بحر المذهب للرويانيكتاب قسم الفيء وقسم الغنائم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب قسم الفيء وقسم الغنائم

مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "أصل ما يقوم به الولاة من جمل المال ثلاثة وجوه أحدها ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصقات لا لأهل الفيء والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله فأحدهما الغنيمة قال تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] الآية: والوجه الثاني هو الفيء قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:7] الآية.
قال الشافعي رحمه الله: "فالغنمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعها لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معاً سواء ئم تفترق الأحكام في الأربعة أخماس الغنيمة بما بين الله تبارك وتعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة على ما وصفت من قسم الغنيمة وهي الموجف عليها بالخيل والركات لمن حضر من غني وفقير والفيء هو ما لم يوجف عليه بخيل وركاب فكانت سنة رسول الله في قرى عربية أفاءها الله عليه أربعة أخماسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون المسلمين يضعه حيث أراه الله تعالى قال: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث اختصم إليه العباسي وعلي - رضي الله عنه - في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون المسلمين فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح عده في سبيل الله ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فوليتكماها على أن تعملا فيها بمثل ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفيكماها.
قال الشافعي: وفي ذلك دلالة على أن عمر - رضي الله عنه - حكي أن أبا بكر وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ها رأيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به فيها وأنه لم يكن لهما مما لم يوجف عليه من الفيء ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما فيه أسوة المسلمين وكذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما وقد مضي من كان ينفق عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أعلم أحداً من أهل العلم.
قال: إن ذلك لورثتهم ولا خالف

الجزء: 6 - الصفحة: 222

في أن تجعل تلك النفقات حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل فضول غلات ملك الأموال فيما فيه صلاح للإسلام وأهله مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقتسمن ورثتي ديناراً ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" قال: فما صار في أيدي المسلمين من فيء، لم يوجف عليه فخمسه حيث قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأربعة أخماسه على ما سأبينه وكذلك ما أخذ من مشرك من جزية وصلح عن أرضهم أو أخذ من أموالهم إذا اختلفوا في بلاد المسلمين أو مات منهم ميت لا وارث له أو ما أشبه هذا مما أخذه الولاة من المشركين فالخمس فيه ثابت على من قسمه الله له من أهل الخمس الموجف عليه من الغنيمة وهذا هو المسمى في كتاب الله تبارك وتعالى الفيء وفتح في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوح من قرى عربية وعدها الله ورسوله قبل فتحها فأمضاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سماها الله له ولم يحبس منها ما حبس من القرى التي كانت له - صلى الله عليه وسلم - ومعنى قول عمر لرسول الله خاصة يريد ما كان يكون للموجفين وذلك أربعة اخماس فاستدللنا بذلك أن خمس ذلك كخمس ما أوجف عليه لأهله وجملة الفيء ما رده الله على أهل دينه من مال من خالف دينه".
قال في الحاوي: أما الغنيمة من الغنم، والغنم مستفاد بغير بدل، قال امرؤ القيس 2: وقد طوفت في الأفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وأما الفيء: فهو الرجوع ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه﴾ [الحجرات:9] أي ترجح، ولذلك قيل لما بعد الزوال من الظل فيء لرجوعه والأنفال لما قبل الزوال فيء، إلا على وجه المجاز، قال امرؤ القيس 3: تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الطلح عرمضها طامي والغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً- بقتال - بإيقاف خيل أو ركاب سمي غنيمة، لاستفتاحه بغير بدل.
والفيء: كل ما أخذ من المشركين عفواً بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب.
سمي فيئاً لرجوعه إلى أولياء الله تعالى وأهل طاعته بعد خروجه عنهم إلى أعدائه وأهل معصيته.

الجزء: 6 - الصفحة: 223

وقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين، والفيء، ما ظهر عليه من الأرضين، وهذا قول شذ به عن الكافة فكان مطرحاً معمل في الفيء من قول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:7]، ولم يقل من القرى.
والأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:7] الآية.
فصل وقد كانت الغنيمة محرمة على من تقدم من الأنبياء، وكانت تجمع فتنزل نار من السماء فتحرقها إلى أن أحلها الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي" إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم" 4 الحديث.
فجعلها الله تعالى في صدر الإسلام ملكاً لرسوله - صلى الله عليه وسلم - خالصاً دون غيره بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: 1] والأنفال: هي: الغنائم؛ لأن النفل في كلامهم هو الزيادة من الخير، ومنه صلاة النافلة، وقال لبيد بن ربيعة 5. إن تقوى ربنا حير نفل وبإذن الله ريثي والعجل فسميت الغنائم أنفالاً، لأنها زيادة مال مستفاد، وفي السبب الذي نزلت هذه الآية من أجله ثلاثة أقاويل: أحدهما: أن أهل بدر شكوا في غنائمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ [الأنفال:1].
ولم يعلموا حكم إباحتها وحظرها حتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1].
والثاني: أن شبان المقاتلة يوم بدر تسارعوا إلى القتال، وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله عليهم مال الشبان: نحن أحق بالغنائم لقتالنا، وقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردا، لكم، فانزل الله تعالى هذه الآية فيهم 6. والثالث: أن من شهد بدراً من المهاجرين والأنصار اختلفوا وكانوا أثلاثاً في الغنائم أيهم أحق بها فنزلت هذه الآية فيهم، وجعلها الله ولرسوله دونهم حسماً لتنازعهم، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم على رأيه واجتهاده وأدخل منهم ثمانية لم يشهدوا بدراً، منهم عثمان بن عفان، وطلحة - رضي الله عنهم - أما عثمان فلتشاغله بتمريض زوجته رقية بنت

الجزء: 6 - الصفحة: 224

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما طلحة فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان أنفذه ليتعرف خبر العير وأبي سفيان، ثم أن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله سبحانه: أضاف إنه تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسه لرسوله س ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
الآية، فلما أضاف الله تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسة لرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] دل على أن الباقي من أربعة أخماسه مالك للغانمين كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:11].
فدل إضافة المال إليهما على استثناء الثلث منه لللأم يوجب أن يكون الباقي للأب، ثم يدل على ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - تارة موقوفاً 7 عليه وتارة مسنداً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فصار مال الغنيمة مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، خمسة منها لأهل الخمس وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذوي القربى، واليتامى، والمساكين وابن السبيل، وفيه خلاف يذكر من بعد وأربعة أخماسه وهو عشرون سهماً تقسم بين الغانمين لا يجوز أن يشاركهم فيه غيرهم، ولا يفضل ذو غنى على غيره، فهذا حكم مال الغنيمة.
فصل وأمال مال الفيء، وهي الأموال الواصلة من المشركين بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، كالذي انجلى عنه المشركون خوفاً ورعباً، كالأموال التي صالحونا بها عن أنفسهم وديارهم، وأموالهم استكفافاَ وتورعاً، والمأخوذة من عشور أموالهم إذا دخلوا علينا فجاراً والجزية التي نقرهم بها في دارنا، وقال: الخراج المضروب على أراضيهم، والأرضين المأخوذة عفواً منهم، وقال: من مات في دارنا ولا وارث له منهم، كل ذلك فيء، لأنه واصل بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، هذا هو المنصوص عليه من مذهب الشافعي في الجديد، وله في القديم قول آخر: أن الفيء في جميع ذلك ما انجلى عنه المشركون من ذلك خوفاً ورعباً، لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:7] وما سواه من الجزية والخراج وعشور تجارتهم وميراث من مات منهم لا يكون فيئاً، ويكون مصروفاً في المصالح ولا يخمس، والقول الأول من قوله أصح، لاستواء جميعها في الوصول إلينا بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان جميع ذلك فيئاً فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر الإسلام يملك جميع الفيء كما ملك جميع الغنيمة، ولذلك ملك أموال بني النضير، فكانت مما أفاء الله عز وجل عليه لم يشاركه فيها أحد وصارت من صدقاته التي تصدق بها إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:7] الاية،

الجزء: 6 - الصفحة: 225

فاختلف الناس حينئذ، فيما استقر حكم الفيء، عليه على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: أن مال الفيء مصروف في وجوه المصالح ولا يخمس استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرفه فيها.
والثاني: وهو قول مالك: أن مال الفيء مقسوم على خمسة أسهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأحد أهل الخمس، ولا يختص بأربعة أخماسه، واستدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" 8. والثالث: وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه -: أن خمسه مقسوم على خمسة، منها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأربعة أخماسه له خاصةء فيكون جميع مال الفيء مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، منها أحد وعشرين سهماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأربعة أسهم هي لأربعة أصناف هم: ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:7] فأضاف الله تعالى الفيء إلى رسوله كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى من استثناء في سهم الغانمين فوجب أن يكون إطلاق ما جعل له من الفيء محمولاً على المقدار المجهول لهم من الغنيمة وهو الخمس، ويكون الباقي بعده، لمن أضاف المال إليه وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليه وهم الغانمون.
وروى الشافعي قال: سمعت ابن عيينة يحدث عن الزهري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول: سمعت عمر بن الخطاب، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب يختصمان إليه في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصاً دون المسلمين، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله 9، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر - رضي الله عنه - بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ثم سألتماني أن أوليكماها فوليتكماها على أن لا تعملا فيها إلا بمثل ما وليها به رسول - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ثم وليتماها ثم جئتماني تختصمان، أتريدان أن أدفع إلى كل واحل منكما نصفاً أتريدان مني قضاء غير ما قضيت بينكما، أو لا؟ فلا والذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، لا أقضي بينكما قضا، غير هذا فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي اكفيكماها فوجه الدلالة أن هذا الخبر يقتضي كل مرة بأن جميع الفيء، ملك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظاهر الآية تال على أن كل الفيء مقسوم على خمسة فاقتضى الجمع بينهما أن يكون معنى

الجزء: 6 - الصفحة: 226

الخبر أن أربعة أخماسه خالص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنى الآية أن خمسه مقسوم على خمسة حتى يستعمل على وجه لا يتنافيا ولا يسقط واحد منهما بالآخر، ثم يدل على أبي حنيفة أن ما يملك من المشركين لم يكن جميعه خمساً كالغنيمة، ثم يدل عليها أنه لما كان أربعة أخماس الغنيمة ملكاً للغانمين للوصول إليها بالرعب من المقاتلة وجب أن يكون أربعة أخماس الفيء ملكاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوصول إليه بالرعب منه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نصرت بالرعب فالعدو يرهبني مسيرة شهر أو شهرين" 10. فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرف ذلك في المصالح، فهو أن أمواله كان يصرفها في طاعة الله، ولا يدل لقربه إلى الله تعالى بها على أنه غير مالك لها.
وأما الجواب عن استدلال مالك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس" فهو أنه محمول على الغنيمة دون الفيء؛ لأنه أضاف ذلك إلينا، والغنيمة هي المضافة إلينا، فأما الفيء، فهو مضاف إليه لا إلينا.
فصل فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الغنيمة والفيء فالذي ملك الله تعالى رسوله منهما مما يبين.
أحدهما: خمس الخمس من الفيء والغنيمة.
والثاني: أربعة أخماس الفيء، فأما الصغر من الغنيمة فقد كان مخصوصاً به، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس، وما جرى مجرى ذلك، وكانت صفية بنت حيي مما اصطفاها لنفسه بخيبر، ثم أعتقها وتزوجها وقيل: إنها سميت صفية لأنه اصطفاها لنفسه، وكانت الصفايا مما يختص بها ملوك العرب من جاهلية، ومنه قول الشاعر 11: لك المرباع فيها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول فصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالكاً لربعة أموال، مالين من الغنيمة، وهو خمس الخمس، والصغى، ومالين من الفيء وهو خمس، وأربعة أخماسه.
فأما حكم ذلك بعد وفاته فهو أن ما كان قد ملكه من ذلك في حياته كأموال بني

الجزء: 6 - الصفحة: 227

النضير، والنصف من فدك، والثلث من وادي القرى، وثلثه حصون من خيبر الكتيبة، والوطيح، والسلالم فهذه صدقة تصدق بها في حياته لا تورث عنه، وما ملك من ذلك بعد وفاته فسهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة مصروف بعده في المصالح من الكراع والسلاح، وأرزاق المقاتلة والقضاة والأئمة، وعمارات المساجد، وقناطر السائلة، وأما سهمه من أربعة أخماس الفيء ففي مصرفه قولان: أحدهما: في المقاتلة من الجيش الذي يذبون عن البيضة ويمنعون عن الحرفة ويجاهدون العدو، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ملكه في حياته لرعب العدو منه ورعب العدو بعده من الجيش المقاتلة، فملكوه بعده ما ملكه، فعلى هذا يصرف جميعه فيهم وإن فضل عن كفايتهم ولا يصرف منه شي، في غير ذلك من وجوه المصالح.
والثاني: أنه يصرف جميعه في المصالح كلها، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يملك ذلك ويصرفه فيها، فمن المصالح إعطاء الجيشء وأرزاق المقاتلة، وما قدمناه ذكر مما فيه إعزاز الإسلام وصلاح المسلمين، فعلى هذا لا تزداد جيوش المقاتلة على قدر كفاياتهم، لخروج الزيادة عن المصالحة، وأما الصفى فقد سقط حكمه وبطل أن يستحقه أحد بعده.
فصل فإذا تقرر أن سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده من الفيء والغنيمة مصروف فيما وصغنا فالإمام الناظر فيه كأحد أهل الجيش فيما يستحق منهء وهو قدر كفايته، يأخذه رزقاً كأرزاق الجيش.
وقال: لا يملك الإمام بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الفيء والغنيمة ما كان يملكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصير مالكاً لخمس الخمس من الفيء والغنيمة، ولأربعة أخماس الفيء استدلالاً برواية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه إلا جعلها للذي أتى بعده 12. وهذا القول خطأ، والدليل على فساده قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" 13 فصار مردوداً عليها بعد موته لا على الخليفة من بعده، ولأن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من بعده لم يتملكوا من ذلك ما كان يملكه، فانعقد به الإجماع على رد ما خالفه.
فأما الخبر المستدل به فمعناه: ما أطعم الله نبياً طعمة إلا جعل النظر فيها لمن يأتي بده لا ملكاً له.
فصل فإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يورث، وأن الخليفة بعده لا يملكه ثبت من التعليل الذي

الجزء: 6 - الصفحة: 228

ذكرناه أن مصرفه فيما وصفناه، فإذا كان كذلك فالفيء والغنيمة يجتمعان من وجهين، ويفترقان من وجهين، فأما وجها الاجتماع.
فأحدهما: أن كل واحد منهما مأخوذ من مشرك.
والثاني: أن كل واحد منهما بخمس.
وقال أبو حنيفة: مال الفيء لا يخمس، وفي نص الآية ما يدفع قوله.
وأما وجه الافتراق: فأحدهما: في الاسم، فإن كل واحد منهما يختص باسم والثاني: في حكم أربعة أخماسها فإن مصرفهما مختلف.
فصل فأما قول الشافعي في صدر هذا الباب "أصل ما يقوم به الولاة من جعل المال ثلاثة وجوه: أحدها: ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصدقات لا لأهل الفيء، والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك، وكلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله" فجعله نظر الإمام في الأموال مختص بثلاثة أموال: أحدها: ما أخذ من المسلمين من صدقات أموالهم تطهيراً لهم وهي الزكاة.
والثاني: ما أخذ من المشركين عنوه وهو الغنيمة.
والثالث: ما أخذ من المشركين عفواً وهو الفيء، وكل واحد من هذه الأموال الثلاثة منصوص في كتاب الله عز وجل على وجوبه وجهة مصرفه، وليس قيام الإمام به إلا قيام نيابة إلا أنه في الزكاة ينوب عن معطيها ومستحقها معاً، وفي الفيء والغنيمة ينوب عن مستحقها دون معطيها، لأن نيابته عن المسلمين لا عن المشركين، ثم إن أصحابنا اعترضوا على هذا الفصل، من كلام الشافعي من وجهين: أحدهما: قالوا: قد جعل الشافعي نظر الإمام مقصوراً على النظر في ثلاثة أموال، وقد ينظر الإمام في الموات وفي المعادن الباطنة، والجواب عنه أنه إنما قد خص الأموال الثلاثة بنظره لاختصاص وجوبها لكتاب الله وتعين مستحقها في كتاب الله وليس غيرها مساوياً لها في هذين الحكمين فتميزت في نظره.
والثاني: أن قالوا: قد جعل الإمام مختصاً بالولاية على الصدقات ولو أخرجها أربابها أجزاء فلم يكن يختص بالولاية عليها، والجواب عنه أن يقال لهم أما الأموال الباطنة، وإن جاز لأربابها أن ينفردوا بإخراجها فولايته فيها على من امتنع من أدائها أن يأخذها منه جبراً فلو لم يكن له ولاية عليها لما اعترض عليهم في أخذها جبراً منهم، وأما الأموال الظاهرة قولان: أحدهما: أنه لا يصح من أربابها أن ينفردوا بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته عامة

الجزء: 6 - الصفحة: 229

على المعطي والممتنع.
والثاني: أن يصح منهم أن ينفردواً بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته خاصة على الممتنع دون المعطي، والله أعلم.

باب الأنفال

مسألة 14 قال الشافعي رحمه الله: "ولا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب للقاتل، قال أبو قتادة - رضي الله عنه -: خرجنا مع رسول الله عام حنين.
قال: فلما التقنيا كانت المسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين.
قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها رمح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر.
فقال: ما بال الناس؟ قلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت من يشهد لي؟ ثم جلست يقول وأقول ثلاث مرات.
فقال - صلى الله عليه وسلم - "ومالك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة فعال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه.
فقال أبو بكر - رضي الله عنه - لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صدق فأعطه إياه" فأعطانيه فبعت الدرع واتبعت به مخرفاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام 15. وروي أن شبر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد".
قال في الحاوي: وهذا كما قال من قتل من المسلمين مشركاً في معركة الحرب فله سلبه، سواء شرطه الإمام له أو لم يشترطه، ولا يخمسه.
وقال أبو حنيفة: ليس له سلبه إلا أن يشترطه الإمام له فيعطيه للشرط من جملة الخمس استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41].
ورواية معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفى إمامه" وبرواية عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني رجل من أهل اليمن فقتل رومياً فأخذ سلبه، فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلي، لكن استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن

الجزء: 6 - الصفحة: 230

يرده، فاجتمعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصمت عليه قصة اليمنى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خالد اردده عليه قال عوف: فقلت يا خالد ألم أقل لك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما ذاك" فأخبرته فغضب وقال: "يا خالد لا ترده عليه، هل أنتم تاركون لي أمراي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" 16. قال أصحاب أبي حنيفة: فلو استحقه القاتل لما استجاز أن يمنعه منه لغضب ولا غيره، قالوا: وتد روي أن معاذ بن عوف ومعاذ بن عمرو قتلا أبا جهل يوم بدر فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - سلبه معاذ بن عمرو، فلو كان للقاتل من خص به أحدهما.
واستدلوا من طريق القياس بأن قالوا: كل مال يستحق بالتحريض على القتال يجب أن يتعلق استحقاقه بشرط الإمام كالنفل، ولأن السلب لو استحق بالقتل لوجب إذا قتل مولياً أو رماه من صفة بسهم فقتله أن يستحق سلبه، فلما ثبت أنه لا يستحقه مع وجود القتل ثبت أنه لا يستحق بالقتل، ولأن السلب لو صار بالقتل ملكاً للقاتل لوجب إذا وجد قتيلاً عليه سلب لا يعرف قاتله أن لا يغم به؛ لأنه قد صار ملكاً لمسلم لا يعرف، وفي إجماعهم على قسمة في الغنيمة دليل ملى أنه غير مستحق بالقتل.
ودليلنا ما رواه أبو مالك الأشجعي عن نعيم بن أبي هد عن سمرة بن جندب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً نله سلبه" وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: "من قتل كافراً فله سلبه" 17 فقتل أبو طلحة الأنصاري يومئذ عشرين كافراً فأخذ أسلابهم.
ووجه الدليل من هذا الخبر: أنه ابتداء شرع بين فيه فاستحق به السلب وهو القتل، واعتمد الشافعي على ما رواه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كير عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال: خرجا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، قال: فضربته على حبل عاتقه ضربة، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقلت له: ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي؟ فجلست ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مالك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فارضه عني، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لا هلم الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فأعطه إياه" قال أبو قتادة

الجزء: 6 - الصفحة: 231

فأعطانيه فبعث الدرع فابتعت به مخرقاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام، ووجه الدلالة منه أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ذلك بعد الوقعة، وإجازة الغنيمة وبعد قتل أبي قتادة للكافر، فعلم أنه يستحق بالقتل لا بالشرط، فإن حملوا على شرط تقدم منه لم يصح من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إثبات ما لم ينقل.
والثاني: أنه بيان شرع وإن تقام كما يكون بيانه، لأنه نقل سبب علق عليه حكم.
والثالث: أنه لو تقدم شرط لأخذه أبو قتادة ولم يدعيه أو لا يشهد لنفسه على قتله، فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل السلب للقاتل بالبينة، وقد أعطاه أبا قتادة بغير بينة فدل على أنه أعطاه نفلاً لاحقاً، فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن من كان يده على السلب فقد صدقه فلم يحتج إلي بينة.
والثاني: روى أنه شهد لأبي قتادة اثنان عبد الله بن أنيس والأسود بن خزاعي، ويدل عليه من القياس أنه مال مغنوم، يستحق بسبب لا يفتقر تقديره إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يعتبر فيه شرط الإمام لسهم الغانمين طرداً أو النقل عكساً؛ ولأنه ذو سهم تحرر بنفسه في قتل كافر فقاتل فوجب أن يستحق سلبه قياساً عليه إذا شرطه الإمام له، وأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدهما: أن السلب خارج فيها؛ لأنه قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] وليس السلب ما غنموه وإنما غنمه أحدهم.
والثاني: أنه بيان لما فيه من الإجمال، وأما الجواب عن قوله: ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمام فمن وجهين: أحدهما: أن نفس الإمام إمام الأئمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد طابت به فكانت أوكد من أن تطيب به نفس إمام من بعده.
والثاني: أنه عام يحمل على النفل، ويخص منه السلب، وأما حديث عوف بن مالك فهو دلل لنا من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن عوفاً وخالد اتفقا على أن السلب للقاتل، ولكن استكثره خالد، واستحقاق السلب لا يسقط بالكثرة.
والثاني: أن عوفاً حين أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل عن الشرط.
والثالث: أنه أمر خالداً برده على القاتل، فأما قوله لخالد حين غضب: "لا ترده" فتأديب منه لعوف حتى لا ينبسط الرعايا على الأمراء، ويحتمل أن يكون قد رده من بعد.
وأما الجواب عن إعطائه سلب أبي جعل لأحد قاتليه فالمروي أن ابني عفراء اثخنا أبا جهل جراحاً، وخر صريعاً فأتاه ابن مسعود ليجز رأسه، فقال له أبو جهل: من أنت؟ فقال ابن مسعود، فقال له أبو جهل: ابن أم عبد رويعينا بالأمس فمكن يديك وجز الرقبة مع الرأس إذا لقيت أمك فأخبرها أنك قتلت أبا الحكم ففعل ذلك، وأخذ رأسه مع

الجزء: 6 - الصفحة: 232

الرقبة، وكان قصد أبي جهل أن يكون ذلك أبهى لرأسه، ثم أخبر أمه بذلك فقالت: والله أعتق تسعين رجلاً من قومك، ودفع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ابني عفراء أو إلى أحدهما 18 بحسب اختلاف الرواية؛ لأنه قد كان أثخنه بالجراح وبإثخان المقتول يستحق السلب لا بإماتة نفسه وروحه وأما الجواب عن قياسهم على النفل فالمعنى فيه افتقار النفل إلى تقدير الإمام، وليس كذلك السلب.
وأما الجواب عن قولهم: لو كان مستحقاً بالقتل لاستحقه إذا قتله مولياً أو رماه بسهم، فهو أنه مستحق بقتل على صفة وهو أن يكون للقاتل مغراراً بنفسه ويكف شر المقتول بقتله، وهو إذا رماه لم يغرر، وإذا قتله مولياً فقد كف المولى شر نفسه، ألا تراه لو استحقه بشرط الإمام لم يستحقه، إلا على علي هذه الصفة، وأما الجواب عن قولهم: لو كان السلب مستحقاً بالقتل لوجب أن لا يغنم سلب مقتول لا يعرف قاتله فهو أنه قد يستحق بقتل على صفة لم يغنم بغنيمة فيمنع من قسمه، فلذلك قسم، ألا ترى لو شرطه الإمام لكان مغنوماً إذا لم يتيقن مستحقه؛ لجواز أن يكون القتل على صفة لا يستحق بها.
فصل وأما مالك فاستدل على تخميس السلب بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] ولأنه مال مغنوم فأشبه الغنائم، ودليلنا ما قدمناه من الأخبار من إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - السلب من غير تخميس.
وروي أن سلمة بن الأكوع قتل رجلاً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتله؟ قالوا: سلمة بن الأكوع قال: له سلبه" 19. وهذا نص.
وروى سفيان عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة قال: قتلت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد" 20؛ ولأن أهل الغنيمة أقوى من أهل الخمس لأمرين: أحدهما: كثر سهمهم.
والثاني: حضورهم الوقعة مع القتل، ثم كانوا مع قربهم لا يشاركون القاتل في السلب، فلأن لا يشاركه أهل الخمس الذين هو أضعف أولى، والجواب عن الآية قد مضى وقياسهم على الغنيمة مدفوع بهذا الاستدلال.
فصل فإذا ثبت أن السلب للقاتل من غير تخميس فهو له من أصل الغنيمة قليلاً، كان أو

الجزء: 6 - الصفحة: 233

كثيراً وقال بعض أهل العراق: هو له في الخمس سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المعد لوجوه المصالح، فإن زاد السلب عليه ردت الزيادة إلى القسمة اعتباراً بالنفل المستحق من الخمس، وهذا غير صحيح؛ لأن قتيل سلمة بن الأكوع جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلبه له أجمع، وكان جميع الغنيمة - لأنه لم يغنم سواه، ولأن ما استحق من غير اجتهاد ولا شرط كان من أصل الغنيمة دون الخمس كالسهام، وخالف النفل الذي لا يستحق إلا باجتهاد أو شرط.
فصل فإذا صح ما وصفنا من استحقاق السلب من أصل الغنيمة من غير تخميس، فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه: هل هو ابتداء عطية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو بيان لمجمل الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] على قولين: أحدهما: أنه ابتداء عطية.
والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، ولهذا القولين بيان نذكره من بعد، والله أعلم مسألة 21 قال الشافعي رحمه الله: "فالذي لا أشك فيه أن يعطى السلب من قتل مشركاً مقبلاً مقاتلا من أي جهة قتله مبارزاً أو غير مبارز وقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - سلب مرحب من قتله مبارزاً وأبو قتادة غير مبارز ولكن المقتولين مقبلان ولقتلهما مقبلين والحرب قائمة مؤنه ليست له إذا انهزموا أو انهزم المقتول وفي حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - دل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل قتيلا له عليه بينه" يوم حنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك حكم عندنا.
قال الشافعي: ولو ضربه ضربة فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فمان سلبه للأول وإن ضربة وهو ممتنع فقتله آخر كان سلباً للآخر ولو قتله اثنان كان سلبه بينهما نصفين وهذا صحيح".
قال في الحاوي: إذا ثبت أن السلب للقاتل من أصل الغنيمة من غير تخميس فاستحقاق القاتل معتبر بأربعة شروط: أحدها: أن تكون الحرب قائمة والقتال مستمراً، فإن قتله بعد انقضاء الحرب وانجلاء الواقعة فلا سلب له.
والثاني: أن يكون المقتول مقبلاً على الحرب، سواء كان يقاتل أو لا يقاتل: لأنه وإن لم يقاتل فهو رد لمن تقاتل، فأما إن قتله وهو مولي عن الحرب تاركاً لها فلا سلب له إلا أن يكون قد فر فيكون له سلبه؛ لأن الحرب كر وفر، ولكن فرق بين أن يقتله من أمامه أو من وارثه في استحقاق سلبه؛ لأن أبا قتادة قتل المشرك الذي أخذ سلبه من ورائه.

