كتاب الإقرار
مسألة [1]: قال: لا يجوزُ إلا إقرارُ بالغٍ رشيدٍ.
الفصل
وهذا كما قال: الإقرار الإثبات، يقال: أقر فلان بكذا إذا أثبته، وقرَّ الشيء واستقر في ذمته، والاعتراف مثل الإقرار.
وقيل: حقيقة الإقرار الإخبار بحق عليه، وحقيقة الشهادة الإخبار بحق على غيره.
والأصل في الإقرار وتعلق الحق به الحكم به في الشريعة الكتاب والسنة الإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:135] وشهادة المرء على نفسه هو الإقرار.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:282] أي: فليقر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:81] وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] وقوله تعالى: ﴿بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].
وأما السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر العسيف " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" [2]. واعترفت فرجمها.
وروي "أن ماعز بن مالك أقر عند وسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزنا فرجمه" [3]. وروي أن الغامدية أقرت بالزنا فرجمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الإجماع: لا خلاف بين المسلمين فيه [99 /ب] لأن الإقرار أقوى الحجج لأنه لا يتهم على نفسه فيما يقر والشاهد يتهم في الشهادة على غيره ويكفي في الإقرار واحد، ولا يكفي أقل من شاهدين في الشهادة فإذا ثبت الحق عليه بالشهادة فلأن يثبت بالإقرار أولى.
فإذا ثبت هذا فالكلام الآن فيمن يصح إقراره وفيمن لا يصح.
والناس ضربان: مكلف، وغير مكلف وأما غير المكلف فلا يصح إقراره بحالٍ وهو الصبي والمجنون وسواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، مأذوناً له بالإقرار أو غير مأذون له فيه، وسواء كان حقاً على البدن أو حقاً في المال.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصح إقرار الصبي المميز إذا كان مأذوناً في التجارةء وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه".
واعلم أن المراهق لو أقر بالاحتلام أو أقرت المراهقة بالحيض قبل إقرارهما إذا
الجزء: 6 - الصفحة: 92
احتمل السن ذلك ولا يمين عليهما، ولا يقال: هذا إقرار غير بالغ بل هو إقرار بالغ.
وللمراهق في بعض المواضع عبارة مسموعة وإن كان مردودا ًفي الإقرار في حق يلزمه في ذمته ألا ترى أنه يحيى بين أبويه وهو ابن سبع سنين فيصح اختياره.
وقد قال بعض أصحابنا: يقبل انتسابه إلى أحد المتداعيين إذا استويا في الدعوة ولم يوجد قائف إذا بلغ هذا السن ولذلك اعتبر الشافعي عبارته في مسألة أخرى فقال: إذا كشف الإمام عما تحت إزار صبيان المشركين ليفصل بين المقاتلة والذرية كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة فصادف صبياً منهم قد أنبت الشعر تحت ثيابه فقال: أيها الإمام إني لست بالغ فإني عالجت قبل أوان الإنبات حتى أنبت قبل قوله إذا احتمل ما يقول.
ولو أقر الصبي بالوصية فيه قولان مبنيان على صحة وصيته.
ثم إذا بلغ هل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى؟ نُظر، فإن كان حقاً لزمه باختيار من له الحق كالقرض ونحوه لم يلزمه، وإن كان حقاً لزمه بغير اختيار من له الحق كالغصب وإتلاف المال يلزمه [100/أ] ذلك.
وأما المغلوب على عقله بجنون أو مرض، أي مرض كان سواء زال عقله بشيء أكله أد شربه للدواء أو بعارض لا يُدرى سببه أو أكره فأوجر الخمر مكرهاً فذهب عقله لا يجوز إقراره بكل حال.
فإن أفاق فأقر في حال صحته أنه فعل شيئاً في حال زوال عقله فإن كان حقاً على البدن كالقصاص ونحوه لا يلزمه ولولي المقتول أن يأخذ الأرش ويأخذ المسروق منه السرقة.
وكذلك البالغ لو أقر أنه صنع شيئاً من هذا في صغره وإن كان حقاً في المال فالحكم ما ذكرنا.
ولو أقر الخنثى المشكل قبل أن يبلغ خمس عشرة سنة كان باطلاً سواء احتلم من فرج النساء أو من ذكر الرجال ولا يجوز إقراره ما لم يبلغ خمس عشرة سنة نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر [4].
وأما المكلف فعلى ضربين: مكره، وغير مكره فإن كان مكرهاً كان إقراره ساقطاً بكل حالٍ، وإن لم يكن مكرهاً فعلى ضربين:
محجور عليه وغير محجور عليه، فإن لم يكن محجوراً عليه كان إقراره صحيحاً لازماً سواء كان حقاً على البدن أو في المال، وسواء كان طلاقاً أو عتقاً فالباب واحد، وإن كان محجوراً عليه فهو على ثلاثة أضرب محجور عليه لسفه ورق وفلسٍ، فإن كان لسفه نُظر فإن أقر بحق على البدن كالقطع والقتل والحد والتعزير استُوفي منه.
وإن كان حقاً في المال لم يلزمه في الحكم ولا يُستوفى منه بعد زوال الحجر.
وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان حقاً لزمه باختيار من له الحق لم يلزمه لأن صاحب الحق ضيع حق نفسه.
وان كان حقاً لزمه بغير اختيار من له الحق وهو الإتلاف لزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
وان كان حقاً في المال يتعلق به حق على البدن وهو السرقة
الجزء: 6 - الصفحة: 93
لزمه القطع قولاً واحداً، وهل يغرم السرقة؟ قولان فإذا قلنا: لا يغرم ففك الحجر يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم.
وإن كان الحجر لرق فإن أقر بما يتعلق بالبدن لزمه، وإن كان بالمال لزمه في ذمته قولاً واحداً فإذا عتق استوفي منه في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى.
وان كان حقاً في مال يتعلق به حق على البدن مثل السرقة [100/ب] قطعناه وهل يتعلق الغرم برقبته فتباع فيه أم لا؟ وقد ذكرنا.
وإن كان هذا الإقرار منه بعد عتقه في حق لزمه في حال رقه فإن كان حقاً على البدن أقيم عليه حد العبيد، وإن كان في مال استوفي منه إن كان واحداً.
وإن كان بالسرقة قطعناه وغرمناه، وإن كان مأذونا فكذلك إلا إذا أقر بماله تعلق بمال التجارة كالبيع والشراء فيقبل قوله ويستوفى مما في يديه من مال التجارة، فإن عجز عن شيء كان في ذمته دون رقبته.
وإن كان الحجر للفلس فقد ذكرنا.
وأما قول الشافعي: "بالغ رشيد".
أراد بالرشيد العاقل لأنه ليس من شرط صحة الإقرار العدالة ويحتمل أنه أراد أن لا يكون سفيهاً محجوراً عليه حتى يصح إقراره بالمال فإذا تقرر هذا قال الشافعي بعد هذا: "ومن لم يجز بيعه لم يجز إقراره ".
فإن قيل: هذا لا يستقيم طرداً وعكساً لأن العبد المحجور عليه لا يجوز بيعه ويجوز إقراره بالقصاص ونحوه، والسفيه المحجور لا يجوز بيعه ويجوز إقراره بالقصاص والطلاق والنسب والاستيلاء، والأعمى لا يجوز بيعه ويجوز إقراره وكذلك السكران، قلنا: قال بعض أصحابنا: أراد الإقرار بالبيع خاصة يعني لم يجز إقراره بالبيع.
وقيل: أراد أنّه لا يجوز أكثر إقراره وقد يذكر الحد على معنى الأكثر الأغلب وقيل: أراد لم يجز إقراره بالمال وهذا مستقيم في السفيه والعبد، وأما الأعمى فيجوز بيع ما شاهده قبل العمى ويجوز سلمه وفي غيره قولان.
وقيل: كل نقص يمنح البيع يمنع الإقرار والأعمى لا يجوز بيعه لعام الرؤية لا لنقصه.
وأما السكران قال ابن أبي أحمد: يجوز إقراره، ولا يجوز بيعه كما ذكرتم، وبه قال ابن أبي هريرة لأن البيع يجمع ماله وما عليه فإذا لم يجز ماله لم يجز ما عليه لأن أحدهما لا ينفرد عن الآخر.
وقال في "الإفصاح ": بيع السكران يحتمل وجهين.
وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي جواز بيعه لأنا نجري أفعاله مجرى أفعال الصاحي.
وقال في "الجامع": روى المزني عن الشافعي في ظهار السكران ما إذا صح كان بمنزلة المجنون في إقراره.
وقال الشافعي في موضع: "ولو شرب رجل خمراً أو نبيذاً مسكراً فأقر [101/أ] في حال سكره لزمه ما أقر به".
وقيل: أراد الشافعي: ومن لم يجز بيعه بحالٍ كالصبي والمجنون لم يجز إقراره في حالٍ من الأحوال.
وقيل المحجور عليه أربعة، والرابع المريض وحكم إقراره يأتي.
فرع
إقرار المرتد في بدنه لازم قبل الحجر وبعده.
وأما في ماله بعد الحجر ففي حجره وجهان أحدهما: يجري مجرى حجر المرض فعلى هذا عقوده لازمة وإقراره نافذ.
الجزء: 6 - الصفحة: 94
والثاني: يجري مجرى حجر السفه، فعلى هذا عقوده باطلة وفي إقراره وجهان.
وأما إقراره قبل الحجر فهل يصير محجوراً بنفس الردة؟ وجهان: أحدهما: يصير محجوراً بها وحكمه مضى، والثاني: لا يصير محجوراً إلا بالحاكم فيجوز إقراره بحكم ينفذ.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه لا يجوز إقرار المكره.
قال الشافعي [5]: والإكراه أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع عنه من سلطانٍ أو لصَّ أو متغلبٍ على واحد من هؤلاء.
ويخاف المكره خوفاً عليه دلالة أنه إن امتنع من قبول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم أو إتلاف نفسٍ، فإذا خاف هذا سقط عنه حكم ما أكره عليه.
ولو كان لا يقع في نفسه أنه يبلغ به شيء مما وصفت لم يسعه أن يفعل شيئاً ويلزمه حكمه.
ولو حبس فخاف الحبس، أو قيد فخاف طول القيد أو وعد فخاف أن يقع به الوعيد ببعض ما وصفت يسقط عنه ما أكره عليه، ولو فعل شيئاً له حكم ثم أقر بعد فعله أنه لم يخف أن يوفي له بوعيد ألزمته ما أحدث من إقرار وغيره.
قال [6]: ولو حبس أو قيد فقال: ظننت أني إن امتنعت مما اكرهت عليه لم ينلني حبس أكثر من ساعة أو لم ينلني عقوبة خفت أن لا يسقط عنه المأثم فيما فيه مأثم مما قال: فأما الحكم فيسقط عنه من قبل أن الذي به الكره كان ولم يكن على يقين من التخلص.
فرع آخر
لو اقل لرجل: أقررت لك بكذا وأنا مكره فالقول قوله مع يمينه، وعلى المقر له البينة أنه أقر له غير مكره.
فرع آخر
لو شهد شاهدان أن فلاناً أقر لفلانٍ وهو محبوس بكذا، أو عند سلطان بكذا فقال المشهود عليه: أقررت خوفاً من الحبس أو لإكراه السلطان فالقول قوله مع يمينه إلا أن تشهد البينة أنه أقر عند سلطان غير [101/ب] مكره ولا مخافة ولا محبوس بسبب من أقر له، نص على هذا كله في كتاب"الإقرار" [7] بالحكم الظاهر وهذا كما لو كان موكلاً به لأن شاهد الحال يدل على أنه مكره.
فرع آخر
قال: لو أقر لعبدٍ لزمه الإقرار وكان المال المقر به للسيد.
وقال في "الحاوي": إن قلنا: يملك بالتمليك صح، وإن قلنا: لا يملك وجهان، أحدهما: لا يصح كما لا يصح للبهيمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 95
والثاني: وهو الأصح يصح لإمكان معاملته على ذمته.
وكذلك إذا أقر المجنون لزمه، وكذلك لو أقر مستأمنون ببلاد الحرب لأهل الحرب أو بعضهم لبعض غير مكرهين لزمتهم والحد أيضاً، كما ألزمهم في داو الإسلام.
فرع آخر
لو أقر لبعير الرجل أو لدابة له لم يلزمه الإقرار، وكذلك لو قال: عليّ بسبب هذا البعير لا يلزمه إلا أن يبين ما لزمه مثل أن يقول: بجنايتي عليها ونحو ذلك.
ولو قال: عليّ لسيدها بسببها كذا وكذا يلزمه ذلك.
فرع آخر
لو قال السيد: هذه الناقة عليّ بسبب ما في بطنها كذا وكذا لم ألزمه إياه لأنه لا يكون عليه بسبب ما في بطنها شيء أبداً.
فرع آخر
لو أقر لمسجد أو رباط وأطلق ففي صحته وجهان مخرَّجان من اختلاف قوليه في الإقرار للحمل مطلقاً.
والمذهب أنه يصح، لأنه قد يستحق صرف ذلك في عمارته من علة وقف عليه.
ولو فسر فقال: لمسجد بمالٍ من وصية أو لرباطٍ بمالٍ من وقفٍ عليه أو لماشيةٍ مسبلة بعلوفة من وصية أو صدقة فهذا صحيح وليس بتمليك، بل هو إقرار بجهات ينصرف المال إليها.
فرع آخر
لو أقر لضيعة أو كنيسةٍ بمال بطل الإقرار بكل حالٍ لأنه لا يصح الوقف على ذلك ولا الوصية له فلم يبق وجه الاستحقاق.
وقيل: يقال له: فَسَّر فإن قال: إن نصرانياً أوصى له به فإن كان حربياً كان فيئاً، وإن كان ذمياً رد على ورثته.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: لو قال: لهذا الميت عليّ مال ظاهر ما قال في "المختصر" يقتضي جوازه لأنه قال: ولو أقر للميت بشيء وقال: هذا ابنه وهذه امرأته قبل، واصل هذه المسألة إذا قال: كان لفلان عليّ كذا فهل هو إقرار؟ وجهان والظاهر أنه إقرار وتقدير إقراره للميت أنه كان له عليّ مال نفيه [102/أ] وجهان أيضاً.
ويمكن أن يقال: لا يصح لأن الإقرار ههنا ويفصل بينه ويبن ذلك بأن المقر له هناك في حال الإقرار ممن يثبت له الحق ابتداء فأمكن استصحاب الحكم الذي كان ثابتاً من قبل، وههنا المقولة على صفةٍ لا يثبت الحق له ني حال الإقرار فيتعذر فيه الاستصحاب، ومن قال بهذا حمل كلام الشافعي على أنه أراد به إذا أقر له إقراراً صحيحاً لا إذا أضاف ذلك إلى حال الممات.
الجزء: 6 - الصفحة: 96
مسألة [8]: قال: فإنْ قالَ الرَّجُلُ لفلانٍ: علي َّشيءٌ ثم جحدَ.
الفصل
وهذا كما قال: الإقرار ضربان: ابتداء الإقرار، وجواب عن دعوى، واعلم أن الدعوى لا تسمع إلا محررة معلومة إلا في الوصية خاصة فإنها تسمع مجهولة إذا قال: أوصى لي زيد بشيء من ماله ويرجع إلى بيان الورثة.
فإذا حرر الدعوى فقال: لي عليك ألف درهم، فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، وان أقر نظر، فإن بينها فلا كلام وإن أقر بمجهول فلا فرق أن يبتدئ بذلك أو يكون جواباً عن الدعوى فإذا قال له: عليّ شيء صح الإقرار ولزم، وإن كان مبهماً ويجب عليه تفسيره لأن من أبهم شيئاً وأجمله ثبت حكمه ويكون التفسير إليه كمجملات الكتاب والسنة، ويفارق الدعوى لأنها حق له والإقرار عليه فافترقا في الجهالة.
وأيضا إذا لم تصح دعوى للجهالة كان له داع يدعوه إلى تحريرها، وفي المقر لا نأمن الرجوع عن إقراره فيسقط حق المقر له فألزمناه مع الجهالة.
فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يفسر، أو يمتنع من التفسير، فإن امتنع وقال: لا أفسره سألنا المدعي عن الذي أراد بالشيء فإن قال: أراد به الألف الذي ادعيت قلنا للمقر: قد ادعى عليك أنك أردت بالشيء الألف الذي ادعاه فما تقول؟ فإن قال: ما أردت ذلك وامتنع من التفسير قلنا له: إن فسرت وإلا جعلناك ناكلاً ورددنا اليمين على المدعي فيحلف أنه أراد بالشيء الألف ويقضى له به.
وإن امتنع المقر له من اليمين قلنا: انصرفا فلا حكم لكما عنانا.
فقال في "الحاوي" [9]: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا وهو المنصوص.
والثاني: قاله في كتاب "الإقرار": يحبسه حتى يفر لأنه صار مقراً وبالامتناع عن التفسير كالمانع من حقَّ عليه فيحبس به.
وقال بعض [102/ب] أصحابنا بخراسان: يحلف عند نكوله أن له عليه ألف درهم ولا يحتاج إلى أن يقول: ولقد أراد بإقراره ألفاً إذ لو لم يكن إقرار وحصل نكول كان المدعي يحلف هكذا فالإقرار المجمل لا يريد المقر له شراً وهذا حسن.
وقال القاضي أبو عليّ البندنيجي رحمه الله: لا أعرف على قولنا مثل هذه اليمين فإنه يحلف على إرادة غيره بالمبهم وهو ضعيف وهذا خلاف النص، ويمكن التوصل إلى معرفته بقوله وبالإمارات الدالة عليه.
وان فسر الشيء لم يخل من أحد أمرين إما أن يفسره بمال، أو بما ليس بمال، فإن فسره بمالِ نُظر، فإن فسره بجنس الدعوى فقال: أردت بالشيء عشرة دراهم فإن صدقه المدعي في التفسير أخذه منه وكان على دعواه فيما بقي من الألف.
وإن قال: ما أراد بالشيء العشرة وإنما أراد به الألف قلنا له: قد ادعى عليك الألف، وادعى أنك أردت بالشيء الألف فله أن يستحلفك على الأمرين يميناً واحداً أنه لا يستحق محليك الألف ولا أردت بالشيء الألف، وما لم يجمع بين الأمرين لا
الجزء: 6 - الصفحة: 97
يقبل يمينه ولو قال: ما لك عليّ إلا درهم لكني أردت بإقراري ألف درهم لزمه الألف، فإن نكل عن اليمين يرد اليمين على ما ذكرنا.
هذا إذا فسر بجنس الدعوى، فإن فسره بغير جنسها مثل إن قال: أردت بالشيء ثوباً أو رجعنا إلى المدعي وفي الرجوع إليه ثلاث مسائل:
إحداها: إن قال: صدق في التفسير وذلك لي والألف لي أخذ ذلك وكان على دعواه في الألف.
والثانية: قال: صدق في التفسير وليس ذاك لي والألف لي لا يأخذ ذلك لأنه لا يدعيه وكان على دعواه في الألف.
والثالثة: لم يصدقه في التفسير بل قال: أردت بالشيء الألف، قلنا: هو يدعي عليك الألف والإقرار به فاحلف يميناً واحدة عليهما.
ولو قال: لا أدري ما أراد بقوله وليس لي ذلك حلف ما له عليه ما يدعيه فتكون اليمين على حسب الدعوى، وإن فسره بما ليس بمال وكان ابتداء الإقرار وفي ذلك الشيء منفعة كالكلب الذي يُعد للصيد، والحرث والماشية، وجلد الميتة.
والسرقين ونحو ذلك فيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه وهو الصحيح لأن ذلك مما يحصل للناس فيه بغية صحيحة فيجب رده عليه ويصح [103/أ] أن يريده بإقراره.
والثاني: لا يقبل منه لأنه ليس بمال ويطالب بالتفسير ثانياً فإذا فسر بما هو مال قبل قليلاً كان أو كثيراً.
وجده ماله قيمة.
فرع
لو فسره بالخمر والخنزير لا يقبل لأنه ليس بمال ولا منفعة فيه وهذا اختيار القاضي الطبري والقفال.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: يكون تفسيراً لأنه قال في الإقرار بالحكم الظاهر: لو أقر أنه غصب منه شيئاً ثم فسره بكلب أو جلد ميتة لزمه تسليمه، وإن فسره بخمر أو خنزير أرقت الخمر وذبحت الخنزير.
والثاني: لا يكون تفسيراً لأن قوله: عليّ شيء إقرار بما تضمنه أو بما تصح الدعوى به وهذا مما لا تصح الدعوى عليه به لأنه لا يقر عليه فلا يقبل تفسيره به ويفارق هذا قوله: غصبت لأنه قد يغصب ما ليس بمال ولا منفعة فيه ولا تتوجه به الدعوى عليه.
ولو قال في مسألة الغصب: أردت أني غصبتك فحبستك ساعة لم يقبل منه لأن الحر لا يغصب فخرج هذا أن في مسألة الغصب يقبل وجهاً واحداً.
وفي الإقرار بالشيء وجهان فإذا قلنا: يقبل لا يجب التسليم إليه بل يراق الخمر ويقتل الخنزير.
ولو كان مما يقر عليه اليد وهو الكلب وجلد الميتة يلزمه التسليم، فإن هلك قبل التسليم لا ضمان عليه.
وقيل: إذا فسر الشيء بما ليس بمال فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقبل لأنه
الجزء: 6 - الصفحة: 98
يمتد إليه اليد وإن كان خمراً.
والثاني: لا يقبل أصلاً.
والثالث: إن كان يقر عليه اليد يقبل وإلا فلا يقبل.
فرع آخر
لو فسره بما لا تثبت عليه اليد كقوله: أردت به جواب السلام أو جواب الكتاب أو الشمس أو القمر أو الريح أو النار لا يقبل منه.
فرع آخر
لو فسره بحد القذف هل يقبل؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبل لأنه حق الأدمي.
والثاني: لا يقبل لأنه يؤول إلى مالٍ.
ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
فرع آخر
لو فسره بقشر رمانة، أو قمع باذنجان لم يقبل منه فإن قيل: قشور الرمان مال فيجب أن يقبل منه.
قلنا: ذاك مما لا يتمول في العادة لأنه يُرمى به ويخالف [103/ب] هذا ذاك فإنه يتمول في العادة.
فرع آخر
لو فسره بجوزة واحدة يُقبل لأنه لا يُرمى به في العادة.
فرع آخر
لو فسره بحبة حنطة، أو حبة خردلة لا يقبل لأنه لا يطلق عليه اسم الشيء عادة، وقا قال القفال: لا يجوز أن يجعل هذا مهراً ولا ثمناً ولا ضماناً ولا أجرة.
وقال في "الحاوي" [10]: لو فسره بتمرة أو لقمة لا يقبل لأنه تافه حقير وإن كان اسم الشيء ينطلق عليه وهذا لأنه لا يستحق به مطالبة ولا يتوجه إليه إقرار لأمرين: أحدهما: ارتفاع اليد عنه.
والثاني: مساواة الجمع فيه وهذا غريب.
فرع آخر
لو فسره بالوديعة عنده يقبل، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يقبل تفسيره بغير المكيل والموزون لأن غير ذلك لا يثبت في الذمة، وهذا غلط لأنه مملوك يدخل تحت العقد كالمكيل.
وقيل: حد المقر به كل شيء جازت المطالبة به.
وقيل: حده كل شيء جاز الدعوى به وهو فيما يجوز الانتفاع به وهذا أصح لأنه حد لما يجوز المطالبة به ولما يجوز الإقرار به لأن كل شيء صح الإقرار به سمعت الدعوى فيه وما رد في أحدهما رد في الأخر.
فرع آخر
إذا لم يفسر الشيء عند سؤال الحاكم أعاد القول عليه ثانياً، فإن أبى أعاد عليه ثالثاً
الجزء: 6 - الصفحة: 99
وهل هو شرط أو استحباب؟ فيه وجهان: أحدهما: شرط لا يجوز الحكم قبله ليتحقق بالتكرار امتناعه من التفسير.
والثاني: أنه استحباب فإن حكم عليه قبل إعادة القول ثلاثاً أجزأه بعد إعلامه أنه يحكم عليه بعد امتناعه.
فرع آخر
قال: فإن لم يفسر حتى مات قام ورثته مقامه في التفسير ووقف جميع ماله حتى يفسروا وإنما يوقف الجميع لأنه ربما يأتي التفسير على جميعه.
فرع آخر
الشهادة على الإقرار بالمجهول تجوز لأنها شهادة على الإقرار به لا بالمجهول نفسه.
وإن شهدوا على نفس المجهول فقالوا: نشهد أن له عنده شيئاً أو مالا أو حقاً فيه وجهان: أحدهما: يصح وقيل: نص عليه الشافعي في كتاب "الرهن" فقال: لو ادعى الراهن أن المرتهن أقر بقبض شيء من الحق وأنكر المرتهن فقامت البينة به فالقول قول المرتهن [104/] في قدره.
والثاني: لا تصح لأن البينة ما يبين، وعندنا لا بين شيئاً فسقطت وهذا أظهر وتأويل النص أن البينة قامت على الإقرار به.
فرع آخر
اعلم أن حق الله تعالى، كحد الزنا، وحد شرب الخمر، لا يلزمه الإقرار به عليه بل هو مناوب إلى ستره والتوبة منه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أتى منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإن من أبدلنا صفحته نُقم عليه حد الله" وأما حق الآدمي كالقصاص وحد القذف فعليه الإقرار به والتمكين من استيفائه.
وأما حق الله تعالى المالي كالزكاة والكفارة لا يلزمه الإقرار به بل عليه أداؤه من غير إقرار.
وأما حق الآدمي من العين والدين، والمنفعة والحق كالشفعة وغير ذلك فإن كان مستحقه عالماً به لزمه أداؤه من غير إقرار مما لم يقع فيه تناكر، وإن كان غير عالم به لزمه الأمران الإقرار والأداء.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: الإقرار لا يصح إلا شروط أربعة مُقرّ، ومُقِرّ له، ومقر به، وقد ذكرناها والرابع: المقر عنده وهو من يصير الحق به محفوظاً إما حاكم ملزم أو شاهد متحمل وليس للإقرار عد غير هذين تأثير، فإذ كان الإقرار عد حاكم فمن شرطه أن يكون بعد سماع الدعوى عليه فإن أقر عنده قبل سماع الدعوى وفي غير دعوى فيه وجهان:
أحدهما: يصح، حكاه ابن المنذر عن الشافعي.
والثاني: لا يصح وهو اختيار البصريين ويشبه أن يكون اختلافهم في هذا من اختلاف قولي الشافعي هل للحاكم أن يحكم بعلمه؟ فإن قلنا: يجوز ذلك فهذا يجوز وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هذا.
وإن كان الإقرار عند شاهدين فمن شرطه أن
الجزء: 6 - الصفحة: 100
يستر عنهما فيقول بعد الإقرار: اشهدا عليّ بذلك.
فإن لم يستر عنهما وأقر عندهما أو سمعاه يقر من غير قصد لهما ففي صحة تحملها وجواز شهادتهما عليه بذلك وجهان والمشهور أنه يجوز.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: الإقرار ضربان: مفسر، ومجمل، والمفسر ضربان: مستوفى، ومختصر فالمستوفى [104/ ب] يقول مائة دينار بصفتها والمقصر أن يقول: مائة دينار ولا يذكر صفتها.
والمجمل ضربان عام وخاص فالخاص قوله: على مال، والعام قوله علي شيء وقد شرحنا بعضها وتمام الشرح يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا نرجع إلى بيان لفظ المختصر.
قال: إذا أقر بشيء ثم جحد أي جحد أن يكون المراد بالشيء هو الذي يزعمه المقر له.
وقوله: أقرر بما شئت مما يقع عليه اسم شيء يوهم أن التفسير إلى مراده ومشيئته وليس كذلك بل يلزمه أن يفسر إقراره بما علم أنه مراده عند إقراره بينه وبين ربه ولا يلزمه أن يفسره بجميع ما عليه له.
وقد يكون لرجل على رجل أنواع ديون فيقول: لفلان علي شيء ومراده ذكر بعضها أو ذكر كلها، فإن أراد ذكر بعضها عند الإقرار فليكن تفسيره على وفق الإقرار.
وإن أراد ذكر كلها فكذلك ينبغي أن يوافق التفسير اللفظ فصار تقدير كلام الشافعي كأنه قال: إذا جحد قيل له: أقرر بما شئت وأردت بإقرارك ومرادك لا على معنى الاختيار يوم تفسيرك.
مسألة 11: قال: وسواء قال: له علي مال أو مال كثير أو عظيم.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي مال يرجع في تفسيره إليه، فإن فسره بما يتمول قُبل سواء كان قليلاً أو كثيراً مثل قيراط من فضة أو باقة من بقل.
وإن فسره بغير المال لا يقبل قولاً واحداً ويخالف المسألة قبلها لأن حقيقة المال اسم لما يتمول فلا يقبل غيره.
وإن زاد على هذه صفة فقال: علي مال عظيم أو جليل أو خطير أو نفيس أو كبير أو كثير فحكمه حكم ما لو قال: علي مال ولم يزد عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: مال كبير يلزمه عشرة دراهم.
ولو قال: مال عظيم لا نص فيه، وقياس قوله إنه يلزمه عشرة دراهم.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قال: مال عظيم يلزمه نصاب تجب فيه الزكاة من أي جنس كان.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: يلزمه مائتا درهم، قال أبو بكر الرازي: هذا [105/ أ] مذهب أبي حنيفة.
وربما يقولون: ما لا نص فيه لأبي حنيفة، فقوله فيه
الجزء: 6 - الصفحة: 101
قول أبي يوسف لأنه قال: ما لا نص فيه فقولي فيه قول أبي يوسف.
وذكر بعض أصحاب مالك أنه إذا قال: عليّ مال فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثل قولنا.
والثاني: لا يقبل إلا أول نصابه من نصب الزكاة من أي مال كان.
والثالث: ما يستباح به البضع والقطع في السرقة وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار.
ولو قال: مال عظيم فقد قال بعضهم: هو كما قال: عليّ مال.
ومنهم من قال: يلزمه زيادة على ذلك وان قلت.
ومنهم من قال: يلزمه قدر الدية.
وقال الليث بن سعد: يلزمه اثنان وسبعون درهما لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25] وكانت غزواته وسراياه اثنتين وسبعين.
واحتج الشافعي لإبطال التقدير فقال: معلوم أن المسكين يرى الدرهم عظيما فإذا أقر فقال: لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بدرهم أو درهمين فلم تقبل تفسيره وألزمته عشرة دراهم أو مائتي درهم فقد ظلمته، وإذا أقر لخليفة فقال: لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بعشرة أو بمائتين فقبلت تفسيره فقد ظلمت المقر له إذ ليس عندك في ذلك أصل من كتاب أو سنة وليس عندك في ذلك إلا مجمل كلام الناس وعاداتهم، وعاداتهم مختلفة على حسب اختلافهم.
وربما يقرأ بعض أصحابنا: وليس عندك إلا مجمل كلام الناس بالجيم والصحيح غير هذا وهو ما فسرنا، فإن قيل: في حديث عبد الرحمن بن عوف لما مر بقوم يحلفوا بين الركن والمقام فقال: أعلى دم أو على عظيم من المال، لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام، فقال الشافعي: لا يحلف بين الركن والمقام في أقل من عشرين دينارا وحمل قوله: عظيم من المال على هذا المقدار وهذه مناقضة لأصله.
قلنا: الشافعي إنما حمل قوله على هذا المقدار لأن قصد عبد الرحمن بن عوف قد علم أنه لم يرد به جميع ما يقع عليه [105/ ب] اسم المال العظيم لأنه قرنه بالدم.
ولأنه أخرجه مخرج الإنكار عليهم في انتهاك حرمة ذلك المكان في الشيء اليسير فكان هذا دليلا من حاله على أنه قصد مقدارا من المال مخصوصا، ولو اقترن بقول المقر من الدليل ما يدل على قصده لم نحمله على إطلاقه.
وأما ما ذكر الليث ابن سعد فلا يصح لأنه وصف ذلك بالكثرة ولا يمنع ذلك من وقوع الاسم على ما دون ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:41] ولم ينصرف إلى هذا العدد.
فرع
لو قال: علي مال عظيم جداً أو قال: عظيماً عظيماً أو قال: مال وافر أو مغني أو تافه أو قليل أو صغير أو قليل جداً أو قال: مال قليل كثير أو وسط أو كثير إلا مالاً قليلاً أو مال إلا مالاً أو مال كثير عظيم جزيل ثقيل مغني فالكل واحد فبأي قدر من المال فسره جاز.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لو قال: عليً مال عظيم عظيم عظيم يلزمه ستمائة درهم وليس بمشهور.
الجزء: 6 - الصفحة: 102
فرع آخر
لو قال: عليّ دراهم كثيرة أو كبيرة أو عظيمة أو لا تحصى كثرةً، يلزمه ثلاثة دراهم ولا يقبل أقل من ذلك كما لو قال: عليّ دراهم.
وقال بعض المتقدمين من فقهاء البصرة والمتكلمين: يلزمه درهمان وأصل هذا أن عندهم أقل الجمع المطلق اثنان لأن الجمع مشتق من اجتماع الشيء مع الشيء.
وعندنا أقل الجمع ثلاثة لأن لفظ الواحد يسلم في التثنية ولا يسلم في الجمع فلم يجز أن يتفق العدد فيهما مع اختلاف صيغة اللفظ الموضوع لهما.
وأما ما ذكروا لا يصح لأنه مشتق من اجتماع الجماعة، كما أن التثنية مشتق من اجتماع الاثنين.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: دراهم كثيرة أو عظيمة يلزمه عشرة دراهم، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه مائتا درهم.
ولو قال: دنانير كثيرة عند أبي حنيفة يلزم عشرة وعندهم يلزم عشرون.
ولو قال: حنطة عظيمة عند أبي حنيفة يقبل ما يسمى عظيما في العادة، وعندهما يلزمه خمسة أوسق.
ولو تنازعا في الإرادة فالقول قول المقر مع يمينه فإن نكل عن اليمين فحكمه على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال: ولو أقر بمال عظيم وذكر [106 /أ] جنس المال فقال له: عليّ ذهب عظيم وغاب المقر فالمقر له بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يصبر حتى يقدم المقر فيكون الكلام معه، وبين أن يكتب له كتاب إلى حاكم البلد الذي هو فيه فيكون الكلام معه هناك، وبين أن يأخذ من جنس ما أقر له بما يقع عليه اسم مال، فإذا حضر المقر فإن اعترف لك بما أخذت وزيادة وإلا فالقول قوله ويسلم لك ما أخذت هكذا نص عليه.
فرع آخر
لو قال: له عليّ دريهمات لم يقبل أقل من ثلاثة عندنا.
فرع آخر
لو قال: عليّ ثلاثة يقبل إذا بينها من جنس أو أجناس.
وقال محمد: لا يقبل عند الإطلاق إلا من جنس واحد اعتباراً بالعرف.
وهذا خطأ لأنه لا اعتبار بالعرف والأصل براءة الذمة.
فرع آخر
قال: ولو قال: لفلان علي أكثر من مال فلان أو أكثر مما في يديه من المال وهو يعرف ماله أو ما في يديه أو لا يعرفه فسواء، وأسأله عن قوله فإن قال: أردت بقولي أكثر في الحل دون المقدار فإن ماله عليّ حلال وما في يد فلان حرام والحرام قليل أبداً، أو قال: أردت به أن الذي له في ذمتي أكثر بقاء، لأن العين يخشى هلاكها والذي في الذمة لا يخشى هلاكه، أو قال: أردت أن الذي له عليّ أكثر بركة قُبل قوله مع يمينه.
الجزء: 6 - الصفحة: 103
فرع آخر
قال: وإن قال: لفلان علي أكثر من عدد ما في يده من المال أو عدد ما في يد فلان من المال رجعنا إليه في عدد مال فلان فإن قال: ماله عشرة وأقررت بأحد عشر حلف ما أقر له بأكثر منه والقول قوله.
ولو أقام المقر له شهوداً أنه قد علم أن في يده ألف درهم ألزمه أكثر مما قال لأن الإقرار إخبار والشهادة إخبار والمال ينتقل هن حال إلى حال ليخرج عن يد فلان ويعلم هو بذلك دون الشهود فلا يلزمه إلا اليقين.
وكذلك لو قال الشهود: نشهد أن له ألف درهم فقال زيد عقيبه: عليّ لفلان أكثر مما له فالمرجع في تفسيره إليه وان اتصل بكلامهم لما ذكرنا.
فرع آخر
لو قال: علمت أن له ألف دينار وأقررت لك [106 /ب] بأكثر من عددها فلوساً أو حرزاً فالقول قوله مع يمينه، وهكذا لو قال: أقررت لك بأكثر من عددها حنطة أو غيرها.
فرع آخر
لو قال لرجل: لي ألف دينار فقال له: لك عندي أكثر مما لك لزمه ألف دينار ولا أكثر منه بل رجعنا إلى تفسيره.
فإن قال: زعم أن ماله ألف دينار وأنا أعلم أنه كاذب فيما يدعيه، بل ماله دينار واحد فالقول قوله، فإذا ثبت أن ماله دينار قلنا: قد قلت له عليك أكثر من ماله فإن قال: أردت أكثر بقاءً فالقول قوله فيحلف أن تفسيره ما أقر له بغلس أو جوزة.
وان قال: أردت أكثر عدداً كان المرجع في الأكثر إليه.
وان قال: قد علمت أن ماله ألف دينار وأقررت أكثر منه ذهباً لزمه أكثر من ألف دينار ذهباً.
فرع آخر
لو قال: لفلان عليّ مثل ما لزيد عليّ جنساً وقدراً وصفةً ثم قال: لزيد علي ألف درهم يكون مقراً للأول بألف درهم.
ولو قال: لزيد درهم فللأول درهم.
ولو قال: مثل ما لزيد علي وأطلق ثم قال: للأول درهم ولزيد ألف لا يلزمه للأول ألف لأن مثل لفظ مشترك يقتضي المثلية في الجنس ويحتمل في القدر ويحتمل في الصفة ويحتمل في نفس الوجوب.
ولو قال: مثل ما لزيد جنساَ حُمل على الجنس دون القدر.
وان قال قدراً حمل على القدر دون الجنس.
فرع آخر
لو قال: لزيد عليّ ألف إلا نصف ما لعمرو عليّ ثم قال: لعمرو علي ستمائة فلزيد سبعمائة.
ولو قال: لعمرو ألف إلا ثلث ما لزيد عليّ ثم أقر لزيد بتسعمائة يكون لعمرو سبعمائة.
فرع آخر
لو ابتدأ المدعي فقال: لي عليك مائة دينار فقال: لك عليّ أكثر منها ثم تبين درهماً
الجزء: 6 - الصفحة: 104
قُبل لما ذكرنا من الاحتمال.
ولو قال: أكثر منها عدداً يلزمه زيادة العدد من أي جنس كان.
ولو قال: أكثر منها جنساً وعدداً يلزمه أدنى زيادة على مائة دينار والله أعلم.
مسألة: قال 12: وإذا قال: لهُ علي ألفُ درهم ولم يسم الألف.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: له عليّ ألف فقد حصر العدد وأبهم المعدود، فإن نقص من العدد شيئاً لم يقبل منه ويقال له: فسر المعدود، فبأي شيء فسره من المال قبل دراهم أو دنانير أو تمر أو حب حنطة مع يمينه [107/ أ] فإن فسره بما ليس بمال كالكلام ونحوها فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
فإن كانت المسألة بحالها فعطف على ألف معلوماً فقال: ألف ودار أو ألف وثوب أو ألف ودينار أو ألف ودرهم فقد فسر العطف ويلزمه ذلك ويرجع في تفسير المعطوف عليه إليه كقوله: ألف ولم يعطف ولا يكون العطف تفسيراً للمعطوف عليه بحال.
وقال أبو حنيفة: إن كان العطف مما يكال أو يوزن أو يعد كان تفسيراً للمعطوف عليه، وإن كان غير ذلك كالعبيد والثياب لا يكون تفسيراً.
وقال أبو ثور رحمه الله: يكون تفسيراً بكل حال، وهذا غلط لأن العرب قد تعطف جنساً على جنس، وجنساً على غير جنس فتقول: رأيت زيداً وعمراً ورأيت رجلاً وحماراً فلم يكن تفسير العطف تفسيراً للمعطوف.
ولو قال: عليّ ألف وخمسون درهماً، أو مائة وثلاثة دراهم، أو مائة وخمسون درهماً أو قال: خمسة وعشرون درهماً اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يكون تفسيرا للمائة والألف والخمسة وهذا اختيار ابن خيران والإصطخري.
وقال أكثر أصحابنا: يكون تفسيراً للجميع فيلزمه دراهم كلها وهذا اختيار أبي إسحاق.
وقال أبو حامد: وهذا قول الشافعي والفرق أن قوله دراهم خالف ما قبله في الإعراب ولم يثبت به شيء فيفرد فكانت تفسيراً لما قبله وقوله: درهم ودرهمان موافق لما قبله في الإعراب ولزم به زيادة منفردة فلا يكون تفسيرا.
وقال القاضي الطبري: قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب" لو قال: عليّ ألف وكرٌّ حنطة والكُر: اثنا عشر وسقاً يرجع في تفسير الألف إليه وهذا يأتي على صحة قول ابن خيران والماسرجسي، قيل لأبي إسحاق: ما الفرق بينهما؟ فقال: إن قوله: ألف يحتمل المكيل والموزون والمعدود فإذا قال: وكرّ فلا يحتمل إلا الكيل، فإذا قال: حنطة فالظاهر أنه تفسير الكر لأنه أليق به فكان رجوعه إليه أولى من رجوعه إلى الألف المطلق وليس كذلك مسألتنا لأن الألف والخمسين في الاحتمال [107/ ب] واحد وليس لأحدهما على الآخر مزية.
ولو قال: ألف وكر فقد أبهم كلاهما فيقال: فسر الألف بما شئت مما يعد وفسر الكر بما شئت مما يكال.
وعلى هذا إذا قال: بعتك هذا الثوب بألف وثلاثة دراهم أو بخمسة وعشرين درهماً لا يصح البيع على قول
الجزء: 6 - الصفحة: 105
ابن خيران ويصح على قول أبي إسحاق.
فرع
لو قال: لفلان عليّ ثلاثة دراهم وألف لا يكون تفسيرا للألف بلا خلاف.
ولو قال: علي خمسة عشر درهماً كان تفسيرا للخمسة والعشرة بلا خلاف لأن هذين العددين مركبين وليس أحد العددين معطوف على الآخر.
فرع آخر
لو قال: عليّ ألف وأحد عشر درهماً فيه وجهان أحدهما: لا يكون تفسيراً كما لو قال: ألف وثلاثة دراهم.
والثاني: يكون تفسيرا لأنه عدد منصوب للتمييز والتمييز أخص بالصفات والنعوت.
ويصير تقدير هذا الكلام: له عليّ ألف وأحد عشر من الدراهم ويخالف العدد بلفظ الجمع كقوله: دراهم أو خمسة دراهم أو تسعة دراهم فلا يكون تفسيرا.
مسألة 13: قال: وإذا قال: له علي ألفُ إلا درهماً.
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أن الاستثناء، في الجملة صحيح في الإقرار والطلاق والعتاق وغيرها والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ {30﴾ إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الحجر: 30، 31] ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ﴾ [العنكبوت: 14].
ويجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر، واستثناء الأكثر وإبقاء الأقل، واستثناء النصف من النصف وبه قال كافة العلماء.
وقال بعض أهل اللغة: لا يجوز أن يستثني من نصف الجملة، وبه قال ابن درستويه النحوي وهو مذهب أحمد رحمه الله، واحتج بأن الاستثناء تبع لباقي الجملة فلم يجز أن يكون أكثر منها وهذا غلط لأن الله تعالى قال عن إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿39﴾ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿40﴾ [الحجر: 39: 40] ثم قال بعد هذا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] فاستثنى الغاوين من العباد والعباد من [108/ أ] الغاوين ولا بد أن يكون أكثر من الآخر أو يكونا مثلين، وأي ذلك كان فقد استثنى.
ولأن الخارج بالاستثناء غير داخل في اللفظ ولا مراد به فاستوي حكم قليله وكثيره، وإن كان الاستثناء يرفع جميع ما تقدم لا يجوز مثل أن يقول: عليّ ألف إلا ألف.
ويجوز الاستثناء من جنس المستثنى منه ومن غير جنسه بكل حال وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان المستثنى مما يكال أو يوزن أو يباع عدداً كالطعام والدراهم والجوز صح الاستثناء، وإن كان غير ذلك من الثياب والعبيد لا يجوز.
الجزء: 6 - الصفحة: 106
وقال محمد وزفر: يسقط الاستثناء بكل حال ويلزمه الألف.
وهذا غلط لأن لهذا الاستثناء وجهاً صحيحاً في الكلام فإنه إذا قال: عليّ ألفٌ إلا عبداً معناه إلا قيمة عبدٍ، ولو صرح بهذا كان صحيحاً فجاز أيضاً حمل الكلام عليه.
ولأنه لا يختلف أهل اللغة في صحة استثناء الجنس من الجنس ولكن اختلفوا في إعرابه فبعضهم نصبه، وبعضهم رفعه، فال ذلك على جوازه.
وقد قال النابغة 14 [من البحر البسيط]:
وقفت فيها أصيلاناً أسائلها عَيت جواباً وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياماً أبينها والنوى كالحوض بالمظلومة الجلد
وقال أيضاً:
وبلدةٍ ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
واليعافير: ذكور الظباء، والعيس: الجمال البيض، والأواريّ: المعالف.
وقيل: يجوز الاستثناء من غير جنسه في الإقرار وهل يجوز في غير الإقرار؟ وجهان لأنه قد يصح أن يؤخذ في الحقوق المقر بها غير الجنس بدلاً عنها ويتعذر وجود مثله في غير الإقرار.
فرع
ألفاظ الاستثناء إلا وغير وخلا وما خلا وحاشا.
ولو قال: عليّ ألف واستثنى مائة أو أحط مائة فيه وجهان: أحدهما: يكون استثناءً صحيحاً لأنه قد صرح بحكمه فأغنى عن لفظه.
والثاني: لا يصح لأنه واعد بالاستثناء إذا قال: استثنى وحاط بغير استثناء إذا قال: أحط.
فرع آخر
إذا قال: لفلان ألفاً إلا درهماً نقول له: فسر الألف الذي أبهمته.
فإن قال: أردت به ألف جوزة [108/ ب] أو ألف لوزة أو ألف باذنجانة نُظر فإن كان إذا استثنى منه مقدار الدرهم يبقى من الألف شيء صح الإقرار، وان لم يبق شيء لا يصح هذا التفسير.
فرع آخر
إذا لم يصح التفسير هل يجب هذا الألف كاملاً أو يطالب بتفسير.
بألفٍ، يصح منه استثناء الدرهم؟ قال صاحب "الإفصاح ": فيه وجهان: أحدهما: أن الألف الذي فسره به يلزمه كله كما لو قال: له عليّ ألف درهم إلا ألف درهم بطل الاستثناء ولزمه جميع
الجزء: 6 - الصفحة: 107
الألف فكذلك ههنا، والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق لا يصح هذا التفسير ويقال له: فسره بألفٍ يمكن أن يستثنى به بمقدار درهم لأن الإقرار بالألف والاستثناء قد صح فلا يجوز إبطال الاستثناء، وليس كذلك إذا قال: له ألف درهم إلا ألف درهم فإن الاستثناء لم يصح فألزمناه ما أقر به.
والأول أصح لأنه لما فسره بالألف الذي لا يمكن أن يستثنى منه الدرهم وأخبر أنه أراد بالألف المطلق تبينا أن استثناؤه كان باطلا.
ولأنا إنما نطالبه بنفسه ما أراده بالألف المطلق ولا نجعله إلى اختياره، وإذا كان كذلك لم يكن لأمرنا إياه بتفسير آخر معنى وهو اختيار ابن أبي هريرة فإن امتنع من بيانه هل يجعل كالناكل أو يحبس؟ ذكرنا وجهين.
فرع آخر
لو استثنى مجهولاً من معلوم مثل أن يقول: له عليَ ألف درهم إلا ثوبا صح ذلك.
وكذلك إذا قال: إلا عبداً لأنه يحتمل أن يكون أتلف عليه ثوباً أو عبداً فيكون قيمته مستثناه من الألف فيقال له: بيّن قيمته فإن بينه بما يبقى بعد القيمة من الألف شي، قُبل منه ولا يصير الألف عبيداً خلافاً لمحمد رحمه اللهء وعند أبي حنيفة إذا قال: عليّ ألف إلا درهماً يصير الألف كلها دراهم لاستثناء الدرهم منها ووافقنا إذا قال: إلا عبداً.
فرع آخر
لو قال: علي ألف إلا خمسين درهما كان الدرهم تفسيراً للخمسين المستثناه دون الألف بخلاف ما لو قال: ألف وخمسون درهماً لأن هاهنا عطف جملةٍ على جملةٍ، فإذا أتى بالتفسير كان تفسيرا لهما، وإذا قال: إلا خمسين هو استثناء وليس بعطف فلم يكن الدرهم تفسيراً [109/ أ] بل كان تفسيراً للاستثناء فحسب والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الاستثناء مجهولاً والمستثنى منه مجهولاً أيضا مثل إن قال: عليّ ألف إلا شيئاً يرجع في تفسيرهما إليه ويحتاج أن يبين بما يبقى شيء وإن قل.
ولو قال: عليّ ألف درهم إلا شيء يرجع في تفسير الشيء إليه والحكم ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: عليّ ألف درهم إلا شيء ينبغي أن يفسر الشيء بأقل من نصف الألف، فأما بأكثره فلا يقبل.
فإن قال قائلٌ: كيف نقبل منه التفسير المنفصل عن اللفظ في هذه المسألة ونظائرها؟ وقلتم اتصال الاستثناء شرط.
قلنا: ليس أمل الاستثناء كالتفسير لأن الاستثناء لفظ ظاهره الإسقاط فإذا اتصل جعل منعاً لابتداء الوجوب إذ الكلام بآخرهء وإذا انفصل تمحض ابتداء إسقاط فكان مردودا.
فأما اللفظ المجمل فيجوز أن يتراخى تفسيره عن وقت وروده كألفاظ الشريعة.
وعلى هذا قال أصحابنا: لو فسر المجمل تفسيراً غير مقبول فأراد أن يستأنف تفسيراً آخر كان ممكناً منه، ولو وصل بالأمل استثناء يرفع الجميع ثم أردنا لما بطل استثناؤه أن يستثنى مرة أخرى لم يمكّن منه.
الجزء: 6 - الصفحة: 108
فرع آخر
لو قال: عليّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، فإن أراد بالخمسين المستثناه جنساً غير الدراهم والدنانير يقبل، وان أراد أحد الجنسين من الدراهم أو الدنانير أو هما قبل أيضا.
وان فات بيانه قال أبو حنيفة: يعود إلى ما يليه، وعندنا يعود الاستثناء إليهما لأنه يحتمل ذلك والأصل براءة الذمة.
فرع آخر
إذا ثبت أنه يعود إليهما فيه وجهان أحدهما: إلى كل واحد منهما جميع الاستثناء فيستثنى من ألف درهم خمسون درهما ومن مائة دينار خمسون ديناراً وهو الأصح.
والثاني: يعود إليهما نصفين فيستثني من الدراهم خمسة وعشرون درهماً ومن الدنانير خمسة وعشرون دينارا.
فرع آخر
إذا استثنى عددين أحدهما معطوف محلى الآخر بحرف من حروف العطف فإن الاستثناءين جميعاً [109 /ب] يرجعان إلى المستثنى الأول مثل أن يقول: لفلان عليّ عشرة دراهم إلا درهمين وإلا ثلاثة دراهم فيلزمه خمسة دراهم.
فرع آخر
لو استثنى عددين ولم يكن أحدهما معطوفاً على الآخر بحرف من حروف العطف فإن الاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء الذي تقدمه مثل أن يقول: لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمين فيلزمه تسعة دراهم لأنه استثنى من الثلاثة درهمين فبقي درهم واحد وهو استثناء من العشرةء والأصل في جواز الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ {58﴾ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿59﴾ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا} [الحجر 57 _ 160] الآية ومن أهل اللغة من ينكر ذلك ويقول: العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء، والعامل الواحد لا يعمل في معمولين ونقول في الآية: إن الاستثناء الثاني من قوله تعالى: (أَجْمَعِينَ) وعنده يجوز ذلك ويترك العامل.
فرع آخر
لو قال: لفلان عليّ درهم ونصف درهم إلا نصف درهم فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه درهم ونصف ويكون الاستثناء باطلاً لأن الدرهم جملة والنصف جملة أخرى لأن أحدهما معطوف على الآخر والجملة الأولى قد استقر من غير الاستثناء لأنه إذا تخلل بين الاستثناء وبين المستثنى منه كلام استقر ولم يجز أن يرجع الاستثناء إليه، فإذا كان كذلك وجب أن يرجع إلى النصف الذي يليه وإذا رجع إليه رفع الكل، وإذا كان الاستثناء يرفع جميع المستثنى منه كان الاستثناء باطلاً.
والثاني: يجب درهم واحد لأن الكلام إنما يستقر بالسكت عليه، أو العدول إلى
الجزء: 6 - الصفحة: 109
كلام لا يتعلق بالإقرار ولم يوجد ههنا واحد منهما فوجب أن يكون الاستثناء راجعاً إلى الجميع.
وأيضا فإن من أصل الشافعي أن الاستثناء يرجع إلى جميع ما تقام ذكره فيكون الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة [110/ أ] وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاستثناء صحيحاً.
وهكذا لو قال: إلا دوهم فيه وجهان: أحدهما: يلزمه درهم ونصف، والثاني: يلزمه نصف دوهم وهكذا لو قال: لفلان عليّ درهم ودرهم إلا درهماً فهو على الوجهين أحدهما: لا يصح الاستثناء ويلزمه درهمان وهو المذهب لأن الشافعي نص في باب إباحة الطلاق على أنه لو قال: أنتِ طالق طلقة وطلقة يقع طلقتان لأن الواو وإن كان يعطف إلا أنه لا يخرج الكلام من أن يكون جملتين والاستثناء يتعقب أحدهما ويرفع جميعه فلم يجز.
والثاني: يلزمه درهم واحد في الطلاق يقع طلقة واحدة.
فرع آخر
لو قال: علي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة قال الماسرجسي فيه وجهان: أحدهما: يلزمه سبعة لأن الاستثناء الثاني غير صحيح لأنه رفع جميع الاستثناء الأول.
والثاني: عليه ثلاثة دراهم فإن الثاني إذا لم يصح رجوعه إلى الاستثناء رجع إلى المستثنى منه فكأنه استثنى من العشرة سبعةء وقد تعطف العرب من غير حرف العطف قال الأخفش: تقول العرب: أكلت خبزاً زيتاً تمراً يريد به خبزاً وزيتا وتمراً.
وقال بعض الشعراء 15:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الصديق
وعلى هذا إذا قال: عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا ثلاثة فهو على هذين الوجهين قلت: ويحتمل وجهاً آخر يلزمه عشرة، لأنه أثبت في الأخر ما نفى وزيادة فيثبت المنفي وتكون جملة المثبت عشرة والله أعلم.
وعلى هذا لو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة إلا ثمانية فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه عشرة لأن الاستثناء الأول لم يصح، والاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء الأول فإذا لم يصح الأول لم يصح الثاني.
والثاني: يلزمه ثمانية دراهم وهو الأقيس لأن الاستثناء الأول إنما يسقط إذا سكت عليه وإذا لم يسكت يستعمل [110/ ب] الكل والأول إثبات وقوله: إلا عشرة نفي.
وقوله: إلا ثمانية إثبات فلزم إسقاط العشرة من ثمانية عشر يبقى ثمانية.
والثالث: يلزمه درهمان فيبطل الاستثناء الأول، ويبقى الثاني فكأنه قال: عليّ عشرة إلا ثمانية وهكذا لو قال: عليّ ألف درهم إلا ألف درهم إلا مائة درهم كان على هذه الأوجه
الجزء: 6 - الصفحة: 110
الثلاثة أحدها: يلزمه ألف، والثاني: يلزمه تسعمائة، والثالث: يلزمه مائة وهكذا في الطلاق إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين.
فرع آخر
لو قال: لفلان علي عشرة، إلا ستة إلا أربعة إلا درهمين إلا درهماً يلزمه سبعة دراهم فإن كل استثناء يرجع إلى الاستثناء الذي يليه فيكون ستة إلا أربعة درهمين، ثم استثنى درهمين إلا درهم وذلك درهم فيكون الجميع ثلاثة فكأنه استثنى من العشرة فيكون المقر به سبعة دراهم.
وإن شئت قلت: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات فكأنه قال: عليّ عشرة تلزمني إلا ستة لا تلزمني فيكون أربعة ثم قال: إلا أربعة يعني أربعة تلزمني إلا درهمين لا يلزمني فيكون درهمين فيكون ستة ثم قال: إلا درهماً يلزمني فيكون سبعة.
وعلى هذا لو قال: عليّ عشرة إلا ثمانية إلا ستة إلا أربعة إلا درهمين إلا درهماً يلزمه خمسة دراهم فيكون ثمانية إلا ستة درهمين وأربعة إلا درهمين تكونن درهمين ودرهم بعده يكون جميع الاستثناء خمسة فيكون قد استثنى من العشرة خمسة فيلزمه خمسة دراهم.
وان شئت قلت: معاً عشرة يلزمني إلا ثمانية لا يلزمني فيكون درهمين ثم قال: ستة يلزمني إلا أربعة لا يلزمني فيكون درهمين ثم قال: درهم يلزمني فيكون المقر به خمسة دراهم.
وعلى هذا لو قال: عليّ ألف إلا ثماني مائة إلا أربعمائة إلا مائتين إلا مائة تلزمه خمسمائة على ما بيناه.
فرع آخر
لو قال في الطلاق: أنت طالق خمساً إلا ثلاثاً.
قال ابن أبي هريرة: يقع ثلاثاً لأن إيقاع الخمس لا يصح فالصحيح من الخمس ثلاث، فإذا استثنى من الثلاث ثلاثاً لم يصح [111 /أ].
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار القافي الطبري يقع تطليقتان لأن خمساً إلا ثلاثاً عبارة عن الاثنين فكأنه قال: أنت طالق تطليقتين.
وعلى هذا لو قال: أنت طالق خمساً إلا تطليقتين يقع طلقة على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني يقع ثلاثاً.
فرع آخر
لو قال: هذا الخاتم لفلان وفصه لي كان الاستثناء صحيحا، كما لو قال: هذا الخاتم إلا فصه لفلان.
وكذلك لو قال: هذا الدار لفلان وهذا البيت لي أو إلا هذا البيت فالكل واحد.
وان فصّل الكلام كان إقراراً بجميع الدار وبجميع الخاتم مع البيت والفصّ.
فرع آخر
لو قال: هذا العبد له إلا رأسه لم يكن استثناء، لأنه لا ينفصل.
فرع آخر
لو قال: غصبته عبداً إلا رأسه أو إلا يده فيه وجهان أصحهما: يكون غاصباً لجميعه
الجزء: 6 - الصفحة: 111
لا لحالة ما استثناه.
والثاني: أنه يكون مقراً بجزء منه يرجع في بيانه إليه.
فرع آخر
لو قال: عليّ درهم ينقص دانقاً كان كقوله إلا دانقاً.
فرع آخر
لو قال: غصبتك أو غصبتك ما تعلم لم يلزمه به ويقال: فسر فإن قال: أردت غصبتك نفسك وأدخلتك البيت أو المسجد فالقول قوله نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر وهكذا لو قال: غصبتك أو غصبتك مراراً كثيرة.
فرع آخر
لو قال: غصبتك شيئاً يرجع في تفسيره إليه كما لو قال: غصبت منك شيئاً.
ولو قال ههنا أردت غصبتك نفسك لم يقبل لأن قوله: غصبتك شيئا فالشيء غير نفسه.
فرع آخر
لو قال: غصبتك هذا العبد أو هذه الجارية فهو كما لو قال: غصبتك أحد هذين العبدين فيلزمه الإقرار وعليه التعيين، فإن عين أحدهما وصدّقه المقر له أخذه وانصرف، وان كذبه نُظر فإن قال: بل الآخر لي فالقول قول المقر مع يمينه يحلف ويسقط حق المدعي ويقال له: قد أقر لك بالأول فإن قبلته وإلا فذاك إليك.
ثم هل يقر في يده أو يرده الحاكم إلى يد نفسه؟ وجهان وقد ذكرنا من قبل نظيره.
فإن كانت بحالها فعين له العبد فقال له المقر: بل العبد والجارية كلاهما لي فالقول قول المقر [111/ ب] مع يمينه.
فإن كانت بحالها فقال: لا أعين قلنا: للمقر له عين أيهما شئت فاحلف أنه لك وحده فإن قال المدعي: هما معاً لي ولا أعين شيئاً والمقر لا يعين شيئاً وأنا أحلف عليهما وأستحقهما قلنا للمقر له: قد ادعاهما وقد نكلت عن التعيين فإن عينت وحلفت وإلا جعلناك ناكلاً وحلف المقر له عليهما واستحق.
وان ماتا في يديه أو أحدهما فالقول في ذلك كالقول فيهما وهما حيان.
وإن امتنع كل واحدٍ منهما من اليمين وسأل المقر له وقفهما حتى يعين الغاصب أحدهما لقلنا.
فإن أقر الغاصب بأحدهما ثم ادعى المقر له أنه حدث بالعبد عيب عناه فقال الغاصب: بل كان العيب به حين الغصب فإن كان عيبا لا يمكن حدوثه عند الغاصب فالقول قوله بلا يمين، وان كان عيباً يمكن حدوثه عند كل واحد منهما فالقول قول الغاصب مع يمينه.
وان كان عيباً لا يمكن حدوثه عند المغصوب منه فالقول قول المقر له.
مسألة: قال 16: وان أقر بثوبٍ في منديل أو تمرٍ في جرابٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أقر بشيء في ظرفٍ أو وعاءٍ كان إقراراً بالشيء دون الظرف
الجزء: 6 - الصفحة: 112
والوعاء فإذا قال: ثوب في منديل أو دهن في قارورة أو حنطة في مكيال أو ثوب في جراب أو تمر في جراب أو زيت في وعاء أو ماء في جرة لا تلزم الأوعية في هذه المسائل، قال الشافعي: وأصل ما أقول في هذا إني ألزم الناس أبداً اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل عليهم الأغلب، وبه قال مالك رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل كان غاصباً لهما لأن الظاهر أنه ظرفه في حال الغصب ووافقنا إذا قال له: عندي ثوب في منديل أنه لا يدخل المنديل فيه فنقيس عليه.
قال بعض فقهاء المدينة: إن كان المقر به ذائباً مثل إن قال: عليً زيت في دبّة دخل الظرف في الإقرار فإن كان جامدا لم يدخل.
وعلى هذا لو قال: غصبتك حنطة في أرض أو من أرض أو زيتاً في حُب أو من حُب أو بعيراً في مرعى أو من مرعى أو عبداً في غنم [112/ أ] أو في إبل أو عبداً من غنم أو من إبل أو حنطة في سفينة أو في غرارة لم يدخل الوعاء في الغصب، وهكذا لو قال: ثياباً في عيبةٍ أو فصاً في خاتم أو خاتماً في فصًّ أو سيفاً في حمالة أو حمالة في سيف لأن كل هذا قد يتميز من صاحبه فينتزع الفص من الخاتم والخاتم من الفص.
وهكذا لو قال: غصبتك زيتاً في زقٍ أو عسلاً في عكةٍ أو شهداً في جونة أو جرة فيها زيتُ أو قفصاً فيه طير أو عكة فيها سمن كان غاصباً للجرة دون الزيت والقفص دون الطير، والعكة دون السمن ولا يكون غاصباً لهما معاً إلا أن يبين فيقول: غصبتك عكة وسمنا وجرةً وزيتا فيكون غاصباً للشيئين والقول قوله في أي سمن أقر به وفي أي عكة أقر بها.
وهكذا لو قال: غصبتك عكة وسمنها أو جرة وزيتها.
أو غصبتك عكة بسمنها أو جرة بزيتها.
وكذلك لو قال: غصبتك داراً بقماشها أو سفينة بطعامها كان إقراراً بهما لأن البناء يعلق الثاني على الأول.
فرع
لو قال: غصبتك حمارا عليه سرج، أو حماراً مسرجاً كان غاصباً للحمار دون السرج، وكذلك لو قال: له عندي دابة مسرّجة.
ولو قال: دابة مع سرجها أو بسرجها كان إقرارا بهما.
وذكر ابن أبي أحمد في "التلخيص" أنه لو قال: لفلان عندي فرس عليه سرج لم يدخل السرج في الإقرار، وقد ذكرناه نصا في الحمار، ثم قال: ولو قال: لفلان عندي عبد عليه عمامة أو ثوب أو منطقة كان ذلك للمقر له، قلته تحرجاً، والفرق بينهما أن يد العبد يد مولاه فإذا أقر أن عليه عمامة فإن العمامة يجب أن تكون في يد مولاه الذي أقر له به فلا تسمع دعواه أن العمامة له إلا ببينة، وليس كذلك الفرس لأنه لا بدل له، وإنما الذي عليه من السرج يكون في يد من هو في يده وهذا يقتضي فرقا لا من جهة الإقرار، والعمامة غير داخلة في الإقرار كالسرج وإنما يثبت له من جهة يد العبد ولا يد للفرس، ومن أصحابنا من خالفه فيه وقال: هذا لا يصح على أصل الشافعي وإنما يجب عليه [112/ ب] تسليم العبد فقط وتكون العمامة للمقر كالسرج وهو اختيار القفال وجماعةٍ، وهذا لأن العبد لا يد له على نفسه ولا على ما
الجزء: 6 - الصفحة: 113
هو لابسه وممسكه ولهذا لا يقبل توله: إني عبد لغير من هو في يده وهذا هو الصحيح عندي: وعلى هذا إذا قال: له عدي عبد على دابة يجب أن يكون على هذين الوجهين.
وعلى ما ذكرنا لو قال: غصبتك عيبة فيها ثياب كان غاصباً للعيبة دون الثياب.
فرع آخر
لو قال: له عندي رأس عبدٍ كان إقراراً بجميع العبد لأن رأس العبد لا ينفصل عنه.
فرع آخر
لو قال: له عندي ثوب مطرز، فإن كان الطراز منسوجاً معه دخل في الإقرار لأنه بعض الثوب، وإن كان مركباً عليه ففي دخوله في الإقرار وجهان: أحدهما: يدخل لاتصاله، والثاني: لا يدخل لتميزه واحتماله.
مسألة 17: قال: ولو قالَ: لهٌ قبلي كذا ثمّ اقرَّ بما شاءَ واخذ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان قبلي كذا فذلك إقرار ملزم كما لو قال: عندي أو لفلان عليّ لأن لفظ قبلي ولفظ عندي متقاربان في معهود كلام العرب وفيه ثلاثة فصول يقول عليّ كذا.
ويقول كذا وكذا.
أو يقول: كذا وكذا وكل واحدٍ منها على ضربين، مطلق ومفسر.
أما الأول: وهو قوله كذا ولم يفسر كان كقوله: عليّ شيء.
وان قيد فقال: كذا درهم بالرفع أو بالخفض أو بالنصب يلزمه درهم فإن الإعراب لا يغير حكمه.
والرفع أن يقول: درهمُ والخفض أن يقول درهمٍ، والنصب أن يقول: درهماً.
وقال في "الحاوي" 18:لا خلاف في هذا بين الفقهاء وان كان على مقتضى الإعراب عند الخفض يتناول مائة درهم لأنه أول عددٍ يكون تمييزه محفوظاً بالإضافة لأن الفقهاء يجعلون قوله: درهماً أو درهم تفسيراً لجنسه وقوله كذا يتناول من الأعداد واحداً.
وقال القاضي الطبري: لو قال: درهم بالرفع لزمه درهم واحد ويكون تقديره شيء هو درهمٌ، وان قال درهم بالخفض لزمه بعض درهم حسب ما يفسرهء ويكون كذا كناية عن جزءٍ من الدرهم مضافٍ [113/ أ] إليه لأن كذا اسم مبهم بمعنى شيء فصح أن يفسر بجزءٍ من درهم ولو قال: درهما لزمه درهم ويكون منصوباً على تفسيره.
وقال بعض النحويين: إنه منصوب على القطع فكأنه قطع ما ابتدأ به وأقر بدرهم وعلى هذا مذهب نحاة الكوفة، وهذا اختيار كثير من أصحابنا وهو قول ابن أبي أحمد في تصنيفه.
ولو قال: كذا درهم ووقف بغير إعراب قال بعض أصحابنا: فيه وجهان فعلى ما ذكره القاضي الطبري يلزمه بعض درهمٍ لأن المجرور يوقف عليه ساكنا كما
الجزء: 6 - الصفحة: 114
يوقف على المرفوع وإذا احتمل ذلك لم يلزمه إلا اليقين.
وعلى القول الأول وهو اختيار أبي حامدٍ يلزمه درهم.
وأما الثاني: إذا كرر فقال: عليّ كذا وكذا فإن لم يفسر كان كقوله كذا مرة واحدةً وهو كقوله: علي شيء شيء فهو شيء واحد والتكرار تأكيد وقد مضى حكمه وهذا لأنه لم يعطف أحدهما على صاحبه بحرف العطف واليقين هو التكرار وما زاد عليه شك، وإن فسر وقال: كذا كذا دوهماً أو درهمٌ أو درهم فهو على ما ذكرنا في قوله: كذا درهم حرفاً بحرفٍ.
وقال ابن أبي أحمد في "المنهاج ": يلزمه درهم وزيادة إذا قال: كذا كذا درهماً.
وقال القاضي أبو علي الزجاجي قلت: أنّا لا نلزمه الزيادة وهو على ما قال وذلك غلط.
وقال أبو حامد في "الجامع": قد قيل إن المقر إذا كان من أهل العربية والعلم باللغة يلزمه أحد عشر درهماً إذا قال: درهماً بالنصب.
وقيل: لا يلزمه حتى يقول: أردت ما توجب العربية وهذا لا يعرف للشافعي في كتبه.
وقيل: هذا مذهب محمد ولا يفرق بين أن يكون عارفاً باللغة أو لا ولا نص فيه عن أبي حنيفة.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: إن كان نحوياً يلزمه ما قال محمد، وإن كان من العامة الذين لا يعرفون في الكلام يلزمه درهم واحد وهذا غلط لأن في قوله كذا درهم بالخفض لم يعتبر مقتضى اللسان في إيضاف مائة درهم كذلك ههنا.
وأما الثالث: إذا قال: كذا وكذا فإن أطلق ولم يفسر كان كقوله: شيء يعني فيرجع [113/ ب] في تفسيرهما إليه فإن فسرهما بمالين فالقول قوله.
وان فسر وقال: كذا وكذا درهماً قال المزني: يلزمه درهمان ثم قال: وقال في موضع آخر: يلزمه درهم فأكثر يعني أقل ما يقبل منه درهم واحد فإن زاد عليه قبل منه.
واختلف أصحابنا فيه على طوق فذهب المزني إلى أن المسألة على قولين: أحدهما: درهم واحل وهو اختيار المزني لأن أقل شيئين فسرا بدرهم نصف ونصف والأقل هو اليقين.
والثاني: يلزمه درهمان لأنه أقر بجملتين مبهمتين ثم فسرهما بالدرهم فالظاهر أن ذلك تفسيرا لكل واحدة منهما.
قال المزني: وهذا إذا نصب فقال: درهماً، فإن قال: درهم بخفض كان أقل من درهم لأن تقديره كذا وكذا من درهم.
وان قال: كذا وكذا درهم برفع يلزمه درهم واحد لأن تقديره كذا وكذا هما درهمٌ.
وقال أبو إسحاق: ليس على قولين بل هو على اختلاف حالين فالذي قال: درهم واحد إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع والذي قال: درهمان إذاً قال: بالنصب وهذا بين في كتاب "الأم " لأن الشافعي ذكرها بين المسألتين في كتاب الإقرار والمواهب وإحداهما تتلو الأخرى والظاهر أنه لم يقصد به القولين وإنما قصد به اختلاف حالين لأنه لا يجوز أن تكون المسألة الواحدة في موضعٍ واحدٍ ويجيب بجوابين مختلفين فيجب أن تكون الأولى بالنصب، والثانية بالرفع.
الجزء: 6 - الصفحة: 115
وقال القاضي الطبري: قد تأملت كتاب الإقرار والمواهب فوجدت الشافعي قال: وإذ قال: كذا وكذا درهماً أعطاه درهمين ثم قال: فإن قال: كذا كذا درهماً أو كذا وكذا درهماً قيل له: أعطه درهما أو أكثر من قبل أن كذا يقع على أقل من درهم فإن عينت درهماً فليس عليك أكثر منه فنصب الدرهم ني الموضعين على ما نقل المزني فيجب أن يقول أبو إسحاق: ذلك خطأ من الكاتب.
وقال أبو حامد: مذهب الشافعي ما قال أبو إسحاق في الفرق أنه إذا نصب كان تفسيراً لهما وإذا رفع كان معناه مبلغهما درهم.
قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون الشافعي قال: ظاهره درهمان فإذا أطلق ولم تكن له إرادة ألزمته درهمين وقوله: درهم أراد إذا قال: [114/ أ] عنيت درهماً فلا يكون عليه أكثر منه.
قال أبو إسحاق: وأبعدها ما ذكر المزني من أن الثاني مخالف للأول وأنه على قولين.
والطريقة الرابعة ما قال ابن أبي هريرة والصحيح أن يقال: إذا قال: كذا وكذا درهماً يلزمه درهمان، والذي قال: يلزمه درهم وأكثر أراد به إذا شك هل قال المقر: كذا كذا درهماً؟ أو قال: كذا وكذا درهماً؟ فألزم اليقين وهو درهم واحداٌ لأن مذهبه لا يختلف أنه إذا قال: كذا كذا درهما أنه يلزمه درهم واحد وهذا أيضاً يحتمل لأن الشافعي قال: فإن قال: كذا كذا درهماً أو كذا وكذا درهماً قيل له: أعطه درهماً أو أكثر وهذا يحتمل الشك.
وقال محمد: يلزمه أحدٌ وعشرون درهماً إذا قال: كذا وكذا درهماً وهذا اختيار أبي إسحاق فيمن كان نحويا.
وهذا غلط لما ذكرنا.
وحكي عن محمد أيضا أنه لو قال: كذا درهما لزمه عشرون درهما، وهذا غلط لأنه يؤدي إلى أن يلزمه باللغة إذا كرره أقل مما يلزمه إذا وحّده، لأنه يقول: في كذا كذا يلزمه أحد عشر درهماً، وفي كذا درهماً يلزمه عشرون درهما وهذا محال.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: عليّ كذا كذا أو كذا وكذا درهماً يلزمه أحد عشر درهماً.
فرع
لو قال: عليّ كذا بل كذا قيه وجهان: أحدهما: يكون إقراراً بشيء واحد، ويكون الثاني إثباتا للأول.
والثاني: يكون إقرارا بشيئين كقوله: عليّ كذا وكذا لأنه لا يسوغ في اللسان أن يقول: رأيت زيداً إلا زيدا يعني الأول وإنما يصح ذلك إذا عنى غيره.
مسألة: قال: والإقرار في الصحة والمرض سواء يتحاصون معاً.
وهذا كما قال: إذا أقر رجل في صحته لرجل بمالٍ ثم مرض المقر مرضاً مخوفاً فأقر لآخر بمالٍ ثم مات فإن كان ماله الذي خلفه يفي بالدينين جميعاً قسم ماله بينهما فإن فضل شي، كان لورثته، وان كان ماله يعجز عهما قسم بينهما على قدر الدينين، فإن كان لأحدهما ألف والآخر ألفان قسم بينهما على الثلث والثلثين وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: يقدم غريم الصحة على غريم المرض وافقنا إذا ثبت بالبينة أنهما [114/ ب] يستويان وهذا غلط لأنهما استويا في الثبوت من غير مزية فأشبه ديني الصحة وهذا لأن المرض لا يوجب حجراً في الإقرار بدليل أنه ينفذ للأجنبي بجميع ماله فإن
الجزء: 6 - الصفحة: 116
قيل: أليس المحجور عليه إذا أقر بالدين بعد الحجر يقدم عليه من أقر له قبل الحجر في أحد القولين فما الفرق؟ قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن المقر له في الحجر يرجع إلى ذمته ويأخذ حقه إذا استفاد مالاً فلم يكن في تقديم المقر له قبل الحجر إسقاط دينه، وههنا إذا قدمنا المقر له في صحته أدى إلى إسقاط حجره فإنه لا يرجع إلى ذمته بعد موته ولا يرجو أن يستفيد مالاً فيستوفى منه.
والثاني: أن الديون التي على المحجور عليه مبنية على تقديم الأقوى فالأقوى، ألا ترى أنا نقدم من وجد ماله بعينه على من دينه في الذمة؟ وليس في يده عين مالٍ بخلاف هذا.
فرع
العبد المأذون إذا أقر بدين لزمه من ثمن المبيع أو أرش العيب ونحوه ينقذ إقراره.
فلو حجر السيد عليه ثم أقر لآخر بدين نظر فإن كان المال الذي في يده صرف إلى المقر له أولاً ولم يبق في يده ولا في يد السيد منه شيء فلا يسترجع من المقر له ما قد حكمنا بملكه بإقرار العبد.
وان كان المال في العبد أو يد السيد لم يصرف إلى غرمائه فإنه يشاركهم أو يأخذ ما يفضل عنهم على وجهين بناءً على القولين اللذين ذكرناهما في إقرار المحجور عليه لا فرق بينهما.
فرع آخر
إذا قدم المريض قضاء بعد ديون غرمائه لم يشركه الباقون فيه خلافاً لأبي حنيفة وهذا لأنه لزمه قضاؤه فأشبه إذا قضى ثمن سلعته في يده.
مسألة 19: قال: ولو أقَّر لوارثٍ فلم يمت حتى حدث وارثٌ يحجبه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أقر في مرضه لا يخلو إما أن يكون للأجنبي أو للوارث، فإن كان للأجنبي يلزم إقراره سواء كان الإقرار بعين أو دين أو كان بكل المال أو ببعضه لأنه مطلق التصرف في ماله ولا يتهم في إقراره ويكون مقدماً على الوارث.
وفيه قول آخر ذكره القاضي أبو علي الزجاجي [115/ أ] في "زيادة المفتاح " أنه يعتبر من الثلث لأنه كالوصية ولم يذكره غيره وهو غريب.
وان كان للوارث إما بدين أو بعين قائمةٍ، أو بسهم من ماله، أو بكل ماله؟ اختلف أصحابنا فيه قال أكثرهم: المسألة على قولين لأن الشافعي قال: إذا أقر لوارث فمن أجاز الإقرار لوارث أجازه، ومن أبى رده فالظاهر من هذا أنه خرج المسألة على قولين.
وقال ابن أبي هريرة: لا يختلف قول الشافعي أنه يقبل إقراره لوارثه والذي قال: من أبى رده إنما هو تفريع على قول غيره، وقال أبو
الجزء: 6 - الصفحة: 117
إسحاق: هذا هو القول الذي قطع به الشافعي ورد من خالفه فيه والآخر حكاية مذهب أهل العراق.
وقال أبو حامد: نص الشافعي على بطلانه في "الإملاء" وأملى في "الأم" إلى قولين والصحيح جوازه وبه قال الحسن وعمر بن عبا العزيز وأبو ثور وأبو عبيد.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: لا يصح إقراره له وهذا غلط لأن من صح إقراره بوارثٍ صح إقراره لوارث كالصحيح ولا يلزم المحجور عليه لسفه لأن من أصحابنا من قال: لا يصح إقراره بالوارث لأنه يوجب الإنفاق عليه.
وحكى أصحاب مالك أنه إن كان متهماً فيه لم يقبل، وان كان لا يتهم قٌبل، وهذا غلط لأن المريض غير متهم فإن حالة المرض وقت التوبة والإنابة إلى الله تعالى ولهذا يقبل إقراره بوارث وإن كان متهماً.
فرع
إذا قلنا: يصح إقراره للوارث لا فرق بين أن يكون حين الإقرار وحين الوفاة وارثا أو حين الإقرار وارثاً، وحين الوفاة غير وارث أو حين الإقرار غير وارث، وحين الوفاة وارثا.
وإذا قلنا: لا يصح إقراره للوارث فالاعتبار بحال الوفاة فإن كان حين الوفاة وارثاً فالإقرار باطل سواء كان حين الإقرار وارثا أو غير وارث، وان كان حين الوفاة غير وارث فالإقرار صحيح سواء كان حين الإقرار وارثاً أو غير وارث فلو أقر لأخيه وله ابن ثم مات ابنه قبل موته بطل إقراره لأخيه [115 /ب] لأنه وارث حين الموت، ولو أقر لأخيه وليس له ابن فولد له ابن قبل الموت حجب الأخ وصح إقراره له لأنه حين الموت غير وارث، ولو أقر لأجنبية ثم تزوج بها ثم مات وكان الكل في مرضه كان إقراره باطلا لأنها وارثة حين الوفاة وبه قال أبو حنيفة ومالك وهذا لأن ما يرد لأجل الورثة يعتبر فيه حال الموت كالوصية فإنه لو أوصى بثلثه وثلثه درهم ثم زاد ماله وصار ثلثه ألفاً تلزم الوصية من ألف.
وقال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق: من منع الإقرار للوارث قال: إذا أقر لمن لم يكن وارثا ثم صار وارثاً جاز لأنه أقر له ولا تهمة عليه في هذا الإقرار ومصيره وارثا بعده لا صنع له فيه وإنما هو أمر من السماء والتهمة ههنا مرتفعة فيكون سبيله سبيل الأجنبي كما قالوا: إن المطلقة الثلاث في المرض تورث للتهمة فلو قال لها: أنت طالق إن قدم زيداً وطلقها بوصف فصادف ذلك مرضه الذي مات فيه لا ترث لأنه لا تهمة كذلك ههنا فعلى هذا جواب ما ذكرنا من المسائل على العكس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يعتبر كونه وارثاً وغير وارث يوم الإقرار، وقال في "الجديد": يعتبر يوم الموت، وقال القفال في "شرح التلخيص ": قوله القديم أصح عندي وهذا غريب لم يذكره أهل العراق.
وذكروا هذا المذهب عن عثمان البتي وابن أبي ليلى.
الجزء: 6 - الصفحة: 118
فرع آخر
لو كان للمريض عبد أو ثوب فأتلفه متلف فقال المريض: لا ضمان على من أتلفه فإني كنت وهبته منه وقبضه ثم أتلفه، فإن كان المقر له أجنبياً صح ولا ضمان.
وإن كان وارثاً لا يسقط عنه الضمان في أحد القولين لأن هبته لوارثه لا تصح فكان الشيء على ملك الميت فكان ضمانه عليه.
فرع آخر
لو أقر في مرضه بوارث صح وورث.
ولو اشترى ابنه في مرضه الذي مات فيه عتق ابنه ولم يرث لأن العتق وصية فلو ورّثناه أدى [116/ أ] إلى بطلان الوصية وليس كذلك الإقرار بالنسب لأنه إخبار عن حق واجب عليه وليس بوصية.
ألا ترى أنه إذا أعتق عبده في مرضه يعتبر من الثلث ولو أقر به لإنسان لم يعتبر من الثلث؟.
فرع آخر
لو ملك أخاه ثم أقر في مرضه أنه قد كان أعتقه وهو أقرب عصبته نفذ عتقه وفي ميراثه قولان: أحدهما: لا يرث إذا قلنا: إقراره لوارثه باطل لأن توريثه يوجب رد الإقرار له ورد الإقرار يبطل الحرية ويسقط الإرث فأثبتت الحرية بثبوت الإقرار وسقط الإرث.
والثاني: يرث إذا قلنا: يقبل الإقرار للوارث فيكون العتق نافذاً بإقراره والإرث ثابت بنسبه ولا يرتفع أحدهما بصاحبه.
مسألة 20: قال: ولو أقرَّ أن ابن هذه الأمة ولدهٌ منها.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له أمة لها ولد وعليه دين عظيم ولا مال له سواهما ولم يسمع قط يقر بوطئها في صحته فأقر في مرض موته أنه ابنها ولد منها ثم مات لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يقول: استولدتها في ملكي، أو بنكاح أو بوطء شبهة أو يطلق، فإن قال: استولدتها في ملكي تضمن هذا الإقرار أربعة أحكام، حكمين في الولد وهو ثبوت النسب والحرية ولا ولاء عليه لأنه لم يمسه رق، وحكمين في الأمة تصير أم ولد له تعتق بوفاته، فإذا مات عتقت من صلب ماله سواء أضاف الاستيلاد إلى حال الاستيلاد إلى حال الصحة أو إلى حال المرض وإنما قدمنا هذا على الديون لأنه لو أحبلها في مرضه وولدت منه وعرف ذلك بالبينة كان متقدماً على ديون الغرماء فإذا أقر به وكان إقراره في المرض مقبولاً لا يمنع المرض منه وجب أن يكون مقدماً على سائر الديون ولهذا نقول: إذا أقر في مرضه أنه أعتق هذا العبد في صحته يصير حراً ويكون مقدما على سائر الديون، لأنه لو قامت به البينة كان مقدماً عليها وكذلك لو رهن عبده في مرض موته وقامت به البينة قدمنا حق المرتهن على سائر الديون.
الجزء: 6 - الصفحة: 119
مسألة 21: قال وإذا أقر الرجل لحمل بدين كان الإقرار [116/ ب] باطلاً.
الفصل
وهذا كما إذا قال: لحمل هذه المرأة علي ألف درهم، أو قال: هذه العين التي في يدي لحمل هذه الجارية لا يخلو من ثلاثة أحوال.
إما أن يضيف إلى سبب لا يستحيل ثبوت المال به للحمل من جهته، أو يضيفه إلى سبب يستحيل ثبوته له من جهته، أو يطلق فإن أطلق فيه قولان:
أحدهما: لا يصح وهو الذي نقله المزني ونص عليه في كتاب "الإقرار والمواهب" لأن الظاهر أن الحمل لا يثبت له عليه مال، فالإقرار له باطل إلا أن يضيفه إلى جهة صحيحة وبه قال أبو يوسف.
والثاني: يصح نص عليه في الإقرار بالحكم الظاهر، وبه قال محمد، وقيل: إنه مذهب أبي حنيفة وهذا أصح وهو اختيار أبي إسحاق لأنه أقر بالمال لمن يجوز ثبوته له فكان لازماً كما لو أقر للطفل.
فإذا قلنا: لا يصح فإن أضافه إلى سبب يستحيل ثبوت المال له من جهته بأن يقول: لهذا الحمل عندي ألف درهم من معاملةٍ عاملته بها، أو جناية جنيت على بدنه فهذا أولى بالبطلان.
وإن أضاف إلى سبب لا يستحيل ثبوت المال من جهته وهو أن يقول: لهذا الحمل عندي ألف درهم كان لأبيه علي فمات وخلفه ولا وارث له غيره، أو قال: كان لأجنبي في ذمتي مال فأوصى به له ثم مات واستحقه هذا الحمل فإن هذا الإقرار لازم صحيح.
وإذا قلنا: الإقرار المطلق لازم فإذا أضافه إلى سبب يستحيل ثبوت المال له من جهته هل يبطل الإقرار؟ قولان بناءً على القولين في تبعيض الإقرار وهو إذا قال: تكفلت لفلان على أني بالخيار ثلاثاً.
أو قال: لفلان عندي ألف درهم من ثمن خمر أو خنزيرٍ، أو معاملة فاسدة، أو قال: استقرضت من فلان ألف درهم ثم قضيته فيه قولان أحدهما: لا يلزمه شي،.
والثاني: يُقبل قوله فيما يضره ويُرد فيما ينفعه فكذلك ههنا.
فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا: الإقرار باطل لا تفريع عليه، وإذا قلنا: صحيح فلا يطالب المقر بتسليم المال في الحال حتى تضع لأنه ربما كان ريحاً تنفش، وربما وضعته ميتاً فلا يلزمه الإقرار.
وإذا وضعته نُظر فإن كان ميتاً لم يصح إقراره، وان كان [117 /أ] عزاه إلى وصية عاد إلى ورثة الموصي، وإن عزاه إلى إرث عاد إلى ورثة الميت.
فإن كان أطلق كُلف التفسير وعمل على تفسيره، وان مات قبل التفسير بطل إقراره، وإن كان حياً لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون وضعته لأقل من ستة أشهر من حين الإقرار، أو لستة أشهر فصاعداً، فإن كان لأقل من ستة أشهر فالإقرار لازم وطولب بتسليم المال إلى وليه، وان كان لستة أشهر فصاعداً فإن كانت تحت زوج يطأها أو تحت سيد يطأها فلا يلزم الإقرار لأنا لا نتحقق وجوده في حال الإقرار، وان كانت مُطلقة أو متوفى عنها زوجها فوضعته لأقل
الجزء: 6 - الصفحة: 120
من أربع سنين فإنَّا نحكم بأنه ملحق بالواطئ وأنه كان موجوداً وقت الطلاق والوفاة، فعلى هذا يكون الإقرار له بالمال لازما.
وان وضعته لأكثر من أربع سنين بطل الإقرار.
ولو وضعت حيا وميتا وجوزنا الإقرار كان الجميع للحي وان كانا حيين، فإن كانا ذكرين كان بينهما نصفين، وان كانا ذكراً وأنثى فإن كان المال ميراثاً كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وان أطلق أو كان وصية كان بينهما نصفين.
وهذا بعد ما تعذر الرجوع إلى بيانه، فإن أمكن الرجوع إلى بيانه رجعنا إليه.
ولو أقر للحمل مضافاً إلى أبيه وزعم أن الأب ميت فولي الحمل بعد الوضع يطالب المقر بالمال.
فإن وفر المال على من يقبضه للحمل وتلف ثم بان أن الأب غير ميت كان للأب مطالبة المقر بدين يدفعه إلى غير مستحقه.
قال المزني رحمه الله: قد قال الشافعي رحمة الله عليه: ههنا خلاف ما قال في كتاب الوكالة لأنه قال هناك: إذا أقر بمال لرجل وهذا وكيله فالمقر بالخيار إن شاء دفع إلى الوكيل وان شاء لم يدفع ولم يجعل المقر ههنا بالخيار إذا أقر للحمل بل ألزمه الدفع والإلزام في المسألتين أصح، ثم إن جحد الموكل التوكيل أو ظهر الأب حياً رجعنا عليه، هذا معنى كلامه وفي إيجازه إشكال فلهذا شرحنا قلنا: ما [117/ ب] أنصف المزني حيث قال: هذا خلاف ما قال في كتاب الوكالة لأن المخالفة بين المسألتين إنما يتصور بعد استواء الصورتين وليستا بمستويتين لأن الإقرار في كتاب الوكالة صحيح لا يختلف المذهب فيه، ثم تكلم الشافعي في لزوم التسليم فقال: لا يلزمه التسليم إلى الوكيل، فإن شاء دفع، وان شاء منع فأما في هذا الموضع فإنما تكلم الشافعي في صحة أصل الإقرار لا في وجوب الدفع والدفع فرع على الأصل، فكيف يدعي أن هذا خلاف ما قال في كتاب الوكالة، ثم إذا جئنا إلى مسألة الدفع اختلف مشايخنا فيه بخراسان فمنهم من جعل المسألتين جميعا على قولين: أحدهما: يلزمه الدفع فيهما وان كان يخشى رجوعاً في المستقبل.
والثاني: لا يلزمه الدفع إليهما إذ لا يأمن مطالبة تلحقه من بعد، ومن أصحابنا من ألزمه الدفع في مسألة الحمل، حيث يصح منه الإقرار ولم يلزمه ذلك في مسألة الوكيل لأنه معترف بموت الحمل والميت لا يحيا فإن كان حيا فقد أتى من جهة نفسه حيث كذب، والموكل قد يجحد التوكيل مع صدق المقر في تقدم التوكيل.
قال القفال: ومما يتصل بجواب سؤاله أنه لو كان عليه دين فطولب به فقال: لا أؤدي إلا بحضرة الشهود له ذلك إذ لو أخلفا بعد ذلك في القضاء كان القول قول صاحب الحق، وفي الوديعة إذا قال المودع: لا أرد إلا بحضرة الشهود وجهان على ما ذكرنا، فيأتي في مسألة الوارث هذان الوجهان: أحدهما: يلزمه دفعه لأنه إقرار.
والثاني: لا يلزمه دفعه لأنه أقر به للميت ثم شهد بموته فلم يثبت الموت بشهادته فإذا دفع، لا تبرأ ذمته فلا يجبر على دفعه ما لم تقم بينة أن الأب قد مات، فسقط اعتراض المزني على أحد الوجهين وهذا خلاف ما قاله أهل العراق أجمع.
الجزء: 6 - الصفحة: 121
فرع
لو قال: لحمل هذه المرأة عندي ألف أقرضيه أبوه أو غصبته إياه كان الإقرار لأبيه لأن القبض من أبيه حال الحمل، فإن كان أبوه ميتاً فهو موروث عن أبيه وإن كان حياً فهو لأبيه ولا يلزمه لما في بطن هذه المرأة شيء نص عليه.
فرع آخر
لو أقر بحمل أمةٍ لرجل، قال في كتاب "الإقرار [181/ أ] والمواهب ": إن أطلق لم يلزمه الإقرار لأن الحمل لا يملك إلا بالوصية.
فإن وصل إقراره فقال: أوصى لي فلان برقبة أمة وله بحملها صح الإقرار إذا ولدته لأقل من ستة أشهر من حين الوصية.
ومن أصحابنا من قال: إذا أطلق يحتمل قولاً آخر أنه يصح تخريجاً من الإقرار للحمل إذا أطلق ذكره في "الحاوي" 22.
مسألة 23 قال: ولو قال: هذا الرقيق له إلا واحداً.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: هؤلاء العبيد لزيد إلا واحداً منهم فإنه لي يقول للمقر: عين الواحد الذي لك، ونقول له: اتق الله ولا تدع غير الذي لك فإذا عين واحداً قلت قيمته أو كثرت نطر في المقر له فإن صدقه على ذلك سلم الباقي إليه، وإن كذبه كان القول قول المقر مع يمينه لأن الكل في يده فأيهم ادعاه منهم قٌبل قوله مع يمينه.
ولفظ الشافعي في ذلك الواحد لفظ التخيير وليس المراد منه التخيير بل مراده أنا نصدقه في أي عبدٍ أشار إليه.
وان مات كلهم إلا واحداً قلنا: عين فإن ذكر أن الذي له في جملة الموتى سلم إلى المقر له هذا الواحد.
وإن قال: هو لي فيه وجهان، أحدهما: لا يقبل لأنه تفسير يرفع جميع الإقرار، والثاني: يقبل وهو المذهب لأنه لم يرفع هو جميع الإقرار بل أقر بما سوى هذا الواحد غير أن الموت ذهب بهم فصار كما لو قال: هؤلاء له إلا غانماً فإن غانماً يكون له وإن ماتوا كلهم إلا غانما بقي له غانم.
فرع
لو قتل جميعهم إلا واحداً فبين أن المستثنى هو هذا الواحد يقبل وجهاً واحداً لأن المقتول لم يفت لاستحقاق قيمته على القاتل.
فرع آخر
لو قال: غصبته كلهم إلا واحداً ثم ماتوا إلا واحداً ثم بين أن المستثنى هو الواحد يقبل وجهاً واحداً لأن من مات من المغصوبين مضمون بالقيمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 122
مسألة 24: قال: ولو قال: غصبتٌ هذه الدار من فلانٍ ومُلكها لفلانٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان وملكها لفلا ن آخر فإن الدار تُسلم إلى المغصوب منه لأنه يلزمه تسليمها إلى من غصبها منه ويجوز أن تكون في يده بحق إن كان الملك لغيره بحق [118/ ب] الإجارة وغيرها ثم ترجع هي مع مالكه علم ويكونان كرجلين تداعيا داراً في يد أحدهما وشهادته للمالك لا يقبل لأنه غاصب فلا تقبل شهادته، فإن قيل: إذا حسنت حاله وظهرت عدالته فاقبلوا شهادته.
قلنا: حسن الحال إنما يعتبر بعد رد المغصوب فأما ما دامت يده ثابتة على المغصوب فلا تحصل عدالته.
ولو قال: هذه الدار ملك لغيره وغصبها من زيد فأقر، ذكر الغصب في إقراره فيه طريقان إحداهما: الحكم فيه كالحكم في المسألة قبلنا بهذا للشبه، والثانية: يلزمه تسليمها إلى زيد، وهل عليه الضمان لعمرو؟ قولان كما لو قال: هذه لزيد لا بل لعمرو والفرق أن هناك أقر للأول باليد وللثاني بالملك على ما علم وقد لزمه الإقرار الأول فلم يكن لإقراره الأول مفرطاً ولا مخطئاً فلم يلزمه الغرم وههنا أقر بالملك لعمرو فيلزمه ردها إليه ثم أقر باليد لآخر فأحال بين المالك المقر له أولاً وبين الدار فيلزمه الغرامة.
فإن كان يعلم أنَ ملكها لعمرو وكانت في يد زيد بغير حق فعليه فيما بينه وبين الله تعالى تسليمها إلى عمرو.
مسأله 25: قال: ولو قال: غصبتها من فلانٍ لا بل من فلانٍ كان للأولِ ولا غرمَ عليه للثاني.
وهذا كما قال: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان ثم قال متصلاً به أو منفصلاً عنه: لا بل غصبتها من فلان آخر، فإن الدار تسلم إلى المقر له أولاً ولا يقبل رجوعه عنه للثاني، وهل يلزمه الغرامة للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق.
إحداها: وهو قول أكثر أصحابنا فيه قولان: أحدهما: يلزمه قيمة الدار للثاني وبه قال أبو حنيفة وهو الأصح لأنه أقر بها لفلان بعد أن حال بينها وبينه بغير حق فيلزمه الضمان كما لو أقر بعبد له بعد أن قتله.
والثاني: لا تلزمه القيمة لأنه يطالبه المقر له أولاً بالدار ولا يجوز أن تجتمع المطالبة بالعين وبدلها من القيمة.
ولأن الذي يدعيانه عين واحدة واعترف بها لهما فلا يغرم لأحدهما شيئاً كما لو قال: هي لهما.
والثانية: لا تلزمه الغرامة قولاً واحداً في الحال إلا أن يُؤيس من العين بتلفها في يد المقر له فيكون حينئذ غارماً، [119/ أ] وهذا معنى قول الشافعي: ولا غرم عليه للثاني أي عاجلا.
والثالث: إن كان سلمها المقر إلى الأول بيده فعليه الغرامة قولا واحدا.
وإن سلمها الحاكم فعلى قولين وهذا لا يصح، لأن الشافعي نص في كتاب الشهادات على أنه لو
الجزء: 6 - الصفحة: 123
أقر بها لزيد ثم قال: هي لعمرو يغرم لعمرو سواء سلمها إلى زيد أو لم يسلم، ولأن تسليم الحاكم بإقراره كتسليمه بنفسه.
وهكذا الطرق إذا قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو أو قال: غصبتها من زيد وزيد غصبها من عمرو، أو قال: له عندي في وديعة ثم قال: لا بل فلان آخر هو الذي أودعنيه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: هذه العين لفلان لا بل لفلان دفعت إلى الأول ولم يغرم للثاني بخلاف المسألة الأولى، والفرق أن الغصب سبب للضمان فإذا أقر به لزمه، وأما إقراره ليس سبب للضمان والحاكم يسلمها إليه فلا يلزم الغرم على المقر.
وقيل: هذا قول بعض أصحابنا وهذا غلط، لأن إقراره في ملك غيره بما أوجب تسليمه إلى غيره سبب موجب للضمان كما لو سلمه بنفسه وكما في إقراره بالغصب، وقال بعض أصحابنا في المسألة الأولى: هل يغرم للثاني؟ وجهان إذا قلنا في هذه المسألة يغرم وهذا غير صحيح والفرق ظاهر.
فرع
لو باع داراً ثم قال: كنت غصبتها من فلان هل يلزمه قيمتها للمقر له؟ قال في كتاب الإقرار بالحكم: الظاهر فيه قولان قال أبو إسحاق: ويجيء فيه الوجهان الآخران.
وقال ابن أبي هريرة: تلزمه قيمة المبيع ههنا للمقر له قولاً واحداً لأن في البيع عاوض عليها بالثمن الصائر إليه فغرم بخلاف المسألة قبلها في أحد القولين، وهكذا ذكره صاحب "الإفصاح " والماسرجسي، وهما أخذا عن ابن أبي هريرة وذكر مثل هذا في "الحاوي" 26 وهذا خطا بخلاف النص الذي حكينا.
فرع آخر
لو أعتقه ثم أقر بغصبه ففي الغرم قولان: لأنه لم يعاوض عليه سواء أعتقه تطوعاً أو عن كفارة.
فرع آخر
لو قال: غصبت هذا العبد من زيد وغصبته من عمرو فيه وجهان، أحدهما: يكون كالمقر بغصبه لثاني بعد أول فيسلم إلى الأول وفي غرم قيمته للثاني قولان.
والثاني: أنه كالمقر بغصبه منهما [119/ ب] فيكون بينهما ولا غرم.
فرع آخر
لو شهد شاهدان على رجل بأن الدار التي في يده لفلان فحكم الحاكم عليه بتسليم الدار إلى المشهود عليه ثم رجعا عن الشهادة لا ينقض الحكم برجوعهما ولا ينتزع الدار من يد المحكوم له.
وهل يلزمهما قيمة الدار للمشهود عليه؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه الطرق الثلاثة كما في الإقرار، ومنهم من قال: لا تلزم الغرامة
الجزء: 6 - الصفحة: 124
عليهما قولاً واحداً لأنهما لم يتلفاها ولم تثبت أيديهما عليها، وفي الضمان إنما تجب بالإتلاف أو باليد ولم يوجد من الشاهدين واحد منهما فلم يجب عليهما الضمان، وليس كذلك في الإقرار فإنه يقر بأنه غصبها منه وضمنها بيده، فإذا تعذر ردها إليه جاز أن يلزمه الضمان.
فرع آخر
لو قال: غصبت هذا العبد من أحد هذين الرجلين فالإقرار لازم وعليه بيان المالك منهما فإن قال: لا أعرف المالك فإن صدقاه في ذلك أخذا العبد منه وكانا فيه خصمين وان كذباه فقالا: نعلم المالك حلف لا يعلم ذلك وأخذ العبد وكانا فيه خصمين، والخصومة فيه أنه عبد لا يد لواحدٍ منهما عليه ولا لغيرهما أيضا فإن كان مع أحدهما بينة قُضي له به وان كان مع كل واحد منهما بينة تعارضتا، وإن لم يكن هناك بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه ووقف لهما حتى يصطلحا.
ولو اعترف به لأحدهما سلم إليه، وهل يحلف للأخر؟ قولان بناء على أن الضمان هل يلزمه فإن قلنا: يلزمه الضمان لو رجع عن إقراره حلف لأنه وبما يرجع فيقر له فيلزمه الغرم.
وان قلنا: لا يلزمه الضمان لا يحلف.
مسألة 27: قال: ولا يجوز إقرارُ العبد في المال.
الفصل
وهذا كما قال: ذكرنا هذه المسألة في البيع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أقر بجناية أو إتلاف ووجب في ذمته ذلك بعد العتق، فكم يغرم بعد العتق وجهان أحدهما: جميع الدين بالغاً ما بلغ: والثاني: الأقل من قيمته أو الدين بناءً على أنه لو جنى بكم لفدى السيد بالأرش كاملاً أو بالأقل من قيمته أو أرش [120/ أ] جنايته وفيه قولان.
قال: وكذلك لو صدقه السيد وسلم في الجناية فبيع وبقي من الأرش شيء هل يٌتبع به إذا عتق؟ قولان والأصح أنه يلزم كمال الدين بالغا ما بلغ.
وقال في "الحاوي" 28 في الباقي وجهان بناءً على أنه هل تعلق برقبته ابتداء أو بذمته ثم انتقل إلى رقبته، ولو كذبه السيد تعلق بذمته وان كان مأذوناً في التجارة.
وقال أبو حنيفة: إن كان مأذوناً في التجارة قضاه مما في يده.
مسألة 29: قال: ولو قال رجل: لفلان عليّ ألفُ فأتاه بألفٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة موصولاً لم يثبت إلا وديعة ولا يضره قوله عليّ.
فإن ادعى بعد ذلك تلفها وأمكن قبلت يمينه ولو قال: عليّ ألف
الجزء: 6 - الصفحة: 125
درهم وأطلق ثم أحضر ألفاً وقال: هذا الذي أقررت لك به كان لك عندي وديعة، فإن قال المقر له: صدقت سلم إليه ذلك وبرئ، وان لم يصدقه وقال: هذا وديعة لي عندك ولكن الذي أقررت لي به دين في ذمتك فالقول قول المقر مع يمينه وعلى المقر له البينة خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأن قوله عليّ ألف درهم يحتمل الوديعة، لأن من عنده وديعة فعليه ردها على صاحبها وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] الآية ومن توجه عليه أمر الله تعالى جاز له أن يعبر عنه بكلمة الإيجاب، وقال أبو حامد: نقل المزني أنه يقبل منه.
وقال في موضع آخر: لا يقبل والقول قول المقر له مع يمينه لأن عليّ حرف إيجاب والوديعة ليت بواجبة.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: كنا نحكي هذا القول الآخر ولا نجده للشافعي فالمسألة على قول واحدٍ على ما ذكرنا وهو المشهور.
فرع
لو قال: علي ألف درهم، ثم قال: كانت وديعة وقد كان تلف ولم أعلم لا يقبل لأنه أقر بوجوبه على نفسه ثم ادعى أنه لم يكن واجباً عليه لأن الوديعة إذا تلفت من غير تعد منه لا يكون عليه ضمانها فلم يقبل منه.
فرع آخر
لو قال: علي ألف درهم في ذمتي فجاءه بألف وقال: الألف الذي أقررت به كان وديعة وتلف وهذا بدله قبل ذلك لأنه يجوز أنه تلف بتعد منه [120 /ب] فيكون بدل ما في ذمته.
ولو جاء بألف وقال: الألف الذي أقررت به هذا وهو وديعة لك فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل لأن الوديعة لا تثبت في الذمة ويفارق هذا إذا قال: ألف عليّ ثم فسره بالوديعة، لأنه لم يصرح بالمحل فاحتمل أن يكون المراد وجوب الحفظ مع الرد وها هنا صرح بالذمة وهو الأصح.
والثاني: يقبل منه لأنه يحتمل أن يكون قد تعدى فيه فثبت ضمانه في ذمته أو كان قد أتلفه وجاء ببدله فقال: كان وديعة في ذمتي.
وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين في المسألة قبلها فإن قلنا: هناك لا يقبل فها هنا أولى، وإن قلنا: هناك يقبل فها هنا وجهانء وهذا لا يصح على ما يثبت بأنه ليس هناك قول آخر.
مسألة 30 قال: ولو قال: له عندي ألفُ وديعة أو مضاربة ديناً كان ديناً.
وهذا كما قال: إذا قال: له عندي ألف درهم وديعة ديناً، أو ألف درهم مضاربة ديناً كان ديناً عليه ولا يقبل تفسير إقراره بالأمانة بعد ذلك لأن الوديعة والمضاربة، وان كانتا أمانة فالأمانة قد تصير مضمونة بالعدوان ولفظ الدين في هذه المسألة يقين لفظ الضمان
الجزء: 6 - الصفحة: 126
فأوجب ترك اليقين الأولى من براءة الذمة.
ولو قال: أردت أنه شرط علي ضمانه لم يقبل لأنه لا يكون ديناً بذلك.
فرع
لو قال: لفلان عليّ ألف درهم هو وديعة دفعه إلي بشرط الضمان كان وديعة ولم يكن مضمونا بالشرط، لأن ما أصله الأمانة لا يصير مضمونا بالشرط، وكذلك ما أصله الضمان وهو المأخوذ بشرط لا يصير بالشرط أمانة وقال في "الحاوي" 31: فيه وجه آخر أنه يضمن لقوله في الابتداء: عليّ ثم قوله من بعد دفعه إلي بشرط الضمان ظاهره بشرط جواز التصرف الموجب للضمان.
فرع آخر
قال في كتاب "الإقرار" 32 بالحكم الظاهر: لو أقرّ لرجل بخاتم فجاء بخاتم فقال: هذا الذي أقررت لك به، قال في موضع: يلزمه تسليمه، وقال في موضع أخر: لا يلزمه تسليمه وليست على قولين بل هي على اختلاف حالين، فإذا أتاه بخاتم وقال: هذا الذي أقررت لك به ضمان صدقه المقر له يلزمه تسليمه إليه، ولو قال: ليس هذا [121/ أ] لي وخاتمي غيره فالقول قوله ولا يلزمه تسليم هذا إليه لأنه لا يدعيه.
ولو قال: هذا لي والذي أقررت لي به غير هذا كان عليه تسليم هذا والقول قوله فيما يدعيه عليه لأن الخاتم واحد فلا يلزمه الثاني فالموضع الذي قال يلزمه تسليمه أراد به المسألة الأولى والثالثة، والموضع الذي قال: لا يلزمه تسليمه أراد به المسألة الثانية.
مسألة 33: قال: ولو قال: له في هذا العبد ألف درهمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان في يده عبد فقال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، فإن هذا يحتمل وجوهاً كثيرة منها أن يقول: فيه ألف درهم نقده فيه لي أو أوصى له مورثي أو جنى عليه هذا العبد جناية أرشها ألف درهم فهو يستحق من ثمنه ألف درهم، ويحتمل أن يقول: نقده فيه لنفسه ألف درهم، فإذا كان كذلك رجعنا إلى المقر في تفسيره فإن قال: نقده لي فيه ألفاً فإنه يلزمه ألف درهم وعليه أن يعطيه إياه من أي موضع شاء من ثمن هذا العبد أو من غيره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يقبل هذا لأن قوله لفلان في هذا العبد ألف يقتضي أن يكون حقه متعلقا بعين العبد لا بالقرض.
وإن قال: أردت وصية أوصى له بها مورثي فإنه يستحق بيع العبد وأعطى ألف درهم من ثمنه إلا أن يتراضيا على دفعه من غيره وإن قال: أرش جناية جنى عليه فالسيد بالخيار إن شاء أعطاه من ثمنه، وإن
الجزء: 6 - الصفحة: 127
شاء أعطاه من سائر ماله.
وإن قال: نقد فيه لنفسه ألفاً فإنه قد ملك من العبد بمقداره ونظر فيه فإن كانا قد اشترياه صفقة واحدة نقول للمقر الذي في يده العبد: فكم نقدت أنت؟ فإن قال: ألفاً كان العبد بينهما نصفين.
وإن قال: ألفين كان له ثلثا العبد وللمقر له الثلث ولا يعتبر في ذلك قيمة العبد أن تكون مثل الثمن الذي ذكره أو أقل أو أكثر لأنهما قد يغبنان في الشراء فيغبنان فربما يشتريان عبداً يساوي ألفاً بألفين فيكونان مغبونين، وربما يشتريان عبداً يساوي ألفين بألفٍ فيكونان غابنين فلا تراعى القيمة.
وحكى القفال عن مالك: أنه إذا كان العبد لا يساوي أكثر من ألفين لم يقبل قول المقر إذا قال: نقدت فيه ألفين لأن الظاهر يدل على كذبه [121/ ب] وإن قال: اشترى هو جميع العبد بالألف فقد أقر بالعبد كله له.
وإن كانا قد اشترياه ني صفقتين نقول له: لما نقد لنفسه فيه ألف درهم كم اشترى به من العبد؟ فإن قال: نصفه أو ثلثه أو سدسه كان القول قوله ني ذلك مع يمينه وكان باقي العبد له سواء كان يسوي ذلك هذا القدر أو لا يسوي.
ولو قال: أردت أني رهنت بألف استقرضه منه هل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبل وهو الأصح واختيار القفال لأن الدين يتعلق بمحلين الذمة والعين فيجوز أن يكون الألف متعلقاً بالعبد وإن كان وثيقة به.
والثاني: لا يقبل لأن حق الرهن في الذمة وهو أخبر أنه في العبد وهذا ضعيف لأن حق الرهن آكد من حق الجناية لتعلقه بالذمة والعين معاً، ولو فسر بأرش الجناية قبل بالإجماع.
ولو قال: دفع إليّ ألفا لأشتري له بها من هذا العبد وأنقده في ثمنه فهو مدعي للإذن، فإن أنكر المقر له الإذن ني الشراء فالقول قوله وعلى المقر أن يغرم الألف.
فرع
لو قال: له من هذا العبد ألف فحكمه كما لو قال: في هذا العبد لأن في ومن حرفا صفة يقوم أحدهما مقام صاحبه وليس الألف جزءاً من العبد، وإنما يتوصل إليه من العبد فاستوي الحكم في قوله من وفي.
فرع آخر
لو قال: له من هذا العبد بقيمة ألف فهذا إقرار بملك جزء من العبد قدره بقيمة ألف فهل يصير الإقرار مقدراً بالقيمة أو يرجح فيه إلى بيانه؟ وجهان: أحدهما: وهو الأصح يرجع فيه إلى بنيانه فإن بين قدراً يتقوم بأقل من ألف قبل لأن القيمة قد تختلف ولا يقف في الأحوال على حد ولا الناس فيها مجمعون على قدر فلم يجز أن يتقدر الإقرار بها.
والثاني: يتقدر إقراره بالقيمة ذكره أبو القاسم الصيمري فيقوّم العبد فإن كانت قيمته أكثر من ألف فله منه بقسط الألف.
وإن كانت قيمته ألفاً ذكر عن بعض أصحابنا أنه لا يصير المقر له مالكاً لكله لأن من توجب التبعيض فلا بد من إخراج بعضه من إقراره.
قال الصيمري والصحيح عندي أنه يكون إقراراً بجميعه وأن من تكون للتبعيض
الجزء: 6 - الصفحة: 128
تارة وللتمييز تارة قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثان الرجس.
فرع آخر
لو قال: لفلان في هذا العبد شركة كان مقراً بجزء مجهول فيرجع في تفسيره إليه فبأي شي، فسره قُبل قل أو كثر لأن ذلك اشتراك، وبه قال محمد.
وقال أبو يوسف: يكون له النصف لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] واقتضى ذلك التسوية بينهم كذلك ها هنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكون مقراً بثلث العبد ولا يقبل تفسيره بأقل وهذا غلط لأن هذا الحد لا يتناوله لفظه ولا يلزمه إلا اليقين كما لو قال: لفلان نصيب أو سهم.
مسألة 34: ولو قال: "له في ميراث أبي ألف درهم"
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان في ميراث أبي أو من ميراث أبي ألف درهم كان إقراراً بالدين على أبيه.
ولو قال: له في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي كان هبة إلا أن يريد إقراراً، والفرق أنه في الأول لم يضف الميراث إلى نفسه، وفي الثاني أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل له بعضه فكان الظاهر أنه هبة.
وهكذا إذا قال: له في هذه الدار نصفها، أو من هذه الدار نصفها كان إقراراً.
ولو قال: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها كان هبة إلا أن يريد إقرارا.
فرع
لو قال: علي في ميراثي من أبي له ألف درهم كان إقرارا على نفسه بالدين لأنه أزال الإشكال بقوله: عليّ ذكره ابن أبي أحمد رحمه الله.
فرع آخر
لو قال: له من مالي ألف درهم بحق وأطلق أو قال: بحق عرفته أو بحق لزمني أو بحق ثابت أو بحق استحقه كان ديناً لأنه أزال معنى الهبة.
فرع آخر
قال في كتاب الإقرار والمواهب: لو قال: له في مالي ألف درهم كان إقراراً.
ولو قال: له من مالي ألف درهم كان ذلك هبة إلا أن يريد إقراراً.
فمن أصحابنا من قال: هذا سهو وقع من الكاتب ولا يكون إقراراً فيها كما لا فرق بين أن يقول: في ميراثي أو في داري وبين أن يقول: من ميراثي أو من داري.
ومن أصحابنا من فرق بأنه إذا قال: في مالي ألف درهم لا يتحقق دخول الألف المقر به في الإضافة لأن ما عداه من ماله يسمى مالاً [122/ ب] على الحقيقة فجعلناه إقراراً، وليس كذلك إذا قال: من مالي فإن
الجزء: 6 - الصفحة: 129
لفظة من تقتضي أن يكون الألف المقر به بعين المال المضاف إلى نفسه فجعلناه هبة، وأما في الدار لا فرق بين في ومن لأن قوله: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها يقتضي أن يكون النصف المقر به داخلاً تحت إضافة الدار إلى نفسه لأن اسم الدار لا يقع إلا على النصفين جميعاً.
وقيل: هذا الفرق ضعيف، لأنه يشكل بما لو قال: في ميراثي من أبي لم يكن إقراراً.
وقيل: ما قاله في الإقرار والمواهب أشبه فيه وفي نظيره لأن قوله له يقتضي الملك والهبة غير المقبوضة وغير مملوكة، ولم يأت بما ينافي الملك لأن في للظرف وقوله: من مالي أضاف الملك كله إلى نفسه فنافى الإقرار فافترقا.
فرع آخر
قال الشافعي: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شئت أو هويت، أو شاء فلان، أو هوى فلان فإن شاء فلان أو هوى أو شاء هو أو هوى لم يكن عليه منه شيء لأن الإقرار لا يصح معلقاً بالشرط.
وهكذا لو قال: لك عليّ ألف إن شاء الله، أو إن قام فلان أو خرج فلان أو كلمت فلاناً قال الشافعي: هذا كله من جملة القمار ولا شيء عليه فإن قيل: أليس لو قال: بعتك عبدي هذا بألف إن شئت يصح فكذلك الإقرار وإلا قيل فما الفرق؟ قيل: الفرق أنه لو لم يشرط المشيئة في البيع كان القبول فيه إلى مشيئته وهو كقوله لعبده: بعتك نفسك بألف إن شئت فقال: قد شئت وقبلت صح ولزمه الألف.
وكذلك لو قال لزوجته: طلقتك بألف إن شئت فقالت: قد شئت وقبلت صح أيضاً ولزمه الألف لأن ذلك من منشأه بخلاف الإقرار فإنه إخبار عن واجب عليه فلا يصح تعليقه.
فرع آخر
لو قال: هذا الثوب لك بألف درهم إن شئت يكون بيعاً لازماً ولا يكون إقراراً ولكل واحدٍ منهما خيار المجلس ولم يقل ها هنا: إن شئت يكون بيعا أيضاً لأن معناه إن شئت وكل مشتر إنما يلزمه إن شاء.
فرع آخر
قال الشافعي: ولو قال: له عليّ ألف إذا جاء رأس الشهر كان إقراراً، ولو قدم الشرط فقال: إذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألف لم يكن إقراراً.
قال أصحابنا: الفرق بينهما [123 /أ] أنه إذا قال: له عليَ ألف فقد أقر بالألف فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر احتمل أن يكون أراد محلها أو وجوب تسليمها في ذلك الوقت فلم يبطل الإقرار.
وأما إذا بدأ بالشرط فإنه لم يقر بالحق وإنما علقه بالشرط فلم يكن إقراراً.
وقال القاضي الطبري: في هذا نظر ولا فرق على قياس مذهبه بين تقديم الشرط وتأخيره.
الجزء: 6 - الصفحة: 130
فرع آخر
لو قال: ما شهد به زيد عليّ فهو لازم لي لم يصر مقراً بما شهد به.
وقال مالك: يلزمه جميع ما شهد به زيد، وان لم تصر بينة مسموعة لأنه ألزم ذلك نفسه.
وهذا خطأ لأن هذا حوالة بالإقرار فلا يصح.
فرع آخر
له عليّ ألف إن مت لا يكون إقراراً أصلاً لأنه تعليق بالشرط وعند أبي حنيفة يكون إقراراً مات أو عاش.
فرع آخر
قال: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شهد به علي فلان أو فلان وفلان فشهدا لم يلزمه من جهة الإقرار وهذه مخاطرة ويلزمه من جهة الشهادة إن كانا ممن تجوز شهادتهما أو أحدهما وحلف مع شاهده وقال ابن سريج: وسواء على هذا المعنى قيل له: إن فلاناً يشهد عليك بما يدعيه فيقول: هو عندي مصدق مرضي إن شهد عليّ، أو يقال له: إن فلانا يشهد عليك بما يدعيه هذا فيقول: إن شهد عليّ رضيت بذلك، أو إن شهد علي قبلت ذلك أو ألزمته نفسي، أو إن شهد علي صدقته، أو إن شهد لم أخالفه.
وقال القفال: وهكذا لو قال: إن شهد علي بدينار فهو صادق لا يكون إقراراً، وإن شهد لا يلزمه شيء من جهة الإقرار لأنه إنما قال علماً منه بأنه لا يشهد عليه ذلك الرجل، ولكنه لو شهد عليه رجل بدينار فقال: هو صادق في شهادته كان إقراراً.
وقال ابن أبي أحمد في "المفتاح ": لو قال: إن شهد لك عليّ فلان وفلان بألفٍ فهما صادقان كان إقراراً، وان لم يشهدا لأنهما لا يكونان صادقين إلا كان عليه الألف الآن فيلزمه وهذا اختيار القاضي الطبري ويخالف هذا إذا قال: إن شهد عليّ صدقته لأنه قد يصدق الإنسان من ليس بصادق وها هنا قال: فهما صادقان وإذا لم يكن واجباً عليه كانا كاذبين.
فرع آخر
لو قال: لك علي ألف [123/ب] إن قبلت إقراري فقياس المذهب أنه لا يكون إقرارا.
فإن قيل: أليس المقر له إذا لم يقبل الإقرار بطل؟ قلنا: إنما يبطل إذا كذبه أو رده، فأما إذا سكت فالإقرار صحيح غير مفتقر إلى القبول.
فرع آخر
لو أقر بشرط الخيار كان باطلا مثل أن يقول: أقر لك بكذا على أني بالخيار يوما أو يومين لأنه إخبار عن واجب في الذمة فلا يصح بشرط الخيار.
مسألة 35: قال: ´ولو قال: له عندي ألف درهم ´عارية كانت مضمونةً.
الجزء: 6 - الصفحة: 131
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان عندي ألف درهم عارية كانت مضمونة، لأنه وصف بكونه عارية والعارية مضمونة ويصح استعارة الدراهم والدنانير عندنا، وهو اختيار أبي إسحاق، وقيل: كيف يجوز استعارتها ولا يمكن الانتفاع بها مع بقاه عينها؟ قلنا: يمكن ذلك إذا كان صيرفياً يتركها بين يديه تجملاً وترغيباً للناس في معاملته.
ومن أصحابنا من قال: يجوز استعارة الدراهم والدنانير، وعلى هذا تكون مضمونة أيضاً لأنه لا يكون عارية فاسدة وما كان صحيحه مضموناً كان فاسده مضمونا.
وقال أبو حنيفة في هذه المسألة: كما قلناه ولكنه علل بعلة أخرى وذلك أن الدراهم والدنانير لا تقبل العارية فإذا قبضها باسم العارية كانت قرضاً والقرض مضمون.
مسألة 36:قال: ولو أقر في عبدٍ في يدهِ لفلانٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان في يده عبد فقال: هذا العبد لزيد، وقال العبد: بل لعمرو فالقول قول الذي في يده العبد.
وكذلك إذا قال: الذي في يده هو لي، وقال العبد: بل لفلان غيرك فالقول قول الذي في يده لأن العبد في يد سيده ولا يكون في يد نفسه لأن العبد لا يقبل إقراره فيما طريقه المال على سيده لأنه يجوز أن يقصد الإضرار به فكان متهماً فيه.
وهذه المسألة مفروضة فيه إذا كان محكوماً له بملكه وإنما حكم بملكه بأحد أسباب ثلاثة؟ أحدها: أن يرى في يده طفلاً فهو كالبهيمة، أو يكون مجهول النسب يقول: أنا عبد لفلان وقبله فلان أو يملكه بأحد أسباب الملك من غنيمة [124/ أ] أو بيع أو هبة ونحو ذلك.
ولو لم يكن هكذا فقال: هذا عبدي أو عبد لفلان وقال العبد: بل أنا حر فالقول قول العبد لأن للحر على نفسه يداً فصاحب اليد بقبول توله أولى ويحلف على ذلك قال الصيمري: ويحتمل أن يقال: لا يمين عليه.
ولو أقر بالرق له ثم ادعى أنه أعتقه فالقول قول السيد مع يميه لأن الأصل عدم الإعتاق.
فرع
لو قال: الذي ني يده هو لزيد، وقال زيد: ما ملكته قط اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يحكم بحريته لأنه لم يبق عليه ملك لأحدٍ كما قلنا ني اللقيط إذا أقر بالرق لمن كذبه يحكم بعتقه، ومنهم من قال: يبقى على الرق لأن الأصل ملك المقر ورقه، فإذا رد إقراره من أقر له به بقي على ما كان.
فإذ اقلنا بهذا الوجه الثاني ماذا يصنع به؟ قد ذكرنا من قبل فيه أوجه.
فرع آخر
إذا قلنا: ترفع عنه يد المقر ولا نحكم بعتقه فمن سبق إلى ادعائه ملكاً لم يمنع منه
الجزء: 6 - الصفحة: 132
سواء سبق من اعترف له العبد بالملك أو غيره.
وإذا قلنا: يقر في يده لعدم من هو أحق به يستحق باليد 0 د فع المدعى له إلا أن تقوم له بينة بملكه 0 فإن صدق ثانياً على ملكه لم يصر مالكاً للعبد بإقراره لأنه بإقراره الأول زال ملكه فلم ينفذ إقراره الثاني ولكن يلزمه بالإقرار الثاني رفع يده ولا يمنع الثاني ملكه، وان لم نحكم له بالملك لعدم المنازع له.
فرع آخر
لو كان لقيطا فقال: أنا عبد لفلان وقال فلان: ما ملكته قط نحكم بحريته نص عليه في أخر كتاب اللقيط ولا يختلف المذهب فيه لأنا لم نحكم برقه فإذا أقر لإنسان برقه فجحده المقر له بقي على الرق حتى يتبين المالك.
فرع آخر
لو قال: التقط رجل طفلاً ثم ادعى أنه مملوك له أو لغيره لا يقبل قوله لأنا عرفنا سبب حصوله في يده؟ وهو الالتقاط وهو حر بحكم الظاهر فلا يقبل قوله في الرق إلا ببينة، وليس كذلك في المسألة التي قال الشافعي فيها: يقبل قول السيد فيه لأن هناك لا يعرف سبب حصول العبد في يده فكان الظاهر من يده ثبوت [24 /ب] ملكه فيه.
مسألة 37: قال: ولو أقر أن العبد الذي تركه أبوه لفلان ثم وصل أو لم يصل، دفعه أو لم يدفعه فقال: بل لفلان آخر.
الفصل
وهذا كما قال: إذا مات رجل وخلف ابناً وعبداً فقال الابن: هذا العبد لفلان ثم قال: لا بل لفلان آخر موصولاً به أو منفصلاً عنه قبل تسليمه إلى الأول، أو بعده يسلم العبد إلى المقر له أو لا.
وهل يلزمه قيمة العبد للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما ذكرنا من قبل في نظير هذه المسألة وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة وجماعة وهذا يدل على أن عند الشافعي لا فرق بين أن يكون سلم إلى المقر له باختياره أو أجبره الحاكم لأن الشافعي صرح هاهنا به فبطل قول من قال بخلافه.
وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه سئل المقر فإن زعم أنه لم يعلم وقت ما أقر به للأول أنه للثاني وأنه إنما علم بعد ذلك لا غرم عليه قولا واحداً، لأنه على الظاهر من فعل أبيه فكان معذوراً في الرجوع عنه واستدراك الغلط وليس كذلك إذا قال: غصبتها من فلان، لا بل من فلان فإنه على إحاطة من فعل نفسه فلم يكن معذوراً في الخطأ.
وإن قال: علمت ذلك فعلى قولان كما في مسألة الغصب سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ها هنا قولاً واحداً لا غرم والفرق من وجه آخر وهو أنه لم يقر
الجزء: 6 - الصفحة: 133
ها هنا بفعل نفسه فيحتاج ضامناً متعديا بل أقر لاثنين، فإن لم يقبل قوله في أحدهما لم يلزمه غرم، كما لو خلف أبوه ألف درهم فقال رجل: لي على أبيك ألف درهم فقال: صدقت ثم قال أخر: لي على أبيك ألف درهم فقال: صدقت فالألف للأول ولا شي، عليه للثاني، ولو قالا ذلك معا فقال: صدقتما فالألف بينهما وفي الحالين لا يغرم شيئاً.
فإن قيل: أليس في الاستثناء يفرق بين أن يكون موصولا أو مفصولاً فافترقوا ها هنا أيضا إذا قال: لا بل لفلان آخر؟ قلنا: الفرق أن هذا رجوع عن الإقرار فلا فرق فيه بين الموصول والمفصول بخلاف الاستثناء.
فرع
ذكره القفال ها هنا قال: لو قال رجل: أوصى لي أبوك بثلث [125 /أ] ماله فقال: صدقت، وقال آخر: لي على أبيك ألف درهم دينا فقال: صدقت فالمال للغريم لا للموصى له إن سبق تصديقه لصاحب الدين، وان سبق تصديقه لصاحب الوصية فالثلث له والباقي للغريم، وإن صدقهما معا فالمال بينهما على أربعة أسهم لصاحب الدين ثلاثة، ولصاحب الوصية سهم.
والصحيح عند أصحابنا أن المال كله لصاحب الدين لأن حكمهما إذا صدقهما معاً حكمهما إذا ثبتا بالبينة كما في الدينين، ويخالف هذا ما لو خلف عبداً فقال رجل: نصف هذا العبد لي، وقال أخر: هذا العبد لي فقال: صدقتما فالعبا بينهما على ثلاثة أسهم إذ لو شهدنا أنه أوصى لأحدهما بالكل وللآخر بالنصف كان العبد بينهما أثلاثاً.
مسألة 38: قال: وإذا شهدا علىّ رجل أنه أعتق عبده فردا ثم اشترياه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده وأنكر صاحبه وكانا فاسقين فرد الحاكم شهادتهما، ثم اشترياه عتق محليهما لأنهما قد أقرا بحريته.
وكذلك لو شهد واحد فردت شهادته فنقص العدد أو أخبر بذلك ولم يشهد أو ادعى حبسه لأنه أعتق عبده ولم يمكنه إثباته ثم اشتراه فالكل سواء.
فإن قيل: هلا قلتم: إن هذا الشراء باطل لأنه يقر بأنه حر ولا يجوز شراء الحر كما لو أقر بأن هذه المرأة أخته من الرضاعة ثم تزوج بها لم يصح النكاح قلنا: الفرق بينهما أن النكاح لا يعقد إلا للاستباحة وهو معترف بأنها محرمة عليه فلم يصح النكاح؟ وها هنا قصد بذل المال على طريق الفداء لغرض صحيح وهو استنقاذه من ذل الرق لعلمه بحريته فهو كبذل المال في مفاداة المسلم من ذل الأسر وكبذل المال على طلاق زوجة الغير وعتق عبده، وقد يقصد بالثراء فك العبد من الرق دون الملك فجوزناه.
ويؤكده أنَّا لو صححنا النكاح لم يقتض الفرقة وها هنا إذا صححنا يقع العتق وزال
الجزء: 6 - الصفحة: 134
الملك وهذا القائل يقول: لا نقول في الحقيقة إنه شراء بل هو بذل مال على طريق الفداء لغرض صحيح.
وقيل: هذا بيع صحيح من جهة البائع لأنا لما وددنا شهادته بقينا [125 /أ] على ملك مالكه كما كان قبل شهادته ويبنى العقد على من حكم الشرع بقوله ثم يحكم على المشتري بالعتق لإقراره السابق لأنَّا لم نقبل قوله قبل الشراء لأن الحق لغيره فإذا ارتفع حق الغير ألزمناه حكم غيره.
قوله: فإذا ثبت هذا فإن أقر البائع بعد البيع بأنه كان قد أعتقه لزمه رد الثمن عليه وعتق العبد عليه وكان الولاء له لأن قول المالك مقبول في حرية الرقبة المملوكة سواء أقر ابتداء أو أقر بما جحده من قبل.
وان أصر على تكذيبه عتق العبد عليه على ما ذكرنا ويكون الولاء موقوفا لأن الشاهد يقول: عتق على البائع وهو يقول: بل عتق على المشتري والولاء له فكل واحد منهما ينفي الولاء عن نفسه، فإذا ما شهد العبد الذي حكمنا بحريته وترك مالاً، قال الشافعي: يكون المال موقوفاً حتى يتصادقا أو تقوم البينة عليه.
قال المزني: هذا غلط لا يجوز أن يوقف جميع التركة وإنما يوقف ما فضل عن مقدار الثمن الذي وزنه، فأما مقدار الثمن فإن له أن يأخذه من التركة فإنه إن كان صادقاً في شهادته عليه بالعتق لم يجز أخذ الثمن منه وعليه رده عليه، وإن كان كاذباً فإن جميع ما خلف العبد له فإذا كان كذلك كان مقدار الثمن مستحقاً له بيقين.
قلنا: اختلف أصحابنا في الجواب عن هذا فقال أبو إسحاق وجماعة: الجواب على ما قال المزني.
ومراد الشافعي بقوله: يكون موقوفا يعني أن إرثه بالولاء يكون موقوفاً والدين يأخذه بمقدار الثمن فليس ذلك أخذاً بالولاء.
ومن أصحابنا من قال: غلط المزني فيما قاله بل لا يستحق هذا المشتري شيئاً لأنه بذل المال فدية تطوعا بالتقرب إلى الله تعالى ولا يجوز الرجوع بالتطوع.
وأيضاً قد اختلف جهة الأخذ ها هنا لأنا لو أعطيناه من التركة شيئا لا نعلم أنا نعطيه كسب عبده أو نعطيه مال مولى غيره على جهة القصاص.
قال القفال: وهو كما لو قال: بعتك جاريتي وقال: ما بعت مني ولكن زوجتها مني واستولدها بالنكاح فالقول قولان المستولد أنه لم يشترها والجارية أم ولد بإقرار السيد لا سبيل [126 /أ] له إلى بيعها وليس للمستولد وطأها لاختلافهما في الجهة أنه يطأها بملك يمين أو نكاح.
وكذلك لو اشترى امرأته ليس له وطأها في زمان الخيار لأنه لا يدري أنكاح أم ملك يمين؟ والأول أصح وقد نص الشافعي في كتابه الإقرار بالحكم الظاهر بخلاف هذا، وهذا لأن مشتري الأسير من المشرك متطوع بما بذل من ثمنه على وجه الفدية ثم له ارتجاعه متى قدر عليه وقد قال الشافعي: لو أسلم المشرك والمال في يده كان عليه أن يرده ولباذله أن يأخذه لأنه لم يملك ذلك كذلك هنا، وأما ما ذكره لا يصح لأن في المال لا يضر الاختلاف في جهة الاستحقاق بخلاف الفرج لأن في المال
الجزء: 6 - الصفحة: 135
يجري البذل والإباحة بخلاف البضع، ولهذا لو ادعى عليه ألفا من ثمن متاع فقال: بل له عليّ ألف من جهة القرض ولم يدع المدعي سوى ألفاً واحداً ثبت الألف كذلك ها هنا.
مسألة 39: قال: ولو أقر فقال: له عليّ دراهم ثم قال: هي نقض أو زييفُ.
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أن مقادير الدراهم مختلفة في البلاد فدراهم الإسلام أوسطها وهي الوازنة التي وزن كل درهم منها ستة دوانيق، وكل دانق منها ثماني حبات، ووزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل وهي معنى قول الناس وزن سعة وهي الدراهم الهرقلية وهي أوسطها.
والثاني: البغلية وهي أعلاها ووزنها ثمانية دوانيق مزيد على دراهم الإسلام ثلث وزنه.
والثالث: الطبرية طبرية الشام وزنها أربعة دوانيق بنقص عن دراهم الإسلام ثلث وزنه.
وقيل: وزنه نصف وقيراط.
وقد يكون خلاف ذلك كالدرهم الخوارزمي وزنه ثلاثة أرباع درهم.
فإن أقر بألف درهم مطلقاً نظر في البلد الذي أقر بما فيه، فإن كان وزنه الوازنة وهو وزن الإسلام لزمه وزن الإسلام بلا خلاف.
ولو قال: له مائة درهم عدداً أو اشتريته بمائة درهم عدداً، قال في كتاب الإقرار والمواهب: لزمته وازنة، وقال أصحابنا: يلزمه مائة درهم عدداً ووزنا ألحق العدد بحق النطق [126/ ب] والوزن بحق العادة وهذا في البلد الذي عادتهم الوزن على ما بيناه وهذا لأن كونها عددا لا ينافي الوازنة.
وإن كان في بلد وزنه الناقصة مثل أن يقر بالطبرية أو بخوارزم فالمنصوص في "الإقرار والمواهب" أنه ينصرف إلى وزن البلد لأنه يعين والاعتبار بعاداتهم القائمة بينهم كما لو أطلق البيع بالدراهم في هذا البلد ينصرف إليها.
وقال القاضي أبو حامد رحمه الله: نص عليه أيضاً في باب الإقرار بالحكم الظاهري، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار أبي حاما: يلزمه الوازنة دراهم الإسلام لأن الإقرار إخبار عما في الذمة لا يعلم وقت الوجوب فاحتمل الوازنة وغيرها فترك الاحتمال إلى عرف الشريعة وعرف البلاد في الإقرار غير معتبر وان كان معتبرا في البيع.
وعلى هذا إن كان في بلد يتعاملون بها عدداً فقال: عليّ دراهم أو عشرة قال ابن أبي أحمد: يجب أن يلزم عدداً وهذا قياس قول الشافعي في الوزن الناقص.
ولو قال: ألف درهم في بلد وزنه الوازنة وقال نقض نظر، فإن ذكر ذلك غير متصل بإقراره لم يقبل قوله لأن قوله نقض استثناء بعض الوازنة والاستثناء في الإقرار لا يقبل منفصلا، وإن كان متصلاً فيه طريقان: أحدهما: وهو المنصوص يقبل لأنه استثناء في الحقيقة فقبل متصلاً كما لو قال: عليّ ألف إلا خمسين.
الجزء: 6 - الصفحة: 136
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يقبل لأن قوله نقص رفع الوازنة كلها فكان كقوله: عليّ ألف درهم قضيتها هل يقبل قوله في القضاء؟ قولان والصحيح الأول لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة وعن الناقصة فقد صرفها عن ظاهره إلى مستعمل فقبل.
فرع
لو قال: لفلان علي درهم صغير فهو صغير وازن إذا ما كان للناس دراهم صغار وازنة وهكذا لو قال: دريهم صغيرة.
وان كان للناس دراهم ناقصة الوزن فالقول قوله مع يمينه أنه أراد بالصغر ناقص الوزن.
وان لم يكن للناس دراهم صغار لزمه الوازنة الوافية.
فرع آخر
لو قال: علي درهم كبير لزمه الوازن وهو [127 / أ] درهم من دراهم الإسلام لأن ذلك هو الكبير في عرف الناس.
فإن فسره بأكبر منه قُبل، وان كان في البلد كبار "فقد" لزمه ذلك.
فرع آخر
لو قال: لفلان علي دراهم ثم قال: هن زيف رجعنا في تفسيره إليه، فإن فسره بزيف لا فضة فيه أصلاً لا يقبل منه لأن قوله: ألف درهم يقتضي فضة.
وان فسره بزيف فيه فضة فإن قاله متصلاً قبل منه، وإن قاله منفصلا لم يقبل منه لأن ذلك نقصان ما أقر به فحكمه حكم الاستثناء، وقال القاضي الطبري: مقتضى المذهب أنه يقبل وان ذكره منفصلا لأن الشافعي قال بعد هذه المسألة 40: ولو قال: هن من سكة كذا وكذا صدق مع يمينه كان أدنى الدراهم أو وسطها وأدنى الدراهم هي المغشوشة قال: وقول الشافعي: ثم قال: هي نقض أو زيف لم يصدق، أراد: هي زيف جميعها رصاص أو نحاس وهذا لا يصح لأن قوله: أو في الدراهم يعود إلى السكة والدليل على هذا أن المغشوشة خارجة عن ضرب الإسلام كالنقص.
وعلى هذا قياس ما ذكرنا إذا كان في بلد يتعاملون فيه بالدراهم المغشوشة فأطلق الإقرار ينبغي أن لا يلزمه إلا منها كما قلنا في النقص.
فرع آخر
لو قال: علي ألف درهم من سكة كذا يعني من ضرب بلا كذا فعبر بالسكة عن الضرب والسكة هي الحديدة التي يضرب عليها بها الدراهم قبل منه سواء قاله متصلاً بإقراره أو منفصلاً على ما ذكرنا وسواء كان يجوز في غير ذلك البلد أو لا يجوز كما لو قال: عليّ ثوب رجعنا في تفسيره إليه وقبلنا قوله فيه سواء فسره بثوب بلده أو بلد
الجزء: 6 - الصفحة: 137
غيره.
وقيل: المراد بالسكة ها هنا ضرب البلد إذا كان فضة ولم يكن فيها حمل وغش لأن هذا هو الظاهر من الدراهم المعروفة المعتادة في الإسلام.
وقول الشافعي 41: "جائزة بغير ذلك البلد أو غير جائزة "، يريد أنّا نقبل قوله في السكة، وإن كان ضرب ذلك السلطان لا يؤخذ في غير ذلك البلد لاسمه [127 /ب] أو لرداءة الفضة لا لنقصان العيار.
والدليل على صحة هذا أن الشافعي لما ذكر هذه المسألة في كتاب "الإقرار والمواهب " على ما نقله المزني قال: ولو قال: عليّ دراهم سود فوصل الكلام فهي سود فشرط فيه الوصل فدل على أنه إذا قطع لم يقبل لنقصان الفضة وقال المزني: يلزمه من سكة البلد إذا أطلق وهو مذهب أبي حنيفة واحتج بأنه لو قال: عليّ دريهم أو دريهمات لزمته وازنة بسكة البلد فالدراهم بذلك أولى أن لا يقبل إلا بسكة تلك البلد.
قال: ولا يشبه الثوب نقد البلد كما لو اشترى بدراهم سلعة جاز لمعرفتهما بنقد البلد، ولو اشتراها بثوب لم يجز لجهلهما بالثوب، فدل أن النقد شيء معلوم يمكن صرف الدراهم المطلقة إليه وليس الثوب بمعلوم يمكن صرف المطلق إليه وقصده بهذا الانفصال عن قياس الشافعي على الثوب.
وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه: لا وجه لتقريب الإقرار من البيع في ذلك لأن الإقرار يحتمل الإجمال الذي لا يحتمل إليه فجاز أن يرد مجمله إلى تفسير صاحب اللغة وان كان بعد زمان لا إلى نقد البلد بخلاف البيع، ولهذا لو قال: لفلان عليّ شيء يصح إقراره.
ولو قال: اشتريت منك هذا الثوب بشيء لم يكن بيعاً وإن فسره عن قرب.
ويؤكده أنا لو لم نحمل في البيع على نقد البلد بطل العقد، والظاهر من قصدهما صحة العقد بخلاف الإقرار فإنه لا يبطل.
وأما الدريهمات إن فسرها برداءة الجوهر من سكة أخرى يقبل أيضا، وإنما لا يقبل في نقصان الوزن والغش فلا فرق بينهما.
وإنما ألحقنا لفظ التصغير بغير التصغير لأن العادة جارية باستعمال هذا اللفظ المصغر على معنى الاستقلال لا على معنى النقصان من الوزن، ولأّنا لا نجد الدريهم المصغر معهوداً آخر في الوزن يصرف إقراره إليه فصرفناه إلى ما كان معهوداً من لفظ الدرهم غير المصغر بخلاف السكة.
فإن قال قائل: قول المزني 42 "إذا قال: علي دريهم أو دريهمات فهي وازنة قضاء على قوله: علي دراهم فهي وازنة " يقتضي أن يكون اعتراضه على قول الشافعي فهي وازنة لا على قوله: في سكة بلدة أخرى قلنا: [128/ أ] هذا إيجاز من المزني ومراده قضاء على قوله فهي وازنة وسكتها سكة بلدته أو يستحيل أن يعترض بقوله فهي وازنة على قوله: فهي وازنة، وعلم المزني أن ذلك مفهوم من عبارته.
وقيل: يحتمل كلام المزني معنى آخر وهو أن يكون مراده بأول كلامه الاعتراض على مسالة النقص بالعكس ومراده بآخر كلامه الاعتراض على مسألة السكة التي
الجزء: 6 - الصفحة: 138
استشهد الشافعي فيها بالثوب فالاعتراض الأول أن الشافعي قال: لو قال: لفلان عليّ دراهم ثم قال: هي نقص لم يصدق، وظاهر كلام الشافعي يقتضي التسوية بين جميع البلدان ولا يجوز التسوية لأن الرجل إذا كان يكن خوارزم ووزنها ناقص فقال: في تلك البلدة هذا التفسير يقبل اعتبارا بنقد بلده كما لو كان مستوطن نيسابور فقال: لفلان عليّ دراهم ثم قال: أردت ناقصة الوزن لم يقبل ويلزم وزن بلده ولا يقبل منه تفسيره بوزن خوارزم فكذلك لا يلزم من كان مستوطن خوارزم تفسير إقراره بوزن نيسابور هذا معنى قوله في قوله إذا قال: علي دريهم أو دريهمات فهي وازنة قضاءً على قوله: عليّ دراهم فهي وازنة.
ثم استأنف الاعتراض الثاني على المسألة الأخيرة فقال: ولا يشبه الثوب نقد البلد وتقديره وجوابه كما مضى.
قلنا: إنما صور الشافعي هذه المسألة في بلدة كاملة الوزن، والمصنف إذا صور المسألة على أغلب صورة فلا عتب عليه فليس بينك وبين الشافعي خلاف في ذلك.
قال هذا القائل: فإن قال قائل: إذا علقت حكم الوزن ببلد المستوطن فعلق في السكة والرداءة أيضاً قلنا: ظاهر الاحتمال أن يكونا سواء فإذا قال بخوارزم: علي ألف درهم وطباعهم رديئة لم يلزمه خالص النقرة وقيل تفسيره إذا فسر بها كما يصرف بيوعهم المطلقة إليها ويحتمل أن تلزم الجياد.
فإن أصحابنا قالوا فيمن قال لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق تلزم الدراهم الخالصة ويتعلق الاستحقاق بنقد البلد كذلك ها هنا.
ولو كان لأهل البلد وزن معلوم ينقص ما شاء أن ينقص [28 /ب] عن وزن العامة في دنانير أو دراهم فاشترى رجل سلعة بمائة درهم فله نقد البلد على ما ذكرنا لا أن يشترط شرطاً فيكون له شرطه إذا كان البائع والمشتري عالمين بنقد البلد.
وإن كان أحدهما جاهلاً فادعى البائع الوازنة قيل له: أنت بالخيار بين أن تسلمه بنقد البلد أو تنقص البيع بعد أن يتحالفا.
فرع آخر
لو قال: غصبته ألف درهم وديعة ثم قال: هي نقص أو زيف مفصولا فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يقبل كما لو قال: له عليّ ألف درهم ثم قال هذا.
وقال أبو حنيفة: يقبل في الغصب والوديعة لأنه إيقاع فعل في عين وذلك لا يقتضي سلامتها كما لو أقر بغصب عبدٍ ثم جاء به معيباً.
وهذا غلط لأن الاسم يقتضي الوازنة غير الزيوف فلا يقبل بخلاف الاسم كما لو قال: له عليّ ألف درهم ثم فسر بهذا.
وأما ما ذكروا لا يصح لأنه وإن كان فعلاً في عين يقتضي وقوعه فيما سماه دون غيره، ويفارق العبد لأن العيب لا يمنع إطلاق الاسم فيه.
مسألة: قال 43: "ولو قال: له علي درهم في دينار".
الجزء: 6 - الصفحة: 139
الفصل
وهذا كما قال إذا قال: لفلان علي درهم في دينار فقد أقر بالدرهم ويرجع في الدينار إليه لأنه يحتمل في دينار لي فإني استقرضت منه درهماً فوزنته في ثمن هذا الدينار ويحتمل شركة له في الدينار بقدر الدرهم ويحتمل في دينار هو وهن به، وإذا احتمل ذلك كان القول فيه قوله فإن قال: أقررت بالدينار فالقول قوله، وان قال: أردت درهماً ودينارا فهما للمقر له وتقديره: عليّ درهم مع دينار وتستعمل كلمة في بمعنى مع.
وان قال: أطلقت هكذا ولا نية لي لم يلزمه إلا درهم وإنما قول المزني: فإن أراد درهماً وديناراً وإلا فعليه درهم إيجاز في الكلام وترك في الجواب إحدى المسألتين اجتزاء بجواب المسألة الأخرى كما يقول القائل: إن أعطيتني هذا الثوب بدينارين وإلا اشتريت هذا السيف بدينار معناه إن أعطيتني هذا الثوب بدينارين اشتريته بهما، وإن لم تعطه اشتريت السيف بدينار.
فرع
لو قال: لفلان علي درهم في عشرة دراهم إن قال: أردت الحساب فهو كما قال يكون مقرا بالعشرة.
وإن قال: [129/ أ] أردت درهماً في عشرة فالقول قوله مع يمينه وعليه درهم كما لو قال: عليّ عشرة في ثوب لا يكون مقراً بالثوب.
فرع آخر
لو قال: له خمسة دراهم في ثوب فإن معناه أسلمت إليه خمسة في ثوب فإن قال المقر له: صدق فيما قال فهو عقد سلم، فإن كان قبل التفرق فالمقر بالخيار إن شاء أقبض الخمسة، وان شاء منع.
وان كان بعد الفرق فقد بطل السلم وبرئت ذمة المقر عن الخمسة، وإن كذبه المقر له وقال: الخمسة التي أقررت بها دين عليك فالقول قول المقر لأن المقر وصل بإقراره ما أسقط الإقرار ولو قال: أردت ني ثوب لي وهو ظرف له فالقول قوله.
ولو قال: خمسة دراهم في ثوب اشتريته مؤجلا فإن صدقه كان إقرارا باطلا لأنه يصير دراهم من سلم افترقا عنه قبل القبض.
وان كذبه نفي بطلانه قولان بناء على القولين إذا قال: ضمنت منه مالاً على أني بالخيار.
فرع آخر
لو قال: له عليّ ثوب مروي في خمسة دراهم إلى أجل فإن صدقه كان له عليه الثوب دون الخمسة.
وإن كذبه فله عليه الخمسة دون الثوب لأن تقدير كلامه أنه أعطاني خمسة دراهم سلماً في ثوب مروي مؤجل، فإذا صدقه يكون اعترافاً بعقد سلمٍ يستحق فيه الثوب المسلم فيه دون الثمن، وان كذبه كان منكرا للعقد فاستحق به الثمن.
ولو قال المقر له: لي عليه الثوب مطلقاً فالقول قوله مع يمينه ويرجع في تفسير الثوب إلى المقر، ولو قال: أردت أن الثوب لي ظرفاً للدراهم فالقول قوله، كما لو قال: عندي جراب فيه تمر كان مقرا بالجراب دون التمر.
الجزء: 6 - الصفحة: 140
مسألة 44: قال: ولو قال: له علي درهم ودرهم.
الفصل
وهذا كما قال إذا قال: لفلان علي درهم ودرهم يلزمه درهمان لأن الواو حرف بين حروف العطف الذي يقتضي اشتراك الثاني في معنى الأول كقول القائل: رأيت زيداً وعمراً فقد اشترك زيا وعمرو في الرؤية فكذلك ها هنا اشترك الثاني والأول في الوجوب.
وكذلك لو قال: درهم ثم درهم لأن حروف ثم [129/ ب] من حروف العطف كالواو، وإنما يختلفان في أن الواو يقتضي عطفاً بلا مهملة، وثم تقتضي مهملة.
فرع
لو قال: علي درهم ودرهم ودرهم فعليه ثلاثة دراهم.
ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق يقع طلقتان ويرجع في تفسير الثالثة إليه فإن أراد الاستئناف وقعت، وان أراد التكرار لم تقع.
وان لم تكن له نية فقولان.
والفرق بين الإقرار والطلاق أن الطلاق يؤكد بالطلاق ويغلظ به على طريق الإرهاب والتخويف في العادة كما يؤكد بالمصدر فيقال: أنت طالق طلاقا.
وهذا لا يحتمل في الإقرار فلم نحمله على التكرار ولهذا لا يقال: عليّ درهم ودرهم.
أو الإقرار إخبار فلا يحتمل التأكيد والطلاق إيقاع فجاز أن يؤكد بالتكرار.
وقال ابن خيران: إن في الإقرار أيضا قولان وليس بشي،.
وكذلك لو قال: علي درهم ثم درهم ثم درهم وقال: أردت بالثالث التكرار ولا فرق بين المسألتين.
فرع آخر
لو قال: علي درهم ودرهمان فهي ثلاثة دراهم.
ولو قال لزيد علي درهم مع عمرو يرجع إلي بيانه فإن بين الأظهر من حالتي إقرار.
وهو الإقرار لزيد بدرهم هو مع عمرو يقبل، وان بين اليقين أنه مقر بدرهم لزيد وعمرو معا يقبل ومثله في الطلاق أن يقول: يا هند أنت طالق مع زينب كان قاذفاً للأولى دون الثانية.
مسألة 45: قال: وإن قال علي درهم فدرهم.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: علي درهم فدرهم احتملت الفاء العطف واحتملت التفضيل فيكون معناه: فدرهم خيرا منه، أو فدرهم لازم لي، فإن أراد العطف كان إقرارا بدرهمين، وان أراد الصفة وهي اللزوم أو التفضيل فالقول قوله مع يمينه.
وقال الشافعي في الطلاق: لو قال: أنت طالق فطالق تقع طلقتان.
واختلف أصحابنا في ذلك فقال ابن خيران: لا فرق ففي كليهما قولان على سبيل
الجزء: 6 - الصفحة: 141
التكملة والتخريج: أحدهما: يلزمه درهمان وتقع طلقتان لأن الفاء للعطف كالواو وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يلزمه درهم وتقع طلقة واحدة لأنه يحتمل [130/أ] الصفة وهي اللزوم فكأنه قال: فدرهم لازم لي أو فطلاق لازم لي.
ومن أصحابنا من قال: في الإقرار يلزمه درهم قولاً واحدا وفي الطلاق يقع طلقتان على ما نص عليهما فيهما، والفرق أن الإقرار يدخله التفضيل دون الطلاق لأنه إيقاع وأيضا الذمة بريئة في الأصل.
وقوله: فدرهم متردد بين احتمالين بين أن يكون لبيان تأكيد اللزوم مما فسر الشافعي، وبين إذا يكون لإيجاب درهم فإذا فسر بالتأكيد قبل استصحاباً لأصل براءة الذمة وفي الطلاق لكل واحدة من هاتين اللفظتين ظاهر وقوع مستأنف وليس ها هنا أمل نستصحبه قال صاحب "الإفصاح": ووزان الطلاق من الإقرار أن يقول: أنت طالق طلقة فطلقة يريد به الصفة فيقبل منه كما في الإقرار.
فإن قيل: ها هنا أيضا أصل وهو بقاء ملك النكاح قلنا: زال ذلك الأصل بظاهر لفظ الطلاق.
فإن قيل: وكذلك زال ظاهر براءة الذمة بظاهر الإقرار قلنا: للإقرار ظاهر آخر وهو أن المكرر منه قد يعود إلى الواحد بالتفسير عد التطاول والاتصال بخلاف الطلاق، ألا ترى أن رجلا لو قال يوم السبت: لفلان عليّ درهم وقال يوم الأحد: لفلان عليّ درهم ثم قال: أردت درهما واحداّ قبل بخلاف الطلاق.
ولو أطلق وقال: ما أردت به تأكيد الدرهم الأول.
قال بعمر أصحابنا بخراسان: يلزمه درهمان لأن كل لفظة منهما صالحة لإيجاب درهم بظاهرها إلا أن يريد تأكيداً.
وظاهر ما قال أصحابنا بالعراق أنه لا يلزمه إلا درهم واحد.
ولذلك لو قال: عليّ درهم بل درهم أو درهم لكن درهم فالحكم فيه كالحكم في الفاء.
مسألة 46:قال: ولو قال: درهم تحت درهم.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: عليّ درهم تحت درهم أو فوق درهم، روي المزني عن الشافعي عليه درهم لأنه قد يجوز أن يقول: فوق درهم في الجودة أو تحته في الرداءة.
وقال في كتاب [130/ ب] "الإقرار والمواهب": يلزمه درهمان إلا أن يقول: علي درهم فوق درهم في الجودة أو تحت درهم في الرداءة.
وقال الربيع: قال الشافعي رحمة الله عليه في الإقرار بالحكم الظاهر: عليه درهمان وليس هذا بمذهب الشافعي بل يلزمه درهم لأنه يمكن أن يقول: درهم تحت درهم لي، أو فوق درهم لي فحصل في هذه المسألة قولان والصحيح ما نقل المزني وهكذا لو قال: فوقه درهم أو تحته درهم.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: فوق درهم لزمه درهمان، وإذا قال: تحت درهم لزمه درهم واحد.
واحتج بأن فوق يقتضي في الظاهر الزيادة، وقوله: تحت
الجزء: 6 - الصفحة: 142
درهم يقتضي دون درهم وهذا غلط لأن فوق يقتضي الزيادة في الجودة كما يقتضي تحت الدون ولا فرق بينهما.
ولو قال: له عليّ درهم مع درهم قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب": كان هكذا فسوّى بين المسألتين فدل على أنه أيضا على قولين.
ونقل المزني ههنا أنه يلزمه درهم واحد أيضاً إذا قال: أردت مع درهم لي ولو قال مع درهم لك كان مقرا بهما.
وهكذا إذا قال: معه درهم ذكره أبو حامد رحمه الله وقال: المسألة على قول واحد يلزمه درهم واحد.
وهكذا لو قال: درهم معه دينار أو مع دينار ففي الدينار طريقان أيضا.
ولو قال: عليّ درهم قبله درهم أو قبل درهم، أو بعده درهم أو قبله دينار، أو بعده دينار قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب" يلزمه كلاهما هكذا وواه المزني لأن ظاهر قوله: قبل درهم راجع إلى الزمان فكأنه قال: قد وجب اليوم لفلان درهم وقبل اليوم درهم آخر وليس كقوله: فوق درهم أو تحت درهم فإن لفظ الفوق يحتمل المكان، ويحتمل الجودة.
وقال في هذا الكتاب بعد هذا بأسطر لو قال: له عليّ دينار قبله قفيز حنطة كان عليه دينار ولم يكن عليه القفيز وهذا قول أخر في هذه المسألة حكاه القاضي الطبري ولم يحكه غيره من أصحابنا.
وقال بعض شيوخنا: في هذه الحروف الخمسة قولان وهي تحت، وفوق ومع، وقبل، وبعد، أحدهما: يلزمه درهمان [131/ أ] لأن العرف يقصد بها الضم فهي بمنزلة الواو.
والثاني: يلزمه درهم واحد لما ذكره الشافعي وهذا هو الطريق الصحيح.
وظاهر رواية المزني يوجب الفرق بين قبل وبعد، وبين ما سواهما ففي فوق وتحت ومع يلزمه درهم وقد نصره كثير من أصحابنا على ما ذكرنا ولكنه خلاف ما ذكره الشافعي في الأمل والأولى تفريق الجميع على القولين لأن الفرق بينهما ليس بواضح.
ولو قال: درهم قبله درهم وبعده درهم قال أبو حامد: يلزمه ثلاثة وهو على ما ذكرنا من الخلاف، وقال القفال: وهكذا الفروق إذا قال: عليّ درهم على درهم أو عليه درهم.
مسألة 47 قال: ولو قال: عليّ قفيزٌ لا بل قفيزانِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي قفيز حنطة لا بل قفيزان أو قفيز حنطة بل قفيزان يلزمه قفيزان لأنه استدرك زيادة على ما أقر به.
وقال زفر: يلزمه ثلاثة أقفزة وبه قال داود.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: القياس أن يلزمه ثلاثة أقفزة ولكن يلزمه قفيزان استحساناً وهذا غلط لأن قوله: قفيزاً إقرار بقفيز فإذا قال: لا بل قفيزان ما نفى الأول لأنه لا يصح أن ينفيه وقد أثبته بل نفى الاقتصار عليه يعني عندي أكثر منه وهو قفيزان فصار كما لو قال: قفيز لا بل أكثر منه يلزمه قفيز وشيء، ولو كان نفيا للأول لكان يلزمه قفيزان وشيء.
وهكذا الخلاف لو قال: علي دينار لا بل ديناران أو قال: درهم
الجزء: 6 - الصفحة: 143
لا بل درهمان ولا فصل بين أن يقول: لا بل درهمان أو يقول: بل درهمان هذا في الجس الواحد.
فأما إذا قال: له تغيز بٍّر لا بل درهمان أو قفيز حنطة لا بل قفيزان شعير أو دينار لا بل درهمان كان مقراً بالكل لأن الحنطة لا تدخل في الدراهم ولا الحنطة في الشعير ولا الدينار في الدرهم وقصده الرجوع عما ذكر أولاً بما ذكر آخراً لا الاستدراك فيثبت الدرهمان بآخر الإقرار ولم يصح الرجوع عن الإقرار بالبر بخلاف المسألة قبلها.
فرع
لو كان هذا الإقرار بعين قائمة فقال له هذا القفيز بل هذان القفيزان كان مقراً [131 /ب] بثلاثة أقفزة كان الأول لا يدخل في الآخرين لكون العين قائمة مشار إليها وعلى هذا "أبداً" متى كان الإقرار بجنس غير معين دخل الأول في الآخر، ومتى كان معيناً أو من جنسين لا يدخل الأول في الأخر.
فرع آخر
لو قال: علي درهم لا بل درهم لزمه درهم لأنه أقر بدرهم ثم جحده بقوله لا ثم استدركه بقوله: بل درهم وثبت عليه فلزمه الدرهم وقال في "الحاوي" 48: فيه وجه آخر يلزمه درهمان لأنه إذا لم يزد على الأول لم يكن استدراكاً وكان رجوعاَ فلزماه معاً.
وهذا لا يضر لأنه يحتمل أنه أراد أن يستدرك زيادة فتذكر أنه لا زيادة عليه فلم يستدرك.
فرع آخر
لو قال: لفلان علي دينار فقفيز حنطة لا يلزمه إلا دينار لأن قوله قفيز حنطة يحتمل العطف ويحتمل أن يكون معناه فقفيز حنطة خير منه أو أنفع منه، وإذا احتمل الأمرين ألزمناه اليقين وهو الدينار وطرحنا الشك.
وقال أبو حنيفة: يلزمه كلاهما.
وقد ذكرنا ما قال أصحابنا في نظيره.
ولو قال: عليّ دينار، وقفيز حنطة أنه ثم قفيز يلزمه كلاهما كما لو قال: درهم ثم درهم أو دينار ثم دينار لأنه عطف ولا فرق بين عطفه على جنسه أو على جنس آخر.
ولو قال: درهم لا بل قفيز حنطة يلزمه كلاهما.
فرع آخر
لو قال: عليّ ألف درهم أو لا لم يلزمه شيء لأنه شك فكأنه شك هل له علي ألف درهم أو لا؟ وقال أبو حنيفة: عليه الألف لأنه راجع عنه بعد إثباته وهذا غلط لأن الشك أليق بهذا الكلام وأشبه بمفهوم الخطاب.
ولو قال: عليّ ألف درهم بل لا يلزمه لأنه قد أثبت وقصد الرجوع بعده.
الجزء: 6 - الصفحة: 144
فرع آخر
لو قال: علىّ دينار مثله قفيز حنطة كان مقرأ بالدينار دون القفيز.
فرع آخر
لو قال: عليّ عشرة لا بل تسعة لزمه عشرة لأنه لا يصلح نفي الاقتصار وقد استدرك دون ما أقر به، ولا يصلح للتفضيل فيكون معناه بل تسعة خير منها فسقط هذا فلم يبق إلا نفي العشرة فيلزمه الكل كقوله عشرة إلا عشرة.
فرع آخر
لو قال: علي درهم وثلاثة دراهم كان مقرأ بأربعة.
[132 / أ] وكذلك لو قال: ثلاثة دراهم ودرهم ولو قال: درهمان ودرهمان كان مقراً بأربعة.
فرع آخر
لو قال: له عندي ما بين الواحد والعشرة يلزمه ثمانية دراهم وهي بين الواحد والعاشر.
ولو قال: لفلان من واحد إلى عشرة اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يلزمه ثمانية وبه قال زفر فيعد ما بعد الواحد ولا يعد العاشر، وهذا لأن الأول والعاشر حدان لا يدخلان في المحدود وقال القاضي أبو علي الزجاجي: حكاه الساجي عن الشافعي.
ومنهم من قال: يلزمه تسعة وهذا أصح فيدخل الدرهم الأول ولا يدخل العاشر، وحكي هذا عن أبي حنيفة وهذا لأن الأول ابتداء الغاية والعاشر هو الحد فيدخل الابتداء فيه ولم يدخل الحد.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه عشرة ذكره القفال وغيره وبه قال محمد لأن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه.
فرع آخر
لو قال: علي ما بين الدرهم إلى العشرة ذكر ابن أبي أحمد عن الشافعي أنه قال: يلزمه تسعة، وقال القفال: هذا مذهب أبي حنيفة ومذهبنا أنه يلزمه عشرة وبه قال محمد.
ولو قال: أو ما بين دوهم إلى عشرين أو عليّ ما بين العشرة إلى العشرين.
قال ابن أبي أحمد عن أبي حنيفة: يلزمه في كليهما تسعة عشر فيلزمه الدرهم الأول دون الدرهم الأخير قال القفال: ومذهبنا أنه يلزمه عشرون فيهما لأنه إنما ذكر العشرين حداً وغاية لا أنه أخرج العشرين من جملة الوجوب.
قال: وهكذا لو قال: أنت طالق ما بين الواحد إلى ثلاثة طلقت اثنتين عندهم وعندنا تطلق ثلاثا لأنها غاية قال: ووافقنا أبو حنيفة أنه إذا قال: أبرأتك من درهم إلى عشرين وكان له عليه مائة درهم برئ من عشرين.
وكذلك لو قال: أبرأتك ما بين درهم إلى عشرين.
فرع آخر
لو قال: له ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط لم يلزمه الحائطان عندهم وهكذا مذهبنا لأن المقصود في الحائطين التحديد، والمقصود في الدراهم التعديد لا التحديد.
الجزء: 6 - الصفحة: 145
مسألة 49: قال: ولو أقر له يوم السبت [132 /ب] بدرهم وأقر له يوم الأحد بدرهم
الفصل
وهذا كما قال: إذا شهد شاهدان عند الحاكم على رجل أنه أقر عندهما يوم السبت أن لفلان عليه ألف درهم وشهد آخران أنه أقر عندهما يوم الأحد عندي له بألف درهم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يضيفا الألفين إلى جهة واحدة أو إلى جهتين مختلفتين مثل أن يشهدا عليه أنه أقر يوم السبت بألف درهم من ثمن عبد، وشهد آخران أنه أقر عندهما بألف درهم من ثمن ثوب فهما مالان مختلفان ويحكم الحاكم عليه بألفين.
وان أضافا إلى جهة واحدة من ثمن ثوب أو عبد يلزمه ألف درهم واحد وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلسين يلزمه ألفان وان كان في مجلس واحد فيه روايتان.
وعلى هذا لو أقر بألف في مجلسٍ وبألفين في مجلسٍ وبثلاثة في مجلس وادعى أنه ليس عليه إلا الثلاثة يقبل عندنا خلافاً لأبي حنيفة.
وهذا لأن الإقرار إخبار فإذا أقر بذلك احتمل التكرار واحتمل الاستئناف والأمل براءة الذمة.
ولو قال في أحدهما: استقرضته أمس، وقال في الآخر: استقرضته اليوم يلزمه المالان بلا خلاف سواء كان في مجلس واحدٍ أو مجلسين.
مسألة 50: قال: وإذا قال: له علي ألف درهم وديعة فكما قال.
الفصل
وهذا كما قال قد مضت هذه المسألة وقد ذكرنا أنه إذ وصل باللفظ فقال: له علي درهم وديعة يقبل.
ولو قال بعد ذكر ذلك هلك قبل قوله.
ولو قال موصولا: له عليّ ألف درهم وديعة هلك أو له عندي ألف درهم وديعة هلك هل يقبل؟ قولان، أحدهما: يقبل.
والثاني: لا يقبل لأنه إذا هلك لم يكن عليه ولا عنده وهو بناء على القولين في تبعيض الإقرار إذا قال: له عليّ ألف درهم قضيته أو علي ألف درهم أحلته على فلان أو من جهة ضمان فاسد.
فرع
لو قال: أودعني فلان ألفاً فلم أقبضه أو قال: أقرضني أو أعطاني ألفاً فلم أقبض يقبل قوله إذا كان متصلاً ولا يقبل إذا كان منفصلاً هكذا ذكره أصحابنا.
وقال في "الحاوي" 51: لو قال: اقرضني فلان ألفاً ثم قال بعد ذلك: لم اقبضه [133/ ا] يقبل ولا يلزمه خلافاً لأبي حنيفة وصاحباه، وهذا لأن القرض يلزم بالقبض
الجزء: 6 - الصفحة: 146
ولم يقر به وهذا أصح عندي.
وكذلك إذا قال: نقدني ألفا فلم أقبضه.
وقال أبو يوسف: لا يصدق لأن قوله نقدني يفهم منه القبض ولهذا يقال بع بالنقد ويراد به القبض وهذا لا يصح لأنه أضاف ذلك إلى المقر له فصار بمنزلة قوله: أعطاني وأقرضني.
وقيل: ألفاظ الإقرار خمسة: له عليّ، له عندي، له بيدي، له قبلي، له في ذمتي.
فإن قال: له في ذمتي ثم ادعى أنها وديعة وهلكت أو كانت باقية فقد ذكرنا.
ولو قال: له في يدي وقال: هي وديعة ثم قال: هلكت موصولاً لا يقبل لاستحالة أن يكون بيده ما قد هلكت.
والثاني يقبل لاحتمال أن يريد أنه كان بيده وقد ذكرنا نظيره.
ولو قال: له قبلي ألف درهم يحتمل ما في الذمة من الديون ويحتمل ما في اليد من الأعيان فإذا بين أحدهما صار بالإرادة مقتضى كلامه وقد ذكرنا حكمهما.
ولو قال: له علي ألف درهم يقتضي ما كان مضمونا في الذمة من عين ودين ويخالف قوله في ذمتي من وجه وذلك أنه يقتضي الدين ولا يقتضي العين إلا على وجهٍ من المجاز وقد ذكرنا فيه الوجهين.
ولو قال: له عندي ألف درهم يشتمل هذا فيما بيده من عين مضمونة أو أمانة ويشتمل فيما في الذمة من دين مضمون وخالف قوله بيدي من وجد وهو أن ما بيده لا ينصرف إلى ما ذمته بخلاف هذا.
مسألة 52: قال: ولو قال: له من مالي ألف درهم سئل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان من مالي ألف درهم سئل فإن قال: أردت الهبة والدين فالقول قوله لأن ما بعد قوله: من مالي أنه أضاف جميع المال إلى نفسه ثم اقتطع منه طائفة بالهبة فرجعنا إلى قوله وقد مضت هذه المسألة، ومراد الشافعي القول قوله أي مع يمينه وإنما استحلفناه لأن قوله من مالي ألف درهم وإن احتمل الهبة بظاهر واحتمل أنه عليه ألف درهم ديناً يلزمه نقده من ماله وكيفية استحلافه أن يحلف بالله ما أردت بهذا اللفظ إقراراً وإنما أردت به هبة.
[133/ ب] ولو مات هذا المقر لا يلزم في تركته شيء ما لم يقر ورثته بأنه أراد به الإقرار دون الهبة.
ولو اعترف ورثته أنه أراد الإقرار ثبت الألف ديناً على الميت لإقرارهم بذلك ثم يلتزمون قضاءه على الحصص، وان اعترف بعضهم وجحد بعضهم لم يؤاخذ الجاحد باعتراف المعترف ثم ذكر بعد هذا إذا قال: له من هذه الدار نصفها أو قال: له من داري هذه نصفها وقد ذكرنا شرح هذا وجملته أنه إذا أضافها إلى نفسه منعت الإضافة حمل الكلام على ظاهره.
مسألة 53: قال: ولو قال: هذه الدار لك هبة عارية، أو هبة سكنى.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: هذه الدار لفلان هبة عارية أو هبة سكنى كان له أن يخرجه
الجزء: 6 - الصفحة: 147
منها متى شاء ويصح إقراره لأنه لما قال: هذه الدار لفلان فقد أقر له برقبتها ومنفعتها فإذا قوى به هبة عارية فقد أخرج الرقبة عن حكم الإقرار وبقى المنفعة فقد استثنى بعض المقر له فقبل وإنما قلنا: له الرجوع لأن ما سكنه فقد قبضه وما لم يسكنه فهو هبة لم يقبضها فكان له أن يرجع فيها.
ولو قال: له في هذه الدار حق سكنى فقد أقر بمدة مجهولة فكان القول قوله في قدرها يوما أو أكثر أو أقل.
ولو قال: لك فيها سكنى إجارة بدينار في الشهر فقد أقر بأنه أجرها بدينار في الشهر فإن قبل المقر له ذلك فهي له وإلا فلا شيء له، نص عليه في "الإقرار والمواهب".
قال أصحابنا: وهذا يدل على أنه إذا قال: آجرتها كل شهر بدرهم صح في الشهر الأول وهو أحد وجهي أصحابنا.
ولو لم يسم شيئاً لك فيها إجارة كان المرجع في تفسيره إليه.
وهكذا لو قال: له في هذه الدار حق، وأطلق.
فرع
لو كانت دار بين رجلين فأقر أحدهما بنصفها لرجل، وكذبه الشريك قال أبو حنيفة: كان للمقر له بالنصف ثلث الدار وللمقر السدس تكملة النصف والنصف الباقي للشريك المكذب وعلة ذلك أن المكذب للمقر بالنصف يقول: لي ولشريكي النصف والنصف الباقي لك أيها المقر له فيكون ذلك مثلا مالي فإذا انفرد [134 / أ] الشريك لتكذيبه بالنصف صار النصف الباقي بيننا أثلاثاً لي منهم سهم واحد، ولك منه سهمان مثلا مالي.
وحكى أبو العباس بن وجاء النصيري عن الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه سؤال المقر بالنصف أله في الدار باقي ملك أم لا؟ فإن قال: لا شيء لي في الدار صح إقراره فيها بالنصف وكان النصف الآخر للشريك، وان قال: لي نصفها لزمه الإقرار بربعها وكان الربع الأخر له والنصف للشريك لأن المقر أقر من حقه وحق شريكه فقبل إقراره على نفسه وود على شريكه، ولهذا وجه صحيح على ما ذكر وفيه وجه أخر محتمل أنه يلزم إقراوه في النصف كله.
فرع آخر
لو كانت الدار مشاعة بين رجلين فأقر أحدهما ببيت منها لرجل وكذبه الشريك.
قال أبو حنيفة: يكون إقراره مردودا ما لم يقتسما، فإذا اقتسما وصار البيت للمقر لزمه بالإقرار المتقدم تسليمه إلى المقر له، ولو صار البيت للشريك ضرب المقر له مع المقر بقيمة البيت فيما صار له بالقسمة، وعلى ما حكاه ابن رجاء عن الشافعي يكون للمقر له بالبيت ربع البيت مشاعاً، وعلى ما ذكرنا من التخريج له نصف البيت مشاعا لا يجوز أن يختصا دونه بقسمة، فإن اقتسما وصار البيت في حصة المقر لزمه تسليم جميعه إلى المقر له.
وان صار للشريك لزم المقر أن يعوض للمقر له قيمة ما بقي من البيت بعدما صار له بالإقرار من ربع أو نصف وإنما لزم غرم القيمة لأنه صار معاوضاً عليه بالقسمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 148
فرع آخر
لو قال: هذه الدار لفلان إلا بناءها كان إقراراً بالأرض دون البناء.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الإقرار بجميع البناء لأن الدار لا تسمى بغير بناء.
وهذا غلط لأنه لو قال: هذه الدار لزيد إلا نصفها صح الإقرار بنصفها، وان كان النصف بانفراده لا يسمى داراً لأن الاستثناء بغير حكم الجملة عن إطلاقها.
فرع آخر
لو أقر له بحائط لم يدخل أرض الحائط في إقراره خلافاً لأبي حنيفة، ووافقنا أنه لو أقر [134 / ب] له بنخلةٍ لم يدخل قرارها في الإقرار.
فرع آخر
لو قال: هذه الدار لزيد، وهذا البيت منها لي كان كقوله: إلا هذا البيت.
وقال أبو حنيفة: لا يصح ذلك لأنه استثناف رجوع في البيت بعد الإقرار به وهذا غلط لأن ألفاظ الاستثناء مختلفة وهذا من جملته.
وهكذا الخلاف إذا قال: هذا الخاتم لزيد وفصه لي.
مسألة 54: قال: "ولو أقر للميت بحق".
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وقد مات وهذا الصبي ابنه وهذه المرأة زوجته قد ذكرنا أنه يكون إقرارا لهما بالألف ويلزمه الدفع إليهما ويفارق هذا مسألة الوكالة على ما ذكرنا، هذا إذا لم يكن له ابن معروف النسب، فإن كان له ابن معروف النسب، فإن صدقه يلزمه أن يدفع الثمن إلى المرأة والباقي بينهما نصفين.
وإن كذبه يلزمه دفع جميع الألف إلى الابن المعروف.
وهل يلزمه أن يغرم للمرأة والصغير ما أقر لهما به على الاختلاف الذي ذكرنا في قوله: هذه الدار لفلان لا بل لفلان آخر.
قال المزني: هذا عندي خلاف قوله في الإقرار بالوكالة وهذا عندي أصح ومراده أن في مسألة الوكالة يجب الدفع إلى الوكيل فأوهم أن المسألتين على قولين واختار جوابه في كتاب الإقرار على جوابه في كتاب الوكالة وعامة مشايخنا على الفرق على ما بينا، ولو كان الوارث صغيرًا فقال: وهذا وصية لم يلزمه الدفع إلى الوصي لأنه لا يبرأ بل يدفع إلى الحاكم حتى يبرأ.
مسألة 55 قال: ولو قال: بعتك جاريتي هذه فأولدتها.
الفصل
وهذا كما قال: لو أن رجلا وطئ أمة تسلمها من سيدها ثم قال السيد: بعتكها بألف في ذمتك فلي عليك ثمنها وقال الواطئ: بل زوجتنيها فلك علي المهر، فإن لم
الجزء: 6 - الصفحة: 149
يكن أحبلها فإنهما يختلفان لأن كل واحٍد منهما يدعي على صاحبه عقدًا ينكره فالقول قول المدعي عليه مع يمينه في نفي ما يدعيه صاحبه عليه.
ثم يُنظر فإن حلفا معًا لا يلزم الواطئ التبرئ ليمينه ولا يلزم السيد التزويج ليمينه وحكمنا بزوال العقد [135/ أ] وللسيد ببيعها بلا خلاٍف لأنه لم يعتبر فيها بما يمنع البيع، وإنما أقر بها للواطئ بثمن يملكه عليه، فإذا لم يملك على الواطئ الثمن الذي ادعاه لم يملك عليه الواطئ الأمة التي أقر بها.
وقيل: ترجع الجارية إليه وعلى أي وجٍه ترجع فيه وجهان:
أحدهما: يرجع كما يرجع البائع في السلعة إذا أفلس المشتري وتعذر عليه ثمنها لأن الثمن ها هنا تعذر فيحتاج السيد أن يقول: فسخت البيع ثم يعود ملكًا له في الظاهر والباطن.
والثاني: أنها ترجع إليه على معنى أنه له قبل المشتري ثمنها وقد تعذر عليه الوصول إليه وقد ظفر بهذه الجارية من ماله فكان له أخذها وبيعها بجنس حقه وقبض ذلك بدينه.
وفائدة الوجهين إباحة الوطء للبائع فعلى الوجه الأول يحل له وعلى الثاني لا يحل له إذا كان على يقين مما ادعى لأنه على ملك الواطء باعتقاده وإنما ظلمه بمنع الثمن وجعل له بيعها ليتوصل إلى ثمنها.
وعلى هذين الوجهين لو فضل من ثمنها بعد بيعها زيادة على الثمن الذي ادعاه من ثمنه هل يسوغ له تملكها؟ فإن قلنا بالوجه الأول يجوز له تملكها، وإن قلنا بالوجه الثاني لا يجوز له تملكها ويلزمه ردها إليه وهو لا يسترد فماذا يفعل بها؟ قد ذكرنا من قبل.
ولا خلاف أنه يحرم على الواطئ إصابتها بعد بيعها ولا يستحق صاحب الجارية على الواطئ مهرها لأنه لا يدعي ذلك عليه وإن كان يعترف هو له به.
ولو نكل عن اليمين فهو نكول عن يمين نفي فإنكاٍر فيرد عليهما بالإثبات فيحلف السيد عليّ إثبات البيع وحلف الواطئ عليّ إثبات التزويج فإن نكلا عنهما أيضًا لم يحكم لواحٍد منهما بما ادعى وحرمت على الواطئ لنكوله عما ادعاه بالنكاح وهل تحرم على السيد؟ وجهان على ما ذكرنا.
وإن حلف السيد أو نكل الواطئ حكم له بالشراء وحكم عليه بالثمن وحرمت على السيد وفي تحريمها على الواطئ في الحكم وجهان:
أحدهما: تحل لأنهما قد اتفقا على حصول الاستباحة وإنما اختلف في جهتها [135/ ب] وهذا أصح عندي.
والثاني: لا تحل لأنه لم تثبت واحدة من الحالتين بقوله وهو اختيار القفال.
وإن حلف الواطئ ونكل السيد حكم له بالتزويج وهي حرام على السيد، حلال للواطئ وجهًا واحدًا.
وإن حلفا معًا قضي بيمين السيد في الشراء ولزوم الثمن على الواطئ لأن تزويجه لها لا يمنع جواز بيعها وابتياعها وهي حرام على السيد حلال للواطئ، وإن حلف السيد في الابتداء ونكل الواطئ فهذه اليمين من السيد إنما هي لنفي ما ادعاه الواطئ من التزويج، وقد نكل الواطئ عن يمين إنكاره لما ادعاه السيد في الشراء فترد على السيد
الجزء: 6 - الصفحة: 150
اليمين ليحلف ثانيًة على إثبات ما ادعى من الشراء فتكون يمينه الأولى لنفي التزويج، واليمين الثانية لإثبات الشراء فيحرم على السيد وفي تحريمها على الواطئ وجهان.
فإن نكل عنها فلا ثمن له والجارية في يده محرمة عليه وعلى الواطئ جميعاً.
وإن حلف الواطئ في الابتداء ونكل السيد فهذه اليمين من الواطئ إنما هي لنفي ما ادعاه السيد من الشراء وقد نكل السيد عن يمين إنكاره لما ادعاه الواطئ من التزويج فيرد على الواطئ اليمين ليحلف بها ثانيًة على إثبات ما ادعي من التزويج فتكون يمينه الأولي لنفي الشراء، واليمين الثانية لإثبات التزويج فإذا حلف حكم بها زوجة له، فإذا طلقها أو زال النكاح بفسخ رجعت إلى سيدها في الحكم وكانت في الباطن على ما يعلمه فإن كان صادقًا فهي ملكً للمشتري لا يحل له وطئها، وإن نكل عن هذه اليمين وعادت إليه على ما مضى بيانه.
وإن كان كاذبًا في دعواه، والواطئ كان صادقًا يحل له وطئها.
وإن نكل عن هذه اليمين الثانية فليست له بزوجة وهي محرمة عليه وللسيد في الحالين بيعها لبقاء ملكه بإنكار الشراء.
وأما إذا أحبلها وأولدها فهي مسألة الكتاب، ودعوى كل واحٍد منهما تتضمن أحكاماً فدعوى السيد تتضمن استحقاق الثمن وأن الأمة أم ولده وأن الأولاد [136/أ (أحرار ودعوى الواطئ الزوجية تتضمن إقرارًا بالمهر وثبوتًا للزوجية وأن الأمة وأولاده مرقوقون للسيد فيقبل قول كل واحدً منهما فيما يضره ولا يقبل فيما ينفعه لأنه متهم فيما ينفعه ويكون القول قول الواطئ مع يمينه فيحلف أنه لم يشتر منه هذه الجارية.
فإن حلف فالوطء محرم على السيد لإقراره بأنها أم ولد لغيره، وهل يحل وطئها لمدعى الزوجية؟ فإن كان يعلم أنه صادق فيما يدعيه من النكاح يحل له وطئها فيما بينه وبين الله تعالى، لأنها امرأته وهذا إذا كان ممن يَحِلُّ له نكاح الإماء.
وهل تحل له في الحكم؟ وجهان على ما ذكره:
أحدهما: يحل لاتفاقهما على إباحته له إما بالملك أو بالزوجية كما لو قال لغيره: بعتك أمتي وقبضت ثمنها وقال: بل وهبتنيها يجوز باتفاق أصحابنا أن يطأها وإن اختلف في سبب الإباحة.
والثاني: وهو اختيار صاحب (الحاوي) 56 لا يحل لأنهما بإنكار العقدين أبطلا أن يكون للواطئ أمةً ولا زوجةً، وصار كما لو قال لآخر: بعتك أمتي بألٍف ولم أقبط الألف وقال: بل وهبتنيها لا يجوز له أن يطأها بالاتفاق لأنهما وإن اتفقا على سبب الإباحة فللمستحق المنع من الإصابة إلا بعد قبضه وخالف حال المقر بقبضه، ويحكم بأن الأمة صارت أم ولد للواطئ بإقرار السيد، وأن الولد خلق حرام.
ولا يستحق عليه الثمن إلا ببينٍة وقد برئ من الثمن لما حلف.
وهل للسيد أن يرجع عليه بشيء؟.
اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: يستحق الرجوع على الواطئ بأقل الأمرين من ثمن الجارية أو مهرها فإنه واجب باتفاقهما جميعاً.
ومنهم من قال: لا يستحق عليه
الجزء: 6 - الصفحة: 151
شيئاً لأنا حكمنا بعدم الشراء بيمين الواطئ والنكاح الذي اعترف به وجوب المهر له لا يدعيه سيدها فلم يثبت له، ولا خلاف أنه لا يرجع البائع في الأمة بل يقر في يد من هي في يده لأن البائع أقر بأن ملكها [136/ب (انتقل إليه وأنها تلفت في يده بالإحبال فهو كما لو قال: بعت عبدي من زيد وأعتقه، وأما النفقة فنفقة الأولاد على الأب الواطئ بلا خلاف، لأنهم عتقوا، والولد إذا عتق وجبت نفقته على أبيه المناسب دون مولاه المعتق.
وأما نفقة الأم فإن قلنا: يحل له أن يطأها فالنفقة عليه.
وإن قلنا: لا يجوز له أن يطأها سقطت نفقتها بلا خوف.
وأين تجب نفقتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: تحب في كسبها إن كان لا في من لزمته النفقة ملك الكسب.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: نفقتها على السيد ويكون كسبها موقوفًا لأنه متهم في إسقاط النفقة فلم تسقط عنه ومقر بالكسب لغيره فلم يؤخذ منه.
والأول أصح.
وقيل قال أبو إسحاق: فيه قولان أي وجهان: أحدهما: في كسبها.
والثاني: على السيد من غير تفضيل بين أن يحل وطئها أو لا يحل وذاك أصح.
وأما الميراث فهو ثلاث مواريث: ميراث الواطئ، وميراث الأولاد الأم، فأما ميراث الواطئ فلأولاده لكونهم أحرارًا ولا شيء للأم لأن أحسن أحوالها أن تكون أم ولدٍ تتحرر عند موته.
وأما ميراث الأولاد فلأبيهم ولا شيء لأمهم قبل موت الأب في حكم أم الولد.
وإن كان موت الأولاد بعد موت الأب فللأم الثلث من تركتهم لأنها صارت حرة ثم الباقي بعده لعصبته إن كانت، وإن لم يكونا فموقوف لا مستحق بالولاء الموقوف.
وأما ميراثها فإن كان موتها بعد عتقها بموت الواطئ فموروث لأولادها إن كانوا، وإن لم يكونوا أو ماتوا قبل موتها كان مالها موقوفًا لأنه لا يعلم أن الولاء للسيد أو للواطئ وكل واحٍد منهما يدفع عن نفسه فكان موقوفًا إلى أن ينكشف أمره.
وإن كان موتها قبل عتقها بموت الواطئ فلا ميراث لأولادها ويكون موقوفًا بين الواطئ والسيد لأنه مستحق بالملك لا بالإرث والملك موقوف.
فإن طلب السيد باقي ثمنها من الموقوف من مالها حين قضي له على الواطئ بالمهر الذي هو أقل أو طلب جميع الثمن حين لم يقبض له الواطئ بشيء فله ذلك [137/أ (ويدفع إليه وهذا لأن المشتري يقول: هذه مملوكتك وجميع تركتها لك والبائع يقول: بل هي أم ولدك واستحق عليك الثمن فكان له اخذ الثمن م التركة والفضل موقوف لأن أحداً لا يدعيه.
ويفارق المسألة قبلها حيث لا يجوز للبائع هناك أخذ الثمن من تركتها لأنه يقول: هذه الشركة لوارث المشتري بحق الولاء والثمن استحقه على المشتري في ذمته فلا يجوز له أن يأخذه من مال وارثه.
فإن قال قائل: لم قال الشافعي: وولاؤها موقوف وأعرض عن ذكر ولاء الولد وقد حكمنا بحريتها جميعاً بإقرار السيد؟
قلنا: لأن حرية الولد مستفادة بإقرار السيد وفي ضمن إقراره أن لا ولاء على ذلك
الجزء: 6 - الصفحة: 152
الولد إذ خلق حراً لم يمسه الرق فلذلك لم يتكلم في ولاء أم الولد لأن معليها الولاء وهو كما لو قال واحٌد: أنا عبدك فقال: بل أنت حر الأصل لا ولاء عليه.
ولو رجع كل واحٍد منهما عما ادعاه، فأن رجع سيدها عن دعوى البيع سقط الثمن عن الواطئ ولا يقبل رجوعه في إسقاط حقها من الحرية وحق أولادها من الحرية، وإن رجع الواطئ عن دعوى الزوجية قبل رجوعه في وجوب الثمن عليه وثبوت الولاء له.
وإن نكل الواطئ عن اليمين رددنا اليمين على سيدها، فإن حلف استحق الثمن وهل يحل للمبتاع وطئها؟ وجهان على ما ذكرنا.
وتكون الجارية أم ولد الواطئ ويكون الولد حراً.
وإذا حلف الواطئ أنه لم يشترها وادعى الزوجية هل يحلف السيد؟ وجهان:
أحدهما: لا يحلف لأنه قد أقر بأنها أم ولده ولو عاد وأقر أنها أمته زوجها منه لم يقبل فلا فائدة في عرض اليمين عليه.
والثاني: يحلف لأنه ربما يمتنع من اليمين فيرد اليمين على المدعي فإذا حلف حكم له بالزوجية ويطأها بالنكاح.
مسألة 57: قال: (وَإِذَا َقاَل: لَا ُأِقُّر َولَا ُانِكُر).
الفصل
وهذا كما قال: إذا قدم رجل رجلًا إلى الحاكم فادعى عليه مالًا فقال: لا أقر ولا أنكر فإن الحاكم يقول له: هذا ليس بجواب فإما إقرار وإما إنكار مع اليمين فإن أجبت وإلا جعلتك ناكلًا.
ويستجيب للحاكم أن يقول له ذلك [137/ب (ثلاث مرات وأن ينذره فيقول: إن عرضت اليمين عليك هذه الكرة فنكلت رددت اليمين على خصمك ثم لا أقبل يمينك.
فإن قال مرة واحدة ورد اليمين أجزأه، وإذا جعله ناكلًا ورج اليمين على المدعي فحلف حكم له بما ادعاه، ورد اليمين بأحد أمرين إلا أن يقول: حكمت عليك بأنك ناكل أو بأن يقبل على المدعي فيقول: احلف فحينئذ لا ينفع المدعي عليه: قوله أنا أحلف إلا أن يرضي المدعي بذلك فيكون سقطًا لحقه.
وهكذا إذا أنكر ثم نكل عن اليمين رد اليمين على المدعي فإذا حلف حكم له.
وقال أبو حنيفة يحكم بمجرد النكول ها هنا ولكن إذا قال: لا أقر ولا أنكر لا يجعل ناكلًا بل يحبس حتى يقر أو ينكر.
فرع
لو قال: أقر قال في (الإفصاح): لا يكون إقرارًا بالمال لأنه يحتمل أني أقر أن دعواه باطلة أو أقر أن الله واحد.
وكذلك لو قال: أنا أقرُّ لك، أو أنا مقر لك لا يكون إقرارًا بالمال لأنه موعد.
أو أقر لك بالفضل والعلم.
الجزء: 6 - الصفحة: 153
فرع آخر
لو قال: أنا أقر بما تدعيه لا يكون إقرارًا أيضاٍ لأن معناه أقر بعد.
ولو قال: أنا مقر بما يدعيه كان إقرارًا.
فرع آخر
لو قال: أنا مقر فيه وجهان: أحدهما: قال أبو حامد: لا يكون إقرارًا لأنه يحتمل أن يريد أنا مقر ببطلان دعواك.
والثاني: وهو الأصح يكون مقرًا لأنه إذا كان جواباً عن الدعوى أنصرف الإقرار إليها وكان أبلغ جواباً من نعم ذكره في (الحاوي) 58.
فرع آخر
لو قال في جواب الدعوي: لا أنكر لا يكون إقرارًا لأنه يحتمل لا أنكر لله تعالى قدره أو لا أنكر أنه هذا الدعوى باطلة أو لا أنكر فضلك.
وكذلك لو قال: لا أقر ولا أنكر.
ولو قال: لا أنكر دعواه أو لا أنكر ما يدعيه يكون إقرارًا بالمال.
فرع آخر
لو قال في جواب الدعوى: لا أنكر أن يكون محقاً لم يكن إقرارًا لاحتمال أن يريد محقاً في دينه أو اعتقاده ولو قال: لا أنكر أن يكون محقاً في هذه الدعوى كان مقرًا.
فرع آخر
لو قال في جواب الدعوى: بلي أو نعم أو أجل أو صدق أو أي لعمري كان مقرًا بجميع ذلك لأنها في محل الجواب تصديق، وإن كانت مختلفة المعاني.
ولو قال: لعل وعسى ويوشك لم [138/أ (يكن مقرًا لأنها ألفاظ للشك والترجي وكذلك لو قال: أظن وأقدر وأحسب وأتوهم.
فرع آخر
لو قال له الحاكم حين ادعى عليه رجل ألفاً: ما تقول؟ فقال: نعم، قال بعض أصحابنا: يكون إقرارًا لأن تقديره نعم له على ما يدعيه، ولو قال: بلى قال بعض أصحابنا: لا فرق بينهما في الحكم ذكره القاضي الطبري وفي هذا نظر لأنه قال له الحاكم: ما تقول؟ فقوله: نعم عقيبه يحتمل أن لا يكون إقرارًا إلا أن يقول له الحاكم: ما تقول فيما يدعيه عليك؟ فإذا قلنا: ها هنا نعم يكون إقرارًا.
فرع آخر
لو قال: له ألف على في علمي كان إقرارًا لأنه إنما يقر بما في علمه.
وقال أبو حنيفة: لا يكون إقرارًا لتشككه.
الجزء: 6 - الصفحة: 154
فرع آخر 59
لو قال الشاهد: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهمٍ في علمي صحت الشهادة عندنا على قياس ما ذكرنا وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو يوسف.
وقال محمد وأبو حنيفة: لا تصح شهادته.
فرع آخر 60
لو قال الطالب: اقض الألف الذي لي عليك فقال: نعم أو أجل أو غداً أو أنظرني به أو أنا في ذاك كان إقرارًا.
ولو قال: أنظرني أو أرفق بي أو أنفذ رسولك إلي أو سهل الله ذلك أو انظر في حسابي لم يكن إقرارًا لاحتماله.
فرع آخر
لو قال: اشتر عبدي هذا فقال: لا أفعل لم يكن إقرارًا خلافاً لأبي حنيفة لأن إنكار الجواب لا يكون إقرارًا بالجواب.
ولو قال: نعم أو كم الثمن كان إقرارًا.
وكذلك لو قال له: أعطني غلة ضيعتي أو أسرج دابتي فقال: نعم كان إقرارًا.
فرع آخر 61
لو قال في جواب الدعوى: خذ أو اتزن لم يكن إقرارًا لأنه يحتمل خذ الجواب مني واتزن حقاً إن كان لك على غيري.
ولو قال: خذها أو أتزنها قال الزبيري: يكون إقرارًا لأن هاء الكناية في الجواب ترجع إلى ما تقدم من الدعوى.
وقال جمهور أصحابنا: لا يكون إقرارًا فيهما لأنه يقال ذلك استهزاءً.
وقال القفال رحمه الله: لا نص للشافعي فيه والظاهر عندي أنه [138/ب (لا يكون إقرارًا، وقال ابن أبي أحمد في أدب القاضي: مذهب الشافعي أنه لا يكون إقرارًا قلته تخريجاً وذلك أنه لم يجعل طلبه للصلح وأخذ العوض على ذلك إقرارًا وجعل الصلح على الإنكار باطلاً كذلك ها هنا.
وكذلك إذا قال: انتقده.
فرع آخر
لو أجاب عن الدعوي فقال: صحاحٌ لم يكن إقرارًا.
ولو قال: هي صحاحٌ قال الزبيري: يكون إقرارًا لأنه إقرار بصفتها فكان إقرارًا بها لأن بالصفة إقرارا بالموصوف وقال جمهور أصحابنا: لا يكون إقرارًا لأنها صفة ترجع إلى المذكور م الدعوى ولا يجوز أن يكون صفةً لإقرارٍ لم يكن.
فرع آخر
لو قال: له علي ما في حسابي أو ما خرج بخطي أو أقر به زيد عني لا يكون إقرارًا لأنه مُحيل بالإقرار على غيره وليس بمقر.
الجزء: 6 - الصفحة: 155
فرع آخر
لو قال: عليك ألف فقال: إنما لك مائة تلزمه مائة.
فرع آخر
لو قال: أقرضتك مائة فقال: ما اقترضت من أحد سواك، لم يكن إقرارًا.
فرع آخر
لو قال في جوابه: ثبت أو ليتني ما فعلت، أو هي التوبة، كان إقرارًا.
فرع آخر
لو قال لرجل: لا تخبر فلاناً أن لزيد علي ألفًا لم يكن إقرارًا.
فرع آخر
لو قال: كان له علي ألف درهم أو كان له عندي ألف درهم قال بعض أصحابنا: لا يكون إقرارًا لأن رجلًا لو ادعى ذلك عند الحاكم لم يسمع دعواه بأن يقول: كان لي على هذا ألف درهم.
وقال أبو حامد: عندي يكون إقرارًا لأنه أقر بأنه كان له عليه فلا يبرأ بقوله ويخالف الدعوى لأن قوله مقبول على نفسه دون غيره.
فرع آخر
لو قال: وصل هذا العبد إلي على يدي فلان، أو ملكته على يديه، أو قبضته على يديه لم يكن مقرًا بذلك لزيد لأنه أقر بأن زيداً أعانه على ذلك قاله نصًا.
ولو قال: ملكته من زيد فقد اعترف له به وادعى أنه ملكه منه، ولو قال: قبضته من زيد كان اعترافاً له بالملك في اليد، فإن كذبه فلان في انتقاله إليه كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف رده إليه.
فرع آخر
لو قال: أبرأني من [139/أ (دعواه، لم يكن إقرارًا بالمال، ولو قال: أبرأني مما يدعيه كان إقرارًا بالمال.
قال ابن أبي أحمد في (أدب القاضي): هكذا قال جمهور أصحاب الكوفي والشافعي وهو الصحيح عندي على مذهب الشافعي قلته تخريجاً وذلك أني لا أعلم بين أصحابنا خلافاً أن رجلًا لو قال: بالله لأبرئن اليوم فلاناً من مال لا يبرأ من يمينه حتى يبرئه من ماٍل عليه.
فرع آخر
لو قال: علي ألف لزيد أو عمرو فيه وجهان أحدهما: لا شيء عليه لواحدٍ منهما لأنه شاك في الإقرار له فصار كقوله: علي ألف أو لا.
والثاني: يكون مقرًا لأحدهما بالألف وإن لم يعينه فيؤخذ بالبيان ولا يسقط الإقرار كما لو أقر بواحدٍ من عبدين لم يبطل إقراره للجهل بعين المقر به فكذلك لا يبطل للجهل بعين المقر له.
ويخالف هذا
الجزء: 6 - الصفحة: 156
قوله: عليّ ألف أو لا لكونه شاكاً في ثبوت الإقرار وسقوطه وهو ها هنا متيقن للإقرار شاك في مستحقه فافترقا.
مسألة 62: قال: (وَلَو قَالَ: وَهَبْتُ لَك َدارِي هَذِه وَقَبَضْتُهَا).
الفصل
وهذا كما قال: إذا أقر رجل فقال: وهبت داري من فلان وقبضتها، أو حازها أو صارت في يده أو حصلت في يده فقد أقر له بملكها بالهبة لأن الهبة تملك بالعقد والقبض معًا وقد أقر بذلك، فإن ادعى بعد ذلك أنه لم يكن قبضها وأنه يريد أن يرجع فيما وهبه له وطلب يمين الموهوب له قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الرهن وحكمهما واحد والمذهب أن له طلب يمينه لأنه ربما توهم أن التسليم بالقول تسليم.
وقد حكي المزني لفظ هذه المسألة ولم يذكر في ظاهرها لدعوى الواهب تأويلًا محتملًا بعد إقراره السابق بالهبة والقبض ومطلق دعوى الواهب غير مسموع لأنه يكون مكذباً نفسه بنفسه ولهذا لو قال: كذبت فيما اعترفت له بالقبض لم يسمع فالمسألة محمولة على أنه يدعي التأويل مثل ما ذكرنا أني توهمت أن التسليم بالقول تسليم، أو ذكرت ذلك عن لسان وكيلي وقد كذب ونحو ذلك هكذا ذكر أبو إسحاق رحمه الله.
ولو قال: وهبتها له ولم يقر بالإقباض قال الشافعي: [139/ب (فإن كان في يد الموهوب له فهو قبض بعد الإقرار وهذا فرعه على ما نص في الرجل إذا وهب لغيره عينًا في يديه فمضت يمكن القبض فيها صارت مقبوضة، وإن لم يأذن له في القبض فعلى هذا يكون قد أقر بالهبة والقبض معًا، وإن كانت في يد الواهب أو في يد وكيل الواهب ثم اختلفا فقال الموهوب له: قبضتها وملكتها وأنكر الواهب فالقول قوله سواء قال: وهبتها وملكتها أو قال: خرجت إليه منها لأنه قد يقول: ملكها معتقدًا مذهب مالكٍ أن الهبة تملك بالعقد ولا يزول ملكه باعتقاده الباطل وكذلك قوله خرجت إليه منها لأنه يحتمل خرجت قولاً ويحتمل خرجت فعلًا.
وإن كانت الدار في يد الموهوب له وقال: وهبتها منه وخرجت إليه منها قال ابن أبي أحمد: قال الشافعي: القول قول الموهوب له.
وقال القفال: استعمل الشافعي الظاهر في هذا الموضوع لأنه إذا قال: خرجت إليها منها ووجدت في يد الموهوب له فالظاهر أنه أراد بما قال إقباضًا والقبض بالعيان مكذب للواهب في إنكاره له وحصل الإذن فيه بإقراره فتمت الهبة.
وعلى ما ذكرنا إذا أقر أنه أقرض من فلان ألف درهم وقبضه ثم قال: ما كان قبضه وإنما أقررت لأقبض أحلفنا المقر له لاحتمال ذلك بحكم العادة على ظاهر ما ذكر ها هنا من غير تفصيل.
وعلى قول أبي إسحاق لا يحلف إلا أن يدعي تأويلًا محتملًا على ما ذكرنا.
الجزء: 6 - الصفحة: 157
واعلم أن المزني ذكر المسألة الأولى وذكر فيها تعليل المساءلة الأخيرة وهي إذا اختلفا في القبض فإنه قادت لأنه لا تتم الهبة إلا بالقبض عن رضا الواهب وهذا تعليل الاختلاف في القبض فأما تعليل المسألة الأولى أن العادة جارية بالإقرار قبل القبض، ولهذا أطلق الشافعي الجواب في وجوب التحليف.
مسألة 63: قال: ولو أقَّر أنه باعَ عبدُه من نفسِه بألٍف.
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أنه إذا قال لعبده: أنت حر على ألٍف [140/أ (أو قال: أنت حر بألٍف أو قال: إن ضمنت لي ألفًا فأنت حر فقبل العبد ذلك على الفور صح وعتق ووجب عليه المال.
ولو قال: أنت حر وعليك ألف درهم يعتق ولا شيء عليه، ولو قال: أنت حر إن أعطيتني ألف درهٍم فإنه لا يعتق إلا بدفع الألف إليه فإن أعطاه من ماله لم يعتق.
وإن أعطاه من ماٍل أوصى له به أو وهب له منه عتق وعلى هذا يحمل قوله: أنت حر إن أعطيتني ألف درهم، فأما ماله الحاضر الذي في يد عبده يحمل عليه قوله هذا.
ولو قال: بعتك نفسك بألف درهٍم فقد ذكرنا فيما تقدم والإشارة ها هنا أن المزني نقل أنه يصح.
وقال الربيع: فيه قوًل آخر البيع باطل.
فقيل: قول واحد يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة.
وقيل: في المسألة قولان أحدهما: البيع صحيح وهو المذهب المنصوص في كتبه لأن المقصود من هذا البيع الحرية بعوض يثبت في الذمة فأشبه الكتابة.
وقال أبو إسحاق: هذا عتق بشرط ضمان المال وسماه الشافعي بيعًا ويصح منه ضمان المال في مقابلة الحرية وهذا لأن الإنسان لا يملك نفسه فهو عبارة عن إسقاط حق الرق عنه وجرى ذلك مجرى عتقه على ماٍل فيثبت المال مع عتقه ولا يكون ثابتًا قي ذمة عبده.
والثاني: لا يصح لأن البيع لا بد من أن يكون عوضه دينًا أو عينًا والعبد لا يملك العين والدين لا يثبت في ذمته، ولهذا لو أتلف عليه شيئًا لم يجب ضمانه عليه ولو جاز هذا لكان في معنى الكتابة الحالة ولا تجوز الكتابة عند الشافعي.
والأول أصح على ما ذكرنا ويفارق الكتابة الحالة لأن العتق فيها يقف على أداء المال والحلول غرر فيها بخلاف هذا فإنه يتنجز العتق فيه ويحصل المقصود ويتمكن من تحصيل المال بعده فيصح.
فإذا قلنا: يصح البيع فأقر السيد أنه باعه من نفسه بألف درهم فإن صدقه العبد عتق ولزمه الألف في ذمته، وإن كذبه يحلف وبرئ من الثمن ويعتق العبد بقوله: إني بعته من نفسه [140/ب] لأن تحت قوله: إني بعته من نفسه أنه حر وأن الذي استحقه عليه هو ألف درهم فقط فقبل إقراره بالعتق ولم يقبل إقراره على غيره بالمال.
ولو قال: بعت هذا العبد من فلاٍن بألف درهم وأنكر ألفلان أن يكون اشتراه حلف
الجزء: 6 - الصفحة: 158
وبرئ من الثمن ويعود العبد إلى البائع وعلى أي وجه يعود؟ ذكرنا وجهين، والفرق أن ملك المشتري يجوز أن يلحقه الفسخ فإذا تعذر الوصول إلى الثمن من جهة المشتري عاد ملكه إلى البائع كما لو تعذر بالإفلاس والحرية لا يقبل الفسخ فلا يعود إلى ملكه بعد إقراره بالحرية، ولهذا لو باعه من نفسه بألٍف وقبله العبد وعتق ثم أفلس بالألف لا يجوز له فسخ البيع ورد العبد إلى الرق فافترقا.
وهكذا لو أقر أنه باع هذا العبد من فلاٍن بألف درهم وأنه أعتقه فأنكر الشراء حلف وبرئ من الثمن وعتق العبد بإقراره.
وهكذا لو قال لأبيه وأبوه حر: كنت بعتك ابنك بألٍف وقبلته منى فأنكر العبد يعتق ويحلف أبوه أنه ما اشتراه وبرئ من الثمن.
وهكذا إذا قال: بعتك جاريتي هذه وأولدتها فأنكر المشتري.
وهكذا لو قال: طلقتك على ألف درهم وقبلته مني وأنكرت حلفت وبرئت من الألف وبانت منه بطلقةٍ لأنه مُقر بأنها بانت منه.
مسألة 64:قال: ولو أقَّر لرجُل بذكر حًّق مْن بيٍع ثَم قاَل: لم أقْبض المبَيع.
الفصل
وهذا كما قال: فيه مسائل:
أحدها: إذا قال: لفلان علّي ألف وسكت ثم قال بعد مدةٍ: من ثمن مبيع لم أقبضه، لا يقبل قوله لأنه يريد إسقاطه بعد الثبوت والقول قول المقر له مع يمينه: فإذا حلف أنه ليس على ما ذكر اسحق الألف.
والثانية أن يقول: علي ألف درهم من ثمن مبيع وسكت عليه ثم قال بعده: لم أقبضه فالقول قول المقر مع يمينه، ولا فرق بين أن يكون متصلًا أو منفصلًا عنه لأن قوله: لم أقبض المبيع لا ينافي قوله: لفلان علي ألف درهم والأصل عدم القبض.
فإن ادعى البائع أنه أقبضه إياه حلف المشتري [141/أ (وبرئ.
وهكذا لو قال: بعت داري من فلان ثم قال متصلًا به أو منفصلًا عنه: لم أقبض الثمن لم يجبر على تسليم الدار إليه والقول قوله مع يمينه أنه ما قبض ثمنها.
والثالثة: أن يقول: لفلان علّي من ثمن مبيع لم أقبضه لم يلزمه دفع الألف إليه حتى يقبض المبيع ويلزم البائع إقامة البينة أنه قبضه، ولا فرق بين أن يكون المبيع معينًا أو غير معين وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: إن عين المبيع قبل منه سواء وصل بإقراره أو فصل، وإن أطلق لا يقبل منه ويلزمه الألف لأنه إذا أطلق فقد وصل إقراره بما يبطله لأنه مبيع مجهول وفي المجهول لا يلزم الثمن.
وهذا غلط لأنه أقر بحق في مقابلته حق لا ينفك عنه، فإذا لم يسلم ماله لم يلزمه ما عليه كما لو قال: بعت هذا من فلاٍن وقال فلان: ما ابتعت لا يلزمه تسليم العبد إليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر إنه بالمال مقر وللبيع مدع ولا فرق بين
الجزء: 6 - الصفحة: 159
أن يكون معينًا أو غير معين وهذا غريب ضعيف.
وقال هذا القائل: ولو قال: اشتريت منه متاعًا وهذا المتاع بألف فإن سلم سلمت ولم يقدم الإقرار بالمال أو قال: بعت داري من فلاٍن بألٍف ولم أقبض الثمن نقول لا يلزمه شيء إلا أن يوافقه المقر له.
وأما قول الشافعي في (المختصر): ولا يلزمه الثمن إلا بالقبض يحتمل معنيين: أحدهما: أنه أجاب على القول الذي يقول: يجبر البائع على البداية بتسليم المبيع.
ويحتمل أن يكون الكلام في هذه المسألة مستمرًا على جمع أقاويله ويكون صورته بظاهرها في بائع يدعى أنى سلَّمت السلعة إلى المشتري وصارت يدي فارغًة عنها والمشتري يجحد التسليم فيحلف ولا يلزمه الثمن بحال، لأن القبض صار منتفياً بيمينه وليس ينتظر في مستقبل وقته وإنما الأقاويل في سلعة يعترف البائع بأنها باقية في يده غير مسلمة إلى مبتاعها.
مسألة 65:قال: (ولو شهَد شاهٌد على إقراِرهِ بألٍف).
الفصل
وهذا كما قال: إذا شهد شاهٌد على إقرار رجٍل بحق بألف درهم (141/ب] وشهد آخر على إقراره بألفين فإن أضافاه إلى سببين مختلفين فقال أحدهما: من ثمن ثوب، وقال الآخر: من ثمن عبد أو دار فهما مالان مختلفان.
فإن ادعاهما حلف مع كل واحٍد منهما يمينًا واستحق ثلاثة آلاف.
وإن ادعى أحدهما حلف مع شاهده واستحق.
ولو قال أحدهما: أقر عندي بألف لزمه في شعبان، وقال الآخر: أقر عندي بألفين لزماه في شهر رمضان فالجواب فيه على ما ذكرنا.
وإن أطلقاه فإنه يثبت ألف درهم بشهادتهما ويبقى الألف الآخر، فإن ادعاه حلف مع شاهده واستحقه، والفرق بين هذه المسألة وبين المسألتين الأوليين أنه يجوز أن يكون الألف الذي شهد به أحد الشاهدين أحد الألفين اللذين شهد بهما الشاهد الآخر وليس كذلك في المسألتين الأوليين فإنه لا يجوز أن يكون الألف أحد الألفين فافترقا.
وهكذا لو اختلفا في صفتهما فقال أحدهما: من ضرب كذا، وقال الآخر: من ضرب آخر، أو قال أحدهما: مؤجل، والآخر قال: حال لا يثبت بشهادتهما شيء وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا يثبت بشهادتهما شيء في جميع هذه المسائل.
وهذا غلط لأنه اتفقت شهادتهما على الألف لفظًا ومعنى فوجب أن يثبت كما لو شهد أحدهما بألٍف وشهد الآخر بألٍف وخمس مائة ثبت الألف بشهادتهما بالاتفاق.
فإن قال قائل: أي فائدة في قول الشافعي رحمة الله عليه: فإن زعم الذي شهد بألف أنه شك في الألفين وأثبت ألفًا فقد ثبت له ألف بشاهدين؟ قلنا: قصد به التنبيه على موضع تصوير المسألة لأن المسألة مصورة في الإقرار الواحد فربما يقول قائل: إذا كان الإقرار واحدًا فما عذر هذين الشاهدين في اختلاف شهادتيهما وكيف يختلف الاستماع إذا كان اللفظ واحدًا؟ فبَّين الشافعي عذر
الجزء: 6 - الصفحة: 160
أحد الشاهدين بأن يقول: إني شاك في الألف الثاني وعلى يقين من الألف الواحد وقد يتطاول الزمان على الشهادة فيحل [142/أ] للشاهد أن يؤدي منها ما يستيقنه ويسكت عما يرتاب فيه.
فرع
إذا ألزمه الحاكم ألفًا فيما ذكرنا من المسألة المختلف فيها يتوقف عن إحلافه في الألف الثاني حتى يسأل الشاهد بالألف هل عنده علم منه؟ فإن قال: لا علم لي به أحلف المدعي مع شاهده الآخر وقضى له بالألف الثاني.
وإن قال: كنت أعلم استحقاق المدعي له ولكن قبضه من المقر به فشهدت له بالألف الباقي ولم أشهد له بالألف المقبوض قيل للمدعي: حصل لك ألف بشاهدين وألف ثاٍن بشاهد واحد وعليك بقبضه شاهد واحد فإن لم تحلف مع شاهدك لم يحكم به.
وإن أجاب إلى اليمين مع شاهده هل يجوز للحاكم أن يحلفه معه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحلفه لأن الشاهد بقبضه قابل الشاهد في إثباته فتعارضا فلم يجز إحلافه مع وهاء الشهادة وتعارضها.
والثاني: يحلفه لأن يمينه مع شاهده لكمال بينته يجري مجرى شاهد آخر ولا يجوز للحاكم أن يمنع شاهدًا ثانيًا أن يشهد به فكذا لا يمنع المدعي أن يحلف عليه فعلى هذا إذا حلفه الحاكم مع شاهد فقد تمت له البينة عليه بشاهد ويمين فيقال: للشهود عليه: قد لزمك الألف الثاني بشاهد ويمين ولك بدفعه شاهد فإن حلفت معه تمت بينتك على دفعه بشاهدين ويمين فسقط عنك، وإن لم تحلف لزمك لأن البينة به عليك تامة والبينة لك بدفعه غير تامة.
فرع آخر
لو كانت الدعوى منه ألفًا فشهد له أحد الشاهدين بألف وشهد الآخر بألفين هل يكون باقتصاره في الدعوى على ألف مكذباً للشاهد له بألفين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكذب للزيادة في الشهادة على ما ادعى وعلى هذا ترد شهادته في جميع الألفين ويبقى معه الشاهد بألف فيحلف معه ويستحقه.
والثاني: وهو الأصح لا يكون مكذبًا له لجواز اقتصاره في الدعوى على بعض حقه ويجوز أن يقبض من حقه ما لم يعلم الشاهد يقبضه إلا [143/ب] أن يظهر في الدعوى تكذيب الشاهد مثل أن يدعي ثمن عبده ألفًا فيشهد بأن ثمنه ألفان فترد الشهادة لتكذيبها بالدعوى.
فرع آخر
لو شهد شاهد على إقراره بألف وشهد آخر على إقراره بثلاثة آلاف.
قال بعض أصحابنا: لا يثبت الألف ها هنا بشاهدين لأن الشهادة ما كملت على لفظ ألف بخلاف المسألة قبلها، لأن صيغة الألف صحيحة في لفظ الألفين.
وهذا عندي إذا شهدا على
الجزء: 6 - الصفحة: 161
اللفظ المسموع منه، فأنا إذا شهد بالمعنى ففي ثلاثة الآلاف ألف، ويجوز أن يكون سمع هذا الواحد ألف وألف وألف ولم يسمع الشاهد الأول إلا ألفًا واحدًا فشهد هذا بلفظ أنه أقر بثلاثة ألاف.
مسألة 66: قال: (ولو أَقر أنُه تكفَل له بماٍل، على أنُه بالخياِر).
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن ضمان المال بشرط الخيار لا يجوز خلافًا لأبى حنيفة رحمه الله وذكرنا أنه إذا قال: ضمنت لفلاٍن ألف درهم على أني بالخيار أو تكفلت ببدنه على الخيار هل يبعض إقراره؟ قولان:
أحدهما: يبعض فالقول قول المقر له مع يمينه على نفي الخيار وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لأنه وصل إقراره بما يرفعه، ولا يقبل كما لو قال: له علَّي ألف إلا ألفًا.
والثاني: لا يبعض والقول قوله فإذا حلف لا شيء عليه وهو اختيار المزني وأبي إسحاق لأنه أقر بحق وعزاه إلى سبب ثبوته منه، وإن أدى إلى رفعه كما لو قال: علّي ألف من ثمن هذا المبيع ولم أقبضه.
وليس هذا كما لو قال: علّي ألف إلا ألفًا لا يقبل لأنه نفى الحق من حيث أثبته فيكون راجعًا عن إقراره فلا يقبل بخلاف هذا.
واحتج المزني بأن قال: إذا قال البائع: بعتك هذا الشيء على أني بالخيار وأنكره المشتري كان القول قول البائع كذلك ها هنا فاختار أن الإقرار لا يبعض وهذا لأن البائع لما قال: بعت عبدي بشرط الخيار ثلاثة أيام فقد رفع بآخر الكلام أوله لأن أول كلامه يلزمه تسليم العبد إلى المشتري وآخر كلامه [143/أ] يوجب تخييره في تسليمه وقبل قوله في هذا ولم يبعض كلامه الموصول كذلك ها هنا.
قلنا: قال ابن أبي هريرة: إن كان المزني أراد به خيار الثلاث لا يصح السؤال لأن الشافعي نص أنهما إذا اختلفا في شرط خيار الثلاث يتحالفان وقال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى أن هذا مثل الاختلاف في الثمن يتحالفان ثم يفسخ البيع كما يفسخ إذا اختلفا في الثمن.
وإن أراد به خيار أكثر من ثلاثة أيام فالقول قول البائع مع يمينه، والفرق بين البيع والكفالة أن البيع موضوع على جواز شرط الخيار فيه فلم يدع خيارًا يخالف أصله وموضوعه فقبل منه، وليس كذلك في عقد الضمان لأنه لا مدخل لشرط الخيار فيه، وإذا ادعى ذلك ادعى ما ينافي أصل الضمان وموضوعه فلم يقل منه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتمل أن تكون مسألة البيع على هذين القولين ويحتمل أن تسلم وإن كانت الدعوى في خيار ثلاثة أيام والفرق أن البائع بدعوى الخيار لا يرفع أصل البيع لأنه مع الخيار يكون بيعًا صحيحًا ولكنه ادعى استيفاء بعض حقه مع بقاء أصل البيع، والأصل أن الملك له فكان قوله مقبولًا.
وفي مسألة الكفالة دفع بآخر
الجزء: 6 - الصفحة: 162
كلامه جميع أوله لأن الإقرار يبطل إذا قبلنا قوله في الخيار ولا يلزمه شيء فافترقا، واحتج المزني أيضًا بأن قال: قد قال الشافعي: إنه إذا أقر بشيء وصفه ووصله قبل قوله ولم أجعل قوًلا واحدًا إلا حكمًا واحدًا يريد به أنه إذا قال: لفلاٍن علي ألف درهٍم مكسر يقبل.
والجواب أن وصف الألف بالمكسر لا يرفع أصل الإقرار بخلاف مسألتنا.
واحتج أيضًا بأن قال: ومن قال: أكفله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه، فإن وصل إقراره بأن يقول: طبري جعلته مدعيًا لأنه ادعى نقصًا من وزن الدرهم ومراده بهذا [143/ب] الكلام أن يفرض الاحتجاج في مسألة أخرى من فروع هذين القولين وهي أنه لو قال: لفلان علّي ألف درهم إلى سنة ففي المسألة طريقان أحدهما فيها قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: يلزمه الألف حالًا ويكون مدعيًا في الأجل فيطالب بالبينة عليه.
والثاني: وهو الصحيح: لا يلزمه حالًا ويقبل قوله في الأجل.
ومن أصحابنا من قال: يقبل في الأجل قوًلا واحدًا لأن الدين يثبت حالًا ومؤجلًا والتأجيل يوجب سقوطه فنصر المزني هذا القول وقال: يلزم من قال بخلافه إذا أقر بدرهم ووصل إقراره فقال: طبري أن لا يقبل هذه الصفقة، فلما قبل قوله طبري قبل قوله إلى أجل قلنا: المذهب كما قلت في الأجل والفرق ظاهر أن دعوى الأجل لا ترفع إقراره السابق بخلاف مسألتنا.
وإن قلنا: لا تقبل فالفرق بينه وبين أن يقول: طبري مع أنا ذكرنا في الطبري قوًلا آخر ضعيفًا أنه لا يقبل أيضًا هو أن التأجيل في المال إنما يثبت من جهة رب المال فكذلك تقدير ذلك الأجل، فإذا قال المقر: علّي ألف إلى سنة فقد ادعى على رب الدين أنك أجلتني إلى سنة فعليه البينة، فأّما إذا قال: علّي درهم طبري فأصل إقراره وقع بما دون الدرهم لأن الطبري ناقص عن وزن مكة، واسم الدرهم ينطلق عليه وليس في هذا الإقرار دعوى منه على رب المال حتى يطالبه بالبينة فافترقا.
ثم اعلم أن المزني أوجز عبارته في هذا الموضع إيجازًا غير مستحسن فقال: ومن قال: أجعله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه معنا لزمه أن يقول: إذا أقر بدرهم لزمه نقد البلد فحذف أن يقول.
وقدم وأخر فقال: نقد البلد لزمه ومراده لزمه نقد البلد.
ثم احتج بمسألة أخرى فقال: ولزمه لو قال: علّي ألف إلا عشرة أن يلزمه ألفًا وله أقاويل كذا وأراد [144/أ (وله مسائل كذا.
وجوابنا عنه أن في الاستثناء لم يرفع جميع إقراره بصلته بخلاف مسألتنا، ونظيره من الاستثناء أن يقول: علّي ألف إلا ألفًا، وعلى ما ذكرنا إذا قال: استقرضت منه دينارًا وقضيته يلزمه الدينار قوًلا واحدًا لأن قوله: له علّي دينار أقر بثبوت الدينار في ذمته الآن وما بعد ذلك رجوع عن الإقرار ذكره القفال رحمه الله.
الجزء: 6 - الصفحة: 163
فرع
لو ابتدأ فقال: ما ضمنت له إلا بشرط الخيار لا يلزمه بهذا القول شيء بلا خلاف لأنه إذا ابتدأ بقوله: إنما فمعلوم صيغة كلامه أنه يريد أن يصل الضمان بغير فتصير الصلة لتقدم إمارتها كالمتقدمة على إقراره فيقبل قوله في ذلك.
مسألة 67: قال: (ولو ضمَن لُه عهدَة داٍر اشتراهَا وَخلاصهَا).
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة واعلم أن ضمان العهدة وضمان الخلاص واحد في المعنى بخلاف ما حكي عن بعض السلف أن ضمان العهدة ضمان الثمن وضمان الخلاص ضمان تخليص الدار للمشتري بأن يشتريها الضامن من المستحق ويسلمها إلى المشتري وهذا عندنا فاسد.
وإذا أطلق لفظ الخلاص صح البيع وانصرف اللفظ إلى الثمن، ولهذا جمع الشافعي بين اللفظتين في هذا الفصل وجعل مرجعها إلى الثمن، وتخصيص الاستحقاق بالذكر يدل على أنه لو كان فساد البيع بشرط باطل لا يطالب الضامن في أصح الوجهين.
واعلم أن هذه المسألة ليست من مسائل الإقرار فكان الأولى بالمزني أن يذكرها في كتاب الضمان فكأنه أغفلها في ذلك الكتاب ثم استدركها ها هنا عقيب مسألة ما لو أقر أنه تكفل بشرط الخيار فألحق مسألة الكفالة بمسألة الكفالة.
فرع 68
لو ضمن الدرك بغير أمر البائع يجوز عندنا وقال [144/ب] ابن أبي ليلى وزفر: لا يجوز إلا بأمر البائع لالتزامه حكم عقده.
وهذا غلط لأن الضرورة تدعو إلى ضمان الدرك لما بالناس من الحاجة الماسة إلى التوثق في أموالهم وقد لا يوثق بذمة البائع لهوانها فاحتيج إلى التوثق عليه بغيره فجوزناه بكل حاٍل.
فرع آخر
إذا جوزنا ضمان الدرك يجب غرم الثمن عند استحقاق المبيع.
وحكي عن شريج القاضي وسوار بن عبد الله وعثمان البتي رحمهم الله أنه يوجب تخليص المبيع للمشتري ما كان موجودًا إلا أن يتلف فيغرم مثله.
وإن كان المبيع دارًا أو عقارًا.
وقال عبيد الله العنبري: لو كان ضامن الدرك عالمًا بالاستحقاق عند ضمانه يلزمه تخليص المبيع، وإن لم يعلم لزمه غرم ثمنه وهذا غلط لأمرين: أحدهما: أن استحقاق المبيع موجب لفساد العقد وفساده يمنع من استحقاق ما يضمنه وإنما يوجب الرجوع بالمدفوع.
والثاني: تخليص المستحق غير ممكن عند امتناع المستحق فلم ينصرف الضمان إليه.
الجزء: 6 - الصفحة: 164
فرع آخر
لو ابتاع أرضًا فبني فيها وغرس أشجارًا ثم استحقت منه قال أهل العراق: للمشتري أن يرجع بقيمتها قائمة على الباع ثم يكون المستحق مخيرًا بين أخذها من البائع بقيمتها مقلوعة وبين إجباره على قلعها.
وقال أهل المدينة: إن كان المشتري جاهلًا بالغصب عند غرسها وبنائه كان المستحق مخيرًا بين أن يعطيه قيمة ذلك قائمًا، أو يقره ويكون شريكًا له بالغرس والبناء، وإن كان عالمًا أخذ بالقلع ولا شيء له على البائع في الحالين، وقال الشافعي: المشتري مأخوذ بقلع غرسه عالمًا كان أو جاهلًا وغرم ما نقص من قيمة الأرض بقلعه عالمًا كان أو جاهلًا، ثم إن كان جاهلًا له أن يرجع على البائع بما بين قيمة غرسه وبنائه قائمًا ومقلوعًا وبما غرم من نقص (145/أ] الأرض بالقلع لأنه قد ألجأه بالغرم إلى التزام ذلك ولا رجوع له بشيء منه إن كان عالمًا وهذا أصح المذهب اطرادًا وأقواها حجاجًا ثم لا رجوع للمشتري بشيء من ذلك على ضامن الدرك بحاٍل لأنه لا رجوع بغرم وجب بالغرور وليس بثمن مستحق بالعقد.
فرع آخر
لو قال: لفلان في هذه الدار حق ثم فسره بأنه باب، أو جذع، أو قماش وسكن سنة يقبل.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل حتى يبين حقًا في التربة كما لو قال: له في هذه الدار سهم.
وهذا غلط للفرق الظاهر وهو أن السهم شائع والحق متميز.
فرع آخر
لو قال: لفلان علّي ألف درهٍم إلا مائة قضيته إياه يكون استثناًء صحيحًا يرجع إلى المقضي دون القضاء ويصير مقرًا بتسعمائة قد ادعى قضاءها.
وقال أبو حنيفة: يكون مقرًا بألٍف مدعيًا لقضاء مائة فيلزمه الألف ولا تقبل منه دعوى القضاء فجعل الاستثناء متوجهًا إلى القضاء دون المقضي.
مسألة 69: قال: (ولو أقَّر أعجمي بأعجمَّيٍة كانَ كالإقراِر بالعربيِة).
وهذا كما قال: الإقرار يصح بالعجمية كما يصح بالعربية، لأن العجمية لغة كالعربية، ولأن هذه الألفاظ عبارة عما في النفس وإنما ندل عليه بحسب المواضعة، فإذا كان اللفظ موضوعاً لشيء دل عليه.
فإذا ثبت هذا فلو أقر أعجمي بالعربية أو عربي بالعجمية فإن اعترف أنه عالم بما أقر به لزمه.
وإن قال: ما علمت معناه فإن صدقه المقر له لا يلزمه شيء.
وإن كذبه فالقول قول المقر مع يمينه لأن الظاهر من حال الأعجمي أن لا يعرف العربية ومن حال العربي أن لا يعرف العجمية.
مسألة 70: قال: (ولو شهدوا على إقرارِه ولْم يقولوا: بأنه صحيح العقِل).
الجزء: 6 - الصفحة: 165
الفصل
وهذا كما قال: إذا شهد شاهدان على إقرار رجل بمال ولم يقولا: إنه كان حين أقر به عاقلًا بالغًا غير محجور صحت شهادتهما لأن الظاهر من حال [145/ب] الشاهد أنه لا يحمل الإقرار ممن لا يصح إقراره من صبي أو مجنون أو محجور عليه، وإن تحمله فلا يشهد به عليه وهذا مثل ما يقول: إذا شهد على رجل أنه باع هذه الدار من فلان وقبض الثمن حكم بالبيع، وإن لم يقولا: إنه باع بثمن مباح معلوم غير مجهول لأن الظاهر من حال الشاهد أنه لا يشهد بذلك إلا وقد علم أنه باع بثمن مباح معلوم وأن البيع وقع صحيحًا وأن تسليم الدار عليه واجب فكذلك في الإقرار.
ولو قالا: وهو صحيح العقل كان تأكيدًا ويكتب في الوثائق ذلك للتأكيد والاحتياط.
وقال ابن أبي ليلى: لا يحكم الحاكم بشهادتهما لاحتمال أن يكون مجنونًا أو مكرهًا حتى يصرحا بما يزيل الاحتمال.
وهذا غلط لأن الحكم يتعلق بالأغلب من الأحوال والأغلب من الأحوال الصحة والسلامة.
فإذا تقرر هذا فلو ادعى المشهود عليه الجنون عند الإشهاد عليه لم يقبل دعواه إلا أن يعرف له جنون سابق، أو كان يجن ويفيق فالقول قوله.
وقال في (التقريب): في الحرية جوابان أحدهما: الأصل الحرية.
والثاني: لا يجوز حتى يشهد بالحرية يوم أقر ويخرج أمر العقل على هذين الجوابين.
وهكذا لو شهدا على أمٍر يتعلق جوازه بصحة بدن المقر لم يجز حتى يقولا: كان يومئذ صحيح البدن والعقل وكذلك طواعية المقر على هذا الخلاف لأن الأصل أن لا إكراه حتى يحدث ولهذا كانت الشهادة على الإكراه أولى من الشهادة على الطواعية، لأنها بالإكراه أثبتت معنًى يجوز إخفاؤه على الطواعية.
وقال في (الحاوي) 71: قال أبو حامد: إذا ادعى الإكراه يقبل منه بخلاف الجنون والفرق أن أحكام المكره مختلف فيها وأحكام المجنون متفق عليها وهذا غلط لأن ما احتملته الشهادة من معاني الرد فهو مانع من قبولها كالجهالة بالعدالة وفي إنفاذ الحكم بها مانع من احتمال الإكراه كما في إنفاذه مانع من احتمال الجنون، ولو فرق بينهما بأن فقد العقل أظهر لكان أعذر وإن لم يكن في الحالين عذر.
[146/أ]
فرع
لو ادعى رجل على رجل ألفًا وأقام به بينة فقال المدعى عليه: صدقت قد قبضتنيه لا يقبل قوًلا واحدًا، وكذلك إذا قال: صدقت هو علّى إلى سنة كما لو قال: صدقت هو علّي إلا خمسين لا يقبل.
الجزء: 6 - الصفحة: 166
فرع آخر
ولو قال: له علّي في هذه السلعة ألف درهم، قال ابن أبي أحمد: سئل عن قوله كما لو قال: له في هذه السلعة ألف درهم وقد ذكرنا ذلك.
وقال القفال: هذا غلط ولا يختلف المذهب في هذا اللفظ أن عليه ألفًا في ذمته سواء كانت السلعة تساوي ألفًا أو أقل أو أكثر وأخطأ في النقل عن الشافعي، وإنما قال الشافعي ذلك إذا لم يقل علّي.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: كل من أقر بشيء ثم رجع لم يقبل رجوعه إلا في حدود الله تعالى مثل حد الزنى والشرب ونحوه، وقال أبو ثور: لا يقبل رجوعه.
وهذا غلط لأن ماعزًا لما أقر بالزنا أعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أربع مرات حتى يرجع).
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي بلص قد اعترف فقال: (ما أخالك سرقت) فقال له: (مرتين وثلاثًا ثم أمر بقطعه فعرض للرجوع).
ولو أقر بسرقٍة توجب القطع ثم رجع لا يقبل في المال رجوعه قوًلا واحدًا.
وهل يقبل رجوعه في القطع؟ قال القفال: فيه قولان: أحدهما: يقبل فيبعض إقراره فيغرم ولا يقطع.
والثاني: لا يقبل فيقطع ولا يبعض إقراره.
وهما كالقولين في العبد إذا أقر بالسرقة يقطع وهل يغرم في رقبته؟ قولان والنكتة الجامعة بين المسألتين أن الحكمين إذا تعلق أحدهما بالآخر فثبت أحدهما هل (يستتبع) الآخر؟ قولان.
وأما قاطع الطريق إذا قتل هل للآدمي حق في قتله؟ قولان: أحدهما: للآدمي فيه حق فعلى هذا يعتبر في وجوب القتل به التكافؤ.
والثاني: أنه لا حق للآدمي فيه ويقتل حدًا فلا يعتبر فيه التكافؤ، وعلى هذا إذا مات القاتل في قطع الطريق هل لولي المقتول في تركته الدية؟ فوجهان.
وعلى هذا لو أقر بالقتل في قطع [146/ ب] الطريق ثم رجع فإن قلنا: لا حق للآدمي فيه يسقط برجوعه وإن قلنا: فيه حق للآدمي فحق الآدمي لا يسقط برجوعه، وهل يسقط حق الله تعالى؟ وجهان: أحدهما: لا يسقط حتى إن عفا الولي يتحتم قتله.
والثاني: يسقط حتى لو عفا الولي لم يجب قتله.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: كل سكران يصح إقراره إلا اثنين: أحدهما: أن يكون قد أكره على شرب الخمر قاله نصًا.
والثاني: أن يشرب وعنده أن الشراب غير مسكر فسكر.
قال القفال: أما الأول فكما قال، وأما الثاني نص الشافعي على أنه لو شرب شرابًا وعنده أنه غير مسكر فإذا هو مسكر يلزمه إعادة الصلاة.
قال أصحابنا: أراد أنه إذا علم أن الشراب في جنسه مسكر إلا أنه تناول منه قدرًا يسيرًا كان عنده أنه لا يسكر فأسكره فها هنا تلزمه إعادة الصلاة ويصح إقراره أيضًا، فأما إذا كان عنده أن ذلك الشراب غير مسكر لا قليله ولا كثيرة فشرب منه فأسكره فلا تلزمه إعادة الصلاة، ولا يصح إقراره وهو مسألة ابن أبي أحمد.
وقال القفال: في هذا الموضع واختياري في السكران أنه كالصاحي في جميع الأحكام فأوقع طلاقه وأصحح
الجزء: 6 - الصفحة: 167
بيعه ونكاحه لأنه لا خلاف أنه لو قتل في حال السكر لم يجعل خطأ وأنه يقتص منه وإذا قذف يحد.
وقال أبو عبد الله الفارسي (الختن) في شرح (التلخيص): يجوز إقراره ولا يجوز بيعه لأن المقصود معاقبته وزجره عن العود إلى سكره كما عوقب بقضاء الصلاة وحد الشرب والبيع أحد طرفيه له فلا يصح.
قال: ولو لزمه حد الله تعالى بإقراره ورجع في حال سكره لا يقبل رجوعه لأنه له ولكن ُيتأنى به حتى يصح رجوعه بعد إفاقته، وإذا ارتد صحت ردته حتى لو قتله قاتل في حال سكره يهدر دمه ولكن يترك قتله إلى أن يستتاب بعد الإفاقة.
فرع آخر
لو باع إنسان شيئًا فادعى المشتري أنه صغير لا يصح [147/أ] بيعه لا ُيحلف لأن المدعي يقر بأنه لا يستحق عليه اليمين لصغره.
فإن ادعى ذلك بعد بلوغه وأنه كان في حال البيع صغيرًا حلف.
فرع آخر
لفظ الترك صريح في الإبراء قاله بالفارسية أو العربية ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو أقر بالجارية لآخر وأخبر أنها له منذ سنة ولها ولد حادث في أثناء السنة هل عليه تسليم الولد؟ وجهان: أحدهما: يلزم وهو الأظهر لأنه حدث في الزمان الذي كانت الجارية فيه ملكًا للمقر له.
والثاني: لا يلزم لاحتمال أن تكون الجارية للمقر له والولد للمقر بطريق الوصية.
وهذا لا يصح لأنه لو أقر بجاريٍة حامل يلزمه تسليم الحمل معها والاحتمال لاستثناء الولد بالوصية قائم.
فرع آخر
لو قال: هذه الشاة لفلان ثم قال: حملها لفلان يحكم بها للأول لأنه دخل الحمل في الإقرار الأول نم رجع إلى الثاني.
ولو قال: حملها لفلان والشاة لفلان آخر لزمه الإقرار كما قال.
والله أعلم.
وهذا آخر المجلدة الثامنة من بحر المذهب بخط المصنف رحمه الله وكان قد فرغ من إتمامها ليلة الثلاثاء السادس والعشرين من شوال من شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد خير خلقه وآله الطاهرين كذا وجدته في النسخة المنقولة من خط المصنف رحمه الله.
(148/ب]
الله ناصر كل صابر حسبي ربي وحده توكلت على الله وحده ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الجزء: 6 - الصفحة: 168
باب إقرار الوارث بالوارث
قال الشافعي رحمة الله عليه 72: (الذي أحفظ من قول المدنيين فيمن ترك ابنين فأقر أحدهما بأخ).
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أنه إذا قال الرجل: هذا ابني ُنظر فإن كان صغيرًا لم يلحقه إلا بثلاثة شروط:
احدها: أن يكون مجهول النسب فإنه إذا كان معروف النسب لم يصح إقراره.
والثاني: أن يمكن أن يكون منه بأن يكون سنه يحتمل أن يكون ولده.
والثالث: ألا ينازعه فيه منازع.
فإذا وجدت هذه الشرائط ثبت نسبه.
فإن بلغ الصغير بعد أن ألحقناه به وأنكر أن يكون ابنه لم يلتفت إلى إنكاره وجرى ذلك مجرى ملك عبٍد صغيٍر في يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد الملك لا تسمع دعواه، ولكن له طلب يمينه على ذلك.
وإن كان المقر به بالغًا عاقلًا يعتبر ما ذكرنا من الشرائط ويعتبر شرط آخر وهو أن يقبل المقر به ذلك منه إن أنكر ذلك لم يثبت نسبه.
والحكم في الابن المجنون الكبير كالحكم في الصبي سواء.
وعلى هذا لو أقر بأنه أبوه يكون كإقراره بابن كبير ويعتبر فيه ما ذكرنا من الشرائط.
وإن كان الأب مجنونًا فلا يثبت النسب بإقرار الابن ويحتاج إلى بينٍة حتى تسمع دعواه ويحتاج الابن إلى أن يكون من أهل الدعوى بالبلوغ والعقل هكذا ذكر في (الحاوي) 73 ولا أدري الفرق بين الأب المجنون والابن المجنون.
ويمكن أن يقال: الابن بعد الجنون يعود إلى ما كان في حال صباه ولا يمكن أن يقال مثله في الأب والله أعلم.
وكل موضٍع ألحقنا به فلا فصل بين أن يكون للمقر به وارث سوى المقر أو لم يكن، ولا فصل بين أن يقر مسلم بمشرك، أو مشرك بمسلم، أو حر بعبد، أو عبد بحر، الباب واحد.
وأما إذا مات الرجل يلحق النسب به [148/أ] بأحد أمرين ببينة تقوم عليه أو إقرارًا لوارث عليه به.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يثبت إلا أن يكونوا عدد الشهود من رجلين أو رجل وامرأتين.
وقال مالك: يثبت النسب بإقرار الوارث أصلًا وإن كانوا جماعة ولكن يستحق الميراث.
واحتج الشافعي في هذا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ابن وليدة زمعة وتمام الحديث ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (اختصم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقال سعد: يا رسول الله إن أخي عتبة أوصاني فقال: إذا قدمت مكة فانظر ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابني، وقال عبد بن زمعة: يا رسول الله هو أخي
الجزء: 6 - الصفحة: 169
وابن أمة أبي ولد على فراش أبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر).
وروي أنه قال: (هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فرا شه) يعني فراش أبيه، فإن قال قائل: كانت سودة بنت زمعة أخت عبد بن زمعة وليس في الخبر أنها اعترفت بالنسب فكيف ثبت النسب؟
قلنا: يحتمل أنها اعترفت أيضًا ولم ينقل خلافه.
وأيضًا روي أن زمعة مات كافرًا وابنه عبد بن زمعة يومئذ كافر وسودة كانت مسلمة فكان الابن مستغرقًا جميع ميراثه فثبت نسبه بإقراره وحده، فإن قيل: روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لسودة: (احتجبي منه لا يراك فصلًا).
وروي أنه قال):احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ) قلنا: إنما قال لها ذلك لأنه رأى على الغلام شبهًا بينًا بعتبة فاحتاط لها فما رآها الغلام قط.
وأما قوله: (فإنه ليس لك بأخ) لم يثبت، فإن ثبت فمعناه ليس بأخ لك شبهًا، وإن كان أخًا لها بحكم الفراش.
فإذا تقرر هذا فإنما يثبت النسب بإقرار الوارث إذا كان يحوز جمح الميراث.
فإن كان لا يجوز لم يثبت نسبه ولا فرق بين أن يكون الإنكار من الأكثرين أو من [148/ب] واحد من جملتهم فلو خلف ابنًة واحًدة وخمسين ابنًا فأقر به البنون دون البنت لم يثبت نسبه، ولكن الشافعي فرضها إذا خَّلف ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث فقال: هذا أخي ابن أبي، أو قال: هذا ولد على فراش أبي لن يثبت نسبه ولم يشاركه فيما في يده من الميراث في الحكم قوًلا واحدًا وبه قال ابن سيرين.
وقال مالك وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وعبيد الله العنبري: لا يثبت النسب ولكن يثبت الميراث.
ثم اختلفوا فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وعثمان البتي: يأخذ ثلث ما في يده كأنهم ثلاثة، وقال أبو حنيفة: يأخذ نصف ما في يده كأنهما اثنان.
وهذا غلط لأنه أقر بنسٍب لم يثبت فلا يثبت به الإرث كما لو أقر بمعروف النسب.
فرع
إذا علم أنه أخوه وأن المنكر يظلمه في الإنكار هل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع إليه من سهمه الذي ورثه قدر حقه منه أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: لا يلزمه لأنا حكمنا بإبطال النسب الذي هو سبب استحقاقه.
والثاني: وهو المذهب الصحيح يلزمه لأن بطلان النسب في ظاهر الحكم دون باطنه ونحن نلزمه في باطن الحكم دون ظاهره، ولو عاد هذا المنكر وأقر به ثبت نسبه وورث مما في يدهما فإصراره على الإنكار لا يبطل حقه مما في يده.
فرع آخر
إذا قلنا بالمذهب الصحيح ففيما يستحقه عليه وجهان:
أحدهما: يلزمه دفع الفاضل من سهمه إذا اشتركوا وهو السدس الزائد على الثلث كما قال مالك لأنه يقول: نحن ثلاثة أخوة لكل واحٍد منا ثلث التركة وفي يدي نصفها
الجزء: 6 - الصفحة: 170
فلك ثلث ما في يدي، وثلث ما في يد أخي وقد غصبك على ذلك، ولهذا لو قامت البينة به استحق الثلث من يد كل واحتي منهما وهذا اختيار القاضي الطبري رحمه الله.
والثاني: يلزمه دفع نصف ما في يده إليه لأنه مقر أنه وإياه في مال أبيه سواء ولأنه يقول: قد غصبنا أخي على [149/أ] نصف التركة وهذا بيننا.
قال أبو حامد: وأصل الوجهين القولان فيما إذا أقر أحد الابنين بدين على أبيه وأنكره الآخر هل يلزمه الدين في كل ما في يده أم بقدر حصته؟ فيه قولان.
وقال في (الحاوي) 74: فيه وجه ثالث يلزمه دفع ثلث ما في يده ويضمن له سدس ما في يد أخيه إلا أن يكون قاسمه بحكم حاكم فلا يضمن مما في يد أخيه شيئًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أقر أحد الابنين بابن وأنكره الآخر هل يثبت الإرث به؟ قولان: أحدهما: يثبت كما قال أبو حنيفة.
وعلى هذا كيف يثبت؟ قولان على ما ذكرنا وهذا غلط عندي.
فرع آخر
الأولى للأب والابن في ادعاء النسب أن يقول الابن المدعي لمن ادعاه: أنا ابنك، ويقول الأب لمن ادعاه ابنًا: أنت ابني لأن النسب يرجع إلى الأب فأضيف الدعوى فيه إليه ولو قال الابن: أنت أبي، أو قال الأب: أنا أبوك صحت الدعوى حكمًا وإن فسدت اختبارًا.
فرع آخر
إذا صحت الدعوى من الابن فأنكر الأب يلزمه اليمين فإن حلف انتفى.
ثم ليس لأحد من عصبات الأب أن يقر بنسبه سواء كان الأب حيًا أو ميتًا لبطلان النسب بيمين الأب هكذا ذكر في (الحاوي) 75 وهو الصحيح عندي.
وذكر أبو حامد وجماعة أنه إذا أقر به وارثه بعده ثبت نسبه وورث وإن كان الأب نفاه باللعان وهو القياس.
فرع آخر
لو أقر الأب ببنوته ولحق به وصار ولدًا صحيحًا فعاد بعد إقراره فأنكره وتابعه الابن على الإنكار وصدقه فإن كان الفراش معروفًا لم ينتف نسبه، وإن كان الفراش مجهولًا ففي رفعه باجتماعهما على نفيه وجهان: أحدهما: قاله أبو علي الطبري وغيره: ينتفي وترتفع الأبوة وعلى هذا قال الصيمري: لو بلغ فقال: أنا ابن فلان دونه سمع منه، وقال أبو حامد وجماعة: لا يرتفع كما لا يجوز رفع ما ثبت بالفراش المعروف وإن اجتمعا على نفيه.
فرع آخر
لو ادعى الأب ولدًا بعد موته وهو صغير لحق به [149/ب] وورثه، وقال أبو
الجزء: 6 - الصفحة: 171
حنيفة: إن كان الولد موسرًا لم يلحق به لأنه متهم في ادعائه لإرثه.
وهذا غلط لأنه لو أقر الزمن الفقير بابن صغير موسر لحق به مع التهمة كذلك ها هنا، وهذا المعنى وهو أنه وجد الإمكان وعدم المنازع.
فرع آخر
لو مات رجل كبير مجهول وترك مالًا فقال رجل: هذا ابني أو أبي لم يثبت النسب ولم يرثه والفرق بين هذا وبين الصغير الميت أن الصغير لو كان حيًا لم يعتبر تصديقه، والكبير لو كان حيًا اعتبر تصديقه، فإذا كان ميتًا لم يثبت نسبه إلا ببينة.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر يثبت نسبه والميراث لأنه إنما يعتبر تصديقه إذا كان من أهله والميت ليس من أهله نمار كالبالغ المجنون وهذا اختيار جماعة من أصحابنا، قال أبو حامد: وهذا هو المذهب والصحيح ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري.
فرع آخر
إذا أقر الورثة بنسٍب هل يعتبر فيه إقرار الزوج والزوجة؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار البغداديين: لا يعتبر لأنه لا حق لها في النسب ولأن ميراثهما على طريق المفاوضة وهذا ضعيف.
فرع آخر
هل يراعى فيمن ادعى أنه أخ لأم تصديق الأخ للأب إذا كان وارثًا فيمن ادعى أنه أخ لأب هل يراعى تصديق الأخ للأم إذا كان وارثًا على ما ذكرنا من الوجهين؟ فعلى قول البغداديين يراعى لكونه وارثًا، وعلى قول البصريين لا يراعى لأنه لا نسب بينهما.
فرع آخر
لو قال لامرأته: هي أختي من النسب فكذبته ثبت التحريم.
قال ابن أبي هريرة: وكذلك لو كانت معروفة النسب، لأنه أقر بتحريم ممكن.
ولو قال لامرأته وهي أكبر سنًا من أبيه: هي أختي من النسب تحرم عليه لأن هذا الإقرار محال قطعًا ويقينًا فلا يتعلق به حكم، كما لو قال: أرضعتني وإياها حواء امرأة آدم صلى الله عليه وسلم لا نحرمها عليه.
فرع آخر
لو قال أحد الابنين: هذه زوجة أبي وأنكر الآخر اختلف أصحابنا فيه فمنهم [150/أ] من قال: لا يثبت الميراث لأن الزوجية لا تثبت إلا بإقراٍر أو بينة كالنسب، ومنهم من قال: يثبت الميراث.
والفرق أن إقراره بالزوجية يتضمن حقًا عليه ولا يتضمن حقًا له لأنه لا يرث من امرأة أبيه فهو بمنزلة إقرار أحد الأخوين بالدين يلزمه لأنه لا حق له في مقابلته وهناك أقر بما يتضمن حقًا له وحقًا عليه، فإذا لم يثبت ماله وهو أن المجهول لو مات ليس له من ميراثه شيء فلا يثبت ما عليه أيضًا كما لو قال: اشتريت من هذا الرجل دارًا بألف
الجزء: 6 - الصفحة: 172
ولم أقبضه منه، فقال: ما بعت منك شيئًا وأقررت لي بالألف فإذا أخذك بإقرارك، كانت هذه المؤاخذة ظلمًا منه كذلك ما هنا.
فإذا قلنا بهذا: فيه وجهان أحدهما: يأخذ نصف الثمن من حصة المقر وهو المذهب، والثاني: يأخذ منه ثمن ما في يده.
فرع آخر
لو كان ثلاثة أخوة فأقر اثنان باخ آخر وأنكر الثالث فإن كان المقران فاسقين فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانا عدلين فشهدا به قبلت شهادتهما ويثبت النسب والميراث، وإن لم يشهد لم يثبت شيء أصلًا.
وقال أبو حنيفة: يثبت النسب والميراث بإقرار اثنين منهم، وكذلك يثبت بإقرار رجل وامرأتين من الورثة لأنهم على عدد الشهود.
وربما يعتبرون العدالة فيهم.
وهذا غلط لأنه إقرار من بعض الورثة فلا يثبت به النسب كما لو أقر به الواحد منهم، والدليل على أنه إقرار أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة ولا تقدم الدعوى.
فرع آخر
لو مات وترك ابنًة واحدًة وكانت مولاة لأبيها مثل أن يكون اشترته فعتق عليها فأقرت بنسب قل إقرارها، لأنها تحوز جمع الميراث النصف بالبنوة والنصف الباقي بالولاء.
فرع آخر
لو لم تكن هذه الابنة مولاة لأبيها فأقرت بنسب لا يثبت شيء لأنه ليس لها إلا نصف الميراث والباقي لجماعة المسلمين (150/ ب (وعلى هذا لو كان هناك ابنتان أو أكثر فأقرتا بابنة أخرى، أو بابن آخر لم يثبت شيء لأنهما لا تحوزان كل الميراث.
فرع آخر
لو صدقها الإمام قال أبو حامد وجماعة: ثبت نسب وورث لأنه نائب المسلمين فوجد الإقرار بالنسب ممن يحوز كل الميراث.
وعلى هذا لو لم يخلف أحدًا وارثًا غير المسلمين فأقر السلطان بنسب واحد يثبت أيضًا بإقراره النسب والإرث لأن الإمام نافذ الإقرار في حق بيت المال.
وقال في (الحاوي) 76: هذا غلط لأن الإمام لا يملك حق ببيت المال حتى ينفذ إقراره ولا يتعين حق المستحقين من المسلمين حتى يراعي إقرارهم فيه فإقراره لغو ولا يثبت النسب ها هنا إلا بالبينة، ثم إقرارها عند البينة لغو وهذا صحيح عندي.
وعلى ما ذكرنا لو ترك ابنًة وأختًا من الأب والأم فأقرتا بنسب يثبت النسب والميراث، لأن الأخت مع الابنة عصبة تحوزان كل الميراث، وعند أبي حنيفة لا يثبت النسب، لأنه ليس ببينة على ما ذكرنا لو أقر بابن ابنة وابنه بت يثبت النسب والميراث إذا وجدت
الجزء: 6 - الصفحة: 173
الشرائط التي ذكرناها في الأخ.
وكذلك إذا أقر الابن الواحد بابن آخر للميت يثبت النسب والميراث عندنا وبه قال أبو يوسف وهو رواية عن أبى حنيفة والمشهور عنه أنه لا يثبت به النسب وهذا لأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه العدد كالدين.
فرع آخر
لو لم يخلف إلا مولى فأقر بابن يثبت نسبه لأنه وارث يحوز جميع التركة.
فرع آخر
لو ترك ابنين أحدهما كبير والآخر صغير فأقر الكبير بابن آخر لم يثبت النسب لأن الصغير وارث، فإذا بلغ فإن صدقه ثبت النسب والميراث، وإن كذبه لم يثبت شيء.
ولو ترك ابنين أحدهما عاقل والآخر مجنون فأقر العاقل به لم يثبت النسب، لأن المجنون وارث [151/أ] فإن أفاق المجنون وكذبه لم يثبت النسب، وإن صدقه ثبت النسب.
فرع آخر
هل يجب أن يوقف ميراث المقر به من حصة المقر إلى أن يبلغ الصبي أو يعقل المجنون؟ فيه وجهان أحدهما: لا يوقف كما لا يوقف من حصة الصغير أو المجنون لأن النسب لم يثبت.
والثاني: يوقف منه قدر حصته اعتبارًا بصحة إقراره ما لم يبطل بإنكار أخيه.
فرع آخر
لو مات هذا الصغير أو المجنون يراعى إقرار وارثه.
فإن كان وارثه الأخ ثبت نسب المدعي بالإقرار السابق منه.
فرع آخر
لو ترك ابنين بالغين عاقلين فصدقه أحدهما وكذبه الآخر قد ذكرنا أنه لا يثبت نسبه.
فإن مات المكذب فورثه المصدق ففي ثبوت نسب وجهان: أحدهما: أنه يثبت لأن المصدق صار حائزًا للإرث كله وهذا اختيار جماعة من أصحابنا وشبهوه بما لو نفى ولده باللعان ومات فأقر به وارثه لحق به نسبه.
والثاني: لا يثبت نسبه لأن تكذيب شريكه في الميراث مبطل للدعوى.
قال في (الحاوي) 77: وصار هذا كتكذيب الأب في حياته يكون مبطلًا لنسبه وإن أقر به الوارث بعده.
وهذا على ضد ما ذكره جماعة أصحابنا وهو غريب ولكنه أصح عندي، ويخالف هذا إذا كان أحدهما مجنونًا أو صبيًا فمات لأن النسب كان موقوفًا على إقراٍر منتظر فإذا مات قام وارثه مقامه.
فرع آخر
لو ترك ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم فإن كان الميت كافرًا فالوارث هو الكافر،
الجزء: 6 - الصفحة: 174
وإن كان مسلمًا فالوارث هو المسلم ويعتبر إقرار الوارث منهما.
وكذلك إذا كان أحدهما قاتل أبيه لم يرثه القاتل وكان الاعتبار بإقرار الابن الذي ليس بقاتل، فإن أقر به الابن الذي ليس بقاتل ثبت نسبه وأن جحده القاتل.
فرع آخر
إذا وجد الإقرار من الابن الذي ليس بقاتل [151/ ب] هل يتوارث المقر به والقاتل؟ فيه وجهان: أحدهما: يتوارثان لأن البنوة ثبتت بإقرار الوارث.
والثاني: لا يتوارثان لأن إقرار الأخ الذي ليس بقاتل لا يقبل على أخيه القاتل فلا تثبت الأخوة بينه وبين القاتل، بما يقبل إقراره في حق الأب لأنه وليه ووارثه.
فرع آخر
لو خَّلف ابنًا فأقر الابن بابن آخر للميت، ثم أقرا جميعًا بابن آخر ثبت نسب الثالث لاتفاقهما عليه.
فإن قال الثالث: هذا الثاني ليس بأخينا لم يثبت نسب الثاني لآن الاتفاق لم يحصل من الابنين جميعًا عليه وإنما أقر أحدهما وثبت نسبه بإقرارهما وهذه المسألة تلقب بأدخلني أخرجك، والعامة تستعمل هذا المثل كثيرًا.
ومن أصحابنا من قال: لا يسقط نسب الثاني لأن نسب الثالث ثبت بإقرار الأول والثاني فلا يجوز أن يسقط نسب الأصل بالفرع.
فرع آخر
لو مات عن ابن فأقر بابن آخر فقال ذاك: أنا ابن الميت ولكنك لست بابنه فالمشهور أنه يثبت نسب لمقر به، ويقال للمقر: ثبت نسبك، وفيه وجه آخر أنهما أخوان ويرثان، وهذه المسألة نظير المسألة المتقدمة، وقال القفال رحمه الله: هذا غلط لأن هذا المقر معروف النسب ولو ذلك لم يقبل إقراره فكيف يكلف إثبات نسبه والذي يحتاج إلى إثبات نسبه بالبينة كيف يقبل إقراره؟
فأقول: في المسألة وجهان: أحدهما: أنهما يرثان وهما أخوان.
والثاني: لا يثبت نسب المقر به إذ لا فرق بين أن يكذبه، وبين أن يقول له: لست ممن يصح إقرارك بالنسب.
فرع آخر
لو أقر الابن الوارث بآخرين في وقت واحد فصدق كل واحد منهما صاحبه فثبت نسبهما وميراثهما، وإن كذب كل واحد منهما صاحبه لم يثبت نسب واحٍد منهما لأنه يحصل له إقرار أخ دون أخ، لأن صدق أحدهما صاحبه وكذبه الآخر ثبت نسب المصدق دون المكذب.
وقال القفال: إذا صدقا ولكن كذب كل واحد منهما صاحبه فيه [152/ أ] وجهان أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: يثبت نسب الكل ويرثون.
فرع آخر
لو أقر الابن الوارث بنسب أحد التوأمين ثبت نسبهما، وإن أقر بهما وكذب أحدهما
الجزء: 6 - الصفحة: 175
الآخر لم يؤثر (التكذيب) في نسبهما لأنهما لا يفترقان في النسب.
فرع آخر
لو أقر رجل بعٍم فإن كان الجد لم يخلف إلا الأب المقر وأبوه لم يخلف إلا أباه ثبت النسب، وإن كان خلف الجد غير أبيه وأبوه غير هذا المقر لم يثبت، وإن انقرض كلهم ورجعت مواريثهم إلى هذا المقر صح حينئذ إقراره على الصحيح من المذهب.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه إذا أقر بنسب على غيره يقبل وهذا لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يقر على أبيه وابنه، أو أخيه، أو جده، وإنما يقبل في الإرث إذا كان ثبوت إرثه لا يؤدي إلى نفيه فإن كان يؤدي إلى نفيه يثبت النسب دون الإرث، وبيان هذا أنه إذا مات رجل وخلف أخًا لا وارث له غيره فأقر هذا الأخ بابن أخيه الميت قال أكثر أصحابنا: يثبت النسب ولا يرث لأَّنا لو ورثناه يخرج الأخ من أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يقبل إقراره بالنسب، وإذا لم يقبل إقراره لم يبت نسب الابن ولا ميراثه فإثبات الميراث له يؤدي إلى نفي نسبه وميراثه فأثبتنا النسب وأسقطنا الميراث.
وقال ابن سريج رحمه الله: يحتمل وجهًا آخر أنه يرث له رشد ويحجب المقر لأنه لا خلاف بين أصحابنا أنه إذا كان للميت ابن واحد فأقر بأخ لم يثبت له رشد إن كان بإقرار ويخرج من أن يكون جميع الورثة ولا يصح الإقرار إلًا من كل الورثة.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: هذا خطأ وهو خلاف الإجماع ولا يشبه المسألة التي ذكرها لأنه إذا كان المقر به كبيرًا فقد اتفقا على ذلك، وإن كان صغيرًا لم تعتبر موافقته فقد أقر كل من يعتبر إقراره.
ومن أصحابنا من نصر ما قال ابن سريج وقال: الصحيح ما ذكره لأَّنا إذا أثبتنا النسب فالمال مستحق به ولا يجوز إثباته دون المال ولا يجوز توريث الأخ مع [152/ب (وجود الابن الذي هو من أهل ميراثه والعذر عما ذكره ابن سريج غير صحيح لأنه إذا كان المقر صغيرًا يجب أن لا يثبت إرثه حتى يبلغ فيقر لأنه وإن كان صغيرًا فهو وارث، ألا ترى أنه إذا كان الوارث ابنين أحدهما صغير أو مجنون فأقر البالغ العاقل بأخ آخر لم يقبل ولا يقال: لا يعتبر موافقة الصغير أو المجنون والدليل على صحة هذا أنه لو ثبت له ملك عبٍد بشهادة شاهدين فقال: هذا العبد لفلان ثبت به ملك فلان، وإن كان بإقراره خرج من أن يكون حين الإقرار مالكًا وإقرار غير المالك لا يثبت به الملك وإنما يثبت لأنه لولا إقراره لكان محكومًا له بالإرث بالملك كذلك ها هنا يثبت بإقراره الإرث لأنه لولا إقراره لكان محكومًا له بالإرث فكذلك من ثبتت يده على عين فأقر بها لخيره حكم بها للمقر له، وإن كانت يد من لا يملك لا حكم لها في الإقرار كذلك ها هنا.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه يجوز إثبات النسب دون الإرث لأنه لا يؤدي إثباته
الجزء: 6 - الصفحة: 176
إلى نفيه ونفي غيره وإثبات الإرث يؤدي إلى نفيه ونفي غيره وقد يمتنع الإرث بعوارض من القتل والرق واختلاف الدينين وهذا عارض آخر يمتع الإرث مع ثبوت النسب.
ونظير هذه المسألة مسائل كثيرة نذكر بعضها ها هنا وهي إذا أعتق رجل عبدين، ثم ادعى مدع على مولاهما أن العبدين ملكه وأن مولاهما كان غصبه عليهما أو أعتق غير ملكه وشهد للمدعي هذان المعتقان وهما عدلان لا تقبل شهادتهما لأنها لو قبلت سقطت وسقطت الحرية فأثبتنا الحرية وأسقطنا الشهادة.
وكذلك لو أعتق عبدين في مرضه أو أوصى بعتقهما فأعتقا بعد وفاته فجاء رجل وادعى على الميت دينًا يستغرق التركة وشهد له المعتقان بذلك لم تقبل شهادتهما لأنها تجر إلى سقوطها وسقوط حريتهما، فحفظنا الحرية وأسقطنا الشهادة.
[153/أ] وكذلك لو أعتق موسر جاريًة له في مرضه وتزوج بها ثم مات لم ترثه، لأنها لو ورثت كانت أحد الورثة وكان عتقها وصية لها ولا وصية للوارث وليس على أصلنا امرأة لا ترث زوجها مع اتفاق الدين والسلامة من القتل والرق إلا هذه.
وكذلك لو أوصى المريض بابنه فقبله ومات عتق ولم يرث لمثل هذه العلة.
فرع آخر
لو ترك الميت أخًا فادعى مدع أنه ابن الميت وأنكره الأخ ونكل عن اليمين فردت اليمين على المدعى فحلف ثبت نسبه.
وفى ميراثه قولان مبنيان على أن يمينه بعد نكوله هل تجري مجرى البينة أم الإقرار؟ فإن قلنا: تجري مجرى الإقرار لا ميراث وإن ثبت نسبه كما لو أقر بنسبه لما في توريثه من حجبه.
وإن قلنا: تجري مجرى البينة يرث الابن كما لو قامت بينة نسبه.
فرع آخر
لو خَّلف زوجه وأخًا فأقرت الزوجة بابن الميت وأنكره الأخ لم يثبت النسب ولكن المشاركة في المال تثبت فيما بينها وبين الله تعالى على أحد الوجهين فإن كانت التركة في يدها أخذ الأخ منها ثلاثة أرباعها ويترك في يدها الربع ثم يجب عليها أن تدفع الثمن إلى المقر به، ولو كانت التركة في يد الأخ أخذت الثمن دون الزيادة لأنها لا تدعي سواه هكذا ذكره أصحابنا.
وقيل: لها أخذ الربع منه، لأنه لا يلزمها ذلك في الحكم، ثم إذا أخذت الربع تأخذ الثمن وتدفع الثمن الآخر إلى المقر به.
فرع آخر
إذا أقر ببنوة صبي لم يكن ذلك إقرارًا بزوجيه أمه وقال أبو حنيفة: إن كانت مشهورة بالحرية كان ذلك إقرارًا بزوجيتها، لأن أنساب المسلمين تحمل على الصحة وذلك أن تكون ولدته منه في نكاح صحيح.
وهذا لا يصح لأنه أقر بولٍد فلا يكون إقرارًا بزوجيه أمه كما لو لم تكن معروفة الحرية وما ذكره لا يصح لأَّنا نحمله على الصحة ونثبت
الجزء: 6 - الصفحة: 177
النسب من الوطء في النكاح الفاسد والشبهة [153/ب] فلا ضرورة إلى إثبات النكاح الصحيح.
فرع آخر
لو مات رجل عن ابن لا وارث له غيره، وخلف عبدًا يساوي ألفًا لا مال له سواه فقال له رجل: أوصى لي أبوك بثلث تركته فلم يجبه حتى قال آخر: لي على أبيك ألف فصَّدقهما هذا ولا بينة لواحد منهما كان لمدعي الوصية ربع العبد، ولمدعي الدين ثلاثة أرباعه يباع في دينه لأنهما لما استويا في التصديق لهما بكلمة واحدة صار العبد مقسومًا على عبٍد وثلث وذلك أربعة أسهم سهم للوصية وثلاثة أسهم للدين، ولو كان صدق مدعي الدين قبل مدعي الوصية صار العبد مستحقًا في الدين وبطلت الوصية، ولو صدق مدعي الوصية قبل مدعي الدين كان لصاحب الوصية ثلث العبد ولصاحب الدين ثلثاه يباع في دينه ذكره في (الحاوي) 78.
فرع آخر
لو قال العبد: أعتقني أبوك في صحته، وقال رجل: لي على أبيك ألف وقيمة العبد ألف ولا مال له سواه فصدقهما معًا صار نصف العبد حرًا، ونصفه لصاحب الدين يباع في دينه.
ولو كان سبق إقراره للعبد فصار جميعه حرًا ولا شيء لصاحب الدين.
ولو سبق إقراره لصاحب الدين صار له جميعه ولم يعتق شيء منه.
فرع آخر
إذا قال: نصف فلان ابني أو أخي هل يكون إقرارًا بالنسب؟ قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين.
فرع آخر
لو قال: فلان أخي ثم قال: أردت به الأخوة من الرضاع قال والدي رحمه الله: يجب أن لا يقبل لأن اللفظ وإن كان محتملًا فالأظهر من محتمليه الأخوة من جهة النسب ولهذا لو قال: أردت به أخوة الإسلام لم يقبل وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10].
فرع آخر
لو ادعى زوجية صغيرة في يده قال ابن الحداد: يقبل، وقال غيره: لا يقبل بخلاف الرق والنسب والفرق أنه هناك يدعى ملك رقبة [154/أ] ويده عليها ثابتة، وها هنا يدعي منفعة البضع ولا يثبت اليد عليها.
فرع آخر
لو قال لعبده وهو أكبر سنًا منه: أنت ابني لا يقبل ولا تقع الحرية به، وقال أبو
الجزء: 6 - الصفحة: 178
حنيفة: يعتق.
ولو كان العبد صغيرًا ولكنه معروف النسب من غيره فقال: أنت ابني هل يعتق؟ وجهان لأنه يحتمل أن يكون ابنه.
مسألة 79: قال: وقال في المرأِة تقدُم من أرِض الروم ومعها ولٌد فيدعيِه رجٌل بأرِض الإسلاِم أنِه ابنِه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قدمت المرأة من أرض الروم ومعها صبي فادعى رجل بأرض الإسلام وقال: إنه ابني وكان الصبي مجهول النسب ثبت نسبه منه لأن ذلك ممكن بأن يكون خرج إلى بلد الروم، أو جاءت المرأة إلى بلد الإسلام وهذا كما نقول: لو تزوج بامرأة وغاب عنها أو لم يغب فأتت بولٍد قبل أن تزف إليه لستة أشهر بعد العقد يلحقه الولد لإمكان اجتماعهما، ولو تزوجها بحضرة الحاكم وطلقها في الحال ثلاثًا ثم أتت بولد لستة أشهر بعد العقد يلحقه الولد لإمكان اجتماعهما من حين العقد لم يلحق به لأن الوطء لهذا العقد غير ممكن ها هنا.
وقال أبو حنيفة: يلحق به لوجود العقد وهذا خلاف ظاهر لأنه منفى عنه قطعًا ويقينًا فيستحيل الحكم بثبوت نسبه، فإن قال قائل.
عند الشافعي لا يثبت النسب في موضع من المواضع إلا باحتمال وقوع الوطء فكيف أثبت النسب ها هنا مع قوله لا يعرف أنه خرج إلى أرض الروم؟
قلنا: لم ُيرد الشافعي به أن هذا الرجل لم يدخل الروم قط، ألا ترى أنه لم يقل يعرف أنه لم يخرج إلى أرض الروم بل قال: لم يكن يعرف أنه خرج أي: ولم يعرف أنه لم يخرج والاحتمالان موجودان وهذا من الإمكان وهو كالاحتمالين فيما ذكرنا إذا تزوج بامرأٍة وغاب عنها، أو لم يغب ولم يعرف الزفاف.
ولو تيقنا أنه لم يصل إلى تلك [154/ب] البلدة بآن شاهدناه طول عمره لم يغب عنا أو غاب عشرة أيام لا يتأتى في مثلها الخروج إلى تلك البلدة بحال وثبت أن المرأة لم تخرج أيضًا من تلك البلدة إلى الآن لم يثبت النسب هكذا ذكر جماعة أصحابنا وهو الصحيح.
وقال أبو حامد: ويمكن أنه بعث بماِئِه إليها فاستدخلته وعلقت منه فيثبت النسب به أيضًا قال: ولا اعتبار بما يقول الأطباء أن الماء إذا برد لا يخلق منه الولد لأن هذا مظنون والبيض يبرد ويخلق من الفرخ والنسب يلحق بأدنى الإمكان.
وهذا غير صحيح.
وقد قال صاحب (الحاوي) 80: ما ذكره تعليل قبيح ومذهب شنيع لأنه وطء وإحبال بالمراسلة ثم حيث حصل الإمكان لو قالت المرأة: ليست بولدك لا يلتفت إلى قولها لأن النسب حق الولد وقد أقر به الزوج.
الجزء: 6 - الصفحة: 179
فرع
لو بلغ هذا الابن وأنكر الأبوة قد ذكرنا أنه لا يسمع قوله وقال القفال: إنما لا يسمع قوله إذا شاهدنا فراشًا وولادة على فراشه، فأما إذا لم نشاهد ذلك كما في هذه الصورة فيه قولان: والأقيس أنه يسمع قوله والقول قوله أنه ليس بابن له.
والقول الثاني: أنه لا يسمع قوله لأن فيه نقص الحكم السابق.
قال: وكذلك الحكم في الرق إذا قال: هذا الصغير عبدي فبلغ العبد وأنكر هل يقبل إنكاره؟
قولان والأصح أنه يقبل وأصل المقولين أن اللقيط في دار الإسلام إذا حكمنا بإسلامه بظاهر الدار فبلغ وامتنع من الإسلام هل يجعل مرتدًا يقتل؟ فيه قولان وهذا غريب والمشهور ما سبق.
مسألة 81: قال: وإذا كانت له أمتاِن لا زوج لواحدٍة منهما.
الفصل
وهذا كما قال: صورة المسألة أن يكون للرجل أمتان فولدتا ولدين فأقر السيد بأحدهما لا بعينه يلحقه في الجملة ويعتبر فيه شرطان:
أحدهما: أن لا يكون لهما زوج فإنه إن كان لكل واحدٍة منهما زوج يلحق الولد بالزوج عند الإمكان دون السيد.
والثاني: [155/أ] أن لا يكون أقر بوطئهما ولا بوطء واحدٍة منهما فإنه إذا أقر بوطئ أمته تصير فراشًا له عندنا ويلحقه ولدها بالإمكان من غير إقراٍر بالولد.
ثم إذا وُجد الشرطان وأقر على ما ذكرنا لحقه نسب واحٍد منهما لا بعينه ونرجع إلى بيانه فنقول له: عين الذي هو ابنك فإن عينه كان حرًا.
وقلنا له: كيف استولدتها؟ فإن قال: استولدتها في ملكي فقد أقر بأن الولد حر الأصل وأنه لا ولاء عليه وأن الجارية أم ولده تعتق بموته، وإن قال: استولدتها بوطء شبهٍة فالولد حر الأصل وهل تصير أم ولده؟ قولان.
وإن قال: استولدتها في نكاح فقد أقر بأن الولد قد مسه الرق وأنه عتق عليه وله ولاؤه وأن الجارية ليست بأم ولده.
وإن ادعت الأخرى أن المستولدة هي فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها ورقت ورق ولدها.
وإن مات قبل أن ُيعّين وخّلف وارثًا رجعنا إلى تعيينه، فإن عينه كان بمنزلة تعيين المورث ونسأله كيف استولدها في ملك اليمين أو في وطئ الشبهة أو في النكاح على ما بيناه، فإذا أقر به عملنا عليه.
وإن قال الوارث: لا أعلم كيف أستولدها؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: ظاهر ما قال الشافعي هاهنا: أنه يحمل على أنه استولدها في ملك اليمين ويحكم لها بالحرية لأنه أقر بولدها وهي في ملكه.
وقال أبو إسحاق وجماعة: وهو الأصح قياسًا لا يحكم لها بالحرية وهي رقيقة لأن الأصل الرق، ويحتمل أن يكون الاستيلاد
الجزء: 6 - الصفحة: 180
في النكاح فلا نوقع العتق بالشك.
وإن قال الوارث: لا أعلم أيهما ابنه فالقول قوله مع يمينه إذا ادعى عليه أنه يعلم.
ثم قال الشافعي: أرى القافة لأنه لا فرق بين أن يتردد الولد بين والدين وبين أن يتردد فلا يدري أيهما ولده.
فإن قيل: إذا كان [155/ب] المقر ميتًا كيف يرى القافة؟
قلنا: يجوز أن يكون القاف رأى المقر في حياته أو قبل دفنه وإن لم يكن شاهد قط نظر إليهما وإلى عصبة المقر الميت مثل أبيه وأخوته وأعمامه فيجد فيهم الشبه ثم الاحتياط للحاكم إذا رجع إلى القافة أن يستحضر جماعة منهم.
ولهذا ذكرهم الشافعي بلفظ الجماعة ولو اقتصر على واحٍد منهم ففيه خلاف بين أصحابنا والمشهور جوازه لأن القائف يعتمد الاجتهاد وإلحاق الشبه بالأصل فصار كالحاكم.
ثم إذا ألحق القائف به أحدهما ورثناه منه لأن النسب إذا ثبت استند ثبوته إلى حالة الحيرة، ثم إذا جعلنا الولد ولده جعلناها أم ولده وعتقت عليه على ما قال الشافعي.
وصور الشافعي إذا كانت الولادة في ملكه لأنه قال: وإذا كانت أمتان لا زوج لواحدٍة منهما فولدتا ولدين فنفى عنهما الزوج ثم أثبت الولادة في الملك بحرف التعقيب وهو قوله: فولدتا ولدين.
ثم الولد الثاني الذي لم يلحقه القافة به رقيق موروث وأمه رقيقة.
وإن أشكل على القافة أو لم يكن قافه فإنه لم يجعل واحد منهما ابنه كان الإلحاق بعد الموت مع عدم القافة لا يتصور إلا بالانتساب والانتساب بعد البلوغ حيث يتصور الانتساب، وفي هذه المسألة لا سبيل إليه بعد البلوغ أيضًا.
فإن قيل: ِلَم قلتم هكذا؟ وأي فرق بين هذه المسألة وبين رجلين تنازعا مولودًا وفقدت القافة فبلغ الغلام أمرتموه بالانتساب إلى واحد منهما؟.
قلنا: الفرق أن في تلك المسألة يتيَّسر الانتساب لأنه إذا راجع نفسه وتأمل دواعيها إلى أحدهما بما بينه وبينه من القرابة والأبوة أمكنه الانتساب وكذا الاعتماد على قوله إذا انتسب وها هنا إذا أمرناهما الانتساب تعذر الفصل إذ لا خيار بين أحد أمرين إما أن ينتسبا جميعًا إليه فلا يكون أحدهما أولى من الثاني، أو ينتسب أحدهما فيحتمل أن يكون المنتسب غير ولد وغير المنتسب ولدًا.
[156/أ]
فإن قيل: هناك أيضًا إذا انتسب إلى أحدهما احتمل أن يكون الذي انتسب إليه غير والٍد والذي لم ينتسب إليه والد.
قلنا: إذا أمرنا الولد بالانتساب إلى أحد المدعيين فلا بد له من أن ينتسب إلى أحدهما وليس له الانتفاء عنهما جميعًا، ولا الانتساب إليهما جميعًا.
وقوله: أصل في نسبه فإن نسبه حقه فيمكننا تعليق الحكم بقوله ونتبين فائدة أمرنا إياه بالانتساب فلذلك كلفناه الانتساب فأما الولدان والوالد واحدة فلا فائدة في أمرنا إياهما بالانتساب وكان الأمر به في الابتداء محالًا لما كان الحكم به في الانتهاء محالًا.
فإذا ثبت هذا أقرعنا بين الولدين لإثبات الحرية في أحدهما لا لإثبات النسب، فإن النسب لا يثبت بالقرعة فأيهما حرج سهمه أعتقناه لأن السيد إذا قال: أحدهما ولدي فقد أقر بشيئين لذلك
الجزء: 6 - الصفحة: 181
الولد بنسبه وحريته، وقد تعذر إثبات النسب وأمكن إثبات الحرية بالقرعة.
وهذا كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة قد يثبت المال دون القطع.
وقال ابن خيران رحمه الله: يصير بالقرعة ابنًا حرًا لأن الحرية تثبت له بالولادة فلم يجز أن يرتفع أصلها ويثبت حكمها.
وهذا غلط لأن القرعة لا تدخل لتمييز الأنساب المشتبهة فتدخل التمييز الحرية المشتبهة بدليل أنه لو تنازع رجلان في ولٍد لا يقرع بينهما في نسبه.
ثم إذا حكمنا بحرية الولد بالقرعة حكمنا بحرية واحد، لأَّنا نعلم يقينًا أن واحدًة من الأمتين أم ولده تعتق بموته فأولاهما هذه.
ثم هل يوقف ميراث ابن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوقف وهو اختيار المزني لأنا تيقنا أن أحدهما ابنه وإن جهلنا عينه.
والثاني: لا يوقف وهو ظاهر المذهب لأن وقف الميراث إنما يكون في أمر معلوم أشكل حاله ويرجى زواله فلا يصح وقفه كما لا يوقف الميراث في الأخوين إذا غرقا ولا يدرى أيهما مات أولًا وهذا [156/ب] اختيار القاضي الطبري وجماعة رحمهم الله.
فعلى هذا يكون الميراث كله.
للوارث المعروف نسبه إذ كان أو لبيت المال إن لم يكن.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: أحد هذين ولدّي عتق من كل واحد منهما نصفه ولا يرثان شيئًا ويستسعى كل واحد منهما بعد بلوغه في نصف قيمته فيؤدي ويعتق الكل.
وقال ابن أبى ليلى كما قال أبو حنيفة وزاد بأن قال: هما يرثان ميراث ابن لكل واحد منهما نصفه يستعين به عند الاستبطاء على أدائه للعتق.
مسألة 82: قال: (وسمعَته يقوُل: لو قاَل عند وفاتِه لثلاثِة أولاٍد لأمتِه: أحَد هؤلاِء ولدي).
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة والتي قبلها سواء، وإنما تختلفان في الصورة فالمسألة الأولى ولدان من أمتين، والمسألة الثانية ثلاثة بنين من أمٍة واحدٍة فأقر بأحدهم ولم يكن تقَّدم منه إقرار بوطء، ولم يكن لها زوج على ما بيناه فإنه يطالب بالتعيين، فإن قال: هو الأكبر حكمنا بحريته وثبوت نسبه منه، وسألناه عن الأم كيف استولدها؟ فإن قال: استولدتها في ملكي فقد أقر بأنها علقت منه بًّحر في ملكه فتكون أم ولد له.
وقلنا له: ما تقول في الآخرين؟ فإن قال: هما مني ألحقناهما به، وإن قال: ليسا مني وإنما أتت بهما من زوج أو زنًا حكم بأنهما مملوكان له ومنع من التصرف فيهما بما يزيل ملكه عنهما لأنهما ابنا أم ولده فيكون حكمهما حكم الأم ويعتقان بعتقها.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: أنهما مملوكان على الرق لا يعتقان بعتق الأم بموت السيد لأنه يمكن أن يكون الابن الأكبر ابنه منها والأوسط والأصغر لم تثبت لهما حرمة الاستيلاد بأن يطأ الراهن جاريته المرهونة من دون إذن المرتهن فتأتي بولد يكون الولد حرًا ولا يمنع بيعها في حق المرتهن في أحد
الجزء: 6 - الصفحة: 182
القولين، فإذا بيعت وزَّوجها المشتري فأتت بولدين من زوجها أو زنت [157/أ] فأتت بولدين فا شتراهما الراهن مع الولدين بعد ذلك صارت أم ولد له بالوطء المتقدم وولداها مملوكان له ولا يجوز إثبات الحرية بالشك، كما لا يجوز إثبات النسب بالشك.
ولذلك قال في القديم؛ لو وطئ جارية غيره بالشبهة فولدت منه ولدًا حرًا ثم زوجها المالك فأتت بولدين من زوجها أو زنت فأتت بولدين ثم اشتراهم الواطئ بالشبهة صارت أم ولده بالإحبال المتقدم وكان الولدان مملوكين لا يعتقان بموته وهذا لأنها ولدتهما في حال لم تكن فيها أم ولد.
وإن أقر بالأوسط ثبت نسبه منه وكان الأكبر مملوكًا وسئل عن الأصغر فإن قال: استولدتها في النكاح لم تصر أم ولده وله أن يتصرف فيها.
وإن قال: استولدتها بوطء شبهٍة ففيه قولان على ما ذكرنا من قبل.
وقال في (الحاوي) 83: إذا عين الأكبر وقال: وطئتها في ملكي صار حرًا وارثًا، وهل يلحق به الأوسط والأصغر؟ وجهان: أحدهما: يلحقان به ويصير الثلاثة كلهم أولاداً يرثونه لأنها بالأول صارت فراشاً فلحق ولٍد جاءت به من بعده.
والثاني: يلحق به الأكبر دون الأوسط والأصغر لاحتمال أن يكون وضعت الأول في ملكه ثم بيعت عليه في رهن فولدت الأوسط والأصغر من زوج ثم اشتراها والولدين معًا [فصار لحقوقهما به شكًا على تجويز مترجح] والأنساب لا تلحق بالشك.
فإذا قلنا بهذا الوجه الثاني هل يكونان في حكم أم الولد يعتقان بموت السيد؟ وجهان على ما ذكرنا.
وإن مات قبل البيان كان الرجوع إلى بيان الورثة على ما ذكرناه.
فإن عين الأصغر تعين نسبه وحريته، وسألناه عن الولادة ليخبرنا بما [157/ب] يعلمه من ذلك لا باجتهاده فإن قال: لا أعرف قد ذكرنا وجهين، وظاهر النص أنه يحمل على الاستيلاد بالملك، وإن عين الوارث الأوسط تعين، فإن قال: استولدها في الملك قال: فالولد حر الأصل والأمة أم ولده والأكبر مملوك، وفي الأصغر وجهان على ما ذكرنا، هكذا ذكره أصحابنا.
وقال أبو حامد: الابن المعروف في هذه المسألة لا يقوم مقام الأب في البيان، ولهذا لم يعلق الشافعي رحمة الله عليه ببيانه، وهذا لأن المقصود إثبات النسب والسب إنما يثبت بإقرار جميع الورثة وليس هذا الابن جميع الورثة فإن الميت لم يمت حتى اعترف بالابن الثاني وهذا على ما ذكر رحمه الله، وهكذا في المسألة قبلها وهو سهو من أصحابنا والله أعلم.
ثم اعلم أن الخائف مستعمل في هذه المسألة كما في المسألة الأولى، ولم يذكر الشافعي ها هنا اكتفاء بما ذكر في الفصل الأول فإن ألحقت القافة به الأصغر ثبت نسبه منه وورث ونظر في إقرار المقر فإن قال: أحدهم ولدي استولدتها في ملكي صارت أم ولده وعتقت في موته ورق الأكبر والأوسط.
وإن كان قال: استولدتهما في نكاح فهي
الجزء: 6 - الصفحة: 183
مملوكة وقد ورث الابن جزءًا منها وعتق عليه ولا يقوم عليه الباقي لأنه دخل في ملكه بغير اختياره.
وإن كان قد أطلق ولم يبين فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
وإن ألحقت القافة به الأكبر ثبت نبه منه وعتق وورثه ونظر في إقراره على ما ذكرنا.
وإن ألحقت القافة به الأوسط حكمنا بحريته ونسبه وكان الأكبر رقيقاً وفى الأصغر وجهان إذا قال: كنت استولدتها في ملكي على ما ذكرنا.
وإن ألحقت القافة به اثنين من الثلاثة لم يلحقا به لأنه أقر بواحٍد منهم ولكن خرج من نفته القافة [158/أ] منهم أن يكون في حكمهم وصار حكم النسب مترددًا بين الاثنين من غير تعيين ولا يستفاد بهذه القيافة إلا خروج نسب المنفي منهم والحكم برقه من بينهم.
وإن لم تكن قافه أو كانت فأشكل أقرعنا على ما ذكرنا للحرية فإن خرجت القرعة على الأكبر عتق، وهل تصير أم ولده؟ رجعنا إلى إقراره كما بيناه، وهل يعتق الأوسط والأصغر؟ وجهان على ما ذكرنا فقس إذا خرجت القرعة على الأوسط والأصغر.
وقال في (الحاوي) 84: إنما يقرع بين كلها إذا قال: وطئتها في غير ملكي ومات قبل البيان فالجارية على الرق ولا يثبت نسب واحد منهم ولكن يقرع للحرية، فإذا خرجت القرعة على أحدهم عتق وحده ورق الآخران بلا خلاف.
وإن قال: وطئتها في ملكي ففي ثبوت نسب الأصغر وجهان: أحدهما: يثبت إذا قلنا: ثبوت نسب أحد الثلاثة ببيان المقر أو القافة يوجب ثبوت نسب من دونه لأن الأصغر على هذا الوجه ثابت النسب في الأحوال كلها، قال ابن سريج رحمه الله: وهذا مذهب المزني رحمه الله وإنما حذفه الكاتب من كلامه فعلى هذا تسقط القرعة بين الأخوين ويرقان.
والثاني: لا يثبت نسب الأصغر إذا قلنا.
نسب أحدهم لا يوجب ثبوت، نسب من دونه.
فعلى هذا هل يعتق الأصغر؟ وجهان: أحدهما: يعتق إذا قلنا: ثبوت نسب أحدهم يجعل من دونه ولد أم ولد فعلى هذا تسقط القرعة بين الأخوين ويرقان.
والثاني: لا يعتق إذا قلنا: ثبوت نسب أحدهم لا يجعل من دونه ولد أم ولد فعلى هذا يقرع بين الثلاثة ليعتق أحدهم بالقرعة تمييزًا للحرية، فإذا قرع أحدهم عتق وحده ورق من سواه والأم حرة في الأحوال كلها لأنها أم ولد بأحد الثلاثة، ولا يرث من عتق بالقرعة لأن نسبه لم يثبت.
فإذا تقرر هذا [158/ب] اعترض المزني رحمه الله على هذه المسألة اعتراضين:
أحدهما: على الميراث.
والثاني: على الحرية فقال: في الميراث يلزمه على قوله المعروف أن يجعل لهذا الابن المجهول من هؤلاء الثلاثة مورثًا موقوفًا وهو نصف ماله ويكون النصف للابن المعروف لأَّنا بينا أن أحدهم ابنه وإن جهلنا عينه كما قال الشافعي: أحدهم حر وإن لم نعرف عينه، ولا يجوز بيع جميعهم.
وكما قال فيمن طلق نساءه إلا واحدة ثلاثًا ثلاثًا ولم يبين يوقف ميراث واحدٍة منهن حتى يصطلحن هكذا ها
الجزء: 6 - الصفحة: 184
هنا.
قلنا: قد بينا فيما مضى أن في وقف الميراث وجهين:
أحدهما: يوقف كما قال المزني ومعنى قول الشافعي: ولا ميراث له أي في الحال لا يتعجل قسطه ما لم يبن سببه.
والثاني: لا يوقف وهو ظاهر كلام الشافعي وهو المذهب لذوات البيان ولا يكون علمنا بأن فيهم ابنًا موجبًا لوقف ميراثه عند ذوات البيان كالعربي إذا مات مجهول العصبة لا يوقف ميراثه، وإن علمنا أن له في العرب عصبًة.
وعلى هذا الوجه الثاني وحكم ثبوت نسب الأصغر في أحد الوجهين فالتركة بينه وبين الابن المعروف.
وإن لم يحكم بثبوت نسب الأصغر فا لتركة كلها للابن المعروف.
وإن قلنا بالوجه الأول أنه يوقف الميراث يوقف نصف التركة وكان نصفها للابن المعروف إن لم يحكم بثبوت سب الأصغر، وإن حكم بثبوته كان بينهما.
وأما الجواب عن احتجاج المزني بالحرية قلنا: الفرق أنا وجدنا إلى إثبات الحرية سبيلًا بالقرعة المشروعة لها وما وجدنا إلى إثبات النسب سبيلًا، وإذا لم يثبت النسب لم يثبت الميراث.
وأما الجواب عن مسألة الطلاق فالفرق أن النكاح كان مستيقنًا وهو سبب الميراث وقد استيقن من نسائه واحدًة فوقفن الميراث ليتبين سببه إلى أن تتعين المستحقة منهن وها هنا النسب سبب الميراث ولم نجد إلى إثباته سبيلًا.
فاستحال إثبات [159/أ] الإرث قبل إثبات سببه.
وأيضًا إيقاف الميراث على المعروف للمجهول النسب يقتضي أن يرث المعروف النسب من المجهول النسب ونحن لا نورثه منه فلا نوقف الميراث عليه لمن لا نورثه منه، وليس كذلك ورثة ألميت المطلق زوجته لأنهم لا يرثون الزوجة إن ورثت فلهذا أوقفنا الميراث عليهم حيث لم يسقط لهم حق.
وأيضًا إذا وقفنا ميراث زوجٍة جاز أن تصطلح الزوجات عليه أن الزوجة إحداهن وإذا وقفنا للوارث من الأولاد لم يكن لهم أن يصطلحوا على أن أحدهم الوارث ويخرج الباقون أنفسهم من النسب لأن أحدًا لا يملك إخراج نفسه من النسب.
وأما الاعتراض الثاني قال: وأنا أقول في الثلاثة الأولاد إن كان الأكبر من الثلاثة هو الابن فهو حر، والأوسط والأصغر حران لأنهما ابنا أم ولد، وإن كان الأوسط هو الابن فهو حر والأصغر حر بأنه ابن أم ولد، والأكبر رقيق لأنه ولد قبل الاستيلاد.
وإن كان الأصغر هو الابن فهو حر بالبنوة، فيجب بهذا التقسيم أن يكون الولد الأصغر حرًا بكل حال لا شك فيه، وكيف أدخله الشافعي في القرعة؟ وكيف أرقه إذا خرجت عليه قرعة الرق؟.
نم إن المزني اتبع هذا التقسيم تقريرًا لكلامه من وجه آخر فقال: حرية الأوسط ممكنة في حالين ويرق في حال وحرية الأكبر ممكنة في حاٍل ويرق في حالين، ويمكن أن بكونا رقيقين للابن المعروف وللابن المجهول نصفين، ويمكن أن يكون الابن هو الأكبر فيكون الثلاثة أحرارًا، وإذا عرفت تقسيم المزني عرفت هذا التقرير وأنه تكرير لذلك الكلام بعبارة ثانية، ثم لما أثبت حرية الأصغر تكلم في تفريع وقف الميراث كما وقف من قبل
الجزء: 6 - الصفحة: 185
فقال: فالقياس عندي على معنى قول الشافعي في الوقف إذا لم أدر أنهما حران، أم عبدان، أم عبد وحران، أن يوقفا أو ميراث ابن حتى [159/ب] يصطلحوا معناه: يدفع إلى الابن المعروف نصف الميراث ويحكم بحرية الابن الأصغر ويوقف نصف الميراث للابن المجهول من هؤلاء الثلاثة.
قلنا: قد قطعت القول بحرية الأصغر مع اكتمال رقه على ما ذكرنا من المسألتين، وإذا اشتراها بعد الاستيلاد لا تصير أم ولد عندنا خلافاً لمذهبك ومذهب أهل العراق.
ومن أصحابنا من قال: الأصغر حر بيقين إلا أنا نقول: يقرع بينهم فإن خرجت القرعة على الأكبر بالحرية أعتقته وأعتقت الآخرين، وإن خرجت على الأوسط أعتقته وأعتقت الأصغر فتكون فائدة القرعة عتق غير الصغر فقط السؤال.
وأما الذي اختار لنفسه من وقف الميراث قد ذكرنا فيه وجهين.
وروي عن المزني أنه اختار لنفسه مذهباً آخر وهو أن يلحق به الأصغر ويوقف الأكبر والأوسط لأنه يجوز أن يكونا ابنين له ويدفع إلى الابن المعروف ربع الميراث ويدفع إلى الصغير ربع الميراث ويوقف النصف للأكبر والأوسط وهذا في بعض نسخ المزني.
وهذا غلط لأن المقر لم يقر إلا بنسب واحد من الثلاثة وأمكن ما قاله على ما بيناه فلم يجز أن يلحق به أكثر منه، ولا أن يوقف الميراث لأكثر من واحد.
مسالة 85: قال: "وتجوز الشهادة أنهم لا يعرفون له وارثاً غير فلان".
الفصل
وهذا كما قال: إذا شهد رجل على رجل وادعى أنه وارثه لم تسمع دعواه حتى يعين سبب ميراثه وقرابته لأنه يجوز أن يعتقد أنه يرثه بالحكم والحاكم لا يرى ذلك.
ثم إذا بين وسمعت دعواه لا تقبل إلا ببينة ولا يقبل إلا شاهدان ذكران لأن النسب لا يثبت بشاهد وامرأتين ولا بشاهد ويمين.
ولو شهدا أنه وارثه لم تسمع شهادتهما حتى يذكرا سبب ميراثه كما ذكرنا.
ولو بينا فقالا: نشهد أنه ابنه أو أخوه أو عمه نظر في الشاهدين، فإن كانا من أهل المعرفة الباطنة بالميت فشهدا أن هذا [160/أ] ابنه أو أخوه ولا نعلم وارثاً غيره قبلت شهادتهما ويسلم المال إلى المشهود له، ولا يطالب بإقامة الكفيل.
وإن كانا من أهل المعرفة الظاهرة قبلت شهادتهما على إثبات ميراث المشهود له، ولا تقبل شهادتهما على نفي غيره ونظر في الوارث الحاضر فإن كان ممن له فرض مقدر مثل الزوجين أو الأبوين أو الجدة فإن الحاكم يدفع إلى المرأة مقدار حقها بيقين وهو ربع الثمن عائلاً لأنه يجوز أن يكون له ثلاث نسوة غيرها وأبوان وبنات فيكون للنسوة الثمن، وللأبوين السدسان، وللبنات الثلثان والفريضة من أربعة وعشرين وتعول بثلاثة فتصير من سبعة وعشرين.
وإن كان أباً أو أماً أو جدة فله السدس عائلاً على ما بيناه، وإن كان الحاضر ممن لا فرض له مقدر ولا يحجب عن الميراث
الجزء: 6 - الصفحة: 186
مثل الابن فإن الحاكم لا يسلم إليه المال في الحال حتى يكتب إلى البلاد التي كان دخلها الميت وسئل عنه فإذا فعل ذلك فلم يظهر له وارث سوى المشهود له يسلم إليه المال.
وإن كان المشهود له ممن يحجب عن الميراث فالأخ والعم.
قال أبو إسحاق: لا يدفع إليه شيء لأن ميراثه مشكوك فيه فلا يدفع بالشك.
وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح يدفع إليه الميراث كما قلنا في الابن لأن سؤال الحاكم وبحثه ظاهر في أنه لا وارث له سواه فجرى ذلك مجرى أن تشهد البينة أنه لا نعلم له وارثاً سواه.
ثم إذا دفعنا المال إلى هذا الوارث.
قال الشافعي: ها هنا يستحب أن يؤخذ منه كفيل لئلا يظهر وارث آخر فنكون قد احتطنا له.
وقال في الدعوى والبينات: لا أعطيه شيئاً إلا بكفيل، فقيل: قولان، وقيل: وجهان؛ والقولان أولى لما ذكرنا والصحيح أنه احتياط.
وقيل: القولان في غير الابن، فأما الابن يدفع إليه من غير كفيل وهو ضعيف.
ولو أن الشهود قطعوا بشهادتهم وقالوا: لا وارث له غيره وكانت شهادتهم مقبولة على معنى [160/ب] لا نعلم له وارثاً غيره، وقد يطلق الرجل هذا اللفظ ومعناه العلم، ولو أطلقوا على الإحاطة وقال: نشهد على أن لا وارث له قطعاً وإحاطة كان هذا منهم خطأ ولكن لا ترد شهادتهم لأنه يؤول بهم إلى العلم ونهاهم الحاكم عن مثل هذا القطع.
وقال أبو حنيفة: القياس أن ترد شهادتهم لأنهما كذبا ولكن لا أردها استحساناً وهذا لا يصح لأنه يؤول إلى العلم ويجري عندهم مجرى القطع كقول عائشة رضي الله عنها: "ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديناراً ولا درهماً" تعني في علمنا وقال ابن أبي ليلى: لا يدفع إليه المال حتى يقطع الشهود أن لا وارث له سواه.
وهذا غلط لأن القطع بذلك لا يمكن لجواز أن يكون استولد ولداً سراً، وإنما يمكن الرجوع إلى ظافر الحال فإن كان عالماً بسفره ومقامه لا يخفى عليه وارثه في الغالب فيحكم بشهادته إذا قال: لا أعلم.
ولو قال: بلغنا أن له وارثاً آخر لا يجوز للقاضي أن يقسم الميراث مع الجهالة بعددهم حتى يعلم كم هو.
وهل يدفع إلى الحاضر نصيبه؟ على ما ذكرنا.
فإن تطاولت المدة ولم يثبت عند القاضي عدد الغائبين طولب الحاضر بكفيل حتى يتكفل بالميراث لأنا لا نأمن من أن ينصرف من الغيبة وارث سواه وقد قلنا في يد المدفوع إليه.
فإن قال قائل: كيف عطف الشافعي قوله: فإن تطاول ذلك دعي الوارث بكفيل على قوله: إن قالوا: بلغنا أن له وارثاً غيره؟ لأن الشهود إذا قالوا: بلغنا أن له وارثاً غيره فالواجب على القاضي أن لا يدفع جميع الميراث إلى الحاضر وإن جاءه بالكفيل قلنا: معنى قول الشهود: بلغنا أن له وارثاً غيره: أن لا نتحقق ذلك ولكنا قد سمعناه ولا نشهد عليه وقد يقرع سمع الرجل مما لا يتحققه ثم لا يكون الخبر صدقاً وربما يكون كذباً فتوقف القاضي لاحتمال الصدق فلما تطاولت المدة وانتشر خبر وفاة المقر في الأقطار لم يظهر [161/أ] وارث خفي غلب على قلب الحاكم أن ما بلغهم لم يكن له حقيقة فلذلك أقدم على القسمة واحتاط بالكفيل.
الجزء: 6 - الصفحة: 187
فرع
إذا مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بدين على أبيه وأنكر الآخر، نظر فإن كان المقر عدلاً جاز أن يقضي بشهادته مع شاهد أخر، أو مع امرأتين، أو مع يمين المدعي.
وإن لم يكن عدلاً حلف المنكر ولم يلزمه شيء.
وأما المقر ففيه قولان: أحدهما: يلزمه كل الدين في حصته وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وهو اختيار ابن سريج رحمه الله لأن الدين قد يتعلق ببعض التركة إذا هلك بعضها كما يتعلق بجميعها فوجب قضاءه من جهة المقر.
والثاني: وهو الصحيح: لا يلزمه إلا بقدر حصته، لأنه لو لزمه بالإقرار كل الدين لم تقبل شهادته بالدين لأنه يدفع بهذه الشهادة عن نفسه ضرراً.
فرع آخر
لو قال: علي ألف أخذته منه قال المتقدمون من أصحابنا: هو كما لو قال: دفعه إلي لو فسره بالوديعة تقبل وقال أبو حنيفة: لا يقبل لأن الأخذ يقتضي الغصب ظاهراً.
قال القفال: يحتمل أن يكون هذا مذهبنا.
فرع آخر
قال صاحب "التلخيص" رحمه الله: ثلاثة أحوال في الذمة لا يجوز مطلق الإقرار بأنها لغيرهم الصداق، وعوض الخلق، وأرش الجناية عن البدن قال أصحابنا: هذا لأن بضع غير ذات الزوج لها فابتداء ذلك عوضه بالنكاح لا يكون إلا لها وعند الخلع لا يكون إلا له.
وكذلك الأرش الذي هو عوض جزء من البدن لا يكون إلا للمجني عليه، فإذا أطلق عليه الإقرار أنها لغيره فهو كذب وإنما تصير لغيره بحوالة صحيحة على شروطها وليس في مجرد الإقرار ما يوجب ذلك.
وقال القفال: "لم يبت" الوجه فقالت: المال الذي في ذمة الزوج من المهر لفلان من جهة أني أحلته على الزوج به بدين كان علي يصح، وإن أطلقت فقالت: هو لفلان ولم تفسر هل يصح الإقرار؟ قولان أحدهما: يصح لأن وجه الصحة محتمل، والثاني: لا يصح وهذان القولان مبنيان على أنه [161/ب] لو أقر للحمل مطلقاً هل يصح أم لا؟ فيه قولان وحكي القفال عن صاحب "التلخيص" أنه قال: لو قالت: صداقي الذي تزوجني عليه لفلان فهو هبة لم تقبض، ولو قالت: بحق ثابت فأضافتها إلى نفسها إضافة تعريف ويكون إقراراً قال القفال: إذا لم تبين زوجها فهو على ما ذكرت من القولين.
وإن فسرت بالحوالة كان صحيحاً.
والله أعلم.
وهذا آخر كتاب الإقرار ويتلوه في التي تليه كتاب العارية إن شاء الله تعالى والحمد لله حمد الشاكرين وصلاته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
الجزء: 6 - الصفحة: 188