يفطرن الصائم وتنقض الوضوء وهي الغيبة، والنميمة، والكذب، والنظر بشهوة، واليمين الفاجرة".
قلنا: أراد به نفي الثواب والأجر، بدليل قوله (صلي الله عليه وسلم): "لا وضوء إلا

الجزء: 1 - الصفحة: 157

من حدث".
وقال بعض أصحابنا: يستجب الوضوء منها، لما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب.
وقالت عائشة:] 118 أ/ أ]- رضي الله عنها- يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء.
وقال (صلي الله عليه وسلم) " من غضب فليتوضأ".
وقال أيضًا:" من حلف باللات والعزى فعليه الوضوء.
وقال ابن عبا س- رضي الله عنه- والحدث حدثان حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان: وقيل: الأشبه من كلام هؤلاء أنهم أرادوا غسل الفم وجده، ولا وضوء في المأكول والمشروب سواء مسته النار أم لم تمسه، وسواء كان لحم الإبل أو غيره.
وبه قال جماعة الصحابة والعلماء، وقال أبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأنس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو طلحة، وعائشة، وعمر بن عبد العزيز، وأبو قلابة، وأبو مجلز، والزهري، والحسن- رضي الله عنه- يجب الوضوء بأكل ما مست النار.
وحكى هذا عن داود أيضًا، واحتجوا بما روى عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أنه قال:" توضؤا مما مست النار ومما غيرته النار" وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه-.
قال: كان آخر الآمرين من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) " ترك الوضوء مما مست النار ". وهذا يدل على نسخ مأ رووه.
وروي عن سعيد بن غفلة قال: كنا عند عمر- رضي الله عنه- وعنده علي- رضي الله عنه- نأتي بحفات مشبعة بلحم جزور [118 ب/ 1 [فأكلا وآكلنا، ثم قاما إلى الصلاة فصليا ولم يتوضيا، فلما قضيا الصلاة أتيتهما فقلت: لقد أكلتما طعامًا كنتما إذا أصبتما منه توضأتما، فقالا: سمعنا رسول الله يقول:" لا ينقص وضوء المسلم طعام قد أحل الله آكله".
ولأنه مها يغتذي به فأشبه الفاكهة.
وقال أحمد، وإسحاق: يجب الوضوء من أكل لحم الجزور خاصة.
وحكاه ابن أبي أحمد، عن الشافعي أنه قال في القديم.
واحتج بما روى أن النبي.
سئل: أيتوضأ من لحوم الغنم؟ فقالت: لا فقيل: أيتوضأ من لحم الإبل؟ فقال: نعم.
وهذا غلط لما روى ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 158

عباس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" وأما خبرهم: قلنا نحمله على غسل اليد وهو ظاهر لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد لما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) "كان يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده".
وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ويعده ينفي اللحم".
وإنما فرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل؛ لأنه يندب إلى غسل اليد من لحم الجزور أكثر مما يندب إليه من لحم الغنم لثقل رائحته وزهومته.
وقال أصحابنا: المأكول على ثلاثة أضرب: طاهر لا ريح له كالخبر والتمر واللبن، إن شاء غسل اليد منه وإن شاء [199 أ/ 1] لم يغسل، وطاهر له رائحة كالبصل والثوم واللحم يستحب أن يغسل يده منه كالمسكر والميتة إذا أكلها عند الضرورة فيجب غسل اليد منه، وكل موضع أصابه من جده فإن صلى قبله غسله أعاد الصلاة.
مسألة: قال:" وَكُلَ مَا أأَوْجَبَ الْوُضًوءَ فَهُوَ بالْعَمْدِ وَالْسَّهْوِ سَوَاءٌ".
وهذا كما قال: كل ماء ينقض الوضوء فعمده وسهوه سواء، قصد به الرد على مالك في اللمس والمس من غير قصد، والأصل في ذلك ما روى أن النبي (صلي الله عليه والسلام) أوجب الوضوء من المدّى، وهو بخرج من غير قصد، ولأنه لو احتلم يلزمه الغسل وهو بغير قصد واختيار، فدل على أنه لا يعتبر فيه الفصل.
مسألة: قال:" وَمَنْ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ في الْحَدَثِ".
الفصل وهكذا كما قال: إذا تيقن الطهر ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث ثم شك في الطهر بنى على اليقين، سواء لحقه الشك بعد الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها، وأصله ما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت، فلا تنصرني حتى تسمع صوتًا أو تشم ريحًا".
وقال مالك: يلزمه الوضوء بكل حال.
وقال الحسن: إن كان الشك في الصلاة مضي في صلاته، وإن كان الشك قبل صلاته فإنه يلزمه الوضوء.
قيل: هو قول مالك ولا يصح، وهذا غلط؛ لأنه يبقى حالة [199 ب/ 1] فلا يزيلها الشك إلى ضدها، كما لو تيقن الحدث ثم شك في الطهر، ونفيس على ما لو كان الشك في بناء الصلاة.
واحتج بأن هذا الشك يرجع إلى جواز صلاته، فكأنه شك أن إحرام صلاته هل صح أم لا؟ قيل: اليقين السابق أولي من هذا الشك، كما لو شك في طهارة الماء فإنه ببني على أصل الطهارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 159

فرع قال صاحب" التلخيص" لا يزول اليقين بالشك في الطهارة إلا في مسألة، وهي أن يقول: توضأت وأحدثت ولا أدري أيهما قد مت؟ فقال له: قدم وهمك على الأمرين، فإن كنت محدثًا قبل هذين الأمرين فأنت الآن متطهر، وإن كنت متطهر فأنت الآن محدث.
وهذا في الخشفة بناء على اليقين أيضًا لا على الشك، ووجهه أنه إذا كان قبل هذين الأمرين محدثًا بعد عرف أن طهره رفع أن طهره رفع ذلك الحدث، ثم شك هل وجد حدثًا؟ رفع ذلك الطهر أم لا والأصل عدمه.
وفي عكسه إذا كان قبل هذين الأمرين متطهر فقد عرف إن حدثه رفع طهره، ثم شك هل وجد طهر رفع ذلك الحدث أم لا؟ والأصل عدمه، وهذا كما لو أقام رجل البينة أن فلانا استوفي منه جميع حقه وأبرأه، ثم أقام المشهود عليه بالقبض.
بينة أن المشهود له أقر له بألف، لم يثبت عليه لجواز أن يكون ذلك قبل الاستيفاء.
ومن أصحابنا من قال: يتعارض هذان العارضان ويرجع إلى الأصل المتقدم [120/ 1]، فإن] كان] قبل هذين الأمرين طاهرًا فهو الآن طاهر، وإن كان محدثًا فهو الآن محدث.
ومن أصحابنا من قال: عليه الوضوء هاهنا احتياطًا للصلاة.
وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، وهذا لأنه لم يتيقنهما وشك في السابق منهما استوت حالتهما، فصار الوضوء مشكوكًا فيه، ولا يجوز أن يصلي بطهارة مشكوكًا فيها، وما ذكره القائل الأول لا يقوى ظن الطهارة؛ لأنه قد تيقن حصول حدث بعد ذلك الحدث الأول، وشك في أن الطهارة تأخرت عنه بإزالته أم لا، فصارت الطهارة مشكوكًا فيها، فإن قال: عرفت قبل هاتين الحالين حدثًا وطهارة، ولا أدري أيهما كان أولًا؟ اعتبرنا ما كان مستقبل هاتين الحالتين الأوليتين، فإن عرق الطهارة من نفسه قبلهما جاز له أن يصلي الآن، وإن عرف الحدث قبلهما لم يكن له أن يصلي الآن ما لم يتطهر، فجواب هذه المسألة هو بعكس ما ذكرنا، وهما سواء في المعنى إذا تأملت.
وهذا هو على قول ابن أبي أحمد، فإن قيل: ترك الشافعي الأصل المتيقن في مسائل منها: ما قال: لو كان له عبد غائب لا يعرف حياته فأعتقه عن الكفارة لم يجز، والأمل بقاؤه وجواز عتقه عنها.
ونال في الجمعة: إذا شك هل خرج الوقت أم لا لم تجز الجمعة، والأصل بقاء الوقت.
وقال: لو شك في انضاء مدة المسح لا يجوز المسح، والأصل بقاء المدة [120 ب/ 1].
وقال: لو رأى أن ظبيًا بال في غدير، ثم عاد إلى ذلك الغدير فوجد ماء متغيرًا، ولا يدري أبنفسه تغير أم ببوله لا يجوز التوضيء به، والأصل الطهارة.
قلنا: أما الأول فقد تقابل هناك أصلان حساب العبد واشتغال ذمته بالكفارة، فلا تبرأ ذمته إلا باليقين.
وأما الثاني: فالأصل في الفرض الظهر والجمعة عارض يجوز بشرائط، فإذا شككنا في شرطه بنينا على أصل الفرض وهو الطهر.
وعلى هذا قال يعض أصحابنا: إذا رفع الشك في ذهاب وقت الجمعة في أثناء الصلاة لا يتمها جمعة على قياس المذهب.
وأما الثالث: فالأصل وجوب غسل الرجلين والمسح جوز رخصة شرط فلا بد من

الجزء: 1 - الصفحة: 160

وجود شرطه باليقين.
وأما الرابع بعد تيقن النجاسة فيه، والظاهر أن التغير منها، فلهذا لا يجوز به الطهر.

باب ما يوجب الغسل

قال: أَخْيَرَنَا الْثَّقَةُ وَذَكَرَ الْخَبر.
وهذا كما قال: الغُسل بضم الغين هو الاغتسال، وهو غسل جميع البدن.
والأشياء التي توجبا الغسل هي أربعة.
شيئان منهما تختص بهما النساء: الطهر من الحيض، والطهر من النفاس، وشيئان تشترك فيهما الرجال والنساء وهو الموت يوجب غسل بدن الميت.
والمخاطب به [121 أ/ 1] من علم من الأحياء والثاني: الجنابة.
وقيل ما يوجب الغسل خمسة: التقاء الختانين، وخروج المني، ودم الحيض، والنفاس، وخروج الولد.
وقيل: أربعة: دم الحيض والنفاس واحد، وخروج المني والولد واحد، لأن المرأة يلزمها الغسل بخروج الولد، لأنه مخلوق من مائها ومائه فيكون بخروجه خروج مائها، وهذا أشبه مما تقدم.
وقيل: ستة، والسادس: الموت.
والأول أحسن لأن في قولنا: والجنابة يدخل التقاء الختانين، وخروج المني، وخروج الولد، فإذا تقرر هذا فالتقاء الختانين هو عبارة عن تغييب الحشفة في الفرج سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، وإذا لم يتصور التقاء الختانين إلا في القبلة.
وختان الرجل: هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلقة، وختان المرأة يقطع نواتها والتقاء الختانين أن يتحاذيا وأن يتضاما، وإنما يتحاذيان إذا غلب حشفته في فرجها لأن شفرتها محيطات بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهو مخرج البول لا غير.
والثالثة فوق ثقبة البول موضع ختانها، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، فقطع هذه الجلدة هو ختانها.
فإذا [121 ب/1] قطعت شوهد موضع قطع تلك الجلدة كالنوا ة، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها وهو مراد الشافعي بما ذكر.
وزاد المزني لهذا بيانا في آخر الباب، وفي بعض النسخ لم يكتب ذلك أصلًا، لأن في بيان الشافعي.
ما يغني عنه فلا فائدة فيه؟ فإذا تقرر هذا، فمتى حصل ذلك يجب الغسل أنزل أو لم ينزل، صغيرة كانت أو كبيرة حية كانت أو ميتة، متلذذًا كان أو غير متلذذ, وكذلك إن كانت هي التي أدخلت ذلك منه في فرجها باختياره أو بغير اختياره، قائمًا كان أو غير قائم.
وفرج البهيمة ودبرها في ذلك كفرج الآدمية ودبرها، وفيما عدا هذا من المباشرة لا يجب الغسل، مثل إن.
ألصق ختانه بختانها إذا أولج في فيها، أو بين فخذيها، أو غيب تصف الحشفة، أو استمنى ولم ينزل.
قال في (الأم) لأن الكف ليس بفرج.
وبهذا قال جمهور الصحابة والفقهاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وروى عن زيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن أرقم أنهم قالوا: لا يجب الغسل به حتى ينزل، وقيل إنهم رجعوا عن ذلك حين روى عن عمر - رض الله عنه - أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالًا.
وقال داود: لا يجب الغسل به.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ((الماء من الماء)).
أي صب الماء] 122 ب/1] على البدن لا يجب إلا بإنزال الماء.
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ومن جامع ولم يمن فلا غسل عليه" روا أبو سعيد الخدري، وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا جامعنا ولم ننزل أن نجدد الوضوء وروى عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبباب رجل من الأنصار.
فدعاه فخرج بعد ساعة ورأسه تقطر ماء فقال له: لعلنا أعجلناك قال: نعم، فقال: إذا جامعت فأقحطت - يعني لم تنزل- فعليك تجديد الوضوء.
وهذا مأخوذ من القحط وهو انقطاع المطر؛ ولأنها.
مباشرة خلت عن الإنزال فأشبهت المباشرة فيما دون الفرج، وهذا غلط لما روي الشافعي عن عائشة - رضي الله عنها - من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلًا وقولًا أما الفعل فتمام الخبر ما روى عن أبي موس الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسالة فأتيت باب عائشة فاستأذنت عليها فأذنت لي فقلت؛ يا أم المؤمنين لقد اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة استحي أن أسئلك عنها فقالت: ما لا تستحي من أمك غسلا تستحي [ب 122/ 1] مني فإني أمكم فقلت: بم يجب الغسل فقالت: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل فعلته أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا)).
وأما القول فما روى القاسم بن محمد بإسناده عن عائشة آن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)).
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قعد بين شعبها الأربع وألصق الختان بالختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل)).
قال الأزهري: أراد شعبتا شفريها، ولأن الله تعالى قال (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)] النساء:43].
قال الشافعي: والجنابة عند العرب هي الجماع وإن لم يكن معها الماء الدافق، ولأنه حكم يتعلق بالجماع فلا يقف على الإنزال لوجوب الحد وكمال المهر.
وأما خبرهم قال ابن عباس - رضي الله عنه - وإنما قال صلى الله عليه وسلم ((الماء من الماء)) في

الجزء: 1 - الصفحة: 162

الاحتلام.
وقيل: كان هذا في ابتداء الإسلام.
ثم فسخ بدليل ما روى عن سهل بن سعيد أنه قال: حدثني أبي بن كعب أن ذلك رخصة رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها، أو يقول: منطوقه لم ينسخ ومفهومه نسخ؛ لأنه وجوب الغسل فإنزال الماء باقي.
وأما قياسه على ما دون الفرج لا يصح؛ لأنه لا يتعلق به شيء من الأحكام [123 أ/1]، وها هنا يتعلق أبه الحد والكفارة، والتحليل الرفع; الأول والإحصان، رفاد العبادات.
إ وقال أبو حنيفة: إذا أتى بهيمة أو ميتة فلا غسل مالم ينزل، وهذا غلط؛ لأنه إيلاج فرج في فرج فأشبه فرج الأدمية الحية، وعلى هذا قال أصحابنا في بحر البصرة سمكة لها فرج كفرج النساء يولج فيها سفهاء الملاحين، فإن كان هكذا فيلزم الغسل بالإيلاج فيها فرع إذا وطئ ميتة قد ذكرنا أنه يلزمه الغسل، وتفسد به العبادات، وتجب به الكفارة، ولا يلزم به المهر إن كان شبهه م ولا حد إن كانت زوجته للشبهة، وإن كانت أجنبيه هل يلزمه الحد لأنه بمحض تحريمه وهل يعاد غسلها؟ قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والصحيج عندي أنه يعاد.
فرع آخر إذا جامع المجبوب امرأة أن تغيب مقدار الحشفة يلزمه المغسل إلا بلا غسل عليه.
فرع لو أولج في دبر.
خنثى مشكل يلزمه الغسل، وإن أولج.
في فرجه فلا غسل، ولا وضوء عليه، لجواز أن يكون خلقة زائدة من الرجل، وإن.
أولج خنثى في دبر خنثى فلا غسل على: واحد منهما؛ لأنا لا نعلم أن الواطئ رجل، وعلى المولج فيه الوضوء بخروج الخارج منه.
فرع لو لف على ذكره خرقة وأولج فيه ففيه وجهان: أحدها: يلزمه الغسل كما لو كان الذكر [123 ب/1] مستورا بالجلدة.
والثان: وهو الصحيح واختاره الإمام الحناطي لا يلزمه الغسل؛ لأنه يصير مولجًا في خرقة، ولأن ذلك.
مانع من وصول اللذة.
وقال أبو الفياض من أصحابنا: وهو اختيار القاضي الإمام الحسن - رحمه الله - إن كانت الخرقة رقيقة لينة لا تمنع اللذة، فإنه يلزمه الغسل، وعنى هذا الخلاف هل يفسد به الحج أم لا؟ فرع آخر لو استدخلت ذكرا مقطوعًا هل يلزمها الغسل؟ وجهان بناء على الوجهين في مس الذكر المقطوع، ويجب عليها الغسل باستدخال ذكر الميت والبهيمة بلا خلاف بين أصحابنا

الجزء: 1 - الصفحة: 163

مسألة [قال]: ((وإن أنزل الماء الدافق معتمدًا أو نائمًا)) الفصل وهذا كما قال: الغسل يجب على الرجل بخروج المني منه سواء كان في حال نومه، أو في حال يقظته، عامدًا أو غير عامد؛ بشهوة أو بغير شهوة للخبر الذي ذكرنا، وكذلك يجب الغسل على المرأة به، لما روي أن أم سليم أم أنس بن مالك - رضي الله عنهما قالت: يا رسول الله هل على إحدانا غسل إذا هي احتلمت؟ فقالت أم سلمة: فضحك رسول الله، فضحكت النساء أو تحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((تربت يمينك فيم يشبه الرجل أخواله إذا ثم قالت: إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للأخوال.
ثم قال لأم سليم: ((نعم إذا رأت الماء)) [124 أ/1 [. وقال أبو حنيفة: إذا خرج من غير شهوة لمرضى أو برد لا يلزمه الغسل وبه قال مالك، وأحمد، وهذا غلط لظاهر الخبر، ولأنه مني خرج من مخرجه المعتاد فاشبه إذا خرج شهوة.
فإذا تقرر هذا فإن صفة ماء الرجل ثخين أبيض له رائحة كرائحة الطلع، أو عجين الدقيق، رطبا ورائحة الييض يابسًا، وقد يتغير لعلة فيخرج رقيقًا أصفر، أو يجهد نفه قي الجماع فيتلون إلى حمرة كماء اللحم، نعرف بالرائحة أبدًا، وبأنه يورث اللذة عند خروجه، نعقبه فترة الأول، وهذا أظهر دلائله.
وماء المرأة أصفر رقيق ورائحته مثل رائحة مني الرجل، وقيل: الماء يشبه رائحته رائحة الطلع، لأن النخلة خلقت من طينة فضلت من التربة التي خلق منها آدم عليه السلام ولهذا قال: ((أكرموا عماتكم)) وهي النخيل.
والمني مشدد لا غير، وإنما سمى منيًا لأنه يمني - أي يراق، وسمى منيًا بهذا الاسم لما يراق بها من الدماء.
يقال: مني الرجل وأمنى، والمذي يشدد يخفف والتخفيف أكثر، يقال: مذي وأمذى.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في السوعاء الوضوء)) قال الإمام أبو سليمان الخطابي في غريب الحديث أراد به المذى، والودي مخفف يقال: ودى الرجل ولا يقال: أودى.
فرع لو أنزلت المرأة المنى إلى فرجها، فإن كانت بكرًا فلا غسل، وإن كانت ثيبًا.
يلزمها الغسل [(124) ب/]؛ لأنه يلزمها تطهير داخله في الاستنجاء فجرى مجرى عضو الظاهر

الجزء: 1 - الصفحة: 164

ذكره في ((الحاوي)).
الفرع لو انكسر صلب رجل فخرج منه المني دون الذكر، ففيه وجهان، وهذا إذا: كان منيًا مستحكمًا.
فرع لو استدخلت مني الرجل ثم ألقته من فرجها فإنه لا يلزمها الغسل.
وقال الحسن البصري: يلزمها الغسل كما لو أنزلت ماء نفسها.
قال القفال: وهو وجه لأصحابنا، وهذا غلط؛ لأنه ليس من مائها فأشبه إذا استدخلت دواء فألقته.
فرع إذا جامعها فاغتسلت ثم خرج مني الرجل من فرجها.
قال أصحابنا: يلزمها الوضوء ولا غسل، وصورته أن تكون صغيرة.
لا ماء لها، أو علمت المرأة أنها لم تنزل، فإن أنزلت عقيب الإيلاج وفارقها، فإن كان, الزمان امتد فالغالب أن منيها اختلط بمني الرجل فيلزمه الغسل ثانيًا.
فرع آخر إذا انتقل المني عن ظهره وثم يطهر لا يلزمه الغسل.
وقال أحمد: يلزمه الغسل؛ لان الشهوة قد حصلت، وهذا غلط لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي- رضي الله عنه ((إذا أفضحت الماء فاغتسل))، والفضح: ظهوره.
ولا ما تتعلق به الطهارة يعتبر طهوره كالبول ونحوه، وما ذكره من الشهوة لا نسلم اعتبارها، ثم الشهوة لا تعلم إلا بخروجه.
فرع آخر إذا أمذى لا يجب عليه الوضوء [125 أ/1] وغسل موضع المذي.
وقال أحمد: يلزمه غسل الذكر والأنثيين، وحكى عن مالك أنه يلزمه غسل الذكر لما روى في خبر علي - رضي الله عنه - حين سأل المقداد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ)).
وهذا غلط لما روينا أنه قال: ينضح على فرجه ويتوضأ، ولأن هذا خارج لا يوجب غسل جمع البدن فلا يوجب غسل مالم يصبه من الذكر كالبول.
وأما خبرهم فإنه تفرد بروايته هشام بن عروة نحمله على الاستحباب.
فرع آخر لو رأى في النوم أنه يحتلم ولم ير في ثوبه آثره فلا غسل عليه، نص عليه في

الجزء: 1 - الصفحة: 165

((الأم)) فقال فيه: فإن وجد في ثوبه منيًا ولا يعلم أنه منه أو من غيره فلا غسل عليه.
قال أصحابنا: وهذا مثل أن ينام في الثوب هو وغيره ممن يمني أو ينام إلى جنبه من يمني، وإن كان الثوب لا ينام فيه غيره فوجد فهو منه يقينًا فعليه الغسل، ويقضي الصلاة لأقرب نومة نامها، والاحتياط أن يقضي الصلوات من الوقت، الذي لا يشك أن الاحتلام كان بعده.
وقال الشافعي في المسألة الأولى، يستحب له أن يغتسل، وهذا حكم من رأى بثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته.
فرع آخر لو شك مما خرج منه فلا يدري انه مني أو مذي، فإن كان توضأ وصلى في ثوب آخر ولم يغتسل [125 ب/1] جازت صلاته، وإن اغتسل وصلى في هذا الثوب ولم يغسل ثوبه جاز أيضًا لاحتمال أنه مني، فإن غسل الثوب وتوضأ وصلى فيه يجوز أيضًا لاحتمال أنه كان مذيًا.
قال القفال: وهل يجب الترتيب في هذا الوضوء؟ وجهان.
وكان يقول: لو أدخل خنثى ذكره في دبر رجل فعلى المفعول به أحد أمرين، إما وضوء مرتب أو غسل، فلا يجب الترتيب في هذا الوضوء؛ لأنه مشكوك فيه، ثم رجع عن هذا فالذهب وجوب الترتيب، فإن لم يغتسل وصلى في هذا الثوب قبل غسله بعدما توضا لا تجوز صلاته؛ لأنه ترك يقين الطهارة من غسل أو غسل ذلك الثوب هكذا ذكر عامة أصحابنا.
وهذا لأنه مخير بين أن يجعله منيًا فيجب الغسل منه فقط، أو يجعله مذيًا فيجب الوضوء منه وغسل الثوب منه لاحتمال الأمرين احتمالًا واحدا- وقال بعض أصحابنا: يلزمه الوضوء فقط فلا غسل للشك، ولا يلزمه غسل الثوب بجواز, أن يكون منيًا، ففيه شك أيضا ذكره في ((الحاوي)) وقطع بهذا.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، رحمه الله-: عندي أنه يجب أن يتوضأ مرتبًا ويغسل سائر بدنه ويغسل الثوب منه؛ لأنا إن جعلناه منيا أو جنبًا غسل ما زاد على أعضاء الوضوء بالشك والأصل عدمه، وإن جعلناه مذيًا أو جنيًا غسل الثوب والترتيب] 126 أ/1] في الوضوء بالشك، والأصل أعدمه وليس أحد الأصلين أولى من الأخر، ولا سبيل إلى إسقاط حكمها؛ لأن الذمة قد اشتغلت بغرض الطهارة والصلاة والتخيير لا يجوز؛ لأنه إذا جعله مذيًا لم يأمن، أو يكون منيًا فلم يغتسل له، فإن حوله منيًا لم يأمن أن يكون مذيًا ولم يغسل الثوب منه ولم يرتب الوضوء منه، فوجب أن يجمع بينهما لسقط الفرض بيقين وهذا أحسن، ولكن الأصح عندي الأول، وذلك أنه إذا اختار أحد الأمرين وفعل فقد صار الثاني مشكوكًا في وجوبه، والأصل أن لا وجوب فلا يكلف ذلك اعتبارًا لليقين لا يزال بالشك.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

فرع أخر قال في ((البويطي)): يكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ لما روى أن عمر - رضي الله عنه- قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد) وروى: ((اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم)) وقال صاحب الإفصاح: إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ يتوضأ أيضًا لانه يستحب هذا للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنه تحققه إيزيله عن أعضاء الوضوء وهو نظر ما.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام)) مع وجود الماء.
فرع أخر ذات الجفاف هل يلزمها الغسل؟ وهي أن تلد ولا ترى الدم فد ذكرنا أنه يجب، وبه قال مالك، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: لا يجب الغسل وهو قول [(126) ب/ [أبي حنيفة؛ لأنه جامد كالحصاة.
والثاني: يجب وهو الصحيح، فإن خرج منها ولد فاغتسلت ثم ولدت آخر أعادت الغسل للولد الثاني، فعلى هذا هل تغتسل حال وضعها أو بعد مضي ساعة وجهان بناء على أن أول النفاس محدود بساعة أم لا؟ وعلى هذا لو كانت الولادة في رمضان هل يبطل صومها؟ فإن قلنا: لا غسل عليها فهي على صومها، وإن قلنا: يلزمها الغسل بطل صومها، ذكره صاحب ((الحاوي)) وعندي أنه لا يبطل صومها بكل حال قال: لأنها مغلوب عليها كالأخت لأم.
وقيل: يجب الغسل على الرجل بشيئين وعلى المرأة بخمسة أشياء التقاء الختاتين وإنزال الماء وخروج دم الحيض والنفاس والولد.
قال: ((وقبل البول وبعده سواء)) وهذا كما قال قصد به الرد على مالك، لأنه قال: إذا اغتسل الرجل عند خروج المني مرة ثم خرج منه المني مرة أخرى، فإن كان ذلك قبل البول فهو من بقية المني الأول في قضيبه فلا غسل عليه ثانيًا، فإن كان بعد البول فهو مني جديد يلزمه الغسل ثانيًا.
وقال صاحب ((الحاوي)) هذا مذهب الأوزاعي وعند مالك والثوري لا يلزمه إعادة الغسل بعد الإنزال الثانى قبل البول وبعده؛ لأنه بقية المنى الأول الذي اغتسل له وسببهما واحد.
وبه قال أبو يوسف وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: إن كان [127 أ/1] قبل البول يلزمه الغسل؛ لأنه بقية ما خرج بشهوة وبعد البول إذا خرج فلا غسل عليه؛ لأنه خرج بغير شهوة.
وحكى هذا عن الأوزاعي، وعندنا يلزمه الغسل بكل

الجزء: 1 - الصفحة: 167

حال؛ لأن موجب الغسل الإنزال وهو ظهور المني وقد وجد ذلك.
فرع قال في ((الأم)): ((وإذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق شعره، فإن لم يفعل ولم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ويصلي)) وإن كان قد أجنب واغتسل ثم أسلم فعليه أن يغتسل، وغسله في حال شركه لا يجزيه؛ لأن من شرطه النية، والكافر لا نية له، ومن أصحابنا من قال: يصح غسله في حال كفره ولا تجب عليه الإعادة؛ لأن الشافعي - رحمه الله - نص على أن الذمية إذا اغتسلت من الحيض يحل للزوج وطئها.
وقد تقدم الكلام فيه.
وقال مالك وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر،: يلزم الغسل بإسلامه وأن لم يكن جنبا.
واحتجوا بما روى: أن كافرا اسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الق عنك شعر الكفر واغتسل".
وروى أن قيس بن عاصم، وثمامه بن اثال: اسلما فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل وهذا غلط لان العدد الكثير من الكفار اسلموا ولم يأمرهم بالغسل ولو أمر لنقل نقلا ظاهرا، ويحمل الأمر لجماعه معدودين على الاستحباب؛ ولأن الإسلام عباده ليس من شرطها الغسل، فلا يجب لها [127/ ب [الغسل كالجمعة.
فرع أخر لو توضأ أو تيمم ثم ارتد عن الإسلام ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ببطلان وبه قال أحمد؛ لان الردة إذا صادفت عباده أبطلتها وكل عباده تبطل بالحدث تبطل بالردة الصلاة.
والثاني: لا يبطلان؛ لأن الطهارة لا تبطل بالحدث، والردة ليست بحدث، ولأن غسلها من الحيض لا يبطل بردتها، بدليل أن لو أسلمت لا يحرو وطئها حتى يغتسل فكذلك هذا، وجب أن لا يبطل، وهذا أقيس، وتفارق الصلاة لأنها لا تبطل بعد الفراغ منها بالردة، وتبطل بالردة فيها لبطلان النية.
فان قيل: أليس الوضوء يبطل بعد الفراغ منه بالحدث فينبغي أن يبطل بالردة في هذه الحالة.
وقلنا: لا نقول الوضوء بطل ويفسد بما يحدث، بل يقول: صار محدثا فيحتاج إلى طهارة لهذا الحدث، بدليل أن الجنب إذا تيمم ثم احدث وجب عليه التيمم فلا يحرم عليه قراءه القران، فلو بطل تيممه السابق تحرم عليه القراءة.
والوجه الثالث: وهو ظاهر المذهب أنه يبطل التيمم دون الوضوء؛ لأن الوضوء يرفع الحدث فلا يبطل إلا بالحدث، وبالتيمم تستباح الصلاة والردة تمنع استباحتها فبطل بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 168

مسألة [قال]: "وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها ". وهذا كما قال قد قيل لا معنى لتغييره العادة في الحائض والنفساء، إلا النجسين وقيل هو [128 أ / 1 [إشارة إلى أن دم النفاس لا يتقدر أوله بمنى ارتفع بعد الولادة، وأن قيل يلزمها الغسل، وفي الحائض إذا ارتفع قبل تمام يوم لا يكون حيضا ولا يلزمها به الغسل حتى تطهر بعد تمام أقل المدة، ومع هذا لو قال: تغتسل الحائض والنفساء إذا طهرتا صح أيضًا، فإذا تقرر هذا فالغسل من الحيض يجب بخروجه، وفعل الغسل يجب بانقطاعه كظهور البول، فإنه موجب الوضوء وانقطاعه موجب فعله.
وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يجب بخروجه وهو المذهب.
والثاني: يجب بانقطاعه وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان والصحيح ما ذكرنا.
فرع لو أصابتها جناية ثم حاضت قبل الاغتسال فلا غسل عليها وهي حائض، فإذا انقطع أجزأها غسل واحد لهما، وكذلك لو احتلمت وهى حائض.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن للحائض قراءة القرآن تغتسل هي للقراءة وهذا ليس شيء.

باب غسل الجنابة

مسألة: قال الشافعي: ((يبدأ الجنب فيغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء)) الفصل وهذا كما قال الكلام في غسل الجناية في شيئين، أحدها: في الأفضل.
والثاني: في الواجب.
فأما الأفضل فالمستحب أنه يبدأ فيسمى الله تعالى وينوي، ولم يذكر الشافعي هذا ها هنا اكتفاء بما ذكر في الوضوء، ثم يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، ثم يصب الماء بيمينه] 128 ب/1] على شماله فيغسل أسافله من الأذى في موضع الاستنجاء وغيره، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء ويأخذ الماء بها فيشرب أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات من ماء، وهو أن يأخذ الماء بكفيه ويحثيه على رأسه مرة ثم مرة ثم مرة، حتى ينحدر كل مرة إلى جسده، ثم أفاض الماء على جسده وأمر يده على جسده حتى يصل الماء إلى شعره وبشره.
قال أصحابنا: ويفيض الماء على شقه الأيمن أولًا، ثم على شقه الأيسر وهذا أحسن، وقيل كماله في عشرة أشياء: النية واستدامتها إلى إفاضة الماء على جسده,

الجزء: 1 - الصفحة: 169

والثاني: التسمية, والثالث: غسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء, والرابع: غسل ما به من النجاسة فالأذى.
أراد بالنجاسة.
المذي وبالأذى: المني, والخامس: يتوضأ كامًلا.
والسادس: يخلل بيد أصابعه أصول شعر رأسه ولحيته, والسابع: بحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء, والثامن: يبدأ بإفاضة الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر والتاسع: الدلك, والعاشر: إيصال الماء إلى جميع شعره وبشره.
فظاهر ما قال في " الجديد": أنه يقدم غسل الرجلين على إفاضة لماء على رأسه وهو رواية عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل هكذا, وهذا هو المذهب.
وقال في "البويطي" [129 أ/ 1]: يؤخر غسل الرجلين وينجي عن المكان ثم يغسل رجليه في الآخر.
وبه قال أبو حنيفة وهو رواية ابن عباس عن خالته ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتسل في بيتها هكذا, قالت: ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وكلاهما جائز بلا أشكال.
وأما الواجب: فشيئان: النية, وإيصال الماء إلى جميع البشرة والشعر.
قال في "الأم": "وعليه أن يغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما ويدخل الماء فيما ظهر من الصماخ وليس عليه أن يدخل الماء فيما بطن منه" وليس عليه إدخال الماء في العينين لأنهما باطنان بالجفون, فأعلم أن ههنا شيئان آخران يختلفان باختلاف الحال: أحدهما: غسل النجاسة, فإن كانت يجب غسلها وإلا لا يجب.
والثاني: وضوءه للصلاة, فإن لم يكن أحدث, مثل أن ابتدأ الإنزال بالنظر أو الاستنجاء فلا يلزمه الوضوء, وكان مسنونًا في غسله لا فرضًا, وإن كان أحدث قبل الجنابة فيه ثلاثة أوجه معروفة.
فإذا قلنا بين الوضوء والغسل فالأولى أن يقدم الوضوء على الغسل, ولو ترك شعرة لم يصبها الماء لا يجوز غسله.
وحكى عن أبي حنيفة أنه يجوز غسله.
ذكره صاحب"الحاوي" وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" والسنة في الغسل: سنة التسمية وغسل الكفين وتخليل الشعر [129 ب/ 1] وإفاضة الماء على الرأس ثلاثًا والبداية الميامن في الدلك.
مسألة: قال: "فإن ترك إمرار يديه على جسده فلا يضره".
وهذا كما قال: قصد به الرد على مالك فإنه يقول: يجب إسرار اليد إلى حيث ينال, وبه قال المزني, واحتج بأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه.
وهذا غلط لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة.
وقد سألت عن غسل الجناية: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذًا أنت قد طهرت"

الجزء: 1 - الصفحة: 170

ولم يأمر بالدلك.
وقال الشافعي:"وفي إفاضة النبي صلى الله عليه وسلمعلى جلده دليل أنه إن لم يدلكه أجزأه".
وهذا إشارة إلى الخبر الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم سئل ن الاغتسال من الجنابة.
فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات, من ماء, فإذا أنا قد طهرت" ولميذكر الدلك.
واحتج الشافعي أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم للمتيمم:"إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ولم يأمر بالدلك.
وتمام الخبر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفار فصلى جماعة, ثم رأى رجلاً معزولاً عن القوم لم يصل معهم, فقال له: ما لك لم تصل معنا؟ فقال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم [130 أ/ 1] " التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج, فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ثم بعد ذلك وجد الماء فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: "خذ الماء فاغتسل" ولم يأمره بالوضوء ولا بالدلك وأما قوله: أنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك, فلنا: لا نسلم ويقال: غسل الإناء من ولوغ الكلب, وغسل يده وإن لم تمر يده فكذلك هذا.
وفي هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على أن الوضوء فيه لا يجب خلافًا لأبي ثور وداود, وهو معنى قوله: وفي أمره الجنب المتيممم إذا وجد الماء اغتسل ولم يأمره بوضوء دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
مسألة: قال: "فإن ترك الوضوء للجنابة والمضمضة والاستنشاق" فقد أساء ويجزيه ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
وهذا كما قال.
وقصد به الرد على أبي حنيفة وأبي ثور, وقد ذكرنا مذهبهما, ثم أنه قال: ويستأنف المضمضة والاستنشاق" ولم يقل ويستأنف الوضوء لأمرين: أحدهما: أن الشافعي عرف الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق, فندب إليهما الاحتياط في الخروج من الخلاف, ولم يعرف مثل ذلك في الوضوء؛ لأن أبا ثور إنما ظهر مذهبه بعد الشافعي.
والثاني: أن سائر الأعضاء سوى الفم والأنف صارت مغسولة في جملة الاغتسال, فلا معنى لاستئناف غسلها بعد الفراغ بخلاف الفم والأنف, ولأنهما عضوان يتغيران عند طول العهد بالماء فأمر باستئنافها لهذا المعنى, ثم احتج على أبي حنيفة خاصة فقال: "وقد فرض الله غسل الوجه من الحدث كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة" فإذا لم تجب [130 ب/ 1] المضمضة والاستنشاق في

الجزء: 1 - الصفحة: 171

الوضوء كذلك في الجنابة, وهذا قياس الغسل على الوجه بعلة أنه طهارة فرض فيها غسل الوجه من الحدث.
مسألة: قال: "والمرأة في غسلها كالرجل".
وهذا كما قال.
ذكر الشافعي بعد غسل الرجل غسل المرأة وذكر في غسلها زيادة, وهب أنها تحتاج من غمر ضفائرها أكثر ما يحتاج الرجل.
أعني الرجل الذي لا ضفائر له.
فأما إذا كان له ضفائر أو لحية طويلة كثيفة فحكمه حكمها, ولابد من اتصال الماء في الجنابة إلى أصول شعرهما.
والضفائر والدواب واحد, وهو أن تضفر شعر رأسها- والصفر: هو الفتل-ثم فيه ثلاثة مسائل:- إحداهما: أن يكون الشعر خفيفًا والضفر سهلاً لا يمنع وصول الماء إلى كل الشعر والبشرة التي تحنه, فلا يحتاج إلى نقض ضفائرها ويجزيها أن تغمرها بقدر ما ترى أن قد وصل الماء إليها.
وحكى عن النخعي أنه قال: يلزم نقضها على كل حال.
وهذا غلط لما روى عن أم سلمة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنفضه للغسل من الجنابة فقال: "لا يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" الخبر.
والثانية: أن يكون كثيفًا والضفائر قوية ملبدة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بنقضها, فإنه يلزمها نقضها وغسلها.
وحكى عن مالك أنه قال: "لا يلزمها ذلك [131 أ/ 1] ويجوز غسلها, وإن لم يصل الماء إلى داخل الضفائر.
واحتج بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يضر المرأة الجنب ولا الحائض أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شؤون الرأس" وروى شؤن الرأس الشك من الراوي وشؤن الرأس أعلاه وأيضًا خبر أم سلمة الذي ذكرنا قلنا: إنما ذكر ذلك على غالب الحال أنه يصل الماء إليها دون النقص بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "تحت كل شعرة جنابة" الخبر والثالثة: أن يكون الشعر محشوًا فتكون كالضفائر, فإن كان ثخينًا يمنع وصول الماء فعليه إزالته وتسريحه حتى يزول الحائل ثم يصل الماء إليها, وإن كان الحشو رقيقًا مثل الدهن ونحوه, فإن ذلك لا يمنع وصول الماء إليه فلا يلزمه نقضه وتسريحه, وإن كان الشعر طويلاً فعليه لطوله نص عليه في"الأم".
وحكي عن أحمد أنه قال: "الحائض تنفض شعرها بخلاف الجنب لما روى أن

الجزء: 1 - الصفحة: 172

النبي صلى الله عليه وسلم قال للحائض: "خذي ماءك وسدرك وأمشطي" وقال لأم سلمة: "أفيضي الماء" وهذا غلط لأنه موضع من البدن فاستوي فيه غسل الحائض والجنب كسائر الأعضاء, وليس بين الخبرين اختلاف؛ لأن ذلك على الاستحباب بدليل أن السدر والمشط لا يجب, وأم سلمة سألته عن الجواز [131 ب/].
فرع لو كان في شعرها عقد كان جدي- رحمه الله - يفتي أنه لا يجوز الغسل حتى تقطع تلك العقد وتغسل.
وإن كان قد صلى يلزمه إعادة الصلاة ورأيت في تصنيف الإمام أن أبي محمد الحويني أنه لا يلزمه قطعها ويجوز الغسل, وهو الأصح عندي؛ لأن تلك العقدة لا يتوهم انحلالها, فهي كالتصاق الأصبع بالأصبع والتحامه, ولأن الماء يتخلل الشعر عند إصابة الماء.
فرع آخر إذا كان مقطوع الأذن والشفتين هل يجب غسل ما ظهر بالقطع في الجنابة والوضوء؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأن إيصال الماء إلى بعض الموضع كان ممكنًا قبل القطع, ولم يوجب لكونه باطنًا بأصل الخلقة فلم يجب بعد القطع أيضًا.
والثاني: يجب, لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعندي هذا هو المذهب والوجه الأول خطأ.
فرع آخر إذا لم يكن مجنونًا هل يلزم إيصال الماء في الجنابة إلى ما تحت القلفة وجهان: أحدهما: يجب لأن تلك الجلدة هي مستحقة الإزالة.
والثاني: لا يجب لأن الجلدة هي في حكم الغسل لم يجعلها كالمعدوم, ولهذا لو غسل الباطن وترك الظاهر لا يجزيه, فإذا تعلق الغسل بظاهرها فما تحتها باطن بأصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه.
والأول أصح عندي.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: يجب على الثيب غسل الباطن [132 أ/ 1] الفرج في غسل الحيض, لأن الدم نجاسة أجنبية يمكن إزالتها, وأما في غسل الجنابة إن قلنا رطوبة الفرج نجسة فلا يجب, لأن الغسل لا يفيد فائدة.
وإن قلنا: الرطوبة طاهرة ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب لأن الموضع باطن بأصل الخلقة.
والثاني: يجب لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعلى هذا يلزمها أن تغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 173

القذر الذي يظهر من باطن فرجها إذا قعدت على رجليها, مثل ما تقعد لقضاء الحاجة, وما زاد لا يجب لأنه بقي باطنًا كما كان.
فرع آخر هل يجب على السيد أن يشتري الماء للوضوء والغسل من الحيض والجنابة؟ وجهان أحدهما: تجب لزكاة الفطر, والثاني: لا يجب لأن له بدلاً وهو التيمم, وفي الزوجة قيل حكمها حكم المملوك وقيل: لا تلزمه لغسل الحيض والنفاس, لأنه من مؤنة التسليم, أو لا يمكنها التسليم إلا بذلك.
والتسليم واجب عليها فيلزمها مؤنته [132 ب/ 1].
مسألة: قال: ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل من الحيض قال:"خذي فرصة من مسكٍ.
الفصل وهذا كما قال تمام الخبر [أن] امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الحيض فعلمها ثم قال في الآخر: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها فاستحيي منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها وقال: "سبحان الله, تطهري بها".
وروى: "ويلك تطهري بها" قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد فقلت: تتبعي بها أثر الدم.
قال الشافعي: هذا زيادة في غسلها من الحيض على الغسل من الجنابة, وهو مستحب لإزالة الرائحة الكريهة, وإنما توصل هذا إلى الموضع الذي يجب عليها إيصال الماء إليه من باطن فرجها ولا يجب ذلك.
وروى: "فرصة ممسكة": يريد قطنة ملطخة بالمسك مطيبة بها.
وروي: "جدي فرصة فتمسكي بما" يعني تطيبي بها من المسك.
والفرصة هي القطعة من كل شيء.
وقيل: هو التمسك باليد.
وقال أبو عمرو: فرصة أبو عمرو: فرصة من مسك: هي المسك المعجون بالمسك يكون عند نساء المدينة, فإذا كان فيها مسك سميت فرصة بالفاء مكسورة, وإن لم يكن فيها مسك سميت سكيكة.
وقال أبو عبيدة: إنما هو فرصة من مسك بالقاف مضمومة [133 أ/ 1] وفتح الميم: أي قطعة من جلد لتنقي آثار الدم والرواية المشهورة ما ذكرنا.
فإن كانت رواية أبي عبيدة صحيحة لم يمتنع أن يجمع بين الأمرين, فيكون الجلد لتتبع الدم وإبقاء آثاره, والمقصود من المسك أن به رائحة الدم فتعمل لذة الدفع, وقيل: المقصود أنه يسرع إلى علوق الولد, فإن عدمت المسك فمن قال بالأول قال: يستعمل خلقة في طيب الرائحة, ومن قال بالثاني قال: يستعمل ما يقوم في إسراع العلوق من القسط والأظفار, وهل هو قبل الغسل أو بعده, من

الجزء: 1 - الصفحة: 174

قال بالأول قال بعده, ومن قال بالثاني أمر فبله, ثم قال في"المختصر" قال الشافعي: فإن لم يجد مسكًا وطيبًا أي غيره من الطيب.
وقيل: قرئ فطينًا- يعني أن لم يكن مسك ولا غيره من الطيب فيستعمل الطين فإن لم يجد فالماء كاف أي يكفي في التطهير ولا حاجة إلى غيره.
قال أصحابنا: ونظيره الصائم يفطر بالتمر استحبابًا, فإن لم يجد فبحلاوة سوى التمر, فإن لم يجد فالماء كافٍ.
وقيل: الطين بالنون لا يصح؛ لأن الشافعي بينه في "الأم" فقال: " فإن لم يكن مسك فطيب ما كان إتباعًا للسنة ولم يذكر الطين ولو لم يفعل ما ذكرنا وانغمست في ماء برأ وأتى الماء على شعرها وبشرتها أجزأها.
فرع قال في "البويطي": وأكره للجنب أن يغتسل [133 ب/ 1] في البئر معينة كانت أو دائمة, وفي الماء الراكد قليلاً أو كثيرًا والبول فيه, لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" ولو وقف تحت مطر حتى أتى الماء على شعره وبشره أجزأه, وإن كان ذا غضون في رأسه أو جسده فعليه أن يغلغل الماء في غضونه حتى يدخلها.
مسألة: قال: "وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما".
وهذا كما قال: أراد به أنه لا ترتيب في الغسل بخلاف الوضوء لأنه جملة واحدة بخلاف الوضوء.
وقال بعض أصحابنا: إنما يستحق أن يبدأ برأسه.
وقال إسحاق: تجب البدأة في الغسل بأعلاه البدن.
مسألة: قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة فيهما لم يضره".
وهذا كما قال أعضاء المحدث والجنب والحائض هي طاهرة, لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة- رضي الله عنها- "أنا وليني الخمرة من المسجد" فقالت: أنا حائض فقال: "ليست حيضتك في يدك".
وروى أنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى عليه وسلم وهي حائض.
وروي عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب فسلم علي

الجزء: 1 - الصفحة: 175

وأراد أن يصافحني فقبضت عنه يدي وذهبت فاغتسلت [134 أ/ 1] ثم أتيته فقلت: يا رسول الله ما منعني من مصافحتك إلا إني كنت جنبًا.
فقال: "ليست الجنابة في اليد أما علمت أن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر".
وهذا إذا أدخل يده ليعرف حرارة الماء وبرودته, فإن أدخلها فيه بنية الغسل الواجب وأخرج, فإنه يصير الماء مستعملاً لا يصلح الطهور.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن أدخل رجله في ماء قليل نجس الماء, وكذلك في ماء ثان, فإن أدخلهما في ثالث لم ينجس, ولو أدخل يده لم ينجس لأنه يحتاج إلى إدخال يده دون رجله.
وحكي هذا عن أبي يوسف وهو الأصح, وهو غلط؛ لأنه لا فرق بين اليد والرجل في حكم النجاسة.
فرع لو نجس بدون الجنب كله فاغتسل غسلاً واحدًا طهر من نجاسته, وهل يطهر من جنابته؟ وجهان: أحدهما: طهر لأن الماء لاقاهما في حالة واحدة, وليس ارتفاع أحدهما أولى من الآخر.
والثاني: لا يطهر حتى يغتسل ثانيًا لأن ماء الغسل الأول صار بملاقاة النجاسة مستعملاً فيها, وما استعمل في النجاسة لم يرتفع بع حدث الجنابة.
فرع لو قلب الجنب الماء على رأسه وظهره نجاسة فأزالها.
فإن قلنا: إن الماء المستعمل في الحدث يصلح لإزالة النجاسة نحكم بطهارة المحل, ولكن لابد [134 ب/ 1] من غسل ذلك الموضع كرة أخرى للجنابة في أحد الوجهين؛ لأنهما فرضان مختلفان.
وإن قلنا: الماء المستعمل في الحدث لا يصلح لإزالة النجاسة فهل نحكم بطهارة الموضع؟ وجهان: أحدهما: نحكم به لأن الماء قائم على المحل, وإنما يثبت له صفة الاستعمال بعد الانفصال.
والثاني: لا نحكم به, لأنا لا نجعل الماء مستعملاً في حكم الجنابة للحاجة, فإنا لو قلنا بخلافه لاحتاج كل جزء من بدنه إلى ماء جديد, وهذه طهارة أخرى, فيكون الماء مستعملاً في حكمها, فعلى هذا لابد وأن يغسل الموضع عن النجاسة ثم يغسلها مرة أخرى عن الجنابة؛ لأن بقاء النجاسة على الموضع يمنع ارتفاع الجنابة عنه بالماء الأول.
فرع آخر لو أدخل يده في إناء بنية الغسل من الجنابة ليقلب الماء على رأسه, فالمذهب أن الجنابة ترتفع عن يده ويصير الماء في الإناء مستعملاً, والذي على اليد

الجزء: 1 - الصفحة: 176

غير مستعمل, فإن قلب على رأسه لم ترتفع الجنابة؛ لأنه انفصل عن اليد فصار مستعملاً, وفيه وجه آخر أنه لا يصير الماء مستعملاً لأنه لا يقصد بإدخال اليد فيه غسل اليد من طريق العادة, بل يجعل يده آلة لنقل الماء على رأسه فيصير كمن أدخل يمينه في الإناء قاصدًا أن يكون يمينه آلة يقلب الماء بها على رأسه, لا يصير الماء مستعملاً فعلى هذا لا تصير اليد [135 أ/ 1] مغسولة إلا أن بمفردها أو يمر عليها الذي قلب منه على رأسه, وهكذا الحكم في الحدث إذا أدخل يده في الإناء بعد غسل الوجه.

باب فضل الجنب وغيره

قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر.
وهذا كما قال: اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين: إحداها: جواز التوضئ بفضل وضوء الغير, وهو على ضربين؛ مستعمل, وغير مستعمل فالمستعمل له باب يأتي, وأما ما فضل في الإناء فهو طاهر يجوز التوضئ به, سواء فضل عن الرجل أو عن المرأة, ويجوز لكل واحد منهما أن يتوضأ بفضل صاحبه, ولا فرق بين فضل الوضوء وبين فضل الغسل.
وروي عن أحمد أنه قال: "لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت به" وبه قال إسحاق, وعنه رواية أخرى أنه يكره ذلك, وذكر أصحابنا بخراسان عنه أنه قال: يجوز لكل واحد منهما استعمال ما فضل في الحالة التي تستعمله, حتى لو أن جنبيين يغتسلان من إناء واحد جاز.
فأما إذا استعملت وبقي البعض لا يجوز للرجل استعماله بعد ذلك, وروى الكراهة عن الحسن, وسعيد بن المسيب, وروى عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: لا يكره فضل وضوءهما إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا, فإنها إذا [135 ب/ 1] خلت به قال: لا تقر به.
وحكي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: لا يجوز استعماله بحال, واحتج أحمد بما روى الحكم بن عمرو, أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.
وهذا غلط لما روى ابن عباس عن ميمونة قالت: أجنبت فاغتسلت في جفنة, ففضلت فيها فضلة, فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه, فقلت: إني اغتسلت منه, فقال: "الماء ليس عليه جنابة" واغتسل منه.
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد.
وأراد ما روى أنه كان إذ على ذاك على رأس المنبر حجر محفور مثل المهراس يجعل فيه الماء ويتطهر منه الرجال والنساء قبل نزول آية الحجاب.
وروي من الجنابة كان يقول: "ابقي لي وأنا أقول:

الجزء: 1 - الصفحة: 177

أبقي لي" وكان صورة الحال أنه كان بينهما سترة وتصل يد كل واحد منهما إلى الإناء.
واحتج الشافعي في أول هذا الباب بحديث أنس بن مالك وتمامة أنه قال أذن بلال يومًا, فرجع رجال إلى دورهم وبقي رجال في المسجد لا يأوون إلى أهل, فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء يعني [136 أ/ 1] إناء فجعلوا يشربون إليه فقال: "ما لهم" فقيل: لا ماء معهم, فوضع يده في الإناء حتى رأيته يثني أصابعه من ضيق الإناء, وقال لهم: "هلموا إلى الوضوء المبارك" فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأ الناس من عند آخرهم فقيل له: كم كانوا؟ فقالوا: ما بين السبعين إلى ثمانين.
ومعلوم أنهم توضئوا واحدًا بعد واحد, فحصل وضوء بعضهم من فضل بعض.
وأما الخبر الذي احتج به, قال محمد بن إسماعيل البخاري: هذا الخبر لا يصح وهو موقوف, ومن رفعه فقد أخطأ, ثم يحتمل أنه كان فسخ بخبرنا بدليل أن ميمونة قالت: فقلت: "إني قد اغتسلت منه" وهذا يدل على مقدم النهي, أو يحمل على ما استعملته, وسأل عن أعضائها, ثم ذكر الشافعي الأخبار الدالة على أن بدن الحائض طاهر, فلا يجوز أن يصير الماء الفاضل عنها مهجورًا.
والمسألة الثانية: أنه لا حد لأقل ما يجوز التوضئ به والغسل من الماء.
وقال في"الأم": أقل ما يكفي فيما أمر بغسله أن يأخذ الماء ثم يجزيه عليه والمستحب أن لا ينقص في غسله عن صاع, وفي وضوئه عن مد, فإن أمكن بدون ذلك جاز فقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالقليل فلا يكفي ويختلف ذلك باختلاف الأبدان".وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وروي عن [136 ب/ 1] جابر- رضي الله عنه- أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاع.
فقال رجل: ما يكفيني, فقال جابر: قد كان يكفي من كان خيرًا منك وأوفر منك شعرًا.
وروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها- أنها قالت: "كنت اغتسل أنا ورسوله الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال له الفرق".
قال الشافعي في "الأم" والفرق ثلاثة آصع [يكون ستة عشر رطلاً، وحكي عن محمد أنه قال: لا يمكن المغتسل أن يعم

الجزء: 1 - الصفحة: 178

جميع بدنه بما] قل عن صاع, ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوءه بأقل من مد.
ويحكى هذا عن أبي حنيفة.
وهذا غلط لما روى عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد وقالت أم عمار: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ثلثا مد فتوضأ به.
وروى أنه كان يتوضأ بما لا يبل الثري من تحته، وهذا إشارة إلى رفقه واستغلاله.
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بنصف مد.
وروى عن عبد الرحمن بن أبي لبيئة سمع سعيد بن المسيب, ورجل من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان من غسل الجنابة, فقال سعيد: إن لي نورًا يسع مدين من ماء أو نحو ذلك, فأغتسل به فيكفيني مني فضل, فقال الرجل: إني لأستنثر أتمضمض بمدين من الماء, فقال له سعيد: فما تأمرني إن [137 أ/ 1] كان الشيطان يلعب بك؟ فقال الرجل: فكم يكفيني؟ فإني رجل كما ترى عظيم, فقال له سعيد: ثلاثة أمداد.
فقال: إن ثلاثة أمداد قليل, فقال له سعيد: فصاع, فقل سعيد: إن لي لركوة وقدحًا ما يسع إلا نصف مد أو نحوه, ثم أبول فأتوضأ منه وأفضل فضلاً, فقال عبد الرحمن: فذكرت هذا الحديث الذي سمعته من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار فقال لي سليمان: وأنا مثل ذلك, فذكرت ذلك لأبي عبيدة بن عمار وياسر فقالوا: هكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض أصحابنا: صاع الجنابة ثمانية أرطال وثلث, والمد رطل وثلث.

باب التيمم

قال: قال الله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:43] الآية.
وهذا كما قال, وجملة ذلك أن التيمم في اللغة: هو القصد فقال: تيممت ثلاثًا: أي قصدته, وكان ابن مسعود- رضي الله عنه- يقرأ فأتوا صعيدًا طيبًا.
وقال الشافعي: في "الأم": ولا ينفع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار.
وقال بعض المفسرين: يقع على التراب وعلى وجه الأرض, وعلى الطريق, والأول أشبه؛ لأن أهل التفسير قالوا في قوله تعالى: ﴿فتصبح صعيدًا [137 ب/ 1] زلقًا﴾ [الكهف: 40] أي ترابًا أملس وقوله: ﴿طيبًا﴾ أي طاهرًا, وقال سفيان: أراد حلالاً, والأول أشبه, والأصل في التيمم ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فافتقدت عقدًا لي من جزع ظفار, فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتبس على ليلته لأطلب عقدي, فاحتبس فأصبح الناس على غير ماء وليس معهم ماء, فأتوا أبا بكر يشكونني فدخل علي ابو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم ورأسه في حجر فقال: يا لكاع حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 1 - الصفحة: 179

فأوحى إليه فلما سرى عنه الوحي تلا هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:43] الآية فخرج يقرأ على الناس: فتيمموا وصلوا.
وجعلوا يهنون أبا بكر, ويقولون: ما أعظم بركتكم يا آل أبي بكر ما نزلت بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها فسحة.
واعلم أن التيمم في الشرع: هو عبارة عما جعل بدلاً عن الوضوء, والغسل وهو مسح الوجه واليدين بالتراب, وسمي تيممًا لأن القصد فيه إلى التراب شرط، ولا خلاف بين الأمة في جواز التيمم في الجملة, وأنه [138 أ/ 1] يستوي فيه الجنب والمحدث, وأنه على الوجه واليدين وحدهما, إلا أنهم اختلفوا في مقدار ما يلزمه من مسح اليدين, فقال مالك: تمسح اليدين إلى الكوعين.
وبه قال ابن مسعود, وابن عباس, وعكرمة, ومكحول, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق, وداود, وابن جرير الطبري.
ورواه أصحابنا عن علي- رضي الله عنه- وقالوا: لا يصح عن مالك هذا المذهب.
وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم" رواه أبو ثور, وقال أصابنا: منصوصة في:"القديم كله" خلاف هذا, ولا يصح هذا غير الشافعي فالمسألة على قول واحد, وقيل فيه قولان وليس بشيء.
وقال الزعفراني: جعله الشافعي في "القديم" موقوفًا على صحة حديث عمار, وهو أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وكفيك".
وقد روى عنه خلافه ويديه إلى المرفقين والزيادة أولى.
وقال الزهري: يمسح يديه إلى الإبطين والمنكبين وقال ابن سيرين: يضرب ثلاثة ضربات ضربة لوجهه, وضربة لكفيه, وضربة لذراعيه.
وروى عن الأوزاعي, وسعيد بن المسيب, وأحمد، وإسحاق: يضرب ضربة واحدة لوجهه, وكفيه.
وعندنا يضرب ضربة لوجهه, وضربة لليدين إلى المرفقين وبه قال عمرو ابن عمر, وجابر, وعلي في رواية- رضي الله عنهم- والحسن [138 ب/ 1] ولبشعبي, والليث, والثوري, وأبو حنيفة, وأصحابه.
والدليل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التيمم ضربتان للوجه, وضربة لليدين إلى المرفقين".
وروي أنه صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه.
ولأنه طهارة عن حدث فيتقدر فرض اليدين فيها إلى المرفقين, كالوضوء, أو عضو له مدخل في التيمم

الجزء: 1 - الصفحة: 180

فيؤتى به على ما يؤتى في الوضوء ظاهرًا كالوجه.
وقال الشافعي: ومعقول إذا كان بدًلا من الوضوء على الوجه واليدين, أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه, أي: هو بدل على محل الفرص من الوجه واليدين, بخلاف المسح على الخفين فإنه على سائر المحل, لا على نفس المحل.
واحتجوا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم "تيمم فمسح وجهه وكفيه" ولأن مطلق اليد منصرف إلى الكوع, بدليل قوله تعالي: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:38] وقوله صلى الله عليه وسلم: "في اليدين الدية" فأراد إلى الكوع.
قلنا: أراد به اليدين إلى المرفقين, والعرب تسمى الشيء باسم بعضه.
وأما القياس فلا يصح لأن ها هنا, تقدم ذكر المرفقين في الوضوء, وأطلق في التيمم, فيحمل المطلق على المقيد, أو بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مقداره هنا وفي السرقة قدر بالكوع, وفي الدية الحكم للأصابع والكف تابع بخلاف هذا, [139 أ/ 1] ثم قياس العبادة على العبادة, والطهارة على الطهارة أولى لأنها أقرب وأحوط.
واحتج الزهري بما روى عن عمار بن ياسر أنه لما نزلت آية التيمم ضربوا أيديهم في أرض ومسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب.
وهذا لا يصح لأن هذا فعلهم وخبرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم, فكان أولي أو صار ذلك منسوخًا بخبرنا.
مسألة: قال: "والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد".
الفصل وهذا كما قال.
والكلام الآية في الممسوح به وما يجوز به التيمم, واختلف الناس فيه على ستة مذاهب, فقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب.
فأما بغيره من النورة والزرنيخ والكحل والرمل الذي هو دقاق الحجر لا يجوز.
وبه قال أحمد, وداود.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض من التراب والكحل والزرنيخ والصعيد وجه الأرض, ولا يجوز بسحالة الذهب والفضة والنحاس.
قال: وليس من شرط التيمم أن تعلق باليد شيء حتى لو ضرب يده على صخرة صماء فإنه يجوز, وبه قال مالك, وخالفه في ذلك أبو يوسف, ومحمد, وعندنا لابد وأن تعلق باليد منه غبار, وقال مالك: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما يتصل بها سواء كان من جنسها أو من غير جنسها, حتى أنه يجوز بالذريرة ونحو ذلك, هكذا روى عنه أبو حامد, وروي عنه مثل قول أبي حنيفة [139 أ/ 1] إلا أنه زاد فقال: يجوز بالثلج, وقال الثوري, والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلاً بها أو غير متصل كالبلح ونحوه.
وقال أبو يوسف: يجوز بالتراب والرمل خاصة.
وقال ابن عباس- رضي الله عنه- "لا يجوز إلا بالتراب العذب تراب الحرث" وبه قال إسحاق ابن راهوية وهذا كله غلط لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا " فخص

الجزء: 1 - الصفحة: 181

التراب, ولأنه ليس بأصل خلقة البشر فأشبه سحالة الذهب, والدليل على إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم: "تيمم من أرض المدينة وهي أرض سبخة".
واحتجوا بما روي أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل, فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس, ولا نجد أربعة أشهر أو خمسة أشهر, فقال النبي صلى الله عليه وسلم"عليكم بالأرض" قلنا: رواه المثنى من صباح وهو ضعيف ثم يحمله على رمل يخالطه تراب؛ لأن العرب لا يقيمون في أرض لا نبات فيها, والرمل لا ينب إلا ومعه التراب.
فإذا تقرر هذا, فقد ذكر الشافعي أنواع التراب التي يجوز التيمم بها.
فقال: " من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها" والسبخ أرض ملح لا تنبت.
والمدر: هو ما جف من طين التراب طيب منبت, والبطحاء: السهل [140 أ/ 1] من الأرض من مجاري وسيول.
وهذا إذا كان هناك تراب تعلق باليد غباره, فإنه لم يكن دق ذلك المكان بشيء حتى يصير ترابًا تعلق باليد غباره.
وقال في "الأم": "والبطحاء الغليظة والدقيقة لا يجوز التيمم" بها وأراد به الصلبة التي لا تراب فيها.
وأما الدليل: قال في"الأم": "والكثيب الغليظ لا يقع عليه اسم الصعيد فإن تيمم به جاز" فمن أصحابنا من قال في جواز التيمم بالرمل قولان.
قال ابن أحمد, ومنهم من قال وهو الصحيح: لا يجوز التيمم به قةلاً واحدًا كما قال في "الأم".
وأراد بما قال في "القديم": إذا خالطه تراب ولم يكن دقاق الحجر خالصًا, ويجوز بتراب الحمأة, والحمأة: المتغيرة الرائحة, وهي طين خلق منتنًا, فإذا جفت وسحقت فإنه يصير ترابًا, ولا يجوز بالطين الرطب لعدم غباره.
وحكي ابن وهب عن مالك أنه يجوز بناء على أن استعمال التراب في العضو لا يشترط عنده, وربنا يوافقه أبو حنيفة.
قال الشافعي في "الأم": ولا يتيمم بالسبخة الثرية وهي الندية بالماء, وهي بالثاء المثلثة, تقول العرب: التقى الثريان إذا التقاء ماء السماء, وماء الأرض.
وقال الشيخ أبو حامد في المدرس التربة أو الندية, وهو مصحف وهذا لأنها كالطين لا غبار لها, فإن لم يجد غيره استجفه على بعض أداته وجسده, فإذا جف حثه ثم تيمم به, فإن خاف فوت الوقت.
قال الشافعي: صلى, ثم [140 ب/ 1] إذا جف الطين تيمم وأعاد الصلاة, ولا يعتد بصلاة صلاها بلا وضوء ولا تيمم وروى عكرمة, عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه سئل عن رجل في طين لا يستطيع أن يخرج منه فقال: يأخذ من الطين فيطلى به بعض جسده فإذا جف تيمم به.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

فرع قال في "الأم": وإذا أحال التراب لصنعه فقلبه عن أن يقع عليه اسم صعيد فتيمم به لم يجز, مثل الفضة يريد بها النورة, أو يجعل أجرًا أو فخارًا فيدق ونحو هذا, ولو خرط المرمر حتى يكون غبارًا لم يجز التيمم به, وكذلك القوارير تسحق واللؤلؤ وغيره, والمسك والكافور كذلك, فإن دق الكذان فتيمم به لم يجز, وهو حجر رجو يصير بالدق كالتراب.
فرع آخر الجص إن كان محرقًا لم يجز التيمم بترابه؛ لأن النار غيرته, وإن لم يكن محرقًا فإنه يجوز, وكذلك الاسفيداج إذا كان له غبار, إلا أن يكون معدنًا في الأرض وليس منها, فلا يجوز, ولا يجوز بالرخام والملح بحال ذكره في "الحاوي".
فرع آخر الطين الأرمني الصلب الذي يؤكل للدواء يتيمم بترابه جاز.
قال بعض أصحابنا: أراد به إذا لم يطبخ, فإن كان مطبوخًا لا يجوز, وكذلك الطين الذي يحمل من خراسان ويؤكل تسفهًا إن لم يكن مطبوخًا يجوز التيمم بترابه, وإن كان مطبوخًا, قال بعض أصحابنا: لا يجوز التيمم [141 أ/ 1] بترابه؛ لأنه دخلته الصنعة فهو كالأجر.
وقال المحققون من أصحابنا: يجوز التيمم بترابه وإن كان مطبوخًا, لأن اسم الطين والتراب لم يزل عنه, وهذا هو الصحيح.
وقطع القاضي الطبري به, ويجوز التيمم من الأرض الأحمر, والأسود والأصفر, والأبيض.
فرع آخر لو ضرب يده على بعض ثيابه فعلق منه غبار جاز تيممه, ولا فرق بين الأرض والثوب في ذلك.
وقال أبو يوسف: لا يجوز.
وحكى هذا عن مالك, وهو وجه بعض أصحابنا.
وهذا غلط لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيده على حائط من حيطان المدينة وتيمم.
فدل أنه لا يشترط ضربه على الأرض, ولأن المقصود: هو التراب الذي تعلق بيده, وقد حصل.
فرع آخر لو وضع وجهه على التراب ومعكه فيه ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز, لأنه مأمور بالمسح.
والمسح يكون باليد.
والثاني: يجوز, لأن القصد وجد والآلة لا يعتبر, وهذا أصح عندي ونص عليه فيه الآية.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

فرع آخر لو أخذ الغبار من مهب الريح ومسح به وجهه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن القصد وجد, والتعبد في الأخذ والاستعمال لا في المحل الذي يؤخذ منه التراب.
والثاني: لا يجوز لأنه لو جاز بالتراب الذي يأخذه من الهواء لكان إذا وصل إليه بالوقوف مع النية من مهب الريح يكفي, والأول أصح عندي.
فرع لو ضرب بيده على ظهر حيوان [141 ب/ 1] فإن كان طاهر العين يجوز, وإن كان كلبَا فإن علم أنه أصابه وهو يابس يجوز, وإن كان علم أنه كان رطبًا لا يجوز, وإن لم يعلم الحال, وفيه وجهان: أحدهما: يجوز, لأن الأصل طهارة التراب.
والثاني: لا يجوز, لأن الظاهر إن ما صحبه نجس, والأول أصح عندي.
فرع آخر لو ضرب على بشرة امرأة، فإن كان التراب كثيرًا يمنع وصول يده إلى بشرتها جاز, وإن كان قليلاً فأخذ التراب لوجهه صح, ثم أخذ التراب ليديه بطل مسح الوجه؛ لأن لمسها حدث, وإن حصل في الأول اصطكاك البشرتين لا يجوز التيمم أصلاً؛ لأن الحدث طرئ بعد القصد إلى التراب فلا يصح التيمم به.
فرع لا يجوز التيمم بتراب نجس, ولا فرق بين أن يكون النجس كثيرًا والتراب يسيرًا, أو النجس يسيرًا والتراب كثيرًا, وليس كالماء الكثير, لأن للماء قوة في دفع النجاسة.
وحكي عن داود أنه قال: إن غير رائحة الماء لم يجز, وإن لم يغير جاز, واعتبره بالماء وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: 43] ولم يرد به ما يستطاب لأنه لا يستطاب, فثبت أنه أراد الطاهر الحلال.
فرع آخر قال في "الأم": "ولا يتيمم بتراب المقابر لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم" وجملة هذا أن المقبرة, إن كانت منبوشة قد يكرر نبشها فلا يجوز التيمم بترابها لما ذكر من العلة, وإن لم [142 أ/ 1] يكن تكرر نبشها فإنه يجوز التيمم بترابها, إن شك فيها ففيه وجهان بناء على القولين في الصلاة فيها إذا كانت مشكوكًا فيها: أحدها: لا يجوز لأن الظاهر نبشها, والثاني: يجوز, لأن الأصل الطهارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 184

فرع آخر قال في "الأم": لو أصابته نجاسة ذائبة فطهارته بأن يصب عليه الماء حتى يغمره وظاهر هذا أنه لا يطهر بالشمس ومرور الزمان, وقد ذكرنا فيما تقدم قوًلا آخر, فمن أصحابنا من قال فيه قولان, ومنهم من قال: إنه لا يطهر قولاً واحدًا, وتأويل ما قال في "الإملاء" أنه إذا مضت السنون وجاءت الأمطار عليها, وهذا لأن قوله لا يختلف في النار أنها لا تطهر, فكيف الشمس وهذا التأويل لا يساعد لفظ الإملاء.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: فتطهر فيصلي عليها ولا يتيمم بترابها وهذه مناقضة.
فرع لو اختلط بالتراب دقيق أو رماد أو غير ذلك من الطاهرات, فإن كان كثيرًا غلب على التراب وغير لونه أو طعمه أو ريحه فلا يجوز التيمم به, وإن كان مغلوبًا ولم تغير من التراب شيئًا.
قال عامة أصحابنا: لا يجوز التيمم به, وهو ظاهر نصه.
وقال أبو إسحاق: يجوز التيمم به كالماء إذا خالطه طاهر ولم يغيره, وهذا لا يصح, والفرق أن الدقيق إذا أصاب موضعًا يمنع وصول التراب إليه, والمانع غير الماء إذا أصاب موضعًا لا يمنع [142 ب/ 1] وصول الماء إليه فافترقا, ولهذا لا ينجس الماء الكثير بوقوع النجاسة فيه بخلاف التراب.
فرع آخر لو اختلط التراب بماء الورد فتغيرت رائحته به ثم جف يجوز التيمم به, لأن بالجفاف عدم ماء الورد ونفي رائحة المجاورة.
ذكره القاضي الطبري وهو على ما قاله صحيح.
فرع آخر التيمم بتراب مستعمل, هل يجوز, قال أصحابنا: ينظر فيه, فإن تيمم من بقعة واحدة هو وغيره يجوز بلا إشكال, لأن ما أبقى لم يزل يتيمم به فهو كبقية الماء في الإناء.
وأما ما يسقط فهو من أعضاؤه ويتناثر منه, فالمنصوص في "الأم" أنه مستعمل وهو اختيار القفال وجماعة.
وقال بعض أصحابنا: هذا غير مستعمل فيجوز التيمم به, لأن المستعمل هو الباقي على العضو.
وأما الساقط فإنه لم يلاق العضو, وإنما لاقى ما لاقى العضو, وقيل: فيه وجهان ولا معنى له مع النص الذي ذكرنا, ولفظه في "الأم", وإن علق بيديه شيء كثير فمسح به وجهه لم يجز أن يأخذ ما على وجهه فيمسح به ذراعيه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعمال المستعمل من التراب؛ لأنه لا يرفع الحدث.
بخلاف الماء.
وهذا غلط, لأنه ارتفع به المنع من الصلاة, فأدى به فرض الطهارة, فلا يجوز أداء الفرض به ثانيًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