الجزء: 6 - الصفحة: 234

والثالث: أن يكون القاتل في قتله مغرراً بنفسه إما بأن يقتله مبارزة أو غير مبارزة، وإذا خرج القاتل عن صفة فغرر، فأما إذا قتله من الصف بسهم رماه فلا سلب له.
والرابع: أن يكون المقتول ممتنعاً بسلامة خمسه حتى قتل ليكون في القتل كف لشره وأما أن كان قد صار بجراح قد تقدمت غير ممتنع فسلبه لمن كفه ومعه دون من قتله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى سلب أبي جهل ابن عفراء دون ابن مسعود وإن كان هو القاتل؛ لأنهما صرعاه فجرحاه وكفاه عن القتال، وصفة الكف الذي يتعلق به استحقاق السلب أن يجتمع شرطان: أحدهما: أن يناله من الجراح ما يعجز معه عن القتال فيصير به مكفوف الشر، وسواء قطع أطرافه الأربعة أو بعضها أو كان الجراح في غير أطرافه، وقد روى المزني: ولو ضربه فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فإن سلبه الأول" وروى الربيع: "ولو ضربه فقطع يديه ورجليه" وليس ذلك على اختلاف قولين فيما يصير به مكفوفاً كما وهم فيه بعض أصحابنا، وإنما الاعتبار فيه بأن يصير بالجراح عاجزاً عن القتال صريعاً.
والثاني: أن لا تطول به مدة الحياة بعد الجراح، فيكفي شر رأيه وتدبيره فيصير باجتماع هذين الشرطين سلبه للجارح الأول دون الثاني القاتل.
وأما إن جرحه لا تطول مدة الحياة بعدها لكنه قد يقاتل معه فلا سلب لجارحه؛ لأن ما كفى شر قتاله والسلب لقاتله ولو ناله بالجراح ما كفه عن القتال وأعجزه عنه أبداً، لكن طالب به مدة الحياة بعدة ففي سلبه قولان من قتل الشيوخ: أحدهما: السلب لجارحه دون قاتله إذا قيل إن الشيوخ والرهبان لا يقتلون.
والثاني: لقاتله دون جارحه إذا قيل يقتلون، فهذه الشروط التي ذكرنا يستحق السلب بها، وقال أبو داود وأبو ثور: "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا خطأ: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى سلب أبي جهل لابن عفراء دون ابن مسعود، وان كان قاتلاً، وقيل: إنه تقلد منه سيفه وحده.
مسألة 22 قال الشافعي: رحمه الله: "والسلب الذي يكون للقاتل كل ثوب يكون عليه وسلاحاً ومنطقته وفرسه إن كان راكبه أو ممسكه وكل ما أخذ من يده".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان السلب مستحقاً بالقتل الذي وصفناه انتقل الكلام فيه إلى ثلاثة فصول: أحدها: فيمن يستحق السلب من القاتلين.
والثاني: فيمن يستحق سلبه عن المقتولين.

الجزء: 6 - الصفحة: 235

والثالث: فيما يكون سلباً مستحقاً بالقتل.
فأما الفصل الأول وهو: القاتل الذي يستحق السلب فهو كل ذي سهم في الغنيمة من فارس وراجل فله سلب قتيله.
فأما من لا سهم له في الغنيمة فضربان: حدهما: من لا سهم له لكفره.
والثاني: لنقصه.
فأما م سهم له بكفره كالمشرك إذا قتل مشركاً فلا سلب له إن قتل؛ لأن السلب غنيمة نقلها الله تعالى عن المشركين إلى المسلمين فلم يجز أن ينقل عنهم إلى المشركين وإنما يعطون إذا قاتلوا أجراً من سهم المصالح لا سهماً من الغنيمة.
فأما ما لا سهم له لنقصه كالعبيد والصبيان، والنسا، ففي استحقاقهم في السلب قولان مبينان على اختلاف قوليه في السلب، هل هو ابتداء عطية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو بيان لمجمل الآية؟ فإن قيل إنه ابتداء عطية منه - صلى الله عليه وسلم - أعطيه القاتل عبداً كان أو صبياً أو امرأة؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً له سلبه" وإن قيل إنه بيان لمجمل الآية لم يعط العبد والصبي والمرأة وإن كانوا قاتلين؛ لأن تملك السهم من الغنيمة مستحق لمجرد الحضور؛ فلما ضعفوا عن تملكه كانوا عن تملك السلب أضعف، والله أعلم.
فصل وأما ما يستحق سلبه من المقتولين فهم من جاز قتله من المشركين، والمشركون على ثلاثة أقسام: مقاتلة ومن دونهم، من الذرية، ومن فوقهم من الشيوخ والرهبان.
فأما المقاتلة فسلب من قتل سهم لقاتله، لأن قتلهم مباح له، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وأما الذرية وهم النساء والصبيان فإن قاتلوا كان قتلهم مباحاً وللقاتل سلب ما قتله منهم، وإن لم يقاتلوا حرم قتلهم؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والولدان، ولا سلب لقاتلهم؛ لحظر قتلهم عليه لكنه يكون مغنوماً؛ لأنه مال مشرك.
وأما الشيوخ والرهبان فإن قاتلوا جاز قتلهم، وكان للقاتل سلب من قتله منهم وإن لم يقاتلوا ففي جواز قتلهم قولان: أحدهما: يجوز قتلهم، فعلى هذا يكون سلبهم للقاتل.
والثاني: لا يجوز قتلهم، فعلى هذا الأسلوب لقاتلهم ويكون مغنوماً.
فصل وأما ما يستحق سلباً فما ظهر عليه في الوقعة من مال المقتول وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون سلباً، وهو ما كان راكبه من فرسه أو بغير، ومستجناً به من درع

الجزء: 6 - الصفحة: 236

ومغفر ومتق به من ترس ودرقه ومقاتل به من سيف أو رمح، فهذا كله مع ما على الفرس من سرج ولجام، وما على المقتول من حلي ولباس سلب يستحقه القاتل.
والثاني: ما لا يكون سلباً ويكون غنيمة، وهو ما في رحله من مال ورحل وسلاح وخيل، فهذا كله غنيمة يشترك فيها جميع الجيش، ولا يختص القاتل بشيء منه.
والثالث: ما اختلف قوله فيه وهو كلما كانت يده عليه من المعركة قوة على القتال، وإن كان غير مقاتل به في الحال كالفرس الذي بجنبه عدة لقتاله أو هميان النفقة الذي في وسطه قوة ليستعين بها على قتاله ففيه قولان: أحدهما: يكون سلباً؛ لأنه قوة له على قتالنا فصار كالذي يقاتل به.
والثاني: يكون غنيمة ولا يكون سلباً؛ لأنه غير مقاتل به وان كان قوة له كالذي في رحله.
فصل وإذا أسر المسلم مشركاً غرر بنفسه بين الصفين في أسره ولم يقتله ففي استحقاق سلبه قولان: أحدهما: لا يستحقه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا لم يقتله ولا كفى المسلمين شره، فعلى هذا إن قتله بعد أسره فإن كان والحرب قائمة فله سلبه، وإن قتله بعد انقضاء الحرب فعلى وجهين: أحدهما: يستحقه؛ لأنه قتله بسبب كان منه في وقت الحرب.
والثاني: لا سلب له؛ لأن الحرب قد انقطع حكمها بانقضائها.
والثاني: أنه يستحق سلب أسره، وإن لم يقتله؟ لأن تغريره لنفسه في الأسر أعظم، ولأن من قدر على الأسر فهو على القتل أقدر، فإن سلمه إلى الإمام حياً أعطاه الإمام سلبه، وكان مخيراً فيه بين أربعة أقسام: بين أن يقتل، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي، فإن قتله أو من عليه فليس للذي أسره غير سلبه، وإن استرقه أو فادى به على مال كان حكم استرقاقه ومال فدائه كحكم السلب فيكون على قولين: أحدهما: غنيمة إذا قلنا إن السلب مغنوم.
والثاني: لمن أسره إذا قلنا: إن السلب لمن أسره.
مسألة 23 قال الشافعي رحمه الله: "والنقل من وجه آخر نفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غنيمة قبل نجد بعيراً.
وقال سعيد بن المسيب: كانوا يعطون النفل من الخمس.
قال الشافعي رحمه الله: "نفلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من خمسه كما كان يصنع بسائر ماله فيما فيه صلاح

الجزء: 6 - الصفحة: 237

المسلمين وما سوى سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من جميع الخمس لمن سماه الله تعالى فينبغي للإمام أن يجتهد إذا كثر العدو واشتدت شوكته وقل من بإزائه من المسلمين فينقل منه إتباعاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا لم يفعل وقد روي النفل في البداءة والرجعة الثلث في واحدة والربع في الأخرى.
وروى ابن عمر أنه نفل نصف السدس وهذا يدل على أنه ليس للنفل قد لا يجاوزه الإمام ولكن على الاجتهاد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
قد ذكرنا في أول الباب أن النفل في كلامهم هو زيادة من الخير، وهو هاهنا الزيادة من الغنيمة يختص بها بعض الغانمين دون بعض.
وقد تكون من أربعة أوجه: أحدهما: السلب، يستحقه القتل من أصل الغنيمة من غير شرط على ما قدمناه.
والثاني: ما ادعى إلى التحريض على القتال والاجتهاد في الظفر، مثل: أن يقول الإمام أو أمير الجيش من يقدم في السرايا إلى دار الحرب فله كذا وكذا، ومن فتح هذه القلعة فله كذا وكذا، أو من قتل فلاناً فله كذا، أو من أقام كميناً فله كذا، فهذا جائز، سواء جعل ما بذله مقدراً في الغنيمة كقوله: فله ألف دينار أو جعله شائعاً في الغنيمة كقوله: فله ربع الغنيمة أو ثلثها، أو جعله مقدار بالسهم فيها كقوله: فله نصف مثل سهم، كل ذلك سواء، والدليل على جوازه إذا دعت الحاجة إليه ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً او أحد عشر بعيراً ثم نفلوا بعيراً 24. وروى زيد بن حارثة عن حبيب بن مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفل الثلث بعد الخمس في بدائه 25. وروى مكحول عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث 26. وفيه لأصحابنا ثلاثة تأويلات: أحدهما: أن البداءة أن يبتديء بإنفاذ سرية إلى دار الحرب فجعل لها الربع، والرجعة أن ينفذ بعدها سرية ثانية فيجعل لها الثلث فيزيد الثانية، لأنها تدخل بعد علم أهل الحرب بالأولى.
والثاني: أن البداءة أن ينفذ سرية في ابتداء دخوله دار الحرب فيجعل لها الربع، وللرجعة أن ينفذها بعد رجوعه عن دار الحرب، فيجعل لها الثلث؛ لأنها برجوع الجيش

الجزء: 6 - الصفحة: 238

أكثر تغريراً من الأولى؟ والثالث: أن البداءة أن يبتدئ بالقول فيقول من يفتح هذا الحصن وله الربع إما من غنائمه وإما مثل من ربع سهمه فلا يجيبه أحد فيرجع فيقول ثانية من يفتحه وله الثلث فيجاب إليه فيكون القول الأول بداءة والثاني رجعة، وإذا كان كذلك، فليس يتحدد الأقل في البداءة بالربع: لأن ابن عمر روى أنه نفل نصف السدس بعيراً من اثني عشر ولا يتحدد الأكثر في الرجعة بالثلث؛ لأنه معتبر بالحاجة الداعية وكان تقديره في الأقل والأكثر موكلاُ إلى اجتهاد الإمامء ولو أداه اجتهاده إلى أن يبذل في البداءة بدخول الحرب أكثر مما كان ببذله في الرجعة منهما؛ لأن أهل الحرب في البداءة متوفرون وفي الرجعة مهزمون جاز ثم يكون هذا النفل الذي جعل لهم في البداءة والرجعة من سهم المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصروف بعده في وجوه المصالح لرواية أبي الزناد عن سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس يعني خمس الخمس؛ ولأنه مبذول في المصالح فأشبه سائر المصالح؛ ولأنه لما تقدر بشرط الإمام واجتهاده بخلاف السلب كان مأخوذاً من سهم المصالح لأمن أصل الغنيمة بخلاف السلب، وحكى ابن أبي هريرة قولاً ثانياً أنه كالرضخ المستحق من الغنيمة على ما سنذكره: لأن الربع في البدا، ة والثلث في الرجعة أكثر من خمس الخمس: لأن الثلث سهم من ثلاثة، وخمس الخمس سهم من خمسة وعشرين وسهماً وهذا ليس بصحيح، وفيما ذكرناه تأويلان، وهما له جوابان: أحدهما: أنه جعل الربع في البداءة والثلث في الرجعة، مما اختصت تلك السرية بغنيمة وقد يجوز أن يكون ذلك خمس خمس جميع الغنائم ثم التي أجازها جميع الخمس وأقل منه.
والثاني: أنه يجوز أن تكون الزيادة على خمس الخمس تممها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير ذلك من أمواله التي خص بها وهي أربعة أخماس الفيء وخمس وخمسه وما يصطفيه لنفسه.
فصل والوجه الثالث: من النفل وهو الرضخ والرضح من وجهين: أحدهما: ما يرضخ به الإمام لمن لا سهم له من العبيد والصبيان الذين يشهدون الوقيعة والثاني: ما يرضخ به لمن اشتد بلاؤه في الحرب من فارس وراجل زيادة على سهمه لحسن أثره ولا يبلغ بالرضخ الزائد سهم فارس ولا راجل فقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ونفل ابن مسعود سيف أبي جهل ونفل سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيف سعيد بن العاص وكان يسمى ذا الكاشفة وفي الرضخ قولان: أحدهما: من أصل الغنيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 239

والثاني: من أربعة أخماس على ما سنذكره.
فصل والوجه الرابع: من النفل أن يقول الإمام أو أمير الجيش قبل اللقاء: من غنم شيئاً فهو له تحريضاً للمسلمين؛ لما يخاف من كثرة العدو وقوة شوكتهم، فالذي نص عليه الشافعي وهو المشهور من مذهبه، والمعول عليه من قوله أن هذا القول لا يوجب اختصاص كل إنسان بما أخذه، الواجب رد جميعه إلى المغنم، وإخراج خمسه، وقسمة أربعة أخماسه في جميع من شهد الوقعة.
وقال أبو حنيفة: وهذا شرط لازم، ومن أخذ شيئاً فهو له، ولا يخمس؛ لأنهم على ذلك غزواً وبه رضوا.
وقال الشافعي: ولو قاله قائل كان مذهباً، فمن أصحابنا من خرجه قولاً له ثانياً استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: من أخذ شيئاً فهو له ودليل القول الأصح في أن هذا الشرط لا حكم له عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] وقول أبي بكر - رضي الله عنه - موقوفاً عليه ومسنداً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فلم يجز أن يختص بها بعضهم؛ ولأن من استحق الغنيمة من غير شرط الإمام لم يسقط حقه لشرط الإمام كما لو شرطها لغير القائمين.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: "من أخذ شيئاً فهو له" فليس بثابت، ولو ثبت لم يكن فيه دليل؛ لأن غنائم بدر كانت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويضعها حيث شاء حتى جعلها الله تعالى بعد بدر لمن شهدها بعد إخراج خمسها، والله أعلم.

باب تفريق الغنيمة

مسألة 27 قال الشافعي رحمه الله: "كل ما حصل مما غنم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فالإمام فيهم مخير بين أن يمن أو يقتل أو يفادي أو يسبي وسبيل ما سبي أو أخذ منهم من شيء على إطلاقهم سبيل الغنيمة وفادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً برجلين".
قال في الحاوي: اعلم أن جميع ما ظهر عليه المسلمون عنوة من المشركين على ثلاثة أقسام: قسم هي أموال منقولة، وقسم هي أرض ثابتة، وقسم هم آدميون مقهورون، فأما الأموال المنقولة، كالفضة، والذهب، والسلاح، والآلة، والعروض، والأمتعة، والخيل، والرقيق فالواجب إخراج خمسها لأهل الخمس على ما يأتي بيانه ثم يقسم أربعة أخمساها

الجزء: 6 - الصفحة: 240

بين جميع من شهد الواقعة بالسوية من غير تفضيل إلا ما استحقه بفرسه ولا يفضل ذا شجاعة على غيره، ولا من قاتل على من لم يقاتل، ولا يعطى من الغنيمة من لم يشهد الواقعة.
وقال أبو حنيفة للإمام أن يفاضل بينهم في القسم، وليس له أن يعطي من لم يحضر الواقعة استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاضل بين الناس في غنائم حنين.
وقال مالك: يجوز أن يفاضل بينهم، ويعطي منها من لم يحضر معهم استدلالاً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم من غنائم بدر لثمانية لم يشهدوا بدرا منهم: عثمان وطلحة.
والدليل عليهما عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] فاقتضى أن يكون الباقي بعد الخمس لمن غنم كمل قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:11] فدل على أن الباقي للأب إذا اقتضت الآية أن يكون أربعة أخماس الغنيمة للغانمين أوجب بذلك التسوية ما لم يرد نص بالتفضيل وأن لا يشاركهم غيرهم لظاهر التنزيل.
وروى عبد الله بن عمرو أن رجلاً أخذ من المغنم جبة غزل من شعر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أخذت هذه لأصلح بها بردعة بعيري، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما ما كان له ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي بها 28، فلو جاز التفضيل لفضل بهذا القدر اليسير ولأن ما اشتركوا في سبب تملكه أوجب تساويهم في ملكه كالاشتراك في صيد واحتشاش، فأما تفضيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الناس في غنائم حنين، فإنما فعل ذلك بالمؤلفة قلوبهم، فألف عدداً منهم كل واحد منهم بمائة بعير منهم: أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، واستعتب العباس بن مرداس فقال 29: أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينه والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوق مرداس في مجمع وما كنت دون أمري منهما ... ومن تضع البوم لا يرفع فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اقطعوا لسانه عني" 30.

الجزء: 6 - الصفحة: 241

وأمر له بخمسين بعيراً، وكان ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من إعطاء المؤلفة قلوبهم إما من سهمه من الخمس، وإما لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت بحنين مع ثمانية من أصحابنا وانهزم جميع الناس؛ فصارت جميع الغنائم له فصنع بها ما شاء وتألف بها من شاء، ولذلك قالت الأنصار حين رأوه قد تألف قريشاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزم أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر الأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، ولو سلك الناس شعباً ويسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاة والبعير، وتنصرفون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: رضينا 31، فكان ما فعله من التفضيل بحنين محمولاً على ما ذكرنا، وأما غنائم بدر فكانت خالصة له فوضعها فيمن شاء من حاضر وغائب على تساوي وتفضيل.
فصل وأما ما لا ينقل من الدور والأرضين فحكمه عندنا حكم الأموال المنقولة، يكون خمسه لأخل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه بين الغانمين.
وقال أبو حنيفة: الإمام في الأرضين مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها على الغانمين، أو يقسمها على المسلمين، أو يقرها في أيدي أهلها المشركين بخراج يضربه عليها، وجزية على رقاب أهلها، تصير خراجاً بعد إسلامهم لا تسقط عن رقابهم.
وقال مالك: قد صارت بالغلبة وفقاً على المسلمين، فأما أبو حنيفة فاستدل بما روي عن عمر بن الخطاب لما فتح أرض السواد، أراد أن يقسمه بين الغانمين، فشاور علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما، فقال دعها تكون عدة للمسلمين، فتركها ولم يقسمها وضرب عليها خراجاً، وروي أنه لما فتحت مصر، كان الأمير عمرو بن العاص، قال له الزبير أقسمها بين الغانمين، فقال: لا حتى أكتب إلى عمر فكتب إليه فأجابه عمر حتى يغدو فيهما حبل الحبلة 32، ولأنه لما جاز أن يصالحهم على خارجها قبل القدرة جاز أن يكون مخيراً فيها بعد القدرة كالرقاب.
وأما مالك فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:10] فكان هذا الدعاء منهم لأجل ما انتقل إليهم من فتوح بلادهم التي استبقوها وفقاً عليهم، وبما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة عنوة فلم يقسمها وقسم غنائم هوازن ولم يقسم أرضهم؛ فدل على أن الأرض تصير وفقاً لا يجوز أن تقسم؛ ولأن الغنائم كانت على عهد من سلف من الأنبياء تنزل ناراً من السماء تأكلها فأحلها الله تعالى بعدهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأمته والنار إنما تختص بأكل المنقول دون الأرضين فدل على اختصاص المنقول بالغنيمة المستباحة دون الأرضين والدلالة عليها

الجزء: 6 - الصفحة: 242

عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:41] وروى مجمع بن جارية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر بين الغانمين على ثمانية عشر سهماً، وذلك أن الغانمين كانوا ألفاً وأربعمائة، منهم مائتا فارس أعطى كل فارس ثلاثة أسهم، فكان لهم ستمائة سهم ولألف ومائتي رجل ألف ومائتا سهم؛ صارت جميع السهام ألفاً وثمانمائة سهم فقسمها على ثمانية عشرة منهم، وأعطى كل مائة سهماً 33، ولذلك روى أن عمر - رضي الله عنه - مالك مائة سهم من خيبر ابتاعها، وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد أصبت ما لم أصب قط مثله، وقد أحببت أن أتقرب إلى الله تعالى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حبس الأصل وسبل الثمرة 34؛ فدلت قسمتها وابتياع عمر لها المائة سهم منها على أنها طلق مملوك ومال مقسوم.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر على بني قريظة، فقسم عقارهم من الأرضين والنخيل قسمة الأموال.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عصبة الله ورسوله فخمسها لله ورسوله ثم هي لكم مني 35 إنما قربه؛ ولأنه مال مغنوم فوجب أن يقسم كالمنفول، ولأن ما استحق به قسمة المنفول استحق به قسمة غير المنقول كالميراث.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة أن عمر - رضي الله عنه - شاور علياً عليه السلام في قسم السواد، فأشار عليه بالترك، فهو أن عمر - رضي الله عنه - قسم أرض السواد بين الغانمين، واشغلوه أربع سنين ثم رأى أن الغانمين قد تشاغلوا به عن الجهاد، فاستنزلهم عنه فنزلوا؛ وترك جرير بن عبد الجبلي، وأكثر قومه وكانت نخيلة ربع الناس، فأبت طائفة منهم أن ينزلوا فعاوضهم عنه وجاءته أم كرز، فقالت: إن أبي شهد القادسية، وأنه مات ولا أنزل عن حقي إلا أن تركبني ناقة زلولاً، عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهباً، ففعل حتى نزلت عن حقها، وكان قدر ما ملئ به كفها ذهباً نيفاً وثمانين مثقالاً، فلولا أن قسمة ذلك واجبة، وأن أملاك الغانمين عليها مستقرة، لما استنزلهم عنها بطيب نفس ومعاوضة، فلما صارت للمسلمين شاور عليها فيها فقال: دعها تكون عدة لهم، فوقفها عليهم، وضرب عليها خراجاً هو عند الشافعي أجرة وعنا أبي العباس بن سريج ثمن، وأما أرض مصر فبعض فتوحها عنوة وبعضها صلح، ولم يتعين نزاع عمرو والزبير في أحدهما فلم يكن فيه دليل.
وأما الجواب عن قياسه عن الرقاب فهو أنه منتقض بالمنقول، فإن عمر صالح نصارى العرب على مضاعفة الصدقة على مواشيهم وزروعهم وسائر أموالهم وكان ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 243

خراجاً باسم الصدقة ثم لا يمنع ذلك من وجوب قسمة في الغنيمة كذلك الأرضون؛ ثم سلم من هذا النقص لكان المعنى في الرقاب أنها ليست في وقت خيار الإمام فيها مالاً، وإنما يصير بالاسترقاق مالاً، وليس للإمام بعد الاسترقاق خيار.
وأما الجواب عن استدلال مالك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:10] فهو أن هذا منهم لم يتعين أنه للمعنى الذي ادعاه، وقد يكون ذلك منهم لتمهيد الأرض لهم، وإزالة المشركين عنهم، ونصرة الدين بجهادهم ثم بما صار إليهم من بلاد الفيء ومواريث العنوة.
وأما الجواب عن فتح مكة فتحت عندنا صلحاً، فالكلام في فتحها يأتي، وأما أرض هوازن فلم تغنم؛ لأن قتالهم لم يكن فيها، ونما قوتلوا بعد خروجهم منها إلى حنين، وأحرزوا أموالهم في أوطاس فلما أظفر الله تعالى بهم، وغنمت أموالهم، وسبيت ذراريهم، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلون إليه بحرمة الرضاع؛ ن حليمة مرضعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت من هوازن، وقالوا: لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر ونزلنا معه منزلنا منك لوعى ذاك، وأنت خير الكفيلين وقولهم ملحنا: أي وضعنا وأنشد شاعرهم: أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر فقال: اختاروا أموالكم، أو ذراريكم، فقالوا: خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا فنختار أحسابنا على أموالنا، فقال أما ما كان لي ولبني هاشم فلله ولكم، وقال المهاجرون والأنصار: وأما مالنا فلله ولرسوله، ولكم فانكفوا إلى ديارهم التي لا تملك عليهم آمنين، وقد أسلموا.
وأما الجواب عن استدلالهم بأكل النار المنقول دون الأرضين فكان هو المغنوم، فهو أنه استدلال ركيك وضعه إسماعيل بن إسحاق القاضي ثم فيه دليل على أن الأرض لم تكن تحل للأنبياء من قبل فوجب أن تحل لنبينا - صلى الله عليه وسلم - لقوله أعطيب ما لم يعط نبي من قبلي أحلت لي الغنائم على أن النار لا تأكل الفضة والذهب، ولا يمنع ذلك من أن تكون غنيمة مقسومة كذلك الأرض.
فصل وأما الآدميون المقدور عليهم، والمظفور بهم من المشركين فضربان: عبيد وأحرار.
وأما الأحرار فضربان: ذرية ومقاتلة.
فأما الذرية فهم النساء والصبيان ومنهم لا يصيرون بالقهر والغلبة، مرقوقين وليس للإمام فيهم خيار وعليه أن يقسمهم بين الغانمين بعد إخراج خمسهم وقد نهي رسول

الجزء: 6 - الصفحة: 244

الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان لكونهم مالاً مغنوماً وقسم سبي بني المصطلق بين الغانمين، واصطفى صفية بنت حيي من سبي خبير وقسم سبي هوازن بين الناس حتى استنزله هوازن فنزل واستنزل.
وأما المقاتلة فللإمام فيهم بالخيار اجتهاداً ونظراً بين أربعة أشياء ومنها ما رآه صالحاً: أحدهما: القتل.
والثاني: الاسترقاق.
والثالث: الفداء بمال أو رجال.
والرابع: المن، فإن كان ذا قوة يخاف شره أو ذا رأي يخاف مكره قتله، وإن كان مهيناً ذا كد وعمل استرقه، وإن كان ذا مال فأداه بمال، وإن كان ذا جاء فأداه بمن في أيديهم من الأسرى، وإن كان ذا خير ورغبة في الإسلام من عليه وأطلقه من غير فداء، فيكون خيار للإمام أو أمير الجيش، فمن أسر من المشركين بين هذه الأربعة الأشياء بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء بمال، أو رجال، أو المن.
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين شيئين: القتل، أو الاسترقاق، وليس له الفداء والمن.
وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: هم بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء برجال وليس له الفداء بماء ولا المن، ونحن ندل على كل واحد من ذلك على انفراده.
وأما القتل فالدليل على جوازه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] الآية وقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأسرى أربعة أنفس صبراً، ومنهم: أبو عزة الجمحي وعقبة بن أبي معيط وابن خطل وابن النضر بن الحارث، فأما أبو عزة الجمحي فإنه أسر يوم بدر فقال: يا محمد من علي، فمن عليه، فلما عاد إلى مكة ط قال: "سخرت بمحمد، وعاد لقتاله يوم أحد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أوقع أبا عزة" فما أسر غيره، فأتي به فقال: يا محمد من علي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمن عليك حتى تأتي مكة فتقول في نادي قريش: سخرت من محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، اقتلوه" 36 فقتل.
وأما عقبة بن أبي معيط فلما أسر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فقال: من المصيبة فقال: النار، وأما أبا خطل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة عام الفتح أباح دم ستة هو منهم، فتغلق بأستار الكعبة فهو آمن" وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى الستة وقال: "اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة" فلما أقر بذلك قال: "اقتلوه" 37 فقتل.

