بحر المذهب للرويانيكتاب الدعوى والبينات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا مسلم بنا خالد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي"قال الشافعي: أحسبه قال ولا أثبته قال: "واليمين على المدعى عليه".
ابن حجاج عن ابن جريج قال: "أخبرني ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا في بيت تخرزان ليس معهما فيه غيرهما فخرجت إحداهما وقد طعنت في كفها بإشفى حتى خرج من ظهر كفها، تقول: طعنتها صاحبتها، وتنكر الأخرى قال: فأرسلت إلي ابن عباس فيهما، فأخبرته الخبر، فقال: لا تعط شيئًا إلا ببينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعطى الناس بدعاويهم لادعى رجال أموال رجال ودماءهم لكن اليمين على المدعى عليه" فكمل بالجمع بين الروايتين قول النبي صلى الله عليه وسلم"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" مع ما قدم من التعليل.
روى الشافعي عن مسلم بنا خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة".
وروى الشافعي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وقيل: إن أوى دعوى كانت في الأرض دعوى قابيل بن آدم على أخيه هابيل، إنه أحق بنكاح توأمته منه، فتنازعا إلي آدم فأمرهما بما قصه الله تعالى بقوله: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أحدهما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ﴾ [المائدة: 27].
فأفضى تنازعهما إلي القتل فقتل قابيل هابيل فكان أول قتيل في إلي نفسه، والدعوى تشتمل على أربعة أشياء: مدع، ومدعى عليه، ومدعى به، ومدعى عنده.

الجزء: 14 - الصفحة: 395

فأما المدعي: فهو الطالب من غيره شيئًا في يده، أو في ذمته، وأما المدعى عليه فهو المطلوب منه شيئًا في يده، أو في ذمته.
وفرق ما بين الطالب والمطلوب منه، إن الطالب إذا تارك ترك والمطلوب إذا تارك لم يترك.
وأما المدعى به فهو ما تنازع فيه الطالب والمطلوب.
وأما المدعى عنده فهو من نفذ حكمه من قاٍض أو أمير.
فصل: والعدوى على ستة أضرب: صحيحة، وفاسدة، ومجملة، وناقصة، وزائدة، وكاذبة.
فأما الدعوى الصحيحة فضربان: دعوى استحقاق، ودعوى اعتراض.
فأما دعوى الاستحقاق فضربان: أحدهما: أن تتوجه إلي عين في اليد.
والثاني: إلي مال في الذمة.
فأما توجه الدعوى إلي عين في اليد فضربان: منقول، وغير منقول فأما المنقول فضربان: حاضر، وغائب.
فإن كانت العين المنقولة حاضرة في مجلس الحكم، كعبد أو ثوب، أغنت الإشارة عن صفتها، وعن ذكر قيمتها، فإن كانت الدعوى في غصب صحت الدعوى، إذا قال: غصبني هذا البعد، أو هذا الثوب وإن كانت الدعوى في وديعة فقال: أودعته هذا، وإن كانت الدعوى في ابتياع منه، فإن كان المقصود بها دعوى العقد، كان في صحة الدعوى ذكر قدر الثمن، وإن كان المقصود بها انتزاعه من يده كان في صحة الدعوى أن يذكر أنه ابتاعه منه، ودفع إليه ثمنه.
وقد منعه ولا يلزمه أن يذكر قدر الثمن.
وإن كانت العين المنقولة غائبة، فإن كانت من ذوات الأمثال كالحنطة، اقتصر في تعيينها على ذكر الصفة، ثم صار الحكم فيها كالعين الحاضرة، وإن كانت من غير ذوات الأمثال كالحنطة، اقتصر في تعيينها على ذكر الصفة، ثم صار الحكم فيها كالعين الحاضرة، وإن كانت من غير ذوات الأمثال، كالجواهر لزمه في تعيينها ذكر الجنس، والنوع، وما يضبط به من صفاتها فإن كانت وديعة لم يلزمه ذكر قيمتها، لأن الوديعة أمانة غير مضمونة، وإن كانت عارية أو غصبًا لزمه في التعيين ذكر قيمتها، لضمان العارية والغصب بالقيمة، وإن كانت مبيعة لزمه في التعيين ذكر ثمنها لضمان ما لم يقبض من المبيع بالثمن دون القيمة.
وأما غير المنقول كدار، أو ضيعة فتعيينها في الدعوى يكون بذكر الناحية، والحدود الأربعة: لتمييز بذلك من غيرها، ولا يغني ذكر الناحية عن ذكر الحدود، ولا ذكر الحدود عن ذكر الناحية، ولا أن يقتصر على بعض الحدود حتى يستوفي جميعها فتصير بذكر الناحية والحدود الأربعة متميزة عن غيرها إلا أن تكون الدار مشهورة باسمها متميزة به عن غيرها، كدار الندوة بمكة و"دار الخيزران"فيغني ذكر اسمها عن ذكر حدودها، وإذا

الجزء: 14 - الصفحة: 396

ذكرت الناحية والحدود الأربعة، صح دعواها وإن جاز أن يشاركها غيرها في حدودها، كما إذا ذكر الرجل باسمه، واسم أبيه وجده، وقبيلته، وصناعته، صح، وتميز في الدعوى والشهادة، وإن جاز إن يشاركه غير في الاسم، والنسب؛ لأنه غاية الممكن ولأن المشاركة نادرة، ثم صحة دعواها بعد تحديدها معتبرة بشرطين: أن يذكر أنها ملكه.
والثاني: أن يذكر أنها في يد المدعى عليه بغير حق.
وهو إذا ذكر ذلك بالخيار بين أن يعين السبب الذي صارت به في يده بغير حق، وبين أن يطلقه.
فصل: وإن كانت الدعوى بمال في الذمة، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون من ذوي الأمثال كالدراهم، والدنانير، أو الحنطة والشعير مما يصح أن يثبت في الذمة ثمنًا، أو يضمن في العبد بمثله، فيلزمه في الدعوى أن يذكر الجنس والنوع، والصفة، والقدر، بما يصير به عند الخاصة والعامة معلومًا، وهو بالخيار في أن يذكر سبب الاستحقاق، أو لا يذكر فتكون صحة الدعوى معتبرة بثلاثة شروط: أحدهما: أن يقول لي عليه كذا ويصفه.
والشرط الثاني: أن يقول وهو حال، لأن المؤجل لا يستحق المطالبة به قبل حلوله، فلم تصج دعواه، فإن كان بعضه حالًا، وبعضه مؤجلًا صح دعوى جميعه لاستحقاق المطالبة ببعضه ويكون المؤجل تبعًا فلو كان المؤجل في عقد قصد بدعواه تصحيح العقد، كالسلك المؤجل، صحت دعواه، لأن المقصود به مستحق في الحال.
والشرط الثالث: أن يقول: وقد منعني، أو أخره عني قال: وقد أنكرت صح، لأن المنكر مانع.
ثم اختلف أصحابنا بعد ذكر هذه الشروط الثلاثة: هل يعتبر في صحة الدعوى أن يقول: وأنا أسأل القاضي، أن يلزمه الخروج إلي من حق على وجهين: أحدهما: يعتبر في صحة الدعوى، لأن المقصود بالتحاكم إليه، وإلا كان خبرًا.
والثاني: لا يعتبر، لأن شاهد الحال يدل عليه، فاعتبر.
والضرب الثاني: أن يكون ما في الذمة غير ذي مثل، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الشرع مانعًا من ثبوته في الذمة، كاللؤلؤ، والجوهر، فلا تصح دعوى عينه، لأنها لا يصح ثبوتها في الذمة إلا أن يقصد بالدعوى ثبوت عوضها، لأنها مغصوبة، فتصح دعواها بذكر قيمتها، أو تكون عن سلم فاسد، فتكون الدعوى برد ثمنها، ويكون ذكرها إخبارًا عن السبب الموجب لعوضها.
والضرب الثاني: أن يصح في الشرع ثبوته في الذمة، وذلك من وجهين: أحدهما: من السلم أن يكون معقودًا على ثياب، فيلزمه في صحة دعواها شرطان: أحدهما: أن يصفها بأوصافها المستحقة في عقد السلم.

الجزء: 14 - الصفحة: 397

والثاني: أن يذكر أنها من عقد سلم، يذكر فيه الشروط المعتبرة في صحة السلم.
ثم يذكر بعدها ما يوجبه مقصود الدعوى فإن لم يذكر أنه عن سلم، لم تصح دعوى أعيانها، لأنها قد تكون مغصوبة توجب غرم قيمتها، فيلزمه مع ذكر الصفة أن يذكر القيمة.
والوجه الثاني: الإبل المستحقة في الدية والغرة المستحقة في الجنين، فلا يلزمه صفتها في دعواه، لأن أوصافها مستحقة بالشرع، وصحة الدعوى فيها معتبرة بثلاثة شروط: أحدها: أن يذكر أنها عن جناية يصفها بعمد، أو خطأ لاختلاف صفاتها بالعمد، والخطأ، وهي مستحقة على الجاني في العمد، وفي الخطأ مستحقة على العاقلة.
والثاني: أن يذكر أنها على حر، لأن الإبل لا تستحق في الجناية على العبد، وأن المجهضة لجنينها حرة، لأن الغرة لا تستحق في جنين الأمة.
والثالث: أن يذكر ما وصفنا فيه الجناية من نفس، أو طرف، أو جراح تقدرت ديته بالشرع، كالموضحة، والجائفة، فتكون المطالبة بالدعوى عفوًا عن القصاص، فإن كانت الجناية فيما لا تتقدر ديته بالشرع، كانت دعواه مقصورة على وصف الجناية على عبد استحق فيها القيمة فيذكر قدر قيمته ليعلم بهادية نفسه وأطرافه.
وإن كانت في جنين أمة، ذكر في الدعوى قدر قيمتها، لأن في جنين الأمة عشر قيمتها، ثم تستوفي شروط المقصود بالدعوى فهذا حكم دعوى الاستحقاق.
فصل: فأمل دعوى الاعتراض فضربان: أحدهما: أن يتوجه إلي ما فيه يده.
والثاني: إلي ما يتعلق بذمته.
فأما توجه الدعوى إلي ما في يده، فلا تكون إلا بعد معارضته، فإن كانت المعارضة بما لا يستضر به المدعي لم تصح الدعوى منه.
وإن كانت بما يستضر به المدعي إما بمد اليد إلي ملكه، وإما بمنعه من التصرف فيه وإما بملازمته عليه، أو بقطعه عن أشغاله صحة دعواة بخمسة شروط: أحدهما: أن يصف الملك بما يصير به متعينًا منقول وغير منقول على ما قدمناه.
والثاني: أنه له وفي ملكه، لأن ما لا يملكه، أو لم يستتبه مالكه فيه لا يمنع من المعارضة فيه.
والثالث: أن يذكر المعارض له بالإشارة إليه، إن كان غائبًا.
والرابع: أن يذكر المعارضة له بالإشارة إليه، إن كان حاضرًا، أو باسمه ونسبه

الجزء: 14 - الصفحة: 398

لافتراقهما في الحكم.
والخامس: أن يذكر أنه عارضه بغير حق لأنه ربما استحق المعارضة برهن، أو إجارة حتى لا يتقي في دعواه ما يحتاج الحاكم أن يسأله عنه ليعذر بسؤاله إلي المدعى عليه.
وأما توجه الدعوى إلي ما يتعلق بذمته، لأنه قد طولب بما لا يستحق عليه فإن لم يلحقه بالمطالبة ضرر، لم تصح الدعوى، وإن لحقه بها ضرر، إما في نفسه بالملازمة، أو في جاهه بالإشاعة، وإما في ماله بالمعارضة صحت منه الدعوى ليستدفع بها الضرر وصحتها معتبرة بثلاثة شروط: أحدها: أن يذكر ما طولب به، إما مفسرًا، أو مجملًا، لأن المقصود بالدعوى ما سواه.
والثاني: أن يذكر أنه غير مستحق عليه، لأن المطالبة بالحق لا ترد.
والثالث: أن يذكر ما استضر به، لأن المقصود الدعوى ليكون الكف عنه متوجهًا إليه، فإن اقترن بهذه الشروط ما يكمل به جميع الدعاوى، سأل الحاكم المدعى عليه، وله في الجواب، عن دعوى هذه المعاوضة، ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعترف بجميع ما تضمنها فيمنعه الحاكم من معارضته.
والحالة الثانية: أن ينكر المعارضة فيخلى سبيله، فلا يميل عليه لأن لا يتعلق بالمعارضة استحقاق غرم.
والحال الثالثة: أن يذكر أنه يعارضه فيه بحق يصفه، فيصير مدعيًا بعد أن كان مدعى عليه، ويصير المدعي مدعى عليه، بعد أن كان مدعيًا.
فهذا الكلام في صحة الدعوى، وإن تضمنت ضروبًا أغفلناها اقتصارًا وتعويلًا بها على اعتبار ما بيناه.
فصل: وأما الدعوى الفاسدة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: ما عاد فساده إلي المدعي.
والثاني: ما عاد فساده إلي الشيء المدعى.
والثالث: ما عاد فساده إلي سبب الدعوى.
فأما الضرب الأول: في عود فساده إلي المدعي، فكمسلم ادعى نكاح مجوسية أو حر واجد الطول ادعى نكاح أمة، فهذه الدعوى فاسدة، لأن المسلم لا يجوز له أن ينكح مجوسية، والواجد الطول لا يجوز له أن ينكح أمة، فبطلت دعواه لامتناع مقصودها في حقه، فلم يكن للحاكم أن يسمعها منه.
وأما الضرب الثاني: فيما عاد فساده إلي الشيء المدعى، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يدعي ما لا تقر عليه يد كالخمر، ولحم الخنزير، والسباع الضاربة والحشرات المؤذية، فدعواه فاسدة، لوجوب رفع اليد عنها في حقوق المسلمين، فلم

الجزء: 14 - الصفحة: 399

يكن للحاكم، أن يسمعها من كافة الناس.
والضرب الثاني: أن يدعي ما تقر عليه اليد، ولا تصح المعارضة عنه كجلود الميتة والسراجين، والسماد، والنجس، والكلاب المعلمة، تقر عليها اليد للانتفاع بجلود الميتة، إذا دبغت وبالسماد، والسراجين في الزروع، والشجر، والكلاب في الصيد، والمواشي، واختلف في اليد عليها، إذا كانت الجلود من أموات حيوان، والسراجين من أرواث بهائمه، هل تكون يد ملك أو يد انتفاع؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها يد انتفاع لا يد ملك لخروجها عن معارضة الأملاك.
والوجه الثاني: أنها يد ملك لأنه أحق بها كسائر الأموال.
والوجه الثالث: أن ما كان منها ملكًا يعتاض عنه، ويصير في الثاني يعتاض عنه كجلود الميتة كانت اليد عليها يد ملك اعتبارًا بالطرفين وما خرج عن أملاك المعاوضة في طرفيه كالكلاب، والأنجاس، كانت اليد عليها يد انتفاع لا يد ملك فإذا توجهت الدعوى إلي شيء من هذا، لم يخل من أن يكون باقيًا أو تالفًا.
فإن كان تالفًا كانت الدعوى فيه باطلة، لأنه لا يستحق بتلفها مثل ولا قيمة، وإن كانت باقية لم يخل أن يدعيها بمعاوضة، أو غير معاوضة.
فإن ادعاها بمعاوضة أنه ابتاعها، كانت الدعوى فاسدة، لأنها لا تملك بالابتياع إلا أن يكون قد دفع ثمنها، فتكون دعواه متوجهة إلي الثمن إن طلبه، ويكون ذكر ابتياعها إخبارًا عن السبب الموجب لاسترجاع الثمن به، وإن ادعاها بغير معاوضة فقد تصح دعواها في أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تغصب منه، فتصح دعوى غصبها.
والثاني: أن يوصي بها، فتصح دعوى الوصية بها.
والثالث: أن توهب له، فتصح دعوى هبتها.
فإن أطلق الدعوى ولم يفسرها، لما تصح به أو تفسد، فقد اختلف فيما يكون من الحاكم فيها على وجهين: أحدهما: يستفسر ليعمل على تفسيره في صحتها، وفسادها، لأنه مندوب لفصل ما اشتبه.
والوجه الثاني: أن يمسكه متوقفًا عنهما، ولا يستفسره إياها، ليكون هو المبتدئ بتفسيرها، لأن استيفاء دعواه حق له، يقف على خياره.
والضرب الثالث: ما تقر عليه اليد ملكًا، ولا يجوز أن ينتقل من مالك إلي مالك كالوقف وأمهات الأولاد، والدعوى فيه على المالك فاسدة، لا يجوز أن يسمعها الحاكم على مالك لاستحالة انتقاله عن ملكه إلي ملك غيره إلا أن يدعي ابتياعه لاسترجاع الثمن، فتكون الدعوى متوجهة إلي الثمن ويكون ذكر ابتياعه إخبارًا عن السبب.
ويجوز أن يدعي الوقف وأم الولد على غاصبها، وإن لم يدعيا على مالكهما.

الجزء: 14 - الصفحة: 400

وأما الضرب الثالث: في الأصل وهو ما عاد فساده إلي سبب الدعوى وهو على ضربين: عقد ومقتضى عقد.
فأما العقد كالبيع، وإذا ادعى ما ابتاعه وهو على ثلاثة أضرب: صحيح ومتفق على فساده، ومختلف فيه: فإذا كان البيع صحيحًا، صحت الدعوى فيه، إذا استوفي شروطها على ما سنذكره وإن كان البيع متفقًا على فساده كبيع الحمل في البطن، وبيع الثمرة قبل أن تخلق، فالدعوى فيه باطلة لا يسمعها إن طلب تسليم المبيع، ويسمعها إن طلب موجبها من رد الثمن.
وإن كان المبيع مختلفًا فيه كبيع العين الغائبة، يسمعها ليحكم فيها بما يؤدي إليه اجتهاده، من صحة البيع، وتسليم المبيع، أو يحكم بفساده ورد الثمن.
وكذلك الحكم في عقود الإجارات، والمناكح والرهون.
وأنا نقص العهد فكالشفعة، وهي على ثلاثة أضرب: مستحقة، وباطلة ومختلفة فيها.
فأما المستحقة، فشفعة الخلطة تصح دعواها بعد استيفاء شروطها وأما الباطلة فالشفعة فيما ينقل من متاع، أو حيوان فلا يسمع الحاكم ممن منه الدعوى فإن جهل المدعي حكمها أخبره بسقوط حقه فيها.
وأما المختلف فيها فشفعة الجار، فإن كان الحاكم ممن يرى وجوبها سمع الدعوى فيها، وحكم بها لمدعيها، وإن كان ممن لا يرى وجوبها لم يسمع الدعوى فيها بخلاف البيع المختلف فيه، لأن في البيع عقدًا يفتقر إلي الحاكم بإبطاله فلذلك سمع فيه الدعوى ليحكم بإبطاله ورد ما تقابضاه، وليس هذا في الشفعة، لأنها مجرد دعوى، يبطل بردها، والإعراض عنها، فلذلك ما افترقا.
فصل: وأما الدعوى المجملة فكقوله: لي عليه شيء، فالشيء مجهول لانطلاقه على كل موجود من حق وباطل، وصحيح وفاسد، فلا يسمع دعوى المجمل والمجهول وإن سمع الإقرار، بالمجمل والمجهول.
والفرق بين الدعوى والإقرار من وجهين: أحدهما: أن المدعي لا يجوز أن يدعي ما أشكل عليه.
والثاني: أن مدعي المجهول مقصر في حق نفسه، فلم تسمع منه، والمقر مقصر حق غيره، فأضر به، ولا يلزم الحاكم أن يستفسره عما ادعاه من مجمل، أو مجهول، حتى يكون هو المبتدئ بتفسيره بخلاق ما ذكرنا من الوجهين من استقرار المقصود بالدعوى، لأن تلك معلومة سئل فيها عن مقصوده، وهذه مجهولة أخفاها لقصده، فإن قال له فسر ما أجهلت لم يجز، لأنه تلقين وإن قاله له إن فسرت ما أجملت جاز لأنه استفهام، والحاكم لا يجوز أن يلق ويجوز أن يستفهم.

الجزء: 14 - الصفحة: 401

فصل: وأما الدعوى الناقصة فعلى ضربين: نقصان صفة، ونقصان شرط.
فأما نقصان الصفة فكقوله: لي عليه ألف درهم، لا يصفها، فيجب عليه أن يسأل عنها، ولا يحملها على الغالب من نقد البلد فإن إطلاقها في البيع محمولًا على الغالب، لجواز أن تكون في الدعوى من غيرها، فإن كانت من ثمن جميع سأله عنها أيضًا، لجواز أن يعقد بغيرها.
وأما نقصان الشرط فكدعوى عقد نكاح، لا يذكر فيها الولي، أو الشهود فلا يسأله الحاكم عن نقصان الشرط، ويتوقف عن السماع، حتى يكون المبتدئ بذكره، أو لا يذكره فيطرحها.
والفرق بين أن يسأله عن نقصان الصفة، ولا يسأله عن نقصان الشرط: أن نقصان الصفة لا يتردد ذكره بين صحة وفساد، فجاز أن يسأله عنه ونقصان الشرط يتردد ذكره بين الصحة والفساد، فلم يجز أن يسأله عنه.
فصل: وأما الدعوى الزائدة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون الزيادة هدرًا غير مؤثرة كقوله: ابتعت منه هذا العبد في بلد كذا، أو في سوق كذا، فلا يؤثر في الدعوى ويطرح للحاكم سماعها.
والضرب الثاني: أن تكون الزيادة تأكيدًا كقوله: ابتعت هذا العبد على أني إن وجدت به عيبًا رددته، أو على أن عليه أني استحق دركه، فلا يمنع الحاكم من سماعها، وإن لم تحتج الدعوى إليها بما أوجبه الشرع من رد العيب، ودرك المستحق لأن التأكيد مستعمل في العقود فجرت الدعوى فيه على المعهود.
والضرب الثالث: أن تكون الزيادة منافية لموجب الدعوى كقوله: ابتعت هذا العبد بألف إن استقالني أقلته، وإن ردها على فسخته فهذه الزيادة في الدعوى معتبرة بمخرجه منه، فإن خرجت مخرج الوعد بعد صحة العقد، لم تمنع من صحة الدعوى وكان ذكرها حكاية حال تقف على خياره، وإن خرجت مخرج الشرط في العقد، أبطل بها الدعوى فإن قصد بها تملك المبيع لم يسمعها وإن قصد بها استرجاع الثمن سمعها.
فصل: وأما الدعوى الكاذبة فهي المستحيلة، كمن ادعى وهو بمكة أنه نكح بالأمس فلانة بالبصرة.
أو ادعى أنه ورث هذا العبد من أبيه وقد ولد بعد موت أبيه.
أو ادعى أن فلانًا جرحه هذه الجراحة في يومه، وفلان غائب إلي نظائر هذا من الدعاوى الممتنعة فتكون كاذبة، يقطع بكذب مدعيها، لا يسمعها الحاكم، وإن صدقه الخصم عليها لاستحالتها، وتزول بها عدالة المدعي للعلم بكذبه، وبالله التوفيق.

الجزء: 14 - الصفحة: 402

فصل: فإذا صح ما ذكرنا من مقدمات هذا الباب، فالدعوى الصحيح ممنوعة من كل جائز الأمر فيما يدعيه، على كل جائز الأمر فيما يدعي عليه سواء عرف بينهما معاملة، أو لم يعرف، ويعديه الحاكم إذا استعداه وإن جل قدر المدعى عليه وتصون.
وقال مالك: لا يعد به على أهل الصيانة، فلا يستحضره الحاكم، إلا أن يعلم أن بينهما معاملة، لئلا يستبذل أهل الصيانات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وهذا ليس بصحيح لقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] فأمره بالتسوية وترك الميل.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده إلي أبي موسى: آسى بين الناس في وجهك، وعدلك، مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، وقد احتكم علي بن أبي طالب عليه السلام ويهودي إلي شريح في حال خلافته فلم يمتنع أن يساوي في المحاكمة بين اليهودي وبين نفسه؛ ولأن خمول المدعي لا يمنع أن يكون ذا حق، وصيانة المدعى عليه، لا يمنع أن يكون عليه حق.
ولأن المعاملة لا تدل على بقاء الحق، وعدمها ل يمنع من حدوث الحق، فلم يكن لاعتبارها من الدعاوى وجه.
والذي يجوز أن يستعمله الحاكم في تحاكم أهل الصيانة أن يميزهم عن مجالس العامة، ويفرد لمحاكمتهم مجالسًا خالصًا يصانون به، عن بذله العامة، يجمع فيه بينهم، وبين خصومهم، فلا ترد فيه الدعوى ولا تبتذل فيه الصيانة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ادعى الرجل الشيء في يدي الرجل فالظاهر أنه لمن هو في يديه مع يمينه، لأنه أقوى سببًا فإن استوي سببهما فهما فيه سواٌء فإن أقام الذي ليس في يديه البينة قيل لصاحب اليد البينة التي لا تجر إلي أنفسها بشهادتها أقوى من كينونة الشيء في يديك وقد يكون في يديك ما لا تملكه فهو لفضل قوة سببه على سببك، فإن أقام الآخر بينًة قيل قد استويتما في الدعوى والبينة والذي الشيء في يديه أقوى سببًا فهو له لفضل قوة سببه وهذا معتدٌل على أصل القياس والسنة على ما قلنا في رجلين تداعيا دابًة وأقام كل واحٍد منهما البينة أنها دابته نتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هو في يديه قال: وسواٌء التداعي والبينة في النتاج وغيره".
قالي في الحاوي: وأصل هذا أن مجرد الدعاوى في المطالبات لا يحكم في فصلها بحجة تقترن بها، فحجة المدعي البينة على إثبات ما دعاه، وحجة المدعى عليه اليمين على نفي ما أنكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه".

الجزء: 14 - الصفحة: 403

وروى الأعمش عن شقيق بن وائل عن الأشعث قال: كان بيني وبين يهودي أرض فجحدني عليها، فقدمته إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألك بينة؟ فقلت: لا.
فقال لليهودي.
احلف.
قلت إذن يحلف فيذهب بمالي، فنزل قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] الآية، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر حجة كل واحدة منهما.
وروى سماك عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه أن رجلًا من حضرموت أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجل من كندة، فقال: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي: أرضي، وفي يدي أزرعها، لا حق له فيها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
فقال: لك يمينه.
فقال الحضرمي: إنه فاجر لا يبالي على ما حلف إنه لا يتورع من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"ليس لك منه إلا ذاك" فدل على ما ذكرناه.
ويدل عليه من طريق المعنى أن البينة أقوى من اليمين، لزوال التهمة عن البينة وتوجهها إلي اليمين.
وجنبة المدعى عليه أقوى من جنبة المدعي، لأن الدعوة إن توجهت إلي ما في يده فالظاهر أنه على ملكه، وإن توجهت إلي دين في ذمته، فالأصل براءة ذمته، فجعلت أقوى الحجتين وهي البينة في أضعف الجنبتين وهي المدعي، وجعلت أضعف الحجتين وهي اليمين في أقوى الجنبتين وهي المدعى عليه، لتكون قوة الحجة جبرانًا، لضعف الجنبة وفي الجنبة جبرانًا لضعف الحجة فتعادلا في الضعف والقوة.
فصل: وإذا تعين المدعي، وتحررت الدعوى، سأل الحاكم المدعى عليه، عن الدعوى، ولم يسأل المدعي عن البينة، لأنه قد يقر المدعى عليه، فلا يحوج إلي البينة، فإن أقر لزمه إقراره، وأخذه بموجبه، وقد فصل الحكم بينهما.
وإن أنكر سأل الحاكم المدعي: ألك بينة؟ فإن ذكرها أمره بإحضارها، فإذا أحضرت سمع الحاكم منها وحكم على المدعى عليه، بها، وقدمها على يمين المدعى عليه لأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم البينة على اليمين.
والثاني: أن البينة أقوى من اليمين من وجهين: أحدهما: أن التهمة منتفية عن البينة، لأنها لا تجر إلي نفسها نفعًا، ولا تدفع ضررًا، والتهمة متوجهة إلي يمين الحالف، لأنه يدفع بها عن نفسه ضررًا، ويجربها إلي نفسه نفعًا.

الجزء: 14 - الصفحة: 404

والثاني: أن البينة تشهد بتصريح الملك، وتوجيه، واليمين تدل عليه ولا توجيه، وإن عدم المدعي البينة سأل الحاكم المدعى عليه الحلف، ولم يقل له احلف؛ لأن سؤاله استفهام.
وأمره تلقين، وإن حلف فصل الحكم بينهما بيمينه، وسقطت الدعوى فإن نكل عن اليمين لم يجبر عليها، وترد يمينه على المدعي، بعد استقرار نكوله، ولا يقضى عليه بالنكول، من غير إحلاف المدعي، وقال أبو حنيفة: يقضي عليه بالنكول، من غير إحلاف المدعي، وقد تقدم الكلام معه، وإن امتنع المدعى عليه من اليمين لقيم البينة بدلًا من يمينه نظر في الدعوى.
فإن كانت بدين في الأمة لم تسمع منه البينة؛ لأنه نفي الدين بإنكاره والبينة لا تسمع على النفي وقيل له: لا براءة لك من الدعوى إلا بيمينك.
فإن كانت الدعوى بعين في يده ففي سماع بينته بدلًا من يمينه وجهان: أحدهما: لا تسمع بينته، لأنه لا حاجة به إليها، ويستغنى بيمينه عنها.
والثاني: تسمع ببينته عليها وترتفع الدعوى بها، وتكون بينته أوكد من يمينه لأن البينة قد جمعت إثباتًا ونفيًا، فصح سماعها منه في الأعيان لما تضمنها من الإثبات، ولم يسمعها فيما تعلق بالذمة لأنها تتضمن النفي دون الإثبات.
وقال أبو حنيفة: اليمين مستحقة على المدعى عليه فلا تنقل إلي المدعي، والبينة مستحقة على المدعي، فلا تنقل إلي المدعى عليه، فلذلك فضي عليه بنكوله، ولم تسمع منه البينة، ولم يختلف عليه المدعي وسيأتي الكلام معه.
فصل: فإن أقام المدعي بينة، وأقام صاحب اليد بينة، سمعت بينته وقضى ببينته على بينة المدعي، لفضل يده في جميع الأعيان سواء كان الملك مطلقًا، أو مذكورًا لسبب وسواء فيما ذكر سببه مما يتكرر كصناعة الأواني وما ينتج من الخز مرة بعد أخرى، لو كان مما لا يتكرر سببه كالنتاج، وثياب القطن والكتان، وبه قال مالك من أهل المدينة وقال به من أهل العراق شريح، والنخعي والحكم بن عيينة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان التنازع في ملك مطلق، أو مما يتكرر سببه لم تسمع بينة صاحب اليد، وقضى بينة المدعي، وإن كان مما لا يتكرر سمعت بينة صاحب اليد في الأحول كلها، وسموا المدعى خارجًا، وصاحب اليد داخلًا، فقال: تسمع بينة الخارج، ولا تسمع بينة الداخل، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" بحذف الألف واللام الموجب لاستغراق الجنس، فاقتضى أن لا تنتقل البينة إلي المدعى عليه، ولا تنتقل اليمين إلي المدعي.
ولأن اليمين موجبة للملك فلم يستفد صاحب اليد بالبينة ما لا يستفيد بيده وبينة المدعي يحكم بها مع يد المدعى عليه، فوجب أن يحكم بها مع بينته، لأن بينته لم تعد إلا ما أفادته يده، ثم اليد أقوى من البينة، لأن اليد تدل على الملك شاهدة والبينة تدل

الجزء: 14 - الصفحة: 405

على الملك استدلالًا فافترقا ولأنه لما لم تسمع بينة الداخل في الدين لم تسمع في العين لاستوائهما في حق الخارج في القبول، فوجب أن يستويا في حق الداخل في الرد.
قالوا: ولأنه لما لم تسمع بينة الداخل إذا لم يقم الخارج البينة مع قوة الداخل، وضعف الخارج كان أولى أن لا تسمع بينة الداخل إذا أقام الخارج البينة مع ضعف الداخل، وقوة الخارج لأن من لم تسمع بينته مع قوته، كان أولى أن لا تسمع مع ضعفه.
ودليلنا رواية جابر أن رجلين اختصما إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابة، أو بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له بنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده فدل على قبول بينة الداخل، فإن قيل فبينة الداخل في النتاج مقبولة.
قيل: وجه الدليل أنه قضى بينة الداخل تعليلًا باليد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي" وقد صار كل واحد منهما مدعيًا للعين، وإن لم يصر مدعيًا للدين، فوجب بهذا الخبر، أن تسمع بينة كل واحد منهما.
ولأن جنبة الخارج أضعف من جنبة الداخل، فلما سمعت لليد مع الضعف كان سماعها مع القوة أولى.
وتحرير قياسًا، أنها بينة تسمع مع ضعف الجنبة، فكان أولى أن تسمع مع قوة الجنبة كسماعها من المدعي، إذا كانت له يد متقدمة ولأنهما إذا تنازعا ملكًا، لا يد لواحد منهما، سمعت بينة كل واحد منهما، فإذا انفر أحدهما باليد، لم يمنع من سماع بينته، لأنها إن لم تفده قوة لم تقده ضعفًا، وتحرير أن تساويهما في ادعاء الملك، يوجب تساويهما من سماع البينة، كما لو لم يكن لأحدهما عليه يد، أو كان لكل واحد منهما يدل عليه.
ولأن بينته الخارج قد رفعت يد الداخل، فصار كالخارج، فوجب أن تسمع بينته كسماعها من الخارج.
وتحرير قياسًا أن كل من حكم عليه إذا عدم البينة، وجب أن يحكم له إذا وجد السنة كالخارج، ولأن اليد فعل زائد في القوة فلم يجز أن يمنع من سماع البينة.
كما لو شهد لأحدهما شاهدان، وشهد للآخر عشرة.
ولأن كل حجة صح دفعها بالقدح فيها، صح دفعها بالمعارضة لها كالخبرين وعمدة القياس على أبي حنيفة أنه لما سمعت بينة الداخل فيما لا يتكرر من النتاج، وثوب القطن سمعت بينة في ما يتكرر من أواني الذهب والفضة، وثوب الخبز.
وتحريره قياسًا من وجهين: أحدهما: أن كل من سمعت بينته فيما لا يتكرر من الأعيان سمعت بينته فيما يتكرر منها كالخارج.
والثاني: أن كل يمين صح سماع البينة عليها من الداخل، كالنتاج، والأعيان التي لا تتكرر فاعترض أصحاب أبي حنيفة على هذا، بما اختلف فيه متقدموهم، ومتأخروهم، فأما المتقدمون منهم فعارضوا في الفرق بينهما بأن البينة في النتاج وما لا يتكرر سببه، تفيد ما لا تفيده يده، لأن اليد تدل على الملك دون السبب والبينة تدل على الملك والسبب فلذلك سمعت بينته مع يده والبينة في الملك

الجزء: 14 - الصفحة: 406

المطلق، لا تفيد إلا ما أفادته يده، فلذلك لم تسمع بينته مع يده، وعنه جوابان: أحدهما: أن عكس هذا بأن ما كان التعارض فيه ممكنًا، أولى بالقبول مما كان التعارض فيه كذبًا.
والثاني: أنهما متكاذبتان في الملك، وإن أمكن صدقها في السبب التكرر فلئن جاز أن يكون التكاذب في السبب موجبًا لتغليظ الصدق باليد جاز أن يكون التكاذب في الملك موجبًا لتغليب الصدق باليد، فلم ينقلوا في كل الفرقين من فساد موضوعها.
فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"فمن وجهين: أحدهما: ما قدمناه في الاستدلال به عليهم، بأنه قد صار كل واحد منهما مدعيًا.
والثاني: أنه لا يمتنع أنه يحمل قوله: "البينة على المدعي" أنها تسمع من المدعى عليه على المدعي، واليمين على المدعى عليه أنها تسمع على المدعي، لأن قوله على مقتضى ظاهره، أن يكون متوجهًا إلي من سمعت منه البينة، وسمعت عليه اليمين، فيكون الخبر محمولًا على تأويلين مستعملين، ثم أكثر ما فيه أن يكون عامًا في جنس الأيمان والبينات، والعموم يجوز تخصيص بعضه فيخص هذا بأدلتنا.
وأما الجواب عن قولهم إن اليد موجبة للملك، فلم يستفد صاحبها بالبينة، ما لم يستفد بيده فمن وجهين: أحدهما: أن اليد تدل على الملك، ولا توجبه؛ لأن اليد قد تكون لغصب، أو أمانة، أو إجازة فلم توجب الملك دون غيره، وإن كانت في الظاهر محمولة عليه مع اليمين، والبينة موجبة للملك بغير يمين.
فصار مستفيدًا بالبينة، ما لا يستفيده بيده من وجهين: أحدهما: أن اليد تدل على الملك، ولا توجبه، لأن اليد قد تكون لغصب أو أمانة، أو إجازة فلم توجب الملك دون غيره، وإن كانت في الظاهر محمولة عليه مع اليمين، والبينة موجبة للملك بغير يمين، فصار مستفيدًا بالبينة، ما لا يستفيده بيده من وجهين: أحدهما: أنها أوجبت الملك واليد لا توجبه.
والثاني: أنها أسقطت اليمين، واليد لا تسقطها.
والجواب الثاني: ما قدمناه أن بينة المدعى عليه في الدين لم تسمع بينته في اليمين فمن وجهين: أحدهما: ما قدمناه من أن البينة في الدين، في جهة المدعي تكون على الإثبات، ومن جهة المدعى عليه تكون على النفي، والبينة، تسمع على الإثبات، ولا تسمع على النفي، وهي على الأيمان موجبة للإثبات في الجهتين فسمعت منهما.
والجواب الثاني: أنها تسمع البينة في الدين من جهة المدعى عليه، إذا شهدت

الجزء: 14 - الصفحة: 407

بالقضاء، فصارت مسموعة من الجهتين، وأما الجواب عن قولهم إنه لما لم تسمع البينة، مع عدم بينة الخارج، كان أولى أن لا تسمع مع وجود بينة الخارج، فهو أن لأصحابنا في سماعها وجهين ذكرناهما: أحدهما: تسمع ويسقط الاستدلال.
والثاني: لا تسمع.
والفرق بينهما أنه لا تسمع بينة، مع عدم بينة الخارج لأنه مستغٍن عنها بيمينه.
فصل: فإذا ثبت أن البينة مسموعة من المدعي، الذي هو الخارج، ومن المدعى عليه، الذي هو الداخل، فبينة المدعي مسموعة على التقييد، والإطلاق، فتقييدها أن تشهد له بالملك المضاف إلي سببه، وإطلاقها أن تشهد له بالملك على الإطلاق من غير إضافة إلي سببه.
وأما بينة المدعى عليه، فإن شهدت بالملك المقيد المضاف إلي سببه سمعت، وإن شهدت له بالملك المطلق من غير إضافة إلي سببه، ففي سماعها منه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم لا تسمع منه لجواز أن تشهد له بالملك لأجل اليد التي قد زال حكمها بينة المدعي.
والثاني: وهو قوله في الجديد تسمع منه لأن الظاهر من الشهود إذا أطلقوا أنهم لا يشهدون له بالملك عن يد، قد علموا زوالها ببينة المدعي، إلا وقد علموا غيرها من الأسباب الموجبة للملك، فحملت شهادتهم على ظاهر الصحة، فإذا سمعت بينة المدعي وسمعت بينة المدعى عليه، على ما وصفنا فقد تعارضت البينتان فوجب أن يحكم للمدعى عليه دون المدعي، وفي وجوب استحلافه على الحكم له بالملك قولان، مبنيان على اختلاف قول الشافعي فيما يوجبه تعارض البينتين فأحد قوليه إنهما يسقطان بالتعارض، وتقر يد المدعى عليه، فيحكم له بيده مع يمينه.
والقول الثاني: أن بينة المدعى عليه قد ترجحت بيده، فأسقطت بينة المدعي ببينته، فحكم له بالبينة من غير يمين ترجيحًا باليد ولم يحكم له باليد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وسواء أقام أحدهما شاهدًا وامرأتين والآخر عشرًة إن كان بعضهم أرجح من بعٍض".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام كل واحد من المتداعيين بينة على ما تنازعاه من العين، ولو يمكن لواحد منهما يد، وترجحت بينة أحدهما على بينة الآخر، بكثرة

الجزء: 14 - الصفحة: 408

العدد، وكانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر عشرة، أو ترجحت بزيادة العدالة، فكانت بينة أحدهما أظهر زهدًا، وأوفر تحرجًا فهما من التعارض سواء، ولا يغلب الحكم بالبينة الزائدة في العدد والعدالة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: المرجحة بزيادة العدد، وقوة العدالة أولى، والحكم بها أحق.
حكاه الشافعي في القديم، فخرجه بعض أصحابه قولًا ثانيًا، ونفاه أكثرهم عنه.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: اقسم الشيء المشهود فيه على عدد البينتين، فإذا كانت إحداهما شاهدين والأخرى أربعة قسمت فيه أثلاثًا، فجعلت لصاحب الشاهدين سهمًا، ولصاحب الأربعة سهمين.
فأما مالك فاستبدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الجماعة أبعد" ولأن النفس إلي زيادة العدد أسكن، وبقوة العدالة أوثق ولذلك رجحت بها أخبار الرسول إذا تعارضت، فوجب أن ترجح بها الشهادات إذا تعارضت.
وأما الأوزاعي، فاستدل له بأن المشهود فيه مستحق بقولهم، فاقتضى أن يكون مقسطًا على عددهم.
والدليل على التسوية بينهم أن الله تعالى نص على عدد الشهادة بقوله: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وبقوله تعالى ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، فمنع النص من الاجتهاد في الزيادة والنقصان.
ولأن لما جاز الاقتصار على الشاهدين مع وجود من هو أكثر، وعلى قبول العدل مع من هو أعدل، دل على أن لا تأثير لزيادة العدد، وزيادة العدالة، ولأن ما تقدر بالشرع لم يختلف حكمه بالزيادة والنقصان كدية الحر، وما تقدر بالاجتهاد، اختلف حكمه بالزيادة، والنقصان لقيمة العبد، وبهما فرقنا في الأخبار المتعارضة بين زيادة لعدد، ونقصانه، لعدم النص من عدده وسوينا في الشهادات المتعارضة بين الزيادة والنقصان لورود النص في عدده وفيما ذكرناه انفصال عما استدلوا به.
وقول الأوزاعي أوهي، لأنه لو ثبت الحق بشهادة عشرة، ثم ثبت قضاؤه بشاهدين قضى بهما على شهادة العشر ولم يقسط القضاء على العدد كذلك في إثبات الحق، وهو حجة، على مالك أيضًا.
فصل: فإذا ثبت أنه لا ترجح الشهادة بزيادة العدد وزيادة العدالة كذلك لا ترجح بأن يكون مع أحدهما شاهدان، والأخرى شاهد وامرأتان؛ لأن كل واحدة من الشاهدين بينة كاملة، فإذا تعارض شاهدان وشاهد ويمين ففيهما قولان: أحدهما: أنهما سواء لأن الحق يثبت بكل واحدة منهما.