فرع آخر قال في "الأم": "ولو أخذ التراب من رأسه أو غير ذلك من بدنه فأمره على وجهه جاز؛ لأنه غير [143 أ/ 1] مستعمل كما لو أخذ من ثوبه.
مسألة: قال: " وينوي بالتيمم الفريضة".
وهذا كما قال النية هي شرط صحة التيمم, وينوي استباحة الصلاة على ذكرنا, ثم إن نوى استباحة النوافل يصلي ما شاء منهما بخلاف الفرائض؛ لأن الفرائض محصورة, فالأمر بالتيمم لكل واحدة منها لا يؤدي إلى المشقة, والنوافل غير محصورة بالأمر التيمم لكل واحدة منها يؤدي إلى المشقة, وإلى أن يترك الناس النوافل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه لا يصح التيمم لاستباحة النفل أصلاً؛ لأنه لا ضرورة إليه, وقال الشافعي: "وينوي بالتيمم الفريضة" ومعناه فريضة الصلاة, وهذا هو نظير المغصوب إذا استأجر رجلاً لحجة التطوع, هل يجوز؟ فيه قولان, ولا يجوز له أداء شيء من الفرائص به؛ لأن النوافل لا تستبيح الفريضة قولاً واحدًا.
وقال أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا, والثاني: نص عليه في الإملاء يجوز له أداء الفريضة به, ذكره أبو يعقوب الأبيوردي, ولم يذكر أصحابنا بالعراق هذا النص أصلاً.
فرع لو نوى به أداء صلاة فريضة وعينها يجوز له أن يؤديها, وما شاء من النوافل، وفيه وجه أنه لا يجوز أداء النوافل بها وليس بشيء.
فرع آخر هل له أن ينتفل قبل أداء الفريضة.
قال في " الأم" له ذلك وقال في "البويطي" [143 ب/ 1]: لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها, وبه قال مالك وأحمد, لأن التابع لا يسبق المتبوع, كالعصر لا تسبق الظهر عند الجميع في وقت الظهر, وهذا غلط, لأنها تتبعها في الاستبحة لا في الفعل, ولو كانت تتبع في الفعل لوجب أن يكون عقيب الفريضة خاصة, ولأن ركعتي الفجر تسبق صلاة الصبح وهي تابعة؛ فانتفض ما قاله: ولو نوى به أداء الفريضة والنافلة يجوز له أن يتنفل قبل الفريضة وبعدها قولاً واحدًا.
فرع آخر لو نوى به رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه يرفع الحدث وهو الأظهر.
والثاني: يصح, لأن نية رفع الحدث تتضمن استباحة والتيمم مبيح الصلاة, وإن لم يرفع الحدث.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التيمم يرفع الحدث كالوضوء فتجوز هذه النية.
فرع آخر لو نوى به استباحة الصلاة مطلقًا فإنه يستبيح النوافل، ويستبيح به أيضًا المصحف، وقراءة القرآن، ووطء الحائض؛ لأن النافلة هي أكد من كلها.
وبه قال مالك، وأحمد، ومن أصحابنا من قال هذا إذا قلنا يصح التيمم لصلاة النفل، فإن قلنا لا يصح التيمم لها، فيه وجهان بناء على ما لو نذر أن يصلي كم يلزمه من الصلاة؟ فيه قولان: أحدها: يلزمه ركعتان لأنه أقل من الفرض.
والثاني: [144 أ/ 1] يلزمه ركعة، لأنه أقل ما يتقرب به، فإن حملنا على ركعتين يصح تيممه، وإن حملنا على ركعة لا يصح تيممه، لأنا حملناه على التطوع وذلك لا يصح ههنا، ولو نوى مس المصحف، أو نوى به الجنب قراءة القرآن يصلي به فرضًا، لأنه لم يقصره، وهل يجوز له أن يصلي به النفل؟ فيه وجهان: أحدها: يجزيه، لأن النفل لا يفتقر إلى تعيين النية له.
الثاني: لا يجزيه، لأن نفل الصلاة هو أوكد بما يتيمم له، فلا يستبحه بالتيمم لما هو أخف منه ويستبيح به ما نوى.
ومن أصحابنا من قال: التيمم لمس المصحف وحمله يجوز إن كان محتاجًا إليه، فإن لم يكن معه في السفر من يحمله، وإن لم يكن محتاجًا إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان والمشهور جوازه.
وعند أبي حنيفة: إذا تيمم بنية الصلاة مطلقًا أو مس المصحف يجوز له أن يصلي به الفرض أيضًا، وهو قول مخرج لنا.
فرع آخر لو نوى به أداء صلاة فريضة ولم يعينها، نص الشافعي أنه يجوز، لأنه قال: "وينوي بالتيمم الفريضة "ولم يشترط التعيين.
وقال في "البويطي ": لو تيمم ونوى لمكتوبتين لم تجز إلا الصلاة واحدة، فلو كان التعيين شرطًا لم يجزه لواحدة منهما لأنها لا تتعين.
وقال في "الأم " [144 ب/ 1]: لو تيمم لصلاتي فرضي وصلاهما صحت الأولى دون الثانية.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه التعيين وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأنه لما وجب نية الفرض وجب التعيين كالصلاة، وهذا غلط لأن الأحداث الموجبة للطهارة لا تحتاج إلى تعيينها، لأن الجنب لو نسى الجنابة فتيمم للحدث يجوز، فلم يفتقر إلى تعيين المستباح أيضًا، ويخالف الصلاة لأنها تحتاج إلى تعيين الفرض من النزر، فاحتاجت إلى تعيين الفعل، فعلى هذا إذا نوى صلاة.
بعينها له أن يصلي غيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تيمم لمكتوبتين لا يجوز التيمم أصلًا لشيء منها وجهًا واحدًا، وهو خلاف النص الذي ذكرنا وليس بشيء.
فرع آخر لو نوى تيممه تيممًا فرضًا هل يصح تيممه؟ قال القفال: فيه وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 187

أحدهما: يجوز لظاهر قوله: وينوي بالتيمم الفريضة.
والثاني: لا يجوز وتأويل اللفظ: وينوي بالتيمم الصلاة المفروضة.
وقيل: لم يقل الشافعي ذه اللفظة، وإنما قالها المزني.
فإذا قلنا: يجوز فكأنه لم يزد على استباحة أقل الأمرين، وهو النفل، وهل يصلي به الفرض على ما ذكرنا.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو تيمم للفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الفريضة له أن يصلي صلاة الوقت به، وهذا إذا قلنا: لا يجب تعيين النية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى [145 أ/ 1] التيمم للفريضة قبل دخول وقتها، وعندنا لا يجوز ذلك، ويمكن أن يجاب، فإنه تيمم للفريضة قبل دخول وقتها فقد تيمم وهو مستغن عن التيمم لها فلا يجوز، وههنا كان محتاجًا إلى التيمم للفريضة الفائتة، فجاز أداء فريضة أخرى به.
فرع آخر قال ابن الحداد: ولو تيمم لصلاة الفريضة بعد دخول وقتها ثم تذكرنا فائتة، فأراد أن يؤديها به فإنه يجوز أيضًا.
قال القفال: هذا صحيح والصحيح في الفرع الذي تقدمه ما قال ابن الحداد أيضًا، ولا معنى للوجه الآخر، ولا يصح الفرق بين المسألتين؛ لأن الفائتة قبل التذكر كصلاة الوقت قبل دخول الوقت، بدليل أنه لا يجوز التيمم للفائتة قبل التذكر، كما لا يجوز التيمم مثل دخول الوقت لصلاة الوقت، فكما جاز أداء الفائتة إذا تذكرها بتيمم نوى به فريضة الوقت، جاز أداء صلاة الوقت بتيمم نوى به صلاة الفائتة قبل وقت الحاضرة ولا فرق.
فرع آخر لو تيمم للفريضة بعد دخول وقتها ثم نذر الصلاة ففي جواز أدائها بذلك التيمم بدلًا من المنوية وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه سبق وقت النذر.
والثاني: يجوز وأصله ما ذكر أصحابنا فيمن تيمم لصلاة الفائتة فقبل أن يصليها دخل وقت الحاضرة، هل له أداؤها بذلك التيمم؟ وجهان.
فرع آخر لو ضرب يده على التراب ليمسح به [145 ب/ 1] وجهه، فقبل أن يصلي إلى وجهه أحدث، ثم مسح وجهه بذلك التراب لا يصح، لأن القصد إلى التراب هو كالنية، فلا يجوز أن يتقدمه بخلاف ما لو أخذها من الماء ليغسل به وجهه، ثم أحدث، ثم غسل به وجهه جاز، لأن القصد إلى الماء لا يجب، ذكره الإمام الحسين رحمه الله.
فرع آخر لو كانت يده ملطخة بالدم وجف ذلك على يده، فضرب يده على التراب ومسح به

الجزء: 1 - الصفحة: 188

وجهه جاز، لأن التراب (طاهر) لم يخلطه بنجاسة.
فرع آخر نية الجنب، والمحدث، والحائض، والنفساء في التيمم سواء، ولو تيمم قبل البلوغ ينوي به صلاة الفريضة، ثم بلغ هل يصلي به الفريضة؟ قال أهل العراق: لا يجوز له أن يصلي به الفريضة؛ لأنه غير ملتزم الفرض قبل بلوغه، وقال القفال: فيه وجهان.
مسألة: قال: "وَالتَّيمُّم أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ ". الفصل وهذا كما قال.
الكلام الآن في كيفية التيمم، وفيه فصلان: أحدهما: في الجائز.
والثاني: في الأفضل.
فأما الجائز فهو أن يمر التراب على موضع الغسل من وجهه ويديه إلى المرفقين إلا البشرة التي هي تحت الشعر، فإنه لا يجب إمرار التراب عليها، ويجزيه إمرار التراب على ذلك الشعر بخلاف الوضوء، لأن ذلك يشق، والمامور في المسح لا الغسل، ولا فرق في بين الضربة والضربتين والثلاث، ولا بين أن يضرب [146 أ/ 1] بإحدى يديه أو بإحدى رجليه مثلًا، أو بغير ذلك من بدنه أو يدني وجهه من الأرض، لأن الواجب هو إيصال الطهور إلى مواضعه نص عليه في "الأم ". قال أصحابنا: وعلى هذا لو أخذ التراب بخشبة وأمرها على العضوين يجوز ولو يممه غيره نص في "الأم "أنه يجوز.
وقال ابن أبي أحمد في.
"التخليص": لا يجوز تحريجًا، وهذا غلط لأنه يجوز أن يوضئه غيره فكذلك التيمم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وهو غلط، ولو كان أقطع اليدين فلم يجد من ييممه، فإن قدر على أن يلوث خديه بالتراب، أو يأخذ برجله ويمسح به وجهه فعل وأجزأه، فإن لم يقدر عليه لوث منه ما قدر وصلى، وأعاد متى قدر على وضوء أو تيمم؛ لأنه عذر نادر.
وأما لأفضل فالمستحب بعد النية والتسمية أن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين، ويستحب أن لا يزيد على ضربتين، ووصف الشافعي كيف يمكن مسح الوجه واليدين بضربتين في "الأم "وفيما نقله المزني، فالذي قال في "الأم "هو أن يضرب ضربة ويمسح بها وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى ويضع ظهر كفه اليمنى في بطن كفه اليسرى فيمرها على ظهور أصابع يده اليمنى والإبهام معرض، فإذا انتهى إلى الكوع قبض بأصابعه وبطن كفه على ظهر الذراع، وبإبهامه على بطن الذراع فيمرها على هيئتها على أن يدخل المرفق في المسح، فإن [146 ب/ 1] بقي شيء من يده لم يمر عليه لغلظ ساعد أو غير ذلك أمر يده عليه قبل أن ينفصل إحدى اليدين عن

الجزء: 1 - الصفحة: 189

الأخرى، ليكون استعماله واحدًا، ثم يصنع بالأخرى مثل ما صنع باليمنى ويجزيه، والذي نقله المزني وهو الصحيح أن يضرب على التراب ضربة للوجه، ثم يضرب ضربة ويمسح ذراعه اليمنى واليسرى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، وإنا قال: يضع كفه اليسرى ولم يقل يضع كفه اليمنى؛ لأن اليسرى هي العاملة في اليمنى، وأصحابنا يقولون: يضع ظهور أصابعه اليمنى على بطون أصابعه اليسرى والإبهام، وهو مراد الشافعي، وإنما يضع بطون أصابع كفه اليسرى على ظهور أصابع كفه اليمنى، لأنه يحتاج إلى التراب الذي على باطن راحته اليسرى لبطن ذراعه اليمنى، ثم يمرها على ظهر ذراعه اليمنى إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى باطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه وبطن غبهامه اليسرى بحاله، ثم يمره على شيء فيمره على ظاهر إبهامه، فإن بقي موضع لم يمر التراب عليه أمر يده عليه قبل أن يفصل عن يده اليمنى، فإذا فعل ذلك فقط سقط فرض يده اليمنى وفرض بطن كفه اليسرى، ثم يصنع بيده اليسرى ما صنعه باليمنى ويسمح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل أصابعهما حتى إن بقي موضع لم يصل إليه التراب أو وصل [147 أ/ 1] إليه.
الكوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام.
والكرسوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الجانب الآخر الذي فيه الخنصر.
ومن أصحابنا من قال: يبدأ في التيمم بأسفل وجهه ثم يستعلى لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به تحدر بطبعه، فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار ليكون أحمد وأسلم لعينه، وعامة الأصحاب لم يفرقوا هكذا، وإنما لم يؤمر بمسح الرأس والرجلين فيه؛ لأن في مسح الرأس بالتراب مضاهاة لأرباب المصائب، والرجلان لا تخلوا التراب منما في السفر غالبًا.
فرع مسح إحدى الراحتين بالأخرى هل يجب أو يستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يستحب ولا يجب؛ لأنه حين ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية وصل الطهور إلى محله بقصده، والنية موجودة، والوقت وقت أداء فرضه لفراغه عما قبله، فلا وجه لأن لا يسقط فرضه، إلا أنا أبحنا أن نمسح بذلك التراب ذراعه الأخرى للحاجة، ولم يجعله مستعملًا أو لا يمكنه أن يمسح الذراع من يد بكف اليد بخلاف الماء، فإنه يمكنه أن يقلب من كفه على ذراع تلك اليد، فقلنا: لا يجوز أن يستعمل ما رفع الحدث عن كفه في اليد الأخرى، ومنهم من قال: يجب لأنه حين ضرب يده [147 ب/ 1] على الأرض لم يؤد به فرض الكف، إذ لو أدى لصار التراب مستعملًا، فلا يصلح لاستعماله في يده الأخرى، لأنه لابد من انفصال الغبار عن اليد، والطهور إذا وصل إلى العضو وسقط به الفرض والفضل كان مستعملًا لا محالة، فحكمنا ببقاء فرض الكف حتى لا يكون التراب مستعملًا حين يمسح به ذراعه، وبمسح الذارع لا يسقط الفرض في الكف؛ لأنه آلة في العمل فيمسح إحدى الراحتين في الأخرى بعد الفراغ

الجزء: 1 - الصفحة: 190

من مسح (الذراعين) ببقية الغبرة الباقية عليها وسقط الفرض.
وعلل القفال مهنا فقال: يجب لأنه مسح بهما غيرهما.
فأما مسحهما فإنه لم يقصده، فالآن يمسح كل واحد منهما بصاحبه ليحصل القصد، وقيل في تعليله: الماء الحار بطبعه فيصل إذا جرى إلى جميع العضو، والتراب جامد لا يكاد يصل إلى تكاسير العضو إلا بإمراره، والأول أصح، وعلى هذا إذا وصل التراب إلى ما بين الأصابع هل يستحب التخليل أو يجب على هذين الوجهين.
فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا وضع يده على الأرض سقط عنهما بذلك الفرض، فصار ما في يديه من التراب مستعملًا، فكيف بمسح بإحداهما الأخرى وعندكم نقل الماء من إحدى اليدين إلى الأخرة لا يجوز؟ قلنا: كما ذكرنا من الضرورة فصار النقل ها هنا من إحدى اليدين إلى الأخرى بمنزلة [148 أ/ 1] نقل الماء في العضو الواحد من بعضه إلى بعض، أو يقول عندنا: إن اليدان تجريان مجرى العضو الواحد، وإنما لم يجز نقل الماء في الوضوء لأجل انفصاله، وها هنا لا يوجد الإنفصال، والعلة الأولى هي أصح.
فرع آخر قال في "الأم ": وإذا كان التراب دفعًا فعلق بيده شيء كثير فلا بأس أن ينفض يده.
قال أصحابنا: والأصل في ذلك ما روى أسلع- رضي الله عنه- قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جنب، فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هذا "فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما.
فرع آخر لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والعذارين والشارب ومن أصحابنا من قال: يجب ذلك، وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ضربة للوجه، وبذلك لا يمكن إيصال التراب إلى باطن هذه الشعور.
فرع آخر قال الشافعي ها هنا: يضرب يديه على الأرض.
وقال في موضع آخر: يضع يده، وليست المسألة على قولين، فالذي قال: يضرب إذا كان التراب خشنا لا يعلق باليد بالوضع، والذي قال: يضع وإذا علق التراب به.
فرع آخر لو وقف في مهب الريح وأحضر النية وعمد الريح فسفت عليه [148 ب/ 1] التراب.

الجزء: 1 - الصفحة: 191

اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز تيممه لأن الشافعي قال في "الأم ": ولو سفت الريح عليه ترابًا فعمه فأمرها على وجهه لم يجزه لأنه لم يأخذه لوجهه، وإن أخذ من رأسه فمسح به وجهه جاز لأنه أخذ التراب لوجهه.
وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك إذا أمر يده على وجهه.
قاله القاضي أبو حامد وما ذكر الشافعي إذ لم يقصد الريح ولم ينو فحصل للتراب عليه ثم أمر يده، فأما إذا قصد الوقوف أو نوى وأمر يده فقد حصل المقصود فيجوز، وعامة الأصحاب على أنه لا يجوز، وهو اختيار صاحب الإفصاح، وابن أبي أحمد، وحملوا كلام الشافعي على ظاهره، ولو لم تمر يده عليه ولكنه نوى وتحقق أنه عمه، ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدها: يجوز وهو اختيار الإمام الحليمي، والقاضي الطبري؛ لأنه أوصل غيره الراب إلى وجهه مع حضور نيته، فجاز كما لو يممه غيره، وكما نقول في الضوء: إذا وقف تحت المطر حتى جرى الماء على أعضائه يجوز، وهذا هو الصحيح عندي.
ورأيت بعض أصحابنا حكى هذا عن الشافعي أنه قال في "القديم ": ومن قال بالقول علل بأنه يتقرر إيصال التراب إلى تمامه من غير مسح بخلاف الماء؛ لأنه يجري.
وعلل أيضًا بأنه إذا لم تمر اليد لا يسمى مسحًا، والأمر ورد بالمسح، وهذا [149 أ/ 1] لا يصح؛ لأن جوابنا هذا إذا تيقن وصول التراب إلى كل محل الفرص، وقد يعلم الإنسان من نفسه ضرورة واسم المسح لا يراعى، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] ولو قطر عليه من المطر يجوز، ولم يوجد اسم المسح فدل على أن المعتبر وصول الطهور إلى محل الفرض، وقد وجد ذلك فيجوز.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أخذ التراب من الوجه ثم أعاده إلى الوجه ومسحه به مع النية وجهان، وكذلك لو نقل التراب من يده إلى وجهه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه نقل من محل الفرض.
والثاني: يجوز لأنه حصل القصد والنية، وهذا أصح.
والوجه الأول ليس بشيء.
فإذا تقرر، هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا التدقيق والترتيب الذي ذكره المزني عن الشافعي في وصف التيمم لا يجب ولا يبين، فإنه لو أخذ بكفه ترابًا فمسح يده به أو بعضها، ثم أخذ كفًا آخر فمسح الباقي جاز، ولكن ذكره جوابًا لما قال مالك أنه ورد الخبر ضربة للوجه وضربة لليدين، وبالضربة الواحدة لا يمكن المسح إلى المرفقين، فدل أنه لليدين إلى الكوعين، فأراد الشافعي أن يبين كيف يمكنه بضربة واحدة مسح اليدين إلى المرفقين.
وقال أيضًا: إنما أمر يوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ولم يأمر بوضع كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى [149 ب/ 1]؛ لأنه يحتاج في التيمم إلى نقل التراب إلى المحل الممسوح، ولا يجوز

الجزء: 1 - الصفحة: 192

على ظاهر المذهب نقل الموضع الممسوح إلى التراب، بخلاف الوضوء فإنه يجري فيه كل واحد منهما؛ لأنه لم يؤمر فيه مع النية بالقصد بخلاف التيمم، والقصد نقل التراب إلى المحل الممسوح، وهذا خلاف ما ذكرنا في النص، وهو غير صحيح؛ لأن القصد يوجد في كلا الموضعين من غير إشكال فلا يتعين بهذا الفرق.
وقد بينا لماذا أمر بوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى.
وقال القفال: نقل المزني في الضربة الأولى: ويفرق أصابعه وصوبه على ذلك جميع أصحابنا، وعندي أنه غلط في النقل، ولم يذكر الشافعي ذلك في المرة الأولى بل ذكره في المرة الثانية؛ لأنه بها يخلل بين أصابعه ولا يحتاج إليه في الضربة الأولى.
قال: ولو فرقه في الضربة الأولى لم يجز تيممه؛ لأن الغبار الأول تعلق بما بين الأصابع، ويمنع وصول الثاني إلى ما بين الأصابع في المرة الثانية، فإذا خلل أصابعه يصير ما بينهما ممسوحًا بغبار أخذه في الضربة الأولى، ومن شرط الغبار الذي تمسح به اليد أن يقصد أخذه بعد الفراغ من مسح الوجه.
وقال غيره من أصحابنا: لو فرق أصابعه في الضربة الأولى لم يضره؛ لأنه إذا مسح وجهه بالضربة الأولى تبقى بين أصابعه تراب غير مستعمل، فإذا مسح [150 أ/ 1] به جاز، وهذا هو القياس.
وقيل: فيه وجهان، ولا يجوز هذا الإطلاق عندي.
مسألة: قال: "وَإنْ أَبْقَى شَيْئََا مَمَّاَ كَانَّ يَمُرُّ عَلَيهِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى ضَلَّى أعاد ". وهذا كما قال: إذا تيمم وصلى، ثم علم أنه ترك موضعًا من ظاهر وجهه أو يديه لم يمر عليه التراب، فصلاته باطلة قليلًا كان أو كثيرًا، فإن كان المتروك من الوجه، فإن مسح اليدين لا يعتد به، فإن كان الوقت قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك من الوجه ومسح اليدين وأعاد الصلاة، وإن تطاول هل يستأنف التيمم أو يبنى؟ على ما ذكرنا من القولين، وإن كان من اليدين فإن كان قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك وإن تطاول فعلى ما ذكرنا.
وهذا لأن الترتيب فيه شرط، ولو بدأ فمسح يديه، ثم مسح وجهه لم يجز مسح اليدين، ومسح الوجه يجوز إن لم يكن عرفت نيته عند مسح الوجه.
وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه قال: إذا مسح أكثر الوجه لأنه يشق استيعاب الوجه بضربة واحدةن وربما يقولون: إن كان قدر الربع جاز، وربما يقدرون بقدر درهم، وهذا غلط؛ لأن أكثر اوضوء لا يقوم مقام الكل كما في الوضوء، وإن قدم يسرى يديه على اليمنى أجزأه كما ذكرنا في الوضوء، وإن كان أقطع اليدين ففيه المسائل التي ذكرناها في الوضوء.
ويستحب أن يمر [150 ب/ 1] التراب على المنكبين إذا كان أقطع من المنكبيين، وعلى العضدين إذا كان أقطع من فوق المرفقين كما قلنا في الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 193

فرع تجديد التيمم لا يستحب ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: أن يتيمم ويصلي فريضة ولم يبرح عن موضعه وقلنا: لا يجب الطلب في التيمم الثاني، فأراد أن يحدد كصلاة النقل فلا يستحب؛ لأن في تشويه للخلقة.
فأما إذا قلنا: إن الطلب واجب للتيمم الثاني بطل تيممه الأول، ثم أراد تجديد التيمم لصلاة النقل لا يستحب ذلك.
فرع آخر تطويل الغرة فيه والتحجيل لم يرد به الخبر.
وقد قال أصحابنا: يستحب فيه تطويل التحجيل لأن عند الزهري يجب مسح اليد إلى الإبط فيخرج به عن الخلاف.
مسألة: قال: "فَلَوْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ فَتَيَّمَم للْحَدَثِ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: يجوز للجنب إذا عدم الماء أن يتيمم.
وبه قال جماعة من الصحابة والفقهاء، وقال عمر، وابن مسعود- رضي الله عنهما-: لا يجوز التيمم وتؤخر الصلاة حتى يغتسل ويقضي.
وبه قال النخعي.
وقد روى رجوعهما عنه، وهو الصحيح، والدليل على هذا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ". وروى عن عمار- رضي الله عنه- أنه قال: أجنبت أنا وعمر بن الخطابن فتمعكت [151 أ/ 1] أنا في التراب وصليت، وعمر- رضي الله عنه- لم يصل، فرجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما يكفيك هكذا" وعلم التيمم ولو كان جنبًا من الجماع، فظاهر المذهب أن ذكره نجس ويلزمه أن يغسل ذكره بالماء، فإن لم يكن معه هذا القدر من الماء تيمم وصلى وأعاد الصلاة.
وقد قال الشافعي في "الأم "والرجل المسافر الذي لا ماء معه والمعزب في الإبل أن يجامع أهله ويجزيه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها، وهذا نص فيما ذكرنا.
والمعزب: هو المنفرد برعيها.
ومن أصحابنا من قال: ذكره طاهر ورطوبة فرج المرأة طاهرة.
وذكر في الحاوي أن الشافعي قال في بعض كتبه: أنها طاهرة كالمنى ورأيت بعض أصحابنا احتج على طهارتها لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة " ومنيه كان من الجماع في الغالب؛ لأنه لا يجوز عليه الاحتلام وهذا حسن، والمشهور ما تقدم.
ومن أصحابنا من قال: "إن الرطوبة وإن كانت طاهرة كالعادة أن يخرج منه المذي أو

الجزء: 1 - الصفحة: 194

لا إذا ابتدأ بالوطئ فتنجس به وهذا عندي ضعيف.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة فنقول: إنه [151 ب/ 1] إذا نسي الجنابة وتيمم للفريضة معتقدًا أنه محدث ثم تذكر الجنابة صح تيممه؛ لأن التيمم من الحدث ومن الجنابة واحد، وهو على الوجه واليدين، وكل شيئين طهارتهما واحدة، فالخطأ من أحدهما إلى الآخر لا يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ وهو يعتقد أن حدثه بولًا فكان ريحًا، أو اغتسلت من جنابة وكانت فساء يجوز بالإجماع، ويخالف هذا إذا أعتق رقبة عن الظهار وكان عليه رقبة عن الجماع في صوم رمضان لا يجوز، وعليه أن يعتق رقبة أخرى عن الجماع في صوم رمضان؛ لأنهما مقصودان بأنفسهما فلا يعذر في بالخطأ.
وقيل: ما ذكره المزني من العلة لم يقلها الشافعي؛ لأنه لو صحت هذه العلة لوجب أن يقال: إذا قضى العصى ثم بان أن فاتته الظهر فإنه يجوز؛ لأنه لو تذكر الظهر لم يكن عليه أكثر من أربع ركعات، ولا يجوز أن يقال ذلك، وكذلك في مسألة العتق وجب أن يجوز، والعلة عند الشافعي هي أن التيمم لا يرفع الحدث فلا معنى لنية الحدث الذي يتيمم عنه فيه، وإنما يحتاج أن ينوي استباحة الصلاة، فإذا نواها صح ولا يضره الغلط فيما يتيمم عنه؛ لأن أكثر ما فيه أن يجعل ما غلط فيه، كأنه لم ينوه، فتبقى معه نية استباحة الصلاة وهي كافية له، وبهذا فارق ما لم نوى المقتدي [152 أ/ 1] بالإمام الإقتداء بزيد، ثم بان أن إمامه عمر، ولم يجز لأن عليه نية الإقتداء جملة، فإذا غلط جعل كأنه لم ينو الإقتداء بهذا الإمام، وكذلك لو غلط في نية الصلاة على الجنازة، فنوى أن الميت رجل فإذا هو امرأة أو امرأة فإذا هو رجل لا يجوز؛ لأن عليه نية الصلاة على الميت جملة، فإذا أخطأ صار كأنه لم ينو، وههنا ليس عليه فيه الحدث الذي يتيمم عنه أصلًا فلا يضره الغلط فيه، كما لا يضر الغلط في النوم في الصلاة.
وأما الوضوء والغسل يرفعان الحدث فيجوز فيهما نية رفع الحدث دون استباحة الصلاة، وفيه استباحة الصلاة، وقد رفع الحدث وإحدى النيتين تتضمن الأخرى فيصير بنية إحداهما ناويًا للأخرى لا محالة، فلا يضر الغلط فيما نواه من الحدث.
فإذا تقرر هذا ذكر المزني فصلين مشكلين، ونحن نفصل أحدهما عن الآخر، فالأول قوله: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث.
قصد به الرد على ربيعة أستاذ مالك، حيث قال: لو أخطأ في الجنس الواحد من نوع إلى نوع جاز، كالحائض تنوي غسل الجنابة، والبائل ينوي حدث الغائط؛ لأن الغسل هو الواجب في الموضعين، أو الوضوء.
فقال المزني: كما لا يضر الخطأ من النوع [152 ب/ 1] إلى النوع وجب أن لا يضرب الخطأ من الجنس إلى الجنس، ونهاية هذا الفصل إلى قوله: ولا يقول بهذا أحد نعلمه.
ثم ابتدأ الفصل الثاني فقال: ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية كما يتوضأ له قصد به الرد على مالك حيث قال: تعيين الحدث شرط في صحة الوضوء من غير غلط يقع فيه، حتى لو نوى الوضوء عن البول وحدثه ريح لم يجز.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

قال المزني: لو توضأ لصلاة الجنازة أو الناقلة جاز أداء الفريضة بها, وإن لم يعينها فكذلك التعيين في الطرف الثاني لا يلزم فاعتبر, ما يتوضأ عنه ما يتوضأ له.
هكذا حكى أصحابنا بخراسان عن مالك.
وقيل: مذهب اختيار الربيع والبويطي.
وقال أصحابنا بالعراق: مذهب مالك وأحمد مثل ما ذكرنا عن ربيعة.
وذكر بعض أصحابه أنه لو وافقنا عند النسيان وإنما الخلاف إذا ذكر الجنابة والحدث فنوى استباحة لأجل الحدث ففيه عن مالك روايتان, وقيل قول المزني في أثناء الكلام وإنما عليه أن يتطهر للحدث يحتمل أنه أراد أن التيمم يرفع الحدث وهذا يخالف قول الشافعي, وإن لم يكن هذا مراده لا يكون مخالفًا وقوله: إنما عليه أن يتطهر من الحدث أن أراد في الوضوء فهو مصيب في الجواب فخطئ في الاستدلال, وإن أراد في التيمم [135 أ/1] فهو مخطئ في الجواب والاستدلال؛ لأنه لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث, وإن جاز ذلك في الوضوء.
مسألة: قال: "وإذا وجد الماء بعد التيمم اغتسل".
الفصل وهذا كما قال: إذا تيمم ثم وجد الماء يلزمه استعماله, ويجوز له أن يصلي بذلك التيمم.
وروى هذا عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه, واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فلا يؤثر, كما لو وجد العتق بعد الصوم في الكفارة, وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم للجنب المتيمم"إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" ولأن التيمم لا يراد لنفسه, بل يراد للصلاة, وهو بدل فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود إلى الأصل, وبهذا فارق ما قاس عليه, ولو وجد الماء بعد الشروع في تكبيرة الافتتاح قبل فراغه منها بطل تيممه أيضًا, ويلزمه العود إلى الماء, ولو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلومه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في الوقت, وفي غير الوقت.
وقال طاووس وحده: يلزمه الإعادة.
وروى عنه أنه قال: لا يعيب في الوقت, وهذا غلط لما روى أن رجلين كانا في سفر, فعندما الماء وتيممًا وصليًا, ثم وجدوا أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر, ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا له [153 ب/1] , فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة أجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد لك أجران".
وروى عن ابن عمر-رضي الله عنه- أنه تيمم بالمربد وصلى العصر, ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة بعد ولم يعد الصلاة.
ولأنه فرغ من المقصود بالبدل ثم وجد الأصل فلا إعادة.
كالمرأة تفرغ من العدة بالشهور ثم ترك الأقراء, أو يقيس على ما بعد خروج الوقت.
قال أصحابنا: ولا يستحب له الإعادة في هذه المسألة أيضًا,

الجزء: 1 - الصفحة: 196

كما لا يجب, ولو وجد الماء بعد الشروع في الصلاة قبل الخروج منها بنى على صلاته, ولا يلزمه الخروج, وبه قال مالك, وأحمد في رواية, وأبو ثور وداود, وقال أبو حنيفة والثوري, وهي رواية عن أحمد: تبطل صلاته, وهو اختيار المزني وابن سريج, إلا أن أبا حنيفة يقول: لو كان في صلاة الجنازة أو العيدين, أو كان سؤر الحمار لا تبطل صلاته, ولم يوافقه غيره من الأئمة في هذا.
وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته وتكون نافلة, ثم يتوضأ ويعيدها.
واحتج المزني بما جملته يرجع إلى فعلين: أحدهما: أنه قاس وجود الماء للتيمم على الحدث.
والثاني: قاس على وجود الحيض في المعتدة بالشهور قبل تمام العدة بالشهور.
وأشار في أثناء كلامه إلى القياس على ما لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة, [154 أ/1] وأشار في آخر كلامه إلى أن هذا المذهب تخريج مستقيم على قول الشافعي, ويساعده ابن سريج فخرج قولاً على مذهب الشافعي مثل أبي حنيفة, وأصل تخريجه أن الشافعي قال في المستحاضة ينقطع دمها في خلال صلاتها: أنها تخرج وتتطهر ولا تبنى فجعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا, والجواب أن يقول: أما الحدث فالفرق أنه ينقض الطهر بكل حال.
وأما وجود الماء فليس هو تناقض لتطهر بكل حال, ألا ترى أنه يجد ماء مودعًا عنده ولم يؤذن له باستعماله ولا يبطل تيممه, ولذلك إذا احتاج العطش فكذلك هاهنا لا يبطل لئلا يبطل عليه ما مضى من الصلاة, فإنه يلزم مراعاة حرمة الصلاة, وبهذا فارق قبل الشروع في الصلاة.
وأما العدة قلنا: هناك لا نقول تبطل بل يحتسب بما مضى قرأ, ثم تؤمر بإتمام العدة, ولأن وزان العدة أن ترى الدم بعد الفراغ من الشهور قبل أن تنكح, ووزان العدة من مسألتنا أن لو زالت الماء قبل الشروع في الصلاة.
وأما مسألة المستحاضة فالفرق على الصحيح من المذهب أنها أحدثت أحداثًا, غير أنها مقدرة لاتصال دمها, فإذا انقطع الدم قدرت على إزالة حدثها فلا تجوز صلاتها, وهذا التيمم لم يحدث [154 ب/1] في صلاته حدثًا جديدًا, وليس فيه أكثر من أنه وجد الماء فيجعل كأنه لم يجد الماء لمانع الصلاة كما قلنا في سائر الموانع.
فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأفضل أن يخرج منها ويتوضأ للخروج من الخلاف.
ولأن الشافعي نص على أنه إذا وجد الرقبة في الكفارة في أثناء الصوم والأفضل له أن يعتق فكذلك هاهنا الأفضل أن يرجع إلى الأصل, ومن أصحابنا من قال: يلزمه المضي فيها ولا يجوز له قطعها أي يكره, وهذا اختيار القفال, وتعلق هذا القائل بما قال في "البويطي": إذا رأى الماء في صلاته فليمض على صلاته ولا إعادة عليه.
وهذا لا يصح لأن الشافعي استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلي مع الجماعة, استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلى مع الجماعة, فالخروج هاهنا للطهارة أولى, وما قال في "البويطي": أراد يجوز ذلك, وقد نص في "الأم" فقال: كان له أن يتمها وليس عليه أن يقطع الصلاة فلم يوجب ذلك عليه.
وقال القاضي الحسين- رحمه الله:- لا يجوز له إبطال الصلاة وجهًا واحدًا, وهل

الجزء: 1 - الصفحة: 197

يستحب له أن يجعل صلاته فعلاً فيسلم عن ركعتين؟ وجهان: أحدهما: أنه يستحب ذلك: كرجل افتتح الصلاة منفردًا ثم أدرك جماعة, فإنه يسلم عن ركعتين ويكون نفلاً.
والثاني: لا يستحب لأنها انعقدت [155 أ/1] فرضًا فلا يجوز له ترك صفة الفرضية, ويخالف هذا مسألة الجماعة؛ لأن هناك لو فرغ منفردًا ثم أدرك الجماعة يستحب له الإعادة ولو فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له الإعادة.
فرع إذا رأى الماء في المكتوبة ومضى في صلاته وسلم لا يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؛ لأن وجود الماء في الصلاة منع حكم التيمم فيما عدا الصلاة التي هو فيها, فإذا خرج منها لم يكن ليتممه حكم, فإن كان الماء باقيًا استعمله, وإن كان قد تلف إلى أن فرغ من الصلاة أعاد التيمم, ولا يجوز له افتتاح بعد رؤية الماء, هكذا ذكر جماعة أهل العلم من العراق, وهو اختيار القاضي الطبري.
وفرع والدي الإمام على هذا, وقال: إذا أراد أن يسلم لا يسلم تسليمتين بل يقتصر على تسليمة واحدة؛ لأنه عاد إلى حكم الحدث بعد الخروج منها, ولو أحدث بعد التسليمة الأولى لا يأتي بالتسليمة الثانية, وليس على أصلنا مسألة يقتصر فيها على تسليمة واحدة غير هذه, ولو كان عليه سجود السهو فنسي لا يسجد, وإن كان الوقت قريبًا.
وهذا عندي حسن, ولكن يمكن أن يقال: وإن سلم تسليمة ثانية فلا يأس؛ لأنها من تتمة الصلاة, وإنما يخاطب بهذا في الافتتاح.
والله أعلم.
وقال القفال وجماعة [155 ب/1] إن علم بتلف الماء قبل فراغه من الصلاة فهو كما لم يجد أصلاً, فله أن يصلي النوافل, وإن لم يعلم بتبلغه حتى خرج من الصلاة, ثم علم فإنه لا يصلي بذلك التيمم صلاة النفل, كما لو تلف الماء بعد الفراغ من الصلاة.
وهذا أقيس وأصح, وهذا لأن هذا الماء لم يلزمه استعماله لهذه الصلاة, ولا قدر على استعماله لغيرها, فينبغي أن لا يبطل تيممه, ولهذا لو مر به ركب في الصلاة, ففرغ منها وقد ذهب الركب, فإنه يجوز له أن يصلي النافلة, وإن كان توجه الطلب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم, وإن منع القائل الأول منع بعيد والله علم.
فرع آخر لو رأى الماء في صلاة النافلة, فإن كان نوى أن يصلي عددًا معلومًا كان له إتمامها, وإن كان أحرم مطلقًا.
قال الشافعي في "الأم": كان عليه أن يصلي ركعتين ولا يزيد عليها لأن إحرامه المطلق يضمن ركعتين.
قال أصحابنا: وعلى قوله القديم: فيمن نذر صلاة مطلقًا يكفيه ركعة لا يزيدها على ركعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

فرع آخر قال أصحابنا: لو تيمم في الحضر لعدم الماء ثم رأى الماء بطل سهمه وصلاته؛ لأنه يلزمه الإعادة بوجود الماء, وقد وجد الماء فيلزمه الاشتغال بالإعادة.
وكذلك لو تيمم وعليه نجاسة, ثم رأى الماء في الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه لا يعتد بها, وتلزمه الإعادة, وفيه [156 أ/1] وجه آخر: لا إعادة ولا يلزمه الخروج منها برؤية الماء.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو وجد الماء في خلال الطواف إن قلنا: لا يجوز تفريقه, وإن قلنا: يجوز تفريقه توضأ, وبن وقل ما يتصور هذا؛ لأن الطواف يكون في الحضر, وقل ما يعدم فيه الماء, وهذا ليس بشيء, ويلزمه العود إلى الماء والاستئناف؛ لأنه لا يحتسب ما مضى بالتيمم وتلزمه الإعادة بكل حال.
فرع آخر لو كان في سفر معصية فعدم الماء فلزمه أن يقيم ويصلي, فإذا صلى هل تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم هي رخصة تتعلق بالسفر, والسفر معصية فلا يجوز أن يتعلق به رخصة.
والثاني: لا تلزمه الإعادة, لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا إعادة عليه والأول أصح, وعلى هذا لو رأى في صلاته يلزمه الخروج منها لا يعتد بها.
فرع آخر إذا دخل في صلاة النقل بنية مطلقة, وقد صلى ركعتين, وقام إلى الثالثة ثم رأى الماء.
قال القاضي الطبري: عندي يتمم هذه الركعة ويسلم؛ لأن الركعة الواحدة لا تتبعض وهو على ما قال.
فرع آخر قال في "التلخيص": لو وجد الماء في صلاته المقصورة, ثم نوى الإتمام أو المقام بطلت صلاته وتيممه؛ لأن تيممه صح لركعتين من غير زيادة, والآن زادت [156 ب/1] بهذه النية.
وقال بعض أصحابنا: تتم صلاته ولا تبطل, لأن تيممه صحيح لأدائها تامة ومقصورة ذكره في"الحاوي".
ولو نوى المقام فيها أو الإتمام ثم وجد الماء مضى في صلاته وأتمها بلا خلاف.
ومن أصحابنا من قال: إذا افتتحها بالتيمم ثم نوى الإقامة يمضي في صلاته ويعيد؛ لأن الإقامة لو قاربت ابتداء الصلاة منعت للاحتساب بها في حق المتيمم, فكذلك إذا طرأت؛ لأن الصلاة لم يتبعض حكمها.

الجزء: 1 - الصفحة: 199

فرع لو رعف في صلاته بطلت صلاته بالرعاف , ويلزمه أن يطلب الماء, ويغسل الدم, فإن طلب ولم يجده أو وجد قدر ما يغسله فقط.
قال الشافعي في"الأم": استأنف التيمم؛ لأن فرض الطلب المتوجه أبطل التيمم.
وكذلك لو تيمم ثم رفقة أو ركبًا ظن أن معهم ماء, أو رأى بئرًا أن فيها ماء, فلما تأمل لم يجد الماء فإنه يلزمه إعادة التيمم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك بناء على أصله أن طلب الماء غير واجب, وعلى هذا قال القفال: لو رأى الماء ودونه سبع, فإن رآهما معًا أو عرف مكان السبع قبل رؤية الماء فتيممه باق, وإن رأى الماء أولاً ثم عرف السبع والحائل بطل تيممه؛ لأن الطلب قد توجه عليه, وكذلك لو رأى ماء في قعر بئر ولا رشاد معه ولا دلو, فإن علم به وهو عالم بأنه لا آلة معه [157 أ/1] لا يبطل تيممه, وإن رآه وعنده أي آلة النزح فلم يكن أعاد التيمم.
مسألة: قال: "ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرضٍ".
وهذا كما قال عندنا لا يجوز أن يصلي بتيمم واحد صلاتي فرض, بل يجب التيمم بكل فريضة, وطلب الماء أيضًا, فيطلب الماء أولاً ثم إذا عدمه تيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي الصلاة الثانية, ولا فرق بين أن يكونا مؤقتتين أو فائتتين أو مؤقتة وفاتنة, وكذلك لا فرق بين أن يكونا منذورتين أو شرعيتين, أو إحداهما منذورة والأخرى شرعية, ولا فرق بين أن يريد الجمع بينهما في وقت إحداهما أو لا يريد الجمع, وبه قال علي, وابن عمر, وابن عباس, والنخعي, وقتادة , وربيعة, ومالك, والأوزاعي, والليث- رضي الله عنهم- قال أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به إلى أن يحدث, وبه قال الحسن, وسعيد بن المسيب, والثوري, وداود, والمزني, وابن المنذر.
وقال أبو ثور: يؤدي الفرائض في وقت الصلاة التي تيمم لها, ولا يؤدي في وقت آخر.
وقال أحمد: يجمع بين الفوائت بتيمم واحد, ولا يجمع بين ما أتى وقتين.
وهو قريب من قول أبي ثور.
وهذا كله غلط لما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنة ألا تصلي بالتيمم [157 ب/1] إلا صلاة واحدة, ثم يتيمم للأخرى.
وهذا يقتضي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقال علي- رضي الله عنه- "التيمم عند كل صلاة" فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بجنس التيمم أصلاً لظاهر قول الشافعي, ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض, وهذا لأنه تفتقر الصلاة الثانية إلى تيمم ثانٍ, ويفتقر التيمم الثاني إلى طلب ثان, والطلب يقطع الجمع؛ لأن من شرطه الموالاة, ولم يذكر في كتاب "الحاوي" غير هذا.
وقال عامة أصحابنا: يجوز الجمع

الجزء: 1 - الصفحة: 200

بينهما بجنس التيمم, وقد نص عليه في "الأم" وهو الصحيح, وقصد الشافعي لا يؤدي بهما تيمم واحد.
كما قال أبو حنيفة: ولا يؤدي إلى قطع الموالاة لأنا لا نأمره في الصلاة الثانية بالاستقصاء في الطلب كما نأمره في الأولى, بل يكفيه من الطلب أن ينظر يمنة ويسرة هل يرى أحدًا أو أثرًا, ثم يتيمم بضربتين.
وهذا كما نأمره بالإقامة للصلاة الثانية ولا يقع بها الفصل والتراخي, وهذا لأن كل هذا من مصلحة الجمع فلا يؤثر فيه, فإن قيل: هلا سقط فرض الطلب الثاني ولا يطع في الماء؟ قلنا: قال في"الأم": لا ييئس منه بكل حال, فقد يطلع الركب والسبيل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجب الطلب الثاني؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه [158 أ/1] لا يفيد, والثاني: يجب تعبدًا, وهكذا لو كان في بادية لا يوجد الماء في مثلها غالبًا, هل يجب الطلب؟ وجهان, وهذا خلاف المنصوص, وعندي أنه إذا تحقق ذلك تبينًا لا يلزمه الطلب, لأنه عبث, وقد يتحقق عدمه بأن يخبره جماعة عدول: أنا طلبنا الماء فلم نجده, وقيل: لو أمر غيره.
حتى طلب له الماء فلم يجد, هل يباح له التيمم؟ وجهان مبنيان على ما لو أمر غيره أن ييممه هل يجوز؟ وجهان.
وكذلك لو طلب الماء فلم يجب فتيمم وصلى, ثم دخل عليه وقت فريضة أخرى وهو في موضعه, ولم تحدث الأمارة تدل على الماء, هل يجب الطلب؟ وجهان.
وقال القفال: هل يجوز الجمع بين صلاة منذورة وصلاة شرعية؟ قولان بناء على القولين في المنذورة, هل يسلك بها مسلك ما ورد به الشرع أو يسلك بها مسلك النوافل؟ ففيه قولان: وهل تجوز المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ قولان مخرجان.
وأصل القولين أنه يجب.
بمطلق النذر أقل ما هو واجب بأصل الشرع, أو ما يقع عليه اسم الصلاة, قولان.
وكذلك لو نذر عتق رقبة هل يجوز الذمة فيه؟ قولان.
وكذلك الحج المنذور هل يخرج من رأس المال أو من الثلث إذا أوصى به؟ قولان.
فإذا تقرر هذا ففي لفظ المزني إشكال, وذلك أنه قال: [158 ب/1] ويحدث لكل فريضة طلبًا للماء وتيمًا بعد الطلب الأول, وفيه تقديم وتأخير, أي ويحدث بكل فريضة طلبًا للماء بعد الطلب الأول ويتمها فيعقب كل بطلب, وكل طلب بتيمم.
واحتج الشافعي على أبي حنيفة بظاهر الآية, وهو أن الله تبارك وتعالى أمر كل قائم إلى الصلاة بالتيمم, فإن قيل: لا يصح هذا الاستدلال لأنه رتب التيمم على الوضوء, ولا يلزمه الوضوء لكل صلاة.
قيل: ظاهر الآية يوجب ذلك في الوضوء أيضًا, إلا أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة إلى يوم حنين, فجمع يومئذ بين صلوات بوضوء واحد, فسأله عمر- رضي الله عنه- عن ذلك متعجبًا فقال صلى الله عليه وسلم: "عمدًا فعلت يا عمر" أي ليعلموا أنه يجوز, فبهذا تركنا ظاهره, واحتج بقول ابن عباس على ما

الجزء: 1 - الصفحة: 201

ذكرنا وهو أعرف بمعنى الآية من غيره.
فرع الجمع بين طوافين مفروضين بتيمم واحد لا يجوز, وكذلك بين طواف فرض, وصلاة فرض, ويتصور ذلك في المريض والجريح, وهل يجوز الجمع بين صلاة الفريضة, وركعتي الطواف بتيمم واحد؟ قولان بناء على أن ركعتي الطواف فريضة أم لا؟ وفيه قولان.
فرع لو نسي صلاة واحدة من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عنها, يلزمه أن يعيد خمس صلوات [159 أ/1] حتى يؤدي المنسية بيقين, وهل يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؟ اختلف أصحابنا فيه, فقال عامتهم: يجزيه تيمم واحد وهو الصحيح؛ لأن الواجب منها واحدة في الحقيقة, فإذا فرغ من كلها سقط عنه الفرض بواحدة منها.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؛ لأن كلها صارت فرضًا عليه, ويحتاج أن ينوي في كل واحدة أنها فريضة, وهو اختيار أبي عبد الله الخضري, وعلى هذا لو كان محبوسًا أو مربوطًا على خشبة فصلى بالتيمم, ثم خلى نأمره بالقضاء, فهب يعيد التيمم؟ وفيه وجهان.
وكذلك لو صلى في بيته منفردًا بالتيمم ثم أدرك الجماعة فأراد الإعادة, ففي قول بعض أصحابنا بخراسان يعيد بنية السنة, وعلى هذا يعيد التيمم الأول, وفي قول يعيد بنية الفرض ففي جوازه بالتيمم الأول وجهان.

فرع لو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عينهما, فإن قلنا بالوجه الضعيف يلزمه أن يتيمم لكل صلاة منها فهاهنا أولى, وإن قلنا بالوجه الصحيح هاهنا بالخيار إن شاء صلى خمس صلوات ويتيمم لكل واحدة منها, وإن شاء يتمم فصلى به الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وأيهما فعل, فقد أدى الصلاتين المتروكتين بتيممين, في الأول قلد الصلاة وكثرة التيمم, وفي الثاني [159 ب/1] كثرة الصلاة وقلة التيمم, فالأول ذكره صاحب التلخيص والثاني والثاني ذكره ابن الحداد.
وأدى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تيمم فصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز, لاحتمال أن عليه العشاء مع إحدى الصلوات الثلاث التي بين الصبح والعشاء, فأدى بالتيمم الأول إحدى الثلاث فلم يجزه العشاء به, وبالتيمم الثاني لم يعد العشاء, فإن أراد أن يجوز فليصل العشاء بهذا التيمم الثاني, وعلى هذا لو بدأ فأدى العشاء ثم المغرب, ثم العصر, ثم الظهر, ثم تيمم فصلى المغرب, ثم العصر ثم الظهر, ثم الصبح جاز, وإن بدأ بالمغرب إلى الصبح ثم تيمم وصلى العشاء إلى الظهر لم يجز, إلا أن يعيد الصبح بهذا التيمم كما ذكرنا في العشاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 202

فرع آخر لو نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين ولا يعلم عينهما فإن كانا مختلفتين فهي: بالوجه الضعيف يلزمه أن يصلي عشر صلوات بعشر تيممات, وإن قلنا: بالآخر يصلي خمس صلوات بتيمم واحد, ثم يصلي خمس صلوات بتيمم, فيكون مؤديًا إحداهما بالتيمم الأول ومؤديًا للثانية بالتيمم الثاني.
قال القفال: فإن قال: أريد ان أصلي صلاتين بكل تيمم فكيف أصنع؟ [160 أ/1] قلنا: إن أديت بينهم ظهرين وتيمم عصرين هكذا لم يجز, لكن إن خالفت فأديت بتيمم ظهرًا وعصرًا, ثم يتيمم عصرًا ومغربًا, ثم يتيمم مغربًا وعشاء, ثم يتيمم عشاء وصبحًا.
ثميتيمم صبحًا وظهرًا جاز, إلا أنه تطويل الأمر على تعاينه, إذ يكفيه عشر صلوات تيمم, والآن يؤديها بخمس تيممات, وإن تيقن أن عليه صلاتين ولا يعلم هل هما مختلفتان أو متفقتان, يلزمه أن يأخذ بأسوأ الحالين وأغلظهما, وهو أن يكونا متفقتين على ما بيناه.
فرع لو اشتبه الأمر على حاج, فلم يدر أن أترك صلاة فرض؟ أو طواف فرض, إن كان عليه يأتي بالطواف وبالخمس صلوات بتيمم واحد, وهذا على الوجه الصحيح, وعلى الوجه الآخر بتيمم ست تيممات.
مسألة: قال: "ويصلي بعد الفريضة النوافل وعلى الجانئز ويقرأ في المصحف".
الفصل وهذا كما قال به.
ذكرنا أنه يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل, ومن أصحابنا من قال: إنما يجوز أن يتنفل به ما دام وقت الفريضة باقيًا, فإذا خرج الوقت لا يجوز أداء النوافل به, وهذا غير صحيح, وهكذا يجوز أن يقرأ في المصحف, ويستحب سجود القرآن, لأنه نافلة وأما إذا أراد أن يصلي به صلاة الجنازة.
قال أصحابنا: إن لن يتعين عليه فهي بمنزلة النوافل يجوز أدائها [160 ب/1] به وأن تعينت عليه, قال أبو إسحاق لا يلزمه تجديد التيمم لها؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان وهو المذهب الشافعي, ومن أصحابنا من قال: يلزمه تجديد التيمم لها, لأنها لما تعينت عليه صارت من فرائض الأعيان, وهذا أقيس.
وقول الشافعي محمول على الغالب, وهو أنها لم تتعين عليه, وهذا اختيار الشيخ أبي حامد, والأول أصح لأنه ليس لها مرتبة فرائض الأعيان, ولا يصير بمنزلتها, وإن تعينت عليه لأنها, وإن لم تتعين فبالفعل تتعين وتقع فرضًا, ينبغي أن لا يجوز أداؤها به أصلاً لهذا المعنى.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

فرع لو حضرت جنازتان في سفر وليس هناك من يسقط الفرض غيره فعدم الماء يصلي عليهما بتيمم واحد على قول أبي إسحاق, وعلى قول غيره يحتاج إلى التيممين فلا يجوز أن يصلي عليهما دفعة واحدة, ولا يجوز أن يتيمم تيممين, ثم يصلي عليهما صلاة واحدة , لأنه يكون بمنزلة التيمم الواحد بل يتيمم ويصلي على إحداهما ثم يتيمم ويصلي على الأخرى.
فرع هل يجوز الصلاة على الجنازة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناءًا على هذا الذي ذكرنا فيما تقدم, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولاً واحدًا.
وينص عليه الشافعي.
وكذلك لا يجوز أداؤها على الراحلة؛ لأن معظم [161 أ/1] الركن فيها القيام, فإذا ترك القيام لم يبق شيء بخلاف ما لو أداها بالتيمم الأول.
فرع لو تيمم لجنازة تعينت عليه وصلى عليها, لم يجز أن يصلي به مكتوبة قولاً واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: إذا تيمم للنفل يؤدي به الفريضة فما هذا أولى, وإن قلنا: لا يؤدي به الفريضة فهاهنا وجهان, والفرق أن صلاة الجنازة من جنس الفرائض فكان حكمها أوقى بخلاف النافلة, ولو تيمم لنافلة قال في"البويطي" له أن يصاي على الجنازة وهذا على ما ذكرنا من الاختلاف.
فرع آخر التيمم لا يرفع الحدث, وحكي عن داود وبعض أصحاب مالك أنه يرفع الحدث, وهذا غلط لأن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء يغتسل ويتوضأ فثبت بقاء الحدث الأول.
فرع آخر يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئ.
وقال محمد: لا يجوز, وروى هذا عن علي -رضي الله عنه- وهذا غلط لأن من جاز أن يكون إمامًا للمتيمم جاز أن يكون إمامًا للمتوضئ كالمنصوص.
مسألة: قال: "فإن تيمم بزرنيخ أو بنورة".
الفصل وهذا كما قال قصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا ما قيل فيه، ووافقنا أبو حنيفة في الذريرة أنه لا يجوز التيمم بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

باب جامع المتيمم والعذر فيه

مسألة: قال: ((ويسن للمسافر أن لا يتيمم إلا بعد دخول [161 ب/ 1] وقت الصلاة)).
الفصل وهذا كما يقال: لا يجوز التيمم إلا بوجود خمس شرائط متفق عليها، وسادس مختلف فيه بين أصحابنا.
فأما المتفق عليها فدخول الوقت، وطلب الماء بعد الدخول، ووجود العذر من سفر أو مرض أو غيرهما، والنية للمكتوبة.
وأما المختلف فيه فتعيين النية.
وقال ابن أبي أحمد: فرض التيمم ستة: طلب الماء، والنية للمكتوبة، والقصد إلى التراب، ومسح الوجه واليدين، والترتيب.
وعندي كلاهما غير صحيح، لأنه يخلط الشرائط بالأركان، والأولى أن يقال شرائط التيمم هي أربعة: دخول الوقت، وطلب الماء، وإعوازه بعد الطلب، ووجود العذر على ما ذكرنا، وإن كان التيمم ... النذر على الوصف الذي ذكرنا، ومسح الوجه واليدين، والترتيب، والقصد إلى التراب، وقيل هي خمسة ويدل القصد إلى التراب، التراب الظاهر ذكره في الحاوي، وفي ((القديم)): زاد الموالاة فيكون ستة، وأما سنة التيمم قال أصحابنا: شيئان التسمية والبدأة باليمين، وعندي أنها ثلاث، والثالثة: تخليل الأصابع ومسح إحدى الراحتين على الأخرى على ما تقدم بيانه، ويكره فيه التكرار، فإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا يجوز التيمم لفريضة الوقت قبل دخول وقتها، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وقال الزهري: لا يجوز التيمم لها حتى يخاف فوت الوقت [162 أ/ 1] ولا يصلي به حتى يتضيق وقتها ويخاف الفوت أيضاً.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لها قبل الوقت كالوضوء.
واحتج الشافعي عليه بظاهر قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: 6] والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول الوقت.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: وقت التيمم لصلاة الخسوف عند الخسوف، ولصلاة الاستسقاء عند خروج الناس إلى الصحراء، ولصلاة الجنازة إذا غسل الميت، ولتحية المسجد بعد دخول المسجد، وقيل: عند دخول المسجد، ولصلاة العيدين عند الدخول فيها وللسنن الراتبة، بعد حضورها، وقيل: هل يجوز لصلاة بعد الموت قبل غسله؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنها قد وجبت بالموت.
والثاني: لا يجوز لأنه لا يستبيح فعلها قبل الغسل، وفي هذا عندي نظر، لأنه إذا تيمم لصلاة النافلة مطلقاً يجوز أن يؤدي هذه الصلوات إلا صلاة الجنازة، فإن فيها كلاماً يشترط في صحة أدائها بالتيمم قبل دخول وقتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

فرع قال في ((البويطي)): لو تمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه لم يجزه ذلك، ولا إعادة عليه، وأراد به أنه إذا تيمم في الوقت المنهي عن صلاة النفل فيه، ثم صلى به النفل بعد ذلك الوقت لا يجزيه، وذلك لأنه يجري مجرى التيمم للفريضة قبل دخول [162 ب/ 1] وقتها، وهذا إذا كانت النافلة لا سبب لها، وفيها وجهان، وهذا غلط.
فرع آخر لو تيمم للنفل في غير وقت الكراهية لا يبطل تيممه لأن التيمم صح والوقت في الجملة قابل للصلاة.
فرع آخر لو لم يتذكر الفائتة فقال: أتيمم لفائتة إن تذكرها؟ أصلها به لا يجوز أداؤها به إذا ذكرها على ما ذكرنا، أن وقتها عند التذكر لقوله (صلى الله عليه وسلم) ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها)).
فرع آخر لو تيمم في أول الوقت، ثم صلى في آخر الوقت نص في ((البويطي)) أنه يجوز، لأنه تيمم في وقت لكنه فعل الصلاة به.
وهكذا لو ذهب الوقت فصلاها قضاء به يجوز، لأن التيم قد صح فلا يزول حكمه إلا بحدث أو فعل الصلاة.
قال أصحابنا: فإن سار بعد تيممه إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى تجديد الطلب وإعادة التيمم.
وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج، والأصطخري: يلزمه أن لا يؤخر الصلاة بعد التيمم إلا بقدر الأذان والإقامة ومستويات فريضته، فإن أخرها عن ذلك حتى تراخى به الزمان بطل تيممه، كطهارة المستحاضة يلزمها تعجيل الصلاة عقيب طهارتها، والأول أصح وهو المنصوص على ما ذكرنا، وتفارق المستحاضة، لأن حدثها يتوارى عقيب طهارتها.
بخلاف المتيمم [163 أ/ 1].
وأما طلب الماء فلابد منه ولا يصح تيممه إلا بعد طلبه.
وقال أبو حنيفة: لا يحتاج إلى الطلب، ويجوز تيممه، لأنه غير عالم بوجود الماء بحضرته، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة] ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب والعدم.
فرع لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول وقت الصلاة، فإن طلب قبل دخول وقتها لم يعتد

الجزء: 1 - الصفحة: 206

به، وعليه استئناف الطلب بعد دخول وقتها، إلا أن يكون على ثقة من أن الأمر على ما شاهده ولم يتغير ولم يطرأ من يسئله عن الماء، فلا يلزمه العود عليه، لأنه بعد دخول الوقت عالم بعدم الماء حواليه فلم يحتج إلى طلبه، ذكره القاضي الطبري.
وهذا يؤكد اختياري مما تقدم من المسألة.
وقال بعض أصحابنا: هذا إنما يكون إذا كان ناظراً إلى مواضع الطلب ولم يتجدد فيها شيء، فأما إذا غابت مواضع الطلب عنه يجوز أن يكون تجدد فيها حدوث الماء، فيحتاج إلى الطلب، فإن قيل: إذا طلب بعد دخول وقت الصلاة، ولم يتيمم عقيبه جاز أن يتيمم بعد ذلك، ولا يلزمه إعادة الطلب، وإن كان التجدد مجوزاً قلنا: إذا طلب في وقت الطلب لم يلزمه إعادة الطلب إلا أن يعلم تجدد أمر، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى [163 ب/ 1] المشقة، وإذا طلب قبل وفيه كلف إعادته لتفريطه في تقديم الطلب على الحاجة، وهذا أحسن والأقيس ما ذكرت.
فرع اعلم أن الطلب يكون بوجهين: أحدها: بالمسألة والاستخبار عمن يظن أن عنده علماً بمياه ذلك الموضع، أو عنده ماء يبذله له.
والثاني: بالتفتيش والنظر، فيبدأ بتفتيش رحله إن لم يكن عنده علم بأنه لا ماء فيه، ثم ينظر يميناً وشمالاً ووراءه وأمامه إن لم يكن دون نظره حائل من جبل أو غيره، وإن كان دون نظره حائل من جبل أو غيره سار إلى ذلك الموضع حتى يزول عنه الحائل، ثم نظر حواليه على ما بينا.
فرع لو ظهرت قافلة كبيرة إلى متى تطلب الماء؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن يبقى من الوقت مقدار الفعل.
والثاني: إلى أن يبقى قدر ما يصلى ركعة، لأن الصلاة لا تكون قضاء، ولا يأثم بتأخيره في هذا القدر.
فرع آخر لو سأل رفيقه فدله على ماء قريب يلزمه قصده بثلاث شرائط، أحدها: أن لا ينقطع عن أصحابه.
والثاني: أن لا يخاف منه القصد على نفسه ولا على رحلة في القافلة.
والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله في القافلة.
والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله أو خاف خروج الوقت، أو كان أصحابه أن لا ينتظرونه [164 أ/ 1] فله أن يتيمم في الحال.
فرع آخر لو كان هناك بئر ولكن لا جبل معه، فإن أمكنه أن يوصل إلى الماء ثيابا يشد بعضها إلى بعض لزمه ذلك، لأنه يصل إليه من غير مشقة، وإن كان الماء بعيداً، وفي قصده مشقة لا يلزمه قصده، وإنما يلزمه قصده إذا كان قريباً في العادة، وقال في ((البويطي)) تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإن صلى في أوله، ثم وجد ماء يوصله إلى الماء من

الجزء: 1 - الصفحة: 207

الرشا ونحوه في آخر الوقت أحببت أن يعيد الصلاة.
فرع آخر لو كان يقدر على نزول البئر بأمر ليس عليه فيه خوف نزلها، فإن خاف على نفسه من ذلك تيمم، وكذلك إن قدر عليه بحفر ذراع أو ذراعين من غير تعب شديد فإنه يلزمه.
فرع لو كان لا يقدر على ماء البئر إلا ببل ثوب توكس قيمته إن بله، فإن نقص من ثمنه تعديله بقدر ثمن الماء لزمه أن يبله فيه، وإن نقص أكثر لم يلزمه، ومن أصحابنا من قال: إن كان النقص بقدر أجرة الدلو والحبل يلزمه، وإلا فلا يلزمه، وهكذا لو كان معه عمامة يحتاج إلى شقها بنصفين ليصل إلى الماء.
فرع آخر لو لم يصل إلى الماء لعذر أو سبع كان هذا بمنزلة عدمه، ولو ركب البحر ولا ماء في المركب [164 ب/ 1] ولا يقدر على الاستقاء لاضطرابه، أو ليس معه حبل يأخذ به الماء منه تيمم وصلى ولا يعيد، لأنه غير قادر نص عليه في ((الأم)).
فرع آخر لو وصل المسافر إلى جب ماء في الطريق لا يتوضأ منه، لأن صاحبه وضعه للشرب لا للوضوء منه ذكره أصحابنا.
فرع آخر لو كان هناك مسلم أو ذمي أو بهيمة تحتاج إلى الماء، فإنه يترك الماء له ويتيمم، لأنه محرم، ولو كان هناك مرتد، أو حربي، أو كان عقور لا يترك الماء له بل يتوضأ به، لأنه مباح للإهلال.
فرع آخر لو كان يعلم أنه يحتاج إلى الماء غداً لا يلزمه استعماله في وضوءه، وإن كان يرجو وجود الماء في غده ولا يتحقق وجهان: أحدهما: لا يلزمه استعماله لأن الأصل عدم وقدم لا يجده، ويحتاج إلى الماء ليشربه فحاجته مقدمة على العبادة.
والثاني: يلزمه استعماله لأن الظاهر وجود الماء في مكان تعهد فيه الماء، ولو كان معه ماء يحتاج إلى بيعه للنفقة، فإنه يبيعه ويتيمم.
وأما إعواز الماء بعد الطلب يشترط بلا إشكال، وإعوازه عدمه ويعزوه، ويقال: رجل معوز إذا لم يكن له شيء، وأما العذر

الجزء: 1 - الصفحة: 208

فلا بد منه، والعذر عذران سفر ومرض، فالمرض يأتي حكمه.
وأما السفر فيجوز التيمم فيه [165 أ/ 1] طويلاً كان أو قصيراً، حتى لو خرج إلى بعض السواد إلى صنيعة له فعدم الماء في الطريق فله التيمم والصلاة، ولا إعادة عليه، وذكر هذا في ((البويطي)) ثم قال: وقد قيل: إنه لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، فمن أصحابنا من قال: أراد به قول بعض الناس، وليس هذا بقول آخر للشافعي، ومنهم من قال: فيه قولان، والصحيح الأول، لأنه يعدم الماء في مثل هذا الموضع غالباً فأشبه السفر الطويل، وليس كالفطر والقصر، لأنه يراعى فيهما المشقة وهي في السفر الطويل دون القصير غالباً بخلاف هذا.
واحتج الشافعي فيه بظاهر القرآن وبابن عمر.
وأما ظاهر القرآن فمعلوم وهو قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] ولم يفصل.
وأما ابن عمر- رضي الله عنه- فتمام الخبر ما روي أنه انصرف من قرية يقال لها حرف قريب من المدينة فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة يقال له: مربد، فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد، فجعل يتيمم، فقال له نافع مولاه: أتيمم وهو ذي تنظر إليك جدران المدينة فقال: أو .... حتى أبلغها، وتيمم وصلى، ثم دخل المدينة والشمس حية بيضاء فلم يعد الصلاة، وقال القفال: في الحقيقة لا يتعلق التيمم [165 ب/ 1] بالسفر، بل يتعلق بعدم الماء في الموضع الذي يعدم فيه غالباً، فإن الرجل لو أقام في مفازة يعدم الماء فيها غالباً وطالت إقامته له التيم ولا يعيد، وفي مثله ورد الخبر، وهو ما روي عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: كنت بالربذة، فكنت أفقد الماء أياماً، فقلت: هلك أبو ذر، فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرت له فقال: ((التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين)) وفي مسنده لو بلغ المسافر مصراً فنفذ فيه الماء فتيمم وصلى تلزمه الإعادة، وهذا صحيح كما ذكره، ولكن يجوز أن يحال به على السفر على حكم العادة الغالبة.
وقال والدي الإمام- رحمه الله: يحتمل وجهاً آخر أن يقال: لا تلزم الإعادة على هذا المسافر في المصر، لأن حكمه حكم من هو في المفازة في القصر والفطر، ورأيت بعض أصحابنا يقول فيه وجهان، وقيل: جملة الأحكام المتعلقة بالسفر هي ثلاثة أضرب، ضرب يجوز في السفر الطويل والقصير وهو التيمم، والصلاة على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة.
وضرب لا يجوز إلا في السفر الطويل وهو الفطر، والقصر، والمستبيح ثلاثة أيام.
وضرب فيه قولان وهو الجمع بين الصلاتين.
وذكر بعد أصحابنا بخراسان: أن الصحيح من القولين في الصلاة على الراحلة أنه لا يجوز إلا في السفر الطويل، [166 أ/ 1] وهذا غلط والمشهور خلافه.
فرع لو عدم الماء في الموضع الذي لا يعدم في مثله غالباً كالمصر، مثل أن يحبس فلا

الجزء: 1 - الصفحة: 209

يصل إلى الماء، أو غار عينها وانقطع الماء فدخل عليه وقت الصلاة يتيمم ويصلي، فإذا قدر على الماء توضأ به وأعاد.
وبه قال محمد، وحكاه الطحاوي، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف وقال زفر: لا يصلي أصلاً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال مالك: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والمزني، واختاره الطحاوي.
وقيل: إنه قول مخرج، والدليل على أنه يتيمم ويصلي أنه لا يمكنه استعمال الماء مع احتمال الضرر.
وأما الإعادة إنما وجبت لأنه يندر فلا تشق الإعادة بخلاف المرض فإنه يعم، فشق الإعادة فاسقطناها، فإن قيل: الخائف من سبع إذا صلى مومئاً لا تلزمه الإعادة عندكم، وهذا غدر نادر لا يدوم.
قيل: هذا خائف وحبس الخوف عام فلهذا أسقطنا الإعادة.
فرع آخر لو عدم الماء والتراب، فإن يكون محبوساً في موضع لا يجدهما أو كان يجد تراباً نجساً، فإن أمكن أن ينفض رجله وثيابه ويجمع منه التراب الطاهر فعل، وإن لم يمكن فإنه يصلي على حسب حاله ويعيد.
نص عليه في الجديد، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، والليث، وأحمد، وقال في القديم: يعجبني أن يصلي حتى لا يخلى [166 ب/ 1] الوقت من فعل الصلاة فلم يقطع القول فيه.
قال أصحابنا: فيه قولان لأن أحدها: ما ذكرنا.
والثاني: لا يصلي ويحرم عليه ذلك ويقضي إذا قدر على الطهارة.
وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
وقال بعض أصحابنا: يأمره أن يصلي قولاً واحداً، وهل يستحب القضاء أو يستحق؟ قولان، وقال مالك: لا تجب عليه الصلاة فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض.
وبه قال داود، وقال أحمد: يلزمه أن يصلي ولا إعادة عليه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن هذا قول مخرج للشافعي وهو غلط، والدليل على أنه يصلي ما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث أسيد بن حضر وأناساً معه لطلب قلادة أصابتها عائشة- رضي الله عنها- فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي (صلى الله عليه وسلم) يذكروا له ذلك، فنزلت آية التيمم، ولم ينكر (صلى الله عليه وسلم) ذلك، فإن قيل: فلم يأمره بالإعادة؟ قلنا: الإعادة على التراخي، ولم تدع الحاجة أغلى بيانها ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، واحتج مالك: بأنه غير مأمور بها مع حدثه في وقتها فلا قضاء عليه كالحائض، قلنا: الحيض هو عذر عام فأسقط للقضاء كالإغماء، وهو عذر نادر فأشبه الحيض في حق [167 أ/ 1] الصوم لا يسقط القضاء، ويقيس على فقد السترة فإنه لا يمنع وجوب الصلاة.
فرع لو وجد الماء وخاف الهلاك من البرد لو اغتسل، فإن أمكنه تسخين الماء لم يجز له التيمم، وإن لم يمكنه لعدم النار، أو لأن الرفقة لا ينتظرونه، فإن كان معه خرق وقطن يمكن أن يغسل عضواً ويدثره ويدفيه فعل، وإن لم يمكنه ذلك يتيمم ويصلي، فإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 210

ذلك في الحضر أعاد الصلاة وإن كان في السفر قال في ((الأم)): يعيد لأنه نادر، وقال في ((البويطي)): قد قيل لا يعيد، لأن عذر البرد يقع عاماً في السفر، فحصل قولان في السفر.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد بحال سواء كان في الحضر أو في السفر، واحتج بما روى عمرو بن العاص قال: احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، فذكتر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب)) فقلت: إن سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] فضحك النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يقل لي شيئاً.
فدل أنه لا يجب القضاء، لأنه لم يأمره به، وهذا غلط لما ذكرنا أنه نادر، ولا حجة في الخبر، لأنه يحتمل أنه [167 ب/ 1] أخر بيان القضاء إلى وقت الحاجة، فإنه ليس على الفور، ويحتمل أنه علم علمه بوجوب القضاء فلم يذكر ذلك.
مسألة: قال: ((ولا يتيمم من مرض في شتاء ولا صيف إلا من به فرح له غور)).
الفصل وهذا كما قال: المرض هو العذر الثاني في إباحة التيمم لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] فأجاز التيمم للمرض.
قال أصحابنا: الأمراض على ثلاثة أضرب، ضرب يخاف منه التلف إما على نفسه، أو على العضو الذي كانت العلة به، أو يخاف منه المرض المخوف كالجراحات والجدري، فيجوز له التيمم قولاً واحداً.
وحكي عن طاوس، وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم بل عليه استعمال الماء، وهذا غلط روي عن جابر- رضي الله عنه- قال: كنا في سفر فأصاب رجلان منا حجر [في رأسه] فشجه فاحتلم، فسأل الناس هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا رخصة مع وجود الماء، فاغتسل فمات، وروي: فكن من البرد ومات، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا أو لم يعلموا، بإنما شفاء العي السؤال، كان يكفيه أن يتيمم ويعصب رأسه بخرقة ويمسح عليها ويغسل باقي جسده)) والمرض الثاني [168 أ/ 1] أن لا يخاف التلف ولا الضرر منه باستعمال الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 211

كالصداع والحمى فلا يجوز له التيمم بسببه.
وحكي عن مالك، وداود أنهما لا يجوز التيمم لكل مرض لظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي﴾ [النساء: 43] الآية ولم يفصل، وهذا غلط لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((لا يقبل الله صلاة أمرئ حتى يضع الطهور مواضعه)) الخبر فهذا عموم يعارض عمومه، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء فجعل شفاء الحمى الماء، فلا يكون ذلك عذراً في قول استعماله، ولأنه واجد للماء ولا يخاف الضرر من استعماله، فلا يجوز له التيمم، كما لو كان به وجع السن والمرض الثالث: أن لا يخاف منه التلف، ولكنه يخاف للزيادة في العلة أو تباطؤ البرء، قال في ((الإملاء)) و ((البويطي)) و ((القديم)): يجوز له التيمم، فظاهر ما قاله في ((الأم)) أنه لا يجوز له التيمم إلا أن يخاف التلف، فاختلف أصحابنا فيه على طرق أحدها: يجوز له التيمم قولاً واحداً، لأنه يلحقه الضرر البين باستعمال الماء، ويخاف من زيادة العلة زيادة الوجع المؤدي إلى التلف، وهذا اختيار ابن سريج، والأصطخري، وهو الصحيح عندي، ونصه في ((الأم)) متأول على أنه أراج بالمرض المخوف خوف الزيادة.
والطريق الثاني: وهو الذي عليه عامة أصحابنا، واختاره أبو إسحاق المسألة على قولين: أحدها: [168 ب/ 1] لا يتيمم له، وبه قال عطاء، والحسن، وأحمد، لأن ابن عباس- رضي الله عنه- قال في تفسير الآية: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قرح أو جدري فيجنب، ويخاف أن يقتل فيموت بينهم بالصعيد.
والثاني: يتيمم له، وبه قال أبو حنيفة، ومالك لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي﴾ [النساء: 43] فعم ولم يخص، وما ذكر عن ابن عباس فليس بتفسير، بدليل أن من كان به جرح في غير سبيل الله- عز وجل- جاز له التيمم بالإجماع، ولأن في ترك الصوم والقيام في الصلاة لا يشترط خوف التلف فكذلك ها هنا.
والطريق الثالث: لا يجوز له التيم قولاً واحداً، وما قال في الإملاء، أراد به إذا يخاف زيادة يتولد منها التلف، وقد صرح في ((الأم)) فقال: لا لشين ولا لإبطاء برء، هذا لا أنه لا يجوز له التيمم للعطش إلا عند خوف التلف، كذلك ههنا، وهذا لا يصح، لأن بعض أصحابنا قولوا: إذا لم يحف التلف من التعطش بل خاف الألم والضر الشديد به فإنه يجوز له التيم في أحد الوجهين.
فرع لو خاف منه الشين والشلل، قد قيل: فيه قولان، وقيل: لا يتيمم له قولاً واحداً، وقال ابن سريج، والأصطخري: يتيمم له قولاً واحداً، لأن ضرر هذا متأبد وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 212

الصحيح عندي، وقال أبو الفياض، يتيم في الشلل دون الشين، لأن في الشلل [169 أ/ 1] إبطال العضو، وفي الشين فتحه، ويحتمل أن يقال في الشلل قول وحد يتيم له، وفي الشين قولان، وهذا إذا كان الشين كثيراً مثل أن يسود أكثر وجهه وتشوه خلقته، فإن كان يسيراً مثل أثر الجدري وأثر الجراحة اليسيرة فلا يجوز له ترك الماء قولاً واحداً.
وقال بعض أصحابنا بخرسان: إن خاف الشين على مكان الجراحة لا يترك الماء قولاً واحداً.
والقولان إذا خاف الشين في غير مكان الجراحة، والصحيح أنه لا فرق.
فرع آخر لو خاف شدة الضنى، والضنى هو المرض المدنف الذي يلزم صاحبه الفراس ويضنيه.
قيل: فيه قولان، قال في ((الجديد)) لا يتيمم له.
وقال في ((القديم)) يتيمم له.
وهذا أقيس وأصح عندي.
وقيل: قول واحد أنه لا يتيمم له، والذي قال ((القديم)): أراد به الضنى المؤدي إلى التلف.
فرع آخر لو لم يعلم هل يستضر من استعمال الماء أم لا؟ رجع إلى قول العدل، ولا يحتاج إلى شاهدين، لأن طريقة الخبر إذا تعذر الرجوع ليس له التيمم ذكره أبو علي السنجي.
فرع آخر لو كان الطبيب فاسقاً فقال: هذا المرض مخوف يباح له التيمم مع وجود الماء، هل يقبل قوله؟ ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يقبل قوله.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: يعتمد على قوله، لأن هذا هو من [169 ب/ 1] جنس المعاملات وقول الفاسق مقبول فيه، كالقصاب الفاسق إذا قال: هذا اللحم مذكى، أو هذا المال لفلان، أو أنا وكيله في البيع، فإنه يعتمد على قوله، والثاني: لا يعتمد على قوله فرع لو كان الطبيب صبياً مراهقاً، ظاهر المذهب أنه لا يعتمد على قوله.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان على نه هل تقبل دلالته على القبلة، وفيه قولان وهذا غير مشهور.
فرع لو تيمم ثم ظن أن جرحه برء فلما رفع الساتر لم يبرأ لم يلزمه إعادة التيمم، وليس كمن لزمه طلب الماء، ثم لم يجد فإنه يلزمه إعادة التيمم، لأن طلب الماء شرط وطلب البرء غير واجب.
وله أن يتيمم إلى أن يعرف البرء، وقيل: فيه وجهان، وكذلك لو توهم الاندمال فيه وجهان، ذكره بعض أصحابنا بخراسان وهو ضعيف.