الجزء: 6 - الصفحة: 245

وأما النضر بن الحارث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتله حين أسر فقتل فلما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عام الفتح استقبلته قتيلة بنت النضر بن الحارث وأنشدته 38: أَمُحَمَّدٌ وَلَدْتُكَ خَيْرُ نَجِيبَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرّك لَوْ مَنِنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الفَتى وَهُوَ المَغِيطُ المُخْنِقُ فَالنضْرِ أَقْرَبُ مَنْ تَرَكْتَ قَرَابَةً وَأَحَقَّهُمْ إِنْ كَانَ عَتِقَ يَعْتِقُ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر رضي الله عنه لو سمعت شعرها ما قتلته.
فهذا دليل على جواز قتل الأسرى من المشركين.
وأما الدليل على جواز استرقاقهم، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4] وفي الآية تأويلان: أحدها: إذا أثخنتموهم بالظفر فشدوا الوثاق بالأسر.
والثاني: إذا أثخنتموهم بالأسر فشدوا الوثاق بالاسترقاق وقد استرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني قريظة وهوزان ورجلًا من بني عقيل، فقال له قد أسلمت، فقال: لو أسلمت قبل هذا لكنت قد أفلحت كل الفلاح.
فصل وأما الفداء والمن فالاستدلال أبي حنيفة على المنع منهما بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] يعني من أموال الفداء في أسرى بدر وإذا منعت الآية من الفداء بمال كانت من الفداء بالمن لمن بغير مال أمنع، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] فأمر بقتلهم ونهى عن تخليتهم بعد أخذهم وحصرهم إلا بإسلامهم فدل على تحريم المن والفداء ولأنه لما لم يجز المن عليهم بسلاحهم وعبيدهم ولا منع السلاح والعبيد عليهم، وذلك تبع يقل ضرورة قصدًا لإضعافهم، فكان بأن لا يمن عليهم بأنفسهم ولا يفادوا بمال عن رقابهم أولى؛ لأن الضرر بهم أعظم، وإضعافهم بالقتل والاسترقاق أبلغ ولأن المصلحة في حظر المن والفداء ظاهرة؛ لأنهم إذا تصوروا جوازها عندنا أقدموا على الحرب تعويلًا على الفداء بعد الأسر ورجاء المن، وإذا تصوروا أنه لا خلاص لهم من القتل إذا أصروا كان ذلك أحجم لهم عن الأقدام وأمنع من القتال، وإن كانت المصلحة فيه ظاهرة كان ما دعى إليها لازمًا.

الجزء: 6 - الصفحة: 246

والدليل على جواز المن والفداء، قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: 4] ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] وقال مجاهد: حتى لا يبقى في الأرض دين غير الإسلام، فكان المن والفداء صريحًا في هذه الآية وليس لهم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] لأمرين: أحدهما: أنه إذا أمكن استعمال الآيتين لم يجز أن تنسخ إحداهما الأخرى، واستعمالهما ممكن في جواز الكل، ويعتبر كل واحد منهما باجتهاد الإمام ورأيه.
والثاني: أن الأمر بالقتل على وجه الإباحة دون الوجوب، وإباحته لا تمنع من العدول عنه إلى غيره ويدل على جواز المنّ خاصة ما رواه جبير بن مطعم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسارى بدر: "لو كان مطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" 39 وهو لا يقول ذلك إلا لجوازه عنده.
وروي سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه إلى سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ قال: عندي يا محمد خبر إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه، حتى إذا كان من الغد ذكر مثل هذا: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكتب إلى قومه فأتوه مسلمين 40. وقد منَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي عزة الجمحي يوم بدر على أن لا يعود لحربه أبدًا فعاد يوم أحد وأسره، ومنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي العباس بن الربيع وكان صهره على ابنته زينب.
ويدل على جواز الفداء رواية عمران بن الحصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فادى رجل برجلين رواه الشافعي مفسرًا أن عمران بن الحصين قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فأسروا رجلًا من بني عقيل، فاستوثق منه، وطرح في الحرة فمنّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "فيما أخذت وفيم أخذت سالفة الحاج" يعني العضباء قال: أخذت بجريرة حلفائكم من ثقيف قد أسروا مسلمين فقال العقيلي: إني جائع فاطعمني وعطشان فاسقني، وأنا مسلم فخلني فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت هذا قبل هذا أفلحت كل الفلاح" يعني: قبل أن تسترق وفاده برجلين، وحبس العضباء وهي ناقته التي خطب عليها بمنى في حجّة الوداع 41.

الجزء: 6 - الصفحة: 247

فإن قيل: كيف يفادى به بعد إسلامه.
قيل: لأنه كان مسترقًا فصارات مفاداته عتقًا؛ ولأنه لما جاز الاعتياض عنه بالفداء مع خروجهم من دارنا بالجزية مع إقرار هو في دارنا جاز الاعتياض عنهم بالفداء مع خروجهم من دارنا أولى.
وتحريره أنه اعتياض رقبة مشركة فجاز كالحرية؛ ولأنه لما جاز تآلف المشركين بإعطائهم سهم المؤلفة كان تآلفهم بالمنّ أولى، وربما كان المن أبلغ في تآلفهم أثرًا أو أعم صلاحاء.
وحكي أن الحجاج أتى بأسير من الخوارج من أصحاب قطري بن الفجاءة، وكان يعرفه فلما رآاه منّ عليه فعاد إلى قطري، فقال له قطري: عد إلى قتال عدو الله الحجاج فقال: هيهات علا يدًا مطلقها واسترق رقبة معتقها، وأنشد يقول: أُقَاتِلُ الحًجَّاجَ عَنْ سُلْطَانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بِأَنَّهَا مُوْلَاتُه إِنّي إِذَنْ لأّخُو الدَّنَاءةِ وَالَّذِي شَهدت بِأَقْبَح فِعْلِهِ غَدَرَاتُه مَاذَا أَقُولُ إذَا وَقَفْتُ إِزَاءَه فِي الصَّفِّ وَاحْتَجَّتْ لَهُ فِعْلاتُه لَا قَولَ جَاٍر عَلَى أَنَّي إِذنضلاَ حَقَّ مَنْ جَارَتْ عَلَيْهِ وَلَاتُه وَتَحَدَّثَ الأَقْوَام أَنَّ ضَائِعًا ... عَرَسَتْ لِذِي مِحّبْبنطَل نَحَلَاتُه وإن كان المنّ بهذه المنزلة من التآلف والاستصلاح جاز إذا أدى الاجتهاد إليه أن يفعل.
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] فهو أن سبب نزول هذه الآية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شاور أصحابه في أسرى بدر فقال أبو بكر: هو قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر: هم أعداء الله ورسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فداء الأسرى ليتقوا به المسلمون فقيل إنه فدى كل بأربعة آلاف درهم، وقيل: أربعمائة درهم، وقال للمهاجرين: أنتم عالة يعني فقراء، فنزلت هذه الآية إنكارًا على نبيّه في فداء أولئك الأسرى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك في إنكار هذا الفداء فكان دليل على إباحة الفداء من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] وهو كثرة القتل فاقتضى إباحة ذلك بعد الإثخان في الأرض وقد أثخن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأرض وكثرة القتل وكذلك المسلمون بعده.
والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] وفيه تأويلان: أحدهما: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لسهمكم في تعجلها من

الجزء: 6 - الصفحة: 248

أهل بدر عذاب عظيم قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة.
والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوا من فداء أسرى بدر عذاب عظيم قال مجاهد وسعيد بن جبير.
والثالث: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69] يعني به مال الغنيمة والفداء، والله أعلم.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] فهو أنه على طريق الإباحة وإن أخرج مخرج الأمر؛ لأنه بعد حظر، وإذا أباحت هذه الآية القتل لم تمنع من جواز المنّ والفداء.
وأما الجواب عن تحريم المنّ عليهم لسلاحهم وعبدهم؛ فمن وجهين: أحدهما: أن السلاح والعبيد والمال لا يجوز للإمام إتلافه فلم يجز له المنّ به، وليس الرجال الأحرار مال لأنه يجوز له إتلافهم فجاز له المنّ بهم.
والثاني: أن السلاح والعبيد قد دخلا في ملك الغانمين فلم يكن للإمام في المنّ بهما اجتهاد.
ولم يدخل الرجال الأحرار في ملك الغانمين، فجاز أن يكون للإمام في المنّ عليهم اجتهاد.
وأما الجواب عن قولهم إنه لا مصلحة في المنّ والفداء فهو إننا نجوزه مع ظهور المصلحة فيمن يرجئ إسلامه أو تآلف قومه ويمنع عند عدم المصلحة وظهور الضرر، والله أعلم.
مسألة 42 قال الشافعي رحمه الله: "لا ينبغي للإمام أن يعزل خمس ما حصل بعدها وصفنا كاملًا ويقر أربعة أخماسه لأهلها ثم يحسب من حضر القتال من الرجال المسلمين البالغين ويرضخ من ذلك لمن حضر من أهل الذمة وغير البالغين من المسلمين والنساء فينفلهم شيئًا لحضورهم ويرضخ لمن قاتل أكثر من غيره وقد قيل: يرضخ لهم من الجميع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وجملة مال الغنيمة أنه لصنفين: لحاضر، وغائب فأما الغائبون فهم أهل الخمس يستحقونه بأوصافهم لا بحضورهم ولا يزاد منهم حاضر لحضوره على غائب لغيبته.
وأما الحاضرون فضربان: أحدهما: من تفرد منهما بحق معين لا يشاركه فيه غيره وهو القاتل يستحق سلب قتيله لا يشارك فيه وقد مضى حكمه.

الجزء: 6 - الصفحة: 249

والثاني: ما كان حقه مشتركا غير معين وهم ضربان: أحدهما: ما كان له سهم قدر.
والثاني: من عين له رضخ غير مقدر، فأما أصحاب السهام المقدرة فهم أهل القتال قد تعذرت سهامهم في الغنيمة بأعداد رؤوسهم لا يفضل فيها إلا الفارس بفرسه بما سنذكره من تفصيله على الراجل.
وأما أصحاب الرضخ فهم من لم يكن من أهل الجهاد، وهم خمسة أصناف: الصبيان، والمجانين، والنساء، والعبيد، وأهل الذمة، يرضخ لهم من الغنيمة لحضور الواقعة بسبب غيابهم، ويفضل من قاتل على من لم يقاتل، ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا رجل وقال الأوزاعي، بسهم لجميع هؤلاء وهو في الغنيمة كغيرهم ن أهل الجهاد استدلالا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الواقعة" وتعليلا بأنهم شهدوا الواقعة فأسهم لهم كأهل الجهاد.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] فلما كان الوعد فيما أخذوه متوجها إلى أهلها الجهاد كان السهم فيما غنموه مستحقاً لأهل الجهاد، ولأن سهم الغنيمة في مقابلة فرض الجهاد فلما خرج هؤلاء من الفرض خرجوا من السهم، ولأن كل هؤلاء قد حضروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزواته فرضخ لهم ولم يسهم حتى أنه استعان بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم، وفيما ذكرنا تخصيصا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الواقعة " على أننا نجعلها لجميعهم، وإنما نفاضل بين أهل الرضخ والجهاد.
فصل فإذا ثبت أنه يرضخ لهؤلاء الخسمة ولا يسهم، فالرضخ يتقدر باجتهاد الإمام ورأيه أو من يتخلفه الإمام من أمير جيش أو قاسم يغنم؛ فيقع التفضيل بينهم بحسب تفاضلهم في القتال.
فإن قيل: فهلا سوى بينهم وان تفاضلوا كالغانمين.
قيل: لأن سهام الغانمين مقدرة، فلم يعتبر فيهم التفاضل كدية الحر، والرضخ غير مقدر فاعتبر فيه التفاضل كغنيمة العبد، ولا يبلغ بالرضخ سهم فارس ولا راجل؛ لأنه تبع للسهام فنقص عن قدرها كحكومات الجراح على الأعضاء لما كانت تبع للأعضاء لم تبلغ بأرشها ديات تلك الأعضاء.
فصل فإذا ثبت هذا فمن أين يكون الرضخ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من أصل الغنيمة قبل إخراج خمسها كالسلب لأنهم أعوان، فصاروا كحافظي الغنيمة وحامليها الذين أعطون أجورهم من أصل الغنيمة، فعلى هذا يبدأ من

الجزء: 6 - الصفحة: 250

الغنيمة بإعطاء السلب وأجور الحفظة والحمالين ثم الرضخ ثم يخمس الباقي، فيعزل خمسه لأهل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه في الغانمين.
والثاني: أن يرضخ لهم من أربعة أخماس الغنيمة؟ لأنهم أضعف من الغانمين حكماً فلم يجز أن يكونوا أقوى حقاً؛ فعلى هذا يبدأ بالسلب ثم بالأجوز ثم بالخمس ثم بالرضخ ثم يقسم الباقي بين الغانمين.
والثالث: أنه يرضخ لهم من سهم المصالح العامة: لأنهم من جملتها وهو أضعف الأقاويل ذكره الشافعي في بعض منصوصاته.
مسألة 43 قال الشافعي رحمه الله: " ثم يعرف عدد الفرسان والرجالة الذين حضروا والقتال فيضرب كما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للفرس سهمين وللفارس سهماً وللراجل سهماً وليس يملك الفرس شيئاً إنما يملكه صاحبه لما تكلف من اتخاذه واحتمل من مؤنته وندب الله تعالى إلى اتخاذه لعدوه ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أفرد الإما خمس الغنيمة على أربعة أخماسها يبدأ بالغانمين، فقسم فيهم أربعة أخماس الغنيمة، وقدمهم، على أهل الخمس لثلاثة معاني: أحدهما: لحضورهم وغيبة أهل الخمس.
والثاني: أنه في مقابلة اجتهادهم فصار معاوضة وحق أهل الخمس مواساة.
والثالث: أن يهم ملك أهل الخمس خمسهم؛ فكانوا أقوى في الغنيمة منهم فإذا شرع في قسمتها فيهم لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا رجاله لا فارس فيهم، أو فرساناً لا رجال فيهم أو يكونوا فرساناً ورجالاً.
فإن كانوا رجالة لا فارس فيهم أو فرساناً لا رجال فيهم سوى بينهم، وقسمها على أعداد رؤوسهم ولم يفضل شجاعاً على جبان، ولا محارباً على كاف، لأن جميعهم حاضر مكثر، ورد مهيب كما يسوي في المواريث بين البار والعاقء والمحسن والمسيء لتساويهم في النسب.
وان كانوا فرساناً ورجالة فضل الفارس على الراجل.
واختلفوا في قدر ما يفضل به، فذهب الشافعي: إلى أنه يعطي الفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه، ويعطي الراجل سهماً واحداً، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومن التابعين: عمر بن عبا العزيز والحسن البصري، وابن سيرين، ومن الفقهاء: مالك مع أهل المدينة، والأوزاعي مع أهل الشام،

الجزء: 6 - الصفحة: 251

والليث بن سعد مع أهل مصر، وأحمد وإسحاق مع أصحاب الحديث، والثوري أبو يوسف ومحمد مع أهل العراق، إلا أبا حنيفة وحده فإنه تفرد عنهم فأهب إلى أنه يعطي الفارس سهمين والراجل سهما استدلالاً برواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفارس سهمين فبرواية المقداد قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهماً لي وسهماً لفرس وبرواية مجمع بن حارثة الأنصاري قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فمنهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً؛ لأنه جعل لثلاثمائة فارس ستمائة سهم حتى صار لكل مائة منهم سهم واحد من خيبر 44. ومن القياس: أنه حيوان يسهم له: فوجب أن لا يزاد على سهم كالراجل، ولأن الفرس تبع ألا تراه لو حضر بلا صاحبه لم يهم له، ولو حضر صاحبه بلا فرس أسهم له، ولا يجوز أن يكون سهم التابع أفضل من سهم المتبوع، ولأن عناء صاحبه أكثر تأثيرا وتأثيره أظهر لأنه هو المقاتل دون الفرس، وسهم الغنيمة إنما يستحق بحسب العناء وعلى قدر البلاء: فلم يجز أن يفضل ما قل تأثيره على ما كثر قال أبو حنيفة: لأن في إعطاء الفرس سهمين وصاحبه سهماً تفضيلاً للبهيمة على الآدمي وإني لأستحي أن أفضل بهيمة على آدمي.
قال أصحابه: ولأن القياس يقتضي أن لا يسهم للفرس: لأنه آلة كالسلاح: ولأنه بهيمة كالبغال، ولكن صرنا إلى إعطائه سهماً واحداً بالإجماع ومنع القياس من الزيادة عليه.
ودليلنا ما رواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم للراجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهماً له، وسهمين لفرسه 45. وهذا حديث صحيح رواه أئمة الحديث، وقد روى جابر وأبو هريرة مثله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب وطلحة والزبير قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهماً له وسهمين لفرسه 46. وهذا إخبار عن استدامة فعله، لكن الحديث الأول أشهر وأصح: لأن مدار هذا على بشر بن معاذ، وفيه لين.
وروى ابن عباس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم 47. وروى الشافعي أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم سهماً له؛ وسهمين لفرسه، وسهم لأمه صفية 48؛ لأنهما من ذوي القربى وكل هذه الأخبار نصوص

الجزء: 6 - الصفحة: 252

تمنع من الخلاف.
فإن قيل: فيحمل السهم الثالث في هذه الأخبار على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعه إلى الفارس نقلاً كما نقل الربع في البداءة والثلث في الرجعة فعل ذلك أربعة أجوبة: أحدهما: أن السهم عبارة عن المستحق لا عن النفل.
والثاني: أن النفل يستحق بالشرط وليس في الفرس شرط.
والثالث: أن النفل لا يكون للفرس.
والرابع: أن حكم السهم الثالث كحكم الهمين المتقدمين، فلما لم يكونا نفلاً لم يكن الثالث نفلاً.
ثم الدليل من جهة القياس أنه مقدر يزيد على مقدر على وجه الرفق، فوجب أن يكون بالضعف قياساً على المسح على الخفين، لما مسخ المقيم يوماً وليلة أرفق المسافر بثلاثة أيام وليالهن؛ ولأن مؤنة الفرس أقصر لما يتكلف من علوفه وأجره خادمه وكثرة آلته فاقتضى أن يكون المستحق به أكثر، ولأنه في الحرب أهيب، وتأثيره في الكر والفر أظهر.
فاقتضى أن يكون سهمه أوفر.
فأما الجواب عن حديث عبيد الله بن عمرو العمري فمن ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه عند أصحاب الحديث ضعيف وأخوه عبد الله أقوى عندهم منه وأصح حديثاً، وقد روينا عنه خلاف ما رواه.
والثاني: أن خبر عبد الله أزيد من خبره والأخذ بالزيادة أولى.
والثالث: أنه يحمل سهم الفارس على الزيادة استحقها بفرسه على السهم الراتب لنفسه فيصير ذلك ثلاثة أسهم كما روينا استعمالاً للروايتين فيكون أولى من إسقاط إحداهما بالأخرى كما روي في صلاة العيدين، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمساً فحملنا ذلك على التكبير الزائد على التكبيرة الراتبة في الإحرام والقيام.
وأما حديث المقداد فقد روت عنه بنته كريمة أنه قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أسهم: سهماً لي، وسهمين لفرس فتعارضت الروايتان عنه وسقطتا واستعملنا على ما وصفنا.
وأما حديث مجمع بن حارثة فعنه جوابان: أحدهما: ما قاله أبو داود أن مجمعاً وهم في حديثه: أنهم كانوا ثلاث مائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس.
والثاني: أنه قد روي عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة فهم مائتا فارس وهذه الرواية أصح من وجهين: أحدهما: أن رواية ابن عباس توافقهما.
والثاني: أن هذا الجيش هم أهل الحديبية، وقد اتفق أهل السير على أن عدتهم

الجزء: 6 - الصفحة: 253

ألف وأربعمائة وأما الجواب عن قياسهم على الراجل لعلة أنه حيوان يسهم له فهو أن الفرس لا يسهم له، وإنما يسهم لصاحبه لأجله؛ فكان الوصف غير سليم ثم المعنى في الفرس أن مؤنته أكثر وبلائه أظهر فجاز أن يكون ما يستحق به أكثر.
وأما قولهم أنه تابع فلا يجوز أن يكون سهمه أكثر من مهم المتبوع.
فالجواب عنه أن كلا السهمين للمتبوع ليس للتابع سهم وهو أكثر، على أن ذلك لو جاز أن يمنع من الزيادة لجاز أن يمنع من المساواة؛ لأنه إذا لم يجز أن يزيد على المتبوع لم يجز أن يساويه.
وأما قولهم أن عناء صاحبه أكثر لأنه هو المقاتل.
فالجواب عنه أن كلا العنائين مضاف إلى صاحبه إلا أن تأثيره لفرسه أكثر من تأثيره لنفسه؛ لأنه بالفرس يلحق إن طلب ولا يلحق إن هرب.
وأما قول أبي حنيفة: "إنني أستحي أن أفضل بهيمة على آدمي" فيقال له لئن استحييت أن تفضل بينهما فاستحي أن تساوي بينهما وأنت قد سويت ثم يقال له: ألست قد فضلت قيمة البهيمة إذا تلفت على ذمة الحر إذا قتل ولم يوجب ذلك الاستيحاء، فكذلك في السهم على أنه ليس السهم للبهيمة فيستحي من تفضيلها بهء وإنما هو لصاحبها والبهيمة لا تملك.
وأما قولهم: أن القياس يمنع من الهم للبهيمة فهذا قياس قد أبطله النص فبطل.
فصل فإذا ثبت أن للفارس ثلاثة أسهمء فالفرسان هم أصحاب الخيل دون البغال والحمير والمطايا والفيلة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا خيل الله اركبي" 49 وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الخيل معقود بنواصيها الخير" 50 ولأنها هي المختصة بالكر والفر دون البغال والحمير وإذا كان كذلك فالخيل كلها سواء لا فرق بين عتيقها وبزاذينها ومقارفها وهجنها؛ والعتيق: ما كان أبواه عربيين والبرذون: وما كان أبواه أعجميين.
المقرف: ما كانت أمه عربية وأبوه أعجمي.
والهجين: ما كان أبوه عربياً وأمه أعجمية وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الأوزاعي: إن كان الفرس عتيقاً أسهم له سهمان وان كان برذوناً لم يسهم له، (وإن) كان

الجزء: 6 - الصفحة: 254

مقرفاً أو هجينا أسهم له سهم واحد.
وقال أحمد بن حنبل: يهم للعتيق سهمان ولغيره من الخيل سهم واحد استدلالا بأن المختصة بالكر والفر هي العتق فاختصت بالسهم الأوفى وكان ما سواهما بالنقص أولى وهذا خطأ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] ولأن العتيق وان كان أحد وأسرع فالبرذون أشد وأبهى وأصبر فصار اختصاص العتيق بالحدة في مقابلة اختصاص البرذون بالشدة فتقابلا واستويا، ولأن أصحاب الخيل لما يستوي عربيهم وعجميهم في السهم فالخيل أولى بأن يستوي عربيها وعجميها في السهم، وفيما ذكرناه دليل وانفصال والله أعلم.
مسألة 51 قال الشافعي رحمه الله: "ومن حضر بفرسين فأكثر لم يعط إلا لواحد لأنه لا يلقى إلا بواحد ولو أسهم لاثنين لأسهم لأكثر ولا يسهم لراكب دابةٍ غير دابة الخيل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا حضر الفارس الوقعة بأفراس لم يعه إلا أسهم فرس واحد، ولو حضرها بمائة فرس، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يهم لأكثر استدلالاً بما روى مكحول أن الزبير بن العوام حضر خيبر بفرسين فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة أسهم: سهم له، وأربعة أسهم لفرسيه 52؛ ولأن الثاني عدة مجيئها يراوح بينه وبين الأول إن أعيا أو زمن فكان تأثيرهما أكثر مع ما قد تكلفه لهما من زيادة المؤنة، وهذا خطأ.
ودليلنا ما رواه أبو عاصم عن نافع عن ابن عمر أن الزبير بن العوام حضر خيبر معه أفراس فلم يسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لفرس واحد 53. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حضر خيبر ومعه ثلاثة أفراس: السكب والظرب والمرتجز فلم يأخذ الهم إلا لواحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على واحد منهما ولو تحول عنه صار تاركاً له ويكون الثاني إن انتقل إليه كالثالث في أنه قد يجوز أن ينتقل إليه ولا يسهم له فكذلك الثاني، ويصير ما سوى الأول زينة واستظهار لا يتعلق به حكم الاستحقاق كخدم الزوجة لا تستحق إلا نفقة واحدة منهم لوقوع الكفاية به ويصير ما عداه زينة وزيادة واستظهاراً.
وأما حديث مكحول فقد روينا عن ابن عمر خلافه وهو صحابي خبره مسند وذاك تابعي خبره مرسل وأما استدلالهم أن الثاني وقد تكلف له زيادة مؤنة فهذا مال الثالث أيضا ولا يوجب لهم له فكذلك الثاني.