الجزء: 14 - الصفحة: 409

والثاني: وهو أصح أن الشاهدين يقوم على الشاهد، واليمين، لأمرين: أحدهما: أن التهمة متوجهة إلي اليمين، وغير متوجهة في الشهادة.
والثاني: أن الحكم بالشاهدين متفق عليه، وبالشاهد واليمين مختلف فيه.
وسنذكر حكم التعارض من بعد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن أراد الذي قامت عليه البينة أن يحلف صاحبه مع بينته لم يكن ذلك له إلا أن يدعي أنه أخرجه إلي ملكه فهذه دعوى أخرى فعليه اليمين".
قال في الحاوي: أن يشهد شاهدان على رجل، بدين في ذمته، أو بملك في يده فيسأل المشهود عليه إحلاف المشهود له، أن ما شهد به شاهداه حق له، لم يجز إحلافه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وحكي عن شريح والنخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى: أنهم جوزوا إحلاف المدعي مع بينته استعمالًا لما أمكن في الاستظهار في الأحكام.
وهذا خطأ لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"، فلم يجعل في جنبة المدعي غير البينة، فلم يجز إحلافه معها، وقال صلى الله عليه وسلم للمدعى: "شاهدالك أو يمينه"، ولأن في إحلافه مع شهادة شهوده قدحًا في شهادتهم وطعنًا في عدالتهم وما أفضى إلي القدح في شهادة صحت وعدالة ثبتت ممنوع منه كما يمنع من إحلافه أن ما حكم به الحاكم حق لإفضائه إلي القدح في حكمه، ولا يجوز الاستظهار بما يمنع منه الشرع، ولم يرد به.
فإن قيل: فقد جوز الشافعي في الرهن، إذا أقام البينة على إقرار الراهن بإقباضه ثم سأله الراهن إحلاف المرتهن على قبضه أنه يحلف عليه.
قيل: إن سأل إحلافه على أن ما أقر بإقباضه، كان صحيحًا نظر فإن كان إقراره بأن وكيله أقبضه أحلف عليه، لجواز أن يكذبه الوكيل في القبض، وليس فيه قدح في الشهادة على إقراره، وإن كان هو الذي أقبضه إياه، ففي جواز إحلافه على قبضه منه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما فيه من الرجوع عن إقراره.
والثاني: يجوز لأنه قد عرف الإقرار بالتقابض قبل الإقباض فصار الإقباض بالعرف محتملًا.
فصل: فأما إذا سأل المشهود عليه، إحلاف المشهود له، أنه ما قبض الدين أو لم يبعه

الجزء: 14 - الصفحة: 410

العين، أجيب إلى إحلافه لأنها دعوى مستأنفة أنه ابتاع العين، وقضاه الدين، وليس فيها تكذيب للشهود، فجاز إحلافه عليها.
وهكذا لو شهد الشهود بدين على غائب، أو ميت، جاز إحلاف المشهود له، أنه ما برئ إليه من الدين ولا من شيء فيه، لأن الغائب والميت لو كانا حاضرين لجاز أن يدعيا قضاء الدين، أو الإبراء منه، فلزم لأجل الاحتياط أن يحلف المشهود له على مثل ما لو ادعاه الحاضر أحلف له، فإن قضى الدين من مال ناجز أحلف عند الشروع في قضائه، ثم قضى بعد يمينه.
وإن كان نقضا من بيع عقار، أحلف قبل بيعه ثم بيع وقضي من ثمنه، ولم يجز أن يباع قبل يمينه، لأنه قد يجوز أن ينكل عن اليمين، فيفوت استدراك المبيع، فأما إحلاف الشهود على صدقهم فيما شهدوا به، فلا يجوز وهو قول جميع أهل العلم.
وحكي عن الهادي العلوي أنه باليمين كأن يحلف الشهود إذا ارتاب بهم، ثم يحكم بشهادتهم، وهذا قول خرق به الإجماع، وخالف به الأمة، لقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. فأمر بالحكم بها، ولم يوجب اليمين معها.
ولأنهم إذا كانوا صادقين، وجب الحكم بشهادتهم، من غير يمين، وإن كانوا كاذبين لم يجز الحكم بها مع اليمين.
ولأنه لو جاز إحلاف الشهود مع الارتياب لجاز إحلاف الحكام، ثم إحلاف الأئمة، ثم إحلاف الأنبياء أن ما أدوه عن الله تعالى حق، وما أفضى إلى هذا كان مطرحًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى أنه نكح امرأةً لم أقبل دعواه حتى يقول نكحتها بولي وشاهدي عدل ورضاها فإن حلفت برئت، وإن نكلت حلف وقضي له أنها زوجة له".
قال في الحاوي: وأصل هذا أن الدعوى المجهولةً لا يجوز للحاكم أن يسمعها، ويسأل الخصم عنها إلا في الوصايا لجواز الوصيةً بالمجهول، فأما غير الوصايا التي تمنع الجهالةً منها، فلا يصح ادعاؤه مجهولًا حتى يستوفي المدعي ما يمنع من جهالة الدعوى، لأن سماع الدعوى يكون للسؤال عنها، والحكم بها، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بمجهول، فلم يجز أن يسمع الدعوى بمجهول، فإذا كان هذا أصلًا، وكانت الدعوى معلومةً، تعلق الكلام بالكشف عن سببها، وللمدعى عليه ثلاثة أقسام: قسم لا يجب الكشف عن سببه.
وقسم يجب الكشف عن سببه.
وقسم مختلف في وجوب الكشف عن سببه.

الجزء: 14 - الصفحة: 411

فأما الذي لا يجب الكشف عن سببه، فالأملاك المدعاةً من عين، أو دين، فالعين أن يدعي دارًا أو ثوبًا أو عبدًا معلومًا بصفةً أو تعيين، والدين أن يقول عليه ألف درهم بصفتها فلا يلزم أن يسأله عن سبب ملكه، لما ادعاه، ولو سأله لم يجب على المدعي ذكر سببه.
وإنما لم يجب الكشف عن سبب الملك، لأن أسباب الملك تكون من جهات شتى بكثرة عددها، لأنه قد يملك بالميراث، والابتياع، وبالهبة، والقيمةً، وبالوصيةً، وبغير ذلك من الوجوه كالإجباء، وحدوث النتاج، والثمار، فسقط الكشف عن سببها لكثرتها واختلافها.
وأما القسم الذي يجب الكشف عن سببه، فدعوى القذف والقتل، فإن ادعى قتلًا قيل أعمد أم خطأ؟ فإن قال: عمد سئل عن صفة العمد، وإن ادعى قذفا سئل عن لفظ القذف، لأن القتل يختلف حكم عمده، وخطئه، وقد يدعى من العمد ما لا يكون عمدًا، ولما في العمد من اختلاف أسبابه، وأحكامه وفي الحكم به قبل السؤال فوات ما لا يمكن استدراكه، والقذف قد تختلف ألفاظه وأحكامه فافتقر ذلك إلى كشف السبب، وصفته ليزول عن الاحتمال وصار كالشاهد إذا شهد بفسق مجروح، أو نجاسة ماء لم يحكم بنجاسته حتى يذكر سبب ما صار به المجروح، فاسقًا، والماء نجسًا، للاختلاف في التفسيق والتنجيس.
فصل: وأما القسم المختلف في وجوب الكشف عن سببه، فهو أن تتوجه الدعوى إلى عقد يتردد بين الصحةً والفساد، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مما يغلظ حكمه في الشرع، كالنكاح المغلظ بالولي والشاهدين، فالحاكم مندوب عند الشافعي أن يسأل مدعي النكاح عن صفته، فيقول نكحتها بولي، وشاهدي عدل، ورضاها، فاختلف أصحابه فيما خص به النكاح من صفة العقد، هل هو محمول على الوجوب أو على الاستحباب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محمول على الاستحباب دون الوجوب سواء ادعى العقد فقال: تزوجت بهذه المرأة، أو ادعى النكاح فقال هذه زوجتي، وتصح الدعوى، وإن لم يصف العقد، وهذا قول أبي العباس بن سريج وبه قال أبو حنيفة ومالك لأمرين: أحدهما: أنه لما لم يلزم في دعوى البيع صفة العقد، وإن اعتبرت فيه شروط اختلف فيها لم يلزم صفةً النكاح لأجل شروطه، واختلاف الناس فيها.
والثاني: أنه قد يعتبر في صحة النكاح وجود شرائط كالولي، والشاهدين، ورضا المنكوحة، وعدم شروط كعدم العدةً، والردةً، والإحرام، فلما لم يعتبر في دعوى النكاح، الشروط المعدومة لم تعتبر الشروط الموجودة.

الجزء: 14 - الصفحة: 412

والثاني: وهو ظاهر مذهبه، وعليه قول الأكثرين من أصحابه أنه محمول على الوجوب، وأن الشروط المعتبر وجودها في صحة النكاح، شرط في صحة دعواه، سواء توجهت الدعوى إلى العقد أو إلى الزوجيةً، واختلف على هذا في سبب اختصاصه في الدعوى بصفة العقد، فقال أبو علي بن أبي هريرة: لأن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ خصه من سائر العقود بأن قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين"، ولولا هذا التخصيص لكان كغيره، وعلل أبو إسحاق المروزي بأن الفروج موضوعة على الحظر، والتغليظ فلم يجز استباحتها بدعوى محتملةً، حتى ينفي عنها الاحتمال به لصفة.
وعلل أبو حامد المروزي بأن في استباحة الزوج إتلافًا لا يستدرك ومأثمًا لا يرتفع بالإباحةً، فأشبه دعوى القتل، وخالف ما سواه من عقود الأملاك.
وعلل آخرون بأن الإطلاق في عقود النكاح أكثر، وما يطلق على اسم النكاح من فاسد العقود أقل، وفرقوا بين شروط الوجود، وشروط العدم وأن الشروط المعدومة أصل في العدم، فحملت على ظاهر العدم وليس لشروط الوجود أصل في الوجود، فلم يحمل على ظاهر الوجود.
والثالث: إن كانت الدعوى، في عقد النكاح، فقال تزوجت هذه المرأةً، كانت شروط العقد معتبرةً في صحة الدعوى وإن اقتصرت الدعوى على النكاح الأول، دون العقد، فقال هذه زوجتي، لم يعتبر شروطا للعقد في صحة الدعوى، لأن الاستدامة أخف حكما من الابتداء، لأن الشهادة على عقد البيع، والنكاح بالخبر الشائع لا تصح، حتى يشاهد المتعاقدين، ويسمع لفظهما بالعقد والشهادة على الأملاك، والزوجية بالخبر الشائع تصح، فلذلك تغلظت دعوى العقد وتخففت دعوى الزوجية.
فصل: فإذا صحت دعوى النكاح على ما وصفنا فهي على ضربين: أحدهما: أن تتوجه الدعوى من الزوج على الزوجة من ضروب دعوى النكاح، فتؤخذ بالجواب عنها، ولها في الجواب حالتان: إقرار وإنكار فإن أقرت بالزوجة، حكم بإقرارها، وأنها زوجة لمدعي نكاحها وسواء كانا في حضر أو سفر.
وحكي عن مالك أنه يحكم بذلك في السفر، ولا يحكم به في الحضر إلا ببينةً، أو يرى دخوله عليها، وخروجه من عندها، لإمكان ذلك في الحضر وتعذره في السفر إلا أن يكونا في غربة فيقبل.
وقد ذكره الشافعي في القديم، فمن أصحابه من خرجه قولا له في القديم، ومنهم من نسبه إلى حكايته له عن مالك وأن مذهبه في القديم، والجديد، وقول فقهاء العراق أن

الجزء: 14 - الصفحة: 413

تصادقهما على النكاح يوجب الحكم بصحته في الحضر والسفر، وفي الغربة والوطن، لأنه من لوازم العقود لهما، فحكم فيه بالصحة لتصادقها كسائر العقود.
ولأن التصادق على العقد أثبت من البينةً.
ولأن العقد يسبق التصرف فلم يعتبر في الإقرار به وإن أنكرته الزوجة أحلفت.
وقال أبو حنيفة: لا يمين عليهما وقد مضى الكلام معه في وجوب الأيمان في جميع الدعاوى.
فإن حلفت فلا نكاح بينهما، ما لم يكن لهبينة بالعقد عليها وبينته شاهدان عدلان لا غير، إما على حضور العقد وإما على إقرارها به، وأخذت بالاجتماع معه جبرًا.
وإن نكلت عن اليمين مع عدمه للبينةً، ردت عليه اليمين، وحكم له بنكاحها، إذا حلف وإن نكل عن يمين الرد انقطعت الدعوى، وزال حكمها.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون دعوى النكاح، متوجهة من الزوجة على الزوج من ضروب دعوى النكاح، فإن اقترن بدعواها، طلب حق يتعلق بها من مهر، أو نفقة سمعت دعواها عليه، وهل يعتبر في صحةً دعواها، ذكر شروط العقد على ما ذكرناه من الأوجه الثلاثة، وأخذ الزوج بالجواب عن دعواها، وإن لم يقترن بدعواها، طلب حق يتعلق ففي وجوب أخذ الزوج بجواب دعواها وجهان: أحدهما: لا يسأل عن الجواب، ولا يؤخذ به، لأنه إذا لم يتعلق بالدعوى، طلب حق صار إقرارا له بالعقد، ولا جواب على المقر له.
والثاني: وهو أظهر أنه يؤخذ بالجواب عنه، لأنه قد يتعلق بهذه الدعوى ما يحدث بعدها، من ثبوت نسب واستحقاق ميراث، فإذا صحت دعواها على ما بينا وأخذ الزوج بجوابه عنها، فله حالتان: إقرار وإنكار.
فإن أقر حكم بثبوت النكاح بينهما بتصادقهما في الحضر والسفر، على ما قدمناه، وإن خالف فيه مالك، فإن أنكرها ولها بينة، سمعت، وحكم لها بالنكاح.
وإن عدمت البينةً، أحلف لها على إنكاره، فإن حلف فلا نكاح بينهما، وجاز لها أن تنكح غيره، وإن أقرت بنكاحه، لأن نكاحها قد زال بيمينه، ولا يجوز أن لا تكون زوجةً له، وتحرم على غيره.
وإن نكل عن اليمين ردت عليها، فإذا حلف بعد نكوله حكم لها عليه بالزوجية، وحل له إصابتها، والاستمتاع بها، وإن أنكر العقد، لأنه قد حكم بينهما بالزوجية فكان الحكم لكل واحد منهما قطعه.
ولا يجوز أن يحكم عليه بالنكاح، ويحكم عليه بتحريم الاستمتاع، وليس جحود النكاح طلاقًا، تحرم به عليه، لأنه لو كان طلاقًا لارتفع به النكاح، وإذا كان النكاح بعده ثابتًا، امتنع أن يكون طلاقًا فامتنع أن يحرم عليه الاستمتاع.

الجزء: 14 - الصفحة: 414

فصل: فأما دعوى غير النكاح من سائر العقود كالبيع، والإجارةً، والرهن، فإن لم يعتبر شروط العقد في دعوى النكاح، فأولى أن لا تعتبر في دعوى غيره من العقود، لأنها إذا لم تعتبر في الأغلظ، كان أولى أن لا تعتبر في الأخف، وإن اعتبرت في النكاح فقد اختلف أصحابنا في اعتبارها في دعوى غيره من البيع والإجارة على ثلاثة أوجه: أحدها: يعتبر في دعواها شروط العقد، سواء استبيح بها، ذات فرج أم لا، لأنها قد توجد فيها الصحة، والفساد كالنكاح، فيقول في دعوى العبد ابتعت هذا العبد بألف درهم بعد رؤيته وافترقنا عن تراض منه.
والثاني: يجوز إطلاق الدعوى، ولا تعتبر فيها شروط العقد وسواء استبيح بها ذات فرج أم لا بخلاف النكاح، لوقوع الفرق بينهما في التغليظ باعتبار الولي والشاهدين في النكاح، وسقوط اعتباره في البيع.
والثالث: إن استبيح بالبيع ذات فرج كابتياع الأمةً، اعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد، كالنكاح، وإن لم يستبح به ذات فرج كابتياع البهائم، والأمتعةً، لم يعتبر في دعوى ابتياعها شروط العقد، لتخفيف حكمها بأنها تملك بالإباحة، ويشبه أن يكون لهذا الموجه وجه.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والأيمان في الدماء مخالفة لغيرها لا يبرأ منه إلا بخمسين يمينا وسواء النفس والجرح في هذا نقتله ونقصه منه بنكوله ويمين صاحبه (قال المزني:) رحمه الله: قطع في الإملاء بأن لا قسامة بدعوى ميت، ولكن يحلف المدعى عليه ويبرأ، فإن أبى حلف الأولياء واستحقوا دمه، وإن أبوا بطل حقهم وقال في كتاب اختلاف الحديث من ادعى دما ولا دلالة للحاكم على دعواه كدلالة التي قضى بها رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بالقسامة أحلف المدعى عليه كما يحلف فيما سوى الدم قال المزني: رحمه الله: وهذا به أشبه، ودليل آخر حكم النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ في القسامة بتبدأة المدعي لا غيره، وحكم فيما سوى ذلك بتبدأةً يمين المدعى عليه لا غيره، فإذا حكم الشافعي فيما وصفت بتبدأة المدعى عليه، ارتفع عدد أيمان القسامة".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب القسامةً، وذكرنا أن دعوى الدماء، تخالف دعوى الأموال، من وجهين: أحدهما: بالتبدأةً بيمين المدعي مع اللوث، وبأعداد الأيمان خمسين يمينًا.
وإذا اختصت الدماء بهذين الحكمين لم تخل دعواهما من أن تكون في نفس أو طرف، فإن

الجزء: 14 - الصفحة: 415

كانت في نفس لم يخل أن يكون معها لوث، أم لا.
فإن كان معهما لوث تعلق عليهما الحكمان في التبدئةً بيمين المدعي وبإحلافه خمسين يمينًا، فإن كان الولي واحدًا، أحلف خمسين يمينا واستحق الدم، وفيما يستحقه به قولان: أحدهما: القود قاله في القديم.
والثاني: الدية قاله في الجديد.
وإن كان ولي الدم جماعةً كيف تكون أيمانهم؟ ففي أيمانهم قولان: أحدهما: أنه يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، يستوي فيه من قل سهمه وكثر.
والثاني: أن الخمسين يقسط بينهم، على قدر ميراثه، فيحلف كل واحد منهم بقدر قسطه من مواريثه، بجبر الكسر، فإن كانوا ابنًا وبنتًا حلف الابن أربعةً وثلاثين يمينًا، وحلفت البنت سبع عشرةً يمينًا.
وإن لم يكن مع الدعوى لوث، سقطت التبدئة بيمين المدعي وأحلف المدعى عليه كما يبتدئ بإحلافه في دعوى الأموال، ولكن هل تغلظ الدعوى بعدد الأيمان أم لا؟ على قولين أحدهما: لا يغلظ بالعدد، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدةً، لأنه لما سقط فيها حكم التبدئةً سقط فيها حكم العدد كالأموال.
والثاني: تغلظ فيها الأيمان بالعدد، وإن سقط التغليظ بالتبدئةً، لتغليظ حكم الدماء، بوجوب القود، والكفارةً فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا، حلف خمسين يمينًا، وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا.
والثاني: يقسط الخمسون بينهم على عددهم إلا أن يكونوا ورثة ميت، فتقسط بينهم على مواريثهم، فإن حلف برئ، وإن نكل ردت اليمين على المدعى، وفي تغليظ يمينه بالعدد قولان: أحدهما: لا يغلظ ويحلف يمينا واحدة، يستحق بها القود في العمد قولًا واحدًا، وإن لم يستحقه مع اللوث على أحد القولين، لأن يمين الرد في النكول تقوم مقام الإقرار، في أحد القولين ومقام البينة في القول الآخر، والقود يستحق بكل واحد من إقرار المدعى عليه، وبينة المدعي.
والثاني: يحلف المدعي خمسين يمينًا، ثم يحكم له بالقود إن حلفها فإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا.
والثاني: أنها تقسط بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر.
فصل: فأما إن كانت دعوى الدم في الأطراف فتسقط فيها التبدئةً، بيمين المدعي، سواء كان

الجزء: 14 - الصفحة: 416

معها لوث، أو لم يكن لسقوط تغليظها، بسقوط الكفارةً فيها، فأما تغليظه بعدد الأيمان، فإن لم تغلظ بالعدد في النفوس عند عدم اللوث، فأولى أن لا تغلظ بالعدد في الأطراف وإن غلظت بالعدد في النفوس ففي تغليظ الأيمان بالعدد في الأطراف قولان: أحدهما: لا تغلظ، ويحلف المدعى عليه يمينا واحدةً، ويبرأ من الدعوى، فإن نكل عنها ردت اليمين على المدعي، وحلف يمينا واحدةً، واستحق بها القود.
والثاني: أن تغلظ الأيمان بالعدد وفي كيفية تغليظها قولان: أحدهما: تغلظ في دعوى كل طرف خمسين يمينًا، سواء قلت ديته أو كثرت.
والثاني: أنها تسقط على دية الطرف من جملة ديةً النفس، فإن كان الطرف موجبًا لجميع الدية كاللسان والذكر حلف خمسين يمينًا وإن كان فيه نصف كإحدى اليدين حلف خمسة وعشرين يمينًا، وإذا كان فيه ثلث الدية كالمأمومةً، والجائفةً، حلف سبع عشرة يمينًا وإن كان فيه عشر الديةً، كالأصبع حلف خمسة أيمان، وإن كان فيه نصف العشر كالموضحة حلف ثلاثة أيمان فإن كان المدعى عليه واحدًا حلفها، وإن كانوا جماعة فعلى قولين: أحدهما: أن يحلف كل واحد منهم جميع هذا العدد المذكور.
والثاني: أنه يقسط هذا العدد بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن نكلوا عن اليمين، ردت على المدعي وكانت عدد أيمانه مثل عدد أيمانهم على الأقاويل.
فصل: فأما المزني فإنه اختار أن يكون عدد الأيمان معتبرًا بالتبدئةً فإن حكم بتبدئة المدعي لوجود اللوث، غلظت الأيمان بالعدد وإن سقطت التبدئةً بيمين المدعي سقطت عدد الأيمان، ثم ذكر المزني في كلامه مسألة حكاها عن الشافعي في الإملاء، فقال: "ولا قسامة، بدعوى ميت" يريد به أن المقتول إذا قال قبل موته، قتلني فلان، فلا قسامة لوارثه، يعني أنه لا يبدأ بيمينه ولا يجعل ذلك لوثًا له، ردا على مالك حيث جعله لوثًا وقد مضى الكلام فيه.
فأما عدد الأيمان فيه، فيكون على القولين في عددها، مع عدم اللوث، فلم يكن للمزني في إيرادها دليل على ما اختاره، من سقوط العدد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " والدعوى في الكفالة بالنفس والنكول ورد اليمين كهي في المال، إلا أن الكفالة بالنفس ضعيفةً".
قال في الحاوي: وهذه المسألة في كفالة النفوس، قد مضت في كتاب الضمان

الجزء: 14 - الصفحة: 417

مستوفاةً، وأعادها المزني هاهنا لأمرين: أحدهما: بصحة الدعوى بصحتها، وفساد دعواها بفسادها.
والثاني: لوجوب اليمين في إنكارها إذا صحت، والذي نص عليه الشافعي في كتاب الضمان، أن كفالة النفوس صحيحة وهو قول جمهور الفقهاء، لقول الله تعالى في قصة يوسف، عليه السلام: قال ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: 66].
يعني كفيلًا بنفسه، ولأنه قد عمل بها الصدر الأول، ولأن فيها رفقا بالناس، وتعاونا على الصيانةً.
ثم قال الشافعي هاهنا: "إلا أن الكفالة في النفس ضعيفةً".
فاختلف أصحابنا في مراده بضعفها، فقال بعضهم: أراد به بطلانها.
فخرجوا هذا قولًا ثانيًا، في إبطالها لأنه لم يكفل بمال في الذمةً، ولا بعين مضمونةً، يجب غرم قيمتها.
وقال آخرون منهم: لم يرد بالضعف إبطالها، وإنما أراد ضعفها في قياس الأصول، وإن صحت بالآثار والعمل المتفق عليه.
فأما إذا كانت الكفالة بالنفس في حقوق الله تعالى: فإن منع منها في حقوق الآدميين على التخريج الذي ذهب إليه بعض أصحابنا كانت في حقوق الله تعالى أمنع لإدرائها بالشبهات.
وإن أجيزت في حقوق الآدميين على الظاهر المشهود، من المذهب ففي جوازها في حقوق الله تعالى قولان: أحدها: لا تجوز تعليلًا بما ذكرنا.
والثاني: تجوز لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "قدر الله أحق أن يقضى".
فصل: فإذا توجهت دعوى الكفالة على رجل، خوصم فيها إلى الحاكم فإن كان يرى إبطال الكفالة بالنفس، لم تسمع الدعوى فيها، ولم تجب اليمين في إنكارها، وإن كان يرى جوازها سمع الدعوى فيها وأوجب اليمين على منكرها، وقال أبو حنيفة: لا يمين على منكرها، وإن صحت، وبناه على أصله في إسقاط اليمين على المنكر، في خمسةً عشر موضعًا يطول شرحها، وقد مضى الكلام في نظائرها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام بينة أنه أكراه بيتا من داره شهرًا بعشرةً وأقام المكتري البينة أنه اكترى منه الدار كلها ذلك الشهر بعشرة فالشهادة باطلة ويتحالفان ويترادان فإن كان سكن فعليه كراء مثلها".
قال في الحاوي: اعلم أن اختلاف المتكاريين في عقد الإجارةً كاختلاف المتبايعين في عقد البيع، فيكون اختلافهما تارةً في الأجرةً كاختلافهما في الثمن، ويختلفان تارة في

الجزء: 14 - الصفحة: 418

قدر المدةً، كاختلافهما في قدر المبيع، ويختلفان في صفة المكري كاختلافهما في صفة المبيع، فيحكم بالبينة، ويتحالفان عند عدمها، لأن الإجارة صنف من البيوع، فتساويا في التحالف.
فإذا تقرر هذا فصورة المسألة: أن يختلف المتكاريان فيقول المكري أكريتك بيتًا من هذه الدار شهر رمضان بعشرة.
ويقول المكتري: بل اكتريت منك جميع هذه الدار شهر رمضان بعشرةً فإن عدما البينة تحالفا، وبدأ الحاكم بإحلاف المكري، كما يبدأ بإحلاف البائع.
فإن حلف أحدهما فنكل الآخر، قضى للحالف منهما على الناكل.
وإن حلفا معا فقد تساويا، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فوجب أن يبطل العقد بينهما، وفيما يبطل به العقد وجهان: أحدهما: يبطل بنفس التحالف كما يرتفع نكاح المتلاعنين بنفس اللعان، حتى يحكم الحاكم بإبطاله، لأن التحالف لتصحيح العقد دون إبطاله، فوجب أن يبطل بالحكم لأجل التعارض.
فعلى هذا لا يجوز للحاكم أن يحكم بإبطاله إلا بعد أن يعرض على كل واحد منهما إمضاء ما حلف عليه صاحبه.
فيقول للمكتري: قد حلف المكري على ما ادعى، فتمضيه؟ فإذا قال: لا.
قال للمكري: قد حلف المكتري على ما ادعى فتمضيه؟ فإذا قال: لا، حكم بالفسخ بينهما.
ولو تراضيا على ما ادعاه أحدهما أمضاه على ذلك، وإذا امتنعا من الإمضاء، وحكم بينهما بالفسخ ففي انفساخ العقد بينهما وجهان: أحدهما: ينفسخ في الظاهر والباطن كما لو فسخه بتحالفهما.
والثاني: ينفسخ في الظاهر دون الباطن، لأن حكم الحاكم لا يحيل الشيء عما هو عليه.
وينظر في التحالف، فإن كان قبل مضي شيء من المدة استرجع المكتري أجرته، واسترجع المكري داره، وإن كان بعد مضي المدة، أو بعضها لزم المكتري أجرة مثل سكناه، لاستهلاكه لمنفعتها عن عقد قد حكم بفساده.
فصل: وإن كان لهما عند التحالف بينة فعلى ضربين: أحدهما: أن تحضر البينة قبل التحالف، فتسمع ويمنع حضورها من التحالف، لأن البينة أولى من اليمين.
والثاني: أن تحضر البينة بعد التحالف، فيكون سماعها محمولًا على ما أوجبه التحالف من فسخ العقد.
فإن قيل: إنه قد انفسخ به العقد ظاهرًا وباطنًا لم تسمع البينة.
وإن قيل إنه قد انفسخ به العقد في الظاهر دون الباطن سمعت، لأن تصادقهما أقوى من سماع البينة منهما، وتصادقهما غير معمول به إذا قيل بفسخ العقد في الظاهر والباطن، ومعمول به إذا قيل

الجزء: 14 - الصفحة: 419

بفسخ العقد في الظاهر، دون الباطن، كذلك البينةً، فإذا سمعت البينة على ما ذكرنا لم يخل أن تكون لأحدهما أولهما: فإن كانت لأحدهما سمعت، وحكم بها لمقيمها سواء شهدت للمكري، أو للمكتري.
فإن أقام كل واحد منهما بينة شهدت له بما ادعى لم يخل حالهما من ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون إحدى البينتين أسبق تاريخا من الأخرى، فإن شهدت إحداهما بأنهما تعاقدا مع طلوع الشمس، وشهدت الأخرى أنهما تعاقدا مع زوالها من ذلك اليوم، فالعقد هو السابق منهما، لأن الثاني بعد صحة الأول باطل.
والثاني: أن تشهد البينتان بالعقد في وقت واحد، فقد اختلف قول الشافعي في تعارض البينتين في الأموال على ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاط البينتين، وبه قال مالك لأمرين: أحدهما: لتكاذبهما في الشهادة، فسقطت بالتكاذب.
والثاني: أن البينةً ما بان بها الحكم، فإذا لم يكن بها بيان ردت، لأنه لا بيان فيها لأحدهما بعينه.
والقول الثاني: أنه يقرع بين البينتين، ويحكم بمن قرع منهما، وهو محكي عن علي، وابن الزبير رضي الله عنهما لأمرين: أحدهما: ما رواه سعيد بن المسيب، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ في شيء وأقام كل واحد منهما شهودا، فأسهم رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بينهما "وقال اللهم أنت تقضي بينهما".
والثاني: أن اشتباه الحقوق المتساويةً، يوجب تمييزها بالقرعة، كدخولها في القسمة في السفر بإحدى نسائه، وفي عتق عبيده، إذا استوعبوا التركة.
والقول الثالث: أن يقسم الملك بينهما بالبينتين، وهو محكي عن ابن عباس، وبه قال سفيان الثوري، وأبو حنيفةً، وأصحابه لأمرين: أحدهما: ما رواه سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري، أن رجلين تداعيا عند رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بعيرا، أو دابة، وشهد لكل واحد منهما شاهدان، فجعله بينهما نصفين.
والثاني: أن البينة أقوى من اليد، وقد ثبت أنهما إذا تساويا في اليد جعل بينهما، فوجب إذا تساويا في البينة، أن يكون أولى، بأن يجعل بينهما، فهذه ثلاثة أقاويل اتفق أصحابنا على تخريجها في تعارض البينتين في الأموال، واختلفوا في تخريج قول رابع

الجزء: 14 - الصفحة: 420

وهو: وقفهما على البيان، فخرجه البغداديون قولًا رابعا للشافعي، وامتنع البصريون من تخريجه قولًا رابعًا، لأن وقف البينة على البيان يوجب الحكم بالبيان دون البينةً، وإنما يوقف المال على البيان دون البينةً، وهذا أشبه، فإذا تقررت هذه الأقاويل في تعارض البينتين لم يخرج في تعارضهما في عقد الإجارة إلا قولين: أحدهما: إسقاطهما ويتحالف المتداعيان.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بشهادة من قرع منهما وفي إحلاف من قرعت بينته قولان، من اختلاف قولي الشافعي في القرعة هل دخلت ترجيحًا للدعوى أو للبينة؟ فأحد قوليه أنها دخلت ترجيحًا للبينةً، فعلى هذا لا يمين على من قرعت بينته، لأن الحكم بالبينةً ولا يمين مع البينة.
والثاني: أنها دخلت ترجيحًا للدعوى، فيجب إحلاف المدعي.
فعلى هذا يكون فيما ثبت به الحكم وجهان: أحدهما: باليمين مع البينة، وتكون يمينه بالله أنه ما شهدته بينته حق، وقد نص عليه الشافعي.
والثاني: أن الحكم يثبت بيمينه ترجيحًا بالبينةً، وتكون يمينه بالله، لقد اكتريت منه الدار بكذا.
ولا يجيء فيه تخريج القول الثالث، أنه يقسم بينهما بالبينتين، لأن قسمة العقد لا تصح، ولا يجيء فيه تخريج القول الرابع إن صح تخريجه، أنه يكون موقوفا على البيان لتعذره في الدعوى والبينة، فوجب أن يفصل الحكم بينهما بالتحالف.
والثالث: أن تكون البينتان مطلقتين ليس فيهما تاريخ يدل على اجتماعهما أو تقدم إحداهما، فقد حكي عن أبي العباس بن سريج، أنه يحكم بأزيد البينتين، فإن كان الاختلاف في الأجرة حكم بأكثرهما قدرًا.
وإن كان في الكراء حكم بأكثرهما قدرًا.
كما لو شهدت بينة بألف، وبينة بألفين، حكم بالألفين، والذي نص عليه الشافعي: أن البينتين متعارضتان تتساوى فيها الزيادة والنقصان، لأن عقد الكراء بعشرة يمنع منعقده بعشرين، وكراء البيت بعشرة يمنع من كراء الدار بعشرين، فيكون تعارضهما محمولًا على القولين، يسقطان من أحدهما ويقرع بينهما في الثاني.
فصل: وإذا تنازع المكري، والمكتري، في شيء من آلة الدار، وادعاه كل واحد منهما ملكًا، لنفسه انقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون القول فيه قول المكري، وهو كل ما كان متصلا بالدار من آلاتها، كالأبواب، والدهليزات، والرفوف المتصلة، والسلاليم المسمرةً، فالقول في ملكها قول المكري، مع يمينه لاتصالها بالدار التي هو مالكها.
والثاني: ما يكون القول فيه قول المكتري مع يمينه، وهو قماش الدار وفرشها من البسط،

الجزء: 14 - الصفحة: 421

والحصر، والصناديق، لأنه من آلة السكنى والمكتري أحق بالسكنى.
والثالث: ما يتحالفان عليه، وهو ما كان من آلة الدار منفصلًا عن الدار كالرفوف، والسلاليم المنفصلة، وإغلاق الأبواب، وأطباق التنانير فالعرف فيها متقابل، واليد فيه مشتركة، فيجعل بينهما بعد تحالفهما.
ولو كانت منشأةً بين نهر وضيعةً، فادعاها صاحب الماء وقال: هي الجامعة لماء نهري، وقال صاحب الضيعة: هي المانعة للماء عن ضيعتي، فهما فيها متساويان، فيتحالفان عليها، وتجعل بعد الأيمان بينهما والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى دارا في يدي رجل فقال: ليست بملك لي وهي لفلان فإن كان حاضرًا صيرتها له وجعلته خصما عن نفسه وإن كان غائبا كتب إقراره وقيل للمدعي أقم البينة فإن أقامها قضى بها على الذي هي في يديه ويجعل في القضية أن المقر له بها على حجته قال المزني - رحمه الله -: قد قطع بالقضاء على غائب وهو أولى بقوله".
قال في الحاوي: وصورتها في دار في يدي رجل، يتصرف فيها فادعاها عليه رجل، وقال: هي لي فقال صاحب اليد: ليست هذه الدار لي، وهي لغيري فله حالتان: إحداهما: أن يذكر اسم من جعلها له.
والثاني: أن لا يذكره، فإن لم يذكر اسم من جعلها له، لم يكن ذلك جوابًا.
وقيل له: قد توجه عليك جواب عدلت عنه، فإن أقمت على هذا، جعلت ناكلًا وأحلف المدعي، وحكم له بانتزاع الدار من يدك، فإن عاد فادعاها لنفسه بعد إنكاره، ففي قبول قوله وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: لا يقبل قوله بعد إنكاره؟ لأنه قد اعترف بها لغيره ويجعل كالناكل، ويحلف مدعيها، ويحكم بها له.
والثاني: يقبل قوله فيها، لأنه لم يتعين فيها من جعلها له، فصار إقراره كعدمه، فيحلف عليها أنها له، ويحكم له بالدار لأجل يده، إلا أن يكون لمدعيها بينة، فتسمع منه، ويحكم بها له.
وإن سمى صاحب اليد من جعل الدار له، وقال: هي لفلان، لم يخل أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا لم يخل حاله أن يقبل الإقرار أو ينكره، فإن قبل الإقرار، صارت اليد له، وانتقلت الخصومة إليه وتوجهت عليه الدعوى، فإن أنكر مدعيها، حلف له وكان أحق بالدار بيمينه ويده، إلا أن يقيم مدعيها بينةً، فيحكم بها له ببينته؟ لأنها أولى من يد

الجزء: 14 - الصفحة: 422

ويمين.
فإن أقام صاحب اليد البينة صار أحق بها ببينته، ويده من بينة بغير يد.
ف إن طلب مدعيها إحلاف صاحب اليد عليها، بعد أن حكم بها للمقر له، ففي إجابته إلى إحلاف صاحب اليد قولان مبنيان على اختلاف القولين فيمن أقر بدار في يده لزيد، ثم أقر بها لعمرو، وكان زيد أحق بها من عمرو بالإقرار الأول، وهل يؤخذ المقر بغرم قيمتها لعمرو بالإقرار الثاني؟ على قولين: أحدهما: يؤخذ بغرم قيمتها لعمرو، لأنه قد استهلكها عليه بإقراره لزيد، فعلى هذا إيجاب المدعي إلى إحلاف صاحب اليد، لأنه لو أقر له لزمه الغرم.
والثاني: لا غرم عليه، لبقاء الدار وتوجه المطالبة بها.
فعلى هذا لا يحلف صاحب اليد ولا يستحق عليه بالنكول غرم.
فصل: فإن لم يقبل من جعلت له الدار إقرار صاحب اليد وأنكرها، لم يخل حال صاحب اليد من أن يكون مقيمًا على إقراره، أو راجعا عنه.
فإن أقام على إقراره بها لمن أنكرها، ولم يقبلها طولب مدعيها ببينته، فإن أقامها، حكم له بالدار، وإن عدمها ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أن الحاكم ينصب لها أمينا يحفظها على مالكها، حفظ اللقطة، حتى تقوم البينة بها، إما لمدعيها، أو لغيره، فيحكم بها له، ولا تدفع، إلى المدعي بيمينه، لأن يمينه هي يمين رد بعد النكول، ولم يحكم بنكول من توجهت عليه اليمين، فإن طلب المدعي إحلاف صاحب اليد، ففي إجابته إلى إحلافه ما قدمناه من القولين.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا وجه لإيقافهما على من لا يدعيها، والواجب أن يحلف المدعي عليها، وتدفع إليه الدار بعد يمينه فإن حضر مدع لها بعد تسليمها إلى الأول بيمينه، ونازعه فيها فهل يكون منازعًا فيها لذي يد، أو لغير ذي يد؟ على وجهين: أحدهما: يكون منازعًا لذي يد لتقدم الحكم بها له، فصارت يدا فيكون القول فيها إن أنكر قوله مع يمينه.
والثاني: يكون منازعًا لغير ذي يد، لأنها دفعت إليه بيمين من غير يد، فيحلفان عليها، وتكون بينهما كالمتداعيين لما ليس في أيديهما وإن رجع صاحب اليد عن إقراره حين رد عليه وادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، ففي قبوله من ثلاثة أوجه: أحدها: لا يقبل منه، سواء ادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، لأن إقراره الأول قد

الجزء: 14 - الصفحة: 423

أكذب الثاني، فعلى هذا يكون الحكم كما لو أقام على إقراره الأول.
والثاني: يقبل منه سواء ادعاها لنفسه، أو أقر بها لغيره، لأنه لم يتعلق بإقراره حق لمعين، فعلى هذا إن ادعاها لنفسه، كان هو الخصم فيها وإن أقر بها لغيره، انتقلت الخصومةً إليه، وكانت المنازعة مع ذي يد لأنه أقر له ذو يد.
والثالث: يقبل إقراره بها لغيره، ولا يقبل منه دعواها لنفسه لأنه متهوم في ادعائها لنفسه، وغير متهوم في الإقرار بها لغيره.
فصل: وإن كان صاحب اليد قد أقر بها في الابتداء لغائب، لم يخل حال المدعي من أن تكون له بينة أو لا بينةً له، فإن لم تكن له بينة كان الحكم موقوفًا على قدوم الغائب، والدار مقرةً في يد صاحب اليد، فإن طلب المدعي إحلاف صاحب اليد، ففي إجابته إلى إحلافه ما قدمناه من القولين.
فإن قيل: لا يمين عليه، انقطعت الخصومة بينهما، وكانت موقوفة على قدوم الغائب.
وإن قيل: بوجوب اليمين عليه، ففي كيفية يمينه وجهان: أحدهما: يحلف أن الدار للغائب فلان، لتكون يمينه موافقة لإقراره.
والثاني: يحلف أنه لا حق لهذا المدعي فيها لتكون يمينه معارضة فإن حلف برئ من مطالبة الداعي، وإن نكل أحلف المدعي، وحكم له بقيمة الدار.
فإن قدم الغائب المقر له، كان له منازعته في الدار، وإن صار إلى قيمتها، فإن أفضى النزاع إلى الحكم بالدار للغائب، استقر ملك المدعي على القيمة وإن أفضى إلى الحكم بالدار للمدعي أخذ برد القيمة على صاحب اليد، لئلا يجمع بين ملك الدار وقيمتها.
وإن كان لمدعي الدار بينة، عند الإقرار بها للغائب سمعت بينته، وقضي له بالدار.
واختلف أصحابنا هل يكون ذلك قضاء على الغائب المقر له، أو قضاء على صاحب اليد له؟ على وجهين: أحدهما: أنه قضاء على الغائب المقر له، فعلى هذا لا يحكم للمدعي بالبينة، حتى يحلف معها لأن القضاء على الغائب يوجب إحلاف المدعي مع بينته، لجواز أن يدعي الغائب انتقالها إليه ببيع أو هبة، فيحلف بالله أن ما شهدت به شهود الحق وأنها لباقية على ملكه، ويكون حلفه لصدق شهوده تبعا لحلفه ببقائها على ملكه، ولولا ذاك لما حلف بصدق الشهود، لأنه لا يلزمه إحلافه على صدقهم ولم يختلف قول الشافعي في جواز القضاء على الغائب، وإن وهم المزني في كلامه أن قوله قد اختلف فيه، وهو وهم منه.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه قضاء على صاحب اليد الحاضر، دون الغائب، وهو الظاهر من كلام الشافعي، لأنه قال: قضى له على الذي هي في يديه، وإنما كان قضاء على الحاضر، لأن الدعوى توجهت إليه، فتوجه القضاء عليه.

الجزء: 14 - الصفحة: 424

فعلى هذا يحكم بالدار للمدعي ببينته دون يمينه، ونسب المروزي المزني إلى الغلط في هذا الموضع من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك قضاء على الغائب، وهو قضاء على الحاضر.
والثاني: أنه وهم في تخريج القضاء على الغائب على قولين، ولعمري أنه وهم فيما أوهم من القولين، وهو فيما رآه من القضاء على الغائب محتمل، فإذا قدم الغائب، بعد الحكم بالدار للمدعي واعترف بها ونازع فيها وجرى عليه حكم منازع ذي يد، لأنها انتزعت من يد منسوبة إليه، واختار الشافعي للحاكم، إذا حكم لمدعي ببينته أن يكتب في قضائه للمدعي صفة الحال، وأنه حكم ببينته، وأنه جعل الغائب فيها على حجته.
فصل: فإن أراد صاحب اليد، حين انتزعت الدار من يده ببينة المدعي، أن يقيم بينة الغائب بملكه للدار لم يخل حاله في إقامتها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثابت الوكالة عن الغائب، فيسمع منه البينة للغائب بالملك، لأنه وكيله فيها، ويحكم للغائب، لأن له مع البينة يدا ليست للمدعي.
والثاني: أن لا يكون وكيلًا للغائب ولا يتعلق له بالدار حق على الغائب من إجارة، ولا رهن، فلا تسمع منه البينة للغائب، لأنه لا حق له في إقامتها، وقد يجوز أن يكون الغائب منكرًا لها، ويكون الحكم فيها ببينة المدعي، حتى يقدم الغائب، فيدعي كمن شهدوا في تركة بقسم ومال مفلس يباع عليه أن عبدًا من جملته ملك لغائب لم يدعه، لم تسمع الشهادة، وقسم بين ورثة الميت وغرماء المفلس، وإن أراد إقامة البينة، بملك الغائب لاستيفاء حقه منها بالإجارة أو بالرهن فقد اختلف أصحابنا في جواز سماع البينة منه على وجهين: أحدهما: تسمع منه البينة فيها لتعلق حقه بها، ويقضى بملكها للغائب، ويقضى عليه لصاحب اليد بالإجارة، والرهن، ويكون القضاء بها لغير مدع، تبعا للقضاء لحق الحاضر عليه.
والثاني: صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تسمع بينة الحاضر وإن ادعى الإجارة والرهن، لأنهما تبع لملك الأصل، فلم تصح فيه الإجارة، ولا الرهن، إلا بعد ثبوت ملك الغائب، وملك الغائب لا يثبت بالبينة إلا بعد مطالبته.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام رجل بينة أن هذه الدار كانت في يديه

الجزء: 14 - الصفحة: 425

أمس، لم أقبل قد يكون في يديه ما ليس له، إلا أن يقيم بينة أنه أخذها منه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان في يد رجل دار فادعيت عليه وأقام مدعيها البينة أنها كانت في يده أمس، كالذي نقله المزني والربيع، أنه لا حجة للمدعي في هذه البينة بأن الدار كانت بيده بالأمس، ويكون القول قول صاحب اليد مع يمينه.
ونقل أبو يعقوب البويطي أن بينة المدعي مسموعةً، ويقضى له بالدار، فاختلف أصحابنا في تخريجه، فكان أبو العباس بن سريج يخرج سماعها على قولين: أحدهما: ما رواه المزني والربيع أن هذه البينة لا تسمع ولا يحكم بها للمدعي، وتكون الدار مقرة في يد صاحب اليد في وقت الدعوى لأمرين: أحدهما: أن اليد غير موجبة للملك، وإنما يستدل بظاهرها على الملك، وإن جاز أن تكون بغير ملك، لدخولها بغصب، أو إجارةً، فإذا زالت بيد طارئةً، صارت الثابتةً أولى من الزائلةً لجواز انتقالها بملك طارئ من ابتياع، أو هبةً فبطل بزوالها ما أوجبه ظاهرها.
والثاني: أن البينة تسمع فيما تصح فيه الدعوى، ولو قال المدعي كانت هذه الدار في يدي بالأمس، لم تسمع هذه الدعوى فوجب إذا أقام البينة بذلك أن لا يسمع، لأن البينة يجب أن تكون مطابقةً للدعوى في القبول والرد.
والثاني: وهو ما نقله "البويطي" أن بينة المدعي مسموعةً ويحكم بها على اليد الطارئة، لتقدمها، إلا أن يقيم صاحب اليد بينة أنها انتقلت إليه بحق من هبة أو بيع، لأن اليد دالة على الملك، فجرت مجراه، وقد ثبت أن المدعي لو أقام بينة على أن الدار كانت له بالأمس حكم له بها، كذلك إذا أقام بينة أنها كانت في يده بالأمس، وذهب أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا إلى إبطال ما نقله البويطي، ونسبوه إلى مذهب لنفسه، وليس بقول الشافعي لأن كتب الشافعي تدل نصوصها على خلافه، وكذلك ما نقله عنه سائر أصحابه تعليلًا، بما قدمناه، وفرقوا بين أن يقيم البينةً، أنه كان مالكا لها بالأمس، فيحكم بها، وبين أن يقيم بينةً بأنها كانت في يده بالأمس، ولا يحكم بها، لأن ثبوت الملك يوجب دوامه إلا بحدوث سبب يوجب انتقاله وثبوت اليد لا توجب دوامها، لأنها قد تكون بإجارةً ترتفع بانقضاء مدتها، فافترقا في القبول، لافتراقهما في الموجب.
وإذا وجب بما ذكرنا أن تكون البينة باليد المتقدمةً، غير مسموعةً مع ما حدث من اليد الطارئةً، فإنما لا تسمع إذا كانت مقصورةً على تقدم اليد فإن شهدت مع تقدم اليد بالسبب الذي انتقلت به إلى اليد الطارئةً من غصب، أو وديعةً، أو عاريةً وجب سماعها والحكم بها، وهو معنى قول الشافعي، لا إلا أن يقيم بينة أنه أخذها منه،.
يعني بما لا يوجب زوال الملك، إما بمباح من وديعةً، أو عاريةً، أو بمحظور من غصب وتغلب، لأنه قد بان بالبينة، أن اليد الطارئة غير موجبة للملك فثبت بها حكم اليد المقدمةً.

الجزء: 14 - الصفحة: 426

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام بينة أنه غصبه إياها وأقام آخر البينة أنه أقر له بها فهي للمغصوب ولا يجوز إقراره فيما غصب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كانت دار في يد رجل فتداعاها رجلان، فقال أحدهما: هذه الدار لي غصبني عليها صاحب اليد، وأقام على ذلك بينة.
وقال الآخر: " هذه الدار لي، أقر لي بها صاحب اليد، وأقام على ذلك بينة: حكم بالدار للمغصوب فيه، دون المقر له، لأنه قد صار صاحب اليد بالبينة غاصبًا، وإقرار الغاصب مردود.
وكذلك لو ادعاها الآخر أنه ابتاعها منه، كان بيع الغاصب، مردودًا فإن قيل: فيجب على الغاصب غرم قيمتها لمن أقر له بها على أحد القولين كمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، وغرم لعمرو قيمتها في أحد القولين قيل: لا غرم عليه هاهنا، قولًا واحدًا.
والفرق بين الموضعين، أن استهلاك الدار على المقر له في هذا الموضع، كان بالبينةً فلا يلزم المقر غرم ما استهلكه غيره.
وفي مسألة الإقرار كان المقر قد استهلكها على الثاني بإقراره الأول، فلزمه غرم ما استهلك.
فصل: وإذا كانت الدار في يدي رجل، فتداعاها رجلان قال أحدهما: هذه الدار لي أودعتك إياها، وأقام على ذلك بينة.
وقال الآخر: هذه الدار لي، أجرتك إياها وأقام على ذلك بينة.
فصارا متداعيين لملكها، وإن اختلفا في حكم يد صاحب اليد، فتعارضت البينتان بالملك لتنافي شهادتهما فخرج في تعارضهما ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاط البينتين، والرجوع إلى قول صاحب اليد.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بمن قرع منهما فإن قرعت بينة مدعي الوديعةً، انتزعت من صاحب اليد ولا شيء عليه.
وإن قرعت بينة مدعي الإجارة، فإن كانت المدة باقية، أقرت في يد صاحب اليد إلى انقضاء مدتها، وأخذ بأجرتها، فإن انقضت مدتها انتزعت من يده، وأخذ بالأجرةً.
والثالث: استعمال البينتين، وجعل الدار بين المتنازعين نصفين، نصفها لمدعي الوديعة، ينتزعه من صاحب اليد ونصفها لمدعي الإجارة يقره على صاحب اليد، إلى انقضاء المدة ويرجع عليه بنصف الأجرة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ادعى عليه شيئًا كان في يدي الميت حلف

الجزء: 14 - الصفحة: 427

على علمه وقال في كتاب ابن أبي ليلى: وإذا اشتراه حلف على البت".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في مواضع، وذكرنا أن اليمين إذا توجهت على الإنسان في فعل نفسه، كانت على القطع والبت، سواء كانت على إثبات أو نفي.
والإثبات أن يحلف والله إن هذا العبد لي إما بالشاهد واليمين، وإما بالرد بعد النكول.
وأما النفي فإن حلف والله إنه لا حق لك في هذا العبد فإن أحلفه الحاكم، على العلم في الإثبات، فقال: والله إني أعلم أن هذا العبد لي وأعلم أن هذا العبد ليس هو بملك لك.
فقد أكدها، لأن إثبات العلم زيادة تأكيد، وإن أحلفه على العلم في النفي فقال: والله لا أعلم أن لك علي شيئًا ولا أعلم أن هذا العبد لك، لم تصح اليمين، لأنه على يقين وإحاطة فيما اختص بنفسه من إثبات، ونفي، فلم تصح يمينه في النفي، إلا بالقطع والبت، كما لا تصح يمينه في الإثبات، إلا بالقطع.
فأما إذا حلف في توجه الدعوى على غيره، كالوارث إذا ادعى على ميته دعوى، فأنكرها، فيمينه يمين نفي على فعل الغير، فيحلف على العلم دون القطع، لأنه لا طريق له إلى اليقين والإحاطةً فيقول: والله لا أعلم أن لك علي شيئًا مما ادعيته، فإن أحلفه الحاكم على القطع والبت، فقال: والله ما لك علي شيء مما ادعيته، كان تجاوزا من الحاكم، وقد وقعت اليمين موقعها، لأنها أغلظ من اليمين المستحقة عليه، وهي تؤول به إلى العلم.
ولو ادعى شيئا لميته، وتوجهت اليمين عليه، حلف على القطع والبت، كما لو ادعاها في حق نفسه، لأنه لا يصح أن يدعيه إلا بعد إحاطة علمه به، فاستوى يمين الإثبات في فعله، وفعل غيره، واختلفت يمين النفي في فعله، وفعل غيره.
وبالله التوفيق.

باب الدعوى في الميراث

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو هلك نصراني وله ابنان: مسلم ونصراني فشهد مسلمان للمسلم أن أباه مات مسلمًا وللنصراني مسلمان أن أباه مات نصرانيًا صلى عليه فمن أبطل البينة التي لا تكون إلا بأن يكذب بعضهم بعضًا جعل الميراث للنصراني ومن رأى الإقراع أقرع فمن خرجت قرعته كان الميراث له ومن رأى أن يقسم إذا تكافأت بينتاهما جعله بينهما، وإنما صلى عليه بالإشكال كما يصلى عليه لو اختلط بمسلمين موتى قال المزني: أشبه بالحق عندي أنه إن كان أصل دينه النصرانية فاللذان شهدا بالإسلام أولى لأنهما علما إيمانا حدث خفي على الآخرين وإن لم يدر ما أصل دينه والميراث في أيديهما فبينهما نصفان وقد قال الشافعي: لو رمى أحدهما طائرا ثم رماه

الجزء: 14 - الصفحة: 428

الثاني فلم يدر أبلغ به الأول أن يكون ممتنعًا أو غير ممتنع، جعلناه بينهما نصفين.
قال المزني: وهذا وذاك عندي في القياس سواء".
قال في الحاوي: وتفصيل هذه المسألة في اختلاف الاثنين في دين الأب، أنها على ضربين: أحدهما: أن يعرف دين الأب.
والثاني: أن لا يعرف، فإن عرف دين الأب أنه نصراني، فترك ابنين مسلمًا ونصرانيًا، وادعى المسلم أن أباه مات مسلمًا فهو أحق بميراثه، وشهد له بذلك شاهدان عدلان.
وادعى النصراني أن أباه مات نصرانيًا، وهو أحق بميراثه، وشهد له بذلك شاهدان عدلان، فقد اختلفت الشهادتان واختلافهما إذا أمكن فيه القضاء فلم يتعارضا، فإذا علم فيه التكاذب تعارضتا، ولا يخلو حال هاتين الشهادتين من أربعة أقسام: أحدها: أن تكون مطلقتين.
والثاني: أن تكونا مقيدتين.
والثالث: أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقةً، وبالنصرانية مقيدةً.
والرابع: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة، وبالنصرانية مطلقةً.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الشهادتان مطلقتين، فهو أن يقول شهود المسلم: إن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني، فالتصادق في هذا الاختلاف ممكن، لأنه قد يكون نصرانيًا، فيسلم، ويكون مسلمًا، فيتنصر، فتكون كل واحدة من الشهادتين صادقة، فإذا كان كذلك فلا تعارض فيها وحكم بشهادة الإسلام، لأنها أزيد علمًا، لأن نصرانيته أصل، وإسلامه حادث، فصار كالشهادة بجرح والتعديل يحكم بالجرح على التعديل، ويجعل المسلم وارثا دون النصراني.
فصل: وأما القسم الثاني: فهو أن تكون الشهادتان مقيدتين، فهو أن يقول شهود المسلم، إن أباه مات على دين الإسلام قائلا بالشهادتين عند خروج روحه.
ويقول شهود النصراني إن أباه مات على دين النصرانيةً، قائلًا بالتثليث عند خروج روحه.
فهذا تعارض في شهادتهما، لتكاذبهما باستحالة أن يموت مسلمًا نصرانيًا وللشافعي في تعارض الشهادتين في الأموال ثلاثة أقاويل ذكرها في هذا الموضع: أحدها: إسقاط البينتين بالتعارض، لتكاذبهما، فيكون الميراث للنصراني دون المسلم استصحابًا لأصل دينه في النصرانية بعد أن يحلف المسلم بالله أن أباه لم يسلم.
والثاني: الإقراع بين البينتين، والحكم بالقارعة منها لأن في القرعة تمييزًا لما اشتبه، وهل يحتاج من قرعت بينته إلى يمين في استحقاق الميراث؟ على قولين من اختلاف

الجزء: 14 - الصفحة: 429

قوليه في القرعة هل ترجح بها الدعوى أو البينةً، فإن قرعت بينة المسلم كان هو الوارث وإن قرعت بينة النصراني كان هو الوارث.
والثالث: استعمال البينتين وجعل التركة بينهما نصفين، فاختلف أصحابنا في صحة تخريج هذا القول في الميراث كتخريجه في الأموال على وجهين: أحدهما: وهو قول المزني، وطائفة معه أن تخريجه في هذا الموضع صحيح استشهادًا بذكر الشافعي له، واحتجاجا من قوله "بأن رجلين لو رميا طائرًا، فسقط ميتًا، ولم يعلم أيهما أثبته برميه أنه بينهما نصفين، وإن كان إثباته من أحدهما، كذلك الميراث".
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وطائفةً معه أن تخريجه لا يصح في هذا الموضع، لاستحالة أن يشترك مسلم ونصراني في ميراث ميت، لأنه إن مات نصرانيًا ورثه النصراني دون المسلم، وإن مات مسلما ورثه المسلم دون النصراني، فإذا قسم بينهما علمنا قطعًا أن أحدهما قد أعطي ما لا يستحقه، ومنع الآخر مما يستحقه وإن لم يتعين وليس كالمال الذي يصح اشتراكهما في سببه، فيشتركان في تملكه.
وكذلك الطائر إذا رمياه، جاز أن يكون تكامل إثباته برميهما، فصح فيه اشتراكهما، وجعل ما نص عليه الشافعي هاهنا في أحد الأقاويل من قسمة بينهما أنه حكاه عن مذهب من يراه، وهو مذهب من قال من أهل العراق بتوريث الغرقى بعضهم من بعض، ولم يحكه عن نفسه، لأنه لا يرى ذلك في الغرقى وقد تكلم على ضعفه ووهائه، فقال: لو قسمت كنت لم أقض لواحد منهما بدعواه، ولا ببينته وكنت على يقين خطأ، ينقص من هو له عن كمال حقه، وإعطاء الآخر ما ليس له.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الشهادة بالإسلام مطلقةً، وبالنصرانية مقيدةً، وهو أن يقول شهود المسلم أن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني، إن أباه مات على دين النصرانيةً، قائلا بالتثليث عند خروج روحه، فلا تعارض في الشهادتين لأنه قد يسلم، ثم يرتد بعد إسلامه إلى النصرانية، فتصح الشهادتان، ويحكم بارتداده بعد الإسلام، فلا يرثه واحد من ابنيه ويكون ماله فيئا لبيت المال، لأن المرتد لا يرثه مسلم ولا نصراني.
فصل: وأما القسم الرابع: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدةً، وبالنصرانيةً مطلقةً فيقول شهود المسلم إن أباه مات على دين الإسلام قائلًا بالشهادتين عند خروج روحه، ويقول شهود النصراني إن أباه نصراني فلا تعارض في شهادتهما على ما ذكر في مسألة الكتاب إن شهد شهود المسلم أن أباه مات مسلمًا، وشهد شهود النصراني أن أباه مات نصرانيًا، فقد اختلف أصحابنا هل تحمل هذه الشهادة على التقييد، أو على الإطلاق؟ على وجهين: أحدهما: أنها محمولة على التقييد، لأن كل واحدةً منهما شهدت بدينه عند

الجزء: 14 - الصفحة: 430

الموت، فعلى هذا تكون الشهادتان متعارضتين، فتكون محمولة على الأقاويل المذكورة في القسم الثاني.
فعلى هذا لا تعارض في الشهادتين ويكون الميراث للمسلم على ما ذكرناه في القسم الأول، تعليلًا بما قدمناه.
فصل: وأما الضرب الثاني: في التفصيل، وهو أن يكون الأب مجهول الدين، فيشهد شاهدان بإسلامه، ويشهد شاهدان بنصرانيته، فيستوي مع الجهل بدينه إطلاق الشهادتين، وتقييدهما في التعارض، وإن كانتا في التقييد متكاذبتين، ويجوز أن يكونا في الإطلاق صادقتين، لكن الجهل بدينه، يمنع من الحكم بإحداهما مع التصادق، فجرى عليهما حكم المعارضة في التكاذب، فيحمل على الأقاويل في تعارض البينتين: أحدهما: إسقاط البينتين ويردان إلى دعوى بغير بينةً.
والثاني: الإقراع بينهما، والحكم بالقارعةً منهما وفي إحلاف من قرعت بينته قولان: والثالث: المختلف في تخريجه استعمال البينتين، وقسم الميراث بينهما بالبينة نصفين.
فعلى قول المزني، ومن تابعه، يقسم بينهما بالبينتين إرثا، ويفصل بها الحكم بينهما.
وعلى قول أبي إسحاق المروزي لا يصح استعمالها، ليقين الخطأ في الجمع بينهما، ويسقطان عند استحالة الحكم بهما، وإذا سقطت البينتان، ودين الميت مجهول، ففي التركة ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول المزني أنها تقسم بينهما ملكا بالتحالف دون البينة لتكافئهما.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران، أنها تقسم بينهما بدءا، وتقر معهما أمانة يمنعان من التصرف فيها، حتى يبين مستحقها منها أو يصطلحا عليها كالميت عن زوجتين، إحداهما مطلقة قد أشكلت.
والثالث: ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي أنها تقر من كانت في يده قبل التنازع، والتحالف، فإن كانت في أيديهما أو في يد أحدهما، أو في يد أجنبي، أقرت على حالها كما كانت إقرار يد وأمانةً، من غير قسمة.
ووهم أبو حامد الإسفراييني فأقرها في يده ملكا.
فصل: فأما حكم الميت المختلف في ديانته أو مجهول الدين، فمذهب الشافعي أنه يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين على الأحوال كلها ما لم يحكم بردته، لأن أمره مشتبه، فجرى مجرى جماعةً ماتوا، وفيهم كافر قد أشكل، فلم يتعين هل يصلى عليه؟ فإنه يصلى على جميعهم، ويدفنوا في مقابر المسلمين، وقال أبو

الجزء: 14 - الصفحة: 431

حنيفة: لا يصلى عليه على الأحوال كلها إلا بعد العلم بإسلامه، وليس هذا بصحيح لما استشهد بأنه من الجماعة الموتى، إذا علم أن فيهم كافرا قد أشكل، فإن الصلاةً على جميعهم وفاق، لأن الإسلام يستظهر له، ولا يستظهر عليه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو كانت دار في يدي رجل والمسألة على حالها فادعاها كل واحد من هذين المدعيين أنه ورثها من أبيه فمن أبطل البينة تركها في يدي صاحبها ومن رأى الإقراع أقرع بينهما أو يجعلها بينهما معا ويدخل عليه شناعةً وأجاب بهذا الجواب فيما يمكن فيه البينتان أن تكونا صادقتين في مواضع، قال المزني رحمه الله: وسمعته يقول في مثل هذا لو قسمته بينهما كنت لم أقض لواحد منهما بدعواه ولا ببينته وكنت على يقين خطأ بنقص من هو له عن كمال حقه أو بإعطاء الآخر ما ليس له، قال المزني: وقد أبطل الشافعي القرعةً في امرأتين، مطلقةً، وزوجةً، وأوقف الميراث حتى يصطلحا، وأبطل في ابني أمته اللذين أقر أن أحدهما ابنه القرعة في النسب والميراث، فلا يشبه قوله في مثل هذا القرعة وقد قطع في كتاب الدعوى على كتاب أبي حنيفة في امرأة أقامت البينة أنه أصدقها هذه وقبضتها وأقام رجل البينة أنه اشتراها منه ونقده الثمن وقبضها قال: أبطل البينتين لا يجوز إلا هذا أو القرعة (قال المزني) رحمه الله: هذا لفظه وقد بينا أن القرعة لا تشبه قوله في الأموال قال المزني رحمه الله: وقد قال الحكم في الثوب لا ينسج إلا مرة والثوب الخز ينسج مرتين سواء".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى أنها المسألة الأولى أعادها لغرض زاده فيها، لأنه قال: " ولو كانت دار والمسألة بحالها، فادعاها كل واحد من هذين"، فإذا تداعى الابنان المسلم والنصراني، في ميراث دار عن أبيهما، والدار في يدي رجل غير أبيهما، وأقام كل واحد منهما البينةً أن هذه الدار ورثها عن أبيه لموافقته على دينه، فلا يخلو حال هاتين البينتين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحكم بإحداهما لأحدهما فتنتزع بها الدار من يد صاحب اليد، وتدفع إلى مستحق ميراث الأب، لقيام البينة بملكها للأب.
والثاني: أن يحكم بها، ويجعل الميراث يليها على ما ذكرنا من التفصيل المختلف فيه، فتنتزع بها الدار من صاحب اليد، وتدفع إلى الابنين بالإرث.
والثالث: أن تسقط البينتان، ولا يحكم بواحدة منهما، فتكون الدار مقرة في يد صاحب اليد ملكًا.
فإن قيل: فهلا انتزعت من يده، وأزيلت عن ملكه، لاجتماع البينتين على أنها للميت دونه قيل: لأنه لما لم يكن فيهما بيان لمستحقها من أحد الابنين، سقط

الجزء: 14 - الصفحة: 432

الحكم بهما في الدار، كما سقط الحكم بهما لأحد الابنين، وصارا كشاهدين شهدًا على دار في يدي رجل، أنها لأحد هذين الرجلين وجب إقرارها في يده، وإن شهدت البينة عليه بعدم ملكه، لأن الشهادة لم تعين مستحقها، فبطلت كذلك في مسألتنا.
فصل: وذهب آخرون من أصحابنا إلى أنها مصورةً في مسألة مستأنفةً، أن تكون الدار في يدي رجل، فيدعيها اثنان ليسا بأخوين، فيقول كل واحد منهما، هذه الدار لأبي ورثتها منه، وينكره الآخر ويدعيها لأبيه، ورثها عنه، ويقيم كل واحد منهما بينة على ما ادعاه فقد تعارضت البينتان، وتكاذبا لاستحالة أن تكون كل الدار لكل واحد من أبويهما، فتكون على ثلاثة أقاويل كتعارض البينتين في الأموال: أحدها: وترجع إلى صاحب اليد فإن صدق أحدهما دفعها إليه وفي وجوب اليمين عليه، للمكذب قولان: أحدهما: لا يمين عليه، إذا قيل: إنه لو أقر لم يغرم.
والثاني: عليه اليمين إذا قيل: إنه لو أقر غرم، وإن صدقها دفع الدار إليهما، وهل يحلف لكل واحد منهما على قولين، وإن كذبهما وادعاها لنفسه، حلف لهما، وأقرت الدار على ملكه، ولا يكون قيام البينةً بملكها لكل واحد من الأبوين موجبا لزوال ملكه ورفع يده، لما ذكرنا من اشتباه مستحقها.
والثاني: في الأصل الإقراع بين البينتين، والحكم بها لمن قرع منهما، وفي إحلافه مع القرعة، قولان، ولا تنتزع الدار إلا بعد القرعة، لأن بالقرعةً تمتاز البينةً المستحقةً فإن جعلت اليمين بعد القرعة شرطًا في الاستحقاق لم تنتزع إلا بعد يمينه، وإن لم تجعل شرطا انتزعت بغير يمين.
والثالث: استعمال البينتين، وقسم الدار بينهما نصفين، وهذا متفق على تخريجه في هذا الموضع، وإن اختلف في تخريجه في المسألة المتقدمةً، لأنه لا يستحيل أن تكون الدار مشتركةً بين أبويهما، فجاز أن تقسم بينهما كسائر الأموال التي يجوز فيها الاشتراك، ولا يستحيل بخلاف الميراث المستحق عن شخص يستحيل أن يموت مسلمًا كافرا.
فصل: وأما المزني فإن كلامه يشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: بيان ما هو الأصح على مذهب الشافعي في تعارض البينتين، وأن الذي يقتضيه كلامه إسقاطهما، والعمل بما يوجبه مجرد الدعوى واليد، لأنه قد أبطل القسمة بقوله، أن استعمالهما في القسمة منع ليقين الخطأ في إعطاء أحدها أقل من حقه، وإعطاء الآخر ما ليس بحقه ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه شفع مع القطع بتكاذب البينتين وليس بشفع في جواز تصادقهما،

الجزء: 14 - الصفحة: 433

فتبطل القسمة في التكاذب ولا تبطل مع جواز التصادق.
والثاني: أنه شفع في الباطن، لامتناعه وليس بشفع في الظاهر لأننا نبطل السبب المتضاد، ونحكم بالبينة في المال، وقد قال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر".
فمن ثم أبطل المزني الإقراع بينهما لأن الشافعي قال فيمن مات عن زوجة مطلقةً، قد اشتبهت أنه لا قرعة بينهما، فكذلك بأن مثله في إبطال القرعة في البينتين، ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه أبطل القرعة في الزوجتين والولدين، لأنه قد رجع في الزوجتين إلى بيان الورثة، وفي الولدين إلى بيان اتفاقه ولا يؤخذ بمثل ذلك في البينتين.
والثاني: أن دخول القرعة في الزوجتين والولدين تكون في أصل الدعوى التي لم يرد بها شرع، وفي البينتين فيما ورد بمثله الشرع.
والفصل الثاني: أن اختار المزني لنفسه استعمال البينتين وقسم الملك بينهما نصفين، لتكافئهما وأن لا بيان يرجع إليه بعدهما فيما أمكن من صدقهما، أو قطع فيه بتكاذبهما، واستشهد بأن الشافعي قال في المتنازعين لثوب أقام كل واحد منهما البينة أنه له نسجه في ملكه إن سوى بين ما لا ينتج إلا مرة، كالقطن والكتان، الذي يقطع فيه بتكاذب البينتين، وبين ما يجوز أن ينسج مرتين كالخز، والديباج، الذي يمكن فيه التصادق، ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لا حجة أن يحتج لمذهبه بمذهب غيره، وإنما يحتج لمذهبه بأمارات الأدلة.
والثاني: أن قصد الشافعي في هذه المسألة من سماع الداخل فيما يتكرر نتجه، ولا يتكرر ردا على أبي حنيفة، في فرقه بينهما بسماع البينة فيما يتكرر نسجه وردها فيما لا يتكرر.
والفصل الثالث: أن أورد عن الشافعي مسألة فيمن مات عن دار ادعت زوجته أنه أصدقها، وادعى أجنبي أنه ابتاعها، وأن الشافعي قال: "ليس إلا إسقاط البينتين، أو القرعة" وقد أبطل القرعة، فثبت إسقاط البينتين وإسقاط القرعة، فدل على وجوب القسم ولأصحابنا عن هذا جوابان: أحدهما: أن المزني يبني هذا على أصل لم يخالف فيه، وهو أن الشافعي إذا نص على قولين ثم عمل بأحدهما، أنه يكون إبطالا للأخر.
وإنما يكون ترجيحًا له على الآخر.
والثاني: أن هذه المسألة محمولة على أهل مذهبه في نظائرها، وهو أن ينظر في البينتين، فإن تقدمت إحداهما على الأخرى حكم بالمتقدمة على المتأخرةً، سواء كانت بينة الصداق، أو بينة الابتياع، لفساد الثاني بعد الأول، وإن أشكل كانت على الأقاويل الثلاثة في إسقاطها في أحدهما والإقراع بينهما في الثاني، واستعمالها في الثالث، وجعل

الجزء: 14 - الصفحة: 434

نصف الدار صداقًا، ونصفها ابتياعًا، فلم يسلم له دليل ولا صح له استشهاد.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ولو كانت دار في يدي أخوين مسلمين، فأقرا أن أباهما هلك وتركها ميراثا، فقال أحدهما كنت مسلمًا وكان أبي مسلمًا، وقال الآخر أسلمت قبل موت أبي، فهي للذي اجتمعا على إسلامه، والآخر مقر بالكفر مدع الإسلام".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل مات مسلمًا، وترك ابنين أحدهما متفق على إسلامه قبل موت أبيه، واختلفا في إسلام الآخر، فقال الآخر: أسلمت أنا قبل موت أبي، فالتركةً بيننا.
وقال المسلم: بل أسلمت أنت بعد موت أبي، فالتركة دونك، والبينة معدومةً، فلا يقبل قول من ادعى تقدم إسلامه إذا أنكره أخوه لأننا على يقين من حدوث إسلامه، وفي شك من تقدمه، فكان القول فيه قول أخيه، الذي أنكر تقدم إسلامه، لأنه يستصحب فيه استدامة أصل متحقق، بعد أن يحلف الآخر لجواز أن يكون الأخ صادقا في دعواه، ويمينه على العلم دون القطع بالله أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه لأنها يمين نفي على فعل غيره.
وهكذا لو مات حر وترك ابنين، أحدهما متفق على حريته قبل موت أبيه، والآخر مختلف فيه، فادعى تقدم عتقه قبل موت أبيه، ليكونا شريكين في ميراثه، وادعى الحر أن أخاه أعتق بعد موت الأب، فهو أحق بجميع الميراث، كان القول مع عدم البينة، قول الحر مع يمينه، بالله أنه لا يعلم أن أخاه أعتق قبل موت أبيه، وهو أحق بجميع الميراث بعد يمينه، لأنه يستصحب أصل رق معلوم، لم يدع تقدم هذا إذا كان موت الأب متفقا على موته، والاختلاف في وقت إسلام الابن، أو عتقه، فأما إذا اتفقا على وقت إسلام الابن، أو عتقه، والخلاف في وقت موت الأب.
فقال الابن أسلمت أنا، أو أعتقت في شهر رمضان، ومات أبي في شوال فنحن شريكان في ملكه.
وقال الآخر: صدقت أنك أسلمت في شهر رمضان، ولكن مات أبونا في شعبان.
فالقول قول الأخ الذي ادعى حدوث موت الأب في شوال، دون من ادعى تقدم موت الأب في شعبان.
ويكونان شريكين في الميراث لأنه استصحب استدامة أصل معلوم، هو بقاء الحياة حتى يعلم تقدم الموت.
فإن قيل: فقد خالفت هذا الأصل في الجناية على الملفوف إذا ادعى وليه أنه كان حيا وقت الجنايةً وادعى الجاني أنه كان ميتا، جعلتم القول قول الجاني في أحد القولين، وأسقطتم قول وليه، في استصحاب أصل الحياة؟ قيل: بينهما في أحد القولين فرق وإن سويا بينهما في القول الثاني: أنه قد تقابل في الحياة على الملفوف أصلان:

الجزء: 14 - الصفحة: 435

أحدهما: استصحاب حياة الملفوف.
والثاني: استصحاب براءة ذمة الجاني، فجاز أن يغلب في أحد القولين براءة ذمة الجاني، وجاز أن يغلب في القول الثاني بقاء حياة المجني عليه، فلذلك كانت على قولين.
وليس في دعوى موت الأب، إلا استصحاب أصل واحد هو استدامة حياته ولا يقابله أصل يعارضه، فلذلك كان على قول واحد في استصحاب الحياة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قالت امرأةً الميت وهي مسلمة زوجي مسلم وقال ولده وهم كفار بل كافر وقال أخو الزوج وهو مسلم بل مسلم، فإن لم يعرف، فالميراث موقوف حتى يعرف إسلامه من كفره ببينة تقوم عليه".
قال في الحاوي: وصورتها في ميت مجهول الدين، ترك زوجة وأخا مسلمين، وابنا كافرًا، فادعت الزوجة، والأخ أنه مات مسلمًا فالميراث لهما، وادعى الابن أنه مات كافرا فالميراث له.
فإن عدمت البينة، كان ميراثه موقوفًا، حتى يتبين أمره، فيعمل على البيان، أو يتصادقوا عليه، فيعمل على التصادق، أو يصطلحوا عليه، فيجاز الصلح، فإن وجدت البينة فإن تفرد بها أحد الفريقين من مدعي إسلامه، أو كفره، عمل عليها، فإن شهدت بإسلامه، كان ميراثه لزوجته، وأخيه المسلمين، وإن شهدت بكفره كان ميراثه لابنه الكافر، وإن تعارضت فيه بينتان شهدت إحداهما بكفره، وشهدت الأخرى، بإسلامه، كان على ما قدمناه من اعتبار الشهادتين، وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تتقيد الشهادتان على مضادة يتكاذبان فيها.
والثاني: أن تتقيد على تصادق لا تكاذب فيه.
والثالث: أن يكونا مطلقين.
فأما الأول: إذا كانتا مقيدتين على مضادة يكونان فيها متكاذبين، بأن تشهد إحداهما، أنه مات على كلمةً الإسلام، وتشهد الأخرى أنه مات على كلمة الكفر، فهو على قولين وثالث مختلف فيه: أحدها: إسقاطهما ويكون الأمر موقوفًا على بيان، أو إصلاح.
والثاني: الإقراع بينهما، والحكم لمن قرع منهما.
والثالث المختلف فيه: استعمالهما.
فمن أصحابنا من بناه على الاختلاف المتقدم من الوجهين، والذي عليه الجمهور، أنه لا يصح تخريج هذا القول هاهنا وجهًا واحدًا، وإن جاز تخريجه في الوجهين، لأن الابنين فيما تقدم شريكان والأخ والابن هاهنا

الجزء: 14 - الصفحة: 436

متدافعان، فصح الاشتراك هناك وبطل هاهنا.
وأما الثاني: وهو أن تتقيد الشهادتان، بغير مضادة يتكاذبان فيها فعلى ضربين: أحدهما: أن تشهد إحداهما، أنه كان كافرا في رجب، وتشهد الأخرى أنه كان مسلمًا في شعبان، فيحكم بالشهادة على إسلامه لحدوثه بعد كفره ويكون ميراثه لزوجته، وأخيه المسلمين.
والثاني: أن تشهد إحداهما أنه كان مسلمًا في رجب، وتشهد الأخرى أنه كان كافرًا في شعبان، فيحكم بالشهادة على كفره بعد إسلامه، فيحكم بردته، ولا يرثه أحد الفريقين من ورثته، ويكون ميراثه لبيت المال.
وأما الثالث: أن تكون الشهادتان مطلقتين بأن تشهد إحداهما أنه كان مسلمًا وتشهد الأخرى أنه كان كافرًا من غير تقييد لوقت إسلامه، ووقت كفره، فقد تعارضتا، ويكون على ما قدمناه من الأقاويل في القسم الأول، لأنه لأحدهما على الآخر إذ ليس له في أحد الدينين أصل يترجح به.
فصل: وإذا هلك مجهول الدين وترك أبوين كافرين، وابنين مسلمين، فادعى أبواه أنه مات كافرًا، وادعى الابنان أنه مات مسلمًا ولا بينة لأحدهما، ففيه وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: أن القول فيه قول الأبوين الكافرين مع أيمانهما لأن كفره قبل بلوغه معلوم بكفرهما، فلم يقبل دعوى الابنين في حدوث إسلامه، لأن الأصل استصحاب كفره.
والثاني: يكون ميراثه موقوفًا لتساوي الحالين بعد بلوغه في إسلامه، وكفره، لأن ما قبل بلوغه هو فيه تبع لا يتحقق إلا بعد بلوغه، لو كان أبواه مسلمين، وابناه كافرين.
فإن لم يعلم للأبوين قبل الإسلام، فيجوز أن يولد قبل إسلامهما فيجري عليه حكم الكفر قبل البلوغ، ويجوز أن يولد بعد إسلامهما فيكون مسلما قبل البلوغ فهما على ضربين: أحدهما: أن يكون النزاع في زمان ولادته، فيدعي والداه أنه ولد بعد إسلامهما، ويدعي ابناه أنه ولد قبل إسلامهما، فالقول فيه قول الأبوين مع أيمانهما في إسلامه، لأننا على يقين من حدوث ولادتهم، وفي شك من تقدمها.
وإن كان النزاع في إسلام الأبوين، فيدعي أبواه أنهما أسلما قبل ولادته، ويدعي ابناه أنهما أسلما بعد ولادته، فالقول قول الابنين في إسلام الأبوين بعد الولادة مع أيمانهما لأننا على يقين من حدوث إسلامهما وفي شك من تقدمه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام رجل بينة أن أباه هلك وترك هذه الدار

الجزء: 14 - الصفحة: 437

ميراثا له ولأخيه أخرجتها من يدي من هي في يديه وأعطيته منها نصيبه وأخرجت نصيب الغائب وأكري له حتى يحضر".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى دارًا في يد رجل أنها لأبيه مات عنها وورثها هو وأخوه، وأقام على ذلك بينة كاملةً، وكمالها أن يشهد له بثلاثة أشياء: أحدها: أن يشهد بالدار لأبيه.
والثاني: أن يشهد بموت أبيه، وأنه ورثه هو وأخوه.
والثالث: أن لا وارث له غيرهما على ما سنصف، فتكمل البينة إذا شهدت بهذه الثلاثة، وبكمالها يوجب انتزاع الدار ممن هي في يده، ويدفع إلى الحاضر حقه منهما وهو النصف وتوقف حصة الغائب، وهي النصف على قدومه، واعترافه وتؤخر حصته حفظا لمنافعها عليه، ولا تقر حصة الغائب في يدي من كانت في يديه، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تقر حصته في يدي من كانت في يده، ولا تنتزع منه، لأن البينة لا تسمع بملك إلا بعد صحة الدعوى، والدعوى لا تسمع إلا من مالك، أو وكيل فيه، ولم يدع حصة الغائب مالك ولا وكيل فلم تسمع البينة له، وليس كون الحاضر شريكا له في الميراث بموجب لسماع البينة في حقهما، كالشريكين الأجنبيين، إذا أقام أحدهما البينة بدار في شركتها انتزع بها حق الحاضر، وأقر حق الغائب في يدي من كانت في يديه، كذلك يجب أن يكون في شركة الميراث.
ودليلنا: هو أن هذه الدعوى هي للميت، سمعت من وارثه، لقيامه مقامه فيها بعد موته بدليل أنه لو كان على أبيه دين قضى منها فوجب انتزاعها في حق الميت، وإعطاء الحاضر حصته منها، ووقف الباقي على الغائب، وخالف الشريكين الأجنبيين من وجهين: أحدهما: أن الشريك مالك بنفسه لا عن غيره، فكانت الدعوى في حقه موقوفة عليه، والابن مدع لها عن أبيه الذي لا تصح منه الدعوى، إلا بعد موته، فجاز أن يستوفي بها جميع حقه.
والثاني: أن حق كل واحد من الأخوين، مرتبط بحق الآخر لا يتميز أحدهما بشيء، دون صاحبه، لذلك كان ما تلف من الشركة تالفًا منها، وما بقي شركةً بينهما، وحق الشريكين كالمتميز مع الخلطةً، يجوز أن يتلف لأحدهما ما يسلم للآخر، فافترق بهذين حكم الأخوين، وحكم الشريكين، وإذا كان كذلك، وقدم الآخر الغائب ذكر له الحاكم، ما حكم له بميراثه من نصف الدار، فإن ادعاها سلم إليه نصفها وإن أنكرها وقال: لا حق لي فيها، رد النصف على من في يده، ولم يؤثر إنكاره في حق أخيه، لأنه قد ملك بينة عادلةً.
فصل: فأما إذا ما ادعاه الابن، وأقام عليه البينة دينا في الذمة سلم إليه حقه منه، وهو

الجزء: 14 - الصفحة: 438

النصف، وفي قبض حصة الغائب من الغريم وجهان: أحدهما: يقبض ويوضع على يد أمين كما تقبض الأعيان من الدار، وما لا يثبت في الذمة من ثياب وحيوان.
والثاني: لا يقبض الدين، وإن وجب قبض الأعيان ويستبقى في ذمة الغريم بخلاف المعين، لأن قبضه للغائب معتبر بالأحوط، واستبقاؤه في ذمة مضمونة أولى من قبضه بتركه أمانة إلا أن يكون الدين على غير ملي، فيقبض وجهًا واحدًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن لم يعرف عددهم وقف ماله وتلوم به ويسأل عن البلدان التي وطنها هل له فيها ولد؟ فإذا بلغ الغاية التي لو كان له فيها ولد لعرفه وادعى الابن أن لا وارث له غيره أعطاه المال بالضمين وحكي أنه لم يقض له إلا أنه لم يجد له وارثا غيره فإذا جاء وارث غيره أخذ الضمناء بحقه".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في البينة الكاملة إذا أقامها الابن الحاضر ووجوب الحكم بها للحاضر والغائب، فأما البينة الناقصة فعلى ضربين: أحدهما: أن تشهد بالدار للميت، ولا تشهد للحاضر بالبنوة، فلا يتعلق بهذه الشهادة حق للحاضر، ولا للغائب، وتكون الدار مقرة في يدي من هي في يده، لأن دعواها لم تسمع من مستحق لها فلم يكن لبينته تأثير، حتى يقيم البينة على ثبوت نسبه.
فإذا أقامها وثبت نسبه بها، استغنى عن إعادة الدعوى والبينة، وإن كانا قبل ثبوت النسب، لأن ما قدمه من الدعوى قد تضمنت الدار والنسب على وجه صح به سماعها ولو شهدت بينته الأولى بالدار والنسب، حكم له بها كذلك، إذا شهدت الأولى بالدار، وشهدت الثانية بالنسب حكم بهما.
ولو استأنف الدعوى، وأعاد البينة كان أولى.
والثاني: أن تشهد البينة بالدار للميت، وتشهد للحاضر بالبنوةً، ولا تشهد أن لا وارث له غيره، فقد قامت البينة بهما وكان مالكا لنصيب مجهول من الدار، لا يعلم قدره.
وله حالتان: إحداهما: أن يقدر على إقامة بينة بأن لا وارث له غيره.
الثانية: أن يعجز.
فإن قدر على إقامتها، وشهدت بينة عادلة، بأن لا وارث غيره نظر في البينة، فإن كانت من أهل المعرفةً الباطنةً بالميت، على قديم الوقت وحدوثه في حضره وسفره سمعت، وحكم له بالميراث، ولم يطالب بضمين، لأنه قد أقام بينةً إن لم يعمل بموجبها، أعملت.
وإن كانت من أهل المعرفة الظاهرةً دون الباطنةً لم تصح شهادتهم، بأن لا وارث غيره،

الجزء: 14 - الصفحة: 439

لأنه قد يجوز أن يكون له في الباطن ولد، لا يعلمون به فلم يصلوا بمعروف الظاهر إلى معرفة ما قد يكون في الباطن، فلم يحكم به وصار كمن لم يقم بينة بأن لا وارث له غيره.
وإذا لم يقمها منع من حقه في الدار للجهل بمقداره، ولزم الحاكم أن يستكشف عن حال الميت في البلاد التي وطئها، ويكاتب حكامها بالمسألة عن حاله، هل خلف فيها ولدا أو وارثا ويلزم به فإنه لا يخفى حال وارث له في مثله، فإن حضرته بينة جاز أن يسمعها الحاكم من غير دعوى، وعلى غير خصم، لأنها بينة على ما قد لزم من الكشف فكانت في حق نفسه لتقييد ما قد حكم به، والبينة تكون من أهل المعرفة الباطنة به أنهم لا يعلمون له وارثًا غيره، قبلوا وكانت شهادتهم محمولةً على العلم، دون القطع، ودفع إليه الميراث بعد تمام الشهادة، من غير ضمين.
وإن لم يظهر للحاكم بينة، وبلغ زمان الإياس من الظفر بها، وأن يظهر ما لم يظهر دفع إليه المال، إن لم يقر بغيره، فإن أقر بأخ له غائب أعطاه نصف الدار والتركة، وكان نصفها موقوفًا على قدوم الغائب.
فأما مطالبة الحاضر بإقامة ضمين فيها، دفع إليه احتياطًا، لظهور شريك قد يكون له في الميراث حق، فقد قال الشافعي في هذا الموضوع ما يدل على وجوب الضمين وقال في كتاب الإقرار: ما يدل على استحبابه، فاختلف أصحابه فيه على أربعة مذاهب: أحدها: أن خرجوا اختلاف نصه في الموضعين على اختلاف قولين: أحدهما: يجب ليكون نفوذ الحكم على الأحوط.
والثاني: يستحب، فلا تجب لأنها وثيقة لغير مطالب.
والوجه الثاني: إن كان هذا الوارث ممن لا يسقط بغيره كالابن لم يجب عليه إقامة ضمين، وإن كان ممن يسقط بغيره كالأخ، وجب عليه إقامة ضمين.
والوجه الثالث: إن كان أمينًا لم يجب عليه إقامة ضمين، وإن كان غير أمين وجب عليه.
فإن قيل: لم قلتم تقسمون مال المفلس بين غرمائه بعد إشاعة أمره من غير ضمين مع جواز ظهور غريم قيل: لوقوع الفرق بينهما، بأن حقوق الغرماء متحققةً وحق هذا الوارث غير متحقق، فإذا دفع الحاكم المال إليه على ما وصفنا كتب قصته، وذكر فيها أن دفع المال إليه بعد الكشف الظاهر من غير حكم قاطع بأمر الاستحقاق ليكون إن ظهر له شريك في الميراث غير مدفوع بنفوذ الحكم عليه بإبطال حقه منه، ليكن من المطالبة وإقامة البينة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كان مكان الابن أو معه زوجةً ولا يعلمونه

الجزء: 14 - الصفحة: 440

فارقها أعطيتها ربع الثمن لأن ميراثها للأكثر والأقل الثمن وربع الثمن وميراث الابن غير محدود".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو مدعي الميراث، إذا أقام البينة بسبب ميراثه، وعدم البينة، بأن لا وارث له غيره من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ممن لا يسقط بحال، كالابن، فيوقف أمره في الحال على الكشف ولا يدفع إليه من التركة شيء، لأنه ليس له قدر متيقن، فإن لم يبن بعد كشف الحاكم وارث غيره، دفع إليه الميراث على ما قدمناه من حال الضمين.
والثاني: أن يكون ممن يجوز أن يرث في حال كالأخ، فيوقف أمره على الكشف، فإن لم يبن للحاكم بعد طول الكشف وارث سواه، ولم يقم البينة بأنه لا وارث له سواه، فقد اختلف أصحابنا هل يجري مجرى الابن في دفع الميراث إليه؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول جمهورهم: أنه يدفع إليه كالابن، لأن لم يعلم وارث غيره.
والثاني: وهو قول ابن سريج أنه يكون موقوفاً على الأبد، حتى تقوم البينة بأن لا وارث له غير بخلاف الابن، لوقوع الفرق بينهما بأن الابن وارث في الأحوال كلها بيقين، والأخ مشكوك فيه، هل هو وارث، فلم يجز أن يرث إلا بيقين، وهكذا حكم ابن الابن لجواز سقوطه بالابن.
والثالث: أن يكون ممن لا يسقط بحال، وله فرض مقدر كالأبوين، والزوجين فيدفع إليه أقل فرضه، لأنه يستحقه بيقين ويوقف أكثره على الكشف فإن كان أباً دفع إليه السدس معولاً.
وإن كانت أماً فكذلك يدفع السدس معولاً.
وإن كان زوجاً، دفع إليه الربع معولاً، وإن كانت زوجة دفع إليها ربع الثمن معولاً، لجواز أن تكون واحدة من أربع فإن لم يظهر بعد طول الكشف من يحجب هؤلاء عن أعلى الفرضين صار كالابن يدفع إليه باقي فرضه الأعلى بضمين على ما ذكرناه من الوجوه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ماتت زوجته وابنه منها فقال أخوها مات ابنها ثم ماتت فلي ميراثي مع زوجها وقال زوجها بل ماتت فأحرز أنا وابني المال ثم مات ابني فالمال لي فالقول قول الأخ لأنه وارث لأخيه وعلى الذي يدعي أنه محجوب البينة وعلى الأخ فيما يدعي أن أخته وريث ابنها البينة".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة ذات زوج، وابن، وأخ، ماتت وابنها، واختلف زوجها، وأخوها فقال الأخ: مات ابنها قبلها فكان ميراثه بينك وبينها، ثم ماتت

الجزء: 14 - الصفحة: 441

بعده، فكان ميراثها بيني وبينك، فلك ميراث زوج هو النصف، ولي معك ميراث أخ، هو النصف وقال الزوج: بل ماتت الزوجة قبل ابنها، فورثتها مع ابنها دونك ثم مات الابن، فورثته دونك، فإن كان لواحد منهما بينة بما أدعاه، حكم بها، وإن عدمت البينة، كان تنازعهما من تقدم الموت، وتأخره معتبراً بالغرقى، والهدمي، فيقطع التوارث بين الميتين، ويجعل تركة كل واحد منهما للحي من ورثته، فيجعل تركة الابن لأبيه، كأنه لا أم له، ويجعل تركة الأم بين زوجها وأخيها، كأنه لا ابن لها، فيعطى زوجها النصف والنصف الباقي للأخ.
فإن قيل: فالزوج يدعي من تركتها مع الابن الربع، فلم أعط النصف وهو لا يدعي؟ قيل: هو وإن ادعى الربع بميراثه عنها، فقد ادعى باقية بميراثه عن أبيه مع اختلاف السببين، فصار بإعطاء النصف مدفوعاً عن استحقاق الكل، فصار معطى بعض ما ادعى ولم يعط أكثر منه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أقام البينة أنه ورث هذه الأمة من أبيه وأقامت امرأة البينة أن أباه أصدقها إياها فهي للمرأة كما يبيعها ولم يعلم شهود الميراث".
قال في الحاوي: وصورتها في أمة تنازعها ابن ميت، وزوجته، فقال الابن: هذه الأمة لي ورثتها معك عن أبي، وقالت الزوجة: هذه الأمة لي ملكتها عن أبيك بصداقي.
فإن عدمت البينة، فالقول قول الابن مع يمينه لأنها على أصل ملك الأب وموروثه عنه، ودعوى الزوجة لها صداقاً غير مقبولة، كما لو ادعتها ابتياعاً.
وإن أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه.
فشهدت بينة الابن أن أباه خلفها ميراثاً، وشهدت بينة الزوجة أنه جعلها لها صداقاً، حكم للزوجة دون الابن، لأن بينتها أعملت زيادة لم تعلمها بينة الابن فكان الحكم بالزيادة أولى، كما لو ادعت بالابتياع كانت بينة الابتياع أولى من بينة الورثة.
ولأن الميت لو كان حياً فقامت عليه البينة في أمة يملكها أنه باعها، أو أصدقها قضى بها عليه، وإن أنكرها، والله أعلم.

باب الدعوى في وقت قبل وقت

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا كان العبد في يد رجل فأقام رجل بينة أنه منذ سنين وأقام الذي هو في يديه البينة أنه له منذ سنة فهو للذي هو في يديه ولم أنظر إلى قديم الملك وحديثه.
قال المزني: أشبه بقوله أن يجعل الملك للأقدام أولى كما جعل

الجزء: 14 - الصفحة: 442

ملك النتاج أولى وقد يمكن أن يكون صاحب النتاج قد أخرجه من ملكه كما أمكن أن يكون صاحب الملك الأقدم أخرجه من ملكه".
قال في الحاوي: وصورتها من رجلين تداعياً عيناً منقولة، كعبد، أو دابة، أو غير منقولة كدار أو عقار.
وأقام البينة أنها له منذ سنة.
وأقام الآخر البينة أنها له منذ شهر، أو أطلق الشهادة بالملك في الحال أو في مدة هي أقصر، فلا يخلو حال الملك المتنازع فيه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون في يد غيرهما.
والثاني: أن يكون في يدي أحدهما والثالث: أن يكون في أيديهما.
فأما القسم الأول: إذا كان الملك في يدي غيرهما ولأحدهما بينة بقديم لملك منذ سنة، والآخر بينة لحديث الملك منذ شهر، ففيهما قولان: أحدهما: وهو اختيار أبي العباس بن سريج: أنهما سواء، لا يترجح من شهدت بقديم على الأخرى لأمرين: أحدهما: أنهما تنازعا ملكها في الحال، فلم تؤثر بينة ما شهدت بما قبلها، لأنه غير متنازع فيه.
والثاني: وهو أظهر، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني أن الشهادة بقديم الملك أرجح، والحكم بها أولى لأمرين: أحدهما: أنهما قد تعارضتا في أقل المدتين، وأثبتت المتقدمة ملكاً لم يعارض فيه فوجب وقف المتعارض، وأمضى ما ليس فيه تعارض.
والثاني: أن ثبوت ملك المتقدم يمنع أن يملكه المتأخر إلا عنه، ولم تتضمنه الشهادة، فلم يحكم بها، فإذا تقرر توجيه القولين.
فإن قيل بتساويهما على القول الأول، صارتا متعارضتين فيكون فيهما ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاطها والرجوع إلى صاحب اليد.
والثاني: الإقراع بينهما، والحكم لمن قرع منهما.
والثالث: استعمالها، وقسم الشيء بينهما، وهذا القول يجيء في هذا الموضع لمكان الاشتراك.
فإن قيل بترجيح البينة بقديم الملك على البينة بحديثه، وجعل الحكم فيها أولى، ثبت لصاحبها الملك من المدة المتقدمة، وحكم له بما حدث عن الملك من نتاج، ونماء وغلة في تلك المدة، وإلى وقته، ثم يبني على هذين القولين ما جعله المزني أصلاً، وهو

الجزء: 14 - الصفحة: 443

أن تنازعا دابة، فيقيم أحدهما البينة أنها له نتجها في ملكه ويقيم الآخر البينة أنها له، ولا يقولون نتجها في ملكه.
حكي المزني عن الشافعي رضي الله عنه أنه جعلها لمن أقام البينة، أنه نتجها في ملكه، وجعله شاهداً على الحكم بقديم الملك دون حديثه، فاختلف أصحابنا في النتاج، هل يترجح بالبينة قولاً واحداً، أو يكون على قولين كالشهادة بقديم الملك؟ وذهب ابن سريج وابن خيران إلى التسوية بينهما وأنهما على قولين: أحدهما: أنهما سواء في التعارض.
والثاني: أنه يترجح البينة بقديم البينة بقديم الملك، وبالنتاج على البينة الخالية منهما.
وحكي أبو علي بن خيران عن أبي العباس بن سريج أن الشهادة بالنتاج ليست من منصوصات الشافعي، وإنما أوردها من تلقاء نفسه.
وذهب جمهور أصحابنا إلى صحة نقله، وأن بينة النتاج عند الشافعي أقوى من البينة بقديم الملك على قولين، ولئن لم يكن النتاج مسطوراً، فقد نقله عنه سماعاً، وفرقوا بين النتاج وقديم الملك في القوة، بأن الشهادة بالنتاج على ملكه تنفي أن يتقدم عليهما ملك لغيره، فصار النتاج بهذا الفرق أقوى من قديم الملك، فلذلك رجحت البينة بالنتاج قولاً واحداً، وكان ترجيحها بقديم الملك على قولين.
وهكذا لو تنازعا ثوباً، وأقام أحدهما البينة على أنه له نسجه في ملكه، وأقام الآخر البينة على أنه له، ولم يقولوا نسجه في ملكه.
كان كالبينة كالنتاج على ما قدمناه من الشرح.
فأما إذا شهدت بينة أحدهما بسبب الملك من الابتياع، أو ميراث وشهدت الأخرى بالملك من غير ذكر سببه، فيكون الترجيح بذكر السبب كالترجيح بقديم الملك فيكون على قولين: أحدهما: أن النسج ملحق بالنتاج وذكر السبب ملحق بقديم الملك.
فصل: وأما القسم الثاني: إذا كان الملك في يدي أحدهما وشهدت بينة أحدهما أنه له منذ سنة، وشهدت بينة الآخر أنه له منذ شهر، فإن كانت البينة بقديم الملك لصاحب اليد، حكم له بالملك.
لا يختلف فيه مذهب الشافعي، وجميع أصحابه، لأنه قد ترجح باليد، وبقديم الملك، وإن كانت البينة بقديم الملك الخارج، دون صاحب إليه ترجح أحدهما باليد وترجح الآخر بقديم الملك، فالذي نص عليه الشافعي هاهنا أنها تكون لصاحب اليد ترجيحاً بيده على قديم الملك، وتابعه جمهور أصحابه على هذا القول، وبه قال أبو حنيفة، فإنه حكم ببينة صاحب اليد في هذا الموضع وإن كان يرى أن بينة الخارج أولى من بينة صاحب اليد، لأنه يمنع من بينة الداخل، إذا لم تفذ إلا ما أفادت اليد.

الجزء: 14 - الصفحة: 444

فأما إذا أفادت زيادة على ما أفادته اليد، فإن يقدمها على بينة الخارج، وقد أفادت هذه البينة زيادة على ما أفادته يده، فلذلك قدمها على بينة الخارج وعلى قول أبي يوسف، ومحمد، تكون بينة الخارج أولى في الأحوال كلها.
وذهب أبو إسحاق المروزي، ومن تابعه من أصحاب الشافعي إلى أن الترجيح بقديم الملك أولى من الترجيح باليد، فيكون على قولين أحدهما يحكم بقديم الملك إذا رجحت به البينة، والثاني يحكم لصاحب اليد إذا لم تترجح به البينة، واحتج في ترجيح قديم الملك على الترجيح باليد، بأنه لو شهدت بينة مدع أن هذه الدار كانت له بالأمس حكم له بملك الدار في اليوم استدامة لملكه، ولو شهدت له أنها كانت في يده بالأمس لم يحكم له باليد في اليوم، ولم يوجب استدامة يده.
وهذا خطأ من قائله، لأن البينة تزاد لإثبات اليد، فإذا ترجحت إحداهما باليد، وافقت موجبها، وخالفت موجب الأصل، فكذلك ترجحت البينة بها، وهذا المعنى موجود في قديم الملك وحديثه.
فأما ما استشهد به من قديم اليد، وقديم الملك فهما سواء لا يحكم فيهما باستدامة اليد، ولا باستدامة الملك حتى يشهدوا أنه كان مالكاً لها بالأمس، وإلى وقته، لأن النزاع في ملكها، فالوقت دون ما تقدم فصارت الشهادة بالمتقدم، من غير التنازع، فلم يحكم بها، لأنه قد يملك ما يزول عنه ملكه في اليوم، فإن كان أبو إسحاق المروزي يرى الحكم بها في اليوم مذهباً لنفسه، خولف فيه تعليلاً بما ذكرنا.
فإن قيل: فإذا رجحتم البينة، فهلا رجحتم بزيادة العدد؟ قيل: لأن زيادة العدد لم تفد زيادة على ما أفادته زيادة البينة، واليد أفادت من زيادة التصرف ما لم تفد البينة، فلذلك ترجحت البينة باليد، ولم تترجح بزيادة العدد.
فصل: وأما القسم الثالث: إذا كان الملك في أيديهما، وكان داراً فأقام كل واحد منهما بأنه جمع الدار له، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تتكافأ البينتان، ولا تشهد أحدهما بقديم الملك فقد أقام كل واحد منهما بينته بملك جميع الدار التي نصفها بيده، ونصفها بيد الآخر، فصار له فيما بيده بينة داخل وفيما في يده صاحبه بينة خارج، فتعارضت البينتان في الدخول والخروج.
فإن قيل: إن تعارضهما موجب لسقوطهما حلف كل واحد منهما لصاحبه، وأقرت الدار في أيديهما ملكاً باليد والتحالف.
وإن قيل: إن تعارضهما موجب لاستعمالهما وقسم الملك بينهما، فلا يمين عليهما، وتجعل الدار بينهما ملكاً بالبينة.
والثاني: أن تشهد بينة أحدهما بقديم الملك وتشهد بينة الآخر بحديث الملك، فإن لم تجعل الشهادة بقديم الملك ترجيحاً للبينة على أحد القولين، فالجواب على ما مضى

الجزء: 14 - الصفحة: 445

من تكافؤ البينتين فيجعل الدار بينهما نصفين، باليد واليمين في أحد القولين، وبالبينة من غير يمين في القول الثاني، وإن ترجحت الشهادة بقديم الملك على القول الثاني خلص لصاحبها النصف الذي في يده، وتقابل في النصف الآخر، ترجيح بينة بقديم الملك، وترجيح بينة الآخر باليد، فعلى قول أبي إسحاق المروزي يحكم به لمن ترجحت بينة بقديم الملك، فتصير جميع الدار له لأنه يجعل الترجيح بتقديم الملك أقوى من الترجيح باليد وعلى الظاهر من مذهب لشافعي، وما عليه جمهور أصحابه يحكم بالنصف الآخر لصاحب اليد، لأنه يجعل الترجيح باليد أقوى من الترجيح بقديم الملك فتصير الدار بينهما نصفين بغير إيمان قولاً واحداً لأنه محكوم بينهما في النصفين بترجيح البينتين من غير إسقاط لهما ولا قسمة باستعمالها والله أعلم.

باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وإذا قام أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار منه بمائة درهم ونقده الثمن وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه بمائتي درهم ونقده الثمن بلا وقت فكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن الذي سمى شهوده ويرجع بالنصف وإن شاء ردها.
وقال في موضع آخر: إن القول قول البائع في البيع.
قال المزني: هذا أشبه بالحق عندي لأن البينتين قد تكافأتا وللمقر له بالدار ليس لصاحبه كما يدعيانها جميعاً ببينة وهي في يد أحدهما فتكون لمن هي في يديه لقوة سببه عنده على سبب صاحبه.
قال المزني رحمه الله وقد قال لو أقام كل واحد منهما البينة على دابة أنه نتجها أبطلتهما وقبلت قول الذي هي في يديه".
قال في الحاوي: جمع المزني في هذا الباب بين ثلاث مسائل نقلها عن الشافعي: فالأولى: بائع ومشتريان.
والثانية: بائعان ومشتريان.
والثالثة: مشتر وبائعان.
فأما الأولى: هي مسألتنا فصورتها في رجلين تداعيا ابتياع دار من رجل واحد فقال أحدهما: اشتريتها منه بمائة درهم، ونقدته الثمن، وأقام على ذلك بينة.
وقال الآخر: إنما اشتريتها منه بمائتي درهم، وأقام على ذلك بينة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون في البينة بيان على تقدم أحد العقدين على الآخر.
والثاني: أن لا يكون فيها بيان، فإن بان بهما تقديم أحد العقدين على الآخر، بأن تشهد بينة أحدهما، أنه ابتاعها منه في رجب وتشهد بينة الآخر أنه ابتاعها منه في شعبان،

الجزء: 14 - الصفحة: 446

وتشهد بينة أحدهما أنه ابتاعها منه، في يوم السبت وتشهد بينة الآخر أنه ابتاعها منه في يوم الأحد، فهما في تقارب هذين الزمانين وتباعده سواء، فيحكم بصحة العقد الأول، وإبطال الثاني، لأنه قد زال بالأول ملك البائع، فصار في الثاني بائعاً لغير ملك فيرجع الثاني على البائع بالثمن.
لقيام البينة بقبضه له ويكون الأول أحق بالدار ولا يدل ذلك على ملكه في الدار، لأنه قد يجوز أن يكون البائع غير مالك حتى يقول الشهود أنه باعها، وهو مالكها، أو يقولوا إنها لهذا المشتري بابتياعها من هذا البائع، فتدل له الشهادة أحد الأمرين على ملك المشتري وصحة عقده وإن لم يكن في البينتين بيان على تقدم أحد العقدين، وذلك يكون في أحد ثلاثة أوجه إما أن لا يكون في واحد منهما تاريخ، أو تؤرخ أحدهما دون الأخرى، أو تؤرخ كل واحدة منهما إلى وقت واحد، لا يتقدم إحداهما على الأخرى، فيكون بيان التقدم معدوماً على الوجوه الثلاثة وإذا كان كذلك لم تخل حال الدار من أربعة أحوال: إحداها: أن تكون في يد البائع.
والثانية: أن تكون في يد أحد المشتريين.
والثالث: أن تكون في أيديهما.
والرابع: أن تكون في يد أجنبي.
فصل: فأما الحالة الأولى: وهو أن تكون في يد البائع: فقد اختلف أصحابنا في تصديق البائع، لإحدى البنتين هل يوجب ترجيحها على الأخرى؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إبراهيم المزني وأبي العباسبن سريج، أن تصديق البائع لإحداهما مقبول، تترجح به بينته، لأنه أصل ذو يد فعلى هذا يرجع إلى بيانه في أي العقدين تقدم ولا يرجع إلى بيانه أيهما باع، لأنه قد ثبت عليه البيعان بالبينة، فيرجع إليه بالتقدم منهما، فإذا بين أحدهما التقدم كان البيع له، ولا يمين على الآخر، لأنه لو رجع عن قوله لم يقبل، وليس يغرم للآخر القيمة، وإنما يرد عليه الثمن، فلذلك لم تلزمه اليمين، وإن أنكر أن يكون عنده بيان، أحلف وكان لكل واحد منهما أن يحلفه يميناً تخصه، لأنه لو بين بعد إنكاره قبل منه فلذلك لزمته اليمين.
فإن جمع بين المشتريين في البيان، لم يكن فيه بيان، لأنه بيانه في التقدم، ويستحيل أن يكون على واحد منهما متقدماً على الآخر في حاله.
وقال أبو حامد الإسفراييني، تكون الدار بينهما بتصديقه لهما.
فإن قال ذلك وهو يرى أن بيان البائع مقصور على المتقدم بالعقد فقد وهم لاستحالة اجتماعهما في التقدم، وإن قاله، لأنه يرى أنه يرجع إلى بيان البائع لأيهما باع فهو ارتكاب مذهب لا يقتضيه المذهب لما بيناه.

الجزء: 14 - الصفحة: 447

والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران، وعامة أصحابنا أن تصديق البائع لأجل يده، غير مقبول، في ترجيح بينة أحدهما، لاتفاق البينتين على زوال ملكه فبطل بها حكم يده، وإنما يرجع إلى يد يجوز أن تكون مالكه، وليس للبائع يد ملك.
فعلى هذا يجري على البينتين حكم المتعارضتين في الظاهر، وإن جاز أن لا يتعارضا في الباطن بأن يتقدم أحد العقدين على الآخر فيكون في تعارضهما ثلاثة أقاويل: أحدهما: إسقاطها فيرجع إلى قول البائع لا ترجيحاً للبينة لأنهما قد أسقطتا، ولكن لأنها دعوى عليه في ابتياع منه، فإن كذبهما حلف لكل واحد مهما، وغرم له ما شهدت به بينته من الثمن الذي دفعه، والدار باقية على حكم ملكه، وإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، كانت الدار مبيعة على المصدق، دون المكذب فإن طلب المكذب إحلاف البائع، نظر فإن كان قد سبق بالدعوى على المصدق كان له إحلاف البائع، لأنه قد استحق اليمين بإنكاره قبل دعوى المصدق، فلم يسقط حقه منها بتصديقه لغيره، وإن كانت دعواه بعد تصديق الآخر، فلا يمين عليه إلا على تخريج يذكره، لأنها دعوى في خلال لا ينفذ فيها إقراره ويرجع عليه بالثمن الذي شهدت به ببينته، فلو عاد البائع فصدق الثاني بعد تصديق الأول، كان البيع للأول، لتقدم إقراره، ونظر في قيمة الدار، فإن كانت بقدر الثمن الذي شهدت به بينة الثاني، لم يغرم للثاني إلا الثمن، وأن كانت قيمتها أكثر من الثمن ففي وجوب غرم زيادة القيمة بعد رد الثمن قولان: أحدهما: لا يغرمها.
والثاني: يغرمها.
ومن هاهنا يجيء تخريج قول أبي علي للبائع أن يحلف للمكذب لأنه إذا غرم مع الإقرار حلف مع الإنكار، ولو صدق البائع لهما جميعاً، جعلت الدار بينهما، ويكون نصفها مبيعاً على كل واحد منهما بنصف الثمن الذي شهدت به بينة، إن اتفقوا على قدره.
وإن عدلوا إلى غيره، فكل واحد من المشتريين يأخذ نصف الدار بنصف الثمن الذي أقر به البائع.
إن صدق المشتريان على قدره، وإن كذباه، حلفاه عليه، وأبطل البيع، ولا يعتبر الثمن الذي شهدت به البينة إلا في دفعه دون عقد البيع، لأنه قد أسقط قبولهما في البيع، فسقط حكم الثمن الذي شهدا به وإن قبلت شهادتهما في دفعه، لأن تعارضهما في البيع لا في دفع الثمن فهو أحلم القول الأول في إسقاط البينتين بالتعارض.
والثاني: الإقراع بين البينتين فأيتهما قرعت حكم بها وكان البيع لمن شهدت له، وفي إحلافه مع القرعة قولان: أحدهما: يحلف إن قيل: إن القرعة مرجحة لدعواه.
والثاني: لا يمين إن قيل إن القرعة مرجحة لبينته، وللمقروع أن يرجع على البائع بالثمن الذي شهدت به بينته.
والثالث: استعمال البينتين، وقسم الدار بهما بين المشتريين ليكون نصفها مبيعاً من

الجزء: 14 - الصفحة: 448

كل واحد منهما، وهو لتفريق الصفقة عليه بالخيار في إمضاء البيع في نصف الدار بنصف الثمن أو فسخه، لأنه ابتاع جميع الدار فجعل له نصفها ولهما في الخيار ثلاثة أحوال: إحداهما: أن يختار الإمضاء فيكونا شريكين.
والثانية: أن يختار الفسخ، فيصح فسخ من تقدم منهما، ويتوفر سهمه بالفسخ على المتأخر، فيسقط خياره في الفسخ، لأن البيع قد تكامل له في جميع الدار.
والثالثة: أن يمضي أحدهما، ويفسخ الآخر، فقد زال ملك الفاسخ، ونظر فإنه فسخ قبل رضا الآخر بالنصف يغرم سهمه على التراضي وأخذ جميه الدار بجميع ثمن بينته، وإن فسخ بعد رضا الراضي لم يعد سهم الفاسخ على الراضي، لاستقرار الحكم في ابتياعه النصف.
فصل: وأما الحالة الثالثة: وهو أن تكون الدار في يدي أحد المشتريين، فقد اختلف أصحابنا هل تترجح بينته بيده أم لا؟ على وجهين مبنيين على اختلاف الوجهين في الترجيح بيد البائع، إذا صدق أحدهما بترجيح يد أحد المشتريين، إذا قيل: إنها ترجح بين البائع إذا صدقه فيحكم له ببينته، ويده ويرجح الآخر بالثمن الذي شهدت به بينته، ويجوز أن يكون خصماً لصاحب اليد في الدار ويحلفه إذا أنكره، وإن صدقه سلم الدار إليه بإقراره بالثمن الذي شهدت به بينته إن كان مثل الثمن في ابتياع حقه، وإن كان أقل لم يكن له أن يرجع بالباقي، لأنه مقراً أنه لا يستحقه على الثاني، وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ الزيادة، لأنه مقر أنه لا يستحق أكثر من الثمن الذي دفع، ويكون درك للثاني على الأول، دون البائع، ولا يكون على البائع درك الأول، ولا الثاني لأن الثاني ملكها عن الأول، والأول قد أقر أنه لا يملكها عن البائع فلذلك سلم البائع من دركها.
والثاني: أنه لا تترجح البينة بيد البائع إذا صدق أحدهما.
فعلى هذا يسقط حكم يده، وتتعارض البينتان في حقهما فتكون على الأقاويل الثلاثة: أحدهما: يسقطان ويرجع إلى البائع في إقراره، وإنكاره على ما مضى.
والثاني: يقرع بينهما، ويحكم لمن قرع منهما على ما مضى.
والثالث: يقسم بينهما باستعمالهما على ما مضى.
وذكر الربيع قولاً رابعاً: أن تعارض البينتين، يوجب إبطال الصفقتين فيكون كل واحد من البيعين باطلاً كالمتداعيين نكاح امرأة يقيم كل واحد منهما البينة على أنه تزوجها، يبطل النكاحان بتعارضهما، فأنكر أصحابنا هذا القول ونسبوه إلى الربيع تخريجاً لنفسه، ومنعوا من اعتباره بالنكاح، لوقوع الفرق بينهما، بأن نكاح المرأة لا يجوز أن يكون بين زوجين، وشراء الدار يجوز أن يكون بين مشتريين، فبطل النكاحان، لامتناع الشركة، ولم يبطل البيعان مع جواز الشركة.

الجزء: 14 - الصفحة: 449

فصل: وأما الحالة الثالثة: وهو أن تكون الدار في يدي المشتريين فقد ساويا في اليد والبينة، ولم يتراجح أحدهما على الآخر في يد ولا بينة.
فإن لم يترجح يد أحدهما لم يترجح أيديهما وصارت بينتاهما متعارضتين فيكون تعارضهما محمولاً على الأقاويل الثلاثة في إسقاطها والإقراع بينهما، أو استعمالها، وإن رجحتا يد أحدهما رجحتا أيديهما، وصار لكل واحد منهما بينة، داخل في النصف الذي في يده، وبينة خارج في النصف الذي بيد صاحبه، فيجعل ابتياع الدار بينهما نصفين، وهل يحلف لصاحبه أم لا؟ على قولين ويرجع كل واحد منهما على البائع بنصف الثمن، وكان خيار كل واحد منهما على ما ذكرناه.
فصل: وأما الحالة الرابعة: وهو أن تكون الدار في يد أجنبي، فلا تخلو يده من أربعة أحوال: إحداها: أن يكون نيابة عن البائع، فيكون على ما قدمناه في يد البائع.
والثاني: أن يكون نيابة عن أحد المشتريين، فيكون على ما قدمناه في يد أحدهما.
والثالث: أن يكون نيابة عنهما، فيكون على ما قدمناه في أيديهما.
والحالة الرابعة: أن يكون لنفسه غير ثابت فيها من غيره فلا تتوجه الدعوى عليه في البيع، لأنه منسوب إلى غيره، ولا توجب بينة واحد منهما انتزاع الدار من يده، لأن بيع غيره للدار لا يجعله مالكاً لها وصاحب اليد أحق بالدار من بائعها، ولا تتوجه عليه مطالبة البائع بها، لأن قيام البينة عليه بالبيع يمنع من أن يكون له فيها حق، وسقط أن يكون للبائع عليه يمين ولا تتوجه إليه مطالبة واحد من المشتريين بها، لأنه يدعي ملكها، عن البائع، وليس للبائع المطالبة بها فكان أولى أن لا يطالب بها النائب عنه، فتسقط المطالبة عن صاحب اليد، لأجل البينة، ولا يمين عليه لواحد منهم، ويرجع كل واحد من المشتريين على البائع بالثمن الذي شهدت به بينته، فإذا حكم بإبطال البيعين، وأخذ البائع برد الثمنين جاز له أن يستأنف الدعوى وهذا كله إذا لم يكن في البينة الشاهدة بالبيع شهادة للبائع، يملك المبيع، فأما إذا شهدت له بملك ما باع، فإن عارضه مت صاحب اليد ببينته، كانت بينة صاحب اليد أولى، لأنها بينة داخل قد تلتها بينة خارج وإن لم تكن لصاحب اليد بينة رفعت يده، وثبت أن البائع باع ملكه، وإن كانت الشهادة يملكه في إحدى البينتين حكم بالبيع، دون الملك ورجع بالثمن وبطل حكم التعارض فيهما.
وإن شهدت بينة كل واحد منهما بالملك والبيع، ثبت حكم التعارض فيهما، وكان على الأقاويل الثلاثة، وقد أطلنا هذه المسألة باستيفائها، لأنها من الأصول في الدعاوى.

الجزء: 14 - الصفحة: 450

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ولو أقام بينة أنه اشترى هذا الثوب من فلان وهو ملكه بثمن مسمى ونقده الآخر البينة أنه اشتراه من فلان وهو يملكه بثمن مسمى ونقده فإنه يحكم به للذي هو في سديه لفضل كينونته.
قال المزني: وهذا يدل على ما قلت من قوله" قال في الحاوي: وهذه المسألة الثانية التي يجتمع فيها بائعان، ومشتريان وصورتها أن يتنازع رجلان في ثوب يدعي أحدهما أنه اشتراه من زيد وهو مالكه بثمن سماه ونقد إياه، ويقيم على ذلك بينة بالملك والبيع ويدعي الآخر أنه اشتراه من عمرو، وهو مالكه بثمن سماه، ونقده إياه، ويقيم على ذلك بينة بالملك والبيع فلا يخلو الثوب من خمسة أحوال: أحدها: أن يكون في يد المبايعين.
والثاني: أن يكون في أيديهما.
والثالث: أن يكون في يد أحد المشتريين.
والرابع: أن يكون في أيديهما.
والخامس: أن يكون في يد أجنبي.
فأما الحالة الأولى: وهو أن يكون الثوب في يد أحد المبايعين فبينته أرجح وجهاً واحداً، لأنها بينة داخل تندفع بها بينة خارج فيصح بيعه، ويؤخذ بتسليم الثوب إلى مشتريه منه ويبطل بيع الآخر، ويؤخذ برد الثمن على مشتريه منه، ولا يمين للبائع الآخر ولا للمشتري على من ترجحت بينته من البائع والمشتري، لأن الحكم ثبت لهما بالبينة ترجيحاً باليد ولا يمين مع البينة.
فصل وأما الحالة الثانية: وهو أن يكون الثوب في يد البائعين فلا تخاصم بين المشتريين، فقيل: إنه لابد لواحد منهما على ما يدعيه، وخصمه فيه هو البائع عليه، ليسلم إليه ما باعه وللبائع حينئذ حالتان: إحداهما: أن يتنازعا كل واحد منهما، أنه مالك لجمعيه وبينة كل واحد من المشتريين في البيع، هي بينة لكل واحد من البائعين في الملك ولكل واحد منهما بينة داخل في النصف الذي بيده، وبينة خارج في النصف الذي في يد صاحبه، فيحكم لكل واحد منهما بنصفه ويده، لأنه قد عارضته فيه بينة خارج وهل يجب لكل واحد منهما أحلاف صاحبه، أم لا؟ على قولين: من تعارض البين هل يسقطان، أو يستعملان؟

الجزء: 14 - الصفحة: 451

فإن قيل: بإسقاطهما فعلى كل واحد منهما أن يحلف لصاحبه أنه لا حق له فيما بيده، ولا يحلف أنه مالك لما بيده، لأنه يحلف على إنكاره وليس يحلف على إثباته.
وإن قيل: باستعمال البينتين فلا يمين على واحد منهما لصاحبه، لأن من حكم له بالبينة لم يحلف معها، ثم يصير كل واحد من البائعين مالكاً لنصفه وبائعاً لجميعه فيكون كل واحد من المشترين بالخيار بين إمضاء البيع في نصفه والرجوع بنصف ثمنه، وبين فسخ البيع في جميع، والرجوع بجميع ثمنه على ما بيناه.
والثانية: أن يتصادق البائعان على أن كل واحد منهما مالك لنصفه، فينقطع التخاصم بينهما بالتصادق وفي انقطاع خصومة المشتريين بانقطاعها بين البائعين وجهان: أحدهما: قد انقطعت الخصومة بتصادقهما، وصار كل واحد منهما مالكاً لنصفه وبائعاً لجميعه فلزمه تسليم مالك ودرك ما لم يملك.
والثاني: أن الخصومة باقية لكل واحد من المشتريين لأنه يدعي ملك جميع الثوب، وقد صار إلى نصفه مع بقائه في حق غيره، ويكون مخاصماً فيه لمن بيده النصف الآخر فإن كان قد تسلم مشتريه كان كل واحد منهما خصماً لصاحبه فيه فيتحالفان عليه، ولا تستعمل بيناهما فيه، لأنهما لا تفيدهما أكثر من قسم بينهما.
فإن حلفا أو نكلا كان بينهما، وانقطع تخاصمهما وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر حكم بجميعه للحالف ولم يلزم لبائعه عليه إلا نصف ثمنه، وإن صار مالكاً لجميعه أن البائع مقراً أنه لا يملك إلا نصفه، فإن لم يكن مشتريه قد ساق الثمن إليه، لم يطالبه البائع إلا بنصفه، وإن كان قد ساق جميع الثمن لم يكن له استرجاع شيء منه، لأنه مقر باستحقاقه عليه، وليس للمشتري الناكل رجوعه يدركه على بائعه لأنه مستحق في يده بنك وله، ولو حلف لكان مقراً في يده ولو لم يتسلم المشتري، وكان باقياً من يد البائعين وقفت الخصومة بين المشتريين، وكان لكل واحد مطالبة مبايعه فتسلم ما ابتاعه منه، وهو لا يقدر إلا على تسليم نصفه الذي في يده فإذا قبض كل واحد منهما نصفه، تخاصم فيه المشتريان، وكان حكمهما في التخاصم على ما ذكرناه.
فصل وأما الحالة الثالثة: وهو أن يكون الثوب في يد أحد المشتريين، ترجحت بينه بيده وجهاً واحداً بخلاف يده لو كان البائع عليها واحداً في أحد الوجهين، لأنهما في الشراء مع اثنين يجعل يده بيد بائعه الذي لم ينقل ملكه إلا إليه فصارت يد كيد أحد البائعين، فحكم له بالجميع لأن بينته بالجميع بينه داخل وبينة الآخر في الجميع بينة خارج، ولزمه جميع الثمن ورجع الآخر على صاحبه بجميع الثمن وليس له مخاصمة صاحبه في الشراء، لأنه قد استقر ابتياعه لجميع الثوب، لحكم لت، وينقطع التنازع بين البائعين، كانقطاعه بين المشتريين لنفوذ الحكم بالبينة واليد البائع، والمشتري منه على البائع الآخر والمشتري منه.

الجزء: 14 - الصفحة: 452

فصل وأما في الحالة الرابعة: وهو أن يكون الثوب في يد المشتريين، فقد تكافئا في البينة واليد، لأن لكل واحد منهما بينة داخل في نصفه، بينة خارج من نصفه، فيحكم به بينهما نصفين وتكون الخصومة فيه بين المشتريين، ولا خصومة في الحال بينهما، وبين البائعين، لأن لكل واحد منهما أحلاف صاحبه قولاً واحداً لأنه لو صدقه عليه، لزمه تسليم ما بيده وفي كيفية يمينه قولان من اختلاف قوليه في تعارض البينتين، فإن قيل: باستعمالهما كانت يمين كل واحد منهما على النفي دون الإثبات، فيحلف بأنه لا حق له فيما بيدي، ولا يحلف إني مالك لما بيدي، لأنه قد ملكه بالبينة، فلا يمين مع البينة.
وإن قيل: إن تعارضهما موجب لإسقاطهما كانت يمين كل واحد منهما على الإثبات دون النفي، فيحلف بالله لقد تملكه بالابتياع من فلان، لأنه لم يملك بالبينة، فصار مالكاً بالثمن، فإن حلفا كان الثوب بينهما ملكاً وإن نكلا كان الثوب بينهما يداً فلا رجوع لواحد منهما بالدرك على مبايعة سواء حلفا أو نكلا، لأنه كل واحد منهما في ادعاء جميعه ملكاً بالابتياع مصدق لمبايعة على ملكه.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم بالجميع للحالف دون الناكل، ولزمه ثمن جميعه لمبايعة، لاعترافهما باستحقاقه، ولا رجوع للناكل يدركه على مبايعة بشيء من ثمنه، لأنه مقر أنه لملكه.
فإن أحال المشتريان بالتحالف على البائعين ليكونا خصمين فيه، كان جوازه على قولين، من اختلاف قوليه في تعارض البينتين، فإن قيل: بإسقاطهما، تحالف عليه البائعان وكان كل واحد من المشتريين خصماً لمبايعه فيه.
وإن قيل باستعمالها لم يتحالف عليه البائعان لبت الحكم بينهما بالبينة، ولا رجوع لواحد منهما بالدرك على مبايعه إن تداعياه، ولهما الرجوع يدركه، إن لم يتداعياه، لأنهما في تداعيه مصدقان للبائعين، وإن لم يتداعياه غير مصدقين، وإن لم يجعل لهما الرجوع بالدرك، فلا خيار لهما في فسخ البيع، وإن جعل لهما الدرك كان لهما الخيار في فسخ البيع وكانا فيه بين ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يفسخا فيرجع كل واحد منهما بدرك جميعه والثاني: أن يقيما فيرجع كل واحد منهما يدرك نصفه.
والثالث: أن يفسخ أحدهما، ويقيم الآخر فيرجع المقيم بدرك النصف فيرجع الفاسخ بدرك الجميع، ولا تتوفر حصة الفاسخ على التراضي لأن حصة الفاسخ تعود إلى مبايعه، ولا يعود إلى مبايع الراضي فصار فيه بخلاف البائع الواحد، الذي لا يعود خصمه الفاسخ، إلى مبايع الراضي، فيتوفي من حصته على الراضي.
فصل وأما الحال الخامسة: وهو أن يكون الثوب في يد أجنبي فعلى ضربين:

الجزء: 14 - الصفحة: 453

أحدهما: أن تنسب يده إلى أحد الأربعة، فيكون حكمه كحكمه لو كان في يد من نسبه إليه، وهل لكل واحد من الباقين أن يحلفه إن أكذبه على أن يده نائبة عمن نسبه إليه، أم لا؟ على قولين: من اختلاف قوليه في وجوب الغرم عليه إن صدق غيره.
فإن قيل: بوجوب الغرم مع الإقرار أحلف مع الإنكار، وإن قيل: لا غرم عليه لم يحلف.
والثاني: أن يدعيه لنفسه ملكاً فدعواه مردودة بكل واحد من البينتين، و؟ لأن إحداهما تشهد به لزيد والأخرى تشهد به لعمرو، وكل واحدة منهما تشهد بأن لا حق فيه لصاحب اليد، ولا ينتزع من يده قبل بت الحكم بين المتنازعين، ليتعين بالحكم مستحق انتزاعه منه، فصارت يده ضامنة له في جنبه مستحقة وقد تعارضت البينتان فيه ملكا في حق البائعين ومبيعاً في حق المشتريين، وتساوت البينتان في حق الجنبتين لأنها بينتا خارج فتحمل على الأقاويل الثلاثة: أحدها: إسقاط البينتين، ويكون كل واحد من البائعين خصما للآخر في ملكه، وكل واحد من المشتريين خصماً لمبايعة في ابتياعه، فيتحالف البائعان على ملكه فإن حلفا حكم لهما ملكاً وإن نكلا جعل بينهما يداً.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهل ترد يمين نكوله على مدعي ابتياعه؟ على قولين، من اختلاف قوليه في غرماء المفلس إذا أجابوا إلى يمين يستحق بها مال نكل عنها المفلس: أحدهما: ترد اليمين على المشتري إذا قيل: إنها ترد على الغرماء لأنه قد أثبت كل واحد منهما بيمينه حقاً لنفسه.
والثاني: لا ترد اليمين على المشتري إذا قيل: إنها لا ترد على الغرماء لأنه لا حق لهما فيما يحلفان عليه، إلا بعد استحقاق خصمهما له، ولا يصح لأحد أن يملك مالاً بيمين غيره، وإذا كان كذلك لم يخل الثوب من أن يحكم به البائعين، أو لأحدهما فإن حكم به لهما صار كل واحد من المشتريين مدعياً على مبايعه ابتياع جميعه، ودفع ثمنه، فأن صدقه مبايعه على دعواه صح البيع في النصف الذي صار إليه وبطل في نصفه الذي صار في ملك غيره، ومشتريه بالخيار في إمضائه بنصف الثمن، واسترجاع نصفه الباقي أو فسخه في جميعه، واسترجاع ثمنه وإن أكذبه مبايعه في ابتياعه، حلف له، ولا بيع بينهما بعد يمينه، وهل يستحق عليه الرجوع بثمنه الذي شهدت بينه ببيعه ودفع ثمنه أم لا؟ على قولين من اختلاف قوليه في الشهادة إذا ردت في بعض ما شهدت به هل يوجب ردها في باقيه؟ أحدهما: لا يرد ويحكم له على البائع برد الثمن.
والثاني: يرد، ويكون القول قول البائع في إنكاره مع يمينه وإن حكم بالثوب لأحد المبايعين بطل من لم يحكم له، وهو يرد الثمن بالبينة إن أنكر أم لا؟ على القولين وتوجهت الدعوى على من حكم به بالثوب لمشتريه منه فإن صدقه عليه، صح البيع في

الجزء: 14 - الصفحة: 454

جميعه ولا خيار لمشتريه وإن أنكره حلف، ولا بيع بينهما وهل يلزمه رد الثمن بالبينة أم لا على القولين؟ فهذا ما يتفرغ على هذه الدعوى على هذا القول الموجب لإسقاط البيتين.
والثاني: أنه لا يوجب سقوطهما بالتعارض ويميز بينهما بالقرعة فآيتهما قرعت، حكم بها لمن شهدت له بملك البائع وبيعه على المشتري، وفي أحلافه مع القرعة قولان وردت البينة المقروعة في ملك الآخر وبيعه ولم ترد فيما شهدت به من دفع الثمن قولاً واحداً لأنه لم يكن ردها إسقاطاً وإنما كان ترجيحا.
والثالث: استعمال البينتين بقسم الثوب بهما بين المشتريين نصفين، ولكل واحد منهما الخيار في إمضاء البيع في نصفه بنصف ثمنه واسترجاع باقيه، أو فسخ البيع فيه، واسترجاع جميع ثمنه، لأن البينة مستعملة فيما شهدت به، وإنما أمضت في النصف لازدحام الحقين كالعول في الفرائض.
فصل وإذا تنازعا ثوباً في يد؟ أحدهما منه ذراع، وفي يد الآخر منه عشرة أذرع كانا في اليد سواء، ولا يترجح من بيده أكثره، على من بيده أقله، لأنه لو تفرد أحدهما باليد لم يقع الفرق بين أن يكون بيده أكثره أو أقله.
ولو تنازعا داراً وأحدهما في صحنهما والآخر في دهليزها كانا في اليد سواء، وقال أبو حنيفة: الجالس في الصحن أحق باليد من الجالس في الدهليز.
وليس بصحيح لأنه لو تفرد بالجلوس في الدهليز كانت يده عليها كما لو كان في صحنها، وهكذا لو كان أحدهما على سطحهما، والآخر في سفلها كانا عندنا في اليد سواء، ولا فرق أن يكون على سطح ستره حاجزة أو لا تكون أو على السطح ممر حاجز من السفل أو لا تكون.
ولو تنازعا متاعاً في ظرف ويد أحدهما على الظرف ويد الآخر على المتاع، اختص كل واحد منهما باليد على ما في يده، ولا تكون اليد على الظرف مشاركة لليد على المتاع ولا اليد التي على المتاع مشاركة لليد على الظرف لانفصال أحدهما عن الآخر ولجواز أن يكون المتاع الواحد والظرف لآخر.
ولو تنازعا عبداً ويد أحدهما على ثوبه ويد الآخر على ثوبه كانت اليد على العبد يداً على الثوب والعبد لأن يد العبد على الثوب أوقى، فصارت اليد على العبد أقوى، ولا يكون لصاحب اليد على الثوب يد على العبد ولا على الثوب، لأن للعبد على الثوب يدا وتصرفاً، ولممسك الثوب في يد غير تصرف، ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر قائدها ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: تكون لراكبها دون قائدها لأنه مع اليد المشتركة مختص بالتصرف.

الجزء: 14 - الصفحة: 455

والثاني: هما مشتركان في اليد عليها، لأن قودها تصرف كالركوب فاستويا.
ولو تنازعا سفينة أحدهما برباطها والآخر ممسك بخشبها كانت اليد لممسك الخشب دون ممسك الرباط لأن الخشب من السفينة والرباط ليس منها، ولو كان أحدهما راكبها والآخر ممسكها كانت اليد للراكب دون الممسك لأن الراكب تصرفاً ليس للمسك.
ولو تنازعا دابة في إسطبل أحدهما، وأكذبهما عليها فإن كان في الإسطبل دواب لغير مالكه استويا في اليد عليها، لأن التصرف في الإسطبل قد صار مشتركاً وإن لم يكن في الإسطبل دواب غير دواب صاحبه كانت اليد لصاحب الإسطبل خاصة لتفرده بالتصرف، والله أعلم مسألة قال الشافعي رحمه الله: " ولو كان الثوب في يدي رجل وأقام كل واحد منهما البينة أنه ثوبه باعه من الذي هو في يديه بألف درهم فإنه يقضي بين المدعيين نصفين ويقضي لكل واحد منهما عليه بنصف الثمن قال المزني رحمه الله: ينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بجميع الثمن لأنه قد يشتريه من أحدهما ويقبضه ثم يملكه الآخر ويشتريه منه ويقبضه فيكون عليه ثمنان وقد قال أيضا: لو شهد كل واحد على إقرار المشتري أنه اشتراه أو أقر بالشراء قضى عليه بالثمنين.
قال المزني سواء إذا شهدوا أنه اشترى أو أقر بالشراء" قال في الحاوي: وهذه هي المسألة الثالثة التي يجتمع فيها مشتر وبائعان وصورتها في رجل بيده ثوب تنازعه رجلان، فقال له كل واحد منهما هذا ثوبي بعته عليك بألف درهم، وسلمته إليك ولي عليك ثمنه، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، فلا تخلو بينتاهما من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون تاريخهما مختلفاً فتشهد بينة أحدهما أنه باعه عليه في رجب، وتشهد بينة الآخر أنه باعه عليه في شعبان، فلا تعارض في البينتين، لإمكان حملهما على الصحة، وهو أن يشتريه من أحدهما في رجب ويبيعه على الآخر ثم يعود فيشتريه منه فيصير مشترياً من كل من البائعين في وقتين بثمنين، وإذا صح ذلك لزمه الثمنان من غير تكذب ولا تعارض كما لو ادعت امرأة على زوجها أنه نكحها في يوم الخميس على صداق ألف، ثم نكحها في يوم الجمعة على صداق ألفين وأقامت عليه البينة بكل واحد من النكاح، يحكم عليه بالصداقين ولا تتعارض فيه البينتان لأنه قد يتزوجها في يوم الخميس ويحالفهما فيه بعد دخوله بها ثم يتزوجها في يوم الجمعة فيصح العقدان ويلزمه الصداقان.

الجزء: 14 - الصفحة: 456

كذلك في مسألتنا: يصح فيه البيعان، ويلزمه الثمنان لإمكان الصحة وامتناع التنافي، وإذا أمكن حمل البينتين على الصحة لم يجز أن يحملا على التنافي والتضاد.
الثانية: أن يكون تاريخ البينتين واحداً فشهد بينة أحدهما أنه باع عليه ثوبه هذا بألف، مع زوال الشمس من يوم السبت، وتشهد بينة الآخر أنه باع عليه ثوبه هذا بألف في ذلك الزمان بعينه، مع زوال الشمس من يوم السبت، فقد تكذيب البينتان فتعارضت لاستحالة أن يكون كل الثوب ملكاً لكل واحد من البائعين في وقت واحد، وبيعة كل واحد منهما عليه في وقت واحد، فكان تعارضهما مع الكاذب محمولاً على الأقاويل الثلاثة في تعارض البينتين: أحدهما: إسقاطهما بالتعارض ولا يتعين به حرج أحدهما بالكاذب ثم رجع بعد إسقاطهما إلى قول صاحب اليد، فإن كذبهما حلف لهما، وبرئ من مطالبتهما وإن صدقها حكم عليه لكل واحد بثمنه فيلزمه لهما ثمنان لإمكان ابتياعه من كل واحد منهما، وإن صدق أحدهما وكذب الآخر لزمه ثمنه للمصدق وحلف المكذب وبرئ بيمينه وإن نكل عنها ردت على المكذب وحكم له عليه بالثمن إذا حلف فيصير ملتزماً لثمنه في حق الأول بإقراره، وملتزماً بثمنه في حق الثاني بيمينه.
والثاني: الإقراع بين البينتين والحكم لمن قرع منهما، ويبطل حكم المقروعة بالقارعة، وفي أحلاف من قرعت بينته، قولان: يحلف في أحدهما إن جعلت القرعة مرجحة للدعوى، ولا يحلف في القول الآخر إن جعلت مرجحة للبينة.
والثالث: استعمال البينتين، وقسم الثوب المبيع بينهما نصفين، فيصير كل واحد منهما بائعاً لنصفه بنصف الثمن فيكون الثمن بينهما كما جعل الثوب بينهما، ولا خيار لمشتريه أن الصفقة لم تتبع عليه، وإنما تبعت في حق بائعه فإن طلب كل واحد من البائعين أخلاف المشتري بعد استعمال البينتين كان له أحلافه لأنه لو صدقه لزمه دفع الباقي من ثمنه.
والثالثة: أن تكون البينتان مطلقتين أو إحداهما، فيتحمل أن يحمل إطلاقها على التعارض ويحتمل أن يحمل على الإمكان فاختلف أصحابنا فيما يحمل عليه هذا الإطلاق على وجهين: أحدهما: وهو قول الأكثرين: أنه يحمل على الإمكان ويقضي على المشتري، بالثمنين لجواز أن يكون إطلاقهما في وقتين.
وإذا أمكن استعمال البينتين على الصحة، لم يجز أن يحملا على التعارض.
والثاني: أنه يحمل إطلاقهما على التعارض في وقت واحد لأن الأصل براءة ذمة المشتري فلا يضمن بأمر محتمل، وإذا حكم بتعارضهما على هذا الوجه كان على الأقاويل الثلاثة: أحدهما: إسقاطها.

الجزء: 14 - الصفحة: 457

والثاني: الإقراع بينهما.
والثالث: استعمالهما.
فصل فصلا المزني فأنه تكلم على فصلين: أحدهما: إيجاب الثمنين فإن أراد به مع اختلاف الوقتين فهو صحيح مسلم، وإن أراد به مع اجتماع العقدين في وقت واحد فهو باطل مردود لامتناعه وإن أراد به مع الإطلاق فهو أصح الوجهين وإن قورع فيه.
والثاني: فهو أنه جعل الشهادة عليه بمشاهدة العقدين كالشهادة على إقراره بالعقدين ولو قامت البينتان على إقراره بالعقدين، لزمه الثمنان سواء أقر بهما في وقت، أو وقتين كذلك الشهادة عليه بمشاهدة العقدين تقتضي أن تكون موجبة لالتزام الثمنين سواء كانتا في وقت أو وقتين وهذا الجمع بينهما في الوقت الواحد فاسد، لأنه يصح أن يقر في الوقت الواحد بعقدين، ولا يصح أن يباشر في وقت واحد فعل عقدين، فصح الإقرار بهما في الوقت الواحد بعقدين، ولا يصح أن يباشر في الوقت الواحد فعل عقدين، فصح الإقرار بهما في الوقت الواحد لإمكانه وبطل العقد عليه في الوقت الواحد لامتناعه.
وقد يجوز أن يكون في الإقرار تعارض في موضع وهو أن تنفق الشهادتان على أنه أقر مرة واحدة لواحد ثم اختلفا فيمن أقر لبه، فشهدت إحداهما أن إقراره كان لزيد وشهدت الأخرى أن إقراره كان لعمرو، فتتعارض الشهادتان في الإقرار كما تعارضت في العقد فيحمل تعارضهما على الأقاويل الثلاثة في الموضعين.
مسألة قال الشافعي رحمه الله: " ولو أقام رجل بينة أنه اشترى منه هذا العبد الذي في يديه بألف درهم وأقام العبد البينة أنه سيده الذي هو في يديه أعتقه ولم يوقت الشهود فإني أبطل البينتين لأنهما تضادتا وأحلفه ما باعه وأحلفه ما أعتقه.
قال المزني: قد أبطل البينتين فيما يمكن أن تكون فيه صادقتين فالقياس عندي أن العبد في يدي نفسه بالحرية كمشتر قبض من البائع فهو أحق لقوة السبب كما إذا أقاما بينة والشيء في يدي أحدهما كان أولى به لقوة السبب وهذا أشبه بقوله" قال في الحاوي: وصورتها في عبد في ملك سيده ادعاه أنه ابتاعه بألف درهم دفعها إليه، وأقام به بينة وادعى العبد أن سيده اعتقه في ملكه، وأقام به بينة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون في البينتين تاريخ يدل على تقدم إحداهما على الأخرى فيحكم بشهادة المتقدمة دون المتأخرة، فإن تقدم البيع على العتق حكم به بيعا وأبطل أن

الجزء: 14 - الصفحة: 458

يكون معتقاً لأنه أعتقه بعد زوال ملكه عنه بالبيع، وإن تقدم العتق على البيع، حكم بعتقه وبطل بيعه أنه باعه بعد زوال ملكه عنه، بالعتق، وأخذ يرد الثمن على مشتريه لقيام البينة بعتقه.
والثاني: أن لا يكون في البينتين بيان يدل على تقدم إحداهما على الأخرى إما لإطلاقهما وإما لتاريخ إحداهما، وإطلاق الأخرى وإما لاجتماعهما في التاريخ على وقت واحد فتضاد اجتماعهما فيه، فتصير البينتان في هذه الأحوال الثلاثة متعارضين وهي في اجتماع التاريخ متكاذبتين، وفي إطلاقه غير متكاذبتين.
والحكم في تعارضهما، سواء إذا لم يكن فيهما بيان، وإذا كانت على هذا التعارض فالعبد حالتان: إحداهما: أن يكون في يد سيده.
والثانية: أن يكون في يد مدعي الشراء فإن كان في يد سيده فقد اختلف أصحابنا هل يكون تقديمه لإحدى البينتين مرجحاً أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، تترجح البينة بتصديقه لأنه ذو يد مالكه.
فعلى هذا إن صدق بينة المشتري على ابتياعه، حكم به مبيعاً وسقطت بينة عنقه، ولا يمين للعبد على سيده، لأنه لو اعترف له بالعتق بعد بيعه لم يغرم، فلم يلزمه أن يحلف وإن صدق بينة العبد على عتقه، حكم بعتقه، وسقطت بينة بيعه وهل لمشتريه أن يرجع بثمنه ببينته، بعد ردها في بيعه؟ على قولين: أحدهما: يرجع بثمنه إذا قيل: إن ردها في البعض لا يوجب ردها في الكل فعلى هذا لا يمين للمشتري على البائع في إنكاره لبيعه، لأنه لو اعترف بعد العتق لم يلزمه إلا رد الثمن وقد رد.
والقول الثاني: أنه لا يرجع بثمنه بالبينة إذا قيل: إن رد البينة في البعض موجب لردها في الكل فعلى هذا يستحق المشتري أخلاف البائع على إنكاره، لأنه لو اعترف له بعد العتق لزمه رد الثمن لأن اليمين تستحق في الإنكار إذا وجب العوض بالإقرار ويسقط في الإنكار إن سقط الغرم بالإقرار.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن خيران، وجمهور أصحابنا أنه لا تترجح واحدة من البينتين بتصديق البائع لأن كل واحدة منهما تشهد بزوال ملكه ورفع يده.
فعلى هذا يتحقق تعارض البينتين وقال المزني: لا تعارض فيها، ويحكم ببينة العتق، لأن العبد في يد نفسه، فصارت يمينه بينة داخل، وبينة المشتري بينة خارج، فقضى ببينة الداخل على بينة الخارج.
وهذا ليس بصحيح، لأن العبد لا يصح أن تكون له يد على نفسه لأن اليد عليه فامتنع أن تكون اليد ألا تراه لو ادعاه على سيده أنه أعتقه، وأنكره السيد لم يقبل قوله على السيد ولو كان في يد نفسه، قبل قوله عليه أو لا ترى لو تنازع ابتياعه رجلان،

الجزء: 14 - الصفحة: 459

فصدق أحدهما لم يؤثر تصديقه ولو كانت له يد على نفسه لكان تصديقه مؤثرا وأما الحر فقد اختلف أصحابنا هل تكون له على نفسه يد أم لا؟ على وجهين أحدهما: تكون له يد على نفسه إذ ليس عليه يد لغيره.
أو لا ترى أن من ادعى لقيطاً عبداً فاعترف له بالرق كان عبداً له، ولو أنكره كان حراً، ولم يكن عبداً، ولو لم يكن في يد نفسه لما أثر إقراره، وإنكاره، وهذا قول أبي إسحاق المروري.
والثاني: وهو قول الأكثرين من أصحابنا أنه لا يد للحر على نفسه أن اليد تستقر على الأموال ولا حكم لها فيما ليس بمال، فلم يكن له على نفسه يد، كما لم تكن لغيره عليه يد وليس يقبل قول اللقيط لأن له يداً على نفسه، ولكن لنفوذ إقراره على نفسه فلم يصح ما قالوه.
فصل فإذا صح أن لا يد للعبد على نفسه صح فيه تعارض البينتين وفي تعارضهما ثلاثة أقاويل: أحدها: إسقاطهما ويرجع إلى السيد في تكذيبهما أو تصديق أحدهما فإن كذبهما حلف لكل واحد منهما، وكان العبد موقوفاً على ملكه، ولا يلزمه رد الثمن البينة، لأنها قد أسقطت في كل ما شهدت به، وإن صدق العبد دون المشتري، عتق العبد وحلف المشتري لأنه لو صدقه بعد تصديق العبد، غرم له الثمن، وإن صدق المشتري ملك العبد بالشراء، لم يحلف العبد لأنه لو صدقه بعد تصديق المشتري لم يلزمه غرم.
والثاني: الإقراع بين البينتين والقرعة في هذا الموضع قوية، لأنها يتميز بها حرية ورق فعلى هذا إن قرعت بينة المشتري حكم له ابتياعه وفي أخلافه مع قرعته قولان.
إن قرعت بينة العبد حكم بعتقه، ولزمه رد الثمن على المشتري، لأن البينة لم تسقط وإنما ترجح غيرها فوقفت.
والثالث: استعمال البينتين.
فاختلف أصحابنا في صحة تخريجه في هذا الموضع على وجهين: أحدهما: لا يصح تخريجه، لأن سارية العتق تسقط حكم القسمة.
والثاني: يصح تخريجه في هذا الموضع، لأن استعمالهما لا يسقط بما يحدث عن القسمة بهما، فعلى هذا يجعل نصفه مبيعاً على المشتري بنصف الثمن، ويكون فيه لأجل تفريق الصفقة بالخيار بين إمضاء البيع فيه بنصف ثمنه، واسترجاع نصفه الباقي، وبين فسخه، واسترجاع جميع ثمنه، فإن فسخ، حكم بعتقه على سيده، لأنه قد عاد إلى ملكه،

الجزء: 14 - الصفحة: 460

وقد شهدت عليه البينة بعتقه.
وإنما جعل نصفه مبيعاً لمزاحمة المشتري ببينته، فإذا زالت مزاحمته بفسخه زال سبب التبعيض فعتق الجميع وإن أقام على البيع في نصفه، ولم يفسخ اعتبر حال البائع فإن كان معسراً بقيمة نصفه لم يسر العتق إلى نصفه المبيع، وكان على رقه لمشتريه وإن كان موسراً بقيمته ففي سارية عتقه ووجوب تقويمه عليه وجهان: أحدهما: يقوم عليه ويسري العتق إلى جميعه، لأنه لو عاد إليه بالفسخ عتق عليه.
والثاني: أن لا يقوم عليه، ولا يسري العتق إليه لأنه منكر لعتقه وإنما أخذ جبرا بعتق ملكه فلم يسر إلى غير ملكه وصار في عود النصف المبيع بالفسخ كمن ورث أباه، لم يعتق عليه، لأنة ملكه بغير اختياره في عوده إليه بالفسخ لم يستقر عليه لغيره مالك فعتق عليه الجميع من غير تبعيض.
فصل فأما إذا تعارضت البينتان وكان العبد في يد المشترية ففي ترجيح بينته بيده وجهان: أحدهما: يرجح بيده لأن بينته بينة داخل، وبينة العبد بينة خارج، فوجب أن يقضي بينته المشتري في ابتياع جميعه، وتبطل بينة العتق وليس للعبد أخلاف سيده، لأنه لا غرم عليه لو أقر له.
والثاني: ترجح بينته بيده، لأنه قد أضاف ملكه إلى سببه فزال بذكر السبب حكم اليد، ويتفرع على هذين الوجهين إذا تنازع رجلان في ابتياع عبد من رجل، وأقام أحدهما البينة أنه ابتاعه منه، وقبضه، وأقام الآخر لبينة أنه ابتاعه منه، ولم يقولوا: إنه قبضه، فإن رجحت البينة باليد رجحت بالقبض وإن لم تنجح باليد ولم وقبل القبض متردد بين سلامة المبيع، فيبرم أو تلف فيبطل فكان ترجيحه بالقبض دليلاً على ترجيحه باليد.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا أقبل البينة أن هذه الجارية بنت أمته حتى يقولوا ولدتها في ملكه".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى جارية في يد غيره أنها بنت أمته وأقام البينة على أنها بنت أمته، لم يقض له بملكها لأنه قد يجوز أن تلدها الأم قبل أن تملك الأم، وهكذا لو ادعى ثمرة وأقام البينة أنها ثمرة نخلته، لم يقض له بملك الثمرة لجواز أن يكون ملك النخلة بعد حدوث الثمرة وهكذا لو ادعى صوفاً وأقام البينة أنه من صوف غنمه لم يقض له بالصوف لجواز أن يملك الغنم بعد جزا الصوف، فصارت البينة غير

الجزء: 14 - الصفحة: 461

مثبتة فلذلك لم يقض بها فإن شهدوا أنها أمته ولدتها في ملكه، وفي الثمرة أنها ثمرة نخلته أثمرتها في ملكه وفي الصوف أنه من غنمه، جز في ملكه قضى له بملك الجارية والثمرة والصوف لأن من ملك أصلا ً ملك ما حدث عنه من النماء.
ألا ترى أن المنصوب منه يستحق نماء ملكه مع استرجاع أصله، صارت الشهادة بهذا الشهادة بالملك، وسببه فكان أوكد من الشهادة بمجرد الملك.
فإذا قيل: فهذه شهادة بملك متقدم، وليست شهادة بملك في الحال، فصار كشهادتهم أن هذه الجارية كان مالكاً لها في السنة الماضية، فلا يوجب ذلك أن يحكم له بملكها فكذلك في الولادة.
قيل: قد نص الشافعي أن الشهادة تقديم الملك لا توجب الملك في الحال والشهادة تقديم الولادة والنتاج يوجب الملك في الحال فاختلف أصحابه في اختلاف النصين مع تشابه الأمرين فكان البويطي، وابن سريج، يحملانه على اختلاف قولين: أحدهما: يحكم بالملك في الشهادة بقديم الملك والشهادة بالولد والنتاج على ما نص عليه في النتاج، استصحاباً لثبوته.
والثاني: أنه لا يحكم له بالملك في الشهادة بقديم الملك والشهادة بالولد، والنتاج على ما نص عليه في الشهادة بقديم الملك لأن الملك المتقدم قد يزول بأسباب فلم يوجب ثبوت المالك في الحال.
وكان أبو إسحاق المروري وأبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين يمنعون من تخريج ذلك على قولين، ويحملون جواب الشافعي على ظاهرة في الموضوعين فيحكمون له بملك الولد والنتاج إذا شهدوا له بحدوث الولادة والنتاج في ملكه ولا يحكمون له بملكها، إذا شهدوا له بقديم ملكه وفرقوا بينهما من وجهين: أحدهما: أنهم شهدوا في الولادة والنتاج بأنه نماء ملكه، ونماء ملكه لا يجوز أن يكون لغيره كما لو شهدوا له بغضب ماشية نتجت ونخل أثمرت ملك به النتاج، والثمرة وليس كذلك شهادتهم بقديم الملك لتنقل أحواله من مالك إلى مالك.
والثاني: أن النتاج لما لم يتقدمه فيه مالك صار في تملكه أصلاً وقديم الملك، لما تقدمه فيه مالك صار في تملكه فرعاً وحكم الأصل أقوى من حكم الفرع فإذا قيل: فليس يمتنع أن يحدث الولد لغير مالك الأم كالموصي إذا وصى بأمته لزيد وتحملها لعمرو، فإنه تلده في ملكه، وليس يملكه.
قيل: هذا نادر أخرجته الوصية عن حكم أصله فصار كالاستثناء الذي لا يمنع جوازه من استعمال أصله على العموم قبل وروده.
فصل وإذا شهدوا أن هذه الجارية بنت أمته، ولدتها بعد ملكه، ولم يقولوا (ولدتها) في

الجزء: 14 - الصفحة: 462

ملكه، لم يحكم به بملك الجارية، لأنه قد يجوز أن يكون باعها فولدت بعد ثم عاد فابتاعها، أو يكون قد باعها فولدت عند مشتريها، ثم أفلس بها فارتجاعها البائع دون ولدها، فلذلك لم تقم البينة بملكها، ولو شهدوا أنها بنت أمته، أخذها هذا من يده كانت شهادة له باليد، دون الملك فيحكم له برد الجارية عليه يداً لا ملكاً.
ولو شهدوا أنها بنت أمته، وكانت أمس في يده فمذهب الشافعي المشهور من قوله: أنه لا يحكم له باليد إذا شهدوا له بيد متقدمة، وإن حكم له بالملك إذا شهدوا له بملك متقدم على أحد القولين وكان البويطي وابن سريج، يجمعان بين الشهادة بقديم اليد، وقديم الملك وفي الحكم بهما على أحد القولين وقد ذكرنا من فرق أصحابنا بين قديم اليد وقديم الملك ما يمنع من الجمع بينهما.
وفرع ابن سريج على الجمع بين قديم اليد، وقديم الملك في الحكم بهما على أحد القولين، أن يتنازعا الجارية فيقر صاحب اليد أنها كانت في يد مدعيها أمس.
قال ابن سريج: إن قيل بأن قيام البينة بأنها كانت بيده أمس يوجب الحكم له باليد فإقرار صاحب اليد أولى بالحكم.
وإن قيل: إن قيام البينة لا يوجب الحكم له باليد ففي لإقرار صاحب اليد به وجهان: أحدهما: أن إقراره لا يوجب الحكم به كما ملا يجب بالبينة لاستوائهما في ثبوت الحكم بهما.
والثاني: أننا نحكم على صاحب اليد بإقراره وإن لم يحكم عليه بالبينة وتنقل اليد إلى المدعي بالإقرار وإن لم تنقل إليه بالبينة، لتقدم الإقرار على البينة المكذبة له فأما إن أقر صاحب اليد أن المدعي كان مالكاً لها بالأمس حكم له بالملك قولاً واحداً وإن كان الحكم بالبينة على قولين لقوة الإقرار على البينة ويكون الإقرار بالملك أقوى من الإقرار باليد.
فصل وإذا تنازع رجلان في يد كل واحد منهما جارية فادعى كل واحد منهما الجارية، التي في يد صاحبه، أنها بنت الجارية التي في يده ولدت على ملكه ويقيم على كل واحد منهما البينة على ما يدعيه وهذا يكون مع اشتباه الأسنان، وأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون أماً ويحتمل أن تكون بنتاً فتصير الشهادتان متعارضتان في الولادة دون الملك، لأنه يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الأخرى فصارتا في الولادة متعارضتين ولم يتعارضا في الملك، لأن بينة زيد شهدت له بملك الجارية التي في يد عمرو وبينة عمرو شهدت له بملك الجارية التي في يد زيد فلم يكن فيها تعارض في الملك وإن تعارضتا في الولادة فيحكم لكل واحد منهما ببينته وتسلم الجارية التي في يد زيد إلى عمرو والجارية التي في يد عمرو إلى زيد ولا يكون تعارضهما في الولادة

الجزء: 14 - الصفحة: 463

موجباً لتعارضهما في الملك وكان التعارض في الولادة أقوى، ولا يحمل على رد البينة في الكل، إذا ردت في البعض، لأن الولادة هاهنا لم يؤثر في الحكم فكان وجودها كعدمها ولو كانت المسألة بحالها فادعى كل واحد منهما على صاحبه، فقال: أما مالك الجارية التي في يدي والجارية التي في يدك وهي بنت الجارية التي هي في يدي، وأقام على ذلك بينة صارت الشهادتان متعارضتين في الولادة والملك جميعاً لأنه يستحيل أن تكون كل واحدة منهما بنت الأخرى، فتعارضت في الولادة ويستحيل أن تكون الجاريتان معاً ملكاً لكل واحد منهما، فتعارضت في الملك فتكون على الأقاويل الثلاثة في تعارض البينتين، فإن زال الاشتباه في سن الجارتين بان من يحق أن تكون بنت الأخرى لصغر سنها، وكب ر الأخرى، تعين بها كذب إحدى البينتين في الولادة، فردت شهادتهما في الملك وحكم بشهادة الأخرى في الولادة والملك، وزال به حكم التعارض.
فصل وإذا تنازعا شاه مذبوحة وكان في يد أحدهما رأسها وجلدها وسقطها، وفي يد الآخر مسلوخ ها وادعى كل واحد منهما أن جميعها له، وأقام على ذلك بينة حكم لكل واحد منهما بملك ما في يده لأن له لما في يده بينة داخل، وفيما بيد صاحبه بينة خارج، فقضى ببينة الداخل على بينة الخارج.
وحكم أبو حنيفة لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، لأنه يقضي ببينة الخارج على بينة الداخل، ولو كان كل واحد منهما يدعي تلك الشاه وأنها نتجت في ملكه، وأقام بها بينة وأمضى أبو حنيفة على أنه يحكم لكل واحد منهما بملك ما في يده لأنه موافق على القضاء ببينة الداخل في النتاج في غيره فيقضي ببينة الخارج في غير النتاج.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهدوا أن هذا الغزل من قطن فلان جهلته لفلان" قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهدوا أن هذا الغزل من قطن زيد، كانت شهادة بملك زيد للغزل لأن عين القطن وإن غيرته الصنعة بخلاف شهادتهم أن هذه الجارية بنت أمته لأنها غير أمته.
وهكذا لو شهدوا أن هذا الثوب من غزل زيد كانت شهادة له بملك الثوب لأنه القطن بعينه وإن تغير الغزل والنساجة.
وجعلها أبو حنيفة شهادة القطن دون الثوب والغزل وبني ذلك على أصله أن

الجزء: 14 - الصفحة: 464

الغاصب إذا عمل في المغصوب بما يغير عن حاله كان أحق به من مالكه وغرم له بدل أصله وقد مضى الكلام معه في الغصب وأن مالكه أحق به من غاصبه.
فعلى هذا إذا كانت قيمة الثوب منسوجاً أكثر من قيمته غزلاً وقطناً وهو الأغلب لم يرجع صاحب اليد بزيادته على المالك.
وإن كان أقل وهو نادر، رجع المالك بنقصانه على صاحب اليد من أكثر قيمته قطناً أو غزلاً وهكذا القول في نظائر هذا إذا شهدوا هذا الدقيق من حنطة زيد، وهذه الدنانير من ذهبه وهذه الدراهم من فضته وهذه النخلة من نواته، وهذا الزرع من بذره، وكانت له شهادة بملك ذلك، سواء كان بعمل صاحب اليد، أو بغير عمله وعند أبي حنيفة: إن تغير بعمل صاحب اليد ملكه.
فعلى هذا يقول: إن نبتت النواة نخلة بنفسها ونبت البذر في الأرض بنفسه كان لمالكه وإن كان بعمل صاحب اليد كان له ويقول في رجل غصب دجاجة فباضت بيضتين حضنت الدجاجة إحداهما حتى صارت فرخاً وحضن الغاصب الأخرى، إما تحت الدجاجة أو تحت غيرها حتى صارت فروجاً كان الفروج الأول لمالك الدجاجة، والفروج الثاني للغاصب.
وجميع ذلك كله عندنا لمالك أصله على ما بيناه.
ولكن لو شهدوا أن هذا الزرع من ضيعته لم يكن ذلك شهادة له بملك الزرع، لأنه قد يجوز أن يكون زرع أرضه لغيره وهذا مما اتفقنا نحن وأبو حنيفة عليه.
فإن قيل: أفتكون هذه شهادة له باليد على الزرع نظر، فإن لم يقولوا زرع فيها وهي على ملكه لم تكن شهادة له باليد لجواز زرعه فيها وحصاده قبل ملكه، ويده وإن قالوا: زرع وحصد في ملكه، كانت شهادة له بيد متقدمة فيكون عند البويطي وابن سريج، على قولين كالشهادة بالملك القديم يوجب ثبوت يده في الحال، وأحلافه على الزرع أنه ملكه.
والثاني: لا يوجب ثبوت يده ولا يحلف على ملكه.
والذي عليه أصحابنا أنه لا يحكم له باليد قولاً واحدا لما بيناه ولا يحلف عليه ويكون القول فيه قول صاحب اليد في الحال مع يمينه فإن أقام صاحب الأرض بأداء خراجه أو بدفع عشرة إلى المستحق لقبض خراجه وعشرة لم يملكه لأنه قد ينوب في أدائه عن مالكه.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا كان في يديه صبي صغير يقول: هو عبدي فهو

الجزء: 14 - الصفحة: 465

كالثوب إذا كان لا يتكلم" قال في الحاوي: وجملته أنه لا يخلو حال هذا الموجود إذا دعاه الواجد عبداً من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون بالغاً عاقلاً فتعتبر حالة فإن أنكر الرق، وقال: أنا حر فالقول قوله مع يمينه ولا تقبل دعوى واجدة في ادعائه، لأن الأصل الحرية والرق طارئ فكان الظاهر معه فلو عاد بعد إنكاره للرق، فأقر لواجده بالرق لم يقبل إقراره كان على الحرية حتى يقيم مدعيه بينه برقه، لأن من أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق وإن كان هذا أقر بالرق حين أخذه الواجد، وأنكر أن يكون مملوكاً لهذا الواجد المدعي لرقه، فلا اعتبار بإنكاره لأن العبد لا يد له على نفسه، ويقر على يد مدعيه لأنه ليس له منازع فيه ويجبر العبد على المقام معه، فإن حضر من ادعاه، ونازعه فيه كان للأول يد، وليس للثاني يد، فيكون القول فيه قول الأول.
مع يمينه لثبوت يده قبل منازعته إلا أن يقيم الثاني بينة، فيحكم أنه عبد للثاني، لأن البينة أولى من اليد فإن أقام الأول بينه كان أحق به من الثاني، لأن الأول بينة داخل وللثاني بينة خارج.
ولو تنازعه في الحال رجلان ولم يكن لأحدهما عليه يد، وأقام كل واحد منهما بينة بأنه عبده فصدق العبد أحدهما لم تترجح بينته بتصديقه، وتعارضت فيه البينتان فيكون على الأقاويل الثلاثة.
ولو تنازعه رجلان، ولا بينة لأحدهما فصدق أحدهما في رقه وكذب الآخر، وأنه مملوك له دون الآخر كان عبداً للمصدق منهما دون المكذب.
وقال أبو حنيفة: يكون عبداً لهما يشترك فيه المصدق، والمكذب، لأنه قد صار باعترافه لأحدهما مملوكاً ولا اعتبار باعتراف المملوك وإنكاره وهذا ليس بصحيح لأنه حر في الظاهر، وإنما صار مملوكاً باعترافه، فاقتضى أن يكون مملوكاً لمن اعترف به.
ولو كان معترفاً بالرق قبل اعترافه لأحدهما، ثم صدق أحدهما وكذب الآخر كان بينهما.
والثانية: أن يكون المدعي رقه صغيراً غير مميز، فيحكم برقه لمدعيه يدا، لأنه لا منازع له فيه، وليس ببالغ فيعرب عن نفيه فإن بلغ هذا الهبد، وأنكر الرق وادعى الحرية لم تقبل دعواه إلا ببينة تشهد له بالحرية، فإن طلب أحلاف سيده أحلف له ولو كان هذا صغيراً فاستخدمه الواجد، ولم يدع في الحال رقه حتى بلغ ثم ادعى رقه بعد بلوغه ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني، يحكم له برقه بغير بينة لأن يده عليه، فقبل قوله فيما بيده.
والثاني: أن دعواه إذا تأخرت عن الصغير، صارت مستأنفة عليه بعد الكبر، ودعواه بعد الكبر لا تقبل، إلا ببينة وهذا أظهر الوجهين عندي.

الجزء: 14 - الصفحة: 466

والثالثة: أن يكون هذا المدعي رقه مراهقاً مميزاً، وليس ببالغ ففي ثبوت رقه بمجرد الدعوى وجهان: أحداهما: يحكم له برقه عبداً له، ولا يؤثر فيه إنكاره قبل بلوغه، ولا بعد بلوغه إلا بينة تشهد بحريته لأن حكم ما قبل البلوغ في ارتفاع العلم سواء.
والثاني: أن الحكم برقه موقوف على إقراره، وإنكاره فإذا اعترف له بالرق حكم له بعبوديته، وإن أنكر الرق حكم له بالحرية، ولا يحلف على إنكاره إلا بهد بلوغه، ولا يمتنع أن يكن لقوله قبل البلوغ حكم، وإن لم يجر عليه قلم، كما يخبر قبل البلوغ بين أبويه، ويصح منه فعل الصلاة وإن لم تلزمه، ويسمع خبره في المراسلات والمعاملات، ويشبه أن يكون هذان الوجهان من اختلافهم في صحة إسلامه بعد مراهقته، وقبل بلوغه وكرم الشافعي هاهنا في قوله: " إذا كان لا يتكلم" دليل على أنه إذا كان يتكلم بالمراهقة والتمييز أن يعتبر إقراره وإنكاره، وقد تأوله من قال بالوجه الأول أن معناه إذا كان ممن لا حكم لكلامه.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " فإن أقام رجل بينة أنه ابنه جعلته ابنه وهو في يدي الذي هو في يديه" قال في الحاوي: يعني الصغير إذا دعاه رجل عبداً وحكم له برقه بمجرد دعواه، ثم ادعاه رجل آخر ولداً وأقام بينة بأنه ولده صار ابنا له ولم يزل عنه رق الأول، لأنه لا يمتنع أن يكون زيد عبدا لعمرو، لأنه يجوز أن يكون وقد ولد له من أمه تزوجها، فيكون له ابناً وهو مملوك لسيد الأم فلم يتنافى لحوق نسبه، وثبوت رقه، إلا أن يشهد بينة المدعي لنسبه، وأنه ولد له من حرة تزوجها، أو من أمة ملكها فيكون الولد حراً لأنه لا يجوز أن يولد الحر من الحرة إلا حراً ومن أمته إلا حراً لو كان مدعي أبوته لم يقم البينة يا فصدقه الولد عليها فالصحيح من المذهب أنه يثبت نسبه بتصديقه وإن كان على رقه لمدعي عبوديته لأنه حق للسيد في نسب العبد فنفذ فيه إقرار العبد.
وفيه وجه آخر: أنه لا يثبت النسب بتصديقه لما فيه من الضرر العائد على سيده، بأن يصير بعد عتقه موروثاً بالنسب دون الولاء وفيه ضرر على السيد في أبطال ميراثه بالولاء.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا كانت الدار في يدي رجل لا يدعيها فأقام رجل البينة أن نصفها له وآخر البينة أن جميعها له فلصاحب الجميع النصف وأبطل

الجزء: 14 - الصفحة: 467

دعواهما في النصف وأقرع بينهما قال المزني: فإذا أبطل دعواهما فلا حق لهما ولا قرعة وقد مضى ما هو أولى به في هذا المعنى" قال في الحاوي: وجملته أن مقيم البينة بجميعها إذا تورع فيها بإقامة البينة في نصفها، فقد سلم له نصفها لأنه لا تنازع فيه ولا تعارض، وإنما تتعارض بينتاهما في النصف الآخر، فيكون تعارضهما فيه على الأقاويل الثلاثة.
أحدها: إسقاطها فيه، ويخلص لصاحب الكل النصف ولا يحمل على القولين إذا ردت الشهادة في البعض، أن ترد في الكل، لأن مقيم البينة بالنصف قد سلم لصاحب الكل النصف، فخرج من النزاع ولم يفتقر إلى البينة فعلى هذا لا يخلو صاحب اليد من أحد أمرين: أما أن يدعيها ملكاً أو لا يدعيها.
فإن ادعاها ملكا زال ملكه عن نصفها المحكوم به لمدعي الكل وفي رفه يده عن النصف الآخر الذي تعارضت فيه البينة حتى سقطت وجهان: أحدهما: تقر في يده، ولا تنتزع لسقوط البينتين بالتعارض، ويصير فيه خصماً للمتنازعين.
والثاني: أن تنتزع من يده، لاتفاق البينتين على عدم ملكه، وليس تعارضهما من حقه وإنما تعارضهما في حق المتنازعين وهي غير متعارضة في حق صاحب اليد، وإن لم يدعها ملكاً رفعت يده، لتنازع غيره في ملكها لتوقف على المتنازعين فيه، فيتحالفان على النصف الذي وقع فيه التعارض عند إسقاط البينتين فيه، فإن حلفا جعل بينهما وصار المدعي الكل ثلاثة أرباعها ولمدعي النصف ربعها.
وإن نكلا حكم لصاحب الكل بالنصف وكان النصف الباقي موقوفاً وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قضى به للحالف منهما دون الناكل فإن كان الحالف صاحب الكل، قضى له بجميع الدار، وإن كان صاحب النصف كانت الدار بينهما.
والقول الثاني: يقرع بينهما مع التعارض، فإن قرعت بينة صاحب الكل سلم إليه جميع الدار، وفي أحلافه قولان، وإن قرعت بينة صاحب النصف جعلت الدار بينهما نصفين، وفي أحلافه وقولان ويدفع عنها صاحب اليد، سواء ادعاها ملكاً أو لم يدعها.
والقول الثالث: استعمال البينتين وقسم النصف بينهما نصفين، فيصير لصاحب الكل ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها وصاحب اليد مدفوع بها.
فصل وأما المزني فأنه لما قال الشافعي: "أبطل دعواهما في النصف، وأقرع بينهما" اعترض عليه فقال: كيف يقرع بينهما فيما قد أبطل فيه دعواهما وهذا الاعتراض فاسد، ولأصحابنا عنه جوابان:

الجزء: 14 - الصفحة: 468

أحدهما: أنه أبطل دعواهما في النصف الحاصل لمدعي الكل لأنه قد خلص له من غير تنازع فيه، وأقرع بينهما في النصف الآخر ولم تبطل دعواهما فيه.
والثاني: أنه أبطل دعواهما إذا سقط بينتهما، ويقرع بينهما إن لم يسقطها، ويكون معنى الكلام، أبطل دعواهما وأقرع بينهما، لاختلاف قوله في تعارضهما.
فصل وإذا كانت الدار في يدي رجل فادعاها طالب، وأقام البينة على أنها ملك أجرها من صاحب اليد، أو أودعها، وأقام صاحب ليد بينة أنها ملكه حكمنا ببينة الخارج المدعي على بينة الداخل صاحب اليد، لأن بينة الخارج لما شهدت له، بأنه أجره إياها أو أودعها صارت اليد له، فصار الداخل خارجاً، والخارج داخلاً، ولو تداعباها رجلان، وهي في يد ثالث، فأقام أحدهما البينة أنها له أجره إياها، وأقام الآخر أنها له أودعه إياها صارت اليد لهما بما شهد لأحدهما أنه مؤجر وللآخر أنه مودع، فصار لكل واحد منهما بينة داخل في النصف المضاف إلى يده، وبينة خارج في النصف المضاف، إلى يد صاحبه وقد تعارضت فيه البينتان فإذا أسقطتا صارت الدار بينهما يداً إن حلفا ونكلا وإن أقرع بينهما، جعلت لمن قرع منهما، وإن استعملنا في القسمة قسمت بينهما ملكاً.
فصل فإذا كانت الدار في يد يدعيها ملكاً فنازعه فيها رجلان وأقام أحدهما البينة أنها ملكه منذ سنة وأقام الآخر البينة على هذا الأول أنه ابتاعها منه منذ خمس سنين فلا تمنع بينة الأول أنها له منذ سنة أن تكون له ملكاً قبل ذلك بخمس سنين، فلذلك سمعت بينة الثاني على الأول ووجب بها انتزاعها من صاحب اليد، ثم ينظر في بينة المدعي الثاني أنه ابتاعها، من المدعي الأول فإن شهدت بأنه باعها وكان مالكاً لها، حكم بها للثاني ملكاً، فإن شهدت أنه باعها وكانت في يده، حكم بها للثاني ابتياعها فجرى عليه حكم الملك لأن الظاهر من اليد أنها لمالك، فتسلم الدار في هاتين الحالتين إلى المدعي الثاني وترفع يد المدعي الأول.
ووافق أبو حنيفة عليهما، وإن شهدت بينة الثاني، أنه ابتاعها من الأول ولم يشهدوا أنها كانت ملكاً للأول ولا في يده، قال أبو حنيفة: لا تنتزع من الأول، ولا تسلم إلى الثاني لأن البيع متردد، بين أن يكون قد باع ما في ملكه، أو ما في يده فيصح وبين أن يبيع ما ليس في ملكه ولا يده فيبطل.
فلم يجز أن يحكم بصحة البيع، ورفع يد الأول بمجرد متردد بين الصحة والفساد، وعند الشافعي أنه يد الأول وترفع وتسلم الدار إلى الثاني ابتياعاً من الأول لآن البيع في حقه صحيح أنه ملك، ولا يقضي بها ملكه الثاني، وإن قضى به بابتياعها من الأول فكان له فيها يد إن نوزع فيها، ترجح بيد لا بدفع بينة المنازع.

الجزء: 14 - الصفحة: 469

فصل وإذا تنازعا داراً في يد غيرهما، وأقام أحدهما البينة أن الدار كانت له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أن الدار كانت في يده منذ سنة، فإن لم تجعل الشهادة بقديم الملك موجبة لملك وتقديم اليد موجبة لليد لم يحكم لواحد منهما ورجع إلى صاحب اليد في تصديقها أو تكذيبها، وإن جعلت الشهادة بهما موجبة للملك واليد في الحال حكم بالدار لمن أقام الشهادة بقديم الملك، دون من أقامها بقديم اليد، وكذا لو أقامها بيد في الحال، لأن الملك أقوى من اليد فلذلك حكم به على صاحب اليد.
مسألة قال الشافعي رضيا الله عنه: " وإذا كانت الدار في يدي ثلاثة فادعى أحدهم النصف والآخر الثلث وآخر السدس وجحد بعضهم بعضا فهي لهم على ما في أيديهم ثلثا ثلثاً" قال في الحاوي: وصورتها في دار في أيدي ثلاثة تداعوا فادعى أحدهم نصفها ملكاً وباقيها يد بإجارة من مالك غائب أو عارية أو وديعة، وأنه لا ملك فيها لهذين ولا يد حق، وادعى الثاني ثلثها ملكاً وباقيها يداً بإجارة أو عارية أو وديعة لغائب،، وأنه لا لملك فيها لهذين ولا يد لحق.
وادعى الثالث سدسها ملكاً وباقيها يداً بإجارة أو عارية أو وديعة لغائب وأنه لا حق فيها لهذين، ولا يد بحق وأنها كانت متأولة على هذه الصورة بما أشار إليه الشافعي من قوله: " وجحد بعضهم بعضا" لأن كل واحد منهم لو لم يدع الباقي يداً لما كان بينهم تجاحد ولكانوا متفقين على ما ادعوه ملكاً ولكان لصاحب النصف النصف، وإن كان أكثر مما بيده لأنه ليس في هذين الحاضرين من يدعيه ملكاً ولصاحب السدس السدس، وإن كان أقل مما في يده لأنه ليس يدعي ما زاد عليه ملكاً ولكان لصاحب الثلث الثلث وهو قدر ما في يده وليس يدعي ما زاد عليه ملكاً.
وإذا كان في المسألة بعدما ذكروه من أملاكهم فيما تجاحد، ولم يتصور إلا على ما ذكرناه وأن كل واحد منهم ادعى ما ادعاه ملكاً وادعى باقيها يداً وهم في أملاكهم متفقون، وفي أيديهم متجاحدون، وقد تساوت أيديهم وإن اختلف أملاكهم فيها فتفرقت أيديهم أثلاثاً على ما أوجبه تساويهم، فينقض صاحب النصف عما زاد على الثلث، لأنه يدعيه ملكاً وهو في يد غيره فلم تقبل دعواه، ويزاد صاحب السدس باستكمال الثلث، لأن له فيه لا يداً يدعيه مالكاً لغائب، فأقرت يده عليه للغائب لأنه منازع فيه بغير بينة ولا يد، وصاحي الثلث لم يزد على ما ادعاه ملكاً ولم ينقض، لأن له في الثلث يداً، فلم

الجزء: 14 - الصفحة: 470

ينقص وليس له فيما زاد عليه يد فلم يزد، فإن أراد كل واحد من الثلاثة إحلاف صاحبيه، فيما ادعاه من استحقاق اليد في الجميع، نظرت دعوى يده فإن لم يتعلق له بها حق بحصة لأنه ادعاها إجارة، كان له إحلافها عليها، وإن ادعاها بعضهم وديعة وادعاها بعضهم إجارة، كان لمدعي الإجارة إحلافهما على العالم دون البت، لأنها يمين على نفي فعل الغير، ولم يكن لمدعي الوديعة إحلافهما.
فصل: وإذا تنازعا دارًا في أيديهما، وادعى كل واحد منهما ملك جميعها، وعدما البينة، وتحالفا عليها، وحلف كل واحد منهما أنه مالك لنصفها، ولا يحلف أنه مالك لجميعهما، وإن كان مدعيًا، لجميعها، لأننا نحكم عليه بيمينه على ما في يده، ولا نحكم عليه بيمينه على ما في يد منازعه، فكانت يمينه مقصورة على النصف، وإن كان مدعيًا للكل، لأنه لا يجوز أن تتضمن يمينه ما لا يحكم له به، وذكر في كتاب الصلح وجهًا آخر أنه يحلف على الجميع اعتبارًا بالدعوى.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "فإذا كانت في يدي اثنين فأقام أحدهما بينة على الثلث والآخر على الكل جعلت للأول الثلث لأنه أقل مما في يديه وما بقي للآخر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن اليد تترجح بها بينة صاحبها، وترفع بينة منازعها، فإذا كانت الدار في يدي رجلين تنازعاها، فأقام أحدهما البينة على أن له ثلثها، وأقام الآخر البينة على أن له جميعها، قضى لصاحب الثلث بثلثها، لأن له في اليد بينة ويدًا، وله في السدس الزائد على الثلث يد، قابلتها بينة فرفعت بها وقضى لصاحب الكل بالباقي، وهو الثلث، لأن له بنصفها بينة ويدًا، وله بالسدس الزائد على النصف بينة بلا يد، قابلتها يد بلا بينة، فقضى له ببينة على يد منازعة، فصار له ثلثاها، وللأول ثلثها وسقط تعارض البينتين في الثلث باليد.
فصل: وإذا كانت دار في يد أربعة تقارعوها، فادعى أحدهم جميعها، وادعى الثاني ثلثيها، وادعى الثالث نصفها، وادعى الرابع ثلثها، فإن لم يكن لهم بينة، جعلت الدار بينهم أرباعًا باليد والتحالف، وإن كانت لهم بينة بما ادعوه، جعلت بينهم أرباعًا بالبينة واليد من غير تحالف، لأن كل واحد منهم قد أقام بينة داخل فيما بيده وبينة خارج فيما بيد غيره، فحكم له ببينة الداخل دون الخارج، فصار الحكم فيها مع وجود البينة وعدمها

الجزء: 14 - الصفحة: 471

سواء في القدر وإنما يختلفان في التحالف، ولو كانت بحالها في الدعوى، والدار في يد خامس، ليس لواحد منهم عليها يد، وأقام كل واحد منهم البينة على ما ادعاه، خالص لمدعي الكل الثلث الزائد على الثلثين، لأنه قد أقام عليه بينة لم تعارضها بينة غيره وتعارضت البينات في الثلثين الباقيين، فكان على الأقاويل الثلاثة في تعارض البينتين: أحدها: إسقاطهما بالتعارض، والرجوع إلى صاحب اليد، فإن ادعاها لنفسه حكم بها له بعد يمينه، وفي قدر ما يحكم له فيها قولان: أحدهما: يحكم له أو بثلثيهما، إذ قيل: إن البينة إذا ردت في بعض الشهادة لم ترد في باقيها، لأن البينة بالكل قد ردت في الثلثين فلم ترد في الثلث الباقي.
والثاني: يحكم له بجميع الدار، إذا قيل: إن البينة إذا ردت في بعض الشهادة، ردت في جميعها، لأن البينة بالكل لما ردت في الثلثين ردت في الكل، وإن لم يدعها صاحب اليد وأقر بها لبعضهم، أو لجميعهم حملوا فيه على إقراره وفي إحلافه لهم قولان: والقول الثاني: أن تعارض البينات يوجب القرعة دون الإسقاط، قيل هذا لا يعارض في الثلث الخالص لصاحب الكل، وترتيب القرعة في الثلثين ثلاث مراتب: فالرتبة الأولى: أن تقرع في السدس الذي بين الثلث، والنصف بين ثلثه مدعي الكل، ومدعي الثلثين، ومدعي النصف، لأن بينة صاحب الثلث لم تعارضهم فيه، وتعارضت فيه بينة الثلاثة فمن قرع منهم حكم به له.
والرتبة الثالثة: الإقراع في الثلث الباقي بين الأربعة، لأن بينات جميعهم قد تعارضت ويحكم به لمن قرع منهم.
والقول الثالث: أن تعارض البينات، يوجب استعمالها بالقسمة دون القرعة، فعلى هذا يقسم الثلثين بعد الثلث الخالص لصاحب الكل بين الأربعة الذين تعارضت فيهم البينة على ستة وثلاثين سهمًا، هي مضروب ثلاثة في ستة في اثنين، وترتبت القسمة فيه ثلاث مراتب، كما ترتبت القرعة فيه ثلاث مراتب: فالرتبة الأولى: قسمة السدس الذي بين النصف والثلثين وهو ستة من ستة وثلاثين، تقسم بين صاحب الكل، وصاحب الثلثين، لأنه قد تعاوضت فيه بينتاهما، ولم تتعارض فيه بينة غيرهما، فيكون لكل واحد منهما نصفه ثلاث أسهم، وقد صار إلى صاحب الكل بالثلث اثنا عشر سهمًا، فإذا انضم إليها هذه الثلاثة، صار له في الحالتين خمسة عشر سهمًا، ولصاحب الثلاثين ثلاثة أسهم، ثم يقسم السدس الذي بين الثلث والنصف أثلاثًا بين صاحب الكل، وصاحب الثلثين، وصاحب النصف، لأنه قد تعارضت فيه بيناتهم،

الجزء: 14 - الصفحة: 472

ولم يتعارض فيه بينة صاحب الثلث، فيكون لكل واحد من الثلاثة سهمان من الستة فإذا ضمها صاحب الكل إلى ما حصل له في الحالتين، وهو خمسة عشر سهمًا، صار له سبعة عشر سهمًا، وإذا ضمها صاحب الثلثين إلى ما حصل له في الحالة الواحدة، وهو ثلاثة أسهم صار له خمسة أسهم، ولم يحصل لصاحب النصف إلا هذين السهمين.
والرتبة الثانية: قسم الثلث الباقي، وهو اثنا عشر سهمًا بين الأربعة كلهم، لأنه قد اجتمع فيه تعارض بيناتهم كلهم، فيكون لكل واحد منهم ثلاثة أسهم، فإذا ضمها صاحب الكل إلى ما صار له، وهو سبعة عشر سهمًا، صار له عشرون سهمًا، وإذا ضمها صاحب الثلثين إلى ما صار له، وهو خمسة أسهم صار له ثمانية أسهم.
وإذا ضمها صاحب النصف إلى ما صار له، وهو سهمان صار له خمسة أسهم، وينفرد صاحب الثلث بثلاثة أسهم ليس له غيرها، فإذا جمعت سهامهم، وهي عشرون سهمًا لصاحب الكل، وثمانية أسهم لصاحب الثلثين، وخمسة أسهم لصاحب النصف وثلاثة أسهم لصاحب الثلث استوعبت ستة وثلاثين، وقسمت عليها الدار بينهم.
فصل: وإذا تنازع وعمرو دارًا في يد زيد فأقام عمرو البينة، أن الدار له انتزعت منه الدار، وسلمت إلى عمرو، فإن عاد زيد بعد انتزاع الدار من يده، فأقام البينة أن الدار ملكه، حكم له بالدار، وأعيدت إليه وإن لم يكن له في الحال يد، لأن زوال يده بينة خارج عرف سبب زوالها، وصارت له بينة مع يده، وهي بينة داخل فقضى بها على بينة الخارج.
ولو كانت المسألة بحالها، فأقام زيد البينة والدار في يده، بأنه مالكها، وأقام عمرو البنية أنه ابتاعها من زيد، حكم بها لعمرو، لأن بينته قد أثبتت لزيد ملكًا، زال عنه إلى عمرو بابتياعها، فكانت أزيد بيانًا، وأثبت حكمًا، فلو أقام زيد البينة والدار في يده، أنه مالكها، وأقام عمرو البينة أن حاكمًا حكم له على زيد بملكها، كشف عن حكم الحاكم بملكها لعمرو، فإن بان أنه حكم بها له، لأن زيدًا لم يكن له في تلك الحال بينة نزعها من يده بالبينة، وجب أن ينقض حكم الحاكم بها لعمرو، لأن زيدًا قد أقام بها بينة مع يده، وإن بان أنه حكم بها لعمرو على زيد العدالة بينة عمرو وجرح بينة زيد نظر، فإن أعاد زيد تلك البينة بعد أن ظهر عدالتها حكم بها عمرو دون زيد، لأن البينة إذا ردت بالجرح في شهادة لم تسمع منها تلك الشهادة بعد التعديل، وكان حكم الحاكم بها لعمرو ماضيًا، وإن قام زيد بينة غير تلك المردودة، حكم بالدار لزيد، ونقض حكم الحاكم بها لعمرو، وإن بان أن الحاكم حكم بها لعمرو على زيد مع بينة كل واحد منهما لأنه كان ممن يرى أن يحكم بينة الخارج على بينة الداخل، كرأي أهل العراق ففي نقض حكم الحاكم بها لعمرو وجهان: أحدهما: لا ينقض، لنفوذ باجتهاده فلم ينقض، وتقر الدار في يد عمرو.

الجزء: 14 - الصفحة: 473

والثاني: ينقض حكم بينة الخارج على بينة الداخل، ويحكم بها لزيد، لأن هذا الاختلاف وإن لم يكن فيه نص فالقياس فيه جلي، والاجتهاد فيه قوي، فنقض بأقوى الاجتهادين أضعفهما، وإنما لا ينقض الاجتهاد مع التكافؤ، واحتمال الترجيح، وإن بان أن الحاكم حكم بها لعمرو على زيد ببينته، ولم تسمع بينة زيد، نظر في الحاكم، فإن كان يرى أن لا يحكم ببينة الداخل مع بينة الخارج، ففي نقض حكمه ما قدمناه من الوجهين كما لو سمعها ولم يحكم بها.
وإن كان يرى أن بينة الداخل أولى بالحكم، فلم يسمعها، بعد سماع بينة الخارج، نقض حكمه لعمرو كم بها لزيد، وإن لم يبن بعد الكشف السبب الذي أوجب الحكم بها لعمرو، دون زيد مع ثبوت يد زيد وبينته، ففي نفوذ الحكم بها لعمرو وجهان: أحدهما: أن الحكم بها نافذ ممضي ولا ينقض إلا أن يعلم ما يوجب نقضه على ما شرحناه في أحد الأسباب الموجبة لنقضه، لأن الظاهر من حكم الحاكم نفوذه على الصحة، حتى يعلم فساده.
والثاني: ينقض حكم الحاكم بها لعمرو تغليبًا ليد زيد، وبينته، حتى يعلم أن حكم الحاكم نفذ على وجه الصحة دون الفساد لاحتمال تردده بين الأمرين وهذا قول محمد بن الحسن، ولأن كان له وجه فهو ضعيف، والله أعلم.

باب في القافة ودعوى الولد

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف السرور في وجهه فقال: "ألم ترى أن مجزرًا المدلجي نظر إلى أسامة وزيدٍ عليهما قطيفةٌ قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" قال الشافعي فلو لم يكن في القافة إلا هذا انبغى أن يكون فيه دلالةٌ أنه علمٌ ولم لم يكن علمًا لقال له لا تقل هذا لأنك إن أصبت في شيءٍ لم آمن عليك أن تخطئ في غريه وفي خطئك قذف محصنةٍ أو نفي نسبٍ وما أقره إلا أنه رضيه ورآه علمًا ولا يسر إلا بالحق صلى الله عليه وسلم ودعا عمرو رحمه الله قائفًا في رجلين ادعيا ولدًا فقال: لقد اشتركا فيه فقال عمر للغلام وال أيهما شئت وشك أنس في ابنٍ له فدعا له القافة قال الشافعي رحمه الله وأخبرني عددٌ من أهل العلم من المدينة ومكة أنهم أدركوا الحكام يفتون بقول القافة.
قال الشافعي رحمه الله ولم يجز الله جل ثناؤه نسب أحدٍ قط إلا إلى أبٍ واحدٍ ولا رسوله عليه السلام".
قال في الحاوي: وهذا صحيح القيافة يحكم بها في إلحاق الأنساب، إذا اشتبهت

الجزء: 14 - الصفحة: 474

بالاشتراك في الوطء الموجب للحوق النسب، فإذا اشترك الرجلان في وطء امرأة يظنا كل واحد منهما زوجته، أو أمته، أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجًا فاسدًا يطؤها فيه، أو كان نكاح أحدهما صحيحًا يطؤها فيه ووطئها الآخر بشبهة، أو يكونان شريكين في أمة فيشتركان في وطئها، ثم يأتي بولد بعد وطئها لمدة لا تنقص عن أقل الحمل، وهي ستة أشهر، ولا تزيد على أكثره، وهي أربع سنين فيمكن أن يكون من كل واحد منهما، فلا يجوز أن يلحق بهما ولا يجوز أن يخلق من مائهما، فيحكم بالقافة في إلحاقه بأحدهما: وكذلك لو اشترك عدد كثير في وطئها، حكم بالقافة في إلحاقه بأحدهم، وسواء اجتمعوا على ادعائه، والتنازع فيه أو تفرد به بعضهم في استوائه في إلحاقه بأحدهم، وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب عليه السلام في القافة، إذا وجدوا، ويقرع بينهم، إذا فقدوا حكم عمر رضي الله عنه بالقافة في إحدى الروايتين عنه، وبه قال أنس بن مالك، وبه قال من التابعين عطاء، ومن الفقهاء مالك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: وأصحابه لا يحكم بالقافة، ويجوز أن يخلق الولد من ماء رجلين وأكثر، وألحقه بجميعهم، ولو كانوا مائة.
وإذا تنازع امرأتان ولدًا ألحقته بهما كالرجلين.
وقال أبو يوسف: ألحقته بالواحد إجماعًا، وبالاثنين أثرًا وبالثلاثة قياسًا ولا ألحقه بالرابع، فتحرر الخلاف مع أبي حنيفة في ثلاثة أشياء: أحدهما: في إلحاقه بالقافة منع منها أبو حنيفة وجوزناه.
والثاني: في إلحاقه بأبوين جوزه أبو حنيفة وأبطلناه.
والثالث: في خلقه من ماءين فأكثر، صححه أبو حنيفة، وافسدناه، واستدل أصحاب أبي حنيفة على إبطال قول القافة، وأن لا يكون للشبه تأثير في لحوق الأنساب بقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وهذه صفة القائف، وبقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8] ولو تركبت عن الاشتباه زالت عن مشتبه، وبقول تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [المائدة: 50].
والقيافة من أحكام الجاهلية، وقد أنكرت بعد الإسلام، وعدت من الباطل، حتى قال جرير في شعره: وطال خياري غربة البين والنوى وأحدوثه من كاشح يتقوف أي يقول: الباطل.
وما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وأنا أنكره.
فقال: هل لك من إبل؟ فقال: نعم.
قال: ما ألوانها؟ قال: حمر.
قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم.
قال: فيمن أين هذا؟ قال: لعل عرقًا نزعه.
قال: وهذا لعل عرقًا

الجزء: 14 - الصفحة: 475

نزعه"، فأبطل الاعتبار بالشبه الذي يعتبره القائف، وبما روي أن العجلاني لما قذف من شريك ابن السحماء بزوجته وهي حامل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن جاءت به على نعت كذا، فلا أره إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به على نعت كذا، فلا أراه إلا وقد كذب عليه"، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أمره لبين لولا ما حكم الله لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن".
فدل على أن حكم الله يمنع من اعتبار الشبه.
د قالوا: ولو كانت القيافة علمًا لهم في الناس، ولم يختص بقوم ولأمكن أن يتعاطاه كل من أراد كسائر العلوم فلما لم يعلم ولم يمكن أن يتعلم بطل أن يكون علمًا يتعلق به حكم، ولأنه لما لم يعمل بالقيافة في إلحاق البهائم كان أولى أن لا يعمل بها في إلحاق الأنساب، واستدلوا على جواز إلحاق الولد بآبائه لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
فلما لم يمتنع الاشتراك في الفراش لم يمتنع الاشتراك في الإلحاق، وبما روي عن قضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اختصما في رجلين إليه وقد وطئا امرأة في طهر واحد، فأتت بولد فدعا بالقائف وسأله فقال: قد أخذ الشبه منهما يا أمير المؤمنين، فضربه عمر بالدرة، حتى أضجعه ثم حكم بأنه ابنهما يرثهما، ويرثانه، وهو للباقي منهما، فلم يظهر له في الحكم بهما فخالف مع اشتهار القضية، فصار كالإجماع.
قالوا: ولأنهما قد اشتركا في السبب الموجب لثبوت النسب، فوجب أن يكون لاحقًا بهما كأبوين.
قالوا: لأن أسباب التوارث لا يمتنع الاشتراك فيها كالولاء، واستدلوا على جواز خلقه من ماء رجل بأنه لما خلق الولد من ماء الرجل الواحد، إذا امتزج بماء المرأة في الرحم كان أولى أن يخلق من ماء الجماعة، إذا امتزج ماؤهم بمائها، لأنه بالاجتماع أقوى وبالانفراد أضعف، والقوة أشبه بعلوق الولد من الضعف.
قالوا: ولأنه إذا حاز أن يخلق من اجتماع ماء الرجل الواحد من إنزال بعد إنزال، جاز أن يخلق من اجتماع ماء الجماعة من وطئ بعد وطئ، لأن اجتماع المياه من الجماعة كاجتماعهما من الواحد.
فصل: والدليل على اعتبار الشبه في الأنساب، إذا اشتبهت، والعمل فيها بالقيافة، ما روي الشافعي في صدر الباب عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضوان الله عليها، قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف السرور في وجهه".
وروى ابن جريج عن الزهري: تبرق سرائر وجهه، فقال ألم ترى أن مجززًا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد، عليهما قطيفة، فقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما،

الجزء: 14 - الصفحة: 476

فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.
ففيه دليلان: أحدهما: أن المشركين كانوا يطعنون في نسب أسامة بن زيد حارثة، لأن زيدًا كان قصيرًا عريض الأكتاف أخنس أبيض اللون، وكان أسامة مديد القامة أقنى أسود اللون، وكان زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره القدح فيه وفي أسامة، فلما جمع مجززًا المدلجي بينهما في النسب، بقوله: "هذه أقدام بعضها من بعض" سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوال القدح فيهما، ممن كان يطعن في نسبهما فلو لم تكن القيافة حقًا، لما سر بها؛ لأنه لا يسر ببطال ولرد ذلك عليه، وإن أصاب، لأن لا يأمن من الخطأ في غيره.
والثاني: أن الشرع مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، وإقراره، فكان إقراره لمجزز على حكمه شرعًا من الرسول صلى الله عليه وسلم في جواز العمل به.
يدل عليه ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إلى الأبطح فرأى بعض قافة الأعراب، فقال: ما أشبه القدم بقدم إبراهيم التي في الحجر، فألحقه بالجد الأبعد، وأقره على اقتفاء الأثر ولم ينكر، فثبت اعتبار الشبه بالقافة شرعًا، ويدل على اشتهاره في الإسلام، أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى غار ثور مختفيًا فيه من قريش، أخذت قريش قائفًا يتبع به أقدام بني إبراهيم فيتبعها حتى انتهى إلى الغار ثم انقطع الأثر فقال: إلى هاهنا انقطع أثر بني إبراهيم، فلم يكن من الرسول صلى الله عليه وسلم فيه إنكار فثبت أنه شرع ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتبر الشبه في ولد العجلاني، فقال: "إن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا وقد كذب عليها" فجاءت به على النعت المكروه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان" وروي: "القرآن لكان لي ولها شأن" يعني في إلحاق الولد بالفراش، ونفيه عن العاهر، ولولا أن الشبه مع جواز الاشتراك حكم، لأمسك عنه كيلا يقول باطلًا فيتبع فيه وقد نزه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن قول الباطل كما نزهه عن فعله.
ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا غلب ماء الرجل كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة كان الشبه للأخوال".
فدل على أن للشبه تأثيرًا فيما أشبه.
فقد كان بعض أصحابنا يستدل عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
فجعل للفراسة حكمًا، ويدل عليه من طريق الإجماع اشتهاره في الصحابة، رضي الله عنهم أنهم فعلوه، وأقروا عليه، ولم ينكروه، حتى روي أن أنس بن مالك شك في ابن له، فأراه القافة، ولو كان هذا منكرًا لما جاز منهم إقرارهم على منكر، فصار كالإجماع، وقد جرى في أشعارهم ما يدل على اعتبار القيافة عندهم، واشتهار صحتها بينهم، حتى قال شاعرهم:

الجزء: 14 - الصفحة: 477

قد زعموا أن لا أحب مطرقا كلا ورب البيت حبًا مسرفا يعرفه من قاف أو تقوفا بالقدمين، واليدين، والقفا وطرف عينيه إذا تشوفا ويدل عليه من طريق المعنى، هو أن الحادثة في الشرع، إذا تجاذبها أصلان حاظر ومبيح، لم ترد إليها، وردت إلى أقواهما شبهًا بها، كذلك في اشتباه الأنساب.
والدليل على إبطال إلحاق الولد يأتي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13]، وهذا خطاب لجميعهم فدل على انتفاء خلق أحدهما من ذكرين وأنثى، وقال تعالى:؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2] فمنع أن يكون مخلوقًا من نطفتين، ويدل عليه أن ليس في سالف الأمم، وحديثها، ولا جاهلية ولا إسلام، أن نسبوا أحدًا في أعصارهم، إلى أبوين، وفي إلحاقه باثنين خرق العادات، وفي خرقها إبطال المعجزات، وما أفضى إلى إبطالها، بطل في نفسه، ولم يبطلها.
والقياس، هو أنهما شخصان، لا يصح اجتماعهما على وطء واحد فلم يجز أن يلحق الولد بهما كالحر مع العبد، والمسلم مع الكافر فإن أبا حنيفة يمتنع من إلحاقه بهما، وإن اشتركا في الوطء فيلحقه بالحر دون العبد، والمسلم دون الكافر، والدليل على إبطال خلقه من ماءين مع ما قدمناه من نص الكتاب شيئان: أحدهما: ما أجمع عليه أمم الطب في خلق الإنسان، أن علوق الولد يكون حين يمتزج ماء الرجل بماء المرأة، ثم تنطق الرحم عليهما بعد ذلك الامتزاج فينعقد علوقه لوقته، ولا يصل إليه ماء آخر، من ذلك الواطئ ولا من غيره، وقد نبه الله تعالى على قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)﴾ [الطارق: 5 - 7] يعني أصلاب الرجال، وترائب النساء، والترائب الصدور فاستحال، بهذا خلق الولد من ماءين من ذكر أومن ذكرين.
والثاني: أنه لما استحال في شاهد العرف أن تنبت السنبلة من حبتين، وتنبت النخلة من نواتين، دل على استحالة خلق الولد من ماءين.
فإن قيل: لما لم يستحل خلق الولد من ماء ذكر، وأنثى، لم يستحل أن يخلق من ماء ذكرين وأنثى.
قيل: قد جوزتم ما يستحيل إمكانه في العقول، والعيان من إلحاق الولد، بأمين فكيف اعتبرتم إنكار إلحاقه بأبوين؟ وتعليلكم بالإمكان في الأبوين يبطل إلحاقكم له بأمين، وكلا الأمرين عندنا مستحيل في الأبوين، والأمين، ثم نقول ما استحال عقلًا وشرعًا في لحوق الأنساب.
لم يثبت به نسب كابن عشرين إذا ادعى أبوه ابن عشرين سنة لم يلحق لاستحالته، كذلك ادعاء امرأتين ولدًا لم يلحق بهما لاستحالته.
فصل: فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] فهو

الجزء: 14 - الصفحة: 478

عائد عليهم في إلحاقه بالجماعة، فلم يكن لهم دليل.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8] فهو: أنه يراد به فيما شاء من شبه أعمامه، وأخواله، وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، فهو: أنه ما ورد به الشرع، لا ينسب إلى حكم الجاهلية، وإن وافقه.
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "لعل عرقًا نزعه" فهو أنه دال على اعتبار الشبه، لأنه علل بنزوع العرق الأول.
وأما الجواب عن حديث العجلاني، فهو ما جعلناه دليلًا منه.
وأما الجواب عن اختصاص قوم به، وتعذر معاطاته، وتعلمه: فهو أنه ليس يمتنع، أن يكون في العلوم، ما يستفاد بالطبع دون التعلم كقول الشاعر: إن لم يستفده الإنسان طبعًا تعذر أن يقول بتعلم واكتساب ولا يمتنع أن تكون صناعة الشعر علمًا، كذلك القيافة.
وأما الجواب عن قوله: "الولد للفراش": فهو أن الفراش عند أبي حنيفة الزوجة، وعندنا من يجوز أن يلحق ولدها، ولا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين، فلم يجز عندهم أن تكون لاثنين، وعندنا لا يجوز أن يلحق ولدها إلا بواحد فلم يكن فراشًا إلا لواحد.
وأما الجواب عن استدلالهم بامتناع القيافة في البهائم.
فهو أن المقصود بإلحاق البهائم الملك، واليد أقوى فاستغنى به عن القيافة، والمقصود في الآدميين النسب، واليد لا تأثير لا فاحتيج فيه إلى القيافة.
وأما الجواب عن قصة عمر رضي الله عنه في إلحاق الولد باثنين، فهو: أن الرواية اختلفت في هذه القصة فروى الشافعي في كتاب "الأم" عن ابن عياض عن هشام عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدًا فدعا عمر رضي الله عنه القافة فقالوا: قد اشتركا فيه.
فقال عمر: وإلى أيهما يثبت؟ ويروي أنه دعا عجائز من قريش، فقلن: إن الأول وطئها، فعلقت منه، ثم حاضت فاستجشف الولد ثم وطئها الثاني، فانتعش بمائه، فأخذ شبهًا منهما، فقال عمر: الله أكبر" وألحق الولد بالأقرب، وإذا تعارضت فيها الروايات المختلفة، سقط تعلقهم بها وكانت دليلًا لنا لاجتماعهم فيها على استعمال القافة، واستخبارهم عن إلحاق الولد.
وأما الجواب عن قياسهم على إلحاقه بأبويه مع انتفاضه بدعوى المسلم والكافر فهو أن الأب والأم هما مشتركان في وطء واحد، فلحق الولد بهما والرجلان لا يشتركان في وطء واحد، فلم يلحق الولد بهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بالولاء تعليلًا بالتوارث بها، فليست الأنساب معتبرة بالتوارث لثبوت الأنساب مع عدم التوارث بالرق، واختلاف الدين، ثم المعنى في الولاء حدوثه عن مالك، لا يمتنع يفه الاشتراك، وحدوث النسب عن وطء واحد، يمتنع فيه الاشتراك.

الجزء: 14 - الصفحة: 479

وأما الجواب عن استدلالهم، بأنه لما لحق بذكر وأنثى، لحق بذكرين وأنثى، فقد تقدم بما ذكرناه من امتناعه أن يخلق من ماءٍ بعد ماء، من واحد، أو اثنين.
فصل: وإذا كان أحد الواطئين زوجًا وطئها في نكاح صحيح، والآخر أجنبيًا، وطئها بشبهة كانا في استلحاق الولد سواء، ويلحقه القافة بأشبههما به، وقال مالك يلحق بالزوج من غير قافة لقوته بالنكاح، وتميزه بالاستباحة.
ودليلنا: هو أن كل واحد منهما ولو انفرد، لكان الولد لاحقًا به فوجب إذا اجتمعا أن يستويا في استلحاقه لاستوائهما في السبب الموجب للحوقه.
وليس اختصاص بالاستباحة موجبًا، لاختصاصه بلحوق الولد كمن باع أمه بعد وطئها، ووطئها المشتري قبل استبرائه، وجاءت بولد يمكن لحوقه، بهما استويا في استلحاقه القافة بمشبهه.
وإن كان وطء البائع مباحًا ووطء المشتري محظورًا.
فصل: فإذا تقرر وجوب الحكم بالقيافة في الأنساب، إذا اشتبهت بعد الاشتراك في أسباب لحوقهما، فالكلام فيهما يشتمل على أربعة فصول: أحدها: صفة القائف.
والثاني: صفة القيافة.
والثالث: الموجب لها.
والرابع: نفوذ الحكم بها.
فأما الفصل الأول: في صفة القائف، فيشمل على أربعة شروط، يصح أن يكون بها قائفًا.
وهو: أن يكون رجلًا حرًا، عدلًا، عالمًا، لأنه متردد الحال بين حكم، وشهادة، فاعتبرت فيه هذه الشروط الأربعة، فإن كان امرأة أو عبدًا أو فاسقًا أو غير عالم لم يجز أن يكون قائفًا، وعلمه ضربان: أحدهما: علمه بالقيافة.
والثاني: علمه بالفقه.
فأما علمه بالقيافة، فهو المقصود منه، فلابد أن يكون معتبرًا فيه ومختبرًا عليه، واختياره فيه أن يجرب في غير المتنازعين، بأن يضم ولده معروف النسب، إلى جماعة ليس له فيهم أب، ويقال له: من أبوه منهم؟ ولا يقال ألحقه بأبيه منهم، لأنه أب، وقيل له: ألحقه بأبيه منهم، لأن له فيهم أبًا، فإن ألحقه بأبيه منهم، عرف أنه عالم بالقيافة.

الجزء: 14 - الصفحة: 480

وإن أخطأ في الأول فألحقه بواحد منهم، أو أخطأ في الثاني فألحقه بغير أبيه منهم، علم عالم بالقيافة، ولا يقنع، إذا أصاب مرة أن يجرب في ثانية، وثالثة، لأنه قد يجوز أن يصيب في الأولة، اتفاقًا وفي الثانية، ظنًا وفي الثالثة يقينًا، فإذا وثق بعلمه عمل على قوله، ولا يلزم أن يختبر ثانية بعد المعرفة بعلمه.
وأما علم الفقه فإن نزل به منزلة المخير لم يفتقر إلى علم الفقه وإن نزل منزلة الحاكم على ما سنذكرهن من الفرق بين حالتيه، اعتبر فيه من علم الفقه، ما اختص بلحوق الأنساب ولم يعتبر فيه العلم يجمع الفقه، لأن اعتباره في القافة متعذرًا.
ولا يلزم أن يكون أصحابنا، فقال: لا يصح أن يكون إلا من بني مدلج، لاختصاصهم بعلم القيافة، طبعًا في خلقهم، وهذا لا وجه له لأن مقصود القيافة قد يجوز أن يعدم في بني مدلج، ويوجد في غير بني مدلج، وإن كان الأغلب وجوده في بني مدلج.
وأما الفصل الثاني في صفة القيافة، فالمعتبر فيها التشابه من أربعة أوجه: أحدها: تخطيط الأعضاء وأشكال الصورة.
والثاني: في الألوان والشعور.
والثالث: في الحركات والأفعال.
والرابع: في الكلام، والصوت، والحدة، والأناة، ولئن جاز أن تختلف هذه الأربعة في الآباء والأبناء في الظاهر الجلي، فلابد أن يكون يبنهما، في الباطن تشابه خفي، ولئن لم يكن في جميعها لغلبه التشابه بالأمهات، فلابد أن يكون في بعضها لأن المولود من أبيض، وأسود، لا يكون أبيض محضًا، ولا أسود محضًا، فيكون فيه من البياض، ما يقارب الأبيض، ومن السواد ما يقارب بالسواد.
وإذا كان كذلك لم يخل حال الولد مع المتنازعين فيه من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون فيه شبه من أحدهما، وليس فيه شبه من الآخر، فيلحق بمن فيه شبهه، وينفي عمن ليس فيه شبهة، وسواء كان الشبه بينهما من جميع الوجوه، أو من بعضها ظاهرًا كان أو خفيًا.
والثاني: أن لا يكون فيه شبه من كل واحد، منهما فلا يكون في القيافة بيان، ولا يجوز ان ينفي عنها، لأن نسبه موقوف عليهما، فيعدل إلى الوقف على الانتساب، على ما سنذكره.
والثالث: أن يكون فيه شبه من كل واحد منهما، فهذا على خمسة أضرب: أحدهما: أن يتماثل الشبهان، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فلا يكون في القيافة بيان، ويعدل إلى غيرها.
والثاني: أن يتماثل الشبه بينما في العدد، ويختلفا في الظهور، والخفاء، يكون فيه

الجزء: 14 - الصفحة: 481

من كل واحد منهما شبهان، وهو في أحدهما ظاهر، وفي الآخر خفي، فيلحق بمن ظهر منه الشبه دون من خفي فيه.
والثالث: أن يتماثلا في الظهور، والخفاء، ويختلفان في العدد، فيكون الشبه في أحدهما من ثلاثة أوجه، وفي الآخر من وجهين، فيلحق بمن زاد عدد الشبه فيه دون من قل.
والرابع: أن يكون الشبه في أحدهما أكثر عددًا، أو أظهر شبهًا، وهو في الآخر أقل، وأخفى، فيلحق بمن كثر فيه عدد الشبه، وظهر دون من قل، فيه وخفي، وهو أقوى من الضربين المتقدمين.
والخامس: أن يكون أحدهما في الشبه أكثر عددًا، وأخفى شبهًا، والآخر أقل عددًا وأظهر شبهًا، فيكون الشبه في أحدهما من ثلاثة أوجه خفية، وفي الآخر وجهين ظاهرين، ففي وجهان: أحدهما: يرجع كثرة العدد على ظهور الشبه، فيلحق بمن فيه الشبه من ثلاثة أوجه، تغليبًا لزيادة التشابه.
والثاني: يرجح ظهور الشبه على كثرة العدد، فيلحق بمن فيه الشبه من وجهين ظاهرين، تغليبًا لقوة التشابه، فهذا أصل في اعتبار التشابه في القيافة، وقد يختلف فطن القافة فمنهم من تكون فطنته من أعداد التشابه أقوى، ومنهم من تكون فطنته في قوة التشابه أقوى، فيعتمد كل واحد منهم على ما في قوة فطنته، تغليبًا لقوة حسه، فإن كان القائف عازمًا بأحكام هذه الأقسام، جاز أن يكون فيها مخبرًا، وحاكمًا، وإن لم يكن عارفًا بأحكامها كان فيها مخيرًا، ولم يكن فيها حاكمًا، ليحكم بها من الحكام من يعلمها، ويجتهد رأيه فيها.
وأما الفصل الثالث: في الموجب لاستعمال القافة، فالتنازع في الولد على ضربين: أحدهما: أن يكون من لقيط لا يعرف للمتنازعين فيه فراش، فلا يخلو حال الولد من أن يكون صغيرًا، أو كبيرًا، فإن كان كبيرًا بالغًا عاقلًا توجهت الدعوى عليه، وكان الجواب مأخوذًا منه، فإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، لحق بالمصدق، ولا يمين عليه للمكذب، لأنه لو رجع عن إقراره لم يقبل، ولم يغرم، وإن كذبهما حلف لهما، ولم يلحق بواحد منهما، لأنه لو أقر قبل التكذيب قبل إقراره، وإن قال: أنا ابن واحد منكما ولست أعرفه بعينه، رجع إلى القافة في إلحاقة، بأحدهما فإن عدموا أخذ الولد جدًا بالانتساب إلى أحدهما غيبًا، فإن سلمه أحد المتنازعين إلى الآخر، فإن كان قبل القافة والانتساب، جاز وصار ولدًا لمن أسلم إليه، وإن كان بعد الحكم بنسبه، إما بعد القافة أو بعد الانتساب لم يجز.
وإن كان الولد صغيرًا غير مميز، أو كان بالغًا مجنونًا، استعمل فيه القافة، ولم

الجزء: 14 - الصفحة: 482

يعتبر فيه إقرار ولا فراشن فإن ألحقه القافة بأحدهما لحق به وإن عدموا أو شكل عليهم، وقف إلى زمان الانتساب فإنه سلمه أحدهما إلى الآخر، كان على ما قدمناه من جوازه قبل إلحاقه، وبطلانه بعد إلحاقه.
والثاني: أن يكون الولد عن فراش وقع فيه التنازع، فاستعمال القيافة فيه معتبر بثلاثة شروط: أحدهما: أن يكون الفراش مشتركًا بين المتنازعين فيه، فإن تفرد به أحدهما، كان ولدًا لصاحب الفراش من غير قيافة، وإن كان شبهه بغير صاحب الفراش أقوى.
فلو أن زوجًا شك في ولده من زوجته، فإن أراد أن يستعمل فيه القافة لم يجز لأن القافة لا تنفي ما لحق بالفراش.
والثاني: أن يكون اشتراكهما في الفراش موجبًا للحوق الولد بكل واحد منهما، لو انفرد، فإن كان لا يلحق بكل واحد منهما لو انفرد، لأنهما زانيان بطلت دعواهما فيه، ولم يلحق واحد منها وإن كان يلحق بأحدهما دون الآخر، لأن أحدهما زان، والآخر ليس بزان، بطل تنازعهما، ولم تستعمل القافة فيه، وكان لاحقًا بصاحب الفراش، دون الزاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
والثالث: أن يثبت فراش كل واحد منهما وثبوته، معتبر بحال المتنازعين، فإن كان أحدهما زوجًا، والآخر ذا شبهة، ثبت فراش ذي الشبهة بتصديق الزوج، ولم يعتبر فيه تصديق الموطوءة، لأن الفراش للزوج، وإن لم يكن فيهما زوج اعتبر فيه تصديق الموطوءة، لكل واحد منهما، إن كانت خالية من زوج، وإن كانت ذات زوج، اعتبر فيه تصديق، دونها، لأنه أملك بالفراش فيها، وصار الزوج داخلًا معها في التنازع، لأن له فراشًا ثالثًا، ولا يعتبر تصديق كل واحد منهما لصاحبه، لأن ثبوت النسب حق له وعليه.
فلو أنكرتها الموطوءة أو زوجها لم يثبته لواحد منهما الفراش، وعلى منكرها اليمين.
ولو ادعت الموطوءة أو زوجها عليها الفراش، وأنكراه فالقول قولهما مع إيمانهما، ولا فراش على واحد منهما.
فإذا ثبت فراشهما، بما ذكرنا من التصادق فيه أو قامت به بينة مع التجاحد على الوجه الذي تقوم به البينة في مثله، تكاملت شروط الاشتراك في لحوقه النسب وصار الفراش حقًا لهما، وحقًا عليهما، فلا يقف على مطالبتهما ولا يجوز لواحد منهما أن يسلم لصاحبه، لما فيه من الخف عليه، ويستوي فيه حكم الوالد صغيرًا وكبيرًا ويستعمل

الجزء: 14 - الصفحة: 483

القافة في إلحاقه بأحدهما، إذا طولب بها.
والذي يستحق المطالبة بها من كان قوله في الفراش معتبرًا، والولد إذا كان بالغًا فإن لم يطلب الحاكم بها جاز له في حق الصغير أن يستعمل القيافة إذا علم بالحال من غير طلب نيابة عن الصغير، ولم يكن له أن يستعملها في حق الكبير، لأنه أخص بطلب حقوقه.
وأما الفصل الرابع: في ثبوت الحكم بلحوق النسب بقول القافة فهو معتبر باستلحاق النسب، واستلحاقه على ضربين: أحدهما: أن يكون لاشتراكهما في فراش.
والثاني: إذا تداعيا لقيطًا.
فإن كان لاشتراكهما في فراش، لم يصح إلحاقه بالقافة، لا يحكم الحاكم، لأن الفراش قد أوجب لهما حقًا، وأوجب عليهما حقًا في إلحاقه بأحدهما، ونفيه عن الآخر، وألحق لهما على الولد، وألحق عليهما للولد ولذلك وجب إلحاقه بأحدهما، وإن يتنازعا فيه، ولم يجز أن يسلمه أحدهما إلى الآخر فكان أغلظ من اللعان الذي لا يصح إلا بحكم حاكم فكان هذا أولى أن يصح إلا بحكم حاكم، لأن اللعان يختص بالنفي دون الإثبات، والقيافة بين النفي والإثبات.
وإذا كان استحقاق الولد في ادعاء لقيط لم يعرف لهما فيه فراش مشترك، فهو حق لهما وليس بحق عليهما في الظاهر، لأنهما لو لم يتنازعا فيه، لم يعترض لهما، ولو سلمه أحدهما إلى الآخر صح وانتفى عمن سلمه، ولحق من سلم إليه فلم يفتقر استلحاقه إلى حكم، وجاز أن ينفرد باستعمال القافة فيه إن اختارا، وجاز أن يتحاكما فيه إلى حاكم، إن اختلفا فإن تنازعا فيه إلى حاكم وفق اختيار القائف على الحاكم، دونهما وإن لم يتنازعا فيه إلى الحاكم، وفق اختيار القائف عليهما فإذا اتفقا على اختبار قائف كان فيه بالخيار في تحكيمه، أو استخباره، على ما سنذكره في شرح التحكيم، والاستخبار.
فإن استخبره، فأخبر كان موقوفًا على إمضائهما والتزامهما.
وإن حكماه فحكم كان في لزوم حكمه لهما قولان، وإن اختلفا في اختيار القائف، إذا حلفا بعد الاتفاق عليه في تحكيمه، أو استخباره لم يعمل على اختيار واحد منهما، وتنازعا فيه إلى الحاكم لم يحكم بينهما، وإذا كان الحاكم هو الناظر بينهما في لحوق النسب، إما في الفراش المشترك حتمًا واجبًا، وإما في اللقيط المدعي، إما بالتراضي والاختيار، وإما أن يطلبه أحدهما دون الآخر، فيؤخذ الممتنع جيدًا بالحكم، وإنما يجوز للمتنازعين في اللقيط أن يتفردا بالقيافة إذا اتفقا على التراضي في تفردهما به، دون الحاكم.

الجزء: 14 - الصفحة: 484

فإذا أراد الحاكم الحكم بينهما، اختار من القافة أوثقهم وأغلبهم، واجتهد رأيه في تحكيم القائف، أو استخباره فإن اجتهاده إلى تحكيمه، كان ذلك استخلافا له في الحكم بينهما فيراعي في استنابته شروط التقليد، واختبر في العلم بشروط الإلحاق، فإن قضى بها، أعلمه بها.
فأما المختص منها بفطنته فقوة حسه، فهو مركوز في طبعه، ويجوز أن يقتصر على قائف واحد، لأنه حكم، فجاز من القائف الواحد، فإن جمع فيه بين قائفين احتياطًا كان أوجد، كما جمع في شقاق الزوجين بين الحكمين.
ولا ينفذ الحكم في لحوقه بواحد منهما، حتى يجتمعان عليه، فإذا ألحقه القائف الواحد إذا أفرد أو القائفان إذا جمع بينهما بأحد المتنازعين فيه، ونفاه عن الآخر لحقه، وانتفى عن الآخر، ولو ألحقه بأحدهما، ولم ينفه عن الآخر، لم يلحق به، لجواز أن يرى اشتراكهما فيه، ولو نفاه عن أحدهما ولم يلحقه بالآخر، انتفى ممن نفاه عنه، وصار الآخر منفردًا بالدعوى، فلحق به، لانفراد بالفراش، لا بالقائف.
ولو تنازع في دعواه ثلاثة فألحقه بأحدهم، ونفاه عن الآخرين، أمضى حكمه في إلحاقه ونفيه، ولو نفاه عن أحدهم، خرج من الدعوى، وصارت بين الآخرين، ولو نفاه من اثنين، خرجا من الدعوى، وصار لاحقًا بالباقي، لانفراده بالدعوى، لا بقول القائف، فإن لحق بأحدهم لألحاق القائف به، ونفيه عن غيره استقر حكمه في ثبوت نسبه، ولزم الحاكم تنفيذ حكمه، وإن نفاه القائف عن أحدهما استقر حكمه بالنفي، ولم يستقر حكمه باللحوق، حتى يحكم له بالحاكم باللحوق، بحكم الانفراد بالدعوى، فإن رجع القائف بعد حكمه بذكر الغلط فيه، لم يقبل رجوعه، لأن نفوذ الحكم بالاجتهاد يمنع من نقضه باجتهاد.
وإن رأي الحكم اجتهاده إلى استخبار القائف دون تحكيمه، أنكر القائف مخبرًا، والحاكم هو المتفرد بالحكم، وجاز لزومه أن يجمع بين قائفين، ولم يجزن أن يقتصر على واحد منهما، وإن كان خبر الواحد مقبولًا، لأن الحاكم لا يجوز أن بخير الواحد، وإنما يجوز أن يحكم بشهادة اثنين، كما لا يحكم في التقويم إلا بقبل مقومين، فإذا أراد القائفان بعد اجتهادهما، أن يذكر للحاكم، ما صح عندهما من لحوق الولد بأحدهما ففيه وجهان: أحدهما: يكون خبرًا يؤدى بلفظ الإخبار، ولا تكون شهادة تؤدى بلفظ الشهادة لأن الشهادة تختص بفعل مشاهد وقول مسموع وليس في القافة، واحد منهما فكان خبرًا، ولم يكن شهادة فعلى هذا يجب على الحاكم، أن يسألهما عن سبب علمهما، لا يجتهد رأيه فيهما إن ذكرا اشتراكهما في الشبه، ولا يجب عليه سؤالهما إن كان مختصًا بأحدهما، دون الآخر، لأن عليه في الاشتراك أن يجتهد رأيه في الترجيح، فلزمه السؤال، وليس

الجزء: 14 - الصفحة: 485

عليه في اختصاص أحدهما بالترجيح بالشبه، اجتهاده في الترجيح، فلم يلزمه السؤال، ولكن عليه أن يسألهما في الشبه اشتراك، حتى يسألهما عن سببه ويجتهد رأيه فيه، أو ليس فيه اشتراك؟ حتى لا يسألهما عنه، ولا يجتهد رأيه فيه، ويقتنع منهما أن يقولا هذا ولد هذا دون هذا.
والثاني: أن تكون شهادة تؤدي بلفظ الشهادة وإن لم تكن عن مشاهدة، لأن الحال يشهد، والحكم مختص بالشهادة دون الخبز.
فعلى هذا لا يجب على الحاكم أن يسألهما عن سبب علمهما، لأن الشاهد لا يسأل عن سبب علمه بما شهد لكن إذا كان الشبه مختصًا بأحدهما، جاز للقائفين أن يشهد بأنه ولد هذا دون هذا، وإن كان الشبه مشتركًا يحتاجا إلى اجتهاد في ترجيح ففيهما يشهدان به وجهان: أحدهما: يشهدان بما أدى إليه اجتهادهما من لحوق نسبه بأحدهما.
والثاني: يشهدان بالشبه الموجب للحوق النسب بأحدهما ليجتهد الحاكم رأيه دونها، وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا، هل يسوغ للشهود أن يجتهدوا فيما يؤدوه إذا كان الاجتهاد فيه سماع.
فإذا أدى القائفان إلى الحاكم ما عندهما من لحوق النسب بأحدهما خبرًا على أحد الوجهين، أو شهادة على الوجه الآخر لزم الحكم بقولهما في إلحاق النسب بمن ألحق، ونفيه عمن نفوه، وهو قبل حكم الحاكم، غير لاحق بواحد منهما، فإن رجع القائفان في قولهما، وألحقوه بمن نفوه عن لخطأ اعترفا به روعي رجوعهما، فإن كان بعد الحاكم بقولهما، لم ينقص حكمه وأمضاه على ما حكم به، وإن كان قبل حكمه بقولهما لم يكن نسبه للأول، ولا للثاني.
أما الأول: فلبطلان الشهادة، بالرجوع عنها.
وأما الثاني: فلتعارض القولين فيه.
فإن أشكل على القائفين ولحوق نسبه، وبان ذلك لغيرهما عمل عليه، وإن أشكل على غيرهما عدم النسب من جهة القافة، ووجب أن يوقف النسب للشك، حتى ينتسب الولد بطبعه إلى أحدهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من شأن الرحم إذا تماست تعاطفت".
وله في زمان انتسابه قولان: أحدهما: وهو القديم إلى استكمال سبع، وهي الحال التي يخير فيها بين أبويه.
والثاني: وهو الجديد الصحيح إلى بلوغه، لأنه لا يمكن بقوله في لوازم الحقوق قبل البلوغ، وإن قيل في الاختيار لأحد أبويه، لأنه ليس من الحقوق، فإذا انتسب إلى أحدهما لحق به، ولا يعتبر فيه تصديق الأب، فلو رجع وانتسب إلى الآخر لم يقبل رجوعه بعد لحوقه بالأول.

الجزء: 14 - الصفحة: 486

ولو وجدت القافة بعد انتسابه إلى أحدهما، لم يلحق به الاستقرار لحوقه بالانتساب إلى الأول.
وما مات الولد قبل انتسابه إلى أحدهما، قامت ورثته، مقامه في الانتساب، إلى أحدهما، ولو مات المتنازعان والولد باق جمع بينه وبين عصبتهما، وكان له بعد الاجتماع معهم أن ينتسب إلى أحدهما، فإن مات أحدهما وبقي الآخر نظر، فإن كان التنازع في فراش مشترك انتسب إلى من اختار من الحي، أو الميت، وإن كان التنازع في لقيط ففيه وجهان: أحدهما: يكون كالفراش في انتسابه إلى أحدهما.
والثاني: أنه يلحق بالباقي، لانقطاع دعوى الميت.
وقد روي زيد بن أرقم أن علي بن أبي طالب عليه السلام حين قلده رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء اليمن اختصم فيه ثلاثة من ولد امرأةٍ، وقعوا عليها في طهر واحد، تنازعوا فيه، فأقرع بينهم، وألحقه بمن قرع منهم، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضحك حتى بدت نواجذه، فقيل: إنه أقرع بينهم لإشكالهم على القافلة.
وقيل: إنما ضحك رسول الله صلى الله عليه سولم من القرعة: لأنه لا مدخل لها في لحوق النسب، لوجود ما هو أقوى، وهو انتساب الولد.
فصل: وإذا طلب القائف على قيافته أجرًا، ولم يجد بها متطوعًا جاز أن يعطي عليها رزقًا من بيت المال، لأن له عملًا يقطع به عن مكسبه، كما يعطي القاسم والحاسب ويستحقه سواء ألحقه بواحد منهما، أو أشكل عليه، فلم يلحقه، فإن تعذر رزقه من بيت المال، كانت أجرته على المتنازعين فيه، فإن ألحقه بأحدهما استحقها، وفيمن يجب عليه وجهان: أحدهما: أنها تجب على من ألحق به الولد دون نفي عنه، لأنه مستأجر للحوق دون النفي.
والثاني: يجب عليهما، لأن العمل مشترك في حقهما، وهو في حق من نفي عنه كهو في حق من ألحق به.
وإن لم يلحق بواحد منهما، فإن كان لإشكاله عليه، لم يستحق الأجرة، لأنه لم يوجد منه العمل، وإن كان لتكافؤ الاشتباه، ففي الأجرة وجهان: أحدهما: يستحقها إذا قيل: إنه لو أخذ منهما، كان تغليبًا بوجود العمل منه.

الجزء: 14 - الصفحة: 487

والثاني: لا يستحقها إذا قيل: إنه لو ألحقه بأحدهما: اختص بالتزام الآخر، تعليلًا بالإلحاق.
فصل: وإذا وجد وادعاه من يجوز أن يولد مثله لمثله لحقه به، فإن ادعاه بعده آخر ففيه وجهان: أحدهما: أن دعواه مردودة للحوق نسبه بالسابق، إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه.
والثاني: وهو الظاهر في مذهب الشافعي أن دعوى الناس مسموعة ويرى القافة، فإن نفوه عن الثاني، كان على لحوقه بالأول، وإن ألحقوه بالثاني أري مع الأول، فإن نفوه عن لحق بالثالث، وإن ألحقوه به لم يأت بالقافة بيان، لأنهم قد ألحقوه بهما ووقف الولد إلى حدهم، فصاحب اليد كالسابق بالدعوى، فيكون على الوجهين: أحدهما: يلحق به إلا أن تلحقه القافة بغيره.
والثاني: أن في الدعوى بغيره لا يلحق بواحد منهم إلا أن تلحقه القافة، أو يعترف له الباقي بنسبه، أو يبلغ حدّ الانتساب فينتسب إليه، فإن مات الولد مع بقاء الانتساب، فقبل الانتساب وقف من ماله ميراثًا حتى يصطلح المدعون عليه، وإن مات المدعون أو بعضهم ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، أنه يوقف من قال كل واحد منهم ميراث أب، كما يوقف من ماله إذا مات ميراث أب، حتى ينتسب بعد بلوغه حد الانتساب، فيستحق ميراث من انتسب إليه ويرد ما وقف من الباقين على ورثتهم.
والثاني: لا يوقف له من أموالهم شيء، ويدفع مال كل واحد إلى ورثته، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى حرٌ وعبدٌ مسلمان وذمي مولودًا وجد لقيطًا فلا فرق بين واحدٍ منهم كالتداعي فيما سواه فيراه القافة فإن ألحقوه بواحدٍ فهو ابنه وإن ألحقوه بأكثر لم يكن ابن واحدٍ منهم يبلغ فينتسب إلى أيهم شاء فيكون ابنه وينقطع عنه دعوى غيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يستوي إذا ادعى الولد، الحر والعبد المسلم،

الجزء: 14 - الصفحة: 488

والكافر لقيطًا أو من فراش مشترك، وليس بمشترك.
وقال أبو حنيفة الإمام رحمه الله: إذا تنازع حر وعبد ألحقته بالحر دون العبد.
وإن تنازع مسلم وكافر، ألحقته بالمسلم دون الكافر، ولو تنازع حر كافر وعبد مسلم، ألحقته بالحر الكافر، دون العبد المسلم، ليكون الولد ملحقًا بأكملها حكمًا.
استدلالًا بأن الغالب من دار الإسلام الحرية، والإسلام، فصارت كاليد لمن واقعها، فترجح بها.
ولأنهما لو تنازعا حضانته كان الحر المسلم أحق بهما من العبد الكافر، كذلك حكم النسب ودليلنا هو أنهما قد اشتركا في سبب الدعوى، فوجب أن يشتركا في حكمها، كالمسلمين الحرين.
ولأنه لو انفرد بالدعوى عبدًا أو كافرًا كان فيها كالمسلم، ولا يدفع عنها بحكم الدار، كذلك إذا اجتمع مع الحر، أو المسلم، كالمال، وفيه انفصال.
فأما الحضانة ففيها ولاية، لو انفرد بها كفار وعبد لم يستحقها وليس كالنسب الذي يلحق بالعبد والكافر.
فصل: فإذا ثبت استواؤهما في الدعوى، فإن ألحق بالمسلم، لحق به نسبًا، ودينًا، فإن ألحق بالكافر، لحق به نسبًا، وفي إلحاقه به دينًا وجهان: أحدهما: يلحق به في دينه اعتبارًا بالولادة.
والثاني: لا يلحق بدينه تغليبًا لحكم الدار، فأجري عليه حكم الإسلام، حتى يبلغ فيعرب عن نفسه، فإن أقر بالإسلام استقر حكم الإسلام، وإن ادعى الكفر أرهب ثم أقر على الكفر، فإن قيل بالوجه الأول أنه يجري على الكفر أقر في يده، وإن قيل الثاني، أنه يجري على حكم الإسلام لم يقر في يده، لئلا يلفته الكفر، فيدعيه بعد بلوغه.
فصل: وإذا تنازع والده، وولده في ولد ادعياه كل واحد منهما، عن التقاط أو اشتراك في الفراش فيهما فيه سواء، ولا يغلب دعوى الوالد على الولد.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كان الولد من أمة، اشتركا في إصابتها، فإن كانت الأمة للأب، أو مشتركة بين الأبن والأب، فالولد يلحق بالأب، وإن كانت للابن فالولد يلحق بالأب والابن، وهذا حكم لا يوجبه دليل، ولا يقتضيه تعليل، لأن الأبوة والبنوة لا تختلف فيها أحكام الدعاوي، كالأموال.
ولأنه لم يختلف في ادعاء الولد حكم الأم، والجد، فلم يختلف فيه حكم الأب والابن.

الجزء: 14 - الصفحة: 489

فصل: وإذا تنازع في الولد امرأتان، وقيل: إن دعواهما مسموعة على اختلاف المذهب فيه، استعمل القافة فيها، إذا عدمت البينة على ولادته، وكانتا في منازعته، كالرجلين، وكذلك لو كانت إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كانتا سواء، في ادعائه.
أو كانت إحداهما حرة، والأخرى أمة، تساويا فيه، وجاز للأمة أن تختص بالدعوى، دون السيد لاختصاصها بحق النسب، وتفرد السيد بحق الملك فإن ألحقت القافة الولد بالأم، لم يثبت عليه لسيدها عتق تعليلًا بأمرين: أحدهما: يجوز أن يكون قد أولدها حر بشبهة.
والثاني: لأن إلحاق القافة طريقة الاجتهاد، دون علم، ولو قامت البينة على ولادته له ففي دخوله في ملك السيد وجهان من اختلاف التعليلين: أحدهما: لا يدخل في ملكه، لجواز أن يكون من حر بشبهة.
والثاني: يدخل في ملكه، لأنه لحق بها عن علم، لا عن اجتهاد، وحكم الولد حكم أمه، ويجيء على مذهب أبي حنيفة أن يكون الولد للحرة دون الأمة والمسلمة دون الكافرة.
فصل: فإذا أشكل على القافة حكم الولد في تنازع، وقف على إثبات الولد إلى أحدهما، كما يوقف على إثباته إلى الآخر، أو إلى أحد الرجلين، لأن الطبع يحرك الإنسان، ويجذبه فلو أن ولدًا تنازع رجلان فيه، وادعى كل واحد، منها أنه أخوه من أبيه، فإن كان أبواه باقين لم تسمع دعواهما، وكان أبواهما أخف بالدعوى منها، وإن كانا ميتين، فإن ورثها معهما غيرهما لم تسمع دعواهما، باجتماع جميع الورثة، فإن أنكرها أحدهم بطلت الدعوى، وإن تفرد كل واحد منهما بميراث أمه، سمعت دعواهما، وجاز أن تستعمل القافة معهما عند عدم الشبه، فإن الشبه ينتقل من الآباء إلى الأبناء، حتى يشترك به الإخوة فإذا ألحقته القافة بإخوة أحدهما، حكم بينهما بالأخوة كما يحكم بالنبوة، لأن عبد بن زمعة ادعى أخًا من أمه، وأبيه، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواه، وألحقه به أخًا بفراش أبيه، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة أخًا، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، حين نازعه فيه سعد بن أبي وقاص عن أخيه، لأنه عاهر بأمه في الجاهلية.
وهكذا لو مات المتنازعان في الولد، أو أحدهما قبل حكم القافة جمع بين الولد وبين من ناسب المتنازعين، من الذكور والإناث كالبنين، والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، ولا يختص بالذكور دون الإناث، لوجود الشبه في الذكور والإناث وألحقه القافة بمن كان أشبه أقاربه فيه، ونفوه عمن لم يكن شبه أقاربه فيه سواء كان الشبه

الجزء: 14 - الصفحة: 490

في أقرب مناسبيه، أو أبعدهم، لأن عرق النسب ينزع إلى الأقارب والأباعد على إيجاد الشبه، ومن الآخر في الأبعدين، ألحق بمن كان شبه في الأقربين، دون من كان شبهه في الأبعدين، لأن الشبه في الأقرب أقوى من الشبه في الأبعد.

باب جواب الشافعي محمد بن الحسن في الولد

يدعيه عدة رجال مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "قلت لمحمد بن الحسن زعمت أن أبا يوسف قال إن ادعاه اثنان فهو بينهما بالأثر فإن ادعاه ثلاثةٌ فهو ابنهم بالقياس وإن ادعاه أربعةٌ لم يكن ابن واحدٍ منهم قال هذا خطأٌ من قوله قلت فإذا زعمن أنهم يشتركون في نسبه ولو كانوا مائةً كما يشتركون في المال لو مات أحد الشركاء في المال أيملك الحي إلا ما كان يملكه قبل موت صاحبه؟ قال: لا قلت فقد زعمت إن مات واحدٌ منهم ورثه ميراث ابن تام وانقطعت أبوته فإن مات ورثه كل واحدٍ منهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث أبٍ فهل رأيت أبًا قط إلى مدةٍ؟ قلت: أو رأيت إذا قطعت أبوته من الميت أيتزوج بناته وهن اليوم أجنبياتٌ وهن بالأمس له أخواتٌ؟ قال إنه لا يدخل هذا قلت وأكثر قال: كيف كان يلزمنا أن نورثه؟ قلت نورثه في قولك من أحدهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث ابن كما نورث كل واحدٍ منهم سهمًا من مائة سهمٍ من ميراث أبٍ قال المزني رحمه الله: ليس هذا بلازمٍ لهم في قولهم لأن جميع كل أبٍ أبو بعض الابن وليس بعض الابن ابنًا لبعض الأب دون جميعه كما لو ملكوا عبدًا كان جميع كل سيدٍ منهم مالكًا لبعض العبد وليس بعض العبد ملكًا لبعض السيد دون جميعه فتفهم ذلك تجده إن شاء الله".
قال في الحاوي: وهذه مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله لم يثبتها الربيع في كتابه إلى محمد بن الحسن وحكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: قلت لبعض الناس وصرح بهما الشافعي في الإملاء، فقال: قلت لمحمد بن الحسن فنقلها المزني عليه في الإملاء ولم يختلف عليه أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه في المنع من استعمال القافة، واختلفوا ولم يختلف عليه أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه في المنع من استعمال القافة، واختلفوا بعد اتفاقهم على المنع من استعمال القافة فيمن يلحق به الولد من الآباء المتنازعين فيه، فألحقه محمد بن الحسن من استعمال القافة فيمن يلحق به الولد من الآباء المتنازعين فيه، فألحقه محمد بن الحسن رحمه الله باثنين، ولم يلحقه بأكثر إتباعًا لما حكي من الأثر عن عمر رضي الله عنه في إلحاقه باثنين.
وألحقه أبو يوسف رحمه الله بثلاثة، ولم يلحقه بأكثر منهم، فاللاحق بالثاني أثرًا، واللاحق بالثالث قياسًا، ومنع من إلحاقه أبو حنيفة رضي الله عنه بكل من ادعاه وإن كانوا

الجزء: 14 - الصفحة: 491

مائة قياسًا على الأثر في الثاني، فناظر الشافعي رحمه الله محمد بن الحسن رحمه الله على قول أبي يوسف رحمه الله وعلى قول أبي حنيفة، وإن لم يكن قائلًا في العدد بقولهما فلأنه مرافق لهما في ترك القيافة، وإلحاقه بالاثنين، وإذا بطل قولهما في إلحاقه بأكثر من اثنين بطل قوله في إلحاقه بالاثنين.
ولأن استعمال القافة بالشبه، والأثر، والعرف.
فابتدأ الشافعي بمناظرته على القياس في الرابع، كالثلث فلم يجعل الثالث قياسًا ولم يجعل الرابع قياسًا.
وإن امتنع في الرابع، وامتنع في الثالث فبطل فيه استعمال القياس، ولم يبق فيه إلا الأثر المروي عن عمر رضي الله عنه في الثاني، فقد اختلفت الرواية فيه عن عمر فروى عنه عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، أنه قال للولد: انتسب إلى أيهما شئت.
وروي عن الحسن البصري، أنه قضى لما يرثانه ويرثهما، وهو للباقي منهما فلم تكن لإحدى الروايتين بأولى من الأخرى، فتعارضا، وأوجب التعارض سقوطهما.
فصل: ثم عدل الشافعي في مناظرته على قول أبي حنيفة رحمه الله أنهم يشتركون في نسبه، ولو كانوا مائة كما يشتركون في المال، فأبطل الشافعي رحمه الله هذا القول من أربعة أوجه: أحدهما: أنه قال لو مات أحد الشركاء في المال، لم يملك الحي إلا ما كان يملك قبل موت صاحبه.
قال: لا.
فقال الشافعي: "زعمت إن مات واحد منهم ورثه ميراث أبي تامر، وانقطعت أبوته" فأبطل الشافعي بهذا قياسهم على المال، لأن موت أحد الشركاء فيه لا يوجب انتقال حقه إليهم، وعندهم إن أمرت أحد الآباء يوجب انتقال أبوته إليهم، فبطل الجمع بينهما قياسًا.
والثاني: إن قال زعمت أن لو مات بحل واحد ورثه ميراث أن تام وانقطعت أبوته، فإن مات ورثه كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث أب، فهل رأيت أبًا قط إلى مدة؟ فأبطل الشافعي رحمه الله بهذا إلحاق نسبه بالجماعة، لأنهم يقولون إنه إذا مات أحدهم انقطع نسبه منه فصار أبًا في حياته وغير أب بعد موته، فجعلوا نسبه مقدرًا بمدة حياته، ولم تر أبًا قط إلى مدة.
والثالث: أن قال رأيت إذا انقطعت أبوته عن الميت، أيتزوج بناته، وهن اليوم أجنبيات، وكن له بالأمس أخوات، فأبطل الشافعي عليهم بهذا ما قالوه من انقطاع أبوته بالموت، فقال بنات الميت منهم ما حكمهم مع الولد أيحلف له أم لا؟ فقد كن له بالأمس أخوات فإن قال: يحللن بطل أن يكن بالأمس أخوات محرمات ويصرن في اليوم

الجزء: 14 - الصفحة: 492

أجنبيات محللات، وإن قال يحرمن، بطل أن لا يكون له، ولهن أب جامع بين نسبه، ونسبهن، ويصرن أجنبيات محرمات.
والرابع: مما قالوه في التوارث بينهم، أنه إن مات جعلوا ميراث بين جميعهم، وأعطوا كل واحد منهم ميراث بعض أب، وإن مات أحدهم أعطوه جميع ميراث أب تام، فجعلوا كل واحد منهم بعض أب ولم يجعلوا كل واحد منهم بعض ابن.
قال محمد رحمه الله للشافعي: كيف يلزمنا أن نورثه، فقال الشافعي يلزمك أن تورثهم في قولك: أن نورثه من كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث ابن، كما نورث كل واحد منهم سهمًا من مائة سهم من ميراث أب، فاعترض المزني على الشافعي رحمه الله في هذا الجواب فقال: "ليس هذا بلازم لهم في قوله؟ لأن جميع كل أب أبو بعض الابن وليس بعض الابن ابنًا لبعض الأب دون جميعه".
ثم استشهد عليه فقال: "كما لو ملكوا عبدًا، كان جميع كل سيد منهم مالكًا لبعض العبد، وليس بعض العبد ملكًا لبعض السيد، دون جميعه فشذ بعض أصحابنا فساعد المزني على اعتراضه، ومنع فيما ألزمهم الشافعي على قولهم أن يكون لازمًا لهم، تعليلًا بما ذكره المزني، وذهب جمهور أصحابنا إلى صحة إلزام الشافعي لهم، وأبطل اعتراض المزني على الشافعي من وجهين: أحدهما: أن أبا حنيفة رحمه الله يقول ما يبطل اعتراض المزني، لأن عنده أن كل واحد من الآباء أب لكل الولد، وكل الولد ابن لكل واحد من الآباء، فبطل ما استشهد به المزني من اشتراك السادة في العبد الواحد.
والثاني: أنه إذا كان بعض الولد ابنًا لكل واحد من الآباء، وجب إذا مات أحد الآباء، أن لا يرثه من بعض البنين ما يكون مستحقًا بجميع البنوة، فصح ما قال الشافعي وفسد ما اعترض به المزني رحمه الله وإذا بطل إلحاق الولد بآباء ثبت استعمال القافة، لأن الناس فيه على قولين: فوجب فساد أحدهما صحة الآخر، وقد استشهد من علم القافة في إلحاق الأنساب، ما يزيل الارتياب به، فقد حكي أن رجلًا شك في ابن له، فسار به إلى ديار بني مدلج ومع الأب أخ له، وهما على راحلتين، والولد ماشي، فأعيا، واقبل صبي منهم فقال له الأب: اردف هذا الغلام بنا، فنظر إليه وإليهما ثم قال: أردفه بأبيه، أو بعمه؟ فقال: بأبيه، فاردفه به، فعاد من فوره وزال ما كان في نفسه، وكالذي رواه عبد الله بن وهب عن أبي لهيعة عن يزيد بن أبي حنيفة عن محمد بن شهاب عن أنس بن مالك قال: "لما ولدت مارية القبطية إبراهيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفسه منه شيء بعث إليه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، فسلم، وذهب ما كان في نفسه.
وكان الشافعي فراسة، فحكي أبو ثور قال: كنت بحضرة الشافعي رحمه الله، إذ جاء رجل

الجزء: 14 - الصفحة: 493

فجلس بين يديه، فنظر إليه مليًا، وقال له: ألك أخ؟ قال: نعم ولكنه غائب في البحر منذ سنين، فقال له: لعله هذا الجائي فقام إليه، فإذا هو أخوه قد قدم من ساعته.
وحكي أبو ثور قال: كنت عند الشافعي، فجاء رجل فقال: ما صناعة هذا؟ فقال: لا أعرف.
ولكن إما أن يكون خياطًا، أو نجارًا، فسألنا الرجل عن صناعته، فقال: كنت خياطًا فصرت نجارًا.
وقال المصنف: كنت ذات يوم، وأنا جالس بجامع البصرة، ورجل يتكلم فجمعني أصحابي حضوره، فلما سمعت كلامه، قلت له ولدت بأذربيجان، ونشأت بالكوفة، قال: نعم.
فعجب مني من حضر والقيافة، والفراسة، غريزة في الطباع يعاني فيها المجبول عليها، ويعجز فيها المصروف عنها، وبالله التوفيه.

باب دعوى الأعاجم ولادة الشرك والطفل

يسلم أحد أبويه مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا ادعى الأعاجم ولادة بالشرك فإن جاؤونا مسلمين لا ولاء في واحدٍ منهم قبلنا دعواهم كما قبلنا من أهل الجاهلية".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن حفظ الأنساب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجب حفظه وتعيينه، وقسم يجب حفظه ولا يجب تعيينه، وقسم لا يجب حفظه ولا تعيينه.
فأما القسم الأول: الذي يجب حفظه وتعيينه فهي الانتساب التي يستحق بها التوارث، لقربهما وضبط عددها، فحفظها بين المتناسبين فيها واجب لهم، وعليهم على تفضيل النسب وتعيين الدرج، لأنها توجب من حقوق التوارث لهم عليهم وولاية النكاح بما لا يوصل إلى معرفة مستحقة، إلا منه فلزمهم حفظه وتعدده.
وأما القسم الثاني: وهو الذي يجب حفظه، ولا يجب تعيينه فهي الأنساب المتباعدة عن التوارث، وتختص بأحكام تأبى من عددها، وهم ذوو رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني عبد المطلب، لاختصاصهم ذي القربى، وتحريم الصدقات المفروضات عليهم، فعليهم أن يعرفوا أنهم من بني هاشم، ومن بني المطلب على اختلاف في البطون المتميزة، ليكونوا مشهورين في عشائرهم، وإن لم يتعين لهم اتصال أنسابهم، ليعرفهم ولاة الغني في حقهم.
من سهم ذي القربى، ويعرفهم ولاة الصدقات في منعم منها.
وأما القسم الثالث: الذي لا يجب حفظه، ولا تعيينه فهي الأنساب المتباعدة عن

الجزء: 14 - الصفحة: 494

التوارث، ولا تختص بحكم يأبي به من عداها كسائر الأمم، وهل يلزمه إن كان عربيًا أن يعرف أنه من العرب؟ على قولين من اختلاف القولين في تمييز العرب من العجم في حكم الاسترقاق، فإن ميزوا فيه عن غيرهم لم يلزمه أن يعرف أنه منهم كما لا يلزم إذا كان من غير العرب أن يعرف أنه من أي الأمم، وأي أجناس العالم.
فصل: فإذا تقررت هذه الجملة فمسألة الكتاب مقصورة على الأنساب التي يجب حفظها، وتعيينها، الاستحقاق التوارث، فإذا كانوا أحرارًا لا وراء عليهم، انقسموا ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونوا مسلمين من ولادة الإسلام.
والثاني: أن يكونوا مسلمين من ولادة الشرك.
والثالث: أن يكونوا مشركين.
فإن كانوا مسلمين من ولادة الإسلام، وهو القسم الأول فعلينا في أنسابهم حقان: أحدهما: حفظ أنسابهم.
والثاني: أن تعرف فرش ولادتهم، لوجوب حرمتهم نطفًا، ومولودين، فإذا ادعوا اتصال قواعد أنسابهم، ولم يختلفوا فيها، لزم اعتبارها بفرش ولادتهم، فإن خالفت ما تعارفوا عليه حملوا في أنسابهم على ما أوجبه على فرش ولادتهم، وأبطل تصادقهم على ما خالفهما، وإن لم يوجد في فرش ولادتهم ما يخالفها، فحملوا فيها على تصادقهم، وحفظت عليهم الأنساب التي تصادقوا عليها، ويستوي فيها المتلاصقة كالآباء مع الأبناء، والأنساب المنفصلة كالإخوة، والأعمام، إذا لم يكن بينهم من الفرش ما يخالفهم فإن رجعوا بعد التصادق فتكاذبوا، كان التكاذب مردودًا بالتصادق، لأن الإنكار يعلو الإقرار مردود، إلا أن يقدم بينة بخلاف ما تصادقوا عليه، فيحكم بها.
وأما القسم الثاني: وهم المسلمون من ولادة الشرك، فعلينا حفظ أنسابهم، بعد الولادة لحرمتهم بالإسلام، وليس علينا أن نعتبرها بفرش ولادتهم، بسقوط نطفهم بالشرك، فحملوا في الأنساب على تصادقهم، وتحفظ عليهم بعد التصادق بوجوب حرمتهم موجودين وسقوطها نطفًا.
وأما القسم الثالث: وهم المشركون، فلا يلزمنا حفظ أنسابه نطفًا، ولا مولودين، لسقوط حرمتهم في الحالين، فإذا تصادقوا في أنسابهم لم يعترض فيها عليهم، وكانوا فيها محمولين على تصادقهم وإن تكاذبوا فيها، بطل ما تقدم من تصادقهم، ولم يكن أحد الأمرين فيهم ألزم من الآخر، فإن تحاكموا فيها إلينا، حكمنا بينهم بما يكونون عليه بعد التحاكم من التصادق، أو التكاذب.

الجزء: 14 - الصفحة: 495

فصل: وإذا ثبت ما قررناه من أصول الأقسام في هذين القسمين عمومًا وخصوصًا، وحضر منهم من لا رق عليه، ولا وراء، فادعى نسب لقيط لا رق عليه، ولا ولاء نظر في دعواه.
فإن ادعاه ولدًا سمعت دعواه إذا مكنت، ولحق به ولدًا وناسب جميع من ناسبه مدعيه، من آبائه وأبنائه، وإخوانه، وأعمامه، سواء صدقوه عليه أو خالفوه، فإن كان مسلمًا أجري على اللقيط حكم الإسلام ووجب حفظ نسبه في حقه، وإن لم يجب في حق المدعي، وإن كان كافرًا فوجهان: أحدهما: يجري عليه حكم الإسلام، ويمنع منه قبل البلوغ، لئلا يلقنه الكفر.
والثاني: يجري على حكم الكفر، ولم يجب حفظ نسبه، لا في حقه ولا في حق المدعي، ولم يمنع منه ما كان في دار الإسلام فإذا أراد أن يخرج به إلى دار الحرب، منع منه قبل بلوغه لجواز أن يصف الإسلام، إذا بلغ ولم يمنع من إخراجه بعد بلوغه إذا أجبر على الكفر.
وإن ادعاه أخًا، ولم يدعيه ولدًا، ردت دعواه إن كان أبوه باقيًا، وكان الأب أحق بالدعوى منه، وسمعت إن كان ميتًا، ولم يكن لأبيه وارث سواه، ولا يسمع إن ورثه غيره، حتى يتفقوا عليه، ثم إذا سمعت على هذا التفصيل، وألحق به أخًا، صار مناسبًا لجميع من ناسبه ممن علا وسفل من عصبات، وذوي أرحام وأجري عليه في الإسلام، والكفر ما ذكرناه.
ولو ادعى نسب بالغ مجهول النسب، لم يثبت عليه رق، ولا وراء كانت دعواه على تصديقه، فإن أنكر وعدم البينة لم يلحقه نسبه، وإن صدقه لحق به نسبه بالدعوى، والتصديق ولهما أربعة أحوال: أحدها: أن يكونوا مسلمين فحفظ نسبهما واجب في الجهتين.
والثانية: أن يكونا كافرين، فحفظ نسبهما غير واجب في الجهتين إلا أن يكونا في الدعوى قد تنازعا إلى حاكم حكم بينهما بلحوق النسب، فيجب حفظه لتنفيذ الحكم، وإن لم يجب في حق النسب.
والثالثة: أن يكون مدعيه مسلمًا، وهو يقر بالكفر، فإن كان مولودًا على الإسلام امتنع أن يكون ولده كافرًا، وقيل: الآن أنت بتصديقك يقل له على الأبوة مسلم، وادعاؤك الكفر يجري عليه حكم الردة، فإن أسلمت وإلا قتلت، وإن كان الأب من ولادة الشرك، وأسلم بعد البلوغ، فاحتمل أن يكون مولودًا له قبل إسلامه، أقر الولد على كفره، ووجب حفظ نسبه في حق أبيه، دون حقه والرابعة: أن يكون مدعيه كافرًا، وهو مسلم وليس يمتنع أن يكون للمسلم أب

الجزء: 14 - الصفحة: 496

كافر، ولذلك جاز أن يلحق نسبه بكافر ويجري على كل واحد منهما حكم دينه، ووجب حفظ نسبه في حقه، وإن لم يجب في حق الأب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كانا مسبيين عليهم رقٌ أو اعتقوا فثبت عليهم ولءٌ لم يقبل إلا ببينةٍ على ولادةٍ معروفةٍ قبل السبي وهكذا أهل حصنٍ ومن يُحمل إلينا منهم".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مسبي من بلاد الشرك استرقه مسلم وأعتقه فصار له عليه الولاء، ثم قدم من بلاد الشرك من ادعى نسبه، فإن اقترن بدعواه بينة عادلة من المسلمين تشهد له بما ادعاه من النسب على الوجه الجائز في الإسلام، حكم بها وثبت النسب بينهما سواء كان مدعيه يدعي نسبًا، أعلى كالأبوة، والأخوة، أو نسبًا أسفل كالبنوة.
وإن عدم مدعيه البينة لم يخل حال المدعي ومن عليه رق، أو ولاء من أربعة أحوال: أحدها: من أن يصدقاه على النسب فيثبت بينهما في الأعلى من الأبوة، والأسفل من البنوة.
والثانية: أن ينكراه، أو يكذباه، فلا نسب وليس له إحلاف واحد منهما، أما العتق، فلأن إقراره لا ينفذ مع إنكار عتقه، وأما معتقه فيلزم الدعوى على غيره.
والثالثة: أن ينكره المعتق، ويصدقه معتقه، فلا نسب له، وله إحلاف المعتق بعد تصديق معتقه، لأنه لو أقوله بالنسب ثبت.
والرابعة: أن يصدقه المعتق، ويكذبه معتقه، فلا يخلو مدعي النسب من أحد أمرين: إما أن يدعي نسبًا أعلى، أو نسبًا أسفل، فإن ادعى نسبًا أعلى كالأبوة والإخوة لم يثبت النسب بينهما مع التصديق، الأثر وتعليل.
أما الأثر: فأثر أن أحدهما ما وري الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى شريح أن لا تورث حميلًا إلا ببينة.
والثاني: ما رواه حبيب بن أبي ثابت أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في ميراث الحميل، فأجمعوا أن لا يورث حميل إلا ببينة.
فصار هذا الأثر الثاني إجماعًا.

الجزء: 14 - الصفحة: 497

وأما التعليل: فلأن معتقه لما استحق بولائه عليه أن يرثه، وكان لحوق النسب يرفعه من الميراث، لتقدم الميراث بالنسب على الميراث بالولاء، لم يكن لهما بطل حق بصفة من ميراث الميتين، بإقرار مظنون محتمل.
فإن قيل: أفليس لو كان له أخ يرثه؟ فأقر بابن يحجب أخاه عن الميراث، ثبت نسبه بإقراره، فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الميراث بالولاء نتيجة ملك تفرد به بصفة لا يشاركه فيه فلم يقبل في دفعه إقرار عن مشارك فيه والميراث بالنسب مشترك فجاز أن يثبت بإقرار الشركين فيه فهذا حكم النسب الأعلى.
فأما دعوى النسب الأسفل، وهو أن يدعي الحميل أن هذا المعتق ابنه، فيصدقه على البنوة ويكذبه معتقه، ففي ثبوت نسبه وجهان: وقال ابن أبي هريرة قولين: أحدهما: لا يثبت نسبه مع تكذيب معتقه، كالنسب الأعلى.
والثاني: يثبت نسبه، وإن كذبه معتقه، لانتفاء الضرر عنه لإدخال ولده في ولاء معتقه، الذي لا يدخل يه أهل النسب الأعلى، فلذلك لا يثبت الإقرار بالنسب الأسفل، وإن لم يثبت بالنسب الأعلى، وسمي حميلًا، لأنه يحمل بنسب مجهول.
فأما قول الشافعي: "فكذا أهل حصن ومن يحمل إلينا منهم".
فإنما أراد به الرد على طائفة، قالوا: إن الحميل إذا كان من بلد كبير لم تقبل دعواه، لتمكنه من إقامة البينة، وإن كان من أهل حصن أو دير فثبت وهما عند الشافعي سواء، لإطلاق الأثر وعموم التعليل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا أسلم أحد أبوي الطفل أو لمعتوه كان مسلمًا لأن الله عز وجل أعلى الإسلام على الأديان والأعلى أولى أن يكون الحكم له مع أنه روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى قولنا ويروي عن الحسن وغيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، فإن اجتمع إسلام الأبوين، كان إسلامًا لصغار أولادهما معهما يكون للبالغين العقلاء وهذا إجماع فأما إذا أسلم أحد الأبوين، فذهب الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما وأكثر الفقهاء إلى أن إسلام كل واحد منهما يكون إسلامًا لهم سواء كان المسلم منهما أبًا، أو أمًا.
وقال عطاء: يكونون مسلمين بإسلام الأم دون الأب، لأنه من الأم قطعًا ومن الأب ظنًا.

الجزء: 14 - الصفحة: 498

وقال مالك: يكون مسلمًا بإسلام الأب دون الأم، لرجوعه في النسب إلى أبيه احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
والمراد بالآية الملة، فدل على إلحاقه بملة الأب دون الأم.
ولقوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6] فدل على إضافة الأولاد إلى الآباء، دون الأمهات.
ودليلنا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] وهم ذرية لكل واحد من الأبوين، فوجب أن يتبعوا لكل واحد من الأبوين.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أولاد المسلمين معهم في الجنة، وهم مع كل واجدٍ منهم".
فدل على إسلامهم ولأن الإسلام حق، والكفر باطل، وإتباع الحق أولى من إتباع الباطل، لأن تعارض البينتين يوجب تغليب أقواهما وأعلاهما، والإسلام أقوى، وأعلى من الكفر، فوجب أن يغلب الإسلام على حكم الكفر لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "الإسلام يعلو، ولا يعلي".
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أي ابن أمة أسلم فديته دية المسلمين وليس يعرف له مخالف.
ويدل عليه أن مسلمًا لو تزوج كافرة كان الولد مسلمًا، كذلك إذا أسلم بعد أن تزوجها وفيه انفصال عن دليله.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] فإنه قال على وجه الذم لهم، فدل على أن الحق لهم في عدو لهم عنه.
وأما لجواب عن قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6] فهم أن الإنذار متوجه إلى الآباء والأمهات وإن عبر عنه تغليبًا لحكم التذكير.
فصل: وأما إذا أسلم الجد، أو الجدة فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما، لأنهما محجوبان، بمن دونهما للعصبية التي بينهما كالأبوين.
والثاني: لا يكون إسلامًا لهم مع بقاء الأبوين، وعدمهما لأنهما محجوبان بمن دونهما.

الجزء: 14 - الصفحة: 499

والثالث: أن يكون إسلامًا لهم مع عدم الأبوين، ولا يكون إسلامًا لهم مع وجود الأبوين، لأنهم بحكم الأقرب أخص منهم بحكم الأبعد، إذا كان باقيًا والموجودين دون المفقود إذا كان ميتًا.

باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت يسكنانه قبل أن يتفرقا أو بعد ما تفرقا كان البيت لهما أو لأحدهما أو يموتان أو أحدهما فيختلف في ذلك ورثتهما فمن بينةً على شيءٍ فهو له وإن لم يقم بينةٍ فالقياس الذي لا يُعزر أحدٌ عندي بالغفلة عنه على الإجماع أن هذا المتاع بأيدهما جميعًا فهو بينهما نصفين وقد يملك الرجل متاع المرأة وتملك المرأة متاع الرجل ولو استعملت الظنون عليهما لحكمت في عطارٍ ودباغٍ يتنازعان عطرًا ودباغًا في أيديهما بأن أجعل للعطار العطر وللدباغ الدباغ لحكمت فيها بتنازع فيه معسرٌ وموسرٌ من لؤلوٍ بأن أجعله وللموسر ولا يجوز الحكم بالظنون".
قال في الحاوي: إذا كان الزوجان في دار يسكناها، إما ملكًا لهما، أو لأحدهما، أو لغيرهما، فاختلف في متاعها الذي يفها من آلة، وبسط وفرش، ودراهم، ودنانير، وادعاه كل واحد منهما لنفسه، أو ماتا فاختلف فيه ورثتها، أو مات أحدهما، فاختلف فيه الباقي وورثة الميت، أو كان ذلك من في أخ، أو أخت، وكانا يسكنان دارًا، اختلفا في متاعها، فكل ذلك سواء.
فإن كان لأحدهما بينة بملك ما ادعاه، حكم بها، وإن عدما البينة مع اختلافهما فيه، فهما مشتركان في اليد حكمًا، ويد كل واحد منهما على نصفه، فيتحالفان عليه ويجعل بينهما بعد أيمانهما نصفين، ويشتركان فيما يختص بالدجال، كالعمائم والطيالسة، والأقبية والسلاح.
وفيما يختص بالنساء كالحلي، والمقانع، ومصبغات الثياب، وقمص النساء.
وفيا يصلح للرجال، والنساء، من البسط، والفرش، والآلة، ولا يختص الرجال بآلة الرجال، ولا النساء بآلة النساء، ويستوي فيها يد المشاهدة ويد الحكم.
ويد المشاهدة أن يكون مقبوضًا في أيديهما، ويد الحكم أن يكون ملكهما.
وقال سفيان الثوري: يجعل ما يختص بالرجال للرجال، وما يختص بالنساء للنساء، في يد المشاهدة ويد الحكم.

الجزء: 14 - الصفحة: 500

وقال أبو حنيفة: إن كانت أيديهما يد مشاهدة كانت بينهما، وإن كان يد الحكم، كان ما يختص بالرجال للزوج، وما يختص بالنساء للزوجة، وما يصح لكل واحد منهما يكون للزوج دون الزوجة، فإن ماتا قام ورثتهما مقامهما.
وإن مات أحدهما، وبقي الآخر كان القول في جميعه قول الباقي منهما، فصار مخالفًا لنا في خمسة أشياء: أحدهما: في يد المشاهدة، ويد الحكم، وفرق بينهما وهما عندنا سواء.
والثاني: فيما يختص بالرجال جعله للزوج، وهو عندنا بينهما.
والثالث: ما يختص بالنساء جعله للزوجة، وهو عندنا بينهما.
والرابع: فيما يصلح لهما جعله للزوج، وهو عندنا بينهما.
والخامس: في موت أحدهما جعله للباقي منهما، وهو عندنا بينهما.
وقال أبو يوسف: القول قول المرأة، فيما جرت العادة، أو يكون جهازًا لمثلها، وقول الزوج فيما جرت العادة أن يكون له.
وقال زفر بما ذهبنا إليه، وهو في الصحابة قول ابن مسعود رضي الله عنه، واستدل أبو حنيفة ومن وافقه في تفصيل المتاع وتمييزه على الفرق في المشاهدة بين يد المشاهدة ويد الحكم، أن يد كل واحد منهما في المشاهدة على نصفه، وفي الحكم على جميعه، بدليل أن مدعيًا لو ادعاه في يد المشاهدة لم يكن له أن يدعي جميعه إلا عليها ولم يجز أن يختص أحدهما بالدعوى دون الآخر، ولو ادعاه في يد الحكم جاز له أن يدعي جميعه على كل واحد منهما، فدل على أن يد المشاهدة، يد على نصفه، ويد الحكم يدل على جميعه، فافترقا فلذلك ما افترقا فيه، إذا تنازعا، واستداما على التفصيل في يد الحكم، فإن منع منه في يد المشاهدة، فإن يد الحكم أقوى من يد المشاهدة، وفي استيلائهما في الحكم، على جميعه واختصاصه في المشاهدة على نصفه، فلما وقع الترجيح في يد المشاهدة بين ركاب الدابة، وقائدها في جعل الدابة لراكبها دون قائدها، اعتبارًا بالعرف، كان الترجيح في يد الحكم، باعتبار العرف أولى.
وربما حرروا قياسًا، وقالوا: كل يد ثبت بها الاستحقاق، جاز أن يقع فيها الترجيح قياسًا على يد المشاهدة، واستدلوا على الأثاث، وآلته، مختص بالزوج دونها فإن السابق إلى اقتنائه، والمنفرد بابتياعه، فصار فيه أرجح، فاختص به دونها واستدلوا على أن الحي بأن الحادثة إذا حاذاها أصلان ألحقت بأقواهما شبهًا بها، كالأحكام الشرعية.
ودليلنا عليهم في الجميع حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وكل واحد منهما مع اشتراكهما في اليد مدعٍ ومدعى عليه.

الجزء: 14 - الصفحة: 501

ولأن أثر مروي عن ابن مسعود ولم يظهر له في الصحابة مخالف، فصار كالإجماع.
ولأن الاشتراك في اليد يمنع من الترجيح بالعرف، قياسًا على يد المشاهدة.
ولأن ما لم يترجح به يد المشاهدة لم يترجح به يد الحكم، كتنازع الدباغ، والعطار في عطره، ودباغته.
ولأن ما يسقط فيه اعتبارًا العرف في اليد المفردة، سقط فيه اعتباره في اليد المشتركة، كالغني، والفقير، في اللؤلؤ، والجوهر، ولو كان العرف مع اشتراك اليد معتبرً، لأوجب تنازع الغني، والفقير، في اللؤلؤ والجوهر أن تجعل للغني دون الفقير، وفي أمثال ذلك من آلات الصناع، وهم لا يقولونه فكذلك في أثاث البيت، وهذا إلزام لا يتحقق عنه انفصال، ويد المشاهدة، تدفع جميع ما استدلوا به.
فأما الجواب عما قالوه أن يد الحاكم توجب استيلاء كل واحد منهما على جميعه، استشهادًا بما ذكروه، فهي أنها دعوى نخالفهم فيها، وليس لكل واحد منهما في يد الحكم، أن يدعيه إلا عليها، ولا يدعيه على أحدهما، وإنما يختص كل واحد منهما بدعوى نصفه، كاليد المشاهدة فبطل احتجاجهم به، ثم لما صارت يد كل واحد منهما على جميعه أن يكون موجبًا لتفرد أحدهما ببعضه، وعكسه في يد المشاهدة أشبه، لتفرده باليد على البعض.
وأما الجواب على إما استدلوا به من راكب الدابة، وقائدها، فهو أن أصحابنا قد اختلفوا فيه على وجهين: أحدهما: أنهما فيه سواء، فسقط الاستدلال.
والثاني: أن الراكب أحق بها من القائد، لأن للراكب مع اليد تصرفًا، ليس للقائد كلابس الثوب، وممسكه يكون اللابس أحق به من الممسك.
وأما الجواب عما استدلوا به من الأثاث، من سبوق يد الرجل عليه فهو أنها دعوى مدفوعة لجواز أن تسبق يد المرأة عليه بصنعة أو ابتياع من صانع، ولأن المرأة قد ترث متاع الرجل، والرجل قد يرث متاع النساء، وإن كان في ميراث متاع الرجال، ومتاع النساء، فلا يكون لأحدهما عليه يد سابقة، ولا ينفرد أحدهما بمتاع جهة دون صاحبه.
وأما الجواب عند استدلالهم بترجيح الأحكام الشرعية، فهو أن تعارض الأصول في الأحكام يوجب تغليب الأشبه، لاعتبار الشبه فيه إذا انفرد، ولما كانت الأملاك لا يعتبر فيها شبه العرف في اليد المنفردة لم يعتبر في اليد المشتركة، كما لا يعتبر في يد المشاهدة.

الجزء: 14 - الصفحة: 502

فصل: إذا ثبت ما ذكرناه في تساوي الزوجين في متاع البيت، تحالفًا عليه عند عدم البينة، وحلف كل واحد منهما على نصفه، لأنه يحلف على ما في يده، ولا يحلف على ما في يد صاحبه.
وقال أبو حنيفة: يخلف كل واحد منهما على جميعه، لأن عنده أن يد كل واحد منهما على جمعه، وهذا فاسد، لأن اليد ما اختصت بالشيء، ومن الممتنع أن يختص لكل واحد منهما بكل المتاع.
فإن قيل: ليس يمتنع هذا كما لم يمتنع في الرهن، إذا أوجبت أن يكون لكل واحد من المرتهن، والمستأجر يد على جميعه.
قيل: يدهما في الرهن مختلفة، لأن المرتهن مستوثق بالرقبة، والمستأجر مستوثق بالمنفعة، ويدهما في متاع البيت متفقة، فامتنع في متاع البيت وإن لم يمتنع في الرهن.
وإذا وجب بما ذكرناه أن يحلف كل واحد منهما على نصفه، لا على جميعه فلها ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يحلفا، فيجعل بينهما ملكًا.
والثانية: أن ينكلا فيجعل بينهما يدًا.
والثالثة: أن يحلف أحدهما وينكل الآخر، فيحكم للحالف بالنصف، ويكون النصف الذي في يد الناكر ترد اليمين في على الحالف فإن حلف اليمين الثانية في الرد، حكم له بالجميع، نصفه بيمينه على ما في يده، ونصف بيمين الرد بعد نكول صاحبه، وإن امتنع في يمين الرد لم يحكم له، إلا في النصف الذي حلف بيمين اليد وكان النصف الذي في يد الناكل مقرًا عليه، والله أعلم بالصواب.

باب أخذ الرجل حقه ممن يمنعه أباه

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكانت هندٌ زوجةً لأبي سفيان وكانت القيم على ولدها لصغيرهم بأمر زوجها فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكت إليه أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف فمثلها الرجل يكون له الحق على الرجل فيمنعه إياه فله أن يأخذ من ماله حيث وجده بوزنه أو كيله فإن لم يكن له مثلٌ كانت قيمته دنانير أو دراهم فإن لم يجد له مالًا باع عرضه واستوفى من ثمنه حقه فإن قيل فقد روي عن

الجزء: 14 - الصفحة: 503

رسول الله صلى الله عليه وسلم "أد إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" قيل إنه ليس بثابتٍ ولو كان ثابتًا لم تكن الخيانة ما أذن بأخذه صلى الله عليه وسلم وإنما الخيانة أن آخذ له درهمًا بعد استيفائه درهمي فأخونه بدرهمٍ كما خانتي في درهمي فليس لي أن أخونه بأخذ ما ليس لي وإن خانني".
قال في الحاوي: أن يكون على مقر ومليء يقدر على أخذه منه حتى طالبه به، فلا يجوز لصاحب الدين أن يأخذه من مال الغريم بغير إذنه، وإن أخذه كان آثمًا، وعليه رده، وإن كان جنس دينه، لأن لمن عليه الدين أن يقضيه من أي أمواله شاء، ولا يتعين في بعضه، ويجري على ما أخذه حكم الغاصب، على أن يرد ما أخذه، وله أن يطالب بما وجب له، ولا يكون قصاصًا، لأن القصاص يختص بما في الذمم، دون الأعيان.
والثاني: أن لا يقدر صاحب الدين على قبض دينه، فهو ضربان: أحدهما: أن يقدر على أخذه منه بالمحاكمة.
والثاني: أن يعجز عنه.
فإن عجز عن أخذه منه بالمحاكمة، وذلك من أحد وجهين: إما لامتناع الغريم بالقوة، وإما لجحوده مع عدم البينة، فيجوز لصاحب الدين أن يأخذ من مال غريمه قدر دينه سرًا، بغير علمه، فإن قدر عليه من جنس حقه، لم يتجاوز إلى غيره.
وإن لم يقدر عليه من جنسه، جاز أن يعدل إلى غير جنسه، سواء كان من جنس الأثمان ومن غير جنسها، وإن قدر صاحب الدين على أخذه بالمحاكمة، وعجز عنه بغير المحاكمة، وذلك لأحد وجهين إما لمطله مع الإقرار، أو الإنكار مع وجود البينة فهو على ضربين: أحدهما: أن يقدر على أخذ دينه سرًا من جنسه، فيجوز أخذه منه بغير علمه لأنه إحواجه إلى المحاكمة عدوان من الغريم.
والثاني: أن لا يقدر على أخذه، إلا من غير جنسه ففي جوز أخذه سرًا بغير علمه وجهان: أحدهما: يجوز تعليلًا بما ذكرناه من عدوان الغريم، وهو قول من زعم أن لصاحب الدين، أن ينفرد ببيعه من غير حاكم.
والثاني: ليس له أخذه إلا بالمحاكمة لقدرته عليه بما يزول عنه الهم، وهو قول من زعم أن صاحب الدين لا يجوز له بيعه، إلا بالحاكم فهذا شرح مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: إن قدر على أخذ دينه إذا لم يصل إليه من غريمه، أن يأخذ من جنسه، جاز له أن يأخذ شيئًا من ماله، وكذلك لو كان دينه دراهم فوجد دنانير، أو دنانير فوجد دراهم، لأنها من جنس الأثمان، وإن تنوعت، وإن لم يقدر عليه إلا من غير جنسه في الأمتعة والعروض لم يكن له أخذه، احتجاجًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أد

الجزء: 14 - الصفحة: 504

الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك".
وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه" ولأنه مال لا يجوز لأحد أن يتملكه، فلم يجز أن يأخذه قياسًا على ما في يد الغريم من رهون، وودائع.
ولأنه إذا أخذه من غير جنس حقه لم يحل أن يأخذه لأنه إما أن يملكه أن يبيعه، فلم يجز أن يتملكه لأنه من غير جنس حقه، ولم يجز أن يبيعه، لأنه لا ولاية له على بيعه.
فبطل أن يكون له حق في أخذه.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لصاحب الحق يد ومقال" فكانت اليد على العموم.
وروي الشافعي عن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن هند امرأة أبي سفيان قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه لا يعطيني ما يكفيني، وولدي إلا ما أخذت منه سرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ولأن من الحقوق المختلفة ما يتعذر وجود جنسها في ماله، فدل على جواز أخذه من غير جنسه ومن جنسه، ولأن من جاز له أخذ دينه من جنسه جاز له أخذه مع تعذر الجنس أن يأخذ من غير جنسه قياسًا على أخذ الدراهم بالدنانير، بالدراهم، ولأن من جاز أن يقضي منه دينه، جاز أن يتوصل مستحقه إلى أخذه، إذا امتنع بحسب الممكن قياسًا على المحاكمة.
فإن قيل: فالحاكم يجبر على البيع ولا يبيع عليه.
قيل: عندنا يبيع عليه في دينه، إذا امتنع من بيعه سواء، كان ماله عروضًا أو عقارًا.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه منع من بيع العقار من الديون، وهو عندنا مبيع عليه، في الحالين جبرًا، لأن جميع الديون تقضي من جميع الأموال كدين الميت.
وأما الجواب عن قولهم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فهو أن حمله على أن لا يدفع صاحب الدين من دينه، وهو مظلوم، أولى من حمله على من عليه الدين، وهو ظالم.

الجزء: 14 - الصفحة: 505

وأما الجواب عن قوله: "أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك".
وهو أن الأمانة هي الوديعة، تؤدي إلى مالكها، وليس مال الغريم وديعة، يكون أمانة وقوله: "ولا تخن من خانك" فليس مستوفي حقه خائنًا، فلو يتوجه إليه الخطاب.
فإن قيل: فما معنى الخبر: قيل يحمل معناه مع ضعفه، عند أصحاب الحديث، على أحد وجهين إما على الأعراض، إذا هتكت والحقوق إذا بطلت وإما على الودائع، إذا جحدت ثم أديت.
وأما قياسه على ما في يده من رهون وودائع، فتلك لا يملكها فلم يجز أن تؤخذ في دينه، وهذا ماله فجاز أن يؤخذ من دينه.
وأما الجواب عن استدلالهم بالتقسيم في أخذه ملكًا، أو مبيعًا فإنه ينقسم يؤخذ في أخذ الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم، ولا يمنع جوازه، فكذلك في غيره على أن لنا في البيع ما سنذكره.
فصل: فإذا ثبت أن له أخذه من جنسه، ومن غير جنسه.
قيل له: إن قدرت عليه من جنس حقك، لم يكن لك أن تعدل إلى غير جنسك.
وكنت في أخذه من غير جنسه متعديًا فإن كان حقك دراهم لم يكن لك أن تأخذه إلا دراهم، وإن كان حقك دنانير، لم يكن لك أن تأخذه إلا دنانير، وكذلك إن كان حقك برًا، أو شعيرًا أخذت جنس حقك من البر، والشعير.
وله أن يبيع بوزنه، وكيله ويصير بأخذه في ضمانه، وعلى ملكه وإن تعذر عليه جنس حقه وعدل إلى غير جنسه، فإذا أخذه ففي حكم يده وجهان أحدها أنها يد أمانة، لا توجب الضمان، حتى تباع فيستوفي حقه منه كالرهن، فعلى هذا لو تلق في يده قبل بيعه، كان حقه باقيًا، وجاز أن يعود إلى مال الغريم ثانية، فيأخذ منه بقدر دينه.
والثاني: أن يده ضامنة لما أخذه قبل بيعه، وبعده بخلاف الرهن، لأن الرهن عن مراضاة، وهذا عن إجبار.
فعلى هذا إن تلق في يده كانت قيمته قصاصًا عن دينه إذا تجانسا على الصحيح من المذهب.
وإذا كان ما أخذه باقيًا، لم يكن له أن يستبقيه في يده رهنًا، لأن الرهن عقد لا يتم إلا عن مراضاة تبذل، وقبول فإن استبقاه مع القدرة على بيعه، وأخذ حقه من ثمنه، ضمنه

الجزء: 14 - الصفحة: 506

وجهًا واحدًا ولا يجوز أن يملكه من غير بدعة، فإذا أراد بيعه في حقه، فلأصحابنا فيه وجهان: أحدهما: وهو يقول أكثرهم، يجوز أن يقول بيعه بنفسه، لتعذر بيع الحاكم له، إذا تعذرت البينة.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لا يجوز أن يتولى بيعه بنفسه، لامتناع أن ينفرد بيع ملك غيره في حق نفسه، كالرهن، ويتوصل إلى بيع الحاكم له، بأن يأتمن عليه رجلًا، ويحضره إلى الحاكم، ويدعي عليه أن له دينًا على غريم وقد أؤتمن هذا على ما في يده أن يبيعه في ديني، وأسأل إلزامه بيع ذلك، وإلزامه قضاء ديني من ثمنه ويعترف الحاضر بما ادعاه من الدين وائتمانه على ما في يده، ليباع في دينه، فيأمر الحاكم ببيعه ولا يلزمه أن يسأله الحاكم مع يده واعترافه عن جملة الدين، وله ملك العين، فيضع البيع بإذنه، ويصل صاحب الدين إلى حقه من ثمنه، وقد حكي عن أبي علي بن أبي هريرة غير هذا، وأنه يتوصل إليه بأن يدعي الدين على المدفوع ذلك إليه، ويوافقه على إقراره، وأن ما بيده ملكه، حتى يأمره الحاكم ببيعه، وهذا كذب صراح والأول محال محتمل، وذكر صريح الكذب حرام وكذا التحليل الموضوع يتنزه عنه أهل الورع والتحرج فدعت الضرورة إلى استعمال الوجه الأول.
تم الكتاب

الجزء: 14 - الصفحة: 507

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل