كتاب النكاح
أباح الله تعالى النكاح نصًا صريحًا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وانعقد بها سالفًا إجماع الأمة وتأكد بها العترة, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1] , قوله: ﴿مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعنى آدم.
﴿وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا﴾ يعني حواء, لأنها خلقت من حي.
وقيل: لأنها من ضلع أيسر.
وقال الضحاك: خلقها من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع, ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل, وخلق الرجل من التراب فهمه في التراب".
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: 21] فيه تأويلان:
أحدهما: أنها حواء خلقها من ضلع آدم.
والثاني: أن خلق سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء ليستأنسوا إليها؛ لأنه جعل بين الزوجين من الآنسة ما لم يجعل من غيرهما.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] فيها تأويلان:
أحدهما: أنها المودة والمحبة والرحمة والشفقة قاله السدي.
والثاني: أن المودة الجماع والرحمة الولد, قاله الحسن البصري, وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54] يعني النطفة والبشر: الإنسان, والنسب: من تناسب بوالد وولد وكل شيء أضفته إلى شيء عرفته به فهو مناسبة وفي الظهر هاهنا تأويلان:
أحدهما: أنه الرضاع, قاله طاوس.
والثاني: أنه المناكح وهو قول الجمهور.
وأصل الظهر الاختلاط فسميت المناكح ظهرًا لاختلاط الناس بها.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] الآية,
الجزء: 9 - الصفحة: 3
والأيامى جمع أيم وهي التي لا زوج لها, ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة, وفي هذا الخطاب قولان:
أحدهما: أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا أيامًا هن من أكفائهم إذا دعون إليه.
والثاني: أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة.
وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] تأويلان:
أحدهما: أن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح.
والثاني: أن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين, وإما باجتماع الرزقين إليه.
روى عبد العزيز بن داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا الغنى في هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] , قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
وفي هذا الشرط أربع تأويلات:
أحدها: يعني إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى فهكذا خافوا أن لا تعدلوا في النساء, وهذا قول سعيد بن جبير.
والثاني: يعني إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهم من النساء, وهو قول عائشة رضي الله عنها.
والثالث: أنهم يتوقون أموال الأيتام ولا يتوقون الزنا, فقال: كما خفتم في أموال اليتامى فخافوا الزنا وانكحوا ما حل لكم من النساء, فهذا قول مجاهد.
والرابع: أن سبب نزولها أن قريشًا كانت في الجاهلية تكثر التزويج بغير عدد محصور فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ما بيده مد يده إلى ما عنده من الأموال للأيتام, فقرر الله تعالى بهذه الآية عدد المنكوحات حتى لا يتجاوز فيحتاج إلى التعدي في أموال الأيتام, وهذا قول عكرمة.
وفي قوله:
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قولان:
أحدهما: أنه عائد إلى النكاح وتقديره: فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا, يعني حلالاً, وهذا قول مجاهد.
والثاني: أنه عائد إلى النساء وتقديره: فانكحوا من النساء ما حل وهذا قول الفراء.
فهذا من كتاب الله تعالى ودال على إباحة النكاح.
أما السنة فروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وجاء".
الجزء: 9 - الصفحة: 4
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا أباهي بكم الأمم حتى بالسقط".
وروي عن النبي صلى الله أنه قال: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي ألا وهي النكاح".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال لعكاف بن وداعة الهلالي: أتزوجت؟ قال: لا قال: أمن إخوان الشياطين أنت, إن كنت من رهبان النصارى فألحق بهم, وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح".
وروي أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عزموا على جب أنفسهم والتخلي لعبادة ربهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادهم وقال: "لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا سياحة ولا تبتل في الإسلام".
أما الزمام والخزام فهو ما كان عليه بنو إسرائيل من زم الأنوف وخزم الترابي, وأما الرهبانية: فهو اجتناب النساء وترك اللحم.
وأما السياحة: فهو ترك الأمصار ولزوم الصحارى.
وأما التبتل: فهو الوحدة والانقطاع عن الناس, ولأن سائر الأمم عليه مجمعة والضرورة إليه داعية لما فيه من غض الطرف وتحصين الفرج وبقاء النسل وحفظ النسب.
وروي عن عائشة أنها قالت: كانت مناكح الجاهلية على أربعة أضرب: نكاح الرايات, ونكاح الرهط, ونكاح الاستنجاد, ونكاح الولادة.
فأما نكاح الرايات فهو أن العاهر في الجاهلية تنصب على بابها راية ليعلم المار بها عهرها فيزني بها فقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] تأويلين:
أحدهما: أن ظاهر الإثم أولات الرايات من الزاوني وباطنه ذوات الأخدان؛ لأنهن كثر يستحللنه سرًا, وهو قول السدي والضحاك.
والثاني: أن ظاهرة حظر من نكاح ذوات المحارم.
وباطنه الزنا وهو قول سعيد بن جبير.
وأما نكاح الرهط: فهو أن القبيلة أو القبائل كانوا يشتركون في إصابة المرأة, فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم به.
وأما نكاح الاستنجاد فهو أن المرأة كانت إذا أرادت ولدًا نجدًا تحسبًا, بذلت نفسها لنجيب كل قبيلة وسيدها, فلا تلد إلا تحسبًا بأيهم شاءت.
وأما نكاح الولادة: فهو النكاح الصحيح المقصود للتناسل الذي قال فيه رسول الله عليه وسلم: "ولدت من نكاح لا من سفاح" فإن الله تعالى لم يزل ينقل نبيه عليه السلام من
الجزء: 9 - الصفحة: 5
الأصلاب الذكية إلى الأرحام الطاهرة, وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾ [الشعراء: 219] قال: من نبي إلى نبي حتى جعلك نبيًا, وكان نور النبوة في أيامه ظاهرة, حتى حكي أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت الهرم قرأت الكتب, فمر بها عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنه بنت وهب, فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مثل الإبل فقال عبد الله:
أَما الحَرَامُ فَلمَمَاتُ دُونَه وَالحلِ لا حِل فَأَستَبِينَه
فَكَيفَ بِالأَمرِ الذِي تَبغِينَه يَحمِي الكَريمُ عَرضَهُ ودِينَهُ؟!
فلما تزوج آمنة وحملت منه برسول الله صلى الله عليه وسلم مر في عوده بفاطمة فقال: هل لك فيما قلت: قد كان مرة فاليوم لا.
فإذا سبعت فقال: زوجي أبي بآمنة بنت وهب الزهرية فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك وأنشأت تقول:
إني رأيت مخيلة نشأت فتلألأت بحناتم القطر
فلمحتها نور يضيء به ما حوله كإنارة الفجر
ورأيت سقياها حبا بلد وقعت به وعمارة القفر
ورأيته شرفا أبوه به ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت منك الذي استلبت وما تدري
فرع:
فأما اسم النكاح فهو حقيقة في العقد فجاز في الوطء عندنا.
وقال أبو حنيفة: هو حقيقة في الوطء فجاز في العقد وتأثير هذا الخلاف أن من جعل اسم النكاح حقيقة الوطء حرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح ومن جعله حقيقة في العقد لم يحرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح على ما سيأتي شرحه ودليله ولكن من الدليل على حقيقة في العقد أن كل موضع ذكر الله تعالى النكاح في كتابه فإنما أراد به العقد دون الوطء, ولأن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة كان النكاح بمثابة لاشتراكهما في المعنى ولأن استعمال النكاح في العقد أكثر وهو به أخص وأشهر وهو في أشعار العرب أظهر قال الشاعر:
بَنُو دارم أكفَاؤُهُم آل مَسمَعِ وَتُنكَحُ فِي أَكفَائِهَا الخَطَباتِ
الجزء: 9 - الصفحة: 6
باب ما جاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُ رَحِمَهُ اللهُ: "إِن اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَما خَص بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن وَحي وَأَبَانَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ بِمَا فَرَضَ عَلَيهِمِ مِن طَاعَتِهِ افتَرَضَ عَلَيهِ أَشيَاءَ خَففَهَا عَن خَلقِهِ لِيَزِيدَهُ بِهَا إِن شَاءَ اللهُ قُربَةً وَأَبَاحَ لَهُ أَشياءَ حَظَرَهَا عَلَى خَلقِهِ زِيَادَةً فِي كَرَامتِهِ وَتَبيِينًا لِفَضِيلَتِهِ".
قال في الحاوي: وهذا فصل نقله المزني مع بقية الباب من "أحكام القرآن" للشافعي فأنكر بعض المعترضين عليه إيراد ذلك في مختصره لسقوط التكليف عنا فيما خص به الرسول من تخفيف, ولوفاة زوجاته المخصوصات بالأحكام, فلم يكن فيه إلا التشاغل بما لا يلزم, فصوب أصحابنا ما أورده المزني وردوا على هذا المعترض بما ذكروه من فرض المزني من وجهين:
أحدهما: أنه قدم مناكح النبي صلى الله عليه وسلم تبركا بها والتبرك في المناكح مقصود كالتبرك فيها بالخطب.
والثاني: أن سبق العلم بأن الأمة لا تساوي صلى الله عليه وسلم في مناكحته وإن ساوته في غيرها من الأحكام, حتى لا يقدم أحد على ما حظر عليه ابتداء به.
فرع:
فأما قول الشافعي: إن الله تعالى لما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحي ففيه روايتان:
إحداهما: لما خص بكسر اللام وتخفيف الميم؛ ولأخرى لما خص: بفتح اللام وتشديد الميم, فمن روى بكسر اللام وتخفيف الميم حملها على معنى الشرط وجعل "ما" بمعنى الذي واللام قبلها للإضافة, فيكون تقديره أن الله تعالى لأجل الذي خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحيه, ومن روى بفتح اللام وتشديد الميم حملها على معنى الخبر وجعل "ما" بمعنى بعد فيكون تقديره: أن الله تعالى خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحيه.
وكلا الروايتين جائزة والأولى أظهر, وإن قيل: فكيف جعل الشافعي رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بالوحي وقد أوحى الله تعالى إلى غيره من الأنبياء قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163] فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه خص بالوحي من بين أهل عصره, حتى بعث رسولاً إلى جميعهم, فكان مخصوصًا بالوحي من بينهم.
والثاني: أنه خص بانتهاء الوحي وختم النبوة حتى لا ينزل بعده وحي لا يبعث بعده بني, فصار خاتمًا للنبوة مبعوثًا إلى الخلق كافة حتى بعث إلى الإنس والجن, وقال رسول
الجزء: 9 - الصفحة: 7
الله صلى الله عليه وسلم: "بعث إلى الأحمر والأسود" وفيه تأويلان:
أحدهما: إلى العرب والعجم.
والثاني: إلى الإنس والجن.
والثالث: أنه خص بالوحي الذي هو القرآن المعجز الذي يبقى إعجازه إلى آخر الدهر ويعجز عن معارضة أهل كل عصره, وليس فيما أوحي إلى ما قبله من الأنبياء إعجاز يبقى, فصار بهذا الوحي مخصوصًا.
فرع:
وأما قول الشافعي: "وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم طاعته" وطاعة أولي الأمر واجبة لوجوب طاعته, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] , وفي أولي الأمر ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم الأمراء وهو قول ابن عباس.
والثاني: هم العلماء وهو قول جابر.
والثالث: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد.
فأوجب طاعة أولي الأمر كما أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم, فأين موضع الإبانة بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته؛ وعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن طاعة أولي الأمر من طاعة الرسول لتباينهم عنه, وقيامهم مقاومة, فصار هو المخصوص بها دونهم.
والثاني: أن طاعة الرسول واجبة في أمور الدين والدنيا, وطاعة أولى الأمر مختصة بأمور الدنيا دون الدين, فتميز عنهم بوجوب الطاعة.
والثالث: أن طاعة الرسول باقية في أوامره ونواهيه إلى قيام الساعة وطاعة أولي الأمر مختصة بمدة حياتهم وبقاء نظرهم.
فكان هذا موضع الإبانة بينه وبينهم.
فرع:
وأما قول الشافعي: "افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة, وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته وتبينًا لفضيلته".
وهذا صحيح أن الله تعالى خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة وفرض الطاعة, حتى يميز بهما على جميع المخلوقات, وميزة عنهم في أحكام الدين من وجهين:
أحدهما: تغليظ.
والآخر: تخفيف.
الجزء: 9 - الصفحة: 8
فأما التغليظ: فهو أن فرض عليه أشياء خففها عن خلقه وذلك لأمرين:
أحدهما: لعلمه بأنه أقوم بها منهم وأصبر عليها منهم.
والثاني: ليجعل أجره بها أعظم من أجورهم وقربه بها أزيد من قربهم.
وأما التخفيف فهو أنه إباحة أشياء حظرها عليهم.
وذلك لأمرين:
أحدهما: لتظهر بها كرامته وتبين بها اختصاصه ومنزلته.
والثاني: لعلمه بأن ما خصه من الإباحة لا يلهيه عن طاعته وإن ألهاهم, ولا يعجزه عن القيام بحقه وإن أعجزهم, ليعلموا أنه على طاعة الله تعالى أقدر وبحقه أقوم.
فإن قيل: فقول الشافعي: "ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة إليه" كان على شك فيه حتى استثنى بمشيئة الله تعالى.
قيل: ليست شكًا وفيها لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنها تحقيق كقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102].
والوجه الثاني: أنها بمعنى إذا شاء الله وتكون بمعنى إذ, كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [الفتح: 27].
مسألة:
"فَمِن ذَلِكَ أَن كُل مَن مَلَكَ زَوجًة فَلَيسَ عَلَيهِ الصلاَةُ والسلاَمُ أَن يُخَيرَ نِساءَهُ فَاختَرنَهُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ذكر الشافعي ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحته دون غيره لأمرين:
أحدهما: أنه كتاب النكاح فأورد ما اختص بالنكاح.
والثاني: أنه منقول عنه من "أحكام القرآن" فأورد منه ما نص الله تعالى عليه في القرآن, فمن ذلك وهو ما خص به تغليظًا, أن الله تعالى أوجب عليه تخيير نسائه واسم يوجب ذلك على أحد من خلقه, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾] الأحزاب: 28 - 29 [فاختلف أهل العلم فيما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قولين:
أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخرة فيمسكهن, ولم يخيرهن الطلاق.
وهذا قول الحسن وقتادة.
والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق أو المقام.
وهذا قول عائشة ومجاهد.
وهو الأشبه
الجزء: 9 - الصفحة: 9
بقول الشافعي.
واختلف أهل العلم في سبب التخيير على خمسة أقاويل:
أحدها: أن نساءه تغايرن عليه فحلف أن لا يكلمهن شهرًا فأمر بتخييرهن, وهذا قول عائشة.
والثاني: أنهن اجتمعن يومًا وقلن: نريد ما تريد النساء من الثياب والحلي وطالبنه, وكان غير مستطيع, فأمر بتخييرهن, حكاه النقاش.
والثالث: أن الله تعالى أراد امتحان قلوبهن ليرتضي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساء خلقه فخيرهن.
والرابع: أن الله تعالى صان خلوة نبيه فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن.
وهذا قول مقاتل.
والخامس: أن الله تعالى خير نبيه بين الغني وبين الفقر, فنزل عليه جبريل وقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول: إن شئت يا محمد جعلت لك جبالاً ذهبًا, فقال: صف لي الدنيا, فقال: حلالها حساب, وحرامها عذاب, فاختار الفقر على الغني والآخرة على الدنيا, وقال: "لأن أجوع يومًا فأصبر, وأشبع يومًا فأشكر خيرًا من الدنيا وما فيها, اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرين في زمرة المساكين" فحينئذٍ أمره الله تعالى بتخيير نسائه, لما في طباع النساء من حب الدنيا, فلما نزل عليه التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة, وكانت أحب نسائه إليه وأحدثهن سنًا- فتلا عليها آية التخيير- حتى تستأمري أبويك لأنه خاف مع حبة لها أن تعجل لحداثة سنها فتختار الدنيا فقالت: أفيك يا رسول الله أستأمر أبوي.
قد أخذت الله ورسوله والدار الآخرة, وسألته أن يكتم عليها اختيارها عند أزواجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كان النبي أن يفعل" ثم دخل على أزواجه, فكان إذا دخل على واحدة منهن تلا عليها الآية تقول: ما اختارت عائشة؟ فيقول: اختارت الله ورسوله والدار الآخرة, حتى دخل على فاطمة بنت الضحاك الكلابية, وكانت من أزواجه, فلما تلا عليها الآية فقالت: قد أخذت الحياة الدنيا وزينتها فسرحها, فلما كان في زمن عمر وجد تلقط البعر وهي قول: اخترت الدنيا على الآخرة فلا دنيا ولا آخرة.
فإذا تقرر ما وصفنا من تخييرهن.
انتقل الكلام إلى الاختيار.
فإن قيل: عليه السلام خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخر: فيمسكهن لم يقع بهذا الاختيار طلاق حتى يطلقهن, وعليه أن يطلقهن إن أخذن الدنيا كما طلق فاطمة بنت الضحاك لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28] والسراح الجميل يحتمل ثلاث تأويلات:
أحدها: أنه الصريح من الطلاق دون الكناية لئلا يراعي فيه النية.
والثاني: أنه أقل من ثلاث لتمكن فيه الرجعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 10
والثالث: أن يوفي فيه الصداق ويدفع فيه المتعة, فإن طلق المختارة منهن أقل من ثلاث فهل يقع طلاقها بائنًا لا يملك فيه الرجعة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون كطلاق غيره من أمته رجعياً.
والوجه الثاني: أن يكون بائنًا لا رجعة فيه؟ لأن الله تعالى غلظ عليه في التخيير، فيغلظ عليه الطلاق، وفي تحريمهن بذلك على التأييد وجهان:
أحدهما: لا يحرمن على التأييد يكون سراحًا جميلًا.
والوجه الثاني: قد حرمن على الأبد؟ لأنهن أخذن الدنيا على الآخرة فلم يكن من أزواجه في الآخرة، فهذا حكمهن إذا قيل إنه تخيير النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان تخييرًا بين الدنيا والآخرة.
فأما إذا قيل وهو الأظهر من القولين: إنه خيرهن بين الطلاق أو المقام، فتخيير غيره من أمته يكون كناية يرجع فيه إلى نية الزوج في تخييرها، والى نية الزوجة في اختيارها.
وقال مالك: وهو صريح: فإن لم تختر نفها كان صريحًا في طلقة بائنة.
وقال أبو حنيفة: إن لم تختر نفسها وان اختارت نفسها كان صريحًا في طلقة بائنة لا يرجع فيه إلى نية أحد منهما.
وللكلام عليهما في موضع يأتي.
وأما تخيير النبي صلى الله عليه وسلم وجهان:
أحدهما: أنه كناية لتخيير غيره يرجع فيه إلى نيتهما.
والثاني: أنه صريح في الطلاق لا يراعى فيه النية لخروجه مخرج التغليظ على نيته، ثم هل يكون بائنًا يوجب تحريم الأبد أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
ثم تخيير غيره من أمته يراعى في اختيار الزوجة على الفور، فمتى تراخى اختيارها بطل، لأنه يبري مجرى الهبة في تعجيل قبولها على الفور، فأما تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لهن في هذه الحال ففيه وجهان:
أحدهما: يراعى فيه تعجيل الاختيار على الفور فإن تراخى بطل حكمه.
لما ذكرنا من اعتباره بقبول الهبة التي هو وغيره من أمته فيها سواء.
والوجه الثاني: أن اختيارهن على التراخي لما اختص به من النظر لأنفسهن بين الدنيا والآخرة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها حين خيرها: "استأ مري أبويك" فلولا أنه على التراخي لكان بالاستثمار يبطل الاختيار.
فرع
فأما أنه التخيير فغيها دلائل على خمسة أحكام:
أحدهما: أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته فلها خيار الفسخ.
والثاني: أن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت.
والثالث: جواز تعجيلها قبل الطلاق، وكذلك تعجيل حقوق الأموال قبل الوجوب.
الجزء: 9 - الصفحة: 11
والرابع: أن السراح صريح في الطلاق.
والخامس: أن المتعة غير مقدرة شرعًا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: - فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: (52)]
قال في الحاوي: وذلك أن الله تعالى لما أوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم تخيير نسائه فاخترنه، حظر الله تعالى عليه طلاقهن، وحظر عليه أن يتزوج عليهن استبدالا بهن، فخص بتحريم طلاقهن وتحريم التزويج عليهن تغليظًا عليه, ومكافأة لهن على صبرهن معه ما كان من ضيق وشدة.
فقال سبحانه وتعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ولا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ولَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ لا يحل لك النساء،.
ومن بعد نساءك اللاتي خيرتهن فأخذن الله ورسوله والدار الآخرة، وهن التسع اللاتي مات عنهن بعد العاشرة التي فارقها، فصار مقصورا عليهن وممنوعا من غيرهن وان أعجبه حسنهن.
وقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها، فجازاهن الله تعالى في الدنيا بتحريم طلاقهن والتزوج عليهن؟ لأنه أحب الأشياء إلى النساء إذا اخترن أزواجهن بعد أن جازاهن بالجنة في الآخرة لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 169] والمحسنات هن المختارات لرسوله صلى الله عليه وسلم, والأجر العظيم هو الجنة، وان الله تعالى أكرمهن في الدنيا وفضلهن على غيرهن من النساء بتسع خصال، نذكر تفصيلها من بعد مشروحًا إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَتْ عَائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَحَلَّ لَهُ النَّسَاءَ قَالَ كَأَنَّهَا تَعْنِي اللاَّتِي حَظَرَهُنَّ عَلَيْهِ"
قال في الحاوي: قد ذكرنا في حظر الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في طلاق نسائه بعد تخييرهم وتحريم نكاح النساء عليهن.
فأما تحريم طلاقهن فقد كان باقيًا عليه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وما كان من طلاقه لحفصة واسترجاعها وازعامه طلاق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، فإنما كان قبل التخيير، وأما تحريم النكاح فقد اختلف في ثبوت حكمه ونسخه، فزعم بعض أهل العراق: أن تحريم النكاح عليه كان ثابتا إلى أن قبضه الله تعالى إليه بدلالة أشياء:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52] وكان هذا على الأبد.
والثاني: أن الله تعالى جعله مقابلة على اختيارهن على طريق الجزاء فلم يجز أن
الجزء: 9 - الصفحة: 12
يتعقبه رجوع.
والثالث: أنه لما كان تحريم طلاقهن باقياً وجب أن يكون تحريم النكاح عليهن باقيا لأنهما جميعا جزاء.
وذهب الشافعي إلى تحريم النكاح عليهن نسخ حين اتسعت الفتوح فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى أحل له النساء وهذا قول عائشة وأبي بن كعب والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: 50].
والإحلال يفضي إلى عدم الحظر ولم يحظر على النبي صلى الله عليه وسلم النكاح قبل التخيير، فدل على أن الإحلال والإباحة بعد حظر التخيير.
فإن قيل: فهذا الإحلال إنما يوجه إلى نسائه اللاتي خيرهن وأخذنه وهذا قول مجاها قيل: لا يصح من وجهين:
أحدهما: أنهن قد كن حلاله قبل نزول هذه الآية بإحلالهن.
الثاني: أنه قال فيها: ﴿وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ﴾ [الأحزاب: 150] ولم يكن في نسائه المتخيرات أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته.
فإن قيل: فهذه الآية متقدمة على التلاوة على قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولا يجوز أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر؟ قيل: هي وان كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل، فجاز النسخ بها كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] ناسخ لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ﴾ [البقرة: 240] وهي متقدمة في التلاوة لكنها متأخرة في التنزيل.
فإن قيل: فهلا قدمت تلاوة ما تأخر تنزيله؟
قيل: لأن جبريل عليه السلام كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأية من القران أمره أن يضعها في موضع كذا.
فإن قيل: فلما أمره بتقديم تلاوة ما تأخر تنزيله؟ قيل: لسبق القارئ إلى معرفة حكمه، حتى إن لم يعرف حكم ما بعده من المنسوخ أجزأه، ويدل على نسخ الحظر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم اصطفي صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة ثمان فأعتقها وتزوجها، وذلك بعد التخيير, فقد قالت عائشة وأبي بن كعب: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبيح له النساء.
وهما بذلك أعرف، ولأن علة الحظر الضيق والشدة، فإذا زالت زال موجبها، وقد فتح الله تعالى على رسوله حتى وسع على نسائه وأجرى لكل واحدة منهن ثمانين صاعا من تمر وأربعين صاعا من شعير سوى الهدايا والألطاف.
وأما الاستدلال بالآية فقد ذكر وجه نسخها، وأما الجزاء وهو مشروط بحال الضيق والشدة, وأما الطلاق فالفرق بينه وبين التزويج عليهن أن في طلاقهن قطعا لعصمتهن ويخرجن به أن يكون في أزواجه في الآخرة وليس في التزويج عليهن قطع لعصمتهن فافترقا والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 13
فإذا ثبت نسخ الحظر مما ذكرنا فقد اختلف أصحابنا في الإباحة هل هي عامة في جميع النساء، أو مقصورة على المسميات في الآية، إذا هاجرن معه على وجهين:
أحدهما: أن الإباحة مقصورة على المسميات من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي معه، وهذا قول أبي بن كعب لرواية أبي صالح عن أم هانئ قالت: نزلت هذه الآية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فنهى عني لأني لم أهاجر.
والوجه الثاني: وهو أظهرهما أن الإباحة عامة في جميع النساء؟ لأنه تزوج بعدها صفية وليست من المسميات فيها، ولأن الإباحة رفعت ما تقدمها من الحظر، ولأنه في استباحة النساء أوسع حكما من جميع أمته فلم يجز أن يقصر عنهم.
مسألة:
قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (50)].
قال في الحاوي: وهذا مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح تخفيفا، أن ينكح بلفظ الهبة, لأن الشافعي بدأ بذكر ما خص به في النكاح تغليظا، وذلك في ثلاثة أشياء؟ وجوبا التخيير، وتحريم الطلاق، وتحريم الاستبدال بهن.
ثم عقبه بذكر ما خص به تخفيفا، فمن ذلك أن إباحة الله تعالى أن يملكه نكاح الحرة بلفظ الهبة من غير بدل يذكر مع العقد، ولا يجب من بعد فيكون مخصوصا به من ين أمته من وجهين:
أحدهما: أن يملك نكاح الحرة بلفظ الهبة ولا يجوز ذلك لغيره من أمته.
والثاني: أن يسقط عنه المهر ابتداء مع العقا وانتهاء فيما بعده وغيره من أمته يلزمه المهر فيما بعد.
وقال أبو حنيفة: إنما اختص بسقوط المهر وحده وهو وأمته سوا، في جواز العقا بلفظ الهبة.
وقال سعيد بن المسيب: إنما خص بسقوط المهر وليس له ولا لغيره من أمته أن يعقا بلفظ الهبة، ويه قال من الصحابة أنس بن مالك، وذهب إليه بعض أصحاب الشافعي، والدليل على تخصيصه بالأمرين وإن كان للكلام مع أبو حنيفة موضع يأتي.
وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (50)] والهبة تتميز بلفظها عقدا، وسقوط المهر فيها بدلا، وقد جعلها خالصة من دون المؤمنين، فلم يجز لأجد من أمته أن يشاركه في واحد من الحكمين.
وفي الآية قراءتان:
الجزء: 9 - الصفحة: 14
إحداهما: "إن وهبت" بالفتح وهو خبر عما مضى, والقراءة الأخرى بالكسر وهو شروط في المستقبل، فاختلف العلماء هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت له نفسها بحسب اختلافهم في هاتين القراءتين، فمن قرأ بالكسر وجعله شرطا في المستقبل قال: لم يكن عنده امرأة موهوبة, ويه قال مجاهد.
ومن قرأ بالفتح جعله خبرا عن ماض قال: قد كانت عنده امرأة وهبت له نفسها واختلفوا فيها على أربعة أقاويل:
أحدهما: أنها أم شريك بنت جابر بن خباب, وكانت امرأة صالحة وهذا قول
عروة بن الزبير.
والثاني: أنها خولة بنت حكيم.
وهذا قول عائشة.
والثالث: أنها ميمونة بنت الحارث.
وهذا قول ابن عباس.
والرابع: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار.
وهذا قول الشعبي.
وإذا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم من وهبت له نفسها أو شرط له في المستقبل أن تقبل من وهبت له نفسها خالصة من دون المؤمنين.
كان دليلا قاطعا على من خالف.
وروي عن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي منك، فقالت: ما لي في النساء من حاجة" فلو لم يكن له أن يقبلها لأنكر عليها هبتها.
فرع:
ومما خص به النبي صلى الله عليه وسلم في مناكحه تخفيفان أن ينكح أي عدد شاء.
وان لم يكن لغيره من أمته أن ينكح أكثر من أربع في عقد واحد لقوله تعالى: ﴿إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآية [الأحزاب: (50)]، وأحل له من الأزواج من أتاها أجرها من غير تقدير بعدد، ثم ذكر بنات عمه وعماته وخاله وخالاته من يزيد على الأربع.
فدل على اختصاص بالإباحة من غير عدد, وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إحدى عشر، ومات عن تسع، وكان يقم لثمان, ولأنه لما كان الحر لفضله على العبد يستبح من نكاح النساء أكثر مما يستبحه العبد, وجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما يستبيحه جميع الأمة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب, وجعل قرة عيني في الصلاة" فاختلف أهل العلم في معنى تحبيب النساء إليه على قولين:
أحدهما: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف, حتى لا يلهو بما حبب إليه من النساء
الجزء: 9 - الصفحة: 15
عما كلف به من أداء الرسالة، ولا يعجز عن تحمل أثقال النبوة فيكون ذلك أكثر لمشاقه وأعظم لأجره.
والقول الثاني: ليكون خلواته معهم يشاهدها من نسائه، فيزول عنه ما يوميه المشركون به من أنه ساحر أو شاعر، فيكون تحببهن إليه على وجه اللطف به.
وعلى القول الأول على وجه الابتلاء له، وعلى أي القولين كان فهو فضيلة، وان كان في غيره نقصا وهذا مما هو به مخصوص أيضا.
مسألة:
قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32] ﴿فَأَبَانَهُنَّ بِهِ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ﴾.
قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسول من الكرامات أن فضل نساءه على نساء العالمين، فقال تعالى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (32)]، وذلك لأربعة أشياء:
أحدهما: لما خصهن الله من خلوة رسوله ونزول الوحي بينهن.
والثاني: لاصطفائهم لرسوله أزواجا في الدنيا وأزواجا في الآخرة.
والثالث: لما ضاعفه لهن من ثواب الحسنات وعقاب السيئات.
والرابع: لما جعلهن للمؤمنين أمهات محرمات فمرن بذلك من أفضل النساء، وفيه قولان:
أحدهما: من أفضل نساء زمانهم.
والثاني: أفضل النساء كلهن.
وفي قوله: ﴿إِنِ اَتَّقَيتُنَّ﴾ تأويلان: محتملان:
أحدهما: معناه إن استدمتن التقوى فلستن كأحد من النساء.
والثاني: معناه لستن كأحد من النساء فكن أخصهن بالتقوى.
فعلى التأويل الأول يكون معناه معنى الشرط.
وعلى التأويل الثاني: معناه معنى الأمر، ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32] وفي خضوعهن بالقول خمسة تأويلات:
أحدها: فلا ترفعن بالقول وهو قول السدي.
والثاني: فلا ترخص بالقول، وهو قول ابن عباس.
والثالث: فلا تكلمن بالرفث، وهو قول الحسن.
والرابع: هو كلام الذي فيه ما يهوى المريب، وهو قول الكلبي.
والخامس: هو ما يدخل من قول النساء في قلوب الرجال، وهو قول ابن زيد.
وفي
الجزء: 9 - الصفحة: 16
قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ تأويلان:
أحدهما: أنه الفجور، وهو قول السدي.
والثاني: أنه النفاق، وهو قول قتادة.
وكان أكثر ما يصيب الحدود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقون.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: "وَخَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَاُم أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لما اختص الله تعالى رسوله بكرامته وفضله على جميع خلقه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] وقرأ عكرمة: وهو أبوهم.
وقرأ مجاهدا: وهو أب لهم.
وقيل: إنها قراءة أبي بن كعب، وفيه أربعة تأويلات:
أحدهما: أنه أولى بهم فيما يراه لهم منهم بأنفسهم، وهذا قول عكرمة.
والثاني: أنه أولى بهم فيما يأمرهم به من آبائهم وأمهاتهم.
والثالث: أنه أولى بهم في دفاعهم عنه ومنعهم منه من دفاعهم عن أنفسهم, حتى لو عطش ورأى مع عطشان ما كان أحق به منه.
ولو رأوا سوءًا يصل إليه لزمهم أن يقوه بأنفسهم كما وقاه طلحة بن عبيد الله بنفسه يوم أحد.
والرابع: أنه أولى بهم من قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مؤمن إلا أنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، أقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] فأيما مؤمن ترك مالآ فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه".
فكان هذا مما خص الله تعالى رسوله من الكرامات، وكان ما يفعله من قضاء الديون تفضلا منه لا واجبا عليه, لأنه لو كان واجبا لقام به الأئمة بعده، إلا أن يكون من لهم الغارمين فيكون واجبا في سهم الصدقات إن احتمله.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ, قَالَ: أُمَّهَاتُهُمْ فِي مَعْنًى وّذَلِكَ أّنَّهُ لاَ يَحِلُّ نِكَاحَهُنَّ بِحَالٍ وّلّمْ يُحْرَمْ نَبَاتٌ لَوْ كُنَّ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ زَوَّجَ بَنَاتِهِ وَهُنَّ
الجزء: 9 - الصفحة: 17
أَخَوَاتُ المُؤْمِنِينَ.
قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسوله من الكرامة وخص به أزواجه من الفضيلة، وأن جعلهن أمهات المؤمنين فقال عز وجل: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: (6)] يعني اللاتي مات عنهم وهن تسع، فيجري عليهم أحكام الأمهات في شيئين، متفق عليهما وثالث نختلف فيه، أحد الشيئين تعظيم حقهن والاعتراف بفضلهن، كما يلزم تعظيم حقوق الأمهات ولقوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (32)].
والثاني: تحريم نكاحهن حتى لا يحللن لأحد بعده من الخلق كما يحرم نكاح الأمهات لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] وسبب نزول هذه الآية ما حكاه السدي أن رجلا من قريش قال عند نزول أية الحجاب: أيحجبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بنات عمنا ويتزوج نسائنا من بعدنا، لثن حدث به حدث لتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية، ولأن حكم نكاحهن لا ينقضي بموته لكونهن أزواجه في الآخرة، فوجب أن يكون تحريمهن بعد موته كتحريمهن في حياته.
فأما الحكم الثالث: اختلف فيه فهو المحرم هل يصرن كالأمهات في المحرم حتى لا يحرم النظر إليهن على وجهين:
أحدهما: لا يحرم النظر إليهن لتحريمهن كالأمهات نسبا ورضاعا.
والوجه الثاني: يحرم النظر إليهن حفظا لحرمة رسوله فيهن.
وقد كانت عائشة إذا أرادت دخول رجل عليها أقرت أختها أسماء أن ترضعه حتى ليصير ابن أختها، فيصر محرما لها ولا يجري عليهن أحكام الأمهات في النفقة بالميراث، فلهذا قال الشافعي: "أمهاتهم في معنى دون معنى" وإذا كن أمهات المؤمنين ففي كونهن أمهات المؤمنين وجهان:
أحدهما: أنهن أمهات المؤمنين والمؤمنات تعظيما لحقهن على الرجال والنساء.
والوجه الثاني: أن حكم التحريم مختص بالرجال دون النساء فكن أمهات المؤمنين دون المؤمنات، وقد روى الشعبي عن مسروق عن عائشة، أن امرأة قالت لها: يا أمه فقالت: لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم.
واختلف أصحابنا في وجوب العدة عليهن بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن على وجهين:
أحدهما: ليس عليهن عدة, لأنهن حرمن كان كل زمانهن عدة.
والثاني: يجب عليهن تعبدا أن يعتدون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، لما في العدة من الإحداد ولزوم المنزل، ثم نفقاتهن تجب بعد وفاته في سهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة لبقاء تحريمهن، وقد أنفق عليهن أبو بكر رضي الله عنه وأجرى لهم عمر رضي الله عنه عطاءً فائضا، فهذا حكم من مات عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجاته.
الجزء: 9 - الصفحة: 18
فرع:
فأما اللاتي فارقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فليس لهن من حرمة التعظيم ما للمتوفي عنهن، وفي تحريمهن على الأمة ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل لقوله تعالى ﴿إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] وإرادة الدنيا منهن هي طلب الأزواج لهن, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة" وليس للمطلقات من أزواجه في الآخرة.
والثاني: أنهن يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن تعظيما لحرمة الرسول فيهن، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبيا" وليحفظ الله تعالى محبة رسوله في قلوب أمته, فإن العادة أن زوج المرأة يبغض من تقدمه من أزواجها، والتعرض لبعض الرسول كفر.
والثالث: وهو الأصح أنه إن لم يكن دخل بهن لم يحرمن، وإن كان دخل بهن حرمن صيانة لخلوة الرسول أن تبدوا، فإن من عادة المرأة إن تزوجت ثانيا بعد الأول أن تذم عنده الأول إن حمدته، وتحمد الأول إن ذمته, ولأنه كالإجماع من جهة الصحابة.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج في سنة عشر التي مات فيها في شهر ربيع الأول قتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي ولم يدخل بها, فأوصى في مرضه أن تخير إن شاءت أو يضرب عليها الحجاب، وتحرم على المؤمنين ويحرم عليها ما يجري على أمهات المؤمنين، وان شاءت أن تنكح من شاءت نكحت فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر فقال: هممت أن أحرمه عليكما، فقال عمر: ما هن من أمهات المؤمنين، ما دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها حجابا، فكف عنها أبو بكر.
وروي أن الأشعث بن قيس تزوج امرأة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وفارقها، فهم عمر برجمهما حتى بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها فكف عنهما، فصار ذلك كالإجماع.
فإن قلنا: إنها لا تحرم لم تجب نفقتها، وان قلنا: إنها محرمة ففي وجوب نفقتها في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس وجهان:
أحدهما: تجب كما تجب نفقات من مات عنهن لتحريمهن.
الثاني: لا تجب لأنها لم تجب قبل الوفاة فأولى أن لا تجب بعدها، ولأنها مبتوتة العصمة بالطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 19
فرع:
فأما من وطئها من إمائه فإن كانت باقية على ملكه إلى حين وفاته مثل مارية أم ابنه إبراهيم حرم نكاحها على المسلمين وان لم تصر كالزوجات أما للمؤمنين لنقصها بالرق وان كان قد باعها وملكها مشتريها بقي تحريمها عليه وعلى جميع المسلمين وجهان كالمطلقة.
فرع:
فأما ما نقله المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج بناته وهن أخوات المسلمين، وإنما أراد به الشافعي أنهم وان كن كالأمهات في تحريمهن فلسن كالأمهات في جميع أحكامهن، أن لو كان كذلك لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من بناته منهن؟ لأنهن أخوات المؤمنين، وقد زوج وسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا من بناته فزوج قبل النبوة: زينب بأبي العاص بن الربيع، وزوج قبل النبوة رقية بعتبة بن أبي لهب وطلقها بعد النبوة فزوجها بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه بمكة فولدت له عبد الله, وبلغ ست سنين ثم مات هو وأمه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ثم زوجه بعدها بأم كلثوم فماتت عناه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "لو كان لنا ثالثة لزوجناك" وزوج عليا رضي الله عنه فاطمة بعد الهجرة، فلما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكرنا من بناته علم اختصاص نسائه من حكم الأمهات بالتعظيم والتحريم, إلا أن المزني نقل عن الشافعي ما زوج بناته وهن أخوات المؤمنين فذهب أكثرها أصحابنا إلى غلط منه في النقل، وأن الشافعي قال في "أحكام القرآن" من الأم: "قد زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين" فغلط في النقل.
وذهب بعض أصحابنا إلى صحة نقل المزني وأنه على معنى النقل والتقرير، ويكون تقديره قد زوج نباته أو يزوجهن وهن أخوات المؤمنين.
فرع:
ومما خص الله تعالى به نماء رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهن وإكراما لرسوله أن ضاعف عليهن عقاب السيئات، وضاعف عليهن ثواب الحسنات، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: (30)].
وفي الفاحشة المبينة هاهنا تأويلان:
أحدهما: الزنا وهو قول السدي.
والثاني: النشوز وسوء الخلق وهو تول ابن عباس.
وني مضاعف العذاب لهما معفين قولان لأهل العلم:
أحدهما: أنه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وهو (قول) قتادة.
الجزء: 9 - الصفحة: 20
والثاني: أنه عذابان في الدنيا لعظم جرمهن بأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مقاتلا: حدان في الدنيا غير السرقة.
وقال سعيد بن جبير: فجهل عذابهن ضعفين وعلى من قذفهن الحد ضعفين، ولم أر للشافعي نصا في أحد القولين غير أن الأشبه بظاهر كلامه إنما هو حدان في الدنيا.
فإن قيل: في أمر مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن.
قيل: لأنه لما كان حد العبد نصف حد الحر لنقصه عن كمال الحر وجب أن يكون مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن على غيرهن، ثم قال تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: (31)] أي يطيع الله ورسوله والقنوت الطاعة ثم قال: ﴿وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: (31)] فضوعف لهن الأجر مرتين كما ضوعف عليهن العذاب ضعفين، فصار كلا الأمرين تفصيلا لهن وزيادة من كرامتهن, وفي ﴿أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ قولان لأهل العلم:
أحدهما: أن كلا الأجرين في الآخرة.
والثاني: أن أحدهما في الدنيا والثاني في الآخرة.
ويحتمل قوله: ﴿وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ تأويلين:
أحدهما: حلالا فقد كان رزقهن من أجل الأرزاق.
والثاني: واسعا فقد صار رزقهن بعد وفاته وفي أيام عمر من أوسع الأرزاق.
فرع:
وصار ما خص الله تعالى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه، مما جاء فيه نص واتصل به نقل عشر خصال، تنقسم ثلاثة أقسام منها ثلاثة خصال تغليظ، وثلاث خصار تخفيف وأربع خصال كرامة.
فأما الثلاث التغليظ فإحداهن: ما أوجبه عليه من تخيير نسائه.
والثانية: ما حظر عليه من طلاقهن.
والثالثة: ما منعه من الاستبدال بهن.
وأما الثلاث التخفيف: فإحداهن: ما أباحه له من النكاح من غير تقدير محصور.
والثانية: أن يملك النكاح بلفظ الهبة من غير بدل.
والثالثة: أنه إذا أعتق أمة على أن يتزوجها كان عتقها نكاحا عليها وصداقا لها, لأنه أعنق صفية بنت حيي على هذا الشرط فصارت بالعتق زوجة وصار العتق لها صداقا.
فأما الأربع الكرامة:
فإحداهن: أنه فضل نسائه على نساء العالمين.
والثانية: أنه جعلهن أمهات المؤمنين.
والثالثة: حرمهن على جميع المسلمين.
والرابعة: ما ضاعف من ثوابهن وعقابهن.
فرع
وإذا قد مضى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به في مناكحه نصا.
فقد اختلف
الجزء: 9 - الصفحة: 21
أصحابنا في جواز الاجتهاد فيما يجوز أن يكون مخصوما به في مناكحة من طريق الاجتهاد والنص، فكان أبو علي بن خيران يمتنع من جواز الاجتهاد لنقصه، وكذلك في الإمامة, لأن الاجتهاد وإنما يجوز عند الضرورة في النوازل الحادثة.
وذهب سائر أصحابنا إلى جواز الاجتهاد في ذلك ليتوصل به إلى معرفة الأحكام، وان لم تدع إليها ضرورة، كما اجتهدوا فيما لم يحدث من النوازل فاجتهدوا في سبع مسائل أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف فيها.
فأحدها: أن اختلفوا هل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكح بغير ولي ولا شهود؟ على وجهين:
أحدهما: لم يكن له ذلك.
وهو وغيره سواء في أن ينكح إلا بولي وشاهدين لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح" فلم يجز أن يتوجه ذلك إلى مناكحه.
الثاني: أن يجوز له أن ينكح بغير ولي ولا شاهدين لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وأَزْوَاجُهُ﴾ [الأحزاب: 6] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة فقال: ما لي ولي حاضر فقال: ما يكرهني من أوليائك حاضر ولا غائب، ثم قال لابنها عمر وكان غير بالغ: قم زوج أمك.
وقد أنكر أحمد بن حنبل على من قال غير بالغ وهو قول الأكثرين، ولأن الولي إنما يراد لالتماس الأكفاء والرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الأكفاء.
والشهود إنما يرادون حذر التناكر وهذا غير موهوم في الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون منه أو له فلذلك لم يفتقر نكاحه إلى ولي ولا شهود.
فرع
والمسألة الثانية: أن اختلفوا هل له نكاح الكتابية أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لم يكن له ذلك لقوله تعالى: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].
وقال صلى الله عليه وسلم: "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة ".
وهذان الأمران منتفيان عن غير المسلمات, ولأن الله تعالى شرط فيما أباحه لرسوله من بنات عمه وعماته الهجرة، فقال: ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: 50] فلما حظر عليه من المسلمات من لم تهاجر فكيف يستبيح من لم تسلم ولم تهاجر؟.
والثاني: يحل له نكاح الكتابية، لأن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح أوسع من حكم أمته فلم يجز أن يحرم عليه ما يحل لأمته؟ ولأنه صلى الله عليه وسلم استمتع بأمته ريحانة بنت عمرو بملك يمينه، وكانت يهودية من سبي بني قريظة، وعرض عليها الإسلام فأبت، ثم أسلمت من بعد، فلما بشر بإسلامها سر به.
والكفر في الأمة أغلظ منه في الحرة؟ لأن نكاح الأمة الكتابية حرام، ونكاح الحرة الكتابية مباح، فلما لم تحرم عليه الأمة الكتابية فأولى أن لا تحرم عليه الحرة الكتابية، فعلى هذا إذا نكح الكتابية فهل عليه تخييرها أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 22
أحدهما: عليه تخييرها، فإن أسلمت ثبت نكاحها، وان أقامت على دينها فارقها ليصح أن تكون من أزواجه في الآخرة.
والثاني: ليس ذلك عليه؟ لأنه ما خير ريحانة وقد عرض عليها الإسلام فأبت وأقام على الاستمتاع بها.
فأما الأمة فلم يختلف أصحابنا أنه لم يكن له أن يتزوجها وان جاز أن يستمتع بها لملك يمينه, لأن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت وهذا غير مجوز عليه.
فرع:
والمسألة الثالثة: أن اختلفوا هل كان له أن ينكح في إحرامه؟ فذهب أبو الطيب بن سلمة إلى جوازه له خصوصا لروايته أنه تزوج ميمونة محرما، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه ممنوع من النكاح في الإحرام كغيره من أمته, لأنه وإياهم في محظورات الإحرام سواء، وما نكح ميمونة إلا حلالا.
والمسألة الرابعة: أن اختلفوا في التي خطبها هل يلزمها إجابته؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمها إجابته لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 2 (4)].
الثاني: لا يلزمها إجابته كما لا يلزمها إجابة غيره, لأن عقود المناكح لا تصح إلا عن مراضاة.
والمسألة الخامسة: أن اختلفوا فيمن لم يمم لها في عقد نكاحها مهرا، هل يلزمه
لها مهر المثل؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه كما يلزم غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها".
الثاني: لا يلزمه لأن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله تعالى.
والمسألة السادسة: أن اختلفوا فيما يملكه من الطلاق هل هو محصور بعدد أم مرسل بغير أمر؟ على وجهين:
أحدهما: مرسل بغير أما ولا محصور بعدد، ومهما طلق كان له بعد الطلاق أن يراجع؟ لأنه لم ينحصر عاد نسائه لم ينحصر طلاقهن.
الثاني: أنه محصور بالثلاث وان لم ينحصر عدد المنكوحات, لأنه المأخوذ عليه من أسباب التحريم أغلظ، فعلى هذا إذا استكمل طلاق واحدة منهن ثلاثا هل تحل له بعد زوج أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: تحل لما خص به من تحريم نسائه على غيره.
والثاني: لا تحل له أبدا لما عليه من التغليظ في أسباب التحريم.
الجزء: 9 - الصفحة: 23
والمسألة السابعة: أن اختلفوا في وجوب القسم عليه بين أزواجه على وجهين:
أحدهما: كان واجبا عليه, لأنه كان يقسم بينهن، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما لا املك".
يعني: قلبه وطيفه على نسائه محمولا في مرضه حتى حللنه في المقام عند عائشة ..
وهم بطلاق سودة، فقالت: قد أحببت أن أحشر في جمل نسائك، وقد وهبت يومي منك لعائشة، فكف عن طلاقها.
وكان يقسم لنسائه يوما يوما ولعائشة يومين، يومها ويوم سودة.
وقيل: في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وهو قول السدي.
الثاني: آن القسم بينهن لم يكن واجبا، وإنما كان يتطوع به وهو قول آبي سعيد الاصطخري وطائفة لها في وجوبه عليه من التشاغل عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:51] وفيه تأويلان:
أحدهما: معناه تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتها وتأتي من تشاء من أزواجك فلا تعزلها، هذا قول مجاهد.
والثاني: معناه تق خر من شتت من أزواجك, وهذا قول قتادة.
﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:51] أي من ابتغيت فآويته إليك ممن غزلت آن تؤويه إليك ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: فلا جناح عليك فيمن ابتغيت وفيمن عزلت وهو قول يحيى بن سلام.
والثاني: فلا جناح عليك فيمن عزلت آن تؤويه إليك، وهو قول مجاهد: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:51] فيه تأويلان:
أحدهما: إذا علمن آن له ودهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرت أعينهن فلم يحزن.
وهذا قول مجاهد.
والثاني: إذا علمن آن هذا من حكم الله تعالى فيهن قرت أعينهن ولم يحزن وهذا قول قتادة، فاختلفوا هل أرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أحدًا من نسائه أم لا؟ فالذي عليه الأكثرون أنه لم يرج منهن أحدا وأنه مات عن تسع فكان يقسم منهن لثمان؟ لآن سودة وهبت يومها لعائشة، روي عن منصور عن ابن وزين قال: بلغ بعض نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يخلي سبيلهن فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا، وأنت في حل فيما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى نوة، فكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وآم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقم بينهن في نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة
الجزء: 9 - الصفحة: 24
وزينب وحفصة فكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، والله أعلم.
فرع:
وإذا قد مضى ما قد خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه نصًا واجتهادا وما خص به أزواجه تفصيلا وحكما، فلا بد من ذكر أزواجه ليعلم من يميز من نساء الأمة بهذه الأحكام المخصوصة وهن ثلاث وعشرون امرأة منهن ست متن قبله وتسع مات قبلهن وثمان فارقهن.
فأما الست اللاتي متن قبله فإحداهن خديجة بنت خويلد، وهي أول امرأة تزوجها قبل النبوة عند مرجعه من الشام، وهي أم بنين وبناته إلا إبراهيم فإنه من ماريه القبطية، كان المقوقس أهداها إليه ولم يتزوج على خديجة أحدا حتى ماتت.
والثانية: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ودخل بها وأقامت عنده شهورا ثم
ماتت وكان أخت ميمونة من أمها.
والثالثة: سند بنت الصلت ماتت قبل أن تصل إليه.
والرابعة: شراق أخت دحية الكلبي ماتت قبل أن تصل إليه.
والخامسة: خولة بنت الهذيل ماتت قبل أن تصل إليه.
والسادسة: خولة بنت حكيم السلمية ماتت قبل دخوله بها، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء ست متن قبله دخل منهن باثنين ولم يدخل بأربع.
وأما التسع اللاتي مات عنهن فإحداهن عائشة بنت أبي بكر، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة ولم يتزوج بكرا غيرها, عقد عليها بمكة وهي ابنة سبع ودخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة.
والثانية: سودة بنت زمعة تزوجها بعد عائشة، وكانت أم خمسة صبية فلما عرف أخوها عبد الله بن زمعة أنها تزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لسفيه لما حثوت التراب على رأسي حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أختي.
والثالثة: حفصة بنت عمر تزوجها بعد سودة، وكان عثمان قد خطبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على من هو خير لها من عثمان وأدل عثمان على من هو خير له منها" فتزوجها وزوج بنته أم كلثوم بعثمان.
والرابعة: أم حبيبة بنت أبي سفيان وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ [الممتحنة: (7)] ولما تنازع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضانة ابنه إبراهيم قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة فإنها أقربهن منه رحما".
والخامسة: أم سلمة بنت أبي أمية.
والسادسة: زينب بنت جحش نزل عنها زيد بن حارثة فتزوجها وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها أميمة بنت عبد المطلب.
الجزء: 9 - الصفحة: 25
والسابعة: ميمونة بنت الحارث وكان بالمدينة فوكل أم رافع في تزويجه بها وبقي بمكة ودخل بها عام الفتح بسرف.
وقضة الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف.
والثامنة: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة ثم أعتقها وتزوجها.
وقال الشعبي: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك وسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي أحد من المسلمين عبدا من قومها إلا أعتقه لمكانتها.
فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
والتاسعة: صفية بنت حيي بن أخطب اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي النضير ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهودية شاة مسمومة فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء تسع مات عنهن، وكان يقسم لثمان منهن.
وأما الثمان اللاتي فارقهن في حياته:
فإحداهن: أسماء بنت النعمان الكندية، دخل عليها فقال لها: تعالى.
فقالت: أنا من قوم نؤتى ولا نأتي، فقام إليها فأخذ بيدها فقالت: ملكة تحت سوقة، فغضب وقال: لو رضيك الله لي لأمسكتك وطلقها.
والثانية: ليلى بنت الحطيم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غافل فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟ أكلة الأسود" فقالت: أنا ليلى قد جثتك أعرض نفسي عليك.
فقال: "قد قبلتك" ثم علمت كثرة ضرائرها فاستقالته فأقلها، فدخلت حائطا بالمدينة فأكلها الذئب.
والثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية دخل بها ثم رآها تتطلع فطلقها.
والرابعة: العالية بنت ظبيان، دخل بها ومكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
والخامسة: فاطمة بنت الضحاك الكلابية لما خير الرسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه اختارت فراقه ففارقها بعد دخوله بها.
والسادسة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيرها في مرضه، فاختارت فراقه ففارقها قبل الدخول.
والسابعة: مليكة بنت كعب الليثية كانت مذكورة بالجمال فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحين أن تتزوجين قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه فإنه يعيذك، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض عنها وقال: "قد أعاذك الله مني" وطلقها.
والثامنة: امرأة من عفان تزوجها ورأى بكشحها وضحا فقال: "ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك" فهؤلاء ثمان فارقهن في حياته دخل منهن بثلاث، والله اعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 26
فرع:
وإذ قد مضى ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناكحه فالكلام فيما خص به رسول
الله صلى الله عليه وسلم في غير مناكحه، وهو منقسم خمسة أقسام:
أحدها: ما خص به من فرض.
والثاني: ما خص به من حظر.
والثالث: ما خص به من إباحة.
والرابع: ما خص به من معونة.
والخامس: ما خص به من كرامة.
فأما ما خص به من فرض فثماني خصال: منها قوله: "فرض علي الوتر ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرض علي السواك ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرضت علي الأضحية ولم تفرض عليكم"، ومنها: أن فرضه في الصلاة كامل لا خلل فيه", ما اختلف أصحابنا فيه من قيام الليل هل كان مخصوصا به؟ على وجهين:
ومنها: أنه إذا لبس لامة سلاحه فليس له الرجوع قبل لقاء عدوه.
ومنها: أنه كان إذا بارز في الحرب رجلا لم ينكف عنه حتى يقتله.
ومنها: أنه لا يفر من الزحف ويقف بارزا عدوه وان كثروا.
فرع:
فأما ما خص به من حظر فخمسة خصال: منها:
قول الشعر وروايته لقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69].
ومنها الكتابة والقراءة لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48] ومنها: أن ليس له خائنة الأعين ولأنه أمر عام الفتح بقتل ستة وان تعلقوا بأستار الكعبة أتاه عثمان بأحدهم وكان قريبه ليأخذ له أمانا منه فأعرض عنه ثم عاوده فأمنه.
فلما ولي قال لمن حضر من أصحابه: هلا قتلتموه فقال: هلا أومأت إلينا بعينيك، فقال: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين.
ومنها منعه من الصدقات.
ومنها: منعه من أكل ما تؤذي رائحته من البقول لهبوط الوحي عليه.
فرع:
فأما ما خص به من إباحة فأربع خصال:
منها: الوصال بين اليومين بالإمساك لأنه لما نهى عن الوصال وواصل قال: "إني لست مثلكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني".
الجزء: 9 - الصفحة: 27
ومنها: الصفي يصطفي من المغانم ما شاء.
ومنها: أنه يحيي نفسه بمال غيره ونفسه وان كان على مثل ضرورته.
ومنها: أنه خص بحمى الموات في أحد القولين.
فرع:
فأما ما خص به من معونة فسبع خصال:
منها: ما جعله الله تعالى من خمس الخمس من الفيء والغنائم.
ومنها: ما ملكه الله تعالى إياه من أربعة أخماس الفيء.
ومنها: أن لا يقره الله تعالى على خطأ.
ومنها: ما أمده به من ملائكة.
ومنها: ما تكفل به من عصمته في قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: (67)].
ومنها: ما وعده به من نصرته.
ومنها: ما ألقاه في قلوب المشركين من رهبته حتى قال: "نصرت بالرعب"
فرع:
فأما ما خص به من كرامة فعشر خصال:
منها: أن بعثه إلى كافة الخلق.
ومنها: أن جعله خاتم الأنبياء.
ومنها: أن جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ومنها: أن جعل أمته خير الأمم.
ومنها: أن تنام عيناه ولا ينام قلبه.
ومنها: أن يرى من ورائه كما يرى من أمامه.
ومنها: أن يبلغ السلام بعد الموت.
ومنها: أنه من تنشق عنه الأرض.
ومنها: أنه أول من يدخل الجنة.
ومنها: أنه يشهد لجميع النبيين بالأداء يوم القيامة.
الترغيب في النكاح وغيره
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمُه اللهُ: "وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ المرأة أَنْ يَتَزَوَّجَا إِذَا تَاقَتْ أَنْفُسهُمَا إلَيْهِ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ ورَضَيِهُ وَنَدَبَ إِلَيْهِ وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تَنَاكَحُوا تَكْثُروا
الجزء: 9 - الصفحة: 28
فَإِنَّي أُبَاهِي بِكُمْ الأُمَمَ حَتَّى بالسَّقَطِ" وَأَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِى فَلْيَسْتَنَّ بسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِى النَّكَاحُ" وَيُقَالُ: إنَّ الرَّجُلَّ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح مباح وليس بواجب.
وقال داود: النكاح واجب استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: (3)] وهذا أمر وبقوله عليه السلام: "تناكحوا تكثروا" قال: ولأنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما:
أحدهما: قول عمر لأبي الزوائد لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
والثاني: قول معاذ في مرضه: زوجوني لا ألقى الله عزبا ولأن في النكاح تحصين النفس مثل ما في الغذاء.
فلما لزم تحصينها بالغذاء لزم تحصينها بالنكاح؟ ولأنه لما لزمه إعفاف أبيه كان إعفاف نفسه أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] ومنه دليلان:
أحدهما: أنه علق بطيب النفس.
ولو كان لازما واجبا للزم بكل حال.
والثاني: قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] فخيره بين النكاح وملك اليمين والتخيير بين أمرين يقتضي تساوي حكمهما.
فلما كان ملك اليمين ليس بواجب النكاح بمثابته وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ وأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: 25] فأباح نكاح الأمة لمن خشي الزنا.
وجعل الصبر خيرا له ولو كان واجبا لكان الصبر شرا له.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ" قيل: ومن الخفيف الحاذ قال: "الذي لا أهل له ولا ولد" وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصبر على النساء خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من الصبر على النار".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مسكين مسكين رجل لا امرأة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها" فأخرج ذلك مخرج الرحمة وتارك الواجب لا يرحم.
ولأنه لما لم يجب مقصود النكاح وهو الوطء، كان النكاح بأن لا يجب أولى، ولأنه ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وأدارك لذة وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات؟ ولأنه لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح لوجب قطعها عنا العجز عنه بما قام مقمامه من دواء وعلاج؟ ولأن ما دعت إليه الشهوات خارج من جملة الواجبات؟ لأن من صفات الواجبات تكلف المشاق فيها وتحمل الأثقال لها، فأما الآية فقد جعلناها دليلا.
وأما الخبر فهو أمر بالنكاح للمكاثرة بالأولاد, ولأنه قال: "تناكحوا تكثروا فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 29
أباهي بكم الأمم حتى السقط".
وليست المكاثرة واجبة وكذلك ما جعل طريقا إليها.
أما قوله: إن فيه تحصين النفس فإنما يجب من تحصين النفس ما خيف منه التلف وليس في ترك النكاح خوف التلف.
وأما قوله لما لزمه إعفاف أبيه لزمه إعفاف نفسه.
فقد كان أبو علي بن خيران يقول: إنه إعفاف أمته لا يجب عليه كما لا يجب عليه إعفاف أبيه وظاهر المذهب وجوبه ولا يجب عليه في نفسه كما يلزمه في حق أبيه القيام بكفايته من القوت والكسوة ولا يلزمه ذلك في حق نفسه، فكذلك النكاح.
فأما قول عمر لأبي الزوائد: "ما منعك من النكاح إلا عجز أو فجور" فهو على طريقة الترغيب د ون الوجوب ولو كان واجبا لزمه وأما قول معاذ: زوجوني لا ألقى الله عزباً فقد قيل: إنه كان ذا أولاد ويجوز أن يكون اختار ذلك ندباً.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَحَبًّ إلَىَّ أَنْ يَتَخَلَّى لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: 60] وَذَكَرَ عَبْداً أَكْرَمهُ فَقَالَ: "سَيَّداً وَحَصُراً" وَالحَصُورُ الَّذِي لَا يَاتِي النَّسَاءَ وَلَمْ يَنْدُبْهُمَّ إِلَى النَّكَاحِ فَدَلَّ أَنَّ المَنْدُبَ إلَيْه مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجملته أنه لا يخلو حال الإنسان من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون تائق النفس إلى النكاح شديد الشهوة له تنازعه نفسه إليه وان لم يحدثها به، فهذا مناوب إلى النكاح ومأمور به, ونكاحه أفضل من تركه، لئلا تدعوه شدة الشهوة إلى مواقعة الفجور، وفي مثله وردت أخبار الندب.
والثاني: أن يكون مصروف الشهوة عن غير تائق إليه.
ومتى حدث نفسه به لم ترده فالأفضل لمثل هذا أن لا يتعرض له وتركه أفضل له من فعله.
لئلا يدعوه الدخول فيه إلى العجز عما يلزمه من حقوق وفي مثله وردت أخبار الكراهة.
وقد أثنى الله تعالى على يحيى بن زكريا في ترك النساء فقال: ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ [آل عمران: (39)] وفيه تأويلان:
أحدهما: أن السيد: الخليفة، والحصور: الذي لا يأتي النسا،، وهذا قول قتادة.
والثاني: أن السيد: الفقيه: والحصور الذي لا يقدر محلى إتيان النسا،، وهذا قول سعيد بن المسيب.
وذكر الله تعالى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: (60)].
والقواعد: هن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل فلا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال.
والثالث: أن يكون معتدل الشهوة إن صبرت نفسه عنه صبر، وان حاثها به فسدت
الجزء: 9 - الصفحة: 30
فلا يخلو حاله من أحد الأمرين:
إما أن يكون مشتغلًا بالطاعة أو مشتغلًا بالدنيا، فإن كان مشتغلًا بطاعة من عباده أو علم فتركه للنكاح تشاغلًا بالطاعة أفضل له وأولى به، وإن كان متشاغلًا بالدنيا فالنكاح أولى من تركه لأمرين:
أحدهما: للتشاغل به عن الحرص في الدنيا.
والثاني: لطلب الولد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبع يجري على العبد أجرهن بعد موته من كري نهرًا، أو حفر بئرًا أو وقف وقفًا، أو ورق مصفحًا، أو بني مسجدًا" أو علم علمًا، أو خلف ولدًا صالحًا يدعو له، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا حَاسِرَةً وَيَنْظُرُ إِلى وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَهِيَ مُتَغَطِّيَةٌ بِإِذْنِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنِهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قَالَ: "الوَجْهُ وَالكَفَّانِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة في كتاب الصلاة لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].
قال الشافعي: الوجه والكفان وهو قول الحسن وسعد بن جبير وعطاء، وقال ابن عباس والمسور بن مخرمة: هو الكحل.
والخاتم عبارة عن الوجه بالكحل وعن اليدين بالخاتم فإذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لا غير.
وقال أبو حنيفة: ينظر إلى الوجه والكفين إلى ربع الساق.
وقال داود: ينظر منها إلى ما ينظر من الأمة إذا أراد شرائها.
ورواء الأشهب عن مالك، وروى عن الأشهب مثل قولنا.
وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها.
فأما أبو حنيفة فإنه اعتبر القدمين بالكفين؛ لأنه أحد الطرفين فلم يجعلها عورة.
والكلام معه في حدّ العورة قد مضى، وأما داود: فاستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليولج بصره فيها فإنما هو مسر".
وأما المغربي فإنه استدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا علي لا تتبع النظرة
الجزء: 9 - الصفحة: 31
النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك".
ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] يعني الساقين.
ودليلنا على داود قوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين.
ويدل عليها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أسماء دخلت على عائشة وعليها ثوب رقيق فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أما علمت أن المرأة إذا حاضت حرم كل شيء منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه.
ودليلنا على المغربي رواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإن في أعين الأنصار شيئًا أو قال: سواء".
وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قذف الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فليتأمل خلقتها".
وروى أبو بكر محمد بن عمر بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها".
وروى بكر بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وفي يؤدم قولان:
أحدهما: وهو قول أصحاب الحديث: أنه يعني يدوم فقدم الواو على الدال كما قال في ثمر الأراكة: "كلوا منه الأسود فإنه أطيب".
بمعنى أطيب فيكون مأخوذًا من الدوام.
والقول الثاني: وهو قول أهل اللغة أنه المحابة وأن لا يتنافروا مأخوذًا من إذام الطعام؛ لأنه يطيب به فيكون مأخوذًا من إدام لا من الدوام.
ثم من حر الدليل على جواز أن ينظر المعقود عليه أبلغ من صحة العقد من فقده فاقتصر على نظر الوجه والكفين لخروجهما عن حكم العروة، وأن في الوجه ما يستدل به على الجمال.
وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعمته فأغناه ذلك عن النظر إلى غيره.
فصل:
فإذا ثبت ذلك جاز نظره بإذنها وبغير إذنها.
وقال مالك: لا يجوز أن ينظر إلا بإذنها، ودليله رواية جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى
الجزء: 9 - الصفحة: 32
رأيت ما دعاني إلى نكاحها؛ ولأنه إن كان النظر مباحًا لم يفتقر إلى إذن، وإن كان محظورًا لا يستبح بالإذن.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا لم يخل نظر الرجل الأجنبي إلى المرأة الأجنبية من احد الأمرين: إما أن يكون لسبب أو لغير سبب، فإن كان من غير سبب منع لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30] ومنعت من النظر إليه لقوله تعالى: ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]؛ وأن نظر كل واحد منهما إلى صاحبه داعية إلى الافتنان به، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق وجه الفضل بن العباس وكان رديفه بمنى إلى الخثعمية وكانت ذات جمال، وقال: "شاب وشابة وأخاف أن يدخل الشيطان بينهما".
فإن نظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه كان حرامًا، وإن نظر إلى عورة غيره كان مكروهًا، فإن كان النظر لسبب فضربان:
محظور ومباح؛ فالمحظور: كالنظر بمعصية وفجور فهو أغلظ تحريمًا وأشد مأثمًا من النظر بغير سبب، والمباح: على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون لضرورة كالطبيب يعالج موضعًا من جسد المرأة فيجوز أن ينظر إلى ما دعت الحجة إلى علاجه من عورة ويرها.
إذا أمن الافتتان بها، ولا يتعدى بنظره إلى ما لا يحتاج إلى علاجه.
والثاني: أن يكون لتحمل شهادة أو حدوث معاملة فيجوز أن يعمد للنظر إلى وجهها دون كفيها لأته إن كان شاهدًا فليعرفها في تحمل الشهادة عنها وفي أدائها عليها وإن كان مبايعًا فليعرف من يعاقده.
والثالث: أن يريد خطبتها فهو الذي جوزنا له تعمّد النظر إلى وجهها وكفها بإذنها وغير إذنها.
ولا يتجاوز النظر إلى ما سوى ذلك من جسدها وبالله التوفيق.
باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكر بغير إذنها
ووجه النكاح والرجل يتزوج أمته ويجعل عتقها صداقها
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سُنَّةُ نَبِيَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنّ حَقًا عَلَى الأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوا الحَرَائِرَ البَوَالِغَ إِذَا أَرَدْتَ النِّكَاحَ وَدَعَوْنَ إِلِى رِضًا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232] قَالَ: وَهَذِهِ أَبِيْنُ لآيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى دَلَالَةً عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمَرأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيِّ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ نَزَلَتْ فِي مَعْقِل بْنِ
الجزء: 9 - الصفحة: 33
يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ طَلَبَ نِكَاحَهَا وَطَلَبَتْهُ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ أُخْتِي دُونَ غَيْركَ ثُمَّ طَلَّقْتَهَا لَا أُنْكِحُهَا أَبَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ".
قال في الحاوي: بدأ الشافعي في هذا الفصل بها على الأولياء من نكاح الأيامى إذا دعون إلى رضي ووجوبه على الأولياء معتبر بخمش شرائط.
وهو أن تكون حرة بالغة عاقلة تدعو إلى كفء عن تراضٍ فيلزمه إنكاحها.
ولا يسوغ له منعها لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232].
وفي العضل قولان:
أحدهما: أنه المنع ومنه قولهم: داء عضال إذا اقتنع من أن يداوي وفلان عضلة أي داهية لأنه امتنع بدهائه.
والثاني: أنه الضيق ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش القضاء إذا ضاق بهم وقول عمر: قد أعضل بي أهل العراق لا يرضون عن والٍٍ ولا يرضى عنهم والٍ وفي قوله: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ تأويلان:
أحدهما: إذا تراضا الزوجان بالمهر.
والثاني: إذا رضيت المرأة بالزواج المكافئ وفيمن نزلت هذه الآية قولان:
أحدهما: وهو الأشهر أنها نزلت في معقل بن يسار زوج أخته رجلًا ثم طلقها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها معضلها وحلف أن لا يزوجها فنهاه الله تعالى عن عضلها وأمره أن يزوجها ففعل.
وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة والشافعي.
والثاني: أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له.
وقد طلقها زوجها ثم خطبها فعضلها وهذا قول السدي.
فصل:
فإن أرادت المرأة أن تنفرد بالعقد على نفسها من غير ولي فقد اختلف الفقهاء فيها على ستة مذاهب.
مذهب الشافعي منها: أن الولي شرط في نكاحها لا يصح العقد إلا به وليس لها أن تنفرد بالعقد على نفسها وإن أذن لها وليها سواء كانت صغيرة أو كبيرة شريفة أو دنية بكرًا أو ثيبًا.
وبه قال من الصحابة عمر، وعلي، وابن العباس، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم.
ومن التابعين: الحسن، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والنخعي، ومن الفقهاء: الأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن عليها في مالها ولاية لبلوغها وعقلها لم يكن عليها في نكاحها ولاية جاز أن تنفرد بالعقد على نفسها وترده إلى من شاءت من رجل أو امرأة ولا اعتراض عليها من الوالي إلا أن تضع نفسها في غير كفء وإن كان عليها في مالها
الجزء: 9 - الصفحة: 34
ولاية لجنون أو صغر لم تنكح نفسها إلى بولي.
قال مالك: إن كانت ذات شرف أو جمال أو مال صح نكاحها بغير ولي.
وقال داود: إن كانت بكرًا لم يصح نكاحها إلا بولي وإن كانت ثيبًا صحّ بغير ولي.
وقال أبو ثور: إن أذن لها وليها وجاز أن تعقد على نفسها وإن لم يأذن لها لم يجز.
وقال أبو يوسف: تأذن لمن شاءت من الرجال في تزويجها دون النساء ويكون موقوفًا على إجازة وليها.
فأما أبو حنيفة فاستدل بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: 234] فنسب النكاح إليهن ورفع الاعتراض عنهن وبرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليه والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها".
وبرواية نافع بن جبير وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لولي الثيب أمرًا" وبما روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن أبي- ونعم الأب هو- زوجني بابن أخ له ليرفع بي خسيسته، فرد نكاحها.
فقالت: قد أخذت ما فعل أبي وإنما أردت ليعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء، ولأن كل من جاز له التصرف في ماله جاز له التصرف في نكاحه كالرجل طردًا والصغير عكسًا ولأنه عقد يجوز أن يتصرف فيه الرجل فجاز أن تتصرف فيه المرأة كالبيع ولأنه عقد على منفعته فجاز أن تتولاه المرأة كالإجارة ولأن لما جاز تصرفها في المهر وهو بدل من العقد جاز تصرفها في العقد، وتحريره: أن من جاز تصرفه في البدل جاز تصرفه في المبدل كالبالغ في الأموال طردًا والصغير عكسًا، والدلالة على جماعتهم قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232] فدلت الآية على ثبوت الولاية من وجهين:
أحدهما: نهى الأولياء عن عضلهن.
والعضل: المنع في أحد التأويلين والتضيق في التأويل الآخر.
فلو جاز لهن التفرد بالعقد لما أثر عضل الأولياء ولما توجه إليهم نهى.
والثاني: قوله في سياق الآية: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: 232]. والمعروف ما تناوله العرف بالاختيار وهو الولي وشاهدان.
فإن قيل: فالمنع من العضل إنما توجه إلى الأزواج لتقديم ذكرهم دون الأولياء الذين ليس لهم في الآية ذكر فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنه لا يجوز توجيه النهي إلى الأزواج؛ لأنه إن عضل الزوج قبل العدة فحق لا يجوز أن ينهى عنه، وإن عضل بعد العدة فهو غير مؤثر.
والثاني: أن ما روي من سبب نزولها في معقل بن يسار في أشهر القولين أو جابر في أعفهما يوجب حمله على الأولياء دون الأزواج، وليس ينكر أن يعود الخطاب إليهم
الجزء: 9 - الصفحة: 35
وإن لم يتقدم لهم ذكرًا إذًا دل الخطاب عليه كما قال: ﴿إنَّ الإنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)﴾ [العاديات: 6 - 7] يعني الله تعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)﴾ [العاديات: 8] يعني الإنسان، وقال تعالى: ﴿بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، أي أوليائهن فجعل إذن الأولياء شرطًا في نكاحهن، فدل على بطلانه لعدمه.
ويدل على ذلك من السنة ما رواه ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وعمران بن الحصين، وأبو موسى.
وأثبتت الروايات رواية أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي".
وروى ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فكان على عمومه في كل نكاح من صغيرة وكبيرة وشريفة ودنية وبكر وثيب.
فإن قالوا: نحن نقول بموجبه؛ لأن المرأة ولية نفسها، فإذا زوجت نفسها كانت نكاحها بولي.
فعن ذلك جوابان: أنه خطاب لا يغير، لعلمنا أنه لا نكاح إلا بمنكوحة، ولا يتميز عن سائر العقود وقد خص النكاح به.
والثاني: أن قوله: "لا نكاح إلا بولي" يقتضي أن يكون الولي رجلًا، ولو كانت هي المراد
لقال: لا نكاح إلا بوليه، ويدل عليه ما رواه الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، وإن سها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا- أو قال:- اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له" وهذا نص إبطال النكاح بغير ولي من غير تخصيص ولا تمييز واعترضوا على هذا الحديث بثلاث أسئلة:
أحدها: أن قالوا: مدار هذا الحديث على رواية الزهري وقد روي عن ابن علية عن ابن جريح أنه قال: لقيت الزهري فسألته عنه قال: لأ أعرفه وعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قد رواه عن الزهري أربعة: سليمان بن موسى، ومحمد بن إسحاق، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطأة.
ورواه عن عروة ثلاثة: الزهري، وهشام بن عروة، وأبو الغصن ثابت بن قيس، فلم يصح إضافة إنكاره إلى الزهري مع العدد الذي رووه عنه، ولو صحّ إنكاره لما أثر فيه مع رواية غير الزهري له عن عروة.
الجزء: 9 - الصفحة: 36
والثاني: ما قاله بعض أصحاب الحديث: أن الزهري أنكر سليمان بن موسى وقال: لا أعرفه، وإلا فالحديث أشهر من أن ينكره الزهري ولا يعرفه، وليس جهل المحدث بالراوي عنه مانعًا من قبول روايته عنه، ولا معرفته شرطًا في صحة حديثه.
والثالث: أنه لا اعتبار بإنكار المحدث للحديث بعد روايته عنه، وليس استدامة.
ذكر المحدث شرطًا في صحة حديثه، فإن ربيعة روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "قضى باليمين مع الشاهد".
ثم نسي سهيل الحديث، فحدث به ربيعة وكان سهيل إذا حدث به قال: أخبرني علي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قضى باليمين على الشاهد".
السؤال الثاني: إن قالوا: هذا الحديث لا يصح عن عائشة فقد رويتموه عنها؛ لأنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وكان غائبًا بالشام، فلما قدم قال: أمثلي يقتات عليه في بناته فأمضى النكاح.
وقيل: ما روته من الحديث أثبت عند أصحاب الحديث مما روي عنها من نكاح ابنة أخيها، وقد ذكر الدارقطني لإبطاله وجوهًا على أن الشافعي قد أفرد للجواب عنه بابًا فنحن نذكره فيه.
السؤال الثالث: إن قالوا: هو محمول على من عليها من النساء ولاية بصغر أو رق، وتلك لا يجوز نكاحها إلا بولي، وقد روي في الخبر: أن امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل، فاقتضى صريح هذه الرواية حملها على الأمة، ودليل تلك آكد وإن حمله على الصغيرة وخرجت الحرة الكبيرة في الروايتين، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن على جميع النساء في النكاح ولاية لجواز اعتراض الأولياء جميعهن.
والثاني: أن حمله على الصغير لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء الصغير والصغيرة فيه، ولانتقاء تخصيص النساء بالذكر تأثير.
والثاني: لاستواء النكاح وغيره من العقود فلا يبقى لتخصيص النكاح بالذكر تأثيره.
وحمله على الأمة لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء العبد والأمة فيه لم يكن لتخصيص الأمة تأثير.
والثاني: لقوله في آخر الخبر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" والسلطان لا يكون وليًا للأمة وإن عضلها مواليها.
وروايتهم أنه قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل".
والمولى ينطلق على الولي كما قال الله تعالى: {وإنِّي
الجزء: 9 - الصفحة: 37
خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي} [مريم: 5]، يعني الأولياء؛ لأنه لم يكن عليه رق فيكون له مولى، على أننا نستعمل الروايتين فتكون روايتنا مستعملة في الحرة، وروايتهم مستعملة في الأمة فلا يتعارضان.
ويدل عليه ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح نفسها" والتي تنكح هي الزانية.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح؛ الزوج والولي وشاهدان"؛ ولأنه إجماع الصحابة؛ لأنه قول من ذكرنا من الرواة الثمانية، وهو مروي عن عمر، وعلي رضي الله عنهما- أما علي فروى عن الشعبي أنه قال: لم يكن في الصحابة أشد في النكاح بغير ولي من علي بن أبي طالب وأما عمر فروى عنه أنه قال: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان.
وفيه تأويلان:
أحدهما: إلا بإذن وليها إن كان واحدًا، أو ذي الرأي من أهلها إن كانوا جماعة، أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
والثاني: بإذن وليها إن كان لها ولي، فإن لم يكن ولي زوجها السلطان بمشورة ذي الرأي من أهلها وذوي أرحامها، فهذا قول من ذكرنا من الصحابة، وليس في التابعين مخالف فثبت أنه إجماع، ويدل على ذلك من القياس هو أن من كان من زوائد عقد النكاح كان شرطًا فيه كالشهود؛ ولأن ما اختص من بين جنسه بزيادة عدد كانت الزيادة شرطًا فيه كالشهادة في الزنا، ولأن كل عقد صارت به المرأة فراشًا لم يملكه المفترشة كالأمة، ولأن من عقد على نفسه واعترض عليه غيره في نسخه دل على فساد عقده، كالأمة أو العبد إذا زوجا أنفسهما، ولأن من منع من الوفاء معقود العقد خرج من العقد كالمحجور عليه، ولأنه أحد طرفي الاستباحة فلم تملكه المرأة كالطلاق، ولأن لولي المرأة قبل بلوغها حقين؛ حقًا في طلب الكفاءة، وحقًا في طلب العقد، فلما كان بلوغها غير مسقط لحقه في طلب الكفاءة كان غير مسقط لحقه في مباشرة العقد.
ويتحرر من اعتلاله قياسان:
أحدهما: أنه أحد حقي الولي فلم يسقط بلوغها كطلب الكفاءة.
والثاني: أن كل من ثبت عليها حق الولي في طلب الكفاءة ثبت عليه حقه في مباشرة العقد كالصغيرة.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد برفع الجناح عنهن أن لا يمنعن من النكاح إذا أردنه، فلا يدل على تفردهن بغير ولي كما لم يدل على تفردهن بغير شهود.
والثاني: أن قوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: 234] يقتضي فعله على
الجزء: 9 - الصفحة: 38
ما جرى به العرف من المعروف الحسن، وليس من المعروف الحسن أن تنكح نفسها بغير ولي.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها".
فقد مرّ الجواب عنه أن لأهل اللغة في الأيم قولين:
أحدهما: التي لا زوج لها بكرًا كان أو ثيبًا، وإن لم تنكح قط يقال: امرأة أيم إذا كانت خلية من زوج، ورجل أيم إذا كان خليًا من زوجة.
والقول الثاني: أنها لا يقال لها أيم إلا إذا نكحت ثم خلت بموت أو طلاق بكرًا كانت أو ثيبًا، ومنه قول الشاعر:
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكَحَ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي يَدَا الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكحِي أَتَأَيَّمُ
فأما الأيم في هذا الخبر فالمراد بها الثيب من الخاليات الأيامى دون الأبكار لأمرين:
أحدهما: أنه قد روى: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
والثاني: أنه لما قابل الأيم بالبكر اقتضى أن تكون البكر غير الأيم لأن المعطوف عليه وليس غير البكاء إلا الثيب فلهذا عدل بالأيم عن حقيقة اللغة إلى موجب الخبر.
فإذا تقررت هذه المقدمة فعن الخبر ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها أحق بنفسها في أنها لا تجبر إن أبت ولا تمنع إن طلبت تدل تفردها بالعقد من غير شهود.
والثاني: أنه جعل لها وليًا في الموضع الذي جعلها أحق بنفسها فوجب أن لا يسقط ولايته عن عقدها ليكون حقها في نفسها وحق الولي في عقدها فيجمع بين هذا الخبر وبين: "لا نكاح إلا بولي" في العقد.
والثالث: أن لفظة "أحق" موضوعة في اللغة للاشتراك في المستحق إذا كان حق أحدها فيه أغلب كما يقال زيد أعلم من عمرو وإذا كانا عالمين.
وأحدهما أفضل وأعلم ولو كان زيد عالمًا وعمرو جاهلًا لكان كلامًا مردودًا لأنه لا يصير بمثابة قول العالم أعلم من الجاهل.
وهذا الفرد إذا كان ذلك موجبًا لكل واحد منهما حق وحق الثيب أغلب.
فالأغلب أن يكون من جهتها الإذن والاختيار من جهة قبول الإذن في مباشرة العقد.
وأما قوله: "ليس للولي مع الثيب أمرًا" فالأمر هو الإجبار والإلزام وليس للولي إجبار الثيب وإلزامها ولا يقتضي ذلك أن ينفرد بالعقد دون وليها ولا تنفرد به دون الشهود.
فأما حديث المرأة التي زوجها أبوها فرواية عكرمة ابن فلان.
فإن كان مولى ابن عباس فهو مرسل الحديث لأنه تابعي ولم يسنده والمرسل ليس بحجة وإن كان غيره فهو مجهول
الجزء: 9 - الصفحة: 39
وجهالة الراوي تمنع من قبول حديثه ثم لا حجة فيه لو صحّ؛ لأنه رد "نكاحًا انفرد به الولي وإنما يكون حجة لو أجاز نكاحًا" تفردت به المرأة.
وأما قياسهم على الرجل فالمعنى في الرجل أنه لما لم يكن للولي عليه اعتراض في الكفاءة لم تكن له في العقد عليها ولاية.
وكذا الجواب عن قياسه على عقد الإجارة أنه ليس للولي اعتراض فيه فلم يكن له ولاية عليه.
وليس كذلك عقد نكاحها.
وأما قياسه على المهر فعندهم أن للولي أن يعترض عليها فيه ويمنعها بأن تتزوج بأقل من مهرها ثم هو منتقص بقطع الأطراف في إبدالها من الدية ولا ينصرف فيها بالقطع والإباحة.
فرع:
وأما مالك ففرق بين الشريفة والدنية بأن الولي يراد لحفظ المرأة أن تضع نفسها في غير كفء والدنية مكافئة لكل الأدنياء فلم يبق لوليها نظر واحتياط في طلب الأكفاء فجاز عقدها بغير ولي ولم يجز عقد الشريفة إلا بولي وهذا القول غير صحيح لأنه ليس من دنية إلا وقد يجوز أن يكون في الرجال من هو أدنى منها فاحتيج إلى احتياط الولي فيها ثم لو غلب عليه فرقة فقبل الشريفة يمنعها كرم أصلها من وضع نفسها في عير كفء فلم يحتج إلى احتياط الولي.
والدنية يمنعها لؤم أصلها على وضع نفسها في غير كفء لكان مساويًا لقوله فوجب إسقاط الفرق بينهما.
ثم يقال له لما يكن هذا الفرق مانعًا من استوائهما في الشهادة فهلا كان غير مانع من استوائهما في الولي من كون النصوص في الولي عامة لا تخص بمثل هذا الفرق.
فرع:
وأما داود فخص الثيب بالولاية دون البكر لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للولي مع الثيب أمر" ليطابق بين الإخبار في الاستعمال وقد قدمنا وجه استعمالها وأن الفرق بينهما واقع في الإخبار فكان جوابًا.
ثم فرق داود بين البكر والثيب.
بأن الثيب قد خبرت الرجال فاكتفت بخبرتها عن اختيار وليها والبكر لم تخبر فافتقرت إلى اختيار وليها وهذا فرق فاسد وعكسه عليه أولى؛ لأن خبرة الثيب بالرجال تبعثها على فرط الشهوة في وضع نفسها، فمن قويت فيه شهوتها والكبر لعدم الخبرة أقل شهوة فكانت لنفسها أحفظ على الشهوة مذكورة في طباع النساء قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خلقت المرأة من الرجل في الرجل" فغلب حكم الشهوة في جميعهن ثيبًا وأبكارًا حتى يمنعن من العقد إلا بولي يحتاط لئلا تغلبها فرط الشهوة على وضع نفسها في غير كفء، فيدخل به العار على أهلها.
فرع:
وأما أبو ثور: فراعى إذن الولي دون عقده لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن
الجزء: 9 - الصفحة: 40
وليها فنكاحها باطل" فكما يراعى في نكاح السفيه إذن الولي دون عقده كذلك هذا وهذا خطأ؛ لأن صريح الخبر يقتضي بطلان النكاح لعدم إذنه ودليل خطأه نقيض صحة النكاح بوجود إذنه.
وهو متروك لأمرين:
أحدهما: لما رواه معاذ بن معاذ عن ابن جريج بإسناده المتقدم ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: "أيما امرأة لم ينكحها وليها فنكاحها باطل".
والثاني: أن إذن الولي الذي يصح به النكاح هو إذن لمن ينوب عنه وهو الوكيل والمرأة لا تصح أن تكون نائبًا عنه لأن الحق عليها فلم تكن هي النائبة فيه لاختلاف القرضين فجرى مجرى الوكيل في البيع الذي لا يجوز أن يبيع على نفسه لاختلاف عرضه وعرض موكله وليس لاعتبار بالإذن للسفيه وجه؛ لأن الحجر على السفيه في حق نفسه والحجر على المرأة في حقوق الأولياء فافترقا.
فرع:
وأما أبو يوسف فاعتبر أن يعقد رجل عن إذنها لقصورها عن مباشرة العقد بنفسها وجعله موقوفًا على إجازة وليها لما فيه من حق في طلب الأكفاء.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: هو أنها كانت مالكة للعقد إلى الاستتابة.
وإن كانت غير مالكة لم يصح منها الاستتابة.
والثاني: أنه إن كانت الاستتابة شرطًا لم تحتج إلى إجازة, وإن لم تكن شرطًا لم تحتج إليها فصار مذهبه فاسد من هذين الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي: "ورَوَت عَائِشَةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَيُمَا امرَأَةٍ نُكِحَت بِغَيرِ إِذنِ وَليَّهَا فَنِكَاحُهَا باَطِلٌ ثَلاثًا فَإِن مَسَّهَا فَلَهَا المَهرُ بِمَا استَحَلَّ مِن فَرجِهَا فَإن اشتَجَرُوا أو قَالَ اختَلَفُوا فَالسُلطَانُ وَلِيَّ مَن لا وَليَّ لَهُ.
قَالَ: وفي ذَلِكَ دَلَالَاتٌ: مِنهَا أنَّ لِلوَلِيُ شِركًا في بُعضِهَا لا يَتِمُّ النِكاحُ إلَا بِهِ مَا لَم يَعضِلهَا وَلاَ نَجِدُ لِشِركِهِ في بُعضِهَا مَعنًى إلَّا فَصلَ نَظَرِهِ لِحياطَةِ المَوضِع أَن يَنَالَها مِن لَا يُكَافِئَهَا نَسَبُهُ وفي ذَلِكَ عَارٌ عَليهِ, وَأنَّ العَقدَ بِغَيرِ وَليِّ بَاطِلٌ, لا يَجُوزُ بِإجَازتِهِ وأنَّ الإصَابَةَ إذا كانَت بِشُبهَةٍ فَفِيهَا المَهرُ وَدُرِئ الحَدُّ".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي بعد استدلاله بهذا الحديث ما تضمنه ودل عليه من الفوائد والأحكام نصًا واستنباطًا منها قوله: "أيما امرأة" فذكر خمسة أحكام وذكر أصحابه ثلاثين حكمًا سواها فصارت خمسة وثلاثين حكمًا أخذت دلائلها من الخبر بنص واستنباط منها في قوله: "أيما امرأة" أربعة دلائل:
الجزء: 9 - الصفحة: 41
(أحدها): أن "أي" لفظة عموم له صيغة ليناوله جميع ما اشتمل عليه فخالف قول داود أنه لا صيغة للعموم.
والثاني: أن "ما" المتصلة بأي صلة زائدة لأنها لو صدفت فقيل: أي امرأة صحّ مثله قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159] أي فبرحمة من الله فدل على جواز الصلة الزائدة في الكلام وإن تعلقت به أحكام.
والثالث: اشتماله على جميع النساء من صغيرة وكبيرة يخالف قول أبي حنيفة, وشريفة ودنية يخالف قول مالك, وبكر وثيب يخالف قول داود.
والرابع: خروج الرجال عن حكم النساء في ولاية النكاح لتخصيصهم بالذكر.
ومنها قوله: "نكحت بغير إذن وليها" خمسة دلائل:
أحدها: أن اسم النكاح حقيقة في العقد فجاز في الوطء مخالف قول أبي حنيفة.
والثاني: ثبوت الولاية على جميع النساء في نكاحهن قول من قدمنا خلافه.
والثالث: أن للولي أن يوكل؛ لأن إذنه لا يصح إلا لوكيل ينوب عنه.
والرابع: أن لا ولاية لوصي؛ لأنه ليس بولي ولا نائب عمن في الحال ولي.
والخامس: أن العقد فاسد قد يضاف إلى عاقده وإن لم يلزمه.
ومنها في قوله: "فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل" ستة دلائل:
أحدها: بطلان النكاح بغير ولي بخلاف قول من أجازه بغير ولي.
والثاني: لا يكون إذا بطل موقوفًا على إجازة الولي بخلاف قول أبي حنيفة.
والثالث: أن النكاح فاسد لا يفسخ بطلقة وإن كان مختلفًا فيه بخلاف قول مالك.
والرابع: أن النكاح الفاسد يسمى نكاحًا.
والخامس: أن الإضافة قد تكون حقيقة ومجازًا.
والسادس: جواز تكرار اللفظ وزيادة في البيان وتوكيد للحكم؛ لأنه قال: فنكاحها باطل ثلاثًا.
ومنها قوله: "وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" خمسة عشر دليلًا:
أحدها: أن الميس عبارة عن الوطء.
والثاني: أن الوطء في النكاح الفاسد موجب للمهر.
والثالث: أنه لا يوجب الحدّ مع العلم والجهل.
والرابع: أن النكاح الفاسد إذا خلا من الإنابة لم يجب فيه المهر.
والخامس: أن الخلوة لا تكمل بها المهر بخلاف قول أبي حنيفة.
والسادس: أن المستكرهة على الزنا يجب لها المهر بما استحل من فرجها بخلاف قول أبي حنيفة.
والسابع: أن الإصابة في كل واحد من الفرجين من قبل أو دبر يوجب المهر؛ لأنه فرج.
الجزء: 9 - الصفحة: 42
والثامن: أن ذات الزوج إذا أصيبت بشبهة فلها دون الزوج بخلاف قول من جعله للزوج.
والتاسع: أن الموطوءة بشبهة يكون لها المهر لا بيت المال بخلاف قول من جعله لبيت المال.
والعاشر: أتكرار الوطء في النكاح الفاسد لا يجب به إلا المهر مرة واحدة ما لم تغرم عما تقدم به.
والحادي عشر: أن الإصابة دون الفرج لا توجب المهر.
والثاني عشر: أن الغارة للزوج يسقط عنه مهره بالغرور.
والثالث عشر: أن الموطوءة في العدة بشبهة أو نكاح فاسد كالموطوءة في نكاح صحيح في لحومة النسب, ووجوب العدة تحريم المصاهرة لاستوائهما في وجوب المهر, ولحوق النسب والعدة وتحريم المصاهرة.
والخامس عشر: أن المهر إذا استحق بالإصابة في نكاح فاسد فهم مهر المثل دون المسمى, سواء كان أقل منه أو كثر, بخلاف قول أبي حنيفة: أنه يوجب أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى.
وأما قوله "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" خمسة دلائل:
أحدها: أن العصبة أحق بالولاية عليها من السلطان.
والثانية: أنهم إذا عدموا انتقلت الولاية عليها إلى السلطان.
والثالث: أن الأقرب من عصبتها أولى من الأبعد, كما أن العصبة لقربهم أولى من السلطان.
والرابع: أن الأولياء إذا كانوا في درجة واحدة لم يكن أحدهم إذا اشتجروا أحق من الباقين إلا بقرعة أو تسليم.
والخامس: أنهم إذا اشتركوا في نكاحها عضلاً لها لا تنازعًا فيها زوجها السلطان, والاشتجار عضلاً؛ أن يقول كل واحد منهما: زوجها أنت ليصبروا جميعًا عضلة فزوجها السلطان, والاشتجار إن تنازعا أن يقول كل واحد منهم: أنا زوجها فلا تنقل الولاية إلى السلطان؛ لأنهم غيرة عضلة بل يقرع بينهم وبزوجها من فرع منهم.
مسألة:
قال الشافعي: "وجمعت الطريق رفقة فيهم امرأة ثيب فولت أمرها رجلا منهم فزوجها فجلد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناكح والمنكح ورد نكاحهما".
الجزء: 9 - الصفحة: 43
قال في الحاوي: وهذا الأمر المروي عن عمر وإن كان دليلاً على إبطال النكاح بغير ولي, فالمقصود به على المتناكحين بغير ولي من الأحكام, فإذا تناكح الزوجان بغير ولي فلا يخلو حالهما من أن يترافعا فيه إلى الحاكم لم يخل حال من أحد الأمرين:
إما أن يكون شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, أو يكون حنفيًا يرى جواز النكاح بغير ولي, فإن كان شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, حكم بإبطاله وفرق بينهما, فإن اجتمعا حكم فيه بمذهبه وقضى بينهما على الإصابة بعد تفريق الحاكم بينهما كانا زانيين عليهما الحد؛ لأن شيهة العقد قد ارتفعت بحكم الحاكم بينهما بالفرقة, فلو ترافعا بعد إبطال الحاكم الشافعي إلى حاكم حنفي لم يكن له أن يحكم بجوازه لنفوذ الحكم بإبطاله, وإن كانا في الابتداء قد ترافعا إلى حاكم حنفي يرى صحة النكاح بغير ولي, فحكم بينهما بصحته, وأذن لهما بالاجتماع فيه, فلم يكن عليهما في الإصابة حدّ لنفوذ الحكم بالإباحة, فلو ترافعا بعد الحكم الحنفي بصحة إلى حاكم شافعي فهل له أن يحكم بإبطاله وينقص الحكم الحنفي بصحته وإمضائه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له الحكم بإبطاله ونقص حكم الحنفي بإمضائه, لما فيه من مخالفة النص في قوله: "فنكاحها باطل" ثلاثًا.
الثاني: أنه ليس له أن ينقص حكمًا قد نفذ باجتهاد والنص فيه من أخبار الآحاد.
فرع:
وإذا لم يترافعا فيه إلى الحاكم ولا حكم فيه بأحد الأمرين من صحة أو إبطال, فإن لم يجتمعا فيه على الإصابة حتى افترقا فلا عدة عليهما؛ ولا مهر لها, وإن مات أحدهما لم يتوارثا, وإن اجتمعا فيه على الإصابة لم تخل حالهما من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعتقد الإباحة.
والثاني: أن يعتقدا تحريمه.
والثالث: أن يجهلا حكمه.
فإن اعتقدا الإباحة لاعتقادهما مذهب أبي حنيفة فيه فلا حدّ عليهما.
لاستباحتهما له من اجتهاد مسوغ فإن قيل: أفليس لو شرب النبيذ من اعتقد مذهب أبي حنيفة في إباحته حددتموه فهلا حددتم هذا مع اعتقاده إباحته؟ قيل: الفرق بينهما في وجهين:
أحدهما: أن الشبهة في النكاح بغير ولي أقوى لتردده بين أصلي حظر من زنا وإباحة من نكاح, وإباحة الشبهة في النبيذ الذي لا يرجع إلا أصل واحد في الحظر والتحريم وهو الخمر.
والثاني: أن النكاح الذي عقده ولي جعل له سبيل بولي, فاقتصر في الزجر عنه مجرد النهي, وليس كالنبيذ الذي لا سبيل إلى استباحته فلم يقتصر في الزجر
الجزء: 9 - الصفحة: 44
عنه على مجرد النهي حتى يضم إليه حكم هو أبلغ في الزجر, ليكون أمنع من الإقدام عليه.
فرع:
وإذا كانا جاهلين بتحريم النكاح بغير ولي فلا حدّ عليهما؛ لأن الجهل بالتحريم أقوى شبهة, وفال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرأوا الحدود بالشبهات" ولأن من جهل تحريم الزنا لحدوث إسلامه لم يحد فكان هذا بدرء الحدّ أولى, ألا ترى أن قول عثمان رضي الله عنه في أمة أقرت الزنا إقرار جاهل بتحريمه: أراها تشهد به كأنها لم تعلم وإنما الحد على من علم.
ثم يتعلق على هذه الإصابة من الأحكام ما يتعلق على النكاح الصحيح إلا في المقام عليه, فيوجب العدة ويلحق النسب, ويثبت به تحريم المصاهرة, ولكن في ثبوت المحرمية بها وجهان:
أحدهما: تثبت بها المحرم كما تثبت بها تحريم المصاهرة فلا تحجب عن أبيه وابنه, ولا تحجب عنه أمها وبنتها.
والثاني: أن يثبت المحرم وإن ثبت به تحريم المصاهرة لأننا أثبتنا تحريم المصاهرة تغليظًا, فاقتضى أن ينتفي عنه الثبوت المحرم تغليظًا.
فرع:
وإن كانا معتقدين لتحريمه يريان فيه مذهب الشافعي من إبطال النكاح بغير ولي محظور عليهما الإصابة, فإن اجتمعا عليها ووطئها فمذهب الشافعي وجمهور الفقهاء: أنه لا حد عليهما, وقال أبو بكر الصيرفي -من أصحاب الشافعي- وهو مذهب الزهري وأبي ثور.
الحدّ عليهما واجب لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البغي من نكحت بغير ولي".
والأثر المروي عن عمر في المرأة والرجل جمعتهما رفقة فولت أمرها رجلاً منهم فزوجها فجلد الناكح والمنكح والدليل على سقوط الحدّ قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الماضي: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فأبطل النكاح وأوجب المهر دون الحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ادرأوا الحدود بالشبهات", وأقوى الشبهات عقد اختلف الفقهاء في إباحته, فكان بإدراء الحد أولى, فأما قوله: "البغي من نكحت بغير ولي" فهي لا تكون بغيًا بالنكاح إجماعًا, وإنما بقول من يوجب الحدّ, إنها تكون بالوطء
الجزء: 9 - الصفحة: 45
بغيًا فلم يكن في التعلق به دليل, ثم يحمى على أنه يتعلق عليها بعض أحكام البغي وهو تحريم الوطء, ولا يمتنع أن يسمى بعض أحكام البغي بغيًا, كما قال صلى الله عليه وسلم: "من ترك الصلاة فقد كفر" فسماه ببعض أحكام الكفر كافرًا, وأما الأثر عن عنر فالجلد فيه عبارة عن التعزير, ألا تراه جلد الناكح والمنكح والحدّ لا يجب على المنكح فدل على أنه عزرهما.
فرع:
وإذا تناكح الزوجان بغير ولي ثم طلقها ثلاثًا ففي حكم طلاقه وحكم تحريمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يجز عليه حكم الطلاق حتى تنكح زوجًا غيره وهذا قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن هريرة وأبي سعيد الإصطخري وأبي حامد المروزي اعتبارًا بأغلظ الأمرين:
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني ومن عاضده من المتأخرين.
وربما كان لهم فيه سلف أن حكم الطلاق لا يجري عليه للحكم بإبطاله وإنما تحل له قبل زوج لأن الطلاق لا يقع إلا في النكاح.
وقد بطل أن يكون نكاحًا.
فإذا تقرر هذان الوجهان, فإن قيل بهذا الوجه إنه إذا طلقها ثلاثًا لم تحرم عليه أن ينكحها قبل زوج فإنه إذا أصابها لم تحل بإصابته لها للزوج إن كان طلقها قبله ثلاثًا.
وإن قيل إنها قد حرمت عليه بطلاقه لها ثلاثًا حتى تنكح غيره فهل تحل إصابته لها الزوج إن كان قد طلقها قبله ثلاثًا أم فيه وجهان:
أحدهما: تحل له لإجرائنا على طلاقه حكم الطلاق في النكاح الصحيح.
الثاني: أنها لا تحل له لأننا ألزمناه حكم طلاقه تغليظًا عليهما فكان من التغليظ أن لا تحل لغيره بإصابته.
فرع:
وإذا عدمت المرأة وليًا مناسبًا وكانت في بلد لا حاكم فيه وأرادت نكاح زوج ففيه وجهان:
أحدهما: ليس لها نكاح حتى تجد وليًا بحكم أو بنسب كما عدمت الشهود لم يجز أن تتزوج حتى تجد الشهود.
والثاني: أن يجوز للضرورة أن تتزوج؛ لأن الولي يراد لنفي العار عنه بتزويج غير الكفء, فإذا عدم زال معناه وخالف الشهود المعقود بهم الاشتياق لحفظ الأنساب, فعلى
الجزء: 9 - الصفحة: 46
هذا إذا جوز لها الترويج ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تتولاه بنفسها؛ لأن فقد أسقط الولي قد أسقط حكمه.
والثاني: أنها تولي أمرها رجلاً يكون بدلاً من وليها حتى لا يخلو العقد من عدده, ويحتمل تخريج هذين الوجهين من اختلاف قولين في الخصمين إذا حكمنا رجلاً هل يلزمهما حكمه كلزوم الحاكم, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَا وِلايَةَ لِوَصِيِّ لأنَّ عَارَهَا لاَ يَلحَقُهُ".
وهذا كما قال: إذا وصى الأب بتزويج بنته لم يكن لوصيه أن يزوجها صغيرة كانت أم كبيرة, عين له على الزوج أو لم يعين, ولا يزوجها إن كانت صغيرة إلا أن يعين له على الزوج.
وقال أبو ثور: يزوجها الوصي بكل حالٍ استدلالاً على ذلك بأمرين:
أحدهما: أن للأب ولاية على مالها ونكاحها فلما جاز أن يوصي للولاية على مالها جاز أن يوصي بالولاية على نكاحها.
والثاني: أنه لما جاز للأب أن يستنيب في حياته وكيلاً جاز له أن يستنيب بعد موته وصيًا كالمال, وهذا غير صحيح لقوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي" وليس الوصي وليًا, ولرواية عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظغون بابنة أخيه عثمان بن مظغون, فمضى المغيرة إلى أمها وأرغبها في المال فمالت إليه وزهدت, فأتى قدامة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عمها ووصي أبيها وما نقموا من ابن عمر إلا أنه لا مال له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها" فرد نكاحه مع كونه وصيًا من غبر أن يستبرئ حال صغرها وكبرها, ولا هل عين الأب على الزوج أم لا؟ فدل على أن النكاح إنما يجاز له؛ لأنه الوصي لا ولاية له, ولأن ولاية النكاح قد انتقلت بموت الأب إلى من يستحقها بنفسه من العصبيات, فصار موصيًا فيما غيره أحق به فكان مردود الوصية كما وصى بالولاية على مال أطفاله ولهم جد إلى غيره بطلت وصيته, كذلك هذا.
وتحريره قياسًا: أنها ولاية قد انتقلت من غير تولية فلم يجز نقلها بالوصية كالولاية على المال مع وجود الجد, وفي هذا انفصال عما ذكره من الوصية بالمال ولأن العصبة إنما اختصوا بالولاية في نكاحها لما يلحقهم من عارها بنكاحها غير كفء فصار حق الولاية بينهم مشتركًا لرفع العار عنهم وعنها.
وهذا المعنى معدوم في الوصي الذي لا
الجزء: 9 - الصفحة: 47
يلحقه عارها فلم نثبت ولايته لفقد معناها وليس كالوكيل الذي هو نائب غير مستحق لها وهو من ورائه مراعٍ لنفي العار عنه وعنها.
مسألة:
قال الشافعي: "وَفِي قَولِ النَبِيّ صلى الله عليه وسلم: "الأَيِّمُ أَحَقُ بِنَفسِهَا مِن وَلِيّهَا وَالبِكرُ تُستَأذَنُ فِي نَفسِهَا وَإذنُهَا صَمَاتُهَا" دَلَالَةٌ عَلَى الفَرق بَينَ الثَّيبِ وَالبِكرِ في أَمرَينِ أحدهما أنَ إذنِ البِكرِ الصَمتُ والَّتي تُخَالِفُهَا الكَلاَمُ وَالأخِر أنَّ أَمرَهُمَا في وِلاَيَةِ أَنفُسِهِمَا مُختَلَفٌ فَوِلايَةُ الثَّيِبِ أنَّها أحَقُّ مِنَ الوَليِّ هَهُنَا الأَبُ, واللهِ أعلَمُ دُونَ الأَولِيَاءِ".
وهذا كما قال: قد ذكرنا المراد بالأيم هاهنا الثيب لما قدمنا, وإذا كان كذلك فقد استدل الشافعي بهذا الخبر على الفرق بين البكر والثيب في كلمتين:
إحداهما: الفرق بينهما في صفة الإذن.
والثاني: الفرق بينهما في الإجبار على العقد ونحن نقدم الكلام في الإجبار على العقد, لأنه أصل لم يعقبه بصفة الإذن في موضعه, فتقول: النساء ضربان: أبكار, وثيب, فأما الثيب فيأتي حكمهن.
وأما الأبكار فلهن حالتان؛ حالة مع الآباء, وحالة مع غيرهم من الأولياء, فأما حالهن مع الآباء فهن ضربان؛ صغار وكبار, فأما صغار الأبكار فللآباء إجبارهن على النكاح, فيزوج ابنته البكر الصغيرة من غير أن يراعى في اختيارها, ويكون العقد لازمًا لها في صغرها وبعد كبرها.
وكذلك الجد وإن علا يقوم في تزويج البكر الصغيرة مقام الأب إذا فقد الأب, والدليل عليه وإن كان وفاقًا قوله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] يعني الصغار, والصغيرة تجب العدة عليها من طلاق الزوج, فدل على جواز العقد عليها في الصغر.
وروي عن عائشة أنها قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع ودخل بي وأنا ابنة تسع ومات عني وأما ابنة ثماني عشر".
فرع:
وأما البكر فللأب أو للجد عند فقد الأب أن يزوجها جبرًا كالصغيرة, وإنما يستأذنها على استطابة النفس من غير أن يكون شرطًا في جواز العقد, وبه قال ابن أبي ليلى, وأحمد, وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: ليس للأب إجبار البكر البالغ على العقد إلا عن إذن, وبه قال الأوزاعي, والثوري, فجعل الإجبار معتبرًا بالصغيرة دون البكارة, وجعل الشافعي الإجبار معتبرًا بالبكارة دون الصغر.
واستدل من نص قول أبي حنيفة برواية عطاء عن جابر أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر فمات, ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 48
وبرواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استأمروا النساء في أبضاعهن" فكان على عمومه؛ ولأنها متصرفة في مالها فلا يجوز إجبارها على النكاح كالثيب, ولأن كل من زال عنه الحجر في ماله زال عنه الحجر في نكاحه كالرجال.
ودليلنا رواية الشافعي عن مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" فلما جعل الثيب أحق بنفسه من وليها علم أن ولي البكر أحق بها من نفسها, ويكون قوله: "والبكر تستأذن في نفسه" محمولاً على الاستحباب دون الوجوب استطابة للنفس؛ لأنه لو كان محمولاً على الوجوب لصارت أحق بنفسها من وليها كالثيب.
ومن القياس: أن كل من جاز له قبض صداقتها بعد رضاها جاز له عقد نكاحها بغير رضاها, كالأمة وكالبكر, والصغيرة؛ ولأن ما استحق بالولاية في نكاح الصغيرة استحق بالولاية في نكاح الكبيرة قياسًا على طلب الكفاءة, ولما ذكر الشافعي من أنه: لو لم يكن له تزويجها جبرًا في الكبر لما كان له تفويت بضعها في الصغر, كالطفل يقتل أبوه لما لم يكن لوليه تفويت خياره عليه, وفي القود والدية بعد البلوغ لم يكن له تفويته عليه قبل البلوغ, وكان القاتل محبوسًا حتى يبلغ فيختار أحد الأمرين.
فإن قيل: فهذا يبطل بالصبي فإن للأب أن يجبره على النكاح قبل البلوغ وليس له أن يجبره بعد البلوغ.
قلنا: ليس في تزويج الابن تفويت لما يقدر على استدراكه؛ لأنه يقدر على الطلاق إن شاء, وله أن يتزوج غيرها من النساء, والثيب لا تقدر على خلاص نفسها من عقد الأب إن لم يشاء.
وأما خبر عائشة فهو محمول على الثيب دون البكر تخصيصًا بما ذكرناه, وأما قياسهم على الثيب فالمعنى فيها أنه لما لم يجز للأب قبض صداقها إلا بإذنها لم يجز له عقد نكاحها إلا بإذنها ولما جاز للأب قبض صداق البكر بغير رضاها عند أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي جاز له أن يعقد نكاحها بغير رضاها؛ لأن التصرف في المبدل معتبرًا بالتصرف في البدل.
وأما قياسهم على الرجل, فالمعنى فيه أنه لما لم يكن للأب أن يعترض عليه في نكاحه لم يكن له أن يجبره عليه وليس كذلك البكر.
فرع:
فإذا ثبت أن للأب إجبار على النكاح صغيرة أو كبيرة, وكذلك الجد وإن علا.
وقال ابن أبي ليلى, وأحمد بن حنبل: ليس الإجبار إلا للأب دون الجد.
وقال مالك: للجد إجبار الصغيرة كالأب وليس له إجبار الكبيرة بخلاف الأب, وفرقا بين الأب والجد بأن الجد يملك الولاية بوسيط كالإخوة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] فسماه أبًا إجراء لحكم الأب عليه وإن خالفه في الاسم, ولأنه لما
الجزء: 9 - الصفحة: 49
ثبت ولاية الحد على الأب فأولى أن يثبت على من يلي عليه الأب, ولأنه لما ساوى الجد الأب في الولاية على مالها ساواه في الولاية على نكاحها, ولهذا فرق بينه وبين سائر العصبات.
فرع:
فأما حال البكر من غير الأب والجد من الأولياء كالإخوة والأعمام, فلا تخلو حالها معهم من أن تكون صغيرة أو كبيرة, فإن كانت كبيرة لم يكن لهم إجبارها إجماعًا, وليس لهم تزويجها إلا بإذنها.
والفرق بين الآباء والعصبات, أن الآباء بعضية ليست في العصبات فقويت بها ولايتهم حتى تجاوزت ولاية النكاح إلى ولاية المال فصاروا بذلك أعجز ولأنه من العصبات وإن كانت البكر صغيرة فليس لأحد من العصبات تزويجها بحال.
وقال أبو حنيفة: بجميع العصبات تزويجها صغيرة كالأب ولها الخيار إذا بلغت بخلافها مع الأب.
وقال أبو يوسف: لهم تزويجها ولا خيار لها كهي مع الأب استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قال: واليتيمة من لا أب لها من الصغار والذي كتب لها صداقها فدل على جواز نكاح غير الأب لها, ولأن كل من جاز له تزويجها في الكبر جاز له أن ينفرد بتزويجها في الصغر كالأب, ولأنه لما استوي الآباء والعصبات في إنكاح الثيب وجب أن يستووا في إنكاح البكر, ودليلنا حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابنة أخيه بعبد الله بن عمر فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه, فقال: إنني عمها ووصي أبيها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها يتيمة وإنها لا تتزوج إلا بإذنها" فلم يجعل له تزويجها إلا بعد البلوغ.
ومن القياس: أن كل من لم يملك قبض صداقها لم يملك عقد نكاحها كالعم مع الثيب طردًا أو كالسيد مع أمته عكسًا؛ ولأنها ثبتت للأب في الصغيرة من غير تولية فوجب أن يختص بها من بين العصابات كولاية المال؛ ولأن النكاح إذا لم ينعقد لأن ما كان فاسدًا كالمنكوحة في العدة, ولأن النكاح لا ينعقد بخيار التحكم والاقتراع قياسًا على خيار الثيب, فأما الآية فتحمل على إنكاحها قبل اليتم, أو على إنكاح الجد, لأن اليتم يكون بموت الأب وإن كان الجد باقيًا.
وأما قياسهم على الأب فالفرق بينهما في الولاية ما قدمناه في الأخبار وأما جمعهم بين البكر والثيب مردود بافتراقهما في قبض الصداق, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَمِثلُ هَذَاَ حَدِيثُ خَنسَاءَ زَوَّجَهَا أبوهَا وَهِيَ ثَيِبٌ فَكَرِهَت ذَلِكَ
الجزء: 9 - الصفحة: 50
فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحه وفي تركه أن يقول لخنساء "إلا أن تشائين أن تحيزي ما فعل أبوك" دلالة على أنها لو أجازته ما جاز والبكر مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانا سواء كان لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنهما أحق بأنفسهما.
وقالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة سبع سنين ودخل بي وأنا ابنة تسع وهي لا أمر لها وكذلك إذا بلغت ولو كانت أحق بنفسها أشبه أن لا يجوز ذلك عليها قبل بلوغها كما قلت في المولود يقتل أبوه ويحبس قاتله حتى يبلغ فيقتل أو يعفو".
قال في الحاوي: وهذا كما قال, النكاح الموقوف لا يصح ولا يقع إلا على إحدى حالتين من صحة أو فساد, سواء كان موقوفًا على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي, وكذلك البيع لا يصح أن يعقد موقوفًا على إجازة البائع أو المشتري, وقال أبو حنيفة: يصح النكاح الموقوف على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي ويصح البيع الموقوف على إجازة البائع دون المشتري, واستدل بما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن أبي - ونعم الأب- هو زوجني بابن أخ له أراد أن يرفع بي خسيسته, فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: قد اخترت ما فعل أبي, وإنما أردت لتعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء, فلما خيرها والخيار لا يثبت في اللازم ولا في الفاسد دل على أنه كان موقوفًا على خيارها وإصابتها, قال: لأنه لما جاز أن تكون الوصية, بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الوارث, واللقطة إذا تصدق بها الواحد موقوفة على إجازة المالك, لكون المجيز لهما موجودًا, جاز أن يكون النكاح, موقوفًا على إجازة من يكون في حالة الوقف موجودًا, وتحريره قياسًا أن كل ما كان محيزه موجودًا جاز أن يكون على إجازته موقوفًا كاللقطة, والوصية.
قال: ولأنه لما جاز أن يكون موقوفًا على الفسخ جاز أن يكون موقوفًا على الإجازة, وتحريره قياسًا: أنه أحد نوعي الاختيار فجاز أن يكون العقد موقوفًا عليه كالفسخ.
قال: ولأن حال العقد بعد كماله أقوى من حاله قبل كماله, فلما جاز أن يكون قبل كماله موقوفًا بعد البذل على إجازة القبول, فأولى أن يكون بعد كماله موقوفًا على الإجازة.
وتحريره: أنه أحد حالتي العقد فجاز أن يكون موقوفًا على الإجازة كالحال الأولى.
ودليلنا: حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بعد إذن وليها فنكاحها باطل" فلو صح بالإجازة لوقفه على إجازة الولي, ولما حكم بإبطاله.
وحديث خنساء بنت خدام أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت فرد رسول الله عليه الصلاة والسلام نكاحها, ولم يقل إلا أن تشاء أن تجيزي ما فعل أبوك مع حثه على طاعة الآباء, فدل على أنها لو أجازته لم يجز, ولأن عقد المنكوحة إذا لم تصر المرأة به فراشًا كان
الجزء: 9 - الصفحة: 51
فاسدًا كالمنكوحة في ردة أو عدة.
وقال أبو حنيفة: إنها لو جاءت في النكاح الموقوف بولد لستة أشهر لم يلحق به؛ ولأن ما انتفت عنه أحكام النكاح والظهار والتوارث لم يكن نكاحًا كالمتعة.
وقد قال أبو حنيفة: إنه لا يلحقها في زمان الوقف طلاق ولا ظهار ولا توارث, ولأن ما افتقر إليه النكاح كان تأخره عن العقد مبطلًا للنكاح كالشهادة, ولأن اشتراط لزوم النكاح إلى مدة أقوى من اشتراط لزومه بعد مدة؛ لأن من العقود ما ينعقد إلى مدة كالإجارة, وليس منها ما ينعقد بعد مدة, فلما بطل باشتراط لزومه بعد مدة كقوله: تزوجتها شهرًا, كان أولى أن يبطل باشتراط لزومه, كقوله تزوجتها على إجازتها؛ لأنه إذا بطل بما له في الصحة نظير فأولى أن يبطل بما ليس له في الصحة نظير؛ لأن النكاح إذا اعتبر لزومه بشرط متيقن بعد العقد كان أقوى وأوكد من اعتبار لزومه بشرط مجوز بعد العقد, وقد ثبت أنه لو قال: قد تزوجتك الآن إذا أهل شهر رمضان كان العقد فاسدًا فأولى إذا تزوجها على مدة إجازتها أن يكون فاسدًا إلا أنه بطل في أقوى الحالين كان بطلانه في أضعفهما أولى, فأما الخبر الذي استدلوا به فضعيف والمشهور من الرواية أنه رد نكاحها ولم يخيرها, لو سلمنا أنه خيرها لكان محمولًا على وقت الفسخ لا وقت الإمضاء لأن أباها قد كان زوجها بغير كفء.
وأما استدلالهم بوقف الوصية والتصدق باللقطة, فالوصية يجوز وقفها لجواز بالمجهول والمعدوم وليس كالنكاح والبيع الباطلين على المجهول والمعدوم, وأما التصدق باللقطة فلا يجوز وقفه, بل إن لم يتملك اللقطة كانت في يده أمانة لا يجوز أن يتصدق بها, وإن تملكها فتصدق بها كانت عن نفسه, وإذا لم يعلم الأجل بطل القياس.
وأما استدلالهم بجواز وقف النكاح على الفسخ فكذلك على الإجازة باطل؛ لأن الموقوف على الفسخ فقد تعلقه عليه أحكام النكاح فصح الموقوف على الإجازة وقد انتفت عنه أحكام النكاح فبطل, وأما استدلالهم بوقفه بعد البذل وقبل القبول فغير صحيح؛ لأنا نمنع من وقف العقد وهو قبل تمامه بالبذل والقبول ليس بعقد فلم يجز أن يستدل بوقف ما ليس يلزم على وقف عقد يلزم والله أعلم
مسألة:
قال الشافعي: "والاستثمار للبكر على استطابة النفس قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَشَاوٍرْهُم فيِ الَأمْرِ﴾ [آل عمران:159] لا على أن لأحد رد ما رأى صلى الله عليه وسلم ولكن لاستطابة أنفسهم وليقتدي بسنته فيهم وقد أمر نعيمًا أن يؤمر أم بنته".
قال في الحاوي: أما الثيب فاستئذانها واجب؛ لأنها أحق بنفسها من وليها, وإذنها يكون بالقول الصريح, وأما البكر فيلزم غير الأب والجد أن يستأذنها, سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ لأنه يجوز له إجبارها, وقال أبو حنيفة وداود: يلزمه استئذانها استدلالًا
الجزء: 9 - الصفحة: 52
بقوله صلى الله عليه وسلم: "والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها".
والدليل على استئذان الأب لها لا يجب وإنما يستحب ما قدمناه من جواز إجبارها على النكاح صغيرة وكبيرة, وما رواه صالح بن كيسان عن ابن جبير ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" واليتيمة وصمتها إقرارها فلما خص اليتيمة بالاستثمار وهي التي لا أب لها دل على أن ذات الأب لا يلزم استثمارها.
فأما قوله: "والبكر تستأمر في نفسها" فيحمل مع غير الأب على الإيجاب ومع الأب على الاستحباب كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أمته فقال تعالى: ﴿وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ [آل عمران: 159] لا على أن لأحد رد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي: "ولكن على استطابة أنفسهم وليقتدوا بسنته فيهم" واختلف فيما أمر بمشاورتهم فيه, فقال قوم: في الحرب ومكائد العدو خاصة, وقال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين, وقال آخرون: في أمور الدين تنبيهًا لها على علل الأحكام وطريق الاجتهاد, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر نعيمًا أن يؤامر أم ابنته".
وقال: "وأمروا الأمهات في بناتهن" وإنما ذلك على استطابة أنفسهن لا على وجوب استثمارهن, وكذلك استثمار الأب للبكر على استطابة النفس لا على الوجوب.
فرع:
فإذا ثبت أن استثمار الأب لابنته البكر استحبابًا فإذنها يكون بالصمت دون النطق, بخلاف الثيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "وصمتها إقرارها" وروى ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب إليه إحدى بناته دنا من الخدور وقال: "إن فلانًا خطب فلانة" فإن هي رضيت سكتت فكان سكوتها رضاها, وإن هي أنكرت طعنت في الخدر فكان ذلك منها إنكارًا فلا يزوجها, ولأن البكر أكثر خفرًا وتخدرًا من الثيب فهي تستحي مما لا تستحي منه الثيب من التصريح بالرغبة في الأزواج, فجعل سكوتها إذنًا ورضًا, ولم يجعل إذن الثيب إلا نطقًا, فأما من عدا الآباء من الأولياء مع البكر فعليهم استثمارها؛ لأنه لا يجوز لهم إجبارها وإذنها معهم الصمت كإذنها مع الأب.
وقال بعض أصحابنا: إذنها معهم بالنطق الصريح كالثيب بخلافها مع الأب؛ لأنها لما كانت معهم في وجوب الاستثمار كالثيب وجب أن يكون إذنها نطقًا صريحًا كالثيب, وهذا خطأ لما قدمناه من عموم الأخبار, ولما ذكرناه من كثرة الاستحياء, ولعل حياءها من غير الأب أكثر لقلة مخالطته, فكان إذنها معهم بأن يكون صمتها أولى, وهكذا السلطان مع البكر كالعصابات إذا فقدوا لا يزوجوها إلا بعد بلوغها بإذنها وإذنها معه
الجزء: 9 - الصفحة: 53
الصمت, وسواء كانت البكر ممن قد تزوجت مرة وطلقت قبل الدخول, أو لم تتزوج قط إذا كانت البكارة باقية في أن حكمها ما ذكرناه مع الأب والعصبات.
مسألة:
قال المزني رحمه الله: وروى عن الشافعي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه غير الشافعي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح الشهادة في النكاح واجبة, وقال داود: غير واجبة, وبه قال من الصحابة عن علي بن أبي طالب, وعبد الله بن الزبير, وعمر, وعبد الله بن عباس, ومن التابعين: سعيد بن المسيب, والحسن البصري, والنخعي, ومن الفقهاء: أبو حنيفة, والثوري, وأحمد بن حنبل, ومال, وأبو ثور, غير أن مالكًا جعل الإشهاد به وترك التراخي يكتمه شرطًا في صحته, واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فكان على عمومه وكما رواه عباد بن سنان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث؟ قال: بلى قد أنكحتها ولم يشهد, ولما روي أن عليًا زوج بنته أم كلثوم من عمر ولم يشهد, قالوا: ولأن العقود نوعان: عقد على عين كالبيع, وعقد على منفعة كالإجارة وليست الشهادة شرطًا في واحد منهما مكان النكاح ملحقًا بأحدهما.
واستدل مالك خصوصًا في وجوب الإشهار بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر.
ودليلنا ما رواه الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين", وروي عن ابن مسعود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين".
وروى هشام بن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لابد من النكاح من أربعة: زوج وولي وشاهدي عدل" ولأن النكاح لما خالف سائر العقود في تجاوزه عن المتعاقدين إلى ثالث وهو الولد الذي يلزم حفظ نسبه خالفها في وجود الشهادة عليه حفظًا لنسب الولد الغائب لئلا يبطل نسبه فيجاهد الزوجين وفي هذا انفصال لما ذكروه من الاستدلال في إلحاقه إما بعقود الأعيان أو بعقود المنافع.
فأما الجواب عن الأول: فهو أن المقصود بها من يستباح من المنكوحات ولم يرد في صفات النكاح, وأما الجواب عن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم آمنة بنت ربيعة ولم يشهد وتزويج
الجزء: 9 - الصفحة: 54
علي بنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب ولم يشهد هذا فجواب واحد وهو أنه حضر العقد شهود لم يقل لهم: اشهدوا إذ يبعد أن يخلو من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال بروزه من حضور نفسين فصاعدًا وكذلك حال عمر مع علي عليهما السلام لا يخلو أن يحضره نفسان وإذا حضر العقد شاهدين بقصد أو اتفاق صح العقد بهما وإن لم يقل لهما اشهدا فكم يكن في الخبر دليل لأن قول الراوي: لم يشهد أي لم يقل لمن حضر اشهدوا وكيف يصح ذلك عن عمر وقد روي عنه أنا رد نكاحًا حضره رجل وامرأة فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت فيه تأويلان:
أحدهما: يعني لو تقدمت فيه فخولفت.
والثاني: يعني لو تقدمت بالواجب وتعديت إما ليس بجائز لرجمت, وأما استدلال مالك بقوله عليه السلام: "وأعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" ففيه جوابان:
أحدهما: أن إعلانه يكون بالشهادة وكيف يكون مكتومًا ما شهده الشهود أم كيف يكون معلنًا ما خلا من بينة وشهود.
والجواب الثاني: أن يحمل إعلانه على الاستحباب كما حصل ضرب الدف على الاستحباب دون الإيجاب لمن كان في ذلك العصر, وإن كان في عصرنا غير محمول على الاستحباب ولا على الإيجاب وأما نهيه عن نكاح السر فهو النكاح الذي لم يشهده الشهود ألا ترى أن عمر رد نكاحًا حضره رجل وامرأة وقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه.
وقال الشاعر:
وسرك ما كان عند أمري وسر الثلاثة غير الخفي
فصل:
فإذا ثبت وجوب الشهادة في النكاح وأنها شرط في صحته فلا ينعقد إلا بشاهدين ولا ينعقد بشاهد وامرأتين.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بشاهد وامرأتين استدلالًا بقول الله تعالى:
﴿فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282] فكان على عمومه ولأنه عقد معاوضة فصح بشاهد وامرأتين كسائر العقود.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:2] فلما بالمرجعة بشاهدين وهي أخف حالًا من عقد النكاح كان ذلك في النكاح أولى, وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" فإن قيل: فإذا جمع بين المذكر والمؤنث غلب في اللفظ المذكر على المؤنث فلم يمنع جمع الشاهدين من أن يكون شاهدًا وامرأتين, قيل: وهذا وإن صح في الجمع؛ لأن المذكر والمؤنث بلفظ التثنية يمنع من
الجزء: 9 - الصفحة: 55
حمله على الجمع؛ لأن من أهل اللغة من يحمل الجمع على التثنية وليس فيهم ولا في الفقهاء من يحمل التثنية على الجمع فإن حمله على شاهد وامرأة خالف مذهبه وقول الأمة وإن حمله على شاهد وامرأتين خالف لفظ التثنية إلى الجمع, ولو أن رجلًا قال: رأيت رجلين وقد رأى رجلًا وامرأتين لم يصدق في خبره فبطل ما ناولوه, من القياس: أن الفروج يا يسوغ فيها البذل والإباحة فلم يستبح بشهادة النساء كالقصاص؛ ولأن ما خص من بين جنسه بشاهدين لم يجز أن يكون ولا أحدهما امرأة كالشهادة على الزنا ولأن من لم يكونوا من شهود النكاح بانفرادهم لم يكونوا شهوده مع غيرهم كالعبيد والكفار, فأما الآية فمحمولة على الأموال لتقدم ذكرها ولتخصيص عمومها بما ذكرناه فأما القياس على سائر العقود فمردودة بما فرق الشرع بينهما في وجوب الشهادة, والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر أن النكاح لا يصح إلا بشاهدين من الرجال دون النساء فلا يصح حتى يكونا عدلين, وقال أبو حنيفة: يصح بفاسقين استدلالًا بأن حضورهما للعقد إنما هو حال فحمل الشهادة وعدالة الشهود إنما يراعى وقت الأداء لا وقت التحمل, ألا ترى لو تحمل بشهادة صبي ثم بلغ أو عبد ثم أعتق أو كافرًا ثم أسلم قبلت شهادتهم اعتبارًا بحالهم وقت الأداء لا وقت التحمل, كذلك شهادة الفاسقين في النكاح, وتحريره: أنه تحمل شهادة على عقد فجاز أن يصح من الفاسقين قياسًا على سائر العقود؛ ولأن من كان شرطًا في عقد النكاح لم يراع فيه العدالة كالزوجين, ولأنه لم يصح النكاح بشهادة عدوين لا تقبل شهادتهما على الزوجين صح أن تنعقد بشهادة فاسقين.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق:2] فلما شرط العدالة على الرجعة وهي أخف كان اشتراطها في النكاح المغلط أولى, وروى الحسن عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه ابن عباس وعائشة؛ ولأن موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق ولأن كل نقص يمنع من الشهادة في الأداء وجب أن يمنع انعقاد النكاح بها كالرق والكفر, ولأن كل ما لم يثبت بشهادة العدوين لم يثبت بشهادة الفاسقين كالأداء, فأما استدلاله بأن حضور العقد حال تحمل لا يراعى فيه العدالة فخطأ؛ لأن الشهادة في عقد النكاح إن كانت تحملًا فهي تجري بجري الأداء من وجهين:
أحدهما: وجوبها في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يراعى فيه حرية الشهود وإسلامهم وبلوغهم كما يراعى في الأداء وإن لم تراع في تحمل غيره من الشهادات, فكذلك الفسق, وأما الجواب عن قياسه على فسق الزوجين, فهو أن العدالة تراعى في الشاهدين وإن لم تراع في العاقدين؛ ولأنه لما روعي
الجزء: 9 - الصفحة: 56
حرية الشاهدين وإن لم يراع حرية الزوجين كذلك فسق الشاهدين, وأما قياس على شهادة العدوين فمذهبنا في انعقاد النكاح بهما ما نذكره من اعتداد حالهما, فإن كانا عدوين لأحد الزوجين دون الآخر انعقد النكاح بهما؛ لأن شهادتهما في الأداء قد تقبل على من ليس له عدوين, خالفًا الفاسقين إذ لا تقبل شهادتهما لأحد الزوجين بحال, وإن كانا عدوين للزوجين معًا ففي انعقاد النكاح بهما وجهان لأصحابنا:
أحدهما: لا تنعقد كالفاسقين؛ لأن الأداء لا يصح منهما على أحد الزوجين بحال.
والوجه الثاني: هو ظاهر ما تنص عليه الشافعي في "كتاب الأم" أن النكاح بهما منعقد وإن لم يصح منهما أداؤه بخلاف الفاسقين, والفرق بينهما: أن الفاسقين لا يصح منهما أداء هذه الشهادة صح منهما أداء غيرها من الشهادات وهذا لو كان الشاهدين ابني الزوجين كانا كالعدوين, لأن الولد لوالده مردودة كما أن شهادة العدو على عدوه مردودة, فإن كانا ابني أحد الزوجين انعقد النكاح بهما لإمكان أداء الشهادة لأحدهما, وإن كان أحدهما ابن الزوج والآخر ابن الزوجة ففي انعقاد النكاح بهما الوجهان الماضيان.
ومن أصحابنا من منع من انعقاد النكاح بكل حال, وفرق بينهما وبين العدوين بأن فيهما بغضيه لا تزول وليست كالعداوة التي قد تزول, والله أعلم بالصواب.
مسألة:
واحتج الشافعي بابن عباس أنه قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" وأن عمر رد نكاحًا لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال: "هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت" وقال عمر رضي الله عنه: "لا تنكح المرأة بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان قال الشافعي: والنساء محرمات الفروج فلا يحللن إلا بما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين "وليا وشهودًا وإقرار المنكوحة الثيب وصمت البكر".
قال في الحاوي: وهذا كما قال رشد الولي في النكاح شرط في صحة عقده فإن كان الولي فاسقًا بطل عقده على الظاهر من مذهب الشافعي والمشهور من قوله سواء كان الولي ممن يجبر على النكاح كالأب أو ممن لا يجبر كالعصبات, وقال أبو إسحاق المروزي: إن كان الولي ممن يجبر كالأب بطل عقده بالفسق وإن كان ممن لا يجبر كالعصبات لم يبطل عقده بالفسق لأنه يكون مأمورًا كالوكيل, وقال أبو حنيفة: فسق الوالي لا يبطل عقده وبه قال بعض أصحاب الشافعي وحكاه قولًا عنه استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]؛ ولأن من تعين في عقد النكاح لم يعتبر فيه العدالة كالزوج, ولأن كل من جاز أن يقبل النكاح لنفسه جاز
الجزء: 9 - الصفحة: 57
أن يلي على النكاح غيره كالعدل؛ ولأنه لما جاز للفاسق تزويج أمته جاز له تزويج وليته, ولأنه لما جاز أن يكون الكافر وليًا في نكاح ابنته فأولى أن يكون الفاسق وليًا في نكاح ابنته.
ودليلنا: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل, وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل".
ورواه عن ابن عباس موقوفًا عليه, فإن قيل: فقوله "مرشد" ولم يقل رشد يقتضي أن يوجد منه فعل الرشد في غيره وإن كان غير موجود في نفسه, وهو إذا زوجها بكفء كان مرشدًا وإن لم يكن رشيدًا.
قيل: هذا تأويل من يفسد من وجهين:
أحدهما: أنها صفة مدح تتعدى عنه إلى غيره ومن ليس برشيد لا يتوجه إليه مذمة ولا يتعدى عنه رشد.
والثاني: أن في الخبر الآخر في قوله: "وأيما امرأة ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل" ما يبطل هذا التأويل, ولأنه نقص يمنع من الشهادة فوجب أن يمنع من الولاية, كالرق, ولأنها ولاية تمنع منها الرق فوجب أن يمنع منها الفسقة كالولاية على المال, ولأن من تولى عقد النكاح في حق غيره منع الفسق من عقده كالحاكم, فأما الجواب على الآية فهو: أنها خطاب إما للأزواج فلا يكون فيها دليل أو للأولياء وليس الفاسق بولي.
وأما قياسه على الزوج فالمعنى في الزوج: أنه يتولى في حق نفسه فلم يعتبر رشده كما لم تعتبر حريته وإسلامه والولي يتولاه في حق غيره, فاعتبر رشده كما اعتبرت حريته وإسلامه, وأما قياسه على العدل فالمعنى في العدل: أنه لما صحت ولايته على المال صحت ولايته على النكاح والفاسق بما بطلت ولايته على المال بطلت ولايته على النكاح وأما استدلالهم بعقد الفاسق على أمته فالمعنى فيه أنه يعقده في حق نفسه ألا تراه يملك المهر دونها فلم تعتبر فيه العدالة كالزوجين والولي يعقده في حق غيره فاعتبرت فيه العدالة كالحاكم, وأما ولاية الكافر فلأنه عدل في دينه ولو كان فاسقًا في دينه وبين أهل ملة أبطلنا ولايته وكذا كالفاسق في ديننا.
فرع:
فإذا ثبت أن ولاية الفاسق في النكاح باطلة, فالولاية, تنقل عنه إلى من هو أبعد منه فإن زال فسقه عادت الولاية إليه, وانتقلت عمن هو أبعد منه فلو زوجها الأبعد بعد عدالة الأقرب, فإن كان عالمًا بعدالة الأقرب أو علمت الزوجة بها أو الزوج كان [الزوج] باطلًا,
الجزء: 9 - الصفحة: 58
وإن لم يعلم واحد منهم بعدالة الآخر حتى عقد العقد وجهان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز بناء على اختلاف الوجهين في الوكيل إذا عقد بعد عزل موكله قبل علمه.
فصل:
فلو أن هذا الولي الفاسق وكل وكيلًا عدلًا كانت وكالته باطله؛ لأن الفسق قد زالت عنه الولاية فلم يصح منه الوكالة ولكن لو كان الولي عدلًا فوكل وكيلًا فاسقًا ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يجوز لأنه أبطل الفسقه ولاية الولي مع قوتها كانت أولى أن يبطل ولاية الوكيل مع ضعفها.
والثاني: يجوز ويصح عقده لأنه مأمور والولي من ورائه لاستدراك ذلك.
والثالث: أنه إن كان وكيلًا لولي غيرها على النكاح كالأب بطلت وكالته بفسقه لأنه لا يلزمه استئذانه فصارت ولاية تفويض, وإن كان وكيلًا لمن لا يجبرها على النكاح صحت وكالته لأنه لا يعقد إلا عن استئذانها.
فرع:
فلو كان الولي أعمى ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة لا تصح ولايته؛ لأن العمى يمنعه من طلب الحظ لوليته.
والثاني: أن ولايته ثابتة وعقده صحيح؛ لأن شعيب زوج موسى بابنته وكان ضريرًا, ولأنه قد يصل إلى معرفة الحظ بالبحث والسؤال, لأن معرفة الحظ لا توصل إليه بالمشاهدة والعيان, فإن قيل بهذا الوجه صح عقده وتوكيله, وإن قيل بالوجه الأول: إنه لا يصح عقده فهل يصح توكيله فيه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصح توكيله لأنه لما لم تصح منه مباشرته كان بأن لا تصح عنه الاستنابة أولى.
الثاني: يصح منه التوكيل فيه وإن لم تصح منه المباشرة له بنفسه كبيعه وشرائه لا يصح منه أن يتولاه بنفسه ويصح أن يوكل فيه.
فرع:
فلو كان الولي أخرسًا ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان:
أحدهما: أن ولايته باقية وعقده صحيح لأنه قد يصل إلى معرفة الخط وقد تقوم إشارته فيه مقام النطق كما يقوم مقامه في حق نفسه فعلى هذا يصح منه أن يتولاه بنفسه وأن يوكل.
الجزء: 9 - الصفحة: 59
والثاني: لا يصح منه العقد لأن إشارته محتمله وإذا أقيمت في حق نفسه لضرورة مقام نطق لم تدع الضرورة إلى ذلك في حق غيره فعلى هذا لا يصح منه التوكيل وجهًا واحدًا لأن المعنى في احتمال الإشارة موجودة في توكيله لوجوده في عقده فلم يصحا منه والله أعلم.
فرع:
فأما إن كان الولي عدوًا للزوجة أو الزوج أو لهما فهو على ولايته وعقده صحيح بخلاف الشهود في أحد الوجهين لأن المقصود من الولي مباشرة العقد ومن الشهود الأداء, والعداوة تمنع من الأداء ولا تمنع من العقد, فإن قيل: فإذا كان عدوًا لهما وضعهما في غير كفء قيل: رشده وما يخافه من لحوق العار به يمنع هذا التوهم.
فرع:
فإن كان الولي محجورًا عليه بالفلس, فإن قيل: إن حجره جاري مجرى المرض كان على ولايته, وإن قيل: إنه يجري مجرى حجر السفه ففي ولايته وجهان:
أحدهما: لا ولاية له كالسفيه.
الثاني: وهو الأصح أنه على ولايته؛ لأن حجره وإن جرى مجرى السفه في ماله لم يجر مجراه في عدالته, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح".
قال في الحاوي: والعدالة المعتبرة في شهود النكاح عند عقده هي عدالة الظاهر, بخلاف الشهادة في إثبات الحقوق عند الحاكم التي يراعى فيها الظاهر والباطن, والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن في إثبات الحقوق عند الحكام خصمًا جاحدًا فاستكشف لأجله عن عدالة الباطن وليس في عقد النكاح هذا المعنى فلم تعتبر إلا عدالة الظاهر.
والثاني: أن الحاكم يقدر من استبرأ العدالة في الباطن ما لا يقدر عليه الزوجان فسقط اعتبار ذلك عنهما وإن لم يسقط عن الحاكم, وإذا كان ذلك فعدالة الظاهر اجتناب الكبائر والإقلال من الصغائر فإذا عقد الزوجان نكاحًا بشاهدين لم يخل حالهما من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يكونا عدلين في الظاهر والباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما وإثباته عند الحكام جائز لعدالة باطنهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 60
والثاني: أن يكونا عدلين في الظاهر دون الباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما لكن إثباته عند الحكام لا يصح إلا باستبراء عدالة باطنهما فيكشف عن عدالة الباطن وقت الأداء لا وقت العقد, فإن صحت للحاكم حكم بشهادتهما في الأداء, وإن لم تصح لم يحكم بشهادتهما في الأداء.
والنكاح على حاله من الصحة ما لم يظهر منهما تقدم الفسق.
والثالث: أن يكونا فاسقين فالعقد باطل فلو ظهرت عدالتهما بعد العقد مع تقدم الفسق وقت العقد كان العقد على فساده.
والرابع: أن يكونا مجهولي الحال لا يعرف فيهما عدالة ولا فسق فهما على ظاهر العدالة والنكاح بهما جائز, لأن الأصل العدالة والفسق طارئ وهو معنى قول الشافعي: والشهود على العدل حتى يعلم الحرج يوم وقع النكاح وإذا صح العقد بهما مع الجهالة بحالهما لم يحكم الحاكم بهما من إثبات العقد عنده إلا بعد استبراء حالهما في الظاهر والباطن, فإذا استبرأهما لم يخل حالهما بعد الاستبراء من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتبين له عدالة ظاهرهما وباطنهما فيحكم بها في صحة العقد وفي ثبوته.
والثاني: أن يتبين له عدالة ظاهرهما دون باطنهما فلا يحكم بهما في ثبوت العقد فإن شهد بعقد النكاح بهما شاهدًا عدل حكم حينئذ بثبوت العقد وصحته فيكون صحة العقد بهما بعدالة ظاهرهما وثبوته بشهادة غيرهما.
والثالث: أن يتبين له فسقهما فلا يخلو حال الفسق من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتبين له وجود الفسق وقت العقد فالنكاح باطل.
والثاني: أن يتبين له حدوث الفسق بعد العقد فالعقد على الصحة ولا يفسد بحدوث فسقهما لكن لا يحكم بثبوته عنده إلا أن يشهد به عدلان أنه عقد بهما فيحكم حينئذ بثبوته, فإن قيل: فكيف يشهد بعقد النكاح بهما عدلان غيرهما؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغنى بهما عن غيرهما, قيل: قد يجوز أن يقر الزوجان عند عدلين أنهما عقدا النكاح بهذين.
والثالث: أن يتبين له فسقهما في الحال ولا يعلم تقدمه ولا حدوثه والنكاح على الصحة لا يحكم بفساده لجواز حدوث الفسق مع سلامة الظاهر وقت العقد وهو معنى قول الشافعي: " حتى يعلم الجرح وقت العقد" وإذا لم يحكم بفساده لم يحكم بإثباته إلا بشهادة غيرهما.
فرع:
فإذا أقر الزوجان عند الحاكم أنهما عقد النكاح بولي مرشد وشاهدي عدل حكم
الجزء: 9 - الصفحة: 61
عليهما بصحة النكاح على إقرارهما ولم يسأل عن عدالة الشاهدين ورشد الولي فلو تناكر الزوجان من بعد أو ادعى أحدهما سفه الولي وفسق الشاهدين ألزمه صحة النكاح بسابق إقراره ولم يؤثر فيه حدوث إنكاره فلو قال: أنا أقيم البينة بما ادعيت من سفه الولي وفسق الشاهدين لم يسمعهما منه, لأن إقراره على أولى من بدنه أكذبها به.
فرع:
وإذا تصادق الزوجان أنهما عقداه بولي وشاهدي عدل, وقال الشاهدان: بل كنا وقت العقد فاسقين حكم بصحة النكاح بإقرار الزوجين ولم يلتفت إلى قول الشاهدين فلو اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدناه بشاهدين فاسقين, وقال الزوج: عقدناه بشاهدين عدلين فقد اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: وهو قول البغداديين أن القول قول الزوج أنهما عدلان والنكاح صحيح, لأنه مستصحب لظاهر العدالة.
والثاني: أن القول قول الزوجة إنهما فاسقان والنكاح باطل, لأنها مستصحبة أن لا نكاح بينهما, ولو قال الزوج: كان الشاهدان فاسقين وقالت الزوجة: كانا عدلين, فالنكاح قد ارتفع بينهما بإقرار الزوج ولكن في سقوط المهر وجهان:
أحدهما: أن المهر لا يسقط تغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة.
والثاني: قد ظهر المهر تغليبًا لقول الزوج لاستصحابه أن لا عقد بينهما, والله أعلم.
فرع:
فإذا تصادق الزوجان أنهما تناكحا بولاية الأب وأن الأب زوجها منه وأنكر الأب أن يكون زوجها فالنكاح ثابت بتصادقهما ولا يؤثر إنكار الأب أنه ما عقد بينهما, لأن الحق لهما لا للأب فلم يؤثر فيه إنكار الأب, وهكذا لو تصادقا أنهما عقداه بشاهدين هما زيد وعمرو فأنكر زيد وعمرو أن يكونا حضراه فالنكاح ثابت بتصادق الزوجين ولا يؤثر فيه إنكار الشاهدين لأن الحق فيه للزوجين دون الشاهدين.
فرع:
لا يصح النكاح بحضور الشاهدين حتى يسمعا لفظ الولي بالبذل ولفظ الزوج بالقبول فيصح العقد فإن سمعا مع البذل والقبول ذكر الصداق شهدا به وبالعقد وإن لم يسمعا ذكر الصدق شهدا بالعقد دون الصداق ولا يجوز أن يشهدا بالصداق بظاهر الأخيار في مجلس العقد.
الجزء: 9 - الصفحة: 62
مسألة:
قال الشافعي: "ولو كانت صغيرةً ثيبًا أصيبت بنكاح أو غير فلا تزوج إلا بإذنها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, والنساء ضربان: أبكار وثيب, فأما الأبكار فقد مضى حكمهن وسنذكره من بعد, وأما الثيب فضربان: عاقلة ومجنونة, فأما العاقلة فضربان: صغيرة وكبيرة فأما الكبيرة فلا يجوز إجبارها ولا تزويجها إلا باختيارها.
وعن إذنها سواء كان وليها أبًا أو عصبة, وإذنها النطق الصريح, وهذا متفق عليه, وأما الثيب الصغيرة فليس لأحد من أوليائها أبًا كان أو غيره أو يزوجها إلا بعد بلوغها وإذنها, فإن زوجها قبل البلوغ بإذن أو بغير إذن كان النكاح باطلًا, وقال أبو حنيفة: يجوز أن يزوجهاٍ أوليائها قبل البلوغ فإن زوجها أبوها فلا خيار لها إذا بلغت وإن زوجها غير أبيها من العصبات كانت بالخيار إذا بلغت بين المقام والفسخ, وقال أبو يوسف: لا خيار لها في تزويج العصبات كما لم يكن لها الخيار في تزويج الأب واستدلوا على جواز تزويجها قبل البلوغ بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ولأن كل من ثبتت عليه الولاية في ماله جاز إجباره على النكاح كالبكر الصغيرة وكالغلام ولأن لها منفعتين استخدام واستمتاع فلما كان لولي العقد على استخدام منفعتها بالإجازة جاز له العقد على منفعة الاستمتاع بها كالنكاح.
وتحريره: أنها إحدى منفعتيها فجاز العقد عليها قبل بلوغها كالإجازة, ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها, فلم يكن له إجبارها لأنه يصير أحق بها من نفسه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس للولي مع الثيب أمر" فكان على عمومه في الصغيرة والكبيرة ولأن كل صفة خرج بها الولي عن كمال الولاية قبل البلوغ قياسًا على عتق الأمة لما كان حدوثه بعد البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها وعليه ولأنه حرة سليمة ذهبت عدتها بجماع فلم يجز إجبارها على النكاح كالكبيرة, فأما الآية إن حملت على الأولياء فمخصوصة بما ذكرنا, وأما قياسهم على البكر والغلام اعتبارًا بالولاية على المال فلا يجوز اعتبار الولاية بالولاية على النكاح, لأن ولاية المال أوسع ثبوتها للوصي الذي لا ولاية له على النكاح ثم المعنى في البكر والغلام أنه لما لم يثبت لهما خيار جاز إجبارهم وليس كالثيب لثبوت الخيار لها عندهم وأما استدلالهم بمنفعة الاستخدام فالفرق بينهما وبين الاستمتاع أن مدة الاستخدام مقررة بأمر ينقضي يصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها ومدة الاستمتاع مؤيدة وهي لا تصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها فافترقا.
الجزء: 9 - الصفحة: 63
فرع:
فأما الثيب المجنونة فلها حالتان: صغيرة وكبيرة فإن كانت كبيرة جاز لأبيها إجبارها على النكاح للإياس من صحة إذنها إلا أن يكون ممن تجن في زمان وتفيق في زمان فلا يجوز إجبارها لإمكان استئذانها في زمان إفاقتها وإنما يجوز إجبارها إذا طبق الجنون بها فإن لم يكن لهذه أب زوجها الحاكم ولا يكون لأحد من عصبتها تزويجها لأنها ملحقة بولاية المال الثابتة بعد الأب والجد والحاكم دون العصبة فإن كانت الثيب المجنونة صغيرة لم يجز لغير الأب والجد إجبارها من حاكم ولا عصبة, وهل للأب والجد إجبارها إذا كان ما يؤس البرء؟ على وجهين:
أحدهما: له إجبارها قياسًا على ما بعد البلوغ وإنه ربما كان لها الزوج عفاف وشفاء.
والثاني: ليس له إجبارها قبل البلوغ وإن جاز له إجبارها بعد البلوغ لأنه برئها قبل البلوغ إرجاء والإياس منه بعد البلوغ أقوى فمنع من إجبارها ليقع الإياس من برئها.
فرع:
فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الثيب وإنها مفارقة للبكر من وجهين:
أحدهما: أن البكر تجبر والثيب لا تجبر.
والثاني: أن إذن البكر الصمت وإذن الثيب النطق وجب أن تصف الثيب بما تمتاز به عن البكر.
والثيب هي التي زالت عذرتها, وزوال العذرة على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يزول بوطء.
والثاني: أن تزول بطفرة أو جناية.
والثالث: أن تزول خلقة وهي أن تخلق لا عذرة لها, فأما القسم الأول وهو أو تزول عذرتها بوطء, فالوطء على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون حلالًا إما في عقد النكاح أو بملك يمين.
والثاني: أن يكون شبهة.
والثالث: أن يكون زنى حرامًا وجميع ذلك يزول به البكارة سواء كان الوطء نكاح أو سفاح ويجري عليها حكم الثيب.
وقال أبو حنيفة: إذا زالت عذرتها بزنا كان في حكم البكر إلا أن يتكرر منها استدلالًا بأن الزانية إذا تذكرت ما فعلت من الزنا خجلت واستحييت من التصريح بطلب الأزواج فكان حالها أسوأ حالًا من البكر, ولأن كل وطء لا يبيح الرجعة للزوج الأول لم يزل به حكم البكارة كالوطء في غير القبل, ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للولي مع الثيب أمر"
الجزء: 9 - الصفحة: 64
فكان على عمومه, ولأن بكارتها زالت بوطء أن تكون في حكم الثيب كالموطوءة في نكاح, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا كان حلالًا زالت به البكارة, وإن كان محظورًا كوطء الشبهة, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا تكرر زالت به البكارة وإن لم يتكرر كالمنكوحة, وقد قال: إنه لو تكرر منها الزنا صارت ثيبًا, وكذلك إذا لم يتكرر, ولأن صمت البكر إنما صار إذنًا لاستحيائها بدوام الخفر وقلة اختيارها للرجال فتميزت عن الثيب التي قد ظهر خفرها وخبرت الرجال فصارت أقل حياء من البكر, والزانية لم تقدم على الزنا إلا لزوال الحياء وارتفاع الخفر فصارت أجرأ على القول وأخبر بالرجال من ذات الزوج, وفي هذا الاستدلال انفصال عما أورده, فأما قياسه مع انتفاضه بتكرار الزنا فالمعنى في الوطء في غير القبل بقاء العذرة مفارق الزنا الذي زالت به العذرة في الوطء من غير القبل.
فرع:
وأما زوال العذرة بإصبع أو طفرة أو جناية غير الوطء فقد ذهب أبو على بن خيران من أصحابنا إلى أنه رفع حكم البكارة استدلالًا بمذهب وحجاج, فالمذهب أن الشافعي قال: "أصيبت بنكاح أو غيره" وأما الحجاج فهو: أن الحكم تابع للاسم فلما زال بذلك اسم البكارة وجب أن يزول به حكم البكارة جار عليها, لأن صمت البكر إنما كان نطقًا لما هي عليه من الحياء وعدم الخبرة بالرجال, وهذا المعنى موجود في هذه التي زالت عذرتها بغير وطء, فلما وجد معنى البكر فيها وجب أن يعلق بها حكم البكر وتعليق أحكام البكر بمعاني الأسماء أولى من تعليقها بمجرد الأسماء, وفيه انفصال وما ادعاه من المذهب فقد زال فيه, ولأن قول الشافعي: "أصيبت بنكاح أو غيره" يعني أو غير نكاح من شبهة أو زنا وقد صرح بذلك في كتاب "الأم", وأما التي زالت عنها عذرتها خلقة فلا خلاف أنها في حكم البكر وهذا مما يوضح فساد قول ابن خيران حيث اعتبر الحكم بمجرد الاسم, فإذا تقرر ما وصفنا أراد الولي نكاح المرأة فذكرت أنها بكر قبل قولها ما لم يعلم خلافه وأجرى عليها حكم البكر, فإن قالت: أنا ثيب قبل قولها, وإن لم يعلم لها زوج تقدم ولم يسأل عن الوطء الذي صارت به ثيبًا وأجرى عليها حكم الثيب, فلو زوجها الأب بغير إذن لاعتقاده أنها بكر فادعت بعد عقده أنها ثيب لم يقبل قولها في إبطال النكاح بعد وقوعه على ظاهر الصحة, لأن الأصل فيها البكارة, فإن أقامت أربع نسوة شهدن لها أنهن شاهدنها قبل النكاح ثيبًا لم يبطل العقد إمضاء لجواز أن تكون عذرتها بظفره, أو أصبع أو حلق.
الجزء: 9 - الصفحة: 65
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا يزوج البكر بغير إذنها ولا يزوج الصغيرة إلا أبوها أو جدها بعد موت أبيها".
قال في الحاوي: اعلم أن نكاح البكر معتبرًا بأوليائها ونكاح الثيب معتبر بنفسها, لأن الثيب لا تزوج مع الأولياء إلا بإذنها والبكر يجبرها عليه بعض أوليائها, وإن كانت كذلك لم يخل ولي البكر من أن يكون أبًا أو عصبة فإن كان وليها أبًا وزوجها جبرًا سواء كانت صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة وهكذا الجد بعد موت الأب يقوم في إجبارها مقام الأب لكن اختلف أصحابنا هل قام مقام الأب, لأنه مشارك له في اسم الأب, أو لأنه في معنى الأب على وجهين:
أحدهما: لأنه مشارك له في الاسم لأنهما يسميان أبًا قال الله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:78].
والثاني: لأنه في معنى الأب وإن لم يشاركه في الاسم لما فيه من صفتي الأب التي تميز بها عن سائر الأولياء, وهما الولادة, والتعصب.
فبالولادة تميز عن الإخوة وبالتعصب تميز عن الجد للأم, وإن كان ولي البكر عصبة روعي حالها حينئذ, فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد من عصابتها تزويجها, سواء كانت عاقلة أو مجنونة, وإن كانت كبيرة زوجها أقرب عصبتها إن كانت عاقلة باختيارها وعن إذنها, وإن كانت مجنونة لم يزوجوها, لأن تزويجها في الجنون معتبر بالنظر في مصالحها ولا نظر للعصبات في مصالحها, ولذلك لم يكن لهم ولاية في حالها, وإن كان ولي البكر الحاكم, فإن كانت صغيرة لم يكن له تزويجها عاقلة كانت أو مجنونة, لأنها ليست من أهل المناكح فتزوج ولا من أهل الاختيار فتستأذن, وإن كانت كبيرة نظر, فإن كانت عاقلة لم يكن للحاكم تزويجها إلا بإذنها وإن كانت مجنونة زوجها إذا رأى ذلك صلاحًا لها, وإن لم يكن للعصبة تزويجها في حال جنونها, والفرق بينهما: أن للحاكم نظر في مصالحها شارك به الأب وفارق به العصبة, ولذلك ولي على مالها وإن لم يلي عليه العصبة.
فرع:
وإذا كان لرجل ابن وله بنت ابن آخر, فأراد أن يزوج ابن ابنه بنت ابنه, فإن كان أبواهما باقيين لم يكن له تزويجهما, لأنه لا ولاية للجد مع بقاء الأب, وإن كان أبواها ميتين فإن كان ابن ابنة بالغًا فليس له إجبار على النكاح, فإن كانت بنت ابنه ثيبًا فليس له إجبارها على النكاح, وإن كان ابنه صغيرًا أو بنت ابنه بكرًا فله إجبار كل
الجزء: 9 - الصفحة: 66
واحد منهما على الانفراد, فإن أراد تزويج أحدهما بالآخر ففي جوازه جبرًا وجهان:
أحدهما: لا يجوز تزويج أحدهما حتى يبلغ الابن فيكون هو القابل لنفسه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل نكاح لم يحضره أربع فهو سفاح" ولأن لا يتولى العقد من طرفيه كما لا يجوز لابن العم أن يزوج موليته لأن لا يصير متوليًا للعقد من طرفيه وهذا قول أبي العباس بن القاص وطائفة.
والثاني: يجوز للجد أن يفعل ذلك ويتولى العقد من طرفيه كما يجوز له فيما ينفق من مال على ابن ابنه إذا كان وليًا عليه أن يتولى العقد من طرفيه, وخالف ابن العم في تزويجه ابنة عمه إذا كان واليًا عليها من وجهين:
أحدهما: أن ولاية الجد توجب الإجبار لقوتها, وولاية ابن العم, تمتع من الإجبار لضعفها.
والثاني: أن الجد في الطرفين عاقد لغيره وابن العم أحد الطرفين عاقد لنفسه, وهذا قول أبي بكر بن الحداد المصري وطائفه, فعلى هذا لا بد للجد من أن يتلفظ في عقد نكاحها بالإيجاب, فيقول: قد زوجت ابن ابن ببنت ابني وهل يحتاج فيه القبول أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا بد من أن يتلفظ فيه القبول فيقول: وقبلت نكاحها له, وهذا قول أبي بكر بن الحداد, ولأنه ذلك بولايتين فقام فيه مقام وليين فلم يكن بد فيه من لفظتين:
أحدهما: إيجاب والآخر قبول.
والثاني: لا يحتاج أن يتلفظ فيه بالقبول, وهذا قول أبي بكر القفال, لأن الجد يقوم مقام وليين فقام لفظه مقام لفظين.
مسالة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان المولى عليه يحتاج إلى النكاح زوجه وليه فإن أذن له فجاور مهر رد الفضل".
قال في الحاوي: المولى عليه بالسفه ممنوع من التزويج إلا بإذن وليه, لأن الحجر يمنع من التصرف في العقود, فإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يجز له أن يتزوج, ولا لوليه أن يزوجه لما فيه من التزام المهر والنفقة لغير حاجه, وإن كان به إلى النكاح حاجه, إما بأن يرى يتوثب على النساء لفرط الشهوة, وأما بأن يحتاج إلى خادم وخدمة النساء له أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه, لأنه مندوب إلى القيام بمصالحه التي هذا منها وليصده بذلك عن واقعة الزنا الموجب للحد والمأثم, وإذا كان كذلك فوليه بالخيار بين أن يزوجه بنفسه وبين أن يأذن له في التزويج, فإن زوجه الولي جاز أن يعقد له النكاح على
الجزء: 9 - الصفحة: 67
من يختارها له من الأكفاء, ولا يلزمه استئذانه فيه, لأن ذلك من جملة مصالحه التي لا تقف على إذنه كما لا تقف على إذن ما عقده من بيع وشراء, ولا يزيد المنكوحة على مهر مثلها كما لا يزيد في عقود أمواله على أعواض أمثالها, فإن زوجه بأكثر من مهر المثل كانت الزيادة مردودة ولا تجب في مال السفيه ولا على وليه, وإن أذن له الولي في التزويج ليتولاه السفيه بنفسه جاز, فإن قيل: فهلا منع من مباشرة العقد بنفسه ولم يصح منه مع إذن وليه كما لم يصح منه عقد البيع وإن أذن فيه وليه؟ قيل: الفرق بين النكاح حيث صح منه أن يعقده بإذن الولي وبين البيع حيث يصح منه أن يعقده, وإن أذن فيه الولي من وجهين:
أحدهما: أن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النكاح فذلك لم يصح منه العقد في النكاح.
والثاني: أنه لما صح منه رفع النكاح بالخلع والطلاق من غير إذن فأولى أن يصح منه عقد النكاح بإذن ولما لم يصح منه إنزاله ملكه عن الأموال بالعتق والهبة بإذن ولا غير إذن لم يصح منه عقود الأموال كلها بإذن ولا غير إذن.
فرع:
فإذا ثبت أنه يجوز أن يتولى عقد النكاح بنفسه بإذن وليه فقد اختلف أصحابنا, هل على وليه عند إذنه له في النكاح أن يعين له على المنكوحة أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدهما: يلزمه أن يعين له غلى المنكوحة ليقطع اجتهاده في العقد حتى لا ينكح من يعظم مهرها.
والثاني: عليه أن يعين له على القبيلة أو العشيرة حتى لا ينكح من ذوي الأنساب الذي يعظم مهور نسائهم, وليس عليه أن يعين على المرأة من نساء القبيلة, لأن يقف على اختيار النفوس.
والثالث: أنه لا يلزمه أن يعين المنكوحة ولا على قبيلتها, لأنه ليس بأسوأ حالًا من العبد الذي يجوز إذا أذن السيد له في النكاح أن لا يعين له على المنكوحة ولا على قومها, فأولى أن يكون السفيه مثله في الإذن, فإذا نكح السفيه بمقتضى الإذن بمهر المثل فما دون لزمه المهر والنفقة في ماله أن ينكح بأكثر من مهر المثل صح النكاح بمهر المثل وكانت الزيادة مردودة لا تلزمه في وقت الحجر ولا بعد فكه عنه وخالف العبد الذي إذا نكح بإذن السيد وزاد على مهر المثل كانت الزيادة في ذمته يؤديها بعد عتقه والرفقة بينهما أن الحجر على السفيه حفظ ماله عليه فلو لزمته الزيادة بعد فك الحجر عنه لم يكن ماله محفوظًا عليه والعبد إنما حجر عليه لأجل سيده وحفظ ما يستحقه السيد من كسبه فإذا لزمته الزيادة بعد عتقه سلم حق السيد وصار ماله محفوظًا عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 68
فرع:
فأما إذا نكح السفيه بغير إذن وليه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون قد أعلمه وليه ولا استأذنه فمنعه فنكاحه باطل, لأن ثبوت الحجر يمنع من جواز التصرف في العقد, فعلى هذا إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه, وإن دخل بها فرق بينهما, ثم ينظر فإن كانت عالمة بحجره فلا مهر عليه في حال الحجر ولا بعد فك الحجر, وتصير كالمبرئة منه لعلمها بحجره, وإن لم تكن عالمة بحجره فليس عليه في حال الحجر دفع المهر, لأنه تصرف منع الحجر منه وفي لزومه له بعد فك الحجر عنه وجهان:
أحدهما: يلزمه دفعه بعد فك حجره لئلا يصير ممتنعًا ببعضها من غير بدل.
والوجه الثاني: لا يلزمه دفعه بعد فكاك الحجر عنه كما لم يلزمه قبل فكه عنه ليكون ماله بالحجر محفوظًا عليه, كما لم تلزمه الزيادة على مهر المثل لهذا المعنى, وليس جهلها بحاله عذرًا, لأنه قد كان يمكنها أن تستعلم فتعلم.
والضرب الثاني: أن يكون السفيه قد سأل وليه النكاح فمنعه واستأذنه فلم يأذن له ففي نكاحه وجهان:
أحدهما: باطل لتأثير الحجر في عقوده, فعلى هذا يكون الكلام في المهر على ما مضى.
والوجه الثاني: أن النكاح جائز لأنه حق على الولي, فإذا منعه منه جاز أن يستوفيه بنفسه كالدين إذا منع صاحبه منه جاز إن يستوفيه بنفسه, فعلى هذا يكون النكاح كالمأذون فيه ويدفع مهر المثل والنفقة من ماله.
فرع:
فأما المجنون فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون مستدام الجنون لا يفيق في شيء من زمانه, فهذا ينظر في حاله, وإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يكن لوليه أن يزوجه, ولا أن يوجب في ماله عزم النفقة والمهر في غير حاجة, وإن كان به إلى النكاح حاجة وذلك في أحد الحالين:
إما أن يرى يتوثب على النساء لفرك شهوة, وإما أن يحتاج إلى خدمة النساء, والزوجة أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه بنفسه, ولا يجوز للولي أن يرد العقد إليه ليتزوج بنفسه بخلاف السفيه, لأن السفيه مكلف يتعلق بقوله حكم, والمجنون غير مكلف لا يتعلق بكلامه حكم.
والضرب الثاني: أن يكون المجنون ممن يجن في زمان ويفيق في زمان فهذا على أضرب:
أحدهما: أن يكون زمان جنونه أكثر من زمان إفاقته فيجوز لوليه إذا رآه محتاجًا إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 69
النكاح أن يزوجه في زمان جنونه, ولا يرد العقد إليه الذي طبق به الجنون, ويجوز له أن يزوجه في زمان إفاقته وأن يرد العقد إليه كالسفيه, لأن الحجر عليه قبل زمان إفاقته لا يرتفع لكن يكون حكمه في زمان الجنون حكم الحجر بالجنون وفي زمان الإفاقة حكم بالحجر بالسفه.
والثاني: أن يكون زمان إفاقته أكثر من زمن جنونه فالحجر يرتفع في زمان الإفاقة ولا يجوز لوليه أن يزوجه في حال جنونه لما يرجى إفاقته ويجوز له أن يزوج بنفسه في زمان إفاقته من غير إذن وليه ولا يجوز لوليه أن يزوجه في إفاقته لارتفاع حجزه.
والثالث: أن يتساوى زمان جنونه وزمان إفاقته, ففي أغلبها حكمًا وجهان:
أحدهما: أن حكم الجنون اغلب تغليبًا لحكم ثبوت الحجر, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الأول: فيمن كثر زمان جنونه وقل زمان إفاقته.
والثاني: أن حك الإفاقة أغلب تغليبًا لأصل السلامة, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الثاني فيمن كثر زمان إفاقته وقل زمان جنون.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أذن لعبده فتزوج كان لها الفضل متى عتق".
قال في الحاوي: وهذا كما قال, ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لرواية عطاء عن جابر, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر", والعاهر: الزاني, فشبه بالزاني لتحريم عقده, وإن لم يكن زانيًا في الحكم, ولأن السيد مالك لمنافعه وأكسابه فلم يكن له تفويتها بتزويجه, فإن تزوج بإذن سيده كان النكاح جائزًا, لأن مستحق الحجر قد رفعه بإذنه فعاد إلى جواز تصدقه, وإن تزوج بغير إذن سيده كان نكاحه باطلًا, وقال أبو حنيفة: يكون موقوفًا على إجازة السيد.
وقال مالك: نكاحه جائز وللسيد فسخه عليه, والدليل عليها رواية نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل ". وقد روي هذا الخبر موقوفًا على ابن عمر.
ولأن الحجر المانع من جواز المناكح يمنع من صحتها كالجنون, فإذا تقرر أن نكاح العبد بغير إذن سيده باطل وبإذنه جائز, فللسيد إذا أذن لعبده في النكاح حالتان:
إحداهما: أن يعين له على المنكوحة فلا يجوز له أن يتجاوزها, فإن نكح غيرها
الجزء: 9 - الصفحة: 70
كان نكاحًا بغير إذن.
والحال الثانية: أن لا يعين على المنكوحة ويكون إذنه مطلقًا فيجوز, بخلاف السفيه الذي يلزم الوطء, أن يعين على المنكوحة, والفرق بينهما: أن العبد من أهل الاختيار والتصدق في العقود وليس السفيه من أهل الاختيار والتصرف أن العبد من أهل الاختيار والعبد بإذن سيده نظر في المهر فإن كان قدر مهر المثل كان في كسبه على ما سنذكره وإن كان أكثر من مهر المثل لزم قدر مهر المثل في كسبه ونالت الزيادة في ذمته حتى يعتق فيؤدي وفارق السفيه في إبطال الزيادة على مهر المثل بالمعنى الذي قدمناه, والله أعلم
فصل:
فأما إذا سأل العبد سيده أن يزوجه فعضله ومنعه نظر في العبد, فإن كان غير بالغ لم يجبر السيد على تزويجه؛ لأنه قبل البلوغ غير محتاج إلى النكاح, وإن كان بالغًا فعل يجبر السيد على تزويجه إن أقام على عضله ومنعه زوجه الحاكم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أشار إليه في كتاب العرض بالخطبة أن السيد يجبر على تزويج العبد لما يدعو إليه من حاجته وكمال مصلحته وسكون نفسه فشابه ما يحتاج إليه من تمام قوته وكمال كسوته.
والقول الثاني: نص عليه في القديم والجديد وهو الصحيح أن السيد لا يجبر على تزويج عبده لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات ولا يلزم السيد تمكين عبده من ملاذه وشهواته.
فعلى تقدير القولين لو كان السيد مولى عليه لصغر أو سفه أو جنون, فإن قيل بالقول الأول: أن السيد يجبر على نكاح عبده لزم ولي السيد المولى عليه أن يزوج عبده إذا طلب النكاح وإن قيل بالقول الثاني أن السيد لا يجبر على تزويجه لم يكن لوليه أن يزوجه.
فصل:
فأما إذا أراد السيد أن يجبر عبده على التزويج فإن كان العبد صغيرًا كان لسيده إجباره على النكاح ولأنه لما كان له إجبار ولده في صغره الذي لا ولاية له عليه بعد بلوغه فإجبار عبده في صغره أولى, وإن كان العبد بالغًا فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم له إجبار عبده على النكاح لأنه لما ملك العقد على منافعه ورقبته جبرًا كان النكاح ملحقًا بأحدهما في عقده عليه جبرًا.
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات التي ليس للسيد إجبار عبده عليها, ولأن معقود الوطء الذي لا يجوز للسيد إجبار عبده عليه فكان النكاح بمثابه, وعلى القولين معًا لو كان
الجزء: 9 - الصفحة: 71
السيد مولى عليه لصغر أو سفه لم يكن لوليه إجبار عبده على النكاح قولًا لما في إجباره من إخراج المهر والنفقة من كسبه.
فصل:
فأما المدبر فهو كالعبد في إجبار السيد له على النكاح, وفي إجبار السيد على تزويجه إذا أدعى إلى النكاح, وأما المكاتب فليس لسيده إجباره على النكاح, لما فيه من إلزامه المهر والنفقة في كسبه, وأما إذا دعي سيده إلى النكاح فهل يجبر السيد عليه؟ إن قيل: إنه يجبر على تزويج عبده فأولى أن يجبر على تزويج مكاتبه, وإن قلنا: إنه لا يجبر على تزويج عبده ففي إجباره على تزويج مكاتبه وجهان:
أحدهما: لا يجبر عليه كما لا يجبر على تزويج عبده.
والوجه الثاني: أنه يجبر على تزويج مكاتبه وإن لم يجبر على تزويج عبده, والفرق بينهما أن اكتساب العبد لسيده فلم يجبر على تزويجه لما يلحقه من التزام المهر والنفقة واكتساب المكاتب لنفسه فأجبر السيد على تزويجه, لأنه لا يؤول إلى التزام المهر والنفقة.
فصل:
فأما العبد إذا كان بين شريكين وليس له أن يتزوج بإذن أحدهما حتى يأذنا له جميعًا, فإن اتفقنا على تزويجه فهل لهما إجباره عليه أم لا؟ على قولين, وإن دعاهما إلى النكاح فهل يجبران على تزويجه أم لا؟ على قولين وأما إن كان نصف العبد حرًا ونصفه مملوكًا فليس لسيده أن يجبره على النكاح؛ لأن فيه حرية ولا ولاية عليه فيها, وإن دعا سيده إلى النكاح ففي إجباره قولان.
مسألة:
قال الشافعي: "وفي إذنه لعبده باكتساب المهر والنفقة إذا وجبت عليه".
قال في الحاوي: إذا أذن السيد لعبده في النكاح فنكح, فقد وجب المهر بالعقد والنفقة بالتمكين, ولوجوبها محل معتبر بحال العبد, وللعبد ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكون مكتسبًا.
والثاني: أن يكون مأذونًا له في التجارة.
والثالث: أن يكون غير مكتسب ولا مأذونًا في التجارة, فإن كان مكتسبًا فالمهر والنفقة في كسبه؛ لأن الإذن بالنكاح إذن به وبموجبه, وأولى ما تعلق ذلك بكسبه؛ لأن منه وإليه, فإن قيل: أفليس لو أذن لعبده في التجارة فلزمه فيها دين زاد على ما بيده كان في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه فهلا استويا؟ قيل: الفرق بينهما: أن الإذن بالتجارة معقود
الجزء: 9 - الصفحة: 72
بالاكتساب والدين ضد الاكتساب فصار غير مأذون فيه فلذلك تعلق بذمته بعد عتقه والإذن بالنكاح معقودة الاستمتاع الموجب للمهر والنفقة فصار المهر والنفقة من موجبات إذنه فلذلك تعلق بكسبه دون ذمته.
فرع:
فإذا ثبت وجوب المهر والنفقة في كسبه فالمهر يستحق في كسبه بعد عتقه, والنفقة تستحق من كسبه بعد تمكنه من الاستمتاع؛ لأنهما يستحقان في الكسب الحادث بعد وجوبها, ولا يستحقان في كسب تقدمها؛ لأن الكسب لم يتعلق به إذن فصار خالصًا لسببه فلو كان العقد بمهر مؤجل استحق ذلك في الكسب الحادث بعد حلول الأجل, وإذا كان كذلك قيل للسيد: عليك أن تخلي سبيل عبدك وترفع عنه يدك ليلًا ونهارًا, أما النهار فللاكتساب الكسب والنفقة, وأما الليل فللاستمتاع بالزوجة, ثم لا سبيل لك إلى إبطال حقه في تمكين ليلًا من نفسه, ولك السبيل إلى منعه نهارًا من نفسه بالتزام المهر والنفقة؛ لأن حقه في استمتاعه ليلًا لا بدل له له فلم يسقط, ولحقه من اكتساب النهار بدل يلتزمه السيد فقط, ثم لا يخلو حال كسبه إذا مكن منه من ثلاث أقسام:
أحدهما: أن يكون بقد المهر والنفقة من غير زيادة ولا نقصان فلا حق للسيد فيه ولا عليه وقد خلص جميع كسبه له في نفقته ونفقة زوجته وكسوتها ومهرها.
والقسم الثاني: أن يكون كسبه أكثر من المهر والنفقة فللسيد الفاضل منهما.
والقسم الثالث: أن يكون المهر والنفقة أكثر من كسبه فعليه أن يخلي عليه جميع كسبه ليصرفه في المهر والنفقة ويكون حاله في الباقي عليه من المهر والنفقة كحال من لا كسب له ولا هو مأذون له في التجارة على ما سنذكره بعد.
فرع:
فلو أن سيد هذا العبد المكتسب إذا استخدمه نهارًا لزمه جميع المهر والنفقة له ولزوجته, سواء كان كسبه مساويًا لهما أو مقصورًا عنهما؛ لأنه بالاستخدام كالضامن لهما, ولو أن سيده لم يستخدمه ولكن حبسه في زمان كسبه لزم غرم المهر والنفقة, ولو حبسه غير سيده لزمه أجره مثله, والفرق بينهما أن السيد يلتزم ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقتها, والأجنبي يضمن ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقته, والأجنبي ذلك في حق السيد نلزمه قيمة ما استهلكه من منافعه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كان مأذنًا له في التجارة أعطى مما في يديه".
الجزء: 9 - الصفحة: 73
قال [في] الحاوي: وهذا القسم الثاني من أحوال العبد أن يكون مأذونًا في التجارة فيكون ما لزمه من المهر والنفقة متعلقًا بمال التجارة؛ لأن هذا المال في حق المأذون في التجارة المال الكسب في حق المكتسب لكونهما ملكًا للسيد الآذن لكن اختلف أصحابنا في المال ها هنا يقول الشافعي: أعطى مما في يديه على ثلاث أوجه:
أحدها: أن يعطيه من حال الربح المستفاد بعد وجوبه, فيعطي المهر من الربح المستفاد بعد العقد والنفقة من الربح المستفاد بعد التمكين, كما قلنا في المكتسب إنه يعطيها من كسب المستفاد بعد وجوبها.
والثاني: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من الربح المستفاد قبل الوجوب وبعده, ولا يعطيهما من أصل المال؛ لأن جميعها نماء المال والفرق بين الكسب والربح أن كسب العمل حادث في كل يوم وليس كسب التجارة حادثًا في كل يوم.
والثالث: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من مال التجارة من ربح وأصل؛ لأن جميع ذلك مالك للسيد وقد صار بالإذن كالمأمور يدفعهما, فتعلق الإذن لجميع ما بيده كالدين, فلو أن السيد دفع ذلك من غير مال التجارة خلص مال التجارة وربحه اليد.
فصل:
وأما القسم الثالث: من أحوال العبد فهو أن يكون غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة؛ إما لأنه زمن لا يقدر على عمل وإما لأنه محارف محروم لا يقدر شيئًا وإن عمل فهما سواء وعلى السيد التزام نفقته وليس عليه التزام نفقة زوجته, ويقال لها: زوجك معتبر بنفقتك وأنت بالخيار في الصبر معه على إعساره أو فسخ نكاحه, فأما المهر ففيه قولان:
أحدهما: أنه في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يؤخذ السيد به لأنه في مقابلة البضع الذي قد صار ملكًا للعبد دون السيد ومن ملك ذا بدل ملك عليه ذلك البدل وهذا أشهر القولين وأظهرهما.
والقول الثاني: أن يكون مضمونًا في ذمة سيده؛ لأن إذنه بالنكاح الذي لا ينفك من التزام المهر موجب الالتزام ذلك المهر كالديون.
فرع:
فأما إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا مهر ولا نفقة؛ لأن فساد العقد قد أسقط ما تضمنه من العوض وإن دخل بها فرق بينهما وكان لها بالدخول مهر مثلها لوطء الشبهة لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" وأن يكون المهر فيه قولان:
أحدهما: نص عليه في القديم والجديد أن يكون في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه؛ لأنه
الجزء: 9 - الصفحة: 74
حق وجب برضي مستحق فأشبه الديون؟
والقول الثاني: خرجه أصحابنا من كلام أشار إليه الشافعي في القديم أنه يكون في رقبة عبده يباع فيه إلا أن يفديه سيده.
لأنه وجب الوطء الذي هو إتلاف فأشبه الجنابة, والله أعلم.
فرع:
وإذا أذن السيد لعبده في نكاح, فنكح نكاحًا فاسدًا ففي دخوله في إذن السيد قولان:
أحدهما: أن يكون داخلًا في حكم إذنه لانطلاق الاسم على فاسده كانطلاقه على صحيحه, ولوجوب المهر في فاسد كوجوبه في صحيحه, فعلى هذا يكون محل المهر كمحله في النكاح الصحيح إن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن كان مأذونًا له في التجارة كان فيها بيده, وإن كان غير مكتسب ولا مأذونًا له في التجارة كان على ما مضى من القولين:
أحدهما: في ذمة العبد.
والثاني: في ذمة سيده.
والقول الثاني: وهو الأصح أن النكاح الفاسد لا يكون داخلًا في جملة إذنه؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي حمله على ما ورد به الشرع, ولأن هذا المهر ما وجب بالعقد, وإنما وجب بالوطء الذي لم يكن فيه إذن, فعلى هذا في محل هذا المهر القولان الماضيان:
أحدهما: في ذمة العبد.
والثاني: في رقبته.
فرع:
وإذا زوج الرجل عبده بأمته فليس على العبد مهر ولا نفقة؛ لأنهما لو وجبا لكانا للسيد, ولا يثبت للسيد على عبده مال, لكن اختلف أصحابنا في المهر, هل وجب بالعقد ثم سقط؟ على وجين:
أحدهما: أنه وجب بالعقد ثم سقط لئلا يكون بالموهبة التي جعلت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين.
والوجه الثاني: أنه لم يجب أصلًا, لأنه لما كان ملك السيد مانعًا من استدامة استحقاقه كان مانعًا من ابتداء استحقاقه, ألا تراه لو أتلف مال سيده لم يلزمه غرمه لا في الابتداء ولا في الاستدامة كذلك المهر ولمن قال بالأول أن ينفصل عنه بأن الأقوال قد تجوز أن تملك بغير يدل والبضع لا يجوز أن يملك إلا ببدل, فلو أن السيد بعد تزويج عبده بأمته أعتقهما معًا لم يكن له مطالبة عبده بالمهر بعد عتقه؛ لأنه ما وجب عليه بالعقد ولا للأمة بعد عتقها مطالبة الزوج ولا السيد بمهرها؛ لأنه ما وجب لها بالعقد.
الجزء: 9 - الصفحة: 75
فرع:
وإذا زوج السيد أمته بعبد غيره ولم تقبض مهرها منه حتى اشتراه فإذا كان بيد العبد من كسبه قبل الشراء وبعد النكاح شيء فهو للمشتري يأخذه من مهر أمته وليس للبائع فيه حق وإن لم يكن بيد العبد من كسبه قبل الشراء شيء فلا مطالبة لمشتريه بمهر أمته؛ لأنه قد صار عبده ولا حق للسيد على عبده, واختلف أصحابنا هل هذا الشراء أسقط المهر أو منع من المطالبة مع بقاء المهر؟ على وجهين:
أحدهما: أنه قد أسقط المهر؛ لأنه كان الملك مانعًا من ابتداء استحقاقه كان مانعًا من بقاء استحقاقه.
والوجه الثاني: أنه قد منع من المطالبة بالمهر ولم يسقطه؛ ولأن الحقوق ثابتة في الذمم لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء وليس الشراء واحد منهما وتأثير هذين الوجهين يكون بعتق العبد أو بيعه, فإن قيل إن الشراء قد أسقط ما عليه من المهر لم يكن للسيد مطالبة العبد بعد عتقه أو بيعه فإن قيل: إنه منع من المطالبة ولم يسقطه كان للسيد مطالبته بعد عتقه أو بيعه.
فرع:
وإذا زوج الرجل عبده بأمة غيره ثم اشتراها السيد كان النكاح بحاله ومهرها مستحق لبائعها لوجوبه في ملكه ولو كان السيد قد أمر عبده بشراء زوجته, فإن أمره يشتريها لسيده فالنكاح بحاله وأن أمره أن يشتريها لنفسه لتكون أمة لعبد لا للسيد ففيه قولان:
أحدهما: بناء على اختلاف قوليه في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ فعلى قوله في القديم أنه يملك إذا ملك فالشراء للعبد وقد بطل النكاح, لأن من ملكك زوجته بطل نكاحها وعلى القول الجديد: أن العبد لا يملك إذا ملك فيكون الشراء للسيد والنكاح بحاله, والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو ضمن لها السيد مهرها وهو ألف عن العبد لزمه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أذن السيد لعبده أنه يتزوج حرة فتزوجها على صداق ألف ثم إن السيد ضمن لها ألف عن عبده صح الضمان لوجوبه كالديون ويكون الألف كسب عبده بالعقد, وفي ذمة سيده بالضمان هو بالخيار بين أن تطالب العبد بها من كسبه بحكم عقده أو تطالب السيد بها بحكم ضمانه فإن دفعها العبد من كسبه بريء السيد من ضمانها, وإن دفعها السيد من ماله بري العبد منها ولم يرجع السيد بها على عبده؛ لأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلو طلق العبد زوجته نظر في طلاقه, فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 76
كان بعد الدخول بها فقد استكملته وإن كان قبل الدخول بها ملك بالطلاق نصف الصداق.
فإن لم تكن الزوجة قبضت صداقها بريء الزوج من نصفه وبريء السيد من ضمان هذا النصف؛ لأن براءة المضمون عنه توجب المرأة الضامن وبقي للزوجة نصف الصداق على العبد وعلى السيد ضمانه.
وإن كانت هذه الزوجة المطلقة قبل الدخول قد قبضت صداقها رجع عليها نصفه, ثم لا يخلو حال المطلق من أحد أمرين, وإما أن يكون باقيًا على ملك سيده عند طلاقه أو قد زال ملكه عنه فإن كان باقيًا على ملكه فالسيد هو الراجع عليها بنصف الصداق؛ لأنه من كسب عبده بالطلاق واكتساب العبد لسيده وإن كان ملك السيد قد زال عنه بعتقه أو بيع ففي مستحق هذا النصف من الصداق وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه يستحق العبد إن كان قد أعتق أو مشتريه إن كان قد بيع ولا حق فيه لسيده الدافع له, لأن نصف الصداق كسب ما ملك بالطلاق والطلاق لم يكن في ملك السيد فلم يستحق ما ملك به بعد زوال ملكه وجرى ذلك مجرى الأب يزوج ابنه الصغير على صداق يدفعه الأب من ماله ثم يطلق الابن عند البلوغ قبل الدخول بزوجته فيملك الابن نصف الصداق, ولا يعود إلى الأب وإن دفعه من ماله.
والثاني: قاله أبو بكر بن الحداد في "فروعه" أنه يكون للسيد؛ لأن الصداق ماله ما رجع منه بالطلاق عاد إليه وإن زال ملكه عن العبد, وذهب إلى هذا بعض المتأخرين من أصحابنا أيضًا, وفرق بين الأب إذا دفع الصداق عن ابنه وبين السيد إذا دفعه عن عبده, بأن الابن يملك فكان دفع الأب تمليك له, ثم قضاء للصداق عنه, فإذا أطلق الابن قبل الدخول عاد نصف الصداق إليه لسابق ملكه, وليس كالعبد؛ لأنه لا يملك فلم يمكن دفع الصداق عنه تمليكًا له فإذا طلق قبل الدخول لم يملك ما لم يجبر له عليه ملك وسواء دفع السيد الصداق من ماله أو دفعه العبد من كسبه؛ لأن كسبه مال لسيده والأول أصح الوجهين وأولاهما.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن باعها زوجها قبل الدخول بتلك الألف بعينها فالبيع باطل من قبل أن عقده البيع والفسخ وقعا معًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ضمن السيد عن عبده صداق زوجته وهو ألف, ثم ابتاعت زوجها من سيده بألف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تبتاعه بألف في ذمتها.
والثاني: أن تبتاعه بالألف التي هي صداقها, فإن ابتاعته بألف في ذمتها فقد ذكره
الجزء: 9 - الصفحة: 77
الشافعي من بعد وإن ابتاعه بالألف التي هي صداقها, كأنها قالت للسيد: بعني زوجي بالألف التي ضمنتها من صداقي, فللجواب عن هذه المسألة مقدمتان نذكرهما ثم نبني الجواب عليهما, إحدى المقدمتين: أن المرأة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها, وإنما بطل؛ لأن أحكام النكاح وملك اليمين متضادة؛ لأنه كان مالكها لبعضها فصارت مالكة لرقبته, وصار مستحق الحجر عليها بالزوجية فصارت تستحق الحجر عليه بالرق, وكانت نفقتها عليه فصارت نفقته عليها وإذا تضادت أحكامها من هذه الوجوه ثبت أقوامها وانتفي أضعفها, وملك اليمين أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح يختص بملك البضع وملك اليمين يستوعب ملك الرقبة كلها, فلذلك ثبت ملك اليمين وبطل عقد النكاح.
والمقدمة الثانية: أن فسخ النكاح قبل الدخول إن كان من قبل الزوجة أسقط جميع صداقها, كما لو ارتدت, وإن كان من قبل الزوج لم يسقط الصداق إلا تصفه كما لو ارتد, وهو ها هنا من قبل الزوجة؛ لأنه وقع بابتياعها له, فإن قيل: الفسخ ها هنا إنما وقع بالابتياع الذي هو منهما, والفسخ إذا وقع بسبب من جهة الزوجين غلب فيه حكم الزوج دون الزوجة كالخلع, قيل: قد قال بعض أصحابنا هذا فأخطأ فيه, مذهبًا, وحجاجًا.
أما المذهب فهو أن الشافعي قد نص في هذا الموضوع على خلافه, وجعل الفسخ مضافًا إلى الزوجة في إسقاط جميع صداقها, وأما الحجاج فهو الفرق بين الواقع بين الابتياع والخلع من وجهين:
أحدهما: أن الابتياع إنما كان بين السيد والزوجة من غير أن يكون للزوج فيه صنع ولا اختيار فلم يجز أن يضاف إليه الخلع, وإنما كان بين الزوجين فجاز لاختصاص الزوج بالفرقة أن يضاف الفسخ إليه.
والثاني: أن الزوج في الخلع أزال ملكه عن البضع إلى غير مالك كالعتق الذي يزيل به المعتق ملكه عن رقبة العبد إلى غير مالك, فغلب فيه حكم الزوج دون الزوجة, والابتياع قد زال به ملك البائع وانتقل إلى المشتري فغلب فيه حكم الزوجة لانتقال الملك إليها دون الزوج.
فرع:
فإذا تقررت هاتان المقدمتان وابتاعت زوجها بالألف الذي ضمنه السيد من صداقها, لم يخل من أن يكون الزوج قد دخل بها قبل الابتياع أو لم يدخل, فإن ابتاعته بعد دخوله بها كان البيع جائزًا لابتياعها إياه من مالكه بثمن قد استحقته ذمته لاستكمالها للصداق بالدخول, فصار كابتياعها إياه بدين على سيده, وإذا صح البيع بطل النكاح؛ لما ذكرنا من أن الزوجة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها وبرثت الزوجة من الثمن لكونه صداقًا, وبريء السيد من ضمان الصداق لكونه ثمنًا ولم يبق لها على زوجها صداق؛ لأنها قد استوفته من ضامنه, ولم يكن للسيد أن يرجع على عبده بما غرمه عنه من ضمانة؛ لأنه ضمنه في حال ملكه.
الجزء: 9 - الصفحة: 78
فرع:
وإن ابتاعه بصداقها قبل دخوله بها في مسألة الكتاب, فالبيع يكون باطلًا وتعليل بطلانه قد أجمله الشافعي, فقال: "لأن عقد البيع والفسخ وقعا معًا".
وبيانه: أنه في إثبات البيع النكاح, وذلك أن البيع إذا صح بطل النكاح, وإذا بطل النكاح من قبل الزوجة قبل الدخول سقط صداقها, وإذا سقط الصداق بطل ضمانه؛ لأن بقاء الضمان يكون لبقاء الحق المضمون, وإذا بطل الضمان بطل الثمن؛ لأن الثمن هو الصداق المضمون, وإذا بطل الثمن بطل البيع؛ لأن البيع لا يصح إلا بثمن, فلما أدى إثبات البيع إلى إبطال النكاح والبيع حكم بإبطال البيع وبقاء النكاح على ثبوته؛ لأن ما أدى ثبوته إلى إسقاطه وإسقاط غيره من حكم في أول الأمر بإسقاطه وثبوت غيره ليدفع بأقل الضررين أكبرهما, ولذلك نظائر: فمنها: أن من مات وترك أخًا لا وارث له سواه, فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسب الابن ولم يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ فلم يرث, وإذا لم يرث الأخ بطل إقراره بالنسب؛ لأنه لا يصح أن يقر بالنسب من ليس بوارث؛ وإذا بطل إقراره بالنسب لم يثبت النسب, فلما كان توريث هذا الابن مؤديًا إلى إبطال نسبه وميراثه ثبت نسبه ويطل ميراثه.
ومنها: أن من اشترى أباه في مرض موته عتق ولم يرث؛ لأن عتقه في المرض كالوصية له في اعتباره من الثلث, فلو ورث لمنع الوصية؛ لأن لا وصية لوارث وإذا منع الوصية بطل العتق, وإذا بطل العتق سقط الميراث, فلما كان توريثه مؤديًا إلى إبطال عتقه وميراثه ثبت عتقه وسقط ميراثه ومنها: أن يوصي لرجل بابن له مملوكه فمات قبل الوصية, وخلف أخًا وهو وارثه فيقبل الأخ الوصية لأخيه بابنه, فإن الابن يعتق ولا يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ, وإذا حجبه بطل قبوله للوصية, وإذا بطل قبوله عتق الابن, وإذا بطل عتقه سقط ميراثه, فلما أدى ميراثه إلى سقوط عتقه وبطلانه ثبت العتق وسقط الميراث.
ومنها: أن يدعي عبدان على سيدهما العتق, وهو منكر فيشهد لهما شاهدان بالعتق فيحكم بعتقهما, ثم يشهد المعتقان بجرح الشاهدين, فإن شهادتهما بالجرح مردودة؛ لأنها لو قبلت في الجرح ردت شهادة الشاهدين بالعتق, وصار المعتقان عبدين مردودي الشهادة, فلما أدى قبول شهادتهما إلى ردها وإبطال العتق ردت شهادتهما وثبت العتق, ولذلك من النظائر ما يطول ذكره, وإنما ذكرنا أمثلة يؤدي دورها إذا ثبت إلى سقوطها فلم يثبت, وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو باعها إياه بألف لا بعينيها كان البيع جائزًا وعليها الثمن
الجزء: 9 - الصفحة: 79
والنكاح مفسوخ من قبلها وقبل السيد".
قال في الحاوي: وهذه المسألة الثانية من ابتياعها لزوجها إن ابتاعته بألف في ذمتها, فالبيع صحيح لانعقاده بثمن معلوم, والنكاح قد بطل, لما ذكرنا من أن النكاح وملك اليمين لا يجتمعان لتنافي أحكامها, فأثبت أقواها, وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله من أحد أمرين:
إما أن يكون الزوج قد دخل بها قبل ابتياعها له أو لم يدخل بها, فإن لم يكن دخل بها فصداقها قد سقط لانفساخ النكاح من جهتها قبل الدخول, وإذا سقط الصداق بطل ضمان السيد له؛ لأن الضمان فرع الأصل قد بريء منه المضمون فبريء الضامن منه وللسيد عليها الألف الذي اشترت به زوجها ولا مطالبة لها بصداقها.
فرع:
وإن كان قد دخل بها قبل ابتياعها له, فقد استقر لها الصداق كاملًا بالدخول على الزوج قد ملكته, فصار عبدًا لها, قيل تبرأ الزوج منه بحدوث ملكها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: قد بريء منه؛ لأن السيد لا يصح أن يثبت له في ذمة عبده ماله, فعلى هذا قد بريء السيد من ضمانه لبراءة المضمون عنه, وللسيد مطالبتها بالألف الذي هو ثمن.
والثاني: أن الزوج لا يبرأ من صداقها وإن صار عبدًا لها, لاستقراره عليه قبل ملكها له, فلم يسقط إلا بأداء أو إبراء, وإن صار بها عبدًا, وإنما لا يثبت لها ابتداء في ذمته مال بعد أن صار لها عبدًا, فإما أن يكون الحق ثابتًا فلا يمتنع أن يكون بعد الملك باقيًا فعلى هذا لها على السيد الألف الذي هو صداقها, وللسيد عليها الألف التي هي ثمن زوجها, فإن كانت الألفان من نقدين مختلفين لم يصر قصاصًا, وكان عليها أن يؤدي إلى السيد الألف التي هي ثمن زوجها, وعلى السيد أن يؤدي إليها الألف التي هي صداقها.
فإن قال كل واحد منهما: لا أدفع ما علي حتى أقبض مالي لم يكن ذلك له؛ لأنه لا تعلق لأحد المالين بالآخر, فأيهما بدأ بالمطالبة قضى له على صاحبه بالدفع, فإن تبرأ من الألفين صح الإبراء, فلو قال كل واحد منهما لصاحبه: قد أبرأتك إن أبرأتني لم يصح لما فيه من تقييد البراءة بشرط, ولو قال: قد أبرأتك فأبرئني فهو مبرئ من حق بغير شرط, فحصت براءته وطلب إلى الآخر أن يبرئه, وكان بالخيار بين أن يبرئه أو لا يبرئه, وإن كانت الألفان من نقد واحد لا يختلف فكانت الألف الثمن من جنس الألف الصداق وعلى صفتها, فهل يصير قصاصًا أم لا؟ على أربعة أقاويل:
أحدهما: أن يصير قصاصًا اختارا أو لم يختارا هذا, قد بريء كل واحد منهما من حق صاحبه.
والقول الثاني: أنه يصير قصاصًا إن اختارا أو أحدهما ولا تصير قصاصًا إن لم
الجزء: 9 - الصفحة: 80
يختر واحدا منهما.
والثالث: أنه يصير قصاصاً إن اختاراه معاً، ولا يكون قصاصاً إن اختاره أحدهما.
الرابع: وهو مخرج أنه لا يصير قصاصاً بحال وان اختاراه، وعلى كل واحد منهما أن يؤدي إلى صاحبه ماله ويستوفي منه ما عليه.
ووجه هذه الأقاويل يذكر في موضعه من كتاب المكاتب إن شاء الله.
مسألة:
قال الشافعي: "وله أن يسافر بعبده , ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره إلا في الحين الذي لا خدمه له فيه".
قال في الحاوي:
اعلم أن السيد إذا أذن لعبده في النكاح فعلى حالتين:
أحداهما: أن يلتزم لزوجته المهر والنفقة.
والحال الثانية: أن لا يلتزم، فإن لم يلتزم لها المهر والنفقة، فعليه أن يمكن عباه من اكتساب المهر والنفقة نهاراً، ويخلي بينه وبين زوجته ليلا، فيكون تخليته نهاراً للاكتساب وليلا للاستمتاع، إلا أن تكون زوجته في منزل سيل هـ فلا يلزمه تخليته ليلاً لوصوله إلى الاستمتاع مع سيده، فلو أراد السيد أن يسافر بعبده هذا لم يكن له ذلك لما فيه من منعه من الاكتساب، فإن قهره على نفه، قال أبو حامد الإسفراييني: يضمن أقل الأمرين من أجرة مثله أو نفقة زوجته؟ لأن أجرته إن زادت كان له أخذ الزيادة وان نقصت لم يلزمه إتمام النفقة، وهذا الذي قاله عندي ليس بصحيح، بل يضمنه لها نفقة ولا يضمن أقل الأمرين لأمرين:
أحدهما: أنه يضمن ذلك في حق الزوجة لا في حق العبد، فلزمنه نفقة الزوجة ولم تلزمه أجرة العبد.
والثاني: إن حال إجباره أعظم من حال خيارهء فلما لزمه في حال الاختيار ضمان النفقة فأولى أن يلزمه في حال الإجبار ضمان النفقة، فأما إذا قهره على نفسه ليلا وأرسله نهاراً فقد تعدى كتعدية ولو قهره نهارا غير أنه يضمن زمان نهاره ولا يضمن زمان ليله.
والفرق بينهما: أن زمان ليله مستحق الاستمتاع الذي لا يقابله عوض فلم يضمن، وزمان نهاره مستحق للكسب الذي يقابله عوض ضمن.
فرع:
فإن التزم السيد لها المهر والنفقة فله أن يستخدمه في مصره، وله أن يسافر به لأمرين:
الجزء: 9 - الصفحة: 81
أحدهما: أن السيد إذا التزم له المهر والنفقة سقط عنه ما لزمه بالزوجية فعاد إلى ما كان عليه من قبل وقد كان له أن يستخدمه في الحضر والسفر فكذلك الآن.
والثاني: أن منزلة السيد مع عبده كمنزلة الحر في نفسه فكل ما جاز للحر أن يفعله مع زوجته من تصرف في الحضر وتقلب في السفر جاز للسيد أن يفعله مع عبده.
وإذا كان كذلك فللسيد حالتان:
إحداهما: أن يستخدمه في مصره فله أن يستخدمه نهاراً وعليه أن يرسل للاستمتاع بزوجته ليلاً؟ لأن زمان الاستخدام هو النهار فيعلق حق السيد به دون الليل، وزمان الاستمتاع هو الليل فيعلق حق العبد به دون النهار.
والحالة الثانية: أن يسافر به فله أن يسافر به ويقطعه عن زوجته ليلاً ونهارا.
فإن قيل: أفليس الليل في الحضر مستثنى من حق السيد، فهلا كان في السفر كذلك "قيل: لأن السيد في الحضر قد يصل إلى حقه من استخدام النهار، وإذا أرسله ليلاً للاستمتاع ولا يصل في السفر إلى حق من استخدام النهار إذا أرسله ليلاً للاستمتاع، فكذلك مار زمان الليل مستثنى في حال السيد في الحضر وغير مستثنى من السفر، إلا أن تكون الزوجة مسافرة مع العبد فيستوي حكم الحضر والسفر في استثناء الليل منها.
فأما إن كان السيد ممن عمله واستخدامه في الليل دون النهار كالبزارين والرياحين والحدادين، صار الليل زمان استخدامه لعبده، والنهار زمان إرساله للاستمتاع بزوجته، ولا ينبغي للسيد أن يسافر بعبده عنا استغنائه عنه قصدا للإضرار به وبزوجته، وكذلك في مصره، فأما قول الشافعي: "له أن يسافر بعبده" فقد ذكرنا جوازه وقوله: "ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره" ففيه تأويلان:
أحدهما: قاله أبو حامد أنه يمنعه من الخروج من بيته إذا كانت امرأته فيه وان كانت خارجة منه لم يكن له منعه من الخروج إليها.
والثاني: وهو أشبه التأويلين عندي.
أنه يمنعه من الخروج من بيته نهارا؛ لأن زمان الاستخدام وليس له أن يمنعه من الخروج ليلاً في زمان الاستمتاع ألا ترى الشافعي قال بعد ذلك: "إلا في الحين الذي لا خدمة له فيه" يعني الليل.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قالت له أمته أعتقني على أن أنكحك وصداقي عتقي فأعتقها على ذلك فلها الخيار في أن تنكح أو، تدع ويرجع عليها بقيمتها فان نكحته ورضي بالقيمة التي عليها فلا بأس.
قال المزني: ينبغي في قياس قوله أن لا يجيز هذا المهر حتى يعرف قيمة الأمة حين اعتقها فيكون المهر معلوماً لأنه لا يجيز المهر غير
الجزء: 9 - الصفحة: 82
معلوم.
قال المزني: سألت الشافعي رحمه الله عن حديث صفيه قفية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها فقال: للنبي صلى الله عليه وسلم في النكاح أشياء وليست لغيره".
قال في الحاوي: إذا أعتق السيد أمته على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها، أما إن ابتدأها بذلك أو سألته فأجابها إلى ذلك فقد عتقت، وهي بالخيار في الحالين بين أن تتزوج به أولا تتزوج.
وقال أحمد بن حنبل: قد صارت له بهذا العتق زوجة من غير عقه.
وقال الأوزاعي: لا تصير زوجة بالعتق ولكن تخير على أن تتزوج به بعقد مستجد.
واستدل أحمد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" ولم ينقل أنه عقد بعد العتق عليها ثم دخل بها.
واستدل الأوزاعي بأنه لو أعتقها على معلوم من خامته أو عمل أخذت به جبراً فكذلك على التزويج.
ودليلنا: هو أن بدل العوض على نكاح في الذمة لا يصحء كما لو أعطاها ألفاً على أن تتزوج به بعد يوم لم يصح كذلك هذا.
ولأن الذمة إنما ثبتت فيها الأموال والأعمال، ظ لأهوال كالقرص والسلم والأعمال كالبناء والخياطة، فأما العقود فلا يثبت في الذمة، كما لو أعطاه ثوباً على أن تبيعه داراً، أو يؤجره عبداً لم يصح، كذلك النكاح لا يثبت في الذمة بما نفذ من العتق.
وفي هذا الاستدلال انفصال عما استدل به الأوزاعي: لأن قطع الخيار قبل ما يملك به استحقاق الخيار لا يصح، كما لو أسقط الشفيع خياره في أخذ الشفعة قبل البيع لم يسقط الخيار بعد البيع، وكذلك خيار المعتقة في التزويج يكون بعد العتق فلا يصح إسقاطه قبل العتق، ويدل على أحمد خصوصًا أن العتق مزيل لملك المعتق عن الرقبة والمنفعة فلم يجز أن يثبت به عقد النكاح الذي هو بعض تلك المنفعة؟ لأن ما أوجب نفي شيء استحال أن يوجب إثباته واثبات بعضه لكونهما فمدين متنافيين.
فأما استدلال أحمد بحديث صفية فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوجها فبطل استدلال به.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص في مناكحه بما ليس لغيره.
قال المزني: سألت الشافعي عن حديث صفية فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها.
قال الشافعي للنبي صلى الله عليه وسلم قال المزني: كأنه ذهب إلى أنه مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، فاختلف أصحابنا فيما خص به في أمر صفية على أربعة أوجه:
أحدهما: أنه خص بأن صار عتقها نكاحها ولا يصير عتق غيره من أمته نكاحاً.
والثاني: أنه خص بأن وجب عليها أن تتزوج به ولا يجب على غيرها أن تتزوج بغيره.
والثالث: أنه خص بأن لم يلزمه لها صداق وغيره يلزمه الصداق.
والرابع: أنه خص بأن صارت قيمتها وان جهلت صداقاً منه ولا تكون القيمة إذا جهلت صداقاً من غيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 83
فرع
فإذا أثبت أنها لا تجبر على نكاحه إذا أبت فكذلك لو بذلت له نفها لم يجبر على نكاحها إذا أبى لأن الشرط إذا لم يوجب إجبارها لم يوجب إجباره.
وكان كل واحدا منهما على خياره.
وإذا كانا كذلك فلها حالتان:
إحداهما: أن يتناكحا.
والثاني: أن لا يتناكحا.
فإن لم يتناكحا إما لامتناعه أو امتناعها فله عليها قيمتها وإنما وجبت له عليها قيمتها؟ لأنه أعتقها على شرط منع الشرع من لزومه.
فإذا فاته الرجوع برقبتها لنفوذ العتق رجع بقيمتها كما لو أعتقها على حمى أو حرى تجب له القيمة يوم العتق لا يوم الرجوع بالقيمة لأن بالعتق ومع الاستهلاك الموجب للقيمة.
وهكذا لو أعتق على هذا الشرط أم ولده أو مكاتبته أم مدبرته لم يلزمهن أن يتزوجن به وكان له على كل واحدة منهن لأنهن مواء في تفارقهن فتساوين في عتقهن.
وهكذا لو أعتقهن على أن يتزوج بهن ولم يقل على أن عتقهن صداقهن كان العتق نافذاً وله عليهن قيمتهن؛ لأن الشرط الذي في مقابلة عتقهن لم يلزمهن توجب العدول عنه إلى قيمتهن.
فرع
فإن اتفقا على أن نكحها فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن ينكحها على صداق معلوم معينا أو في الذمة فالنكاح بلا صداق جائز وله عليها قيمتها ولها عليه صداقها.
فإن كان الصداق معيناً لم يجز أن يكون قصاصا وكذلك لو كان في الذمة من غير جنس القيمة لم يكن قصاصاً أيضاً، وان كان في الذمة من جنس القيمة فهل يكون قصاصا أم لا؟ على ما ذكرنا من الأقاويل الأربعة.
والثاني: أن ينكحها على أن يكون عتقها صداقها والنكاح جائز والصداق باطل.
وقال أبو حنيفة: الصداق جائز وهذا خطأ؛ لأن العتق ليس بمال ولا عمل يعتاض عليه بمال، فلم يجز أن يكون صداقاً وصح النكاح؟ لأن بطلان الصداق لا يوجب فساد النكاح فتكون لها عليه مهر مثلها كما لو تزوجها على صداق فاسد من محرم أو مجهول ويكون له عليها قيمتها، فإن كانت القيمة مهر المثل من جنسين مختلفين لم يكونا قصاصاً، وان كانا من جنس واحد فهل يكون قصاصاً أم لا؟ على ما ذكرنا من الأقاويل.
والثالث: أن ينكحها على أن تكون قيمتها صداقًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكونا عالمين بقدر القيمة فيكون النكاح والصداق جائزين؟ لأنه تزوجها على معلوم في ذمتها فصار كما لو تزوجها على دين في ذمتها من ثمن أو قرض وتبرأ من قيمتها بالصداق، ويبرأ من صداقها بالقيمة.
والثاني: أن يكونا جاهلين بقدر القيمة أو أحدها، فالنكاح جائز وفي بطلان الصداق قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 84
أحدهما: وهو قوله في الجديد، واختاره المزني وأبو إسحاق المروزي: أن الصداق باطل: لأن الجهالة تمنع من صحته، كما لو تزوجها على عقد غير موصوف، ولا معين.
والثاني: قاله في القديم واختاره أبو علي بن خيران، وأبو علي بن أبي هريرة، أن الصالح جائز بناء على قوله في القديم: أن الصداق المعين إذا بطل وجب الرجوع بقيمة لا بمهر المثل فتصح هاهنا؛ لأن قيمة الصداق هي القيمة المستحقة.
فرع:
فإذا أراد سيد الأمة أن يتوصل إلى عتقها ونكاحها من غير أن يكون لها خيار في الامتناع بعد العتق، فقد قال أبو علي بن خيران: إنه يقدر على التوصل إلى ذلك بأن يقول لها: إن تزوجتك في غدٍ فأنت اليوم حرة، فهي ما لم يتزوجها في غير باقية على الرق لا خيار لها في نفسها وإذا تزوجت أوجب التزويج تقدم عتقها، وبان أن العقد وقع عليها وهي حرة قبله بيوم فصح.
وقال سائر أصحابنا: هذا خطأ والنكاح فاسد؛ لأن العتق لا يقع إلا بعد تمام العقد، فصار العقد واقعاً في حال الرق، ولا يصح لأحد أن ينكح أمته فبطل العقد إذا لم يقع العتق: لأن العتق إذا علق بعقد تعلق بصحيحة دون فاسدة.
فرع
وإذا قالت المرأة لعبدها: قد أعتقتك على أن تتزوج بي، أو ابتدأها العبد فقال: اعتقيني أن أتزوج بك فأعتقته، عتق في الحالين، ولم يلزمه أن يتزوج بها ولا يلزمها إن رضي أن تتزوج به لما قدمناه، ولا قيمة لها على عبدها بخلاف عتق السيد لأمته على هذا الشرط، والفرق بينهما: أن ما أوجبه عقد النكاح من التمليك يستحق الزوج دون الزوجة، فإذا شرطه السيد على أمته كان شرطاً له، فإذا فاته رجع ببذل كما لو أعتقها على ط ل يأخذه استحق عليها، وإذا شرطت المرأة على عبدها كان شرطاً عليها فلم يكن سقوطه عنها موجباً لرجوعها ببدله، وصار كما لو أعتقه على مال يدفعه إليها لم يلزمها دفع المال إليه ولم يكن لها عليه شيء.
فرع
وإذا قال الرجل لسيد عبد: أعتق عبدك على أن أزوجك بنتي، فأعتقه على هذا الشرط بعد العتق لم يلزمه تزويج بنته بهء لما ذكرنا من أن عقا النكاح لا يصح فيه السلف ولا يثبت في الأمة، ثم ينظر فإن كان قال له: أعتق عبدي عني على أن أزوجك بنتي، كان العتق واقعاً على الباذل للنكاح دون السيد.
وكان للسيد أن يرجع عليه بقيمة عبده: لأنه أعتقه عنه على بذل لم يحصل.
وان قال له: أعتق من نفسك على أن أزوجك بنتي، ففي وجوب قيمة العبد عليه وجهان من اختلاف قوليه فيمن قال لعباه: أعتق عبدك على
الجزء: 9 - الصفحة: 85
نفسك على ألف لك علي، نفي وجوب الألف عليه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه: لأنه لم يعد عليه ني مقابله ذلك نفع، نعلى هذا لا يجب عليه ها هنا قيمة.
والثاني: تجب عليه القيمة الألف كما لو قال: طلق زوجتك على ألف لك علتي لزمه الألف، كذلك في العتق، فعلى هذا يجب عليه هاهنا القيمة.
فرع
وإذا أعتق الرجل أمته في مرض موته وهي تخرج من ثلث ماله في حال عتقها ثم تزوجها، ففي النكاح وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في العتق، وهل وقع بأجزاء، في الظاهر أو موقوفا؟
فأحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه وقع بأجزاء في الظاهر لخروجها من الثلث في حال العتق، فإن صح من مرضه أو مات وهي خارجة من ثلثه استقر العتق من وقت التلفظ به.
فإن تلف ماله ثم مات فلم يخرج من ثلثه أبطل العتق الواقع في الظاهر بما تجدد من السبب المانع.
والثاني: وهو قول ابن الحداد وبعض المتأخرين أن تعتق موقوف على ما يكون من موت السيد أو صحته ولا يحكم في المال بصحة ولا فساد فإن صح أو مات وهي خارجة من ثلث بان أن العتق كان واقعاً باللفظ فإن مات وهي خارجة من الثلث أو أتلف ماله أو حدوث دين أحاط بجميعه بان أن العتق لم يقع لأن ما تردد بين أمرين لم يقطع بأحدهما ووجب أن يكون موقوفا على ما يستقر منهما.
فإذا تقرر هذان الوجهان تفرع النكاح وغيره من الأحكام عليها.
فإذا قيل بالوجه الأول إن العتق وقع ناجزاً في الظاهر جاز له أن يتزوجها وأن يزوجها بغيره وجاز لو وهبها ولم يعتقها أن يطأها الموهوبة له وقبلت شهادتهما وحد قاذفهما، وان قذفت أكمل حدها وترث وتورث.
وإذا قيل بالوجه الثاني: إن العتق موقوف لم يجز أن يتزوجها ولا أن يزوجها وكان النكاح إن تزوجها أو زوجها باطلاً؟ لأن النكاح لا ينعقد موقوفا ولم يجز إن وهبت ولم يعتق أن يطأها الموهوب له ولا أن يتصرف فيها؛ لأنه كما يكون العتق موقوفا فكذلك الهبة تكون موقوفة ولا تقبل شهادتها ولا يحد قاذفها وان قذفت لم يكمل حاها ويقف ميراثها على ما يتبين من أمرها.
فصل
فإذا وضح ما وصفنا فد حكم النكاح إن صح أو فسد، فإذا قيل: إن النكاح باطل فإن لم يدخل بها السيد حتى مات فلا مهر لها ولا عدة عليها وهي حرة إن خرجت من الثلث وقت الوفاة، فإن عجز الثلث عنها عتق منها قدر ما احتمله الثلث على ما سنذكره، ورق باقيها إن لم يمض الورثة عتقها.
وان قيل: إن النكاح صحيح ومات والثلث يحتمل جميع قيمتها استقر عتقها وعليها عدة الوفاة دخل بها السيد أو لم يدخل ولا ميراث لها؛
الجزء: 9 - الصفحة: 86
لأن ثبوت الميراث يؤدي إلى سقوطه؛ لأن عتقها في المرض وصية بها، وإذا ورثت منعت الوصية، وإذا منعت الوصية بطل العتق، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل النكاح سقط الميراث، وما أدى ثبوته إلى نفسه لم يثبت.
فأما المهر فإن كان يقدر مهر فما دون أخذته من رأس المال، وان كان أكثر من مهر المثل كان قدر مهر المثل هن رأس المال، وكانت الزيادة عليه وصية لها تعطاها من الثلث إن احتملها؛ لأنها غير وارثة فلو كانت قيمتها تخرج من الثلث وقت العتق ولا تخرج من الثلث وقت العتق ننر في الورثة فإن يجيزوا ما زاد على الثلث أعتق منها قدر ما احتمله الثلث ويرق الباقي وكان النكاح باطلاً على الوجهين معاً.
فإن لم يدخل بها فلا مهر لها.
وان دخل بها كان مهر المثل بقدر ما عتق منها وسقط منه بقدر ما رق وان أجاز الورثة العتق عتق جميعها.
فأما النكاح فعلى اختلاف قولي الشافعي إجازة الورثة هل هي تنفيذ للوصية أو ابتداء ~. فإن قيل: إنما تنفيذ ما فعله كان النكاح جائزاً.
إن قيل: إنها ابتداء عطية منهم كان النكاح باطلاً.
فلو كانت قيمتها تخرج من الثلث وقت العتق ووقت الموت وكان المهر إن دفع نقص من الثلث عن قيمتها نظر فإن لم يكن قد دخل بها فلا مهر لها والعتق فيجمعها نافذ والنكاح على قول أبي العباس جائز؛ لأن ثبوت المهر يؤدي إلى سقوطه لعجز الثلث عن قيمتها وعجزه يؤدي إلى رق بعضها ورق بعضها يؤدي إلى بطلان نكاحها وسقوط مهرها وما أدى ثبوته إلى سقوط لم يثبت وان كان قد دخل بها فقد استحقت بالدخول مهر المثل.
فإن أبرأت منه اتسع الثلث لقيمتها فنغذ عتقها وصح نكاحها.
وان طالبت استحقت منه بقار ما تحرر من عتقها وكان نكاحها باطلاً وسقط منه بقدر ما رق منها ودخله الدور وسنذكر من طريق العمل ما يعلم به قدر ما تتحرر من العتق على حقيقة، والله أعلم.
الفصل
فنقول: إذا أعتق في فرضه أمة له قيمتها مائة درهم لا مال له غيرها وتزوجها على صداق مائة دوهم ومهر مثلها خمسون درهما فالنكاح باطل على الوجهين معا، فإن لم يدخل بها فلا مهر لها وعتق ثلثها إن لم يجز الورثة عتق جميعها وان دخل بها، فإن أبرأت من المهر عتق منها الثلث ورق الثلثان، وان طالبت بما تستحقه من مهر مثلها داخلة الدور وبان العمل فيه من طريق الخبر أن يقول: للأمة بالعتق شيء ولها بالمهر نصف شيء: لأن مهر مثلها نصف قيمتها وللورثة شيئان مثلاً مما يخرج بالعتق، ويصير الجميع ثلاثة أشياء ونصف شيء فأضر بها في مخرج الكر الذي هو النصف وذلك اثنان تكن سبعة أشياء للعتق منها سهمان سبعاها وذلك ثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع دوهم وللمهر سهم هو سبعها وقيمة أربعة عشر درهما وسبعان، وذلك سبعا مهر مثلها وهو قدر مهر ما أعتق منها ويرق للورثة أربعة أسباعها وذلك بسبعة وخمسين درهماً وسبع درهم، وهو مثلاً ما عتق منها ما يقال للورثة.
إن دفعتم قيمة السبع المستحق في المهر صار لكم خمسة
الجزء: 9 - الصفحة: 87
أسباعها، (وإن) لم تدفعوا بيع ودفع ثمنها إليها.
فرع
وإذا أعتق في مرضه أمته قيمتها مائة درهم وتزوجها على صادق مائة درهم ومهر مثلها خمسون درهماً ومات وخلف معها مائتي درهم فقيمتها تخرج من الثلث فيكون النكاح على وجهين:
أحدهما: وهو قول ابن الحداد ومن تابعه- أن النكاح باطل- فعلى هذا إن لم يدخل بها فلا مهر وقد عتق جميعها وان دخل بها فإن أبرأت من مهر مثلها عتق جميعها أيضا موان لم تبرأ منه وطلبت رق منها بقار ما عجز به الثلث عن قيمتها بالخارج من مهرها وبابه من طريق الخبر ما قدمناه.
وهو أن يقول له: بالعتق شيء وبالمهر نصف شي، وللورثة شيئان ويصير الجميع ثلاثة أشياء ونصف الشيء أخبر بها في مخرج النصف وهو اثنان تكن سبعة أشياء فيعتق منها سهمين بهمين سبعاً التركة وذلك ستة أسباع رقبتها؛ لأن التركة ثلاثماثة وقيمتها مائة فتكون قيمة ستة أسباعها خمسة وثمانين درهم وخمسة أسباع درهم ويكون لها مهر ستة أسباعها اثنين وأربعين درهماً وستة أسباع درهم ويكون للورثة أربعة أسباع التركة وهو مائة وواحد وسبعون درهما وثلاثة أسباع درهم وهو قار السبع الموقوف منها والباقي من التركة بها مهرها.
لأن قيمة سبعها أربعة عشر درهما وسبعان والباقي من المائتين بعد الخارج من مهرها مائة درهم وسبعة وخمسون درهما.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج - أن النكاح جائز فعلى هذا إن لم يدخل بها كان عتق جميعها نافذ بخروج جميع قيمتها من الثلث وسقط المهر؟ لأن ثبوته يؤدي إلى سقوطه لنقصان الثلث به فلم يثبت وان دخل بها فإن أبرأت من مهرها نفذ العتق في جميعها موان طلبته بطل النكاح لنقصان الثلث عن قيمتها وحكم لها بقدر ما تستحقه من مهر المثل دون المسمى؟ لأنه بفساد النكاح يبطل المسمى وكان وجه العمل فيه من طريق الخبر وما ذكرنا والقدر الذي يتحرر من عتقها ما وصفنا، وبالله التوفيق.
باب اجتماع الولاة وأولادهم وتفرقهم
وتزويج المغلوبين على عقولهم والصبيان
مسألة:
قال الشافعي: "ولا ولاية لأحد مع الأب فإن مات الجد ثم الجد ثم أبو الجد ثم أبو أبي الجد كذلك؛ لأن كلهم أب في الثيب والبكر سواء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، أقرب أولياء المرأة إليها وأحقهم بنكاحها الأب؟ لأنها بعضه وهي منه بمثابة نفسه.
روي عن النبي س أنه قال: فاطمة بضعة مني يريبني
الجزء: 9 - الصفحة: 88
(مايريبها) " وقد قيل في قوله تعالى:} كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ {[النساء: 135]، أن الأنفس ها هنا الأولاد، ولأب الأب أكثر العصبات شفقة وحباً وأعظمهم رفقة وحنواً وصار بها أمس، ويطلب الحظ لها أخص، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة ولأن سائر العصابات به يدلون إليه ينتسبون، والمدلى به أقوى من المدلي، ولأنه يلي على المال والنكاح أقوى من بالولاية على النكاح، فصار الأب بهذه المعاني الأربعة أولى بالولاية في النكاح من سائر العصبة.
فرع
فإن مات الأب أو بطلت ولايته بكفر، أو رق، أو جنون، أو فق فالجد أبو الأب أحق العصبات بالولاية بعد الأب.
وقال مالك: الأخ بعه الأب أحق بالولاية من الجد؛ لأن الأخ ابن الأب والجا أو أب الأب، والابن أقوى تعصيباً من الأب وهذا خطأ؟ لأن في الجد بعضية ليست في الأخ فصار بها متشابهاً للأب، ولأن للجد ولاية على المال والنكاح فكان أولى من الأخ الذي تختص ولايته بالنكاح، ولأن الجد كانت له ولاية على الأب فكان بعده أولى من الأخ الذي قد كان تحت ولاية الأب، فأما استدلاله بأن الأخ ابن الأب فكان أولى من أبيه ففاسد من وجهين بابن المرأة وأبيها.
فرع
فإن مات الحد أو بطلت ولايته بكفر أو رق أو جنون أو فسق، قالوا: فالولاية بعده لأبيه ثم تنتقل عنه إلى من فوقه من الآباء كلما عدم الأقرب كانت الولاية بعده لمن هو أبعد حتى ينفذ جميع الآباء، فيكون الجد الأبعد بما فيه من الولادة والبعضية أحق بالولاية من الأخ وان ترب ويكون حكم الأجداد وان بعدوا في إجبار البكر واستئمار الثيب كالأب.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا ولاية بعدهم.
حد مع الأخوة ثم اقرب فالأقرب من العصبة.
قال المزني: واختلف قولا في الإخوة فقال في الجديد: من انفرد في درجة
الجزء: 9 - الصفحة: 89
بأم كان أولى وقال في القديم: هما سواء.
قال المزني: قد جعل الأخ للأب والأم في الصلاة على الميت أولى من الأخ للأب وجعلا في الميراث أولى من الأخ للأب وجعلا في كتاب الوصايا الذي وضعاً بخطه لا أعلمه سمع منه إذا أوصى لأقربهم به رحمًا أنا أولى من الأخ للأب.
قال المزني: وقياس قوله أنه أولى بإنكاح الأخت من الأخ للأب".
قال في الحاوي: اعلم أن الولاية في النكاح تكون للأب، ثم لمن ناسب الأب، ولا يستحقها بالنسبة من لم يرجع بالنسب إلى الأب، فيكون الأب أملأ يرجع إليه كل من استحق الولاية بالنسبة، وإذا كان كذلك فالآباء من جملة العصبات عمود يستحق الولاية منهم الأقرب فالأقرب، ومن هم من العصبات درج مرتبته تخرج من كل درجة عمود، وكل درجة تتقدم بعمودها على ما بعدها وتتأخر بعمودها) على ما قبلها، فإذا انقرض عمود الآباء كانت الدرجة الأولى بني الأب وهم الإخوة وعمودها بنوهم وان سفلوا، والدرجة الثانية بنو الجد وهم الأعمام وعمودها بنوهم وان سفلوا، والدرجة الثالثة بنو أبي الجد وهم أعمام الأب وعمودها بنوهم وان سفلوا، وكذلك بنو أب بعد أب حتى ينقرض جميع الآباء فيصير أحق العصبات بالولاية بعد الآباء الإخوة وبنوهم وان سفلوا، ثم الأعمام وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام الأب وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام الجا وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام جد الجا وبنوهم وان سفلوا، وكذلك أبداً حتى ينقرض الآباء كلهم فلا يبقى بعدهم ولي مناسب، فينتقل حينئذ الولاية على المناسبين إلى غيرهم من الموالي المعتقين، ثم إلى عصبتهم على ما سنذكره، ثم إلى السلطان فهو ولي من لا ولي له.
فصل
فإذا تقررت هذه القاعدة في ترتيب العصبات لاستحقاق الولاية، فأول درجة ينتقل إليها الولاية بعد الآباء الإخوة، والإخوة ثلاثة أقام: إخوة لأب وأم، وإخوة لأب، واخوة لأم.
فأما الإخوة للأم فلا ولاية لهم سواء اجتمعوا مع غيرهم من العصبات أو انف دوا؟ لأنهم لما أدلو ابالأم ولم يرجعوا بنسبهم إلى الأب خرجوا من جملة العصبات المناسبين فلم يكن لهم ولاية.
وأما الإخوة للأب والأم والإخوة للأب فلهم الولاية، فأي الفريقين انفرد كان ولياً، فإن انفرد الأخ للأب والأم كانت الولاية له، وان انفرد الأخ للأب كانت الولاية له، وان اجتمعا ففيه قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم: وهو مذهب مالك وأبي ثور أنهم سواء، ولا يقدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب في الولاية على النكاح وان قدم عليه في الميراث لأمرين:
أحدهما: أن الأم لا مدخل لها في ولاية النكاح فلم يترجع من أدلى بها؛ لأن المدلى به أقوى من المدلي وليس كالميراث الذي يقدم فيه الأخ للأب والأم على الأخ
الجزء: 9 - الصفحة: 90
للأب؛ (لأن) للأم في الميراث مدخل فلذلك يرجع أدلى بها.
والثاني: أن ولاية النكاح تختص بها الذكور فلم يترجح فيها من أدلى بالإناث كتحمل العقل.
والقول الثاني: قاله في الجديد وهو مذهب أبى حنيفة - أن الأخ للأب وإلام أحق بالولاية من الأخ لأمرين:
أحدهما: أن الإدلاء بالأم كالتقدم بدرجة بدليلين:
أحدهما: أن للأخ للأب واللام يحجب الأخ للأب كما يحجب ابن الأخ.
والثاني: للأخت مع الأب من الأم والأم السدس كما يكون لبنت الابن مع بنت الصلب، وإذا كان الإدلاء بالأم كالتقدم بدرجة بهذين البلدين وجب أن يكون أولى بالولاية، وقد عبر المزني عن هذا الاستدلال بأن المدلى بالأبوين أقرب من أدلى بأحدهما، استشهادا بالوصايا فيمن وصى بثلث ماله لأقرب الناس به وترك أخوين أحدهم لأب أم الآخر لأب أن يكون الأخ للأب والأم اتفاقا لاختصاص بالقرب، فكذلك ولاية النكاح فهذا وجه.
والثاني: أن الأخ للأب والأم أدائه بالسببين واشتراكهما في الرحمين أكثر إشفاقا وحبا ممن تفرد بأحدهما، فصار بمعنى الولاية أخص وبطلب الحظ فيها أمس، كما كان الأب لاختصاصه بهذا المعنى أحق بها من سائر العصبات، وهكذا الصلاة على الميت في أحقهما بها قولان، وهكذا في تحمل العاقلة للدية إذا كان فيها أخ لأب وأم، أخ لأب قولان فتكون هذه المسائل الثلاث على قولين.
فأما في الميراث والوصية للأقرب، فالأخ للأب والأم في هذه المسائل الثلاث أحق من الأخ للأب.
فصل
فإذا تقرر هذان القولان في الأخوين فهكذا بنوهما فيكون ابن أخ لأب وأم وابن أخ لأب في أحقهما بالولاية قولان، وهكذا بنو أبى الأخوين وإن سفلوا وإن استووا في الدرج، فإن اختلف درجهم قدم الأقرب إن كان للأب، فيكون الأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم، وكذلك من بعدة، وهكذا الأعمام وبنوهم الأخوة وبينهم، فالعم للأم لا ولاية له لخروجه من العصبات، وإن تفرد بها عم الأب وأم كانت الولاية له، وإن اجتمعا فعلى القولين الماضيين:
أحدهما: وهو القديم- أنهما سواء.
والثاني: وهو الجديد: أن العم للأب والأم أولى.
وهكذا بنو هذين العمين على القولين فإن اختلف الدرج قدم الأقرب وإن كان لأب فيكون العم للأب أولى من أبن العم للأب والأم وهكذا الكلام في أعمام الآباء والأجداد (وبنيهم).
الجزء: 9 - الصفحة: 91
فصل
وإذا كانت للمرأة ابنا عم أحدهما أخ لام ففيها قولان كالأخ من الأب والأم والأخ من الأب.
فإن قيل: إنهما سواء كان ابنا العم سواء.
وإن كان أحدهما أخا لأم.
وإن قيل: إن الأخ للأب والأم أولى كان ابن العم الذي هو أخ لأم أولى لفضل إدلائة بالأم، فأما العمان إذا كان أحدهما خالا فهما سواء؛ لأن الخال لا يرث فلم يترجح به أحدهما على الآخر، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمة الله: "ولا يزوج المرأة ابنها إلا أن يكون عصبة لها".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لا ولاية للابن على أمة، وليس له أن يزوجها بالبنوة.
وقال مالك، وأبو حنيفة وصاحبة، وأحمد، وإسحاق يجوز للابن أن يزوج أمة اختلفوا في ترتيبه مع الأب.
فقال مالك، وأبو يوسف، وإسحاق: الابن أولى بنكاحها من الأب.
وقال أحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن: الأب أولى ثم الابن.
وقال أبو حنيفة: هما سواء وليس أحدهما بأولى من الأخر، فأيهما زوجها جاز واستدلوا جميعا على ثبوت ولاية الابن عليها بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب أم سلمه، قالت: يا رسول الله مالي ولى حاضر، فقال: "مالك ولى حاضر ولا غائب لا يرضاني"، ثم قال لابنها عمر بن أبى سلمه: "قم يا غلام فزوج أمك" فهذا نص.
قالوا: وقد روى أن أنس بن مالك زوج أمة أم سليم من عمة أبى طلحة فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن ابن المرأة عصبة لها فجاز أن يكون وليا في نكاحها كالأب، ولان تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب، لأنهما إذا اجتمعا سقط بالابن تعصيب الأب وصار معه ذا فرض فاقتضى أن يكون أولى بتزويجها من الأب، ولان الولي إنما يراد لحفظ المنكوحة من تزوج من لا يكافئها فيدخل العار على أهلها، والابن رافع للعار عنها وعن نفسه من سائر الأولياء لكثرة أنفته وعظم حميته، فكان أحق بنكاحها.
ودليلنا: هو أن كل نسب لا يملك به أو المنتسب الولاية لم يملك المنتسب بالولاية كالأخ من الأم طردا أو كالأخ من الأب عكسا، ولان كل ذي نسب أولى بمن لا يملك الإجبار على النكاح لم يكن وليا في النكاح كابن الأخت طردا، وكابن الأخ عكسا، ولان من لم يجمعهما نسب لم يثبت بينهما ولاية النسب كالابن من الرضاع فإن قيل: فالابن مناسب والمرتضع غير مناسب.
قيل: الابن غير مناسب لأمة؛ لأنة يرجع بنسبة إلى أبية لا إليها، ألا ترى أن ابن العربية من النبطي نبطى، وابن النبطية من العربي عربي،
الجزء: 9 - الصفحة: 92
ولأن (ولي) الأختين المتناسبتين واحد وولاية الأخوين المتناسبتين واحد، فلما لم يملك الابن تزويج خالته لم يملك تزويج أمة ولما لم يملك أخوة لأبية تزويج أمة لم يملك هو تزويج أمة.
ويتحرر من الاعتلال: قياسان:
أحدهما: أن من لم يملك تزويج امرأة لم يملك تزويج أختها المناسبة لها قياسا على ابن البنت طردا، وعلى ابن العم عكسًا.
والثاني: أنها امرأة لا تملك أخوة المناسب له تزويجها فلم يملك هو تزويجها كالخالة طردا وكالعمة عكسا، ولأن كل موضع الولاية بالنسب أن يكون على الولد فلم يجز أن يصير للولد قياسا على ولاية المال، ولأن ولايته على نكاحها لا يخلو أن يكون لإدلائه بها أو بأبية، فلم يجز أن يكون لإدلائه بأبية؛ لأن أباة أجنبي منها، ولم يجز أن تكون لإدلائه بها؛ لأنة لا ولاية لها على نفسها، فأولى أن يكون لها ولاية لمن أدلى بها.
وإذا بطل الإدلاء بالسببين بطلت الولاية.
فإن قيل: فغير منكر أن يكون لمن أدلى بها من ولاية النكاح ما ليس لها كالأب يزوج أمة بنته إدلاء بها وليس للبنت تزويجها.
قيل: لم يزوجها الأب أداء بالبنت؛ لأن الإدلاء إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، ولا يكون من الأعلى بالأسفل، وإنما زوجها لأنة لما كان وليا على بنته، فأولى أن يكون وليا على بنته؛ لأن الولاية إذا أثبتت على الأقوى فأولى أن تثبت على الأضعف.
فأما الجواب عن تزويج أم سلمه فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: أب ابنها زوجها.
لأنه كان مع النبوة مناسبًا لها، لأن عمر بن أبى سلمه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فكان من بني عمها يجتمعان في عبد الله بن عمر بن مخزوم.
قال أحمد بن حنبل: فكان أقرب عصباتها الحاضرين فزوجها بتعصيب النسب لا بالنبوة.
والجواب الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم "قم فزوج أمك" أي فجئني بمن يزوج أمك أمرين:
أحدهما: أن أم سلمه قالت: يا رسول الله مالي ولى حاضر، فأقرها على هذا القول، فدل على أنه لم يكن وليًا.
والثاني: أن كان غير بالغ، قيل: إن كان ابن ست سنين، وقيل: ابن سبع سنين، فدل بهذين الأمرين على أن أمرة بالتزويج إنما كان أمرا بإحضار من يتولى التزويج.
والجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص في مناكحة بأن يتزوج بغير ولي، فأمر ابنها بذلك استطابه لنفسه لا تصحيحا للعقد، على أن راوي هذا اللفظ إنما هو ثابت عن عمر بن أبى وثابت لم يلق عمر فكان منقطعًا.
وأما أنس بن مالك فكان من عصبات أمة فزوجها بتعصيب النسب لا بالبنوة.
وأما الجواب عن قياسه بأن عصبة كالأب فهو أن الابن عصبة في الميراث ليس
الجزء: 9 - الصفحة: 93
بعصبة في ولاية النكاح؛ لأن ولاية النكاح يستحقها من علا من العصبات، والميراث يستحقه من وسفل من العصبات، ثم المعنى في الأب لما كان أبوة وهو الجد وليا لها كان الأب وليا، ولما كان أبو الابن وهو الزوج غير ولى لها لم يكن الابن وليا.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعصيب الابن أقوى من تعصب الأب، فهو أنه أقوى منه الميراث باستحقاق الولاية في النكاح لا في ولاية النكاح، ولا يجوز أن يعتبره قوة التعصب في الميراث؛ لأن الصغير والمجنون من الأنباء يسقط في الميراث تعصيب الآباء وإن خرج من ولاية النكاح عن حكم الأب.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنة أعظم حمية وأكثر أنفة في منعها من غير حمية وأكثر أنفة في منعها من غير الأكفاء، فهذا المعنى هو الذي أبطل ولايته به، وبه استدل الشافعي فقال: "لأنه يرى نكاحها عار" يعنى أنه يدفع عن تزويجها ويراه عارا فهو لا يطلب الحظ لها في نكاح كفئها، والولي مندوب لطلب الحظ فلذلك خرج الابن عن معنى الأولياء.
فصل
فإذا تقرر أن ليس للابن تزويج أمة بالبنوة فله تزويجها بأحد أربعة أسباب:
أحدها: أن يكون عصبة لها من النسب، بأن يكون ابن ابن عمها وليس لها من هو أقرب منه فيزوجها؛ لأن بنوته إن لم تزده ضعفًا، فعلى هذا لو كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها، فعلى قياس قوله في القديم هما سواء كالأخ للأب والأم مع الأخ للأب، وعلى قياس قوله في الجديد ابنها أولى لفضل إدلائه بها.
والسبب الثاني: أن يكون موالٍ لها يزوجها بولاية الولاء، فلو كان لها ابنا مولى أحدهما ابنها فعلى قولين، كالأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب:
أحدهما: وهو القديم أنهما سواء.
والثاني: وهو الجديد أن ابنها يفضل ادلائه بها أولى.
والثالث: أن يكون ابنها قاضيا وليس لها عصبة مناسب فيجوز لابنة أن يزوجها بولاية الحكم.
والرابع: أن يكون وكيلًا لوليها المناسب فيجوز له أن يزوجها نيابة عنه يزوجها المستناب من الأجانب.
فصل
فإذا أعتقت المرأة أمة لها وأرادت تزويجها وكان لها أب وابن فأبوها أولى بتزويج المعتق من ابنها فلو ماتت السيدة المعتقة وخلفت أباها وابنها فولاء أمتها التي أعتقها للابن دون الأب وفي أحقهما بنكاحها وجهان:
أحدهما: أن الأب أولى بولاية نكاحها من الابن كما كان أولى بذلك في حياة سيدها.
الجزء: 9 - الصفحة: 94
والثاني: أن الابن بعد موت السيد أولى بنكاح المعتقة من الأب لأنة قد صار بعد الموت أملك بالولاء من الأب فصار أملك بولاية النكاح من الأب، والله أعلم.
مسالة:
قال الشافعي: "وَلَا وِلَايةَ بَعْدَ النَّسبِ إِلا لِلمُعتِقِ ثٌمَّ أَقْرَبِ النَّاسِ بِعَصَبةِ مُعتِقَها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، قد ذكرنا أن أحق الناس بنكاح المرأة الحرة المناسبون لها من العصبات يترتبون بالقرب إليها على ما ذكرنا، فمتى وجد واحد منهم وإن بعد فهو أحق الناس بنكاحها، وإن عدموا جميعًا قام المولى المعتق في نكاحها مقام الأولياء المناسبين من عصبتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب" ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل"، ولأن المولى المعتق قد أفادها بالعتق ما أفادها الأب الحر من زوال الرق حتى صارت مالكة ووارثة وموروثة ومعقولًا عنها، فاقتضى أن تحل محل الأب والعصبات في ولاية نكاحها.
فمتى وجد المولى المعتق بعد فقد العصبات كان أحق الناس بنكاحها، فإن عدم فعصبة المولى يترتبون في ولاية نكاحها على مثل ما يترتبون عليه في استحقاق ولائها وميراثها، فيكون ابن المولى ثم بنوه أحق بولائها وولاية نكاحها من الأب، ثم الأب بعد البنين وبنيهم ثم فيمن يستحق بعد الأب من أهل الدرجة الثانية ثلاث أقاويل:
أحدها: الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الجلد.
والثاني: الجد ثم الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا.
والثالث: الأخوة ثم الجد ثم بنو الإخوة ثم فيمن يستحقها من الدرجة الثالثة ثلاثة أقاويل:
أحدها: الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ثم أبو جد.
والثاني: أبو الجد ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا.
والثالث: الأعمام ثم أبو الجد، ثم بنو الأعمام وإن سفلوا ثم يترتبون في الدرجة الرابعة وما بعدها على ما ذكرنا حتى جميع عصبات المولى، فإن عدموا فمولى المولى ثم عصبته على ما ذكرنا، فإن لم يبق من الموالى المعتقين وعصباتهم أحد وكانت المرأة العادمة للعصبات حرة لا ولاء عليها فالسلطان ولى من لا ولى له وهو الناظر في الأحكام فتكون له الولاية على الأرامل والأيتام.
الجزء: 9 - الصفحة: 95
فرع
وإذا كان للمعتق ابنًا مولى استويا في ولاية نكاحها فأيهما زوجها جاز، ولو كان لها موليان معتقان ولم يجز أن ينفرد أحدهما بنكاحها حتى يجتمعا عليه، أو يأذن أحدهما بنكاحها من غير إذن الأخر كان النكاح باطلا.
وقال أبو حنيفة: أيهما انفرد بنكاحها من غير إذن صح، وأجراهما مجرى أخوي الحرة وابني مولى المعتقة، وهذا الجمع خطأ لظهور الفرق بينهما، وهو أن كلا من الأخوين وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت منهما إلى الباقي ولى كل واحد من المعتقين ممن يستحق كل الولاية، والولاء؛ لأن من مات منهما انتقل حقه إلى الباقي فمنع هذا الفرق من صحة الجميع.
فلو مات أحد المعتقين وترك اثنين فزوجها المعتق الباقي بأحد ابني المعتق الميت جاز ولو زوجها ابنا الميت دون المعتق الباقي لم يجز لما بينا من التعليل ولو أعتق رجلان عبدا أو أعتق العبد أمة ومات العبد لم يكن لأحد معتقيه تزويج الأمة حتى يجتمعا على نكاحها، لأن الذي يملكه كل واحد منهما نصف الولاء فإن تفرد أحدهما بنكاحها بطل وإن عضل أحد المعتقين الآمة أو غاب أو مات ولم يترك عصبة زوجها، الحاكم والمعتق الباقي لينوب الحاكم عمن مات أو عضل فإن تفرد الحاكم بتزويجها دون المعتق أو تفرد به المعتق دون الحاكم كان باطلًا؛ لأنه ليس لأحدهما إلا نصف الولاية.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن استوت الولاة فزوجها بإذنها دون أسنهم وأفضلهم كفؤا جاز".
قال في الحاوي: إذا كان للمرأة جماعة أولياء يساوى الأخوال في التعيب والقرب، كالأخوة وبينهم، والأعمام وبينهم فإنهم في الولاية سواء؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد بها لاستحقها، فإذا شارك غيرة لم يخرج منها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" فجعلهم عند الاشتجار سواء ولم يعدم منهم من التكافئ أحدا، وإذا كان كذلك لم يخل حالهم من أن يتشاجروا أو لا يتشاجروا، فإن لم يتشاجروا: فالأولى أن يتولى العقد منهم أفضلهم مشيا ودينا وعلما، أما المشي فلأنة أخبر بالأمور لكثرة تحربته، وأما الدين فإنه يسارع إلى ما ندب إليه من طلب الخط لوليته، وأما العلم فلأنه يعرف شروط العقد في صحته وفساده، فإذا تولاه من تولاه من تكاملت فيه هذه الأصاف كان أولى وأفضل وإن تولاه منهم خالفهم فكان أصغرهم سنا وأقلهم علما أو دينا لكن بالغا عدلا بالنكاح جاز لأنه لم يكن سواه لصح عقدة ولم يكن لما أخل
الجزء: 9 - الصفحة: 96
به من زيادة الفضل تأثير فكذلك إذا كان مع غيره.
فرع:
فإن تشاجروا أو طلب كل واحد منهم أن يكون هو المتولي للعقد أن يتراجع منهم عند التشاجر بالسن والعلم أحد، وكانوا مع اختلافهم في ذلك سواء؛ لأن كل صفة لم تكن شرطا في الولاية مع الانفراد لم يترجح بها أحدهم عند الاجتماع، كالمخالطة والجوار طردا وكالعدالة عكسا.
وإن كان كذلك وجب الأقرع بينهم ليتميز بالقرعة أحدهم؛ لأن ما اشتركت الجماعة في موجبه ولم يكن اشتراكهم في حكمة تميزا فيه بالقرعة، كما يقرع بين أولياء القصاص فيمن يتولاه منهم وبين أولياء الطفل فيمن يكلفه من بينهم فإذا قرع بينهم كان قرع منهم أولاهم بالعقد أو يتولاه أو أن يأذن لغيرة فيه.
وهل يصير أولى به استحقاقا أو اختيارا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يصبر أولى به من طريق الاستحقاق لترجحة بالقرعة على من سواه.
فعلى هذا إن أذن لغيرة فيه كان نائبا عنه، وإن تولاه غيرة من الجماعة بغير إذنه كان النكاح باطلا.
والثاني: أنه أولى به من طريق الاختيار ليكافئ الجماعة في الاستحقاق فعلى هذا إن أذن لغيره فيه كان تاركا لحقه والمتولي له قائم فيه بحق نفسه، وإن تولاه غيره من الجماعة بغير إذنه كالنكاح كان جائزا.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن كان غير كفء لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم تركوه".
قال في الحاوي: وإذا رضيت المرأة لنفسها رجلًا ودعت أوليائها إلى تزويجها به لم يخل حال الرجل من أن يكون كفؤًا لها أو غير كفء فإن كان كف لزمهم تزويجها به فإن قالوا: نريد من هو أكفأ منه لم يكن لهم ذاك لأن طلب الزيادة على الكفاءة خروج عن الشرط المعتبر إلى ما لا يتناهى فسقط وكانوا على هذا القول عضلة يزوجها الحاكم دونها -وإن كان غير كفء كان لهم أن يمتنعوا من تزويجها لئلا يدخل عليهم عار فقمن فلو رحبوا به إلا واحد كان للواحد منعها منه لما يلحقه من عار.
وجرى ذلك مجرى أولياء الميت المقذوف إذا أعفوا من القاذف إلا واحد كان الواحد أن يجده لما يلحق من معرة القذف فلو بادر أحد أوليائها بغير علم الباقين ورضاهم فزوجها بهذا الذي ليس كفء لها فظاهر ما قاله الشافعي ها هنا وفي كتاب "الأم" أن النكاح باطل لأنة قال: "لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم" وقال في كتاب "الإملاء": فإن زوجها من غير
الجزء: 9 - الصفحة: 97
كفء كان لهم الرد" فظاهر هذا جواز النكاح، وللأولياء خيار الفسخ فاختلف أصحابنا في ذلك على مذهبين:
أحدهما: أن اختلاف الجواب في الموضعين على اختلاف قولين:
أحدهما: وهو ظاهر نص في الإملاء أن النكاح جائز وللأولياء خيار الفسخ، لأن عدم الكفاءة نقص يجرى مجرى العيوب في النكاح والبيع توجب خيار الفسخ من صحة العقد.
والقول الثاني: وهو ظاهر ما نص عليه في هذا الموضع.
وكتاب "الأم" أن النكاح باطل؛ لأن عقد النكاح لا يقع موقوفًا على الإجازة فإن لم ينعقد لأن ما كان باطلًا ولأنه غير الكفؤ غير مأذون فيه في حق من له الإذن فكان العقد فيه باطلًا كم عقد على غيره بيعًا أو نكاحًا بغير فهذا أحد مذهبي أصحابنا.
وهو قول أبى إسحاق المروزى وطائفة.
والثاني: أن اختلاف الجوابين على اختلاف حالين وليس على اختلاف قولين والذي يقتضيه نصفه في هذا الموضع من إطلاق النكاح هو إذا كان الولي العاق عالما بأن الزوج غير كفء قبل العقد، والذي يقتضيه نص في "الإملاء" من جواز النكاح وثبوت خيار الفسخ فيه لباقي الأولياء هو إذا لم يعلم الولي ذلك إلا بعد العقد.
وهذا أصح المذهبين وأولى الطرفين لأن مع العلم مخالف ومع التدليس مغرور فجرى مجرى الوكيل وإذا اشترى لموكلة ما يعلم بعيبه لم يصح عقده.
ولو اشترى ما لا يعلم بعيب صح عقده وثبت فيه الخيار.
فرع
وإذا كان الأقرب من أوليائها واحد فرضي ورضيت بغير كفاء فزوجها به وأنكره باقي الأولياء فلا اعتراض لهم والنكاح ماض؛ لأن الأقرب قد حجب الأباعد عن الولاية فلم يكن لهم اعتراض كما لم يكن لهم ولاية ولو كان الأقرب هو الممتع والأباعد الراضون فمنع الأقرب أولى من رضا الأباعد وإن كثروا؛ لأن حجبهم عن الولاية لا يعتبر فيهم منع ولا رضي.
قال الشافعي رحمة الله: "وليس نكاح غير الكفوء بمحرم فأرده بكل حال إنما هو تقصير عن المزوجة والولاة".
قال في الحاوي: وأما الكفاءة في النكاح فمعتبرة بين الزوجين في لحوق الزوجة والأولياء، لرواية عطاء عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا تزوجهن إلا الأولياء".
وروى هشام بن عروة عن أبيه
الجزء: 9 - الصفحة: 98
من عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الكفاء وانكحوا إليهم".
روى محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا تؤخرهم؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا"، ولأن في نكاح غير الكفء عار يدخل على الزوجة والأولياء، وعضاضة تدخل على الأولاد يتعدى إليهم نقصًا فكان لها وللأولياء دفعة عنهم وعنها.
فصل
فإذا ثبت اعتبار الكفاءة فهي المساواة مأخوذة من كفتى الميزان لتكافئهما وهى معتبرة بشرائط نذكرها.
أصلها ما رواه سعيد بن أبى شعبة بن أبى شعبة عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها ودينها وجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
يقال: ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا استغنى.
وفي هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم له ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن تربت هاهنا بمعنى استغنت وإن كان في اللغة بمعنى افتقرت فتصير من أسماء الأضداد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يدعو على من لم يخالف له أمرًا مع أن دعاءه مقرون بالإجابة.
والثاني: أن معناه تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين؛ لأن من لم يظفر بذات الدين سلبت البركة فافتقرت يداه.
والثالث: أنها كلمة تخف على ألسنة العرب في خواتيم الكلام، ولا يريدون بها دعاء ولا دمًا، كقولهم: ما أشعره قاتله الله، وما أرماه شلت يداه.
فإذا ثبت هذا فالشروط التي تعتبر بها الكفاءة سبعة وهى: الدين، والنسب، والحرية، والمكسب، والمال، والبشر، والسلامة من العيوب.
وقال مالك: الكفاءة معتبرة بالدين وحدة.
وقال ابن أبى ليلى: معتبرة بشرطين: الدين والنسب.
وقال الثوري: هي معتبرة بثلاث شرائط ك الدين، والنسب، والمال، وهى إحدى الروايتين عن أبى حنيفة.
وقال أبو يوسف: هي معتبرة بأربع شرائط: الدين، والنسب، والمال، والمكسب.
الراوية الثانية: عن أبى حنيفة ونحن ندل على كل شرط منها ونبين حكمه.
أما الشرط الأول: وهو الدين، فإن اختلافهما في الإسلام والكفر كان شرطاً معتبرًا
الجزء: 9 - الصفحة: 99
بالإجماع لقولة تعالى:} لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴿[الحشر: 20]، ولقولة صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم مشرك".
وإن كان اختلافهما في الصفات والفجور مع اتفاقهما في الإسلام فعند محمد بن الحسن أنة ليس بشرط معتبر وعند الجماعة: أنه شرط معتبر لقولة تعالى:﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴿[النور: 3] وقال تعالى:﴾ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ {[السجدة] 18:.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كرة منها خلقا رضي منها خلق" فأما المسلمان إذا كان أبوا أحدهما مسلمين وأبوا الأخير كافرين فإنهما يكونا كفئين.
