كتاب الجمعة
قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد.
. . الخبر.
وهذا كما قال: الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وذلك مستقيم متواتر يعلمه كل أحد، وكانت العرب قبل الإسلام تسميه العروبة، ثم سميت يوم الجمعة.
قال الشاعر:
نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أوراداً بأوراد
وصلاة الجمعة فرض على الأعيان، وغلط بعض أصحابنا فقال فيه: قول آخر إنها من فرائض الكفايات؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: [82 أ/ 3] ومن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين، وصلاة العيد هي من فرائض الكفايات.
وقد قال في "القديم": إذا صلى الظهر يوم الجمعة بعد الزوال قبل الإمام فقد أساء، ولا إعادة عليه وهذا لا يجوز اعتقاده ولا حكايته عن الشافعي، وأراد بما قال في العيد: من وجب عليه الجمعة حتماً وجب عليه العيد اختياراً.
وقد قال أصحابنا: من نسب هذا إلى الشافعي عذر، وذكر الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في "معالم السنن": أن الشافعي علق القول فيه، وقال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفاية وهذا غريب، والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
قيل: أراد بالذكر الصلاة، وقيل: أراد الخطبة وفيه ثلاثة أدلة:
أحدها: أنه إذا أمر بالسعي والأمر على الوجوب ولا يجب السعي إلا لما هو واجب.
والثاني: أنه نهى عن البيع فيه والنهي يقتضي التحريم ولا ينهى عن المباح إلا لفعل واجب.
والثالث: [82 ب/3] أنه وبخ على ترك الجمعة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة: 11].
ولا يوبخ إلا على ترك الواجب والمراد بالسعي المضي والذهاب لا الإسراع في المشي والفعل يسمى سعياً.
قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ
الجزء: 2 - الصفحة: 351
للْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]
وروي عن عمررضي اثه عنه أنه كان يقرأ ﴿فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فدل على ما قلناه.
وأما السنة: فما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة".
وروى أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضاً أو مسافراً أو امرأة أو صبياً أو مملوكاً، وروى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لينتهي أقوام عن تركهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين".
وروى طارق بن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة [83 أ/ 3] أو صبي أو مريض".
وقيل: إن طارق هذا لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه.
وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في جمعة من الجمع فقال: "أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وأصلحوا فيما بينكم وبين ربكم بكثرة الدعاء والصدقة في العلانية والسر، تؤجروا وتنصروا، واعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد وفاتي استخفافاً بها أو جحوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا بر له، إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في وجوبها.
وأما في فضل يوم الجمعة، ورد الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:3]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشاهد يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة"، وقيل: يوم القيامة.
وأما السنة فيما روى أبو هريرة رضي الله [83 ب/ 3] عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تاب الله عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مُسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادقها مسلم، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 352
يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه" وقوله مسيخة أي: مصغية مستمعة، وقيل: إن أصحاب وسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمعوا وتذاكروا هذه الساعة فأجمعوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس.
ومعنى يصلي أي: ينتظر الصلاة، فإن المنتظر للصلاة كالمصلي، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: من بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، وقال الحسن: هي عنا زوال الشمس في وقت الصلاة، وقال كعب: لو قسم إنسان جمعة في جمع، أي: على وقت تلك الساعة يريد أنه يدعو في كل جمعة في ساعة ساعة حتى يأتي على جميع اليوم.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد [84 أ/ 3] أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي هدانا الله له وضلت عنه اليهود والنصارى فاليوم لنا ولليهود غد وللنصارى بعد".
مسألة: قال: وتجب الجمعة على أهي المصر وإن كثر أهله.
وهذا كما قال: فرض الجمعة يتعلق بثمان شرائط:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والصحة، والاستيطان في بلد مجتمع البناء والمنازل، والعدد، وهو أربعون رجلاً فصاعداً.
ومن أصحابنا من لم يذكر الإسلامء وهذا الاختلاف في أن الكفار مخاطبون بالشرائع أم لا؟
وثلاث من هذه الشرائط لا تختص بها الجمعة وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام وما عداها فإنها تختص بالجمعة، ثم ثلاث شرائط.
منها شرط في الوجوب والجواز، وهي العقل والإسلام والعدد، والباقي شرط في الوجوب دون الجواز.
والناس في الجمعة على أربعة أضرب: من تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وهو من وجد فيه الشرائط السبع، ومن لا تجب عليه الجمعة ولا تنعقد به وهو الصبي والعبد والمرأة والمسافر، ولا يدخل المسافر والمجنون في هذا القسم، لأنه لا يصح [84 ب/ 3] منهما فعل الصلاة فلا معنى، لأن يقال: لا تجب عليه لا تنعقد به، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض إذا حمل على نفسه وحضر الجامع، أو حضر عنده جماعة فصلوا الجمعة، وهذه الصورة أولى لأنه إذا حضرها تعين عليه الوجوب فكأنها تجب عليه وتنعقد به.
ومن اختلف القول فيه في الانعقاد دون الوجوب وهم التجار الذين يقصدون بلداً يقيمون فيه السنة والسنتين بنية العود إذا فرغوا حاجتهم، وطلبة العلم من الغرباء.
قال ابن أبي هريرة رحمه الله: يجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم وهو ظاهر قوله في
الجزء: 2 - الصفحة: 353
"الأم ": لأنه تلزمهم الجمعة فتنعقد بهم كالمستوطنين.
وقال ابو إسحاق رحمه الله: لا تنعقد بهم: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حضر بعرفة فوافق الجمعة فلم يجمع لأهل مكة، وكانوا مقيمين غير مستوطنين، فعلى قول أبي إسحاق الناس على أربعة أضرب، وعلى قول ابن أبي هريرة: الناس على ثلاثة أضرب.
وحكي أن الشافعي، ومحمد بن الحسن اجتمعا عند الرشيد رحمهم الله فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة [85 أ/ 3] هل كانت جمعة أو ظهرا؟ فقال: جمعة، لأنه خطب قبل الصلاة، ثم سأل الشافعي، فقال: كانت ظهراً لأنه أسر بالقراءة، فقال الرشيد: صدقت.
ويروي هذه الحكاية أيضاً عن مالك وأبي يوسف فإذا ثبت هذا فالناس في وجوب الجمعة على ضربين:
ضرب في البلد والمصر، وهو من أهل الجمعة فتجب عليه الجمعة سواء سمع النداء أو لم يسمع؛ لأنه ما من موضع من البلد إلا وهو محل النداء.
وأما علة الشافعي رحمه الله؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع، يريد به أن الله تعالى وإن علق وجوبها بسماع النداء في الآية فليس السماع في أهل المصر شرطاً في الوجوب، وإنما الخلاف في الخارج من المصر، واستنكر الإمام القفال هذا العطف الذي في المختصر حيث قال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمع أكثرهم النداء؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع وعلى من كان خارجاً من المصر إذا سمع النداء، وقال: كيف يجوز التعليل لوجوب الجمعة على أهل المصر بوجوبها على من كان خارج المصر، والمصر أصل والسواد تبع، والجواب عن هذا [85 ب/ 3] أن هذا الكلام هو عطف على المسألة الأولى لا على المسألة وتقدير الكلام أن يقال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمح أكثرهم النداء: لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع سمعوا أذانا أو لم يسمعوا، ثم استأنف الكلام، فقال: وعلى من كان خارجاً من المصر، يعني: تجب الجمعة إذا سمع النداء وهذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني للشيخ القفال رحمهما الله فرضيه واستحسنه.
وضرب يستوطن خارج المصر من أهل القرى وهم على ثلاثة أضرب:
ضرب يلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم بأنفسهم، وهو أن يكونوا أربعين رجلاً على الشرائط التي ذكرناها، وهم مستوطنين في قرية مجتمعة البناء والمنازل لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفاً فيقيمون الجمعة في موضعهم سواء كان قريباً من المصر أو بعيداً، فإن تركوا إقامتها في موضعهم وحضروا المصر وصلوها فيه فقد أساؤوا وأجزأتهم صلاتهم، وبه قال عمر وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما انه: لا تجوز إقامة الجمعة في القرى أصلا وإنما تقام [86 أ/ 3] في مصر فيه إمام وقاض وسوق.
واحتجوا بما روى علي بن أبي طالب
الجزء: 2 - الصفحة: 354
رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجمعة جمعت بقرية يقال لها: جُواثا من قرى عبد القيس ومن قرى البحرين، ولأنه بناء استوطنه أربعون رجلاً من أهل الجمعة فيجب عليهم إقامة الجمعة كالمصر.
وأما الخبر الذي ذكره قلنا: رواية الأعمش، عن سعيد المقبري، عن علي، والأعمش لم يكن سعيد وعلي رضي الله عنه لم يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روي عن عمر رضي الله عنه خلافه، وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه كتب يسأله عن الجمعة بالبحرين"، وكان عامله عليها فكتب إليها عمر رضي الله عنه أن جمعوا حيث كنتم، ثم نحمله على أنه أراد أنها لا تقام خارج المصر ولكن يقيمها فيه.
والضرب الثاني: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ويلزمهم [86 ب /3] حضور المصر لأجلها، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر.
والثالث: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ولا يلزمهم حضورها في المصر، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر، وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والليث، إلا أن مالكاً والليث قدراً ذلك ثلاثة أميال، وقال أحمد: فرسخ وهو لقولهما وعندنا لا تتقرر المسافة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تجب الجمعة على من كان خارج المصر بحال، وقال ربيعة: تجب على من كان في أربعة أميال، وقال الزهري: ستة أميال، وقال الأوزاعي: إن كانوا إذا صلوا الجمعة أسكنهم أن يأووا بالليل إلى منازلهم تلزمهم الجمعة وإلا فلا، وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وأنس رضي الله عنهم وهو مذهب أبي ثور.
وقال عطاء: تجب على من كان على عشرة أميال وهو قريب من هذا.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه وافق يوم الجمعة يوم العيد، فقال: لأهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف [87 أ/ 3] فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم.
وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة على من سمع النداء"، ولأن ما قالوه خلاف إجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على قولين.
فمنهم من اعتبر سماع النداء، ومنهم من اعتبر أن تمكنه البيتوتة عند أهله فلا يجوز إحداث قول ثالث، وأما خبر عثمان لم يذكره أحد من أصحاب الحديث فلا يثبت، ثم نحمله على أنه أراد فلينصرف ويعود.
فإذا تقرر هذا فصفة سماع النداء: قال أبو إسحاق ـ رحمه الله ـ يعتبر سماع النداء من آخر البلد لا من المسجد، فينادي رجل
الجزء: 2 - الصفحة: 355
على طرف البلد من الجانب الذي يلي هذه القرية، ويكون المنادي صبياً والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وكان من ليس بأصم مستمعاً، يعني مصغياً غير لاه ولا ساهٍ ولا يشترط نفس السماع بل إمكان السماع بدليل الأصم، ولا يعتبر أن يكون المؤذن على سور البلد أو على منارة ليعلو على البناء، لأن الارتفاع لا حد له.
وقال القاضي الطبري: وسمعت بعض شيوخنا يقول: إلا بطبرستان فإنها مبنية بين غياض [87 ب/ 3] وأشجار تمنع من بلوغ الصوت فيعتبر أن يصعد على بناء أو منارة بعلو الأشجار التي حواليه، لأن ذلك عارض بمنع السماع فيعتبر زواله.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يعتبر أن يكون على موضع عال قد جرت العادة بمثله للأذان من المنارة وغيرها ولم يفصلوا هكذا وذلك أصح.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: هل يعتبر النداء في وسط البلد أم في طرفه؟ وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يعتبر في الوسط لأن النداء في الغالب يقع في الجامع وهذا خلافه ظاهر المذهبه.
فرع
لو كانت قرية على قمة جبل وأخرى دونها على وجه الأرض والنداء يبلغ القرية إلى أعلى قلة الجبل، ولا يبلغ التي على وجه الأرض لا تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن أهل القرية التي على قمة الجبل إنما يسمع النداء للعارض وهو ارتفاع موضعها، وإنما يعتبر سماع النداء مع زوال العارض ألا ترى أنا نراعي سكون الرياح وهدوء الأصوات، فكذلك نراعي أن لا تكون القرية على قمة الجبل، لأن بلوغ النداء إليها لارتفاعها لا لأجل ما بينهما من القرب، وعلى هذا إذا كانت قريتان إحداهما [88 أ/ 3] على وجه الأرض يبلغها النداء والأخرى دونها في وهدة لا يبلغها النداء تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن النداء لا يبلغ أهل القرية التي في الوهدة لعارض وهو انخفاض موضعها هكذا ذكره القاضي الطبري، وهو الأشبه بكلام الشافعي ومذهبه.
وقال أبو حامد: بالعكس من هذا فقال: لا جمعة على أهل الوهدة، لأن النادر يلحق بالغالب السائر ممن لا يسمع لبعده، ويجب على من كان على قمة الجبل؛ لأنه وإن كان نادراً في السماع يلحق بالغالب ممن يسمع لقربه من البلد وسمعت بعض أصحابنا قال: فيه وجهان.
فرع
قال الشافعي رحمه الله: فإن لم تكن بيوتها مجتمعة فليسيروا أهل قرية لا يجمعون بل يتمون، ولو كانت قرية كما وصفنا فتهدمت منازلها أو بعضها وبقي في الباقي أربعون رجلاً وأهلها لازمون لها ليصلحوها جمَّعوا، سواء كانوا في مطال أو غير مطال، ولو كانت بيوتها مجتمعة ولكنهم أهل خيام فليسوا من أهل الجمعة، لأن بيتهم يتنقل معهم كالمتاع والوطن لا يكون إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الأبنية ثابتة ويكون البناء من آجر [88 ب / 3] وجص أو حجر أو طين أو خشبة أو جريد ونحو ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 356
الثاني: أن تكون البيوت مجتمعة على صفة متى انفصل أحد من أهلها مسافراً كان له القصر إذا فارق البناء، وقال في البويطي: لو كانت بيوتهم خياماً يستوطنونها ولا يرتحلون عنها شتاءاً، ولا صيفاً بحال فهي كالبناء سواء وعليهم الجمعة فحصل قولان:
أحدهما: لا تجب لعدم البناء.
والثاني: يجب للمقام والاستيطان.
وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الصلوات إلا أن فيها خطبة، فمتى كان إمام وخطيب أقيمت الجمعة، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجتمعون فلا يعيب عليهم.
واحتج أبو ثور رحمه الله أن عمر رضي الله عنه كتبه إلى أبي هريرة أن جمعوا حيث كنتم، وهذا غلط؛ لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بإقامة الجمعة ولا أقاموها، ولو كان ذلك لنقل، ولأنه لم يجمع بعرفة وقد وقف بها يوم الجمعة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: إن قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] نزل في يوم عرفة وكان يوم الجمعة، وأما خبر [89 أ/ 3] عمر رضي الله عنه محمول على البلد أو دار الإقامة.
فإذا ثبت أنه لا يجب عليهم إقامة الجمعة بأنفسهم فإن كانوا يسمعون النداء من بلد أو قرية لزمهم أن يأتوها فيصلون معهم وإلا فلا.
فَرْعٌ آخرُ
الشرط في الجمعة في القرية أن تكون مجمعة الدور، فإذا تفرقت منازلهم، فإن كانت متقاربة فإنه يجب عليهم الجمعة، وحد القريب: هو أن يكون بين منزل ومنزل دون ثلاثمائة ذراع، وقيل: يعتبر بتجويز القصر عند إرادة السفر، فإن كان البعد بين المنزلين قدر إذا خرج هن منزله بقصد السفر يشترط أن يتجاوزه في استباحة القصر فهو في حد القرب، وإن كان لا يشترط أن يتجاوزه فهو خارج عن حد القرب.
فرع
لو خرج أهل المصر من المصر لا تجوز للإمام أن يصلي بهم الجمعة هناك.
نص عليه في "الأم ". وقال أبو حنيفة رحمه الله: تجوز إذا كان قريباً منه نحو الموضع الذي حصل وصلى لصلاة العيد.
وهذا غلط؛ لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه، فلم يجز لهم إقامة الجمعة [89 ب / 3] فيه كالبعيد.
فَرْعٌ آخرُ
لو خرج قوم من البلد فنزلوا بقعة استوطنوها لإنشاء قرية في بقعة يسكنوها لم يكن المكان وطناً حتى يحدثوا في البقعة بناء.
الجزء: 2 - الصفحة: 357
فرع
لو كانت قرية بقرب بلد يسمع النداء من البلد وكانوا أربعين، وقد قل أهل البلل ونقصوا عن أربعين فعليهم الجمعة بأهل القرية فيلزمهم الخروج إلى القرية لإقامة الجمعة بها.
فرع
لو كان أهل البلد أقل من أربعين من أهل الجمعة، ثم أتموا أربعين أهل الجمعة، مثل أن ينزل بهم مسافرون فتموا أربعين لم يجز لهم إقامتها، وكذلك لو انجلى أهله ونزل فيهم مسافرون فكذلك لا يقيمون الجمعة بل يصلونها ظهرا أربعاً، ثم اعلم أن المزني رحمه الله نقل فقال: احتج الشافعي في اشتراط عدد الأربعين بما لا يثبته أهل الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلاً"، وهذا ليس مما اعتمد الشافعي رحمة الله عليه في هذه المسألة كما أوهم المزني، ولكن في المسألة آثار سوى ذلك، وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في خبر جواباً، قيل له: كم كنتم؟ [90 أ/ 3] قال: كنا أربعين رجلاً، واستأنس بما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو من فقهاء التابعين أنه قال: كل قرية فيها أربعون رجلاً فعليهم الجمعة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كتب إلى أهل المياه بمثل ذلك، وقيل: هذا الخبر لا يثبته أهل الحديث، ولكن ثبت عند الشافعي رحمه الله، وقيل: غلط المزني على الشافعي هاهنا وغلط أصحابنا على المزني، فأما غلط المزني قوله: واحتج الشافعي بما لا يثبته أهل الحديث، وهذا حديث ضعيف ذكره الشافعي في "الأم".
ولكنه لم يحتج به، وإنما احتج بحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: "كنت قائد أبي بعد ذهاب بصره، فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة قال: رحم االله أبا أمامة أسعد بن زرارة فقلت: يا أبت إنك تترحم على أبي أمامة إذا سمعت النداء، فقال: نعم، لأنه أول من صلى بنا الجمعة في حرم البيت من جرة بني بياضة في نقيع، فقال له: نقيع الخصمات، فقلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا أربعين رجلاً.
[90 ب /3] والنقيع: هو بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء أنبت الكلأ وفيه حديث عمر رضي الله عنه أنه حمى النقيع بالنون، وقد تصحف بعض أصحاب الحديث فيروونه البقيع بالباء.
والبقيع هو موضع القبور، وجرة بني بياضة هي على ميل من المدينة، ووجه دليل الشافعي رحمة الله عليه أنهم أخروا إقامة الجمعة إلى أن بلغوا أربعين، فإن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان ورد المدينة بمدة طويلة، وكان في المسلمين قلة قبل أسعد بن زرارة، ولأن هذه الجمعة كانت أول جمعة ما تنزع من الجمعات، فكان جميع أوصافها معتبراً فيها؛ لأن ذلك بيان لمجمل
الجزء: 2 - الصفحة: 358
واجب وبيان المجمل الواجب واجب.
وأما غلط أصحابنا على المزني أنهم ظنوا أنه أراد بالحديث الضعيف حديث محمد بن إسحاق؛ لأن محمداً كان ضعيفاً طعن فيه مالك فقالوا: الحديث صحيح، وإن كان محمد بن إسحاق ضعيفاً؛ لأن أبا داود وأحمد بن حنبل أثبتاه ونقلاه، وقد روي هذا الخبر من جهة عبد الرزاق فلم يكن ضعف محمد بن إسحاق قادماً في تضعيف صحته.
وهذا غلط على المزني، فإن المزني، لم يقل ذلك هكذا [91 أ/ 3].
فإذا تقرر فعندنا الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين على الشرائط التي ذكرناها، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومالك وأحمد وإسحاق إلا أن عمر بن عبد العزيز اشترط أن يكون فيها والٍ، وعندنا لا يشترط ذلك والمنصوص أن الإمام أحدهم.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر أربعون سوى الإمام، وبه قال ابن أبي هريرة، وقد قال جابر رضي الله عنه: قضت السنة أن في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا.
وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة أحدهم: الإمام لأن هذا عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، وبه قال الثوري، ومحمد، وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام وذكر ابن أبي أحمد في "المصباح ": أنه قول الشافعي في "القديم" ولم ينقله غيره.
وحكي عن الأوزاعي أنها تنعقد بثلاث إذا كان فيهم الوالي، وقال أبو ثور تنعقد باثنين؛ لأنه تنعقد بهما الجماعة، وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلاً واحتج بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى مصعب بن عمير [91 ب/ 3] قبل الهجرة وكان مصعب بالمدينة فأمره "أن يصلي الجمعة بعد الزوال ركعتين وأن يخطب قبلهما" فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثنتي عثر رجلا، وهذا غلط لما ذكرناه.
وأما خبرهم فقد قال أبو إسحاق في الشرح: إنهم كانوا أربعين فتعارضت الروايات، أو يجوز أنه كان بغير علم النبي - صلى الله عليه وسلم -. قول أبي حنيفة رحمه الله أنه يزيد على أقل الجمع المطلق لا معنى له، لأن الثلاثة والأربعة وما دونها في الجماعة سوا، لأن الاثنين يكونان، صفاً خلف الإمام كالثلاثة، وأما قول أبي ثور رحمه الله خطأ، لأن الجماعة هي شرط الجمعة، وهي مردودة من أربع إلى ركعتين بشرائطها فلا يعتبر بغيرها والله أعلم.
مسألة: قال: فإن خطب بهم وهم أربعون ثم انفضوا عنه.
الفصل
وهذا كما قال لا يجوز أن يخطب للجمعة إلا بحضرة من تنعقد بهم الجمعة، وهم أربعون رجلاً على ما بيناه والخطيب أحدهم.
وقال أبو حنيفة رحمه الله في إحدى الروايتين: يجوز أن يخطب وحده قياساً على الأذان وهذا غلط؛ لأنه ذكر هو شرط في صحة [92 أ/ 3] الجمعة فكان
الجزء: 2 - الصفحة: 359
من شرطه حصول العدد كتكبيرة الافتتاح.
وأما الأذان فإنه يراد للإعلام والإعلام للغائبين، والخطبة من الخطاب وذلك لا يكون إلا للحاضرين، وإنما يجب أن يحضروا في الواجب منها فإذا تقرر هذا، فلو ابتدأ الخطبة بحضرة الأربعين، ثم انفضوا حتى لم يبق عنده إلا أقل من أربعين، فإن كان قبل الفراغ من الخطبة نظر، فإن أمسك عن الخطبة حتى رجعوا وكان قريباً بنى على ما مضى من الخطبة، والفصل اليسير لا يقطر الخطبة، وإن تباعد ذلك لا يجوز أن يبني على ما مضى من الخطبة، لأنها بمنزلة الصلاة الواحدةء ويلزمه أن يستأنف الخطبة ويصلي بهم الجمعة، وإن أكمل الخطبة في حال غيبتهم، أو أتى ببعض واجباتها لم يحتسب به، والمرجع في التباعد والتقارب إلى العرف والعادة كما قلنا فيمن سلم ناسياً في أثناء الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تطاول الفصل هل له البناء على الخطبة؟ قولان وهذا ضعيف، وإن كان ذلك بعد الفراغ من الخطبة، فإن رجعوا قريباً صلى بهم الجمعة ولا يضر ما وقع بينهما [92 ب / 3] من الفصل اليسير، وإن تباعا رجوعهم نقل المزني رحمه الله هاهنا أن الشافعي رحمه انه قال: أحببت أن يبتدئ بهم الخطبة، فإن لم يفعل صلى بهم ظهراً أربعاً.
واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: قال ابن سريج رحمه الله: هذا غلط وقع في النقل وإنما هو أوجب أن يبتدئ الخطبةء لأن الخطبة الأولى قد بطلت، لأن من شرط الخطبة أن تقع الجمعة عقيبها وقوله: فإن لم يفعل صلى بهم ظهراً أربعاً معناه فإن لم يبتدئ، الخطبة حتى فات وقت الجمعة ملى بهم الظهر، وهذا اختيار القفال رحمه الله، وهذا لأن الوقت إذا كان يتسع للخطبة والصلاة وهو ممن يجب عليهم الجمعة والخطبة الأولى بطلت بتطاول الفصل، يجب إقامتها واستئنافها وقيل النقل صحيح.
والمراد بقوله: أحببت أي أوجبت، ويعبر عن الوجوب بالاستحباب كما يعبر عن المحرم بالمكروه؛ لأن كل واجب مستحب وكل محرم مكروه.
وقال صاحب "الإفصاح ": لا يجب إعادة الخطبة؛ لأن فرضها قد أقامه فلا يجوز أن يوجب مرة أخرى، لأنا لا نأمن أن يقع في القضاء مثل ما وقع في الأداء من [93 أ/ 3] الانفضاض، ولا يجوز أن يقال يصلي الجمعة بالخطبة الأولى مع تباعد الفصل بينهما فقلنا: المستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي الجمعة، وإن لم يفعل ذلك لم يجب عليه وصلى بهم الظهر، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا.
وفي "الأم": وقال أبو إسحاق رحمه الله: فساد الخطبة بتطاول الفصل ليس بالبين فالمستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي بهم الجمعة فرضاً، فإن لم يبتدئ الخطبة، وصلى الجمعة بالخطبة الأولى أجزأتهم.
وقال: وإن لم يصل الجمعة وصلى بهم الظهر
الجزء: 2 - الصفحة: 360
أجزأتهم أيضاً، لأن مذهب الشافعي أن جميعهم إذا صلوا الظهر وتركوا فرض الجمعة أجزأتهم وان أساؤوا، وإنما لا يصح الظهر لمن تخلف عن جمعة قد كملت بأوصافها وهذا هو اختيار أبي حامد رحمه الل.
وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه لا فرق بين أن ينفضوا في أثنا، الخطبة أو بعد الفراغ منها قبل الإحرام بالصلاة في هذه الطرق، وليس كذلك بل بينهما فصل؟ لأن الخطبة هي كالصلاة الواحدة فلا يحتمل الفصل الطويل قولاً واحداً والخطبة مع الصلاة كالصلاتين [93 ب/ 3] والعبادتين فيحتمل الفصل الطويل على وجه.
مسألة: قال: وإن انفضوا بعد إحرامه بهم ففيها قولان.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام بأربعين رجلاً فصاعداً، ثم انفضوا حتى بقي معه أقل من أربعين نص الشافعي في "الأم" على قولين:
أحدهما: لا تجزيهم الجمعة بحال، وهو الأظهر وبه قال زفر، وأحمد رحمهما الله؛ لأن العدد شرط يختص بالجمعة فإذا كان شرطاً في الابتداء وجب أن يكون شرطاً في الاستدامة.
والثاني: إن بقي معه اثنان حتى تكون صلاته صلاة جماعة تامة أجزأته، وهو قول أبي يوسف، لأنه أول الجمع المطلق وزاد في "الكبير"، فقال: لو كان أحد الاثنين عبداً أو مسافراً لم تجز جمعته.
وقال في "القديم": إن بقي معه واحد جازت جمعته وبه قال الحسن البصري لأن الناس لما اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة لم يحكم بانعقادها إلا بالعدد المتفق وهو الأربعون، ثم إذا حكمنا بانعقادها لم يجز الحكم ببطلانها حتى يبقى ما لا تنعقد به الجمعة بالاتفاق، وهو أن يبقى فحصل ثلاثة أقوال.
وحكى المزني رحمه الله [94 أ/ 3) قولين آخرين في "الجامع الكبير".
أحدهما: قال سألت الشافعي عن إمام أحدث بعد أن أحرم يوم الجمعة فقال يبنون على صلاتهم ركعتين فرادى، لأنهم دخلوا منه في صلاته، قال المزني رحمه الله: فكذلك إذا انفضوا عنه وبقي وحده فإنه يجوز له أن يصلي الجمعة؛ لأنه دخل معهم في الصلاة، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من خطأ المزني قال: وإنما قال الشافعي رحمه الله ذلك في "القديم " حيث لا نقول بجواز الاستخلاف فلما منع المأمومين من نصب الإمام لأنفسهم بقاءهم على حكم الجماعة وجعل لهم أن يتموا فرادى وليس كذلك الإمام إذا انفضوا عنه فليس بتابع للمأمومين، فلم يجز أن يبقيه على حكم الجماعة بعد انفضاضهم، ومن أصحابنا من صوبه فيه.
وحكي هذا عن أبي يوسف ومحمد، ووجهه أن الشيء قد يكون شرطاً في الابتداء دون الاستدامة كالنية في الصلاة والشهود في النكاح.
الجزء: 2 - الصفحة: 361
والقول الثاني: الذي خرجه المزني فقال: إن كان صلى بهم ركعة، ثم انفضوا صلى أخرى منفرداً، وإن لم يصل ركعة صلى أربعاً، واختار [94 ب/ 3] لنفسه هذا، وبه قال مالك رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله مثله إلا أنه قال: يكفي أن يقيدها بسجدة واحدة، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى"، وأيضاً في المسبوق يفرق بين أن يكون قد أدرك ركعة أو لا كذلك هاهنا.
واحتج المزني بأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو صلى بهم ركعة ثم سبقه الحدث فانصرف ولم يستخلف من يصلي بهم أتموا لأنفسهم جمعة، فإذا جاز أن ينفردوا عن إمامهم بإتمامها إذا انصرف عنهم، جاز أن ينفرد هو بإتمامها إذا انصرفوا عنه.
وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما بنيا على أصلهما أن المسبوق إذا أدرك جزءاً من الجمعة أتمها جمعة كذلك الإمام، وأجاب أصحابنا فقالوا: أما الخبر فنحمله على المسبوق، والفرق بين المسبوق وغيره هو أن المسبوق قد أدرك ركعة من جمعة قد صحت، وتمت شرائطها فجاز أن يبني عليها، وهذه الصلاة لم تتم بشرائطها فلم يبن عليها.
وأما ما ذكر المزني قلنا: إن الشافعي لم يعتبر في هذه المسألة الركعة بل جوز البناء، وان بقي وحده، وهذا هو قوله [95 أ/ 3] "القديم" ثم المأموم تبع الإمام فجاز إذا أدى معه ركعة أن يؤدي الأخرى على متابعته، والإمام لا يتبع القوم، فإذا انفض العدد قبل الفراغ لم يجز، لأنه ليس في عدد كامل ولا تبع لعدد كامل.
وأما ما ذكر أبو يوسف رحمه الله: لا نسلم فحصل من هذا طريقان: إحداهما: في المسألة ثلاثة أقوال، والثانية: فيها خمسة أقاويل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الترتيب أن يقال بقاء الأربعين هل هو شرط؟ قولان: فإن قلنا: شرط فما تلك الجماعة ثلاثة وهي الجماعة المطلقة أو اثنان وهو أقل الجمع قولان.
فرع
لو افتتح الصلاة بأربعين سمعوا الخطبة فجاء آخرون، واقتدوا به، ثم انفض الأولون فصلاتهم جمعة جائزة، لأنهم لما اقتدوا بالإمام التحقوا بمن سمع الخطبة، فصار كما لو كانوا ثمانين فانفض أربعون.
فرع
لو انفض الذين سمعوا الخطبة قبل افتتاح الصلاة، وجاء أربعون آخرون فافتتح بهم لا تجوز الجمعة، وكذلك لو ذهب واحد من الأربعين الذين سمعوا الخطبة، وجاء عشرون مكانه فإن قيل: لو افتتح بالسامعين، ثم انفضوا ثم جاء آخرون، يعني: قدر الأربعين واقتدوا به [95 ب/ 3] هل يجوز أم لا؟ قلنا: لا يجوز، فإن قيل: قد قال الشافعي رحمه الله في صلاة الخوف بخطبة: ويصلي بطائفة ركعة من الجمعة، ثم يتمون لأنفسهم، ثم يأتي بالطائفة الثانية فيتم.
قلنا: صورة ذلك أنه خطب بهم كلهم أو صورته أنهم جاؤوا،
الجزء: 2 - الصفحة: 362
واقتدوا به، ثم أتم الأولون وانصرفوا إلى وجاه العدو.
ذكره القفال.
مسألة الزحام: قال: ولو ركع مع الإمام ثم زحم فلم يقدر على السجود حتى قضى الإمام سجوده.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام فقرأ وركع ورفع، فلما سجد الإمام في هذه الركعة زحم المأموم عن السجود فلم يمكنه السجود على الأرض، وأمكنه السجود على ظهر إنسان لم يجز له تركه إلا لعذر نص عليه في "الأم".
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
ومن أصحابنا من قال فيه قول أخر: قاله في "القديم" هو بالخيار إن شاء سجد على ظهره، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام، ثم يسجد على الأرض، لأنه قد تقابلت هاهنا فضيلتان فضيلة التابعة إذا سجد في الحال على ظهر إنسان، وفضيلة السجود على الأرض كاملاً فيتخير [96 أ/ 3] بين الفضيلتين، وهذا قول الحسن رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: لا يجوز أن يسجد إلا على الأرض ويؤخره حتى يقدر عليه، وبه قال عطا، والزهري رحمهما الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تمكن جبهتك من الأرض" وهذا غلط، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه "، ولا يعرف له مخالف.
وروي عن زياد بن جابر أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه فقال: "إنا نروح يوم الجمعة، فلا يدري أحدنا أين يضع جبهته؟ قال: ضع جبهتك حيث أدركت، وعلى ظهر أخيك، فإن أخاك ليس بنجس"، ولأن المريض إذا عجز عن السجود على الأرض يسجد على حسب حاله ولا يؤخر، وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض كذلك هاهنا وخبرهم محمول على حالة القدرة؛ ولأن أكثر ما فيه أن موضع سجوده هو أولى من موضع وقوفه، وهذا لا يضر كما لو كان في موضع منهبط من الأرض وسجد على دكة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان ظهره منخفضا بحيث يكون سجوده أخفض من ركوع القاعد حتى يشبه هذا الساجد [96 ب/ 3] الساجدين، فأما إذا كان الظهر مرتفعاً حتى يخرج هذا الساجد عن صورة الساجدين لا يجوز وهذا غير صحيح: لأنه لا يعتبر ذلك لأجل الضرورة وعليه يدل كلام الشافعي رحمه الله، فإذا تقرر هذا فإن ترك السجود على الظهر ونوى الخروج من الصلاة هل تبطل صلاته على ما سنبين، وإن لم ينو مفارقة الإمام والخروج من صلاته بطلت صلاته قولا واحداً، وإن لم يقدر على السجود بحالٍ حتى سجد الإمام وقام في الركعة الثانية ثم زالت الزحمة، فإن أدرك الإمام قائماً فإنه يشتغل بقضاء ما قاته من السجود قولاً واحداً ويجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 363
أجاز هذا في صلاة الخوف بعسفان لتسجد الطائفة الأولى معه فإذا فرغوا من السجدتين سجد الطائفة الثانية منفردين للعذر وها هنا العذر موجود، وهذا لأن المخالفة في الركن الواحد لا يعتبر كالمسبوق إذا أدرك من صلاة الإمام ركعتين وهما الركوع والسجود وفاته ركن واحد، وهو القراءة كان مدركاً للركعة وكان ما فاته من الركن الواحد لا اعتبار به فكذلك ها هنا، وعلى هذا [97 أ/ 3] يستحب للإمام إذا علم أن خلفه من فاته السجود أن يطول القراءة حتى يقضي المأموم ما عليه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل في صلاة الخوف بعسفان.
قال في "الأم": وكذلك من فاته السجود مع إمامه لعذر أو مرض أو سها عنه إن قدر عليه قبل أن يركع إمامه في الركعة الثانية فله أن يسجد ويلحق بإمامه، لأنه يجوز أن يكون بينهما اختلاف في ركن واحد فإذا فرغ من قضاء السجود الذي قد فاته وقام، فإن قلنا إن المأموم لا يقرأ خلف الإمام في صلاة الجهر فإنه يتبع الإمام فيما هو فيه سواء كان الإمام قائماً أو راكعاً وإن قلنا: يلزمه أن يقرأ خلف الإمام بكل حال فيلزمه ها هنا أن يقرأ، ثم يركع معه فصار مدركاً للركعتين، وان لم يدرك مقدار ما يقرأ فيه.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يتبع الإمام في الركوع كما لو أحرم الإمام، وقد قرأ بعض الفاتحة فقبل أن يتمها ركع الإمام فإنه يتبعه في الركوع، ويتحمل عنه الإمام القراءة فكذلك هاهنا.
ومنهم من قال: لا تسقط القراءة عنه هاهنا لأنه قد مر عليه وقت القراءة ويفارق [97 ب/ 3] المسبوق؛ لأنه لم يمر عليه وقت القراءة، فعلى هذا تتم القراءة وتلحق الإمام أينما وجده، وهذا اختيار القفال والأول أصح وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: يتبع الإمام إذا قام فأمره بمتابعة الإمام إذا قضى السجود، ولأنه لم يدرك من القيام ما أمكنه أن يقرأ فيه تمام القراءة فأشبه المسبوق، فإذا ثبت إنه يتبع الإمام في الركوع فتبعه ثم سلم الإمام وسلم هو معه صار مدركا للجمعة.
وقال ابن سريج رحمه الله: وعلى هذا كل من أحرم خلف الإمام وأخذ في القراءة، فخاف إن كملها رفع الإمام وكان بطيء القراءة خلف إمامه فركع إمامه قبل أن يكمل هو القراءة وخاف أن يرفع قبل أن يركع معه هل يقطع القراءة ويتبعه؟ وجهان: وإن زال الزحام بعد أن ركع الإمام في الركعة الثانية، وفرغ من الركوع ورفع فإنه يتبعه في السجود قولاً واحداً؛ لأن عليه السجود فكان متابعة الإمام فيه أولى من انفراده عنه به، ولا فرق بين أن يكون قائماً بعد الركوع في الاعتدال أو ساجداً.
وقال أبو حنيفة: لا يتبعه ويشتغل بقضاء ما عليه [98 أ/ 3] فإذا تبعه في السجودين حصلت له مع الإمام ركعة بسجدتيها إلا أنها ملفقة من ركعتين هل يكون مدركاً للجمعة فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 364
أحدهما: أنه يكون مدركاً وهو الصحيح، وبه قال أبو إسحاق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى".
والثاني: أنه لا يكون مدركا للجمعة وبه قال ابن أبي هريرة، لأنها مبنية على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة، والملفقة ليست بكاملة فيصلي الظهر، وهذا لا يصح على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة لأن المسبوق يصلي من الأولى مع الإمام، والإمام يصلي الثانية ولا يمنع ذلك من الاحتساب، فكذلك هاهنا اتبعه في السجود، وان اختلفا في الاحتساب، فإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة: هل يجوز أن يبني عليها صلاة الظهر أم يستأنفها، اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن أبي هريرة: فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، وفيه قولان فإذا قلنا: هناك يجوز فهاهنا يبني على هذه الركعة ثلاث ركعات أخر، وان قلنا: بقوله إن من إن من صلى الظهر [98 ب /3] قبل فراغ الإمام من الجمعة لا يجوز فهذه الركعة باطلة فعليه أن يستأنف الظهر أربع ركعات.
ومن أصحابنا من قال: له أن يبني عليها قولاً واحداً، لأنه معذور، والمعذور إذا صلى الظهر قبل الإمام يجوز قولاً واحداً ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفرداً وهذا دخل مع الإمام في الجمعة فلا يلزمه إعادة ما فعل معه، وأصل هذا أن الزحام هل يجعل عذراً؟ منهم من قال: هو بعذر كالمزمن فيبني قولا واحداً، ومنهم من قال: ليس بعذر، لأن أعذار الجمعة أغراض مانعة، والزحام ليس منها، وإن زال الزحام بعد أن سلم الإمام.
قال في "الأم": سجد وصلى الظهر أربعاً، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، والجمعة لا تدرك إلا بكمال ركعتين بسجدتين، وقيل: هذا يبني أم يستأنف ظهرا؟ على طريقين، والمذهب أنه يبني عليها، وقد نص هاهنا صريحا فلا معنى للطريقة الأخرى، وإن زال الزحام وقد ركع الإمام في الركعة الثانية ولم يفرغ بعد هل يشتغل بعض ما عليه من السجود أم يركع؟.
قال في "الأم": ركع مع الإمام ولم يكن له أن يشتغل [99 أ/ 3] بالسجود إلا أن يخرج من إمامة الإمام.
وقال في "الإملاء": فيه قولان: أحدهما: أنه لا يتبعه ولو ركع حتى يفرغ مما يقضي عليه.
والثاني: إن قضى ما فاته لم يعتد به ويتبعه مما سواه فحصل فيه قولان، وجه الأول وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" والائتمام به أن يصنع كصنعه، ولأنه زحم عن السجود فإذا قدر عليه يلزمه الاشتغال بقضاء ما عليه من السجود، كما لو زال الزحام قبل الركوع، ووجه القول الثاني، وهو قول مالك رحمه الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تختلفوا على أئمتكم" ولأنه قال: "فإذا ركع فاركعوا" وهذا ركع ولأنه أدرك الإمام راكعا فيلزمه متابعته في الركوع، كما دخل في
الجزء: 2 - الصفحة: 365
الصلاة والإمام راكع، فإذا قلنا: يتبع فركع مع إمامه، فقد صار مواليا بين الركوعين فهل يحتسب بالركوع الأول أم بالركوع التاني؟ قال أبو إسحاق رحمه الله فيه قولان: أحدهما: يحتسب له بالركوع الثاني: لأن الركوع الأول لم يعقبه السجود، وإنما السجود يعقب الركوع الثاني فكان أولى بالاحتساب به، ولأنا أمرناه [99 ب / 3] بهذا الركوع مع علمنا بالركوع الذي قبله فوجب أن يكون محسوباً له.
والثاني: يحتسب له بالركوع الأول وهذا أقيس القولين وأصحهما، لأن الأول قد صح فلا يلغو بترك ما بعده، كما لو ركع ونسي السجود وقام وقرأ وركع ثم سجد كان السجود مضافاً إلى الركوع الأول كذلك هاهنا.
وأما قول الشافعي رحمه الله: فيركع معه في الثانية، وسيقط الأخرى يحتمل أنه أراد وتسقط الأولى، لأنه إذا كان في ذكر الثانية فالأخرى أولى، ويحتمل أنه أراد وتسقط الثانية لأنها هي الأخرى في الحقيقة.
فإذا قلنا: يحتسب بالركوع الثاني فإنه يحصل له الركعة الثانية ويلغي الركعة الأولى ويكون مدركاً للجمعة قولاً واحداً، فإذا سلم أتى بركعة ويتشهد ويسلم.
وإذا قلنا: يحتسب بالركوع الأول فقد حصلت له ركعة ملفقة، لأن القيام والقراءة والركوع يحصل من الركعة الأولى ويحصل السجود من الركعة الثانية، فهل يكون مدركا للجمعة على ما ذكرنا، فإذا تقرر هذا فإن قلنا: يركع مع الإمام ويتابعه فخالف واشتغل بالسجود فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ فإن كان جاهلاً به لا تبطل صلاته بما فعله.
فإذا [100 أ/ 3] فرغ من السجود، فإن أدرك الإمام راكعا بعد فإن كان قد طوله فإنه يركع معه، وهل يحتسب بالركوع الأول أم الثاني؟ قولان على ما بيناه، ويكون الحكم فيه كما لو تابع، ولم يخالف حرفا بحرف ويلغي ما فعله بالجهل، وإن أدركه ساجداً يتبعه في السجود ويكون السجود المعتد به هو الباقي الذي عمله مع الإمام دون ما انفرد به، وتحصل له ملفقة، وهل يكون مدركاً للجمعة بها على ما بيناه، وإن أدركه جالساً في التشتهد فإنه يتبعه فيه ولا يكون مدكاً للجمعة، لأنه أدرك معه أقل من ركعة، وهل يبني الظهر عليها أم يستأنف؟ على ما ذكرنا، وإن كان علم أن عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ونوى مفارقة الإمام وهو الحالة الثانية هل تبطل صلاته؟ يبنى على القولين فيمن أخرج نفسه من صلاة الإمام من غير عذر، فإن قلنا: تبطل صلاته فهاهنا تبطل أيضاً، وإن قلنا: لا تبطل فهاهنا هل تبطل؟ وجهان مبنيان على قولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة.
قال أبو إسحاق رحمه الله: ومن أصحابنا من قال هاهنا لا تبطل قولاً واحداً، لأنه لما قصد بإخراج نفسه من صلاته قضى ما عليه [100 ب / 3] من السجود، وتكميله صار في معنى المعذور، وصار بمنزلة المكبر بالظهر وهو مريض قبل صلاة الإمام، ثم صح من مرضه في صلاته فلا يفسد عليه، وإن كان مصليا في حال يصلي الإمام الجمعة.
وهذا غلط؛ لأن هذا التخريج إنما يصح إذا كان جاهلاً وهو القسم الأول، وكلامنا إذا تعمد إخراج نفسه من صلاته، وهو يعلم أن عليه إتباعه فلا يشبه هذا ما أورده من
الجزء: 2 - الصفحة: 366
النظير.
فإذا قلنا: إنه يجوز من الظهر، ظاهر المذهب أنه يحتاج إلى تحديا النية للظهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى تجديد النية للظهر أم يكفي الثبات على النية الأولى؟ وجهان: وهذا بناء على أن الجمعة ظهر مقصور أو فرض مبدأ وإن علم عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ولم ينو به مفارقة الإمام، وهو الحالة الثالثة تبطل صلاته قولاً واحداً، لأنه خالفه مع اقتدائه، ومنزلته منزلة رجل أدرك الركعة الثانية مع الإمام فنسي الإمام التشهد، فقام يقعد هو يتشهد لنفسه من غير نية الخروج من صلاته، أو كمن قدم السجود على الركوع فإنه تبطل صلاته كذلك هاهنا، هذا كله إذا قلنا عليه متابعة الإمام في الركوع.
فأما إذا قلنا: عليه الاشتغال بقضاء السود [101 أ/ 3] فإذا فسجد فإذا فرغ من السجود فإن أدركه راكعاً ركع معه وتبعه فيما سواه فإذا سلم الإمام سلم معه، وقد أدرك الجمعة وإن أدرك الإمام ساجدا سجد معه ولا يحتسب به، وقد حصلت له الركعة الأولى، وهل يدرك بها الجمعة؟ وجهان:
أحدهما: يدرك وهو اختيار أبي إسحاق، لأن ما يأتي به من السجود والإمام في الصلاة فكأنه أتى به مع الإمام.
والثاني: لا يكون مدركا لها، وهو قول ابن أبي هريرة، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة فعلا لأنه يسجد بعد الركوع في الركعة الأولى منفرداً بفعله غير متابع فيه لإمامه، ولكن حصلت المتابعة والإدراك حكماً فهي ركعة ناقصة، فيكون حكمها حكم الركعة الملفقة على ما ذكرنا.
هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال غيره: إذا أدركه ساجداً هاهنا هل يتبعه أم يقضي ما عليه؟ وجهان:
أحدهما: يقضي ما عليه لأن هذا التفريع على قول القضاء، وهو الصحيح يتابعه، لأنه لم يدرك سبباً من هذه الركعة، فيتابع الإمام فيما وجده بخلاف ما إذا زحم عن السجود، في الركعة الأولى يقضي هناك السجود، لأنه أدرك شيئاً من تلك الركعة فجاز [101 ب/101 ب/] أن يقضي السجود ليتمها بخلاف هذا، فإذا قلنا: إنه لا يقضي فيتابع فالحكم ما ذكرنا، وإن أدركه في التشهد فالحكم فيه كما لو أدركه ساجدا على ما بيناه، وإن كان قد سلم الإمام قبل أن يكمل هو السجدتين فلا يختلف أصحابنا أنه لا يكون مدركاً للجمعة.
ونص عليه في "الأم "، ويكون فرضه الظهر وهل يبني أم يستأنف؟ على ما ذكرنا من الطريقين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه يصير مدركاً للجمعة قولاً واحداً، وهذا غلط ظاهر هذا إذا قضى ولم يخالف، فأما إذا خالف وتابع إمامه في الركوع ولم يشتغل بقضاء ما عليه، فإن كان عالما بأن فرضه السجود فتركه تبطل صلاته قولاً واحدا كمن والى بين ركوعين عامداً تبطل صلاته، فيستأنف الإحرام ويدخل معه في الركوع حتى يدرك الجمعة وإلا فلا يكون مدركاً، وإن كان جاهلاً بذلك فظن أن عليه إتباع الإمام فركع معه لا تبطل صلاته قولاً واحداً، ويكون الركوع الثاني مع الإمام لغوا لا يعتد به، فإذا سجد مع الإمام سجدتين انضافت السجدتان إلى الركوع وتمت له ركعة بسجدتيها
الجزء: 2 - الصفحة: 367
إلا أنها ركعة ملفقة [102 أ/ 3] فيكون الحكم على ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا اختار المزني أحد هذين القولين فقال: الأول أشبه بقوله قياساً على أن السجود إنما يجب له إذا جاء والإمام يصلي بإدراك الركوع، ويسقط بسقوط إدراك الركوع فاختلف أصحابنا فيما اختاره المزني من هذين القولين فمنهم من قال: أراد بالأول ما حكاه أولاً قبل حكاية "الإملاء"، وهو أنه يركع مع الإمام في الثانية، ويدع ما زحم عنه، ويدل عليه ما حكاه بعد ذلك عن الشافعي رحمه الله من مسألة السهو: وهي أنه لو سها عن الركعة الأولى بعد الركوع مع الإمام، ثم ظهر له عند ركوع الإمام في الركعة الثانية، قال في "الأم": ركعها معه وقضى التي سها، وهذا لا يختلف القول فيه ويفارق هذا الزحام؛ لأن السهو أتى من جهته فكان منسوباً إلى التفريط فيه فلم يجز له أن ينفرد عن الإمام لقضاء ما عليه.
وقال القاضي أبو حامد رحمه الله: يجب أن تكون مسألة السهو على قولين أيضاً كالزحام وليس كذلك، والفرق ظاهر.
وعلى هذا معنى قوله قياساً على أن السجود إنما يحسب له بإدراك الركوع [102 ب / 3]، أي: إن هذا المزحوم قد أدرك الركوع في الثانية فوجب أن يركع معه ليحسب له السجود، ومنهم من قال: بل أراد المزني أول القولين في "الإملاء" وهو أنه لا يتبع بل يقضي بدليل قوله: قياساً.
على السجود يحسب له بإدراك الركوع، يعني هذا المزحوم قد أدرك مع الإمام الركوع من الركعة الأولى فعلى هذا معنى مسألة السهو أي: أن هذا لم يسنه عن الركعة الأولى حتى يؤمر بمتابعة الإمام فيما بقي بل كان معذوراً فيما زحم عنه عالماً به غير ساه، فليس له تركه إذا أمكنه والله أعلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد بمسألة السجود إذا لم يكن قد ركع في الركعة الأولى، وهذا غلط لأنه نص فيما لو ركع على ما ذكرنا.
فرع
لو زحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى حتى قضى الإمام سجوده، وقام الإمام فزال الزحام فسجد فلحق الإمام في القيام، فلما ركع الإمام في الثانية، ركع معه، فلما سجد الإمام زحم المأموم عن السجود حتى قضى الإمام سجوده وتشهد، فزال الزحام، وسجد سجدتين قبل أن يسلم الإمام، فإن [أل/ 103 _ 3] هذا قد حصلت له ركعتان، وهل يدرك بهما الجمعة؟ قال أبو إسحاق: يدرك بهما الجمعة، وهو اختيار أبي حامد؛ لأن المأموم إذا تأخر سجوده عن الإمام بالعذر كان كما لو سجد معه.
وقال القاضي الطبري فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يدرك بهما الجمعة لأنه لم يأت بركعة بسجدتيها مع الإمام، وإنما أتى بالسجود في الركعتين جميعا منفرداً به، وقال أبو حامد: وكذلك لو تأخر أخر سجوده عن الإمام حتى سلم الإمام فإنه إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 368
كان بعذر كان كما لو سجد معه وهذا صحيح.
فرع
لو زحم المأموم عن الركوع في الركعة الأولى فلم يقدر على الركوع حتى ركع الإمام ثم زال الزحام والإمام في الركوع الثاني، فإنه يتبعه في الركوع قولا واحداً، لأن الركوع فرضه فكان متابعته به أولى، فإذا ركع معه وسجد تشهد معه، فإذا سلم الإمام قضى ركعة أخرى وبني عليها ويكون مدركاً للجمعة قولاً واحداً، لأنه أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: هي ملفقة فهل تحصل له الجمعة؟ [103 ب/3] على الوجهين، والأول أصح وهو اختيار أبي حامد.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل رجل والإمام في الركوع من الركعة الثانية، فدخل معه فلما سجد الإمام زحم عن السجود، ثم زال الزحام فسجد، ثم تبع الإمام في التشهد فهل يكون مدركاً للجمعة بهذه الركعة؟ على الوجهين، ولو لم يزل الزحام حتى سلم الإمام لم يكن ماركا للجمعة وجهاً واحداً، وغلط بعض أصحابنا بخراسان وذكر فيه وجهاً آخر وليس بشيء.
مسألة: قال: ولو أحدث في صلاة الجمعة فتقام رجل بأمره أو بغير أمره، وقد كان دخل مع الإمام قبل حدثه فإنه يصلي بهم ركعتين.
وهذا كما قال: إذا أحدث الإمام في الصلاة، فهل يجوز له أن يستخلفه؟ قولان:
أحدها: لا يجوز نص عليه في "القديم" و"الإملاء" لأنه يؤدي إلى تناقض الأحكام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بأصحابه وهو جنب ثم تذكر، فقال لأصحابه: "كما أنتم " ومضى ورجع ورأسه تقطر ماء ولم يستخلف، فدل أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز نص عليه في "الأم ": وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق [104 أ/ 3]، والدليل عليه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "استخلف أبا بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة، ثم وجد خفة فخرج يهادي بين اثنين فدخل المسجد، وأبو بكر يصلي بالناس، فتقدم وصلى بهم وتأخر أبو بكر"، فصار النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما بعد أن لم يكن إماماً لهم.
وما ذكروه لا صحة فيه، لأن الاستخلاف جائز ويجوز أن لا يستخلف ويعود سريعا فيصلي بهم، وعندنا لا فرق بين أن يكون عند سبق الحدث أو حدث العمد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز إلا عند سبق الحدث، ولو أحدث عمداً تبطل صلاة المأمومين، وعندنا لا فرق بين أن يستخلف هو أو يستخلف واحد من المأمومين من غير أمره، أو يقدم واحد من غير استخلاف واحد.
وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 369
سبقه الحدث ولم يستخلف هو بطلت صلاتهم، ولو خطب واحد وصلى آخر صلاة الجمعة هل يجوز؟ قولان مبنيان على هذين القولين:
أحدهما: لا يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: وهو الأصح يجوز، فإذا قلنا: لا يجوز فإن كان حدثه قبل افتتاح الصلاة لم يجز أن يقدم [104 ب/3] واحد، فإن كان رجوعه قريباً أشار إليهم أن امكثوا وخرج هو وتطهر ورجع وينو عليه وإن كان يطول، فقد حكي المزني رحمه الله عن الشافعي رحمة الله عليه في "الجامع الكبير": أن الإمام إذا أحدث في صلاة الجمعة فإنهم يصلون فرادى ركعتين.
قال أبو إسحاق رحمه الله: يشتبه أن يكون هذا علي هذا القول فبقاءهم على حكم الجمعة حيث منعهم من أن ينصبوا إماماً غير الأول إتباعاً له.
وحكى المزني رحمه الله في "جامعه الصغير" أنه إن كان هذا بعد أن صلى بهم ركعة أتموها جمعة، وإن كان قبل ذلك أتموها ظهراً، أو ينقضوها ويستأنفون الجمعة، بأن يأمروا واحداً يخطب بهم ويصلي الجمعة، وهذا أصوب قياساً على المسبوق وإن كان هذا في سائر الصلوات أتموا لأنفسهم بكل حال.
وإذا قلنا: إنه يجوز الاستخلاف فإن كانت جمعة، فإن استخلف في أثناء الخطبة فغيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: لا يجوز لأنها ذكر للصلاة قبلها فلا يجوز أن يستخلف فيه، كالأذان، وان كان الاستخلاف [105 أ/ 3] بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الإحرام بالجمعة، فإن استخلف من حضر الخطبة جاز، لأنه من أهل الجمعة وأصل فيها ألا ترى أنه لو خطب بهم وهم أربعون فقبل أن يحرم بهم أحرم بهم غير الإمام الخطيب صح، ولو استخلف من لم يحضر الخطبة لا يجوز، لأنه ليس من أهلها، بدليل أنه لو خطب بأربعين فحضر أربعون بعد الخطبة فعقدوا الجمعة بنا، على خطبة هذا الإمام لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في هذا قولان: وفيه نظر وإن كان الاستخلاف بعد افتتاح الصلاة فإن لم يكن أحرم معه بها قبل حدثه لا يجوز سواء حضر الخطبة أو لم يحضرها.
نص عليه في "الأم"؛ لأنا نراعي قبل الإحرام بالصلاة من حضر الخطبة وبعد الإحرام بها من دخل معه في الصلاة.
وقال صاحب "الإفصاح": ويحتمل عندي أن يجوز قيامه على ما قال الشافعي في جواز صلاة الجمعة خلف الصبي في أحد القولين؛ لأن صلاة الصبي نافلة، وإذا جاز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي نافلة، جاز أن يصلي خلف من يصلي [105 ب/ 3] الظهر، وهذا هو خلاف النص وإن استخلف من كان قد أحرم بالصلاة قبل حدثه، فإن كان في الركعة الأولى كان تقديمه سواء كان قد أحرم قبل الركوع أو بعده وسواء كان قد حضر الخطبة أو لم يحضر، نص عليه في "الأم"؛ لأنه إذا حضر الخطبة كمل
الجزء: 2 - الصفحة: 370
بنفسه وصلى وهو ممن تنعقد به الجمعة، وإذا لم يحضر الخطبة فإنه علق صلاتة على صلاة الإمام قبل حدثه، فصار كاملاً بإمامته على طريق التبع له، وصار من أهل الجمعة بإحرامه قبل حدثه فجاز تقديمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال في البويطي: إذا سبقه الحدث في الصلاة لا يستخلف إلا من سمع الخطبة ففي المسألة قولانء وإن كان في الركعة الثانية، فإن كان بعد الركوع فاستخلف من أدركه.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فرضه الظهر، لأنه أدرك من الجمعة أقل من ركعة، ولا يجوز أداء الجمعة خلف من يصلي الظهر، وخرج صاحب "الإفصاح" وجهاً آخر أنه يجوز تقديمه فيكون له الظهر ويكون للمأمومين الجمعة، وإن كان قد أدركه هذا الخليفة قبل أن يفوته الركوع في الركعة الثانية، أما قبل الركوع [106 أ/ 3] أو في حال الركوع فإنه يجوز تقديمه، لأنه صار كاملا بإمامه من أهل الجمعة بإحرامه خلف الإمام الخطيب قبل حدثه، فجاز أن يكون إماماًأ لهم في فعل الجمعة.
وذكر الشافعي رحمة الله عليه.
مسألة: في الإمام وصورتها: إذا خطب الإمام يوم الجمعة، ثم أحرم بالصلاة وأحرم الناس خلفه، ثم أحدث فقدم رجلاً لم يدرك الخطبة إلا أنه كبر خلفه قبل الركوع في الركعة الأولى وقبل حدثه فصلى الثاني بالناس تمام الركعة، ثم أحدث فقدم رجلا أدرك معه الركعة الأولى فصلى هذا الإمام الثالث ركعة أخرى وسلم ويسلم الناس خلفه، وتكون جمعة له ولهم ولمن أدرك الركعة الأخيرة من صلاته، وإن كان هذا الثالث لم يدرك الركعة الأولى وإنما أدرك الركعة الأخيرة.
قال الشافعي رحمه الله: يصلي بهم ركعة أخرى، ثم تقدم من يسلم بهم من أدرك من أول الصلاة ويضيف هو إلى الركعة التي صلاها ثلاث ركعات تكون له ظهراً، قال القاضي الطبري: هذا يخالف أصله، لأنه يدل على جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر [106 ب/ 3] ومذهب الشافعي أنه لا يجوز ويدل أيضا على أن المأموم إذا أدرك الركعة الثانية من الجمعة ثم أحدث الإمام فاستخلفه لم تجز جمعته؛ لأنه لم يدرك الركعة الأولى وإذا لم تجز جمعته يجب أن لا يجوز تقديمه لما ذكرنا أن الجمعة خلف الظهر لا يجوز فتخرج في المسألتين قولا آخر لأجل هذه المسألة ويمكن أن يقال في هذه المسألة الأخيرة انعقدت صلاته جمعة فجاز تقديمه ولم تجز جمعته، لأنه لم يكمل بنفسه إذا لم يدرك الركعة الأولى، ولم يكمل بإمامه؛ لأن إمامه لم يحضر الخطبة وإنما هو تابع للإمام الأول.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: مذهب الشافعي أنه جائز ويكون له ظهراً ولهم جمعة لهذه المسألة، قال القفال رحمه الله: وأعجب منه أن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو أدرك مسبوق هذا الخليفة في الركعة الثانية التي استخلف فيها صحت جمعته، فجوز جمعة المسبوق ولم يجوز به جمعة الخليفة، فإن قيل: قد أدرك هذا المستخلف ركعة من الجمعة فكيف يكون فرضه الظهر؛ ولو أدرك المأموم ركعة [107 أ/ 3] ابتداء
الجزء: 2 - الصفحة: 371
كان له الجمعة؛ قلنا: الفرق ما ذكره الشيخ أبو حامد رحمه الله قال: إذا أدرك معه ركعة وسلم إمامه فقد أقيمت الجمعة فصح أن يضيف إليها أخرى، وليس كذلك المستخلف؛ لأنه فارق القوم قبل أن أقيمت الجمعة فكان فرضه الظهر، فخرج من هذا أنه إن استخلف من أدرك معه الركعة الثانية يجوز قولاً واحداً.
ذكره أبو حامد، وعلى قول بعض أصحابنا قولان: لأنه يصلي ظهراً على قول، وفي الجمعة خلف الظهر قولان.
وهل يصلي هو جمعة أو ظهراً؟ قولان: وإن لم يكن أدرك معه ركوع الثانية هل يجوز استخلافه قولان.
وقال ابن سريج رحمه الله في جواز ظهره: يحتمل أن يقال قولان، لأنه ظهر مع القدرة على الجمعة إذ يمكنه أن لا يتقدم حتى يتقدم من أدرك الركعة الأولى، ويحتمل أن يقال: يجوز قولاً واحداً لأنه معذور في التقدم هذا كله في صلاة الجمعة، فأما في سائر الصلوات على القول الذي يجوز الاستخلاف لا يخلو حدثه من أحد أمرين، فإن كان قبل الركوع يجوز له أن يقدم غيره سواء كان قد أحرم [107 ب/ 3] قبل حدثه خلفه أو لم يحرم ويخالف الجمعة، لأنه لا يجوز أن يكون خليفته في صلاة الجمعة من ليس في صلاة الجمعة؛ لأنه إذا لم يعلق صلاته على صلاة الإمام قبل حدثه يلزمه أن يصلي الظهر فلم يجز تقديمه في صلاة الجمعة بخلاف سائر الصلوات، لأنه ليس من شرطها الدخول في صلاة الإمام فيمن لم يحرم خلفه يصلي تلك الصلاة، كمن أحرم خلفه فاستوي من أحرم خلفه ومن لم يحرم، وإن كان ذلك بعد الركوع في الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن قدم من أحرم بالصلاة قبل حدثه جاز، لأنه لما أحرم مع إمامه لزمه ترتيب الإمام، فإن لم يكن أحرم معه فإن كان إذا أحرم معه كان على ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثالثة من الظهر صح، وإن كان يخالف ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثانية أو الرابعة أو الثالثة من المغرب لا يجوز لأنه يخالف ترتيب الإمام، وهو لم يعلق صلاة نفسه على صلاته في حال إمامته حتى يجوز له ترك ترتيب صلاة نفسه وحين جوزنا الاستخلاف إذا [108 أ/ 3] كان قبل حدثه فعل معه في الركعة الثانية مثلاً فترك ترتيب نفسه، ويراعي ترتيب الإمام، لأنه في حكمه هذا إذا استخلف من خرج من الصلاة قبل الفراغ، فأما بعد الفراغ إذا أراد أن يستخلف المسبوق فقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع
قال الشافعي رحمه الله في "الأم ": لو صلى الإمام بأربعين رجلاً فصاعداً الجمعة، ثم ذكر بعد الفراغ منها أنه كان جنبا أو محدثاً، فإن صلاة المأمومين صحيحة؛ لأن المأموم إذا صلى خلف إمام جنب، ولم يعلم بجنابته فإنه تجوز صلاته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 372
وذكر ابن أبي أحمد فيه قولا مخرجاً أنه لا تجوز جمعتهم، لأن الإمام فيها شرط ولم يحصل، وهذا غلط لأن الجماعة شرط، وقد حصلت كما أن للإمام شرط في الجماعة في غير الجمعة، بفساد صلاته لا تفسد جماعتهم.
وأما الإمام فصلاته باطلة وعليه أن يتطهر ويعيد الظهر، فإن أعاد الخطبة بطائفة منهم الجمعة لا يجوز، لأن المأمومين أدوا الجمعة مرة فلا يجوز لهم فعلها مرة أخرى، ولهذا لا يجوز أن يصلي الجمعة بطائفة أخرى لم [108 ب/ 3] تصل الجمعة، لأن فرض الجمعة قد أدي مرة.
قال الشافعي رحمه الله: فإن لم يعلم وأعاد الخطبة وملى بطائفة منهم الجمعة، ثم علم أن فرضه الظهر فإنه يستحب أن يستأنف، ولو بنى عليها أجزأه، لأن نية الجمعة تجوز أن يؤدي بها صلاة الظهر، ويخالف هذا المسافر إذا نوى القصر ثم نوى الإتمام، فإنه لا يستحب له أن يستأنفها والفرق من وجهين:
أحدها: أن في الابتداء يتخير بين القصر والإتمام وهاهنا لا يتخير.
والثاني: أن المسافر نوى الظهر التي هي فرضه بعينها وهذا قد نوى الجمعة ولم ينو الظهر فافترقا، وإن كانوا مع الإمام أربعين رجلاً لا تنعقد الجمعة وصلاتهم باطلة، وعليه أن يتطهر ويعيد الخطبة والصلاة بهم.
فَرْعٌ آخرُ
لو علم الإمام أن الأربعين كلهم محدثون أعادوا الظهر دون الإمام، ولو كانوا عبيداً يعيدون بأجمعهم.
فرع
إذا جوزنا الاستخلاف فهل يجوز من غير عذر؟ قال القاضي أبو حامد: فيه قولان.
مسألة: قال: ولا جمعة على مسافر ولا عبد.
الفصل
وهذا كما قال: إذا دخل المسافر بلداً في يوم الجمعة وهو [109 أ/ 3] مجتاز لا ينزل فيه أو نزل ليرحل دون أربعة أيام لا تجب عليه حضور الجمعة للخبر الذي ذكرنا.
وروى رجاء بن مرجى الحافظ في سننه عن تميم الداري رضي الله عنه: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة، أو صبي، أو عبد، أو مريض، أو مسافر"، ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى الجمعة في أسفاره، وقال الزهري والنخعي رحمهما الله: إذا سمع النداء وجبت عليهم الجمعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجمعة على من سمع النداء"، وهذا مخصوص بما ذكرناه، ولو حضر الجمعة كان أولى ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 373
تنعقد به الجمعة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: تنعقا به الجمعة حتى قال: لو اجتمع المسافرون وأقاموا الجمعة، ولم يختلط بهم غيرهم جاز وهكذا قال في العبيد.
وهذا غلط لأنه غير مستوطن أو لا يجب عليه الجمعة.
فأشبه النساء، وأما العبد فلا يجب عليه الجمعة.
قال الشافعي: وأحب للعبد إذا أذن له السيد أن يحضر، وهذا لأن الجمعة مي مبنية على الكمال وهذا ليس بكامل، ولأنه مملوك المنفعة محبوس على السيد فأشبه المحبوس على الدين [109 ب/ 3]، وقال الحسن وقتادة رحمهما الله: يجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، وبه قال الأوزاعي.
ويحكى عن داود مطلقاً أنه قال: يجب عليه الجمعة، وعن أحمد رحمه الله روايتان.
فرع
المدبر والمأذون والمكاتب كالعبد، وأما المعتق نصفه، فإن كان بينه وبين سيده مهايأة فوافق الجمعة يوم العيد يستحب له حضور الجمعة؛ لأنه لا حق عليه لمولاه في ذلك اليوم، وإن لم يحضر لهم يأثم به، لأنه ليس من أهل فرض الجمعة ما دام فيه جزء من الرق.
وقد قال في "الأم": لا أرخص له في تركها ولا تبين لي أنه يخرج كما يخرج الحر فجعلها في حقه آكد من العبد لأنها تجب عليه، وإن وافقت يوم سيده فهو فيها كالعبد القن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه في يومه؟ قولان: أحدهما: يلزمه لأنه حر في هذا اليوم، وهذا غلط ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ
إذا صلى العبد الظهر، ثم أعتق لم تلزمه صلاة الجمعة لأنه أدى صلاة الوقت وكذلك المسافر إذا أقام والصبي إذا بلغ، وأما المرأة فلا جمعة عليها، فإن كانت عجوزاً فالأفضل لها عند إذن الزوج حضورها نص عليه في "الأم " وهذا فيمن لا يستهين [110 أ/ 3].
وإن كانت شابة فالأفضل لها أن لا تحضر.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: ولا تحضر غير الجمعة أيضاً من الصلوات إلا صلاة العيدين، وهذا الاستثناء غريب لم يقله غيره، وروي عن أبي عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول: "اخرجن إلى بيوتكن فهي خير لكن ".
وأما المريض: فلا جمعة عليه والمريض الذي يجوز ترك الجمعة به هو أن لا يمكنه حضورها إلا بمشقة تلحقه غير محتملة من زيادة مرضه ونحو ذلك، ولو حضر المريض الجامع تعين عليه أداؤها؛ لأن عذر المريض زال بحضور الجامع بخلاف المرأة،
الجزء: 2 - الصفحة: 374
والمسافر والعبد إذا حضر ولا يلزمهم ذلك، ولو اجتمع أربعون مريضاً فصلوا الجمعة انعقدت بهم الجمعة لهذه العلة، ثم قال: ولا من له عذر، وقد ذكرنا الاعتذار في باب الجماعة.
قال أصحابنا: كل ما كان عذراً في ترك الجماعة فهو عذر في ترك الجمعة.
وإن كانت الجماعة غير واجبة فيكون تركها من غير عذر فما سقطت معه الكراهية في الجماعة كان عذراً إذا وجد في وقت الجمعة.
وقد روى ابن [110 ب/ 3] عباس رضي انه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: خوف أو مرض ".
فرع
قال في "الأم ": ولا جمعة على غير البالغين، وأحب لهم حضورها ليتعودوا فعلها ويتمرنوا عليها.
فَرْعٌ آخرُ
الأعمى إن كان له قائد يلزم حضورها، ويلزمه أن يستأجر القائد إن كان لم يجد متبرعاً، وكذا من لم يقدر لكبر سن أو زمانه يلزمه أن يكتري من يحمله، وإن لم يكن له قائد لم يلزمه حضورها، لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا يخاف مع القائد.
فَرْعٌ آخرُ
إذا اجتمع العيد والجمعة فحضور العيد لا يسقط فرض الجمعة عن أهل البلد.
وروي عن ابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: تسقط الجمعة عن الكل في هذا اليوم إذا صلوا العيد، ويحكى عن أحمد رحمه الله هذا.
وقال عطاء رحمه الله: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً وصلاهما بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
رواه أبو داود، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[111 أ/ 3] قال: "إذا اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ﴾ [الجمعة: 9] ولم يفصل ولأن الجمعة من فرائض الأعيان فلا تسقط بصلاة العيد التي هي نفل على قول البعض، وفرض على الكفاية على قول البعض، وأما خبرهم قلنا: قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في إسناده مقال، ولو صح أجزأه من الجمعة، أي: عند حضور الجمعة، ولا يسقط عنه الظهر بحال وهذا عندنا في أهل
الجزء: 2 - الصفحة: 375
العوالي.
وأما فعل ابن الزبير فلا يجوز إلا أن يحمل على مذهب من نوى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال.
وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنة، وقال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى والأضحى والفطر وقال أحمد: حين سئل: الجمعة قبل الزوال أو بعده؟ إن صليت قبل الزوال فلا أعيب.
وكذا قال إسحاق، فعلى هذا يشبه أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل [111 ب / 3] العيد في معنى التبع لها والله أعلم.
مسألة: قال: ولا أحب لمن ترك الجمعة بالعذر أن يصلي حتى يتأخر انصراف الإمام ثم يصلي جماعة.
وهذا كما قال كل من أخبرنا له ترك الجمعة من أهل الأعذار يستحب له أن يؤخر صلاة الظهر حتى يفرغ الإمام من الصلاةء أو يتحقق أنه لو قصدها الآن لا يدركها ولا ركعة منها، وإنما استحببنا له هذا رجاء أن يقدر على إتيانها، فيكون إتيانها خيراً له فيصلوا الجمعة الكاملة، ولأن الجمعة هي فرض عام، والظهر فرض خاص فاستحب تأخير الخاص عن العام، فإن صلى قبل صلاة الإمام يجوز لأنها فرضه، ثم إن حضر الجامع بعد ذلك وصلى الجمعة لا تبطل ظهره، والأولى فرضه والثانية نفل.
وقال في "القديم": يحتسب الله تعالى له بأيتهما شاء، فإذا فعلها لم تتعين واحدة منهما، وهذا هو الأصح؛ لأنه لما فعل الظهر سقط عنه فرضه بذلك، ولم يجب عليه غيره فإذا فعل الجمعة كان متطوعاً بها.
وأما ما ذكروه، قلنا: هذا التخيير إنما كان قبل الفعل فأما إذا فعل فقد تعين ما فعل أولا [112 أ/ 3] كالمكفر إذا كفر بأحد الأنواع تعين القبض وما يفعل بعد ذلك كان تطوعاً.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا سعى إليها يبطل ظهره بمجرد السعي، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يبطل ظهره إذا أحرم بالجمعة، وهذا غلط لأن الصلاة الصحيحة لا تبطل بالسعي إلى غيرها، والإحرام بها كسائر الصلوات.
ومن أصحابنا من قال: العذر ضربان ضرب يرجى زواله، وضرب لا يرجى زواله، فما لا يرجى زواله مثل الأنوثة والمرض الشديد، فالمستحب تقديم الظهر في أول وقتها لصاحب هذا العذر؛ لأنه لا يرجى زوال الأنوثة والمرض الشديد في ساعة وساعتين، وضرب يرجى زواله وهو على ما ذكرنا، وهذا خلاف نص الشافعي لأنه يملك بما ذكرنا.
وصرح في "الأم" فقال: ولا أحب لأحد ممن له ترك الجمعة بالأعذار من الأحرار ولا من النساء والعبيد أن يصلي يوم الجمعة حتى ينصرف الإمام أو يتأخر انصرافه لما ذكرنا من العلة.
فإذا تقرر هذا، فهؤلاء المعذورون لو أرادوا أن يصلوا جماعة في مسجدهم أو بيتهم لا يكره بل يستحب ذلك.
وقال أبو حنيفة
الجزء: 2 - الصفحة: 376
[112 ب /3] ومالك رحمهما الله: يكره لهم ذلك، لأن زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخل من المعذورين ولم ينقل أنهم كانوا يصلون جماعة، ولو استحب ذلك أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط للأخبار الواردة في فضل صلاة الجماعة، ولأن كل من كان من أهل صلاة الفرض استحب له فعلها جماعة كما في غير يوم الجمعة، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه يحتمل أنهم كانوا يصلون الجمعة لقرب المسجد من دورهم وحرصهم على الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا تقرر هذا فقد قال في "الأم": وأحب لهم إخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام.
قال أصحابنا: هذا فيمن كان عذره خفياً فأما إذا كان عذره ظاهراً جلياً لا يستحب له الإخفاء، لأنه لا يتهم هكذا وهو عذر السفر والرق وهذا غلط بخلاف النص، لأن الشافعي رحمه الله استحب هذا للعبيد وأهل السجن ولو زالت أعذارهم قبل أن يصلي الإمام الجمعة أو في أثناء ظهرهم لا يؤثر في صلاتهم.
وحكي عن ابن سريج رحمه الله أنه قال: إن زال عذره في أثناء صلاته والجمعة [113 أ/ 3] معرضة للإدراك تبطل صلاته، كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته تبطل عنده.
فرع
لو كان قوم من أهل الجمعة فأتتهم الجمعة ملوا الظهر قضاء، ويستحب لهم الجماعة نص عليه في "الأم "، وعند أبي حنيفة يكره ذلك، وأما إذا صلى من لا عذر له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام.
قال في "الجديد": عليه أن يعيدها إذا فرغ الإمام من الجمعة وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وزفر رحمهم الله.
وقال في "القديم" أساء وأجزأه، ويجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضرها دارأها فعند الله سعة أن يكتب له أجر أحدهما إذا كملهما.
ففي المسألة قولان: وأصل هذين القولين القولان في فرض الوقت، قال في "الجديد": فرضه الجمعة يوم الجمعة لا الظهر وهو الأصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فعليه الجمعة يوم الجمعة" على ما ذكرناه ولأنه يأثم بتركها فكانت هي الواجبة في نفسها كسائر الصلوات.
وقال في "الجديد": فرضه الظهر ويجوز إسقاطه بالجمعة، لأن الجمعة لو كانت في الأصل ما قضى الظهر عنا فواتها بل يقضي الجمعة، وبه قال أبو حنيفة ومن أصحابنا من [113 ب/ 3] قال: القولان إذا صلى الظهر في وقت لو سعى إلى الجمعة أدركها فأما إذا صلى في وقت أو أراد السعي إليها لم يدركها لبعد الطريق تجوز صلاته قولاً واحداً والصحيح خلاف هذا، لأن الشافعي نص وقال: لا تجوز إلا بعد فراغ الإمام ولم يفصل هذا التفصيل، وقال أبو حنيفة: يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة فإذا سعى إليها بطل بالأخذ في السعي، وعند أبي يوسف ومحمد بالإحرام بها.
وروي عن محمد أنه قال: إن الواجب إحدى
الجزء: 2 - الصفحة: 377
الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة لا يعينها فأيتها فعل شاء أنها الواجبة.
فَرْعٌ آخرُ
قال أبو إسحاق رحمه الله: لو اتفق أهل بلد على فعل الظهر أتموا بترك الجمعة إلا أنه يجزيهم؛ لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، والصحيح أنه لا تجزيهم على قوله الجديد، لأنهم صلوا الظهر وفرض الجمعة متوجبة عليهم.
فَرْعٌ آخرُ
العبد والمرأة إذا أحرما بالجمعة، ثم أراد العدول بها إلى الظهر فيه وجهان بخلافه المريض والمسافر.
مسألة: قال: ومن مرض له ولد أو والد فرآه منزولاً به.
الفصل
وهذا [114 أ/ 3] كما قال: قد ذكرنا أنه يجوز بترك الجمعة بالعذر، والأعذار ثلاثة في الجملة عذر في نفسه، وعذر في أهله، وعذر في ماله، فإن كان مريضاً على ما ذكرنا، أو خاف أن يحبسه سلطان، أو من لا يقدر على الامتناع منه بالغلبة، أو أصابه غرق أو حور أو سرق، يرجو في تخلفه عن الجمعة مع ذلك أو تدارك شيء فات منه، أو ضل له ولد أو مال أو رقيق أو حيوان يرجو تداركه ووجوده يجوز له ترك الجمعة نص عليه في "الأم".
قال: فإن خاف أن يحبسه السلطان بحق المسلم في دم أو حد لم يسعه التخلف عن الجمعة ولا الهرب في غير الجمعة عن صاحبه إلا أن يرجو أن يدفعوا الحد بعفو، أو صلح وهو القصاص.
أو حد القذف فأرجو أن يسع ذلك بأنها الحد للزنا أو نحوه الذي لا يرجو سقوطه فلا يجوز له تركها، وان كان يخاف غريماً، فإن كان معسرا وسعه التخلف وإلا فلا.
وجملة ذلك أن العذر الذي يجوز له ترك الجماعة اختياراً يجوز له ترك الجمعة الواجبة له على ما ذكرنا، وإن كان له مريض من يوم الجمعة بينه وبينه [114 ب/ 3] نسب أو سبب أو صداقة فإن كان منزولاً به وخاف إن حضر الجمعة أن تفوته نفسه فله أن يتأخر عن الجمعة سواء كان له قيم يقوم بأمره أو لا، وكذلك إن مات يتركها لتجهيزه والصلاة عليه، لأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه في مرض، أو أخذ مال.
وروي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يستجمر للجمعة، فاستصرخ على سعيد بن زيد بن نفيل فترك الجمعة ومضى إليه بالعقيق، فإنه كان ابن عمه، لأن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب بن نفيل رضي الله عنهم أبناء عم لحّاً، وان لم يكن منزولاً به ولكنه شديد المرض.
قال أبو إسحاق: لا يجوز له ترك الجمعة إذا كان له
الجزء: 2 - الصفحة: 378
قيم سواه وبه قال أبو حامد.
وقال ابن أبي هريرة: يجوز له ترك الجمعة، لأن قلبه يتعلق بمفارقته وان لم يكن له قيم سواه، فلا شك أنه يجوز له تركها، لأن حفظ المسلم أولى من صلاة الجمعة، وإن كان الرجل أجنبياً منه فلا يجوز له ترك الجمعة إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون منزولاً به.
والثاني: أن يكون ضائعاً لا قيم [115 أ/ 3] له غيره بخلاف القريب، لأن شغل القلب هناك خلافه هنا، وإن كان له قيم إلا أنه مشغول عنه في وقت الجمعة يكون ذلك بمنزلة من لا قيم له.
مسألة: قال: ومن طلع عليه الفجر فلا يسافر حتى يصليها.
وهذا كما قال: السفر ليلة الجمعة جائز ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر.
فالمستحب أن لا ينشأ السفر، لأن الشافعي رحمه الله قال في "الأم": لا أحب في الاختيار أن يسافر بعد طلوع الفجر وإن استحب الترك.
وقال: بعده لم يكن له أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة.
وظاهره أنه لا يجوز ذلك، وقال في "القديم": له أن يسافر لأن الفرض يلزم بدخول الوقت، وهذا نصر في حرملة فحصل قولان:
أحدهما: يجوز ما لم تنزل الشمس.
قال أبو إسحاق رحمه الله: وهذا أوضح وبه قال عمر والزبير وأبو عبيدة بن الجراح والحسن وابن سيرين وأبو حنيفة ومالك رضي الله عنه، واحتجوا بما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن وواحة في جيش مؤتة، فتخلف [115 ب/3] عبد الله بن رواحة فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما خلفك؟ فقال: الجمعة، فقال: "لروحة في سبيل الله أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها".
قال: فراح منطلقاً.
وروي أنه قال له: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غزوتهم" وروي عن عمر رضي الله عنه قال: إن الجمعة لا تحبس مسافراً.
والقول الثاني: وهو اختيار أبي حامد، وهو ظاهر المذهب أنه لا يجوز له ذلك، وبه قالت عائشة وابن عمر رضي الله عنه وأحمد رحمه الله: إلا أن يكون السفر إلى الجهاد، وهذا لأن الجمعة واجبة والتسبب إليها واجب، فإذا لم يجز السفر بعد وجوبها لا يجوز بعد وجوب السبب إليها؛ ولأنه وقت الرواح إلى الجمعة وقد يجب ذلك على من بعدت داره: وأما الخبر الذي ذكر وقلنا: إنه يحتمل أنه كان بعثه قبل يوم الجمعة فتأخر لأجل الجمعة.
وأما خبر عمر رضي الله عنه قلنا: قاله للمسافرين ونحن نقول: لا تجب الجمعة عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز ذلك إذا كان سفره في طاعة قولاً واحداً كما لو كان جهاداً، وهذا لا يصح [116 أ/ 3] لأن الطاعة التي لا
الجزء: 2 - الصفحة: 379
تجب لا تفوت بتأخيرها.
وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك قولاً واحدا بكل حال، والقول الآخر استحباب.
وقال أصحابنا: أجمع القولان إذا لم يكن مضطراً إليه، فإن اضطر إليه مثل النافلة ترحل من البلد يوم الجمعة، ولو تخلف عنها فاتته يجوز له السفر قولاً واحداً.
وأما إذا زالت الشمس لا يجوز قولاً واحداً إلا أن يخاف ما ذكرنا، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله إلا في الجهاد، وقال محمد: يجوز له أن سيافر بعد الزوال أيضا، ويروى هذا عن أبي حنيفة وهذا غلط: لأن الجمعة قد وجبت عليه فلا يجوز له تركها مع القدرة، كما لو سافر مع العلم بفوات الصلاة لضيق الوقت، وعلى ما ذكرنا لو زالت الشمس بعد خروجه من منزله قبل خروجه من عمارة البلد، ولا يخاف فوت السفر لو رجع لا يجوز له الخروج، لأنه ما لم يخرج من العمارة فهو مقسم.
باب الغسل للجمعة
مسألة: قال: والسنة أن يغتسل للجمعة.
الفصل
[116 ب/ 3] وهذا كما قال.
قد شرحها هذا فيما تقدم وقول الشافعي: من ترك الغسل لم يعد أراد أنه لا يعيد الصلاة وهذا إجماع، وإن أوجبه مالك هذا الغسل ويقرأ لم يعد هو بفتح الياء وضم العين من العود لا من الإعادة، ومعناه: أنه لا يرجع الاغتسال إذا تضيق الوقت خلافا لمالك رحمه الله وحيث قال: يلزمه أن يرجع ما لم يخف فوت الصلاة.
مسألة: قال: فإذا زالت الشمس وجلس الإمام على المنبر فقد انقطع الركوع.
الفصل
وهذا كما قال إذا دخل المسجد قبل الخطبة صلى تحية المسجد وله أن يتنفل، وقيل: يستحب إلى أن يخرج الإمام ويستوي على المنبر جالساً ويأخذ المؤذنون في الأذان فإذا جلس على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان انقطع ركوع من حضر، فمن لم يكن في الصلاة لا يبتدئ بها ومن كان فيها خففها، وأما الكلام فمباح له إلى أن يأخذ الإمام في الخطبة، والفرق أن الكلام يمكن قطعه حتى يأخذ الإمام في الخطبة، والصلاة إذا ابتداء بها في حال الأذان أن لا يمكنه قطعها إذا أخذ الإمام [117 أ/ 3] في الخطبة فكرهنا له أن يبتدئ بها إذا أخذ المؤذنون في الأذان لئلا يأخذ الإمام في الخطبة وهو في الصلاةء وبهذا قال أحمد رحمه الله.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإمام حرم الكلام في الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه، واحتج بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة
الجزء: 2 - الصفحة: 380
واستاك ومس من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه ثم جاء إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء أن يركعء ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يصلي كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" فدل على أن خروج الإمام يوجب الإنصات، وهذا غلط لما روى ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك أنه يقول: قعود الإمام يقطع السجدة وكلامه يقطع الكلام وأنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذنون وقام عمر سكتوا فلا يتكلم أحد.
وأما الخبر الذي ذكروه قلنا: قد روي: وأنصت إذا خطب الإمام [117 ب/ 3] أو نحمله على هذا بدليل ما ذكرنا.
وأما إذا دخل واحد المسجد والإمام يخطب ملى ركعتين تحية المسجد، ويخففهما ثم يجلس ويسمع الخطبة سواء كان الإمام في الخطبة الأولى أو الخطبة الثانية، ويستحب له ذلك، وبه قال الحسن ومكحول والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله.
وقال مالك والليث وأبو حنيفة: ويكره ذلك ويحكى هذا عن الثوري وقال الأوزاعي: إن كان قد صلى في بيته ركعتين فلا يصلي وإلا فيصلي مكانه يجيز تحية المسجد في بيته واحتجوا بما روى عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً جاء يتخطى رقاب الناس فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجلس فقد آذيت وآنيت"، وهذا غلط لما احتج به الشافعي حديث سليك الغطفاني وهو ما روى جابر رضي الله عنه قال: جاء سليك هذا يوم الجمعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" فإن قيل: روي في بعض الأخبار أنه - صلى الله عليه وسلم - قال [118 أ/ 3] لسليك: "لا تعودن لمثل هذا"، قلنا: هذه الزيادة ليست في شيء من الأصول، ثم معناه لا تعودن إلى التأخير واحتج أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وتمام الخبر ما روي أن مروان بن عبد الملك لما ولي الخلافة كان يخطب بنفسه والناس يبغضونه ولا يستمعون لخطبته ويصلون عندها، فعلم مروان ذلك فأمر زبانيته أن يطوفوا في المسجد عند خطبته فيقعدوا الناس عن الصلاة، فدخل أبو سعيد يوماً ومروان يخطب، فقام يصلي فأتاه زبانيته ليقعدوه فلم يقعد حتى صلى ركعتين فقيل له: كاد هؤلاء الزبانية يأكلونك فما منعك من أن تدعهما؟ فقال: ما كنت لأدعهما بعد شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم روى خبر سليك الغطفاني، وأما خبرهم قلنا: يحتمل أنه أمره بالجلوس، لأنه كان في آخر الخطبة، أو كان الموضع مضيق عن الصلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 381
فرع
قال في "الأم ": ولو دخل والإمام في آخر كلامه ولا يمكنه أن يصلي ركعتين قبل دخول الإمام في الصلاة فلا عليه أن لا يصليها؛ لأنه أمره بها عنا الإمكان، فإن لم يصل الداخل [118 ب /3] عند الإمكان كرهت له ذلك ولا إعادة عليه، وإن صلاهما وقد أقيمت الصلاة كرهت له ذلك، قال: وأرى الإمام أن يأمره بهما ويريد في كلامه بقدر ما يكملها فإن لم يفعل الإمام ذلك كرهت له ولا شيء عليه، وهذا إذا دخل في آخر الخطبة.
فرع
إذا أتى المسجد يستحب له أن يقدم رجله اليمنى ويقول: بسم الله اللهم اغفر لي، وقوّني، وافتح أبواب رحمتك.
وقال المزني رحمه الله: من بلغ باب المسجد صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك وأنجح من طلب إليك.
فرع
إذا كان المسجد فارغاً، أو كان فيه من إذا تقام لا يتخطى رقاب الناس، فكلما كان إلى الإمام أقرب كان أفضل، وإن كان في المسجد من تقدمه كرهنا له أن يتخطى رقاب الناس، سواء كان له مجلس عادة يصلي فيه أو لم يكن، وسواء كان الإمام قد ظهر أو لم يظهر.
وقال مالك: إذا خرج الإمام كره ذلك وقبل خروجه لا يكره، وقال الأوزاعي: إن كان له موضع راتب لم يكره له التخطي إليه وإلا كره، وهذا غلط [119 أ/ 3] لما روي أن رجلاً دخل المسجد يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له: "اجلس فقد آذيت وآنيت".
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الذي يتخطى رقاب الناس، ويفرق بين الاثنين يوم الجمعة والإمام يخطب كالجار قصبته في النار".
وروي أن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي جاء يوم الجمعة فأوسعوا له، فأبى أن يجلس وجلس في الشمس فقيل له: أوسعنا لك، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة والإمام يخطب فكأنما يجر قصبته في النار".
وقال الشافعي رحمه الله: ولأن فيه أذى وسوء أدب فيكره.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وإن كان دون مدخله زحام وأمام الزحام فرجة، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد واثنين رجوت أن يسعه التخطي إليها، لأنه يسير فإن كثر كرهت له ذلك، فإن لم يجد السبيل إلى مصلى يصلي فيه الجمعة إلا بالتخطي وسعه التخطي إن شاء الله؛ لأنه موضع ضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 382
فَرْعٌ آخرُ
ولو علم أنه إذا صبر حتى تقام الصلاة [119 ب / 3] تقدم الناس واتسع المكان كرهنا له التخطي، ويصبر حتى تقام الصلاة، فإن خالف وتخطى فقد أساء وتجزيه الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وإن كان الزحام للإمام الذي يصلي الجمعة لم أكره له من التخطي ما أكره للمأموم؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة والصلاة بهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب إذا نعس في المسجد يوم الجمعة ووجد مجلساً غيره لا يتخطى فيه أحداً أن يتحول عنه.
قال الشافعي: لأنه إذا تحول أحدث له القيام واعتساف المجلس ما يذعر عنه النوم وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره ".
فرع
قال: وان ثبت في مجلسه ناعساً كرهت له ذلك، ولا إعادة للوضوء إذا لم يرقد زائلاً عن حد الاستواء، وإن قدر على دفع النوم عن نفسه بوجه برأه من ذكر أو حركة أو غيرها لم يكره له المقام فيه، بل يستحب له المقام.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويكره للرجل أن يقيم الرجل عن مجلسه، ويجلس هو في مكانه إماما كان أو مأموماً في يوم الجمعة وغيره؛ لأن السابق إلى المكان هو أحق به، فإن [120 أ/ 3] اختار صاحب المكان أن يقوم منه ويجلس غيره فيه لم يكره للثاني أن يجلس في مكان الأول، فأما الأول فإن تحول إلى حيث يسمع الخطبة على ما كان في المجلس الأول لم يكن له، فإن تباعد عن ذلك يكره له.
فَرْعٌ آخرُ
لو نصب رجل صاحبا له يجلس في مكان حتى إذا جاء هو قام وجلس هو فيه لم يكره له، ولا يكره لهذا الجالس أن يتحول عنه أيضاً.
وروى ابن المنذر أن محمد بن سيرين كان يرسل غلاماً إلى مجلس له يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء محمد قام الغلام وجلس فيه محمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 383
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يفعل هكذا ولكن بعث شيئاً يفرش له حتى إذا جاء جلس عليه وصلى قال في "الأم": ليس لغيره أن يجلس عليه؛ لأنه ملك لغيره، وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: ولكن له أن ينحيه ويجلس في ذلك المكان: لأن الحرمة للإنسان دون فرشه.
فَرْعٌ آخرُ
لو قام رجل من مكان لحاجة، ثم عاد إليه كان أحق من غيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا قام أحدكم من مجلسه يوم الجمعة، ثم عاد إليه فهو أحق به".
فَرْعٌ آخرُ
قال: متى جلس في مكان جلس في صف مستقبل القبلة على العادة [120 ب/ 3] فإن ضاق به المكان لضيق المسجد وكثرة المصلين فجلس مستقبل المصلين لم يكر له.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو جاء والموضع ضيق بأهله يقول: تفسحوا أو توسعوا.
ولا يقيم أحداً من مجلسه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقيمن أحدكم الرجل من موضعه ثم يخلفه فيه"، ولكن يقول: توسعوا وتفسحوا".
قال: فإن قعد المأموم في مصلى الإمام أو في طريق الناس، أو قعد مستقبلاً للمصلين والمسجد امتلأ من الناس لا تكره إقامته؛ لأن في جلوسه ضرراً على الناس.
فَرْعٌ آخرُ
قال: الجلوس يوم الجمعة كالجلوس في جميع الحالات إلا أن يضيق على من يقاربه ويجاوره كأنه اتكأ، فأخذ من المكان أكثر مما يأخذ الجالس أو يمد رجليه، أو يلقي يديه من خلفه فهذا كله مكروه إلا أن تكون به علة فلا أكره شيئاً من هذا، وأحب إذا كانت به علة أن يتنحى إلى موضع لا يزاحم فيه الناس، فيفعل من هذا ما فيه الراحة لبدنه ولا يزاحم غيره.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: لا يجلس حبواً في حال الخطبة لما روى.
معاذ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب"، والمعنى أن [121 أ/ 3] الاحتباء يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض فنهى عن ذلك، وأمر بالاستيفاز في القعود
الجزء: 2 - الصفحة: 384
لاستماع الخطبة والذكر، وفيه دليل على أن الاستناد يوم الجمعة في ذلك المقام مكروه؛ لأنه بعلة الاحتباء إذا كثر.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يجلس محتبياً، ولعله كان لعذر.
ولحو أحدث واحد فليأخذ بأنفه ولينصرف، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف"، وهذا ليوهم القوم أن به رعافاً وفي هذا بيان الأدب في ستر العورة
وإخفاء الأمر القبيح، والتورية بما هو أحسن، ولا يدخل هذا في باب الكذب والرياء، وإنما هو في باب التجمل واستعمال الحياء.
فرع
قال أصحابنا: الأفضل للمقصورة على غيرها لأنها شيء محدث، وأول من أحدثها معاوية رضي الله عنه والاختيار للصف الأول من غير تخصيص.
مسألة: قال: وينصت الناس ويخطب الإمام قائما خطبتين.
وهذا كما قال إذا خطب الإمام فإن الناس ينصتون لاستماع الخطبة لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ [121 ب/ 3] وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204].
وهل واجب أو مستحب؟ قال في "الإملاء" و "القديم": هو واجب، والكلام في حال الخطبة محرم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وابن المنذر رحمهم الله.
وقال في "الجديد": هو مستحب غير واجب، وبه قال عروة بن الزبير والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والثوري فحصل قولان، وجه القول الأول: ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " فإذا اللغو لإثم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].
وروى جابر رضي الله عنه قال: دخل ابن مسعود رضي الله عنه والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس إلى أُبيّ فسأله عن شيء فلم يرد عليه، فسكت حتى صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ما منعك أن ترد علي" فقال: إنك لم تشهد معنا الجمعة قال: ولم؟ قال: تكلمت والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقام ابن مسعود، ودخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك فقال: صدق أُبيّ وأطع أُبياً".
ووجه القول الثاني: وهو الصحيح ما روى [122 أ/ 3] أنس قال: "دخل رجل المسجد
الجزء: 2 - الصفحة: 385
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت فلم يقبل فأعاد، ثم أعاد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الثالثة: "ما أعددت لها" قال: حب الله ورسوله قال: "إنك مع من أحببت " وأما خبرهم فلا حجة فيه؟ لأنه جعله لاغياً بكلامه في موضع الأدب وفيه السكوت وليس كل لغواً إنما قال الله تعالى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225. فإذا تقرر هذا فلا فرق بين القريب والبعيد والأصم والسميع؛ لأن الشافعي قال في "الأم" ومن بعد عن الإمام ولا يسمع الخطبة ومن قرب منه في الإنصات سواء، فإذا قلنا: إنه مستحب فهو مستحب للجميع.
وأما الخطبة فاعلم أنه لا تصح الجمعة إلا بالخطبة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلسة خفيفة، ولا يجوز أن يخطب مع القدرة إلا قائما، وقال الحسن البصري رحمه الله: الخطبة مستحبة غير واجبة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:9].
والذكر: هو الخطبة وإذا وجب السعي إليها [122 ب / 3] كانت واجبة، ولأن الله تعالى أوجب الجمعة إيجاباً مجملا وبيانه مأخوذ من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو كان يصلي ويخطب فثبت أنها واجبة، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقال سعيد بن جبير رحمه لله: جعلت الخطبتان مقام مكان الركعتين، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب فيهما القيام وتجوز قاعداً، لأنها ركن ليس من شرطه استقبال القبلة فلا يجب له القيام كالأذان، وهذا غلط لما روي أن النبي الله كان يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلوس.
رواه جابر، وابن عمر، وأبو هريرة رضي الله عنهم، ولأنها ذكر مفروض في قيام مشروع فكان واجباً كما في التكبير ولا يعتبر القيام بالاستقبال لأن الاستقبال يسقط في صلاة الخوف، ولا تسقط القبلة عند الإمكان فافترقا، فإذا تقرر هذا، فإن خطب جالساً مع القدرة وصلى بطلت صلاته، ولو خطب جالساً وهم يرونه صحيحاً فأخبرهم أني عاجز عنه قبلوا منه، لأنه أمين على نفسه وكذلك [123 أ/ 3] في الصلاة، ولو علموا قارته على القيام فلا جمعة لهم، ولو لم يعلموا أنه صحيح أو مريض أجزأتهم الصلاة، لأنه الظاهر أنه لم يترك القيام إلا لعلة، ولو علمت بقدرته على القيام طائفة وجهلت طائفة فلا جمعة لمن علمت، وأما التي جهلت حاله فإن بلغوا أربعين صحت جمعتهم وإلا فلا تصح جمعتهم، وهو كما قلنا إذا كان الإمام جنباً.
الجزء: 2 - الصفحة: 386
فرع
لو حضر أربعون فسمع بعضهم الخطبة ولم يسمع الباقون لصممهم فالمذهب أنهم لا يصلون الجمعة، كشاهد النكاح إذا كان أصم، وفيه وجه آخر أنهم يصلون الجمعة ويجوز ذلك قياساً على ما لو قال: لا أكلم فلاناً فكلمه بحيث يسمع غير الأصم فلم يسمع لصممه.
قال الشافعي رحمه الله: يحنث في يمينه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خطب جالساً لعذر يخطب خطبتين.
قال أصحابنا: ويفصل بينهما بسكتته ولم يجلس.
نص عليه في "الأم" أنه لا يجوز، وإن لم يسكت ووصل بين الخطبتين.
قال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنها بدل من جلسة واجبة والثاني: يجوز لأنه قد يتخلل كلامه سكتات [123 ب/ 3] غير مقصودة.
فَرْعٌ آخرُ
لو خطب خطبتين ولم يجلس بينهما فحسبهما خطبة واحدة، ثم قام وأضاف إليها أخرى نص في "الأم".
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وأحمد: هذه الجلسة مستحبه غير واجبة، وهذا غلط لما ذكرنا أنه - صلى الله عليه وسلم - "لم يتركها"، وبينا أن فعله واجب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس به أن يخطب الإمام على شيء مرتفع من الأرض وغيرها وعلى المنبر ولم يقل: إن الخطبة أفضل وأولى.
قال أصحابنا: والخطبة على المنبر هي أولى لأنه آخر الفعلين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أبلغ استماع الناس.
هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال أبو حامد: قال الشافعى رحمه الله: ويستحب أن يخطب على منبر، فإن لم يكن فعلى نشز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يخطب على المنبر"، وهذا أولى.
ويستحب أن يكون [124 أ/ 3] المنبر على يمين القبلة، ويمين القبلة هو الموضع الذي على يمين الإمام إذا توجه القبلة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يخطب بجنب جذع النخلة في المسجد ويجعلها على يسارهء وهو يقوم عن يمينها إلى أن أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأة لها غلام نجار فقال: "مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس"، فأمره فعملها من طرفاء الغابة.
قال سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس إنما صنعت هذا
لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".
الجزء: 2 - الصفحة: 387
والغابة: هي الغيضة وكان المنبر مرقاتين فنزوله وصعوده خطوتان، وذلك في حد القلة فلا تبطل الصلاة وإنما نزل القهقرى لئلا يولي الكعبة قفاه.
واعلم أنه كان منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث درج وكان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه [124 ب/ 3] كان يقف على الثانية دون موقفه بدرجة، ثم جاء عمر فوقف على الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فصعد إلى الثانيةء وهي موقف أبي بكر رضي الله عنه ثم جاء علي رضي الله عنه فوقف على الثالثة موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية وزاد فيه ست درج فصار عدد درجه تسعاً، فكان الخلفاء يرتقون إلى الدرجة السابعة الست التي زادها مروان والسابعة هي أولى مراتب الخلفاء الراشدين، ولو وقف يخطب من غير منبر، وقف على يمين القبلة.
فرع
لو نزل عن المنبر بعدما أخذ في الخطبة، ثم عاد إليه فإن كان الفعل يسيراً بنى عليه، وان كان طويلاً استأنفها، نص عليه في "الأم"؛ لأن الخطبة لا تعد خطبة إذا فصل بينهما بنزول يطول.
فرع
الطهارة للخطبة هل هي واجبة أم لا؟ قال في "الجديد": لا تصح إلا بالطهارة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يخطب متطهراً"؛ لأنه كان يصلي في الخطبة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني [125 أ/ 3] أصلي"، ولأن هذا ذكر هو شرط في صحة الصلاة فيشترط فيه الطهارة كالتكبير.
وقال في "القديم": تصح بغير طهارة وقد أساء ولا أحب له أن يخطب إلا على طهارة، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلا يشترط فيه الطهارة كالأذان، وهل تجب إزالة النجاسة عن ثوبه وبدنه في حال الخطبة؟ قولان كما قلنا في طهارة الحدث.
مسألة: قال: ولا بأس بالكلام ما لم يخطب.
وهذا كما قد ذكرنا أن الكلام لا يحرم ما لم يبتدئ ثم يخرج على أحد القولين.
وقال في "الأم": الكلام على ثلاثة أضرب:
ضرب يلزمه لأخيه مثل أن يراه يلسعه عقرب، أو رآه يتردى في بئر، أو يقع عليه هدم ونحو ذلك، فهذا لا يمتنع بالخطبة ويلزمه أن يخبره به بلا خلاف.
وضرب يعينه في نفسه: مثل سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - قتلة ابن أبي الحقيقء وقول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم -، يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا، وما أشبه ذلك فهذا مباح غير مكروه قولاً واحداً.
الجزء: 2 - الصفحة: 388
وضرب لا يلزمه [125 ب/ 3] لأخيه ولا يعينه في نفسه، مثل أن يقول لصاحبه وهو يتكلم: اسكت أو اقبل على الخطبة، أو يحدثه بحادث سرور أو مصيبة، فهذا ومكروه وليس بمحرم في أحد القولين.
وقال أبو إسحاق: يحرم في أقوى القولين.
فإذا تقرر هذا فلو كان بعيداً من الإمام لا يسمع خطبته فهو بالخيار بين أن ينصت وبين أن يقرأ القرآن ويذكر الله تعالى في نفسه، ولا يكلم الآدميين نص عليه في "الأم".
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للمنصت السامع، وقيل: هل له قراءة القرآن؟ وجهان: بناء على أن المأموم البعيد من الإمام هل يسن له قراءة السورة؟ وجهان: ولا معنى لهذا مع ما ذكرنا من النص، وإن كان قريباً من الإمام يسمع الخطبة فالإنصات أولى من قراءة القرآن وذكر الله تعالى.
فرع
إذا قلنا: يحرم الكلام يحرم على الإمام أيضاً في خطبته نص عليه في "الإملاء" و "القديم".
فَرْعٌ آخرُ
وقت تحريم الكلام هو من حين يأخذ في الخطبة حتى يفرغ من الخطبتين جميعاً وجلوسه بينهما يجري مجرى الخطبة في ذلك [126 أ/ 3] نص عليه.
وذكر بعض أصحابنا أنه لا يحرم في الجلسة بين الخطبتين.
ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب له أن لا يتكلم حتى يفرغ الإمام من الصلاة، فإن تكلم بين الإحرام بالصلاة والفراغ من الخطبة فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره الكلام فيه لأنها حالة تكره فيها الصلاة.
وهذا غلط لما روى أنس رضي االله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:كان ينزل يوم الجمعة من المنبر فيقوم معه كالرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه، فيصلي ويخالف الصلاة لأنها تقطعه عن الاشتغال بالفرض بخلاف الكلام.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو عطش رجل في حال خطبته فلا بأس أن يشرب وإن لم يكن عطشان ولكنه يتلذذ بشربه، فإنه يكره، ولا يحرم على قوله "الجديد" هكذا أورده القاضي الطبري.
وذكر أبو حامد رحمه الله عن "الأم" أنه قال: إذا عطش الإمام له أن يشرب على المنبر وإن كان يؤيد ذلك للتبرد والتلذذ لا للعطش فإنه يجوز ذلك [126 ب/ 3] ولكن يستحب أن يكف وهذا أظهر.
وقال الأوزاعي رحمه الله: إذا شرب الماء تبطل جمعته وهذا خلاف الإجماع.
فرع
المستحب للناس إذا خطب الإمام أن يحولوا وجوههم إليه ويسمعون الذكر
الجزء: 2 - الصفحة: 389
والمستحب للإمام أن يخطب ووجهه إلى الناس، ولا يستحب للمؤذن أن يقبل بوجهه إلى القوم بل يستحب له استقبال القبلة حال الأذان.
قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "كان رسول الله يخطبنا وكنا نستقبله بوجوهنا ويستقبلنا بوجهه" ولو خطب الإمام ورفع صوته حتى سمع الحاضرون خطبته جاز استقبلهم أو لم يستقبلهم؛ لأن سماع الخطبة قد حصل.
فَرْعٌ آخرُ
لو أسمع نفسه أو لم يسمع الحاضرين ظاهر المذهب أنه لا يعتد بها.
وقال أبو إسحاق رحمه الله: يحتمل أن يعتد بها كما لو أسر بالقراءة في الصلاة، ويحتمل أن لا يعتد بها كما لو أذن بحيث لا يسمعه غيره.
قال أبو حامد: هذا هو الصحيح عندي لأنها بالأذان أشبه.
مسألة: قال: فإذا فرغ أقيمت الصلاة فيصلي بالناس ركعتين.
الفصل
[127 أ/ 3] وهذا كما قال إذا فرغ من الخطبتين أقام المؤذن الصلاة، لأن الإقامة لاستفتاح الصلاة والمستحب أن يأتي بها عقيب الخطبتين لتكون صلاة الجمعة عقيبها بلا فصل، ولو أقام قبل الفراغ من الخطبة هل يحتسب؟ وجهان:
أحدهما: لا وهو الأقيس، لأنه لا يصح الابتداء بالجمعة في تلك الحالة.
والثاني: يحتسب كما قبل الطهارة.
وقيل: إن فرغ منها بعد الفرغ من الخطبة جاز وإلا فلا، فإذا فرغ من الإقامة فالإمام يصلي بالناس ركعتين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -.
والمستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بالفاتحة وسورة المنافقين.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره تعيين سورة من القرآن سوى الفاتحة حتى لا يقرأ غيرها.
وهذا غلط لما روي عن عبد الله بن أبي رافع كاتب علي رضي الله عنه قال: كان مروان بن الحكم يستخلف أبا هريرة رضي الله عنه على المدينة فاستخلفه مرة فصلى الجمعة فقرأ في [127 ب /3] الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية: بسورة المنافقين، فلما انصرف مشيت إلى جنبه فقلت: يا أبا هريرة لقد قرأت بسورتين قرأهما علي رضي الله عنه، فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأهما، فإن قيل: روى سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الجمعة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1] وقلنا: ما رويناه
الجزء: 2 - الصفحة: 390
أولى؛ لأنه عمل به علي بن أبي طالب وأبو هريرة رضي الله عنهما ولأن فيها حثاً على الجمعة فكانت أولى، فإن قيل: إنما قرأهما النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل من كان في زمانه من المنافقين قيل: لا يخلو عصر من الأعصار من المنافقين، فإن قرأ غير هاتين الصورتين جاز لما روى سمرة، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1].
فرع
لو قرأ سورة المنافقين ني الركعة الأولى قبل الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة قال الشافعي رحمه الله: يجوز له أن يركع وهذا لا شك فيه، لأن قراءة السورة غير واجبة.
قال: ولو قرأ معها شيئاً من الجمعة كان أحب إلي [128 أ/ 3] وإنما استحب أن يقرأ شيئاً من الجمعة لأن ما بعد الفاتحة محل قراءة سورة الجمعة في السنة، ولم يأمر باستيفائها إلى آخرها لئلا يطول على المأمومين بالجمع بين السورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة.
قال: ويقرأ في الركعة الثانية سورة الجمعة، لأنه لم يقرأ بها في الركعة الأولى فاستحب قراءتها في الركعة الثانية لئلا يقوم فيصليها، والمعنى الذي يختص بها من السنة على فرض الجمعة والأذكار بها والحث على فعلها، فإذ قيل: قد قلتم في الطائف: إذا نسي الرمل في الثلاثة ومشى فيها يمش في الأربعة أيضاً ولا يرمل، فقولوا: هاهنا يقرأ في الركعة الثانية بسورة ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:1] حتى لا يؤدي إلى ترك السنة في الركعتين قلنا: الفرق أن الرمل في الأربعة الأخيرة مكروه لا ثواب فيه بوجه فا يستحب فعله فيها، وهاهنا قراءة سورة الجمعة في الركعة الثانية ليست بمكروهة وهذا.
. . وليس فيه لأنهم على يقين من الدخول في الوقت وفي شك من أن الجمعة لا تجزي عنهم فهو كمن استيقن الطهر ثم شك في انتقاضه.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الدخول في [ب /128 _ 3] الجمعة أن الوقت قد خرج أو هو باق لا يبتدئ الجمعة لأنه لم يستيقن سبب الجواز ولو شك في أثناء الصلاة هل خرج وقتها أم لا؟ أتمها جمعة، لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الصلاة هل ترك فرضاً من الخطبة؟ يلزمه إعادتها، وفيه وجه آخر أنه لا يؤثر الشك بعد الفراغ منها وليس بشيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 391
فرع
لو قام المسبوق لقضاء ما عليه من الركعة فخرج الوقت يتمها ظهراً نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: هذا هوا لأصح، والثاني: يتمها جمعة ولا معنى لهذا عندي مع النص الظاهر.
مسألة: قال: ومن أدرك مع الإمام ركعة بسجدتين أتمها جمعة.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وأحرم ودخل معه في الركوع فقد أدرك الركعة الثانية، فصار مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى [129 أ/ 3] عليها ركعة أخرى، وإن فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقي ولا يكون ماركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى عليها ركعة أخرى، وان فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقى ولا يكون مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وصلى الظهر أربعاً، فإن ركع ثم شك هل كان راكعاً قبل أن يرفع الإمام رأسه أم لا، لا يعتد بتلك الركعة؟ لأنه لم يتيقن إدراك الركوع فيلزمه أن يصلي الظهر أربعاً، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأنى وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي ومالك والزهري والثوري وأحمد وإسحاق وزفر ومحمد رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك جزءاً منها فقد أدرك الجمعة وإن قل، وبه قال النخعي في رواية والحكم وحماد وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: لا يكون مدركا للجمعة إلا بإدراك الخطبة والصلاة، وبه قال عمر رضي الله عنه وهذا غلط لما روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعاً"، ولأنه لم يدرك وركعة من الجمعة فلا يصليها جمعة كالإمام إذا انفض عنه القوم قبل [129 ب/ 3] أن يصلي ركعة بسجدة.
فإذا تقرر هذا، فلو أدركه راكعاً فركع معه ورفع معه وسجد، ثم شك هل سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن كان هذا قبل سلام الإمام سجد أخرى في المال وصار مدركاً للجمعة بإدراك ركعة حكماً، وذلك أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، وقد ذكرنا فيما سبق فيه وجهان عن أصحابنا أنه لا يكون مدركاً للجمعة وإن كان هذا بعد سلام الإمام سجد سجدة أخرى، ولا يكون مدركا للجمعة لأنه أدرك معه ركعة إلا سجدة.
فرع
لو أدرك معه ركعة تامة سلم الإمام، وقام المأموم فأتى بالثانية، ثم ذكر أنه نسي سجدة من إحداهما ولا يعلم هل هي من الأولى أو من الثانية، اعتد من كل هذا بركعة وكان فرضه الظهر لأنه أدرك ركعة إلا سجدة في أشد الحالين فيأتي بثلاث ركعات أخر.
الجزء: 2 - الصفحة: 392
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى الإمام الجمعة ثلاثاً ساهياً، فأدرك وجل معه الركعة الثالثة، قال ابن الحداد: كان مدركاً ركعة من الظهر، لأن هذه الركعة لا يحتسب بها من الجمعة، ولو صلى ثلاث ركعات ساهياً، ثم قال: نسيت سجدة ولا أدري أهي من الأولى أم من الثانية؟ [130 أ/ 3] كان الجواب هكذا؛ لأن السجدة المنسية يجوز أن تكون من الركعة الأولى، فتكون الأولى تمت بالثانية وتكون الثالثة ثانية، ويكون المأموم مدركاً للجمعة.
ويحتمل أن تكون السجدة المنسية من الركعة الثانية فتتم الثانية بالثالثة؛ لأنه تحصل له الثانية إلا سجدة فيكون قيامه في الثالثة وركوعه فيها لغو، وتنضم سجدة واحدة منها إلى الثانية فتتم الثانية بهذه السجدة، ويكون الباقي من الركعة الثالثة لغواً لا يحتسب به، وإذا أدرك ما لا يحتسب به فلا يكون به مدركاً للجمعة، فإن كان الإمام يحيط علماً بأن السجدة المنسية من الأولى فإن الركعة الثالثة مجزية من الداخل من الجمعة؛ لأن الأولى تتم بالثانية وتكون الثالثة هي الثانية ويكون محتسباً بها فصار مدركاً للجمعة بإدراكها.
فرع
لو أدرك الثانية من الجمعة، فلما سلم الإمام قام لقضاء ما فاته، فتذكر الإمام أنه نسي سجدة من الأولى، وإن عملت في الثانية كلاً عمل، فقام يصلي ركعة فاقتدى هذا المسبوق به تمت جمعته، وإن لم يقصد الاقتداء به بل أتم بنية الانفراد كما يفعل المسبوق لم تجز جمعته، وهل يجزئ [30 ب / 3] طهره؟ فعلى قولين لأنه طهر قبل فوات الجمعة، وإنما جازت جمعته في المسألة الأولى لأنه حصل مقتدياً به في ركعة هي محسوبة للإمام من الجمعة وهي الأخيرةء فلا يضر أن يكون في الأول منفرداً فإن قيل: فجوزوا أن يصلوا ركعة منفردا، ثم يصلي صلاته بصلاة الإمام فيصلي معه ركعة ويتم جمعته قلنا: لا يجوز هذا؛ لأنه قصد بها الانفراد فلم تصح نية الجمعة، وها هنا نوى الجمعة والاقتداء فلا فرق بين أن يجعل له صحة الاقتداء في الأولى أو في الثانية، وعلى هذا قال ابن الحداد: لو صلى الإمام في الجمعة ثلاثاً ساهياً وكان قد ترك سجدة من الأولى فاقتدى به رجل في ركعته الثانية، وظن أنها أولاه وصلى معه ركعتين جازت جمعته وتمت، وان كانت الثانية غير محسوبة للإمام.
قال القفال رحمه انه: وعلى هذا لو صلى الإمام ثلاثاً ساهياً ولم يترك سجدة فأدرك معه رجل الركعة الثانية وظن أنها الأولى، فإذا هي الثانية فصلى معه تلك الركعة، وركعة بعدها تمت جمعته، لأن عنده أنه مصيب في الاقتداء به في الركعتين [131 أ/ 3].
مسألة: قال: وحكى في أداء الخطبة: استواء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الدرجة التي تلي المستراح قائماً ثمَّ سلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 393
وهذا كما قال: أراد به حكى الشافعي في كتاب سماه "أدب الخطبة ".
والمستراح: هي الدرجة العليا من المنبر وهي التي يقعد عليها الإمام ليستريح، وكان منبره ثلاث درجات سوى الدرجة التي كان يقعد عليها.
وجملته أنه يستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم إذا زالت الشمس المستحب أن يصعد المنبر، ويستوي على الدرجة التي هي دون الدرجة التي تسمى المستراح، فإذا استوي عليها سلم على الناس ووجب عليهم الرد، فإذا رد بعضهم سقط الفرض عن الباقين، ثم جلس على المستراح ورجلاه على الدرجة التي وقف عليها، وهي جلسة الاستراحة، وهي غير واجبة، ولا يزال جالساً حتى يفرغ المؤذنون من الأذان، ثم يقوم قائما ويخطب.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: لا يسلم على رأس المنبر ويكره، لأنه لما دخل سلم فلا يعيد، كالمؤذن إذا أذن ثم رجع، وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: كان [131 ب/ 3]) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا دنا من منبره يوم الجمعة يسلم على من عند منبره من الجلوس، اثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم، ثم قعد".
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسلم إذا صعد المنبر" ولان الإمام قد استدبرهم حين صعد ثم أقبل عليهم.
وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم يحول بين بعضهم وبعضهم شجرة فيسلم بعضهم على بعض.
وأما في الأذان لا يغيب عنهم، ولو صعد المنارة ثم نزل سلم عليهم أيضاً، وإذا أشرف على الناس في رأس المنارة وكان قريباً منهم وهم يسمعون سلامه استحب له أن يسلم عليهم، كما قلنا في الخطيب، لأنه استقبال بعد استدبار فسن فيه السلام كما لو خرج ثم دخل.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو أدخل المسجد يجلس أولاً، ثم يقوم ويصلي التحية، وهكذا في تحية سائر المساجد، وهذا غلط لما تقام من الخبر ولأنه يسلم على الناس، ثم يجلس كذلك يصلي ثم يجلس لأن كليهما تحية.
وحكي عن مالك رحمه الله أنه [أ/ 132 - 3] قال: هذه الجلسة في أول الخطبة هي واجبة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في الأول ليستريح من تعب صعوده، ولهذا سميت هذه الدرجة المستراح، ولأنه لا فائدة في قيامه مع أذان المؤذنين.
فرع
قال: وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة المؤذنين، لأنه لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد، فإن أذن جماعة المؤذنين والإمام على المنبر أو أذان بعد أذان كرهت ذلك، ولا يفسد شيء من الصلاة، لأن الأذان ليس من الصلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 394
وإنما هو دعاء إليها، وكذلك لو صلى بغير أذان كرهت ذلك له ولا إعادة عليه.
وروي عن أبو سائب بن يزيد أنه قال: كان على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: إذا جلس الإمام على المنبر أذاناً واحداً، فلما كان في أيام عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني، وكان يؤذن على الزوراء لأهل السوق والناس.
وأنكر عطاء هذا وقال: أول من أحدثه معاوية رضي الله عنه، يعني: الأذان الذي قبل جلوس الإمام على المنبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لا يحرم البيع [132 ب/ 3] يوم الجمعة قبل أذان المؤذن، ويحرم عند الأذان، وهو الأذان الذي يكون بعد الزوال عند جلوس الإمام على المنبر، وبهذا الأذان يجب السعي إلى الجامع، وأما بعد الزوال قبل هذا الأذان لا ينهى عن البيع كما ينهى عنه إذا كان على المنبر وأكرهه؛ لأن ذلك الوقت لم ينه فيه عن البيع، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك وأبو حنيفة، وقال الضحاك وربيعة وأحمد: يحرم البيع عند الزوال.
وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] فثبت أن الحكم يتعلق بحالة النداء.
فرع
قال أصحابنا: في الجمعة أربعة أوقات قبل الزوال وبعد الصلاة لا يحرم البيع ولا يكره، وبعد الزوال قبل الأذان يكره البيع ولا يحرم، وعند الآذان إلى أن يفرغ من الصلاة يحرم البيع، وإنما يحرم ذلك أو يكره في حق من كان من أهل الجمعة، فأما في حق من لم يكن من أهلها كالعبيد والنساء والمسافرين فلا يحرم ولا يكره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أحد المتبايعين من تجب عليه الجمعة والآخر ممن لا تجب، قال الشافعي رحمه الله: أتما [133 أ/ 3] جميعاً، وهذا لأن من لم تجب عليه قد عاونه على المعصية، وقيل: يحرم على من تجب عليه وتكره لمن لا تجب عليه لأنه عاونه على محرم والأول أظهر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تبايعا في الوقت الذي حرمنا أو كرهنا صح البيع؛ لأن المنع ليس لمعنى يرجع إليه نفس البيع، فهو كالبيع على بيع أخيه محرم ولكنه ينعقد، وهو كما لو تضيق عليه وقت الصلاة فاشتغل بالبيع في تلك الحالة عمى وانعقد، وقال مالك وربيعة وأحمد وداود رحمهم الله: يفسد البيع لأن الله تعالى قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] والنهي يقتضي الفساد وهذا غلط لما ذكرنا.
وحكي عن مالك أنه قال: النهي في حق الكل سواء كان عليه الجمعة أم لا، وهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 395
غلط، لأن المنع منه لئلا تفوته الصلاة وهذا لا يوجد في حق من لا جمعة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن البيع والشراء في المسجد، وإن سد فيه ضالة وإن سد فيه سعر"، ونهى عن "الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ". أورده أبو داود والحلق: مفتوحة اللام جماعة الحلقة.
وقال الإمام الخطابي: أخبرني [633 ب / 3] واحد من الصالحين أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة ظناً منه أنه نهى عن الحلق قبل الصلاة بسكون اللام حتى قلت له: هذا هو الحلق كأنه كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاةء وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والحلق بعد ذلك فقال: قد فرجت عني ودعا لي.
مسألة: قال: وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا خطب اعتمد على عنزته اعتماداً وروي على قوس.
وهذا كما قال: إذا قام الخطيب ليخطب فإنه يستحب له أن يعتمد على عصى أو قوس أو سيف، لما روي عن الحكم بن حزن قال: "وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئاً على قوس أو عصى فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات".
وروي أنه كان إذا خطب اعتمد على عنزته والعنزة مثل الحربة، وروي أنه كان في الحضر يعتمد على العنزة، وفي السفر على القوس، ولأن ذلك أعون له على القيام فإن لم يفعل ذلك أي: فإن لم يعتمد على شيء.
قال الشافعي رحمة الله عليه [634 أ/ 3] أحببت له أن يسكن جسده ويديه، فإما أن يضع اليمنى على اليسرى أو يقرهما في موضعهما ويرسلهما، لأنه في ذكر الله تعالى ولا يعبث بهما فتبين أن المعنى في الاعتماد وهو السكون، ثم قال: ويقبل بوجهه، يعني تلقاء وجهه لا يلتفت يميناً وشمالاً وهذا غلط وقد ذكرنا الفرق بينهما وبين الأذان، ثم قال: وأحب أن يرفع صوته وهذا يستحب حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن وإلا رفع بقدر الإمكان لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب يرفع صوته كأن منذر جيشء وروي عن أم حارثة بنت هشام قالت: "حفظت سورة ق من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فدل أنها سمعت مع بعدها؛ ولأنه إذا رفع صوته كان أبلغ في الاستماع والوعظ وقال الشافعي رحمه الله: ويكون مترسلاً مبيناً معرباً من غير تمطيط ولا يعي لأن ذلك أحسن وأبلغ في البيان والإفهام والترسل أن يفرق بين كل فصل ولا يعقب أحدهما الآخر ويكون مقوماً معربا من غير لحن، ويكون بين الكلامين دون الوحش
الجزء: 2 - الصفحة: 396
المشتغل، وفرق الروي المسترذل، فإن خير [134 ب/ 3] الأمور أوسطها وهو معنى قوله: ولا ما يستنكر منه، وفي بعض النسخ: وما لا يستنكر منه حتى يكلمهم بكلام تقبله طباعهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلموا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذب الله ورسوله ".
وروى بعض أصحابنا بخراسان هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: لا تقولوا ما تقصر عنه الأفهام فتكذبوا الله تعالى كذلك، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: ولا العجلة فيه عن الأفهام ولا ترك الإفصاح بالقصد ويكون كلامه حصراً، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصاراً".
وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه: امرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بإقصار الخطب"، وروي عن عمار رضي الله عنه أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست.
قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قصر الخطبة مئنة من فقه الرجل فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"، وهذا كله للرغبة في الصلاة في أول الوقت.
مسألة: قال: وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة [135 أ/ 3].
وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه لا بد من الخطبتين، وعند أبي حنيفة رحمه الله تكفي كلمة واحدة مثل أن يقول: سبحان الله والحمد لله، ولا يحتاج إلى خطبتين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويوصي بتقوى الله تعالى ويقرأ شيئاً من القرآن فهذه أربعة أشياء هي واجبة في الأولى، وفي الثانية ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله تعالى، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات فهذه أربعة واجبة في الثانية، هكذا نقل المزني رحمه الله.
والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو الحمد لله نحمده ونستعينه .... " الخبر، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قيل في التفسير: معناه قرنت ذكرك بذكري حتى لا أذكر إلا ذكرت معي، ولأن المقصود من الخطبة الموعظة فلا بد من الإتيان بما هو مقصود فيها، وأما الوصية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[135 ب / 3] يقول: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ألا وان الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر".
وأما قراءة القرآن فلأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخطب إلا وقرأ فيها القرآن،
الجزء: 2 - الصفحة: 397
ودعا للمؤمنين نص على هذا كله في "الأم".
قد قيل: فصول الخطبة خمسة: التحميد، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ثلاثة منها شرط في الخطبتين معا، وهي التحميد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والوصية بتقوى الله تعالى.
وواحد هو شرط في الثانية لا غير وهو الدعاء، وواحد يستحب في الخطبتين.
فإن لم يكن ففي الأولى، فإن أتى به في الثانية جاز وهو قراءة آية، ولا بد منها بكل حال.
وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه لو قرأ بين ظهراني الخطبة أو بعد الفراغ منها، أو قبل الشروع في الخطبة أجزأهء وقال في "الإملاء": فإن حمد الله وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ووعظ أجزأه.
وضيع حظ نفسه، ولم يشترط قراءة القرآن ولا [136 أ/ 3] الدعاء.
وقال في "القديم": أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب قراءة آية في الجملة إما في الأولى أو في الثانية أو في أي موضع قرأ جاز.
والثاني: يجب في الأولى بكل حال لتأكيد أمر الأول الخطبتين.
والثالث: لا يجب أصلاً بل هي مستحبة، ومن أصحابنا من قال: تجب القراءة قولاً واحداً والذي قال في "الإملاء": هو يحمل واكتفى في ذلك بما بينه في سائر المواضع وله أن يقرأ في الأولى أو الثانية قولاً واحداً، والذي قال: يقرأ في الأولى استحباب وهذا أصح ويبعد أن يذكر في باب أدب الخطبة قولاً، وفي باب القراءة في الخطبة قولا آخر، وهما بابان متواليان، ونصه في أدب الخطبة على أنه يقرأ في الأولى ونصه في القراءة في الخطبة على أن له الخيار على ما وصفت.
وحكى الداركي عن بعض أصحابنا أنه خرج قولا رابعاً أن القرآن شرط في الخطبتين جميعا؛ لأن ما وجب في الأولى وجب [131 ب/ 3] في الثانية، كالتحميد وهذا تخريج باطل يخالف نص الشافعي رحمه الله، وقد قال الشافعي في "الأم" والذي أحب أن يقرأ بقاف في الخطبة الأولى لا يقصر عنها، وأن يقرأ في الأخيرة مائة أو أكثر منها، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم.
وأما الدعاء: هل يجب؟ فيه قولان كما يرى:
أحدهما: ذكره في "الأم"، والثاني: ذكره في "الإملاء".
ومن أصحابنا من قال: يجب قولا واحداً، والمجمل في "الإملاء" محمول على المفسر في "الأم"، وهذا اختيار القفال.
وقال أبو حامد: قول واحد إنه مستحب وهو خلاف ما حكينا من النص، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ سورة ق في الخطبة، وروي أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات".
الجزء: 2 - الصفحة: 398
ويستحب الدعاء فيهما، وإن كان لا يجب إلا في الأخيرة على ما بينا.
وقال بعض أصحابنا: لو أتى بالدعاء في الأولى دون الثانية لم يجزه.
وأما الدعاء للسلطان أو لرجل بعينه فهو غير منقول عن السلف.
قال عطاء رحمه الله: هذا شيء محدث لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا واحد من الصحابة وإنما كانت الخطبة تذكيراً.
فإن [137 أ/ 3] دعا لرجل بعينه أو على رجل بعينه قال الشافعي رحمه الله: كرهته ولا إعادة عليه، ويستحب أن يطول الدعاء.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "طولوا الصلاة واقصروا الخطبة".
وأما لفظ الوصية فليس بشرط حتى لو قرأ آية فيها العظة والوصية جاز، ويخص الخطبة الوصية والباقي تبع لها.
فرع
لا تجوز بالفارسيه مع القدرة على العربية خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لما ذكرنا من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه وجه آخر أنه يجوز؛ لأنه لا يتعين فيها لفظة مخصوصة فكذلك لا يتعين لغة.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يكن فيهم من يحسن العربية يخطب بالفارسية في مدة إمكان التعلم، فإن مضت مدة الإمكان يصلون ظهرا ولا يصلون جمعة.
فرع
لو قرأ في الخطبة آيات من القرآن تتضمن تحذيراً ووعظاً بدلا من الوصية لا يجوز عنهما، لأن القراءة فرض فلا يؤدي به فرضين فإنه واحد.
فرع
لا يجب الترتيب في ألفاظ الخطبة قولاً واحداً نص عليه في "الأم " والأفضل أن يبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[137 ب/ 3]، ثم بالوصية ثم بقراءة القرآن ومن أصحابنا من قال: يجب الترتيب؛ لأن المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الترتيب.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يخطب بما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد إن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله"، وخطب يوماً فقال في خطبته: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وان الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك
الجزء: 2 - الصفحة: 399
قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره"، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[138 أ/ 3] خطب يوم الجمعة "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، ثم قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بأصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليً".
وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما ويقرأ القرآن ويذكر الناس.
وروي عن صفوان بن يعلى قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: 77] فإن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى قال الشافعي رحمه الله: أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من قال ذلك فيكره له ذلك حتى يقرأ اسم الله تعالى ثم يفرد بعده اسم رسوله فلا يذكره إلا منفرداً فقد قال رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شاء الله وشئت فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: [138 ب/ 3] "أمثلان قل ما شاء الله، ثم شئت" فنهاه عن العطف في المشيئة بالواو ونقله إلى حرف ثم لبدله بذلك على أن المشيئة من جهته، إنما تكون بمشيئة الله تعالى، وأن المخلوق إنما يشاء شيئاً؛ لأن الله تعالى يشاء إن شاء مخلوقه ذلك الشيء ودل هذا من كلام الشافعي رحمة الله عليه على أن مذهبه مذهب أهل الحق.
ثم قال الشافعي رحمه الله: ومعقول أن الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض وهذا أوجزه أي: هذا الذي ذكرته من أقل الخطبة هو أوجزه فلا يجوز أن يقتصر على ما قاله أبو حنيفة.
فإن ذلك لا يسمى خطبة ولا يسمى المتكلم به خطيباً.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله علمني عملاً أدخل به الجنة فقال: "إن قصرت الخطبة لقل أعرضت المسألة" فسمي ذلك خطبة قلنا: هذا السؤال لا يكون خطبة بالإجماع، ثم لعله سماه خطبة مجازاً وكلامنا في الحقيقة، وفي الحقيقة قوله: لا إله إلا الله أو سبحان الله لا تكون خطبة.
وروي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما [139 أ/ 3] الله، وعن مالك رحمه الله روايتان: إحداهما: أن من هلل أو سبح أعاد ما لم يصل والثانية: أن لا يجزي إلا ما تسميه العرب خطبة وعن أحمد رحمه الله نحو مذهبنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا خطب الأولى جلس ويكون جلوسه بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
الجزء: 2 - الصفحة: 400
[الإخلاص: 1] ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية أخذ في النزول، وأخذ المؤذن في الإقامة حتى يكون فراغه من النزول مع فراغه من الإمامة.
مسألة: قال: وإن حُصر الإمام لُقن.
وهذا كما قال.
هكذا قال هاهنا، وقال في موضع آخر: لا يلقن وليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف الحالين: فإن كان يرجى أن يستدرك هو فلا يلقن وان كان لا يرجى ذلك وانفلق عليه يلقن، وهذا إذا سكت طالباً للتلقين، فإن مضى إلى فصل آخر وترك ذلك يترك وذاك، وإنما يمكن الفتح عليه في فصول معروفة فأما إذا كان سنة في الحال لا يمكن الفتح عليه.
مسألة: قال: وإن قرأ سجدة فنزل فسجد لم يكن به بأس.
وهذا كما قال، إذا قرأ على المنبر وهو يخطب للجمعة آية السجدة، فإن [139 ب 3] أمكنه أن يسجد عليه سجدها، وإن لم يمكنه السجود في موضعه.
فإن تركه جاز: لأنه ليس بواجب عندنا، وإن نزل وسجد على الأرض.
قال في "الأم" رجوت أن لا يكون به بأس لأنه ليس يقطع للخطبة كما ليس يقطع للصلاة، فإذا فرغ صعد وبنى، فإن استأنف الكلام فحسن، وهذا إذا لم يتطاول الفصل بين النزول والصعود إلى موضعه، فإن تطاول فهل يبني أم يستأنف؟ قولان: قال في "القديم ": يبني، وقال في "الجديد": يستأنف.
وقال القفال: هذا إذا كان المنبر درجتين مثل منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتاج في نزوله إلى عمل كثير، فأما إذا كان نزوله أكثر من ذلك انقطع به خطبته ويلزمه استئنافها، والمسألة مشهورة بالقولين، وعندي أنه لا اعتبار بالدرجتين وزيادة بل الاعتبار بالقرب والبعد على العرف والعادة، ويمكن النزول عن خمس درجات بسرعة والصعود إليها بسرعة بحيث لا يكون فصلاً طويلاً.
وقال في موضع من "الأم": لا ينزل ولا يسجد فإن نزل فسجد رجوت أن لا يكون به بأس وهذا يدل على [140 أ/ 3] أن تركه أفضل وهذا لأن الخطبة فرض والسجود سنة، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قرأ في خطبته الآية التي في سورة ص، وقال: "إنما هي توبة نبيّ ولكني رأيتكم تشرفتم للسجود"، فنزل وسجد ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فلم ينزل ولم يسجد، ومثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مسألة: قال: وان سلم رجل والإمام يخطب كرهته.
الجزء: 2 - الصفحة: 401
الفصل
وهذا كما قال إذا دخل رجل والإمام يخطب بالأولى له أن لا يسلم ويكره له ذلك، وقال في "الأم": لا بأس أن يسلم ويرد عليه، والإمام يخطب يوم الجمعة فحصل من هذا أن الأولى أن لا يسلم، وهل يكره؟ قولان: فإن خالف فسلم، قال: هاهنا يرد عليه بعضهم أي: يجيب عن سلامة بعضهم وعلل فقال: لأن الود فرض، يعني: في غير هذا الموضع لأن المسلم في هذا الموضع وضع السلام في غير موضعه، وترك الأدب فيه فلا يستحوذ الرد، ألا ترى أنه روي أن رجلاً مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو [140 ب / 3] يقضي حاجته فسلم عليه فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وضرب يده على الجدار وتيمم، ثم ناداه ورد عليه السلام وقال له: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن سلمت عليَّ لا أرد عليك ولولا أني خشيت أن تقول: سلمت على رسول الله فلم يرد عليَّ ما رددت عليك ".
ثم قال الشافعي رحمه الله: ويسع تشميت العاطس؛ لأنه سنة، يعني لا أكره تشميت العاطس في هذه الحالة ما أكره من رد السلام؛ لأن العطاس لم يكن إلا العاطس فكان معذوراً فيه.
بخلاف المسلم فإن السلام إليه هذا مذهب الشافعي في الجايد، وهو أن الصمت في حال الخطبة سنة ويجوز فيها رد السلام وتشميت العاطس.
وقال في"القديم": لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلا بالإشارة، وهذا لأن الصمت فرض، وفيه قول مخرج.
ذكره أبو إسحاق رحمه الله أنه يشمت العاطس ولا يرد السلام، فحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشمت ولا يرد السلام، والثاني: يشمت ويرد السلام، والثالث: يشمت [141 أ/ 3] ولا يرد واختار المزني أنه يشمت ويرد، وقال: لأن الرد فرض والصمت سنة والفرض أولى وهذا غير لازم؛ لأنه على القول الذي يقول: الصمت فريضة أجاب بهذا الجواب، ثم استدل المزني رحمه انه على أن الصمت سنة بكلام الخطيب في الخطبة فقال: وهو يقول، يعني به الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلم قتلة ابن أبي الحقيق وكلم سليكاً الغطفاني، أما خبر سليك فقد ذكرناه.
وأما حديث ابن أبي الحقيق فهو ما روي أنه "كان يهودي بخيبر يكنى أبا رافع كان يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويغري المشركين على قتاله فاستأذن عبد الله بن عتيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله فأذن له، فخرج في جماعة إلى أن احتال في دخول حصنه فقتله فيه، ثم رجع أصحابه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهم السيف الذي قتل به أبو رافع والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فدخلوا فدعاهم وكلمهم" وهذا أيضاً ليس بلازم، لأن الخطيب إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك الخطبة، ولا يكون [141 ب/ 3] في حال كلامه خطيباً وغيره إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك ما أمر به من الاستماع للخطبة والإنصات لها فلم يجز،
الجزء: 2 - الصفحة: 402
وهذا ذكره القفال وبعض أصحابنا.
وقد ذكرت فيما مضى نصاً عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يحرم الكلام على الخطيب أيضاً على هذا القول، والجواب عن هذا أن هذا الكلام هو من جملة ما يعنيه، ولا يجوز ذلك عندنا، وأما رد السلام فليس من ذلك، لأن المسلم أساء الأدب بالسلام في غير موضع السلام فلا يجاب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان مبنيان على أن الخطبة في معنى الصلاة أم لا؟ وفيه قولان: وعلى هذا هل تفتقر إلى الطهارة هل يجب فيها التتابع، وهل يبني الغير على خطبة الغير؟.
فرع
أقل ما يتأذى به سنة السلام أن يقول: السلام عليك؛ ولو قال: "سلام عليك" بغير ألف ولام مع التنوين يجوز، والأولى أن يقول: "السلام عليكم حتى يقول: سلاماً عليه وعلى من، وأقل الجواز أن يقول: وعليك السلام.
ولوترك حرف الواو فلا يكون مجيباً لأن المنقول في الشرع الكلمة مع واو العطف وكمال السلام هو [142 أ/ 3] أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويقول: المجيب: وعليكم اللام ورحمة الله وبركاته.
فَرْعٌ آخرُ
إذا نادى رجل من خلف حائط، وقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتاباً وكتب فيه السلام على فلان، أو أرسل رسولاً وقال: سلم على فلان فبلغه، فإنه يجب عليه الجواب، لأن تحية الغائب بالمبادأة والكتابة والرسالة فعليه أن يجيب تحيته مثلها أو بخير منها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: 86].
فرع
إذا سلم على أصم لا يسمع شيئاً يجب عليه أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته، ويشير باليد حتى يحصى الإفهام فيستحق الجواب، فإن لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب، وهكذا لو سلم عليه أصم وأراد الود عليه تلفظ باللسان ويشير بالجواب حتى يحصل له الإفهام.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على أخرس فأشار باليد سقط عنه الفرض؛ لأنه يقوم مقام العبارة، وهكذا لو سلم عليه الأخرس بالإشارة يستحق الجواب لما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على جماعة وفيهم صبي فلم يرد إلا الصبي لا يسقط عنهم الفرض، لأن الصبي ليس من أهل الفرض [142 ب/ 3].
فَرْعٌ آخرُ
أنه إذا سلم الصبي هل يستحق رد الجواب؟ وجهان: مبنيان على أن سلامه يصح أم لا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 403
فَرْعٌ آخرُ
لو لقي جماعة فأراد أن يخص بعضهم بالسلام يكره، لأن فيه إيحاش الباقين وربما يكون سبباً للعداوة.
فرع
إذا سلم على رجل جماعة فقال: وعليكم السلام وقصد الرد عليهم سقط الفرض في حق الكل، كما لو صلى على جنائز دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم على رجل ثم التقى به ثانياً يستحب له أن يسلم ثانياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفشوا السلام بينكم"، وروي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كانوا إذا كانوا في طريق تستقبلهم شجرة فاجتازوا عليها سلم بعضهم على بعض ".
فرع
لو أن وجلين تلاقيا فخاطب كل واحد منهما بالسلام دفعة واحدة، أو على الترتيب لم يقم مقام الجواب، وعلى كل واحد أن يجيب.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لقي وجلاً فقال له ابتداء: وعليكم السلام لم يكن به مسلماً حتى يستحق الجواب، لأن هذه الصنيعة هي مشروعة للجواب فلا تصح للابتداء.
فَرْعٌ آخرُ
النسا، بعضهن [143 أ/ 3] مع بعض في السلام كالرجال مع الرجال، فإن سلم على امرأة، فإن كانت زوجة أو محرماً له فعليها الجواب، وإن كانت أجنبية فإن كانت شابة تخشى الفتنة فلا يجوز لها رد الجواب، ويكون الرجل مفرطاً بالسلام عليها، وهكذا المرأة إذا سلمت على رجل، فإن كانت زوجته أو محرماً له أو عجوزاً لا يخاف منها الفتنة فإنه يلزمه الجواب، وإن كانت شابة تميل إليها النفس يكره أن يجيب لأنها مفرطة بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ
إذا دخل الرجل دار نفسه يستحب له أن يسلم على أهله، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا دخل بيته فسلم على أهله كثر خير بيته ".
فرع
إذا دخل مسجداً أو بيتاً ليس فيه أحد يستحب أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: 61].
الجزء: 2 - الصفحة: 404
فَرْعٌ آخرُ
جرت عادة بعض الناس بالسلام عند القيام ومفارقة القوم، وذاك دعاء فيستحب الجواب ولا يجب؛ لأن التحية تكون عند اللقاء لا عند المفارقة.
فرع
لو سلم على رجل لا يعرفه فبان دمياً يستحب أن يسترد سلامه [143 ب/ 3] فيقول له: أردد علي سلامي والفرض أن يوحشه ويظهر أنه ليست بينهما إخوة ولا إلفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه "أنه سلم على رجل فقيل له: إنه يهودي فتبعه وقال: "رد على سلامي".
فرع
إذا أراد تحية ذمي يجب أن يكون بغير السلام، فيقول: هداك الله، أو أطال الله بقاك، أو أنعم الله صباحك ونحو ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم عليه ذمي لا يزيد في الجواب على قوله وعليك.
فرع
زيارة القادم سنة، وقد انتشر ذلك فيما بين الناس وتواتر به النقل، ويستحب أن يعانق القادم، لما روي أن جعفر بن أبي طالب لما رجع من الحبشة "قام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعانقه".
فَرْعٌ آخرُ
المصافحة سنة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المصافحة تزيد في المودة" وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "أما علمت أن المسلمين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما".
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يكره لمن دخل على قوم أن لا يطمع في قيامهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار".
إلا أنه يستحب للقوم [144 أ/ 3] أن يكرموه لما روي أن سعد بن معاذ لما أقبل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقومه من أوس: "قوموا لسيدكم" وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"،وبسط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه لدحية الكلبي إكراماً له.
الجزء: 2 - الصفحة: 405
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد تقبيل يد غيره، فإن كان يعظمه لزهده أو علمه أو كبر سنه لم يكره لما روي أن أعرابياً قعد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسن كلامه فقال له: ائذن لي حتى أقبل وجهك فأذن له ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك فلم يأذن له" وإن كان يعظمه لأجل غناه أو لسلطنته لم يجز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه".
فرع
الدخول على الأغنياء والسلاطين لا يستحب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى فتمرض قلوبكم" قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء".
فَرْعٌ آخرُ
التحية بالطليقة وانحناء الظهر وتقبيل اليد لا أصل له في الشرع، إلا أنه لا يمنع لما روي أن عمر رضي الله عنه لما دخل الشام كان أهل الذمة [142 ب/ 3] يحيون الله ويخدمونه بين يديه بتقبيل اليد وانحناء الظهر، يقال: إن هذا شيء جرت به عادتهم في التعظيم فإذا عظموا به المسلمين لا يمنعهم.
فرع
التحية عند الخروج من الحمام: يقال للذي خرج من الحمام: طاب حمامك لا أصل له، لكنه روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست فسكت الرجل، وكان مع علي رضي الله عنه إنسان يهودي فقال للرجل: هلا أجبت أمير المؤمنين؟ فقلت: سعدت فلا شقيت، فقال علي رضي الله عنه: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين.
فَرْعٌ آخرُ
الاستماع إلى مدح المادحين بالشعر وغير الشعر لا يستحب، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب ".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قرأ الإمام على المنبر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] الآية فهل يصلي الناس على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه؟ قال أصحابنا: إنه لا نص فيه للشافعي.
ويجب أن يكون بمنزلة تشميت العاطس.
الجزء: 2 - الصفحة: 406
فَرْعٌ آخرُ
الصلاة على غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[145 أ/ 3] كان جائزاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لأنه قال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
فأما لغيره فيجوز أن يصلي على غير الرسول تبعاً ولا يجوز مقصوداً: لأن الله تعالى خص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه فلا يشاركه في هذه الفضيلة غيره.
مسألة: قال: والجمعة خلف كل إمام صلاها من أمير ومأمور.
الفصل
وهذا كما قال صلاة الجمعة لا تفتقر إلى الإمام ولا إلى إذنه، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إلا بإذن السلطان، أو من يقوم مقامه، ولا يجوز لآحاد الرعية إقامتها، إلا أن يتعذر استئذانه فيجوز لصاحب الشرطة والقاضي أن يصليها من غير إذنه.
وهذا غلط لما روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "صلى بالناس الجمعة وعثمان رضي االله عنه محصور، ولم ينكر أحد، ولأنها صلاة مفروضة فلا تفتقر إقامتها إلى إذن السلطان كسائر الصلوات، فإذا تقرر هذا، أراد الشافعي بالأمير الإمام وبالمأمور خليفة الإمام وبالمتغلب الخارجي وبغير أمير القاضي، وتجوز الجمعة خلف كل من هو من أهل [145 ب/ 3] الفرض وتصح خلف العبد أيضاً، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يجوز أن يكون العبد إماماً فيها لعدم كمالهء وهي إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله وهذا غلط؛ لأنه ذكر يؤدي فرض الجمعة فجاز أن يكون إماما فيها كالحر وتجوز خلف المسافر أيضاً.
وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال: لا تجوز لأنها لا تجب عليه، وهذا غلط؛ لما ذكرنا وقد ذكرنا جوازها خلف الصبي قولين: قال في "الأم": لا يجوز، وقال في ا"الإملاء": يجوز.
وهل تجوز خلف المتنفل؟ قد ذكرنا قولين: بناء على جوازها خلف الصبي.
وقال القفال: نص الشافعي رحمه الله في صلاة الخوف أنه يجوز: لأنه قال: ولو صلى الإمام يوم الجمعة صلاة الظهر في شدة الخوف إيماء، ثم سكنت الحرب ووقت الجمعة باق لا تلزمه الجمعة، فإن بقي أربعون ممن لم يصل الظهر أمر بعضهم بأن يخطب ويصلي بهم، فإن خطب هو وصلى الجمعة جاز، وهو متنفل في هذه الحالة.
وهل يجوز خلف الجنب إذا لم يعلم؟ قد ذكرنا قولين: قال أصحابنا: هما مبنيان على [146 أ/ 3] الصبي فإن قلنا: خلف الصبي يجوز بعلة أنه يجوز أن يكون إماما في غير هذه الحالة فيجوز هاهنا.
وإن قلنا: لا يجوز خلف الصبي لأنه لا يسقط الفرض عن نفسه لا يجوز هاهنا.
وقال أبو حامد رحمه الله: هذا ترتيب مليحء ولكن مذهب
الجزء: 2 - الصفحة: 407
الشافعي غير هذا، لأنه قال في "الأم": ولا يكون الصبي إماماً فيها، ولو كان جنباً أو محدثاً فإنه يصح فلا معنى لما ذكر أصحابنا، وأما المرأة فلا يجوز إمامتها للرجال أصلاً ولا تنعقد الجمعة بالنساء المنفردات لحال.
مسألة: قال: ولا يجمع في مصر وان عظم أهله.
الفصل
وهذا كما قال.
لا يجوز أن يصلي الجمعة في بلد واحد، وبه قال مالك، وهو ظاهر قول أبي حنيفة وليس له نص صريح في هذا، وقال أبو يوسف: إذا كان للبلد جانبان جاز أن يقام في كل واحد منهما جمعة، وبه قال أبو الطيب بن سلمة: وجاز في بغداد في موضعين، لأن نهر دجلة حائل بينهما، وقال محمد: القياس أنه لا يجوز أكثر من جمعة واحدة، ولكنا نجوزها في اثنين استحسانا [146 أ/ 3] ولا فرق في هذا بين الجانب والجانبين.
وروي عنه أنه يجوز في ثلاثة، وقال أحمد: إذا كثر أهله كبغداد اد والبصرة جاز أن يقام فيه جمعتان وأكثر، وإن لم يكن بهم حاجة لا يجوز أن تقام إلا جمعة واحدة.
وقال داود: يجوز أن يصلوا الجمعة في مساجدهم كما يصلون سائر الصلوات.
وهذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جمع إلا في مسجد واحد.
وكذلك الخلفاء من بعده، ولو جاز ذلك لم يعطلوا المساجد وكانت إقامتها في موضعين أولى من إقامتها في موضع واحد.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي صلى فيه الإمام"، وقال الشافعي رحمة الله عليه: "لو جاز في مسجدين لجاز في مساجد العشائر" يعني: القبائل ولأن الجمعة سميت بهذا الاسم لاجتماع الناس بها فيجب أن لا يفترقوا، واحتج أبو يوسف بأن دجلة تقطع بينهما فصار كالبلدين، واحتج محمد بما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يخرج يصلي العيد في الجبان ويستخلف أبا مسعود [147 أ/ 3] البدري فصلى بضعفة الناس وعنده حكم الجبان حكم البلد، والجمعة والعيد.
واحتج داود بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي هريرة رضي الله عنه بالبحرين "أن جمعوا حيث ما كنتم ".
قلنا: أما ما قال أبو يوسف: لا يصح لأنه لو كان كما قاله لوجب إذا عبر المسافر من أحد الجانبين إلا الآخر يجوز له القصر، وأجمعنا أنه لا يقصر حتى يفارق البنيان من الجانبين وهم لا يسلمون هذا ويقولون: إذا عبر يجوز له القصر حين يحصل في الماء، فيقول: الظهر من مصلحة العمارتين فلا يكون حائلاً ولا يجعل كالبلدين، وأما ما قال محمد: عندنا يجوز العيد في كل موضع وللمنفرد أيضا فلا حجة فيه.
وأما خبر عمر رضي الله عنه قلنا: أراد في أي بلد كنتم، واحتج أحمد بالمشقة قلنا: العادة جارية أنه لا يشق على أهل البلد الاجتماع في جامع البلد.
وان وجب ذلك فهو مشقة محتملة يسيرة لا اعتبار بها، فإن قيل: أليس دخل الشافعي بغداد وكانوا
الجزء: 2 - الصفحة: 408
يصلون في ثلاثة جوامع المنصور، وجامع المدينة، وجامع [147 ب/ 3] الرصافة؟ ولم ينكر ذلك، قلنا: إنما ترك الإنكار: لأنها مسألة اجتهاد وليس لبعض المجتهدين أن ينكر على البعض منهم واعتقاده في بغداد أنها لا تجوز إلا في موضع واحد أيضاً.
وقال أبو الطيب بن سلمة: إنما منع الشافعي في غير بغداد حيث تكون البلد ذا جانب واحد وبغداد ذو جانبين وهذا لا يصح، لأن هذا القائل لا يجوز في بغداد إلا في موضعين وقد رأى الشافعي ثلاثاً في ثلاثة جوامع ولم ينكر.
وقال أبو إسحاق وابن سريج: إنما لم ينكر، لأنه كان بلدا كبيراً لا يمكن اجتماع الجمع في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة.
ولو أن مدينة اتصلت عمارتها فرسخين أو ثلاثة يلزمهم أن يجمعوا في موضع واحد لهذا وهذا أقرب وبه أقول، ولكنه عين قول أحمد رحمه الله، وليس بمذهب الشافعي رحمه الله لما ذكرنا.
وقال أبو جعفر الترمذي من أصحابنا: إنما لم ينكر لأنها مدن اتصلت عمارتها لأن المنصور بنى المدينة منفردة على الكرخ وهذا بنى كل جانب منفرداً، فكل ناحية منها هي بمنزلة المدينة المنفردة، ثم اتصلت [148 أ/ 3] عمارتها فبقيت على حكمها، ألا ترى أنه لو اتصلت عمارة بغداد بواسط مثلاً لا يجعل في حكم البلد الواحد كذلك هاهنا، وفي هذا نظر أيضا.
وقال الداركي: سئل أبو إسحاق فقيل له: إن أهل مرو يصلون الجمعة في موضعين، ويمكنهم أن يجمعوا في موضع واحد فقال: لأهل مرو في ذلك قصة وذلك أن أبا مسلم دخل مرو وأخذ دوراً وبناها الجامع، فتورع الزهاد وأصحاب الحديث عن الصلاة فيه وصلوا في غيره، وصلى أصحاب الرأي في جامع أبي مسلم فحصلوا حزبين.
فإذا تقرر هذا فكل بلد لا يجوز أن يصلوا الجمعة فيه، في موضعين إذا صلوها في موضعين لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يكون في واحدة منهما إمام ولا صاحبه.
والثاني: أن يكون في إحداهما إمام وفي الأخرى صاحبه.
والثالث: أن يكون في إحداهما إمام أو صاحبة وليس في الأخرى واحد منهما.
ففي القمسين الأولين إن علمت السابقة منهما بعينها ولم يشكل فإنها هي الجمعة الصحيحة، وعلى الآخرين أن يعيدوا الظهر أربع ركعات [148 ب/ 3] واعتبار السبق بالإحرام فإن الجمعة تنعقد بالإحرام، فإذا انعقدت لم يصح عقد غيرها وهذا هو المذهب، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر: إنه يعتبر بالفراغ، لأنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها.
وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى أن يحكم بصحة انعقاد الجمعتين ثم ببطلان إحداهما وهذا لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بالشروع في الخطبة لأن حكمها حكم الصلاة لأنها لا تصح إلا بعد دخول وقت الصلاة وهذا ليس بشيء؛ لأن الخطبة شرط في الجمعة لا نفسها فلا اعتبار بالسبق فيها، فإن علمت السابقة ثم أشكلت أو علم أن إحداهما سبقت الأخرى، فإن في هذه الأقسام الأربعة يجب على الكل إعادة الصلاة.
وقال المزني: لا تلزم الإعادة في القسمين الأولين من هذه الأقسام الأربعة لأنهما أديتا
الجزء: 2 - الصفحة: 409
في الظاهر فلا يحكم ببطلانهما بالشك.
وهذا غلط؛ لأن كل واحدة منهما مشكوك في صحة الإحرام بها؛ فإنها إن كانت هي السابقة صح الإحرام بها وإلا فلا، والصلاة لا تصح إذا دخل فيها بالشك، كما [149 أ/ 3] لو شك في ركن الطهارة، ودخل في الصلاة.
فإذا تقرر هذا، فكيف يعيد إن علم أنهما وقعتا معاً في حالة واحدة؟ يجب إعادة الجمعة لأنه لم تصح جمعة واحدة من الطائفتين وليست إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى فبطلت، كما لو تزوج بأختين معاً بطل نكاحهما وان سبقت إحداهما الأخرى ولم تتعين أو تعينت، ثم أشكلت فهل تجب إعادة الجمعة أم الظهر؟ قولان:
أحدهما: الظهر لأن الجمعة قد أقيمت في هذا اليوم بيقين فلا تقام ثانياً.
والثاني: الجمعة لأنه لم يعتد بما فعلوا فكان وجوده وعدمه سواء.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجب إعادة الجمعة، ولكن هل يجوز أن يصلوا الجمعة؟.
قال في "الأم": يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر إنه لا يجوز وبنحو هذا ذكر القفال قال: ونظير القولين نظير الوليين إذا أنكحا وعلم أن أحدهما سابق ولم يتعين، ففيه قولان: أحدهما: أن النكاح باطل فعلى هذا تجوز الجمعة هاهنا.
والثاني: هو موقوف فعلى هذا يلزم إعادة الظهر هاهنا.
قال [149 ب/ 3] القفال رحمه الله: وهذا إذا لم تعرف السابقة.
قال القفال: فإذا عرفت السابقة ثم خفيت فلا تجوز جمعة أخرى قولاً واحداً، كما قلنا في نكاح الوليين في هذه الصورة هما باطلان قولاً واحداً، فإن قيل: إذا تعينت ثم أشكلت ينبغي أن يوقف كما قلتم في الوليين إذا أنكحا، وفي الميراث في الغرقى قلنا في الجمعة: إذا وقفنا فقد فات وقتها بخلاف الميراث والنكاح فإن وقتهما لا يؤدي إلى فوات وقتهما فجاز أن يوقفا، وان لم يعلم هل وقعتا في حالة واحدة أو سبقت إحداهما الأخرى فيعيدون الجمعة هاهنا قولاً واحداً؛ لأنا حكمنا ببطلانهما لجواز أن تكون وقعتا في حالة واحدة، فكأنهم لم يصلوا أصلاً هكذا ذكره القاضي الطبري والقفال رحمهما الله.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: هذا نظير ما لو عرف العين ثم أشكل فيه قولان: وما تقدم أصح.
وأما القسم الثالث من أقسام الأصل: إذا كان في إحداهما إمام دون الأخرى اختلف قول الشافعي رحمه الله فيه قال في "الأم": السابقة أولى بكل حال وان كان الإمام [150 ا/ 3] الذي صلى بهم إماماً حقيقة أو متغلباً أو عزله الإمام فامتنع من العزل وهذا أصح؛ لأن السابقة انعقدت صحيحة فلا تفسد بعقد الثانية.
وقال في كتاب العيدين: لو صلى غير الإمام الجمعة في المسجد الأعظم والإمام في مسجد أصغر منه وصلاة الإمام، ومن معه جائزة ويعيد الآخرون.
الجزء: 2 - الصفحة: 410
قال أبو إسحاق رحمه الله: وهذا أحفظ القولين لأن في إطلاق ذلك فساد الصلاة على أهل البلد وأهل الإسلام، ومتى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم صلوا أولاً فإذا قلنا: الجمعة للسابق فالأقسام التي قدمناها تجيء هاهنا.
فرع
لو أحرم الإمام بأربعين، ثم أخبر في أثنائها أن غيره قد أقامها قبله فلأن قلنا: جمعه الإمام أولى، فإن الأدلة باطلة، وإن قلنا: السابقة الأولى كان فرضه الظهر وجاز له إتمامها ظهرا.
قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يستأنف الظهر بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة يتمها ولا يستأنف؛ لأنه عقدها بنية الظهر وهذا عقدها بنية الجمعة فأحببنا له استئنافها ظهرا.
وقال القفال رحمه الله: نص الشافعي رحمه الله هاهنا أن عليهم استئناف الظهر بخلاف المسافر: لأن أصل فرضه أربع، ولو أتموا أربعاً لم يبن أن عليهم [150 ب/ 3] الإعادة، لأنه قد يحرم بالجمعة، ثم يخرج الوقت فيصليها ظهرا.
قال القفال رحمه الله: فحصل قولان: وإذا خرج وقت الجمعة فمن هاهنا قول مخرج إنهم يستأنفون الظهر، ومعنى القولين إن الجمعة والظهر صلاة واحدة بقصر ويتم، أو هما صلاتان على الخلاف وهذا تخريج بعيد، وفي لفظ الشافعي على ما سبق ما يمنع هذا.
وقد نص في "الأم" على أنه لو صلى بهم الجمعة، ثم تذكر الإمام أنه كان جنباً عاد ظهرا وأجزأت الجمعة في حق المأموين، فإن اغتسل وأعاد الخطبة وصلى بطائفة الجمعة لم يكن له ذلك وعليه الظهر، فإن خالف وفعل، ثم ذكر في أثناء الجمعة أن عليه الظهر كان له أن يبني على الظهر، وان عقدها بنية الجمعة كرجل يدخل في آخر الجمعة ينوي الجمعة ويكون فرضه الظهر، ثم قال: وأحب له أن يستأنف الظهر هاهنا.
وهذا يدل على ضعف هذا التخريج الذي ذكره القفال.
باب التكبير إلى الجمعة
قال أخبرنا سفيان ..... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: يستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [151 أ/ 3] "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر"، ومعنى غسل الجنابة، أي: كغسل الجنابة، وقيل: أراد أنه جامع واغتسل لتسكن نفسه في يومه، وأراد بالرواح: الخروج إلى الجامع، وحقيقة الرواح في آخر
الجزء: 2 - الصفحة: 411
النهار، وأوله من حين تزول الشمس ويستعمل في الانقلاب من موضع إلى موضع سواء كان في أول النهار، أو في آخره على طريق التوسع، والمجاز كما أن حقيقة الغدو في أول النهار ويستعمل في المضي، والذهاب في أول النهار وآخره على طريق المجاز.
واختلف أصحابنا في الرواح من أي وقت اعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم من قال: من حين طلوع الفجر الثاني وهو الصحيح، لأنه أول ما يصح فيه غسل الجمعة، وهو أول وقت الرواح وهو ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه قال: وكلما قدم التبكير كان أفضل وإنما عبر بالرواح؛ لأنه خرج لأمر يؤتى به [151 ب/ 3] بعد الزوال، ومنهم من قال: من حين طلوع الشمس؛ لأن أهل الحساب يعدون أول النهار من حين طلوع الشمس.
قال في "الحاوي": وهذا أصح ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
وقال القفال رحمه الله: أراد بالساعات أزمنة لطيفة لا الساعات التي عند المنجمين لأن النهار في الشتاء يتراجع إلى تسع ساعات، فتكون الساعة الخامسة بتمامها زائدة على نصف النهار، والمراد بذلك كله بعد الزوال، فمعنى الخبر من راح إلى الجمعة بعد الزوال فدخل المسجد أولاً فكأنما قرب بدنة على هذا الترتيب، والدليل على أنه أراد بعد الزوال، لأن الأمر من الله تعالى إنما يتوجه بعد الزوال لا قبله، ويستحيل أن يكون أعظم الثواب في وقت لم يتوجه فيه الأمر، وأقل الثواب في وقت توجه فيه الأمر.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بأعظم من أداء فريضة " وهذا كله إذا كانت الدار قريبة من المسجد.
فأما إذا كانت الدار بعيدة من المسجد فالواجب أن يتهيأ للقصد في وقت يتيقن الإدراك، وقال أيضاً: الدرجات غير مقصورة على الخمس لا غير [152 أ/ 3] حتى لو جاء خمسة نفر وللخامس أجر من قرب بيضة فللسادس ومن بعده أقل من ذلك، ولكن السادس مع الخامس كالمهدي بقرة مع المهدي شاة وعلى هذا.
والمقصود بيان تفاوت الدرجات لا غير، وهذا أحسن، ولكنه خلاف ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الشافعي رحمه الله، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" يدل على أنه لا فضيلة لمن جاء بعده كما روي في خبر آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا الصحف وحضروا يسمعون الدكر".
فمن جاء بعد ذلك جاء بفرض"، وأراد بقوله: قرب بدنة، أي: ثوابه كثواب من تقرب إلى الله تعالى ببدنة أو بيضة، وجعلها قرباناً وتقرباً إلى الله تعالى.
وروي عن علقمة رضي الله عنه أنه قال: "حضرت وعبد الله بن مسعود الجمعة، وقد
الجزء: 2 - الصفحة: 412
سبقنا ثلاثة، فقال عبد الله: رابع أربعة وما رابع [152 ب/ 3] أربعة ببعيد، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الناس بالقرب من ربهم على قدر رواحهم إلى الجمعة"، وأيضاً روى أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها".
وروي في خبر آخر: "وبكر وابتكر ولبس من ثيابه أحسن ما قدر عليه ومس طيباً إن كان عنده وخرج، ولم يتخط رقاب الناس، وأنصت حتى خطب الإمام كان كفارة لما بين هذه الجمعة وما قبلها".
وروي "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وروي "وجلس قريباً واستمع ولم يرفث ".
واختلف العلماء في معناه فمنهم من قال: هذا من الكلام الظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، ألا ترى أنه قال: "ومشي ولم يركب"، ومعناهما واحد، وبهذا قال الأثرم صاحب أحمد رحمهما الله ومنهم من قال قوله: غسل معناه غسل الرأس خامة وذلك؛ لأن العرب لهم لحم وشعور وفي غسلها مؤنة، فأفرد [153 أ/ 3] ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وقوله: واغستل معناه غسل سائر البدن، وبهذا قال عبد الله بن المبارك ومكحول، وقيل: روي غسل بالتخفيف.
وروي غسل بالتشديد فبالتخفيف معناه تطهر واغتسل، وأما بالتشديد معناه غسل أعضاء الوضوء، وإنما شدد لتكرير الفعل كما يقال: قطعه إرباً إرباً.
وقيل: معناه غسل غيره فإن جامع واغتسل هو وبهذا قال وكيع: وقيل: روي هذا بالعين عسل غير المعجمة بتشديد السين، معناه أصاب أهله ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره.
ومن هذا قول العرب فحل عسله إذا كان كثير الضراب.
والعسيلة: هي الجماع ومعنى قوله: بكر، أي: أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، ومعنى ابتكر قدم في الوقت، وقيل: قوله بكر أي تقدم، وجاء بكرة وابتكر له تأويلان: أحدهما: أنه فعل أفعال المبكرين من الاشتغال بالعبادة من الذكر وقصد الصلاة ولم يقف على موضع اللعب والشعوذة.
والثاني: أدرك باكورة الخطبة واشتقاقه من باكورة الثمرة التي هي أولها، وقيل معناه: بكر إلى صلاة [153 ب/ 3] الغداة وابتكر إلى صلاة الجمعة.
وقال ابن الأنباري: معنى بكر، أي: تصدق قبل خروجه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها"، فإذا تقرر هذا يستحب أن يمشي إلى صلاة الجمعة والعيدين ولا يركب إلا أن لا يقدر عليه لضعف من كبر أو مرض فلا يكره له الركوب،
الجزء: 2 - الصفحة: 413
وإذا ركب فيجتهد أن لا يؤذي أحداً، وينبغي أن يمشي متوقراً لا يزيد على سجيته في المشي ولا يشبك بين أصابعه ولا يعبث، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة"، فألحق العامد إلى الصلاة بمن كان في الصلاة ولا يشك في الصلاة كذلك في طريق الصلاةء وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث" فقال: رجل من حضرموت، وما الحدث يا أبا هريرة قال: فساء أو ضراط.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة، وعن التفرقع في الصلاة وهو [154 أ/ 3] أن يثني أصابعه فيسمع من مفاصله صوت"، وروى كعب بن عجرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، وخرج إلى المسجد عامداً فلا يشبك بين أصابعه".
وروي عن النبي ´ - صلى الله عليه وسلم -: "أنه ما ركب في عيد ولا جنازة قط"، والجمعة هي في معنى ذلك، وإنما لم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد فلا يتوهم الركوب إليها، وهذا لأنه إذا ركب يضيق على الناس ويزاحمهم أنجس الطريق بالبول والروث، وربما يترشرش على الناس والماشي هو أكثر عملاً ويكون أخشع فكان أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كانت عادته أن لا يركب فيها وهذا ليس بشيء، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لجابر بن عتيك: "إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هيئتك"، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يسعى إلى الجمعة سعياً لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وهذا عنانا مكروه، المراد بالسعي القصد على ما ذكرناه.
باب هيئة الجمعة
قال: أخبرنا مالك.
. . الخبر.
وهذا كما قال: المستحب [154 ب/ 3] أن يروح إلى الجمعة على أكمل ما يقدر عليه من نظافة وزينة وطيب رائحة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك ". وهذا أمر تلطف وتطرف
الجزء: 2 - الصفحة: 414
ومقصوده الأمر ولكن هذا هو أحسن من قوله: "تطيبوا".
وروي في خبر آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس ثيابه ومس طيباً إن كان عنده وحضر الصلاة ولم يتخط رقاب الناس ولم يؤخر وجلس حتى رجع الإمام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وأراد بالرجوع فراغ الإمام من الصلاة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة بينها وبين الجمعة"، ثم قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يتنظف بغسل [155 أ/ 3] وأخذ ظفر وشعر وعلاج بما يقطع تغير الرائحة من جميح جسده وسواك يريد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في هذا الخبر بثلاثة أشياء فيقاس عليه ما في معناها:
أولها: الغسل للتنظيف فيقاس عليه أخذ الشعر والظفر.
والثاني: التطيب فيقاس عليه تطيب الثياب التي تلبسها.
والثالث: السواك لإزالة الرائحة الكريهة فيقاس عليه استعمال المرتك وكل ما يزيل ويقطع تغير الفم من جميع جسده.
وجملة ذلك سبعة أشياء: الغسل، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، والسواك، وما يزيل عن نفسه الروائح الكريهة، ولبس أحسن ما يجد من الثياب، والطيب.
وقال في "الأم": واستحب له ذلك في كل عيد وأمره به وأحبه في كل صلاة جماعة، وان كنت له أشد استحباباً في الأعياد والجمع.
فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجال لبس البياض، فإن جاوز البياض فعصب اليمن، وهي البرود المخططة والقطري، وهو نوع من الكتان.
وقال الأزهري رحمه الله: القطري هي ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، هي منسوبة إلى قطر، وهو موضع بين عمان وسيف البحر وإنما كان كذلك؛ لأنه يصبغ بمنزله ولا يصبغ بعد التسبيح فأما ما يصبغ بعد التسبيح مكروه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه قط، وكذلك الخلفاء الراشدين.
وأما السواد فلا يستحب لبسه مع وجود البياض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبس السواد إلا يوم فتح مكة، فإنه دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء ويجوز أن يكون قد تعذر في تلك الحال البياض، وهذا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحب الثياب إلى الله تعالى البياض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم".
وروى سمرة بن جناب رضي الله عنه أن
الجزء: 2 - الصفحة: 415
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب" وروي "خير ثيابكم البيض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم".
وقال بعض أصحابنا: يجوز لبس السواد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقيم بعمامة سوداء ويرتدي بإزار أسحمي"، وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعاراً لهم، ولأن الراية التي عقدت للعباس رضي الله عنه يوم فتح مكة ويوم حنين كانت سوداء، وكانت راية الأنصار صفراء فينبغي للإمام [164 أ/ 3] أن يلبس السواد إذا كان السلطان له مؤثراً لما في تركه من مخالفته ويعتبر شعاره ذكره في "الحاوي".
وجميع ما ذكرنا للرجال من النظافة فإنه يستحب للنساء إلا الطيب وما يستهدن به من الثياب، قال - صلى الله عليه وسلم -: "طيب النسا، ما ظهر لونه وخفيت رائحته، وطيب الرجال ما ظهرت رائحته وخفي لونه".
وفي لفظ: "طيب الرجل ما ظهر ريحه وبطن لونه، وطيب النساء المرأة ما ظهر لونه وبطن ريحه"، وقال: "إنهن يحضرن الذكر والصلاة وليحضرن بثلاث غير عطرات".
وروي أن امرأة مرت يوم جمعة على أبي هريرة رضي الله عنها فشم منها رائحة المسك، فقال لها: يا أمة الجبار: أين تريدين؟ قالت: الجمعة، فقال: ولها تطيبت؟ قالت: نعم، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرأة خرجت إلى الصلاة متعطرة لم يقبل الله تعالى صلاتها حتى ترجع وتغتسل اغتسالها من الجنابة"، فرجعت تلك المرأة.
فرع
قال في "الأم": واستحب هذا للعبد والصبيان كما استحب للرجال وهذا لأنهم من جنس الرجال الأحرار.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويستحب للإمام من النظافة والزينة أكثر مما [164 ب/ 3] يستحب لسائر الناس؛ لأن الإمام يتقدم على الناس ويقتدي به، قال: وأحب له أن يقيم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم ويستحب أن يرتدي فإنه صلى - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم كان يرتدي ببرد.
الجزء: 2 - الصفحة: 416
فَرْعٌ آخرُ
قال: واستحب كثرة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل حال، وأما في يوم الجمعة وليلتها أشد استحباباً قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أقربكم مني مجلساً في الجنة أكثركم صلاة عليّ فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر".
قال الشافعي رحمه الله: هما ليلة الجمعة ويوم الجمعة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى عليّ ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضيت له مئة حاجة سبعون من حوائج الآخرة، وثلاثون من حوائج الدنيا"، وروى أوس رضي الله عنه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضه عليّ" قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك.
وقد ارمت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء" وقوله: أرمت أي: بليت وأصله أرممت، أي صرت رميما.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب [165 أ/ 3] قراءة سورة الكهف ليلة لجمعة ويومها.
روى عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة"، وروي أنه قال: "من قرأ سورة الكهف وقي فتنة الدجال"، وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أصابه من النور ما بين الجمعتين"، وهذا كله.
لأجل فضل هذا اليوم.
قال سعيد بن المسيب رحمه الله: ما من يوم أحب أن أموت فيه ضحى إلا يوم الجمعة، وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة من غير ضرورة كان منافقاً في كتاب لا يمحى ولا يبدل"، وروي عن أبي جعد الضمري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات متهاوناً بها طبع الله على قلبه".
اورده ابو عيسى الترمذي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، وروي عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه "كان إذا صلى
الجزء: 2 - الصفحة: 417
الجمعة انصرف يصلي سجدتين في بيته" وقال: كان [165 ب/ 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً"، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه "كان يصلي قبل الجمعة أربعاً ويصلي بعدها أربعاً"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه "أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً" وبقول ابن مسعود قال الثوري وابن المبارك، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين تلفيقاً بين الخبرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد قال عطاء: رأيت ابن عمر رضي الله عنه صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعاً.
فرع
يكره أن يصلي السنة بعد الجمعة من غير أن يفصل بينهما بالرجوع إلى وطنه، أو انتقال إلى مكان آخر أو كلام لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته" وقال نافع بن جبير: صليت مع معاوية رضي الله عنه في المقصورة فلما سلمت قمت في مقامي فصليت فأرسل إلي [166 أ/ 3] معاوية.
أما بعد إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن لا تفضل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج".
فرع
قلت: يستحب أن يكثر فيه من الدعاء، لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء فلعله يصادف ذلك، ثم رأيت عن بعض أصحابنا مثله، وقد ذكرنا ما قبل من الأخبار في تلك الساعة.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس".
وبهذا يقول أحمد وإسحاق رحمهما الله.
وقال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة أنها بعد العصر وترجى بعد زوال الشمس، وروي عن عبد الرحمن بن عوف المزني أنهم قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أية ساعة هي؟ قال: "حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها".
وقال عبد الله بن سلام: أنا أعلم تلك الساعة هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، فقيل له: كيف تكون بعد العصر؟ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال [166 ب/ 3] عبد الله: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة " قال: بلى قال: فهو ذاك.
الجزء: 2 - الصفحة: 418