الجزء: 1 - الصفحة: 213

مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ فِي بَعضَ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضِ غُسْل مَا لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ وَتَيَمٌمَ".
الفصل وهذا كما قال: إذا كان جراحات وأصابته جناية ولم يتمكن من الغسل التام، أو كان محدثاً على بعض أعضائه طهارته جراحات لا يتمكن من غسلها، فالمنصوص أنه يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح على الوجه واليدين.
وبه قال عامة أصحابنا.
وقال أبو إسحاق: يحتمل ن يخرج هذا [170 أ/1] على القولين اللذين ذكرهما الشافعي فيمن وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضائه، هل يلزمه استعماله؟ قولان لأنه لا يقوى الفرق بينهما.
هكذا ذكره القاضي أبو حامد.
وقال سائر أصحابنا: لم يذكر الشافعي في مسألتنا إلا قولاً واحداً، فلا يجوز إثبات قول آخر، والفرق أن ههنا هو واجد لما يرفع حدثه، وإذا عدم بعض الماء لا يجد ما يرفع حدثه، ولأن هناك العجز في الآلة لا في بدنه فتجعل القدرة على البعض كالا قدرة، وها هنا العجز، وهو في المحل دون الآلة، فيؤمر بالقدر الذي يمكن، كمقطوع اليد من لكوع بغسل الباقي، وهذا كالخير إذا لم يجد في كفارة اليمين بعض الطعام انتقل إلى الصوم وليس عليه إلا طعام، وإن كان بعضه رقيقاً، وبعضه حراً وهو مالك لجميع ما يلزمه من الطعام، لم يجز له الانتقال إلى الصوم فكذلك ها هنا.
وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً يلزمه غسل الصحيح ولا يلزمه التيمم، وإن كان أكثره جريحاً يتيمم ولا يغسل منه شيئاً ولا يجمع بين الغسل والتيمم بحالٍ.
فإذا تقرر هذا ترتيب عليه في التيمم وغسل ما قدر عليه، فإن شاء قدم التيمم وإن شاء آخرة، فإذا ٍ [170 ب/1] وجد من الماء ما لا يكفيه وقلنا: يلزمه استعماله، فإن يلزمه تقديم استعماله ليصير عادماً للماء ثم يتيمم، والفرق ن ذلك التيمم لعدم الماء فمما لم يعدم الماء لا يجوز له التيمم، وهذا التيمم للعجز والعجز موجود قبل غسل الصحيح، فجاز قبل غسله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدها: يلزم الترتيب فيهما.
والثاني: ما ذكرنا من الفرق وهذا ليس بشيء.
فإذا تقرر هذا، فإن كان جنباً فهو بالخيار في تقديم ما شاء منهما لأنه لا ترتيب في الغسل من الجنابة، وإن كان محدثاً نظر إلى موضوع الجرح، فإن كان في غير أعضاء الوضوء يعرضه الوضوء، ولا حاجة معه إلى التراب، وإن كان في أعضاء الوضوء وجب الترتيب، كما لو قدر على غسل الكل لا ينتقل إلى عضو قبل إسقاط فرض ما قبله فعليه استعمال الماء في الصحيح والتراب في القريح، فإن كان في الوجه مثلاً قدم

الجزء: 1 - الصفحة: 214

مسحه بالتراب مع اليد، ثم غسل ما بعده بالماء، وإنما بدأ الشافعي بالتيمم ها هنا ليزيل بعد الغسل التراب عن وجهه، وإن كان في اليدين قدم غسل الوجه، ثم إذا فرغ تيمم على الوجه واليدين لليدين، ثم يغسل ما قدر من اليدين، لأنه لا يجوز المسح على الرأس قبل إسقاط فرض اليدين، ولو كان الجرح على رأسه ورجليه ولا يمكن [171 أ/1] مسح جزء من رأسه يغسل وجهه ويديه، ثم يتيمم في وجهه ويديه للرأس والرجلين، ولا يجوز أن يقدم التيمم لمراعاة الترتيب، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا والثاني: له أن يؤخر التيمم إن شاء، وأن يقدم إن شاء، وأن يأتي به في حلال المغسول إن شاء، لأنه فرض بنفسه ينفرد عن الوضوء، وإنما يراعى الترتيب في عبادة واحدة، فأما في عبادتين فلا يراعى كما لو فاتته صلاتان يرتب كل واحدة منهما ولا يرتب إحداهما على الأخرى.
وهذا هو اختيار أبي على الستجي- رحمة الله - ولم يساعده سائر أصحابنا على هذا، وقال جدي- رحمه الله-: يغسل وجهه ويممه ولا يلزمه كمال التيمم، وكذلك في اليد، وعلل بأن كل عضو منفرد بنفسه واختار هذا، وعندي أنه لا وجه لهذا الاختيار.
فإذا تقرر هذا، فلو أمكنه أن يغسل رأسه ولا يصيب القرح الذي في وجهه، بأن يستلقى أو يقنع رأسه فإنه يلزمه غسله، لأنه يقدر على غسله من غير ضرر يلحقه، وإن قدر على غسل ما حوالي القرحة فإنه يلزمه غسلها، وإن خاف إذا صب الماء عليه أن يتفش إلى القرح.
قال في "الأم": أمسه الماء إمساساً [171 ب/1] لا يفيض وأجزاء.
فأقام المسح مقام الغسل، وحكم بجوازه للعذر، قال أصحابنا: حكم بجوازه مع التيمم، لأن التيمم ينوب عن جميع الغسل إذا تعذر، فالآن ينوب عن صفة الغسل وهي إفاضة الماء أولى إذا عجز عنها وقدر على المسح، وإن كان القروح في ظهره ولا يضبطه.
قال في "الأم": إن كان من يضبطه برؤيته أمره بغسل الصحيح، وكذلك إن كان عمى ولا يضبط هذا في شاء من بدنه يلزمه أن بغسل الصحيح من بدنه، فإن لم يكن هناك أحد يصليان بالتيمم بعد غسل ما قدر عليه، والتيمم على الوجه واليدين، ثم يعيدان عند القدرة كما قلنا في الأقطع، وكذلك المريض إذا لم يقدر على من يوضئه وهناك ماء، ولو كانت له أفواه مفتحة على موضوع التيمم أمر التراب على ما انفتح منها لأنه لا ضرر عليها من التراب.
وقد صار ظاهراً.
فرع لو توضأ وتيمم للجرح ثم برأ الجرح حقيقة يغسل ما برأ، ثم يعيد غسل ما بعده على الترتيب، لأن جواز ذلك كان للعذر، وقد ارتفع العذر.
وقال بعض أصحابنا: هل يلزمه الاستئناف أو يكفي غسل ذلك الموضوع؟ قولان بناء على ما لو نزع الخف هل يعيد الوضوء أو يكفيه غسل الرجلين؟ قولان، وهذا لا يصح لأن هناك لا يؤدي إلى ترك [172 أ/1] الترتيب.
بخلاف ها هنا فلا معنى فيه للقولين.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

فرع آخر لو كان الجرح على وجهه ويديه ورأسه بحيث لا يقدر على مسح شيء منه أصلاً ورجله يغسل ما قدر من وجهه ويتيمم لباقيه، ثم يغسل ما قدر من يديه ويتيمم للباقي، ثم يتيمم لمسح الرأس، ثم يغسل ما قدر من رجليه، ويتيمم لما بقي فيحتاج إلى أربع تيممات كما ذكرنا من مراعاة الترتيب، ثم إذا دخل وقت صلاة أخرى عاد حكم الحدث في حق الفريضة الثانية فيعيد التيممات ويراعى الترتيب، ولا يلزمه إعادة ما غسل من الوجه، ويلزم إعادة ما بعده.
فإن قيل: أليس التيمم يقع على جميع الأعضاء الأربعة ويسقط به الفرض دفعة واحدة من غير مراعاة الترتيب، .... ويكفيه تيمم واحد.
كما قال أبو علي- رحمه الله، قيل: إذا وقع عن جملة الوضوء كان الحكم له دون أعضاء الوضوء، وههنا ينوب عن بعضها، ويفعل بعضها فعتبر فيما يفعل من ذلك الترتيب.
مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى قُرْحِهِ دًمُ يَخَافُ غُسْلَهُ تَيَمٌمَ وَصَلَ وَأَعَادَ" وفي نسخة: "وإن كان على قروحه".
وهذا كما قال: إذا كان على قرحه دم يخاف عسله وهو جنب ومحدث، ولكن الجرح كان على بعض أعضاء وضوءه، ولولا الخوف لم تجزه الصلاة دون غسله ذلك يتيمم [172 ب/1]، لترك غسل بعض أعضاء الطهارة للعذر، ثم عليه إعادة الصلاة، لأنه صلاها مع نجاسة لا يعفى عن غسل مثلها.
والتيمم إنما يكون بدلاً عن الغسل في طهارة الحدث لا في طهارة النجس.
وقال أبو حنيفة: يصلي بالتيمم ولا يعيد.
وبه قال المزني، وقد قال ابن خيران: للشافعي قول في القديم أنه يلزمه الإعادة.
وسائر أصحابنا قالوا: هذا قول الربيع والمزني، فالمسألة على قول واحد أنه يعيد لأنه عذر نادر لا يدوم.
فرع لو كان عليه نجاسة ولا ماء معه لا يتيمم لأجل النجاسة، وروى عن أحمد أنه قال: يتيمم لها، لأن إزالة النجاسة إحدى الطهارتين فينوب عنها التيمم كالطهارة من الحدث، وهذا غلط لأن التراب لو ناب عن الماء لكان يقع في محله كالاستنجاء، والوضوء.
فرع آخر لو كان محدثاً وعلى بدنه نجاسة ومعه ما يكفيه لأحدهما يقدم إزالة النجاسة.
قال أحمد: يقدم إزالة الحدث، وهذه ول مسألة خالف فيها أبو حنيفة أستاذه حماداً، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 216

غلط، لأن الماء إذا استعمله في إزالة النجاسة ثم تيمم يصلي طاهراً من النجاسة بالماء، ومتيمماً عن الحدث ولا يلزمه إعادة الصلاة، وإذا استعمله في الحدث يصلي مع النجاسة ولا ينوب عنها التيمم وتلزمه الإعادة، فكل ما قلناه [173 أ/1] أولى.
فرع آخر هل يجوز أن يتيمم لحدثه قبل استعمال الماء في نجاسته؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأنهما طهارتان مختلفتان عن شيئين فلا تكون إحداهما بالتقديم أولى، وهذا أصح.
والثاني: لا يجوز، لأن التيمم إذا لم يستبح به الصلاة كان باطلاً، وإذا تقدم مع بقاء النجاسة لا تستباح به الصلاة، وهذا غلط، لأن المقروح يقدم التيمم على الماء، وإن كان لا يستبيح به الصلاة.
مسألة:)) وَإِذًا كَانَ في الْمِصْرِ في خًشً، أَو مَوْضَعٍ نَجِسٍ، أًوْ كَانَ مَرْبٌوطاً عَلَى خَشَبَةٍ صًلَّى يُومِاءُ وًيًعُيدُ إِذَا قَدَرَ)) وهذا كما قال الحش: هو البستان من النخيل كان الناس يأتونه للغائط والبول، فلما حدثت هذه الكنف استعاروا هذا الاسم، وحملته أنه إذا حبس الإنسان في موضع نجس وهو متطهر فدخل عليه وقت الصلاة ومعه ما يستر به عورته، يستر عورته ويحرم بالصلاة ويأتي بالقيام والقراءة والركوع، فإذا أراد أن يسجد فإنه يدنى رأسه من الأرض إلى أقصى ما يقدر عليه ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على الموضع النجس، فإذا بلغ التشهد فإنه يتشهد قائماَ، ولا يجوز له أن يجلس للتشهد على الموضع النجس.
وقد روى عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم [173 ب/1] قال: ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، وإذا كنتم في طين وقصب أو مؤوا إيمان)).
وروي ن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في الرداغ والقصبا فقال: ((إذا لم يستطيع أحدكم أن يسجد فليوماء إيماء)).
ومن أصحابنا من قال: يكون على رجليه عند التشهد بحيث لا يكون على الأرض منه إلا رجلاه، ةهذا هو أصوب عندي.
ومن أصحابنا من قال: إنه يسجد على الموضع النجس كما يسجد على الموضع الطاهر، وقول الشافعي: صلى يوماء يرجع إلى مسألة المربوط؛ لأنه لا يقدر على أكثر من الإيماء.
فأما المحبوس في الحش فلا، وهذا لأن السجود ركن من أركان الصلاة، والطهارة شرط من شرائطها، فلا يجوز له ترك الركن المقدور لعدم الشرط، وهذا خلاف ظاهر النص، ألا ووجهه أن فرض الصلاة قد يسقط مع ترك السجود والركوع إلى الإيماء، ولا يسقط مع مباشرة النجاسة.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

وذكر بعض أصحابنا ما يدل على أنه يضع أعضاء السجود على النجاسة ويدنى جبهته إلى الأرض، وهذا أيضاً غلط.
وحكى الطحاوي، عن أبي حنيفة أنه لا يصلي صلاً، وقال صاحب ((الحاوي)): عندنا هل يصلي واجباً أو استحباباً؟ قولان: أحدهما: قال في ((القديم)) وإملاء)): يصلي استحباباً [147 أ/1].
والثاني: قاله في ((الجديد)).
وفي ((الأم)): يصلي واجباً ولا شك أنه يحل له أن يصلي بحرمة الوقت وهذا غريب.
فرع إذا صلى هكذا، قال بعض أصحابنا: هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان.
قال في ((القديم)): لا تلزمه الإعادة.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه إعادتها قولاً واحداً خلافاً للمزني، ولا يصح القول الآخر عن القديم، وهذا لأنه نادر لا يدم فلا تسقط الإعادة.
فرع آخر إذا أعادها.
ماذا يكون فرضه؟ قال في ((الأم)) الثانية فرضه لأنه لا يعتد بالأولى، وإنما أمرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أدري ن يمر به وقت الصلاة ولا يصلي كيف أمكنه.
وقال في ((الإملاء)): كلتاهما فرضه لأنه لا يعتد بالأولى وإنما أقرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أرى أن يمر به وقت صلاة ولا يصلي كيف أمكنه وقال في الإملاء: كلتاهما فرضه لأنه أتي ببعض الأفعال في الأولى وباقيها في الثانية، والله تعالى يحتسب له بهما؛ لأن فعلهما كان فرضاً متوجهاً عليه.
وهذا اختيار بعض مشايخنا.
وقال في ((القدم)): الأولى في فرضه، والثاني سنة، وهذا هو غير قول المزني، وخرج أبو إسحاق قولاً رابعاً أن الله تعالى يحتسب له بأيهما شاء، وإنما خرجه من قول الشافعي في ((القديم)) إذا صلى من [174 ب/1] لا عذر له الظهر يوم الجمعة، ثم حضر الجامع وصلى الجمعة يحتسب الله تعالى له بأيتها شاء فحصل أرعة أقوال، والمشهور الأول، ومن بصر قول الإملاء قال: هذا الذي خرجه أبو إسحاق لا يصح؛ لأنه وجب عليه أن يسقط فرضه بالجمعة ولم يأمره بهما، وها هنا أمر بهما فيجب ن يكونا فرضين.
فرع آخر لو قدر على شيء طاهر يبسطه على الموضع النحس سوى ما يستر به عورته يلزمه أن يبسطه، ويصلي عليه حتى لو قدر على أن يفرش تراباً طاهراً يلزمه أن يفرشه ويصلي عليه ولا إعادة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان لو كان على بدنه ثوب طاهر يستر العورة فإنه ينزعه ويبسطه، ويصلي عارياً لتكون صلاته على موضع طاهر في أحد الوجهتين.
وهذا هو

الجزء: 1 - الصفحة: 218

خلاف المذهب المشهور.
وأما المربوط على خشية.
فإنه يأتي بما قدر عليه ويوماء بما لا يقدر عليه، والذي يقدر عليه التكبير والقراءة والتشهد ويلزمه الإعادة، وهكذا الأسير يمنع والمستكره، ومن حيل بينه وبين تأدية الصلاة صلى كما قدر جالساً ومومئاً وأعادها إذا قدر.
نص عليه في ((الأم))، وقال القفال: إن كان المربوط مستقبل القبلة لا إعادة، وإن كان إلى غير القبلة فإنه تلزمه [175 أ/1] الإعادة، وهكذا الغريق يتعلق بعود ويصلي بالإيماء، وذكره ابن أبي أحمد في ((التلخيص)) وهو خلاف النص المشهور، وقيل: هل يعيد الغريق؟ قولان على الإطلاق، وفي المريض إذا لم يجد من يوجهه إلى القبلة صلى كيف قدر وهل يعيد؟ قولان كالغريق، وقيل: قول واحد أنه يعيد؛ لأنه يندر في حقة ذلك في الغالب.
مسألة: قال: ((وَلَوْ أَلْصَقَ عَلَى مَوْضِع التَّيمٌمِ لُصُوقاً نَزَعَ اللٌصُوقَ وَأَعَادَ)).
وهذا كما قال.
اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة فمنهم من قال: صورتها ألا يكون القرح على موضع التيمم فألصق عليه لصوقاً يمنع إيصال التراب إلى البشرة، مثل الكاغد أو القطنة، ولا يخاف من نزعه الضرر ولكن يخاف من إمرار المء على ما تحته؛ ولا يخاف من إمرار التراب عليه إذ لاضرر منه، يلزمه غسل ما قدر عليه ويتيمم على الوجه واليدين، وبنزع اللصوق وهو التراب عليه ويصلى ولا يعيد الصلاة.
وقوله: وأعاد: أراد إعادة اللصوق على موضعه.
ومن أصحابنا من قال: صورتها أنه يخاف من نزعه الضرر لإيصال الغبار إلى ما تحته يتيمم فوق اللصوق، ويكون حكمه حكم الجبيره يمسح عليه ويعيد الصلاة إذا قدر.
ونص عليه في ((القديم)) فقال: يمسح على اللصوق إذا لم يكن نزعه وقوله أعاد: أي أعاد [ب 175/ 1] الصلاة إذا برأ وقدر على نزعه، وهذا على القول الذي يقول: إن صاحب الجبائر يعيد الصلاة وهذا أولى؛ أن الشافعي يتكلم في الأحكام وإعادة اللصوق إلى موضعه ليس بحكم بل هو تدبير للجريح.
مسألة: قال: ((وَلاَ يَعْدُو بِالْجَبَائِرِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ)).
وهذا كما قال: الجبائر هي ألواح من الخشب، أو من الصب تربط على العظم المكسر من الساق أو الساعد لتنجبر، واحدتها جبيرة وجبارة، وجملته أنه إذا انكسر عضواً من أعضائه وأراد شد الجبائر عليه شدها على الطهارة، كالخفين يلبسهما على الطهارة إذا أراد المسح عليها، ولا يعدوا بالجبائر موضع الكسر وحوله الذي لا يمكن الجبر إلا بوضعها عليه، وفيما نقله المزني خلل؛ لأنه لم يقل وحوله، والشافعي كان قد قال ذلك، وقيل: هذا مراد المزني وإن لم ينقل ذلك، واللفظ محتمل فلا خلل فيه، ثم إذا وضعها كذلك فدخل وقت الصلاة وقد أحدث، فإن لم يخف من حلها ضرراً

الجزء: 1 - الصفحة: 219

لزمه حلها، وإن خاف من حالها ضرراً مسح على الجبائر جنباً كان أو محدثاً في كيفية المسح.
أحدهما: يستوعبها بالمسح؛ لأنه مسح أقيم مقام الغسل للحجز لا على وجه الرخصة، فأشبه مسح التيمم، فعم العضو الذي يكون فيه.
والثاني: يكفي ما يقع عليه الاسم وهو الأظهر؛ لأنه مسح بالماء كمسح الرأس والخفين [176 أ/1]، أو مسح على حائل منفصل كمسح الخف، ولا يكون مقدراً بمدة قولاً واحداً، بل يمسح إلى أن يبرأ ويقدر على حلها؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا المسح من غير تأقيت، بخلاف المسح على الخفين، ولهذا فرق في المسح على الخفين بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر وهي الجنابة بخلاف هذا.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهاً أنه يتقدر بيوم وليلة كمسح الخف وليس بشيء، وإذا تطهر ومسح عليها بالماء ففي التيمم للقدر الذي لم يصل الماء إليه قولان: أحدهما: قاله في ((القديم)) ونقله المزني أنه لا يحتاج إليه؛ لأنه مسح على حائل دون العضو، فاقتصر عليه كالمسح على الخف.
والثاني: لا بد من التيمم نص عليه في ((الأم)) لأنه ترك إيصال الماء إلى العضو بخوف التلف، فلزمه التيمم كالجريح، ولأن الكثير يجوز أن يكون كالماسح، على الخفين، فيكفيه المسح، ويحتمل أن يكون كالجريح فيكون فرضه التيمم فجمعنا بينهما احتياطاً.
ومن أصحابنا من قال: يُنظر، فإن كان تحت الجبيرة جراحة لو كانت ظاهرة لا يلزمه غسلها للخوف فإنه يلزمه التيمم، وإن لم يكن ذلك لا يلزمه التيمم، وهذا هو اختيار بعض مشايخ خراسان، فإن قلنا: لا يتيمم عليه أجرأة المسح بالماء من الحدث إلى الحدث كالمسح على الرأس.
فإذا قلنا: يلزمه التيمم يلزمه أن يحدث لكل فريضة يتيممها؛ أنه لا يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرض، وليس عليه [176 ب/1] غسل الصحيح بكل صلاة، ولا إعادة المسح ما لم يحدث وعلى الترتيب على ما بيننا، وهو أن لا ينتقل إلى عضو حتى يسقط فرض ما قبله، فإن كان الكسر في نفه لم يغسل اليدين حتى يسقط فرض الوجه بغسل الصحيح، والمسح على الجبيرة بالماء والتيمم على الظاهر ولحائل واليدين، ثم ينتقل إلى اليدين، وإن كان الكسر في اليد غسل وجهه ويديه على الإمكان، ويمسح على الجبيرة ويتيمم، ثم ينتقل إلى مسح الرس، وإن كانت جبائر يرفع جبائر إحدى يديه لا يلزمه رفع الجبائر عن اليد الأخرى، بخلاف ما إذا نزع أحد الخفين فإنه يلزمه نزع الخف الآخر؛ لأنه قد يتصور في يد واحدة على الانفراد.
بخلاف المسح على الخف بأنه لا يتصور في إحدى الرجلين مع وجودهما.
فإذا تقرر هذا وصلى على هذه الطهارة هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قال الشافعي: إن صح حديث على- رضي الله عنه- أنه انكسر إحدى زنديه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر)) قلت به، يعني لم يأمره بإعادة الصلاة، فإن صح قطعت القول به، وهذا

الجزء: 1 - الصفحة: 220

مما (استخير) الله تعالى فرأى كلا القولين محتمل، ولكل واحد وجه، وهذا من الشافعي دليل على مسألة في الأصول، وهو أن السكوت وعدم النقل دليل على عدم الحكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم [177 أ/1] سكت عن الإعادة فجعله دليلاً على نفي وجوب الإعادة.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن صح الخبر فلا إعادة قولاً واحداً، وإن لم يصح فعلى قولين، والخبر لم يصح لأنه رواه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، عن زيد بن علي بن الحسين بن على عن آبائه، عن علي- رضي الله عنه، قال أحمد، ويحي بن معين، وإسحاق، وأبو زرعة وغيرهم: أبو خالد هذا ضعيف يضع الحديث، وكان كذاباً، وزيد عن أبائه مرسل.
ومن أصحابنا من قال: صح الخبر ولم يصح فيه قولان، والطريق الأول هو أصح، ووجه قولنا يلزمه الإعادة أنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل، فصار كما لو ترك غسل الغسل ناسياً ووجه قولنا لا تلزمه الإعادة وهو الصحيح عندي؛ حديث جابر- رضي الله عنه- في الذي أصابته الشجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم)) ويعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر بدنه.
ولم يذكر الإعادة وكان الفرص بذلك البيان، وإذا ثبت ها هنا أنه إعادة ثبت في مسألتنا، وأما قول القائل الأول: إنه نادر، قلنا: ليس كذلك لأنه يقع في الغالب، ومن جملة الأمراض، وهذا كله إذا وضعها على طهر، فأما إذا وضعها على غير طهر يلزمه نزعها إن لم يخف [177 ب/1] التلف، وإن خاف التلف لا يلزمه نزعها.
وقال الشافعي في ((الأم)): لم يسمح عليها، ولم يرد به أنه لا يجوز له المسح، بل يلزمه المسح، ولكن أراد به أنه لا يسمح مسحاً يعتد به في سقوط الفرض بحيث لا تلزمه الإعادة بقول واحد تلزمه الإعادة.
ومن أصحابنا من قال: هل تلزمه الإعادة ها هنا أيضاً؟ قولان، لأن الشافعي قال: وإن خاف الكسير غير متوضاء التلف إذا ألقيت الجبائر ففيها قولان، وهذا غلط.
وهو بخلاف ما توهم هذا القائل؛ لأن معنى قوله: غير متوضاء أي وقت الحاجة إلى المسيح غير متوضاء، وكان الوضع على الوضوء ثم أحدث، والدليل على هذا هو أن هذا اللفظ منقول عن الجديد، وفي الجديد لزوم الإعادة إذا وضعها على غير طهر قولاً واحداً، وكذلك إذا عدا بالجبائر موضع الحاجة فإنه يلزمه إعادة الصلاة قولاً واحداً.
ومن أصحابنا من قال: إن لم تضع على طهر أعاد، في ((الجديد)) قولاً واحداً، وفي ((القديم)) قولان، وإن وضع على طهر ففي الجديد قولان، وفي القديم: لا يعيد قولاً واحداً، ووجه قول القديم في سقوط الإعادة، وإن كان الوضع من غير طهر [178 أ/1] أنه يجوز هذا المسح للعجز والضرورة لا للرخصة، فلا يشترط وجود شرط الجواز وهو الطهر، بخلاف المسح على الخفين.
وهذا يحكى عن أحمد في رواية، ولا يصح عن الشافعي أصلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

فرع لو كانت الجبائر على موضع التيمم، فإن قلنا: يكفيه المسح بالماء مسح وأجزأه، وإن قلنا: يحتاج إلى التيمم معه يمسح بالماء ويتيمم ويمسح بالتراب على الجبائر، وتلزمه الإعادة للصلاة قولاً واحداً، لأن الجبائر لا يجزاء مسحها عن التيمم، ولا يكون بدلاً عن بدل، ذكره القاضي الطبري.
وسائر أصحابنا لم يفصلوا هكذا، وهو على ما ذكر رحمه الله، وحكم اللصوق حكم الجبائر إذا جعلناه كالجبائر على ما تقدم ذكره، وهكذا لو وضع على جرحه دواء لا يقلع حتى يندمل، كالعلك والصمغ يكون كاللصوق والجبائر.
فإذا تقرر هذا، اختار المزني من القولين أنه لا تلزمه الإعادة، وقاس على ذلك جميع المسائل التي قدمناه ذكر بعضها، واحتج بأربعة مسائل: إحداها: المستحاضة: فإن الحدث والنجاسة بها موجودة ولا تلزمها الإعادة.
والثانية: المستأنف يصلي إيماء ولا يعيد.
والثالثة: العريان يصلي ولا يعيد.
والرابعة: من معه ماء ويخاف العطش يتيمم ولا يعيد، ثم قال: كما جعلنا الماء الموجود في حق العطشان كالمعدوم كذلك [178 ب/1] الدم على الجراحة يجعل كالمعدوم في جواز الصلاة عند إزالته، والجواب عن الكل أن يقول الأعذار قسمان، قسم هو عام، وقسم هو نادر.
فالعام مثل العري والمرض الذي يعجزه عن القيام والقعود، وخوف العطش في السفر، والمسابقة، فإن الناس كثيراً يمرضون وفيهم فقراء لا يجدون ما يستر العورة، ويضطرون إلى مقاتلة الأعداء، والأسفار، فلا تجب الإعادة في شيء من ذلك.
وأما النادر فقسمان: قسم إذا وقع دام كالاستحاضة فلا تجب الإعادة، وكذلك سلس البول، لأنٌا لو لزمنا الإعادة أدى إلى مشقة عظيمة، والأمر إذا ضاق في الشرع واتسع.
وقسم إذا وقع لا يدوم كالدم على الجرح يخاف غسله, والحبس في الجيش وغير ذلك, فلا تسقط الإعادة؛ لأنه لا يؤدي إلى المشنقة عامة لقلة الصلوات التي تأمره بإعادتها ومسألة الجبيرة من أصحابنا من ألحقها بالنادر الذي يدوم, ومنهم من ألحقها بالذي لا يدوم, ثم ناقص المزني بأعذار نادرة تجب الإعادة معها: منها: لو أقعده عذر عن القيام في الصلاة يصلي قاعداً تلزمه الإعادة.
ومنها: لو حيل بينه وبين الماء في البلد, والماء موجود فتيمم وصلى أعاد, وكذلك من لم يجد ماء ولا تراباً [179 أ/ 1] يصلي ويعيد.
فرع ذكره والدي الإمام - رحمه الله:- وهو إذا منع الرجل التوضئ إلا متكوسا ولا ماء غيره هل يتيمم؟ قولان, وذلك أنه يتمكن من تحصيل طهارة الوجه فقط, فهو كما

الجزء: 1 - الصفحة: 222

لو وجد ما لا يكفيه لوضوءه, هل يلزمه استعماله؟ فيه قولان, ولا تلزمه إعادة الصلاة إذا أمتثل المأمور به على القولين.
مسألة: قال: ((ولا يتيمم صحيح في مصرٍ لمكتوبةٍ ولا لجنازةٍ)).
وهذا كما قال لا يجوز للصحيح المقيم أن يتيمم مع وجود الماء بخوف فوت صلاة, سواء كانت صلاة بجنازة أو صلاة العيدين أو غيرها.
وبه قال مالك, واحمد, وأبو ثور, وقال الشعبي, وابن جرير, وداود: و ((لا تفتقر صلاة الجنازة إلى الطهارة أصلاً لأنها دعاء للميت, وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) , وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية, وهي صلاة بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] ولأنها عبادة تفتح بالتكبير يلزم فيها استقبال القبلة تفتقر إلى الطهارة كسائر الصلوات.
قال أبو حنيفة, والثوري, والأوزاعي, والليث: إنه يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف فوتها, واحتج الشافعي عليه بأنه لو جاز ذلك لجاز لفوت صلاة الجمعة؛ لأنها أكد, فإذا لم يجز التيمم عند وجود [179 ب/ 1] الماء لخوف فوت الأوكد, فلان لا يجوز لخوف فوت الضعف أولى, فإن قيل: الجمعة لا تفوت إلا بدل وهو الظهر, فإن الظهر بدل عنها, وصلاة الجنازة تفوت لا بدل.
قيل: لا يسلم؛ لأن عندنا يصلي على القبر فلا يفوت, ثم أبدى الشافعي الحجة بما روى, عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئاً.
وهذا ليس بإخبار عن ابن عمر, ولكنه إشارة إلى الخبر الذي رويناه في تفريق الوضوء, وهو أنه أتى المصلى والجنازة موضوعة فدعا بماء ومسح على خفية, ثم صلى, فلو جاز أداء هذه الصلاة بالتيمم مع وجود الماء كان الأشبه أن لا يؤخر ابن عمر الصلاة, إلا أن يؤتى بماء بعد نهي عن تأخير الصلاة عليها بعد ما وضعت, وإنما خص ابن عمر بالرواية عنه لهذا المعنى أيضًا.
وقد روى عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصلى على الجنازة إلا بوضوء)).
مسألة: قال: ((فإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة غسل أي بدنه شاء)).
الفصل وهذا كما قال, إذا كان في السفر فأجنب ووجد من الماء ما يكفيه لغسل بعض بدنه, أو أحدث ووجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه, ففيه قولان: أحدها:

الجزء: 1 - الصفحة: 223

[(179) أ/ 1] أنه يلزمه استعمال الماء وهو الصحيح, وبه قال عطاء, ومالك, والحسن بن صالح بن حي, ويعمر بن راشد, وهذا لأنه شرط من شرائط الصلاة, فإذا قدر بعضه يلزمه إتيانه كستر العورة وإزالة النجاسة.
والثاني: يستحب له استعماله ولا يجب, بل يقتصر على التيمم نص عليه في ((الإملاء)) والقديم.
وبه قال أبو حنيفة والثوري, والأوزاعي, وداود, والمزني وروي ذلك عن الزهري.
وحكي عن أحمد أنه قال: الجنب يستعمل الماء ويتيمم, والمحدث يتيمم فقط, ومن أصحاب أحمد من يقول المحدث كالجنب أيضا.
وروى عن الحسن أنه قال: إذا كان معه من الماء ما يغسل به وجهه ويديه غسلهما ولا يتيمم؛ لأنه قادر على غسل محل التيمم.
وروى مثله عن عطاء, وزاد عليه فقال: إذا وجد من الماء ما يغسل به غسله, ومسح كفيه بالتراب, واحتج المزني على اختياره بان كل أصل له بدل وجود بعضه كلا وجود لوجود بغض الرقبة في الكفارة كلا وجود, والجواب عن هذا نص الكتاب فرق بينهما, قال الله تعالى في الكفارة ﴿َمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: 92] يعني من لم يجد رقبة وبغض الرقبة لا يسمى رقبة, وها هنا قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وبعض الماء يسمى ماء فلا يجوز له التيمم مع وجوده, وأيضا إعتاق نصف الرقبة بعد صوم [180/ 1] شهرين لا يفيد, لا في هذه الكفارة ولا في غيرها, وههنا يفيد ما يستعمل من الماء؛ لأنه إذا وجد ماء آخر فإنه يتيمم به وضوءه ويستبيح به, وبما تقدم الصلاة المستقبلة, فلهذا فرقنا بينهما, ولا يصح ما قاله الحسن لأن غسل الوجه واليدين بعض الطهارة, وبعض الطهارة لا ينوب مناب جميعها.
فإذا تقرر هذا, فإن قلنا: يستحب استعماله, فإن كان جنبًا غسل رأسه وتيمم, وإن كان محدثا غسل وجهه وتيمم, وإن قلنا: يلزمه استعماله, فإن كان جنباً غسل أي موضوع شاء من يديه ثم تيمم؛ لأنه لا ترتيب فيه, ولكن قال بعض أصحابنا: يستحب أن يبدأ بأعاليه من رأسه وما يليه, وإن كان محدثا يلزمه الترتيب, فيغسل وجهه ثم يديه حتى يفنى الماء الذي معه, وقبل استعمال هذا لا يجوز له التيمم, نص عليه في ((الأم)).
ومن أصحابنا من قال: أصل القولين في هذه المسألة تفريق الوضوء, فإن جوزنا تفريق الوضوء يلزمه استعماله؛ لأنه يرجو وجود ما بعد ذلك فيغسل باقي بعض أعضائه, فإن لم يجوز التفريق لا يلزمه استعماله, ومن أصحابنا من قال: هما قولان بأنفسهما وهو الأصح؛ لأن تفريق الوضوء بالعذر يجوز قولاً واحداً, وههنا هو معذور فيجب أن يلزمه استعماله قولاً واحداً.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

فرع لو وجد من الماء ما لا يكفي لوضوءه ولا يجد التراب.
قال أصحابنا: يلزمه استعمال [أ 181/ 1] الموجود قولاً واحداً؛ لأنه لا يقدر على البدل الكامل ها هنا بخلاف غير هذا الموضوع ويفارق بعض الرقبة لا يلزمه إعتاقه, وإن لم يقدر على الصوم؛ لأن الكفارة ليست على الفور فلا يخاف فوتها, فنأمره بالتأخير بخلاف الصلاة فأمرناه أن يأتي بالمقدور, ويحتمل عندي أن يقال: يجعل كأنه لا يجد ماء ولا ترابا؛ لأن هذا القدر من الماء لا يرفع حدثه.
فرع لو وجد من التراب ما يكفي لوجهه وحده فيه وجهان: أحدهما: يلزمه استعماله؛ لأن التراب لا بدل له كما لو قدر على بعض ستر العورة.
والثاني: لا يلزمه استعماله؛ لأن الطهر لا يتم باستعمال الموجود وليس للمعدوم بدل يأتي به حتى يسقط عنه فرض الطلب, فيكون حاله ما يستعمل القدر الموجود من التراب مخاطبا بطلب ما يستعمله في طهارته, والتيمم مع وجوب طلب الطهور لا يجوز.
فرع آخر لو تيمم من الحدث لعدم الماء, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه هل يبطل تيممه؟ قولان, وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه, هل يبطل تيممه؟ قولان.
وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه هل يبطل تيممه؟ قولان فإذا قلنا: فإذا قلنا: لا يبطل يصلي ما شاء من النوافل بالتيمم السابق, وإذا [181 ب/ 1] قلنا: يبطل لزمه استعماله ثم يتيمم تيمماً أخر, ثم يصلي به فريضة وما شاء من النوافل.
فرع آخر لو أجنب رجل واغتسل وبقي لمعة على غير أعضاء الوضوء لم يغسلها, ثم أحدث وتيمم, ثم وجد من الماء ما يكفيه لغسل تلك اللمعة ولا يكفيه للوضوء, فإنه يغسل به تلك اللمعة, وهل يعيد عن الحدث؟ على هذين قولين, فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء أعاد التيمم ها هنا, وإلا فلا يعيد, وإنما يعيد التيمم على القول الأول؛ لأن تيممه كان بدلاً عن وضوءه وباقي غسله, فلما وجد الماء انتقض في حقه؛ لأنه ليس لذلك الماء اختصاص بأحدهما دون الآخر, غير أنه أتم غسله ونفى الحدث وقد بطل التيمم في حقه فيعيد, وعلى القول الأخر ذلك الماء القليل اختص بإتمام الغسل به إذا لم يكن كافياً للوضوء فلا يبطل التيمم في حق الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

فرع آخر لو أجنب رجل ولم يجد الماء فتيمم وصلى فريضة واحدة ثم أحدث لم يجز له أن ينتقل لأجل الحدث, ولو وجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوءه ولا يكفيه لجميع بدنه.
قال ابن سريج: إذا قلنا لا يجب استعماله لو توضأ بهذا الماء ارتفع حدثه, وله أن ينتقل من غير تيمم؛ لأن التيمم الذي فعله للجنابة باق لم يزل حكمه, وغنما حصل المنع بالحدث.
فإذا توضأ زال حكمه فجاز [182 أ/ 1] له أن ينتقل, وليس له أن يصلي به فريضة أخرى؛ لأن هذا الوضوء لا ينوب عن الجنابة, وقد يصلي فريضة واحدة بالتيمم وهو بمنزلة جنب تيمم وصلى به فريضة, ثم إصابته نجاسة يجب غسلها, فحرم عليه فعل النوافل, ثم غسل النجاسة زال المنع وعاد إلى حالته الأولى في استباحة النفل دون الفرض, كذلك هاهنا, وليس على أصلنا وضوء نستبيح به النوافل دون الفريضة إلا في هذا الموضوع, فإن لم يتوضأ به وأراد أن يتيمم جاز على هذا القول, ثم نوى بالتيمم الفريضة يصليها والنوافل معها, وإن نوى به النافلة يصح ويستبيحها دون الفريضة؛ لأنه يجوز أن يستبيح بهذا التيمم الفريضة والنافلة فجاز أن يستبيح به النافلة وحدها.
وقال القاضي الطبري: لا يصح تيممه عندي للنافلة؛ لأنه يقدر على الوضوء لها فلا يستبحها بالتيمم, ويفارق التيمم الفريضة لأنه ينوب عن الجنابة, وإذا تيمم للنافلة ناب تيممه عن الوضوء, فإن قيل: إذا لم يستبيح الفريضة بالوضوء فكيف يستبيحها بالتيمم؟ قيل: لأن الوضوء يزيل منع الحدث فقط, والتيمم يزيل منع الجنابة والحدث, ألا ترى أنه لو لم يحدث وتيمم استباح الفريضة, ولو وجد هذا القدر من الماء فتوضأ به لم يستبح الفريضة, ولو كانت المسألة بحالها ما حدث [182 ب/1] قبل الفرض, ثم توضأ بهذا القدر من الماء.
قال والدي الإمام- رحمه الله: هل أن يصلي به الفرض؟ يحتمل على وجهين, والأظهر جوازه, وإن كانت المسألة بحالها فدخل وقت العصر قبل الحدث هل له أن ينتقل؟ وجهان: أحدهما: له ذلك, والثاني: ليس له ذلك, لأنه عاد بدخول وقت فريضة أخرى إلى معناه الأول, وإن قلنا: إنه يلزمه استعمال ما لا يكفيه من الماء فإن تيممه قد بطل بوجود الماء القليل, فيلزمه استعماله ولو توضأ به لا ينتقل ما لم يتيمم.
فرع لو أجنب ولم يجد الماء فتيمم استباح الصلاة, وقراءة القرآن وجميع ما يستبيحه بالغسل, فإن أحدث الصغر لم يجز له أن يصلي ولا أن يمس المصحف, ويجوز له أن يقرأ القرآن ويمكث في المسجد, لأن التيمم ها هنا ناب عن الغسل, وهذا الحدث لا يبطل الغسل فلا يبطل ما ناب عنه, ولهذا أن يستبيح الزوج وطئ الحائض بالتيمم والمباشرة بتقدم الوطء, وذلك هو حدث يوجب الوضوء, فلو أبطل تيممها لم يجز الوطئ أصلا.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

فرع لو تيممت الحائض بعد انقطاع دمها فوطئها زوجها أراد وطئها ثانيا, هل يجوز بالتيمم الأول؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنه قد ارتفع حدث الحيض بالتيمم الأول.
والثاني: لا يجوز كما لا يصلي فريضة أخرى إلا بتيمم جديد.
ذكره في ((الحاوي)) وغيره والأول [183 أ/ 1] أصح عندي, وهو المذهب, ولو عدمت الماء والتراب لم يحل وطئها لعدم الطهارة ولا ضرورة بخلاف الصلاة.
فرع المقيمة إذا عدمت الماء بعد انقطاع حيضها فتيممت حل وطئها, وغن لم تحسب صلاتها لأن الفعال لا تكون بشرط الفضاء بخلاف العبادات.
فرع آخر لو وجد الماء بعد التيمم وهو يحتاج إليه لعطش قال في ((الأم)) كان كالعادم.
وهذا أصل, وهو أن كل ما منع ابتداء التيمم منع استدامته, وما لا يمنع الابتداء لا يمنع الاستدامة.
فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله- إذا عدم الجنب الماء فتيمم ليقرأ القرآن, فشرع في القراءة ثم رأى الماء, فإن لم يكن نوى عند الأخذ في القراءة فقرأ قدراً محصوراً من القرآن يلزمه قطع القراءة, وإن كان قدر محصور هل له إتمامها؟ يحتمل وجهين: أحدهما: أن له الإتمام كما نوى صلاة النفل عدداً له إتمامها.
والثاني: يلزمه القطع؛ لأن القراءة لا ترتبط بعضها ببعض بخلاف الصلاة, وهذا هو الأصح عندي, ولا وجه للوجه الأول, ولو كان في نصف الآية ليس له إتمامها عندي؛ لأنه يمكن قطعها ويثاب على القدر المقروء قليلاً كان أو كثيراً.
فرع ذمية تحت مسلم اغتسلت من حيضها ثم أسلمت, هل يجوز للزوج وطئها قبل الاغتسال في الإسلام؟ قال والدي- رحمه الله- يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز, وهو قلنا طهارة الكافرة ترفع [183 ب/ 1] الحدث.
والثاني: لا يجوز وهو الأصح عندي.
فرع آخر لو كان ماء الميت لا يكفيه لغسل جميع بدنه, ففي احد القولين يستعمل فيه ثم يتيمم

الجزء: 1 - الصفحة: 227

لما بقي.
والثاني: يقتصر فيه على التيمم, فعلى هذا لو استعمله في الميت فإنه يضمن قيمته لوارثه؛ لأنه استهلك من ماله ما لا حاجة به إليه.
مسألة: قال: ((وأحب تعجيل التيمم لاستحبابي تعجيل الصلاة)).
وهذا كما قال أراد بالتعجيل الأداء في وقت الصلاة يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول وقتها, سواء طمع في وجوده قبل خروج وقتها أو لم يطمع.
وأما الفضل ينظر, فإن لم يطمع فيه في آخر وقتها فالأفضل التقديم, فإن طمع ووفق إليه لخبرته بالمكان ومعرفته بالماء فالأفضل التأخير؛ وإن وقف بين الأمرين ففيها قولان.
قال في ((الأم)): الأفضل تعجيلها.
وقال في ((الإملاء)): الأفضل تأخيرها, وبه قال أحمد, والثوري, وهو اختيار عامة أهل العلم, ووجه هذا ما روى الحارث عن علي- رضي الله عنه- أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت, فإن وجد الماء وإلا تيمم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) فأمر بالتأخير لئلا يقدح في الخشوع, فلأن يجوز التأخير لإدراك الطهارة بالماء أولى, ووجه القول الأول للأخبار المروية في هذا الباب, مثل قوله صلى الله عليه وسلم [184 أ/ 1] ((أفضل الأعمال عند الله الصلاة أول وقتها)).
ولأنه ترك فضيلة محققة لأمر مظنون فلم يستحب ذلك, وأحتج المزني بهذا, فقال: التعجيل أولى لأن السنة أن نصلي ما بين أول الوقت وآخره.
يريد به النصف الأول من الوقت وهو خبر ما بين أول كل شيء وآخره, فما لم يبلغ النصف فهو في حد الأول, وما جاوز النصف فهو في حد الآخر, ثم قال: فما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء فالتيمم مثله.
أي لما كانت الصلاة بالوضوء في أول الوقت أفضل كذلك بالتيمم في الجماعة أفضل, ويمكن أن يجاب عن هذا, فإن يقال: فرق بين الوضوء وبين هذا, وذلك أن ها هنا نرجو وجود الأصل وأداء الصلاة بأكمل الطهارتين والأصل بخلاف ذلك.
وأما الصلاة جماعة إنما كانت أفضل بالتيمم؛ لأنه ليس في ترك الجماعة.
رجاء وجود الماء والوصول إلى فضل الوضوء الذي هو الأصل بخلاف ها هنا, حتى لو رجا بترك وجود الماء يتركها.
وقال الطحاوي: عن أبي حنيفة راويتان إحداهما: التأخير أفضل والثانية: أن كان على طمع من الماء فالتأخير أفضل, وإن كان لا يطمع فالتقديم أفضل, وإنما يتصور الخلاف معه في الصلوات التي توافقنا أن تعجيلها بالوضوء أفضل, مثل الظهر [184 ب/ 1] في الشتاء, والعصر يوم الغيم وروي عن مالك أنه قال: يتيمم في وسط الوقت لا يؤخره جداً ولا يعجله.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما قال الشافعي تأخيرها أفضل لأنه يحترز بالتأخير عما لو .... مع الصلاة في أول الوقت بالتيمم, ولو تيقن وجود الماء آخر الوقت لا يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول الوقت بالتيمم, وإن تيقن وجود الماء في آخره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ولم يعرف.
فرع لو لم يكن في أول الوقت جماعة ونرجو وجود الجماعة في آخر الوقت, هل يستحب له تأخيرها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بناء على القولين, هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال القاضي أبو علي البندنيجي: قال في ((الأم)) التقديم أفضل, وقال في ((الإملاء)): إن التأخير أفضل, وفي هذا عندي نظر.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان بقربه ماء وهو يخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالتوضئ به, نص الشافعي: أنه لا يجوز له التيمم, وكذلك قال في ((العراة)) إذا كان بينهم ثوب يتداولونه فخاف بعضهم فوت الصلاة لو صبر حتى تنتهي غليه النوبة, ولا يصلي عارياً.
وكذلك قال في الدلو: إذا كان هناك جماعة ينزحون الماء وخاف فوت الصلاة إلى إنهاء النوبة إليه, أن يصبر ولا يتيمم.
وقال في جماعة في السفينة [185 أ/ 1] إذا كان فيها موضع واحد يمكن أن يصلي فيه قائما, وهناك جماعة وخاف أن يفوته الوقت لو صبر حتى تنتهي إليه النوبة صلى قاعداً, ولم نأمره بالصبر فعسر الفرق على أصحابنا, وجعلوا في الكل قولين نقلاً وتخريجاً, ومن أصحابنا من فرق بأن أمر القيام أسهل من غيره ففرقنا.
قالوا: أيضا: لو كان الماء بحضرته بعيداً عنه ولا يخاف فوت الصلاة ولا الانقطاع عن الرفقة لو توضأ به, نص الشافعي أنه يباح له التيمم.
ونص أنه إذا الماء بين يديه يصل إليه في آخر الوقت فإنه يباح له التيمم في أول الوقت, فمن أصحابنا من قال: في كلتي المسألتين قولان, ومنهم من أجرى على الظاهر, وفرق بأنه إذا كان الماء بحضرته عن يمينه أو يساره فتلك البقعة منسربه إليه, فلا يجوز له التيمم بخلاف ما إذا كان بين يديه يصل إليه في آخر الوقت.
مسألة: قال: ((فإن لم يجد الماء ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)).
وهذا كما قال.
في هذه العبارة خلل من جهة المزني؛ لأنه لا يقال لمن كان في رحله ماء أنه لم يجد الماء؛ لأنه واحد إلا أنه ناس أو غير عالم, وإنما قال الشافعي: ((فإن تيمم وصلى, ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)) وصورة المسألة أنه نسي الماء ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: [185 ب/ 1] إذا يفتش رحله اعتقاداً منه لا ماء فيه, وطلب الماء في

الجزء: 1 - الصفحة: 229

غير الرحل ولم يجد وتيمم وصلى, ثم علم انه كان في الرحل ماء, أو كان قد فتش رحله فرأى شيئاً ظن أنه ليس بماء, ثم علم أنه كان ماء.
قال في عامة كتبه: يلزمه إعادة الصلاة.
وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: لا إعادة عليه, واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: يعيد قولاً واحدً, وقول أبي ثور يحتمل أنه أراد بأبي عبد الله مالكاً, أو أحمد بن حنبل, أو أراد إذا وضع غيره الماء في رحله بعد تفتيشه وهو لا يعلم, وهذا التأويل أصح؛ لأنه لم يلق مالكاً ولا يروى عن أحمد شيئاً, ومنهم من قال, وهو اختيار أبي إسحاق: في المسألة قولان.
أحدها: لا إعادة وهو نحو ما قال في ((القديم)) إذا نسي قراءة الفاتحة في الصلاة أجزأته.
وبه قال أبو حنيفة, ومحمد ومالك في رواية.
والثاني: يلزمه الإعادة وهو الصحيح, وبه قال أحمد: وأبو يوسف؛ لأنها طهارة تجب عليه مع الذكر فلا يسقط بالنسيان كأصل الطهارة, ومن أصحابنا من قال: إذا وضع غيره الماء في رحله وهو لم يعلم هل تلزمه الإعادة؟ قولان.
والصحيح أنه على قول واحد الإعادة في هذا على ما صورنا, وإن لم يكن فتش رحله واعتقد أنه لا ماء معه.
فيه وكان [186 أ/ 1] غيره قد وضع فيه ماء ثم علم, فهذا هو موضع احتمال القولين؛ لأنه لو يفتشه لوحده فصار مفرطاً بترك التفتيش ولو ضل الماء في رحله فتيمم وصلى تلزمه الإعادة قولاً واحداً, والقولان إذا نسي الماء في رحله, ذكره القفال.
ولو قام لقضاء الحاجة فضل رحلة فيما بين الرحال, فطلبه فلم يجد فنأمره أن يصلي بالتيمم, وهل تلزمه إعادة الصلاة إذا وجده؟ لم يذكر في ((الأم)) إعادة الصلاة, بل قال: تيمم وصلى, وجاز فمن أصحابنا من قال في هذا أيضاً قولان: أحدها: يلزمه الإعادة؛ لأنه غير عادم وهذا عذر نادر, والثاني: لا تلزمه الإعادة لأنه غير منسوب إلى التفريط في طلب الماء بخلاف الناسي فإنه فرط في طلبه في رحله.
ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وهذا اختيار القفال, وهو الصحيح.
ولو ضل هو عن القافلة فلا إعادة بلا إشكال, ولو علم أنه كان بجنبه بئر قريبة يقدر على مائها قال في ((الأم)): لا إعادة عليه ولو أعاد جاز احتياطاً, وقال في ((البويطي)): إن وجد بئراً بقربه أو بركة فيها ماء يبلغه الطلب تلزمه إعادة الصلاة.
ثم قال ((البويطي)) قال الربيع: قال الشافعي: إن كان قد طلب الماء فلا إعادة, وهو اصح القولين.
وجملته أنه إذا علم بالبئر؛ فإن كان عالماً بها ثم نسيها فهو كما لو [186 ب/ 1] نسي الماء في رحله, وإن لم يكن عالماً بها قط فقد قيل قولان, وقيل: وهو الأصح المسألة على حالين فالذي قال في ((البويطي)): إذا كانت عليها علامات طاهرة فتواني في طلبها تلزمه الإعادة, والذي قال في ((الأم)): إذا لم يكن عليها علامات ظاهرة ولم يتقدم علمه بها, ويفارق الماء في رحله, لأنه كلف في أمر نفسه الإحاطة وفي غيره الظاهر.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

فرع لو كان معه ماء فأراقه وشربه من غير حاجة منه إليه, وتيمم وصلى هل يجب عليه الإعادة؟ فإن كان أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وإن كان بعد دخول وقت الصلاة فقد تمضي وأثم, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ وجهان أحدها: لا يلزمه وهو الأصح؛ لأنه عدم الماء في السفر وأن يمضي بالإراقة فهو كما لو قطع رجل نفسه وصلى قاعداً, فإنه يجوز والثاني: تلزمه الإعادة لأنه ترك الوضوء به مع القدرة, ولاشك أنه يلزمه التيمم وأداء الصلاة, وإذا قلنا بهذا, كم تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدها: لصلاة واحدة.
والثاني: يلزمه إعادة الصلوات التي كان يؤديها غالباً عادته بتلك الطهارة لو تطهر به.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان, وقال القفال: إن أراقه لفرض قبل أن يشربه, وإن كان متلذذاً به من غير حاجة أو غسل [187 أ/ 1] ثوبه تنظيفاً أو شك في طهارته فخاف لو توضأ به أن تظهر له نجاسته, فيحتاج إلى غسل ثوبه وبدنه فاحتاط بإراقته فلا إعادة قولاً واحداً, وهذا بخلاف ما تقدم, وذاك أصح لأنه لا يلحقه المشقة بترك التلذذ فلا يكون عذراً.
فرع آخر إذا قلنا: يلزمه إعادة الصلاة لا يعيدها في وقتها؛ لأنه لو صح القضاء بالتيمم لصح الأداء, ولكن تؤخر حتى يجد الماء أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته فيها بالتيمم فيعيد ما أو جبنا عليه إعادتها.
فرع آخر لو وجب عتق رقبة في كفارة, ومعه رقبة لا يحتاج إليها فقبلها, فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب أو بأغلظ الحالين كانت الرقبة في ذمته, وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء يحتمل وجهين: أحدها: يصوم, والثاني: الرقبة في ذمته, لأنه مفرط في إتلافها كما لو أراق الماء وصلى بالتيمم تلزمه الإعادة.
فرع آخر لو كان في السفر, وهناك ملح يخاف لو اشتغل بإذابته تفوته الصلاة, له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة للعجز, وهذا عذر عام, ولو قدر على أن يمسح به الرأس هل يلزمه ذلك؟ نبني على القولين فيمن وجد مالا يكفيه لوضوئه, فإن قلنا: لا يلزمه استعماله يكفيه التيمم ها هنا, وإن قلنا: يلزمه استعماله يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه مسح الرأس ها هنا؛ لأن (187 ب/1) شرط جوازه غير موجود, وهو طهارة الوجه واليدين, والثاني: يلزمه تيممان لاعتبار الترتيب.
فرع آخر إذا كان لابسًا للخفين في السفر على الطهارة, وهو معه ما يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين, ولا يمكنه إذابته فعليه الوضوء,

الجزء: 1 - الصفحة: 231

ومسح الخفين به قولًا واحدًا؛ لأنه يمكنه تحصيل وضوءه من غير ضرر, فإن كان قد بقي من وقت المسح ما ينقص لا محالة قبل الفراغ من صلاته عادت المسألة إلى قولين.
أحدهما: يكفيه التيمم, والثاني: يغسل الأعضاء الثلاثة ثم يتيمم وهذا كما يقول, إذا لم يبق من وقت الجمعة مقدار إمكان فعلها فإنه يجوز له أن يصلي الظهر, ويحتمل أن يقال بنزع الخف, ثم تعود المسألة إلى القولين, ولا يجوز له افتتاح الصلاة بالتيمم وغسل ما قدر عليه ما لم يخرج الخف من حال جواز المسح عليه, والدليل عليه أنه لو أراد الوضوء لمس المصحف لم يجز ما لم يمسح على الخف لبقاء هذا القدر من وقت المسح ما جوزنا طهارته الآن يفعلها في ثلاثة أعضاء والتيمم معه, لكانت هذه الطهارة صالحة لأداء الفريضة بها غير صالحة لمس المصحف, وهذا بحال ذكره والدي الإمام (رحمه الله) وهذا حسن (188 أ/1) مليح.
مسألة: قال (وإن وجده بثمن في موضعه) الفصل وهذا كما قال إذا لم يجد ماء مباحًا ولا في ملكه ماء ووجده مع غيره نظر, فإن بذله بغير بدل قال في (الأم): يلزمه قبوله ولا يجزيه التيمم.
ويفارق هذا إذا أوجبت عليه كفارة, فوهب له إنسان رقبة لم يلزمه قبولها, وكذلك لو بذل له إنسان ثمن الماء لا يلزمه قبوله, والفرق لا منه في قبول الماء, إذ أصله على الإباحة بخلاف ذاك, وعلى هذا لو أعاره دلوًا يستقي به الماء فإنه يلزمه قبوله, ولو وهب منه دلو لا يلزمه قبوله.
وقال في (الحاوي): لو كان لو كان ثمن الماء يلزمه قبوله عارية, وإن كان أكثر من ثمن الماء هل يلزمه استعارته؟ وجهان: أحدها: لا يلزمه لأن العارية مضمونه, والثاني: يلزمه لأن الظاهر سلامة العارية وإمكان ردها بأن لم يبذل له الماء, نص الشافعي في (البويطي): أنه لا يلزمه أن يسأله فإن تيمم وصلى قبل المسألة تلزمه الإعادة, ولأنه لا منة عليه فيه فتلزمه المسألة بخلاف الرقبة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تلزمه الإعادة وجهان وهو خلاف النص, فإن سأله فلم يبذله ليس له مكابرته عليه, وإن كان فاضلًا عن حاجته بخلاف ما لو اضطر إلى طعامه, وهو فاضل عنه فلم يبذله له مكابرته (188 ب/1) عليه, لأن الطعام لا بدل له يرجع إليه بخلاف الوضوء فيمكنه أن يتيمم ويصلي ولا إعادة, وكذلك لو اضطر إلى لباسه لستر عورته وهو فاضل عنه لا يكابره إذا امتنع من بذله, لأنه يمكنه أن يصلي عريانًا ويجوز, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يلزمه سؤال الماء كما في بذل الطاعة في الحج وهو ضعيف.
وقال بعض أصحابنا في الفرقان هل يلزمه أن يستأجر الستر؟ وجهان, وهل يلزمه

الجزء: 1 - الصفحة: 232

قبول هبة الستر؟ وجهان أيضًا, وإن بذله بيعًا يلزمه شراؤه, بثلاث شرائط أحدهما: أن يجده بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه بالزيادة, وإن كانت يسيرة, وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة يسيرة بتغابن الناس بمثله يلزمه شراؤه وإلا فلا.
وذكر القاضي الإمام الحسين (رحمه الله) أنه إن كانت الزيادة بحيث لو غبن الوكيل بذلك القدر لا ينكر عليه يلزمه شراؤه لأنه لا يستضر بها, وهذا غلط لأن وجوده بأكثر من ثمن مثله كلا وجود كالرقبة في الكفارة, وكما لو كانت الزيادة (189/ 1) كثيرة, ثم اختلف أصحابنا في تفسير ثمن مثله في موضعه, فقال أبو إسحاق: يراعي ثمن المثل عرفًا وعادة على مرور الزمان في ذلك المكان, ولا يراعي الوقت, فإنه يختلف باختلاف الأوقات, فإن كان في هذا الوقت خرج عن العرف وضاق الماء لم يلزمه شراؤه, وإن كان ثمن مثله في هذا الوقت إذا لم يكن ثمن مثله غالبًا فيما نص من الأوقات العامة, ومنهم من قال: يعتبر ثمن مثله في وقت ذلك وهو ضعيف ومنهم من قال: أراد بثمن المثل أجرة نقل ناقلة من معدنه إلى موضعه؛ لأن الماء أصله على الإباحة ولا ثمن له وهو ضعيف أيضًا.
والشرط الثاني: أن يكون واجدًا لثمنه, فإن يكن واجدًا له ويباع منه بالدين في ذمته لا يلزمه شراؤه, نص عليه في كتبه ولا يلزمه استقراض المال لشرائه, ولو كان له ماء في بلده ويرد بيعه بثمن يأخذه منه في بلده يلزمه شراؤه, ويؤدي ثمنه في أهله نص عليه في (البويطي)؛ لأنه صار قادرًا على الماء في الحال من غير ضرر, ولو بيع بثمن مؤجل هنا بزيادة تزاد بسبب التأجيل في العادة.
قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه شراؤه أيضًا؛ لأن ذلك ثمن مثله ولا ضرر عليه, وإن كان يحتاج إلى رشاء ودلو ويقدر على (189 ب/1) شرائهما بثمن مثله يلزمه شراؤهما أيضًا.
والشرط الثالث: أن لا يكون محتاجًا إلى ثمنه لقوته في طريقه, فإن كان يحتاج إليه لا يلزمه شراؤه ويتيمم ويصلي, فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار إلا بزيادة على ثمن مثلها ليس له الانتقال إلى الصوم, بل يلزمه الصبر حتى يجدها بثمن مثلها, فقالوا: لا يتيمم هنا أيضًا, قلنا: الفرق أن الرقبة في الذمة غير مؤقتة, ولو أراد تأخيرها من غير عذر كان له فلا حاجة به إلى الانتقال إلى الصوم, وهنا حاجة إلى التيمم لضيق الوقت وخوف الفوات فألزمناه, فإن قيل: فينبغي أن يؤخرها إلى آخر الوقت, قلنا: تفوته فضيلة أول الوقت بأمر مشكوك فيه فلم يلزمه تأخيرها بخلاف الرقبة.
فرع لو وهب له الماء فلم يقبل وتيمم وصلى, فإن كان الماء الموهوب له موجودًا في يد واهبة حتى تيمم وصلى تلزمه الإعادة, وإن كان الماء معدومًا حين تيمم وصلى هل

الجزء: 1 - الصفحة: 233

تلزمه الإعادة؟ وجهان, قال الإصطخري: تلزمه الإعادة لأنه كان قادرًا على الماء, وقال أبو إسحاق: لا إعادة للعجز في حال تيممه.
فرع آخر لو اضطر غيره إلى الماء الذي معه وهو غير مضطر يلزمه دفعه إليه بقيمة مثله, فإن لم يدفع فللمضطر مكابرته عليه (190 أ/1) وإن أبي أثقل على نفسه, ولا فرق بين أن يكون هذا المضطر واجدًا للغنيمة أو غير واجد, فإن كانا مضطرين فلا يجوز له مكابرته, فإن كابره فهو ظالم ودمه هدر, ودم صاحب الماء مضمون كما لو كانا غير مضطرين, وإن احتاج إلى الوضوء فصاحب الماء أولى, ولا يجوز له دفعه إلى صاحبه ولا لصاحبه أخذه منه, فإن دفع وتيمم هذا الدافع نظر, فإن كان قد استعمله الموهوب له صح تيمم الواهب, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ قال أبو إسحاق: فيه وجهان كما لو أراق الماء عمدًا بعد دخول وقت الصلاة, وقال القفال: لا إعادة قولًا واحدًا لأن له غرضًا فيه, ومن له أدنى غرض في إزالة الماء من يده فهو معذور, ولا ضمان على الموهوب له, وإن كانت الهبة فاسدة لأن الهبة الفاسدة هي كالصحيحة في باب الضمان.
مسألة: قال: (ولو كان مع رجل ماء فأجنب رجل وطهرت امرأة من حيض ومات رجل).
الفصل وهذا كما قال إذا اجتمع في السفر جنب وحائض انقطع دمها ولم تغتسل وميت يحتاج أنه يغسل وهناك ما قال الشافعي: الميت أحبهم إلى أن يجودوا بالماء عليه, وفي بعض النسخ: أن يجود, أي يجود صاحب الماء بالماء عليه, ويتيمم الحيان لأنهما يقدرا على الماء, (190 ب/1) أي في ثاني الحال, والميت إذا دفن لم يقدر على غسله, قال أصحابنا: إنما يكون الميت أولى بوجود ثلاث شرائط: أحدهما: أن يكون الماء لغيرهم أو مباحًا غير مملوك لأحد.
والثاني: أن لا يكون الماء كافيًا بل يكفي لأحدهم.
والثالث: أن لا يكون على أحد الحيين نجاسة, فأما إذا كان الماء كفاية الكل استعملوه, وإن كان الماء مملوكًا لواحد منهم نظر, فإن كان مملوكًا للميت فهو أحقهم به لما ذكرناه, ولأنه ملكه فكان هو أولى به.
قال أبو إسحاق: فإن غسل الميت بالماء وفضل منه فضلة فالفاضل لوارثه, وليس لهما أن يتطهرا به, فإن تطهرا به فعليهما الضمان, وإن احتاج إليه الحيان للعطش شربها ويمماه وأديا ثمنه لوارثه, لأنه لو كان حيًا لزمه بذله لهما بالثمن, ومراعاة حياة الحي

الجزء: 1 - الصفحة: 234

أولى من مراعاة غسل الميت, ثم اختلف أصحابنا في تفسير الثمن في هذا الموضع؛ لأن الماء هو من ذوات الأمثال, منهم من قال: ثمنه مثله لا قيمته, ومنهم من قال, وهو الأصح: أنهم إن ردوا في الموضع الذي شربوا فيه لا يلزم إلا المثل, وإن ردوا في غير ذلك الموضع فعليهم قيمة التي كانت في موضع الإتلاف, وهو المراد بالثمن, وعلى هذا جميع ذوات الأمثال إذا أتلف ثم غرن في غير موضع الإتلاف تلزمه القيمة كذلك (191 أ/1) ها هنا, وهذا لأنه لا قيمة للماء في البلد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن غرم في غير موضع ولكن للماء قيمة في ذلك الموضع يلزم المثل, وإن كان أقل قيمة منه يوم الإتلاف؛ لأن نقصان قيمة المثل لا يؤثر في الحكم, وإن غرم في موضع لا قيمة فيه للماء أصلًا تلزمه القيمة وهذا حسن, ثم إذا أدى قيمة الماء ثم عادوا يومًا إلى موضع الإتلاف فهل للوارث رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان بناء على ما لو أتلف شيئًا من ذوات الأمثال, بعد المثل, وانتقل إلى القيمة ثم وجد المثل, هل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان, وإن كان الماء لأحد الحيين, فمن أصحابنا من قال: يلزمه أن يقدم الميت به ويأخذ ثمنه من مال الميت, وهذا لا يعرف للشافعي بل مالكه أحق به, ولا يجب عليه بذله لطهارة غيره, ولا يجوز, فإن بذله لغيره ببذل أو غير بذل, وتيمم وصلى, فقد ذكرنا حكمة, وإن كان على أحد الحيين نجاسة.
قال أبو إسحاق: إن قلنا: يقول المزني يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه فالميت أولى به أيضًا, وإن قلنا: تلزمه الإعادة فيه وجهان: أحدهما: الميت أولى؛ لأن الشافعي قال: الميت أولى والغالب أن الحائض لا تخلو من النجاسة, ولأنه خاتمة طهارته فهو أولى.
والثاني: أن من عليه النجاسة هو (191 ب/1) أولى؛ لأنه في النجاسة لا يرجع إلى بدل, وفي غسل الميت يمكن أن الرجوع إلى بدل, فعلى هذا ييممونه ويدفنونه؛ والأول أصح.
وقال أبو حنيفة: الحي أولى بكل حال, وهذا غلط لما ذكرناه من العلة.
فرع لو اجتمع حائض وجنب وهناك ماء مباح يكفي لأحدهما, فيه وجهان: قال أبو إسحاق: الجنب أولى؛ لأن غسله ثبت بالنص, وغسل الحائض بالاجتهاد وأخبار الآحاد, والثاني وهو الأصح: أن الحائض أولى؛ لأن الحائض لا تعرى من النجاسة وحكمها أغلظ, فإنه يحرم وطئها, وغسل الحائض تثبت بالإجماع فقام مقام النص وبطلت العلة التي ذكرها القائل الأول.
وقال القفال: فيه وجه ثالث هما سواء فيقرع بينهما, وقال بعد أصحابنا بخراسان: إن قلنا الحائض لا تقرأ القرآن فهي أولى؛ لأن حالها أشد, وإن قلنا: تقرأ فهما سواء, لأن الحائض لا تمر بالمسجد خلاف الجنب فيقرع بينهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 235

فرع آخر لو كان هناك جنب ومحدث, وهناك ما يكفي المحدث لوضوئه ولا يكفي الجنب لغسله فالمحدث أولى, لأن حدث المحدث يرتفع حدث الجنب به؛ ولأن المحدث إذا انفرد بهذا الماء يلزمه استعماله قولًا واحدًا, والجنب لو انفرد به فيه قولان, وإن كان يكفي الجنب ولا يفضل عنه ويكفي (92 أ/1) المحدث ويفضل ما يغسل به بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجنب أولى لأنه يستبيح به ما لا يستبيح به المحدث.
والثاني: المحدث أولى لأنه يرتفع به حدث وبعض حدث الجنب وهذا على القول الذي يقول: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يلزمه استعماله فأما إذا قلنا: لا يلزمه استعماله فالجنب أولى.
والثالث: يقرع بينهما إن كان مباحًا, وإن كان مع رجل يدفع إلى أيهما شاء.
فرع آخر إذا انقطع دم الحائض فعدمت الماء وتيممت وحل للزوج وطئها ثم أحدثت فله وطئها بالتيمم أولًا, فإن رأت الماء انتقض تيممها ورجعت إلى حكم حدث الحائض, فلا يجوز وطئها حتى تغتسل أو تتيمم إن هلك الماء.
فرع إذا اجتمع جنب وميت والماء يكفي لأحدهما وهو مباح فالميت أولى, فإن أراد الجنب أن يتيمم قبل غسل الميت يحتمل أن يقال: يجوز لأن الميت صار أحق بهذا الماء فكان في حقه كالمعدوم, فإن تيمم وهو عازم على ترك غسل الميت بذلك الماء يحتمل أن يقال: إنه يصح تيممه, لأن الاستحقاق الثابت للميت لا يزول بعزمه, فإن كان الماء ملكًا للجنب فهو أحق به من الميت, ثم حكم الميت الآن في تيممه قبل اغتسال الجنب بالماء مثل (192 ب/1) حكم الجنب هناك في تيممه قبل غسل الميت, ذكره والدي الإمام - رحمه الله-.
فرع لو أراد الجمع فصلى الظهر في وقته بنية الجمع, ثم تيمم للعصر فقبل شروعه فيه دخل وقت العصر, هل له أداء العصر بذلك التيمم؟ قال والدي (رحمه الله): ينبغي أن لا يجوز؛ لأن أداء العصر, وإن كان عقيبة فلا يجوز جمعًا, وإنما جعل وقت الظهر وقتًا لتيمم العصر إذا جاز الجمع عقيبة, فإذا لم يجز ذلك صار كما لو تيمم للظهر قبل وقته, ثم دخل وقته عقيبة لا يجوز, ولو أراد الجمع بينهما في وقت العصر صح التيمم للظهر قبل دخول وقت العصر أيضًا؛ لأن الوقت هو وقت الظهر, ولو تيمم للعصر لم يصح لأن وقته يدخل بعد ذلك, وهل يصح عن الظهر؟ وجهان

الجزء: 1 - الصفحة: 236

أحدهما: لا يصح, والثاني: يصح وهو الأشهر.
فرع العادم للماء إذا تيمم قبل الاجتهاد في القبلة هل يجوز؟ وجهان أحدهما: لا يجوز والثاني: يجوز, وهذا بناء على ما لو تيمم وعليه نجاسة هل يجوز؟ وجهان ذكره والدي (رحمه الله).
فرع آخر لو كان عليه قضاء الصلاة وهو عادم للماء والتراب, هل يلزمه القضاء على الفور؟ في هذه الحالة إذا كان الفوات بغير عذر.
قال والدي (رحمه الله): عندي أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو ألزمناه ذلك ويحتاج (193 أ/1) إلى الإعادة أدى إلى لزومه ثانيًا وثالثًا وما لا يتناهى, ويفارق الأداء لقوته وإيجابه لئلا يخلو الوقت عن فعل الصلاة على الإمكان.
قال: وهل له أن يقضي في هذه الحالة؟ وجهان.
فرع لو تيمم لصلاة العصر وعنده أن الوقت لم يدخل وكان وقتها داخلًا, هل يصح تيممه لأداء الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح, لأن التيمم عبادة لا تصح قبل الوقت فلا تصح مع اعتقاد بعد دخوله كالصلاة.
والثاني: يصح وبطلان الصلاة لا يدل على بطلان التيمم, ألا ترى أنه لو تيمم قبل الوقت مع علمه بذلك جاز أداء النافلة به, وإن كان نوى به فرض الوقت والأول وأصح.