وقال أبو حنيفة: لا تكافؤ بينهما؛ لأنة لما لم يتكافيء الأنباء لم يتكافيء الأنباء وهذا خطأ؛ لأن فضل النسب يتعدى وفضل الدين لا يتعدى لأن النسب لا يحصل للأبناء إلا من الآباء فتعدى فضلة إلى الأبناء، والدين قد يحصل للأبناء بأنفسهم من غير الآباء فلم يتعد فضلة إلى الأبناء.
فصل
فأما الشرط الثاني: وهو "النسب" فمعتبر بقولة صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها" يعنى بالحسب والنسب.
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وإياكم وخضراء الدمن".
قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: ذلك مثل المرأة الحسناء من أصل خبيث" وإذا كان كذلك فالناس يترتبون في أصل الأنساب ثلاث مراتب:
قريش ثم سائر العرب ثم العجم.
فأما قريش فهي أشرف الأمم لما خصهم الله تعالى به من رسالة وفضلهم به من نبوته ولقولة صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها" فلا يكافئ قريشيًا أحد من الغرب والعجم.
واختلف أصحابنا هل تكون قريشا كلهم أكفاء في النكاح على وجهين:
أحدهما: وهو مذهب البصريين من أصحابنا وبه قال أبو حنيفة: أن جميع قريش
الجزء: 9 - الصفحة: 100
أكفاء في النكاح؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" الأئمة من قريش" فلما كان جميع قريش في الإمامة أكفاء فأولي أن يكونوا في النكاح أكفاء.
والثاني: وهو مذهب البغدادين من أصحابنا- أن قريشاً يتفاضلون بقربهم من رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولا يتكافئون لراوية عائشة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:" نزل علي جبريل فقال لي: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل من محمد، وقلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل من بني هاشم" ولأن قريشاً لما شرفت برسول الله صلي الله عليه وسلم أشرف من سائر قريش، ولأنهم لم ترتبوا في الديوان بالقرب حتى صاروا فيه علي عشر مراتب دل علي تمييزهم بذلك في الكفاءة وإذا كان كذلك فجميع بني هائم وبني المطلب أكفاء؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بينهم في سهم ذوى القربى وجمع عمر رضي الله تعالي عنه بينهم في الديوان ثم يليهم سائر بني ع بد مناف وبني زهرة ولا يفضل بني عبد شمس في كفاءة النكاح علي بني نوفل ولا بني عبد العزى علي بني عبد الدار ولا بني عبد مناف علي بني زهرة وإن فلعنا ذلك في وضع الديوان لأمرين:
أحدهما: أنه يشق اعتباره في كفاءة النكاح ولا تشق اعتباره في وضع الديوان.
والثاني: أن الكفاءة معتبرة في البطون الجامعة لا في الأفخاذ المتفرقة لأننا إن لم نعد إلي بني أب ابعد صارت المناكح مقصورة علي بني الأب الأقرب فضاقت.
ثم جمعنا بين عبد مناف وبني زهرة في كفاءة وإن لم يكنا بطناً واحدة لراوية الاوزاعي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" صريح قريش ابناً كالأب" يعني قصي، وبني زهرة، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم يرجع إلي قصي بأبيه والي زهرة بأمه فتقاربا في الكفاءة بأبويه صلي الله عليه وسلم، ثم يلي عبد مناف وبني زهرة سائر قريش، فيكونوا جميعاً أكفاء، فلو كان فيهم بنو أب له سابقة في الإسلام فهل تكافئهم الباقون من قومهم كبني أبي بكر هل يكافئهم قومهم من بني تميم؟ وكبني عمر هل يكافئهم قومهم من بني عدي؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكونوا أكفاءهم بجدتهم قد كانوا قبل الكثرة والقدرة علي إنكاح بني أبيهم أكفاء لعشائرهم، فكذلك بعد الكثرة والقدرة.
والثاني: لا يكونوا أكفاءهم لما قد تميزوا به من فضل الشرف والسابق، ولا يمتنع أن يكونوا قبل الكثرة أكفاء غير متميزين، وبعد الكثرة متميزين كما تميزت بنو هاشم بعد الكثرة وإن لم يتميزوا قبل الكثرة، ثم اختلف أصحابنا في موالي قريش هل يكونوا أكفاء في النكاح؟ علي وجهين من اختلاف الوجهين من موالي ذوي القربى يشاركونهم في سهمهم من الخمس؟ فهذا الكلام في قريش.
فأما سائر العرب سوى قريش فهم علي اختلاف أصحابنا في قريش، (فعلى) قياس
الجزء: 9 - الصفحة: 101
قول البصريين أن جميعهم أكفاء من عدنان وقحطان؛ لأن في عدنان سابقة المهاجرين، وفي قحطان سابقة الأنصار، وعلي قياس قول البغداديين: إنهم يتفاضلون ولا يتكافئون فتفضل مضر في الكفاءة علي ربيعة ويفضل عدنان علي قحطان اعتباراً بالقرب من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقد سمع عليه السلام رجلاً ينشد:
إني امرؤ حميري حين تسبني لا من ربيعه آبائي ولا مضر
فقال عليه الصلاة والسلام:" ذاك أهون لقدرك وأبعد لك من الله".
فلو تقدمت قبيلة من العرب علي غيرهم نظر فإن كان ذلك لمأثرة في الجاهلية، أو لكثرة عدد كانوا وغيرهم من العرب أكفاء، وإن كان لسابقة في الإسلام كان علي الوجهين المحتملين، وأما سائر العجم فعلي قياس قول البصريين إن جميعهم أكفاء للفرس منهم والنبط والترك والقبط، وعلي قياس قول البغداديين إنهم يتفاضلون في الكفاءة، فالفرس أفضل من النبط لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ولو كان الدين معلق بالثريا لتناوله قوم من أبناء فارس" وبنو إسرائيل أفضل من القبط الذين سلفهم وكثرة الأنبياء فيهم، فعلي هذا لو كان لقوم من الفرس شرف علي غيرهم نظر، فإن كان لملك قبل الإسلام أو مأثرة تقدمت لم يتقدموا به في الكفاءة علي غيرهم، وإن كان لسابقة في الإسلام احتمل ما ذكرناه من الوجهين المحتملين.
فصل
وأما الشرط الثالث: وهو الحرية فلقوله تعالي: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:75] فمنع من المساواة بين الحر والعبد؛ ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "المؤمنون تتكافيء دماءهم ويسعي بذمتهم أدناهم" يعني عبيدهم فجعل العبيد أدني من الأحرار، ولأن الرق يمنع من الملك وكمال التصرف ويرفع الحجر للسيد فكان النقص به أعظم من نقص النسب.
وإذا كان كذلك لم يكن العبد كفء الحرة، ولا الأمة كفء الحر، وكذلك لا يكون المدبر ولا المكاتب ولا المعتق نصفه ولا من جزء من الرق وإن قل كفء الحرة، ولا تكون المدبرة والمكاتبة ولا أم الولد ولا المعتقة نصفها ولا من فيها جزء من الرق وإن قل كفء الحر.
واختلف أصحابنا هل يكون العبد الكفء لمن عتق نصفها ورق بعضها، أو تكون الأمة كفؤاً لمن عتق بعضه ورق بعضه أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: لا تكون كفؤاً؛ لأن لبعض الحرية فضلاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 102
والوجه الثاني: تكون كفؤ؛ لأن من لم تكمل حريته فأحكام الرق عليه أغلب؛ ولأنه لما لم يكن من عتق بعضه كفؤاً للحر تغليباً للرق صار كفء العبد، فعلي الوجه الأول لا يكون من ثلثه حر لمن نصفه حر حتى تساوى فيهما من حرية ورق.
وعلي الوجه الثاني يكونان كفؤاً وإن تفاضل بقيمها من حرية ورق، فأما المولي فإن كان قد جرى عليه رق قبل العتق لم يكن كفء فالحرة الأصل، وإن لم يكن يجرى عليه رق لكونه ابن عتق من رق فهل يكون كفء الحرة الأصل علي وجهين بناء علي اختلاف الوجهين في موالي كل قبيلة، هل يكونوا أكفائها في النكاح؟ فإن قيل: يكونوا أكفائها صار المولي كفؤاً للحرة الأصل.
وإن قيل: لا يكونوا أكفاء لم يصر المولي كفؤاً للحرة الأصل.
وعلي هذين الوجهين إذا كان أحدهما مولي لعربي والآخر مولي لنبطي.
فإن قيل: مولى القبيلة كفء لها في النكاح لم يكن مولي النبطي كفؤاً لمولي العربي.
وإن قيل: لا يكون كفئاً لها مولى النبطي كفئاً لمولى العربي.
فصل:
فأما الشطر الرابع وهو الكسب فإن الناس يتفاضلون به قال الله تعالي: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71] فيه تأويلان:
أحدهما: انه فضل بعضهم علي بعض في قدر الرزق فبعضهم موسع عليه.
وبعضهم مضيق عليهم.
والثاني: أنه فضل بعضهم علي بعض في أسباب الرزق فبعضهم يصل إليه لعز ودعه وبعضهم يصل إليه بذل ومشقة وفي قوله تعالي: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124] ثلاثة تأويلات:
أحدها: انه الرزق الضيق.
والثاني: انه الكسب الحرام.
والثالث: أنه إنفاق من لا يوقن بالخلف والمكاسب تكون في العرف المألوف من أربع جهات، بالزراعات، والتجارات، والصناعات، والحمايات، ولكل واحد منها رتب متفاضلة وكل واحد منها يفضل بعضها علي غيره بحسب اختلاف البلدان والأزمان، وإن في بعض البلدان التجارات وفي بعضها الزراعات أفضل، وفي بعض الأزمان حماة الأجناد أفضل وفي بعضها اقل، فلأجل ذلك لم يمكن أن يفضل بعضها في عموم البلدان والأزمان، وإنما يراعي فيها العرف والعادة.
والأفضل منها في الجملة ما انحفظت به أربعة شروط؛ أن لا تكون مترذل الصناعة كالحائك، ولا مستخبث الكسب كالحجام، ولا ساقط المروءة كالحمال، ولا مبتذلاً كالأجير، فمن انحفظت عليه في مكاسبه هذه الشروط الأربعة لم يكافئه في النكاح من اخل بها، من حجام وكناس قيم وحائك، فالعرف في اعتبار هذه الشروط الأربعة هو المحكم.
الجزء: 9 - الصفحة: 103
فصل:
وأما الشرط الخامس: وهو المال فلقوله صلي الله عليه وسلم" تنكح المرأة لأربع: لمالها" ولما روى عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: " إن أحساب أهل الدنيا هذا المال".
وقد قيل في تأويل قوله تعالي: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] يعني المال، وإذا كان كذلك فإن كانوا من أهل الأمصار الذين يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال دون الأنساب فالمال فيهم معتبر في شرط الكفاءة، وإن كانوا من البوادي وعشائر القرى يتفاخرون ويتكاثرون بالأنساب دون الأموال ففي اعتبار المال في شرط الكفاءة بينهم وجهان:
أحدهما: أنه شرط معتبر كأهل الأمصار لما فيه من القدرة علي أمور الدنيا.
والثاني: انه ليس بشرط معتبر؛ لأنه يزول فيفتقر الغني ويستغني الفقير، وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال:" خير الناس مؤمن فقير يعطي جهده" يعني مقلاً ليس له إلا ما يزهد فيه لقلته.
وروي عنه صلي الله عليه وسلم انه قال:"خير أمتي الذين لم يوسع عليهم حتى يبطروا ولم يقتر عليهم حتى يسألوا" ثم إذا جعل المال شرطاً في الكفاءة ليس التماثل في قدره معتبراً حتى لا يكافئ من ملك ألف دينار إلا من ملك مثلها، ولكن أن يكونا موصوفين بالغني فيصيرا كفئين، وإن كان أحدهما أكثر مالاً ولا يعتبر فيه أيضاً التماثل في أجناس المال، بل إذا كان مال أحدهما دنانير ومال الآخر عقاراً أو عروضاً كانا كفئين.
فصل:
وأما الشرط السادس: هو السن مما لم يختلفا في طرفيه فهو غير معتبر في الكفاءة فيكون الحديث كفؤاً للشاب، والشاب كفؤاً للكهل، والكهل كفؤاً للشيخ، ولكن إذا اختلفنا في طرفيه فكان أحدهما في أول سنة كالغلام والجارية، والأخرى في غاية سنة كالشيخ والعجوز، ففي اعتباره في الكفاءة وجهان:
أحدهما: أنه شرط معتبر فلا يكون الشيخ كفؤاً للطفلة ولا العجوز كفؤاً للطفل لما بينهما من التنافي والتباين وإن مع غايات السن تقل الرغبة ويعدم المقصود بالزوجية.
والثاني: غير معتبر لأنه قد يطول عمر الكبير ويقصر عمر الصغير وربما قدر الكبير من مقصود النكاح علي ما يعجز عنه الصغير ولأن مع نقص الكبير فضلاً لا يوجد في الصغير.
فصل:
فأما الشرط السابع: هو السلامة من العيوب، فهي العيوب التي رد بها عقد النكاح، وهي خمس تشترك للرجال والنساء منها في ثلاثة: وهي الجنون، الجذام،
الجزء: 9 - الصفحة: 104
والبرص، ويختص الرجال منها اثنتين هما: الجب والخصاء.
وفي مقابلتها من النساء القرن والرتق، وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة؛ لأنه لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب فأولي ان تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب.
فأما العيوب التي لا توجب وتنفره منها النفس كالعمى والطقع والزمانه وتشويه الصورة، ففي اعتبارها في الكفاءة وجهان:
أحدهما: يعتبر لعدم تأثيرها في عقود المناكح.
والثاني: يعتبر لنفور النفس منها ولحصول المعرة بها.
وقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لزيد بن الحارثة:" أتزوجت يازيد" قال: لا.
قال: "تزوج فتستعف مع عفتك ولا تتزوج من النساء خمساً"قال: وما هن يا رسول الله: قال:"لا تتزوج شهبرة، ولا لهبرة، ولا لنهبرة، ولا هندرة، ولا لفوتا".
قال يا رسول الله، لا أعرف مما قلت شيئاً، فقال:"أم الشهبرة: فالزرقاء الزية، وأما اللهبرة: فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة: فالعجوز المديرة، وأما الهندرة: فالقصيرة الدميمة، وأما اللفوت: فذات الولد من غيرك" ولو لم يكن لهذه الأحوال ونظائرها أثراً في الكفاءة لما أمر بالتحرز منها.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من شروط الكفاءة، ونكحت المرأة غير كفء لم يخل نكاحها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد رضينه الزوجة وكرهه الأولياء، فالنكاح باطل علي ما قدمناه اعتباراً بحقوق الأولياء فيه.
والثاني: أن يكون قد رضيه الأولياء وكرهته الزوجة فالنكاح باطل اعتباراً لحقها فيه حتى لا يعرها من لا يكافئها.
والثالث: أن يكون قد رضينه الزوجة والأولياء فالنكاح جائز.
وقال مالك وعبد اله بن الماجشون: النكاح باطل.
وقال الثوري: يفسخ النكاح بينهما ولا يفرق.
وحكي نحوه عن أحمد بن حنبل استدلالاً بما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء".
فلما منع من إنكاح غير الكفء كما منع من نكاح غير الولي دل علي بطلانه لغير الكفء كما بطل بغير الولي.
بوما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه أنه قال:"لا يملك الإيضاح إلا الأكفاء".
ودليلنا عموم قوله تعالي: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قد زوج بناته ولا كفء لهن من قريب ولا بعيد؛ لأنهن أصل الشرف.
وقد زوج فاطمة بعلي، وزوج أم كلثوم ورقيه بعثمان، وزوج زينب بأبي
الجزء: 9 - الصفحة: 105
العاص بن الربيع، وقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس المخزومية وهي بنت عمته وقد خطبها معاوية وأبو جهم: "انكحي أسامه بن زيد" وهي من صليبة قريش بنت عمته بأسامة بن زيد وهو مولاه، وزوج أباه زيد بن حارثه بزينب بنت جحش وهي بنت عمته أميمه بنت عبد المطلب.
ثم نزل عليها بعده، وزوج المقداد بن الأسود الكندي بضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقال صلي الله عليه وسلم:" إنما زوجت زيد بن حارثه بزينب بنت جحش والمقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير لتعلموا ان اشرف الشرف الإسلام، وقد زوج أبو بكر الصديق بنت الأشعث بن قيس فصار سلف رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهم عمر بن الخطاب أن يزوج بنته سلمان الفارسي فكره ابن عبد الله ذلك، ولقي عمرو بن العاص فشكا إليه، فقال: سأكفيك، ولقي سلمان فقال: هنيئاً لك إن أمير المؤمنين قد عزم أن يزوجك كريمته ليتواضع بك، فقال: أني متواضع والله لا تزوجها.
ولأن الكفاءة معتبرة في الرجل والمرأة فلما صح النكاح إذا تزوج الرجل بامرأة لا تكافئه صح النكاح إذا تزوجت المرأة برجل لا يكافئها.
فأما الاستدلال بالخبر والأثر فمحمولاً به علي أحد الوجهين:
إما علي الاستحباب دون الإيجاب، أو يحمل علي نكاح الأب للبكر التي يجبرها، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "وليس نقص المهر نقصاً في النسب والمهر لها دونهم في أولي به منهم"
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا رضيت المرأة أن تنكح نفسها بأقل من مهر مثلها لم يكن للأولياء أن يعترضوا عليها فيه، ولا أن يمنعوها من النكاح لنقصه، فإذا منعوها صار المانع لها فاصلاً وزوجها الحاكم، وبه قال مالك وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: للأولياء الاعتراض عليها في نقص المهر ولا يصيروا عضلة يمنعها منه، وان نكحت فلم فسخ نكاحها إلا ان يكمل لها مهر مثلها استدلالا بقوله صلي الله عليه وسلم "أدوا العلائق" قيل: يا رسول الله وما العلائق؟ وقال: "ما ترضي به الاهلون" فلما كان قوله:" أدو العلائق" خطاباً للأزواج كان قوله" ما ترضي به الأهلون" إشارة إلي الأولياء، ولأن عقد النكاح يشتمل علي بدلين هما: البضع، والمهر.
فلما كان للأولياء الاعتراض في بضعها أن تضعه في غير كفء كان لهم الاعتراض في مهرها أن ينكحها بأقل من مهر المثل، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: انه أحد بدلي عقد النكاح فجاز للأولياء الاعتراض فيه كالبضع.
والثاني: أن ما اعترض به الأولياء في نكاح الصغيرة اعترضوا به في نكاح الكبيرة
الجزء: 9 - الصفحة: 106
كالكفاءة؛ ولأن بعض المهر عاراً علي الأهل بجهرهم بكثيرة وإخفائهم لقليلة، فصار دخول العار عليهم في نقصانه كدخوله عليهم في نكاح غير كفؤ، فكان لهم رفع هذا العار عنهم بالمنع منه، ولأن في نقصان مهرها ضررا لاحقاً بنساء أهلها غير اعتبار مهر أمثالهن بها، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" لا ضرر ولا ضرار".
ودليلنا رواية عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، أن امرأة تزوجت علي نعلين، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين" قالت: نعم، فأجاز.
ومن هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه اعتبر رضاها به دون الأولياء.
والثاني: أنه لم يسأل هل ذلك مهر مثلها؛ فدل علي أن نفقات المهر رضا الأولياء غير معتبرين ولأن ما ملكت الإبراء منه ملكت تقديره كالأثمان.
ولأن ما ثبت في الأثمان ثبت لها في المهور كالإبراء ولأن ثبوت الولاية عليها في بضع لا يوجب ثبوت الولاية عليها في بدل.
أصله: مهر أمثالها، ولأن لها منعتين: منفعة استخدام ومنفعة استمتاع، فلما لم يملك الأولياء الاعتراض عليها في الاستخدام إذا أجرت نفسها بأقل من أجره مثلها لم يملكوا الاعتراض في الاستمتاع إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها.
وتحريره قياساً: أنه أحد المنفعتين فلم يملك أولياؤها مع جواز أمرها الاعتراض عليها في بدله كالإجارة ولن وجوب المهر قد يكون تارة عن اختيار ومراضاة، وذلك في العقود، وتارة عن غير اختيار، ومراضاة ذلك في إصابة الشبهة وما شاكلة، فلما ملكت فحقيقة إذا وجب بغير اختيارها فأولي أن تملك بحقيقة إذا وجب باختيارها؛ لأنه مع الاختيار اخف ومع عدمه أغلظ، ولأن يلحق الأولياء من العار إذا نكحت بأخس الأموال جنساً كالنوى وقشور الرمان أكثر ما يلحقهم إذا نكحت بأقل المهور قدراً، فلما لم يكن للأولياء الاعتراض عليها في خسة الجنس لم يكن لهم الاعتراض عليها في نقصان القدر، فأما الجواب عن قوله صلي الله عليه وسلم:"أدوا العلائق" فهو أنه أمر الأزواج بأداء العلائق وقوله: "إن العلائق ما تراضي به الاهلون" يعني أهلي العلائق، وأهلوها هم الزوجات دون الأولياء؛ فكان الخبر دليلاً علي أبي حنيفة لا له.
وأما قياسه علي البشع، فالجواب عنه أن الأولياء إنما ملكوا الاعتراض فيه لما فيه من نقص النسب.
ودخول العار علي الأهل والولد، وليس في تخفيف المهر عار كما لم يكن في إسقاطه عار، وهو دليل الشافعي.
وهو جواب عن استدلال وأما الاستدلال بدخول الضرر علي نساء العصبات فلو كان لهذا المعني بمستحق الاعتراض فيه لا تستحقه النساء اللاتي يدخل عليهن الضرر دون
الجزء: 9 - الصفحة: 107
الأولياء ولاشتراك فيه القريب والبعيد ولا اعتراض عليهن في الجنس كالاعتراض القدر.
وكانت ممنوعة من الزيادة فيه كما منعت من النقصان منه فلما فسد الاعتراض بهذه المعاني كان بالنقصان أفسد
مسالة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "ولا ولاية لأحد منهم وثم أولي منه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد ذكرنا بأن اقرب العصبات أحق بالولاية من الأبعد علي ما مضي من الترتيب.
وقال مالك.
إذا كان الأبعد سيد العشيرة كان أحق من الأقرب، كالتي لها عم هو سيد عشيرته، ولها إخوة فالعم أحق بنكاحها من الإخوة استدلالا بأمرين:
أحدهما: ما روي عن عمر رضي الله تعالي عنه أنه قال": لا ينكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان" فحمل ذي الرأي مقدما.
والثاني: أنه بفضل رئاسته اقدر علي تخير الأكفاء، وللرغبة فيه تعدل إليه الزعماء وهذا خطأ.
واستحقاق الولاية بالقرب أولي من استحقاقها بالرئاسة مع البعد لأمور: منها: أن الرئاسة الأبعد لما لم يستحق بها الولاية مع الأب فكذلك مع كل عصبة هو الأقرب؛ ولأنه لم يتقدم بالرئاسة في الولاية علي المال لم يتقدم بالرئاسة في الولاية علي النكاح؛ ولأن ما استحق بالتسليم يؤثر فيه الرياضة كالميراث.
فأما الأثر عن عمر رضي الله عنه فهو دليلنا؛ لأنه قدم المولي علي ذي الرأي من الأهل، وأما قدرته علي تخير الأكفاء وما يتوجبه إليه من تخير الأكفاء، فهذا المعني لا يزول إذا باشر عقدها من هو أقرب منه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه " فإن كان أولاهم بها مفقوداً أو غائباً بعيدة كانت أم قريبة زوجها السلطان بعد أن يرضي الخاطب ويحضر أقرب ولايتها وأهل الحزم من أهلها ويقول هل تنقمون شيئاً؟ فإن ذكروه نظر فيه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا ثبت أن الولاية يستحقها الأقرب دون الأبعد، فكان الأقرب مفقوداً، أو غائباً لم ينتقل الولاية عنه إلي من هو أبعد.
وقال أبو حنيفة: إن كان الأقرب مفقوداً انتقلت الولاية إلي من هو ابعد، وإن كان غائباً معروف المكان، وإن كانت غيبته منقطعة انتقلت الولاية إلي الأبعد.
الجزء: 9 - الصفحة: 108
وإن كانت غير منقطعة لم تنتقل.
وقال محمد بن الحسن: والغيبة المنقطعة من" الكوفة إلي" الرقة" وغير المنقطعة من " الكوفة" إلي"بغداد".
واستدل علي انتقالها بالغيبة إلي الأبعد، بأنه قد يتعذر منه تزويجها بالغيبة، كما لا يتعذر منه بالجنون والرق، فلما انتقلت بجنونه ورقه انتقلت عنه بغيبته، وهذا خطأ؛ لأنها ولاية لا تنتقل بغيبة منقطعة كالولاية علي المال، لأنها غيبة لا ينقطع بها ولاء المال فوجب أن لا تنتقل بغيبة منقطعة كالولاية علي المال، لأنها غيبة لا ينقطع بها ولاء المال فوجب أن لا تنتقل بها ولاية النكاح، كالغيبة التي ليست منقطعة، ولأن الغيبة لا تزيل ولايته؛ لأنه لو زوجها في غيبته صح، ولو وكل في تزويجها جاز، وإذا لم يزل عنه لم تنتقل إلي من هو أبعد منه كالحاضر.
فأما استدلالهم بتعذر النكاح منه فليس تعذره مع بقاء الولاية يوجب انتقالها عنه كالعضل.
فرع:
فإذا صح أن الولاية لا تنتقل عنه بالعقد والغيبة إلي من هو أبع، لم يخل أن يكون معقوداً أو غائباً، فإن كان مفقوداً لا يعرف مكانه ولا يعلم خبره زوجها الحاكم النائب عن الغيب في حقوقهم، كما زوجها عن إذا عضل.
وإن كان غائباً لم تخل المسافة غيبته أن تكون قريبة أو بعيدة، فإن كانت بعيدة وهو أن يكون علي أكثر من مسافة يوم وليلة، زوجها الحاكم عنه من غير استئذان فيه؛ لأن استأذنه مع بعد الغيبة شاق، ولأن طول الزمان في بعد المسافة ففوت علي الزوجة حقها من العق، وإن كانت غيبته قريبة وهو أن يكون أقل من مسافة يوم وليلة.
وقد اختلف أصحابنا في جواز تزوج الحاكم لها بغير إذنه علي وجهين:
أحدهما: يزوجها الحاكم بغير إذنه للمعنيين المتقدمين، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه قال:" بعيدة كانت غيبته أو قريبة".
والثاني: أنه لا يجوز للحاكم تزويجها إلا بإذنه؛ لأنه في حكم الحاضر إذ ليس له الترخص بأحكام السفر، وتأول قائل هذا الوجه من أصحابنا كلام الشافعي:" بعيدة كانت غيبته أو قريبة" علي قرب الزمان كقرب المكان، كأنه لم يفرق بين أن يكون قد سافر من زمن قريب أو من زمان بعيد، بين أن يكون سفره إلي مكان قريب أو مكان بعيد.
فرع:
إذا أراد الحاكم تزويجها بفقد الولي وغيبته علي ما وصفنا، فقد اختار الشافعي له إحضار أهلها ممن له ولاية كالعصبات أو لا ولاية له كالأخوال ليشاورهم في تزويجها، وليسألهم عن كفاءة زوجها استطابه لنفوسهم"، كما أمر رسول الله صلي الله عليه ولسم نعيماً أن يشاور ابنته إن لم يكن لها في الولاية حق.
ولأنهم أعرف بحالها وحال الزوج لمكان اختصاصهم وكثرة فراغهم من الحاكم فإذا أحضرهم الحاكم للمشاورة في نكاحها كان
الجزء: 9 - الصفحة: 109
معهم فيه بالخيار بين أمرين:
أن يقول لهم اختاروا زوجاً فإذا اختاروا نظر الحاكم في كفاءته فإن كان كفء زوجها عن إذنها وإن كان غير كفء لم يزوجها به وإن أذنت فيه ورضيه أهلها؛ لأن للغائب حقاً في طلب الأكفاء لها وبين أن يختار الحاكم لها كفء ثم يسأل الأولياء عنه بعد إذن الزوجة فيه فإن لم يقدحوا في كفاءته زوجها به سواء أرادوه أو لم يريدوه فإن قدحوا فيه.
نظر الحاكم فيما ذكروه من القدح فإن كان مانعاً من الكفاءة لم يزوجها به والتمس لها غيره.
وإن كان غير مانع من الكفاءة زوجها به وإن كرهوه؛ لأن المعتبر رضي المنكوحة دونهم وإنما يعتبر منهم اختيار الأكفاء ويستحب للحاكم إذا تعذر تزويجها بمن يقع عليه الاختيار أن يرد العقد إلي الحاضر من أوليائها ليكون عقده متفقاً علي صحته فإن لم يفعل وتفرد بالعقد من غير مشاورتهم جاز، والله اعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمة الله تعالي: "ولو عضلها الولي زوجها السلطان والعضل إن تدعو إلي مثلها فيمتنع"
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دعت المرأة وليها إلي تزويجها فعليه إجابتها وهو حرج أن امتنع قصداً للإضرار لقوله تعالي: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] فإن عضلها لم يخل أن يكون في درجته من العصبات غيره أم لا، فإن كان في درجة غيره كأنه واحد من أخوتها، أو واحد من بني عمها عدلت عنه إلي من في درجته من أخواتها، أو بني عمتها، وليس للحاكم معهم مدخل إذا زوجها غير العاضل من تساووا به في النسب، وإن لم يكن في درجته من الأولياء أحد وكانوا ابعد منه تساو عدلت عن الفاضل إلي الحاكم ولم تعدل إلي البعيد في النسب؛ لأن عضله لا يزيل ولايته وعلي الحاكم أن يحضره ويسأله عن سبب عضله، فإن كان الزوج الذي دعت إليه غير كفء لم يكن عاضلاً؛ لأن له أن يمنعها من نكاح غير الكفء ولم يكن للحاكم أن يزوجها به.
وقال لها: إن أرادت زوجاً فالتمس غيره من الأكفاء وإن كان الزوج الذي دعت إليه المرأة كفء وكان امتناع الولي لكراهته وبغضه لا لعدم كفائتة صار الولي حينئذٍ عاضلاً.
قال الشافعي: "والعضل أن تدعو إلي مثلها فيمتنع" فحينئذ يأمره الحاكم بتزويجها ولا يتولاه الحاكم ما لم يتم الولي علي الامتناع، فإذا أجاب وزوج بعد الامتناع زالت يد الحاكم عن العقد.
وإن أقام علي الامتناع الحاكم حينئذٍ عنه لقوله صلي الله عليه وسلم:" فإن اشتجروا أو قال: اختلفوا فالسلطان ولي من ولي له"؛ ولأن تزويجها حق علي وليها ومن وجب عليه حق فامتنع منه أخذه الحاكم به جبراً فقام مقامه في أدائه كقضاء الديون من ماله.
الجزء: 9 - الصفحة: 110
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله:"ووكيل الولي يقوم مقامه فإن زوجها غير كفؤ لم يجز"
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الوكالة في التزويج جائزة.
وقال أبو ثور: لا يجوز استدلالاً بأن المولي لما لم يكن له أن يرضى بالولاية لم يكن له أن يوكل فيها؛ ولأن الولي نائب فلم يكن أن يوكل من ينوب عنه كالوكيل الذي يجوز أن يوكل غيره.
وهذا خطأ لقوله صلي الله عليه وسلم" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وإذن الولي إنما صح في الولاية لا للمنكوحة.
ولأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن الضمري في تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان بأرض الحبشة فأصدقها النجاشي عنه أربعمائة دينار، فجعل عبد الملك بن مروان ذلك حد الصداق للشريفات من قومه ووكل رسول الله صلي الله عليه وسلم أبا رافع في تزويج ميمونة بنت الحارث الهلالية بمكة سنة سبع فردت أمرها إلي العباس بن عبد المطلب فزوجها به وكان العباس زوج أختها أم الفضل.
فإن قيل: فهذا يدل علي أن للمرأة أن تعقد علي نفسها؛ لأن ردت أمرها إلي العباس ولم يكن ولياً لها فعن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: أن هذا قبل استقرار الشرع في عقود المناكح واشتراط الولي.
والثاني: يجوز أن يكون تزويجه لها بأن كان سفيراً في العقد ومشيراً.
والثالث: أنه يجوز أن يكون وليها رد ذلك إليه فزوجها.
والرابع: قال بعض أصحابنا ان النبي صلي الله عليه وسلم مخصوص أن ينكح بغير ولي.
ويدل علي جواز الوكالة أن النكاح عقد يقصد فيه المعارضة فصحت فيه الوكالة كالبيوع فأما الوصية به فإنها لم تصح لانقطاع ولا يته فصار موجباً في حق غيره وهو في الوكالة موكل مع بقاء حقه فصحت وكالته وإن لم تصح وصيته.
وأما الوكيل فلم يجز أن يوكل؛ لأنه مستناب بعقد الولي يجوز أن يوكل؛ لأنه مالك بالشرع فافترقا.
فرع:
فإذا تقرر جواز الوكالة في النكاح جاز أن يوكل الولي والزوج ولم يجز أن يوكل الزوجة؛ لأن لا حق للزوجة في مباشرة العقد فلم يصح منها التوكيل فيه.
وإذا كان كذلك فحكم الوكالة فيه يتعلق بفصلين.
أحدها: في توكيل الولي
الجزء: 9 - الصفحة: 111
والثاني: في توكيل الزوج.
فأما توكيل الولي: فلا يجوز: أن يوكل فيه إلا من يصح أن يكون وليا فيه وهو أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً حراً مسلماً رشيداً، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الستة صح توكليه كما تصح ولا يته، وإن أخل بأحد هذه الأوصاف فوكل امرأة أو صغيراً أو مجنوناً أو عبداً أو كافراً أو سفيهاً لم يجز، وكانت الوكالة باطلة.
فإن عقد بها كان العقد فاسداً، فإذا تكاملت في الوكيل هذه الشروط ليست لم يخل حال الولي الموكل له من أحد أمرين:
إما أن يكون ممن يجبر علي النكاح كالأب والجد مع البكر أو ممن لا يحبر عليه كسائر الأولياء مع الثيب أو كغير الأب والجد مع البكر والثيب فإن كان الولي ممن يجبر علي النكاح كالأب والجد مع البكر فإن له أن يوكل بإذنها وغير إذنها كما يجوز له تزويجها بإذن وغيره إذنها لكن هل يلزمه أن يعين لوكيله علي الزوج أو يرده إلي اختياره فيه قولان
أحدهما: يجوز أن يرده إلي اختياره، لأنه قد أقامه بالتوكيل مقام نفسه فلم يلزمه التعيين كالتوكيل في الأموال فعلي هذا يلزمه أن يختار لها كفاء والأولي به إذا أراد تزويجها بمن قد اختاره لها أن يستأذنها فيه وأذنها معه الصمت كإذنها مع الأب، فإن زوجها به من غير استئذانه صح النكاح كالأب إذا زوج بغير إذن.
فو أن الولي علي هذا القول عين لوكيله علي الزوج سقط اختيار الوكيل ولم يكن له تزويجها بغير من عين له عليه كالوكيل في الشراء إذا عين علي ما يشتريه.
والثاني: أن علي الولي أن يعين لوكيله في عقد الوكالة علي الزوج الذي زوجها به ولا يرد ذلك إلي خياره؛ لأن معني الولي في لحوق عارها معقود في وكيله فلم يقم اختيار الوكيل مقام اختياره وفارق التوكيل في الأموال التي لا يراعي في اختيارها لحقوق العار.
فعلي هذا متى زوجها الوكيل بكفء كان النكاح باطلاً لفساد الوكالة، فلو عين له أن يزوجها بأحد رجلين نظر.
فإن كان الولي قد اختارهما ورد العقد علي أحدهما إلي خيار وكيله جاز وإن يكن من الولي اختيار بل رد ذلك إلي اختيار وكيله وخياره ثم الاعتبار بأن لا يكون للولي خيار.
فرع:
وإذا كان الولي ممن لا يجبر علي النكاح فهل يلزم استئذانها في عقد النكاح أم لا؟ اختلف أصحابنا فيه علي وجهين ومنهم من خرجه علي قولين:
أحدهما: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يصح توكيله إلا بإذنها؛ لأنه نائب عنها وأشبه الوكيل الذي لا يجوز له أن يوكل فيما هو وكل إلا عن إذن موكله فعلي هذا إن لم يستأذنها الولي في توكيله فزوجها الوكيل بأنها أو غير إذنها كان النكاح باطلاً لفساد الوكالة ولو استأذنها الولي فيه بعد عقد الوكالة لم تصح الوكالة حتى يستأذنها
الجزء: 9 - الصفحة: 112
الولي بعد إذنها في توكيله.
فإذا وكله بعد إذنها وكان وكيلاً لهما جميعاً فإن رجعت في توكليه.
بطلت الوكالة.
ولم يكن له أن يزوج.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي الوكالة جائزة وإن لم يستأذنها الولي في عقدها؛ لأنه وكل في حق نفسه الذي ثبت به بالشرع لا بالاستنابة فأشبه الأب، وخالف الوكيل المستناب، فعلي هذا تصح الوكالة وإن لم يستأذن المرأة علي عقدها ويكون هو للولي وحده ولا يؤثر فيه منعها، لكن ليس للوكيل أن يزوجها إلا بإذنها، كما لم يكن ذلك لوليها الموكل، فإن زوجها بغير إذنها كان النكاح باطلاً سواء زوجها بكفء أو غير كفء، لو زوجها الوكيل بإذنها من غير كفء كان النكاح باطلاً سواء أجازه الولي أو لم يجيزه.
فرع:
وأما توكيل الزوج وإن كان في تزويج امرأة بعينها جاز أن يوكل كل من صح منه قبول النكاح في نفسه وهو من اجتمعت فيه ثلاثة شروط: أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً.
وسواء كان حراً أو عبداً رشيداً أو سفيهاً؛ لأن البعد السفيه يجوز أن يقبلا عقد النكاح لأنفسهما فصح أن يقبلاه لغيرهما.
فأما توكيل المرأة والصبي والمجنون فلا يصح؛ لأنه لم يصح منهم قبوله لأنفسهم لم يصح منهم قبولهم لغيرهم.
فأما إن كان توكيل الزوج في تزويج امرأة غير معينة ليختار الوكيل فهل يلزم أن ينضم إلي الشروط الثلاثة في الوكيل أن يكون رشيداً غير مولي عليه بسفه أم لا؟ علي ثلاثة أوجه:
أحدهما: يلزم أن يكون رشيداً يقبل نكاح نفسه؛ فإن كان سفيهاً لم يجز لقصوره علي التصرف في نكاح نفسه.
والثاني: لا يلزم أن يكون رشيدا، لأنه يقبله عن إذن ويصح منه أن يقبل نكاح نفسه عن إذن وليه.
والثالث: إن عين لوكيله علي القبيلة وإن لم يعين علي المنكوحة جاز أن يكون وكيله فيه سفيهاً وإن لم يعين علي القبيلة ولا علي المنكوحة لم يجز أن يكون الوكيل فيه إلا رشيداً.
وهذه الأوجه الثلاثة بناء علي اختلاف الأوجه في إذن وليه أن يعقد لنفسه من غير تعيين، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي:"وولي الكافرة كافر ولا يكون المسلم وليا لكافرة لقطع الله الولاية بينهما بالدين إلا علي أمته وإنما صار ذلك له لأن النكاح له، تزوج صلي الله عليه وسلم أم حبيبة وولي عقده نكاحها أبن سعيد بن العاص وهو مسلم وأبو سفيان حي وكان وكيل النبي صلي الله عليه وسلم
الجزء: 9 - الصفحة: 113
عمرو ابن أمية الضمري.
قال المزني: ليس هذا حجة في إنكاح الأمة ويشبه أن يكون أراد أن لا معني لكافر في مسلمه فكان ابن سعيد ووكليه صلي الله عليه وسلم مسلمين ولم يكن لأبيها مغني في ولايةٍ مسلمةٍ إذا كان كافراً".
قال في الحاوي: وأصل ذلك أن اتفاق الدين شرط في ثبوت الولاية علي المنكوحة، فلا يكون الكافر ولياً لمسلمة ولا المسلم ولياً لكافرة لقوله تعالي: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:141] وقوله أيضاً ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة:51] فدللت هاتان الآيتان علي أن لا ولاية لكافر علي مسلمة.
وقال تعالي: ﴿والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] فدل علي أن لا ولاية لمسلم علي كافرة، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم لما أراد ان يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان أبوها وإخوتها كفاراً، وهي مسلمة مهاجرة بأرض الحبشة تزوجها من أقرب عصابتها من المسلمين، وهو خالد بن سعيد بن العاص، فدل علي انتقال الولاية بالكفر عمن هو أقرب إلي من ساواها في الإسلام، وإن أبعد فلأن الله تعالي قد قطع الموالاة باختلاف الدين، فلم يثبت الولاية معه كما كان لم يثبت الميراث، وإنما الولاية شرعت لطلب الحظ لها ودفع العار عنها واختلاف الدين يصد عن هذا أو يمنح منه كما قال تعالي: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10].
فصل:
فإذا تقرر هذا فلا يثبت للكافر ولاية علي مسلمة لا نسب ولا حكم ملك ولا يزوجها من عصابتها إلا مسلم قد جمع شرطين:
النسب، الدين.
فأما الكافرة فالولاية عليها تنقسم ثلاثة أقسام ولاية بحكم، وولاية بملك.
فإما القسم الأول: وهو الولاية بالنسب فلا يثبت عليها إلا لمن إذا شاركها في النسب سواها في الدين، ويراعى أن يكون رشيداً في دينه، كما يراعي رشد المولي مجوسي ولا ولاية عليها للمسلم، ويكون النصراني واليهودي والمجوسي في الولاية عليها سواء كما يشاركون في ميراثها ولا يختصها بها النصراني منهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، فلو كان في إخوتها مرتد عن الإسلام فلا ولاية له عليها كما لا ميراث له منها؛ ولأن المرتد مولى عليه فلم يجز أن يكون ولياً، فلو كانت المرأة مرتدة وكان لها أخ مسلم وأخ مرتدة وأخ نصراني فلا ولاية عليها لواحد منهم، كما لا يرثها واحد منهم.
ولا يجوز أن يتزوج بمسلم ولا كافر ولا مرتد؛ لأن الردة مانعة من استباحة نكاحها.
وأما القسم الثاني: وهو الولاية بالحكم فيثبت للمسلم علي الكافرة؛ لأنها لا تستحق بالموالاة بالنسب فيتمنع اختلاف الدين منها، وإنما تستحق بالولاية التي ثبت علي الكافر كثبوتها علي المسلم، فإذا عدمت الكافرة منها شيئاً من عصبتها الكفار زوجها
الجزء: 9 - الصفحة: 114
حاكم المسلمين بكفء من الكفار أو المسلمين، فإن دعت إلي زوج مسلم وجب علي الحاكم تزويجها به؛ لأنه إذا تقاضي إلي حاكم المسلمين مسلم وكافر لزمه الحكم بينهما، وإن دعت إلي زوج كافر فإن كان من أهل العهد كان حاكم المسلمين بالخيار بين أن يزوجها به أو الإعراض عنها، كما يكون بالخيار في الحكم بينهما إذا تقاضيا إليه، وإن كانا من أهل الذمة فهل يلزم الحاكم تزويجها أم لا؟ علي قولين:
من اختلاف قوليه في وجوب الحكم بينهما عند الترافع إليه، فإن زوجها لم يعقد نكاحها إلا شاهدين مسلمين ولا يجوز أن يعقده به أهل دينها؛ لأن الإسلام والعدالة شرط في الشهادة.
وأما القسم الثالث: وهو الولاية بالملك فقد اختلف أصحابنا في ثبوتها للسيد المسلم علي أمته الكافرة علي وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي سعيد الاصطخري: أنه يجوز للسيد المسلم تزويج أمته الكافرة وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه قال:" ولا يكون المسلم ولياً لكافرة إلا علي أمته".
ووجهة شيئان:
أحدهما: أنه ولاية لم تستحق بموالاة النسب فلم يؤثر فيها اختلاف الدين كالولاية بالحكم.
والثاني: أن السيد يتوصل إلي الكسب فلم يؤثر اختلاف الدين كما لم يؤثر الفسق.
والثالث: وهو قول أبي إبراهيم المزني.
وأبي القاسم الداركي وطائفة أن إسلام السيد يمنعه من تزويج أمته الكافرة كما يمنعه من تزويج ابنته وحمل غير المزني قول الشافعي"إلا علي أمته" علي أحد وجهين:
إما حكاية عن مذهب غيره، وإما علي أمته في عقد الإجارة علي منافعها دون بضعها استدلالاً بأن في تزويجه لها تغليباً لولاية النكاح دون الكسب؛ لأن المرأة لا تزوج أمتها وأن ملكت عقد اكتسابها.
فأما المزني: فإنه اعترض علي الشافعي رضي الله عنه فيما نقله من استدلاله له بحديث أم حبيبه، وتوهم أنه استدل به في تزويج المسلم لأمته الكافرة وهذا خطأ في التوهم؛ لأن الشافعي إنما استدل به علي أن الكافر لا يزوج بنته المسلمة وهو دليل عليه، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي:" فإن كان الولي سفيها أو ضعيفا غير عالم بموضع الحظ أو سقيما مؤلماً أو به عله تخرجه من الولاية فهو كمن مات فإذا صلح صار وليا".
الجزء: 9 - الصفحة: 115
قال في الحاوي: وهذا صحيح وذكر الشافعي رضي الله عنه الأسباب المانعة من ولاية النكاح، فقال:" فإن كان الولي سفيها" وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه المجنون؛ لأنه سفيه العقل.
والثاني: انه المفسد لماله ودينه؛ لأنه سفيه الرأي.
فأما المجنون فلا ولاية له؛ لأنه لما أزل الجنون ولايته علي نفسه، فأولى أن يزيل ولايته علي غيره.
فلو كان يجن في زمان ويفيق في زمان فلا ولاية له في زمان جنونه، فأما زمان إفاقته فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون فيه بليداً مغموراً فلا يصح فكره ولا يسلم تمييزه فلا ولاية له في زمان إفاقته كما لا ولاية له في زمان جنونه.
والثاني: أن يكون فيه سليم الفكر صحيح التمييز فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يكون زمان إفاقته من زمان جنونه فله الولاية في زمان الإفاقة.
والثاني: أن يكون زمان إفاقته من زمان جنونه ففي عود الولاية إليه في زمان الإفاقة وجهان:
أحدهما: يعود لعدم ما يمنع منها.
والثاني: لا يعود إليه اعتباراً بحكم الأغلب من زمانيه.
فأما السفيه فله حالتان:
أحدهما: أن يكون محجوراً عليه بالسفه فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون قد حجر عليه لا يعرف موضع الحظ لنفسه فهذا لا ولاية له؛ لأن من لا يعرف حظ نفسه فأولى أن لا يعرف حظ غيره.
والثاني: أن يكون قد حجر عليه لتبذيره لما له مع معرفته لحظ نفسه، ففيه وجهان:
الأول: وهو قول جمهور أصحابنا لا ولاية له في النكاح؛ لأنه لما زالت ولايته عن نفسه فأولى أن تزول ولايته علي غيره.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج هو علي ولايته وله تزويج وليته لأن ما استحق به الحجر لحفظ المال غير مقصود في ولاية النكاح فلم يؤثر في إسقاطها فإن كان السفيه غير محجور عليه ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن هريرة انه بالمحجور عليه ولا ولاية له لوجود معني الحجر فيه.
والثاني: أنه علي ولايته لأنه لما كان قبل الحجر باقي الولاية علي نفسه كان باقي الولاية علي غيره.
فرع:
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: " أو ضعيفا" وفيه تأويلان:
أحدهما: انه الصغير الضعيف البدن.
والثاني: الضعيف الرأي إما لعته وبله وإما لكبر وهرم، فأما الصغير فلا ولاية له؛
الجزء: 9 - الصفحة: 116
لأنه (مولى) عليه فلم يجز أن يكون واليا.
وأما المعتوه ولأبله فلا ولايه له.
لأنه لا يصح تمييزه فلم يعرف حظ نفسه وحظ غيره.
وأما الشيخ الهرم الذي صار يهرمه خرقاً لا يعرف موضع الحظ فلا ولاية له لفقده تمييزه.
فرع:
ثم قال الشافعي رضي الله عنه "أو سقيما".
وفيه روايتان:
أحدهما: مؤلما يعني ذا المرض المؤلم
والثانية: مواليا يعني ذا المرض المولي عليه لفقد تمييزه كالبرسام وإن كان مرضه مؤلماً نظر في ألمه.
فإن كان يسيراً لا يمنعه من الكفر والنظر كان علي ولايته وإن كان ألمه عظيماً قد قطعه عن الكفر وصرفه عن الحظ والصلاح فلا ولاية له لفقد المقصود بها منه وإن كان مرضه مولياً عليه كإفاء المبرسم فلا يصح منه أن يزوج منه في حال إغمائه وفي بطلان ولايته وجهان:
أحدهما: قد بطلت لزوال عقله بالجنون فعلي هذا تنتقل الولاية إلي من بعده من الأولياء.
والثاني: لا تبطل، لأن إعفاء المريض استراحة النوم، وبهذا المعني فرقنا بينه وبين المرض المؤلم الذي ليس باستراحة في إبطال الولاية.
فعلى هذا ينوب عنه الحاكم في التزويج ولا تنتقل إلي من بعده من الأولياء، والله اعلم.
فرع:
ثم قال الشافعي:" أو به علة تخرجه من الولاية".
وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد به الأمراض المانعة من الولاية فمنها ما آلم كقطع الأعضاء ومنها ما أثره في التمييز كالمعي.
وفي إضافة العمى والخرس إليهما وجهان.
والثاني: أنه أراد الأسباب المانعة من الولاية كالكفر، والرق، والردة.
فأما الفسق ففيه أربعة أوجه:
أحدها: وهو الأظهر انه مانع من ولاية النكاح بكل حال.
والوجه الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يمنع منها بحالٍ.
والوجه الثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إن كان ممن يجبر كالأب بطلت ولا يته بالفسق، وإن كان ممن لا يجبر كالأخ لم تبطل ولا يته بالفسق.
والوجه الرابع: وهو قول بعض البصريين أنه إن كان الفسق موجباً للحجر بطلت به الولاية وإن كان غير موجب له لم تبطل به وقد تقدم توجيه هذه الأوجه فإما (الخنثى) فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 117
كان باقياً علي إشكاله فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون زواله بقوله، كإخباره عن نفسه بأن طبعه يميل إلي الرجال حتى زوج امرأة ولا ولاية له؛ لأن قوله: وإن "قيل علي نفسه" فهو غير مقبول علي غيره.
والثاني: أن يكون قد زال تعيناً لإمارة لا يرتاب بها فله الولاية لاعتبار حكمه بالرجال في جميع الأحوال.
فأما الإحرام بحج أو عمرة فمانع من الولاية سواء كان صحيحاً أو فاسداً لاستوائهما في المضي فيهما، ولا تبطل به الولاية؛ لأنه يصير بإحرامه كالعاضل فيزوجها الحاكم عنه، ولا تنتقل الولاية عنه إلي ما بعده من الأولياء.
فرع:
إذ ثبت ما وصفنا من الأسباب المشكلة لولاية النكاح انتقلت الولاية بها إلي من هو ابعد بخلاف الغيبة التي لا توجب انتقال الولاية؛ لأن الغائب يصح منه التزويج ولا يصح من هؤلاء، فلو زالت الأسباب المبطلة للولاية بأن اسلم الكافر واعتق البعد وأفاق المجنون ورشد السفيه، عادوا إلي الولاية وانتقلت عمن هو ابعد منهم، فلو كان الأبعد قد زوج في جنون القريب وسفهه صح نكاحه.
ولم يكن للأقرب بعد الإفاقة والرشد اعتراض عليه، ولو كان الأبعد قد زوج بعد إفاقة الأقرب ورشده كان نكاحه باطلا سواء علم بإفاقته أو لم يعلم.
فإن قيل: وكيل الولي إذا زوج بعد رجوع الولي في الوكالة قبل علمه برجوعه كان في نكاحه قولان، فهلا كان نكاح إلا بعد مثله علي قولين؟ قيل: الفرق بينهما: أن الوكيل مستناب يضاف عقده إلي موكله فكان عقده امضي من عقد الأبعد الذي ليس بنائب عن الأقرب، فعلي هذا لو زوجها إلا بعد ثم اختلف هو والأقرب فقال الأبعد: زوجها قبل إفاقتك فالنكاح ماضٍ.
وقال الأقرب: بل زوجتها بعد إفاقتي، فالنكاح باطل ولا اعتبار باختلافهما ولا رجوع فيسأل قول الزوجين؛ لأن العقد حق لهما فلم ينفذ فيه قول غيرهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو قالت قد أذنت في فلانٍ فأي ولاتي زوجني فهو جائز فأيهم زوجها جاز، وإن تشاحوا أقرع بينهم السلطان".
وهذا كما قال: إن كان للمرأة جماعة أولياء في درجة واحدة كالإخوة والأعمام، فينبغي لها ولهم أن يردوا عقد نكاحها إلي أسنهم وأعلمهم وأروعهم؛ لأن ذا السن قد جرب الأمور، وذا العلم اعرف بأحكام العقود، وذا الورع أسلم اختياراً وأكثر احتياطاً، فإن قيل: فهلا اشتركوا في عقد نكاحها ولم ينفرد به أحدهم كما لو اشتركوا في رق جارية اشتركوا في تزويجها لتساويهم كالشركاء في ملك إذا أرادوا بيعه أو إجارته اشتركوا في
الجزء: 9 - الصفحة: 118
العقد عليه ولم ينفرد به أحدهم لتساويهم فيه؟ قيل: الفرق بينهما أن المعقود في الأملاك يتبعض، ولو أراد أحدهم أن ينفرد بالعقد عي قدر حصته جاز، فلذلك جاز إذا اجتمعوا أن يشتركوا في العقد علي الجميع، وليس كذلك عقد النكاح؛ لأن يتبغض ولا يجوز العقد علي بعض امرأة فلذلك إذا اجتمع الأولياء لم يشتركوا فيه ويفرد بالعقد أحدهم.
فصل:
فإذا تقرر هذا فللمرأة الخطوبة حالتان:
أحدهما: أن تأذن لأحدهم بعينه في العقد عليها.
والثاني: أن لا تعين فإن عينت، فقالت: قد أذنت لفلان من إخوتي أو من أعمامي أن يزوجني لفلان أو بمن يختاره لي من الأكفاء، فيكون المأذون له منهم أحق بعقد نكاحها من جماعتهم، فإن زوجها غير منهم كن نكاحها باطلاً سواء كانت قد عينت علي الزوج أو لم تعين؛ لأنها لم تأذن له فصار عاقداً بغير إذن فبطل عقده.
فرع
وإن لم تعين علي أحد الأولياء بل قالت: يزوجني أحدكم وأيكم يزوجني فهو بإذني ورضاي، فلا يخلو حالهم حينئذ من أحد أمرين:
إما أن يتنازعوا في تزويجها أولم يتنازعوا، فإن لم يتنازعوا في تزويجها وسلموه لأحدهم زوجها من سلموا إليه العقد منهم وسواء كان أفضلهم أو أنقصهم إذا لم يكن به سبب يمنعه من الولاية؛ لأنه لو تفرد لكان وليا، فكذلك إذا شارك، وإن تنازعوا فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون نزاعهم في تولي العقد مع اتفاقهم علي الزواج كأنهم اتفقوا علي أن يزوجوها بزيد بن عبد الله، لكن قال كل واحد منهم: أنا زوجها به فهؤلاء لا حق للسلطان معهم؛ لأنه ليس فيهم عاضل لكن يقرع بينهم، فأيهم قرع كان أولي بنكاحها من جماعتهم، فإن زوجها من لم تخرج له القرعة منهم نظر، فإن كان ذلك قبل القرعة كان نكاحه جائزاً لكونه ولياً، وإن كان بعد القرعة ففي صحة نكاحه وجهان:
أحدهما: يصح لكونه ولياً
والثاني: باطل، لأن القرعة قد ميزت حق الولاية لغيره.
والضرب الثاني: أن يكون نزاعهم في غير الزوج وقد تولى العقد فيقول أحدهم:
أنا أزوجها يزيد ولا أزوجها بعمرو.
ويقول الآخر: بخلاف ذلك فيرجع إلي الزوجة فإن رضيت احد الزوجين دون الآخر كان من رضينه الزوجة أحق ومن دعي إلي تزويجها به أولي، فإن قالت: هما عندي سواء فزوجوني بأحدهما فلا قرعة هاهنا؛ لأنه يصير قراعاً بين الزوجين والقرعة لا تميز العقود عليه، وإنما يتعين بالرضي والاختيار، وإذا كان كذلك صار الأولياء عضلة؛ لأن كل واحد منهم، يمتنع من رضيه الآخر، فوجب أن
الجزء: 9 - الصفحة: 119
يرجع في تزويجها إلي السلطان، كما لو صرحوا بالعضل حتى زوجها بمن يختاره لها من الزوجين المختلف فيهما، والله اعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو أذنت لكل واحد أن يزوجها لا في رجل بعينه فزوجها كل واحد رجلاً فقد قال صلي الله عليه وسلم وإذا أنكح الوليان فالأول أحق، فإن لم تثبت الشهود أيهما أو فالنكاح مفسوخ ولا شيء لها، وإن دخل بها أحدهما علي هذا كان لها مهر مثلها وهما يقران أنها لا تعلم مثل أن تكون غائبة عن النكاح ولو ادعيا عليها إنها تعلم أحلفت ما تعلم وإن أقرت لأحدهما لزمها".
قال في الحاوي: وصورتها: في امرأة لها وليان أذنت لكل واحد منها أن يزوجها برجل لا بعينه يختاره لها من أكفئاها، فزوجها كل واحد من الوليين برجل غير الذي زوجها به الآخر، فلا يخلو حال الزوجين من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون معاً غير كفئين فنكاحهما باطل، فإن لم يدخل بها واحد منهما فلا شيء عليهما، فإن دخل بها أحدهما كان عليه مهر مثلها دون المسمي، ولا حدّ عليه وإن علم أنه غير كفء، لأن من الفقهاء من يوقف نكاحه علي الإجازة، فكان ذلك شبهة يدرأ بها الحد.
والقسم الثاني: أن يكون احد الزوجين كفئاً والآخر غير كفء، فنكاح غير الكفء باطل ونكاح الكفء حائز سواء تقدم نكاحه أو تأخر، فإن دخل بها غير كفء فعليه مهر المثل ثم ينظر فإن كان نكاحه قد تقدم فلا احد عليه سواء علم أو لم يعلم وعليها أن تقتدي من إصابته وإن كان نكاحه قد تأخر فإن علم بالحال فعليه الحد لارتفاع الشبهة ولا عدة عليها لأنها لو جاءت بولد لم يلحق به وإن لم يعلم به مثلاً حد عليه وعليها العدة وإن جاءت بولد لحق به وهي محرمة علي الكفء في زمان عدتها من غير الكفء.
والقسم الثالث: أن يكون الزوجان معاً كفئين فلا يخول حال نكاحهما من خمسة أقسام:
أحدها: أن يسبق أحدهما الآخر ويعلم أيهما هو السابق.
والثاني: أن يقع النكاحان معاً ولا يسبق أحدهما الآخر.
والثالث: أن يشك هل وقع النكاحان معاً أو سبق أحدهما الآخر.
والرابع: أن يشك أيهما هو السابق.
والخامس: أن يسبق أحدهما الآخر ويدعي كل واحد من الزوجين أنه هو السابق.
الجزء: 9 - الصفحة: 120
فصل:
فأما القسم الأول وهو: أن يسبق أحدهما الآخر ويعلم أيهما هو السابق بالنكاح لأسبق الزوجين عقدًا والنكاح الثاني المسبوق باطل سواء دخل هذا الثاني بها أو لم يدخل.
وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، ومن التابعين: شريح، والحسن البصري.
ومن الفقهاء: أبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: النكا للأول إلا أن يدخل بها الثاني وهو يعلم بنكاح الأول فيكون النكاح الثاني دون الأول، وبه من الصحابة: عمر بن الخطاب.
ومن التابعين: عطاء.
ومن الفقهاء: الزهري استدلالًا بما روي أن موسى بن طلحة بن عبيد الله زوج أخته بيزيد بن معاوية بالشام، وزوجها أخوها يعقوب بن طلحة بالحسن بن علي بالمدينة فدخل بها الحسن وهو الثاني من الزوجين ولم يعلم بما تقدم من نكاح يزيد، فقضى معاوية بنكاحها للحسن بعد أن أجمع معه فقهاء المدينة، فصار من سواهم محجوبًا بإجماعهم، ولأنه قد تساوى العقدان في أن يفرد كل واحد منهما ولي مأذون له ويرجع الثاني أيما تعلق عليه من أحكام النكاح بالدخول من وجوب المر والعدة ولحوق النسب، فصار أولى وأثبت من الأول، ولأن المتنازعين في الملك إذا انفرد أحدهما بتصرف وبه كان أولى كذلك الزوجات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24] يعني ذوات الأزواج فنص على تحريمها كالأم، فلم يجز أن تحل بالدخول كما لا يحل غيرا من المحرمات.
وروى قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله علي وسلم قال: "أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما "ذكره أبو داود في سننه.
وروى الشافعي بإسناده رفعه لعقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نكح الوليان فالأول أحق".
وروى أبو موسى الأشعري: أن امرأة ذات وليين زوجها أحدهما بعبد الله بن الحسن الحنفي، وزوجها الآخر بعبيد الله بن الحسن الحنفي، فدخل بها عبيد الله وهو الثاني وتقاضيا إلى علي بن أبي طالب فقضى بالنكاح الأول منهما، وهو عبد الله، وأبطل نكاح عبيد الله مع دخوله.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نكح الوليان فالأول أحق "ويدل عليه من طريق الاعتبار، أن كل نكاح لا يصح إذا عري عن الوطء لم يصح إذا اتصل بالوطء كالنكاح في العدة، ولإجماعنا أن رجلًا لو وكل وكيلين في أن يزوجه كل واحد منهما امرأة فزوجاه بأختين، أو وكل كل واحد منهما أن يزوجه بأربع نسوة فزوجه كل واحد منهما أربعًا، أن نكاح الأول منهما أصح من نكاح الثاني، وإن اقترن به دخول
الجزء: 9 - الصفحة: 121
فكذلك وليا المرأة يحب أن يكون نكاح الأول منهما أصحّ وإن اقترن الثاني دخول.
وتحريره: أن بطلان نكاح الثاني إذا لم يقترن به دخول لا يوجب تصحيحه، فإذا اقترن به دخول لا يوجب تصحيحه كوكيلي الزوج في أختين أو أربع بعد أربع، ولأن الدخول في النكاح جار مجرى القبض في البيع، ثم ثبت أن الوكيلين في بيع عبد لو باعه كل واحد منهما أو قبضه الثاني أن البيع للأول وإن قبض الثاني كذلك الوليان في النكاح.
فأما الجواب على استدلالهم بنكاح الحسن ويزيد، فهو أنه يجوز أن يكون معاوية استنزل يزيد عن نكاحها، واستأنف عقد الحسن عليها.
وأما استدلالهم بأن الثاني قد ترجع بما تطلق عليه من أحكام النكاح ففاسد؛ لأن المتعلق عليه أحكام الوطء بشبهة ولم يتعلق عليه أحكام النكاح، ثم هو باطل بالزوج إذا زوج وكيلا بأختين، فإن النكاح للأولى وإن دخل بالثانية.
وأما استدلالهم بأن المتنازعين تقدم صاحب اليد والتصرف منهما على صاحبه، فليس لليد في النكاح تأثير وكذلك في الأملاك إذا كانت معروفة والأسباب ثم هو فاسد بنكاح الأختين.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يقع النكاح معًا ولا يسبق أحدهما الآخر فالنكاحان باطلان، لأنه لا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين وإن جاز أن يكون الرجل ذا زوجتين لأن اشتراك الزوجين في نكاح امرأة يفضي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب وليس هذا المعنى موجود في الزوج إذا جمع بين اثنتين وإذا لم يصح اجتماع النكاحين ولم يكن تصحيح أحدهما أولى من فساده، وجب أن يكونا باطلين فإذا بطل النكاح بما ذكرنا لم يخل حال الزوجين من ثلاثة أحوال: إحداها: أن لا يكون قد دخل واحد منهما في خلية ولا مهر على واحد منهما لفساد عقده وعدم إصابته ولأيهما شاء أن يستأنف العقد عليها.
والحالة الثانية: أن يكون قد دخل بها أحدهما ودون الآخر فمذهب مالك: أن النكاح يصحّ للداخل بها وما قد مضى من الدليل عليه في تلك المسألة كاف في هذه، ويكون نكاح الداخل بها باطلًا كغير الداخل؛ لأن الداخل بها عليه مهر مثلها بالإصابة، وعليها منه العدة وله أن يستأنف نكاحها في زمان عدتها منه وليس على غير الداخل بها مهر ولا له العقد عليها إلا بعد انقضاء العدة.
والحالة الثالثة: أن يدخل بها الزوجان معًا، فعلى كل واحد منهما مهر المثل بالإصابة، وعليها لكل واحد منهما العدة بدأ بعد أسبقهما إصابة ليس له استئناف نكاحها إلا بعد انقضاء العدتين؛ لأنه يتعقب عدتها منه عدة من غيره فحرمت عليه في العدتين معًا.
فأما الثاني منهما إصابة فليس له أن يتزوجها في عدة الأول، وله أن يتزوجها في عدة الثاني.
الجزء: 9 - الصفحة: 122
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يشك هل وقع النكاحان معًا أو سبق أحدهما الآخر، فالنكاحان باطلان؛ لأن العقد إذا تردد بين حال صحة وفساد حمل على الفساد دون الصحة اعتبارًا بالأصل أن لا عقد حتى يعلم يقين صحته، وإذا كان كذلك فالحكم فيهما كما لو وقعا معًا، فيكون على ما مضى من وجود الدخول وعدمه.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويشك أيهما هو السابق فهو على ضربين:
أحدهما: أن يصير الشك بعد تقدم اليقين فيكون النكاحان موقوفين على يرجى من زوال الشك يعود اليقين؛ لأن طروء الشك بعد تقدم اليقين يجوز أن يتعقبه يقين فعلى ذا تكون ذات زوج قد جهل عينه متمتع من الأزواج وليس لواحد منهما إصابتها إلا بعد اليقين بأنه الأسبق نكاحًا.
والضرب الثاني: أن يكون الشك مقارنًا للعقد لم يتقدمه يقين فلا يكون النكاح موقوفًا؛ لأنه ليس بتوقع زوال الشك يعود اليقين.
وإذا امتنع وفق النكاحين كانا باطلين وهل يفتقر بطلانهما إلى فسح الحاكم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يفتقر إلى فسخ الحاكم ويكون الجهل على المتقدم فسخًا لأن الجهل بعين الأسبق هو المانع من تعيين الأصح فاقتضي أن يقع به الفسخ.
والوجه الثاني: أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم الحاكم لأننا نعلم أن أحدهما زوج وإن لم يعلم أيهما الزوج فلم ينفسخ نكاحه إلا بحكم الحاكم الذي له مدخل في الفسخ المناكح فإن قيل: بوقوع الفسخ بالجهل دون الحكم على الوجه الأول كان فسخًا في الظاهر والباطن كما يمنع التوارث بين الغرقى في الظاهر والباطن على أشكال التقدم وإن قيل بوقوع الفسخ بحكم الحاكم على الوجه الثاني فهل يقع في الظاهر والباطن أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه فسخ في الظاهر والزوجية بينهما وبين الأول منهما باقية في الباطن لأن حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليه.
والثاني: وهو أصح أن الفسخ يقع ظاهرًا وباطنًا؛ لأن المرأة لما يحصل لها العوض عاد إليها المعوض كالبائع إذا أفلس المشتري بثمن سلعة عادت إليه بفسخ الحاكم ملكًا في الظاهر والباطن.
فصل:
وأما القسم الخامس: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويدعي كل واحد من الزوجين أنه هو السابق فإن كان لأحدهما بنية عمل عليها وحكم بها فإن كان الولي العاقد أحد
الجزء: 9 - الصفحة: 123
الشاهدين لم (تقبل)؛ لأنه شهد على فعل نفسه ولو كان ولي العقد الآخر شاهدًا في هذا العقد قبل وإن لم يكن لكل واحد من الزوجين بينه فلا حالهما من أحد أمرين:
إما أن يدعيا علمهما بأسبقهما عقدًا.
أو لا يدعياه لغيبتهما عن العقد وجهلهما بالأسبق تحالف الزوجان دون الوليين؛ لأنهما المتداعيان ولا يراعى تصديق الوليين فإن حلف الزوجان انفسخ بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم بينهما على وجهين مضيا في البيوع، وإن نكل الزوجان عن اليمين فسخ الحاكم نكاحهما ولم ينفسخ إلا بحكمه وجهًا واحدًا، لأن نكول الناكل لا يمنع أن يكون محقًا في دعواه فلم يمنع بنكوله فسخ حتى يحكم به الحاكم، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالنكاح للحالف منهما دون الناكل، فإن دخل بها الناكل نظر حال دخوله، فإن كان بعد نكوله أو يمين صاحبه فو زاٍن يحد ولا يلق به الولد، ولا تجب عليها العدة.
أما المرأة فإن علمت بحال الناكل عند تمكينه من نفسها فهي زانية تحد ولا مهر لها، وإن لن تعلم فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها، وإن كان الناكل قد دخل بها قبل نكوله ويمين صاحبه فلا حدّ عليه ولا عليها لبقاء شبهته في النكاح، وعليه مهر مثلها وعليها العدة.
وإن جاءت بولد لحق به وهي محرمة على الحالف حتى تقضي عدة الناكل.
ولا نفقة لها في زمان العدة على واحد منهما أما الحالف فلأنها محرمة عليه، وإن كانت زوجته لاعتدادها من غيره، وأما الناكل فلأنها ليست زوجته وإن كانت معتدة منه إلا أن تكون حاملًا، فهل يلزمه نفقتها أم لا؟ على قولين:
فرع:
فإن ادعت علمها في الابتداء وأنها تعرف أسبقهما نكاحًا فلها حالتان: حالة تعترف بالعلم وحالة لا تعترف به فإن لم تعترف قالت: لست أعلم أيهما أسبق بالعقد فالقول قولها مع يمينها وإنما لزما اليمين ولأنها لو أقرت بعد الإنكار كان قولها في نكاح من قدمته مقبولًا فإن حلفت أنها لا تعلم أيما أسبق بالعقد.
فالنكاحان باطلان وهل يبطل بمجرد يمينها أو فسخ الحاكم على وجهين إن قيل قد بطل يمينها نكاح الزوجين وهي مقترنة أن أحدهما زوج وإن لم يتعين لها قيل: لأن يمينها يسقط عنها تمكين نفسها من كل واحد منهما وإذا منعها الشرع من واحد منهما بطل نكاحها وإن نكلت عن اليمين ردت اليمين على الزوجين.
فإن حلفا بطل نكاحهما.
وإن نكلا فسخ نكاحهما وإن خلف أحدهما ونكل الآخر قضى بنكاحها للحالف منهما دون الناكل وإن اعترفت.
قالت: اعلم السابق بالعقد منهما وهو زيد دون عمر فالقول قولها وهي زوجة للمصدق لأنها مالكة بضعها فقبل قولها تصديق من ملكه عنهما كما يقبل قولها في سائر أملاكها وهل عليها اليمين أم لا؟ على قولين.
أحدهما: لا يمين عليها لأمرين.
أحدهما: أنها لو رجعت عنه لم تقبل.
الجزء: 9 - الصفحة: 124
والثاني: أنه بينه كالشاهدين وهذا قوله في "الأم".
والقول الثاني: أن يمين عليها واجبة لأمرين:
أحدهما: أن المكذب مدع فلم يدفع مجرد الإنكار إلا مع اليمين.
والثاني: أنه قد يتعلق برجوعها أن لو صدقته عزم فلزمت اليمين وهذا قوله في "الإملاء "ومثل هذين القولين في الراهن إذا صدق أحد المرتهنين هل يحلف للمكذب أم لا على قولين ويشبه أن يكون اختلاف توليه في يمين الزوجة مبينًا على اختلاف قولي في تصديقها للمكذب ل يوجب عليها مهر المثل أم لا؟ فإن قيل يوجب التصديق عليها مهر المثل حلفت على التكذيب.
وإن قيل لم يجب لم تخلف فإذا تقرر توجيه القولين وبناؤها فإن قيل: إنه لا يمين عليها أو عليها اليمين فلفت ثبت النكاح للمصدق وكان نكاح المكذب مردودًا وإن قيل: عليها اليمين فنكلت فلا يخلو حالها في النكول من أحد آمرين:
إما أن يكون الاعتراف بالثاني أو بغير اعتراف به فإن كان نكولها اعترافًا للثاني يتقدم نكاحه لم يرد اليمين على أحد وقد صارت مقرة للأول ثم عدلت عنه إلى إقرارا للثاني فثبت نكاحها للأول بإقرارها ولم يقبل رجوعها عنه إلى الثاني وجرى مجرى قولها في الابتداء بسبق هذا لأجل هذا فتكون زوجة للأول بإقرارها دون الثاني كمن بيده دار فقال: هي لزيد لا بل لعمرو وكانت لزيد المقر له أولًا دون عمرو وإذا كانت بما سبق من الإقرار زوجة للأول دون الثاني فهل يلزمها أن تغرم للثاني مهر مثلها أم لا؟ على قولين:
كمن قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو وكانت لزيد.
وهل يغرم قيمتها لعمرو أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يلزمها غرم المهر لاعترافهما بما لزمها.
والقول الثاني: يلزمها غرم مهر مثلها للثاني، لأنها قد فوتت نفسها عليه بإقرارها للأول فعلى هذا لو مات الأول صارت بعد موته زوجه الثاني بإقرارها المتقدم كمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو كانت لزيد المقر له أولًا فلو عادت الدار إلى المقر بابتياع أو هبة أو ميراث صارت لعمر بالإقرار السابق المتقدم فكذلك هذه في مصيرها زوجة للثاني وعليها أن تعتد من الأول وإن كان لم يصيبها بأربعة أشهر وعشر وإن كان قد أصابها بأكثر الأجلين من أربعة أشهر وعشر عدة الوفاة أو ثلاثة أقراء عدة الوطء وهي محرمة على الثاني في زمان عدتها من الأول.
وإن كانت زوجته وإن كان نكولها لغير اعتراف بل كانت تكذيب الثاني وتصديق الأول رد اليمين بعد نكولها على المكذب فإن نكل المكذب عنها استقر نكاح الأول وإن خلف فقد قابل تصديق الأول يمين الكذب فيكون يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه وقد اختلف قول الشافعي في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل يقوم مقام البينة أم مقام الإقرار على قولين:
أحدهما: أنها تقوم مقام البينة فعلى هذا تكون زوجة الثانية ويزول عنها نكاح الأول
الجزء: 9 - الصفحة: 125
كما لو أقام الثاني بينة بعد تصديقها للأول وهذا محكي عن أبي علي بن خيران من بعد.
والقول الثاني: أنها تقوم مقام الإقرار، فعلى هذا قد كان مع الأول إقرار منها وقد صار مع الثاني إقرار قد لزم عنها فصار إقرارين، وقد اختلف أصحابنا فيهما هل يكون حكمهما حكم إقرارين وقعا معًا؛ لأن يمين الثاني أوجبها نكولها عن اليمين المستحقة بالإقرار الأول فلم يتقدم حكم أحد الإقرارين على الآخر.
وهذا قول أبي إسحاق المروزي فعلى هذا يبطل النكاحان معًا.
كما لو أقرت لهما في حالة واحدة.
والثاني: أنهما في حكم إقرارين متراتبين وقع أحدهما بعد الآخر؛ لأن يمين الثاني، جعلته في حكم المقر له وهي متأخرة فصار الإقرار له متأخر عن الإقرار الأول وهذا قول جمهور أصحابنا فعلى هذا تكون زوجة للأول دون الثاني كما لو أقرت الثاني بعد أول وهل يرجع الثاني عليها بمهر مثلها أم لا؟ على ما مضى من القولين فإنه طلب الثاني في هذه الحال إحلاف الأول ففيه وجهان:
أحدهما: ليس ل إحلافه؛ لأن المدعى عليه غيره ولو مات لم تصر زوجة الثاني؛ لأنها منكرة وإن نزلت في بعض أحوالها منزلة المقرة.
والثاني: له إحلافها ولو نزل عنها فحكم بها للثاني لأجرينا عليها أحكام المقرة من غير تبغيض فهذا حكم المسألة وما انتهت إليها أقسامها وأحكامها.
فرع:
ويتفرع على هذه المسألة أن يوكل الرجل وكيلين في أن يزوجاه، فزوجاه بامرأتين في عقدين لزمه العقدان، وصح نكاحهما له بخلاف المرأة إذا زوجها وليان؛ لأن الرجل يجوز أن يكون ذا زوجتين ولا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين فلو قال أحد الوكيلين: زوجتك من زينب وزوجك صاحبي من هند وقال الآخر: أما زوجتك بزينب وزوجك صاحبي من هند فلا تأثير لهذا الاختلاف والنكاحان على الصحة، فلو زوجه الوكيلان بامرأة واحدة في عقدين صحّ نكاحه عليها.
والأول منهما له الحكم والمهر دون الثاني فإن وقع العقدان في حال واحدة من وليين صحّ النكاح أيضًا فإن اختلف المهران لم يحكم بواحد منهما وكان لها مهر المثل.
فلو ادعت الزوجة تقدم أكثر العقدين مهرًا وادعى الزوج تقدم أقلهما مهرًا ولا بينه لواحد منهما تحالفا وحكم لها بمهر المثل ولا تقبل شهادة الوكيلين.
فلو عقد الوكيل على امرأة غير الموكل عليها أو لم يعين ثم اختلفا فقال الوكيل: قبلت العقد عليها لنفسي وقال الموكل: بل قبلته لي فالقول قول الوكيل؛ لأن له أن يفعل ذلك.
فرع:
وإذا قال رجل لامرأة: أنت زوجتي فصدقته ثبت حكم نكاحهما بالتصادق عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 126
وقال مالك: لا يثبت نكاحهما بالتصادق حتى يرى داخلًا عليها وخارجًا من عندها، إلا أن يكونا في سفر.
وحكي هذا عن الشافعي في القديم، ومذهبه في الجديد أصحّ؛ لأنه ليس ظهور الدخول والخروج شرطًا في صحة العقد فلم يكن شرطًا في صحة الاعتراف وإذا صحّ النكاح بهذا التصادق عليه فأيهما مات ورثه صاحبه ولكن لو قال الرجل: هذه زوجتي ولا يكن منها تصديق ولا تكذيب فإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها نص عليها الشافعي في "الأم "أنه اعترف لها بما يعترف له بمثله فورثته ولم يرثها وعلى هذا لو قالت المرأة: هذا زوجي ولم يكن منه تصديق ولا تكذيب ورثها إن ماتت ولم ترثه إن مات للمعنى الذي ذكرنا نص عليه الإملاء قال فيه: ولو تزوج رجل امرأة من وليها ثم مات عنها، فقال وارثه: زوجك وليك بغير إذنك فنكاحك باطل ولا ميراث لك، وقالت: بل زوجني بإذني فلي الميراث فالقول قولها مع يمينها؛ لأن إذنها لا يعلم إلا منها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ زَوَّجَهَا الوَليُّ بَأَمْرِهَا مِنْ نَفْسِهِ لَمُ يَجُزْ كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ ".
قال في الحاوي: إذا كان للمرأة ولي يحل له نكاحها كابن عم أو مولى معتق لم يجز أن يتزوجها بنفسه وولايته حتى يزوجه الحاكم بها.
وقال مالك وأبي حنيفة: يجوز أن يتزوجها من نفسه بعد إذنها ل. وقال أحمد بن حنبل: يأذن لأجنبي حتى يزوجه بها واستدل من أجازه بقول الله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ومَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قالت عائشة: نزلت هذه الآية في شأن يتيمة في حجر وليها رغب في مالها وجمالها لم يقسط لها في صداقها مهرًا أن تنكحوا أو تقسطوا لهن في صداقهن فدل على أن للولي أن يتزوجها ولم يقسط في صداقها وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي "وهذا نكاح في عقده ولي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها ولم يكن لها ولي سواه.
ولأنه نكاح بولي فجاز ثبوته كما لو زوجها من غيره، ولأن الولي إنما يراد لأن لا تضع المرأة نفسها في غير كف ووليها كفاء.
ودليلنا ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل نكاح لم يحضر أربعة فهو سفاح خاطب وولي وشاهدا عدل "فاعتبر في صحته حضور أربعة وجعل الخاطب منهم غير الولي فلم يجز أن يصح بثلاثة بكون الولي منهم خاطبًا، كما لو لم يجز أن يكون الشاهد منهم خاطبًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 127
(وروى) سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يتزوج الرجل المرأة حتى يكون الولي غيره ولا يشتري الولي شيئًا من الغنيمة ولا الوصي شيئًا من الميراث "وهذا نص مرسل سعيد عند الشافعي حجة؛ لأنه عقد لم يملك فيه البدل إلا بإذن فلم يملك في القول كالوكيل في البيع لما ملك فيه البدل بإذن موكله لم يملك فيه القبول في شرائه لنفسه، وهي دلالة الشافعي، ولا يدخل في هذا القياس ابتياع الأب مال ابنه الصغير بنفس حيث صار فيه مالكًا للبدل والقبول؛ لأن الأب يملك البدل لنفسه لا بإذن غيره، فجاز أن يملك فيه القبول، وخالف الولي في النكاح كما خالف الوكيل في البيع؛ ولأن ذكر اعتبر في النكاح احتياطًا فلم يجز أن يكون زوجًا كالشاهد، ولأن الولي مندوب لطلب الحظ لها في التماس من هو ألفًا وأغنى فإذا صار زوجًا انصرف نظره إلى حظ نفسه دونها فعدم في عقده معنى الولاية فصار ممنوعًا منه ومن غيره، وليس الآن دليل على ما اختلفنا في من جواز أن يتزوجها بنفسه.
وأما الجواب عن قوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي "فهو أن هذا في حال تزويجه بها قد خرج أن يكون وليًا لها لما ذكرنا من انصرافه عما وضع له الولي من طلب الحظ لها إلى طلب الحظ لنفسه، فأما الجواب عن حديث سعيد فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بجواز النكاح بغير ولي عند كثير من أصحابنا، فلم يجز أن يعتبر به حال غيره.
فأما على قول من اعتبر الولي في نكاحه فيقول لم يكن لصفية ولي غيره فصار في عقده عليها كالإمام إذا لم يجد لوليته وليًا سواه يزوجها منه فيكون على ما سنذكره.
وأما الجواب عن قياسهم أنه نكاح بولي فلا نسلم أنه يكون وليًا لها إذا تزوجها لما ذكرنا من زوال معنى الولاية عنه، ثم المعنى في الأصل أن الباذل غير العائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه كفء لها لمناسبته فلم يحتج إلى ولي يلتمس الكفاءة وهي ليست معتبرة بالنسب وحده وقد يجوز أن لا يكافئها فيما سوى النسب من مال وعفاف.
فرع:
فإذا ثبت ليس للولي أن يتزوجها بنفسه نظر، فإن كان في درجته من أوليائها أحد جاز له أن يتزوجها منه، وإن لم يكن لها إلا من هو أبعد منه لم تنتقل الولاية إلى البعيد، وزوجه الحاكم بها.
وقال قتادة وعبيد الله بن الحسن: تنتقل الولاية إلى من هو أبعد فيزوجها منه وهذا خطأ؛ لأن ولايته لم تبطل بهذا القصد فلم ينتقل عنه إلى الأبعد، وصار بخطبتها كالعاضل فيزوجها الحاكم، فلو كان هذا الولي هو الحاكم لم يجز له أن يتزوجها بولاية النسب وعدل إلى الإمام أو إلى غيره من الحاكم حتى يزوجه بها، فلو كان هذا الولي هو الإمام الأعظم ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يجوز أن يتزوجها بنفسه لعموم ولايته وأن الحكام كلهم من قبله كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنفسه لهذا (المعنى).
الجزء: 9 - الصفحة: 128
والثاني: أن يتزوجها من حكام الوقت لولايتهم.
وإن كانت منه فهم بخلاف وكلائه.
ولأنه نائب عن كافة المسلمين في تقليد الحكام ونائب عن نفسه في تقليد الوكلاء، ألا تراه لو مات بطلت ولاية وكلائه وأن تبطل ولاية حكامه.
ولذلك تحاكم عمر وأبي بن كعب إلى زيد وحاكم عليّ يهود إلى شريح.
فرع:
ولو أراد الولي أن يزوج وليته بابنه، كولي هو عم فأراد أن يزوج بنت أخيه بابنه، فإن كانت صغيرة لم يجز؛ لأن الصغيرة لا يزوجها غير أبيها أو جدها، وإن كانت كبيرة فاجتمع البذل والقبول من جهته فلم يصح أن يتزوجها لنفسه لحصول البذل والقبول منه من جهته، وإن كان ابنه كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه وإن كان باذلاً فالقابل غيره وهو الابن فلم يجتمع البذل والقبول من جهة واحدة.
والثاني: لا يجوز أن يزوجه بها؛ لأنه يميل بالطبع إلى طلب الحظ لأبنه دونها، كما لم يجز أن يتزوجها بنفسه لهذا المعنى.
فأما الجد إذا أراد أن يزوج بنت ابنه بابن ابن له آخر، فإن كانا كبيرين جاز لاعتدال السببين في ميله إليهما وطلب الحظ لهما، وإن كانا صغيرين فعلى وجهين مضيا:
أحدهما: يجوز لهذا المعنى.
والثاني: لا يجوز لاجتماع البذل والقبول من جهته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ الأَبُ أَوْ الجَدُّ لابْنَتِهِ الَّتِي يُؤيَسُ مِنْ عَمَلِهَا؛ لأَنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنَى وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءُ سَوَاءَ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ نَبْيَا".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت فيما قدمناه من التقسيم فإذا كانت مجنونة لم يخل حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا زوجها أبوها أو جدها صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن للأب إجبار البكر في حال العقل، فكان أولى أن يجبرها في حال الجنون، فإن لم يكن لها أب ولا جد نظر، فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد أوليائها ولا الحاكم أن يزوجها حتى تبلغ، فإذا بلغت زوجها الحاكم دون عصبتها المناسبين لاختصاصه بفضل النظر في الولاية على مالها، فإن كانت ثيبًا نظر، فإن كانت كبيرة زوجها أبوها أو جدها، فإن لم يكن لها أب ولا جد زوجها الحاكم دون سائر العصبات وإن كانت صغيرة ثيبًا فليس لغير الأب والجد تزويجها حتى تبلغ.
وهل للأب والجد تزويجها قبل
الجزء: 9 - الصفحة: 129
البلوغ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز حتى تبلغ لأنه لا حاجة بها إلى الزوج قبل البلوغ وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: أنه يجوز تزويجها قبل البلوغ بخلاف العاقلة التي يرجى صحة إذنها بالبلوغ ولا يجري صحة إذن المجنونة بعد البلوغ فافترقا فأما قوله فإن لها فيه عفافًا وغنى وربما كان شفاء، فهذا تعليل بجواز تزويج البالغ المجنونة.
فأما العفاف فيريد به من الزنا.
وأما الغني فتغنى باكتساب المهر والنفقة وأما الشفاء فربما كان من شدة المانخوليا وقوة الشبق فتبرأ إن جومعت، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ المَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ أَبُوهُ إِذَا كَانَتْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، وابْنُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ مَخْبُولاً كَانَ النّكَاحُ مَرْدُودًا لأًنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الابن إذا أراد الأب أن يزوجه من أحد حالين:
إما أن يكون عاقلًا أو مجنونًا، فإن كان عاقلاً لم يخل حاله من أن يكون بالغًا أو صغيرًا، فإن كان بالغًا فلا ولاية عليه للأب في نكاحه فإن زوجه بغير إذنه كان النكاح باطلاً، حتى يكون هو المتولي للعقد، أو الآذن فيه وإن كان صغيرًا جاز للأب تزويجه في صغره، فإن ابن عمر زوج ابنًا له وهو صغير، ولأنه محتاج إليه في الأغلب إذا بلغ فعجل الأب له بذلك ليألف صيانة الفرج، وربما رغب الناس فيه لكافلة الأب فإن زوجه واحدة لزمه نكاحها وليس له بعد البلوغ خيار، فإن أراد الفراق فبالطلاق، وإن أراد الأب تزويجه بأكثر من واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن له في الواحدة غناء
والثاني: وقد حكي عن الشافعي نصًا أنه يزوجه تمام أربع؛ لأن معنى الواحدة موجود فيهن، وإن كان الابن مجنونًا فله حالتان:
صغير وكبير، فإن كان صغيرًا لم يكن للأب تزويجه لعدم حاجته باجتماع جنونه مع صغره.
وإن كان للأب تزويج بنته الصغيرة المجنونة والفرق بينهما أن البنت قد تكتسب بالتزويج المهر والنفقة والابن ملتزمهما وإن كان الابن بالغًا فإن لم يكن به إلى التزويج حاجة لم يزوجه وإن كان محتاجًا وحاجته تكون من أحد وجهين:
إما أن يرى متوثبًا على النساء لكثرة شهوته وقوة شبقه.
وإما أن يحتاج إلى خادم وخدمه الزوجة أرفق به لفضل حنوها وكثرة شفقتها فيجوز له حينئٍذ تزويجه بواحدة لا
الجزء: 9 - الصفحة: 130
يزيده عليها؛ لأن له فيها غناء، فإن أفاق من جنونه كان النكاح على لزومه.
فأما المعنى عليه فلا يجوز للأب تزويجه؛ لأن الإغماء مرض يرجى سرعة زواله بخلاف الجنون فأما الذي يجن في زمان ويفيق في زمان فليس للأب تزويجه لاسيما إن كان زمان إقامته أكثر.
لأنه قد يقدر على العقد في زمان الإفاقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لأَبِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقُلِهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا زوج الأب ابنه المجنون أو تزوج الابن وهو عاقل ثم جن فليس للأب أن يخالع عنه؛ لأن الخلع لا يتم إلا بالطلاق، والطلاق لا يقع إلا من الأزواج.
روى ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني زوجت عبدي امرأة وأريد أن أطلقها منه، فقال: "ليس لك طلاقها، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق؛ ولأن الطلاق إزالة ملك يقف على شهوات النفوس لا يراعى فيه الأصلح والأولى؛ لأنه قد يطلق العفيفة والجميلة ويملك الفاجرة القبيحة، فلم يجز أن يراعى فيه شهوة غير المالك؛ لأن تصرف الولي في حق غيره يعتبر فيه المصلحة دون الشهوة فلذلك لم يكن للولي أن يطلق على المولى عليه، وجاز أن يبيع ماله عليه اعتبارًا بالمصلحة فيه فافترقا.
وإذا لم يكن للأب أن يطلق على ابنه الصغير أو المجنون فكذلك العبد لا يجوز أن يخالع عليه؛ لأنه معاونه على طلاق لا يصح منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يَضْربَ لامْرَأَتِهِ أَجَلَ العَنّينِ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ ثَيْبًا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَوْ بِكْرًا لَمْ يُعْقَلْ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِالقَوْلِ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ادعت امرأة المجنونة عليه العنة لم تسمع دعواها عليه؛ لأنه لا حكم لقوله ولا على وليه؛ لأن ثبوته يوجب حقًا على غيره؛ ولأن صدقها الولي على عنته جاز أن يضرب لها أجل العنة؛ لأنه لو كان عاقلاً جاز أن ينكرها، وهكذا لو كان الزوج عاقلاً فيضرب لها أجل العنة، ثم حين قبل انقضاء المدة لم يجز إذا انقضت المدة وهو على جنونه أن يخير في فسخ نكاحه، لأنه لو كان عاقلاً لجاز أن يدعي وطئها إن كان ثيبًا، ومنها إن كانت بكرًا، فيكون القول قوله في الحالين:
الجزء: 9 - الصفحة: 131
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُخَالِعُ عَلَى المَعْتُوهَةِ وَلاَ يُبْرِئُ زَوْجََا مِنْ دِرْهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يجوز للأب أن يخالع عن بنته المجنونة، من مالها لأمرين:
أحدهما: أنه مأمور بحفظ مالها وهذا استهلاك.
والثاني: أنه مندوب إلى طلب الزيادة في كسبها لا إلى إسقاطه، وهذا يسقط نفقتها ومهرها إن لم يدخل بها، فأما إن خالع الأب عنها من مال نفسه جاز خلعه؛ لأنه لو خالع عن أجنبيه عاقلة بمال نفسه وهي غير عالمة ولا مريدة صح خلعه فعن بنته المجنونة أولى.
فرع:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُبَرِّئُ زَوْجَهَا مِنْ دِرِهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من غير الصداق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: صداقًا.
فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد دخل لها فلا يجوز للأب أن يبرئ منه لأنه كسائر أموالها.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون إلى الزوجين لم يطلق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: أن يكون قد طلقت ففي جواز إبراء الأب منه قولان مبنيان على اختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
أحدهما: وهو قوله في القديم- وبه قال مالك أنه الأب فعلى هذا يجوز للأب والجد دون غيرهما من الأولياء أن يبرأ من صداقها.
والقول الثاني: قاله في الجديد.
وبه قال أبو حنيفة: أنه الزوج فعلى هذا لا يجوز للأب والجد أن يبرئا منه كما لا يجوز لغيرهما من الأولياء أن يبرئا شيء من صداقها كما لم يجز لا أن يبرأ من غير الصداق من سائر أموالها.
فأما الخلع على ظاهر قوله أنه لا يجوز وكان بعض أصحابنا يخرج من هذا القول وجهًا آخر أنه يجوز للأب أن يخالع عنها بصداقها لأنه لما جاز الإبراء منه على غير بدل كان جوازه على بدل أولى وهذا جمع فاسد والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: إن الإبراء مجوز بعد الطلاق وفي الخلع يكون مبرءًا منه قبل الطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 132
والثاني: أن في الإبراء ترغيبًا للأزواج فيها وفي الخلع تزهيدًا فيها فاختلف المعنى فيهما فافترقا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ هَرَبَتْ وَامْتَنَعَتْ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا هربت بالجنون من زوجها ومنعته من نفسها صارت ناشزًا وسقطت نفقتها؛ لأن النفقة عوض في مقابلة تمكين.
فإذا لم يوجد التمكين الذي هو معوض بطل ما في مقابلته من النفقة التي عوض كالسلعة إذا بلغت في يد البائع بطل ما في مقابلتها من الثمن فإن قيل فالجنون عذر.
وليست فيه عاصية فهلا كانت نفقتها مع تعذر الاستماع باقية كما لو مرضت أو صلت أو صامت؟ قيل: حقوق الأموال بين الآدميين تستوي في وجوبها سقوطها حكم المطيع والعاصي والمعزور وغير المعذور ألا نرى أن البائع لو تلفت السلعة في يده لجائحة سمائية فهو معذور مطيع وقد سقط ما في مقابلتها من الثمن كما لو استهلكها بنفس فصار عاصيًا غير معذور كما أن الزوجة لو سافرت في الحج سقطت نفقتها وإن كانت مطيعة كما لو هربت ناشزًا في معصية فكذلك حال المجنونة.
فأما المريضة فهي غير ممتنعة منه وإنما المرض منعه منها كما يمنع الحيض.
ولو منعته في المرض ما أمكن أن يستمتع به من المريضة في نظر وقبله ولمس وسقطت نفقتها فأما ما وجب من صلاة وصيام فالشرع قد استثنى زمانه من الاستمتاع كما أن زمان النوم مستثنى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ إِيلاَءَ فِيهَا وَقِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ فِيهَا فِءْ أَوْ طَلِّقْ ".
قال في الحاوي: أما قوله: "لا إيلاء عليه "فلم يرد أنه لا يصح منه الإيلاء فيهما؛ لأن الإيلاء يمين يصح من الزوج في العاقلة فصخت منه في المجنونة، وإنما أراد به أن لا يطالب بحكم إيلائه فيهما وإن صح إيلاؤه منهما، وإذا مضى على الزوج مدة الإيلاء أربعة أشهر وهي على جنونها أو آلي منها وهي عاقلة فانقضت مدة الإيلاء وقد جنت، فالحكم فيهما سواء، وليس للولي مطالبة الزوج بفيئه ولا طلاق؛ لأن المطالبة حق لها يرجع فيه إلى شهرتها في العفو عنه أو المطالبة به، ولا يصح منها مع الجنون مطالبة ولا للولي فيه مدخل فيطالب، لكن يقال للزوج: ينبغي لك وإن لم يجب عليك المطالبة بحقها إن تنقي الله تعالى فيا فتفئ أو تطلق ليكون خارجًا من حق الإيلاء أن لو كانت مطالبته حتى لا
الجزء: 9 - الصفحة: 133
تكون مرتهنًا بحق بقدر على الخروج منه قبل المطالبة به.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ قَذَفَهَا أَوْ انْتَفي مِنْ وَلَدهَا قِيلَ لَهُ إِنْ أَرَدْتَّ أَنْ تَتْقِيِ وَلَدَهَا فَالتَعِنْ فَإِذا التَعَنَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ وَنُفِيَ عَنْهُ الوَلَدُ فَإِنْ أَكّذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بهِ الوَلَدُ وَلَمْ يُعزَّزْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قذف الرجل زوجته المجنونة بالزنا فلا حد عليه لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] والمحصنة الكاملة بالعقل والعفاف؛ ولأن حد القذف يجب للحوق المعرة بالمقذوفة، والمجنونة لا يلحقها بالزنا عار؛ لأنها لا تفرق بين القبيح والحسن ولا بين المباح والمحذور، ولأن حد القذف على القاذف في مقابلة حد الزنا على المقذوف والمجنونة لو ثبت زناها لم تحد فلم يجب على قاذفها حدّ فإن لم يرد الزوج أن يلاعن فلا يقال وإن أراد اللعن لم يخل حال زوجت المجنونة من أحد أمرين:
إما أن تكون ذات ولد أو خلية من ولد.
فإن كانت ذات ولد كان له أن يلاعن منها ليفي باللعان ولدها فإذا لاعن انتفي عنه الولد ووقعت الفرقة بينهما على التأييد وإن لم يكن لها ولد ففي جواز اللعان فيهما وجهان:
أحدهما: يلاعن ليستفيد بلعانه تحريم التأييد.
والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز أن يلاعن؛ لأن معقود اللعان درأ الحد ونفي الولد الذي لا يقدر عليه بغير اللعان وقد عدم الولد وليس يجب عليه بقذفها حدّ فلم يجز أن يلاعن فلو عاد هذا الزوج بعد نفي الولد بلعانه فأكذب نفسه لحق به الولد ولم يزل التحريم المؤبد؛ لأن لحوق الولد حق عليه وزوال التحريم حق له ومن أقر بما عليه لزمه ومن أقر بمال لم يقبل منه.
فأما تعزيره بعد رجوعه فقد قال الشافعي هاهنا: "لم يعزر "وقال في موضع آخر: "يعزر "وليس هذا على اختلاف قولين، وإنما التعزير على ضربين:
أحدهما: تعزير قذف.
والثاني: تعزير أدنى فأما تعزير القذف: فهو في قذف من لم تكمل حاله من المكلفين كالكفار والعبيد فلا يجب على المسلم الحر في قذفهم حد لكن يجب فيه التعزير بدلاً من الحدّ ويكون حقًا للمقذوف يرجع إلى خياره في استيفائه أو العفو عنه.
وأما تعزير الأذى: فهو في قذف غير المكلفين من الصغار والمجانين فذا التعزير فيه لمكان الأذى يستوفيه الإمام إن رأى.
ويكون الفرق بينه وبين تعزير القذف من وجهين:
أحدهما: وجوب هذا وإباحة ذاك.
والثاني: رد هذا إلى خيار المقذوف.
ورد ذلك إلى الإمام، وإذا كان كذلك كان فول الشافعي هاهنا لم يعزر محمولاً على تعزير الأذى، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 134
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لِهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّبِيَّةَ عَبْدًا وَلاَ غَيْر كُفٍُؤ وَلاَ مَجْنُونًا وَلاَ مَخْبُوٌلا وَلاَ مَجْذُومًا وَلاَ أَبْرَصَ وَلاَ مَحْبُوبًا ".
وهذا كما قال: على الأب إذا أراد أن يزوج بنته أن يطلب الحظ لها في اختيار الأزواج وإذا كان كذلك لم يكن له أن يزوج بنته الصغيرة عبدًا، ولا مدبرًا، ولا مكاتبًا ولا من فيه جزء من الرق وإن قل لنقصهم بالرق عن حال الأحرار ولا يزوجها مخبولاً والمخبول هو الزائل العقل كالمجنون إلا أن المجنون هو المجتد الذي لا يؤمن عداؤه والمخبول هو الساكن المأمون العدوى.
ولا يزوجها مجذومًا، ولا أبرص؛ لأن النفس تعافهما وربما حدث منها عدوى إليها إلى الولد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد ". ولا يزوجها خصيًا ولا مجبويًا لنقصهما بالخصي والجب عن كمال الاستمتاع.
فرع:
فأما تزويج بنته الكبيرة بأحد هؤلاء؛ فإن كانت ثيبًا فيجب استئذانها، فإن استأذنها فيم وأعلمها بهم جاز، وإن كانت بكرًا لا يلزمه استئذانها، فإن لم يستأذنها فيهم لم يجز، وإن استأذنها فيهم فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز لأنه عن إذن كالثيب.
والثاني: لأن استئذانها يجب وأشبهت الصغيرة.
فرع:
فإن زوج بنته بمن فيه أحد هذه العيوب.
وكانت هي من ذوات هذه العيوب فعلى ضربين:
أحدهما: أن يختلف عيبها أن يكون الزوج مجذومًا وهي برصاء، أو مجنونًا وهي رتقاء فلم يجز.
والثاني: أن يتماثل عيبها فيكونا مجنونين أو أبرصين.
فعلى وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يجوز لتكافئهما.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يجوز لأن الإنسان قد يعاف من غيره مالا يعاف من نفسه.
وقد يؤمن المجنون على نفسه ولا يؤمن على غيره.
فإذا تقرر ما وصفنا وزوج بنته بمن لا يجوز أن يزوجها به من أصحاب هذه العيوب فهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 135
أحدهما: أن يزوجها بهم علمًا بعيوبهم فالنكاح باطل؛ لأنه أقدم على عقد هو ممنوع منه.
والثاني: أن يكون غير عابم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
وأحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: أن يكون غير عالم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
أحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: جائز ويستحق فيه خيار الفسخ؛ لأن شرار الوكيل ما يراه معيبًا بعد العقد لا يوجب فساد العقد ولكن يوجب الفسخ، فعلى ذا يجب على الأب فسخ العقد في الحال أو يكون موقوفًا على خيارها إذا بلغت.
فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يفسخ ليستدرك بالفسخ ما كان ممنوعًا في وقت العقد.
والثاني: أن يكون الفسخ موقوفًا على خيارها إذا بلغت فيه؛ لأن لا في العقد حقًا فلم يكن للأب تفويقته عليها بفسخه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ أَمَتَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤلاَءِ بِنِكَاحٍ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، للسيد أن يجبر أمته على النكاح ليكتسب بذلك المهر والنفقة ولا يجبر السيد على نكاحها إذا طلبت؛ لأنها فراش له، وإن كان للسيد إجبارها فليس له أن يكرهها على نكاح مجنون، ولا مجذوم، ولا أبرص، ولا مجبوب؛ لأنها تملك في حق النكاح حق الاستمتاع بدليل أن لها المطالبة بحق الإيلاء والعنة دون السيد واستمتاعها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب لا يكمل لنفور النفس عنهم، فمنع السيد من تزويجها بهم.
فأما العبد فله تزويجها به وكذلك بمن لا يكافئ الحرة في حال أو نسب لكمال استمتاعها بهم مع كونهم أكفأها فإنه خالف السيد وزوجها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ويستحق فيه الفسخ.
وفيه وجهان:
أحدهما: على السيد أن يفسخ.
والثاني: أنه مردود إلى خيارها فأما إذا أراد السيد بيعها على مجنون ومجذوم وأبرص ومجبوب فله ذاك وليس لها الامتناع.
والفرق بين النكاح والبيع: أن المقصود النكاح الاستمتاع فأثر فيه ما منع منه ولذلك لم يصح نكاح من لا يحل الاستمتاع بها من
الجزء: 9 - الصفحة: 136
الأخوات والعمات.
وليس المقصود في البيع إلا الملك دون الإستمتاع وكذلك جاز ملك من لا يحل من الخوات والعمات فجاز له بيعها على من لا يقدر على الإستمتاع بها كما يجوز ل بيعها على امرأة ولهذا المعنى قلنا في الأمة إن لها القسم في عقد النكاح على الزواج وليس لها في المال قسم على السيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ يُزَوِّجَ أَحَدٌ أَحَداٌ مِمَّنْ به إِحْدَى هَذِه العِلَلِ وَلاَ مَنْ لاَ يُطَاقُ جِمَاعُهَا وَلاَ أَمَةٌ لأَنَّهُ مِمَّنْ لاَ يَخَافُ العَنَتَ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لما ذكر الشافعي منع الأب والسيد من تزويج بنته وأمته بما ذكرنا عيبه يمنع السيد أن يزوج ابنه وعبده بهم، فلا يجوز للأب أن يزوج ابنه الصغير بمجنونة ولا من به العيوب التي ذكرنا لتعذر استمتاعه بن وعدم الحظ له في نكاحهن وكذلك لا يزوجه بأمة يسترق ولده منها؛ لأنها لا تحل إلا لخوف العنت وهو مأمون في الصغير، فإن زوجه بواحدة من هؤلاء، ففي النكاح تولية على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وفي الفسخ وجهان:
أحدهما: أن على الأب تعجيله.
والثاني: أنه موقوف على اختيار الابن إذا بلغ.
فصل:
فأما العبد فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: ليس له إجباره؛ لأنه من ملاذه وشهواته.
والثاني: له إجباره كما يجبر أمته.
ولمن قال بالأول: أن يفرق بين العبد والأمة بأن له في تزويج الأمة اكتساب المهر والنفقة، وعليه في تزويج العبد التزام المهر والنفقة، فافترقا.
وإذا جوز له إجبار عبده على النكاح لم يكن له أن يكرهه على نكاح من بها أحد هذه العيوب لنفور النفس عنهم وتعذر استمتاعه بهن، وله أن يزوجه بالأمة لأنها تكافئه، وأنه لا يعتبر في نكاحه بها عيب ليس منه، وهل للأب والسيد إذا كان في ابنه وعبده أحد هذه العيوب أن يزوجه بمن يساويه في العيوب على ما مضى من الوجهين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَيُنْكِحُ أَمَةَ المَرْأَةِ وَليُّهَا بِإِذْنِهَا ".
الجزء: 9 - الصفحة: 137
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان للمرأة أمة لم يكن لها تزويج أمتها بنفسها حتى يأذن لوليها في تزويجها؛ لأنه لما لم يكن لها تزويج نفسها فأولى أن لا يكون لها تزويج أمتها، وجوزه أبو حنيفة بناء على أصله في أن لها تزويج نفسها، فجاز لها أن تزوج أمتها، وقد مضى الكلام معه.
وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أحد أمرين:
إما أن تكون بالغة، أو صغيرة فإن كانت أغنى هذه السيدة بالغة رشيدة لم يكن لأحد من أوليائها تزويج أمتها إلا بإذنها وسواء كانت السيدة بكرًا أو ثيبًا، سواء كان الولي أبًا أو عصبة ممن يجبرها على النكاح أم لا؛ لأن هذا تصرف في مالها وهي رشيدة لا يجوز التصرف في مالها بغير إذنها، فإذا أذنت لوليها الذي هو أحق الأولياء بنكاحها في تزويج أمتها جاز له تزويجها فإن لم يكن لها ولي مناسب زوجها الحاكم بإذنها ولا يراعى إذن الأمة مع إذن السيدة؛ لأن الأمة تخير على النكاح فلم يلزمه استئذانها فيه.
فصل:
فإن كانت السيدة صغيرة غير بالغة: لم يكن لأحد من أوليائها سواء الأب والجد تزويج أمتها، وفي جوازه للأب والجد وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي سعيد الاصطخري يجوز لهما تزويجها كما يزوجان سيدتها مع ما فيه اكتساب المهر لها والنفقة.
والثاني: أنه لا يجوز لهما عبد فأذنت له في التزويج فإن كان العبد صغيرًا لم يجز؛ لأن الصغير لم يجز؛ لأن الصغير يمنع من مباشرة العقد وفي المتولي لتزويجه وجهان:
أحدهما: وليها في النكاح كالأمة.
والثاني: من تأذن له من الناس؛ لأن ولي النكاح يراعي في الزوجة دون الزوج وإن كان العبد بالغًا فالصحيح أن له أن يتزوج بإذنها وحدها كالسيد.
وفيه وجه آخر لبعض أصحابنا أنه لا يجوز أن يتزوج حتى بإذن له وليها فيجوز له باجتماع الإذنين أن يتزوج لأن إذن المرأة في النكاح لا يتم إلا بولي، وهذا خطأ، لأن العبد ممنوع من النكاح بحق الملك فاستوى إذن الملك والمالكة كسائر الأموال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَأَمَةُ العَبْدِ المَاذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ السَّيِّدِ حَتَّى يَقْضِي دَيْناً إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَيُحْدِثَ لَهُ حَجْرًا ثُمَّ هِيَ أَمَتَهُ وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ العَبْد أَوْ العَبْدُ دُونَ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ ذَبِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما في يد العبد المأذون له في التجارة كالمرهون على ما في ذمته من ديون معاملاته لضعف ذمته بالرق، فصار ما في يده مستحقًا في ديونه ولو
الجزء: 9 - الصفحة: 138
اشترى أمه من مال التجارة لم يكن للعبد وطئها بحاٍل؛ لأن العبد لا يملكها فأما السيد إذا أراد وطئها فإن كان على دين من معاملاته، فالسيد ممنوع من وطئها لتعلق دينه بها، كما يمنع من وطء المرهونة لما يفضي إليه وطئها من الإحبال الذي ربما أدى إلى التلف، وكذلك يمنع من تزويجها لإفضائه غلى نقصان ثمنها، وسواء كان الدين الباقي من ثمنها أو من ثمن غيرها إلا أن يكون من قيمة متلف فتعلق برقبته ولا يتعلق بما في يده، فإنه قضى العبد جميع ديونه أو قضاها السيد عنه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن العبد السيد أن يعيد الحجر عليه، ويمنعه من التجارة فيجوز للسيد حينئذٍ أن يطأ الأمة التي استراها العبد، وأن يزوجها إن شاء، وليس للعبد أن يزوجها بغير إذن السيد، وهل يجوز ل تزويجها بإذنه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الرق يمنع من ولاية النكاح.
والثاني: يجوز لأن الرق يمنع من استحقاق الولاية بنفسه، ولا يمنع من النيابة عن غيره كسائر العقود.
والضرب الثاني: أن لا يعيد الحجر عليه بعد قضاء دينه ففي تزويج ووطء السيد لها وتزويجه إياها وجهان:
أحدهما: وهو الأصح يجوز له لزوال ما تعلق بهم من حق.
والثاني: لا يجوز وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأنه لا يؤمن أن يغتر الناس بالإذن المتقدم فيعاملونه على ما في يده حتى يتعلق الحجر ويظهر الرجوع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "وَلاَ ولاَيَةَ للْعَبَدِ بِحَاٍل وَلَو اجْتَمَعَا عَلَى تَزْويِجَهَا لَمْ يَجُزْ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يملك العبد ولاية النكاح على أحد من مناسبين لنقصه بالرق.
فإنه لا يملك ولاية نفسه فكان أولى أن لا يملك الولاية على غيره؛ وكذلك المدبر والمكاتب، ومن في جزء من الرق إن قل؛ لأن أحكام الرق عليهم جارية وتنتقل الولاية عنه إلى من هو أبعد منهم نسبًا من الأحرار، وهل يجوز أن يكون العبد من ذكرنا وكيلاً نائبًا في عقد النكاح أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز أن يكون وكيلاً نائبًا على الولي في البذل ومن الزوج في القبول.
وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
والوجه الثاني: لا يجوز أن ينوب فيه عن الولي في البذل، ولا عن الزوج في القبول، وقد مضى تعليل هذين الوجهين.
الجزء: 9 - الصفحة: 139
والوجه الثالث: أنه لا يجوز ان ينوب فيه عن الولي في البذل ويجوز أن ينوب فيه عن الزوج في القبول؛ لأن النيابة من قبل الزوجة ولاية ومن قبل الزوج وكالة، والعبد لا يجوز أن يكون وليًا، ويجوز أن يكون وكيلاً فأما قول الشافعي: "ولو اجتمعا على تزوجها لم يجز "فيعني أن السيد والعبد لو اجتمعا على تزويج الأمة التي اشتراها العبد قبل قضاء دينه لم يجز وليس لاجتماع العبد مع سيده قوة ستحق بها السيد تزويج الأمة ما لا يستحقه بانفراده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَُ اللهُ عَنْهُ: "فِي بَابِ الخيَارِ مِنْ النَّسَبِِ لَو انْتَسَبَ لَوِ انْتَسَبَ العَبْدُ لَهَا أَنَّهُ حُرُّ فَنَكَحَتْهُ وَقَدّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدَهُ ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ أّوْ انْتَسَبَ غِلَى نَسَبٍ وُجِدَ دُونَهُ وَهِيَ فَوْقَهُ فَفِيهَا قَولاَنِ: أحدهما: أَنَّ لَهَا الخِيَارَ لأَنَّهُ مَنْكُوحٌ بِعَيْنِهِ وّعُزِّرَ بَِشيء وُجِدَ دُونَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّكَاحَ مَفْسُوحُ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ في رَجُلِ بِعَيْنِهِ فَزُجَتْ غَيْرُُ.
قَالً المُزَنِيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ قَطَعَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ دُونَ مَا انْتَسَبَ إلَيْهِ وَهُوَ كَفُوٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلاَ يُوَلِّيها الخِيَارُ وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ أَنْ يَكُونُ فِي مَعْنَى مَنْ أذِنَتْ لَهُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِه فَزُوَّجِتْ غَيْرَهُ فَقَدْ بَطُلَ الفَسْخُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَثَبَتَ لَهَا الخيَارَ ".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة تزوجت رجلً على أنه حر فكان عبداً فإن نكح بغير إذن سيده فالنكاح باطل، وإن نكح سيدة نظر في الشرط، فإن لم يقترن بالعقد وتقدم عليه أو تأخر عنه فالنكاح جائز، وإن اقترن بالعقد ففي بطلان النكاح قولان: وهكذا لو تزوجت على أنه ذو نسب شريف كهاشمي، أو قرشي فكان غير ذي نسب أعجميًا أو نبطيًا، وكان الشرط متقاربًا للعقد ففي النكاح قولان، وهكذا لو تزوجه على أنه شاب فكان شيخًا، أو على أنه طويل فكان قصيرًا، أو على أنه جميل فكان قبيحًا، أو على أنه أبيض فكان أسود، أو على أنه غني فكان فقيرًا، ففي النكاح قولان.
وهكذا لو نكحها على شرط أدنى فكان أعلى، مثل أن يتزوجها على أنه عبد فكان حرًا، أو على قبطي فكان عربيًا، أو على أنه شيخ فكان شابًا، أو على أنه قصير فكان طويلاً، أو على أنه قبيح فكان جميلاً.
أو على ضد ما ذكرنا، ففي النكاح قولان، وحكم الشرط إذا وجد زائدًا عليه كحكمه إذا وجد ناقصًا عنه سواء كان اختلافهما في الحرية أو النسب أو في الصفة أو في عقد النكاح في هذه الأحوال كلها على قولين:
أحدهما: أن النكاح باطل لأمرين:
أحدهما: أن الصفة في عقد النكاح تجري مجرى العين في عقود المعاوضات لجواز الاقتصار عليها إن لم يشاهد العين.
وإنه لا يجوز في عقود المعاوضات (الاقتصار)
الجزء: 9 - الصفحة: 140
على صفة العين حتى تشاهد تلك العين فاقتضى أن يكون خلاف الصفة في النكاح جار في إبطال النكاح مجرى خلاف العين في البيع في إبطال البيع.
والثاني: أن إذن المرأة في نكاحه على هذه الصفة فتكون بخلافها فجرى مجرى إذنها لوليها أن يزوجها من هو على هذه الصفة فيزوجها من هو على خلافها.
ولو كان هكذا لكان النكاح باطلًا، فكذلك في مسألتنا.
والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني - أن النكاح صحيح ووجهه شيئان:
أحدهما: أنها صفات لا يفتقر صحة النكاح إلى ذكرها فوجب أن لا يبطل النكاح بخلافها كالصداق إذا وصف فكان بخلاف صفته.
والثاني: أنه منكوح بعينه وعزر بشيء وجد دون قصار ذلك منه تدليسًا ينقص.
وتدليس العيوب في العقود يوجب الخيار ولا يوجب الفسخ كالعيوب في البيع كذلك النكاح، والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا بالأول، فإن النكاح باطل، فإن لم يكن الزوج قد دخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، وإن كان قد دخل بها فرق بينهما وعليه مهر مثلها لمكان الشبهة ولا حد عليه والولد لا حق به، وإن قلنا بالقول الثاني: إن النكاح جائز فكان قد شرطته حرًا فكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه سواء كانت حرة أم أمة لنقصه في النكاح عن أحكام الحر، لأن استمتاعها به غير تام لخدمه سيده ونفقته نفقة معتبر لأجل رقه.
فإن أقامت على نكاحه فلها المسمى.
وإن نسخت ولم يدخل بها فلا مهر لها وإن دخل بها فعليه مهر المثل بالإصابة دون المسمى في العقد فهذا حكم غروره لها بالحرية.
فأما إذا غرها بالنسبة فشرط لها أنه شريف النسب هاشمي، أو قرشي، فبان أنه أعجمي أو نبطي نظر في نسبهما، فإن كانت شريفة مثل النسب الذي شرطته فلها الخيار في فسخ نكاحه، ثم الكلام في المهر إن أقامت أو فسخت على ما مضى.
وإن كان دون النسب الذي شرطته ومثل النسب الذي هي عليه أو دونه فهل لها الخيار في فسخ نكاحه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لها الخيار لمكان الشرط وأن لها عوضًا في كون ولدها إذا نسب شريفًا.
والثاني: لا خيار لها، لأن خيارها يثبت بدخول النقص عليها، وهذا كفء في النسب فلم يدخل عليها به نقص فلم يثبت لها فيه خيار.
فأما إذا غرها بما سوى ذلك من الشروط نظر، فإن بان أنه على شرط فلا خيار لها، لأن الخيار إنما يستحق بالنقصان دون الزيادة وإن بان أنه أنقص مما شرط ففي خيارها وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 141
أحدهما: لها الخيار لأجل الشرط.
والثاني: لا خيار، لأن النقصان لا يمنع من مقصود العقد.
قال الشافعي: "قد ظلم نفسه من شرط هذا" فاختلف أصحابنا في تأويله فقال: "من أسقط خيارها" معناه أنها ظلمت نفسها باشتراط ما لم يثبت لها في خيار، وقد كانت تستغني بالمشاهدة عن اشتراطه، وقال: "من أثبت خيارها" أنه محمول على الشروط الناقصة.
وأنها ظلمت نفسها بما شرطته من نقصان أحواله وأوصافه.
فصل:
فأما إذا نكحت نكاحًا مطلقًا من غير شرط لكن اعتقدت فيه كمال الأحوال فبان بخلافها في نقصان الأحوال فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون نقصان أحواله غير كفء لها كأنها حرة وهو عبد، أو هاشمية وهو نبطي، أو غنية وهو فقير، فلها الخيار، لأن نكاح غير الكفء لا يلزم إلا بالعلم والرضا.
والثاني: أن يكون مع نقصان أحواله كفؤًا لها فلا خيار لها في غير الرق، وهل الخيار في رقه إذا وحدته عبدًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار لها، لأن كونه كفؤًا لها يمنع من دخول النقص والعار عليها.
والثاني: لها لأن نقص الرق مؤتمر في حقوق النكاح بما لسيده من منعه منها بخدمته وإخراجه في سفره، وأنه لا يلزم لها إلا نفقة معسر فاقتضى أن يثبت لها الخيار في فسخ نكاحه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كانت هي التي غرته بنسب فوجدها دونه ففيها قولان: أحدهما إن شاء فسخ بلا مهر ولا متعة وإن كان بعد الإصابة فلها مهر مثلها ولا نفقة لها في العدة وإن كانت حاملًا.
والثاني: لا خيار له إن كانت حرة لأن بيده طلاقها ولا يلزمه من العار ما يلزمها.
قال المزني رحمه الله: قد جعل له الخيار إذا غرته فوجدها أمة كما جعل لها الخيار إذا غرها فوجدته عبدًا فجعل معناهما في الخيار بالغرور واحدًا ولم يلتف إلى أن الطلاق إليه ولا إلى أن لا عار فيها عليه وكما جعل لها الخيار بالغرور في نقص النسب عنها وجعله لها في العبد فقياسه أن يجعل له الخيار بالغرور في نقص النسب عنه كما جعله له في الأمة".
قال في الحاوي: قد مضى غرور الزوج للمرأة، فأما غرور المرأة للزوج فهو أن يتزوجها على شرط فيكون بخلافه، فينقسم الشرط ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون في الحرية.
الجزء: 9 - الصفحة: 142
والثاني: أن يكون في النسب.
والثالث: أن يكون في الصفة في الحرية فهو أن يتزوجها على أنها حرة فتكون أمة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة بأن يكون وجد للطول أو غير خائف للعنت فالنكاح باطل، لأن نكاح الحر للأمة لا يجوز إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت.
والضرب الثاني: أن يكون الزوج ممن لا يجوز له نكاح الأمة لوجود الشرطين فيه من عدم الطول، وخوف العنت فلها حالتان:
أحدهما: أن تكون قد نكحته بغير إذن سيدها فالنكاح باطل.
والثانية: أن تنكحه بإذن سيدها، فللشرط حالتان:
إحداهما: أن يكون مقارنًا للعقد.
والثاني: غير مقارن، فإن لم يقارن العقد بل تقدمه أو تأخر عنه فلا تأثير له والنكاح جائز.
وإن اقترن بالعقد فلا يخلو الغار من أن يكون هو السيد أو غيره، فإن كان الغار هو السيد فقال الزوج عن عقده: هي حرة قد عتقت بقوله هذا وصار الزوج بهذا الغرور عاقدًا على حرة فصح نكاحها، وهي في جميع أحكامها كالحرة وإن كان الغار غير السيد فهي حينئذ مسألة الكتاب في الغرور باستكمال ما فصلنا من الشروط الأربعة:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن يجوز له نكاح الأمة.
والثاني: أن تكون قد نكحت بإذن سيدها.
والثالث: أن يكون الشرط مقارنًا بالعقد.
والرابع: أن يكون الغار غير السيد فتكون في النكاح حينئذ قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وتوجيههما ما قدمناه من غرور الزوج للزوجة.
فصل:
فإذا قلنا ببطلان النكاح، فإن لم يدخل بها الزوج فرق بينهما ولا مهر عليه ولا عدة عليها.
ولا يكون للعقد تأثير في لزوم شيء من الأحكام.
وإن دخل الزوج بها فرق بينهما لفساد العقد.
ولها حالتان:
أحداهما: أن يكون قد أحبلها.
والثاني: أن تكون حائلًا لم تحبل فإن لم يكن قد أحبلها تعلق بدخوله بها حكمان:
أحدهما: أن عليه للسيد مهر مثلها بالإصابة دون المسمى، لأن فساد العقد يمنع من استحقاق ما سمي فيه فصار مستهلكًا لشبهه فلزمه مهر المثل.
والثاني: وجوب العدة عليها، لأنها إصابة توجب لحوق النسب فأوجبت العدة ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 143
نفقة لها في زمان العدة لارتفاع العقد الذي تستحق به النفقة فإذا غرم الزوج بالإصابة مهر المثل فهل يرجع به على من غره أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم يرجع به على الغار، لأنه ألجأه إلى غرمه فصار كالشاهدة إذا أوجب بشهادته غرامًا ثم رجع عنها لزمه غرام ما أغرم.
والقول الثاني: لا يرجع به على الغار، لأنه في مقابلة استمتاعه الذي لا ينفك عن غرم إما المسمى إن صح العقد أو مهر المثل إن فسد.
فإذا قلنا لا رجوع للزوج بالمهر على من غره تفرد بإلزامه للسيد.
وإن قلنا: يرجع به على غره ولم يرجع به قبل غرمه لجواز أن يبرئه السيد منه.
فإن أبرأه منه لم يرجع به كالضامن إذا أبرئ من الضمان لم يرجع على المضمون عنه بشيء وإن أغرمه السيد المهر رجع به للزوج حينئذ على من غره ومن يؤثر غروره اثنان: الأمة ووكيل السيد، لأن السيد لو غرّه لعتقت وإن غرّه أجنبي لم يكن لقوله في العقد تأثير فإن كانت الأمة هي الغارة كان الغرم في ذمتها إذا أعتقت وأسرت إذنه وإن كان الوكيل هو الغار أغرم في الحال إن كان موسرًا وأنظر به إلى وقت يساره إن كان معسرًا فأما إن كان قد أحبلها ففي وجوب النفقة لها مدة حملها قولان:
أحدهما: لها النفقة إذا قيل: إن نفقة الحامل لحملها لا لها.
والثاني: لا نفقة لها إذا قيل: إن نفقة الحامل لها لا لحملها.
فإذا وضعت تعلق بمولدها ثلاثة أحكام:
أحدها: لحوقه بالزوج لشبهة العقد.
والثاني: كونه حرًا من حين علوقه.
لأن اشتراط حريتها يتضمن حرية والدها، لأن الحرة لا تلد إلا حرًا.
والثالث: أن تغرم للسيد قيمة ولدها يوم وضعته، لأن ولد الأمة مملوكًا لسيدها وقد صار الزوج مستهلكًا لرقه بما يحدث من عتقه فلزمه غرام قيمته واعتبرناها يوم وضعه.
فإن كان قد عتق وقت عتوقه، لأنه لا يقوم إلا بعد الوضع فإذا غرم الزوج قيمة الولد رجع بها على من غره قولًا واحدًا.
وإن كان في رجوعه بالمهر قولان: والفرق بينهما: أن المهر بالأمة على أحد القولين.
وليس كذلك قيمة الولد، لأنه لا يستحق إلا في ولد الأمة دون الحرة فصار الغرور هو الموجب لغرمه فلذلك رجع به على من غرّه قولًا واحدًا فصار وطئها وإحبالها موجبًا لخمسة أحكام:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: العدة.
والثالث: لحوق الولد.
والرابع: حريته.
والخامس: غرم قيمته.
فهذا إذا قيل ببطلان النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 144
فصل:
فأما إذا قلنا بصحة النكاح على القول الثاني.
فهل للزوج فيه خيار الفسخ أم لا؟ على قولين حكاهما المزني ولم يحك القولين في أصل النكاح بل اكتفي بما حكاه في غرور النكاح:
أحدهما: لا خيار له بالغرور وإن ثبت للزوجة بالغرور، لأنه ليقدر على طلاقها ولا يلحق من الغار ما يلحقها.
والثاني: له الخيار لأحد علتين.
إحداهما: أن ما أوجب للزوجة خيار الفسخ أوجبه للزوج لعيوب الجنون والجذام والبرص وإن كان الطلاق بيده فكذلك في الغرور.
والعلة الثانية: ما يدخل عليه من نقص استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فإذا قلنا له الخيار في الفسخ فاختار الفسخ كان حكمه بعد الفسخ على ما ذكرنا وإذا قيل بفساد العقد في أنه لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها ولم يحبلها تعلق بدخوله حكمان: مهر المثل والعدة.
وإن أحبلها تعلق بأحباله لها مع حكمي الدخول ثلاثة أحكام: لحوق الولد وحريته وغرم قيمته ويرجع بما غرمه من قيمته وفي رجوعه غرمه من المهر قولان.
وإن أقام على النكاح ولم يختر الفسخ وقلنا: ليس له خيار فالحكم فيه ما سواء.
ولها المهر المسمى في العقد.
ويكون أولاده الذين علقت بهم قبل علمه برقها أحرارًا، وعليه قيمتهم ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد إن لم يكن الزوج عربيًا وإن كان عربيًا فعلى قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: يكونوا أحرارًا وعليه قيمتهم.
ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد، لأن لا يجري على عربي صغار الرق أعظم صغار.
والثاني: يكونون مماليكًا للسيد، لأن حكم الله تعالى في الجميع واحد وتميز من علقت به قبل العلم برقها معتبر بمدة الوضع فمن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت علمه فالعلوق به قبل العلم فيكون حرًا.
ومن وضعته لستة أشهر فصاعدًا فالعلوق به في الظاهر بعد العلم اعتبارًا بأقل الحمل فيكون مملوكًا على ما ذكرنا فهذا حكم القسم الأول وهو غرور الزوج بالحرية.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو غرور الزوج بالنسب فهو أن يتزوجها على أنها هاشمية فتكون عربية.
أو أنها عربية فتكون نبطية أو أعجمية.
ففي النكاح قولان على ما مضي:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فإن قيل ببطلان النكاح إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، ولا يكون للعقد تأثير.
وإن كان قد دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى، وهل يرجع به
الجزء: 9 - الصفحة: 145
على من غرّه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يرجع به لأنه في مقابلة استمتاعه.
والثاني: يرجع به على من غرّه وهو أحد ثلاثة: إما الولي، أو وكيله، أو الزوجة، فإن كان الولي أو وكيله هو الغار رجع عليه بعد الغرم لجميع المهر.
وإن كانت الزوجة هي الغارة ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليهما بجميعه أيضًا كما يرجع على الوالي والوكيل.
والثاني: أن يترك عليها منه يسيرًا وأقله ما يجوز أن يكون مهرًا.
ويرجع عليها بباقية لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل.
وإذا كان كذلك فإن كان قد رجع المهر إليهما رجع عليها بجميعه على الوجه الأول وترك عليهما منه قدر أقل المهور على الوجه الثاني.
وإن كان مع دفع المهر إليها فلا معنى لأن يدفع المهر إليها ثم يسترجعه فلا يدفع إليها على الوجه الأول شيئًا ويدفع إليها على الوجه الثاني قدر أقل المهور.
وسواء في إصابة هذه الغارة أن يكون قد أحبلها أو لم يحبلها في أن ولدها إذا ألحق به لم يلزمه غرم، لأنه لم يجر عليه رق.
فصل:
وإن قيل أن النكاح صحيح نظر في نسب الزوج فإن كان مثل نسبها الذي ظهر لها فلا خيار في الفسخ، لأنه لا عار عليه ولا معرة تلحقه وإن كان كالنسب الذي شرطه وأعلا من النسب الذي ظهر لها فخياره في فسخه معتبر بخياره في غروره بالرق به وبالحرية وتعليل استحقاقه فإن قيل: لا خيار له إذا كان مغرورًا بالحرية فأولى أن لا يكون له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب.
وإن قيل: له الخيار إذا كان مغرورًا بالحرية فهل له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالحرية فإن قيل: إن العلة في خياره إذا غر بالحرية أن يثبت له خيار الفسخ مثل ما ثبت للزوجة فله في غرور النسب خيار الفسخ كما كان للزوجة.
وإن قيل: إن الغلة في الغرور بالحرية دخول النقص عليه في استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فلا خيار له في الغرور بالنسب، لأنه لا يدخل عليه نقص في الاستمتاع ولا في الولد، لأن ولده يرجع إليه في نسبه لا إليهما، لأن ولد العربي من الأعجمية عربي.
وولد العجمي من العربية عجمي.
وفي كشف هذا التعليل ومحل الجواب عليه في استحقاق الخيار مقنع لما أورده المزني.
فأما إذا غرّته بنسب فوجده أعلى منه نظر فإن شرطت أنها عربية فكانت هاشمية فالنكاح جائز ولا خيار، لأن الهاشمية عربية وإن ازدادت شرفًا فلم تكن الصفة المشروطة مخالفة، وإن شرطت أنها نبطية أو عجمية فكانت هاشمية أو عربية فالصفة مخالفة للشرط فيكون النكاح على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فلا خيار له.
الجزء: 9 - الصفحة: 146
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو غرور الزوج بالصفة فهو أن يتزوجها على أنها بكر فتكون ثيبًا أو على أنها شابة فتكون عجوزًا أو على أنها جميلة فتكون قبيحة إلى ما جرى هذا المجرى من الصفات ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل، وإن لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها وفي رجوعه به من غرّه قولان على ما معنى في غرور النسب من اعتبار حال من غرّه.
والثاني: أن النكاح صحيح فعلى هذا يكون خياره في غرورها معتبر بخيارها في غروره وفي خيارها لو غرها الزوج في هذه الصفات وجهان:
أحدهما: لا خيار لها فعلى هذا أولى أن يكون لها خيار.
والثاني: لها الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بخياره إذا كان مغرورًا بالحرية وفيه قولان:
أحدهما: لا خيار له فيه.
فعلى أولى أن لا يكون له خيار إذا غرّ بهذه الصفات.
والثاني: له الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بعلة الخيار في هذا القول.
فإن قيل: إنها في مقابلة خيار الزوجة فله الخيار في نقصان هذه الصفات كما كان للزوجة على هذا الوجه.
وإن قيل: إنها تدخل النقص عليه في رق الولد ونقصان الاستمتاع فلا خيار له هاهنا لعدم النقص فيهما.
فأما إذا تزوجها على شرط فكانت أعلى منه مثل أن يتزوجها على أنها ثيب فتكون بكرًا.
أو على أنها عجوز فتكون شابة أو على أنها قصيرة فتكون طويلة.
أو أنها قبيحة جميلة.
وما شاء كل هذه الصفات ففي النكاح أيضًا قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له.
فصل:
فأما إذا تزوجها بغير شرط فظنها على صفة فكانت بخلافها فالنكاح صحيح فيما سوى الرق والكفر ولا خيار فيه للزوج فيها سوى عيوب الفسخ من الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والكفر وهو أن يتزوجها ويظن أنها حرة فتكون أمة ويظنها مسلمة فتكون كافرة فإن كان مما لا يحل له نكاح الأمة، لأنه واجد للطول أو غير خائف للعنت أو كانت ممن لا تحل لمسلم كالوثنية.
فالنكاح باطل في الأمة الكافرة لتحريمها عليه وإن كان يحل ممن له نكاح الأمة لعدم الطول وخوف العنت ويحل له نكاح هذه الكافرة ولأنها كتابية فالنكاح جائز قولًا واحدًا.
لأنه لم يشترط وصفًا فوجد خلافه.
فأما الخيار فقد قال الشافعي في نكاح الأمة: إنه لا خيار في فسخه.
وقال في نكاح الكتابية أن له الخيار في فسخه فاختلف أصحابنا على طريقتين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد من المسألتين إلى الأخرى وتخريجهما على قولين
الجزء: 9 - الصفحة: 147
أحدهما: لا خيار له في فسخ الأمة والكتابية على ما نص عليه، لأن الكتابية أحسن حالًا من الأمة التي يسترق ولدها.
والقول الثاني: أن له الخيار في فسخ النكاح الأمة والكتابية على ما نص عليه في الكتابية، لأن الأمة أغلظ حالًا باسترقاق ولدها.
والطريقة الثانية: لأصحابنا إن حملوا جواب كل واحدة من المسألتين على ظاهره فلم يجعلوا له في نكاح الأمة خيارًا وجعلوا له في نكاح الكتابية خيارًا وفرقوا بينهما بأن لأهل الذمة غيارًا يميزون به عن المسلمين فإذا خالفوا صار غرورًا فثبت الخيار في نكاحهم وليس للمملوكين خيار يتميزون به فلزمهم غرور يثبت به الخيار في مناكحهم، والله أعلم.
باب المرأة لا تلي عقدة النكاح
قال الشافعي رحمه الله: "قال بعض الناس زوجت عائشة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غائب بالشام فقال عبد الرحمن: أمثلي يفتات عليه بناته؟ قال: فهذا يدل على أنها زوجتها بغير أمره.
قيل: فكيف يكون أن عبد الرحمن وكل عائشة بفضل نظرها إن حدث حدث أو رأت في مغيبة لابنته حظًا أن تزوجها احتياطًا ولم ير أنها تأمر بتزويجها إلا بعد مؤامرته ولكن تواطئ وتكتب إليه فلما فعلت قال: هذا وإن كنت قد فوضت إليك فقد كان ينبغي أن لا تفتاتي علي وقد يجوز أن يقول زوجي أي وكلي من يزوج فوكلت.
قال: فليس لها هذا في الخبر، قيل: لا ولكن لا يشبه غيره لأنها روت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل النكاح بغير ولي باطلًا أو كان يجوز لها أن تزوج بكرًا وأبوها غائب دون أخواتها أو السلطان.
قال المزني رحمه الله: معنى تأويله فيما روت عائشة عندي غلط وذلك أنه لا يجوز عنده إنكاح المرأة ووكيلها مثلها فكيف يعقل بأن توكل وهي عنده لا يجوز إنكاحها ولو قال أنه أمر من ينفذ رأي عائشة فأمرته فأنكح خرج كلامه صحيحًا لأن التوكيل للأب حينئذ والطاعة لعائشة فيصح وجه الخبر على تأويله الذي يجوز عندي لا أن الوكيل وكيل لعائشة رضي الله عنها ولكنه وكيل له فهذا تأويله".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أن النكاح لا يصح إلا بولي ذكر، وأن المرأة لا يجوز أن تعقد نكاح نفسها، فكذلك لا يجوز أن تلي نكاح غيرها لا بولاية ولا بوكالة، ولا يصح فيه بذلك ولا قبول.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتولاه لنفسها ولغيرها نيابة ووكالة تكون فيه باذل أو قابله.
فأما نكاح نفسها قد مضى الكلام معه فيه وأما نكاح غيرها نيابة.
ووكالة فاستدل على جواز أن تتوكل فيه وتباشر غيره بما روي أن عائشة زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر وكان غائبًا بالشام بمنذر بن الزبير فلما قدم.
قال: أمثلي يفتات عليه في بناته؟
الجزء: 9 - الصفحة: 148
وأمضى النكاح.
قال: ولأنه عقد معاوضة فجاز أن تتولاه المرأة كالبيع.
ولأنه قد يستاح به البضع فصح أن تباشره المرأة قياسًا على شراء الأمة، ولأنه عقد على منفعته فجاز اشتراك الرجال والنساء فيه كالإجازة.
ودليلنا رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها".
وهذا نص.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كان إذا هوى فتى من بني أخيها فتاة من بنات أخيها أرسلت سرًا وقعدت من ورائه وتشهدت حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: يا فلان انكح وليتك فلانة فإن النساء لا ينكحن، وهذا أمر منتشر في الصحابة لا يعرف فيه مخالف، ولأن تصرف المرأة في حق نفسها أقوى من تصرفها في حق غيرها، وقد دللنا على أنه لا ولاية لها في حق نفسها، فأولى أن لا يكون لها ولاية في حق غيرها، ولأن كل عقد لم يجز أن تعقده المرأة لنفسها لم يجز أن تعقده لغيرها كعقد الإمامة.
فأما الجواب عن حديث عائشة فهو أنه لا يمكن استعماله على ظاهره من أربعة أوجه:
أحدها: أنها لو زوجتها بولاية النسب لكان بالمنكوحة من هو أحق بالولاية منها من إخوة وأعمام، لأن عبد الرحمن قد كان له إخوة وأولادهم أحق بنكاحها من عائشة التي هي أخته وعمه المنكوحة.
والثاني: أنه لو زوجتها بوكالة أبيها عبد الرحمن لما أفتات عليه في بناته.
والثالث: أنها هي الراوية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وهي لا تخالف ما روته.
والرابع: أنها كانت إذا خطبت في المناكح قالت: "يا فلان انكح وليتك فإن النساء لا ينكحن" وإذا لم يكن حمله على ظاهره من هذه الوجوه الأربع وجب حمله على ما يمكن فيحمل على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عبد الرحمن يجوز أن يكون قد وكل عن نفسه من يقوم بتزويج بنته وأمره أن يرجع إلى رأي عائشة في اختيار من يزوجها به فأشارت عليه عائشة بتزويج منذر بن الزبير.
فإن قيل: فلما أنكر وقد وكل؟ قيل: لأن منذرًا قد كان خطب إليه فكرهه لعجب ذكره فيه، فأحبت عائشة مع ما عرفته من فضل منذ أنه يصل الرحم وتزوج بنت أخيها بابن أختها، لأن منذر بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر.
والثاني: أنه لا يجوز أن تكون عائشة حين اختارت منذرًا سألت السلطان أن
الجزء: 9 - الصفحة: 149
يزوجها، لأن عبد الرحمن بغيبته لا تزول ولايته وينوب السلطان عنه عندنا.
وعند أبي حنيفة وينوب عنه من بعده من الأولياء وعند مالك فكرة عبد الرحمن أن لم يستأذن فيه ويطالع به ويكون إضافة العقد إلى عائشة.
وإن لم تكن العاقدة لمكان اختيارها وسفارتها كما يضاف العقد إلى السفير بين الزوجين فيقال فلانة الدلالة قد زوجت فلانًا لفلانة وإن لم تكن قد باشرت العقد وتولته.
والثالث: أنه يجوز أن يكون عبد الرحمن وكل عائشة في أن توكل عنه من يزوج بنته فوكلت عائشة عن عبد الرحمن حين استقر رأيها على تزويج منذر من زوجها عنه فكان الوكيل المتولي للعقد وكيلًا لعبد الرحمن لا لعائشة كما توهم المزني فقال: إذا لم يكن لها أن تزوج فوكيلها بمثابتها لا يجوز له أن يزوج وهي لم توكل عن نفسها وإنما وكلت عن أخيها، وإنما يجوز أن تكون المرأة في توكيل من يزوج عن الموكل.
وأما الجواب عن الأقيسة الثلاث في البيع والإجازة وشراء الأمة، فهو أنها عقود لا تفتقر إلى ولاية فجاز أن تتولاها المرأة بخلاف النكاح، والله أعلم.
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح والخطبة قبل العقد
قال: الشافعي رحمه الله: "أسمى الله تبارك وتعالى النكاح في كتابه باسمين: النكاح والتزويج ودلت السنة على أن الطلاق يقع بما يشبه الطلاق ولم نجد في كتاب ولا سنة إحلال نكاح إلا بنكاح أو تزويج والهبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجمع أن ينعقد له بها النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر.
وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز النكاح إلا باسم التزويج أو النكاح".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح لا ينعقد إلا بصريح اللفظ دون كتابته، وصريحه لفظان: زوجتك وأنكحتك، فلا ينعقد النكاح إلا بهما سواء ذكر فيه مهرًا أو لم يذكر.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بالكتابة كانعقاده الصريح، فيجوز انعقاده بلفظ البيع والهبة والتمليك ولم يجزه بالإباحة.
واختلف الرواة عنه في جوازه بلفظ الإجازة، وسواء ذكر المهر أو لم يذكره.
وقال مالك: إن ذكر مع هذه الكتابات المهر صح، وإن لم يذكره لم يصح، فاستدلوا على انعقاد النكاح بالكتابة برواية معمر عن أبي حازم بن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت له نفسها فصمت، ثم عرضت نفسها عليه وهو صامت فقال رجل أحسبه قال: من الأنصار فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجينها؟ فقال: "لك شيء"؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: "اذهب فالتمس شيئًا ولو خاتم من حديد".
فذهب ثم رجع فقال: والله ما وجدت شيئًا إلا ثوبي هذا، أشقه بيني وبينها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليك ما في ثوبك فضل عنك، فهل تقرأ
الجزء: 9 - الصفحة: 150
من القرآن شيئًا"؟ فقال: نعم.
قال: ماذا: قال: سورة كذا وكذا قال: "أملكتاكها بما معك في القرآن" قال: فلقد رأيته يمضي وهي تتبعه فدل صريح هذا الحديث على أن انعقاد النكاح بلفظ التمليك وصار حكم الكناية في انعقاده كالصريح، ولأنه عقد يقصد به التمليك فجاز أن ينعقد بلفظ التمليك كالبيع، ولأنه عقد يستباح به البضع فجاز أن يستفاد بلفظ الهبة كتمليك الإماء، ولأن ما انعقد به نكاح النبي صلى الله عليه وسلم انعقد به نكاح أمته كالنكاح، ولأن أحدى طرفي النكاح فجاز أن يستفاد بالصريح والكناية كالطلاق، ولأنه ينعقد بالعجمية، لأنها في معنى العربية فدل على أن المقصود ف العقد معنى اللفظ دون اللفظ والتمليك في معنى النكاح فصح به العقد كالنكاح، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:50] فجعل الله تعالى النكاح بلفظ الهبة خالصة لرسوله دون أمته.
فإن قيل: فالآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد يجعلها الله له خالصة من دون المؤمنين، وليس في الآية أمر من الله تعالى ولا إذن فيه فلم يكن في مجرد الطلب دليل على الإباحة.
قيل: قد اختلف الناس هل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه؟ فذهب جمهورهم إلى أنه قد كان عند امرأة وهبت نفسها له واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها أم شريك قاله عمرو بن الزبير.
والثاني: أنها خولة بنت حكيم قالته عائشة.
والثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين، قاله الشعبي.
فعلى هذا لو لم يكن في الآية دليل على الإباحة إلى ما شاء له من التخصيص لكان فعله دليلًا عليه.
وقال آخرون: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وتأويل من قرأ بالكسر "إن وهبت" محمول على المستقبل، ومن قال بالأول فهو بقراءة من قرأ بالفتح: "أن وهبت" على الماضي وتأويله على هذا أن يكون سياق الآية دليلًا على التخصيص، لأن قوله: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] حكاية للحال قوله: ﴿إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ إخبار عن حكم الله، ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ مواجهة من الله تعالى له بالحكمة من غير أن يكون من رسوله طلب، فلم يجز أن يكون محمولًا إلا على ابتداء الحكم وبيان التخصيص.
فإن قيل: إنما خص بسقوط المهر ليكون اختصاصه به مقيدًا ولم يخص أن يعقد بلفظ الهبة، لأن اختصاصه بل غير مفيد قيل: بل هو محمول على اختصاصه بالأمرين اعتبارًا بعموم الآية وليكون اختصاصه بحكم غيره بهذا اللفظ لتعدي حكمه إلى غيره فيبطل التخصيص، ويدل على ما ذكرنا من طريق السنة ما رواه أبو شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "إن النساء عوان عندكم
الجزء: 9 - الصفحة: 151
لا يملكن من أمورهن شيئًا إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكتاب الله.
ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولكن عليهن أن لا يوطئهن فراشكم أحدًا وأن لا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه فإن فعلن من ذلك شيئًا فقد حل لكن أن تضربوهن ضربًا غير مبرح.
ألا هل بلغت قالوا: اللهم نعم قال: اللهم فاشهد".
فموضع الدليل من هذا الحديث قوله: "واستحللتم فروجهن بكتاب الله".
وليس في كتاب الله إلا لفظ النكاح والتزويج فدل على أنه لم يستحل الفروج إلا بهما، ويدل عليه من القياس: أنه عقد منفعة لم ينعقد بلفظ كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلك ينعقد بلفظ الهبة كالبيع، ولأن لفظ الهبة موضوع لعقد لا يتم إلا بالقبض فلم ينعقد به النكاح كالرهن، ولأنه أحد طرفي العقد فلم يصح بلفظ الهبة كالطلاق، ولأن ما كان صريحًا في عقد لم يكن صريحًا في غيره كالإجارة والبيع، ولأن ما لم يكن صريحًا في النكاح لم ينعقد به النكاح كالإباحة والإحلال، ولأنه هبة المنافع إن لم يكن معها عوض فهي كالعارية، وإن كان معها عوض جرت مجرى الإجارة عندهم، والنكاح لا ينعقد بالعارية، والإجارة، فكذلك بما اقتضاهما من الهبة، ولأن الحقيقة في عقد لو صارت حقيقة في غيره لبطلت حقائق العقود، لأن لفظ الكتابة يقوم مقام التصريح بالنية وهي مما لا يعلمها الشهود ينافيان النكاح بدليل أن من تزوج أمة، ثم ابتاعها أو استوهبها بطل نكاحها وما نافي النكاح لم ينعقد به النكاح كالطلاق ولأنه لفظ يوضع لإسقاط ما في الذمم فلم ينعقد به كالإبراء.
ولأنه لو انعقد النكاح بلفظ البيع لانعقد البيع بلفظ النكاح وفي امتناع هذا إجماعًا وامتناع ذلك حجاجًا.
فأما الجواب عن قوله: "قد ملكتها بما معك من القرآن".
فهو أن أبا بكر النيسابوري قال: وهم فيه معمر فإنه ما روي "قد ملكتها" إلا معمر عن أبي حازم.
وقد روى مالك، وسفيان عن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وفضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" وهذه الرواية أثبت لكثرة عدد الرواة، وأنهم خمسة علماء، ثم تستعمل الروايتين فتحمل رواية من روى: "قد زوجتكها" في حال العقد ومن روى: "قد ملكتها" على الإخبار بعقد عما ملكه بالعقد.
وأما الجواب عن قياسهم على أحكام البيع بأنه عقد يقصد به التمليك فهو أن لأصحابنا في عقد البيع بلفظ التمليك وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأن التمليك من أحكام البيع فلم ينعقد البيع، فعلى هذا يبطل الأصل.
والثاني: أن البيع ينعقد به، فعلى هذا يكون المعتبر في انعقاد البيع بلفظ التمليك وجود التمليك فيه على عمومه وقصوره في النكاح على العموم، لأنه يملك كل المبيع ولا
الجزء: 9 - الصفحة: 152
يملك من المنكوحة إلا الاستمتاع.
وهكذا الجواب عن قياسهم على شراء الإماء، وأما تعليلهم بنكاح النبي صلى الله عليه وسلم فعنه جوابان:
أحدهما: أنه تعليل يدفع النص فكان مطروحًا.
والثاني: أنه لما خص سقوط المهر جاز أن يكون مخصوصًا باللفظ الذي يقتضي سقوط المهر، ثم المعنى في لفظ النكاح أنه صريح فيه، والبيع والهبة صريحان في غيره.
وأما قياسهم على الطلاق في وقوعه بالصريح والكناية هو أن النكاح شهادة مشروطة لا تتحقق في الكناية، فلم ينعقد بالكتابة وليس في الطلاق شهادة مشروطة فوقع بالكناية.
وأما استدلالهم بعقدة بالعجمية فشرح لمذهبنا فيه بيان للانفصال عنه، وفيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: حكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يتابعه عليه أحد أنه لا ينعقد بالعجمية سواء كان عاقده يحسن العربية أو لا يحسنها، لأن لفظة بالعجمية صريح فخرج عن حكم الكناية بالعربية، لأن في كناية العربية احتمال وليس صريح العجمية احتمال.
وخالف القرآن المعجز، لأن إعجازه ونظمه وهذا المعنى يزول عنه إذا عدل عن لفظه العربي إلى الكلام العجمي.
والثالث: وهو قول أبي سعيد الإصطرخي: أنه إن كان عاقده يحسن العربية لم ينعقد بالعجمية، وإن كان لا يحسن العربية انعقد بالعجمية، كأذكار الصلاة تجزئ بالعجمية لمن لا يحسن العربية ولا تجزئ لم يحسنها، فعلى هذا لا يجوز أن يجمع بين حال القدرة والعجز والعادل عن صريح النكاح إلى كنايته قادر، والعادل عنه إلى العجمية عاجز فاقد.
فإن قيل بالوجه الأول: أنه لا ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية بالخيار بين أن يوكل عربيًا في عقده وبين أن يتعلم العربية فيعقده بنفسه.
وإذا قيل بالوجه الثاني: أنه ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية فهو بالخيار إذا كان يحسن العربية بين أن يعقده العربية وهو أدلى، لأنه لسان الشريعة وبين أن يعقده بالفارسية وبأي اللسانين عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده بالعجمية وشاهداه عربيان لم يجز، لأنهما إذا لم يعرفا لسان العقد لم يشهدا عليه إلا بالاستخبار عنه فجرى بينهما مجرى الكناية.
وإذا قيل بالقول الثالث: إنه ينعقد بالعجمية مع العجز ولا ينعقد بها مع القدرة فلا يخلو حال الولي الباذل والزوج القائل من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يكونا عربيين فلا ينعقد النكاح بينهما إلا العربية.
والثانية: أن يكونا عجميين فلا ينعقد النكاح بينهما إن باشراه بأنفسهما إلا بالعجمية.
الجزء: 9 - الصفحة: 153
والثالثة: أن يكون أحدهما عربيًا والآخر أعجميًا فلا ينعقد النكاح بينهما بالعربية لأن العجمية لا يحسنها ولا بالعجمية لأن العربية لا يحسنها فكانا بالخيار بين أمرين أن يوكلا من يعرف أحد اللسانين، وبين أن يتعلم العجمي منهما العربية فيجتمعا على عقده بها ولا يجوز أن يتعلم العربي العربية ليجتمعا على عقده بها لأن من أحسن العربية لا يجوز له العقد بالعجمية ويجوز لمن يحسن العجمية أن يعقده بالعربية.
فإن قيل: فهلا اختص العربي فيه باللفظ العربي وتفرد العجمي باللفظ العجمي؟ قيل: لا يجوز، لأن كل واحد منهما لا يعرف لفظ صاحبه فيقابله عليه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والفرج محرم قبل العقد فلا يحل أبدًا إلا بأن يقول الولي قد زوجتكها أو أنكحتكها ويقول الخاطب: قد قبلت تزويجها أو نكاحها أو يقول الخاطب زوجنيها ويقول الولي: قد زوجتكها فلا يحتاج في هذا إلى أن يقول الزوج: قد قبلت ولو قال قد ملكتك نكاحها أو نحو ذلك فقبل لم يكن نكاحًا وإذا كانت الهبة أو الصدفة تملاك بها الأبدان والحرة لا تملك فكيف تجوز الهبة في النكاح؟ فإن قيل: معناها زوجتك قيل: فقوله قد أحللتها لك أقرب إلى زوجتكها وهو لا يجيزه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: أعلم أن عقد النكاح بعد حضور الولي والشاهدين لا يتميز إلا بثلاثة شروط:
أحدها: تعيين المنكوحة.
والثاني: تعيين اللفظ.
والثالث: صفة العقد.
فأما تعيين المنكوحة فيجب أن يكون بما تتميز به عن غيرها وذلك قد يكون بأحد ثلاثة أشياء: إما بالإشارة، وإما بالإسم، وأما بالصفة.
فأما الإشارة فلا تكون إلا إلى حاضرة فنقول: زوجتك هذه المرأة فيصح النكاح عليها، وإن لم يذكر لها اسم ولها حالان:
موافق ومخالف، فإن كان موافقًا فقد أكد بالإشارة بها قرنه بها من موافقة الاسم.
والنسب والصفة.
وإن كان مخالفًا بأن سماها حفصة بنت زيد وهي عمرة بنت بكر أو وصفها بالطويلة، وهي قصيرة صح العقد بالإشارة إليها ولم يؤثر فيه مخالفة الاسم والنسب والصفة، لأن الإشارة أبلغ في التعيين من كل اسم وصفة وأما الاسم فقد يتعين به الغائبة إذا لم يشاركها فيه غيرها، وهو في الأغلب إذا انفرد عن نسب لا يقع به التمني، فإن قرن به النسب نظر فإن لم يشاركها فيه غيرها من النساء تميزت به وصح العقد عليها
الجزء: 9 - الصفحة: 154
بما تميزت به من الاسم والنسب وإن لم ينو الزوج والولي الإشارة إلى المنكوحة وإن لم يتميز الاسم والنسب من غيرها من النساء لمشاركتها فيه لغيرها نظر فإن نوى الزوج والولي في نفوسهما فالإشارة للمنكوحة، صح العقد وعلى هذا أكثر عقود المناكح وإن لم ينو لم يصح العقد لاشتباه المنكوحة بغيرها وصار بمثابة قوله: قد زوجتك امرأة وأما الصفة فلا تكون بانفرادها مميزة للمنكوحة عن غيرها لاشتراك الناس في الصفات حتى يقترن بها مع ما يقع به التمييز من اسم أو نسب، أو نية مثل سودة بنت زيد بن خالد وله بنات فيهم المنكوحة.
أما الاسم إذا لم يشتركن فيه فتقول حفصة أو عمرة.
وأما بالصفة، إذا لم يشتركن فيقول الطويلة أو القصيرة أو يقول: السوداء أو البيضاء أو يقول: الصغيرة أو الكبيرة فتصير الصفة مميزة للمنكوحة ولولاها لاشتبهت وإذا كان كذلك فأراد أن يزوج بنته فإن لم يكن له إلا بنت جاز أن يقول: زوجتك بنتي ولا يذكر لها اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا أو صفة.
فقال: بنتي حفصة أو قال: بنتي الطويلة فقد أكد إن وافق الاسم والصفة ولم يؤثر فيه إن خالف الاسم والصفة قوله: عمرة قد سماها حفصة وكانت قصيرة وقد وصفها طويلة، لأن الاسم قد ينتقل والقصيرة قد تكون طويلة بالإضافة إلى من هي أقصر منها وإن كان للأب المزوج عدة بنات لم يصح العقد بأن يقول: زوجتك بنتي حتى يميزها عن سائرهن إما بنية يتفق الأب والزوج بها على إرادة أحداهن بعينها.
وإما باسم أو صفة فيقول: بنتي حفصة فيصفها بالاسم من غير أن يقول بنتي الصغيرة فتصير بالصفة متميزة فيصح العقد حينئذ عليها فإن جمع بين الاسم والصفة فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون متفقًا فيقول: قد زوجتك بنتي حفصة الصغيرة.
والصغيرة هي حفصة.
والكبيرة هي عمرة: فيسم المنكوحة باسمها ويصفها بصفتها فقد أكد الاسم بالصفة فكان أبلغ في التمييز.
والثاني: أن يكون مخالفًا فسمى الموصوفة بغير اسمها ووصف المسماة بغير صفتها، لأن حفصة هي الكبيرة وقد وصفها بالصغيرة وعمرة هي الصغيرة وقد وصفها بالكبيرة فيكون المعول على الصفة دون الاسم، لأن الصفة لازمة والاسم منتقل فيقع العقد على الصغيرة التي اسمها عمرة وإن سمي في العقد حفصة، فلو ميز المنكوحة من بناته بصفتهن فقال: زوجتك بنتي الصغيرة الطويلة فإن وافقت الصفتان فقد أكد إحدى الصفتين بالأخرى فكان أبلغ في التمييز وإن خالفت الصفات فالنكاح باطل، لأن كلتا الصفتين لازمتان وليس اعتبار أحدهما في تمييز المنكوحة بأولى من اعتبار الأخرى فصارت المنكوحة منهما مجهولة.
فلذلك بطل النكاح، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وأما الشرط الثاني: وهو تعيين اللفظ الذي ينعقد به النكاح فلفظتان لا ينعقد النكاح إلا بهما وهو النكاح والتزويج، لأن كتاب الله تعالى قد جاء بهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 155
وأما النكاح فيقوله سبحانه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وأما التزويج بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] لأن معناهما في اللغة متشابهان.
أما التزويج فهو ضم شكل إلى شكل ومنه قولهم: أحد زوجي الخف وأحد زوجي الحمام إذا أريد واحد من اثنين متشاكلين.
فإن أريد معًا قيل زوج الخف وزوج الحمام وأما النكاح فيه قولان:
أحدهما: إنه كالتزويج ضم شكل إلى شكل ومنه كقولهم: أنكحنا الغراء فسوق ترى أي جمعنا بين الحمار الوحش وإيتانه فسترى ما يولد منهما.
قال عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان
أي لما لم يكن أن يجتمعا لم يجز أن يتناكحا.
والثاني: إنه لزوم شيء، ومنه قول ابن الماجشون: استنكحه المدني أي لزمه فسمي النكاح نكاحًا للزوم أحد الزوجين لصاحبه وليس في معنى هاتين اللفظتين غيرهما فصار تعليلهما غير متعد للنص عليهما.
وإذا كان كذلك فالولي والزوج مخيران في أن يعقداه بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قبلت تزويجها أو يعقده أحدهما بلفظ النكاح والآخر بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها فيكون العقد بأي هذه الألفاظ عقدًا صحيحًا.
فصل:
وأما الشرط الثالث: وهو صفة العقد وكيفيته فقد ينعقد على أحد وجهين أما بالبذل والقبول.
وأما بالطلب والإيجاب ولهما فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن يعقد له بلفظ الماضي.
والثاني: بلفظ المستقبل.
والثالث: بلفظ الأمر.
فإن عقداه بلفظ الماضي فضربان:
أحدهما: أن يعقداه بالبذل والقبول.
والثاني: بالطلب والإيجاب.
فأما عقده بالبذل والقبول فهو أن يبدأ الولي فيقول: قد زوجتك بنتي على صداق ألف درهم ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها على هذا الصداق
الجزء: 9 - الصفحة: 156
فيكون قد ابتدأ به الولي بذلًا وما أجابه الزوج قبولًا.
وإذا كان هكذا فللزوج في قبوله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق.
والثاني: أن يقول: قبلت ولا يذكر الصداق: والثالث: أن يقول: قبلت ولا يذكر النكاح ولا الصداق.
فأما الحال الأولى: وهو أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق فقد انعقد النكاح على الصداق المسمى إذا كان قبول الزوج على الفور من بذل الولي.
ولو قال الزوج: قبلت نكاحها على صداق خمسمائة.
وقد بذلها الولي له بصداق ألف انعقد الصداق ولم تلزمه فيه أحد الصداقين وكان لها مهر المثل لأن الألف لم يقبلها الزوج والخمسمائة لم يرض بها المولى.
وقال أبو حنيفة: ينعقد على صداق خمسمائة، لأنها أقل فصارا مجتمعين عليها وإن تفرد الولي بالزيادة.
وهذا خطأ لما ذكرنا.
وأما الحال الثانية: وهو أن يقول قبلت نكاحها ولا يذكر قبول الصداق فيصح النكاح بقبوله ولا يلزم المسمى، لأنه لم يذكره في القبول وليكون لها مهر المثل وقال أبو حنيفة: يلزم فيه الصداق المسمى بقبول النكاح والذي يتضمنه كالبيع إذا قال: بعتك عبدي بألف فقال المشتري: قبلت البيع لزمه ذلك الثمن وإن لم يصرح به في قبوله كذلك النكاح وهذا خطأ، لأن البيع لا ينعقد إلا بثمن فكان قبوله البيع قبولًا لما تضمنه من الثمن وإن لم يصرح به في قبوله وليس كذلك النكاح، لأنه قد يصح بغير الصداق فلم يكن قبوله النكاح قبولًا لما يتضمنه من الصداق حتى يصرح به في قبوله.
وأما الثالثة: وهو أن يقول: قبلت ويمسك فلا يذكر النكاح ولا الصداق في قبوله ففيه قولان وهو ظاهر كلامه هاهنا وقد نص عليه صريحًا في كتاب "الأم" ورواه البويطي وقاله جمهور أصحابنا أن النكاح باطل.
والثاني: قاله في كتاب "التعريض بالخطبة في كتب الأمالي" إن النكاح صحيح وبه قال أبو حنيفة استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن قول: قبلت إنما هو جواب للبذل الصريح وجواب الصريح يكون صريحًا كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] أي نعم وجدناه وكقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] أي بلى أنت ربنا وكما لو أدعى رجل على رجل ألف درهم فسأله الحاكم عنها.
وقال: أله عليك ألف.
فقال نعم، وكان إقرار منه بالألف، وجرى مجرى قوله: نعم عليِّ ألف، فكذلك يجب أن يكون قوله في النكاح قد قبلت بعد تقدم البذل الصريح قبولًا صريحًا فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها.
والثاني: إن البذل والقبول معتبر في عقد النكاح كاعتباره في عقد البيع ثم ثبت أنه لو قال البائع: بعتك عبدي هذا بألف فقال المشتري: قبلت أن البيع قد انعقد وجرى ذلك مجرى قوله "قبلت" هذا البيع ويجب أن يكون النكاح بمثابه: قد زوجتكها فقال الزوج:
الجزء: 9 - الصفحة: 157
قبلت أن ينعقد النكاح فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها فعلى هذا القول إذا جعلناه قبولًا صحيحًا يكون قبولًا للنكاح والصداق جميعًا، لأن القبول مطلق فرجع إلى ما تقدم من ذكر النكاح والصداق وخالف قوله: قبلت نكاحها حيث جعلناه راجعًا إلى قبول النكاح الذي سماه دون الصداق الذي أغفله، لأن مع التسمية تصير تخصيصًا ومع الإطلاق يكون عمومًا.
وإذا قيل بالقول الأول إن النكاح باطل وهو أصح القولين فدليله ما قدمناه أن عقد النكاح لا يتم إلا بصريح اللفظ دون المعنى وقوله: قبلت فيه معنى التصريح وليس بصريح فينعقد به النكاح وجاز أن ينعقد به البيع لأنه يتم بالصريح وبمعنى الصريح بخلاف النكاح وليس إطلاق جواب الصريح يكون صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا.
فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا.
فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في طلاقها وإن كان جوابًا ولو قال: نعم: أنت طالق لم تكن ثلاثًا وإن سألته ثلاثًا فلم يسلم الاستدلال بالبيع لما ذكرنا من الفرق بينهما ولا كان إطلاق الجواب كالصريح لما ذكرنا.
فأما إذا قرن النكاح بينهما بواسط من حاكم أو خطيب فقال للولي: زوجته فلانة، فقال: نعم، فقال الزوج: قبلت نكاحها.
فقال: نعم لم ينعقد النكاح قولًا واحدًا، لأن صريح اللفظ لم يؤخذ من واحد منهما.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بناء على أصله واعتبارًا بالبيع في أن رجلًا لو قال للبائع: بعته عبدك هذا بألف.
فقال: نعم، وقال المشتري: اشتريته بالألف، فقال: نعم إن البيع منعقد فكذلك النكاح.
وهذا خطأ لما ذكرنا في أن معنى الصريح لا يقوم في النكاح مقام الصريح ويقوم في البيع مقام الصريح، لأن النكاح لما خالف البيع في تغليظه بالولي والشاهدين خالفه في تغليظه بصريح اللفظ دون معناه، ولأنه قوله: نعم إقرار وبضع المنكوحة لا يملك بالإقرار فهذا حكم عقد النكاح بالبذل والقبول.
فصل:
فأما عقده بالطلب والإيجاب فهو أن يبدأ الزوج فيقول للولي: زوجني بنتك على صداق ألف فيقول الأب: قد زوجتكما على هذا الصداق فيصح العقد ولا يحتاج الزوج إلى أن يعود فيقول: قد قبلت نكاحها ووافقه أبو حنيفة عليه.
وكذلك في البيع إذا ابتدأ المشتري فقال: بعني عبدك بألف.
فقال: قد بعتك هذا العبد بها صح البيع ولم يحتج المشتري أن يقول بعده قد قبلت.
وخالفه أبو حنيفة في البيع فقال: لا يصح حتى يعود المشتري فيقول: قد قبلت بخلاف النكاح وهذا خطأ، لأن شروط النكاح أغلظ من شروط البيع.
فكان ما يصح به النكاح أولى أن يصح به البيع فإذا صح ما ذكرنا من تمام العقد بالطلب والإيجاب كتمامه بالبذل والقبول كان البذل هو ما ابتدأ به الولي والقبول ما أجاب به الزوج فإن الطلب ما ابتدأ به الزوج والإيجاب ما أجاب به الولي فيكون النكاح منعقدًا من جهة الولي على أحد الوجهين:
إما بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا من جهة الزوج منعقد على أحد وجهين: إما بالطلب إن كان مبتدأ وبالقبول إن كان مجيبًا فصار طلب الزوج في الابتداء
الجزء: 9 - الصفحة: 158
قبولًا في الانتهاء.
وقبوله في الانتهاء طلب في الابتداء وصار بذل الولي في الابتداء إيجابًا في الانتهاء وإيجابه في الانتهاء بذلًا في الابتداء وإذا كان كذلك لم يخل إيجاب الولي بعد طلب الزوج من ثلاثة أحوال كما ذكرنا في قبول الزوج بعد بذل الولي:
إحداها: أن يقول: الولي قد زوجتكها على هذا الصداق الذي بذلته فينعقد النكاح على الصداق والذي سماه الزوج وهو ألف.
والثانية: أن يقول الولي قد زوجتكها ولا يقول على هذا الصداق فيصح العقد ولا يلزمه فيه ذلك المسمى من الصداق، لأن الولي ما صرح بالإجابة إليه.
وعند أبي حنيفة يكون منعقد الصداق المبذول وإذا بطل المسمى عندنا كان لها مهر المثل فلو كان الأب قال: زوجتكها على صداق ألفين لم يلزم واحد من الصداقين.
وكذلك عند أبي حنيفة ويكون لها مهر المثل.
ولو كان الأب قال: قد زوجتكها على صداق خمسمائة لم يلزم واحد من الصداقين عندنا.
وقال أبو حنيفة يلزم أقلهما ويصير الأب مبرئًا من الزيادة والثانية: أن يقول الولي بعد طلب الزوج قد فعلت.
أو يقول: قد أجبتك ولا يقول: قد زوجتكها.
فلا ينعقد النكاح عندنا قولًا واحدًا بخلاف ما ذكرنا من القولين في قبول الزواج.
والفرق بينهما: أن الولي هو المملك لبضع المنكوحة والزوج هو المتملك فكان اعتبار الصريح في لفظ المملك أقوى من اعتباره في لفظ المتملك.
وعند أبي حنيفة يكون النكاح منعقد على أصله.
فرع:
فأما إذا ابتدأ الوالي فقال: زوجت بنتي على صداق ألف فقال الزوج: تزوجتها على هذا الصداق لم يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها، لأن قوله في الابتداء زوجته بنتي ليس ببذل منه ولا إجابة.
وإنما هو استخبار والنكاح لا ينعقد من جهة الولي إلا بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا وإذا كان كذلك صار ما ابتدأ به الولي من الاستخبار غير مؤثر في العقد.
ويكون جواب الزوج طلبًا فلذلك ما افتقر إلى إيجاب الولي بأن يعود فيقول: قد زوجتك فيصير النكاح منعقد بالطلب والإيجاب وهكذا لو ابتدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتاك فقال: قد زوجتكها لم يصح العقد، لأن ما ابتدأ به الزوج استخبار، والعقد لا يتم من قبل الزوج إلا بالطلب إن كان مبتدئًا أو بالقبول إن كان مجيبًا وليس استخباره طلبًا ولا قبولًا فإن عاد عاد الزوج فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد حينئذ بالبذل والقبول فهذا حكم العقد باللفظ الماضي في البذل والقبول وفي الطلب والإيجاب.
فرع:
وإما عقده باللفظ المستقبل فمثاله: أن بذل الولي أن يقول: أزوجك بنتي فيقول
الجزء: 9 - الصفحة: 159
الزوج: أتزوجها فلا يصح العقد بقول الولي ولا بقول الزوج، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الزوج قال: قد تزوجتها صار قوله طلبًا وإن كان قول الولي وعدًا فإن عاد الولي فقال: قد زوجتكها صح العقد بالطلب والإيجاب.
ولو بدأ الزوج فقال للولي: أتزوج بنتك فقال الولي: أزوجكها لم يصح العقد بقول واحد منهما، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الولي قال: قد زوجتكها صار قوله بذلًا فإن عاد الزوج.
فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد بالبذل والقبول.
وهكذا إن دخل على اللفظ المستقبل حرف الاستفهام فقال الولي: أأزوجك بنتي؟ أو قال: أأتزوج بنتك؟ لم يصح العقد بواحد من اللفظين لأنه استفهام للوعد فكان أضعف من مجرد الوعد فإن تعقبه من أحدهما ما يكون بذلًا أو طلبًا روعي في مقابلة الطلب الإيجاب وفي مقابلة البذل القبول.
فرع:
وأما عقده بلفظ الأمر فمثاله: إن بدأ الولي أن يقول للزوج: تزوج بنتي فيقول الزوج: قد تزوجتها فلا يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها ولو بدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتك فقال: قد زوجتكها صح العقد ولم يحتج الزوج أن يعيده فيه قولًا.
والفرق بين ما ابتدأ به الولي من لفظ الأمر أنه لا يصح به العقد، وبين ما ابتدأ به الزوج من لفظ الأمر أنه يصح به العقد أن المراعي من جهة الولي البذل أن ابتدأ والإيجاب إن أجاب وليس في أمره بذل ولا إيجاب فلم يصح به العقد.
والمراعي من جهة الزوج والطلب إن ابتدأ والقبول إن أجاب.
وأمره تضمن الطلب وإن لم يتضمن القبول فصح به العقد وتم بالطلب والإيجاب.
فصل:
فإذا صح ما ذكرنا من صفة العقد وكيفيته لتمامه وإبرامه شروط:
أحدهما: أن يكون قبول الزوج على الفور من بذل الولي فإن تراخي ما بينهما بسكوت وإن قيل لم يصح إلا أن يكون لبلع ريق أو انقطاع فيصبح العقد وإن تخللته هذه السكتة، لأنه لا يمكن الاحتراز منها.
والثاني: أن لا يكون بين الولي وقبول الزوج كلام ليس بذل ولا قبول، فإن تخلل بينهما كلام ليس منهما لم يصح العقد، لأن خروجهما إلى غيره من الكلام قطع لحكم ما تقدم.
ولكن لو قال الولي: قد زوجتك بنتي فاقبل النكاح مني لم يكن هذا قطعًا لحكم بذله، لأنه حث منه على القبول.
وهكذا لو قال: قد زوجتك بنتي فقل لي: قد قبلت نكاحها لم يكن قطعًا لحكم بذله، لأنه تفسير لقوله: "فاقبل النكاح مني" فأما إذا قال: قد زوجتك بنتي فأحسن إليها أو قال فاستوصى بها خيرًا كان هذا قطعًا لبذله، لأنها وصية لا
الجزء: 9 - الصفحة: 160
تتعلق بالبذل ولا بالقبول ولكن لو قال: قد زوجتكها على أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان صح العقد ولم يكن ذلك قطعًا، لأنه وإن تضمن صفة الوصية فهو بيان لحكم البذل والقبول.
والثالث: أن يكون الولي عند قبول الزوج من أهل العقد، فإن قبل الزوج وقد مات الولي أو جن أو أغمي عليه لم يصح العقد لبطلان بذلك بخروجه من أهل العقد.
فإذا تكاملت شروط العقد على ما وصفنا فقد انعقد بإجزاء لا يثبت فيه لواحد من الزوجين خيار المجلس بالعقد ولا خيار الثلاث الشروط بخلاف البيع، لأن الخيار موضوع لاستدراك المعاينة في الأعواض وليس النكاح من عقود المعاوضات لجوازه مع الإخلال بذكر العوض من الصداق، فإن شرط فيه خيار الثلاث أبطله.
وقال أبو حنيفة: يبطل الخيار ولا يبطل النكاح.
وهذا خطأ لأن الشروط المنافية للعقود تبطلها كالشروط في سائر العقود، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأحب أن يقدم بين يدي خطبته وكل أمر طلبه سوى الخطبة حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام والوصية بتقوى الله ثم يخطب وأحب للولي أن يفعل مثل ذلك وأن يقول ما قال ابن عمر: أنكحتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
قال في الحاوي: أعلم أن خطبة النكاح قيل الخطبة سنة مستحبة وليست بواجبة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي: خطبة النكاح واجبة استدلالًا برواية الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر".
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد لنفسه نكاحًا إلا بعد خطبة، فكان الخاطب في تزويجه خديجة عمة أبا طالب، وكان الخاطب بتزويجه بعائشة طلحة بن عبد الله، وزوج فاطمة بعلي فخطبا جميعًا.
ولأنه عمل مقبول قد اتفق عليه أهل الأمصار في جميع الأمصار فكان إجماعًا لا يسوغ خلافًا، ولأن ما وقع به الفرق بين ما يستبشر به من الزنا ويعلن من النكاح كان واجبًا في النكاح كالولي والشهود.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من استحبابها دون وجوبها هو قول جمهور الفقهاء قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء،25]، فجعل الإذن شرطًا دون الخطبة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج الواهبة لنفسها من خاطبها قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" فلم يخطب.
الجزء: 9 - الصفحة: 161
(وروي) أن رجلًا من بني سليم خطب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب فأنكحه ولم يخطب.
وروى أن الحسن بن علي رصي الله عنها زوج بعض بنات أخيه الحسن وهو يتعرق عظمًا أي لم يخطب تشاغلًا به.
وروى أن ابن عمر زوج بنته فما زاد على أن قال: قد زوجتكها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولأن الخطبة لو وجبت في النكاح لبطل بتركها.
وفي إجماعهم على صحة النكاح تركها دليل على استحبابها دون وجوبها، ولأن النكاح عقد فلم تجب فيه الخطبة كسائر العقود.
فأما الاستدلال بالخبر فلم يخرج مخرج الأمر فيلزم، وإنما أخبر أنه أبتر وليس في هذا القول دليل على الوجوب على أن للخبر سبب هو محمول عليه قد ذكرناه في أول الكتاب.
وأما استدلالهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عقد نكاحًا إلا بعد خطبة فقد قيل: إنه نكح بعض نسائه بغير خطبة، وقد زوج الواهبة بغير خطبة، وليس ما استدلوا به من العمل المنقول إجماعًا لما روينا من خلافه، فلم يكن فيه دليل ولا في كونها فرقًا بين الزنا والنكاح دليل على وجوبها كالولائم.
فصل:
فإذا ثبت استحباب فهي مشتملة على أربعة فصول:
أحدها: حمد الله والثناء عليه.
والثاني: الصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم.
والثالث: الوصية بتقوى الله وطاعته.
والرابع: قراءة آية، والأولى أن تكون مختصة بذكر النكاح كقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32] وكقوله: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: 54] الآية، فإن قرأ آية لا تتعلق بذكر النكاح جائز، لأن المقصود بها التبرك بكلام الله تعالى.
وقد رويت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: "الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70، 71] الآية إلى آخرها.
وروى عن علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليه - أنه خطب فقال: المحمود
الجزء: 9 - الصفحة: 162
لله (والمصطفى) رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخير ما افتتح به كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الآية.
وروي من خطب بعض السلف الحمد لله شكرًا لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، واجتماعنا هذا مما قضاه الله وأذن فيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، قال تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، فتكون الخطبة على ما وصفنا.
قال الشافعي: "وأحب أن يقول الولي مثل ما قال ابن عمر: قد أنكحتها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حال الخطبة نظر في الخاطب، فإن كان غير المتعاقدين وهو ما عليه الناس في زماننا كانت خطبته نيابة عنهما، وإن خطب أحد المتعاقدين فيختار أن يخطبا معًا، لأن كل واحد منهما مندوب إلى مثل ما ندب إليه الآخر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما زوج عليًا خطبا جميعًا.
والأولى أن يبدأ الزوج بالخطبة ثم يعقبه الولي بخطبته ليكون الزوج طالباً ويكون الولي محبباً، فإن بدأ الولي بالخطبة ثم خطب الزوج بعده جاز فإن تقدمت خطبتهما قبل البذل والقبول أو قبل الطلب والإيجاب ثم عقده النكاح بعد الخطبتين بالبذل أو بالقبول أو بالطلب والإيجاب.
فقد قال أبو حامد الإسفراييني: إن العقد صحيح، لأن ما تخللهما من الخطبة الثانية مندوب إليه في العقد فلم يفسد به العقد وهذا خطأ والصحيح وهو الظاهر من قول أصحابنا كلهم أن العقد باطل لأمرين:
أحدهما: تطاول ما بين البذل والقبول.
والثاني: أن أذكار الخطبة ليست من البذل ولا من القبول وما قاله من أن الخطبة الثانية مندوب إليها في العقد فلم يفسد بها العقد فصحيح إذا كانت في محلها قبل العقد فأما في خلال العقد فلم يندب إليها فجاز أن يفسد بها العقد، والله أعلم.
باب ما يحل من الحرائر ويحرم ولا يتسرى العبد وغير ذلك
قال الشافعي: "انتهى الله تعالى بالحرائر إلى أربع تحريماً لئلا يجمع أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم بين أكثر من أربع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
أكثر ما يحل للحر نكاح أربع لا يجوز له الزيادة عليهن وهو قول سائر الفقهاء
الجزء: 9 - الصفحة: 163
وحكي عن القاسم بن إبراهيم ومن نسب إلى مقالته من القاسمية وطائفة من الزائدية أنه يحل له نكاح تسع استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3] بواب الجمع.
والمثنى مبذل من اثنين والثلاثة مبدل ثلاث والرابع مبدل من أربع فصار مجموع الاثنين والثلاث والأربع تسعاً، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، ولأنه لما ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر أمته فيما تستبيحه من الإماء وجب أن يساويهم في حرائر النساء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3] وفيه دليلان:
أحدهما: أنه ما خرج هذا المخرج من الأعداد كان المراد بها أفرادها دون مجموعها لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان المراد بقوله في صفة الملائمة: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] أفراد هذه الأعداد وإن منهم من له جناح، وإن منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة وجب أن يكون في عدد النكاح كذلك.
والثاني: أن أهل اللغة أجمعوا فيمن قال: قد جاءني الناس مثنى وثلاث ورباح أن مفهوم كلامه أنهم جاؤوا على أفراد هذه الأعداد اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة ولم يرد بمجموعها تسعة فكذلك مفهوم الآية.
والدليل الثاني: من الآية أن "الواو" التي فيها ليست واو جمع وإنما هي واو تخيير بمعنى أو تقدير الكلام مثنى وثلاث أو رباع وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أن ذكر التسعة بلفظهما أبلغ في الاختصار واقرب إلى الأفهام من ذكرها بهذا العدد المشكل الذي لا يفيد تفريقه.
والثاني: قوله بعد ذلك: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] ولو كان المراد تسعاً ولم يرد اثنين على الانفراد لقال: فإن خفتم ألا تعدلوا فثمان ليعدل على التسع إلى أقرب الأعداد إليهما لا لبعده منهما، لأنه قد لا يقدر على العدل في تسع ويقدر على العدل في ثمان.
ولو كان على ما قالوه لكان من عجز عن العدل في تسع حرام عليه أن ينكح إلا واحدة ولما جاز له اثنتان ولا ثلاث ولا أربع، وهذا مدفوع بالإجماع ثم الدليل مع نص السنة أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم ومعه عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" وأسلم نوفل بن معاوية وأسلم معه خمسة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعاً وفارق واحدة".
ولأنه ما جمع في الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد تقييداً بفعله بين أكثر من أربع من رغبتهم في الاستكثار وحرصهم على طلب
الجزء: 9 - الصفحة: 164
الأولاد، وأنهم قد استكثرا من الإماء واقتصروا على أربع من النساء، فدل ذلك من إجماعهم على حظر ما عداه، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خص في النكاح بما حرم على سائر أمته، لأنه قد أبيح له النساء من غير عدد محصور، وما أبيح للأمة إلا عدد محصور، وليس وإن مات عن تسع يجب أن يكون هي العدد المحصور، فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إحدى عشر، ومات من تسع وكان يقسم لثمان.
وأما الإماء فلم يحضرنه بعدد ممكن على الإطلاق.
فصل:
فإذا ثبت أنه لا يحل للحر نكاح أكثر من أربع فنكح خمساً نظر عقد عليهن في عقد واحد بطل نكاح جميعهن، لأن المحرمة من الخمس غير متعينة فبطل نكاح الجميع وإن عقد عليهن متفردات بطل نكاح الخامسة الأخيرة، وصح نكاح من تقدمها فلو تزوج ثلاثاً في عقد واثنين في عقد صح نكاح الثلاث لتقدمهن.
وبطل نكاح الاثنين لتأخرهما.
فلو أشكل المتقدم من العقد بطل الخمس كلهن فلو نكح ثلاثاً في عقد اثنين في عقد وواحدة في عقد وأشكل المتقدمات منهن صح نكاح الواحدة لأنها تتنزل في أحوالها كلها على الصحة وبطل نكاح الثلاث والاثنين لتزولهن بين حالتي صحة وفساد وبيان تنزيلهم في الأحوال إنه إن كان قد تقدم نكاح الثلاث ثم الاثنين ثم الواحدة صح نكاح الثلاث والواحدة بطل نكاح الاثنين وإن قد تقدم نكاح الاثنين ثم الثلاث ثم الواحد صح نكاح الاثنين والواحدة وبطل نكاح الثلاث، وأن تقدم نكاح الواحدة ثم الثلاث ثم الاثنين صح نكاح الواحدة والثلاث وبطل نكاح الاثنين وصارت الواحدة ثانية في الأحوال كلها فصح نكاحها ولما ردد نكاح الثلاث والاثنين بين حالتي صحة وفساد بطل نكاحهن.
مسألة:
قال الشافعي: "والآية تدل على أنها على الأحرار بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وملك اليمين لا يكون إلا للأحرار الذين يملكون المال والعبد لا يملك المال".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يحل للعبد أن ينكح أكثر من اثنين على الشطر من استباحة الحر وبه قال من الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر.
ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء.
ومن الفقهاء: أبو حنيفة وأهل العراق وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: العبد كالحر في الجمع بين أربع.
وبه قال الزهري، وربيعة، والأوزاعي وأبو ثور وداود استدلالاً بعموم قوله تعالى:
الجزء: 9 - الصفحة: 165
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، ولأنه لما كان لعان الحرائر أربعاً مساواة بعدد من أبيح له من النساء، ثم كان لعان العبد أربعاً كالحر، وجب أن يستبيح أربعاً كالحر، ولأن نكاح العبد أوسع من نكاح الحر، لأنه قد ينكح الأمة على الحرة ويجمع بين أمتين بخلاف الحر فلم يجز وهو أوسع حكماً أن يضيق في العدد من حكم الحر ولأنه لما كان العبد مساوياً للحر في أعيان المحرمات وجب أن يساويه في أعداد المنكوحات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ﴾ [الروم: 28] فدل على أن العبد غير مساو للحر، ولأنه إجماع الصحابة من وجهين:
أحدهما: أن عمر قال: يطلق العبد تطليقتين وينكح اثنتين وتعتد الأمة حيضتين وصرح بمثله من الصحابة من ذكرنا.
وليس فيهم مخالف.
والثاني: ما رواه الليث بن أبي سليم عن الحكم بن عيينة قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين.
فثبت بهذين إجماع الصحابة على ما ذكرنا، ولأن ما نقص في عدله ومعناه شاطر العبد فيه الحر كالحدود، ولأنه لما نقص الأحرار فيما استباحوه من العدد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم عنه وجب أن ينقص العبد فيه عن الحر لنقصه عنه.
فأما استدلالهم بالآية فسياق الكلام من أوله إلى آخره متوجه إلى الأحرار دون العبيد، لأن قوله أوله: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار لأنهم يكونون على الأيتام وقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك أن ينكح ما طاب لنفسه وقوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك.
وأما استدلالهم باللعان فهو غير موضوع على التفاضل ولا هو العلة في عدد المنكوحات وإن اتفقا، وإنما يجري مجرى اليمين عندنا والبينة عند غيرنا.
وأما استدلالهم بأن حكم العبد في النكاح أوسع فالجواب عنه: أنه أوسع حكماً فيما طريقه النقص وأضيق حكماً فيما طريقه الكمال، واستباحته للأمة نقص فاتسع حكمه فيه والعدد كمال فضامن حكمه فيه.
وأما استدلالهم بأنه لما ساواه في أعيان المحرمات مساواة في عدد المنكوحات فباطل بأن النبي صلى الله عليه وسلم يساوى الأمة في أعيان المحرمات ولا يساويه في عدد المنكوحات فدل على أن التحريم متساوي العدد متفاضل.
فإذا ثبت أن العبد لا ينكح أكثر من اثنين فحكمه إن أنكح ثلاثاً كحكم الحر إذا نكح خمساً على ما بيناه وكذلك المدبر والمكاتب ومن رق بعضه، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 166
مسألة:
قال الشافعي: "فإذا فارق الأربع ثلاثاً تزوج مكانهن في عدتهن لأن الله تعالى أحل لمن لا امرأة له أربعاً وقال بعض الناس لا ينكح أربعاً حتى تنقضي عدة الأربع لأني لا أجيز أن يجتمع ماؤه في خمس أو في أختين.
قلت: فأنت تزعم لو خلا بهن ولم يصبهن أن عليهن العدة فلم يجتمع فيهن ماؤه فأبيح له النكاح وقد فرق الله تعالى بين حكم الرجل والمرأة فجعل إليه الطلاق وعليها العدة فجعلته يعتد معها ثم ناقضت في العدة.
قال: وأين؟ قلت: إذ جعلت عليه العدة كما جعلتها عليها أفيجتنب ما تجتنب المعتدة من الطيب والخروج من المنزل؟ قال: لا.
قلت: فلا جعلته في العدة بمعناها ولا فرقت بما فرق الله تعالى به بينه وبينها وقد جعلهن الله منه أبعد من الأجنبيات لأنهن لا يحللن له إلا بعد نكاح زوج وطلاقه أو مؤته وعدة تكون بعده والأجنبيات يحللن من ساعته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان له أربع زوجات فطلقهن وأراد أن يعقد على أربع سواهن أو على أخت واحدة منهن لم يخل طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول جاز له عقيب طلاقهن سواء كان طلاقه ثلاثاً أو دونها وإن كان قد دخل بهن لم يخل طلاقه من أن يكون بائناً أو رجعياً، فإن كان رجعياً واحداً أو اثنين بغير عوض لمن يكن له العقد على أحد حتى ينقص عددهن، لأنهن من الزوجات ما كن في عددهن لوقوع طلاقه وظهاره عليهن.
وحصول التوارث بينه وبينهن فلو انقضت عدة واحدة منهن جاز العقد على أختها أو على خامسة غيرها ولو انقضت عدة اثنتين جاز له العقد على اثنتين ولو انقضت عدة ثلاث جاز له العقد على ثلاث ولو انقضت عدة الأربع جاز له العقد على الأربع وإن كان الطلاق بائناً أما أن يكون ثلاثاً أو دونهما بعوض فقد اختلف الفقهاء هل أن يتزوج في عددهن بأربع سواهن أو بأخت كل واحدة منهن فذهب الشافعي إلى جوازه.
وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب والزهري.
ومن الفقهاء: مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بعد انقضاء عدتهن.
وبه قال من الصحابة علي وابن عباس.
ومن التابعين: سفيان الثوري استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] وهذا نص لما به يعقد في أختين، ولأنها معتدة في حقه في من طلاقه فلم يحل له العقد على أختها كالرجعية، واحترز بقوله: "من حقه"
الجزء: 9 - الصفحة: 167
من أن يدعي المطلق انقضاء عدتها وينكر فيكون القول قول المطلقة في استباحة عقده على أختها، والقول قولها في بقاء عدتها وتكون معتدة في حقها لا في حقه، واحترز بقوله: "من طلاقه" من ردتها فإنه يجوز له أن يتزوج بأختها وإن كانت المرتدة في عدتها، ومن أن يطأ أمه يبيعها، فيجوز أن يتزوج بأختها وإن كانت الأمة تستبرئ نفسها من وطئه.
قال: لأن كل جمع منع منه عقد النكاح منعت منه العدة كالجمع بين زوجين، لأن العقد قد حرم عليها نكاح غيره من الأزواج كما حرم عليه نكاح أختها من المساء ثم كان تحريم غيره باقياً عليها في العدة وجب أن يكون تحريم أختها باقياً عليه في العدة.
ودليلنا في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: 3] وقد يطيب له نكاح أختها في عدتها ولأنه جمع حرم على الزوج بالعقد فوجب أن يرتفع بالطلاق كالمطلقة قبل الدخول فإن قيل فالمطلقة قبل الدخول لما لم يحرم عليها نكاح غيره لم يحرم عليه والمطلقة بعد الدخول لما خرم عليها نكاح غيره حرم عليه.
قيل: إنما حرم عليها بعد الدخول نكاح غيره لأنها معتدة ولم يحرم عليه لأنه غير معتد، ولأنها مبتوتة يحل له نكاح أختها بعد العدة فحل له نكاح أختها قبل العدة كالمخبرة بانقضاء العدة ولأنها فرقة يمنع من وقوع فوجب أن يبيح ما حرم من الجمع يعقده كالوفاة، ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يحرم عليه نكاح أختها لأجلها كالأجنبية، ولأن المبتوتة من العقد أغلظ تحريماً عليه من الأجنبية لأن الأجنبية تحل بالعقد في الحال وهذه لا تحل له إلا بعقد بعد عدتين وزوج فلم يجز وهي أغلظ تحريماً من الأجانب أن يحرم بها ما لا يحرم بالأجانب، ولأن العدة تختص بالمرأة دون الزوج لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] فلو منعت من الرجال للزم من العدة كما ألزمت ولو لزم من أحكام العدة كما لزمها لزمة سائر أحكامها من تحريم الطيب والزينة كما لزمها وفي المنع من إبراء أحكام العدة عليها فيما سوى النكاح منع من إجراء حكمها عليه في تحريم النكاح.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] فهو أن الطلاق مفرق فكيف يصير به جامعاً والجمع من الاجتماع.
والفرقة ضد الاجتماع.
وأما قياسهم على الرجعية فتلك زوجته يقع عليها طلاقه وظهاره وتستحق بينهما التوارث وهذه قد صارت أجنبية لأنها لا يلحقها طلاقه ولا ظهاره ولا يتوارثان فلم يجز أن يجمع بينهما في تحريم الجمع كما يجمع بينهما في النكاح والعقد.
وأما قياسهم عليها فالمعنى فيها أنها معتدة والمعتدة محرم عليها نكاح غيره لئلا يختلط ماؤه بماء غيره وليس كذلك الرجل لأنه غير معتد وليس في عقده على غيرها اختلاط مائتين فافترقا.
فصل:
فأما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه تكلم في هذا الموضع على إبطال مذهبهم
الجزء: 9 - الصفحة: 168
بثلاثة فصول ذكرنا منها فضلين:
أحدهما: ما فيه من وجوب العدة على الزوج وقد أوجبها الله عليه دونه.
والثاني: أنها بالطلاق أسوا حالاً من الأجنبية فكيف تبقى على حكم الزوجية.
وأما الفصل الثالث: وهو الذي تفرد به الشافعي رضي الله عنه فتحرر كلامه من مقتضاه أنه لا يخلو تحريمهم لنكاح أختها في عدتها من أحد أمرين: أما أن يكون لعقد النكاح أو لئلا يجتمع ماؤه في اختين فإن كان لعقد النكاح فقد ارتفع بطلاق الثلاث وإن كان لئلا يجتمع ماؤه في أختين فهم يقولون: إنه لو خلا بها من طلقها حرم عليه نكاح أختها في عدتها وإن لم يجتمع ماؤه في أختين فبطل التعليل بكلى الأمرين واعترضوا على الشافعي في هذا الفصل بالفساد فقالوا: نحن حرمنا المدخول بها باجتماع المائين وتعلل غير المدخول بها من هذا الحكم بعلة أخرى ونقض العلة أن يكون بوجودها مع عدم الحكم ولا يكون النقض بوجود الحكم مع عدم العلة ألا ترى أن من قبل تعليلاً بالردة كان نقض العلة بأن لا تقبل مع وجود الرواة ولم يكن نقضها بأن تقبل مع عدة الردة بقتل أو زنا وكذلك هاهنا يحرم المدخول بها لاجتماع المائين ولا بنقض هذا التعليل تحريم غير المدخول بها لعلة أخرى والجواب عن هذا أن العلل ضربان:
أحدهما: أن يكون التعليل عاماً لجنس الحكم.
والثاني: أن يكون خاصاً لأعيان ما يتعلق به الحكم.
فإن كانت العلة لجنس الحكم لتعليل الربا بأنه مطعوم انتقضت هذه العلة بوجوب الحكم ولا على كما تنقض بوجود العلة ولا حكم حتى إن وجد الربا فيما ليس بمطعوم كان نقضاً كما لو وجد مطعوماً ليس فيه ربا كان نقضاً وإن كانت العلة بوجودها مع عدم الحكم حتى وإن وجد مطعوم لا ربا فيه كان نقضاً وما ذكره الشافعي من إلزام النقض في تعليلهم باجتماع المائين إنما هو تعليل لجنس الحكم العام فانتقض بوجود الحكم ولا على كما ينتقض بوجود العلة ولا حكم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو قتل المولى أمته أو قتلت نفسها فلا مهر لها".
قال في الحاوي: أعلم أن الزوجة إذا هلكت بعد الدخول بها فلها جميع المهر، لأنها قد استهلكته بالدخول سواء ماتت أو قتلت وسواء كانت حرة أو أمة فأما إذا هلكت قبل الدخول بها فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون هلاكها بالموت.
والثاني: أن يكون هلاكها بالقتل فإن كان هلاكها بالموت فمذهب الشافعي
الجزء: 9 - الصفحة: 169
وجمهور أصحابه أن لها المهر سواء كانت حرة أم أمة، لأنه غاية النكاح مدة الحياة فإذا حدث الموت فقد انقضت مدة العقد فاستحقت بها جميع المهر.
وقال أبو سعيد الاصطخري: إن كانت حرة فلها جميع المهر وإن كانت أمة فلا شيء لها وفرق بينهما بأن الحرة في قبض الزوج، لأنها مخيرة على المقام معه، فإذا ماتت استحقت جميع المهر، كالسلعة إذا تلفت بعض قبض المشتري لها استحق عليها، ثمنها والأمة قبل الدخول في قبض السيد دون الزوج، لأنها لا تخير على المقام معه إلا باختيار السيد، فلم تستحق بالموت قبل الدخول مهراً كالسلعة إذا بلغت في يد بائعها سقط عن المشتري ثمنها.
فصل:
وإن كان هلاكها بالقتل دون الموت فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون هي القاتلة.
والثاني: أن يقتلها غيرها فإن قتلها غيرها فضربان:
أحدهما: أن يقتلها الزوج فعليه مهرها حرة كانت أو أمة باتفاق جميع أصحابنا، لأن الحرة كالمقبوضة والأمة وإن كانت في حكم غير المقبوضة فقد استهلكها مستحق قبضها فلزمه مهرها كما يلزم مشتري السلعة إذا استهلكها في يد بائعها جميع ثمنها ويصير الاستهلاك قبض كذلك القتل.
والثاني: أن يقتلها أجنبي غير الزوج فحكم قتله لها في حق الزوجية حكم الموت فيكون لها المهر على مذهب الشافعي حرة كانت أو أمة وعلى مذهب أبي سعيد الاصطخري يكون لها المهر إن كانت حرة ولا يكون لها المهر إن كانت أمة، وإن كانت هي القاتلة لنفسها فقد قال الشافعي في الأمة: "إنه لا مهر إذا قتلت نفسها أو قتلها غيرها".
وقال في الحرة: إن لها المهر إن قتلت نفسها، فاختلف أصحابنا لاختلاف النص فيهما على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أن اختلاف النص في الموضعين يوجب فأسقط مهرها كالرد والرضاع.
وبه قال أبو حنيفة: لأنها فرقة وقعت بالموت وخالفت الرضاع والردة، لما فيهما من التهمة لاختيار الفرقة، وأنه ليس في القتل تهمة باختيار الفرقة.
والثاني: هو قول أبي إسحاق المروزي وأبي سعيد الإصطخري وأبي حامد المروروزي - أن الجواب على ظاهره فتكون لها المهر إن كانت حرة، ولا يكون لها المهر
الجزء: 9 - الصفحة: 170
إن كانت أمة، وفرقوا بين الحرة والأمة من ثلاثة أوجه.
أحدها: ما قدمناه من فرق أبي سعيد الإصطخري أن الحرة في حكم المقبوضة؛ لأن الزوج يقدر على الاستمتاع بها متى شاء فصار التسليم من جهتها موجودا، فاستحقت المهر بحدوث التلف والأمة بخلافها؛ لأن الزوج لا يقدر على الاستمتاع بها إذا شاء حتى يرضى السيد، فصار التسليم من جهتها غير موجود فسقط المهر.
والثاني: أن المقصود من نكاح الحرة الألفة والمواصلة دون الوطء لجواز عقده على من لا يمكن وطئها من صفيره ورتقاء، وذلك حاصل قبل الدخول مثبت لها المهر، والمقصود من نكاح الأمة الوطء، دون المواصلة, لأنه لا يجوز له أن يتزوجها إلا من خوف العنت وذلك غير حاصل له قبل الدخول فسقط المهر.
والثالث: أن الحرة قد يستنفد ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، والأمة لم تستنفد ميراثها فلم تغرم مهرها- والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وان باعها حيث لا يقدر عليها فلا مهر له حتى يد فعها إليه ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا زوج السيد أمته ثم باعها صح البيع ولم يبطل النكاح لأمرين:
أحدهما: أن عائشة اشترت بريرة وهي ذات زوج فأثبت النبي ص الشراء ولم يبطل النكاح، وخيرها بعد العتق بين المقام أو الفسخ.
والثاني: أن عقد النكاح تناول الاستمتاع وعقد البيع تناول الرقبة فتناول كل واحد من العقدين غير ما تناوله الآخر فصحا معا كما لو أجرها ثم باعها، فإن قيل: لو أجرها ثم باعها كان بيعها على قولين:
أحدهما: باطل، فهلا كان بيعها بعد تزويجها على قولين قلنا: إن يا المستأجر حائلة؛ لأن السيد يجبر على تسليمها له فجاز أن يبطل بيعها في أحد القولين ويد الزوج غير طائلة لأن السيد لا يجبر على تسليمها إليه فصح بيعها قولا واحدا.
فصل:
فإذا ثبت جواز البيع وصحة النكاح فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون البيع بعد دخول بها فقد استحق الزوج مهرها سواء كان مسمى في العقد أو غير مسمى لاستقراره بالدخول الموجود في ملكه.
والثاني: أن يكون البيع قبل دخول الزوج بها فالمشتري يكون بمنزلة البائع لا يجبر
الجزء: 9 - الصفحة: 171
على تسليمها إلى الزوج، كما لا يجبر عليه البائع، فإن لم يسلمها المشتري إلى الزوج فلا مهر عليه وليس للبائع مطالبته.
ولو كان البائع قد قبضه منه كان للزوج استرجاعه، فإن سلمها للمشتري إلى الزوج حتى دخل بها استقر المهر عليه حينئذ، ولا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون المهر صحيحا مسمى في العقد فيكون مستحقا للبائع دون المشتري لأن استحقاقه بالعقد الموجود في ملكه فصار كالكسب المتقدم على المبيع.
والثاني: أن يكون المهر فاسدا مسمى في العقد فيحكم الحاكم لها بمهر المثل ويكون مستحقا للبائع أيضا دون المشتري لأن فساده مع التسمية في العقد يوجبه استحقاقه بالعقد.
والثالث: أن يكون عوضه لم يسم لها في العقد مهرا لا صحيح ولا فاسد فيفرض الحاكم لها مهر المثل وفيه قولان:
أحدهما: أنه مستحق بالعقد كالمسمى لأن عقد النكاح لا يعرى عن مهر فعلى هذا يكون للبائع دون المشتري لاستحقاقه بالعقد الموجود في ملكه.
والثاني: أنه مستحق بالدخول دون العقد؛ لأنه لو استحق جميعه بالعقد بعد الدخول لاستحق نصفه قبل الدخول وهو لا يستحق قبل الدخول شيئا منه فدل على استحقاقها بالدخول فعلى هذا يكون المهر للمشتري دون البائع لوجود الدخول في ملكه وإن كان العقد موجودا في ملك البائع ومثل هذا إذا أعتق السيد أمته المزوجة قبل الدخول ولم يسم لها مهرا ودخل بها الزوج بعد العتق ثم فرض لها المهر فيكون مستحقه على هذين القولين:
أحدهما: السيد المعتق إذا قبل: إنه مستحق بالعقد.
والثاني: الزوجة المعتقة إذا قيل: إنه مستحق بالدخول، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "وَاِنْ طَلَبَ أَنْ يُبَوَّئَهَا مَعَهُ بَيْتًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيَّد".
قال في الحاوي: وإذا قد مضى الكلام في المهر فتذكر الكلام في النفقة أما إذا كان الزوج غير ممكن من الدخول بها فلا نفقة عليه كما لم يكن عليه مهر وان كان ممكنا من الدخول بها لم يجز أن يمنع بعد التمكين من زمان الاستمتاع بها أقل من زمان الاستمتاع بالحرة لأن الحرة عليها تمكين نفسها من الزوج ليلا ونهارا والأمة يلزم تمكينها من الزوج ليلا ولا يلزم تمكينها منه نهاراً.
الجزء: 9 - الصفحة: 172
والفرق بينهما: أن الأمة قد استحق السيد استخدامها وللزوج الاستمتاع بها ولذلك جاز للسيد بعد تزويجها أن يؤجرها وليست الحرة مستحقة لخدمة نفسها.
ولذلك لم يجز للزوجة أن تؤجر نفسها وإذا اجتمع في منفعة الأمة حقان: حق الاستخدام لليد وحق الاستمتاع للزوج وجب أن يراعى زمان كل واحد منهما فيستوفيه مستحقه فوجدنا الليل بالاستمتاع أحق من النهار فجعلنا الليل لاستمتاع الزوج ووجدنا النهار بالاستخدام أخص من الليل فجعلنا النهار لاستخدام السيد ولو كان ما يستحقه من الاستخدام بالنهار يمكن أن يستوفيه منها وهي عند الزوج كالغزل والنساجة وما جرى مجراهما من صنائع المنازل فهل يجبر السيد إذا وصل إلى حقه من المنفعة والاستخدام أن يسكنها مع الزوج نهارا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، يلزمه ذلك ويجبر عليه لوصوله إلى حقه.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني، إنه لا يلزمه ذلك لأن له أن يعدل عن هذا الاستخدام إلى غيره وإذا كان كذلك لم يخل حالها مع الزوج من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يمكنه السيد منها ليلا ونهارا فعلى الزوج نفقتها كاملة كمال الاستمتاع.
والثاني: أنه بمنعه منها ليلا ونهارا فليس على الزوج نفقتها ولا شيء منها لفوات استمتاعه بها.
والثالث: أنه يمكنه منها ليلا في زمان الاستمتاع ويمنعه منها نهارا في زمان الاستخدام.
ففي نفقتها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أنه لا نفقة لها على الزوج ويلتزمها السيد؛ لأن الزمان الذي يستحق به المنفعة وهو النهار الذي يستحقه السيد.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن على الزوج أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستمتاع بها في الليل وعلى السيد أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستمتاع في الليل وعلى السيد أن ينفق عليها بقسط ما يستحقه من الاستخدام لها في النهار؛ لأن لكل واحد من الزمانين حظا من الحاجة إلى النفقة فلم يلزم السيد قسط الليل كما لم يلزم الزوج قسط النهار.
مسألة:
قال الشافعي: " ولو وطء رجل جارية ابنه فأولدها كان عليه مهرها وقيمتها.
قال المزني: قياس قوله أن لا تكون ملكا لأبيه ولا أم ولد بذلك وقل أجاز أن يزوجه أمته فيولدها فإذا لم يكن له بأن يولدها من خلال أم ولد بقيمة فكيف بوطء حرام وليس بشريك فيها فيكون في معنى من أعتق شركا له في أمة وهو لا يجعلها أم ولد للشريك
الجزء: 9 - الصفحة: 173
إذا أحبلها وهو معسر وهذا من ذلك أبعد قال: وإن لم يحبلها فعليه عقرها وحرمت على الابن ولا قيمة له بأن حرمت عليه وقد ترضع امرأة الرجل بلبنه جاريته الصغيرة فتحرم عليه ولا قيمة له
قال في الحاوي: وصورتها في رجل وطء جارية ابنه فقد أثم بوطئه لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5 - 6] ولا ملك يمين فلم يحل له وطئها، فإن قيل: فلو كان هذا الأب من يستحق على ابنه أن يعف فكان له باستحقاق الإعفاف أن يطأ جاريته إذا منعه من الإعفاف كما منع من حق أن يتوصل إلى استحقاقه.
قيل: لا يجوز له ذلك وان منع من الإعفاف بعد استحقاقه لأنه ليس يتعين حق إعفائه في هذه الأمة وان للابن أن يعدل إلى إعفائه بغيرها من الإماء أو النساء فلذلك صارت مع استحقاقه محرمة وان كان كذلك لم يخل وطء الأب لها من أحد أمرين إما أن يحبلها، أو لا يحبلها فالكلام في وطئها يشتمل على أربعة أحكام:
أحدها: في وجوب الحد.
والثاني: في وجوب المهر.
والثالث: في ثبوت التحريم.
والرابع: في وجوب القيمة.
فأما الفصل الأول: في وجوب الحد فلا يخلو حال الأمة الموطوءة من أن يكون الابن قد وطئها قبل ذلك أو لم يطئها فإن لم يكن الابن قد وطئها فلا حد على الأب في وطئها وهو قول جمهور الفقهاء وحكي عن الزهري وأبي ثور وجوب الحد عليه استدلالا بأنه لما حد الابن بوطئه جارية الأب مع وجود الشبهة في ماله الذي يسقط بها عنه قطع السرقة وجب أن يحد الأب بوطئه جارية الابن وان كانت له شبهة في ماله يسقط بها عنه قطع السرقة وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أولادكم من كسبكم فكلوا من طيب كسبكم " فلما تميز الأب في مال الابن بهذا الحكم قويت شبهته فيه عن شبهة الابن في مال الأب فوجب لقوة شبهته الابن أن يدرأ بها عنه الحد لقوله صلى الله عليه وسلم: " ادرءوا الحدود بالشبهات " ولأنه لما منع الابن من نفس أبيه قودا منع حدا؛ لأن الأب لو قتل ابنه لم يقتص منه ولو قذفه لم يجد به.
ويقتل الابن بأبيه ويحد بقذفه فوجب أن يسقط الحد عن الأب بوطئه جارية الابن وان لم يسقط الحد عن الابن بوطئه جارية الأب لأن الحد إن ألحق بحد القذف لم يجب وان ألحق بالقود في النفس لم يجب وهذا دليل وانفصال ولأن على الابن إعفاف أبيه لو احتاج وليس على الأب إعفاف ابنه إذا احتاج فلما كان الوطء، جنسا يجب على الابن تمكين أبيه منه ولم ينجب على الأب تمكين ابنه
الجزء: 9 - الصفحة: 174
منه وجب أن يسقط الحد عن الأب؛ لأنه له حقا من جنسه ولا يسقط عن الابن؛ لأنه ليس حق من جنه وهذا أيضا دليل وانفصال.
فأما السرقة فإنما سقط القطع عن كل واحد منهما في حال الآخر لتساؤلهما في شبهه كل واحد منهما في حال الآخر؛ لأن نفقة الابن قد يجب في مال الأب كما تجب نغمة الأب في مال الابن فاستويا، وليس كذلك حد الوطء لاختصاص الأب فيه بالشبهة دون الابن كما يستحقه الأب على الابن من الإعفاف ولا يستحقه الابن على الأب فافترقا، فإذا ثبت أن لا حد عليه ففي تعزيزه وجهان:
أحدهما: يعزر ليرتدع هو وغيره عن مثله.
والوجه الثاني: لا يعزر لأن التعزير بدل من الحد، وليس عليه حد، فكذلك ليس عليه تعزير، فهذا حكم الوطء الأب لها لم يكن الابن قد وطئها فأما إذا كان الابن قل وطئها ثم وطئها الأب بعده ففي وجوب الحد عليه وجهان:
أحدهما: عليه الحد إذا علم بالتحريم إنها ممن لا تحل له أبدا بخلاف التي لم يطأها الابن فصارت من حلائل أبنائه فلزمه الحد كما يلزمه في وطء زوجة ابنه.
والثاني: لا حد عليه؛ لأنها وان وطئها فهي من جملة أمواله التي يتعلق بها شبهة أبيه ويشبه أن يكون تخريج هذين الوجهين من اختلاف قوليه في وجوب الحد على من وطء أخته من نسب أو رضاع أو بملك اليمين.
وأما الفصل الثاني: في وجوب المهر فهو معتبر بوجود الحدود وسقوطه فإن قلنا: إنه لا حد عليه فعليه مهر المثل لكونه وطء شبهة في حقه يوجب درء الحد فاقتضى لزوم المهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " فلها المهر بما استحل من فرجها " ويكون المهر حقا لابنه عليه لأنه من اكتساب أمته وان قلنا: إن الحد واجب عليه فقد سقطت شبهته في حق نفسه فينظر في شبهة الأمة فإن كانت مكرهة قهرها الأب على نفسها ثبت شبهتها في سقوط الحد عنه فوجب المهر في وطئها وان لم يكن لها شبهة في حق نفسه وكانت مطاوعة، فلو كانت حرة لما وجب المهر وإذا هي أمة ففي وجوب المهر قولان:
أحدهما: لا مهر لها لأنها بالمطاوعة قد صارت بغيا وقد "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي" وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي.
والثاني: لها المهر ويملك الحد لأنه من إكسابه فلم يسقط بمطاوعتها وخالفت الحرة التي تملك ما أباحته من نفها ولا تملكه الأمة.
ألا ترى أن الحرة لو بذلت قطع طرف من أطرافها لم يضمنه القاطع؛ لأن الباذل له مالك ولو بذلته الأمة ضمنه القاطع؛ لأن الباذل له غير مالك.
وهذا اختيار ابن سريج.
وأما الفصل الثالث: وهو ثبوت التحريم فالتحريم من وجهين:
أحدهما: تحريمها على الابن.
والثاني: تحريمها على الأب.
الجزء: 9 - الصفحة: 175
فأما تحريمها على الابن فمعتبر بوطء الأب فإن كان موجبا للحد لم يحرم به على الابن؛ لأن الزنا لا يحرم الحلال وان كان موجب للحد حرمت على الابن لأن الشبهة قد صرفته إلى حكم الوطء الحلال وأما تحريمها على الأب إن حكمها معتبر بحال الابن وان كان قد وطئها حرمت على الأب كزوجة الابن إذا وطئها الأب بشبهة حرمت عليهما معا.
وان كان ~ل الابن فإن وطئها حلت للأب أن يطأها بحق ملكه فلو كان الابن قد قبلها أو وطها دون الفرج ففي تحريمها على الأب قولان.
وأما الفصل الرابع: وهو وجوب قيمتها على الأب فلا يجب سواء حرمها على الابن أو لم يحرمها.
وقال العراقيون: إن حرمها على الابن وجبت قيمتها عليه وهذا خطأ لأنها غير مستهلكة عليه بالتحريم لأنه قد يصل إلى ثمنها بالبيع فلم يلزمه بالتحريم غرم كما لو أرضعت زوجة الرجل أمته بلبنه حرمت عليه ولم يلزمها غرم قيمتها لوصوله إلى ثمنها لكن لو كانت بكرا فافتضها الأب لزمه أرش بكارتها؛ لأنه قد استهلك عضوا من بدنها فهذا ما يتعلق بأحكام وطئه إذا لم تحبل.
فصل:
فأما إذا أحبلها الأب بوطئه فالأحكام الأربعة لازمة له، ويختص بإحباله لها أربعة أحكام:
أحدها: لحوق الولد به.
والثاني: كونها أم ولد.
والثالث: وجوب قيمتها.
والرابع: وجوب قيمة الولد.
فأما لحوق الولد به فإن وجب الحد عليه لم يلحق به الولد؛ لأن وجوب الحد لارتفاع الشبهة ولحوق الولد يكون مع وجود الشبهة فتنافيا وإذا كان كذلك ووجب الحد فصار زانيا وولد الزنا لا يلحق الزنى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر" ويكون الولد مرفوقا للابن وان لم يجب الحد على الأب لحق به الولد؛ لأن الشبهة في إدراء الحد موجبه للحوق الولد وإذا لحق به الولد صار حرا لأنه من شبهة ملك فكان حكمه كحكم الولد من ملك كما أن الولد من شبهة نكاح في نكاح الولدين نكاح.
فصل:
وأما كونها أم ولد فمعتبر بحال الولد فإن لم يلحق به لم تمر له أم ولد وان لحق به الولد فهل تصير أم ولد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع أنها تعتبر له أم ولد وبه قال الربيع.
الجزء: 9 - الصفحة: 176
والثاني: وهو المنصوص عليه في الدعوى والبينات أنها لا تصير أم ولد وبه قال المزني فإذا قيل: بالأول إنها تصير أم ولد وهو اختيار الربيع وجمهور أصحابنا فوجهه هو انه لما لحق به ولاها بشبهة الملك كلحوقه به في المالك وجب أن تصير له أم ولا بشبهة الملك كما تصير له أم ولد بالملك.
وإذا قيل بالثاني: إنها لا تصير أم ولد وهو اختيار المزني فوجهه أنه أولدها في غير ملك فلم تصر به أم ولد وان أعتق الولد كالغارة التي يتزوجها بشرط الحرية فتكون أمة ظ ن ولاها منه حر ولا تصير له أم ولد فأما المزني فإنه استدل بصحة هذا القول بثلاثة أشياء:
أحدها: أن قال قد أجاز الشافعي للابن أن يزوج أباه بأمته ولو أولدها هذا الوطء الحلال لم تصر به أم ولد فكيف تصير أم ولد بوطء حرام؟
والثاني: أن قال: ليس للأب شريكا فيها كوطء أحد الشريكين إذا كان موسرا فتصير به إذا أولدها أم ولد؛ لأن الشريك ملكا وليس للأب ملك.
والثالث: أنه قال لما تصر به أم ولد للشريك إذا كان معسرا وله ملك فلان لا عير هـ أم ولد للأب وليس له ملك أولى فانفصل أصحابنا عن استدلال المزني ترجيحا للقول الأول.
فإن قالوا: أما استدلاله الأول بأن للابن أن يزوج أباه بأمته ولا تصير بالإحبال أم ولد فمرفوع عنه واختلفوا في سبب دفعه عنه فكان أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي بنسبان المزني إلى السهو والغفل في نقله، وانه غلط في تزويجه لجارية أبيه إلى تزويجه لجارية ابنه، ومنعوا أن يتزوج الأب بجارية الابن وإن حل للابن أن يتزوج بجارية الأب، وأن الشافعي قد قال ذلك نصا في "الدعوى والبينات"؛ لأن على الابن أن يعف أباه فلم يجز أن يزوجه بأمته وليس على الأب أن يعف ابنه فجاز أن يزوجه بأمته وإنما كان وجوب إعفافه على الابن يمنعه من التزويج بأمة الابن؛ لأن الحر لا يجوز له أن ينكح الأمة إلا بشرطين: عدم الطول وخوف العنت فإن كان الأب موسرا لم يعدم الطول وان كان معسرا صار لوجوب إعفائه على الابن واجدا للطول فعلى هذا استدلاله مرفوع بغلطه، وقال آخرون: بل نقل المزنى صحيح في تزويج الأب بجارية ابنه ثم اختلفوا في صحة هذا النقل على وجهين:
أحدهما: أنه عام في جواز تزويجه بها وأنه قول ثاني للشافعي أنه لا يلزم الابن إعفاف أبيه كما لا يلزم الأب إعفاف ابنه.
والثاني: أنه جوز تزويجه بها في موضع مخصوص لا على العموم وان كان إعفافه على الابن واجبا ومن قال بهذا اختلفوا في موضع الخصوص الذي يجوز فيه تزويجه بها على وجهين:
أحدهما: أن أباه كان مملوكا فزوجه بأمته لأن إعفافه لا يجب عليه ولو كان حرا لم يجز.
الجزء: 9 - الصفحة: 177
والثاني: أن الابن كان معسرا لا يملك غير الأمة وهو إليها محتاج فزوجه بأمته لأنه معسرا لا يجب عليه إعفاف أبيه ولو كان موسرا لم يجز فعلى هذا إذا كان له على هذا الوجه العام فتزويج أبيه بأمته لم تصر بإحبال الأب أم ولد فإن صارت بإحباله لها في غير نكاح أم ولد.
والفرق بينهما أنه إذا وطئها بشبهة الملك من غير نكاح كان الولد حرا فانتشرت حرمته وتعدت إلى أمه فصارت به أم ولد وإذا وطئها في نكاح كان الولد مملوكا ليس له حرمة حرية تعقا إلى الأم فلم تصر به أم ولد.
وأما استدلاله الثاني: في أنه ليس بمالك مخالف الشريك المالك فهو محجوج به لأنه لما صارت حصة غير الوطء أم ولد للواطئ وليت ملكا له ولا له فيها شبهة ملك فلأن تصير جارية الابن أم ولا للأب؛ لأن له فيها شبهة ملك وان لم يكن له فيها ملك أولى.
وأما استدلاله الثالث: بأنه لما لم تصر حصة الشريك باعتبار الواطئ أم ولد للشريك الواطئ وله ملك فلأنه لا تصر للأب الذي ليس له ملك أولى فهو خطأ لأن إعصار الأب مخالف لإعسار الشريك لأن الأب يقوي شبهته بإعساره لوجب إعفافه والشريك تضعف شبهته بإعساره في أنه لا يتعدى عتقه إلى حصة الشريك ثم يسار الأب مخالف ليسار الشريك؛ لأن الأب عفافه ليساره والشريك يتعدى عتقه إلى حصة شريكه ليساره فمار إعسار الأب مساويا ليسار الشريك لا لإعساره وقد ثبت أن يساره موجب لكونها أم ولد فكذلك الأب.
فصل:
فأما وجوب قيمتها على الأب فعلى ضربين:
أحدهما: أن يلحق به ولدها.
والثاني: أن لا يلحق به فإن لم يلحق به ولدها لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن تموت بالولادة أو لا تموت فإن لم تمت بالولادة فليس عليها قيمتها؛ لأنها باقية على رق الابن.
وهو قادر على بيعها وأخذ ثمنها وان ماتت بالولادة ففي وجوب قيمتها عليه لأجل استهلاكه لها لا أجل كونه أم ولد قولان ذكرناهما في كتاب "الغصب ".
أحدهما: عليه غرم قيمتها لتلفها بسبب من جهته.
والثاني: لا يلزمه غرم قيمتها لأن نشوء الولد الذي حدث به موتها ليس من فعله ولجواز أن يكون موتها بغيره فعلى هذا إن قيل الأول أنه غارم للقيمة لزمته قيمتها أكثر ما كانت من وقت الوطء المحبل والى وقت التلف وان نقصتها الولادة ولم تمت فمن نقص قيمتها كالمغصوبة.
وعلى القول الثاني: لا يلزمه ضمانه قيمتها ولا ضمان نقصها فهذا حكم ضمانها إذا
الجزء: 9 - الصفحة: 178
لم يلحق به ولدها.
فأما أذا لحق به ولدها فإن جعلناها له أم ولد ضمن قيمتها يوم العلوق؛ لأنها به صارت أم ولد سواء ماتت بالولادة أو لم تمت وسواء كان الأب موسرا أو معسرا ولا وجه لما فرق به بعض أصحابنا بين يساره وإعساره كوطء أحد الشريكين لأننا جعلناهم أو ولد للأب لحرمة الولد بشبهة الملك فاستوت الحال في يساره وإعساره ولو جعلناها في اعتبار الواطئ أم ولد لأدخلنا على الشريك الضرر ولم ترفعه عنه وان لم يجعلها للأب أم ولد فعلى ضربين:
أحدهما: أن تموت بالولادة فيلزمه غرم قيمتها قولا واحدا بخلاف التي لم تلحق به ولدها في أحد القولين؛ لأن ولد هذه لا حق به فكان سبب موتها متصلا به وولد تلك غير لاحق فكان سبب موتها منفصلا عنه.
والثاني: أن لا تموت فلا يلزمها قيمتها مدة لا في حال الحمل ولا بعد الوضع وقال أبو حامد الإسفراييني: يؤخذ بقيمتها مدة الحمل إلى أن تضع فإذا وضعت استرجع القيمة لأن الابن ممنوع من بيعها بإحبال الأب لها لكون ولدها حرا فلا يصح بيعها مع الولد لحويته ولا يجوز استثناء ولدها في البيع لأن بيع الحامل دون ولدها لا يصح فصارت ممنوعة من تصرف المالك فجرى عليها حكم المغصوبة إذا أبقت يؤخذ الغاصب بقيمتها حتى إذا عادت ردت القيمة كذلك هذه وهذا خطأ لأن القيمة إنما تستحق عنا استهلاك العين وتعذر القدرة على التصرف في الملك والعين هاهنا موجودة والتصرف فيها بغير البيع ممكن فلم يجز مع بقائها في يده وتصرفه فيها أن يجمع بينهما وبين قيمتها بخلاف المغصوبة إذا أبقت فسلم لم عليها يد ولا هو على التصرف في منافعها قادر وليس ما اقتضاه الشرع من تأخير بيعها إلى وقت الوضع موجبا لأخذ القيمة لأنه تأخير يتوصل به إلى التسليم كالمغصوبة إذا هربت إلى مكان معروف يؤخذ الغاصب يردها ولا يؤخذ بقيمتها كذلك هذه في مدة حملها فهذا وجه لم يفسر ما قاله من وجه ثان وهو أن القيمة إنما تستحق إذا ملكت ملكا مستقرأ في الظاهر لأن المقصود به إذا أبقت يحكم بقيمتها تغليبا لحكم الفوات وهذه القيمة لا تملك ملكا مستقرا وإنما تصير في يده إما كالعارية وأما كالوهن وليس واحد منهما بواجب فلماذا يحكم بها غير مملوكة ولا معارة ولا مرهونة يفسر من وجه ثالث وهو أنه يصير جامعا بين الرقبة والقيمة وأحدهما بال الآخر فلم يجز الجمع بينهما.
فصل:
وأما وجوب قيمة الولد فهو ضربين:
أحدهما: أن يكون مملوكا لا يلحق بالأب فليس عليه قيمته لبقاء رقه ولا يعتق على الابن لأنه غير مناسب ولو ناسبه بالإخوة.
والثاني: أن يكون الولد حرا قد لحق بالأب فهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 179
أحدهما: أن لا تجعل أمه أم ولد ويستبقيها على وق الابن فيجب على الأب غرم قيمته؛ لأنه قد استهلك وقه بالحرية واعتبر قيمته وقت الولادة.
وقال أبو يوسف: وقت الترافع إلى القاضي وهذا خطأ لتقدم استهلاكه بالحرية على وقت الترافع إلى القاضي؛ لأنه عتق وقت العلوق ولكن لم يتمكن الوصول إلى قيمته إلا عنا الولادة فلذلك اعتبرناها فيه ولو أمكن الوصول إلى قيمته وقت العلوق لاعتبرناه.
والضرب الثاني: أن يجعل أمه أم ولد فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يضعه بعد دمع قيمتها فلا يلزم الأب قيمة ولدها: لأنها بدفع القيمة قد استقرت له أم ولد فصارت واضعة له في ملكه.
والثاني: أن تضعه قبل دفع قيمتها وفي وجوب قيمته قولان مبنيان على اختلاف قوليه متى تصير أم ولد فأصح قوليه: إنها تصير أم ولد بنفس العلوق فعلى هذا لا يلزم قيمة الولد لأنها تضعه بعد كونها أم ولد.
والقول الثاني: أنها تصير أم ولد بالعلوق مع دفع القيمة فعلى هذا يلزم قيمة الولد لأنها لم تكن وقت الولادة أم ولد فهذا حكم وطء الأب جارية ابنه وذلك لو وطء جارية بنته أو بنت ابنه أو ابن بنته أو من سفل من أولادهء والله أعلم.
فصل:
فأما إذا وطء الابن جارية أبيه فهو زان والحد عليه واجب إن لم يجهل التحريم بخلاف الأب لما قدمناه من الفرق بينهما في التسمية في الإعفاف وفي الحرمة في القصاص فيجري عليه حكم الزنا في وجوب الحد واستحقاق المهر إنه أكرهها وفيه إن طاوعته قولان: لا يلحق به ولدها ولا تصير به أم ولد وفي وجوب قيمتها قولان: وان كان جاهلا بتحريمها لإسلامه حديثا أو قدومه من بادية صار ذلك شبهة لم يسقط عنه الحد ووجب عليه المهر في الإكراه والمطاوعة ولحق به الولد مملوكا في حال العلوق؛ لأنه لم يكن له شبهة ملك كالأب ولا أعتقا حرية الموطوءة كالغارة فلذلك كان الولد في حالا العلوق مملوكا لكنه يعتق على الأب لأنه ابن ابنه ومن ملك ابن ابنه عتق عليه ولا يرجع بقيمته على الابن لأنه لما لم يملك قيمته ولا تصير الأمة أم الولد للابن في الحال ولا إن ملكها في ثاني حال؛ لأنها ما علقت منه بحر وإنما صار بعد الوضع حرا فلم يتعد إليها حكم حريته كما لو أولدها من نكاح ثم ملكها لم تصر له أم ولد! لأنها علقت منه بمملوك هكذا حكم الابن إذا وطء جارية أبيه أو جده أو جدته أو وطء الأخ جارية أخيه.
فصل:
وإذ قد مضى الكلام في وطء الأب جارية ابنه ووطء الابن جارية أبيه قد ذكر ما يجب على كل واحد منهما من إعفاف صاحبه.
أما الابن فلا يجب على الأب إعفافه مران وجبت عليه نفقته: لأن نفقة الابن بعد الكبر مستصحبة لحال الصغر التي لا يراعى فيها
الجزء: 9 - الصفحة: 180
الإعفاف فاستقر فيه حكم ما بعد الكبر اعتبارا بحال الصغر.
فأما الأب فوجوب إعفافه على الابن معتبر بوجوب نفقته عليه فإن كان الأب موسرا لم تجب عليه نفقته ولا إعفافه وان كان معسرا نظر فإن كان عاجزا عن الكسب بزمانه أو هرم وجبت نفقت وان كان قادرا عليه ففي وجوب نفقته قولان:
أحدهما: تجب اعتبارا بفقره.
والثاني: لا تجب اعتبارا بقدرته.
فإن لم تجب تفقة الأب لم يجب إعفافه وان وجبت نفقته فإن لم يكن به إلى الزوجة حاجة لضعف شهوته لم يجب على الابن تزويجه وان كان محتاجا إلى النكاح لقوة شهوته فغي وجوب إعفافه على الابن قولان:
أحدهما: نقله ابن خيران وتأوله غيره من كلام المزني هاهنا أنه لا يجب إعفافه وان وجبت نفقته وبه قال أبو حنيفة اعتبارا بأمرين:
أحدهما: بالابن في أن وجوب نفقته لا تقتضي وجوب إعفافه لو احتاج.
والثاني: بالأم في أن وجوب نفقتها لا تقتضي وجوب إعفافها لو احتاجت وان كان إعفافه معتبرا بالطرف الأدنى سقط بالابن وان كان معتبرا بالطرف الأعلى سقط بالأم.
والقول الثاني: نص عليه في "الدعوى والبينات" وهو اختيار جمهور أصحابنا أن إعفافه واجب لنفقته لعموم قوله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: (15)] وانكاحه من المعروف ولأنه لما وقيت نفس الأب بنفس الابن فلم يقتص من الأب بالابن فأولى إن توقى نفسه بمال الابن في وجوب إعفافه على الابن وبهذا المعنى فوقنا بينه وبين الأب في الإعفاف للافتراق بينهما في القصاص فأما الفرق بين الأب والأم في الإعفاف هو أن إعفاف الأب إلزام فوجب على الابن واعفاف الأم اكتساب فلم يجب على الابن.
فصل:
فإذا تقرر وجوب الأب على أمح القولين, فالكلام فيه يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن يجب إعفافه من الآباء.
والثاني: فيمن يجب عليه الإعفاف من الأبناء.
والثالث: فيما يكون به الإعفاف.
فأما الفصل الأول: فيمن يجب إعفافه من الآباء فهو كل والد فيه بعضية وان علا وسواء كان ذا عصبة من قبل الأب كأبي الأب أو كان ذا رحم كأبي الأم وهما في وجوب النفقة والإعفاف سواء وهكذا أبو الأب وأبو الأم وهكذا أبو أم الأب وأبو أم الأم هما سواء في الزوج وسواء في وجوب النفقة والإعفاف، وهكذا لو اختلف درجهما فكان أحدهما أبا أب والأخر أبا أم وجبت نفقتها واعفافها إذا أمكن تحمل الولد لهما.
فأما إذا اجتمع وضاقت حال الابن عن نفقتهما واعفافهما وأمكنه القيام بأحدهما
الجزء: 9 - الصفحة: 181
فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يستويا في الدرج.
والثاني: أن يتفاضلا.
فإن استويا في الدرج فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون أحدهما عصبة والآخر ذا رحم كأبي أب الأب أبو أم الأم فالعصبة منهما أحق بتحمل نفقته وإعفائه من ذي الرحم لقوة سببه.
والثاني: أن يكونا جميعا ذا رحم كأبي أم الأب وأبي أب الأم فهما سواء في الدرجة والرحم وإذا كان كذلك وجب أن يسري بينهما لاستوائهما في كيفية التسوية بينهما إذا أعجزه القيام يهما وجهان:
أحدهما: ينفق على أحدهما يوما وعلى الآخر يومأ لتكمل نفقة كل واحد منهما في يومه.
والثاني: وهو عندي أصح ينفق على كل واحد منهما في كل يوم نصف نفقته لتكون النفقة في كل يوم بينهما فأما الإعفاف فلا يجيء فيه هذان الوجهان, لأن المهايأة بينهما على الوجه الأول لا يمكن والقسمة بينهما فيه على الوجه الثاني لا يمكن وإذا لم يمكنا وجب مع استواء سيدهما أن يقرع بينهما فيه فأيهما قرع كان أحق بالإعتاق من الآخر وأما إن تفاضلا في الدرج فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الأقرب عصبة والأبعد ذا وحم كأبي الأب وأبي أم الأم فيكون أبو الأب أحق بالنفقة والإعفاف من أبي أم الأم لاختصامه بسببي القربى والتعصيب.
والثاني: أن يكون الأقرب ذا وحم والأبعد عصبة كأبي الأم وأبي أبي الأب فقد قال أبو حامد الإسفراييني: هما سواء لأن الأقرب منهما ناقص الرحم والأبعل منهما زائد بالتعصيب فتقابل السببان فاستويا وهذا الذي قال عندي غير صحيح بل الأقرب منهما أحق وان كان ذا وحم من الأبعد.
وان كان ذا تعصيب, لأن المعنى في استحقاق النفقة والإعفاف هو الولاية دون التعصيب فلما تساوت الدرج وقوي أحدهما بالتعصيب كان أحق كأخوين أحدهم لأب وأم الآخر لأب.
وإذا اختلف الدرج كان الأقرب أحق وان قوي الأخر لتعصيب كأخ لأب وابن أخ لأب وأم.
وأما الفصل الثاني: فيمن يجب عليه الإعفاف من الأبناء فهم البنون ثم البنات ثم بنوهما وان بعدوا فيجب على الابن إذا كان حرا موسرا دون البنت وان كانت موسرة كما يتحمل الأب نفقة ابنه دون الأم فإن أعسر به الابن تحملته البنت كما لو أعسر الأب تحملتها الأم فلو كان للأب ابنان موسران تحملا بينهما نفقته واعفافه فيحمل كل واحد نصف الإعفاف في كيفية تحمله لنصف النفقة وجهان على ما مضى فلو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا تحمل ذلك الموسر منهما دون المعسر فلو أيسر المعسر وأعسر
الجزء: 9 - الصفحة: 182
الموسر تحولت النفقة من المعسر إلى الموسر فأما الإعفاف فإن كان قد عجز من أعسر سقط عمن أيسر إلا ما يستحق بالإعفاف من نفقة الزوجة وان لم يحمل من أعسر وجب أن يلتزمه من أيسر فلو كان للأب بنت وابن ابن وهما موسران إن كان ابن الابن أحق بتحملها من البنت كما يكون الجد أحق بتحمل النفقة من الأم فلو كان له ابن بنت وبنت ابن ففي أحقهما بتحمل الإعفاف والنفقة ثلاثة أوجه:
أحدهما: ابن البنت لأنه ذكر.
والثاني: بنت الابن لإدلائها بذكر.
والثالث: أنهما سواء لأن الذكر يدلي بأنثى والأنثى مدليه بذكر فصار في كل واحل ة من الجهتين ذكر وأنثى فلو أعف الابن أباه ثم أيسر الأب سقطت عن الابن نفقته ونفقة من أعفه بها من زوجة، أو أمة ولم يكن للابن أن يرجع على أبيه بالأمة إن كان قد أعفه بها ولا بصداق الحرة إن كان قد زوجه بها, لأنه قد يستحقه بسبب لا يعتبر استدامته كما لا يعتبر استدامة عدم الطول وخوف العنت بعد نكاح الأمة.
وأما الفصل الثالث: فيما يكون به الإعفاف فهو ما خص الفرج من استمتاع بحرة يزوجه بها أو تسري بأمة يملكه إياها والخيار سيفه بين التزويج والتسري إلى الابن دون الأب فإن أراد الابن أن يزوجه بنفسه لم يجز لأن الأب وشيد لا يولى عليه ولكن يتزوج الأب ويلتزم الابن صداق الزوجة ثم نفقتها وكسوتها وليس للأب أن يغالي في صداق زوجته وفيما يستحقه من ذلك وجهان:
أحدهما: أقل صداق من تكافئه من النساء اعتبارا بحاله.
والثاني: من يستمتع بها من جميع النساء اعتبارا بحاجته وليس على الابن أن يحمله على تزويج من لا متعة فيها من الأطفال وعجائز النساء وذوات العيوب التي يفسخ بها النكاح ومن تشوه خلقها لنفور النفس عنها.
وتعذر الاستمتاع بهن لكن لا فرق بين المسلمة والذمية.
فأما الأمة فلا يجوز أن يزوجه بها, لأن الأمة لا يتزوجها إلا من عدم الطول وهو بالابن واجد للطول فهذا حكم إعفافه بالتزويج.
فأما إعفافه بملك اليمين فالابن بالخيار بين أن يهب له أمة من إمائه على الوصف الذي ذكرنا ببذل وقبول واقباض لينتقل بصحة الهبة بالبذل والقبول واستقرارها بالقبض في في ملك الابن إلى ملك الأب وبين أن يأذن له في ابتياع أمة يرفع عنه ثمنها فإن ابتاعها الابن له نظر فإن كان بإذنه مع الشراء له وجاز له الاستمتاع بها لاستقرار حكمه فيها وان كان بغير إذنه فالشراء للابن دون الأب لأن الشراء للرشيد بغير إذنه لا يصح فإن استأنف الابن هبتها له على ما ذكونا صارت ملكا له بالهبة دون الثراء وجاز له الاستمتاع بها ثم على الابن التزام نفقتها وكسوتها كالحرة فلو أذن الابن لأبيه في وطء أمة له لم يهبها له لم يجز للأب وطئها لأن الأمة لا يجوز وطئها إلا بملك يمين أو عقد نكاح والأب لم يملكها بهذا الإذن ولا يصح أن يتزوجها لوجود الطول فلو زوجه الابن أو سراه فأعتق الأب أو
الجزء: 9 - الصفحة: 183
طلق لم يلزمه الابن أن يزوجه ويسر به ثانية بعد طلاقه, لأن الأب قد استهلك بنفسه ما استحقه من ذلك فلو ألزم الابن مثله لفعل الأب مثله فأدى إلى ما لا نهاية له ولكن لو ماتت الزوجة أو الأمة حتف أنفها ففي وجوب إعفافه على الابن ثانية وجهان:
أحدهما: يجب عليه لبقاء السبب الموجب له وأنه غير منسوب إلى تفويت حقه منه.
والثاني: أنه لا يجب عليه غير الأولى, لأنه عقد يوضع للتأبيد في الأغلب، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " قَالَ اللهُ تًعَالَى: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: (5)] الآيَة، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَادَ الأَحْرَارَ, لأَنَّ العَبِيدَ لَا يَمْلِكُونَ.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَاُلُه لِلْبَائِع إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُه الُمبْتَاعُ" فَدَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّهُ أَنَّ العَبْدَ لَا يَمْلِكُ مَالاً بِحَالٍ وَإِنمَا يُضَافُ إِليْهِ مَالُهُ كَمَا يُضَافُ إِلَى الفَرَسِ سَرْجُهُ وَاِلَى الرَّاعي غَنَمُةُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ العَبْدَ يَتَسَرَّى.
قِيلَ: وَقَدْ رُوِىَ خِلَافُهُ، قَالَ ابن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا يَطَأُ الرَّجُلُ إِلَّا وَليدَةً إِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَاِنْ شَاءَ وَهَبَهَا وَاِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاء".
قال في الحاوي: إنما أراد الشافعي بهذا هل للعبد أن يتسرى وهو مبني على أن العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ فلا يختلف الفقهاء أنه ما لم يملك السيد لم يملك، ويكون جميع ما يكتسبه من صيد أو حشائش أو بصنعة أو عمل ملكا لسيده دونه، وإن ملكه السيد فهل يملك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: إنه يملك إذا ملك وبه قال مالك: داود ثم اختلفوا في حكم ملكه على هذا القول فعلى مذهب الشافعي يكون ملكا ضعيفا لا يتحكم فيه إلا بإذن السيد وللسيد استرجاعه.
وقال مالك: هو ملك قوي يتحكم فيه كيف شاء اه لكن للسيد استرجاعه.
والثاني: قاله الشافعي في الجديد أنه لا يملك إذا ملك.
وبه قال أبو حنيفة، وقد مضى توجيه القولين في كتاب "البيوع" فإذا تقرر القولان وأراد العبد أن يتسرى بأمة فإن لم يملك السيد إياها لم يكن له أن يطأها وان أذن له السيد فيه لأنه لا يحل لأحد أن يستبيح إلا وطء زوجة أو ملك يمين وليست هذه الأمة المأذون للعبا في وطئها زوجة له ولا ملك يمين فلم يحل له وطئها لمجرد الإذن كما لا يحل لغيره من الناس أن يطأها متسريا لها ما لم يأذن له السيد في وطئها وان صار مالكا لها, لأنه ملك ضعيف فإن أذن له في وطئها جاز له حينئذ التسري بها لم يرجع السيد في ملكه أو إذنه.
الجزء: 9 - الصفحة: 184
وروي عن ابن عباس أنه أجاز لعكرمة أن يتسرى بجارية أعطاه إياها.
وروي عن ابن عمر أن العبد يتسرى وان رجع السيد في ملكه حرم محلى السيد أن يتسرى بها لزوال السبب الذي استباح به التسري فلو كان العبد قد أولدها صارت أم ولد له وحرم عليه بيعها فإن رجع السيد عليه بها جاز للسيد بيعها, لأنها صارت أم ولد في حق العبد لا في حق السيل هذا كله حكم قوله في القديم.
فأما على قوله في الجديد: فلا يملكها العبد, وان ملكه السيد ولا يجوز أن يتسرى بها وان أذن له السيد، والمروي عن ابن عباس أنه أجاز لعكرمة أن يتسرى بجارية أعطاه إياها، فالمروي خلافه وهو أنه كان قد زوجه بها ثم طلقها عكرمة بغير إذنه، وكان ابن عباس رد طلاق لا يقع بغير إذن سيده، فأمره بالمقام عليها فكره عكرمة ذلك فأباحه أن يتسرى بها تطيبا لنفسه ومعتقدا أن الإباحة لعقد النكاح.
وأما ابن عمر فقد روي عنه خلاف ما ذكر قال ابن عمر: لا يطأ الرجل إلا وليدة إن شاء باعها وان شاء صنع بها ما شاء.
يريد بذلك الأحرار دون العبيد لكن إن وطئها العبد على هذا القول فلا حد عليه لمكان الشبهة.
فصل:
فلو زوج الرجل عبده بأمته ثم باعها أو أحدهما أو وهبهما أو أحدهما كان النكاح بحاله ولو وهب العبد لزوجته وأقبضها أباه فعلى قوله في القديم: يملكه بالهبة ويبطل النكاح, لأن المرأة لا يصح أن تملك زوجها فتكون بعد الملك زوجا لها وهكذا لو وهبت الأمة لزوجها ملكها وبطل نكاحها وعلى قوله في الجديد: لا يصح الهبة ويكون النكاح بحاله.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: "وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَسَرَّى العَبْدُ وَلَا مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرَّيَّةُ بِحَالٍ"
قال في الحاوي: أما التسري فهو الاستمتاع بالأمة لأنها تسمى إذا كانت من ذوات المتع سرية وفي تسميتها بذلك تأويلان:
أحدهما: أنه مأخوذ من السر وهو الجماع, لأن المقصود من الاستمتاع.
والثاني: أنه مأخوذ من السرور لأنها تسر المستمتع بها.
فأما تسري العبد فقد مضى الكلام فيه وكذلك حكم المدبر والمخارج والمعتق على صفة لم توجا والمكاتب.
فأما من تبغضبت فيه الحرية والرق فكان نصفه حرا ونصفه مملوكا فهو يملك بعضه الحر من إكسابه مثل ما يملكه السيد بنصفه المملوك فإن هايأه
الجزء: 9 - الصفحة: 185
السيد على يوم ويوم كان ما كسبه في يومه ملكا له وما كسبه في يوم سيده ملكا لسيده وان لم يهايئه كان نصف ما كسبه العبد في كل يوم ملكا لنفسه ونصفه ملكا للسيد فإذا اشترى بما ملكه من كسبه أمة ملكها مستقرأ: لأنه ملك بحريته بتمليك سيده لكن ليس له وطئها بغير إذن سيده وان ملكها لأمرين:
أحدهما: أن أحكام الرق عليه أغلب في جميع أحكامه فكذلك في تسريه.
والثاني: أن الحرية لا تتميز في أعضائه من الرق فكل عضو منه مشترك الحرية والرق فلم يجز أن يطأ بعضو بعضه مرقوق للسيد إلا بإذنه كما لو كان جميعه مرقوقا فإذا ثبت هذا فالشرط في إباحة تسريه أذن السيد دون تمليكه وأن افتقر في العبد إلى تمليكه وإذنه لأن هذا مالك فلم يفتقر إلى تمليكه والعبد غير مالك فافتقر إلى تمليكه فإذا أذن له جاز تسريه فإن أولدها صارت له أم ولد وحرم بيعها بكل حال: لأنها ملكت بحريته فجرى عليها حكم أمهات الأولاد, وكان أولاده منها أحرارا لاختصاصهم بحريته دون رقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: "وَلَا يَفْسَخ نٍكَاحَ حَامِلً مِنْ زِناً وَأُحِبُّ أَنْ تُمْسَكَ حَتَّى تَضَعَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْنَّبِيَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ امْرَأَتِي لاَ مِس قَالَ: "طَلَّقْهَا" قَالَ: إِنَّي أُحِبُّهَا قَالَ: "فَأَمْسِكْهَا".
وَضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رّضِي الله عَنْهُ رَجُلاً وامُرَأةً في زِناً وَحَرَصَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَأَبَى الغُلاَمُ".
قال في الحاوي: اعلم أننا نكره للعفيف أن يتزوج بالزانية ونكره للعفيفة أن تتزوج بالزاني لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا﴾ [النور: (3)] ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فعليك بذات الدين تربت يداك" وإذا كان كذلك فالكلام في نكاح الزانية يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: في الرجل إذا زنا بامرأة هل يحل به نكاحها أم لا؟
والثاني: في زوجة الرجل إذا زنت هل يبطل نكاحها أم لا؟
فأما الفصل الأول في الرجل إذا زنا بامرأة فيحل له أن يتزوجها وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء.
وذكر عن علي بن أبي طالب رضوان ا~ عليه والحسن البصري أنها قد حرمت عليه أبدا فلا يجوز أن يتزوجها بحال.
وقال أبو عبيدة وقتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق: إن تابا من الزنا حل أن يتزوجها وان لم يتوبا لم يحل.
قالوا: والتوبة أن يخلو أحدهما بصاحبه فلا يهم به استدلالا بقوله تعالى: {الزَّانِي لا
الجزء: 9 - الصفحة: 186
يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ) [النور: (3)] فكان ما تقدم من المنع ولا تعقب من الترحيم نصاً لا يجوز خلافه ودليلنا قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من ذوات الأنساب: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
فكان على عمومه في العفيفة والزانية.
وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحرم الحرام الحلال" وهذا نص، ولأنه منتشر في الصحابة بالإجماع، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر, فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: "إذا زنى رجل بامرأة لم يحرم عليه نكاحه".
وروي عن عمر رضي الله عنه أن رجلا تزوج امرأة وكان لها ابن عم من غيرها ولها بنت من غيره، ففجر الغلام بالجارية وظهر بها حمل فلما قدم عمر مكة رفع إليه فسألهما فاعترفا، فجلدهما عمر الحد وعرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام.
وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له أمة وعبد، فظهر بالأمة حمل، فاتهم بها الغلام، فسأله فأنكر، وكان للغلام أصبع زائدة، فقال له: إن أتت بولد له أصبع ذائدة جلدتك فقال: نعم، فوضعت ولدا له أصبع زائدة فجلده ثم زوجه بها.
وروي عن ابن عباس: أنه سئل أيتزوج الزاني بالزانية؟ فقال: نعم ولو مرق رجل من كرم عنبا لكان يحرم عليه أن يشتريه.
فهذا قول من ذكرنا ولم يصح عن غيرهم خلافه فصار إجماعا فأما استدلالهم بالآية.
فقد اختلف أهل التأويل فيها على ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أنها نزلت مخصوصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول من بغايا الجاهلية من ذوات الروايات، وشرطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية فيه، وهذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد.
والثاني: أن المراد بالآية أن الزاني لا يزني إلا بزانية ولا يزني فيها إلا زان وهذا قول ابن عباس.
والثالث: أن الولاية عامة في تحريم نكاح الزانية على العفيف ونكاح العفيفة على الزاني ثم نسخه قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] وهذا قول سعيد بن المسيب.
فصل:
وأما الفصل الثاني في زوجة الرجل إذا زنت عل ينفسخ نكاحها أم لا؟ فمذهب
الجزء: 9 - الصفحة: 187
الشافعي وجمهور الفقهاء أن النكاح صحيح لا ينفسخ بزناها وهو قول الصحابة إلا حكاية عن علي بن أبي طالب ورضوان الله عليه أن نكاحها قد بطل وهو قول الحسن البصري لتحريم اجتماع المائين في فرج.
ودليلنا مع ما قدمناه من حديث عائشة ما رواه أبو الزبير عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: "طلقها" قال: إني أحبها قال: "استمتع بها" فكنى بقوله: "لا ترد يد لامس" عن الزنا فأمره بطلاقها ولو انفخ نكاحها بالزنا لما احتاج إلى طلاق ثم لما أخبره أنه يحبها أذن له في الاستمتاع بها ولو حرمت عليه لنهاه عن الاستمتاع بها ولا أعلمه تحريمها.
فإن قيل: فالمراد بقوله: "لا ترد يد لامس" أنها لا ترد متصدقا طلب منها ماله.
قيل: هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أنه لو أراد هذا لقال لا ترد يد تلتمس لأن الطالب يكون ملتمسا واللامس يكون مباشرا فلما عدل إلى يد لامس خرج عن هذا التأويل:
أحدهما: أنه لو أواد هذا لقال لا ترد يد ملتمس, لأن الطالب يكون ملتمسا واللامس يكون مباشرا فلما عدل إلى يد لامس خرج عن هذا التأويل.
والثاني: أنها لو كانت تتصدق بماله لما خرج قوله فيها مخرج الأم ولما أمر بطلاقها ولأمره بإحراز ماله منها.
وروي أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسودا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لعل عرقا نزعه" فكان ذلك منه كناية عن زناها بأسود فلم يحرمها عليه, ولأن العجلاني أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وجد مع امرأته رجلا فلاعن بينهما ولم يجعلها بالزنا حراما.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزنوا فتزني نساءكم فإن بني فلان زنوا فزنت نساؤهم" فدل هذا على بقائهم مع الأزواج بعد الزنا فأما تحريم اجتماع المائين في فرج فنحن على تحريمهما وإذا اجتمعا ثبت حكم الحلال منهما وسقط حكم الحرام.
الفصل:
وأما الفصل الثالث: في الزنا هل يتعلق عليه شيء من أحكام النكاح أم لا؟ فالكلام في هذا يشتمل على فصلين:
أحدهما: في الزنا هل ينشر عنه حرمته في تحريم المصاهرة حتى تحرم عليه أمهاتها
الجزء: 9 - الصفحة: 188
وبناتها ويحرم على آبائه وأبنائه أم لا؟ والكلام في باب مفرد يأتي عن ذكره فيه.
والثاني: هل لما ذكرناه حرمة تجب بها العدة أم لا؟ فمذهب الشافعي: أنه لا حومة في وجوب العدة منه سواء كانت حاملا من الزنا أو حائلا وسواء كانت ذات زوج فيحل للزوج أن يطأها في الحال أو كانت خلية فيجوز للزاني وغيره أن يستأنف العقه عليها في الحال حاملا كانت أو حائلا غير أننا نكره له وطها في حال حملها حتى تضع.
وقال مالك وربيعة والثوري والأوزاعي وإسحاق: عليها العدة من وطء الزنا بالإقرار إن كانت حائلا ووضع الحمل إن كان حاملا فإن كانت ذات زوج حرم عليه وطئها حتى تنقضي عدتها بالإقرار أو بالحمل.
وقال ابن شبرمة وأبو يوسف: إن كانت حاملا حرم نكاحها حتى تضع وان كانت حائلا لم يحرم نكاحها ولم تعتد.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم نكاحها حاملا ولا حائلا لكن إن نكحها حاملا حرم عليه وطئها حتى تضع.
فأما مالك فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض".
وأما أبو يوسف فاستدل بقول الله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: (4)].
وأما أبو حنيفة فاستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسق بمائك زرع غيرك" والدليل على جماعتهم حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحرم الحرام الحلال " وأن عمر حين جلد الغلام حرص أن يجمع بينهما من غير اعتبار عدة فأبى الغلام ولأن وجوب العدة من الماء إنما يكون لحرمته ولحوق النسب به ولا حرمة لهذا الماء تقضي لحوق النسب فلم تجب منه العدة, ولأنه لما انتفي عن الزنا سائر أحكام الوطء الحلال من المهر والنسب والإحسان والإحلال للزوج الأول انتفي عنه حكمه في العدة.
فأما استدلال مالك بقوله عليه السلام: ألا لا توطأ الحامل حتى تضع فهذا وارد في سبي أوطاس وكن منكوحات وللإماء حكم يخالف الحرائر في الاستبراء.
وأما استدلال أبي يوسف بقوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
فالمراد به من الزوجات المطلقات بدليل ما في الآية من وجوب نفقاتهن وكسوتهن من قول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وجْدِكُمْ ولا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
الجزء: 9 - الصفحة: 189
وأما استدلال أبي حنيفة بقوله: "لا تسق بمائك زرع غيرك" فإنما أراد فرعا بنسب إلى غيره وهو الحلال الذي يلحق بالواطء والحرام الذي يضاف إلى أحد فلم يتوجه النهي على أن هذا الحديث وارد في رجل يملك أمة وسأل هل يطأها فقال: "لا تسق بمائك زرع غيرك" إشارة إلى ماء البائع وذاك حلال بخلاف الزنا، والله أعلم.
نكاح العبد وطلاقه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَيَنْكَحُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَاحْتَجَّ في ذَلكَ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَعَلىَّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العبد وأنه لا يحل له أن ينكح أكثر من اثنتين وخالف مالك فيجوز له نكاح أربع كالحر وقد مضى الكلام معه وكذلك المدبر والمكاتب ومن فيه جزء من الرق وان قل ما لم تكمل فيه الحرية وسواء جمع بين حرتين أو أمتين أو حرة وأمة تقدمت الحرة على الأمة أو تأخرت.
وقال أبو حنيفة: ليس للعبد أن يتزوج الأمة على الحرة كالحر.
وهذا خطأ لأن الحر أغلظ حكما في نكاح الأمة لكماله ونقصهما من العبد الذي ساوى الأمة في نقصها, لأن نكاح الحر مشروط بخوف العنت وعدم الطول فنكاح العبد غير مشروط بخوف العنت فلم يكن مشروطا بعدم الطول.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وقال عمر يطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين والتي لا تحيض شهرين أو شهراً ونصفاً.
وقال ابن عمر" إذا طلق العبد امرأته اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره وعدة الحرة ثلاث حيض والأمة حيضتان وسأل نقيع عثمان وزيداً، فقال: طلقت امرأة لي حرة تطليقتين فقال: حرمت عليك.
قال الشافعي: وبهذا كله أقول".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين في الحرة والأمة ويملك الحر ثلاثا في الحرة والأمة فيكون الطلاق معتبرا بالزوج دون الزوجة.
وقال أبو حنيفة: الطلاق معتبر بالزوجات دون الأزواج فيملك زوج الحرة ثلاث طلقات حرا كان أو عبدا وزوج الأمة تطليقتين حرا كان أو عبدا استدلالا سنذكره من بعد مستوفيا لقول الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] فجعل الطلاق معتبرا بالعدة ثم كانت العدة معتبرة بالنساء دون الأزواج فكذلك الطلاق.
ولما روى عطية العوفي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة
الجزء: 9 - الصفحة: 190
اثنتان وحيضتها اثنتان وعدتها حيضتان"، فجعل الطلاق والعدةَ معتبرا بالمطلقةَ والمعتدةَ ولأن الحر لما ملك اثنا عشر طلقةً في الحرائر الأربع وجب أن يملك العبد ست طلقات في الحرتين ليكون على النصف في عدد الطلقات كما كان على الصف في عدد الزوجات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: (28)] إنكار لتساويهما في شيء من الأموال فكذلك في الطلاق لأنه نوع الملك.
وروي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله كم طلاق العبد فقال: "طلقتان" قالت: وعدة الأمة.
قال: "حيضتان".
وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين وكذلك قال عمر خاطبًا على المنبر.
وروى يحيى بن آبي كثير عن آبي سلمةً قال: حدثني نفيع أنه كان مملوكًا وتحته حرةُ فطلقها طلقتين وسأل عثمان وزيد بن ثابت فقالا: طلاقك طلاق عبد وعدتها عدةً حرة.
وروي عن أبي سلمةً وابن عباس قال: قد حرمت عليك، وليس لمن ذكرنا فخالف من الصحابةَ فكان إجماعًا ولأنه لما ملك الحر رجعتين وجب أن يملك العبد رجعةً واحدةً لأنه فيما يملك بالنكاح على النصف من الحر.
فأما استدلاله بالآية فالمقصود بها وقوع الطلاق في العدةً؛ لأنه في العدةً معتبر بالعدةً وأما الخبر فمحمول على أنه كان زوجها عبدًا؛ لأن الأغلب من الأزواج الإماء العبيد وأما استدلاله بأنه لما ملك الحر اثنتي عشر طلقةً وجب أن يملك العبد ست طلقات فخطأ لأن العبد يملك زوجتين والحر يملك في الزوجتين ست طلقات فلم يجز أن يساويه العبد فيهن ووجب أن يكون مالكًا لنصفهن، وكان قياسه أن يملك ثلاث طلقات في الزوجين لكن لما لم يتبعض الطلاق فيصير مالكًا لطلقةً ونصف في كل واحدةً كما الكسر فصار مالكًا لأربع طلقات في الزوجتين، فكان هذا استدلالًا بأن يكون لنا دليل أشبه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن تزوج عبد بغير إذن سيده فالنكاح فاسد وعليه مهر مثلها إذا عتق".
الجزء: 9 - الصفحة: 191
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فقد عاهر" فإن تزوج بغير إذنه فقد ذكرنا بطلان نكاحه، وإن أبا حنيفة جعله موقوفًا على إجازةُ سيده وملك إمضائه وجعل لسيده استئناف فسخه وذكرنا من حال المهر أن ينكح بإذنه وغير إذنه ما أقنع، فأما إذا دعا العبد سيده إلى تزويجه فقد ذكرنا في إجبار السيد على إنكاحه قولين.
فلو أراد السيد إجبار عبده على التزويج فقد ذكرناه على قولين: فأما الأمةَ إذا أراد السيد إجبارها على التزوج فله ذلك قولًا واحدًا، ولو دعت الأمةَ السيد إلى تزويجها لم يجبر عليه إذا كانت تحل له، ولأنها فراش له لو استمتع بها فإن كانت ممن لا تحل له لكونها أخته أو خالته أو عمته من نسب أو رضاع فهل يجبر السيد على تزويجها إذا دعته إليه آم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في إجباره على تزويج العبد وهكذا لو كانت الأمة ملكاً لامرأة كان في إجبارها على تزويجها وجهان.
مسألة:
قال الشافعي: " فَإِنَّ أَذَّنَ لَهُ فَنَكُحُّ نكاحَا فَاسَدَا فِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما أَنَّه كإذنه لَهُ بالتجَارةً فَيُعْطِي مِنْ مَالِ إِنَّ كَانَ لَهُ وَإلّا فَمَتَى عتقَ والأخر كَالْضُّمَّانِ عَنْه فَيُلْزِمُهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِيه إلّا أَنْ يُفَدِّيَهُ ".
قال في الحاوي: وهذا مما ذكرناه وأن الفاسد من مناكح العبد هل تدخل في مطلق إذن السيد أم لا؟ على قولين وذكرنا من التفريع عليهما ما أجزأ والله أعلم بالصواب.
باب ما يحرم وما يحل من نكاح الحرائر ومن الإماء
مسألة:
قال لشافعي رحمه الله: "أصْلُ مَا يُحْرِمُ بِهِ النَّسَّاءَ ضَرَبَانَ أحدهما بأنساب والأخر بأسباب مِنْ حادِثِ نكاحِ أَوْ رَضّاعٍ".
قال في الحاوي؛ المحرمات من الماء ضربان ت
أحدهما: ضرب حرمت أعيانهن على التأبيد، وضرب حرم تحريم جمع فأما المحرمات الأعيان على التأييد فضربان: أحدهما: بأنساب.
والثاني: بأسباب.
فأما المحرمات بالأنساب فالتحريم طارئ عليهن وقد نص الله عليهما في كتابه فنص على تحريم أربع عشرةَ امرأةً: سع منهن حرمن بأنساب، سبع منهن حرمن بأسباب.
الجزء: 9 - الصفحة: 192
فأما السبع المحرمات بالأنساب فضربان:
ضرب حرمن برضاع وضرب حرمن بنكاح وهن المذكورات في قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: (23)] فذكر من المحرمات بالرضاع اثنتين ثم قال: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] وقال في آيةً أخرى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (22)] فذكر من المحرمات بالنكاح خمسا: أربع منهن تحريم تأييد وخامسةَ تحريم جمع، وهو الجمع بين الأختين فقدم الله تعالى ذكر السبع المحرمات بالأنساب لتغليظ حرمتهن وأن تحريمهن لم يتأخر عن وجودهن فأول من بدآ بذكرها الأم لأنها أغلظ حرمة فحرمها بقوله: ﴿ُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء; (23)] واختلف أصحابنا في هذا التحريم المنصوص عليه إلى هذا الوجه على وجهين:
أحدهما: وهو قول الأكثرين أنه متوجه إلى العقد والوطء معاً.
والثاني: أنه متوجه إلى العقد.
فأما الوطء فحرم بالعقل والأول من الوجهين أصح؛ لأن العقل لو أوجب تحريم وطئها لما منع آن يكون الشرع وارد به ومؤكدًا له وإذا حرمت الأم فكذلك أمهاتها وإن علون من قبل الأم كأم الأم وجدتها ومن قبل الأم كأم الأب وجداته لكن اختلف أصحابنا هل حرمن بالاسم أو بمعناه على وجهين:
أحدهما: حرمن بالاسم قال الشافعي: لأن كلا تسمى أماً.
فعلى هذا يكون اسم الأم منطلقاً على كل واحدةً منهن حقيقةً لغة وشرعا.
والوجه الثاني: حرمن لمعنى الاسم وهو وجود الولادةَ والعصبةَ فيهن فحرس كالأم لاشتراكهما في المعنى دون حقيقةَ الاسم ويكون انطلاق اسم الأم عليهن مجازاً في اللغة وحكماً في الشرع.
فلو أن رجلًا وطئ أنه يعقد آو غير عقد حد حدّ الزنا وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه وجعل العقد شبهةً في أدارئه عنه.
وهذا خطأ لأن النص المتطوع به يمنع من دخول الشبهةَ عليه لا خروجه من آن يكون نصاً قاطعاً.
والثاني: من المحرمات البنات فهن محرمات على الآباء وهل تناول النص فيهن تحريم العقد والوطء معاً أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين ثم كذلك بنات البنات والأبناء وإن سلفن ثم على ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: حرمن بالاسم قال الشافعي: لأن كلا يسمى بنتاً.
والثاني: بمعنى الاسم من وجود الولادةً والبغضيةً فلو أن رجلا وطئ بنته بعقد أو غير عقد حدّ، وأبرأ أبو حنيفة عنه الحد بالعقد.
والثالث: من المحرمات: الأخوات فنكاحهن حرام وسواء كانت أختاً لأب وأم
الجزء: 9 - الصفحة: 193
وأختاً لأب أو أختاً لأن وهي باسم الأخوات محرمات فلو وطئ رجل أخته نظر فإن كان بعقد نكاح حدّ وإن كان بملك يمين ففي وجوب حده قولان:
أحدهما: يحد كالنكاح.
والثاني: لا يحد لوطئه بالملك فإن حد لوطئه بالنكاح لارتفاع النكاح فزالت الشبهةً والملك ثابت فيها فثبتت شبهته، والأم تحد في وطئها بنكاح وملك لأن ملكها يزول بشرائها وملك الأخت لا يزول وإن لم يثبت عليها العقد ويلحق به ولدها وأن ضر وتصير الأخت به أم ولد وليس يلحق ولد مع وجوب الحد إلا في هذا الموضع، وهو إذا وطئ أخته من نسب أو رضاع فإن وطئ الذمي مسلمةً على ملكه كان في حدةِ قولان والولد لاحق به على القولين.
والرابع من المحرمات: وهو أخوات الأب وسواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم ثم عمات الأب والأم وعمات الأجداد والجدات كلهن محرمات كالعمات.
وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على وجهين فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والخامس من المحرمات: الخالات وهن أخوات الأم سواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم خالات الأب والأم ثم خالات الأجداد والجدات كلهن محرمات كالخالات وهل حرمن بالاسم أو بمعناه؟ على الوجهين فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والسادس من المحرمات: بنات الإخوةَ وسواء كان الإخوةً لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم ثم بنات بني الإخوةَ وبنات بنات الإخوةَ وإن سفلن كلهن محرمات كبنات الإخوةً وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين فإن وطئ واحدة منهن بعقد نكاح حد، وإن كان بملك يمين فعلى القولين.
والسابع من المحرمات: بنات الأخوات سواء كانت الأخوات لأب وأم أو لأب أو لأم وكلهن محرمات بالاسم وكذلك بنات بني الأخوات وإن سفلن كلهن محرمات كبنات الأخوات وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين والولد يلحق في هذه المواضع إذا كان الوطئ بملك يمين.
مسألة:
قال الشافعي: "وَمَا حَرَمَ مِنْ النِّسَبِ حَرَمَ مِنْ الرّضاعِ".
قال في الحاوي: وأما المحرمات بالرضاع فذكر الله تعالى اثنين: الأمهات والأخوات بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: (23)] فاحتمل أن
الجزء: 9 - الصفحة: 194
يكون التحريم بالرضاعةً مقصوراً عليها كما قال داود وقوفًا على النص واحتمل أن يكون متعديًا عنهما إلى غيرهما كذوات الأنساب ولما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يحرم من الرضاعةً ما يحرم من الولادةً".
وروي غيرها عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وجب إجراء الرضاع في التحريم على حكم النسب فيحرم بالرضاع سبع كما يحرم بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والحالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
وبيان ذلك أن المرأةً إذا أرضعت ولداً بلبن من زوج فالولد المرضع ابن لها وللزوج لأن اللبن حادث عنها بسبب ينتسب إلى الزوج فاقتضى أن يكون المرصع ابناً لها كالمولود منهما وإذا كان كذلك كانت المرضعةً أماً له وكان أمهاتها جداته من أم وآباؤها أجداده من أم وبناتها أخواتها من أم أخوتها أخواله من أم وأخواتها خالاته من أم وكان الزوج أباً له وآباؤه أجداده من أب وأمهاته جداته من أب، وبنوه إخوته من أب وإخوته من أب وأخواته أعمامه وأخواته عماته كذلك على ترتيب الأنساب فيكون على ما ذكرنا من الأحكام فتصير المحرمات بالرضاع سبعاً كما كان المحرمات بالأنساب سبعًا ويتنوع عليهن من ذكرنا من المفرعات على المناسبات فيكون أخت الأب من الرضاع عمته محرمةً سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وكذلك أخت الجد من الرضاع وآبائه محرمةً كالعمةً سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وهل يحرم باسم العمةً أو بمعناها على ما ذكرتا من الوجهين ويكون أخت الأم من الرضاع خالة محرمة سواء كانت أختا ينسب أو رضاع وكذلك أخت الجدةً وأمها كالخالةً في التحريم سواء كانت أختًا من نسب أو رضاع وهل يحرم باسم الخالةً أو بمعناها على ما مضى من الوجهين وعلى هذا يكون حكم سائر القرابات من الرضاع يحمل على حكم القرابات من النسب فلو وطئ الرجل أمه من الرضاع بعقد نكاح حن وإن كان بملك يمين فعلى قولين وفي الأم المناسبة يحذ قولًا واحدًا وإن كان ملكها؛ لأنها تعتق عليه بالملك فارتفعت شبهته بزوال الملك فحد، والأم المرضعةَ لا تعتق بالملك فكانت شبهته باقيةً مع بقاء الملك فلم يحد في أحد القولين وهكذا لو وطئ أخته من الرضاع أو خالته أو عمته من الرضاع بعقد حد وإن كان بملك يمين فعلى ضربين ما مضى من القولين والولد يلحق إذا كان وطئه لواحدةً من هؤلاء بملك يمين قولًا واحدًا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفناه من تحريم الرضاع بعدما قدمنا من التحريم بالنسب فقد مضى
الجزء: 9 - الصفحة: 195
(من) المنصوص على تحريمهن في الآيةً تسع: سبع عن النسب واثنتان من الرضاع وبقي من المنصوص على تحريمهن في الآية خمس حرمهن الله تعالى تحريم مصاهرةً يعقد نكاح وإحداهن: أم الزوجة بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والثانية: بنت الزوجةً وهي الربيبة بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والثالثة: زوجةَ الابن وهى حليلته بقوله تعالى: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: (23)].
والرابعة: زوجة الأب بقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (22)] وفيه تأويلان:
أحدهما: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الصحيح إلا ما قد سلف بالزنا والسفاح فإن كان نكاحهن حلالًا لأنهن لم يكن حائل.
والخامس: الجمع بين الأختين بقوله تعالى: ﴿وَان تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] فهؤلاء الخمس حرمن بالقرآن ثم جاءت السنة بتحريم اثنتين:
إحداهما: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها.
والثانية؛ تحريم الجمع بين المرأة وخالتها.
وسنذكر السنةُ الواردةَ فصار المحرمات بعقد النكاح في القرآن والسنة سبعًا كما كان المحرمات بالأنساب سبعًا وكما صار المحرمات بالرضاع سبعًا، وهؤلاء السبع المحرمات بعقد النكاح ينقسم حكمهن في التحريم ثلاثةً أقسام: قسم حرمن بالعقد تحريم تأبيد.
وقسم حرمن بالعقد تحريم جمع.
وقسم حرس تحريم جمع وبالدخول تحريم تأبيد.
فأما المحرمات بالعقد تحريم تأبيد فهن ثلاث:
إحداهن: أم الزوجة هي حرام عليه بالعقد على البنت سواء دخل بالبنت أم لا أقام معها أو فارقها قد صارت أمها حرامًا عليه أبدًا وكذلك أم الأم ومن علا من جداتها حرمن عليه على التأبيد وهل يحرمن بالاسم آو بمعناه على ما مضى من الوجهين، فإن وطئ واحد منهن بعقد حد لأن كان بملك يمين فعلى ما مضى من القولين.
والثانية: زوجة الأب محرمةً على الابن بعقد الأب عليها تحريم تأبيد سواء دخل الأب بها أم لا وكذلك زوجةً الجد ومن علا من الأجداد محرمةً عليه تحريم تأبيد وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على ما ذكرنا من الوجهين فإن وطئ واحدةً منهن بعقد حد وإن كان يملك يمين فعلى قولين.
روى عدي بن ثابت ص يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه مربى خالي ومعه لواء
الجزء: 9 - الصفحة: 196
فقلت: يا خالي أين تذهب؟ فقال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأةً أبيه آتيه برأسه.
والثالثة: زوجةَ الابن محرمةً على الأب لعقد الابن عليها تحريم تأييد سواء دخل بها الابن أم لا، وهي الحليلةَ، واختلف في تسميتها الحليلةً على ثلاثةَ أوجه: أحدها: أنها سميت حليلةً لأنها تحل للزوج.
والثاني: لأنها تحل في المكان الذي يحل به الزوج.
والثالث: لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه.
وإذا حرمت حليلةً الابن فكذلك حليلةً ابن الابن وإن سفل تحرم على الأب وإن علا وهل تحرم بالاسم أو بمعناه على ما مضى من الوجهين فإن وطئ واحدةً منهن بعقد حد وإن كان بملك يمين فعلى ما مضى من القولين.
فإن كان الابن قد وطئها بملك اليمين والأب قد وطئها بالزوجيةً حد قولًا واحدًا وأما القولان إن كان الأب قد وطئها الزوجيةً والابن قد وطئها بملك اليمين فيصور الفرق بينهما في الحكم بحدّه، فلزمهما في المعنى.
وأما المحرمات بالعقد تحريم جمع منهن ثلاث:
إحداهن: الجمع بين الأختين فإذا عقد على امرأةً حرم عليه أختها وسواء كانت الأخت للأب والأم أو للأب أو للأم فإذا فارق التي تزوجها منهما حل له أختها.
والثانية: الجمع بين المرآةً وعمتها كالجمع بين الأختين وكذلك الجمع بين المرأة وعمةَ أبيها وجدها وعمةَ أمها وجدتها ثم على ما ذكرنا ومن تحريمهما بالاسم أو بمعناهما.
والثالثة: الجمع بين المرأة وخالتها وكذلك تحريم الجمع بينهما وبين خالة أمها وجداتها وخالة أبيها وأجدادها نم على ما ذكرنا من تحريمهما بالاسم أو بمعناه.
وأما المحرمات بالعقد تحريم عقد وبالدخول تحريم تأبيد فجنس واحد وهن الربائب.
والربيبةً بما الأخت فإذا عقد على امرأةً حرمت عليه ابنتها تحريم جمع فإذا دخل الأم حرمت عليه ابنتها تحريم تأبيد وكذلك بنت بنتها وبنت ابنها وإن سفلت تحرم بالعقد تحريم جمع وبالدخول تحريم تأبيد ثم على ما ذكرنا من تحريمها بالاسم أو بمعناه.
فإن قيل: لماذا حرمتم بنت الربيبةَ كالربيبةً؟ فهلا حرمتم بتت حليلةً الابن كالحليلةً؟
قلنا: لا تحرم والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن بنت الربيبةً ينطلق عليها اسم الربيبة فحرمت كالربيبةً وبنت الحليلةً لا يطلق عليها اسم الحليلةً فلم تحرم.
والثاني: هو أن الأصل في المعنى المعتبر في تحريم المصاهرةً إنما هو يصير الزوج الواحد قد جمع بين ذي نسبين كحليلة الابن مع الأب وهذا المعنى موجود في بنت الربيبةً
الجزء: 9 - الصفحة: 197
فحرمت كالربيبةً وهو غير موجود في بنت الحليلةً لأنه لم يجمع الواحد ذات نسبين ولا اجتمع في الواحدة ذو نسبين فلم يحرم والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: " وَحُرَمُ اللهِ تَعَالَى الْجُمْعُ بَيْنَ الأختين ".
قال في الحاوي: أما الجمع بين الأختين فحرام بنص الكتاب وإجماع الأئمةُ وأما الجمع بينهما بملك اليمين وإن جمع بينهما في الملك بالشراء جاز إذا لم يجمع بينهما في الاستمتاع لأن المقصود بالملك التحول دون الاستمتاع، ولذلك جاز أن يملك من لا يحل له وطئها من أخواته وعماته وخالف عقد النكاح الذي مقصوده الاستماع ولذلك لم يجز أن يتزوج من لا تحل له من أخت وعمةُ فلذلك بطل الجمع بينهما في النكاح ولم يبطل الجمع بينهما في الملك فأما إذا أراد أن بجمع بين الأختين بملك اليمين في الاستمتاع فيطأ كل واحدة منهما لم يجز وهو قول عامة الصحابةَ والتابعين والفقهاء.
وقال داود: يجوز الجمع بينهما في الاستمتاع وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وربما أضيف إلى عثمان بن عفان واستدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿أوّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] ولم يشترط في ملك اليمين تحريم الجمع بين أختين وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (3)] فأطلق ملك أليمين وكان على عمومه ثم قال: ولأن تحريم النكاح نوعان: تحريم عدد، وتحريم جمع.
فأما العدد فهو تحريم الزيادةً على الأربع وأما تحريم الجمع فهو الجمع بين الأختين فلما لم يعتبر في ملك اليمين وتحريم العدد وجاز أن يجمع أي عدد شاء من الإماء وجب أن لا يعتبر تحريم الجمع ويجوز أن يستمتع بأختين.
داود: ولأن الجمع بينهما في الاستمتاع غير ممكن لأنه لا يقدر إلا أن يطأ إحداهما بعد الأخرى والجمع بينهما في النكاح ممكن فلذلك حل الجمع بينهما في الاستمتاع بالملك لتعذره وحرم في النكاح لإمكانه وهذا خطأ.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: (23)] ولم يفرق بين تحريمها بنكاح أو ملك ولأن تحريم الجمع بينهما بملك اليمين مستفيض في الصحابة كالإجماع.
روى مالك عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلا دخل على عثمان بن عفان فسأله عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال عثمان: أحكهما آيةً وحرمتهما آيةً والتحريم أولى فخرج السائل فلقي رجلا من الصحابةً فسأله عن ذلك فقال: لو كان من الأمر شيء ثم وجدت رجلًا يفعل هذا لجعلته نكالًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 198
قال مالك: قال الزهري أراه علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن مسعود وعائشةً وعمار من غير أن يظهر خلاف فصار إجماعًا ولأن التحريم ضربان: تحريم تأبيد لتحريم أمهات الموطوءة وبناتها وتحريم جمع كتحريم أخوات الموطوءةً وعماتها فلما كان تحريم التأييد معتبرًا في وطء الإماء كالنكاح وجب بأن يكون تحريم الجمع معتبرًا في وطئهن كالنكاح ولأن ثبوت الفراش بالوطء أقوى من ثبوته بالعقد لأنه يثبت في فاسد الوطء إذا كان عن شبهه كما ثبت في فاسد العقد وإن ثبت في صحيحةُ فلما ثبت تحريم الجمع في العقد كان تحريمه في الوطء أولى؛ ولأن تحريم الجمع في النكاح إنما كان ليدفع به تواصل ذوي الأرحام فلا يتقاطعون لأن الضرائر من النساء متقاطعات وهذا المعنى موجود في الأختين اليمين كوجوده فيهما بعقد النكاح فوجب أن يستويا في التحريم.
فأما الاستدلال بعموم الآيتين فقد حضه قوله تعالى: ﴿وَأن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: (23)] وأما قوله إن تحريم العدد لما حرم بالنكاح كذلك تحريم الجمع: فالجواب عنه أن تحريم العدد إنما ثبت في الزوجات خوفًا من الجور فيما يجب لهم من النفقةً والكسوةً والقسم وهذا معدوم في الإماء لأن نفقاتهن وكسوتهن في أكسابهن ولا قسم لهن فأمن الجور فافترقا في تحريم العدد وهما في المعنى الذي أوجب تحريم الجمع سواء؛ لأن خوف التقاطع والتباغض والتحاسد وهذا موجود في الإماء كوجوده في الزوجات فاستويا في تحريم الجمع لاشتراكهما في معناه وان افترقا في تحريم العدد لافتراقهما في معناه وأما قول داود: إن الجمع بينهما في الوطء غير ممكن، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد يمكن الجمع بينهما في الاستمتاع بأن يضاجعهما معًا ويلمسهما وهذا محرم في الأختين.
والثاني: أنه قد ينطلق اسم الجمع على فعل الشيء بعد الشيء كالجمع بين الصلاتين كذلك بين الوطئين فيكون الجمع جمعين جمع متابعة وجمع مقارنةً.
والثالث: أن الصحابة قد جعلته من معنى الجمع ما نهت عنه ولم تجعله مستحيلًا.
فصل:
فإذا تقرر تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين كتحريمه بعقد النكاح فملك أختين كان له أن يستمتع بأيهما شاء فإذا استمتع بواحدةً منهما حرمت عليه الأخرى ما كان على استمتاعه بالأولى حتى يحرمها عليه بأحد خمسةُ أشياء: إما أن يبيعها، وإما أن يهبها، وإما أن يعتقها، وإما أن يزوجها، وإما أن يكاتبها فتصير بأحد هذه الخمسةُ الأشياء محرمةُ عليه فيحل له حينئذ أن يستمتع بها بالثانية وتصير الأولى إن عادت إلى إباحته محرمةً عليه أن يستمتع بها حتى تحرم الثانية بأحد ذكرنا من الأشياء الخمسة، وحكي عن قتادةَ أنه عزم على أن لا يطأ التي وطئ حلت له الأخرى وهذا خطأ لأن التحريم يقع بأسبابه لا بالعزم عليه وقد يحرم عليه بسببين آخرين ليسا من فعله وهما: الرضاعةَ والردةً فأما التدبير: فلا
الجزء: 9 - الصفحة: 199
يحرم ثم إذا أخرج الثانيةً بأحد ما ذكر عادت الأولى إلى إباحتها وحل له الاستمتاع بها فلو أنه حين استمتع بالأولى استمتع بالثانيةً قبل تحريم الأولى عليه كان بوطء، والثانيةً عاصيًا ولم تحرم الأولى عليه بمعصية الوطء الثانية.
قال الشافعي: وأحب أن يمسك عن وطء الأولى حتى يستبرأ الثانية لأن لا يجمع ماؤه في أختين فإن ووطئها قبل استبراء الثانيةً جاز وإن أساء.
مسألة:
قال الشافعي: وَنُهًى رَسُولِ اللهِ "صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ أَنْ تَنْكَحَ المرأةً عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتَهَا، وَنُهًى عُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَنْ اِلْأَمْ وَاِبْنَتَهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَالَ اِبْنِ عُمَرِ: وُدِدْتِ أَنْ عُمَرِ كَانَ فِي ذَلِكَ أَشَدِّ مِمَّا هُوَ، وَنَهَتْ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةٍ، وَقَالَ عثمان فِي جُمْعِ الأختين: أَمَا أَنَا فَلَا أَحُبَّ أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلِ مِنْ أَصِحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ-: لَوْ كَانَ إِلَي مِنْ الأمر شَيْءَ ثَمَّ وَجَدَتْ رَجَّلَا يُفَعِّلُ ذَلِكَ لِجَعَلَتْهُ نَكَالَا، قَالَ الزَّهْرِيِ أَرَّاهُ عَلَي بنَ أَبِي طَالِبَ."
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الجمع بين المرأةُ وعمتها وبين المرأةً وخالتها حرام بعقد النكاح وملك اليمين كالجمع بين أختين وهو قول الجمهور.
وحكي عن الخوارج وعثمان البتي أنه لا يحرم الجمع بينهما في نكاح ولا ملك معه وحرم داود الجمع بينهما في النكاح دون ملك اليمين فأما داود فقد مضى الكلام معه في الجمع بعد الأختين وأما البتي والخوارج فاستدلوا بأن تحريم المناكح مأخوذ من نص الكتاب دون السنةً ولم يرد الكتاب بذلك فلم يحرم وهذا خطأ لأن كل ما جاءت به السنة يجب العمل به كما يلزم بما جاء به لكتاب.
قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى﴾ [لنجم: (3) - (24)] وقد جاءت السنةُ بما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يجمع بين المرأةَ وعمتها ولا بين المرأة وخالتها".
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنكح المرأةً على عمتها ولا العمةً على بنت أخيها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا الخالةَ على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى".
وهذان الحديثان نص والثاني أكمل وهما وإن كانا خبرًا واحدًا فقد تلقته الأمةً القبول وعمل به، الجمهور فصار بأخبار التواتر أشبه فلزم الخوارج العمل به وإن لم يلتزموا أخبار الآحاد؛ ولأن الأختين يحرم الجمع بينهما لأن إحداهما لو كان رجلًا حرم عليه نكاح أخته كذلك المرأةً وخالتها وعمتها يحرم الجمع بينها لأنه لو كان إحداهما رجلًا حرم عمته وخالته.
الجزء: 9 - الصفحة: 200
فأما الجمع بين المرأةً وبين بنت عمتها أو بينهما وبين بنت عمها فيجوز وكذلك الجمع بين المرأةَ وبنت خالتها أو بينهما وبين بنت خالتها فيجوز؛ لأن إحداهما لو كان رجلًا لجاز آن يتزوج بنت عمه وبنت عمته وبنت خاله وبنت خالته وهذا هو أصل في تحريم الجمع وإحلاله بين ذوات الأنساب وبهذا المعنى حرمنا عليه الجمع بين المرأةَ وعمةُ أبيهما وعمةُ أمها وبينهما وبين خالةَ أبيها وخالةَ أمها؛ لأن أحدهما لو كان رجلًا حرم عليه نكاح الأخرى، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: " فَإذاً تَزَوُّجَ امرأة ثَمَّ تَزَوُّجَ عَلَيهَا أُخَتْهَا أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَإِنَّ بَعَّدَتْ فَنِكَاحَهَا مفسوخ دَخَلَ أَوْ لَمْ يُدْخَلْ وَنِكَاحَ الأولى ثَابِتَ وَتَحِلُ كُلَّ واحدَةً مِنْهُمَا عَلَى الْاِنْفِرادِ وَإِنَّ نَكَحَهَا مَعَّا فَالنِّكَاحَ مفسوخ "
قال في الحاوي: اعلم أن الجمع بين مناكح ذوات الأنساب ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم يوجب تحريم المصاهرةً على التأبيد وقسم يوجب تحريم المصاهرةً في الجمع لا على التأبيد وقسم إباحةُ لا يوجب التأبيد ولا تحريم الجمع.
فأما القسم الأول: وهو تحريم التأبيد ففي أنساب البغضيةً والولادةً كالمرأةَ في تحريم أمهاتها وبناتها عليه يحرمن على الأبد.
وأما القسم الثاني: وهو تحريم الجمع في حال العقد ممن غير تحريم على التأبيد ففيما تجاوز الولادةً واتصل بها من ذوات المحارم كالجمع بين الأخوات والحالات والعمات لما تزلن عن درجةُ الأمهات والبنات في التعصيب لم يحرمن على التأبيد ولما شاركتهن في المحرم حرمن تحريم الجمع.
وأما القسم الثالث: وهو من لا يحرمن على التأبيد ولا على وجه الجمع فمن عدا الفرقين من بنات الأعمام والعمات، وبنات الأخوال والحالات لما نزلن عن الدرجتين ولم يكن لهن بعصبةُ الأمهات والبنات ولا محرم العمات والحالات لم يتعلق عليهن واحد من حكم التحريم لا التأبيد ولا الجمع، وجاز للرجال أن يجمع بين أرع منهن وإن تناسبن لبعد النسب وخلوه من معنى أحد التحريمين.
فصل:
فإذا تقررت هذه المقدمةً وأن تحريم الجمع يختص به ذوات المحارم من نسب أو رضاع كالأخوات والعمات والخالات فنكح الرجل أختين أو امرأةً وخالتها وعمتها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعقد عليهما معًا في عقد واحد فنكاحهما باطل؛ لأنه لما حرم الجمع
الجزء: 9 - الصفحة: 201
بينهما ولم يتعين المختصةَ بالصحةَ منهما وجب بطلان العقد عليهما لتساويهما وسواء دخل بأحدها أو لم يدخل وهو بالخيار بين أن يستأنف العقد على أيهما شاء فإن عقد على التي دخل بها سقط ما عليها من عدةً إصابتها وإن عقد على غير المدخول بها صح عقدهِ ويستبح أن يمسك عن إصابتها حتى تنقضي عدةَ أختها من إصابتهِ لئلا يجتمع ماؤه في أختين.
والثاني: أن يعقد عليهما ثانيةً بعد أولى فنكاح الأولى ثابت ونكاح الثانيةُ باطل لاستقرار العقد على الأولى قبل الجمع فلو شك في آيتهما نكح أولًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يطرأ الشك بعد تقدم اليقين فنكاحهما موقوف وإحداهما زوجةً مجهولةً العين والأخرى أجنبيةً وكل واحدةً منهما ممنوعةً منه ومن غيره من الأزواج حتى يبين أمرها فإن صرح بطلاق إحداهما حلت لغيره وكان تحريمها عليه بحالةً والأخرى على التحريم فإن استأنف عليها عقدًا حلت له.
والثاني: أن يكون الشك مع ابتداء العقد لم يتقدمه يقين فنكاحها باطل لا يوفق على البيان لعدمه وهل يفتقر بطلانه إلى فسخ الحاكم أم لا؟ وجهين:
أحدهما: يفتقر ويكون الإشكال والاشتباه باطلًا لأن ما لم يتميز إباحته من الحظر غلب عليه حكم الحظر.
والثاني: أنه لا يصح إلا بحكم حاكم؛ لأن العلم محيط بأن فيهما زوجةً فلم يكن الجهل بها موجباً لفسخ نكاحها حتى يتولاه من له في فسخ النكاح وهو الحاكم.
فصل:
فإذا عقد الرجل على امرأةً نكاحًا فاسدًا ثم تزوج عليها أختها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعلم بفساد العقد الأول فتكون نكاح الثانيةُ جائزًا سواء علم أنها أخت الأولى وقت العقد أو لم يعلم.
والثاني: أن لا يعلم بفساد النكاح في حين يعقد على انتهاء فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يعلم وقت عقده على الثانيةُ إنها أخت الأولى فيكون نكاحها جائزًا؛ لأنه لم يفترق بعقده منع.
والثاني: أن يعلم وقت عقده على الثانيةً أيهما أخت الأولى ولا يعلم بفساد نكاح الأولى حتى يعقد على الثانيةً نكاح الثانيةً باطل؛ لأنه أقدم على نكاح وهو ممنوع منه في الظاهر فجرى عليه حكم الحظر في الفساد والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَإِنَّ تَزَوجَ امرأةً، ثُم طَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخَلَ بِهَا، لَمْ تَحِلْ لَهُ؛ لأنّها
الجزء: 9 - الصفحة: 202
مُبْهَمَةُ وَحِلَتْ لَهُ اِبْنَتَهَا لِأَنَّهَا مِنْ الرَّبَائِبِ، وَإِنَّ دَخَلَ بِهَا لَمْ تَحِلْ لَهُ أَمَهَا، وَلَا اِبْنَتَهَا أَبَدًا."
قال في الحاوي: أما الربائب فقد ذكرنا أنهن بنات الزوجات إحداهن ربيبةً وفي تسميتها بذلك وجهان:
إحداهما: لأنه تكون في الأغلب في تربيتهُ وكفالتهُ.
والثاني: لأنها ترب الدار أي تديرها وتعنى بها فإذا تزوج الرجل امرأةً حرم عليه بالعقد عليها ثلاثةً أصناف من مناسبها: صنف أعلى وهى الأمهات، وصنف أدنى وهن البنات، وصنف مشاركان وهن الأخوات والعمات والحالات فكلهن محرمات عليه ما كان العقد عليها باقيًا فإذا ارتفع عنها بموت أو طلاق أو فسخ انقسمت أحوال هؤلاء محرمات ثلاثةَ أقسام:
قسم يحللن له بعد ارتفاع العقد عن زوجته سواء دخل بها أم لا وهن الأخوات والعمات والحالات؛ لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأييد.
وقسم ثانٍ: لا يحللن له وإن ارتفع العقد عن زوجته سواء دخل بها أم لا وهن الأمهات لأنهن يحرمن بالعقد تحريم تأييد.
وقسم ثالث: يحللن بعد ارتفاع العقد عن زوجته إن لم يكن قد دخل بها ويحرمن عليه إن كان قد دخل بها وهن البنات لأنهن يحرمن بالعقد تحريم جمع وبالدخول تحريم تأيد بخلاف الأمهات المحرمات بالعقد تحريم تأبيد وهو قول جمهور الصحابةً والتابعين والفقهاء.
وحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ومجاهد أن الأمهات كالبنات الربائب لا يحرمن إلا بالدخول وحكي عن زيد بن ثابت أنه أن طلق الزوجةَ لم تحرم الأم إلا بالدخول كالربيبةً، وإن ماتت حرمت الأم وإن لم يدخل بها بخلاف الربيبة؛ لأن الموت في كمال المهر كالمدخول واستدلالًا في إلحاق ابنتها بالربائب في تحريمهن بالدخول بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: (23)] فذكر جنسين هما: الأمهات والربائب ثم عطف عليهما اشتراط الدخول في التحريم فاقتضى أن يكون راجعًا إلى المذكورين معًا ولا يختص بالرجوع إلى أحدهما وهو للشافعي ألزم لأنه يقول: إن الشرط والكتابة والاستثناء إذا تعقب جملةً رجع إلى جميعها ولم يختص بأقرب المذكورين منها كما لو قال رجل: امرأتي طالق وعبدي حر، والله لا دخلت الداران شاء الله كان الاستثناء بمشيئة الله راجعًا إلى الطلاق والعتق واليمين، ولم يختص عنده برجوعه إلى اليمين كذلك يلزمه أن لا يجعل اشتراط الدخول راجعًا إلى الربائب دون الأمهات حتى يكون راجعًا إليهما معا.
والدليل على صحةَ ما ذهبنا إليه والجماعةً من اشتراط الدخول في الربائب دون الأمهات قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] فكان الدليل من هذه الآيةً على أن شرط الدخول عائد إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 203
الربائب دون الأمهات من خمسةً أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] وليست أم الزوجةً منها وإنما الربيبةً منها فدل على أن الدخول مشروط في الربيبةً لأنها من الزوجةً دون الأم التي ليست من الزوجةً.
والثاني: هو ما ذكره سيبويه أن الشرط والاستثناء إنما يجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، إذا حسن أن يعود إلى كل واحد منهما على الانفراد وإن لم يحسن لم يعد إلى الأقرب وهو لو قال: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لم يحسن فلم يعد إليه.
والثالث: وهو ما قاله المبرد: أنه إذا اختلف العامل في إعراب الجملتين لم يعد الشرط إليهما وعاد إلى أقربهما وإن لم يختلف العامل في إعرابهما عاد إليهما والعامل هاهنا في إعراب الجملتين مختلف فذكر النساء مع الأمهات مجرور بالإضافة لقوله: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وذكر النساء من الربائب مجرور بحرف الجر وهو قوله: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ فلما اختلف عامل الجر في الموضعين لم يجز أن يعود الشرط إلهما وعاد إلى أقربهما.
والرابع: أن الأمر قد تقدمها مطلق وتعفيها مشروط فكان إلحاقها بالمطلق المتقدم أولى من إلحاقها بالمشروط المتأخر.
والخامس: أن المطلق أعم والمشروط أخص فكان إلحاق المبهم بالمطلق الأعم أولى من إلحاقه بالمشروط الأخص ويدل عليه من طريق السنة ما رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نكح الرجل امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه ابنتها".
وروى الأوزاعي عن عمرو بن شيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تزوج الرجل امرأةً ثم ماتت قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه بنتها" وهذا نص ولأن في الأمهات من الرقةَ والمحبةً لبناتهن ما ليس في البنات لأمهاتهن.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله ما لنا نرق على أولادنا ولا يرقون علينا؟ قال: "لأننا ولدناهم ولم يلدونا" فلما كانت الأم أكم رقة وحبًا لم تنفس على بنتها بعدول الزوج إليها فجاز أن يكون الدخول بالأم مشروطًا في تحريم البنت لأنها ربما رضيت بالزوج بعد دخوله بها ما لم تضمن به قبله وليس كذلك البنت لأنها لما كانت أقل رقةً وحبًا نفست على أمها بعدول الزوج إليها فأفضى إلى القطيعة
الجزء: 9 - الصفحة: 204
والعقوق قبل الدخول كإفضائه بعده فلم يجعل الدخول شرطًا.
فأما الآيةً فقد ذكرنا وجه دلائلنا معها وإنما الاستشهاد بعود الاستثناء إلى ما تقدم من الطلاق والعتق واليمين فلأن يصح أن يرجع الاستثناء إلى كل واحد من الجملةً المتقدمةً فجاز مع الإطلاق أن يرجع إلى جميعها وليس كذلك هاهنا لما بيناه.
فصل:
فإذا ثبت أن تحريم الأم على الإطلاق وتحريم الربيبةً مشروط بالدخول فقد اختلف الناس في الدخول الذي تحرم به الربيبةُ.
فقال أبو حنيفة: هو النظر إلى فرج الأم بشهوةً فتحرم به الربيبةً وقال عطاء وحماد: هو التعيش والعقود بين الرجلين.
وقال الشافعي: إن الدخول الذي تحرم به الربيبةً يكون بالمباشرةً وله فيه قولان:
أحدهما: أن الوطء في الفرج.
والثاني: أنها القبلةَ والملامسةً بشهوةً وإن لم يطأ.
واستدل أبو حنيفة: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر في فرج امرأة وابنتها" قال: ولأنه تفرع استمتاع فجاز أن يتعلق به تحريم المصاهرة كالوطء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: (23)] ولا ينطلق اسم الدخول إلا على المباشرةً دون النظر ولأنه استمتاع لا يوجب الغسل فلم يوجب تحريم المصاهرةَ كالنظر إلى وجهها ولأن النظر إلى الوجه والبدن أبلغ في اللذةً والاستمتاع من النظر إلى الفرج فإذا كان لا يحرم فما دونه أولى فأما الخبر فروايةَ حفص بن غياث عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمةَ عن عبد الله موقوفًا وعلى أنه محمول على الوطء فكنى عنه بالنظر إلى الفرج.
وأما قياسهم فمنتقض بالنظر إلى الوجه ثم المعنى في الأصل أنه يوجب الغسل.
فصل:
فإذا تقرر تحريم الربائب بالدخول على ما وصفنا فلا فرق بين أن يكون في تربيته وحجره أم لا وهو قول الجمهور من الصحابةً والتابعين والفقهاء.
وقال داود: إنما تحرم عليه إذا كان في تربيته وحجره وحكاه مالك عن أوس عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ فعلق تحريم الربائب بشرطين:
أحدهما: أن يكون في حجره.
الجزء: 9 - الصفحة: 205
والثاني: أن يكون قد دخل بأمها فوجب أن يعتبر في تحريمها.
ودليلنا هو أن علةُ التحريم هو ومع التنافس المؤدي إلى التقاطع والتباغض وليس للحجر في هذا المعنى تأثير فلم يكن له اعتبار؛ ولأن الحجر غير معتبر في الشرع في إباحةُ ولا حظر ألا تراه غير مؤثر في تحريم حلائل الأبناء ولا إباحةُ بنات العم فكذلك في الربائب وليس ذكر الحجر في الربائب شرطًا وإنما ذكر لأنه الأغلب من أحوال الربائب إنهن في حجر أزواج الأمهات نمار ذكره تغليبًا للصفةً لا شرطًا في الحكم كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرةَ: (187)] والصائم لا يجوز له وطء زوجته وإن كانت في غير مسجد وإنما ذكر المسجد على طريق الأغلب من أحواله.
فصل:
فأما قول الشافعي: "ولم تحل له أمها لأنها مبهمة" ففيه قولان:
أحدهما: يعني مرسلةَ بغير شرط وقد روي عن ابن عباس أنه قال فيها: أبهموا ما أبهم القران.
والثاني: أن المبهمةً المحرمةً في كل أحوالها فلا يكون لها إلا حكم واحد من قولهم فرس بهم إذا لم يكن فيه شيةَ تخالف شيةَ وكان بعض أهل اللغةَ يذهب إلى تأويل ثالث: هو أن المبهمةً المشكلة؛ وهذا ليس بصحيح لأن حكم الأم غير مشكل.
مسالة:
قال الشافعي: "وان وَطْءَ أَمْتَهُ لَمْ يَحِلْ لَهُ أَمَهَا وَلَا اِبْنَتَهَا أَبَدًا وَلَا يَطَأُ أُخَتْهَا وَلَا عَمَّتَهَا وَلَا خَالَتَهَا حَتَّى يَحْرِمَهَا "
قال في الحاوي: أعلم أن كل ما حرم عليه بالعقد على الزوجة حرم بوطء الأمةً لا بملكها لأن الأمةَ لا تصير فراشًا إلا بالوطء دون الملك فإذا ملك أمةً لم يتعلق بملكها تحريم أحد من ذوي أنسابها فلم يحرم على أحد من ذوي أنساب سيدها فإذا وطئها تعلق بوطئها تحريم المصاهرةً كما تعلق بالعقد على الزوجةً فيحرم عليه أمها وأمهات أمها من آبائها وإن علون ويحرم عليه بناتها وبنات أولادها وإن سفلن.
ويحرم على ابنه وحده وإن علا وعلى ابنه وابن ابنه وإن سفل وهذا التحريم في هذه الوجوه الأربعةً مؤبد ويحرم عليه أختها وخالتها وعمتها وبنت أخيها وبنت أختها وهذا التحريم في هؤلاء الخمس تحريم الجمع لا تحريم تأبيد ما كان على استمتاعه بأمته حرمها على نفسه بأحد ما قدمناه ذكره من الأشياء الخمسةً من بيع أو هبةً، أو تزويج، أو عتق، أو كتابة حل له حينئذٍ من شاء من هؤلاء الخمس اللاتي حرمن عليه تحريم جمع أن يستبيحها بعقد نكاح أو ملك يمين وإن استباحها قبل تحريم الأولى، فإن كان بعقد نكاح كان باطلًا وحدّ إن وطئها عالمًا وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 206
كان بملك يمين لم يحد وإن علم.
والفرق بينهما أن الزوجةً يستباح وطئها بالعقد وقد بطل توجب فيه الحد والأمةً يستباح وطئها بالملك والملك لم يبطل فلم يجب بالوطء فيه حد وخالف وطئ أخته بالملك في وجوب الحد على أحد القولين مع ثبوت الملك، لأن تحريم وطء أخته مؤبد وتحريم وطء أمتهِ لعارض يزول ولا تأبد فافترق حكم تحريمها فلذلك افترق وجوب الحد فيهما هذا كله إذا كان وطء أمته في الفرج فأما إن كان وطئها دون الفرج أو قبلها أو لمسها فهل يتعلق به ما ذكرنا من تحريم المصاهرةً أم لا؟ على قولين كما ذكرنا في تحريم الربيبةً:
أحدهما: لا يتعلق به تحريم المصاهرةً فعلى هذا يحل له أمهاتها وبناتها وتحل لآبائه وأبنائه.
والثاني: قد تعلق به تحريم المصاهرةً كما لو وطء في الفرج فعلى هذا يحرم عليه أمهاتها وبناتها ويحرم على آبائه وأبنائه.
فأما إن نظر إليها بشهوةً أو لمسها من وراء ثوب بشهوةً أو غير شهوةً أو ضاجعها غير مباشر بشيء من جسده إلى شيء من جدها مريدًا لوطئها أو غير مريد لم يتعلق بذلك تحريم ما لم يكن أفضى بمباشرةُ الجسدين، وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن من جرد أمته ولم يطأها حرمت عليه أمها وبنتها وهذا ليس بصحيح: لأنه عزم والعزم ليس يفعل فلا يتعلق به حكم الفعل.
فصل:
وإن وطئ الرجل امرأةً بشبهةَ نكاح أو ملك ثبت به تحريم المصاهرةً فحرمت عليه أمهاتها وبناتها وحرمت عليه آبائه ولا يحرم عليه أخواتها وعماتها وخالاتها؛ لأن تحريم أولئك تحريم تأبيد وتحريم أولئك تحريم الجمع والموطوءة بشبهةً محرمةً فلم يحصل الجمع ثم هل يصير هذا الوطء محرمًا لأمهات هذه الموطوءة لبناتها وهل يصير آباؤه وأبناؤها محرمًا لها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: قاله في القديم أن يثبت بالمحرم كما يثبت به التحريم.
والثاني: نص عليه في "الإملاء" أنه لا يثبت به المحرم وإن ثبت به التحريم لأنه تعلق به التحريم تغليظًا فاقتضى أن ينفي عنه المحرم تغليظًا.
مسالة:
قال الشافعي: "فَإِنَّ وَطْءَ أُخَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ اِجْتَنَبَ الَّتِي وَطْءَ أَخَّرَاً وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَجْتَنِبَ الْوَلِيُّ حَتَّى يَسْتَبْرِئ الآخِرةَ"
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وطئ أمته ثم وطئ أختها بالملك قبل تحريم
الجزء: 9 - الصفحة: 207
تلك فلا حد عليه وإن جاءت بولد لحق به وتكون الأولى على إباحتها.
والثانيةً على تحريمها لأنه وطئها حراما فلم تحل به الثانية ولم تحرم به الأولى وعليه أن يجتنب الثانية لتحريمها وتستحب أن يجتنب الأولى حتى تستبراء الثانية نفسها كلا يجتمع ماؤه في أختين، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي:" فإذا اجتمع النكاح وملك اليمين في أختين، أو أمة وعمتها أو خالتها، فالنكاح ثابت لا يفسخه ملك اليمين، كان قبل أو بعد، وحرم بملك اليمين: لأن النكاح يثبت حقوقا له وعليه، ولو نكحهما معا انفسخ نكاحهما، ولو اشتراهما معا ثبت ملكهما، ولا ينكح أخت امرأته ويشتريها على امرأته، ولا يملك امرأته غيره، ويملك أمته غيره، فهذا من الفرق بينهما".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في الجمع بين أختين بعد نكاح في الجمع بينهما بملك اليمين فأما إن جمع بينهما في أن عقد على أحدهما نكاحا واستمع بالأخرى بملك اليمين فهو حرام؛ لأنه جمع بين أختين وإن اختلف سبب الجمع بينهما؛ وإذا كان كذلك لم نجد من أن يتقدم عقد النكاح على الاستمتاع بملك اليمين أو يتأخر عنه فإن عقد النكاح ثم استمع بها بعده فالحكم في الحالتين سواء إذا كان الاستمتاع بعد عقد النكاح سواء تقدم الملك قبل العقد أو تجدد بعده فالنكاح ثابت ووطوءه للأخت محرم.
ولا تأثير له في العقد المتقدم لاستقراره قبل الوطء المحرم وإن تقدم الاستمتاع على النكاح كأن ملك أمةً استمتع بها ثم تزوج عليها أختها قبل تحريمها.
فمذهب الشافعي: أن النكاح ثابت وإن تأخر كثبوته لو تقدم ويحرم به الموطوءة بملك اليمين وقال مالك؛ النكاح باطل والموطوءة بملك اليمين حلالًا استدلالًا بأن الأمة قد صارت بالوطء فراشًا كما تصير بعد النكاح فراشًا وحرم دخول أختها عليها في الحالين فلما كان ولو صارت فراشاً بالعقد بطل نكاح أختها عليها ووجب إذا جاءت فراشًا بالملك أن يبطل نكاح أختها عليها لكونها في الحالين فراشًا.
ودليلنا هو أن الفراش بعقد النكاح أقوى منه بملك اليمين لأربعةً معانٍ:
أحدهما: أن فراش المنكوحةً ثبت بثبوت العقد ولا يثبت فراش الأمةً بثبوت الملك
والملك قد يرتفع فراش الأمةً باستبرائها مع بقاء المالك ولا يرتفع فراش المنكوحةً مع بقاء العدةً.
الثاني: ......
والثالث: أن فراش المنكوحة ثبت حقًا لها وعليها من طلاق وظهار وإيلاء ولعان
الجزء: 9 - الصفحة: 208
ولا يثبتها فراش الملك.
والرابع: أنه قد يصح أن يملك أمته غيره ولا يصح أن يملك زوجته غيره وإذا كان فراش النكاح أقوى من فراش الملك بما ذكرنا من هذه المعاني الأربعةً وجب إذا اجتمع الأقوى الأضعف أن يكون حكم الأقوى أثبت سواء تقدم أو تأخر كما لو اجتمع عقد نكاح وعقد ملك بأن تزوج ثم اشتراها بطل عقد النكاح بعد الملك؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح وإن فراش النكاح أقوى من فراش الملك، ولأن عقد الملك على المنفعةً والرقبةً وعقد النكاح على المنفعةً دون الرقبةً فلما غلب في العقدين أقواهما وهو الملك وجب أن يغلب في الفرشين أقواهما وهو النكاح وإنما يراعى الأسبق فيما استوت قوته وضعفه كعقدي نكاح أو فراش ملك فبطل ما استدل به مالك.
فصل:
فإذا ثبت جواز النكاح حرمت الموطوءةً بملك اليمين وجاز له وطء هذه المنكوحةً وقال أبو حنيفة: لا يحل له المنكوحةً حتى تحرم الموطوءةً بملك اليمين بحدوث العقد على من لا يجوز أن يجمع معها كما لو تزوجها وتزوج أختها وهذا خطأ لأن الجمع إذا لم يمنع من صحةَ العقد لم يمنع من جواز الاستمتاع قياسًا في الطرد على من نكح حرةً بعد نكاح أمةً وفي العكس على من نكح أمةً بعد نكاح حرةً وفي هذا الدليل انفصال.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَا بأس أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ المرأة وَزَوْجَةَ أَبِيهَا وَبَيْنَ امْرَأَة الرَّجُلِ وَاِبْنَةَ امرأته إذاً كَانَتْ مِنْ غَيْرَهَا لِأَنَّه نَسَبَ بَيْنَهُنَّ"
قال في الحاوي: وهذا صحيح يجوز أن يجمع الرجل بين المرأةً وزوجةَ أبيها وزوجةَ ابنها وهذا قول جمهور أهل العلم إلا ابن أبي ليلى فإنه منع منه استدلالًا بأنهما امرأتان لو كان إحداهما رجلًا حرم عليه نكاح الأخرى لأنها تكون امرأةً أبيه أو حليلةً ابنه فحرم الجمع بينهما كما حرم الجمع بين المرأةً وعمتها أو خالتها للمعنى المذكور؛ وهذا خطأ لما روي أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن صفوان بن أمية جمع كل واحد منهما بين امرأةً رجل وبنته من غيره فلم ينكر ذاك أحد من علماء عصره فكان إجماعًا ولأن تحريم الجمع إنما يثبت نسب ولا رضاع يجري عليه حكم النسب فلم يحرم الجمع بينهما كسائر الأجانب وخالف ذوي الأنساب.
فصل:
قال الشافعي: "وبين امرأة الرجل ويثبت امرأته إذا كانت من غيرها" فاختلف
الجزء: 9 - الصفحة: 209
أصحابنا في ذلك.
فقال بعضهم: هذا سهو المزني في نقله لأنه كرر المسألة وأعادها بعبارةً أخرى؛ لأن زوجةُ الرجل وبنت امرأته من غيرها هي المرأةً وزوجةً ابنها وقال آخرون: بل قال المزني صحيح وهذه المسألةُ غير الأولى لأن الأولى أن يجمع بين بنت زيد وامرأة زيد، وهذه المسألةً أن يجمع بين امرأةً زيد وبنت امرأةً له أخرى من غيره وهذا لدينا يجوز لعدم التناسب بينهما.
فصل:
لا بأس أن يتزوج الرجل المرأةً ويتزوج ابنه بابنتها، أو يتزوج الأب امرأةَ ويتزوج الابن بأمها وهو قول الجماعةَ ومنه طاوس إذا تزوج الأب بامرأةَ أن يتزوج الابن بابنتها إذا ولدت بعد وطء الأب لأمها فإن كانت قد ولدت قبل وطئه لم يمنع وحكي نحوه عن مجاهد وهذا خطأ؛ لأن تحريم الربيبةً على الأب يساوي حكمه في ولادتها قبل وطئه وبعده فاقتضى أن يتساوى حكم إباحتها للابن في ولادتها قبل وطء الأب وبعده وقد حرص عمر رضي الله عنه في الغلام الذي زنا ببنت امرأةَ أبيه فجلده، وأن يجمع بينهما، فأبى الغلام فدل على جوازه من غير أن يعتبر فيه حال الولادةً، والله أعلم.
باب ما جاء في الزنا لا يحرم الحلال
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: "لِأَنَّ الْحَرَامَ ضِدُّ الْحَلَالِ فَلَا يُقَاسُ شَيْءٌ عَلَى ضِدِّهِ، قَالَ لِي قَائِلٌ يَقُولُ: لَوْ قَبَّلَتِ امْرَأَتُهُ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا، لِمَ قُلْتَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ؟ قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ وَنَحْوَهَا بِالنِّكَاحِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ، فَقَالَ: أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا، قُلْتُ: جِمَاعًا حُمِدْتَ بِهِ، وَجِمَاعًا رُجِمْتَ بِهِ، وَأحدهما نِعْمَةٌ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وَأَوْجَبَ حُقُوقًا وَجَعَلَكَ مَحْرَمًا بِهِ لِأُمِّ امْرَأَتِكَ وَلِابْنَتِهَا تُسَافِرُ بِهِمَا، وَجُعِلَ الزِّنَا نِقْمَةً فِي الدُّنْيَا بِالْحَدِّ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ، أَفَتَقِيسُ الْحَرَامَ الَّذِي هُوَ نِقْمَةٌ عَلَى الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ؟ وَقُلْتُ لَهُ: فَلَوْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: وَجَدْتُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا تَحِلُّ بِجِمَاعِ زَوْجٍ فَأَحَلَّهَا بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ كَجِمَاعٍ، كَمَا حَرَّمْتَ بِهِ الْحَلَالَ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَجِمَاعٌ، قَالَ: إِذًا نُخْطِئُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّهَا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ، قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِنِكَاحِ زَوْجٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ، قَالَ: أَفَيَكُونُ شَيْءٌ يُحَرِّمُهُ الْحَلَالُ، وَلَا يُحَرِّمُهُ الْحَرَامُ فَأَقُولُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَنْكِحُ أَرْبَعًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ النِّسَاءِ خَامِسَةً، أَفَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا زَنَى بِأَرْبَعٍ شَيْءٌ مِنَ النِّسَاءِ؟ قَالَ: لَا يَمْنَعُهُ الْحَرَامُ مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَلَالُ.
قَالَ: وَقَدْ تَرْتَدُّ فَتَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ
الجزء: 9 - الصفحة: 210
وَأَقْتُلُهَا وَأَجْعَلُ مَالَهَا فَيْئًا.
قَالَ: فَقَدْ أَوْجَدْتُكَ الحَرَامُ يُحَرِّمُ الحَلَالَ.
قُلْتُ: أَمَّا فِي مِثْلِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ أِمْرِ النِّسَاءِ فَلَا.
قَالَ المُزَنيُّ رَحِمَهُ اللهُ: تَرَكْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في تحريم المصاهرة بعقد النكاح وفي تحريمها بوطء الإناء، كذلك الوطء بالشبهة يوجب من تحريم المصاهرة مثل ما يوجبه الوطء الحلال في عقد نكاح أو ملك يمين؛ لأنه لما ساواه في سقوط الحد ولحوق النسب ساواه في تحريم المصاهرة.
فأما وطء الزنا فلا يتعلق به تحريم المصاهرة بحال فإذا زنا الرجل بامرأة لم تحرم عليه مها ولا بنتها ولم يحرم على أبيه ولا على ابنه.
وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري.
ومن الفقهاء: مالك وربيعة وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: الزنا كالحلال في تحريم المصاهرة، فإذا زنا بامرأة حرمت عليها أمها وبنتها حرمت على أبيه وابنه.
ولو زنا بامرأة أبيه أو ابنه بطل نكاحها.
وكذلك لو قبلها أو لمسها أو تعمد النظر إلى فرجها بشهوة بطل نكاحها على أبيه وابنه وحرم عليه أمها وبنتها وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وحكى نحوه عن عمران بن الحصين وزاد الأوزاعي.
فقال: إذ تلوط الرجل بغلام حرمت عليه أمه وبنته وحرم على الغلام مه وبنته.
واستدلوا جميعًا بعموم قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] والنكاح حقيقة في الوطء فاقتضى عموم الوطء وتحريم التي وطئها الأب.
قالوا: وقد روى عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها" فاقتضى إذا نظر إلى فرج امرأة في الزنا أن لا ينظر إلى فرج ابنتها في النكاح.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كشف خمار امرأة حرم عليه أمها وبنتها" فكان على عمومه في كشف الخمار لنكاح أو زنا قالوا: ولأنه وطء مقصود فوجب أن يتعلق به تحريم المصاهرة كالنكاح ولأنه تحريم يتعلق بالوطء المباح فوجب أن يتعلق بالوطء المحظور قياسًا على وطء الشبهة.
ولأنه فعل يتعلق به التحريم فوجب أن يستوي حكم محظور ومباحة كالرضاع.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54].
فجمع بين المائين الصهر، والنسب فلما انتفي عن الزنا حكم النسب انتفي عنه حكم
الجزء: 9 - الصفحة: 211
المصاهرة وروى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحرام لا يحرم الحلال".
وروى عن الزهري عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ينكح المرأة حرامًا، أينكح ابنتها أو ينكح البنت حرامًا أينكح أمها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحرم الحرام الحلال إما يحرم ما كان بنكاح حلال" وهذا نص لا يجوز خلافه.
ومن طريق القياس أنه وطء تمحض تحريمه فلم يتعلق به تحرم المصاهرة كوطء الصغيرة التي لا تشتهي ولأنه وطء لا يوجب العدة فلم يوجب تحريم المصاهرة كوطء الصغيرة والميتة؛ ولأنه تحريم نكاح يتعلق به التحريم المؤقت فوجب أن ينتفي عن الزنا الصريح قياسًا على تحريم العدة ولأنه وطء لا يتعلق به التحريم المؤقت فوجب أن يتعلق به التحريم المؤبد كاللواط ولأن ما أوجب تحريم المصاهرة افترق حكم حلاله وحرامه كالعقد؛ ولأن المواصلة التي ثبت في الوطء بالنكاح تنتفي عن الوطء بالزنا قياسًا على مواصلة النسب؛ ولأنه لما انتفي عن وطء الزنا ما يتعلق بوطء النكاح من الإحصان والإحلال والعدة والنسب انتفي عنه ما يتعلق به من تحريم المصاهرة؛ ولأنه لو ثبت تحريم المصاهرة بما حرم من الوطء والقبلة والملامسة بشهوة لما شاء المرأة أن تفارق زوجها إذا كرهته إذا قدرت على فراقه بتقبيل ابنه فيصير الفراق بيدها وقد جعله الله بيد الزوج دونها ولا يبطل هذا بالردة لأن ما يلزمها من القتل بالردة أعظم مما تستفيده من الفرقة فلم تخلص لها الفرقة بالردة وخلصت لها بالقبلة.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ [النساء: 22] فهو أن النكاح حقيقة في العقد فجاز الوطء ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] وقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُم﴾ [النور: 32] يريد به العقد دون الوطء، ثم لو تناول الوطء مجازًا عندنا وحقيقة عندهم فجاز أن يكون محمولًا على حلاله مخصوصًا في حرامه بدليل ما ذكرناه.
وأما احتجاجهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وبنتها" فعنه جوابان:
أحدهما: أنه مروي عن وهب بن منبه أنه مكتوب في التوراة فلم يلزمنا لنسخها بالقرآن.
والثاني: أن ما تضمنه من الوعيد متوجه إليه في الحرام دون الحلال لأن أحدهما لا محالة حرام.
وأما احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من كشف خمار امرأة حرمت عليه أمها وبنتها" فلا دليل في ظاهره فعمل بموجبه؛ لأن كشف الخمار لا يحرم عليه أمها ولا بنتها؛ فإن عدلوا
الجزء: 9 - الصفحة: 212
به عن ظاهره إلى الوطء عدلنا به إلى حلال الوطء أو شبهته.
وأما قياسهم بأن وطء مقصود كالنكاح فليس لقولهم وطء مقصود تأثير في الحكم؛ لأن وطء العجوز الشوهاء غير مقصود وهو في تحريم المصاهرة كوطء الشابة الحسناء وإذا سقط اعتباره لعدم تأثيره انتقض بوطء الميتة ثم المعنى في النكاح أنه أوجب لحوق النسب فلذلك أوجب تحريم المصاهرة وليس كذلك الزنا، وكذلك الجواب عن قياسهم على وطء الشبهة.
وأما قياسهم على الرضاع بعلة أنه فعل يتعلق به التحريم فمنتقض بالعقد يفترق حكم محظوره الفاسد ومباحه الصحيح.
وإن قيل: فالعقد قول وليس بفعل قبل القول فعل.
ثم المعنى في الرضاع أنه لما تعلق لمحظورة شابه أحكام المباح لما يتعلق به تحريم المصاهرة.
فصل:
فأما الشافعي: فإنه حكي مناظرة بينه وبين العراقيين في هذه المسألة اختلف أصحابنا فيه.
فقال بعضهم: هو محمد بن الحسن وقال آخرون: هو بشر المريس فقال الشافعي: قال لي قائل يقول: لو قبلت امرأة ابنه لشهوة حرمت على زوجها أبدًا لم قلت هذا.
فهذا سؤال أورده عليه المخالف فمن أصحابنا من قال: قد أخطأ المزني في نقله وإنما هو لم لا قلت هذا فحذف لا وقال: لمن قلت هذا سهوًا منه وقال آخرون: بل نقل المزني صحيح؛ لأن الشافعي ذكر مذهبه في أن الحرام لا يحرم الحلال وطأً كان أو لمسًا فقال له المخالف: أنا أقول: لو قبلت امرأة ابنه بشهوة، حرمت عليه أبدًا، لم قلت هذا الذي تقدم منك في الحرام لا يحرم الحلال؟
فأجاب الشافعي عن ذلك فقال: من قبل أن الله تعالى حرم أمهات نسائكم وهذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال يعني أنه لما كان النص واردًا في النكاح كان الحكم مقصورًا عليه ولم يكن ملحقًا به لأن حكم الحرام مخالف لحكم الحلال ثم قال الشافعي: وقوله تعالى حاكيًا عن هذا القائل فقال لي أحدهما جماعًا وجماعًا يعني أن وطء الزنا جماع ووطء النكاح جماع فاقتضى لتساويها أن يستوي حكمهما فأجابه الشافعي عن هذا أبان فرق بين الجماعين في الحكم فقال: جماعًا حمدت به وجماعًا رحمت به وأحدهما نعمة وجعلته نسبًا وصهرًا وأوجب به حقوقًا وجعلك محرمًا لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما وجعل الزنا نقمة في الدنيا بالحدود وفي الآخرة بالنار إلا أن يعفو الله أفتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة.
فبين الشافعي بأن الجماعين لما افترقا في هذه الأحكام التي أجمعنا عليها وجب أن يفترقا في تحريم المصاهرة التي اختلفنا فيها ثم إن الشافعي استأنف سؤالًا على هذه المناظرة له فقال: إن قال لك قائل: وجدت المطلقة ثلاثًا تحل بجماع الزوج فأحلها بالزنا؛ لأنه جماع كجماعكما حرمت به الحلال؛ ولأنه جماع وجماع فأجابه هذا المناظر
الجزء: 9 - الصفحة: 213
بأن قال: إذا نخطئ لأن الله تعالى أحلها بإصابة زوج فقال الشافعي: وكذلك ما حرم في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج فأورد أول السؤال نقصًا ثم يبين أنهم قد جعلوا بين الجماعين فرقًا؛ لأن الحق الجماع الحرام بالجماع الحلال من حيث جمعهما بالاسم فعارضه بتحليلها للزوج بالجماع الحرامك قياسًا على الجماع الحلال لاجتماعهما في الاسم فأقر بتخطئة قائله فصار نقضًا واعترافًا بأن اجتماعهما في الاسم ليس بعلة في الحكم ثم حكي الشافعي سؤالًا استأنف مناظره.
فقال: قال لي: أفيكون شيء يحرمه الحلال لا يحرمه الحلال أقول به فأجابه الشافعي عن هذا بأن قال: نعم ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة فيحرم عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء.
قال المناظر: لا يمنعه الحرام ما منعه الحلال فكان هذا منه زيادة اعتراف تفرق ما بين الحلال والحرام ثم إن الشافعي حكي عنه استئناف سؤال يدل على أن الحرام قد يحرم الحلال وهو أن ترتد المرأة فتحرم بالردة على زوجها فلو يمتنع أن يكون الحرام محرمًا للحلال.
فأجابه الشافعي رضي الله عنه بأن قال: نعم تحرم عليه وعلى جميع الناس واقتلها واجعل مالها فيئًا يريد بذلك أن تحرم الردة عام ولا تختص بتحريم النكاح وإنما دخل فيه تحريم النكاح تبعًا فجاز أن يكون مخالفًا لحكم ما يختص بتحريم النكاح، والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفناهن الزنا لا يحرم النكاح فجاءت الزانية بولد من زنا كان ولد الزانية دون الزاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش والعاهر الحجر" وإنما لحق بها دونه لأنه مخلوق متهمًا عيانًا ومن الأب ظنًا فلحق بها ولد الزنا والنكاح لمعاينة وضعها لهما ولحق بالأب ولد النكاح دون الزنا لغلبة الظن بالفراش في النكاح دون الزنا وإذا لم يلحق ولد الزنا بالزاني وكانت ثيبًا جاز للزاني أن يتزوجها عن الشافعي وإن كره له أن يتزوجها واختلف أصحابنا في معنى الكراهية.
فقال بعضهم: لاختلاف الفقهاء في إباحتها وكره استباحته مختلف فيها.
وقال آخرون: بل كره نكاحها لجواز أن يكون مخلوقة من مائه.
وقال أبو حنيفة: قد حرم على الزاني نكاحها واختلف أصحابه في معنى تحريمها فقالوا متقدموهم: لأنها بنت امرأة قد زنى بها فتعدى تحريم المصاهرة إليها فعلى هذا يكون فرعًا على الخلاف الماضي.
وقال متأخروهم: بل حرمت لأنها بنته مخلوقة من مائه فعلى هذا يكون خلافًا مستأنفًا واستدلوا فيه بقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وهذه بنته؛ لأن العرب تسميها بنتًا ولا يعتبر عقد نكاح.
قالوا: ولأنها مخلوقة من مائه في الظاهر فوجب أن تحرم عليه كالمولودة من زوجة أو أمة ولأن ولد الزنا مخلوق من ماء الرجل الزاني والزانية فلما حرم ولد الزنا على
الجزء: 9 - الصفحة: 214
الزانية وجب أن يحرم على الزاني قياسًا على ولد الشبهة.
ولأنها مخلوقة من مائه فلم يكن نفيها عنه يمانع من تحريمها عليه قياسًا على ولد الملاعنة.
ودليلنا: هو أن تحريم الولد حكم من أحكام النسب فوجب أن ينتفي عن ماء الزاني كالميراث ولأنه لما كان لحوق النسب بالزانية يوجب أن يتبعه التحريم كما تبعه الميراث وقد يتحرر هذا الاعتلال قياسان:
أحدهما: أن تحريم نسب فوجب أن يكون تابعًا للسب كاتباعه في حق الأم.
والثاني: أنه تابع للنسب والثبوت فوجب أن يكون تابعًا له في النفي كالميراث ولا مدخل على هذا ولد الملاعنة لما سنذكره ولأن ولد الزنا لو حرمت على الزاني بالنبوة لحرمت على أبيه وابنه بحكم النبوة والإخوة وفي إباحتها لهما دليل على إباحتها للزاني.
فأما استدلالهم بالآية فليست هذه من بناته فتدخل في آية التحريم كما لم تكن من بناته في آية المواريث بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: 11] الآية.
وأما قياسهم أنها مخلوقة من مائه فهذا غير معلوم فلم يسلم ثم لما لم يمنع خلقها من مائه أن لا يتعلق به نسب ولا ميراث لم يمنع أن يتعلق به تحريم.
فأما قياسهم على ولد الشبهة فالمعنى فيه: أنه لما ثبت نسبه وميراثه ثبت تحريمه وولد الزنا بخلافه.
فأما قياسهم على ولد الملاعنة فالحكم في ولد الملاعنة أنه إن كان قد دخل بأمها حرمت عليه أبدًا لأنها بنت امرأة قد دخل بها وإن كان قد دخل بها ففي تحريمها عليه وجهان حكاهما أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: لا يحرم عليه كولد الزنا فعلى هذا بطل القياس.
والثاني: أنها تحرم عليه لأنه لو اعترف بها بعد الزنا لحقت وولد الزنا لو اعترف به لم يلحق فصار ولد الزنا مؤبدًا ونفي ولد الملاعنة غير مؤبد فافترقا في النفي فكذلك ما افترقا في الحكم.
باب نكاح حرائر أهل الكتاب وإمائهم وإماء المسلمين
مسألة: قَالَ الشَّافِعَيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَأَهْلُ الكِتَابِ الَّذِينَ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى دُونَ المَجُوسِ وَالصَّابِئُونَ وَالسَّاحِرَة ُمِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ يُخلِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ مَا يُحِلٌّونَ مِنَ الكِتَابِ وَيُحَرِّمُونَ فَيُحَرَّمُونَ كَالمَجُوسِ وَإِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُمْ عَلَيْهِ ويَتَأَوَّلُونَ فَيَخْتَلِفُونَ فَلَا يُحَرِّمُونَ".
الجزء: 9 - الصفحة: 215
قال في الحاوي: اعلم أن المشركين على ثلاثة أقسام: قسم هم أهل الكتاب، وقسم ليس لهم كتاب، وقسم لهم شبهة كتاب.
فأما القسم الأول: وهم أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، فكتاب اليهود التوراة ونبيهم موسى، وكتاب النصارى الإنجيل، ونبيهم عيسى، وكلا الكتابين كلام الله ومنزل من عنده، قال الله تعالى: ﴿وأَنزَلَ التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 3 - 4] قد نسخ الكتابان والشريعتان، أما الإنجيل فمنسوخ بالقرآن والنصرانية منسوخة بشريعة الإسلام، وأما التوراة ودين اليهودية فقد اختلف أصحابنا بماذا نسخ على وجهين:
أحدهما: أن التوراة منسوخة بالإنجيل، واليهودية منسوخة بالنصرانية، ثم نسخ القرآن الإنجيل ونسخ الإسلام النصرانية، وهذا أظهر الوجهين؛ لأن عيسى عليه السلام قد دعا اليهود إلى دينه واحتج عليهم بإنجيله، فلو لم ينسخ دينهم بدينه وكاتبهم بكتابة لأقرهم وادعى غيرهم.
والثاني: أن التوراة منسوخة بالقرآن واليهودية منسوخة بالإسلام، وأن ما لم يغير من التوراة قبل القرآن حق، وما تغير من اليهودية قبل الإسلام حق، وأن عيسى دعا اليهود لأنهم غيروا كتابهم وبدلوا دينهم فنسخ بالإنجيل، وما غيروه من توراتهم وبالنصرانية ما بدعوه من يهوديتهم، ثم نسخ القرآن حينئذٍ جميع توراتهم ونسخ الإسلام جميع يهوديتهم؛ لأن الأنبياء قد كانوا يحفظون من الشرائع التبديل وينسخون منها ما تقتضيه المصلحة.
كما نسخ الإسلام في آخر الوحي خاصًا من أوله، فأما نسخ الشرائع المتقدمة على العموم فلم يكن إلا بالإسلام الذي خاتمة الشرائع بالقرآن الذي هو خاتمة الكتب فعلى الوجه الأول يكون الداخل في اليهودية بعد عيسى على باطل وعلى الوجه الثاني على حق ما لم يكن ممن غير وبدل فأما بعد الإسلام فالداخل في اليهودية والنصرانية على باطل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من أن اليهود والنصارى من أهل الكتاب قد كانوا على دين حق ثم نسخ فيجوز لحرمة كتابهم أن يقروا على دينهم بالجزية أي يزكوا وتؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم فأما إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم فمجمع عليه بالنص الوارد في كتاب الله تعالى وأما الجزية فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] فأما أكل الذبائح فقوله تعالى: ﴿وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5] أما نكاح حرائرهم فالذي عليه جمهور الصحابة والتابعين غير الإمامية من الشيعة أنهم منعوا من نكاح حرائرهم مع القدرة على نكاح المسلمات استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51] الآية، قالوا: ولأن بعضهم يمنع من نكاح نسائهم كعبدة الأوثان.
قالوا: ولأنهم وإن كانوا أهل كتاب منزل فكتابهم مغير منسوخ، وما نسخه الله
الجزء: 9 - الصفحة: 216
تعالى ارتفع حكمه فلم يفرق بينه وبين ما لم يكن فكذلك صاروا بعد نسخه في حكم من لا كتاب له، هذا خطأ لقوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] فجمع بين نكاحهن ونكاح المؤمنات فدل على إباحته.
فإذا قيل: فهذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] متقدمة لأنها من سورة البقرة، وقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] متأخرة لأنها من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن، والمتأخر هو الناسخ للتقدم وليس يكون أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر فعلى هذا الجواب يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ منسوخًا بقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وهذا قول ابن عباس.
والجواب الثاني: أن قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] عام وقوله ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ خاص والخاص من حكمه أن يكون قاضيًا على العام ومخصصًا له سواء تقدم عليه أو تأخر عنه فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] مخصوصًا بقوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي وأن اسم الشرك ينطلق على أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان وذهب غيره من الفقهاء: إلى أن أهل الكتاب ينطلق على اسم الكفر ولا ينطلق على اسم الشرك وأن اسم الشرك ينطلق على من لم يوحد الله تعالى وأشرك به غيره من عبدة الأوثان فعلى هذا القول يكون قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مخصوصًا ولا منسوخًا ثم حكمه ثابت على عمومه.
ثم يدل على جواز نكاحهم ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "ملك ريحانة وكانت يهودية واستمتع بها بملك اليمين" ثم أسلمت فبشر بإسلامها فسر به ولو منع الدين منها لما استمتع بها كما لم يستمتع بوثنيه ولأنه إجماع الصحابة، روى عن عمر جوازه.
وعن عثمان أنه نكح نصرانية وعن طلحة أنه تزوج نصرانية.
وعن حذيفة أنه تزوج يهودية.
وعن جابر أنه سئل عن ذلك فقال: "نكحناهن بالكوفة عام الفتح مع يعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا فلما انصرفنا من العراق طلقناهن تحل لنا نساؤهم ولا تحل لهم نساؤنا.
فكان هذا القول من جابر إخبارًا عن أحوال جماعة المسلمين الذين معه من الصحابة وغيرهم فصار اجتماعًا منتشرًا فإن قيل: فقد خالف ابن
الجزء: 9 - الصفحة: 217
عمر.
قيل: ابن عمر كره ولم يحرم فلم يصير مخالفًا ولأن الله تعالى قد أنزل كتابًا من كلامه وبعث إليهم رسولًا من أنبيائه كانوا في التمسك به على حق فلم يجز أن يساووا في الشرك لم يكن من عبدة الأوثان على حق معه وأنه لما جاز لحرمة كتابهم وما تقدم من صحة دينهم أن يفرق بينهم وبين عبدة الأوثان في حق دمائهم بالجزية وأكل ذبائحهم جاز أن تفرق بينهم في نكاح نسائهم فأما الأية فقد مضى الجواب عنها.
وأما قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] فمخصوص بعبدة الأوثان.
وأما قياسهم على عبدة الأوثان، فممنوع بما ذكرنا من الفرق بينهما في قبول الجزية وأكل الذبائحُ.
وأما قولهم: إن كتابهم منسوخ فهو كما لو لم يكن الجواب عنه أن ما نسخ حكمه لا يوجب أن لا ينسخ حرمته، ألا ترى أن ما نسخ من القرآن ثابت الحرمة، وإن كان منسوخ الحكم كذلك نسخ التوراة والإنجيل.
فصل:
فإذا تقرر أن اليهود والنصارى أهل كتاب يحل نكاح حرائرهم فهم ضربان:
بنو إسرائيل وغير بني إسرائيل.
فأما بنو إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام فجميع بنيه الذين دخلوا فيه قبل تبديله فيجوز إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم.
وأما غير بني إسرائيل ممن دخل في اليهودية من النصرانية من العرب والعجم والترك منهم ثلاثة أصناف:
صنف دخلوا فيه قبل التبديل كالروم حين دخلوا النصرانية فهؤلاء كبني إسرائيل في إقرارهم وأكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر الروم كتابًا قال فيه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64] الآية، فجعلهم أهل الكتاب ولأن الحرمة للدين والكتاب ولا للنسب فلذلك ما استوى حكم بني إسرائيل وغيرهم فيه.
والثاني: أن يكون قد دخلوا فيه بعد التبديل فهؤلاء لم يكونوا على حق ولا تمسكوا بكتاب صحيح.
فصاروا إن لم يكن لهم حرمة كعبدة الأوثان في أن لا تقبل لهم الجزية ولا يوكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة.
والثالث: أن يشك فيهم هل دخلوا فيه قبل التبديل أو بعده كالنصارى العرب كوج وفهر وتغلب فهؤلاء شك فيهم عمر فتشاور فيهم الصحابة فاتفقوا على إقرارهم بالجزية حقنًا لدمائهم وأن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم لأن الدماء محقونة فلا تباح بالشك والفوج محظورة لا تستباح بالشك فهذا حكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
الجزء: 9 - الصفحة: 218
فصل:
وأما القسم الثاني: هم غير أهل الكتاب كعبدة الأوثان وعبدة الشمس والنيران وعبدة ما استحسن من حمار أو حيوان أو قال: بتدبير الطبائع وبقاء العالم أو قال: بتدبير الكواكب في الأكوان والأدوار فلم يصدق نبيًا ولا آمن بكتاب فهؤلاء كلهم مشركون لا يقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة ولا يحكم فيهم إذا امتنعوا من الإسلام إلا بالسيف إذا قدر عليهم إلا أن يؤمنوا مدة أكثرها أربعة أشهر يراعى انقضاؤها فيهم ثم هم بعد انقضاء مدة أمانهم حرب وسواء أقروا بأن لا إله إلا الله أو أشركوا به غيره أو جحدوه ولم يقروا به إله ولا خالق في أن حكم جميعهم سواء لا يقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهم من له شبهة كتاب فهم ثلاثة أصناف: الصابئون، والسامرية، والمجوس.
فأما السامرة: فهم صنف اليهود والذين عبدوا العجل حين غاب عنهم موسى مدة عشرة أيام بعد الثلاثين واتبعوا السامري فرجع موسى إلى قومه فأنكر عليهم عبادة العجل وأمرهم بالتوبة وقتل أنفسهم فمنهم من قتل.
وأما الصابئون: فهم صنف من النصارى وافقوهم على بعض دينهم وخالفوهم في بعضه وقد يسمى باسمهم ويضاف إليهم قوم يعبدون الكواكب ويعتقدون أنها صانعة مدبرة فنظر الشافعي في دين الصابئين والسامرة، فوجده مشتبهًا فعلق القول فيهم لاشتباه أمرهم فقال هاهنا: أنهم من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفوهم في أصل ما يحللون ويحرمون فيحرمون وقطع في موضع آخر أنهم منهم، وتوقف في موقف آخر فيهم وليس ذلك لاختلاف قوله ولكن لا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام: فقال: إن وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم ويخالفوهم في فروعه فيقر السامرة بموسى والتوراة ويقر الصابئون بعيسى والإنجيل فهؤلاء كاليهود والنصارى في قول جزيتهم وأكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لأنهم إذا جمعهم أصل المعتقد لم يكن خلافهم في فروعه مؤثر كما يختلف المسلمون مع اتفاقهم على أصل الدين في فروع لا توجب تباينهم ولا خروجهم عن الملة.
والقسم الثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول معتقدهم وأن يوافقوهم في فروعه ويكذب السامرة بموسى والتوراة ويكذب الصابئون بعيسى والإنجيل فهؤلاء كعبدة الأوثان لا يقبل لهم جزية ولا يؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة لأنهم لم يكونوا على حق فيراعى فيهم ولا تمسكوا بكتاب فيحفظ عليهم حرمته فيؤخذوا بالإسلام أو بالسيف، وحكى أن القاهر استفتى أبا سعيد الإصطرخي فيهم فأفتاه أن يقتلهم لأنهم يقولون: إن الفلك هو حي ناطق وأن الكواكب السبعة آلهة مدبرة فهمّ بقتلهم فبذلوا له مالًا فكفّ عنهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 219
والقسم الثالث: أن يشك فيهم فلا يعلم هل وافقوا اليهود والنصارى في الأصول دون الفروع أو في الفروع دون الأصول فهؤلاء كمن شدّ في دخوله في اليهودية والنصرانية هل كان قبل التبديل أو بعده فيقرون الجزية حقنًا لدمائهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
فصل:
وأما المجوس فقد اختلف الناس فيهم هل هم أهل كتاب أم لا؟ وعلق الشافعي القول فيهم وقال في موضع: هل أهل كتاب وقال في موضع: ليسوا أهل كتاب فاختلف أصحابنا لاختلاف قول الشافعي فكان بعضهم يخرجه على اختلاف قولين:
أحدهما: أنه لا كتاب لهم لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ [الأنعام: 156] يعني اليهود والنصارى فدل على أنه لا كتاب لغيرهما ولأن عمر لما أشكل عليه أمرهم سأل الصحابة عنهم فروى عبد الرحمن بن عون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فلما أمر بإجرائهم مجرى أهل الكتاب دل على أنهم ليس لهم كتاب فعلى هذا القول يجوز قبول جزيتهم له 1 ذا الحديث وأن عمر أخذ الجزية منهم بالعراق وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أخذ الجزية من مجوس هجر" فأما أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم فلا يجوز لعدم الكتاب فيهم.
والقول الثاني فيهم: أنهم أهل كتاب لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] وقد ثبت أخذ الجزية منهم فدل على أنهم من أهل الكتاب.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: وكانوا أهل كتاب، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم، فدعا آل مملكته فقال: "تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم فقد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأما على دين آدم من يرغب بكم عن دينه فبايعوه وخالفوا الدين وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما منهم الجزية".
فنكح الملك أخته وأمسكوا عليه الإنكار عليه إما متابعة لرأيه وإما خوفًا من سطوته، فأصبحوا وقد أسرى بكتابهم.
فعلى هذا القول يجوز إقرارهم بالجزية وهل يجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز لإجراء حكم الكتاب عليهم.
والثاني: لا يجوز لأن طريق كتابهم الاجتهاد دون النص فقصر حكمه عن حكم
الجزء: 9 - الصفحة: 220
النص.
وقال آخرون من أصحابنا: ليس ما اختلف نص الشافعي عليه اختلاف قولين فيه إنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال إنهم أهل كتاب يعني في قبول الجزية وحدها حقنًا لدمائهم أن لا يستباح بالشك والموضع الذي قال: إنهم غير أهل كتاب يعني في أن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وهذا قول سائر الصحابة والتابعين والفقهاء وخالف أبو ثور فجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروى إبراهيم الحربي: تحريم ذلك عن سبعة عشر صحابيًا وقال: ما كنا نعرف خلافًا فيه حتى جاءنا خلافاً من الكرخ يعني خلاف أبي ثور لأنه كان يسكن كرخ بغداد واستدل أبو ثور على أكل ذبائحهم وجواز مناكحتهم بحديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" قال: وقد تزوج حذيفة بن اليمان مجوسية بالعراق فاستنزله عنها عمر فطلقها فلو لم يجز لأنكر عليه ولفرق بينهما من غير طلاق ولأن كل صنف جاز قبول جزيتهم.
جاز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم كاليهود والنصارى قالوا: ولأن كتاب اليهود والنصارى نسخ وكتاب المجوس رفع ولا فرق بين حكم المنسوخ والمرفوع فلما لم يمنع نسخ كتابي اليهود والنصارى من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لم يمنع رفع المجوس من ذلك وهذا خطأ لأن إبراهيم الحربي ورواه عن سبعة عشر صحابيًا ولا يعرف لهم مخالفًا فصار إجماعًا؛ لأن من لم يتمسك بكتاب لم تحل ذبائحهم ونسائهم كعبدة الأوثان وليس للمجوس كتاب يتمسكون به كما يتمسك اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل فوجب أن يكون حكمهم مخالفُا لحكمهم ولأن نكاح المشركات محظور بعموم النص فلم يجز أن يستباح باحتمال ولأن عمر مع الصحابة توافقوا في قبول جزيتهم للشك فيهم فكيف يجوز مع هذا الشك أن يستبيح أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري يسأله كيف أخذ الناس الجزية من المجوس وأقروهم على عبادة النار وهم معبدة الأوثان، فكتب إليه الحس: إنما أخذوا منهم الجزية؛ لأن العلاء بن الحضرمي - وكان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين- أخذها منهم وأقرهم.
فدل على أنهم أفردوا من أهل الكتاب بأخذ الجزية وحدها فلذلك خصهما عمر بن عبد العزيز بالسؤال والإنكار فأما استدلاله بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فيعني به في أخذ الجزية لأمرين:
أحدهما: أنه روى ذلك عند الشك في قبول جزيتهم.
والثاني: أن الصحابة أثبتوا هذا الحديث في قبول جزيتهم ولم يجوزوا به أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وأما تزويج حذيفة بمجوسية فالمروي أنها كانت يهودية، ولو كانت مجوسية فقد استنزله عنها عمر فنزل، ولو كانت نحل له لم استنزله عنها عمر، ولما نزل عنها حذيفة، وأما قياسه على اليهود والنصارى فالمعنى فيهم تمسكهم بكتابهم فثبت حرمته فيهم وليس كذلك المجوس.
الجزء: 9 - الصفحة: 221
فأما قوله: إن حكم المرفوع والمنسوخ سواء فليس بصحيح؛ لأن المنسوخ باقي التلاوة فنفيت حرمته فيهم وليس كذلك المجوس وأما المرفوع مرفوع التلاوة فارتفعت حرمته هذا الكلام فيمن له شبهة بكتاب من الصابئين، والسامرة والمجوس.
فأما من تمسك بصحف شيث أو زبور داود أو شيء من الصحف الأولى أو من زبر الأولين فلا يجري عليه حكم أهل الكتاب ويكونوا كمن لا كتاب له فلا تقبل لهم جزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح فيهم امرأة لأمرين:
أحدهما: أن هذه الكتب مواعظ ووصايا وليس فيها أحكام وفروض فخالفت التوراة والإنجيل.
والثاني: ليس كلام الله وإنما هي وحي منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من تبعني أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية.
فكان ذلك وحيًا من الله ولم يكن من كلامه فخرج عن حكم القرآن الذي تكلم به كذلك هذه الكتب والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِذَا نَكَحَهَا فَهِيَ كَالمُسْلِمَةَ فِيمَا لَهَا وَعَلَيْهَا إِلاَّ أَنَهُمَا لاَ يَتَوَارَثَانِ وَالحَدَّ فِي قَذْفِهًا التَّعْزِيزُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أنكح المسلم كتابية مما لها وعليها من حقوق العقد كالمسلمة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] ولأنه عقد معاوضة فاستوى فيه المسلم وأهل الذمة كالإجارات والبيوع وإذا كان كذلك فالذي لها عليه من الحقوق المهر والنفقة والكسوة والسكنى والقسم والذي له عليها من الحقوق تمكينه من الاستمتاع وأن لا تخرج من منزله إلا بإذنه وهذه هي حقوق الزوجين بين المسلمين وكذلك المسلم والذمية.
فأما أحكام العقد فهي الطلاق والظهار والإيلاء واللعان والتوارث وكل هذه الأحكام في العقد على الذمية كما في العقد على المسلمة إلا في شيئين:
أحدهما: أنهما لا يتوارثان لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
والثاني: أن الحد في قذفها التعزير؛ لأن الإسلام شرط في حصانة القذف برواية
الجزء: 9 - الصفحة: 222
نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
فإن أراد أن يلاعن ليسقط به هذا التعزير جاز لأن التعزير ضربان:
الأول: تعزير أذى لا يجب.
والثاني: وتعزير قذف يجب.
فتعزير الأذى يكون في قذف من لا يصح منها الزنا كالصغيرة والمجنونة فلا يجب ولا يجوز فيه اللعان وتعزير القذف يكون في قذف من يصح منها الزنا ولم تكمل حصانتها كالأمة والكافرة فيجب ويجوز فيه اللعان فأما ما سوى هذين الحكمين من الطلاق والظهار والإيلاء والرجة فهي جمعيه كالمسلمة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَّ: "وَيَجْبِرُهَا عَلَى الغُسْلِ مِنَ الحَيُضِ وَالجَنَابَةِ".
قال في الحاوي: وأما إجبار الذمية على الغسل من الحيض فهو من حقوق الزوج؛ لأن الله تعالى حرم وطء الحائض حتى تغتسل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:222] وكان للزوج إذا منعه الحيض من وطئها أن يجبرها عليه ليصل إلى حقه منه.
فإن قيل: الغسل عندكم لا يصح إلا منه ولا فرق عندكم بين من لم ينو ومن لم يغتسل مع الكفر والإجبار لا تصح منها نية.
قيل: في غسلها من الحيض حقان:
أحدهما: لله تعالى لا يصح إلا بنية.
والآخر: للزوج يصح بغير نية فكان له إجبارها في حق نفسه لا في حق الله تعالى فلذلك أجزى بغير نية ألا ترى أنه يجبر زوجته المجنونة على الغسل في حق نفسه وإن لم يكن عليها في حق لله تعالى غسل وغير ذات الزوج تغتسل في حق الله تعالى، وإن لم يكن للزوج عليها حق كذلك تجبر الذمية على الغسل من النفاس لأنه يمنع الوطء كالحائض فأما إجبار الذمية على الغسل من الجنابة ففيه قولان:
أحدهما: لا يجبرها عليه بخلاف الحيض، لأنه قد يستبيح وطء الجنب ولا يستبيح وطء الحائض فافترقا في الإجبار.
والقول الثاني: أنه يجبرها عليه وإن جاز وطئها مع بقائه لأن نفس المسلم قد تعاف وطئ من لا تغتسل من جنابة.
فكان له إجبارها عليه ليستكمل به الاستمتاع وإن كان الاستمتاع ممكناً فأما الوضوء من الحدث فليس له إجبارها عليه قولاً واحداً لكثرته وأن النفوس لا تعافه وإنه ليس يصل إلى وطئها إلا بعد الحدث فلم يكن لإجبارها عليه تأثير.
الجزء: 9 - الصفحة: 223
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالتَّنظِيفِ بِالاسْتِحْدَادِ وَأَخْذِ الأَظْفَارِ".
قال في الحاوي: وأصل ما يؤثر في الاستمتاع بالزوجة ضربان:
أحدهما: ما منع من أصل الاستمتاع.
والثاني: ما منع من كمال الاستمتاع فأما المانع من أصل الاستمتاع فهو ما لا يمكن بعد الاستمتاع كالغسل من الحيض والنفاس فللزوج إجبار زوجته الذمية عليه وأما المانع من كمال الاستمتاع فهو ما تعافه النفوس مع القدرة على الاستمتاع كالغسل من الجنابة ففي إجبارها عليه قولان وإذا استقر هذا الأصل فقد قال الشافعي: "والتنظيف بالاستحداد" وهو أخذ شعر العانة مأخوذ من الحدية التي يحلق بها فإن كان شعر العانة قد طال وفحش وخرج عن العادة حتى لم يمكن معه الاستمتاع أجبر زوجته على أخذه سواء كانت مسلم أو ذمية، وإن لم يفحش وأمكن معه الاستمتاع ولكن تعافه النفس ففي إجبارها على أخذه قولان.
وإن لم تعافه النفس لم يجبرها على أخذه قوًلا واحدًا.
قال أحمد بن حنبل: والسنة أنه يستحد الأعزب كل أربعين يومًا والمتأهل كل عشرين يومًا إن قاله نقًلا مأثورًا عمل به وإن قال اجتهادًا فليس لهذا التقدير في الاجتهاد أصل مع اختلاف الحلق في سرعة نبات الشعر في قوم وإبطائه في آخرين واعتباره بالعرف أولى وأما الأظفار إذا لم تصل إلى حد تعافها النفوس لم يجبرها على أخذها وإن عافت النفوس طولها ففي إجبارها على أخذها قولان.
وهكذا غسل رأسها إذا سهك- أو قمل وغسل جسدها إذا راح وأنتن ففي إجبارها عليه قولان: لأن النفوس تعافه.
مسألة:
قَالَ الشّاَفِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَيَمْنَعُهَا مِنَ الكَنِسَةِ وَالخُرُوجِ إِلَى الأَعْيَادَ كَمَا يَمْنَعَ المُسْلِمَةَ مِنْ إِتْيَانِ المَسَاجِدِ".
قال في الحاوي: للزوج أن يمنع اليهودية من البيعة والنصرانية من الكنيسة والمسلمة من المسجد وإن كانت بيوتًا تقصر للعبادة التي لا يجوز أن يمنع من واجباتها لأنها قد توافي في منازل أهلها.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحل المرأة بيتاً ولا تخرج من بيت زوجها كاره ولا منها قد تفوت عليه الاستمتاع في زمان الخروج فكان له منعها لاستيفاء حقه من الاستمتاع بها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنعن إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات".
فعنه جوابان:
الجزء: 9 - الصفحة: 224
أحدهما: أنه لا يمنعها منع تحريم خوفًا من أن يظن أن منعهن من إتيان المساجد واجب.
والثاني: أن الرواية: "لا تمنعوا إماء الله مسجد الله" يريد به المسجد الحرام في حجة الإسلام ثم هكذا يمنعها من الخروج إلى الأعياد ثم إذا كان له منعها من الخروج إلى هذه العبادات كان بأن يمنعها من الخروج بغير العبادات أولى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَمْنَعُهَا مِنْ شُرْبِ الخَمْرِ وَأَكِلِ الخَنْزِيرِ إِذَا كَانَ يَتَقَدَّرُ بِهِ مِنْ أَكْلِ مَا يَحِلُّ إِذَا تَأَذَّى بِرِيحِهِ".
قال في الحاوي: أما الذمية فللزوج أن يمنعها أن تشرب الخمر والنبيذ وما يسكرها لأمرين:
أحدهما: ربما أنه خاف على نفسه من سكرها.
والثاني: أنه قدر ربما منعته من الاستمتاع بها فصار بكل واحد من الأمرين غير ممكن من الاستمتاع فلذلك جاز أن يمنعها منه قوًلا واحدًا فإما إن أردت أن تشرب من الخمر والنبيذ ما لا يسكرها فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إن له منعها من يسيره الذي لا يسكر كما يمنعها من كثيره الذي يسكر؛ لأن حدّ المسكر منه غير معلوم، وربما أسكرها اليسير ولم يسكرها الكثير؛ لأن السكر يختلف باختلاف الأمزجة والأهوية، فالمحرور يسكره القليل والمرطوب لا يسكره إلا الكثير، وإذا برد الهواء واشتد أسكر القليل، وإذا حمي الهواء لم يسكر إلا الكثير، فلم يجز مع اختلافه أن يغترف حال قليله وكثيره.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني لما لم يذكر أمارة تدل على أن الزيادة بعدها مسكرة وهذا القدر لا يمنع من الاستمتاع ولكن ربنا عافته نفوس المسلمين لاسيما من قوي دينه وكثر تحرجه فيصير مانعًا له من كمال الاستمتاع فيحرم جواز منعها على قولين.
والثالث: ليس له منعها من شرب القليل الذي يردن شربه في أعيادهم عبادة وله أن يمنعها من الزيادة عليه سواء أسكر أو لم يسكر مراعاة فيه العابدة ولم يراعى فيه السكر وهذا الوجه أشبه.
فأما المسلمة فللزوج منعها من شرب الخمر قليله وكثيره وكذلك من سائر المحرمات فأما النبيذ فإن كان الزوجان شافعيين يعتقدان تحريم النبيذ كالخمر فله منعها من قليله وكثيره وإن كانا حنيفيين يعتقدان إباحة النبيذ كان كالخمر في حق الذمية فله منعها أن تشرب منه قدر ما يسكرها، وهل يمنعها من قليله الذي لا يسكرها فعلى قول أبي
الجزء: 9 - الصفحة: 225
علي بن أبي هريرة يمنعها منه قوًلا واحدًا وعلى قول أبي حامد يكون على قولين.
فصل:
فأما الخنزير فله منع المسلمة من أكله بلا خوف فأما الذمية فإن كانت يهودية ترى تحريم أكله ثم أكلته منعها منه كما يمنع منه المسلمة، وإن كانت نصرانية ترى إباحة أكله فقد اختلف أصحابنا فالذي عليه أكثرهم أن له منعها قوًلا واحدًا لأن نفور نفس المسلم منه أكثر من نفورها من الخمر فصار مانعهًا من الاستمتاع ولأن حكم نجاسته أغلظ فهي لا تكاد تطهر منه ويتعدى النجاسة منها إليه.
وكان أبو حامد الإسفراييني يقول: هذا يمنع من كمال الاستمتاع مع إمكانية وتحريم منعها منه على قولين فإن أكلت منه كان له إجبارها على غسل فمها ويدها منه لئلا يتعدى نجاسته إليه قبل أو باشر وفي قدر ما يجبرها عليه من غسله وجهان:
أحدهما: سبع مرات إحداهن بالتراب مثل ولوغه.
والثاني: يجبرها على غسله مرة واحدة بغير تراب لأنه يجبرها على غسله في حق نفسه لا في حق الله تعالى فأجزأ فيه المرة الواحدة كما يجزاء في غسل الحيض بغير نية.
فصل:
فأما أكل ما يتأذى بريحه من الثوم والبصل وأنتن من البقول والمأكل فالمسلمة والذميمة فيه سواء وينظر فإن كانت لدواء اضطرت إليه لم يمنعها منه.
وإن كان لشهوة وغذاء فهذا يمنع من كمال الاستمتاع مع إمكانه فهل يمنعها منه أم لا؟ على قولين.
فصل:
فأما البخور بما تؤذي رائحته فأن كان لدواء لم تمنع وإن كان لغير دواء فعلى قولين ولا فرق فيما منعه من هذا كله بين أن يكون في زمان الطهر أو في زمان الحيض لأن زمان الحيض وإن حرم فيه وطئها فإن يحل فيه الاستمتاع بما سواه من القبلة والمباشرة فصار المانع منه حكم المانع من الوطء.
فصل:
فأما الثياب فله أن يمنعها من ليس ما كان نجساً لأنه قد ينجسها وينجس بها وهو أدوم من نجاسة الخنزير والتحرز منه أشق فلذلك منعت منه قوًلا واحدًا، وهل يمنع من لبس ما كان منتن الرائحة بصبغ أو بخور أو سهوكة طعام أم لا؟ على قولين فأما ليس الحرير والديباج واستعمال الطيب والبخور فلا يمنع منه لأنه أدعى إلى الشهوة وأكمل للاستمتاع وهكذا ليس له أن يمنعها من الخضاب والزينة ولا على أن يجبرها على دواء في مرض أو سمنة في صحة.
الجزء: 9 - الصفحة: 226
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَإِنْ ارْقَدَّتْ إِلَى مَجُوسِيَّةٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الكِتَابِ فَلإِنْ رَجَعَتْ إِلى الإِسْلامِ أَوْ إِلَى دِينِ أَهْلِ الكِتَابِ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ انْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ فَقَدِ انْقَطَعَتِ العِصْمَةُ لأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَ".
قال في الحاوي: وصورتها في مسلم تزوج ذمية فانتقلت من دينها إلى غيره فهذا على أربعة أقسام:
أحدهما: أن تنتقل عنه إلى الإسلام فقد زادته خيراً والنكاح بحاله وما زاده الإسلام إلا صحة وسواء قبل الدخول بها أو بعده.
والثاني: أن تنتقل على دينها إلى دين يقرها أهله عليه كأنها كانت نصرانية فتزندقت أو توثنت فلا يجوز أن تقر عليه؛ لأنه لما لم تقر عليه من كان متقدم الدخول فيه فأولى أن لا يقر عليه من تأخر دخوله فيه وإذا كانت كذلك نظر في ردتها فإن كانت قبل دخوله بها بطل نكاحها كما يبطل نكاح المسلمة إذا ارتدت قبل الدخول وإن كانت ردتها عن دينها بعد الدخول بها كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة فإن رجعت قبل انقضائها إلى الدين الذي تؤمن به ويجوز نكاح أهله كانا على النكاح وإن لم ترجع حتى انقضت العدة بطل النكاح وفي الدين الذي تؤمن بالدخول إليه ثلاثة أقوال:
أحدهما: الإسلام لا غي لأنها كانت مقرة على دينها لإقرارها بصحته وقد صارت بانتقالها عنه مقرة ببطلانه فلم يقبل منها إلا دين الحق وهو الإسلام.
والثاني: أنها تؤخذ بالرجوع إلى الإسلام أو دينها الذي كانت عليه ولا يقبل منها الرجوع إلى غيره من الأديان فإن أقر أهلها عليه لأنه الذي تناوله عقد ذمتها فكان أحصن أديان الكفر بها وليس لإقرارها بصحته تأثير في صحته فلذلك جاز أن تقر عليه بعد رجوعها إليه.
والثالث: أنها تؤخذ برجوعها إلى الإسلام، فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه، أو إلى دين يقر أهله عليه فيستوي حكم دينها وغيره من الأديان التي تقر أهلها عليه في رجوعها إلى ما شاءت منها؛ لأن الكفر كله عندنا ملة واحدة وإن تنوع فإذا تقرر توجيه هذه الأقاويل فلها حالتان:
إحداهما: أن ترجع إلى الدين الذي أمرت بالرجوع إليه.
والثاني: أن لا ترجع إليه فإن لم ترجع إليه وأقامت على دينها فنكاحها قد بطل ولا مهر لها إن كان قبل الدخول ولها المهر وإن كان بعد الدخول وما الذي يوجب حكم هذه الردة [فيه قولان] قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 227
أحدهما: القتل كالمسلمة إذا ارتدت.
والثاني: أن تبلغ مأمنها من دار الحرب ثم تصير حرباً إلى الدين الذي أمرت به فهي على حقن دمها وفي أمان ذمتها، ثم ينظر في الدين الذي رجعت إليه، فإن كان دينًا يجوز نكاح أهله كالإسلام أو اليهودية أو النصرانية فالنكاح معتبرًا بما قدمناه، وإن لم يكن قد دخل بها فقد بطل، وإن كان قد دخل بها فإن كان الرجوع إلى الدين المأمور به بعد انقضاء العدة فقد بطل أيضًا، وإن كان قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وإن كانت قد رجعت إلى دين يقر أهله عليه ولا يجوز نكاح أهله كالمجوسية والصابئة والسامرة فالنكاح باطل، وإن كانت مقرة على هذا الدين ما لم تنتقل عنه قبل انقضاء العدة إلى دين يجوز نكاح أهله فتكون ممن قد ارتفع عنها حكم الردة ولم يرتفع عنها وقوف النكاح.
فصل:
والقسم الثالث: أن ترتد عن دينها الذي كانت عليه إلى دين يقر أهله عليه ولا يجوز نكاحهم كأنها ارتدت من يهودية إلى مجوسية ففي إقرارها عليه قولان:
أحدهما: تقر عليه لأن الكفر كله ملة واحدة.
والثاني: لا تقر عليه وفيما تؤمر بالرجوع إليه قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه فأما النكاح فإن كانت ردتها قبل الدخول بطل وإن كانت بعدة فسواء أقرت عليه أو لم تقر هو موقوف على انقضاء العدة لأنه لما يجز أن يستأنف نكاح من لم تزل مجوسية لم يجز استدامة نكاح من أقرت على الانتقال إلى المجوسية، وإذا كان كذلك روعي حالها فإن انتقلت قبل انقضاء عدتها إلى دين يحل نكاح أهله صح إلا بطل.
فصل:
والقسم الرابع: أن ترتد عن دينها الذي كانت عليه إلى دين يجوز نكاح أهله كأنها كانت يهودية فتنصرت أو نصرانية فتهودت ففي إقرارها على الدين الذي انتقلت إليه قولان:
أحدهما: تقر، فعلى هذا يكون النكاح بحالة سواء كان قبل الدخول أو بعده.
والثاني: لا تقر عليه وفيما تؤمر بالرجوع إليه قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فإلى دينها الذي كانت عليه فعلى هذا إن لم يكن قد دخل بها فالنكاح قد بطل وإن كان قد دخل بها فهو موقوف على انقضاء العدة فإن رجعت
الجزء: 9 - الصفحة: 228
عنه إلى ما أمرت به قبل انقضائها صح النكاح وإلا بطل والله أعلم.
باب الاستطاعة للحرائر وغير الاستطاعة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:25] وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ أَرَادَ الأَحْرَارَ لأَنَّ المِلْكَ لَهُمْ وَلاَ يَحِلُّ مِنَ الإِمَاءِ إِلاَّ مُسْلِمَةٌ وَلاَ تَحِلُّ حَتَّى يَجْتَمِعَ شَرْطَانِ أَنْ لاَ يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ وَيَخَافُ العَنَتَ إِنُ لَمْ يَنْكِحَهَا وَالعَنَتُ الزَّنَا، احْتَجَّ جَابِر بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ وَجَدَ صَدَاقَ امْرَأٍَة فَلاَ يَتَزَوَّجْ أَمَةٍ.
قَالَ طَاوُسُ: لاَ يَحِلُّ نِكَاحَ الحُرِّ الأَمَةَ وَهُوَ، يَجِدُ صَدَاقَ الحُرَّةِ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارِ: لاَ يَحِلُّ نِكَاحُ الإِمَاءِ اليَوْمً لأَنَّهُ يَجِدُ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في نكاح الحرائر من المسلمات والكتابيات إذا نكحن الأحرار والعبيد فأما نكاح الإماء فله حالان:
أحدهما: مع العبد.
والثاني: مع الحر.
فأما العبد في نكاح الإماء فله أن ينكحهن كما ينكح الحرائر من غير شرط زائد، والكلام فيه يأتي مع ذكر ما فيه من خلاف.
وأما الحر فحكمه في نكاح الأمة مخالف لحكمه في نكاح الحرة، فلا يجوز أن ينكحها إلا بثلاث شرائط تعتبر فيه، وشرط رابع يعتبر في الأمة فأما الشرط المعتبر في الأمة الإسلام ويأتي الكلام فيه.
وأما الثلاث شرائط المعتبرة في الحر:
أحدها: أن لا يكون تحته حر.
والثاني: أن لا يجد طوًلا لحرة.
والثالث: أن يخاف العنت إن لم ينكح أمة والعنت الزنا فإذا استكمل هذه الشروط الثلاثة حل له نكاح أمة وإن أخل بشرط منها لم يحل له نكاحها.
وقال أبو حنيفة: يعتبر في نكاح الأمة شرط واحد وهو أن لا يكون تحته حرة ولا يعتبر عدم الطول وخوف العنت.
وقال مالك: يعتبر فيه عدم الطول وخوف العنت ولا يعتبر فيه ألا تكون تحته حرة.
وقال سفيان الثوري: يعتبر فيه خوف العنت وحده.
وقال آخرون: لا يعتبر فيه شيء من هذه الشرائط، ويكون نكاحها كنكاح الحرة، فأما أبو حنيفة فاستدل على عدم الطول وخوف العنت غير معتبرين بعموم قوله تعالى:
الجزء: 9 - الصفحة: 229
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:2] فكان على عمومه في نكاح ما طاب من الحرائر والإماء ثم قال في آخر الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:3] يعني نكاح واحدة من الحرائر أو نكاح واحدة مما ملكت أيمانكم فكان هذا نصًا فصار أول الآية دليًلا من طريق العموم وآخرها دليًلا من طريق النص.
واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:221] وقد ثبت أن له أن يتزوج الكتابية الحرة من غير شرط فالأمة المؤمنة التي خير منها أولى أن يجوز نكاحها
ومن القياس: أنه ليس تحته حرة فجاز له نكاح الأمة كالعادم للطول والخائف للعنت ولأن كل من حل له نكاح الأمة إذا خشي العنت حل له نكاحها.
وإن أمن العنت كالعبد ولأن كل من حل له نكاحها إذا لم يجد طوًلا حلّ نكحها، وإن وجد طوًلا كالحرة، ولأن كل نقص لم يمنع من النكاح إذا لم يقدر على سليم منه لم يمنع من النكاح وإن قدر على سليم منه قياسًا على نكاح الكافرة مع القدرة على مسلمة ولا وجود نكاح الأخت يمنع من نكاح أختها ووجود مهرها لا يمنع كذلك وجود الحرة يمنع من نكاح الأمة ووجود مهرها لا يمنع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:25] فأباح نكاح الأمة بشرطين:
أحدهما: عدم الطول.
والثاني: خوف العنت.
فأما الطول: فهو المال والقدرة مأخوذة من الطول ولأنه ينال به معالي الأمور، كما ينال الطول معالي الأشياء.
وأما العنت ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه الزنا.
والثاني: أنه الحد الذي يصيبه من الزنا.
فلما جعل الإباحة مقيدة بهذين الشرطين لم يصح نكاحها إلا بهما فإن قالوا هذا الاحتجاج بدليل الخطاب وهو عندنا غير حجة فعنه جوابان:
أحدهما: أنه دليل خطاب عندنا حجة فجاز أن هي دلائلنا على أصولها.
والثاني: أنه شرط علق به الحكم لأن لفظة "من" موضعه للشرط ويكون تقديره من لم يجد طوًلا وخاف العنت نكح الأمة والحكم إذا علق بشرطين انتفي بعدم ذلك الشرطين وكعذر أحدهما فإن قالوا فقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ محموًلا على الوطء؛ لأن حقيقة النكاح هو الوطء، ويكون تقديره: ومن لم
الجزء: 9 - الصفحة: 230
(يستطع) منكم طولًا وطء حرة لعدمها تحته حل له نكاح أمة وكذا يقول، فعن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن النكاح عندنا حقيقة في العقد دون الوطء وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى النكاح في كتابه فالمراد به العقد دون الوطء وكذلك هنا هنا.
والثاني: أن الطول بالمال معتبر في العقد دون الوطء فكان حمل النكاح على العقد الذي يعتبر فيه الطول أولى من حمله على الوطء الذي لا يعتبر فيه الطول أولى.
والثالث: أن حمله على الوطء يسقط اشتراط العنت وحمله على العقد لا يسقطه فكان حمله على العقد الذي يجمع فيه بين شرطيه أولى من حمله على الوطء الذي يسقط أحد شرطيه.
فإن قالوا: فيحمل قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:25] على وطئها بملك اليمين لا بعقد النكاح فالجواب عن هذا أن في سياق الآية ما يدل على بطلان هذا التأويل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:25] وليس عد الطول شرطًا في وطء الأمة بملك اليمين.
والثاني: قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء:25 [وليس يراعى في وطئه بملك يمينه إذن أحد.
والثالث: وليس خوف العنت شرطًا في وطئها بملك اليمين فبطل هذا التأويل وصح الاستدلال بالآية.
ومن طريق الإجماع أنه مروى عن ابن عباس وجابر أما ابن عباس فروى عنه البراء وطاوس أنه قال: من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه الإماء.
وأما جابر فروي عنه أبو الزبير أنه قال: "من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة" وليس يعرف لقول هذين الصحابيين مع انتشاره في الصحابة مخالف فكان إجماعًا لا يجوز خلافه.
ومن طريق القياس: أنه مستغن عن نكاح أمة فلم يجز له نكاحها قياسًا على من تحته حرة وإن ثبت أن تقول منعن عن استرقاق ولده قياسًا على هذا الأصل.
وتقول حرة من العنت قادر على وطء حرة قياسًا على هذا الأصل.
أو تقول حرًا من العنت قياسًا على هذا الأصل فتعلله بما شئت من أحد هذه الأوصاف الأربعة والوصف الأخير أشدها ولأن من قدر على قيمة المبدل الكامل كان كمن قدر عليه في تحريم الانتقال إلى المبدل الناقص كالانتقال في الطهارة ومن الماء إلى التراب وفي الكفارة من الرقية إلى الصيام ولأنه لو جمع في العقد الواحد بين حرة وأمة.
بطل نكاح الأمة فكذلك إذا أفردها بالعقد مع قدرته على الحرة.
وتحريره: أن كل امرأتين لو جمع بينهما في العقد بطل نكاح إحداهما ووجب إذا أفردت بالعقد أن تبطل نكاحها كالأخت مع الأجنبية وكالمعتدة مع الخلية ولأن من تحته حرة هو ممنوع عن نكاح أمة.
وليس يخلو حال منعه من أربعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 231
أقسام: إما أن يكون لأن تحته امرأة وإما أن يكون لأنه جامع بين حرة وأمة وإما أن يكون لأنه قادر على نكاح حرة وإما أن يكون لأنه جامع بين حرة وأمة وإما أن يكون لأنه قادر على نكاح حرة وإما أن يكون لأنه قد أمن العنت فبطل أن يكون المنع لأنه تحته حرة لأنه لو عقد على حرة وأمة بطل نكاح الأمة وإن لم يكن تحته حرة وبطل أن يكون المنع لأنه جامع بين حرة وأمة لأنه لم ينكح بعدها حرة فيصير جامعًا بين أمة وحرة وإذا بطل هذان القسمان صار عليه المنع هو القسمان الآخران وهو القدرة على نكاح حرة وأنه أمن من العنت فصار وجود هذين علة في التحريم وعدمها علة في التحليل.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فهو أن استدلالهم فيها بالعموم متروك بما ذكرناه من النص في التخصيص واستدلالهم منه بالنص باطل.
لأنه قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:3 [فكان هذا تخييرًا بين العقد على حرة وبين وطء الإماء بملك اليمين ولم يكن تخييرًا بين العقد على حرة والعقد على أمة لأن الله تعالى لم يشرط في ملك اليمين عددًا فوجب أن يكون محمولًا على ما شرط فيه العدد من التسري بهن دون ما يشترط فيه العدد من عقد النكاح عليهن.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: 221] فالمراد بالمشركة ها هنا الوثنية دون الكتابية لأن الله تعالى قد فصل بينهما وإن جاز أن يعمهما اسم الشرك فقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1 [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: 6] وإذا كان المراد بهما الوثنية فنكاح الأمة المؤمنة خير من نكاحها، لأنها قد تحل إذا وجد شرط الإباحة والوثنية لا تحل بحال.
وأما قياسهم على العادم للطول والخائف للعنت بعلة أنه ليس تحته حرة فمنتقص بمن تحته أربع: وإما لا يجوز له عنده أن ينكح أمة وإن لم يكن تحته حرة، ثم المعنى في الأصل أن العادم للطول عاجز عن الحرة والواجد قادر فلا يجوز أن يقاس القادر على البذل على العاجر عنه كالواجد لثمن الرقبة في الكفارة لا يجوز أن يقاس على العادم لثمنها.
وأما قياسهم على العبد فالمعنى فيه: أنه لا عار على العبد في استرقاق ولده فجاز أن لا يعتبر فيه خوف العنت وعلى الحر عار في استرقاق ولده فاعتبرت ضرورته لخوف العنت.
وأما قياسهم على نكاح الحرة فالمعنى في الحرة: أنه لما جاز نكاحها على حرة جاز نكاحها على وجود الطول ولما لم يجز نكاح الأمة على الحرة لم يجز نكاحها مع وجود الطول وكذلك الجواب عن قياسهم على نكاح الكتابية والكافرة أن يجوز نكاحها وإن كانت تحته سلمة ولا يجوز نكاح الأمة إذا كان تحته حرة.
وأما استدلالهم بان القدرة على مهر الأخت لا يمنع من نكاح أختها فكذلك القدرة على مهر الحرة لا يمنع من نكاح
الجزء: 9 - الصفحة: 232
الأمة فخطأ؛ لأن المحرم في الأختين هو الجمع بينهما في العقد وهذا الجمع غير موجود في القدرة على المهر كما لم يمنع القدرة على مهور أربع من العقد على خامسة ويمنع وجود الأربع تحته أن يعقد على خامسة وليس كذلك الأمة لأنها حرمت للقدرة على حرة ولأنه يحرم الجمع بينهما وبين الحرة ألا ترى أنه لو نكح حرة بعد أمة جاز وقد جمع بين حرة وأمة وإذا كان تحرمها للقدرة على حرة كان بوجود مهر الحرة قادر على حرة فافترقا.
فصل:
وأما مالك فاستدل على أنه يجوز أن ينكح الأمة وإن كانت تحته حرة بأنه ربما لم تنفعه الحرة لشدة شهوته وقوة شبقه فخاف العنت مع وجودها لاسيما وقد يمضى للحرة زمان حيض يمنع فيه من إصابتها فدعته الضرورة مع وجوده بحرة تحته إذا عدم طول حرة أخرى أن ينكح أمة وليأمن بها العنت كما يأمن إذا لم يكن تحته حرة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فلما كان طول الحرة يمنعه من نكاح الأمة كان وجود الحرة أولى أن يمنعه من نكاح الأمة لأن القدرة على الشيء أقوى حكمًا من القدرة على بدله.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" حكاه أبو سعيد المكي عن الرازي، ولأن من منعه عوض المبدل من الانتقال إلى البدل كان وجود المبدل أولى أن يمنعه، من الانتقال إلى البدل كالمكفر.
وأما استدلاله ففاسد بمن لم تقنعه أربع زوجات بقوة شبقه وإنه ربما اجتمع حيضهن معًا.
ولا يدل ذلك على جواز نكاح الخامسة على أن الحرة الواحدة قد تقنع ذا الشبق الشديد بأن يستمتع في أيام حيضتها بما دون الفرج منها.
فصل:
فإذا ثبت وتقرر أن نكاح الحر للأمة معتبر بثلاث شرائط فكذلك نكاحه للمدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن رق بعضها وإن قل لا يجوز إلا بوجود هذه الشرائط لأن أحكام الرق على جميعهن جارية فجرت أحكام الرق على أولادهن وإذا بت اعتبار الشروط الثلاثة في نكاح كل من يجرى عليه حكم الرق من أمة ومدبرة ومكاتبة وأم ولد وجب أن يوضع حكم كل شرط منها.
أما الشرط الأول: هو أن لا يكون تحته حرة فوجود الحرة تحته لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون استمتاعه بها لأنها كبيرة وهي حلال له؛ لأنه لم يطرأ عليها سبب
الجزء: 9 - الصفحة: 233
من أسباب التحريم فلا يجوز مع وجودها أن ينكح أمة.
والثاني: أنه يمكنه استمتاع بها لكبرها، لكن قد طرأ عليها ما صار ممنوعًا من إصابتها كالإحرام والطلاق الرجعى، الظهار، والعدة من إصابة غيره لها لشبهة، فلا يجوز له مع كونها تحته على هذه الصفة أن ينكح أمة؛ لأن التحريم مقرون بسبب يزول بزوال سببه فصار كتحريمها في أيام الحيض.
والثالث: أن لا يمكنه الاستمتاع بها وإن كانت حلالًا له وذلك لأحد أمرين:
إما لصغر وإما لرق.
وإما لضر من مرض ففي جواز نكاحه للأمة قولان مع وجود هذه الحرة فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن تحته حرة.
والثاني: يجوز لأنه يخاف من العنت وعلى هذين الوجهين لو كان يملك أمة وليس تحته حرة ففي جواز نكاحه للأمة وجهان:
أحدهما: ينكحها تعليلًا بأن ليس تحته حرة.
والثاني: لا ينكحها تعليلًا لأنه لا يخاف العنت.
وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون عادمًا لصداق حرة ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يعتبر أقل صداق يكون لأقل حرة يؤخذ في مسلمة أو كتابية فعلى هذا يتعذر أن يستبيح الحر نكاح الأمة لأن أقل الصداق عندنا قد يجوز أن يكون واثقًا من فضة أو رغيفًا من خبز وقل ما يعوز هذا أحد فإذا وجده ووجد منكوحة به حرم عليه نكاح الأمة وإن لم يجد أو وجده ولم يجد منكوحة به حل له من نكاح الأمة.
والثاني: أننا نعتبر أقل صداق المثل لأي حرة كانت من مسلمة أو كتابية ولا يعتبر أقل ما يجوز أن يكون صداقًا فعلى هذا لو وجد حرة بأقل من مهر مثلها مما يجوز أن يكون صداقًا وهو واجد لذلك القدر حل له نكاح الأمة ولو وجد صداق المثل لحرة أو كتابية لم يحل له نكاح الأمة.
والثالث: أننا نعتبر أقل صداق المثل لحرة مسلمة فعلى هذا إن وجد صداق المثل لكتابية ولم يجد صداق المثل لمسلمة حل له نكاح الأمة لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] فشرط إيمان الحرائر وعلى هذا الوجه لو كان تحته حرة كتابية حل له نكاح الأمة وعلى هذا الوجه لو وجد حرة يتزوجها بأقل من صداق المثل وهو واجده حل له نكاح الأمة ولو وجد ثمن أمة وهو أقل من صداق حرة ففي جواز تزويجه للأمة وجهان:
أحدهما: يجوز لقوله تعال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25].
والثاني: لا يجوز لأنه مستغن عن استرقاق ولده.
وأما الشرط الثالث: وهو أن يخاف العنت وهو الزنا فسواء خافه وهو ممن يقدم
الجزء: 9 - الصفحة: 234
عليه لقلة عفافه أو كان ممن لا يقدم عليه لتحرجه وعفافه في أن خوف العنت فيهما شرط في إباحة نكاح الأمة لهما.
فأما إذا خاف العنت من أمة بعينها أن يزنى بها إن لم يتزوجها لقوة ميله إليه وحبه لها فليس له أن يتزوجها إذا كان واجدًا للطول لأننا نراعى عموم العنت لا خصوصه، والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت أن نكاح الحر للأمة معتبر بما أوضحناه من الشروط الثلاثة فليس إذا استكملت فيه أن ينكح أكثر من أمة واحدة.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن ينكح منهن أربعًا كالحرائر استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فأطلق ملك اليمين إطلاق جمع فحمل على عمومه في استكمال أربع كالحرائر ولأن كل جنس حل نكاح الواحدة منه حل نكاح الأربع من كالحرائر طردًا والثنيات عكسًا ولأن كل من جاز أن يتزوج بأكثر من حرة واحدة جاز له أن يتزوج بأكثر من أمة واحدة كالعبد.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] وهذا إذا تزوج أمة واحدة منذ أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على ما تحته من الحرائر أخرى ولك تحر هذا قياسًا فنقول: إنه حر أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على من تحته حرة وإن شئت قلت حر قادر على وطء بنكاح قياسًا على هذا الأصل، ولأنه محظور إلا عند الضرورة فلم يستبح منه إلا ما دعت إليه الضرورة كأكل الميتة.
فأما الاستدلال بالآية فلا يقتضى إلا أمة واحدة لأنه قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فلما كان المراد بالحرائر المحصنات واحدة وجب أن يكون المارد بما في مقابلتهم من الإماء واحدة وعلى أن الأمة يدل من الحرة، ولا يجوز أن يكون البدل أوسع حكمًا من المبدل.
وأما قياسهم على الحرائر فالمعنى فيهن: جواز العقد عليهن بغير ضرورة، ولأنه لا يسترق ولده فيدخل عليه باسترقاق ضرر فخالف نكاح الإماء على هذين الوجهين.
وأما الجواب عن قياسهم على العبد فهو أنه يجوز أن ينكح الأمة لغير ضرورة وليس عليه استرقاق ولده ضرر فخالف من هذين الوجهين فعلى هذا لو تزوج أمتين ثبت نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، فإن تزوجها في عقد واحد بطل نكاحهما؛ لأن إحداهما إن حلت فهي غير معنية، فصار كمن تزوج أختين بطل نكاح الثانية إن زوجها في عقدين وبطل نكاحهما إن تزوجهما في عقد واحد.
فصل:
وإذا قد مضى الكلام في نكاح الأحرار للإماء انتقل الكلام إلى نكاح العبيد لهن
الجزء: 9 - الصفحة: 235
فيجوز للعبد أن ينكح الإماء مطلقًا من غير شرط، فينكحا وغن أمن العنت أو كان تحته حرة.
وقال أبو حنيفة: هو كالحر لا يجوز أن ينكح الأمة إذا كان تحته حرة استدلالًا بأن من تحته حرة فهو ممنوع من نكاح الأمة كالحر.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فخص الأحرار بتوجيه الخطاب إليهم ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ فخصهم به أيضًا فاقتضى أن يكونوا مخصوصين بهذا المنع ويكون العبد على إطلاقه من غير منع، ولأن من جاز له أن ينكح امرأة من غير جنسه جاز له أن ينكح عليها امرأة من جنسه، كالحر إذا نكح أمة يجوز له أن ينكح عليه حرة.
فأما قياسه على الحر فمنع منه النص، ثم المعنى في الحر أنه يلحقه في نكاح الأمة عار لا يلحق العبد.
فإذا تقرر هذا كان للعبد أن ينكح أمة على حرة وأن يجمع في العقد الواحد بين أمة وحرة وأن يجمع بين أمتين كما يجمع بين حرتين والله أعلم.
مسألة:
قَال الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فَإِن عَقَدَ نِكَاَح حُرّةٍ وَأَمَةٍ مَعًا، قيلَ: يَثبُتُ نِكَاحُ الحُرُّةِ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأمَةِ.
وَقِيلَ: يَنْفَسِخَانِ معًا.
وَقَالَ في القَدِيم نِكَاحُ الحُرّة جَائِزٌ وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوّجَ مَعَهَا أُخْتَهُ مِنَ الرّضَاعِ كَأَنّهَا لَمْ تَكُنْ.
قَالَ الُمزَنَيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحّ في أَصْل قَوْلِهِ؛ لأَنّ النّكَاَحَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَلاَ يَفْسِد بِغَيْرِهِ فَهي في مَعْنَى مَنْ تَزَوّجَهَا قِسْطًا مَعَهَا مِنْ خَمْرٍ بِدِينَارٍ فَالنكَاح ُوَحدْهُ ثَابِت وَالقِسطُ الخَمْرِ والَمهْرِ فَاسِدَانِ"
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة فيمن يحل به نكاح الأمة يزوج بحرة وأمة فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتزوج الأمة ثم يتزوج بعدها حرة فنكاحهما صحيح؛ لأنه نكح الأمة على الشرط المبيح، ونكح الحرة بعد الأمة صحيح.
وقال أحمد بن حنبل: يصح نكاح الحرة ويبطل به ما تقدم من نكاح الأمة، كما لو تقدم نكاح الحرة، وهذا لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" وهذا نص ولأنه عقد نكاح فلم يبطل ما تقدمه من النكاح كما لو نكح حرة على حرة.
والثاني: أن يتزوج بالحرة ثم يتزوج بعدها بالأمة فنكاح الحرة صحيح ونكاح الأمة بعدها باطل لأن الأمة لا يجوز أن يتزوجها وتحته حرة وعند مالك يجوز نكاح الأمة بعد
الجزء: 9 - الصفحة: 236
الحرة ثانيًا إذا كان عادمًا للطول خائفًا للعنت وقد مضى الكلام معه.
والثالث: أن يتزوجهما معًا في عقد واحد فنكاح الأمة باطل؛ لأنه قد صار بعقده عليها مع الحرة قادر على نكاح حرة، وهل يبطل نكاح الحرة أم لا؟ مبنى على تفريق الصفقة في البيع إذا جمع العقد الواحد حلالًا وحرامًا، كبيع خل وخمر في عقد واحد، أو بيع حر وعبد في عقد واحد فيبطل البيع في الحرام وفي بطلانه في الحلال قولان:
أحدهما: وهو قول في القديم، واحد قوليه في الجديد أنه لا يبطل في الحلال تعليلًا بأن لكل واحد منهما في الجمع بينهما حكم في انفرادها فعلى هذا يكون نكاح الحرة جائزًا وإن كان نكاح الأمة باطلًا.
والثاني: وهو أحد قوليه في الجديد أن البيع يبطل في الحلال لبطلانه في الحرام، فاختلف أصحابنا في تعليل هذا القول على وجهين:
أحدهما: أن العلة فيه أن اللفظة الواحدة جمعت حلالًا وحرامًا، فإذا بطل بعضها انتقضت فعلى هذا يبطل نكاح الحرة، كما بطل نكاح الأمة؛ لأن لفظ العقد عليهما واحد.
والثاني: أن العلة فيهما الجهالة بثمن الحلال؛ لان ما قبل الحرام من الثمن مجهول، فصار ثمن الحلال به مجهولًا، فعلى هذا يبطل به من العقد ما كان موقوف لصحة على الأعواض، كالبيع والإجارة الذي لا يصح إلا بذكر ما كان معلومًا من ثمن أو أجرة، فأما العقود التي لا تقف صحتها على العوض كالنكاح والهبة والرهن فيصح الحلال منها، وإن بطل الحرام المقترن بها فيكون نكاح الحرة صحيحًا وإن بطل نكاح الأمة، وفيما يستحقه من المهر قولان:
أحدهما: مهر المثل وإبطال المسمى.
والثاني: قسط مهر مثلها من المهر المسمى بناء على اختلاف قولين فيمن نكح أربعًا في عقد على صداق واحد فأما الزنى فإنه اختار أصح القولين وهو تصحيح نكاح الحرة مع فساد نكاح الأمة إلا أنه استدل لصحته بمثال صحيح وحجاج فاسد.
أما المثال الصحيح فهو قوله: "وكذلك لو تزوج معها أختها من الرضاعة"؛ لأنه إذا جمع في العقد الواحد بين أختها وأجنبية كان لجمعه بين حرة وأمة في عقد واحد فيبطل نكاح أخته وفي نكاح الأجنبية قولان.
وأما الحجاج الفاسد فهو قوله: "فهي في معنى من تزوجها وقسطًا معها من خمر بدينار فالنكاح وحده ثابت والقسط من الخمر فاسد" واختلف أصحابنا في وجه فساد هذا الاعتلال والاحتجاج على وجهين:
أحدهما: وهو قول البغداديين أن وجه فساده أنه إذا زوجه رزقًا من خمر بدينار فهما عقدان بيع ونكاح كأن يقول: بعتك هذا الخمر وزوجتك هذه المرأة بدينار فلم يجز أن يحتج بالعقدين في صحة أحدهما وفساد الآخر على العقد الواحد في أن فساد بعضه لا
الجزء: 9 - الصفحة: 237
يوجب فساد باقيه لأن العقد الواحد حكم واحد وللعقدين حكمان.
والثاني: وهو قول البصريين أنه وجه فساده أنه في النكاح والخمر بدينار قد جمع في العقد الواحد بين نكاح وبيع يختلف حكمهما والشافعي قد اختلف قوله في العقد الواحد إذا جمع شيئين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو رهن وهبة فله قولان:
أحدهما: أنهما باطلان: يجمع العقد الواحد بين مختلفي الحكم.
والثاني: أنهما جائزان لجواز كل واحد منهما على الانفراد، فلم يجز أن يحتج بما يصح العقد فيهما على صحة ما يبطل العقد في أحدهما، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوّجَهَا ثُمّ أَيْسَرَ لَمْ يُفْسِدَهُ مَا بَعْدَهُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تزوج الحر أمة على الشرائط المبيحة ثم ارتفعت الشرائط بعد العقد بأن أمن العنت بعد خوفه أو وجده الطول بعد عدمه أو نكح حرة إن لم يكن فنكاح الأمة على صحة ثبوته.
وقال المزني: إن أمن العنت لم يبطل نكاح الأمة، وإن وجد الطول أو نكح حرة بطل نكاح الأمة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فجعل عدم الطول شرطًا في إباحة الأمة ابتداء فوجب أن يكون شرطًا في أباحتها بانتهاء.
قال: ولأن زوال علة الحكم موجب لزواله والعلة في نكاح الأمة عدم الطول فوجب أن يكون وجوده موجبًا لبطلان نكاحها وهذا خطأ لقول الله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: 32] فندب إلى النكاح لأنه قد يفضى إلى الغنى بعد الفقر فلم يجز أن يكون الغنى الموعود به في النكاح موجبًا لبطلان النكاح ولا عدم الطول شرطًا في نكاح الأمة كما أن خوف العنت شرطًا في نكاحها فلما لم يبطل نكاحها إذا زال العنت لم يبطل إذا وجد الطول.
ولأن الطول بالمال غير مراد للبقاء والاستدامة لأنه يراد للاتفاق لا للبقاء وما يراد للبقاء إذا كان شرطًا في ابتداء العقد لم يكن شرطًا في استدامته كالإحرام والعدة بالعقد لم يبطل ولما كانت الردة والرضاع يردان للاستدامة لأن الردة دين يعتق المرتد للدوام وكان ذلك شرطًا في الابتداء والاستدامة كذلك المال لما لم يرد للاستدامة وجب أن يكون شرطًا في الابتداء دون الاستدامة كالإحرام والعدة.
فأما استدلال المزني بالآية فيقتضى كون ما تضمنها من الشرط في ابتداء العقد دون استدامته وما ذكره من الاستدلال بأن زوال العلة موجب لزوال حكمها فاسد بخوف العنت.
الجزء: 9 - الصفحة: 238
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَحَاجّنِي مَنْ لا يُفْسِخُ نِكَاحَ إِمَاء غَيْرِ المُسلِمَاتِ فَقَاَلَ: لَمّا أَحَلّ اللهُ بَيْنَهُمَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لأَنّها مَانِعَة لَهُ نَفْسَهَا بِالرّدّةِ وَإِن ارْتَدّت مِنْ نَصْرَانيّة إلَى يَهُودِيّةٍ أَوْ مِنْ يَهُودِيّةٍ إِلَى نَصْرَانِيّةٍ لَمْ تَحْرُمْ تَعَالَى نِكَاُح الحُرّةِ الُمْسِلَمِة دَلّ عَلَى نِكَاح الأمَةِ.
قُلْتُ: قَدْ حَرّمَ اللهُ تَعَالَى الَميّتَةَ، وَاسْتَثْنَى إِحْلالَهَا لِلْمُضَطرّ فَهَلْ تَحِل لِغَيْرِ مُضْطَرّ، واَسْتَثْنَى مِنْ تَحْريم المُشْرِكَاتِ إِحْلالَ حَرَائِرِ أَهْلِ الِكتَاب فَهَلْ يَجُوزَ حَرَائرُ غَيْر أَهْل الكِتَاب فَلَا يَحلّ إمَاؤُهُمْ غَيْرُ حَرَائِرِهِمْ وَاشْتَرَطَ في إِمَاءِ المُسْلِمِين فَلَا يَجُوزَ لَهُ إلّا بالشّرْطِ وَقُلْتُ لَهُ: لِم لَا أَحْلَلتَ الأُمّ كَالرّبيبَة وَحَرّمْتَهَا بِالدُّخُول كَالرّبِيبَةِ؟ قَالَ لأنًّ الأُمّ مُبْهَمَة وَالشّرطُ في الرّبِيبَةِ، قُلْتُ: فَهَكَذَا قُلْنَا في التّحْرِيِم في الُمشْركِاَتِ وَالشّرْطِ في التّحْلِيلِ في الحَرَائِرِ وَإِمَاءِ الُمؤِمنَاتِ".
قال في الحاوي: وإذ قد مضى الكلام في الشروط المعتبرة في نكاح الأمة من جهة الزوج بقى الكلام في الشروط المعتبرة من جهتها وهو إسلامها فلا يجوز للمسلم نكاح امة كافرة بمال.
وقال أبو حنيفة: يجوز له نكاح الأمة الكافرة كما يجوز له نكاح الحرة الكافرة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فكانت على عمومها ولان كل من جاز له وطئها بملك اليمين جاز له وطئها بملك نكاح كالمسلمة ولأنه في الأمة الكافرة نقصان: نقص الرق ونقص الكفر وليس لكل واحد من النقصين تأثير في المنع من النكاح إذا انفرد وجب أن لا يكون لهما تأثير فيه إذا اجتمعا.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] فجعل نكاح الأمة مشروطًا بالإيمان فلم يستبح مع عدمه قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] والمحصنات ها هنا الحرائر فاقتضى أن لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ولأن ذلك إجماع لأنه مروى عن عمر وابن مسعود وليس لهما مخالف ولأنها امرأة اجتمع فيها نقصان لكل واحد منهما تأثير في المنع من النكاح فوجب أن يكون اجتماعهما موجب لتحريمهما على المسلم كالحرة المجوسية أحد نقصيها الكفر والآخر عدم الكتاب.
والأمة الكتابية أحد نقصيها الرق والآخر الكفر ولان نكاح المسلم للأمة الكافرة يفضى إلى أمرين يمنع الشرع من كل واحد منهما.
أحد الأمرين: أن يصير ولدها المسلم مرقوقًا لكافر والشرع يمنع استرقاق كافر لمسلم.
والثاني: أن يسبى المسلم لأن ولدها المسلم ملك لكافر وأموال الكافر يجب أن
الجزء: 9 - الصفحة: 239
تسبى والشرع يمنع من سبى المسلم وإذا كان الشرع مانعًا بما يفضى إليه نكاح الأمة الكافر وجب أن يكون مانعًا من نكاح الأمة الكافرة.
فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فالمراد به الاستمتاع بهن بملك اليمين لا بعقد النكاح فجاز أن يستولى فيه استباحة المسلمة والكتابية لأنه قد استقر عليها ملك مسلم فلم يفضي إلى سبى ولدها وكذلك الحكم في نكاح الأمة المسلمة فلم يجز الجمع بين نكاحها ونكاح الأمة الكافرة وأما قوله: أن كل واحد من النقصين لا يمنع فكذلك اجتماعهما.
قلنا: لكل واحدة منهما تأثير في المنع فصار اجتماعهما مؤثر في التحريم.
فصل:
فإذا استقر ما ذكرنا من الشروط المعتبرة في نكاح الحر للأمة فنكحها وأولدها لم يخل حال الزوج من أن يكون عربيًا أو أعجميًا فإن كان عجميًا كان ولده منها مرقوقًا لسيدها وإن كان عربيًا ففيه قولان:
أحدهما: يكون مرقوقًا لسيدها.
والثاني: يكون حرًا وعلى الأب قيمته لقول النبي صلى الله عليه وسلم "ولا يجرى على عربي صغار بعد هذا اليوم" والاسترقاق من أعظم الصغار فوجب أن ينتفي عن العرب ولأن ذلك مفض إلى استرقاق من ناسب النبي صلى الله عليه وسلم في أقرب آبائه مع وصية الله تعالى بذوي القربى فلو نكح الحر مكاتبة كان في ولدها إن لم يكن عربيًا قولان:
أحدهما: مملوك لسيدها.
والثاني: تبع لها وإن كان عربيًا ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: حر يعتق على أبيه بقيمته.
والثاني: تبع لأمه يعتق بعتقها ويرق برقها.
والثالث: أنه ملك لسيدها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالعَبْدُ كَالُحرّ في أَنّ لَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيّةٍ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يجوز للعبد المسلم أن يتزوج بالأمة الكتابية كما لا يجوز أن يتزوج بها الحر المسلم وجوزه أبو حنيفة كما جوزه للحر وفرق بعض العراقيين بين الحر والعبد فجوز للعبد أن ينكح الأمة الكتابية ولم يجوزه للحر لأن العبد قد ساواها في نقص الرق واختصت معه بنقص الكفر فلم يمنعه أحد النقصين كما لم يمنع المسلم الحر أن ينكح الكتابية الحرة لاختصاصها معه بأحد النقصين وخالف نكاح الحر.
الجزء: 9 - الصفحة: 240
المسلم للأمة الكتابية لاختصاصها معه بنقصين وهذا خطأ لأنه اجتماع النقصين فيها يمنع من جواز نكاحها كالوثنية الحرة لا ينكحها حر ولا عبد لاجتماع النقصين فاستوي في تحريمها بهما من ساواهما في أحدها أو خالفها فيهما فإذا أراد كتابي أن ينكح هذه الأمة الكتابية ودعي حاكمها إلى نكاحها ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يزوجه بها لأنها صارت باجتماع النقصين محرمة عندنا.
والثاني: يجوز لاستوائهما في النقص كما يجوز أن يزوج وثنيًا بوثنية.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَأَيُّ صِنْفٍ حَلَّ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ وَمَا حَرَّمَ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأمة قد تصير فراشًا بالوطء, كما تصير الحرة فراشًا بالعقد فأي صنف حل نكاح حرائرهم فهم المسلمون وأهل الكتاب من اليهود والنصارى حل وطء إمائهم بملك اليمين وهن الإماء المسلمات واليهوديات والنصرانيات وقد استمتع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بأمتين بملك يمينه:
إحداهما: مسلمة وهي مارية وأولدها ابنه إبراهيم, والأخرى يهودية وهي ريحانة, ثم بشر بإسلامها فسر به وأعتق أمتين وتزوجهما وجعل عتقهما صداقهما:
إحداهما: جويرية والأخرى: صفية.
فأما من لا يحل نكاح حرائرهم من المجوس وعبدة الأوثان فلا يحل وطء إمائهم بملك اليمين.
وقال أبو ثور: كل وطء جمع الإماء بملك اليمين على أي كفر كانت من مجوسية أو وثنية أو دهرية استدلالًا بأن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال في ذات سبي هوازن وهن وثنيات: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض" فأباح وطئهن بالملك بعد استبرائهن ولأن الوطء بملك اليمين أوسع حكمًا منه بعقد النكاح لأنه لا يستمتع من الإماء بمن شاء من غير عدد محصور ولا يحل بعقد النكاح أكثر من أربع فجاز لاتساع حكم الإماء أن يستمتع منهن بمن لا يجوز أن ينكحها من الوثنيات وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] فكان على عمومه في الحرائر والإماء, ولأن المحرمات بعقد النكاح محرمات بملك اليمين كذوات الأنساب ولأن ما حرم به وطء ذوات الأنساب حرم به وطء الوثنيات كالنكاح.
فأما سبي هوازن فعنه جوابان:
أحدهما: يجوز أن يكون قبل تحريم المشركات في سورة البقرة.
الجزء: 9 - الصفحة: 241
والثاني: يجوز أن يكن قد أسلمن لأنه في النساء رقة لا يثبتن معها بعد السبي على دين وأما الاستدلال باتساع حكمهن في العدد فليس للعدد تأثير في أوصاف التحريم كا لم يكن له تأثير في ذوات الأنساب, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَا أَكْرَهُ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ إِلَّا لِئَلَّا يُفْتَنَ عَنْ دِيِنِه أَوْ يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية الحربية في دار الإسلام ودار الحرب, وأبطل العراقيون نكاحها في دار الحرب بناء على أصولها في أن عقود دار الحرب باطلة وهي عندنا صحيحة, ولأن صحة العقد ونساؤه معتبر بالعاقد والمعقود عليه دون الولد.
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] ولم يغرم, ولأن الحرية في إباحتهن الكتاب دون الدار, ولأنه لما جاز وطئهن بالسبي فأولى أن يجوز وطئهن بالنكاح, ولأن من حل نكاحها في دار الإسلام حل نكاحها في دار الحرب كالمسلمة, فإن صلح نكاح الحربية فهو عندنا مكروه لثلاثة أمور:
أحدها: لئلا يفتن عن دينه بها أو بقومها فإن الرجل يصبو إلى زوجته بشدة ميله.
والثاني: لئلا يكثر سوادهم بنزوله بينهم وقد قال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "من كثر سواد قوم فهو منهم".
والثالث: لئلا يسترق ولده وتسبي زوجته لأن دار الحرب ثغر وتنغم فإن سبي ولده لم يسترق لأنه حر مسلم وإن سبيت زوجته ففيه قولان:
أحدهما: يجوز استرقاقها لأن ما بينهما من عقد النكاح هو حق له عليها بالدين ولو كان له عليها دين لم يمنع من استرقاقها كذلك النكاح.
والثاني: أنه قد ملك بعضها بالنكاح فلم يجز أن يستهلك عليه بالاسترقاق كما لو ملك منافعها بالإجارة ورقبتها بالشراء.
باب التعريض بالخطبة
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَدُّلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي العِدَّةِ جَائِزٌ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّعْرِيضِ وَقَدْ ذَكَرَ القَسَم بَعْضَهُ وَالتَّعْرِيضُ كَثِيرٌ, وَهُوَ خِلَافُ
الجزء: 9 - الصفحة: 242
التَّصْرِيح وَهُوَ تَعْرِيضُ الرَّجلِ لِلمَرْأَةِ بِمَا يَدُلُّهَا بِهِ عَلَى إِرَادَةِ خِطْبَتِهَا بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ وَتُجِيبُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَالقُرْآن كَالدَّلِيل إِذَا أَبَاحَ التَّعْرِيضَ وَالتَّعْريضُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ جَائِزٌ سِرًّا وَعَلَانِيَةً عَلَى أَنَّ السِّرَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ هُوَ الجِمَاعُ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
أَلَا زَعَمَتْ بِسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي
كذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمْنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي
قال في الحاوي: اعلم أن النساء ثلاث: خلية وذات زوج ومعتدة فإن الخلية التي لا زوج لها وهي في عدة فيجوز خطبتها بالتعريض والتصريح وأما ذات الزوج فلا يحل خطبتها بتعريض ولا تصريح وأما المعتدة فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون رجعية.
والثاني: أن تكون بائنًا لا تحل للزوج.
والثالث: أن تكون بائنًا تحل للزوج.
فأما الرجعية فلا يجوز لغير الزوج أن يخطبها تصريحًا ولا تعرضًا لأن أحكام الزوجية عليها جارية من وجوب النفقة ووقوع الطلاق والظهار منها, وإنما يتوارثان إن مات أحدهما, ويعتد عدة الوفاة إن مات الزوج ومتى أراد الزوج رجعتها في العدة كانت زوجته.
فصل
وأما البائن لا تحل للزوج فالمطلقة ثلاثًا أو المتوفي عنها زوجها وإن لم يتوجه إلى الزوج بعد موته تحليل ولا تحريم, فإذا كان في عدة من وفاة زوج فحرام أن يصرح أحد بخطبتها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ [البقرة: 235] يريد بالعزم على عقدة النكاح التصريح بالخطبة وبقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ يريد انقضاء العدة ولأن في المرأة من غلبة الشهوة والرغبة في الأزواج ما ربما يبعثها على الإخبار بانقضاء العدة قبل أوانها.
وقولها في انقضاء العدة مقبول فتصير منكوحة في العدة فحظر الله تعالى التصريح بخطبتها حسمًا لهذا التوهم, فأما التعريض بخطبتها في العدة بما يخالف التصريح من القول المحتمل فجائز, قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235] يعني بما عرضتم من جميل القول أو كنتم في أنفسكم من عقد النكاح.
وروى عن أم سلمة أن النبي صَلَى الله عليه وسلم جاءها بعد موت أبي سلمة وهي تبكي وقد وضعت خدها على التراب حزنًا على أبي سلمة فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "قولي إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم اغفر لي وله واعقبني منه وعوضني خيرًا منه" قالت أم سلمة: فقلت في نفسي من خير من أبي سلمة أول المهاجرين هجرة, وابن عم رسول الله صَلَى الله عليه وسلم , وابن عمي, فلما
الجزء: 9 - الصفحة: 243
تزوجني رسول الله صَلَى الله عليه وسلم علمت أنه خير منه.
فدَّلت الآية, والخبر على جواز التعريض بخطبة المعتدة من الوفاة, وأما المعتدة من الطلاق فثلاث فلا يجوز للزوج المطلق أن يخطبها بصريح ولا تعريض؛ لأنها لا تحل له بعد العدة فحرمت عليه الخطبة.
وأما غير المطلق فلا يجوز له أن يصرح بخطبتها, ويجوز أن يعرض لها لما روي أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص ثلاثًا فقال لها النبي صَلَى الله عليه وسلم وهي في العدة: "إذا أحللت فآذنيني" وروت أنه قال لها: "إذا حلت فلا تسبقيني بنفسك" فكان ذلك تعريضًا لها.
وفي معنى المطلقة ثلاثًا: الملاعنة, والمحرمة بمصاهرة أو رضاع, فإذا حل التعريض بخطبتها ففي كراهيته قولان:
أحدهما: قال في كتاب "الأم": إنه مكروه؛ لأن الآية واردة في المتوفي عنها زوجها.
والثاني: أنه غير مكروه قاله في القديم "والإملاء".
قال الشافعي: لو قال قائل: أمرها في ذلك أخف من المتوفي عنها زوجها جاز ذلك لان هناك مطلق به يمنع من تزويجها قبل العدة.
فصل:
وأما البائن التي تحل للزوج فهي المختلفة إذا كانت في عدتها يجوز للزوج أن يصرح بخطبتها لأنه يحل أن يتزوجها في عدتها فأما غير الزوج فلا يجوز أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه لها بالخطبة قولان:
أحدهما: لا يجوز لإباحتها للمطلقة كالرجعية قال في كتاب البويطي.
والثاني: لا يجوز لأن الزوج لا يملك رجعتها كالمطلقة ثلاثًا قال في أكثر كتبه وفي معنى المختلعة الموطوءة بشبهة يجوز للوطء أن يصرح بخطبتها في العدة لأنها منه ويحل له نكاحها في العدة ولا يجوز لغيره أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه قولان:
فصل:
فإذا ثبت فرق ما بين التصريح والتعريض فالتصريح ما زال عنه الاحتمال وتحقق منه المقصود مثل قوله: أنا راغب في نكاحك وأريد أن أتزوجك أو يقول إذا قضيت عدتك فزوجيني بنفسك.
وأما التعريض: فهو الإشارة بالكلام المحتمل إلى ما ليس فيه ذكر مثل قوله: رب
الجزء: 9 - الصفحة: 244
رجل يرغب فيك أو أنني أرغب أو ما عليك إثم أو لعل الله أن يسوق إليك خيرًا أو لعل الله أن يحدث لك أمرًا فإذا أحللت فآذنيني إلى ما جرى مجرى ذلك وسواء أضاف ذلك إلى نفسه أو أطلق إذا لم يصرح باسم النكاح وكان محتمل أن يريده بكلامه أو يريد غيره وإذا حل للرجل أن يخطبها بالتصريح حل لها ان تجيبه على الخطبة بالتصريح وإذا حرم عليه أن يخطبها إلا بالتعريض دون التصريح حرم عليها أن تجيبه إلا بالتعريض دون التصريح ليكون جوابها مثل خطبته.
فصل:
وإذا حل التعريض لها بالخطبة جاز سرًا أو جهرًا وقال داود وطائفة من أهل الظاهر: لا يجوز أن يعرض لها بالخطبة سرًا حتى يجهر استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] وهذا خطأ لأن التعريض لما حل اقتضى أن يستوي فيه السر والجهر.
فأما قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ففيه لأهل التأويل أربعة أقاويل:
أحدها: أنه الزنا قاله الحسن, والضحاك, وقتادة والسدي.
والثاني: ألا تنكحوهن في عددهن سراً, قاله عبد الرحمن بن يزيد.
والثالث: ألا تأخذوا ميثاقهن ووعودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم قال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي.
والرابع: أنه الجماع قال الشافعي وسمى سرًا لأنه يسر ولا يظهر واستشهد الشافعي بقول أمرئ القيس:
أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي
كَذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي
وقال آخر:
وَيحْرٌمٌ سِرُّ جَارَتهُمُ عَلَيْهِمْ وَيَاكُلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ
مواعدته لها بالسر الذي هو الجماع أن يقول لها: أنا كثير الجماع قوي الإتعاظ فحرم الله تعالى ذلك لفحشه وأنه ربما أثار الشهوة فلم يؤمن معه مواقعة الحرام وقد روى ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَى الله عليه وسلم: "إنه نهى عن الشياع" يعني المفاخرة بالجماع.
الجزء: 9 - الصفحة: 245
فصل:
فلو أن رجلًا صرح بخطبة معتدة وتزوجها بعد انقضاء العدة كان النكاح جائزًا وإن لم يصرح بالخطبة.
وقال مالك: يفرق بينهما بطلق ثم يستأنف العقد عليها وهذا خطأ؛ لأن ما قدمناه قبل العقد من قول محظور كالقذف أو فعل محظور كإظهار سوأته أو تجرده عن ثيابه لا يمنع من صحة العقد وإن أثم به كذلك التصريح بالخطبة والله اعلم بالصواب.
باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا مَالِك بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِع عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَخْطُبُ أَحَدَكُمُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي" قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ مُعَاوِيَة وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ: "أَمَّا مُعَاوِيَةَ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انكِحِي أُسَامَةَ" فَدَلَّتْ خِطْبَتُهُ عَلَى خِطْبَتِهِمَا أَنَّهَا خِلَافُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِذَا كانَتْ قَدْ أَذِنَتْ فِيهِ فَكَانَ هَذَا فَسَادًا عَلَيْهِ وَفِي الفَسَادِ مَا يُشْبِهُ الِإضْرَارَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفَاطِمَةُ لَمْ تَكُنْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَذِنَتْ فِي أحدهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وقد روى ابن عمر أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وهذان الحديثان صحيحان وليس النهي فيهما محمولًا على الظاهر من تغيير حال المخطوبة فإذا خطب الرجل نكاح امرأة لم يخل حالها من أربعة أقسام:
القسم الأول: إما أن يأذن له في نكاحها فتحرم بعد إذنها على غيره من الرجال أن يخطبها لنهيه صَلَى الله عليه وسلم عنه حفظًا للألفة ومنعًا من الفساد وحسمًا للتقاطع وسواء كان الأول كفؤًا أو غير كفء.
وقال ابن الماجشون: إن كان الأول غير كفء لم تحرم على غيره من الأكفاء خطبتها بناء على صله في أن نكاح غير الكفؤ باطل وأن تراضى به الأهلون وقد تقدم الدليل على صحة نكاحه فإن رجع الأول عن خطبته أو رجع المرأة عن إجابته ارتفع حكم الإذن وعادت إلى الحال الأولى في إباحة خطبتها لحديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".
الجزء: 9 - الصفحة: 246
والقسم الثاني: أن ترد خاطبها وتمنع من نكاحه فيجوز لغيره من الرجال أن يخطبها لأن المقصود بالنهي عن الخطبة رفع الضرر والمنع من التقاطع فلو حمل النهي على ظاهره فيمن لم تأذن له حل الضرر عليها.
والقسم الثالث: أن تمسك عن خطبتها فلا يكون منها إذن ولا رضا ولا يكون منها رد ولا كراهية فيجوز خطبتها وإن تقدم الأول بها لحديث فاطمة بنت قيس المخزومية أن زوجها أبا عمرو بن حفص بت طلاقها.
فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: إذا حللت فأذنيني فلما حلت جاءت إلى النبي صَلَى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد خطبني معاوية وأبو جهم فقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه".
وروى عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة بنت قيس أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال لها: "أما أبو الجهم فأخاف عليك فسفاسته, وأما معاوية فرجل أخلق من المال" أما الفسفاسة: فهي العصا وأما الأخلق من المال فهو الخلو منه, انكحي أسامه بن زيد قالت: فكرهته ثم أطعت رسول الله صَلَى الله عليه وسلم فنكحته فرزقت منه خيرًا واغتبطت به فكان الدليل من الحديث من وجهين:
أحدهما: أن أحد الرجلين قد خطبها بعد صاحبه فلم يذكر النبي صَلَى الله عليه وسلم تحريمه.
والثاني: أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قد خطبها لأسامة بعد خطبتها فدل على أن الإمساك عن الإجابة لا يقتضي الخطبة.
والقسم الرابع: أن يظهر منها الرضا بالخاطب ولا تأذن في العقد وذلك بأن تقرر صداقها أو بشرط ما تريد من الشروط لنفسها ففي تحريم خطبتها قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم وهو مذهب مالك أنها تحرم خطبتها بالرضا استدلالًا بعموم النهي.
والثاني: وبه قال في الجديد انه لا تحرم خطبتها بالرضا حتى يصرح بالإذن لأن الأصل إباحة الخطبة ما لم تتحقق شروط الحظر فعلى هذا وإن اقترن برضاها أذن الولي فيه نظر فإن كانت ثيبًا لا تزوج إلا بصريح الإذن لم تحرم خطبتها وإن كانت بكرًا فيكون الرضا والسكوت منها إذنًا حرمت خطبتها برضاها وإذن وليها وهاهنا قسم خامس وهو أن يأذن وليها من غير أن يكون منها إذن أو رضي فإن كان هذا الولي ممن يزوج بغير إذن كالأب والجد مع البكر حرمت خطبتها بإذن الولي وإن كان ممن لا يزوج إلا بإذن لم تحرم خطبتها بإذن الولي حتى تكون هي الآذنة فيه.
فصل:
فإن ثبت تحريم خطبتها على ما وصفنا من أحكام هذه الأقسام فأقدم رجل على
الجزء: 9 - الصفحة: 247
خطبتها مع تحريمه عليها وتزوجه فكان آثمًا بالخطبة والنكاح جائز وقال داود: النكاح باطل.
وقال مالك: يصح بطلقة استلالًا بأن النهي يقتضي فساد النهي عنه ولقول النبي صَلَى الله عليه وسلم: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" وبقوله صَلَى الله عليه وسلم: "من عمل ما ليس عليه أمرنا فهو رد".
والدليل على صحة النكاح هو أن ما تقدم من العقد غير معتبر فيه فلم يؤثر في فساده لأن النهي إذا كان لمعنى في غير المعقود عليه لم يمنع من الصحة كالنهي عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو أن يبيع حاضر لبادٍ فأما الاستدلال بالخبرين فيقتضي روما توجه النهي إليه وهو الخطبة دون العقد.
فصل:
فأما حديث فاطمة بنت قيس ففيه دلائل على أحكام منها ما ذكرناه من أن السكوت لا يقتضي تحريم الحظر.
ومنها جواز ذكر ما في الإنسان عند السؤال عنه لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال في معاوية: "إنه صعلوك لا مال له" والتصعلك التحمل والاضطراب في الفقر.
قال الشاعر:
غَنَيْنَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالغِنَى وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَاسَيْهِمَا الدَّهْرُ
فَمَا زَادَ بَغْيًا على ذِي قَرَابَةٍ غِنَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابنَا الفَقْرُ
وقال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد به كثرة ضربه لأهله.
والثاني: أنه أراد به كثرة أسفاره يقال لمن سافر: قد أخذ عصاه ولمن أقام قد التقى عصاه, قال الشاعر:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالِإيَابِ المسَافِرُ
والثالث: أنه أراد به كثرة تزويجه لتنقله من زوجة إلى أخي كتنقل المسافر بالعصي من مدينة إلى أخرى ومن دلائل الخبر أيضًا جواز الابتداء بالمشورة من غير استشارة فإن النبي صَلَى الله عليه وسلم أشار بأسامة من غير أن تسأله عنه.
ومنها أن طلاق الثلاث مباح لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم ما أنكره في فاطمة حين أخبرته ومنها جواز خروج المعتدة في زمان عدتها لحاجة لأنها خرجت إليه فأخبرته بطلاقها فقال لها: "إذا حللت فآذنيني" ومنها جواز كلام المرأة وإن اعتدت وإن كلامها ليس بعورة.
الجزء: 9 - الصفحة: 248
ومنها جواز نكاح غير كفء لأنها في صميم قريش من بني مخزوم وأمرها أن تتزوج أسامه وهو مولى إلى غير ذلك من سقوط نفقة المبتوتة ووجوب نفقة الرجعية على ما سنذكره والله ولي التوفيق.
باب نكاح المشرك ومن أسلم وعنده أكثر من أربع
قَالَ الشَّافِعيُّ: "أَخْبَرَنا الثِّقَةُ أَحْسَبُهُ إِسْمَاعِيل بْنِ إِبْراهِيمَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمُ غَيْلانُ بْن سَلَمَةَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَى الله عليه وسلم: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُل يُقَالُ لَهُ الدَّيْلَمِي أَوْ ابْنُ الدَّيْلَمِي: أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ: "اخْتَرْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ وَفَارِق الأُخْرَى" وَقَالَ لِنُوْفَلِ بْن مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ خَمْسٌ: "فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا" قَالَ: فَعَمِدتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ فَفَارَقْتُهَا, قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا أَقُولُ وَلَا أُبَالِي أَكُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَة أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ إِذَا كَانَ مَنْ يُمْسِكُ مِنْهُنّ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئ نِكَاحَهَا فِيِ الإِسْلَام مَا لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِمَا لَأنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَام أَسْلَمَا قَبْلُ ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتَاهُمَا فَاسْتَقَرَّتْ كُلُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ زَوَجِهَا بِالِّنكَاحِ الأَوَّلِ وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ ثُّم أَسْلَمَا فَاسْتَقَرَّتَا بِالنِكَاحِ الأَوَّلِ وَذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الأصل تحريم التناكح بين المسلمين والمشركين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] وقال النبي صَلَى الله عليه وسلم: "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك" وإذا كان كذلك المسلمة لا تحل لكافر بحال سواء كان الكافر كتابيًا أو وثَنِيًا فأما المسلم فيحل له من الكفار الكتابيات من اليهود والنصارى على ما ذكرنا ويحرم عليه ما عداهن من المشركات.
فأما إذا تناكح المشركون في الشرك فلا اعتراض عليهم فيها فإن أسلموا عليها فمنصوص الشافعي في أكثر كتبه جواز مناكحهم وإقرارهم عليها بعد إسلامهم لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم أقر من أسلم على نكاح زوجته.
وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: قال: رد رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيء.
وقال الشافعي في كتبه: إن مناكحهم باطلة.
وقال في موضع آخر: إنها معفو عنها, فغلظ بعض أصحابنا فخرج اختلاف هذه النصوص الثلاثة على ثلاثة أقاويل الذي عليه جمهورهم أنه ليس ذلك لاختلاف أقاويله فيها ولكنه لاختلاف أحوال مناكحهم وهي على ثلاثة أقسام: صحيحة, وباطلة, ومعفو عنها.
الجزء: 9 - الصفحة: 249
فأما الصحيح منها فهو أن يتزوج الكافر الكافرة بولي وشاهدين بلفظ النكاح وليس بينهما نسب يوجب التحريم فهذا النكاح صحيح فإذا أسلموا عليه أقروا وهو الذي أراده الشافعي بالصحة.
فأما الباطل منها فهو أن يتزوج في الشرك بمن تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة فهذا النكاح باطل فإذا أسلموا عليه لم يقروا وكذلك لو نكحها بخيار مؤبد وهذا الذي أراده الشافعي بأنه باطل.
وأما المعفو عنه: فهو أن يتزوج من لا تحرم عليه بنسب ولا رضاع ولا مصاهرة بما يرونه نكاحًا من غير ولي ولا شهود ولا بلفظ نكاح ولا تزويج فهذا معفو عنه.
فإذا أسلموا قروا عليه لأن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم لم يكشف عن مناكح من أسلم من المشركين وهو الذي أراده الشافعي بأنه معفو عنه والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر جواز مناكحهم فلهم إذا حدث بينهم إسلام حالتان:
أحدهما: أن يسلم الزوجان معًا.
والثانية: أن يسلم أحدهما فإن أسلم الزوجان معًا فإن يكن للزوج أكثر من أربع زوجات بأن كان له أربع فما دون وأسلمن كلهن معه في حالة واحدة ثبت نكاحهن كلهن سواء كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول أو بعده وإن كان له خمس زوجات فما زاد وقد أسلم جميعهن بإسلامه كان له أن يختار من جملتهن أربعًا سواء نكحهن جميعهن في الشرك في عقد واحد أو في عقود وسواء أمسك الأوائل والأواخر وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق وبمثل قولنا قال مالك ومحمد بن الحسن وأبو ثور إلا أن مالكًا قال: لا ينفسخ نكاح البواقي بعد الأربع إلا بطلاق وهكذا لو نكح في الشرك أختين ثم أسلمتا معًا أمسك أيتهما شاء وانفسخ نكاح الأخرى بغير طلاق عندنا وبطلاق عند مالك.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا اعتبار بخياره وإنما الاعتبار بعقده فإنه تزوج في الشرك عشرًا في عقد واحد ثم أسلمن معه بطل نكاح جميعهن فإن تزوجهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر اعتبارًا بنكاح المسلم وهكذا لو أنكح أختين أسلمتا معه نظر فإن كان من نكحهما في عقد واحد بطل نكاحهما وإن كان في عقدين ثبت نكاح الأولى منهما وبطل نكاح الثانية.
وقال الأوزاعي: إن نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وإن نكحهن في عقد واحد لم يبطل نكاحهن واختار منهن أربعًا واستدل أبي حنيفة بما روي أن النبي صَلَى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمين فقال له: "أدعهم إلى الشهادة أن لا إلاه إلا الله فإن أجابوك أعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ثم ثبت أن المسلم لو نكح خمسًا في عقد بطل نكاحهن ولو نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر كذلك نكاح المشرك إذا أسلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 250
قال: ولأنه تحريم جميع فوجب أن لا يثبت فيه خيار قياسًا على إسلام المرأة مع زوجين قال: ولأنه تحريم يستوي فيه الابتداء والاستدامة منه فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر قياسًا على تحريم ذوات المحارم.
قال: ولأنه عقد اشتمل على أكثر من أربع فوجب أن يكون باطلًا قياسًا على عقد المسلم.
ودليلنا ما رواه الشافعي في صدر الباب أن غيلان بن سلمة أسلم وأسلم معه عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربع منهن" ولم يسأله عن عقودهن فدل على أنه قد رد ذلك إلى اختياره فيهن، بل قد روي أن غيلان بن سلمة قال: فكنت من أريدها أقول لها: اقبلي.
ومن لا أريدها أقول لها: أدبري وهي تقول: بالرحم بالرحم.
وهذا نص صريح في تمسكه بمن اختار لا بمن تقدم.
وروي عن نوفل بن معاوية أنه قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أمسك أربعاً وفارق واحدة" قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فدل على جواز إمساك الأواخر دون الأوائل.
وروى الضحاك ابن فيروز الديلمي عن أبيه قال: أسلمت وتحتي أختان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى".
وهذا نص في التخيير.
وروي أن رجلًا من بني أسد أسلم وتحته ثمانية نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعًا" قال: فاخترت منهن أربعًا.
وكل هذه الأخبار نصوص في التخيير.
ومن طريق القياس: أن كل امرأة حل له ابتداء العقد عليها في الإسلام حل له المقام عليها في الإسلام بالعقد الناجز في الشرك قياسًا على النكاح بعد الشهود.
وقولنا بعقد ناجز: احترازًا من نكاحها في الشرك بخيار مؤبد ولأنه عدد يجوز له ابتداء العقد عليهن فجاز له إمساكهن كالأوائل.
ومن الاستدلال أنه لو تزوج في الشرك أختين واحدة بعد الأخرى ثم ماتت الأولى وأسلمت معه الثانية جاز له استبدالها فكذلك إذا كانت الأولى باقية ولأنه لما جاز أن يستديم المقام في الإسلام على عقد نكاح في الشرك لا يجوز أن يبتدئ مثله في الإسلام وهو أن يكون قد نكحها بغير شهود جاز مثله في جمع العدد وفي الأواخر.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر فمن يقول بموجبه إننا نحرم عليه الزيادة على أربع كالذي لم يزل مسلمًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 251
فأما قياسهم على المرأة إذا أسلمت مع زوجين تعليلًا بأن تحريم جمع فالتعليل غير مسلم لأنه لم يحرم على المرأة الزوج الثاني بعد الأول لأجل الجمع ولكن لأن الأول قد ملك بضعها فصارت عاقدة مع الثاني على ما قد ملكه الأول عليها فجرى مجرى من باع ملكًا ثم باعه من آخر بطل البيع الثاني لأجل الجمع ولكن يعقده على ما قد خرج عن ملكه كذلك نكاح الزواج الثاني وخالف نكاح الخامسة لأنها غير مملوكة البضع كالرابعة.
وأما قياسهم على ذوات المحارم فالمعنى فيهن: أنه لما حرام ابتداء العقد عليهن حرم استدامة نكاحهن وليس الأواخر.
وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أن عقود المسلم أضيق حكمًا وأغلظ شرطًا من عقود المشرك ألا تراه لو نكح في عدة أو بغير شهود بطل ولو أسلم المشرك عليه أقر كذلك الأواخر.
فصل
فأما الحال الثانية: وهو أن يسلم أحد الزوجين فينظر فإن أسلم الزوج وزوجته كتابية فالنكاح بحاله لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها في الإسلام فجاز أن يستديم نكاحها في الشرك وإن كانت زوجته أو أسلمت وكان زوجها كتابيًا أو وثنيًا فكل ذلك سواء لأن الجمع بينهما بعد إسلام أحدهما محرم وإذا كان كذلك نظر في إسلام أحدهما فإن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده كان موقوفًا على انقضاء العدة فإن أسلمتا المتأخر في الشرك منهما قبل انقضائها كانا على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت بطل النكاح وسواء تقدم بالإسلام الزوج أو الزوجة وسواء كان الإسلام في دار الحرب أو دار الإسلام.
وقال مالك: إن تقدمت الزوجة بالإسلام كان الحكم على ما ذكرناه إن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده على انقضاء العدة وإن تقدم الزوج بالإسلام كان النكاح باطلًا إلا أن تسلم الزوجة بعده بزمان يسير كيوم أو يومين.
وقال أبو حنيفة: إن أسلم أحدهما فلهما ثلاثة أحوال:
حال يكونان في دار الحرب وحال يكونان في دار الإسلام وحال يكون أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام.
فإن كانا في دار الحرب فأسلم أحدهما فالنكاح موقوف على انقضاء العدة سواء كانت قبل الدخول أو بعده.
وإن كانا في دار الإسلام فأسلم أحدهما كان النكاح موقوفًا على الأبد قبل الدخول وبعده إلا أن يعرض الإسلام على المتأخر في الشرك فيمتنع فيوقع الحاكم الفرقة بطلقة وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام فإسلام من حصل في ذلك الإسلام يوجب لفسخ النكاح في الحال قبل الدخول وبعده من غير وقف وسواء كان المسلم هو الزوج أو الزوجة.
وقال داود وأبو ثور: إسلام أحدهما دوم الآخر موجب لفسخ النكاح في الحال من
الجزء: 9 - الصفحة: 252
غير وقف على أي حال كان إسلامه وفي أي مكان كان.
فأما مالك فاستدل لمذهبه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] فوجب أن يحرم على المسلم التمسك بعصمة كافر ولأن إسلام أحد الزوجين إذا كان مؤثرًا في الفرقة كان معتبرًا بإسلام الزوج دون الزوجة لأن الفرقة إلى الرجل دون النساء.
والدليل عليه ما روي أن أبا سفيان وحكيم بن حزام أسلما على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران وزوجناهما في الشرك بمكة فأنقذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا هريرة إلى هند زوجة أبي سفيان فقرأ عليهما القرآن وعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت وزوجة حكيم أسلمت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرهما على النكاح مع تقدم إسلام الزوجين ولأن حظر المسلمة على الكافر أغلظ من حظر الكافرة على المسلم لأن المسلمة لا تحل للكتابي والمسلم تحل له الكتابية فلما لم يتعجل فسخ نكاح المسلمة مع الكافر فأولى أن لا يتعجل فسخ نكاح الكافر مع المسلمة.
فأما الآية فلا دليل فيها لأنه ممنوع أن يتمسك بعصمتها في الكفر وإنما تمسك بعصمتها بعد الإسلام.
وأما استدلاله بأن الفرقة إلى الزوج دون الزوجة فذاك في فرقة الاختيار التي يوقعها المالك والطلاق فأما فرقة الفسوخ فيستوي فيها الزوجان.
فصل:
فأما أبو حنيفة فاستدل على وقوع الفرقة باختلاف الدارين من غير توقف بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] فاقتضى أن تحرم عليه بالإسلام سواء أسلم بعدها أو لم يسلم وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجرت إليه وتخلف زوجها أبو العاص بن ربيع كافرًا بمكة، ثم أسلم فردها عليه بنكاح جديد، فدل على وقوع الفرقة.
قال: ولأن اختلاف الدار بهما حكمًا وفعلًا يوجب الفرقة بينهما قياسًا على سبي أحدهما واسترقاقه.
قال: ولأن دار الحرب غلبة وقهر، لأن من غلب فيها على شيء ملكه ألا ترى لو غلب العبد سيده على نفسه صار العبد حرًا وصار السيد عبدًا ولو غلبت المرأة زوجها على نفسه بطل نكاحها وصار الزوج لها عبدًا فاقتضى أن تصير الزوجة بإسلامها إذا هاجرت من دار الحرب متغلبة على نفسها فوجب أن يبطل نكاحها.
والدليل على أن اختلاف الدارين لا يوجب وقوع الفرقة بإسلام أحد الزوجين ما روي أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام أسلما بمرّ الظهران وهي بحلول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها واستيلائه عليها دار إسلام وزوجناهما على الشرك بمكة وهي إذ ذاك دار
الجزء: 9 - الصفحة: 253
الحرب ثم أسلمتا بعد الفتح فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على النكاح.
فإن قيل: مرّ الظهران من سواد مكة وتابعة لها في الحكم فلم يكن إسلامها إلا في دار واحدة، ففيه جوابان:
أحدهما: أن مرّ الظهران دار الخزاعة محازة عن حكم مكة لأن خزاعة كانت في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بنو بكر في حلف قريش ولنصرة النبي صلى الله عليه وسلم لخزاعة صار إلى قريش بمكة.
والثاني: أن مرّ الظهران لو كان من سواء مكة لجاز أن ينفرد عن حكمها باستيلاء الإسلام عليها كما لو فتح المسلمون سواد بلد من دار الحرب صار ذلك السواد دار إسلام.
وإن كان البلد دار الحرب ويدل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح هرب صفوان بن أمية إلى الطائف وهرب عكرمة بن أبي جهل إلى ساحل البحر مشركين فأسلمت زوجاتهما بمكة وكانت زوجة صفوان برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفي وزوجة عكرمة أم عكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وأخذتا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانًا لهما فدخل صفوان من الطائف بالأمان وأقام على شركة حتى شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا وأعار سلاحًا ثم أسلم وعاد عكرمة من ساحل البحر وقد عزم على ركوبه هربًا فأسلم فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجتيهما مع اختلاف الدارين بهما؛ لأن مكة كانت قد صارت بالفتح دار إسلام وكانت الطائف والساحل دار الحرب.
فإن قيل: هما من سواء مكة وفي حكمها.
فالجواب عنه بما مضى، ومن القياس: أنه إسلام بعد الإصابة فوجب إذا اجتمعا عليه في العدة أن لا تقع به الفرقة قياسًا على اجتماع إسلامها في دار الحرب ولأن ما كانت البينونة بعد منتظرة لم يؤثر فيه اختلاف الدارين كالطلاق الرجعي وما كانت البينونة معجلة لم يؤثر فيه اتفاق الدارين كالطلاق الثلاث فوجب أن يكون الفرقة بالإسلام ملحقة بأحدهما.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فنحن نقول بموجبها لأنها لا ترد المسلمة إلى كافر ولا تحلها له ولا تمسك بعصمة كافرة.
وإنما يردها إلى مسلم ويمسك بعصمة مسلمة وأما الجواب عن حديث زينب فمن وجهين:
أحدهما: ما رواه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه بالنكاح الأول.
والثاني: أنه يجوز أن استأنف لها نكاحًا لأنه أسلم بعد انقضاء العدة حين أسره أبو بصير الثقفي بسيف البحر من نحو الجار.
وأما قياسهم على السبي والاسترقاق فليس المعنى فيه افتراق الدارين إنما حدوث الاسترقاق ألا ترى أنه لو استرق أحدهما وهما في دار الحرب بطل النكاح ولو استرقا معًا بطل النكاح فصار السبي مخالفًا للإسلام على أن الفرقة بالاسترقاق غير منتظرة بحال والفرقة بالإسلام منتظرة في حال فافترقا.
وأما الاستدلال بأنها متغلبة على بعضها فلا يصح لأن الأعيان تملك بالتغلب دون الأبضاع.
ألا ترى أن مسلمًا لو غلب على بضع مشركة لم تصر زوجة ولم يصر زوجًا ولو تغلب
الجزء: 9 - الصفحة: 254
على رقبتها صارت ملكًا.
فصل:
واستدل أبو حنيفة على أن إسلام أحدهما قبل الدخول لا يوجب تعجيل الفرقة بأنه إسلام طرأ على نكاح فوجب أن لا يبطله قياسًا على إسلامهما معًا ولأن الإسلام سبب يستباح به النكاح لأن الكافر لا يستبيح المسلمة إلا يسلم وما كان سببًا في إباحة المحظور لم يكن سببًا في حظر المباح.
ودليلنا عليه هو اختلاف الدارين إذا منع تأييد المقام على النكاح تعجلت به الفرقة إذا كان قبل الدخول كالردة ولأن كل سبب إذا وجد بعد الدخول لم تقع به الفرقة إلا بانقضاء العدة وجب إذا وجد قبل الدخول أن تعجل به الفرقة كالطلاق الرجعي.
فأما قياسه على إسلامهما معًا فلأنه يجوز بإسلامهما تأبيد المقام على النكاح فكان على صحته وإسلام أحدهما يمنع تأبيد المقام فتعجل به فسخ العقد على أن القياس منتقض بالردة قبل الدخول فإنه يقول: لو ارتدا معًا قبل الدخول كانا على النكاح ثم لم أسلم أحدهما بطل النكاح.
وأما استدلاله بأن ما كان سببًا في الإباحة لم يكن سببًا في الحظر ففاسد بالطلاق وهو سبب لتحريم المطلقة وإباحة أختها وسبب لإباحتها لغير مطلقها وإن كان سبب لتحريمها على مطلقها ثم لما لم يمنع أن يكون الإسلام الذي هو سبب الإباحة سببًا للتحريم بعد انقضاء العدة وكذلك قبلها.
واستدل أبو حنيفة على إن إسلام أحدهما في دار الإسلام فوجب بقاء النكاح على الأبد ما لم يعرض الإسلام عن المتأخر منهما في الشرك فإذا عرض عليه فامتنع أوقع الحاكم الفرقة بطلقة تعلقًا بأن الفرقة لا تكون إلا بالحادث وليس يخلو الحادث من ثلاثة أمور:
إما أن يكون لإسلام من أسلم أو للكفر منه تأخر أو لحكم حاكم فلم يجز أن يكون للإسلام لأنه مأمور به فلم يكن سببًا ملكه ولم يجز أن يكون للكفر لأنه قد كان والنكاح بحالة فلم يبق إلا أن يكون بحكم فاقتضى أن تتعلق الفرقة به تقدم الحكم أو تأخر قال: ولأن إسلام أحد الزوجين لا يوقع الفرقة بينهما كما لو أسلم زوج الكتابية.
ودليلنا: هو أن اختلاف الدين إذا منع ابتداء النكاح أوجب وقوع الفرقة من غير حكم قياسًا على إسلام أحدهما في دار الحرب ولأن دار الإسلام أغلظ في أحكام النكاح من دار الشرك ثم كانت دار الشرك لا تراعي في وقوع الفرقة بإسلام أحدهما حكم الحاكم فدار الإسلام بذلك أولى.
فأما الاستدلال الأول فالجواب عنه أن الفرقة إنما وقعت باختلاف الدين المانع من ابتداء النكاح وليس من الأقسام المذكورة فلم يصح الاستدلال بها.
وأما قياسه على إسلام أحد الزوجين فالمعنى فيه: أنه لما لم يمنع ذلك من ابتداء النكاح لأنه يجوز أن
الجزء: 9 - الصفحة: 255
يتزوج المسلم كتابية لم تقع الفرقة بإسلام الزوج الكتابي وليس كذلك في ملتنا لأنه لا يجوز أ، يتزوج المسلم وثنية ولا الوثني مسلمة فجاز أن تقع الفرقة بإسلام أحد الوثنيين.
فصل:
فإذا ثبت وتقرر أن النكاح بإسلام أحد الزوجين قبل الدخول باطل وأنه بعد الدخول موقوف على انقضاء العدة وأنه لا فرق بين إسلام الزوج أو الزوجة ما قاله مالك وأنه لا فرق بين اختلاف الدارين أو اتفاقهما بخلاف ما قاله أبو حنيفة فإن الزوجة المدخول بها قبل اجتماع إسلامهما جارية في عدة الفرقة فإن لم يسلم المتأخر منهما في الشرك حتى انقضت العدة بأن الفرقة وقعت بتقدم الإسلام وصلت بعد انقضاء هذه العدة للأزواج.
وقال أبو حنيفة: ليست تلك العدة عدة فرقة وإنما هي عدة يعتبر بها صحة النكاح باجتماع الإسلاميين فيهما فإذا لم يجتمع إسلامهما وقعت الفرقة بانقضائها وهذا خطأ لأنه لا يخلو من أن يوجب عليها بعد الفرقة إلا عدة واحدة وإن لم يوجب عليها عدة أخرى بطل قوله من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب العدة قبل الفرقة وأسقطها بعد الفرقة.
والثاني: أن العدة تجب إما لاستبراء أو فرقة وقد أوجبها لغير استبراء ولا فرقة وإذا صح ما ذكرنا من وقوع الفرقة تقدم الإسلام فطلقها في حال العدة أولى أو إلى منها أو ظاهر كان ذلك موقوفًا على ما يكون من اجتماع الإسلاميين فإن اجتمعا عليه في العدة صح الإيلاء والظهار لصحة النكاح ووقوعه فيه وإن لم يجتمعا على إسلام في العدة حتى انقضت لم يصح الطلاق ولا الإيلاء ولا الظهار لتقدم الفرقة عليها بالإسلام المتقدم والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ نَكَحَ أُمًّا وَابْنَتَهَا مَعًا فَدَخَلَ بِهِمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَبدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِمَا قُلْنَا.
أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الأُخْرَى.
وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ التَّعْرِيضِ بِالخُطْبَةِ.
وَقَالَ أَوَّلًا: كَانَتْ الأُمُّ أَوْ آخِرًا".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك أمَّا وبنتها ثم أسلم وأسلمتا معه فلا يخلو حاله معها من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يكون قد دخل بهما.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 256
والثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت.
والرابع: أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم.
فأما القسم الأول: هو أن يكون قد دخل بهما فقد حرمتا عليه جميعًا لأن دخوله بالأم يحرم البنت لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ ودخوله بالبنت يحرم الأم لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ فإن قيل: فإذا كان نكاح الشرك معفو عنه فهلا كان الوطء في الشرك معفو عنه.
قيل: لأن الوطء يحدث من تحريم المصاهرة وما يجري مجرى تحريم النسب لثبوت التحريم فيهما على الأبد وليس يعفي عن تحريم النسب فكذلك لا يعفي عن تحريم المصاهرة وخالف العقد الذي تخلف أحواله وينقطع زمانه.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يجوز له أن يتمسك بهما ولو أن يتمسك بإحداهما سواء كان قد عقد عليها في عقد واحد أو في عقدين وسواء تقدمت الأم بالعقد أو تأخرت كمن نكح خمسًا في الشرك بخلاف ما قال أبو حنيفة في تقديم الأوائل على الأواخر وإذا كان كذلك ففي التي يتمسك بها قولان:
أحدهما: أنه يتمسك بنكاح البنت ويقيم عليها ويحرم الأم نص في كتاب "أحكام القرآن" وفيما نقله المزني عنه لأنه العفو عن مناكح الشرك يمنع من التزام أحكامها وتصير بالإسلام بمثابة المبتدئ لما شاء منهما وإذا كان مخبرًا بين الأوائل والأواخر فكذلك يكون مخيرًا بين الأم والبنت فعلى هذا إن اختار البنت حرمت عليه الأم حينئذٍ تحريم تأبيد وإن اختار الأم حرمت البنت باختيار الأم تحريم جمع فإذا دخل بالأم حرمت البنت تحريم تأبيد.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فالبنت قد حرمت عليه بالدخول بالأم وفي تحريم الأم عليه قولان:
أحدهما: أنها محرمة ونكاحها باطل وهو اختيار المزني من قوليه إذا لم يدخل بهما أنه يثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم هاهنا نكاح البنت بالدخول بالأم ويبطل نكاح الأم بالعقد على البنت.
والثاني: أ، الأم لا تحرم ويكون نكاحها ثابتًا وهذا على قول الآخر أنه لو لم يدخل بها لكان مخيرًا في التمسك بمن شاء فيبطل خياره هاهنا لتحريم البنت بالدخول بالبنت ويصير ملتزمًا لنكاح الأم.
فصل:
فأما القسم الرابع: وهو أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم فنكاح البنت ثابت
الجزء: 9 - الصفحة: 257
ونكاح الأم باطل، وبماذا أبطل يكون على القولين:
أحدهما: بالعقد على البنت على القول الذي اختاره المزني.
والثاني: بالدخول بالبنت على القول الآخر.
فصل:
فإذا شك بالدخول فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يشك هل دخل بواحدة منهما أو لم يدخل فالورع أن يحرمها احتياطًا فأما في الحكم فالشك مطروح لأن حكم اليقين في عدم الدخول أغلب وإذا كان كذلك صار في حكم من لم يدخل بواحدة منهما فيكون على ما مضى من القولين:
أحدهما: وهو اختيار المزني أن يقيم على نكاح البنت.
والثاني: يكون مخيرًا في إمساك أيتهما شاء.
والضرب الثاني: أن يتيقن الدخول بواحدة منهما ويشك في التي دخل بها منهما فلا يعلم أهي الأم أم البنت فيكون نكاحهما باطلًا لأن تحريم أحدهما متيقن وإذا تيقن تحريم واحدة من اثنين حرمت عليه اثنتان كما لو تيقن أن إحدى امرأتين أخت حرمتا عليه.
فصل:
فأما إذا كانت المسلمة بحالها في أن نكح في الشرك أمًا وبنتًا واختلف إسلامهم فحكم النكاح معتبر بما ذكرنا من الأقسام الأربعة في الدخول.
الأول: أن يكون قد دخل بهما فلا يوقف نكاح واحدة منهما بالإسلام لتحريم كل واحدة منهما بدخوله بالأخرى ويكون نكاحهما باطلًا.
والقسم الثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يخلو حال من تقدم بالإسلام من أربعة أحوال:
إحداهما: أن يتقدم الزوج وحده بالإسلام فيبطل نكاحهما في الشرك.
والثانية: أ، يتقدم إسلام الأم والبنت على الزوج فيبطل نكاحهما في الإسلام.
والثالثة: أن يتقدم إسلام الزوج والبنت ويتأخر إسلام الأم فيثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم.
والرابعة: أن يتقدم إسلام الزوج والأم ويتأخر إسلام البنت فيبطل نكاح البنت لتأخرها وفي بطلان نكاح الأم قولان فهذا حكم القسم الثاني.
والقسم الثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فنكاح البنت باطل بكل حال وهل يوقف نكاح الأم على اجتماع إسلامهما على القولين.
والقسم الرابع: أن يكون قد دخل دون الأم فنكاح الأم باطل لدخوله بالبنت ونكاح البنت موقوف على اجتماع إسلامهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 258
فصل:
وإذا نكح في الشرك أمًا وبنتها وبنت بنتها ثم أسلم وأسلمن معه فله معهن خمسة أقسام:
أحدهما: أن يكون قد دخل بجميعهن فيكون نكاحهن باطلًا.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهن ففيه قولان:
أحدهما: يقسم على السفلي وهي بنت البنت ويبطل نكاح العليا التي هي الجدة ونكاح الوسطى التي هي الأم.
والقول الثاني: أنه بالخيار بالتمسك بأيتهن شاء.
والثالث: أن يدخل بالعليا دون الوسطى والسفلى فيكون نكاح الوسطى والسفلى باطلًا وفي بطلان نكاح العليا قولان.
والرابع: أن يدخل بالوسطى دون العليا والسفلى فيبطل نكاحهما وفي بطلان نكاح الوسطى لأجل السفلى قولان.
والخامس: أن يدخل بالسفلى دون العليا والوسطى فيثبت نكاح السفلى ويبطل نكاح العليا والوسطى فإذا اعتبرت ذلك بما قدمناه من التعليل وجدت الجواب فيه صحيحًا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ إِمَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِراً يَخَافُ العَنَتَ أَو فِيهِنَّ حُرَّةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُ الإِماءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ مَا يَتَزَوَّجَ بِهِ حُرَّةً وَيَخَافُ العَنَتَ وَلَا حُرَّةَ فِيهِنَّ اخْتَارَ وَاحِدَةً وَانْفَسَخَ نِكَاحُ البَوَاقِي".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك بإماء مشركات ثم أسلم وأسلمن معه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون معهن حرة.
والثاني: أن لا يكون فإن لم يكن معهن حرة وكن إما لا حرة فيهن فلا يخلو حاله عند إسلامه وإسلامهن من أمرين:
أحدهما: أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء لعقد الحرة وعدم الطول وخوف العنت فيجوز له أن يختار واحدة منهن ويفارق من سواها.
لأنه في حال يجوز له أن يبتدئ فيها نكاح الأمة فجاز أن يستديم فيهما نكاح الأمة.
والثانية: أن يكون عند إسلامه وإسلامهن ممن لا يجوز أن يبتدئ نكاح الأمة لوجود الطول أو أمن العنت فنكاح الإماء قد بطل اعتبارًا بحال إسلامه معهن وأنه ممن لا
الجزء: 9 - الصفحة: 259
يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة فلم يكن له أن يستديم بالاختيار نكاح أمة.
وقال أبو ثور: يجوز له أن يستديم نكاح أمة منهن باختياره وإن كان ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة استدلالًا بأن الشرط في نكاح الأمة معتبر في ابتداء العقد عليها وليس بمعتبر في استدامة نكاحها ألا تراه لو تزوجها لخوف العنت ثم أمن العنت جاز أن يستديم نكاحها وإن لم يجز أن يبتدئه كذلك المشرك إذا أسلم مستديم لنكاحها وليس بمبتدئ فجاز أن يقيم على نكاحها مع عدم الشرك وإن لم يجز أن يبتدئه.
قال: ولأنه لو وجب أن يعتبر شروط الابتداء في وقت استدامته عند الإسلام لوجب اعتبار الولي والشاهدين فلما لم يعتبر هذا لم يعتبر ما سواه.
ودليلنا: هو أن نكاح الأمة لا يحل إل باعتبار شروطه فلما لم تعتبر وقت عقده في الشرك وجب أن تعتبر وقت اختياره في الإسلام لئلا يكون العقد عليها خاليًا من شروط الإباحة في الحالين وفي هذا انفصال عن استدلاله الأول لأننا قد اعتبرنا شروط الإباحة في الابتداء فلم تعتبرها في الاستدامة ويكون الفرق بين هذا وبين استدلاله الثاني بأن الولي والشاهدين وإن كان شرطًا في العقد فهو غير معتبر في الحالين لأن الولي والشاهدين من شروط العقد وعقد الشرك معفو عنه فعفي عن شروطه وليس كذلك شروط نكاح الأمة لأنها من شروط الإباحة وشروط الإباحة معتبرة وقت الاختيار ألا تراه أو نكح في الشرك معتدة ثم أسلما وهي في العدة كان النكاح باطلًا لأنها وقت الاختيار غير مباحة كذلك الأمة.
ويتفرع على هذا التفريغ ثلاثة فروع:
أحدهما: أن تسلم المشركة مع زوجها وهي في عدة من وطء وشبهة فقد اختلف أصحابنا في إباحتها على وجهين:
أحدهما: وهو قول ابن سريج: أن نكاحها باطل اعتبارًا بما قررناه بأنه لا يستبيح العقد عليها وقت الإسلام كما لو نكحها في العدة ثم أسلما وهي في العدة.
والوجه الثاني: وهو أظهر أن النكاح جائز لأن حدوث العدة في النكاح بعد صحة عقدها لم يؤثر في نكاح المسلم فأولى أن لا يؤثر في نكاح المشرك.
والفرع الثاني: أن يسلم أحد الزوجين المشركين ويحرم بالحج ثم يسلم الثاني في العدة فالأول على إحرامه وفي النكاح وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي بشار الأنماطي: أن النكاح باطل اعتبارًا بما قررناه منه أنه لا يستبيح العقد عليها عند اجتماع الإسلاميين فصار كما لو ابتدأ نكاحهما في وقت الإحرام.
والثاني: وهو أظهر وقد نص عليه الشافعي: أن النكاح جائز لأن حدوث الإحرام في النكاح بعد صحة عقده لا يؤثر في فسخه.
والفرع الثالث: أن من تزوج أمة على الشرط المبيح ثم طلقها وقد ارتفع الشرط
الجزء: 9 - الصفحة: 260
طلاقًا رجعيًا فله أن يراجعها وإن كان من لا يجوز له أي يبتدئ نكاحها وهذا متفق عليه بين جميع أصحابنا لأن الرجعية زوجة ولذلك ورثت ووارثت وإنما يزال بالرجعية تحريم الطلاق فلم يعتبر في هذه الحال شروط الإباحة في ابتداء ألا تراه لو رجع وهو محرم جاز وإن لم يجز أن يبتدئ نكاحها محرمًا, والله أعلم.
فصل:
أما الضرب الثاني: وهو أن يكون مع الإماء حرة فقد تزوجها المشرك مع الإماء في الشرك ثم أسلم فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تسلم الحرة دون الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل بإسلام الزوج مع الحرة وبآخرهن.
والثاني: أن يسلم الإماء دون الحرة فنكاح الحرة قد بطل بتأخرها ونكاح الإماء معتبر باجتماع إسلامهن مع الزوج فإن كان موسرًا بطل نكاحهن لأنه لمل لم يجز في هذه الحال أن يبتدئ نكاح أمة لم يجز أن يختار نكاح أمة وإن كان معسرًا يخاف العنت كان له أن يختار نكاح واحدة منهن لأن يجوز أن يبتدئه فجاز أن يختاره لأنه ما لم تنقص عدة الحرة في الشرك اختار حينئذٍ من الإماء واحدة وانفسخ نكاح من سواها من وقت اختياره فاستأنفن عدد الفسخ فلو صار وقت اختيار موسرًا وقد كان وقت اجتماع إسلامه وإسلامهن معسرًا صح اختياره اعتبارًا بحاله عند اجتماع الإسلاميين لأنه الوقت الذي استحق فيه الاختيار.
والثالث: أن تسلم الحرة والإماء جميعًا فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يجتمع إسلام الحرة والإماء في حالة واحدة فيثبت نكاح الحرة وينفسخ نكاح الإماء من وقت إسلامهن مع الحرة لأنه لا يجوز أن يختار نكاح أمة مع وجود حرة كما لا يجوز أن يبتدئه.
والثاني: أن تسلم الحرة قبل الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل ثم ينظر في إسلامهن فإن كان بعد انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الزوج وتأخرهن.
وإن أسلمن قبل انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الحرة فعلى هذا لو كانت الزوجة الحرة حين أسلمت ماتت ثم أسلم الإماء في عددهن.
قال أبو أحمد الإسفرايبني: نكاحهن باطل لأن نكاحهن قد انسخ بإسلام الحرة فلم يعد إلى الصحة بموتها وهذا عندي غير صحيح بل يجب أن يكون موقوفًا يختار واحدة منهن لأن إسلام الحرة معه قبل إسلام الإماء يجري مجرى يساره في تحريم الإماء فلما لم يعتبر يساره إلا عند إسلام الإماء وجب أن لا يعتبر وجود الحرة إلا عند إسلام الإماء.
والثالث: أن يسلم الإماء قبل الحرة فيعتبر حال الزوج عند إسلامهن واستأنفن عدد الفسخ وإن كان معسرًا يخاف العنت كان
الجزء: 9 - الصفحة: 261
نكاح الإماء معتبرًا بإسلام الحرة وهو فيهن مخير بين أمرين:
إما أن يتركهن على حالهن ترقبًا لإسلام الحرة فإن أسلمت بعد انقضاء عدتها اختر من الإماء واحدة وانفسخ نكاح البواقي في وقت اختياره وإن أسلمت الحرة في عدتها انسخ نكاح الإماء من وقت إسلامها فهذا أحد خياريه.
والثاني: أن يمسك الزوج من الإماء واحدة يترقت إسلام الحرة ويفسخ نكاح سواها من الإماء ليتعجلن الفسخ إذ ليس له أن يقيم على أكثر من واحدة فإذا فعل ذلك انفسخ نكاح من عدا الواحدة من وقت فسخه وكان نكاح الواحدة معتبر بإسلام الحرة فإذا أسلمت في عدتها ثبت نكاحها وانفسخ نكاح الأمة وإن أسلمت بعد انقضاء عدتها بطل نكاحها وثبت نكاح الأمة ولا يكون ثبوته باختيار متقدم ولكن لأنه ليس معه غيرها فعلى هذا لو طلق الحرة في الشرك قبل إسلامها ثم أسلمت نظر فإن كان إسلامها بعد العدة لم يقع طلاقها وانفسخ نكاحها بإسلام الزوج وثبت نكاح الأمة وإن كان إسلامها في العدة وقع الطلاق عليها لأنها زوجة وانفسخ بإسلامها نكاح الأمة فيصير إسلامها وإن كانت مطلقة موجبًا لفسخ نكاح الأمة لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة والأمة لا يثبت اختيار نكاحها مع حرة هذا جواب أصحابنا على الإطلاق وعندي أنه يجب أن يكون معتبر بزمان الطلاق.
فإن كان قد طلقها قبل إسلام الإماء جاز له أن يقيم على وحدة منهن لأن الحرة وإن أسلمت في عدتها فقد وقع الطلاق عليها قبل إسلام الإماء فصرن عند إسلامهن لا حرة معهن وإن كان طلاق الحرة بعد إسلام الإماء فعلى ما قاله أصحابنا من اعتبار إسلام الحرة قبل العدة وبعدها والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَيَنْتَظرُ إِسْلَامَ البَوَاقِي فَمَنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ الزَّوْجِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ كَانَ لَهُ الخِيَارُ فِيهنَّ".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في حر تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء لا حرة فيهن ثم أسلم وأسلمن وذلك بعد دخوله بهن فهذا على أربعة أسام:
أحدها: أن يسلمن معه.
والثاني: أن يسلمن قبله.
والثالث: أن يسلمن بعده.
والرابع: أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده وقد يجيء فيه قسمان آخران:
أحدهما: أن يسلم بعضهن معه وبعضهن بعده ولكن يدخل جوابهما في جملة الأقسام الأربعة فلم نذكرها اكتفاء بما ذكرنا.
الجزء: 9 - الصفحة: 262
فأما القسم الأول: وهو أن يسلم معه الإماء الأربع فيعتبر حاله وقت الإسلام فإن كان موسرًا بوجود الطول انفسخ لنكاحهن بالإسلام واستأنف عدد الفسخ وإن كان معسرًا لا يجد الطول كان له أن يختار منهن واحدة لا يزيد عليها لأن الحر لما لم يجز له أن ينكح أكثر من أمة واحدة لم يكن له أن يختار أكثر من أمة واحدة وانفسخ نكاح الثلاث الباقيات من وقت اختياره للواحدة لا من وقت إسلامه.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يسلمن قبله ثم يسلم بعدهن في عددهن فيراعي حال وقت إسلامه لا وقت إسلامهن لأن الاعتبار باجتماع الإسلاميين وذلك إسلامه بعدهن فإن كان واجدًا للطول انفسخ نكاحهن بإسلامه واستأنفن عدد الفسخ وإن كان عادمًا للطول كان له أن يختار منهن واحدة وينفسخ نكاح الثلاث البواقي باختياره فيستأنفن عدد الفسخ.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يسلمن بعده فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون الزوج عند إسلام جميعهن موسرًا واجدًا للطول.
والثاني: أن يكون عند إسلام جميعهن معسرًا عادمًا للطول.
والثالث: أن يكون عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا.
فإن كان موسرًا عند إسلامك جميعهن بطل نكاحهن كلهن وانفسخ نكاح كل واحدة منهن من وقت إسلامها لأنه وقت اجتماع الإسلاميين.
فتستأنف منه عدة الفسخ وإن كان معسرًا عند إسلام جميعهن فله أن يختار منهن واحدة سواء تقدم إسلامها عليهن أو تأخر إسلامها عنهن فإذا اختار منهن واحدة انفسخ نكاح الثلاث البواقي من وقت اختياره للواحدة فاستأنفن منه عدد الفسخ وإن كان عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا بكل نكاح التي أسلمت في يساره ولم يبطل نكاح التي أسلمت في إعساره لأن التي أسلمت في يساره لا يجوز أن يستأنف نكاحها فلم يكن له أن يختارها فبطل نكاحها بإسلامها والتي أسلمت في إعساره يجوز أن تستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فعلى هذا لو أسلمت الأولى والثانية وهو موسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو معسر بطل نكاح الأولى والثانية ولم يبل نكاح الثالثة والرابعة وكان له أن يختار أحداهما فإذا اختارها بطل نكاح الأخرى باختياره ولو أسلمت الأولى والثانية وهو معسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو موسر بطل نكاح الثالثة والرابعة بإسلامها وكان نكاح الأولى والثانية موقوفًا على اختياره فإذا اختار أحداهما انفسخ حينئذٍ نكاح الأخرى فلو أسلمت الأولى وهو موسر ثم أسلمت الثانية وهو معسر ثم أسلمت الثالثة وهو موسر ثم أسلمت الرابعة وهو معسر بكل نكاح الأولى والثالثة بإسلامهما وكان نكاح الثانية والرابعة موقوفًا على أحداهما فإذا اختارها انفسخ نكاح الأخرى من وقته.
الجزء: 9 - الصفحة: 263
فصل:
أما القسم الرابع: وهو أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده.
مثاله: أن يسلم قبله اثنتان وبعده اثنتان فهذا على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون موسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فنكاح الجميع باطل لكن ينفسخ نكاح الأوائل بإسلام الزوج لا بإسلامهن قبله وينفسخ نكاح الأواخر بإسلامهن لا بإسلام الزوج قبلهن لأن كل واحد من الناكحين ينفسخ باجتماع الإسلاميين واجتماعهما في الأوائل فيكون إسلام الزوج واجتماعهما في الأواخر يكون بإسلام الأواخر.
والثاني: أن يكون معسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فله أن يختار نكاح واحدة إن شاء من الأوائل وإن شاء من الأواخر لأن كل واحدة من الفريقين يجوز عند اجتماع الإسلاميين أن يستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فإذا اختار واحدة من أحد الفريقين انفسخ باختياره نكاح الباقيات واستأنفن عدد الفسخ.
والثالث: أن يكون عند إسلام الأوائل معسرًا وعند إسلام الأواخر موسرًا فيبطل نكاح الأواخر بإسلامهن وله أن يختار من الأوائل واحدة وينفسخ باختياره نكاح الأخرى.
والرابع: أن يكون موسرًا وعند إسلام الأواخر فنكاح الأوائل باطل بإسلام الزوج وله أن يختار من الأواخر واحدة فإن أسلمتا معًا اختار آيتهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى.
وإن أسلمت أحداهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى.
وإن أسلمت أحداهما بعد الأخرى فهو مخير بين تعجيل اختيار الأولى وبين تأخيره إلى إسلام الثانية فإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال:
أحدها: أن يمسك عن الاختيار إلى أن تسلم الثانية فله إذا أسلمت أن يختار أيتهما شاء فإذا اختار إحداهما ثبت نكاحها وانفسخ به نكاح الأخرى.
والثاني: أن يعجل اختيار الأولى فإذا اختارها ثبت نكاحها باختيار تلك فإن كانت هذه قد أسلمت فأولى أن يبطل به نكاحها وإن لم تسلم فإذا أسلمت ثبت على ما مضى من عدتها من وقت الاختيار في الشرك.
والثالثة: أن يطلق الأولى قبل إسلام الثانية فيقع الطلاق عليها ويكون ذلك اختيارًا لنكاحها لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة فيصير الطلاق موجبًا لاختيار موقعًا للفرقة يبطل نكاح المتأخرة لأنه قد صار مختارًا لغيرها.
والرابعة: أن يفسخ نكاح الأولى قبل إسلام الثانية فلا تأثير لفسخه في الحال لأنه يفسخ نكاح من لا يجوز له إمساكها وقد يجوز أن لا تسلم الثانية فيلزمه إمساك الأولى فلذلك لم يؤثر فسخه في نكاحها فإن لم تسلم الثانية ثبت نكاح الأولى وبأن نفسخ نكاحها كان مردودًا وإن أسلمت الثانية فإن اختارها وفسخ نكاح الأولى جاز وثبت نكاح الثانية وانفسخ نكاح الأولى وإن اختار الأولى وفسخ نكاح الثانية ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن فسخ نكاحها في الأول لمل لم يؤثر في الحال فبطل أن يقع حكمه.
الجزء: 9 - الصفحة: 264
والثاني: قد لزمه نسخها ولا يجوز له اختيارها لأنه لم يؤثر في الحال لعدم غيرها فلما وجد غيرها صار مؤثرًا, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "وَلَوْ أَسلَمَ الإِمَاءُ مَعَهُ وِعُتِقْنَ وَتَخَلَّفَتْ حُرَّةٌ وَقَفَ نِكَاحُ الِإمَاءِ فَإِنْ أَسْلَمَتِ الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكَاحُ الِإمَاءِ وَلَوْ اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ وَلَمْ تُسْلِمُ الحُرَّةُ ثَبَتَتْ".
قال في الحاوي: وصورتها في حر تزوج في الشرك أربع زوجات إماء وحرة وخامسة ثم أسلم وأسلم معه الإماء وحاله حال من ينكح الإماء ويقف نكاح الإماء على إسلام الحرة فإن عتق الإماء قبل إسلام الحرة فحكم نكاحهن نكاح الحرائر وإن اعتقن بعد اجتماع إسلامهن مع الزوج فإن حكمهن نكاح الإماء وإن صرن حرائر اعتبارًا بحالهن عند اجتماع الإسلاميين ولا اعتبار بما حدث بعدها ممن عتقهن كما يعتبر حال يساره وإعساره عند اجتماع الإسلاميين دون ما حدث بعدها وإذا كان كذلك قيل: ليس لك أن تختار من الإماء وإن عتقن أحدًا ما كانت الحرة باقية في عدتها فإن اختار منهن واحدة لم يصح اختيارها في الحال وروعي إسلام الحرة فإن أسلمت قبل مضي عدتها وملك نكاح الإماء المعتقات كلهن المختارة منهن وغرها وإن لم تسلم الحرة حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها بإسلام الزوج وكان له أن يختار واحدة من المعتقات ولا يزيد عليها وهل يثبت نكاح المختارة منهن باختيار الأول.
قال الشافعي: "فإن اختار منهن واحدة ولم تسلم الحرة ثبت" فاختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: ثبت إن استأنف اختيارها فأما بالاختيار الأول فلا يثبت لأنه لمل لم يثبت الاختيار في الحال لم يصح أن يكون موقوفًا على ثاني حال فبطل فعلى هذا الوجه يكون مخيرًا بين اختيار تلك الأولى واختيار غيرها.
والثاني: أنها تثبت بالاختيار الأول على الظاهر من قول الشافعي ويكون حكم الاختيار موقوفًا وإن لم يجز أن يكون أصله موقوفًا لأنه لما جاز أن يكون ملك الخيار موقوفًا على إسلام الحرة فإن أسلمت علم أنه لم يكن مالكًا له جاز أن يكون حكم الخيار موقوفًا على إسلام الحرة.
فإن أسلمت علم أنه لم يثبت وإن لم تسلم على أنه يثبت فلو قال في الاختيار الأول إن تسلم الحرة فقد اخترتكن لم يصح هذا الاختيار وجهًا واحدًا لأن هذا خيار موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الحكم ونحن إنما نجوز في أحد الوجهين وقف حكمه لا وقف أصله فتصور فرق بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 265
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَّبْلَ أَنْ يَسْلِمْنَ كُنَّ كَمَن ابْتُدِئَ نِكَاحُهُ وَهُنَّ حَرَائَرُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يتزوج الحر في الشرك بأربع إماء وحرة خامسة ثم يسلم الزوج ويعتق الإماء في الشرك ثم يسلمن في عددهن فيكون نكاحهن نكاح حرائر وله أن يقيم على الأربع كلهن لأن الاعتبار بحالهن عند إسلامه وإسلامهن وما اجتمعا إلا وهي حرائر فلذلك صار نكاحهن نكاح الحرائر وإذا كان كذلك كان بالخيار عند إسلام المعتقات بين ثلاثة أمور:
أحداهما: أن يختار الأربع فيصح اختيارهن وينفسخ به نكاح الحرة الخامسة إن أسلمت في العدة وإن لم تسلم انفسخ نكاحها بإسلام الزوج.
والثاني: أن يوقف نكاح الأربع انتظارًا لإسلام الحرة الخامسة فإن أسلمت في العدة اختار من الخمس أربعًا وفسخ نكاح الخامسة من أيتهن شاء وإن شاء وإن لم تسلم الحرة ثبت نكاح الأربع المعتقات.
والثالث: أن يختار من الأربع ثلاثًا ويوقف الرابعة على إسلام الحرة فإن لم تسلم ثبت نكاح الرابعة وإن أسلمت كان مخيرًا في اختيار آيتهما شاء وفارق الأخرى.
فصل:
وهكذا لو أسلم الإماء قبل الزوج وأعتقن ثم أسلم الزوج كان نكاحهن نكاح حرائر ولأنه لما جمع إسلامه وإسلامهن إلا وهن حرائر وإذا كان كذلك واقبله أمتان لحرة متأخرة فهو بالخيار بين ما ذكرنا من الأمور الثلاثة ولكن لو أسلم وأعتقنا ثم أسلم الزوج وأعتق الأمتين المشركتين في الشرك ثم أسلمتا فنكاح هاتين المعتقتين في الشرك على قياس قول أبي حامد الإسفرايني يحل لرقهما عند معتق المسلمين فبطل نكاحهما بالرق لعتق المسلمين فعلى هذا المذهب يكون نجاح المسلمين بائنًا فإن أسلمت الحرة بعدها في العدة ثبت نكاحها وحدت ثلاثًا وإن لم يسلم بطل نكاحها وثبت نكاح المعتقتين.
فأما على الوجه الذي أراه صحيحًا فنكاح المعتقتين في الشرك لا يبطل بعتق المسلمتين من قبل فإذا أسلمت المشركتان بعد عتقهما في عدتهما صدق أربعًا وفي الشرك حرة وخامسة فيكون حينئذٍ مخيرًا بين الأمور الثلاثة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ عِنْدَهُ إِمَاءٌ وَحَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ أَوْ كِتَابِيَّاتٌ ولَمْ يَخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَمْسَكَ اثْنَتَيْنِ".
الجزء: 9 - الصفحة: 266
قال [في] الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك ست زوجات منهن أمتان وثنيتان وبقى الكتابيتان على دينهما فله أن يختار من الست اثنتين لأن العبد لا يستبيح أكثر منهما وهو في الزيادة عليهما كالحر في الزيادة على الأربع, إلا أن الشافعي قال: لم يختزن فراقه أمسك اثنتين أما الأمتان فإن اعتقهما فلهما الخيار لأن الأمة إذا أعتقت تحت عبد فلها الخيار مسلمًا كان العبد أو كافرًا وأن يعتقا فلا خيار لهما لأنهما قد ساويا في نقصه بالرق.
وأما الحرائر ففي ثبوت الخيار لهن بإسلامه وجهان:
أحدهما: لأنه لا خيار لهن لعلمهن برقه ورضاهن مع كمالهن بنقصه فلم يحدث لهن بالإسلام خيار لأن الإسلام يؤكد النكاح ولا يضعفه وهذا اختيار أبي حامد المروزي.
والثاني: لهن الخيار في فسخ نكاحه لأن الرق في الإسلام نقص وفي الكفر ليس بنقص لإطلاق تصرفه في الكفر وثبوت الحجر عليه في الإسلام ونقص أحكامه في طلاقه ونكاحه وحدوده وعدم ملكه وقهر السيد له على نفسه فيكون الرق في الإسلام نقصًا للحرائر من زوجاته الخيار في إسلامه وإن لم يثبت لهن في شركه وهذا اختيار أبي القاسم الداركي فعلى هذا إن قيل: لهن الخيار فاخترن المقام على نكاحه كان له أن يختار منهن هن الست, اثنين من أيهن شاء إما أن يختار الحرتين المسلمتين أو الحرتين الكتابيتين أو الأمتين المسلمتين أو واحدة من الأمتين وواحدة من الحرائر لأنه عبد يجوز أن يجمع بين أمتين وبين أمة وحرة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ لأَنَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ إِسْلامِهِ وَعِدَدُهُنَّ عَدَدُ الحَرَائِرِ فَيُحْصَيْنَ مِنْ حِينِ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ فَإنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامَّهُنَّ فِي العِدَّةِ فَعِدَدُهُنَّ عِدَدُ حَرَائِرِ مِنْ يَوْمِ اخْتَرْنَ فِراقَهُ وإِلَّا فعددُهُنَّ عدَدُ حَرائِرِ من يَوْمِ أَسْلَمَ مُتَقَدِّمُ الإِسْلَامِ مِنْهُمَا لأَنَّ الفَسْخَ مِنْ يَوْمَئِذٍ وِإِنْ لَمْ يِخْتِرْنَ فِرِاقَهُ وَلَا المُقَامَ مَعَهُ خُيَّرْنَ إِذَا اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ مَعًا".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلمن وعتقن قبل إسلامه فلهن أن يخترق فسخ نكاحه بالعتق وإن كن جاريات في الفسخ يتقدم الإسلام أمرين:
أحدهما: أنهن جاريات في فسخ فلم يمتنع أن يستحق معه حدوث فسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ لاجتماعهما وإنما ينافي في المقام لتعادهما.
والثاني: أنهن يستفدن بتعجيل الفسخ قصور أحد العدتين لأنهن لو انتظرن إسلام
الجزء: 9 - الصفحة: 267
الزوج لاستأنف العدة بعد إسلامه وإذا قدمن الفسخ تقدمت العدة قبل إسلامه.
فإن قيل: فهلا أعني جريانهن في الفسخ بتقدم الإسلام عن أن يحدثن فسخًا بحدوث العتق.
قيل: لا يعني لأن الفسخ بالإسلام متردد بين إفضائه إلى الفرقة إن تأخر إسلام الزوج وبين إفضائه إلى ثبوت النكاح إن تعجل والفسخ بالعتق مفض إلى الفرقة في الحالتين فإذا تقرر هذا فلهن ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يخترن الفسخ فذلك معتبر بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن فقد وقعت الفرقة باختلاف الدين بأن أنهن غير زوجاته من يوم اسلمن فلم يقع فسخن بالعتق لأنهن قدمن قبله فأول عددهن من وقت إسلامهن وقد بدأت بالعدة هن إماء وأنهينها وهن حرائر فهل يعتددن عدد إماء أو عدد حرائر؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم يعتددن عدد إماء اعتبار بالابتداء.
والثاني: وهو قول في الجديد يعتددن عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن وبأن اختلاف الدين لم يؤثر في فسخ نكاحهن وإنهن اخترن الفسخ بالعتق وهن زوجات فينفسخ نكاحهن باختيار الفسخ ويعتددن من وقت الفسخ عدد حرائر قولًا واحدًا لأنه بدأن وهو حرائر.
فصل:
وأما الحالة الثانية: وهو أن يخترن المقام على نكاحه فهو معتبر أيضًا بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين من وقت إسلامهن ولم يكن لاختيارهن المقام تأثير وفي عددهن قولان:
أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء.
وإن أسلم الزوج في عددهن بأن أنهن زوجات وأن اختلاف الدين لم يؤثر في نكاحهن وقد اخترن المقام في وقت لم يؤثر فيه اختيار المقام فهل يؤثر حكمه بعد إسلام الزوج ويسقط به خيار الفسخ أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في الزوج إذا اختار واحدة من الإماء المسلمات معه وفي الشرك حرة منتظرة فلم تسلم حتى انقضت عدتها هل يثبت حكم اختياره أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين كذلك هاهنا يثبت حكم اختيارهن المقام أم لا على وجهين:
أحدهما: قد يثبت ويبطل به خيار الفسخ.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يثبت لعدم تأثيره في وقته فبطل ولهن خيار الفسخ بعد إسلام الزوج فإن اخترن الفسخ استأنف عدد حرائر من وقت الفسخ وإن لم يخترته من زوجات وهن أربع وليس للعبد إلا اثنتين فيصير له بالخيار في إمساك اثنتين وفسخ نكاح
الجزء: 9 - الصفحة: 268
اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر
فصل:
أما الحالة الثالثة: وهو أن يمسكه عن اختيار فسخ أو مقام فهن إذا أسلم الزوج على حقهن من خيار الفسخ لا يبطل بإمساكهن لأمرين:
أحدهما: أنهن كن يتوقعن الفسخ بغير اختيار فلم يناف وقوع الفسخ باختيار.
والثاني: أن خيارهن قبل إسلام الزوج مظنون وبعد إسلامه متحقق فجاز أن يؤخر به من وقت الظن إلى وقت اليقين وإذا كان كذلك وجب بغير إسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن بأن باختلاف الدين وبطل خيار الفسخ بالعتق وفي عددهن من وقت إسلامهن قولان:
أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن منهن زوجات ولا تأثير لاختلاف الدين في نكاحهن ولسن بالخيار في فسخ النكاح بالعتق فإن اخترن الفسخ استأنفن في وقت الفسخ عدد حرائر وإن اخترن المقام كان للزوج أن يختار منهن اثنتين ويفسخ نكاح اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمَ إِسْلامَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَوْ المُقَامَ مَعَهُ ثُمَّ أَسْلَمْنَ خُيِّرْنَ حِينَ يُسْلِمْنَ لأَنَّهُنَّ اخْتَرْنَ وَلَا خَيَارَ لَهُنَّ".
قال الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلم قبلهن وأعتقن في شركهن فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يخترن فسخ النكاح.
والثاني: أن يخترن المقام على النكاح.
والثالث: أن يمسكن فلا يخترن فسخًا ولا مقامًا.
فأما الأول: وهو أن يجعلن في الشرك فسخ النكاح فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال: "فاخترن فراقه أو المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن" فجمع بين اختيار الفرقة واختيار المقام في إبطال حكمهما قبل الإسلام فدل الظاهر على أن ليس لهن أن يخترن فسخ النكاح قبل إسلامهن فاختلف أصحابنا فيه على وجهين وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أن الجواب على ظاهره وأنهن إذا أعتقن في الشرك لم يكن لهن اختيار الفسخ قبل أن يجتمع إسلامهن مع إسلام الزوج وفرق بينهما بأنه إذا تقدم إسلامهن لم
الجزء: 9 - الصفحة: 269
(يقدرن) على تعجيل اجتماع الإسلاميين فكان لهن تعجيل الفسخ ليستفدن قصور إحدى العدتين وإذا تقدم إسلام الزوج قدرن بتعجيل إسلامهن على اجتماع الإسلاميين فلم يستفدن بتعجيل الفسخ قبل الإسلام ما لم يقدرن عليه بعد الإسلام فعلى هذا يكون اختيارهن الفسخ قبل إسلامهن بإطلاه ولهن إذا أسلمن في عددهن يخترن الفسخ أو المقام.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا أنهن يملكن في الشرك اختيار الفسخ كما ملكته في الإسلام لأنهن قد ملكن بالعتق اختيار الفسخ فكان تقديمه وهن جاريات في الفسخ أولى وتأخيره إلى خروجهن من الفسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ ولمن قال بهذا الوجه فيما نقله المزني تأويلان:
أحدهما: أنه غلط من المزني في روايته أو الكاتب في نقله لأن الشافعي قد ذكر هذه المسألة فيما نقله الربيع في كتاب "الأم" فقال: ولو أعتقن قبل إسلامهن فاخترن المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن ولم يذكر إذا اخترن فراقه فيها وإنما غلط المزني أو الكاتب في النقل فقال: فاخترن فراقه أو المقام معه وهذا تأويل أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أن النقل الصحيح وأن الشافعي ذكر اختيار الفرقة واختيار المقام ثم عطف بالجواب على اختيار المقام دون الفرقة لأنه قد قدم حكم اختيارهن للفرقة وأفرد هاهنا حكم اختيارهن للمقام ومن عدة الشافعي أن يجمع بين مسألتين ويعطف بالجواب المرسل على أحدهما ويجعل جواب الأخرى محمولًا على ما عرف من مذهبه أو تقدم من جوابه وهذا تأويل أشار إليه أبو علي الطبري في كتاب "الإيضاح" فعلى هذا الوجه يكون اختيارهن الفسخ معتبرًا بإسلامهن فإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقة بفسخهن ويستأنفن عدد حرائر من وقت فسخهن وإن لم يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وبطل حكم الفسخ بالعتق لوقوع الفرقة قبله وفي عددهن قولان:
أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء.
الثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يخترن المقام معه قبل إسلامهن ففي هذا الاختيار وجهان ذكرناهما:
أحدهما: أنه لغو لا حكم له لأنهن جاريات في فسخ ينافي اختيار المقام فبطل حكمه تغليبًا لحكم الفسخ وهذا هو المنصوص عليه هاهنا فعلى هذا إن أسلمن بعد عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن كان لهن الخيار في المقام أو الفسخ.
والوجه الثاني: أن اختيار المقام قد أبطل حقهن في الفسخ بعد الإسلام ويكون موقوف الحكم على إمضائه زمانه فعلى هذا إن لم يسلمن حتى انقضت عددهن (بان)
الجزء: 9 - الصفحة: 270
باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن سقط حقهن في اختيار الفسخ لما تقدم من اختيار المقام.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يمسكن في الشرك فلا يخترن بعد العتق مقامًا ولا فسخًا فمذهب الشافعي أن لهن إذا أسلمن أن يخترن الفسخ ولا يكون إمساكهن عنه إسقاطًا لحقهن منه لأن اختيارهن قبل الإسلام موقوف وبعد الإسلام نافذ فجاز تأخير منه قال لأن ما تقدم من الشرك هدر والإسلام يجبّ ما قبله وهذا خطأ لأنه لو أوجب أن يكون الخيار هدر لأوجب أن يكون النكاح والطلاق هدر ولما لزم في الإسلام حكم عقد تقدم في الشرك وفي فساد هذا دليل على فساد ما أفضى إليه وإذا ثبت أن لهن الخيار بعد الإسلام فالجواب فيه إن اختزن الفسخ أو المقام على ما مضى.
مسألة؛
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ اجْتَمَعَ إِسْلامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ وَهُنَّ إِمَاءٌ ثُمَّ أُعْتِقْنَ مِنْ سَاعَتِهِنَّ ثُمَّ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ إِذَا أَتَى عَلَيْهُنَّ أَقَلَ أَوْقَاتَ الدُّنْيَا وَإِسْلَامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ مُجْتَمِعٌ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء وأسلم وأسلمن معه ثم أعتق الإماء فلهن الخيار بالعتق وبين المقام أو الفسخ وفي مدة خيارهن ثلاثة أقاويل:
أحدها: وهو أصح أنه على الفور معتبر بالإمكان فمتى أمكنهن تعجيل الفسخ فأخرنه بعد المكنة زمانًا وإن قل بطل خيارهن لأنه خيار استحقته لنقص الزوج بالرق عما حدث من كمالهن بالحرية فجرى خيار الرد بالعيوب واستحقاقه على الفور.
والثاني: أنه ممتد الزمان إلى ثلاثة أيام كالخيار في المصراة.
والثالث: أنه باق لهن وإن تطاول بهن الزمان ما لم تمكن من أنفسهن أو يصرحن بالرضي اعتبارًا بأن ما لا يخالف حالهن في الفسخ فهن باقيات على حكمه.
فأما المزني فإنه اعترض على الشافعي فيما ذكره من استحقاق الخيار على الفور بثلاثة فصول:
أحدها: أن حكي عنه بخلاف فقال: قطع في كتابين بأن لها الخيار وهذا الاعتراض ليس بشيء لأن قول الشافعي في مدة الخيار مختلف وإنما ذكر في هذا الموضع أصح أقاويله عنده.
والثاني: احتج فيه على أن الخيار على التراخي دون الفور بأن الشافعي قال: وإن أصابها فادعت أنها كانت على حقها وهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 271
أحدهما: أن يدعي الجهالة بالعتق.
والثاني: أن يدعي الجهالة بالحكم.
فأما إذا ادعت الجهالة بالعتق أو قالت مكنته من نفسي ولم أعلم بعتقي فإن علم صدقها قبل قولها وإن علم كذبها رد قولها.
وإن جوز الأمران فالقول قولها من يمينها إن كذبت وهي على حقها من الخيار وأما إذا ادعت الجهالة بالحكم بأن قالت: مكنته من نفسي مع العلم بعتقي ولكن لم أعلم أن لي الخيار إذا أعتقت وأمكن ما قالت ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا خيار لها وأن لم تعلم لأنه قد كان يمكنها أن تتعلم كما لا خيار في رد العيب إذا أمسكت عنه جهلًا باستحقاق ردة.
والثاني: لها الخيار ولأنه قد يخفي إلا عن خواص الناس وليس كالرد بالعيب الذي يعرفه الخاصة والعامة وفي هذا التفصيل جواب على احتجاج المزني به.
والثالث: إن عارض الشافعي في عبارته وهي قوله: «لم يكن لها الخيار إذا أثنى عليهن أقل أوقات الدنيا» فأفسد هذه العبارة وأحالها من وجهين:
أحدهما: قوله إن على السلطان أن لا يؤجلها أكثر من مقامها.
فكم يمر بها من أوقات الدنيا من حين أعتقت إلى أن جاءت إلى السلطان وقد يبعد ذلك ويقرب.
والثاني: أنها لا تقدر على اختيار الفسخ إلا بكلام يجمع حروفًا كل حرف منها في وقت الآخر وفي هذا إبطال الخيار وهذا اعتراض من الوجهين فاسد من وجهين:
أحدهما: أن للكلام عرفًا وإذا تقدر استعمال حقيقته كان محمولًا عليه وصار مخرجه مخرج المبالغة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي جهم: «لا يضع عصاه عن عاتقه» ومعلوم أنه ما أحد يمكنه إلا أن يضع عصاه عن عاتقه في أوقات نومه واستراحته لكنه قال ذلك على طريقة المبالغة لأنه الأغلب من أحواله.
والثاني: أنه أراد أوقات الدنيا بقدر زمان المكنة وشروط الطلب ويكون مراده بأقلها بعد الوقت الذي يمكنها فيه الاختيار فيمسك فيه عن الاختيار.
فأما مراد المزني بكلامه هذا فقد اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: أنه أراد به إثبات الخيار على التراخي فعلى هذا يكون منه اختيار الآخر من قول الشافعي.
والثاني: أنه أراد به أن اختيار الفسخ لا يكون إلا على حكم فعلى يكون ذلك منه مذهبًا اختياره لنفسه وليس بمذهب الشافعي وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الموقوف على حكم الحاكم يكون فيما ثبت باجتهاد وهذا ثابت النص.
والثاني: أنه خيار نقص فجرى خيار الرد بالعيب.
الجزء: 9 - الصفحة: 272
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عِتْقُهُ وَهُنَّ مَعًا.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِشَيءٍ قَدْ قَطَعَ فِي كِتَابَيْن بَأَنَّ لَهَا الخِيَارَ لَوْ أَصَابَهَا فَادَّعَتِ الجَهَالَةَ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُؤَجِّلَهَا أَكْثَرَ مَقَامِهَا فَكَمْ يَمُرُّ بِهَا مِنْ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا مِنْ حِينَ أُعْتِقَتْ إِلَى أَنْ جَاءَتْ إِلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ يَبْعُدُ ذَلِكَ وَيَقْرُبُ إِلَى أَنْ يُفْهَمَ عَنْهَا مَا تَقُولُ ثُمَّ إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلِ مُقَامِهَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى فَكَيْفَ يَبْطُلُ خِيَارُ إِمَاءٍ يُعْتَقْنَ إِذَا أَتَى عَلَيْهُنَّ أَقَلَّ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا وَإِسْلَامُهُنَّ وَإِسْلَامُ الزَّوْجِ مُجْتَمِعٌ.
وَقَالَ المُزَنِيُّ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا قَدَرْنَ إِذَا أُعْتِقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ أَنْ يَخْتَرْنَ بِحَالٍ لأَنَّهُنَّ لَا يَقْدِرْنَ يَخْتَرْنَ إِلَّا بِحُرُفٍ وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِ الآخَر وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ الخِيَار".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء وأسلم وأسلمن معه ثم أعتقن والزوج معًا في وقت واحد وذلك قد يكون من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يكون الجميع لسيد واحد فيعتقهم جميعًا بلفظة واحدة وإما أن يكونوا لجماعة فيوكلوا جميعًا واحد فيعتقهم الوكيل بلفظة واحدة وإما أن يعلق كل واحد من ساداتهم عتق من يملكه بصفة واحدة كأن كل واحد منهم قال: إذا أهل المحرمات فأنت حر فيكون إهلال المحرم موجبًا لعتق جميعهم في حالة واحدة وإذا كان كذا وأعتق الزوج وهن معًا فلا خيار لهن لاستوائهن مع الزوج في حال الرق بالنقص وفي حال الكمال بالعتق فلم يفضلن عليه في حال يثبت لهن فيها خيار وقول الشافعي: «وكذلك لو كان عتق وهن معًا» يعني في سقوط الخيار على ما علمك في المسألة الأولى فيمن أمسكت عن الخيار حتى مضى أقل أوقات الدنيا إلا أن في ذلك سقط بعد أن وجب وفي هذا لم يجب.
فصل:
فأما إذا أعتق الإماء قبل الزوج ولم يخترن الفسخ حتى أعتق الزواج إما لأنهن لم يعلمن بعتقهن حتى أعتق الزوج ثم علمن وإما لأنهن علمن.
وقيل: إن خيارهن على التراخي دون الفور فلم يعجبه الخيار حتى أعتق الزوج وفي خيارهن قولان:
أحدهما: قد سقط السقوط موجبه من النقص وحصول التكافؤ بالعتق.
والثاني: أنه باق بحاله ولهن الخيار بعد عتقه لأن ما استقر وجوبه استحق استيفاؤه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ حُرَّتَيْنِ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ عَتَقَ ثنَّ أَسْلَمَتِ
الجزء: 9 - الصفحة: 273
اثْنَتَانِ فِي العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ إِلَّا اثْنَتَيْنِ مِنْ أَيِّ الأَرْبَعِ شَاءَ لَا يَثْبُتُ لَهُ بِعَقْدِ العُبُودِيَّةِ إِلَّا اثْنَتَانِ وَيَنْكِحُ تَمَامُ أَرْبَعٍ إِنْ شَاءَ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات حرائر ثم أسلم وأعتقن فلهن إذا أسلمن بعده في عددهن ثلاثة أحوال:
إحداهما: أن يسلمن قبل عتقه.
والثاني: أن يسلمن بعد عتقه.
والثالث: أن يسلم بعضهن قبل عتقه وبعضهن بعد عتقه.
فإن أسلمن قبل عتقه وهو عبد ثم أعتق له أن يمسك منهن إلا اثنتين لأنهن أسلمن وهو عبد لا يستبيح منهن إلا اثنتين فاستقر الحكم باجتماع الإسلاميين فلم يغيره ما حدث بعده كمن اجتمع إسلامه وإسلامه أمة وهو موسر ثم أعسر أو كان معسر ثم أيسر فإن حكمه معتبرًا باجتماع الإسلاميين في يساره وإعساره ولا تغيره ما حدث بعده من يسار بعد إعسار أو إعسار بعد يسار كذلك هذا وإن أعتق الزوج ثم أسلمن بعد عتقه فله إمساك الأربع كلهن لأنه عند اجتماع الإسلاميين حر تحل له أربع فجاز له إمساك الأربع وإن أسلم بعضهن قبل عتقه وأسلم بعضهن بعد عتقه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يستكمل إسلام من يحل له في الرق.
والثاني: أن لا يستكمل فإن استكمل وذلك بأن يسلم قبل عتقه اثنتان وبعد عتقه اثنتان فليس له أن يمسك منهن إلا اثنتين كما لو أسلم جميعهن قبل عتقه لأنه لما اجتمع إسلامه وإسلام اثنتين في العبودية فقد استوفي حقه من عدد المنكوحات في العبودية صار حرًا من الزيادة ممنوعًا فاستقر حكم المنع وإن لم يستكمل العدد قبل عتقه بل أسلمت واحدة قبل العتق وثلاث بعده فالذي يقتضيه حكم التعليل أن يجوز له إمساك الأربع لأنه لم يستوف حقه في العبودية حتى بحدوث الحرية فصار كما لو أسلمن بعدها وإن كان فيه احتمال ضعيف أنه قد وصل منهن إلى بعض حقه فلم يكن له منهن إلا باقية وهو واحدة فلا يمسك منهن إلا اثنتين ثم هكذا لو تقدم إسلامهن عليه ثم أعتق اعتبر حال عتقه فإن أعتق قبل إسلامه أمسك الأربع وإن أعتق بعد إسلامه أمسك اثنتين.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا فإن جوزنا له إمساك الأربع فلا خيار له كما لا خيار للحر إذا أسلم مع أربع وإن معناه إلا من اثنتين كان له أن يختارهما من الأربع وسواء اختار من أسلم قبل عتقه أو بعده وينفسخ باختيارهما نكاح الباقين وهكذا لو فسخ نكاح اثنتين ثبت نكاحهما اختيار الباقين فإذا اختار اثنتين وفسخ نكاح اثنتين فله أن يستأنف العقد عليهما لأنه حر يستبيح أربع أو يجوز له أن يعقد عليهما في العدة لأنهما منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 274
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَع فَقَال قَدْ فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ سُئِلَ فَإِنْ أَرَادَ طَلَاقًا فَهُوَ مَا أَرَادَ وَإِنْ أَرَادَ حِلَّهُ بِلَا طَلَاقٍ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا وَأُحْلِفَ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال لأربع زوجات أسلمن معه قد فسخت نكاحهن سئل: فإن أراد بالفسخ لا حسمًا له فإن قال: أردت به الطلاق قبل منه لأنه الفسخ كتابه فيه وهن زوجات يقع عليهن الطلاق ويكون إيقاعه للطلاق عليهن تحقيقًا لثبوت نكاحهن فإن أكذبنه في إرادة الطلاق فلا يمين عليه لأنه لو رجع عنه لم يقبل منه وإن قال: أردت بالفسخ حل النكاح ورفع العقد بغير طلاق كما يفسخ نكاح من زاد على الأربع لم يكن له ذلك وهو على الزوجية لأن الفسخ يقع على من لا يجوز له إمساكها ويجوز له إمساك الأربع فلم يجز أن يفسخ نكاحهن فإن أكذبنه وقلن: أراد بالفسخ الطلاق أحلف بالله تعالى ما أراد به الطلاق فإن نكل حلفن وطلقن وإن قال: أردت بالفسخ طلاق اثنتين وحل نكاح اثنتين وقع الطلاق على من أرادهما بالفسخ ولهما إطلاقه ولا يمتنع أن يكون اللفظ واحدًا ويختلف حكمه فيهن باختلاف النية، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ كُنَّ خَمْسًا فَأَسْلَمَتْ وَاحِدَةً فِي العِدَّةِ فَقَالَ: قَدْ اخْتَرْتُ حَبْسَهَا حَتَّى قَالَ ذَلِكَ لأَرْبَعِ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ بِاخْتِيَارِهِ وَانَفَسَخَ نِكَاحُ البَوَاقِي».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تزوج المشترك بأكثر من أربع كأنه تزوج ثماني زوجات ثم أسلم وأسلم معه منهن أربع فهو بالخيار بين ثلاثة أمور ذكرناها:
أحدها: أن الخيار للأربع المسلمات فينفسخ باختياره لهن نكاح الأربع المشركات سواء أسلمن في عددهن أم لا؟ وهذا لو فسخ نكاح الأربع المتأخرات كان اختيار النكاح الأربع المسلمات لأن الاختيار والفسخ يتقابلا فكان في كل واحد منهما دليل على الآخر.
والثاني: أن يمسك عن اختيار الأربع المسلمات انتظار الأربع المشركات فيكون له ذلك فإن لم يسلمن حتى مضت عددهن ثبت نكاح الأربع المتقدمات وإن أسلمن في عددهن كان له أن يقيم على أربع من أيتهن شاء.
إما الأربع المتقدمات.
وإما الأربع المتأخرات وإما على بعض المتقدمات ويستكمل أربعًا من المتأخرات فلو مات الأربع المتقدمات.
ثم أسلم الأربع المتأخرات كان خياره باق في الموتى كبقائه في الأحياء؛ لأن اختياره لهن إبانة على تقدم نكاحهن فإن اختار الأربع الموتى انفسخ نكاح الأحياء وكان له الميراث في الموتى ومن في زوجتيه وإن اختار الأربع الأحياء وبعض الموتى
الجزء: 9 - الصفحة: 275
وإنهن متن أجنبيات فله يرثهن وإن اختار بعض الأحياء وبعض الموتى فعلى ما مضى.
والثالث: أن يختار الزوج عند إسلام الأربع معه بعضهن وانتظر إسلام الباقيات كأنه اختار من الأربع اثنتين وتوقف عن الاثنتين انتظارًا لإسلام الأربع المتأخرات فثبت نكاح الاثنتين المختارتين فإذا أسلم الأربع المتأخرات كان له يختار الجميع وهن ست اثنتين تمام أربع من أيتهن شاء وينفسخ نكاح الأربع الباقيات.
فإذا تقررت هذه الجملة فمسألة الكتاب أن يقول وقد أسلم معه من الثماني واحدة قد اخترتها ثم تسلم ثانية فيقول: قد اخترتها ثم تسلم ثالثة فيختارها ثم تسلم رابعة فيختارها فقد ثبت نكاح الأربع المسلمات لاختيار كل واحدة بعد إسلامها وانفسخ به نكاح الأربع المتأخرات ثم تراعى أحوالهن وإن يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدينين من وقت إسلام الزوج وإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقى بالاختيار واستأنفن العدة من اختياره الرابعة لأن باختيارها ممن سواها فلا يكون الفسخ طلاقًا سواء وقع باختلاف الدينين أو بالاختيار.
وقال أبو حنيفة: إن وقع الفسخ بإسلام الزوجة وتأخر الزوج كان طلاقًا وإن وقع الفسخ بإسلام الزوجة لم يكن طلاقًا وكلا المذهبين خطأ لأن ما وقعت الفرقة فيه بغير طلاق لم يكن طلاقًا كسائر الفسوخ والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَقَدِ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا فَإِنْ اخْتَارَ إِمْسَاكَ أَرْبَع فَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُ مَنْ زَادَ عَلَيْهِنَّ.
قَالَ المُزَنِيُّ القِيَاسُ عِنْدِي عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَذَفَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ أَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا فَإِنْ اخْتَارَهَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا عَلَيْهِ فِي الزَّوْجَاتِ وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا سَقَطَ عَنْهُ الظِّهارُ وَالإِيلَاءُ وَجُلِدَ بِقَذْفِهَا».
قال في الحاوي: وصورتها في مشرك تزوج بثماني زوجات ثم أسلم قبلهن فيتعلق بها ثلاثة فصول:
أحدها: أن يقول لنسائه كلما أسلمت منكن فقد اخترت إمساكها فهذا لا يصح لمعنيين:
أحدهما: أنه اختيار معلق بصفة والاختيار للنكاح لا يجوز أن يعلق بصفة.
والثاني: أنه اختيار لمبهمة غير معينة والاختيار لا يصح إلا لمعينة كالنكاح.
والفصل الثاني: أن يقول لهن: كلما أسلمت واحدة فقد فسخت نكاحها فهذا لا يصح لمعنيين:
الجزء: 9 - الصفحة: 276
أحدهما: أنه فسخ معلق بصفة لا يجوز تعلق الفسخ بالصفات.
والثاني: أنه فسخ قبل وقت الفسخ لأنه يستحق فسخ من زاد على الأربع وقد يجوز أن لا يسلم أكثر من أربع فلا يستحق فيه فسخ نكاحهن.
والفصل الثالث: أن يقول لهن: كلما أسلمت واحدة فقد طلقتها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح لأنه الطلاق يجوز تعليقه بصفة فإذا أسلم منهن أربع طلقهن وكان ذلك اختيارًا لهن لأن الطلاق لا يقع على زوجة وينفسخ الأربع الباقيات لأن الطلاق في المتقدمات قد يتضمن اختيارهن فصار فسخًا لنكاح من سواهن وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي؛ لأنه قال: «وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَقَدِ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ طَلَاقًا» فدل على أنه لو قال: كلما أسلمت واحدة فقد طلقتها صح طلاقها.
والفرق بين الفسخ في أن لا يجوز تعليق بصفة وبين الطلاق في أن جواز تعليق بالصفة أن الفسخ موضوع لتمييز الزوجة عن الزوجة فلم يجز تعليقه لعدم التمييز المقصود فيه والطلاق حل لنكاح الزوجة فجاز تعلقه بالصفة لوجود حل النكاح به.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة معه: أن قوله للمثاني المشركات كلما أسلمت واحدة فهي طالق لا يصح لأن الطلاق وإن جاز تعلقه بالصفة فهذا الطلاق هاهنا لا يجوز تعليقه بالصفة لأنه يتضمن اختيارًا أو فراقًا ولا يجوز تعليق الاختيار بالصفة كذلك لا يجوز تعليق الطلاق الذي قد تضمنه اختيار الصفة ويتأول قائل هذا الوجه كلام الشافعي هاهنا بتأويلين:
أحدهما: أن قول الشافعي: «كلما أسلمت واحدة فقد اخترت فسخ نكاحها لم يكن هذا شيئًا إلا أن يريد طلاقها» فيصح ويقع الطلاق إذا كان زوجاته في الشرك أربعًا لا يزدن عليها فيقع طلاق كل واحدة منهن إذا أسلمت لأنه طلاق محض لا يتضمن اختيار فجاز تعليق بالصفة.
والثاني: أن كلام الشافعي حكاية عن حال الزواج وليس من لفظ الزوج ويكون معنى قوله: «كلما أسلمت واحدة» أن الزوج قال عند إسلام كل واحدة قد فسخت نكاحها يريد الطلاق طلقت لأنه لو اختارها في هذه الحال صح فصح أن يطلقها فعلى هذا لو أسلم معه الثماني كلهن فقال لهن: أيتكن دخلت الدار فقد فسخت نكاحها لأنه فسخ بصفة ولو قال: أيتكن دخلت الدار فهي طالق كان على ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: لا يصح لأنه يتضمن اختيارًا بصفة.
والثاني: يصح تغليبًا لحكم الطلاق فإذا دخلها أربع طلقن وانفسخ نكاح الباقيات فيصير الطلاق معلقًا به ثلاثة أحكام:
أحدها: اختيار المطلقات.
والثاني: فراقهن.
الجزء: 9 - الصفحة: 277
والثالث: نسخ نكاح من عداهن فعلى هذا لو دخل الثماني الدار كلهن في حالة واحدة لم يتقدم بعضهن بعضًا ووقع الطلاق على الزوجات الأربع منهن وجهًا واحدًا لأنه طلاق لا يتضمن الاختيار.
وقيل له: اختر أربعًا منهن فإذا اختارهن تعين وقوع الطلاق فيهن وانفسخ نكاح الباقيات بغير طلاق والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «وَلَوْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَلَ لَا أَخْتَارُ حُبِسَ حَتَّى يَخْتَارَ وَأَنْفَقَ علَيهنَّ مِنْ مَالِهِ لَأَنَّهُ مَانِعٌ لَهُنَّ بِعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ ولَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ كَمَا يطَلِّقُ عَلَى المَوْلَى فَإِنْ امْتَنَعَ مَعَ الحَبْس عُزِّرَ وَحُبِسَ حتَّى يَخْتَارَ وَإِنْ مَاتَ أَمَرْنَاهُنَّ أَنْ يَعْتَدِدْنَ الآخَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرِ وَعَشَرٍ أَوْ ثَلَاثِ حَيْضةٍ وَيُوقَفُ لَهُنَّ المِيراثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ فِيهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في مشرك أسلم وأسلم معه ثماني زوجات فعليه أن يختار منهن أربعًا لئلا يصير جامعًا بين ثمان فإن توقف عن الاختيار سأله الحاكم عن توقفه وأمره بتعجيل اختياره لأن لا يستديم ما حظره الشرع في الجمع فإن سأل إنظاره ليفكر في اختياره ويرتئي في أحظهن له أنظره ما قل من الزمان الذي يصح فيه فكره وهل يجوز أن يبلغ بأنظاره ثلاثة أيام أم لا؟ على قولين كالإنظار للمولى والمرتد فإذا اختار بعد الأنظار فهو مخير بين أن يختار أربعًا فيكون اختياره لهن فسخًا لمن عداهن وبين أن يفسخ نكاح أربع فيكون فسخه اختيارًا لنكاح من عداهن إلا أن يكون الباقيات بعد فسخ نكاح الأربع أكثر من أربع كأنهن عشر فيحتاج بعد فسخ الأربع أن يختار من الست أربعًا أو يفسخ منهن نكاح اثنتين فيثبت نكاح الأربع واختياره وفسخه بالقول فاختياره قولًا أن يقول: قد اخترت نكاحها أو قد اخترت إمساكها أو قد اخترت جنسها فإن قال: قد أخرتها صح فكذلك لو قال: قد أمسكتها لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: 229] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان: «أمسك أربعًا» وإن قال: قد حبستها لم يصح اختياره لاحتماله ولأن الشرع لم يأت به وإن قال: قد ردتها لم يصح اختيارها لاحتمال أن يكون ردها إلى أهلها أو ردها إلى نفسه فلو أراد به الاختيار لم يصح الاختيار يجري مجرى عقد النكاح الذي لا يصح إلا بالتصريح دون الكناية.
وفسخه قولان: أن يقول قد فسخت نكاحها أو قد رفعت نكاحها أو قد أنزلت نكاحها فكل ذلك فسخ صريح لأنها ألفاظ مشتركة المعاني.
ولو قال: قد صرفتها أو أبعدتها كان كناية يرجع إلى إرادته فيه فإن أراد به الفسخ صح لأن الفسخ يجري مجرى الطلاق الذي صح بالتصريح وبالكناية فلو قال قد حرمتها كان كناية يحتمل الفسخ ويحتمل الطلاق فإن أراد به الطلاق كان اختيارًا وإن أراد به الفسخ كان فسخًا وإن لم يكن له إرادة
الجزء: 9 - الصفحة: 278
لم يكن طلاقًا وهل يكون فسخًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يكون فسخًا لأن المفسوخ نكاحها محرمة.
والثاني: لا يكون فسخًا لأمرين:
أحدهما: أن الكناية إذا تجردت عن نية لم يتعلق بها حكم.
والثاني: أنه حكم ثبت بعد الفسخ فاقتضى أن يتقدمه ما يقع به الفسخ فلو قال: قد فارقتها كان فسخًا ولو قال: قد طلقتها كان اختيارًا.
والفرق بينهما وإن كانا صريحين في طلاق الزوجات أن الطلاق لا يقع إلا على زوجة فلذلك جعلنه اختيارًا والفراق قد يقع على زوجته فيكون طلاقًا وعلى غير زوجته: فيكون إبعادًا فلذلك جعل فسخًا فلو قال: أردت بالفراق الطلاق قبل منه وصار اختيارًا وطلاقًا ولو قال: أردت بالطلاق الفسخ لم يقبل منه لأنه الطلاق لا يصح إلا على زوجته والفسخ لا يكون هاهنا إلا بغير زوجته فأما إذا قال: قد سرحتها كان كالفراق فسخًا لأنه أشبه بمعناه فإن أراد به الطلاق صار اختيار كالفراق فأما إذا ظاهر منها أو آلى لم تكن اختيارًا ولا فسخًا لأن الظهار والإيلاء قد تخاطب به الزوجة وغير الزوجة وإن لم يستقر حكمها إلا في زوجته وإذا لم يكن الظهار في الحال اختيارًا ولا فسخًا نظر في التي ظاهر منها وإلى فإن اختار فسخ نكاحها سقط حكم ظهاره وإيلائه وإن اختار جنس نكاحها ثبت ظهاره وإيلاؤه منها لأنها كانت زوجته وقت ظهاره وإيلائه.
فصل:
فأما إذا وطئ من الثماني الموقوفات على اختياره وفسخه أربعًا فهل يكون وطؤه اختيارًا لهن كما يكون وطء البائع للجارية المبيعة في خيار الثلاثة اختيارًا لفسخ البيع؟ فعلى هذا قد ثبت بوطئهن اختيار نكاحهن وانفسخ به نكاح من عداهن.
والثاني: أن لا يكون اختيارًا لأن الاختيار يجري مجرى عقد النكاح والنكاح لا يعقد إلا بالقول دون الفعل كذلك الاختيار وخالف الفسخ في البيع لأنه استفادة ملك والأملاك قد تستفاد بالملك كالسبي وبالقول كالبيع فجاز أن يستفاد ملكه بالقول والفعل فعلى هذا يكون على خياره من شاء من الموطوءات وغيرهن فإن اختار إمساك الموطوءات ثبت نكاحهن وكانت إصابته لهن إصابة في زوجته فلا يجب لهن مهر ولا يجب عليهن عدة وإن اختار إمساك غير الموطوءات ثبت نكاحهن بالاختيار وانفسخ نكاح الموطوءات وكانت إصابته لهن إصابة شبهة لأجنبيات فلا حد عليه لأجل الشبهة وعليه لهن مهور أمثالهن وعليهن العدة وتكون عدة الفسخ والإصابة معًا يتربص بأنفسهن أبعد الأجلين وهو الفسخ لأنه بعد الوطء.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفناه من حكم اختياره وفسخه فأقام عن الامتناع منهما فلم يختر ولو
الجزء: 9 - الصفحة: 279
يفسخ حبسه السلطان تأديبًا لمقامه على معصية ولامتناعه من حق ولإضراره بموقوفات على اختياره فإن أقام على الامتناع بعد حبسه عزره ضربا بعد أن عزره حبسًا ولم يجز أن يختار السلطان عليه أو يفسخ وإن جاز في أحد قوليه أن يطلق على المولى إذا امتنع من الفيئة أو الطلاق والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الاختيار كالعقد الذي لا يجوز أن يعد عليه جبرًا فلم يجز أن يختار عليه جبرًا والطلاق كالفسخ الذي يجوز أن يفسخ عليه جبرًا فجاز أن يطلق عليه جبرًا.
والثاني: أن الطلاق في الإيلاء معين لا يقف على الشهود فجاز إيقاعه عليه جبرًا وإذا كان هكذا أطيل حبسه وتعزيره حتى يجيب إلى الاختيار والفسخ بنفسه.
فصل:
ثم لهن في زمان حبسه ووقفهن على اختياره وفسخه النفقة والسكنى لأنهن موقوفات عليه بنكاح سابق فكان أسوأ أحوالهن أن يجرين مجرى المطلقة الرجعية في زمان عدتها في وجوب النفقة والسكنى لها فإن مات الزوج سقطت نفقاتهن لزوال ما أوجب النفقة من وقت نكاحهن فلم يجز أن يختار الوارث بعد موته لأن الاختيار لا يصح فيه النيابة ولا يجوز أن يوقعه الحاكم جبرًا وتعلق بموته فصلان:
أحدهما: في العدة.
والثاني: في الميراث.
فأما العدة ففيها أربع زوجات يلزمهن الوفاة وفيهن أربع مفارقات يلزمهن عدة الاستبراء من وطء ليس يتميز الزوجات عن غيرهن ولا يخلو حالهن فيها من ثلاثة أقسام:
وإما أن يكن من ذوات الحمل أو ذوات الأقراء أو من ذوات الشهور فإن كن حوامل اعتددن بوضعه وقد استوت فيه عدة الوفاة وعدة الاستبراء وإن كن من ذوات الشهور لصغر أو إياس فعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا وعدة الآيسة ثلاثة أشهر فتعتد كل واحدة بأطول العدتين وهي أربعة أشهر وعشرًا وإن كن من ذوات الأقراء فعدة الوفاة فيهن أربعة أشهر وعشرًا وعدة الاستبراء ثلاثة أقراء فتعتد كل واحدة منهما بأبعد الأجلين من أربعة أشهر وعشرًا أو ثلاثة أقراء لتكون مستبرئة لنفسها بيقين فإن مضت ثلاثة أقراء قبل أربعة أشهر وعشرًا استكملت تمام أربعة أشهر وعشرًا لجواز أن تكون زوجة أو مضت أربعة أشهر وعشرًا قبل أقراء استكملت ثلاثة أقراء لجواز أن تكون مستبرأة من غير زوجية.
فصل:
فأما الميراث فيوقف لهن إن لم يحجبن الربع وإن حجبن الثمن لأن فيهن أربع زوجات وارثات وإن لم يتعين فيكون موقوفًا على محلهن فإن اصطلحن عليه متساويات أو متفاضلات أو على تعيين أربع منهن يقتسمنه وتحرم الباقيات جاز أن لا يكون فيهن
الجزء: 9 - الصفحة: 280
محجور عليها لصغر أو جفون قال الشافعي في كتاب "الأم" فليس لوليها أن يصالح عنها بأقل من نصف ميراث زوجته وهو ثمن الموقوف لهن من ربع أو ثمن لأنه لما كان ثمانيًا متساويات الأحوال كان الظاهر من وقف ذلك عليهن يساويهن فيه وأن الموقوف على كل واحد منهن ثمن الوقف فلم يجز أن يصالح الولي على أقل من مقتضى الوقف فلو كان وقف ميراثهن على حاله فجاءت واحدة تطلب من الموقوف شيئا لم تعط لجواز أن تكون أجنبية وكذلك لو جاء منهن اثنتان أو ثلاث أو أربع لجواز أن يكن الأربع كلهن أجابت والباقيات زوجات فإن جاء منهن خمس تحققنا حينئذٍ أن منهن زوجته فدفعنا إليهن إذا طلبن بعين مالهن وهو ربع الموقوف من ربع أو ثمن يدفع ذلك إليهن بشرط الرضي به عن حقهن فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يدفع ذلك إليهن إلا على شرط الرضى به عن حقهن وإلا منعه منه حتى يتراضى جميعهن فعلى هذا إذا دفع ذلك إليهن على هذا الشرط وجب دفع الباقي من الميراث وهو ثلاثة أرباعه إلا الثلاث الباقيات.
والثاني: أنه لا يلزمه اشتراط ذلك عليهن في الدفع هذا يكون الباقي من ثلاثة أرباع ميراثهن موقوفًا لا يجوز أنه ينفرد بعضهن بشيء من الموقوف جميعهن إلا عن تراض واصطلاح فلو كان المطالبات منهن ستًا دفع إليهن نصف الموقوف من ميراثهن لأن فيهن زوجتين وكان النصف الباقي على الوجهين ولو كان فيهن سبع دفع إليهن ثلاثة أرباع الموقوف لأن فيهن ثلاث زوجات وكان الربع الباقي على الوجهين ولو كان الثمان كلهن يطلبن دفع إليهن جميع ميراثهن لأنه موقوف عليهن وليس فيه حق لهن.
فصل:
وإذا أسلم المشرك عن ثمان زوجات مشركات: أربع منهن وثنيات أسلمن معه وأدرج كتابيات بقين على دينهن كان بالخيار بين أن يختار إمساك الأربع الكتابيات فإن مات عنهن لم ترثنه وبين أن يختار بعض المسلمات وبعض الكتابيات فإن مات ورثه المسلمات دون الكتابيات فلو مات قبل اختيار أربع منهن فقد اختلف أصحابنا هل يوقف ميراثهن من تركته أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي القاسم الداركي لا يوقف لهن شيئا لأننا نوقف ما تحققنا استحقاقه وجهلنا مستحقه وقد يجوز أن يكون الزوجات منهن الذميات فلا يرثن فلذلك لم توقف ميراث الزوجات.
والثاني: يوقف ميراث الزوجات لأن لباقي الورثة لا يجوز أن ندفع إليهم إلا ما تحققنا استحقاقهم له فلا يدفع إليهم مشكوكًا فيه وقد يجوز أن يكون زوجاته منهن المسلمات فلا يكون لباقي الورثة في ميراثهن حق فلذلك كان موقوفًا والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 281
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ وَثَنِيَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا فِي عِدَّتِهَا فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ.
وقَالَ الْمُزَنِيّ: أَشْبَهَ بِقَوْلِهِ أنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ كَمَا جَعَلَ نِكَاحَ مَنْ لَمْ تُسْلِمْ مَوْقُوفًا فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ امْرَأَتَهُ وَإنْ انْقَضَتَ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا امْرَأَةً لَهُ فَيَصِحَّ نِكَاحُ الأَرْبَعِ لأنَّهُ عَقَدَهُنَّ وَلَا امْرأَةَ لَهُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أسلم المشرك عن زوجة وثنية هي جارية في عدتها في الشرك فنكح أختها أو خالتها أو عمتها أو أربعًا كان نكاحه باطلًا.
وقال المزني: يكون موقوفًا على إسلام الوثنية فإن أسلمت بطل عقده على أختها وعلى أربع سواها لعلمنا أنها كانت زوجة وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها صح على أختها وعلى أربع سواها لعلمنا أنها لم تكن زوجة.
قال: لأنه لما كان نكاح الوثنية موقوفًا جاز أن يكون نكاح أختها موقوفًا وهذا خطأ لأن عقد النجاح إذا لم يقع ناجزًا لم يقع موقوفُا وكان باطلًا والعقد على أخت زوجته الوثنية ليس بنكاح فبطل ولو يكن موقوفًا ألا تراه لو نكح مرتدة ليكون العقد عليها موقوفٌا على إسلامها لم يجز وكان باطلًا لأنه لم ينعقد ناجزًا ولأنه لو نكح أخت زوجته المرتدة كان باطلًا ولم يكن موقوفًا على إسلامها كذلك إذا نكح أخت زوجته الوثنية ولأنه نكح من لا يقدر على الاستمتاع بها فكان ناكحها باطلًا كنكاح المرتدة والوثنية فأما استدلاله يوقف على نكاح المشرك ففاسد لأن حل النكاح يجوز أن يكون موقوفًا وعنده لا يجوز أن يكون موقوفًا لوقوع الفرق بين ابتداء العقد واستدامته ألا تراه لو نكح محرمة أو معتدة بطل نكاحها لوجود المنع في ابتدائه ولو طرأت العدة أو الإحرام عليها بعد نكاحها لم يمنع من استدامته.
فصل:
فأما إذا أسلمت الزوجة قيل الزوج فنكح الزوج في الشرك أختها أو خالتها صح النكاح وإن كانت الأخت المسلمة في العدة لأن مناكح الشريك معفو عنها فإن أسلم وأسلمت معه المنكوحة في الشرك وأختها باقية في العدة صار كالمشرك وإذا أسلم مع أختين فيكون بالخيار ويبطل نكاح المتأخرة لأن نكاحها ثبت بالإسلام من نكاح المتأخرة وهذا غير صحيح لأن نكاح الزوج لهما معًا في الشرك فصار حكم نكاحه للثانية بعد إسلام الأولى كحكم نكاحه لها مع شرك الأولى اعتبارًا بالمتعاقدين دون غيرها والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 282
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَلَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أسْلَمَ فِي العدَّةِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَا عَلَى النٌكَاح"
قال في الحاوي: وصورتها في زوجين مشركين أسلمت الزوجة منهما بعد الدخول فلها النفقة في زمان عدتها أسلم الزوج أو تأخر المعنيين:
أحدهما: أن الإسلام فرض تضييق الوقت فلم يسقط به نفقتها وإن منع من الاستمتاع كالصلاة والصيام المفروضين.
والثاني: أن إسلامها المانع من الاستمتاع بها يقدر الزوج على تلافيه بإسلامه في عدتها فلم تسقط به نفقتها كالطلاق الرجعي وحكى أبو علي بن خيران قولًا آخر أنه لا نفقة لها لأنها منعته نفسها بسبب من جهتها فاقتضى أن تسقط بها نفقتها وإن كانت فيه طائعة كالحج وهذا القول إن حكاه نقلًا فهو ضعيف وإن كان تحريجًا فهو خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الحج موسم الوقت لأنه على التراخي والإسلام مضيق الوقت لأنه على الفور فصارت بالإسلام فاعلة ما لا يجوز تأخيره وبالحج فاعلة ما يجوز تأخيره.
والثاني: أن تحريمها بالحج لا يمكن تلافيه وتحريمها بالإسلام يمكنه تلافيه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَلَوْ كَانَ هُوَ المُسْلِمُ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فِي أَيَّامِ كُفْرِهَا لأنَّها المَانِعَةُ لِنَفْسِهَا مِنْهُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم الزوج قبلها فإن تأخر إسلامها حتى انقضت عدتها فلا نفقة لها لأنها بالتأخير عن الإسلام كالمرتدة والناشز فإن قيل: فالمنع من جهته لا من جهتها فلا كانت لها النفقة كما لو رجع.
قيل: قد كان أبو علي بن خيران أن يلتزم لهذا التعليل قولُا آخر إن لها النفقة إما نقلًا وإما تخريجًا وليس بصحيح لأن الإسلام فرض مضيق الوقت بخلاف الحج ثم هو منع لا يقدر على تلافيه فلم يمنع كونه من جهته أن يسقط به النفقه كالطلاق الثلاث ولو أسلمت الزوجة قبل انقضاء عدتها وجبت نفقتها بعد إسلامها لاستقرار الزوجية وعود الإباحة وهل لها نفقة المدة الباقية في شركها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وقو قوله في القديم: لها نفقة لأنها كانت زوجة فيما لم يزل وبناء على قوله القديم أن النفقة يجب بالعقد وتستحق بالتمكين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: لا نفقة لها لأن مدة التأخير كالنشوز وإن كانت
الجزء: 9 - الصفحة: 283
زوجة بناء على قوله الجديد أن النفقة تجب العقد والتمكين منه.
مسألة:
قَالَ الشًافِعِيُّ: "وَلَوْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهو اختلاف في وجوب النفقة ولا إطلاقه تفصيل وهو على ضربين:
أحدهما: أن يختلفا بعد وقوع الفرقة في أيهما تقدم بالإسلام فيقول الزوج: أسلمت قبلك وأسلمت بعدي وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك وتقول الزوجة: بل أسلمت أنا قبلك وأسلمت بعدي وقد انقضت عدتي فلي النفقة فالقول قول الزوج مع يمينه ولا نفقة لها لأمرين:
أحدهما: أنها مدعية وهو منكر.
والثاني: أن العقد ارتفع باختلاف الدينين فاقتضى الظاهر سقوط النفقة بارتفاعه.
والضرب الثاني: أن يختلفا مع بقاء النكاح واجتماعهما في الإسلام فيه قبل انقضاء العدة ففي المراد باختلافهما في هذا الموضع ثلاث تأويلات:
أحدها: أن تقول الزوجة: أسلمت قبلك وأسلمت بعدي في العدة فعلى النفقة ويقول الزوج.
بل أسلمت أنا قبلك وأنت بعدي فلا نفقة لك فالقول قول الزوج مع يمينه ولا نفقة لها لما ذكرنا منه لأمرين.
والثاني: أن يختلفا فتقول: أسلمت قبلك يشهد فلي عليك نفقة شهر ويقول الزوج: بل أسلمت قبل بيوم فلك نفقة يوم فالقول قول الزوج مع يمينه لما ذكرنا.
والثالث: أن يختلفا فتقول الزوجة قد أسلمت بعدك بشهر فلي نفقة شهر ويقول الزوج: لك قد أسلمت بعدي بيوم فلك نفقة يوم فالقول قول الزوج مع يمينه وليس لها إلا نفقة يوم واحد لما ذكرنا والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافِعِي?: "وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ المَهرِ إِنْ كَانَ حَلَالًا ونِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ حَرَامًا وَمُتْعَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا لأَن فَشْخَ النًّكاحِ مِنْ قَبْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَسَلَمَتْ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ صِدَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ لأَنَّ الفَسْخَ مِنْ قَبْبِهَا.
وقَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى النِّكاحِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأنه قدم حكم الإسلام قبل الدخول ثم ذكرها هنا حكم الإسلام قبل الدخول وهو على ثلاثة أقسام:
الجزء: 9 - الصفحة: 284
أحدها: أن يتقدم إسلام الزوج.
والثاني: أن يتقدم إسلام الزوجة.
والثالث: أن يسلما معًا فإن تقدم إسلام الزوج فقد بطل النكاح لأن ما أفضى إلى الفرقة أو كان قبل الدخول وقعت به البينونة كالردة والطلاق الرجعي ولا عدة عليه لعدم الدخول بها ولا نفقة لها لسقوط العدة عنها فأما الصداق فلها نصفه لأن الفسخ من قبله بسبب لا تقدر الزوجة على تلافيه فأشبه الطلاق.
فإن قيل: فقد كان يمكنها تلافيه بأن تسلم معه قبل هذا يشق فلم يعتبر وربما تقدم إسلامه وهي لا تعلم وإذا كان لها الصداق لم تخل حاله في العقد من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد سمي فيه مهر حلال لها نصفه.
والثاني: أن يكون قد سمي فيه مهر حرام فلها نصف مهر المثل.
والثالث: أن لا يسمي فيه مهر فلها منعه كالطلاق في هذه الأحوال.
وإن تقدم إسلام الزوجة فقد بطل النكاح لما ذكرنا ولا مهر لها لأن الفسخ جاء من قبلها ولم يقدر الزوج على تلافيه فسقط مهرها.
فإن قيل: يقدر على تلافيه بإسلامه معها كالجواب ما مضى وخالف وجوب النفقة لها إذا تقدم إسلامها بعد دخول لأنه منع يقدر الزوج على تلافيه وإن أسلما معًا لأنهما كانا في الشرك على دين واحد في الإسلام على دين واحد فلذلك كان النكاح بينهما ثابتًا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَإِنْ قالَ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَالنِّكاحُ مَفْسُوخٌ وَلَا نِصْفَ مَهْرٍ حَتَّى يُعْلَمَ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم أحد الزوجين المشركين قبل الدخول ويسلم الآخر بعده ويشكل عليهما أيهما تقدم بالإسلام فالنكاح قد بطل لاستواء بطلانه إن تقدم إسلام الزوج أو تقدم إسلام الزوجة ولم يكن للإشكال تأثير فأما المهر فله حالتان:
أحدهما: أن تكون الزوجة قد قبضته في الشرك.
والثاني: لم تقبضه فإن لم تكن قبضته فلا مطالبة لها بشيء منه لأنها تشك في استحقاقه لأنه إن أسلم قبلها استحقت نصفه وإن أسلمت قبله لم تستحق شيئًا منه ومن شك في استحقاق ما لم يكن له المطالبة به كمن كان له دين فشك في قبضه وإن كانت الزوجة قد قبضت منه جميع المهر فله الرجوع عليها بنصفه لأنه بوقوع الفرقة قبل الدخول يستحقه بيقين فأما الآخر فلا رجوع له به لأنه شاك في استحقاقه لجواز أن يكون قد أسلم
الجزء: 9 - الصفحة: 285
قبلها فلا يستحقه أو أسلمت قبله فيستحقه والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "فَإِنْ تَدَاعَيَا فَالقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِها لأَنَّ العَقْدَ ثَابِتٌ فَلَا يُبْطَلٌ نِصْفُ المَهْرِ إلَّا بِأَنْ تُسْلِمَ قَبْلَهُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم أحد الزوجين قبل صاحبه ولا دخول بينهما ثم يختلفان أيهما تقدم إسلامه فيقول الزوج: أنت قد تقدمت بالإسلام فلا مهر لك وتقول الزوجة: بل أنت تقدمت بالإسلام فلها نصف المهر فالقول قول الزوجة مع يمينها أن الزوج تقدم بالإسلام عليها ولها نصف المهر وإنما كان كذلك لأن الأصل في المهر استحقاقه بالعقد فلم يقبل دعوى الزوج في إسقاطه كمن عليه دين فادعى دفعه لم يقبل منه اعتبارًا بالأصل في ثبوته وعدولًا عن دعوى إسقاطه.
مسألة:
قَالَ الشافِعِي: "وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ الْآخَرِ وَقَالَ: هُوَ مَعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا تُصْدًقُ عَلَى فَسْخِ النِّكَاحِ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ النَّكَاحَ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَتَصَادَقَا.
قَالَ المُزنِيُّ: أَشْبَهُ بِقَوْلَهَ أَنْ لَا يَنْفِسِخَ النِّكَاحَ بِقَوْلِهَا كَمَا لَمْ يَنْفَسِخ نِصْفُ المَهْرِ بِقْولِهِ.
قَالَ المُزنِيُّ: وَقَدْ قَالَ: لَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ إِسلَامِكَ وَقَالَ: بَلْ بَعَدَ فَلَا تُصْدقُ عَلَى فَسْخِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِن النِّكَاحِ".
قال في الحاوي: وصورتها: في زوجين أسلما قبل الدخول ثم اختلفا فقال الزوج: أسلمنا معًا فنحن على النكاح وقالت الزوجة: لا بل أحدنا قبل صاحبه فلا نكاح بيننا ففيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: أن القول قول الزوج في بقاء النكاح مع يمينه لأمرين:
أحدهما: أن الأصل ثبوته فلم تقبل دعوى إسقاطه.
والثاني: أن الزوجين لو اختلفا بعد الدخول فقال الزوج: اجتمع إسلامنا في العدة فنحن على النكاح وقالت الزوجة: اجتمع إسلامنا بعد العدة لكان القول قول الزوج مع يمينه في بقاء النكاح اعتبارًا بثبوت أصله كذلك إذا كان اختلافهما قبل الدخول.
والقول الثاني: أن القول قول الزوجة مع يمينها لأن الدعوى إذا تعارضت وكان الظاهر مع أحدهما غلب دعوى من ساعده الظاهر كالمتداعيين دارًا وهي في يد أحدهما لما كان الظاهر مساعدًا لصاحب اليد منهما غلبت دعواه كذلك هاهنا تساوى دعواهما والظاهر مساعد للزوجة منهما ولأن اجتماع إسلامها حتى لا يسبق لفظ أحدهما للآخر
الجزء: 9 - الصفحة: 286
بحرف متعذر في الغالب واختلافهما فيه هو الأظهر الأغلب فوجب أن يغلب فيه قول من ساعدة هذت الظاهر وهي الزوجة فكان القول قولها مع يمينها في وقوع الفرقة وعدولًا عن الأصل بظاهر هو أخص وهذا بخلاف تنازعهما في المهر لأنه لم يكن مع اختلافهما فيه ظاهر بعدل به عن الأصل فاعتبر فيه حكم الأصل.
فصل:
فأما إذا اختلفا بعد الدخول فقالت الزوجة: أسلمت أيها الزوج بعد انقضاء عدتي فلا نكاح بيننا وقال الزوج: بل أسلمت قبل انقضاء عدتك فنحن على النكاح فالذي نص عليه الشافعي: أن القول قول الزوج مع يمينه اعتبارًا بالأصل في ثبوت النكاح ونص في مسألتين على أن القول قول الزوجة في بطلان النكاح بخلاف هذا:
إحداهما: المطلقة الرجعية إذا قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتها فنحن على النكاح وقالت الزوجة: بل انقضت عدتي قبل رجعتك فلا نكاح بيننا قال الشافعي: القول قول الزوجة مع يمينها ولا رجعة.
والثانية: إذا ارتد الزوج المسلم بعد الدخول ثم عاد إلى الإسلام واختلفا فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك فنحن على النكاح وقالت الزوجة: بل انقضت عدتي قبل إسلامك فلا نكاح بيننا.
قال الشافعي: "القول قول الزوجة مع يمينها" فجعل في مسألة الرجعة والردة القول قول الزوجة في رفع النكاح وجعل في إسلام المشركين القول قول الزوج مع بقاء النكاح فاختلف أصحابنا في هذه المسائل الثلاث على ثلاثة طرق:
أحدها: أن نقلوا جوابه في الرجعة والردة إلى الإسلام في حق الزوجين وجوابه في إسلام الزوجين إلى الرجعة والردة وخرجوا المسائل الثلاثة على قولين:
أحدهما: أن القول قول الزوج مع بقاء النكاح على ما نص عليه في إسلام الزوجين.
والثاني: أن القول قول الزوجة في رفع النكاح على ما نص عليه في الرجعة والردة ولعل هذه الطريقة أبي حفص بن الوكيل وأبي الطيب بن سلمة.
والثانية: أنه ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي يحصل فيه القول قول الزوجة في رفع النكاح إذا بدأت فأخبرت بانقضاء عدتها قبل رجعة الزوج وإسلامه فادعى الزوج تقدم رجعته وإسلامه فالقول قولها والموضع الذي جعل القول قول الزوج في بقاء النكاح إذا بدا فأخبر أنه راجع وأسلم في العدة فادعت الزوجة انقضاء عدتها قبل الإسلام والرجعة لأن قول من سبق منهما مقبول فلم يبطل بما حدث بعده من دعوى وهذه طريقة أبي علي بن خيران.
والثالثة: بل هو على اختلاف حالين على غير هذا الوجه أن القول قول من اتفقا
الجزء: 9 - الصفحة: 287
على صدقه في زمان ما ادعاه لنفسه.
مثاله: أن تقول الزوجة انقضت عدتي في رمضان وأسلمت أنت أو راجعت في شوال.
فقال: بل أسلمت وراجعت في شعبان فالقول قول الزوجة لاتفاقهما على زمان انقضاء عدتها واختلافهما في رجعة الزوج وإسلامه ولو قال الزوج: لعمري أنت أسلمت وراجعت في شوال لكن انقضت عدتك في ذي القعدة كان القول قول الزوجة لاتفاقهما على زمان إسلامه ورجعته في زمان انقضاء عدتها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من اختلاف أصحابنا في هذه المسائل فإن جعل القول فيهن قول الزوجة في رفع النكاح لم يكن لها احتج به المزني في نصرة قوله وصحة اختياره وجه، وإن جعل القول فيهن قول الزوج في بقاء النكاح توجه له الاحتجاج بهن، وكان الفرق بينهن في القول قول الزوج في بقاء النكاح وبين مسألتنا في أن القول في أحد القولين قول الزوجة في رفع النكاح وأن الدعوى في المسائل الثلاث متقابلة وليس مع أحدهما ظاهر فاعتبر حكم الأصل وفي مسألتنا مع أحدهما ظاهر فاعتبر حكم الظاهر دون الأصل.
فصل:
فأما إذا قالت الزوجة أسلمنا معًا فنحن على النكاح وقال الزوج: بل أسلم أحدنا قبل صاحبه فلا نكاح بيننا فالقول قول الزوج في رفع النكاح بلا يمين لأنه مقر بالفرقة وإقراراه بها يلزمه ولو رجع عنها لم يقبل منه ولم يقبل قوله في سقوط نصف المهر، لأن الأصل ثبوته.
فصل:
وإذا أسلم الزوج بعد الدخول ثم أسلمت الزوجة في عدتها وقد ارتد الزوج عن الإسلام فإنه يجري عليها حكم اجتماع الإسلاميين في العدة لأنه لا يخرج بالردة في أحكام المسلمين فيكون نكاح الشرك بينهما ثابتًا بإسلامهما في العدة ويستأنف حكم الفرقة بالردة من وقت ردته فإن عاد منها إلى الإسلام قبل أن يمضي بعد الردة زمان العدة كانا على النكاح وإن لم يعد بطل النكاح بردته فلو أسلم الزوج المشرك وأسلم بعده خمس وقد ارتد الزوج عن الإسلام لم يكن له أن يختار منهن في حال ردته أحدًا لأن الاختيار يجري مجرى ابتداء العقد وهو لا يجوز أن يعقد فلم يجز أن يختار والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ نَكَحَهَا فِي الِشِّرْكِ بِمُتْعَةٍ أَوْ عَلَى خَيَارٍ انْفَسَخَ
الجزء: 9 - الصفحة: 288
نِكَاحُهَا لأنَّهُ لًمْ يَنْكِحهَا عَلَى الأبَدِ".
قال في الحاوي: أما إذا نكح في الشرك نكاح متعة وهو أن يقول: أمتعيني نفسك سنة فإذا أسلما عليه فلا نكاح بينهما لأنهما إن أسلما بعد انقضاء المدة فلا نكاح وإن أسلما قبل انقضائها فلم يعتقد تأييده والنكاح ما تأبد وأما إذا نكحها بخيار فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الخيار مؤبدًا فالنكاح إذا أسلما عليه باطل لأنهما لم يعتقدوا لزومه والنكاح ما لزم.
والثاني: أن يكون الخيار مؤقتًا فهو على ضربين:
أحدهما: أن يسلما ومدة بالخيار باقية فالنكاح باطل لما ذكرنا.
والثاني: أن يسلما بعد انقضاء مدة الخيار فالنكاح جائز لأن ما انقضى مدة خياره صار معتقد اللزوم وأما إن نكحها في العدة ثم أسلما فإن كانت العدة وقت إسلامها باقية فالنكاح باطل لأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليها فلم يجز أن يقيم على نكاحها وإن كانت العدة قد انقضت وقت إسلامهما ففيه وجهان:
أحدهما: أن النكاح باطل لأن العدة لا تنقضي إذا كانت تحت زوج فصارت مسلمة مع بقاء العدة.
والثاني: أن النكاح صحيح لأن مناكح الشرك معفو عنها وإذا أسلمت بعد انقضاء مدة العدة فقد استهلكتها على الزوج الأول في الشرك فسقط حكمها وإن كانت المدة باقية لم تستهلك ما بقي منها فافترقا.
فأما إذا قهر المشرك في دار الحرب مشركة على نفسها فزنى بها ثم أسلما فإن كانوا يعتقدون في دينهم أن القهر على النفس نكاح مستدام صار ذلك من عقود مناكحهم المعفو عنها فيحكم بصحة النكاح بعد الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه في دينهم نكاحًا فلا نكاح بينهما إذا أسلما.
باب الخلاف في إمساك الأواخر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمْهُ اللهُ: "وَاحْتَجَجْتُ عَلَى مَنْ يُبْطِلُ الأَوَاخِرِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لابْنِ الدَيْلَمِيِّ وَعِنْدَهُ أَخْتَانِ: "اخْتَرْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الأُخْرَى" وَبِمَا قَالَ لِنَوْفَلَ بنُ مُعَاوِيَةَ وَتَخيِيرهِ غَيْلَانَ فَلَوْ كَانَ الأَوَاخِرُ حَرَامًا مَا خَيَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقُلْتُ لَهُ: أَحْسًنُ حَالَةٍ أَنْ يَعْقدُوهُ بِشهَادَةِ أَهْلَ الأَوْثَانِ.
قُلْتُ: وَيُرْوَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكَحُونَ فِي العِدَّةِ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ.
وَقَالَ: أَجَلْ قَلْتُ: وَهَذا كُلُّهُ فَاسِدٌ فِي الإِسْلاَمِ.
قَالَ: أَجَلْ، قُلْتُ: فَلَمَّا لَمْ يَسْألِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ العَقْدِ كَانَ عَفْوًا لِفَوتِهِ كَمَا حَكَمَ اللهُ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؟ بِعَفْوِ الرِّبَا إِذَا
الجزء: 9 - الصفحة: 289
فَاتَ بِقَبْضِهِ وَرَدَّ مَا بَقِيَ لأَنَّ الإِسْلاَمَ أَدْرَكَهُ، كَمَا رَدَّ مَا جّاوَزَ أرْبَعًا لأَنَّ الإِسْلَامَ أَدْرَكَهُنَّ مَعَه وَالعُقُدٌ كُلُّهَا لَوء ابْتَدَأَتْ فِي الإِسلَام فَاسِدةً فَكَيْفَ نَظرْتَ إِلَى فَسَادِهَا مَرةً وَلَمْ تَنْظُرْ أُخْرَى فَرَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّد بْنِ الحَسَنِ: مَا علِمْتُ أَحَدًا احْتجَّ بِأحْسَنَ مِمَّا احْتجَجْتُ بِهِ وَلَقَدْ خَالَفْتُ أَصْحَابِي فِيهِ مُنْذُ زَمَانٍ وَمَا يَنْبَغِي أَن يَدخُلَ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم القِيَاسُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: قد مضى وذكرنا أن المشرك إذا أسلم مع أكثر من أربع زوجات فهو مخير بين إمساك الأوائل والأواخر بخلاف ما قاله أبو حنيفة من إمساك الأوائل دون الأواخر، احتجاجًا بما مضى فحكى الشافعي مناظرته لمحمد بن الحسن على ذلك، فرجع إلى قول الشافعي وعدل عن قول صاحبيه أبي حنيفة وأبي يوسف واحتجاجه في ذلك ما قدمناه فلم تحتج إلى إعادته، وبالله التوفيق.
باب ارتداد أحد الزوجين أو هما ومن شرك إلى شرك.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمْهُ اللهُ: "وَإِذَا ارْتَدَّ أَوْ أحدهما مُنِعَا الوَطْء فَإنْ انْقَضَتِ العُدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسلَامِهِمَا انْفَسَخَ النِّكاحُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ أَصَابَهَا فِي الرِّدةِ فَإِنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ".
قال في الحاوي: وهذا الفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: أن يرتد أحد الزوجين المسلمين.
والثانية: أن يرتدا معًا.
فإذا ارتد أحدهما فعلى ضربين:
إحداهما: أن يكون الدخول فالنكاح قد بطل يرده أحدهما وهو إجماع؛ لأن ما أثر في الفرقة قبل الدخول أيتها كالطلاق الرجعي ولذلك أبطلنا نكاح الزوجين المشركين إذا أسلم أحدهما قبل الدخول وإذا بطل النكاح بردة أحدهما قبل الدخول نظر المرتد في المرتد منهما فإن كان هو الزوج فعليه نصف المهر؛ لأن الفسخ من قبله وإن كان المرتد هي الزوجة فلا مهر لها؛ لأن الفسخ من قبلها.
والثاني: أن يكون ردة أحدهما بعد الدخول فقد اختلف الفقهاء في النكاح، فمذهب الشافعي أن يكون موقوفًا على انقضاء العدة فإن أسلم المرتد منهما قبل انقضائها كانا على النكاح وإن لم يسلم حتى أنقصت بطل النكاح.
وقال مالك: يعرض الإسلام على المرتد منهما فإن عاد إليه كانا على النكاح وإن لم يعد إليه بطل النكاح.
وقال أبو حنيفة: قد بطل النكاح بنفس الردة من غير وقف استدلالًا بأن ارتداد أحد
الجزء: 9 - الصفحة: 290
الزوجين موجب لوقوع الفرقة في الحال قياسًا على ما قبل الدخول ولأن كل سبب يتعلق به فسخ النكاح يستوي فيه ما قبل الدخول وبعده كالرضاع واستبراء الزوجة ووطء أمها بشبهة.
ودليلنا: هو أن اختلاف الدين بعد الإصابة لا يوجب تعجيل الفرقة قياسًا على إسلام أحد الزوجين المشركين ولأنها ردّة طارئة على نكاح مدخول بها فوجب أن لا تبيين قياسًا على ارتدادهما معًا.
فأما الجواب على قياسه على ما قبل الدخول فهو أن غير المدخول بها لا عدة عليها فلذلك تعجل فراقها والمدخول بها عليها العدة فلذلك تعلق بانقضائها وقوع فراقها كالطلاق الرجعي يتعجل به في غير المدخول بها ويتأجل بانقضاء العدة في المدخول بها.
وأما الجواب على قياسه على الرضاع مع فساده بإسلام أحد الزوجين المشركين فهو أن تحريم الرضاع والمصاهرة يتأبد وتحريم الردة قد يرتفع فلذلك ما افترقا.
فصل:
وأما المسألة الثانية: وهو أن يرتد الزوجان معًا فهو كارتداد أحدهما إن كان قبل الدخول بطل وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتدا معًا كان على النكاح قبل الدخول وبعده استدلالًا بأن أهل الردة حين أسلموا أقرهم أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- على مناكحهم ولم يعتبر فيهم انقضاء العدة ولا حال الدخول لاجتماع الزوجين منهم على الإسلام والردة.
قال: ولأنه انتقال إلى دين فوجب أن لا يوقع الفرقة بينهما قياسًا على إسلام المشركين.
قال: ولأن أكثر ما في ارتدادهما أن لا يقرأ على دينهما وهذا لا يمنع من صحة نكاحهما كالوثنيين.
ودليلنا: هو أنها ردة طارئة على نكاح فوجب أن يتعلق بها وقوع الفرقة أساسًا على ردة أحدهما ولأن كل حكم تعلق بردة أحدهما لم يزل بردتها قياسًا على استباحة المال والدم وإحباط العمل ولأن كل معنى وقعت به الفرقة إذا وجد من أحدهما وقعت به الفرقة إذا وجد منهما كالموت.
فأما الجواب عن إقرار أبي بكر- رضي الله عنه- لأهل الردة على مناكحهم فلأنهم أسلموا قبل انقضاء العدة.
فإن قيل: فلم يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها.
قيل: قد يجوز أن يكون جميعهن مدخولًا بهن أو لم يتميزن فأجرى عليهن حكم الأغلب كما أنه لم يفرق بين من اجتمعا في الردة أو لم يجتمعا وإن كان أبو حنيفة يفرق بينهما فيكون جوابه عن هذا السؤال جوابًا عن سؤاله.
الجزء: 9 - الصفحة: 291
وأما الجواب عن قياسهم على المشركين إذا أسلما بعلة انتقالهما إلى دين واحد فهو انتقاضه بالمسلم إذا تزوج يهودية ثم تنصّر قد اجتمعا على دين واحد والفرقة واقعة بينهما على أن أبا حنيفة قد وافقتا أنه إذا اجتمعا على الردة من الإصابة كما لو ارتد أحدهما حتى يجتمعا على الإسلام.
وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع الوثنيين فالفرق بينهما أن الوثنيين لا يمنعان من الإصابة فجاز إقرارهما على النكاح والمرتدان يمنعان من الإصابة فلم يجز إقرارهما على النكاح.
فصل:
فإذا ثبت أن اجتماعهما على الردة في وقوع الفرقة بينهما كارتداد أحدهما لم يخل حالهما إذا ارتدا من أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة بينهما في الحال وفي المهر وجهان:
أحدهما: يغلب فيه ردة الزوج لأنه أقوى المتناكحين حالًا فعلى هذا يكون عليه نصف المهر كما لو تفرد بالردة.
والثاني: أن يغلب فيه ردة الزوجة لأن المهر لها فكان أولى الأمرين أن يغلب فيه ردتها فعلى هذا لا مهر لها كما لو تفردت بالردة وخرج بعض أصحابنا فيه وجهًا.
والثالث: أن لها ربع المهر لاشتراكهما في الفسخ فسقط من النصف نصفه لأنه في مقابلة ردة الزوج وإن كان ارتدادها بعد الدخول فالمهر قد استقر بالإصابة ولها أربعة أحوال:
أحدها: أن يعودوا جميعًا إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فيكونا على النكاح.
والثاني: أن لا يعودوا معًا حتى تنقضي العدة فالنكاح باطل.
والثالث: أن يعود الزوج إلى الإسلام دونها فلا نكاح.
والرابع: أن تعود الزوجة دونه فلا نكاح.
فصل:
ولا يجوز للزوج الإصابة في الردة سواء كان الزوج المرتد أو الزوجة فإن أصابها في الردة فلا حد عليه لأن بقاء أحكام النكاح شبهة في إدراء الحد عليه لها مهر المثل فإن لم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها فاستقر المهر عليها أن تعتد من إصابته للاستبراء ويكون الباقي من عدة الردة محسوبًا من العدتين.
مثاله: أن يكون قد أصابها بعد قرء من ردتها فعليها أن تعتد من وقت الإصابة ثلاثة أقراء منها قرءان من عدتي الردة والإصابة وقرء مختص بعد الإصابة وإسلامها الذي يجتمعان به على النكاح أن يكون في عدة الردة دون الإصابة فإن عاد المرتد منهما إلى الإسلام في الباقي من عدة الردة كانا على النكاح فأما المهر فالذي وجب الإصابة فقد
الجزء: 9 - الصفحة: 292
قال الشافعي ما يدل على سقوطه بالإسلام وقال في المعتدة من طلاق رجعي إذا أصابها الزوج في العدة فوجب عليه المهر ثم راجعها بعد الإصابة أن المهر لا يسقط بالرجعة ورجعة المطلقة كإسلام المرتدة فاختلف أصحابنا لاختلاف جوابه على طريقين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد من المسألتين إلى الأخرى وتخريجها على قولين:
أحدهما: سقوط مهرها يعود المرتدة إلى الإسلام ورجعة المطلقة على ما نص عليه في المرتدة.
والقول الثاني: أن مهرها ثابت لا يسقط بإسلام المرتدة ولا برجعة المطلقة على ما نص عليه في المطلقة.
والثانية: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين فيسقط مهر المرتدة بالإسلام ولا يسقط مهر المطلقة بالرجعة.
والفرق أن ثلم الردة قد ارتفع بالإسلام حتى لم يبق للردة تأثير بعودها إلى ما كانت عليه من نكاح وإباحة وثلم المطلقة لم يرتفع جميعه بالرجعة وإنما ارتفع بها التحريم دون الطلاق فكأن تأثيره باقيًا فبقي ما وجب فيه من المهر والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ "وَلَوْ هَرَبَ مُرْتَدًا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ مُسْلِمًا وَادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهَا فَأَنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا".
قال في الحاوي: عن هذه المسألة قد مضت في الانفصال عما أورده المزني في اختلاف الزوجين المشركين في إسلامهما وذكرنا اختلاف أصحابنا في المرتد إذا عاد إلى الإسلام وقال: أسلمت قبل انقضاء عدتك وقالت: بعدها وفي الرجعية إذ قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك وقالت: بعدها على ثلاثة طرق:
أحدهما: أنهما على قولين:
أحد القولين: أن القول قول الزوجة في المسألتين لأن قولها في عدتها مقبول.
والثاني: أن القول قول الزوج في المسألنين لأن قوله فيما نقله من إسلام ورجعة مقبول.
والثانية: أن القول قول من اتفق على صدقه فيهما في المسألتين على المثال الذي بيناه.
والثالثة: أن القول قول من سبق منهما بالدعوى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَارْتَدَّتْ فَلَا مَهْرَ لَهَا لأنَّ الفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا وَإِنْ
الجزء: 9 - الصفحة: 293
ارْتَدَّ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ لأَنَّ الفَسْخَ مِنْهُ قِبَلِهِ".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة وذكرنا أن ارتداد أحدهما قبل الدخول موجب لفسخ النكاح وأن المرتد إن كان هو الزوج فلها نصف المهر وإن كانت الزوجة فلا مهر لها فرقًَا بين أن تكون الفرقة من قبله أو قبلها وأنهما إن ارتدا معًا كان المهر ثلاثة أوجه:
أحدها: لها نصفه تغليبًا لردة الزوج.
والثاني: لا شيء لها تغليبًا لردتها.
والثالث: لها بعد لاشتراكهما فيها.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَتَمَجَّسَتْ أَوْ تَزَنْدَقَتْ فَكَالمُسْلِمَةُ تُرِيدُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ المُرْتَدَّ: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الَّذِي حَلَّتْ بِهِ مِنَ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وما فيها من الأقسام والأحكام وأن الزوجة النصرانية إذا تزندقت لم تقر وفيها تؤخذ بالرجوع إليه ثلاثة أقاويل:
أحدها: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فدينها الذي كانت عليه من النصرانية.
والثالث: الإسلام فإن أبت فدين يقر عليه أهله من أديان أهل الكتاب ولو كانت نصرانية فتهودت كان على قولين:
أحدهما: تقر.
والثاني: لا تقر.
وفيما تؤخذ بالرجوع إلى قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام.
فإن أبت فدينها الذي كانت عليه وذكرنا ما تعلق بذلك من أحكام النكاح قبل الدخول وبعده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ دَانَ دِينَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ العَرَبِ أَوْ العَجَمِ غَيْرَ بَني إسْرَائِيلَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهُ أَوْ يَحِلَّ كَأَهْلِ الأَوْثَانِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ مَا يَحْرمُ الجَمْعُ بَيْنَهُ مَنِ اَرْتَدَّ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ نَصْرانِيَّةٍ إِلَى يَهُودِيَّةٍ حَلَّ نِكَاحُهَا؛ لأنَّهَا لَوْ
الجزء: 9 - الصفحة: 294
كَانَتْ مِنْ أَهْل الدِّينِ الَّذِي خَرَجَتْ إِلَيهِ حَلَّ نِكَاحُهَا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الجِزْيَةِ: لَا يُنْكَحُ مَنِ ارْتَدَّ عَنْ أَصْلِ دِينِ آبَائِهِ لأَنَّهُمُ بَدَّلُوا بِغَيْرِهِ الإِسْلَامَ فَخَالَفُوا حَالَهُمْ عَمَّا أُذِنَ بَأَخْذِ الجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ وَأُبِيحَ مِنْ طَعَاِمِهِمْ ونِسَائِهِمْ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وذكرنا أن بني إسرائيل من اليهود والنصارى مقرون على دينهم ويحل نكاح نسائهم ومن دخل في دينهما من العرب والعجم وسائر الأمم على ضربين: قبل التبديل وبعده ممن دخل فيه قبل تبديل أهله كالروم كان على حكمين فيه تقبل جزيتهم وتنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم.
ومن دخل فيه بعد تبديل أهله كان حكم عبدة الأوثان لا تقبل جزيتهم ولا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم فإن بدل بعضهم دون بعض ممن دخل في دين من بدل لم تقر ومن دخل في دين لم يبدل أقر وحل أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وإن دخل في دينهم قوم أشكلت علينا أحوالهم هل دخلوا فيه قبل التبديل أو بعده أو هل دخلوا فيه من بدل أو مع من لم يبدل كانوا في حكم المجوس يقرون بالجزية حقنًا لدمائهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
فصل:
وليس للمرتد أن يستأنف عقد نكاح في الردة على مسلمة ولا مرتدة فإن عقد فيه نكاحًا كان فاسدًا سواء تعجل إسلامه فيه أو تأخر لأن ردته تبطل نكاحًا ثابتًا فلم يجز أن يثبت نكاحًا مستأنفًا إلا أن الشافعي قال في موضع تطلق عليه وقال في موضع آخر.
لا تطلق عليه وليس ذلك منه على اختلاف قولين فيه ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن قوله لا تطلق يعني واجبًا وقوله: تطلق استحبابًا.
والثاني: أن قوله: لا تطلق إن أنكح مسلمة وتطلق إذا نكح مرتدة والله أعلم.
باب طلاق الشرك
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَإِذَا أَثْبَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَى الله عليه وسلم نِكَاحَ الشِّرْكِ وَأَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ فِي الإِسَلَامِ لَمْ يَجُزْ واللهُ أَعْلَمْ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ طَلَاقُ الشِّرْكِ لَأنَّ الطَّلاقَ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ ويَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ فَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ طَلَّقَهَا فِي الشِّركِ ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فِي الشِّرْكِ حَلَّتْ لَهُ وِيُسْلِم لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: نكاح الشرك صحيح والإقرار عليه جائز وطلاق الشرك واقع وحكم الفرقة ثابت.
وقال مالك: مناكحهم باطلة وإن أقروا عليها وطلاقهم غير واقع واستدل على بطلان مناكحهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنما ملكتم فروجهن بكلمة الله
الجزء: 9 - الصفحة: 295
تعالى" يعني بكتاب الله ودين الإسلام فلم يجز أن يملكها بغير ذلك ولأنهم قد كانوا يعتقدون إلقاء الثوب على المرأة نكاحًا وقهرها على نفسها نكاحًا والمبادلة بالنساء نكاحًا وكل ذلك مردود بالشرع فلم يجز أن يصح في الإسلام واستدل على أن طلاقهم لا يقع ولا يلزم بقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فاقتضى أن يكون الطلاق مغفورًا قال: ولأنهم كانوا يرون الظهار طلاقًا مؤيدًا وقد أبطله الله تعالى وغير حكمه ودليلنا: أن الله تعالى أضاف إليهم مناكح نسائهم فقال في امرأة أبي لهب: ﴿وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ (4)﴾ [المسد: 4] والإضافة محمولة على الحقيقة مقتضية للتمليك وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولدت من نكاح لا من سفاح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، ولا يرجم إلا محصنًا بنكاح.
ولأنها مناكح يقر عليها أهلها فوجب أن يحكم بصحتها قياسًا على مناكح المسلمين.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخير فمعنى قوله: "استحللتم فروجهن بكلمة الله" أي بإباحة الله وقد أباح الله تعالى مناكحهم بإقرارهم عليها.
وأما قولهم إنهم يرون من المناكح بينهم ما لا نراه فهو معفو عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعرف اختلاف آبائهم فيه فلم يكشف عنه.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فيعني من الآثام دون الأحكام وأما الظهار فبالفسخ أبطل حكمه وحكمه بالطلاق مقر.
فصل:
فإذا ثبت الحكم بصحة عقودهم ومناكحهم والعفو عما اختل من شروطها وأنهم مأخوذون بما أوقعوه فيها من طلاق وظهار وإيلاء اعتبر حال طلاقه فإن كان صريحًا عندهم أجريت عليهم حكم الصريح سواء كان صريحًا أو كتابة لأننا نعتبر عقودهم في شركهم بمعتقدهم كذلك حكم طلاقهم وإذا كان كذلك نظرت فإن كان رجعيًا فراجع في العدة صحت رجعته كما صح نكاحه وكانت معه بعد إسلامه على ما بقي من الطلاق فإن كان واحدة بقيت معه على اثنتين وإن كانت اثنتين بقيت معه على واحدة وإن لم يراجعها في العدة حتى أسلما فإن كانت عدة الطلاق قد انعقدت في الشرك أو بعد الإسلام وقيل الرجعة بانت منه وجاز أن يستأنف العقد عليها فيكون على ما بقي من الطلاق وإن كانت العدة باقية فله أن يراجعها بعد الإسلام تكون معه على ما بقي من الطلاق، وإن كان طلاقها لها في الشرك ثلاثًا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فلو كانت قد نكحت في الشرك زوجًا غيره حلت له إذا أسلم، فلو عاد منكحها في الشرك قبل زوج وقد طلقها ثلاثًا كان نكاحها إذا أسلم باطلًا ولم يجز أن يقر عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 296
فإن قيل: أفليس لو نكحها في العدة ثم أسلما بعدها أقر؟ فهلا إذا نكح المطلقة ثلاثًا قبل زوج أقر؟ قيل: لأن تحريم المعتدة قد زال بمضي الزمان فجاز أن يستأنف العقد عليها فجاز أن تقر على ما تقدم من نكاحها، وتحريم المطلقة ثلاثًا لم يزل، ولا يجوز أن يستأنف العقد عليها فلم يجز أن تقر على ما تقدم من نكاحها وتحريم المطلقة ثلاثًا، وكذلك الكلام فيما يؤخذ به حكم ظهارة وإيلائه، والله أعلم.
باب عقد نكاح أهل الذمة ومهورهم
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَعُقْدَةُ نِكَاحِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُهُورُهُمْ كَأَهْلِ الحَرْبِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لا اعتراض على أهل الذمة في مناكحهم وإن كانوا في دار الإسلام وهي عقود إذا أسلموا لما في تتبع مناكحهم بعد الإسلام من التنفير عنه فلو نكح أحدهم في دار الإسلام خمسًا أو جمع بين أختين أو نكح مجوسي أمه وبنته ولم يعارضوا، وهم كأهل الحرب إذا أسلموا فما جاز إن لم يستأنفوه بعد الإسلام أقروا عليه وما لم يجز أن يستأنفوه بعد الإسلام لم يقروا عليه ولا فرق بينهم في شيء منه وإن كانوا لهم ذمة وأحكامنا عليه جارية إلا في شيئين:
أحدهما: القهر والغلبة فإن الحربي إذا قهر حربية على نفسها ورآه نكاحًا أقر عليه إذا أسلما ولا يقر ذمي على قهر ذمية إذا أسلما لأن دار الإسلام تمنع من القهر والغلبة ودار الحرب نبيحه فافترقا لافتراق حكم الدارين.
والثاني: أن يعتقدا نكاحًا لا يجوز في دينهم كيهودي نكح أمه أو بنته فلا يقروا عليه لأنهم ممنوعون منه في دين الإسلام ودينهم ولو فعله المجوسي أقر لأنهم غير ممنوعين منه في دينهم فأما مهورهم فلا اعتراض عليهم فيها حلالًا كانت أم حرامًا فإن تقابضوها وهي حرام برئ منها الأزواج وإن بقيت في ذمتهم حتى أسلموا ألزمهم بدلًا منها مهر المثل وإن تقابضوا بعضها قبل الإسلام وبقي بعضها بعده لزم من مهر المثل بقسط ما بقي منها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فَإِنْ نَكَحَ نَصْرَانِيُّ وَثَنِيَّة أَوْ مَجُوسِيَّة أَوْ نَكَحَ وَثَنِيٌّ نَصْرَانِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً لَمْ أَفْسِخْ مِنْهُ شَيْئًا إِذَا أَسْلَمُوا".
قال في الحاوي: أما إذا نكح كتابي كتابية وتحاكما إلينا أقرا على النكاح وكذلك لو أسلما أو أسلم الزوج منهما كانا على النكاح لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية فجاز أن يقيم على نكاح كتابية ولو أسلمت الزوجة دونه لم يقر على نكاحها وكان موقوفًا على تقضي العدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 297
وأما الوثني إذا نكح وثنية فأيهما أسلم لم يقر على النكاح، وكان موقوفًا على تقضي العدة، وإن تحاكموا إلينا في الأحكام أقررناهم عليها، فأما إذا نكح وثني كتابية، فإن أسلما أقر على النكاح وإن أسلم الزوج أقر على النكاح وإن أسلمت الزوجة كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة.
ولو نكح كتابي وثنية فأيهما أسلم كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة وإن تحاكما إلينا قبل الإسلام، فمذهب الشافعي أننا نمضي نكاحهما ولا يفسخ عليهما.
وقال أبو سعيد الاصطرخي: يفسخ النكاح بينهما لأن الله تعالى قد أقر أن يحكم في أهل الكتاب بما أنزل الله في أهل الإسلام بقوله: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] والوثنية لا تحل لمسلم فكذلك لا تحل لكتابي وهذا خطأ لأن الكفر كله ملة واحدة وإن تنوع واختلف ألا ترى أننا نحكم بالتوارث بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان ولأنه لما جاز إقرارهما على هذا النكاح بعد الإسلام فأولى أن يقرا عليه في حال الكفر.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةٌ مِنْ وَلَدَ مِنْ وَثَنِيٍّ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَلَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَوَثَنِيَّةٍ وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ ابْنَتَهمَا لأَنَّها لَيْسَتْ كِتَابِيَّةً خَالِصَةً.
وَقَالَ فِي كِتَابٍ آخَرَ: إِنْ كَانَ أَبُوهَا نَصْرَانِيًّا حَلَّتْ وِإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا لَمْ تَحِلَّ لَأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى النَّسَبِ وَلَيْسَتْ كَالصَّغِيرَةِ يُسْلِم أَحَدُ أَبَوَيْهَا؛ لأنَّ الإِسْلَامَ لَا يَشْركُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكُ يَشركُهُ الشِّرْكُ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يحل أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وأن المجوس وعبدة الأوثان لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم فأما المولود من أهل الكتاب وعبدة الأوثان إذا كان أحد أبويه كتابيًا والآخر وثنيًا فضربان:
أحدهما: أن يكون الأب وثنيًا والأم كتابية يهودية أو نصرانية فلا يختلف مذهب الشافعي أنه لا يحل أكل ذبيحة هذا الولد ولا ينكح إن كان امرأة تغليبًا لحكم أبيه.
وقال أبو حنيفة: يحل نكاحه وأكل ذبيحته تغليبًا لحق أبويه حكمًا استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تجس فيها من جدعاء" فلم ينقله عن الفطرة وتحقيق الحكم إلى أغلظهما إلا باجتماع أبويه على تغليظ الحكم ولأن أحد أبويه مستباح الذبيحة والنكاح فوجب أن يكون فيه على حكمه قياسًا على من أحد أبويه مسلم.
ودليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وهذا
الجزء: 9 - الصفحة: 298
الولد ينطلق عليه اسم المشرك ولأنها كافرة فتنسب إلى كافرة لا تحل ذبيحة ولا نكاحه، فوجب أن لا تحل ذبيحتها ولا نكاحها.
أصلها: إذا كان أبواها وثنيين ولأنه قد اجتمع في هذا الولد موجب حظر وإباحة فوجب أن يغلب حكم الحظر على حكم الإباحة قياسًا على المولد من بين مأكول وغير مأكول ولا ينتقص بالولد إذا كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا لأنه لا يجتمع في الولد حكم الكفر والإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام لا يعلو ولا يعلى" فثبت حكم الإسلام وسقط حكم الشرك وهذا هو الذي أراده الشافعي بقوله: "لأنَّ الإِسْلَامَ لَا يَشْركُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكُ يَشركُهُ الشِّرْكُ" يعني أنه قد يجتمع شركان ولا يجتمع شرك وإسلام واختلف أصحابنا في هذا التعليل هل أراد الشافعي أبا حنيفة من هذه المسألة وأراد به مالكًا في أن إسلام الأم لا يكون إسلامًا للولد على وجهين.
فأما الجواب عن الخبر فهو أن المراد به اجتماع الوالدين على الكفر يقتضي تكفير الولد وانفراد أحدهما لا يقتضيه فلم يكن دليلًا في هذا الوضع، لأن أبويه قد اجتمعا على الكفر.
وأما قياسه على من أحد أبويه مسلم فالجواب عنه ما ذكرنا من أن اجتماع الشرك والإسلام يوجب فيه حكم تغليب الإسلام، لأنهما يتنافيان، فغلب أقواهما، والشركان لا يتنافيان فغلب أغلظهما.
فصل:
والضرب الثاني: أن يكون أب هذا الولد كتابيًا يهوديًا أو ونصرانية وأمه وثنية أو مجوسية نفي إباحة نكاحه وأكل ذبيحته قولان:
أحدهما: يحرم نكاحه وذبيحته لاجتماع الحظر والإباحة فوجب أن يغلب حكم الحظر على الإباحة كالمتولدين مأكول وغير مأكول.
والثاني: وهو أصح أن يحل نكاحه وذبيحته لاجتماع الحظر والإباحة فيه لأن الدينين إذا اختلفا جاز اجتماعهما فأغلبهما ما كان تابعًا للنسب المضاف إلى الأب دون الأم كالحرية كذلك النكاح والذبيحة.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فحكم الولد الحادث من بين أبوين مخلفي الحكم على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون ملحقًا بحكم أبيه دون أمه وذلك في أربعة أشياء:
الجزء: 9 - الصفحة: 299
أحدها: النسب يكون ملحقًا بأبيه دون أمه.
والثاني: في الحرية فإن ولد الحر من أمه كأبيه دون أمه.
والثالث: في الولاء فإنه إذا كان على الأبوين ولاء من جهتين كان الولد داخلًا في ولاء الأب دون الأم.
والرابع: في الحرية فإنه إذا كان الأب من قوم لهم حرية والأم من آخرين لهم حرية أخرى فإن حرية الولد حرية أبيه دون أمه.
والثاني: أن يكون ملحقًا بحكم أمه دون أبيه وذلك في شيئين:
أحدهما: ولد المنكوحة تابع لأمه في الحرية والرق أبيه فإنه كانت أمه حرة كان حرًا وإن كان أبوه عبدًا وإن كانت أمه مملوكة كان عبدًا وإن كان أبوه حرًا.
والثاني: في الملك فإن ولد المملوكين تبع لأمه ومملوك لسيدها.
والثالث: أن يكون ملحقًا بأفضل أبويه حالًا وأغلظهما حكمًا وذلك في شيء واحد وهو في الإسلام يلحق بالمسلم منهما أبًا كان أو أمًا.
والرابع: ما اختلف قوله فيه وهو في إباحته الذبيحة والنكاح فأحد قوليه أنه ملحق بالأب.
والثاني: ملحق بأغلظهما حكمًا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا وَجَبَ أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ كَانَ الزَّوْجُ الجَانِي أَوْ الزَّوْجَةُ".
قال في الحاوي: أما المقيمون في دار السلام من الكفار فضربان: أهل الذمة، وأهل عهد.
فأما أهل الذمة: فهم باذلوا الحرية لهم ذمة مؤبدة يلزمنا في حق الذمة أن نمنع عنهم من أرادهم فمن جرت عليه أحكامنا من المسلمين وممن لم تجر عليه أحكامنا من أهل الحرب.
وأما أهل العهد: فهم المستأمنون الذين لهم أمان إلى مدة يلزمنا أن نمنع من أرادهم ممن جرت عليه أحكامنا من المسلمين، فلا يلزمنا أن نمنع من أرادهم من لم تجر عليه أحكامنا من أهل الحرب، وقد عبر الشافعي في مواضع عند أهل الذمة بالمعاهدين؛ لأن ذمتهم عهد وإن كانوا باسم الذمة أخص، فأما إن لم يترافع الفريقان في أحكامهم إلينا لم ندعهم إليها ولم نعترض عليهم فيها، وإن ترافعوا إلينا نظر فيهم، فإن كانوا معاهدين لهم أمان إلى مدة لم يلزمنا أن نحكم بينهم ولم يلزمهم التزام حكمنا وكان حاكمنا بالخيار
الجزء: 9 - الصفحة: 300
بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم وهم إذا حكم عليهم بالخيار بين أن يلتزموا حكمه وبين أن لا يلتزموه وإن جاء أحدهم مستعديًا لم يلزم المتعدى عليه أن يحضر ولا يلزم الحاكم أن يعديه عليه وإنما كان كذلك لقول الله تعالى: الحاكم أن يعديه عليه وإنما كان كذلك لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] الآية فخير الله تعالى في الحكم بينهم ولأن علينا أن نمنع عنهم أنفسنا وليس علينا أن نمنع عنهم غيرنا سواء كان التحاكم في حق الله تعالى أو في حق الآدميين؛ لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم وقد أقروا عليه وسواء كانوا أهل كتاب أو غير أهل كتاب.
فصل:
وأما أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فليست الذمة المؤبدة إلا لأهل الكتاب، فإن لم يترافعوا إلينا في أحكامهم تركوا، وإن ترافعوا فيها إلينا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكونوا من أهل دين واحد ففي وجوب الحكم عليهم قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم أنه لا يجب والحاكم مخير في الحكم بينهم وهو إذا حكم عليهم مخيرون في التزام حكمه اعتبارًا بأهل العهد لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد واختاره المزني أن الحكم بينهم واجب، فيلزم الحاكم إذا ترافعوا إليه أن يحكم بينهم وعليهم إذا حكم أن يلتزموا حكمه، وإذا استعدى أحدهم على الآخر وجب أن يعديه الحاكم، وأن يخص المستعدى عليه فإن امتنع من الحضور أجبره وعزره.
وإنما كان كذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ﴾ [المائدة: 49] وهذا أمر ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قال أصحابنا: والصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، فلو لم يلزمهم حكمه لامتنعوا من إقامة الحد عليهم، ولأننا نجزيهم بالدفع عنهم منا ومن غيرنا مجرى المسلمين فوجب أن ندفع عنهم بالحكم بينهم في استيفاء الحقوق لهم كما نحكم بين المسلمين وبهذا نفرق بينهم وبين المعادين لا يلزمنا أن ندفع عنهم غيرنا فلم يلزمنا أن نحكم بينهم، ولا أن ندفع بعضهم عن بعض.
فأما أبو حنيفة فلم يعمل بواحد من القولين على إطلاقه وقال: لا يحكم بينهم إلا أن يجتمعوا على الرضي بحكم الإمام، فحينئذٍ يلزم الحاكم أن يحكم بين المترافعين إليه ويلزمهم أن يلتزموا حكمه.
والثاني: أن يكون الحكم بين ذميين من دينين كيهودي ونصراني تحاكما إلينا، فقد اختلف أصحابنا فيهم، فكان أبو إسحاق المروزي يخرج وجوب الحكم بينهما على قولين لو كانا عن دين واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة.
وقال غيره من أصحابنا: أن يحكم بينهما قولًا واحدًا.
والفرق بين أن يكون من دين واحد أو دينين أنهما إذا كانا من دين واحد فلم يحكم
الجزء: 9 - الصفحة: 301
كان لهم حاكم واحد لا يختلفون فيه، فأمكن وصولهم إلى الحق منه.
وإذا كانا على دينين اختلفا في الحكم، وإن لم يحكم بينهما حاكمنا، فدعي النصراني إلى حاكم النصارى، ودعي اليهودي إلى حاكم اليهودي فتعذر وصول الحق إلا بحاكمنا فلذلك لزمه الحكم بينهما.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من القولين فهي من حقوق الآدميين فأما حقوق الله تعالى فقد اختلف أصحابنا فيها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنها على قولين كحقوق الآدميين.
والثاني: أنها تجب قولًا لأنه لا يطالب بها غير الحاكم وليست لحقوق الآدميين التي لها خصم يطلب.
والثالث: أنها لا تجب قولًا واحدًا لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم وقد أقروا عليه فكذلك ما سواه من حقوقه، وليس كذلك حقوق الآدميين لأنهم فيها متشاجرون متظالمون ودار الإسلام تمنع من التظالم، والله أعلم.
فصل:
فأما إذا كان التحاكم بين مسلم وذمي ومعاهد وجب على الحاكم أن يحكم بينهم قولًا واحدًا سواء كان المسلم طالبًا أو مطلوبًا لأنهما يتجاذبان إلى الإسلام والكفر فوجب أن يكون حكم الإسلام أغلب لرواية عائذ بن عمر المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يعلو ولا يعلى» ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد كان على قولين تغليبًا لأوكدهما حرمه كما لو كانت بين مسلم ومعاهد حكم بينهما قولًا واحدًا تغليبًا لحرمة الإسلام التي هي أوكد.
فصل:
ثم إذا حكم حاكمنا بين ذميين أو معاهدين لم يحكم بينهم بالتوراة إن كانا يهوديين ولا بالإنجيل إن كان نصرانيين ولم يحكم إلا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49] أي يفتنونك بتوراتهم وإنجيلهم عما أنزل عليك من القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
فإن قيل: فكيف لا يحكم بينهم بكتابهم وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44] وقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم التوراة حين رجم اليهوديين حتى رجمهما لما فيه من الرجم.
قيل: أما الآية فتضمنت صفة التوراة على ما كانت من الهدى والنور، وأنه كان
الجزء: 9 - الصفحة: 302
يحكم بها النبيون، وكذا كان حالها ثم غيرت حين بدل أهلها كما قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91] ومع تغيرهم لها وتبديلهم فيها لا يتميز الحق من الباطل فوجب العدول عنها وأما إحضاره التوراة عند رجم اليهوديين، فلأنه حين حكم عليها بالرجم أخبر اليهود أن في التوراة فأنكروه فأمره بإحضارها لتكذيبهم، فلما حضرت ترك ابن صوريا وهو أحد أحبارهم يده على ذكر الرجم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع يد، فإذا آية الرجم تلوح فكان إحضارها رد لإنكارهم وإظهار لتكذيبهم، لا لأن يحكم بها عليهم لأنه قد حكم بالرجم قبل حضورها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "َإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مَضَى لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَرِيبٌ زَوَّجَهَا الحَاكِمُ لأَنَّ تَزْوِيجَهُ حُكْمٌ عَلَيْهَا فَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِداؤُهُ فِي الإِسْلَامِ أَجَزْنَاهُ؛ لأَنَّ عَقْدَهُ قَدْ مَضَى فِي الشِّرْكِ».
قال في الحاوي: قد مضى ما قررناه من وجوب الحكم بين أهل الذمة أو جوازه فإذا ترافع زوجان في عقد نكاح فهو كترافعهما في غيره من عقود البيع والإجازات، وإنما خص الشافعي ترافعهما في عقد النكاح لأنه في كتاب النكاح ولأن فروعه أكثر فإذا ترافعا فيه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يترافعا في استدامة عقد قد مضى فليس للحاكم أن يكشف عن حال العقد ولا يعتبر فيه شروط الإسلام وينظر فإن كانت الزوجة ممن تجوز له عند التحاكم أن يستأنف العقد عليها جاز أن يقرهما على ما تقدم من عقدها.
سواء كان بولي أو شهود أم لا إذا رأوا ما عقدوه نكاحًا في دينهم وإن كانت ممن لا يجوز أن يستأنف العقد عليها عند الترافع إلينا لكونها في ذوات المحارم والمحرمات أو بقية عدة من زوج آخر حكم بإبطال النكاح ويكون حالها عند الترافع إلى الحاكم كحالهما لو أسلما فما جاز إقرارها عليه من النكاح بعد إسلامها جاز إقرارهما عليه عند ترافعهما إلى حاكمنا وما لم يجز الإقرار عليه بعد الإسلام لم يجز الإقرار عليه عند الترافع إلى الحاكم.
فصل:
والضرب الثاني: أن يترافعا إلى حاكمنا في ابتداء عقد يسأنفه بينهما فعلى الحاكم أن يعقده بينهما على الشرو المعتبرة في الإسلام بولي وشهود لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وإنما جاز أن يمضي في مناكحهم في الشرك وإن لم تكن على شروط الإسلام ولا يجوز أن يستأنفها في الإسلام إلا على شروطه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] ولأن في اعتبار
الجزء: 9 - الصفحة: 303
مناكحهم في الشرك على شروط الإسلام وردها إذا خالفته تنفيرًا لهم من الدخول في الإسلام وليس فيما استأنفوه لرضاهم به تنفيرًا لهم منه.
فإذا تقرر ما وصفناه قوليها في النكاح أقرب عصبتها من الكفار ولأن ولي الكافرة كافر ويراعى أن يكون عدلًا في دينه فإن كان فاسقًا فيه كان كفسق الولي المسلم بعدل إلى غيره من الأولياء العدول فإن عدم أوليائها من العصبة والمعتقين زوجها الحاكم ولا يمنعه الإسلام من تزويجها وإن منع منها إسلام عصبتها لأن تزويجها حكم فيه عليها.
فأما الشهود في نكاحها فلا يصح إلا أن يكونوا مسلمين وجوز أبو حنيفة عقد نكاحها بشهود كفار كما جاز بولي كافر وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والفرق بين الولي والشهود أن الولي يراد لطلب الحظ لها للموالاة التي بينها والكافر المشارك لها في الكفر أقوى موالاة من المسلمين فكان الكافر أحق بولاية نكاحها من المسلم وليس كذلك الشهود لأنهم يرادون لإثبات الفراش وإلحاق النسب لا يثبت ذلك إلا بالمسلمين فكانوا أخص بالشهادة فيه من غيرهم وهذا حكم إذنها إذا كانت ثيبًا بالنطق وإن كان بكرًا بالصمت ولا يعقده إلا بصداق حلال وإن كانوا يرون في دينهم عقده بالمحرمات من الخمور والخنازير وهل يجوز أن يعقده كتابي على وثنية أو وثني على كتابية أولًا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري- لا يجوز لمسلم أن يعقد على وثنية ولا لوثني أن يعقد على مسلمة.
والثاني: وهو مذهب الشافعي يجوز لأن الكفر كله ملة واحدة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَكَذَلِكَ مَا قَبَضَتْ مِنْ مَهْرِ حَرَامٌ وَلَوْ قَبَضَتْ نِصْفَهُ فِي الشِّرْكِ حَرَامًا ثُمَّ أَسْلَمَا فَعَلَيْهِ مَهْرِ مِثْلِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ترافع الزوجان في صداق نكاح عقد له في الشرك فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون حلالًا معلومًا فيحكم على الزوج، وكذلك لو أسلما عليه، ولا يلزم الزوج غيره فإن أقبضها في الشرك برئ منه وإن لم يقبضها أخذته بعد الإسلام أو عند الترافع إلى الحاكم بعد بقائها على الشرك.
والثاني: أن يكون حرامًا لا يجوز أن يكون صداقًا في الإسلام فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتقابضاه في الشرك قبل الترافع على الحاكم فقد برئ الزوج منه لأن ما
الجزء: 9 - الصفحة: 304
فعلاه في الشرك عفو لا يتعقب بنقض كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] فجعل ما مضى عفوًا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجبّ ما كان قبله».
والثاني: أن يكون الصداق باقيًا لم يتقايضاه فلا يجوز أن يحكم بإقباضه سواء ترافعا وهما على الشرك أو قد أسلما ويحكم لها بمهر المثل دون القيمة لأن الخمر لا قيمة له وكذلك الخنزير وسائر المحرمات.
وقال أبو حنيفة: كان الصداق معينًا حكم لها به سواء أسلما لم لا وإن كان في الذمة فإن كانا على الشرك حكم لها بمثل الخمر وإن كانا قد أسلما حكم لها بقيمة الخمر بناء على أصله في غاصب الدار وفيها خمر إذا استهلكها وقد مضى الكلام معه.
والثالث: أن يتقابضا بعضه في الشرك ويبقى بعضه بعد الإسلام أو بعد الترافع إلى الحاكم فيبرأ الزوج من قدر ما أقبض في الشرك ويحكم لها من مهر المثل بقسط ما بقي منه وعند أبي حنيفة يحكم لها بقيمة ما بقي منه بناء على ما ذكرنا من أصله وما ذكرناه أولى لما قدمناه وإن كان كذلك لم يخل حال الصداق الحرام المقبوض بعضه من أحد أمرين:
إما أن يكون جنسًا أو أجناسًا فإن كان جنسًا واحدًا كأنه أصدقها عشرة أزقاق من خمر ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق وبقيت خمسة ففيها وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه يراعى عدد الأزقاق دون كيلها فتكون الخمسة من العشرة نصفها وإن اختلف كيلها فيسقط عنه من المهر نصفه ويبقى عليه نصفه فيلزمه نصف مهر المثل وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أنه يراعى كيلها دون عددها فينظر كيل الخمسة المقبوض من جملة كيل العشرة فإن كان ثلثها في الكيل ونصفها في العدد برئ من ثلث المهر ولزم ثلثا مهر المثل وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة ولو كان قد أصدقها عشرة خنازير وأقبضها من العشرة ستة خنازير فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق- إنك تراعي العدد فتكون الستة من العشرة ثلاثة أخماسها، سواء اختلفت في الصغر أو الكبر، أو لم تختلف، فيبرأ من ثلاثة أخماس الصداق ويطالب بخمس مهر المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنك تراعيها في الصغر والكبر، وكان الكبير منها يعدل صغيرين، وقد قبضه في السنة كبيرين وأربعة صغارًا، فكانت الأربعة تعادل كبيرين فصارت الستة أربعة كبارًا، والأربعة من العشرة خمساها فيبرأ من خمس الصداق، وترجع عليه بثلاثة أخماس مهر المثل، وإن كان الصداق أجناسًا مختلفة كأنه أصدقها
الجزء: 9 - الصفحة: 305
خمسة أزقاق خمرًا وعشرة خنازير وخمسة عشر كلبًا، ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق خمرًا وبقيت الخنازير كلها، والكلاب بأسرها فعنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنك تعتبر عدد الجميع فيكون المقبوض خمسة من ثلاثين وهو سدسها فيسقط عند سدس الصداق ويؤخذ بخمسة أسداس مهر المثل.
والثاني: أنك تعتبر عدد أجناس وهي ثلاثة والمقبوض أحدها فتسقط عنه ثلث الصداق ويؤخذ بثلثي مهر المثل.
والثالث: وهو قول أبي العباس بن سريج أنك تعتبر قيمة الأجناس الثلاثة وتنظر قيمة المقبوض فتسقطه منه فيبرأ بقسطه من الصداق ويؤخذ بقسط الباقي من مهر المثل.
قال أبو العباس: وقد يجوز في الشرع أن يعتبر قيمة ما لا يحل بيعه ولا قيمة له كما يعتبر في حكومة ما لا يتقدر من جراح الحر قيمته لو كان عبدًا وإن لم يكن للحر ثمنًا ولا قيمة كذلك الخمور والخنازير والكلاب ولو كان المقبوض من الثلاثة جنسًا آخر غير الخمر كان على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة فاعتبر به، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَالنَّصْرَانِيُّ فِي إِنْكَاحش ابْنَتِهِ وَابْنِهِ الصَّغِيرَيْنِ كَالمُسْلِمِ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأننا قد ذكرنا أن ولي الكافرة كافر فله أن يزوج بنته الصغيرة إذا كانت بكرًا، ولا يزوجها إن كانت ثيبًا كالمسلم، ويزوج بنته الكبرى بكرًا بغير إذن وثيًا بإذن وله أن يزوج ابنته الصغيرة وليس له تزويج الكبيرة، كما نقوله في الأب المسلم في بنته وابنه المسلمين، فأما ولاية الكافر على أموال الصغار من أولاده، فما لم يرفع إلينا أقروا عليها، فإذا رفع إلينا لم يجز أن يؤتمن على أموالهم وترد الولاية عليهم فيها إلى المسلمين، بخلاف الولاية في النكاح؛ لأن المقصود بولاية الأموال الأمانة وهي في المسلمين أقوى والمقصود بولاية النكاح الموالاة وهي في الكافر للكافر أقوى، والله أعلم.
باب إتيان الحائض ووطء اثنتين قبل الغسل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِاعْتِزَالِ الحُيَّضِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا أَرَادَ فَقُلْنَا تَشَدُّ إِزَارُهَا عَلَى أَسْفَلِهَا وَيُبَاشِرُهَا فَوْقَ إِزَارَهَا حَتَّى يَطْهُرْنَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَتَرَى الطُّهْر».
قال في الحاوي: أما وطء الحائض في الفرج فحرام بالنص والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وفي هذا المحيض ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد به دم الحيض.
الجزء: 9 - الصفحة: 306
والثاني: زمان الحيض.
والثالث: مكان الحيض.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي ينقطع دمهن فإذا تطهرن فيه تأويلان:
أحدهما: فإذا انقطع دمهن، وهذا تأويل أبي حنيفة.
والثاني: فإذا تطهرن بالماء، وهذا تأويل الشافعي وأكثر الفقهاء والمفسرين.
﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] فيه تأويلان:
أحدهما: في القبل الذي نهى عنه في حال الحيض، وهذا تأويل ابن عباس.
والثاني: من قبل طهرنّ لا من قبل حيضهنّ، وهذا تأويل عكرمة وقتادة.
فصار تحريم وطء الحائض من القبل نصًا وإجماعًا؛ لأنه لم يعرف فيه خلاف أحد، فلو استحل رجل وطء حائض مع علمه بالنص والإجماع كان كافرًا، ولو فعله مع العلم بتحريمه كان فاسقًا.
فصل:
فأما الاستمتاع بما دون الفرج منها فيجوز أن يستمتع بما فوق الصرة ودون الركبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار».
وأما الاستمتاع بما بين الصرة والركبة إذا عدل عن الفرجين ففيه وجهان:
أحدهما: أنه حرام وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الاستمتاع منها بما فوق الإزار، وما ين السرة والركبة هو مما تحت الإزار، وليس مما فوقه فدل على تحريمه.
والثاني: أنه مباح.
وبه قال مالك، ومن أصحابنا: أبو علي بن خيران، وأبو إسحاق المروزي؛ لأن تحريم وطء الحائض لأجل الأذى فوجب أن يكون مقصورًا على ما كان الأذى وهو الفرج دون غيره.
وروي أن عمر- رضي الله عنه- سئل عن ذلك فقال: إذا توقى الجحرين فلا بأس ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار» محمولًا على ما دون الفرج ويكون الإزار كناية عن الفرج لأنه محل الإزار كما قال الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
الجزء: 9 - الصفحة: 307
أي شدوا فروجهم وخرج أبو الفياض من أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه إن كان قاهر لنفسه يأمن أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج جاز له أن يستمتع بما دونه وإن لم يأمن نفسه أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج حرام عليه أن يستمتع بما دونه إلا من رواء الإزار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فإذَا تَطَهَّرْنَ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ الطَّهَارَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِهَا الصَّلَاةُ الغُسْلَ أَوْ التَّيَمّمَ.
وَقَالَ فِي تَحْرِيمَها لأَذَى المَحِيضِ كَالدَّلالَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الدُّبُرِ لأَنَّ أَذَاهُ لَا يَنْقَطِعُ».
قال في الحاوي: أما ما دام الحيض باقيًا فوطئها في الفرج على تحريمها فإذا انقطع دم حيضها فمذهب الشافعي أن وطأها بعد انقطاع الدم على تحريمه حتى تغتسل أو تتيمم إن كانت عادمة للماء.
قال طاوس، ومجاهد: وطؤها حرام حتى تتوضأ فتحل.
وقال أبو حنيفة: قد حل وطئها إن لم تغتسل ولم تتوضأ وقد دللنا عليه في كتاب الحيض بما أغنى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودُ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وطئ الحائض في قبلها فقد أثم وعليه أن يستغفر الله تعالى ولا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقالا الحسن البصري: عليه ما على المظاهر.
وقال سعيد بن جبير: عليه عتق نسمة، وقال الأوزاعي: عليه أن يتصدق بدينار إن وطئ في الدم ونصف دينار إن وطئ قبل الغسل وبه قال ابن جرير الطبري استدلالًا برواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ قبل الغسل فنصف دينار» وروي هذا الحديث للشافعي وكان إسناده ضعيفًا.
قال: إن صح قلت به فإن لم يصح فلا شيء عليه وإن صح فقد اختلف أصحابنا فيه مع الصحة هل يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: وهو قول كثير منهم- أن يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: اعتبارًا بظاهره وقد حكي الربيع عن الشافعي: أنه قال: ما ورد من سنة
الجزء: 9 - الصفحة: 308
الرسول بخلاف مذهبي فاتركوا مذهبي فإن ذلك مذهبي وقد فعل أصحابنا مثل ذلك في التصويت في الصلاة الوسطى.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج- أنه يكون محمولًا على الاستحباب دون الوجوب لأن الزنا والوطء في الدبر أغلظ تحريمًا ولا كفارة فيه؛ فلأن لا يكون في وطء الحائض كفارة أولى، ولأن كفارة الوطء، إنما تجب بما تعلق به من إفساده عبادة كالحج والصيام وليس فيه كفارة إذا لم يتعلق به إفساد عبادة، وقد روي أن رجلًا قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيت في منامي كأنني أبول الدم فقال: لعلك تطأ امرأتك حائضًا، قال: نعم، قال: استغفر الله ولا تعد، ولم يلزمه كفارة، فأما المستحاضة فلا يحرم وطئها لأنها كالطاهرة فيما يحل ويحرم، ولأن دم الاستحاضة رقيق وهو دم عرق قليل الأذى وليس كدم الحيض في ثخنه ونتنه وأذاه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ فَلَا بَاسَ أَنْ يَاتِيهُنَّ مَعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَوْ تَوَضَّأَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأُحِبُّ لَوْ غَسَلَ فَرْجَهُ قَبْلَ إِتْيَانِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَوْ كُنَّ حَرَائِرَ فَحَلَلْنَهُ فَكَذَلِكَ».
قال في الحاوي: فأما الإماء فلا قسم لهن على السيد، فإذا أراد وطئهن في يوم واحد جاز، ويستحب أن يغتسل بعد وطء كل واحدة منهن لما فيه من تعجيل فرض وتكرار وطاعة ونشاط نفس، فإن لم يغتسل توضأ عند وطء كل واحدة منهن، وأنكر أبو داود ما أمر به الشافعي من الوضوء؛ لأنه مع بقاء الجنابة غير مؤثر في الطهارة وما لا تأثير له كان فعله عبثًا، وهذا إنكار مستقبح وقول مسترذل واعتراض على السنة.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» وقال لعمر بن الخطاب: «وإذا جامعت ثم أردت المعاودة فتوضأ».
وقال عمر: يا رسول الله: أيرقد أحدنا وهو جنب قال: «نعم إذا توضأ» فأمر بالوضوء وإن لم يرفع حدثًا، فإن لم يتوضأ عند وطء كل واحدة فيستحب أن يغسل ذكره بعد وطئها؛ لأنه مأثور ومسنون، ولأن فيه نشاط النفس ونهوضًا للشهوة، فإن لم يغتسل ولا توضأ ولا غسل ذكره ووطء جميعهن واحدة بعد الأخرى حتى أتى جميعهن جاز، واغتسل لهن غسلًا واحدًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 309
وروى حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه ذات ليلة بغسل واحد.
وروى: وكن يومئذٍ تسعًا.
ولأن الغسل تداخل كالحدث ويكره أن ينتقل من وطء واحدة إلى وطء واحدة ويصبر حتى تسكن نفسه وتقوى شهوته فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الفهر.
والفهر: هو إذا وطء المرأة انتقل منها إلى أخرى ويكره أن يطأ بحيث يرى أو يحبس به فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوجسِ.
وهو: أن يطأ بحيث يسمع حسه.
فصل:
فأما الحرائر فالقسم بينهن واجب إذا طلبنه فإذا أراد أن يطأهن في يوم واحد لم يجز لأن لإحداهن فلم يجز أن يطأ غيرها في يومها إلا أن يحللنه فإذا أحللنه سقط قسمهن وجاز أن يطأهن في يوم واحد بغسل واحد كالإماء، والله أعلم.
باب إتيان النساء في أدبارهن
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ إِلَى إِحْلَالَهِ وَآخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ أَنَّ اليَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِها مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] وَرُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فِي أَيِّ الخَرِبَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ لَا يَاتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ».
قَالَ الشَّافِعِيُّ فَلَسْتُ أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ».
قال في الحاوي: أعلم أن مذهب الشافعي وما عليه الصحابة وجمهور التابعين والفقهاء أن وطء النساء في أدبارهن حرام.
وحكي عن نافع وابن أبي مليكة وزيد بن أسلم أنه مباح ورواه نافع عن ابن عمر واختلفت الرواية فيه عن مالك فروى عن أهل المغرب أنه أباحه في كتاب السيرة.
وقال أبو مصعب: سألته عنه فأباحه.
وقال ابن القاسم قال مالك: أدركت أحدًا افتدى به في ديني يشك في أنه حلال وأنكر أهل العراق ذلك عنه ورووا عنه تحريمه لما انتقل ابن عبد الحكم عن مذهب الشافعي إلى مذهب مالك حكي عن الشافعي أنه قال: ليس في إتيان النساء في أدبارهن حديث ثابت والقياس يقتضي جوازه يريد ابن عبد الحكم بذلك نصرة مالك فبلغ ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 310
الربيع فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب.
واستدل من ذهب إلى إباحته بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلاً أتى امرأة في دبرها فوجد في ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. وقال تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:165 - 166] فدل على أنه أباح من الأزواج مثل ما حظر من الذكران وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] فدل على أن جميعهن باس يستمتع به على عمومه ولأنه لو استثناه من عقد النكاح فسد ولو أوقع عليه الطلاق سرى إلى الباقي، فدل على أنه مقصود الاستمتاع ولأنه أحد الفرجين فجاز إتيانه كالقبل، ولأنه ما ساوى القبل في كمال المهر وتحريم المصاهرة ووجوب الحد ساواه في الإباحة.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] فحرم الوطء في الحيض لأجل الأذى فكان الدبر أولى بالتحريم لأنه أعظم أذى ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] يعني في القبل فدل على تحريم إتيانها في الدبر.
وروى مسلم بن سلام عن علي بن طلق أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا فسا أحدكم فليتوضأ" وخطب الناس فقال: "لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق".
وروى سهل بن بي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق، ولا تأتوا النساء في حشوشهن".
وروى حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن هرمي عن خزيمة بن ثابت قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن".
قال: ملعون من أتى امرأة في دبرها.
وروى قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: "إنها اللوطية الصغرى".
وروى يوسف بن ماهك عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء: 9 - الصفحة: 311
فقالت إن زوجها يأتيها وهي مدبرة فقال صلى الله عليه وسلم: "لا بأس إذا كان في حمام واحد".
وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله أن اليهود كانت تقول: من أتى امرأة في قبلها من دبرها جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. وأن رجًلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "في أي الحرزتين أو في الخرزتين أو في أي الحصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها؟ فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" ولأن إجماع الصحابة روى ذلك عن على بن أبي طالب.
وعبدالله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء أما علي سئل عنه فقال: ﴿أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] وأما ابن عباس فسأله رجل عنه فقال: هذا يسألني عن الكفر.
وأما ابن مسعود وأبو الدرداء فغلظا فيه وحرماه وليس لمن ذكرنا من الصحابة وخالف فصار إجماعًا.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عمر قيل: قد روى عنه ابنه سالم خلافه وأنكر على نافع ما رواه عنه.
وقال الحسن بن عثمان لنافع أنت رجل أعجمي إنما قال ابن عمر من دبرها في قبلها فصحفت وقلت: في دبرها فأهلكت النساء.
ومن طريق القياس أنه إتيان فوجب أن يكون محرمًا كاللواط ولأنه أذى معتاد فوجب أن يحرم الإصابة فيه كالحيض ولا يدخل عليه وطء المستحاضة لأنه نادر.
فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقد روى جابر أن سبب نزولها ما ذكرته اليهود: أن من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء ولده أحول.
وقال ابن عباس: وهم ابن عمر في ذلك إنما نزلت بمن وطء في الفرج من خلفها وحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه سبب نزولها أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يومًا مع قوم من اليهود فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة ويقول الآخر إني لآتيها وهي على جنبها ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية على أن قوله ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ والحرث هو من مزرع الأولاد في القبل دليل على أن الإباحة توجهت إليه دون الدبر الذي ليس بموضع حرث ولا من مزدرع لذلك وأما قوله تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ (166)﴾ [الشعراء: 165 - 166] فمعناه أتأتون المحظور من الذكران وتذرون المباح من فروج النساء وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] فيه تأويلان:
الجزء: 9 - الصفحة: 312
أحدهما: أن اللباس السكن مقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 47] أي سكنًا.
والثاني: أن بعضهم يستر بعضًا كاللباس وليس في ذلك على التأويلين دليل لهم.
وأما فساد العقد باستثنائه وسرائه الطلاق به فقد يفسد العقد باستثناء كل عضو ولا يصح الاستمتاع به من فؤادها وكبدها ويسيري من الطلاق إلى جميع بدنها ولا يدل على إباحة الاستمتاع به فكذلك الدبر.
وأما قياسهم على القبل فالمعنى فيه: أنه لا أذى فيه.
وأما استدلالهم بما يتعلق به من كمال المهر وتحريم المصاهرة فغير صحيح لأن ذلك يختص بمباح الوطء دون محظور لألا تراه يتعلق بالوطء في الحيض والإحرام والصيام وإن كان محظورًا فكذلك في هذا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا التَّلَذَذِ بِغَيْرِ إِيلَاجٍ بَيْنَ الإِلْيَتَيْنِ فَلاَ بَاسَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾ [المؤمنون:5، 6] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمن دبرها في قبلها فنعم إن الله لا يستحي من الحق" فدل على إباحة التلذذ بما بين الإليتين.
فصل:
فأما عزل المني عن الفرج عند الوطء فيه فإن كان في الإماء جاز من غير استئذانهن فيه لرواية أبي سعيد الخدري أنه قال: يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان أفنعزل عنهن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى إذا قضى خلق نسمة خلقها، فإن شئتم فاعزلوا" ولأن في العزل عنها استبقاء لرقها وامتناع من الإفضاء إلى عتقها فجاز كما يجوز أن يمتنع من تدبيرها وإن كانت حرة لم يكن له أن يعزل عنها إلا بإذنها.
والفرق بينهما أن الحق في ولد الحرة مشترك بينهما وفي ولد الأمة يختص السيد دونها.
فصل:
فأما الاستمناء باليد وهو استدعاء المني باليد محظور وقد حكي الشافعي عن بعض الفقهاء إباحته وأباحه قوم في السفر دون الحظر.
وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾ [المؤمنون: 5، 6] فحظر ما سواء الزوجات وملك اليمين وجعل مبتغى ما عداه عاديًا متعديًا لقوله {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الجزء: 9 - الصفحة: 313
الْعَادُونَ (7)} [المؤمنون: 7] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله الناكح بيده" ولأن ذريعة إلى ترك النكاح وانقطاع النسل فاقتضى أن يكون محرمًا كاللواط.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَصَابَهَا فِي الُّبُر لَمْ يُحْصِنْهًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لأن الإحصاء كمال فلم يثبت إلا بوطء كامل وهو القبل ولأنه لما لم يتحصن بوطء الإماء وإن كان مباحًا اعتبارًا بأكمله في الحرائر كان بأن لا يتحصن بالوطء المحرم في الدبر أولى وجملة أحكام التي تتعلق بالوطء ثلاث أضرب:
أحدها: ما يختص بالوطء في القبل إلا يثبت بالوطء في الدبر.
والثاني: إحلالها دون الدبر وهي ثلاثة أحكم:
أحدهما: الإحصان للزوج المطلق ثلاثاً لا يكون إلا بالوطء من القبل دون الدبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" في القبل.
والرابع: وجوب العدة منه كوجوبها بالوطء في القبل.
والخامس: تحريم المصاهرة وثبت به كثبوته بالوطء في القبل.
والسادس: فساد العبادات من الحج والصيام والاعتكاف يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل.
والسابع: وجوب الكفارة بإفساد الحج والصيام يتعلق به لتعلقها بالوطء في القبل.
والضرب الثالث: ما اختلف أصحابنا فيه وهي ثلاثة أحكام:
أحدها: الفيئة في إيلاء فيها وجهان.
أحدهما: أن لا تكون إلا بالوطء في القبل دون الدبر لأنها من حقوق الزوجية فتعلقت بالوطء المستباح بالعقد وهو القبل.
والوجه الثاني: أنها تكون بالوطء في الدبر لأنه قد صار به حانثًا ولزمته الكفارة فصار به فائيًا.
والثاني: العدة من الوطء في الدبر فإن كان في عقد نكاح وجبت به العدة كوجوبها بالوطء في القبل لأن العدة في النكاح قد تجب بغير وطء فكان أولى أن تجب بالوطء في الدبر وإن كان بسببه ففي وجوب العدة فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 314
أحدهما: تجب كوجوبها في النكاح.
والثاني: هو قول أبي علي بن خيران - لا تجب لأنها في الشبهة تكون استبراء محضًا حفظًا للنسب واستبراء للرحم وهذا المعنى مختص بالقبل دون الدبر.
والثالث: لحقوق النسب من الوطء في الدبر وإن كان غي عقد نكاح لحق وإن كان سبهة ففي لحوق النسب به وجهان وإن كان قيل بوجوب العدة منه كان النسب لاحقًا وإن قيل: لا تجب العدة فيه لم يلحق به النسب، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَنْهَاهُ الإِمَامُ فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ فإِنْ كَانَ فِي زِنًا حَدَّهُ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا أَغْرَمَهُ وَأَفْسَدَ حَجَّهُ".
قال في الحاوي: أما فاعل ذلك في زوجته أو أمته فإنه ينهى ويكف لإقدامه على حرام وارتكابه لمحظور ولا يعاجل في أول فعله بأكثر من النهي فينهى الزوج من الفعل وتنهى الزوجة من التمكين فإن عاودوا ذلك بعد النهي عذِّرا تأديبًا وزجرًا ولا أحد فيه لأجل الزوجية فأما فاعله زنى فعليه الحد وهو حد اللواط وفيه قولان:
أحداهما: كحد الزنا جلد مائة وتغريب عام وإن كان بكرًا أو الرجم إن كان ثيبًا.
والثاني: القتل بكرًا كان أو ثيبًا وأما المفعول بها فإن كانت مطاوعة فعليها حد اللواط على القولين.
وإن كانت مكرهه فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها فإن قيل: فليس في اللواط مهر فكيف وجب لهذه مهر والفعل معها كاللواط.
قيل: لأن النماء جنس يجب في التلذذ بهن مهر فوجب لهن المهر والذكران جنس يخالفون النساء فيه فلم يجب لهم مهر، والله أعلم.
باب الشغار وما دخل فيه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: "وإذا أنكح الرجل ابنته أو المرأة تلي أمرها الرجل على أن ينكحه ابنته أو المرأة تلي أمرها على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ولم يسم بكل واحدة منهما صداقًا فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مفسوخ".
قال في الحاوي: وأما الشغار في اللغة فهو الخلو، ويقال بلد شاغر إذا خلا من سلطان، وأمر شاغر إذا خلا من مدبر.
أصله: مأخوذ من شغور الكلب، يقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه للبول لخلو الأرض منها.
الجزء: 9 - الصفحة: 315
(وحكى) الجاحظ أن شغور الكلب علامة بلوغه وأنه يبلغ بعد سنة أشهر من عمره واستشهد بقول الشاعر
حَتَّى تُوَفَا الستَّة الشُّهُورَا مِنْ عُمْرِهِ وَبَلَغَ الشَّغُورَا
وهذا قول أبي عمر وابن العلاء والأصمعي وأكثر أهل اللغة.
وقال ابن الأعرابي: سمي الشغار شغارًا لقبحه ومنه شغور الكلب لقبح منظره إذا بال مع رفع رجليه.
وقال ثعلب: الشغار الرفع ومنه شغور الكلب.
والأصل في الشغار ما رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار.
وروى حميد عن الحسن عن عمران بن الحصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام".
والشغار ما وصفه الشافعي بقول الرجل: قد زوجتك بنتي أو وليتي على أن تزوجني بنتك أو وليتك على أن تضع كل واحد منهما صداق الأخرى أو يقول على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فهذا هو الشغار المنهي عنه والدليل عليه حديثان:
أحدهما: ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار والشغار: أن يزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوجه الرجل الآخر ابنته ليس بينهما صداق.
والحديث الثاني: رواه معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شغار في الإسلام" والشغار أن يبذل الرجل أخته بأخته.
وهذا التفسير من الراوي إما أن يكون سماعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو نص وإما أن يكون عن نفسه فهو لعلمه بمخرج الخطاب ومشاهدة الحال أعرف به من غيره.
فإذا تقرر أن نكاح الشغار ما وصفنا فعقد النكاح فيه باطل.
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق إلا أن مالكًا جعل النهي فيه متوجهًا إلى الصداق وعنده أن فساد الصداق موجب لفساد النكاح وعندنا أن النهي متوجه إلى النكاح دون الصداق وأن فساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مالك موافقًا في الحكم مخالفًا في معنى النهي.
وقال أبو حنيفة: نكاح الشغار جائز والنهي فيه متوجه إلى الصداق دون النكاح
الجزء: 9 - الصفحة: 316
وفساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مخالفًا لمالك في الحكم موافقًا له في معنى النهي.
وبه قال الزهري والثوري استدلاًلا بأن النهي متوجه إلى الصداق لأنه لو قال كل واحد منهما: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا وإنما أبطله إذا قال: على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فدل على أن النهي توجه إلى الصداق وفساده لا يوجب فساد النكاح كما لو تزوجها على صداق من خمر أو خنزير ولأنه لو قال: قد زوجتك بنتي على أن صداقها طلاق امرأتك صح النكاح وإن جعل الصداق بضِع زوجته فكذلك في مسألتنا قالوا: ولأنكم جوزتم النكاح إذا سمي لهما أو لأحدهما صداقًا فكذلك وإن لم يسميه لأن ترك الصداق في العقد الصحيح لا يوجب فساده كما أن ذكره في العقد الفاسد لا يوجب صحته.
ودليلنا ما قدمناه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عندنا يقتضي فساد المنهي عنه ما لم يصرف عن دليل.
فإن قالوا: قد فسد بالنهي ما توجه إليه وهو الصداق دون النكاح فعنه جوابان:
أحدهما: أن النهي إلى النكاح ما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن نكاح الشغار".
والثاني: أنه يجمل على عموم الأمرين.
فإن قالوا: إنما سمي شغارًا لخلوه من صداق ونحن لا نخليه لأننا نوجب فيه صداق المثل فامتنع أن يكون شغارًا.
قيل: هذا فاسد لأنه ليس يمنع ما أوجبتموه من الصداق بعد العقد من أن يكون نكاح الشغار ووقت العقد قد توجه النهي إليه فاقتضى فساده.
ومن طريق القياس ما ذكره الشافعي في التقديم أنه عقد فيه مثنوية ومعناه: أنه ملك الزوج بضع بنته بالنكاح أو ارتجعه منه بأن جعله ملكًا لبنت الزوج بالصداق وهذا موجب لفساد النكاح كما لو قال: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها ملكًا لفلان كن النكاح فاسدًا بإجماع كذلك هذا بالحجاج وتحريره: أنه جعل المقصود لغير المعقود له فوجب أن يبطل قياسًا على ما ذكرناه من قوله: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها لفلان ولأن جعل المعقود عليه معقودًا به فوجب أن يكون باطًلا كما لو زوج بنته بعبد على أن تكون رقبته صداقها ولأن العين الواحدة إذا جعلت عوضًا ومعوضًا فإذا بطل أن تكون عوضًا بطل أن تكون معوضًا كالثمن والمثمن في البيع وهو أن يقول: قد بعتك عبدي بألف على أن يكون ثمنًا لبيع دارك علي.
فأما الجواب عن استدلالهم بأن الفساد في الصداق لأنه لو قال: قد زوجتك بنتي
الجزء: 9 - الصفحة: 317
على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا فهو أن الفساد إنما كان الشغار للاشتراك في البضع وفي هذا الموضع لا يكون في البضع اشتراك فصح ألا تراه لو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على ان بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه حصل في بعضها اشتراكًا ولم يبطل نكاح الأخرى لأنه لم يحصل في بعضها اشتراكًا.
وأما استدلاله بأن لو جعل صداق بنته طلاق زوجته صح فكذلك هاهنا فالجواب عنه أن فساد اختص بالمهر ولم يحصل في البضع تشريك فلذلك صح وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلاله الآخر فسنذكر من اختلاف أصحابنا في حكمه ما يكون جوابًا، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ سَمَّى لَهُمَا أَوْ لأحدهما صَدَاقًا فَلَيْسَ بِالشِّغَارِ المَنْهِيِّ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَالمَهْرُ فَاسِدٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَنِصْفُ مَهْرٍ إِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ النِّكَاحُ بِلاَ مَهْرٍ قِيلَ: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَهُ فِي كِتَابِهِ فَأَجَزْنَاهُ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الفُرُوج إلَّا بِمَا أَحَلَّهُنَّ اللهُ بِهِ فَلَمَّا نَهَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ لَمْ أُحِلَّ مُحَرَّمًا بمُحَرَّم وَبِهَذَا قُلْنَا فِي نِكَاحَ المُتْعَةِ وَالمُحَرَّم قَالَ: وَقُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَجَزْتُ نِكَاحَ الشِّغَارِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَدَدْتُ نِكَاحَ المُتْعَةِ وَقَدْ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وّهّذَا تَحَكُّمٌ أَرَأَيْتَ إِنْ عُورِضْتَ فَقِيلَ لَكَ نَهَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا وَهَذَا اخْتِيَارٌ، فَأَجِزْهُ فَقَالَ: لاَ يَجُوزُ لأَنَّ عَقْدَهُ مَنْهِيٌ عَنْهُ.
قَيلَ: وَكَذَلِكَ عَقْدُ الشِّغَارِ مُنْهِيٌ عَنْهُ، قَالَ المُزَنِيُّ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عّنْ الشِّغَارِ نَهَى عَنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ عَنْ الصَّدَاقِ لَكَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذا المسألة على وجهين:
أحدهما: صورتها أن تقول: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ومائة درهم فيصح النكاح اعتبارًا بالاسم وأنه لا يسمى مع المهر مذكورًا شغارًا خاليًا ويكون لكل واحد منهما مهر مثلها لفساد الصداق.
والثاني: أن هذه المسألة شغار يفسد فيه النكاحان اعتبارًا بالمعنى وهو التشريك في البضع وهو أن صورة الشافعي رضي الله تعالى عنه التي لم يجعلها شغارًا أن يقول: قد زوجتك بنتي على صداق مائة على أن تزوجني بنتك على صداق مائة فالنكاحان
الجزء: 9 - الصفحة: 318
جائزان لأنه لم يشرك في البضع ولا جعل المعقود عليه معقودًا به ويبطل الصداقان لأن فساد الشرط راجع إليه فسقط فيه ما قابله وهو مجهول فصار باقية مجهوًلا والصداق المجهول يبطل ولا يبطل به النكاح بخلاف البيع الذي يبطل ببطلان الثمن فلو قال: قد زوجتك بنتي بصداق ألف على أن تزوجني بنتك بصداق ألف على أن بضع كل واحدة منهما بضع الأخرى صح النكاحان على الوجه الأول ولم يكن شغارًا لما تضمنه من تسمية الصداق وبطل النكاحان على الوجه الثاني وكان شغارًا لما فيه من التشريك في البضع ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك صح النكاحان على الوجهين معًا وكان لكل واحدة منهما مهر مثلها لما ذكرنا من أن شرط يعود فساده إلى المهر المستحق ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه جعل بضعها مشتركًا وصح نكاحه على بنت صاحبه لأنه لم يجعل بضعها مشتركًا ولو قال: على أن صداق بنتي بضع بنتك صح نكاح بنته وبطل نكاحه لبنت صاحبه لأن الاشتراك في بضعها لا في بضع بنته فتأمله تجده مستمر التعليل، وبالله التوفيق.
فصل:
وإذا قال الرجل لرجل: إن جئتني بكذا أو كذا إلى أجل يسميه فقد زوجتك بنتي فجاءه به في أجله لم يصح النكاح وأجازه مالك مع الكراهة إذا أشهد على نفسه بذلك استدلاًلا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" ولأنه نكاح مسلم علق بمجيء صفة فوجب أن لا يصح كقوله: قد زوجتكما إذا جاء المطر، ولأن عقود المعاوضات لا تتعلق بمجيء الصفات كالبيوع فأما قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فليس هذا عقد فيلزم الوفاء به، والله أعلم.
باب نكاح المتعة والمحلل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَاٍب عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَي محَمَّدِ بْنِ عَليِّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نّهّى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَححِ المُتْعَةِ وَأَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، قَالَ: وَإِنْ كِانِ حَدِيثُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ثَابِتًا فَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَحَلَّ نِكَاحَ ثُمَّ قَالَ: "هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْم اَلقِيَامَةِ" قَالَ: وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] فَلَمْ يُحَرِّمْهُنَّ اللهُ عَلَى الأَزْوَاجِ إِلاَّ بِالطَّلاقِ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:20] فَجَعَلَ إِلَى الأَزْوَاجِ فُرْقَةَ مَنْ عَقَدُوا عَلَيْهِ النِّكَاحَ مَعَ أَحْكَامِ مَا بَيْنَ الأَزْوَاجِ فَكَانَ بَيِّنًا، وَاللهِ أَعَلَمُ، أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ مَنْسَوخٌ
الجزء: 9 - الصفحة: 319
بَالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ لأَنَّهُ إِلَى مُدَّةٍ نَجِدُهُ يَنْفَسِخُ بِلاَ إِحْدَاثِ طَلاَقٍ فِيهِ وَلاَ فِيهِ أَحْكَامُ الأَزْوَاجِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: نكاح المتعة حرام وهو أن يقول للمرأة: أمتعيني نفسك شهرًا أو موسم الحاج أو ما أقمت في البلد أو يذكر ذلك بلفظ النكاح أو التزويج لها أو وليها بعد أن يقدره بمدة إما معلومة أو مجهولة فهو نكاح المتعة الحرام وهو قول العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء.
وحكي عن ابن عباس وابن مليكة وابن جريج والإمامية.
رأيهم فيه جوازًا استدلاًلا بقوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] فكان على عمومه في المتعة والمقدرة والنكاح المؤبد وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24] وهذا أبلغ في النص.
وروى سلمة بن الأكوع أنه منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يقول: "إن الله قد آذن لكم فاستمتعوا" وهذا نص.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج فأخبر بإباحتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثبت إباحته بالشرع لم يكن له تحريمه بالاجتهاد وقالوا: ولأنه عقد منفعة فصح تقديره بمدة كالإجازة ولأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم ينتقل عنه إلى التحريم إلا بالإجماع.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)﴾ [المعارج: 29 - 30] وليست هذه زوجته ولا ملك يمين فوجب أن يكون فيها ملومًا ثم قال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾ [المؤمنون: 7] فوجب أن يكون عاديًا.
ويدل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب ما رواه أبو ضمرة عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: قدمت مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: "استمتعوا من هؤلاء النساء" والاستمتاع يومئٍذ عندنا النكاح فكلم النساء من كلمهن فقلن لا ينكح الأنبياء ونبيكم أجل فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوا بينكم وبينهن أصًلا فخرجت أنا وابن عم لي عليه برد وعيّ برد، وبرده أجود من بردي وأما أشب منه فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي فقالت: برد كبرد فكان الأجل بيني وبينها عشرًا فبت عندها تلك الليلة ثم عدت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المقام والركن يخطب الناس فقال: "يا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هؤلاء النساء وإن الله د حرم ذلك وهو حرام إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
الجزء: 9 - الصفحة: 320
وروى ابن أبي لهيعة عن موسى بن أيوب عن إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم عن المتعة وقال: إنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.
وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح المتعة ثلاثًا ثم حرمهما.
وروى نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء وما كنا مسافحين.
وروى عكرمة بن عمار عن سعيد عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك فنزلنا عند ثنية الوداع فرأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصابيح ونساء يبكين فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حرم المتعة, النكاح, والطلاق, والعدة والميراث".
وحكي أن يحيى بن أكثم دخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين أحللن المتعة وقد حرمها رسول الله صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال المأمون: يا يحيى إن تحريم المتعة حديث رواه الربيع بن سبرة أعرابي يبول على عقبيه ولا أقول به.
فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين هاهنا حديث آخر فقال: هاته يا يحيى فقال: حدثنا القنبعي فقال المأمون: لا بأس به عن من؟ فلما قال يحيى: عن مالك فقال المأمون: كان أبي يبجله هيا فقال يحيى: عن الزهري عن المأمون: كان ثقة في حديثه ولكن كان يعمل لبني أمية هيا فقال يحيى: عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ابن الحنفية قال: ففكر المأمون ساعة ثم قال: كان أحدهما يقول بالوعيد والآخر بالإرجاء "هيا" قال يحيى: عن أبيهما محمد بن علي قال: هيا.
قال يحيى عن علي بن أبي طالب قال: هيا قال يحيى: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عام خيبر عن المتعة وعن أكل لحوم الحمر الأهلية فقال المأمون: يا غلام اركب فناد أن المتعة حرام.
فإن قيل: فهذه الأحاديث مضطربة يخالف بعضها بعضًا, لأنه روى في بعضها أنه حرمها عام خيبر وروى في بعضها أنه حرمها عام الفتح بمكة.
وروي في بعضها أنه حرمها في غزوة تبوك وروى في بعضها أنه حرمها في حجة الوداع وبين كل وقت ووقف زمان ممتد ففيه جوابان:
أحدهما: أنه تحريم في مواضع ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن قد علمه لأنه قد يحضر في بعض المواضع من لم يحضر معه في غيره فكان ذلك أبلغ في التحريم وأوكد.
والثاني: أنها كانت حلالًا فحرمت عام خيبر ثم أباحها بعد ذلك لمصلحة علمها ثم
الجزء: 9 - الصفحة: 321
حرمها في حجة الوداع ولذلك قال فيها: "وهي حرام إلى يوم القيامة" تنبيهًا على أن ما كان من التحريم المتقدم موقف تعقبته إباحة وهذا تحريم مؤبد لا تتعقبه إباحة ولأنه إجماع الصحابة روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة.
قال ابن عمر: لا أعلمه إلا السفاح نفسه.
وقال ابن الزبير: المتعة هي الزنا الصريح.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عباس ومع خلافه لا يكون الإجماع قيل: قد رجع ابن عباس عن إباحتها وأظهر تحريمها وناظره عبد الله بن الزبير عليها مناظرة مشهورة وقال له عروة بن الزبير: أهلكت نفسك قال: وما هو يا عروة قال: تفتي بإباحة المتعة وكان أبو بكر وعمر ينهيان عنها, فقال: عجيب منك أخبرك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتخبرني عن أبي بكر وعمر فقال له عروة: إنهما أعلم بالسنة منك فسكت.
وروى المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير: أن رجلًا أتى ابن عباس فقال: هل لك فيما صنعت نفسك في المتعة حتي صارت به الركاب وقال الشاعر:
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة تكون مثواك حتى يصدر الناس
فقال ابن عباس: ما إلى هذا ذهبت وقام يوم عرفة فقال: يا أيها الناس إنها والله لا تحل لكم إلا ما تحل لكم الميتة والدم ولحم الخنزير.
يعني إذا اضطررتم إليها ثم رجع عنها فصار الإجماع برجوعه منعقدًا والخلاف به مرتفعًا وانعقاد الإجماع بعد ظهور الخلاف أوكد لأنه يدل على حجة قاطعة ودليل قاهر.
ومن القياس: أنه حل عقد جاز مطلقًا فبطل مؤقتًا كالبيع طردًا والإجارة عكسًا ولأنه للنكاح أحكامًا تتعلق بصحتها وتبقى عن فاسدها وهي الطلاق والطهار والعدة والميراث.
فلما انتفت عن المتعة هذه الأحكام دل على فساده كسائر المناكح الفاسدة.
فأما الجواب على قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] فهو أن المتعة غير داخلة في النكاح لأن اسم النكاح ينطلق على ما اختص بالدوام لذلك قيل: قد استنكحه المدى لمن دام به فلم يدخل فيه المتعة المؤقتة ولو جاز أن يكون عامًا لخص بما ذكرنا.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24] فمن وجهين:
أحدهما: أن عليًا وابن مسعود رؤيا أنها نسخت بالطلاق والعدة والميراث.
الجزء: 9 - الصفحة: 322
والثاني: أنها محمولة على الاستمتاع بهن في النكاح وقول ابن مسعود إلى أجل مسمى يعني به المهر دون العقد.
وأما حديث سلمة بن الأكوع فالإباحة فيه منسوخة بما رويناه من التحريم الوارد بعده.
وأما تفرد عمر بالنهي عنها فما تفرد به وقد وافقه عليه الصحابة وإنما كان إمامًا فاختص بالإعلان والتأديب ولم يكن بالذي يقدم على تحريم بغير دليل ولكانوا قد أقدموا عليه يمسكون عنه ألا تراه يقول على المنبر: لا تغالوا في صدقات النساء فلو كانت تكرمة لكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاكم بها فقالت امرأة: أعطانا الله ويمنعنا ابن الخطاب فقال عمر: وأين أعطاكن فقالت: بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة.
وروي أن عمر قال يومًا على المنبر: أيها الناس استمتعوا فقال سلمان: لا نسمع فقال عمر: ولم ذاك فقال سليمان: لأن الثياب لما قدمت من العراق وفرقتها علينا ثوبًا وأخذت ثوبين لنفسك فقال عمر: أما هذا فثوبي وأما الآخر فاستعرته من ابني ثم دعي ابنه عبد الله وقال: أين ثوبك؟ فقال: هو عليك, فقال سلمان: قل الآن ما شئت يا أمير المؤمنين فكيف يجوز مع اعتراضهم عليه في مثل هذه الأمور أن يمسكوا عنه في تحريم ما قد أحله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينكرونه لولا اعترافهم بصحته وبقائهم على تحريمه فإن قيل: فقد روي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع أنهما قالا: سمعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحل المتعة وسمعنا عمر ينهى عنها فتبعنا عمر قيل معناه: تبعنا عمر فيما رواه من التحريم لأنه روى لهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح ثلاثًا ثم حرمها.
فكيف يجوز لولا ما ذكرنا أن يضاف إلى جابر وأبي سلمة أنهما خالفا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتبعا عمر ولو تبعاه لما تبعه غيرهما من الصحابة.
وأما قياسهم على الإجازة فالمعنى فيهما: أنها لا تصح مؤبدة فصمت مؤقتة والنكاح لما صح مؤبدًا لم يصح مؤقتًا.
وأما الجواب عن استدلالهما بأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم يعدل إلى تحريمها إلا بالإجماع فمن وجهين:
أحدهما: أنه ما ثبت به إباحتها هو الذي ثبت به تحريمها فإنه كان دليلًا على الإباحة وجب أن يكون دليلًا في التحريم.
والثاني: أن الإباحة الثابتة بالإجماع هو إباحة مؤقتة تعقبها نسخ وهم يدعون إباحة مؤبدة لم يتعقبها نسخ فلم يكن فيما قالوه إجماع.
الجزء: 9 - الصفحة: 323
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من تحريم المتعة فلا حد فيها لمكان الشبهة ويعززان أدبًا إن علما بالتحريم ولها مهر مثلها بالإصابة دون المس وعليها العدة وإن جاءت بولد لحق بالوطء لأنها صارت بإصابة الشبهة فرشًا ويفرق بينهما بغير طلاق لأنه ليس بينهما نكاح يلزم ويثبت بهذا الإصابة تحريم المصاهرة والله أعلم.
مسألة:
"وَنِكَاحُ المُحَلِلَ باطِل".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة طلقها زوجها ثلاثًا حرمت عليه إلا بعد زوج فنكحت بعده زوجًا ليحلها للأول فيرجع إلى نكاحها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشترطا في عقد النكاح أن يتزوجها على أنه إذا أحلها بإصابة للزوج الأول فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل.
وقال أبو حنيفة: النكاح صحيح والشرط باطل.
والدليل على بطلانه ما رواه الحارث الأعور عن علي ورواه عكرمة عن ابن عباس ورواه أبو هريرة كلهم بروايته عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
وروى عقبة بن عامر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ألا أخبركم بالتيس المستعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل والمحلل له".
ولأنه نكاح على شرط إلى مدة فكان أغلظ فساد من نكاح المتعة على وجهين:
أحدهما: جهالة مدته.
والثاني: أن الإصابة فيه مشروطة لغيره فكاد بالفساد أخص ولأنه نكاح شرط فيه انقطاعه قبل غايته فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا تزوجها شهرًا أو حتى يطأ أو يباشر.
والقسم الثاني: أن يتزوجها ويشترط في العقد أنه إذا أحلها للزوج الأول طقها ففي النكاح قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم "والإملاء" أن النكاح صحيح لأنه لو تزوجها على أن لا يطلقها كان النكاح جائزًا وله أن يطلقها كذلك إذا تزوجها على أن يطلقها وجب أن يصح النكاح ولا يلزمه أن يطلقها.
الجزء: 9 - الصفحة: 324
والثاني: نص عليه في الجديد من "الأم" وهو الأصح - أن النكاح باطل لأنه باشتراط الطلاق مؤقت والنكاح ما تأبد ولم يتوقف وبهذا المعنى فرقنا بين أن يشترط فيه أن لا يطلقها فيصح لأنه مؤبد وإذا شرط أن يطلقها لم يصح لأنه مؤقت.
والقسم الثالث: أنه يشترط ذلك عليه قبل العقد ويتزوجها مطلقًا من غير شرط لكنه ينوي ويعتقده.
فالنكاح صحيح لخلو عقده من شرط يفسده وهو مكروه لأنه نوى فيه ما لو أظهره أفسده ولا يفسد بالنية لأنه قد ينوي ما لا يفعل ويفعل ما لا ينوي وأبطله مالك وقال: هو نكاح محلل وحكى أبو إسحاق المروزي عن أبي حنيفه أنه استحبه لأنه قد تصير الأول بإحلالها له وكلا المذهبين خطأ بل هو صحيح بخلاف قول مالك ومكروه بخلاف استحباب أبي حنيفة لما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن سيرين: أن امرأة طلقها زوجها ثلاثًا وكان يقعد على باب المسجد أعرابي مسكين فجاءته امرأة فقالت له: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة فإذا أصبحت فارقتها قال: نعم ومضى فتزوجها وبات معها ليلة فقالت له: سيقولون لك إذا أصبحت فارقها لا تفعل فإني مقيمة لك ما ترى واذهب إلى عمر فلما أصبح أتوه وأتوها فقالت لهم: كلموه, فأنتم أتيتم به, فقالوا له: فارقها فقال: لا أفعل امض إلى عمر فأخبره.
فقال له: الزم زوجتك فإن رابوك بريبة فأتني وبعث عمر إلى المرأة التي مشت لذلك فنكل بها.
وكان الأعرابي يغدو ويروح إلى عمر في حلة فيقول له عمر: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح.
فقد أمضى عمر النكاح: فبطل به قول مالك في فساده وكل عمر بالمرأة التي شت فيه فدل على كراهته وفساد ما حكي عن أبي حنيفة من استحبابه.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من أقسام نكاح المحلل فإن قلنا بصحته تعلق به أحكام النكاح الصحيح من ثبوت الحصانة ووجوب النفقة وأن يكون مخيرًا فيه بين المقام أو الطلاق فإن طلق بعد الإصابة التامة فقد أحلها للزوج الأول فأما المهر فإن لم يتضمن العقد شرط يؤثر فيه فالمسمى هو المستحق, وإن تضمن شرطًا يؤثر فيه كان المستحق مهر المثل دون المسمى وإن قلنا بفساد العقد وإنه باطل فلا حدّ عليه فيه لأجل الشبهة لكن يعزز لإقدامه على منهي عنه ولا يثبت بالإصابة فيه حصانة ولا يستحق فيه نفقة ويجب فيه بالإصابة مهر المثل وهل يحلها للزوج إذا ذاقت عسيلته وذاق عسيلتها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه يحلها للأول واختلف أصحابنا في تعليله فقال بعضهم: ذوق العسيلة في شبهة النكاح تجري عليه حكم الصحيح من النكاح.
وقال آخرون: اختصاصه باسم المحلل موجب لاختصاصه بحكم التعليل فعلى التعليل الأول تحل الإصابة في كل نكاح فاسد من شعار ومتعة وبغير ولي ولا شهود.
الجزء: 9 - الصفحة: 325
وعلى التعليل الثاني: وهو الجديد الصحيح أنه لا يحلها للزوج الأول لا في نكاح المحلل ولا غيره في الأنكحة الفاسدة حتى يكون نكاحًا صحيحًا.
لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وهذا ليس بزوج ولأن كل إصابة لم يتعلق بها إحصان لم يتعلق فيها إحلال الزوج كالإصابة بملك اليمين.
باب نكاح المحرم
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٌ عَنْ نَبِيه بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَان بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بِنْ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَكَحَ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قُلْتُ: رِوَايَةُ عُثْمَانَ ثَابِتَةٌ وَيَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ ابْنُ أُخْتِهَا وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ عَتِيقُهَا أَوِ ابْنِ عَتِيقِهَا يَقُولَانِ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَثَالِثٌ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسِيبِ وَيَنْفَرِدُ وَعَلَيْكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ الثَّابِتُ وَقُلْتُ: أَلَيْسَ أَعْطَيتَنِي أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرْتُ فِيمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِه فَأَخَذْتُ بِهِ وَتَرَكْتُ الَّذِي يُخَالِفَهُ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ فَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرُدَّانِ نِكَاحِ الُمْحرِمِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مٌخَالِفًا فَلِمَ لَا قُلْتَ بِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ كَانَ المُحْرِمِ حَاجًّا فَحَتَّى يَرْمِي وَيَحْلِقَ وَيَطُوفَ بِالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَحَتَّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ فَإِنْ نَكَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَفْسُوخٌ وَالرَّجْعَةُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ لَيْسَا بِنِكَاحٍ".
قال في الحاوي: وقد مضى في كتاب الحج أن نكاح المحرم لا يجوز ودللنا عليه وذكرنا من خالفنا فيه ونحن الآن نشير إليه متى عقد النكاح والزوج أو الزوجة أو الولي محرم فالنكاح باطل.
وقال مالك: صحيح ويفسخ يطلق.
وقال أبو حنيفة: نكاحه جائز ولا يلزم فسخه استدلالًا برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكح ميمونة وهو محرم.
وبرواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج وهو محرم.
ولأنه عقد يستباح به البضع فلم يمنع الإحرام منه كالرجعة وشراء الإماء.
ودليلنا: رواية عثمان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" وروى
الجزء: 9 - الصفحة: 326
أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا يخطب المحرم ولا يتزوج".
وروى مطر عن الحسن أن عليًا رضي الله تعالى عنه قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولم يجز نكاحه.
وروى أبو غطفان عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه فرق بين محرمين تزوجا.
وروى قدامة بن موسى عن شوذب مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ففرق زيد بن ثابت بينهما.
فلما روي عنهم التفرقة بين الزوجين ولا يسوغ ذلك في عقد يسوغ فيه الاجتهاد دل على أن النص فيه ثابت لا يجوز خلافه ولأنه معنى ثابت به تحريم المصاهرة فوجب أن يمنع منه الإحرام كالوطء.
فأما الجواب عن حديث ميمونة فقد روى ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهما حلالان.
وروى ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج ميمونة حلالًا وبني بها حلالًا وكنت أنا الرسول بينهما.
وأما حديث ابن أبي مليكة عن عائشة فضعيف لا أصل له عند أصحاب الحديث وإن صح فيجوز أن يكون فعل ذلك في أول الإسلام قبل تحريم نكاح المحرم على أن أبا الطيب بن سلمة جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخصوصًا بالنكاح في الإحرام.
وأما القياس على شراء الإماء فليس المقصود منه الاستمتاع لجواز شراء المعتدة وذات المحرم وكذلك المحرمة والمقصود من عقد النكاح الاستمتاع إذ لا يجوز أن ينكح معتدة ولا ذات محرم وكذلك المحرمة فأما الرجعة فتحل للمحرم لأنها سد ثم في العقد ورفع تحريم طرأ عليه وليست عقداً مبتدأ فجازت في الإحرام ألا ترى أن العبد يراجع بغير إذن سيده وإن لم يجز أن ينكح بغير إذنه اعتبارًا بهذا المعنى.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا أن نكاح المحرمات باطل فمتى كان الزوج محرمًا فوكل حلالًا في العقد كان النكاح باطلًا لأنه نكاح المحرم ولو كان الزوج حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا لأنه نكاح عقده محرم وهكذا لو كان الولي محرمًا فوكل حلالًا أو كان حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا.
فأما الحاكم إذا كان محرمًا لم يجز له أن يزوج مسلمة وهل يجوز له أن يزوج كافرة أم لا على وجهين:
أحدهما: لا يجوز كالمسلمة.
الجزء: 9 - الصفحة: 327
والثاني: لا يجوز لأنه لا يزوجها بولاية وإنما يزوجها لحكم يجري مجرى سائر أحكامه في إحرامه.
فأما إذا كان الإمام محرمًا لم يجز له أن يتزوج ولا يزوج وهل يجوز لخلفائه من القضاء المحللين أن يزوجوا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز أن يزوجوا كوكلاء المحرم.
والثاني: يجوز أن يزوجوا لعموم ولاياتهم ونفوذ أحكامه فخالفوا الوكلاء فأما إن كان الخطيب في عقد النكاح جائز لأنه قد يجوز أن يعقد بغير خطبة ولو كان الشهود محرمين ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن النكاح باطل لأن الشهود شرط في العقد كالولي.
والثاني: وهو مذهب الشافعي إن النكاح جائز لأن الشهود غير معنيين في النكاح فلم يعتبر فيهم شروط من معنيين في النكاح ألا ترى أن نكاح الكافرة إذا عقدناه لم يصح إلا بولي كافر وشهود مسلمين, والله اعلم.
العيب في المنكوحة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الُمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بِنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامُ, أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقَهَا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِهَا.
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: أَرْبَعٌ لَا يَجُزْنَ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنْ تُسَمَّى: الْجُنُونُ, وَالجُذَامُ وَالبَرَصُ, وَالقَرَنُ".
قال في الحاوي: أعلم أن النكاح بالعيوب والعيوب التي يفسخ بها النكاح تستحق من الجهتين فيستحقها الزوج إذا وجدت بالزوجة وهي خمسة عيوب: الجنون والجذام والبرص والقرن والرتق وتستحقها الزوجة إذا وجدتها بالزوج وهي خمسة: الجنون والجذام والبرص والجب والعنة فيشتركان في الجنون والجذام والبرص وتختص الزوجة بالقرن والرتق ويختص الزوج بالجب والعنة ولا يفسخ نكاحها بغير هذه العيوب من عمى أو زمانة أو قبح أو غيره.
وبه قال من الصحابة عمر وابن عباس وعبد الله بن عمر.
ومن التابعين: أبو الشعثاء جابر بن زيد.
ومن الفقهاء: الأوزاعي ومالك وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يفسخ النكاح بشيء من العيوب ولا للمرأة أن تفسخ إلا بالجب والعنة دون الجنون والجذام والبرص وبأن لا يفسخ النكاح بعيب.
الجزء: 9 - الصفحة: 328
قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وقال أبو الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح: للزوجة أن تفسخ بهذه العيوب في الزوج وليس للزوج أن يفسخ بها؛ لأن الطلاق بيده واستدل من نص قول أبي حنيفة بأن المعقود عليه في النكاح هو الاستباحة وليس في الاستباحة عيب وإنما العيب في المستبيحة فلم يشتبه خيار إسلامه المعقود عليه قال: ولأنه عيب في المنكوحه فلم يفسخ نكاحها قياسًا على ما سوى العيوب الخمسة قال: ولأن كل عقد لم يفسخ بنقصان الأجزاء لم يفسخ بتغير الصفات كالهبة طردًا والبيوع عكسًا.
قال: ولأن عقد النكاح إن جرى مجرى عقود المعاوضات كالبيوع وجب أن يفسخ بكل عيب وإن جرى مجرى غيرها من عقود الهبات والصلات وجب أن لا يفسخ بعيب وفي إجماع على أن لا يفسخ لكل العيوب دليل على أنه لا يفسخ بشيء من العيوب.
ودليلنا: ما رواه عبد الله بن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها بياضًا فردها وقال: ولستم عليَّ.
ووجه الدليل منه هو أنه لما نقل العيب والرد وجب أن يكون الرد لأجل العيب فإن قيل: فيحمل على أنه طلقها لأجل العيب كالتي قالت له حين تزوجها أعوذ بالله منك فقال: "لقد استعذتي بمعاذ حق بأهلك" فكان ذلك طلاقًا منه لأجل استعاذتها منه قيل لا يصح هذا التأويل من وجهين:
أحدهما: لأنه خالف الظاهر لأن نقل الحكم مع السبب يقتضي تعلقه به كتعلق الحكم بالعلة والطلاق لا يتعلق بالعيب كتعلق بالعلة وإن كان داعيًا إليه فلم يصح حمله عليه وخالف حال طلاقه للمستعيذة لأن الاستعاذة ليست عيباً يوجب الرد فعدل به إلى الطلاق.
والثاني: أن الرد صريح في الفسخ وكناية في الطلاق وحمل اللفظ على ما هو صريح فيه.
وروى أبو جعفر المنصور عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجتنبوا من النكاح أربعة: الجنون والجذام والبرص والقرن" فدل تخصيصه لهذه الأربعة من عيوب النكاح على اختصاصها بالفسخ.
ومن طريق القياس: هو أنه عيب يمنع غالب المقصود بالعقد فجاز أن يثبت به خيار الفسخ كالجب ولا يدخل عليه الصغر والمرض لأنهما ليسا بعيب ولأن العقد الذي يلزم من الجهتين إذا احتمل الفسخ وجب أن يجري الفسخ في جنس العقد ولأنه عيب مقصود بعقد النكاح فوجب أن يستحق الفسخ كالعيب في الصداق ولأن كل من ملك رد عوض ملك عليه رد المعوض كالثمن والمثمن في البيع.
الجزء: 9 - الصفحة: 329
فأما الجواب عن الاستدلال بأن المعقود عليه هو الاستباحة وليس فيها عيب فهو أن هذا فاسد لأن المعقود عليه هو الاستمتاع المستباح وهذه عيوب فيه كما أن زمانة العبد المستأجر عيب في منافعه فاستحق بها الفسخ.
وأما قياسهم على ما سوى الخمسة من العيوب فالمعنى فيه أن تلك العيوب لا تمنع مقصود العقد ولا تنفر النفوس منها وليس كذلك هذه الخمسة لأنها إما مانعة من المقصود أو منفرة للنفوس فافترقا.
وأما قياسهم على الهبة بعلة أنها لا تفسخ بنقصان الأجزاء فهذا الوصف غير مسلم لأنه يستحق بالجب وهو نقصان جزء ثم المعنى في الهبة أن لا عوض فيها فيلحقه ضرر بالعيب والنكاح بخلافه وعلى أن فسخه بالعنت وهو يعتبر صفة تمنع من اطراد هذا التعليل.
فأما استدلالهم بأنه إما أن يفسخ بكل العيوب كالبيوع أو لا يفسخ بشيء منها كالهبات.
فالجواب عنه: أنه بالبيوع أخص لأنهما عقدا معاوضة غير أن جميع العيوب تؤثر في نقصان الثمن فاستحق بجميعها الفسخ وليس كل العيوب تؤثر في نقصان الاستمتاع فلم يستحق بجميعها الفسخ.
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "القَرَنُ المَانِعُ لِلْجَمَاعِ لأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَعْنَى النِّسَاءِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح وأجناسها سبعة: اثنان يختص بهما الرجل وهما: الجب والعنة.
واثنان تختص بهما النساء وهما: الرتق والقرن وثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي: الجنون والجذام والبرص.
فأما ما يختص به الرجال من العنة فله باب يأتي.
وأما الجبّ: فهو قطع الذكر فإن كان جميعه مقطوعًا فلها الخيار لأنه أدوم ضررًا من العنة التي يرجى زوالها.
وإن كان بعض الذكر مقطوعًا نظر في باقيه فإن كان لا يقدر على إيلاجه إما لضعفه أو لضغره فلها الخيار وإن كان يقدر على إيلاجه ففي خيارها وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح أنه لا خيار لها لأنه يجري مجرى صغر الذكر الذي لا خيار فيه.
والثاني: لها الخيار لأنه نقص لا تكمل به الإصابة.
وأما الخصاء وهي قطع الأنثيين مع بقاء الذكر ففي كونه عيبًا يوجب خيارها قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 330
أحدهما: ليس بعيب ولا خيار لها فيه لقدرته على الإيلاج وأنه ربما كان أمتع إصابة.
والثاني: انه عيب ولها الخيار لأنه نقص يعدم معه النسل ولو كان خنثى له فرج زائدًا وكانت خنثى لها ذكر زائد ففي كونه عيبًا يوجب الخيار قولان:
أحدهما: ليس بعيب لأنها زيادة عضو فأشبه الأصبع الزائدة.
والثاني: أنه عيب لأنه نقص يعاف.
فأما ما تختص هـ المرأة من القرن والرتق.
فالقرن: هو عظم يعترض الرحم يمنع من الإصابة والرتق لحم يسد مدخل الذكر فلا تمكن معه الإصابة وله الخيار فيهما ولا يمكنها شق القرن ويمكنها شق الرتق إلا أنها لا تخير بشقه لأنه جناية عليها فإن شقته بعد فسخ الزوج لم يؤثر بعد وقوع الفسخ وإن شقته قبل فسخه ففي خيار الزوج وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء فأما الإفضاء وهو أن ينخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول فتصير مغطاة فلا خيار فيه لإمكان الإصابة التامة معه فلو كانت عاقرًا لا تلد أو كان الزوج عقيمًا لا يولد له فلا خيار فيه لواحد منهما لأنه مظنون وربما زال بتنقل الأمنان.
فأما العفلاء ففي العفلة ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن لحم مستدير ينبت في الرحم بعد ذهاب العذرة ولا ينبت مع البكارة وهذا قول أبى عمر الشيبانى.
والثاني: أنه ورم يكون في اللحمة التي قبل المرأة يضيق به فرجها حتى لا ينفذ فيه الذكر.
والثالث: أنه مبادئ الرتق وهو لحم يزيد في الفرج حتى يصير رتقًا فيسد به الفرج فلا ينفذ فيه الذكر، فإن كان العقل يكمل معه الاستمتاع التام، فلا خيار فيه وإن لم يكمل معه الاستمتاع لضيق الفرج أو انسداده حتى لا يمكن إيلاج الذكر ففيه الخيار.
فصل:
وأما العيوب التي يشترك فيها الرجل والمرأة وهي ثلاثة:
أحدها: الجنون وهو زوال العقل الذي يكون معه تأدية حق سواء خيف منه أم لا وهو ذربان: مطبق لا يتخلله إفاقة وغير مطبق يتخلله إفاقة فيجن تارة ويفيق تارة أخرى وكلاهما سواء وفيهما الخيار سواء قل زمان الجنون أو كثر لأن قليله يمنع من تأدية الحق في زمانه ولأن قليله كثير سواء كان ذلك بالزوج أو بالزوجة.
فأما الإغماء فهو زوال العقل فلا خيار فيه كالمرض وأنه عرض يرجى زواله وأنه قد
الجزء: 9 - الصفحة: 331
يجوز حدوث مثله بالأنبياء الذي لا يحدث بهم جنون فإن زال المرض فلم يزل معه الإغماء صار حينئٍذ جنونًا يثبت فيه الخيار.
وأما البله فهو غلبة السلامة فيكون الإبله سليم الصدر ضعيف العزم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها بلهًا" يعنى الذين غلبت السلامة على صدورهم ومنه قول الشاعر:
وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ ميّالَةِ بَلهَاءَ تُطْلِعُنِى عَلَى أَسْرَارِهَا
فلا خيار في البله لأن الاستمتاع كامل ولذلك لا خيار في الحمق وقلة الضبط كمال الاستمتاع معهما وإنما يؤثر فيما سواه من تدبير المنزل وتربية الولد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يسترضعوا الحمقى فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع".
فصل:
والثاني من عيوبهما: الجذام وهو: عفن يكون في الأطراف والأنف يسرى فيهما حتى يسقط فتبطل وربما سرى إلى النسل وتعدى إلى الخليط والنفس تعافه وتنفر منه فلا يسمح بالمخالطة ولا تحبب إلى الاستمتاع وقد روى سعيد عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد" وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فمد يدًا جذماء فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قبض يده ولم يصافحه وقال: "اذهب فقد بايعناك" ففي الجذام الخيار قليلًا كان أو كثيرًا لأن قليله يصير كثيرًا وسواء كان في الزوج أو الزوجة.
فأما الزعر فهو من مبادئ الجذام وربما برئ ولم يصر جذامًا ويقع في الحاجبين فيناثر به الشعر وفي الأنف فيتغير به الجلد ولا خيار فيه لأنه ليس بجذام عادى ولا النفوس منه نافرة فلو اختلفا فيه فادعى الزوج أن بها جذامًا وقالت: بل هو زعر وقف عليه عدلان من علماء الطب فإن قالا: هو جذام ثبت فيه الخيار، وإن قالا: زعر فلا خيار فيه وإن أشكل فالقول قولها مع يمينها أنه زعر ولا خيار فيه لأن الأصل عدم الخيار إلا أن يثبت ما يوجبه.
فصل:
والثالث من عيوبهما: البرص: وهو حدوث بياض في الجلد يذهب معه دم الجلد وما تحته من اللحم وفيه عددي إلى النسل والمخالطين وتعافه النفوس وتنفر منه فلا يكمل مع الاستمتاع ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة وجد بكشحها بياضًا وفي قليله وكثيره الخيار لان قليله يصير كثيرًا وسواء كان بالزوج أو الزوجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 332
فأما البهق فتغير لون الجلد ولا يذهب بدمه، ويزول ولا تنفر فيه نفوس فلا خيار فيه فلو اختلفا فقال الزوج: هذا البياض برص ولي الخيار وقالت الزوجة: بل هو بهق فلا خيار، دقق فيه عدلان من علماء الطب وعمل على قولهما فيه فإن أشكل كان القول قولها مع يمينها أنه بهق ولا خيار فيه.
فإن قيل: فكيف جعل الشافعي في الجذام والبرص عدوى وهذا قول أصحاب الطبائع وقد كذبه الشرع ومنع منه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة" فقيل له: أما ترى النكتة من الجرب في شفر البعير فتعدوا إلى سائره إلى غيره فقال صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" أي إذا كان الأول بغير عدوى كان ما بعده وفي غيره بغير عدوى.
قيل: إنما منع الشرع من أن الطبيعة هي التي تحدث العدوى كما يزعم الطب ولا يمنع أن الله تعالى قد جعل فيها العدوى كما جعل في النار الإحراق وفي الطعام الشبع وفي الماء الري وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يوردن ممرض ذو عاهة على مصح" وامتنع من مبايعة الأجذام.
وروى عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب توجه إلى الشام فلما انتهي إلى سرغ تلقاه أمراء الأجناد وأخبروه بحدوث الطاعون بالشام فتوقف عن المسير وشاور المهاجرين في المسير أو الرجوع فاختلفوا وشاور الأنصار فاختلفوا وكان عبد الرحمن بن عوف غائبًا عنهم فحضر فشاوره عمر فقال عبد الرحمن: إن عندي في هذا علمًا قال عمر: ما هو؟ قال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به في واد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا منه" فحمد عمر الله تعالى ورجع الناس معه.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "لبن الحمقى يعدي".
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" فالمقصود منه رد قولهم إنه لم يكن إلا من عدوى الأول ولولاه ما جربت وقال: "من أعدى الأول" أي إذا كان الأول من الله تعالى يعنى عدوى كان ما بعده منه.
فإن قيل: فلم أضاف الشافعي العدوى إلى الجذام والبرص ولم يضفه إلى الله تعالى.
قيل: على طريقة الاستعارة والتوسع في العبارة كما يقال: طالت النخلة وقصر الليل وأثمرت الشجرة وإن كان الله تعالى هو الفاعل لذلك.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام العيوب فوجد الزوج بالزوجة قليلًا من برص أو
الجزء: 9 - الصفحة: 333
جذام عرض به فانتشر وزاد حتى صار كثيرًا لم يكن له خيار؛ لأن الراضي بقليله راضٍ بكثيرة ولأن قليله في الغالب يصير كثيرًا ولو ظهر بها برص في غير المكان الأول فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الثاني أقبح منظرًا من الأول كأنه كان الأول في فخذها وحدث الثاني في وجهها، فله الخيار نص عليه في "الإملاء" لأن النفس من الثاني أشد نفورًا من الأول.
والثاني: أن يكون مثل الأول في القبح وكأنه كان الأول في يدها اليمنى والثاني في يدها اليسرى ففيه وجهان:
أحدهما: له الخيار لأنه إذا كان في غير مكان الأول كان عيبًا غير الأول.
والثاني: لا خيار لأنه من جنس الأول كالمتصل فلو رضي برصها فظهر بها جذام كان له الخيار بالجذام دون البرص ولأنه قد تأنف نفسه الجذام ولا تعاف البرص ولا كان بها جذام أو برص فلم يختر فسخ نكاحها حتى زال وبرئ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يزول قبل علمه به فلا خيار يعدم ما يوجبه.
والثاني: أن يزول بعد علمه وقبل فسخه بعذر آخر عنه ففي خياره وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء.
فلو وجد الزوج بها عيبًا ووجد تب الزوج عيبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلف العيبان فيكون عيب أحدهما جذامًا وعيب الآخر برصًا فلكل واحد الخيار بعيب صاحبه لأن المجذوم قد يعاف الأبرص والأبرص قد يعاف المجذوم.
والثاني: أن يتساوى العيبان فيكون بكل واحد منهما برص أو جذام ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: أن لا خيار لتكافئهما وأنه ليس بنقص أحدهما عن حالة صاحبه.
والثاني: أن لكل واحد منهما الخيار لأنه قد يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه من بصاق ومخاط وأذى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي:"فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ المَسِيسِ فَلَا نِصْفَ مَهْرٍ وَلَا مُتْعَةٍ وَإنْ اخْتَارَ فِراقَهَا بَعْدَ المَسِيسِ فَصَدَاقْتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَلهَا مَهْرُ مُثْلِهَا بِالمَسِيسِ وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ في عِدَّتِهَا وَلَا سُكْنَىَ وَلَا يَرْجِعُ بِالمَهْرِ عَلَيٍهَا وَلَا عَلَى وَليّهَا لَأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ في التي نُكِحَتْ بِغَيْرَ إِذْنِ وَلِيّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِل فَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا وَلَمْ
الجزء: 9 - الصفحة: 334
يَرُدّهُ بِهِ عَلَيْهَا وَهي التي عَزَّتْهُ فَهُوَ في النِّكَاح الصّحِيح الذي لِلزَّوْج فِيهِ الخِيَارُ أَولي أَنْ يَكُونَ لِلمَرْأَةِ وَإِذَا كَانَ لَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْرَمَهُ وليُّهَا، وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي اللهُ عَنْهُ في التي نَكَحَتْ في عُدَّتِهَا أَنَّ لَهَا الَمهْرَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا فسخ النكاح بأحد العيوب من أحد الزوجين فلا يخلو أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها ولا متعة سواء كان الفسخ من قبلها أو من قبله لأنه إن كان منها سقط به مهرها كما لو ارتدت وإن كان من الزوج فهو لعيب فيها فصار مضافًا إليها ويكون هذا فائدة الفسخ التي تخالف حكم الطلاق أن يسقط عنه نصف المهر الذي كان يلزمه بالطلاق فعلى هذا لو طلقها الزوج قبل الدخول وهو لا يعلم بعيبها ثم علم كان عليه نصف المهر ولم تسقط عنه بظهوره على العيب لأن النكاح انقطع بالطلاق ولم يرفع بالفسخ نص عليه الشافعي في "الإملاء" ثم لا عدة عليها ولا نفقة لها ولا سكنى، لأنه لما لم يجب ذلك بالطلاق قبل الدخول فأولي أن لا يجب بالفسخ قبله.
فصل:
وإن كان الفسخ بعد الدخول وذلك بأن لا يعلم بعيبها حتى يصيبها فيكون له الفسخ بعد الإصابة كما كان لها قبلها فإن ادعت بالعيب قبل الإصابة وأنكرها وأمكن الأمران فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل فيه عدم علمه وثبوت خياره فإذا فسخ النكاح بعد الإصابة فلها مهر مثلها بالإصابة وسواء كان الفسخ من جهتها أو من جهته لقوله صلى الله عليه وسلم:"فلما المهر بما استحل من فرجها" فإن قيل: أفليس له وطء أمه قد اشتراها ثم ردها بعيب لم يلزمه بالوطء مهر فلا كانت المنكوحة إذا ردت بعيب لم يلزمه بوطئها مهر.
قيل: الفرق بينهما: أن الوطء في الملك غير مضمون بالمهر وفي النكاح مضمون بالمهر لأن المعقود عليه في البيع الرقبة وفي النكاح المنفعة ثم أوجبنا بالإصابة مهر المثل دون المسمى وإن كان الفسخ بعد الإصابة لأنه بعيب تقدم على النكاح فصارت أفعاله من أصله فسقط ما تضمنه من صداق مسمى.
فصل:
فإذا ثبت أن عليه مهر المثل دون المسمى فهل يرجع بعد غرمه على من غره أولًا؟ على قولين:
أحدهما: وبه قال في القديم: يرجع به لقول عمر رضي الله تعالى عنه وذلك لزوجها غرم على وليها ولأن الغار قد ألجأه إلى التزام المهر بهذه الإصابة ولولاه لما لزمه المهر إلا بإصابة مستدامة في نكاح ثابت فجرى مجرى الشاهدين إذا ألزماه بشهادتهما غرمًا ثم لزمهما غرم ما استهلك بشهادتهما.
والثاني: قاله في الجديد: لا يرجع على الغار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت
الجزء: 9 - الصفحة: 335
بغير إذن فنكاحها باطل فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" ولم يجعل للزوج الرجوع به على غره في إذن الولي أو على من ادعى في نكاحها أنه ولي فدل على أن لا رجوع بالغرور ولأن غرم المهر بدل من استهلاكه للبضع واستمتاعه به فلم يجز أن يرجع بغرم ما أوجبه استهلاكه وإن كان مغرورًا كالمغرور في مبيع قد استهلكه ولأن لا يجمع بين تملك البدل والمبدل وقد يملك الاستمتاع الذي هو معوض مبدل ولم يجز أن يتملك المهر الذي هو عوض بدل فإذا قلنا: إنه لا رجوع على من غره فلا مسألة وإذا قلنا بالرجوع فلا يخول من غيره من أن يكون الزوجة أو وليها أو أجنبي فإن غره الولي أو أجنبي رجع الزوج عليه بعد غرمه من مهر المثل فلو كانت الزوجة قد أرأته منه لم يرجع به على الزوج على الغار ولو ردته عليه بعد قبضه ففي رجوعه وجهان:
أحدهما: لا يرجع كالابن.
والثاني: يرجع لأن ردها له ابتداء هبة منها وإن كانت هي التي غرته لم يغرم لها من المهر ما يرجع به عليها لأنه غير مقيد وفيه وجهان:
أحدهما: قد سقط جميع مهرها بالغرور كما يرجع بجميعه على غيرها لو غره.
والثاني: وهو منصوص الشافعي في القديم أنه يسقط مهر المثل إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلتزمه لها لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل.
فصل:
فأما العدة فواجبة عليها بالإصابة لأنه فراش يلحق بها ولدها وأما النفقة فلا نفقة لها في العدة إن كانت حائلًا لارتفاع العقد الموجب لها ولا سكنى لها وإن وجبت للمبتوتة وفي وجوب النفقة لها إن كانت حاملًا قولان بناء على اختلاف قوليه في نفقة الحامل هل وجبت لها أو لحملها؟ على قولين:
أحدهما: أنها وجبت لها بالزوجية فعلى هذا لا نفقة لهذه لارتفاع عقد الزوجية.
والثاني: أن النفقة وجبت لحملها فعلى هذا لها النفقة لأن حملها في اللحوق كحمل الزوجة.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَمَا جَعَلْتِ لَهُ فِيه الْخِيَارَ في عُقِدَ النِّكَاحُ ثَمَّ حَدَثٍ بِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعَنّى قَائِمٌ فِيهَا، لَحِقَهُ في ذَلِكً وَحَقُّ الْوَلَدِ.
قَالَ المزني رُحِمَهُ اللهَ: وَكَذَلِكَ مَا فَسَخَ عَقْدُ نِكَاحِ الْأمَةِ مِنَ الطُّولِ إِذَا حَدَثً بَعْدُ النِّكَاحُ فَسِخُهُ لِأَنَّه الْمُعَنّى الذي يَفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ.
قَالَ الشافعي: وَكَذَلِكَ هي فِيه فَإِنَّ اِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرً وَلَا مُتْعَةً فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ، حَتَّى أُصَابَهَا فَاِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْفِرَاقِ الذي يَكُونُ بِهِ مِثْلُ
الجزء: 9 - الصفحة: 336
الرَّتْقُ بِهَا أَنْ يَكُونُ مجبوبًا فَأَخِيرُهَا مَكَانِهَا وَأَيُّهُمَا تَرْكَهُ أَوْ وُطِئَ بَعْدَ الْعِلْمِ فَلَا خِيَارٌ لَهُ.
وَقَالَ في الْقَدِيمَ إِنَّ حَدَثً بِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ وَلَيْسَ لَهُ.
قَالَ المزني: أَولي بُقولُهُ إِنَّهُمَا سَواءً في الْحَديثَ كَمَا كَانَا فِيه سَواءٌ، قَبُّ الْحَديثِ.
قَالٌ: وَالْجُذَامُ وَالْبرصُ فِيمَا زَعَمَ أهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ يُعْدَي وَلَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدُّ تُطَيِّبُ أن يُجَامِعَ مِنْ هُوَ بِهِ وَلَا نَفْسُ اِمْرَأَةٌ بِذَلِكً مِنْه وَأَمَّا الْوَلَدُ فَقَلَّمَا يُسَلِّمُ فَإِنَّ سُلَّمَ أُدْرِكُ ذَلِكً نَسْلُهُ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ.
وَالْجُنُونُ وَالْخَبَلَ لَا يُكَوِّنْ مَعَهُمَا تأدية لَحِقَ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ بِعَقْلٍ وَلَا اِمْتِناعٌ مِنْ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ مِثْلُه الْقَتْلَ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيب إذا كان بأحد الوجهين قبل العفو فأما العيب الحادث بعد العقد فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون حادثًا بالزوج فللزوجة الخيار فيما حدث به من العيوب كما ثبت لها الخيار فيما تقدم منها ولا اعتبار النفقة وكما أن لها أن تفسخ برض الزوج إذا حدث عتقها بعد العقد كما كان لها أن تفسخ إذا تقدمت حريتها قبل العقد.
والثاني: أن يكون العيب حادثًا للزوجة بعد العقد ففي خيار الزوج قولان:
أحدهما: قاله في القديم: لا خيار لأمرين:
أحدهما: أنه لم يكن معزورًا به لحدوثه فإنه يقدر على دفع الغرور عن نفسه بطلاقه فخالف ما تقدم لأنه كان فيه مغرورًا وخالف الزوجة فيما حدث لأنها لا تقدر على الطلاق.
والثاني: أنه لما كان له الخيار في نكاح الأمة بعتقه المتقدم دون الحادث وكان لها الخيار في نكاح العبد بعتقها المتقدم والحادث كذلك العيوب يكون له الخيار بالمتقدم منها دون الحادث ويكون لها الخيار بالمتقدم منها والحادث.
والثاني: قاله في الجديد، واختاره المزني- له الخيار بالعيوب الحادثة والمتقدمة لأمرين:
أحدهما: ان ما يستحقه من الخيار في مقابلة ما تستحق عليه من الخيار لقوله تعالى: ﴿َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] فلما استحقت الزوجة عليه الخيار بالعيوب الحادثة استحق الخيار عليها بالعيوب الحادثة.
والثاني: أنه لما كان العقد فيه على منافعه استوى فيه ما تقدم من العيوب وما حدث كالإجارة فلما كان للزوج الخيار بما تقدم كان له الخيار بما حدث.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من ثبوت الخيار بما حدث من العيوب ففسخ به النكاح فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل الدخول فلا مهر فيه لارتفاع العقد وسواء كان الفسخ من
الجزء: 9 - الصفحة: 337
قبل الزوج أو من قبل الزوجة لما ذكرنا وإن كان بعد الدخول فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون العيب حادثًا بعد الدخول فلها المهر المسمى لاستقراره بالدخول وحدوث ما أوجب الفسخ بعد استقراره.
والثاني: أن يكون حادثًا بعد العقد وقبل الدخول ولا يعلم به إلا بعد الدخول فلها مهر المثل دون المسمى لأنه لما ارتفع العقد بعيب تقد على الدخول صار الدخول في حكم الحادث بعد ارتفاع العقد فسقط به المسمى واستحق بما بعده مهر المثل.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا فالخيار فيما تقدم من هذه العيوب.
وحدث على الفور بعد العلم بها لأنها عيوب قد عرف الحظر في الفسخ بها من غير فكر ولا ارتياء فجرى مجرى العيوب في البيع التي يثبت فيها الخيار على الفور وخالف خيار الأمة إن أعتقت تحت عبد في أن خيارها في أحد القولين على التراخي لأنها تحتاج في معرفة الحظ لها إلى زمان فكر وارتياء وإذا كان هكذا فلا يجوز أن ينفرد بالفسخ حتى يأتي الحاكم فيحكم له بالفسخ لأنه مختلف فيه فلم يثبت إلا بحكم وخالف عتق الأمة تحت عبد في جواز تفردها بالفسخ لأنه معتق عليه فإن تصادق الزوجان على العيب فسخ الحاكم بينهما وإن تناكرا فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة كلف المدعى بينة فإن أقامها وإلا أحلف المنكر ولا فسخ لأن الأصل السلامة من العيوب فلو تصادق الزوجان على العيب واتفقا على الفسخ عن تراضى ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الحكم عند التنازع.
والثاني: لا يجوز لأن ما اشتبه حكمه لم يتعين إلا بالحكم، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَلَوُلِيَهَا مَنْعَهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ كَمَا يَمْنَعَهَا مِنْ غَيْرَ كَفْءٍ.
فَإِنَّ قَيَّلَ: فَهَلْ مِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا فِيه الْخِيَارَ أَوْ الْفِرْقَةَ؟ قَيَّلَ: نَعَمْ الْمَولي يَمْتَنِعُ مِنَ الْجِمَاعِ بِيَمِينٍ لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرَ مأثم كَانَتْ طَاعَةٌ اللَّهِ أَنَّ لَا يَحْنَثُ فَأَرْخُصُ لَهُ في الْحِنْثَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ وَجَبٌ عَلَيه الطَّلاَقُ وَالْعِلْمَ مُحِيطً بِأَنَّ الضَّرَرَ بِمُبَاشِرَةِ الْأَجْذَمِ وَالْأبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَخْبُولِ أَكْثَرُ فِيهَا بِتَرْكِ مُبَاشِرَةِ الْمَولي مَا لَمْ يَحْنَثْ".
قال في الحاوي: أما إذا أوصى الولي أن يزوجها بمن فيه أحد هذه العيوب فامتنعت فالقول قولها وليس للولي إجبارها عليه وإن كان أبًا لما فيه من تفويت حقها من الاستمتاع ولأنه لو زوجها به لكان لها الفسخ فكان أولي أن يكون لها الامتناع قبل العقد فأما إذا رضيت بمن فيه أحد هذه العيوب وامتنع الولي فالعيوب على ثلاثة أقسام:
الجزء: 9 - الصفحة: 338
أحدهما: ما للولي أن يمنعها من نكاح من هي وذلك الجنون والخبل لما فيه من عار على الأولياء فكان لهم دفعه عنهم بالامتناع.
والثاني: ما ليس للولي منعها من نكاح من هي فيه وذلك العنت والجب والخصاء لأنه عارف فيه على الأولياء وإنما يختص بعدم الاستمتاع الذي هو حق لها دون الأولياء.
والثالث: ما اختلف فيه أصحابنا هو الجذام والبرص وفيه وجهان:
أحدهما: ليس للولي منعها من مجذوم ولا أبرص لاختصاصها بالاستمتاع وهذا قول أبى إسحاق المروزى.
والثاني: له منعها منهما لنفور النفوس منهما ولتعدى ذلك إلى نسلها فأما إن حدثت هذه العيوب في الزوج بعد العقد فالخيار لها دون الأولياء فإن رضيت وكره الأولياء كان رضاها أولي ولا اعتراض للأولياء لأن حقهم مختص بطلب الكفاءة في ابتداء العقد دون استدامته.
قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ: "وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هي كِتابِيَّةً كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلَا نِصْفُ مَهْرٍ وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا كِتابِيَّةٌ فَإِذَا هي مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا خَيْرً مِنْ كِتابِيَّةٍ.
قَالَ المزني رُحِمَهُ اللهَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ اِشْتَرَى أُمَّةٌ عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَصَابَهَا مُسْلِمَةً فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَإِذَا اِشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَوُجِدَهَا نَصْرَانِيَّةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن خلاف الصفة المشروطة في عقد النكاح هل تجرى مجرى خلاف العين أم لا؟ على قولين فإذا تزوجها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز نص عليه ها هنا وهل له الخيار في فسخ النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار نص علي ها هنا.
وهكذا لو تزوجها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له قولًا واحدًا لأن المسلمة أعلى حالًا من النصرانية.
فأما المزنى فإنه استدل بذلك على أن من اشترى أمة على أنها مسلمة فكانت نصرانية أن له الهيار ولو اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة فليس له خيار كالنكاح فرد أصحابنا ذلك عليه وقالوا له: في البيع الخيار في الموضعين بخلاف النكاح لأن المقصود بالبيع
الجزء: 9 - الصفحة: 339
فور الثمن.
والثمن يتوفر بكثرة الطالب وطالب النصرانية أكثر من طالب المسلمة لأن النصرانية يشتريها المسلمون والنصارى والمسلمة لا يشتريها إلا المسلمون دون النصارى فإذا اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان له الخيار لأنه أقل طلبًا فصارت أقل ثمنًا ولو اشتراها على أنها مسلمة فكانت نصرانيه فله الخيار لنقصها بالدين وأن المسلمة أحسن منها عشرة وأكثر نظافة وطهارة وليس كذلك النكاح لأن المقصود منه العشرة وحسن الصحبة وكمال المتعة وهذا كله في المسلمة أوجد منه في النصرانية فافترق حكم البيع والنكاح بما ذكرناه.
فصل:
وإذا تزوجت مسلمة رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا فالنكاح باطل وكذلك لو تزوجت بغير شرط لأن المسلمة لا تحل لكافر ولو تزوجت مصرانية رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا الخيار قولًا واحدًا لنقصان دينه وأنها لا تملك فراقه إلى بالفسخ ولو تزوجته على أنه نصراني فكان مسلمًا ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولها الخيار وإن كان المسلم أفضل دينًا لأنها إلى من وافقها في الدين أرغب وهي ممن خالفها فيه أنفر.
فصل:
وإذا تزوج المسلم امرأة بغير شرط يظنها مسلمة فكانت نصرانية فالنكاح جائز لا خيار له ولو تزوجها يظنها حرة فكانت أمة بالنكاح جائز إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء، وفي خياره وجهان:
أحدهما: وهو قول أبى إسحاق المروزي لا خيار له كالنصرانية.
والثاني: وهو قول أبى على بن أبى هريرة، له الخيار.
والفرق بينهما: أن ولي النصرانية متميز الهبة على ولي المسلمة وولي الأمة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن ولده من الأمة مرقوق ومن النصرانية مسلم، والله أعلم.
باب الأمة تغر من نفسها
قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ تُعَالَى: "وَإِذَا وَكَّلَ تَزْوِيجُ أُمَّتِهِ فَذَكَرْتِ وَالْوَكِيلَ أَوْ
الجزء: 9 - الصفحة: 340
أحدهما أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ الخَيَارُ فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلا نِصْفَ مَهْرِ وَلَا مُتْعَةً وَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَقَلَّ لأَنَّ فِرَاقَهَا نُسِخَ وَلَا يُرْجَعُ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ لِسَيِّدِ الأمَةِ".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت وهو أن يتزوج امرأة على أنها حرة فتكون أمه فإن كان الزوج ممن لا ينكح الأمة فالنكاح باطل، وإن كان ممن ينكح الأمة إلا أنها منكوحة بغير إذن السيد فالنكاح باطل، وإن كانت منكوحة بإذن السيد فإن كان هو الذي شرط حريتها فقد عتقت والنكاح جائز وإن كان غيره هو الذي شرط حريتها إما هي أو وكيله أو هما فهي حينئذ مسألة الكتاب وفي النكاح قولان حرًا كان الزوج أو عبدًا.
أحدهما: باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها فإن أولدها كان ولده حرًا لأنه على شرط الحرية أو ولده سواء كان الزوج حرًا أو عبدًا فإن كان الزوج حرًا غرم مهر المثل وقيمة الولد وقت الولادة ورجع بقيمة الولد على من غره لأنه ألجأه إلى غرمه وهل يرجع بمهر مثلها عليه أم لا؟ على قولين، وإن كان الزوج عبدًا ففي ما قد لزمه من مهر المثل وقيمة الولد على ثلاثة أقاويل:
أحدها: في كسبه.
والثاني: في ذمته وإذا أيسر بعد عتقه.
والثالث: في رقبته يباع فيه إلا أن يفديه سيده وهذه الأقاويل الثلاثة من أصلين في كل أصل منهما قولان:
أحدهما: أن العبد إذا نكح بغير إذن سيده هل يكون المهر إن وطئها في ذمته أو في رقبته على قولين:
والثاني: أن العبد إذا أذن له سيده في النكاح فنكح نكاحًا فاسدًا هل يدخل في جملة إذن ويكون المهر والنفقة في كسبه أم لا؟ على قولين ثم لا رجوع للعبد قبل غرم المخر وقيمة الولد على الغار له فإذا غرمها رجع عليه بقيمة الولد في رجوعه بمهر المثل قولان فهذا إذا قيل: إن النكاح باطل.
والثاني: في الأصل أن النكاح جائز فعلى هذا إن كان الزوج حرًا فهل له الخيار في الفسخ أم لا؟ على قولين وإن كان عبدًا فقد اختلف أصحابنا فكان أبو علي بن أبي هريرة يقول: خياره على قولين كالحر لمكان شروطه وكان أبو إسحاق المروزي يقول: لا خيار له بخلاف الحر لمساواته لها في الرق فإذا قيل: لهما الخيار فاختار الفسخ فالحكم في المهر وقيمة الولد على ما مضى.
وإذا قيل: بأن النكاح باطل وإن اختار المقام أو قيل: أنه ليس له خيار فالحكم في الحالين واحد وهو أن يختلف عليه المهر المسمى بالعقد وأولاده منها قبل علمه فهم أحرار لأنهم علقوا قبل علمه ومن وضعته بعد علمه بستة أشهر فصاعدًا فهم
الجزء: 9 - الصفحة: 341
مماليك ولا يرجع بالمهر قولًا واحدًا لأنه المسمى بعقد صحيح ويرجع بقيمة من عتقه عليه من الأولاد لأنه التزامها بالغرور دون العقد فإن كان الزوج عبدًا كان المهر في كسبه قولًا واحدًا لأنه نكاح قد صح بإذن سيده ولا يكون قيمة الولد في كسبه؟ لأن إذن سيده بالنكاح لا يقتضيها وأين تكون؟ على قولين:
أحدهما: في رقبته.
والثاني: في ذمته إذا أعتق ويكون ما استحق من المهر في صحة النكاح وفساده ملكًا للسيد لأنه من كسب أمته ويكون من رق من الأولاد ملكًا للسيد وقيمة من عتق منهم للسيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يَرْجِع بِهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْداً فَوَلَدُهُ احْرَارٌ لأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ حَتَّى بِعِتْقٍ.
قَال المُزَنِيُّ: وَقِيمَةُ الوَلَدِ فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لا غُرْمَ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ خَطَأ أَوْ بِعِتْقٍ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الغَارَّةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إِذَا أُعْتِقَتْ".
قال في الحاوي: فذكرنا أن الزوج يرجع بما غرمه من قيمته الولد قولَا واحدًا في رجوعه بما غرمه من مهر المثل دون المسمى قولان.
ورجوعه بذلك إنما يكون على من غره بعد غرمه فأما قبله فلا رجوع له لأنه يغرم ما يرجع به.
وقد يجوز أن يبرأ منه فلا يرجع به.
قال المزني: هذا يدل على أن من شهد على رجل يقتل خطأ ثم رجع الشهود لم يلزمهم غرم الدية إلا بعد أن يغرمها العاقلة فيرجع بها حينئذ على الشهود وهذا صحيح لأنه قبل الغرم قد يجوز أن يبرأ العاقلة فلا يستحق الرجوع فإذا غرم الزوج ذلك لم يصح أن ينسب الغرور إلى السيد لأنها تعتق عليه بقوله: هي حرة فلا يكون غارًا وإنما يصح أن يكون مغرورًا إما منها أو من وكيله في نكاحها أو منهما معًا فإن تفرد الوكيل بغرور الزوج رجع عليه بقيمة الولد ومهر المثل في الحال إذا كان موسرًا.
وانظر إلى ميسرته إن كان معسرًا وإن تفردت الأمة بالغرور يرجع الزوج عليها بقيمة الولد وبجميع مهر المثل ولا يترك عليها شيئًا منه لأنه قد غرم جميعه للسيد فلم يصر بضعها مستهلكًا بغير مهر وكان ذلك في ذمتها لأنها أمة تؤديه إذا أيسرت بعد العتق.
فإن قيل: فهلا كان ذلك في رقبتها تباع فيه كالعبد إذا نكح بغير إذن سيده ولزمه المهر بإصابته كان في رقبته على أحد القولين.
الجزء: 9 - الصفحة: 342
قيل: الفرق بينهما إن الرقبة لا يتعلق بها إلا جناية ووطء العبد جناية توجب الغرم فجاز أن يتعلق برقبته.
وليس غرور الأمة جناية ولا الغرم بها يتعلق إنما تعلق بوطء الزوج فلم يجز أن يتعلق برقبتها وإن اشتراك الوكيل والأمة في الغرور كان غرم المهر وقيمة الأولاد بينهما نصفين لاستوائهما في الغرور ولكن ما وجب على الوكيل من نصف الغرم يؤخذ به معجلًا لأنه حر وما وجب على الأمة من نصف الغرم تؤخذ به إذا أيسرت بعد العتق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُكَاتِبَةً فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا فِي كِتَابَتِهَا؛ لأَنَّهَا كَالجِنَايَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ فَحَتَّى تُعْتَقَ فَإِنْ ضَرَبَهَا أَحَدٌ فَألْقَتْ جَنِيناً فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ.
وَقَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ جَنِينَ المُكَاتِبَةِ كَجَنِينِ الحُرَّةِ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تزوجت على أنها حرة فكانت مكاتبة كان في نكاحها قولان كالأمة:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وهل له الخيار أم لا؟ على قولين والأمة.
فإذا قيل بصحة النكاح وأن لا خيار فيه أو فيه الخيار فاختار المقام عليه فالمهر المسمى بالعقد واجب وهو للمكاتبة دون سيدها لأنه كسبها واكتساب المكاتبة لها بخلاف الأمة فأما أولادها الذين علقت بهم بعد علم الزوج بكتابتها ففيهم قولان:
أحدهما: مماليك لسيدها.
والثاني: تبع لها يعتقون بعتقها إن أدت ويرقون برقها إن عجزت.
وإذا قيل ببطلان النكاح أو قيل بصحته وفيه فاختار الفسخ فالحكم في الحالين سواء وينظر فإن لم يدخل بها الزوج فلا مهر عليه وإن دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى يكون ذلك للمكاتبة دون سيدها وعليه قيمة أولادها وفيمن تكون له قيمتهم قولان:
أحدهما: للسيد إذا قيل: إنهم عبيده لو رقوا.
والثاني: للمكاتبة إذا قيل: إنهم تبع لها فيما يأخذه من قيمتهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي- تستعين به في كتابتها.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أن يكون موقوفًا كما يوقف الأولاد لو رقوا فإن عتقت بالأداء ملكت قيمتهم وإن رقت بالعجز كانت قيمتهم للسيد ويرجع الزوج بقيمة الأولاد على من غره فإن كان الوكيل هو الذي غره رجع عليه بعد غرمها سواء غرمها
الجزء: 9 - الصفحة: 343
للمكاتبة أو لسيدها.
وإن كانت المكاتبة هي التي غرته فإن قيل: يجب للسيد غرمها للسيد ثم رجع بها على المكاتبة في مال كتابتها فإن عجزت ورقت فبعد عتقها.
وإن قيل: تجب قيمة الأولاد لها دون السيد سقطت عنه ولم يغرمها لأنه لو غرمها لرجع بها وأما المهر ففي رجوع الزوج به قولان هلى ما مضى.
فإن قيل: لا يرجع به دفع جميعها إليها.
وإن قيل: يرجع به نظر في الغار به فإن كان الوكيل غرم لها مهرها ورجع بجميعه على الوكيل وإن كانت هي الغارة سقط لأنه لها وهل يسقط جميعه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط جميعه لأنه يستحق الرجوع على غيرها بجميعه.
والثاني: لا يسقط إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلزمه دفعه إليها ولا يرجع به عليها لأن لا يصير مستمتعًا ببعضها من غير بذل.
فصل:
فلو كانت بحالها حاملًا من هذا الزوج المغرور فضرب بطنها فألقت حملها جنينًا ميتًا فعلى الضارب في جنينها غرة عبد أو أمة لأنه حر في حقه ويكون ذلك للزوج لأنه أبوه ووارثه إلا أن يكون هو الضارب فلا يرثه لأنه صار قاتلًا ولا ترثه الأم لأنها مكاتبة ويكون على الزوج فيه عشر قيمة أمة كالذي يكون في جنين مملوك لأنه فيما يستحق على الأب من الغرم في حكم الجنين المملوك وفيما يستحقه الأب على الضارب من الدية في حكم الجنين الحر وفيمن يستحق ما غرمه الأب من عشر قيمة أمة قولان:
أحدهما: يكون للسيد إذا قيل: إن الولد ملك له لو رق.
والثاني: يكون للأم المكاتبة إذا قيل: إنه يكون تبعًا لها لو رق وهل تستعين به في مال كتابتها أو يكون موقوفًا بيدها على ما ذكرنا من الوجهين ثم يكون رجوع الزوج به على غرة مستحق على ما مضى، والله أعلم.
باب الأمة تعتق وزوجها عبد
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ بُرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ بَيْعُهَا طَلَاقَهَا إِذَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ بَيْعِهَا فِي زَوْجِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كانت الأمة ذات زوج فبيعت أو أعتقت كان النكاح بحاله ولم يكن ذلك طلاقًا لها.
وبه قال عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأكثر الصحابة وجمهور الفقهاء ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك
الجزء: 9 - الصفحة: 344
إلى أن بيعها طلاق لها وكذلك عتقها ولا نعرف قائلًا به من التابعين إلا مجاهد استدلالًا بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فحرم من ذوات الأزواج إلا أن يملكه فيحلله للمالك وهذه قد ملكت بالابتياع فوجب أن تحل لمالكها ولأنه لما حلت ذات الزوج بالسبي لحدوث ملك السابي وجب أن تحل بالشراء لحدوث ملك المشتري.
والدليل على ثبوت النكاح أن بريرة أعتقت تحت زوج فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحه فلو كان نكاحها قد بطل بعتقها لأخبرها ولم يخيرها فيه ولأن عقد النكاح أثبت من عقد الإجارة لدوامه فلما لم يبطل عقد الإجارة بالعتق والبيع فأولى أن لا يبطل بهما عقد النكاح ولأنه لما كان بيع الزوج وعتقه لا يوجب بطلان نكاحه كذلك بيع الزوجة وعتقها لا يوجب بطلان نكاحها ولأن المشتري ملك عن البائع على الصفة التي كان البائع مالكها فلما كان النكاح مقرًا على ملك البائع كان مقرًا على ملك المشتري فأما الآية فواردة في السبايا.
وأما الاستدلال بالسبايا فالفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن السبي لما أبطل الحرية التي هي أقوى كان بأن يبطل النكاح أولى وليس كذلك البيع والعتق.
والثاني: أن السبي قد أحدث حجرًا فجاز أن يبطل به ما تقدم من نكاحها وليس كذلك البيع والعتق.
فصل:
فإذا ثبت أن النكاح بحاله فعلى المشتري إقرار الزوج على نكاحه وله الخيار في فسخ البيع إن لم يكن عالمًا بنكاحه لتفويت بضعها عليه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَبْداً.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيث بُرَيْرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بُرِيرَةَ مُغِيثاً؟ " فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَاجَعْتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ أَبُو وَلَدِكِ" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله بَأَمْرِكَ؟ قَال: "إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ" قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْداً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَلَا يُشْبِهُ العَبْدُ الحُرَّ؛ لأَنَّ العَبْدَ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ، وَلأَنَّ لِلسَّيِّد إِخْرَاجَهُ عَنْهَا وَمَنْعَهُ مِنْهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِوَلَدِهَا وَلَا وِلَايَةَ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا".
قال في الحاوي: أما إذا أعتقت الأمة تحت زوج وكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه لكماله ونقصه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري".
الجزء: 9 - الصفحة: 345
فأما إذا أعتقت الأمة وزوجها حر فقد اختلف الفقهاء في خيارها فذهب الشافعي إلى أنه لا خيار لها.
وبه قال من الصحابة: ابن عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري وسليمان بن يسار.
ومن الفقهاء: ربيعة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لها الخيار.
وبه قال النخعي والشعبي والثوري وطاوس استدلالًا برواية إبراهيم بن الأسود عن عائشة قالت: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وكان زوجها حرًا وهذا نص قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "قد ملكت بضعك فاختاري" فجعل على اختيارها أنها ملكت بضعها وهذه العلة موجودة إذا أعتقت تحت حر لوجودها إذا أعتقت تحت عبد فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين.
قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين.
قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار.
أصله: إذا كان الزوج عبدًا ولأنه قد ملك عليها بضعها بعد العتق بمهر ملكه غيرها في الرق فوجب أن يكون لها فسخه فيصح ان تملك بالحرية ما كان ممنوعًا عليها في العبودية.
ودليلناك ما رواه عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خَيَّر بريرة وكان زوجها عبدًا فوجه الدليل فيه أن الحكم إذا انتقل مع السبب تعلق الحكم بذلك السبب كما إذا نقل الحكم مع علة تعلقى الحكم بتلك العلة وقد نقل التخيير بعتقها تحت عبد فوجب أن يكون متعلقًا به.
فإن قيل: فقد روى الأسود عن عائشة أنه كان حرًا، فتعارضت الروايتان في النقل وكانت رواية الحرية أثبت في الحكم، ألا ترى لو شهد شاهدان بحرية رجل وشهد آخران بعبوديته كان شهادة الحرية أولى من شهادة العبودية، وكذلك في النقلين المتعارضين.
قيل: روايتنا أنه كان عبدًا أولى من روايتهم أنه كان حرًا من أربعة أوجه:
أحدهما: أن راوي العبودية عن عائشة ثلاثة عروة والقاسم وعمرة وراوي الحرية عنها واحد وهو الأسود ورواية الثلاثة أولى من رواية الواحد لأنهم من السهو أبعد وإلى التواتر والاستفاضة أقرب وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".
الجزء: 9 - الصفحة: 346
والثاني: أن من ذكرنا أخص بعائشة من الأسود، ولأن عروة بن الزبير هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم بن محمد هو ابن أخيها محمد هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فهم من أهلها يستمعون كلاهما مشاهدة من غير حجاب والأسود أجنبي لا يسمع كلاهما إلا من وراء حجاب فكانت روايتهم أولى من روايته.
والثالث: أن نقل العبودية يفيد على الحكم ونقل الحرية لا يفيدها لأن أحدًا لا يجعل حرية الزوج علة في ثبوت الخيار والعبودية يجعله علة في ثبوت الخيار فكانت رواية العبودية أولى.
والرابع: أن قد وافق عائشة في رواية العبودية صحابيان: ابن عمر وابن عباس وما رافقهما في رواية الحرية أحد أما ابن عمر فروى أنه كان عبدًا وأما ابن عباس فروى عنه خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال له مغيث كأني أراه يطوف خلفها بالمدينة ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيث، قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته فإنما هو أبو ولدك" فقالت: أتأمرني فقال: "إنما أنا شافع" قالت: فلا حاجة لي فيه".
فأما ترجيحه بأن شهود الحرية أولى من شهود العبودية كذلك راوي الحرية أولى من راوي العبودية.
فالجواب عنه أنه يقال: إن علم شهود الحرية بالعبودية فشهادتهم أولى لأنهم أزيد علمًا ممن علم العبودية زلم يعلم ما يجدد بعدها من الحرية وإن لم يعود شهود الحرية بالعبودية وكان مجهول فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أن الشهادتين قد تعارضتا فسقطتا.
والثاني: أن شهادة العبودية أولى لأنها تخالف الظاهر من حكم الدار فكانت أزيد ممن شهد بالحرية التي هي الغالب من حكم الدار ألا ترى أن اللقيط يجري عليه حكم الحرية في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار ولأن أهلها أحرارًا فلم يكن في هذا الاستشهاد ترجيح.
فإن قالوا: تستعمل الروايتين فتحمل رواية من نقل العبودية على أنه كان عبدًا وقت العقد ورواية من نقل الحرية على أنه كان حرًا وقت العتق؛ لأن الحرية تطرأ على الرق ولا يطرأ الرق على الحرية، فكان ذلك أولى ممن استعمل إحدى الراويتين دون الأخرى.
الجزء: 9 - الصفحة: 347
والجواب عن هذا الاستعمال من وجهين:
أحدهما: أنه تأويل يبطل بخبرين:
أحد الخبرين: أن أسامة روى عن القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "إن شئت أن تستقري تحت هذا العبد وإن شئت فارقتيه" فيقال: إنه كان في وقت التخيير عبدًا.
والخبر الثاني: ما رواه هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أنه كان عبدًا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها.
والثاني: أننا نقابل هذا الاستعمال بمثله من وجهين:
أحدهما: أنه كان حرًا قبل السبي وعبدًا بعد السبي عند العقد والتخيير.
والثاني: أنه كان عبدًا وقت العتق وحرًا وقت التخيير فتكون لها الخيار في أحد المذهبين ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أيضًا ما رواه ابن موهب عن القاسم عن عائشة أنه كان غلام وجارية، فأرادت عتقهما فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابدأي بالغلام" فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم عتق الزوج إلا لفائدة ولا فائدة إلا سقوط خيار الزوجة على أنه قد روى أنه قال لها: "ابدأي بالغلام لأن لا يكون للزوجة خيار فكان هذا نصًا صريحًا.
ويدل عليه عن طريق القياس: أنها كافأت زوجها في الفضيلة فوجب أن لا يثبت لها بذلك خيار كما لو أسلمت تحت مسلم أو أفاقت من جنون تحت عاقل، ولأن ما لم يثبت به الخيار في ابتداء النكاح لم يثبت به الخيار في أثناء النكاح كالعمى طردًا وكالجب عكسًا ولأن ما لزم من عقود المعاوضات لم يثبت فيه من غير عيب خيار كالبيع.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: قد ملكت بضعك فاختاري فهو أن هذا اللفظ ما نقله غيرهم ولا وجد إلا في كتبهم ثم يكون معناه قد ملكت نفسك تحت العبد فاختاري فلم يكن لها أن تختار نفسها تحت الحر.
وأما قياسهم على الزوج إذا كان عبدًا فالمعنى فيه نقصه بالرق عم كمالها بالحرية فذلك كان عيبًا يوجب الخيار وليس كذلك عتقها مع الحر.
وأما استدلالهم بأنه قد ملك عليها بضعها.
بمهر ملكه غيرها فلا تأثير لهذا المعنى واستحقاق الخيار لأنها لو كانت مكاتبة وقت العقد فملكت مهرها ثم أعتقت كان لها الخيار فبطل أن يكون استحقاقه لهذه العلة وبطل أن يكون العلة لأنها قد ملكت بالعتق ما ملك عليها في الرق لأنها لو أوجرت ثم عتقت لم يكن لها في فسخ الإجارة خيار فلم يصح التعليل بواحد من الأمرين فبطل الاستدلال.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "فَلِهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ- كَانَ لَهَا الخِيَارُ إِذَا أُعْتِقَتْ
الجزء: 9 - الصفحة: 348
مَا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجَهَا بَعْدَ العِتْقِ وَلَا أَعْلَمُ فِي تَاقِيتَ الخِيَارِ شَيْئاً يُتَّبَعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَمَسَّهَا".
قال في الحاوي: وإذا ثبت أن لا خيار لها إذا أعتقت إلا أن يكون زوجها عبدًا فلها أن تختار الفسخ بحكم حاكم وغير حكمه بخلاف الفسخ بالعيوب لأن خيارها بالعتق غير متفق عليه فلم يفتقر إلى حاكم وخيارها بالعيب مختلف فيه فافتقر إلى حاكم وإذا كان كذلك فهل يكون خيارها على الفور أو التراخي فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه على الفور معتبرًا بالمكنة لأن خيار عيب ثبت لرفع ضرر فاقتضى أن يكون على الفور كالخيار بالعتق في البيوع.
والثاني: أنه ممتد بعد العتق إلى ثلاثة أيام وهي آخر حدّ القليل وأول حد الكثير واعتبارًا بالخيار في المصراة ثلاثًا بأنه جعل الخيار خيار ثلاث.
والثالث: أنه على التراخي ما لم يصرح بالرضي أو التمكين في نفسها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: لما رأى مغيثًا باكيًا "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك" ولعل ذلك كان بعد زمان من عتقها فلولا امتداد خيارها على التراخي لأبطله، وقد روى محمد بن خزيمة عن ابن إسحاق بإسناد رفعه أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: "لك الخيار ما لم يصبك".
وهذا نص إن صح، ولأنه قول ابن عمر وحفصة وليس يعرف لهما فيه خلاف ولأن طلب الأحظ في هذا الخيار مثبته يحتاج إلى فكر وارتياء فتراخى زمانه ليعرف بامتداد أحظ الأمرين لها وخالف العيوب التي لا يشتبه منها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَادَّعَت الجَهَالَةَ فَفِيهَا قَوْلَان: أحدهما أَنْ لَا خَيَارَ لَهَا وَالآخَرُ لَهَا الخِيَارُ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَقُلْتُ: أَنَا وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ لَهَا الخِيَارَ فِي كِتَابَيْنِ وَلَا مَعْنَى فِيهَا لِقَوْلَيْنِ".
قال في الحاوي: وصورتها: في أمة عتقت تحت عبد مكنته من نفسها ثم ادعت الجهالة وأرادت فسخ نكاحه فدعوى الجهالة على ضربين:
أحدهما: أن تدعي الجهالة بالعتق وأنها لم تعلم به حتى مكنت من نفسها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعلم صدقها لبعدها عن البلد الذي فيه سيدها وقرب الزمان عن أن يصل إليها عتقها فقولها مقبول ولها الخيار لأن خيار العيوب لا يبطل بالتأخير إذا جهلت.
والثاني: أن تعلم كذلك بها لأنها وجهت بالعتق أو بشرت به فعلمت أحكامها
الجزء: 9 - الصفحة: 349
فقولها مردود ولا خيار لها بعد التمكين.
والثالث: أن يحتمل الأمرين فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم علمها وثبوت الخيار لها فلم يصدق الزوج في إبطاله عليها ومن أصحابنا من خرج فيه وجهًا آخر أن القول فيه قول الزوج لأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلا يقبل قولها في فسخه مع احتمال تخريجها من أحد القولين في الجهالة بالحكم.
فصل:
والضرب الثاني: أن تدعي الجهالة بالحكم مع علمها بالعتق فتقول: لم أعلم بأن لي الخيار إذا أعتقت مكنته من نفسي وإن كانت عالمة بالعتق فهو أيضًا على الأقسام الثلاثة:
أحدهما: أن يعلم أن مثلها لا يعلم لأنها جلبية أعجمية فقولها مقبول ولها الخيار.
والثاني: أن يعلم أن مثلها يعلم لأنها مخالطة للفقهاء مسائلة العلماء فقولها غير مقبول ولا خيار لها بعد التمكين.
والثالث: أن يحتمل الأمران أن يعلم وأن لا يعلم فإن صدقها الزوج على أن لم تعلم فلها الخيار وإن أكذبها ففيه قولان:
أحدهما: أن القول قولها مع يمينها اعتبارًا بثبوت الخيار لها وأنه حكم قد يخفي على العامة ولا يكاد يعرفه إلا الخاصة فلم يقبل الزوج في إبطاله.
والثاني: أن القول قول الزوج مع يمينه ولا خيار لها اعتبارًا بلزوم النكاح فلم يقبل قولها في فسخه.
فأما المزني فاختار الأول وهو أصح لكنه جعل نص الشافعي عليه في موضعين إبطالًا للثاني وليس بصحيح لأنه لما يبطل الثاني بذكر الأول لم يبطل بإعادة الأول، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ اخْتَارَتْ فِراقَهُ وَلَمْ يَمَسَّهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهُ فَالصَّدَاقُ لِلسَّيِّد لأَنَّهُ وَجَبَ بَالعَقْدِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خيّرت المعتقة تحت عبد فلها حالتان:
إحداهما: أن تختار الفسخ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفسخ قبل الدخول فيسقط مهرها لأن الفسخ إذا جاء من قبلها قبل الدخول أسقط مهرها كالردة وكما لو قال لها وهي غير مدخول بها أنت طالق إن شئت
الجزء: 9 - الصفحة: 350
فشاءت طلقتين لا مهر لها لوقوع الطلاق بمشيئتها.
والثاني: أن يفسخ بعد الدخول فالمهر مستتر بالدخول ثم ينظر فإن كان الدخول قبل العتق وجب المهر المسمى لأن فسخ النكاح كان بحادث بعد الدخول وإن كان الدخول بعد العتق وهو أن لا تعلم بالعتق حتى يدخل بها فيكون لها مهر المثل دون المسمى لأنه فسخ بسبب قبل الدخول وإن كان موجودًا بعده فصار العقد مرفوعًا بسببه المتقدم فلذلك وجب بالعدة في الإصابة مهر المثل كما قلنا في العيب ثم يكون هذا المهر للسيد سواء كانت الإصابة قبل العتق أو بعده.
فصل:
والحالة الثانية: أن يختار المقام والنكاح ثابت والصداق على ضربين:
أحدهما: أن يكون مسمى في العقد فهو للسيد دونهما.
وقال مالك: يكون الصداق لها وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن المهر مستحق بالعقد وإن صار مستقرًا بالدخول والعقد في ملك السيد فوجب أن يكون الصداق له كما لو عقدته في حريتها كان الصداق لها.
والثاني: أنه قد يعقد على منافعها بالإجارة تارة وبالنكاح أخرى فلما لو أجرها ثم أعتقها كانت الأجرة له دونها كذلك إذا زوجها ثم أعتقها كان الصداق له دونها.
والثاني: أن تكون مفوضة لم يسم لها في العقد صداقًا حتى أعتقت ففيه قولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما فرض من صداق المفوضة هل يكون مستحقًا بالعقد أو بالفرض.
فأحد القولين: أنه مستحق بالعقد وإن فرض بعده لأنه بدل من المسمى فيه فعلى هذا يكون للسيد استحقاقه في ملكه كالمسمى.
والثاني: أنه مستحق بالفرض لخلو العقد منه فعلى هذا يكون للمعتقة لاستحقاقه بعد عتقها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلْقَةٍ فَلَهَا الفَسْخُ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد طلق زوجته الأمة واحدة بعد الدخول فله عليها الرجعة وقد بقيت معه على طلقة وصارت كزوجة الحر بعد الطلقتين لأن الحر يملك ثلاثًا والعبد طلقتين فإن أعتقت هذه الأمة المطلقة في عدتها فلها الفسخ؛ لأنها في عدة الطلاق الرجعي في حكم الزوجات لوقوع طلاقه عليها وصحة ظهارة وإبلائه منها فكان لها الفسخ، وإن كانت جارية في الفسخ؛ لأن الفسخ لا ينافي وليستعيد بالفسخ قصور
الجزء: 9 - الصفحة: 351
إحدى العدتين وإذا كان كذلك فلها بعد عتقها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يختار الفسخ.
والثاني: أن يختار المقام.
والثالث: أن تمسك فلا تختار الفسخ ولا المقام فإن اختارت الفسخ كان ذلك لها وهل للزوج أن يرجع بعد الفسخ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له الرجعة لأنه قد ملك الرجعة بطلاقة.
والثاني: لا رجعة له لأن الرجعة تراد للاستباحة والفسخ قد منع منها فلم يكن للرجعة تأثير فعلي هذا إن قلنا: إنه لا رجعة له كان تأثير الفسخ إسقاط الرجعة لا وقوع الفرقة لأن الفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ وأول عدتها من يوم الطلاق في الرق وقد صارت في تضاعيفها حرة فتكون عدتها على ما مضى من القولين:
أحدهما: عدة أمة اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: عدة حرة اعتبارًا بالانتهاء.
وإن قيل: له الرجعة فعلى هذا لا يخلو من أحد أمرين.
إما أن يراجع أو لا يراجع فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق دون الفسخ وفي عدتها قولان على ما مضى وإن راجع وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق وأول عدتها من وقت الفسخ وهي عدة حرة لأنها بدأت بها وهي حرة وإن اختارت المقام فلا تأثير لهذا الاختيار لأن جريانها في الفسخ يمنع من استقرار حكم الرضى.
وقال أبو حنيفة: قد بطل خيارها بالرضى وليس لها بعد الرجعة أن تفسخ لأن أحكام الزوجية جارية عليها في حق نفسها إن رضيت وهذا خطأ؛ لأن الجارية في عدة الفرقة لا يلزمها حكم الرضى إذا أعتقت كما لو ارتد وقال: أنت بائن فإن أبا حنيفة يوافق فيهما أن الرضى غير مؤثر فعلى هذا الزوج أن يراجع لا يخلف فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق وكان في عدتها قولان: وإن راجع عادت بالرجعة إلى الزوجية فتكون حينئذٍ بالخيار بين الفسخ والمقام لأن ذلك الرضى لما كان في غير محله سقط حكمه فإن اختارت المقام كان على الزوجية وإن اختارت الفسخ استأنفت عدة حرة من وقت الفسخ وإن لم يكن لها وقت العتق اختيار المقام ولا الفسخ فهو على ما ذكرنا من أن الزوج أن يراجع فإن لم يفعل حتى مضت العدة وقعت الفرقة وفي عدتها قولان وإن راجع كانت حينئذٍ بالخيار فإن فسخت استأنفت من وقت الفسخ عدة حرة.
فصل:
فأما إذا كان العبد قد طلقها اثنتين فقد استوفي ما ملكه من طلاقها فإن أعتقت في العدة لم يكن لها الفسخ لأنها مبتوتة بالطلاق فصارت بائنًا وهكذا لو خالعها على طلقة واحدة لم يكن لها الفسخ إذا أعتقت لأنها بالخلع مبتوتة وإن بقي لها من الطلاق واحدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 352
فصل:
وإذا أعتقت الأمة تحت عبد فبادر الزوج فطلقها قبل الفسخ ففي وقوع طلاقها قولان:
أحدهما: رواه الربيع -أن الطلاق لا يقع لأن استحقاقها للفسخ يمنع من تصرف الزوج فيها بغير الطلاق فمنعه من التصرف فيها بالطلاق.
والثاني: نص عليه في الإملاء أن طلاقه واقع لأنها قبل الفسخ زوجة وإن استحقت الفسخ والطلاق وإن كان تصرفًا فهو موافق للفسخ وإنما يمنع من تصرف بضاده كالاستمتاع وهذا اختيار ابن سريج.
وقال أبو حامد الإسفراييني: الطلاق موقوف فإن فسخت بان أنه لم يكن واقفًا وإن لم يفسخ بان أنه كان واقعًا كطلاق المرتدة، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذّلِكَ فَهِيَ عَلَى وَاحِدَةٍ".
قال في الحاوي: وصورتها في أمة أعتقت تحت عبد فإن فسخت نكاحه من غير أن يطلقها جاز بعد الفسخ أن يتزوجها سواء كانت في العدة أو بعدها؛ لأن العدة إذا كانت منه منعت من نكاح غيره ولم يمنع من نكاحه فإذا نكحها كانت معه على ما يملك من الطلاق الكامل وهو طلقتان لأن العبد لا يملك أكثر منهما وليس الفسخ طلاقًا وإن كان الزوج قد طلقها قبل فسخها طلقتين قد حرمت عليه إلا بعد زوج كما تحرم على الحر بما بعد ثلاث لاستيفائه ما ملك من الطلاق وإن كان الزوج قد طلقها واحدة، فله أن يستأنف نكاحها في العدة وبعدها سواء فسخت بعد طلاقه أو لم تفسخ وتكون معه على طلقة واحدة وهي الباقية له من الطلقتين فلو كان العبد قد أعتق قبل أن تستأنف نكاحها ففيما يملكه من طلاقها قولان بناء على اختلاف قولين إذا عتقت في تضاعيف عدتها.
أحدهما: تكون معه على طلقة واحدة اعتبارًا بما هي من نكاحه الأول الذي كان فيه عبدًا.
والثاني: تكون معه على اثنتين اعتبارًا بما يملكه في نكاحه الثاني الذي قد صار به حرًا.
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ لَا يُؤَجِّلَهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِهَا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن للمعتق تحت عبد أن تختار الفسخ في نكامه من غير حكم فإن ترافع الزوجان فيه على الحاكم أو السلطان.
قال الشافعي: "فعلى السلطان أن
الجزء: 9 - الصفحة: 353
لا يؤجلها أكثر من مقامها".
فاختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه جواب منه على القول الذي يجعل خيارها فيه على الفور دون التراخي فلا يؤجلها أكثر من مقامها للتحاكم فيه لأنه المعتبر من مكنة الفوز.
فأما على القول الذي يجعل خيارها إلى ثلاث أو على التراخي فليس له قطع خيارها ولا إبطال ما استحقه من مدته أم من تراخيه.
والثاني: أنه جواب منه على الأقاويل كلها لأن الحاكم منصوب للفصل بين الخصوم فإذا قضاها للزوج إليه وقال الزوج: إما أن تمكنيني أو تفسخي لم يجز للحاكم أن يمهلها ويذرها معه مطلقة ليست بزوجة ولا مفارقة فيقول لها: أتت وإن كان خيارك ممتدًا على التراخي بالتحاكم ثلاث والقضاء يفصل فاختياري تعجيل الفسخ أو الرضى فإن فسخت في مجلسه وإلا سقط حقها منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإنْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَحَتَّى تّبْلُغَ".
قال في الحاوي: وصورتها في أمة صغيرة أعتقت تحت عبد فقد وجب لها الخيار مع الصغر؛ لأن ما وجب في العقود من الحقوق استوى استحقاقه في الصغير والكبير كالشفعة لكن ليس لها قبل البلوغ أن تختار الفسخ بخلاف التخيير بين الأبوين والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه تخيير يستحق في الصغر فلم يجز أن يفوت بانتظار البلوغ فخالف خيار العتق.
والثاني: أنه تخيير لا يلزم به حكم فجاز أن يكون ممن ليس لقوله حكم وإذا كان هكذا فليس لوليها من أب ولا معتق أن يختار عليها بخلاف الشفعة التي يكون للولي أخذها.
والفرق بينهما: أن في هذا الخيار استهلاكًا ليس في الشفعة فجرى مجرى استحقاق القود الذي ليس للولي فيه خيار لما تضمنه من الاستهلاك.
فصل:
فإذا تقرر أن لا خيار لها ولا لوليها حتى تبلغ فإذا بلغت كان البلوغ أول زمان الخيار فيكون فيه حينئذٍ ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه على الفور في الحال.
والثاني: أنه ممتد إلى ثلاثة أيام.
الجزء: 9 - الصفحة: 354
والثالث: أنه على التراخي ما لم ترض أو تمكن فلو أراد الزوج أن يطأها ما بين عتقها وبلوغها فالصحيح أنه تمكن منه ولا يمنع من إصابتها لأن استحقاقها للفسخ مغير لحكم تقدمه من الإباحة وهذا الوجه مخرج القول الذي رواه الربيع أن طلاق الزوج قبل الفسخ وبعد استحقاقه لا يقع.
مسألة:
قَالَ الشًّافِعِيُّ: "لَا خَيَارَ لأَمَةٍ حَتَّى تكْمُلَ فِيهَا الحُرَّيَةُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن أحكام الرق جارية عليها قبل استكمال الحرية فإذا أعتق بعضها ورق باقيها فإن قل فلا خيار لها، وكذلك لو دبرت أو كوتبت وفي مقابلة ذلك أن يعتق جميعها وقد أعتق من الزوج بعضه وإن كثر ورق باقية وإن قل فلها الخيار في فسخ نكاحه لأن أحكام الرق جارية عليه ما لم تكمل حريته.
فصل:
ويتفرع على هذا الأصل إذا زوجها سيدها بعبد على صداق مائة درهم ثم أعتقها في مرضه وقيمتها مائة درهم وخلف معها مائة درهم ولم يدخل الزوج بها فلا خيار لها بالعتق وإن كان زوجها عبدًا لأن اختيارها الفسخ مفضٍ إلى إبطال والعتق والفسخ لأنها إذا فسخت قبل الدخول بطل صداقها فصارت التركة مائتا درهم قيمتها نصفها فيعتق ثلثاها ويرق ثلثها وإذا رق ثلثها بطل خيارها لأن ما أدى ثبوته إلى إبطاله وإبطال غيره أبطل ثبوت غيره فكذلك بطل الخيار ومضى العتق ولهذا نظائر قد ذكرناها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّلّوْ أَعْتَقَ قَبْلَ الخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَهَا".
قال في الحاوي: وصورتها: في أمة أعتقت تحت عبد فلم تختر فسخ نكاحه حتى أعتق إما بأن لم تعلم بعتقها فيكون خيارها باقيًا على الأقاويل كلها وإما بأن علمت وقيل خيارها على التراخي دون الفور ففي بقاء خيارها قولان:
أحدهما: أن خيارها ثابت اعتبارًا بوجوبه في الابتداء فلم يسقط مع زوال سببه إلا بالاستبقاء.
والثاني: نص عليه في هذا الموضع أنه لا خيار لها لأن مقصود خيارها إزالة النقص الداخل عليها برقة وقد زال النقص بعتق فلم يبق لاستحقاق الخيار معنى يقتضيه فلو أعتق الزوجان في حالة واحدة فلا خيار لهما لاستوائهما في التكافئ بالرق والعتق ولو أعتق الزوج دونها ففي استحقاقه لفسخ نكاحها بعتقه ورقها وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 355
أحدهما: له الفسخ ليستحق عليها من الخيار مثل ما تستحقه عليه فيستويان فيه.
والثاني: لا خيار له وإن كان لها الخيار لأن الزوج يقدر على إزالة الضرر بالطلاق وهي لا تقدر عليه إلا بالفسخ فافترقا فيه والله أعلم بالصواب.
باب أجل العنين والخصي غير المجبوب والخنثى
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيَنْةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَّلَ العِنِّينَ سَنَةَّ وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظَ عَمَّنْ لَقيتُهُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فَإِنْ جَامَعَ وَإِلَّا فًرِّقَ بَيْنَهُمَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: أما العنة فهي العجز عن الوطء وللين الذكر وعدم انتشاره فلا يقدر على إيلاجه فسمى من به العنة عنينًا وفي تسميته بذلك قولان:
أحدهما: أنه سمي عنينًا للين ذكره يعني عن إرادة الوطء وانعطافه مأخوذ من عنان الفرس للينه.
والثاني: أنه سمي عنينًا لأن ذكره يعن عن إرادة الوطء أن يعترض يمين الفرج ويساره فلا يلج مأخوذ من العنن وهو الاعتراض يقال عزلك الرجل إذا اعترضتك عن يمينك أو يسارك.
والعنة عيب يثبت به للزوجة خيار الفسخ وهو إجماع الصحابة وقول جميع الفقهاء إلا شاذًا عن الحكم بن عيينة وداود: أنه ليس بعيب ولا خيار فيه استدلالًا بأن امرأة رفاعة لما تزوجت بعده بعبد الرحمن أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أن زوجي أبت طلاقي وقد تزوجني عبد الرحمن بن الزبير وإنما له مثل هدبة الثوب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فلم يجعل العنة فيه عيبًا ولا جعل لها خيارًا.
وروى هانئ بن هانئ أن امرأة شكت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زوجها لا ينتشر فقال: "ولا عند السحر؟ قالت: لا، قال: ما عند است هذا خير، ثم قال: اذهبي فجيئيني به، فلما جاءه رآه شيخًا ضعيفًا فقال لها: اصبري فلو شاء الله أن يبتليك بأكثر من هذا فعل" ولم يجعل لها خيارًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:229] فلما كان الوطء حقًا عليها وجب أن يكون حقًا لها عليه وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] وهي الفرقة ولأنه إجماع الصحابة حكي ذلك عن عمر وعلي وابن
الجزء: 9 - الصفحة: 356
مسعود والمغيرة وابن عمر وجابر أنه يؤجل فإن أصاب وإلا فرق بينهما وليس يعرف لهم في الصحابة مخالف.
فإن قيل: فقد تقدمت الرواية عن علي بخلاف هذا.
قيل: تلك الرواية ليست ثابتة لأن هانئ بن هانئ ضعيف عند أصحاب الحديث ولأن تلك لم يكن زوجها عنينًا لأنه عجز بعد القدرة لضعف الكبر.
وقيل: إنها كانت قد عنت عنده والعنين هو الذي لم يصبها قط وقد قال الشافعي في إثبات الإجماع: لا أحفظ عمن لقيته خلافًا ولأنه لما وجب لها بالجب خيار الفسخ لفقد الإصابة المقصورة فكذلك العنة ولأن العنين أسوأ حالًا من المولى لأن المولى تارك للإصابة مع القدرة والعنين تارك لها مع العجز فلما كان لها الفسخ في الإيلاء فلأن يكون لها في العنة أولى ولأنه لما وجب له الخيار في فسخ نكاحها بالرتق لتعذر الجماع عليه مع قدرته على فراقها بالطلاق كان أولى أنه يجب بها بعنة الزوج لأنها لا تقدر على فراقه بالطلاق.
فأما الجواب عن حديث امرأة رفاعة فمن وجهين:
أحدهما: أنها شكت ضعف جماعه ولم تشك عجزه عنه ألا تراه قال لها: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ولو كان عاجزًا لما ذاق واحد منهما عسيلة صاحبه على أنه قد روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فقالت: يا رسول الله قد جاءني هبة، وفيه معنيان:
أحدهما: أن الهبة مرة واحدة.
قال ابن وهب.
والثاني: أنها حقبة من الدهر قال أبو زيد وهذا نص في الجواب.
والثالث: أنها ادعت ذلك على زوجها ولم يكن من الزوج اعتراف بدعواها بل أنكر عليها قولها فقال: كذبت يا رسول الله، فإني أعركها عرك الأديم العكاظي".
فصل:
فإذا ثبت أن العنة عيب يثبت به خيار الفسخ فهو معتبر بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون قد أصابها قط فإن أصابها مرة زال عنه حكم العنة لما سنذكره.
والثاني: أن لا يقدر على إيلاج حشفة الذكر فإن على إيلاج الحشفة وإن استعان بيده زال عنه حكم العنة فإذا تكامل الشرطان وتصادم عليهما الزوجان لم يتعجل الفسخ بها وأجل الزوج لها سنة كاملة بالأهلة.
وحكي عن مالك: أنه يؤجل نصف سنة.
وحكي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه يؤجل عشرة أشهر وحكي عن سعيد بن
الجزء: 9 - الصفحة: 357
المسيب (أنها) إن كانت حديثة العهد معه أجل لها سنة، وإن كانت قديمة العهد معه أجل لها خمسة أشهر، وكل هذه الأقاويل فاسدة لا يرجع التقدير فيها إلى أصل من جهة، وتقدير أصله بالسنة أولى من وجهين:
أحدهما: أنه مروي عن عمر، لأنه أجل العنين سنة.
وعمر لا يفعل هذا إلا عن توقيف يكون نصًا أو عن اجتهاد شاور فيه الصحابة؛ لأن كان كثير المشورة في الأحكام فيكون مع عدم الخلاف فيه إجماعًا وإذا تردد بين حالين نص أو إجماع لم يجز بخلافه.
والثاني: إن التأجيل إنما وضع ليعلم حاله هل هو من مرض طارئ فيرجى زواله أو من نقص في أصل الخلقة فلا يرجى زواله فكانت السنة الجامعة للفصول الأربعة الأولى أن تكون أجلًا معتبرًا لأن فصل الشتاء بارد رطب وفصل الصيف حار يابس وفصل الربيع حار رطب وفصل الخريف بارد يابس فإذا مر بالمرض ما يقابله من فصول السنة ظهر وكان سببًا لبرئه فإن كان من برد ففصل الحر يقابله فإن كان من حر ففصل البرد يقابله وإن كان من رطوبة ففصل اليبوسة يقابله وإن كان من يبوسة ففصل الرطوبة يقابله وإن كان مركبًا من نوعين فيما خالفه من النوعين هو المقابل له فإذا مضت عليه الفصول الأربعة وهو بحالة لم يكن مرضًا لما قيل عن علماء الطب أنه لا يسحر الداء في الجسم أكثر من سنة وعلم حينئذٍ أنه نقص لازم لأصل الخلقة فصار عيبًا يوجب بالخيار.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حكم العنة وأجلها فقد اختلف أصحابنا بماذا يثبت العنة إن ادعتها الزوجة على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لا تثبت إلا بإقراره أو بينة على إقراره فيكون الإقرار وحده معتبرًا في ثبوتها.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنها تثبت بإقراره أو بنكوله لعدم إنكاره ولا يراعى فيه يمين الزوجة لأنها لا تعرف باطن حاله فتخلف.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا وحكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يحك ما سواه أنها ثبتت بإقراره على الزوجة بعد نكوله وإنكاره لا يثبت إن لم يحلف بعد النكول ولا يمتنع أن يحلف على مغيب بالإمارات الدالة على حاله كما يحلف على كناياته القذف والطلاق وأنه أراد به القذف والطلاق إذا أنكر ونكل، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قُطِعَ مِنْ ذِكْرِهِ فَيبْقَى مِنْهُ مَا يَقَعُ مَوْقِعَ الجِمَاعِ".
الجزء: 9 - الصفحة: 358
قال في الحاوي: أما إن كان مقطوع الذكر بأسره فهو المجبوب ولها الخيار في فرقتها من غير تأجيل لأن جماعه ما يؤس منه فلم يكن للتأجيل معنى ينتظره فإن رضيت لجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجر لاستحالة الوطء مع الجب الذي يقع به الرضى وإن كان بعض ذكره مقطوعًا فعلى ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الباقي دون قدر الحشفة لا يقدر على إيلاجه فهذا كالمجبوب ولها الخيار في الحال من غير تأجيل.
والثاني: أن يبقى منه قدر الحشفة ويقدر على إيلاجه فعنه قولان:
أحدهما: أنه ليس بعيب في الحال لأنه يقدر على إيلاجه فجرى مجرى الذكر إلا أن يقترن به عنة فيؤجل لها أجل العنة.
والقول الثاني: أنه عيب في الحال وإن يكن معه عنة لنقص الاستمتاع عن حال الذكر السليم فإن رضيت بقطعه وأرادت تأجيل العنة أجل.
والثالث: ألا يعلم قدر باقية هل يكون قدر الحشفة إن انتشر فيقدر على إيلاجه أو يكون أقل فلا يقدر على إيلاجه فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري عليه أكثر الأمرين فالباقي منه قدر الحشفة استصحابًا بالحالة الأولى ولا يكون لها الخيار في أصح القولين عاجلًا إلا أن يؤجل لها أجل العنة كالضرب الثاني.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم أقل الأمرين وأن الباقي منه أقل من قدر الحشفة فيكون لها الخيار في الحال تغليبًا لحكم القطع دون العنة كالضرب الأول.
فصل:
وأما الخصي فهو الذي قطعت انثياه مع الوعاء وأما المسلول: فهو الذي أسلت انثتاه من الوعاء.
وأما الموجور: فهو الذي رضت انثتاه في الوعاء وحكم جميعهم سواء وهل يكون عيبًا يتعجل به فسخ النكاح فيه قولان مضيا فإن جعل عيبًا يجعل به الفسخ من وقته فإن رضيت به الزوجة وأرادت تأجيله للعنة أجل لها بخلاف المجبوب لإمكان الوطء منه واستحالته من المجبوب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَوْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالُ".
قال في الحاوي: للخنثى حالتان: مشكل وغير مشكل فأما المشكل فيأتي وأما غير
الجزء: 9 - الصفحة: 359
المشكل فهو أن يبول من ذكره دون فرجه فيكون رجلًا يصح أن يتزوج امرأة وهل يكون زيادة فرجه عيبًا فيه يوجب الفسخ وفي الخيار فيه قولان مضيا، فإن لم يجعل عيبًا أجل للعنة إن ظهرت به.
وإن جعل كان لها أن تتعجل به الفسخ فإن رضيت به وظهرت عنته أجل لها لأن نقصه بالعنة غير نقصه بالخنوثة والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوْ كَانَ يُصِيبُ غَيْرَهَا وَلَا يُصيبُهَا".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من له أربع زوجات من ثلاثة أقسام:
إما أن تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن انتفت عنه العنة عمومًا.
وما لم تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن ولا خيار وإن عدمن جميعهن فلا يطأ واحدة منهن فإذا سألوا تأجيله أجل لهم حولًا لأنها مدة يعتبر بها حاله فاستوى حكمها في حقوقهن كلهن فإذا مضت السنة كان لهبة الخيار فإن اجتمعن على الفسخ كان ذلك لهن وإن افترقن أجرى على كل واحدة حكم اختيارها وإن عزم بعضهن دون بعض فوطأ اثنتين ولم يطأ اثنين ثبتت عنته فمن امتنع من وطئها وإن سقطت عنته في جميعهن ولا خيار لمن لم يطأها منهن لأنه لا يجوز أن يكون عنينًا وغير عنين وهذا خطأ لأنه ليس يمنع أن يلحقه العنة من بعضهن لما في طبعه في الميل إليهن وقوة الشهوة لهن مختص كل واحدة منهن بحكمها معه.
فصل:
وإذا أخبرنا الزوج قبل النكاح أنه عنين فنكحت على ذلك ثم أرادت بعد العقد تأجيله للعنة وفسخ النكاح بها ففيه قولان:
أحدهما: أنه في القديم ليس لها ذلك ولا خيار لها كما لو نكحته عالمة بعين ذلك من عيوبه.
والثاني: قاله في الجديد: لها الخيار بخلاف سائر العيوب لأن العنة قد تكون في وقت دون وقت ومن امرأة دون امرأة وغيرها من العيوب تكون في الأوقات كلها ومن النساء كلهن.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَسَأَلَتْ فُرْقَتَهُ أَجَّلْتُهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرَافَعَا إِلَيْنَا.
قَالَ: فَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهِيَ امْرأَتُهُ".
أعلم أن استحقاق الخيار بالعنة وتأجيل الزواج فيه لا يسار إلا بحكم حاكم لأن
الجزء: 9 - الصفحة: 360
الخيار مستحق باجتهاد وتأجيل السنة عن اجتهاد وما أخر ثبوته من طريق الاجتهاد دون النص والإجماع لم يستقر إلا بحكم حاكم فإن علمت المرأة بعنة الزوج كان حقها في مرافعته إلى الحاكم على التراخي دون الفور, لأنه قبل التأجيل عيب مظنون وليس بمحقق فإن أجزت محاكمته سنة رافعته إلى الحاكم استأنف بها الحول من وقت الترافع إليه ولم يحتسب بما مضى منه وخالف مدة الإبلاء لأن تلك نص وهذه عن اجتهاد فلو أقر لها عند الحاكم بالعنة أجله لها ولم يعجل الفسخ بإقراره لأمرين:
أحدهما: أن الفسخ يؤجل لسنة فلم يجز أن يعجل قبلها.
والثاني: أنه ربما زالت العنة فلم يجز فسخ النكاح, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةُ وَلَمْ يُصِبْهَا فِي نِكَاحِهِ".
قال في الحاوي فهذا لضربين:
أحدهما: أن يكون عنة.
والثاني: بغير عنة فإن كان لعنة كان على ما مضى من تأجيله لها سنة إذا حاكمته فإن أصابتها في السنة أو بعدها أو قبل الفسخ مرة واحدة سقط حقها من الفسخ لارتفاع عنته بالإصابة فلو تركها بعد تلك الإصابة سنين كثيرة لا يمسها فلا مطالبة لها.
وحكي عن أبي ثور أنه يؤجل لها ثانية إذا عادت العنة ثانية وهذا خطأ لأنها قد وصلت بإصابة المرأة الواحدة إلى مقصود النكاح من تكميل المهر وثبوت الحصانة ولا يبق إلا تلذذ الزوج بها وتلك شهوة لا يجبر عليها, والله أعلم.
إذا ترك الزوج إصابتها لغير عنة فقد اختلف أصحابنا هل يجوز عليه إصابتها مرة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه قد يجوز أن يتزوج المجنون الذي لا يقدر على الوطء والقرناء التي لا يمكن وطئها ولو وجب الوطء لما جاز إلا نكاح من تمكنه الوطء لم يكن وطأها.
والثاني: أنه مقصود النكاح من تكميل المهر والحصانة وطلب الولد لا يحصل إلا بالوطء فاقتضى أنه يجب فيه الوطء.
الجزء: 9 - الصفحة: 361
فإذا قيل بالوجه الأول أنه يجب فلا خيار لها ولا تأجيل وإذا قيل بالوجه الثاني أنه يجب فإن كان معذورًا بمرض أو سفر أنذر بالوطء إلى وقت مكنته كما ينظر بالدين من إعساره إلى وقت يساره إن كان غير معذور أخذه الحاكم إذا رافعته الزوجة إليه بالوطء أو الطلاق كما يأخذه المولى بهما ولم يؤجله لأنه ليس بعنين ولا يطلق عليه الحاكم بخلاف المولى في أحد القولين بل يحبسه حتى يفعل أحد الأمرين من الوطء أو الطلاق فإذا وطئها مرة سقط لها مطالبته بالفرقة لقول الله تعال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] ودليلها قول الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228] فمن درجة الرجل على المرأة أن يلزمها إجابته إذا دعاها إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها ولأنه لما كان رفع العقد بالطلاق إليه دونها كان الوطء فيه حقًا له دونها ولأنه لما كان الوطء في ملك اليمين حقًا للمالك دون المملوكة كان الوطء في النكاح حقًا للناكح دون المنكوحة والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "وَلَا تَكُونُ إِصَابَتُهَا إِلَا بِأَنْ يٌغَيٌبَ الحَشَفَةَ أَوْ مَا بَقيَ مِنَ الذَّكَرِ فِي الفَرْجِ".
قال في الحاوي: الإصابة التي تسقط بها حكم العنة هي تغييب الحفشة في القبل حتى يلتقي الختانان فيجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل لأنها الإصابة التي يكمل بها المهر المسمى في النكاح ويجب لها مهر المثل في الشبهة والحد في الزنا هذا إذا كان سليم الذكر باقي الحفشة ولا اعتبار بمغيب ما بعد الحفشة فأما إذا كان مقطوع الحفشة ففيما يعتبر بغيبة من بقية الذكر وجهان:
أحدهما: يعتبر أن تغييب باقية قدر الحفشة ليكون بدلًا منها فسقط به حكم العنة كما سقط بها.
والثاني: أنه يعتبر تغييب باقية كلها وهو ظاهر قوله هاهنا لأن الحفشة حد ليس في الباقي فصار جميع الباقي حدًا.
فصل:
فأما الوطء في الدبر فلا يسقط به حكم العنة لأنه محل محظور لا يستباح العقد فلم يسقط به حكم الوطء المستحق بالعقد ولو وطئها في الحيض والإحرام سقط به حكم العنة وإن كان محظورًا لأنه في المحل المستباح بالعقد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا خَبَّرّهَا السُّلْطَانُ فَإِنْ شَاءَتْ فِرَاقَّهُ
الجزء: 9 - الصفحة: 362
فَسَخَ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ لَأنَّهُ إِلَيْهَا دُونَهُ".
وقال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مضت للعنين سنة من حين اجل فهي على حقها ما لم ترافعه إلى الحاكم وليس يلزم تعجيل محاكمته بعد السنة على الفور بخلاف الفسخ في العيوب لأن تمكينها للزوج في عنته إلى الحاكم لم يكن له ذلك لأنه حق عليه هو مأخوذ به وليس بحق له فيطالب فإذا رافعته إلى الحاكم بعد السنة تغير حينئذٍ زمان خيارها فيعرض الحاكم عليها الفسخ وليس لها أن تنفرد بفسخه عنده لأنه فسخ بحكم ويحكم إليه دونها لكن يكون الحاكم مخيرًا بين أن يتولاه بنفسه وبين أن يترك ذلك إليها لتتولاه بنفسها فيكون هو الحاكم به وهي المستوفية له فإذا وقعت الفرقة بينهما كانت الفرقة ترفع العقد من أصله ولم تكن طلاقًا فإن عاد فتزوجها كانت معه على ثلاث.
وقال أبو مالك وأبو حنيفة: تكون الفرقة طلاقًا ولا تكون فسخًا وهذا خطأ لأنها فرقة من جهتها والطلاق لا يكون إلا من جهة الزوج فأشبهت الفرقة بالإسلام والفسخ بالجنون.
فصل:
فإذا تقرر أنه فسخ وليس بطلاق فلا مهر لها ولا عدة عليها.
وقال أبو حنيفة ومالك: لها المهر وعليها العدة هذا عندنا ليس بصحيح لا يكمل المهر ويوجب العدة بالإصابة ولم يكن العنين الإصابة ولا يستحق نصف المسمى ولأن المتعة لم تكن مسمى لأنه فسخ من جهتها فأسقط مهرها ومتعتها والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهْ فَهُوَ تَرْكٌ لِحَقِّهَا".
قال في الحاوي: قد مضي الكلام في الفسخ لأنه لا يصح إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء السنة.
والثاني: حكم الحاكم.
فأما الرضي فهو اختيار المقام فلا يتفتقر إلى حكم لأنه يقيم بعقد سابق, ولا يفتقر إلى حكم فلم يكن المقام عليه مفتقرًا إلى حكم وهل يفتقر الرضي في لزومه إلى انقضاء الأجل أم لا؟ هذا وجهان:
أحدهما: يفتقر الرضي إلى انقضاء الأجل فإن رضيت قبل انقضائه لم يلزم لأن الرضي إنما يكون بعد استحقاق الفسخ وهي قبل انقضاء الأجل لم يستحق الفسخ فلم يلزمها بالرضي كالأمة إذا رضيت من زوجها قبل عتقها لم يلزمها الرضي بوجوده قبل استحقاق الفسخ.
الجزء: 9 - الصفحة: 363
والثاني: أنه لا يفتقر إلى انقضاء لأجل ويصح الرضا قبله وبعده لأن الأجل مضروب لظهور العنة فكانت الرضى بها مبطلًا للأجل المضروب لها وإذا بطل الأجل لزم العقد.
والرضى إن كان في غير مجلس الحاكم لأنه لا يكون إلا بصريح القول وكان أيضًا بأن يعرض الحاكم عليها الفسخ ولا تختار فيكون تركها للاختيار للفسخ رضا منها بالمقام والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ: "فَإِنْ فَارَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ ثُمَّ سَأَلَتَ أَنْ يُؤَجٌلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِك لَهَا, قَالَ المُزَنِيُّ: وَكَيْفَ تَكُونِ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ إصَابَةٌ وَأَصْلُ قَوْلِهِ لَوِ اسْتَمْتَعَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَقَالَتْ: لَمْ يُصِبْنِي وَطَلَّقَ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا".
قال في الحاوي: وصورتها في عنين أجل لزوجته ثم رضيت بعد الأجل بعنته فطلقها ثم راجعها في العدة فسألت بعد رجعته أن يؤجل لها ثانية لم يجز لأن المرتجعة زوجة بالنكاح الأول وقد أجُل فيه مدة فرضيت فلم يجز أن يؤجل ثانية لأنه عنت إذا رضيت به في نكاح لزم كما يلزمها إذا رضيت بجبه وجنونه وهو بخلاف الإعسار بالنفقة إذا رضيت به في نكاح ثم عادت فيه تطلب الفسخ كان لها لأن الإعسار ليس يلزم وقد ينتقل منه إلى يسار كما ينتقل من يسار إلى إعسار وخالف العنة التي ظاهر حالها الدوام.
فأما المزني فإن اعترض على الشافعي في هذه المسألة اعتراضًا موجهًا فقال: قد تجتمع الرجعة والعنة في نكاح واحد وهو إن وطئها يثبت الرجعة في نكاح واحد وسقطت العنة وإن لم يطأ ثبتت العنة وبطلب الرجعة والعنة فاختلف أصحابنا في الجواب فيه على ثلاث طرق:
أحدها: وهو قول أبي حامد المروروزي: أن المسألة خطأ من الناقل لها عن الشافعي رحمه الله فنقل ما ليس من قوله أو سها عن شرط زيادة جل من نقله فأوردها المزني كما وجدها في النقل لها عن الشافعي واعترض عليها هو بما هو صحيح متوجه.
والثاني: أن الشافعي فرع هذه المسألة في الجديد على مذهبه في القديم أن الخلوة يكمل بها المهر ويجب بها العدة.
فصحت معها الرجعة ولم يسقط بها حكم العنة وهذا الجواب غير سديد من وجهين:
أحدهما: أن تفرعه في كل زمان إنما هو على موجب مذهبه فيه فلا يصح أن يفرع في الجديد على مذهب قد تركه وإن كان قائلًا به في الجديد.
الجزء: 9 - الصفحة: 364
والثاني: أن أبا حامد المروروزي قال: وحدث الشافعي في القديم: أن الخلوة يكمل بها المهر ولا يجب بها العدة فبطل أن يصح معها الرجعة.
والثالث: وهو جواب الأكثرين من أصحابنا أنه قد يمكن على مذهب الشافعي رضي الله عنه في الجديد أن تجب العدة وتصح الرجعة ولا يسقط حكم العنة وذلك من وجوه:
أحدها: أن يطأ في الدبر فيكمل به المهر ويجب به العدة وتصح فيه ولا يسقط حكم العنة.
والثاني: أن يطأ في القبل فيغيب بعض الحشفة ويترك ماءه فيه فتجب به العدة ويكمل به المهر ولا يسقط حكم العنة لأنه إنما سقط بتغيب جميع الحشفة.
والثالث: إن استدخل ماءه من غير وطء, فيجب به العدة ويستحق معه الرجعة ولا يسقط به العنة وفي هذا عندي نظر لكن قد قاله أصحابنا وفرعوا عليه فقالوا: لو أنزل قبل نكاحها واستدخله بعد نكاحها لم تعتد منه, لأنها في حال الإنزال لم تكن زوجة وإن صارت وقت الإدخال زوجة فإنما أوجبوه فيه العدة وألحقوا منه الولد إذا كانت في حالتي إنزاله واستدخاله زوجة.
فصل:
فأما إذا طلقها بعد لأجل والرضا طلاقًا أبانت منه ثم استأنف نكاحها بعقد جديد فسألت: أن تؤجل فيه العنة ففيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم لا يجوز أن يؤجل لها ثانية وإن كان في عقد ثانِ كما لا يجوز في نكاح واحد وهكذا لو أنها فسخت نكاحه الأول بالعنة من غير طلاق ثم تزوجته لم يؤجل لها في النكاح الثاني لأن علمها بعنته كعلمها بجذامه وبرصه وهي لا تجوز إذا نكحته بعد العلم به أن تفسخ فكذلك في العنة.
والثاني: قاله في الجديد: أنه يؤجل لها في النكاح الثاني لأن لكل عقد حكم بنفسه وليست العنة من العيوب اللازمة وقد يجوز زوالها فجرى مجرى الإعسار بالنفقة التي يرجى زوالها ويعود استحقاق الفسخ بها ولكن لو أصابها في النكاح الأول فسقط بإصابته حكم العنة ثم طلقها فتزوجها ثم حدثت به العنة في النكاح أجل لها قولًا واحدًا لأن حكم عنته الأولى قد ارتفع بإصابته فصارت مستأنفة لنكاح من ليس بعنين فإذا ظهرت به العنة أجل, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَتْ لَمْ يُصِبْنِي وَقَالَ: قَدْ أَصَبُتُهَا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لأَنَّهَا تُرِيدُ
الجزء: 9 - الصفحة: 365
فَسْخَ نِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ اليَمِينٌ فَإِنْ تَكَلَ وَحَلَفَتْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا أُرِيهَا أُرْبَعًا مِنَ النِّسَاءِ عُدُولًا وَذَلكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهَا فَإِنْ شَاءَ أَحْلَفَهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ أَقَامَ مَعَهَا وَذَلِكَ أَنَّ العَذْرَةَ قَدْ تَعُودُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الخِبْرَةِ بِهَا إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الإِصَابَةِ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يختلف الزوجان في الإصابة بعد أجل العنة فتقول الزوجة: لم يصيبني فلي الفسخ ويقول الزوج: قد أصبتها فلا فسخ لها فلا يخلو حالها من أحد الأمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا فإن كانت ثيبًا فالقول قول الزوج في الإصابة مع يمينه ولا خيار لها لأنه ثبوت النكاح يمنع من تصديق قولها في فسخه فإن حلف سقط خيارها وإن نكل ردت اليمين عليها فإن حلفت كان لها الخيار وفرق بينهما وإن نكلت فلا خيار لها والنكاح بحاله وهذا قول الفقهاء:
وقال مالك والأوزاعي: يؤمر الزوج بمعاودة خلوتها ويقربهما وقت الجماع امرأة ثقة.
وقال الأوزاعي: امرأتان فإذا خرج من خلوتهما نظر فرجها وإن كان ماء الرجل كان القول قوله وإن لم يكن كان القول قولها وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن اختلافها في إصابة تقدمت فلم يدل عليها ما حدث بعدها.
والثاني: أن وجود الماء وعدمه لا يدل على وجود الإصابة وعدمها لأنه قد ينزل ولا يولج وقد يولج ولا ينزل وحقها متعلق بالإيلاج دون الإنزال.
وحكي أن امرأة ادعت عنه رجل عند سمرة بن جندب واختلف في الإصابة فكتب بها إلى معاوية يسأله عنها فكتب إليه معاوية.
زوجة امرأة ذات جمال وحسن توصف بدين وستر وسبق إليها مهرها من بيت المال لتختبر حاله.
ففعل سمرة ذلك.
فقالت المرأة: لا خبر عنده قال سمرة: ما دنى قالت: بلى ولكن إذا دنى شره أي أنزل قبل الإيلاج وهذا مذهب لمعاوية وليس عليه دليل ولا له في الأصول نظير وقد يجوز أن يكون الرجل عنينًا في وقت وغير عنين في وقت.
فإن قيل: فإذا بطل هذان المذهبان كان مذهبهم أبطل من وجهين:
أحدهما: أنكم قبلتم به قول المدعي دون المنكر والشرع أراد بقبول المنكر.
والثاني: أنه لو ادعى إصابة المطلقة ليرجعها وأنكرته كان القول قولها دونه فهلا كان في العنة كذلك لأن الأصل الإصابة.
قيل: الجواب عن هذا أن ما ذكرناه من العلة في قبول قوله يدفع هذا الاعتراض وهو أن الأصل ثبوت النكاح وهي تدعي بإنكار الإصابة استحقاق فسخه فصارت هي مدعية وهو منكر فكان مصير هذا الأصل يوجب قبوله قوله دونهما على أن ما تعذر إقامة البينة فيه جاز أن يقبل فيه قول مدعيه إذا كان معه ظاهر بقتضيه كاللوث في دعوى القتل.
فأما دعواه الإصابة في الرجعة فالفرق بينهما وبين دعوى الإصابة في العنة من وجهين:
الجزء: 9 - الصفحة: 366
أحدهما: أن دعوى الإصابة في الرجعة تنفي ما أوجبه الطلاق من التحريم ودعوى الإصابة في العنة تثبت ما أوجبه النكاح في اللزوم فافترقا.
والثاني: أنه ادعى الإصابة في العنة مع بقاء نكاحه فصار كالمدعي لما في يده ودعواه الإصابة في الرجعة بعد زوال نكاحه صار كالمدعي لما في يده غيرها فافترقا.
فصل:
وإن كان بكرًا إما أن يعترف بها بالبكارة وإما أن ينكرها ويشهد بها أربع نسوة عدول فيكون القول قولها في إنكار الإصابة لأن البكارة ظاهرة تدل على صدقها فزالت عن حكم الثيب التي لا ظاهر معها.
فإن قيل: أفله أحلافها؟ قيل: إن لم يدع عود بكارتها فلا يمين عليها إن ادعى عود البكارة بعد زوال العذرة فإذا لم يبالغ الإصابة فتصير هذه الدعوى محتملة وإن خالفت الظاهر فيكون القول قولها مع يمينها فإن حلفت حكم لها بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكل عنها ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل قولها إذا نكل وإن لم يحلف ويحكم لها بالفرقة كما لو ادعى وطئها وهي ثيب ونكل عن اليمين عليها فنكلت حكم بقوله في سقوط العنة وإن لم يختلف.
والثاني: وهو الأظهر أنه لا يقبل قولها بغير يمين مع نكول الزوجة.
والفرق بينهما: أن الزوج يستصحب لزوم متقدم جاز أن يقبل قوله فيه والزوجة تستحل حدوث فسخ طارئ فلم يقبل قولها فيه, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلِلْمَرْأَةِ الخِيَارُ فِي المَجْبُوبِ وَغَيِرْ المَجْبُوبَ مِنْ سَاعَتِهَا؛ لَأنَّ المَجْبُوبِ لَا يُجَامِعُ أَبَداٌ وَالخَصِيَّ نَاقِصٌ عَنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذَكَرٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَلَا خَيَارَ لَهَا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا كان الزوج مجبوب فلها الخيار وإن كان خصيًا فعلى قولين, فإذا كان كذلك فلها الخيار في المجبوب من ساعته ولا يؤجل لها لأنه مأيوس من جماعه فلم يكن للتأجيل تأثير وخالف المرجو جماعه والمؤثر تأجيله فلو رضيت بجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجز لتقدم الرضي بعنته, وأما الخصي فإن قبل بأن الخصاء يوجب الخيار في أحد القولين فلها أن تتعجله من غير تأجيل كالمجبوب.
وإن قيل: لا خيار لها في القول الثاني أو قيل: لها الخيار فاختارت المقام ثم سألت تأجيله للعنة أجل بخلاف المجبوب لأن الإصابة من الخصي ممكنة ومن المجبوب
الجزء: 9 - الصفحة: 367
غير ممكنة فافترقا في تأجيل العنة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يُجَامِعُهَا الصَّبِيُّ أُجِّلَ.
قَالَ المُزَنِيُّ مَعْنَاهُ عِنْدِي صَبِيُّ قَدْ بَلَغَ أَنْ يُجَامِعَ مِثُلُهُ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة وهم المزني في نقلها فقال: ولو لم يجامعها أجل وهذا هم منه لأن الشافعي قال: ولو لم يجامعها الخصي أجل.
وقد نقله الربيع في كتاب "الأم" على هذا الوجه فعدل بالمسألة عن الخصي إلى الصبي إما لتصحيف أو لسهو الكاتب.
وإما زلة في التأويل فإنه قال معناه عندي: "صبي قد بلغ أن يجامع مثله".
والصبي لا يصح عنته سواء راهن فأمكن أن يجامع أو كان غير مراهق لا يمكنه أن يجامع لأمرين:
أحدهما: أن غير البالغ عاجز بالصغر دون العنة فلا يدل عجزه على عنته.
والثاني: أنه لا يعرف عنته إلا بإقراره وإقراره غير مقبول ما لم يبلغ وانتفي عنه من هذين الوجهين أن يجري عليه حكم العنة وإذا كان كذلك بأن المراد هو الخصي وقد ذكرناه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولِ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةْ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ تَبُولُ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ المَرْأَةُ فَهِيَ امْرَأَةٌ تَتَزَوَّجُ رِجُلًا وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا لَمْ يُزَوَّجْ, وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ فَأَيَّهُمَا شِئْتَ أَنْكَحْنَاكَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَكَ غَيْرُهُ أَبَدًا.
قَالَ المُزَنِيُّ: فَبِأَيَّهِمَا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُشْكِلٌ كَانَ لِصَاحِبِهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الخَصِيِّ لَهُ الذِّكَرُ أَنَّ لَهَا فِيهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ".
وقال في الحاوي: أما الخنثى فهو الذي له ذكر رجل وفرج امرأة, فالذكر مختص بالرجل والفرج مختص بالمرأة وليس يخلو مشتبه الحال أن يكون رجلًا أو امرأة, قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)﴾ [النبأ:8] يعني ذكورًا وإناثًا فإذا جمع الخنثى بين آلة الذكر والأنثى وجب أن يعتبر ما هو مختص بالعضوين وهو البول؛ لأن الذكر مخرج بول الرجل والفرج مخرج بول المرأة فإن كان يبول من ذكره وحده فهو رجل والفرج عضو زائد وإن كان يبول من فرجه فهي امرأة والذكر عضو زائد.
وروى الكلبي عن صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي له ماء الرجل وماء النساء: إنه يورث من حيث يبول.
وقضى علي بن أبي طالب في العراق بمثل ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 368
في خنثى رفع إليه.
فإن كان يبول منهما جميعًا فعلى أربعة أقسام:
أحدها: أن يسبق أحدهما وينقطعا معًا فالحكم للسابق لقوته
والثاني: أن يخرجا معًا وينقطع أحدهما قبل الآخر فالحكم للمتأخر لقوته.
والثالث: أن يسبق خروج أحدهما ويتأخر انقطاع الآخر فالحكم لأسبقهما خروجًا وانقطاعًا لأن البول يسبق إلى أقوى مخرجيه.
والرابع: أن يخرجا معًا وينقطعا معًا ولا يسبق أحدهما الآخر فهو أربعة أقسام:
أحدهما: أن يستويا في القدر والصفة.
والثاني: أن يختلفا في القدر ويستويا في الصفة.
والثالث: أن يختلفا في الصفا ويستويا في القدر.
والرابع: أن يختلفا في القدر والصفة.
فأما الأول: وهو أن يستويا في القدر والصفة فلا بيان فيه.
وأما الثاني: وهو أن يختلفا في القدر دون الصفة فيكون أحدهما أكثر من الآخر ففيه قولان:
أحدهما: أن يكون الحكم لأكثرهما وهو قول أبي حنيفة تغليبًا لقوته بالكثرة, وقد حكماه المزني في جامعه الكبير.
والثاني: أنهما سواء وهو قول أبي يوسف؛ لأن اعتبار كثرته شاق وقد قال أبو يوسف ردًا على أبي حنيفة حيث اعتبر كثرته: أفيكال أذن.
وأما الثالث: وهو أن يختلفا في التزريق والشرشرة فقد اختلف أصحابنا في اعتباره على وجهين:
أحدهما: أن يعتبر فإن تزريق البول للرجل والشرشرة للنساء.
وقد روي عن جابر أنه سئل عن خنثى فقال: أدنوه من الحائط فإن زرق فذكر, وإن شرشر فأنثى.
والثاني: أن لا اعتبار به لأن هذا قد يكون من قوة المثانة وضعفها.
وأما الرابع: فهو أن يختلفا في القدر والصفة فينظر فيهما فإن اجتمعا في أحد العضوين فكان التزريق مع الكثرة في الذكر أو كانت الشرشرة مع الكثرة في الفرج كان ذلك بيانًا يزول به الإشكال وإذا اختلفا كانت الشرشرة في الفرج والكثرة في الذكر أو بالعكس فلا بيان فيه لتكافؤ الإمارتين.
الجزء: 9 - الصفحة: 369
فصل:
فأما إذا لم يكن في المبال بيان إما عند تساوي أحوالهما وإما عند إسقاط فاختلف فيه من القدر والصفة فقد اختلف أصحابنا هل يعدل إلى اعتبار عدد الأضلاع أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يعتبر عدد الأضلاع فإن أضلاع المرأة تتساوى من الجانب الأيمن والجانب الأيسر, وأضلاع الرجل تنقص من الجانب الأيسر ضلع لما حكي أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر فلذلك نقص من أضلاع الرجل اليسرى ضلع ومن أجل ذلك قيل للمرأة ضلع أعوج وقد قال الشاعر:
هِيَ الضُلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتُ تُقِيمُهَا أَلَا إَنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا
أَيجْمَعُهُنَّ ضَعْفًا وَاقْتِدارًا عَلَى الهَوَى أَلَيْسَ عَجِيبٌ ضَعْفَهَا وَاقْتِدِارِهَا
وتوجيه هذا الوجه في اعتبار الأضلاع الأثر المروي عن علي رضي الله عنه أن أمر قنبرًا وبرقاء وهو مولياه أن يعدا أضلاع خنثى مشكل, فإن استوت أضلاعه من جانبيه فهي امرأة, إن نقصت اليسرى ضلع فهو رجل.
والثاني: هو قول الأكثرين من أصحابنا أنه لا اعتبار بالأضلاع, لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عنها إلى الاعتبار بالميال وهو ألزم حالًا من المبال, وأقوى لو كان بها اعتبار لما جاز العدول عنها إلى المبال الذي هو أضعف منها وليس الأثر المروي فيه عن علي ثابتًا.
وقد قال أصحاب التشريح من علماء الطب: إن أضلاع الرجل والمرأة متساوية من الجانبين أنها أربعة وعشرون ضلعًا من كل جانب منها اثنا عشر ضلعًا وقد أضيف إلى هذا الأثر مع ما يرفعه ويرده إلى المشاهدة خرافة مصنوعة تمنع منها العقول وهو أن رجلًا تزوج خنثى على صداق أمة وأنه وطأ الخنثى فأولدها ووطأ الخنثى الأمة فأولدها فصار خنثى أمً وأبًا فرفع إلى علي كرم الله وجهه فأمر بعد أضلاعه فوجدت مختلفة ففرق بينهما وهذا مدفوع ببداهة العقول.
فصل:
فأما مماثلة الرجال في طباعهم وكلامهم ومماثلة النساء في طباعهن وكلامهن فلا اعتبار به لأن في الرجال مؤنث وفي النساء مذكر وكذلك اللحية لا اعتبار بها لأن في الرجال من ليس له لحية وفي النساء من ربما هرج لها لحية على أنه قد قل من يبقى بعد البلوغ إشكال.
فصل:
فأما المني والحيض فإن اجتمع له إنزال المني ودم الحيض فهو على أربعة أقسام:
أحدها: أن يخرجها من فرجه فتكون امرأة ويكون كل واحد منهما إمارة تدل على
الجزء: 9 - الصفحة: 370
زوال إشكاله
والثاني: أن يخرجا من ذكره فيزول إشكاله بالإنزال وحده ويكون رجلًا ولا يكون الدم حيضًا.
والثالث: أن يكون الدم من ذكره وخروج المني من فرجه فتكون امرأة لأن إنزال المني من الفرج دليل وخروج الدم من الذكر ليس بدليل.
والرابع: أن يكون خروج المني من ذكره وخروج الحيض من فرجه ففيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدها: يغلب حكم الحيض ويحكم بأنه امرأة لأن الحيض لا يكون إلا من النساء, والمني يكون من الرجال والنساء.
والثاني: يغلب حكم المني ويحكم بأنه رجل لأن الدم ربما كان من مرض ولم يكن حيض.
والثالث: أنه على إشكاله ليس في واحد منهما بيان لتقابلهما والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الخنثى من أحد أمرين:
إما أن يزول إشكاله أو لا يزول فإن زال إشكاله بما ذكرنا من أحد الأسباب المعتبرة فيه أجرى عليه حكم ما بان عليه فإن كان رجلًا أجرى عليه حكم الرجال في جميع أحواله من النكاح والولاية والشهادة والدية والميراث وزوج امرأة وهل لها الخيار لزيادة فرجه أم لا؟ على قولين ذكرناهما.
وقال بعض أصحابنا مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكال لأنه يبول من ذكره دون فرجه فلا خيار لها للقطع بأنه رجل وإن زال إشكاله لسبق بوله من ذكره ولكثرته منه فلها الخيار لأنه اجتهاد غير مقطوع به وأنه ربما نقضه بعض الحكام وأعاده إلى حال الإشكال.
وإن بان امرأة أجري عليه أحكام النساء في النكاح والشهادة والولاية والدية والميراث وزوجت رجلًا وهل له الخيار لزيادة ذكرها أم لا؟ على قولين ذكرناهما:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار.
ومن أصحابنا من خرج مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكالها لبولها من فرجها وحده فلا خيار له وإن زال لسبوقه منه أو كثرته فله الخيار كما ذكرناه في الرجل.
فصل:
وإذا كان على إشكاله لم يجز أن يزوج قبل سؤاله واختياره فإن تزوج رجلًا كان النكاح باطلًا لجواز أن يكون امرأة فإن بان رجلًا لم يصح لتقدم فساده, وإذا كان كذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 371
ولم يبق ما يعتبر من أحواله غير سؤاله عن طباعه الجاذبة له إلى أحد الجنسين سئل عنها للضرورة الداعية إليها كما تسأل المرأة عن حيضها فيرجع فيه إلى قولها فإن قال: أرى طبعي يحدثني إلى طبع النساء وينفر من طبع الرجال عمل على ما أخبر به من طبعه في أصل الخلقة لا على ما يظهر من تأنيث كلامه أو تذكيره لأن في الرجال وقد يكون مؤنثًا يتكلم بكلام النساء والمرأة قد تكون مذكرة تتكلم بكلام الرجال.
قال: ولا يعمل على ما يشتهيه فإن الرجل قد يشتهي الرجل والمرأة قد تشتهي المرأة وإنما الطباع المذكورة في أصل الخلقة والقائمة في نفس الجبلة النافرة مما اعتادتها بغير تصنّع هي المعتبرة ويكون قوله هو المقبول إذ قد عدم الاستدلال بغير قوله كالمرأة التي تقبل قولها في حيضها وطهرها.
وإذا كان كذلك قيل له: أخبرنا عن طبعك فإذا قال: يجذبني إلى طباع النساء قبل قوله بغير يمين لأنه ليس فيه حق لغيره فيحلف عليه لأنه لو رجع لم تقبل منه وحكم بأنه امرأة وزوج رجلًا فإن عاد بعد ذلك فقال: قد استمال طبعي إلى طباع الرجال لم يقبل منه وكان على الحكم بما تقدم من كونه امرأة وعقد النكاح على صحته وإذا علم الزوج بأنه خنثى فله الخيار هاهنا قولًا واحدًا لأن الإشكال لم يزل إلا بقوله الذي يجوز أن تكون فيه كما ذكرنا وكان أسوأ حالًا ممن زال إشكاله بأسباب غير كاذبة ولو كان قد قال هذا الخنثى حين سئل عما يجذبه طبعه إليه أرى طبعي يجذبني إلى طباع الرجال حكم بأنه رجل وقبل قوله في نكاحه وفيما أخبر به من جميع أحكامه وهل يقبل قوله فيما اتهم فيه من ولايته وميراثه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يقبل منه لتهمته فيه وحكاه الربيع عنه.
والثاني: وهو المشهور في أكثر كتبه أنه يقبل منه لأن أحكامه لا تتبعض فيجري عليه في بعضها أحكام الرجال وفي بعضها أحكام النساء وإذا جرى عليه حكم النساء في شيء أجرى عليه أحكام النساء في كل شيء وإذا جرى عليه حكم الرجال في شيء أجرى عليه حكم الرجال في كل شيء وإذا حكم بأنه رجل زوج امرأة ولم يقبل منه الرجوع إذا علمت المرأة بحاله فلها الخيار في فسخ نكاحه قولًا واحدًا, والله أعلم بالصواب.
باب الإحصان الذي به يرجم من زنى
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِذَا أَصَابَ الحُرُّ البَالِغُ أَوْ أُصِيبَتْ الحُرَّةُ البَالِغَةُ فَهُوَ إِحْصَانٌ فِي الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا فَلَوْ كَانَ المُشْرِكُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا لمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لمَّا رَجَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مُحْصَنٍ".
قال في الحاوي: أما الإحصان في اللغة فهو المنع يقال: قد أحصنت المرأة فرجها إذا امتنعت من الفجور قال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: 91] أي منعته ويقال: مدينة حصينة أي منيعة قال الله تعالى: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14] أي ممنوعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 372
ويقال: امرأة حصان, إذا امتنعت من الفجور, وفرس حصان إذا امتنع به راكبه, ودرع حصن إذا امتنع بها لابسها, فسميت ذات الزوج محصنة؛ لأن زوجها قد حصنها ومنعها, وإذا كان هكذا فالحصانة في النكاح اسم جامع لشروط مانعة إذا تكاملت كان حد الزنا فيها الرجم دون الجلد لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
والشروط المعتبرة في الحصانة أربعة:
أحدها: البلوغ الذي يصير به ممنوعًا مكلفًا.
والثاني: العقل لأنه مانع من القبائح موجب لتكليف العبادات.
والثالث: الحرية التي تمنع من البغاء والاسترقاق, وأن كمال الحد فعل يمنع منه نقص الرق.
والرابع: الوطء في عقد نكاح صحيح لأنه يمنع من السفاح وقد قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] أي متناكحين غير مسافحين.
فأما الإسلام فليس بشرط في الحصانة.
فإذا تكاملت هذه الشروط الأربعة في مسلم وكافر رجم إذا زنا.
وقال مالك وأبو حنيفة: الإسلام شرط معتبر في الحصانة ولا يرجم الكافر إذا زنا استدلالًا بما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لا إحصان في الشرك".
وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنها لا تحصنك", ولأن الإحصان منزلة كمال وتشريف يعتبر فيها نقص نقص الرق فكان بأن يعتبر فيها نقص الكفر أولى ولأنه لما كان الإسلام معتبرًا في حصانة القذف حتى لم يحد من قذف كافرًا وجب أن يعتبر في حصانة الحد حتى لا يرجم الكافر إذا زنا ودليلنا ما روى الشافعي عن مالك بن نافع عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم يهوديين زنيا والرجم لا يجب إلا على محصن فدل على أنهما محصنان.
فإن قيل: فإنما رجمهما بالتوراة ولم يرجمهما بشريعته لأنه أحضر التوراة عند رجمهما فلما ظهرت فيها آية الرجم تلوح رجمهما حينئذٍ.
قيل: لا يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى وقد قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
الجزء: 9 - الصفحة: 373
أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] وإنما أحضر التوراة لأنه أخبرهم بأن فيها آية الرجم فأنكروا فأحضرها لإكذابهم.
فإن قيل: فيجوز أن يكون هذا قبل أن صار الإحصان شرطًا في الرجم فعنه جوابان:
أحدهما: أنه ليس يعرف في الشرع وجوب الرجم قبل اعتبار الحصانة فلم يجز حمله عليه.
والثاني: أنه قد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم يهوديين أحصنا, فأبطلت هذه الرواية هذا التأويل.
ومن طريق القياس: أن كل من وجب عليه بالزنا حد كامل فوجب أن يكون بالوطء في النكاح محصنًا كالمسلم ولأن كل قتل وجب على المسلم بسبب وجب على الكافر إذا لم يقر على ذلك السبب كالقود.
وقولنا: إذا لم يقر على ذلك السبب احترازًا من تارك الصلاة فإنه يقتل إذا كان مسلمًا لأنه لا يقر ولا يقتل إذا كان كافرًا لأنه يقر ولأن الرجم أحد حدّي الزنا فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر كالجلد ولأنه لما استوى في حد الزنا حكم العبد المسلم والكافر وجب أن يستوي فيه حد الحر المسلم والكافر.
فأما الجواب عن الخبرين الأولين فمن وجهين:
أحدهما: حمله على حصانة القذف دون الرجم.
والثاني: لا حصانة تمنع من استباحة قتلهم وأموالهم لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلاه إلا الله, فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وإما الجواب عن حديث حذيفة فهو أن لا يجوز حمله على حصانة الزنا لأنه لا يصح من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول لمن وثق بدينه من أصحابه وحذيفة قد كان موثوقًا بديته أنك متى زنيت تحت هذه اليهودية لم ترجم وإنما معنى قوله: "لا تحصنك" أي لا تتعفف بك عما تتعفف المسلمة.
وأما اعتبارهم ذلك بحصانة القذف.
فالفرق بينهما: أن حد الزنا حقّ الله تعالى فجاز أن يستوي فيه المسلم والكافر وحدّ القذف من حقوق الآدميين فجاز أن يفرق فيه المسلم والكافر كالدية.
وأما استدلالهم بأنه لما اعتبر في سقوط الرجم نقص الرق اعتبر فيه نقص الكفر فالجواب عنه أنه لما كان نقص الرق معتبرًا في الحد الأصغر كان معتبرًا في الحد الأكبر
الجزء: 9 - الصفحة: 374
ولما كان نقص الكفر غير معتبر في الحد الأصغر كان غير معتبر في الحد الأكبر وافترقا والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر أن الإسلام غير معتبر في شروط الحصانة فالكلام فيها مشتمل على ثلاثة فصول:
أحدهما: في نكاح الحصانة.
الثاني: في وطء الحصانة.
والثالث: في زمان الحصانة.
فأما نكاح الحصانة النكاح الصحيح الذي يجوز أن يقيم عليه الزوجان بولي وشاهدين فأما المتعة والمناكح الفاسدة فلا توجب الحصانة لأن الحصانة لاعتبار الحرية فيها أغلظ مشروطًا من إحلال المطلق للأول لأن الحرية لا يعتبر فيها ثم ثبت أن المناكح الفاسدة لا تحل فكان أولى لأن لا تحصن والأوجه لما قال أبو ثور: من أنها تحصن وكذلك التسري بملك اليمين لا يحصن كما لا تحل المطلقة للمطلق وأما وطء الحصانة فهو تغييب الحشفة في الفرج سواء كان معه إنزال أو لم يكن فإنه تلذذ بما دون الفرج أو وطء في السبل المكروه لم يتحصنا كما لا يسقط به حكم العنة لأنه وطء مقصود في الشرع فلم يتعلق إلا بالفرج كالإحلال للمطلق.
فصل:
وأما زمان الحصانة فهو الوقت الذي يكون فيه الوطء مثبتًا للحصانة ولا يخلو حالهما وقت الوطء من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونا كاملين.
والثاني: أن يكونا ناقصين.
والثالث: أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة.
والرابع: أن يكون الزوج ناقصًا والزوجة كاملة.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون كاملين فكمالهما يكون بالبلوغ والعقل والحرية, فإذا كانت في وقت الوطء بالغين عاقلين حرين صارا جميعًا به محصنين سواء عقد النكاح بينهما في حال الكمال أو قبله وسواء بقي العقد بينهما أو ارتفع قد ثبت الحصانة بوطْ المرأة الواحدة فأيهما زنا رجم.
أما القسم الثاني: وهو أن يكونا ناقصين ونقصانهما أن يكونا صغيرين أو مجنونين أو مملوكين فلا يكونا بالوطء ومحصنين ما كانا على الصغر والجنون والرق فإن بلغ الصغيران وأفاق المجنونان وعتق المملوكان فهل يصير بالوطء المتقدم أم لا على وجهين:
الجزء: 9 - الصفحة: 375
أحدهما: أنهما قد صارا محصنين لأنه قد ثبت به أحكام الوطء وفي النكاح من كمال المهر ووجوب العدة وتحريم المصاهرة والإحلال للمطلق فكذلك الحصانة فإذا زنيا رجما لتقدم الشرائط على الزنا.
والثاني: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يصيرا به محصنين حتى يستأنفا الوطء بعد كمال البلوغ والعقل والحرية لأن هذا الوطء يوجب الكمال فوجب أن يراعى وجوده في أكمل الأحوال ولأنه لما لم يثبت الحصانة في وقت لم يثبتها بعد وقته وبهذا خالف ما سواها من الإحلال وتحريم المصاهرة وكمال المهر ووجوب العدة لثبوتها به في وقته وبعد وقته ثم هكذا لو كان نقص الزوجين مختلفين فكان أحدهما صغيرًا والآخر مجنونًا أو كان أحدهما مملوكًا والآخر صغيرًا أو مجنونًا فوطئا لم يصيرا في الحال محصنين وهل يصيران بعد الكمال محصنين أم لا على وجهين:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة فكمال الزوج أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا ونقصان الزوجة أن تكون صغيرة أو مجنونة أو مملوكة أو تجمع نقص الصغر والجنون والرق فقد صار الزوج بذلك محصنًا إذا كانت الصغيرة التي وطئها ممن يجوز أن توطأ مثلها فإن كانت ممن لا يجوز أن توطأ مثلها لم يتحصن بوطئها فأما الزوجة فلا تكون محصنة بهذا الوطء في النقصان بالصغر والجنون والرق فإذا كملت بالبلوغ والعقل والحرية فهل تصير محصنة أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين:
وقال أبو حنيفة: إذا كان أحدهما: ناقصًا لم يحصنا معًا في الحال ولا في أي حال حتى يكون الكمال موجودًا فيهما حال الوطء وهذا خطأ؛ لأن موجب الحصانة أن يختلف بها حدّ الزنا فيجب الرجم على المحصن والجلد على غير المحصن ولو اختلف حالهما وقت الزنا فكان أحدهما محصنًا والآخر غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن ولم يكن لاختلافهما تأثير في حصانة أحدهما دون الآخر كذلك اختلافهما في وقت الوطء في النكاح لا يمنع من أن يصير به أحدهما محصنًا دون الآخر.
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون ناقصًا والزوجة كاملة ونقصان الزوج أن يكون صغيرًا أو مجنونًا أو مملوكًا أو يجمع نقص الصغر والجنون والرق فيطأ زوجة كاملة بالبلوغ والعقل والحرية فقد صارت بوطئه محصنة إذا كان الصغر ممن يوطء مثله فإن كان مثله لا يطأ لم تتحصن بوطئه فأما الزوج فلا يكون به محصنًا في حال نقصه وهل يصير به محصنًا بعد كماله أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين وعلى قول أبي حنيفة: لا يتحصن به واحد منهما والله أعلم بالصواب.
فأما الخنثى: إذا جعلناه رجلًا يتحصن بوطء امرأة ولا يتحصن لو وطئه رجل ولو جعلنا امرأة تحصن بوطء رجل ولا يتحصن لو وطأ امرأة ولو كان على حال إشكاله لم يتحصن بوطء رجل.
ولا بوطء امرأة ولا بوطء رجل وامرأة لأن نكاحه في حال إشكاله باطل بالحصانة لا تثبت بالوطء في نكاح باطل والله أعلم بالصواب.
الجزء: 9 - الصفحة: 376