الجزء: 6 - الصفحة: 255

فرع وإذا حضر الرجل الوقعة بفرس يقاتل عليه أسهم له، لأنه قد هيب به وقد يقاتل عليه إن احتاج إليه، وهكذا لو قاتل في الماء أسهم له؛ لأنه قد ربما انتقل إلى البئر وقاتل محليه، وهكذا لو قاتل على حصار حصن أسهم لفرسه، لأنه عدة يلحق به أهل الحصن إن هربوا أو يرهبهم به إن حوصروا.
فرع وإذا غضب الرجل فرساً، فشهد به الوقعة، أسهم للغرس للحضور مع الغاضب، لظهور التأثير فيه، وحصول الإرهاب به، وليس ذلك معصية، وان كان الغصب معصية، وإذا كان سهم الفرس المغصوب مستحقاً، ففي مستحقه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في ربح المال المغصوب.
فإن قيل: إنه للغاصب بعمله، جعل سهم الفرس المغصوب للغاصب لقتاله.
وان قيل: إن ربح المال المغصوب لرب المال بحق ماله، جعل سهم الفرس المغصوب لماله بحق ملكه، ولكن لو كان صاحب ممن حضر الوقعة فغصب فرسه غاصب قاتل عليه كان سهم الفرس لمالكه دون غاصبه، وجهاً واحداً؛ لأنه قد استحقه بالحضور فلم يسقط بالغصب، ويكون على الغاصب أجرة المثل كان السهم لغيره لوجوبها بالغصب.
فرع ولو استعار فرساً أو استأجره، فشهد به الوقعة نظر، فإن استعاره أو استأجره للقتال عليه ملك سهمه، لتملكه هذه المنفعة بالعارية والإجارة، وان استعاره، أو استأجره للركوب دون القتال، ممار كالغاصب فيكون في سهمه وجهان.
فرع وإذا حضر رجل بفرس فضل منه الفرس نظر، فإن حضر لم يخرج عن الوقعة ومصاف القتال أسهم له، وان خرج عنها وتجاوز مصاف القتال لم يسهم له.
وقال بعض أصحابنا: يسهم له لبقائه وخروجه عنه بغير اختياره، وهذا خطأ، لأن الأعذار لا تؤثر في تملك الأموال لو ضل صاحبه من حضور الوقعة حتى فاتته، لم يسهم له، وان كان معذوراً.
فرع وان خلف الرجل فرسه في معسكر الحرب، ولم يشهد به وقعة القتال، لم يهم له، لأن مالكه لو تأخر في المعسكر عن حضور الوقعة لم يسهم له، ففرسه أولى أن لا يسهم له ولكن لو استخلفه أمير الجيش بالمعسكر على حفظه وحراسته حظراً من هجوم العدو عليه أسهم له ولفرسه؛ لأنه قد يكون أنفع للجيش من حضوره معهم، وهكذا لو أن

الجزء: 6 - الصفحة: 256

أمير الجيش أفرد منهم كميناً ليظفر من العدو بغرة، أسهم لهم، وان لم يشهدوا الوقعة؛ لأنهم عون فيها يخافهم العدو ويقوى بهم الجيش.
مسألة 54 قال الشافعي رحمه الله: "وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل فلا يدخل إلا شديد أو لا يدخل حطماً ولا قمحاً ضعيفاً ولا ضرعاً.
مال المزني رحمه الله: القحم الكبير والضرع الصغير ولا أعجف رازحاً وإن أغفل فدخل رجل على واحدة منها فقد قيل: لا يشهد له لأنه لا يغني غناء الخيل التي يهم لها ولا أعلمه أسهم فيما مضى على مثل هذه" قال في الحاوي: وهذا كما قال: ينبغي للإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين وتجهيزها، ولا يدخل فيها حطماً وهو الكبير ولا ضرعاً وهو الصغير، ولا أعجف رازحاً، وهو الهزيل الذي لا حراك به لأنها لا تفي غناء الخيل الشديدة وقد تضر من وجهين: أحدهما: عجزهما عن النهضة وعجز راكبها عن المقاتلة.
والثاني: فيق الغنيمة بالإسهام لها على ذوي العناء والشدة، فلو دخل رجل بواحد من هذه الضعيفة العاجزة عن عناء الخيل السليمة نظر، فإن كان الإمام أو أمير الجيش قد نادى فيهم ألا يدخل أحد من الجيش بواحد، منها فلا سهم لمن دخل بها لأن في البغال التي لا سهم لها ما هو عناء منها، وان لم يناد فيهم بذلك، فقد قال الشافعي هاهنا وفي الأم قيل لا يسهم، وقيل: يسهم لها فاختلف أصحابنا فكان أبو علي بن خيران يخرج ذلك على قولين: أحدهما: لا يسهم لما ذكرنا من التعليل، فعجزها عن العناء كالبغال والحمير.
والثاني: يسهم لها؛ لأن اختلاف القوة والضعف لا يوجب اختلافهما في السهم كالمقاتلة وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فقوله يسهم لها إذا أمكن القتال عليها مع ضعفها، وقوله: لا يمهم لها إذا لم يمكن القتال عليها لضعفها.
مسألة 55 قال الشافعي رحمه الله: "وإنما يسهم للفرس إذا حضر صاحبه شيئاً من الحرب فارساً فأما إذا كان فارساً إذا دخل بلاد العدو ثم مات فرسه أو كان فارساً بعد انقطاع الحرب وجمع الغنيمة فلا يضرب له ولو جاز أن يسهم له لأنه ثبت في الديوان حين دخل لكان صاحبه إذا دخل ثبت في الديوان ثم مات قبل الغنيمة أحق أن يسهم له".

الجزء: 6 - الصفحة: 257

قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وهذه المسألة تشتمل على فصلين: أحدهما: فيمن دخل أرض العدو فارساً، ثم نفق فرسه أو باعه أو أجره قبل حضور الوقعة حتى حضرها راجلا، لم يسهم له.
وقال أبو حنيفة: يسهم له إذا زال عن ملكه بعد دخول الحرب وان لم يشهد الوقعة.
وقال محمد بن الحسن: إن زال ملكه عنه بغير اختياره كنفاقه أو سرقته أسهم له، وان زال باختياره كبيعه أو هبته، لم يسهم له، وقد روى عن أبي حنيفة مثله، وروى عنه مثل قولنا، فصار عن أبي حنيفة ثلاث روايات أشهرها الأولى.
والثاني: فيمن دخل أرض العدو راجلاً، ثم ملك قبل تقضي الحرب فرساً بابتياع أو هبة فحضر به الوقعة أسهم له.
وقال أبو حنيفة: لا يسهم له اعتباراً في استحقاق السهم بدخول دار الحرب فارساً في الفصلين معاً استدلالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] فكان المأمور به هو الإعداد، وقد أعده بدخول دار الحرب فاستحق سهمه.
وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا" فدل على أن دخول دار الحرب قد حصل الإذلال والقهر، فاستحق به السهم، قالوا: ولأن سهم فرسه في مقابلة ما تكلفه من مؤنته، وقد تكلفها فاستحق السهم بها، وربما حرروا هذا الاعتلال قياساً فقالوا: لأنه دخل دار الحرب فارساً مجاهداً، فاستحق سهم الفارس كالحاضر للواقعة والدليل على أن اعتبار استحقاق السهم في الفصلين معاً بحضور الوقعة لا بدخول دار الحرب قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] فاعتبر بملك حال المغنم إجازته، فلم يجز أن يملك قبلها، لأن الفرس تابع والمالك متبوع، فلما كان موت المالك المتبوع بعد دخول دار الحرب وقبل الوقعة يمنح من استحقاق سهمه فالفرس التابع أولى أن يكون موته مانعاً من استحقاقه.
وتحريره قياساً أنه ذو سهم مات قبل حضور الوقعة، فلم يسهم له كالمالك ولأن يا المسلمين على ما دخل إلى دار الإسلام أثبت وأقوى منها على ما في دار الحرب، فلما استوي اعتبار سهم الغارس والفرس في دار الإسلام، كان أولى أن يعتبر في دار الحرب بحضور الوقعة.
ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: أحدهما: أن كل حال منع ما قبلها من استحقاق سهم الفارس منع من استحقاق سهم الفرس قياساً على دار الإسلام.
والثاني: أن كل مغنم منع بدار الإسلام من استحقاقه منعت دار الحرب من

الجزء: 6 - الصفحة: 258

استحقاقه قياساً على موت الفارس.
فأما الجواب عن الآية، فهو أن المأمور به هو القتال بعد الاستعداد لا الاقتصار على الاستعداد ألا ترى أن لو استعد ولم يحضر لم يسهم له، ولو حضر ولم يستعد أسهم له، فإن قيل: فالرهبة قد وقعت بالفرس في دخول دار الحرب قبل الرهبة بالفارس لا بالفرس، ثم ليت الرهبة من الفارس بدخوله دار الحرب موجبة لهمهء فكذلك لفرسه.
وأما قول علي بن أبي طالب عليه السلام: "ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا"، فالجواب عنه أنه جعل الغزو في الدار هو الإذلال لا دخول الدار على أن الغنيمة لا تملك بالإذلال، وإنما تملك بالغلبة والإجازة وأما الجواب عن استدلالهم بما تكلفه من مؤنته، فهو أنه ليس تكلف المؤنة موجباً لملك السهم في المغنم، ألا تراه لو تكنها لفرسه فهلك قبل دخول دار الحرب، أو تكلفها لنفسه وهلك بعد دخول دار الحرب لم يسهم لواحد منها، فبطل التعليل بذلك.
مسألة 56 قال الشافعي رحمه الله: "ولو دخل يريد الجهاد فمرض ولم يقاتل أسهم له".
قال في الحاوي: أما الصحيح إذا حضر الواقعة فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية من حنين إلى أوطاس فغنمتء فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين من أقام بحنين، ولم يحضر معهمء فكان الحاضر معهم وان لم يقاتل أولى أن يشركهم ولأنه إذا حضر هيب وكثر وأرهب وخوف، فصار حضوره مؤثرا كالمقاتل؛ ولأنه ليس من عادة جميع الجيش أن يقاتل بعضهم، ويكون الباقون رداً لهم لتقوى نفى المقاتل بحضور من لا يقاتل.
وأما إذا أحضرها وهو مريض أو كان صحيحاً فمرض فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون مريضا يقدر على القتال كالصداع والسعال ونفور الطحال والحمى القرنية، فهذا يسهم له، لا يختلف فيه لعدم تأثيره، وقله خلو الأبدان من مثله.
والثاني: أن يكون مريضا لا يقدر على القتال معه ففي استحقاقه للسهم ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: وهو ظاهر نص الشافعي هاهنا أنه يهم له لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة"، ولأنه مهيب ومكثر كالصحيح؛ ولأنه قد ينفع برأيه أكثر من نفعه بقتاله.
والثاني: أن لا يسهم له ويعطي رضخاً؛ لأنه مسلوب النهوض بالمرض فصار كالصبي والمجنون.
والثالث: أنه إن كان مريضا يخرج به، من أهل الجهاد كالعمى وقطع اليدين أو

الجزء: 6 - الصفحة: 259

الرجلين، أو الزمانة المقعدة فلا يسهم له.
وان كان مريضاً لا يخرج به أهل الجهاد فيرجى زواله بالعود إلى الصحة كالحمى الشديدة، ورمد العين، وانطلاق الجوف أسهم له؛ لأن الفرق بين الأمرين في فرض الجهاد فرق بينهما في استحقاق الهم، والله أعلم.
مسألة قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد فقد قيل يسهم وقيل يخير بين أن يسهم لأ وتطرح الإجارة ولا يسهم له وقيل يرضخ له".
قال في الحاوي: وجملة ذلك، أن الأجير إذا حضر الواقعة لم يخل حال إجارته من أحد أمرين: إما أن تكون ثابتة في ذمته أو معينة في رقبته.
فإن كانت في الذمة أسهم له؛ لأن ثبوت الحقوق في الذمم، السهم في المغنم كالديون.
وان كانت معينة في رقبته وعلى يديه فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون مقدرة بالعمل.
والثاني: أن تكون مقدرة بالزمان.
فإن كانت المنفعة فيها مقدرة بالعمل كرجل استأجر لخياطة ثوب أو صناعة حلي فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون إجازة لازمة لا يقدر على فسخها.
والثاني: أن تكون إجارة يقدر على فسخها فإن كانت لازمة لا يقدر على فسخها ففي استحقاقه للسهم قولان: أحدهما: لا سهم له؛ لأن منفعته بالعقد مستحقة فأشبه العبد فعلى هذا يرضخ له وهو على إجارته مستحق لأجرته؛ لأنه لم يعتض عن منفعته فانصرفت إلى إجارته.
والثاني: أنه يسهم له؟ لأن استحقاق منافعه بالعقد لا يمنع من استيفاء أحكام قربه كالحج، ومن هذا الوجه خالف أحكام العبد فعلى هذا إن كان حضور الوقعة لا يمنع من منافع إجارته كأجير يخدم من حضر الوقعة فله الأجرة مع السهم كما يكون له الحج مع الأجرة وان كان حضور الوقعة يمنع من منافع إجارته فهذا على ضربين: أحدهما: أن يدعوه المستأجر إلى خدمته فيأبى ويغلبه على منافع نفسه.
فهذا يرد من الأجرة ما قابل مدة حضوره لئلا يجمع فيها بين بدلين وقد امتلكها في إحدى الجهتين.

الجزء: 6 - الصفحة: 260

والثاني: لا يدعوه المستأجر إلى خدمته ففي استحقاق الأجر وجهان: أحدهما: لا يستحقها تعليلاً بما ذكرنا.
والثاني: يستحقها، لأن الأجرة في مقابلة التمكين من الخدمة، والتمكين موجود وان لم يقترن به الاستيفاء، وان كانت الإجارة تقدر على قسمها ففيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: لا يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ.
والثاني: يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ.
والثالث: أنه مخير بين أن يقيم على الإجارة فلا يسهم له ويعطي رضخاً وتكون له الأجرة، وبين أن يفسخ فيسهم له وتسقط الأجرة.
فإذا قيل: يسهم له فسواء قاتل أو لم يقاتل له سهمه كغيره من الجيش.
وإذا قيل: لا يسهم له كان ذلك حكمه ما لم يقاتل في حضوره، فأما إذا قاتل وأبى فإنه يستحق على هذا القول السلب إن قتل قتيلاً، وفي استحقاقه للسهم وجهان: أحدهما: وهو قول أكثر البصريين منهم أبو الفياض يستحق الهم لبلائه وظهور عنائه.
والثاني: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي، والأصح عندي أنه لا سهم له؛ لأن من لم يستحق السهم بالحضور إذا لم يقاتل لم يستحقه وان قاتل كأهل الرضخ طرداَ وأهل الجهاد عكساً.
مسألة 57 قال الشافعي رحمه الله: "ولو أفلت إليهم أسير قبل تحرز الغنيمة فمد قيل يسهم له وقيل لا يسهم له إلا أن يكون قتال، فيقاتل فأرى أن يسهم له".
قال في الحاوي: إذا كان في أيدي المشركين أسير أفلت منهم وقت القتال وصار إلى المسلمين، فلا يخلو حاله من أن يختلط بالجيش أو لا يختلط فإن لم يختلط وتوجه إلى وطنه فلا حق له في الغنيمة، وان اختلط في الجيش فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يحضر قبل تقضي الحرب فهذا يهم له قاتل أو لم يقاتل.
وقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا أن يقاتل؛ لأنه ما قصد الجهاد ولا تكلف له وهذا خطأ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأن من أسهم له إذا قاتل أسهم له، وان لم يقاتل كسائر الجيش؛ ولأن ما عاناه من شدة الأسر وذله لا يجوز أن يكون سبباً لحرمانه فأما نية القصد وتكلف المؤن فليس بشرط في سهم غيره فكذلك في سهمه.
والثاني: أن يحضر بعد الوقعة وقبل إجازة الغنيمة ففي استحقاقه للسهم قولان بناء

الجزء: 6 - الصفحة: 261

على اختلاف قوليه متى يملك الغانمون الغنيمة.
فأحد القولين: أنه لهم بانقضاء الحرب أن يتملكوها، فعلى هذا يسهم منها لأسير لأنه قد شاركهم في سهم التملك لها.
والثاني: أنهم يتملكونها بشرطين: القتال عليها والإجازة لها.
فعلى هذا لا سهم لأسير بحضوره بعد أن ملك الجيش أن يتملكها.
فإذا قيل: يسهم له، فبحسب حاله فارسا كان أو راجلا، وإذا قيل: لا يسهم له، فإن حضر بعد قم الغنيمة فلا رضخ له فيها، وان حضر قبل قسمتها رضخ له منها، ويحتمل وجها آخر أن لا يرضخ له لفوات زمان والله أعلم.
مسألة 58 قال الشافعي رحمه الله: "ولو دخل تجار، فقاتلوا لم أر بأساً أن يسهم لهم وقيل لا يسهم لهم".
قال في الحاوي: إذا اتبع الجيش تجار وصناع قصدوا كسب منافعهم وصنائعهم في جهاد عدوهم فإن تأخروا عن الوقعة لم يسهم لهم وان حضروها نظر فإن قاتلوا أسهم لهم: لأنهم بالقتال قد عدلوا عن قصد الكسب إلى نية الجهاد وان لم يقاتلوا ففيه قولان: أحدهما: لا سهم لهم وهو قول أبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات".
والثاني: يسهم لهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأنه لما لم تمنع التجارة والصناعة من الحج لم تمنع من الجهاد، فإذا أسهم لهم اعتبرت أحوالهم فرساناً ورحالة.
وإذا قيل: لا يسهم، أعطوا رضخا لا يختلف فيه لإدراكهم زمان الاستحقاق.
مسألة 59 قال الشافعي رحمه الله: " ولو جاءهم مرد قبل أن تنقضي الحرب فحضروا منها شيئاً قل أو كثر شركوهم في الغنيمة فإن انقضت الحرب ولم يكن للغنيمة مانع لم يشركوهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ألحق بالجيش في دار الحرب مرد لم يدخل حال المرد من ثلاثة أقام: أحدهما: أن يدركوا الوقعة قبل نقضي الحرب فيكونوا شركاء للجيش في الغنيمة سوا، قاتلوا معهم أم لا وسواء احتاج الجيش إليهم أم لا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن حضر الوقعة"، ولأن لورودهم تأثيراً في القوة وربما كان سبباً للظفر.
والثاني: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب، وانجلاء الوقعة، وقبل إجازة الغنيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 262

والإجازة أن (يستولي) عليها الملمون ويولي عنها المشركون ونأمن رجعتهم في الحال فتكمل الإجازة بهذه الشروط الثلاثة فإن انخرم شرط منها لم تكمل الإجازة فإذا كان حضور المرد بعد تقضي الحرب وقبل الإجازة فهل يشركونهم فيها أم لا على القوين الماضيين نصاً، وتخريجاً.
والثالث: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب وبعد إجازة الغنيمة على ما ذكرنا من صفة الإجازة فلا حق لهم في الغنيمة والجيش أحق بها من المرد.
وقال أبو حنيفة: المرد شركاء الجيش في الغنيمة إذا أدركوهم في دار الحرب وان أحرزت الغنائم ما لم يقتسموها أو يكن الإمام قد باعها ولو كان المرد أسرى لحقوا بالجيش في دار الحرب بعد إجازة الغنائم لم يشركوهم.
واستدل على مشاركة المرد لهم بأنهم جيش اجتمعوا على نفل الغنيمة من دار الحرب، فوجب أن يشركوا فيها قياسا على الحاضرين قبل الحرب: ولأن لما كان الرد مشاركاً وجب أن يكون المرد مشاركاً لأن كلا الغريقين عون وللجيش بهما قوة، ولأن الغنيمة لا تملك إلا بالإجازة إلى دار الإسلام فصار المرد مدركاً لها قبل إجازتهما.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" والذي شهدها الجيش دون المرد فوجب أن يكون أحق بهما من المرد.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، وقد فتحها وأجازها فسأله أن يسهم له ولأصحابه منها فأبى! فدل على اختصاص الجيش بها دون المردء ولأن لحوقهم بالجيش بعد إجازة الغنيمة يمنع مشاركتهم في الغنيمة قياساً على الأسرى ولأن كل غنيمة لا يسهم للأسرى منها لم يسهم للمرد منها قياساً على ما نفل أو أقسم.
وأما الجواب عن قوله: أنهم اجتمعوا على نفل الغنيمة فليس النفل علة في التملك إلا ترى أن الأسرى لو نفلوا لم يتملكوا وكذلك الأجراء على النفل.
وأما استدلالهم بالردء فهم والمراد سواء أن أدرك الوقعة أسهم لهم كالرد وان لم يدرك الرد الوقعة لم يسهم لهم كالمرد.
وأما قوله: إن الغنيمة يمكن إجازتها إلى دار الإسلام فليس للدار تأثيراً في تملكها وإنما تملك بمجرد الإجازة على ما ذكرنا من الشروط المعتبرة والله أعلم بالصواب.
مسألة 60 قال الشافعي رحمه الله: "ولو أن قائداً فرق جنده في وجهين فغنمت إحدى الفرقتين أو غنم العسكر لم تغنم واحدة منهما شركوهم لأنهم جيش واحد كلهم ردء لصاحبه وقد مضت خيل المسلمين فغنموا بأوطاس غنائم كثيرة وكثر العساكر بحنين

الجزء: 6 - الصفحة: 263

فشركوهم وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن لو كان قوم مقيمين ببلادهم منهم طائفة فغنموا لم يشركوهم وان كانوا منهم قريباً لأن السرايا، كانت تخرج من المدينة فتغنم فلا يشركهم أهل المدينة ولو أن إماماً بعث جيشين على كل واحد منهما قائد وأمر كل واحد منهما أن يتوجه ناحية غير ناحية صاحبه من بلاده عدوهم فغنم أحد الجيشين لم يشركهم الآخرون فإذا اجتمعوا فغنموا مجتمعين فهم كجيش واحد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وللسرايا متقدمة على الجيوش حالتان: إحداهما: أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد.
والثانية: إن تسري من جملة جيش مقيم.
فأما الحالة الأولى وهو أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد فصورتها أن يخرج الإمام لجيشه أو يستخلف على الجيش أميراً فينفذ السرايا من جملة الجيش الخارج ففيه ثلاث مسائل: فالمسألة الأولى: أن يتقدم من جملته سرية واحدة إلى بعض الجهات؛ فتكون السرية والجيش شركاء بجميع ما غنموه، فإن غنمت السرية شاركهم الجيش، وان غنم الجيش شركتهم السرية وسواء كان تفرد السرية إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها، وهذا قول الجمهور.
وقال الحسن البصري يتميز حكم السرية عن الجيش ويختص كل واحد منهما بما غنمه استدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة " وهذا خطأ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية غنمت فقسم غنائمهم في الجميع.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم يرد مشدهم عل مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" 61 فأخبر أن السرايا ترد على القاعد ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهما ردا لصاحبه ألا ترى أن الجيش إن احتاج إليها رجعت إليه وان احتاجب إليه لحق بها.
والمسألة الثانية: أن ينفذ من الجيش سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فيكون الجيش والسريتان جيشاً واحداً إن غنمت السريتان اشتركتا مع الجيش، وان غنمت إحداهما شركتهما الأخرى والجيش، وان غنم الجيش شاركته السريتان؛ لما ذكرنا من النص والتعليل.
والمسألة الثالثة: أن ينفذ سريتين إلى جهتين مختلفتين فتكون السريتان مشاركتين للجيش والجيش مشارك للسريتين وهل تكون إحدى السريتين مشاركة للأخرى أو لا؟ على وجهين:

الجزء: 6 - الصفحة: 264

أحدهما: تكون مشاركة لها؛ لأنها من جملة جيش واحد فصار الكل جيشاً واحداً.
والثاني: أن لكل واحد من السريتين حكم نفسها لا تشارك الأخرى ولا يشاركها؛ لأن الجيش أصل السريتين وليست إحدى السريتين أصله للأخرى.
فصل وأما الحالة الأخرى وهو أن يكون الجيش مقيماً والسرايا منه نافذة ففيها ثلاث مسائل: إحداها: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سرية فتغنم فتختص السرية بغنيمتها ولا يشركها الجيش المقيم سواء أسرت إلى موضح قريب أو بعيد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفذ السرايا من المدينة فلا يشركهم أهل المدينة، ولأن الغنيمة للمجاهدين وليس المقيم مجاهداً.
والمسألة الثانية: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فتكون السريتان جيشاً واحداً، أيهما غنمت شاركتها الأخرى، ولا يشاركهما الجيش المقيم لكون غير مجاهد.
والمسألة الثالثة: أن ينفذ الإمام من جملة الجيش المقيم سريتين إلى جهتين مختلفتين وقد أفرد كل سرية منهما بقائد فإن اجتمعت السريتان على جهة واحدة فهم شركاء في غنائمها دون الجيش المقيم، وان انفردت كل سرية بالجهة التي نفذت إليها لن تشاركها الأخرى في غنائمها، ولا يشارك الجيش واحدة منها؛ لأن كل واحدة من السريتين إذا اختصت بجهة لم تكن ردا للأخرى فصارت جيشاً منفردا فلو انضم نفراً من إحدى السريتين إلى الأخرى وغنموا شاركوها في غنائمهم، لأنهم بالانضمام إليها قد صاروا من جملتها فإذا جاز النفر سهمهم منها فهل يشاركهم فيه باقي أصحابه من السرية الأخرى أو لا؟ على وجهين: أحدهما: يشاركونهم فيه، لأن جميعهم جيش واحد، فعلى هذا لو كان باقي السرية غنمت شاركهم فيها النفر المنفرد عنهم.
والثاني: أن هؤلاء النفرد يختصمون بما أخذوا من السرية التي انضموا إليها؛ لأنهم لما صاروا من جملتها بالانضمام إليها خرجوا من جملة سريتهم بالانفراد عنها؛ فعلى هذا لو أن الباقين من سريتهم غنموا لم يشاركوهم كما لم يردوا عليهم، والله أعلم.