باب ما يفسد الماء

مسألة: قال: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر).
الفصل إلى أن قال: (فسد الماء) وهذا كما قال: أعلم أن فساد الماء في هذا الموضع هو أن لا يصلح التطهر به, إما لنجاسة, أو لكونه مستعملًا, والمقصود ذكر مفسدات الماء في الجملة فأما القدر الذي يفسد والذي لا يفسد, فإن بيانه في الباب الذي بعده, ثم إنه افتتح الباب بقوله: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر) يعني في الإناء الذي فيه ماء الطهارة نقطة خمر, فأراد بالنقطة (193 ب/1) القطرة اليسيرة, وإنما ذكر الإناء لأن العادة أنه يكون فيه ماء قليل, ومراده بيان حكم الماء القليل, وجملته أنه إذا وقع في الماء القليل نجاسة من غائط أو بول, أو خمر, أو دم, أو قيح, أو صديد يُنظر, فإن كانت قدرًا يدركها الطرف نجس الماء, وكذلك في الثوب إلا في الدم والقيح

الجزء: 1 - الصفحة: 237

والصديد, فإنه (يعفى) عن اليسير منها في الثوب, وإن كانت قدرًا لا يدركها الطرف لقلته فقال المزني: ما يدركها الطرف فقد فسد الماء, فمفهومه أنه إذا لم يدركها الطرف لا يفسد الماء, وقال في (الإملاء): فإن أصاب الثوب غائط, أو بول, أو خمر, أو تيقنه, أدركه الطرف, أو لم يدركه نجسه.
وقال في موضع آخر: إذا وقع ذباب على بول أو خلاء رقيق, ثم وقع على الثوب غسل موضعه, واختلف أصحابنا في المسألة على خمس طرق: إحداهما: يحكم بنجاستهما قولًا واحدًا؛ لأنه نص في الثوب على ما ذكرنا, فالماء أولى لأن الثوب أحسن حالًا في النجاسة من الماء؛ لأنه يعفي عن دم البراغيث فيه دون الماء, وليس له نص في الماء, وما نقله المزني ليس لكلامه دليل خطاب حتى يؤخذ به, وأيضًا إنما قال مما يدركها الطرف لتتحقق حصول النجاسة, فإن تحقق من دون إدراك الطرف ثبت حكم النجاسة أيضًا (194 أ/1).
والثانية: لا ينجس الماء ولا الثوب قولًا واحدًا, ذكره ابن سلمه, أما الماء فبدليل كلامه, وأما الثوب فلأنه أولى وهو أحسن حالًا من الماء, وقوله في (الإملاء): أدركه الطرف أو لم يدركه: معناه أنه لم يدرك في موضع وقوعه ولكن أدركه الطرف حين وثب إلى الثوب.
والثالثة: في الماء والثوب قولان: أحدهما: لا ينجسان؛ لأنه لا يمك الاحتراز منها في الغالب كأثر الاستنجاء دم البراغيث, والثاني: تنجسان لتحقق وصول النجاسة التي لا يعفى عنها إليهما.
والرابعة: الثوب تنجس بنص قوله: (والماء لا ينجس) بدليل, والفرق أن للماء قوة في رفع النجاسات عند الكثرة بخلاف الثوب, وقيل: هذا ظاهر المذهب وهو الصحيح.
والخامسة: على عكس هذا, وهو أن الماء تنجس دون الثوب؛ لأن الناس لا يحترزون من قضاء الحاجات في الصحاري, والغالب فيها أن الذباب يقع على النجاسة الرطبة, ثم يقع على الثوب ولا يدركها الطرف ويشق الاحتراز منها, فعفي عنها فيه كما عفي فيه عن قدر دم البراغيث, بخلاف الماء فإنه يمكن صونه عن النجاسات بتخمير الأواني وتغطيتها, وأيضًا فإنه إذا طارت الذبابة فالغالب أن رجلها تجف في الهواء, فإذا وقعت على الثوب ورجلها جاف (194 ب/1) لم تضر الثوب بخلاف الماء, فإنه يرطب رجلها فيؤثر فيه, وعلى هذا لو كان الثوب رطبًا فإنه تنجس الثوب, وعلى العلة التي قبلها لا ينجس وهذا حسن, ولكنه خلاف نص الشافعي, وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: غلط المزني في قوله: مما يدركها الطرف في الماء, فإن الشافعي شرك ذلك في الثوب لا في الماء, وهذا خلاف صريح النص الذي ذكرناه وهو الصحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

مسألة: قال: (وإن توضأ رجل ثم جمع وضوءه في إناء نظيف ثم توضأ به هو أو غيره لم يجز).
وهذا كما قال: الماء المستعمل هو على ثلاثة اضرب؛ مستعمل في رفع الحدث, ومستعمل في البدن, ومستعمل في غير الحدث والندب.
فأما المستعمل في رفع الحدث فهو الماء الذي توضأ به المحدث, أو اغتسل به الجنب, أو الحائض, فالماء طاهر لأنه لاقى موضعًا طاهرًا, وهو هو مطهر؟ المشهور أنه غير مطهر.
وبه قال عمر, وابن عباس (رضي الله عنهما) والاوزاعي والثوري, والليث, وأحمد.
وروي ذلك, عن مال, وأبي حنيفة, وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن الماء المستعمل هل هو طهور؟ فتوقف فيه, وقال عيسى بن أبان, قال الشافعي: هو طاهر مطهر.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: هو غير مطهر قولًا واحدًا ورد رواية (195 أ/1) ابن أبان, وقال: لا أجد مذهب صاحبي من المخالف وقيل: غلط عيسى في هذا لأنه سمع الشافعي يقول: الاستعمال لا يؤثر, وأراد في طهارته لا في طهوريته, فظن أنه لا يؤثر في طهوريته ومنهم من قال: عيسى هذا ثقة, وإن كان مخالفًا فالمسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو الصحيح؛ لأنه أدى به الفرض فلا يؤدي به الفرض ثانيًا, كما لو أعتق عبده من الكفارة لا يقدر على عتقه ثانيًا.
والثاني: هو طاهر مطهر, وبه قال الحسن, والنخعي, وعطاء بن أبي رباح والزهري, ومكحول, وأبو ثور, وداود, وأهل الظاهر, وهو راوية عن مالك.
واحتجوا بما روت ربيع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسح رأسه بفضل ما كان في يده , ولأن هذا ماء طاهر لاقى جسمًا طاهرًا فأشبه إذا لاقى ثوبًا, وهذا غلط, والخبر محمول على أنه كان ترك المسحة الثانية, وفي الثوب لم يزد العبادة بخلاف ها هنا, وروى ابن المنذر, عن علي, وابن عمر, وأبي أمامه (رضي الله عنهم) أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه: إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل, وهو اختيار ابن المنذر, وروى الحسن بن زياد, عن أبي حنيفة: أنه نجس, وبه قال أبو يوسف, واحتج الشافعي عليه بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) (195 ب/1) توضأ ولا يشك أن من بلل الوضوء ما يصيب ثيابه, ولا نعلمه غسله, ثم انفصل عن سؤال مالك, فإنه قال: إذا لم يكن لم لا يتوضأ ثانية؟ وما الفرق بين أن يغسل ثوبًا طاهرًا أو بدنًا طاهرًا, وقد يتوجه هذا السؤال من وجهة أبي يوسف على العكس, فقال الشافعي: ولا يتوضأ به لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة, وليس على ثوب أو أرض تعبد.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

فإذا قلنا: إنه طاهر غير مطهر, فإن كان أقل من قلتين فغير مطهر قولًا واحدًا, وإن بلغ قلتين فالمنصوص في (الأم) أنه طاهر غير مطهر, وذكره المزني في جامعة الكبير أيضًا؛ لأنه إذا لم تؤثر فيه النجاسة فلأن لا يؤثر فيه الاستعمال أولى, ولأنه إذا كان كثيرًا في الابتداء لا يصير مستعملًا, فإذا كثر من بعد ذلك حكمه, وقال القفال: فيه وجهان, أحدهما: هذا, والثاني: هو مستعمل كما كان ولا يعود طهورًا؛ لأن كونه مستعملًا فيه والكثرة لا تسلبه صفته بل تكثر صفته بكثرته, فهو كماء الزعفران إذا كثر لا يعود طهورًا.
وقيل: هذا اختيار القفال, وهو خلاف نص الشافعي, وإذا قلنا: إنه غير مطهر, أو كان أقل من قلتين, هل يجوز غسل النجاسة به؟ المذهب أنه لا يجوز؛ لأنه مائع يجوز لا يرفع الحدث فلا يرفع (196 أ/1) الخبث كماء الورد, وقال أبو القاسم الأنماطي أستاذ ابن سريج, وابن خيران: يجوز لأن للماء قوتين إزالة النجاسة وإزالة الحدث, وقد زالت إحداهما وبقيت الأخرى, وهذا باطل بما أزيل به النجاسة لا يزال به الحدث الأصغر, ولا يقال له قوتان كذلك ها هنا, وهكذا في العكس منه إذا استعمل الماء في إزالة النجاسة, وقلنا: إنه طاهر غير مطهر هل يجوز استعماله في إزالة الحدث على هذا بخلاف.
وأما المستعمل في الندب: وهو ما غسل به يديه قبل إدخالهما في الإناء أو تمضمض به, أو استنشق أو استعمل في المرة الثانية, والثالثة في الوضوء في تجديد الوضوء, أو في غسل يوم الجمعة ونحو ذلك, قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر مطهر, لأنه لم يؤد به الفرض مرة, وإليه أشار الشافعي حيث قال: لأنه أدى به الفرض مرة وهو الأصح, والثاني: أنه مستعمل طاهر غير مطهر, لأنه استعمل في التعبد في الجملة, وإلى هذا أشار الشافعي في قوله: لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم, وقوله: لأنه أدى به الفرض مرة, من قول المزني, ولم يقله الشافعي, وبه قال أبو حنيفة, وإليه يميل القفال.
وأما المستعمل في غير الندب والحدث بالماء الذي يتبرد به أو يتنظف أو غسل به الثوب فهو طاهر مطهر بلا خلاف.
فرع لو اغتسلت الكافرة (196 ب/1) من الحيض لاستباحة وطئ المسلم هل يصير الماء مستعملَا فيه وجهان: أحدهما: يصير مستعملًا لأنها أدت طهارة مأمورًا بها بهذا الماء.
والثاني: لا يصير مستعملًا, لأنها لم تؤد به عبادة, وهذا أظهر, ولا خلاف أنها لو اغتسلت لا من الحيض أو النفاس لا يصير مستعملًا.
فرع لو اغتسل المحدث رأسه ففيما سقط عن رأسه من الماء وجهان حكاهما ابن أبي هريرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 240

أحدهما: أنه لا يكون مستعملًا, لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه فلم يصر الباقي الفاضل من غسله مستعملًا فيه.
والثاني: يكون مستعملَا, لأنه زاد على الكفاية كما لو كان يكفيه لوضوئه مد فاستعمل صاعًا صار الصاع مستعملًا, وإن كان بعضه مكتفيًا.
فرع آخر الجنب إذا اغتسل هل يصير الماء بانتقاله عن العضو إلى صدره مستعملًا؟ وجهان: أحدها: يصير مستعملًا فلا ترتفع جنابة العضو الذي انتقل إليه, والثاني, وهو الأصح: لا يصير مستعملًا حتى ينفصل عن جميع الجسد, لأن بدن الجنب هو كالعضو الواحد من أعضاء المحدث, ولهذا لا ترتيب فيه بخلاف أعضاء المحدث ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو دخل الجنب في الماء لطلب الدلو لا يطهر الجنب ولا يفسد الماء, وإنما يحكم للماء بحكم الاستعمال إذا نوى وصح غسله, وهكذا لو (197 أ/1) أدخل يده في الماء القليل في الإناء ثم أخرجه.
فرع آخر لو نوى رفع الجبانة وانغمس ف ماء, فإن كان الماء قلين ولم ينقص منه شيء حتى خرج عنه لم تزل طهوريته وزالت جنابته, لأنه كما لاقي أول جزء منه الماء صار مستعملًا, ثم انغمس في ماء يستعمل, والمنصوص للشافعي في رواية الربيع أنه يصير مستعملًا وتزول جنابته, لأن الماء لا يصير مستعملًا بأول الملاقاة, بل يصير مستعملًا بالانفصال عنه, كما لو صب الماء على رأسه, لا يقال يصير مستعملًا بملاقاته أول جزء من رأسه حتى إذا أنحدر إلى الوجه لا تزول جنابة الوجه, كذلك ها هنا, ورجع الخضري إلى هذا, وعلى هذا لو صب الماء على رأسه وانفصل منه إلى البطن بحيث لم يمر على وجهه فكما انفصل عن رأسه صار مستعملًا.
فرع آخر لو نزل الجنب في الماء الذي هو دون القلتين إلى سرته ثم نوى رفع الجناية, ترتفع الجناية عن كل ما تحت الماء من بدنه, وأما ما هو فوق الماء إن أخذ الماء بيده وصب الانفصال, وإن غاص في الماء بباقي بدنه, قال بعض أصحابنا: فيه وجهان.
فرع آخر لو شرع رجلان في ماء دون القلتين بلا نية ثم نويا رفع الجبانة, فإن نويا تحت الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 241

دفعة (197 ب/1) واحدة ارتفع جنابتهما, وصار مستعملاً, وإن شرعًا مع النية دفعة واحدة ارتفعت الجناية عن أول جزء وصل إلى الماء من بدن كل منهما وصار مستعملًا ولا ترتفع الجبانة عن باقي أعضائها, لأن الماء كالمنفصل من بدن كل واحد منهما في حق صاحبه.
فرع آخر لو اغتسل الجنب مرة في ماء قليل كان الماء الأول مستعملًا, والثاني: مطهرًا, لأن تكرار الثلاث مأثور في الوضوء والنجاسة, وغير مأثور في غسل الجنابة, ففي الموضع المأثور في أحد الوجهين يصير مستعملًا دون غيره, ذكره في (الحاوي) ويحتمل وجهان آخر, لأن التكرار فيه مندوب في قول بعض أصحابنا.
مسألة: (إذا ولع الكلب في الإناء فقد نجس الماء).
وهذا كما قال: الكلام في الكلب في فصول ف نجاسة عينه, وفي نجاسة سوره وفي وجوب غسل الإناء من ولوغه وكيفية العدد في غسله, فأما نجاسة عينه, فعندنا هو نجس العين خلافًا لأبي حنيفة, وقال مالك: الكلب والخنزير طاهران لوجود المياه فيهما, وبه قال داود.
وأما نجاسة سؤره فعندما أنه إذا ولغ في ماء قليل, أو طعام من لبن أو خل أو غيرهما تنجس ويلزم إراقته, وغسل الإناء (198 أ/1) منه, وبه قال ابن عباس, أبو هريرة, وعروة بن الزبير (رضي الله عنه) , وأبو حنيفة, وأحمد, وإسحاق, وأبو ثور, وأبو عبيد, وقال الزهري, ومالك, وداود هو طاهر يجوز التطهر به, وإن ولغ في طعام لا ينجس ولا يحرم أكله, اختاره ابن المنذر لكن يغسل منه الإناء تعبدًا.
وروى هذا عن الأوزاعي, وهذا غلط لقوله (صلى الله عليه وسلم): (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) فأمر بالإراقة وعندهم لا تجب الإراقة.
ورى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب).
ولأنه إذا وجب غسله لحدوث حادث تكون لنجاسته لا للتعبد, واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الآية, قلنا: هذا مما يطعمه طاعم وكلامنا في الإناء, ونجاسة الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 242

الذي فيه, ثم هذا في السنة إن لم يكن في الكتاب.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يأمر بغسل الموضع الذي أصابه فم الكلب, قلنا: أراد به صيد الكلاب, وقوله مكبلين أراد به المعلمين ثم ليس فيه دليل على أن ذلك الموضع لا ينجس, كما أنه لم يأمر بغسل الصيد عن الدم, ولا شك أن دمه نجس على أن من أصحابنا من قال: موضع النص (198 ب/1) وإن كان نجسًا لا يجب غسله, بل يكون معفوًا عنه, لأنه لا يمكن الاحتراز منه, وظاهر المذهب أنه كسائر المواضع التي يصيبها فم الكلب, واحتجوا بما روى جابر (رضي الله عنه) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب فقال: لها ما شربت في بطونها ولنا ما أبقت شرابًا وطهورًا, قلنا: نحمله على الماء الكثير بدليل ما ذكرنا.
واحتجوا بأنه حيوان فكان طاهر السور كالشاة قيل: يجوز اقتناؤها إعجابًا بها وتفاخرًا بخلاف الكلب بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم): (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشيه نقص من أجره كل يوم قيراطان) , ولأن مالكًا وافقنا في أنه لا يجوز بيع الكلب ولم يرحم ذلك لحرمته, لأنه لا حرمة للكلب, ولا لعدم المنفعة, لأن منفعته كاملة, فدل أنه إنما حرم لنجاسته بخلاف الشاة, ولأنه لم يرد الأمر بالغسل من الولوغ هناك بخلاف ها هنا.
وأما العدد فعندنا يجب غسل الإناء من ولوغه سبع مرات, إحداهن بالتراب, وبه قال ابن عباس, وأبو هريرة, وعروة, وطاووس (رضي الله عنهم) وقبل: إنه قول الأوزاعي وقول مالك, ومن أصحاب مالك من يقول: يعتبر ذلك استحبابًا, وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه, وعنه رواية أخرى (199 أ/1) أنه يجب غسله ثماني مرات سبع مرات بالماء وواحد بالتراب منفردًا, وبه قال الحسين, وقال أبو حنيفة: يغسل مرة, وروى ثلاثًا.
واحتجوا بما روى عبد الله بن معقل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات والثامنة عفروه بالتراب).
وروى أولاهن بالتراب ويحمل, ما روا على أنه أراد إذا نسي التراب في إحدى الغسلات السبع يلزمه الإتيان بالثامنة, بدليل خبرنا أو عد التراب ثامنة, وإن كان يوجد مع أحد السبع؛ لأنه جنس آخر.
وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه العدد, بل يلزمه أن يغسل حتى يغلب على ظنه طهارته من النجاسة, واحتجوا بما روى الأعرج, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الكلب يلغ في الإناء: (يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا).
قلنا رواية عبد الوهاب بن الضحاك, وهو ضعيف, ثم يحتمل هذا

الجزء: 1 - الصفحة: 243

التخيير, ويحتمل الشك من الراوي فيجب التوقف فيه ويعمل بخبرنا.
فرع الأفضل أن يكون التراب في الغسلة الأولى ليرد الماء عليه بعده فينظفه من التراب, نص عليه في حرملة, وورد في الخبر ذلك, وفي أي الغسلات كان التراب أجزأه لقوله (صلى الله عليه وسلم) (إحداهن بالتراب).
فرع كيفية الغسل بالتراب أن يخلط التراب بالماء في إحدى الغسلات (199 ب/1) , لا أن يقتصر على الدلك بالتراب, ولا يجب الدلك باليد في وسط الإناء, ولا فرق بين أن يصب الماء على التراب أو التراب في الماء حتى يتكرر.
فرع قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في أنه يكفي ما يقع عليه اسم التراب قل أو كثر أو يلزمه أن يستوعب به محل الولوغ على وجهين, أحدهما: ما يقع عليه الاسم المطلق الخبر, والثاني: يلزمه استيعابه لأنه ليس بعض المواضع أولى من بعض وهذا هو المشهور عندي والوجه الأول غريب.
فرع قال الشافعي: والماء الذي ولغ فيه الكلب وعليه أن يهريقه, فمن أصحابنا من قال: يجب إراقته ويحرم الانتفاع به للخبر, وقال جمهور أصحابنا: لا تجب إراقته بل يستحب ولا يحرم الانتفاع به في وجه مخصوص وقوله (صلى الله عليه وسلم): (فليهرقه) ليتوصل بالإراقة إلى غسله لوجوب استهلاكه.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو خلط التراب بخل أو ماء ورد ثم غسل به هل يجزي عن التراب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو الأصح؛ لأن الخل ليس بطهور.
والثاني: يجوز؛ لأن التراب هو المقصود, وكذلك لو كان التراب نجسًا ففيه وجهان, والأصح أنه لا يجوز, ولا معنى لهذا عندي مع ما ذكرنا من النص الصريح.
فرع آخر جميع أجزاء الكلب كفمه (200 أ/1) وكذا روثه ودمه, وقال أبو حنيفة: إذا أصاب سائر بدنه الماء لا ينجس روثه قال مالك وداود: وبنيا على أصلهما أن الكلب

الجزء: 1 - الصفحة: 244

طاهر, وإنما يغسل الإناء من ولوغه صار تنبيهًا على ما أصاب بيده ورجله؛ لأن الولوغ يكثر منه ويشق الاحتراز منه بخلاف سائر أعضائه, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه يختص السبع بالولوغ؛ لأنه غير معقول المعنى, والنص فيه ورد فكيفي الغسل مرة من مس أعضائه ودمه وبوله, وهذا ليس بشيء.
فرع آخر يجب غسل الثوب من دم الكلب سبع مرات على ظاهر المذهب, فلو لم تزل عينه إلا ثلاث غسلات فالمرة الأولى هي محسوبة عن السبع, وفي الثانية والثالثة وجهان: أحدهما: لا تحتسب عن السبع, بل يجب غسل المحل بعد زوال عين الدم ست مرات.
والثاني: يحتسب من السبع كالمرة الأولى.
فرع آخر لو ولغ كلبان في إناء آخر أجزاء أن يغسل سبع مرات إحداهم بالتراب, نص عليه في حرملة, ومن أصحابنا من قال: فيغسل على عدد الكلاب لكل كلب سبع مرات, كما قال الشافعي: إذا بال واحد يصب عليه ذنوب من ماء, وإن بال اثنان يصب ذنوبان, وهذا ليس بتخريج صحيح؛ لأن ولوغ الكلب الثاني بمنزلة تكرير ولوغ الكلب الواحد, ولو كرر الكلب الواحد الولوغ يكفي (200 ب/1) سبع مرات, فكذلك إذا كثر عدد الكلاب يكفي سبع مرات, وفي البول ذكره الشافعي تقريبًا في التطهير لا تحديدًا, والبول يكثر بكثرة البائل والنجاسة ها هنا لا تزيد.
وقال الإصطخري: يغسل لكل ولوغ سبعًا, فإن ولغ كلب واحد عشرًا غسل سبعين مرة, ذكره في (الحاوي).
وقال: في المسألة ثلاثة أوجه وهذا خطأ فاحش لأن النجاسة لم تزد يستحيل أن تزيد الإزالة.
فرع آخر لو غسل الإناء من ولوغه مرة, ثم وقع في نقطة خمر, أو دم غسله ستًا وطهر؛ لأنه غسل النجاستين معًا جميعًا نص عليه في حرملة.
فرع لو وقع هذا في ماء قليل نجسه, ولو وقع في ماء كثير قدر قلتين فصاعدًا لم ينجسه, وهل يطهر به الإناء؟ فيه أوجه: أحدهما: يطهر ولا يحتاج إلى التراب؛ لأنه صار إلى حالة لو ولغ فيه في تلك الحالة لم ينجس, ولأن القصد بالعدد مكاثرة الإناء بالماء وها هنا حصلت المكاثرة, وهذا إذا أقمنا الماء مقام التراب.

الجزء: 1 - الصفحة: 245

والثاني: تكون غسلة واحدة, وست مرات إحداهم بالتراب لظاهر الخبر, وهذا اعتبار ابن الحداد.
والثالث: يكفي التراب بعد هذا.
والرابع: ذكره أصحابنا بخراسان: يُنظر, فإن أصاب فم الكلب نفس الإناء فهو غسلة واحدة, وإن أصاب الماء ثم نجس الإناء تتبعًا للماء فإنه يطهر تبعًا للماء أيضًا (201 أ/1) وعلى هذا لو كان إناء كبيرًا ولغ فيه الكلب فصب عليه ماء حتى تم به قلتان هل يطهر على هذا الخلاف؟ فرع آخر لو غسله ثمان مرات هل تقوم الغسلة الثامنة بالماء مقام التراب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يقوم مقامه؛ لأن القصد التطهر والماء أبلغ, وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأنه مأمور بعين التراب فلا يجوز غيره, ولأن قصد النبي (صلى الله عليه وسلم) تقوية الماء بالتراب والجمع في غسلة بينهما, والتراب مع الماء ينقي ما لا ينقيه تكرار الماء.
والثالث: إذا كان التراب موجودًا لا يقوم مقامه, وإن كان معدومًا يقوم مقامه للعذر, وهذا كله إذا قلنا غير التراب من الأشنان والنخالة تقوم مقامه.
فرع لو صب الغسلة السابعة في الإناء وغلغل فيه ولم يصب عليه هل يطهر؟ وجهان كالوجهين في الثوب النجس إذا لم يعصر من الغسالة.
فرع لو أصاب فم الكلب أرضًا فغسلت سبعًا أو جرى عليها الماء سبعًا هل يحتاج إلى تراب أجنبي؟ وجهان, والأصح أنه لا يحتاج؛ لأن نفس الأرض تراب ولم يذكر القفال غيره.
فرع آخر لو أدخل الكلب رأسه في الإناء ولم يعلم أنه ولغ فيه, فإن أخرج رأسه يابسًا فالماء على طهارته, وإن كان رطبًا فيه وجهان: (201 ب/1) أحدهما: يحكم بنجاسته؛ لأن الماء لا ينجس بالشك, ويحتمل أن تكون تلك الرطوبة من لعابه أو ولوغه في غيره.
فرع لو ولغ في إناء في طعام جامد يلقى منه ما أصابه فمه وينتفع بالباقي, كما لو ماتت الفأرة في السمن وهو جامد, ولو ولغ في ماء قليل, أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبًا أو إناء آخر, وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
فرع إذا بلغ الماء قلتين فتغير بالنجاسة, ثم ولغ فيه الكب, ثم أصاب منه ثوب إنسان,

الجزء: 1 - الصفحة: 246

قال القاضي الحسين (رحمه الله): يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن لعاب الكلب مازج ذلك الثوب النجس والماء المتغير بالنجاسة, كالخل الذي يقع فيه النجاسة وإن لم يتغير.
مسألة: قال: (وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف مثل أشنان أو نحالة أو ما أشبهه ففيه قولان).
الفصل وهذا كما قال المأمور في غسل الولوغ بالتراب, فإن غسله بغير التراب كالأشنان, أو النخالة, أو الصابون, هل يجوز؟ فيه قولان, أحدهما: يجوز ويقوم ذلك مقام التراب, وهو اختيار المزني؛ لأن المقصود منه التطهير عن النجاسة, والصابون هو أبلغ في التطهير من التراب, ولأنه إزالة نجاسة بجامد فلا يتعين ذلك الجامد كالاستنجاء والدباغ.
والثاني: لا يجوز لأنه طهارة أمر فيها بالتراب (202 أ/1) تعبدًا فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم, ومعنى التعبد أنه أمر بغسله سبعًا والنجاسة تزول مرة واحدة, ولأنه أحد الطهورين في ولوغ الكلب فلا يقوم غيره مقامه كالماء, وهذا طاهر المذهب.
والجواب عما ذكر المزني أن المقصود من الاستنجاء تخفيف النجاسة, ومن الدباغ تنشيف فضول الجلد, فالمعنى والمقصود معلوم فقام غير المنصوص مقام المنصوص.
وها هنا الأمر بالتراب غير معقول المعنى فأشبه التراب في التيمم.
فإذا تقرر هذا, اختلف أصحابنا في موضع القولين, فمنهم من قال: القولان إذا كان عادمًا للتراب, فإن كان واجدًا للتراب لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي قال: فإن كان في بحر لا يجد ترابًا, وهذا هو الظاهر.
ومنهم من قال وهو الأصح: فيه قولان سواء كان واجدًا للتراب أو عادمًا له, وإنما صور الشافعي في البحر, لأن الغالب عدم التراب فيه, وإن كان واجدًا لا يتكلف غيره.
فرع قال القفال: لو كان ثوبًا, فإن قلنا في الإناء أنه يقوم الأشنان مقام التراب, ففي الثوب أولى, وإن قلنا: لا يقوم ففي الثوب وجهان؛ لأن التراب يفسد الثوب, ويصلح الإناء, والأطهر عند عامة أصحابنا أنه لا فرق بين الثوب وغيره.
مسألة: قال: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا أحب إلى وهذا كما قال: المستحب أن يغسل من غير (202 ب/1) الكلب والخنزير ثلاث مرات, والواجب أن يكاثرها بالماء حتى يزول لونها ورائحتها ولا يشترط العدد, وقال أبو حنيفة: يجب غسله ثلاث مرات إذا كانت النجاسة حكيمة غير مرئية.
وقال أحمد: يجب غسله سبعًا إذا أصاب الإناء لولوغ الكلب سواء, وهكذا لو

الجزء: 1 - الصفحة: 247

أصابت غير الإناء [إلا] في الأرض إذا أصابتها فإنه قال: لا يجب العدد فيها, وربما يقول بعض أصحابه: إنه لا يشترط التراب غير الولوغ, واحتج بأن الخبر الوارد في الولوغ تنبيه على غيره؛ لأن نجاسة الكلب أخف لأنه مختلف فيها, وهذا غلط لما روي عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: كانت الصلاة خمسين, والغسل من الجنابة سبع مرات, والغسل من البول سبع مرات, فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى جعلت الصلاة خمسًا, والغسل من الجنابة مرة, والغسل من البول مرة, وقياسه على الكلب مخالف للنص, ثم نجاسة الكلب حكيمة لا يلزم غسل المحل, واحتج عليه الشافعي بما روى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأسماء في دم الحيض (حثيه ثم أقرضيه ثم غسليه بالماء ثم صلى فيه) ولم يعتبر العدد.
مسألة: قال: (وما مس الكلب والخنزير الماء (203 أ/1) من أبدانها نحبه وإن لم يكن فيهما قذر) وهذا كما قال: أراد وإن لم يكن فيهما قدر سواهما لأن عينيهما نجاسة, وهذا لأن النص على الولوغ تنبيه على سائر الأعضاء على ما ذكرنا.
مسألة: قال: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب الفصل وهذا كما قال: نص في (الجديد) أن الخنزير نجس يغسل من ولوغة سبعًا كالكلب, وحكى ابن أبي أحمد, عن الشافعي قولًا في (القديم) أنه يغسل من ولوغ الخنزير مرة, فمن أصحابنا من أنكر هذا, وقال: وهم ابن أبي أحمد فيما قال: قال أبو ثور: قال الشافعي في (القديم)؛ يغسل من ولوغ الخنزير, وأطلق لم يذكر العدد, وهذا خطأ؛ لأنه ذكر العدد في موضع آخر, وأراد بالإطلاق السبع, وقيل: هو ثقة في الرواية فالمسألة على قولين: أحدهما: يغسل مرة لأن الكلب مألوف, فخص بزيادة تغليظ كالخمر لما كانت مألوفة خصت بوجوب الحد بشربها وينسب هذا القول إلى مالك ولا يصح عنه.
والثاني: يلزمه غسل سبع مرات, لأن النص في الكلب تنبيه على الخنزير, لأنه أسوأ حالًا, لأن الكلب محرم نصًا ولا يجوز إقتناؤه أصلًا بخلاف فإنه مختلف في جواز أكله وحكم المتولد بين الكلب والذئب حكم الكلب في هذا الحكم (203 ب/1).
فصل يشتمل على فروع النجاسة إذا أصابت ثوبًا أو غيره يغسله بالماء عن المحل, فيه ثلاث مسائل:

الجزء: 1 - الصفحة: 248

(إحداها): أن ينفصل الماء متغيرًا بالنجاسة فهو نجس بلا خلاف, سواء طهر المحل به أو لم يطهر, لأن النجاسة غلبته.
والثانية: أن ينفصل عنه غير متغير ولم يطهر المحل بعد, فالمذهب أنه نجس, لأن الماء إذا ورد على النجاسة إما أن يغلبها أو تغلبه, فإن غلبها وجب أن يزيلها, فلما لم يزلها دل على أنها غلبته, وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: هذا, والثاني: أنه طاهر, لأن الماء الذي يزد على النجاسة بمنزلة الماء الكثير الذي تزد النجاسة عليه فلا تنجس إلا بالتغير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه روي هذا عن الشافعي في (القديم).
والثالثة: أن ينفصل عنه غير متغير والمحل قد طهر, فالمذهب المنصوص أنه طاهر, وبه قال جماعة أصحابنا, لأن البلة الباقية في الثوب هي طاهرة, فالمنفصل منه طاهر أيضًا.
وقال أبو القاسم الأنماطي: هو نجس, وبه قال أبو حنيفة: فعلى هذا العبارة عنه أن حكم الماء بعد الاستعمال حكم المحل المغسول قبل أن يغسل, إذا قلنا بالمذهب, قال القفال: لأصحابنا عبارتان, أحدها: أن حكم الماء بعد الغسل حكم الماء قبل الغسل؟ فعلى هذا غسالة (204 أ/1) كل مغسول هي طاهرة وهو عين القول القديم, والثانية: أن حكم الماء بعد الغسل حكم المحل بعد الغسل, فعلى هذا غسالة عين الكلب والخنزير طاهرة, والغسالة في المرة السابعة من ولوغ الكلب والخنزير طاهرة أيضًا, وما قبلها نجس, وعلى هذا لو نجس الماء بولوغ الكلب فأصاب الثوب منه نجس وغسل سبع مرات كما يغسل الإناء سبعًا, فإن غسله مرة ففي هذا الماء وجهان: أحدهما: طاهر, لأنه انفصل غير متغير, والمذهب أنه نجس, فلو أصاب الثوب من هذه الغسالة نجس الثوب وبماذا يطهر, اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يغسل بعد هذا سبعًا إحداهن بالتراب, لا أن تكون الغسلة الأولى بتراب فيغسل ستًا بلا تراب, وعلى هذا أبدًا, فإن بقي من غسلات الإناء خمس غسل خمسًا, ولو بقي واحدة غسل واحدة, وإن أصاب من السابعة لا المحل المغسول قبل الغسل, فيغسل من المرة الأولى سبع مرات إحداهن بالتراب, ومن الثانية ست مرات إحداهن بالتراب, إن لم يكن غسل المرة الأولى بالتراب, ومن السابعة يغسل مرة, ومن أصحابنا من قال: يغسل مرة واحدة لكل خال, لأن كل مرة قد أخذت سبع النجاسة فيغسل منها مرة, فاعتبر هذا القائل ما زال من النجاسة بالغسل دون (204 ب/1) ما بقي.
فرع لو جمع ماء الغسلات السبع في إناء هل يكون نجسًا؟ فإن قلنا: ماء الغسلات كلها طاهرة فلا مسألة, فإن قلنا: الجميع نجس إلا ماء الغسلة السابعة فيه وجهان: أحدهما: الجميع نجس, لأن ماء الغسلة الأولى إلى السابعة نجس, وماء الغسلة السابعة طاهر, فإذا جمع ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسًا وهو الصحيح, والثاني:

الجزء: 1 - الصفحة: 249

أنه طاهر, لأن الجميع بمنزلة الماء الذي أزيل به النجاسة وقد انفصل غير متغير فطهر المحل, وهذا خطأ بيَّن.
فرع آخر قال ابن سريج: وهكذا لو غسل به ثوب من نجاسة فانفصل متغيرات ثم غسله مرة أخرى فانفصل غير متغير, ثم جمع الماءان فزال التغير فيه وجهان: فرع لو أصاب الثوب نجاسة فغسله مرة وعصره في إجانة وإنفصل عنه غير متغير بعد طهارة المحل, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجابة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى فالماء الذي في الإجانة الأولى طاهر غير مطهر, وفي الثانية والثالثة وجهان, لأنه مستعمل في طهارة مندوب إليها, وفي الرابعة طاهر مطهر قولًا واحدًا, فلو جمعت هذه المياه كلها, فإن قلنا: الأوسطان كالرابع فالكل طاهر مطهر, لأن الأول تغير مغلوبًا, وإن قلنا الأوسطان كالأول فالكل طاهر (205 أ/1) غير مطهر, لأن الرابع يصير مغلوبًا.
فرع لو غمس الثوب النجس في إناء نجسه, ولو غمسه في إناء آخر نجسه أيضًا, ولا يطهر بحال إلا أن يغمسه في قلتين من الماء أو يورد الماء عليه, وهذا هو المذهب الذي لا يجوز غيره, ومن أصحابنا من غلط, وقال: إنما تنجس به إذا لم يقصد إزالة النجاسة, فإن قصد ذلك لا ينجس ويطهر الثوب, وهذا ليس بشيء, لأنه لا اعتبار بالقصد بدليل أنه يطهر بقصد الصبي والمجنون, وإن لم يكن لهما قصد, وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فعل هذا ثلاث يطهر في المرة الثالثة وهو قول أبي يوسف.
فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فأخده بإحدى يديه وصب عليه بيده الأخرى ماء ترابًا, وترك تحته إناء فنزل الماء في ذلك الإناء, قال إبن سريج: أساء في جميع ذلك في الإناء إلا أنه طاهر, لأن الثوب قد طهر به, ويفارق هذا الثوب إذا صب عليه الماء ولم يعصره لا يطهر على أحد الوجهين, لأن الماء لم يفارق محل النجاسة وها هنا فارق.
فرع آخر لو غسل نصف الثوب النجس كله وطهر هذا النصف الذي غسله عند أصحابنا, وقال إبن القاضي في التلخيص , لو غسل بعض الثوب كله في جفنه, ثم عاد إلى ما بقي فغسله لم يجز حتي يغسل الثوب كله دفعة واحدة, وأراد به إذا طرح بعض ذلك (205 ب/ 1) الثوب في جفنه ثم صب عليه الماء فلا يطهر, لأن البعض الذي لم يصبه الماء هو وارد على الماء الذي في الجفنة, والنجس إذا ورد على الماء القليل نجسه, وإذا نجس الماء نجس الثوب الذي هو فيه, وصورة مسألتنا غير هذه الصورة, ومن

الجزء: 1 - الصفحة: 250

أصحابنا من قال: علة إبن القاضي في ذلك أن النصف الأول لما غسله طهر, ثم نجس بما جاوره من النجاسة, ثم إذا غسل النصف الثاني يطهر إيضًا, إلا أنه تنجس بما جاوزه من النجاسة وهو النصف الأول المغسول, وعلى هذا يظهر الخلاف بين أصحابنا في ذلك, وهذا غلط, لأم الجزء الذي يجاور اليابس ينجس والباقي لا ينجس لما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الفأرة, تقع في السمن الجامد: قوروها وما حولها.
وعلى ما قاله ابن القاضي تنجس جميع السمن بالتعدي من جزء إلى آخر وبعض أصحابنا بخراسان اطلقوا, وقالوا: الصحيح ما قاله صاحب التلخيص, ولم يفصلوا ما ذكرنا من التفصيل, ولا شك أنه على هذا التفصيل.
فرع آخر إذا غسل الثوب عن النجاسة, ثم وقعت عليه نجاسة في الحال, هل يجب غسل كلها أو غسل موضع النجاسة؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان لأنه ينشر, وعلى هذا لو خرز الخف بشعر الخنزير يصير نجسًا, لأنه لا يمكن إلا بالرطوبة فلو غسل هل يحكم (206 أ/ 1) بطهارة ظاهره؟ وجهان: أحداهما: لا يطهر لأنه لا يمكن تطهير كله, والرطوبة تتعدى.
والثاني: يطهر, ويجوز أن يصلي عليه, ولو غرف رجله لا نحكم بنجاسته, ولا تتعدى النجاسة من ثقب النعل إلى الجزء المغسول, وهذا هو الصحيح عندي, واختاره الإمام القاضي الحسين -رحمه الله- فرع آخر قال بعض أصحابنا: إذا طبخ اللحم بماء نجس فإنه يصير نجسًا, والطريق في تطهيره أن يطبخ بالماء الطاهر مرة أخرى حتى يصل الماء في الكرة الثانية إلى كل موضع وصل الماء إليه في المرة الأولى فيطهره, وعندي أنه لا يطهر, وسمعت بعض أصحابنا يقول: لابد من أن يجفف ثم يغسل حتى يصل الماء إلى باطنه فيطهر به كالأجر النجس بما لا عين له.
فرع آخر العجين بالماء النجس لا يصير بالخبز طاهرًا, والطريق في تطهيره أن يقلب عليه الماء حتى ينفد ويخرج من الجانب الآخر, كما قلنا في الأجر النجس, وعلى ما ذكرنا عن بعض أصحابنا يلزمه أن يجففه أولًا ثم يصب عليه الماء هكذا.
فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فوضعه في طست, وصب عليه ماء حتى غمره, ثم عصره, فالثوب طاهر بلا خلاف, وإن لم يعصره ففيه وجهان: أحدهما: يطهر الثوب لأنه كأثره بالماء وغمره, فوجب أن يطهر كما لو بال رجل على الأرض قصب عليه ماء غمره فإنه يطهره.

الجزء: 1 - الصفحة: 251

والثاني: (206 ب/1) لا يطهر, لأن غسل الثوب من البول في العادة بأن يغمره الماء ويعصره حتى ينزل الماء عن محل النجاسة فيعتبر ذلك, وبه قال أبو حنيفة: وفي الأرض ضرورة فجوزنا الأول أصح, فرع آخر لو كان إناء فيه ماء نجس أو بول, فقلب ما فيه ثم صب الماء في الإناء حتي كاثره وغمره طهر, وإن لم يقلب البول منه, ولكنه صبه فوق البول أو الماء ما كاثر به هل يطهر؟ فيه وجهان: أحدها: يطهر كما قلنا في الأرض والبئر وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه لا يطهر, لأن في العادة يقلب ما في الإناء ثم يغسل بخلاف البئر فإنه لا يمكن أن تقلب, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكلب يلغ في الإناء: فليغرقه ثم ليغسله سبع مرات.
فرع آخر لو كان على ثوبه نجاسة فغسلها وبقي بونها ولا يخرجه الماء حكم بطهارته نص عليه في (الأم) , ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يستعين بعين الماء من الأشنان أو الصابون, فإن تعذر إزالته هل يحكم بطهارة الثوب أو بالعفو مع النجاسة؟ وجهان, وليس كلون الحناء النجس, لأنه لون الصبغ وهذا لون النجاسة, والصحيح عندي ما تقدم, لما روى أبو هريرة (رضي الله عنه) أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن بقى أثر الدم, فقال: الماء (207 أ/1) يكفيك ولا يضرك أثره.
وقالت عائشة - رضي الله عنها- كنا نغسل الدم من الثوب فيبقى فيه أثره فنلطخه بالحناء ونصلي فيه.
فرع آخر لو بقيت الرائحة, فإن لم يكن لتلك النجاسة رائحة زكية لم يطهر المحل وبقاء الريح دليل على بقاء العين, وإن كان له رائحة زكية كالخمر وبول المبرسم فيه وجهان: أحدها: لا يطهر, والثاني: يطهر وهو الأظهر, لاأنه قد تذهب العين وتبقي الرائحة, كخمر يخرج من بيت فتبقي رائحتها أياما للمجاورة, وفيه قيل قولان.
فرع آخر لو بل خضابًا بنجاسة من خمر أو غيرها, فإن كان لون النجاسة باقيًا فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يذهب ذلك اللون, وإن لم يكن لون النجاسة باقيًا, ولكن بقي لون الخضاب فيه وجهان: أحدها: نجس, لأن الخضاب صار نجسًا, ويدل بقاء لونه على بقاء النجاسة, والثاني: طاهر, لأن نجاسة الخضاب هي نجاسة مجاورة,

الجزء: 1 - الصفحة: 252

وهذا اللون لون عرض الخضاب لا تحله النجاسة, وإذا قلنا بالأول لا ليزمه طبق اللحية, بل يمكن حتى يتصل لونه لأنه يزول لا محالة, ثم أعاد الصلاة, وإن كان على بدن, فإن كان يزول كالحناء فعلى ما ذكرنا, وإن كان لا يزول كالوشم بالنيل, فإن أمن التلف في كشطه فإنه يلزمه كشطه بخلاف الشعر, لأن ذلك يجوز (207 ب/1) , وإن كان يخاف التلف من كشطه فإن كان يجزه أكرهه على الخضاب به وأقره, وأن كان هو المختضب فهل يجب إزالته؟ وجهان مخرجان من الوجهين في واحد العظم النجس إذا خاف التلف من نزعه.
مسألة: قال: (واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها).
وهذا كما قال: الحيوانات ما عدا الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما طاهرة الذات والسؤر والعرق, سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل, من البغل, والحمار, وحشرات الأرض, وجوراح الطير, والأسد,.
والذئب, وبه قال عمر, وعمرو بن العاص, وأبو هريرة, ومالك (رضي الله عنهم) وقال أبو حنيفة: الأسأر على أربعة أضرب, ضرب نجس وهو سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها, وضرب مكروه, وهو حشرات الأرض وجوارح الطير والهر, وضرب مشكوك فيه, وهو سؤر الحمار والبغل, وضرب طاهر غير مكروه وهو سؤر كل حيوان يؤكل لحمه, وحكي عن أحمد أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك حشرات الأرض والهر, وفي السباع روايتان, إحداهما (208 أ/1) طاهر, والثانية: نجس, وكذلك في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس, والثانية مشكوك فيه.
واحتجوا بما روي عن ابن عمر (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل عن المياه تكون بأرض الفلاة تمر بها السباع والذئاب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ولأن لبثه نجس فكذلك سؤره وهكذا غلط للخبر الذي ذكرنا واحتج الشفعي بحديث أبي قتاة في الهرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إنها ليست بنجسة , وعامة ما روي عن كبشة بنت كعب امرأة أبي قتادة (رضي الله عنها) أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا, فجاءت هرة شربت منه, فأصغى لها الإناء حتى شربت, قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إنها ليست بنجسه إنها من الطوافين عليكم والطوافات.

الجزء: 1 - الصفحة: 253

وروي أنه قال: كنت أسكب الوضوء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فدنت الهرة, فأصغى لها الإناء فشربت, ثم قال هذا, فذلم لطهارة سؤرها بطهارة عينها, وقد ثبت ان ما سوى الكلب والخنزير طاهرة الأعيان, فاقتضى ذلك أن تكون طاهرة الأسار, وقد جعل الشافعي هذا الاستدلال بعينه علة في المسألة, فقال: ولعاب (208 ب/1) الدواب وعرقها قياسًا على بني آدم, واحتج أيضٌا بقوله (صلى الله عليه وسلم): إذا سقط الذباب في الإناء فاملقوه, وتمام الخبر فإن في أحد جناحيه داء, وفي الآخرة دواء, وإنه تقدم الداء , وروي: فإن في أحد جناحيه سمًا, وفي الآخر شفاء, ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه الشافعي من بعد, وهو أن الذباب لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمقله في الإناء دل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا فيما وصفنا.
وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي أهل بيت من الأنصار فيدخل عليهم, وكان بقربهم أهل بيت لا يدخل عليهم, فشق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله تدخل على بيت فلان ولا تدخل علينا, فقال: إن في بيتكم كلبًا فقالوا: يا رسول الله فإن في البيت الذي تدخل عليهم سنورًا فقال: إن السنور سبع وهذا إشارة إلى أنه ليس بنجس كسائر السباع.
وروي عن جابر بن سمرة قال: رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من جنازة أي الدحداح على فرس عري , والعري في غير ابن آدم هو كالعريان في ابن آدم, ووجه الدليل أنه لا يخلو عن العرق في حر الحجاز, فإن ثبت طهارة عرقه من غير كراهية كذلك سؤره, ولا حجة في (209 أ/1) خبرهم, لأن الكلاب والخنازير هي داخلة في اسم السباع, ولأن الغالب أن السباع إذا ورت الماء بالت فيه وراثت, فلهذا أجاب بما أجاب.
وأما اللبن قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه يحرم شربه, وهل هو طاهر؟ فيه وجهان, أحدها: هو طاهر كاللعب, وهو اختبار الأصطخري, والثاني: وهو الصحيح المنصوص أنه نجس, لأن اللبن معتبر باللحم فيما لا يمنع من أكله لحرمته, واللعاب لا يعتبر بتحريم الأكل بدليل سباع الطير والحشرات, ولهذا إن جوارح الطير بيضها نجس وسؤرها طاهر, قال ابن القطان من أصحابنا: هل يحل شربه؟ وجهان أحدها: ما ذكرنا, والثاني: يحل لأن الحمار كان مباح اللحم واللبن فورد الشرع بتحريم اللحم, ولم يرد النص في لبنه, وهذا ليس بشيء, والدليل على أن سؤر الهرة لا يكره خلاف قول أبي حنيفة, ما روى أن هرة أكلت من هريسة بين يدي عائشة (رضي الله عنها) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال (إنها ليست

الجزء: 1 - الصفحة: 254

بنجسه) وقد رأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتوضأ بفضلها, فإن قيل: هي تأكل النجاسات؟ قيل: والنصراني يشرب الخمر ولا يكره سؤره.
مسألة: قال: (وغمس الذباب في الإناء ليس (209 ب/1) يقتله) الفصل إلى أن قال: " فإن مات ذباب أو خنفاء أو نحوهما في الماء نجسه" وهذا كما قال أراد به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذباب: "فامقلوه" فأمر بمقل الذباب في الإناء ولم يرد به قتله فإن قتله تنجس الماء أو الطعام, والمقصود من هذا بيان ما يموت من الماء أو في غيره من الحيوان, وجملته أن الحيوان على ضربين نجس, وطاهر, فالنجس الذي ذكرنا حكمه, وأما الطاهر فضربان, أحدها: ما يحل أكله بعد موته كالسمك والجراد, سواء كانت له نفس سائلة, كالسمك الكبار, أو لا نفس له سائلة لا ينجس الماء لا في حياته ولا بعد وفاته, ولا ينجس هو بالموت, والثاني: ما يحرم بالموت وهو على ضريين, ماله نفس سائلة وما لا نفس له سائلة, فما له نفس سائلة هو على ضريين آدمي وغير آدمي, فالآدمي هل ينجس بموته؟ قولان فإذا قلنا: ينجس فمات في قليل من الماء ينجسه إلا فلا, أما غير الآدمي فإنه ينجس بموته وينجس الماء قولًا واحدًا.
وأما ما لا نفس له سائلة فهو على ضربين, ما يخلق من نفس الشيء كدود الخل, والماء, والجبن, والبق, وما خلق لا من نفسه كالذباب, والزنابير, والعقارب, والأوزاغ ونحو ذلك, فبالموت ينجس كله, ثم ينظر فيه مإن مات فما خلق منه كان (210 أ/1) معفوًا عنه قولًا واحدًا, وإن نقل عنه إلى غيره فالحكم فيه ومما لم يخلق منه سواء, فهل ينجس به ذلك؟ فيه قولان: أحدها: قال في القديم: لا ينجسه, وهو اختبار المزني وكافة العلماء, وهو الأصح عندي للخبر الذي به ذكرنا في الذياب إذا وقع في الطعام, وروى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له (يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو حلال أكله وشربه والوضوء منه) , ولأنه يشق الإحتراز منه فعفى عنه, والثاني: أنه ينجسه قال في (الجديد): وهو ظاهر المذهب, قال إبن المنذر: لا أعرف أحدًا قال ذلك غير الشافعي, وقال القاضي الطبري: وهذا هو قول محمد بن المنكدر, ويحيى بن أبي كثير, ووجهه أنه حييوان لا يحل أكله لا لحرمته فكان نجسًا بعد موته كالذي له نفس سائلة, وإذا ثبت نجاسته ثبت أنه ينجس به الماء القليل.
وقال القفال: القولان في أنها هل تنجس بالموت وهل تنجس أيضًا وهذا أقيس وعلى هذا في روثه هل هو طاهر؟ وجهان, وقال أهل العراق: هذا مذهب مالك أنها

الجزء: 1 - الصفحة: 255

لا تنجس ويحل أكلها, ولا خلاف بين أصحابنا أن كلها تنجس بالموت أكلها حرام.
فرع الحية والوزغ هل هي ذات نفس سائله؟ قال الدراكي وأبو حامد: (210 ب/1) هي ذات نفس سائلة, وقال أبو الفياض, وأبو القاسم الضميري: ليست بذات نفس سائلة.
فرع أما إذا مات في الماء غير الحوت مما يكون عيشه في الماء, إن قلنا: إنه لا يحل أكله لا ينجسه, وكلب الماء وخنزيره والسلحفاة والسرطان والحية طاهر يؤكل في أحد القولين, ذكره بعض أصحابنا: وهذا في الحية غريب.
فرع الصفدع يحل أكله قولًا واحدًا, ولكنه لا دم فيه فهل ينجس الماء القليل إذا مات؟ فيه؟ قولان, وهل ينجس في نفسه؟ فيه طريقان على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا: الضفدع دم سائل ينجس الماء قولًا واحدًا, وقال أبو حنيفة: لا ينجس الماء شيء يكون عيشه في الماء قياسًا علي السمك, وهذا غلط, لأنه حيوان له دم سائل فأشبه البري.
فرع إذا قلنا لا ينجسه فوقع فيه كثير حتى غير أحد أوصافه لونه أو طعمه أو ريحه, حكى أبو حفص عمر بن أبي العباس عن أبيه في وجهين: أحدها: نجسه, لأنه تغير بالنجاسة ويمكن الإحتراز منه, والثاني, وهو الأقيس: لا ينجسه لأنه لو نجسه إذًا غيره ينجسه من غير تغيير, لأن في الماء القليل لا يعتبر التغيير.
فرع آخر قال أصحابنا: بخراسان: في دود القز إذا مات هل ينجس؟ قولان, وكذلك القولان في بزره وروثه, وفائدة القولين جواز (211 أ/1) الصلاة معه, وجواز بيعه ووجوب ضمانه إذا أبلغه, والسم القاتل إن كان من نبات فهو طاهر, وإن كان من الحية فنجس وكذلك الترياق, إن كان فيه لحم الحية فهو نجس.
فرع آخر البهيمة إذا تناولت الحب وخرج منها بعينه, قال أصحابها: إن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت لم تكن عينه نجسة ويجب غسل ظاهره, كما لو ابتلع النوى وخرج منه, وإن لم تبق صلابته كان نجسًا.
فرع دم الحوت هل هو نجس، أو طاهر؟ وجهان: أحدهما: وهو ظاهر أنه نجس، ولكن مع هذا يحل أكله ميتًا، كما لو طعن صيدًا

الجزء: 1 - الصفحة: 256

ولم يخرج منه إلا دم قليل قبل أن يصل إليه الذاع حل أكله، وإن بقى الدم في أجزائه.
والثاني: أنه طاهر، وبه قال أبو حنيفة؛ ليس بدم حقيقة بل هو ماء أحمر لأن الدم يسود إذا أصابته وها لا يسود، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا هو رطوبة شبه الدم فهو طاهر وجهًا واحدًا، وإن قلنا إنه دم ففيه وجهان، وهذا الخلاف من ورثه وبوله، والفتوى عندي أن الكل طاهر؛ لأنه رخص في ابتلاعه حيًا وأكله ميتًا، فلا وجه للحكم بنجاسة شيء منه، ثم ختمك المزني هذا الباب بما مضى بيانه فلا نعيد.
فرع آخر سؤر الفرس لا يكره وه طاهر، وقال أبو حنيفة: يكره وهذا خطأ لأنه حيوان يجوز بيعه كالشاة (211 ب/ 1).

باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس

قال الشافعي: أَخْبَرَنَا الثَّقةُ عَنْ الْوّلِيدِ بْنِ كَثِير، وَذَكرَ الْخَبَر)) وهذا كما قال، وقد ذكرنا حك الماء إذا ورد على النجاسة، والكلام الآن في النجاسة إذا وردت على الماء، وفي بيان القدر الذي ينجس، والذي لا ينجس، فلا خلاف بين العلماء في الماء إذا تغير بمخالطة النجاسة أنه ينجس، وإن كان كثيرًا راكدًا أو جاريًا، وأما إذا لم يتغير اختلفوا فقال ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبن أبي ليلى، وحماد بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، والأوزعي، والثوري- رضي الله عنهم:- لا ينجس قليلًا كان أو كثيرًا.
وبه قال داود، وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر، وهو اختياري واختيار جماعة من العلماء الذين رأيتهم بخراسان والعراق.
وحكى عن داود أنه قال: إذا بال في الماء الراكد ولم يتغير فإنه لا ينجس، ولا يجوز أن يتوضأ منه للخبر، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه، وإذا تغوط فيه ولم يتغير لا ينجس ويتوضأ هو منه وغيره، وإن بال على الشط فجرى البول إلى الماء جاز له التوضئ منه إذا لم يتغير، وخطأه في هذا بين لا يحتاج إلى الدلالة عليه.
واحتجزوا بما روى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلق الله (212 أ/ 1) الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه".
وروى أبو أمامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ينجس الماء إلا ما غير طعمه أو ريحه".
وروى عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بغدير فيه شاة ميتة فامتنعنا أن نشرب منه، أو نتوضأ فقال:

الجزء: 1 - الصفحة: 257

" (توضؤوا) واشربوا فإنه لا ينجس الماء شيء".
وقال خبر القلتين ضعيف لأنه رواه محمد بن جعفر.
وقال يحي بن معين: كان محمد هذا مغفلًا، ولو صح فقد ورد مورد التقريب لا التحديد، بدليل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاثة فإنه لا ينجس" ويقيسون على الكثير.
واحتج الشافعي عليهم بالخبر وهو قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا وروى "خبثاً" فدل على أن ما دون القلتين ينجس.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء خوفًا من النجاسة على يده.
فدل على أنه لو تيقن النجاسة يفسد الماء به.
وأما خبرهم الذي ورد في بئر بضاعة وماؤها وكانت قلالًا كثيرة.
وقد روى أبو سعيد الخدري أنه قيل (212 ب/ 1): يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن.
فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء ". وري أنه قيل: يا رسول الله: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض، ولحوم الكلاب، وما ننجي الناس الغائط.
وقال أبو داود: قدرت بئر بضاعة برداي- أي مددته عليها- ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت من أدخلني إليها هل غير بناؤها عما كانت عليها؟ فقال: لا،

وسألت قمها عن عمقها، فقال: تكون عند الكثرة إلى الغاية، وإذا نقص تكون دون العورة، أو نحمله على الكثير بدليل ما ذكرناه، ولا يصح القياس على الكثير، لأنه قوي بكثرته، فقدر على دع النجاسة عن نفسه، وقد يكون الكثير قوة ليست للقليل كالشاهدين لا يثبت بأحدهما ما يثبت بهما.
وقال أكثر العلماء: يفضل بين الماء القليل والكثير في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في التفصيل.
فقال ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو عبيد.
وروى بعض أصحابنا هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأحمد، وإسحاق.
وفيه نظر.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يحد بأربعين قلة، والقلة منها كالجرة (213 أ/ 1).
وقال محمد بن سيرين، ومورق بن الأجدع، ووكيع بن الجراح يحد بكر، والكر عندهم: هو أربعون قفيز اثنان وثلاثون رطلًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وقال أبو حنيفة في الصحيح في الروايات: كل ما خالطه نجاسة نجس حتى لو وقع في بحر نجاسة فإنه نجس ما يلي موضع وقوع النجاسة، وما لا تخلص إليه النجاسة فإنه طاهر، ومنهم من قال: إذا بلغ الماء عشرًا في عشر في عمق بئر لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، وإن كان دونه تنجس، ومنهم من قال: إذا بلغ قدرًا لو حرك أحد جوانبه لم يتحرك الجانب الآخر لا ينجس، وإلا نجس، وهذا ليس بتحديد حقيقة بل جعله أمارة على وصول النجاسة إليه، وهذا كله غلط لما ذكرنا من الخبر المعروف.
وقوله في خبر ابن عمر: "لم يحمل خبثًا" أو قال: "نجسًا" شك الراوي وقوله: في بشر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض تطرح في بطن الوادي فيسل بها السيل إلى البئر.
وقيل: معناه أن المنافقين والمشركين كانوا يطرحونها فيه علمًا منهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمائها، ثم قال الشافعي: ومعنى قوله: "لا ينجسه شيء" إذا كان كثيرًا قصد به الرد على مالك وجماعة، وذكر في الخبر الطعم والريح، ولم يذكر اللون فذكره الشافعي وألحقه بهما (213 ب/ 1)، لأنه في معناهما، ثم ذكر بعد هذا موضع آخر حجة أبي حنيفة، وهي ما يروى عن ابن عباس- رضي الله عنه "أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها"، وأجاب عنه بخمسة أجوبة نقلها المزني في سطرين على الاختصار: أحدهما قوله: لا نعرفه وزمزم عندنا يعني نحن من أهل مكة، وزمزم بمكة فلا نعرف هذا الخبر، فكيف عرفه أهل الكوفة بالكوفة.
والثاني: قوله: وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يجنب فذكر الماء منها.
قال

صاحب "الإفصاح" معناه: لا ينجس فكأنه عارض تلك الرواية بهذه، إلا أنه قد قيل: هذه المعارضة لا تصح؛ لأن ابن عباس أراد به لا ينجس من الجبث، ولا الثوب الذي يلاقيه، ولا المكان الذي هو عليه، ولا الماء الذي يماسه.
وقيل معناه: لا ينجنب منهن بالشك في نجاستين.
والثالث: قوله: وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم أراد: أنَّا روينا عن ابن عباس ما روينا في بئر بضاعة بابن عباس أنه يخالفه.
والرابع: قوله: وقد يكون الدم ظهر فيها فنزحها إن كان فعلها، وهذا تأويل منه للخبر إن ثبت، كأنه يقول يحتمل أن الزنجي لما سقط في البئر دمى بعض بدنه (214 أ/ 1) منه وظهر لون دمه في الماء فلذلك نزح.
والخامس: قوله: "أو ننظف لا واجبًا" يريد تأويلًا آخر، وهو أنه نزع لا لنجاسة بل تنظفًا وتطييبًا للنفوس؛ لأنه ماءه يعد للشرب غالبًا.
فإذا تقرر هذا فذكر حد القلتين.
قال الشافعي: روى في الخبر بِقِلاّلِ هَجِر، قال ابن جريح: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
وقال الشافعي: والاحتياط أن نجعل قربتين ونصفًا؛ لأن الشيء هو عبارة عن أقل من النصف، فالقلتان خمس قرب، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل من الماء، فيكون ماء القلتين

الجزء: 1 - الصفحة: 259

خمسمائة رطل بالبغدادي، وأول من حد كل قرية بمائة رطل من أصحابنا إبراهيم بن جابر، وأبو عبيد ابن حربوية وتابعهما سائر أصحابنا، وإنما قال: بقلال هجر لأنهما تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين.
وقيل: سميت بذلك لأنها تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين.
وقيل: سميت بذلك لأنها عملت على مثال قلال هجر، كما يقال ثوب مروى، وإن عمل بالعراق وهذه القلة تعمل بالمدينة ولكنها تنسب إلى هجر؛ لأن ابتداء عملها كان يهجر كما يسمى الثوب مرويًا لأن ابتداءه حمل من مرو، وهل هو تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان: أحدها: أنه تقريب، فإن نقص منه رطل أو رطلان لا يؤثر؛ لأن الشافعي (214 ب/1) قال: والاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق أنه تحديدًا؛ لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفًا احتياطيًا وجب استيفاؤه، كما انه لما وجب أن يغسل شيء من الرأس عند غسل الوجه احتياطيًا وجب استيفاؤه لغسل الوجه، صار ذلك فرضًا وهذا أظهر، فعلى هذا لو نقص منه شيء، وإن قيل: تنجس لوقوع النجاسة فيه وقال أبو عبد الله الزبيري: القلتان ثلثمائة منا وهو اختيار القفال؛ لأن القلة هي ما يستقله حمار، وكذلك الوسق.
وقيل: بعير العرب ضعيف لا يحمل أكثر من وسق، ولا خلاق أن الوسق هو ستون صاعًا، وذلك مائة وستون منًا، فالوسقان ثلثمائة وعشرون منًا، فتصرف للأوعية والحبال عشرون منًا فيبقى ثلثمائة منًا.
وقال القفال: لم يذكر الشافعي مقدار كل قربه، ومن أصحابنا من قال: كل قربة مائة من، فجملته خمسمائة منًا.
ومنهم من قال: مائتان وخمسون منًا وهو قول الأكثرين، وهذا أصح، ولا يصح ما ذكره القفال، لأن الشافعي نص وقال: "القربة بالحجاز تسع مائة رطل".
فرع لو وقع رطل بول في قلتين من الماء فالماء طاهر، والمذهب أنه لا يجوز جميعه، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان (215 أ/ 1).
أحداها: هذا، والثاني: يتوضأ بجميعه حتى يبقى رطل ثم يتركه لأنه يتيقن حينئذ استعمال النجاسة، وشبه هذا بما لو حلف لا يأكل تمره فاختلطت بثمرات له أكل كلها إلا تمره، وهذا ليس بشيء لأن التمر جامدة لا تختلط، ويجوز أن تكون الباقية هي المحلوف عليها بخلاف مسألتنا؛ لأن البول اختلط بأخر الماء، ولا يجوز أن يكون الرطل الباقي في جملة البول.
مسألة: قال: وَإِنْ كَانَ المَاءِ قِرَبِ مِنْ قَرِبَ الْحِجَازِ".
الفصل وهذا كما قال فرع الشافعي على الأصل الذي ذكرناه ثلاث مسائل:

الجزء: 1 - الصفحة: 260

(إحداها): الماء الكثير إذا لم يتغير بالنجاسة، والثانية: إذا تغير بماذا يطهر؟ والثالثة: إذا كان قليلًا فنجس من غير تغير بماذا يطهر؟ وهو قوله:"وإذا كان قلتين فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه" إلى آخر الفصل.
وذكر الشافعي في "الأم" الماء الراكد والماء الجاري، فنقل المزني حكم الماء الراكد وترك حكم الماء الجاري، ونحن نذكرهما، وجملته أن الماء ضربان راكد، وجاري، فالراكد أن يكون في مصنع أو بئر، فإذا وقعت فيه نجاسة لا تخلو، إما أن تكون نجاسة جامدة أو مائعة، فإن كانت جامدة كالفأرة والعصفور، وقطعة لحم من الميت أو عظمه فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون فوق (215 ب/ 1) القلتين، أو وفق القلتين، أو دون القلتين.
فإن كان فوق القلتين لا يخلو، إما أن يكون بتغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير فهو على الطهارة، وإن تغير نجسه وهو يطهر بأحد أربعه أشياء.
إحداهما: أن يزول تغيره بطول المكث بمرور الزمان، أو هبوب الرياح به.
قال القفال: أو بنبات شيء فيه مقل الكلأ ونحوه، وحكى عن الأصطخري أنه قال: إذا زال تغيره بنفسه لا يطهر، لأن نجاسته ثبتت بوارد فلا تزول إلا بوارد بخلاف نجاسة الخمر إذا صار خلًا.
والثاني: أن يصب عليه ماء, والثالث: أن ينبع الماء فيه.
والرابع: أن يستقي بعضه حيث لا ينقص عن قلتين، وهذا لأن كل حكم تعلق بعلة زال بزوالها، والعلة في نجاسته التغير ههنا، وقد زال ذلك، وإن صب فيه تراب أو جص أو ثورة فزال به التغير، فيه قولان نص عليهما في رواية حرملة.
أحداهما: يطهر وهو اختيار المزني وهو القياس؛ لأنه لو كان في الابتداء ماء كدرًا فلم يتغير لونه لمخالطة النجاسة لتكدره، ثم ننجس فكذلك إذا تغير لونه بالنجاسة عند صفائه، ثم زال التغير بالتكدر وجب أن يطهر؛ ولأن التغير زال فأشبه إذا زال بنفسه وتفارق هذا إذا زال التغير بالكافور والمسك، وهذا أصح عند (216 أ/ 1) جماعة أهل العراق.
والثاني: لا يطهر نصف عليه في "الأم" لأنه أزال التغير بوارد لا يزيل النجاسة، فأشبه إذا طرح فيه المسك وهذا أصح عند جماعة أصحابنا بخراسان؛ ولأنه يجوز أن يكون التغير باقيًا، ولكن التراب أخفاه.
وقال أبو حامد: القولان فإما تغير التراب فلا يطهر قولًا واحدًا.
والأول أصح، ونقل المزني وحرملة النورة صريحًا، وذكرًا فيه القولين.
وقال بعض أصحابنا: إذا طرح فيه التراب فإنه صفًا ولم يكن تغير يحكم بطهارته؛ لأن التراب جذب النجاسة إلى نفسه، وفارق أجزاء الماء، وقيل: إن يصفوا هل يحكم بطهارته؛ وجهان، والأصح أنه لا يطهر لأن زواله لم يتحقق، فإن لون التراب غلبه، وربما إذا صفًا كان متغيرًا، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 261

يحكم بالإباحة إذا وقع الشك في سببها.
فرع لو لم يكن للنجاسة ريح، ولا لون، ولا طعن، فوقعت في قلتين من الماء نعتبر قدرًا لو كان لها أحد الأوصاف فظهر بخلاف العين الطاهرة إذا خالطته يعتبر فيها الغلبة على أحد الوجهتين، لأن الطاهر لا يضاد الماء بخلاف النجاسة فلا يمكن اعتبار الغلبة فيها، ولهذا لو تغير النجاسة أدنى تغير يعتبر ذلك، وأدنى التغير بالظاهر لا يمنع الطهارة، وإن كان الماء وفق القلتين نُظر، فإن لم يتغير فهو طاهر، وإن كان متغيرًا فهو (216 ب/ 1) نجس، ويطهر بأحد ثلاثة أشياء، أن يزول بغيره بطول المكث أو بأن ينبع فيه ماء أو يصب فيه ماء، أو يصب عليه الماء، وإن صب فيه تراب أو جص ففيه قولان، ولا يجئ أن يسقي بعضه أنه ينقض عن قلتين، وإن كان الماء دون القلتين فهو نجس تغير أو لم يتغير، فإذا أخرجت النجاسة عنه طهر بأحد أمرين، فغنه ينبع فيه ماء أو يصب عليه فيكاثره حتى يغلبه، والمكاثره بأن يقلب فوقه من الماء سبعة أضعافه فيطهر، وغن لم يبلغ قلتين لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، وهذا لأن الماء إذا نبع فيه أو صب عليه، فقد ورد الماء على النجاسة، ولا فرق بين وروده من فوقها، أو من تحتها.
ذكره ابن شريج.
ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يطهر ما لم يبلغ قلتين؛ لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، لأن الماء ينزل عنه فيطهره، وهذا اختيار القفال.
والثاني: يطهر، وقال أبو حامد: والصحيحان ههنا يطهر وجهًا واحدًا بخلاف الإناء؛ لأنه يمكنه أن يريق ما فيه بخلاف هذا، وهذا لا يقوى، لأن ها هنا أيضًا يمكنه أن يبلغ قلتين.
فإذا قلنا: يطهر وهو المذهب المشهور فهذا الماء طاهرًا غير طهور؛ لأنه مستعمل في إزالة النجاسة (217 أ/ 1)، ويجيء فيه قول ابن خيران أنه يجوز التوضيء، وإن كان كاثره حتى يبلغ قلتين جاز استعمال جميعه.
ومن أصحابنا من قال: يبقى به القدر النجاسة وليس بشيء، وإن كان الماء دون قلتين متغيرًا، فالنجاسة اعتبرنا زوال التغيير والمعاودة بالماء معًا وإذا لم يكن متغيرًا اعتبرنا المكاثره فقط على ما ذكرنا.
فرع لو وقعت النجاسة في ماء وفق القلتين فأزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن أراد أن يأخذ منه الماء للاستعمال مع بقاء النجاسة فيه، قال أبو العباس، وأبو إسحاق: لا يمكن ذلك لأنه إذا غرق فيه بقيت النجاسة فما بقى بالمأخوذ نجس أيضًا؛ لأنه ماء واحد فلا يكون بعضه طاهرًا وبعضه نجسًا، والمذهب أنه يمكن ذلك.
وبه قال الأصطخري، وحكاه القاضي الطبري عن أبي العباس- وهو الأظهر عنه- وذلك حكاه

الجزء: 1 - الصفحة: 262

أبو حامد عنه، وهذا لأن الكل طاهر، وهناك عين نجاسة قائمة، فإذا رغب الإناء في الماء، فالكل طاهر، فإذا غرف الإناء بعضه لا يخلو إما أن تكون النجاسة في الدلو أو في البئر، فإن كانت في البئر وغرف الماء غرف لا شيئًا فشيئًا فالماء الذي في الدلو طاهر وباطن الدلو طاهر، وظاهر الدلو وما بقى في البئر طاهر، فإن قطر منه ماء نظرات، فإن كان من ظاهر الدلو لم (217 ب/ 1) يضره، وإن كان من باطن الدلو نجس كله.
فرع لو كان الدلو نجسًا مثل أن يكون متخذًا من جلد كلب أو جلد ميتة غير مدبوغ أو مدبوغ وعليه شعر، والشعر إلى ظاهر الدلو، فالماء كله نجس لأنه وإن غرف النجاسة فيه نجس ما بقى بظاهر الدلو، وهكذا الوجهان فيه إن كان هذا الماء في إناء ينجس كجلد كلب أو نحوه، وأراد أن يستعمل شيئًا منه.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق: فلا سبيل إليه، وإن قلنا بالمذهب والدلو طاهر نُظر، فإن غرف النجاسة في الدلو فالكل تنجس، لأن الباقي في إناء نجس، وإن لم تغرف النجاسة فيه فباقي الدلو طاهر والباقي نجس.
فرع آخر لو أدلى دلوًا في قلتين من الماء، وفي باطن الدلو بلل نجس، فإن انغمس في الماء طهر كله لأنه صار باقي الدلو، وما في البئر واحد فيصير البلل مستهلكًا، وإن دخل الماء في الدلو قليلًا قليلًا ولم ينغمس فيه فما في الدلو نجس، وإن تقاطر منه إلى البئر فما في البئر هو نجس أيضًا، وعلى هذا الذي ذكرناه.
لو ولغ الكلب في إناء ماء أقل من قلتين نجس الماء والإناء، فإن صب فيه ماء آخر حتى بلغ قلتين فإن الماء طاهر، والإناء نجس، لأن الماء قد بلغ حدًا لا يحمل النجاسة، والإناء لا يطهر إلا بأن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (218/ 1) على الصحيح من المذهب، فإن أخذ بعضه فنقص عن القلتين، فإن ما بقى في الإناء تنجس بلا خلاف، والماء الذي أخذه هل هو نجس أم لا؟ على ما ذكرنا.
فرع آخر لو غمس جرة من الماء النجس في ماء ناقص عن قلتين واتصل الماء بالماء والكل قلتان، هل يحكم بطهارة ماء الجرة؟ وجهان: أحدهما: يحكم بطهارته لأن الاتصال قد وجد.

والثاني: لا يحكم بطهارته، لأن ماء الجرة كالمفردة عنه ولهذا لو كان جاز إلا نزول جراته، وهكذا لو كان الجرة طاهرًا وغمسه في قلتين من الماء النجس إلا قدر جره هل يحكم بطهارته؟ وجهان.
فرغ لو كان الماء فوق القلتين نُظر، فإن أزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن ترك

الجزء: 1 - الصفحة: 263

فيه النجاسة فغرف منه نُظر، فإن كان بين النجاسة وبين موضع الغرف قلتان فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان بينهما.
دون القلتين.
قال أبو إسحاق: ما غرف نجس ولا سبيل إلى استعمال ما يغرف إلا أن يكون الماء في موضع واسع مثل البول الكبار والمصالع من كل جانب من النجاسة القائمة قلتين، ثم يأخذ الماء وراء ذلك، فأما في الآبار الضيقة لا يمكن ذلك، والمذهب أنه طاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل الماء طاهر فيأخذ بعضه فيكون نجسًا، ويجوز أن يأخذ من أي موضع أراد قرب من النجاسة (218 ب/ 1) أو بعد عنها ما لم ينقص الماء عن قلتين، فإذا نقص لا يجوز استعماله؛ لأنه صار نجسًا بالنجاسة القائمة فيه.
وقال القفال: فيه قولان أحدهما: قاله في "القديم" ماء غرفه طاهر وهو الصحيح وعليه الفتوى.
والثاني: قاله في "الجديد" أنه نجس، وقال القفال: لم أسمع لذلك حدًا وكيفيته في اعتبار القلتين والذي أذهب إليه أنه يعتبر ما بينه وبين موضع النجاسة في مثله من الغرض، وفي مثله من العمق، فإن بلغ قلتين وإلا تباعد شيئًا وزاد في العرض والعمق مثله، فإن بلغ قلتين وإلا زاد لذلك أيضًا، وإن لم يكن له عمق زاد في العرض والطول بالسوية في جميع ما عد من العرض إذا لم يفعل كذلك، فالقليل من الماء إذا أخذ في جميع عمقه البحر بلغ قلالًا.
فرع آخر قال في "الأم": ولو أخرج النجاسة منها في دلو وأريق الماء الذي معهما لأنه أقل من خمس قرب واجب إلى لو غسل الدلو، فإن لم يغسل ورد في الماء الكثير طهره الماء الكثير.
فرع آخر لو نجس البئر بتغير الماء بالنجاسة فنزح فنقص عن القلتين ولم يذهب التغير، فعليه أن ينزح كل الماء ويغسل قعر البئر، وكل ما أصابه هذا الماء النجس من حوالي البئر، ولا يلزمه أن ينزح الغسالة لو غسل أرضًا (219/ 1) بالغسالة طاهرة لا يلزم إزالتها، وإن لم ينزح ولكن زاد فيه الماء حتى ذهب التغير وبلغ قلتين، فقد بينّا أنه طاهر، وإن كانت النجاسة مانعة فالحكم فيه لو كانت جامدة فأزالتها منه حرفًا بحرف على ما مضى إلا في موضع واجد وهو أنه إذا كان الماء في موضعين وهما قلتان فحصلت فيهما نجاسة مانعة فقد نجسا بحصولها فيهما، فإذا جمعا وصارا قلتين طار الماء طاهرًا مطهرًا، فإن فرقنا بعد ذلك لم ينجسا بعدما طهرا إلا بنجاسة تحدث فيها، فإن كانت النجاسة جامدة فإذا جمعتا عادتا طاهرتين، فإذا فرقا بعد ذلك، فإن الماء الذي مع النجاسة نجس، لأنه دون القلتين وفيه نجاسة قائمة، وقول الشافعي في المسألة الثالثة فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه، لأنه أراد أن يرتب عليه هذا الحكم، وهو إذا فرق الماء بعد ذلك.
وقال أصحاب أحمد: لا يحكم بطهارة الماء فإن تجمعا؛

الجزء: 1 - الصفحة: 264

لأن كل واحد منهما نجس، فإذا اجتمعا لم تتولد بينهما الطهارة كالولد المتولد من بين الكلب والخنزير لا يحكم بطهارته بحال، وهذا غلط لخبر القلتين؛ ولأن هذا ما بلغ قلتين ولم تغيره النجاسة فكان طاهر، كما لو وقعت فيه وهو قلتين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه إذا اجتمع وجد فيه كثرة أجزاء الماء (219 ب /1) إلى تمنع النجاسة، وهو كاجتماع الأوصاف الموجبة للحكم لو انفرد كل واحد منهما لا نوجبه، وبالجميع نوجبه، وليس كالمتولد بين الكلب والخنزير لأنه لا يوجد هناك عليه الطاهر بخلاف ها هنا.
فرع آخر لو كان الماء قلتين إلا كوز ماء فصب عليه كوز بول نجس كله، فإن صب بعد ذلك فيه كوز ماء ولم يكن متغيرًا طهر كله؛ لأنه بلغ بالماء الصافي قلتين، ولو صب في الابتداء كوز من ماء ورد، ثم وقعت فيه نجاسة ينجس، وإن لم يتغير؛ لأن ما فيه من الماء هو ناقص عن قلتين ولو أكمل القلتين يكون من ماء الزعفران، وذهب التغير الذي كان فيه، ثم وقعت فيه نجاسة كان طاهرًا؛ لأنه ماء بخلاف ماء الورد، وهكذا لو أكمل بكوز من ماء نجس طهر الكل.
فرع آخر لو وجد الماء الراكد متغيرًا، فإن علم أنه لطول المكث أو لترك الاستقامة فهو طاهر طهور، وإن علم أنه لنجاسة فهو نجس، وإن أشكل أمره فهو على أصل الطهارة، نص عليه في "الأم"، و"البويطي".
فرع لو علم كون الماء قلتين، فرأى كلب ولغ فيه فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم نقصه ويكون طاهرًا ذكره في "الحاوي "وهو صحيح.
وأما الجاري [220 أ/1] ذكره الشافعي في "الأم "وحرملة مستوفى وجملة ما قال فيهما أنه إذا كان يجري كله لا يقف منه شيء أن لكل جزء من الماء حكم بنفسه، ولكل جريه حكم نفسها.
والجرية: عبارة عن جزء من الماء ما بين حافتي النهر كلما جرى جزء ما بين الحافتين فو جريه، بيانه أن يكون على النهر خيط ممدود ما بين حافتيه، فالماء الذي تحت الخيط جريه وما بعد ذلك الماء هو جريه مثله، وما بعده جري مثله، وذكر في الكتابين أربع مسائل: إحداها: إذا كانت النجاسة جامدة تجري مع الماء كالفأرة والبقرة، فالماء الذي

الجزء: 1 - الصفحة: 265

أمامها طاهر وبعدها طاهر؛ لأن لكل جرية حكم نفسها والماء الذي أمامها وبعدها غير الماء الذي هي فيه، أو يقول: ما بعدها ما وصلت إليه والذي قبلها ما وصل إليها، وأما التي هي فيه فهو الجريه، وما عن يمينها وشمالها إلى حافتي النهر فينظر، فإن كانت الجرية أقل من قلتين فهي نجسة، وإن كانت قلتين فصاعدًا في طاهرة.
قال القفال: إلا أن تكون بهذا لها عرض كبير، فالماء الذي في جابينه هو طاهر إذا كان متباعدًا عنها، وإنما ينجس منه قدر ما ينسل إليها، وكذلك لو تغير الماء الجاري بنجاسة خالطته فأتت جرية متغيرة وجرية غير متغيرة، فالمتغيرة نجسة [220 ب/1] وغير المتغيرة طاهرة، وهذه الجرية المتغيرة هي بمنزلة نجاسة قائمة.
وقال ابن القاض في "المفتاح "قال الشافعي في "القديم ": لا ينجس الماء الجاري إلا بالتغيير.
قال أصحابنا: العلة فيه أن الماء الجاري هو بمنزلة الماء الوارد على النجاسة؛ لأنه يحملها يجريانه عليها، والماء الوارد على النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، والصحيح قوله الجديد، لأن ما لاقته نجاسة لا حاجة به إليها فتعتبر فيه القلتين كالماء الراكد.
الثانية: إذا كانت الجيفة راكدة في قرار الماء، والماء يجري عليها فالماء الذي قبلها طاهر والواصل إليها ينظر فيه، فإن كانت كل جرية تمر بالجيفة قلتين فصاعدًا فالكل طاهر، وإن كانت كل جرية أقل من قلتين فكل جرية يمر بها فهي نجسة، ولا يطر ما لم تمر بها ما دام جاريًا حتى ينتهي إلى موضع يركد فيه، فإذا اجتمع الراكد قلتين فهو طاهر، وهذا لأن هذه الجرية قد جرت بالنجاسة فنجست بها، وكل جرية بعدها مثلها، والماء الجاري عند الشافعي لا يكون كالمختلط، ولكل جزء منه حكم نفسه.
قال أبو العباس: فإن ورد هذا الماء الجاري على الجيف على ماء راكد واجتمعا وبلغا قلتين ولم يختلط طهرتا وإنما تبين هذا بأن يكون أحد الماءين صافيًا والآخر كدرًا [221 أ/1]؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير لا بالمخالطة، ألا ترى أنه لو وقع رطل ماء نجس في قلتين طاهرتين فالكل طاهر، وإن لم يخلط يجميعه، وسئل أبو إسحاق عن هذه المسألة فقال: إن كان الماء شديد الجرية، فالماء الذي هو أمام الجيفة يجوز أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين الجيفة مقدار القلتين، وبه قال ابن أبعن النجاسة بقدر قلتين، فأشبه إذا كان الماء راكدًا، والأول هو المذهب الظاهر، والفتوى عندي على ما قال أصحابنا الثلاثة والله أعلم.
والثالثة: أنه لو ورد الماء الجاري على ماء راكد في مفيص من هذا النهر وفي الراكد نجاسة، فإن كان متغيرًا فهو نجس، وإن كان غير متغير فهو نجس أيضًا حتى يبلغ قلتين، فيكون الكل طاهرًا، ولو وقفت الجيفة في الماء الجاري وسكون الموضع ردت الماء فلم يجر من فوقها، ولا من تحتها، فإن الماء الذي اجتمع وتراد وإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 266

قبلها بمنزلة الماء الراكد يعتبر فيه قلتين.
والرابعة: إذا كان في جانب النهر موضع منخفض زايغ عن مستوى جري الماء، وفيه ماء راكد فيه نجاسة قائمة لم تغيره نظر، فإن كان قلتين فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان أقل من قلتين [221 ب/ 1]، فإن كان كل جرية تمر به من هذا الجاري يبلغ قلتين فالكل طاهر، وإن كان لا يبلغ قلتين بكل جرية تمر به تنجس به فيكون نجسًا ما دام جاريًا حتى يبلغ موضعًا يركد فيه ويبلغ قلتين على ما ذكرنا.
ويجئ فيه قول أبي إسحاق أيضًا، وعلى هذا لو كان حوض له مخرجان يدخل الماء من أحدهما ويخرج من الآخر، وفي الحوض أقل من قلتين فوقعت فيه نجاسة فحكمه حكم الماء الراكد لا الجاري.
فرع لو كانت النجاسة رأسية في أسفل الماء وقراره فلا تمر بها الطبقة العليا من الماء، وإنما تمر بها السفلى، فانتهى الماء إليها، فالطبقة السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وفي نجاسة الطبقة العليا وجهان: أحدهما: طاهرة؛ لأنها لم تجر على النجاسة ولا لاقتها فصار كالماء المتقدم.
والثاني: هي نجسة؛ لأن جرية الماء إنما يمنع من اختلاط ما تقدم وتأخر، فأما ما علا منه وسفل من طبقاته فهو الراكد أشبه والراكد لا يتميز حكم علاه ولا ينتهي إلى قراره كانت الطبقة العليا التي انتهى إليها نجسة، وفي نجاسة الطبقة السفلى منها وجهان على هذا.
فرع لو كان الماء راكدًا في موضع رقد تغير بالنجاسة وكل [222 أ/ 1] جرية تمر به قلتان، فقياس المذهب يقتضي أن كل جرية تنجس به لأنها معه كالماء الواحد، فإذا انفصلت عنه زال حكم النجاسة؛ لأن الجرية انفردت عنه وهي قلتان غير متغيرة بالنجاسة ذكره في الشامل.
وعندي أنها لا تنجس به كما لو جرت على جيفة واقعة لا تنجس بها لبلوغها حدًا لا يقبل النجاسة بنفسها.
مسألة: قال: "وإذا وقع في الماء القليل ما لا يختلط به مثل العود أو العنبر أو الدهن الطيب فلا بأس لأنه ليس مخوضًا فيه ". وهذا كما قال: أراد لأنه ليس بمختلط به لكنه مجاوز له فلا بضره، كما لو وقع ماء البئر لمجاورة جيفة على حافته لا يضره، ومفهوم لفظه أن الكثير منه يسلب حكم التطهر؛ لأنه يصير مخوضًا به.
وقد ذكرنا شرحه فيما تقدم.
مسألة: قال: "وإن كان معه إناءان في السفر يستيفن أن أحدهما قد نجس والآخر

الجزء: 1 - الصفحة: 267

لم ينجس تأخى".
الفصل وهذا كما قال إذا كانت معه أوان في بعضها ماء طاهر وفي بعضها ماء نجس، واشتبه عليه يجزئ سواء كان عدد الطاهر أقل أو أكثر، وسواء، وكذلك الثياب.
وقال المزني، وأبو ثور: لا يجوز التحري بحال لئلا يتوضأ بالنجس ويصلي بالتميم.
وبه قال أحمد، وعنه في وجوب إراقتهما قبل التيمم روايتان [222 ب/ 1] وقال في الثياب: أنه لا يتحرى بل يصلي في كل واحد منهما.
وقال ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضا بالآخر ويغسل ما أصابه الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي.
وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق ولا يتحرى في الأواني إلا أن يكون عدد الطاهر أكثر، وهذا غلط لأن كل جنس يجوز فيه التحري إذا كان الطاهر يجوز إذا كان عدد النجس أكثر أو ساواه كالثياب، والدليل على بطلان قول المزني أن ما هو شرط في الصلاة إذا اشتبه أمره جاز طلب صوابه بالاجتهاد كالقبلة، ولأن في الإناء الواحد إذا وقع الشك في نجاسته بناه على أصل الطهارة فجاز في الإناءين أن يبنى أمر أحدهما على الطهارة بالاجتهاد، ولأن القاضي يجتهد في الأحكام فيطلب الحق باجتهاده إذا اشتبه عليه كذلك هنا.
واحتج المزني بأنه لا يتحرى في إناء ماء وغناء بول، ولا في ميتة ومزكاة، ولا في امرأتين إحداهما محرمة عليه كذلك ههنا، وأيضًا التحريم يغلب على التحليل، كما لو اختلط النجس بالطاهر.
قلنا: الفرق أنه ليس له اصل في افباحة لأنه لا يستباح الحيوان إلا بالذبح، وقد شك في وجود الريح، ولا يستباح الفرج إلا بالنكاح الصحيح [223 أ/ 1]، والأصل تحريم الفرج ولا أصل للبول في الطهارة بخلاف الماء النجس فيرده بالتحري إلى الأصل.
وأما إذا اختلط النجس بالطاهر فقد نجس بحيث لا يمكن التمييز.
وههنا يمكن التمييز بالتحري.
فإذا تقرر هذا، فاصل ما يمكن التحري فيه أن يكون الشيئان طاهرين، ثم ينجس أحدهما، كالماءان والمائعين غير الماء من اللبن والعسل، والثوبين: فإما بين طاهر ومحظور الأصل كالبول والماء والزكاة والميتة لا يجوز التحري فيه بحالٍ.
وعند أبي حنيفة: يجوز التحري في الماء واللبن غذا كان عدد الطاهر أكثر كما قال في الماء، ووافقنا في المزكاة والميتة أنه لا يجوز التحري، وإن كان عدد المزكاة أكثر، فإن قيل: لم جوزتم التحري في غير الماء ولا ضرورة إليه للتطهير؟ قيل: لأنه يؤدي إلى غضاعة المال وفيه مشقة، ولأن الكل سواء في الطهارة قبل وقوع النجاسة فكذلك يستوي الكل في جواز التحري.
فرع كيفية التحري أن يطلب النجس بالعلامات من انكشاف الإناء وحركة الماء وتغير

الجزء: 1 - الصفحة: 268

صفته، وأثر الكلب بقربه وبلل حواشيه وهذا هو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا غلب على ظنه طهارة أحدهما أو نجاسته من غير دليل يدله عليه له العمل فيه بغالب ظنه؟ اختلف [223 ب/ 1] أصحابنا فيه، فمنهم من جوزه وتعلق بظاهر قوله: تآخر، وأراق النجس على الأغلب عنده، واعتبر الغلبة على ظنه، وعلل بأن الطهارة ممكنة والماء على أصله طاهر، يعني أن غلبة ظنه تتقوى بما ينضم إليه من طهارة أصل الماء وطهوريته، فعلى هذا لا يجوز التحري والعمل، فعليه الظن من غير دليل إذا كان أحد الإناءين بولاً؛ لأنه لا أصل له في الطهارة يتقوى به عليه ظنه، وبالدليل يجوز، وكذلك إذا كان أحدهما ماء ورد ولا يجوز التحري؛ لأنه لا أصل له في الطهورية، وفي الماء المستعمل، والماء المطلق يجوز لأنه أصله على الطهورية فتتقوى به غلبة الظن، وعلى هذا القياس.
ومنهم من قال: لا يجوز العمل بغالب الظن فيه من غير دليل أو اثر يدل عليه، فعلى هذا تتقوى فيه المسائل كلها، ويجوز التحري في كل ذلك حتى يجوز في الميتة والمزكاة والأجنبية والمحرم، وهذا خلاف المنصوص.
وقد قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه لا يتحري في الزوجة والأجنبية؛ لأنه يحتاط في الفرج ما لا يحتاط في غيره.
فرع آخر لو اختلطت شاته بشاة الغير أو ثوبه بثوبه واشتبه، فإن قلنا: لابد في الاجتهاد من دلالة يجتهد ها هنا ويأخذ [224 أ/ 1] بما يؤدي إليه اجتهاده، لأنه دلالة الملك تكفي في حل الأخذ، وإذا قلنا: يكفي فيه غلبة الظن لا يأخذ منهما ما يؤدي غليه اجتهاده؛ لأن الأموال ليست على الإباحة حتى يكفي فيها عليه الظن فرع آخر إذا كان معه إناءان أحدهما طاهر، والآخر نجس اشتبها عليه، ومعه إناء ثالث طاهر بيقين هل له أن يتحرى؟ فيهما وجهان: أحدهما: يجوز، وهو الصحيح، لأن استعمال الماء الطاهر في الطاهر يجوز مع وجود الماء الطهار بيقين، كمن ترك ماء دجلة واستعمل ماء في كوز يجوز أن يكون قد ولغ فيه الكذب يجوز.
والثاني: لا يجوز التحري بل يتوضأ بالطاهر؛ لأن الشافعي شرط السفر في صورة هذه المسألة، ولأن الآخذ بالاجتهاد مع وجود اليقين محال كالكم بالاجتهاد في موضع النص.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "وعلى هذا لا يجوز التحري في الحضر؛ لأنه يوجد فيه ماء طاهر بيقين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن الشافعي

الجزء: 1 - الصفحة: 269

شرط السفر لوجوب التحري، فإنه قال: إذا كان قادرًا على ماء طاهر بيقين، وهذا يكون في الحضر غالبًا هو بالخيار، وإن شاء اجتهد فيما، وإن شاء ترك الاجتهاد، وهما محلان فلا يمنع وجود النص في أحد المحلين الاجتهاد [224 ب/ 1] في المحل الآخر، والخبر محمول على الاحتياط.
فرع لو كان معه ماءان طهور، ومستعمل فأشكل عليه، هل له أن يتحرى؟ ينبني على الوجهين السابقين، فإن قلنا هناك: لا يتحرى فههنا لا يتحرى، بل يتوضأ بكل واحد منهما، وإن قلنا هنا يتحرى يجري ههنا أيضًا ولا شك أنه لو لم يتحرى وتوضأ بكل واحد منهما جاز.
فرع لو كان معه مزادتان من ماء في كل واحدة منهما قلة فاشتبه النجس من الطاهر، فيه وجهان.
أحدها: يتحرى، والثاني: أنه لا يتحرى لأنه يمكنه أن يتوصل إلى اليقين، بأن يصب إحداهما في الأخرى حتى يصير قلتين.
فرع آخر لو كان معه ثوبان أحدهما نجس، ومعه ثوب ثالث قد تيقن طارته، أو معه من الماء ما يغسل به ادهما هل له أن يجتهد فيهما من غير غسل؟ وجهان: أحدها: ليس له ذلك لأنه يمكنه أن يغسل أحد الثوبين ويصلي فيه، والثاني: له ذلك وهو الصحيح.
فرع آخر لو كان ماء طهور ومائع من ماء ورد قد انقطعت رائحته، أو ماء عرق لا يتحرى بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز التوضئ بأصل كل واحد منهما ولكنه يتوضأ بكل واحد منهما على الانفراد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وهو غلط.
فرع آخر لو كان معه ثوب واحد حلته نجاسة [225 أ/ 1] نظر، فإن عرف محلها غسل المحل، وإن أشكل المحل غسل كله، لأنه صار على أصل نجاسته، فلا يزول بغلبة الظن، وفيه وجه آخر يتحرى وليس بشيء.
فرع آخر لو كان قميص تنجس أحد كميه في وجهان: أحدها: يتحرى كما في الثوبين.
والثاني: لا يتحرى وهو الأصح، لأن الأصل نجاسة القميص فلا يزول بغلبة الظن.
ومن قال بهذا القول، قال في الثوبين: إذا تحرى فيهما ثم غسل النجس منهما ثم جمع بينهما، وصلى فيهما لا يجوز؛ لأنه على يقين المنع، وفي شك من ارتفاعه وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 270

اختيار أبي إسحاق، وعلى الوجه الأول يجوز، وهو اختيار ابن سريج وهو الصحيح عندي.
فرع آخر لو كان معه ماء طاهر، وماء نجس، واشتبها عليه وهو يخاف العطش ولا يجوز أن يحبس الطاهر للعطش ويتيمم؛ لأنه لا تجوز الصلاة بالتيمم مع القدرة على الماء الطاهر، وخوف العطش أمر مظنون ربما يكون وربما لا يكون، فإن كان فليقتصر على شرب النجس، فإن قيل: لا يجوز شرب الماء النجس، قلنا: يجوز للضرورة وهذا موضع الضرورة.
فرع آخر لو كان معه إناءان طاهر ونجس، فتحرى في وقت صلاة الظهر فأدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به، وبقيت منه بقية يستحب [225 ب/ 1] له أن يريق الإناء الآخر حتى لا يختلف اجتهاده للصلاة الثانية، فإن لم يرقه حتى دخل وقت العصر يلزمه أن يتحرى ثانيًا، فإن تحرى فأدى اجتهاده إلى طهارة الأولى، فقد قوى به اجتهاده الأول، وكذلك إن تيقين أن الذي توضأ به هو الطاهر، فقد قوى به الأمر الأول وهو بالخيار بين استيفاء ذا النجس وبين إراقته وإن أدى اجتهاد على أن الذي تركه هو الطاهر والذي استعمله هو النجس.
روى المزني عن الشافعي أنه لا يتوضأ بواحد منهما ويتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم لأنه تيمم ومعه ماء مستيقن.
ومنن قال: لا تلزمه إعادة الصلاة لأنه ممنوع من استعمال الماء شرعًا، فهو كما لو كان ممنوعًا من الماء لخوف العطش أو العدو فتيمم، لا تلزمه الإعادة وهذا وإن كان له وجه إلا أنه يخالف النص ويمكن أن يفارق بينهما، فإن هذا مفرط في ترك إراقته ومفرط في اجتهاده؛ لأنه لو وضع الاجتهاد في موضعه لم يختلف بخلاف ما إذا تركه لخوف الضرر من العطش أو العدو.
وحكى الداركي عن أبي الطيب بن سلمة، عن ابن سريج أنه قال: يتوضأ بالماء الثاني ويصلي، ولا يلزمه أن يعيد واحدة من [226 أ/ 1] الصلاتين، ولا أن يغسل ما أصابه الأول، وإن علم أنه صلى إحداهما بماء نجس كما لو صلى إلى جهتين مختلفتين صلاتين بالاجتهاد يجوز كلاهما.
قال: والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي في ئ من كتبه.
قال ابن سلمة: وغلط ابن سريج في هذا، والجواب كما نقل المزني، ونص علي الشافعي في حرملة، والفرق بينه وبين القبلة أنه يجوز أن يكون مصيبًا ولا يكون على خطأ في القبلة بيقين، وههنا إذا تؤضأ بالثاني صلى وهو نجس بيقين فلا يجوز، وهذا فرق ظاهر.
وقال صاحب "الإفصاح "فيه وجه ثالث أنه يستعمل الثاني ويغسل كل

الجزء: 1 - الصفحة: 271

موضع أصاب بدنه من الماء الأول ويعيد الصلاة الأولى.
قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أقرب الوجوه.
وقال القاضي الطبري: هذا غلط ظاهر مع مخالفة نص الشافعي، وذلك أنه نقص الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني وهذا لا يجوز ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا أنه يستعمل الثاني ويصلي ويعيد الصلاتين جميعًا.
قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أولى.
وقال القاضي الطبري: هذا الوجه الرابع أقوى مما اختاره؛ لأن هذا القائل لم ينقص الاجتهاد بالاجتهاد، بل أمره أن يعمل في الصلاة الثانية [226 ب/ 1] على اجتهاد الثاني من غير أن ينفض الاجتهاد الأول، ثم إذا صلى علم إن إحدى الصلاتين صلاها بماء نجس ولا يعرف عنها فيلزم إعادتهما، كمن علم أنه ترك صلاة من صلاتين نلزمه إعادتهما، وهذا أيضًا فاسد لما ذكرنا من الدليل.
ومن أصحابنا من قال على قول ابن سريح: يغسل بالثاني ما أصابه الأول في غير مواضع الوضوء، فإن في مواضع الوضوء تطهرها للوضوء من الحدث، ومن النجاسة ولا تلزمه إعادة الصلاتين، وهذا أحسن مما ذكرنا عنه أو لا، حتى لا يكون مصليًا بالنجاسة يقينًا، ولا يؤدي إلى نقص الاجتهاد بالاجتهاد، فإنا لا نحكم ببطلان طهارته الأولى، وصلاته يوم يغسل ما على بدنه من الماء الذي غلب على ظنه أنه نجس، ويكون ذلك بمنزلة ما منعناه من استعمال بقية الماء، وحكمنا بنجاسته، ولا يقال هو نقص الاجتهاد بالاجتهاد، ولو كانت لمسألة بحالها إلا أن الماء الأول قد فنى، أو صبه فأدى اجتهاده إلى [أن] الماء الذي تركه هو الطاهر، والذي استعمله أنه النجس، قال أبو إسحاق: لا يتوضأ به ويتيمم ويصلي، وهل يعيد هذه الصلاة؟ وجهان: أحدها: لا يعيدها لأنه تيمم وليس معه ماء طاهر [227 أ/ 1] بيقين، وذا مقتضى تعليل الشافعي.
والثاني: يعيدها لأنه تيمم ومعه ماء عنده أنه طاهر، ولو كانت المسألة بحالها إلا أنه علم يقينًا أن الذي استعمله كان نجسًا والذي تركه هو الطاهر.
قال في "الأم "يتوضأ به، ويغسل كل ما أصابه الماء الأول وأعاد الصلاة الأولى؛ لأنه تيقن أنه صلى محدثًا وعليه نجاسة.
فرع آخر لو تحرى فيهما فلم يغلب على ظنه طهارة إحداهما.
قال الشافعي: لا يزال يجتهد حتى يغلب على ظنه طهارة إحداهما ولا يجوز له أن يتيمم ومعه ماء طاهر، فإن خاف فوت الصلاة.
قال الشافعي في الأعمى إذا تحرى ولم يكن عنده دلالة على الأغلب ولم يكن معه أحد يتآخى له: تآخى على أكثر ما يقدر عليه، ثم يتوضا ويصلي، وقال صاحب "الإفصاح ": فيه وجه آخر أنه إذا لم يجد دليلًا بدله على الطاهر وخاف فوت الوقت يتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها، وعاد إلى الاجتهاد في طلب الطاهر حتى

الجزء: 1 - الصفحة: 272

يغلب على ظنه ما يعمل عليه، وهذا أقيس ولكنه خلاف النص؛ لأنه لم يثبت الماء لا بعلم ولا ظن، وإذا قلنا بالمنصوص لم يذكر الشافعي إعادة الصلاة.
وقال القاضي الطبري: عندي أنه يلزمه إعادتها لأنه توضا به على التخمين من غير [227 ب/ 1] دلالة تدل على طهارته عنده، ولو صب إحداهما أو كلاهما لم يكن معه حينئذ ماء طاهر بيقين فله التيمم ولا إعادة عليه، وكذلك لو صب أحدهما على الآخر بخلاف ما لو صب الماء متعمدًا فإنه تجب الإعادة في أحد الوجهين؛ لأن هناك لا عذر وههنا عذر إذ لا يقدر على استعماله لو أمسكه ولم يصبه.
فرع آخر لو انقلب أحد الماءين قبل التحري ففيه وجهان: أحدها: يتحرى في الباقي كما لو كانا باقيين، والثاني، لا يتحرى بل يتوضأ بهذا الباقي من غير تري وهذا اختيار ابن سريج؛ لأن الأصل هي الطارة في كل واحد منهما، فإذا كانا قائمين لم يعلم عين الطاهر، وإذا ذهب أحدهما صار معه ماء طاهر الأصل وهو شاك في نجاسته، فيبنى على الأصل وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى هو موجود قبل أن يصب أحدهما وهو يشك في نجاسة كل واحد منهما فلا يصح ما ذكره وقال القاضي أبو حامد: إذا قلنا: لا يتحرى ههنا بتيمم وفعلى؛ لأن حكم الأحد قد زال فيه بوجوب التحري ومنعنا إياه من استعماله، فغذا تعذر التحري لم يجز استعماله.
فرع آخر لو كان مع الأعمى إناءان طاهر ونجس، وأشكل عليه الطاهر من النجس، قال في "الأم ": "تحرى كالبصير "وقال في حرملة: لا يتحرى [228 أ/ 1] كما لا يتحرى في طلب القبلة، والأول اصح لأنه يمكنه أن يقف على بعض إمارات النجاسة وهو ما يتعلق بالتيمم واللمس والحس فله التحري كما لو التحري في دخول وقت الصلاة لأنه يمكنه الوقوف عليه بورده ويحمله بخلاف القبلة لأن إماراتها كلها متعلقة بالبصر ولا بصر للأعمى، فإذا قلنا: لا يتحرى تحرى ل غيره ويحمل على ما يخبر به كالقبلة سواء، وإذا قلنا: ينحرى.
قال الشافعي في "الأم " "لو كان الأعمى لا يعرف ما يدله على الأغلب ومعه بصير يصدقه وسعه أن يستعمل الأغلب عند البصير "، فأجاز له الشافعي الاجتهاد والتقليد، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: لا يجوز له التقليد؛ لأن من هو من أهل الاجتهاد في شيء لا يقلد فيه وكلام الشافعي- رحمة الله عليه- في "الأم "محمول على أن البصير أخبره بما شاهده أو سمعه فيلزمه قبوله، وهذا اختيار أبي حامد، ومنهم من قال: يجوز له التقليد؛ لأن من أماراتها ما يدركه الأعمى وهو التيمم واللمس، ومنها ما لا يدركه الأعمى لتعلقها بالمشاهدة مثل أثر الكلب

الجزء: 1 - الصفحة: 273

واضطراب الماء، فجاز له التقليد كما في القبلة، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح فإن لم يغلب على ظنه ولا على ظن البصير فما يفعل؟ قد ذكرناه [228 ب/ 1].
فرع آخر لو أخبره واحد بأن الكلب ولغ في هذا الإناء وجب عليه قبوله إذا كان عدلًا رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا، نص عليه في حرملة، وهكذا إذا أخبره رجل بأن القبلة هكذا، صلى إليها وهو بمنزلة الإخبار.
فرع قال: لو أخبره أعمى بأن هذا الماء نجس، وبين سبب النجاسة بأن قال: ولغ فيه الكلب أو وقع فيه بول قبل خبره؛ لأنه يجوز أن يكون سمع بصيرًا يقوله أو هو الذي نجسه.
فرع آخر لا يلزمه قبول قول الصبي والمجنون فيه لأنه لا حكم لقولهما، إلا أن في الصبي الذي يعقل عقل مثله الأولى أن يحتاط ويحترز عنه.
ومن أصحابنا من قال: يقبل فيه قول الصبي المراهق، وهو خلاف النص ولا يلزمه قبول قول الكافر والفاسق فيه.
فرع آخر لو أخبر رجل أن هذا الماء نجس مطلقًا، قال الشافعي: لا يلزمه قبوله لأنه قد يرى سؤر الحمار والبغل والفهد نجسًا، وقد يرى الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة نجسا، إلا أن يعلم اعتقاده أنه لا ينجسه بهذا فيلزمه قبول خبره.
فرع آخر لو كان معه طاهر فتغير فغلب على ظنه أنه لنجاسة لا يحكم بنجاسته، وكذلك إذا كان [229 أ/1] معه ماء نجس فغلب على ظنه طهارته كان على نجاسته، ويفارق هذا إذا علم النجاسة في أحد الإناءين فغلب على ظنه طهارة.
أحدهما أو نجاسته يحمل عليه، لأنه لم يثبت نجاسته.
بغينه والأصل في كل واحد منهما الطهارة، وإنما يجدد الشك فتي كل واحد منهما فيزول بالظن.
فرع آخر لو شهد شاهدان بأن الكلب ولغ قي هذا الإناء ولم يعرف هذا لإناء، وشهد آخر بأنه ولغ في هذا الإناء ولم يعرف هذا الإناء.
قال الشافعي -رحمة الله عليه- لا يجوز أن يتوضأ بواحد منهما؛ لأته يجوز أن يكون قد ولغ في هذا الإناء كلب، ولم يقرب من الإناء الآخر، وولغ كلب آخر في الإناء الآخر،؛ولم يقرب من هذا الإناء ويكون الشهود كلهم صادقين.
قال أصحابنا: ولو كانت الشهادتان هما متعارضتين مثل أن شهد شاهدان أن الكلب

الجزء: 1 - الصفحة: 274

ولغ في هذا في وقت كذا، ولم يلغ في الآخر وشهد آخران أن الكلب ولغ في ذلك الإناء الآخر في ذلك الوقت، ولم يلغ في الإناء الآخر.
فإن قلنا: إن الشهادتين إذا تعارضتا سقطتا فههنا تسقطان، ويجوز له: أن يستعمل رأي الإناءين شاء؛ لأن نجاسة واحد منهما لم تثبت] 229 ب/1].
وإن قلنا: إنهما يستعملان ففيه ثلاث أقوال؛ القسمة، والقرعة، والوقف.
ولا يجيء هنا إلا الوقف فيتوقف عن الإناءين.
وقال القاضي الطبري- رحمه الله: وعندي أنه يلزمه أن يتيمم ويصلي، ثم يعيد كل صلاة يا لتيمم، لأنه صلى بالتيمم ومعه ماء مستيقن؛ لأن أحل الإناءين طاهر بتيقن وإحدى الشهادتين كاذبة فرع لو اخبره من يثق بخبره آن هذا الكلب بعينه ولغ في إنائه هذا في ونت كذا من يوم كذا، وشهد عنده عدلان، أن ذلك الكلب في ذلك الزمان في بلد آخر فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر لأنهما تعارضتا فسقطتا، والثاني: نجس لأن الخبر الأول تنجيسه والشهادة المعارضة له محتملة؛ لأن الكلاب قد تشتبه ولأن تعيين الكلاب في الولوغ لا يلزم ذكره في ((الحاوي)).
فرع لو أخبره فخبر بان أحد هذين تنجس وبين السبب فإنه يلزمه قبوله ويتحرى فيهما، وإن اختلف المخبران عليه يلزمه آن يأخذ بقول أصدقهما وأورعهما عنده بخلاف الشهادات لا يرجح قول شاهدين، وإن كان أحدهما أعدل لأن هذا كرواية الأخبار يتعمل فيه الترجيح.
فرع أخر لو كان هناك ماءان ورجلان فنجس [230 أ/1] أحد الماءين فاجتهدوا فيه فنظر، فإن أدى اجتهادهما إلى طهارة أحدهما توضأ به، ولكل واحد منهما أن يأتم لصاحبه، وإن آبى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر توضأ كل واحد منهما بالطاهر عنده، ولكل واحد منهما أن يصلي لتفه وليس له آن يأتم بصاحبه؛ لأنه يعتقد أن أمامه محدث نجس وهذا أصيل كل من اعتقد بإمامه هذا لم تصح صلاته، وكل من غلب على ظنه أن إمامه طاهر متطهر جاز له أن يأتم به، وهذا كما يقول في القبلة إذا اجتهد اثنان فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر لا يجوز لأحدهما أن يأتم بالآخر خلافًا لأبي ثور.

الجزء: 1 - الصفحة: 275

فرع أخر لو (كانت) المياه ثلاثة والرجال ثلاثة فادى اجتهاد كل واحد منهما إلى واحد منها خفيه مسألتان نجستان وطاهر، وطاهران ونجس، فإن كان النجس اثنين صلى كل واحد منهم بنفسه ولا يأتم بغيره، لأنه يعتقد أن كل واحد منهما محدث نجس، وإن كان الطاهر اثنين فلكل واحد منهم أن يأتم بأحد الآخرين ولا يأتم بهما معًا؛ لأنه يعتقد أن أحدهما محدث نجس، فإن صلوا ثلاث صلوات جماعة وقدموا في كل صلاة منها [230 ب/1] واحدًا منهم، فإن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة في الصلاة الأولى؛ لأن صلاة الإمام لا تبطل يبطلان صلاة المأموم، وكل واحد من المأمومين يقول: يجوز أن يكون قد استعمل النجس صاحبي وأنا والإمام طاهران، فلا تبطل صلاة واحد منهم، وأما الصلاة الثانية: فإن صلاة الإمام صحيحة، وصلاة من كان إمامًا في الصلاة الأولى صحيحة؛ لأنه لم يصل إلا خلف هذا الإمام,.
وأما صلاة الآخر.
فإنها باطلة؛ لأنه لما.
صلى خلف الإمام في الصلاة الأولى فقد أقر بأنه طاهر، وأنه في نفسه طاهر، فلم يبق عنده نجس غير الإمام في الصلاة الثانية فتبطل صلاته خلفه.
وأما الصلاة الثانية فهي صحيحة للإمام وباطلة للمأمومين؛ لأن كل واحد منهما يعتقد أن إمامه محدث نجس، وأصل هذا أن ينظر إلى عدد , المياه والرجال، فإن كان الطاهر واحدًا صلى كل واحد منهم لنفسه، ولا يجوز أن يأتم بغيره، وإن كان الطاهر اثنين صلى كل واحد خلف واحد ولا يصلي خلف الثاني، وإن كان الطاهر ثلاثة صلى كل واحد خلف اثنين ولا يصلي خلف الثالث، وعلى هذا ابتدأ ينظر إلى عدد الطاهر فيتبقي واحدًا لنفسه وينظر إلى ما بقي من عدد] 231 أ/1] الطاهر فيصلي بعددها من الأئمة.
فرع أخر لو كانت المياه أربعة وهم أربعة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أخذ خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين فصلى واحد منهم الصبح وآخر الظهر، وآخر العصر وآخر المغرب، صح الصبح لكل واحد منهم، وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح ولم يصح للباقين، وصح العصر لإمامه وحده، وصح المغرب لإمامه وحده، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح لجماعتهم والظهر لجماعتهم؛ لأن لكل واحد منهم أن يصلي خلف اثنين، ولم يصح لأمام المغرب؛ لأنه صلى خلف اثنين فلا تصح صلاته خلف ثالث، وصح الغرب لإمامه وحده.
فرع لو كانت المياه خمسة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أحد خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين صح الصبح لكل وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح، وبطل في حق الباقين، وصح العصر والمغرب والعشاء لإمامها وحدهم، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح.
والظهر للكل، وصح العصر لإمامه وإمام الصبح والظهر؛ لأن كل واحد ما

الجزء: 1 - الصفحة: 276

صلى خلف ثالث، وصح المغرب والعشاء لامعهما لا غير، وإن كان الطاهر أربعة صح الصبح والظهر: والعصر للكل؛ لأن كل واحد ما صلي خلف واحد، وصح المغرب لإمامه.
وأما الصبح والظهر والعصر] 231 ب/1] دون إمام العشاء وصحت العشاء لإمامه وحده؛ لأن كل واحد من الباقين صلى خلف ثلاثة فلا يصلي خلف رابع، ولو كانوا خمسة على الظهر فأحدث واحد ولم يعرف عينه أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فالحكم في صلاة بعضهم يبعض كالأواني سواء حرفا بحرف.
وحكي القفال وجهًا آخر عن صاحب التلخيص أنه لا يمح اقتداء بعضهم ببعض في هذه المسائل؛ لأن كل واحد يقول صاحبي قد استعمل النجس، وربما يكون هو الإمام.
قال: وأصل الوجهين أنه هل يجوز الاجتهاد في حدث الغير وبناء أمره على أصل الطهارة، كما يجوز في حدث نفسه ذلك فلم يجوزه صاحب التلخيص وجوزه غيره وهو الأصح.
فرع أخر لو كان هناك إناءان من لبن أحدهما نجس وأشكل، قد ذكرنا أنه يجوز التحري، ولو كان هناك له إناء ثالث من لبن طاهر بيقين.
قال أبو حامد: هل يجوز التحري في المشكل؟ وجهان كما في الماء.
وهذا لا معنى له؛ لأن في الماء إنما اختلف الحكم وجود غيرهما وبين عدمه لأنه يحتاج إليه لاستعماله في الصلاة ويجب عليه ذلك، وها هنا لا يلزمه شيء فلا يختلف الحكم به.
فرع أخر لو كانت صبرة من التراب وقعت عليها ذرة من النجاسة، واشتبه محلها لا يجوز أن يتيم [232 أ/1] منها قبل التحري، وإن كانت المبرة كبيرة ولو تحرى في جوانبها ثم تيمم صح.
فرع أخر ذكره القاضي الإمام الحسين - رحمه الله - لو كان زق دبس وزق خل في بيت مظلم فدخل البيت واعترف غرفة من زق الخل وصبه في قصعة، واغترف غرفة أخرى من الدبس وصبه قي الخل ثم أخرجها من البيت، فإذا في القصعة فأرة ميتة، وهو لا يدري خرجت من أي الزقين يلزمه التحري؛ لأن أصل كل واحد منهما على الطهارة، وكتف يتحرى؟ قيل: يلقى الفأرة بين يدي النور فإن أكل بان أنها وقفت قي الدبس، وإن لم يأكل بان أنها كانت في الخل، لا لأن الاعتبار بأكل النور، ولكن يغلب على الظن به، وأما الرقان فإنه اغترف، بمغرفتين، فقد ذكرنا حكمه، وإن اغترف بغرفة واحدة إن أدى اجتهاده إلى أن الفارة كانت في الثاني فالأول طاهر، وإن أدى إلى أنها وقعت قي الأول فكلامًا نجسان.

الجزء: 1 - الصفحة: 277

فروع متفرقة لو توضأ رجل وصلى الظهر، ثم أحدث وتوضأ وصلى العصر في وقتها، فلما فرغ منها تيقن أنه ني مسح الرأس بين إحدى الطهارتين يلزمه إعادة الصلاتين؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول؛ فتكون صلاة الظهر باطلة والعصر [232 ب/ا] صحيحة، ويجوز أن يكون نسى من الوضوء الثاني فتكون صلاة العصر باطلة وصلاة الظهر صحيحة، فإذا لم يتعين له ذلك لزمه أن يعيد الصلاتين، كمن نسى صلاة من صلاتين، ولا يعلم عينها فإنه يلزمه إعادتهما.
وأما الطهارة إن قلنا: لا يجوز تفريق الوضوء استأنف الوضوء، وإن قلنا: يجوز ذلك فإنه يعيد مسح الرأس، وعند الرجلين، ويجزيه ذلك لأنه إن كان نسى من الأول، والثاني صحيح، وإن كان قد نسي من الثاني فغل الوجه واليدين صحيح، وعليه مسح الرأس وغسل الرجلين.
فرع آخر لو توضأ لصلاة الظهر ولم يحدث حتى لمحل وقتا العمر وجدن الوضوء ثم صلى العصر، فلما فرغ منها تيقن أنه نسي مسح الرأس من إحدى الوضوءين ولا يعلم أبه، فإنه يلزمه أن يعيد صلاة الظهر قولًا واحدا؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول فتكون صلاة الظهر باطلة، فيلزمه أن؛ يعيدها حتى يؤديها بيقين، وأما صلاة العصر فإن قلنا: إن نية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث فصلاة الخصر صحيحة؛ لأنه إن أكان قد نسي من الوضوء الأول فإن وضوؤه للعصر قد صح، وإن كان قد نسي من الوضوء الثاني فيكون الظهر [233 أ/] باطلة والعصر باطلة أيضا؛ لأن الوضوء الأول لم يصح، والوضوء الثاني الذي هو تجديد لا يرتفع الحدث والطهارة علن هذا على ما ذكرنا من البناء على تفريق الوضوء.
فرع أخر إذا مات اثنا ن أحدهما بعد الآخر وهناك ما يكفي أحدهما، فالأول أولى بذلك الماء؛ لأن غسله وجب عند موته فلا يتغير حكمه بموت الآخر يعده، ولو كان وجود الماء بعد موتهما لم يقدم الأول منهما بل يجب الرجوع إلى معرفة أفضلهما وأوزعهما، يكون أولى من الآخر؛ لأن غسل الأول ألم يكن وجب عند موته لفقد الماء في ذلك الوقت، فإل كانا في الفضل سواء تقدم من شاء؛ منهما.
ذكره والدي - رحمه الله.
فرع أخر قال والدي - رحمه الله الصبي هل يجمع بين صلاتي فرض يتيمم واحد؟ فيه وجهان: أحدها: يجمع لأن صلاته ناقلة، والثاني: وهو الأصح لا يجمع لأن مجلاته ملحقة بالفرائض لأنها لا تجوز بنية النقل ويلزمه تعيين النية فيها، ولا يجوز له أن يصلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا على الراحلة، وإذا سافر له آن يقصرها، وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 278

كان القصر لا يدخل في النوافل.
فرع أخر إذا غسل وجهه ثم فرق حتى مضى فصل طويل، وقلمنا له البناء صلى وضوئه فاستأنف اختيارًا، لا يجوز إلا أن] 233 ب/1] ينويه عند غسل يديه، لأنه يلزمه إعادة النية عند البناء في أحد الوجهين لقطع النية الأولى بالفصل الطويل، فإذا استأنف الطهارة ونوى عند غسل الوجه فقد قدم إلية على الغسل الذي يلزمه الإتيان به، فلا يجوز.
ذكره والدي- رحمه الله.
فرع الأذن الملصقة بالدم هل يلزم غسلها في الجنابة؟ مبني على طهارة هذه الأذن، والأصل أن الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، فإذا قلنا: إنه لا ينجس هل ينجس هذه الأذن؟ وجهان، وإذا قلنا بالنجاسة فغسل هذه الأذن في الجنابة لا يجب، وإن قلنا بالطهارة فيحتمل وجهين؛ أحدها؛ يلزم لأن الاتصال مع الطهارة موجود كالأصلية، والثاني؛ لا يلزم لأن حكم الاتصال الحادث يفارق حكم الاتصال الأصلي، ألا ترى أنهما يفترقان في الطلاق، ذكره والدي - رحمه الله - وعندي إذا قلنا بنجاستها يلزم إزالتها أو إمرار الماء على موضع القطع.
فرع أخر إذا قال رجل: هذا الماء نجس مطلقًا، ثم توضأ به وتقدم ليصلي هل يجوز لمن سمع منه أن يملي خلفه؟ وهل يصح وضوءه؟ تال والدي - رحمه الله؛ يحتمل عند وجهين: احدها: يجوز وضوءه لأنه لما جاز التوضاء به للغير جاز لهذا القائل [234 أ/1] أيضًا، والثاني: لا يجوز لأنه اعتقد نجاسة الماء حقًا كان أو باطلًا، فإذا توضأ به تضمن ذلك الاعتقاد بطلان الوضوء المعقول فبطل باعتقاده كالمتوضئ إذا اعتقد ونوى إبطال الوضوء، وهو فيه صار باطلًا في أحد الوجهين، وهذا إذا لم يرجع المخبر، فإن رجع وقال؛ كان ذلك سؤر الحمار، وقد رجعت عن اعتقادي نجاسته ثم توضأ به صح وضوءه بالإجماع.
وأما الصلاة خلفه ني المسألة الأولى لا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأنه يعتقد بطلان صلاته لبطلان طهارته، فلا تصح الصلاة خلفه مع العلم بحاله.
فرع أخر إذا اختلطت آنية البول بأواني أهل بلد أو ميتة بمزكيات أهل بلد، فله التوضيء ببعض الأواني وأكل بعض المزكيات، لأن المنع منه يؤيدي إلى المشقة وإلى أي حد يتوضأ؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن تبقي آنية واحدة كما لو حلف لا يأكل تمرة بعينها لما فاختلطت بتمرات له أن يأكلها كلها إلا واحدة.
والثاني: يتوضأ إلى أن يبقى من الأواني القدر الذي لو كان الاختلاط به في الابتداء منع التوضاء الجميع، ثم لا يتوضأ وهذا أوضح.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

فرع أخر لو أمر غيره يصب الماء عليه في وضوءه وغسله، فصب البعض عليه ونوى المتطهر ثم صب علميه الباقي في حال كر [234 ب/] والمتوضئ فيها الصب، إما لبرودة الماء أو لاشتغاله بتنقية مكان من بدنه، إلا أنه لم ينه ولا أمر هل يسقط الفرض؟ يجب, أن يقال يسقط؛ لأن الكراهة لا تأثير بها بعد سبوق الأمر، ولو نوى الطهارة وغسل البعض، ثم صب عليه غيره الماء بغير أمره وهو لا يشعر به بل علم بعد ما صبه عليه، وفيه الطهارة عنه في تلك الحالة لا يجوز، لأن ب النية تناولت فعله لا فعل غيره، ولو أمر يصب الماء عليه في كل وضوءه، ثم نسي الأمر به عليه بعد ما غسل بعض أعضائه بنفسه يصح، ولا يقدح فيه النسيان.
ذكره والدي - رحمه الله.
فرع أخر لو نام قاعدًا في خلال وضوءه على القول الذي يقول: لا يتبعض وضوءه، فأنتبه في البناء هل مدة يسيرة هل تلزمه إعادة النية؟ وجهان.
وهو كما قلنا في التفريق الطويل عند يلزمه تجديد النية؟ وجهان.
فرع أخر إذا نام قاعدًا بعد غسل وجهه فصب الماء على يديه في حال نومه، ثم انتبه فغسل الوجه صحيح، أما غسل يديه فيحتمل أن يقال: يجوز لأن عزوب النية لا تؤثر في الطهارة.
فرع إذا نوى بوضوئه قراءة القرآن حفظًا أو صلاة الجنازة، ولم يقطع نيته؛ بأحدهما، هل يجوز أداء الصلاة به على الوجه الذي يقول الوضوء [1235 أ/1 [لقراءة القرآن حفظًا لا يجوز أداء الفرض به، يحتمل أن يقال لا يجوز لأنه لم يقطع النية بما يجوز، ولو قال: نويت به قراءة القرآن حفظًا إن كانت هذه النية كافية في جواز أداء الفرض به، وإن لم تكن كافية نويت أداء الصلاة به يحتمل أن يقال: يجوز كما لو قال هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا، وإن لم يكن سالمًا فهو نافلة يجوز عن الزكاة إذا كان سالمًا، ولو نوى به قراءة القرآن حفظًا ما لم تزل الشمس والصلاة به بعد الزوال هل يجوز أداء صلاة النفل به قبل الزوال؟ يجب أن يقال: يجوز لأنه نوى أداء الصلاة به في الجملة فارتفع به حدثه في الحال، ولو نوى أداء الصلاة به في مكان نجس لا يعفى عنه، يحتمل أن يقال؛ لا يجوز لأنه نوى أداء ما هو معمية بها، ولم ينو أداء ما يتيقن صحته وجوازه إليها.
فرع آخر لو توضأ فصار باطلًا في اثنائه بحدث أو غيره، هل له الثواب في القدر المفعول؟ يحتمل أن يقال: له الثواب كالصلاة إذا بطلت في أثنائها، ويحتمل أن يقال: إن أبطل

الجزء: 1 - الصفحة: 280

باختياره فلا ثواب له، وإن كان بغير اختياره فله الثواب.
وقال بعض أصحابنا: لا ثواب له بخلاف الصلاة؛ لأنه يراد لغيره ولا يرتبط بعضه [235 ب/] ببعض حتى يصير كالشيء الواحد مثل الصلاة.
فرع أخر خنثيان مشكلان مش رجل فرج أحدهما ومست امرأة ذكر الآخر، ثم مس الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكر الخنثى الآخر، ثم مس الخنثى الذي مست المرأة ذكره فرج الخنثى الآخر، ثم تقدم الرجل في صلاة الصبح وأم فيها بالخنثيين والمرأة، ثم تقدم في الظهر الخنثى الذي مس الرجل فرجه وصلى بالمرأة والخنثى الآخر، ثم تقدم في الخمر الخنثى الآخر، وأم فيها بالمرأة والخنثى الذي كان إمامًا في الظهر.
فجوابه على القول الذي يقول: إنه لا وضوء على المأموميين أن صلاة الرجل جائزة وعلى المرأة إعادة الظهر والعصر دون الصبح، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر إعادة الصبح والعصر وظهره صحيح له، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في العصر إعادة الظهر وصبحه وعصره صحيحان له، ووجهه أن أحوال الخنثيين أربع أحوال: إما أن يكونا ذكرين وإما أن يكون أنثيين، وإما أن يكون الذي مس الرجل فرجه ذكرا والآخر أنثى، وإما أن يكون الذي مست المرأة ذكره ذكرًا والآخر أنثى ولا خامس [236 أ/1] لهذه الأقسام، فإن كانا ذكرين بطلت طهارة المرأة، وطهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه، وطهارة الرجل مع طهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره باقيتان، وإن كانا أنثيين بطلت طهارة الرجل وطهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره، وطهارة المرأة مع طهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه باقيتان، وإن كان الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكرًا، والآخر أنني بطلت طهارة كل واحد من الخثثين، وطهارة الرجل مع طهارة المرأة باقيتان، وإن كان الذي مست المرأة ذكره ذكرا، والآخر أنثي يطلب طهارة الجمع من الرجل والمرأة والجنثيين معًا، فإذا صح ذلك كانت صلاة الرجل، صحيحة، لأنه لم ينتقض حدثه، واحتمل انتقاض طهارته، واحتمل الجواز فبقيناها على الأصل، ولم يأتم أيضًا بالغير حتى تبطل صلاته انتقاص طهارة الإمام وأتباعه له.
وأما المرأة فلا تلزمها إعادة الصبح لعدم التقين بانتقاض طهارتها، وانتقاض طهارة الرجل أيضًا، ولا يصح طهرها لأنه لا يجوز أن يكون الرجل وإمامها في الظهر على الطهارة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة، فإذا حكمنا لها بصحة الصبح خلف الرجل لم يصح منها صلاة الظهر خلف إمامها [236 ب/1] لما لم يحتمل ركونهما علي الطهارة، ونظره أن يعلم الرجل انتقاص طهارة زيد أو عمرو ولا يعرف غير من انتقضت طهارته منهما فصلى المح خلف أحدهما والظهر خلف الآخر صح له الصبح دون الظهر للمعنى الذي ذكرناه؛ فإن قيل ت لماذا جوز تم الصبح دون الظهر؟ قلنا: لأن المرأة لما صليت الصبح خلف الرجل صححنا صلاتها لجواز أن تكون هي وإمامها على الطهارة، وقد أربحنا أن الأصل ثبوتها، فإذا كان تصحح صلاتها محكومًا به لم يرتفع بصلاتها خلف أحذ الخنثيين في

الجزء: 1 - الصفحة: 281

الطهر لاستحالة ورود (الفساد) بعد الفراغ من الصلاة، ومنافاة الثاني الأول كما قلنا في المثال الذي ذكرناه، وهذا واضح، ولا يصح عصرها أيضًا؛ لأن الأحوال الأربعة التي ذكرناها تمنع كون العصر محسوبا لها فتأملها.
وأما الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر فظهره جائز بجواز كونه على الطهارة، ولم يأتم فيه بأحد فصح له.
وأما الصبح نلا يصح لأنه لا يحتمل أن يكون هو والرجل الذي هو إمام الصبح على الطهارة في شيء من هذه الأحوال، فلا ينبغي له أن يأثم به، فإذا: فعل ذلك بطلت صلاته.
وأما العصر فلا يجوز لأن صلاة الخنثى [237 أ/1] خلف الخنثى لا تجوز، فإن قيل: على قول بعض أصحابنا لجواز صلاة الخنثى خلف الخنثى هل تصح صلاة العصر منه؟ قيل: لا يجوز العصر على قول هذا القائل أيضًا، لأنه لا يحتمل أن يكونا على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة، وإنما كان يصح ذلك على قوله: لو احتفل ذلك فإذا لم يحتمل وجبت الإعادة.
وأما الخنثى الذي كان إماما في العصر فصبحه صحيح له، لجواز أن كون الرجل على الطهارة، وعصره جائزًا أيضًا لأنه كان إمامًا في العصر مع جواز كونه على الطهارة وطهره لا يصح، لأن صلاة الخنثى خلقي الخنثى لا يصح، وعلى قول القائل الآخر لا تصح أيضًا، لأنه لا يجوز أن يكون هو والخنثى الآخر الذي هو إمامه في الطهر على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة وإذا قلنا بالقول الذي يوجب الوضوء على الملموس لم تصح صلاة الخنثيين ولا واحد منهما لبطلان طهرهما، وحكم الرجل والمرأة على ما ذكرنا في القول الأول ذكره والدي - رحمه الله.

باب المسح على الخفين

قال الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، وذكر الخبر.
وهذا كما قال جملته: أن المسح على الخفين جائز، وبه [237 ب/1] قال عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم - وقال الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه أنه مسح على الخفين، وقال النخعي: من رغب عن المسح على الخفين، نقد رغب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبه قال عامة الفقهاء، وقالت الشيعة، والخوارج: لا يجوز المسح على الخفين.
وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود، وهو رواية ابن أبي ذنب، عن مالك أنه أبطل المح على الخفين في آخر أيامه.
وروى الشافعي عنه أنه قال: يكره ذلك، وعنه رواية ثالثة أنه يمسح في السفر دون الحضر، وهو الصحيح عنه، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة محسوا في السفر درن الحضر، وعنه رواية خامسة أنه يمسح أبدًا من غير تأتيت، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه رواية سادسة مثل قولنا، والدليل على كلهم

الجزء: 1 - الصفحة: 282

ما روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن أمية الضمري، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين.
وروى أبو داود في سننه، عن جرير بن عبد الله أنه بال، ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له [238 أ/1] أتقول هذا فقال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله.
مسح.
فقيل قبل نزول المائدة أو بعدها فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
وروى بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترنحا فغل وجهه ويديه مسح برأسه ومسح على خفيه وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أرخص للماخر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما.
ويدل على خبر صفوان بن غسال المرادي، وقد تقدم ذكره.
وروي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: سكبت الماء على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ إلى أن قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان" ثم مسح عليهما.
واحتجوا بما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قبل نزول المائدة أو بعدها، فسكت ابن مسعود، وهذا يدل على أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يعتقد أنه لا يجوز.
وروى عن علي رضي الله عنه - أنه قال: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر الغير.
قلنا: أما قول علي استفهام لا تعجب وإنكار [238 ب/1] بدليل أنا روينا عنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه خطوطًا بالأصابع.
ويحتمل أنه ذكر ذلك امتحانًا وكان تأخر عن بيعته فقصده.
وأما قول عائشة: لعلها أرادت بعد ما نزع الخف المنزوع وظهر الغير سواء، فإن قاسوا على البرقع والقفازين، قلنا: لم يجز العادة بهما غالبًا، ولا يشق تنحية العمامة قليلًا، ويشق نزع الخف عند كل وضوء فافترقا.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ".

الجزء: 1 - الصفحة: 283

الفصل وهذا كما قال نص الشافعي في الجديد: أن المسح على الخفين مؤقت فالمقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وبه قال علي، وابن عباس، وعطاء، وشريح، وجماعة الفقهاء، وقال مالك: يمسح المسافر بلا توقيت في الرواية الصحيحة والمقيم كذلك في الرواية الضعيفة، وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، والليث، وربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي وحكي الزعفراني أن الشافعي كان يقول بهذا: إلا أن يجب عليه غسل الجنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر، فقيل: في المسألة قولان، وقيل: قول [239 أ/1] واحد أنه مؤقت، واحتجوا بما روي عن أبي عمارة، وكان قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين، قال: نعم قلت: يومًا.
قال: نعم.
قلت: وثلاثة أيام، قال: نعم وما شئت.
وروي: وما بدا لك قلت وروي أبو داود في هذا الحديث حتى بلغ سبعًا، وقال أنس - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله لم أمسح على الخفين فقال: ما دامتا في رجليك.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن وفدًا قدموا عليه فقال لهم: منذ كم تمسحون على الخف؟ فقالوا: منذ جمعة.
فقال: أصبتم سنة نبيكم.
وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر أن يمسح ثلاث أيام ولو استزدناه لزادنا.
ولأنه مسح بالماء فلا يتعدر كمسح الرأس قلنا: نقابل بخبر أبي بكرة على ما ذكرنا فحد يحد، والتحديد يمنع النقصان والزيادة، ولم يمنع النقصان ههنا فدل أنه يمنع الزيادة، وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم "جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم" وأما خبر أبي عمارة فرواه محمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، وهما ضعيفان إذ لم يرويه في مدة واحدة، بل أراد بتجديد الوضوء عند [239 ب/1] انقضاء كل مدة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "التراب كافيك ولو لم يجد الماء عشر حجج" أراد إذا تيمم كل مرة.
وأما حديث خزيمة فوهم منه ولا حكم للوهم، وأما مسح الرأس أصل لا يشبه البدل بخلاف هذا، بدليل أنه لو نزع الخف بطل المسح.
فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن ما قيل من الحدث من وقت اللبس لا يحتسب من وقت المسح.
وأما ما بعد الحدث اختلف العلماء فيه، فعندنا أنه يعتبر ابتداء المدة من وقت الحدث، فإذا مضت المدة من ذلك الوقت انقطع حكمه، ولا يجوز له بعد ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 284

أن يمسح سواء كان قد مسح أو لم يمسح، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وقال الحسن: ابتداؤه من وقت لباس الخفين، وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود يعتبر ابتداء المدة من وقت المسح هو الحدث.
وحكي القفال، عن أبي ثور أنه قال: الاعتبار بخمس صلوات، فلو قضي المقيم خمس صلوات في مكان واحد انقضى حكمه، وإن صلاها في أوقاتها، فإذا صلى آخر الصلوات انقطع حكم المسح.
واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" فلو اعتبر من وقت الحدث لم يمكنه أن يستوعب هذه المدة بالمسح، ولأن الاعتبار في [240 أ/1] اختلاف المدة بالسفر والحضر.
يفعل المسح لا بالحدث، لأنه لو مسح في الحضر، ثم سافر فإنه لا يمسح إلا مسح المقيم، ولو أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح له أن يمسح ثلاثة أيام، فكذلك اعتبار المدة بالمسح، وهذا غلط، لأن الله تعالى أمر بغسل الرجل، فظاهره أن غسل الرجل واجب بكل حال قام الدليل على جواز المسح من وقت الحدث، وما بعد ذلك على الظاهر، وروي القاسم ابن زكريا المطرز في حديث صفوان بن عسال من الحدث إلى الحدث لأن العبادة يدخل وقتها بالزمان وبمضي الوقت، فإن لم يكن منه فعل العبادة ألا ترى أن في الجمعة جوز الاقتصاد على ركعتين في وقتها، ولو ذهب الوقت زال هذا الحكم كذلك ههنا، ولأن بعد الحدث زمانًا يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح.
وأما الخبر الذي ذكر، وقلنا لم يرد به أنه يستعمل المسح طول هذه المدة؛ لأن بين المستحين مدة محسوبة بالإجماع، كذا قبل المسح الأول.
وأما الدليل الآخر قلنا: لا يمتنع الفرق كما لو شرع في الصلاة ثم جرت السفينة إلى السفر صلى صلاة الحضر، ولو سافر بعد دخول وقت الصلاة ثم افتتح الصلاة صلى صلاة المسافر، ثم إن دخول الوقت بالزمان لا بالفعل كذلك ها هنا.
وأما قول أبي ثور [240 ب/1] وينسب إلى داود فباطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المدة ولم يذكر الصلوات.
فإذا تقرر هذا، فالمقيم يصلي بطهارة المسح خمس صلوات في العادة، لأنه إذا أحدث مع الزوال، ثم مسح صلى الخمس، فإذا جاء وقت الزوال من غده انتهت المدة، وقد يصلي ستًا بأن يكون وقت الحدث عبد الزوال بساعة ثم يمسح، ويصلي الظهر والعصر والصلوات بعدها.
فإذا زالت الشمس من غده له أن يصلي الظهر بطهارة المسح، لأن وقت الحدث ماجاء بعد فتكون الصلوات ستًا، وقد يكون سبعًا لعذر المطر، فإن تقدم العصر إلى وقت الظهر في اليوم الثاني فيصليهما معًا قبل وقت الحدث بالأمس، والمسافر يصلي في العادة خمس عشرة، وست عشرة من غير جمع، وعند الجميع سبع عشرة على ما فصلناه.
فرع لو أحدث، ومسح، وصلى، ثم شك هل كان وقت الحدث مع الزوال إذا دل وقت

الجزء: 1 - الصفحة: 285

العصر.
قال في "الأم" أخذ بالاحتياط فتعتبر المدة من حين الزوال.
وقال المزني في الجامع: تعتبر المدة من وقت العصر، لأن الأصل المسح فلا يزول بالشك، وهذا غلط لأن الأصل وجوب غسل الرجلين والمسح رخصة، فلا تجوز الرخصة بالشك.
فرع آخر قال في "الأم": لو استيقن أنه مسح [241 أ/1] وصلى ثلاث صلوات وشك هل صلى الرابعة أم لا؟ لم يكن له إلا أن يجعل نفسه كأنه صلى بالمسح الرابعة لا يصلى بمسح مشكوك فيه، وصورته أنه شك هل كان أحدث في وقت الظهر ومسح وصلى الظهر بالمسح، أو لم يحدث وقت الظهر ولم يصل الظهر، وإنما أحدث وقت العصر، ومسح وصلى العصر بالمسح، ونسي فعل الظهر فيلزمه أن يحتسب مدة المسح من وقت الظهر، لا من وقت العصر، ويعيد الظهر احتياطًا، لأن الأصل أنه لم يصل الظهر، والأصل وجوب غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا باليقين.
فإن قيل: إذا كانت صورته هذا فلم قال الشافعي وشك أصلى الرابعة أم لا، وإنما الشك في الصلاة الأولى؟ قلنا: الشافعي: لم يعدها على ترتيب أوقاتها وإنما سماها رابعة من طريق العدد.
مسألة: "فَإِنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى بَعْدَ ذِهَابِ وَقْتِ الْمسح أَعَادَ غُسْلَ رِجْلَيْهِ والْصَّلاَةِ".
وهذا كما قال: إذا مضت مدة المسح في حق المقيم أو المسافر انتقض مسحه، فإن كان في الصلاة بطلت صلاته، وإن كان في غير الصلاة أو فيها فنزع خفين فهو كما لو نزع قبل انقضاء المدة، هل عليه استئناف الوضوء؟ قولان على ما نذكره إن شاء الله.
وقال الحسن البصري: له أداء [241 ب/1] الصلاة بالمسح السابق إلى أن يحدث، وقال داود: ليس له أداء الصلاة بالمسح بعد انقضاء المدة ما دامت الرجل في الخف، فإن نزع الخف يجوز أن يصلي حينئذ، وإن لم يغسل الرجلين ما لم يحدث وهذا غلط لخبر صفوان بن عسال فإنه قال في آخره: لكن من بول، أو غائط، أو نوم، ثم يحدث بعد ذلك وضوءًا، ولأن هذه الطهارة لما انتهت إلى حالة لو أحدث لم يجز أن يبتديها لم يجز استدامتها كما لو وجد المتيمم الماء.
مسألة: قال "وَلَوْ مَسَحَ في الْحَضَرِ يُمَّ سَافَر أَتَّمَ مَسْحَ مُقِيٍم".
وهذا كما قال الكلام الآن فيما لو اجتمع الحضر والسفر، فإذا تطهر فلبس خفيه ثم سافر لا يخلو، إما أن يسافر قبل الحدث أو بعده، فإن سافر قبل الحدث، ثم أحدث في السفر فابتدأ المدة من الحدث فيمسح مسح مسافر ثلاثة أيام من الحدث، وإن سافر

الجزء: 1 - الصفحة: 286

بعد الحدث لا يخلو إما أن يسافر قبل المسح أو بعده، فإن سافر قبل المسح نُظر، فإنه كان قبل فوات وقت الصلاة مثل إن أحدث مع الزوال وسافر قبل خروج وقت الظهر، ثم مسح في السفر مسح مسح مسافر.
وقال المزني.
يمسح مسح مقيم، لأن ابتداء المدة كان في حال الإقامة.
وقال القاضي [242 أ/1] الطبري: لا يوجد هذا عن المزني، وله يدل على خلاف هذا، والدليل عليه أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، فكان كيفية فعلها معتبرًا بحال الفعل لا بابتداء وقتها كالصلاة، وينكسر معناه بهذا، وإن سافر بعد خروج وقت الظهر ثم مسح في السفر، فإنه يصلي الظهر صلاة حضر لأنها صارت قضاء، والمسح يكون مسح مسافر.
وقال أبو إسحاق، والمزني: يمسح، مسح مقيم، لأن خروج وقت الصلاة هو بمنزلة التلبس بفعل الصلاة في وجوب إتمامها، فكذلك في المسح، وهذا غلط لأنه سافر قبل التلبس بالمسح فيمسح مسح المسافر كم لو سافر في الوقت، ويفارق الصلاة لأنها تفوت بانقضاء وقتها ويستقر قضاؤها في الذمة، والقضاء مثل الأداء، والمسح لا يقضي بل كل حال يؤتي به يكون أداء فاعتبر بحال فعله، وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم يومًا وليلة من الحدث، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: والثوري: يمسح مسح مسافر، وهذا غلط لأنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كالصلاة [242 ب/1] إذا دخل فيها مقيمًا، ثم سافرت السفينة، وصار مسافرًا يصلي صلاة المقيم، وقال المزني: يبني إحدى المدتين على الأخرى ويقسط ذلك على الزمان، فإن كان مقيمًا فمضى من هذه الإقامة ثلثها من حين الحدث إلى أن سافر فله أن يمسح من السفر يومين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقي من مدة الحضر، وهو ثلثا يوم وليلة، وهذا غلط لأنه إذا اجتمع السفر والحضر في العبادة، إما أن يغلب حكم الحضر دون السفر أو السفر دون الحضر، والجمع بينهم محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يصلى المسافر ركعة من الظهر، ثم نوى الإقامة فيضيف إليها ركعتيه فيصلي الظهر ثلاثًا وهو خلاف الإجماع، ولو لبس الخفين مسافرًا، ثم أقام يغلب حكم الحضر، ويمسح مسح المقيمين، فإن أقام قبل انتهاء يوم وليلة أكملها، وإن أقام بعد انتهائها بطل حكمه، وبه قال جماعة الفقهاء، وقال المزني: ههنا أيضًا يبني إحدى المدتين على الأخرى، فإن كان قد مضى يوم وليلة، ثم أقام، فقد مضى ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا اليوم في الحضر ثلثي هذه المدة فيصلي بعد ذلك المسح [243 أ/1] ثلثي يوم وليلة.
فرع لو سافر، ثم شك ها أنشأ المسح في الحضر أو في السفر أخذنا بالاحتياط، وهو أنه أنشأه في الحضر، فإن ذكر أنه أنشأه في الحضر فقد تحقق ذلك، وإن ذكر أنه أنشأه في السفر كان له إكمالها ثلاثًا من الحدث، وليس هذا كمن شك في صلاته، هل نوى القصر أم لا؟ يلزمه الإتمام، فول زال شكه في الحال لم يجز له إلا الإتمام؛ لأن الصلاة يرتبط بعضها ببعض، فإذا لزمه الإتمام في بعضها لزمه في كلها، والمسحات

الجزء: 1 - الصفحة: 287

بخلاف ذلك، لأنه لو حصلت مسحة بماء نجس أو بغير نية لم تؤثر في غيرها، فإن صلى بعد يوم وليلة، وشكه قائم، فالصلاة باطلة وعليه إعادتها سواء بقي على الشك أو زال، وعرف أنه أن له مسح المسافر، لأنه صلى بالشك فصار كما لو شك في الزوال فصلى الظهر، ثم بان له دخول الوقت حين الصلاة لم يجز.
قال القفال: وعلى هذا الذي ذكرنا، قال الشافعي: المستحاضة إذا توضأت، ثم شكت في انقطاع دمها ليس لها أن تصلي ما لم تتوضأ ولا يقال الأصل أن الدم سائل بل يقال: الأصل أن من أحدث عليه الوضوء إلا أنه جوز لهذه أن تصلي مع الحدث للضرورة، فإذا شكت في زوال الضرورة أو بقائها [243 ب/1] فالأصل عدم الضرورة ووجوب الوضوء، وكذلك قال الشافعي: إذا سافر بنية بلده فدخل بعض البلاد، فلم يدر أنها البلدة التي قصدها أو لا يقصر، لأن الأصل أن الصلاة أربع فلا يجوز دونها إلا بيقين.
فرع آخر الماسح على الخفين إذا لم يبق من وقت مسحه مقدار ركعتين فافتتح الصلاة ركعتين هل يصح الافتتاح، ثم يبطل عند انقضاء المدة أو لا يصح أصلًا؟ قال والدي - رحمه الله -: فيه وجهان، وفائدة الوجهين أنه لو افتتح الرجل خلفه وفارقه عند انقضاء المدة هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان.
مسألة: قال: "وَإِذَا تَوَضَّأَ فَغسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ ثم أَدْخَلَهَا الْخُف".
الفصل وهذا كما قال: المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على كمال الطهارة، وهو أن يفرغ بين وضوءه ويستبح الصلاة، ثم ابتدأ بلبس الخفين، فإن لبس خفيه قبل غسل رجليه، ثم غسلهما في خفيه لا يجوز المسح، ولذلك لو غسل إحدى رجليه، فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى فأدخلها الخف لا يجوز له المسح إذا أحدث، لأنه ابتدأ بلبسه قبل كما الطهارة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، والمزني، وابن المنذر [244 أ/1] وداود: يجوز له المسح في كلا الموضعين.
قال المزني: كيف ما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي، وهذا هو الحجة عليه، وعلى أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرخص في المسح لمن تطهر فلبس خفيه، وها هنا تطهر بعد لبس الخفين، أو لبس الخف الأول قبل كمال الطهارة.
فإذا تقرر هذا، فلو نزع الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عند الشافعي؛ لأن الثانية صارت أولى بعد كمال الطهارة، وقال ابن سريج: إذا نزع الأول يلزمه نزع الثاني كما لو لبسا على الطهارة وأحدث ثم نزع أحدهما يلزمه نزع الآخر وبه قال أحمد وهذا غلط كما ذكرناه ومثاله ما نقول في المحرم إذا اصطاد

الجزء: 1 - الصفحة: 288

صيدًا، فإنه يؤمر بإرساله لحرمة إحرامه، فلو لم يرسل حتى حل من إحرامه فالأمر بالإرسال باق أخذه في وقت لم يكن له أخذه فيه، فإن أرسله، ثم أخذه في الحال حل له حينئذ؛ لأن هذا أخذ جديد بعد الإرسال والإحلال، فكذلك ها هنا إذا نزع الأول ثم لبسه بعد حصول غسل الرجل فهذا اللبس حصل منه على كمال الطهارة، وفي الأول كان قبل إكمال الطهارة [244 ب/1] فلا يحتاج إلى نزع الثاني وجاز له المسح.
مسألة: قال: "وَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّ شَيْءٌ بَانَ مِنْهُ الْرَّجُلٍ، وَإٍنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ".
وهذا كما قال.
الكلام الآن في صفة الخف الذي يجوز المسح عليه، وهو الذي يواري به قدميه، وقوله: مقدم الخف، أراد به موضع القدم، ولم يرد به المقدم الذي هو ضد المؤخر، فإن تخرق منه شيء نُظر، فإن كان مقابلًا لمحل الفرض.
قال في "الجديد": لا يجوز المسح قليلًا كان الخرق أو كبيرًا من موضع أو من غيره، وبه قال أحمد، والحسن بن صالح، وقال في "القديم": يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي فيه، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
وقال مالك: إن كثر الخرق وتفاحشه لم يجز وإلا جاز، وبه قال الليث: وقيل: هو قول الشافعي في "القديم" وهو قريب مما تقدم.
وحكي عن مالك والقديم أنه يجوز إن كان يقع عليه اسم الخف، ويروي هذا عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع إذا كثر لا يجوز المسح وإلا فيجوز.
قال أبو يوسف قال أبو حنيفة: لأن الثلاث هي أكثر الأصابع [245 أ/1] وهذا كله غلط؟ لأنه خف غير ساتر لجميع القدم فلم يجز المسح عليه، كما لو زاد على ثلاث أصابع، فإن قيل: اسم الخف يقع عليه ورود الشرع لجواز المسح على الخف.
قيل: أراد به خفًا يستر جميع القدم، بدليل أنه لو زاد على ثلاث أصابع لا يجوز، وإن كان يسمى خفًا.
فرع لو انفق منه شيء غير مقابل لمحل الفرض، مثل إن قابل الساق أو ما جاوز الكعبين لم يمنع المسح، وإن قطع الخف من فوق الكعبين نُظر، فإن كان واسعًا شاهد الكعبان لم يجز، وإن كان ضيقًا لا يشاهد لضيقه أو كان واسعًا فشده جاز المسح، ولو كان يظهر القدم لمن نظر في الساق لسعة الساق من الأعلى.
قال القفال: لا يضره ويجوز المسح، كما لو بدا من عورته شيء كخرق في قميصه، فإنه لا تجوز الصلاة، ولكن لو صلى على طرف سطحه بحيث لو نظر ناظر من تحته رأي عورته تجوز صلاته، لأنه لا يجب عليه ستر عورته من الأرض.

الجزء: 1 - الصفحة: 289

فرع لو كان في الخف خرق وفيه جورب يواري القدم لم يجز المسح؛ لأن الخف ليس هو بجورب، ولولا الجورب بدا رجله نص عليه في "الأم".
فرع آخر قال: لو انفتقت ظهارة الخف وبطانته صحيحة لا يرى [245 ب/1] منها قدمه جاز المسح له، لأن هذا خف كله.
وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا كانت البطانة صفيقة، مثل أن يكون جلدًا أو خرقًا ألصق بعضها ببعض، فأما إن كانت البطانة رقيقة لا يمكن متابعة المشي عليها لا يجوز المسح عليه.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نص الشافعي وما يوجب تعليله، ولهذا لو كان الخف طباقًا واحدًا فتشقق ظاهره ولم ينفذ فإنه يجوز المسح عليه ويخالف اللفافة، لأنها منفردة عنه، وقال الشافعي بعد هذا: "وكذلك كل شيء ألصق بالخف فهو منه".
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ إَلاَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبانِ مُجَلَّدَتِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ".
وهذا كما قال ساتر الرجل يحتاج إلى ثلاثة شرائط ليجوز المسح عليه: أحدهما: أن يكون ساترًا لجميع القدم إلى ما فوق الكعبين.
والثاني: أن يكون صفيقًا لا يشف الماء لصلابته وصفاقته حين يصب عليه بل يرد الماء.
والثالث: أن يمكن متابعة المشي عليه في الحوائج ولا يشترط أن يمكن مشي الفراسخ عليه، ولا يعتبر بمن في رجله علة تمنعه من ذلك.
فإن تقرر هذا ينظر في الجوربين، فإن كان رقيقين غير مجلدين ولا منعلين لم يجز [246 أ/1] المسح عليهما، وقال أحمد وإسحاق: يجوز المسح إذا كان صفيقًا، وبه قال عمر، وعلي - رضي الله عنهما - وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، وداود، واحتجوا بما روي هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم بال وتوضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
وروي أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح الجوربين، وروي أنس أنه مسح على قلنسوته وعلى جوربيه.
وهذا غلط؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه كالخرقة الملفوفة على الرجل.
وأما خبر الغيرة قلنا: طعن فيه عبد الرحمن بن مهدي، وقال: المعروف عن الغيرة المسح على الخفين ثم نحمله على النعل، ولأنه ذكر فيه النعلين ولا يقولون به، وأما خبر أبي موسى قال أبو داود: ليس بالقوي ونحمله على ما ذكرنا، وإن كانا مجلدي القدمين إلى فوق الكعبين منعلين من أسفل يجوز المسح عليهما قولًا واحدًا، وإن كانا غير مجلدين، ولكنهما صفيقان ظاهر ما نقل المزني أنه لا يجوز

الجزء: 1 - الصفحة: 290

المسح عليهما.
وقال في "الأم": ونقله الربيع: إنه يجوز إذا كان أعلاهما صفيقًا لا يشف [246 ب/1] لأنه لا يصل تلك المسح عليه لصفاقته، ويمكنه متابعة المشي عليه، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، والصحيح أنه يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، والاعتبار بأن يكون صفيقًا منعلًا، وبينه الشافعي في "الأم" صريحًا، وأراد به المزني: الجور بين المعتادين وهو أن يكونا رقيقين، وإن كان مجلدين غير منعلين.
قال القفال: إن كانا تجليدًا غليظًا يمكن متابعة المشي عليه وإلا فلا، وقال الإمام أبو محمد الجويني: لا يختلف المذهب في المنع من ذلك حتى يكونا منعلين فظاهر لفظ المزني يوهم أنه يجوز، وإن لم يكونا منعلين ولكنه استدرك هذا بآخر كلامه حين قال: حتى يقوما مقام الخفين.
وهو ظاهر ما ذكره أهل العراق، وعلى هذا لو كان الجورب متخذًا من السختيان كجورب الصوفية إن كانا ملصقًا بالنعلين ينزعه بنزعهما يجوز وإلا فلا يجوز، الأمر عندي على ما ذكره القفال - رحمه الله - ولعل غيره شرط أن يكون منعلًا لإمكان متابعة المشي عليه، وهذا يؤخذ على ما صوره فليس فيه خلاف في الحقيقة.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز المسح على الجوربين أصلًا، وهذا غلط لأنه في معنى الخف على [247 أ/1] ما ذكرنا، وحكي عن بعض العلماء أنه لا يجوز المسح على الخفين إذا لم يكن له ساق وهو غلط أيضًا كما ذكرناه.
فرع لو لبس خفًا بشرج وهو الذي يكون قدمه كقدم الخف وما علامته جلود قال في "الأم": إن كان الشرج فوق الكعبين جاز المسح عليه سواء شرحه أو لم يشرحه، لأن عدمه لا يمنع المسح فوجوده مشترطًا أولى أن لا يمنه، وإن كان الشرج على موضع الغسل.
قال الشافعي: فإن كان فيه خلل يرى شيء من القدم أو من اللفافة فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل فإنه يجوز المسح عليه، لأنه إذا مشي أو تحرك انفرج وظهرت اللفافة.
فرع آخر لو كان له شرج يفتح ويغلق فمسح عليه، وهو مغلق، ثم فتحه بطل المسح، وإن لم يبن شيء من اللفافة؛ لأنه إن لم يبن في الحال، فإذا مشى بان منه ذلك، مسألة: قال: "وَمَا لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبِّ ومَا قَامَ مَقَامَهُ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال.
السنة وإن قدرت في الخف المعتاد فغيره مقيس عليه، فإذا لبس خفًا من خشب رقيق يمكن متابعة المشي عليه لغلظه ثم يجزأ، إذ لا فرق بين أن لا يمكن متابعة المشي عليه لرقته ولغلظه، وكذلك الخف من اللبد أو الخرق، إذا كان منعلًا

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وأعلاه صفيقًا يجوز المسح [247 ب/1] عليه، وإلا فلا يجوز، لأنه يكون جوربًا، وقال القفال: أكثر يتقرر خف الخشب المقطوع، فإن كان مقطوعًا من فوق الكعبين لا فرص عليه، فلو لبس في رجله الآخر خفًا، ومسح عليه جاز، وإن كان بعض موضع الفرص باقيًا فلبس خف خشب ما ذكرناه، وفي الرجل الأخرى خف أدم يجوز المسح عليهما، وإن لم يلبس في المقطوعة شيئًا لم يجز، ولو كان الخف المتخذ من الخشب محدد الأسفل كما يكون في الغالب خف الأقطع لا يجوز المسح عليه، أو لا يمكن كل لابس متابعة المشي عليه، فلا يسمى باسم الخف.
وقال القفال: إن كان خفه من زجاج فإنه يجوز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل وليس هو كمن ستر عورته بزجاج وظهر من تحته لون العورة لم تجز صلاته؛ لأن القصد منه ستر العورة عن أعين الناظرين، والقصد من الخف اللبس، وقد حصل، وعندي أنه أراد أن يكون الزجاج في غير أسفل القدم حتى يمكن متابعة المشي عليه، فإنه إذا كان في أسفل القدم، وإن كان في الجلد يخاف من متابعة المشي على الغالب في التردد في حوائجه انكساره وجراحة الرجل به، ولا يوجد فيه معنى الخف، ورأيت بعض أصحاب [248 أ/1] أبي حنيفة ينسب هذا إلى الشافعي ويشنع به على المذهب، وهو يرتفع بما ذكرت إن صح عنه هذا اللفظ ولا يصح عنه ذلك، وأطلق سائر أصحابنا، وقالوا: لا يجوز المسح على الخف من حديد أو زجاج، وهو صحيح على ما ذكرنا أنه لا يمكن متابعة المشي عليه إذا كان كله من حديد أو زجاج.
فرع لو لبس خفًا صفيقًا لا يمكنه متابعة المشي معه، فالمذهب أنه يجوز المسح عليه، لأن الخف صالح للمسح عليه في خف صغير القدم، وإنما منعه من المشي كبر رجله.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز المسح عليه؛ لأن المشقة هناك هي في ترك النزع لا في النزع، وهو جوز للرفق ولا رفق هنا، وهذا أقيس وأصح عندي.
مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى خُرْمُوقَيْنِ".
الفصل وهذا كما قال الجرموق هو شيء عل مثال الخف كبير يلبس في البلدان الباردة من شدة البرد فوق الخف، فإذا لبسه على الخف أو لبس خفًا على خف، فإن كان السفلاني.
متخرقًا جاز المسح على الفوقاني، وصار السفلاني كاللفافة، وإن كان الفوقاني متخرقًا، أو لم يكن منعلًا بحيث يجوز المسح عليه لو انفرد لا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، وصار الفوقاني كاللفافة على الخف، وإن كانا صحيحين بحيث يجوز المسح على كل [248 ب/1] واحد منهما على الانفراد ففيه قولان، قال في "الجديد":

الجزء: 1 - الصفحة: 292

لا يمسح عليهما، وبه قال مالك في رواية، ووجهه أنه لا يخلو هذا الفوقاني إما أن يكون بدلًا عن الرجل، أو عن التحتاني لا يجوز أن يكون بدلًا عن التحتاني؛ لأن البدل لا يكون له بدل في الطهارة كالتيمم وليس هو ببدل عن الرجل؛ لأنه لو كان بدلًا عن الرجل لكان إذا نزعه لا يبطل المسح؛ لأن الرجل لم تطهر.
وقال في "القديم" و"الإملاء": يمسح عليهما.
وهكذا لو لبس خفًا ثالثًا على الثاني مسح على الثالث، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق واختاره المزني، وروي ذلك عن مالك، ووجهه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموق وهو الجرموق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الموق هو الخف، ولكن ساقه إلى القصر، واحتج المزني بأن في الجرموق مرفقًا.
قلنا: هو مرفق نادر غير عام فلا حكم له كالقفازين والقلنسوة، فإذا قلنا: لا يجوز المسح عليه قال في "الأم": عليه أن يطرح الجرموقين ثم يمسح على الخفين.
وظاهره أنه إذا أدخل يده في جوف الجرموق ومسح على الخف السفلاني لا يجوز وليس هذا كما لو أدخل يده [249 أ/1] فضعف أمره فلم يجز المسح عليه مع استتاره، واختص بأكمل صفات المسح هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القاضي الطبري: هذا غلط قبيح، والمذهب أنه يجوز لأنه أوصل الطهور إلى محله، فصار كما لو غسل الرجلين في وسط الخفين الواسعين يجوز، والذي قال في "الأم" محمول على الغالب من الجرموق، فإنه لا يتأتى المسح على ما تحتهما من الخف إلا بطرحهما، وهذا هو الصحيح الذي لا يخل أن يقال غيره، والفرق الذي ذكره لا معنى له في تأثير المسح.
وإذا قلنا: يجوز المسح فهل له أن يمسح على الخفين بأن يدخل يده ويمسح عليهما.
قال القاضي الطبري: يحتمل وجهين.
أحدهما: لا يجوز لأنه إذا جاز المسح على الظاهر لم يجز له أن يمسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف، ومسح على ظاهر الجلد الذي يلي رجله لا يجوز.
والثاني: يجوز لأن كل واحد منهما هو محل للمسح، بدليل أنه لو نزع الفوقاني جاز له أن يمسح على التحتاني، فجاز له المسح على كل واحد منهما، وهذا الوجه أصح، ويفارق هذا إذا مسح على ظهر الجلد؛ لأن المأخوذ عليه أن يمسح على ما جرى مجرى القدم في الطهور وناب عنه، ولا يوجد هذا المعنى في [249 ب/1] ظهر الجلد بخلاف مسألتنا، فإن الخف التحتاني جار مجرى القدم في الظهور وإنما ستره غيره، فجرى ذلك مجرى غسل الرجلين في الخف، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ابن سريج قال: على أي معنى يجوز المسح على الجرموقين؟ ذكر أصحابنا ثلاث معان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة إلا على بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل.
والثاني: أن الأسفل كاللفافة والثالث: أن الأعلى مع الأسفل كالبطانة مع الطهارة، وعلى هذه المعاني مسائل منها: إذا مسح على

الجزء: 1 - الصفحة: 293

الجرموقين ثم نزعهما، فإن قلنا بالمعنى الأول وقلنا: فيمن نزع خفيه بعد المسح بغسل قدميه فقط يمسح على الأسفل ويجوز، وإن قلنا هناك أنه يستأنف الوضوء فههنا يستأنف الوضوء ويمسح على الأسفل.
وقال القاضي الطبري: المسح على الجرموقين لا يجوز إلا على القول القديم وفي القديم إذا نزع الخفين يُجدد الوضوء فإذا نزع الجرموق يلزمه أن يجدد ويمسح على الخفين، وفي قوله الجديد: لا يجوز المسح على الجرموقين، فإذا خلعهما بعد المسح يمسح على الخفين، ولا يصح البناء على القولين.
وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الأسفل أيضًا، ثم فيه [250 أ/1] قولان: أحدهما: يغسل الرجلين والثاني: يعيد الوضوء.
وإن قلنا بالمعنى الثالث: لا يلزمه شيء، كما لو نشر موضعًا من خفه أو جميع خفه ونفى ما يمكنه متابعة المشي عليه جاز.
والمسألة الثانية: لو نزع أحد الجرموقين، فإن قلنا بالمعنى الأول يلزمه نزع الآخر، ثم مسح الأسفل أو يستأنف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الكل، وغسل الرجلين أو استئناف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثالث فلا يلزمه شيء وبه قال زفر.
والمسألة الثالثة: لو أراد في الابتداء أن يلبس أحد الخفين وأحد الجرموقين ويمسح عليه، وعلى الخف، فإن قلنا بالمعنى الأول أو الثاني لا يجوز، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز كما لو كان أحد خفيه أغلظ من الآخر.
والمسألة الرابعة: لو لبس الخفين ثم أحدث وتوضأ ومسح عليهما، ثم مسح الجرموقين، فإن جعلناه بدل البدل جاز له أن يمسح عليهما إذا أحدث، وكذلك إن قلنا بالمعنى الثالث لمن أحدث ثم رفع خفه برقعة له المسح على الرقعة، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يجوز ذلك.
وقال القاضي الطبري: قال الداركي: الذي عندي أن لا يمسح لأن طهارة المسح ناقصة.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر [250 ب/1] أنه يجوز؛ لأن المستحاضة تمسح على الخفين فوضوءها وطهارة الماسح هي آكد من طهارة المستحاضة، والصحيح ما قاله الدراكي؛ لأن مدة المسح لا تخلو إما أن تعتبر من حين الحدث الذي كان قبل لبس الجرموق، أو من الحدث الذي بعد لبسهما، فإن كان يعتبر من الثاني يؤدي إلى أن يستبيح أكثر من مدته، وإن كان من الأول لا يجوز؛ لأن أول المدة لا يجوز أن يكون سابقًا للبس الخف الذي يمسح عليه، فإذا أبطل القسمان بطل جواز المسح عليهما، وهذه العلة أولى مما ذكره الداركي، فإن قيل: يعتبر من الحدث الأول وتكون مدة المسح على الجرموقين مبنية على مدة المسح على الخفين قبل المسح على الجرموقين ليس ببدل عن المسح على الخفين على هذا القول، ولا نائب منابه، وإنما هو بدل عن الغسل، ونائب عنه فلا يجوز اعتباره بغيره، ولا بناء مدة المسح عليه على

الجزء: 1 - الصفحة: 294

مدة المسح على غيره.
وقيل: هذا بناء على القولين أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث عن الرجلين، فإن قلنا يرفع فيجوز وإلا فلا يجوز، ولأنه ليس على حدث.
والمسالة الخامسة: لو أحدث ولم يمسح على الخف حتى لبس الجرموق، فأراد أن يمسح [251 أ/1] عليه.
قال القفال: فإن قلنا بالمعنى الأول والثاني: لا يجوز، لأن من يجوز المسح أيضًا، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز لأن من لبس خفًا ثم أحدث ثم رقع الخف يجوز له المسح عليه، وقال غيره: لا يجوز المسح عليه بحاًل قولًا واحدًا، لأنه لبسه على حدث، وهو الصحيح ولو تطهر ولبس الخف، ثم لبس الجرموق على طهر يجوز المسح قولًا واحدًا.
فرع لو لبس خفًا على الجبائر فهو كالجرموق على الخف، ولا يجيء على المذهب غيره ذكره أهل العراق.
فرع آخر لو تيمم عند عدم الماء ولبس الخفين بعد كمال التيمم، ثم رأي الماء بطل تيمهه، وعليه الطهارة، وغسل الرجلين ولا يجوز له المسح على الخفين؛ لأنهما طهارة ضرورة فزالت بزوالها.
وبه قال عامة أصحابنا، وقال ابن سريج في زيادة الطهارة إذا تيمم للظهر بعد دخول وقتها ولبس الخف، ثم وجد الماء قبل أن يصلي الظهر ثم توضأ ومسح على الخفين، وصلى الظهر والنوافل، قال: ولو صلى الظهر ثم وجد الماء توضأ ومسح على الخفين، وصلى ما شاء من النوافل والأول أصح [251 ب/1].
قال القفال: وكذا الوجهان فيمن ببعض أعضائه جراحة يغسل الصحيح ويتيمم للجريح ولبس الخف، ثم أحدث فأراد المسح على الخفين للفريضة الأولى التي تيمم لها، هل يجوز أم لا؟ فأما من توضأ وتيمم ولبس الخف، ثم برأ جراحه، ولزمه غسله فغسله، ثم أحدث فلا يمسح على الخف إذا توضأ وجهًا واحدًا؛ لأنه لما برأ جراحه بكمال طهارته بغسل الموضع الذي برأ فيحصل لابسًا للخف قبل كمال الطهارة.
فرع آخر لو تطهرت المستحاضة ولبست الخفين، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين، وصلت الفريضة الواحدة، وما شاءت من النوافل، وإن كانت صلت الفرض، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين وصلت ما شاءت من النوافل، فإن أرادت أن تقضي فائته أو دخل عليها وقت فريضة أخرى يلزمها نزع الخفين وغسل الرجلين.
والنكتة في ذلك هو أن المستحاضة استباحت بوضوئها فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فجاز لها أن تمسح على الخفين إذا أحدثت للصلاة التي استباحها بوضوءها الذي لبست عليه الخفين.
وأما الصلاة التي لم

الجزء: 1 - الصفحة: 295

تستبح بوضوءها لم يجز لها أن تصليها بالمسح [252 أ/1] على الخفين.
وقال القفال: فيه وجهان أحدها: هذا، والثاني: ليس لها أن تمسح على الخفين أصلًا؛ لأن جواز صلاتها مع الحدث الدائم رخصة جوزت للضرورة، ولا حاجة إلى تجوير مسح الخف في خفها، والرخصة في مسح الخف، وردت لمن كملت طهارته لا لمن نقصت طهارته، والأول أصح.
وقال زفر: لها أن تمسح على الخفين يومًا وليلة؛ لأنها لبست الخف طاهرة، وهذا غلط كما ذكرنا.
فرع آخر لو انقطع دمها قبل أن تصلي أو بعد ما صلت الفريضة عليها نزع الخفين واستأنف الوضوء بغسل الرجلين، وهذا هو الدليل على بطلان قول ابن سريج؛ لأنه جوز للمتيمم أن يمسح على الخفين إذا وجد الماء، ولم يجوز ذلك للمستحاضة إذا انقطع دمها، فإن قيل: الفرق أن طهارتها تتبعض من أصلها بانقطاع دمها ويتبين أن وضوءها لم يكن صحيحًا بخلاف المتيمم إذا وجد الماء، فإن التيمم يبطل في الحال قبل انقطاع دم المستحاضة يوجب بطلان وضوءها في الحال، ولا يتبين به بطلانه من أصله فلا يسلم، فإن قيل: انقطاع دم المستحاضة في الصلاة تبطل صلاتها فجاز أن يمنع انقطاع الدم المسح على الخفين دون وجود [252 ب/1] الماء للمتيمم.
قيل: إنما افترقا في الصلاة لأن وجود الماء مع الحائل لا يمنع الصلاة, والصلاة حائل بخلاف انقطاع الدم، وههنا الانقطاع، ورؤية الماء سواء في بطلان الطهارة التي لبس الخف عليها فيجب أن يستوى هذا الحكم فيهما.
فرع لو مسح على الخفين، ثم أخرج قدميه أو أحدهما من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح، نص عليه في "الأم" في باب ما ينقض مسح الخفين.
ويستحب أن يبتدئ الوضوء، ولو غسل رجليه فأدخلهما الخف، ثم أحدث قبل أن يستقر القدم في قدم الخف، لم يجز له المسح، والفرق أن الاستدامة هي أكد من الابتداء، كما يقول في العدة والإحرام يمنعان ابتداء النكاح ولا يمنعان استدامته، ولأن الأصل في المسألة الأولى استباحة المسح، فلا يزول حكمه إلا بالنزع التام والأصل في المسألة الثانية أن لا يستباح المسح، فلا يستباح إلا باللبس التام، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر صاحب "الإفصاح": أن الشافعي ذكره في "القديم" ولم يحك عن الجديد شيئًا، وبه قال الأوزاعي.
وقال القاضي أبو حامد في جامعه: إذا أخرج قدميه من الخف أو أزالهما عن موضعهما مخرجًا [253 أ/1] لهما حتى صارتا غير مستقرين في قدم الخف، وصار

الجزء: 1 - الصفحة: 296

إلى حال لو لم يكن ساق الخف طويلًا رئي بعض ما عليه الوضوء، أو فعل ذلك بإحدى رجليه، وبطل المسح، وقال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح عندي، وما قاله في "الأم" محتمل للتأويل؛ لأنه قال فيه: "أحببت أن يبتدئ الوضوء" ولا يبين أن ذلك عليه وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهذا لأن استقرار الرجل في الخف هو شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل المسح كاستئثار الرجل في الخف لما كان شرطًا إذا ظهر بطل.
فرع قال في "البويطي": ينزع الخف لغسل الجمعة والعيدين والإحرام، وسائر الغسلات، وإذا حضرت المرأة الجمعة اغتسلت ونزعت خفيها، وتنزع لغسل العيدين حضرت أو لم تحضر، ولسائر غسلاتها.
وجملته أن في الغسل لا يجوز المسح على الخفين، والرجال، والنساء في ذلك سواء.
فرع آخر لا يجوز المسح على خف من جلد الكلب والخنزير وجلد ميتة إلا أن يكون مدبوغًا، ولو دميت القدمان في الخفين أو وصلت إليهما نجاسة يجب خلع الخفين [253 ب/1] وغسل القدمين نص عليه في "الأم": ولو غصب خفًا أو سرقه فلبسه، قال عامة أصحابنا: يجوز المسح عليه، وقال ابن القاضي في "التلخيص" لا يجوز، وهو قول داود؛ لأن اللبس معصية والمسح رخصة ولا تستباح الرخصة بالمعصية، وهذا غلط؛ لأن المعصية لا تتعلق باللبس بل تتعلق بالغصب، فأشبه الذبح بسكين مغصوب والتوضاء بماء مغصوب، فإن قيل: يقضى باللبس أكثر من الإمساك لأنه استعمال فالمعصية تختص باللبس، ولأنه إنما يجوز المسح لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع فلا ينبغي أن يعذر فيه، قلنا: وإذا توضأ بالماء المغصوب فقد استعمل أيضًا، وزاد في التعدي فينبغي أن لا يجوز.
وأما المشقة فحاصله في تكليف غسل الرجلين، وهو عاص بأصل الغصب ويؤمر بترك الغصب ولا يختص ذلك بالنزع وتركه.
فرع آخر لو لبس خفًا من ذهب، هل يجوز المسح عليه؟ قال: فيه وجهان كما في المغصوب.
مسألة: قال: "وَلَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وقال في "القديم" وكتاب أبي ليلى يَتَوَضَّأُ".
وهذا كما قال: إذا نزع خفيه بعد المسح هل يلزمه غسل الرجلين فقط أو يلزمه استئناف الوضوء؟ قال في "الأم" [254 أ/1] و "القديم": يستأنف الوضوء.
ورواه

الجزء: 1 - الصفحة: 297

المزني عن كتاب ابن أبي ليلى، وقيل: لم يقطع به في كتاب ابن أبي ليلى بل ذكر فيه قولين، وإنما قطع به في "القديم" فالمزني أخل بالنقل.
وقال في "البويطي"، وحرملة: أحببت أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن لم يفعل وغسل رجليه أجزأه، وهذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور واختاره المزني، وبالقول الآخر.
قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك والليث بن سعد: إن تطاولت المدة يلزمه الاستئناف، وإن غسل قدميه وجب النزع جريًا على أصلها في وجوب الموالاة، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا مبني على جواز تفريق الوضوء، والذي قال في "الأم" وكتاب ابن أبي ليلى أنه يتوضأ، أراد استحبابًا؛ لأن مذهبه في هذين الكتابين جواز التفريق، وبين أصحابنا هذا غير مبني على هذا، لأن الشافعي أمر بالوضوء في "الأم" ونص فيه على جواز تفريق الوضوء، وإنما فيه القولان سواء مسح على الخف، ونزع في الحال، أو نزع بعد لمدة وتفريق الوضوء إذا كان قليلًا لا يضر، ولأنه تفريق بعذر فلا يبطل الوضوء قولًا واحدًا، فصح أنهما قولان بأنفسهما ومعناهما [254 ب/1] أن الحدث ارتفع عن الرجل بالمسح أولًا، فإن قلنا: لم يرتفع لم يلزمه عند نزع الخف ألا يتيمم الوضوء الأول بغسل الرجلين، وإن قلنا: ارتفع فلما نزع الخف انتقض الطهر في الرجلين، وانتقاض الطهر لا يتبعض كما لو أحدث فبطل في الكل، ووجه قول من قال: يرفع الحدث عن الرجل أنه مسح بالماء، فرفع الحدث كمسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع بين فريضتين، وبه فيرفع الحدث، ووجه قولنا لا يرفع الحدث أنه يبطل حكمه بظهور الأصل فلا يرفع الحدث كالتيمم، وقيل: البناء على هذين المعنيين لا يصح أيضًا؛ لأن مسح الخفين، وإن لم يرفع الحدث عن الرجلين منذ كملت به الطهارة، فإذا بطل فقد انتقص بعضها وجرى ذلك مجرى انتقاضها في الكل لأنها لا تتبعض منهما قولان بأنفسهما من غير البناء على هذين المعنيين، ووجه قولنا يلزمه الوضوء ما ذكرنا، ووجه قولنا: يكفيه غسل الرجلين ما قال المزني مسح الخفين باب غسل الرجلين خاصة فظهورهما يبطل النائب دون غيره كما يبطل التيمم برؤية الماء، ويجب ما ناب عنه التيمم، فإن قيل: أليس المقيم يستوعب الأعضاء عند وجود الماء الذي هو الأصل، [255 أ/1] فكذلك الماسح إذا نزع الخف وجب أن يستوعبها.
قلنا: لأن التيمم ناب عن كلها بخلاف المسح فإنه ناب عن الرجلين فقط فافترقا.
فرع لو نزع الخف وأخر غسل الرجلين طويلًا، فإذا قلنا: إذا لم يؤخر استأنف الوضوء فههنا أولى، وإن قلنا: لا يستأنف ويكفيه غسل الرجلين فيه قولان للتفريق الحاصل، وهذا لأن التراخي الذي وقع من ساعة المسح إلى ساعة النزع كان معذور، وكان المسح فيه نائبًا عن الغسل، فكأنه لم يفرق، وبعد النزع ذهب حكم المسح فتأخير غسل الرجلين يكون تفريقًا بغير عذر فيكون فيه قولان.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

باب كيفية المسح على الخفين

قال: أخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَي.
. . وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
قال: السنة في المسح على الخفين هي أن يمسح أعلى الخف وأسفله، وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: السنة مسح الظاهر دون الباطن.
وبه قال أنس، وجابر والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود.
واحتجوا بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى [255 ب/1] بالمسح من ظاهره، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهره".
وهذا غلط؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنه قال: وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله، وخبرهم محمول على الجواز، ويرجح بالقياس، وهو أنه محل يجازي محل الفرض، فأشبه الظاهر.
فإذا تقرر هذا فيكفيه ذلك أن يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمرر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وإنما يفعل ذلك لأنه أمكن وأسهل، ولأن اليد اليسرى للمباشرة الأذى، وأسفل الخف محل القذرات واليمني بعد ذلك.
ولهذا قلنا: إذا أخذ الماء لمنخريه وأدخل فيهما بيمينه ينثره بيساره، وأما من تحت الخف ويدًا من فوقه، ثم يمسح مسحة واحدة تبلغ يده حد الوضوء.
وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في مختصر الطهارة أن يمسح على العقب فقد قيل: يمسح عليه قولًا واحدًا.
والذي نقله المزني: يحتمل أنه يريد به أنه يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون بقية راحته على [256 أ/1] عقبه.
وقيل قولان: أحدهما: يمسح عليه لأنه يحاذي محل الفرق والثاني: لا يمسح عليه لأنه موضع صقيل ويفسد ذلك بالمسح، وفي إيصاله إلى العصون التي فيه مشقة والأول أصح.
فرع لو كان على باطن الخف نجاسة فدلكه بالأرض، وقلنا: تجوز الصلاة فيه بالدللك في أحد القولين لا يمسح عليه، لأنه إذا مسح عليه زاد التلويث، فيلزمه حينئذ غسل اليد وغسل باطن الخف.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

مسألة: قال: "وَإِنْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنَ الْخُفَّ وَتَرَكَ الْظَّاهِرَ أَعَاد، وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْظَّاهِرِ وَتَرَكَ الْبَاطِنَ أَجُزَأَهُ".
وهذا كما قال.
لا يجوز الاقتصار بالمسح على باطن الخف، هكذا نقله المزني وقال أبو إسحاق: يجزيه، والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي، وهذا لأنه موضع من الخف محاذي محل الفرض كالظاهر، وقال ابن سريج: لا يجوز كما ذكره المزني، ولا خلاف فيه بين المسلمين، وقول أبي إسحاق: إنه لا يعرف ذلك للشافعي غلط؛ لأنه نص في "مختصر البويطي" في آخر باب المسح على الخفين على أنه لا يجوز، فقال: "وإن مسح أسفله ولم يمسح أعلاه أعاد كل صلاة صلاها بهذا المسح".
ونص عليه في الإملاء أيضًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه موضع من [256 ب/1] الخف لا يرى غالبًا، فلا يجوز الاقتصار بالمسح عليه، لأنه لا يمتنع أن يكون البدل في موضع محل الفعل، كالتيمم لا يجوز إلا في الوجه واليدين خاصة.
وقال القفال: فيه قولان، والأقيس جوازه، وإن كان ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وفي هذا نظر.
فرع لو أدخل يده في ساق الخف ومسح على الداخل لم يجز بلا خلاف، وأبو إسحاق أول قول المزني بهذا، ولو اقتصر بالمسح على أعلاه بلا خلاف أنه يجوز.
فرع آخر لو اقتصر على مسح العقب، فإن قلنا: إنه سنة أجزأه، وإن قلنا: لا يسن، فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالساق.
والثاني: يجوز، لأنه يقابل محل الفرض، وقيل: وجه واحد أنه يجوز؛ لأنه موضع من الخف يحازي محل الفرض يرى غالبًا، فوجد فيه علة أبي إسحاق، وعلة ابن سريج.
مسألة: قال: " وَكَيْفَ مَا أَتَى بِالْمَسْحِ عَلَى طُهْرِ الْقَدَمِ بِكُلَّ الْيَدِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: عندنا المفروض منه ما يقع عليه الاسم قل أو كثر، وبأي شيء مسحه به من يد أو خشبة بيده جاز.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاثة أصابع بقدر الممسوح والممسوح به، حتى لو مسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع رجل الماسح وهي [257 أ/1] الخنصر، وهذا لا معنى له؛ لأن التقدير على هذا الوجه لا يوجد إلا توفيقًا، ولم يرد ذلك.
وقال أحمد: لا يجزيه إلا مسح الأكثر من القدم؛ لأن الحسن البصري قال: سنة

الجزء: 1 - الصفحة: 300

المسح خطط بالأصابع.
قلنا: هذا مرسل فلا يلزمنا القول به، وأراد بالسنة المستحب، ونحن نقول به.

باب الغسل للجمعة والأعياد

مسألة: قال الشافعي: "والاخْتِيَارُ في السُّنَّةِ لِكُلُ مَنْ أَرَادَ الْجُمْعَةِ الاغْتِسَالُ لَهَا".
وهذا كما قال: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة.
قال الشافعي رحمه الله:" ما تركته قط ولا يجب عندنا".
وقال مالك:"هو واجب يقضي بتركه إلا أن صلاة الجمعة تصح بدونه" وقيل: هذا مذهب داود ولا يصح عنه.
وروى عن الحسن أنه قال:"هو واجب".
وقال كعب الأحبار:"لو لم أجد ماء إلا بدينار في يوم الجمعة لاشتريته واغتسلت به".
واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
ومعناه كل بالغ، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
(257 ب/ 1) وقوله فبها، أي بالفريضة أخذ.
ونعمت: يعنى الخلة الفريضة.
وقيل: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة السنة.
وقال والدي رحمه الله: يحتمل أنه أراد به الضوء من الحدث بنية رفع الحدث والجمعة، ويحتمل أنه أراد الوضوء المجدد بنية التجديد والجمعة فيبقى للجمعة اختصاص من هذا الوجه، كالجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة والجمعة تجوز عنهما، ويحتمل أن يقال: إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة للجمعة، وإن كان دون الفضل.
وإذا نوى ذلك قياسًا على أحد القولين في الجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة يصح الغسل عنهما.
قلت: ويحتمل أن يقال: أراد به التجديد للجمعة على الاختصاص، وهذا أشبه عندي؛ لأنه مدحه على ذلك لكونه في يوم الجمعة.
وقد روى أبو سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أتى أحدكما الجمعة فليتوضأ بنيتها" وروى أنس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل أفضل" والغسل من السنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 301

وأيضًا فقد قال علي- رضي الله (258 أ/ 1) عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة وليس بواجب".
وروى ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوتر علَّى فريضة وهو لكم تطوع".
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن لم يغتسل فيها ونعمت".
وروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت".
وهي تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فهو أفضل وهي من السنة.
وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من السنة الغسل يوم الجمعة ". وأيضًا روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عرش، فيفرقون فتفوح منهم رائحة الضأن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو اغتسلتم" وهذا لفظ ندب وإرشاد لا لفظ إيجاب، وروى أنها قالت: كان الناس مهَّان أنفسهم.
والمهان جمع الماهن وهو الخادم، تريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم.
واحتج الشافعي عن عمر وعثمان- رضي الله عنهما- وعام الخبر ما روى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يخطب (369 ب/ 1) على المنبر يوم الجمعة فدخل عثمان- رضي الله عنه- فقطع الخطبة وقال لعثمان: آية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما زدت على أن توضأت وحضرت.
فقال عمر: والوضوء أيضًا أي واقتصرت على الوضوء، وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل.
فقال الشافعي:"لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ عُثْمَانَ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ" فهذا دليل من فعلهما جميعًا على ما ذكرنا.
وقال القفال: في هذا دليل من فعلهما دليل على أنه يجوز للمحتشم الذي يوسع الناس له أن يتخطى رقاب الناس، وإنما يكره لمن لا يرى له هذا الإيجاب، وهو كما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهادي بين اثنين فخرقوا له الصفوف حتى وصل إلى المحراب، لأن الطهارة تراد الصلاة، فلو كانت واجبة لما صحت الصلاة دونها، أو يقول: لأنها طهارة مأمور بها من غير حدث فلا يجب كالغسل للإحرام وأما خبرهم: قلنا: أراد به وجوب الاختيار، كما يقال: حقك علَّي واجب، ونحو ذلك.
والدليل على هذا ما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". والسواك لا يجب بالإجماع (259 أ/ 1).

الجزء: 1 - الصفحة: 302

فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن فيمن يستحب له الغسل، فاعلم أن القصد من هذا الاغتسال التنظيف وقطع الرائحة الكريهة، ولهذا خص الشافعي به من أراد صلاة الجمعة، ولا يستحب لمن لم يحضرها بخلاف غسل يوم العيد فإنه يستحب لمن يريد الحضور ولمن لا يريد؛ لأن ذلك للزينة وإظهار السرور، ولا يسن للمسافر إذا لم يرد أن يصليها.
وقال أبو ثور: يسن هـ ذلك، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من جاء إلى الجمعة فليغتسل"، وهذا أخص.
فرع قال أصحابنا: ويستحب للصبيان أن يقتدوا بهم إذا أرادوا حضور الجمعة وإن قال صلى الله عليه وسلم""على كل محتلم".
فرع آخر إذا أرادت المرأة أن تحضر الجمعة يستحب لها الغسل.
وقال أحمد: لا يستحب؛ لأنها غير مخاطبة بالجمعة.
وهذا غلط للخبر الذي ذكرناه.
وأما ما ذكر فإنه ينتقض بالعيد.
فرع آخر غسل الجمعة هل يستحب على من كان من أهلها ولكن ممنوع بعذر؛ فيه وجهان: أحدهما سنة، لأن زوال عذره مجوّر، ولزم الجمعة له ممكن.
والثاني: لا يسن، ذكره في "الحاوي"، والأول أظهر عندي، وبه قال جمهور أصحابنا.
فرع آخر (259 ب/ 1) إذا اغتسل للجمعة بعد الفجر ثم أجنب لم ينتقض، ولو استأنفه ناويًا كان أولى.
وقال الأوزاعي: يعيد غسل الجمعة.
وهذا غلط؛ لأنغسل الجمعة تنظيف، فإذا تعقبه غسل الجنابة زاده تنظيفًا فلا يعيد.
فرع آخر قال القفال: فإن لم يجد الماء فتيمم حاز الفضيلة ويتصور في قوم في بلد توضأوا

الجزء: 1 - الصفحة: 303

ثم نفذ ماؤهم وانقطع، فتيمموا.
ويتصور في الجريح في غير مواضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
فرع آخر قال في "الأم": وعلى قياس هذا أحب التنظيف لكل من أراد حضور وطن يتجمعون فيه الناس، للطاعة والقربة بالاغتسال والسواك وحلق الشعر والتطيب.
مسألة: قال:" وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعٌدَ الْفَجْرِ".
وهذا كما قال.
الكلام الآن في وقت غسل الجمعة، وله وقتان: وقت استحباب ووقت جواز.
فالاستحباب هو وقت الوراح إلى الجمعة.
وأما وقت الجواز: فهو ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الفجر لا يجوز.
وقال الأوزاعي: لو اغتسل قبل طلوع الفجر يوم عيد الفطر، وهذا غلط؛ لأن غسل (360 أ/ 1) للجمعة قبل الفجر فلا يجوز كما لو راح بعد طلوع الفجر.
وأما في العيد: إذا اغتسل قبل الفجر، قد قيل: فيه قولان: وإن سلمنا بالفرق أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر، فجوزنا قبله بخلاف الجمعة فإنها بعد الزوال.
وقال مالك: يحتاج أن يغتسل بعد الفجر ويروح، فإن أخر الرواح لم يجر.
وقال القفال: رأيت مالك في الموطأ مثل مذهبنا، والدليل على قوله صلى الله عليه وسلم:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" فاعتبر اليوم ولم يفصل.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنه".
ثم للتراض قلا يجب عقيبه.
مسألة: قال:"وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَل إنما أَجْزَأَهُ".
وبه قال أبو حنيفة وجماعة، وحكى عن مالك: لا يجوز حتى يفرد كل واحد منهما لاختلاف موجبهما، وهذا غلط، لأنه يكفي لغسل الجنابة والحيض غسل واحد، كذلك هاهنا، وقد روى نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غسلًا واحدًا.
وإن نوى بغسله الجنابة أجزأه عن الجنابة.
وأما عن الجمعة: قال أبو إسحاق: قال المزني في" الجامع الكبير" (260 ب/ 1): يجزيه عن الجمعة والجنابة؛ لأن القصد من غسل الجمعة التنظيف وقد حصل.
وقال الربيع: قال في "الإملاء": لا يجزيه عن الجمعة، ولأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 304

نوى التبرد لا يجوز عنه، وإن حصل المقصود كذلك هنا، وإن اغتسل ولم ينو الجنابة ولا الجمعة لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأن كلها قربة تفتقر إلى النية، وإن اغتسل بنية الجمعة دون الجنابة، قال أصحابنا: لا تجزيه عن الجنابة قولًا واحدًا، وليس كالمحدث توضأ لقراءة القرآن ظاهرًا، أو الجنب اغتسل للعبور في المسجد يجوز له أن يصلي به في أضعف الوجهين، لأن المقصود من غسل الجمعة النظافة دون رفع الحدث بخلاف ذلك، فإنه يتضمن رفع الحدث.
وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه وجهان، والمذهب أنه يجزيه؛ لأنه نواها.
والوجه الآخر لا يجزيه، لأنه لا تحصل النظافة.
مع الجنابة.
ومن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي وهو غلط.
وقال في "الحاوي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزي عنهما.
والثاني: يجزي عنهما.
والثالث يجزيه عن الجمعة وحدها (231 أ/ 1) وهو اختيار جمهور أصحابنا.
والمستحب إذا كان جنبًا يوم الجمعة أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل للجمعة حتى يكون قد فعل أكمل الوجوه، ذكره أصحابنا.
فرع لو اغتسل بنية العيد حصل بعد غسل الجمعة، ولو اغتسل بنية الجمعة حصل به غسل العيد قولًا واحدًا بخلاف المسألة قبلها في أحد الطريقتين؛ لأن ذلك جنسان نفل وفرض، وهاهنا هما نقلان.
مسألة: قال:"وَأَحِبُّ الْغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيَّتِ".
الفصل وهذا كما قال: الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب.
وقال في التقديم: أوجبه للاختيار فيه.
وقال في موضع من "الجديد": لو ثبت الخبر قلت به.
يعني بوجوبه، وأراد به ما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي- رضي الله عنه- بعد ما غسل أباه "اغتسل" ولم يفرق بين غسل الميت والمسلم والكافر في هذا، وإنما قال: "إن صح الخبر".
لأن في إسناده ضعفاء.
وقيل: إنه موقوف على أبي هريرة.
ومن أصحاب الجديد من خرج لصحته مائة وعشرون طريقًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

واختلف أصحابنا في هذا، فمنهن من قال قول واحد أنه (261 ب/ 1) لا يجب، وإن صح الخبر، ولفظه يحمل على الاستحباب والاختيار.
وقيل: معنى قوله: "فليتوضأ" أي ليكن على وضوء لتتهيأ له الصلاة على الميت.
ومنهم من قال: فيه قولان.
فإذا قلنا: يجب، فقد قيل: إنه غير معقول المعنى، ويؤمر به تعبدًا للشرع وهو الصحيح.
وقيل: إنما وجب لأن الميت نجس والماء الذي يلاقيه نجس، فلا ينفك من يغسله عن نجاسة تصيبه، منه، ولا يعرف مكان فيلزمه غسل كل بدنه.
وقيل: إن لم نقل الميت نجس فلا نأمن أن تصيبه نجاسة مما يخرج منه، فأمر بالغسل للاحتياط.
أو لما جاز أن يجب علينا أن نغسله جاز أن يجب علينا الغسل لغسله.
وهذه وجوه ضعيفة.
وأما الوضوء بمسه فلا يجب، وتأويله كما ذكرنا كما قال: "ومن حمله فليتوضأ" على معنى أن يكون على وضوء عند حمله لئلا تفوته الصلاة عليه.
وقيل: أراد مس ذكره.
وقيل: أراد غسل اليد، فكذا في الوضوء من حمله أراد إذا باشر الحامل شيئًا من بدنه يغسل يده.
وروى عن أحمد أنه قال: يجب الوضوء من مسه، والغسل لا يجب إن شاء الله.
وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء".
فدل أنه لا يجب الغسل من غير خروج الماء بحق الظاهر، ولأن غسل (262 أ/ 1) آدمي فلا يوجب الغسل، كما لو غسله حيًا، ولأنه مس آدميًا لا يقصد به الشهوة فلا وضوء عليه كما لو مس حيًا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا يسن الغسل من غسله، ولا الوضوء من مسه.
وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
مسألة: "وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ للأَعْيَاَدِ هو سُنَّةٌ اخْتِيَارًا".
وهذا كما قال: غسل العيد والجمعة سواء في الأحكام إلا في شيئين.
أحدهما: أنه يستحب ذلك لجميع الناس، كالغسل للإحرام دون هذا.
والثاني: يجوز قبل الفجر في قول.
وقال في "البويطي": ويغتسل للعيدين قبل الفجر وبعده.
وقال القاضي الطبري: لا أعرف للشافعي غير هذا، فالمسألة على قول واحد بخلاف غسل الجمعة.
وقال أبو حامد: قال في "الأم": لا يجوز الغسل لها قبل الفجر كالجمعة.
فالمسألة على قولين، وجملة مسنونات الغسل في غير الحج أربعة: غسل الجمعة، وغسل العيد،

الجزء: 1 - الصفحة: 306

والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم.
ولم يذكر الشافعي في هذا الباب الأخير، وقد ورد به الخبر، وإن لم يكن لزمه الغسل أصلًا.
مسألة: قال: "وَأَوْلَى الغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسلُ الْمَيَّتِ".
الفصل وهذا كما قال: ليس بعد الغسل الواجب من غسلين (265 ب/ 1) غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت، ثم اختلف في قوله في الأوكد بعد الغسل الواجب، فقال في القديم: واجبًا، وبين أن لا يصح فيكون مستحبًا.
وقيل: فيه وجه ثالث: هما سواء.
واحتج المزني بأن الخبر إذا لم يثبت في الغسل من غسل الميت وثبت في غسل الجمعة فهو آكد، ثم أكد بأن من مس خنزيرًا أو ميتة لا غسل عليه ولا وضوء، فكيف يجب في أخيه المؤمن ذلك.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه لو ثبت الخبر في الميت وجب، لأن اللفظ أمر مطلق، فيخاف إذا تركه أن يكون تاركًا للواجب، وهناك يتيقن أنه لا يترك واجبًا، وليس كمس الخنزير، ولأن للآدمي من الحرمة ما ليس لغيره، ولا ينكر وجوب الغسل والوضوء من مماسة ما له حرمة كما لو مس فرجخ، فإنه يلزمه الوضوء بخلاف ما لو مس خنزيرًا أو فرجه.
والجواب عن هذا أنه لم يثبت الخبر فيه، ولا ذهب أحد من السلف إلى وجوبه، ومذهب مالك وجوب الغسل للجمعة فلا يكون ذلك آكد منه.

باب حيض المرأة، وطهرها، واستحاضتها

(263 أ/ 1) قال: قال الله تعالى: ﴿َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
(البقرة: 222)، الآية وهذا كما قال.
اعلم أن الحيض دم يرخيه الرحم عند بلوغها في أوقات معتادة، وأوصله من قولهم: حاض السيل إذا أفاض وسال.
وحاضت الشجرة: إذا أخرجت صمغها حتى سال منها.
والأصل فيه هذه الآية.
قال الشافعي: أراد المحيض الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، كما يقال: سار سيرًا ومسيرًا ويكون تقديم الكلام: فاعتزلوا النساء في زمن حيضهن.
وقيل: المحيض عبارة عن الفرج لأنه موضع الحيض، كما يسمى موضع البيتوتة مبيتًا، وموضع القيلولة مقيلًا، ويكون تقديره: اعتزلوهن فلا تجامعوهن في الفرج.
وما قاله

الجزء: 1 - الصفحة: 307

الشافعي أولى؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه أذى، والأذى هو الدم لا الفرج ولا الزمان.
ولهذا قال: " حَتَّى يَطْهُرْنَ" (البقرة:222)، وأراد يطهرن منه، وإنما يطهرن من الدم.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يتعلق بالحيض أربعة عشر حكمًا يوجب حكمين ويمنع الباقي.
فالذي يوجب البلوغ به، والغسل.
ويتعلق بالرفع حكمان: المنع من الاستمتاع والطلاق.
ويتعلق بالعدة حكمان: يمنع الاعتداد بالشهور ويمنع الدخول في العدة الشرعية ويختص (263 ب/ 1) ويتعلق بالمسجد ثلاثة أحكام: اللبث فيه، والاعتكاف، والطواف.
ويتعلق بالصلاة ثلاثة أحكام تمنع وجوبها، وفعلها، وقراءة القرآن.
ويبقى حكمان: حمل المصحف، والمنع من الصوم دون وجوبه.
وقيل: خمسة عشر، وذلك أنه يمنع صحة الغسل؛ لأن الجنب إذا حاضت لا يصح غسلها عن الجنابة، وهذا يرجع إلى تعليق الغسل به؛ لأن الغسل لا يفيد شيئًا لوجوبه بالحيض.
وقيل: يتعلق به اثني عشر حكمًا، ولم يحسب هذا القائل البلوغ، والغسل به، وصحة الغسل، وما ذكرناه أصح.
وقال القفال: جملته أن ما منعت الجناية منه منع الحيض منه وزيادة أربعة أشياء: وجوب الصلاة، وجواز الصوم، وإتيان الزوج، وكون الطلاق سببًا، قلت: ويمنع الاعتداد بالأشهر، والدخول في العدة الشرعية فالزيادة هي ستة لا أربعة.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحيض إذا وجد ممن قد بلغت تسع سنين حكمنا ببلوغها؛ لأنه زمن تحيض له الجارية ويبلغ فيه الغلام بالاحتلام.
قال الشافعي في "الأم": وأعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحيض لتسع، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة ولم يذكر الجدة تحديدًا أقل سن تكون فيه جدة.
وإنما (264 أ/ 1) أخبر عما رآه، فقد تكون جدة لها تسع عشرة سنة تحمل ولها تسع، وتضع بعد ستة أشهر ثم تحمل هذه الجارية لتسع وتضع بعد ستة أشهر، فيكون تسع عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: إذا رأت الدم وقد دخلت في تسع سنين ولم تكمل التاسعة، هل نحكم بكونه حيضًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم لأنه يقال لها بنت تسع والثاني: لا نحكم وهو الأصح.
وتسع سنين هل هي حد تقريب أو حد تحقيق؟ وجهان: أحدها: أنه تحقيق يتعين الحكم بنقصان يوم.
والثاني: تقريب فلا يضر نقصان يوم أو يومين، وهذا أقرب عندي.
ومن أصحابنا: قال: حد القرب هو أن لا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يسع لحيض أو طهر، ولو رأت قبل الستع موصولًا بالتسع، وقلنا: إنه تحديد فإن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة، وبعد التسع قدر يوم وليلة، فإنا نجعل الكل حيضًا.
وإن رأت

الجزء: 1 - الصفحة: 308

قبل التسع يومًا وليلة وبعده دون يوم وليلة لم يجعل حيضًا.
وإن كان المجموع يبلغ قدر أقل الحيض بعضه قبل التسع وبعضه بعد التسع هل يجعل حيضًا؟ وجهان.
وأما الغسل فقد ذكرنا حكمه كيف يجب بالحيض.
وأما الطلاق فلا يحل (264 ب/ 1) في حال الحيض بغير عوض.
وأما العدة قفلا تدخل المقعدة في العدة الشرعية ما دامت حائضًا حتى تطهر.
وأما الاعتداد بالشهود فلا يكون إلا في حق من لا تحيض.
وأما اللبث في المسجد فلا يجوز لها كالجنب.
وأما العبور ففيه كلام سنذكره إن شاء الله، وأما الاعتكاف فيه فهو عين اللبث في المسجد، وكذلك الطواف.
ويفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها.
وأما الصلاة فقد روى أن امرأة سألت عائشة- رضي الله عنهما- عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: لا.
فقالت لها: فمال بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت كنا ندع الصوم والصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضي الصوم دون الصلاة.
وقولها:" أحرورية أنت" تعني من أهل حروراء أنت؟ وأكثر أهل حروراء خوارج، وإنما زجرتها ولم يتبين لها دليلًا؛ لأن تلك المرأة لم تكن أهلًا لذلك، ولم تكن ممن تقيم الحجة، وتمنع القراءة لأنها أسوأ حالًا من الجنب، ويمنع الصوم دون وجوبه.
والفرق بين الصوم والصلاة من حيث المعنى: هو أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه ربما يفسد من شهر رمضان خمسة عشر يومًا ولا يشق قضاء ذلك في باقي السنة.
والصلاة تتكرر (2365 أ/ 1)، فإذا قضت في كل شهر أدي إلى المشقة، ولأن الصوم لم تبن على أن تؤخر ثم تقضى، بل لا تجنب في مواضع، ومتى وجبت لم يجز تأخيرها بعذر.
والصوم بنى على ترك بعذر المرض، أو السفر والقضاء بعده، فجاز لها أن تترك أيضًا ثم تقضيه، ولهذا يترك المسافر ركعتين لا إلى القضاء ويترك الصوم إلى القضاء.
وأما الاستمتاع بها فهو على ثلاثة أضرب؛ محظور، ومباح، ومختلف فيه فالمحظور: هو الوطء في الفرج، كقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]. وروى أن اليهود كانوا يعتزلون الحيض أشد الاعتزال فلا يواكلوهن، ولا يشار بوهن، ولا يساكنونهن في بيت واحد، ولا يتناولونهن الطعام إلا برأس خشبة.
والنصارى كانوا يخالطون الحيض أكثر من مخالطة الطاهرات، يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فلما جاء الإسلام سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فظن المسلمون أنهم أمرور بمثل ما تفعله اليهود، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:" وأكلوهن وشاربوهن وضاجعوهن، وافعلوا بهن كل شيء إلا الجماع ". فقالت اليهود: لا يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فسمعه سعد بن عبادة، فأراد مغايظتهم، فأتى [265 ب/1]

الجزء: 1 - الصفحة: 309

رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن اليهود قالت كذا وكذا، فأذن لنا في جماعهن، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه قد وجد عليه.
وروى أبو داود في سننه أن سيد بن حضير وعباد بن بشر سالا ذلك منه فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، قال: فخرجنا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعض في آثارهما فسقاهما، وظننا أنه لم يجد عليهما.
وهذا أصح عندي.
وقوله:"تغير" هو مصحف، ومعنى تمعر أي تغير، والأصل في التمعر قلة النظارة.
وقوله:"فظننا أنه لم يجد عليها" أراد علمنا، فالظن الأول حسبان والظن الآخر علم ويقين، فأن بادر فوطئ فإن كان جاهلًا بالتحريم أو الحيض، أو بوجوب الكفارة فلا كفارة عليه، وإن كان عالمًا بع ففيه قولان، قال في"الجديد": "لا كفارة عليه ويتوب إلى الله تعالى ويستغفر الله تعالى منه" وقال في"القديم":"إن كان في إقبال الدم تصدق بدينار، وإن كان في إدباره تصدق بنصف دينار" وذلك يجب على الزوج في ماله، ويصرفها إلى الفقراء والمساكين، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، [266 أ/1] وإسحاق.
وحكي عن أحمد أنه قال:"يتخير بين الدينار ونصف الدينار".
ووجهه ما روى مقسم عن ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي أهله وهي حائض:"يتصدق بدينار أو نصف دينار".
وروى": من أتى امرأة حائضًا فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
وقيل: قال الشافعي في مواضع:" إن صح هذا الحديث قلت به".
وروي:" ومن أتاها بعد ما رأت الطهر ولم تغتسل فعليه دينار".
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جامع امرأة وهي حائض في أو الدم فليتصدق بدينار، وإن جامعها في لآخر الدم وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
ووجه قوله الجديد وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ما روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقوله، أو أتى امرأة في دبرها، أو حائضًا، فقد برئ مما جاء به محمد" ولم يذكر الكفارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 310

وروي أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في منامي كأنني أبول دمًا.
فقال: يوشك أن تطأ امرأتك وهي حائض، قال: [266 ب/1] استغفر الله ولا تعد.
ولم يوجب الكفارة، ولأنه وطء حرم لأجل الأذى فلا تجب به الكفارة كالوطء في الدبر.
وأما الخبر الذي ذكروه وروي موقوفًا على ابن عباس ولا يثبت مرفوعًا، وألفاظه مختلفة، ويحتمل الاستحباب، ولهذا إنه حير بين الدينار ونصفه.
وروي عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال:" يجب إعتاق رقية"، وبه قال سعيد بن جبير.
وروى عن الحسن البصري أنه قال:" يلزمه نا يلزم من المجامع في نهار رمضان"، وبه قال عطاء الخراساني، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفراييني:" أراد بإدبار الدم انقطاع دمها ووطئها قبل الاغتسال فيتصدق بنصف دينار.
وأما قبل الانقطاع فيجب دينار وإن كان في آخره" وسائر أصحابنا قالوا: إدبار الدم هو أن يقل ويقرب الانقطاع فإذا تقرر هذا، فإذا انقطع دمها لا يحل له وطئها أيضًا، وسواء انقطع لأكثر الحيض أو لأقله، أو لما بينهما حتى تصير إلى صفة تسبيح الصلاة بالغسل عند وجود الماء، وبالتيمم عن عدمه.
وبه قال الزهري وربيعه، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لعشرة أيام-وهي أكثر مدة الحيض عنده-[267 أ/1] حل وطئها وإن لم يغتسل.
وإن انقطع دمها لدون العشر لا يحل وطئها ما لم تغتسل أو يمر عليها وقت الصلاة.
وعندنا مرور وقت الصلاة لا يبح الوطء بحالٍ.
وقال أيضًا: لا يحل وطئها بالتيمم حتى تصلي بالتيمم.
وقال مكحول: لا يحل وطئها بالتيمم أصلًا.
وقال طاوس ومجاهد: إذا لم تجد الماء يحرم وطئها حتى تتوضأ ثم تحل.
واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]، يعني من الحيض، وهو انقطاع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعنى اغتسلن بالماء ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:222]، يعني في القبل دون الدبر، وقد قرنت هذه الآية (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء، يعني يغتسلن.
وأما الاستمتاع المباح فهو مباشرتها فوق الإزار، والإزار عبارة عما بين السرة والركبة، وهو قدر عورة الرجل.
وأما المختلف فيه فمباشرتها بما تحت الإزار ما دون الفرج، نص الشافعي أنه حرم خوفًا أن يصيبه منها أذي.
ذكره في أحكام القرآن و"الأم" وبه قال مالك: وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
قال أبو إسحاق بن خيران وحكاه صاحب"الحاوي" عن مالك هو

الجزء: 1 - الصفحة: 311

حلال.
وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واختاره ابن المنذر.
وروي ذلك عن الشعبي والنخعي.
وقال [267 ب/1] بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان.
قال في "القديم": لا يحرم ذلك، وهذا غريب.
وقيل وجهان، والصحيح ما ذكرت.
ووجه القول الثاني ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اصنعوا كل شيء غير النكاح".
وروى عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة، فحضت فانسللت، فقال صلى الله عليه وسلم:"مالك؟ أنفست"؟ قلت: نعم.
فقال:" ائتزري وعودي إلى مضجعك".
فائتزرت وعدت، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع.
وقال عائشة-رضي الله عنها-:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا في فوج حيضتنا أن نَتَّزِرَ ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه".
وفوج الحيض هو معظمه وأوله، يقال: فاج وفاع بمعنى واحد.
والإرب: مكسورة الألف، والأرب مفتوحة الألف والراء كلاهما واحد، ومعناه: وطر النفس وحاجتها.
ووجه القول الصحيح ما روي عن عائشة-رضي الله عنها- قالت قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي يحل للرجل من امرأته الحائض؟ فقال:" ما فوق الإزار:.
وقال أبو [268 أ/1] الفياض من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أنه كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج، وأما لضعف شهوته أو لقوة تحرجه، جاز الاستمتاع بذلك، وإن لم يضبط نفيه فلا يجوز، لقول عائشة:" وأيكم يملك إربه" الخبر.
فرع لو تلوث بدم الحيض ما عدا ما بين السرة والركبة هل يحل مباشرتها في موضع تلوثها بالدم؟ هذا لا فيه للشافعي, وقال أصحابنا: لو قيل يحرم ذلك كما يحرم ما تحت الإزار لم يبعد.
ولو قيل: لا يحرم لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرح بغير واسطة بلم يبعد أيضا، وهذا أصح وهو فرق واضح، فصار ذلك بمنزلة سائر النجاسات إذا أصابها لا يمتنع الاستمتاع.
فرع آخر لو قصد رحل غشيان زوجته فزعمت أنها حائض، وهكذا كلما رغب فيها قالت هكذا، ولا يعرف الرجل ميقات حيضها وطهرها، فكل مكان يصدقها فأنها حائض لا يحوز له

الجزء: 1 - الصفحة: 312

وطئها، وكل زمان لا يصدقها فله وطئها ولا يقبل قولها، ويفارق هذا إذا قال: أما إن حضت فأنت طالق، فقالت حضت يقع الطلاق وإن كذبها؛ لأن التقصير من جهته حيث علق الطلاق بأمر لا يعرف إلا بالقول منها، وأما الإباحة [268 ب/1] والتحريم بالحيض فهو أمر شرعي، ولم يحد من جهة الزوج تقصير فلا يلزمه قولها فيه.
فرع آخر الحائض هل هي مخاطبة بصوم رمضان؟ وجهان: احدهما: أنها مخاطبة بدليل وجوب القضاء.
والثاني: أنها لا تكون مخاطبة؛ لأنها ممنوعة منه بسبب عي غير مفرطة ولا لها قدره على إزالة المانع والقضاء وحب بأمر ثان.
مسألة: قال:" وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَّمُ نَظَرَتْ".
الفصل وهذا كما قال.
أراد أنه اتصل دم الحيض بدم الاستحاضة، والاستحاضة تخالف الحيض اسمًا وحكمًا ومحملًا، ولا يمنع الاستحاضة ما يمنع الحيض، وخروجه من عرق خارج الرحم، يقال له: العاذل، في أدنى أول الرحم، وخروج الحيض من الرحم، ثم الاستحاضة تنفصل من الحيض، فإن يكون في حال نقصان السن أو لنقصان القدر، بأن يكون دون يوم وليلة، وقد يتصل بالحيض دم الاستحاضة بأن يجاوز الدم أكثر مدة الحيض، فيعرف أن بعضه حيض، وبعضه استحاضة.
والأصل في هذا أن الشافعي-رحمه الله- رجع في أقل الحيض وأكثره، وفي أقل الحمل وأكثره، وأقل سن تحيض فيه الجارية، وأقل سن تيأس به المرأة من الحيض وأقل [269 أ/1] الطهر، وأكثر النفاس إلى الوجود، ومعنى الوجود ما جرى به عرف العادة، وهذا لأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولا تقدير له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، كالإحراز، وكالقبض والتفرق في البيع.
فإذا ثبت هذا وجد الشافعي-رحمه الله- أقل سن تحيض له الجارية لتسع سنين.
فإن رأت قبل التسع فهو دم فساد ولا يتعلق به حكم الحيض.
وإن رأت لتسع سنين فإن لم يتصل يومًا وليلة فهو دم فساد أيضًا، وإن اتصل يومًا وليلة فهو حيض، فإن زاد على ذلك لا يخلو إما أن يتجاوز خمسة عشر أو لا يتجاوزها فإن لم يتجاوزها مثل إن انقطع لتمامها أو لما دونها فهي حائض.
وإن غير خمسة عشر فهي مستحاضة ودخلت الاستحاضة في الحيض، ولا تمنع الاستحاضة صحة الحيض؛ لأن الاستحاضة مرض وسقم، والحيض عادة وصحة، والسقم يطرأ على الصحة، والصحة على السقم، فإذا صارت مستحاضة نذكر حكم المستحاضة.
وجملته: أن المستحاضة على أربعة أضرب: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تميز

الجزء: 1 - الصفحة: 313

لها، ومن لها تميز وعادة، ومن لا تمييز لها ولا عادة.
والأصول منها ثلاثة مميزة ومعتادة [269 ب/1] ومن لا تمييز لها ولا عادة، وكلها في المختصر على هذا الترتيب، والتي لها تمييز وعادة فرع من هذه الأصول، لأنها جمعت ضفة أصلين، ولكل أصل من هذه الثلاثة أصل في الشريعة ثبت به، فالأصل في المميزة حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي".
وروي أنه قال:" إنما هو داء عرض أو عرق انقطع، توضئي لكل صلاة" وروى أنه قال لها:" إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما عو عرق".
أو ردها إلى التمييز.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حبيبة بنت جحش:"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
وقد استحيضت سبع سنين، ولا يقول لها صلى الله عليه وسلم هذا إلا ويعرف إقبالها وإدبارها بعلامة ينفصل لها من الأمرين، وهي بأن تراه زمانًا أسود ثخينًا فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقًا مشرقًا [270 أ/1] فذلك إدبارها.
وروى عن ابن عباس-رضي الله عنه- أنه قال:"إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي".
وأراد البحراني: الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الدم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته.
والأصل في المعتادة: ما روى عن أم سلمة-رضى الله عنها- أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر ثوب ثم لتصل" الاستثفار هو: أن تشد توبًا تحتجر به تمسك موضع الدم لتمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر، قالت عائشة -رضي الله عنها-: رأيت مركنها ملآن دمًا.
والمركن: شبه الجفنة الكبيرة.
والأصل في التي لا تمييز لها ولا عادة: ما روى عن حبيبة بنت جحش، قالت:

الجزء: 1 - الصفحة: 314

كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت رسوله الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش [270 ب/1] فقلت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، وإنه لحديث ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال:" ما هو يا هنتاه"؟ فقلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها معنى الصوم والصلاة.
فقال:"فإني أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم"، وقيل:" أبعث لك الكرسف" وهو مصحف عندي.
قلت: هو أكثر من ذلك، قال:"فتلجمي" قلت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قلت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًا، قال:"سأمرك بأمرين أيهما فعلت أجزاك عن الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، إنما عي ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعة وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرني الظهر وتعجلي العصر فتغسلي وتجمعي بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك".
قال [271 أ/1] رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهذا أحب الأمرين إلي".
قال الشافعي: واحتمل هذا أمرين: أحدهما: أنه كان لها عادة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عادتها إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا، فلا تكون المستحاضة إلا أصلان مميزة ومعتادة.
والثاني: أنه لم يكن لها عادة، بل كانت مبتدأة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غالب عادة النساء إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا وهو أخد قولي الشافعي فيكون هذا أصلًا ثالثًا في التي لا تمييز لها ولا عادة وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكمها.
وقال أصحابنا: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تيقنه، من أحد العددين، وحكاه صاحب الشامل هذا عن الشافعي.
والدليل على هذا أنه قال:" في علم الله"، أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وقد ترك بعض أصحابنا القول بهذا الخبر، لأن في رواية كلامًا، وصار في المبتدأة التي لا تمييز لها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين، فلا تترك الصلاة إلا أقل مدة الحيض وهو يوم وليلة [217 ب/1] ثم تغتسل وتصلي سائر الشهور وهذا أحد قولي الشافعي.
وقوله:" أنعت لك الكرسف" يعني: القطن وقوله:" أثج ثجًا": فإن الثج شدة السيلان.
وقوله:

الجزء: 1 - الصفحة: 315

" إنما هو ركضة من ركضات الشيطان": فأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتضرب برجلها، ومعناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبس عليها في أمر دينها، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا على فعل الشيطان، كهو في قوله تعالى: ﴿َأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ﴾ [يوسف:42].
وقد روى أصحابنا في المستحاضة الناسية للوقت المتحيرة في أمرها: أن حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها بالغسل لكل صلاة، وروت زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي.
وروت عائشة-رضي الله عنها- أن سهلة بنت سُهيل استحيضت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب [272 أ/1] والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح.
والشافعي-رحمه الله- لا يقول بهذا الجمع، فإذا تقرر هذا، بيني كل واحدة منهن ويذكر حكمها.
فالمميزة: هي التي لا إعادة لها، هي المبتدأة ترى الدم ثم يتصل بها وينفصل بعضه عن بعض ما يقع التمييز به، وذلك يكون بلون وريح ورقة.
فاللون يكون الأول أسود، ثم يتغير إلى الحمرة.
قال الشافعي: يكون أسود محتدمًا وأرد بالمحتدم: الحار كأنه محترق.
يقال: احتدم النهار إذا اشتد حره.
وأما الريح: يكون الأول رائحة، ثم تزول.
وأما الرقة: أن يكون الأول ثخينًا، ثم يرق فيصفر أو يشرق، فإذا تميز شيء من هذا، فإنما يتعلق حكم التمييز إذا اجتمع شرطان: أحدهما: أن لا يزيد الأسود أو الأحمر على أكثر الحيض.
والثاني: أن لا ينتقص عن أقل الحيض؛ لأنه إذا زاد على أكثر الحيض لا يجوز أن يجعل جميع الأسود حيضًا.
وإذا نقص عن اليوم والليلة لا يجوز أن يكون حيضًا.
فإذا وجد هذان الشرطان رددناها على الدم السود، وجعلناه حيضًا، وقضت ما زاد عليه من الصلوات هذا في الشهر الأول.
فأما في الشهر الثاني تترك الصلاة في الدم الأول، فإذا تغير وصار بعد السواد أحمر تغتسل وتصلى ولا تنتظر إلى آخر [272 ب/1] خمسة عشر، وإنما تنتظر في الشهر الأول فقط إلى خمسة عشر لتنظر هل ينقطع لتمام الخمسة عشر أو يختلط به دم الاستحاضة.
فأما الشهر الثاني فقد حكمنا بأنها مستحاضة وعرفت أمر نفسها فلا تؤخر الصلاة.
وأما المعتادة التي لا تمييز لها: هي أن يكون لها عادة مستقرة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر اتصل الدم وزاد على العادة على لون واحد، وقول الشافعي: وكان مشتبهًا إلى لون الدم مشتبهًا شبه بعضه بعضَا، فإنها تؤخر الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لخمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة تغتسل حين عبر، ثم تقضي ما بعد العادة، وتقعد في كل شهر بعد الأول عن الصلاة في أيام

الجزء: 1 - الصفحة: 316

العادة، وتغتسل عقيبها وتصلي ولا تؤخر، وتكون على يقين الطهر، ولا يجئ فيه قول الاحتياط.
وأما التي لها تمييز وعادة: مثل إن كان لها عادة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر زادت العادة وتغير الدم، فإنها تقعد عن الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لتمام خمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة فتنظر عقيبه فإن تغير عند انتهاء العادة واتصل فهذه امرأة قدر عادتها وتمييزها [273 أ/1] واحد تغتسل حين يعبر وتقضي ما بعد الأول، وإن تغير بعد أن جاوز العادة، مثل إن كانت العادة خمسة أسود فاتصل في هذا الشهر الأسود عشرة، ثم تغير إلى الحمرة واتصل، فالمنصوص أن التمييز مقدم على العادة.
وبه قال جمهور أصحابنا، وهذا لأن التميز اعتبار صفة الدم في الوقت، والعادة هي اعتبار صفة ما مضاى فالصفة في الوقت أولى.
وقال ابن خيران، والاصطخري: العادة مقدمة على التمييز، وبه قال أحمد: لأن العادة أسبق فلا تبطل بالتأخير، ولأن العادة لا تختلف والتمييز يختلف، وهذا لا يقوى؛ لأن العادة تختلف أيضًا في الشهور كالتمييز.
وإذا قلنا العادة مقدمة قضت ما بعد العادة.
وإذا قلنا التمييز مقدم قضت ما بعد التمييز.
فأما ما بعد هذا من الشهر فلا تؤخر الصلاة عقيب العادة إن اعتبرنا العادة، ولا بعد التمييز إن اعتبرنا التمييز.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز وإنما الاعتبار بالعادة.
قال: فإن لم يكن لها تمييز وكان لها عادة استظهرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام، وإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، ثم بعد ذلك هي مستحاضة لا حيض لها.
وروى عنه أنه قال: إذا انقضى الدم الأسود فقعد [273 ب/1] ثلاثة أيام استظهارًا.
فأما التي لا تمييز لها ولا عادة: فهي المبتدأة إذا طبق بها الدم بصفة واحدة أو بصفتين، إلا أن السواد يزيد على خمسة عشر أو ينتقص عن يوم وليلة، فيكون ذلك تمييزًا فاسدًا لا اعتبار به، فتتوقف عن الصلاة.
فإن انقطع لجون خمسة عشر ولتمامها فهو حيض، وإن غير فهي مستحاضة.
وفي مقدار حيضها قولان: أحدهما: اليقين، وهو يوم وليلة, وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وزفر، وهذا لأن الزيادة على اليوم والليلة مشكوك فيها فلا يعمل فيها.
والثاني: غالب عادة النساء، وهي ست أو سبع والباقي طهر، وبه قال عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد في رواية.
ووجهة خبر حمنة بنت جحش وظاهره أنها كانت مبتدأة لأنه لم ينقل أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، وروي البويطي قولًا ثالثًا: أنها ترد إلى أقل الحيض وأقل الطهر وليس بمشهور.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنها تقعد خمسة عشر يومًا حيضًا.
وروي ذلك عن

الجزء: 1 - الصفحة: 317

أحمد.
وعن أحمد رواية رابعة أنها ترد على عادة نسائها.
وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض.
وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة [274 أ/1] بالأقل، وفي وطء الرفع بالأكثر.
فإذا قلنا بالقول الأول اغتسلت وقضت ما بعد يوم وليلة.
وإذا قلنا بالقول الثاني قضت ما بعد ست أو سبع.
وأما في الشهر الثاني إذا مضى وقت حيضها تغتسل وتصلي ولا تتوقف عن الصلاة.
فإذا قلنا ترجع إلى غالب عادة النساء فالست والسبع علي التخيير أو على الاجتهاد؟ وجهان: أحدهما: على التخيير أي العددين شاءت؛ لأن كل واحد منهما قد ثبت لا لعرف فيه، وعلم الرسول أن كل واحد منهما عادة غالبة في النساء فخيرها.
والثاني: أنه على الاجتهاد فتجتهد في الأغلب منهما وتعمل على ما ثبت عندها أنه أغلب، وهذا هو المذهب، والرسول صلى الله عليه وسلم عرف أن أحدهما هو الغالب فأمرها بالاجتهاد في أغلبهما، قال ابن سريج: وعلى هذا الوجه يحتمل وجهين: أحدهما: أنها تجتهد في الغالب من هذين العددين في عادة نسائها من قبيلتها وعشيرتها، ولا تعتبر نساء العصبات كما في مهر المثل، بل تعتبر بجملة نساء أهل بيتها من طرفي نسبها وهو المذهب، وهذا لأن طبعها إلى طباعهن أقرب.
وذكر بعض أصحابنا نساء العصبات، وهو غلط ظاهر.
الثاني: تعتبر نساء الدنيا في بلدها خاصة، فإذا [274 ب/1] قلنا: ترد إلى يوم وليلة فما حكمها وبعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان: أحدهما: لها من للطاهرات تتوضأ لكل صلاة.
وثانيهما: زوجها، ويصح صومها وصلاتها فيها.
ولفظ الشافعي في"الأم": يحل لزوج المستحاضة وطئها إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تستعمل للاحتياط فلا يأتيها زوجها في ذلك الوقت، وتغتسل لكل صلاة، ولو صامت فيها أو طاقت قضت؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك زمان الحيض، والأصل بقاء الفرض فالاحتياط، هكذا نص عليهما في"الأم" والصحيح الأول؛ لأن حكمنا بأنه زمان طهر، فلا يجوز أن لا يكون لها فيه حكم الطاهرات بخلاف المتحيرة؛ لأن هناك لم يتقدم طهرها المشكوك حيض بيقين.
وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز وطء المستحاضة وبه قال أحمد، إلا أن بخاف العنت على نفسه؛ لأن بها أذى, وهذا غلط لأن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها طلحة-رضي الله عنه- يجامعها، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكان يطأها مستحاضة، والظاهر أن ذلك كان بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول الشافعي في"المختصر": لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] 275 أ/

الجزء: 1 - الصفحة: 318

1] قرئ بالظاء المعجمة، وقرئ بالطاء، وقصد به مالكًا -رحمه الله- فبالطاء غير المعجمة: هو اشتقاق من الطهارة، وهو طلب الطهر.
وبالظاء المعجمة: اشتقاق من الاستظهار وهو الاستعانة بها لاستيقان الطهر والاحتياط.
والدليل على بطلان قوله: إنما لم يجعل بعض الدم طهرًا مع أن الاحتياط فيه أبلغ، فلأن لا تجعل بعض الدم الأضعف حيضًا أولى.
واحتج بأن الدم الأسود لا ينقطع ثمره بل يرق ويشرق ويصفر، ثم ينقطع.
فلينظر ثلاثة أيام كذلك، قلنا: هذا لا يوجد في المعتادة وأنت تأمرها بالاستظهار ثلاثة أيام.
فإذا تقرر هذا، فنذكر الآن حكم الصفرة والكدرة، ثم نشتغل بالتفريع.
قال الشافعي هاهنا: والصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ واختلاف أصحابنا في معنى ذلك، فقال عامة أصحابنا: المراد به أيام الإمكان وإن لم تكن عادة كالدم السود.
وبه قال سعيد بن المسيب، وربيعة ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد، وقال الإصطخري: المراد به أيام العادة دون أيام الإمكان، فإن ذات الصفرة في غير أيام العادة ويكون دم الاستحاضة، وإن أمكن فيه الحيض.
وبه قالت عائشة، وعطاء رضي [275 ب/1] الله عنهما.
قال أبو إسحاق المروزي: إلى هذا كنت أذهب، حتى رأيت الشافعي يقول في أول كتاب"العدة": الصفرة والكدرة حيض، والمبتدأة فيهما سواء.
فدل أنه لا فرق بين العادة وغيرها، وحكى ابن أبي هريرة زجهًا ثالثًا عن بعض أصحابنا، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، أنه إن تقدم دم أسود ولو بعض يوم، فالصفوة التي بعده هي حيض مع الأسود.
وإن لم يتقدم دم أسود لا يكون حيضًا، قال القفال: وإلى هذا الوجه الثالث أشاء الشافعي في"كتاب العدة"، قال لو اعتدت امرأة قرءين ثم رأت في القرء الثالث دفعة سواء، ثم رأت صفرة أو كدرة حتى جمد يومًا وليلة ثم انقطع قدرًا انقضت عدتها.
يعني بالطعن في هذه الدفعة التي كملت بالصفوة يومًا وليلة.
فحصل من هذا أن لصفوة والكدرة حيض في أيام العادة بالاتفاق.
وقيل: إن مراد الشافعي به أن لا ترى المرأة في أيام عادتها دمًا سائلًا، ولكنها إذا استدخلت قطنة أو خرقة، ثم استخرجت فرأت عليها صفرة أو كدرة، فإنه يحكم لها، بحكم الحيض كالدم السائل، وفي أيام الإمكان ثلاثة أوجه.
قال داود: لا يكون حيضًا أصلًا، والمذهب الأول؛ لأن كل دم كان حيضًا [276 أ/1] في وقت العادة كان حيضًا في

الجزء: 1 - الصفحة: 319

غير وقت العادة كالدم الأسود.
ولأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وهذا يتناول الصفرة والكدرة.
واحتجوا بما روي عن أم عطية-وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا".
وقال علي-رضي لله عنه- في الصفرة والكدرة بعد الطهر: ليس بحيضة، ولا تترك لها الصلاة.
وحكاه أبو سليمان الخطابي عن الثوري والأوزاعي، قلنا: روي أصحابنا عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت:"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا" وقولها أولى، وقال أبو يوسف في رواية الطحاوي: إنها قد رأت يومًا وليلة دمًا، ثم رأت بعد صفرة أو كدرة فهو حيض وإلا فلا.
وحكي عنه أنه قال: الصفرة حيض والكدرة حيض إلا أن يتقدمها دم أسود.
وقيل: هذا قول محمد أيضًا.
فصل في التفريغ على هذا إذا كانت تحيض من أول كل شهر خمسة أيام وتطهر في الباقي، فرأت في بعض الشهور في تلك الخمسة صفرة أو كدرة، وانقطع كانت الصفرة والكدرة حيضًا في ظاهر المذهب.
وقول الإصطخري: ولا يكون حيضًا في الوجه الثالث، وإن كانت عادتها خمسة في كل شهر [276 ب/1]، فلما كان في هذا الشهر رأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة إلى تمام خمسة عشر فما دونها ثم انقطع، فالدم الأسود حيض وأما الصفرة والكدرة ففي قول الإصطخري لا تكون حيضًا، وفي قول غيره تكون حيضًا وإن كانت المسألة بحالها قرأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام، ثم رأت خمسة أسود وانقطع، قال ابن سريج هاهنا: هذه الصفرة هي بمنزلة دم الاستحاضة ولا تكون حيضًا، وهو قول الإصطخري: فإن قلنا: لا تلفق الدماء فالكل حيض، وإن قلما: تلفق بجمع الدم الأسود إلى الدم الأسود، فيكون حيضها غيره، والصفرة والكدرة طهر بينهما، ووجه هذا أن عادة دم الحيض أنه إذا تطاولت به الأيام يرق ويضعف، فيعمل على أنه بقية الحيض.
وإن رأت دمًا أسود بعد ذلك لا يمكن أن يحمل على البقية والضعف بطول الأيام؛ لأنه لو كان كذلك ثم جاء بعده دم أسود فجعلناه طهرًا بخلاف ما إذا لم ير بعده دمًا أسود، فإن كانت بحالها فرأت مكان الصفوة والكدرة دمًا أحمر؟ قال ابن سريج: الكل حيض الأسود والأحمر معًا.
قال: والفرق بينهما أن الأحمر إلى السواد أقرب، بالحيض أشبه [277 أ/1]، والصفرة والكدرة إلى النقاء أقرب، وبالطهر أشبه على المذهب في كلتا المسألتين

الجزء: 1 - الصفحة: 320

حيض.
وإن كانت العادة في أول كل شهر خمسة أسود وخمسة وعشرون طهرًا، فلما كان في هذا الشهر رأت الدم على العادة ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام فهل يكون حيضًا أم لا؟ على الوجوه، لأنها في وقت الإمكان.
وإن رأت المبتدأة خمسة أيام صفوة أو كدرة وانقطع، أو رأت أقل من خمسة غير صفرة، فعلى قول عامة أصحابنا حيض، وعلى الوجهين الآخرين ليس بحيض.
فصول في التفريع على كل واحدة من المستحاضات الأربع الذي تقدم ذكرهن.
الفصل الأول منها في التفريغ على المميزة التي لا إعادة لها، إذا كانت من أهل التمييز كما شرطناه تعتبر كل حيضة بنفسها في كل شهر سواء اتفقت الأيام أو اختلفت إلى زيادة أو إلى نقصان أو إليهما.
فالاتفاق أن يرى في أول كل شهر خمسة أيام دمًا أسود وباقية أحمر، والاختلاف على الزيارة أن يرى في الأول يومًا أسود ثم يصير أحمر، وفي الثاني يومين أسود، وفي الثالث ثلاثة أسود.
والاختلاف إلى النقصان أن يكون الأسود في الأول: [277 ب/1] خمسة، وفي الثاني: أربعة، وفي الثالث: ثلاثة، وفي الرابع: يومين، والاختلاف إلى النقصان والزيادة معًا أن يكون في شهر خمسة، وفيما بعده أربعة، وفيما بعده ستة.
وعلى هذا فيكون أيام الأسود حيضًا والباقي استحاضة، ولا يعتبر حكم شهر بشهر آخر، لأن التمييز شاهد في نفس الدم، فاعتبر كل دم تشاهده.
وجملته: أنها لا تخلو من أربعة أحوال: إما أن ترى أولًا أسود، ثم أحمر، أو ترى أسود ثم أحمر ثم أسودن فيكون أحمر بين أسودين.
أو ترى أولًا أحمر ثم أسود، أو ترى أحمر ثم أسود ثم أحر فيكون أسود بين أحمرين.
فإن رأت أسود ثم أحمر مثل إن رأت أولًا خمسة أسود ثم صار أحمر، فإن لم يغير خمسة عشر فالكل حيض؛ لأن التمييز إنما يعتبر عند حصول الاستحاضة ولم يحصل هاهنا؛ لأنه لم يعبر خمسة عشر التي هي أكثر الحيض.
وإن عبر ذلك أو رأت خمسة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل، فالأسود حيض والأحمر بعدة استحاضة.
فإن رأت ستة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل فكأنه لا تمييز لها بحيضها في أول الأسود، وكم تحيضها؟ على ما ذكرنا من القولين، فإن رأت خمسة أسود ثم طهرت يومًا أو يومين ثم عاد أحمر [278 أ/1] وعبر فالأسود حيض، والنقاء طهر، والدم بعد استحاضة؛ لأنه لو اتصل الأحمر بالأسود كان استحاضة، فإذا انفصل بطهر لا يحتسب أولى أن يكون استحاضة فأما الأحمر بين أسودين: أن ترى خمسة أسود وخمسة أحمر، ثم صار أسود وعبر، فالخمسة الأولى حيض وما بعده من الأحمر والأسود معًا استحاضة؛ لأن الأسود الأخير عبر ولم نقف على أكثر الحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 321

وإن رأت الأسود يومًا وليلة، ثم أحمر عشرة، ثم أسود أربعة، ثم صار أحمر واتصل، قال ابن سريج: ما بعد الأربعة استحاضة وما قبله من الأسودين حيض، فيكون الأسود الحيض خمسة أسود، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر؛ لأن المستحاضة متى جعل لها أحمر بين أسودين فهو في حكم الطهر أولًا، وليست كالحائض التي يجعل لها أحمر بين أسودين فيكون الكل حيضًا.
فإذا كان الأحمر هاهنا في حكم الطهر فهل يلفق أم لا؟ على قولين، كما لو كان مكان الأحمر طهر، فإنه على قولين.
فإن قلنا: لا يلفق فالكل حيض، وإن قلنا: يلفق لفق الأسود إلى الأسود والأحمر إلى الأحمر، فيكون الأسود حيضًا والأحمر استحاضة.
ثم قال: والأشبه بالمذهب أن لا يلفق إذا كان بين الأسودين طهر؛ لأن التقاء [278 ب/1] بالطهر أشبه.
وإن رأت نصف يوم أسود ونصف يوم أحمر كذلك إلى الرابع، ثم رأت الخامس كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فإن ما بعد الخامس استحاضة والأسود حيض، وهو ثلاثة أيام الهامس ونصف الأربعة، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر.
فإن قلنا لا يفلق فهو حيض أيضًا، فيكون حيضها خمسة وإن قلنا يلفق فالأحمر طهر وهو يومان وهو نصف الأربعة وثلاثة أيام حيض وهو زمان الأسود.
وإن رأت نصف يوم أسود ثم صار أحمر إلى تمام التاسع، ثم رأت العاشر كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فما بعد العاشر استحاضة، وزمان الأسود حيض وهو بوم ونصف، والأحمر بينهما.
هو في حكم الطهر على ما ذكرنا، ويجئ فيه ما قال من الأشبه بالمذهب.
وأما الأحمر ثم الأسود مثل أن يرى خمسة أحمر ثم صار أسود عبر، فهل يمنع الأسود من أن يكون الحمر قبله حيضًا أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان وهما أصل في هذا الباب: أحدها: يمنع لقوله بالسنة ومزينه عليه.
والثاني: لا يمنع للاحمرار أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا كما لو انفرد.
فإذا قلنا: لا يمنع سقط حكم الأسود وصار كأنه أحمر كله، ولا تكون [279 أ/1] مميزة.
وكم حيضها من أول ما رأت الدم فيها؟ على قولين: أحدهما اليقين يومًا وليلة والباقي استحاضة.
والثاني: غالب عادة النساء وهو كل الأحمر وعامة من الأسود والباقي استحاضة.
وإذا قلنا بمنع ذلك سقط حكم الأحمر وثبت حكم الأسود، ولا تكون مميزة في الحقيقة، فيكون ابتداء الحيض من الأسود والأحمر قبله استحاضة.
وكم تحيض من الأسود؟ قولان: اليقين أو غالب عادة النساء، وكل موضع يقول اليقين يريد يومًا وليلة.
وكل موضع يقول غالب عادة النساء يريد ستًا أو سبعًا، فإن كانت بحالها فرأت الأحمر عشرة ثم صار أسود واتصل.
فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها في أول الأحمر.
وكم نحيضها؟ على القولين وإذا قلنا يمنع حيضناها من أول الأسود، وكم يحيضها؟ على القولين والباقي استحاضة.

الجزء: 1 - الصفحة: 322

فإن كانت بحالها فرأت الأحمر خمسة عشر ثم صار أسود واتصل، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الأحمر، وكم تحيضها؟ على القولين وإن قلنا يمنع سقط الأحمر، وكم تحيضها من الأسود؟ على القولين.
وعلى هذا فإنها تدع الصلاة في النصف الثاني من الشهر أيضًا رجاء أن ينقطع على خمسة فيكون النصف من الشهر الباقي [279 ب/1] حيضها، ولا يتصور امرأة يلمها ترك الصلاة شهرًا كاملًا إلا في هذه المسألة على الوجه، وذلك أنها لما رأت الأحمر في الابتداء يلزمها ترك الصلاة رجاء أن ينقطع على خمسة عشر، حتى إذا انقطع كان الأحمر حيضها، فلما رأت الأسود بان حيضها النصف الثاني من الشهر دون النصف الأول.
فإن كانت بحالها فرأت المبتدأة ستة عشر يومًا دمًا أحمر ثم صار أسود واتصل.
قال ابن سريج: يبني على الوجهين، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر يبني ذلك على القولين فإن قلنا تحيض يومًا وليلة كان حيضها يومًا وليلة من أول الدم الأحمر، وبقية الأحمر في حكم الطهر.
وتحيض من لون الأسود حيضة أخرى.
وإن قلنا: تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن هذا إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين يومًا فتحيض يومًا وليلة أيضًا.
وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر تبنى على القولين.
فإن قلنا: تحيض يومًا وليلة، لم يمنع هاهنا لأنه يكون بينهما طهر كامل فتحيض من أول الأحمر يومًا وليلة، ومن أول الأسود يومًا وليلة.
وإن قلنا تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن أن تحيضها هذا القدر؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تحيض من أول الأسود فيسقط هذا القدر بحيضها يومًا [280 أ/1] وليلة قولًا واحدًا.
وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي أن تحيض من أول الأحمر ولا اعتبار بالأسود لأنه قد بطلت إماراته لزيادته على أكثر الحيض.
ومن أصحابنا من قال: ابن سريج ناقض في هذا الفرع؛ لأنه إذا قال الأسود يمنع الأحمر، فكان ينبغي أن نحيضها من أول الأسود ويكون الأحمر استحاضة؛ لأن معنى قوله"يمنع الأحمر" أنه يدل على أن الأحمر استحاضة وإن كان زمانه زمان الحيض.
وقوله:"يمكن المنع بينها" لا يصح، لأن المميزة المبتدأة إذا رأت يومًا دمًا أسود وباقي الشهر أحمر حيضها الدم الأسود، وكان الأحمر استحاضة.
وإن كان يمكن أن يكون السابع عشر حيضًا ولا يمنعه الأسود.
وفرع أصحابنا على ما قال القاضي الطبري: إذا رأت خمسة أيام دمًا أحمر ثم رأت بعده دمًا أسود إلى آخر الشهر فهذه لا تمييز لها؛ لأن الأسود أكثر من أكثر الحيض ويختص من أول شهر يومًا وليلة أو ستًا أو سبعًا على اختلاف القولين وحكي عن ابن سريج فيه وجهان أحدهما: هذا والثاني: يختص من أول الأسود بطلت صلاته على ما ذكرنا.
وقال أيضًا: لو رأت خمسة عشر دمًا أحمر وخمسة عشر أسود، فالأسود حيضها [280 ب/1] فإن زاد الأسود على خمسة عشر

الجزء: 1 - الصفحة: 323

يومًا فلا تمييز لها، وتحيض من أول الأحمر، ويجئ وجه آخر على ما قال ابن سريج أنها تحيض من أول الأسود.
وأما الأسود يسن أحمرين، مثل إن رأت خمسة أحمر ثم أسود دون يوم وليلة، ثم صار أحمر وعبر، فلا حكم لها لهذا الأسود؛ لأنه لو انفرد لم يكن حيضًا لنقصانه عن أقل الحيض، وإنما يكون له حكم إذا كان تقرر خمسة يمكن أن يكون حيضًا.
فإن رأت خمسة أحمر ثم أسود، ثم صار أحمر وعبر، قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال، وأراد ثلاثة أوجه.
أحدها: أن الأسود لا يمنع الأحمر، فله أن يكون حيضًا فيسقط التمييز، وكم نحيضها من أول الأحمر؟ على القولين، وهذا لأنها رأت في الخمسة الأولي أحمر في وقت يصلح أن يكون حيضًا وجب أن نحكم بكونه حيضًا، ثم إذا حكمنا بكونه حيضًا لم يجز أن يكون الدم الأحمر حيضًا ويكون الأسود استحاضة، فكان الأسود حيضًا أيضًا.
والثاني: الأسود يمنع الأحمر أن يكون حيضًا، فيكون الأحمر استحاضة والحيض هي الخمسة الأسود.
قال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح الذي لا يجوز أن يقال غيره، ووجهه ما سبق لأنه قوي.
والثالث: يكون حيضًا [281 أ/1] عشرة أيام، الخمسة الأسود والخمسة الأسود والخمسة الأحمر، وما بعد ذلك استحاضة؛ لأن الأسود قوة بالصفة، والأحمر قوة بالسبق فثبتا حيضًا معًا، وهذا لا يصح مع الوجه الأول؛ لأنه الصفة أقوى من الدمان عند الشافعي، ولهذا قدم التمييز على العادة، وهكذا لو رأت خمسة أحمر ثم عشرة أسود، ثم رأت الأحمر واتصل، وقال القفال: اختلف أصحابنا في المميزة إذا كان ابتداؤها أضعف الدمين على ثلاثة أوجه: أحدها: يترك ابتداؤه ويعمل على الأسود.
والثاني: لا يترك بحالٍ، ولكن هذا لأضعف إن كان مع الأقوى الذي بعده إذا جمعا لم يجاوزا خمسة وعشر فالكل حيض.
وإن جاوزاه ردت على يوم من أول الدم الأضعف إن كانت مبتدأة، أ, إلى غالب عادة النساء على اختلاف القولين، وترجع على عادتها إن كانت معتادة.
والثالث: إن أمكن أن تجعل ابتداء الدم مع السواد الذي بعده حيضًا بأن لا يجاوزا خمسة عشر فعل، وإن جاوزا فحينئذ يترك ابتداء الدم ويجعل الحيض هو السواد، فعلى هذا في المسألة الأخيرة إن قلنا بالوجه الأول فالعشرة حيض، وإن قلنا بالوجهين الأخيرين فجميع الخمسة عشر حيض.
قال: وإن رأت خمسة أحمر واحد عشر أسود، ثم رأت [281 ب/1] حمرة، فعلى الوجه الأول والثالث السواد عو الحيض، وعلى الوجه الثاني ترد إلى أول الدم الأحمر، أما إلى اليقين وإما إلى غالب عادة النساء.
وعلى هذا لو رأت خمسة صفرة

الجزء: 1 - الصفحة: 324

وستة عشر سوادًا، فعند الإصطخري هي مستحاضة ترد إلى أول السواد، وكذلك على الوجه الأول والثالث، فأما على الوجه الثاني ترد إلى أول الصفرة على ما ذكرنا على اليقين أو إلى الغالب من عادة النساء، فإن كانت الصفرة ستة أيام والسواد خمسة عشر جعل زمان الصفرة حيضًا وهو ستة وزمان السواد طهرًا لا حكمًا للتمييز، بل ردًا للتمييز إلى عادة النساء وكانت ستة.
ولو رأت خمسة أصفر ثم خمسة عشر أسود، فعلى قول الإصطخري والوجه الأول والثالث زمان السواد حيض كامل، وما قبله لا شيء.
وعلى الوجه الثاني هي مستحاضة ترد إلى ما قلنا، وما تقدم أصح الدلائل التي ذكرناها ولا نعيدها.
فروع ثلاثة في اجتماع ثلاثة دماء ذكرها بعض أصحابنا بخراسان: أحدها: لو رأت عشرة أسود، ثم عشرة حمرة، ثم عشرة أصفر فحيضها العشرة الأولى بلا إشكال والثاني: لو رأت عشرة أحمر، ثم عشرة أصفر، ثم عشرة أسود، أو عشرة أصفر ثم عشرة أحمر، ثم عشرة أسود، فإن قلنا بالوجه الأول فحيضها العشرة [282 أ/1] الثالثة، وإن قلنا بالوجه الثاني فهي كالمبتدأة.
ثم ابتداء المدة من أي وقت يكون؟ إن قلنا الصفرة حيض يحسب من ابتداء الصفرة، وإن كانت العشرة الأولى صفرة.
فإن قلنا ليست بحيض يحسب من ابتداء الأحمر في العشرة الثانية.
والثالث: لو رأت خمسة أحمر، ثم خمسة أصفر، ثم خمسة أسود.
فإن قلنا بالأول فالأسود حيض.
وإن قلنا بالثاني وقلنا الصفرة حيض فالخمسة عشر كلها حيض.
وإن قلنا ليست بحيض يخرج على قولي التلفيق.
إن قلنا يلفق فالخمسة الأولى والثالثة حيض، والخمسة الوسطى طهر، وإن قلنا لا يلفق فالكل حيض.
فرع آخر ذكره الإمام أبو حامد عن ابن سريج-رحمهما الله- لو رأت خمسة أسود وخمسة أصفر وخمسة أسود، فظاهر المذهب أن الكل حيض؛ لأن التمييز بين الدمين للمستحاضة وهذه ليست مستحاضة.
وقال ابن سريج: الصفوة لا تكون حيضًا، بل هي في أيامها في حكم الطهر بخلاف ما لو كان أحمر؛ لأن الأحمر هو بالحيض أشبه، والصفرة بالطهر أشبه، وهذا لا يجئ على مذهب ابن سريج؛ لأن عنده الصفرة في زمان الإمكان حيض، وإنما يجئ ذلك على قول الإصطخري، لأنه يقول: الصفرة في غير أيان العادة [282 ب/1] ليست بحيض.
الفصل الثاني في المعتادة التي لا تمييز لها إذا استحيضت المعتادة ردت إلى عادتها سواء كانت عادتها أقل الحيض، أو غالبه،

الجزء: 1 - الصفحة: 325

أو أكثره، (وسواء) ثبت ذلك بحيض صحيح وطهر صحيح أو بالتمييز.
بيانه: كأنها كانت تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، أو تحيض ستًا أو سبعًا وتطهر خمسة عشر، أو تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر، هذا هو الحيض الصحيح والطهر الصحيح.
وأما ثبوتها بالتمييز: هو أن تكون عادتها يومًا وليلة أسود وخمسة عشر أحمر، أو ستًا أو سبعًا أسود وخمسة عشر أحمر، أو خمسة عشر أسود وخمسة عشر أحمر، وترد في وقت حيضها إلى عادتها سواء طال شهرها أو قصر، بيانه: قد يكون شهرها ستة عشر يومًا، وهو أقل ما يمكن فيه أقل الحيض يومًا وليلة، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وقد يكون شهرها ثلاثين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون ستين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون سنة وخمسة دم والباقي طهر فإذا ثبت كيفية ثبوت العادة فالكلام الآن فيما تثبت بعه العادة وينظر فيه، فإن تكرر عليها مرتين العادة به بلا خلاق [283 أ/1] وإن لم يكن ذلك منها إلا مرة واحدة، فالمنصوص وبه قال ابن سريج: ثبت بها، لأن اعتبارها بنفسها أولى من اعتبارها بغيرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة أن تنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن أصابها، والخبر ولم يعتبر التكرار.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت بها؛ لأن معنى العادة أن تعتاد ذلك، وهي مشتقة من العود، وإنما يحصل ذلك بالتكرار، وبه قال أبو حنيفة وهذا لا يصح؛ ولأن الشرع لم يرد باسم العادة، ولا معنى لاعتبار الاشتقاق في اللغة.
وعلى هذا لو رأت أول مرة خمسة والباقي طهرًا ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني فإن قلنا ثبت العادة مرة واحدة فهي معتادة عادتها خمسة.
وإن قلنا لا تثبت بمرة فهي مبتدأة.
ولو رأت في شهرين خمسة والباقي طهرًا ثم اتصل الدم في الشهر الثالث، فإنها ترجع إلى عادتها وهي خمسة بلا خوف.
فإذا تقرر هذا، فإذا استحيضت بعد التكرار لا تخلو عادتها من أحد أمرين، فإما أن تكون متفقة أو مختلفة فإن كانت متفقة مثل إن كانت العادة خمسًا فالحكم على ما ذكرنا أبدًا وإن كانت مختلفة فلا تخلو [283 ب/1] إما أن تكون على ترتيب أو على غير ترتيب.
فإن كانت على ترتيب واحد ودور مستقيم، مثل إن كانت تحيض في الشهر الأول ثلاثًا، وفي الثاني أربعًا، وفي الثالث خمسًا، وفي الرابع ستًا، وفي الخامس سبعًا، ثم تعود إلى ثلاث وأربع وخمس وست وسبع، ثم طبق بها الدم على لون واحد، نظرت فإن عرفت نوبة هذا الشهر عملت عليه وأكملت العادة في كل شهر حتى تعود إلى الأول، وعلى هذا أبدًا، وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا.
والثاني: أنها تعود إلى عادتها في الشهر الذي قبل الاستحاضة، ويكون ذلك عادتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 326

وكذلك لو توالى لها شهران ثلاثة ثلاثة، وشهران خمسة خمسة، وشهران ستة ستة، ثم دارت النوبة هكذا مرة أخرى، ثم استحيضت على المذهب الصحيح تعمل بدورها.
وفي الوجه الذي ذكره القفال تعمل بما قبيل الاستحاضة ولا تعرف هذه لنفسها دورًا مستقيمًا في هذه المسألة في أقل من سنة كاملة؛ لأنها تحتاج أن تمر بها نوبتها مرتين، وإن نسيت نوبة ذلك الشهر حيضناها ثلاثًا؛ لأنها أقل عادتها، ثم تغتسل أخر كل يوم إلى آخر السابع لجواز أن يكون وقت الانقطاع للدم فيه، وكذلك [284 أ/1] تفعل في كل شهر.
وإن كانت العادة على غير ترتيب، مثل إن أرادت في الأول ثلاثة، وغي الذي يليه ستًا، وفي الذي بعده خمسًا ثم ثلاثًا ولم تتفق على شيء، ثم استحيضت بعد هذا نظر، فإن كان بها شهران على عدد واحد، ثم بعدها شهر الاستحاضة فذلك عادتها؛ لأنها قد تكررت مرتين، وإن لم يكن كذلك فهو على الوجهين فإن قلنا: تثبت العادة بمرة واحدة عملت على الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة وكذلك في كل شهر، وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، قال بعض أصحابنا: نحيضها ثلاثًا؛ لأنه أقل عدد لها.
وأيضًا الأقل داخل في الأكثر، فيكون الأقل قد تكرر مرتين، وهذا غلط؛ لأنه إذا لم يكون ذلك منها مرتين سقط حكمه على هذا القول كأن لم يكن.
وكم نحيضها في كل شهر؟ على القولين: أحدها: اليقين.
والثاني: الغالب.
فإذا قلنا بهذا، فهل يلزمها الاحتياط ما بين أقال عادتها إلى الأكثر؟ قال القفال: فيه قولان كما ذكرنا في المبتدأة، فتغتسل عند انقضاء أوسط العادات وأكثر العادات.
وإن صامت في هذا الأيام التي بين أقل العادات وأكثرها أعادت على هذا، ويجئ هذا القول في المسألة قبلها إذا نسيت [284 ب/1] نوبة الشهر.
ولو رأت في ابتداء شهر خمسة وفي شهر آخر عشرة، ثم اتصل الدم في الثالث، فهكذا الجواب وقال القفال: إن قلنا: لا تثبت العادة بمرة فحيضها خمسه، لأن الخمسة هي موجودة في العشرة وقد تكررت الخمسة شهرين، غير أن في أحد الشهرين زيادة لم تتكرر فتركناها.
قال: ولو لم تر العشرة إلا شهراً ثم رأت الخمسة في الثاني، ثم اتصل في الثالث فعادتها خمسة بكل حال؛ لأنا إن قلنا تثبت بمرة فالذي قبل الاستحاضة خمسة.
وإن قلنا لا تثبت فالمتكرر لم يوجد إلا في الخمسة، وما تقدم أصح لما ذكرنا.
الفصل الثالث في المعتاد التي لها تمييز وقد ذكرنا أن التمييز مقدم العادة على المذهب الصحيح، وذكرنا عن ابن خيران، وجهًا أخر، وذكر القفال وجهًا ثالثاًا أن يجمع بينهما إن إمكن، وإن لم يمكن فهي كالمبتدأة، فإذا كانت عادتها في كل شهر خمسة أيام فرأت ثلاثة أسود، ثم رأت أحمر واتصل، كان الحيض ثلاثة على المذهب، وعند ابن خيران خمسة وإن رأت الأسود بحالة خمسة ثم رأت أحمر واتصل فقد اتفق ها هنا التمييز والعادة على عدد واحد

الجزء: 1 - الصفحة: 327

فحيضها خمسة [285 أ/ 1]، ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود واستمر، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط فحيضها الخمسة الأحمر وما بعده استحاضة.
وإن قلنا يمنع الأحمر سقط حكمه وحيضناها الخمسة من الأسود؛ لأنها قدر العادة.
ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود خمسة ثم صار أحمر واتصل، ففيه ثلاثة أوجه.
إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود وحيضناها خمسه من أول الشهر؛ لأنها عادتها والباقي استحاضة.
وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر سقط حكم الحمر والحيض هو السود خمسة.
وهو الوجه الثاني والثالث يكون حيضها عشرة الأسود خمسه وقبله الأحمر خمسة؛ لأن الأحمر وافق العادة ووقتها فلم يسقط، والأسود قوي بلونه فلم يسقط أيضاً وعلى الوجه الذي ذكره القفال يمكن، فالحكم هذا.
ولو رأت المبتدأة في الشهر الأول دمًا أحمر ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام أسود والباقي أحمر، ورأت في الشهر الثالث دمًا بلون واحد لا يتميز، فإنها في الشهر الأول لا تمييز لها ولا عادة، فإلي ماذا ترد؟ قولان.
وفي الشهر الثاني فمييزة غير معتادة، فحيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثالث لإن قلنا إن العادة تثبت [285 ب/ 1] بمرة فهي كالمبتدأة.
فإن كانت المسألة بحالها فرأت في الأول دمًا أحمر، ثم رأت شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت في الرابع دمًا أحمر كله، ففي الأول الحكم على ما ذكرناه، وفي الثاني والثالث ميزة ترد إلى التمييز، وفي الرابع ترد إلى عادتها بلا خلاف، ولو كانت عادتها خمسة أسود من أول الشهر فرأت في شهر عشرة أحمر ثم خمسة أسود فعلى ثلاثة أوجه على ما ذكرنا.
ولو رأت خمسة عشر أحمر وخمسة اسود فعلي الوجه الأول الخمسة الأولي حيض وهي عادتها، وعلى الثاني السواد حيض، وعلى الوجه الذي ذكر القفال هي المبتدأة.
وإن كانت عادتها شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت الثالث كله أحمر، ثم في الرابع أحمر وأسود، فإنَّا نحيضها في الشهر الأول والثاني بلا إشكال خمساً خمساً، وفي الثالث خمسًا بالعادة، وفي الرابع رأت أحمر وأسود ذكر ابن شريج فيه ثلاث مسائل: أحدها: رأت من الرابع ثلاثًا أحمر ثم صار أسود واتصل فهذه تبني على الوجهين؛ إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر كان وجوده وعدمه سواء نحيضها من الرابع خمسًا، ثلاثة أحمر ويومين أسود.
وإن [286 أ/ 1] قلنا يمنع سقط حكم الأحمر وحيضناها من الأسود عادتها، وما قبله وبعده استحاضة.
والثانية: رأت من الرابع خمسة أحمر ثم صار أسود واتصل.
فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود، وكان حيضها الخمسة الأحمر قبله، وإن قلنا:

الجزء: 1 - الصفحة: 328

الأسود يمنع الأحمر سقط الأحمر وحيضناها من الأسود لأنها الهادة، والباقي هو استحاضة.
والثالثة: رأت من الرابع ستة عشر أحمر ثم صار أسود واتصل.
فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الرابع خمسًا والباقي استحاضة، وإن قلنا يمنع لا يمكن ها هنا أن نحيضها العادة من الأحمر، لأن الأسود يمنع منه، فإذا لم نحيضها العادة دبرت أمرها في هذا الشهر، كأنها ابتدأت به فنحيضها على هذا الوجه يومًا من الأول الأحمر، ثم بعده خمسه عشر استحاضة ويكون ابتداء الأسود ابتداء حيضة أخرى، لأن بينه وبين أول الأحمر اقل الطهر، وقد تقدم نحو هذا في المميزة التي لا عادة لها.
الفصل الرابع في المبتدأة التي لا تمييز لها ولا عادة إذا رأت هذه المبتدأة الدم على لون واحد نحيضها في كل شهر حيضة، وشهرًا وشهر المستحاضة يكون ثلاثين يومًا، وقد ذكرنا مقدار تلك الحيضة [286 ب/ 1]، فإذا قلنا باليقين فلها ثلاثة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه وهي أربعة عشر يومًا، وطهر بيقين وهو ما بعد ذلك، وإن قلنا بالغالب فلها أربعة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه ما بعد ست أو سبع إلى خمسة عشر، وما بعد ذلك طهر بيقين، بقي الحيض بيقين والحيض المشكوك فيه حكمها حكم الحيض، وفي الطهر بيقين حكمها حكم الطاهرات، وفي الطهر المشكوك فيه تفعل ما يفعل الطاهرات وهل يستعمل الاحتياط به؟ ذكرنا قولين.
الفضل الخامس في انتقال العادة والزيادة فيها والنقصان للانتقال هو أن تنتقل عادتها إلى تثبيت من العدد إلى زيادة أو نقصان، وفي الوقت إلى تقدم أو تأخر، كأنه كانت عادتها في كل شهر خمسة وستة طهرًا، ثم انتقلت، ففيه مسائل: طهرت خمستها وحاضت خمسة بعدها، طهرت خمستها وخاضت خمسه قبلها، خاضت خمستها وخمسة قبلها وخمسة بعدها.
وإن كانت عادتها في كل شهر عشرًا وعشرين طهرًت ففيه مسائل: طهرت عشرتها وحاضت بعدها خمسًا أو عشرًا أو خمسة عشرة، أو حاضت عشرتها [287 أ/ 1] وحاضت خمساً بعدها.
وأما التقدم ها هنا لا يمكن إلا بخمسة كان بينها وبين الحيص قبلها عشرين، فإذا تقدمت بخمس بقي بينهما أقل الطهر عشرة يومًا، وإن تقدمت بخمسة فقبلها ثلاث مسائل: حاضت عشرتها وخمسة قبلها، حاضت خمسة قبلها وطهرت عشرتها، وحاضت خمسة قبلها من عشرتها، ويمكن تصوير المسائل بأكثر من هذا، والأصل في التقدم ما ذكرنا، وهو ان لا يقصر بالتقدم ما بين وقت التقدم والحيض قبله

الجزء: 1 - الصفحة: 329

عن أقل الطهر، وإن كانت عادتها خمسة وبقية الشهر طهراً صح أن يتقدم ها هنا بخمسة وبعشرة× لأنه يبقي أثل الطهر.
وإن كانت عادتها خمسة عشرة وبقية الشهر طهر لم يتقدم شيء بحالٍ.
وفرع ابن سريح فرعين بين بهما فقه التقدم: أحدهما: إذا كانت عادتها خمسة في كل شهر وبقية طهر فقدمت لعشر صح، وهو إن حاضت منه خمساً وطهرت خمسة عشر، ثم رأت الدم نظر، فإن انقطع لتمام قوم إلى خمسة عشر فهو حيض، فإن اتصل وعبر حيضناها خمسة؛ لأنها العادة.
وهل نحيضها ذلك بما انتقلت إليه أو بما انتقلت عنه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: بما انتقلت إليه؛ لأنه في وقت لا يمكن أن يكون حيضاً.
وكذلك [287 ب/ 1 [في كل شهر فيكون شهرها عشرين يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر.
والثاني بما انتقلت عنه فيكون خمسة من أول كل شهر، لأنَّا إذا رددنا إلى العادة في مقدار الحيض فكذلك في مكانه.
والثاني: إذا كان عادتها أن تحيض في كل شهر خمسًا وخمسة وعشرين طهرًا، فتقدمت بأكثر من عشر، مثل إن حاضت خمسًا وطهرت عشراً، ثم رأت الدم، فهذا انتقال لا يمكن أن يكون أول حيضاً، ولا أن تعتبر ما انتقلت إليه؛ لأن بين رؤيتها الدم وبين الحيضة فيها أقل من الطهر، فتكون مستحاضة تحيض من أول كل شهر عادتها، وهي خمسة بخلاف المسألة قبلها.
ولو رأت في العشرة الأولي خمسة أحمر، ثم رأت أسود، ثم رأت الأحمر واتصل فقد ذكرنا ثلاثة أوجه هاهنا، في أحد الوجوه تكون مميزة انتقل حيضها وتأخر، وهو إذا قلنا حيضها الأسود، ولو كانت عادتها في كل شهر خمسة فحاضت خمستها وخمسة بعدها وانقطع.
قال بعض أصحابنا: هذه امرأة زادت عادتها خمسة ولم تنقل.
كذلك لو رأت حمستها ورأت خمسة قبلها وانقطع، وهذا اختلاف في العبادة، وفي الحقيقة [288 أ/ ا] هو انتقال إلى زيادة، ويجوز أن تسمى منتقلة وقد ذكرنا حكمها.
الفضل السادس في الناسية الناسية: من كانت لها عادة ثم استحضيت، فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون ناسية للوقت دون العدد، أو العدد دون الوقت، أو الوقت والعدد معاً.
والأصل فيها أن كل زمان لا يصلح لغير الحيض فهو حيض، وكل زمان لا يصلح لغير الطهر فهو طهر، وكل زمان يصلح للأمرين معاً فهو طهر مشكوك فيه، وكل زمان أمكن انقطاع الدم فيه فعليها أن تغتسل فيه، هذا هو الأصل، ونحن نفرد كل قسم منها بتفريع ينفرد به وأول ذلك:

الجزء: 1 - الصفحة: 330

فروع الناسية للوقت دون العدد إذا قالت: حيضي أحد أعشار الشهر لا أعلم أي عشر هو، فمعني هذا أعلم أنه عشر من ثلاثة أعشار الشهر، ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار.
ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار، الأول، أو الثاني، أو الثالث، ولا أخلط عشرًا بعشر، غير أني لا أعرف عينه، قلنا: زمانان كله مشكوك فيه؛ لأنه ما من عشر إلا ويجوز أن يكون حيضك فيه، فتتوضأ لكل صلاة إلى أخر العشر، ثم تغتسل لجوزا انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الشهر [288 ب/1] ثم تغسل لجواز انقطاع الدم وعلى هذا.
وإن قالت: حيضي عشرة في الشهر لا أعرف موضعها منه، فمعني هذا قد ضاعت لي عشرة أيام في كل الشهر لا أعلم ما هو العشر الأول أو الثاني أو الثالث، وهو المسألة المتقدمة.
وكذلك إن قالت: حيضي عشرة من الشهر ولا أعلم موضعها منه إلا أن العشر الثالث كان طهراً/ قلنا: الثالث من العشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام العشر الثاني لإمكان انقطاع دمها عند كل صلاة، إلا أن تعلم الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه في كل يوم، فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره وهذا الذي ذكرنا هو إذا اختلط أحد العشرين الأولين بالآخر.
بحيث يمكن أن يكون كل وقت من العشرين حيضاً أو طهراً.
فإن قالت: كنت أحيض عشرة أيام من الشهر، إما الأولي أو الثانية أو لا يختلط أحد العشرين بالآخر، واعلم أني أكون في العشر الأخير من الشهر طاهرة فهذه حيضها، أما العشر الأول أو الثاني فتغتسل عند انقطاع العشر الأول [289 ا/ 1]، وعند انقضاء العشر الثاني، فيحصل لها غسلان ويكفيها، وهكذا الحكم فيه إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف وقتها، إلا أني كنت طاهرة في العشر الأول، فهذه حيضها في العشرين الأخيرين من الشهر، فالعشر الأول طهر بيقين ويجئ فيها المسألتان اللتان ذكرناهما في المسألة قبلها، وهي إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف الوقت ويختلط أحط العشرين بالآخر.
والثانية: إذا قات: لم يكن يختلط أحد العشرين بالآخر.
فرع آخر قالت: كانت حيضتي ثلاثة من العشر الأول من الشهر، ولا أعلم موضعها منه.
قلنا: العشران الآخران طهر بيقين، والعشر الأول مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه من كل يوم فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره.
وإن قالت: حيضي أربعة منه.
قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الرابع ثم تغتسل لكل صلاة إلى أحسن العشر.

الجزء: 1 - الصفحة: 331

وإن قالت: حيضي خمسة منه، قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العشرة.
وإن قالت: حيضي سته منه فقد حصل لها حيض بيقين؛ لأن عدد الحيض زاد على نصف العشر، والأصل فيه متى ضاع عدد [289 ب/ 1] حيضها في عدد أيام نظرت، فإن كان عدد الحيض مثل نصف عدد الأيام فما دونه فالكل طهر مشكوك فيه.
وإن زاد عدد حيضها على نصف الأيام فلها حيض بيقين، فإذا أرادت أن تعرف مبلغ حيضها فانظر إلى قدر الزيادة على النصف أضف إليه مصله، فما بلغ فهو حيض بيقين.
فإذا قالت: حيضي منه ست، قلنا بالخامس، والسادس حيض بيقين، يجوز أن يكون الابتداء من الأول والانتهاء من السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من الخامس إلى آخر العاشر، فالخامس والسادس لا ينفك عن الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر.
وإن قالت: حيضي سبعة منه، قلنا: لك أربعة أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على نصف العشر يومان.
وإن قالت: حيضي ثمانية منه، قلنا لك منه ست أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على النصف ثلاثة.
وإن قالت: حيضي تسعة منه، قلنا: لك منه ثمانية حيض بيقين، لأن الزائد عن النصف أربعة، فتتوصأ لكل صلاة إلى أهر الأول، ومن الثاني على آخر التاسع حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، وعلى هذا.
فرع آخر قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر لا أعلم [290 ا/ 1] موضعها منه، غير أن اليوم الأول كنت ظاهراً.
قلنا: الأول طهر بيقين، والسادس حيض بيقين لجواز أن يكون الابتداء من الثاني إلى أخر السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من السادس إلى آخر العاشر، والأصل في هذا النوع أن ينظر إلى طهرها بيقين من الخمسة الأولي، فذات حيض بيقين من الخمسة الثانية، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس وتدع الصلاة يوم السادس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر.

الجزء: 1 - الصفحة: 332

وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، قلنا: لك يومان طهر بيقين الأول والثاني، ويومان حيض بيقين السادس والسابع والباقي طهر مشكوك فيهن فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس والسادس، والسابع حيض بيقين فتدع الصلاة، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر.
فإن قالت: أعلم أني يوم الرابع طاهر، قلنا الأربعة الأولي طهر بيقين والأربعة حيض بيقين، أولها السادس إلى آخر التاسع، فتفعل على نحو ما ذكرنا.
وإن قالت: أعلم أني يوم الخامس طاهر، قلنا: هذه مغالطة، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الثانية.
وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر، قلنا: هذه [290 ب/ 1] مغالطة أيضاً، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الأولي.
وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، ويوم الخامس حائض.
قلنا: الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين، والثامن والتاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أوله الثالث وآخرة إلى آخر السابع، ويمكن أن يكون الابتداء أول الرابع وأخره أخر الثامن، ويمكن أن يكون الابتداء من الخامس وآخرة التاسع فالعاشر لم يصل إليه الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثامن ويكون طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع، وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين.
نوع آخر لو قالت: حيضي خمسة من خمسين من العشر الأول، ولا أرى ثلاثة من الأولي أو يومان الأولى وثلاثة من الثانية.
قلنا: الأولي والثاني طهر بيقين؛ لأنه لا يمكن ابتداء الحيض فيهما، وأمكن كون الحيض من أول الثالث وآخره أخر السابع إذا كانت الثلاثة من الأولي، ويمكن أن يكون أوله أول الرابع وآخره آخر الثامن، فهذه قد جمعت خمسة في ستة، فيكون لها حيض بيقين أربعة [291 ا/ 1]، وهو ما زاد على نصف الستة، فالأول والثاني طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة.
الثالث طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة وتدع الصلاة من أول الرابع على آخر السابع؛ لأنه حيض بيقين فتغتسل عقيب السابع وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر الثامن، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين.
قلنا: غسلان عقب الثاني من الخمسة الثانية، وعقيب الثالث منها أيضاً.
فإن كانت بحالها فقالت: خمسة من خمسين من الشهر، وأعلم أنها خمسة من خمسين ثلاثة من الأولي، ويومان من الثانية، أو يومان من الأولي وثلاثة من الثانية، ولا أداري من أي الخمسين من الشهر هي.
قلنا: يحتمل في الخمسين الأولين فيه ما نزلناه غير أنه لا تكون الأربعة حيضاً بيقين لجواز أن تكون من غير هاتين الخمسين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر السابع؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم، ثم تتوضأ إلى كل صلاة إلى آخر الثامن وتغتسل عقيبه، والثامن يمكن أن يكون طهراً من وجهين: أحدها: لا ينتهي الحيض إليه لجواز أن يكون الابتداء من الثالث؟ والثاني [291 ب/ 1]: لا يبتدأ بالحيض منه في الخمسة الثالثة لجواز أن يكون الدمان منهما.
ويمكن أن يكون حيضاً من وجهين ينتهي الحيض إليه ويبتدأ به إن كانت الثالثة من الخمسة الثالثة فتتوضا لكل صلاة إلى أخر الثاني من الخمسة الثالثة وتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث من الثالثة.
وهكذا تفعل في كل خمسة من الشهر، فيحصل لها في كل خمسة غسلان من الخمسة الثانية إلى آخر الشهر، فيكون لها عشر غسلات في جميع الشهر، وفي الباقي تتوضأ لكل صلاة، ولها فيه أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أول الشهر ويومان منها في أخره.

الجزء: 1 - الصفحة: 333

فإن قالت: حيضي يوم ونصف من يومين لست أدري كل الأول ونصف الثاني، أو نصف الأول وكل الثاني.
قلنا: كل يوم حيض بيقين، لأنه قد ضاع يوم ونصف في يومين، وزاد على النصف نصف يوم، فإذا أضعفته صار يومًا كاملًا، فيحتمل أن يكون أول حيضها أول الشهر وآخره مع الزوال من الثاني.
ويحتمل أن يكون أوله أول الزمان من الأول، وآخره آخر الثاني، فمن أول اليوم إلى الزوال هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة ثم تدع الصلاة [292 ا/ ا] إلى الزوال من عنده، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الثاني.
وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه، قلنا: كل الشهر طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر، وهكذا لو قالت: غير أني أعلم أني ظاهر في اليوم السادس، أو السادس والعشرين، فإن وجود هذه الزيادة وعدمها سواء، فالحكم على ما مضي، لأنها ما أفادت بهذه الزيادة فائدة، بل أبقت الأمر على الشك وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه فير أني كنت يوم السادس والعشرين طاهراً.
قلنا: هذا تطويل معناه: غير أني أحيض أحد هذين اليومين من الشهر، ولا أدري فالوجه أن تترك كل واحد من العشرين.
ثم نذكر الحكم، فإن كان هذا من العشر الأول أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني وآخره آخر السادس.
وأمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر العاشر، فاليوم الأول طهر بيقين والسادس حيض بيقين وبقية العشر طهر مشكوك فيه.
وإن كان هذا [292 ب/ 1] من العشر الثالث أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني والعشرين وآخره آخر السادس والعشرين.
ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس والعشرين وآخره أخر الشهر، فمن الثاني والعشرين إلى آخر الخامس طهر مشكوك فيه، والسادس حيض بيقين، وإلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه، وما قبل هذا من الشهر طهر بيقين، فإذا احتمل هذين لم يكن لها حيض بيقين لأنها على شك مما ذكرته، فتتوضأ لكل صلاة اليوم الأول؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر السادس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى لآخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه.
قلنا: اثني عشر يومًا طهر بيقين والباقي طهر مشكوك فيه.
نوع آخر قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه غير أني أعلم يوم العاشر حائض، فيحتمل أن يكون الابتداء من أول يوم في الشهر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول العاشر وآخره آخر التاسع عشر، فالعشر الثالث طهر بيقينـ، لأن الحيض لا يصل إليه، وآخر العشر الثاني وهو يوم العشرين طهر بيقين أيضاً.
وأصل [293 أ/1] هذا النوع أن ينظر إلى ما لها من الطهر بيقين من العشر الثاني فهو حيضها بيقين من العشر الأول، فكلما زاد في طهرها بيقين من العشر الثاني زاد في

الجزء: 1 - الصفحة: 334

حيضها من العشر الأول، فمن الأول إلى أخر التاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر حيض بيقين، ومن العاشر إلى آخر التاسع عشر طهر مشكوك فيه، ويوم العشرين طهر بيقين.
وإن قالت: اعلم أني يوم التاسع حائض.
قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره العاشر، ويمكن أن يكون أول التاسع وآخره الثامن عشر، فيكون التاسع عشر والعشرون طهراً بيقين، والتاسع والعاشر حيضاً بيقين.
فإن قالت: أعلم أني أكون يوم الثامن حائض.
قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره أخر العاشر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثامن وآخره آخر السابع عشر، فيكون ثلاثة أيام من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وثلاثة أيام من آخر العشر الأول حيض بيقين وعلى هذا التنزيل، فإن قالت: غير أني أعلم أني يوم السادس حائض.
قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر الخامس [293 ب/ 1] عشر فخمسة من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وخمسة من أخر العشر الأول حيض بيقين.
فإن قالت: أعلم أني اليوم الثاني حائض.
قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء الثاني وآخره آخر الحادي عشر، فيكون تسعة أيام من الثاني طهر بيقين وتسعة من الأول حيض بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر يوم الأول، ثم تدع الصلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الحادي عشر، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشر الثاني، والعشر الثالث أخرجناه عن هذا لأنه أبداً طهر بيقين.
فإن قالت: أعلم أني يوم الأول حائض.
قلنا: هذه مغالطة، أنت قد علمت أن الحيض هو العشر الأول، وبقية الشهر طهر بيقين فما نسيت شيئًا.
فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض ولي من الشهر طهر كامل.
قلنا: قد عرفت أن نصفه الثاني طهر بيقين؛ لإن حيضك في النصف الأول وقد ضاع عشرتك منه، فيمكن أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر الثاني عشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره الخامس عشر، فيكون اليوم الأول والثاني طهراً بيقين، ومن أول الثالث إلى آخر الخامس طهر [294 ا/ 1] مشكوك فيه، ومن أول السادس إلى آخر الثاني عشر حيض بيقين، ومن الثالث عشر إلى آخر الخامس عشر طهر مشكوك فين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة سبعة أيام إلى آخر الثاني عشر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر؛ لأنه طهر بيقين.
نوع آخر قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني يوم العاشر طاهر.
قلنا: هذا معناه العشر الأول كله طهر، وإنما ضاع عشرتك فيما بقي من الشهر.
وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر.
قلنا: معناه من أول الشهر إلى آخر السادس طهر

الجزء: 1 - الصفحة: 335

بيقين، وقد ضاع عشرتك فيما بقي منه.
وإن قالت: أعلم أني يوم الحادي والعشرين طاهر.
قلنا: يوم من أوله طهر بيقين وقد ضاع حيضك فيما سلف منه.
وإن قالت: أعلم أني يوم السادس والعشرين طاهر.
قلنا: قد علمت من السادس إلى الباقي طهر بيقين، وقد ضاع حيضك فيما سلف.
وإن قالت: اعلم أني يوم الحادي عشر [294 ب/ 1] طاهر.
قلنا: هذا كلام يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويحتمل أن يكون الحيض بعد الحادي عشر وآخره آخر الحادي والعشرين، وآخره ثلاثين.
فالأول هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة لإمكان انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة يوم الحادي عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الحادي والعشرين أنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقب الحادي والعشرين إلى آخر الشهر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه.
نوع آخر لو قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعلم موضعها منه.
قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر.
فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض.
قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر الخامس عشر.
ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثاني عشر وآخره السادس والعشرين، فيكون أول الشهر إلى آخر الحادي عشر طهراً مشكوكاًً فيه، تتوضأ لكل صلاة، وأربعة حيض بيقين إلى آخر الخامس عشر، ثم إلى آخر السادس والعشرين طهر مشكوك فيه، فتغتسل لكل صلاة، ويكون (295 أ/ 1) أربعة أيام بيقين تتوضأ لكل صلاة.
وإن قالت: حيضي أريعه أيام من الشهر لا أعلم موضعها منه، وأعلم أن لي من الشهر طهرًا كاملًا، وآخر خمسة فيه طهر.
قلنا: معنى هذا الكلام شهري خمسة وعشرون يومًا؛ لأنها قد تحققت أن الخمسة الأخيرة من الشهر طهر، والإشكال فيما سلف.
ولو قالت: لي منه خمسة حيض وطهر كامل.
قلنا: يحتمل

الجزء: 1 - الصفحة: 336

أن تكون الخمسة في العشر الأول، والطهر بعد العشر خمسة يومًا.
ويحتمل أن يكون في العشر الأخير من شهرك وهو من أول السادس عشر إلى آخر الخامس والعشرين، فيكون العشر الأول طهرًا مشكوكًا فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين؛ لأنه إن كان الطهر من أول شهرك فهذه الخمسة هي طهر، وإن كان من آخره فهذه الخمسة طهر، ثم تتوضأ لكل صلاة من أول السادس عشر إلى آخر العشرين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين، وبقى من الشهر خمسة طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
وإن (295 ب/ 1) قالت: شهري عشرون يومًا وحيضي منه خمسة لا أعلم موضعها منه.
قلنا: يمكن أن يكون أول خمسة منه خمسة عشر وهي تمام شهرك طهرًا.
ويحتمل أن تكون الخمسة الأخيرة وخمسة عشر من أول شهرك طهرًا.
فالخمسة الأولى هي طهر مشكوك فيه، والخمسة الأخيرة كذلك وبينهما عشرة طهر بيقين تتوضأ لكب صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيهـ ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقيب ذلك لجواز انقطاع الدم فيه.
فإن قالت: شهري ستة عشر يومًا وأحيض منه يومًا لا أعلم موضعها.
قلنا: الأول والسادس عشر طهر مشكوك فيه، وما بينهما طهر بيقين وهو أربعة عشر يومًا.
فإن تقرر هذا، فالكلام في حكم العبادات وإتيان الزوج: وقد قلنا: إن لها ثلاثة أحوال طهر بيقين، وحيض بيقين، وطهر مشكوك فيه.
فالطهر بيقين حكمًا فيه حكم الطاهرات، وفي الحيض بيقين حكمها حكم الحائض، وفي طهرها المشكوك تأتي العبادات ولا يأتيها الزوج، ولا تقضي الصلاة وتقضي الصوم والطواف (296 أ/ 1) على ما نذكر.
وجملته أن طهر المستحاضة هو على ضربين، يقين، وغير يقين، فاليقين لا كلام فيه؛ لأنه حدث كسلس البول.
وأما غير اليقين فعلى ثلاثة أضرب: ضرب ثبت بالدليل الواضح وهو التمييز أو العادة، فهذه يأتيها زوجها وتأتي بكل العبادات ولا تقضي.
وضرب ثبت احتياطيًا بغير دليل فهو طهر، من قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها، فالشهر كله مشكوك فيه لا يأتيها زوجها، وتأتي بالعبادات وتقضي غير الصلاة؛ لأن العبادات لا تسقط بالشك في الوقت كما لو خفيت عليه دلائل القبلة فإنه يصلي ويعيد.
وضرب اختلف القول فيه، وهو طهر المبتدأة التي لا تمييز لها كم نحيضها؟ قولان.
وعلى القولين الباقي إلى تمام أكثر الحيض طهر مشكوك فيه، وفيه قولان: أحدها: هو الطهر المميز.
والثاني: كطهر المتحيرة.
وهذا لأن خبر حمنة بنت جحش يحتمل أن في المعتادة، ويحتمل أنه في المبتدأة.
فإن كان في المعتادة فليس في المبتدأة دليل واضح، فهي كالمتحيرة، وإن كان في المبتدأة فقد ثبت طهرها بالدليل الواضح فهي كالمميزة والمعتادة.
وقال والدي الإمام رحمه الله: من (296 ب/ 1) أصحابنا من قال في الوطء في الطهر المشكوك أنه يحل في الطهر المشكوك أولًا ولا يحل في الطهر المشكوك آخر لأن الأصل إباحة الوطء في القسم الأول فلا يحرم إلا باليقين بخلاف الثاني.
قال والدي الإمام: وهذا هو أولى ما قال أصحابنا على الإطلاق يحرم وطئها.
وأما فروع الناسية للعدد دون الوقت إذا قالت: أعلم أن أول الوقت الدم أول الشهر، ولا أعلم مبلغه حيضناها اليقين يومًا وليلة، وما بعده طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس

الجزء: 1 - الصفحة: 337

عشر؛ لأنه غاية مدة الحيض، وتغتسل لكل صلاة عقيب الأول إلى آخر الخامس عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، وتصلي وتصوم وتقضي، وبقية الشهر طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة.
ولو قالت: اعلم انتهاء حيضي ولا اعلم ابتدائه ولا بعدده، وكان الانتهاء آخر يوم من الشهرـ قلنا: آخر يوم من الشهر حيض بيقين، وما قبله السادس عشر طهر مشكوك فيه، وأول الشهر إلى آخر الخامس عشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه ولا تغتسل؛ لأنه لا يمكن (297 أ/ 1) انقطاع الدم فيه، وهي تعلم أن آخر حيضها آخر الشهر، وتدع الصلاة آخر يوم من الشهر؛ لأنه حيض بيقين.
ولو قالت: لي في كل شهر حيضتان بينهما طهر صحيح، ولا أعلم موضعهما ولا عددهما، قال الشيخ أبو حامد: أقل ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يومًا من أول الشهر إلى آخره، ويومًا وليلة من أول الشهر، أو آخره، ويكون بينهما خمسة عشر يومًا طهرًا.
ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه، وتغتسل في آخره، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه، ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرًا بيقين؛ لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر طهرًا بيقين، لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر آخره، وإن كان من الخامس عشر، فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر، ثم تغتسل من انقطاع السابع عشر إلى آخر الشهر لكل صلاة؛ لأنه يمكن انقطاع الدم في كل وقت منه.
وقال القاضي الطبري: هذا خطا؛ لأنَّا إذا نزلنا هذا التنزيل لم يجز أن يكون ذلك حالها في الشعر الذي بعده (297 ب/ 1)، بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقتها، فتغتسل لكل صلاة ولا يطأها الزوج وتقضي العبادات.
وأما فروع الناسية للوقت والعدد معًا متى نسيت الوقت والعدد معًا لا تذكر أوله ولا آخره، فهي التي تسميها الفقهاء المتحيرة.
ويتصور ذلك في مجنونة تفيق فترى الدم سائلًا ولا تعرف شيئًا من حالها، فمتى تحيرت هكذا فيه قولان، قال في كتاب "الحيض": "لا أحيضها شيئًا بحال؛ لأنه ما من زمان بها إلا ويمكن أن يكون طهرًا، فكل طهر مشكوك فيه".
وقال في "كتاب العدة": "ولو ابتديت مستحاضة أو نسيت أيام حيضها تركت الصلاة يومًا وليلة".
فجعل لها الحيض يومًا وليلة في كل شهر، وسوى بينها وبين المبتدأة، وهذا لأن كل شهر غالب، وقد حيض النساء، والأول أصح؛ لأنها إذا لم تعلم الوقت لا يمكن تعينه بوقت دون وقت، فإذا

الجزء: 1 - الصفحة: 338

قلنا بالقول الثاني، قالب بعض أصحابنا: رجع الشافعي إلى اليقين في قدر الحيض، وفي وقته إلى غالب عادة النساء يقول: "وأحب أن حيضها على هذا القول يوم وليلة بخلاف المبتدأة".
وقال القاضي الطبري: يجئ فيه قول (289 أ/ 1) آخر أن حيضها في كل شعر ست أو سبع كما ذكرنا في المبتدأة هذا القول.
فإذا قلنا بهذا القول، متى تبتدئ بهذه الحيضة؟ قال الشافعي في "العدة": "تستقبل العدة في أول كل هلال".
ووجهه أن لأول الشهر أثرًا في التجارب فيعتبر به.
وقال ابن سريج: يقول لها: متى رأيت ابتداء الدم، فإن عرفته جعلنا ابتداء شهرها من ذلك الوقت، وعددنا لها ثلاثين يومًا، ثم حيضناها يومًا وليلة، وعلى ذلك أبدًا.
وإن لم يعرف ابتداء الحيض يقول لها: أخبرينا آخر الزمان الذي يتيقن أنك كنت طاهرة فيه، فإن قالت: كنت طاهرة في آخر رمضان بيقين، ولا أعرف حالي في شوال، جعلنا ابتداء شهرها من أول شوال، ثم عددنا لها ثلاثين وجعلنا الحادي والثلاثين حيضًا، ثم على ذلك أبدًا، وهذا هو اختيار كبار أصحابنا.
فإذا تقرر هذا، فإنها على هذا القول تفعل ما تفعل المبتدأة، فتصلي بعد مدة الحيض وتصوم وتعتد به، وهل يستعمل الاحتياط؟ فيه قولان، وقيل قول واحد أنها تستعمل الاحتياط فتصوم وتقضي ولا يطأها ووجهها: لأنه طهر ثبت احتياطيًا، وتأويل قوله في "العدة": "عليها ما على الطاهرات ولها (298 ب/ 1) ما للطاهرات" هي في حكم العدة حتى لا يحصل لها في كل شهر إلا قرء واحد.
وإذا قلنا: لا تحيض كما قال الشافعي أنها تصلي ولا تقضي؛ لأن صلاتها إن كانت في زمان الحيض فلا صلاة عليها، ولا يضرها بأن فعلته، وإن كانت في زمان الطهر فصلاتها صحيحة لا يلزمها قضاؤها، وأما في رمضان فلا تصومه وتقضي خمسة عشر يومًا منه؛ لأن خمسة عشر يومًا منه طهر بيقين، وما زاد عليها يجوز أن يكون حيضًا، فيكون صومها فيه باطلًا يلزمها قضاؤة، ويجوز أن يكون طهرها، ويكون صومها صحيحًا لا يلزمه قضاؤه، فأوجبنا قضاءه احتياطيًا للصوم.
فإذا صامت شوال حصل لها أربعة عشر يومًا لأنها تفطر يوم العيد، فيلزمها أن تقضي الخامس عشر، ولا يصح لها قضاؤه إلا أن تصوم يومين من بينهما أربعة عشر يومًا لا يجوز غير ذلك، ولو كان عليها صوم يومين صامت أربعة أيام بين يومين ويومين وثلاثة عشر يومًا، ولو كان عليها صوم ثلاثة أيام صاما ستة أيام بين الثلاثة إثنا عشر يومًا (299 أ/ 1) وإن كان عليها طواف طافت طوافين، يكون من حين ابتدأت بالطواف الأول إلى أن تبتدئ بالطواف الثاني خمسة عشر يومًا، فيكون إحدى الطوافين واقعًا في زمان الطهر بيقين، ولا يعتبر خمسة عشر بعد الفراغ من الطواف الأول إلى الثاني؛ لأنه ربما كان ذلك طهرًا كاملًا فيكون الطواف الأول والثاني وقعًا في الطهر،

الجزء: 1 - الصفحة: 339

ويجتنبها زوجًها أبدًا، وتغتسل لكل صلاة.
هكذا نقله جمهور أصحابنا بالعراق، ولم يذكروا غير هذا.
وقال الإمام أبو زيد المروزي وجماعة: أما قوله: إذا صامت شهرًا آخر إنما يكون إذا عرفت أن انقطاع دمها كأن يكون ليلًا حتى يعلم أنه لم يفسد عليها من الصوم أكثر من عدد أيام حيضها خمسة عشر يومًا، فأما إذا لم تعرف، أو عرفت أن انقطاع دمها كان يكون نهارًا فلا يكفيها ذلك بل إذا صامت رمضان لم تحتسب منه إلا بأربعة عشر يومًا لاحتمال أنها حاضت في بعض النهار، ومكث أربعة عشر يومًا ثم انقطع حيضها في بعض النهار فتفسد عليها ستة عشر يومًا، فإذا صامت شهرًا آخر يصح لها أربعة عشر يومًا على هذا التقدير ويبقى (299 ب/ 1) عليها يومان ولا يكفيها أن تصوم في القضاء لستة عشر اثنين وثلاثين يومًا، لأن ستة عشر يومًا من أول هذا الشهر ربما تفسد، وأربعة عشر يصح، والباقي يقع في الحيض، فإن زاد حتى بلغ صومها ثمانية وأربعين يومًا جُعل لها اليومان مع أربعة عشر؛ لأنه يفسد عليها بعد الأربعة عشر يومًا ثم يحصل يومان، فإذا أرادت إفراد اليومين بالقضاء يذكر أولًا.
بحكم يوم واحد يكون عليها، فيقول: إن عرفت أن انقطاع دمها كان بالليل صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا، فيقع أحدهما في الطهر لا محالة.
وقد قال الشافعي: "بينهما خمسة عشر" ولكن أراد مع أحد اليومين، فيكون على ما ذكرنا، وإن لم يعرف ذلك فلا بد من صوم ثلاثة أيام، فتصوم يومًا في التقدير كأنها صامته أول الشهر، ثم تترك اليوم الثاني بعده لا تصومه، ثم بعد الثاني ثلاثة عشر يومًا، تصوم أي يوم منها شاءت، ثم تترك يومًا بعد هذه، وهو السادس عشر من أول الشهر، ثم تصوم اليوم السابع عشر، وقد صح صوم أحد الثلاثة في طهر بيقين، ولا يصح أقل من ذلك؛ لأن أسوأ حالها أن يفسد لها من الشهر ستة عشر يومًا، وأنها تحيض أكثر الحيض (300 أ/ 1) ويكثر في الطرفين، فيفسد أول الشهر بالكثير، والسادس عشر أيضًا في التقدير وبينهما أربعة عشر يومًا حيض، فإن صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا جاز أن يقعا معًا في حيضة واحدة، فمتى صامت يومًا فلا تصوم السادس عشر من ذلك اليوم لهذه العلة، وإن جعل بينهما أقل من الطهر فيقع اليومان في الحيض الأول في آخر حيضها، والسابع ابتداء حيضة أخرى، فقلنا لها: صومي يومًا من أول الشهر، ثم صومي السابع عشر ولا تصومي الثاني؛ لأنه يكون بينه وبين السابع عشر يومًا فلا يصح ذلك، ولا تصومي السادس عشر؛ لأن بينه وبين الأول أحد عشر يومًا، فتقع الثلاثة في حيض، ولكن لك هاهنا ثلاثة عشر يومًا من الثاني من الشهر، والسادس عشر صومي منها أي يوم شئت، فإنه لا يخلو إما يكون طهرًا أو حيضًا، فإن كان طهرًا صح ذلك وعملت أن السابع عشر وأول الشهر وقعا في زمان الحيض، فإن كان هذا حيضًا علمت قطعًا أحد اليومين أول الشهر أو السابع عشر طهرًا؛ لأن أكثر ما فيه أن يفسد لها ستة عشر، فإن

الجزء: 1 - الصفحة: 340

كانت الفاسدة ستة عشر يومًا من أول الشهر يسلم السابع عشر، وإن كانت الفاسدة (300 ب/ 1) ستة عشر أولها ثاني الشهر وآخرها السابع عشر يسلم الأول، وأما إذا أرادت قضاء يومين إن اختارت أن تقضي يومًا يومًا يومًا فعلى ما ذكرنا، وإن اختارت أن تقضيها متصلًا صامت ستة أيام، تصوم يومين وتصوم السابع عشر، والثامن عشر وتصوم يومين فيما بين ذلك، ولا تحتاج إلى ترك اليوم، بل إن صامت أربعة أيام متوالية جاز، وذلك أنه كان الحيض من بعض الأول وانتهاؤه بعض السادس عشر فقد صح اليومان بعده، وإن كان من بعض الثاني انتهاؤه بعض السابع عشر فإنه قد صح الأول والثامن عشر، إن كان انتهاؤه من الثالث فقد صح الأول والثاني، وإن كان الأول وبعض الثاني حيضًا وبعضه طهرًا إلى بعض السابع عشر فقد صح الثالث والرابع.
وإن كان ابتداء الطهر من بعض الرابع وانتهاؤه بعض التاسع عشر فقد صح السابع عشر والثامن عشر.
وإن لزمها صوم ثلاثة أيام قضتها فهي تسع عشر يومًا، أربعة في أولها، وأربعة في آخرها.
وإن لزمها صوم أربعة قضتها في عشرين يومًا خمسة أيام من أولها وخمسة (301 أ/ 1) أيام من آخرها، وعلى هذا القياس.
وهذه المسألة خلل في كتب أصحابنا بخراسان وتعاليق العراق، وهذا الذي ذكرت هو المحتار الصحيح.
وأما قول الشافعي: "تغتسل لكل صلاة" قال أبو يزيد المرزوي تحتاج إلى زيادة احتياط، وهو أنها تغتسل للظهر وتصلي، ثم تغتسل للعصر وتصلي، ثم تغتسل وتصلي للمغرب، ثم تغتسل وتصلي للعشاء في وقتها، ثم إذا طلع الفجر تغتسل وتصلي وتعيد المغرب والعشاء بغسل واحد، ثم تغتسل وتصلي الصبح، ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت وتعيد الصبح، فيحصل لها الاغتسال ثمان مرات، وتصلي كل صلاة مرتين؛ لأن اغتسالها لكل صلاة لتوهم انقطاع الدم في كل لحظة، وإعادة الصلاتين بعد الغروب؛ لأن مذهب الشافعي أنها لو طهرت قبيل الغروب بخمس ركعات لزمها قضاء الظهر والعصر، ولعلها طهرت ولم يجزها ما فعلت في حال الحيض، وأما اكتفاؤها بغسل واحد لإعادة الظهر والعصر، فلأنها لا تخلو إما أن يكون طهرها من الحيض بعدما غربت الشمس واغتسلت هي، أو قبل الاغتسال فليس عليها ظهر ولا عصر.
وإما أن يكون طهرها قبيل الغروب فقد صح غسلها ولا حاجة إلى الإعادة.
وإن كان عليها طواف احتاجت (301 ب/ 1) أن تطوف ثلاثة طوافات، تطوف طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، وتطوف في الوسط طوافًا إلا أنها تدع زمان في أول الخمسة عشر وفي آخرها، تقرر الطواف فلا تطوف فيه، وتطوف فيما بين ذلك، فإن كان الطوافان في الحيض كان الأوسط في الطهر.
وإن قلنا: تترك بقدر الطواف من أول الخمسة عشر، ثم تطوف لئلا يكون الأول في الحيض، وبعض الثاني إذا كان عقيبة، ثم يكون الطهر في بعضه إلى بعض الثالث فيفسد الكل، فإذا أخرته أمنت ذلك، وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 341

القفال: لا بأس أن اقطع طوافان من هذه الثلاثة يوم واحد، مثل أن تطوف الزوال مثلًا في اليوم الأول، ثم تمهل أربعة عشر يومًا بعده،، ثم في السادس عشر تطوف مرة قبل الزوال ومرة بعد الزوال، فيحصل به الشرط الذي ذكرناه، لأن الطواف لا يستغرق اليوم بخلاف الصوم.
وإن عرفت وقت انقطاع دمها في اليوم والليلة، مثل إن كان طهرها وقت الزوال مثلًا يكفيها طوافها في يومين بينهما أربعة عشر يومًا وتجتنب ساعة الزوال، بل تأتي به في اليومين قبل الزوال أو بعد الزوال فيهما، فيقع أخدهما في الطهر لا محالة، فإن أتت بأحدهما قبل (302 أ/ 1) الزوال وبالآخر بعد الزوال لم يجز، لاحتمال أنهما وقعا في حيض إن طافت اليوم الأول بعد الزوال والآخر قبل الزوال، أو في حيضتين إن طافت في اليوم الأول قبل الزوال في اليوم الأخير منه.
الفصل السابع في فروع مسائل الخلطة يعنى الخلطة في ناسية الوقت دون العدد، غير أنها تعلم أنها تختلط أحد الزمانين بجزء من الحيض.
مثاله: قالت: حيضي خمسة عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، ولست أدري الباقي من النصف الأول أو الثاني، وتفسير هذا الكلام: أني أحيض في كل شهر خمسة عشر يومًا في أحد النصفين، ويومًا في النصف الآخر، قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض أول الثاني وآخره أخر السادس عشر.
ويحتمل أن يكون أوله أول الخامس عشر وآخره آخر التاسع والعشرين، فيكون يومان حيض بيقين الخامس عشر والسادس عشر، ويومان طهر بيقين أول الشهر وآخره، فتتوضأ لكل صلاة أول يوم منه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة يومين وتغتسل عقيب السادس (302 ب/ 1) عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز عقيبه انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى الثلاثين؛ لأنه طهر بيقين، فحصل الاغتسال في موضعين.
وجملة الطهر مشكوك فيه ستة وعشرون يومًا، ثلاثة عشر في النصف الأول، وثلاثة عشر في النصف الثاني.
وأصل هذا أن ينظر إلى القدر الذي تخلط به فتضيف إليه مثله، فما اجتمع فهو حيض بيقين، فإذا عرفت عدد حيضها بيقين فقبلها وبعدها طهر بيقين مثل عددها، وهو يوم في أول الشهر ويوم في آخره.
وإن كانت المسألة بحالها وقالت: عير أني أخلط النصفين بالآخر ستة أيام، قلنا: يضاف إلى الستة مثلها تصير اثني عشر فذلك حيضها بيقين، ولها اثني عشر طهر بيقين، ستة من أول الشهر وستة من آخره، والباقي طهر مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول السابع وآخره الحادي والعشرين.
ويحتمل أن يكون ابتداؤه أول العاشر وآخره آخر الرابع والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة في طهرها بيقين، وفي طهرها

الجزء: 1 - الصفحة: 342

المشكوك فيه، وتقعد عن الصلاة في حيضها بيقين وتغتسل (303 أ/ 1) مرتين عقيب الحادي والعشرين وعقيب الرابع والعشرين.
فإن قالت: غير أني أخلط أحد النصفين بالآخر سبعة.
قلنا: يضاف إليها مثلها تصير أربعة عشر حيض بيقين وبعددها في طرفي الشهر، وآخره آخر الثاني والعشرين.
ويحتمل أن يكون أوله أول التاسع وآخره آخر الثالث والعشرين فتغتسل في موضعه عقيب الثاني والعشرين، وعقيب الثالث والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة إلا في حيضها بيقين.
وإن قالت: كنت أخلط بثمانية.
قلنا: هذا معناه بسبعة؛ لأن إذا كان لها من أحد النصفين فلها من الآخر بسبعة.
وإن قالت كنت أخلط بتسعة.
قلنا: هذا معناه لستة.
وإن قالت: بعشرة، قلنا: معناه بخمسة.
فإن قالت: وكنت أخلط بأربعة، قلنا: معناه أخلط بيوم، وقد مضى كل هذا، وهذا كله إذا لم يختلف الحيض واختلف ما يختلط به.
فإن اختلف الحيض ولم يختلف ما يختلط به، فقالت: عادتي خمسة عشر فكنت أخلط بيوم، فقد مضى حكمه.
ولو قالت: حيضي أربعة عشر وكنت أخلط بيوم، قلنا أجعلي في حيضك بيقين ما قلناه، وأضيفي إلى ما تخلطين به مثله، فما بلغ فهو حيض بيقين، وأما طهرك بيقين فانظري إلى ما ذكرت من العدد والحيض فأستقي منه يومًا (303 ب/ 1) وضمي إلى ما بقى مثله، فما جمع أسقطه من الشهر، ويكون ما بقى من الشهر طهرًا بيقين.
فإن قالت أربعة عشر.
قلنا: أسقطي منها يومًا وضمي إلى ما بقى مثله يكون ستة وعشرين يومًا، أربعة من الشهر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر السادس عشر.
ويحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر وآخره آخر الثامن والعشرين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة مرتين، ثم تغتسل عقيب الثالث عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني والعشرين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثلاثين، فيحصل لها أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أوله ويومان من آخره، ويومان حيض بيقين وهما الخامس عشر والسادس عشرـ وباقي الطهر مشكوك فيه.
فإن قالت: حيضي عشرة وأخلط بيوم.
قلنا: لك يومان حيض بيقين واثني عشر طهر بيقين؛ لأنه يقتصر يومًا من عشرة وأضفت إليها مثلها صارت ثمانية عشر ففي اثني عشر من الشهر طهر بيقين ستة من أول الشهر وستة (304 أ/ 1) من آخره، وعلى هذا أبدًا.
وإن قالت: حيضي ثلاثة وأخلط بيوم.
قلنا: لك يومان حيض بيقين.
والعدد ثلاثة أنقص منه واحدًا يبقى اثنان، أضيفي إليها مثلها تصير أربعة يكون لك ستة، يبقى لك ستة وعشرين يومًا طهرًا بيقين ثلاثة عشر من أول الشهر ومثلها في آخره، والرابع عشر

الجزء: 1 - الصفحة: 343

والسابع عشر والتاسع عشر طهر مشكوك فيه.
وإن قالت: حيضي يومان، وأخلط بيوم قلنا: حيضك الخامس عشر والسادس عشر قطعًا والباقي طهر، يتفق هذا إذا خلطت نصف الشهر بنصفه.
وهكذا إذا خلطت نصف العشر بنصف العشر أو عشر العشر على ما قلنا حرفًا بحرف.
فرع لو قالت: حيضي أربعة عشر ونصف اليوم، وأخلط أحد النصفين بالآخر يوم، وأعلم أن الكثير في ابتداء حيض بنصف يوم.
قلنا: حيضك أول الشهر، وما تخلطين به وهو يوم هو السادس عشر، لأن الخلط بيوم كامل يمنع الكثير آخر الحيض.
فإن كانت المسألة بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم.
قلنا: قد عرفت أن الحيض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر، وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر.
فإن كانت بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم (304 ب/ 1) قلنا: قد عرفت أن الحائض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر.
فإن كانت بحالها فقالت: لكن أكثر بنصف يوم من أول حيضي وبنصف يوم في آخره.
قلنا: محال أن يكون الخلط بيوم كامل، وفي أول الحيض وآخره كثر هذا كله إذا تحققت ما تخلط به، فإن شكت فيما تخلط به فقالت: حيضي خمسة عشر لا أعلم موضعها من الشهر، وأعلم أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، أشك هل أخلط بأكثر أم لا؟ قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر آخره آخر التاسع والعشرين.
ويحتمل غير هذا.
قلنا: لك حيض بيقين يومان، ويومان في طرفي الشهر طهر بيقين، والباقي طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة أول يوم منه؛ لأنه طهر بيقين ثم تتوضأ إلى آخر التاسع عشر، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة الخامس عشر والسادس عشر، ثم تغتسل عقب الخلط لجواز انقطاع الدم فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع والعشرين لجواز الانقطاع، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
(305 أ/ ب) فإن قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر ولا أدري هل كنت أخلط أم لا؟ ولا أعرف موضعًا منه.
قلنا: ضاع نصف الشهر في كله، فالكل طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى تمام خمسة عشر، وتغتسل لكل صلاة إلى انقضاء الشهر.
فرعان لأبي إسحاق.
إذا قالت حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعرف موضعهما، غير أني أخلط النصفين بالآخر بجزء أعلم أنه الباقي من النصف الآخر.
قلنا: أضيفي إلى جزء يكون لك جزأين حيض بيقين، وهو آخر جزء من نهار الخامس عشر، وأول

الجزء: 1 - الصفحة: 344

جزء من ليلة السادس عشر، وجزأن من طرفي الشهر طهر بيقين، تتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار الخامس عشر منها جزء من حيض بيقين لا يمنعان وجوب صلاة بحال، فإن الحيض لبقية جزء من النهار لا يمنع وجوب العصر، وجزء من الحيض أول الليل لا يمنع وجوب المغرب، فتغتسل مرتين عقب الجزأين، أعني عقيب الجزء الأول من ليلة السادس عشر، وفي الجزء الأخير من آخر يوم الثلاثين لجواز الانقطاع فيه، ويبقى لها جزء طهر بيقين.
الثاني: إذا قالت: مسألتي بحالها، وأخلط بجزء وأشك في الزيادة.
قلنا: الحكم على ما مضى إلا في الاغتسال، فإنها (305 ب/ 1) تغتسل عقيب جزء من نهار الثلاثين؛ لأنه ما من زمان إلا ويمكن انقطاع الدم فيه لقولها: أشك في الزيادة فيما أخلط فيه.
فروع ثلاثة لأبي محمد أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي رضي الله عنه أوردها أبو إسحاق.
أحدها: إذا قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر، لا أعلم موضعها منه إلا أني أخلط نهار أحد الخمسين بنهار الأخرى بجزء لا أدري أنه جزء من نهار الخامس والباقي من الخمسة الثانية، أو أول جزء من نهار السادس والباقي من الخمسة، فمعنى هذا الكلام أن ليلة السادس هي حيض بيقين؛ لأنها إذا خلطت نهارًا بنهار آخر فالليلة التي بينهما هي حيض بيقين.
قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض لمضي جزء من نهار أول العشر وآخره لمضي جزء من نهار العاشر، فتكون ليلة السادس وجزء من آخر نهار الخامس حيضًا بيقين، وأول ليلة من الشهر طهر بيقين، وجزءان طهر بيقين أول نهار الأول وآخر نهار العاشر، والباقي طهر مشكوك فيه، فتتوضأ لكل صلاة أول ليلة من العشر وجزء من نهار أوله؛ (306 أ/ 1) لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى بقية نهار الخامس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تقعد عن الصلاة آخر جزء من نهار الخامس وإلى أن يمضي جزء من نهار السادس؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار العاشر، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيه ونفى جزء من العاشر وطهر بيقين وصلاة لسلة السادس يسقط عنها، ولا يسقط العصر من اليوم الخامس، لأن الحيض في آخر وقت العصر، ولا الفجر من اليوم السادس، لأن الحيض أول جزء من وقتها.
والثاني: قالت: حيضي يومان من هذا العشر، لا أعلم موضعها منه، غير أني أخلط نهار أحد الخمسين بالآخر بجزء، ولا أخلط بأكثر منه، فإن كان الجزء من الخمس الثاني فأول حيضها يكون عند مضي جزء من اليوم الرابع، وآخره عند مضي جزء من اليوم السادس، وإن كان من الخمس الأول فأول حيضها يكون من آخر جزء من اليوم الخامس، وآخره آخر جزء من اليوم السابع، فيحصل لها من أول العشر إلى أول جزء من اليوم الرابع طهر بيقين، ويحصل لها من الجزء الثاني من اليوم السابع إلى آخر

الجزء: 1 - الصفحة: 345

العشر طهر يقين، ويحصل لها من (306 ب/1) آخر جزء من اليوم الخامس إلى أول جزء من اليوم السادس حيض بيقين يسقط عنها صلاة المغرب والعشاء، ويكون بقية الرابع والخامس وبقية السادس والسابع طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تقعد عن الصلاة إلى أول جزء من السادس، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها والحكم في الصلاة على ما ذكرنا.
والثالث: إذا قالت: حيضي يوم وليلة من هذا العشر لا أعلم موضعه منه إلا أني أخلط نهار إحدى الخمسين بنهار الأخرى بجزء.
قلنا: حيضك بيقين ليلة السادس وجزء قبلها جزء بعدها ويمضي جزء من نهار الخامس لبقية جزء منه طهر مشكوك فيه والباقي طهر بيقين.
والحكم في الصلاة والغسل والوضوء على ما مضى تدع الصلاة في الحيض بيقين، وتصلي في طهرها بيقين وفي طهرها المشكوك فيه وتغتسل في وقت إمكان انقطاع الدم فيه، وتتوضأ لكل صلاة إلى تمام العشر.
فروع ذكرها القفال: لو قالت: لا أعرف إلا أني كنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضاً بيقين.
قلنا: حصل لك يقين الحيض في أحد عشر يوماً، يوم من آخر الشهر، ويوم من أول الشهر، ويوم (307 أ/ 1) العاشر وما بينه، وبين يومي الخلط.
وإذا قدمنا حيضك أقصى ما يمكن كان أوله يوم السادس والعشرين من الشهر الأول تتوضأ هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام بعده، وإذا أخرنا حيضك أقصى ما يمكن كان آخره انقضاء أربعة عشر من الشهر الثاني، فاغتسلي لكل صلاة في هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام قبله، وما وراء ذلك طهر بيقين.
فإن قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم الحادي والعشرين حائضاً بيقين قلنا: حيضك أحد عشر يوماً، يوم الحادي والعشرين، ويوم الخلط وما بينهما، وتوضئي لكل صلاة أربعة أيام قبل الحادي والعشرين واغتسلي لكل صلاة أربعة أيام أولها اليوم الثاني من الشهر.
فإن كانت المسألة بحالها غير أنها قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بيوم لكني كنت يوم العاشر طاهراً بيقين، فلا يحصل لها بيقين الحيض إلا يوم الخلط، وتتوضأ لكل صلاة من ليلة السابع عشر من الشهر إلى انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل لكل صلاة من الليلة الثانية من الشهر إلى انقضاء التاسع، ثم هي طاهرة إلى انقضاء السادس عشر.
وإن قالت: كان مع هذا حيضي خمسة عشر يوماً، قلنا: حصل لك - يعني الحيض (307 ب/ 1) سبعة أيام ولها ليلة الخامس والعشرين من الشهر فتتوضئ لكل صلاة ثمانية أيام قبل ذلك، واغتسلي ثمانية أيام بعد زمان الحيض آخرها انقضاء التاسع من الشعر

الجزء: 1 - الصفحة: 346

فإن قالت: كانت حيضي (كله) عشرة أيام، وكنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضاً بيقين.
قلنا: هذا محال، لأن العاشر ويومي الخلط وما بينهما تزيد على عشرة.
وكذلك إن قالت: كنت يوم الحادي والعشرين حائضاً بيقين.
فإن قالت: بل كنت يوم التاسع حائضاً بيقين.
قلنا: يعين زمان حيضك وهو يوماً الخلط ويوم التاسع وما بينهما.
وإن قالت: كنت يوم الثاني والعشرين حائضاً بيقين.
قلنا: يقين، وهو يوم الخلط وبينهما.
وإن قالت: لا أعرف كم كان حيضي أو كان خمسة عرش، فكونها حائضاً يوم العاشر ليس بمحال لا محالة في هذه المسألة، إلا أن تقول: كنت يوم الخامس عشر أو السادس عشر حائضاً، لأن يوم الخلط مع أحد هذين اليومين وما بينهما يزيد على خمسة عشر.
وإن قالت: بل كنت يوم الرابع عشر حائضاً تعين بحيضها يوماً الخلط واليوم الرابع عشر، وما بينهما.
وإن قالت: كنت يوم السابع عشر (308 أ/ 1) حائضاً تعين هذا اليوم ويوم الخلط وما بينهما وذلك خمسة عشر.
وإن قالت: أعرف أني كنت أخلط شهراً بشهر ولا أعرف قدر الخلط.
قلنا: أقل الخلط لحظة فلك لحظتان حيض، لحظة في آخر جزء من اليوم الخامس عشر، والأخرى في أول جزء من ليلة السادس عشر، فإذا عرفت وقت الحيض المتيقن فعدم حيضها أقصى ما يمكن، فإذا أخره من الليلة السادس عشرة وأخره أقصى ما يمكن فإذا آخره قبيل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني، ففي النصف الأخير من الشهر تتوضأ لكل صلاة، إذ لا تتوهم انقطاع دمها، وفي النصف الأول تغتسل لكل صلاة إذ كل ساعة تعرض للانقطاع.
وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط شهراً بشهر يوماً بيوم، أعني بيوم وليلة، ومعنى قولها: (يوم بيوم): أي أن جميع حيضي إن كان في أول الثاني بعد أن كان يوم منه في آخر الشهر الأول، وإن كان الجميع في آخر الشهر الأول بعد أن كان يوم منه في أول الشهر الثاني.
وحكم المسألة أنه حصل لها يقين الحيض في يومين يوم من آخر الشهر (308 ب/1) ويوم من أوله، وفي مقابلته حصل يومان طهر، يوم الخامس عشر والسادس عشر، ثم قدم الحيض أقصى ما يمكن بعدما بعد فيه اليومين، وآخر أقصى ما يمكن وبعدهما فيه تتوضأ لكل صلاة في ثلاثة عشر يوماً من آخر الشهر ليلة السابع عشر وآخرها انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل في ثلاثة عشر يوماً أولها الليلة الثانية من الشهر وآخرها انقضاء الرابع عشر.
فإن قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بياض النهار ببياض النهار تعين لحيضك ليلة

الجزء: 1 - الصفحة: 347

ولحظتان، لحظة من آخر الشهر والليلة الأولى من الشهر، ولحظة بعد طلوع الفجر، وفائدته أن صلاة المغرب والعشاء في تلك الليلة لا يلزمانك، وأنه لا يفسد عليك من شهر رمضان إلا خمسة عشر، وإن كان الانقطاع نهاراً من المحتمل، لأنك تعلمين أن أحد طرفي حيضك كان خارج شهر رمضان، فلا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر، وإن أفسد يوماً باشتراك الطهور والحيض فيه.
وهكذا جميع الشهر بالشهر لا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر فما دونه.
ثم في هذه المسألة إذا قدمان حيضها أقصى ما يمكن كان آخره قبيل غروب (309/ 1) الشمس يوم الخامس عشر، فهذه تغتسل في النصف الأول من الشهر وتتوضأ في النصف الثاني، وتكون على يقين الطهر ليلة السادس عشر ولحظتين قبلها وبعدها.
وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر سواد الليل بسواد الليل فتيقن حيضها اليوم الأخير من الشهر، ولحظة من الليلة الأخيرة من آخر الليلة، ولحظة من أول الشهر من أو الليل، وتسقط عنها صلاة الصبح والظهر والعصر في اليوم الأخير، لا يفسد عليها من الصوم إلا خمسة عشر، لأن انقطاع دمها كان ليلاً إذ لا تتيقن انقطاع دمها متى كان، ولكن لما ذكرنا من الخلط، وتعين طهر هذا اليوم الخامس عشر ولحظتان قبله وبعده، ثم تتوضأ وتغتسل على ما ذكرناه.
وإن قالت: كنت أخلط بياض النهار من الشهر الأول بسواد الليل من الشهر الثاني، فهو كما لو قالت: كنت أخلط ولا أعرف بكم، فيقين حيضها لحظتان في آخر اليوم الخامس عشر وأول ليلة السادس عشر.
وإن قالت: كنت أخلط بسواد الليل من الشهر الأول ببياض النهار من الشهر الثاني، فيقين حيضها اليوم الأخير، والليلة الأولى، ولحظتان (309 ب/ 1) قبلها وبعدها، ويقين طهرها يوم الخامس عشر وليلة السادس عشر، وقس المسائل على هذا.
فرع ذكره القفال: قال: قد ذكرنا العادة في الطهر والحيض يزيد وينقص ومعلوم أنه لو ارتفع دمها عشر سنين ثم استحضيت لم نجعل كل طهر لها عشر سنين، فلابد من حد فاصل بين ما يكون طهراً بين حيضين ونصب عادة، وبين ما لا يكون.
وسألت كثيراً من أصحابنا عن هذا الحد الفاصل فلم أجد له بياناً، والذي عندي أن الحد الفاصل ثلاثة أشهر، فإن رأت خمسة أيام دماً وخمساً وثمانين يوماً طهراً، ثم رأت الدم استمر، عملت على أن لها في كل تسعين يوماً حيضاً وطهراً، فإن بلغ طهرها تسعين ثم رأت الدم واستمر بها، عمل على عادتها الأولى أن حيضها خمسة وطهرها خمسة وثمانون،

الجزء: 1 - الصفحة: 348

وإلا فثلاثة أشهر، لأن الآية تعتد بثلاثة أشهر، ولو رأت قرء أو قرئين، ثم ارتفع حيضها وصارت آية، أتت بثلاثة أشهر أيضاً بدلاً من (310 أ/ 1) القرء الباقي والقرءين الباقين، فعرفت أنه قدر لا يجوز أن يكون طهراً بين حيضين، وما دون ذلك يجوز، وهنا حسن.
فرع آخر ذكر والدي - رحمه الله - امرأة صلت خلف مستحاضة متحيرة لم تصح صلاتها لجواز أن تكون الحالة حالة حيض فلا تصح الصلاة خلقها، ولهذا لا يجوز صلاة الرجل خلف الخنثى لجواز أنها امرأة وليس لمن صلى خلف من يشك في حدثه بعد يقين الطهارة لا يجوز، لأن هناك أصلاً يفيده، وهو العلم بطهارته، فجاز ذلك.
ولو صلى من لا علة به خلف من به سلس البول لا يجوز لأنه لا حالة له إذا ظهرت منع الصلاة خلفه بخلاف هذا.
وفيه وجه آخر: لا يجوز لأن حدثه دائن، ولم يأت بطهارته ولا يبدلها.
فرع آخر لو صلت المستحاضة خلف المستحاضة وهما متحيرتان ففيه وجهان، كالخنثى إذا صلى خلف الخنثى، والصحيح أنه لا يجوز.
فرع آخر صلاة المرأة الطاهرة خلف مستحاضة تعرف عدد حيضها وتعرف وقت البعض دون البعض في حال الطهر المشكوك فيه تنظر، فإنه كان عقيب يقين الحيض لم يجز، وإن كان عقيب يقين الطهر جاز بناء على الأصل فيهما قياساً على الوطء الذي ذكرنا من (310 ب/ 1) التفصيل فيه بين الأول والآخر وفيه وجه آخر أنه لا تصح الصلاة خلفها فهما كما قلت في الوطء يحرم بكل حال وما ذكرناه أصح.
فرع آخر قال والدي - رحمه الله - المستحاصة المتحيرة إذا وطأها زوجها في صوم شهر رمضان وقلنا للمرأة يلزمها كفارة الجماع هل عليها الكفار.
وجهان والأصح أنه لا يجب عليها لأن الأصل أن لا وجود وللأصل فيه معتمد.
فرع آخر قال أيضاً إذا افطرت المتحيرة لإرضاع ولدها فهل يلزمها الفدية على القول الصحيح وجهان والصحيح أنه لا يلزم.
فرع آخر لو كان عليها قضاء يوم واحد من الصحيح وقد ذكرنا إنها لا تؤدي ذلك إلا لصوم ثلاثة أيام فلو صامت يوماً وشكت هل نوت أمر آخر فيه وجهان أحدهما لا يؤثر الشك

الجزء: 1 - الصفحة: 349

لأنها شكت بعد الفراغ والثاني يؤثر لأن هذا الصيام كصوم يوم واحد لأنه يسقط بها قضاء صوم يوم واحد فصار كالشك قبل الفراغ، لأجل هذا إذا كان عليه صوم شهرين متتابعين، فصام يوماً ثم شك هل نوى أم غير النية أم لا هل يلزمه الاستئناف؟ وجهان.
فرع آخر قال: لو أرادت الجمع بين الصلاتين في السفر وفت الأولى (311 أ/ 1) لا يجوز إلا بشرط تقديم الأولى على الثانية صحيحة يقيناً، أو بناء على أصل ولم يوجد ذلك، ويجوز أن تكون طاهرة عند أداء العصر، وحائضاً عند أداء الظهر، ليس كمن شك في الحدث وأدى صلاة الظهر يجوز العصر بعده جمعاً، لأن هناك يعتمد أصلاً وهي الطهارة السابقة.
الفصل الثامن من فروع التلفيق إذا رأت يوماً دماً ويوماً طهراً، لم يخل من أحد أمرين، أما أن يتغير خمسة عشر، أو لا يتغير.
فإن وقف عليها ولم يتغير كانت أيام الدم ثمانية، وأيام النقاء سبعة، فهل يكون الطهر بين دم الحيض؟ قولان بناء على التلفيق.
فإن قلنا: لا يلفق فمعناه لا يضم دماً إلى دم وطهراً إلى طهر، فتكون أيام النقاء حيضاً، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - في عامة كتبه، وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري.
وبه قال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - ووجهه أنا لو جعلناه طهراً جعلنا أقل الطهر أقل من خمسة عشر، ولأن عادة المرأة أن لا ترى الدم أبداً، بل ترى من وقت وتمسك في وقت، فحكم بكون الكل حيضاً، إلا أنه بشرط أن لا يزيد الطهر على الدين، فإن زاد فهو طاهر، والدم الذي لم يبلغ (311 ب/ 1) ثلاثة أيام من الدمين طهر أيضاً.
والقول الثاني: أنها تلفق ويكون أيام النقاء طهراً وهكذا ذكره الشافعي - رحمه الله - في مناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ونصره، وبه قال مالك، وهو اختيار ابن سريج وأبي حامد وهو المشهور من المذهب وهذا لأن الله تعالى أمر باعتزال الحيض على الطهر إلا وجود النقاء الخالص فجعل وقت الدم حيضاً، ووقت النقاء طهراً، وهكذا لو رأت يومين ويومين وثلاثة وثلاثة، أو رأت خمسة دماً وخمسة طهراً، وخمسة دماً، أو رأت يوماً وليلة دماً، وثلاثة عشر يوماً طهراً، ويوماً دماً، أو كان زمان الدم أكثر، أو أقل.
قال: فالكل على قولين، وعلى كلى القولين متى رأت النقاء في اليوم الثاني عليها أن تغتسل في الحال، وتأتي بالعبادات كلها ولزوجها أن يأتيها، لأن النقاء إذا وجد بعود الدم مظنون، والظاهر أنها قد طهرت، فإذا فعلت ذلك، فإن لم يعاود الدم، فقد صح ما فعلت، وإن عاودها الدم فهل صح ما فعلت يبني على القولين.
فإن قلنا: تلفق صح ما فعلت، وكان وطئه مباحاً، وإن قلنا: لا تلفق لم (312 أ/ 1) يصح ما فعلت بالصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 350

لا تقضي لأنها ما وجبت، وتقضي الصوم والطواف.
وأما الوطء فقد وقع محظوراً، ولكنهما لا يأثمان بذلك، ث إذا قعدت يوماً آخر وطهرت في اليوم الرابع اغتسلت وصامت وصلت على ما بينا وعلى هذا حكمها متى عاودت الدم وطهرت، فإن قيل: هلا قلتم أنه إذا تكرر تركت الصلاة في يوم الطهر وإذا قلتم أنها لا تلفق، لأنها اعتادت عود الدم بعده كما قلتم في المستحاضة إذا زاد الدم على عادتها في الشهر الثاني تعود في الحال إلى ما كانت في الشهر الأول، وإن جاز أن لا يتغير خمسة عشر، قلنا: الفرق أن الظاهر ها هنا بقاء الطهر، فلا ينتقل عن هذا الظاهر لمجرد العادة وتترك الصلاة، وهناك الظاهر اتصال الدم ومجاوزته أكثر الحيض، فثبت على المتقدم في ذلك هذا إذا وقف.
فأما أن عبر على هذا كان السادس عشر طهراً، والمذهب أن الاستحاضة دخلت في الحيض.
وقال ابن بنت الشافعي: النقاء الذي في السادس عشر بفصل ما قبله من الدماء عما بعده فيكون بعده من الهمسة عشر طهراً، وفي الخمسة عشر قولان على ما بيناه، فجعل ذلك بمنزلة قالوا: تقطع الدم ولم يجاوز الخمسة عشر، وتابعه الشيخ (312 ب/ 1) أبو بكر المحمودي وهذا قول بخلاف نص الشافعي، لأنه قال، في هذه المسألة بعينها في كتاب "الحيض" (فإذا زاد على خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة، ورددنها إلى يوم وليلة)، ولأنه لو فصل بينهما إذا وقع بعد خمسة عشر لفصل بينهما إذا وقع في أثناء خمسة عشر، ألا ترى أن الدم الأحمر بين الأسودين لما لم يفصل بينهما في أثناء خمسة عشر، لم يفصل بينهما بعدها، ومن مسألة أنها لو رأت يوماً دماً، ويوماً طهراً حتى عبر خمسة عشر، فالكل الخمسة عشر حيض لو قلنا تلفق، أو كلما فيهما من الدماء حيض على قولنا، لأنها رأت يوم الخامس عشر دماً، وأن رأت ثلاثة دماً، وثلاثة طهراً على هذا فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دماً، وأربعة طهراً فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دماً وخمسة طهراً فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دماً، وأربعة طهراً فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دماً وخمسة طهراً، فحيضها خمسة عشر، وإن رأت ستة دماً، وستة طهراً بعد.
وافقنا أنها ترد إلى يوم وليلة في قول، وإلى عادة النساء في قول، لأن الدم اتصل من الخمسة عشر إلى ما بعدها، وإذا قلنا بالمنصوص، وعليه عامة أصحابنا، فهذه مستحاضة فلا يخلو إما أن تكون مميزة أو معتادة أولا تمييز لها، ولا عادة، فإن كانت مميزة لا عادة لها مثل إن (313 أ/ 1) رأت يوماً أسود، ويوماً طهر إلى التاسع، ثم يوماً أحمر، ويوماً طهراً، أو فالأسود حيض، وما بعدها استحاضة، وكم قدر حيضها.
فإن قلنا: لا تلفق فالتسعة كلها حيض، وإن قلنا تلفق لفقنا لها خمسة من تسعة الأول، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع، وما عداها طهر، فالوتر أبداً دم إذا كان أولها دماً، وعلى هذا ما زاد ونقص، ولا شك أن النقاء الذي في اليوم العاشر لا يكون حيضاً،

الجزء: 1 - الصفحة: 351

لأنه لا يتعقبه دم محكوم بأنه حيض.
وقال أبو يوسف: إذا عاود الدم الحادي عشر أو قبل وجود طهر كامل فجميع العشرة حيض، وإن كانت معتادة مثل إن كان لها خمسة دم فلما كان في هذا الشهر رأت يوماً يوماً، واتصلت وعبر، يبني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى عادتها، وهي خمسة فتكون الخمسة للأول دماً بينهما من الطهر حيضاً كلها، وإن قلنا: إنها تلفق فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: خمسة عشر، ولا تلفق من بعده خمسة عشر، فإن قلنا: تلفق من أيام العادة لفقناها في زمان العادة، وهي ثلاثة أيام الأول، والثالث، والخامس، والباقي طهر، فإن قلنا: نلفق من خمسة عشر من ستة وإن كانت (313 ب/ 1) عادتها ستة، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق نقص حيضها بها فيكون خمساً، والسادس رأت النقاء فيه، فلا يمكن أن يكون في معنى الحيض لأنه طهر لم يتعقب حيض، وهذا أصل من كانت عادتها وتراً لم ينقص حيضها، ومن كانت عادتها شفعاً سقط الأخير أبداً على هذا القول.
وإن قلنا: تلفق فمن أين تلفق؟ على القولين، فإن قلنا: من العادة لفقنا لها ثلاثة من خمسة، لأن السادس يسقط، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من تسعة، وعلى هذا أبداً، وإن كانت عادتها ثمانية فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق بسبعة حيض، وإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قولنا من العادة لفقنا لها أربعة من ثمانية، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر، فتكون في هذه المسألة في حيضها ثلاثة أقوال: أحدهما: حيضاً ثمانية، والثاني: أربعة، والثالث سبعة، فإن كان حيضها تسعة، فإن قلنا: لا تلفق فحيضها تسعة، وإن قلنا: تلفق فإن قلنا: من العادة لفقنا لها همسة من تسعة، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر ونقص حيضها يوماً، لأنه ليس في خمسة عشر أكثر من ثمانية أيام دماً، ولا تلفق لها من غيرها، وإن (314 أ/ 1) كانت العادة خمسة عشر، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: إنها تلفق اتفقت العادة خمسة عشر ها هنا تتلفق لها منها ثمانية، وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها، ولا عادة كم تحيض هذه؟ قولان.
أحدها: اليقين، والثاني الغالب.
فإن قلنا: اليقين كان حيضها يوماً وليلة وما بعدها استحاضة.
وإن قلنا: الغالب فالحكم فيها كمن عادتها سبعاً، هل تلفق من الست، أو السبع، أو من الخمسة عشر؟ قولان على ما مضى، فإن رأت بياض يوم دماً، ثم بياض الخامس عشر دماً، وما بينهما طهراً فعلى القولين، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فالدم حيض والباقي طهر، فإن رأت بياض يوم دماً، ثم بياض السادس عشر دماً، وما بينهما، وهو أربعة عشر طهراً فالكل دم فساد، لأنا إن قلنا: لا تلفق لم

الجزء: 1 - الصفحة: 352

يصح، لأنه يؤدي إلى أن نجعل مدة الحيض ستة عشر يوماً، وإن قلنا: تلفق التلفيق هو ضم دم إلى دم بعد أن يكونا معاً في وقت يمكن أن يكونا حيضة واحدة، فهذا الثاني بعد خمسة عشر لا يكون حيضاً والأول دون يوم وليلة، فلا يكون حيضاً، وإن رأت ثلاثة أيام دماً وأثنى عشر طهراً صارت خمسة عشر، ثم (314 ب/ 1) رأت الثالث عشر دماً فالثلاثة الأولى حيض، وما بعدها طهر، لأنا أن قلنا: لا تلفق لم يمكن بعد الكل حيضاً، وإن قلنا: تلفق لم يضم ما بعد خمسة عشر إلى ما في خمسة عشر، فكانت الثلاثة وحدها حيضاً، فإن رأت بياض يوم دماً ثم طهراً أربعة عشر، ثم رأت ثلاثة من أول السادس عشر دماً، فالثلاثة حيض، وما قبله دم فساد على القولين معاً، لأنا إن قلنا: إنها لا تلفق لم يصح أن يكون الكل حيضاً، وإن قلنا: تلفق لم يجز ضم الأول إلى الثلاثة، لأن بينهما لا يمنع الجمع، وإن رأت بياض يوم دماً، ثم طهراً ثلاثة عشر يوماً، ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول دم فساد والليلة حيض، لأنه لا يمكن أن يزيد الحيض على خمسة عشر، وإن قلنا: تلفق فمن أين التلفيق؟ على قولين.
أحدها: من العادة.
والثاني: من خمسة عشر.
وإن قلنا: من العادة فلا عادة لها، لأنها مبتدأة ولا يمكن جعل الأول بانفراده حيضاً فبطل الأول وكان الثاني حيضاً.
وإن قلنا: تلفق من خمسة عشر فهي مبتدأة لا تمييز لها كم تحيض؟ فيها قولان أحدها: اليقين، والثاني: الغالب.
فإن قلنا: اليقين (310 أ/ 1) فبياض الأول وتمام أقل الحيض من الثاني.
وإن قلنا: الغالب لفقنا لها كل دم من خمسة عشر، وهو بياض الأول يوماً وليلة وهو يوم خمسة عشر وما بعده طهر.
فرع فإن كانت عادتها خمسة في أول كل شهر، وخمسة وعشرون طهراً، فلما كان في هذا الشهر رأت أربعة أيام دماً، وخمسة طهراً، ثم يوماً يوماً ثم الحادي عشر طهراً، واتصل الطهر فهذه حائض تغيرت عادتها.
فإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كانت بحالها فرأت أول يوم دماً ثم طهرت سبعة أيام، ثم رأت يومين دماً، ثم طهرت، واتصل الطهر فعلى القولين أيضاً.
وإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض وزاد حيضها خمساً، وإن قلنا: تلفق بأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر فبعض حيضها يومين.
فرع آخر لو كانت عادتها خمسة من أول الشهر وباقيه طهر، فلما كان في هذا الشهر طهرت

الجزء: 1 - الصفحة: 353

اليوم الأول من الشهر من أحد أمرين، إما أن تقف على خمسة عشر أو بغير كذلك، فإن وقف عليها فهذه حائض قد تغيرت عادتها فانتقل ابتداء عادتها عن أول الشهر إلى ثانية فيكون آخر يوم، وأن الدم الخامس عشر (315 ب/ 1) من يوم رؤيتها الدم، والسادس عشر من أول الشهر، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: تلفق لفقت لها ثمانية حيضاً من خمسة عشر والباقي طهر، وإن غير واتصل على هذا يوماً ويوماً دخلت الاستحاضة في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وتبني على الأولين ففي التلفيق، فإن قلنا: تلفق من أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة بأول عادتها طهر وقبله طهر فلا نحكم بأنه حيض وآخر عادتها يوم الخامس طهر بعده طهر، فلا نحكم بأنه حيض بقي من عادتها يومان حيض، وهي الثاني والرابع والثالث بينهما طهر، وإذا قلنا: تلفق من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من عشرة الثاني من الشهر، والرابع، والسادس، والثامن، والعاشر، والباقي طهر، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى العادة، وهل ترد إلى وقت العادة أو إلى عددها دون وقتها؟ قال ابن شريج: فيه وجهان.
أحدها: ترد إلى وقت العادة، فعلى هذا حيضها ثلاثة أيام الثاني، والثالث، والرابع دون الأول والخامس، لأن الأول طهر قبله (316 أ/ 1) طهر الخامس طهر بعده طهر، والثاني: ترد إلى عدة العادة وقدرها دون الوقت.
فعلى هذا نحيضها خمسة متصلة أولا ثاني الشهر وآخرها آخر السادس، لأنا نجعل على هذا النقاء الذي بين الدم حيضاً، فحصل في قدر حيضها ثلاثة أوجه: أحدها: يومان، والثاني: ثلاثة، والثالث: خمسة.
وفي دمها أربعة أوجه: أحدها: الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والرابع: أن الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر.
وفرع أبو العباس على هذه مسألة أخرى، فقال: طهرت من أول الشهر يوماً ولكن رأت اليوم الذي قبل أو الشهر، ثم يوماً ويوماً وعبر، قال: نبني على القولين، فإن قلنا: تلفق، فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة فليس من عادتها إلا يوماً في الثاني من الشهر والرابع، لأنه ما وجد في عادتها غيرهما، وإن قلنا: من خمسة عشر، قال ابن سريج: في ابتداء الخمسة عشر وجهان: أحدهما: الابتداء من يوم الثاني من الشهر، فعلى هذا يلفق لها خمسة من عشرة أوله الثاني من الشهر والرابع، والسادس والعاشر.
والثاني: الابتداء من أول الدم (316 ب/ 1) وهو قبل الشهر بيوم وهو أولى، فعلى هذا تلفق لها خمسة من أول الدم إلى الثامن، فحصل في قدر الحيض وجهان في زمانه ثلاثة أوجه.
وإن قلنا: لا تلفق فهل يعتبر وقت العادة أو عددها؟ وجهان، فإن قلنا: يعتبر وقتها سقط أول الدم، لأنه تقدم الوقت وسقط الخامس لأنه طهر بعد طهر، فيكون حيضها ثلاثة أيام أولها ثاني الشهر وآخرها آخر الرابع من الشهر، فحصل على

الجزء: 1 - الصفحة: 354

هذا في قدرها وجهان ثلاثة وأربعة، وفي زمانه وجهان على ما بيناه، فيكون في قدر حيضها ثلاثة أوجه يومان وثلاثة وخمسة، وفي وقته خمسة أوجه لوقت الخمسة ثلاثة أوجه، والثلاثة وقت واحد،.
ولليومين وقت واحد.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان عادتها خمسةُ أيام فجاءها شهر فرأت يومين دمًا ويومين طهرًا هكذا كانت ترى يومين فيومين إلى أن جاوز خمسةً عشر فرد إلى الخمسةُ.
فإن قلنا: تلتقط أيام حيضًا من خمسةَ عشر فحيضها اليوم الأول، والثاني، والخامس، والسادس، والتاسع، وفي اليوم التاسع وجه ضعيف أنه ليس بحيض بناء على الوجهين في كل دم كان متصلًا بدم الاستحاضة [317 أ/1] هل هو حيض أم لا؟ والأصح انه حيض.
وإذا قلنا: أنها تلتقط من الأيام المردودة إليها فاليوم الأول، والثاني، والخامس حيض، وفى الخامس وجه آخر أنه لا يكون حيضًا، هذا كله في الشهر الأول.
فأما في الشهر الثاني كيف تفعل؟ فيه وجهان: أحدها: تجعل ابتداء خمستها في الشهر الثاني من اليوم الثالث؛ لآن اليوم الأول والثاني لم ير فيهما الدم، والثاني: تجعل من ابتداء الشهر وحكم الشهر الأول والثاني سواء، وإن رأت في اليوم الأول والثاني طهرًا، وهذان الوجهان ينبنيان على أن العادة إذا انتقلت ولم تنقطع هل يحكم بالانتقال؟ فيه وجهان: أحدها: وهو قول أبي إسحاق لا تصير منتقلة، فعلى قوله في مسألتنا لا تحيضها إلى يومين في السهر الثاني وحيضها اليوم الثالث، والرابع؛ لأن اليوم الأول والثاني، والخامس لم تر فيها الدم سواء قلنا: الدماء تلفق أم لا، فأما في الشهر الثالث فهر كالشهر الأول سواء تم هكذا فيما يستقبل ففي شهر يكون حيضها يومين، وفي شهر خمسةً أيام على قول من لا تلفق، وثلاثةً علي قول من تلفق، فأما على قول أبي إسحاق تصير منتقلةُ، فعلى هذا في مسألتنا الشهر الثاني يخرج على قول التلفق، فإذا قلنا: لا تلفق [317 أ/] حيضناها خمسةً أيام أولها اليوم الثالث والثلاثين، وآخرها السابع والثلاثين، وإذا قلنا: تلفق يخرج على.
الوجهين في محل الالتقاط كما بينا.
فرع أخر قال القفال: قال الشافعي: في مبتدأهِ وترى يومًا دمًا، ويومًا طهرًا حتى جاوز خمسةَ عشر، وكانت تصلي وتصوم في أيام النقاء، فإذا أردت إلى يوم وليلةً تعيد صلاةَ سبعةَ أيام.
وصوم خمسةَ عشر يومًا، وأجاب على قولنا: الدماء لا تلفق حتى إذا انقطع على خمسةَ عشر كان الكل حيضًا، ومعنى قولهِ: تعيد صلاةَ سبعةً أيام هو أن الأيام التي رأيت فيها الدم سوى اليوم الأول لست بحيض أي فيلزمها قضاء صلاتها.
وأما ما أدتها منها في حال النقاء مترددةً بين أن تكون صحيحةً، وبين أن لا تكون واجب عليها أصلًا ولا يحتمل أن تكون واجبةً ولا يصح الإتيان منها، وموضع

الجزء: 1 - الصفحة: 355

الإشكال في الصوم، وهو أنه واجب عليها إعادةُ الصوم خمسةً عشر يوماً، وقد أدت الصوم في أيام النقاء أدام، فما الفرق بينه وبين ,الصلاةَ، فاختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال في الصوم قولان.
أحدها: ما نص عليه أنها تعيد الكل.
والثاني: تعيد صوم ثمانيةُ أيام وهي [318 أ/1] أيام الدماء، لأن الحائض تقضي الصوم.
ومن أصحابنا من قال: تعيد الصوم كما ذكر قولًا واحدًا، والفرق بين الصوم والصلاةً هو أن العبادةً إذا ترددت بين الجواز والفساد لا يجوز، وصومها بهذه الصفة.
وأما الصلاةَ فهي مترددة ين أن يجوز وبين أن لا يجوز، ولكن فيها نيابةً وهو أنها لا تجب إن لم يجز بخلاف الصوم فإنه لا يحتمل آن يجب ولا يجوز، ومن جعل المسألةَ على قولين، اختلفوا فمنهم من قال: ينبني القولان على مسألةً قالها الشافعي في خنثى صلى خلف شخص، ثم بان انه امرأةُ فأمرناه بالإعادةً، فقيل: إن أعاد بأن هذا المقتدى امرأةً أيضًا قال: أخشى أن لا يجوز وأحب آن يعيد، فعلق القول فيه، وقاس أصحابنا على ذلك لو صلى رجل خلف شخصًا ثم بان أنه خنثى فأمرناه.
الإعادةَ، ثم بان أنه رجل قبل أن يعيد فحصل في هذه المسألة؛ ووجه الشبه أن هذه كانت تصوم وتصلي على ظاهر أن الدم انقطع، فإذا أعاد من الغد كان الظاهر أن صومها بالأمس باطل، إذ الظاهر انقطاع الدم على خمسةُ عشر فما دونه، فإذا جاوز خسمةُ عشر بان أن صومها وفع في الطهر وعذر الصلاة ما ذكرنا إن لم تجب لم يجز، وهذا ذكره [318 أ/] الشيخ أبو زيد المروزي.
ومن أصحابها من قادت أصلها القولان في المبتدأةَ التي ردت إلى يوم وليلةً فما بعد ذلك إلى خمسةً عشر هل يعمل على الاحتياط؟ قولان.
فإذا قلنا: نعمل فها هنا أعادت ما صامت، لم تصم، وهذه الطريقة ُأصح، لأن الشافعي ذكر هذه المسألة، ثم قال: وهكذا تفعل مما يستقبل، ولو كان المعنى ما ذكره الشيخ أبو زيد لم يكن ذلك إلا في الشهر الأول؛ لأن في الشهر الثاني لا تحتاج أن تراعى الانقطاع على خمسةً عشر أو المجاوزة.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة وحكمها في الشهر الثاني، وهو أن تقول: لا يمكننا أن نحيضها من ابتداء الشهر، ولكن خذ مدة طهرها ومدةْ حيضها واضربها في عدد يبلغ ثلاثين أو يقرب من ثلاثين فما خرج من الضرب فاليوم الثاني منه حيض بيانه فيمن كان حيضها يومين وطهرها يومين أن نضرب أربعةً في عدد يقرب من ثلاثين فتضربها في ثمانيةً فيكون اثنين وثلاثين، فهي تعد من كل شهر اثنين وثلاثين يومًا، ثم يكون بعد ذلك حيضها من اليوم الثالث والثلاثين قس عليه الثلاثةً، والأربعةَ، والخمسةً، فإن كان ترى ستةُ أيام دمًا وستة [319 أ/] أيام طهرًا ففيه وجهان: احدها: نضرب اثني عشر في ثلاثةَ يكون ستةً وثلاثين.
والثاني: تضرب اثني عشر في اثنتين يكون أربعة وعشرين.

الجزء: 1 - الصفحة: 356

فرع آخر لو رأت أنصاف الأيام طهرًا وأنصافها حيضًا، فرأت نصف.
يوم دمًا ونصف يوم طهرًا، إ فلا يخلو إما أن يتغير أو لا يتغير، فإن وقف عر خمسةَ عشر، ولم يتغير فهذه الأصناف هل تكون بمنزلةَ الأيام الصحاح؟ فيه ثلاثةَ أوجه: المذهب وبه قال: شيوخ الصحاح، أنها كالأيام الصحاح، لأن حيضها قد تقطع ولا فرق بين أن ينقطع على الأيام، أو على الأصناف، ومن أصحابنا من قال: إن تقدمها ما يكون بانفراده دمًا متصلًا أقله يوم وليلةً، فالاتصاف هي كالأيام الصحاح وإلا فهي دم فاسد.
وحكي أبو إسحاق عن بعض أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنها لا تكون كالأيام الصحاح حتى ترى أولها يومًا وليلةً متصلا وآخرها كذلك، فتكون الأنصاف: بينهما كالأيام الصحاح وإلا فهو دم فاسد، والتفريع على المذهب، والآخر أنه.
ليس بشيء فتبنى على القولين، لا يلفق فالكل حيض إلا النصف الثاني من الخامس عشر، لأنه طهر ليس دم الحيض، وإذا قلنا: تلفق فأوقات الدم حيض، وأوقات النقاء [ب 319/ 1] طهر فتكون لها سبعةُ أيام ونصف حيض والباقي طهر.
وأما الاغتسال فقال ابن سريج: يبنى على القولين في التلفيق.
فإن قلنا: تلفق اغتسلت حتى ترى الطهر في النصف الثاني؛ لأنه يحتمل أن يعاودها الدم من الغد فتصير مع الدم الأول يومًا وليلةً، فيكون الدم الأول حيضًا والطهر الذي يتعقبه طهرًا صحيحًا، فتكون هذه المرأة قد انتقلت من بعض الحيض إلى بعض الطهر يلزمها أن تغتسل؛ لأن حكمها في بعض الطهر حكم الطاهرات، وإن قلنا: لا تلفق لا يلزمها أن تغتسل حتى ترى الطهر في الصف الثاني؛ لأنها لا تخلو من أن يعاودها الدم فيكون زمان الطهر حيضًا أو لا يعاودها الدم، فلا يكون ما رأته من الدم حيضًا كاملًا فلا يلزمها الغسل، فعلى هذا إذا مضى منه القدر الذي إذا جمعته بلغ حيضًا اغتسلت عقيبه.
ومن أصحابنا من قال على القول الأول: لا يجب الاغتسال أيضًا في الصف الثاني من اليوم؛ لأن الدم الأول لم حكم بأنه حيض ولا يعلم بمعاودةُ الدم، وهذا كله إذا وقف.
فأما إن غير واستمر فقد دخلت الاستحاضةً في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وصارت مستحاضةً فلا تخلو إما أن تكون مميزة أو [320 أ/1] معتادة أو لا تمييز لها الإعادة، فإن كانت مميزةً مثل ما رأت الأنصاف أسود إلى عشر، ثم رأت مكانه الأسود أحمر، فالحيض زمان الأسود فيبنى على القولين.
فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، أعني إلى نصف العاشر فيكون لها تسعةً أيام ونصف حيض وبقيةً يوم العاشر، وما بعده استحاضةً؛ لأنه طهر لا يتعقبه حيض، وإن قلنا: تلفق لقضاء من غيره خمسةً وما عداه طهر، وعلى هذا إن كان التميز قبل العشر

الجزء: 1 - الصفحة: 357

أو بعده، وإن كانت معتادة مثل إن كانت عادتها خمسةً فتفرقت أنصافًا بعد ذلك، فإنها ترد إلى عادتها، ثم تبنى على القولين، فإن قلنا: لا تلفق كان حيضها أربعة ونصفًا ونصف الخاص طهر؛ لأنه طهر يعقبه طهر، وإن قلنا: تلفق فهل تلفق لها من العادةً آو من خمسةً عشر؟ على القولين، فإن قلنا من العادةً فالذي لها من العادةً خمسةً أنصاف تصير لها يومان ونصف، وإن قلنا: من خمسةً عشر لقضاء لها خمسةَ من عشرةً، بأن كانت عادتها ستًا فعلى القولين، فإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قلنا: أن التلفيق من أيام العادةَ لقضاء لها ثلاثةً من ستةً، وإن قلنا: من خمسةَ عشر لفقنا لها ستةً من اثني عشر، وهكذا الحكم لو كانت عادتها [320 أ/] ستةً، آو سبعةً أو ثمانيةً، وإن كانت مبتدأه فلها في كل شهر حيضةً، وما تلك الحيضةَ؟ قولان احدها: اليقين والثاني: الغالب.
فإن قلنا: اليقين فهو على القولين في التلفيق، فإن قلنا: لا تلفق سقط حكم الحيض وكان دم فاسد، لأنه لا يمكن الزيادةَ على يوم وليلةً، ولا يمكن أن يجعل اليوم والليلةً؛ لأن النصف الباقي طهر يتعقبه طهر فلا يكون حيضًا، ولا آن تجعل النصف الأول حيضًا، لأنه دون أقل الحيض فبطل كله، وكان دم فاسد، وإن قلنا: تلفق فمن أين يكون التلفيق؟ قولان فإن قلنا من المادةَ سقط الحيض لأنه لا عادةً لها تلفق بها فيكون دم فاسد، فإن قلنا عن خمسةَ عشر لفقنا لها يومًا وليلةً من يومين.
وإن قلنا رجع إلى الغالب قال: وهكذا لو كانت ترى يومًا بلا ليلةً ثم يومًا بلا ليلةً حتى جاوز خمسةَ عشر إلا على قول "أبي بكر المحمودي" من أصحابنا، فإن قال: نحيضها يومين لأنه يقبح أن تكون امرأةً ترى الدم في كل يوم أبدًا، ثم يقال: لا حيض لها، وهكذا قال في المسالةً الأولى، وهكذا إذا تفرقت أنصافًا في الأنصاف، فإن قلنا: الأنصاف لا تكون كالأيام الصحاح فهذه أولى، وإن قلنا: كالأيام الصحاح نظرت في حكم الدم المفرق في خمسةً عشر بأن كان .. لو جمع كله بلغ كله بلغ حيضه [321 أ/] فهو على القولين، إن قلنا: لا تليق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كان الدم لو جمع لم يبلغ أقل الحيض بني على القولين في التلفيق، فإن قلنا: تلفق سقط الدم؛ لأنه لو جمع لم يكن حيضًا، وإن قلنا: تلفق، قال "ابن سريج": فيه وجهان: احدها: أنه دم فساد أيضًا لأنّا إنما نحكم بالطهر بين الدمين بالحيض تبعًا للدم الذي هو حيض، وهذا بانفراده لا يكون حيضًا وهو المذهب، والثاني: الكل حيض، لأنه طهر بين الدمين في وقت يمكن أن يكون حيضًا وهو قول "الأنماطي" حتى قال: لو رأت ساعة حيضًا، ثم أربعةً عشر طهرًا، ثم ساعة دمًا، فهاتان الساعتان تصيران الأطهار حيضًا، وهو قول أبي حنيفةَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

مسألة: قل: " وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتِرَكَ الصَّلاَةَ إلا لِأَقَلُّ مَا تَحِيضُ لَهُ النَّسَّاءَ وَذَلِكَ يَوْمَ وَلَيْلَةٍ ". وهذا كما قال نقل المزني ها هنا أن أقل الحيض يومًا وليلةً، وبه قال: أحمد، وذكر في كتاب العدةَ ما يدل على أنه يوم وبه قال داود ولم يذكر الليلةً، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثةَ طرق: أحدها قول واحد أنه يوم، وليلةً، والذي قال يوم يطلق محمول على ما في سائر كتبه، وأراد به يومًا بليلته؛ لأن العرب يذكرون الأيام ويريدون مع الليالي.
والثانيةَ المسألةً على [321 أ/] قول واحد أنه يوم، والذي قال: يوم وليلةً قيل: إن أثبتا: عنده أنه يوجد ذلك في العادةً فلما ثبت رجع إليه، والثانيةً: فيه قولان، وهذا فاسد، لأن الحيض ثبت عندنا بالعادةً، ولا يصح أن يكون عرف العادةً على وجهين، والصحيح الطريقةً الأولى وقال أبو حنيفة: أقل الحيض ثلاثةَ أيام، وبه قال الثوري، وقال أبو يوسف; يومان وأكثر الثالث.
وقال مالك: ليس لأجله حد يجوز أن تكون ساعةً، وهذا غلط لأنه خارج من الرحم نعلم به البراءةً، فكان لأقل مدته حد كالحمل، ولأن طريق هذا الوجوب، ولم يوجد أقل من يوم وليلةً عبادةً بتمرةً قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها.
أنها لم تزل، تحيض يومًا لا ترتد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثةَ أيام، وقال عطاء: رأيت من الماء من تحيض يومًا، وتحيض خمسةَ عشر يومًا.
,قال الأوزاعي: عندنا امرأة بحيض غدوةً وتطهر عشيةً.
وقال "أبو عبد الله الزبيري": كان في نسائنا من تحيض يومًا وتحيض خمسةَ عشر يومًا، واحتج به أبو حنيفة بما رؤى "وائلة بن الأسقع" أن النبي.
صلى الله عليه وسلم قال:"اقل الحيض ثلاثةً أيام وأكثره عشرة".
قلنا: رواه محمد بن أحمد الشامي، وهو وضعيف [321 ا/1] عن "حماد ابن المنهال" وهو مجهول، ثم نحمله على نساء بأعيانهن كان ذلك أقل حيضهن وأكثره.
واحتج مالك بأنه لو كان أقله يومًا لكانت لا تقع الصلاةَ حتى يمضي يومًا كاملًا.
قلنا: إنما تترك؛ لأن الظاهر الصحة وأنها تدوم والاستحاضةً نادرة لعلةً.
مسألة: قال: " وَأَكْثَرُ الْحَيْضَ خَمْسَةَ عُشُرِ " وهذا كما قال: أكثر الحيض خمسةَ عشر، وبه قال مالك: والحسن، وأحمد في رواية، روى ذلك عن علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح - رضي الله عنهما - وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري عشرةً أيام.
وقال سعيد بن جبير: ثلاثةً عشر يومًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 359

(وروي) عن مالك: أنه لا حد لأكثره كما لا حد لأقله عنده، وحكي عن أبي إسحاق المروري أنه قال: لا يتقدر أكثر الحيض ولا أقله؛ بل يرجع عليه إلى الوجود فكلما وجدنا عادةً مستقرةً تجعل حيضًا.
وقال مالك في روايةً ثالثةً: أكثره سبعةً عشر يومًا، وهذا غلط لما روي عن -النبي صلى الله عليه- وسلم أنه قال: "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل: وما نقصان دينهن يا رسول الله؟ فقال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" فدل على أن أكثر الحيض خمسةً عشر.
وهذا الخبر بهذا اللفظ رواه شيوخنا - رحمهم الله، في التصانيف.
وروى: نصف دهرها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -[321 أ/] قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل آن بصيبها الذي أصابها" فاخبر أنها تحيض في كل شهر مرةً، والإجماع أن الناسيةً تحيض في كل شهر حيضةَ، والآيةً تعتد بثلاثةً أشهر بدلا عن ثلاثةَ.
أقراء، فلا يخلو إما أن يكون الشهر ظرفًا لأكثر الحيض وأكثر الطهر أو لأقلهما أو لأقل الحيض، وأكثر الطهر، آو لأكثر الحيض، وأقل الطهر لا يجوز الأقسام الثلاثةً، فتعين القسم الرابع وأما أكثر الطهر فلا نهايةً له وأقله خمسةً عشر يومًا نص عليه في كتاب "الحيض".
وقال "يحيى بن أكثم القاضي": أقل الطهر تسعةً عشر يومًا؛ لأن العادةً أن للمرأةً في كل شهر حيض وطهر، والشهر لا ينقص عن تسعةً وعشرين، وأكثر الحيض عشرةَ أيام فيبقى أقل الطهر تسعةً عشر يومًا، وقال مالك: أقل الطهر عشرةً أيام.
وقال أحمد وإسحاق: لا حد لأقله، والدليل على ما قلنا.
الوجود، وقد قال شريك بن عبد الله: عندنا امرأةً تحيض من النهر خمسةً عشر يومًا حيضًا صحيحًا مستقيمًا.
مسألةً: قال: " وَأَكْثَرُ النّفاسِ سِتُّونَ يَوْمَا" وهذا كما قال: أكثر النفاس ستون يوم، وبه قال مالك وعطاء، والشعبي، والحجاج ابن أوطأة، وعبد الله بن العنبري، وأبو ثور، وداود، وقال [323 أ/] أبو حنيفة والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة: أكثره أربعون يومًا.
وروي ذلك عن الأوزاعي، والليث بن سعد،.وقال الحسن البصري: خمسون يومًا

الجزء: 1 - الصفحة: 360

وقال بعض العلماء: سبعون يومًا، واحتج أبو حنيفةَ بما روي عن: أم سلمهَ - رضي الله عنها - أنها قالت: كانت النفساء تقعد منى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ليلةً وأربعون يومً وروى أبو أمامةً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "النفساء إن طهرت حين تضع صلت، فإن رأت الدم قعدت خمسةً وعشرين يومًا، فإن رأت الدم قعدت أربعين يومًا، فإذا جاوزت فهي مستحاضةً"، وهذا غلط لأن الطريق في ذلك الوجود، وقد وجد، وقال الأوزاعي: عندنا امرأةً ترى النفاس شهرين، وروي عن مالك، وعطاء أنه في الغالب.
وأما أقل النفاس في بعض نسخ المزني أقله ساعةً، ورواه أبو ثور عن الشافعي، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: محدود للأقل ساعةً، أو به قال ابن سريج، وجماعةً من أصحابنا، وبه قال محمد، وأبو ثور.
وقال أصحابنا بالبصرة وبخرسان: أقله لا حد له، وإنما ذكر: الشافعي تقليلًا وتفريعًا لا أنه جعله هذا وأقله مجةً من دم، وبه قال مالك والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ;وقال أبو حنيفة: أوله خمسةً وعشرون يومًا، وروي عنه.
[323 ب/] أقله لحظةً، وقال الثوري: أوله ثلاثةً أيام لأنه أقل الحيض، وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا ليزيد أوله على أكثر الحيض، وقال المزني: أقله أربعةَ أيام لأنها أربعةً أمثال أقل الحيض كما أن أكفره أربعةً أمثال الحيض، وهذا كله غلط؛ لما روى أبو أمامةً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا طهرت النفساء حين تضع صلت" ولا المرجع فيه إلى الوجود، وقد تلد المرأةً ولا ترى دمًا،.ويقال: إن نساء الأكراد هن بهذه الصفةً.
وروي أن امرأةً ولدت على عهد رسول الله.
ولم تر معه دمًا فسميت ذات الجفاف، وقيل: ذات الجفوف.
فإذا تقرر هذا ي فإن رأت ساعة فلا تفوتها صلاة في ذلك، ولكن إن ولدت في رمشان فد عليها صوم ذلك اليوم الذي ولدت فيه، وعليها آن تغتسل عند الانقطاع، ولزوجها أن يأتيها، فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف احتياطًا، وإن لم تر شيئًا أصلا، فقد ذكرنا فيما تقدم.
فإذا تقرر هذا فإن رأت الدم قبل ظهور شيء من الولد فهو دم فساد بلا خلاف، وإن رأت بعد انفصاله فهو نفاس بلا خلاف.
وأما ما خرج مع الولد هل يكون نفاسها؟ فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: هو نفاس.
وبه قال ابن أبي أحمد، وهذا هو أقيس [324 أ/1]؛ لأنه دم خارج بخروج الولد فأشبه الخارج بعده، فعلى هذا يلزم منه الاغتسال، ولو كانت صائمةُ بطل صومها.

الجزء: 1 - الصفحة: 361

وقال سائر أصحابنا: هو دم فساد، ولو كانت صائمةً لا يبطل صومها، وإذا لم تر الدم بعد انفصاله، وكان الولد خرج وحده.
وقد ذكرنا أنه لا يلزم الاغتسال به في أحد الوجهين، وهذا هو المذهب؛ لأن ما قاله أبو إسحاق يؤدي إلى أن يزيد أكثر النفاس على ستين يومًا، لأنه لا خالف أن ابتداء الستين عقيب انفصال الولد، ولأنه دم انفصل قبل انفصال الولد فأشبه ما خرج قبله، ولو أتت المرأة بولدين توأمين بينهما أقل من أقل مدة الحمل، فالنفاس لهما، وهل يعتبر من الولد الأول أو الثاني؟ قال ابن القاضي: فيه ثلاثةً أوجه أحدها: أن أول النفاس من الولد الأول حتى لو رأت بين الولدين تسعةٌ وخمسون يومًا فعد الولد الثاني لا نفاس لها إلا يومًا، وإن جاوز فهي استحاضةً النفاس، وبه قال أبو حنيفةً وأبو يوسف، وقال: أكثر النفاس أربعون يومًا فلو كان بين الولدين، أربعون يومًا لم يكن بعد الولد الثاني نفاس أصلًا، وهذا لأنه دم يعقب الولادةً فيجب أن يكون نفاسًا كما في الولد الواحد، والثاني يعتبر من الولد الثاني وهو [324 أ/1] المذهب؛ لأن التوأمين هما كالولد الواحد ولهذا في حكم الرجعةً كذلك حتى لا ينقطع إلا بانفصالها فكان ابتداء النفاس بعدهما، وبه قال زفر، ومحمد، وعلى هذا ما لو رأت قبل الولد الثاني استحاضةً لا يتعلق به حكم النفاس، ولأن ما قاله القائل الأول يؤدي إلى المحال، وذلك أنه ربما يقع بينهما أكثر النفاس، ورأت مع الثاني دمًا مثل ما رأت مع الأول، فإن قال: لا يكون نفاسًا فمحال، لأن الولد الثاني كالأول فكيف يجعل الأول نفاسًا دون الثاني مع رؤية الدم على صفةً واحدةً، وإن قال: يكون نفاسًا وهو قوله: يؤدي إلى أن يزيد النفاس على ستين يومًا، ولا يقال: هما نفاسان متميزان وهذا عذر هذا القائل من غير إشكال لأنه لم يتخلل الطهر بينهما، والثالث أول النفاس هو من الولد الأول وآخره من الولد الثاني، ولا تبالي إن تجاوز ما بين الولد الأول إلى آخر الدم ستين، وهذا هو اختيار ابن أبي أحمد، ووجهه آن كل واحد منهما هو سبب في إثبات، حكم النفاس بدليل حالة الانفراد فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منها نفاس وتداخلًا فينما اجتمعا فيه، ويفارق هذا خروج الدم قبل انفصال الولد؛ لأنه لم يوجد سبب النفاس.
ثم [325 أ/1] أعلم أنه إذا اتصل النفاس إلى شيئين يومًا تتعلق به أحكام الحيض أجمع، وإن انقطع الدم في يوم، ورأت طهرًا يومًا، ورأت خمسةً دمًا وخمسةً طهرا أو عشرةً، وعشرةً إلى الستين تبنى على القولين، فإن قلنا: إنها لا تلفق الدماء فالكل نفاس، وإن قلنا: أنها تلفق فأيام الدم نفاس وأيام النقاء طهر، وقد مضت فائدةً التلفيق في الحيض، وعلى كل لون وجد الدم في الستين فهو نفاس كالموجود في حق الحائض في مدةً خمسةً عشر يومًا، وإن رأت الدم دون يوم وليلةً

الجزء: 1 - الصفحة: 362

عقيب الولد، ثم طهرت خمسةً عشر يومًا، ثم رأت الدم لم يخل الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون مدةً تكون بانفراده حيضًا أولا تكون، فإن كان مما يمكن أن يكون بانفراده حيضًا، ثم إن بلغ يومًا وليلةً فاليوم الأول نفاس قولًا واحدًا، وأما الثاني: قال ابن سريج: فيه وجهان أحدها: أنه حيض مستأنف وما بينهما طهر صحيح، وبه قال أبو يوسف، ومحمد لأنهما دمان فصل بينهما أقل الطهر فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالحيضتين وهذا أصح.
والثاني: يقاس أيضًا وبه قال أبو حنيفةً: لأنهما دمان في زمان إمكان النفاس فأشبه إذا كان بينهما أقل ;من خمسةً عشرةً، ويفارق الحيضتين [325 ب/1] لأن الثاني لا يمكن ضمه إلى الأول؛ لأن الحيض الواحد لا يبلغ زمانه، وأما ما بينهما من الطهر فهل يكون نفاسًا؟ فيه قولان بناء على القولين في التلفيق.
وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والدم الثاني مشكوك فيه تصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، وتقضي اليوم والطهر والطواف؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاسًا، ويحتمل أن يكون دم فساد، وهذا لا يصح لأنه دم في زمان الإمكان يستحيل آن يجعل مشكوكًا في حكمه، ولأنه ناقص فقال: إن كان الدم الثاني أقل من يوم وليلةً كان دم فساد، ويحمل الأمرين على ما قاله، وإن كان بما لا يمكن أن يكون حيضًا بانفراده إن رأت ساعةً دمًا بعد الولادةً، ثم طهرت خمسًة عشر يومًا، ثم رأت ساعةً، واقطع فمن قال في المسألةً الأولى الزمان زمان نفاس ففي هذه المسألةً الدمان نفاس أيضًا، وأما ما بينهما من النقاء هو مبني على القولين في التلفيق، ومن قال هناك: الثاني حيض مستأنف قال ها هنا: يخرج على وجهين أحدها: أنه دم فساد لأنه لا يصلح أن يكون بانفراده، ولا يمكن أن يضم إلى الأول؛ لأنه يتخلل بينه وبينه طهر كامل فلم يبق إلا أن يجعل دم فساد، والثاني: أنه يكون نفاسًا وهو والأظهر لأنه [326 أ/1] إذا لم يمكن أن يجعله حيضًا مستأنفًا أضفناه إلى الأول وجعلناه نفاسًا وهذا قول محمد، والأول قول آبي حنيفةً، وان تخلل الطهر خمسةً عشر يومًا، نم عاد الدم، وجاوز الستين، قال القفال: لا يختلف القول أن النفاس هو ما قبل الطهر وما بعد الطهر حيض، وإن جاوز في نفسه خمسةً عشر تكون مستحاضةَ، وقيل: فيه وجهان أيضًا، وهو محتمل لأن مدة النفاس واحدة فتعتبر بعود هذا الدم فيها حكم الطهر السابق، وفرع ابن سريج على المسألة الأولى، وهو إذا كان الثاني قدرًا يمكن أن يكون حيضًا.
مسألةُ أخرى: وهى أنه لو علق طلاقهما بالولادةً فولدت وأخبرت بانقضاء عدتها فإن قلنا الثاني حيض قال ما ينقضي بها عدتها سبعةً وأربعون يومًا، ولحظتان النفاس

الجزء: 1 - الصفحة: 363

لحظةً، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا ثم طهرت خمسةً عشر فإذا رأت من الحيضةً الثالثةً لحظةً بانت، ويمكن انقضاء عدتها بسبعةً وأربعين يومًا، ولحظةً تأتي بأن لا ترى شيئًا من النفاس بحال، وإن قلنا: الدم الثاني دم نفاس لم نحكم لها بالحيض في الستين.
بحالٍ، وأقل ما يمكن أن تحيض يومًا عقيب [326 ب/1] الستين، وقد تقدمهما في الستين طهر، ثم طهرت فيه خمسةً عشر، ثم حاضت يومًا وليلةً، ثم طهرت خمسةً عشر فتصير الستين وتسعين يومًا؛ لأن الستين بعد الولادة قد دخلت اللحظة فيها، وتكفي لحظةً واحدةً، وهذا كله إذا لم تعبر الستين، فإذا عبر الستين، واتصل ففيه وجهان: أحدهما: دخلت الاستحاضةً في دم النفاس لأنه دم يسقط فرض الصلاةً اتصل الدم به بعد مدته فكان استحاضةً كما لو عبر في حق الحائض خمسةً عشر، وهذا هو المذهب.
والثاني: إن أيام الستين هي نفاس كلها وما بعد الستين استحاضةً، وهذا هو اختيار المزني - رحمه الله - واحتج بأنه كما ظهر حكمنا أنه يقين النفاس فيستصحب ذلك اليقين إلى الأكبر فيجعل الكل نفاسًا إذا جاوزه ويفارق الحيض، فإنه لا يكون يقينًا أول ما ترى بل يكون مشكوكًا فيه، وإذا بلغ يومًا وليلةً حكمنا بأنه حيض فإذا جاوز الأكثر جاز أن يرد إلى الأقل، وهذا غلط؛ لأن عنده لأقل النفاس قدر هو أربعةَ أيام كالحيض سواء فلا يصح الفرق، ولأن الحيض إذا بلغ يومًا وليلةً حصل فيه اليقين، فإن لم يكن قل ذلك يقين فينبغي أن لا تترك بعدم إلا [326 أ/1] الأقل، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أن الستين نفاسًا والذي بعده حيض؛ لأنهما جنسان فلا يتنافيان وهذا ضعيف.
وإذا قلنا بالمذهب فلا يخلو إما أن تكون مميزةً أو معتادةً، أو لا تمييز لها، ولا عادةً فإن كانت مميزة مثل إن رأت الدم الأسود، ثم تغير إلى أحمر، أو رأت الأحمر ثم تغير إلى الصفرة ردت إلى تمييزها فأيام الأسود، أو أيام الأحمر نفاس وما بعد ذلك استحاضة، وإن كانت معتادة مثل أن ولدت مرة بعد أخرى وكانت عادة نفاسها أربعين يومًا ردت إلى العادة، فيكون قدر العادة نفاسًا وما بعدها استحاضة، وإن لم يكن لما تمييز ولا عادة فكم تنفس؟ فيه قولان: أحدهما: أن اليقين لحظة أو لا شيء أصلًا.
والثاني: غالب نفاس النساء أربعون يومًا وقيل قول واحد ترد إلى الغالب.
والفرق بينه وبين الحيض أن دم النفاس يقين، ودم الحيض فرددناها إلى أقل الحيض احتياطًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 364

فرعان لأبي إسحاق - رحمه الله - أحدهما: امرأة شهرها عشرون يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا، ثم طهرت خمسة عشر، ثم عاودها، واتصل فالأول نفاس، والطهر بعده صحيح وما بعده استحاضة يكون شهرها عشرين يومًا خمسة [327 ب/1] حيض، وخمسة عشر استحاضة، هذا إذا وافق الطهر بين النفاس، والدم الثاني عادة طهرها.
والفرع الثاني: امرأة شهرها ثلاثون يومًا، عشرة حيض وعشرون طهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا وطهرت ستين يومًا، ثم عاودها الدم واتصل بنفاسها عشرون يومًا وبعده طهر صحيح، وما بعده استحاضة يكون شهرها سبعين يومًا عشرة حيض، وستون استحاضة؛ لأن العادة على ظاهر المذهب تثبت بمرة واحدة، وقد طهرت مرة ستين يومًا من نفاسها وحيضها، فانتقلت عن تلك العادة إلى هذه، وعلى قول من قال: لا تثبت العادة بمرة واحدة، قال ها هنا: أردها إلى عادتها فيكون شهرها ثلاثين يومًا ما كان قبل الولادة، وأبو إسحاق فرعها على القول: الدم الثاني بعد الولادة وبعد خمسة عشر يومًا حيض، فإن قيل: لم عبرتم به الطهر دون الدم؟ قلنا: لأن دم النفاس مخالف لدم الحيض في المقدار فلم يتغير به مقدار الحيض، والطهر بين النفاس كالطهر من الحيض فتعين أحد الطرفين بالآخر.
وقال القفال: هذا مبني على أن النفاس والحيض جنس واحد، وجنسان فإن قلنا: جنس واحد فقد نقص طهرها، وإن [328 أ/1] قلنا: جنسان فالطهر كما كان والأول أطهر وأصح.
فرع آخر ذكره أصحابنا: إذا رأت الحامل خمسة أيام دمًا، ثم ولدت عقبها فرأت دم النفاس، فإن قلنا: إن الحامل لا تحيض بالخمسة استحاضة وما بعد الولد نفاس وإن قلنا: أنها تحيض.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الخمسة حيض وما بعد الولادة نفاس، وبه قال صاحب "الإفصاح"، ومنهم من قال: الخمسة استحاضة على القولين معًا؛ لأن ما بعد الولادة نفاس بالإجماع، ولا يجوز أن يتوالى الحيض والنفاس كالحيضتين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا لأنهما دمان من حيضتين فلا يضر أن لا يتخلل بينهما طهر بخلاف الحيضتين.
وقال القفال: معنى الوجهين أن الحيض والنفاس جنس واحد أو جنسان؟ فيه وجهان.
وقال بعض أصحابنا: بخراسان: إن قلنا بالوجه الأول ترد إلى يوم وليلة من

الجزء: 1 - الصفحة: 365

أول هذا الدم الذي قبل الولادة إن كانت مبتدأة، ثم الباقي دم فساد، وكذلك ما بعد الولادة إلى الشهر الثاني من اليوم المردود وتجعل الولادة كأن لم تكن، وقد يقع الطهر ناقصًا في خلاف دم الفساد، فيكون طهرًا أيضًا مثل إن رأت عشر دمًا، وعشرة طهرًا، ثم ولدت فإنها تكون طاهرة أيضًا بعد [328 ب/1] الولادة عشرة ثم بحيضها يومًا آخر وتجري على ذلك إن اتصل دمها، وإن كانت معتادة وعادتها خمسة نردها إلى خمسة سواء ثبتت لها العادة في زمان الحمل أو قبل زمان الحمل، ويكون الباقي من العشرة الطهر وعشرة بعد الولادة كلها طهر ثم نحيضها خمسة أخرى، وما تقدم أصح لأنه يستحيل أن تجعل الدم بعد الولد في مدة النفاس المحتمل طهرًا.
مسألة: قال: "وَالَّذِي يُبْتَلَى بِالْمَذْيِ بِلاَ تَقْطِيعُ مِنَل المُسْتَحَاضَةِ يَتَوَضَّأُ لِكُلَّ صَلاَةٍ فَرِيضَةٍ بَعْدَ غَسْلِ فَرْجِهِ وَيَعَصِبُهُ" وهذا كما قال: المستحاضة ومن به سلسل البول والذي يتوضأ لكل صلاة فريضة حاضرة أو فائتة، ولا يجمع بين صلاتي فرض ولا بين بفرض، ولا بين صلاة فرض وطواف فرض بوضوء واحد، وإذا توضأ الفرض صلى به الفرض الواحد وما شاء من النوافل كما قلنا: في التيمم ولا يجوز لواحد من هؤلاء أن يتوضأ لصلاة الفرض قبل دخول وقتها.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز لواحد من هؤلاء أن يصلي في وقت واحد ما شاء من الفرائض، وتبطل طهارتها بخروج الوقت حتى لا تصلي بها أصلًا، وتجوز طهارتها قبل دخول وقت الصلاة.
وبه قال أحمد، وعندنا لا تبطل [329 أ/1] طهارتها بخروج الوقت.
وقال الأوزاعي، والليث: تجمع بطهارتها بين الظهر والعصر فقط، وهذا غلط لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة" ولأن أبا حنيفة - رحمة الله عليه - قال: "إذا توضأت قبل الطهر، ثم دخل وقت الظهر، لم تبطل طهارتها، وقد خرج عنها وقت صلاة العيد.
وقال مالك - رحمه الله - لا وضوء على المستحاضة أصلًا عن داود مثله أنه لا

الجزء: 1 - الصفحة: 366

وضوء عليها بما يخرج من الدم بعد الوضوء فكذلك لا وضوء بالأول، وهذا غلط، لأن الدم الأخير يوجب الوضوء، ولهذا لو انقطع يلزمها تجديد الوضوء ولكنه عفي عنه عند الاتصال للضرورة.
وإذا تقرر هذا الكلام الآن فيما يجب على المستحاضة فعله إذا أرادت صلاة الفرض والحكم فيها ومن به سلسل البول والقيام والريح، وكذلك من به جرح سائل حكمه حكم المستحاضة إلى في الوضوء، فإن خروجه منه لا ينقص الوضوء إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير ونحو فإنه كالمستحاضة سواء فإن كان الدم يسيرًا بحيث إذا استدخل قطنة [329 ب/1] أو خرقة انقطع فعلت ذلك، كأن لم ينقطع به وضعت على رأسن القطنة خرقة واستوثقت وتلجمت، والتلجم: هو أن يشد فرجها بخرقة ويعصبها، ثم يشد في وسطه نكة أو خرقة، ويشد تلك الخرقة التي على وسطها من خلفها وطرفها الثاني من بين يديها.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - في موضع: تأخذ خرقة مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخديها كل طرفين منها على فخدها.
وهذا ضعيف وما تقدم هو أصح، فإذا فعلت ذلك وصلت فإن لم يقطر منها الدم أجزأها، وإن قطر الدم نظر، فإن كانت قد استوثقت قدر الإمكان والخارج غلبه فلا قضاء عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - في المستحاضة.
"صل وإن قطر الدم على الحصير قطرًا" كأن لم يكن استوثقت فعليها إعادة الشد والطهارة والصلاة لأنها مفرطه في ذلك، وهكذا من سلسل البول يسيل إحليله لقطنة يدخلها فيه إن كان يمسك بها، وإن كان لا يمسك عصب رأس ذكره بخرقة ويكفيه، ولا يلزمه إدخال القطنة في إحليله لقول الشافعي - رحمه الله - بعد غسل فرجه وتعصيبه، ولا يجوز أن يعلق قارورة يقطر فيه بوله، لأنه يكون يحمل نجاسة في غير معدتها بلا ضرورة.
فإذا تقرر هذا [330 أ/1] ودخل عليها وقت الصلاة فتوضأت رفعت بها الحدث الماضي دون القائم والحادث، ثم يُنظر، فإن صلت عقيب الفراغ من الوضوء صحت الصلاة، وإن أخرت خارج وقت الصلاة زالت طهارتها في حق الفرض وتجوز لها النوافل.
ومن أصحابنا من قال: يجوز لها أداء الفرض كما لو تتيمم للفائتة ثم دخل وقت الفريضة به يجوز له أن يصليها به في أحد الوجهين، وهو اختيار القفال وإن أخرت

الجزء: 1 - الصفحة: 367

الصلاة من أول وقتها نظرت، فإن كان التأخير لسبب يتعلق بمصلحة الصلاة كاستقبال القبلة وإصلاحها ولباس البدن وانتظار الجماعة والخروج إلى المسجد لم يقدح فيها، إن كان بغير سبب.
قال ابن سريج: فيه وجهان.
أحدهما: لا يجوز لها أن تصلي به الفريضة، لأنه ما رخص في الحدث القائم حالة الصلاة فلا يجوز لها تأخير الصلاة أكثر من الحاجة.
والثاني: يجوز ذلك لأنه لما جاز لها تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جاز تأخير فعلها بهذه الطهارة، وهل يلزمها غسل الفرج لكل صلاة فريضة؟ فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: ما نص عليه ها هنا أنه يلزمها ذلك لأنها تقدر على إزالة تلك النجاسة، والثاني: لا يلزمها ذلك ما لم تزل الضرورة أو العصابة وقيل: أو طهر على [330 ب/1] العصابة، ذكره القفال.
ولو توضأت وانقطع دمها لا تخلو إما أن يكون انقطاع عادة أو لا عادة لها به، فإن لم يكن لها عادة بانقطاعه مثل أن تكون مبتدأة، فإن لم تكن خلت في الصلاة بطلت طهارتها وعليها استئنافها، وهذا لأن الانقطاع يحتمل أن يكون لكبر أو زوال العلة، ويحتمل أن يكون لعارض ولم تزل العلة إلا أن الظاهر زوالها وحصول البرء منها، فيبطل وضوءها الأول ويلزمها تجديد الوضوء، وإن كان الانقطاع في الصلاة فالمذهب المنصوص أنه تبطل صلاتها، وفيه قول مخرج من التيمم أنه إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته، وقد مضى الفرق فيما تقدم، وإن كان لها عادة بانقطاعه، مثل أن تستمر عادتها أنه تنقطع ساعة وتسيل ساعة، والقدر الذي تنقطع فيه لا يتتبع الطهارة والصلاة، فلا يقدح ذلك في الطهارة ولها الدخول في الصلاة، وإن انقطع انقطاعًا بينًا يمكنها تجديد الطهارة فعليها أن تتوضأ وتصلي، وصار هذا الانقطاع بمنزلة الانقطاع المثل للبرد وزوال العلة، فإن توضأت ودخلت في الصلاة فعاد الدم بطلت الطهارة قولًا واحدًا كابتداء الاستحاضة، ولكنه حدث عليها الصلاة فتخرج وتتوضأ وهل تبنى على.
. . [331 أ/1] تستأنف قولان كمن سبقت الحيض سواء.
وفرع ابن سريج عن الفصل الأول.
وقال: إذا انقطع دمها بعد الوضوء والدخول في الصلاة، وقلنا لها: لا تْدخلي في الصلاة مثل الوضوء ثم عاد الدم قرب فيه وجهان.
أحدهما: صحت الصلاة لأن هذا الانقطاع هو كل انقطاع على ما ظهر.
والثاني: وهو المذهب الصحيح أن صلاتها باطلة، لأنها دخلت فيها معتقدة أنها محدثة، فلم تنعقد، وإن بان أنها متطهرة اعتقد انقضاء المدة في مسح الخفين يدخل في الصلاة، ثم بان بقاء المدة لم تصح صلاته كذلك ها هنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 368

فرع آخر لو كان انقطاعها عادة، وقلنا: يجوز الدخول في الصلاة فدخلت فإن عاد الدم قريبًا صحت صلاتها واتصل الانقطاع بطلت صلاتها وجهًا واحدًا لأنها علمت الخطأ في تقدمها أن الانقطاع غير تام.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج فيه وجهين كما في ابتداء الانقطاع غلط ظاهر.

فرع آخر لو كان الانقطاع في أثناء الصلاة وكان قدراً ......... الصلاة أيضًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 369

..............

الجزء: 1 - الصفحة: 370

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل