كتاب السبق والرمي
قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٌ أو حافرٍ".
قال في الحاوي: الأصل في إباحة السبق والرمي قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]، فروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر: قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ وإن القوة الرمي ثلاثاً.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارتبطوا الخيل، فإن ظهورها لكم عز وأجوافها لكم كنز" فموضع الدليل من هذه الآية أنه لما أمر بإعداد الرمي والخيل للعدو في حربه، وذلك لا يكون إلا بالتعليم والثقة بالسبق والإصابة، فدل على إباحة ما دعا إليهما.
وقال تعالى فيما حكاه عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: 17] وفي قوله: ﴿نَسْتَبِقُ﴾ تأويلات:
أحدهما: ننتضل من السباق في الرمي ـ قاله الزجاج.
والثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على الأقدام.
وموضع الدليل في هذا هو: أنهم أخبروا بذلك نبياً لم ينكره عليهم، فدل على إباحته في شرعه، وما تقدم به شرع لم يتعقبه نسخ كان معمولاً به.
وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] وفي هذا الرمي تأويلان:
أحدهما: ما رواه ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبض يوم أحد قبضة من تراب وما هم بها وقال: "شاهدت الوجوه" أي: قبحت، فألقى الله تعالى القبضة في أبصارهم حتى
الجزء: 4 - الصفحة: 269
شغلتهم بأنفسهم، وأظفر المسلمين بهم.
والثاني: أنه أراد في أصحابه بالسهام، فأضاف رميهم إليه؛ لأنهم رموا عنه، ومن قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] تأويلان:
أحدهما: معناه: وما ظفرتم إذ رميت ولكن الله أظفركم.
والثاني: أنه أراد ما أرسله من الريح المعينة لمهامهم، حتى أصابت، فلما أعانهم الله على الرمي كان كل عون عليه مناوباً إليه.
والدليل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صار الباب ما رواه الشافعي عن عبد الوهاب عن حميد عن أنس قال: كانت ناقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسمى "العضباء" فكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول اثه، سبقت العضباء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حق على الله أن لا يرفع الناس شيئاً إلا وضعه الله".
وروى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر فيمن سابق لها وقيل: إن من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال، ومن ثنية الودع إلى مسجد بني زريق ثلاثة أميال.
وروى الشافعي عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سابقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلما حملت اللحم سابقني، فسبقني، فقال لي: يا عاثشة هذه بتلك".
وروى الشافعي عن سفيان عن شبيب بن غرقدة عن أبيه عن عروة البارقي قال: سمعت وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " وروي أبو سلمة عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يرمون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع ابن الأذرع، فأمسك القوم، قسيهم، وقالوا: من كنت معه غلب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ارموا وأنا معكم كلكم ".
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسعد بن أبي وقاص يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي"، اثنتي عشرة مرة ودعا له، فقال: "اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 4 - الصفحة: 270
أنه قال: "أحضروا الهدف، فإن الملائكة تحضره، وإن بين الهدفين لروضة من رياض الجنة".
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لجماعة من قريش: تمعددوا واخشوشنوا، واحتفوا، واركبوا وارموا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وربما أسند هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي قوله: "اتمعادوا" تأويلان:
أحدهما: انتسبوا إلى معل وعدنان.
والثاني: تكلموا بلسان معد وعدنان.
وفي قول: "واخشوشنوا" تأويلان:
أحدهما: كونوا في أموركم خشناً أجلاداً.
والثاني: البسوا أخشن الثياب.
وفي قوله: "واحتفوا" تأويلان:
أحدهما: امشوا حفاة.
والثاني: حفوا شواربكم.
فصل:
فإذا ثبت جواز السبق والرمي، فهو مندوب إليه إن قصد به أهبة الجهاد ومباح إن قصد به غير، لأنه يكون عدة للجهاد، ويجوز أخذ العوض في السابقة والمناضلة، منهم ومن السلطان على ما سنصفه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه منع من أخذ العوض عليه بكل حال، فمن متأخري أصحابه من أنكره من مذهبه، وجعله موافقاً.
وقال مالك: إن أخرجه السلطان من بيت المال جاز، وان أخرجه المتسابقون المتناضلون لم يجز استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أنه أخذ عوض على لعب، فأشبه أخذه على اللهو والصراع.
والثاني: أنه أخذ مال على غير بدل، فأشبه القمار.
ودليلنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" فلما استثناه في الإباحة دل على اختصاصه بالعوض، ولولا العوض لما احتاج إلى الاستثناء لجواز جميع الاستباق بغير عوض.
وروي أنه سئل عثمان بن عفان رضي الله عنه: "أكنتم تراهنون على عها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، رهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس له، فجاءت سابقة، فلهش لذلك، وأعجبه.
ومعلوم أن الرهن لا يكون إلا على عوض؛ ولأن في بذل العوض عليه تحريضاً
الجزء: 4 - الصفحة: 271
على الجهاد، وبعثاً على الاستعداد، وامتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] وما أفضى إلى هذه المصالح، فأقل حاليه إذا لم يكن واجباً أن يكون مباحا.
فأما الجواب عن استدلالهم، بأنه لعب، فمن وجهين:
أحدهما: أن ما فيه من وجوه المصالح يخرجه عن حكم اللعب.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استثناه، فقال: "كل اللعب حرام إلا لعب الرجل بغرسه ولعبه بقوسه، ولعبه مع زوجته".
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه قمار، فمن وجهين:
أحدهما: أن السبق خارج عن القمار؛ لأن القمار ما لم يخل صاحبه من أخذ أو إعطاء، وقد يخلو المسابق من أخذ وإعطاء؛ لأن بينهما محللاً.
والثاني: أن تحريم القمار بالشرع، وإباحة السبق بالشرع، فلو جاز إلحاق السبق بالقمار من التحريم لجاز لأحد أن يلحق القمار بالسبق في التحليل، فلما كان هذا في إباحة القمار فاسداً، أوجب أن يكون في تحريم السبق فاسداً، ولزم الوقوف على ما ورد به الشرع فيهما.
فصل:
فإذا صح جواز السبق بعوض وغير عوض، فهو بفير عوض من العقود الجائزة، دون اللازمة، وان كان معقوداً على عوض، ففي لزومه قولان:
أحدهما: أنه من العقود اللازمة كالإجارة ليس لواحد منهما فسخه بعد تمامه إلا عن تراض منهما بقسمة ولا يدخله خيار الثلاثء وفي دخول خيار المجلس فيه وجهان:
كالإجارة، فإن شرعا في السبق والرمي يسقط خيار المجلس فيه؛ لأن الشرع في العمل رضى بالإمضاء.
والثاني: أنه من العقود الجائزة دون اللازمة كالجعالة، وبه قال أبو حنيفة ويكون كل واحد من السابقين قبل الشروع من السبق، وبعد الشروع فيه ما لم يستقر السبق، وينبرم بالخيار.
فإن شرط فيه اللزوم بطل، فإن قيل بلزومه على القول الأول، فدليله شيئان:
أحدهما: أنه عقد ومن شرط صحته أن يكون معلوم العوض والمعوض، فوجب أن يكون لازماً كالإجارة طرداً والجعالة عكساً.
والثاني: أن ما أفضى إلى إبطال المعقود بالعقد كان ممنوعاً منه في العقد، وبقاء خياره فيه مفض إلى إبطاله المقصود به؛ لأنه إذا توجه السبق على أحدهما فسخ لم يتوصل إلى سبق، ولم يستحق فيه عوض، والعقد موضوع لاستقراره واستحقاقه، فنافاه الخيار وضاهاه اللزوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 272
فإن قيل: بجوازه على القول الثاني، فدليله شيئان:
أحدهما: أن ما صحّ من عقود المعاوضات إذا قابل غير موثوق بالقدرة عليه عند استحقاقه كان من العقود الجائزة دون اللازمة كالجعالة طرداً؛ لأنه لا يثق بالغلبة في السبق والرمي كما لا يثق بوجود الضالة في الجعالة وعكسه الإجارة متى لم يثق بصحة العمل منه لم يصح العقد.
والثاني: أن ما كان إطلاق العوض فيه موجباً لتعجيل استحقاقه كان جائزاً كالجعالة وإطلاق العوض في السبق والرمي لا يوجب التعجيل، فوجب أن يكون جائزاً ولا يكون لازماً، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله:"الخف الإبل والحافر الخيل والنصل كل نصل من سهم أو نشابه ".
قال في الحاوي: وهذا من قول الشافعي تفسير لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا سبق إلا من خف أو حافر أو نصل" مبين أن المراد بالخف الإبل؛ لأنها ذوات أخفاف تعد للطراد، وأن المراد بالحافر الخيل: لأنها ذوات حوافر للكر والفر.
وقال في موضع آخر: إن الحافر الخيل والبغال والحمير؛ لأنها تركب إلى الجياد كالإبل ويلقى عليها العدو كالخيل قد شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرب هوازن على بغلته الشهباء، فصار في الحافر قولان.
فأما النصل، فالمراد به السهم المرمى به عن قوس، وإن كان النصل اسماً لحديدة السهم فالمراد به جميع السهم، فهذه الثلاثة هي التي نص عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جواز السبق بها، فاختلف قول الشافعي فيها، فقال: يحتمل معنيين:
أحدهما: أنها رخصة مستثناة من جملة محظورة؛ لأنه أخرج باستثنائه ما خالف حكم أصله، فعلى هذا لا يجوز أن يقاس على هذه الثلاثة غيرها، ويكون السبق مقصوراً على التي تضمنها الخبر، وهي الخف والخف الإبل وحدها، والحافر وفيه قولان:
أحدهما: الخيل وحدها.
والثاني: الخيل والبغال والحمير، والنصل، وهو السهام، ويكون السبق بما عداها محظوراً.
والثاني: في المعنيين أن النصل على الثلاثة أصل، فهذا ورد الشرع ببيانه وليس بمستثنى، وإن خرج مخرج الاستثناء؛ لأن المراد به التوكيد دون الاستثناء فعلى هذا يقاس على كل واحد من الثلاثة ما كان في معناها كما قيس على الستة في الربا ما وافق معناها،
الجزء: 4 - الصفحة: 273
وعليه يكون التفريع، فيقاس على الخف السبق بالفيلة؛ لأنها ذوات أخفاف كالإبل، وهي في ملاقاة العدو أنكأ من الإبل، وهل يقاس عليها السبق بالسفن والطيارات والشدات أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول ابن سريج يجوز السبق عليها؟؛ لأنها معدة لجهاد العدو في البحر وحمل ثقله، كالإبل في البر.
والثاني: لا يجوز السبق عليها؛ لأن سبقها بقوة ملاحها دون المقاتل فيها، فأما السبق بالزوارق الكبار والمراكب الثقال التي لم تجر العادة في لقاء العدو بمثلها فغير جائز على الوجهين معاً.
فصل:
فأما الحافر بالخيل والبغال والحمير نصاً في أحد القولين لا نقلاً من اسم الحافر عليها، وقياساً في القول الثاني؛ لأنها ذوات حوافر كالخيل وفي معناها واختلف أصحابنا هل يقاس عليها السبق بالأقدام؟ أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: تجوز السمابقة بالأقدام؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استبق هو وعائشة رضي الله عنها على أقدامها؛ ولأن السعي من قتال الرجالة كالخيل في قتال الفرسان.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أن المسابقة بالأقدام لا تجوز؛ لأنه سبق على فعلها من غير آلة فأشبه الطفرة والوثبة؛ ولأن السبق على ما يستفاد بالتعليم ليكون باعثاً على معاطاته، والسعي لا يستفاد بالتعليم فعلى هذا إن قيل: إن المسابقة بالأقدام لا تجوز، فالمسابقة بالباحة أولى أن لا تجوز وإن قيل بجوازها على الأقدام، ففي جوازها بالسباحة وجهان:
أحدهما: تجوز كالأقدام، لأن أحدها على الأرض، والآخر في الماء.
والثاني: أنها لا تجوز بالسباحة، وان جازت بالأقدام؛ لأن الماء مؤثر في السباحة والأرض غير مؤثرة في السعي.
ومنها اختلاف أصحابنا في السبق بالصراع على وجهين:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه جائز لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج إلى الأبطح، فرأى يزيد بن ركانة يرى أعنزاً له، فقال يزيد: يا محمد هل لك من أن تصارعني، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "ما تستبق لي" فقال: شاة فصارعه، فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يزيد: هل لك العود؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما تستبق لي؟ فقال: شاة فصارعه، فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يزيد: يا محمد اعرض علي الإسلام، فما أحد وضع جنبي على الأرض غيرك، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورد عليه غنمه" فدل على جواز السبق على الصراع.
الجزء: 4 - الصفحة: 274
والثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز السبق على الصراع لما ذكرنا من المعنيين من السبق بالأقدام، فعلى هذا إن قيل: إن السبق على الصراع لا يجوز، فالسبق على المشابكة بالأيدي لا يجوز وإن قيل بجوازه في الصراع ففي جوازه بالمشابكة وجهان كالسباحة.
ومنها اختلافه أصحابنا في السبق بالحمام على وجهين:
أحدهما: يجوز؛ لأنها بالهداية تؤدي أخبار المجاهدين بسرعة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنها لا تؤثر في جهاد العدو، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى رجلاً يسعى بحمامة، فقال: "شيطان مع شيطانة ".
فأما السبق بالكلام، وبنطاح الكباش ونقار الديكة، فهو أسفه، والسبق فيه باطل لا يختلف، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وأما النصل، وهو السهام، فقياسه كل سلاح فارق يد صاحبه من الحراب ومقاليع الأحجاز وقس البندق، واختلف أصحابنا، فيما لا يفارق يد صاحبه من السيوف والرماح والأعمدة، هل يجوز السبق بها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز كالمفارق ليده؛ لأن جهاد العدو بها.
والثاني: لا يجوز، لأنه يكون بذلك محارباً لا مسابقاً.
فأما السبق بالمدامي وكرة الصولجان فلا؛ لأن الجهاد لا يكون بهما.
فأما الدمو بالحجر الثقيل أو رفعه من الأرض، لاختبار القوة، والارتياض بها، فالسبق عليه كالسبق على الصراع، فيكون على وجهين.
ولله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما يجوز السبق به على الأعواض المبذولة، فلصحة العقا عليه خمسة شروط:
أحدها: التكافؤ فيما يستبقان عليه، وفيما يتكافآن به وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وما عليه جمهور أصحابه أن التكافؤ بالتجانس، فيسابق بين فرسين أو بغلين أو حمارين أو بعيرين، ليعلم بعد التجانس فضل السابق، ولا يجوز أن يسابق بين فرس وبغل ولا بين حمار وبعير! لأن تفاضل الأجناس معلوم وأنه لا يجري البغل في شوط الفرس، كما قال الشاعر:
إنَّ المُذَرَّعَ لَا تُغْنِي ضُؤولَتُهُ كَالبَغْلِ يَعْجَزُ عَنْ شَوْطِ المحَاضِيرِ
الجزء: 4 - الصفحة: 275
لكن يجوز السبق بين عتاق الخيل، وهجانها؛ لأن جميعها جنس، والعتيق في أول شوطيه أحد وفي آخره ألين، والهجين في أول شوطيه ألين وفي آخرها أحد فربما صارا عند الغاية متكافئين.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن التكافؤ في الاستباق غير معتبر بالتجانس وإنما هو معتبر بأن يكون كل واحد من المستبقين يجوز أن يكون سابقاً ويجوز أن يكون مسبوقاً، فإن جوز ذلك بين فرس وبغل أو بين بعير وحمار جاز السبق بينهما، وإن علم يقيناً أن أحدهما يسبق الآخر قبل الاختبار لم يجز السبق بينهما، ولو علم ذلك بين فرسين عتيق وهجين أو بين بعيرين عربي وبختي لم يجز السبق بينهما، وكذلك ولو اتفق الفرسان في الجنس، واختلفا في القوة والضعف، فيمنع من الاستباق بينهما، وهما من جنس واحد، وبخوزه بينهما، وهما في جنسين مختلفين اعتباراً بالجواهر دون التجانس.
والشرط الثاني: الاستباق عليها مركوبة لتنتهي إلى غايتها، بتدبير راكبها، فإن شرط إرسالها لتجري مسابقة بأنفسها لم يجز، وبطل العقد عليها؛ لأنها تتنافر بالإرسال ولا تقف على غاية السبق، وإنما يصح ذلك في الاستباق بالطيور إذا قيل: بجواز الاستباق عليها لما فيها من الهداية إلى قصد الغاية، وأنها لا تتنافر في طيرانها.
والشرط الثالث: أن تكون الغاية معلومة؛ لأنها مستحقة في عقد معاوضة، فإن وقع العقد على إجراء الفرسين حتى يسبق أحدهما الآخر لم يجز لأمرين:
أحدهما: جهالة الغاية.
والثاني: لأنه يفضي ذلك لإجرائهما حتى يعطبا.
والشرط الرابع: أن تكون الغاية التي يمتد شرطها إليها يحتملها الفرسان، ولا ينقطعان فيها، فإن طالت عن انتقاء الفرسين إليهما إلا عن انقطاع وعطب بطل العقد، لتحريم ما أفضى إلى ذلك.
والشرط الخامس: أن يكون العوض فيه معلوماً، كالأجور والأثمان، فإن أخرجه غير المتسابقين جاز أن يتساويا فيه، ويتفاضلا؛ لأن الباذل للسبق مخير بين القليل والكثير، فجاز أن يكون مخيراً بين التساوي في التفضيل، ويجوز أن يتماثل جنس العوضين، وإن لم يختلف.
فصل:
فأما الرمي، فيعتبر في صحة عقده خمسة شروط أيضاً:
أحدها: أن يكون الرامي مجانسة فيتناضلان بالنشاب أو بالحراب، فإن كان أحدهما ينضل بالنشاب، والآخر بالحراب، لم يجز لتنافيهما؛ لكن يجوز أحدهما مناضلاً بالنشاب والآخر بالنبل؛ لأن كليهما سهم يخرج عن قوس.
الجزء: 4 - الصفحة: 276
والشرط الثاني: أن يكون بين المتناضلين مقاربة في الرمي والإصابة يحتمل أن يكون ناضلاً ومنضولاً، ليعلم بالنضال أحذقهما، فإن تفاوت ما بينهما، فإن كان أحدهما أكثر سهامه صائبة، والآخر أكثر سهامه خاطئة، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو مقتضى قول أبي إسحاق المروزي: لا يجوز، يكون العقد بينهما.
والثاني: يجوز ويكون العقد بينهما صحيحاً؛ لأن المال إذا استحق بعث على معاطاة الحذق.
والشرط الثالث: أن لا يتناضلا على جراح النفوس بالسهام والسلاح، وليكن قصدهما إصابة غير ذات الأرواح لتحريم عقرها، فإن شرط فيه جراحة النفوس بطل لحظره.
والشرط الرابع: أن يكون العوض معلوماً من أعيان موجودة، أو مال في الذمة موصوفاً.
والشرط الخامس: أن يحفظ من دخول الجهالة في النضال على ما سنذكره في موضعه.
مسألة:
قال الشافعي: والاستباق ثلاثه سبق يعطيه الوالي أو غير الوالي من ماله وذلك أن يسبق بين الخيل إلى غاية فيجعل للسابق شيئاً معلوماً وإن شاء جعل للمصلي والثالث والرابع فهذا حلال لمن جعل لأ ليست فيه علة.
قال في الحاوي: أما السبق، فيذكر تارة بتسكين الباء، وتارة بغتحها، وهو بتسكين الباء فعل سبق من المسابقة، وهو بفتح الباء العوض المخرج في المسابقة.
قال الشافعي: "والأسباق ثلاثة " يريد به العوض في الأسباق ثلاثة:
أحدها: أن يخرجه غير المتسابقين.
والثاني: أن يخرجه المتسابقان.
والثالث: أن يخرجه أحدهما.
فأما السبق الأول الذي يراه الشافعي؛ وهو الذي يخرجه غير المتسابقين، فيجوز سواء أخرجه الإمام من بيت المال وأخرجه غير الإمام من ماله.
وقال مالك: إن أخرجه الإمام جاز، وإن أخرجه غيره لم يجز؛ لأنه من أسباب الجهاد المختصة بالأئمة، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن ما فيه معونة على الجهاد جاز أن يفعله غير الأئمة، كارتباط الخيل وإعداد السلاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 277
والثاني: أن ما جاز أن يخرجه الإمام من بيت مال المسلمين جاز أن يتطوع به كل واحد من المسلمين لبناء المساجد والقناطر.
فصل:
فإذا صح جوازه من كل باذل لم يخل التبدل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يختص به السابق وحده دون غيره، كقوله: إذا كان المتسابقون عشرة فقد جعلت للسابق منكم عشرة، وهذا جائز، فأيهم جاء سابقاً لجماعتهم استحق العشرة كلها، ولا شيء لمن بعده، وإن كانوا متفاضلين في السبق، فلو سبق اثنان من الجماعة، فجاءا معاً، وتأخر الباقون، اشترك الاثنان في العشرة، لتساويهما في السبق، فاستويا في الأخذ، ولو سبق خمسة اشتركوا في الأخذ كذلك، ولو سبق تسعة وتأخر واحد اشتركوا في العشرة دون المتأخر منهم، ولو جاؤوا مجيئاً واحداً لما يتأخر عنهم واحد منهم، فلا شيء لهم، لأنه ليس فيهم سابق، ولا مسبوق.
والثاني: أن يبذله لجماعة منهم، ولا يبذله لجميعهم، كأنه بذل للأول عوضاً وللثاني عوضاً، ولكل واحد منهم في اللغة اسم إذا تقدم على غيره خاص يقال للسابق الأول: المجلى، والثاني: المصلى، والثالث: التالي، والرابع: البارع، والخامس: المرتاح، والسادس: الحظي، والسابع: العاطف، والثامن: المؤمل، والتاسع: اللطيم، والعاشر: السكيت، وليس لما بعد العاشر اسم إلا الذي يجيء آخر الخيل كلها، يقال له: الفسكل، فإذا بذل لبعض دون بعض، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يفاضل بين السابق والمسبوق، فيجعل للأول الذي هو المجلى عشرة ويجعل للثاني الذي هو المصلي تسعة، والثالث الذي هو التالي خمسة والرابع الذي هو البارع أربعة، والخامس الذي هو المرتاح ثلاثة، ولا يجعل لمن بعدهم شيئاً فإن هذا جائز، لأنه قد منع المسبوقين وناضل بين السابقين، فحصل التحريض في طلب التفاضل، وخشية المنع.
ويتفرع على هذا أن يجعل للسابق عشرة، وللمصلي خمسة، ولا يجعل لمن بعدهم شيئاً، فيكون السابق خمسة والمصلي واحداً، فيقسم الخمسة السابقين بالعشرة لكل واحد درهمان، وينفرد الواحد المصلي بالخمسة، وإن صار بهما أفضل من السابقين؛ لأنه أخذ الزيادة لتفرده بدرجته، ولم يأخذها لتفضيل أصل درجته وقد كان يجوز أن يشاركه غيره في درجته، فيقل سهمه عن سهم من بعده، ثم على هذا القياس إذا جعل للتالي شيئاً ثالثاً، فحصل من كل درجة انفراد أو اشتراك، وجب أن يختص المنفرد بسبق درجته، ويشترك المشتركون بسبق درجتهم.
والثاني: أن يسوي فيهم بين سابق ومسبوق كأنه جعل للسابق عشرة وللمصلي عشرة، وفاضل بين بقية الخمسة، وهذا غير جائز؛ لأن مقتضى التحريض، أن يفاضل بين السابق والمسبوق، فإذا تساويا فيه بطل مقصوده فلم يجز وكان السبق من حق المصلي
الجزء: 4 - الصفحة: 278
الذي سوى بينه وبين سابقه باطلاً ولم يبطل في حق الأول، وفي بطلانه في حق من عداه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في الذي بطل السبق في حقه، هل يستحق على الباذل أجرة مثله أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنه لا أجرة له على الباذل لأن منعه عائد عليه لا على الباذل.
فعلى هذا يكون السبق في حق من بعده، باطلاً، لأنه يجوز أن يفضلوا به عن من سبقهم.
والثاني: وهو قول أبي علي الطبري أن له على الباذل أجرة مثله؛ لأن من استحق المسمى في العقد الصحيح استحق أجرة المثل في العقد الفاسد اعتباراً بكل واحد من عقدي الإجارة والجعالة، فعلى هذا يكون السبق في حق من بعده صحيحاً، ولكل واحد منهم ما سمى له، وان كان أكثر مثل من بطل السبق في حقه، لأنه لا يجوز أن يفضلوا عليه إذا كان مستحقاً بالعقد، وهذا مستحق بغيره.
ويتفرع على هذا إذا جعل للأول عشرة، ولم يجعل للثاني شيئاً، وجعل للثالث خمسة وللرابع ثلاثة، ولم يجعل لمن بعدهم شيئاً، فالثاني خارج من السبق لخروجه من البدل ومن قيام من بعده مقامه وجهان:
أحدهما: يقوم الثالث مقام الثاني، ويقوم الرابع مقام الثالث؛ لأنه يصير وجوده بالخروج من السبق كعدمه، فعلى هذا يصح السبق فيها، بالمسمى لهما بعد الأول.
والثاني: أنهم يترتبون على التسمية ولا يكون خروج الثاني منهم بالحكم مخرجاً له من الثالث فعلى هذا يكون السبق فيها باطلاً، لتفضيلها على السابق لهما وهل يكون لهما أجرة مثلها أم لا على ما ذكرنا من الوجهين:
والثالث: أن يبذل العوض لجماعتهم، ولا يخلي آخرهم من عوض، فينظر، فإن سوى فيهم بين سابق ومسبوق كان السبق باطلاً، وكان الحكم فيه على ما قدمنا، وإن لم يساو بين السابق والمسبوق، وفضل كل سابق على كل مسبوق، حتى يجعل مستأخرهم أقلهم سهماً، ففي السبق وجهان:
أحدهما: أنه جائز اعتباراً بالتفاضل في السبق، فعلى هذا يأخذ كل واحد منهم ما سمي له.
والثاني: أن السبق باطل، لأنهم قد تكافؤوا في الأخذ، وإن تفاضلوا فيه، فعلى هذا هل يكون باطلاً في حق الآخر وحده؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه باطل في حقه وحده؟ لأن بالتسمية له فسد السبق.
والثاني: أنه يكون باطلاً في حقوق جماعتهم؛ لأن أول العقد مرتبط بآخره، وهل يستحق كل واحد منهم أجرة مثله أم لا على الوجهين المذكورين، فهذا حكم السبق الأول.
الجزء: 4 - الصفحة: 279
مسألة:
قال الشافعي: "والثاني يجمع وجهين وذلك مثل الرجلين يريدان أن يستبقا بفرسيهما ولا يريد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه ويخرجان سبقين فلا يجوز إلا بالمحلل وهو أن يجعل بينهما فرساً ولا يجوز حتى يكون فرساً كفؤاً للفرسين لا يأمنان أن يسبقهما".
قال في الحاوي: وهذا هو السبق الثاني من الأسباق الثلاثة وهو: أن يستبق الرجلان، ويخرج كل واحد منهما سبقاً من ماله يأخذه السابق منهما، وهذا لا يصح حتى يوكلا بينهما محللاً، لا يخرج شيئاً، ويأخذ إن سبق ولا يعطى إن سبق لنص ومعنى.
أما النص، فما رواه سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به، ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق، فلا بأس به، ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق، فإن ذلك هو القمار".
وأما المعنى، فهو أن إباحة السبق معتبرة، بما خرج عن معنى القمار هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً أو غارماً إن أعطي، فإذا لم يدخل بينهما محلل كانت هذه حالها، فكان قماراً، وإذا دخل بينهما محلل غير مخرج يأخذان سبق ولا يعطى إن سبق خرج عن معنى القمار فعل.
وهذا الداخل يسمى محللاً لأن العقد صح به، فصار حلالاً ويسميه أهل السبق ميسراً، ويصح العقد به بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون فرسه كفؤاً لفرسهما، أو أكفأ منهما، لا يأمنان أن يسبقهما فإن كان فرسه أدون من فرسيهما، وهما يأمنان أن يسبقهما لم يصح للنص، ولأن دخوله مع العلم بأنه لا يسبق غير مؤثر من أخذ السبق.
والثاني: أن يكون المحلل غير مخرج لشيء وان قل، فإن أخرج شيئاً خرج عن حكم المحلل، فصار في حكم المستبق.
والثالث: أن يأخذ إن سبق فإن شرط أن لا يأخذ لم يصح.
والرابع: أن يكون فرسه معيناً عند العقد، لدخوله فيه كما يلزم تعين فرس المستبقين، إن كان غير معين بطل.
فصل:
فإذا صح العقد بالمحلل على استكمال شروطه، فمذهب الشافعي، وما عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 280
جمهور أصحابه أن المحلل دخل ليحلل العقد ويحلل الأخذ، فيأخذ إن سبق ويؤخذ به إن سبق.
وقال أبو علي بن خيران من أصحابه: إن المحلل دخل لتحلل العقد ويأخذ ولا يؤخذ به وهذا خطأ، لأن التحريض المقصود باستفراه الخيل، ومعاطاة الفروسية غير موجود وإذا لم يؤخذ بالسبق شي، فيصير مانعاً من السبق وإذا أخذ به صار باعثاً عليه وهذا يتضح في التفريع الذي نذكره من بعد.
مسألة:
قال الشافعي: "ويخرج كل واحد منهما ما تراضيا عليه يتواضعانه على يدي رجل يثقان به أو يضمنانه".
قال في الحاوي: ولصحة العقد بينهما مع دخول المعلل أربعة شروط:
أحدها: أن يكون العوض، وهو السبق الذي بذلاه معلوماً إما معيناً أو موصوفاً فإن كان مجهولاً لم يصح، لأن الأعواض في العقود ولا تصح إلا معلومة.
والثاني: أن يتساويا في جنسه ونوعه وقدره، فإن اختلفا فيه أو تفاضلا لم يصح لأنهما لما تساويا في العقد وجب أن يتساويا في بذله.
والثالث: أن يكون فرس كل واحد منهما معيناً، فإن أنهم ولم يعين بطل.
والرابع: أن يكون مدى سبقهما معلوماً، والعلم له أن يكون من أحد وجهين إما بتعيين الابتداء والانتهاء، ومعلوماً بالتعين دون المسافة كالإجارة المعينة، وإما المسافة يتفقان عليها مذروعة بذراع مشهور كالإجارة المضمونة، فإن اتفقا على موضع من الأرض ذرعا تلك المسافة حتى يعرف ابتداؤها وانتهاؤها، فإن أغفلا ذكر الأرض، وان كانت التي عقدا فيها السبق يمكن إجراء الخيل فيها: فهي أخص المواضع بالسبق، وان لم يكن إجراء الخيل فيها لحزونتها وأحجارها فأقرب المواضع إليها من الأرض السهلة.
فصل:
فإذا صح العقد بينهما على شروطه المعتبرة فيها، وفي المحلل الداخل بينهما لم يخل حالهما في حال السبق من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يتفقا على تركه في أيديهما ويثق كل واحد منهما بصاحبه فيحملان على ذلك، ولا يلزم إخراج مال السبق من يد أحدهما إلا بعد أن يصير مسبوقاً، فيؤخذ منه باستحقاقه.
والحال الثانية: أن يتفقا على أمين قد تراضيا به، فيؤخذ مال السبق منهما ويوضع على يده، ويعزل مال كل واحد منهما على حدته، ولا يخلطه، فان سبق أحدهما سلم إليه
الجزء: 4 - الصفحة: 281
ماله، ومال المسبوق، فإن سبق المحلل سلم إليه مال السبقين ولم يكن للأمين أجرة على السابق، ولا على المسبوق إلا عن شرط فإن كانت له أجرة في عرف المتسابقين، فمن حمله على عرفهم فيه مع عدم الشرط وجهان من اختلافهم فيمن استعمل خياطاً أو قصاراً، فعملا بغير شرط هل يستحق مثله أم لا؟ على وجهين:
أحد الوجهين: أن الأمين يستحق أجرة مثله إذا حكم للصانع بالأجرة، وتكون على المستبقين لا يختص بها السابق، لأنهما أجرة على حفظ المالين.
والوجه الثاني: أنه لا أجرة له وإن جرى بها العرف إذا لم يحكم للصانع بالأجرة.
والحالة الثالثة: أن يختلفا فاختلافهما على ضربين:
أحدهما: أن يختلفا في اختيار الأمين مع اتفاقهما-على إخراجه من أيديهما فيختار الحاكم لهما أميناً يقطع به تنازعهما، وهل يكون إجباره مقصوراً على من تنازعا فيه، أو يكون على العموم في الناس كلهم؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون مقصوراً على اختيار أحد الأمينين اللذين وقع التنازع فيهما، لانصراف المتسابقين عن اختيار غيرهما.
والثاني: أن يكون عاماً في اختيار من رآه من جميع الأمناء، لأن تنازعهما قد رفع حكم اختيارهم.
والثاني: أن يختلفا في إخراجه من أيديهما، فيقول أحدهما: يكون مال كل واحد منا في يده.
ويقول الآخر: بل يكون موضوعاً على يد أمينين، وعلى هذا الاختلاف يعتبر مال السبق فإن كان في الذمة، فالقول فيه قول من دعا إلى إقراره معه، لأن العقد على الذمة، ولا يؤخذ إلا باستحقاق، وإن كان معيناً، فالقول فيه قول من دعا إلى وضعه على يد أمين لتعيين الحق فيه، وأنه لا يوصل إليه من غيره.
مسألة:
قال الشافعي: "ويجري بينهما المحلل فان سبقهما كان السبقان له وإن سبق أحدهما المحلل أحرز السابق ماله وأخذ سبق صاحبه وإن أتيا مستويين لم يأخذ أحدهما من صاحبه شيئاً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: يجب أن يجري المحلل فرسه بين فرس المتسابقين لأمرين:
أحدهما: أنه لما دخل بينهما للتحليل دخل بينهما في الجري.
والثاني: لأنهما بإخراج السبق متنافران فدخل بينهما ليقطع تنافرهما، فإن لم
الجزء: 4 - الصفحة: 282
يتوسطهما، وعدل إلى يمين أو يسار جاز وان أساء إذا تراضيا به المستبقان، فإن لم يتراضيا إلا بأن يجري فرسه بينهما منع من العدول عن توسطهما إلى يمين أو يسار، لأنه تبع لهما، فكان أمرهما عليه أمضى، فإن رضي أحدهما بعدوله عن التوسط ولم يرض به الأخر فالقول قول من دعا إلى التوسط دون الانحراف، لأنه أعدل بينهما وأمنع من تنافرهما، فإن رضيا بانحرافه عن التوسط بينهما، ودعا أحدهما إلى أن يكون متيامناً، ودعا الأخر إلى أن يكون متياسراً لم يعمل على قول واحد منهما، وجعل وسطاً بينهما، لأنه العال المقصود والعرف المعهود، وهذا حكم موضع المحلل.
فأما المستبقان فإن اتفقا على المتيامن منهما والمتياسر حملا على اتفاقهما وإن اختلفا فيه يقرع بينهما وأوقف كل واحد منهما في موضع قرعته من يمين أو شمال.
فصل:
وإذا استقرت بينهما مع المحلل في الجري، فيختار أن يكون في الموضع الذي ينتهي إليه السبق، وهو غاية المدى قصب قد غرزت في الأرض تسميها العرب قصب السبق، ليحوزها السابق منهم.
فيقلعها حتى يعلم بسبقه الداني والقاضي، فيسقط به الاختلاف، وربما كر بها راجعاً يستقبل بها المسبوقين إذا كان مفضلاً في السبق متباهياً في الفروسية، وإذا كان كذلك فللمتسابقين والمحلل سبعة أحوال:
إحداها: أن ينتهوا إلى الغاية على سواء لا يتقدمهم أحدهم: فليس فيهم سابق ولا مسبوق، فيجوز كل واحد من المتسابقين سبق نفسه، ولا يعطي ولا يأخذ ولا شي للمحلل لأنه لم يسبق.
والثانية: أن يسبق المخرجان، فيصلا معاً على سواء، ويتأخر المحلل عنهما فيجوز كل واحد من المخرجين سبق نفسه لاستوائهما في السبق ولا شيء للمحلل لأنه مسبوق.
والثالثة: أن يسبق المحلل، ويأتي المخرجان به بعده على سواء أو تفاضل، فيستحق المحلل سبق المخرجين لسبقه لهما.
وهذه الأحوال الثلاثة ليس يختلف فيها المذهب.
والرابعة: أن يسبق أحد المخرجين ثم يأتي بعده المحلل والمخرج الآخر على سواء، فيجوز السابق سبق نفسه، فأما سبق المسبوق فمذهب الشافعي أن يكون للسابق، ويؤخذ به إن كان مسبوقاً، وقد حصل السبق لغيره، فوجب أن يكون أحق يأخذه، فيكون جميعه للمخرج السابق.
وعلى مذهب أبي علي بن خيران أن دخول المحلل ليأخذ ولا يؤخذ به، يكون سبق المتأخر من المخرجين مقراً عليه، لا يستحقه السابق من المخرجين لأنه يعطي ولا يأخذ، ولا يستحقه المحلل، لأنه لم يسبق.
والخامسة: أن يسبق المحلل وأحد المخرجين على سواء، يجوز السابق من
الجزء: 4 - الصفحة: 283
المخرجين سبق نفسه، ويكون مال المخرج المسبوق على مذهب الشافعي بين المخرج السابق والمحلل، وعلى مذهب ابن خيران يكون جميعه للمحلل دون المخرج السابق.
والسادسة: أن يسبق أحد المخرجين ثم المحلل بعده ثم المخرج الآخر بعد المحلل فعلى مذهب الشافعي يكون مال المسبوق للمخرج الأول لسبقه، وعلى مذهب ابن خيران للمحلل دون السابق.
والسابعة: يسبق أحد المخرجين ثم يتلوه المخرج الثاني، ويتأخر عنها المحلل: فعلى مذهب الشافعي: يستحق السابق مال المسبوق، وعلى مذهب ابن خيران لا يستحقه السابق؛ لأنه لا يأخذ، ولا يستحقه المحلل، لأنه لم يسبق، ويكون مقراً على المسبوق، ثم على قياس هذا في اعتبار المذهبين.
مسألة:
قال الشافعي: "والسبق أن يسبق أحدهما صاحبه وأقل السبق أن يسبق بالهادي أؤ بعضه أو بالكتد أو بعضه"
قال في الحاوي: والسبق ضربان:
أحدهما: أن يكون مقيداً بأقدام مشروطة كاشتراطهما السبق بعشرة أقدام، ولا يتم السبق إلا بها ولو سبق أحدهما بتسعة أقدام لم يكن سابقاً في استحقاق البدل، وإن كان سابقاً في العمل.
والثاني: أن يكوم مطلقاً بغير شرط فيكون سابقاً بكل قليل وكثير.
قال الشافعي: "أول السبق أن يسبق بالهادي أو بعضه أو كالكتد أو بعضه" فأما الهادي فهو العنق، وأما الكتد يقال بفتح التاء وكسرها والفتح أشهر وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه الكتف.
والثاني: أنه ما بين أصل العنق والظهر، وهو مجتمع الكتفين في موضع السنام من الإبل، فجعل الشافعي أقل السبق بالهادي والكتد.
وقال الأوزاعي: أقل السبق بالرأس، وقال المزني: أقل السبق بالأذن استدلالا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " بعثت والساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر بإذنه " والمقصود بهذا الخبر ضرب المثل على وجه المبالغة، وليس بحد لسبق الرهان كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من بنى لله بيتا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة " وان كان بيت لا يبنى كمفحص القطاة، وإنما لم يعتبر بالأذن كما قال المزني، ولا بالرأس كما قال الأوزاعي، لأن من الخيل ما يزجي أذنه ورأسه، فيطول ومنها ما يرفعه،
الجزء: 4 - الصفحة: 284
فتقصر فلم يدل واحد منهما على التقديم، وإذا سقط اعتبارها ثبت اعتبار الهادي والكتد، ولو اعتبر السبق بأيديهما، فأيهما تقدمت يداه، وهو السابق كان عندي أصح، لأن السعي بهما والجري عليهما، لكن الشافعي اعتبره بالهادي والكتد.
فأما السبق بالكتد فمتحقق، سواء اتفق الفرسان في الطول والقصر أو تفاضلا.
وأما السبق بالهادي، وهو العنق، فلا يخلو حال الفرسين أن يتساويا فيه أو يتفاضلا، فإن تساويا في طوله أو قصره، فأيهما سبق بالعنق كان سابقاً، وان تفاضلا في طوله أو قصره، فإن سبق بالعنق أقصرهما عنقاً كان سابقاً، وان سبق بالعنق أطولهما عنقاً لم يكن سابقاً إلا أن ينضاف السبق بكتده، لأنه سبقه بعنقه إنما كان لطوله لا لزيادة جريه
فإن قيل: فإذا كان السبق بالكتد صحيحاً مع اختلاف الخلقة، فلم أعتبر بالعنق الذي يختلف حكمها باختلاف الخلقة.
قيل: لأن السبق بالكتد يتحقق للقريب دون البعيد، والسبق بالعنق يشاهده، ويتحققه القريب والبعيد، وربما دعت الضرورة إليه ليشاهده شهود السبق فشهدوا به للسابق شهوداً يستوقفون عند الغاية ليشهدوا للسابق على المسبوق فلو سبق أحدهما عند الغاية بهاديه أو كتده ثم جريا بعد الغاية، فتقدم المسبوق بعدها على السابق بهاديه أو كتده كان السبق لمن سبق عند الغاية دون من سبق بعدها، لأن ما يجاوز الغاية غير داخل في العقد، فلم يعتبر، وهكذا لو سبق أحدهما قبل الغاية ثم سبق الآخر عند الغاية كان السبق لمن سبق عند الغاية دون من سبق قبلها لاستقرار العقد على السبق إليها.
مسألة:
قال الشافعي: "وسواء لو كانوا مائة وأدخلوا بينهم محللا فكذلك ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن كثرة المتسابقين لا يوجب كثرة المحللين؛ لأن دخول المحلل ليكون فيهم من يأخذ ولا يعطي حتى يصير خارجاً من ذكر القمار، وهذا موجود في دخول الواحد بين مائة متسابق، وإن كان الأولى أن يكثر المحللون إذا كثر المتسابقون، ليكون من القمار أبعد، وإن خرج من حكم القمار بالواحد، وعلى هذا لو دخل بين الاثنين محللان فأكثر كان جائزاً وإن عقد السبق بالمحلل على شرط فاسد أوجب سقوط المسمى فيه ثم سبق أحدهما نظر فيه، فإن كان هو المحلل، استحق أجرة مثله على المتسابقين تكون بينهما نصفين يستوي في التزامها من تقام منهما، ومن تأخر ويستحقها وجهاً واحداً لأنه معهما كالأجير وإن سبق أحد المخرجين فلا شيء للمحلل، وهل يستحق السابق على المتأخر أجرة مثله أم لا؟ على ما قدمنا من الوجهين.
الجزء: 4 - الصفحة: 285
مسألة:
قال الشافعي: "والثالث أن يسبق أحدهما صاحبه فان سبقه صاحبه أحذ السبق وإن سبق صاحبه أحرز سبقه".
قال في الحاوي: وهذا هو السبق الثالث من الأسباق الثلاثة، وهو أن يستبق الرجلان على أن يخرج أحدهما مال السبق دون الآخر، فإن سبق مخرج المال أحرز مال نفسه، ولا شيء على المسبوق، فإن سبق غير المخرج أخذ مال المخرج، وهذا سبق جائز لأنه يصير غير المخرج منهما محللاً، فصار به خارجاً من حكم القمار.
وهكذا لو كانوا ثلاثة، وأخرج مال السبق منهم، اثنان أو عشرة، فأخرج مال السبق منهم تسعة صح وكان غير المخرج كالمحلل.
فإن تسابق الرجلان يخرج أحدهما المال دون الآخر على شرط فسد به العقد بينهما ثم سبق أحدهما نظر.
فإن كان السابق مخرج المال، فلا شيء له على المسبوق لدخوله في العقد على غير بدل وإن سبق غير المخرج نفس استحقاقه أجرة مثله على المسبوق المخرج وجهان مضيا.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز الشبق إلا أن تكون الغاية التي يخرجان منها وينتهيان إليه واحدة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن من شرط صحة السبق من مسافة السباق ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون مسافة السبق معلومة الانتهاء فيشترطان، الجري من ابتداء معلوم إلى غاية معلومة؛ لأنه من عقود المعاوضات المحروسة بالابتداء من الجهالة، فإن استبقا على غير غاية على أن أيهما سبق صاحبه كان سابقاً من قريب المدى وبعيده لم يجز لعلتين:
إحداهما: أن من الخيل من يشتد جريه في الابتداء، ويضعف في الانتهاء وهو عتاقها، ومنها ما يضعف في الابتداء ويشتد في الانتهاء، وهو هجانها، ولا يتحقق السابق منها مع جهالة المدى.
والثانية: أن يفضي ذلك منهما إلى إجراء الخيل حتى تنقطع، وتهلك طلباً للسبق فمنع منه، فأما الرمي إذا عقد بين المترامين على أن أيهما أبعد سهماً فهو فاضل ففي صحته وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 286
أحدهما: أنه لا يصح كالسبق بالخيل حتى يعقد على عدد الإصابة دون بعد المدى.
والثاني: يصح أن يعقد على بعد المدى كما يصح أن يعقد على عدد الإصابة؛ لأن كل واحد من بعد المدى، ومن الإصابة مؤثر في العقد، فصح العقد عليهما، ولا يؤثر في العقد إجراء الخيل بالسبق إلى غاية فافترقا.
والشرط الثاني: أن تكون المسافة المشروطة مسماة يمكن أن ينتهي شوط الفرس إليها غير منقطع في العرف، فإن زادت حتى لا ينتهي شوطه إليها إلا منقطعاً لم تجز لتحريم ذلك من حقوقهما وأن الانتهاء إليها ممتنع، فإن كانت مسافة السبق تنتهي إليها هجان الخيل الشديدة دون عتاقها الضعيفة جاز الاستباق إليها بالهجان دون العتاق، وكذلك لو كانت مسافة ينتهي إليها شوط الإبل دون الخيل جاز الاستباق إليها بالإبل دون الخيل.
والشرط الثالث: أن يتساويا في ابتداء الجري وانتهائه ليكونا في الغاية متساويين، ولا يفصل أحدهما بشيء في الابتداء والانتهاء، وإن فضل أحدهما صاحبه بشيء، وإن قل فسد السبق، لأن المقصود بالسبق العلم بأفره الفرسين ولا يعلم ذلك مع التفضيل، والله أعلم.
فصل:
وإذا عثر أحد الفرسين أو ساخت قوائمه في الأرض، فسبق الآخر لم يحتسب له بالسبق، لأن العثرة أخرته، ولو كان العاثر هو السابق احتسب سبقه، لأنه إذا سبق مع العثرة كان بعدها أسبق، ولو وقف أحد الفرسين بعد الجري حتى وصل الآخر إلى غايته كان مسبوقاً إن وقف لغير مرض، ولا يكون مسبوقاً إن وقف لمرض فأما إن وقف قبل الجري لم يكن مسبوقاً سواء وقف لمرض أو غير مرض، لأنه بعد الجري مشارك، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والنضال فيما بين الرماة كذلك في السبق والعلل يجوز في كل واحد منهما ما يجوز في الآخر ثم يتفرعان فإذا اختلفت عللهما اختلفا".
قال في الحاوي: أما السباق فاسم يشتمل على المسابقة بالخيل حقيقة وعلى المسابقة بالرمي مجازاً، ولكل واحد منهما اسم خاص: فتختص الخيل بالرهان، ويختص الرمي بالنضال.
فأما قولهم: سبق فلان بتشديد الباء فمن أسماء الأضداد يسمى به من أخرج مال السبق، ويسمى به من أحرز مال السبق، وقد مضى حكم السباق بالخيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 287
فأما السباق بالنضال فهما في الإباحة سواء، والخلاف فيهما واحد، وقد تقام الدليل عليهما، وقد ذكر الشافعي ها هنا كلاماً اشتمل على أربعة فصول:
أحدهما: قوله: "والنضال فيما بين الرماة كذلك في السبق والعلل" يريد بهذا الفصل أمرين:
أحدهما: جواز النضال بالرمي كجواز السباق بالخيل.
والثاني: اشتراكهما في التعليل لإرهاب العدو بهما، لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
والفصل الثاني: قوله: "يجوز في كل واحد منهما ما يجوز في الآخر" يريد بهذا أن الأسباق في النضال ثلاثة كما كانت الأسباق في الخيل ثلاثة:
أحدها: أن يخرج الوالي مال السبق فيجوز كجوازه في الخيل.
والثاني: أن يخرجه المتناضلان، فلا يجوز حتى يدخل بينهما محلل يكون رميه كرميهما أو أرمى منهما، كما لا يجوز في الخيل إلا محلل يكون فرسه كفؤا لفرسيهما أو أكفأ.
والثالث: أن يخرجه أحد المتناضلين، فيجوز كما يجوز في الخيل إذا أخرجه أحد المتسابقين.
والفصل الثالث: قوله: "ثم يتفرعان" يريد به أمرين:
أحدهما: أن الأصل في سباق الخيل الفرس والراكب تبع، والأصل في النضال الرامي، والآلة تبع، لأن المقصود في سباق الخيل فراهة الفرس، ولو أراد أن يبدله بغيره لم يجز ويجوز أن يبال الراكب بغيره.
والمقصود في النضال حذق الرامي، ولو أراد أن يستبدل بغيره لم يجز، ويجوز أن يبدل آلته بغيرها.
والثاني: أنه في النضال من تفريع المرمى بالمبادرة والمخاطبة ما لا يتفرع في سباق الخيل.
والفصل الرابع: قوله: "فإذا اختلفت عللهما اختلفا" يريد به أنه لما كان المقصود في سباق الخيل الفرس دون الراكب لزم تعيين الفرس، ولم يلزم تعيين الراكب، ومتى مات الفرس بطل السبق ولا يبطل بموت الراكب إن لم يكن هو العاقد وفي بطلانه بموت العاقد قولان:
أحدهما: لا يبطل بموته إذا قيل: إنه كالإجارة.
والثاني: يبطل بموته إذا قيل: إنه كالجعالة ولما كان المقصود في النضال الرامي دون الآلة لزم تعيين الرامي، ولم يلزم تعيين الآلة، وبطل النضال إذا مات الرامي، ولم يبطل إذا انكسر القوس، فقد اختلف حكمهما كما اختلفت عللهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 288
مسألة:
قال الشافعي: "فإذا سبق أحدهما صاحبه وجعلا بينهما قرعاً معلوماً فجائز أن يشترطا محاطة أو مبادرة".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد الرامي معتبر بعشرة شروط:
أحدها: أن يكون الراميين متعينين، لأن العقد عليهما والمقصود به حذفهما، فإن لم يتعينا بطل العقد سواء وصفا أو لم يوصفا كما لو أطلق في السبق الفرسان، فإن لم يتعينا كان باطلاً، ولا يلزم تعيين الآلة، ولكل واحد منهما أن يرمي عن أي قوس شاء، وبأي سهم أحب، فإن عينت الآلة لم يتعين وبطلت في التعيين، فإن قيل: فيرمي عن هذين القوسين لم يؤثر في العقد جاز لهما الرمي عنهما، وبغيرهما وإن قيل: على أن لا يرمي عن هذين القوسين كان العقد فاسداً، لأنه على الوجه الأول صفة، وعلى الوجه الثاني شرط.
فصل:
والشرط الثاني: أن يكون عدد الرمي معلوماً، لأن العمل المعقود عليه ليكون غاية رميهما فيه منتهياً إليه، ويسمى الرشق: يقال بفتح الراء وبكسرها فالرشق بفتح الراء هو الرمي، والرشق بكسر الراء عدد الرمي، وعرف الرماة في الرمي أن يكون من عشرين إلى ثلاثين فإن عقد له على أقل منها أو أكثر جاز.
فصل:
والشرط الثالث: أن يكون عدد الإصابة الرشق معلوماً ليعرف به الناضل من المنضول، وأكثر ما يجوز أن يشترط فيه الإصابة، فأنقص من عدد الرشق المشروط بشيء وإن قل ليكون متلافياً للخطأ الذي يتعذر أن يسلم منه المتناضلان فقد قيل: إن أحذق الرماة في العرف من أصاب من العشرة ثمانية، فإن شرط إصابة الكل من الكل بطل، لتعذره في الأغلب، وإن شرطا إصابة ثمانية من العشرة جاز، فإن شرطا إصابة تسعة من العشرة، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لبقاء سهم الخطأ.
والثاني: لا يجوز لأن إصابته نادرة.
فأما أقل ما يشترط في الإصابة فهو ما يحصل فيه القاصد وهو ما زاد على الواحد، وقد نص الشافعي في كتاب الأم على مسألة، فقال: "فلو تناضلا على أن الرشق عشرة والإصابة من تسعة لم يجز" واختلف أصحابنا في تأويلها على وجهين:
أحدهما: تأويلها أن يشترط إصابة تسعة من عشرة فيبطل على ما ذكرناه من أحد
الجزء: 4 - الصفحة: 289
الوجهين.
والثاني: تأويلها أن يشترط أن يكون الرشق عشرة، والإصابة محتسبة في تسعة دون العاشر فيبطل وجهاً واحداً لاستحقاق الإصابة في جميع الرشق به، فإن أغفلا عدد الإصابة وعقداه على أن يكون الناضل منهما أكثرهما إصابة، ففيه وجهان:
أحدهما: من التعليلين في اشتراط فعله في سباق الخيل إذا عقداه إلى غير غاية ليكون السابق من تقدم في أي غاية كانت، وهو باطل في الخيل لعلتين:
إحداهما: أن من الخيل ما يقوى جريه في ابتدائه، وتضعف في انتهائه ومنها ما هو بضده فعلى هذا يكون النضال على كثرة الإصابة باطلاً، لأن من الرماة من تكثر إصابته في الابتداء وتقل في الانتهاء، ومنهم من هو بضده.
والثانية: أن إجراء الخيل إلى غير غاية مفض إلى انقطاعها، فعلى هذا يجوز النضال على كثرة الإصابة؛ لأنه غير مفض إلى انقطاع الرماة.
فصل:
والشرط الرابع: أن تكون مسافة ما بين موقف الرامي والهدف معلومة، لأن الإصابة تكثر مع قرب المسافة، وتقل مع بعدها، فلزم العمل بها، وأبعدها في العرف ثلاثمائة ذراع، وأقلها ما يحتمل أن يصاب وأن لا يصاب، فإن أغفلا مسافة الرمي، فلها ثلاثة أحوال:
إحداها: أن لا يكون للرماة هدف منصوبء ولا لهم عرف معهود، فيكون العقد باطلاً للجهل بما تضمنه.
والحال الثانية: أن يكون للرماة الحاضرين هدف منصوب، وللرماة فيه موقف معروف، فيصح العقد ويكون متوجهاً إلى الهدف الحاضر من الموقف المشاهد، والرماة يسمون موقف الرامي الوجه.
والحالة الثالثة: أن لا يكون لهم هدف منصوب، ولكن لهم فيه عرف معهود، ففيه وجهان:
أصحهما: يصح العقد مع الإطلاق، ويحملان فيه على العرف المعهود كما يحمل إطلاق الأثمان على غالب النقد المعهود.
والثاني: أن العقد باطل، لأن قذف الرماة يختلف، فاختلف لأجله حكم الهدف فلم يصح حتى يوصف.
فصل:
والشرط الخامس: أن يكون الغرض من الهدف معلوماً، لأنه المقصود بالإصابة.
أما الهدف فهو تراب يجمع أو حائط يبنى، وأما الغرض فهو جلد أو شيء بالٍ ينصب في الهدف، ويختص بالإصابة، وربما جعل في الغرض دارة كالهلال تختص
الجزء: 4 - الصفحة: 290
بالإصابة من جملة الغرض، وهي الغاية في المقصود من حذق الرماة.
وإذا كان كذلك، فالعلم بالغرض يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: موضعه من الهدف في ارتفاعه وانخفاضه؛ لأن الإصابة في المنخفض أكثر منها في المرتفع.
والثاني: قدر الغرض في ضيقه وسعته، لأن الإصابة في الواسع أكثر منها في الضيق، وأوسع الأغراض في عرف الرماة ذراع، وأقله أربع أصابع.
والثالث: قدر الدارة من الغرض إن شرطت الإصابة بها.
فصل:
والشرط السادس: أن يكون محل الإصابة معلوماً هل هو في الهدف أو في الغرض أو في الدارة؟ لأن الإصابة في الهدف أوسع، وفي الغرض أوسط، وفي الدارة أضيق، وإن أغفل ذلك كان جميع الغرض محللاً للإصابة؛ لأن ما دونه تخصيص، وما زاد عليه فهو بالغرض مخصوص.
فإن كانت الإصابة مشروطة في الهدف سقط اعتبار الغرض، ولزم وصف الهدف في طوله وعرضه، وإن شرطت الإصابة في الغرض سقط اعتبار الهدف، ولزم وصف الغرض وإن شرطت الإصابة في الدارة سقط اعتبار الغرض ولزم وصف الدارة.
فصل:
والشرط السابع: أن تكون الإصابة موصوفة بقرع أو خزق أو خسق.
فالقارع: ما أصاب الغرض، ولم يؤثر فيه.
والخازق: ما ثقب الغرض، ولم يثبت فيه.
والخاسق: ما ثبت من الغرض، بعد أن ثقب.
ولا يحتسب بالقارع في الخزق والخسق، ويحتسب بالخاسق في القرع، ولا يحتسب به في الخسق، ويحتسب بالخازق في القرع والخزق، وينطلق على جميع هذه الإصابات اسم الخواصل وهو جمع خصال، فإن أغفل هذا الشرط كانت الإصابة محمولة على القرع، لأن ما عداه زيادة.
فصل:
والشرط الثامن: أن يكون حكم الإصابة معلوماً هل هو مبادرة أو محاطة لأن حكم كل واحد منهما مخالف لحكم الآخر، والمبادرة أن يبادر أحدهما إلى استكمال إصابته في أقل العددين على ما سنصفه.
والمحاطة: أن يحط أقل الإصابتين من أكثرهما، ويكون الباقي بعدها هو العدد المشروط على ما سنشرحه، فإن أغغلا ذلك وما يشترطاه فد العقد إن لم يكن للرماة
الجزء: 4 - الصفحة: 291
عرف معهود بأحدهما، وفي فساده إن كان لهم عرف معهود وجهان على ما تقدم.
فصل:
والشرط السابع: أن يكون المال المخرج في النضال معلوماً؛ لأنه عوض في عقد، ويسمى هذا المال المخرج السبق بفتح الباء ويسمى الخطر، ويسمى الندب، ويسمى الوجب: وكل ذلك من أسمائه، فإن أغفل ذكر الغرض كان باطلاً، ولا شيء للناضل إذا نضل، وإن جهل الغرض كان العقد باطلاً، في استحقاقه لأجرة مثله إذا نضل وجهان.
فصل:
والشرط العاشر: أن يذكر المبتدئ منهما بالرمي، وكيفية الرمي هل يتراميان سهماً وسهماً أو خمساً وخمساً، ليزول التنازع، ويعمل كل واحد منهما على شرطه فإن أغفل ذكر المبتدئ منهما بالرمي، ففي العقد قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وفي المبتدئ وجهان:
أحدهما: مخرج المال.
والثاني: من قرع.
وإن أغفل عدد ما يرميه كل واحد منهما في بدئه فالعقد صحيح، ويحملانه على عرف الرماة إن لم يختلف، فإن اختلف عرفهم رميا سهماً، فهذه عشرة شروط يعتبر بها عقد المناضلة.
فأما قول الشافعي في هذه المسألة: "وكذلك لو سبق أحدهما قرعاً معلوماً" فقد اختلف أصحابنا في مراده بالقرع على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه أراد به المال ويكون من أسمائه كالوجب والندب والحظر _ ذكره أبو حامد الإسفراييني، وحكاه عن ابن الأعرابي.
والثاني: وهو المشهور في قول أصحابنا إنه أراد صفة الإصابة أنها قرع لا خزق ولا خسق.
والثالث: أنه أراد بالقرع الرشق في عدد الرمي، وله على كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة حكم بيناه _ وبالله التوفيق _.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن اشتترطا محاطة فكلما أصاب أحدهما وأصاب الآخر بمثله
الجزء: 4 - الصفحة: 292
أسقطا العددين ولا شيء لواحد منهما ويستأنفان وإن أصاب أقل من صاحبه حط مثله حتى يخلص له فضل العدد الذي شرط فينضله به".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن النضال على ضربين: محاطة ومبادرة، فبدأ الشافعي بذكر المحاطة، لأنها كانت غالب الرمي في زمانه، وقيل: إنه كان راميا ييب من العشرة ثمانية في الغالب وهي عادة حذاق الرماة.
فإذا عقدا سبق النضال على إصابة خمسة من عشرين محاطة ورماية وجب أن تحط أقل الإصابتين في أكثرهما وينظر في الباقي بعد الحط، فإن كان خمسة، فهو القرد المشروط فيصير صاحبه به ناضلاً.
وإن كان الباقي أقل من خمسة لم ينضل، وإن كان أكثر أصابه لنقصانه من العدد المشروط، فإذا كان كذلك لم يخل حالهما بعد الرمي من أحد أمرين: إما أن يتساويا في الإصابة أو يتفاضلا.
فإن تساويا في الإصابة، فأصاب كل واحد منهم عشراً عشراً أو خمساً خمساً، قال الشافعي: "فلا شيء لواحد منهما وليستأنفان"، فاختلف أصحابنا في مراده بقوله: "وليستأنفان " على وجهين حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يستأنفان الرمي بالعقد الأول؛ لأن عقد المحاطة ما أوجب حط الأقل من الأكثر وليس مع التساوي عقد حط، فخرج من عقد المحاطة، فلذلك استأنفا الرمي ليصير ما يستأنفانه في عقود المحاطة.
والثاني: أنه أراد بهما يستأنفان عقداً مستجداً إن أحبا، لأن العقد الواحد لا يلزم فيه إعادة الرمي مع التكافؤ كما لا يلزم في الخيل إعادة الجري مع التكافؤ والذي أراه - وهو عندي الأصح _ أن ينظر.
فإن تساويا في الإصابة قبل الرشق استأنفا الرمي بالعقد الأول، وإن تساويا فيه بعد استكمال الرشق استأنفاه بعقد مستجد إن أحبا، لأنهما قبل استكمال الرشق في بقايا أحكام العقد وبعد استكماله قد نقضت جميع أحكامه.
فصل:
فإن تفاضلا في الإصابة لم يخل تفاضلهما فيها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يفضل، ولا ينضل بما فضل، وهو أن يشترطا إصابة خمسة من عشرين محاطة، فيصيب أحدهما عشرة أسهم، ويصيب الآخر ستة أسهم فتحط الستة من العشرة، فيكون الباقي منها أربعة فلا ينضل، لأن شرط الإصابة خمسة، وهكذا لو أصاب أحدهما خمسة عشر، وأصاب الآخر أحد عشر لم ينضل الفاضل، لأن الباقي له بعد الخط أربعة ثم على هذه العبرة إذا كان الباقي أقل من خمسة.
والقسم الثاني: أن ينضل بما فضل بعد استيفاء الرشق، وهو أن يصيب أحدهما
الجزء: 4 - الصفحة: 293
خمسة عشر من عشرين، ويصيب الآخر عشرة من عشرين، فينضل الفاضل، لأنها إذا أسقطت من إصابته عشرة كان الباقي بعدها خمسة، وهو عدد النضل، وهكذا لو أصاب أحدهما عشرة، وأصاب الآخر خمسة كان الفاضل ناضلاً، لأنه إذا أسقطت الخمسة من إصابته كان الباقي بعدها خمسة، وهو عدد النضل، وهكذا لو كان الباقي بعد الحط أكثر من خمسة، ثم على هذه العبرة.
والقسم الثالث: أن ينضل بما فضل قبل استيفاء الرشق، وهو أن يصيب أحدهما عشرة من خمسة عشرة، ويصيب الآخر خمسة من خمسة عشرة، ويكون الباقي من الأكثر خمسة هي عدد النضل فهو يستقر النضال بهذا قبل استيفاء الرشق أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يستقر النضل ويسقط باقي الرشق؛ لأن مقصوده معرفة الأحذق، وقد عرف.
والوجه الثاني: - وهو الأظفر - أنه لا يستقر النضل بهذه المبادرة إلى العدد حتى يرميا بقية الرشق، لأن العقد قد تضمنها، وقد يجوز أن يصيب المفضول جميعها أو أكثرها ويخطى، الفاضل جميعها أو أكثرها.
وعلى هذا يكون التفريع، فإذا رميا بقية الرشق، وهو الخمسة الباقية فإن أصاب المفضول جميعها أو أخطأ الفاضل جميعها، فقد استويا ولم ينضل واحد منهما لأن إصابة كل واحد منهما عشرة وإن أصاب الفاضل، وأخطأ المفضول جميعها استقر فضل الفاضل، لأنه أصاب خمسة عشر من عشرين، وأصاب المفضول خمسة من عشرين فكان الباقي بعد الحط عشرة هي أكثر من شرطه، فلو أصاب الفاضل من الخمسة الباقية سهماً وأصاب المفضول سهمين لم يفضل الفاضل، لأن عدد إصابته أحد عشر سهماً، وعدد إصابة المفضول سبعة إذا حطت من تلك الإصابة كان الباقي أربعة والشرط أن تكون خمسة فلذلك لم ينضل وان فضل، فلو أصاب سهمين، والمفضول سهمين صار الفاضل ناضلاً، لأنه أصاب اثني عشرة، وأصاب المفضول سبعة ليبقى للفاضل بعد الحط خمسة.
ولو أصاب أحدهما سبعة من عشرة وأصاب الأخر سهمين من عشرة، فإذا رميا بقية السهام فإن أصاب المفضول جميعها، وأخطأ الفاضل جميعها صار الأول ناضلاً والثاني منضولاً لأن الأول له سبعة والثاني اثنا عشر يبقى له بعد الحط خمسة، ولو أصاب الأول جميعها، وأصاب الثاني جميعها كان الأول ناضلاً؛ لأن إصابته سبعة عشر وإصابة الثاني اثنا عشر، فإن أخطأ الأول في سهم من بقية الرشق لم يفضل ولم ينضل، ولو أصاب اثني عشر من خمسة عشر، وأصاب الآخر سهمين من خمسة عشر استقرّ النضل، وسقط بقية الرشق وجهاً واحداً، لأن المفضول لو أصاب جميع الخمسة الباقية في الرشق حتى استكمل بما تقدم سبعة كان منضولاً لأن الباقي للفاضل بعد حطها خمسة فلم يستفد ببقية الرمي أن يدفع عن نفسه النضل، فسقط ثم على هذه العبرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
مسألة:
قال الشافعي: "ويستحق سبقه يكون ملكاً له يقضي به عليه كالدين يلزمه إن شاء أطعم أصحابه وان شاء تموله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا نضل الرامي ملك مال النضال، وكذلك في السبق، وصار كسائر أمواله، فإذ كان عيناً استحق أخذها وإن كان ديناً استوجب قبضه، ولم يلزمه أن يطعمه أصحابه من أهل النضال والسباق.
وحكى الشافعي عن بعض فقهاء الرماة أن عليه أن يطعمه أصحابه، ولا يجوز أن يتملكه، وهذا فاسد لأنه لا يخلو إما أن يكون كمال الإجارة أو مال الجعالة؛ لأن عقده متردد يبن هذين العقدين، والعوض في كل واحد منهما مستحق يتملكه مستحقه، ولا تلزمه مشاركة غيره، فبطل ما قاله المخالف فيه، فعلى هذا إن مطل به المنضول قضى به الحاكم عليه، وحسبه فيه، وباع عليه ملكه، وإن مات أو أفلس ضرب به مع غرمائه ويقدم به على ورثته.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أخذ به رهناً أؤ ضميناً فجائز".
قال في الحاوي: أعلم أن مال النضال لا يخلو إما أن يكون معينا أو في الذمة، فإن كان معينا لم يجز أخذ الرهن منه، ولا الضمين لأن الأعيان لا تستوفي من رهين ولا ضامن، فلم يصح فيها رهن ولا ضمان، وإن كان في الذمة، فإن استقر المال بالفلج جاز أخذ الرهن فيه، والضمين لاستقراره في الذمة كسائر الديون، وان لم يستقر بالفلج كان أخذ الرهن فيه والضمين لاستقراره في الذمة كسائر الديون، وان لم يستقر بالفلج كان أخذ الرهن فيه والضمين معتبرا بحكم العقد في اللزوم والجواز، فإن قيل بلزومه كالإجارة جاز أخذ الرهن فيه، والضمين كالأجرة، وإن قيل بجوازه كالجعالة، ففي جواز أخذ الرهن والضمين فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز أخذهما منه لأن العوض فيه غير لازم.
والثاني: يجوز أن يؤخذ فيه لأنه مفض إلى اللزوم.
والثالث: أنه يجوز أن يؤخذ فيه الضمين، ولا يجوز أن يؤخذ فيه الرهن، لأن حكم الضمان أوسع من حكم الرهن كما يجوز ضمان الدرك، ولا يجوز أخذ الرهن فيه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز السبق إلا معلوماً كما لا يجوز في البيوع".
الجزء: 4 - الصفحة: 295
قال في الحاوي: وهذا صحيح يريد باسلبق المال المخرج في العقد، فلا يصح معه العقد حتى يكون معلوماً من وجهين إما بالتعيين كاستباقهما على عين شاهد، وإما بصفة كاستباقهما على مال في الذمة؛ لأنه من عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، فإن تسابقا على ما ينفقان عليه أو على ما يحكم به زيد كان باطلاً للجهالة به عند العقد.
ولو تسابقا وتناضلا على مثل ما يسابق أو يناضل به زيد وعمرو، فإن كان ذلك بعد علمهما بقدره صح، وإن كان قبل علمهما بقدره بطل، ولو كان لأحدهما في ذمة الآخر قفيز من حنطة، فتناضلا عليه، فإن كان القفيز مستحقاً من سلم لم يصح لأن المعاوضة على السلم قبل قبضه لا تصح، وإن كان عن غصب صحّ، لأن المعاوضة عليه قبل قبضه تصح، وان كان من قرض، فعلى وجهين من الوجهين في صحة المعاوضة عليه قبل قبضه ولو تناضلا على دينار إلا دانقاً صحّ، ولو تناضلا على دينار إلا درهماً لم يصح، لأن يكون بالاستثناء من جنسه معلوماً، وبالاستثناء من غير جنسه مجهولا، ولو تناضلا على دينار معجل وقفيز حنطة مؤجل صح، لأنه على عوضين حال ومؤجل، ولو تناضلا على أن يأخذ الناضل ديناراً ويعطى درهماً لم يجز لأن الناضل من شرطه أن يأخذ ولا يعطي، ولا تناضلا على دينار بذله أحدهما فإن نضل دفعه، ولم يرم أبداً أو شهراً كان العقد فاسداً، لأنه قد شرط فيه الامتناع، وهو مندوب إليه، فبطل وإذا تناضلا وقد فسد العقد بما ذكرنا، فنضل أحدهما، فإن كان الناضل باذل المال، فلا شيء على المنضول، وان كان الناضل غير الباذل ففي استحقاقه لأجرة مثله على الباذل وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو اشترط أن يطعم أصحابه كان فاسداً".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن مال السبق يملكه الناضل، ولا يلزمه أن يطعمه أصحابه، فإن شرط عليه في العقد أن يطعمه أصحابه، ولا يملكه كان الشرط فاسداً لأنه ينافي موجب العقد، وفي فساد العقد به وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر مذهب الشافعي أن العقد يفسد بفساد الشرط كالبيع.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وبه قال أبو حنيفة أن العقد صحيح لا يفسد بفساد هذا الشرط، لأن نفعه لا يعود على مشترطه وكان وجوده كعدمه.
مسألة:
قال الشافعي: "وقد رأيت من الرماة من يقول صاحب السبق أولى أن يبدأ والمسبق لهما يبدئ أيهما شاء ولا يجوز في القياس عندي إلا أن يتشارطا".
قال في الحاوي: أما اشتراط الابتداء فهو معتبر في الرمي دون السبق لأنهما في
الجزء: 4 - الصفحة: 296
السبق يتساويان في الجري معاً لا يتقدم أحدهما على الآخر.
وأما الرمي فلا بد أن يبتدئ به أحدهما قبل الآخر ولا يرميان معاً لاختلاط رميهما ولما يخاف من تنافرهما، فإن شرطا في العقد البادئ، منهما بالرمي كان أحقهما بالابتداء سواء كان المبتدئ مخرج المال أو غير مخرجه فمان أراد بعد استحقاقه التقدم أن يتأخر لم يمنع؛ لأن التقدم حق له، وليس يحق عليه وان أغفل في العقد اشتراط البادئ بالرمي، ففي العقد قولان:
أحدهما: وهو اختيار الشافعي في هذا الموضع أن العقد باطل لأن للبداية تأثيراً في قوة النفس، وكثرة الإصابة، فصارت مقصودة، فبطل العقد بإغفالها.
والثاني: أن العقد صحيح، وإن غفلت فيه البداية.
وقد حكاه الشافعي عن بعض فقهاء الرماة لأنه من توابع الرمي الذي يمكن تلافيه بما تزول التهمة فيه من الرجوع إلى عرف أو قرعه فعلى هذا إذا كان مخرج المال أحدهما كان هو البادئ بالرمي اعتباراً بالعرف وفيه وجه أخر أنه يقرع بينهما وإن كان باذل المال غيرهما كان لمخرج المال أن يقدر من شاء منهما اعتباراً بالعرف.
وفيه وجه آخر: أن يقرع بينهما، فإن كانا مخرجين للمال أقرع بينهما لتكافئهما، وهل يدخل المحلل قرعتهما أو يتأخر عنهما على وجهين:
أحدهما: يتأخر ولا يدخل في القرعة إذا قيل: إن مخرج المال يستحق التقدم.
والثاني: يدخل في القرعة ولا يتأخر إذا قيل: إن مخرج المال لا يتقدم إلا بالقرعة.
فصل:
قال الشافعي في الأم: "وقد جرت عادة الرماة أن يكون الرامي الثاني يتقدم على الأول بخطوة أو خطوتين أو ثلاثة ". وهذا معتبر بعرف الرماة وعادتهم، فإن كانت مختلفة فيه يفعلونه تارة، ويسقطونه أخرى سقط اعتباره ووجب التساوي فيه، وإن كانت عادتهم جارية لا يختلفون فيها، ففي لزوم اعتباره بينهما وجهان:
أحدهما: لا يعتبر لوجوب تكافئهما في العقد فلم يجز أن يتقدم أحدهما على الآخر بشيء، لأنه يصير مصيباً بتقدمه لا بحذقه.
والثاني: يعتبر ذلك فيهما لأن العرف في العقود كإطلاق الأيمان، فعلى هذا إن لم يختلف عرفهم في عدد الأقدام حملاً على العرف في عددها ليكون القرب بالأقدام في مقابلة قوة النفس بالتقدم.
وإن اختلف العرف في عدد الأقدام اعتبر أقل العرف دون أكثره فإن تقدم أحدهما
الجزء: 4 - الصفحة: 297
على الآخر بما لا يستحق فلم يحتسب له بصوابه، واحتسب عليه بخطئه.
مسألة:
قال الشافعي: "وأيهما بدأ من وجه بدأ صاحبه من الآخر".
قال في الحاوي: عادة الرماة في الهدف مختلفة على وجهين، وكلاهما جائز.
فمنهم من يرمي هدفين متقابلين، فيقف أحد الحزبين في هدف يرمي منه إلى الهدف الآخر، ويقف الحزب الآخر في الهدف المقابل، فيرمي منه إلى الهدف الآخر، وهذا أحبهما إلينا مع جوازهما.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بين الهدفين روضة من رياض الجنة " ولأنه أقطع للمتنافر، وأقل للتعب، فإن رميا إلى هدفين كان للمبتدئ بالرمي أن يقف في أي الهدفين شاء، ويرمي الآخر ويقف الثاني في الهدف الثاني، ويصير ذلك مستقراً بينهما إلى آخر رميهما، وليس لواحد منهما أن يدفع الآخر عن هدفه، وإن كان الهدف واحداً وقف المبتدئ في أي موضع شاء في مقابلته، ويقف الثاني حيث شاء من يمين الأول أو يساره، فإن لم يرض إلا أن يقف في موقف الأول، ففيه وجهان:
أحدهما: له أن يقف في موقف ليساويه فيه.
والثاني: ليس له ذلك، لأن الأول إذا زال عن موقفه بشيء حسن صنيعه.
والله أعلم -.
مسألة:
قال الشافعي: "ويرمي البادئ بسهم ثم الآخر بسهم حتى ينفذا نبلهما".
قال في الحاوي: وهذا فيما يختص بالرمي دون السبق لاختصاص الرمي بالمبتدئ، فاختص بما يواليه من عدد ما يرمي؛ فإن شرطاه في العقد حملا فيه على موجب الشرط وكان الشرط أحق من العرف، فإن شرطا أن يرميا سهماً وسهماً، أو شرطا أن يرميا خمساً وخمساً، أو شرطا أن يواصل كل واحد منهما رمى جميع رشقه رمى كل واحد منهما عدد ما أوجب الشرط، فإن زاد عليه لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً لخروجه عن موجب العقد، وإن أغفل ولم يشترط في العقد لم يبطل العقد بإغفاله لإحكامه التكافؤ فيه واعتبر فيهما عرف الرماة، لأنه يجري بعد الشرط مجرى الشرط، فإن كان عرف الرماة جارياً حدّ الثلاثة المجوزة في الشرط صار كالمستحق بالشرط، وإن لم يكن للرماة عرف لاختلافه بينهم رميا سهماً وسهماً، ولم يزد كل واحد منهما على سهم واحد حتى يستنفذا جميع الرشق، لأن قرب المعاودة إلى الرمي أحفظ لحسن الصنيع.
فإن رمى أحدهما أكثر من سهم، فإن كان قبل استقرار هذا الترتيب كان محتسباً به مصيباً ومخطئاً وإن كان بعد استقراره لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً لأنه قبل الاستقرار
الجزء: 4 - الصفحة: 298
مجوز وبعد الاستقرار ممنوع.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا غرق أحدهما وخرج السهم من يديه فلم يبلغ الغرض كان له أن يعود به من قبل العارض ".
قال في الحاوي: إما إغراق السهم: فهو أن يزيد في مدّ القوس لفضل قوته حتى يستغرق السهم، فيخرج من جانب الوتر المعهود إلى الجانب الأخر، فإن من أجناس القسي والسهام ما يكون مخرج السهم منها عن يمين الرامي جارياً على إبهامه، فيكون إغراقه أن يخرج السهم باستيفاء المدّ إلى يساره جارياً على سبابته.
ومنها ما يكون مخرجه بالضد على يساره الرامي جارياً على سبابته فيكون إغراقه أن يخرج على يمينه جارياً على إبهامه، فإذا أغرق السهم قال الشافعي: "لم يكن إغراقه من سوء الرمي، وإنما هو العارض فلا يحتسب عليه إن أخطأ به "، وهو عندي نظر؛ لأنه إذا لم يمد القوس بحسب الحاجة حتى زاد فيه، فأغرق أو نقص فقصر كان بسوء الرمي أشبه.
فإذا أخطأ بالسهم المغرق لم يحتسب عليه على مذهب الشافعي، وان أصاب احتسب له، لأن الإصابة به مع الخلل أدل على حذق الرامي في الإصابة مع الاستقامة.
مسألة:
قال الشافعي: "وكذلك لو انقطع وتره أو انكسرت قوسه فلم يبلغ الغرض أو عرض دونه دابة أو إنسان فأصابه أو عرض له في يديه ما لا يمر السهم معه كان له أن يعود".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا انقطع وتره، أو انكسر قوسه، فقصر وقع السهم وأخطأ لم يحتسب عليه، لأنه لم يخطئ لسوء رميه، ولكن لنقص آلته، ولو أصاب به كان محسوباً من إصابته، لأنه أدل على حذقه، وهكذا لو عرض دون الهدف عارض من بهيمة أو إنسان وقع السهم فيه، ومنع من وصوله إلى الهدف لم يحتسب عليه، وأعيد السهم إليه، فإن خرق السهم الحائل ونفذ فيه حتى وصل إلى الهدف، فأصاب كان محسوباً من إصابته، لأنه بالإصابة مع هذا العارض أشد وأرمى ويسمى هذا السهم خارقاً وقد كان الكسعي في العرب رامياً، فخرج ذات ليلة، فرأى ظبياً فرماه فأنقذه وخرج السهم منه، فأصاب حجراً فقدح منه ناراً فرأى ضوء النار في ظلمة الليل فظن أنه أخطأ فقال: مثلي يخطئ فكسر قوسه، وأخرج خنجرهء وقطع إبهامه، فلما أصبح ورأى الظبي
الجزء: 4 - الصفحة: 299
صريعاً قد نفذ السهم فيه ندم فضربت به العرب مثلاً، فقال الشاعر
نَدٍمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا رَأَتْ عَيْنَاهُ مَا عَملَتْ يَدَاهُ
وهكذا لو عرض للرامي علة في يده أو أخذته ريح في يديه ضعف بها عن مدّ قوسه لم يحتسب عليه إن قصر أو أخطأ لأنه لعارض منع وليس من سوء رمي وقلة حذق.
مسألة:
قال الشافعي: "فأما إن جاز السهم أو أجاز من وراء الناس فهذا سوء رمي ليس بعارض غلب عليه فلا يرد إليه".
قال في الحاوي: يقال: جاز السهم إذا مر في إحدى جانبي الهدف ويسمى "خاصر" وجمعه خواصر لأنه في أحد الجانبين مأخوذ من الخاصرة؛ لأنها في جانبي الإنسان ويقال: أجاز السهم إذا سقط وراء الهدف.
فإذا أجاز السهم، ووقع في جانب الهدف، أو جاز ووقع وراء الهدف كان محسوباً منه خطأه لأنه منسوب إلى سوء رميه، وليس بمنسوب إلى عارض في بدنه أو اليد.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: الجائز أن يقع في الهدف عن أحد جانبي الشن فعلى هذا إن كانت الإصابة مشروطة في الشن كان الجائز مخطئاً وإن كانت مشروطة في الهدف كان الجائز مصيباً، ويجوز أن يشترطا أن تكون إصابة سهامها جائزة، فيحتسب بالجائز ولا يحتسب بغير الجائز.
ويقال: "سهم " طامح، وفيه تأويلان:
أحدهما: أن الطامح هو الذي قارب الإصابة، ولم يصب، ويكون مخطئاً.
والثاني: ذكره ابن أبي هريرة أنه الواقع بين الشن ورأس الهدف، فيكون مخطئاً إن شرط الإصابة في الشن، ومصيباً إن شرط في الهدف، ويجوز أن يشترط في الإصابة فلا يحتسب له مصيباً إلا بسهم طامح كالجائز.
ويقال: سهم "عاصد" وهو الواقع في أحد الجانبين، فيكون كالجائز في تأويل ابن أبي هريرة.
ويقال: سهم "طائش" وهو الذي يجاوز الهدف كالجائز إلا أن الجائز ما عرف مكان وقوعه، والطائش ما لم يعرف مكان وقوعه، والطائش محسوب عليه في الخطأ كالجائز.
ويقال: سهم "غائر" وهو المصيب الذي لا يعرف راميه، فلا يحتسب به لواحد من
الجزء: 4 - الصفحة: 300
(الراميين) للجهل به.
ويقال: سهم "خاطف" وهو المرتفع، في الهواء ثم يخطف نازلاً، فإن أخطأ به كان محسوباً عليه؛ لأنه من سواء رميه، وإن أصاب به، ففي الاحتساب به وجهان:
أحدهما: يحتسب به من إصابته لحصوله برميه.
والثاني: لا يحتسب به من الإصابة لأن تأثير الرمي في إيقاع السهم فأما سقوطه فلثقله، فصار مصيباً بغير فعله، فعلى هذا هل يحتسب من خطئه أم لا؟ على وجهين:
أحدها: يحتسب به من خطئه لأنه إذا لم يكن مصيباً كان مخطئاً.
والثاني: لا يحتسب به من الخطأ؛ لأن ما أخطأ، وأسوأ أحواله إن لم يكن مصيباً أن لا يكون مخطئاً.
والصحيح عند من ذلك: أن ينظر نزول السهم خطأ بعد ارتفاعه، فإن انحط فاتراً لحدة لا يقطع مسافة احتسب عليه خاطئاً، وإن نزل في بقية حدته جارياً في قطع مسافته احتسب له صائباً، لأن الرمي بالفتور منقطع وبالعدة مندفع.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا كان رميهما مبادرة فبلغ تسعة عشر من عشرين رمى صاحبه بالسهم الذي يراسله ثم رمى البادئ فإن أصاب سهمه ذلك فلج عليه وإن لم يرم الآخر بالسهم لأن المبادرة أن يفوت أحدهما الآخر وليس كالمحاطة.
قال المزني رحمه الله: هذا عندي لا ينضله حتى يرمي صاحبه بمثله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الرمي ضربان: محاطة، ومبادرة.
وقد مضت المحاطة، وهذه المبادرة، وصورتها: أن يتناضلا على إصابة عشرة من ثلاثين مبادرة، فيكون الرشق ثلاثين سهماً، والإصابة المشروطة منها عشرة أسهم، فأيهما يدر إلى إصابتها في أقل العددين فيه فضل، وسقط رمي الرشق وان تكافآ في الإصابة من عدد متساو سقط رمي الثاني وليس منهما فاضل.
وبيانه أن يصيب أحدهما عشرة من عشرين، ويصيب الأخر تسعة من عشرين، فيكون الأول ناضلاً، لأنه استكمل إصابة عشرة من عشرين، وقد رماها الثاني فنقص منها، ولا يرميان بقية الرشق لحصول النضل، فلو أصاب كل واحد منهما عشرة من عشرين لم يكن فيهما ناضل ولا منضول، وسقط رمي الباقي من الرشق، لأن زيادة الإصابة فيه مقيدة لنضل، ولو أصاب أحدهما خمسة من عشرين وأصاب الأخر تسعة من عشرين، فالنضال بحاله، لأن عدد الإصابة لم يستوف فيرميان من بقية الرشق ما يكمل به إصابة أحدهما عشرة، فإن رمى الأول سهماً فأصاب فقد فلج على الثاني، وفضل وسقط
الجزء: 4 - الصفحة: 301
رمي الثاني، ولو رمى الأول خمسة، فأخطأ في جميعها ورمى الثاني خمسة فأصاب في جميعها صار الثاني ناضلاً وسقط رمي الثاني في الرشق لأن الأول أصاب تسعة من خمس وعشرين وأصاب الثاني عشرة من خمسة وعشرين ثم على هذه العبرة.
فأما مسألة الكتاب فصورتها أن يتناضلا عن إصابة عشرة من ثلاثين مبادرة فيصيب البادئ منهما تسعة من تسعة عشر، ويصيب الآخر المبدأ ثمانية من تسعة عشر، ثم رمى البادئ سهماً آخر يستكمل به العشرين فيصيب، فيصير به ناضلاً ويمنع الآخر المبدأ من رمي السهم الأخر الذي رماه الثاني؛ لأنه لا يستفيد به نضالاً ولا مساواة لأن الباقي له من العشرين سهم واحد وعليه إصابتان، ولو رمى فأصابه بقيت عليه إصابة يكون بها منضولاً، فلم يكن لرميه معنى يستحقه بالعقد فلذلك منع منه، ولو كان كل واحد منهما قد أصاب تسعة من تسعة عشر ثم رمى البادئ وأصاب كان للمبدأ أن يرمي لجواز أن يصيب فيكافئ.
فأما المزني فظن أن الشافعي منع المبدأ أن يرمي بالسهم الباقي في هذه المسألة فتكلم عليه، وليس كما ظن، بل أراد منعه في المسألة المتقدمة للتعليل المذكور.
فصل:
فأما الجواب فهو نوع من أنواع الرمي، وهم فيه أبو حامد الإسفراييني، فجعله صفة من صفات السهم، وسماه حوابي بإثبات الباء فيه، وفسره بأنه السهم الواقع دون الهدف، ثم يحبو إليه حتى يتصل به مأخوذ من حبو الصبي، وهذا نوع من المرمى المزدلف يفترقان في الاسم المزدلف أحد والجابي أضعف، ويستويان في الحكم على ما سيأتي، والذي قاله سائر أصحابنا أن الحواب نوع من الرمي وأن أنواع الرمي ثلاثة: المحاطة - والمبادرة - والحواب.
وقد ذكرنا المحاطة والمبادرة.
فأما الحواب فهو أن يحتسب بالإصابة في الشن والهدف ويسقط الأقرب إلى الشن ما هو أبعد من الشن وان أصاب أحدهما الهدف على شبر من الشن فاحتسب له ثم أصاب الآخر الهدف على فتر من الشن احتسب له وأسقط إصابة الشن لأنها أبعد، ولو أصاب أحدها خارج الشن واحتسب به، وأصاب الأخر في الشن احتسب به، وأسقط إصابة خارج الشن.
ولو أصاب أحدهما الشن فاحتسب به، وأصاب الآخر الدارة التي في الشن احتسب به وأسقط إصابة الشن، ولو أصاب أحدهما الدارة التي في الشن فاحتسب به وأصاب الآخر العظم الذي في دارة الشن احتسب وأسقط إصابة الدارة فيكون كل قريب مسقطاً لما هو أبعد منه، فهذا نوع من الرمي ذكره الشافعي في كتاب الأم وذكر مذاهب الرماة فيه، وفرع عليه، ولم يذكره المزني، إما لاختصاره، وإما لأنه غير موافق لرأيه
الجزء: 4 - الصفحة: 302
لضيفه وكثره حظره، لأنه يسقط الإصابة بعد إثباتها، والمذهب جوازه لأمرين:
أحدهما: أنه نوع معهود في الرمي، فأشبه المحاطة والمبادرة.
والثاني: أنه أبعث على معاطاة الحذق فصحّ.
وذلك في جواز النضال على إصابة الحواب، وكان عقدهما على إصابة خمسة من عشرين فلهما إذا تناضلا ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقصرا على عدد الإصابة.
والثاني: أن يستوفيا عدد الإصابة.
والثالث: أن يستوفيهما أحدهما، ويقصر عنها الآخر.
فأما الحال الأول: وهو أن يقصر كل واحد منهما عدد الإصابة فيصيب أقل من خمسة، فقد ارتفع حكم العقد بنقصان الإصابة من العدد المشروط من غير أن يكون فيها ناضل ولا منضول، ولا اعتبار بالقرب والبعد مع نقصان العدد.
وأما الحال الثانية: وهي أن يستوفيا معاً عدد الإصابة، فيصيب كل واحد منهما خمسة فصاعداً، فيعتبر حينئذ حال القرب والبعد، فإنهما لا يخلوان فيهما من أربعة أقسام:
أحدها: أن تكون الإصابات في الهدف، وقد تساوت في القرب من الشن، وليست بعضها بأقرب إليه من بعض، فقد تكافأ وليس فيهما ناضل ولا منضول، وهكذا لو تقدم لكل واحد منهما سهم كان أقرب إلى الشن من باقي سهامه، وتساوى السهمان المتقدمان في القرب من الشن كانا سواءلاً ناضل فيهما ولا منضول، فإن تقدم لإحداهما سهم وللآخر سهمان وتساوت السهام الثلاثة في قربها من الشن ففيه وجهان:
أحدهما: أنه المتقرب بسهمين ناضل للمقترب، لفضله في العدد.
والثاني: أنهما سواء لا ناضل فيهما ولا منضول، لأن نضال الحواب موضوع على القرب دون زيادة العدد.
والقسم الثاني: أن تكون سهام أحدهما أقرب إلى الشن من سهام الآخر، فأقربهما إلى الشن هو الناضل، وأبعدهما من الشن هو المنضول.
وهكذا لو تقدم لأحدهما سهم واحد، فكان أقرب إلى الشن من جميع سهام الآخر أسقطت به سهام صاحبه ولم يسقط به سهام نفسه، وكان هو الناضل بسهمه الأقرب.
والقسم الثالث: أن تكون سهام أحدهما في الهدف، وسهام الآخر في الشن، فيكون المصيب في الشن هو الناضل، والمصيب في الهدف منضول.
وهكذا لو كان لأحدهما سهم واحد في الشن وجميع سهام الآخر خارجة الشن كان المصيب في الشن هو الناضل بسهمه الواحد وقد أسقط به سهام صاحبه، ولم يسقط له سهام نفسه، وإن كانت أبعد إلى الشن من سهام صاحبه.
والقسم الرابع: أن تكون سهامهما جميعاً صائبة في الشن لكن سهام أحدهما أو بعضهما في الشن الدارة، وسهام الآخر خارج الدارة، وان كانت جميعها في الشن ففيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 303
أحدهما: وقد حكاه الشافعي عن بعض الرماة أن المصيب في الدارة ناضل، والمصيب خارج الدارة منضول؛ لأنه قطب الإصابة.
والثاني: وإليه أشار الشافعي في اختياره أنهما سواء، وليس منهما ناضل ولا منضول، لأن جميع الشن محل الإصابة.
وأما الحال الثالثة: وهو أن يستوفي أحدهما إصابة الخمس ويقصر الأخر عنهما، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مستوفي الإصابة أقرب سهاماً إلى الشن أو مساوياً صاحبه، فيكون: ناضلاً، والمقصر منضولاً.
والثاني: أن يكون المقصر في الإصابة أقرب سهاماً من المستوفي لها، فليس فيها ناضل ولا منضول، لأن المستوفي قد سقطت سهامه لبعدها، والمقصر قد سقطت سهامه بنقصانها - والله أعلم _.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإذا تشارطا الخواسق لم يحسب خاسفاً حتى يخزق الجلد بنصله ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنواع الرمي من قارع، وخازق، وخاسق، وأنه يطلق على جميعها اسم الخواصل.
فالقارع ما أصاب الشن ولم يؤثر فيه، والخارق ما أثر فيه ولم يثبت، والخاسق ما ثقب الشن وثبت فيه.
ويحملان في الإصابة على ما شرطاها فإذا شرطا فيهما الخواسق، فإذا خرق الشن وثبت فيه كان خاسقاً محسوباً، وسواء طال ثبوته أو قصر لأن الاعتبار بوجود الثبوت لا بدوامه، وإن ثقب ولم يثبت فيه، فالمذهب المنصوص عليه أنه غير محسوب؟؛ لأن اسم الخسق، لا ينطق عليه لعدم صفته فيه، وخرج بعض أصحابنا فيه قولاً آخر: إنه محسوب له، لأن سقوطه بعد الثقب يحتمل أن يكون لضعف الشن أو لسعة الثقب، فاقتضى أن يكون محسوباً لوجود الثقب الذي هو ألزم الصفتين، وهذا ليس بصحيح، لأنه يصير الخاسق مساوياً للخازق واختلاف اسمهما يوجب اختلاف حكمهما.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو تشارطا المصيب فمن أصاب الشن ولم يخرقه حسب له لأنه مصيب".
الجزء: 4 - الصفحة: 304
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا تشارطا الإصابة احتسب كل مصيب من قارع، وخازق، وخاسق، لأن جميعها تصيب، وهكذا لو تشارطا الإصابة قرعاً احتسب بالقارع وبالخازق وبالخاسق لأنه زيادة على القرع ولو تشارطا الخواصل احتسب بكل مصيب؛ لأن إصابة الخواصل تشتمل على كل مصيب من قارع، وخارق، وخاسق.
فأما الخواصل، فهو ما أصاب جانب الشن، فإن شرطاه في الرمي لم يحتسب الآن، وان لم يشترطاه احتسب له مع كل مصيب في الشن إذا كانت الإصابة مشروطة في الشن.
فصل:
ولا يجوز أن يتناضلا على أن تكون إصابة أحدهما قرعاً، وإصابة الآخر خسقاً حتى يتكافأ في الإصابة قرعاً أو خسقاً؛ لأن المقصود بالعقد معرفة أحذقهما بالرمي، كما لا يجوز أن يتناضلا على أن تكون إصابة أحدهما خمسة من عشرين وإصابة الآخر عشرة من عشرين، لما فيه من التناضل الذي لايعلم به الأحذق.
فصل:
ولو تشارطا الإصابة قرعاً على أن يحتسب بخاسق كل واحد منهما قارعين ويعتد به إصابتين كان هذا جائزاً لتكافئهما فيه، لتكون زيادة اصفة مقابلاً لزيادة العدد فعلى هذا لو شرط إصابة عشرة من عشرين على هذا الحكم، فأصاب أحدهما تسعة قرعاً وأصاب الآخر قارعين، وأربعة خواسق، فقد نضل مع قلة إصابته، لأنه قد استكمل بمضاعفة الخواسق الأربعة مع القارعين إصابة عشرة نقص الآخر عنهما بإصابة واحد فصار بها منضولاً.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا اشترطا الخواسق والشن ملصق بالهدف فأصاب ثم رجع فزعم الرامي أنه خسقَ ثم رجع لغلظ لقيهُ من حصاة وغيرها وزعم المصاب عليه أنه لم يخسق وإنه انما قرع ثم رجع فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم بينة فيوخد بها".
قال في الحاوي: اشتراط الخسق إنما يكون في إصابة الشن دون الهدف، وقد ذكرنا أن الشن هو جلد ينصب في الهدف تم أطرافه بأوتار أو خيوط تشد في أوتاد منصوبة في الهدف المبني، وربما كان ملصقا بحائط الهدف أو ربما كان بعيداً منه بنحو من شر أو ذراع، وهو أبعد ما ينصب، وخسق الشن إذا كان بعيداً من الهدف أوضح منه إذا كان ملصقا به.
الجزء: 4 - الصفحة: 305
فإذا رمى والشن ملصق بالهدف، فأصاب الشن ثم سقط بالإصابة خسق، فزعم الرامي أنها خسق ولقي غلظاً في الهدف من حصاة أو نواة، فرجع وهو خاسق وزعم المرمي عليه أنه قرع فسقط، ولم يخسقء فلهما ثلاثة أحوال:
أحدهما: أنه يعلم صدق الرامي في قوله، وذلك بأن يعرف موضع خسقه، ويرى الغلظ من ورائه، فيكون القول قوله مع يمين، لأن الحال شاهدة بصدقه.
والحال الثانية: أن يعلم صدق المرمي عليه في إنكاره إما بأن لا يرى في الشن خسقاً، وإما بأن لا يرى في الهدف غلظاً فالقول قوله، ولا يمين عليه؛ لأن الحال شاهدة بصدقه.
والحال الثالثه: أن يحتمل صدق المدعي وصدق المنكر؛ لأن في الشن خواسق وفي الهدف غلظ وقد أشكلت الإصابة هل كانت في مقابلة الغلظ أم لا؟ فإن كانت بينة حمل عليها، وان عدمت البينة، فالقول قول المنكر مع يمينه، ولا يحتسب به مصيباً وفي الاحتساب به مخطئاً وجهان:
أحدهما: يحتسب به في الخطأ إذا لم يحتسب به في الإصابة لوقوف الرامي بين صواب وخطأ.
والثاني: لا يحتسب به في الإصابة، لأن الإصابة لا يحتسب بها إلا مع اليقين، وكذلك لا يحتسب بالخطأ إلا مع اليقين، فإن نكل المنكر عن اليمين أحلف الرامي المدعي، فإذا حلف احتسب بإصابته.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن كان الشن بالياً فأصاب موضع الخرق فغاب في الهدف فهو مصيب".
قال في الحاوي: وهذا معتبر بالشن والهدف، ولهما ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون الهدف أشد من الشن، لأنه مبني قد قوي واشتد، فإذا وصل السهم إليه من ثقب في الشن ثبت في الهدف الذي هو أقوى من الشن كان ثبوته في الشن الأضعف أجدر وهو الذي أراده الشافعي، فيحتسب به خاسقاً.
والحال الثانية: أن يكون الشن أقوى من الهدف وأشد، لأنه جلد متين، والهدف تراب ثائر أو طين لين، فلا يحتسب به مصيباً، ولا مخطئاً، أما الإصابة فلجواز أن لا يخسق الشن، وأما الخطأ فلعدم ما خسق مح بلى الشن.
والحالة الثالثة: أن يتساوى الشن والهدف في القوة والضعف، فلا يحتسب به مخطئاً.
وفي الاحتساب به مصيباً وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 306
أحدها: يحتسب من إصابة الخسق؛ لأن ثبوته في الهدف قائم مقام ثبوته في الشن عند تساويهما.
والثاني: لا يحتسب في إصابة الخسق، ويحتسب في إصابة القرع على الأحوال كلها.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أصاب طرفه الشن فخرقه ففيها قولان: أحدهما أنه لا يحتسب له خاسقاً إلا أن يكون بقى عليه من الشن طعنه أو خيط أو جلد أو شيء من الشن يحيط بالسهم ويسمى بذلك خاسقاً ´وقليل ثبوته وكثيره سواء.
وقال: ولا يعرف الناس إذا وجهوا بأن يقال خاسق إلا ما أحاط به المخسوق فيه.
ويقال للآخر خارم لا خاسق والقول الآخر أن يكون الخاسق قد يقع بالإسم على ما أوهن الصحيح فخرقه فإذا خرق منه شيئاً أو كثر ببعض النصل سمي خاسقاً لأن الخسق الثقب وهذا قد ثقب وإن خرق.
قال: وإذا وقع في خرق وثبت في الهدف كان خاسقاً والشن أضعف من الهدف".
قال في الحاوي: إذا خرم السهم الشن في إصابة الخواسق، والخارم هو أن يقع في حاشية الشن فيخرمها ويثبت، فإن بقي من توابع الشن ما يحيط بدائر السهم من طفية أو خيط، والطفية خوص المقل يدار في حاشية الشن بالحجاز، فإن كانت الطفية باقية بخيط بدائر السهم الخارم كان خاسقاً، لأن الطفية فيه من جملته وان لم يتبق مع الخرم شيء من حاشية الشن، وحصل ما خرج من دائر الهم مكشوفاً فلا يخلو موضع السهم من أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون غير خارج عن دائر الشن وحاشيته، وإنما سقط حاشية الشن بضعفه، فهذا يحتسب به خاسقاً، وإن خرم، لأن خرمه لضعف الشن لا لموقع السهم.
والثاني: أن يكون خروجه لوقوع السهم في الحاشية، ويدخل بعض دائر السهم في الشن، ويخرج بعض دائره في الشن، ففي الاعتداد به خاسقاً قولان:
أحدهما: لا يعتد به خاسقاً لأمرين:
أحدهما: أن اختصاصه باسم الخرم قد زال عند حكم الخسق، لأن الخسق ما أحاط بالمخسوق، واختلاف الأسماء يغير الأحكام.
والثاني: أنه قد صار بعض السهم واقعاً في الشن، وبعضه خارجاً من الشن.
والثاني: أن يعتد به خاسقأ لأمرين:
أحدهما: أن الخرم زيادة على الخسق لأن كل خارم خاسق، وليس كل خاسق خارماً.
الجزء: 4 - الصفحة: 307
والثاني: أن مقصود الخسق من الثقب، والثبوت موجود فيه، والأول أصح، فإن جعل خاسقاً كان مصيبأ، وإن لم يجعل خاسقأ لم يكن مصيبأ في الاحتاب به مخطثأ وجهان على ما ذكرنا.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو كان الشن منصوباً فمرق منه كان عندي خاسقاً ومن الماة من لا يحسبه إذا لم يثبت فيه".
قال في الحاوي: أما السهم المارق، فهو أن ينفذ في الشن، وهو منصوب فوق الهدف ويخرج منه، فيقع وراء الهدف، فيحتسب له في الرقاع.
فأما في الخاسق ففي الاحتساب به قولان:
أحدهما: وهو منصوص الشافعي أنه لا يحتسب به خاسقاً اعتباراً بالمعنى، وأنه زائد على الخسق، فيؤخذ فيه معنى الخسق.
والثاني: حكاه الشافعي عن بعض الرماة أنه لا يحتسب به خاسقاً، اعتباراً بالاسم، لأنه يسمى مارقاً ولا يسمى خاسقاً، فمن أصحابنا من أثبت هذا القول للشافعي، ومنهم من نفاه عنه: لأنه أضافه إلى غيره، ولا يكون مخطئاً وإن لم يحتسب خاسقاً لا يختلف فيه أصحابنا وأما السهم المزدلف: فهو أن يقع على الأرض ثم يزدلف منها بحموته وحدّته، فيصير في الهدف ففي الاحتساب به مصيباً قولان:
أحدهما: يحتسب به مصيباً؛ لأنه بحدة الرمي أصاب.
والثاني: ليس بمصيب، لخروجه من الرامي إلى غير الهدف، وانما أعادته الأرض حين ازدلف عنها في الهدف.
وقال أبو إسحاق المروزي: ومن أصحابنا من لم يخرج المزدلف على قولين، وحمله على اختلاف حالين باعتبار حاله عنا ملاقاة الأرض، فإن ضعفت حموته بعد ازدلافه، ولانت كان محسوبأ في الإصابة، وإن قويت، وصار بعد ازدلافه أحد لم يحتسب به مصيباً، ويجوز أن يتناضلا على مروق السهم، ولا يجوز أن يتناضلا على ازدلافه: لأن مروق السهم من فعل الرامي، وازدلافه من تأثير الأرض، فعلى هذا في الاحتساب به مخطئاً إذا لم يحتسب به مصيباً وجهان:
أحدهما: يكون مخطئاً لأنه من سوء الرمي.
والثاني: لا يكون مخطئاً ما أصاب، ويسقط الاعتداد به مصيباً ومخطئاً، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 308
مسألة:
قال الشافعي: "فإن أصاب بالقدح لم يحسب إلا ما أصاب بالنصل".
قال في الحاوي: أما قدح السهم فهو خشبته المريشة، واختلف فيما يسمى به منها فقال بعضهم: هو اسم لجميع الخشبة.
وقال آخرون: هو اسم يختص بموضع الوتر منه، فيسمى فوق السهم، وهو الجزء الذي يدخل فيه الوتر.
وأما النصل فهو الطرف الأخر من السهم، واختلف فيما يسمى منه نصلاً، فقال بعضهم: هو اسم للحديد المسمى زجاً، ومنهم من قال: هو اسم لطرف الخشبة التي يوضع فيها الزج من الحديا، والإصابة إنما تكون بالنصل لا بالقدح.
فإذا أصاب بغير النصل لم يحتسب به مصيباً، ونظر فيما أصاب به من السهم، فإن أصاب بعرض السهم، احتسب به مخطئاً لأنه منسوب إلى سوء رميه، وان أصاب بقدح سهمه، ففي الاحتساب به مخطئاً وجهان تعليلاً بما قدمناه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أرسله مفارقاً للشن فهبت ريح فصرفته أو مقصرا فأسرعت به فأصاب حسب مصيباً ولا حكم للريح".
قال في الحاوي: اعلم أن للريح تأثيراً من تغيير السهم عن جهته، وحذاق الرماة يعرفون مخرج السهم عن القوس هل هو مصيب أو مخطى،، فإذا خرج السهم، فغيرته الريح، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخرج مفارقاً للشن، فتعدل به الريح إلى الشن فيصيب أو يكون مقصراً عن الهدف، فتعينه الريح حق ينبعث، فيصيب، فتعتبر حال الريح، فإن كانت ضعيفة كان محسوباً في الإصابة؛ لأننا على يقين من تأثير الرمي، وفي شك من تأثير الريح، وإن كانت الريح قوية نظر، فإن كانت موجودة عند إرسال السهم كان محسوباً في الإصابة، لأنه قد اجتهد في التحرز من تأثير الريح بتحريف سهمه، فأصاب باجتهاده ورميه، وان حدثت الريح بعد إرسال السهم، ففي الاحتساب به وجهان تخريجاً من اختلاف قوليه في الاحتساب بإصابة المزدلف:
أحدهما: يحتسب به مصيباً إذا احتسب إصابة المزدلف.
والثاني: لا يحتسب مصيباً، ولا مخطئاً إذا لم يحتسب بإصابة المزدلف.
والثالث: أن يخرج السهم موافقاً للهدف، فتعدل به الريح حتى يخرج عن الهدف فيعتبر حال الريح، فإن كانت طارئة بعد خروج السهم عن القوس ألغي السهم، ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 309
يحتسب به في الخطأ، لأن التحرز من حدوث الريح غير ممكن، فلم ينسب إلى سوء الرمي، وإن كانت الريح موجودة عند خروج السهم نظر فيها، فإن كانت قوية لم يحتسب به في الخطأ؛ لأنه أخطأ في اجتهاده الذي يتحرز به من الريح، ولم يخطئ من سوء الرمي، وإن كانت الريح ضعيفة، ففي الاحتساب به من الخطأ وجهان:
أحدهما: يكون خطأ؛ لأننا على يقين من تأثير الرمي، وفي شك من تأثير الريح.
والثاني: لا يكون محسوباً في الخطأ؛ لأن الريح تفسد صنيع المحسن، وإن قلت كما تفسده إذا كثرت.
فصل:
ولو هبت الريح فأزالت الشن عن موضعه إلى غيره لم يخل حال السهم بعد زوال الشن عن موضعه من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقع في غير الشن وفي غير موضعه الذي كان فيه، فيحتسب به مخطئاً؛ لأنه وقع في غير محل الإصابة قبل الريح وبعدها.
والحال الثانية: أن يقع في الموضع الذي كان فيه الشن في الهدف، فيحتسب مصيباً لوقوعه في محل الإصابة.
والحال الثالثة: أن يقع في الشن بعد زواله عن موضعه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يزول الشن عن موضعه بعد خروج السهم، فيحتسب به في الخطأ لوقوعه في غير محل الإصابة عند خروج السهم.
والثاني: أن يخرج السهم بعد زوال الشن عن موضعه، وعلم الرامي بزواله، فينظر في الموضع الذي صار فيه، فإن كان خارجاً من الهدف لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً لخروجه عن محل الصواب والخطأ، وإن كان مماثلاً لموضعه من الهدف احتسب به مصيباً لأنه قدر صار محلاً للإصابة.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو كان دون الشن شيء فهتكه السهم ثم مر بحموته حتى يصيب كان مصيباً ولو أصاب الشن ثم سقط بعد ثبوته حسب وهذا كنزع إنسان إياه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا اعترض بين السهم والهدف حائل من بهيمة أو إنسان، فإن امتنع به السهم من الوصول إلى الهدف لم يحتسب في صواب ولا خطأ، وإن نفذ في الحائل حتى مرق منه، وأصاب الهدف كان مصيباً، ولو نقض الحائل السهم حتى عدل بالنقض إلى الهدف لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً؛ لأنه بالنقض أصاب لا بالرمي كمن رمى الجمرة بحصاة فوقعت على إنسان، فنقضها حتى وقعت في الجمرة لم يحتسب
الجزء: 4 - الصفحة: 310
بها، ولو أصاب السهم الحائل ثم اندفع بحمومته 0 فأصاب فهذا مزذلف وفي الاحتساب به في الإصابة قولان.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يناضل أهل النشاب أهل العربيه وأهل الحسبان لأن كلها نصل وكذلك القسي الدودانية والهندية وكل قوس يرمى عنها بسهم ذي نصل".
قال في الحاوي: أنواع القسي تختلف باختلاف أنواع الناس، فللعرب قسي وسهام، وللعجم قسي وسهام، وقيل: إن أول من صنع القسي العربية إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وأول من صنع القسي الفارسية النمروذ بن كنعان، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب القوس العربية، ويأمر بها، ويكره القوس الفارسية، وينهى عنها، ورأى رجلاً يحمل قوساً فارسية فقال: "ملعون حاملها، عليكم بالقسي العربية وسهامها فإنه سيفتح عليكم بها" وليس هذا منه محمولاً على الحظر المانع، وفي تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: ليحفظ به آثار العرب، ولا يعدل الناس عنها رغبة في غيره فعلى هذا يكون الندب إلى تفضيل القوس العربية باقياً.
والثاني: أنه أمر بها لتكون شعار المسلمين حتى لا يتشبهوا بأهل الحرب من المشركين فيقتلوا، فعلى هذا يكون الندب إلى تفضيلها مرتفعاً لأنها قد فشت في عامة المسلمين.
والثالث: ما قاله عطاء أنه لعن من قاتل المسلمين بها، فعلى هذا لا يكون ذلك ندبا إلى تفضيل العربية عليها، ويكون نهياً عن قتال المسلمين بها وبغيرها، وخصها باللعن، لأنها كانت أنكأ في المسلمين من غيرها، وقد رضي عنها الصحابة والتابعون في قتال المشركين، وإن كان الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوسه لمن قوي رميه عنها أحب إلينا، فإن كان بالفارسية أرمى كانت به أولى، ويكون الندب منها إلى ما هو به أرمي، فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حال المتناضلين في عقد نضالها من خمسة أحوال:
أحدهما: أن يشترطا فيه الرمي عن القوس العربية، فعليهما أن يتناضلا بالعربية وليس لواحد منهما أن يعدل عنها إلى الفارسية؛ لأجل الشرط، فإن تراضيا معاً على العدول عن العربية إلى الفارسية جاز، لأن موجب الشرط أن يلتزمه كل واحد منهما في حق صاحبه دون غيره.
والحال الثانية: أن يشترطا فيه الرمي عن القوس الفارسية، فعليهما أن يتناضلا بالفارسية وليس لواحد منهما أن يعدل عنها إلى العربية، فإن تراضيا معاً بالعدول إليها جاز.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
والحال الثالثة: أن يشترطا أن يرمي أحدهما عن القوس العربية، ويرمي الآخر عن القوس الفارسية، فهذا جائز، وإن اختلفت قوساهما؛ لأن مقصود الرمي حذق الرامي والآلة تبع ومثله في السبق إذا شرط أحدهما أن يتسابق على فرس، والآخر على بغل لا يجوز، وإن سوى أبو إسحاق المروزي بينهما في الجواز؛ لأن المقصود في السبق المركوبان والراكبان تبع، فلزم التساوي فيه، ولم يلزم التساوي في آلة الرمي، فعلى هذا ليس لواحد منهما أن يعدل عن الشرط في قوسه وان ساوى فيهما صاحبه لأجل شرطه، فإن راضاه عليها جاز.
والحال الرابعة: أن يشترطا أن يرمي كل واحد منهما عما شاء من قوس عربية أو فارسية فيجوز لكل واحد منهما أن يرمي عن أي القوسين شاء قبل الشروع في الرمي وبعده، فإن أراد أحدهما منع صاحبه من خياره، لم يجز سواء تماثلا فيها أو اختلفا.
والحال الخامسة: أن يطلقا العقد من غير شرط، فإن كان للرماة عرف في أحد القوسين حمل عليه، وجرى في العرف في العقد المطلق مجرى الشرط في العقد المقيد، وإن لم يكن للرماة فيه عرف معهود فهما بالخيار فيما اتفقا عليه من أحد القوسين إذا كانا فيها متساويين؛ لأن مطلق العقد يوجب التكافؤ وإن اختلفا لم يقرع بينهما؛ لأنه أصل في العقد، وقيل لهما: إن اتفقتما وإلا فسخ العقد بينكما.
فأما القوس "الدودانية" فهي القوس التي لها مجرى يمر السهم فيه، ومنها قوس الرجل، وإن كان أغلبها قوس اليد، فيجوز أن يناضل بعضهم بعضاً إذا اتفقوا ولا يجوز أن يتناضل الرجلان أحدهما قائم، والأخر جالس إلا عن تراض، فيلزم تساويهما في القيام والجلوس، فإن اختلفا اعتبر فيه الأغلب من عرف الرماة، ولا يجوز أن يناضل أهل الشاب أصحاب الجلاهق؛ لاختلاف الصفة فيها، وأنه ليس الحذف بأحدهما حذفاً بالآخر.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز أن ينتضل رجلان وفي يدي أحدهما من النبل أكثر مما في يدي الآخر".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها: يريد أنه لا يجوز أن يتناضلا على أن يصيب أحدهما عشرة من عشرين، ويصيب الآخر عشرة من ثلاثين، فيكون رشق أحدهما أكثر من رشق الآخر، ويكون معنى قوله: "في يد أحدهما" أي في حق أحدهما، وإنما لم يجز التفاضل في عدد الرشق الذي يجب فيه التماثل؛ لأنه إن نضل، فللكثرة رميه لا بحسب صنعه.
الجزء: 4 - الصفحة: 312
والثاني: لا يتناضلا على أن يصيب أحدهما خمسة من عشرين، ويصيب الآخر عشرة من عشرين، فلا يجوز لما ذكرنا من التعليل بالتفاضل فيما يوجب التماثل وأنه إن نضله فلقلة إصابته لا بحسن منيعه.
والثالث: أن من عادة حذاق الرماة إذا رموا أن يأخذوا في اليد اليمين بين الخنصر والسبابة سهماً أو سهمين معداً للرمي، فأراد الشافعي بهذا أن لا يجوز أن يتناضلا على أن يكون في يد أحدهما إذا رمى سهم واحد وفي يد الآخر سهمان؛ لأن كثرة السهام في اليد مؤثر في قلة الإصابة؛ لأنه إن نضل فلقلة المانع من إصابته لا بحسن صنيعه، ويكون المراد باليد الكف ذات الأصابع.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا على أن يحسب خاسقه خاسقين والآخر خاسق".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن عقد النضال يوجب التساوي، فإذا وقع فيه التفاضل بأن يكون خاسق أحدهما خاسقين، وخاسق الآخر خاسقاً واحداً بطل به العقد لدخول التفاضل فيه، وأنه نضل فلمضاعفة خواسقه لا بحسن صنيعه.
ولو شرطا في القرع أن يكون خاسق كل واحد منهما قارعين جاز؛ لأنهما قد تساويا في مضاعفة خواسقهما.
مسألة:
قال الشافعي:"ولا على أن لأحدهما ثابتاً لم يرم به وبحسب له مع خواسقه ولا على أن يطرح من خواسقه خاسقاً ولا على أن خاسق أحدهما خاسقان".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأن من احتسب له بخاسق لم يصبه يصير مفضلا به على صاحبه، فإن نضل، فلتفضيله لا بحسن صنيعه، ومن أسقط له خاسق قد أصابه يصير به مفضولاً إن نضل فلحط إصابته لا لسوء صنيعه، فيكون العقد باطلاً على الأمرين؛ لعدم التساوي بين المتفاضلين.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا أن أحدهما يرمي من عرض والآخر من أقرب منه إلا في عرض واحد وعدد واحد".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأن موجب العقد يقتضي التساوي فيه، فإن وقع التفاضل فيه أفسده.
ومن التفاضل اختلاف الهدف في القرب والبعد، فيشترطا أن يرمي أحدهما من مائتي ذراع، ويرمي الآخر من أقل منهما، أو أكثر لم يجز للتفاضل، ولكن لو كانت قوس
الجزء: 4 - الصفحة: 313
أحدهما عربية يصيب من مائة ذراع، وقوس الآخر فارسية يصيب من مائتي ذراع فشرطا هذا التفاضل لاختلاف القوسين، لم يخل حالهما من أمرين:
أحدهما: أن يشترطا الخيار في كل واحد من القوسين فيجوز هذا التفاضل؛ لأن لكل واحد منهما أن يساوي صاحبه فيه إذا عدل إلى قوسه.
والثاني: أن يشترطا أحدهما بالعربية؛ ولا تعدل عنها، ويرمي الآخر بالفارسية، ولا يعدل عنها، فيمنع هذا التفاضل من جواز التناضل؛ لأنه لا يقدر كل واحد منهما أن يساوي صاحبه فيه.
ومن التفاضل المانع أن يكون ارتفاع الشن في رمي أحدهما ذراعاً، وارتفاعه في رمي الآخر باعاً، فلا يصح العقد.
ومن التفاضل المانع أن تكون إصابة أحدهما في الشن وإصابة الآخر في الدارة التي في الشن، فلا يصح العقد فإن كان ذلك لاختلاف القوسين، فعلى ما قدمناه من خيارهما في الأمرين.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا على أن يرمي بقوس أو نبل بأعيانها إن تغيرت لم يبدلها".
قال في الحاوي: قد مضى فرق ما بين السبق والرمي بأن المقصود فراهة القوسين من السبق، والمقصود من الرمي حذق الراميين، فصار الفرس في السبق أصلاً، والراكب تبعاً، فلزم تعيين الفرس، ولم يلزم تعيين الراكب، وصار الرامي في النضال أصلاً والقوس تبعاً فلزم تعيين الرامي لم يلزم تعيين القوس، فإن أسقط تعيين ما يلزم تعيينه من القوس في السبق والرامي في النضال بطل العقد، وإن عين ما لم يلزم تعيينه من الراكب في السبق أن لا يركب غيره، والقوس في النضال أن لا يرمي عن غيرها، لم يتعين اعتباراً بحكم أصله، ونظر في التعيين، فإن خرج مخرج الشرط الذي حمل عليه العقد، فقال: على أن لا يركب إلا هذا الفارس، وعلى أن لا يرمي إلا عن هذه القوس بطل العقد في السبق والنضال؛ لأنه صار معقوداً على شرط غير لازم، وان خرج مخرج المذكور في العقد، فقال: ويركب هذا الفارس، ويرمي عن هذه القوس كان العقد في السبق والنضال جائزاً وله أن يبدل الراكب بغيره إذا كان في مثله ثقله لعلة ولغير علة، ويبدل القوس بغيرها إذا كانت من جنسها لعلة ولغير علة.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن الرماة من زعم أنهما إذا سميا قرعاً يستبقان إليه فصارا على السواء أو بينهما زيادة سهم كان للمسبق أن يزيد في عدد القرع ما شاء ومنهم من زعم
الجزء: 4 - الصفحة: 314
أنه ليس له أن يزيد في عدد القرع ما لم يكونا سواء ومنهم من زعم أنه ليس له أن يزيد بغير رضا المسبق.
قال المزني رحمه الله: وهذا أشبه بقوله كما لم يكن سبقهما في الخيل ولا في الرمي ولا في الابتداء إلا باجتماعهما على غاية واحدة فكذلك في القياس لا يجوز لأحدهما أن يزيد إلا باجتماعهما على زيادة واحدٍ وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: قد ذكرنا في لزوم عقد السبق والرمي قولين:
أحدهما: أنه لازم كالإجارة.
والثاني: أنه جائز وليس بلازم، كالجعالة، ويترتب عليها مسألتان:
أحدهما: في فسخ العقد، فان اجتمعا عليه صح، وهل الفسخ إقالة مراضاة أو فسخ خيار على القولين:
أحدهما: يكون إقالة مراضاة إن قيل بلزومه كالإقالة في البيع والإجارة.
والثاني: فسخ خيار إن قيل بجوازه كالفسخ في القراض والجعالة.
وإن انفرد بأحدهما بالفسخ، فإن قيل بلزومه كالإجارة لم يكن له التفرد بالفسخ، وان قيل بجوازه كالجعالة، فإن كانا قبل الشروع، في العمل جاز له الفسخ، وان كان بعده وقبل الغلبة، فإن كانا متساويين ومتقاربين لاستوائهما في الإصابة أو فضل أحدهما على الآخر بسهم كان لكل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ، وهو فسخ خيار وليس بإقالة وان تفاضلا في الإصابة، وظهرت على أحدهما للآخر قبل تمامهما، فإن فسخ من ظهر أنه غالب جاز، وان فسخ من ظهر أنه مغلوب، ففي جوازه قولان:
أحدهما: يجوز لاستوائهما في خيار العقد.
والثاني: لا يجوز لئلا يضاع على الغالب ما يلوح من وجوب حقه.
وأما المسألة الثانية في زيادة الشرط، وهو أن يعقداه على إصابة عشرة من عشرين، فيجعل إصابة خمسة من عشرين أو يجعل إصابة عشرة من ثلاثين أو يعقداه على أن العوض فيه دينار، فيجعل أقل أو أكثر، فإن قيل بلزومه كالإجارة ولم يصح ذلك من أحدهما حتى يجتمعا على فسخ العقد، واستئناف عقد مستجد.
وان قيل بجوازه كالجعالة جاز أن ينفرد به أحدهما، لكن لا يصير الآخذ داخلاً فيه إلا أن يستأنف الرضا به، وقيل له: إن شئت أن تراميه على هذا، وإلا ملك خيارك.
فأما ما حكاه الشافعي عن الرماة من مذاهبهم، فقد اختلف أصحابنا فيما أراد به على وجهين:
أحدهما: أراد أن ما ذهب إليه من لزومه وجوازه وزيادته، ونقصانه، قد قاله غيره وتقدمه به.
الجزء: 4 - الصفحة: 315
والثاني: أنه أراد أن يبين أصح مذاهبهم عنده؛ ليعلم صحيحها وفاسدها.
وفي قول الشافعي: إذا سميا قرعاً يستبقان إليه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد بالقرع صحة الإصابة.
والثاني: أنه أراد به عدد الإصابة.
والثالث: أنه أراد به مال النضال.
وأما المزني: فإنه قال: كما لم يكن سباقهم في الخيل، ولا في الرمي في الابتداء إلا باجتماعهما على غاية واحدة، كذلك في القياس لا يجوز لأحدهما أن يزيد إلا باجتماعهما على زيادة واحدة فقد اختلف أصحابنا في مراد المزني بكلامه على وجهين:
أحدهما: أنه أراد اختيار أحد القولين في لزوم العقد دون جوازه فعلى هذا يكون مصيباً في اختياره، مخطئا في تعليله؛ لأن أظهر القولين لزومه، فصح اختياره، وعلل بأن ما لم ينعقد إلا باجتماع، لم ينفسخ إلا بالاجتماع وهذا تعليل فاسد، بالعقود الجائزة كلها من المضاربة والوكالة والجعالة لا تنعقد إلا باجتماعهما ويجوز أن ينفرد بالفسخ أحدهما.
والثاني: أنه أراد به إذا دعا أحدهما في المسألة الثانية إلى زيادة أو نقصان أنه لا يلزم صاحبه إلا باجتماعهما عليه، وهو موافق لقول الشافعي، فعلى هذا يكون مخطئاً في تأويله، مصيباً في تعليله؛ لأن الشافعي لم يوجب على كل واحد منهما إلا ما اجتمعا على الرضا به في القولين معاً.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز أن يقول أحدهما لصاحبه إن أصبت بهذا السهم فقد نضلتك إلا أن يجعل رجل له سبقاً إن أصاب به".
قال في الحاوي: وصورتها في عقد بين متناضلين على إصابة معلومة من رشق معلوم، كاشتراطهما إصابة عشرة من عشرين فيشرعان في الرمي، ويصيب كل واحد منهما بعقد إصابته على تساو أو تفاضل من قليل أو كثير، ثم يستثقلان إتمام الرمي، فيقول أحدهما لصاحبه هوذا أرمي بهذا السهم فإن أصبت به، فقد نضلتك وإن أخطأت به، فقد تضلتني فهذا باطل، لا يصير به ناضلاً إن أصاب، ولا منضولاً إن أخطأت.
ولبطلانه علتان:
إحداهما: أنه جعل الإصابة الواحدة قائمة مقام إصابات، فبطل وهذا قول ابن أبي هريرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 316
والثانية: أن يؤول إلى أن يصير من قلة إصابته ناضلاً ومن كثرة إصابته منضولاً، فإن تقاسما عقدهما، ثم قال أحدهما لصاحبه أو لغيره: ارم بسهمك هذا، فإن أصبت به، فلك درهم، جاز واستحق الدرهم، إن أصاب، ولجوازه علتان: إحداهما أنه قد أجابه إلى ما سأل، فالتزم له ما بذل، وهذا قول ابن أبي هريرة:
والثاني: أنه تحريض في طاعة فلزم البذل عليها كالمناضلة.
قال أبو إسحاق المروزي: وهذا بذل مال على عمل، وليس بنضال؛ لأن النضال لا يكون إلا بين اثنين، فأكثر.
فصل:
فإذا تناضل رجلان على إصابة عشرة من عشرين بعشرة دراهم فحضر ثالث فقال المخرج المال: أنا شريكك في الغنم والغرم، فإن نضلت فلي نصف العشرة وإن نضلك فعلى نصف العشرة كان باطلاً، وهكذا لو قال لكل واحد منهما: أنا شريكك في الغنم والفرم فهو باطل لعلتين:
إحداهما: أنه لم يدخل في عقدهما، فلم يجز أن يصير شريكاً لهما.
والثاني: أنه يصير آخذاً بغير عمل ومعطياً من غير بذل.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن قال: ارم عشرة أرشاق فإن كان صوابك أكثر فلك كذا لم يجز أن يناضل نفسه".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة على وجهين:
أحدهما: أن المزني حذف منها ما قد ذكره الشافعي في كتاب "الأم" فقال فيه: ولو قال له: ناضل نفسك، وارم عشرة أرشاق، فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك كذا لم يجز أن يناضل نفسه، فحذف المزني قوله: "ناضل نفسك" وأورد باقي كلامه وحكمه على هذه الصورة باطل باتفاق أصحابنا.
واختلفوا في تعليله، فقال أبو إسحاق المروزي: وهو الظاهر من تعليل الشافعي أنه جعله مناضلاً لنفسه، والنضال لا يكون إلا بين اثنين، فإن كثر، فاستحال نضال نفسه فبطل.
وقال آخرون: بل علة بطلانه أنه فاضل على خطئه بصوابه بقوله: إن كان صوابك أكثر من خطئك، والخطأة لا يناضل عليه، ولا به.
والثاني: أن المسألة مصورة على ما أورده المزني ها هنا، ولم يذكر فيه نضال نفسه، وقال له: ارم عشرة أرشاق، فعلى هذا يكون في صحته وجهان من اختلاف العلتين:
الجزء: 4 - الصفحة: 317
أحدهما: أنه صحيح، ويستحق ما جعل له التعليل الأول؛ لأنه بذل مال على عمل لم يناضل فيه نفسه.
والثاني: أنه باطل للتعليل الثاني أنه مناضل على خطئه وصوابه، ويتفرع على هاتين المسألتين ثالثة.
واختلف فيها أصحابنا بأيهما تلحق على وجهين، وهو أن يقول: ناضل وارم عشرة أرشاق فإن كان صوابك أكثر، فلك كذا فتوافق المسألة الأولى في قوله: ناضل وتوافق المسألة الثانية في حذف قوله: ناضل نفسك، وأحد الوجهين وهو قول أبي إسحاق المروزي إنهما في حكم المسألة الأولى في البطلان؛ لأجل قوله: ناضل والنضال لا يكون إلا بين اثنين فمار كقوله: ناضل نفسك.
والوجه الثاني: أنها في حكم المسألة الثانية في حمل صحتها على وجهين من اختلاف العلتين إذا سقط قوله: ناضل نفسك صار قوله: ناضل، يعني: ارم على نضال، والنضال المال، فصار كالابتداء بقوله: ارم عشرة أرشاق.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا رمى بهم فانكسر فإن أصاب بالنصل كان له خاسقاً وإن أصاب بالقدح لم يكن خاسقاً ولو انقطع باثنين فأصاب بهما جميعا حسب الذي فيه النصل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وقد تقدم معناه، فإذا انكسر السهم بعد خروجه عن القوس، فله خمسة أحوال:
أحدها: أن يسقط عادلاً عن الهدف، فلا يحتسب عليه في الخطأ؛ لأنه من فساد السهم، لا من سوء الرمي.
والحال الثانية: أن يصيب بعرض السهم، فيرد عليه، ولا يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً؛ لأنه أصاب بغير محل الإصابة.
والحال الثالثة: أن يصيب بكسر القدح دون النصل، فيرد، ولا يحتسب؛ لما ذكرناه.
والحال الرابعة: أن يصيب بكسر النصل، فينظر، فإن وقعت الإصابة من كسر النصل بالطرق الذي فيه حديدة النصل، احتسب به مصيباً لأنه أصاب بمحل الإصابة، وان أصاب منه بالطرف الآخر المتصل بقدح الفوق لم يحتسب به مصيباً، ولا مخطئاً، لأن أصاب بغير محل الإصابة.
والحال الخامسة: أن يصيب بالكسرين معاً، فلا يحتسب بكسر القدح، ويكون
الجزء: 4 - الصفحة: 318
الاحتساب بكسر النصل معتبراً بما ذكرنا إن كان بطرف الحديدة كان مصيباً؛ وإن كان بطرفه الآخر كان مردوداً.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن كان في الشن نبل فأصاب سهمه فوق سهم في الشن لم يحسب ورد عليه ورمى به لأنه عارض دون الشن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن فوق السهم هو الجزء الذي في طرفه لموقع الوتر، فإذا ثبت سهم في الشن، ثم رماه فوقع سهم هذا على فوق السهم الذي في الهدف فللسهم الثابت في الهدف حالتان:
إحداهما: أن يدخل منه في الهدف قدر نصله، ويكون باقي طوله خارجاً، فلا يحتسب لهذا بسهمه لا مخطئاً، ولا مصيباً لأنه لم يبلغ كل الهدف، فصار مقصراً، فلم يعتد به مصيباً، ولا مخطئاً، ومنعه طائل، فلم يصر مخطئاً.
والحالة الثانية: أن يكون السهم الثابت في الهدف قد دخل جميعه في الهدف حتى غاص، ولم يظهر منه إلا موضع فوقه، فوقع عليه هذا السهم، فينظر في الإصابة.
فإن كانت قرعاً احتسب بهذا السهم مصيباً لوصول السهم إلى محل الإصابة من الهدف، وإن كانت الإصابة خسقاً لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً إلا أن ثبت نصله من فوق ذلك السهم، فيحتسب به مصيباً في الخسق؛ لأن ما خسق الخشب، وثبت فيه فأولى أن يخسق الشن، ويثبت فيه، وأحسن ما تكون الإصابة كما قال الشاعر:
نُضِيبُ بِبعضِهَا أفْواقَ بعضٍ فَلَولَا الكَسْرُ لاتَّصلتْ مُصِيبَا
قال الشافعي:"وإذا أراد المستبق أن يجلس ولا يرمي وللمسبق فضل أو لا فضل له فسواء وقد يكون له الفضل فينضل ويكون عليه الفضل وينضل والرماة يختلفون في ذلك فمنهم من يجعل له أن يجلس ما لم ينضل ومنهم من يقول ليس له أن يجلس إلا من عذر وأحسبه إن مرض بالرمي أو يصيب إحدى يديه علة تمنعه من ذلك كان له أن يجلس ويلزمهم أن يقولوا إذا تراضيا على أصل الرمي الأول" ..
قال في الحاوي: إذا جلس أحد المتناضلين عن الرمي، فله حالتان:
إحداهما: أن يريد به تأخير الرمي عن وقته، فلا يخلو أن يكون فيه معذوراً أو غير معذور، فإن كان له عذر، وطلب التأخير أخر، ولم يجبر على التعجيل سواء قيل بلزومه كالإجارة أو بجوازه كالجعالة؛ لأنه ليس بأوكد من فرض الجمعة التي يجوز التأخر عنها
الجزء: 4 - الصفحة: 319
بالعذر وأعذاره في تأخير الرمي ما أثر في نفسه من مرض أو شدة حر أو برد أو أثر في رميه من شدة ريح أو مطر أو أثر في أهله من موت حل أو حادث نزل أو أثر في ماله من جائحة طرقت أو خوف طرأ، إن لم يكن له في تأخير الرمي عذر والتمس به الدعة إلى وقت آخر، ففي إجباره على التعجيل قولان:
أحدهما: يجبر عليه، إذا قيل بلزومه كالإجارة.
والثاني: لا يجبر على تعجيله إذا قيل بجوازه كالجعالة.
فصل:
والحال الثانية: أن يريد بالجلوس عن الرمي فسخ العقد، فلا يخلو أن يكون معذوراً في الفسخ أو غير معذور، فإن كان معذوراً في الفسخ، وأعذار الفسخ أضيق وأغلظ من أعذار التأخير وهي ما اختصت بنفسه من العيوب المانعة من تتمة رميه، وهي ضربان:
أحدهما: ما لا يرجى زواله كشلل يده أو ذهاب بصره، فالفسخ واقع بحدوث هذا المانع، وليس يحتاج إلى فسخه بالقول.
والثاني: ما يرجى زواله كمرض يده أو رمد عينه أو علة جسده فلا ينفسخ العقد بحدوث هذا المانع، بخلاف الضرب الأول، لإمكان الرمي بإمكان زواله، ويكون الفسخ بالقول، وذلك معتبر بحال صاحبه، فإن طلب تعجيل الرمي، فله الفسخ لتعذر التعجيل عليه، ويكون استحقاق هذا الفسخ مشتركاً بينه وبين صاحبه، ولكل واحد منهما فسخ العقد به، وإن أجاب صاحبه إلى الإنظار بالرمي إلى زوال المرض، فهل يكون عذره في الفخ باقياً أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يكون باقياً في استحقاق الفسخ؛ لئلا تكون ذمته مرتهنة بالعقد.
والثاني: أن عذر الفسخ قد زال بالانتظار، وليس للمنظر أن يرجع في هذه الإنظار، وإن جاز له أن يرجع في الإنظار بالديون؛ لأنه عن عيب رضي به وجرى مجرى الإنظار بالإعسار، وان لم يكن لطالب الفسخ عذر في الفسخ.
فإن قيل بلزوم العقد كالإجارة لم يكن له الفسخ، وأخذ به جبراً، فإن امتنع منه حبس عليه كما يحبس بسائر الحقوق إذا امتنع بها، فإن طال به الحبس، وهو على امتناعه عزر حتى يجيب، وان قيل بجواز العقد كالجعالة، فله الفسخ قبل الرمي، وبعد الشرو فيه، وقبل ظهور الغلبة، فإن ظهرت الغلبة لأحدهما، فإن كانت لطالب الفتح، فله الفسخ، وان كانت لغيره، ففي استحقاقه للفسخ قولان مضيا:
أحدهما: لا يستحقه بعد ظهورها، لتفويت الأغراض المقصودة بعد ظهورها.
والثاني: وهو الذي نص عليه الشافعي ها هنا، له الفخ لما علل به من أنه قد يكون له الفضل فينضل ويكون عليه الفضل، فينضل.
الجزء: 4 - الصفحة: 320
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز أن يسبقه على أن يعيد عليه".
قال في الحاوي: أما قوله: "ولا يجوز أن يسبقه، ففيه تأويلان:
أحدهما: لا يعقد معه عقد السبق على هذا الشرط.
والثاني: لا يخرج مال السبق على هذا الشرط.
وأما قوله: "على أن يعيد عليه " ففيه تأويلان على أنه إذا أخطأ أعيد عليه السهم ولم يحتسب به في الخطأ، ويجعل كل خطأين خطأ واحدا.
والتأويل الثاني: على أنه إذا أصاب أعيد صوابه، فاحتسب به إصابتين والعقد على التأويلين باطل لأمرين:
أحدهما: اشتراط تفاضلهما فيما يجب فيه تساويهما.
والثاني: أن مقصود عقدهما معرفة أحذقهما، ولا يعلم مع مناضلة التفاضل حذق الحاذق.
مسألة:
قال الشافعي:"وإن سبقه على أن يرمي بالعربية لم يكن له أن يرمي بالفارسية لأن معروفاً أن الصواب عن الفارسية أكثر منه عن العربية".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان عقد نضالهما أن يكون عن قوس عربية فأراد أن يبدلها بقوس فارسية لم يجز؛ لأن الصواب بالفارسية أكثر منه بالعربية ولو أراد أن يبدلها بقوة أخرى عربية جاز؛ لأن الجنس يتعين بالشرط ولا يتعين له واحد من الجنس، ولو كان عقد نضالهما على الفارسية، فأراد أن يبدلها بالعربية، لم يجز لأمرين:
أحدهما: أن تعيين الجنس يمنع من العدول عنه.
والثاني: أن مقصود الرمي تفاضلهما في الحذق، وقد يكون بالعربية أحذق، فلا يدل على أنه مع التماثل أحذق.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن سبقه ولم يسم الغرض كرهته فإن سمياه كرهت أن يرفعه أو يخفضه".
قال في الحاوي: أما الغرض في اللغة، فهو اسم للمراد بالفعل المقصود، وهو أخص من الإرادة، لأن الغرض ما اقترن بالفعل والإرادة قد تعم، فتكون بفعل وغير فعل، وهو مستعمل في النضال وله فيه حقيقة ومجاز، فحقيقة الفرض في النضال: محل
الجزء: 4 - الصفحة: 321
الإصابة من الهدف ومجازه في النضال موقف الرامي عند رمي الهدف وإذا كان كذلك وجب أن يصف الغرض الذي هو محل الإصابة والغرض الذي هو موقوف الرامي؛ ليكون حكم المسألة فيما أريد بها منهما معلوماً بعد تفسيرهما ومعرفتهما.
أما الغرض في الهدف، فقد ذكرنا أن الهدف هو بناء ينصب فيه الغرض، والغرض يشتمل على شن وجريد وعري ومعاليق، فالشن هو الجلد.
والجريد: هو الخشب المحيط بالشن، حتى ينبسط فيه كحلقة المنحل، وأما العري: فهو كالحلق حول الشن.
فأما المعاليق: فهي أوتار يشد بها عري الشن إلى أوتاد في الهدف، وفي الشن دائرة هي أضيق منه، وفي الدائرة هلال هو أضيق، وفي الهلال خاتم هو أضيق منه، فأحذق الرماة من يشترط إصابة الخاتم، فلا يحتسب له بإصابة الهلال وما زاد، ثم يليه من يشترط إصابة الهلال، فلا يحتسب له بإصابة الهلال وما زاد ثم يليه من يشترط إصابة الهلال، فلا يحتسب له بإصابة الدائرة، وما زاد، ثم يليه من يشترط إصابة الدائرة، فلا يحتسب له بإصابة الشن وما زاد ثم يليه من يشترط إصابة الشن، فلا يحتسب له ببقية الغرض، وما زاد ثم يليه من يشترط إصابة الغرض، فيحتسب بإصابة الشن، والشن والعري وفي الاحتساب له بإصابة المعاليق قولان:
أحدهما: يحتسب بها كالعري.
والثاني: لا يحتسب بها كالأوتاد ولهم في محل الغرض من الهدف عادات مختلفة فمنهم من يرفعه ويسمونه جواني، ومنهم من يخفضه ويسمونه ميلاني، ومنهم من يتوسط فيه ويسمونه نطحاني.
وأما الغرض في موقف الرامي، فهو مقام الرامي استقبال الهدف يرميه من مسافة مقدرة تقل الإصابة ببعدها، وتكثر بقربها، ويحتاج في القريبة إلى القوس اللينة حتى لا يمرق الهم، وفي البعيدة إلى القوس الشديدة حتى يصل السهم.
فصل:
وإذا تقرر ما ذكرنا فقد اختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي في هذه المسألة بقوله: "وإذ سبقه، ولم يسم الغرض كرهته " وهل أراد به غرض الهدف أو غرض الموقف على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه أراد غرض الموقف أن تكوك مسافته مقدرة بالشرط في العقد، وإن أغفلا ذكرها، وعرف الرماة فيه مختلف بطل العقد للجهل بما هو مقصود فيه، ويكون معنى قول الشافعي: "كرهته " أي حرمته، كما قال: "وأكره أن يدهن من عظم قيل" أي أحرمه، وإن كان للرماية فيه عرف معهود ففي حملهما عليه مع الإطلاق وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 322
أحدهما: يحملان فيه على العرف؛ لأن العرف مع عدم الشرط يقول في العقود مقام الشرط، فعلى هذا يكون العقد صحيحاً، ويكون معنى قول الشافعي: "كراهة " يريد: كراهة اختيار لا كراهة تحريم وإنما كرهه مع الصحة؛ لأنه ربما كان لأعيان المتناضلين أغراض في مخالفة العرف.
والثاني: أنهما لا يحملان فيه على العرف، لهذا التعليل من اختلاف الأغراض فيه وأن القوي في البعد أرغب، والضعيف في القرب أرغب، فعلى هذا يكون العقد باطلاً، ويكون قوله: "كرهته " أي حرمته، وإذا تقدرت مسافة الغرض إما بالشرط وإما بالعرف لم يكن لواحد من المتناضلين أن يزيد فيه، ولا ينقص منه لأن الجواب محمول على القول بلزومه كالإجارة، ويكون معنى قول الشافعي: "فإن سمياه كرهت أن يرفعه أو يخفضه " أي: منعت أن يزيد فيه أو ينقص منه؛ لأن الزيادة ارتفاع، والنقصان انخفاض، فهذا أحد الوجهين في مراد الشافعي بالمسألة وجوابها على هذا المراد في أحكامها مع الذكر والإغفال.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن مراد الشافعي بهذا غرض الهدف في ارتفاعه وانخفاضه، وتوسطه، فإن سمياه في العقد حملاً على ما سمياه ولم يكن لواحد منهما أن يرفعه إن كان منخفضاً ولا أن يخفضه إذا كان مرتفعاً التزاماً بحكم الشرط.
وإن أغفلاه لم يبطل العقد بإغفاله؛ لأنه من توابع مقصوده.
وقيل لهما: إن اتفقتما بعد العقد حملتما فيه على اتفاقكما، ولم يكن لواحد منكما بعد الاتفاق أن يرفعه أو يخفضه، وإن اختلفتما فيه حملتما على العرف، ويكون الاتفاق ها هنا مقدماً على العرف؛ لأن ارتفاع الغرض أمكن للطويل والراكب وانخفاضه أمكن للقصير والنازل.
وإن كان العرف عند تقدر الاتفاق، مختلفاً روعي فيه أوسط الأغراض المسمى: الجواني، لتعديل ما بين الإرادتين، ويكون قول الشافعي: "كرهت " محمولاً على كراهة الاختيار والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وقد أجاز الرماة للمسبق أن يراميه رشقاً وأكثر في المائتين ومن أجازه في الرقعة وفي أكثر من ثلاثمائة".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي في هذه المسألة كلاماً مشتبهاً يشتمل على أسماء مبهمة، وأحكام مختلفة فيلزم تعيين أسمائها، وبيان أحكامها.
فأما الأسماء، فذكر منها الرشق، فقد ذكرناه أنه بفتح الراء اسم للرمي، وبكسرها اسم لعدد الرمي، وهما عددان ومستحب.
الجزء: 4 - الصفحة: 323
فأما اللازم في العقد، فهو جملة عدد الرمي الذي تعاقدا عليه، كاشتراطهما رمي مائة سهم، فالمائة رشق ينطلق عليها اسم الرشق حقيقة.
وأما المستحب في العقد، فهو تفضيل عدد الرمي الذي يتناوبان فيه كاشتراطهما أن يتراميا خمساً خمساً، أو عشراً عشراً، فالعشر رشق، ينطلق عليها اسم الرشق، مجازاً؛ لأنها بعض الحقيقة، فصارا رشقين: رشق جملة ورشق تفضيل.
وعادة الرماة في رشق التفضيل مختلفة، فمنهم من يختار أن يكون خمساً خمساً ومنهم من يختار أن يكون عشراً عشراً، ومنهم من يختار أن يكون عشراً عشراً، ومنهم من يختار أن يكون اثني عشر اثني عشر تبركاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي، اثني عشرة مرة، فكان حسن الأثر في الرمي معتبراً بهذه الدعوة، وهو أول من رمى في الإسلام سهماً وأراق فيه دماً، وشعره فيه دليل عليه حيث يقول:
أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولُ اللهِ أَنِّي حَميْتُ صَحَابَتِي بِصُدورِ نَبْلِي
فَمَا تَعْتَدُّ رَامٍ فِي عَدَوٍّ بِسَهْمٍ يَا رَسُولً اللهٍ قَبْلِي
وذلك أن دينك دين صدق وذي حق أتيت به وعدل.
فأما الندب، فمنهم من جعله اسماً لمال البق، والرمي، ومنهم من جعله اسماً لعدد الرمي كالرشق، واختلف من قال بهذا، هل ينطلق على عدد الجملة أو عدد التفضيل أو يختص بعدد التفضيل، فقال بعضهم: ينطلق على العددين كالرشق، وقال آخرون، يختص بعدد التفضيل دون الجملة.
واختلف من قال بهذا هل يختص برمي الجلاهق أو يعم النشاب والجلاهق، فقال بعضهم: الندب كالرشق يعم انطلاقهما على عدد الرمي في النشاب والجلاهق وهو البندق.
وقال آخرون: الرشق مختص بعدد الرمي في النشاب، والندب مختص بعدد الرمي في الجلاهق ومن الأسماء التي ذكرها الشافعي في هذه المسألة "الرقعة" وقد اختلف في روايتها فرواها المزني: الرقعة بالقاف وضم الراء، ورواها ابن سريج: "الرفعة" بالفاء وكسر الراء مأخوذ من الارتفاع، وزعم أنه المنصوص عليه في كتاب "الأم " ونسب المزني إلى الوهم، فعلى رواية أبي العباس بن سريج يكون هذا الاسم صفة للغرض في ارتفاعه من خفض إلى علو.
وعلى رواية المزني أنها الرقعة بالقاف اختلف في المراد بها ها هنا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اسم للغرض الذي في الهدف، فيكون مسمى باسمين بالرقعة وبالغرض.
والثاني: أنه اسم يختص بهما في وسط الغرض من عظم هو أضيق ما فيه من مواقع الإصابة الذي تقدم له سمة بالخاتم، فيسمى باسمين بالرقعة وبالخاتم.
الجزء: 4 - الصفحة: 324
والثالث: أنه اسم لمسافة الرمي، فيما بين موقف الرامي والهدف ولئن طال الكلام بتفسير هذه الأسماء، فلا غنى عنها، لتعلق الأحكام بها.
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة، فقد اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها مصورة في قدر المسافة التي يجوز أن يتناضلا إليها، وحد أقلها ما يجوز أن يخطئ فيه الرماة لبعده، وأما ما لا يجوز أن يخطئوا فيه، لقربه فالنضال عليه باطل، وحد أكثرها ما يجوز أن يصيب فيه الرماة لقربه.
فأما ما لا يجوز أن يصيبوا فيه لبعده، فالنضال عليه باطل، وهذان الحدان في الأقل والأكثر هما حداًّ تحقيق لمعناهما وحدهما بالمسافة حدّ تقريب من غير تحقيق، ولأكثر المسافة على التقريب معتاد ونادر فأما حدّه المعتاد على التقريب فهو مائتا ذراع، لما روي أن رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم عليه من غزاة، ووصف له حربهم فيها، فقال: كنا نحارب العدو، فإن كانوا منا على مائتي ذراع رميناهم بالسهام، وإن كانوا دونها رضخناهم بالأحجار، وان كانوا أقرب من ذلك طعناهم بالرماح، وإن كانوا أقرب إلينا ضربناهم بالسيوف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا هو الحرب" ..
وأما حدّه الثالث على التقريب، فهو ثلاثمائة ذراع؛ لأن في الرماة من يصيب منه.
والإصابة في الزيادة عليها متعذرة.
وحكي أنه لم ير أحد كان يرمي على أربع مائة ذراع، ويصيب إلا عقبة بن عامر الجهني، وهذا شاذ في النادر إن صح، فلا اعتبار به، ولا يصح العقد عليه فإن عقد النضال على أكثر المسافة المعتادة، وهي مائتا ذراع صح العقد إذا كان مثل الراميين يصيب فيهما، وان كان مثلهما لا يصيب منها، لم يصح العقد، وان كان مثلهما قد يصيب منها، ففي صحة العقد وجهان:
أحدهما: يصح لإمكان إصابتهما منها كالمسافة المعتادة.
والثاني: أنه باطل؛ لأن النادر غرر، والغرر في العقود مردود بالنهي عنه، وحكم ما بين المعتاد والنادر، فيلحق بأقربهما إليه، فإن كانت الزيادة على المائتين أقل من خمسين، فهو من المعتاد، وان كانت أكثر من خمسين فهو في النادر.
وأما عقده على ما زاد على الثلاثمائة فإذا كثرت الزيادة بطل العقد على ما زاد على الثلاثمائة، فإن كثرت الزيادة بطل العقد بها، وإن قلت الزيادة كانت حكم الثلاثمائة في الصحة والفساد وهو معنى قول الشافعي؛ لأن إغفال ذكره في العقد يبطله، فصار من لوازمه.
والقسم الثالث: ما اختلف أصحابنا فيه، وهو: هل الإصابة من القرع إلى الخسق،
الجزء: 4 - الصفحة: 325
هل يحتاج فيه إلى فسخ العقد، واستئناف غيره، أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يصح بغير فسخ، إلحاقاً بمحل الغرض.
والثاني: لا يصح إلا بعد الفسخ إلحاقاً بمحل الإصابة من الغرض، فإن اعتبر فيه الفسخ، استأنفا الرمي، وان لم يعتبر فيه الفسح بنيا على الرمي المتقدم، ويكون معنى قول الشافعي: "ومن أجاز هذا إجازة في الرقعة " أي من أجاز الزيادة في المسافة فأولى أن يجيز تغيير الغرض؛ لأن حكم المسافة أغلظ والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يشترطا أن يرميا أرشاقاً معلومة كل يؤم من أوله إلى آخره فلا يفترقا حتى يفرغا منها إلا من عذر مرض أو عاصف من الريح ".
قال في الحاوي: لا يخلو حال الرمي من حالين:
أحدهما: أن يكون معقوداً على رشق واحد يمكن رمي جميعه في يوم واحد فهذا يجب أن يوالي رمي جميعه، ولا يفرق، ولهما فيه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعقداه معجلاً، فيلزم رمى جميعه في يوم عقده، ولا يجوز لأحدهما تأخيره، إلا من عذر يمنع من الرمي من مرض بالرامي أو مطر أو ريح يفسد آلة الرمي فإن أخراه عن يومهم عن تراض، فهو إنظار لا يفسد به العقد على القولين معاً.
والثاني: أن يعقداه مؤجلاً في يوم مسمى جعلاه وقتاً للرمي، ففي العقد وجهان:
أحدهما: باطل؛ لأنه عقد على عين شرط فيه تأخير القبض.
والثاني: صحيح؛ لأمرين:
أحدهما: لأن العمل فيه مضمون في الذمة.
والثاني: أن عقده أوسع حكماً مما عداه، فعلى هذا يكون الأصل هو المستحق فيه الرمي، لا يقدم قبله، ولا يؤخر بعده، فإن أراد أحدهما تقديمه أو تأخيره، وامتنع منه صاحبه، كان محمولاً على القولين، وإن اتفقا على تقديمه أو تأخيره من غير فسخ جاز على القولين معاً، ولو بدر أحدهما، فرمى قبل حلول الأجل لم يحتسب له بصوابه، ولم يحتسب عليه بخطئه لأنه رمي لم يقتضيه العقد.
والثالث: أن يعقداه مطلقاً لا يشترطا فيه حلولاً ولا تأجيلاً، فيقتضي إطلاقه الحلول، لأن الأجل في العقد لا يثبت إلا بشرطه.
فصل:
والحال الثانية من الأصل: أن يكون النضال معقوداً على أرشاق كثيرة لا يمكن رمي جميعها في يوم واحد لعقده على مائة رشق، فهذا على ثلاثة أقسام:
الجزء: 4 - الصفحة: 326
أحدها: أن يشترطا فيه ما يمكن، وهو أن يجعلا في كل يوم رمي أرشاق معلومة يتسع اليوم لرميها من غير إرهاق، فهذا جائز، ويختص كل يوم رمي ما سمي فيه، ولا يلزم الزيادة عليه، ولا النقصان منه، وليس هذا بتأجيل يخرج على الوجهين، وإنما هو تقدير الرمي في زمانه، فصح وجها واحداً.
والثاني: أن يشترطا ما يمتنع، وهو رمي جميع الأرشاق في يوم واحد، وهو يضيق عن جميعها فهذا باطل، لامتناعه، ويكون العقد به باطلاً.
والثالث: أن يكون العقد مطلقاً لا يشترطا فيه تقدير الرمي، فيلزم أن يرميا في كل يوم ما اتسع له بحسب طول النهار وقصره، ولا يلزم الرمي في الليل لخروجه عن معهود العمل إلى الاستراحة، ولا يلزم الارتفاق في رمي النهار ويكون ابتداؤه بعد طلوع الشمس وانتهاؤه قبل غروبها، ويمسكان عنه في أوقات الأكل والشرب والطهارة والصلاة وأوقات الاستراحة المعهودة.
وعادة الرماة تختلف في مواصلة الرمي، لأن فيهم من تكثر إصابته إذا وصل لقوة بدنه وشدة ساعده، ومنهم من تقل إصابته إذا وصل لضعف بدنه، ولين ساعده فإذا عدل بهما عن المواصلة والفتور إلى حال معتدلة اعتدل رميهما وتكافأ فإن عرض ما يمنع من الرمي إما في الزمان من مطر أو ريح أو في أبدانهما من مرض أو علة أحر.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن اعتلت أداته أبدل مكان قوسه ونبله ووتره "
قال في الحاوي: أما قوله: "اعتلت أداته" فهي كلمة مستعارة يستعملها الرماة عند فساد آلتهم، مأخوذ من علة المريض، فإذا انكسر قوسه، أو لان وانقطع وتره، أو استرخى واندق سهمه أو اعوج كان له أن يبدله بغيره صحيحاً، لما ذكرنا من حكم الآلة أنها تبع لا تتعين في العقد، وإنما يتعين فيه الراميان فلم يجز إبدال الرامي بغيره إذا اعتل وجاز إبدال الآلة بغيرها إذا اعتلت، وإن أراد إبدالها من غير أن تعتل جاز لكن يجوز تأخير الرمي لإبدالها إذا اعتلت، ولا يجوز تأخيره لإبدالها إذا لم تعتل.
مسألة:
قال الشافعي: "وأن طول أحدهما بالإرسال التماس أن تبرد يد الرامي أو ينسى حُسن صنيعه في السهم الذي رماه فأصاب أو أخطأ فليستعتب من طريق الخطأ فقال: لم أنو هذا لم يكن ذلك له وقيل له ارم كما ترمي الناس لا معجلاً عن التثبت في مقامك ونزعك وإرسالك ولا مبطئاً لإدخال الضرر بالحبس على صاحبك".
قال في الحاوي: ينبغي أن يكون الراميان على اقتصاد في التثبت من غير إبطاء، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 327
إعجال فإن طول أحدهما بعد أن تقدم رمي صاحبه على الاقتصاد ليبرد يد صاحبه في السهم الذي رمي به، فنسي صنيعه إن أصاب، فلا يسن بصوابه، أو أخطأ فلا يزول عن سنته في خطئه، فإن أمسك صاحبه عن الاستعتاب ترك هذا المتباطئ على حاله، وإن استعتب وشكا قيل للمتباطئ: ليس لك أن بضر بصاحبك في الإبطاء كما ليس لصاحبك أن يضربك في الإعجال واعدل إلى القصد في تثبتك غير متباطئ ولا معجل، فإن قال: هذه عادتي لا أقدر على فراقها، نظر، فإن كان ذلك معروفاً منه قيل لصاحبه: لا سبيل إلى هذا من تكليفه غير عادته، وهو عيب أنت لأجله بالخيار بين مناضلته أو فسخه، وإن كان معروفاً بخلاف ما ادعاه لم تقبل دعواه وأخذ بالاعتدال في قصده جبراً ما أقام على عقده.
وفي قول الشافعي: ويستعيب من طريق الخطأ تأويلان:
أحدهما: ومعناه إن إطالة إرساله خطأ منه، فيعاتب عليه.
والثاني: أن خطأ صاحبه فهو لإطالة إرساله، فيعاتب عليه، وإن كان خطؤه محسوباً عليه، كما أن صوابه محسوباً له، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو كان الرامي يطيل الكلام والحبس قيل له لا تُطل ولا تعجل عما يفهم".
قال في الحاوي: أما المرمى، فهو المرتهن بين المتناضلين ويسمى المشير، والموطن لا يثير على كل واحد منهما بمقصوده، ويخرج سهمه، وبموطن موقفه، ويرد عليه سهمه بعد رميه، ويخبر بصوابه أو خطئه، وعلى هذا أن يعدل بين المتناضلين ولا يميل إلى أحدهما، فيجوز، ولا يمدح أحدهما ويذم الآخر، وليكن إما مادحاً لهما أو ساكتاً عنهما، وليعجل رد سهم كل واحد منهما عليه، ولا يحسبه عنه، فينسى حسن صنيعه، فإن خالف الميل، على أحدهما، منع لإضراره به، وإن ساوى بينهما في إكثار الكلام، وإطالته، وحبس السهم في إعادته صار مضراً بهما، وتوجه المنع إليه في حقهما بعد أن كان في حق أحدهما، وأمر بإقلال الكلام، وتعجيل السهام؟ لأن كثرة كلامه مدهش، وحبسه للسهام ينسى حسن صنيعها فإن كف وإلا استبدل به غيره ممن يتراضيا به المتناضلان، فإن اختلفا اختار الحاكم لهما مؤتمناً، وهكذا لو كان الكلام من أحد المتناضلين مدحاً لنفسه بالإصابة، وذماً لصاحبه بالخطأ كف ومنع، فإن أقام عليه، ولم يقلع عنه عزر، ولم يستبدل به لتعيينه في العقد الذي لا يقوم غيره فيه مقامه.
مسألة:
قال الشافعي: "وللمبدئ أن يقف في أي مقام شاء ثم للآخر من الغرض الآخر
الجزء: 4 - الصفحة: 328
أي مقام شاء".
قال في الحاوي: يريد بالمبدئ الذي قد استحق أن يتبدئ بالرمي، إما بالشرط أو بقرعة، فإذا كان الرمي بين هدفين، وهو المسنون والأولى بالمعهود أن يرمي المتناضلان من أحد الهدفين إلى الآخر، رشقاً بحسب ما استقر بينهما، من خمس خمس أو عشر عشر، ثم يمضيا إلى الهدف فيجمعا سهامها ويرميا منه إلى الهدف الثاني رشقاً ثالثاً كذلك أبداً حتى يستكملا رمي جميع أرشاقهما، وإذا كان كذلك، فللمبتدى، بالرمي أن يبتدئ من أي الهدفين شاء، ويقف منه أي موقف شاء؛ لأنه لما استحق الابتداء بالرمي استحق الخيار في موقف الرمي، فيقف حيث شاء من الهدف عن يمينه أو يساره أو وسطه، فإذا صار إلى الهدف الثاني صار الخيار في الموقف إلى الرامي الثاني، فيقف فيه حيث شاء من يمين أو يسار أو وسط، كما كان الخيار في الهدف الأول إلى الرامي الأول؛ لأن المساواة بينهما مستحقة، فلما كان الخيار في الهدف الأول للأول وجب أن يكون في الهدف الثاني للثاني، فإذا أعاد إلى الهدف الثاني الأول عاد الخيار للأول، فإذا عاد إلى الهدف الثاني صار الخيار للثاني، ولا يجمع لواحد منهما الخيار في الهدفين، لما ينفرد به من التفضيل على صاحبه، فإن شرطاه قال الشافعي في "الأم": بطل العقد بالتفضيل المشروط فيه، فإن شرطا أن يكون لأحدهما الخيار في الهدفين على أن يكون لصاحبه الخيار بعده في الهدفين جاز؛ لأنهما قد تساويا فيه.
فصل:
وإذا كان النضال بين ثلاثة، وقف المبتدئ بالرمي في الهدف الذي شاء ووقف منه حيث شاء، ثم نظر في الثاني والثالث، فإن استقر المبتدى، منهما بالرمي بشرط أو قرعة، وإلا أقرع بينهما ووقف الرامي الثاني من الهدف حيث شاء، فإذا عاد إلى الهدف الأول وقف الرامي الثالث منه حيث شاء ليتساوى الثلاثة في اختيار الموقف في هدف بعد هدف لرمي رشق سواء كان حكم الثالث والثاني كحكم الثاني مع الأول.
فإذا ترتبوا على هذا الاختيار في ثلاثة أرشاق صاروا في الرشق الرابع إلى حكم الرشق الأول في عود الخيار إلى الأول، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وإذا قال أحد المتناضلين: نستقبل الشمس في رمينا.
وقال الآخر: نستدبرها فالقول قول من دعا إلى استدبارها: لأن شعاع الشمر إذا استقبل الرمي، اختل عليه رميه، فإن شرطا في العقد استقبالها حملا عليه بالشرط، كما أن مطلق العقد يقتضي الرمي بالنهار، فإن شرطا فيه الرمي ليلاً حملا عليه، إما في ضوء القمر أو مشاعل النار.
الجزء: 4 - الصفحة: 329
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا اقتسموا ثلاثة وثلاثة فلا يجوز أن يقترعوا وليقتسموا قسماً معروفاً".
قال في الحاوي: النضال ضربان: أفراد وأحزاب، وقد مضى نضال الأفراد، فأما نضال الأحزاب، فهو أن يناضل حزبان يدخل في كل واحد منهما جماعة، يتقدم عليهم أحدهم، فيعقد النضال على جميعهم، فهذا يصح على شروطه، وهو منصوص الشافعي رحمه الله وعليه جماعة أصحابه رحمهم الله وجمهورهم.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يصح، لأن كل واحد منهما يأخذ بفعل غيره، وهذا فاسد، لأنهم إذا اشتركوا صار فعل جميعهم واحداً فاشتركوا في موجبه لاشتراكهم في فعله مع ورود السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه برواية أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يرمون، فقال: "ارموا وأنا مع بني الأذرع "، فأمسك القوم قسيهم، وقالوا: يا رسول الله من كنت معه غلب، فقال: "ارموا، فأنا معكم كلكم"، فدل على أنهم كانوا حزبين مشتركين، ولأن مقصود النضال التحريض على الاستعداد للحرب، وهو في الأحزاب أشد تحريضاً وأكثر اجتهاداً، فإذا ثبت جوازه في الحزبين، كجوازه بين الاثنين، فلصحته خمسة شروط:
أحدهما: أن يتساوى عدد الحزبين، ولا يفصل أحدهما على الآخر، فيكونوا ثلاثة وثلاثة أو خمسة وخمسة أو أقل أو أكثر، فإن فضل أحدهما على الآخر يرجل بطل العقد، لأن مقصوده معرفة أحذق الحزبين، فإذا تفاضلوا تغالبوا بكثرة العدد لا بحذق الرمي.
والشرط الثاني: أن يكون العقد عليهم بإذنهم، فإن لم يأذنوا فيه لم يصح، لأنه عقد معاوضة متردد بين الإجارة والجعالة، وكل واحد منهما لا يصح إلا بإذن واختيار فإن عقد عليهم من لم يستأذنهم بطل.
والشرط الثالث: أن يعينوا على متولي العقد منهم، فيكون فيه متقدماً عليهم، ونائباً عنهم، فإن لم يعينوا على واحد منهم لم يصح العقد عليهم لأنه توكيل، فلم يصح إلا بالتعيين ويختار أن يكون زعيم كل حزب أحذقهم وأطوعهم، لأن صفة الزعيم في العرف أن يكون متقدماً في الصناعة مطاعاً في الجماعة، فإن تقدموه في الرمي وأطاعوه في
الإتباع جاز، وإن تقدمهم في الرمي، ولم يطيعوه في الإتباع لم يجز، فإن غير المطاع لا تنفذ أوامره.
والشرط الرابع: أن يكون زعيم لكل واحد من الحزبين غير زعيم الحزب الآخر لتصح نيابته عنهم في العقد عليهم مع الحزب الآخر، فإن كان زعيم الحزبين واحداً لم
الجزء: 4 - الصفحة: 330
يصح كما لا يصح أن يكون الوكيل في العقد بائعاً مشترياً.
والشرط الخامس: وهو مسألة الكتاب: أن يتعين رماة كل حزب منها، قبل العقد باتفاق ومراضاة، فإن عقده الزعيمان عليهم ليقترعوا على من يكون في كل حزب لم يصح.
مثاله: أن يكون الحزبان ثلاثة ثلاثة، فيقول الزعيمان: تقترع عليهم، فمن خرجت قرعتي عليه كان معي، ومن خرجت قرعته عليه كان معك، فهذا لا يصح لأمرين:
أحدهما: أنهم أصل في عقد، فلم يصح عقده على القرعة، كابتياع أحد العين بالقرعة.
والثاني: أنه ربما أخرجت القرعة حذاقتهم، لأحد الحزبين وضعفاءهم للحزب الأخر، فخرج عن مقصود التحريض في التناضل، فإن عدلوا بين الحزبين في الحذق والضعف قبل العقد على أن يقترع الزعيمان على كل واحد من الحزبين بعد العقد لم يصرح التعليل الأول من كونهم في العقد أصلاً دون التعليل الثاني من اجتماع الحذاق في أحد الحزبين؛ لأنهم قد رفعوه بالتعليل، فإن ثبت تعيينهم قبل العقد بغير قرعة تعينوا فيه بأحد أمرين: إما بالإشارة إليهم إذا حضروا، وان لم يعرفوا.
وإما بأسمائهم: إذا عرفوا، فإن تنازعوا عند الاختيار قبل العقد، فعدلوا إلى القرعة في المتقدم بالاختيار جاز، لأنها قرعة في الاختيار، وليست بقرعة في العقد، فإذا قرع أحد الزعيمين اختار من الستة واحداً، ثم اختار الزعيم الثاني واحداً، ثم دعا الزعيم الأول فاختار ثانياً، واختار الزعيم الثاني ثانياً، ثم عاد الأول، فاختار ثالثاً وأخذ الآخر الثالث الباقي، ولم يجز أن يختار الأول الثلاثة في حال واحدة؛ لأنه لا يختار إلا الأحذق، فيجتمع الحذاق في حزب، والضعفاء في حزب، فيعدم مقصود التناضل من التحريض.
فصل:
فإذا تكاملت الشروط الخمسة في عقد النضال بين الحزبين، لم يدخل حالهم في مال السبق من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يخرجها أحد الحزبين دون الآخر، فهذا يصح سواء انفرد زعيم الحزب بإخراجه أو اشتركوا فيه، ويكون الحزب المخرج للسبق معطياً إن كان منضولاً وغير آخذ إن كان ناضلاً، ويكون الحزب الآخر آخذاً إن كان ناضلاً وغير معطٍ إذا كان منضولا - وهذا يغني عن المحلل، لأنه محلل.
والقسم الثاني: أن يكون الحزبان مخرجينء ويختص بإخراج المال زعيم الحزبين، فهذا يصح، ويغني عن محلل؛ لأن مدخل المحلل ليأخذ ولا يعطي، ورجال كل حزب يأخذون، ولا يعطون، فإذا نضل أحد الحزبين أخذ زعيمهم مال نفسه، وقسم مال الحزب
الجزء: 4 - الصفحة: 331
المنضول بين أصحاب، فإن كان الزعيم رامياً معهم شاركهم في مال السبق، وإن لم يرم معهم، فلا حق له فيه؛ لأنه لا يجوز أن يتمسك مال النضال من لم يناضل، وصار معهم كالأمين والشاهد، فإن رضخوا له بشيء منه عن طيب أنفسهم، جاز، وكان تطوعاً، فإن شرط عليهم أن يأخذ معهم بطل الشرط، ولم يبطل به العقد، لأنه ليس بينه وبين أصحابه عقد يبطل بفساد شرطه وإنما العقد بين الحزبين، وليس لهذا الشرط تأثير فيه.
والقسم الثالث: أن يخرجا المال ويشترك أهل كل حزب في إخراجه، فهذا لا يصح حتى يدخل بين الحزبين حزب ثالث يكون محللاً يكافئ في كل حزب في العدد والرمي يأخذ ولا يعطي كما يعتبر في إخراج المتناضلين المال أو يدخل بينهما محلل ثالث يأخذ ولا يعطى.
فصل:
فإذا انعقد النضال بين الحزبين على ما وصفناه اشتمل الكلام بعد تمامه بإبطال المسمى فيه على ثلاثة فصول:
أحدها: في حكم المال المخرج في كل حزب، ولهم فيه حالتان:
إحداهما: أن لا يسموا قسط كل واحد من جماعتهم، فيشتركوا في التزامه بالسوية على أعدادهم من غير تفاضل فيه، لاستوائهم في التزامه، فإن كان زعيمهم رامياً معهم دخل في التزامه كأحدهم، كما يدخل في الأخذ معهم، فإن لم يكن رامياً لم يلتزم معهم كما لا يأخذ معهم.
والحال الثانية: أن يسموا قسط كل واحد منهم في التزام مال السبق، فهو على ضربين:
أن يتساوى في التسمية، فيصح لأنه موافق لحكم الإطلاق.
والضرب الثاني: أن يتفاضلوا فيه، ففي جوازه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لتساويهم في العقد؛ فوجب أن يتساووا في الالتزام.
والثاني: يجوز، لأنه عن اتفاق لم يتضمنه فيما بينهم عقد، فاعتبر فيه التراضي فإن شرطوا أن يكون المال بينهم مقسطاً على صواب كل واحد منهم وخطئه لم يجز، لأنه على شرط مستقبل مجهول غير معلوم، فبطل، ولا يؤثر بطلانه في العقد، لأنه ليس فيما بينهم عقد، وكانوا متساوين فيه.
فصل:
والفصل الثاني: في حكم نضالهما، وفيما يحتسب به من الصواب والخطأ والمعتبر فيه أن يكون عدد الرشق ثلاثين أو ستين أو تسعين أو عدداً يكون له ثلث صحيح، ولا يجوز أن يكون عدد الرشق خمسين ولا سبعين ولا مائة، لأنه ليس له ثلث صحيح.
وإن كان عدد الحزب أربعة، كان عدد الرشق أربعين أو ماله ربع صحيح، ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 332
يجوز أن يكون عدد الرشق ما ليس له ربع صحيح، وهكذا إن كان عدد الحزب خمسة وجب أن يكون عدد الرشق ماله خمس صحيح: لأنه إذا لم ينقسم عدد الرشق على عدد الحزب إلا بكسر يدخل عليهم لم يصح التزامهم له: لأن اشتراكهم في رمي السهم لا يصح.
فأما عدد الإصابة المشروطة، فيجوز أن لا تنقسم على عددهم، لأن الاعتبار في بإصابتهم لا باشتراكهم، فإذا استقر هذا بينهم احتسب لزعيم كل حزب بإصابات كل واحد من أصحابه، واحتسب عليه لخطأ كل واحد منهم سواء تساوى رجال الحزب في الإصابة، وهو نادر أن تفاضلوا فيها، وهو الغالب، فإذا جمعت الإصابتان والمشروط فيها إصابة خمسين من مائة لم يخل مجموع الإصابتين من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون المجموع من إصابة كل حزب خمسين، فصاعداً، فليس فيهما منضول ران تفاضلا في النقصان من الخمسين.
والحال الثانية: أن يكون مجموع إصابة أحدهما خمسين، فصاعداً، ومجموع إصابة الآخر أقل من خمسين، فمستكمل الخمسين هو الناضل، وإن كان أحدهما في الإصابة مقلا، بالقصر عن الخمسين هو المنضول، وإن كان أحدهما في الإصابة مكثراً، فيصير مقلل الإصابة آخذاً، ومكثرها معطياً، لأن حزب المقلل ناضل، وحزب المكثر منضول.
فصل:
والفصل الثالث: في حكم المال إذا استحقه الحزب الناضل، فيقسم بين جميعهم في قسمته بينهم ووجهان:
أحدهما: أنه مقسوم بينهم بالسوية مع تفاضلهم في الإصابة لاشتراكهم في العقد الذي أوجب تساويهم فيه.
والثاني: أنه يقسم بينهم على قدر إصاباتهم، لأنهم بالإصابة قد استحقوه فلا يكافئ مقل الإصابة مكثرها، وخالف التزام المنضولين، حيث تساووا فيه مع اختلافهم في الخطأ، لأن الالتزام قبل الرمي، فلم يعتبر بالخطأ، والاستحقاق من بعد الرمي، فصار معتبراً بالصواب.
فعلى هذا لو أخطأ واحد من أهل الحزب الناضل في جميع سهامه، ففي خروجه من الاستحقاق وجهان:
أحدهما: يستحق معهم، وان لم يصب إذا قيل بالوجه الأول أنه مقسوم بينهم بالسوية، لا على قدر الإصابة.
والثاني: أنه يخزيه بالخطأ من الاستحقاق، ويقسم بين ما عداه إذا قيل بالوجه الثاني أنه مقسوم بينهم على قدر الإصابة، ويقابل هذا أن يكون في الحزب المنضول من أصاب بجمع سهامه، ففي خروجه من التزام المال وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 333
أحدهما: يخرج من التزامه إذا قيل بخروج المخطئ من استحقاقه.
والثاني: لا يخرج من التزامه إذا قيل بخروج المخطئ من استحقاقه.
والثالث: لا يخرج من الالتزام، ويكون فيه أسوة من أخطأ إذا قيل بدخول المخطئ في الاستحقاق، وأنه فيه أسوة من أصاب، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز أن يقول أحد الرجلين أختار على أن أسبق ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اجتمع رماة الحزبين، ولم يتميزوا في كل واحدة من الجهتين، فقال أحد الزعيمين: أنا أخرج مال السبق على أن أختار لحزبي من أشاء أو تكون أنت المخرج على أن تختار لحزبك من تشاء، لم يجز، وكان هذا الشرط فاسداً؛ لأن كلا الأمرين من إخراج المال وتعيين الحزب لا يصح إلا عن مراضاة، فلم يجز أن يكون أحدهما مشروطاً بالأخر لخروجه عن الاختيار إلى الالتزام، وهكذا لو قال: إن كان فلان معي فمال السبق عليك، وان كان معك فمال السبق علي لم يصح بما ذكرناه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا عليّ أن أسبق ولا علي أن يقترعا فأيهما خرجت قرعته سبقه صاحبه لأن هذا مخاطرة ".
قال في الحاوي: وفيها تأويلان:
أحدهما: أن يقترع الزعيمان على أن أيهما أقرع كان المقروع مخرج السبق لم يجز وكذلك لو كان القارع مخرج السبق لم يجز أيضاً، لأنه عقد مراضاة لا مدخل للقرعة في عرضه.
والثاني: أن يتناضل الزعيمان سهماً واحداً، فإن أصابه أحدهما، وأخطأه الآخر كان المخطئ ملتزم المال، في عقد النضال المستقبل، فهذا أيضاً لا يجوز.
قال الشافعي: "لأن هذا مخاطرة ".
وهكذا لا يجوز أن يقول أحد الزعيمين: أنا أرمي بسهمي هذا، فإن أصبت به كان مال السبق عليك، وإن أخطأت به كان حال السبق علي، لأنها مخاطرة وجارية مجرى المقارعة.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا حضر الغريب أهل الغرض فقسموه فقال من معه كُنا نراهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 334
رامياً أو من يرمي عليه كنا نراه غير رام وهو من الرماة فحكمه حُكم من عرفوه ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اجتمع الزعيمان للعقد، وهو غريب لم يعرفوه فأخذه أحد الزعيمين في حزبه، ودخل في عقده، وشرعوا في الرمي، فله حالتان:
إحداهما: أن لا يحسن الرمي، ولا يكون من أهله، فالعقد في حقه باطل؛ لأنه معقود عليه، في عمل معدوم منه، فصار كمن استؤجر للكتابة، وليس بكاتب، وللصناعة، وليس بصانع، يكون العقد عليه باطلاً، كذلك من دخل في عقد الرمي، وليس برام، وإذا بطل في حقه، فقد قال أبو حامد الإسفراييني، يبطل العقد في واحد من الحزب الآخر، لأنه في مقابلته وفي بطلانه فيمن بقي من الحزبين قولان من تفريق الصفقة، وهذا وهم منه؛ لأن من في مقابلته من الحزب الآخر غير متعين، وليس لزعيمهم تعيينه في أحدهم، لأن جميعهم في حكم العقد سواء، وليس أحدهم في إبطال العقد في حقه بأولى من إثباته فيه، وليس لدخول القرعة فيه تأثير، لأنها لا تدخل في إثبات عقد ولا إبطاله، فوجب أن يكون العقد في حقوق الجماعة باطلاً.
والثانية: أن يكون من أهل الرمي، فله فيه ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون مساوياً لهم فيه، فلا مقال للحزبين فيه، ويكون صوابه لحزبه، وخطؤه على حزبه.
والحال الثانية: أن يكون أرمى منهم، فيقول الحزب الذي عليه: كنا نظنه مثلنا، وقد بان أنه أرمى منا، فاستبدلوا به غيره ممن يساوينا، فليس ذلك لهم؛ لأنه قد دخل في عقدهم، فصار كأحدهم، من لزومه وجوازه، ولا يجوز إفراده منهم بفسخ ولا خيار، ويكون صوابه وخطؤه لحزبه.
والحال الثالثة: أن يكون دونهم في الرمي، فيقول من معه: كنا نظنه رامياً مثلنا، وقد بان تقصيره، فنستبدل به غيره، مكافئاً لنا، فليس ذلك لهم، إلا أن يفسخوه في حقه دونهم، لما عللنا، ويكون صوابه وخطؤه لحزبه، وهو كمن عرفوه، وعيبه عليهم حين لم يختبروه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا قال لصاحبه اطرح فضلك علي أني أعطيك به شيئاً لم يجز إلا بأن يتفاسخا ثم يستأنفا سبقاً جديداً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا زادت إصابة أحد المتناضلين على إصابة الآخر قبل الغلبة، فقال: من قلت إصابته لصاحبه: أسقط عني فضل إصابتك، ولك عليّ دينار، ليستكمل بقية الرمي، بعد التساوي لم يجز، لأن مال السبق مستحق بكثرة
الجزء: 4 - الصفحة: 335
الإصابة، فإذا نضل بعد إسقاط الفضل لم يصر ناضلاً بكثرة الإصابة، فبطل وإن تفاسخا العقد بعد ظهور الفضل أو استأنفاه على اتفاق جاز وإلا كانا على إصابتهما في التفاضل حتى يفلج أحدهما على الآخر باستكمال الإصابة وتقصير الآخر فيكون ناضلاً.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو شرطوا أن يكون فلان مقدماً وفلان معاً وفلان ثان كان السبق مفسوخاً ولكل حزب أن يقدموا من شاؤوا ويقدم الآخرون كذلك ".
قال في الحاوي: نبدأ قبل ذكر المسألة بحكم نضال الحزبين، فإذا كان كل واحد من الحزبين ثلاثة، واستقرت البداية بالرمي لأحد الحزبين إما بشرط أو قرعة، فلهما في العقد ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشترطا فيه إذا رمى واحد من هذا الحزب رمى واحد من الحزب الآخر ثم إذا رمى الثاني من الحزب الأول رمى ثان من الحزب الآخر.
وإذا رمى ثالث من الحزب الأول رمى الثالث من الحزب الآخر، فهذا صحيح، وهو الأولى لأنه أقرب إلى التكافؤ.
والحال الثانية: أن يشترطا فيه أن يتقدم رماة الحزب الأول، فيرموا جميعاً ثم يتلوهم رماة الحزب الآخر، فيرموا جميعا، فهذا لا يجوز، وان تفاضلوا فيه لأجل الشرط.
والحال الثالثة: أن يطلقوا من غير شرط، فالواجب إذا رمى واحد من الحزب الأول أن يرمي بعده واحد من الحزب الآخر، وإذا رمى ثان من الحزب الأول رمى بعده ثان من الحزب الآخر، ليتقابل رماة الحزبين، ولا يتقدم الجميع على الجميع؛ لأن مطلق العقد يوجب التساوي، وان استقر فيه التقدم؛ لأن التقدم ضرورة، وليس لاجتماع ضرورة، وكذلك إذا أغفل ذكر التقدم أقرع بينهم، وإذا أغفل ذكر الترتيب في واحد بعد واحد لم يقرع بينهم، ثم لزعيم كل حزب أن يقدم من شاء من أول وثان وثالث، فإن أطاعه أصحابه على ترتيبه حملوا عليه، وله أن يعيد ترتيبهم في الرشق الأول أن يرتبهم في الرشق الثاني مثل ترتبهم في الأول، وعلى خلاف الأول يحتسب ما يراه، وإن خالفوا زعيمهم في الترتيب والتقديم نظر، فإن كان مخرج المال هو لزعيم كان القول في التقديم والترتيب قوله دونهم وإن كانوا هم المخرجين للمال كانوا بترتيبهم في التقدم أحق منه، فإن اتفقوا عليه حملوا على اتفاقهم، وإن تنازعوا فيه أقرع بينهم.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا، فصورة المسألة أن يشترطا في العقد على كل زعيم أن يقدم من
الجزء: 4 - الصفحة: 336
أصحابه فلاناً، ثم فلاناً، فهذا شرط باطل وفي فساد العقد به وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا يفسد به العقد؛ لأن سقوطه لا يعود بضرر على مشترطه.
والثاني: وهو قول الأكثرين يفسد به العقد، لأن ترتيبهم في التقدم إلى زعيمهم إن أخرج المال أو إليهم إن أخرجوه، فإذا ناقاه الشرط أبطله، لأنه منع من حق لهم، وأوقع حجراً عليه، وهكذا لو شرط فيه أن يكون مراسلة الحزبين في الرمي معينة، فيرامي هذا بعينه لهذا بعينه، وكذلك من الجماعة فهذا باطل يفسد به العقد وجهاً واحداً لعلتين إحداهما: ما قدمناه من أن المقابلة حق لهم، كالترتيب، فلم يجز أن يمنعوا من حق بالحجر عليهم.
والثانية: أنه عقد واحد يجيز خطأ أحدهم بإصابة غيره، وإذا عينوا واحداً صارت عقوداً تقتضي أن لا يجبر خطأ واحد بإصابة غيره، فبطل.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا كان البدأة لأحد المتناضلين فبدأ المبدأ عليه فأصاب أو أخطأ رد ذلك السهم عليه ".
قال في الحاوي: إذا استحق أحد المتناضلين أن يبتدئ بالرمي، إما بشرط أو قرعة فبدأ صاحبه بالرمي، وتقدم عليه كان رميه مردوداً عليه لا يحتسب له بصوابه، ولا يحتسب عليه بخطئه لخروج رميه عن حكم عقده، فصار رمياً في غير عقد، وكذلك لو كان المبتدئ أن يرمي رشقه خمسة أسهم، فرمى عشرة أسهم لم يحتسب بما زاد على الخمسة من صواب، ولا خطأ لخروجه عن حكم العقد، وأعاد رميها في نوبته، واحتسب فيها بما زاد من صوابه أو خطئه.
مسألة:
قال الشافعي: "والصلاة جائزة في المضربة والأصابع إذا كان جلدهما ذكياً مما يؤكل لحمه أو مدبوغاً من جلد ما لا يؤكل لحمه ما عدا كلباً أو خنزيراً فإن ذلك لا يطهر بالدباغ غير أني أكرهه لمعنى واحدٍ وإني آمره أن يُفضي ببطون كفيه إلى الأرض ".
قال في الحاوي: أما المضربة، فجلد يلبسه الرامي في يده اليسرى يقي إبهامه إذا جرى السهم عليه بريشه، يقال: مضربة بضم الميم وتشديد الضاد، ويقال: مضربة بفتح الميم وتسكين الضاد، وهو أفصح.
وأما الأصابع فجلد يلبسه الرامي في إبهامه وسبابته من يده اليمنى لمد الوتر وتفويق السهم، فإن كانا من جلد نجس من كلب أو خنزير أو ميتة أو من غير مأكول اللحم إذا لم
الجزء: 4 - الصفحة: 337
يدبغ، لم تجز الصلاة فيهما لنجاستهما، وإن كانا طاهرين من ذكي مأكول أو من ميتة أو ما لا يؤكل إذا دبغا، فطهارتهما لا تمنع من استحقاق الصلاة إذا لم تسقط من فروضها شيئاً، ويمنع من لبس ما أسقط شيئاً من فروضهما، فعلى هذا يجوز أن يلبس الأصابع في الصلاة؛ وفي جواز ليس المضربة، قولان، لأن بطون الأصابع لا يلزم مباشرة الأرض بها في السجود وفي لزوم مباشرته الأرض بباطن كفه في السجود قولان: إذا قيل بوجوب السجود على اليدين فكانت الأصابع غير مانعة من فرض، وفي منع المضربة من العوض قولان.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا بأس أن يصلي متنكب القوس والقرن إلا أن يتحركا عليه حركة تشغله فأكرهه وتجزئه ".
قال في الحاوي: الصلاة في السلاح جائزة، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 3]
وروى سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله، أصلي وعلي القوس والقرن" فقال: "اطرح القرن وصل بالقوس ".
وروي عن ابن عمر أنه قال: القوس على المصلي كالرداء.
فأباح النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بالقوس، ونهى عن القرن، وهو الجعبة التي تجمع السهام، فإذا كانت بغطاء، فهي جعبة، وإن كانت مكشوفة فهي قرن، وفي نهيه عن الصلاة فيهما تأويلان:
أحدهما: أنه نهي تحريم إذا كان ريش السهام نجساً، لأنه في الأغلب يتخذ من ريش النسر، وهو غير مأكول، ولو كان الريش طاهراً لم يتوجه إليه نهي.
والثاني: أنه نهي كراهة إذا كان طاهرا؛ لأنه يتخشخشه في ركوعه وسجوده باصطكاك السهام، فيقطعه عن الخشوع في الصلاة، فإن لم يتخشخش لم يتوجه إليه نهي، فصار لحمله في صلاته ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون محرماً وهو إذا كان نجساً.
والثاني: أن يكون مكروهاً، وهو إذا كان طاهرا يقطع عن الخشوع فيها.
والثالث: أن يكون مباحا، وهو ما خلا من هذين، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 4 - الصفحة: 338