باب تفريق الخمس

مسألة 62 قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:

الجزء: 6 - الصفحة: 265

41] الآية وروي أن جبير بن مطعم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وصفك الله به منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطتهم أوتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه"، وروي جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل من ذلك شيئا".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أربعة أخماس الغنيمة، فأما خمسها وخمس الفيء فهما سواء، ولأربعة أخماس الفيء حكم يخالف حكم خمسه، وخمس الفيء والغنيمة مقسوم على مذهب الشافعي على خمسة أسهم: سهم كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته ويصرف بعده في مصالح المسلمين العامة، وسهم لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب باق لهم ما بقوا، وسهم لليتامى، وسهم المساكين، وسهم لبني السبيل.
وقال أبو العالية الرياحي: يقسم الخصى على ستة أسهم: سهم منها لله تعالى مصروف في رياح الكعبة وزينتهاء ثم الخمة الأسهم بعده على ما وصفناه وقال بعض العلماء: يقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموته.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السبيل وقال بعض العلماء نقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذي القربى.
وقال مالك: يصرف الخمس من أربعة أخماس الفيء في وجوه المصالح.
فأما أبو العالية فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الانفال: 41] فذكر الله تعالى نفسه من المستحقين فاقتضى أن يكون له ودليلنا ما روى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم " فلو كان مقسوماً على ستة لقال إلا السدس، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم الخمس على خمسة أسهم.
فأما الآية فالجواب عنها أن تقديم ذكر الله تعالى إنما هو للتبرك باسمه، ولإباحة المال بعد حظره، والا فجميع الأموال له، ولتغلظ حظر ذلك على غير من سماه.
وأما أبو حنيفة فاستدل على أن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقاط بأمرين: أحدهما: أن من ملك في حياته حقا كان بعد موته، إما موروثاً، واما ساقطا فلما لم يكن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موروثاً سقط.
والثاني: أنه كان يملك سهمه من الخمس كما كان يملك من الغنيمة الصفى فلما سقط حقه من الصفى بموته سقط سهمه من الخمس به.
واستدل أيضا على أن لا حق لذوي القرب فيه إلا بالفقر من جملة اليتامى

الجزء: 6 - الصفحة: 266

والمساكين؛ بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] فحظروا بهذا التعليل على الأغنياء وثبوت حقهم فيه يوجب التسوية بين الفقراء والأغنياء؛ فدل على سقوطه بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: دعاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد عزل لنا سهم ذي القربى فقلت إن بني هاشم عنه في غناء وان بالمسلمين حلة وفاقة فإن رأيت أن ترده عليهم، فلما تركه للغني دل على أنهم كانوا يأخذونه بالفقر.
قال: ولأن كل مال لم يجز صرفه إلى أغنياء غير ذي القربة لم يجز صرفه إلى أغنياء ذي القربى كالصدقات، ولأنهم صنفه مسمى في الخمس؛ فوجب أن لا يستحقوه مع الغني كاليتامى والدليل على ما قلناه وهو أن سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت في رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم: فدل رده ثبوته وان تغير حكمه، لا على سقوطه.
وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا وكاب فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون المسلمين، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليها أبو بكر مثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فموضع الدلالة من هذا الخبر أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما سلكا بحقه بعد وفاته مسلكه بحقه في حياته؛ فدل على بقائه وثبوته؛ ولأن ما استحق من سهام الخمس لم يسقط كسائر السهام.
فصل والدليل على أن سهم ذوي القربى ثابت يستحق مع الغنى والفقر، قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: 7] فأضاف الخمس إلى خمسة أصناف بلام التمليك، وجمع بينهم بواو التشريك، فاقتضى الظاهر تساويهم بجميعهم بالأوصاف التي أضافها الله تعالى إليهم، وهو إنما وصفهم بأي القربى فدل على استحقاقهم إياه باسم القرابة لا بالفقر وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: 38] قال السدي: هم ذوي القربى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب وروى الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر بن راشد عن ابن شهاب قال: اخبرني محمد بن جبير عن أبيه قال لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعمان بن عفان فقلت: يا رسول الله هؤلاء لإخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا واحدة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد

الجزء: 6 - الصفحة: 267

كذا وشبك بين أصابعه 63، وفي بعض الروايات لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام.
والدلالة في هذا الخبر من وجهين: أحدهما: أن عثمان بن عفان وجبير كانا من أغنياء قريش، سألاه لما أعطيت بني هاشم وبني المطلب وحرمتنا، ونحن وهم في القرابة سواء؟ فلم يجعل سبب المنع الغني فدل على أن الغني فيه كالفقير.
والثاني: أنه كان في بني هاشم وبني المطلب أغنياء وفقراء وقد أعطاهم.
وكان من عبد شمس أغنياء وفقراء وقد حرمهم؛ فدل على أنه اعتبر القرابة دون الفقر.
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتبر النصرة دون القرابة؟ لأن هاشماً والمطلب وعبد شمس ونوفل كانوا أخوة وكلهم بنو عبد مناف، وقد خص النبي - صلى الله عليه وسلم - سهم ذوي القربة بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس ونوفل وجميعهم في القرابة سواء، لما قال في ضم بني المطلب إلى بني هاشم بأنهم شيء واحد، ولم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام ليعلمهم أن بني عبد شمس وبني نوفل قد خالفوهم في الجاهلية والإسلام، فدل على أن العطاء إنما كان لأجل الندرة التي ميزتهم بها دون القرابة التي قد اشتركوا فيها فاختلف أصحابنا لأجل ذلك في سبب الاستحقاق على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها دون النمرة، ولأنهم ليس للنصرة فيها تأثير، لأنه لم يذكره عثمان وجبير في طلبها ولا ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في منعهما ودفع ذلك لمن لا نصرة فيه من صغير وكبير ورجل وامرأة ومنع من ظهرت من غيرهم، وان لم يكن من بني المطلب من قام بالنصرة مقام أبي بكر وعمر وعثمان وأبي دجانة وخالا بن الوليد فمنعهم وأعطى من بني المطلب من هو أقل نصرة منهم، فدل على أنهم استحقوا ذلك بالقرابة لا بالنصرة.
والثاني: أن الاستحقاق بالقرابة والتقديم بالنصرة كما نقول في الأخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب ابنهما في التعصيب بالأب سواء، ويقدم أحدهما على الآخر للأم، وان اشتركا في التعصيب، كذلك بني المطلب وان شاركوا بني عبد مناف وبني نوفل في القرابة قاموا عليهم بما اختصوا به من النصرة.
فإن قيل: فإذا كان التقديم بالنصرة فهلا زال حكمهما بزوالها، وقد زالت اليوم، قيل: النصرة في الآباء أوجبت ثبوت حكمها في الأبناء، كما تقول في تمييز كفرة أهل الكتاب على المشركين في قبول الجزية أن حرمة آبائهم حين كانوا على حق أوجبت ثبوتها لأبنائهم وإن زالوا عن الحق.
والثالث: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها، والمنع مع وجودها لسبب آخر كما نقول

الجزء: 6 - الصفحة: 268

في ابنين أحدهما قاتل أنهما وإن استويا في البنوة فالقاتل ممنوع بعلة، فكذلك بنو عبد الشمس وبنو نوفل وان ساووا بني هاشم وبني المطلب في القرابة، فقد كان منهم ما يسقط به حقهم كما يسقط حق الابن القاتل.
فإن قيل: جبير بن مطعم راوي هذا الحديث أسلم بعد فتح خيبر فلم يلتفت إلى حديثه في أحكام غنائمها فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنه لم يعين الخبر في خمس خيبر، وقد كان بعدها غنائم يحمل خبره على خمسها.
والثاني: قد كان أكثرها فيئاً فيستغل في كل عام فكان خمسة باقياً.
وروي أن الفضل بن العباس استشفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعلي رضوان الله عليهما في عمالة الصدقات فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس"، فجعل لهم خمس الخمس تنزيهاً عما يملك بالفقر من الصدقات؛ فم يجز أن يستحقوه بالفقر المشروط في الصدقات، ويدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد روي على وجهين يكون في أحدهما نصاً مسنداً، فهو ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول اله أرأيت إن تولينا حقنا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه في حياتك كي لا ينازعنا أحد بعدك فافعل، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نفعل ذلك" فولاينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمته في حياته، ثم في رواية أبي بكر حتى كانت آخر سنة من سني عمر، فإنه أتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسل إلي فقلت: لنا عنه العام غناء، وبالمسلمين الآن حاجة فاردده عليهمء فرده عليهمء فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال يا علي: حرمتنا لا ترد علينا أبدأ، وكان راجلاً داهياً فلم يدعني إليه أحد بعد عمر.
فدل قول علي للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن رأيت إن تولينا حقنا على أنه حق يختص بهم لا يتحق بالفقر الذي هو في غيرهم.
وأما الوجه الذي يكون إجماعاً منعقداً فهو ما رواه الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيت علياً عليه السلام عند أحجاز الركب فقلت له: بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس فقال علي: أما أبو بكر فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفاناه، وأما عمر فلم يزل يعطينا حتى جاءه مال السوس والأهواز أو قال مال فارس الشافعي يشك، فقال عمر: إن المسلمين فله فإن أجبتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال أو فيكم حقكم، فقال العباس لعلي: لا تطعمهم في حقنا، فقلت يا أبا الفضل ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين، ودفع خلة المسلمين، فتوفي عمر قبل أن يأتيه مال فيقضيناه.

الجزء: 6 - الصفحة: 269

فدل استنزال عمر لهم ثمنه بخلة المسلمين، أنهم لم يستحقوه بالفقر الذي قد شاركوا فيه فقراء المسلمين، ولكنه حق لهم لا يسقط بمطالبتهم ولا يؤخر لفقرهم، وإنهم يستحقون قضاء ما أخروه من حقهم.
وروى زيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه قال ابن عباس: لقربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمه لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان عمر عوض من ذلك عوضاً رأيناه دون حقنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله؛ ولأنهم أحد أصناف أهل الخمس، فوجب أن لا يسقط حقهم منه كسائر الأصناف.
ولأن من حرمت عليه الصدقات المفروضات في جميع الأحوال ثبت لهم سهم في الخمس كالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأنهم عوضوا عن الصدقات المفروضات بحمس الخمس لقوله - صلى الله عليه وسلم - أو ليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس، فلما كان تحريم الصدقات عليهم ثابتاً لا يزول؛ كان ما عوضوه من خمس الخمس ثابتاً لهم يزول.
وتحريره أن ما تتميز به ذوو القربى في الأموال استلزم ثبوته قياساً على تحريم الصدقات.
فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكن موروثاً كان ساقطاً، فهو أن الميراث إذا انتفى عنه رد إلى ما قد أقيم مقامه من وجوه المصالح لقومه في حقه مقام الميراث في حق غيره، فوجب أن يكون ذلك مصرف ماله.
وأما الجواب عن قوله: إن سقوط حقه الصفي بموته يوجب سقوط حقه من غيره فهو أن الحق من الصفي غير مقدر فلا يكون ثابتاً بعد موته، وإنما كان يأخذ من الغنيمة ما شاء باختياره واختيار للصفي معدوم بعد موته فقط بخلاف غيره.
وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة في سقوط سهم ذي القربى لقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] من وجهين: أحدهما: أنه راجع إلى جميع الخمس وليس هو دولة بين الأغنياء؛ لأن سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحق بالفقر.
والثاني: أنه سهم ذي القربى ليس هو دولة بين الأغنياء؛ لأنه يشترك فيه الأغنياء والفقراء وما كان دولة بين الأغنياء خرج عن أن يكون فيه حق للفقراء وأما الجواب عن استدلاله بحديث علي عليه السلام أنه رد سهم ذي القربى لغناهم على المسلمين لخلقهم وفقرهم فمن وجهين: أحدهما: أنه اختار ترك حقه ومن يترك حقه باختياره لم يدل على سقوط استحقاقه.
والثاني: أنه أخره لخلة المسلمين ليأخذ عوضه عند استغنائهم فكان حقه ثابتاً باقياً، وهو أول شيء على ثبوت استحقاقه.

الجزء: 6 - الصفحة: 270

وأما الجواب عن قياسه على الصدقات مع جواز أن يدفع من الصدقات إلى أغنياء العاملين والمؤلفة قلوبهم والغارمين فهو أن الصدقة مواساة: فجاز أن يكون الفقراء أحق بها، والخمس يملك من غنائم المشركين قهراً لا بالمواساة، فجاز أن يشترك فيه الفقراء والأغنياء كالغانمين.
وأما الجواب عن قياسهم على اليتامى والمساكين فهو أن ما أخذ باسم المسكنة والفقرا جاز أن يكون الفقر فيه شرطاً، وما أخذ باسم القرابة كانت القرابة شرطاً فيه إذا وجدت ولم يكن الفقر شرطاً وما أخذ باسم القرابة كانت كالميراث والله أعلم.
مسألة 64 قال الشافعي: "فيعطى سهم ذي القربى حيث كانوا ولا يفضل أحد على أحد حضر القتال أو لم يحضر إلا سهمه في الغنيمة كسهم العامة ولا فقير على غني ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهماً لأنهم أعطوا باسم القرابة فإن قيل: فما أعطى - صلى الله عليه وسلم - بعضهم مائة وسقٍ، وبعضهم أقل قيل لأن بعضهم كان ذا ولدٍ فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره والدلالة على صحة ما حكيت من التسوية أن كل من لقيت من علماء أصحابنا لم يختلفوا في ذلك وإن باسم القرابة أعطوا وإن حديث جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وقد مضى الكلام في أن سهم ذي القربى ثابت وثبوته يقتضي إبانة أحكامهم فيه وذلك يشتمل على خمسة فصول: فالفصل الأول: في ذي القربى من هم؟ وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، وجميعهم بنو عبد مناف، وكان لعبد مناف مع هؤلاء الأربعة خامس اسمه عمرو وليس له عقب فأما هاشم فهو جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهاشم في عمود الشرف الذي تعدى شرفه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إخوته، والمطلب أخوه الشافعي من ولده ثم عبد شمس أخوهما وعثمان من ولاه ثم نوفل أخوهم وجبير بن مطعم من ولده؛ فاقتص بسهم ذي القربة بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس ونوفل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام" يعني أنهم كانوا متناصرين بحلف عقدوه بينهم في الجاهلية، ويتميز به عن بني عبد شمس ونوفل، ولهذا الحلف دخل بنو المطلب مع بني هاشم الشعب بمكة حين دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى الزهري عن سعيا بن المسيب عن جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسم لبني وفقيرهم وقال أبو حنيفة: لا حق لغنيهم فيه وهذا خطأ من وجهين:

الجزء: 6 - الصفحة: 271

أحدهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى منه العباس وكان ليساره يعول عامة بني عبد المطلب.
والثاني: أن ما استحق بالقرابة استوى فيه الغني والفقير كالميراث، ثم لا فرق بين من حضر القتال ومن لم يحضره، ولا فرق بين من شاقق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لم يشاققه في أنهم سواء بعد الإسلام في سهمهم، إلا أن من حضر القتال أخذ سهمه من الغنيمة خارجاً عن حقه في الخمس.
والفصل الثالث: أنه يشترك فيه الذكور والإناث لأن الزبير بن العوام أحذ من الخمس سهم أمه صفية بنت عبا المطلب رضي الله عنهم.
ولأن من استحق بالقرابة اشترك فيه الرجال والنسا، كالميراث وخالف الفعل الذي يختص الرجال بتحمله دون النساء، لأن العاقلة من ذب عن القاتل منع منه بالسيف، وهذا يختص بالرجال دون النساء، وسهم ذي القربى لأجل النسب الذي يشترك فيه الرجال والنساء، فإذا ثبت اشتراك الذكور والإناث فيه فضل الذكور على الإناث وكان للذكر مثل حظ الأنثيين سهمان وللأنثى سهم كالميراث.
وقال المزني وأبو ثور: يسوى بين الذكور والإناث كالوصايا للقرابة يسوى فيها بين الذكور والإناث وهذا خطأ، لأن اعتبار سهمهم بالميراث أولى من اعتباره بالوصايا من وجهين: أحدهما: أن الميراث وسهم ذي القربى عطيتان من الله تعالى، والوصايا عطية من آدمي تقف على خياره.
والثاني: أن في ذي القربى نصرة هي بالذكور أخص فجاز أن يكونوا بها أفضل، وليس كذلك في الوصايا ثم لا حظ لأولاد الإناث فيه إذا لم يكن آبائهم من ذوي القربى، لأنهم يرجعون في النسب إلى الآباء الذين ليسوا من ذوي القربى.
والفصل الرابع: أن يسوى بين جميع الذكور ويسوى بين جميع الإناث ويفضل الذكور على الإناث، ويسوى بين القريب والبعيد وبين المطيع والعاصي وبين العدل والباغي كما يسوى بينهم في الميراث.
فإن قيل: فقد أعطى النبي سو بعضهم مائة وسق، وبعضهم أقل.
قال الشافعي: لأن بعضهم كان ذا ولد فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره.
فإن قيل: فهلا قسم سهمهم على اجتهاد الإمام ورأيه في التسوية والتفضيل كما يقسم سهم الفقراء في الزكاة على اجتهاده؟ قيل: لأن الفقراء يأخذون سهمهم بالحاجة التي قد تختلف فيهم فجاز أن يفضل بينهم لأجلها وسهم ذي القربى للقرابة التي قد صاروا فيها سواء فوجبت التسوية بينهم لأجلها.
والفصل الخامس: أن سهم ذي القربى من غنائم جميع الثغور مقسوم بين جميع ذوي القربى في جميع الإقليم.
وقال أبو إسحاق المروزي: يقسم سهامهم من غير كل ثغر في إقليم ذلك الثغر

الجزء: 6 - الصفحة: 272

الذين هم بالجهاد فيه أخص، ولا ينتقل سهمهم من غنائم ثغر المشرق إلى من كان منهم في بلاد المغرب لما فيه من المشقة ليحال كل فريق منهم على غنائم الثغر الذي هي إقليمهم فيكون أسهل كما يحال ثغر كل بلد على ذكواته وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه يفضي إلى إعطاء بعضهم دون بعض، وكلا الأمرين خطأ يخالف نص الآية، وخالف سهم الفقراء في الزكاة من وجهين: أحدهما: أنه لما جاز إعطاء بعض فقراء البلد دون جميعهم لم يجز ذلك في ذوي القربى، جاز أن يختص بها فقراء ذلك البلد بخلاف ذوي القربى.
والثاني: أنه لما نفل سهم ذي القربى وغنيمة الثغر إلى بلاد الإقليم بخلاف الزكاة وجب نقله إلى جميع الأقاليم بخلاف الزكاة.
والمعنى الذي لأجله وقع الفرق بين الزكاة والغنيمة من هذين الوجهين هو أن هي كل البلاد زكوات وفقراء، فجاز أن يحال فقراء كل بلد على زكواته وليس لكل بلد غنيمة ولا في كل بلد ذوي القربى، فلذلك اشترك جميع ذوي القربى في جميع الغنائم حتى لا يختص بها بعضهم دون بعض والله أعلم.
مسألة 65 قال الشافعي رحمه الله: "ويفرق ثلاثة أخماس الخمس على من سمى الله تعالى على اليتامى والمساكين وابن السبيل في بلاد الإسلام يحصون ثم يوزع بينهم لكل صنف منهم سهمه لا يعطى لأحدٍ منهم سهم صاحبه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وإذا قد مضى الكلام في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهم ذي القربى من الخمس: انتقل الكلام إلى باقي السهام وهي ثلاثة أسهم لثلاثة أصناف: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السبيل على ما تضمنته الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
فأما اليتامى فهم الذين مات آباؤهم، وان بقيت أمهاتهم فيكون اليتم بموت الآباء دون الأمهات لاختصاص الآباء بالنسب فاختصوا باليتم، وسموا بذلك لغة لتفردهم بموت الآباء دون الأمهات كما يقال درة يتيمة لتفردها عن أن يكون لها نظير ثم يعتبر فيهم مع فقد الآباء شرطان آخران: هما الصغر والإسلام، فأما الإسلام فيعتبر فيهم شرعا لا لغة؛ لأن اليتيم يعم مسلمهم ومشركهمء إنما خص الشرع بهذا الهم من كان منهم مسلماً لأمرين: أحدهما: أنه قال الله تعالى فاختص به أهل طاعته.

الجزء: 6 - الصفحة: 273

والثاني: أنه مال قد ملك من المشركين فكان لغيرهم لا لهم، وأما الصفر فكان فيهم معتبراً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتم بعه الحلم " لكن اختلف في هذا الشرط هل ثبت اعتباره شرعاً أم لغة، فقال بعضهم: يثبت اعتباره شرعاً للخير وإلا فهو اللغة ينطلق على الصفير والكبير، وقال أحرون: بل يثبت اعتباره لغة وشرعاً لأن اسم اليتيم في اللغة موضوع لمن كان متضعفاً محروماً، وهذا بالصغار أحص منه بالكبار فإذا ثبت اعتبار هذه الشروط الثلاثة في اليتامى فقد اختلف أصحابنا في اعتبار شرط رابع فيهم وهو الفقر على وجهين: أحدهما: وهو مذهب الشافعي أن الفقر شرط رابع يعتبر في استحقاقهم لهذا السهم من الخمس، لأن مصروف في ذوي الحاجات، فخرج منهم الاعتبار ولأنه إرفاق لمن توجه إليه المعونة والرحمة وهو الفقراء دون الأغنياء.
والثاني: أنه لا يعتبر فيهم الفقر أنه مستحق لغنيهم وفقيرهم لأوي القربى اعتباراً بمطلق الاسم: لأنهم لو اعتبر فيهم الفقر لدخلوا في جملة المساكين، ولما كان تخصيصهم بالذكر فائدة: فعلى الوجه الأول أن الفقر فيهم معتبر يتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه لا فرق بينهم من مات أبوه أو قتل لاشتراكهم في الحاجة المعتبرة فيهم.
والثاني: أنه يجوز الاقتصار على بعض اليتامى دون جميعهم كالفقراء.
والثالث: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التوبة بينهم والتفضيل كالفقراء وعلى الوجه الثاني أن الفقر فيهم غير معتبر يتعلق عليه ثلاثة أحكام تخالف تلك: فالحكم الأول: أنه يختص بذلك من قتل أبوه في الجهاد دون غيره رعاية لنصرة الإباء في الأبناء كذوي القربى.
والحكم الثاني: أن يفرق في جميعهم ولا يخص به بعضهم فعلى قول الشافعي يفرق في أيتام جميع الأقاليم، وعلى قول أبي إسحاق المروزي يفرق في إقليم ذلك الثغر دون غيره من الأقاليم.
والحكم الثالث: أنه يسوي بينهم من غير تفضيل كذي القربى وأن يسوى بين الذكور والإناث بخلاف ذوي القربى، لأن سهم ذوي القربى كالميراث، ففضل فيه الذكر على الأنثى وسهم اليتامى عطية كالوقف والوصية يسوى فيه بين الذكر والأنثى.
فصل وأما المساكين والفقراء يدخلون في جملتهم إذا أطلقوا وكذلك إذا أطلق الفقراء والمساكين يدخلون في جملتهم ويميز بين الفريقين إذا جمعوا، والفقير هو الذي لا شيء له، والمسكين هو الذي له ما يكفيه فصار الفقير أسوأ حالاً من المسكين، واستدل عليه في قسم الصدقات، وإذا دخل الفقراء مع المساكين في سهمهم من الخمس فقد اختلف أصحابنا في مستحقيه منهم على وجهين:

الجزء: 6 - الصفحة: 274

أحدهما: أنه يستوي فيه جميع المساكين من الناس كلهم لدخول المسكنة في جميعهم.
والثاني: أنه يختص به مساكين أهل الجهاد الذين قد عجزوا عنه بالمسكنة أو الزمانة ولا حق فيه لغيرهم من المساكين؛ لأن مال الغنيمة لأهل الجهاد أخص وليصير ذوو القدرة على الجهاد؛ فعلى الوجه الأول أنه يستوي في جميع المساكين ويتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه يجوز أن يختص به بعض المساكين دون جميعهم كالزكاة.
والثاني: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التوبة والتفضيل بحسب الحاجة.
والثالث: أنه يجوز أن يجمع لهم بين سهمهم من الزكاة وسهمهم من الخمس وحقهم في الكفارات فيصير إليهم ثلاثة أموال: وعلى الوجه الثاني: أنه يخص به مساكين أهل الجهاد دون غيرهم ويتعلق عليه ثلاثة أحكام: أحدهما: أنه يجب أن يفرق في جميعهم ولا يختص به بعضهم، فعلى مذهب الشافعي في مساكين جميع الأقاليمء وعلى مذهب أبي إسحاق المروزي في مساكين إقليم الثغر المغنوم فيه دون غيره من الأقاليم.
والثاني: أنه يستوي بينهم فيه من غير تفضيل ولا يفضل ذكر على أنثى، ولا صغير على كبير، فإن اجتمع في الشخص الواحد مسكنة ويتم أعطى باليتم دون الممكنة: لأن اليتم منعة لازمة والمسكنة صفة زائلة.
والثالث: أنه لا يجمع لهم بين سهمهم من الخمس وبين سهمهم من الزكاة لتميز أهل الفيء على أهل الزكاة، وتميز مساكين الخمس عن مساكين الزكاة، ولكن يجوز أن يافع إليهم من الكفارات فيصير إليهم مالان ويمنعوا مالأ، ولا يختص الكفارات بأحد الفريقين والله أعلم.
فصل وأما بنو السبيل فهم المسافرون سموا بذلك: لأنهم بملازمة سبيل السفر قد صاروا كأبنائه وهم ضربان: منشئ سفر، ومجتاز فيه، وكلا الفريقين يعتبر فيهم الحاجة في سفرهم ولا يدفع إليهم مع عدم الحاجة إلا أن الناشئ لسفره لا يدفع إليه مع الفقر والمجتاز يجوز أن يدفع إليه مع الغني، إذا كان في سفره معدماً ثم اختلف أصحابنا فيهم على وجهين: أحدهما: أنه لبني السبيل من جميع الناس.
والثاني: أنه لبني السبيل من المجاهدين خاصة، فعلى الوجه الأول أنه لبني السبيل من جميع الناس يتعلق عليه الأحكام الثلاثة التي ذكرناها في المساكين: أحدها: أنه يجوز أن يختص به بعض المساكين دون جميعهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 275

والثاني: أنه يجوز أن يجتهد الإمام برأيه في التسوية والتفضيل.
والثالث: أنه يجوز أن يجمح لهم بين سهمهم من الخمس وبين سهمهم من الزكاة.
وعلى الوجه الثالث: أنه يخص به بنو السبيل من المجاهدين؛ فعلى هذا يتعلق عليه الأحكام الثلاثة: أحدها: أنه يجب أن يفرق في جميعهم ولا يخص به بعضهم؛ فعلى مذهب الشافعي يفرق في بني السبيل في الإقليم كلها، وعلى مذهب أبي إسحاق المروزي يفرق بني السبيل في إقليم الثغر المغنوم فيه.
والثاني: أنه يسوي بين جميعهم فيه تقسيطاً على مسافة أسفارهم فيكون تسوية بينهم في الباطن وان تفاضلوا في الظاهر، ومن هذا الوجه باينوا المساكين الذي يسوي بينهم في الظاهر والباطن.
والثالث: أنه لا يجمع لهم بين سهم من الخمس وبين سهم من الزكاة، وتميز بنو السبيل في الخمس عن بني السبيل في الزكاة، فعلى هذا لو أن شخصاً جمع بين المسكنة وبين كونه ابن السبيل أعطى بأي السببين شاء ولا يكون أحدهما أخص به من الأخر ولا يجمح له بين الأمرين والله أعلم.
مسألة 66 قال الشافعي: "فقد مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - فاختلف أهل العلم عندنا في سهمه فمنهم من قال: يرد على أهل السهمان الذين ذكرهم الله تعالى معه لأني رأيت المسلمين قالوا فيمن سمي له سهم من الصدقات فلم يوجد رد على من سمي معه وهذا مذهب يحسن.
ومنهم من قال: يضعه الإمام حيث رأى على الاجتهاد للإسلام وأهله.
ومنهم من قال: يضعه في الكراع والسلاح والذي أختار أن يضعه الإمام في كل أمر حصن به الإسلام وأهله من سد ثغر أو إعداد كراع أو سلاح أو إعطاء أهل البلاء في الإسلام نفلاً عند الحرب وغير الحرب إعداداً للزيادة في تغرير الإسلام وأهله على ما صنع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه أعطى المؤلفة ونفل في الحرب وأعطى عام حنين نفراً من أصحابه من المهاجرين والأنصار أهل حاجة وفضل وأكثرهم أهل حاجة ونرى ذلك كله من سهمه والله أعلم ومما احتج به الشافعي في ذوي القربى أن روى حديثاً عن ابن أبي ليلى قال: لقيت عليا رضي الله عنه فقلت له بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ فقال علي: أما أبو بكر رحمه الله فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفانا، وأما عمر فلم يزل يعطيناه حتى جاءه مال السوس والأهواز أو مال: مال فارس.
الشافعي يشك وقال عمر في حديث

الجزء: 6 - الصفحة: 276

مطرٍ أو حديثٍ آخر إن في المسلمين خلة فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه.
فقال العباس: لا تطعه في حقنا فقلت: يا أبا الفضل ألسنا من أحق من أجاب أمير المؤمنين ورفع خلة المسلمين فتوفي عمر قبل أن يأته مال فيقضيناه.
وقال الحكم في حديث مطر أو الآخر: إن عمر رضي الله عنه قال لكم حقا ولا يبلغ علمي إذ كثر أن يكون لكم كله فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم فأبينا عليه إلا كله فأبى أن يعطينا كله.
قال الشافعي رحمه الله: "للمنازع في سهم ذي القربى: أليس مذهب العلماء في القديم والحديث أن الشيء إذا كان منصوصاً في كتاب الله مبينا على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - بخبر الثقة لا معارض له في إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - غنياً لا دين عليه في إعطائه العباس بن عبد المطلب وهو في كثرة ماله يعول عامة بني المطلب دليل على أنهم استحقوا بالقرابة لا بالحاجة كما أعطى الغنيمة من حضرها لا بالحاجة وكذلك من استحق الميراث بالقرابة لا بالحاجة وكيف جاز لك أن تريد إبطال اليمين مع الشاهد بأن تقول هي بخلاف ظاهر القرآن وليست مخالفة له ثم تجد سهم ذي القربى منصوصاً في آيتين من كتاب الله تعالى ومعهما سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترد؟ أرأيت لو عارضك معارض فأثبت سهم ذي القربى وأسقط اليتامى والمساكين وابن السبيل ما حجتك عليه إلا سهمي عليك".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في ثبوت سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في خمس الفيء والغنيمة، وأنه لا يسقط بموته.
واختلف الناس في مصرفه فحكى الشافعي فيه مذاهب فمنه من جعله مصروفاً إلى الإمام القائم بالأمر من بعده، ومنهم من جعله لورثته، ومنهم من جعله مصروفاً في الكراع والسلاح خاصة ومذهب الشافعي أن سهمه مصروف في مصالح المسلمين العامة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم".
ولأنه قد كان ما فضل منه في حياته بعد فوت سنة يصرفه في إعزاز الدين ومصالح المسلمين فكذلك حكمه بعد موته.
فأما ما استدل به الشافعي في ثبوت سهم ذي القرابة فقد ذكرناه واستوفينا حكم كل سهم من السهام الخمسة بما أغنى من الإعادة والله أعلم بالصواب.

باب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء غير الموجف عليه

قال 67 الشافعي رحمه الله: "وينبغي للوالي أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال ويحصي الذرية وهم من دون المحتلم ودون خمس عشرة سنة والنساء صغيرهم وكبيرهم ويعرف قدر

الجزء: 6 - الصفحة: 277

نفقاتهم وما يحتاجون إليه من مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: قد مضى الكلام في الغنيمة، وهو المأخوذ من المشركين عنوة بقتال، فأما الفيء وهو المأخوذ منهم بغير قتال فضربان: أحدهما: ما تركوه علينا خوفاً ورعباً كالأموال التي بخلوا عنها وما بذلوه صلحاً في كفنا وردنا عن أنفسهم، فهذا بخمس ويكون خمسه كخمس الغنيمة مقسوم على السهام الخمسة.
والثاني: ما وصل إلينا من أموالهم في غير خوف ولا رعب كالجزية وعشر تجارتهم ومال من مات منهم في داونا ولا وارث له ففي تخميسه قولان: أصحهما: وهو الجديد أنه يخمس ويكون خمسه مقسوماً على السهام الخمسة لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7] ولأنه كالمتروك رعباً في كونه فيئاً فوجب أن يكون مخمساً.
والثاني: قاله في القديم أنه لا يخمس لأنه لما كان في الغنيمة مالاً يخمس وهو السلب كان في الفيء مالاً يخمس وهو العقر والأول من هذين القولين أشهر وأصح.
فأما أربعة أخماس الفيء ففي مصرفه الآن قولان للشافعي: أحدهما: أنه مصروف في صالح المسلمين العامة من أرزاق المقاتلة والأئمة والقضاة وبناء الحصون والمساجد والقناطر وإعداد القراع والسلاح؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتملك ذلك فيصرفه في هذه الصالح، فكذلك بعد موته.
والثاني: أنه مصروف في أرزاق الجيش المقاتلة الخاصة المندوبون لجهاد العدو والذب عن البيضة والمنع من الحريم، لأنهم القائمون بذلك بعد الرسول فملكوا بعده ما كان له، وجملة المجاهدين ضربان: مرتزقة، ومتطوعة.
فأما المرتزقة فيهم الذين فرغوا أنفسهم للجهاد فلم يشاغلوا إلا به، وثبتوا في الديوان فصاروا جيشاً للمسلمين، ومقاتلة للمشركين فهؤلاء يرزقون من أربعة أخماس الفيء، ولا حق لهم في الصدقات وأما المتطوعة فهم أرباب المعاش والصنائع والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا ويقعدون عنه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان، ولا جعل لهم رزق فهؤلاء معطون من الصدقات من سهم سبيل الله، ولا حق لهم في الفيء، ولهذا تميز أهل الصدقة عن أهل الفيء وقد كان المتطوعية يسمون أعراباً، ويسمى المقاتلة مهاجرين فتيمزوا بهذين الاثنين لتميزهم في المالين، ومنه قول الشاعر 68:

الجزء: 6 - الصفحة: 278

قد حسها الليل بعصلبي أروع خراج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي فصل وإذ قد تميز أهل الفيء عن أهل الصدقة بما وصفنا فسنذكر أهل الصدقة في تم الصدقات، ونبين حكم أهل الفيء فنقول: ينبغي للإمام أن يثبت المقاتلة في جميع التغور والبلدان في ديوانه وما يحتاجون إليه في نفقاتهم ومؤناتهم فيعطيهم من مال الفيء قدر كفاياتهم حتى لا يتشاغلوا باكتساب المال عن جهاد العدو، ويكونوا متشاغلين بالحرب في الذب عن البيضة.
وإذا لزم الإمام القياس بكفايتهم فكغايتهم، تختلف من خمسة أوجه: أحدهما: كثرة العيال وقلتهم الذين تلزم نفقاتهم من الأولاد والزوجات والعبيد والخدم فيثبت ذرية كل واحد منهم، وهم من لم يبلغ من أولاده فثبت ما يحتاجون إليه في حال الفقر ثم في حال النشوء والكبر، وهذا معنى قول الشافعي: وتعطى المنقوص شيئاً، وكلما كبر يزاد على قدر مؤنته يعني أنه يعطى أباه لأجله ويزيد لكبره.
ويفعل مثل ذلك في الزوجات والعبيد والخدم ليعلم بذلك قدر مؤنته.
والثاني: أن يعرف ماله هل هو من الرجالة أو الفرسان فإن كان من الفرسان عرف عدد خيله وظهره.
والثالث: أن يعرف حال بلده في قربه من المغزى وبعده، فإنه إن كثرت مؤنته، وان قرب قلت.
والرابع: أن يعرف خصب بلده وجدبه فإن المؤن في بلاد الخصب قليلة في بلاد الجدب كثيرة.
والخامس: أن يعرف غلا، السعر ورخصه ليزيده مع الغلاء، وينقصه مع الرخص، فإذا كشف عن أحوالهم في هذه الوجوه الخمسة عرف قدر كفايتهم، فأثبتها أو جعلها مبلغ أرزاقهم في كل عام من غير صرف ولا تقصير، وذلك يقد يختلف بحسب اختلاف أحوالهم في الوجوه الخمسة؛ فلذلك ما اختلف قدر أرزاقهم، وان وجبت بالتسوية بينهم في القيام بكفاياتهم، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه بلغ بالعطاء خمسة آلاف درهماً فمن الناس من زعم أن هذا أكثر من قدر الكفاية، ولا يجوز أن يفرض للمقاتلة أكثر من كفايتهم، وقيل: ليس هكذا لأن خمسة آلاف درهم مع بعد المغزى وغلاء الأسعار بأكثر من كفاية ذي عيال، فإذا ثبت ما ذكرنا من تقدير أرزاقهم بحسب كفاياتهم خرج ما يعطونهم منها على القولين في مصرف أربعة أخماس الفيء.
فإن قيل: إنه مصروف في مصالح المسلمين العامة أعطوا منه قدر أرزاقهم من غير زيادة ولا نقص، فإن فضل، فإن فضل عنها كان الفضل باقياً في بيت المال، وإن نقص

الجزء: 6 - الصفحة: 279

عنها كان الباقي لهم ديناً على بيت المال، وان قيل: إنه للجيش خاصة قسم بينهم على قدر كفاياتهم بزيادة ونقص.
مثاله: أن يكون رزق أحدهم الكافي له ألف درهم، ورزق الآخر ألفي درهم ورزق الثالث الآخر ثلاثة آلاف درهم ورزق الرابع أربعة آلاف درهم فيكون رزق هؤلاء الأربعة عشرة آلاف درهم لصاحب الألف عشرة آلاف درهم لصاحب الألف عشرها ولصاحب الألفين خمسها ولصاحب الثلاثة آلاف ثلاثة أعشارها ولصاحب الأربعة ألاف خمساها، فينقسم الحاصل من أربعة أخماس الفيء على عشرة أسهم لصاحب الألف سهم ولصاحب الألفين سهمان، ولصاحب الثلاثة آلاف ثلاثة أسهم، وعلى هذا الحساب فإن كان المال عشرة آلاف درهم بقدر أرزاقهم فقد استوفوها، وان كان أكثر قسم جميعه على هذا أو كانت الزيادة لهم، ولا يحتسب بما عليهم، وان كانت أقل كل النقصان عليهم لا يحتسب به لهم فيكون الفرق بين القولين من وجهين: أحدهم: أنهم على القول الأول إذا اتسع المال لم يزادوا على أرزاقهم وعلى الثاني يزادون.
والثاني: من الفرق بينهما أنهما على القول الأول إذا ضاق المال يقضون بقية أرزاقهم على الثاني لا يقضون.
فصل وينبغي لوالي الجيش أن يستعرض أهل العطاء في وقت كل عطاء فمن ولد له منهم زاده ولده من مات له ولد نقصه فسقط ولده وإذا ينفى المولود زاده حالا بعد حال حتى يبلغ، فإذا بلغ خرج من جملة الذرية، وصار من المقاتلة، فأثبته في الديوان، وفرض في العطاء رزقاً، وراعى من ينكح من الزوجات أو يطلق ومن يملك من العبيد والإماء أو يبيع ليزيده ممن نكح أو ملك وينقصه لأجل من طلق أو باع وكذا يراعى حال خيله في الشراء والبيع إلا أن يتجاوز قدر الحاجة في شراء العبيد والخيل فلا يزاد لأجلهم.
مسألة 69 قال الشافعي: "ثم يعطي المقاتلة في كل عطاءهم والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعاماً أو قيمته دراهم أو دنانير تعطى المنفوس شيئاً ثم يزداد كلما كبر على قدر مؤنته وهذا يستوي لأنهم يعطون الكفاية ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف أسعار البلدان وحالات الناس فيها فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض ولا أعلم أصحابنا اختلفوا في أن العطاء للمقاتلة حيث كانت إنما مكون من الفيء.
وقالوا: لا بأس أن يعطى الرجل لنفسه أكثر من كفايته وذلك أن عمر رضي الله

الجزء: 6 - الصفحة: 280

عنه بلغ في العطاء خمسة ألاف وهي أكر من كفاية الرجل لنفسه ومنهم من قال: خمسة ألاف بالمدينة ويغزو إذا غزى وليست بأكثر من الكفاية إذا غزا عليها لبعد المغزى.
قال الشافعي: وهذا كالكفاية على أنه يغزو وان لم يغز في كل سنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا قد مضى ما يتعذر به العطاء فهذا الفصل يشتمل على فصلين: أحدهما: وقت العطاء وزمانه.
والثاني: جنسه ونوعه.
وهذا الفصلان يختلفان باختلاف قوليه في مال الفيء.
فإن قيل: إنه ملك للجيش خاصة فوقت العطاء هو الوقت الذي يتكامل فيه حصول المال سواء تعجل أو تأجل، وليس للإمام أن يؤخره عنهم إذا حصل ولا لهم مطالبته به إن تأخر إلا أن يؤخر جبايته بعد استحقاقه فلهم أن يطالبوه باجتبائه واستخلاصه، ثم الجنس الحاصل من المال هو الذي يستحق دفعه إليهم سوا، كان ورقاً أو ذهباً أو حنطة أو شعيراً إلا أن يكون من جملة عروض فتباع وتضم أثمانها إلى المال ثم مذهب الشافعي أنه يجمع الفيء في جميع الأقاليم فيقسم في جميع أهل الفيء حتى يساوي جميع أهل الفيء في كل مال الفيء، وعلى مذهبه أبي إسحاق المروزي أنه يقسم مال كل إقليم في أهله.
فصل فأما إذا قيل إن أربعة أخماس الفيء مصروف في وجوه المصالح العامة التي منها عطاء الجيش وجب بيان الفصلين في وقت العطاء وجني المال المعطى.
فأما وقت الوعطاء فهو معتبر بمال الفيء فإن كان مستحقاً في دفعة واحدة جعل وقت العطاء في دفعة واحدة من السنة، وينبغي أن يكون الوقت من السنة معلوماً عند جميع أهل الفيء ليقدر إليه نفقاتهم يتوقعوا فيهم أرزاقهم وينظرهم إليه تجارهم، ويختار أن يكون في المحرم، لأنه أول السنة العربية، فإذا حل وفاهم عطاء السنة بأسره، وإذا كان مال الفيء مستحقاً في أوقات شتى من السنة جعل للعطاء وقتين وقسمة نصفين وأعطاهم بعد كل ستة أشهر نصفه ولا يجب أن يعجل للعطاء في السنة أكثر من وقتين ولا أن يجعله مشاهرة، وإن قبض مال الفيء مشاهرة لأمرين: أحدهما: لئلا يصير الجيش متشاغلاً في كل السنة بالقبض والطلب.
والثاني: كي لا ينقطع عن الجهاد توقعاً لحلول الشهور أو تتأخر عنهم إن خرجوا.
فإن قيل: أفيكون العطاء لما مضى من المدة أو لما يستقبل منها.
قيل: ليس هو لما مضى ولا لما يستقبل لأن أرزاق المقاتلة تجري مجرى الجعالة، والوجوب متعلق بحصول المال والأداء مستحق بحلول الوقت وعلى القول الأول يكون الوجوب والأداء معاً متعلقين بحصول المال والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 281

فصل وأما جنس المال المعطى فلا بد أن يكون في جملة ما قدره من كفاياتهم طعام لأقواتهم وشعير لدوابهم وثياب لكسوتهم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه أهل الأمصار فيجب اختلافها على قدر عاداتها، فيقوم ما سوى الحنطة والشعير ورقاً أو ذهباً، فأما الحنطة والشعير فينظر فإن كان في مال الفيء المستحق حنطة وشعير قدره لهم حباً، وأعطاهم إياه مع أرزاقهم من الورق والذهب، وان لم يكن في مال الفيء المستحق حنطة ولا شعير أعطاهم قسمته ورقاً أو ذهباً بسعر وقته والورق أخص بالعطاء من الذهب لأمرين: أحدهما: ابتاع الأئمة الراشدين.
والثاني: أنه يصرف في قليل النفقات وكثيرها فلا يعدل عنه إلى الذهب إلا إذا كان مال الفيء ذهباً أو كان هو الأغلب، في معاملات الناس، فلو تعامل الناس بالفلوس لم يجعل ماء العطاء فلوساً، لأنها في المعاملات نادرة ولذلك خرجت عن أن يثبت فيها الربا، وتجب فيها الزكاة.
مسألة 70 قال الشافعي: "ولم يختلف أحد لقيته في أن ليس للمماليك في العطاء حق ولا الأعراب الذين هم أهل الصدقة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: المملوك لا يفرد له في العطاء سواء قاتل مع سيده أو تشاغل بخدمته لكن يزاد السيد في عطائه لما يتكلفه من نفقة عبده، وحكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أعطى العبيد في أيام خلافته فلما أفضى الأمر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرمهم ولم يعطهم وهو الأصح لأمرين: أحدهما: أن العبد لا يملك وإنما هو عون لسيده عليه نفقته وكسوته وله كسبه.
والثاني: أنه ليس من أهل الجهاد فيعطى عطاء المجاهدين ألا تراه لو حضر الوقعة ثم يتعين عليه القتال فيها.
فإن قيل: فكيف قال الشافعي لم يتخلف أحد لقيته في أن ليس للمماليك في العطاء حق فادعى في ذلك الإجماع، وأبو بكر قد خالف ولا ينعقد الإجماع مع خلافه فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه صار بذلك إلى من لقيه من أهل عصره وهو لم يعاصر الصحابة.
والثاني: قد يعقب خلاف الصحابة إجماع من بعدهم من الأعصار فصار حكم

الجزء: 6 - الصفحة: 282

الخلاف (عند) كثير من أصحابنا مرتفعاً.
والثالث: أنه أشار بذلك إلى عبيد الخدمة لا عبيد المقاتلة ولم يعطهم أبو بكر ولا أحد بعدهم شيئاً.
فصل فأما الأعراب فالمراد بهم من لم يثبت في ديوان الجيش، ولا التزم ملازمة الجهاد ولكن يغزو إذا أراد ويقعد إذا شاء، فهؤلاء هم المسمون أعراباً سواء كانوا عرباً أو عجماً فيعطى هؤلاء إذا غزوا من الصدقات من سهم سبيل الله ما يعينهم على غزوهم ولا يعطون من مال الفيء شيئاً، فإن دخلوا في أهل الفيء وأثبتوا أنفسهم في الديوان والتزموا الجهاد معهم، إذا جاهدوا صاروا في عدد الجيش ومن جملة المقاتلة فيفرض لهم في عطاء أهل الفيء ويخرجوا من عداد أهل الصدقة ويحرموا ما كانوا يعطوه منها كي لا يجمعوا بين مال الصدقة ومال الفيء؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ميز أهل الصدقة من أهل الفيء في أيامه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعد فصار الغزاة ضربين: أهل صدقة وهم ما ذكرنا.
وأهل فيء وهم من وصفنا، وحكمها متميز على ما بينا، وكان بعض أصحابنا يجعل الأعراب المعطون من الصدقة دون الفيء الذين هم أشذاذ مفترقون لا يرهبهم العدو ولا يستعين بهم الإمام، فإن قوي جمعهم وكثر عددهم حتى رهبهم واستعان بهم الإمام صاروا من أهل الفيء والأول هو المذهب والله أعلم.
مسألة 71 قال الشافعي: "واختلفوا في التفضيل على السابقة والسبب فمنهم من قال: أسوي بين الناس فإن أبا بكر رضي الله عنه حين قال له عمر: أتجعل للذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجر ديارهم كمن دخل في الإسلام كرهاً؛ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ.
وسوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الناس ولم يفضل.
قال الشافعي رحمه الله: وهذا الذي اختاره وأسأل الله التوفيق وذلك أني رأيت الله تعالى قسم المواريث على العدد فسوى فقد تكون الإخوة متفاضلي الغناء عن الميت في الصلة في الحياة والحفظ بعد الموت ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم لمن حضر الوقعة من الأربعة الأخماس على العدد فسوى.
ومنهم من يفني غاية الغناء ويكون الفتوح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضارا بالجبن والهزيمة فلما وجدث الكتاب والسنة على التسوية كما وصفت كانت التسوية أولى من التفضيل على النسب أو السابقة ولو وجدت الدلالة على التفضيل

الجزء: 6 - الصفحة: 283

أرجح بكتاب أو سنة كنت إلى التفضيل بالدلالة مع الهوى أسرع.
قال الشافعي: فإذا قرب القوم من الجهاد ورخصت أسعارهم أعطوا أقل ما يعطى من بعدت داره وغلا سعره وهذا وان تفاضل عدد العطية تسوية على معنى ما يلزم كل واحد من الغريقين في الجهاد إذا أراده".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
اختلف الناس في التسوية بين أهل الفيء والتفضيل بالسابقة والنسب، وفي السابقة التي أشير بالتفضيل إليها تأويلان: أحدهما: أنها السابقة في الإسلام.
والثاني: السابقة في الهجرة فحكي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه سوى بين الناس في العطاء ولم يفضل أحداً بسابقة ولا نسب، وأعطى العبيد فقال له عمر أتجعل الذين جاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن دخل في الإسلام كرهاً، فقال أبو بكر إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ يعني بلاغ إلى الآخرة التي هي دار الجزاء، فلما أفضى الأمر إلى عمر فضل بين الناس ولم يعط العبيد وأعطى عائشة اثني عشر ألفاً وأعطى غيرها من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - العربيات عشرة آلاف وأعطى صفية وجويرية ستة آلاف لأنهما كانتا معتقتين وأعطى كل واحد من علي والعباس عليهما السلام ستة آلاف، وأعطى كل واحد من المهاجرين الأولين والأنصار السابقين خمسة آلاف وأعطى الحسن والحسين عليهما السلام كل واحد أربعة آلاف وأعطى أسامة بن زيا ألفين، وأعطى ابنة عبد الله بن عمر ألفاً وخمسمائة، فقال له ابنة عبد الله: أتفضل على أسامة وتنقص منه فقال له عمر: لأنه كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، وكان أبوه أحب إليه من أبيك، فلما قضى الأمر إلى علي رجع إلى رأي أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء ولا يفضل أحدهم بسابقة ولا نسب، ومذهب عمر التفضيل بينهم بالسابقة والنسب، ومذهب الشافعي أن التسوية بينهم أولى من التفضيل إتباعاً لرأي أبي بكر وعلي رضي الله عنهما واستدلالاً بأمرين: أحدهما: أن أربعة أخماس الغنيمة لما سوى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الغانمين ولم يفضل ذا غنى على فقير، ولا فضل شجاعاً على جبان بعدما حضر الوقعة؛ ذلك أربعة أخماس الفيء يسوى فيه بين أهله لإرصاد أنفسهم للجهاد الذين هم فيه سواء، وان تفاضلوا بالسابقة والنسب تسوية بين الفيء والغنيمة في أربعة أخماسه كاستواء الحكم بينهما في خمسه.
والثاني: أن الله تعالى سوى في الميراث بين البار والعاق، وبين المحب والمشاق لاستوائهم في سبب الاستحقاق كذلك أهل الفيء.
قال الشافعي: "ولو وجدت الدلالة على أن التفضيل أرجح بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت إلى التفضيل بالدلالة مع الهوى أسرع بمكان الشافعي من

الجزء: 6 - الصفحة: 284

السابقة والنسب الذي لو جاز أن يستحق به التفضيل لكان أسرع إلى هواه من التسوية ولكن إتباع الدلالة أحق.
مسألة 72 قال الشافعي: "وعليهم أن يغزوا إذا غزا ويرى الإمام في إغزائهم رأيه فان استغنى مجاهده بعدد وكثرة من قربه أغزاهم إلى أقرب المواضع من مجاهدهم ". قال في الحاوي: وهذا صحيح ليس لأحد من أهل الفيء والأعراب أن ينزوا إلا بأمر الإمام وإذنه لأمور.
منها: أنه لم يكن أحد يغزو على عهد عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بأمره وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ولأن الإمام أعرف بأحوال العدو، وفيما هم عليه من قوة وضعف وخصب وجدب واختلاف ووفاق وينفذ من الجيش من يكافئ العدو في القلة والكثرة والقوة والضعف ولأنهم ربما اضطروا لتكاثر العدو عليهم إلى مدد فيمدهم، ولأنهم ربما احتاجوا إلى ميزة فيميزهم، ولأنه ربما عرف لاتصال الأخبار به من مكامن العدو وما سددهم.
فبهذه الأمور ونظائرها ما منعوا من الغزو إلا بأمرهء فإذا أمرهم بالغزو لزمتهم طاعته وإجابته، فإن لم يطيعوه مع ارتفاع الموانع سقطت أرزاقهم، لأن ما يرزقون من العطاء في مقابلة ما يأخذون به من الجهاد، فإذا قعدوا عنه بعد الأمر سقط ما يعطونه عليه من الرزق كالزوجات لما استحقوا نفقاتهم بالطاعة سقطت بالنشوز، وإذا كان كذلك فينبغي للإمام أن يستفسر من الجهاد مع المكنة إتباعاً لأمر الله تعالى واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحقيقا لوعده تعالى وإظهاراً على الدين كله، وأقل ما عليه أن يغزو في كل عام مرة إما بسنفه أو خلفائه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تركه في كل عام منذ فرض عليه الجهاد، وكي لا يمضي عطا، العام هدراً، وكي لا يقوى العدو بالمشاركة، وكي لا يألف أهل الجهاد الراحة.
فصل قال الشافعي 73: "الإمام في إغزائهم رأيه" يعني: في الزمان الذي يأمرهم بالغزو إليه والعدد الذي يقتصر عليهء فإذا أراد ذلك اختار لهم من الزمان أولاه، ومن المكان أدناه، ويندب عن كل طائفة إلى من يليها، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] ولأن كل قوم بمن يليهم أخبر، وعلى قتالهم أقدر ما يتكلفونه من المؤنة في قتالهم أيسر، فلا ينفذ أهل ثغر إلى غيره إلا لأحد أمرين: إما أن يلم أهله فينقلهم عنه إلى الجهة التي لم يسلم أهلها وليتوطنوا فيما يقابلها ويليها.

الجزء: 6 - الصفحة: 285

وإما لظهوره قوة من عدو غير جهتهمء فأقربها على من بإزائهم يكون هؤلاء أظهر على عدوهم فيستمد منهم من يدفع بهم قوة الآخرين، ثم يعودوا بعد الفراغ إلى أماكنهم، فإذا فعل الإمام هذا بهم زادهم نفقة ما تكلفوه من زيادة سفرهم، فإن تزايدت قوة العدو في إحدى الجهات وضعفت في غيرها من الجهات عن المناداة جاز للإمام أن يجمع على تلك الجهة القوية جميع أهل الفيء؛ لأن كسرها كسر لمن هو أضعف منها، وليس في كسر الأضعف كسر إليها، ويفعل في إعطاء المنقول من زيادة النفقة ما ذكرنا.
مسألة 74 قال الشافعي: "واختلف أصحابنا في إعطاء الذرية وياء أهل الفيء.
فمنهم من قال: يعطون واحسب من حجتهم فإن لم يفعل فمؤنتهم تلزم رجالهم فلم يعطهم الكفاية فيعطهم كمال الكفاية.
ومنهم من قال: إذا أعطوا ولم يقاتلوا فليسوا بذلك أولى من ذرية الأعراب ونسائهم ورجالهم الذين لا يعطون من الفيء".
قال في الحاوي: وهذا ما قال.
إذا مات من أهل الفرق مرتزق وخلف ذرية لم يدفع إليه جميع عطائه، وفي إعطائهم من قدر الكفاية، قولان حكاهما الشافعي خلافاً عن أصحابه: أحدهما: يعطون من مال الفيء قدر كفايتهم اعتبارا بالمصلحة في ترغيب أهل الفيء في الجهاد، ثقة لحفظ الذرية وإلا يتشاغلوا عنه بطلب الكسب لمن يخلفون، أو يجيبوا عن الجهاد فلا يقدمون.
والثاني: أنهم لا يعطون؛ لأن ما استحق به العطاء وهو إرصاد النفس للجهاد مفقود فيهم، ولأنهم كانوا تبعا فإذا بطل حكم المتبوع بطل حكم التابع، ومن أصحابنا من قال: إن كان في الذرية من أصاغر الذكور يرجى أن يكون من أهل الفيء إذا بلغ أعطوا قدر الكفاية، وإلا منعوا فامتنع قائل هذا الوجه من تخريج القولين وخرجه على اختلاف الحالين، وحكاه أبو بكر بن الدقاق.
فإذا قيل: إنهم لا يعطون اعتبرت أحوالهم، فإن كانوا أغنيا، فلا حق لهم في مال الفيء ولا في مال الصدقات، وان كانوا فقراء صاروا من أهل الصدقات وأعطوا منها من سهم الفقراء والمساكين.
وإذا قيل: إنهم يعطون قدر الكفاية فسواء كانوا أغنياء ذوي كفاية أو فقراء ذوي حاجة، ويكون ذلك منهم لمن كانت نفقته واجبة على ميتهم من أولاده الأصاغر وزوجاته ما لم يتزوجن وأقمن على رعاية الزوج في حفظ ذريته، فإن تزوجن قطع عطاؤهن فإذا بلغ الأولاد خرجوا بالبلوغ من جملة الذريةء فإن أحبوا أن يكونوا من أهل الفيء أثبتوا في ديوانه وصاروا بأنفسهم مرتزقين وتبعتهم ذريتهم، وان عدلوا عن أن يكونوا من أهل الفيء

الجزء: 6 - الصفحة: 286

رغبة في غيره فلا حق لهم في مال الفيء، لا تبعاً ولا متبوعين لخروجهم من الذرية بالبلوغ ومن أهل الفيء بالعدول عنه والله أعلم.
مسألة 75 قال الشافعي: "حدثني سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم أعطيه أو منعه.
قال الشافعي: وهذا الحديث يحتمل معاني منها أن نقول ليس أحد بمعنى حاجه من الصدقة أو بمعنى أنه من أهل الفيء الذين يغزون إلا وله في مال الفيء أو الصدقة حق وكان هذا أو على معانيه به فإن قيل: ما دل على هذا؟ قيل: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصدقة: "لا حظ فيها لغني ولا لذي مرةٍ مكتسب" والذي أحفظ عن أهل العلم أن الأعراب لا يعطون من الفيء.
قال: وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أهل الفيء كانوا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعزل عن أهل الصدقة وأهل الصدقة بمعزل عن أهل الفيء".
قال في الحاوي: إن قيل فكيف تأويل هذا الحديث عندكم ومن مذهبكم أن أهل الفيء لا يأخذون من أهل الصدقات، وأهل الصدقات، لا يأخذون من أهل الفيء قيل فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه عائد على مال بيت المال الجامع لمال الفيء ومال الصدقات، والناس صنفان: أغنياء وحقهم في مال الفيء، وفقراء وحقهم في مال الصدقة.
أما ما ملكت أيمانهم من العبيد والإناء فلا حق لهم في المالين جميعاً.
والثاني: أنه عائد إلى مال الفيء وحده وليس أحد إلا وله فيه حق، أما الفقراء ففيه خمسة من سهم اليتامى والمساكين وبني السبيل، وأما الأغنياء ففي أربعة أخماسه فإن كانوا من أهل الفيء فالعطاء وان كانوا في غيرهم فمن المصالح، وهذا على القول الذي نجعله مصروفاً في المصالح.
والثالث: أنه عائد إلى مال الفيء لأنه إن اختص بأهل الفيء فنفعه عائد إلى غيرهم من الناس كلهم، لذب أهل الفيء عنهم وقيامهم بالجهاد الذي به سقط الفرض عنهم، فصار المال المصروف إلى من قام بغرض الجهاد عنهم كالمصروف إليهم، وعلى هذا القول الذي جعله ملكاً للجيش خاصة.
مسألة 76 قال الشافعي: "والعطاء الواجب في الفيء لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أحدٍ وأنا ابن أربع

الجزء: 6 - الصفحة: 287

عشرة سنةً فردني وعرضت عليه يوم الخندق وانأ ابن خمس عشرة سنةً فأجازني.
وقال عمر بن عبد العزيز: هذا فرق بين المقاتلة والذرية".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
لا يجوز أن يدخل في أهل الفيء إلا من استكمل شروط الجهاد فصار من أهله، فحينئذ يثبت نفسه في ديوان الفيء ويفرض له من العطاء قدر كفايته، وشروط الجهاد التي يتعلق فرض الجهاد بها ويجوز الدخول في أهل الفيء معها ستة وهو أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً حراً مسلماً، قادر على القتالء فإن أخل بشرط منها لم يكن من أهل الجهاد ولا ممن يجوز أن يدخل في أهل الفيء، وان استكملها صار من أهل الجهاد إلا أنه لا يتوجه الفرض إليه إلا بالاستطاعة لجواز أن يدخل في أهل الفيء مع عدم الاستطاعة، لأنه قد يستطيع بعطائه إذا أخذه على القتال إذا ندب.
مسألة 77 قال الشافعي: "فإن كملها أعمى لا يقدر على القتال ابدأ وان منقوص الخلق لا يقدر على القتال أبداً لم يفرض له فرض المقاتلة وأعطي على كفاية المقام وهو شبيه بالذرية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا بلغ لصفار من ذرية أهل الفيء بالاحتلام أو باستكمال خمس عشرة سنة لم يخل حالهم من أحد أمرين: إما أن يكونوا قادرين على القتال أو عاجزين عنه، فإن كانوا قادرين محليه خرجوا من جملة الذرية سواء كانوا من ذرية أموات أو أحياء لما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه جعل البلوغ فرقأ بين الذرية والمقاتلة، ولأن بلوغ الذرية يسقط نفقاتهم عن المقاتلة فخرجوا من جملة الذرية، ثم هي بالخيار بين أن يكتبوا أنفسهم في ديوان الفيء فيكونوا من أهله، وبين أن لا يفعلوا فيمنعوا من الفيء، ويصيروا من أهل الصدقات، وان كانوا فقراء وان بلغوا عاجزين على القتال لعمى أو زمانه، لم يجز أن يثبتوا في ديوان الفيء منفردين وهل يبقوا على حكم الذرية في إعطائهم مال الفيء تبعاً أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم باقون على حكم الذراري في منعهم من مال الصدقة وإعطائهم قدر الكفاية بين مال الفيء، سواء كانوا ذرية لأحياء أو لأموات، استصحاباً لما تقدم في حكمهم.
والثاني: أنهم قد خرجوا في حكم الذراري لتميزهم بالبل غ ويعدل بهم إلى مال الصدقات إن كانوا من أهلها، وسواء كانوا ذرية لأحياء أو لأموات.
والثالث: أنهم إن كانوا من ذرية أموات منعوا من مال الفيء وعدل بهم إلى مال

الجزء: 6 - الصفحة: 288

الصدقات (وإن) كانوا من ذرية أحياء بقوا في مال الفيء على حكم الذراري ومنوا ط ل الصدقات، لأن الحي يجوز أن يكون متبوعاً في مال الفيء لبقاء عطائه، والميت لا يجوز أن يكون متبوعاً فيه لسقوط عطائه، والأصح عندي أن ينظر فإن كان الذي أقعدهم عن القتال موجباً، لنفقاتهم على الآباء بعد بلوغهم، كوجوبهما عليهم في صغرهم كالجنون والزمانة المانعة من الاكتساب بقوا على حكم الذراري في مال الفيء، ولم يعدل بهم إلى مال الصدقات سواء كانوا ذرية أحياء أو أموات؟ لأن بقا، حكمهم في وجوب النفقة لبقائهم على حكم الذرية في مال الفيء وان كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ لقارتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء، وعال بهم إلى مال الصدقات، إن كانوا من أهلها سواء كانوا ذرية أحياء أو أموات، لأن سقوط نفقتهم بالبلوغ تخرجهم عن حكم الذرية والله أعلم.
مسألة 78 قال الشافعي: "فإن فرض لصحيح ثم زمن خرج من المقاتلة وان مرض طويلاً يرجى أعطي كالمقاتلة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا مرض أحد المقاتلة من أهل الفيء لم يخل حال مرضه من أحد أمرين: إما أن يكون يرجى من الله زواله، أو لا يرجى فإن كان زواله مرجواً كان على حقه في العطاء سواء أكان مرضا مخوفا أم غير مخوف؛ لأن الأمراض تناول ولا تنفك الأبدان منها في الغالب، وان كان المرض مما لا يرجى زواله كالعمى والفالج سقط عطاؤه المقاتلة بخروجه منها بالعجز عن القتال، وصار كالذرية إذا انفردوا فهل يعطى كغايته من مال الفيء، أو يعدل به إلى مال الصدقة؛ على قولين: أحدهما: يعطى من مال الفيء قدر كفايته كالذرية، فيكون حقه في أربعة أخماس الفيء.
والثاني: أنه لا يعطى من مال الفيء فيمنع من أربعة أخماسه، ثم ينظر فإن كانت زمانته بمرض عدل إلى مال الصدقات، وان كانت زمانته عن جراج ثالثة في القتال، فهل يعدل به إلى مال الصدقات، أو إلى سهم المساكين من خمس الفيء، على وجهين: أحدهما: أنه يعدل به إلى سهم المساكين من خمس الفيء، ويميز عن مساكين الصدقات استيفاء لحكم الفيء فيه.
والثاني: أنه يعدل به إلى مال الصدقات، كالذي زمانته بمرض، والله أعلم.
مسألة 79 قال الشافعي: "ويخرج العطاء للمقاتلة كل عام في وقتٍ من الأوقات

الجزء: 6 - الصفحة: 289

والذرية على ذلك الوقت".
قال في الحاوي: أما إذا كان مال الفيء لا يجيء إلا مرة واحدة في كل عام لم يجعل العطاء إلا مرة في كل عام، في وقت منه معلوم متقدو باستكمال المال فيه، وأولى ذلك أن يكون في المحرم، إذا أمكن، وان كان مال الفيء يحصل في مرتين من كل عام أو مراراً لم ينبغ أن يجعل العطاء أكثر من مرتين في كل عام لما ذكونا من تشاغل المجاهدين بالاقتضاء، وتشاغل الإمام بالعطاء، ثم ينظر الإمام في أرفق الأمرين به وبالجيش، فإن كان الأرفق أصلح أن يجعله في كل عام مرة لبعد المغزى أو طول المدة فعل، وان كان الأرفق الأصلح أن يجعله في مرتين منها صيفاً وشتاء، كي لا يتشاغل بحفظ المال إذا استبقاه ولا يستبطئ الجيش مع قرب المغزى وبعد مداه فعل، ومن أصحابنا من قال: لا ينظر الإمام في ذلك ولا يجوز أن يجعله إلا مرة واحدة من كل عام وهذا خطأ، لأنه كالزكاة لا تجب في العام إلا مرة فلم يجز أن يغرق في العام إلا مرة، وفي الفيء ما قد يحصل في السنة بأكثر من مرة فجاز أن يفرق في العام في أكثر من مرة والله أعلم بالصواب.
مسألة 80 قال الشافعي: "وإذا صار مال الفيء إلى الوالي ثم مات ميت قبل أن يأخذ عطاءه أعطيه ورثته فمان مات قبل أن يصير إليه مال ذلك العام لم يعطه ورثته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قد ذكرنا أن استحقاق العطاء يكون بحصول مال الفيء وأداؤه يجب بحلول وقت العطاء.
وقال الإسفراييني: استحقاقه وأداؤه يكونان معاً بحلول وقت العطاء، ولا اعتبار بحصول المال في الاستحقاق والأداء، وهذا مع كونه مخالفاً لنص الشافعي خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يجب على مؤديه لم يجب بمستوفيه، وقد يجوز أن يحل وقت العطاء قبل استحقاق مال الفيء على أهله.
والثاني: أن العطاء يتعلق استحقاقه بعين لا بذمة وفي اعتبار وجوبه بالوقت دون المال نقل له من العين إلى الذمة، فبطل تقدير ما اعتبره.
وإذا كان حصول المال معتبراً فمذهب الشافعي أن حصوله هو قبضه من أهله، ومن أصحابنا من قال: حصوله هو حلول وجوبه على أهله، وهذا خطأ؛ لأنه قد يحل وجوبه ولا يحصل بموت وإعسار، فإذا ثبت ما ذكرنا، لم يخل حال من مات من أهل الفيء من أربعة أقسام:

الجزء: 6 - الصفحة: 290

أحدها: أن يكون موته قبل حصول المال وقبل حلول وقت العطاء، فعلى مذهب الشافعي لا يكون حقه فيه ثابتاً.
والثاني: أن يكون موته بعد حصول المال وبعد حلول وقت العطاء، فحقه فيه ثابت وهو لورثته من بعده لئلا يختلفوا.
والثالث: أن يكون موته بعد حصول المال وقبل حلول وقت العطاء، فعلى مذهب الشافعي يكون حقه ثابتاً فيه ينتقل عنه إلى ورثته، وعلى قول أبي حامد الإسفراييني لا حق له فيه.
والرابع: أن يكون موته بعد حلول وقت العطاء وقبل حصول المال، فعلى مذهب الشافعي لا حق له فيه، وعلى قول أبي حاما يكون حقه فيه ثابتاً يورث عنه.
مسألة 81 قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن فضل من الفيء شيء بعدما وصفت من إعطاء العطايا وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في السلاح والكراع وكل ما قوي به المسلمون فإن استغنوا عنه وكمله كل مصلحه لهم فرق ما يبقى منه بينهم على قدر ما يستحقون في ذلك المال".
قال في الحاوي: وجملة القول في مال الفيء إذا حصل أن يبدأ منه بعل إخراج خمسة بأرزاق الجيش، لأنه إن قيل إنه للجيش خاصة فلا شريك لهم فيه، وإن قيل إنه للمصالح فمن أهمها أرزاق الجيش، فإن كان بقدر أرزاقهم لم يفضل منه متى أعطوا جميعه، وان كان أكثر من أرزاقهم وكان يفضل من بعد إعطاء جميعهم فضل فمصرف الفضل معتبر باختلاف القولين في مصرف الفيء.
فإن قيل: إنه للجيش خاصة واستوفوا منه قدرا أرزاقهم رد الغافل عليه بقسط أرزاقهم، وهل يجوز أن يصرف من الفضل في الكراع والسلاح وإصلاح الحصون والثغور ما دعت الحاجة إليه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز استحقاقهم له كالغنيمة.
والثاني: يجوز، لأنه معونة لهم وان لم يفضل تكلفوه من أموالهم، فيبدأ بعد أرزاقهم بشراء ما احتيج إليه من الكراع والسلاح وإصلاح ما تشعث من الحصون والثغور، ثم رد ما فضل بعد ذلك عليهم، وان قيل: إن أربعة أخماس الفيء مصروف في المصالح قدم الجيش منه يقدر أرزاقهم، وصرف الفضل في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من إصلاح الحصون والثغور، فإن فضل منه بعد المصالح كلها فضل ففي رده على الجيش، وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 291

أحدهما: يستبقي في بيت المال ولا يرد عليهم؟ لأنه قد يتجدد من وجوه المصالح ما يكون ذلك معداً له.
والثاني: أنه يرد على الجيش بعد استكمال المصالحء بقسط أرزاقهم ولا يستبقي لمصلحة لم يعلم بها مع ظهور المصلحة في اتساع الجيش بها، ولما روي عن عمر رضي الله عنه أنه حلف في المال المحمول من فارس أنه لا يأوي تحت سقف حتى يقسمه، ولما روي عنه في أهل الرمادة أنه لم يكن قد استبقى لهم في بيت المال ما يسد به خلتهم، حتى انتظر بهم ما يأتي من مال بعد مال إلى أن استقلوا فرحلوا، فعلى هذا في حكم رده عليهم وجهان: أحدهما: أنه يرد عليهم معونة لهم لا يحتسب بها عليهم.
والثاني: يرد عليهم سلفاً معجلاً، يحتسب به عليهم من وزق العام القابل والله أعلم.
مسألة 82 قال الشافعي: "وإن ضاق عن مبلغ العطاء فرقأ بينهم بالغاً ما بلغ لم يحبس عنهم منه شيء".
قال في الحاوي: إذا ضاق مال الفيء عن أرزاق الجيش وجب أن يقسمه بين جميعهم على قدر أرزاقهم، كما لو ضاقت أموال المفلس عن ديون غرمائه قسم بينهم على قدر ديونهم، ولا يجوز أن يعطى ذلك بعض الجيش كما لا يجوز أن يعطى ذلك مال المفلس بعض الغرماء لاستوائهم في الاستحقاق ثم ينظر في الباقي من أرزاقهم.
فإن قيل: إن مال الفيء ملك للجيش سقط الباقي من أرزاقهم ولم يلزم أن يقضوه من عام قابل، ولكن ينبغي للإمام أن يعوضهم من الغنائم ما يتممون باقي كفاياتهم.
وان قيل: إن مال الفيء مصروف في المصالح كان الباقي من أرزاق الجيش، ديناً على بيت المال يقضونه في المستقبل من بيت المال، وان عوضوهم بمغنم قبله كان أولى.
مسألة 83 قال الشافعي: "ويعطى من الفيء رزق الحكام وولاة الأحداث والصلاة لأهل الفيء وكل من قام بأمر أهل الفيء من والٍ كاتب وجندي ممن لا غناء لأهل الفيء عنه رزق مثله فإن وجد من يغني غناءه وكان أميناً بأقل لم يزد أحداً على أقل ما يجد، لأن منزلة الوالي من رعيته منزلة والي اليتيم من ماله لا يعطى منه عن الغناء لليتيم إلا أقل ما

الجزء: 6 - الصفحة: 292

يقدر عليه ومن ولي على أهل الصدقات كان رزقه مما يؤخذ منها لا يعطى من الفيء عليها كما لا يعطى من الصدقات على الفيء.
قال: واختلف أصحابنا وغيرهم في هشم الفيء وذهبوا مذاهب لا أحفظ عنهم تفسيرها ولا أحفظ أيهم مال ما أحكي من القول دون من خالفه وسأحكي ما حضرني من معاني كل من قال في الفيء شيئاً، فمنهم من هال: هذا المال لله تعالى دل على من يعطاه فماذا اجتهد الوالي ففرقه في جميع من سمى له على قدر ما يرى من استحقاقهم بالحاجة إليه وإن فضل بعضهم على بعض في العطاء فذلك تشويه إذا كان ما يعطى كل واحدٍ منهم سد خلته ولا يجوز أن يعطي صنفاً منهم ومحرم صنفاً.
ومنهم من مال: إذا اجتمع المال نظر في مصلحه المسلمين فرأى أن يصرف المال إلى بعض الأصناف دون بعض، فمان كان الصنف الذي يصرفه إليه لا يستغنى عن شي، مما يصرفه إليه وكان أرفو بجماعة المسلمين صرفه وحرم غيره ويشبه قول الذي يقول هذا أنأ إن طلب المال صنفان وكان إذا حرمه أحد الصنفين تماسك ولم يدخل عليه خله مضره وان ساوى بينه وبين الأخر كانت على الصنف الأخر خله مضرة أعطاه الذين فيهم الخلة المضرة كلأ.
قال: ثم مال بعض من مال: إذا صرف مال الفيء إلى ناحية فسدها وحرم الأخرى ثم جاءه مال آخر أعطاها إياه دون الناحية التي سدها فكأنه ذهب إلى أنأ إنما عجل أهل الخلة وأخر غيرهم حتى أوفاهم بعد.
قال: ولا أعلم أحداً منهم مال يعطى من يعطى من الصدقات ولا مجاهداً من الفيء.
وقال بحض من أحفظ عنه: وإن أصابت أهل الصدقات سنة فهلكت أموالهم أنفق عليهم من الفيء فإذا استغنوا عنه منعوا الفيء.
ومنهم من قال في مال الصدقات هذا القول يرد بعض مال أهل الصدقات.
قال الشافعي فعي رحمه الله: "والذي أقول به وأحفظ عمن أرضى ممن سمعت أن لا يؤخر المال إذا اجتمع ولكن يقم فإن كانت نازله من عدو وجب على المسلمين القيام بها وإن غشيهم عدو في دارهم وجب النفير على جميع من غشت أهل الفيء وغيرهم.
مال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا غير واحد من أهل العلم أنه لما قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مال أصيب بالعراق فقال له صاحب بيت المال ألا تدخله بيت المال؟ قال: لا ورب الكعبة لا يأوي تحت سقف بيتٍ حتى أقسمه فأمر به فوضع في المسجد ووضعت عليه الأنطاع وحرساً رجال من المهاجرين والأنصار فلما أصبح غداً معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف أخذاً بيد أحدهما أو أحدهما أخذ بيده فلما رأوه كشفوا الأنطاع عن الأموال فرأى منظراً لم ير مثله الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلو يتلألأ فبكى فقال له أحدهما: أنه والله ما هو بيوم بكاء لكنه والله يوم شكر وسرور فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكن والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم ثمص أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فاني أسمعك تقول "تستدرجهم من حيث لا يعلمون، ثم قال: أين سراقة بن جعشم؟ فأتي به أشعر الذراعين دقيقهما

الجزء: 6 - الصفحة: 293

فأعطاه سواري كسرى ومال: البسهما ففعل فقال: قل الله أكبر فقال: الله أكبر، قال: فقل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابياً من بني مدلج وإنما ألبسه إياهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسراقة ونظار إلى ذراعه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" ولم يجعل له إلا سواريه وجعل يقلب بعض ذلك بعضاً، ثم قال: إن الذي أدى هذا الأمين، فقال قائل: أنا أخبرك أنك أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله فماذا ارتعت رتعوا.
قال: صدقت ثم فرقه.
قال الشافعي: وأخبرنا الثقة من أهل المدينة، قال: أنفق عمر رضي الله عنه على أهل الرمادة في مقامهم حتى وقع مطر فترجلوا فخرج عمر راكباً إليهم فرساً ينظر إليهم كيف يترحلون فدمعت عيناه، فقال رجل من محارب خصفه: أشهد أنها انحسرت عنك ولست بابن أمية، فمال عمر رضي الله عنه: ويلك ذاك لو كنت أنفق عليهم من مالي أو مال الخطاب إنما أنفق عليهم من مال الله عز وجل".
قال في الحاوي: أما أرزاق الجيش وكتابهم وقضائتهم وأثمهم ومؤذنيهم وعمالهم ففي أربعة أخماس الفيء على القولين معاً، وأما أرزاق القضاة بين الكافة وولاة الأحادث هم أصحاب الشرط وأئمة الجوامع والمؤذنون فيها فإن قيل: إن أربعة أخماس الفيء مصرف في المصالح أعطوا منها أرزاقهم وان قيل: إنه ملك الجيش لم يجز أن يعطوا منه وأعطوا من سهم المصالح من الخمس وهو سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصروف بعده في وجوه المصالح، وإذا وجا الإمام متطوعاً بالقضاء والإمامة والأذان لم يجز أن يعطى عليه رزقاً وإذا وجد مرتزقاً بأقل من أجرة مثله لم يجز له أن يكمل له جميع أجرته، فإن لم يجد إلا مستوفياً لأجرته وفاه ولا يزيد على أجرة مثله، لأنه في مال المسلمين بمنزلة الولي في مال اليتيم.
فأما عمال الصدقات فأرزاقهم منها، ولا يجوز أن يرزقوا من مال الفيء على القولين معاً؛ فأما مال الفيء ومال الصدقات فقد ذكرنا أنهما مختلفان ومصرفهما متميزان لا يجوز أن يشرك بينهما ولا أن يعال بأحدهما إلى مصرف الآخر، وان خالف فيه من قهره بالدليل، والله ولي التوفيق.

باب ما لم يوجف عليه من الأرضين بخيل ولا وكاب

مسألة 84 قال الشافعي رحمه الله: "كل ما صولح عليه المشركون بغير قتال خيل ولا ركاب فسبيله سبيل الفيء على قسمه وما كان من أرضين ودور فهي وقف للمسلمين يشتغل ويقسم عليهم في كل عام كذلك أبداً.
قال: وأحسب ما ترك عمر رضي الله عنه من

الجزء: 6 - الصفحة: 294

بلاد أهل الشرك هكذا أو شيئاً استطاب أنفس من ظهر عليه بخيل وركاب فتركوه كما استطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنفس أهل سبي هوازن فتركوا حقوقهم وفي حديث جرير بن عبد الله عن عمر رضي الله عنه أنه عوضه من حقه وعوض امرأته من حقها بميراثها كالدليل على ما قلته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
لا يخلو مال الفيء من أن يكون منقولاً أو غير منقول، فإن كان منقولاً كالدراهم والدنانير والعروض والسلع قسم بين أهل الفيء بوضع خمسه في أهله، وأربعة أخماسه في مستحقه وجاز له أن يبيع العروض إذا رأى ذلك ملاحا بالدراهم والدنانير لماله فيه من الاجتهاد إلا سهم ذي القربى فلا يجوز بيعه عليهم إلا بإذنهم لانقطاع اجتهاده فيه وأنه صائر إليهم على سبيل الميراث وان كان مال الفيء غير منقول كالدور والعقار والأرضين.
قال الشافعي فهي وقف فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنها تكون وقفاً على القول الذي يجعل مصرف الغي، في وجوه المصالح لما في وقفها من استدامة المملحة واستدرار العلة في كل عام، وأنه يستغلها لأهل الفيء في كل عصره، فأما على القول الذي يجعل مال الفيء ملكا للجيش خاصة فلا يجوز وقفها إلا بإذنهم واختيارهم كالغنيمة التي لا يجوز وقف دورها وأرضيها إلا برضى الغانمين واختيارهم.
والثاني: قاله كثير من أصحابنا أنها تصير وقفاً على القولين معاً، لأن تمليك الغلة في كل عام أما وأنفع، ولأن أهل الفيء قاموا في تملكه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقه وما ملكه رسول - صلى الله عليه وسلم - وحقه في الفيء وقف، فكذلك ما ملكه الجيش بعده فصار الحكم فيه أن يصير وقفاً على القول الذي يجعل مصرفه في وجوه المصالح وهو يصير وقفاً على القول الآخر أنه ملك للجيش خاصة أم لا؟ على وجهين.
فصل فإذا تقرر ما ذكرنا من كون ذلك وقفاً كان جميعه من الخمس وغيره وقفاً إلا سهم ذي القربى وحده فإن أصحابنا اختلفوا فيه هل يصير سهمهم منه وقفاً معه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يصير وقفاً إلا عن رضى منهم واختيار لتملكهم له على سبيل الميراث.
والثاني: وهو الأصح أنه قد صار وقفاً لأنهم قد ملكوا خمس الخمس من مال محكوم له بالوقف فلهم يميز حكم سهمهم منه عن حكم جميعه وصار ما ملكوه منه وهو استغلاله في كل عام مع بقاء أصله، وإذا ثبت أن جميع ذلك يكون وقفاً فإنها تصير وقفاً بمصيرها فيها ولا يحتاج إلى واقف يقفها.
وقال بعض أصحابنا البصريين: لا تصير وقفاً إلا أن يقفها الإمام لفظاً لأن عمر

الجزء: 6 - الصفحة: 295

رضي الله عنه استنزل أهل السواد عنه وعارض من أبى أن ينزل عنه ثم وقفه، وهذا خطأ، لأمرين: أحدهما: أن ما لا يتم وقفه إلا باللفظ إنما يكون فيما رد إلى خيار الواقف في تملكه ووقفه وهذا غير مردود إلى خيار الواقف في تملكه ووقفه فلم يحتج إلى لفظ.
والثاني: أنه حكم قد يبت لأرض الفيء مد انتقالها من المشركين فصارت بالانتقال وقفاً، وأما عمر رضي الله عنه نفي فعله جوابان: أحدهما: أن الذي فعله هو أن حكم بوقفها.
والثاني: أنه استنزل الغانمين عن ملك فجاز أن يقفه بلفظ وليس كذلك الفيء، وانه أعلم.
مسألة 85 قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً﴾ [الحجرات: 13] الآية.
قال: وروى الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف عام حنين على كل عشرة عريفاً.
قال: وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين شعاراً وللأوس شعاراً وللخزرج شعاراً.
قال: وعقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الألوية فقعد للقبائل قبيلة فقبيلة حتى جعل في القبيلة ألوية كل لواء لأهله كل هذا ليتعارف الناس في الحرب وغيرها فتخف المؤنة عليهم باجتماعهم وعلى الوالي كذلك؛ لأن في تفرمهم إذا أريدوا مؤنة عليهم وعلى واليهم فهكذا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ينبغي للإمام أن يمين الجيش بما يتزينون به ويتعارفون، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] وفي الشعوب والقبائل ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الشعوب للنسب الأبعد والقبائل للنسب الأقرب.
والثاني: أن الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان.
والثالث: أن الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب فجعل ذلك سمة للتعارف وأصله التمييز وذلك يكون من وجهين: أحدهما: ها يتعارفون به.
والثاني: ما يترتبون فيه.
فأما ما يتعارفون به فثلاثة أشياء العرفاء والنقباء واختلاف الشعار.
فأما العرفاء فهم أن يضم إلى كل جماعة واحد منهم يكون عريفاً عليهم وقيماً بهم يرجعون إليه في عوارضهم، ويرجع الإمام إليه في تعرف أحوالهم ويضيفهم إليه إذا أراد

الجزء: 6 - الصفحة: 296

أغزاهم لما روي عن النبي ش عرف عام حنين على كل عشرة عريفاً، وقد سمى العرفاء في وقتنا هذا قواداً.
وأما النقباء فجعل على كل جماعة من العرفاء نقيباً؛ ليكون لهم مراعياً ولأحوالهم وأحوال أصحابهم منهياً ولهم إذا ارتدوا مستدعياً لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار من الأنصار حين بايعهم اثني عشر نقيباً.
وأما الشعار فهي العلامة التي تميز بها كل قوم من غيرهم في مسيرهم وفي حروبهم حتى لا يختلطوا بغيرهم ولا يختلط بهم غيرهم؟ فيكون ذلك أبلغ في تضافرهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للمهاجرين شعاراً وللأنصار شعاراً علامة من ثلاثة أوجه: أحدها: الراية التي يتبعونها ويسيرون إلى الحروب تحتها فتكون راية كل مخالفة لراية غيرهم.
والثاني: ما يعلمون به في حروبهم فيعلم كل قوم بخرقة ذات لون هن أسود أو أحمر أو أصفر أو أخضر تكون إما عصابة على رؤوسهم وإما مشدودة في أوساطهم.
والثالث: النداء الذي يتعارفون به فيقول كل فريق منهم يا آل كذا أو يا آل فلان أو كلمة إذا تلافوا تعارفوا بها ليجتمعوا إذا افترقوا ويتناصروا إذا أرهبوا، فهذا كله وان كان سياسة، ولم يكن فقهاً، فهو من أبلغ الأمور في مصالح الجيش وأحفظها للسير الشرعية.
فصل وأما ما يترتبون فيه فهو الديوان الموضوع لإثبات أسمائهم ومبلغ أرزاقهم يترتبون فيه بشيئين: أحدهما: النسب.
والثاني: السابقة على ما سنذكره من بعد حتى إذا دعوا للعطاء أو الغزو وقدم فيه المقدم في الديوان لما روي أن عمر رضي الله عنه وضع الديوان على هذا حفظاً للأسماء والأرزاق فإن قيل: لم استحدث عمر وضع الديوان ولم يكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا على عهد أبي بكر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
قيل: لأمرين: أحدهما: الحاجة دعته إليه عند كثرة الجيش واختلاف الثغور ليحفظ به ثلاثة أشياء لا تتحفظ بغيره: أحدها: حفظ أسمائهم وأنسابهم.
والثاني: حفظ أرزاقهم وأوقات عطائهم.
والثالث: ترتيبهم بالنسب والسابقة في إسلامهم وبأنفسهم وكل ذلك احتياط في

الجزء: 6 - الصفحة: 297

الدين ومستحسن بين المسلمين وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء" 86. فهذا وجه.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فعل ما نبه به على وضع الديوان وان أخره للاستغناء عنه مع اجتماع الجيش وقلتهم كالذي فعله من تعريف العرفاء واختيار النقباء والمخالفة بين الشعار والنداء، فتمم عمر بوضع الديوان ما ابتدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من مقدماته حين احتاج إليه وان كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مستغنياً عنه فلم يكن في ذلك مخالفاً ولا مبتدعاً، وباء التوفيق.
مسألة 87 قال الشافعي: "وأحب للوالي أن يضع ديواناً على القبائل ويستظهر على من غاب عنه ومن جهل ممن حضره من أهل الفضل من قبائلهم.
قال الشافعي رحمه الله: "وأخبرني غير واحد من أهل العلم والصدق من المدينة ومكة من قبابل قريش وكان بعضهم أحسن امتصاصاً للحديث من بعض وقد زاد بعضهم على بعض أن عمر رضي الله عنه - لما دون الديوان.
قال: أبدأ ببني هاشم.
ثم قال: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطهم وبني المطلب فإذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع الديوان على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة، ثم استوت له بنو عبد شمس ونوفل في قدم النسب، فقال: عبد شمس إخوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبيه وأمه دون نوفل فقدمهم، ثم دعا ببني نوفل يلونهم ثمة استوت له عبد العزى وعبد الدار، فقال: في بني أسد بن عبد العزى أصهار النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيهم أنهم من المطيبين وقال بعضهم: هم حلف من الفصول وفيهم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل ذكر سابقة فقدمهم على بني عبد الدار، ثم دعا بني عبد الدار يلونهم ثم انفردت له زهرة فدعاها تتلو عبد الدار، ثم استوت له تيم ومخزوم، فقال في تيم: إنهم من حلف الفصول والمطيبين وفيهما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ذكر سابقة وقيل ذكر صهراً فقدمهم على مخزوم، ثم دعا مخزوماً يلونهم، ثم استوت له سهم وجمح وعدي بن كعب فقيل أبدأ بعدي فقال: بل أقر نفسي حيث كنت فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ولكن انظروا بين جمح وسهم فقيل قدم بني جمح، ثم دعا بني سهم وكان ديوان عدي وسهم مختلطا كالدعوة الواحدة، فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيره عاليه، ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلى حظي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا عامر ابن لؤي.
قال الشافعي: فقال بعضهم: إن أبا عبيدة بن عبا الله الجراح الفهري رضي الله عنه لما رأى من تقدم عليه.
قال: أكل هؤلاء يدعى أمامي؟ فمال يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك

الجزء: 6 - الصفحة: 298

فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه فأما أنا وبنو عدى فنقدمه إن أحببت على أنفسنا.
قال: فقدم معاوية بعد بني الحارث بن فهر ففصل بهم بن بني عبد مناف وأسد بن عبد العزى وشجر بين بني سهم وعدي شيء في زمان المهدي، فافترقوا فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمع لسابقة فيهم: فإذا فرغ من قريش بدئت الأنصار على العرب لمكانهم من الإسلام.
قال الشافعي؛ الناس عباد الله فأولاهم أن يكون مقدماً أقربهم بخيره الله تعالى لرسالته ومستودع أمانيه وخاتم النبيين وخير خلق رب العالمين محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال الشافعي: ومن فرض له الوالي من قبائل العرب رأيت أن يقدم الأقرب فالأقرب منهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فماذا استووا قدم أهل السابقة على غير أهل السابقة ممن هو مثلهم في القرابة".
قال في الحاوي: وإذا كان وضح الديوان مأثورا قد عمل الأئمة الراشدون ولم يجد الإمام منه يداً فقد اخلف في تسميته بالديوان.
فقال قوم: لأن كسرى أطلع يوماً على كتابه وهم منحتون مع أنفسهم فقال: ديوانه أي مجنون فسمى وضع جلوسهم ديواناً.
وقال آخرون: سمي ذلك لأن الديوان اسم السلاطين فسمي الكتاب باسمهم لوصولهم إلى غوامض الأمور وضبطهم الشاذ وجمعهم المتفرق ثم سمي موضع جلوسهم باسمهم فقيل ديوان، فإذا أراد الإمام أن يضح ديوان الجيش قدم فيه العرب على العجم لما فضلهم الله به من رسوله - صلى الله عليه وسلم -. قال الشافعي 88: الناس عباد الله وأولاهم أن يكون مقدماً أقربهم فخيره الله لرسالته ومستودع أمانته وخاتم النبيين وخير خلق رب العالمين محمد - صلى الله عليه وسلم - فإذا أراد تقديم العرب قدم منهم قريشاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشاً ولا تتقدموها" 89 ثم من يليهم من بطون قريش بحسب قرب آبائهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
فأقربهم إليه نسباً بنو هاشم وضم إليهم بنو المطلب لقوله - صلى الله عليه وسلم - أن بني هاشم وبني المطلب كالشيء الواحد وشبك بن أصابعه لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام.
وروي أن عمر رضي الله عنه لما أراد وضع الديوان، قال: بمن أبدأ؟ فقال له بعض الحاضرين: ابدأ بنفسك يا أمير المؤمنين، إما على عادة الفرس في تقديم الولاة، وإما لتخيير عمر فيما يفعله.
فقال عمر رضي الله عنه.
اذكرتني بأن أبدأ ببني هاشم، فإني حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معطيهم وبني المطلب، فكان إذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي، فوضع ديوانه على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة ثم استوت له عبد شمس ونوفل من قدم النسب لأن عبد

الجزء: 6 - الصفحة: 299

شمس ونوفلاً أخوا هاشم والمطلب لأن جميعهم بنو عبد مناف وحكي الزبير بن بكار أنه كان يقال لهاشم والمطلب البدران ولعبد شمس ونوفل الأبهران.
وأصل عبد شمس أنه قيل له عباء الشمس أي يستر الشمس ثم خففوا فقالوا عبد شمس وكان أكبر ولد عبد مناف وأصغرهم المطلب فقدم عمر بني عبد شمس على بني نوفل، لأن عبد شمس أخو هاشم لأبيه وأمه ونوفل أخو هاشم لأبيه دون أمه، وأنشد أبو عبيدة لآدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: يَا أَمِير إنِّي قَائِلٌ قَوْل ذِي دِينِ وَبِر وَحَسَبْ عَبْدِ شَمْسَ .. ... أَنَّهَا عَبْدَ شَمْسِ عَم عَبْد المُطَّلبْ عَبْدَ شَمْسَ كَانَ يتلو هَاِشماً ... وَهُمَا بَعْدُ لأُمِّ وَلَأبِ فقدم عمر بني عبد شمس ثم دعا بعدهم بني نوفل ثم استوبت له بنو عبد العزى وبنو عبد الدار وهما أخوا عبد مناف وجميعهم بنو قصي، فلما فرغ من بني عبد مناف عدل بعضهم إلى أخوي عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار ابني قصي، فقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار لأربعة أمور: منها: أنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن خديجة منهم.
ومنها السابقة للزبير بن العوام، لأنه منهم.
ومنها لأنهم من حلف المطيبين.
ومنها لأنهم من حلف الفضول، فأما حلف المطيبين فإنه حلف عقدته قبائل من قريش على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى رع الظالم ونصرة المظلوم وقالوا: إن لنا حرماً يعظم وبيتاً يزار فأخرجوا من أموالهم ما أعدوا للتعاون على حلفهم فصار الاجتماع على هذا الحلف كالاشتراك في النسب.
واختلف في تسميته بحلف المطيبين، فقال قوم: لأنهم طيبوا مكة برع الظالم ونصرة المظلوم، لأن قريشاً تسلطوا حين قووا.
وقال آخرون: بل سموا بذلك لأن أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب أخرجت لهم عند عقد هذا الحلف جفنة فيها طيب فغمسوا أيديهم فيها عند التحالف وتطيبوا به فسمي حلف المطيبين وكان من دخل فيه من قريش بنو عبد مناف وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر فلما سمعت بذلك بنو هاشم نحروا جزوراً ثم قال من أدخل يده في دمها ثم علق منه فهو منا ليتميزوا عن حلف المطيبين فأدخلت أيديها بنو هاشم فادخلوا أيديهم بنو سهم وبنو عبد الدار وبنو جمح وبنو عدي وبنو مخزوم فسمي هذا أحلاف اللعقة، فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في ذلك.
وَسُمِينَا الأَطَايَبْ مِنَ قُرَيْش عَلَى كَرَمِ فَلَا طِبْنَا وَلَا طَابَا وَأَيُّ الخَيْرِ لَمْ نَسْبِق إلَيْهِ وَلَمْ تَفْتَح بِهِ لِلنَّاسِ بَابَا

الجزء: 6 - الصفحة: 300

وأما حلف الفضول فهو حلف عقدته أيضا قبائل من قريش على نحو ما ذكرنا في حلف المطيبين وكان سببه ما حكاه الزبير بن بكار: أن قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً على ابن أبي حلف الجمحي فلواه وذهب بحقه، فاستجار عليه بني جمح فلم يجيروه فقام قيس منشداً فقال: يا آل قصي كيف هذا في الحرم وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع من ظلم فجددوا لأجله حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان على رد الظلم بمكة، وإن لا يظلم بها أحد إلا منعوه ودخل في الحلف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تيم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ معهم وذلك قبل النبوة، وهو ابن خمس وعشرين سنة فروت عائشة رضي قال الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت وما أحب أن يكون لي حمر النعم، واني كنت نقضته" وما يزيده الإسلام إلا شدة، ولم يدخل بنو عبد شمس فيه.
واختلف في تسميته بحلف الفضول فقال قوم: لما فيه من الأخذ بالفضل.
وقال آخرون: لأن قريشاً وسائر الأحلاف كرهوه فعابوا من دخل فيه ونسبوهم إلى الفضول.
فسمي بحلف الفضول.
وقال آخرون: بل سمي حلف الفضول لأنهم تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم فيهم الفضل وفضيل وسمي بإضافته إليهم حلف الفضول، فهذا الكلام من ترتيب بني قصي، ثم انفرد، بعدهم بنو زهرة أخو قصي وهما ابنا كلاب، وليس له عقب من غيرهما، وقد روى الأوزاعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ضريح قريش ابنا كلاب" يعني قصي وزهرة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينسب إليهما لأن أباه من قصي، وأمه من زهرة، ثم استوت له بعد بني كلاب بنو تيم وبنو مخزوم لأن تيماً ومخزوماً أخو كلاب وجميعها بنو مرة بن كعب فقدم بني تيم على بني مخزوم لأربعة أمور: منها السابقة لأبي بكر لأنه منهم.
ومنها لأنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن عائشة منهم.
ومنها لأنهم من حلف المطيبين.
ومنها لأنهم من حلف الفضول.
ثم استوت لهم بعد ذلك بنو عدي وبنو سهم وبنو جمح لأنهم إخوة مرة وجميعهم بنو كعب بن عامر فقيل له: ابدأ ببني عدي وهم قومه، فقال: بل أقر نفسي حيث كنت، فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ولكن انظروا بين بني جمح وبني سهم فقيل إنه قدم بني جمح ثم دعا بني سهم وكان ديوان عدي وسهم مختلطاً كالدعوة الواحدة فلما بلغت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية ثم قال: الحمد لله الذي أوصل إلي حظي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا بني عامر بن لؤي بن غالب، وكان أبو عبيدة بن الجراح حاضراً وهو من

الجزء: 6 - الصفحة: 301

بني فهر بن مالك فلما رأى من تقدم عليه قال: أكل هذا يدعى أمامي، فقال له عمر: يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك، فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه، فأما أنا وبنو عدي فنقدمك على أنفسنا إن أحبت ثم دعا بعد بني لؤي بن غالب بن غالب بن فهر.
ثم دعا بعدهم بني فهم بن مالك حتى استكمل قريشاً واختلف النسابون من علماء الشرع من قريش على قولين: أحدهما: أنهم بنو فهر بن مالك فمن تفرق نسبه من فهر فهو من قريش ومن جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش وهذا قول ابن شهاب الزهري وطائفة.
والثاني: أن قريشاً هم بنو النضر بن كنانة جد فهر بن مالك؛ لأنه فهر بن مالك بن النضر بن كنانة فكل من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش ومن جاوز النضر بنسبه فليس من قريش، وهذا قول الشعبي وطائفة أخرى، واختلفوا في تسميتهم قريشاً على ستة أقاويل: أحدها: أن فهر بن مالك كان اسمه قريشاً وإنما نبزته أمه فهراً لقياً وهذا قول الزهري.
والثاني: أنه سمي قريشاً لأن قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم، وكان يقال قدمت عير قريش فسميت قريش به، وأبوه بدر بن مخلد هو صاحب بدر الموضع الذي لقي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشاً وهو احتفر بئرها وفيه أنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:123] وهذا القول حكاه الزبير بن بكار عن عمر.
والثالث: أنهم سموا قريشاً؛ لأن النضر بن كنانة سمي قريشاً لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها والتقرش هو التفتيش ومنه قول الحارث بن حلزة 90: أيها الناطق المقرش عنا عند عمرو، فهل له إبقاء وهذا قول الشعبي.
والرابع: أنهم سموا قريشاً للتجارة لأنهم كانوا تجاراً في رحلتي الشتاء والصيف؛ لأن التجار يقرشون ويفتشون عن أموال التجارة وحكاه الزبير بن بكار.
والخامس: أنهم سموا قريشاً لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم لأن قصياً جمعهم إليه والتقرش التجمع ومنه قول الشاعر: إخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديم وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى.

الجزء: 6 - الصفحة: 302

والسادس: أنهم سموا قريشاً لقوتهم تشبيهاً بدابة في البحر قوية تسمى قريشاً كما قال تبع بن عمرو الحميري: وقريش هي التي تسكن البح ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تت رك يوماً من جناحين ريشا هكذا في العباد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان بني يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيلة ورجالاً يحشرون المطي حشراً كميشا فلما فرغ عمر من قريش دعا بعدهم بالأنصار وقدمهم على سائر العرب بعد قريش لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:100] لنصرتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:72] ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأنصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس شعباً والأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار" 91. قال الشافعي: وشجر بين بني سهم وعدي في زمان المهدي فافترقوا فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمع لسابقة فيهم، لأنهم أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.
فصل فإذا ثبت ما وصفنا ينبغي أن يكون منع الديوان على مثل ما وضعه عمر يبدأ بقريش فيقام منهم بني هاشم وبني المطلب ثم من يليهم من بني أب بعد أب حتى يستوعب جمع قريش، ثم يقدم بعدهم الأنصار من الأوس والخزرج، ثم يعدل بعدهم إلى مضر ثم ربيعة ثم جميع ولد عدنان، ثم يعدل بعدهم إلى قحطان فيرتبهم على السابقة كما ذكرنا في قريش، فإذا فرغ من جميع العرب عدل بعدهم إلى العجم فرتبهم على سابقة إن كانت لهم.
فأما ترتيب أهل القبيلة الواحدة من قريش أو غيرهم فينبغي أن يقدم منهم ذو السابقة ثم ذو السن ثم ذو الشجاعة، فإذا أراد تفريق العطاء فيهم بدأ بالقبيلة المقدمة في الديوان، فقدمها في العطاء وقدم منها من كان في الديوان مقدماً؛ لأنه لا يمكن إعطاء جميعهم إلا واحداً بعد واحد، فيقدم الأسبق فالأسبق في الديوان حتى يتوفي جميع أهله، وبالله التوفيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 303

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل