بحر المذهب للرويانيكتاب السير
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب أصل فرض الجهاد

مسألة: قال: لما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم مدة هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض عليهم الجهاد.
الفصل اعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار الإسلام الذي اختاره لعباده بعث خبرته من خلقه محمدًا صلى الله عليه وسلم على ترتيب من أحواله وتدريج فيما أمره به لإظهاره وإحكام قواعده [152/ ب] وإعلامه ولم يأمره بجميع الشرائع دفعة واحدة وحبب إليه الخلوة فكان يمكث في غار حراء حتى أتاه الملك بأمر الله تعالى.
وأنزل عليه الوحي فكان أول ما أوحي إليه قوله تعالى: ﴿اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق 1 - 5] فأمره باعتقاد الإيمان وقراءة القرآن في نفسه لأنه خصه به ولم يأمره بإظهاره ثم أمره بالإظهار والقيام بالدعوة والإنذار فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر 1 - 2] وقد قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر 94] وقال أيضًا: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء 214] فجد رسول الله صلى الله عليه واجتهد فجمع عشيرته وأنذرهم فاستهزؤوا به ولم يقبلوه، وقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟ تبًا لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد 1] إلى آخر السورة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر] جد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة ولكنه كان خائفًا سطوة المشركين فكان المتوقف من مخالفتهم حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة 67] فلم يتوقف بعد ذلك ولكنه واظب على الدعوة ليلًا ونهارًا وقاسى ما قاسى من بلاء المشركين ثم أمره بعد ذلك بهجرتهم والإعراض عنهم فقال عز من قائل: ﴿وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [153/أ] فَأَعرِضْ عَنْهُم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام 68] وقال تعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام 108] وقال تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر 97 - 98]. ثم اشتد البلاء من الكفار عليه وعلى من أسلم من صاحبه لضعفهم وقلتهم فأباح

الجزء: 13 - الصفحة: 168

الهجرة بقوله تعالى: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء 100] الآية.
فهاجر بعضهم إلى أرض الحبشة وبعضهم إلى الطائف وهو يعرض نفسه في المواسم ويدعو الناس إلى الله تعالى حتى منّ الله تعالى على الأوس والخزرج وهم من عرب اليمن يسكنون بالمدينة فآمنوا وآمن ولياهما من أهلها بالمدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من لقنهم الإيمان والقرآن وعلمهم الصلوات ثم أراه الله تعالى في منامه دار الهجرة وهي المدينة وأذن له ولأصحابه في الهجرة إليها ثم فرض عليهم الهجرة بعج سنتين من الهجرة بقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء 97] الآية.
فهاجر ولو يؤذن بعد في الجهاد ثم بعد زمان أذن لهم في قتال من قاتلهم من الكفار دون من لم يقاتلهم ولم يأذن لهم في الابتداء بالقتال بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج 39] الآية.
فكان من أحب أن يقاتل من أصحابه فعل ولم يكن ذلك واجبًا [153/ب] ثم فرض عليهم القتل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ [البقرة 216] وبقوله تعالى: ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 244]. وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه: لما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه، حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض عليهم الجهاد قال: وكان فرضه في الابتداء في غير الأشهر الحرم لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة 217] وقال تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة 5] وكان فرضه في غير الحرم فأما في الحرم فلم يجز القتال إلا أن يبتدئ الكفار به لقوله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة 191] ثم نسخ ذلك بأمر القتال في جميع الزمان في جميع البلدان بقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ [التوبة 41] الآية، وقال ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وقال: ﴿وقَاتِلُوا﴾ [البقرة 244] وقال: ﴿وجَاهِدُوا﴾ [المائدة 35] وابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واعلم أن الجهاد كان من فروض الكفايات وهكذا الآن وإنما وجب على جميع المسلمين القيام به في وقت لم يكن في بعضهم كفاية وفي مثله ورد قوله تعالى: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [154/أ] عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة 39] وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ومَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة 120] الآية.
وحين حصلت الكفاية ببعضهم سوغ الآخرين التقاعد عنه وفيه ورد قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء 95] الآية.
هذا يدل على أن القاعد غير آثم بتركه الجهاد، ومن أصحابنا من قال: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان ثم نسخ ومنهم من قال: الاعتبار بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل من دعاه إلى الجهاد افترض عليه الإجابة، وقال سعيد بن المسيب: هو من فرائض الأعيان ولا يصح لما ذكرنا.
وأما فرض الهجرة من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دار الشرك إلى دار الإسلام كل زمان فإنه يتوجه على من أسلم وهو مستضعف بين المشركين لا يقدر على إظهار

الجزء: 13 - الصفحة: 169

إسلامه ولو زاد وراحلة يقدر على الخروج، فأما من كان مستضعفًا لا يقدر على إظهار إسلامه ولا زاد ولا راحلة يحتملانه إلى دار الإسلام أو كان قادرًا على إظهاره آمنًا من الكفار برهطه وعشيرته فإن هذين الضربين لم تفرض عليهما الهجرة [154/ب] والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء 97] الآية.
ثم قال: ﴿إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ﴾ [النساء 98] الآية.
وجملته أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب منهم من يستحب له ولا تجب عليهم وهو من أسلم وله قوة بأهله وعشيرته يقدر على إظهار دينه آمنًا.
وإنما استحب لئلا يكثر سواد المشركين به وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يوم الحديبية عثمان رضي الله عنه إلى مكة لأن عشيرته كانت أقوى القوم بمكة فأكرم ولم يبعث ضعفاء قومه.
ومنهم من يجب عليه الهجرة وهو من لم يأمن على نفسه في إظهار دينه ويقدر على الهجرة.
ومنهم من لا يجب عليه ولا يستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر لمرضه أو لفقره وهو بمنزل المكرهين ومن أكره على الكفر فلا إثم عليه.
واعلم أن فرض الهجرة على هذا التفصيل باق ما دام الشرك قائمًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطعالهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا هجرة بعد الفتح" قلنا: له تأويلان أحدهما: أراد لا هجرة من مكلة لأنها صارت [155/أ] دار الإسلام أبدًا.
والثاني: أراد لا فضيلة للهجرة بعد الفتح مثل ما كانت قبل الفتح لأن الهجرة والإنفاق كان أفضل في ذلك الوقت قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ﴾ [الحديد 10].
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: وجه الجمع بين الخبرين أن الهجرة كان مندوبًا إليها في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة 20] وقوله: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن﴾ [النساء 100] ثم لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اشتد أذى المشركين على المسلمين فوجبت الهجرة عليهم حتى ينتقلوا إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا وليتعلموا منه أمر دينهم فلما فتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر إلى الندب فهما هجرتان فالمنقطعة منهما هي الفرض والباقية هي الندب وسائر أصحابنا أجمعوا على أن فرض الهجرة على من آمن فيها باقيًا ما بقي للشرك دار وهذا هو الصحيح، ولعله أراد الهجرة من مكة إلى المدينة والله أعلم.
وفي تسميتها هجرة وجهان أحدهما: أنه يهجر فيها ما ألف من وطن وأهل، والثاني: أنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب.
واعلم أن القاضي الإمام أبا الحسن

الجزء: 13 - الصفحة: 170

الماوردي رحمه الله طول الكلام في شرح [155/ب] هذا الفصل وذكر مولد رسول الله صل الله عليه وسلم وما كان من أموره في الابتداء والانتهاء إلى وقت وفاته وما كان بعد وفاته من الخلفاء الراشدين وبسط الكلام في كل فصل من ذلك وقد انتخبت منها ما استحسنته ونقلته وذلك أن الله تعالى اختار لرسالته واصطفا لنبوته محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صل الله عليه وسلم فبعثه على فترةٍ من الرسل حين وهت الأديان، وعبدت الأوثان، وغلب الباطل على الحق وعم الفساد في الخلق ليختم به رسله ويوضح به سبله وليستكمل دينه ويحسم به من الفساد ما عم ومن الباطل ما تم فاختاره من بيت أسس به مبادئ طاعته وقواعد عبادته بالبيت الذي جعله مثابة للناس وأمناً، والحج الذي جعله من أصول الدين ركناً ليكونوا مستأنسين بتدين تسهل به إجابتهم فكان من أول التأسيس لنبوته أن كثر الله قريشاً بعد القلة وأعزهم بعد الذلة وجعلهم ولاة الحرم فكان أول من همس في نفسه ظهور النبوة فيهم كعب بن لؤي بن غالب فكان يجمع الناس في كل جمعة وهو سماه لجمع الناس فيه يوم الجمعة فكان يخطب فيه على قريش ويقول بعد خطبته: حرمكم عظموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل [156/ أ] ولتنصبت تنصب الجمل، ولأرقلت إرقال الفحل ثم انتقلت الرئاسة بعده إلى قصي بن كلاب فجدد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل صل الله عليهما وسلم وبني دار الندوة للتشاجر والتشاور وعقد الألوية وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بني القوم دورهم بها فزادت الرئاسة وقوي تأسيس النبوة.
ثم أمرت قريش وكثرت حتى قصدهم صاحب الفيل لهتك الحرم وهدم الكعبة وسبي قريش ففعل الله تعالى ما فعل بدعوة عبد المطلب حين أخذ خلقه الباب ودعا فكان من مبادئ إمارات النبوة في رسول الله صل الله عليه وسلم إجابة دعوة جده عبد المطلب حتى هلك أصحاب الفيل تخصيصاً له بالكرامة حتى خص بالنبوة في ولده، وقد روي في هذه القصة أنه لما جاء أبرهة لهدم الكعبة وحمل مع نفسه اثنى عشر فيلاً وركب على أعظمها جسماً وقوةً يقال له محمود، وأغار على أموال قريش منها مائتا بعير لعبد المطلب جاء عبد المطلب إليه وكان جسيماً عظيماً وسيماً فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه وكره أن يجلسه معه على سريره وأن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه ثم قال لترجمانه: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد عليّ مائتي بعير أصابها لي [156/ ب] فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك قال: ولم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟! فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه فقال: ما كان ليمنعه مني فقال: أنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه فرجع إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفاً من معرة الجيش إن دخلوا ففعلوا وأتى عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:

الجزء: 13 - الصفحة: 171

يارب لا نرجو لهم سواكا يارب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه وتهيأ أبرهة للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله المسمى محموداً فأقبل نفيل إلى هذا الفيل فأخذ بذنبه فقال: أبرك محمود وأرجع راشداً من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه وضربوه بالمعول في رأسه فأبى فأدخلوا محاجنهم تحت مرافقه ليقوم فأبى فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم فلما رأى ذلك خرج يشتد حتى صعد الجبل وأرسل الله تعالى طيراً من البحر [157/ أ] أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحصى والعدس فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلن تصب الحجارة أحداً إلا هلك وليست كل القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدون الطريق الذي منه جاؤوا ويموج بعضهم في بعض يتساقطون ويهلكون في كل منهلٍ.
وبعث الله تعالى داء على أبرهة في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة اتبعتها الأخرى فانتهى إلى صنعاء وهو في مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وروي أنه كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فتحرقها حتى تقع في دماغه ويخر ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه وكان على كل حجرٍ اسم صاحبه مكتوباً، وروي أن رجلاً يقال له: أبو يكسوم من ندماء أبرهة انفلت وحده منهم فساد وطائر يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط فمات فأرى الله تعالى كيف هلاك أصحابه.
وقيل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول الله صل الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين سنة والصحيح أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صل الله عليه وسلم وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين [157/ب] مقعدين يستطعمان.
ثم ظهر نور النبوة في وجه أبيه عبد الله حتى مر بكاهنة من العرب يريد أن يتزوج بأم رسول الله صل الله عليه وسلم آمنة بنت وهب قرأت الكاهنة نور النبوة بين عينيه فقالت: هل لك أن تقع علي ولك مائة من الإبل؟ فأعرض ومشى لشأنه ونكح آمنة وعلقت منه برسول الله صل الله عليه وسلم وعاد فمر بالكاهنة فعرض لها فلم تر ذلك النور فقالت: قد كان هذا مرة فاليوم لا.
ثم ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل ومات أبوه عبد الله وهي حامل به فكفله جده عبد المطلب فكان يرى من نشوئه ما يسره.
ومات بعد ثماني سنين من ولادته فوصى به غمه أبا طالب لأنه كان أخاً لعبد الله من أمه فخرج به أبو طالب إلى الشام لتجارته وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ الكتب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات فرأى بحيرا من صومعنه غمامة قد أظلت رسول الله صل الله عليه وسلم من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه وسأله عن حاله

الجزء: 13 - الصفحة: 172

في منامه ويقظته فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب، وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني فقال: كلا فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل قال: صدقت وعمل له طعاماً لم يكن يعمله لهم قبل ذلك [158/أ] وقال: أحفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبياً إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا: كيف عرفت هذا؟ قال: بالسحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوة في كتفه فكان هذا أول بشرى بنبوته.
ثم نشأ رسول الله صل الله عليه وسلم في قريش على أحسن هدي وطريقة، وأشرف خلق وطبيعة، وأصدق لسان ولهجة حتى عرفت خديجة أمانته وأبضعته مالاً وتزوجت به.
أول ما تلقاه جبريل عليه السلام ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر برسالة الله تعالى يوم الاثنين في الثامن عشر من شهر رمضان، وروي في الرابع والعشرين من شهر رمضان ثم أخبر رسول الله صل الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بما نزل عليه فقالت له: يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي أتاك؟ قال: نعم قالت: فأخبرني به إذا جاءك فجاءه جبريل عليه السلام فقال لها: يا خديجة هذا قد جاءني فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى فجلس عليها قالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول إلى فخذي اليمنى فتحول إليها فقالت: تراه؟ قال: نعم قالت: فتحول في حجري فتحول في حجرها فقالت: هل تراه؟ فتسحرت وألقت خمارها وهو جالس في حجرها وقالت: هل تراه؟ قال: لا قالت: ابن عم أثبت وأبشر فوالله إنه لملك [158/ب] وما هو بشيطانٍ وآمنت به فكانت أول من أسلم من جميع الناس.
ثم روي أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صل الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وهو بأعلى مكة فهمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام منها ليريه كيف الطهور فوضا رسول الله صل الله عليه وسلم فصلى به فكانت هذه أول عبادة فرضت عليه ثم انصرف جبريل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله صل الله عليه وسلم واستسر رسول الله صل الله عليه وسلم بالإنذار من يأمنه، واختلفوا في أول من أسلم بعد خديجة فقيل: أول من أسلم بعدها من الذكور علي بن أبي طالب وصلى وهو ابن تسع سنين، وقيل: كان ابن عشر وهذا قول جائز وزيد بن أرقم، وقال ابن عباس وأبو أمامة: أول من أسلم وصلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال عروة بن الزبير وسليمان بن يسار: أول من أسلم زيد بن حارثة ثم أسلم على يدي أبي بكر عثمان والزبير وجماعة ثم تتابع الناس في الإسلام وكان رسول الله صل الله عليه وسلم على الإستسرار بدعائه ثلاث سنين من مبعثه وقد انتشرت دعوته في قريش إلى أن أمر بالدعاء جهراً [159/أ] ونزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: 94] قول الله تعالى فلزمه الجهر بالدعاء وأمر أن يبدأ بإنذار عشيرته فقال تعالى: ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] ففعل إلى أن قال أبو لهب.
تباً لك فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] ثم لم يكن من قريش في دعائه إياهم مباعدة له ولكن كانوا يردون بعض الرد حتى ذكر آلهتهم وأهانها وسفه أحلامهم في عبادتها فأجمعوا حينئذ على خلافه وتظاهروا بعداوته إلا من عصمه الله منهم بالإسلام

الجزء: 13 - الصفحة: 173

وهم قليل مستحقون به، وهموا به حتى دفعهم أبو طالب عمه عنه وكانوا ينالون من أصحابه فلما رأى ذلك قال لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً عادلاً إلى أن يجعل الله لكم فرجاً "فهاجر إليها من خاف على دينه وهي أول هجرة هاجر إليها المسلمون في رجب سنة خمس من المبعث فكان أول من خرج منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة فيهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صل الله عليه وسلم ثم خرج إثرهم جعفر بن أبي طالب في جماعة صاروا مع المتقدمين اثنين وثمانين نفراً وصادفوا في النجاشي ما حمدوه.
وكان قد أسلم قبل ذلك عمر ثم أسلم حمزة فجهر رسول الله صل الله عليه وسلم بالقرآن في صلاته حين أسلم حمزة ولم يكن يجهر قبل إسلامه، وقوي به المسلمون وقرأ عبد الله بن مسعود على المقام جهراً حتى سمع قريش فنالوه بالأيدي [159/ب] ثم رأت قريش من يدخل في الإسلام وعدوا رسول الله صل الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً ويزوجوه من يشاء من نسائهم ويكف نسائهم ويكف عن ذكر آلهتهم قالوا: فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] إلى آخر السورة فكف عن ذلك وكان يتمنى من ربه تعالى أن يقارب قومه ويحرص على صلاحهم فأنزل الله تعالى سورة النجم فقرأها على قريش حتى بلغ صل الله عليه وسلم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (19) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى وانتهى إلى السجدة فسجد فيها وسجد المسلمون إتباعاً لأمره وسجد من في المسجد من المشركين لما سمعوا مدح آلهتهم وتفرق الناس من المسجد متقاربين قد سر المشركون وسكن المسلمون وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من المسلمين وقالوا أسلمت قريش فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:52] الآية ونسخ ما ألقى الشيطان بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنثَى (21) تِلْكَ إذًًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 21 - 22] فقالت قريش لما سمعوا النسخ: ندم محمد على ما ذكر من مدح آلهتنا وجاء بغيره فازدادوا شدة وشدة على من أسلم وقدم من عاد من أرض الحبشة وعرفوا قبل دخول مكة ما نسخ فمنهم من رجع إلى أرض الحبشة من طريقه ومنهم من دخل مكة مستخفياً [160/أ] ومنهم من دخل في جوار فدخل عثمان رضي الله عنه مع زوجته رقية في جوار عتبة بن ربيعة، ودخل جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود سراً وكانوا ثلاثة وثلاثين نفراً ثم عادوا إلى أرض الحبشة إلا عثمان فإنه أقام حتى هاجر إلى المدينة وهذه هي الهجرة الثانية.
ثم لما اشتدت العداوة كادوا رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه بأمرين: أحدهما: أرسلوا إلى النجاشي فيمن هاجر إليه.
والثاني: تحالفوا على بني هاشم وبني المطلب فيمن بقي مع رسول الله صل الله عليه وسلم على مقاطعتهم وأن يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى أقام أبو طالب على نصرة رسول الله صل الله عليه وسلم وجمع بين بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم وعاهدهم على اجتماع الكلمة ودخول الشعب فأجابوه إلا أبا لهبٍ وولده فإنهم انحازوا عنهم إلى

الجزء: 13 - الصفحة: 174

قريش وأقام رسول الله صل الله عليه وسلم في الشعب مع أبي طالبٍ وسائر بني هاشم وبني المطلب مدة ثلاث سنين لا يصل إليهم الطعام إلا سراً ولا يدخل عليهم أحد إلا مستخفياً إلى أن بدأ من قريش هشام بن عمرو فكلم زهير بن أبي أمية ثم كلم المطعم بن عدي يقبح لهما ما ارتكبوه من قطيعة الأرحام في بني هاشم وبني المطلب فوافقاه واجتمعوا من غدهم في نادي قريش على نقض عهدهم وبدأ بالكلام [160/ب] هشام بن عمرٍو فرد عليه أبو جهلٍ، ثم تكلم زهيرٌ ومطعمٌ بمثل كلام هشامِ فقال أبو جهلٍ: هذا أمرٌ أبرم بليلٍ.
وكانوا كتبوا صحيفةً وعلقوها في سقف الكعبة فأحضرت الصحيفة من سقف الكعبة وقد أكلتها الأرض إلا قولهم باسمك اللهم فإنه بقي وشلَّت يد كاتبها وهو منصور بن عكرمة وخرج بنو هاشمٍ وبنو المطلب مع رسول الله صل الله عليه وسلم إلى مكة منتشرين فيها كما كانوا.
ثم لم يزل ما كانوا على الصلح لم يصل إليه مكروهٌ حتى مات عمه أبو طالبٍ وماتت خديجة في عامٍ واحدٍ وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فناله الأذى بعد ذلك نثر بعض سفهاء قريشِ التراب على رأسه فدخل بيته قرأت إحدى بناته على رأسه التراب فبكت فقال لها: لا تبكي فإن الله تعالى يمنع أباك وخرج إلى الطائف ليمتنع ويستنصر بثقيف فلما انتهى إليها عمد إلى ساداتها وهم ثلاثة أخوةٍ عبد بالليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير، فكلمهم ودعاهم إلى الإسلام فردوه رداً قبيحاً وأغروا به عبيدهم وضعفاءهم فاتبعوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ورجعوا عنه، فمال إلى حائط كرم لعتبة وشيبة ابني ربيعة فاستند إليه يستروح مما ناله فرآه عتبة وشيبة فرقا له بالرحم وأَنفذا إليه طبق عنبٍ مع غلامٍ لهما نصرانيٍ يقال له: عداس فلما [161/أ] مد يده ليأكل منه سمى الله تعالى فاستخبره عداس عن أمره فأخبره وعرف نبوته فقبَّل يده وقدمه، فلما عاد قال له عتبة وشيبة: رأيناك فعلت معه ما لم تفعله معنا قال: لأنه نبي فقالا: فتنك عن دينك ثم رجع رسول الله صل الله عليه وسلم يريد مكة حتى صار بنخلة اليمامة قام بالليل يصلي ويقرأ فمر به نفرٌ من الجن قيل: إنهم من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا كما قال الله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ إلى قوله ﴿طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 29 - 30] وقدم رسول الله صل الله عليه وسلم مكة وقريش على أشد ما كانوا من الخلاف، وقيل: إنه قدم في جوار المطعم بن عدي ثم عرض نفسه عليهم فلم يقبلوه ثم أتى كلباً فعرض نفسه على بني عبد الله فلم يقبلوه ثم عرض نفسه على بني حنيفة فكانوا أقبح العرب رداً له ثم عرض نفسه على بني عامرٍ فقال زعيمهم: إن شاركتنا في هذا الأمر قبلناك فتركهم وقال: الأمر لله يؤتيه من يشاء ثم حضر الموسم ستة نفرٍ من الخزرج منهم أسعد بن زراره وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله فأتاهم ودعاهم إلى الإسلام [161/ب] فأجابوا إليه وكانوا سمعوا يهود المدينة إذا قاتلوهم يقولون: لنا نبيٌّ يبعث ونحن ننتصر به عليكم فوقر ذلك في أنفسهم لما أراد الله تعالى بهم من الخير فلذلك سارعوا إلى الإجابة وعرض عليهم نفسه فقالوا نقدم على قومنا ونخبرهم بما دخلنا فيه،

الجزء: 13 - الصفحة: 175

فلما عادوا ذكروا ذلك فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صل الله عليه وسلم.
فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس عبادة بن الصامت وغيره فبايعوه على الإسلام بيعة النساء وذلك على ﴿أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: 12] الآية فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صل الله عليه وسلم مصعب ابن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فقدم معهم ونزل على أسعد بن زرارة ودعا الأنصار إلى الإسلام فأسلموا على يده قوم بعد قوم وكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وهما سيدا قومهما بني عبد الأشهل أنكرا ذلك حتى قرأ عليهما مصعب سورة الزخرف فلما سمعاها أسلما وأسلم في تلك الليلة جميع بني عبد الأشهل من الرجال والنساء وكانوا أول قوم أسلم جميعهم وصلى مصعب بالناس الجمعة في حرة بني بياضة وهي أول جمعة صليت [162/أ] في الإسلام وعاد مصعب إلى رسول الله صل الله عليه وسلم بمكة فذكر له من أسلم من أهل المدينة فسره ثم لما كان العام المقبل حج من الأوس والخزرج سبعون رجلاً وكان فيهم البراء بن معرور فصلى إلى الكعبة حين قدم على رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: لا أتركها وراء ظهري ثم سأله فيها فقال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فعاد واستقبل بيت المقدس فكان أول من استقبل الكعبة وهو من تصدق بثلث ماله.
وواعد رسول الله صل الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق فباتوا تلك الليلة في رحالهم ثم خرجوا منها بعد ثلث الليل لوعد رسول الله صل الله عليه وسلم فحضروا شعب العقبة ووافى رسول الله صل الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي فوقف العباس وعلياً على فم الشعب عيناً له ووقف أبو بكر على فم الطريق عيناً لهم وتلا عليهم رسول الله صل الله عليه وسلم القرآن وأخذ عليهم الإسلام فأسلموا جميعاً وقد كان فيهم من لم يكن قد أسلم ثم قال للعباس وهو على دين قومه: خذ عليهم العهد وكانوا أخواله لأن أم عبد المطلب كانت سلمى بنت عمرو من بني النجار من الخزرج فقال العباس: يا معشر الخزرج إن محمداً آمناً في عز قومه ومنعةٍ من بلده وقد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فإن منعتموه مما تمنعون من أنفسكم [162/ب] وإلا فدعوه بين قومه وفي بلده فقال البراء بن معرور: بل نمنعه مما نمنع نه أنفسنا وأبناءنا فقال أبو الهيثم بن التيهان: إن بيننا وبين الناس حبالاً يعني عهوداً وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صل الله عليه وسلم وقال: "الدم الدم، والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم "فأقبل أبو الهيثم على الأنصار ثم قال: يا قوم هذا رسول الله حقاً وأشهد أنه لصادق وأنه لفي حرم الله وبين عشيرته وأعلموا أنكم إن تخرجوه إليكم ترميكم العرب عن قوسٍ واحدةٍ فإن كانت أنفسكم قد طابت للقتال وذهاب الأموال والأولاد فادعوه وإلا فمن الآن، فقالوا: يا رسول الله اشترط علينا لربك ولنفسك ما تريد فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني فيما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم فأجابوا وأحسنوا.

الجزء: 13 - الصفحة: 176

فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد اشترطت لنفسك ولربك فماذا لنا إذا وفينا لله ولرسوله فقال: لكم على الله الجنة فقال: قد قبلنا من الله ما أعطانا ثم قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "اختاروا منكم اثنى عشر نقيباً كما اختار موسى عليه السلام من قومه وقال للنقباء: انتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين [163/أ] لعيسى ابن مريم عليه السلام قالوا: نعم فبايعوه على هذا ثم عاد رسول الله صل الله عليه وسلم فعادت الفتنة أشد مما كانت في فتنة الهجرة غلى الحبشة واشتد الأذى بأصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها" فخرجوا جماعة جماعة ورسول الله صل الله عليه وسلم مقيم بمكة ينتظر إذن الله تعالى واستأذنه أبو بكر الصديق في الهجرة فاستوقفه.
وأسريب رسول الله صل الله عليه وسلم إلى بيت المقدس والسماوات قبل هجرته بسنة فأصبح وقص ذلك على قريش وذكر لهم المعراج فازداد المشركون تكذيباً.
وروي أنه لما صارت المدينة دار هجرة وأسلم الأنصار خافت قريش أن ينصروا رسول الله صل الله عليه وسلم فاجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا في أمره وسمي ذلك اليوم لكثرة زحامهم فيه يوم الزحمة وكانت عادتهم إذا اجتمعوا للمشاورة لا يدخل عليهم أحد من غيرهم فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أين جئت؟ قال: شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم لأنكم أحداث وأنا شيخ رأيت الأمور وجربتها فنظرت في رأيكم فقالوا: ادخل فدخل إبليس لعنة الله عليهم فقال الحارث بن هشام احبسوه في بيت وسدوا بابه وطينوه واتركوه فيه وابعثوا إليه [163/ب] كل يوم رغيفاً وكوز ماء تتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة فقال إبليس لعنه الله: ليس هذا برأي لأن بني هاشم تخرجه من البيت وتسرحه من أيديكم، وقال أبو البحتري بن هشام: من شأنكم أن تأخذوا جملاً هائجاً وتشدوه عليه ثم تخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما قال فقال إبليس لعنه الله: ما هذا برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه والله إن فعلتم ذلك ليستجمعن عليكم خلقاً ثم ليأتينكم فقال أبو جهل: من شانكم أن تأخذوا من أربعين قبيلة من كل قبيلة غلاماً شاباً ثم تعطون كل غلام سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ثم إن بني هاشم قبيلة واحدة وقريش أربعون قبيلة ولا يمكنهم أن يطلبوا القصاص في أربعين قبيلة ثم نعطيهم الدية حتى تنجوا.
فقال عدو الله إبليس لعنه الله: هذا هو الرأي فتفرقوا وهم مجتمعون على ذلك فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صل الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأخبره بمكر القوم فلم يبت في بيته وأذن الله تعالى له في الخروج إلى المدينة وأنزل بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: 30] أي ليحسبوك سجناً أو يقتلوك جميعاً أو يخرجوك طرداً مشدوداً [164/أ] على الإبل ويمكرون ويريدون هلاكك يا محمد، ويمكر الله أي: يقتلهم يوم بدر والله خير الماكرين.
والمكر من الله بمعنى؟ ثم أعلم أبا بكر بالهجرة وخرج إلى الغار معه، وروي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يمشي ساعة بين يدي رسول الله صل الله عليه وسلم وساعة خلفه

الجزء: 13 - الصفحة: 177

حتى فطن له رسول الله صل الله عليه وسلم فقال له: "يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي "فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال: نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحر فقال: يا رسول الله حتى استبرئ الجحر فدخل فاستبرأه ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل قال عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لتلك الليلة من أبي بكر خير من آل عمر ثم لما دخلا الغار أرسل الله تعالى زوجي حمام حتى باضا في أسفل النقب وأرسل العنكبوت حتى نسج بيتاً ثم لما انتهى بعضهم إلى الغار ورأى بيض الحمام وبيت العنكبوت [164/ب] قال: لو دخلاه لتكسر البيض وتفسخ بيت العنبكوت فانصرف.
وكان عبد الله بن أبي بكر يختلف إليهما فلما أراد رسول الله صل الله عليه وسلم الخروج منها إلى المدينة جاءهم بناقتين فانطلقوا وكانوا أربعة نفر النبي صل الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الليثي فمكث في الغار ثلاثة أيام وهو نقب في جبل في مكة يقال له: ثور ثم قدموا المدينة في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ونزل بقباء وبني مسجد قباء وخرج يوم الجمعة متوجهاً إلى المدينة فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم فصلى بهم صلاة الجمعة وهي أول جمعة صلاها رسول الله صل الله عليه وسلم فلما دخل المدينة أرخى زمام ناقته فجعل لا يمر بدارٍ إلا سأله أهلها النزول عليهم وهو يقول: "خلوا زمامها فإنها مأمورة "حتى انتهى إلى موضع المسجد اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد ليتيمين من الأنصار سهل وسهيل ابني عمرو فنزل عنها فاحتمل أبو أيوب الأنصاري رحله فوضعه في بيته فنزل عليه، وقال: المرء مع رحله، وقال للأنصار: ثامنوني بهذا المربد فقالوا: لا نأخذ له ثمناً فبناه رسول الله صل الله عليه وسلم بنفسه [165/أ] وأصحابه مسجداً وأقام عند أبي أيوب حتى فرغ من بنائه.
ثم هاجر علي رضي الله عنه بعد رسول الله صل الله عليه وسلم بثلاثة أيام ثم لما استقرت برسول الله صل الله عليه وسلم دار هجرته ونزل المهاجرون على الأنصار آخى رسول الله صل الله عليه وسلم بين أصحابه ليزدهم ألفة وتناصرا.
ثم وادع من حوله من اليهود لأنهم كانوا أهل كتاب يرجو منهم أن يؤدوا الأمانة بإظهار نبوته فخانوا وجحدوا الصفة التي في كتابهم وظهر المنافقون بالمدينة يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر ويوافقون اليهود في السر على التكذيب وكان النفاق في الشيوخ ولم يكن في الأحداث إلا واحد وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول فسار فيهم رسول الله صل الله عليه وسلم بقول الظاهر من إسلامهم وقصدته اليهود بالمكر بقصد الاختلاف بين الأوس والخزرج حتى ينتقض أمره.
فأصلح رسول الله صل الله عليه وسلم بينهم وقطع اختلافهم وعادت ألفتهم ومع ذلك يدعو إلى الإسلام حتى أمر بالقتال فكان أول لواء عقده في سنة مقدمه لحمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلاً من المهاجرين في شهر رمضان [165/ب] بعد سبعة أشهر من هجرته ليعترض عيراً لقريش فيها أبو جهل في

الجزء: 13 - الصفحة: 178

ثلاثمائة رجل فبلغوا سيف البحر واصطفوا للقنال حتى افترقوا بقول مجدي بن عمرو الجهني، وعاد حمزة ثم كانت سرية عبيد بن الحارث على ستين رجلاً من المهاجرين ثم هكذا غلى أن اتصل القتال.
وفي السنة الثانية فرض صيام شهر رمضان وفرضت زكاة الفطر وخطب رسول الله صل الله عليه وسلم بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين وفيها خرج رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المصلى بالناس صلاة العيد وهو أول عيد صلى فيه وفيها غزا غزوة بدر الكبرى في يوم السبت الثاني عشر من شهر رمضان بعد تسعة عشر شهراً من هجرته وفيها صلى صلاة عيد الضحى وضحى بشاةٍ وضحى معه ذوو اليسار.
ثم تتابع الغزوات والفتوح إلى فتح مكة، واختلف العلماء في مكة هل فتحها عنوة أو صلحاً فعندنا أنه فتحها صلحاً وعند أبي حنيفة أنه فتحها عنوة، وقال صاحب "الحاوي ": والذي عندي على ما يقتضيه نقل سيرته أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة لأنه قوتل فقاتل وقتل وأعلا مكة دخله الزبير بن العوام صلحاً لأنهم [166/أ] كفوا وألزموا شرط أبي سفيان فكف عنهم الزبير فلم يقتل أحداً، فلما دخل رسول الله صل الله عليه وسلم واستقر بمكة التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل فلذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة فدخل عليهما علي رضي الله عنه ليقتلهما فمنعته وأتت رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "ولو كان الأمان عاماً لم يحتاجا إلى ذلك ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.
ثم بعث رسول الله صل الله عليه وسلم علياً إلى اليمين في شهر رمضان في ثلاثمائة فارس فكانت أول خيل دخلت تلك البلاد فناوشه من أوائلهم قوم فقتل منهم وسبا وغنم ثم تسارعوا إلى الإسلام طوعاً وأسلمت همذان كلها في يوم واحد فلما بلغ رسول الله صل الله عليه وسلم خر ساجداً فقال: "السلام على همدان "وتتابع أهل اليمن في الإسلام وقدم وفد العرب قبيلة قبيلة وأسلموا.
ثم حج رسول الله صل الله عليه وسلم حجة الوداع سميت به لأنه لم يعد بعدها إلى مكة وسميت حجة البلاغ لأنه بلغ أمته فيها ما تضمنت خطبته وسميت حجة التمام لأنه بين تمامها وأراهم مناسكها وسميت [166/ب] حجة الإسلام.
وقال أصحاب التواريخ: ولد رسول الله صل الله عليه وسلم عام الفيل وربي في بني سعد ومات أبوه وكان ابن شهرين فمكث بها النبي صل الله عليه وسلم خمس سنين فكفله عبد المطلب، ثم مات عبد المطلب وهو ابن ثماني سنين، فكفله أبو طالب وذهب به إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وخرج إلى الشام بأمر خديجة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وشهرين وصارت قريش إلى قوله ورضوا بحكمه عند الكعبة وهو ابن خمس وثلاثين سنة وبعث وهو ابن أربعين سنة وولدت فاطمة وهو ابن إحدى وأربعين سنة ومات أبو طالب وهو ابن سبعة وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً، وماتت خديجة بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام وخرج النبي صل الله عليه وسلم إلى الطائف مع زيد بن حارثة بعد موت خديجة بثلاثة

الجزء: 13 - الصفحة: 179

أشهر وأقام بها شهراً فلما تم له خمسون سنة رجع إلى مكة في جوار مطعم ابن عدي، ولما أسري به إلى السماء كان ابن أحد وخمسين سنة وتسعة أشهر فلما بلغ ثلاثاً وخمسين سنة هاجر إلى المدينة وبني بعائشة رضي الله عنها في السنة الأولى من الهجرة، وزوج فاطمة من علي في السنة الثانية وحج أبو بكر بالناس وقرأ علي سورة براءة [167/أ] على المشركين في السنة التاسعة ثم حج حجة الوداع في السنة العاشرة ونزل عليه قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3] يوم عرفة في حجة الوداع فلما رجع إلى المدينة نزل قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] الآية وهي آخر ما نزل من القرآن، وعاش صل الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية سبع ليال ومات في غرة ربيع الأول يوم الاثنين.
وروي أنه كان مدة مرضه ثلاثة وعشرين يوماً ولما مات يوم الاثنين ترك مسجى ولم يدفن في بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ودفن في آخره، وقيل: انتظروا لأن بعضهم كانوا يشكون في موته ويقولون: لعله يخرج بروحه.
وكان عدد ما صلى أبو بكر الصديق في آخر حياته صل الله عليه وسلم سبع عشرة صلاة وعن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "لم يقبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته "فصلى خلف أبي بكر ذلك اليوم ومات في بقية يومه، وروي أن الناس قالوا: وددنا أن لو متنا قبله فقال معن بن عدي: والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما صدقته حياً.
ونزل قبره أربعة اثنان متفق عليهما وهما علي والفضل ابن العباس واثنان مختلف فيهما فروي أنهما العباس وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: قثم بن العباس وأسامة بن زيد، وجعل بين قبره وبين حائط القبلة نحو من سوط [167/ب] ثم اجتمع الصحابة وبايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة رضي الله عنه.
ثم الكلام الآن في وجوب الهجرة وفيها فصلان: أحدهما: حكمها في زمان الرسول صل الله عليه وسلم، والثاني: حكمها بعده فأما في زمانه فهما حالتان قبل الهجرة إلى المدينة وبعد هجرته إليها فأما قبل هجرته فكانت مختصة بالإباحة دون الوجوب لأنها هجرة عن الرسول صل الله عليه وسلم وقد كان المسلمون حين اشتد بهم الأذى قالوا: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمة أهلها فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ [النساء: 100] والمراغم التحول من أرض إلى أرض وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل:41] يعني ظلم أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني نزول المدينة والنصر على عدوها وأما حكمها بعد هجرة الرسول صل الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مختصة بالوجوب وكانت هجرة من أسلم بمكة قبل الفتح إليه وهم فيها ثلاثة أقسام: أحدها: من كان منهم في منعة بمال وعشيرة لا يخاف على نفسه ولا على دينه فمثله كان مأموراً بالهجرة ندباً لا حتماً، وقال الله

الجزء: 13 - الصفحة: 180

تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] الآية.
والثاني: من خاف على دينه أو نفسه وهو قادر على الخروج بأهله وماله فهذا كانت هجرة واجبة عليه وهو عارض بالتأخير [168/أ] قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] الآية، الثالث: من خاف على نفسه أو دينه وهو غير قادر على الخروج لضعف حالٍ أو عجز بدنٍ فهو بترك الهجرة معذور قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] أي: بالخلاص من مكة ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: في الهجرة إلى المدينة فيُظهر الكفر ضرورةً ويبطن الإسلام كما كان عمار رضي الله عنه.
وأما الهجرة في زماننا فتختص بمن أسلم في دار الحرب ويهاجر منها إلى دار الإسلام، ولا تختص بدار الإمام وحاله فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: أحدهما: أن يقدر على الامتناع في دار الحرب بالاعتزال ويقدر على الدعاء والقتال فهذا يجب أن يقيم هناك لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع.
والثاني: أن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال فيجب عليه أن يقيم هناك أيضًا ولا يهاجر لأن داره صارت باعتزاله دار الإسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب ولا يجب عليه الدعاء والقتال لعجزه عنهما.
والثالث: أن يقدر على الامتناع ولا يقدر على الاعتزال ولا على الدعاء والقتال يجب عليه المقام ولا يجب عليه الهجرة لأنه يقدر على الامتناع وله ثلاثة أحوال فإن كان يرجو ظهور الإسلام بإقامته فالأولى به أن يقيم، وإن تساوت حاله في المقام والهجرة [168/ب] فهو بالخيار بين المقام والهجرة، والرابع: أن لا يقدر على الامتناع ويقدر على الهجرة فواجب عليه أن يهاجر ويعصي إن لم يهاجر وفي مثله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا برئ من كل مسلم مع مشرك)) قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: ((لا يترأى نارهما)) معناه لا يتفق رأياهما فعبر عن الرأي بالنار لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تستضيئوا بنار أهل الشرك)) أي لا تقتدوا بآرائهم، وقيل: معناه لا يستوي حكماهما، وقيل: معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر فلا يجوز لمسلم أن يساكن المفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها، وقال بعض أهل اللغة: معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله والعرب تقول: ما نار بعيرك أي: سمته.
الخامس: أن لا يقدر على الامتناع ويضعف عن الهجرة فتسقط عنه الهجرة لضعفه ويجوز أن يدفع عن نفسه بإظهار الكفر مع اعتقاد الإسلام.
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أحوال فأول أحواله أنه كان مدة

الجزء: 13 - الصفحة: 181

مقامه بمكة منهيًا عن القتال مأمورٍا بالصفح والإعراض قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾] الحجر: 94] أي: أظهر الإنذار بالوحي وأعرض عن المشركين أي: عن قتالهم وإسرائهم، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾] النحل: 125] أي دين ربك وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾] 169/أ] أي: بالقرآن ولين من القول ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بالرشاد على قدر ما يحتملون، وروي عن ابن عمر رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرنا معاشر الأنبياء لأن نكلم الناس على قدر عقولهم)).
ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فصارت دار الإسلام فأذن الله تعالى أن يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾] البقرة: 190] ثم ازدادت قوة الإسلام فأذن فيها بقتال من رأى إذنًا خيره فيه ولم يفرضه عليه فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾] الحج: 39] ولم يقطع بنصرهم بل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39] لأنه لم يفرض عليهم ولما فرض الجهاد قطع بنصرهم فقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾] الحج: 40] وغزا بدرًا وهو في الجهاد مخير ولهذا خرج بعض أصحابه ثم قوي أمره بنصرة بدر ففرض الله الجهاد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73].
وجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بالوعظ إن كتموا وبالسيف إن أعلنوا وقوله ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تقبل عليهم عذرًا، وقال تعالى للكافة ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي: الصبر على الشهادة وطلب النكاية في العدو دون الغنيمة ثم بين تعالى فرضه عليهم فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾] البقرة: 216] أي: فرض وهو مكروه في أنفسكم [169/ب] وشاق على أبدانكم فإذا ثبت هذا فقد كان في ابتداء فرضه مخصوص الزمان والمكان والزمان ما عدا الأشهر الحرم والمكان ما عدا الحرم على ما ذكرنا ثم أباح فيها قتال من قاتل فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾] البقرة: 194] فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ففي إشهار الحرمات قصاص ثم أباح الله تعالى فيها قتال من قاتل ومن لم يقاتل فقال:} يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}] البقرة: 217] الآية فأعلمهم أن حرمة الدين أعظم من حرمة الشهر الحرام ومعصية الكفر أعظم من معصية القتال فصار لتحريم القتال في الأشهر الحرم ثلاثة أحوال تحريمه فيها لمن قاتل ومن لم يقاتل، ثم الإباحة لقتال من قاتل ومن لم يقاتل، وقال عطاء: هذه الحالة الثالثة غير مباحة ولا يستباح إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لقوله تعالى في تعليل الإباحة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ {ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة، وأما في الحرم كان القتال حراماً على العموم لقوله تعالى:﴾ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران: 97] ثم أباح قتال من قاتل خاصةً فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191] ثم أباح قتال الكل بقوله

الجزء: 13 - الصفحة: 182

تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] وبقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾] التوبة: 5] وللحرم هذه الأحوال الثلاثة، وقال مجاهد: هذه الحالة [170/أ] الثالثة غير مباحة ولا يباح فيه إلا قتال من قاتل وهذا خطأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل مكة عام الفتح مبتدئًا ولأنه يقاتل فيه أهل المعاصي فكان تطهير الحرم منهم أولى.
واختلف أصحابنا: هل كان الجهاد فرضًا على الأعيان ثم انتقل إلى الكفاية أو لم يزل على الكفاية؟ على ما ذكرنا، واختار ابن أبي هريرة أنه كان على الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قيل: أراد شبانًا وشيوخًا، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: ركبانًا ومشاةً، وقيل: نشاطًا وكسالى وقال: خفافًا إلى الطاعة وثقالً إلى المخالفة، وقيل: خفافًا إلى المبارزة وثقالًا إلى المصابرة ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: 41] أي بالإنفاق على النفس بالزاد والراحلة، وقيب: أن يبذل المال لمن يجاهد إن عجز عن الجهاد بنفسه ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾] التوبة: 118] يعني تاب عليهم حين تخلفوا في غزوة تبوك ثم ندموا وتابوا وكان خرج في هذا الغزوة ثلاثون ألفًا.
وقال سائر أصحابنا: على الكفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] الآية وقال تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾] النساء: 71] أي: انفروا فرادى وعصبًا أو انفروا بأجمعكم فخيًّرهم بين الأمرين وإنما تعين على الثلاثة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم بأعيانهم فتعين عليهم، وقال صاحب ((الحاوي)): [170/ب] الصحيح عندي أن مبدأ فرضه كان على الأعيان في المهاجرين وعلى الكفاية في غيرهم لأن المهاجرين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرته فتعين عليهم ولهذا كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدرٍ بالمهاجرين خاصة وما جاهد غير الأنصار قبل بدر ولهذا سمي أهل الفيء من المقاتلة مهاجرين وجعل فرض العطاء فيهم وسمى غيرهم وإن جاهدوا أعرابًا، وقد استقر فرضه الآن على الكفاية.
فالذي يلزم في فرض الجهاد شيئان: أحدهما: كف العدو عن بلاد الإسلام لينتشر المسلمون فيها آمنين على أنفسهم وأموالهم، فإن أطل العدو عليهم تعين فرض الجهاد على من أطاقه وقدر عليه ممن فيها وكان فرضه على غيرهم باقيًا على الكفاية.
والثاني: أن يطلب المسلمون بلاد المشركين ليقاتلوهم على الدين حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية لأن الله تعالى فرض الجهاد لنصرة دينه فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّه﴾ [البقرة: 193] فهذا ما لا يُعين ولا يكون إلا على الكفاية.
واعلم أنه يلزم على الإمام والمسلمين أن يجمعوا بينهم فيذبوا عن بلاد الإسلام ويقاتلوا على بلاد الشرك ولا يجوز لهم أن يقتصروا في الجهاد على أحد هذين الأمرين فإن اقتصروا

الجزء: 13 - الصفحة: 183

حرجوا لاختلالهم فرضه على الكفاية، والثاني: أن تكون ثغور المسلمين [171/أ] مشحونة بالمقاتلة الذين يذبون عنها ويقاتلون من يتصل بها فيسقط فرض الجهاد عمن خلفهم فإن ضعفوا وجب على من ورائهم أن يمدوهم بمن يتقوون به على قتال عدوهم ويصير جميع من تخلف عنهم داخلًا في فرض الكفاية حتى يمدوهم بأهل الكفاية.
وفي تسميته جهادًا تأويلان أحدهما: لأنه يجهد في قهر عدوه، والثاني: لأنه يبذل في جهد نفسه.
وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض غزواته قال: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) يعني جهاد النفس.
ويتوجه فرض الكفاية على من لا يحسن القتال فيكثّر ويهيّب أو يحفظ رجال المحاربين.
مسألة: قال: ودلَّ كتابُ اللهٍ تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنهُ لمْ يفرض الجهادُ على مملوكٍ.
الفصل الكلام في هذا في بيان من هو من أهل فرض الجهاد ومن ليس من أهله؟ وجملته أن الجهاد لا يجب إلا على حرٍّ ذكرٍ بالغٍ عاقلٍ وهذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾] التوبة: 41] والمملوك لا مال له وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾] التوبة: 91] وروي أنه كان إذا أسلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ يقول: ((أحرٌّ أم مملوك))؟ [171/ب] فإن كان حرًا بايعه على الإسلام والجهاد، وإن كان مملوكًا بايعه على الإسلام.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النساء هل عليهن جهاد؟ فقال: ((نعم جهادٌ لا قتال فيه الحج والعمرة)) واحتج الشافعي فيهن بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾] الأنفال: 65] قال: دلت هذه الآية على أنهم الذكور، واختلف أصحابنا في الخطاب الوارد بلفظ الذكور هل تحته النساء؟ وظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع يدل على أن ظاهر الصيغة للرجال وإنما يحمل على النساء بقرينة لأنه تمسك بقوله تعالى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وادعى أن الصيغة للذكور على التخصيص، وأخرج أيضًا فيهن وفي العبيد بأنهم لو حضروا القتال لأسهم لهم وقد حضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزو فرضخ لهم ولم يسهم وأما الدليل في الصبي خبر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة الخبر وقد ذكرنا ذلك قال الشافعي: وسواء كان جسيمًا سديدًا أو مقاربًا لخمس عشرة سنة ليس بينه وبين استكمالها إلا يوم أو ضعيفًا وؤذنًا بينه وبين استكماله سنة أو سنتين.

الجزء: 13 - الصفحة: 184

فرع لا يجب الجهاد على خنثى مشكل [172/أ] وإن بلغ لأنه لا يتيقن فيه الذكورة.
فرع آخر من لا جهاد عليه من العبيد والنساء والولدان يجوز للإمام أن يأذن لهم في حضور الوقعة لأن فيهم معونة لإصلاح الطعام وتعليل المرضى ومداواة الجرحى وترضخ لهم من الغنيمة، ولا يجوز أن يأذن للمجانين في ذلك لأنه لا منعة فيهم وهم طعمة لأهل الحرب وعند مالك لا سهم للنساء ولا يرضخن بشيء، وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان يغزو بأم سلمة ونسوة من الأنصار فيسقين الماء ويداوين الجرحى)).
فإن قيل: روي أن نسوة خرجن فأمر بردهن قيل: لعله لم ير القوة في المسلمين فخاف عليهن فردهن أو كن شابات ذوات جمالٍ فخاف فتنتهن.

باب من له عذر بالضعف والضرر والزمانة

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾] التوبة: 91] الآية ذكر الشافعي رضي الله عنه آيتين: إحداهما: هذه.
والثانية: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: 61] الآية فقيل: هذه الآية وردت في الجهاد دون غيره من الفرائض والأحكام، وقيل: إن ذلك في الجهاد وفي المواكلة فإنهما كانا [172/ ب] يحضران للضيافة خوفًا أن يأخذ الأعمى ما بين يدي صاحبه، وروي أن أعرابيًا واكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ((كل مما يليك ولا تأكل من ذروة الطعام فإن البركة تنزل في أعلاه)) ثم أتى بالرطب فقال: ((كل من حيث شئت فإنه غير لونٍ)) وكان الأعرج يقول: آخذ مكان اثنتين فيؤذي جليسي وكان المريض يتحرج عن الحضور مخافة أن يُعاف.
والجهاد أشبه به، وقيل: قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾] النور: 61] نزل في موضعين في سورة الفتح وهو في القتال وفي سورة النور وهو في رفع الجناح في المواكلة فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي رضي الله عنه في الباب الأول من لا جهاد عليه لنقصه، وذكر هنا من لا جهاد عليه لضعفه ونقصان حاله فلا جهاد على الأعمى للآية ولأن القصد منه القتال ولا يتأتى منه ذلك كاملاً.
وأما الأعور فيلزمه فرض الجهاد لأنه كالصحيح في تمكنه من القتال، وكذلك الأعشى الذي يبصر بالنهار دون الليل ولو كان ضعيف البصر يرى الأشخاص، وإن لم يعرف صورها ويمكنه أن يتقي أخفى السلاح وهي السهام لزمه الجهاد، وإن كان بخلاف هذا لا يلزمه الجهاد ويلزم الأصم لأن معتبر البصر دون السمع، وأما الأعرج فضربان مقعد لا يطيق المشي ولا الركوب فلا يلزمه الجهاد [173/أ] لما ذكرنا، وإن لم يكن مقعداً ولكنه بيّن العرج لا يلزمه ذلك أيضًا والمراد بالأعرج في الآية الأعرج بالرجل الواحدة وعند أبي حنيفة المراد به المقعد ويلزم الجهاد على غيره، وإن كان عرجًا خفيًا يطيق معه العدو والقتال يلزمه ذلك ولو كان يقدر على الركوب والمشي

الجزء: 13 - الصفحة: 185

ويضعف على السعي يلزمه أيضًا ذكره في ((الحاوي))، وإن كان بين العرج إلا أن له دوابا وهو يحسن أن يقاتل راكبًا لا يلزمه ذلك لأنه ربما يعقر به أو تهلك دابته فيحتاج إلى الفرار أو إلى القتال راجلًا فيهلك.
ولا يلزم الأقطع والأشل لأنه يقاتل باليمنى ويتقي باليسرى فإن ذهب شيء من أصابع يده أو رجله فإن بقي أكثر بطشه يلزمه وإلا فلا يلزمه، وأما المريض فعلى ضربين: مريض خفيف المرض، ومريض ثقيل المرض، فالخفيف مثل الصداع ووجع السن ونحو ذلك لا يسقط فرض الجهاد، وأما الثقيل فيسقط فرض الجهاد لأنه لا يمكنه مع ذلك البطش والقتال، وأما المعسر ينظر فإن كان الجهاد على مسافة لا يقتصر إليها الصلاة لم يعتبر وجود الراحلة ويعتبر وجود الزاد كما قلنا في الحج وإن كان على مسافة تقصر إليها الصلاة فلا يجب الجهاد إلا بوجود الزاد والراحلة ووجود الزاد لنفسه ولمن تلزمه نفقته في قدر ما يرى أنه يلبث في غزوه ويعتبر وجود السلاح الذي يقاتل به مع ذلك فإن لم يجد شيئًا منه لا يلزمه [173/ب] الجهاد نص عليه قال: وإن لم يجد ما يدع لمن يلزمه قبوله ولزمه الفرض لأن له في بيت المال حقًا وإن بذله غير الإمام من ماله لم يلزمه قبوله للمنة، وقد قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يندب هؤلاء الذين ذكرنا من النساء والعبيد والأعرج والمريض والأعمى إلى الجهاد إلا أن يحضرهم العدو فيجب عليهم حينئذ أن يتحركوا على أنفسهم ويدفعوا ذلك.
فرع لو كان في طريقه عدو ولا يمكنه مجاوزته إلا بالقتال يلزمه الخروج بخلاف الحج لأنه يخرج إلى القتال مع المخاطرة بالروح فلا يجوز التخلف بهذا العذر بخلاف الحج.
مسألة: قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين.
الدين ضربان: حالٌّ ومؤجّلٌ فإن كان حالًا لم يكن عليه أن يجاهد بغير إذن صاحبه لما روى أبو قتادة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ((أرأيت لو انغمست في العدو فقُتلت إلى الجنة؟ فقال: نعم إلا الدين))، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرض الناس في بعض الغزوات على القتال فقال رجل يقال له عمير: بخ بخ ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال: لا يقصد أن ينغمس في العدو فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا جبريل عليه السلام يقول: إلا أن يكون عليك دين" وروى عبد الله [174/أ] بن عمرو

الجزء: 13 - الصفحة: 186

رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين)) قال: وسواء كان الدين لمسلم أو لكافر ولأنه ينقطع به الكسب ويتعرض للشهادة فيمنع به.
وإن كان موسرًا أو استناب في قضاء دينه والمال حاضر لا يحتاج إلى إذنه لأنه كالمؤدي، وإن كان المال غائبًا لا يخرج إلا بإذنه لجواز أن يتلف المال قبل قضاء دينه.
وإن كان الدين مؤجلًا فقد ذكرنا وجهين، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذ لم يكن له وفاء فإن خلف وفاءً فهل له الغزو دون إذنه؟ فيه وجهان والصحيح أن ليس له ذلك لأنه يقتل ويتلف ماله الذي خلفه فيضيع حقه.
قال: ولو كان على المرتزقة دين مؤجل فهل له منعه إذا لم يكن له وفاء؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له لأنه ربما لا يمكنه قضاء الدين إلا من الرزق فيستفيد ذلك، ولو جاهد بإذن صاحب الدين لم يتعرض للشهادة ولم يتقدم أمام الصف ووقف في وسطها أو حواشيها ليحفظ الدين بحفظ نفسه ذكره في ((الحاوي)).
مسألة: قال: وبإذن أبويه.
الفصل إذا أراد أن يجاهد وله أبوان مسلمان لم يكن له ذلك بغير إذنهما ولهما منعه لما روى علد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: [174/ب] أحيٌّ والداك؟ فقال: نعم فقال صلى الله عليه وسلم: ففيهما فجاهد وروى أيضًا قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أوي يبكيان فقال: فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)) وروي أنه قال: ((فأرجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما))، وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله أبايعك على الجهاد فقال هل لك من بعل؟ قال: نعم قال: فانطلق فجاهد فإن لك فيه مجاهدًا حسنًا وأراد بالبعل من يلزمه طاعته من والدٍ أو والدة مأخوذ من قولهم: تبعَّل الدار أي: ملكها ومنه سمي الزوج بعلًا.
وقال رجل لابن عباس: إني نذرت أن أغزو الروم وإن أبوي يمنعاني فقال: أطع أبويك فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك)).
فرع لو أذن له أبوه دون أمه والأم دون الأب يغلب حكم المنع ولا يخرج.

الجزء: 13 - الصفحة: 187

فرع آخر لو كان له جد أو جدة فإن كان الأبوان معدومين قاما مقام الأبوين في وجوب استئذانهما، وإن كان الأبوان باقيين ففي وجوب استئذانهما وجهان: أحدهما: لا يجب لحجبهما عن الولاية والحضانة بالأبوين.
والثاني: يجب للشفقة وهو الأظهر.
فرع آخر لو كان الأبوان مملوكين لم يلزم استئذانهما لأنهما لا إذن لهما في أنفسهما، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: عندي لا يجوز [175/أ] إلا بإذنهما لأن المملوك كالحر في البرّ والشفقة.
فرع آخر لو كان الولد مملوكًا وله أبوان حران فأذن السيد دون الأبوين كان إذن السيد مغلبًا لأنه أحق بالتصرف فيه منهما.
فرع آخر لو كان بعض الولد حرًا لزم استئذان الأبوين بما فيه من الحرية واستئذان السيد بما فيه من الرق.
فرع آخر لو تعين الجهاد بأن أحاط العدو بالبلد ليس لأحد منعه لا الأبوان، ولا صاحب الدين فإن منعوا لم يلتفت إلى ذلك وله الخروج إلى الجهاد.
فرع آخر لو أراد سفر التجارة ولا يجب عليه نفقتهما لا يلزمه استئذانهما لأن المقصود بالجهاد التعرض للشهادة، وبالتجارة طلب السلامة والفائدة، وإن كان عليه النفقة يكون كصاحب الدين مع من عليه.
فرع آخر لو خرج لطلب العلم يستحب له أن يستأذن أبويه، ويستحب له أيضًا في سفر التجارة فإن منعاه لم تحرم عليه مخالفتهما لما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان مما يحتاج إليه بنفسه من غير علم الطهارة والصلاة والزكاة ولا يجد ببلده من يعلمه أو لا يحتاج لنفسه كالعلم بالنكاح ولا زوجة له ونحو ذلك، وليس في بلده من يعلم ذلك فإن كان في بلده من يعلمه أو يعلّمه ما يحتاج إليه أو خرج واحداً لطلب العلم هل له أن يخرج من غير الأبوين؟ فيه وجهان [175/ب] أحدهما: ليس له لأنه لم يفترض عليه ذلك.
والثاني: له ذلك لأنه طاعة ونصرة للدين ولا يخاف منه الهلاك وهذا خلاف النص والمذهب المشهور على ما ذكرنا.

الجزء: 13 - الصفحة: 188

فرع آخر قال: ولو كانا كافرين فله الجهاد، وإن كانا كارهين لأنه يجاهد أهل دينهما فلا طاعة لهما عليه ومعنى هذا أنهما متهمان في المنع ولا يحمل منعهما إياه من الغزو على الشفقة والحذر عليه وإنما يحمل على المنع من قتال أهل دينهما فإنهما يكرهان ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15] فكما لا يطعهما في الشرك فكذلك لا يطيعهما في ترك قتال المشركين، ولأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول كان رأس المنافقين وكان يحذل الناس يوم أحد ويقول: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا وابنه عبد الله كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع بقوله وغزا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبوه مقدم المشركين.
مسألة: قال: ومن غزا ممن له عذرٌ أو حدث له بعد الخروج عذر كان له الرجوع ما لم يلتق الزحفان.
الفصل جملته أن العذر ضربان لحق غيره كالدين وحق الأبوين وحق من يلزمه نفقته، فإن خرج من غير إذن من له هذا الحق فقد عصى [176/أ] ولزمه الرجوع من السفر لأنه سفر معصية ويجبره السلطان عليه.
وضربٌ لحق نفسه مثل أن يكون مريضًا أو أعرج أو فقيرًا فإنه إذ خرج بالخيار فإن شاء مضى في وجهه، وإن شاء رجع ولا يعارضه السلطان ولا فرق بين أن يكون العذر موجودًا قبل الخروج أو حادثًا بعد الخروج مثل أن يمرض أو يعرج أو يفتقر في الطريق بأن يتلف مركوبه أو تذهب نفقته أو يستدين أو يسلم أبواه أو أحدهما فإنه بمنزلة ما لو كان موجودًا قبل خروجه وكذلك إذا أذن له من له الحق ثم رجع عن الإذن كان له ذلك وعليه أن يرجع من السفر.
قال الشافعي: ما لم يلتق الزحفان أو يكون في موضع كافٍ إن رجع يتلف، فأما إذا كان يخاف على نفسه في الرجوع وانفصاله من الجيش أو يخاف على ماله لا يجب عليه الرجوع، وإن التقى الزحفان فهل يجب عليه الرجوع؟ نُظر فإن كان معذورًا لمعنى في نفسه من زمانةٍ أو عرجٍ أو مرضٍ أو فقرٍ لزمه الثبوت حتى يفترق الزحفان ولا يرجع، نص عليه وهذا اختيار صاحب ((التقريب))، وقال أبو حامد: له الانصراف لأنه لا يمكنه القتال كما لو مريضًا في الابتلاء، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان.
وإن كان معذورًا لحق غيره، والظاهر من المذهب أنه يلزمه الثبوت ولا يجوز الرجوع لئلا يؤدي إلى أكثر [176/ب] المسلمين وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] الآية، وقال القاضي أبو حامد: فيه وجهان، وقال الشيخ أبو

الجزء: 13 - الصفحة: 189

حامد: فيه قولان أحدهما: ما ذكرنا قياسًا على عذره في حق نفسه، والثاني: يلزمه الرجوع لأن الثبات فرض وحق الغريم حقٌّ وهما متعينان فقدم الأسبق وهو حق الغريم ثم قال في ((الحاوي)): إذا التقى الزحفان فإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع، وإن كان مقامه أصلح لاضطراب المجاهدين برجوعه لا يرجع، وإن تساوى مقامه ورجوعه فإن كان عذره حادثًا له أن يرجع به سواء كان في حق نفسه أو في حق غيره لأنه قد خرج به من فرض الجهاد، وإن كان عذره متقدمًا فإن كان في حق نفسه يمنع من الرجوع التوجه الفرض عليه بالحضور، وإن كان عذره في حق غيره ففي رجوعه وجهان على ما ذكره القاضي أبو حامد.
فرع كل موضع قلنا عليه أن يرجع لحق صاحب الدين أو الأبوين أو لحق من يلزمه نفقته أو قلنا: له أن يرجع لمرض لم يكن للسلطان منعه وكان عليه تحليته.
قال الشافعي: إلا أن يكون أصاب ذلك جماعة وكان يخاف على المسلمين من رجوعهم الخلوة فيكون له حبسهم.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: ولو غزا مع السلطان بعد ثم رده الأبوان أو الغريم كان للسلطان منعه من الرجوع [177/أ] وإن حدث له عذر من مرض أو زمانة أو عرج شديد لا يقدر على مشي الصحيح معه ليس له الرجوع في الجعل لأنه حق من حقوقه أخذه ويريد به سهم الغزاة ففرق الشافعي بين العذر بالمرض، وبين العذر بالأبوين في الحبس واسترجاع الجعل، وقال في ((الحاوي)): إذا كان مستعجلًا على غزوه من السلطان ووجد العذر فإن كان في حق غيره لم يرجع لأن الجعالة مشتركة بين حق الله تعالى وحق الآدمي فهي آكد مما انفرد بحق الآدمي، وإن كان العذر في نفسه فإن العذر في نفسه فإن كان العذر متقدمًا على الجعالة يمنع من الرجوع لأنه التزم مع عذره، وإن حدث العذر بعد الجعالة كحدوث الزمانة أو تلف النفقة يجوز له الرجوع ولا يمنعه السلطان ولا يسترجع منه ما أخذ، وإن كان بعد التقاء الزحفين يلزمه أن يقيم ولا يرجع إذا تساوى مقامه ورجوعه، وإن كان مقامه أصلح لا يرجع أيضًا، وإن كان رجوعه أصلح من مقامه رجع.
فرع آخر قال: وإن كان سليمًا صحيحًا فذهب ماله أو تلف مركوبه كان على السلطان أن يعطيه، فإن أعطاه كان له حبسه.

الجزء: 13 - الصفحة: 190

فرع آخر قال: وإذا غزا رجل فذهبت نفقته أو دابته ثم وجد نفقة أو أفاد دابة فإن كان كذلك ببلاد العدو لم يكن له الخروج وكان عليه الرجوع إلى المجاهدين [177/ب] إلا أن يخاف على نفسه في رجوع، وإن كان فارق بلاد العدو فالاختيار له العود إلا أن يخاف وهو بالخيار ففرق الشافعي في ذلك بين أن يكون في دار الحرب ومن خروجه منها نقله القاضي أبو حامد.
فرع آخر لو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه، فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود إلى الجهاد فإن عاد ولم يقبله كان مخيرا في العود.
فرع آخر قال: فإن كان قد غزا وله عذر، ثم ذهب العدو وصار ممن عليه فرض الجهاد لم يكن له الرجوع عن الغزو دون رجوع من غزا معه وهو مثل أن يكون أعمي فذهب العمى وصح بصره، أو صح إحدى عينيه فخرج من حد العمى، أو كان أعرج فانطلقت رجله بذهاب العرج أو كان مريضا فذهب المرض، أو كان ممن لا يجد ما ينفق فصار واجدا، أ، كان كافرا فأسلم قال: وكذلك حال من عليه جهاد فخرج ثم حدث له عذر في نفسه وماله ثم زالت تلك الحال عنه وعاد إلى أن يكون ممن فرض الجهاد عليه فقال في ((الحاوي)): إن كان قبل التقاء الزحفين فإن كان المشركون أظهر منع العود، وإن كان المسلمون أظهر يتخير، وإن التقي الزحفان تعين جهة المقام، وإن كان بعد في دار الإسلام يتخير.
فرع آخر لو حضر الصبي أو المرأة أو العبد القتال لا يتعين عليهم القتال بالتقاء الزحفين [178/أ] لأنهم ليسوا من أهل الفرض قبل الالتقاء إلا أن في رجوع العبد يخاف أن يظن العدو أنه حر رجع فيجترئ بذلك أو يظن المسلمون ذلك فتضعف قلوبهم فيستجب له أن لا يرجع.
فرع آخر لو جاهدهم ففني سلاحه له أن يرجع.
وقال بعض أصحابنا: إن أمكنه المقاتلة بالحجارة فعل ولا يرجع، والأول أصح لأنه يغني غناء بالسلاح.
مسألة: قال: ويتوفي في الحرب قتل أبيه.
قد ذكرنا هذه المسألة وقد منع النبي صلي الله عليه وسلم أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن، وروي أن عبد الرحمن لما أسلم قال لأبيه: تمكنت منك يوم أحد، ولو شئت لأصبتك فلم

الجزء: 13 - الصفحة: 191

أفعل، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لكني لو تمكنت منك لما أبقيت عليك.
فرع يكره في الحرب أن يعتمد قتل كل ذي رحم محرم وفيمن عداهم من بني الأعمام وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يكره، وقال غيره: لا يكره حتى يتراخي نسبهم ويبعد، وقال صاحب ((الحاوي)): عندي أنه ينظر فإن كانوا من يرث بنسبه ويورث كره له قتلهم لقوة النسب وتأكيدا لحرمة، وإن كان غير ذلك لا يكره.
فرع آخر لو عمد قتل أحدهم لا جناح عليه وينظر فإن كان لشدة عناده لله تعالى ولرسوله والتعرض بسبهما فليس بمسيء، وإن كان لغيره فقد أساء بدليل خبر أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه وحمل برأسه [178/ب] إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم على ما قدمنا بيانه.
مسألة: قال: ولا يجوز أن يغزو بجعل من مال رجل.
الفصل اعلم أنه لا تدخل النيابة في الجهاد بحال فلا يجوز أن يتطوع عن الغير به فإن فعل وقع عن نفسه، ولا يجوز أن يأخذ عليه أجره فإن فعل كانت الإجارة باطله، ويكون الجهاد عن نفسه ويلزمه رد الأجرة لأنه فرض على الكفاية فإذا حضر الوقعة تعين عليه فلم يجز أن يكون في فرضه المتعين نائبا عن غيره، وكذلك لا يجوز أن يكون قد جاهد عن نفسه مره أو لم يجاهد، لأنه إذا جاهد عن نفسه أعاد نفسه ثم عاد مرة أخري وحضر الوقعة تعين عليه ويصير دافعا كما تعين عليه في المرة الأولي ولهذا تفارق الحجة الثانية فإنها لا تجب عليه وإنما هي تطوع فكان له أن يحج عن غيره، فإن قيل: قال الشافعي رضي الله عنه: إنما أجرته من السلطان لأنه يغزو بشيء من حقه وهو جواب عن هذا السؤال، ومعناه أن الغازي إن كان من المرابطين فإن له حقا في الفئ وهو في أربعة أخماسه وخمس خمسه للمصالح وذلك من أهم المصالح، وإن كان من الذين يجاهدون إذا نشطوا فإن له سهما في الصدقات وهو السهم الذي جعله في سبيل الله تعالى، فإذا غزا بهذا المال فإنما يغزو عن نفسه بمال هو حقه ولهذا لو رجع عن الجهاد لمانع لم يسترجع منه ما أخذه لحقه فيه.
[179/أ].
فرع قال أصحابنا: لو بذل الإمام لرجل من خالص ماله على أن يغزو ويدله على شيء، نظر فإن كان البذل ليكون الغزو عن الباذل لم يجز على ما ذكرنا، وإن بذله على أن يكون الغزو للمبذول له جاز ويكون ذلك معونة على فعل الغزو وعن نفسه، وكذلك إذا بذل رجل لرجل مالا ليؤدي فرض نفسه في الحج وغيره جاز وكان له ثواب المال الذي

الجزء: 13 - الصفحة: 192

دفعه إليه وهو معني قوله صلي الله عليه وسلم: ((من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا فله مثل أجره)) وروي أنه قال: ((للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي)) وروي زيد بن خالد الجهني أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)).
مسألة: قال: ومن ظهر منه تخذيل للمؤمنين بأن يقول: عدوكم قليل وخيلكم التي أسراها الإمام فلم ينقلب منهم أحد والعدو شوكته عظيمة، وللعدو كمين عظيم أو الغدر والغدر أن يكون مواطئا للمشركين علي انتهاز فرص المسلمين والإشراف علي أحوالهم ويكاتبهم بها أو الإعانة عليهم لهم يمنعه الإمام من الخروج معه وفيه نزل قوله تعالي: ﴿ولَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً﴾ [التوبة: 46 - 47] الآية لأن المقصود قتال المشركين والظفر بهم وخروج هؤلاء يفيد ضد ذلك، فإن قيل: أليس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحمل مع نفسه عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وكان يخذل الناس عنه؟ قلنا: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمن شره فإنه كان يمزل عليه الوحي بما يفعله فيحذر ذلك ولا يوجد هذا في غيره.
فرع لو غزا معهم واحد منهم فقد ذكرنا أن الشافعي قال: لا يسهم له ولا يرضخ، وإن أظهر العون للمسلمين لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا، ومن أصحابنا من قال: يرضخ له وليس بشيء، فإن قيل: أليس لو غزا من غير إذن أبويه أو غريمه فإنه عاص ويستحق السهم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المنع هناك لا يختص بالغزو، وهنا المنع من الحضور لمعني يختص بالغزو، ولهذا كان لو صلي من غير طهارة لا تصح صلاته ولو صلي في دار مغضوبة صحت.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا نهاه الإمام فلم ينته.
فأما إذا لم ينهه الإمام عن الحضور فله السهم كغيره وإن عرف الإمام حاله.
فرع آخر لو أظهر المخذل القتال وأظهر التوبة فإن كان بعد توجه الظفر بالمشركين لم يسهم له، وإن كان قبله فإن كان لنفسه لم يسهم له أيضا، وكذلك لو كان لرغبة في الغنيمة،

الجزء: 13 - الصفحة: 193

وإن كان لتدين [180/أ] ظهر منه أسهم له وإن أشكل حاله لم يسهم له.
فرع آخر لو غزا من ذوي النفاق من أضمره ولم يتظاهر بالضرر أسهم له ولم يكشف عن باطن معتقده وأسهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لمن شهد غزواته من المنافقين.
مسألة: قال: وواسع للإمام أن يأذن للمشرك أن يغزو معه.
اعلم أنه جوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال أهل الحرب بشرطين أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة وفي المشركين كثرة.
والثاني: أن يكون المستعان به حسن الرأي ويؤمن شرهم، والدليل على هذا ما روي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع بعد بدر ورضخ لهم وشهد صفوان حنينا بعد الفتح وصفوان بعد مشرك، وروي عن سعد بن مالك رضي الله عنه أنه غزا بقوم من اليهود ورضخ لهم، فإن قيل: روي أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج حتى إذا كان خلف ثنية الوداع فإذا كتيبة فقال: من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع قال: وأسلموا؟ قالوا: لا قال لهم: فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين، وروي أن رجلا اتبع رسول الله صلي الله عليه وسلم من المشركين وكان مشهورا بحسن البلاء والشجاعة في الحرب فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أتشهد أن لا إله إلا الله [180/ب] وأني رسول الله؟ فقال: لا فقال: انصرف فإنا لا نستعين بمشرك)) فمضي رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما كان في بعض الطريق أدركه الرجل مرة أخري فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلي فقال: امض)) قلنا: يحتمل أن تكون الاستعانة بالمشركين ممنوعة في ابتداء الأمر ثم صارت جائزة.
وقد نص الشافعي فقال: والاستعانة متأخرة ولهذا قال الشافعي: غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر لأنه أبي أن يستعين بمشرك يوم بدر ويحتمل أن يقال: كان ذلك على حسب اختلاف الأحوال فحيث علم رسول الله صلي الله عليه وسلم قلة المسلمين لم يستعن بالمشركين مخافة أن تتمايل الطائفتان من المشركين وحيث علم قوة المسلمين وأنهم يقاومون الطائفتين لو تمايلا استعان بالمشركين، وقيل: هذا إلى رأي الإمام، فإن رأي أن يستعين بهم فعل، وإن رأي ردهم ردوا، وعلى هذا اختلاف الرواية، وقيل: استعان بهم حين احتاج إليهم ورد حين استغني عنهم، وقيل: استعان بمن عرف منه حسن النية، وحكي عن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا: لا يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف: 51] [181/أ] وهذا الاستدلال لا يصح لأنا اتخذناهم خدما وأعوانا لا عضدا.

الجزء: 13 - الصفحة: 194

فرع إذا استعان بهم وخرجوا طوعا رضخ لهم ولا يسهم لأنه لم يثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه أسهم لهم، وروي رضخ لهم على ما ذكرنا.
فرع آخر قال: وأحب إليّ إذا غزا بهم أن يستأجرهم، وأحب أن لا يعطي للشريك من الفئ شيئا أي لا يعطي من أربعة أخماس الفئ على القول الذي يقول: إنها للمرابطين في سبيل الله تعالى لا حق لأحد من المسلمين معهم فيها، فأما إذا قلنا: للمصالح كان خمس الخمس وأربعة الأخماس سواء فيعطي الأجرة أو الرضخ من رأس مال الغنيمة لأنه يجري مجري العون.
والثاني: يعطي من أربعة أخماس الغنيمة كسائر الغانمين والأظهر أن يعطي من سهم المصلحة وهو خمس الخمس من الغنيمة والفئ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ولو أعطاهم من الفئ كان جائزا ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب أن لا يعطي من الفئ ولم يقل: لا يجوز وإنما جوزنا لأن الفئ مرصد للمصالح والجهاد، وقال القفال: أربعة أخماس الفئ للمصالح لا يعطون أيضا لأن المرتزقة يأخذون عطاءهم منه فلا يسوي [181/ب] بين الكفار والمسلمين، وعلى هذا لو غزا مسلم ومشرك فغنما لم يقسم بينهما نصفين بل يفضل المسلم ليكون سهما له وما بقي رضخا للكافر فلا تقع التسوية وهذا غريب ضعيف.
والصحيح ما ذكرنا أولا.
فرع آخر قال: فإن أغفل الإمام الاستئجار أعطي ما يعطي من رسول الله صلي الله عليه وسلم ويعطي في هذه الحالة أجر لأنه يستحق بعمله.
فرع آخر قال: وإن أكره أهل الذمة على أن يغزوا فلهم أجر مثلهم في مثل مخرجهم من أهاليهم إلى بعض الحرب وإرسالهم إياهم، وإن لم يغنموا وهذا إذا قاتلوا وإن حضروا ولم يقاتلوا قال: لهم أجر إحضار الذهاب لأنه فعل حصل منهم ولا يلزم مثل أجر الحضور والاحتباس لأن منافع الحر لا تضمن بالحبس، وإنما تضمن بإتلاف المنفعة، وإن كان عبدا فله في الحالين أجر المثل إلى أن يصل إلى يد المالك.
فرع آخر لو أكره الإمام طائفة من المسلمين على الجهاد فلم يغنموا لا شيء لهم بخلاف الكفار والفرق أن المسلم من أهل الجهاد فيقع جهاده عن نفسه والكافر لا جهاد له بحال فيستحق الأجرة وإن لم يغنموا، وعلى هذا لو أكره مسلما على دفن ميت أو غسله لا أجره له لأن كل من أداه [182/أ] يقع عن فرضه، ولو أكره ذميا عليه فله الأجرة.

الجزء: 13 - الصفحة: 195

فرع آخر الرضخ الذي ذكرنا إنما يكون إذا أحضر بالإذن ولم يشترط له جعلا لا مجهولا ولا معلوما فإن شرط جعله مجهولا بأن قال: نرضيك أو نعطيك بقدر ذلك بأجره المثل، فإن لم يكن غنم المسلمون شيئا تلزم الأجرة، وفي موضع الرضخ إذا لم يغنموا لا يعطي شيئا.
فرع آخر إذا استأجرهم ينبغي أن تكون الأجرة معلومة وتجوز الأجرة على سهم راجل وفارس، وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ سهم فارس ولا راجل لخروجه عن أهل الجهاد كما لا يبلغ بالرضخ ذلك وهذا خطأ لأنه أجره فيكون إلى التراضي ولأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم ولا يدري أزيد أو ينقص.
فرع آخر لا تمنع جهالة القتال ولا جهالة مدته من جواز الإجارة عليه لأنه من عموم المصالح فجاز فيه من الجهالة ما لم يجز في العقود الخاصة.
فرع آخر لو قال: استأجرتك بكذا على أن تقتل فلانا الكافر فقلته أعطاه من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم وإذا قال لمسلم لا يكون على حكم الإجارة الصحيحة ويعطيه ذلك للمصلحة.
فرع آخر إذا شهدوا بالإجارة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، والفرق [182/ب] أن قتال المشركين هو العمل الذي استؤجر عليه فيجبر لأنه متعين عليه وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين فلم يجبر عليه.
فرع آخر لو حضروا ولم يقاتلوا فإن كان بعذر لانهزام العدوم استحقوا الأجرة لأنهم بذلوا أنفسهم لما استؤجروا عليه، وإن أمكنهم القتال فيم يقاتلوا مع الحاجة رد من الأجرة بالقسط.
فرع آخر كيف تتقسط الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: تتقسط على المسافة في بلد الإجارة في دار الإسلام إلى موضع الوقعة في دار الحرب وعلى القتال فيها لأنها إجارة على مسافة وعمل، والثاني: على مسافة مسيره من بلاد الحرب دون بلاد الإسلام، والفرق بين المسافتين أن مسيره في بلاد الإسلام يتوصل به إلى العمل لأنه في غيرها فلم تتقسط عليه الأجرة ومسيره في دار الحرب شروع في العمل المستحق عليه لأن كل (موضع) من

الجزء: 13 - الصفحة: 196

دار الحرب محل لقتال أهله فقسطت عليه الأجرة وهما يثبتان على الوجهين في مسافة الحج هل تقسط عليهما أجره المعتاض أم لا؟.
فرع آخر لو صالح الإمام أهل الثغر الذي استأجرهم إليه فإن كان الصلح بعد دخوله بهم دار الحرب لا يسترجع لأن سيرهم صار أثرا في الرهبة المفضية إلى الصلح، وإن كان قبل مسيره بهم من بلاد الإسلام استرجع كل الأجرة وكان هذا عندنا في فسخ الإجارة هنا [183/أ] لعموم المصلحة، وأن يفسخ بمثله العقود الخاصة، وإن كان بعد مسيره من دار الإسلام قبل دخوله في أرض العدو فهل يستحقون الأجرة بقدر المسافة؟ فيه وجهان تخريجا من الوجهين المتقدمين.
فرع آخر لو استأجر للغزو إلى ثغر ثم أراد أن يعود بهم إلى غيره فإن كانت مسافة الثاني أبعد وطريقه أوعر وأهله أشجع لم يكن له، وإن كان مثل الأول أو أسهل كان له كما قلنا في إجارة الأرض للزرع له أن يزرع مثل ما عين ودونه دون الزيادة.
فرع آخر لو بذل الجعل فقال: من غزا معي فله دينار يجوز مثل هذا مع المسلمين والمشركين لأنه يجوز في خصوص الحقوق فلأن يجوز في عموم المصالح أولي.
فرع آخر لو قال: من غزا معي من أهل الذمة يختص بالرجال ولا يستحقها النساء منهم لأن الغزو من الرجال، ولو قال: من قاتل معي من أهل الذمة استحقته المرأة، لأن القتال فعل يوجد من الكل.
فرع آخر إذا قال هنا فحضر صبي معه لا يستحق الصبي شيئا لأن الجعالة لا تصح إلا مع أهل العقل وأما عبيدهم إذا أذن لهم دخلوا فيها، وإن لم يؤذن لهم يستحق عليهم بلا جعل بما يأخذونه من الديوان والكلام في النساء والعبيد على ما ذكرنا.
فرع آخر لو عم بالجعالة يدخل فيها أهل الإسلام [183/ب] من كان أهل الفئ ويدخل فيها أهل الذمة دون أهل العهد لأن أحكام الإسلام لا تجري على أهل العهد.
فرع آخر لا حق فيها لمن لم يشهد الوقعة سواء دخل دار الحرب أو لا، لأن الجعالة تستحق بكمال العمل بخلاف الإجارة لأن الإجارة تتقسط، فإن شهد الوقعة فإن كان قال: من غزا استحق، قاتل أو لم يقاتل، وإن قال: من قاتل لا يستحق إلا من قاتل.

الجزء: 13 - الصفحة: 197

فرع لو كان مسلما يجوز أن يزيد في الجعالة على سهام الغانمين ويسهم لمستحقها أيضا، وإن كان مشركا فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يجوز أن يبلغ بها سهم الراجل، والأصح أنه يجوز ولا يستحق معها لا السهم ولا الرضخ لأنه لا يستحقه من غير جعالة فمنع الجعالة أولي.
فرع آخر لو قال: جعلت لجميع من غزا معي ألف دينار فإن كان بمال في الذمة يدخل فيها من المسلمين من غزا من المطوعة دون مرتزقة أهل الفئ، ويدخل فيها من المشركين أهل الذمة دون المجاهدين ثم يقسم ذلك بين جميعهم من المسلمين وأهل الذمة على أعداد رؤوسهم قالوا: أو أكثر ولا يفضل مسلم على ذمي ولا من يسهم له على من لا يسهم له، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لم يدخل فيه سيده لأنه يعود على سيده ولا يملكه فيصير سيده بذلك مفضلا [184/أ] على غيره ووجوب التسوية بينهم يمنع التفضيل بخلاف الجعالة المفردة، وأما النساء فعلي ما ذكرنا من لفظ الغزو والقتال.
فرع آخر الصبيان هل يدخلون في هذا الحكم؟ فإن لم يدخل فيها أولياؤهم لم يدخلوا كالجعالة المفردة، وإن دخل فيها أولياؤهم دخلوا بخلاف الجعالة المفردة لأن العقد في الجعالة الجامعه واحد فدخلوا فيه تبعا وفي المفردة عقود فلم يكونوا فيه تبعا.
فرع آخر لو كان مال هذه الجعالة معينا فقال: قد جعلت لجميع من غزا معي هذا المال الخطير يصح هذا سواء كان المال معلوما أو مجهولا لأنه لما صح بالمعلوم لعدد مجهول صح بالمجهول ويكون الداخل في هذه الجهالة معتبرا لحكم المال، فإن كان من مال الصدقات خرج المشركون منها لأنهم لا حق لهم في مال الصدقات ويدخل فيها المطوعة دون المرتزقة، ولا يجوز أن يسترجع منهم إن لم يغزوا لأنهم أخذوا ما يستحقونه بغير جعالة، فإن كان من مال المصالح وهو سهم الرسول صلي الله عليه وسلم المعد لمصالح المسلمين العامة، يدخل فيها مطوعة المسلمين وأهل الذمة لأنه مال يصح صرفة إلى الفريقين، فإن لم يغزوا استرجع ما أخذه المشركون دون ما أخذه المسلمون لأنه مال مرصد لمصالح المسلمين دون المشركين، وإن كان [184/ب] المال من أربعة أخماس الفئ ففي هذه الحالة المعقودة به قولان من أصل القولين فموجب مصرفه فإن قلنا: مصرفه في الجيش خاصة فهي باطلة لأنه موقوف على أرزاقهم فإذا استوقفوها لم يستحقوا غيرها ولم يستحقه غيرهم.
والثاني: أنها جائزة إذا قلنا: مصرفه في المصالح العامة ودخل فيها من المسلمين من عدا مرتزقة أهل الفئ سواء كان من أهل الصدقات أو لا.

الجزء: 13 - الصفحة: 198

فرع آخر فإن قيل: أليس أهل الصدقة ممنوعين من مال الفئ؟ قلنا: إنما منعوا من أخذه بالفقر والمسكنة الذي يستحقون به مال الصدقة ولم يمنعوا من أخذه على عمل كما يجوز دفعه إليهم في بناء المسجد والحصن، ولذلك دخل في هذه الجعالة الأغنياء والفقراء ويدخل فيها أهل الذمة.
فرع آخر لو غزا من أخرجه حكم الشرع من هذه الجعالة فإن كان عالما بالحكم كان متطوعا ولا شيء له مسلما كان أو كافرا، وإن جهل حكم الشرع فيه ففيه وجهان أحدهما: يستحق جعالة مثله ولا يستحق أجره مثله لأنه دخل في جعالة فاسدة ولم يدخل في إجارة فاسدة، والثاني: لا شيء له لأنه لم يدخل في الجعالة فيتوجه إليه حكم فسادها وقد كان يمكنه أن يستعمل حكم الشرع فيها فصار مفرطا وبزوه متبرعا.
فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا أكره أهل الذمة من غير جعالة يستحقون [185/أ] أجر المثل ولا يراعي في هذا الإكراه الحبس والضرب المراعي في الإكراه على الإطلاق وإنما المراعي أن يجبرهم على الخروج ولا يرخص لهم في التأخر لأنهم بالذمة والعهد في قبضته وتحت حجره فلم يحتج مع القبول إلى غيره.
فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا أذن للكافر مطلقا لا أجره ويستحق الرضخ بالحضور ويفضل في الرضخ من قاتل على من لم يقاتل، ومن كان منهم راجلا لم يبلغ برضخه سهم فارس ولا راجل ومن كان منهم فارسا لم يرضخه فارس وهل يجوز أن يبلغ به سهم راجل؟ فيه وجهان قال ابن أبي هريرة: لا يبلغ به حتى يساوي مسلما، وقال صاحب (الحاوي): الأظهر عندي أنه يبلغ به سهم راجل لأن الرضخ بينه وبين فرسه وإن ملكهما كان في نفسه مقصرا عن سهم راجل.
فرع آخر لو حضروا متبرعين من غير إذن لا أجره ولا سهم فإن قاتلوا أرضخ لهم وإلا فلا يرضخ لهم بخلاف ما تقدم في المأذونلأن الإذن استعانة فقوبلوا عليها بالرضخ، وحضورهم من غير الإذن تبرع فلم يقابلوا عليه بالرضخ إلاعلى عمل وخالفوا فيه المسلم لأنه من أهل الدفع بخلاف المشرك.
فرع آخر إذا كان المستحق أجرة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأن

الجزء: 13 - الصفحة: 199

الأجرة تستحق بالقصد الواقع قبلها وهي خمس الخمس من سهم الرسول صلي الله عليه وسلم من الفيء والمغانم وهل يجوز الدفع من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان علي ما ذكرنا، وإن كانت جعالة دفعت من مال المصالح الحاصل قبل هذه الغنيمة لأنها تستحق بعد العمل فوجبت في المال الحاصل بالعمل بخلاف الأجرة، وإن كان المستحق رضخًا فيه ثلاثة أوجه علي ما ذكرنا: أحدها: في مال المصالح.
والثاني: من أصل الغنيمة.
والثالث: من أربعة أخماسها وكل ذلك من غنائم ما قاتلوا عليه.
وفي رضخ من حضرها من المسلمين قولان من أصل الغنيمة ومن أربعة أخماسها.
فرع آخر قال القفال: علق الشافعي رضي الله عنه القول في جواز إحضار نساء الكفار وصبيانهم في الجهاد فأحد القولين: يجوز كما يجوز إحضار نساء المسلمين وصبيانهم علي ما ذكرنا، والثاني: لا يجوز لأنه لا قتال فيهم ولا رأي ولا تبرك بدعائهم.
مسألة: قال: ويبدأ الإمام بقتال من يليه من الكفار بالأقرب فالأقرب لأن الله تعالي قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ ولأنهم أقرب فالمؤونة في غزوهم أقل ولأنهم أبصر بعوراتنا وأحوالنا فالبداية بهم أولي، وقد قال الشافعي في موضع آخر: ويغزوا أهل الفيء كل قوم إلي من يليهم وهذا اقتداء بالسلف وتقتضيه السياسة لأن عمر رضي الله عنه مصر البصرة وأسكنها أهل الفيء لقتال من يليهم فإن كان بين المسلمين وبين من يليهم هدنة ينقلهم إلي جهة أخري.
قال أصحابنا: وهكذا يكلف أهل البحر القتال في البحر لأنه أخبر به وأعرف ولا يكلفهم القتال في البر فيضعفوا عنه ويكلف أهل اليمن القتال في البر لأنهم به أعرف ولا يكلفهم في البحر فيضعفوا عنه، وروي أن عمر رضي الله عنه أغزي في البحر جيشا من المدينة وأمر عليهم عمرو بن العاص فلما قدموا عليه سأل عمرو بن العاص عنهم فقال له: دود علي عود بين غرق وفرق قال: إذن لا يغزي في البحر أحدًا، وروي أن معاوية كتب إلي عمر رضي الله عنه يستأذنه في غزوه البحر فكتب إليه عمر: إني لا أحمل المسلمين علي أعواد نجرها النجار وجلفظها الجلفاظ يحملهم عدوهم إلي عدوهم، والجلفاظ: الذي يشهد أعواد السفن وقوله: يحمله عدوهم إلي عدوهم له تأويلان: أحدهما: أن الملاحين كانوا إذ ذاك كفارًا يحملونهم إلي الكفار.
والثاني: أن البحر عدو وراكبه يحملهم إلي أعدائهم الكفار.
قال: وإن كان الأبعد أخوف فلا بأس أن يبدأ به علي معني الضرورة التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها وصورة المسألة حيث لا يكون الخوف من الأبعد غالبًا ظاهرًا، فإن كان الخوف من الأبعد غالبا ظاهرا فواجب علي الإمام البداية بهم

الجزء: 13 - الصفحة: 200

فلا يقال لا بأس.
وقال في "المبسوط": والواجب على الإمام أولًا أن يبدأ بسد أطراف المسلمين بالرجال حتى لا يبقى طرف إلا وفيه من يقوم بحرب من يليه من المشركين فإن قدر على الحصون والخنادق وكل أمر يدفع العدو قبل إتيانهم دار المسلمين فعل ويبدأ بالأخوف فالأخوف ويقلد القيام بذلك أميرًا من أهل الأمانة والعقل والعلم بالحرب والعدة والإناء والرفق وقلة البطش والعجلة والمعروف بالنصيحة للمسلمين فيحميهم في المقام ويدبرهم في الجهاد ولا يجعلهم فوضى فيختلفوا ويضعفوا، فإذا حكم هذا وجب عليه إدخال المسلمين ديار المشركين في الوقت الذي لا يضر بالمسلمين فيه ويرجو أن ينالوا الظفر بالمشركين وهذا كله احتياط فينا يعود إلى إصلاح المسلمين، وقال في "الحاوي": تقليد هذا الأمير يصح إذا تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مسلمًا لأنه يقاتل على دين فإذا لم يعتقده لم يؤمن عليه.
والثاني: أن يكون مأمونًا على من يليه من الجيش أن يخونهم وعلى من يقاتله من العدو أن يعينهم.
والثالث: أن يكون شجاعًا في الحرب يثبت عند الهرب ويتقدم عند الطلب لأنه معد لهما.
والرابع: أن يكون ذا رأي في السياسة والتدبير ليسوس الجيش على اتفاق الكلمة في الطاعة ويدبر الحرب في انتهاز الفرصة وأمر الغزو.
ثم ولايته على ضربين ولاية تنفيذ، وولاية تفويض، فالتنفيذ ما كانت موقوفة على رأي الإمام وتنفيذ أوامره فيصح، وإن كان عبدًا من غير أهل الاجتهاد.
وولاية التفويض: ما فوضت إلى رأي الأمير ليعمل فيها باجتهاده فيعتبر في انعقادها مع الشروط الأربعة شرطان آخران الحرية لأن التفويض ولاية، والثاني: أن يكون من أهل الاجتهاد في أحكام الجهاد وهل يعتبر أن يكون من أهل الاجتهاد في غيره من أحكام الدين؟ فيه وجهان بناءً على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ فإن قلنا: يجوز النظر في أحكامهم يلزمه أن يكون من أهل الاجتهاد في جميع الأحكام، وإن قلنا: ليس له ذلك ويكون القاضي أحق بالنظر فيها منه لا يلزم أن يكون من أهل الاجتهاد من غير الجهاد.
مسألة: قال: وأقل ما على الإمام أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو.
الفصل يستحب الإكثار من الغزو فإنه طاعة عظيمة لله تعالى فالاستكثار منها أولى، وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".

الجزء: 13 - الصفحة: 201

وفيه دليل على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب مع أمة العدل، وقوله: ناوأهم يريد ناهضهم للقتال وأصله من ناء ينوء إذا نهض، وروى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قفله كغزوة".
وأراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن أي: أن للمجاهد إلى أهله في انصرافه كأجره في إقباله إلى الجهاد وهذا لأن المداومة تضر بأهله وفي قوله: إليهم إزالة الضرر عنهم وقد قيل: أراد به التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يكن عدو وقد يفعل الجيش ذلك الانصراف لأحد أمرين: أحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عن ساحتهم آمنوا فخرجوا عن مكانهم، فإذا قفل العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم.
والثاني: أنهم إذا انصرفوا من مغزاهم ظاهرين لا يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون فإذا رجعوا يكونون مستعدين لقتالهم وإلا فقد سلموا.
وروى أبو إمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل خرج غازيًا في سبيل الله تعالى فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما كان من أخر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ورجل دخل بيته بسلام.
وقوله: "ضامن" أي: مضمون كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة﴾ أي: مرضية وقوله: "ثلاث كلهم ضامن" يريد كل واحد منهم وقوله: "ورجل دخل بيته بسلام" أراد أن يسلم إذا دخل منزله، وقيل: أراد لزوم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب في العزلة بذلك.
وروى أبو مالك الأشجع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وفصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وله الجنة".
وقوله: فصل أي خرج وقوله: "وفصه فرسه" معناه صرعه فدق عنقه، والهامة إحدى الهوام وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شر ما في الرجل شح الهالع وجبن خالع" وأصل الهلع الجزع، والهالع هنا ذو الهلع، والشح أشد من البخل، ومعناه: البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع، والجبن الخالع هو الشديد الذي يخلع فؤاده من شدته.
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به

الجزء: 13 - الصفحة: 202

ومنبله فاركبوا وإن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله وفي ترك الرمي بعدما علمه رغبًة عنه فإنها نعمة تركها أو كفرها.
وقوله "منبله" هو الذي يناول الرامي النبل وهو على وجهين: أحدهما: أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحدًا بعد واحد.
والثاني: أن يرد عليه النبال المرمية والسهام الغريبة.
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريم ويأسر الشريك، واجتنب الفساد فإن نومه وبيعه أجر كله وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة وأفسد في الأرض فله أن يرجع بالكفاف".
وقوله: "يأسر الشريك" معناه: الأخذ باليسر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما يقال: رجل يسر إذا كان سهل الخلق.
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله من في الجنة قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" وأراد بالمولود الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث، والوئيد الموءود أي المدفون في الأرض حيًا وكانوا يؤدون البنات والبنين أيضًا عند المجاعة.
وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا" أي تشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضًا.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة والفواق ما بين المنكبين وروى عبد الله ابن أبي أوفى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
وروى جابر بن عتيق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة من غير ريبة وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر".
ومعنى الاختيال في الصدقة أن تهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير من والاختيال في الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث

الجزء: 13 - الصفحة: 203

نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
وروى أبو إمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
وروى أبو إمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يغز ولم يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة".
وروى زيد بن خالد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا".
ومن خلفه في أهله فقد غزا.
فإذا تقرر هذا فينبغي أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو بنفسه أو بسراياه فلا يجب أن يغزو بنفسه بكل حالٍ وما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة إلا وكان له فيها جهاد إما غزوة أو غزوتان وإنما جعل الأقل مرة في كل سنة لأن الجزية المأخوذة على ترك القتال في كل سنة مرة ولأن سهم الغزاة يجب في أموال الأغنياء في كل سنة مرة ولأنه فرض الجهاد وأقل الفروض المتكررة ما يجب في كل عام مرة كالصيام والزكاة، ولا يجوز أن يتركه إلا من ضرورة لقول الله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: إنها وردت في الجهاد.
واعلم أن الذي استقرت عليه سيرة الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل سنة أربع غزوات صيفية وشتوية وربيعية وخريفية.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد فرض الجهاد عليه قريب من ذلك وأكثر فإنه كان له في تسع سنين سبع وعشرون غزاًة بنفسه وسبع وأربعون سرية بأصحابه وإذا عجز عن ذلك اقتصر فيها على ما يقدر عليه والأقل ما ذكرنا.
فرع إذا غزا عامًا بلدًا غزا قابلًا غيره ولا يتابع الغزو على بلد واحد ويعطل ما سواه من بلاد المشركين، وإن يخلف حال أهل البلاد فيتابع الغزو على من يخاف نكايته أو على من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على هذا المعنى الذي ليس في غيره مثله.
فرع آخر قال: وينبغي للإمام إذا غزا قومًا أن يعتمد على ثقة في دينه على ما ذكرنا ويتقدم إليه أنه لا يجمل المسلمين مهلكة يخاف ولا يكلفهم قصد حن يخاف أن يشدوا تحته ولا يلزمهم دخول مطمورة يخاف أن يعطبوا فيها، ولا يدفعوا عن أنفسهم ولا غوث لهم ولا يحملهم على شيء من أسباب المهالك فإن فعل ذلك الوالي والإمام فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا قود ولا كفارة عليه إن أصيب أحد منهم بطاعته، وكذلك لا يأمر القليل منهم بإتيان الكثير حيث لا عون لهم ولا يحمل أحدًا منهم على

الجزء: 13 - الصفحة: 204

غير فرض القتال وذلك أن يقاتل الرجل الرجلين ولا يجاوز ذلك.
وروي أن عبد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل: إني محدثك لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلا لم يدخل الجنة معهم".
وقال عمر رضي الله عنه في خطبته: ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم ألا من دابة شيء من ذلك فليرفعه إليّ لأقصه منه، ثم قال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم.
وروي أنه نهى حمل المسلمين مهلكه قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أن يفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم.
وروي أن عمر رضي الله عنه استعمل رجلًا ثم قبل ولده فقال له: ما قبلت ولدًا قط وأنت تقبل يا أمير المؤمنين فقال: أنت بالناس أقل رحمة هات عهدنا لا تعمل لي عملًا أبدًا.
فرع آخر إذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه فلهم أن يفعلوه لأنه جهاد يحل لهم بأنفسهم أن يقدموا فيه على ما لي عليهم بفرض، قد برز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الثواب فقتل رحمه الله وكان هذا الرجل عوف بن عفراء.
فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ قلنا: هذا ورد في ترك النفقة في سبيل الله هكذا قال حذيفة بن اليمان ورواه ابن عباس، وروى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار حمل على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج فقال الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أيوب: إنما أنزلت فينا معشر الأنصار قلنا فيما بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فأصلحنا فأنزل الله تعالى هذه الآية فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا.
وقال رجل للبراءة بن عازب رضي الله عنه: أحمل على الكتيبة بالسيف في ألفٍ من التهلكة ذلك؟ قال: لا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه يقول: لا يغفر لي وقد قال الشافعي: والاختيار أن يتحرز لما روى السائب بن يزيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من

الجزء: 13 - الصفحة: 205

قبته في الدرع يوم بدر.
فرع آخر قال: لو كان للإمام عذر في ترك الجهاد بأن كثر المشركون حيث يكون بإزاء كل واحد أكثر من اثنين ورأى في ثبات المسلمين ضعفًا وفي أسلحتهم قلة جاز أن يترك الغزو في هذا الموضع حتى تحصل القوة لأن فيه تغريرًا بالمسلمين.

باب النفير من كتاب الجزية

قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قد ذكرنا أن فرض الجهاد على الكفاية ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ودليل على أنه فرض على الكفاية به ما ذكرنا من الآية وإذا لم يقم به قدر الكفاية خرج من تخلف واستحق العذاب، وإن قام به قدر الكفاية حتى لا يكون الجهاد معطلًا لم يأثم من تخلف لأن الله تعالى وعد جميعهم الحسنى، ولأنا لو أوجبنا الجهاد على الأعيان لتعطلت المكاسب والعمارات وذلك ضرر عظيم.
فرع لو أظل العدو بلدًا من بلاد المسلمين اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تعين الفرض على جميع المسلمين ووجب النفير على جميعهم وبه قال عامة أصحابنا.
ونص الشافعي رضي الله عنه قال في رواية البويطي في باب السنة في الجهاد: والغزو غزوان غزو نافلة، وغزو فريضة فأما الفريضة فهو النفير إذا أظل العدو بلاد المسلمين، والنافلة: الرباط والخروج إلى الثغور إذا كان فيها من فيه كفاية، وقال ابن أبي هريرة: هو فرض على الكفاية أيضًا.
فرع آخر لو كان العدو على مسافة أقل من يوم وليلة من بلاد الإسلام يكون في حكم من قد أظل بلاد الإسلام ووصل إليها لقرب المسافة ويتعين فرض قتالهم على جميع أهل الثغر من المجاهدين ويدخل في القتال من عليه دين ومن له أبوان لا يأذنان لو لأنه قتال دفاع لا قتال غزو، ثم ينظر في عدد العدو فإن كانوا أكثر من مثلي أهل الثغر لم يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية على كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم، وإن كانوا مثلي أهل الثغر فما دون هل يسقط بهم فرض الكفاية عمن سواهم؟ لما أوجبه الله تعالى من قتال مثلهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا وعن غيرهم ساقطًا.
والثاني لا يسقط من غيرهم فرض الكفاية بهم خوفًا من الظفر بهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا باقيًا على الكفاية في غيرهم.

الجزء: 13 - الصفحة: 206

فرع آخر لو دخل العدو بلاد الإسلام يتعين فرض قتاله على أهلها وهل يتعين على كافة المسلمين كما يتعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان أحدهما: يتعين عليهم لأن جميع المسلمين يد على من سواهم، والثاني: يتعين عليهم ويكون باقيًا على الكفاية لقدرة أهل الثغر على دفعهم ولا يراعى بعد دخول العدو دار الإسلام أن يكونوا مثلين كما يراعى قبل دخوله، بل تراعى القدرة على دفعهم لأن القدرة بعد الدخول ظافر ومثله معترض.
فرع آخر لو انهزم أهل ذلك الثغر عنهم صار فرض جهادهم متعينًا على كافة الأمة وجهًا واحدًا حتى يرده إلى بلادهم، فإذا ردوه إليها فإن عادوا خاليًا من سبي وأسرى سقط ما تعين من فرض قتاله، وإن عادوا بسبي وأسرى يكون فرض قتاله باقيًا حتى يسترجع ما في أيديهم من السبي وأسرى.
فرع آخر ألحق الشافعي رضي الله عنه رد جواب السلام وفن الموتى والقيام بطلب العلم وصلاة الجنازة بالجهاد في كونها فرضًا على الكفاية.
فرع آخر اعلم أنه يتعلق بالسلام حكمان: أحدهما: في ابتدائه.
والثاني: في رده.
أما ابتداءه فينقسم ثلاثة أقسام: أدب، وسنة، ومختلف فيه، فالأدب سلام المتلاقين وهو خاص لا عام لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم ويخرج به عن العرف وإنما يقصد به أحد أمرين إما أن يكتسب به ردًا، أو ستدفع به بذاءًا قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قيل: في تأويله ادفع بالسلام إساءة المسيء فصار هذا السلام خاصًا لا عامًا وكان من آداب الشرع لا من سننه لأنه يفعله لاجتلاب تآلفٍ.
والأولى في ابتداء السلام أن يبدأ به الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد لأن ذلك مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن استويا فأيهما بدأ كان له فضل التحية.
وأما السنة: فسلام القاصد على المقصود وهو عام يبتدئ به كل قاصد على كل مقصود من صغير وكبير وراكب وماشٍ.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدئ بالسلام إذا قصد ويبتدئ به إذا لقي وقصد وهذا من سنن الشرع لأنه مندوب إليه لغير سبب مختلف وبين هذا وبين سلام الأدب فرقان: عموم هذا، وخصوص ذاك، وتعيين المبتدئ بهذا

الجزء: 13 - الصفحة: 207

وتكافؤ ذاك ثم هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المقصود واحدًا فيتعين السلام عليه من القاصد ويتعين الرد فيه على المقصود.
والثاني: أن يكون المقصود جماعة وهما ضربان أحدهما: أن يكون عدد الجماعة قليلًا يعمهم السلام الواحد فليس يحتاج في قصدهم إلى أكثر من سلام واحد يقيم به سنة السلام وما زاد عليه من تخصيص بعضهم فهو أدب.
والثاني: أن يكون جميعًا لا ينتشر فيهم سلام الواحد كالجامع والمسجد المحفل بأهله فسنة السلام أن يبتدئ به الداخل في أول دخوله إذا شاهد أوائلهم وتؤدى سنة السلام في جميع من سمعه ويدخل في فرض الكفاية الرد جميع من سمعه، فإذا أراد الجلوس فيهم سقطت عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين وإن أراد أن يجلس فيمن بعدهم ممن لم يسمعه سلامه المتقدم وجهان أحدهما: أن سنة السلام عليهم قد سقطت بالسلام على أوائلهم لأنه جمع واحد فإن سلم عليهم كان أدبًا فعلى هذا أي أهل المسجد رد عليه سقط فرض الكفاية عن جميعهم، والثاني: أن سنة السلام باقية عليه فيمن لم ينتشر فيهم سلامه إذا أراد الجلوس بينهم لأنهم بسلامه أخص فعلى هذا لا يسقط فرضه على الأوائل برد الأواخر.
وأما المختلف فيه فسلام القاصد إذا لزمه الاستئذان على المقصود فيؤمر القاصد بالاستئذان والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وفي قوله: ﴿تَسْتَانِسُوا﴾ تأويلان: أحدهما: أراد حتى تستأذنوا قاله ابن عباس.
والثاني: حتى تعلموا أن فيها من يأذن لكم من قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ أي: علم، قاله ابن قتيبة وهل يبتدئ عند الاستئذان بالاستئذان أم بالسلام؟ فيه وجهان: أحدهما: يبتدئ بالاستئذان قبل السلام لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ فعلى هذا يكون الاستئذان واجبًا والسلام سنة.
والثاني: يبدأ بالسلام قبل الاستئذان لأنه وإن كان مقدمًا في التلاوة فهو مؤخر في الحكم لما روى محمد بن سيرين أن رجلًا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل عنده: " قم فعلم هذا كيف يستأذن فإنه لم يحسن" فسمعها الرجل فسلم واستأذن قال صاحب "الحاوي": الأولى عندي من اختلاف هذين الوجهين أن يكون محمولًا على اختلاف حالين لا يتعارض فيهما كتاب ولا سنة وهو إن وقعت عين القاصد على المقصود قبل دخوله قدم السلام على الاستئذان على ما جاءت به السنة، وإن لم تقع عينه عليه قدم الاستئذان على السلام على ما جاء به الكتاب العزيز فعلى هذا إذا أمر بأن يبتدئ بالسلام فسلم فهل يكون سلامه استئذانًا ويكون رده إذنًا؟ وجهان: أحدهما: يكون استئذانًا فعلى هذا يكون السلام واجبًا وإعادته بعد الوجوب إذنًا.
والثاني: لا يكون استئذانًا ولا يكون رده إذنًا فعلى هذا يكون السلام مسنونًا قد سقطت به سنة السلام بعد الإذن.

الجزء: 13 - الصفحة: 208

وأما رد السلام فضربان فإن سلم على واحد يكون رده متعينًا على ذلك الواحد سواء كان المسلم مسلمًا أو كافرًا، وقال عطاء: يجب رده على المسلم دون الكافر وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:86] بمعنى أحسن منها للمسلم وردوها مثلها للكافر، وقيل: فحيوا بأحسن منها أي: زيادة على الدعاء أو ردوا عليه غير زيادة.
وإن كان السلام على جماعة فرده من فروض الكفايات على تلك الجماعة فأيهم تفرد بالرد سقط فرضه عن الباقين والراد منهم هو المختص بثواب رده، فإن أمسكوا عنه حرجوا أجمعين ولا يسقط الفرض عنهم برد غيرهم.
فرع آخر صفة السلام وصفة الرد تختلف باختلاف المسلّم والراد وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون السلام بين مسلمين فصفته من المبتدئ به أن يقول: السلام عليكم سواء كان على واحد أو جماعة إلا أن لفظ الجمع يتوجه إليه وإلى حافظيه من الملائكة وما زاد بعده من قوله: ورحمة الله وبركاته فهو زيادة فضل، وأما الرد فأقله أن يقابله بمثله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغار التحية" والغرار: النقصان أي: لا ينتقص من التحية إذا سلم عليك.
والسنة أن يزاد عليه في الرد، روى الحسن البصري أن رجلًا سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليكم" فقيل: يا رسول الله زدت الأول، والثاني وقلت للثالث وعليكم فقال: "إن الأول والثاني أبقيا من التحية شيئًا فرددت عليهما أحسن من تحيتهما، وإن الثالث جاء بالتحية كلها فرددت عليه مثلها".
والثاني: أن يكون السلام بين مسلم وكافر وهذا على ضربين فإن كان الكافر مبتدئًا به يجب على المسلم رد سلامه وفي وصفه رده وجهان: أحدهما: يقول: وعليكم السلام ولا يزيده عليه ورحمة الله وبركاته.
والثاني: يقول وعليك لا يزيده لأنه ربما نوى سوءًا بسلامه وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اليهود إذا سلم أحدهم عليكم فإنها يقول: السام عليكم"، وقال أبو سليمان الخطابي: كان سفيان يروي عليكم بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وإذا دخل الواو يقع الاشتراك والدخول معهم فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين.
والسام الموت.
فإن كان المسلم مبتدئًا ففيه وجهان أحدهما: يجوز أن يبتدئ به لأنه لما كان السلام أدبًا وسنةً كان المسلم يفعله أحق فعلى هذا يقول: السلام عليك

الجزء: 13 - الصفحة: 209

على لفظ الواحد ولا يذكره بلفظ الجمع ليقع الفرق بين المسلم والكافر.
والثاني: لا يبتدئ بالسلام عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبتدئوا اليهود بالسلام فإن بدؤوكم فقولوا وعليكم".
فرع آخر دفن الموتى وتكفينهم وغسلهم فرض على الكفاية وهل يكون أولياءه فيه أسوة غيرهم؟ فيه وجهان أحدهما: جميع المسلمين فيه أسوة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، والثاني: أنهم أحق به من غيرهم وإن لم يتعين فرضه عليهم فمأثم تركه فيهم أغلظ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
فرع آخر إذا قلنا بالوجه الأول: لا يجوز لمن علم به من الأقارب والأجانب أن يمسكوا عنه حتى يقوم به أحدهم، وإن قلنا بالوجه الثاني: يجوز أن يفوضوا أمره إلى الأقارب فإن أمسك عنه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب.
فرع آخر لو لم يعلم بحال الميت إلا واحد تعين فرضه عليه وذلك بألا يوجد غيره ممن يقوم به، وإن وجد غيره ممن يقوم بمواراته فهو فيما تعين عليه من فرضه بين خيارين إما أن ينفرد بمواراته، وإما أن يخبر به من يقوم بمواراته فيسقط فرضه التعيين ويبقى فرض الكفاية على المخبِر والمخبَر حتى يواريه أحدهم فتصير هذه المواراة من فروض الكفاية في العموم ومن فروض الأعيان في الخصوص.
فرع آخر طلب العلم على أربعة أقسام أحدها: ما تعين فرصه على كل مكلف كالطهارة والصلاة فيلزمه العلم بوجوبه وصفة آدابه على تفصيله لقوله صلى الله عليه وسلم: "علموهم الطهارة والصلاة وهم أبناء سبع" ولا يلزم أن يعلم أحكام الحوادث فيها لأنها عارضة وإنما يلزم الراتب من شروطها.
والثاني: ما يتعين العلم بوجوبه على كل مكلف في تعيين فرض العلم بأحكامه على بعض المكلفين دون جميعهم وهو الزكاة والحج لأن فرضهما لا يتعين على كل مكلف فيتعين فرض الحكم على من تعين فرض الفعل فيكون برجوعه عامًا وفرض العلم بأحكامه خاصًا.
والثالث: ما تعين فرض العلم بوجوبه ولا يتعين فرض العلم بأحكامه وهو تحريم الزنا والقتل وأكل لحم الخنزير فيلزمهم العلم بتحريمه لينتهوا عنه، ولا يلزمهم العلم بأحكامه إذا فعل لأنهم منهيون عنه.
والرابع: ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو جميع الأحكام من أصول وفروع ونوازل لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وأراد فلولا نفر

الجزء: 13 - الصفحة: 210

من كل فرقة طائفة في الجهاد ليتفقد الطائفة المقيمة، وقيل: أراد فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة في طلب الفقه لتجاهد الطائفة المتأخرة.
فإن قيل: فما تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
قيل: له تأويلان أحدهما: أراد به علم ما لا يسمع جهله.
والثاني: أراد به جميلة العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية.
فرع آخر إذا ثبت أن طلب العلم من فروض الكفايات توجه فرضه إلي كل من تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مكلفًا بالبلوغ والعقل.
والثاني: أن يكون ممن يجوز أن يقلد القضاء بالحرية والذكورة لأن تقليد القضاء من فروض الكفايات.
والثالث: أن يكون من أهل الذكاء والتصور ليكون فهيمًا للعلم.
والرابع: أن يقدر على الانقطاع إليه بما يدمه فإن عجز عنه بعسر خرج من فرض الكفاية لقوله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرة إثمًا أن يضيع من يقوت".
فرع آخر متى تكاملت هذه الشروط الأربعة في عدل أو فاسق توجه فرض الكفاية إليه، لأن الفاسق مأمور بالإقلاع عن فسقه.
فرع آخر متى أقام بطلبه من فيه كفاية انقسمت حاله وحال من دخل في فرض الكفاية أربعة أقسام: أحدها: من يدخل في فرض الكفاية ويسقط به فرضها إذا علم وهو من تكاملت فيه الشروط الأربعة إذا كان عدلًا.
والثاني: من يدخل في فرض الكفاية ولا يسقط فرضها إذا علم وهو الفاسق لأنه لا يقبل قوله.
والثالث: من لا يدخل في فرض الكفاية ويسقط فرضها إذا علم وهو المعسر.
والرابع: من لا يدخل في فرض الكفاية وفي سقوط فرضها به وجهان، وهو المرأة، والعبد.
أحدهما: يسقط لأن قولهما في الفتاوى مقبول.
والثاني: لا يسقط لقصورهما عن ولاية القضاء والله أعلم.

الجزء: 13 - الصفحة: 211

باب جامع السير

قال الشافعي: "الحكم في المشركين حكمان فمن كان منهم أهل أوثان أو من عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب لم تؤخذ منهم الجزية وقوتلوا حتى يقتلوا أو يسلموا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".
قال في الحاوي: وهذه المسألة من كتاب الجزية وإنما قدمها المزني في الجهاد لتعلقها بأحكامه، والمشركون ثلاثة أصناف: أحدها: أهل الكتاب.
والثاني: من لهم شبهة كتاب.
والثالث: من ليس بأهل كتاب، ولا لهم شبهة كتاب.
فإن قيل: فلم جعلهم الشافعي صنفين وهم أكثر، فعنه جوابان: أحدهما: أنهم في حكم الجزية صنفان، وإن كانوا في غيرها من الأحكام أكثر.
والثاني: لأن الذين جاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على عهده صنفين.
فإن قيل: فلم أدخل أهل الكتاب في المشركين، وأطلق عليهم اسم الشرك وقد منع غيره من الفقهاء إطلاقه اسم الشرك عليهم، لأنه ينطلق على من جعل لله شريكًا معبودًا فعنه جوابان: أحدهما: لأن فيهم من جعل لله ولدًا وفيهم من جعله ثالث ثلاثة.
والثاني: لأنهم لما أنكروا معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضافوها إلي غيره جعلوا له شريكًا فيها، فلم يمتنع لهذين أن ينطلق عليهم اسم الشرك فأما أهل الكتاب فصنفان: أحدهما: اليهود ومن تبعهم من السامرة وكتابهم التوراة.
والثاني: النصارى ومن تبعهم من الصابئين وكتابهم الإنجيل، فهو لا يجوز أخذ الجزية منهم إن بذلوها مع أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وأما من ليس بأهل كتاب ولهم شبهة كتاب فهم المجوس، لأن وقوع الشك في كتابهم أجرى عليهم حكمه في حقن دمائهم، فيجوز أن تؤخذ منهم الجزية، ولا يجوز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم على الصحيح من المذهب وسيأتي شرحه.
وأما من ليس بأهل كتاب ولا لهم شبهة كتاب فهم أهل الأوثان ومن عبد ما استحسن من الشمس والنار فلا يجوز أن تقبل جزيتهم ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح

الجزء: 13 - الصفحة: 212

نساؤهم، سواء كانوا عربًا أو عجمًا، ويقاتلوا حتى يسلموا أو يقتلوا.
وقال مالك: تقبل جزيتهم إلا أن يكونوا من قريش، فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
وقال أبو حنيفة: تقبل جزيتهم إلا كانوا عجمًا ولا تقبل جزيتهم إن كانوا عربًا حتى يسلموا، احتجاجًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أدلكم على كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي الجزية إليكم بها العجم؟ شهادة إن لا إله إلا الله" فعم الجزية جميع العجم ما عم بالدين جميع العرب، فدل على افتراقهما في حكم الجزية.
وروى سليمان بن بريده عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلي إحدى خصال ثلاث، فإلي أيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلي إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" وهذا نص في أخذ الجزية من المشركين من غير أهل الكتاب ولأن من جاز استرقاق نسائهم جاز أخذ الجزية من رجالهم كأهل الكتاب، ولأن الجزية ذل وصغار، فإذا جرت على أهل الكتاب وهم أفضل، كان إجراؤها على من دونهم من عبادة الأوثان أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فكان الأمر بقتلهم حتى يسلموا عامًا، وخص منهم أهل الكتاب بقبول الجزية، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾.
فكان الدليل في هذا من وجهين: أحدهما: أن استثناء أهل الكتاب منهم يقتضي خروج غيرهم من استثنائهم، ودخولهم في عموم الأمر.
والثاني: أنه جعل قبول الجزية مشروطًا بالكتاب، فاقتضى انتفاؤها عن غير أهل الكتاب.
وروى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فكان على عمومه، إلا ما خصه دليل، ولأن عمر رضي الله عنه امتنع من أخذ الجزية من المجوس لشكه فيهم أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس

الجزء: 13 - الصفحة: 213

هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وقال رجل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: "أعجبت من أخذ الجزية من المجوس، وليس لهم كتاب فقال علي: كيف تعجب وقد كان لهم كتاب فبدلوا، فأسرى به، فدل ذلك على إجماع الصحابة على أنها لا تؤخذ من غير أهل الكتاب، ولأن كل مشرك لم تثبت له حرمة الكتاب لم يجز قبول جزيته كالعرب، ولأن كل ما منع الشرك منه في العرب منع منه العجم كالمناكح والذبائح.
فأما الجواب عن الحديث الأول فمن وجهين: أحدهما: أنه ضعيف، نقله أهل المغازي ولم ينقله أصحاب الحديث.
والثاني: حمله على أهل الكتاب بدليلنا.
وأما الجواب عن الحديث الثاني فمن وجهين: أحدهما: أن أكثر السرايا كانت إلي أهل الكتاب.
والثاني: حمله بأدلتنا على أهل الكتاب.
وأما الجواب عن قياسهم على أهل الكتاب، فالمعنى ثابت لهم من حرمة كتابهم، وأنهم كانوا على حق في إتباعه، وهذا معدوم في غيرهم من عبادة الأوثان، وقولهم: إنها صغار فكانت بعبدة الأوثان أحق.
مسألة: قال الشافعي: "ومن كان منهم أهل كتاب قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن لم يعطوا قوتلوا وقتلوا وسبيت ذراريهم ونساؤهم وأموالهم وديارهم".
قال في الحاوي: اعلم أن أهل الكتاب يوافقون عبدة الأوثان في حكمين ويفارقونهم في حكمين فأما الحكمان في الإنفاق: فأحدهم: أنه يجوز قتل أهل الكتاب كما يجوز قتل عبدة الأوثان.
والثاني: يجوز سبي أهل الكتاب كما يجوز سبي عبدة الأوثان.
وأما الحكمان في الافتراق فأحدهما: أنه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولا يجوز أخذها من عبدة الأوثان.
والثاني: أنه تستباح مناكح أهل الكتاب وذبائحهم ولا يستباح ذلك من عبدة الأوثان، وإذا كان كذلك وجب استواء الفريقين في وجوب القتال واختلافهما في الكف عنهم.
فأما أهل الكتاب فيجب قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فإن أسلموا أو بذلوا

الجزء: 13 - الصفحة: 214

الجزية، وجب الكف عنهم وإن امتنعوا منها وجب قتالهم حتى يقتلوا.
وأما عبدة الأوثان فيجب قتالهم حتى يسلموا، فإن أسلموا وجب الكفر عنهم، وإن لم يسلموا وجب قتالهم حتى يقتلوا، والفريقان في المهادنة سواء، إن دعت إليها حاجة هودنوا، وإن لم تدع إليها حاجة لم يهادنوا.
مسألة: قال الشافعي: "وكان ذلك كله فيئًا بعد السلب للقاتل في الأنفال.
قال ذلك الإمام أو لم يقله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل أبا قتادة يوم حنين سلب قتيله وما نفله إياه إلا بعد تقضي الحرب ونفل محمد بن مسلمة سلب مرحب يوم خيبر ونفل يوم بدر عددًا ويوم أحد رجلًا أو رجلين أسلاب قتلاهم وما عملته صلى الله عليه وسلم حضر محضرًا قط فقتل رجل قتيلًا في الأقتال إلا نفله سلبه وقد فعل ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما".
قال في الحاوي: يريد الشافعي بهذا ما غنم من أهل أموال الفريقين من أهل الكتاب وعبدة الأوثان يكون بعد تخميسه للغانمين، وسماه فيئًا، وإن كان باسم الغنيمة أخص لرجوعه إلي أولياء الله.
فيبدأ الإمام من الغنائم بأسلاب القتلى فيدفع سلب كل قتيل إلي قاتله، سواء شرطه الإمام أو لم يشرطه.
وقال مالك وأبو حنيفة: إن شرطه الإمام كان لهم وإن لم يشترطه كانوا فيه أسوة الغانمين احتجاجًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لأحد ما طابت به نفس إمامه" ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه".
وروى عمرو بن مالك الأشجع أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل.
وروي أنه وجد في بعض غزواته قتيلًا فسأله عنه قاتله، فقالوا: سلمه بن الأكوع.
فقال: له سلبه أجمع.
وقدا مضت هذه المسألة مستوفاة في كتاب قسمة الفيء والغنيمة.
فصل: فإذا ثبت عطاء السلب للقاتل استحقه بأربعة شروط: أحدها: أن يقتله والحرب قائمة ليكف كيده، فإن قتله اشتباك الحرب أو بعد انكشافها فلا سلب له.

الجزء: 13 - الصفحة: 215

والثاني: أن يكون مقبلًا على القتال ليكف شره، فإن قتله مدبرًا عن القتال أو معتزلًا له فلا سلب له.
والثالث: أن يكون ذا بطش في القتال وقوة فإن قتل زمنًا أو مريضًا أو شيخًا هرمًا أو صبيًا لا يقاتل مثله أو امرأة تضعف عن القتال فلا سلب له، ولو كان الصبي والمرأة يقاتلان عن قوة وبطش كان له سلبهما.
والرابع: أن يكون القاتل مغرورًا بنفسه في قتله، بأن يبارزه فيقتله أو يقتحم المعركة فيقتله فأما إن رماه بسهم من بعد بحيث يأمن على نفسه فلا سلب له.
فإذا استكملت هذه الشروط الأربعة في القتل لم يخل حال القاتلة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ممن يسهم له كالرجل الحر المسلم فيستحق السلب ولا يحمسه الإمام.
وقال مالك: يأخذ خمسه لأهل الخمس وليس بصحيح لما قدمنها من إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سلب قتيله، ولو يحمسه، واختلف أصحابنا هل يستحق السلب مع سهمه من المغنم أم لا، على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي في هذا الموضع أنه يجمع له بينهما، لأن السلب زيادة استحقها بالتغرير كالنفل.
والثاني: لا يجمع لع بينهما وينظر في السلب، فإن كان بقدر سهمه فأكثر أخذه ولا شيء له سواه، وإن كان أقل من سهمه أعطى تمام سهمه لما يلزم من التسوية بين الغانمين.
والثاني: أن يكون ممن لا يسهم له ولا يرضخ له كالمرجف والمخذل والكافر إذا لو يؤذن له فلا يستحق السلب؛ لأن لا حق له في المغنم.
والثالث: أن يكون ممن يرضخ له ولا يسهم كالصبي والعبد والمرأة والكافر والمأذون له، ففي استحقاقه للسلب وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم السلب للقاتل هل هو ابتداء عطية منه أو بيان لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾.
فأحد الوجهين: أنه ابتداء عطية، فعلى هذا يستحق القاتل، وإن لم يستحقه سهمًا.
والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، فعلى هذا لا يستحق إذا لم يستحق في الغنيمة سهمًا فإذا قيل باستحقاقه للسلب لم يرضخ له وجهًا واحدًا، وقد نص عليه الشافعي ففي سير الواقدي.
وإن قيل: لا يستحقه كان السلب مغنمًا، وزيد القاتل في رضخ لأجل بلائه في قتله.
فصل: فإن لم يقتله ولكن قطع بعض أعضائه، فعلى ثلاثة أقسام:

الجزء: 13 - الصفحة: 216

أحدها: أن يقطع منه ما لا يمنعه من الحضور ولا من القتال، كقطع أسنانه، أو جدع أنفه أو ثمل إحدى عينيه، فلا يستحق لبه، لأنه لم يكف كيده.
والثاني: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور والقتال جميعًا، كقطع يديه ورجليه فيستحق سلبه، لأنه قد عطله، فصار كقتله.
والثالث: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور ولا يمنعه من القتال كقطع الرجلين، أو يقطع ما يمنعه من القتال ولا يمنعه من الحضور، كقطع اليدين، فعلى استحقاقه لسلبه وجهان: أحدهما: يستحقه، لأنه قد كفه عن كمال الكيد.
والثاني: لا يستحقه، لأنه إن قطع رجليه قدر على القتال بيديه إذا ركبك وإن قطع يديه قدر على الحضور برجليه مكثرًا ومهيبًا، ولو أخذه أسيرًا ففي استحقاقه لسلبه قولان: أحدهما: يستحق سلبه، لأن من قدر على أسره كان على قتله أقدر.
والثاني: لا سلب له لأنه ما كف كيده ولا كف شره.
فصل: وأما السلب من مال المقتول ينقسم ثلاث أقسام" أحدها: ما يكون كله سلبًا يستحقه القاتل، وهو ما كان مقاتلًا فيه من ثياب وجبة أو مقاتلًا عليه من فرس أو مطية أو مقاتلًا به من سلاح وآلة.
والثاني: ما يكون مغنمًا ولا يكون سلبًا، وهو ما له في العسكر من كراع وسلاح وخيم وآلة.
والثالث: ما اختلف فيه، وهو ما كان معه في المعركة لا يقاتل به، ولكنه قوة له على القتال كفرس يجنبه معه، أو مال في وسطه أو حلي على بدنه، ففي كونه سلبًا وجهان: أحدهما: يكون سلبًا لقوته به.
والثاني: لا يكون سلبًا لأنه لا يقاتل به والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ثم يرفع بعد السلب خمسه لأهله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السلب مقدم في المغانم للقاتل، وفيما يستحق إخراجه منها بعد السلب قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا، أنه يخرج خمس المغانم بعد السلب مقدمًا

الجزء: 13 - الصفحة: 217

على الرضخ يصرفه في أهل الخمس، لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾.
فكان على عمومه في جميع الغنيمة إلا ما خصه السنة من السلب.
والثاني: أنه يقدم إعطاء قبل إخراج الخمس، لأنه من جملة المصالح اعتباراً بالسلب، ويستوي على القولين قليل الغنيمة وكثبرها سواء أخذت قهراً بقوة أو أخذت خلسة بضعف في إخراج خمسها.
وقال أبو حنيفة: إن أخذوها قهراً وهم ممتنعون بقوة خمسة وإن أخذوها خلسة وهم في غير متعة لم تخمس.
وقال أبو يوسف: المتعة عشرة فأكثر احتجاجاً بأن الغنيمة من أحكام الظفر الذي يعز به الإسلام، ويقال به الشرك وهذا في المأخوذ خلسة وتلصصاً.
ودليلنا عموم قول الله تعالي" ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
فكان على عمومه ولأن الغنيمة ما غلب المشرك عليه وأخذ منه بغير اختياره، وهذا موجود في هذا المأخوذ ولأن كل ما وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد الكثير وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد القليل كالركاز، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا كان في منعة خمسة، وإن كان في غير منعة كما لو أذن له الإمام، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا أذن له الإمام خمسة، وإن لم يأذن له كما لو كانوا في منعة، ولأنه لا فرق بين التسعة والعشرة في العز والذل، فلم يقع الفرق بينهما في الغنيمة والتلصص.
فصل: فإذا ثبت هذا كان ذلك بعد إخراج خمسه ملكًا لغانمة.
وقال الحسن البصري: يؤخذ منهم لبيت المال عقوبة لهم ويعزروا عليه لتعزيزهم بأنفسهم، وهذا خطأ لعموم الآية، ولأنه ليس التعزير مع العدو محظورًا يوجب التعزير.
روى محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرض على الجهاد يوم بدر ونفل كل امرئ ما أصاب، وقال: والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا دخل الجنة".
فقال عمير بن حمام، وفي يده ثمرات يأكلهن: بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن قتلني هؤلاء القوم، ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول: ركضا إلي الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضه النفاد غير التقى والبر والرشاد

الجزء: 13 - الصفحة: 218

مسألة: قال الشافعي: "وتقسم أربعة أخماسه بين من حضر الوقعة دون من بعدها واحتج بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قالا: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا خرج من الغنيمة خمسها، ورضخ من لا سهم له فيها كان باقيها للغانمين الذين شهدوا الوقعة يشترك فيها من قاتل ومن لم يقاتل، لأنه كان ردًا للمقاتل قال الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فلما أضاف الغنيمة إليهم استثنى خمسها منهم دل على أن باقيها لهم، كما قال تعالى: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكان الباقي بعد الثلث للأب، فإن لحق بمن شهد الوقعة مدد من المسلمين عونًا لهم فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يلحقوا بهم قبل تقضي الحرب وانكشافها، فالمدد يشركهم في غنيمتها إذا شهدوا بقية حربها.
والثاني: أن يلحقوا بهم بعد تقضي الحرب وإجازة غنائمها فلا حق لهم في غنيمتها سواء أدركوهم في دار الحرب أو بعد خروجهم منها.
والثالث: أن يلحقوا بهم بعد تفضي الحرب وإجازة غنائمها، فشهدوا معهم إجازتها ففيها قولان: أحدهما: يشاركونهم فيها.
والثاني: لا يشاركونهم.
وهذان القولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما تملك بع الغنيمة بعد إجازتها فأحد قوليه: إنها تملك بحضور الواقعة فعلى هذا لا حق للمدد فيها.
والثاني: إنهم ملكوا بالحضور أن يتملكوها بالإجازة، فعلى هذا يشاركهم المدد فيها ويخرج على القولين ... المدد بهم بعد الوقعة وإجازة الغنائم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن لحق بهم المدد وهم في دار الحرب أو بعد خروجهم من دار الحرب وبعد قسمة الغنائم في دار الإسلام لم يشركوهم استدلالًا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن عامر إلي أوطاس، فعاد وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم حنينًا فأشركهم في غنائمها.
وبما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلي أمراء الأجناد أن من جاءكم من الإمداد قبل أن يتفقا القتلى فأعطوه من الغنيمة.
وروى الشعبي أن عمر كتب بذلك إلي سعد بن أبي وقاص، ولأن القوة بالمدد هي المؤثرة في الظفر فصاروا فيها كالمكثر والمهيب، فوجب أن يكونوا بمثابتهم في المغنم،

الجزء: 13 - الصفحة: 219

ولأن الغنيمة لا تملك عنده إلا بالقسمة لأمرين: أحدهما: أنه لا يجوز لواحد منهم بيع سهمه منها قبل القسمة، ويجوز بيعه بعدها.
والثاني: أنه لو استولى المسلمون على قرية من بلادهم دفعهم المشركون عنها، وفتحها آخرون من المسلمين كانت غنيمة للآخرين دون الأولين ودليلنا قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فأضافها إلي الغانمين فدل على أنه لا حق فيها لغيرهم.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد بن العاص من المدينة في سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين وقد فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله فقال: "اجلس يا أبان" ولو يقسم له.
وروى أبو بكر رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة".
وقد رواه الشافعي موقوفًا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو أثبت، ووقوفه عليهما حجة؛ لأنه لم يظهر لهما مخالف؛ ولأن أبا حنيفة وافقهما في المدد لو كانوا أسرى في أيديهم فقتلوا منهم ولحقوا بالمسلمين لم يسهم لهم، فكذلك غير الأسرى ولو لحقوا بهم في الوقعة شاركوهم فكذلك غير الأسرى، ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان: أحدهما: أنه وصول بعد القفول فلم يشركوا في الغنيمة كالأسرى.
والثاني: أن ما لم يشاركهم فيه الأسرى لم يشاركهم فيه المدد، قياسًا على ما بعد قسمة الغنيمة.
فأما الجواب عن حديث عبد الله بن عامر فهو أنه كان في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين وأنفذه إلي أوطاس، وهو واد بقرب حنين حين بلغه أن فيه قومًا من هوازن، فكان من جملة جيشه، ومستحق الغنيمة فلذلك قسم له وخالف من ليس منهم.
وأما حديث عمر فهو: إن صح مما لا يقول به أبو حنيفة؛ لأنه جعل استحقاق الغنيمة معتبرًا بفقء القتلى وفقؤهم غير معتبر فلم تكن فيه حجة.
وأما الجواب عن الظفر بالمدد فمن وجهين: أحدهما: بطلانه بالمدد اللاحق بعد القسم.
والثاني: أن أسباب الظفر ما تقدمت أو قاربت، ولو كانت مما تأخرت لكانت بمن أقام ولم ينفر، وأما الجواب عن استدلالهم بأنها لا تملك إلا بالقسمة: فهو أن أصل لهم يخالفهم فيه كالخلاف في قرعة، واحتجاجهم فيه بأن القرى للآخرين فنحن نجعلها

الجزء: 13 - الصفحة: 220

للأولين، وقولهم إن بيعها قبل القسمة لا يجوز، فنحن نجوزه إذا اختار الغانم تملكها ونجعل بيعها اختيارًا لتملكها فلم يسلم لهم بناء على أصل ولا استشهاد.
مسألة: قال الشافعي: " ويسهم للبرذون كما يسهم للفرس سهمان وللفارس سهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا اختلاف أن الفارس يفضل في الغنيمة على الراجل، فضل عنائه واختلفوا في قدر تفضيله، فالذي ذهب إليه الشافعي وأهل مكة ومالك من أهل المدينة والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل مصر وهو قول جمهور أهل العراق أن للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، سهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد.
وقال أبو حنيفة دون أصحابه ولا يعرف له موافق عليه: أن للفارس سهمين سهم له وسههم لفرصه لئلا يفضل فرسه عليه وللراجل واحد، وقد تقدم الكلام معه فيها في كتاب "قسم الفيء والغنيمة" بما أغنى عن إعادته.
وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه.
وروى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر للزبير بن العوام بأربعة أسهم له، وسهمان لفرسه، وسهم لأمه صفية بنت عبد المطلب من سهم ذوي القربى.
فصل: ولا فرق في الخيل بين عتاقها وهجانها وبين سوابقها وبراذينها في الاستحقاق، سهمين لهما، وسهمًا لفارسهما.
وقال سلمان بن ربيعة، والأوزاعي: يسهم للخيل العتاق ولا يسهم للبراذين الهجان ويعطى فارسها سهم راجل.
وقال أحمد بن حنبل: يسهم للبرذون الهجين نصف سهم العربي العتيق، فيعطى فارس البرذون سهمين ويعطى فارس العربي العتيق ثلاثة أسهم، وفرقوا بين البراذين والعتاق، بأن البرذون يثني يده إذا شرب ولا يثنيها العتيق، احتجاجًا بأن البراذين لا تعنى عناء العتاق والسوابق في طلب ولا هرب فشابهت البغال والحمير، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ﴾ فعم الحكم في ارتباط الخيل بما يجعل من رهبة العدو بها وهذا موجود في عموم الخيل وفيه قوله: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ فيه أربعة تأويلات:

الجزء: 13 - الصفحة: 221

أحدها: أن القوة التصافي واتفاق الكلمة.
والثاني: أن القوة الثقة بالنصر والرغبة في الثواب.
والثالث: أن القوة السلاح، قال له الكلبي.
والرابع: أن القوة في الرمي.
وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "قال الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ثلاثًا.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اربطوا الخيل فإن ظهورها عز وبطونها لكم كنز" فعم بالخيل جميع الجنس؛ ولأنه عتاق الخيل أجرى وأسبق، وبراذينها أكر وأصبر، فكان في كل واحد منهما ما ليس في الآخر فتقابلا ولأن عتاق الخيل عراب، وبراذينها أعاجم، وليس يفرق في الفرسان بين العرب والعجم، وكذلك الخيل لا يفرق بين شديد الخيل وضعيفه، فكذلك في السابق والمتأخر.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعطى إلا لفرس واحد".
قال في الحاوي: وهو كما ذكر، وقال الأوزاعي وأبو يوسف وأحمد: يسهم لفرسين ولا يسهم لأكثر منهما؛ لأنه قد يعطب الواحد فيحتاج إلي ثان، فصار معدًا للحاجة، فوجب أن يسهم له، وهذا التعليل موجود في الثالث؛ لأنه قد يعطب الثاني، ولا يوجب ذلك أن يسهم لثالث، فكذلك الثاني؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حضر بأفراس فلم يأخذ إلا سهم فرس واحد، وكذلك حضر كثير من أصحابه فلم يعطوا إلا سهم فرس واحد، وبذلك جرت سيرة خلفائه الراشدين من بعده، ولأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد وما عداه زينة أو عدة، فلم يقع الاستحقاق إلا في المباشر بالعمل كخدمة الزوجة لما باشرها الواحد، وكان من عداه زينة، أو عدة لم يستحق إلا نفقة خادم واحد.
فصل: فإذا قاتل المسلم على فرس مغصوب أخذ به سهم فارس ثلاثة أسهم، ثم نظر في مالكه فإن كان مسلمًا حاضرًا كان سهم الفرس، وهو سهمان من الثلاثة ملكًا لرب الفرس، دون غاصبه لأنه إذا حضر به الوقعة استحق سهمه، وإن لم يقاتل عليه فكذلك يستحقه، وإن قاتل عليه غيره، وإن كان مالك الفرس غير حاضر كان سهمه لغاصبه دون مالكه، وللمالك على الغاصب أجره مثله، وكذلك لو كان مالكه ذميًا حاضرًا؛ لأن سهم الفرس صار مستحقًا بالقتال عليه، وذلك موجود في الغاصب دون المالك.

الجزء: 13 - الصفحة: 222

مسألة: قال الشافعي:" ويرضخ لمن لم يبلغ والمرأة والعبد والمشرك إذا قاتل ولمن استعين به من المشركين".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من لم يكن من أهل الجهاد إذا حضر الوقعة رضخ له ولم يسهم، وهو الصبي والمرأة والعبد.
وقال الأوزاعي يسهم لجميع من شهد الوقعة وإن كانوا صبيانًا ونساء وعبيدًا، احتجاجًا بما رواه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لهم، وهذا خطأ لما روي أن نجدة الحروري كتب إلي ابن عباس يسأله عن النساء هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل كان يضرب لهن سهم، فكتب إليه ابن عباس: قد كن يحضرن الحرب، ويسقي الماء، ويداوين الجرحى، فكان يرضخ لهن ولا يسهم، ولأن السهم حق يقابل فرض الجهاد فاقتضى أن يسقط من حق من لم يفترض عليه الجهاد وخالف أصحاب الأعذار من الفقراء والمرضى الذين يسهم لهم إذا حضروا، لأن فرضه يجب عليهم بالحضور، ولذلك لم يجز لأصحاب الأعذار أن يولوا عن الوقعة وجاز لمن ليس من أهل الجهاد أن يولي عنها، وما رواه الأوزاعي من السهم لهم محمول على الرضخ، لأن السهم النصيب، وهكذا من استعان به الإمام من المشركين رضخ لهم، ولم يسهم، لرواية مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بقوم من يهود بني قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم.
فإذا ثبت أنه يرضخ لهم ولا يسهم، فإن كان مستحق الرضخ مسلمًا، كان رضخه من الغنيمة وهل يكون من أصلها؟ أو من أربعة أخماسها؟ على قولين مضيا وإن كان مشركًا فعلى قولين: أحدهما: من سهم المصالح وهو خمس الخمس، سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه من الغنيمة وهل يكون من أًلها أو من أربعة أخماسها؟ على قولين كالمسلم.
مسألة: قال الشافعي: "ويسهم للتاجر إذا قاتل".
قال في الحاوي: وللتاجر إذا خرج مع المجاهدين ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقصد الجهاد بخروجه، وتكون التجارة تبعًا لجهاده، فهذا يسهم له إذا حضر الوقعة، وسواء قاتل أو لم يقاتل، يكون كغيره من المجاهدين الذين لم يتجروا، كما لو قصد الحج فاتجر كان له حجة، ولا تؤثر فيه تجارته.
والثانية: أن يقصد التجارة، ويتخلف في المعسكر تشاغلًا بها، فهذا لا يسهم

الجزء: 13 - الصفحة: 223

اعتبارًا بقصده وعدم أثره في الوقعة.
والثالثة: أن يقصد التجارة ويشهد الوقعة، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقاتل فيسهم له، نص عليه الشافعي بلائه في الحرب.
والثاني: أن لا يقاتل ففيه قولان: أحدهما: يسهم له لقوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأنه قد كثر وهيب وتجارته منفعة تعود على المجاهدين، فلم يحرم بها سهمه معهم.
والثاني: لا يسهم له ولا يعطى رضخ كالإتباع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجر أم قيس"من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلي ما هاجر إليه" ولأن ما قصده بالخروج من فضل التجارة قد وصل إليه، فلم يزد عليه فيصير به مفضلًا على ذوي النيات في الجهاد، وهذا لا يجوز، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وتقسم الغنيمة في دار الحرب، قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث غنمها وهي دار حرب بني المصطلق وحنين وأما ما احتج به أبو يوسف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بعد قدومه المدينة وقوله: الدليل على ذلك أنه أسهم لعثمان وطلحة ولم يشهد بدرًا فإن كان كما قال فقد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعطي أحدًا لم يشهد الوقعة ولم يقدم مددًا عليهم في دار الحرب وليس كما قال.
قال الشافعي: ما قسم عليه السلام غنائم بدر إلا بسير شعب من شعاب الصفراء قريب من بدر فلما تشاح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غنيمتها أنزل الله عز وجل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها وهي له تفضلًا وأدخل معهم ثمانية أنفار من المهاجرين والأنصار بالمدينة وإنما نزلت ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ بعد بدر ولم نعلمه أسهم لأحد لم يشهد الوقعة بعد نزول الآية ومن أعطى من المؤلفة وغيرهم فمن ماله أعطاهم لا من الأربعة الأخماس وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي فذلك قبل بدر ولذلك كانت وقعتهم في آخر الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وليس مما خالف فيه الأوزاعي في شيء".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر، الأولى بالإمام أن يعجل قسمة الغنيمة في دار الحرب، إذا لم يخف ضررًا، فإن أخرها إلي دار الإسلام كره له ذلك إلا من عذر.
[وقال أبو حنيفة: يؤخر قسمها إلى دار الإسلام في دار الحرب وقال]

الجزء: 13 - الصفحة: 224

مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب ويؤخر قسم السبي إلي دار الإسلام، واستدل من منع قسمها في دار الحرب برواية مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بعد مقدمه إلي المدينة وأعطى عثمان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف منها، ولأن عبد الله بن جحش حين غنم ابن الحضرمي بعد قتله لم يقسم غنيمته حتى قدم بها المدينة، وكانت أول ما غنمه المسلمون قالوا: وقد روى مكحول قال: ما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمته قط في دار الحرب ولا يقول مكحول هذا قطعًا وهو تابعي إلا عن اتفاق الصحابة، قالوا: ولأنها في دار الحرب تحت أيديهم، واستدامة قبضتهم، فوجب أن يمنعوا من قسمها كما منعوا من بيع ما لم يقبض، ولأنها في دار الحرب معرضة للاسترجاع فلم يجز قسمها كما لو كانت الحرب قائمة.
ودليلنا ما رواه الشافعي بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل ابن مسعود سيف أبي جهل ببدر، والنقل من القسم.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا حفاة عراة جياعًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأشبعهم".
فانقلب القوم حيث انقلبوا ومع كل واحد منهم الحمل والحملان، وقد كساهم، وأطعمهم، وانقلابهم من بدر بهذا يكون بعد القسمة، فدل على أنه قسمها ببدر.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق يوم المريسيع على مياههم، ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس فاشتراها منه، وأعتقها وتزوجها، وقسم غنائم خيبر لها، وعامل عليها أهلها، وقسم غنائم حنين مع السبي بأوطاس، وهو وادي حنين، وأعطى منها المؤلفة قلوبهم، وقد نقل أهل السير والمغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غنم غنيمة قط إلا قسمها حيث غنمها، ولأن كل موضع صحت فيه الغنيمة لم يمنع فيه من القسمة كدار الإسلام، ولأن كل غنيمة صح قسمها في دار الإسلام لم تكره قسمتها في دار الحرب تعجيل الحقوق إلي مستحقيها، فكان أولى من تأخيرها، ولأن حفظ ما فسم أسهل والمؤونة في نقله أخف فكان أولى.
فأما الجواب عن حديث ابن عباس: أنه قسم غنائم بدر بالمدينة فمن وجهين: أحدهما: أنا روينا خلافه، فتعارضت الروايتان.
والثاني: أن المهاجرين والأنصار تشاجروا فيها، فأخرها لتشاجرهم، حتى جعلها

الجزء: 13 - الصفحة: 225

الله تعالى لرسوله بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فحينئذ قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأيه، وأدخل فيهم ثمانية لم يشهدوا بدرًا، ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار.
وأما حديث مكحول مرسل، والنقل المشهور بخلافه.
وأما الجواب عن تأخير عبد الله بن جحش غنيمة ابن الحضرمي إلي المدينة فمن وجهين: أحدهما: أنها كانت في الأشهر الحرم فشكوا في استباحتها، فأخروها حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والثاني: أن عبد الله بن جحش لم يعلم مستحق الغنيمة وكيف تقسم، فأخرها حتى استعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
وأما الجواب عن قياسهم على بيع ما لم يقبض، فمن وجهين: أحدهما: أن ما لم يقبض من المبيعات مضمون على بائعه، فمنع من بيعه قبل قبضه، وهذا غير مضمون فافتقرا.
والثاني: أن يد الغانمين أثبت، لأن يد المشركين عليه بحكم الدار ويد الغانمين عليه بالاستيلاء والمشاهدة، فصار كرجل في دار رجل وفي يده ثوب، فادعاه صاحب الدار لأن صاحب اليد أحق من صاحب الدار، لأن صاحب الدار يده من طريق الحكم ويد القابض من طريق المشاهدة فكانت أقوى وكان بالملك أحق.
فأما الجواب عن قولهم إنها معرضة للاسترجاع فهو أنها كذلك فيما اتصل من دار الإسلام بدار الحرب، ولا يمنع ذلك من جواز قسمتها، فكذلك في دار الحرب، فأما مع بقاء الحرب فلم يستقر الظفر فيستقر عليها ملك للغانمين أو يد.
مسألة: قال الشافعي: "ولهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم في دار الحرب فإن خرج أحد منهم من دار الحرب وفي يده شيء صيره إلي الأمام".
قال في الحاوي: يجوز لأهل الجهاد إذا دخلوا دار الحرب أن يأكلوا طعامهم، ويعلفوا دوابهم، ما أقاموا في دارهم، ولا يحتسب به عليهم من سهمهم، لرواية عبد الله من مغفل قال: دلى جراب من شحم يوم خيبر، قال فأتيته فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم منه أحدًا شيئاً ثم التفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، فدل تبسمه منه وتركه عليه على إباحته له.

الجزء: 13 - الصفحة: 226

وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، قال: فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه وينصرف، فدل ذلك على إباحته، ولأن أزواد المجاهدين تنفذ ويصعب نقلها من بلاد الإسلام إليهم، ولا يظفرون بمن يبيعها عليهم، فدعت الضرورة إلي إباحتها لهم.
فإذا ثبت إباحتها لهم، فقد اختلف أصحابنا هل تعتبر الحاجة في استباحتها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول الجمهور والظاهر من مذهب الشافعي، أن الحاجة غير معتبرة في استباحتها وأنه يجوز لهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم، مع الحاجة، والغنى والوجود والعدم، واعتبارًا بطعام الولائم.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا يستبيحونه إلا مع الحاجة اعتبارًا بأكل المضطر من طعام غيره هو ممنوع منه إلا عند حاجته واعتباره بالمضطر خطأ من وجهين: أحدهما: أن المضطر لا يستبيح إلا عند خوف التلف وهذا مباح، وإن لم يخف التلف.
والثاني: أن المضطر ضامن، وهذا غير ضامن فافترقنا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من إباحة الأكل، جاز أن يأكل ما يقتاته وما يتأدم به وتفكه من ذلك ولا يقتصد على الأقوات وحدها اتفاق من أصحابنا وهو حجة أبي علي بن أبي هريرة في اعتبار الحاجة، ويجوز أن يدخر منه، إذا اتسع قدر ما يقتاته مدة مقامه، فإن ضاق كان أسوة غيره فيه، ويجوز أن يذبح المواشي ليأكلها، ولا يذبحها لغير الأكل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبح البهائم إلا لمأكله.
ولا يجوز أن يتخذ جلودها حذاء ولا سقاء لاختصاص الإباحة بالأكل، فأشبه طعام الولائم، ولا يجوز أن يعدل عن المأكول والمشروب إلي ملبوس ومركوب، فأما الأدوية فضربان: طلاء ومأكول.
فأما الطلاء من الدهن والضماد فمحسوب عليه إن استعمله، وأما المأكول ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ممنوع منه إلا بقيمة محسوبة عليه من سهمه لخروجها عن معهود المأكول.
والثاني: أنها مباحة له وغير محسوبة عليه لأن ضرورته إليها أدعى، فكانت الإباحة أولى.
والثالث: أنها إن كانت لا تؤكل إلا تداويًا، حسبت عليه من سهمه وإن أكلت لدواء غير دواء لم تحسب عليه.

الجزء: 13 - الصفحة: 227

فصل: فأما علوفة دوابهم وبهائمهم فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا يستغني عنه في جهاده، من فرس يقاتل عليه وبهيمة يحمل عليها رحله، فيجوز أن يعلفها من مال أهل الحرب ما تعتلفه البهائم من شعير وتبن وقت، ولا يتعدى الغرف فيه إلي غيره، لأن ضرورتها فيه كضرورته.
والثاني: ما استصحب للزينة والفرجة كالفهود والنمور والبزاة المعدة للاصطياد، فلا يجوز أن يعلفها من مال أهلي الحرب، لأنها غير مؤثرة في الجهاد، فإن أطعمها كان محسوبًا عليها.
والثالث: ما حمله للاستظهار به لحاجة ربما دعت إليه كالجنيبة التي يستظهر بها لركوبه، أو بهائم يستظهر بها لحمولته ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يعلفها من أموالهم، لأنه عدة يقوى بها عليهم.
والثاني: لا يجوز أن يتعدى بها مال نفسه، وإن علفها من أموالهم كان محسوبًا عليها من سهمه اعتبارًا لحاجته في الحال التي هم عليها، وكما لا يسهم إلا لفرس واحد، وإن استظهر بغيره، ولا يجوز أن يتجاوز العلوفة إلي أنعال دوابه، ولا أن يوقع حوافرها ويدهن أشاعرها من أموالهم، فإن فعل كان محسوبًا عليه.
فصل: فأما ما عدا الطعام والعلوفة من الثياب والدواب والآلة والمتاع فجميعه غنيمة مشتركة يمنع منها، وإن احتاج إليها، فإن لبس ثوبًا منها فأخلقه، أو ركب دابة فهزلها استرجع ذلك منه ولزمه أجرة مثله وغرم نقصه كالغاصب.
روى رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا خلق رده فيه" ولأن المضطر في دار الإسلام يستبيح أكل الطعام دون الثياب، فكذلك المجاهد في دار الحرب فإن اشتدت ضرورة بعض المجاهدين إلي ثوب يلبسه استأذن فيه الإمام، وأعطاه من الثياب ما يدفع به ضرورته، ويكون محسوبًا عليه من سهمه، وإذا نفقت دابته أو قتلت في المعركة لم يستحق بدلها من المغنم، كما لو مات المجاهد أو قتل لم يلزم غرم ديته، فإن اشتدت ضرورته إلي ما يركبه لقتال أو غيره، استأذن الإمام حتى يعطيه إما من خمس الخمس نفلًا، وإما من الغنيمة سلفًا من سهمه، يفعل منها ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن شرط لهم الإمام أن من قتل فرسه في المعركة كان له مثلها أو ثمنها، جاز ليحرضهم على الإقدام، ووفى بشرطه

الجزء: 13 - الصفحة: 228

ودفع إليهم مثلها أو ثمنها بحسب الشرط، ولم يقتصر على حكم ضمان المستهلك في غرم قيمة الدابة، وجاز أن يعدل إلي المثل والثمن، لأن ذلك من عموم المصالح التي يتسع حكمها ويكون ما يدفعه من ذلك من خمس الخمس، سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المعد للمصالح العامة.
فصل: ويجوز أن يتابع المجاهدون في دار الحرب ما أخذوه من طعامهم رطلًا برطلين، ولا يكون إذا باعه مجاهد على مجاهد، لأنه مباح الأصل بينهم فسقط فيه حكم الربا، نص عليه الشافعي في سير الواقدي، وإن كان تحريم الربا عنده في دار المشركين كتحريمه في دار الإسلام، ولا يجوز أن يبيعه بذهب ولا ورق، ويكون مقصورًا على بيع المأكول بمأكول كما كان مقصورًا على إباحة المأكول، فإن تأخر قبض البدل فيه سقطت المطالبة به لإباحة أصله، فإن أراد المجاهد أن يبيعه على من ليس بمجاهد لم يجز بيعه بأكثر منه ولا بثمنه ولا بثمن في الذمة ويكون مبيعًا باطلًا على الأحوال كلها، وإن عقد على شروط الصحة لأن الإباحة مقصورة على الأكل دون البيع كطعام الولائم، وهكذا لو دفعه المجاهد قرضًا لغيره منع إن كان مقترضه غير مجاهد ولم يمنع إن كان مقترضه مجاهدًا ويصير مقترضه أحق به ولا يستحق استرجاع بدله، وإذا أراد المجاهد أن يبيع طعامًا له حمله من دار الإسلام على مجاهد أو غير مجاهد جاز وحرم له فيه الربا، وإن أقرضه استحق استرجاع بدله بخلاف المأخوذ من طعام أهل الحرب للفرق بينهما بإباحة هذا وحظر ذاك.
فصل: وإذا خرج المسلمون من دار الحرب ومعهم من بقايا ما أخذوه من طعامهم ففي وجوب رده إلي المغنم قولان: أحدهما: نص عليه هاهنا أن عليهم رده إلي المغنم لارتفاع الحاجة، فإن استهلكوه كان محسوبًا عليه من سهامهم.
والقول الثاني: نص عليه في سير الأوزاعي لا يلزمهم رده، لأنه موضوع على الإباحة، وبه قال الأوزاعي وقد روى نافع عن ابن عمر أن جيشًا غنموا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما بقي معهم من الطعام قبل قسم الغنيمة رده في الغنائم، وما بقي بعد قسمتها باعوه وتصدقوا بثمنه وعلى مذهب الشافعي إن لم يجب رده على أحد قوليه كانوا أحق به قبل الغنم ويجوز لهم بيعه بعد خروجهم من دار الحرب، ولا يجوز لهم بيعه قبل خروجهم منها، وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد ملك، وإن وجب رده على القول الثاني ردوه إلي المغنم قبل القسم، وعلى الإمام بعد القسم وليس لهم بيعه ولا التصدق

الجزء: 13 - الصفحة: 229

بثمنه، لأنه حق للغانمين وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد حظر، فيجوز أن يأكلوه في دار الحرب ولا يأكلوه في دار الإسلام، ولا يجوز لهم بيعه في دار الحرب ولا في دار الإسلام والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وما كان من كتبهم فيه طب أو ما لا مكروه فيه بيع وما كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته".

قال في الحاوي: كتبهم مغنومة عنهم، لأنها من أموالهم وهي ضربان: أحدهما: ما ليس بمحظور على المسلمين وهو ما فيه طب أو حساب، أو شعر، أو أدب فتترك على حالها، وتقسم في المغنم مع سائر أموالهم.
والثاني: ما كان محظورًا على المسلمين من كتب شركهم وشبه كفرهم فلا يجوز أن تترك على حالها، وكذلك التوراة والإنجيل لأنهما قد بدلا وغيرا عما أنزلهما الله تعالى عليه فجرت في المنع من تركها على حالها مجرى كتب شركهم، فتغسل ولا تحرق بالنار، وإن اختار بعض الفقهاء إحراقها، لأنه ربما كان فيها من أسماء الله تعالى ما يصان عن الإحراق، ولأن في أوعيتها إذا غسلت منفعة لا يجوز استهلاكها على الغانمين، فإن لم يكن غسلها مزقت، حتى يخفض ما فيها من الشرك، ثم بيعت في المغنم إن كان لها قيمة.
فصل: فأما خمورهم فتراق ولا تباع عليهم ولا تباع عليهم، ولا على غيرهم لتحريمها وتحريم أثمانها، فأما أوانيها فإن أمكن حملها إلي دار الإسلام لنفاستها وكثرة أثمانها ضمت إلي الغنائم، وإن لم يكن حملها فإن غلب المسلمون على دارهم قسمت بينهم لينتفعوا بها بعد غسلها، وإن لم يغسلوا على دارهم كسرت ولم تترك عليهم صحاحًا لئلا يعاود الانتفاع بها في حظور.
وأما خنازيرهم فتقتل سواء كانت مؤذية أو غير مؤذية، وقد قال الشافعي في سير الواقدي: تقتل إن كان فيها عدوى ولم يرد بذلك تركها إن لم يكن فيها عدوى، وإنما أراد تعجيل قتلها خوف ضررها وإن كانت عادية وإن وجب قتلها عادية وغير عادة، لأن الخمر تراق وإن لم يكن فيها عدوى، فإن تعذر عليهم قتلها تركها كما يتركهم إذا تعذر قتلهم.
وأما جوارح الصيد فما كان مباح الأثمان من الفهود والنمور والبزاة قسمت بين الغانمين مع الغنائم، فأما الكلاب فضربان: أحدهما: ما لا منفعة فيه فلا يتعرض لأخذه، ثم ينظر فيها كان منها عقورًا

الجزء: 13 - الصفحة: 230

مؤذيًا قتل، وترك ما عداه.
والثاني: يكون منتفعًا بها إما في صيد أو ماشية أو حرث فيجوز أخذها ليختص بها من الغانمين أهلي الانتفاع بها، فيدفع كلاب الصيد إلي أهل الصيد خاصة، وتدفع كلاب الماشية إلي أهل الماشية، وكلاب الحرث إلي أهل الحرث، ولا يعوض بقية الغانمين عنها؛ لأنه لا قيمة لها فإن لم يكن في الغانمين من ينتفع بها أعدها لأهل الخمس، لأن فيهم من ينتفع بها.
مسألة: قال الشافعي: "وما كان مثله مباحًا في بلاد الإسلام من شجر أو حجر أو صيد في بر أو بحر لمن أخذه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وجد في دار الحرب ما يكون مثله مباحًا في دار الإسلام، وذلك خمسة أنواع صيد، وأشجار، وأحجار، وثمار، ونبات، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون عليه أثر الملك، وهو أن يكون الصيد موسومًا أو مقرطًا، أو تكون الأشجار مقطوعة، وأن تكون الأحجار مصنوعة، وأن تكون الثمار مقطوفة، وأن يكون النبات مجذودًا فهذه آثار تدل على الملك، فتكون غنيمة لا ينفرد بها واجدها لأن مثل هذه الآثار تمنع من استباحتها في دار الإسلام فخرجت عن حكم المباح في دار الشرك.
والثاني: أن يكون على خلقه الأصلي ليس فيها أثار يرد، ولا صنعة فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون في أملاكهم، فهي غنيمة لا يملكها واجدها اعتبارًا بأصولها إلا الصيد، فإن كان مربوطًا فهو في حكمها غنيمة، وإن كان مرسلًا فهو على أصل الإباحة وما فيه من أحجار وأشجار وثمار ونبات وعسل ونحل وصيد مباح تبع لأصله، يأخذه واجده ولا يكون غنيمة.
وقال أبو حنيفة: يكون جميعه غنيمة يمنع واجده منه إلا الحشيش وحده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" وما عداه غنيمة تقسم بين الغانمين استدلالًا بأنه ذو قيمة، فوجب أن يكون مغنومًا كسائر أموالهم.
ودليلنا هو أن ما كان أصله على الإباحة في دار الإسلام كان على الإباحة في دار الحرب كالحشيش، ولأنها دار يستباح حشيشها فاستباح ما لم يجز عليه ملك من صاحبها كدار الإسلام، ولأن دار الإسلام أغلط خطرًا من دار الشرك فكان ما استبيح فيها أولى أن

الجزء: 13 - الصفحة: 231

يستباح في دار الشرك.
والجواب عن قياسه مع انتفاضة بالحشيش أن معنى أصله أنه مملوك وهذا غير مملوك.
فصل: فأما معادن بلادهم: فإن كانت مملوكة فهي غنيمة، وإن كانت في موات مباح فهي كمعادن مواتنا، ونظر ما فيه فإن كان ظهر بعمل تقدم فهو غنيمة لا يملكه آخذه، وإن كان كامنًا فهو ملكه آخذه.
وأما الركاز فإن كان في أرض مملوكة، فهو غنيمة، وإن كان في موات مباح أو طريق سابل فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون عليه طابع قريب العهد، ويجوز أن يكون أربابه أحياء فهذا غنيمة لا يملكها واجدها.
والثاني: أن يكون عليه طابع قديم، لا يحوز أن يكون أربابًا أحياء، فهذا ركاز يملكه واجده، وعليه إخراج خمسه.
والثالث: ما استشكل واحتمل الأمرين ففيه وجهان: أحدهم: يكون غنيمة اعتبارًا بالدار.
والثاني: يكون ركازًا اعتبار بالمال.
وأما ما وجد من عدة المحاربين، وآلة القتال، من خيم وسلاح فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أنه يعلم أنه لأهل الحرب فيكون غنيمة.
والثاني: أن يعلم أنه للمسلمين فيكون لقطة.
والثالث: أن يكون مشكوكًا، فيه فينظر فإن وجد في معسكر أهل الحرب كان غنيمته، وإن وجده في معسكر المسلم كان لقطة اعتبارًا باليد.
مسألة: قال الشافعي: "ومن أسر منهم فإن أشكل بلوغهم فمن لم ينبت فحكمه حكم طفل ومن أنبت فهو بالغ أو يسلم أهل الأوثان ويؤدي الجزية أهل الكتاب أو يمن عليهم أو يفاديهم بمال أو بأسرى من المسلمين أو يسترقهم فإن استرقهم أو أخذ منهم فسبيله سبيل الغنيمة أسر سول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ومن على أبي عزة الجمحي على أن لا يقاتله فأخفره وقاتله يوم أحد فدعا عليه أن لا يفلت فما أسر غيره ثم أسر ثمامة بن أثال الحنفي فمن عليه ثم أسلم وحسن إسلامه

الجزء: 13 - الصفحة: 232

وفدى النبي عليه السلام رجلًا من المسلمين برجلين من المشركين" قال في الحاوي: الأسرى ضربان: ذرية، ومقاتلة.
فأما الذرية فهم النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان، ويتسرقون على ما سيأتي حكمه، وأما المقاتلة فهم الرجال، وكل من بلغ من الذكور فهو رجل، سواء اشتد وقاتل أم لا يكون الإنبات فيهم بلوغًا، أو في حكم البلوغ، على ما مضى من القولين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم أن من جرت عليه المواسي قتل ومن لم تجر عليه استرق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعه" يعني سبع سموات، والإمام في رجالهم إذا أقاموا على شركهم مخير بين أربعة أحكام يجتهد فيها رأيه، ليفعل أصلحها، فيكون خيار نظر واجتهاد لا خيار شهوة وتحكم.
وخياره في الأربعة بين أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال أو أسرى، أو يمن بغير فداء، وقال أبو يوسف: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أن يسترق، أو يفادي على مال أو أسري، ليس له أن يمن.
وقال مالك: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال، ولا يجوز أن يفادي بأسرى، ولا أن يمن.
وقال أبو حنيفة: يكون مخيرًا بين شيئين: أن يقتل، أو يسترق، ولا يجوز أن يفادي، ولا أن يمن، فصار القتل والاسترقاق متفقًا عليهما، أما القتل فلقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط صبرًا يوم بدر، فقال يا محمد: من للصيبة، فقال: النار، وقتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرًا.
وأما الاسترقاق فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استرق سبي بني قريظة وبني المصطلق، وهوازن يوم حنين.
وأما الفداء والمن، واستدل أبو حنيفة على المنع منهما بقول الله تعالى في فداء أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، يعني العمل بما يفضي إلي ثواب الآخرة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور فيهم أصحابه، فأشار أبو بكر باستبقائهم، وأخذ فدائهم لهل الله أن يهديهم، وأشار عمر بقتلهم، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، فعمل على قول أبي بكر، وفادى كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ما فعله من الفداء، وقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنه سيحل المغانم لكل ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى عذاب عظيم قال ابن عباس.
والثاني: "لولا كتاب من الله سبق" أن لا يؤاخذ أحدًا بعمل أتاه على جهالة

الجزء: 13 - الصفحة: 233

﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قاله ابن إسحاق: قال: وإذا منع من الفداء كالمنع من المن أولى والدليل على جواز المن والفداء قول الله تعالى: ﴿فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
وفيه تأويلان: أحدهما: أنه ضرب رقابهم صبرًا بعد القدرة.
والثاني: أنه قتالهم ألمفض إلي ضرب رقابهم في المعركة ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ يعني بالإثخان الجراح، وبشد الوثاق الأسر، ثم قال بعد الأسر: ﴿فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً﴾ والمن العفو، والفداء ما فودي به الأسير من مال أو أسير، ثم قال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام.
والثاني: أثقال السلاح بالظفر فورد بإباحة المن والفداء نص القرآن الذي لا يجوز دفعه ثم جاءت به السنة، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال بعد أن ربطه إلي سارية المسجد أسرًا، فمضى وأسلم في جماعة من قومه، وحسن إسلامه ومن على أبي عزة الجمحي يوم بدر، وشرط عليه أن لا يعود لقتاله، فلما عاد إلي مكة قال: سخرت من محمد، وعاد إلي قتاله في أحد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يلفت فما أسر يومئذ غيره، فقال: امنن علي فقال: "هيهات، ترجع إلي قومك فتقول سخرت من محمد مرتين لا يدع المؤمن من حجر مرتين" وضرب عنقه وليس هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق الخبر، لأن المؤمن قد يلدغ من جحر مرتين، وإنما هو على طريق التحذير.
ويدل على إباحة الفداء بالأسرى، ما رواه عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فادى يوم بدر رجلًا برجلين، وعلى الفداء بالمال ما فادى به أسرى بدر.
فإن قيل: فقد أنكره الله تعالى عليه فعنه جوابان: أحدهما: أنه أنكره عليه قبل ورود إباحته، وقد وردت الإباحة فزال الإنكار.
والثاني: أنه قيد إنكاره بشرط، وهو قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ وفي إثخانه دليلان: أحدهما: أنه كثرة القتل.
والثاني: الاستيلاء والظفر وقد أنعم الله تعالى بهما، فزال الإنكار وارتفع المنع.
فصل: فإذا ثبت أن الإمام أو أمير الجيش مخير في الأسرى بين أربعة أشياء، يفعل منها أصلحها في كل أسير، فعليه أن يقدم عرض الإسلام عليهم، فإن لم يسلموا نظر فيمن كان منهم عظيم العداوة شديد النكاية فهو المندوب إلى قتله فيقتله صبرًا, يضرب العنق لقول

الجزء: 13 - الصفحة: 234

الله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ ولا يمثل به لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وقال: "إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء حتى في القتل فإذا قتلته فأحسنوا القتلة".
فإن قيل: فقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، فقطع أيديهم وأرجلهن، وسمل أعينهم، وألقاهم في حر الرمضاء، فعنه جوابان: أحدهما: أنه فعل ذلك في متقدم الأمر ثم نهى.
والثاني: أنه فعل ذلك بهم جزاء وقصاصًا، لأنهم قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثلوا به فقاتلهم عليه بمثله وقد قال الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾.
ولا يجوز أن يحرقهم بالنار، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يعذب بعذاب الله غير الله".
فإن قيل: فقد جمع خالد بن الوليد حين قاتل أهل الردة باليمامة جماعة من الأسرى وألقاهم في حفيرة وأحرقهم بالنار، وأخذ رأس زعيمهم فأوقده تحت قدره، قيل عنه جوابان: أحدهما: أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أنكرا ذلك من فعله وبرئا إلي الله من فعله.
والثاني: أنها كانت حالًا لم ينتشر فيها حكم النهي، ففعل خالد من ذلك ما اقتضاه حكم السياسة عنده، لأنه كان في متقدم الإسلام، وكانوا أول قوم تظاهر بالردة بعد قبض الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا بمسيلمة الكذاب، فأظهر لما فعل من إحراقهم بالنار أعظم العقوبات لارتكابهم أعظم الكفر ثم علم بالنهي فكف وامتنع، فإن ادعى ولحد من أمر الإمام بقتله أنه غير بالغ نظر، فإن لم ينبت شعر عانته قبل قوله، وإن نبت شعر عانته لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبول قوله مع البينة قولان بناء على اختلاف قوليه في الإنبات هل يكون بلوغًا أو دلالة عليه.
فإن قيل: إنه بلوغ لم تسمع بينته وقتل، وإن قيل: إنه دلالة على البلوغ سمعت بينته أنه لم يستكمل خمس عشرة سنة ولم يقتل فهذا حكم القتل.
فصل: وأما الاسترقاق فمن علم أنه قوي البطش ذليل النفس فهو من أهل الاسترقاق وله حالتان: إحداهما: أن يكون ممن يجوز إقراره بالجزية كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو من له شبهة كتاب كالمجوس فيجوزن أن يسترق، يقر على كفره بالرق كما يقر عليه بالجزية والثانية: أن يكون ممن لا يقر على كفره بالجزية كعبدة الأوثان، ففي جواز إقراره

الجزء: 13 - الصفحة: 235

على كفره بالاسترقاق وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يجوزن أن يسترق، ويقر على كفره بالرق، وإن لم يقر عليه بالجزية، لأن كل من جاز إقراره بالأمان جاز إقراره بالاسترقاق، كالكتابي طردًا وكالمرتد عكسًا.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري إنه لا يجوز إقراره بالاسترقاق، كما لا يجوز إقراره بالجزية، ويبقى خيار الإمام فيه بين القتل أو الفداء أو المن، ولا فرق على كلا الوجهين بين العرب منهم والعجم.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا عجمًا جاز استرقاقهم وإن كانوا عربًأ وجب قتلهم ولا يجوز استرقاقهم لمبالغة العرب في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجه من بلده، فصاروا بذلك أغلظ جرمًا وصار قتلهم محتمًا، وهذا خطأ لأمرين: أحدهما: أن الاسترقاق عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن يستوي فيها العربي والعجمي كالقتل.
والثاني: أن كل كافر جاز استرقاقه إذا كان أعجميًا، جاز استرقاقه إذا كان عربيًا كأهل الكتاب فهذا حكم الاسترقاق.
فصل: وأما الفداء بمال، فمن علم أنه كثير المال، مأمون العاقبة وافتدى نفسه بمال، قبل منه الفداء، وأطلق عليه، وكان المال المأخوذ منه غنيمة تقسم بين الغانمين، ويكون الذي استأ سره في فدائه وغيره من الغانمين سواء كما يكون الغانم للمال وغيره فيه سواء.
فإن قيل: فقد كان فداء أسرى بدر بأخذه من استأ سرهم، ولذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي العاص بن الربيع، وقد أسر يوم بدر، وهو زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنفذت في جملة فدائه قلادة كانت لها جهزتها بها خديجة، فلما أبصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفها ورق لها، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فلولا حقهم فيه لتفرد بالرد ولما سألهم فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه قال: ذلك استطابة لقلوبهم وإن كان أمره فيه نافذًا.
والثاني: أنه كان قبل أن يستقر حكم الأسري والغنائم.
والثالث: أنه حق لجميعهم لا لواحد منهم فاستطاب نفوسهم فيه.
وأما الفداء والأسرى: فهو لمن كان في أيدي قومه أسرى من المسلمين، وهو مشفقون عليه من الأسرى ومفتدون له بمن في أيديهم فيفادي به من قدر عليه من أسرى المسلمين والأولى أن يأخذ به أكثر منه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فادى كل رجل من المشركين برجلين من المسلمين، فإن لم يقدر أن يفادي كل رجل إلابرجل جاز ولو دعته الضرورة أن يفادي رجلين من المشركين برجل من المسلمين فعل، فهذا حكم الفداء.

الجزء: 13 - الصفحة: 236

فصل: وأما المن بغير الفداء، فهو فيمن علم منه ميلًا إلي الإسلام، أو طاعة في قومه يتألفهم به فهو الذي يمن عليه كما من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثار فعاد مسلمًا في عدد من قومه، وينبغي أن يستظهر عليه بأن يشترط بأن لا يعود إلي قتله، كما شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي عزة الجحيمي، فلم يف به وعاد لقتاله، وظفر به فضرب رقبته.
فأما إن كان في الأسرى عبد لم يجز أن يمن عليه، لأنه مال كما لا يجوز أن يرد عليها غنائمهم ولم يحتج إلي استرقاقه؛ لأنه مسترق، وكان الإمام فيه بالخيار بين أن يقسمه بين الغنائم مع الأموال، وبين أن يقتله إن خالف عاقبته، ويعوض الغانمين عنه، لأنه مال بخلاف من قتله من الأحرار، وبين أن يفتدي به أسرى من المسلمين، ويعوض عنه الغانمين وسنذكر من أسلم.
فصل: فإن قتل مسلم هذا الأسير فلا يخلو حال قتله من أحد أمرين.
إما أن يكون بعد نفوذ حكم الإمام فيه أو يكون قبله فإن قتله بعد نفوذ حكم الإمام فيه، فلا يخل حكمه من أحد أربعة أحكام: أحدها: أن يكون قد حكم بقتله، فلا ضمان على قاتله، لكن يعزر لافتيانه على الإمام في قتل من لم يأمره بقتله وأن كان قتله مباحًا.
والثاني: أن يكون الإمام استرقه فيضمنه قاتله بقيمته عبدًا، وتكون القيمة من الغنيمة تقسم بين الغانمين.
والثالث: أن يكون الإمام قد فادى به على مال أو أسرى فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقتله قيل فرض الإمام فدا، فيضمن ديته من مال الغنيمة، لأنه صار له بالفداء أمان فضمن ديته وصار بقاء الفداء موجبًا لصرف الدية إلي الغنيمة.
والثاني: أن يقتله بعد فرض الإمام فداء وقبل إطلاقه فيضمنه بالدية لورثته دون الغانمين لاستيفاء فدائه.
والثالث: أن يقتله بعد قبض فدائه، وإطلاقه إلي مأمنه فلا ضمان عليه لعوده إلي ما كان عليه قبل أسره.
والقسم الرابع: من أقسام الأصل أن يكون الإمام قد من عليه فقتله بعد المن، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقتله قبل حصوله في مأمنه فيضمنه بالدية لورثته.
والثاني: أن يقتله بعد حصوله في مأمنه فلا يضمن ويكون دمه هدرًا.
وأما إذا قتله قبل أن يقضي الإمام فيه بأحد هذه الأحكام الأربعة فلا ضمان عليه لكن يعزر أدبًا، وقال الأوزاعي: يضمنه بالدية للغانمين لافتياته عليهم، وهذا خطأ لأمرين:

الجزء: 13 - الصفحة: 237

أحدهما: أنه على أصل الإباحة ما لم يحدث خطر فأشبه المرتد.
والثاني: أن قتل الإمام لما لم يوجب ضمانًا لو يوجب قتل غيره كالحربي.
مسألة: قال الشافعي: "وإن أسلموا بعد الأسر رقوا وإن أسلموا قبل الأسر فهم أحرار".
قال في الحاوي: وجملة إسلامهم ضربان.
أحدهما: أن يكون قبل أسرهم، فيسقط خيار الإمام فيهم، فلا يجوز أن يقتل، ولا يسترق ولا يفادي، وهم كمن أسلم قبل القتال في جميع أحكام المسلمين، وسواء أسلموا وهم قادرون على الهرب أو كانوا في حصار أو مضيق قد أحيط بهم، ولو في بئر، لأنهم قبل الإسار يجوز أن يتخلصوا فجرى على إسلامهم دماءهما وأموالهما، وهكذا من بدل الجزية قبل الإسار حقن بها دمه، وحرم بها استرقاقه، وصارت له بها ذمة كسائر أهل الذمة، فإن أقام في دار الإسلام منعنا عنه نفوسنا وغيرنا، وإن أقام في دار الحرب منعنا عنه نفوسنا ولم يلزم أن نمنع عنه غيرنا.
فصل: والضرب الثاني: أن يسلموا بعد الإسار وحصولهم في أدي المسلمين فيسقط القتل عنهم بإسلامهم، ويحقنوا به دماءهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فثبت أن الإسلام موجب لحقن دمائهم، فإن بذلوا الجزية بعد الإسراء ولم يسلموا نظر فيهم، فإن كانوا من عبدة الأوثان لم تقبل جزيتهم، ولم تحقن بها دماؤهم، وإن كان من أهل الكتاب ففي حقن دمائهم وقبول الجزية بعد الإسار وجهان حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: تحقن بها دماؤهم بعد الإسار كما تحقن بها دماؤهم قبل الإسار كالإسلام.
والثاني: لا تحقن بها دماؤهم بعد الإسار وإن حقنت بها قبله لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ وليس لهم بعد الإسار يد.
فصل: فإذا سقط قتلهم بعد الإسار بالإسلام، فقد قال الشافعي هاهنا، فإن أسلموا بعد الإسرا رقوا، وإن أسلموا قبل الإسار فهم أحرار، وظاهر هذا الكلام أنهم قد صاروا رقيقًا بالإسلام، من غير استرقاق، وقال في موضع آخر: إنهم لا يصيرون رقيقًا حتى

الجزء: 13 - الصفحة: 238

يسترقوا، فخرجه أصحابنا على قولين: أحدهما: أنهم قد رقوا بالإسلام، لأن كل أسير حرم قتله رق كالنساء والصبيان فعلى هذا يسقط خيار الإمام في الفداء والمن.
والقول الثاني: وهو أصح إنهم لا يرقوا إلا بالاسترقاق؛ لأن سقوط الخيار من القتل لا يوجب سقوطه في الباقي كالكفارة إذا سقط خياره في العتق لعدمه لم يسقط خياره فيما عداه، فعلى هذا يكون الإمام على خياره فيه بين الاسترقاق أو الفداء أو المن، لما روي أن العقيلي أسر وأوثق في الحرة، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بم أخذت وأخذت سابقة الحاج، فقال: بجريرتك وجريرة حلفائك من ثقيف، فقال: إني جائع فأطعمني، وعطشان فأسقني، فأطعمه وسقاه، فقال له: أسلم، فأسلم، فقال: لو قلتها قبل هذا لأفلحت كل الفلاح، وفاداه برجلين من المسلمين.
فدل هذا الخبر على أنه لا يرق بالإسلام يسترق وأنه لا يسقط خياره في الفداء والمن.
وقوله: وأخذت سابقة الحاج يعني بها ناقة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة الحاج، أخذها المشركون، وصارت إلي العقيلي، فأخذت منه بعد أسره، فأراد بذلك أن سابقة الحاج قد أخذت مني ففيم أو خذ بعدها، فقال له: "بجريرتك وجريرة قومك" يعني بجنايتك جناية قومك، لأنهم نقصوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: كيف يؤخذ بجناية غيره، من قومه.
قيل: لما كان منهم ومشاركًا لهم في أفعالهم صار مشاركًا لهم في الأخذ بجنايتهم، فأما إن سقط عنه القتل به الإسار ببذل الجزية على ما ذكرناه من الوجهين لم يرق ببذلها قولًا واحدًا، حتى يسترق وكان الإمام فيه على خياره بين استرقاقه مفاداته والمن عليه بخلاف الإسلام في أحد القولين لأن بقاء كفره يوجب إبقاء أحكامه.
مسألة: قال الشافعي: "وإذا التقوا والعدو فلا يولوهم الأدبار قال ابن عباس: "من فر من ثلاثة فلم يقر ومن فر من اثنين فقد فر" قال الشافعي: هذا على معنى التنزيل فإذا فر الواحد من الاثنين فأقل إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا غلي فئة من المسلمين قلت أو كثرت بحضرته أو مبينة عنه فسواء ونيته في التحريف والتحيز ليعود للقتال المستثنى المخرج من سقط الله فإن كان هربه على غير هذا المعنى خفت عليه إلا أن يعفو الله أن يكون قد باء بسخط من الله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الجهاد من فروض الكفايات قبل التقاء الزحفين، ومن فروض الأعيان إذا التقى الزحفان لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ

الجزء: 13 - الصفحة: 239

فِئَةً فَاثْبُتُوا}.
فأمر بمسايرة بعد لقائه، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا﴾.
وفيه تأويلان: أحدهما: اصبروا على طاعة الله، وصابرو أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهذا قول الحسن وقتادة.
والثاني: اصبروا على دينكم، وصابرو الوعد الذي وعدكم، ورابطوا عدوي وعدوكم وهذا قول محمد بن كعب.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي لتفلحوا وفيه تأويلان: أحدهما: لتؤدوا فرضكم.
والثاني: لتنتصروا على عدوكم وأصل هذا أن الله تعالى أوجب في ابتداء فرض الجهاد على كل مسلم أن يصابر في القتال عشرة من المشركين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من الإسلام.
والثاني: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من القتال، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عنهم، عند كثرتهم، واشتدت شوكتهم لعلمه بدخول المشقة عليهم، فأوجب على كل مسلم لاقى المشركين محاربًا أن يقف بإزاء عشرة تخفيفًا ورخصة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: بمعونة الله.
والثاني: بمشيئة الله ﴿واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: مع الصابرين على القتال في معونتهم على عدوهم.
والثاني: مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال توابهم، فصار فرضًا على كل رجل مسلم لاقى عدوه زحفًا في القتال أن يقاتل رجلين مصابرًا لقتالهما ولا يلزمه مصابرة أكثر من رجلين، وليس المراد به الواحد إذا انفرد أن يصابر قتال رجلين وإنما المراد به الجماعة من المسلمين إذا لاقوا عدوهم أن يصابروا قتال مثلي عددهم هذا مذهب الشافعي، وبه قال عبد الله بن عباس.
وقال أبو حنيفة: هذا إخبار من الله تعالى عن حالهم، موعد منه إذا صابروا مثلي عددهم أن يغلبواوليس بأمر مفروض اعتبار بلفظ القرآن، وأنه خارج مخرج الخبر دون الأمر.
وقال الحسن البصري، وقتادة: هو خارج مخرج الأمر، لكنه خاص في أهل بدر

الجزء: 13 - الصفحة: 240

دون غيرهم، وكلا القولين فاسد، لأنه لو خرج مخرج للخبر لم يجز أن يكون بخلاف مخبره، وقد يوجد أحياناً خلافه، ولم يجز أن يختص بأهل بدر لنزول الآية، بعد بدر، وأن من قاتل ببدر إن لم نخفف عنهم لم يغلظ عليهم، فثبت أنه أمر من الله تعالى محمول على العموم.
فصل: فإذا تقرر أن فرض المصابرة في تقال المشركين أن يقفوا مصابرين لقتالهم مثلهم، ولا يلزمهم مصابرة أكثر من مثلهم فلهم في القتال حالتان: إحداهما: أن يرجوا الظفر بهم إن سابروهم فواجب عليهم مصابرة عدوهم حتى يظفروا بهم، سواء قلوا أو كثروا، وهذا أكثر مراد الآية.
والثاني: أن لا يرجوا الظفر بهم، فهاهنا يعتبر المشركون، فان كانوا أكثر من مثلي المسلمين جاز أن يولوا المسلمين عنهم، ويرجعوا عن قتالهم فلن أقاموا على المصابرة والقتال كان مقامهم أفضل إن لم يتحققوا التلف وفي جوازه إن تحقق وجهان: أحدهما: يجب عليهم أن يولوا ولا يجوز أن يصابروا والثاني: يجوز لهم أن يصابروا، ولا يجب عليهم أن يولوا، وهذا الوجهان بناء على الاختلاف الوجهين فيمن أريدت نفسه، هل يجب عليه المنع عنهما أم لا؟ على وجهين، وإن كانوا مثلي المسلمين فأقل حرم على المسلمين أن يولوا عنها وينهزموا منهم إلا في حالتين: إحداهما: أن ينحرفوا لقتال.
والثانية: أن يتحيزوا إلى فئة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ومَاوَاهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فدل هذا الوعيد على أن الهزيمة لغير هذين من كبائر المعاصي، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فذكر فيها الفرار من الزحف.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "من فر من ثلاثة لم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر".
فأما التحرف للقتال فهو أن يعدل عن القتال إلى موجع هو أصلح للقتال، بأن ينتقل من مضيق إلى سعة، ومن حزن إلى سهولة، ومن معطشة إلى ماء، ومن استقبال الريح والشمس إلى استدبارهما، ومن موضع كمين إلى حرز أو يولي هاربة ليعود طالباً، لأن الحرب هرب وطلب وكر وفنا فهذا وما شاكلة هو التحرف لقتال.
وأما التحيز إلى فئة فهو أن يولي لينضم إلى طائفة من المسلمين ليعود معهم محارباً وسواء كانت الطائفة قريبة أو بعيدة.
قال الشافعي: "قريبة أو مبينة" يعني متأخرة، حتى لو انهزم من الروم إلى طائفة من

الجزء: 13 - الصفحة: 241

الحجاز، كان متحيزًا إلى فئة.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال يوم القادسية: أنا فئة كل مسلم، فإن انهزم المسلمون من مثلي عددهم غير منحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة فهم عصاه الله تعالى فسقه في دينهم، إلا أن يتوبوا.
وهل يكون من شروط التوبة معاودة القتال استدراكا لتفريطه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أن من شرط صحتها ومعاودة القتال استدراكاً لتفريطه.
والثاني: ليس من صحتها العود وليكن ينوي أنه متى عاد لم ينهزم إلا متحرفاً لقتال أو متحيزا إلى فئة، وسواء كان المسلمون فرسانا والمشركون رجالة، في جواز انهزامهم من أكثر من مثلي عددهم، أو كان المسلمون رجالة والمشركون فرسانا في تحريم انهزامهم من مثل عددهم.
فصل: فأما الرجل الواحد من المسلمين إذا لقي رجلين من المشركين فإن طلباه ولم يطلبها جاز له أن ينهزم عنهما، لأنه غير متأهب لقتالهما، وإن طلبهما ولم يطلباه ففي جواز انهزامهم عنهما وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي يجوز أن ينهزم عنهما بخلاف الجماعة مع الجماعة، لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد.
والثاني: يحرم عليه أن ينهزم عنهما إلا منحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة كالجماعة، لأن طلبه لهما قد فرض عليه حكم الجماعة.
فصل: فإن تحققت الجماعة المقاتلة لمثلي عدوهم أنهم إن صابروهم هلكوا، ففي جواز هزيمتهم منهم غير متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة وجهان: أحدهما: يجوز لهم أن ينهزموا 2 صش لقول الله تعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
والثاني: لا يجوز لهم أن ينهزموا، لأن في التعرض للجهاد أن يكون قاتلاً أو مقتولا؛ ولأنهم يقدرون على استدراك المآثم في هزيمتهم أن ينووا التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة، والله أعلم.
مسألة قال الشافعي: "ونصب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف منجنيقاً أو عراة ونحن

الجزء: 13 - الصفحة: 242

نعلم أن فيهم النساء والوالدان وقطع أموال بني النضير وحرقها وشن الغارة على بني المصطلق غارين وأمر بالبيات والتحريق".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر ويجوز للإمام أن يقاتل المشركين بكل ما علم أنه يفضي إلى الظفر بهم من نصب المنجنيق والعراقة عليهم، وقد نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف حين حاصرها بعد فتح مكة منجنيقاً أو عرادة، ويجوز أن يشن عليهم الغارة وهم غارون لا يعلمون، قد شن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغارة على بني المصطلق عارين، ويجوز أن يقمع عليهم البيات ليلًا، ويحرق عليهم ديارهم ويلقي عليهم النيران والحيات والعقارب، ويهدم عليهم البيوت، ويجري عليهم السبل ويقطع عنهم الماء، ويفعل بهم جميع ما يفضي إلى هلاكهم، ولا يمنع من فيهم من النساء والولدان أن يفعل ذلك بهم، وإن أفضى إلى هلاك نسائهم وأطفالهن، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من فيء بني المصطلق منهم من شن الغارات عليهم، ولا من ثقيف من نصب المنجنيق عليهم، ولأن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إنما كان في السبي المغنوم أن يقتلوا صبرًا، ولأنهم غنيمة، فأما وهم في دار الحرب، فهي دار إباحة يصبرون فيها تبعاً لرجالهم.
روى الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن دار الشرك فيصاب من نسائهم وأبنائهم، فقال: "هم منهم" يعني في حكمهم، فأما إن كان فيهم أساري مسلمين، فلا يخلو جيش المسلمين من أن يخافوا اصطدام العدو، أو يأمنوه، فإن خافوا اصطدامه جاز أن يفعل يهم ما يفضي إلى هلاكهم، وإن هلك معهم من بينهم من للمسلمين، لأن سلامة الأكثر مع تلف الأقل أولى.
وإن أمنوا اصطدامهم نظر في عدد المسلمين من الأسرى، فإن كثر وعلم أنهم لا يسلمون إن رموا كف عن رميهم وتحريقهم، وإن قلوا وأمكن أن يسلموا إن رموا جاز رميهم، وقد توفي المسلمين منهم، لأن إباحة الدار يجري عليها حكم الإباحة، وإن كان فيها حظر كما أن حظر دار الإسلام يجري عليها حكم الحظر وإن جاز أن يكون فيها مباح الدم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها".
مسألة: قال الشافعي: "وقطع بخيبر وهي بعد النضير والطائف وهي آخر غزوة غزاها عليه السلام لقي فيها قتالاً فبهذا كله أقول وما أصيب بذلك من النساء والوالدان فلا بأس لأنه على غير عمد فإن كان في دارهم أساري مسلمون أو مستأمنون كرت النصب عليهم بما ينعم التحريق والتفريق احتياطيًا غير محرم له تحريماً بينًا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا تبين أن يحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه".

الجزء: 13 - الصفحة: 243

قال في الحاوي: وهو كما ذكر يجوز أن يقطع على أمل الحرب نخلهم وشجرهم ويستهلك عليهم زرعهم وثمرهم، إذا علم أنه يفضي إلى الظفر بهم، ومع أبو حنيفة من ذلك استدلالا بقول الله تعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وهذا فساد، ولما روي أن أبا بكر بعث جيشاً إلى الشام ونهاهم عن قطع شجرها ولأنها قد تصير دار الإسلام، فيصير ذلك غنيمة للمسلمين.
ودليلنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني النضير في حصونهم بالبويرة حين نقضوا عهدهم فقطع المسلمون عليهم عددا من نخلهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراهم إما بأمره وإما لإقراره.
واختلف في سبب قطعها فقيل لإضرارهم بها، وقيل: لتوسعة موضعها لقتالهم فيه، فقالوا وهم يهود أهل الكتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، فمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وقال شاعرهم سماك اليهودي: ألسنا ورئنا كتاب الحكيم على عهد موسى ولم يصدف وأنت رعاة لشاة عجاف يسهل تهامة والأخيف ترون الرعاية مجدا لكم لدى كل دهر لكم مجحفا فيا أيها الشاهدون انتهوا عن الظلم والمنطق المؤنف لعل الليالي وصرف الدهور يدركن عن العادل المنصف بقتل النضير وإجلالها وعقر النخيل ولم تخطف فقال حسان بن ثابت: هم أوتوا الكتاب فضيعوه وهم عمي عن التوراة نور كفرتم بالقرآن وقد أتيتم بتصديق الذي قال النذير فهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير فقال المسلمون: يا رسول الله: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ أو هل علينا فيما قطعنا من وزر؟ وحينا انزل الله قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ وفي اللينة ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنها العجوة من النخل، لأنها أم الإناث، كما أن العتق أم النحول، وكانتا مع نوح في السفينة، ولذلك شق عليهم قطعها.
والثاني: أنها الفسيلة، لأنها ألين من النخلة.
والثالث: أنها جمع النخل والشجر للينها بالحياة.
فإن قيل: فهذا منسوخ يقوله تعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا﴾.
فعنه جوابان: أحدهما: أنه يقضي إلى الظفر بالمشركين وقوة الدين كان (صلاحاً)، ولم يكن

الجزء: 13 - الصفحة: 244

فساداً، وفي الآية تأويلان: أحدهما: ولا تفسدوا في الأرض بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان.
والثاني: لا تفسدوا في الأرض بالجور بعد إصلاحها بالعدل.
والجواب الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل بعد بني النضير مثل ما فعل بهم، فقطع على أهل خيبر نخلاً، وقطع على أهل الطائف وهي آخر غزواته التي قاتل فيها لزوما على بقاء الحكم في قطعها وأنه غير منسوخ، ولأن حرمة النفوس أعظم وقتلها أغلظ، فلما جاز قتل نفوسهم على الكفر كان قمع نخلهم وشجرهم عليهم أولى، فأما استدلالهم بجوابه ما ذكرنا.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا لم يخل حال نخلهم وشجرهم في محاربتهم من أربعة أقسام: أحدها: أن نعلم أن لا تصل إلى الظفر بهم إلا بقطعها، فقطعها واجبه لأن ما أدى إلى الظفر بهم واجب.
والثاني: أن تقدر على الظفر بهم وبها من غير قطعها، فقطعها محظور، لأنها مغنم، واستهلاك الغنائم محظور وعلى هذا حمل نهي أبي بكر رضي الله عنه عن قطع الشجر بالشام.
والثالث: أن لا ينفعهم قطعها وينفعنا قطعها فقطعها مباح وليس بواجبه.
والرابع: لا ينفعهم قطعها ولا ينفعنا قطعها فقطعها مكروه، وليس بمحظور، وكذلك الحكم في هدم منازلهم عليهم، على هذه الأقسام قال الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بأيديهم في نقض الموادعة، وأيدي المزمن بالمقابلة.
وهذا قول الزهري.
والثاني: بأيديهم في أخراب دواخلها، حتى لا يأخذها المسلمون منهم، وبأيدي المؤمنين في أخراب ظواهرها، حتى يصلوا إليها، وهذا قول عكرمة.
والثالث: بأيديهم في تركها وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها، وهذا قول أبي عمرو ابن العلاء.
مسألة قال الشافعي: "ولكن لو التحموا فكان يتكامل التحامهم أن يفعلوا ذلك رأيت لهم أن يفعلوا وكانوا مأجورين لأمرين: أحدهما الدفع عن النفس والآخر نكاية عدوهم ولو

الجزء: 13 - الصفحة: 245

كانوا غير ملتحمين فترسوا بأطفالهم فقد قيل يضرب المتترس منهم ولا يعمد الطفل وقد قبل يكف".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا تترس المشركون بأطفالهم لعلمهم أن شرعنا يمنع من تعمد قتلهم فهذا على ضربين: أحدهما: أن يفعلوا ذلك في التحام القتال مع إقبالهم على حربنا فلا يمنع ذلك من قتالهم ولا حرج فيما أفضى عنه إلى قتل أطفالهم لأمرين: أحدهما: أن ترك قتالهم بهذا مفض إلى ترك جهادهم.
والثاني: إنهم مقبلون على حربنا فحرم أن نولي عنهم.
والضرب الثاني: أن يتترسوا بهم في غير التحام القتال عند متاركهم لنا، وقد بدأنا بقتالهم وهم في حصارنا، فخافونا فيه ففعلوا ذلك، لتمتع من رميهم، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يفعلوا ذلك مكراً منهم، فلا يوجب ذلك ترك حصارهم، ولا الامتناع من رميهم ولو أفضى إلى قتل أطفالهم.
والثاني: أن يفعلوه دفعاً عنهم فلا يمنع ذلك من حصارهم، وفي المنع من رميهم وضربهم قولان: أحدهما: أنه لا يمنع من رميهم كالمقاتلين تغليبا لفرض الجهاد.
والثاني: أن يمنع من رميهم، ويؤخر الكف عنهم بخلاف المقاتلين.
لأن جهادهم ندب وجهاد للمقاتلين فرض، وإذا قابل الندب حظر كان حكمة الحظر أغلب.
مسألة قال الشافعي: "ولو تترسوا بمسلم رأيت أن يكف إلا أن يكونوا ملتحين فيضرب المشرك ويتوقي المسلم جهده فإن أصاب في هذه الحال مسلماً.
قال في كتاب "حكم أهل الكتاب" أعتق رقبة وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن كان علمه مسلماً فالدية مع الرقبة.
قال المزني رحمه الله: ليس هذا عندي بمختلف ولكنه يقول إن كان قتله مع العلم بأنه محرم الدم مع الرقبة فإذا ارتفع العلم فالرقبة دون الدية".
قال في الحاوي: وصورتها أن يتترس المشركون بمن في أيديهم من المسلمين.
إما ليدفعونا عنهم، وإما ليقتدوا بهم نفوسهم، فالكلام فيها يشتعل على فصلين: أحدهما: في الكف عنهم.
والثاني: في ضمان من قتل من المسلمين فيهم.
فأما الفصل الأول: في الكف عنهم فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون في غير التحام الحرب، فواجب أن يكف عن رميهم قولًا

الجزء: 13 - الصفحة: 246

واحدًا، بخلاف ما لو تترسوا بأطفالهم في جواز رميهم على أحد القولين، لأن نفس المسلم محظورة لحرمة دينه، ونفوس أطفالهم محظورة لحرمة المغنم، ولو كان في دارهم مسلم، ولم يتترسوا به جاز رميهم بخلاف لو تترسوا به، لأنهم إذا تترسوا به كان مقصودا، وإذا لم يمسوا به فهو غير مقصود، فهذا حكمه في وجوب الكف عن رميهم، فأما الكف عن حصارهم فعلى ضربين: أحدهما: أن يأمن على ما في أيديهم من أسرى المسلمين أن يقتلونهم، فيجوز حصارهم والمقام على قتالهم.
والثاني: أن لا يأمن عليهم، ويغلب في الظن أنهم يقتلونهم، إن أقمنا على قتالهم فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون علينا في الكف عنهم ضرر، فالواجب أن يكف عن حصارهم استبقاءًا لنفوس المسلمين لئلا يتعجل بقتلهم ضرراً وليس في متاركهم ضرر.
والثاني: أن يكون علينا في الكف عن المشركين ضرر لخوفنا منهم على حريم المسلمين.
وحرمهم، فلا يجب الكف عنهم ولا الامتناع عن قتالهم، فإن قتلوهم استدفاعاً لأكثر الضررين بأقلهما وكان وجوب المقام على قتالهم معتبرا بالضرر المخوف منهم، فلن كان معجلاً وجب المقام عليهم، وإن كان مؤجلًا لم يجز للمقام إلا عند تجدده وحدوثه، فهذا حكم الضرب الأول إذا تترسوا بهم قبل التحام القتال.
فصل: والثاني: أن يتترسوا بهم بعد التحام القتال، فلا يجوز أن يولي المسلمون عنهم لأجل الأسرى، لأن فرض قتالهم قد تعين بالتقاء الزحفين، ويجوز أن يرميهم المسلمون ما أقاموا على حربهم، ويتعمدون بالرمي ويتوقوا رمي من تترسوا بهم من المسلمين فإن ولوا عن الحرب فعلى ضربين: أحدهما: أنه يمكن استنقاذ الأسرى منهم إن اتبعوا، فواجب أن يتبعوا حتى يستنقذ الأسرى منهم، لما يلزم من حراسة الإسلام وأهله، لقول الله تعالى: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ والثاني: أنه لا يمكن استنقاذ الأسرى منهم، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يخاف المسلمون من أتباعهم، فلا يجوز لهم أن يتبعوهم وعليهم أن يكفوا عنهم إذا انهزموا لتحريم التغرير بالمسلمين.
والثاني: أن لا يخلفهم المسلمون إلا كخوفهم في المعركة، فلا يجب إتباعهم ولا يجب الكف عنهم، وأمير الجيش فيهم بخير النظرين في اعتماد الأصلح من إتباعهم، أو الكف عنهم.

الجزء: 13 - الصفحة: 247

فصل: وأما الفصل الثاني في ضمان من قتل منهم من للمسلمين فهذا على أربعة أقسام: أحدها: أن يعمد قتله ويعلم أنه مسلم فهو على ضربين: أحدهما: أن يقتله لغير ضرورة دعته إلى قتله، فهذا يجب عليه القوه كما لو قتله في دار الإسلام، لأن دار الشرك لا تبيح دم مسلم.
والثاني: أن تدعوه الضرورة إلى قتله، ليتوصل به إلى دفع الشرك عن نفسه ففي وجوب القرد عليه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة تخريجاً من اختلاف قول الشافعي في وجوب القرد على المكره إذا قتل: أحدهما: عليه القرد إذا قتل كوجوب القرد على المكره لاشتراكهما في الضرورة.
والثاني: لا قود عليه إذا قتل، لأنه لا قود على المكره، ويكون عليه الدية والكفارة وتكون هذه فدية في ماله مع الكفارة، لأنها دية عمد سقط القرد فيه بشبهة.
والثاني: أن لا يعمد قتله ولا يعلم أنه ومسلم فلا قود عليه ولا دية وعليه الكفارة لقول الله تعالى: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فاقتصر قول الله تعالى به على وجوب الكفارة دون الدين لأن دار الكفر موضوعة على الإباحة.
والثالث: أن يعمد قتله، ولا يعلم أنه مسلم فلا قود عليه، لأنه يمهل بحاله مع الغالب من حكم الدار شبهة في سقوط القود، وعليه الدية والكفارة، وتكون دية عمد يتحملها في ماله.
وقال أبو إبراهيم المزني: عليه الكفارة دون الدية لجهله بإسلامه.
والرابع: أن لا يعمد قتله ويعلم أنه مسلم، فلا قود عليه، وعليه الكفارة، وفي وجوب الدية قولان: أحدهما: لا دية عليه تغليباً لإباحة الدار.
والثاني: عليه الدية تغليباً لحرمة الإسلام، ونكون دية خطأ تتحملها العاقلة.
مسألة: قال الشافعي: "لو رمى في دار الحرب فأصاب مستأمنا ولم يقصده فليس عليه إلا رقبة ولو كان علم بمكانه ثم رماه غير مضطرا إلى الرمي فعليه رقبة ودية".
قال في الحاوي: وجملته أن حكم المستأمن والذمي في دار الحرب في تحريم دمائهما كالمسلم إن تترسوا بهم يجب توقيهم، كما يجب توقي المسلم فإن أصيب أحدهم قتيلاً كان في حكم المسلم على ما ذكرناه من الأقسام الأربعة لقول الله تعالى: {وإن

الجزء: 13 - الصفحة: 248

كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
وتستوي أحكامها إلا في شيئين: أحدهما: القود لسقوطه بين المسلم والذمي.
والثاني: قدر الدية لاختلافهما بالإسلام والكفر وهما قيما عداهن سواء، فإن وجب في قتل المسلم الدين والكفارة وجبا في قتل الذمي، وإن وجب في قتل المسلم القود والكفارة، وجب في دية الذمي الدية والكفارة، فلن وجب في قتل المسلم الكفارة دون الدية كان الذمي بمثابته يجب في قتله الكفارة، دون الدية، ويستوي المستأمن والذي في ضمانهما بالدية أو بالكفارة ويفترقان في شيء واحد وهم أن الناس يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، والمستأمن لا يلزمنا دفع أهل الحرب عنه، وبالله التوفيق.
مسألة قال الشافعي: " ولو أدركونا وفي أيدينا خيلهم أو ماشيتهم لم يحل قتل شيء منها ولا عقره إلا أن يذبح لمأكله ولو جاز ذلك لغيظهم بقتلهم طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا غنمنا خيلهم ومواشيهم بم أدركونا ولم نقدر على دفعهم عنها جاز تركها عليهم ولم يجز قتلهم وعقرها طلبا لغيظهم، أو قصدا لإضعافهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز قتلها وعقرها لإحدى حالتين، إما لغيظهم، وإما لإضعافهم احتجاجا بأمرين: أحدهما: أن ما أفضى إلى إضعافهم جاز استهلاكه عليهم كالأموال.
والثاني: أن نماء الحيوان لا يمنع من إتلافه عليهم كالأشجار.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن تصبر البهائم أو تتخذ غرضًا".
وروى عبد الله بن عمرو بن العاشر كن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل عصفورا بغير حقها سأله الله عن قتلها، قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمي بها".
وهذه أخبار تمنع من عقرها وقتلها، ولأن كل حيوان لا يحل قتله إذا قدر على استنقاذه لم يحل قتله، إذا عجز عن استنقاذه كالنساء والولدان، ولأنه لو جاز قتلها لغيظهم بها كان غيظهم بقتل نسائهم أكثر وذلك محظور ولو قتله لإضعافهم كان إضعافهم بقتل أولادهم وذلك محرم فبطل المعنيان في قتل البهائم.
وأما الجواب عن استهلاك الأموال، وقمع الأشجار، فأبو حنيفة يمنع من قطع

الجزء: 13 - الصفحة: 249

الأشجار ويبيح قتل الحيوان والشافعي يبيح قمع الأشجار ويمنع من قتل الحيوان فصارا مجمعين على الفرق بين الأشجار والحيوان وإن كانا مختلفين في المباح منهما والمحظور، فصار الجمع بينهما ممتنعا وإباحة الأشجار، وحظر الحيوان أولى من عكسه، لأن للحيوان حرمتين: إحداهما: لمالكه، والأخرى لخالقه، فإذا سقطت حرمة المالك لكفره، بقيت حرمة الخالق في بقائه على حظره، ولذلك منع مالك الحيوان من تعطيشه وإجاعته، لأنه إن اسقط حرمة ملكه بقيت حرمة خالقه، وحرمته اكبر من حرمة الأموال، وأكثر من حق المالك وحده، فلذا سقطت حرمة مالكه لكفره جاز استهلاكه لزوال حرمته، ولذلك لم يحرم على مالك المال والشجر استهلاكه، وإن حرم عليه استهلاك حيوانه.
مسألة قال الشافعي: "لو قاتلونا على خيلهم فوجدنا السبيل إلى قتلهم بأن نعقر بهم فعلنا لأنها تحتهم أداة لقتلنا وقد عقر حنظلة بن الراهب بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فانعكست به فرسه فسقط عنها فجلس على صدره ليقتله فرآه ابن شعوب فرجع إليه فقتله واستنفذ أبا سفيان من تحته".
قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا قاتلونا على خيلهم جاز لنا أن نعقرها عليهم، لنصل بعقرها إلى قتلهم والظفر بهم، لأنهم ممتنعون بها في الطلب والهرب أكثر من امتناعهم بحصونهم وسلاحهم، فصارت أذى لنا فجاز استهلاكها لأجل الأذى، كما جاز استهلاك ما صال من البهائم، وإن لم يجز استهلاك ما لم يصل، وقد عقر حنظلة بن الراهب فرس أبي سفيان ين حرب يوم أحد، واستعلى عليه ليقتله فرآه ابن شعوب فبدر إلى حنظلة وهو يقول: لأحمين صاحبي ونفسي بطعنه مثل شعاع الشمس ثم طعن حنظلة فقتله، واستنقذ أبا سفيان منه ف خلهم أبو سفيان وهو يقول: فما زال مهري مزجر الكلب منهم لدى غدوة حتى دانت لغروب أقاتلهم وأدعى يأل غالب وأدفعهم عني بركن صليب ولو شئت نحتني كميت لحمرة ولم أحمل النغماء لابن شعوب فبلغ ذلك ابن شعوب فقال مجيبا له حين لم يشكره: ولو دفاعي يا ابن حرب ومشهدي لألفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ضباع عليه أو ضراء كليب وموضع الدليل من هذا اج لخببه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى حنظلة وقد عقر فرس أبي

الجزء: 13 - الصفحة: 250

سفيان فأقره عليه ولم ينكره.
فصل: وإذا كان راكب الفرس منهم امرأة أو صبيًا كانا يقاتلان عليها، جاز عقرها من تحتهما كما لو كان راكبها رجلاً مقاتلاً، وإن كانا لا يقاتلان عليها لم يجز مقرها كما لو كانت غير مركوبة.
فصل: ولو أدركونا ومعنا خيلهم وهم رجالة إن أطلقت عليهم وركبوها قهرونا بها جاز عقرها لاستدفاع الأذى بها، كما لو كانوا ركباناً عليها.
مسألة: قال الشافعي: "في كتاب "حكم أهل الكتاب" وإنما تركنا قتل الرهبان إتباعًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال في كتاب السير: ويقتل الشيوخ والأجراء والرهبان قتل دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر قتله.
قال: ورهبان الديات والصوامع والمساكن سواء ولو ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلاف هذا لأشبه أن يكون أمرهم بالجد على قتال من يقاتلهم ولا يتشاغلون بالمقام على الصوامع على الحرب كالحصون لا يشغلون بالمقام بها عما يستحق النكاية بالعدو وليس أن قتال أهل الحصون حرام وكما روى عنه أنه نهى عن قطع الشجر المثمر ولعله لأنه قد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع على بني النضير وحضره يترك وعليم أن النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم بفتح الشام فترك قطعة لتبقى لهم منفعته إذا كان واسعاً لهم ترك قطعة.
قال المزني رحمه الله: هذا أولى القولين عندي بالحق لأن كفر جميعهم واحد وكذلك سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد".
قال في الحاوي: وجملة المشركين بعد الظفر بهم ينقسم أربعة أقسام: أحدها: المقاتلة أو من كان من أهل القتال وإن لم يقاتل فهو من المقاتلة ويجوز قتلهم على ما قدمناه من خيار الإمام فيهم.
والثاني: وهم أهل الرأي والتدبير منهم دون القتال، فيجوز قتلهم أيضاً شباناً كانوا أو شيوخا، قدروا على القتال أو لم يقدروا، لأن التدبير علم بالحرب والقتال عمل والعلم أصل للعمل، وقد أفصح المتنبي حيث قال: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني ولأن التدبير أنكى وأضر وهو من الشك أقوى وأصح، هذا دريد بن الصمة أشار

الجزء: 13 - الصفحة: 251

على هوازن يوم حنين أن يتمردوا للقتال، ولا يخرجوا معهم الذراري، فخالفه مالك بن عوف ألنضري وخرج بهم فهزموا فقال دريد في ذلك: وأمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستنبينوا إلا ضحى الغد وظفر بدريد وكان في شجار وهو أبى مائة وخمسين سنة، وقيل: مائة وخمس وستين، فقتل، وقيل: ذبح ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراه فلم ينه عنه فدل على إباحة قتل ذوي الآراء وإن كانوا شيوخا.
والثالث: من الذراري من النساء والأطفال، فلا يجوز أن يقتلوا في المعركة إلا أن يقاتلوا فيقتلوا دفعًا لآذاهم، فأما بعد الأسر فلا يجوز أن يقتلوا، سواء قتلوا أو لم يقاتلوا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذراري والولدان ولأنهم سبايا مسترقون قد ملكهم الغانم كالأموال.
والرابع: من اعتزل القتال والتدبير من رجالهم، إما لعجز كالزمني وذوي الهرم من الشيوخ، وإما لتدين كالرهبان، وأصحاب الصوامع والديارات شباباً كانوا أو شيوخا، ففي إباحة قتلهم قولان: أحدهما: قاله في كتاب حكم أهل الكتاب لا يجوز قتلهم، وهو مذهب أبي حنيفة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتلوا الشرخ واتركوا الشيخ" الشرخ الشباب ومنه قول الشاعر: على شرخ الشباب تحية فإن لقيت ددًا فقط من دد والدد اللهو واللعب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لست من دد ولا دد مني".
وروى أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلًا ولا صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وخيموا غنائمكم وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لزياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل ابن حسنة لما بعثهم إلى الشام: أوصيكم بتقوى الله، اغزوا في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تقتلوا ولا تغدروا، ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، ولا تقتلوا الولدان، ولا النساء، ولا الشيوخ، وستجدون أقوال حبسوا أنفسهم على الصوامع فدعوهم، وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقوامًا اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصًا فإذا وجدتموهم فاضربوا أعناقهم، والأفحاص أن يحلقوا

الجزء: 13 - الصفحة: 252

أوساط رؤوسهم يقال لهم الشماسة، ذكره أبو عبيدة، ولأن من لم يقاتل في الغزو لم يقتل في الأسر كالذراري.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي واختاره المزني، يجوز أن يقتلوا لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾.
وروى الحسن البصري عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا شيوخ أهل الكتاب واستحييوا شرخهم" يعني استبقوا شبابهم أحياء ومنه قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.
فأمر بقتل الشيوخ واستبقاء الشباب لأمرين: أحدهما: أنه لا نفع في قتل الشيوع وفي الشباب نفع.
والثاني: أن رجوع الشباب عن كفره أقرب من رجوع الشيخ ويحتمل أن يريد بالشرخ غير البالغين وهو أشبه، لأن من كان من أهل القتال جاز قتله، وإن قعد عن القتال كالمقاتل، ولأن من استحق سهمًاإذا كان مسلماً جاز قتله، وإذا كان كافراً كالمقاتل.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل بالأول إنهم لا يقتلون كانوا كالأسير إذا أسلم، فهل يرقون أو يكون الإمام فيهم على خياره؟ بين ثلاثة أحكام: أن يسترقهم، أو يفادي بهم، أو يمن عليهم على ما ذكرناه من القولين، وإن قيل بالقول للثاني إنهم يقتلون كانوا كالأسرى إذا لم يسلموا، فيكون الإمام فيهم على خياره بين أربعة أحكام: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي، أو يمن، فأما الأجراء فإنهم يقولون قولاً واحداً، ويكون الإمام فيهم على خياره بين الأحكام الأربعة، لأنهم أعوان علينا أو مقاتلة لنا.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الحسناء والوصفاء والعسفاء الأجزاء والوصفاء جمع وصيف، قيل إنما نهى عن قتلهم لئلا يقع التشاغل بهم عن قتل المقاتلة، لأنهم أذل نفوساً، وأقل نكاية، وأنهم لا يفوتون إن هربوا ولا يمتنعون إن طلبوا، وعلى مثل هذا حمل نهي أبي بكر رضي الله عنه عن قتل أصحاب الصوامع.
مسألة: قال الشافعي: "وإذا أمنهم مسلم بالغ أو عبد يقاتل أو لا يقاتل أو امرأة فالأمان جائز قال صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أذناهم".
قال في الحاوي: أما أمان المشركين فجائز لقول الله تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: إن استغاثك فأغثه.
الثاني: وهو أصح إن استأمنك فأمنه، حتى يسمع كلام الله فيه تأويلان:

الجزء: 13 - الصفحة: 253

أحدهما: يعني سورة براءة خاصة ليعلم ما في حكم الناقض للعهد وحكم المقيم عليه والسيرة في المشركين والفرق بينهم وبين المنافقين.
والثاني: يعني جميع القرآن ليهتدى به من ضلاله، ويرجع به عن كفره.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ يعني بعد انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: لا يعلمون الرشد من الغي.
والثاني: لا يعلمون استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم فدلت هذه الآية على جواز أمانهم، ودلت عليه السنة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدنة مع قريش بالحديبية سنة ست على أن يأمنوا المسلمين ويأمنهم المسلمون.
فإذا صح بالكتاب والسنة جواز الأمان فهو ضربان: عام وخاص، فأما العام فهو الهدنة التي تعقد أمانة للكافة من المشركين، وهذه لا يجوز أن يتولاها إلا ولاة الأمر، فإن كانت لكافة المشركين في جمع الأقاليم لم يصح عقدها، إلا من الإمام الوالي على جميع المسلمين، وإن كانت لأهل إقليم صح عقدها من الإمام، أو من والي ذلك الإقليم لقيامه فيه مقام الإمام، ولا يصح من غيرهما من المسلمين بحال، وسيأتي الكلام في عقد الهدنة ومدتها.
وأما الأمان الخاص: فهو أن يؤمن من الكفار آحاد لا يتعطل بهم جهاد ناحيتهم كالواحد والعشرة إلى المائة وأمل قافلة، فان كثروا حتى تعطل بهم جهادهم صار عاماً، وهذا الأمان الخاص يجوز أن يعقده الواحد من المسلمين الأحرار البالغين العقلاء، سواء كان مريضاً أو مشروفًا، عالماً كان أو جاهلًا، قوياً كان أو ضعيفًا، لرواية محمد بن مسلمة أن رجلاً من المسلمين أمن كافراً فقال عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد: لا يخير أمانه فقال أبو عبيدة الجراح ليس ذلك لكما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجير على المسلمين بعضهم" فإن أمنته امرأة من المسلمين كان أمانها جائزا كالرجل.
روى محمد بن السائب عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: قلت يا رسول الله: إني أجرت حموين لي" وزعم ابن أمي أنه قاتلهما، يعني أخاها علي بن أبي طالب عام الفتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
وروى الزهري عن أنس قال: لما أسر أبو العاص بن الربيع قالت زينب عليها السلام: إني أجرت أبا العاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجارت زينب" واحتمل أمان زينب له أمرين: أحدهما: أن يكون قبل أسره فيكون آمناً بأمانها.
والثاني: أن يكون قد أمنته بعد أسره، فيكون آمناً بإجارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأمانها

الجزء: 13 - الصفحة: 254

لأن أمان الأسير من عليه، وليس السن إلا لولاة الأمر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب منه عليه أمان بنته له رعاية لحقها فيه.
فصل: وأما أمان العبد فجائز كالحر، سواء كان مأذوناً له في القتال أو غير مأذون له، وأجاز أبو حنيفة رحمه الله أمانه إذا كان مأذوناً في القتال، وأبطله إذا كان غير مأذون له في القتال احتجاجاً بأمرين: أحدهما: أن الأمان أحد حالتي القتال فلم يملكه العبد بغير إذن كالقتال.
والثاني: أن الأمان عقد فلم يسلكه العبد بغير إذن كالنكاح.
ودليلنا ما رواه الحسن عن قيس بن عبادة عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسهم بذمتهم أدناهم" أي عبيدهم، لأنهم أدنى من الأحرار بداً وحكماً، فسوى في الأمان بين من علا من الأحرار أو دنا من العبيد.
فإن قيل: المراد به أدناهم من الكفار جواراً، قيل: لا يصح حمله على الجار القريب الدار، لأن العبد يساويه فيه وكان جعله على العبد أولى من وجهين: أحدهما: لدخوله في الجملة من غير إضمار.
والثاني: أن يعلم به ما يستفاد من مساواته للحر فيه وإن خالفه فيما عداه.
وروى فضيل بن زيد الرقاشي قال: جهز عمر بن للخطاب رضي الله عنه جيشًا كنت فيه، فحضرت موضعا يقال له صرياج قرية من قرى رامهرمز، فرأينا أنا سنفتحها اليوم فرجعنا حتى نقيل فبقي عبد منا فواطأهم وواطؤوه، فكتب لهم أمانا في صحيفة وشدها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر، فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم.
وهذا نص لم يخالف فيه فكان إجماعاً، ولأنه مكلف من المسلمين فصح أمانه كالمرأة، ولأن كل من صح أمانه إذا كان مأذونا له في القتال صح أمانه وإن كان غير مأذون له، كأمان الولد مع إذن للوالدين وأمان من عليه الدين بإذن صاحب الدين، يستوي في أمانه وجود الإذن في القتال وعدمه، ولأن القتال ضد الأمان فإذا صح أمان المأذون له في للقتال وهو ضد حاله فلأنه يجوز أمان غير المأذون له وهو موافق لحاله الأولى.
وأما الجواب عن قياسه على القتال فهو أن في القتال تغرير يفوت به منافع سيده وليس في ذلك الأمان.
وأما الجواب عن قياسه على النكاح: فهو أن عقد النكاح لا يدخل فيه غير عاقده،

الجزء: 13 - الصفحة: 255

فوقف على إذن سيده، وعقد الأمان يدخل فيه غير العاقد، فاستوي فيه العبد والسيد.
مسألة: قال الشافعي: " ولو خرجوا إلينا بأمان صبي أو معتوه كان علينا ردهم إلى مأمنهم لأنهم لا يعرفون من يجوز أمانه لهم ومن لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الصبي والمعتوه لا حكم لقولهما لارتفاع القلم عنهما، فلم يصح عقد أمانهما كما لم يصح سائر عقودهما، فإن دخل بأمانهما كافر نظرت حاله، فإن علم بطلان أمانهما في شرعنا فهو والداخل بغير أمان، فيجوز قتله واسترقاقه، وإن لم يعلم بطلان أمانهما في شرعنا لم يجز إقراره في دار الإسلام، ووجب على الإمام رده إلى مأمنه لأنه قد تمكن من شبهة توجب حقن دمه.
فصل: فأما إذا كان في يد المشركين أسير من المسلمين فأمن في حال أسره رجلًا من المشركين نظر، فإن أكره على الأمان لم يصح، لأن عقود المكره باطلة، وإن كان غير مكره، قال أبو حامد الإسفراييني: صح أمانه وأطلق جوابه بهذا، وعندي أنه نعتبر أمانه بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمانه لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح أمانه له لآن الأمان ما اقتضى التساوي فيه، فإذا صح أمانه فيه كان في أمان المسلمين ما كان مقيمة في دار الحرب، إن دخل دار الإسلام روعي عقد أمانه، فإن شرط فيه أمانه في دار الإسلام وكان أمنا فيها، وإن كان مطلقا لم يكن له فيها أمان وكان مقصوراً على أمانه منهم في دار الحرب، لأن إطلاق العقد يتوجه إلى دار العقد لاختلاف الدارين في الحكم.
فصل: فإذا تقرر من يصح منه الأمان فالحكم فيه يشتمل على خمسة فصول: أحدها: ما ينعقد به الأمان وهو ضربان: لفظ وإشارة.
فأما اللفظ: فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان صريحًا وذلك مثل قوله: أنت آمن، أو في أمان، أو قد أمنتك، أو يقول: أنت مجار، أو قد أجرتك، أو يقولن لا بأس عليك، فهذا وما شاكله صريح في عقد الأمان، لا يرجع فيه إلى نية، ولو قال: لا خوف عليك كان صريحاً، ولو قال: لا تخف لم يكن صريحاً، لأن قوله: لا خوف عليك نفى للخوف فكان صريحًا، وقوله: لا تخف نهي عن الخوف فلم يكن صريحًا.

الجزء: 13 - الصفحة: 256

والثاني: ما كان كناية يرجع فيه إلى الإرادة فمثل قوله ن أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، لاحتمال أن يكون على ما أحبه من الكفر أو على ما تحبه من الأمان، فلذلك صار كناية إلى ما شاكل ذلك من الألفاظ المحتملة.
والثالث: ما لم يكن صريحا ولا كناية، وذلك مثل قوله: ستذوق وبال أمك، وسترى عاقبة كفرك، أو سينتقم الله منك، فهذا وما شاكله وعيد وتهديد لا ينعقد به الأمان.
وأما الإشارة فضربان: مفهومة، وغير مفهومة.
فإن كانت غير مفهومة لم يصح بها الأمان لا صريحاً ولا كناية، وإن كانت مفهومة انعقد بها الأمان إن أراد المثير ولا ينعقد بها إن لم يرده، لكن يجب أن يرد بها إلى مأمنه، ويكون كناية يرجع إلى قوله فيما أراد فان قيلا.
لو أشار بالعتق والطلاق ارتفعا مع الإرادة، فكيف صح بهما عقد الأمان مع الإرادة.
قيل: لأن الأمان ينتقص بالقول والإشارة، فصح عقده بالقول والإشارة، وبذلك خالف ما عدله من العتق والطلاق ولا يتم الأمان بعد بذله إلا أن يكون من المبذول له ما يدل على قبوله وذلك بأحد أمرين إما أن يبتدئ بالطلب والاستجارة فيبذله له بعد طلبه.
وإما أن يعقب البذل الممتدة بالقبول أو بالدعاء والشكر أو بالإشارة الدالة عليه فيما يقدم ذلك مقام للقبول الصريح، لأن حقوق الأمان مشتركة فلم تلزم إلا باجتماعها عليه، ولأنه عقد فروعي فيه أحكام البذل والقبول.
والفصل الثاني: من ينعقد معه الآمان، وهو من لم يحصل في الأسر من رجل أو امرأة، ويمنع الأمان من أسره واسترقاقه وندائه استصحاباً لحاله قبل أمانه.
فأما الأسير فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصير في قبضة الإمام، فلا يصح أن يؤمنه غير الإمام، لما أوجبه الأسر من اجتهاد الإمام، فلم يصح الافتيات عليه، فإن أمنه الإمام صح أمانه، ومنع الإمام من قتله ولم يمني من استرقاقه وفدائه، لأن ما أوجبه إسلامه من أمينه أوكد من بذل الأمان له، فلما لم يمنع الإسلام من استرقاقه وفدائه كان أولى لا يمنع منهما عقد أمانه.
والثانية: أن يصير في قبضة أمير الثغر، فلا يصح أن يؤمنه إلا الإمام لعموم ولايته، أو أمير الثغر لأنه في ولايته فأيهما سبق بأمانه لم يكن للآخر نقضه.
والثالثة: أن يكون باقيا في يد من أسره، ولم يصر في قبضة الإمام فلا يخلو حال من أمنه من أربعة أقسام: أحدها: أن يؤمنه الذي هو في أسره فيصح أمانه، وإن لم يصح منه أمان من صار في قبضة الإمام، لأنه لما جاز له أن يقتل أسيره، صح أن يؤمنه، ولما لم يصح أن يقتل من في أسر الإمام لم يصح أن يؤمنه، ويمني الأمان من قتله، فأما استرقاقه ونداؤه فلا يرتفع به ما كان باقيا في أسره، فإن فك أسره امتنع استرقاقه وفداؤه، فيكون القتل مرتفعًا

الجزء: 13 - الصفحة: 257

بلفظ الأمان والاسترقاق والفداء مرتفعان بزوال اليد.
والثاني: أن يؤمنه الإمام فيصح أمانه ويرتفع بالأمان قتله، لأن أمان الإمام أعم، ولا يرتفع به استرقاقه وفداءه، ولأن فك أسره بخلاف أمان الذي أسره، لأن يد الإمام في حق جميع المسلمين، ويد الذي أسره في حق نفسه.
والثالث: أن يؤمنه أمير الثغر فإن كان الأسير من ثغره صح أمانه، وإن كان من غير ثغره لم يصح أمانه لخروجه عن ولايته.
والرابع: أن يؤمنه غيرهم، ممن لا يد له ولا ولأية فلا يصح أمانه، ولا يرتفع به قتل ولا استرقاق ولا فداء، لأن الأسر قد أثبت فيه حقاً لغيره، فلم يملك إسقاطه بأمانه، وصار كأمانه لمن في أسر الإمام.
والفصل الثالث: دخوله ماله في عقد الأمان وهو ضربان: أحدهما: أن يكون الأمان مطلقًا لم يشترط فيه دخول المال، فيقول: قد أمنتك على نفسك، فيدخل في ماله في الأمان على نفسه ما يلبسه من ثيابه التي لا يستغني عنها وما يستعمله من آلته التي لا بد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه اعتبارا بضرورته والعرف الجاري، فمن لم ينسب إلى يسار وإعسار، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، فأما مركوبه فإن كان ممن لا يستغنى عنه دخل في أمانه، وإن استغنى عنه لم يدخل فيه، وكان ما سوى ذلك من أمواله غنيمة، وكذلك ذراريه وسواء كان الباذل لهذا الأمان الإمام أو غيره من المسلمين.
والثاني: أن يبذل له الأمان على نفسه وماله، فيشترط له دخول ماله في أمانه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون ماله حاضرًا، فيصح أن يؤمنه عليه الإمام، وغيره من المسلمين، لأن المال تبع، فإذا صح الأمان للأصل كان في التبع أصلح.
والثاني: أن يكون المال غائباً، فلا يصح بذل الأمان له إلا من الإمام بحق الولاية العامة، ولا يصح من غيره من المسلمين للذين لا ولاية لهم، وكذلك ذراريه إن كانوا حضورًا معه صح أن يبذل الأمان لهم وغيره، وإن كانوا غيبة لم يصح بذل الأمان لهم إلا من الإمام أو من قام مقامه من ولاة الثغور، ولا يصح ممن لا ولاية له من المسلمين لأنه اجتهاد في نظر.
والفصل الرابع: الموضع الذي ينعقد عليه الأمان وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يبذل له الأمام في بلاد الإسلام كلها، فيصح ويلزم أن يكون أمنًا في جميعها، سواء كان الباذل له واليًا أو غير والي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم".
والثاني: أن يبذل له الأمان في بلد خاص، فيلزم أن يكون آمنًا في ملك البلد، وفي الطريق إليه في دار الحرب ولا أمان له فيما سوى ذلك من البلاد اعتبارًا بالشرط، وإن الطريق إليه مستحق.

الجزء: 13 - الصفحة: 258

والثالث: أن يكون موضع الأمان مطلقة غير عام، ولا معين فيكون حكمه معتبراً بحال الباذل للأمان ولا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون هو الإمام، فيقتضي إطلاق أمانه أن يكون آمنًا في جميع بلاد الإسلام لدخول جميعها في نظره.
والثاني: أن يكون الباذل له وإلى الإقليم، فيكون إطلاق الأمان موجبًا لأمانه في بلاد عمله، ولا يكون له أمان في غيرها من بلاد الإسلام لقصور نظره عليها، فإن عزل عن بعضها لم يزل أمانه منها، وإن قلد غيرها لم يدخل أمانه فيها اعتبارًا بعمله وقت أمانه.
والثالث: أن يكون الباذل له أحد المسلمين، فيكون إطلاق أمانه مقصورًا على البلد الذي يسكنه بازل الأمان، فإن كان مضرًا لم يتجاوز إلى قراه، وإن كان قرية لم يتجاوزها إلى مصيرها اعتبارًا بما يضاف إليه، ويكون طريقه منها إلى دار الحرب داخلًا في أمانه مجتازًا لا مقيماً اعتبارًا بقدر الحاجة.
والفصل الخامس: مدة الأمان وهي مقدرة الأكثر بالشرخ ومقدرة الأقل بالعقد، فأما أكثرها ففيه نص واجتهاد، فأما النص بأربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾.هذا أمان من الله تعالى للمشركين وفي قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ تأويلان: أحدهما: تصرفوا فيها كيف شئتم.
والثاني: سافروا فيها حيث شئتم، وأما الاجتهاد فلا يجوز أن يبلغ به سنة إلا بجزية إن كان من أهلها، فيصير يبذلها من أهل الذمة، وقيما بين أربعة أشهر وسنة وجهان: أحدهما: لا يجوز أمانه فيها لمجاوزتها النص كالسنة.
والثاني: يجوز أمانه فيها لقصورها عن مدة الجزية كالنص في الأربعة، فإذا استقر أكثر مدته بالشرع لم يخل حال من الأمان من أن بكون مطلقًا أو مقيداً، فإن كان مطلقا لم يقيل بمدة حمل على أكثر المدة المشروعة نصاً، ولا يحمل على المقدرة اجتهادًا، لأنه لم يتقدر به وقت الأمان حكم مجتهد، فانعقدت على مدة النص دون الاجتهاد وليس له فيما بعدها أمان يمنع الشرع منه، لكن لا ينتقض أمانه إلا بعد إعلامه انقضاء المدة الشرعية، ويجب أن يرد يعدها إلى مأمنه، وإن كان الأمان مقيدًا بمدة فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقدر بالمدة المشروعة نصًا واجتهادًا، فيجب أن يستوفيها بمقامه، فإن كان أمانه في بلد بعينه جاز أن يستوفي المدة بمقامه فيه، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، وإن كان الأمان عاما في بلاد الإسلام كلها انتقض أمانه بمضي المدة، ولم يكن له أمان في قدر مسافة لاتصال دار الإسلام بدار الحرب، فصار ما اتصل بدار الحرب من بلاد أمانه، فلم يحتج إلى مدة مسافة الانتقال منها بخلاف للبلد المعين، ولا يجوز إذا تجاوزها أن يسين حتى يرد إلى مأمنه.

الجزء: 13 - الصفحة: 259

والثاني: أن تقدر مدة أمانه بأقل من المدة المشروعة.
كإعطائه أمان شهر فلا نتجاوز مدة الشرط إلى مدة الشرع اعتبار بموجب العقد، ويكون بعد انقضائها على ما مضى.
والثالث: أن تقدر مدة أمانه بأكثر من المدة المشروعة كإعطائه أمان سنة أو أمان الأبد فيبطل الأمان قيما زاد على المدة المشروعة نصاً واجتهاداً ويصير مقصوراً على المدة المشروعة نصاً واجتهاداً، ويصح فيها قولًا واحدًا، وخرج بعض أصحابنا فيه قولًا ثانيًا من تفريق الصفقة إذا جمعت سحبة وفاسداً تعليلًا بتفريقها بأن اللفظة تعمها ولا وجه لهذا التخريج لأنه من عقود المصالح العامة التي هي أوسع من أحكام العقود الخاصة ويجب إعلامه يحكمنا وهو على أمانه ما لم يعلم فإذا علم زال الأمان ووجب رده إلى مأمنه.
فصل: وإذا دخل مشرك دار الإسلام وادعى دخولها بأمان رجل من أهلها، فإن كان قبل أسره قبل فيه إقرار من ادعى أمانه، وإن كان بعد أسره لم يقبل إقراره إلا ببينة تشهد بالأمان، لأنه قبل الآسر يملك أن يستأنف أمانه فملك الإقرار به، ولا يملك أن يستأنف أمانه بعد الأسر، فلم يملك الإقرار به كالحاكم يقبل قوله فيما حكم به في ولايته، ولا يقبل قوله فيه بعد عزله إلا ببينة تشهد به، والبينة على أمانه شاهدان عدلان، ولا يقبل منه شاهد وامرأتان لأنه يسقط بها القتل عنه نفسه، وبينة القتل شاهدان، ولو كان هذا في أسير قد أسلم فادعى تقدم إسلامه قبل أسره طولب بالبينة، ويجوز أن يقبل في بينته شاهد وامرأتان، لأنها بينة لنفي الاسترقاق والفداء دون القتلى وذلك من حقوق الأموال الثابتة بشاهد وامرأتين فلذلك، ما افترق حكم البينتين، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أن علجًا دل مسلمين على قلعة على أن له جارية سماها فلما انتهوا إليها صالح صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلوا بينه وبين أهله ففعل فإذا أهله تلك الجارية فأرى أن يقال للدليل إن رضيت العوض عوضناك بقيمتها وإن أبيت قيل لصاحب القلعة أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك بجهالة فإن سلمها عوضناك وإن لم تفعل نبذنا إليك وقتلناك فإن كانت أسلكن قبل الظفر أو مات تعوض ولا يبين ذلك في الموت كما يبين إذا أسلكت".
قال في الحاوي: وأصل هذا أنه يجوز للإمام ووالي الجهاد أن يبذل في مصالح المسلمين وما يفضي إلى ظفرهم بالمشركين ما يراه من أموالهم وأموال المشركين، لقيامه

الجزء: 13 - الصفحة: 260

بوجوه المصالح، وذلك بأن يقول: من دلنا على أقرب الطرق، أو من أوصلنا إلى القلعة، أو أرشدنا إلى مغنم، أو أظفرنا بأسباب الفتح من احتلال مضيق، وشعب حصون، أو كان عيناً لنا عليهم ونقل أخبارهم، فله كذا وكذا، فهذه جعالة يصح عقدها لمن أجاب إليها من مسلم، ومشرك، لعودها بنفع للجاعل والمستعجل، ويجوز أن يكون العوض فيها من أموال المسلمين، ومن أموال المشركين، فإن كانت من أموال المسلمين لم يصح إلا أن يكون العوض معلومًا، إما معينًا، أو في الذمة فالمعين أن يقول: فله هذا العبد، وفي الذمة أن يقول: فله مائة دينار، فإن كان مجهولاً لم يصح، لأن ما أمكن نفي الجعالة عنه منعت الجهالة من صحته كسائر العقود، وإن كان العوض من أموال المشركين، صحت الجهالة، وإن كان العوض فيها مجهولًا وبما ليس في الحال مملوكاً فتكون الجعالة بأموالهم مخالفة للجعالة بأموال المسلمين من وجهين: أحدهما: جوازها مجهول والثاني: جوازها بغير مملوك.
ودليله ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح بني النضير على أن يأخذوا ما تستوقره الإبل إلا المال والسلاح وهذا مجهول وغير مملوك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، وذلك من غنيمة مجهولة وغير مملوكة.
وروى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وأنتم ستفتحونها فقام رجل فقال يا رسول الله هب لي بنت بقيلة، فقال: هي لك، فلما فتحها أصحابه أعطوه الجارية، فقال أبوها: أتبيعها، فقال: نعم بألف فأعطاه الألف فقيل له لو طلبت ثلاثين ألفًا أعطاك، فقال: وهل عدد أكثر من ألف.
وروي أن أبا موسى الأشعري حاصر مدينة السوس، فصالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة، ويؤمن مائة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه فلما عزلهم قال له أبو موسى: أفزعت قال: نعم فأمنهم أبو موسى، وقال: الله أكبر، وأمر بقتل الدهقان قال: أتغدر بي وقد أمنتي قال: أمنت العدة التي سميت، ولم تسم نفسك فنادي بالويل وبذل مالاً كثيراً، فلم يقبل منه وقتله.
فصل فإذا صح ما ذكرنا فصورة مسألتنا في علج اشترط أن يدل المسلمين على قلعة على أن يعطوه جارية منها سماها فدلهم عليها، فهذا شرط صحيح تصح به الجعالة مع الجهالة لما قدمناه، ولا يخلو حال القلعة بعد الوصول إليها من أن يظفر المسلمون بفتحها، أو لا يظفروا، فإن لم يظفروا بفتحها فلا شيء للدليل لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين: الدلالة، والفتح، فلم يستحقها بأحد الشرطين، ولو جعل شرطه في

الجزء: 13 - الصفحة: 261

الجعالة شيئا في غير القلعة استحقه بالدلالة وإن تعذر فتحها، لأنها معلقة بشرط واحد وهو الدلالة وقد وجدت وإن ظفروا بالقلعة وفتحوها فعلى ضربين: أحدهما: أن يظفروا بفتحها عنوة حال الجارية فيها من أحد أربعة أقسام: أحدها: أن لا تكون من أهل القلعة، ولا فيها فلا شيء للدليل لاشتراط معدوم ويستحب لو أعطى رضخاً، وإن لم يستحقه، فلو وجدت الجارية في غير القلعة نظر، فإن كانت من أهل القلعة كان كوجودها في القلعة فيستحقها الدليل على ما سنذكره، وإن كانت من غير أهل القلعة، فلا حق للدليل فيها، لأنه اشترط جارية من القلعة، وليست هذه منها ولا من أهلها.
والثاني: أن تكون الجارية موجودة في القلعة باقية على شركها، فيستحقها الدليل ولا حق فيه للغانمين، ولا يعاوضهم الإمام عنها لاستحقاقها قبل الفتح، فصارت كأموال من أسلم قبل الفتح.
والثالث: أن تكون الجارية موجودة في القلعة، وقد أسلمت فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون إسلامها قبل القدرة عليها فهي حرة، ولا يجوز استرقاقها فلا يستحقها الدليل، لمنع الشرع منها ويستحق قيمتها، لأن شرعنا منعه منها، فلذلك وجب أن يعاوض عنها بقيمتها، وسواء كان الدليل مسلم أو كافرًا.
والثاني: أن يكون إسلامها بعد القدرة عليها، فهي مسترقة لا يرتفع رقها بالإسلام وللدليل حالتان: إحداهما: أن يكون مسلماً فيستحق الجارية.
والثانية: أن يكون كافراً ففيه قولان، بناء على اختلاف قوليه في الكافر إذا ابتاع عبدًا مسلمًا.
فأحد قوليه: إن البيع باطل فعلى هذا لا يستحق الجارية وتدفع إليه قيمتها، فإن أسلم من بعد لم يستحقها لانتقال حقه منها إلى قيمتها.
والثاني: إن البيع صحيح، ويمنع من إقراره على ملكه، فعلى هذا يستحق الدليل الجارية وإن كان كافرًا، ويمنع منها حتى يبيعها، أو يسلم فيستحقها، فإن لم يفعل أحد هذه الثلاث بيعت عليه جبراً ودفع إليه ثمنها.
والرابع: أن توجد الجارية في القلعة ميتة فقد ذكر الشافعي ها هنا كلامًا محتملًا في غرام القيمة له خرجه أصحابنا على قولين: أحدهما: له قيمتها كما لو أسلمت، لأنه ممنوع منها في الحالين.
والثاني: لا قيمة له، لأن الميتة غير مقدور عليها فصار كما لو لم تكن فيها، وخالفت التي أسلمت لمنع الشرع منها مع القدرة على تسليمها، وعندي أن الأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن كان موتها بعد القدرة على تسليمها استحق قيمتها، وإن كان قبل القدرة على تسلمها فلا قيمة له ويجوز أن يكون إطلاق الشافعي محمولًا على

الجزء: 13 - الصفحة: 262

هذا التفصيل فهذا حكم فتحا القلعة عنوة.
فصل: والضرب الثاني: أن تفتح صلحا فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا تدخل الجارية في الصلح، فيكون الحكم فيها على ما مضى من فتحها عنوة.
والثاني: أن تدخل في الصلح، وهو أن يصالحنا على فتحها على أن يخلي بينه وبين أهله، وتكون هي من أهله وهي مسألة الكتاب فقد تعلق بها حقان: أحدهما: للدليل في عقد جعالته.
والثاني: لصاحب القلعة في عقد صلحه وكلا العقدين محمول على الصحة.
وقال أبو إسحاق المروزي الأول صحيح، والثاني باطل اعتبارًا بعقدي النكاح وعقدي البيع، لأنه لا يمكن الجمع بينهما فصح أسبقهما وهذا القول فاسد من وجهين: أحدهما: أن حكم هذا العقد أوسع من حكم العقود الخاصة، لجواز بمجهول وغير مملوك.
والثاني: أن الأول لو كفى أمضينا صلح الثاني، ولو فسد لم يمض إلا بعقد مستجد وإذا كانا صحيحين والجمع بينهما غير ممكن لتنافيهما، والاشتراك بينهما غير جائز لامتناعه فيبدأ بخطاب الدليل لتقدم عقده فيقال له جعلنا لك جارية وصالحنا غيرك عليها عن جهالة بها، وليس يجوز أن سينزلك عنها جبرًا، لتقدم حقك فيها افتراض أن تعدل عنها إلى غيرها من جواري القلعة أو إلى قيمتها، فإن رضي بذلك فعلناه، وأمضينا صلح القلعة عليها، وإن امتنع الدليل أن يعدل عنها قلت لصاحب القلعة: قد صالحناك عليها بعد أن جعلناها لغيرك على جهالة افترض بأخذ غيرها في صلحك أو ثمنها، فإن رضي بذلك فعلناه ودفعناها إلى الدليل وإن امتنع أن يعدل عنها إلى غيرها لم يجبر على انتزاعها من يده لما عقدناه من صلحه، وقيل: قد تقدم فيها حق الدليل على حقك وعلينا بعقد صلحك الذي لا تقدر على إمضائه أن نعيدك إلى مأمنك، ثم تكون من بعده لك حربًا، فإذا رد إلى مأمنه مكن من التحصن والاحتراز على مثل ما كان عليه قبل صلحه من غير من زيادة عليه، ولا نقصان منه، وكنا له بعد التحصن حربًا، وإن فتحت القلعة عنوة كان حكم الجارية في تسليمها إلى الدليل مستحقًا على ما مضى، وإن لم نفتحها عنوة وعدنا عنها فلا سيء للدليل لما ذكرنا ويستحب أن لو رضخ له من سهم المصالح وإن لم يجب فلو عدنا إلى القلعة بعد الانصراف عنها وفتحناها عنوة فعل يستحق الدليل الجارية أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يستحقها، لأنها لم تفتح بدلالته.
والثاني: يستحقها، لأن الوصول إلى فتحها بدلالته.

الجزء: 13 - الصفحة: 263

مسألة: قال الشافعي:" وإن غزت طائفة بغير أمر الإمام كرهته لما في إذن الإمام من معرفته بغزوهم ومعرفتهم ويأتيه الخبر عنهم فيعينهم حيث يخاف هلاكهم فيقتلون ضيعة.
قال الشافعي رحمه الله: ولا أعلم ذلك يحرم عليهم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: إن قتلت يا رسول الله صابراً محتسباً؟ قال:" فلك الجنة" قال فانغمس في العدو فقتلوه وألقى رجل من الأنصار درعا كان عليه، حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإذا حل للمنفرد أن يتقدم على أن الأغلب أنهم يقتلونه كان هذا أكثر مما في الانفراد من الرجل والرجال بغير إذن الإمام وبعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحدة فإذا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتسرى واحد ليصيب غرة ويسلم بالحيلة أو يقتل في سبيل الله فحكم الله تعالى أن ما أوجف المسلمون غنيمة".
قال في الحاوي: وهو كما ذكر يكره أن يغزو قوم بغير إذن الإمام لأمرين: أحدهما: أنه أعرف بجهاد العدو منهم.
والثاني: أنه إذا علم أعانهم وأمدهم فعلى التعليل الأول يكره لهم ذلك في حق الله تعالى، وعلى التعليل الثاني يكره لهم ذلك في حقوق أنفسهم، وإن غزوا بغير إذنه لم يحرم عليهم وسواء كانوا في منعة أو غير منعة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يحرم عليهم إلا أن يكونوا في منعه قال أبو يوسف: المنعة عشرة، وهذا فاسد لأمرين: أحدهما: أن العدد ليس بشرط في الإباحة فقد أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ورجلًا من الأنصار سرية وحدهما، وأنفذ عبد الله بن أنيس سرية وحده لقتل خالد بن سفيان الهذلي وهو في العدة والعدد، وأنفذ محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف، فقتله، وأنفذ نفراً لقتل ابن أبي الحقيق فقتلوه.
والثاني: أنه ليس في القلة أكثر من بذل النفس، وجهاد العدو، وهذا غير محظور قد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال وذكر الجنة فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً ما الذي له.
قال: الجنة فانغمس في العدو حتى قتل.
فصل: فإذا تقرر أنه لا يحرم عليهم لم يخل حال ما أخذوه من المال من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يأخذوه عنوة بقتال فهذا غنيمة يخمسه الإمام ويقتسموا أربعة أخماسه

الجزء: 13 - الصفحة: 264

بينهم.
وقال أبو حنيفة: يتركه الإمام عليهم ولا يخمسه.
وقال الأوزاعي: الإمام مخير في أخذ خمسه منهم، أو ترك جميعه عليهم، أو تخميسه، وقسم أربعة أخماسه بينهم.
وقد دللنا على وجوب تخميسه بما مضى، ولا تأديب عليهم.
وقال الأوزاعي: يؤدبهم الإمام عقوبة لهم وهذا خطأ، لأنه ليس في الانتقام من أعداء الله تأديب.
والثاني: أن يأخذوا المال صلحاً بغير قتال، فهذا المال فيء لا يستحقونه يكون أربعة أخماسه لأهل الفيء وخمسه لأهل الخمس.
والثالث: أن يأخذوا المال اختلاساً بغير قتال، ولا صلح.
قال أبو إسحاق المروزي: يكون ذلك فيئًا لا حق لهم فيه، لوصوله بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وعندي أن يكون غنيمة يملكون أربعة أخماسه، لأنهم ما وصلوا إليه عفوًا حتى غرروا بأنفسهم فصار كتغريرهم بها إذا قاتلوا.
مسألة: قال الشافعي:" ومن سرق من الغنيمة من حر أو عبد حضر الغنيمة لم يقطع لأن للحر سهما ويرضخ للعبد ومن سرق من الغنيمة وفي أهلها أبوه أو أبنه لم يقطع وإن كان أخوه أو امرأته قطع.
قال المزني رحمه الله: وفي كتاب السرقة: إن سرق من امرأته لم يقطع".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن الغنائم إذا أحرزت بعد إجازتها لم يجز لأحد من الغانمين وغيرهم أن يتعرض لها قبل قسمها، ولمستحقها مطالبة الإمام بقسمها فيهم فإن هتك حرزها من سرق منها نصاب القطع فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون خمسها باقيًا فيها لم يخرج منها فلا قطع على السارق منها، سواء كان من الغانمين أو من غيرهم، لأنه إن كان من الغانمين فله في أربعة أخماسها سهم وفي خمسها من سهم المصالح حق وهي شبهة واحدة يسقط بها عنه القطع.
والثاني: أن يخرج خمسها منها فتصير أربعة أخماسها مفرداً للغانمين، وخمسها مفرداً لأهل الخمس فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون السرقة من أربعة أخماس الغنيمة فلا يخلو حال السارق من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ممن حضر الوقعة من ذي سهم، كالرجل الحر، وذي رضخ

الجزء: 13 - الصفحة: 265

كالمرأة والعبد فيهما سواء، لأن الرضخ يستحق وإن نقص عن السهم كنقصان سهم الراجل عن سهم الفارس فكانا حقين واجبين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يسرق منها ما يجوز أن يكون بقدر حقه، فلا قطع عليه نص عليه الشافعي وأجمع عليه أصحابه، لهم في تعليله وجهان: أحدهما: أنها شبهة في هتك حرزها.
والثاني: أنها شبهة في أخذ حقه منها والضرب الثاني: أن يسرق منها ما يعلم أنه قطعا أكثر من حقه ففي وجوب قطعه في الزيادة، إذا بلغت نصاباً وجهان أشار إليهما أبو إسحاق المروزي في شرحه: أحدهما: لا يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في هتك الحرز، لأن المال صار بها في غير حرز.
والوجه الثاني: يقطع وهو مقتضى قول من علل بالشبهة في أخذ الحق، لأن الزيادة ليس فيها حق، ويتفرع على هذين الوجهين أن يكون له رجل دين فيتوصل إلى هتك حرزه ويأخذ الزيادة على قدر دينه فيكون قطعه في الزيادة على وجهين.
والقسم الثاني: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة، ولا يتصل بمن حضرها فيجب قطعه فيها لارتفاع شبهته، وعلى قول أبي حنيفة لا يقطع، لأنها عن أصل مباح.
والقسم الثالث: أن يكون السارق ممن لم يحضر الوقعة لكن له اتصال بمن حضرها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون اتصالهما لا يمنع من وجوب القطع بينهما كالأخ يقطع إذا سرق من أخيه كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها أخوه قطع.
والثاني: أن يكون اتصالهما يمنع من وجوب القطع بينهما كالولد مع الأبوين لا يقطع أحدهما في مال الآخر وكالعبد مع سيده لا يقطع في ماله، كذلك إذا سرق من غنيمة حضرها واحد من والديه، أو مولوديه لم يقطع وكذلك لو حضرها عبده، أو سيده لم يقطع فأما الزوج والزوجة ففي كل واحد منهما في مال صاحبه قولان: أحدهما: لا يقطع وهو قول أبي حنيفة فعلى هذا لا يقطع في الغنيمة إذا حضرها زوج، أو زوجة، ولا إذا حضرها عبد أو زوجة.
والثاني: يقطع وهو قول مالك، فعلى هذا يقطع في الغنيمة وإن حضرها هؤلاء فهذا حكم السرقة من أربعة أخماس الغنيمة.
فصل: والضرب الثاني: أن يسرق من خمس الغنيمة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون خمس الخمس وهو سهم المصالح منها باقياً فيها فلا قطع على سارقها، لأن فيها من سهم المصالح حقا فصار شبهة في سقوط القطع عنه (سواء) كان

الجزء: 13 - الصفحة: 266

ممن حضر الوقعة أو لم يحضرها، لأن سهم المصالح عام.
والثاني: أن يكون سهم المصالح، وهو خمس الخمس أفرد فسرق من أربعة أخماس الخمس فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون من أهل ذلك، ومستحقيه كذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فلا قطع عليه ويكون كالغانم إذا سرق من أربعة أخماس الغنيمة والثاني: أن لا يكون من أهل ذلك، ولا مستحقيه ففي وجوب قطعة وجهان: أحدهما: يقطع كأربعة أخماس الغنيمة إذا سرق منها غير مستحقيها.
والثاني: لا يقطع، لأنه قد يجوز أن يصير من مستحقيه في ثاني حال بخلاف الغنيمة التي لا يجوز أن يصير من مستحقيها في ثاني حال.
روى إبراهيم ألنخعي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ادرؤوا الحدود فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم لمسلم مخرجاً فادرؤوا عنه الحد ما استطعتم.
مسألة: قال الشافعي:" وما افتتح من أرض موات لمن أحياها من المسلمين" قال في الحاوي: فتح بلاد المشركين ضربان: عنوة وصلح، فأما بلاد العنوة فضربان: عامر، وموات.
فأما العامر فملك للغانمين لا يشركهم فيه غيرهم، وأما الموات فضربان: أحدهما: أن يذبوا عنه، ويمنعوا منه فيكون كالذب في حكم العامر يختص به الغانمون دون غيرهم لأن الذب عنه كالتحجير عليه والمتحجر على الموات أحق به من غيره كذلك حكم هذا الموات.
والثاني: أن لا يذبوا عنه فيكون في حكم موات بلاد المسلمين، من أحياه منهم ملكه ولا يختص بالغانمين، وأما بلاد الصلح فضربان: أحدهما: أن يصالحهم على الأرضين لنا ويقرها معهم بخراج يؤدونه إلينا فيكون مواتها كمواتنا يملكه من أحياه من المسلمين لاستوائهم فيه، وتصير الأرض بهذا الصلح دار الإسلام ولا يملكون ما أحيوه من هذا الموات كما لا يملكوه أهل الذمة إذا أحيوه من دار الإسلام.
والثاني: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ويقرون عليها بخراج يؤدونه عنها فتكون الأرض باقية على ملكهم، ولا تصير بهذا الصلح دار إسلام ويكون مواتها كموات دار الحرب إن أحيوه ملكوه، وإن أحياه المسلمون لم يملكوه، لأن اليد مرتفعة عن دارهم

الجزء: 13 - الصفحة: 267

والصلح إنما أوجب الكف عنهم وأخذ الخراج منهم.
مسألة: قال الشافعي:" وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم.
وقال في كتاب السير: يؤخر الحكم عليهم حتى يرجعوا من دار الحرب".
قال في الحاوي: وهذا كما قال كل معصية وجب بها الحد في دار الحرب على المسلم أو الذمي سواء كان فيها الإمام أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: يجب بها الحد إن كان الإمام فيها ولا يجب إن لم يكن فيها احتجاجًا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها" وفرق بين الدارين في الإباحة والحظر كما فرق بينهما في السبي والقتل فأوجب ذلك وقوع الفرق بينهما في وجوب الحد.
ودليلنا عموم الآيات في الحدود الموجبة للتسوية بين دار الإسلام ودار الحرب قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من بيد لنا صفحته نقم حد الله عليه" فعم ولم يخص، ولأنها حدود تجب في دار الإسلام فاقتضى أن تجب بغيبة الإمام كدار الإسلام ولأنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي وجب أن تستويا في لزوم الحدود، ولأنه لما لم تختلف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة، والصيام باختلاف الدارين وجب أن لا تختلف أحكام المعاصي باختلاف الدارين.
فأما الخبر فمحمول على إباحة ما تصح استباحته من الأموال والدماء وليس بمحمول على ما لا يجوز استباحته من الكبائر والمعاصي.
فصل: فإذا ثبت وجود الحدود، فيها نظر، فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام، أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم نظر، فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود أخر حده إلى دار الإسلام وإن لم يكن له عذر قدم حده في دار الحرب، وليس ما ذكره المزني عن الشافعي من اختلاف جوابه فيه محمولًا على اختلاف قولين وإنما هو على ما ذكرناه من اختلاف حالين.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز إقامة الحدود في دار الحرب، وعلى الإمام تأخيرها

الجزء: 13 - الصفحة: 268

احتجاجاً بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقيموا الحدود في دار الشرك حتى يعودوا إلى دار الإسلام، ولا يؤمن أن يتداخله من الأنفة والحمية ما يبعثه على الردة اعتصامًا بأهل الحرب ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:" فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه" ولم يفرق، ولأن لله تعالى عليهم حقوقًا من عبادات، وحدود في معاص، فإذا لم تمنع دار الشرك من استيفاء حقوقه لم تمنع من إقامة حدوده.
فأما الجواب عن خبر عمر إن صح فهو أنه أمر بذلك لئلا يقع التشاغل بإقامتها عن تدبير الحرب وجهاد العدو.
وقوله: إنه ربما بعثته الحمية على الردة، فلو كان لهذا المعنى لا تقام عليهم الحدود لما أقيمت على أهل الثغور، ولما استوفيت منهم الحقوق، ولأفضى إلى تعطيل الحدود وإسقاط الحقوق وهذا مدفوع.
فصل: فأما حقوق الآدميين المستهلكة عليهم في دار الحرب، فإن كانت لأهل الحرب فهي مباحة بالكفر والمحاربة لا تضمن أموالهم، ولا نفوسهم، وإن كانت للمسلمين فضربان: أموال، ونفوس.
فأما الأموال فيأتي ضمانها.
وأما النفوس كمسلم قتل مسلمًا في دار الحرب، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون في حرب، وقد مضى حكمه وذكرنا أقسامه.
والثاني: يكون في غير حرب فضربان: أحدهما: أن لا يعلم بإسلامه فينظر في قتله، فإن قتله خطأ ضمنه بالكفارة دون الدية، لقول الله تعالى: ﴿فَأن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾.
وإن قتله عمدًا فلا قود عليه للشبهة وعليه الكفارة وفي وجوب الدية قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني- لا دية عليه- لأن الجهل بإسلامه يغلب حكم الدار في سقوط ديته كما غلب حكمها في سقوط القود.
والوجه الثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي- ضمن ديته تغليباً لحكم قصده ولا يؤثر سقوط القود الذي يسقط بالشبهة في سقوط الدية التي لا تسقط بالشبهة.
والضرب الثاني: أن يقتله عالماً بإسلامه فيلزمه يقتله في دار الحرب ما كان لازمًا له بقتله في دار الإسلام إن كان بعمد محض وجب عليه القود، والكفارة وإن كان بعمد الخطأ وجبت عليه الدية مغلظة والكفارة وإن كان بخطأ وجبت عليه الدية مخففة والكفارة ولا فرق بين من دخل دار الحرب مسلمًا أو أسلم فيها سواء هاجر أو لم يهاجر.
وقال أبو حنيفة: لا قود في قتل المسلم في دار الحرب، إذا لم يكن فيها إمام، فأما الدية فإن

الجزء: 13 - الصفحة: 269

دخلها وهو مسلم غير مأسور ضمن عمده بالدية دون الكفارة وضمن خطة بالدية والكفارة، وإن كان مأسورا لم يضمن ديته في عمد ولا خطأ وضمن بالكفارة في الخطأ دون العمد، لأن الأسير قد صار في أيديهم كالمملوك لهم، وإن أسلم في دار الحرب وهاجر إلى دار الإسلام كان كالداخل إليها مسلما وإن لم يهاجر إليها كانت نفسه هدراً لا يضمن بقود ولا دية وتلزم الكفارة في الخطأ دون لا العمد احتجاجا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" وهذا موجب لإهدار دمه قال: ولأنه دم لم يحقن في دار الإسلام فلم يضمن في دار الحرب كالحربي.
ودليلنا قول الله عز وجل: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا﴾ وهذا مظلوم بالقتل فوجب أن يكون لوليه سلطاناً في القوة والدية، ولأنه إسلام صار الدم به محقوناً، فوجب أن يصير به مضمونا كالمهاجر،' ولأنه كل دار ينهدم الدم فيها بالردة، يضمن الدم فيها بالإسلام كدار الإسلام فأما الجواب عن الآية فهو ورودها في الميراث: لأنهم كانوا في صدر الإسلام يتوارثون بالإسلام والهجرة، ثم نسخت حين توارثوا بالإسلام دون الهجرة.
وأما الجواب عن الخبر فهو إنما تبرأ من أفعاله ولا يوجب ذلك هدر دمه كما قال: " من غشنا فليس منا" وأما الجواب عن قياسه فهو أن هذا دم محقون فلم يكن لاختلاف الدار تأثير ودم الحربي مباح فلا يكن لاختلاف الدار تأثير، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي:" ولا أعلم أحداً من المشركين لم تبلغه الدعوة إلا أن يكون خلف الذين يقاتلون أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يدعوا إلى الإيمان فإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى من قتله الدية" قال في الحاوي: وهذا صحيح والكفارة ضربان: أحدهما: من بلغتهم دعوة الإسلام، وهم من نعرفهم اليوم كالروم والترك، والهند، ومن في أقطار الأرض من الكفارة ودعوة الإسلام أن يبلغهم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحجاز نبيًا أرسله إلى كافة الخلق بمعجزة دلت على صدقة يدعوهم إلى توحيده وتصديق رسوله، وطاعته في العمل بما يأمره به ويناهم عنه، وأنه يقاتل من خالفه حتى يؤمن به أو يعطي الجزية إن كان كتابيًا، فإن لم يفعل أحد هذين، أو كان غير كتابي فلم يؤمن استباح قتله فهذه صفة دعوة الإسلام، فإذا كانوا ممن قد بلغتهم هذه الدعوة، لم يجب أن يدعوا

الجزء: 13 - الصفحة: 270

إليها ثانية إلا على وجه الاستظهار، والإنذار وجاز أن يبدأ بقتالهم زحفًا ومصافة وجاز أن يبدأ به غرة وبياتًا قد شن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغارة على بني المصطلق وهم غارون في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقال حين سار إلى فتح مكة اللهم أطوا خبرنا عنهم حتى لا يعلموا بنا إلا فجأة لما قدمه من استدعائهم فلم يعلموا به حتى نزل عليهم.
والثاني: من الكفار من لم يبلغهم دعوة الإسلام، قال الشافعي:" ولا اعلم أحدًا اليوم من المشركين، من لم يبلغه الدعوة إلا أن يكن خلف الذين يقاتلوه أمة من المشركين خلف الترك والخزر لم تبلغهم الدعوة".
وهذا وإن كان بعيدًا في وقت الشافعي فهو الآن أبعد، لأن الإسلام في زيادة تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فإن جاز أن يكون الآن قوم لم تبلغهم الدعوة لم يجزا الابتداء بقتالهم إلا بعد إظهار الدعوة لهم واستدعائهم بها إلى الإسلام ودمائهم قبل ذلك محقونة وأموالهم محظورة قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
وقال الله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وعلى هذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.
روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعثت أميرًا على جيش، أو سرية وأمره بتقوى الله تعالى في خاص نفسه ومن معه من المسلمين وقال:" إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" فصل: فإذا ثبت وجوب إنذارهم بالدعوة قبل قتالهم أنفسهم ما تضمنته دعوتهم ثلاثة أقسام: أحدها: ما هم فيه محجوبون بعقولهم دون السمع، وهو معجزات الرسل وجججهم الدالة على صدقهم في الرسالة.
والثاني: ما هم فيه محجوبون بالسمع دون العقل، وهو ما تضمنه التكليف من أمر ونهي.
والثالث: ما اختلف فيه وهو التوحيد هل هم فيه محجوبون بالعقل، أو بالسمع على وجهين لأصحابنا مع تقدم خلاف المتكلمين فيه: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وزعم أنه من الظاهر من مذهب

الجزء: 13 - الصفحة: 271

الشافعي أنهم محجوبون فيه بالعقل دون السمع كالقسم الأول.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفرايينبي، وزعم أنه الظاهر من مذهب الشافعي أنهم محجوبون فيه بالسمع وإن وصلوا إلى معرفته بالعقل، وبالوجه الأول قال أكثر البصريين وبالوجه الثاني قال أكثر البغداديين.
وهذا الوجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في التكليف هل اقترن بالعقل، أو تعقبه، فمن زعم أنه اقترن بالعقل جعلهم محجوبين بالسمع دون العقل.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من حقن دمائهم قبل بلوغ الدعوة إليهم ضمنت دماؤهم بالدية إن قتلوا ولم تكن هدرًا.
وقال أبو حنيفة: ى تضمن دماؤهم وتكون هدرًا احتجاجًا بأمرين: أحدهما: من لم يثبت له إيمان ولا أمان كان دمه هدراً كالحربي، وليس لهؤلاء إيمان ولا أمان.
والثاني: أن الدية أحد موجبي القتل فوجب أن يسقط في حقهم كالقود.
ودليلنا شيئان: أحدهما: أن من لم يظهر عناده في الدين مع تكليفه لم ينهدر دمه كالمسلم.
والثاني: أن حرمة النفوس أعلم من حرمة الأموال، فلما وجب رد أموالهم عليهم وجب ضمان نفوسهم.
فأما الجواب عند استدلالهم بأن لا إيمان لهم ولا أمان هو أن لهم أمان ولذلك حرم قتلهم وأما الجواب عن القود فهو أنه يسقط بالشبهة، ولا تسقط الدية بالشبهة فافترقا.
فصل: فإذا ثبت ضمان دياتهم، فقد أطلق الشافعي هاهنا ذكر الدية واختلف أصحابنا في مقدارها على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الدية الكاملة دية المسلم تمسكاً بالظاهر من إطلاق الشافعي، واحتجاجًا بنفي الكفر عنهم قبل بلاغ الدعوة إليهم.
والثاني: وقد نص عليه الشافعي في كتاب "الأم" أنها دية كافر إن كان يهوديًا، أو نصرانيًا، كانت ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، فثلثا دية المسلم ثمانمائة درهم لأن قصور الدعوة عنهم موجب لحقن دمائهم وليس بمثبت لإيمانهم.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي إن يتمسكوا بدين أصله باطل، كعبدة الأوثان فدية كافر ليس له كتاب كدية المجوسي، وإن تمسكوا بدين أصله حق كاليهودية والنصرانية فدية مسلم، لأن فيه على أصل الإيمان قبل علمهم بالنسخ.

الجزء: 13 - الصفحة: 272

فصل: فأما قتلنا من لا نعلم هل بلغتهم الدعوة، أو لم تبلغهم ففي ضمان دمائهم وجهان بناء على اختلاف الوجهين هل كان الناس قبل ورود الشرع على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسول أو كانوا على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل.
فأحد الوجهين: أنهم كانوا على أصل الإيمان حتى كفروا بالرسل، وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالعقل دون السمع، فعلى هذا يكون دماء من جهلت حالهم مضمونة بدمائهم.
والثاني: أنهم كانوا قبل ورود الشرع على أصل الكفر حتى آمنوا بالرسل وهذا قول من زعم أنهم محجوبون في التوحيد بالسمع دون العقل، فعلى هذا تكون دماء من جهلت حالهم هدراً لا تضمن بقود ولا دية، ومن هذين الوجهين اختلف المفسرون في تأويل قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ على قولين: أحدهما: أنهم كانوا على الكفر حتى أمن منهم من أمن وهذا قول ابن عباس والحسن.
والثاني: أنهم كانوا على الحق، حتى كفر منهم من كفر، وهذا قول قتادة والضحاك والأكثرين، والله أعلم.

باب ما أحرزه المشركون من المسلمين

قال الشافعي رحمه الله:" لا يملك المشركون ما أحرزوه على المسلمين بحال أباح الله لأهل دينه ملك أحرارهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم فلا يساوون المسلمين في شيء من ذلك أبدا قد أحرزوا ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وأحرزتها منهم الأنصارية فلم يجعل لها النبي عليه السلام شيئا وجعلها على أصل ملكه فيها وأبق لابن عمر عبد وعار له فرس فأحرزها المشركون ثم أحرزها عليهم المسلمون فردا عليه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه مالكه أحق به قبل القسم وبعده ولا أعلم أحداً خالف في أن المشركين إذا أحرزوا عبداً لمسلم فأدركه وقد أوجف عليه قبل القسم أنه لمالكه بلا قيمة ثم اختلفوا بعدما وقع في المقاسم فقال منهم قائل وعلى الإمام أن يعوض من صار في سهمه من خمس الخمس وهو سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يوافق الكتاب والسنة والإجماع وقال غيرنا هو أحق به بالقيمة إن شاؤوا ولا يخلوا من أن يكون مال مسلم فلا يغنم أو مال مشرك فيغنم فلا يكون لربه فيه حق ومن زعم أنهم لا يملكون الحر ولا المكاتب ولا أم الولد ولا المدبر ويملكون ما سواهم فإنما يتحكم"

الجزء: 13 - الصفحة: 273

قال في الحاوي: إذا أحرز المشركون أموال المسلمين بغارة، أو سرقة لم يملكوه سواء أدخلوه دار الحرب أو لم يدخلوه، فإن باعوه على مسلم كان صاحبه أحق به من مشتريه بغير ثمن وإن غنمها المسلمون استرجعه صاحبه بغير بدل، وسواء قبل القسمة وبعدها وعلى الإمام أن يعوض من حصل ذلك في سهمه بعد القسمة قيمته من سهم المصالح لما في نقص القسمة من لحوق المشقة، فإن لم تلحق منه مشقة نقصها ولم يعوض.
وقال أبو حنيفة: قد ملك المشركون ما أغار عليهم جماعتهم دون آحادهم من أموال المسلمين، إذا أدخلوه دار الحرب، فإن باعوه صح بيعه، وكان لمالكه أن يأخذه من مشتريه بثمنه وإن غنمه المسلمون منهم استرجعه صاحب قبل القسمة، بغير عوض ولم يسترجعه بعد القسمة إلا بالقيمة احتجاجاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له يوم فتح مكة: ألا تنزل دار ل فقال:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فلولا زوال ملكه عنها بغلبة عقيل عليها لاستبقاها على ملكه ونزلها وروى أبو يوسف في سير الأوزاعي عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد وبعير أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد أحرزهما العدو ثم ظفر بهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبتهما أن أصبتهما قبل القسمة، فهما لك بغير شيء، وإن وجدتهما قبل القسمة فهما لك بالقيمة قالوا: وهذا نص ولأن كل سبب ملك به المسلمون على المشركين، جاز أن يملك به المشركون على المسلمين كالبيوع، ولأن كل مال أخذ قهراً على وجه التدين ملكه أخذه كالمسلم من المشرك، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾ فامتن علينا بأن جعل أموالهم لنا ولو جعل أموالنا لهم لساويناهم وبطل فيه الامتنان.
وروى أبو قلابة عن أبي المهلب عن عمران الحصين" أن المشركين غاروا على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة من الأنصار فانفلت ذات ليلة من الوثاق فركبت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ونجت من طلبهم حتى قدمت المدينة وكانت قد نذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" بئس ما جازتها لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" وأخذ ناقته منها، فلو ملكها المشركون بالغارة لملكتها الأنصارية بالأخذ، ولما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم استرجاعها، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فلما لم يحل بهذا الخبر ماله لمسلم، كان أولى أن لا يحل ماله لمشرك، ويتحرر من استدلال هذا الخبر قياسان:

الجزء: 13 - الصفحة: 274

أحدهما: إنما منع الإسلام من غصبه ما لم يملك بغصبه كالمسلم مع المسلم.
والثاني: أنه تغلب لا يملك به المسلم على المسلم، فلم يملك به المشرك على المسلم كالسبي، ولأن ما لم يملك على المسلم قبل القسمة لم يملك عليه بعد القسمة كالمدبر، والمكاتب، وأم الولد.
فأما الجواب عن قوله:" وهل ترك لنا عقيل من ربع" فرسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في دار أبي طالب حين كفله بعد موت عبد المطلب فورثها عقيل دون علي لكفر عقيل وإسلام علي وعندنا لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فباعها عقيل بميراثه لا يغصبه.
وحكي ابن شهاب الزهري قال: أخبرنا علي بن الحسين أن أبا طالب ورثه ابناه عقيل وطالب دون علي فلذلك تركنا حقنا من الشعب.
أما الجواب عن حديث ابن عباس فهو أن رواية الحسن بن عمارة وهو ضعيف كثير الوهم والغلظ، ثم لو صح لكان بدليلنا أشبه، لأنه جعله له قبل القسمة ولو زال ملكه عنه لما استحقه قبل القسمة، وإن كان له أخذه بعد القسمة بالقيمة.
فإن قيل: فقد أوجب القيمة بعد القسمة، وأنتم لا توجبوها بعد القسمة؟ قيل: نحن نوجبها بعد القسمة إذا نقض القسمة لكن من بيت المال من سهم المصالح لا على المال فصار الخبر دليلنا.
وأما الجواب عن قياسهم على البيوع فهو جواز أن يملك بها المسلم على المسلم.
وأما الجواب عن قياسهم على قهر المسلم المشرك فهو أنه قهر مباح، وذلك محظور مع انتفاضه بالمدبر والمكاتب وأم الولد، وبالسبي.
مسألة: قال الشافعي:" وإذا دخل الحربي إلينا بأمان فأودع وترك مالا ثم قتل بدار الحرب فجميع ماله مغنوم، وقال في كتاب المكاتب: مردود إلى ورثته لأنه مال له أمان.
قال المزني رحمه الله: هذا عندي أصح لأنه إن كان حيا لا يغنم ماله في دار الإسلام لأنه مال له أمان فوارثه فيه بمثابته".
قال في الحاوي: وصورتها في حربي دخل دار الإسلام بأمان ومعه مال وذرية فلا يخلو حال أمانة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشرط له في أمان نفسه الأمان على ذريته وماله فيكون أمانة عامًا في الجميع.
والثاني: أن يخص بالأمان على نفسه ويستثنى منه خروج ذريته وماله من أمانه فيكون الأمان مخصوصًا على نفسه، وتكون ذريته وماله غنيمة لأهل القيء، لأنه واصل

الجزء: 13 - الصفحة: 275

بغير قتال ولا يمنع أمانة على نفسه من غنيمته وذريته وماله لخصوصه فيه.
والثالث: أن يكون الأمان مطلقا لم يسم فيه المال والذرية بالدخول فيه ولا بالخروج منه فيراعى لفظ الأمان.
فإن قيل: فيه لك الأمان اقتضى هذا الإطلاق عموم أمانة على ذريته وماله، لأن من خاف على ذريته وماله ما لم يكن أمناً، وإن قيل: في أمانة لك الأمان على نفسك، اقتضى ذكر نفسه أن يكون الأمان مخصوصًا فيها دون ما سواها من المال والذرية اعتبارًا بخصوص التسمية وأطلق أبو حامد الإسفراييني جوابه في دخول ذريته وماله في أمانه وحمله على هذا التفصيل أصح، وإن لم يتقدم به أحد من أصحابنا لما ذكرناه من التعليل.
فصل: فإذا صح أمانة على نفسه وماله على التقسيم المذكور كان أانه على نفسه مقدرًا بأربعة أشهر وفيما بين الأربعة أشهر والسنة وجهان: وكان أمانه على ماله غير مقدر ويجوز أن يكون مؤبداً وفي أمانة على ذريته وجهان: أحدهما: يتقدر بمثل مدته اعتبارًا به، ولأنه أمان على نفس آدمي.
والثاني: يجوز أن يتأبد ولا يتقدر بمدة كالمال، لأنهما تبع فاستويا في الحكم، فإن عاد هذا المستأمن إلى دار الحرب وخلف ذريته وماله في دار الإسلام انقسم حكم عوده ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعود إليها لتجارة أو لحاجة فيكون على أمانه في نفسه، وذريته وماله، ولا ينتقص بدخول دار الحرب كالذمي إذا دخل دار الحرب تاجراً كان على ذمته.
والثاني: أن يعود إليها مستوطناً فيرتفع أمانة على نفسه اعتبارًا بقصده ويكون الأمان على ذريته وماله باقيًا، لأنه يجوز أن ينفرد الأمان على ذريته وماله دون نفسه؛ لأن حربيًا لو أنقذ الى دار الإسلام ذريته وماله على أمان أخذه لهما دون نفسه صح كما يصح أن يأخذه لنفسه دون ذريته وماله، فإذا جمع في الأمان بين ذريته وماله فارتفع في نفسه لم يرتفع في ذريته وماله.
والثالث: أن يعود إلى دار الحرب ناقصاً للأمان محاربًا للمسلمين فينتقض أمانه في نفسه وماله، ولا ينتقض في ذريته، لأن حرمة المال معتبرة به وحرمة الذرية معتبرة بهم ولو كان الأمان منفردًا على ماله لم ينتقض لمحاربته وقتاله، وكان بخلاف ما لو جمعهما الأمان، لأنهما إذا اجتمعنا كان حكمهما مشتركًا وإذا انفرد بالمال كان حكمهما مختلفاً.
فصل: فإن مات هذا الحربي وله أمان على ذريته وماله ما لم ينتقض أمان ورثته بموته كما لا ينتقض بنقض الأمان وكان ماله موروثاً لورثته من أهل الحرب دون أهل الذمة، لارتفاع التوارث بين أهل الذمة وأهل الحرب، وسواء كان موت هذا المستأمن في دار الحرب،

الجزء: 13 - الصفحة: 276

أو دار الإسلام، وإذا صار موروثًا فلورثته حالتان: إحداهما: أن يكونوا ممن لهم أمان على أموالهم فينقل إليهم هذا الميراث على أمانه كموت الذمي إذا كان وراثه ذميًا والثانية: أن يكون ورثته ممن لا أمان لهم على أموالهم وهي مسألة الكتاب ففي لإبقاء الأمان على المال بعد موت مالكه قولان: أحدهما: وهو منصوص عليه في هذا الموضع أنه يزول بموت مالكه وينتقل إلى الورثة بغير أمان فيصبر إلى بيت المال فيئًا وقول الشافعي إنه مغنوم يريد أنه فيء وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أنه كان لمالك له أمان فصار لمالك ليس له أمان.
والثاني: أنه كان الأمان على النفس لا يورث وجب أن يكون الأمان على المال لا يورث.
والقول الثاني: نص عليه في كتاب المكاتب، واختاره المزني أن يكون الأمان على المال باقيًا ولا ينتقص بموت مالكه وينتقل إلى ورثته بأمانة لأمرين: أحدهما: أنه لما جاز أن ينفرد الأمان بالمال دون المالك، لم ينتقض باختلاف المالك كما لو ارتفع أمان مالكه بعوده إلى دار الحرب مستوطن والثاني: أن المال ينتقل إلى الوارث بحقوقه كما لو استحقت به شفعة، أو كان في ديته رهن، وأمان هذا المال من حقوقه، فوجب أن ينتقل بحق أمانه إلى وارثه، فهذا توجيه القولين، وكان أبو علي بن خيران يمنع من تخريج ذلك على قولين ويحمله على اختلاف حالين فالموضع الذي جعله مغنومًا إذا شرط أمانه مدة حياته، والموضع الذي جعله باقيًا على ورثته إذا شرط أمانة في مدة حياته وبعد موته، وليس هذا بمانع من اختلاف القولين، لأنهما من إطلاق الأمان إذا لم يتقيد بشرط وهو في تقييده بالشرط على ما حكاه، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي:" ومن خرج إلينا منهم مسلماً أحرز ماله وصغار ولده حصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار وسواء الأرض وغيرها" قال في الحاوي: إذا أسلم الحربي عصم دمه بالإسلام، وأحرز له جميع أمواله، وصار إسلامًا لجميع أولاده الصغار من الذكور والإناث، يعصمهم الإسلام من السبي والاسترقاق، فإن كان له حمل من زوجته أجرى عليه حكم الإسلام في المنع من استرقاقه

الجزء: 13 - الصفحة: 277

ولا يمنع ذلك من استرقاق أمه، وسواء كان إسلامه في دار الحرب أو دار الإسلام، لخوف أو غير خوف، مالم يدخل تحت القدرة، وسواء كان ماله منقولًا أو غير منقول، كانت له عليه يد أو لم تكن.
وقال مالك: قد عصم دمه وصغار أولاده بإسلامه، وملك من أمواله ما عليه يده، ولم يملك منها ما ليس عليه يده، بناء على أصله في أن المشرك لا يصح ملكه، وما كانت عليه صار قاهراً له بإسلامه فملكه، وقال أبو حنيفة: قد ملك بإسلامه في يده ويد وكيله من منقول وغير منقول، ولا يملك ما عداه، ومنع إسلامه من استرقاق صغار أولاده، ولا يمنع من استرقاق حمله، لأنه تبع أمه، يعتق بعتقها.
ودليلنا رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلى الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فكان على عمومه.
وروى الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم ابنا شعبة اليهوديان، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما، ومعلوم أنه قد زالت أيديهما عنه بخروجهما، فدل على استواء الحكم في الأمرين، ولأنه مال من قد أسلم قبل الأسر، فوجب أن لا يغنم، كما لو كانت يده عليه، ولأن من لم يغنم ماله إذا كانت يده عليه لم يغنم وإن لم تكن يده عليه كالمسلم.
والدليل على أن الحمل لا يسترق: هو أنه قد ثبت إسلامه قبل الأسر فلم يجز استرقاقه كالمولود، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم يجز استرقاقه حملًا كالمسلم.
وأما الجواب عن قول مالك: إن المشرك لا يصح أن يملك مالاً ولا نكاحاً، فهو أنه مجرد مذهب يدفعه النص قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ فأضاف ماله إليه إضافة ملك، ثم قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
فأضاف امرأته إليه إضافة عقد، فدل على أن المشرك لا يمنع من ملك المال والنكاح.
وأما الجواب عن قول أبي حنيفة: إن الحمل كالأعضاء التابعة، لأن العتق يسري إليه فهو وإن كان تبعًا في حال فقد تفرد بحكمه في حال، لأن عتقه لا يتعدى عنه، فتعارض الأمران في استدلاله، وسلم ما دللنا به.

الجزء: 13 - الصفحة: 278

فصل: فأما زوجة الحربي إذا أسلم فلا يمنع إسلامه من استرقاقهما لأنه لما لم يتعد إسلامه إليها لم يعصمها إسلامه من استرقاقهما، فإن كانت حاملاً، ففي جواز استرقاقها قبل وضعها وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن حملها مسلم، فلزم حفظ حرمته فيها حتى يفارقها.
والثاني: يجوز أن يسترق لامتياز حكميهما، فإن لم تسب كان النكاح باقيًا، وإن سببت بطل نكاحها بالسبي، كما لو كان زوجها حربيًا، لأنها لما ساوت زوجة الحربي في الاسترقاق ساوتها في بطلان النكاح، ولكن لو دخل المسلم دار الحرب، فتزوج فيها حربية ففي جواز سبيها واسترقاقها وجهان: أحدهما: يجوز أن تسبى وتسترق، ولا يعصمها إسلام الزوج منه، كما لو أسلم بعد كفره والثاني: أنه لا يجوز سبيها، ولا استرقاقها، اعتصاما بإسلام الزوج، لأن عقد هذا في الإسلام فكان أقوى، وعقد ذلك في الشرك فكان أضعف.
ولو أستأجر المسلم أرضا من دار الحرب ثم غنمت كان ملك المسلم في منافعها باقيًا، وإن غنمت بخلاف نكاح الزوجة، في أحد الوجهين، لوقوع الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن المنافع تضمن باليد، والاستمتاع لا يضمن باليد.
والثاني: أن ملك المنافع والرقبة يجوز أن يفترقا، وملك الاستمتاع والنكاح لا يجوز أن يفترقا.
فصل: وإذا أعتق المسلم عبدًا ذمياً ثبت عليه الولاء، فلو لحق بدار الحرب لم يجز أن يسترق لأن في استرقاق رقبته إبطال ولاء المسلم، فخالف منافع الأرض التي لا تبطل على المسلم بغنيمة رقبتها، فمنع ولاء المسلم من الاسترقاق، ولم نمنع منافع المسلم من الغنيمة والاسترقاق ولو أعتق ذمي عبدًا ذميًا ثم لحق العبد المعتق بدار الحرب، ففي جواز استرقاقه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأجل ولائه، كما لو كان الولاء لمسلم؛ لأن مال الذمي لا يغنم، كما أن مال المسلم لا يغنم.
والثاني: يجوز أن يسترق مع ولاء الذمي، ولا يجوز أن يسترق مع ولاء المسلم.
والفرق بينهما: هو أن الذمي يجوز أن يحدث عليه استرقاق، فجاز أن يسترق مولاه المسلم، ولا يجوز أن يحدث عليه رق فلم يجز أن يسترق مولاه.

الجزء: 13 - الصفحة: 279

مسألة: قال الشافعي:" ولو دخل مسلم فاشترى منهم داراً أبو أرضاً أو غيرها ثم ظهر على الدار كان للمشتري وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الأرض والدار فيء والرقيق والمتاع للمشتري".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز أن يشتري المسلم من أهل الحرب في دارهم دورًا وأموالًا فلا يغنمها المسلمون إذا فتحت.
وقال مالك: لا يصح الشراء، وتغنم إذا فتحت، إلا أن يكون المسلم مقيمًا في دار الحرب، لما ذكره من أن المشرك لا يصح ملكه.
وقال أبو حنيفة: يغنم ما لا ينقل من الأرضين، ولا يغنم ما ينقل من الأموال، لأن مالا ينقل تبع للدار، وما ينقل تبع للمالك، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الملك الواحد لا يتعض في المنقول وغيره كالذي في دار الإسلام، ولو جاز أن يتبعض لكان استيفاء الملك على مالا ينقل للعجز عن نقله أشبه من استبقائه على ما ينقل مع القدرة على نقله، فلما كان فاسدًا كان ما ذهب إليه أفسد.
فصل: وإذا أسلم العبد الحربي في دار الحرب كان باقياً على رق سيده، ولو أسلم في دار الإسلام عتق بإسلامه، لأن أبا بكرة خرج في حصار الطائف مع ستة عشر عبداً لثقيف، فأسلموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتقهم، وقيل له: أبو بكرة، لأنه نزل من حصن الطائف في بكرة، والفرق بين إسلامه في الدارين أنه في دار الحرب مقهور، وفي دار الإسلام قاهر.
فصل: وإذا أهدى رجل من المشركين هدية لرجل من المسلمين فلا تخلو من أحد أمرين: أحدهما: أن يهديها في حال القتال وقيام الحرب، فتكون الهدية غنيمة لا يملكها المهدي له؛ لأنها من خوف القتال في ظاهر الحال.
والثاني: أن يهديها بعد انقضاء الحرب، فتكون هدية للمهدي إليه خاصة، ولا تكون غنيمة، لأن انقضاء الحرب قد أزال حكم الخوف، وصار كالذي ملكه منهم بابتياع.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى:" قال الأوزاعي فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة

الجزء: 13 - الصفحة: 280

فخلى بين المهاجرين وأراضيهم وديارهم وقال أبو يوسف: لأنه عفا عنهم ودخلها عنوة وليس النبي صلى الله عليه وسلم في هذا كغيره.
قال الشافعي: ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة وما دخلها إلا صلحاً والذين قاتلوا وأذن في قتلهم بنو نفاثة قتله خزاعة وليس لهم بمكة دار إنما هربوا إليها وأما غيرهم ممن دفع فادعوا أن خالدًا بدأهم بالقتال ولم ينفذ لهم الأمان وادعى خالد أنهم بدأوه ثم أسلموا قبل أن يظهر لهم على شيء ومن لم يسلم صار إلى قبول الأمان بما تقدم من قوله عليه السلام: "من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن" فمال من يغنم ولا يقتدي إلا بما صنع عليه الصلاة والسلام وما كان له خاصة فمبين في الكتاب والسنة وكيف يجوز قولهما بجعل بعض مال المسلم فيئاً وبعضه غير فيء أم كيف يغنم مال مسلم بحال.
قال المزني رحمه الله: قد أحسن والله الشافعي في هذا وجود".
قال في الحاوي: اختلف العلماء في فتح مكة، هل كان عنوة أو صلحًا؟ فذهب الشافعي إلى أن مكة فتحت صلحاً بأمان علقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط شرطه مع أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام غداة يوم الفتح، قبل دخول مكة على إلقاء سلاحهم وإغلاق أبوابهم ووافق الشافعي على فتحها صلحاً أبو سلمه بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر الفقهاء، وأصحاب الرأي: إن مكة فتحت عنوة، فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهلها، فلم يسب ولم يغنم لعفوه عنهم، واختلف من قال بهذا، هل كان عفوه عنهم خاصًا أو عامًا لجميع الولاة؟ فقال أبو يوسف كان هذا خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعفو عما فتحه عنوة وليس ذلك لغيره من الأئمة.
وقال غيره: بل عفوه عام في الأئمة بعده، يجوز لهم أن يعفوا عما فتحوه عنوة كما جاز عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة وقد فتحها عنوة، وهذا هو تأثير الخلاف في فتحها عنوة أو صلحًا أن من ذهب إلى فتحها صلحًا لم يجعل للإمام أن يعفو عما فتح عنوة، ومن ذهب إلى فتحها عنوة جعل الإمام أن يعفو عما فتحه عنوة، واستدل من ذهب إلى فتحها عنوة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ يعني مكة، والفتح المبين الأقوى، فدل على أنه العنوة وبقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وظاهر النصر هو الغلبة والقهر، وبقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فصرح القول بالظفر فدل على العنوة، وبقوله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ وهذا توبيخ على ترك القتال، ثم قال: بعده: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وهذا أمر بالقتال، فصار حتماً لا يجوز على الرسول خلافه، وبقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فنهاه عن السلم مع قوته، وقد كان في دخول مكة قوبًا فكانت هذه الآيات الخمس من دلائلهم،

الجزء: 13 - الصفحة: 281

واستدلوا عليه من السنة بنقل السيرة التي نقلها الرواة، فتمسكوا بأدلة منهم، فمن ذلك، وهو سبب الفتح أن قريشًا لما نقضت صلح الحديبية بمن قتلت من خزاعة، وأتى وفد خزاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنصرين، وهم أربعون رجلاً فيهم عمرو بن سالم، ثم قال عمرو فأنشده: اللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا حتى أتى على شعره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم والله لأغزون قريشًا والله لأغزون قريشًا إن شاء الله" وحقق هذه اليمين بمسيره بعد رد أبي سفيان بن حرب خائباً، وسار في عشرة آلاف فيهم ألفا دارع، ودخل بهم مكة، وعلى رأسه مغفر، وراياته منشورة، وسيوفه مشهورة، قالوا: وهذه صفة العنوة التي حلف بها أن يغزوهم.
قال: وقد روى أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح عنوة، وهو من أخص أصحابه وأقربهم منه، فكان ذلك نصًا.
قالوا: وقد روى أبو هريرة قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة فقال لي: يا أبا هريرة دع الأنصار فدعوتهم فأتوه مهر ولين فقال لهم: "إن قريشاً قد أوبشت أوباشها، فإذا لقيتموهم فاحصدوهم حصداً، حتى تلقوني على الصفا" فكان أمره بالقتل نافيا لعقد الصلح قالوا: ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: "من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن" ولو كان دخوله عن صلح لكان جميع الناس آمنين بالعقد.
قالوا: ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة طاف بالبيت، وفيه جماعة من أشراف قريش فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تروني صانعًا بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فاصنع بنا صنع أخ كريم" فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ومثلي ومثلكم، كما قال يوسف لأخوته: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا دليل على أنهم بالعفو آمنوا إلا بالصلح.
قالوا: ولأن أم هانئ أمنت يوم الفتح رجلين فهو علي بن أبي طالب بقتلهما، فمنعته.
وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" ولو كان صلحًا لاستحقا الأمان لا بالإجارة، ولما استجاز على أن يهم بقتلهما.
قالوا: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة، فإنها فتحت بالقرآن، أو قالت بلا إله إلا الله، فدل على أن مكة فتحت بالسيف عنوة.
قالوا: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها

الجزء: 13 - الصفحة: 282

رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة" فدل تسليطه عليها ساعة من النهار على أنه كان محاربًا فيها، غير مصالح.
قالوا: وقد روي أن حماس بن قيس بن خالد أعد سلاحًا للقتال يوم الفتح فقالت له امرأته: والله ما أرى أنك تقوم بمحمد وأصحابه، فقال: لها إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، وخرج مرتجزًا يقول: إن يقبلوا اليوم فما لي علة ... هذا سلاح كامل وأله وذو غزارين سريع السله ولحق بصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فيمن يقاتل خالد بن الوليد في قريش وعاد منهزمًا، فدخل بيته وقال لامرأته: أغلقي على الباب، فقالت له امرأته: فأين ما كانت تعدنا فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذا فر صفوان وفر عكرمه وأبو يزيد قائمق كالمؤتمة ... واستقبلهم بالسيوف ألمسامه يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضرباً فلا تسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي في اللوم أدمى كلمه فدل على دخولها بالقتال.
قالوا: ولأنه صالحهم على دخولهم لترددت بينه وبينهم الرسل، ولكتب فيه الصحف، كما فعل معهم عام الحديبية، وهو لم يلبث حتى دخولها بعسكره قهرًا، فكيف يكون صلحًا.
ودليلنا على دخولها صلحاً قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ يعني، والله أعلم، أهل مكة فدل على أنهم لم يقاتلوا ولو قاتلوا لم ينصروا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ فأخبر بكف الفريقين، والكف يمنع من العنوة، وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يريد به الاستعلاء والدخول، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعليًا في دخوله، وقال تعالى: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ والمحارب لا يكون آمنًا، فاقتضى أن يكون دخولها صلحًا لا عنوة، وقال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ﴾ الآية فأخبر بإصابة القوارع ولهم إلى أن يحل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً منهم فصار غاية قوارعهم، وهذه حال أهل مكة إلى أن نزل رسول

الجزء: 13 - الصفحة: 283

الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، فانتهت القوارع، فصار ما بعدها غير قارعة، والمخالف يجعل ما بعد بحلوله أعظم القوارع، وفي هذا إبطال لقوله، وفيها معجزة وهو الإخبار بالشيء قبل كونه؛ لأن سورة الرعد مكية.
ويدل عليه نقل السيرة في الدخول إليها واتفاق الرواة عليها، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تأهب للمسير إليها أخفى أمره وقال: اللهم خذ على أبصارهم حتى لا يروني إلا بغتة" وسار محثًا حتى نزل بمر الظهران، وهي على سبعة أميال من مكة وكان العباس بن عبد المطلب قد لقيه قبل ذلك بالسقيا، فسار معه وأمر كل رجل من أصحابه، أن يوقد نارًا، فأوقدت عشرة آلاف نار أضاءت بها بيوت مكة، وفعل ذلك إرهابًا لهم وإيثارًا للبقيا عليهم، لينقادوا إلى الصلح والطاعة، ولو أراد اصطلامهم لفاجأهم بالدخول، ولكنه أنذر وحذر فلما خفي عليهم من نزل بهم خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وقال العباس وأشياخ قريش: والله لئن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء وتوجه إلى مكة؛ ليعلم قريشًا حتى يستأمنوه فينما هو بين الأراك ليلاً، إذا سمع كلام أبي سفيان، فعرف صوته، فتعارفا واستخبره عن الحال، فأخبره بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف لا طاقة لهم بها فاستشاره، فقال تأتيه في جواري فتسلم، وتستأمنه لنفسك وقومك، وأردفه على عجز البغلة، وعاد مسرعاً به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال عليه السلام: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فكان عقد الأمان متعلقاً بهذا الشرط.
وهذا يخالف حكم العنوة فدل على انعقاد الصلح وجود هذا الشرط لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آمن أبا سفيان، وعقد معه أمان قريش على الشروط المقدمة، أنفذه إلى مكان مع العباس ثم استدرك مكر أبي سفيان، وأنفذ إلى العباس أن يستوقف أبا سفيان بمضيق الوادي: ليرى جنود الله فقال أبو سفيان: أعذر يا بني هاشم، فقال له العباس بل أنت أغدر، وأفجر، ولكن لترى جنود الله في إعزاز دينه ونصرة رسوله، فلو كان دخوله عنوة لم يقل أبو سفيان: أعذرًا، ولم يجعل استيقافه غدرًا، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كتائبه المتقدمة، قال أبو سفيان للعباس: لقد أوتي ابن أخيك ملكًا عظيمًا، فقال له العباس: ويحك إنها النبوة، فقال: نعم إذا، ثم أرسله العباس إلى مكة منذرًا لقومه بالأمان، فأسرع حتى دخل مكة، فصرخ في المسجد، فقال: يا معشر قريش هذا محمد قد جاء بما لا قبل لكم به، قالوا: فمه، قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن من أغلق بابه فهو آمن من ألقى سلاحه فهو آمن، فحينئذ كفوا واستسلموا، وهذا من شواهد الصلح دون العنوة.
ويدل عليه أن راية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة عند دخوله مكة، فقال سعد، وهو يريد دخولها: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة

الجزء: 13 - الصفحة: 284

اليوم يوم يذل الله قريشًا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن الراية وسلمها إلى ابنه قيس بن سعد وقال: اليوم يوم المرحمه ... اليوم تستر فيه الحرمه اليوم يعز الله قريشًا فجعله يوم مرحمة، وأنكر أن يكون يوم ملحمة، فدل على الصلح دون العنوة، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أمامه الزبير بن العوام، ومعه رايته وأمره أن يدخل مكة من كداء العليا، وهي أعلى مكة، وفيها دار أبي سفيان وأنفذ خالد بن الوليد، ليدخل من الليط، وهي أسفل مكة، وفيها دار حكيم بن خرام، ووصاهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما على ما قرره من الشرط مع أبي سفيان، فأما الزبير فلم يقاتله أحد، ودخل حتى غرس الراية بالحجون، وأما خالد بن الوليد فإنه لقيه جمع من قريش وحلفائهم بني بكر، فيهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وقاتلوه فقاتلهم حتى قتل من قريش أربعة وعشرين رجلًا، ومن هذيل أربعة رجال، ولو منهزمين، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارقة على رؤؤس الجبال، قال: "ما هذا، وقد نهيت خالداً عن القتال" فقيل له: إن خالدًا قوتل فقاتل، فقال: "قضى الله خيرًا" وأنفذ إليه أن يرفع السيف، وهذا من دلائل الصلح دون العنوة؛ لأنه لو كان عنوة لم يذكر القتال، ولم ينه عنه، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح حين سار لدخول مكة كان يسير أبي بكر وأسيد بن حصير على ناقته القصوى، وعليه عمامة سوداء، ولو دخلها محارباً لركب فرساً ثم قص على أبي بكر أنه رأى في المنام أن كلبة أقبلت من مكة، فاستقلت على ظهرها، وانفتح فرجها، ودر لبنها، فقال له أبو بكر: ذهب كلبهم، وأقبل خيرهم وسيتضرعون إليك بالرحم، ثم خرج نساء مكة فلطخن وجوه الخيل بالخلوق، وفيهم قتيلة بنت النضير بن الحارث، فاستوقفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف لها، وكان قتل أباها النضر بن الحارث صبرًا، فأنشدته: يا راكبًا إن الأثيل مظنة عن صبح خامسة وأنت موفق بلغ به ميتًا فأن تحية ما إن تزال بها الركائب تخفق مني إليه وغيره مسفوحا جادت لما نحها وأخرى تخنق أمحمد ها أنت صنو نجيبة من قومها والفحل فحل معرق فالنصر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقهم إن كان عتقًا يعتق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المخنق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت سمعت شعرها ما قتلته" ولما رأى الخلوق على

الجزء: 13 - الصفحة: 285

خيله، والنساء يمسحون وجوه الخيل بخمورهن، قال: "لله در حسان، كأنما ينطق عن روح القدس، فقال له العباس؛ كأنك يا رسول الله تريد قوله: عدمنا خيلنا أن لم نروها ... تنير النقع موعدها كداء تنازعنا الأعنة مسرعات ... يلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان ... الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء فقال: نعم، ودخل مكة وابن أم مكتوم، وهو ضرير بين يديه، وهو يقول: يا حبذا مكة من وادي ... أرض بها أهلي وعوادي بها أمشي بلا هادي ... أرض بها ترسخ أوتادي فدلت هذه الحال في استقبال النساء وسكون النفوس إليه والرؤيا التي قصها على الصلح دون العنوة، ويدل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى يوم الفتح قتل ستة من الرجال، وأربع من النساء، وإن تعلقوا بأستار الكعبة.
فأما الرجال: فعكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن خطل.
وأما النسوة: فهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هاشم، وبنتان لابن خطل، فقتل من الرجال ثلاثة ابن خطل تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب وقتلت إحدى بنتي ابن خطل، واستؤمن لمن بقي منهم، فدل استثناء هؤلاء النفر على عموم الأمان، ولو لم يكن أمان لم يحتج إلى استثناء، وقد قال زهير بن أبي سلمى في هذا الصلح ما عير به قريش فقال: وأعطينا رسول الله منا ... مواثيقًا على حسن التصادف وأعطينا المقادة حين قلنا ... تعالوا بارزونا بالتفاف ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة ضربت له بالحجون قبة أدم عند رأيته التي ركزها الزبير، فقيل له هلا نزلت في دورك، فقال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع" ولو كان دخوله مكة عنوة لكان، رباع مكة كلها له، ثم بدأ بالطواف على ناقته القصوى، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وكان أعظمها هبل، وهو تجاه الكعبة، فكان كلما مر بصنم منها أشار إليها بعود في يده، وقال: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا" فيسقط الصنم لوجهه وصلى خلف المقام ركعتين، ثم أتاه الرجل والنساء فأسلموا طوعًا وكرهًا، وبايعوه، وليس هذه حال من قاتل وقوتل، فدلت على الصلح والأمان، ويدل على ذلك ما رواه عبيد بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لم تحل لي غنائم مكة" والعنوة توجب إحلال غنائمها، فدل على دخولها صلحاً، وفقدت أخت أبي بكر عقدًا

الجزء: 13 - الصفحة: 286

لها، فذكرت ذلك لأبي بكر رضي الله عنه فقال أبو بكر: ذهبت أمانات الناس، ولو حلت الغنائم لم يكن أخذه خيانة، تذهب بها الأمانة.
فإن قيل: إنما لم تحل غنائمها؛ لأنها حرم الله الذي يمنع ما فيه، فعنه ثلاث أجوبة: أحدها: أن عموم قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يمنع من تخصيص الحرم بغير دليل.
والثاني: أنه لما لم يمنع الحرم من القتل، وهو أغلظ من المال، حتى قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل كان أولى أن لا يمنع من غنائم الأموال، ولو منعهم الحرم من ذلك لما احتاجوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمان.
والثالث: أن ما في الكعبة من المال أعظم حرمة، مما في منازل الرجال.
وقد روى مجالد عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد في الكعبة مالًا كانت العرب تهديه، فقسمه في قريش، فكان أول من دعاه للعطاء منهم سعيد بن حريث، ثم دعي حكيم بن حزام فقال: خذ كما أخذ قومك، فقال حكيم: آخذ خيرًا أو أدع قال: بل تدع قال: ومنك؟ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فقال حكيم: لا آخذ من أحد بعدك أبدًا، فلما لم تمنع الكعبة ما فيها وحرمة الحرم بها كان الحرم أولى أن لا يمنع ما فيه لكن لما كان ما في الحرم أموال لمن قد استأمنوه حرمت عليه بالأمان، ولما لم يكن ما في الكعبة مال لمستأمن لم يحرم عليه بالأمان.
فإن قيل: إنما لم يغنمها، وإن ملك غنائمها؛ لأنه عفا عنها، كما عفا عن قتل النفوس، فهل يجوز له وللأمة بعده أن يعفو عن القتال؛ لأنه من حقوق الله تعالى المحضة المعتبرة بالمصلحة، وليس له وللأئمة بعده أن يعفو عن الغنائم، إلا بطيب أنفس الغانمين، لأن من حقوقهم، ألا تراه لما أراد العفو عن سبي هوازن استطاب نفوس الغانمين، حتى ضمن لمن لم تطب نفسه بحقه ست قلائص عن كل رأس، وما استطاب في غنائم مكة نفس أحد، فدل على أنها لم تملك لأجل الأمان الذي انعقد به الصلح، فلم يحتج فيها إلى استطابة النفوس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ لسرايا من مكة إلى ما حولها من عرفات وغيرها، فيأتوه بغنائمها؛ لأنها لم يكن لهم أمان.
ويدل على ذلك ما كان أبو حامد المروزي يعتمده أن نقل الموجب يغني عن نقل الموجب وموجب العنوة والغنيمة، وموجب الصلح العفو والمن، فلما عفا ومن، ولم يقتل ولم يغنم، وأنكر حين رأى خالدًا قد قتل كان هذا دليًل على الصلح، ومانعاً من العنوة وصار الصالح كالمنقول لنقل موجبه من العفو.
فأما الجواب عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فمن وجهين: أحدهما: أن الفتح ينطلق على الصلح والعنوة، لقولهم: فتحت مكة صلحًا، وفتحت عنوة؛ لأن الفتح هو الظفر بالبلد بعد امتناعه وكلا الأمرين ظفر بممتنع.

الجزء: 13 - الصفحة: 287

والثاني: أن هذه السورة نزلت بعد فتوحه كلها، فكانت خبرًا عن ماضيها، قال مقاتل: نزلت فعد فتح الطائف، والطائف آخر فتوحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن آخر وطأة وطئها الله بوج" يعني آخر ما أظفر الله بالمشركين بوج ووج هي الطائف، فلما نزلت هذه السورة فرح بها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبكى العباس لها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا عم قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه لكما تقول، وسميت هذه السورة سورة التوديع.
وأما الجواب عن قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ فمن وجهين: أحدهما: ما حكاه الشعبي أنها نزلت في صلح الحديبية قبل فتح مكة، لأنه أصاب فيها ما لم يصب في غيرها بويع بيعه الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على فارس، تصديقًا لخبره، وبلغ الهدي محله.
والثاني: أنها نزلت في فتح مكة، والفتح يكون على كلا الوجهين وأما الجواب عن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ فهو أن الكف يمنع من القتال، وقوله: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فهو أنه قد أضفره بهم حين لم يقاتلوه واستسلموا عفوًا فكان أبلغ الظفر بعد المحاربة، وقد ذكر بعض أصحابنا أنها نزلت عام الحديبية، وأن قوله: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يعني الحرم، وحكي عن ابن عباس أن مضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية قد كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقد يعبر بمكة عن الحرم، وهذا تكلف في الجواب يخالف الظاهر.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فهو أنه أمر بقتالهم إن امتنعوا، وبالكف عنهم إن استسلموا لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ﴾ وهو يوم الفتح استسلموا ولو يمتنعوا.
وأما الجواب عن قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ فهو أن النهي توجه إلى أن يدعو المسلمون إلى الصلح، وهم ما دعوا إليه وإما دعا إليه المشركون، فخرج عن النهي.
وأما الجواب عن الاستدلال بصفة مسيرة وقسمه بالله أن يغزوهم ودخوله إليه بسيوف مشهورة ورايات منشورة فمن وجهين: أحدهما: أن الصلح والأمان تحدد بمر الظهران، فلا اعتبار بما كان قبله، وقسمه أن يغزوهم فقال قال:" إن شاء فاستثنى على أنه قد غزاهم، لأنه قهرهم ودخل عليهم غالبًا".
والثاني: أن نشر الرايات وسل سيوف من عادات الجيوش في الصلح والعنوة، وإنما يقع بين الفرق الحالتين بالقتال والمحاربة.
وأما الجواب عن حديث أبي بن كعب أنه دخلها عنوة من وجهين: أحدهما: أنه لما دخلها على كره منهم وظهور عليهم صار موصوفًا بالعنوة.

الجزء: 13 - الصفحة: 288

والثاني: أن العنوة الخضوع، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: خضعت، وهم قد خضعوا حين استسلموا لأمانه.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة " احصدوهم حصدًا حتى تلقوني على الصفا" فمن وجهين: أحدهما: أنه قال قبل نزوله بمر الظهران وعقد الأمان مع أبي سفيان، لأن أبا بكر ابن المنذر روى أنه قال: " احصدوهم غدًا حصدًاً حتى تلقوني على الصفا" ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال" عن حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة.
والثاني: أنه أشار بذلك إلى من قاتل خالد بن الوليد أسفل مكة من قريش وبني نفاثة.
وأما الجواب عن قولهم: لو كان صلحا لأمن جميع الناس ولم يخصه بمن ألقى سلاحه وأغلق بابه فهو أنه جعل عقد الأمان معلقًا بهذا الشرط، فصار خاصاً في اللفظ عاماً في الحكم، وأما الجواب عن قوله، لقريش:" أنتم الطلقاء" فهو لأنه أمنهم بعد الخوف، وأحسن إليهم بعد إساءتهم، وصفح عنهم مع قدرته عليهم، فصاروا بترك المؤاخذة طلقاء وبالإحسان عتقاء، وأما الجواب عن قوله: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" فهو أن الرجلين لم يظهر منهما شرط الأمان، لأنهما كانا شاكين في سلاحهما، وقد علق شرط الأمان بإلقاء السلاح وغلق الأبواب فبقيا على حكم الأصل، فلذلك استجاز علي بن أبي طالب عليه السلام أن يقتلهما حتى استجارا بأم هانئ، فأمنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها:" كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة" فهو أن معناه أن كل البلاد فتحت بالخوف من السيف إلا المدينة ولم ترد به العنوة والصلح، لأنه قد فتح بعض البلاد صلحًا.
وأما الجواب عن قوله:" إن الله حبس الفيل عن مكة وسلط عليها رسوله" فهو محمول على أن الفيل لم يظفر بها، ولا دخلها، وأظفر الله رسوله بها حتى دخلها.
وأما الجواب عن حديث حماس بن قيس، وما أنشده من شعره: فهو أنه كان حليف بني بكر الذين قاتلوا خالدًا، ولم يكن من قريش القابلين لأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قد آمن من ألقى سلاحه وأغلق بابه، فلئن دل أول أمره على العنوة، فلقد دل آخره على الصلح، وابتدأ بالقتال بجهله بعقد الأمان، ثم رجع إلى شرط الأمان حين علم به.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن عقد الصلح ما ترددت فيه الرسل وكتب فيه الصحف كالحديبية، فهو أن ذلك صلح على الموادعة والكف، فاحتاج إلى الرسل وكتب الصحف وهذا أمان استسلام وتمكين علق بشرط، فاستغنى فيه عن تردد الرسل وكتب الصحف واقتصر فيه على أخبار أبي سفيان وحكيم بن حزام بحاله، وذكره لقريش ما تعلق بشرطه، واقتصر من قبولهم على العمل به دون الرضا والاختبار.

الجزء: 13 - الصفحة: 289

فصل: وإذا قد مضت دلائل الفتح في العنوة والصلح، فالذي أراه على ما يتقضيه نقل هذه السيرة وشروط الأمان فيها لمن لم يقاتل، وأنه يخرج منه من قائل: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلى مكة دخله الزبير بين العوام صلحًا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عقد الأمان بعد خالد بن الوليد أسفل مكة، وبعث الزبير من أعلاها، وأمرهما أن لا يقاتلا إلا من قاتلهما، فأما خالد بن الوليد فإنه دخل من أسفل مكة فقوتل فقاتل، فلم يوجد فيهم قبول الشرط قال الشافعي: إنما قاتله بنو بكر ولم يكن لهم بمكة دار، وقد ثبت أنه كان في مقاتله عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وهم من أكابر قريش وأعيان أهل مكة وهي دارهم، وأما الزبير بن العوام، فإنه دخل من أعلى مكة فلم يقاتله أحد، ولا قاتل أحدًا، فوجد شرط الأمان منهم فانعقد الصلح لهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع جيشه من جهة الزبير بن العوام، فصار حكم جبهته هو الأغلب، فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، ولذلك استجد لعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أماناً، وأمن من إجارته أم هانئ، ولم يغنم أسفل مكة، لأن القتال كان على جبالها، ولم يكن فيها، فهذا ما اقتضاه نقل السيرة وشواهد حالها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قاتل خالد وقتل:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" فدل على أن خالد قاتل وقتل بغير حق، ففيه وجهان: أحدهما: أن هذا، قال لخالد في غير يوم الفتح، لأنه بعثه بعد استقرار الفتح سرية من مكة إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا أسفل من مكة على ليلة منها ناحية يلملم ليدعوهم إلى الإسلام، فأتاهم وقد أسلموا وصلوا فقتل من ظفر به منهم، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وأنفذ علي بن أبي طالب بديات من قتل منهم.
والثاني: أنه لو قاله يوم الفتح جاز أن يكون ذلك منه قبل علمه بأنهم قاتلوه، والله أعلم بالصواب.

باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسم

أو يكون له فيهم أب أو ابن وحكم السبي قال الشافعي رحمه الله تعالى:" إن وقع على جارية من المغنم قبل القسم فعليه مهر مثلها يؤديه في المغنم وينهي إن جهل ويعزر إن علم ولا حد للشبهة لأن فيها شيئا قال: وإن أحصوا المغنم فعلم كم حقه فيها مع جماعة أهل المغنم سقط عنه بقدر

الجزء: 13 - الصفحة: 290

حصته منها".
قال في الحاوي: أما الغنائم قبل إجازتها واستقرار الظفر بهزيمة أهلها فهي باقية على ملك أربابها، فإن وطئ منهم جارية كان الواطئ زانيًا يجب عليه الحد، فأما إذا استقر الظفر بالهزيمة وأحيزت الأموال والسبي فقد ملكها جميع الغانمين على وجه الاستحقاق، لا على وجه التعيين كما يملك أهل السهمان الزكاة قبل دفعها، فأما كل واحد من الغانمين فإنما يملك بالحضور أن يتملك بالقسم كالشفعة ملك الخليط بالبيع أن يتملك بالأخذ، وإنما ملك الغانم، إن يتملك، ولم يتعين له الملك لمعنيين: أحدهما: أن حقه فيها يزول بتركه ويعود إلى غيره كالشفعة، ولو ملكه لم يزل بتركه كالورثة.
والثاني: ولو تأخر قسمها حين حال حولها لم تجب زكاتها، ولو ملكت وجبت زكاتها، فإذا تقرر هذا فصورة مسألة الكتاب في رجل من الغانمين وطئ جارية من السبي المغنوم فهو وطء محرم؛ لأنه لم يملكها ولا حد عليه للشبهة.
وقال مالك والأوزاعي وأبو ثور: عليه الحد؛ لأنه وطء محرم في غير ملك، فوجب به الحد كالزنا، ودليلنا في سقوط الحد عنه قول النبي صلي الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وشبهة الوطء فيها أنه ملك منها أن يتملكها فكانت أقوى من شبهة الأب في جارية ابنه التي ما ملك أن يتملكها فلما سقط الحد عن الأب في جارية ابنه كان سقوطه عن هذا أولى، وبه خالف محض الزنا، وصار كوطء الأجنبية بشبهة.
فإذا ثبت سقوط الحد نظر، فإن علم بالتحريم عزر؛ لأن الشبهة لا منع من التعزير، وإن منعت الحد لحظر الإقدام على الشبهات، وإن لم يعلم بالتحريم فلا حد عليه ولا تعزير، فأما المهر فواجب عليه في الحالين مع علمه بالتحريم وجهله به كغيره من وطء الشبهة، فإذا وجب عليه نظر في عدد الغانمين فإن كان غير محصور لكثرتهم دفع جميع المهر، وضم إلى الغنيمة حتى يقسم معها في جميع الغانمين، فلو صارت الجارية التي وطئها في سهمه وملكها بالقسمة بعد وطئه لم يسترجع المهر بعد دفعه ولم يسقط عنه قبل دفعه؛ لأنه استحدث ملكها، بعد وجوب مهرها، فصارت كأمة وطئها بشبهة، ثم ابتاعها بعد الوطء من سيدها لم يسقط عنه مهرها، وإن كان عدد الغانمين محصورا، فقد قال الشافعي: يسقط عنه المهر بقدر حصته فيها، فاختلف أصحابنا في محل سقوطه على وجهين، حكاهما أبو إسحاق المروزي.
أحدهما: أنه يسقط عنه قدر حقه منها إذا كان قد تملكها بالقسمة مع جماعة من الغانمين محصورين، وأما إن كان وطئها قبل أن يتملكها، فلا يسقط عنه شيء من مهرها، وإن كان عددهم محصورا؛ لأنه وطء في حال ليس بملك فيها، وإنما ملك أن يتملك.
والثاني: انه يسقط عنه في الحالين بقدر حصته منها، سواء كان وطؤه قبل التملك أو بعده؛ لأن ملكها موقوف عليهم، ولا حق فيها لغيرهم، والأول أشبه.

الجزء: 13 - الصفحة: 291

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن حملت فهكذا ونقوم عليه إن كان بها حملق وكانت له أم ولد".
قال في الحاوي: وصورتها أن تحمل منه الجارية التي وطئها من المغنم، فيتعلق بحملها أربعة أحكام بعد ثلاثة قدمنا ذكرها في اختصاصها بالوطء: أحدها: سقوط الحد.
والثاني: وجوب التعزير مع العلم بالتحريم.
والثالث: استحقاق المهر، فأما الأحكام الأربعة المتعلقة بإحبالها: فأحدها: لحوق الولد به.
والثاني: حريته.
والثالث: وجوب قيمته.
والرابع: أن تصير الجارية به أم ولد.
فأما لحوق الولد فهو لاحق به، سواء اعترف به أو لم يعترف، إذا وضعته لزمان يمكن أن يكون منه.
وقال أبو حنيفة: لا يلحق به، وبناه على أصله في أن ولد الأمة لا يلحق بسيدها إلا بالاعتراف، وعندنا يلحق بالفراش، وقد صارت فراشا بهذا الوطء؛ لأن وطء شبهة يسقط فيه الحد فأشبه وطء الحرة.
وأما حرية الولد فهو حر؛ لأنه لحق به عن شبهة ملك، وعند أبي حنيفة يكون مملوكا؛ لأنه لم يلحق به.
وأما قيمة الولد فتعتبر بحال الأم فيما يستقر لها من حكم، والأم قد أحبلها في شبهة ملك، وولد المملوكة ينقسم ثلاثة أقسام قد تكررت في كثير من هذا الكتاب: أحدها: ما تصير به المملوكة أم ولد، وهو أن تلد حرا من غير مالك كالسيد.
والثاني: ما لا تصير به أم ولد، وهو أن تلد مملوكًا من غير مالك كالزوج.
والثالث: ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو أن تلد حرًا من غير مالك كالحر إذا وطئ أمة غيره بشبهة فلا تكون قبل أن يملكها الواطئ أم ولد، وهل تصير له بعد ملكها أم ولد أم لا؟ على قولين: أحدهما: تصير له أم ولد، قاله في كتاب حرملة.
والثاني: لا تصير له أم ولد، قاله في كتاب الأم، وهذه الجارية المسبية قد ولدت حرًا في شبهة ملك، ولها حالتان:

الجزء: 13 - الصفحة: 292

إحداهما: أن يكون ذلك قبل قسمتها بين الغانمين.
والثانية: أن تكون بعد قسمتها بين القبائل.
فأما الحل الأولى فهي أن يكون ذلك قبل قسمتها في الغانمين، وهي مسألة الكتاب أن يطأها بعد السبي، وقيل أن يتعين فيها حق أحد من الغانمين، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكثر عدد الغانمين حتى لا ينحصر حق الواطئ من هذه الجارية، فيكون واطئًا لجارية لم يملكها، ولا ملك شيئًا منها، وغنما له فيها شبهة ملك، وهو أنه يملك منها في الحال أن يتملكها في ثاني حال، فهل تصير أم ولد بحبلها إذا ملكها أم لا؟ على قولين، فعلى هذا قد اختلف أصحابنا هل تقوم عليه قبل الولادة لأجل علوقها منه بحر على ثلاثة أوجه: أحدها: لا تقوم عليه موسرًا كان أو معسرًا، سواء قيل إنها تصير له أم ولد إذا ملكها أم لا؟ كما لا تقوم عليه أمة غيره إذا أحبلها بشبهة، فعلى هذا يكون عليه قيمة ولدها إذا وضعته، فإن قسمت فصارت في سهمه، فهل تصير له أم ولد أم لا؟ على ما ذكر من القولين.
والثاني: تقوم عليه سواء قيل إنها تصير أم ولد إذا ملكها أم لا؟ لأنها حامل منه بحر، وفي قسمها قبل ولادته ضرر على ولده، وفي تأخيرها إلى الولادة ضرر على الغانمين فوجب أن تؤخذ بقيمتها؛ لأجل الضرر الحادث عن فعله، فغن كانت قيمتها بقدر سهمه من المغنم حصلت قصاصا، وإن كانت أكثر رد الفضل، وإن كانت أقل دفع الباقي، فإذا وضعت لم يلزمه قيمة ولدها، وهل له بيعها أم لا؟ على قولين: يجوز له بيعها في أحدهما إذا قيل أنها لا تصير له أم ولد.
والثالث: أنها تقوم عليه إذا قيل: إنها تصير له أم ولد إذا ملكها، ولا تقوم عليه إذا قيل: إنها لا تصير أم ولد إذا ملكها، اعتبارا بما يتعدى إليها من حكم إيلاده، فعلى هذا إن قومت عليه لم يلزمه قيمة ولدها، وإن لم تقوم عليه لزمه قيمة ولدها.
فصل: والضرب الثاني: أن يقل عدد الغانمين حتى ينحصر سهمه منها، مثل أن يكونوا عشرة فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون في الغنيمة غيرها، وهي جميع المغنوم، فيصير حقه فيها ممتنعا، لا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فيصير قدر حقه منها أم ولد له، والباقي يكون على ما سنذكره في قسمة القبائل.
والثاني: أن يكون في الغنيمة غيرها من خيل ومواشي، فللأمير الجيش أن يقسم هذه الغنيمة قسمة تحكم لا قسمة مراضاة، فيجعل كل نوع من الغنيمة في سهم من شاء من

الجزء: 13 - الصفحة: 293

الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم من شاء من الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم غيره، فعلى هذا هل يصير قدر سهمه المحصور أو ولد قبل القسمة أم لا؟ على وجهين: بناء على الوجهين في سقوط قدر سهمه من مهرها إذا حصر عددهم قبل القسمة، كذلك ها هنا هل يصير قدر سهمه منها إذا انحصر قبل القسمة أم ولد له؟ على وجهين: أحدهما: لا تصير أم ولد، فيكون على ما مضى إذا لم ينحصر عددهم.
والثاني: تصير أم ولد له، ويكون محسوبا عليه من حقه، ويكون حكم باقيها على ما سيأتي في وطئها بعد قسمة القبائل، فعلى هذا هل يسقط خيار الإمام في قسمها لمن شاء ويلزمه دفعها إليه؟ أو يكون على خياره؟ فيه وجهان محتملان، لاحتمال التعليل.
فصل: وأما الحال الثانية: وهو أن يكون إحباله لها بعد قسمها بين القبائل بأن حصلت ملكا لعشرة من الغانمين؛ لأن الحكم لأمير الجيش إذا قلت الغنيمة وكثر العدد أن يشرك بين الجماعة في الرأس الواحد، فيعطي لعشرة فرسًا ولعشرة جارية ولعشرة بعيرًا، فإذا اختاروا ذلك وقبلوه صار مشتركا بينهم، كسائر أمالهم المشتركة بابتياع أو ميراث، فيكون في حكم هذه الجارية بعد إحبالها كحكم الجارية المشتركة إذا أحبلها أحد الشركاء فلا حد عليه؛ لأنه قدر ملكه فيها شبهة في باقيها، وعليه من مهر مثلها بقدر حصص شركائه فيها، ويصير ملكه منها أم ولد له؛ لأنه قد أحبلها بحر في ملك ولا يخلو في باقيها من أن يكون موسرا بقيمته أو معسرا به، فإن كان موسرا بباقيها قوم عليه، كما تقوم عليه حصص شركائه لو أعتق قدر سهمه، فعلى هذا يكون جميع ولده حرا، لأنها علقت به في ملك وفي شبهة ملك، ولا قيمة عليه للولد؛ لأنها ولدت له في ملكه، وقد صار جميعها أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر في ملك، وإن كان معسرا بحصص شركائه منها لم يقم عليه باقيها، وكان ملكا لشركائه فيها، وكان قدر سهمه من الولد وهو العشر، لأن احد الشركاء العشرة حر، لأنه قدر ما يملكه منه، كما قد صار عشر الأم أم ولد في تقويم باقي الولد عليه مع إعساره وجهان: أحدهما: لا يقوم عليه مع الإعسار، كما لا يقوم عليه باقي الأم إذا كان معسرا، فعلى هذا يكون عشر الولد حرا، وباقية مملوكا، وعشر الجارية أم ولد وباقيها مملوكا، وإن ملك باقيها من بعد بابتياع أو ميراث كان باقيها على رقه، ولم تصر أم ولد له؛ لأنه مقابل لرق ولده؛ لأنها علقت بمملوك في غير ملك.
والثاني: يقوم عليه بقيمة الولد مع إعساره، وإن لم تقم عليه بقية الأم بإعساره.
والفرق بينهما أن الحرية في الولد أصل متقدم، وهي في الأم فرع طارئ فلم تتبعض حرية الولد؛ لأن الرق لا يطرأ على حرية ثابتة، فجاز أن يتبعض في الأم، لأن العتق يجوز أن يطرأ على رق ثابت، فعلى هذا يصير جميع الولد حرًا، ويكون عشر الأم أم ولد، فإن ملك باقيها من بعد، فهل تصير أم ولد له على قولين؛ لأنه قد أولدها حرًا

الجزء: 13 - الصفحة: 294

في غير ملك، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وإن كان في السبي ابن وأب لرجل لم يعتق عليه حتى يقسمه وإنما يعتق عليه من اجتلبه بشراء أو هبة وهو لو ترك حقه من مغنمه لم يعتق عليه حتى يقسم قال المزني رحمه الله: وإذا كان فيهم ابنه فلم يعتق منه عليه نصيبه قبل القسم كانت الأمة تحمل منه من أن تكون له أم ولد أبعد".
قال في الحاوي: وصورتها، أن يكون في السبي المسترق أحد من يعتق بالملك على الغانمين من والديه أو مولوديه، كالآباء والأمهات والبنين والبنات، فله في عتقه عليه ثلاثة أحوال: حال لا يعتق عليه، وحال يعتق عليه، وحال مختلف فيها.
فأما الحال التي لا تعتق عليه فيها فهو قبل القسمة، والغانمون عدد كثير لا ينحصرون ولا يتحقق فيه قدر سهمه منه، فلا يعتق عليه شيء منه؛ لأنه لم يملكه، وإن ملك أن يتملكه؛ لأنه قد يجوز أن يجعل في سهم غيره.
وأما الحال التي يعتق عليه فيها قدر سهمه منه، فهو أن يقسم الغنائم فيجعل في سهم عشرة هو أحدهم، فيعتق عليه منه قدر حقه وهو عشرة؛ لاستقرار ملكه على عشرة ويقوم عليه باقية إن كان موسرًا؛ لأنه ملكه باختياره.
وأما الحال المختلف فيها فهو قبل القسمة إذا كان عدد الغانمين محصورًا، فيكون على ما ذكرنا من حكم أو الولد، وهو أن ينظر، فإن لم يكن في تلك الغنيمة غيره، فقد تعين ملكه فيه، فلا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فعلى هذا يعتق عليه قدر حقه منه، ولا يقوم عليه باقية؛ لأنه ملك بغير اختياره، وإن كان في القسمة غيره، وهي الحال التي يجوز لأمير الجيش أن يقسم فيها الغنيمة بحكمه على اختياره، لا يعتبر فيها المراضاة، ففي نفوذ عتق حقه منه وجهان: أحدهما: لا يعتق عليه؛ لأنه ما ملك، وإنما جاز أن يملكه؛ لجواز أن يجعل في سهم غيره.
والثاني: يعتق عليه قدر حقه منه؛ لأنه على ملك جميع الغانمين، فغلب فيه حكم الإشاعة، فإذا أعتق قدر حقه كان مسحوبًا عليه من سهمه، ولم يقم عليه باقية، لأنه عتق عليه بلا اختياره.
فأما إذا بدأ أحد الغانمين في هذه الحال فأعتق أحد السبي لم يعتق عليه بحال بخلاف أم الولد، وعتق بعض المناسبين؛ لأن ما يعتق بغير اختيار أقوى، وما يعتق بالاختيار أضعف ولذلك نفذ في حق المحجور عليه عتق ما ملكه من ما سبيه، وأن تصير

الجزء: 13 - الصفحة: 295

أمته إذا أحبلها أم ولد، ولم يعتق عليه من تلفظ بعتقه.
فأما اعتراض المزني بأنه لما لم يعتق عليه قدر حقه من أبيه، فكذلك في أم الولد فهو فاسد؛ لأنهما في الحكم سواء وإنما يخالفان عتق المباشرة، للفرق الذي ذكرنا.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومن سبي منهم من الحرائر فقد رقت وبانت من الزوج كان معها أو لم يكن سبي النبي صلي الله عليه وسلم نساء أوطاس وبني المصطلق ورجالهم جميعًا فقسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وليس قطع العصمة بينهن وبين أزواجهن بأكثر من استبائهن".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن سبي الذرية موجب لرقهم، والذرية هم النساء والأطفال، فإذا أحيزوا بعد تقضي الحرب رقوا، فأما سبي المقاتلة فلا يرقون بالسبي، حتى يسترقوا.
والفرق بينهما: أن لأمير الجيش خيارا في الرجال بين القتل والفداء والمن والاسترقاق، فلم يتعين الاسترقاق إلا بالاختيار، ولا خيار له في الذراري فرقوا بالسبي؛ لاختصاصهم بحكم الرق.
فإذا تقرر هذا لم يخل حدوث السبي في الزوجين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسبي الزوجة دون الزوج، فقد بطل نكاحها بالسبي بوفاق من الشافعي وأبي حنيفة في الحكم مع اختلافهما في العلة، فهي عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثاني: أن يسبي الزوج دون الزوجة، فإن لم يسترق ومن عليه أو فودي به يبطل نكاح زوجته عند الشافعي، وأبي حنفية، لكن عليه عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثالث: أن يسبي الزوجان معًا، فعند الشافعي يبطل النكاح بينهما بحدوث الرق، وعند أبي حنيفة لا يبطل النكاح؛ لأنه لم يختلف الدار بهما؛ استدلالًا بما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه لما استرق سبي هوازن بأوطاس جاءته هوازن بعد إسلامهم ليستعطفونه ويستنزلونه من على سبيهم وردهم عليهم، وأكثرهم ذوات أزواج وأقرهم على مناكحهم ولو بطل النكاح بحدوث الرق لعلمهم، ولأمرهم باستئناف النكاح بينهم، وفي ترك ذلك دليل على بقاء النكاح وصحته؛ ولأن الرق لا يمنع من ابتداء النكاح، فوجب أن لا يمتنع من استدامته كالصغر؛ ولأنه قد يطرأ الرق على الحرية، كما تطرأ الحرية على الرق، فلما لم يبطل النكاح بحدوث الحرية على الرق، وجب أن لا يبطل بحدوث الرق على الحرية.

الجزء: 13 - الصفحة: 296

ودليلنا قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] والمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج، فحرمن إلا ما ملكت أيماننا بحدوث السبي، فكان على عمومه في الإباحة فيمن كان معها زوجها، أو لم يكن.
وروي أبو سعيد ألخدري أن هذه الآية نزلت في سبي هوازن، ولو كان النكاح باقيًا لما جازت الإباحة، ولكان التحريم باقيًا.
والقياس: هو أنه رق طرأ على نكاح، فوجب أن يبطل به، كما لو استرق أحدهما.
فإن قيل: إنما بطل النكاح باسترقاق أحدهما؛ لاختلاف الدارين، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: انه إذا اتفق موجب العلتين لم يتنافيا، فلم يصح التعارض.
والثاني: أن اختلاف الدارين لا يمنع من صحة النكاح؛ لأن أبا سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام أسلما بمر الظهران، وزوجاتهما بمكة، فأقرهما على نكاحهما مع اختلاف الدارين بينهما أو لا ترى أن المسلم لو دخل دار الحرب فنكح زوجة، وله دار الإسلام أخرى لم يبطل نكاح زوجته في دار الإسلام، ولو عاد إلى دار الإسلام لم يبطل نكاح زوجته في دار الحرب مع اختلاف الدارين، فبطل أن تكون علة في فسخ النكاح وقياس آخر: أن النكاح ملك، فوجب أن يزول بحدوث الرق، كالأموال على أن ملك الأموال يشتمل على العين والمنفعة، والنكاح مختص بالاستمتاع الذي هو منفعة، ولك من هذا التعليل قياس ثالث: أنه عقد على منفعة فوجب أن يبطل بحدوث الرق، كما لو آجره الحربي نفسه ثم استرق.
فأما الجواب عن استدلالهم بسبي هوازن: هو أنهم كانوا عند ذلك على شركهم وإنما ظهر إسلام وافدهم فلم يلزمه بيان مناكحهم قبل إسلامهم وأما الجواب عن تعليلهم بأنه لما يمنع الرق من ابتداء النكاح لم يمنع من استدامته فمن وجهين: أحدهما: انتفاضه بالخلع يمنع من استدامة النكاح، ولا يمنع من ابتدائه.
والثاني: أن حدوث الرق لا يتصور في ابتداء العقد، ويتصور في أثنائه فلم يصح الجمع بين ممكن وممتنع.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما لم يؤثر في النكاح حدوث الحرية على الرق، كذلك لا يؤثر فيه حدوث الرق على الحرية، فهو أن حدوث الحرية كمال، فلم يؤثر في النكاح وحدوث الرق نقص، فجاز أن يؤثر في النكاح.
فصل: وإن كان الزوجان الحربيان مملوكين فسبيا، أو أحدهما ففي بطلان النكاح بينهما وجهان:

الجزء: 13 - الصفحة: 297

أحدهما: لا يبطل، ويكونان على النكاح؛ لأن رقهما متقدم، وليس بحادث، فصار انتقال ملكهما بالسبي، كانتقال بالبيع.
والثاني: أن النكاح يبطل؛ لأن الاسترقاق أثبت من الرق الأول لثبوت الحادث بالإسلام وثبوت الأول بالشرك فتعلق حكم الرق بأثبتهما، وكان الأول داخلًا فيه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يفرق بينهما وبين ولدها حتى يبلغ سبع أو ثمان سنين وهو عندنا استغناء الولد عنها وكذلك ولد الولد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها في القسمة إذا سبوا ولا في البيع إذا ملكوا الرواية أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى عمران بن حصين أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "ملعون من فرق بين امرأة وبين ولدها".
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلي الله عليه وسلم سمع امرأة تبكي فقال: ما لهذه تبكي فقيل له: فرق بينها وبين ولدها فقال: "لا توله والدة على ولدها".
أي: لا يفرق بينهما بالبيع فتوله عليه بالحزن والأسف، مأخوذ من الوله، ولأن في التفرقة بينهما في الصغر إدخال ضرر عليهما بحزن الأم وضياع الولد.
فإذا ثبت هذا ففي الزمان الذي تحرم فيه التفرقة بينهما قولان للشافعي: أحدهما: نص عليه في سير الواقدي، ونقله المزني غلى هذا الموضع إلى استكمال سبع سنين، ثم يفرق بينهما من بعد، وبه قال مالك، لأنه حد التفرقة في تخيير الكفالة، ولأنه يستقل فيها بنفسه في لباسه ومطعمه.
والثاني: إلى وقت البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لرواية عبادة بن الصامت أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها" قيل: إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" ولولا أن في هذا الحديث ضعفًا، لأن رواية عبد الله بن عمرو بن سعيد بن الربيع بن عبادة بن الصامت، وقد طعن علي بن المديني في عبد الله بن عمرو بن سعيد ونسبه إلى الكذب، لما اختلف القول فيه، ولما شاع خلافه، ولأنه لما استحقت الكفالة

الجزء: 13 - الصفحة: 298

على الوالدين إلى البلوغ ثم يفارقهما الولد بعد البلوغ كان البلوغ حدًا في التفرقة.
وقال أحمد بن حنبل: لا تجوز التفرقة بينهما على الأبد تمسكًا بعموم الظاهر، وحديث عبد الله بن الصامت دليل عليه إن صح، ثم المعنى المعتبر في الجمع بينهما في الصغر مفقود في الكبر من وجهين: أحدهما: أنه مضر في الصغر وغير مضر في الكبر.
والثاني: أنه معهود في الكبر، وغير معهود في الصغر.
فصل: فأما التفرقة بين الولد ووالده، ففيه وجهان: أحدهما: لا يفرق بينهما كالأم، لما فيه من البعضية المفضية للشفقة والحنو.
والثاني: يفرق بينهما، بخلاف الأم لعدم التربية في الأب، ووجودها في الأم.
فأما الأجداد والجدات فمن كان منهم غير مستحق للحضانة، كالجد أبي الأم وأمهاته لم تحرم التفرقة بينهما، لضعف سببه، ومن كان منهم مستحقًا للحضانة فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الولد مجتمعا مع الأم، فحكم الجمع مختصًا بها، ولا تحرم التفرقة بينه وبين من عداها.
والثاني: أن لا يكون مجتمعًا مع الأم، إما لموت الأم أو بعدها، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مجتمعا مع جداته المدليات بأمه، فلا يجوز التفرقة بينه وبين القربى من جدات أمه، لقيامها في الحضانة مقام أمه.
والثاني: أن يكون مجتمعًا مع جداته وأجداده من قبل أبيه، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تجوز التفرقة بينه وبين جميعهم ذكورا كانوا أو إناثًا، إذا قيل: تجوز التفرقة بينه وبين الأدب الذي أدلوا به.
والثاني: لا يجوز التفرقة بينه وبين أقربهم من ذكر وأنثى، إذا قيل بتحريم التفرقة بينه وبين الأب.
والثالث: إن كان ذكرًا كالجد أبي الأب جاز التفرقة بينهما، وإن كانت أنثى كالجدة أم الأب لم تجز التفرقة بينهما، لأن في الجدة تربية ليست في الجد.
فصل: وإذا كان مع الأم أو من قام مقامها في تحريم التفرقة بينهما، فرضيت بالتفرقة بينهما لم يجز، لأن حق الجمع مشترك بينهما وبين الولد، فإن رضيت بسقوط حقها لم يسقط به حق الولد، وتؤخذ بحضانته في زمانها، فإن عتق أحدهما جاز بعد عتقه التفرقة بينهما، سواء أعتقت الأم أو الولد، لأنه لا يد على الحر، واليد مختصة بالمملوك، فانفرد كل

الجزء: 13 - الصفحة: 299

واحد منهما بحكمه.
فصل: وإذا حرم التفرقة بينهما، ففرق بينهما ببيع ففي بطلان البيع وجهان: أحدهما: وهو مذهب البغداديين أن البيع باطل، وبه قال أبو يوسف، لرواية الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي عليه السلام أنه فرق بين جارية وبين ولدها، فنهاه النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع.
وروى ابن أبي ذئب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، قال: قدم أبو أسيد بسبي من البحرين، فصفوا لينظر إليهم النبي صلي الله عليه وسلم فرأى امرأة تبكي، فقال: مالك تبكين؟ قالت: بيع ولدي في بني عبس فقال لأبي أسيد: لتركبن ولتجيئن به كما بعته.
والثاني: وهو مذهب البصريين أن البيع صحيح، وبه قال أبو حنيفة، لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه، كالنهي عن البيع في وقت الجمعة، وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، لكن لا يقر المتبايعان على التفرقة بينهما، ويقال للمشتري والبائع: إن تراضيتما ببيع الآخر لتجتمعا في الملك كان البيع الأول ماضيا، وإن تمانعتما فسخ البيع الأول بينكما، ليجمع بينهما، وعلى هذا يحمل فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه فسخ البيع، لتعذر الجمع دون فساد العقد والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "فأما الأخوان فيفرق بينهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز التفرقة في الملك بين ما عدا الوالدين والمولودين من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن كان مكروهًا.
وقال أبو حنيفة: تحرم التفرقة بين كل ذي رحم محرم، استدلالًا برواية أبي موسى الأشعري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها، ولا بين والد وولده، ولا بين اخ وأخيه" وبرواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قدم سبي على النبي صلي الله عليه وسلم فأمرني ببيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال: أدركهما فارتجعهما وبعهما معًا ولا تفرق بينهما".
ومن القياس: أنه ذو رحم محرم بنسب، فلم تجز التفرقة بينهما في الملك كالوالدين والمولودين.
ودليلنا هو أن كل نسب لا يمنع من قبول الشهادة، ولا يمنع من جواز الزوجية كغير ذوي المحارم طردًا، وكالوالدين والمولودين عكسًا، ولأن الأحكام المختصة بالأنساب

الجزء: 13 - الصفحة: 300

إذا وفقت على بعض المناسبين كانت مقصورة على الوالدين مع المولودين، كالولاية والشهادة والقصاص وحد القذف، وهذه أربعة أحكام وافقوا عليها، فكذلك في أربعة أحكام خالفوا فيها، وهي وجوب النفقة، والعتق بالملك، والقطع في السرقة، والتفرقة في البيع، فأما الخبران فضعيفان، ولو صحا حملًا على الاستحباب بدليلنا، وقياسهم على الوالدين فالمعنى فيه وجود البعضية المانعة من قبول الشهادة.
مسألة: قال الشافعي: "وإنما نبيع أولاد المشركين من المشركين بعد موت أمهاتهم إلا أن يبلغوا فيصفوا الإسلام.
قال المزني رحمه الله: ومن قوله: إذا سبي الطفل وليس معه أبواه ولا أحدهما أنه مسلم وإذا سبي ومعه أحدهما فعلى دينهما فمعنى هذه المسألة في قوله أن يكون سبي الأطفال مع أمهاتهم فيثبت في الإسلام حكم أمهاتهم ولا يوجب إسلامهم موت أمهاتهم".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن المسبي من أولاد المشركين لا يخلو خال سبيه، أن يكون مع أحد أبويه أو مفردًا، فإن سبي مع أحد أبويه كان حكمه بعد السبي كحكم المسبي مع أبويه، فإن أسلم أبواه أو أحدهما كان إسلامًا له ولصغار أولادهما، سواء اجتمع الأبوان على الإسلام أو أسلم أحدهما، وسواء كان المسلم منهما أباه أو أمه، ولا اعتبار بحكم السابي، وإن لم يسلم واحد من أبويه كان مشركا بشركهما، ولا يصير مسلمًا بإسلام سابيه، ولأن اعتباره بأحد أبويه أولى من اعتبار سابيه لأجل البعضية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الأوزاعي: يصير مسلمًا بإسلام السابي، وإن كان مع أحد أبويه، وهذا خطأ لقول النبي صلي الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
وقال مالك: يصير الولد مسلما بإسلام أبيه، ولا يصير مسلمًا بإسلام أمه، ويكون في الدين تابعًا لسابيه دون أمه، وهذا غير صحيح، لأمرين: أحدهما: قول النبي صلي الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فاعتبر حكمه بأبويه دون سابيه.
والثاني: أنه من أمه يقينًا، ومن أبيه ظنًا، فلما صار معتبرًا بأبيه فأولى أن يصير معتبرًا بأمه.
فصل: فأما إذا سبي الصغير وحده، ولم يكن مع أحد أبويه، فحكمه حكم سابيه، ويصير

الجزء: 13 - الصفحة: 301

مسلمًا بإسلامه، لأن الطفل لا بد أن يعتبر في الدين بغيره، إذ ليس يصح مع عدم التكليف أن يعتبر بنفسه، فإذا ثبت اعتباره بالسابي في جريان حكم الإسلام عليه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجري عليه حكم الإسلام قطعًا، في الظاهر والباطن، كما يصير بأحد أبويه مسلمًا، فإن بلغ ووصف الشرك لم يقر عليه، وبه قال المزني، وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور البغداديين.
والثاني: أنه يجري عليه حكم الإسلام في الظاهر دون الباطن، تغليبًا لحكم السابي، فإن بلغ وصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه، وهو قول جمهور البصريين، كما يعتبر إسلام اللقيط في دار الإسلام بحكم الدار، فيكون مسلمًا في الظاهر، تغليبًا لحكم الدار، فإن بلغ ووصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه.
فصل: فإذا ثبتت هذه المقدمة في أولاد المشركين إذا سبوا صغارًا، فمتى أجرينا عليهم حكم الإسلام إما بأحد الأبوين أو بالسابي جاز بيعهم على المسلمين، ولم يجز بيعهم على المشركين، وإن أجرينا عليه حكم الشرك جاز بيعهم على المسلمين وعلى المشركين، ولم يكره.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعهم على المشركين، ولكن يكره.
وقال أبو يوسف، وأحمد بن حنبل: لا يجوز بيعهم على المشركين حال احتجاجًا بأمرين: أحدهما: ما في بيعهم من تقوية المشركين بهم.
والثاني: أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم إذا بلغوا.
ودليلنا على ما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم سبى بني قريظة سنة خمس ففرق سبيهم أثلاثًا فبعث ثلثًا بيعوا بتهامة، وثلثًا بيعوا نجد وثلثًا بيعوا بالشام، وكانت مكة والشام دار شرك، وكذلك أكثر بلاد تهامة ونجد، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم من على سبي هوازن، وردهم على أهلهم، وإن كان فيهم من بقي على شركه، ولأن المملوك إذا جرى عليه حكم دين جاز عليه بيعه من أهل دينه، كالعبد البالغ، ويبطل به ما احتجوا به من تقويتهم به، ويبطل أيضًا بيع الطعام عليهم مع ما فيه من تقويتهم به، وبه يبطل احتجاجهم أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم.
مسألة: قال الشافعي: "ومن أعتق منهم فلا يورث كمثل أن لا تقوم بنسبه بينة".

الجزء: 13 - الصفحة: 302

قال في الحاوي: أما الحميل في النسب فضربان: أحدهما: أن يملك مسلم بالسبي مشركًا فيعتقه ويستلحق به، ويجعله لنفسه ولدًا، فيصير محمول النسب عن أبيه إلى سابيه، ويكون الحميل بمعنى: المحمول، كما يقال: قتيل بمعنى مقتول، فهذا لا يلحق النسب، ولا يتغير به حكم المستلحق وهو إجماع، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فنقلهم عما كانوا عليه في الجاهلية، من استلحاق الأنساب غلى ما استقر عليه الإسلام من إلحاقها بالفراش.
والثاني: أن يقر المسبي بعد عتقه بنسب وارد من بلاد المشركين، ويكون الحميل بمعنى الحامل فيقسم النسب ثلاثة أقسام: مردود، ومقبول، ومختلف فيه.
فأما القسم المردود: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ولا يملك المقر استحداث مثله، كالمقر بأب، أو بأخ، أو عم، فيرد إقراره به، ولا يقبل إلا ببينة تشهد بنسبه وسواء كان يرث جميع المال كالأب أو بعضه كالأم، لرواية الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى شريح أن لا يورث حميلًا حتى تقوم به بينة من المسلمين".
وروى الزهري قال: جمع عثمان بن عفان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستشارهم في الحميل، فأجمعوا أنه لا يورث إلا ببينة، ولأن معتقه قد ملك ولاءه عن الرق الذي لا يملك العبد إزالة ما استحقه من الملك، فكذلك إذا أعتق لا يملك إزالة ما استحقه معتقه بولائه من الإرث.
فإن قيل: أليس لو أقر الحر بأخ، وله عم قبل إقراره، وإن حجب الأخ العم، فهلا كان إقراره بالنسب مع الولاء مقبولًا كذلك، قيل: الفرق بينهما أن النسب يرث به ويورث، فزالت التهمة والولاء لا يرث به ولا يورث، فلحقت التهمة.
وأما القسم المقبول: فهو أن يقر بنسب لا يستحق به الميراث، كالخال والجد من الأم فمقبول منه بغير بينة؛ لأنه لا يسقط به حق معتقه من الميراث.
وأما القسم المختلف فيه: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ويملك استحداث مثله كإقراره بابن أو بنت، فقد اختلف أصحابنا في ثبوت نسبه بإقراره من غير بينة على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يقبل إقراره بنسبه إلا ببينة، تشهد به، كالنسب الذي لا يملك استحداث مثله لعموم ما اجتمعت عليه الصحابة من المنع من توريث الحميل، ولما جمعهما التعليل من إسقاط الميراث بالولاء.
والثاني: يقبل إقراره ببينة بخلاف ما لا يملك استحداث مثله، لأمرين: أحدهما: أن من ملك استحداثه جاز أن يملك الإقرار به أولى.

الجزء: 13 - الصفحة: 303

والثاني: أن ولده يدخل في ولاء معتقه، ولا يدخل فيه أبوه فافترقا.
والثالث: أن يقبل إقراره بمن ولد بعد عتقه، ولا يقبل إقراره بمن ولد قبل عتقه؛ لأنه بعد العتق يملك استحداث مثله بغير إذن، ولا يملك قبل القطع استحداث مثله إلا عن إذن فافترقا، والله أعلم.

باب المبارزة

قال الشافعي رحمه الله: "ولا بأس بالمبارزة وقد بارز يوم بدر عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بإذن النبي صلي الله عليه وسلم وبارز محمد بن مسلمة مرحبًا يوم خيبر بأمر النبي صلي الله عليه وسلم وبارز يومئذ الزبير بن العوام ياسرًا وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الخندق عمرو بن عبد ود".
قال في الحاوي: المبارزة في قتال المشركين ضربان: إجابة ودعاء.
فأما الإجابة: فهو أن يبتدئ المشرك ويدعو المسلمين إلى المبارزة، فيجيبه من المسلمين من يبرز إليه، وهذه الإجابة مستحبة لمن أقدم عليها من المسلمين، فإن أول حرب شهدها رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم بدر، دعي إلى المبارزة فيها ثلاثة من مشركي قريش، وهم عنبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، فبرز إليهم من الأنصار عوف ومعوذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: ليبرز إلينا أكفاؤنا فما نعرفكم، فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث فمال حمزة على عتبة فقتله، ومال علي على الوليد فقتله، واختلف عبيدة وشيبة ضربتين، أثبت كل واحد منهما صاحبه به، فمات شيبة لوقته، وقدت رجل عبيدة واحتمل حيًا فمات بالصفراء، فقال فيه كعب بن مالك: أيا عين جودي ولا تبخلي بدمعك حقًا ولا تنزري على سيد هدنا هلكه كريم المشاهد والعنصر عبيدة أمس ولا نرتجيه لعرف عرانا ولا منكر وقد كان يحمي غداة القتال لحامية الجيش بالمبتر ثم شهد رسول الله صلي الله عليه وسلم بعدها أحدًا، فدعاه أبي بن خلف الجمحي إلى المبارزة وهو على فرس له حلف أن يقتله عليها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: بل أنا أقتله عليها إن شاء الله، وبرز فرماه بحربة كسر بها أحد أضلاعه بجرح كالخدش، فاحتمل وهو يخور كالثور، فقيل له: ما بك، فقال: والله لو تفل علي لقتلني ثم دعا إلى المبارزة في حرب الخندق عمرو بن عبد ود فلم يجبه من المسلمين أحد، ثم دعا إليها في اليوم الثاني فلم يجبه أحد، ثم دعا إليها في اليوم الثالث فلم يجبه أحد، فلما رأى الإحجام عنه قال: يا محمد

الجزء: 13 - الصفحة: 304

ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة أحياء عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون، فما يبالي أحدكم أيقدم على كرامة من ربه أو يقدم عدوًا إلى النار، وأنشأ يقول: ولقد دنوت من النداء يجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجا ع بموقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل متشوقًا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقام علي بن أبي طالب فاستأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم في مبارزته فأذن له وقال: "اخرج يا علي في حفظ الله وعياذه" فخرج وهو يقول: يا عمرو ويحك قد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيـ ـم عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبـ ـقي صيتها عند الهزاهز فتجاولا، وثارت عجاجة أخفتهما عن الأبصار، ثم أجلت عنهما، وعلي يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل، حكاه محمد بن إسحاق.
ثم دعا إلى المبارزة بخيبر سنة سبع مرحب اليهودي، فخرج مرتجزًا يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانًا وحينًا أضرب إذا الحروب أقبلت تلهب إذا الليوث أقبلت تحرب كان حماي للحمى لا يقرب فبرز إليه من قتله، فحكي جابر بن عبد الله أنه برز إليه فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، وهو الذي حكاه الشافعي، وحكي بريدة الأسلمي أن الذي برز غليه فقتله علي بن أبي طالب، خرج إليه مرتجزًا يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره ليث غابات شديد القسورة أكيلكم بالسيف كيل السندره ودعا ياسر إلى المبارزة بخيبر، فبرز إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية: يقتل ابني فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "بل ابنك يقتله" فقتله الزبير، فهذه مواقف قد أجاب إلى المبارزة فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومن ذكرنا من أهله وأصحابه، فدل على استحبابه.
فصل: فأما الدعاء إلى المبارزة فهو أن يبتدئ المسلم بدعاء المشركين إليها، فهو مباح وليس بمستحب ولا مكروه.
وقال أبو حنيفة: هو مكروه، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة احتجاجًا بقول الله

الجزء: 13 - الصفحة: 305

تعالى: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وبما روي أن علي بن أبي طالب نهى بصفين عبد الله بن عباس عن المبارزة، وقال لابنه محمد ابن الحنفية: لا تدعون إلى البراز، فإن دعيت فأجب، فإن الداعي باٍغ والباغي مصروع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً﴾ [التوبة: 41] وقيل: خفافًا في الإسراع إلى المبارزة وثقالًا في الثبات للمصابرة.
وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال: "لا بأس به" وجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم جيش مؤتة، وقال: الأمير زيد بن حارثة، فإن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب فإن أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلًا، فتقدم زيد بن حارثة وبرز فقاتل حتى قتل، ثم تقدم جعفر فقاتل حتى قتل، وتقدم عبد الله بن رواحة وبرز فقاتل حتى قتل، فاختار المسلمون خالد بن الوليد فقاتل وحمي المسلمين حتى خاضوا وعادوا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم أثنى عليهم، وأخبر بعظم ثوابهم.
وروى محمد بن إسحاق أن النبي صلي الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين وأخذ سيفًا فهزه وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه" فقال عمر: أنا آخذه بحقه، فأعرض عنه، ثم هزه ثانية، وقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فقال الزبير: أنا آخذه، فأعرض عنه ثم هزه ثالثة وقال: "من يأخذه بحقه" فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول الله فقال: أن تضرب به في العدو حتى يثخن، فأخذه منه وتعمم بعصابة حمراء ومشى إلى الحرب متبخترًا، وهو يقول: أنا أخذته في رقه إذ قيل من يأخذه بحقه قبلته بعدله وصدقه للقادر الرحمن بين خلقه المدرك القابض فضل رزقه من كان في مغربه وشرقه فعاد وقد نكأ وجعل يتبختر في مشيه بين الصفين، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" فإذا لم يكره رسول الله صلي الله عليه وسلم في مبارزة جميع المشركين فأولى أن لا يكره لهم مبارزة أحدهم.
فأما الجواب عما احتج به الآية، فهو أنه إذا أمر بقتالهم كافة إذا قاتلوا كافة جاز أن يقاتلوا آحادًا وكافة، لأن الواحد بعض الكافة، وأما نهي علي عليه السلام عنه فلمصلحة رآها، خاف منها على ولده وابن عمه، خصوصًا في قتال المسلمين، كيف وقد لبس درع ابن عباس، وبرز عنه حتى قبل اللخمي الذي بارزه، وفعله أوكد من نهيه.
فصل: فإذا صح جواز المبارزة، إما استحبابًا إن أجاب أو إباحة إن دعا فلجوازها ثلاثة شروط:

الجزء: 13 - الصفحة: 306

أحدها: أن يكون قويًا على مقاومة من برز إليه بقوة جسمه، وفضل شجاعته وظهور عدته، فإن ضعف عنه لم يجزه.
فإن قيل: فلو تعرض بعض المسلمين للشهادة جاز، وإن كان ضعيفًا فهلا كان المبارز كذلك، قلنا: لأن المقصود بالمبارزة ظهور الغلبة، فلم يتعرض لها إلا من وثق بنفسه فيها، والمقصود بالشهادة فضل الثواب فجاز أن يتعرض لها من شاء.
والثاني: أن لا يدخل بقتل المبارزة ضرر على المسلمين؛ لهزيمة تنكؤهم أو لأنه أميرهم الذي تختل بفقده أمورهم، فإن كان كذلك لم يجز أن يبارز.
والثالث: أن يستأذن أمير الجيش في برازه، ليكون ردءًا له وعونًا، ولفضل علمه بالمبارزة، ومن برز إليه فإن لم يأذن له كف، وإن أذن له أقدم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "فإذا بارز مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا على أن لا يقاتله غيره وفى بذلك له فإن ولي عنه المسلم أو جرحه فأثخنه فلهم أن يحملوا عليه ويقتلوه لأن قتالهما قد انقضى ولا أمان له عليهم إلا أن يكون شرط أنه آمن حتى يرجع إلى مخرجه من الصف فلا يكون لهم قتله ولهم دفعه واستنقاذ المسلم منه فإن امتنع وعرض دونه ليقاتلهم قاتلوه لأنه نقض أمان نفسه أعان حمزة عليا على عتبة بعد أن لم يكن في عبيدة قتال ولم يكن لعتبة أمان يكفون به عنه ولو أعان المشركون صاحبهم كان حقًا على المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقتلوا من أعان عليه ولا يقتلون المبارز ما لم يكن استنجدهم" قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا بارز مسلم مشركًا إما داعيًا أو مجيبًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون للمشرك المبارز شرط فيجوز للمسلمين أن يقاتلوه مع المبارز منهم ويقتلوه؛ لأنه على أصل الإباحة، وإن اختص بالمبارزة الواحد، قال الشافعي: اللهم غلا أن العادة جارة أن من بارز لا يعرض له حتى يعود إلى صفه، فيحمل على ما جرت به العادة، وتصير العادة كالشرط.
والثاني: أن يكون له شرط فضربان: أحدهما: أن يشترط أن لا يقاتله غير من برز إليه، فيجب الوفاء بشرطه، لقول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وقول النبي صلي الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم" فلا يجوز أن يقاتل المشرك ما كان المسلم على قتاله، فإذا انقضى القتال بينهما إما بأن ولي المسلم أو جرح فكف عن القتال، أو ولي المشرك أو جرح فكف عن القتال كان لنا أن نقاتل

الجزء: 13 - الصفحة: 307

المشرك ونقتله، لأن أمانه كان مشروطًا بمدة المقاتلة فانقضى بزوال المقاتلة؛ ولأن شيبة بن ربيعة لما أثخن عبيدة بن الحارث يوم بدر، ولم يبق فيه قتال، مال علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب على شيبة حتى أجهز عليه.
الضرب الثاني: أن يستظهر في أشراط الأمان لنفسه أن يكون آمنًا حتى يرجع إلى صفه، فيحمل على شرطه ولا يجوز أن يقاتل بعد انقضاء المبارزة، حتى يرجع إلى صفه، وفاء بالشرط إلا أن يكون من المشرك إحدى ثلاث خصال، يبطل بها أمانه: إحداهن: أن يولي عنه المسلم، فيتبعه، فيبطل أمانه، ويجوز لنا أن نقاتله ونقتله، لأن المبارزة قد انقضت، وأمانه منا مستحق عند أماننا منه، فإذا لم نأمنه لم نؤمنه.
والثانية: أن يظهر المشرك على المسلم، ويعزم على قتله، فيجب علينا أن نستنقذ منه المسلم لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدر على استنقاذه منه بغير قتله لم يجز أن يقتل، وإن لم يقدر على استنقاذه منه إلا بقتله جاز لنا أن نقتله؛ لأنه لا أمان على قتل مسلم.
والثالثة: أن يستنجد المشرك أصحابه من المشركين في معونته على المسلم، فيبطل أمانه؛ لأنه كان مشروطًا بالمبارزة، وقد زال حكمها بالاستنجاد، فإن أعانوه من غير أن يستنجدهم نظر، فإن نهاهم عن معونته فلم ينتهوا كان على أمانه، وكان لنا قتال من أعانه دونه، وإن لم ينههم كان إمساكه عنهم رضًا منه بمعونته له، فصار كاستنجاد لهم في نقص أمانه وجواز قتاله وقتله.
فصل: وإذا أخذت رؤوس المشركين بعد قتلهم، لتحمل إلى بلاد الإسلام، فقد كره الأوزاعي والزهري ذلك؛ لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يفعل ذلك بقتلى بدر.
وروى عقبة بن عامر أنه حمل إلى أبي بكر رضي الله عنه رؤوس من قتل من المشركين في فتح دمشق، فكره ذلك، وقال: تحمل جيف المشركين إلى مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم.
وأجاز آخرون ذلك على الإطلاق، وليس للشافعي فيه نص، وذهب أبو حامد الإسفراييني إلى كراهيته، وعندي أن إطلاق الكراهية فيه أو الاستحباب غير صواب، ويجب أن ينظر في نقلها، فإن كان فيه وهن على المشركين أو قوة للمسلمين، فنقلها مستحب؛ لأنه لما لم يكره نقلهم إلى بلاد الإسلام أحياء ليقتلوا بها كان نقل رؤوسهم أقرب، وإن لم يكن في نقلها وهن لمشرك ولا قوة لمسلم كان نقلها مكروهًا، على هذا يحمل نهي أبي بكر رضي الله عنه والله أعلم بالصواب.

باب فتح السواد

وحكم ما يوقفه الإمام من الأرض للمسلمين.

الجزء: 13 - الصفحة: 308

قال الشافعي رحمه الله: " ولا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظن مقرون إلى علم وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفه منها أنهم يقولون إن السواد صلح ويقولون إن السواد عنوة ويقولون إن بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عندهم فيه.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين.
شك الشافعي ثم قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعي بنت فلان امرأة منهم قد سماها ولم يحضرني ذكر اسمها.
قال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تردوا على الناس.
قال الشافعي: وكان في حديثه وعاضني من حقي فيه نيفًا وثمانين دينارا وكان في حديثه فقالت فلانة قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا فأعطاها إياه.
قال الشافعي رحمه الله: ففي هذا لحديث دلالة إذا أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهم أبيها على أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفًا للمسلمين وقد سبى النبي صلي الله عليه وسلم هوازن وقسم الأربعة الأخماس بين الموجفين ثم جاءته وفود هوازن مسلمين فسألوه أن يمن عليهم وأن يرد عليهم ما أخذ منهم فخيرهم النبي صلي الله عليه وسلم بين الأموال والسبي فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا فترك النبي صلي الله عليه وسلم حقه وحق أهل بيته فسمع بذلك المهاجرون فتركوا لهم حقوقهم وسمع بذلك الأنصار فتركوا لهم حقوقهم ثم بقي قوم من المهاجرين والأنصار فأمر فعرف على كل عشرة واحدًا ثم قال ائتوني بطيب أنفس من بقي فمن كره فله علي كذا وكذا من الغبل إلى وقت ذكره.
قال: فجاؤوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر فإنهما أتيا ليعيرا هوازن فلم يكرههما صلي الله عليه وسلم على ذلك حتى كانا هما تركا بعد بأن خدع عيينة عن حقه وسلم لهم عليه السلام حق من طاب نفسًا عن حقه.
قال: وهذا أولى الأمرين بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كان عنوة لا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر لكبر قدره ولو يفوت عليه ما انبغى أن يغيب عنه قسمه ثلاث سنين ولو كان القسم ليس لمن قسم له ما كان له منه عوض ولكان عليهم أن يردوا الغلة والله أعلم كيف كان وهكذا صنع صلي الله عليه وسلم في خيبر وبني قريظة لمن أوجف عليها أربعة أخماس والخمس لأهله فمن طاب نفسًا عن حقه فجائز للإمام نظرًا للمسلمين أن يجعلها وقفًا عليهم تقسم غلته على أهل الفيء والصدقة وحيث يرى الإمام ومن يطب نفسًا فهو أحق بماله".
قال في الحاوي: أما أرض السواد فهو سواد كسرى ملك الفرس الذي فتحه

الجزء: 13 - الصفحة: 309

المسلمون، وملكوه عنوة في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر رضي الله عنه.
وحده طولًا من حريثة الموصل إلى عبادان، وعرضًا من عذيب القادسية إلى حلوان، يكون طوله مائة وستين فرسخًا، وعرضه ثمانين فرسخًا، وليست البصرة، وإن دخلت في هذا الحد من أرض السواد؛ لأنها مما أحياه المسلمون من الموات إلا مواضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات.
ومن غربي دجلتها لنهر المعروف بنهر المرأة، ويسمى بالفهرج.
وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني، وهو يدرس تحديد السواد في كتاب "الرهن" وأدخل فيه البصرة، ثم أقبل علي، وقال: هكذا تقول قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتًا أحياه المسلمون، فأقبل على أصحابه، وقال علقوا ما يقول: فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة وفي تسميته سوادا ثلاثة أقاويل: أحدها: لكثرته مأخوذ من سواد القوم: إذا كثروا، وهذا قول الأصمعي.
والثاني: لسواده بالزروع والأشجار، لأن الخضرة ترى من البعد سوادًا، ثم تظهر الخضرة بالدنو منها فقال المسلمون حين أقبلوا من بياض الفلاة: ما هذا السواد، فسموه: سوادًا.
والثالث: لأن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم، قال أبو عبيدة: ومنه قول الشاعر: وراحت رواحًا من زرود فصادفت زبالة جلبابًا من الليل أخضرا يعني: أسود، وسواد كسرى أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخًا، فيكون العراق أقصر من السواد بخمسه والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن أول العراق من شرقي دجلة العلث، ومن غربيها جربى، وطوله مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، وعرضه مستوعب لعرض السواد.
وسمي عراقًا لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو، وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء، كما قال الشاعر: سقتم إلى الحق معًا وساقوا سياق من ليس له عراق أي ليس له استواء.
وقال قدامة بن جعفر: تكون مساحة العراق مكسرًا من ضرب طوله في عرضه عشرة آلاف فرسخ، يصير تكسير مساحة السواد مكسرًا بزيادة الربع مساحة العراق اثنا عشر ألف فرسخ وخمسمائة فرسخ، ومساحة تكسير فرسخ في فرسخ اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب؛ لأن طول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالمرسلة، ويكون بذراع المساحة، وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع، فتكون مساحة أرض العراق، وهي عشرة آلا فرسخ مكسرة مائتا ألف ألف جريب، وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، يزيد عليها في مساحة السواد ربعها، فتصير مساحة السواد مائتا ألف ألف جريب وثمانين

الجزء: 13 - الصفحة: 310

ألف ألف جريب، يسقط منها مجاري الأنهار، والآجام والسباخ والآكام ومواضع المدن والقرى ومدارس الطرق نحو ثلثها، ويبقي مائتا ألف ألف جريب يراح نصفها، ويزرع نصفها، إذا تكاملت مصالحنا، وعمارتها، وذلك نحو مائة ألف ألف جريب، ينقص عنها في مساحة العراق خمسها، وقد كانت مساحة المرزوع في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلي ستة وثلاثين ألف ألف جريب، لأن البطائح تعطلت بالماء ونواحي تعطلت بالتبوق وفي المتقدرات تتكامل جميع العبارات حتى تستوعب من زرعها؛ لأن العوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما.
فصل: فإذا استقر ما ذكرنا من حدود السواد، ومساحة أراضيه وقدر مزدرعه وفضل ما بينه وبين العراق، فقد اختلف العلماء في فتحه هل كان عنوه أو صلحا؛ فقدم الشافعي من الحجاز إلي العراق، وأهل العراق أعلم بفتوح سوادهم من أهل الحجاز، فسألهم عنه فاختلفوا عليه، فروي بعضهم أن السواد فتح صلحا.
وروي له بعضهم أن السواد فتح عنوه.
وروي له آخرون أن بعض السواد فتح صلحا، وبعضه فتح عنوه.
فلما اختلفوا عليه في النقل والرواية نظرا ثبت ما رووه من الأحاديث، وأصحها، فكان حديث جرير بن عبد الله البجلي.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة يعني: أبا أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد، فاستغلوه ثلاثا، أربع سنين شك الشافعي فقدمت علي عمر، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم قد سماها، ولم يحضرني ذكر اسمها، فقال عمر: "لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، ولكن أري أن تردوا علي الناس".
قال الشافعي: "وكان في حديثه وعافني من حقه نيفا وثمانين دينارا وفي الحديث: فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
وروي غير الشافعي فقالت أم كرز: لا أنزل عن حقي حتى تحملني علي ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا، ففعل ذلك بها، فكان ما أعطاها من العين ثمانين دينارا فمن ذهب إلي أن السواد فتح صلحا، فقد أشار الشافعي إليه في كتاب قسم الفئ واستدل بهذا الحديث من وجهين: أحدهما: أن عمر انتزعه من أيدي الغانمين حين علم بحصوله معهم، ولو كان عنوه لكان غنيمة لهم، ولم يجز انتزاعه منهم.
والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم علي ما قسم لكم، فدل علي أنه انتزعه منهم بحق لم يستجز تركه معهم، وهذا حكم الصلح دون العنوة.

الجزء: 13 - الصفحة: 311

وذهب الشافعي إلي أن فتح السواد عنوة، وهو الذي نص عليه في هذا الموضع المنقول عنه في أكثر كتبه.
والدليل عليه من هذا الحديث خمسه أوجه: أحدهما: أنه أقر السواد في أيدي الغانمين ثلاث سنين، أو ربع يستغلونه، ولم ينتزعه منهم، ولو لم يكن لهم فيه حق الغنيمة لم يستجز تركه عليهم هذه المدة.
والثاني: أنهم اقتسموه قسمة الغنائم حتى صار لبجيلة، وهم ربع الناس ربع السواد، وما اقتسموه إلا بأمر عمر، وعن علمه؛ لأنه من الأمور العامة، والفتوح العظيمة التي لا يستبد الجيش فيها بآرائهم إلا بمطالعته وأمره.
والثاني: أنهم لو تصرفوا فيه بغير حق لاسترد منهم ما استغلوه؛ لأنه يكون لكافة المسلمين دونهم.
والثالث: أنه عاوض من لم يطب نفسا بالنزول عن سهمه بعوض دفعه إليهم، جري عليه حكم الثمن حتى أعطي جريرا، وأم كرز ما أعطي، وهو لا يبذل من مال المسلمين إلا في حق.
والرابع: أنه استطاب نفوسهم عنه، ولو كانت أيديهم فيه بغير حق لأخذه منهم جبرا.
فدلت هذه الوجوه علي أنه كان عنوه مغنوما اقتداء في استطابه نفوسهم عنه برسول الله صلي الله عليه وسلم في سبي هوازن حين سألوه بعد إسلامهم المن عليهم، فخيرهم بين أموالهم وأهليهم، فاختاروا الأهل والأولاد، فمن عليهم، وعرف العرفاء عن استنزال الناس عنوا، وجعل لمن لم يطب نفسا بالنزول عن كل رأس من السبي ست قلائص حتى نزل جميعهم، إلا عيينة والأقرع إلي أن جدع عيينة، ونزل الأقرع، فلما استنزلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم للمن والتكريم كان استنزال عمر للغانمين في عموم المصالح للمسلمين أولي وأوكد، واختلف في السبب الذي استنزلهم عمر لأجله علي قولين: أحدهما: أنه رأي إن أقاموا فيه علي عمارته، واتغلاله، وألفوا ريف العراق، وخصبه تعطل الجهاد، وإن انهضم عنه مع بقائه على ملكهم خرب مع جلالة قدره، وكثرة استغلاله، فعلي أن الأصلح إقرار في أيدي الدهاقين والأكرة الذين هم بعمارته أعرف، وزراعته أقوم بخراج يضربه عليهم يعود نفعه علي المسلمين، ويتوفروا به علي جهاد المشركين.
والثاني: أنه فعل ذلك لنظره في المتعقب؛ لأنه جعل مصري العراق البصرة والكوفة وطنا للمجاهدين؛ ليحضوا بجهاد من بإزائهم من المشركين، ويستمدوا بسواد عراقهم في أرزاقهم، ونفقاتهم في جهادهم، وعلم أنه إن أقره علي ملكهم مع سعته، وكثرة ارتفاعه بقي من بعدهم لا يجدون ما يستمدونه، وقد قاموا مقامهم، وسدوا مسدهم فرأي أن الأعم في صلاح أهل كل عصر أن يكون وقفا عاما علي جميع المسلمين؛ ليكون لأهل

الجزء: 13 - الصفحة: 312

كل عصر فيه حظ يقوم بكفايتهم فاستنزلهم عن أصل ملكه، وأمدهم بارتفاعه، ليكون يأتي بعدهم فيه بمثابتهم.
وقد روي زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا أخشي أن يبقي آخر الناس لا شئ لهم لتركتكم، وما قسم لكم، لكن أحب أن يلحق آخرهم أولهم، وتلا قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر: 10].
فصل: فإذا ثبت أن فتح أرض السواد عنوة انتقل الكلام إلي فصلين: أحدهما: حكم أرض العنوة.
والثاني: ما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال.
فأما الفصل الأول في حكم كل أرض إذا فتحت عنوة، فقد اختلف فيه الفقهاء علي مذاهب شتي.
فذهب الشافعي إلي أنها تكون غنيمة كسائر الأموال، يخرج خمسها لأهل الخمس، وتقسم باقيها بين الغانمين كقسمة الأموال المنقولة إلا أن يري إمام العصر أن يستنزلهم عنه بطيب أنفسهم، أو بعوض يبذله لهم ليفضها علي كافة المسلمين، فيمضي وإلا فهي غنيمة مقسومة لعموم قول الله تعالي: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]، فدل علي أن ما سوي الخمس للغانمين، كما قال: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فدل علي أن ما سوي الثلث للأب.
وقال مالك والأوزاعي: الأرض غير مغنومة، وتصير بالفتح وقفا علي كافة المسلمين، لا يجوز لهم بيعها.
وقال أبو حنيفة: يكون الإمام فيها مخيرا بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها علي الغانمين كالذي قاله الشافعي وبين أن يقرها علي مالك أربابها، ويضرب عليهم جزيتين: إحداهما: علي رؤوسهم، والأخرى علي أرضهم.
فإذا أسلموا سقطت جزية رؤوسهم، وبقيت جزية أرضهم تؤخذ باسم الخراج، ويجوز لهم بيعها.
بين أن يقفها علي كافة المسلمين، فلا يجوز لهم بيعها.
وأما الفصل الثاني: فيما استقر عليه حكم أرض السواد بعد الاستنزال عنها: فالذي نص عليه الشافعي في سير الواقدي أن عمر وقفها علي كافة المسلمين، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث كسائر الوقوف، وقال فيه مثله من كتاب الرهن: إنه لو رهن أرضا من أرض الخراج كان الرهن باطلا ثم إن عمر بعد وقفها أجرها للدهاقين والأكره بالخراج الذي ضربه عليها يؤدية كل سنه أجره عن رقابها، فيكونوا أحق بالتصرف فيها لأصل

الجزء: 13 - الصفحة: 313

الإجازة، وإن لم تكن ملكا لهم وإذا مات أحدهم انتقل إلي وارثه يدا لا ملكا كالموروث، وبه قال أبو سعيد الإصظخري وأكثر البصريين، واختلف من قال بهذا فيما توجه الوقف إليه علي وجهين: أحدهما: إلي جميع الأرض من مزارع ومنازل.
والثاني: إلي المزارع دون المنازل، لأن وقف المنازل مفض إلي خرابها، فهذا قول من جعلها وقفا.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: لم يقفها، وإنما باعها علي أربابها بثمن يؤدي في كل سنة علي الأبد بالخراج المضروب عليها لينتفع بها الآخرون كما انتفع بها الأولون، ويكون الخراج ثمنا ويجوز أن تباع، وتوهب، وتورث، قالوا: إنما كانت مبيعه، ولم يكن وقفا لأمرين: أحدهما: أن عمر قصد بما فعله فيها حفظ عمارتها، ولو كانت وقفا لا يملكها المتصرف، ويري أنها ليست ملكا مبيعا موروثا لم يشرع أهلها في تأبيد عمارتها، وراعوا ما يتعجلون به استغلالها، فأفضي ذلك إلي خرابها، وزوال الغرض المقصود بها.
والثاني: انه لما يزل أهلها علي قديم الوقت وحديثه، يتبايعونها ويتوارثونها، ولا ينكره عليهم احد من أثمة الامصار، ولا يبطله أحد من القضاة والحكام، ولا يمتنع احد من العلماء من اعل الديات أن يتبايعوها، ويتوارثوها، دل علي انعقاد الإجماع علي خروجها ما أحكام الوقف إلي أحكام الأملاك.
قالوا: وإنما استجاز عمر بيعها بهذا الثمن المجهول المؤبد لأمرين: أحدهما: لوصولها من جهة المشركين المعفو عن الجهالة فيما صار منهم، كما بذل رسول الله صلي الله عليه وسلم في البدأة والرجعة، الثلث والربع في الغنيمة، وإن كان قدرها مجهولا، وكما يجوز أن يبذل لمن دل علي القلعة في بلاد الشرك جارية من أهلها، وإن جهلت.
والثاني: أن ما تعلق بالمالح العامة يخفف حكم الجهالة فيه، للجهالة بأحكام العموم.
وإطلاق هذين المذهبين في وقفها وبيعها عندي معلول، لأن ما فعله عمر فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون نقلا مرويا، وقولا محكيا عن عقد صريح يستوثق فيه بالكتاب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه، فلم يصح القطع بوفقها لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع ببيعها بالخراج المضروب عليها لأمرين: أحدهما: أن الخراج مخالف للأثمان بالجهالة، وأنه مقدر بالزراعة.
والثاني: أن مشتريها يدفع خراجها دون بائعها، فيصير دافعا لثمنين، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا علي أنه وقفها علي قسمة الغانمين، ووقف خراجا علي كافة المسلمين فيكون ملكها مطلقا لمن أقرت عليه استصحابا لقديم ملكهم، لما علم من عموم المصلحة فيه، ودوام الانتفاع به، فتصير مخالفاً للأرض

الجزء: 13 - الصفحة: 314

الصلح من وجهين، موافقة لها من وجهين.
فأما الوجهان من المخالفة، فأحدهما: أن أرض الصلح لا حق للغانمين في رقابها، فيمنعون منها جبرا، وأرض السواد كانت للغانمين، فاستنزلوا عنها عفوا، وعوض منهن من أبي.
والثاني: أن خراج أرض الصلح لأهل الفئ خاصة، وفيه الخمس لأهل الخمس وخراج أرض السواد لكافة المسلمين، ولا خمس فيه لأهل الخمس لأن الخمس أخرج عنه عند قسمته.
وأما الوجهان في الموافقة، فأحدهما: وضع الخراج علي رقابها.
والثاني: جواز بيعها.
فإن قيل: فقد روى عن فرقد السبخي أنه قال: اشتريت شيئا من أرض السواد، فأتيت عمر، فأخبرته بذلك، فقال: ممن اشتريتها؟ فقلت من أربابها، فقال هؤلاء أربابها يعني الصحابة، فدل علي أن بيعها لا يجوز.
فعنه جوابان: أحدهما: أنه أنكر البائع، ولم ينكر البيع.
والثاني: أنه محمول علي ما قبل استنزالهم عنها أن ابتياعها لا يجوز إلا من الغانمين.
فصل: فأما بيع العمارة واليد المتصرفة، فقد اختلف الفقهاء في جوازه.
فقال مالك: يجوز بيعها سواء كان فيها إثارة أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة: إن كان فيها إثارة جاز بيعها، وإن لم يكن فيها إثارة لم يحز بيعها.
وقال الشافعي: إن كان أعيان كالزرع والشجر جاز بيعها، وإن كانت آثارا كالأثارة، لم يجز بيعها، لأنها منافع، والبيع إنما يصح في الأعيان دون منافع كما أن الإجارة تصح في المنافع دون الأعيان لأن لكل واحد من العقدين حكمًا.
فصل: فأما قدر الخراج المطلوب علي الأرض السواد، فقد روى قتادة عن أبي مجلز أن عثمان بن جنيف جعل كل جريب من الكرم عشرة دراهم، وقيل علي كل جريب من النخل ثمانية دراهم، وعلي كل جريب من قصب السكر سته دراهم، وعلي كل جريب من الرطبة خمسة دراهم، وعلي كل جريب من البر أربعة دراهم، وعلي كل جريب من الشعير درهمين.
وحكي الشعبي أن عثمان بن جنيف مسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف

الجزء: 13 - الصفحة: 315

جريب، فوضع علي كل جريب درهما وقفيزا.
قال يحيي بن آدم وهو المختوم الحجابي: قيل إن ثمانية أرطال، فكان خراجها سوي البر والشعير متفقا علي قدره في الروايات كلها.
واختلف في خراج البر والشعير، فذهب أهل العراق إلي تقديره بقفيز ودرهم وهو المأخوذ منهم في الأيام العادلة من ممالك الفرس، وقد ذكره زهير في شعره فقال: فتغلل لكم ما تغل لأهلها ... قري بالعراق من قفيز ودرهم وذهب أبو حامد الإسفراييني، وطائفة من أصحاب الشافعي إلي خراج البر أربعة دراهم، وخراج الشعير درهمان، تعويلا علي رواية أبي مجلز.
وكلا القولين علي إطلاقه معلول عندي، لأن كل واحد منهما إسقاط للآخر، والصحيح أن كلا الروايتين صحيحتين، وإنما اختلفا لاختلاف النواحي، فوضع علي بعضها قفيز ودرهم، وعلي بعضها أربعة دراهم علي البر ودرهمان علي الشعير، فأخذ الدرهم والقفيز فما كان غالب زراعة برا او شعيرا، لأن ما قل من ناحيته غلا، وما كثر فيها رخص، فزيد من خراج المال ن ونقص من خراج الرخيص، والله أعلم.
فكانت ذراع عثمان بن حنيف في مساحته ذراع اليد وقبضة ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، وعشرين ألف ألف درهم وحياة زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف، وحياة عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف، وخمسة وثلاثين ألف ألف، وحياة الحجاج ثمانيه عشر ألف ألف، لغشمه وإخرابه، وحياة عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف، ثم بلغ في آخر أيامه مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، لعدله وعمارته.
فصل: ولا يسقط عشر الزروع بخراج الأرض، ويجمع بينهما الشافعي لأن الخراج إما أن يكون أجرة علي قوله، أو ثمنا علي قول من خالفه من أصحابه، والعشر يسقط بواحد منهما.
ومنع أبو حنيفة من الجمع بينهما، وأسقط العشر بالخراج، وقد تقدم الكلام معه في كتاب الزكاة.
فأما عشر زروعه فمصروف في أهل الصدقات كسائر الزكوات.
وخالف فيه أبو حنيفة، فجعل مصرف الغنيمة والفئ مشتركا، وقد مضي الكلام معه في كتاب قسم الصدقات.
وأما خراج السواد، فمصرفه في كل مصلحه عاد علي المسلمين نفعها من أرزاق الجيش وتحصين الثغور، وابتياع الكراع والسلاح، وبناء المساجد، والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة، ومن انتفع به المسلمون الفقهاء، والقراء، والمؤذنين.

الجزء: 13 - الصفحة: 316

فصل: ولا يجوز للإمام، ولا لوال من قبله يضمن العشر والخراج لأحد من العمال، فإن عقد علي واحد منهما ضمانا كان عقده باطلا لا يتعلق به في الشرع حكم، لأن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب، ويؤدي ما حصل لا يضمن نقصانا، ولا يملك زيادة، وضمان الأموال بمقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه، ويملك ما زاد، ويغرم ما نقص، وهذا مناف لوضع العمالة وحكم الأمانة فبطل.
حكي أن رجلا أتي ابن عباس يتقبل منه الأبلة بمائة درهم، فضربه مائة سوط، وصلبه حيا تعزيرا وأدبا.
ولا يجوز تضمين الأرض لأربابها في عشر ولا خراج، لأن العشر مستحق أن زرع، وساقط إلي قطع، والخراج مقدر علي المساحة لا يجوز أن يزاد فيه، ولا ينقص منه، وما هذه سبيله لا يصح تضمينه.
فأما إجارتها، فيصح أن يؤجرها أربابها، ولا يصح أن يؤجرها غيرها، لأن حق السلطان فيها قد سقط بخراجها.
فصل: فأما تفسير كلام الشافعي في أول باب، وهو قوله "لا أعرف ما أقوله في أرض السواد، إلا بظن مقرون إلى علم، فقد أنكر هذا الكلام على الشافعي من وجهين: أحدهما: قوله: لا أعرف ما أقول في ارض السواد، ما أحد بدأ في كتاب في علم بمثل هذا اللفظ، لأن من لم يعرف شيئا لم يجز أن يتعرض لإثبات حكمه.
والثاني: قوله: إلا بظن مقرون إلي علم، والظن شك والعلم يقين، وهما ضدان فكيف يصح الجمع بينهما، وهو ممتنع؟ قيل: أما قوله: لا أعرف ما أقول في أرض السواد، فلأن الطريق إلي العلم يفتحها النقل المروى، وقد اختلفت الرواية عنه، فروى بعضهم أنها فتحت صلحا، وروى بعضهم أنها فتحت عنوة، وروى آخرون أن بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة.
وهذا الاختلاف في النقل يمنع من الأخذ بأحدها إلا بدليل، فحسن أن يقول: لا أعرف إثبات أحدهما، وإن كنت أعرف نقل جميعها.
وأما قوله "إلا بظن القرون إلي علم"، فقد اختلف أصحابنا في مراده به علي ما هو محمول علي فتحها أو علي حكمها علي وجهين: أحدهما: أنه محمول علي فتحتها أنه عنوة لا صلحا، وهو المشهور من قوله.
والثاني: أنه محمول علي حكمها أنها وقف لا يجوز بيعها، وهو الظاهر من مذهبه.
فإن قيل: إن المراد فتحها، ففي تأويل قوله: "إلا بظن مقرون إلي علم" وجهان: أحدهما: أنه أراد بالظن هنا الاجتهاد الذي هو غلبة الظن وأراد بالعلم الخبر، لأن

الجزء: 13 - الصفحة: 317

جنس الأخبار قد يفضي إلي العلم، فكأنه توصل باجتهاده وغلبة ظنه إلي إثبات خبر جرير، وعلم من خبر جرير أنها فتحت عنوة.
والثاني: أن الاجتهاد ذو غلبة الظن هو فيما خفي واشتبه من سبب فتحها والعلم هو فيما ظهر وانتشر من قسمها، فاستدل بظاهر القسمة علي باطن العنوة.
وإن قيل: إن المراد به حكمها، لأنها وقف، ففي تأويل قوله: إلا بظن المقرون إلي علم وجهان: أحدهما: أن العلم ما فعله عمر من استنزالهم عنها، وغلبة الظن فيما حكم به من وقفها.
والثاني أن العلم وضع للخراج عليها، وغلبة الظن في المنع من بيعها، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "وأي أرض فتحت صلحا علي أن أرضها لأهلها يؤدون فيها خراجا فليس لأحد أخذها من أيديهم وما أخذ من خراجها فهو لأهل الفئ دون أهل الصدقات لأنه فئ من مال مشرك وإنما فرق بين هذه المسألة والمسألة قبلها أن ذلك وإن كان من مشرك فقد ملك المسلمون رقبة الأرض أفليس بحرام أن يأخذ منه صاحب صدقة ولا صاحب فئ ولا غني ولا فقير لأنه كالصدقة المؤقوفة يأخذها من وقفت عليه".
قال في الحاوي: اعلم أن ما استولي عليه من أرض بلاد الترك ينقسم علي خمسة أقسام: أحدهما: ما فتحوه عنوة، واستولوا عليه قهرا ن فهي ملك للغانمين تقسم بينهم قسمة الأموال بعد أخذ خمسها لأهل الخمس، وللغانمين أن يتصرفوا فيما قسم لهم تصرف المالكين بالبيع والرهن والهبة، إن خالف فيها مالك وأبو حنيفة خلافا قدمناه، وتكون أرض عشر لا خراج عليها إلا أن يستنزلهم الإمام عنها كالذي فعله عمر فيكون حكرا علي ما قدمناه في أرض السواد.
والثاني: ما أسلم عليه أهله، فقد صارت تلك الأرض بإسلام أهلها دار الإسلام وأرضها معشورة ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير فيها بين أن يجعلها عشرا أو خراجا فإن جعلها لم يجز أن ينقلها إلي العشر،،وإن جعلها عشرا جاز أن ينقلها إلي الخراج، وهذا فاسد من وجهين: نص وتعليل:

الجزء: 13 - الصفحة: 318

أحدهما: أن أهل الطائف أسلموا، فأقرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أملاكهم في أرضهم، فكانت أرض عشر لم يضرب عليها خراجا.
والثاني أن الخراج أحد الجزيتين، فلم يجز أن يؤخذ من مسلم كالجزيه علي الرؤوس.
والثالث: ما جلا عنه أهله من البلاد خوفا حتى استولي عليه المسلمون، فأرضهم في مخموس توقف رقابها، ويصرف ارتفاعها مصرف الفئ، فإن ضرب الإمام عليها خراجا جاز، وكان الخراج أجرة يصرف مصرف الفئ، في أحد القولين بعد الخمس مصروفا إلي الجيش خاصة، وفي القول الثاني في جميع المصالح التي منع أرزاق الجيش، وفيما يصير به وفقا وجهان: أحدهما: يصير وفقا بالاستيلاء عليها، ولا يراعي فيها لفظ الإمام بوقفها.
والثاني: لا تصير وقفا إلا أن يتلفظ الإمام بوقفها.
والرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم علي أن يكون ملكا للمسلمين بخراج يؤديه أهلها إلي الإمام، فهذه الأرض في ذلك الاستيلاء عليها بغير إيجاف خيل ولا ركاب وتصير وقفا علي ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: بأن يتلفظ الإمام أو من استنابة فيها بوقفها، وتصير الأرض من بلاد الإسلام ولا يجوز بيعها كسائر الوقوف، ولا يقر فيها أهلها من المشركين إلا بالجزية المؤداة عن رؤوسهم جزيتهم بخراج أرضهم، لأن خراجها أجرة لا جزية.
فإن انتقلت إلي يد مسلم لم يسقط عنه خراجها، وكذلك لو أسلم أهلها.
والخامس: وهو مسألة الكتاب أن يصالحوا علي الأرضين لهم بخراج يؤدونه عنها، فيجوز ويكون هذا الخراج جزية، والأملاك طلق يجوز بيعها، وينظر في بلادها، فإن لم يستوطنها المسلمون، فهي دار عهد، وليست دار الإسلام، ولا دار حرب، ويجوز أن يقر أهلها بالخارج من غير جزية رؤوسهم ولا يجري عليها من أحكامنا إلا ما يجري علي المعاهدين دون أهل الذمة والمسلمين، وإن استوطنها المسلمون بالاستيلاء عليها صارت دار إسلام، وصار المشركون فيها أهل ذمة يجب عليهم جزية أرضهم وحدها جاز إذا بلغ ما يؤخذ من كل واحد من أهلها دينارا فصاعدا.
وقال أبو حنيفة: يجب أن يجمع عليهم بين جزية رؤوسهم وجزية أرضهم، ولا يجوز الاقتصار علي جزية الأرض وحدها، وهذا فساد، لأن الجزية واحدة لا يجوز مضاعفتها علي ذي مال ولا غيره كسائر أهل الذمة، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم وجزية أرضهم.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط عنهم جزية أرضهم بالإسلام احتجاجا لا خراج عن أرض، فلم يسقط بالإسلام كالخراج علي سواد العراق.
ودليلنا: ما روى النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 319

لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" ولأنه مال حقنت به دماؤهم فوجب أن يسقط بإسلامهم كالجزية علي الرؤوس.
فأما خراج أرض السواد فليس بجزية وهو أجرة أحد الوجهين، وثمن في الوجه الثاني علي ما قدمناه من اختلاف أصحابنا فيه، فافترقا، وهكذا لو باعوا أرضهم علي مسلم سقط خراجها عنه كما يسقط عنه بإسلامهم.
مسألة: قال الشافعي: "ولا بأس أن يكتري المسلم من أرض الصلح كما يكتري دوابهم والحديث الذي جاز عن النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك يدخل المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية وهذا كراء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: "إذا كانت أرض الصلح ملكا للمشركين، وعليها خراج للمسلمين جاز للمسلم أن يستأجرها، ولا يكره له ذلك، وكرهه الإسلام لقول النبي صلي الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام".
ودليلنا علي إباحته وعدم كراهته: ما روى أن الحسن بن علي عليهما السلام استأجر قطعة كبيرة من أرض الخراج، وكذلك روى ابن مسعود ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وليس يعرف لهم مخالف، ولأنه لما يكره أن يستأجر منهم غير الأرضين من الدواب والآلات لم يكره أن يستأجر منهم الأرضين.
فأما الخبر فلا دليل فيه، لأن الخراج يؤخذ من مؤجرها، والأجرة تؤخذ من مستأجرها، فإن شروط الخراج علي مستأجرها صح إن كان معلوما، وكان أجرة في حق المستأجر وخراجا في حق المؤجر.
فصل: فإن باع المشرك أرضه هذه علي مشرك صح، كان خراجها باقيا، وإن باعها علي مسلم صح البيع، وسقط الخراج بانتقالها إلي ملك المسلم كما لو كان مالكها من المشركين قد أسلم.
وقال: بيعها علي مسلم باطل، لأنه مفض إلي سقوطه ما استحقه المسلمون عليها من الخراج، وهذا باطل لقول الله تعالي ﴿وَأَحَلَّ الله اُلْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. ولأن كل ما صح بيعه من مشرك كسائر الأموال، ولأن المسلم لو باع أرضه علي مسلم صح، إن أفضي إلي إسقاط العشر، فلأن يجوز بيع أرض المشرك علي المسلم وإن أفضي إلي إسقاط الخراج أولي، وفيه انفصال، فإذا ثبت خراجها علي أهل الصلح، فإن بذلوه وإلا نبذ إليهم عهده، وهذا خطأ من وجهين:

الجزء: 13 - الصفحة: 320

أحدهما: أن المستحق عليهم خارج أملاكهم، فلم يجز أن يؤخذ منهم خراج ما خرج عن أملاكهم.
والثاني: أنه لما كان سقوط خراجها بإسلام مالكها لا يقتضي الرجوع عليها بخراجها كان بإسلام غيره أولى، والله أعلم.

باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء

قال الشافعي - رحمه الله -: " وإذا أسر المسلم فأحلفه المشركون على أن لا يخرج من بلادهم إلا أن يخلوه فله أن يخرج لا يسعه أن يقيم ويمينه يمين مكره ". قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة هجرة من أسلم من أهل الحرب، فلا يخلو أن يكون فيها ممتنعًا أو مستضعفًا، فإن كان فيها مستضعفًا لا يأمن أهلها على نفسه وأهله وماله، وجب عليه إذا قدر على الهجرة أن يهاجر منها إلى دار الإسلام لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَائِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].
فدل على وجوب الهجرةً، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل: ولم يا رسول الله، قال: لا تراءا ناراهما".
يعني تنظر ناره إلى ناره فيكثر سواد المشركين.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من كثر سواد قوم فهو منهم"، ولأنه لا يأمن أن يفتن عن دينه أو تسبى الدار فيسترق ولده، فإن عجز عن الهجرةً لضعفه كان معذورًا في التأخر عن الهجرة حتى يقدر عليها، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: 98، 99]. فأما إذا كان المسلم في دار الحرب ممتنعًا في أهل وعشيرة، فإن لم يأمن الافتتان عن دينه كان فرض الهجرة باقيًا عليه.
وإن أمن الافتتان في دينه سقط فرض الهجرة عنه لاختصاص وجوبها نصًا بالمستضعفين وكان مقامه بينهم مكروهًا؛ لأن المقام على مشاهدة المنكرات منكر، والإقرار على الباطل معصية؛ لأنها تبعث على الرضا، وتفضي إلى الولاء.
قال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51].

الجزء: 13 - الصفحة: 321

فصل: فإذا ثبت حكم الهجرة فيمن أسلم من أهل الحرب، فصورة هذه المسألة في المسلم إذا أسره أهل الحرب، فالأسير مستضعف تكون الهجرة عليه إذا قدر عليها فرضًا، ويجوز له أن يغتالهم في نفوسهم وأموالهم، ويقاتلهم إن أدركوه هاربًا، فإن أطلقوه وأحلفوه أن يقيم بينهم، ولا يخرج عنهم وجب عليه الخروج عنهم مهاجرًا، ولم تمنعه اليمين من الخروج المفروض، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
فأما حنثه في يمينه إذا خرج يمين الأسير، فمعتبر بحال إحلافه، وله فيها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يبدءوا به، فيحلفوه في حبسه قبل إطلاقه أنهم إذا أطلقوه لم يخرج عنهم، فهذه يمين مكره لا يلزمه الحنث فيها.
والثانية: أن يطلقوه على غير يمين، فيحلف لهم بعد إطلاقه أنه لا يخرج عنهم فهذه يمين مختار يحنث فيها إذا خرج، وكان التزامه للحنث مستحقًا.
والثالثة: أن يبتدئ قبل إطلاقه، فيتبرع باليمين، أنهم إن أطلقوه لم يخرج عنهم.
ففي يمينه وجهان: أحدهما: أنها يمين إكراه لا يحنث فيها لأنه لم يقدر على الخروج من الحبس إلا بها كما لو أحلفوه محبوسًا.
مسألة: قال الشافعي: "وليس له أن يغتالهم في أموالهم وأنفسهم لأنهم إذا أمنوه فهم في أمان منه ولو حلف وهو مطلق كفر".
قال في الحاوي: اعلم أن للأسير إذا أطلق في دار الحرب أربعة أحوال: أحدها: أن يؤمنوه ويستأمنوه، فيحرم عليه بعد استئمانهم له أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
إلا أن ينقضوا أمانهم له، فينتقض به أمانه لهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58].
ولو استرقوه بعد أمانهم كان الاسترقاق نقضًا لأمانهم واستئمانهم.
والثانية: أن لا يؤمنوه ولا يستأمنوه، فلا يكون الإطلاق استئمانًا كما لم يكن أمانًا، ويجوز أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، ولو أطلقوه بعد أن استرقوه لم يكن الاسترقاق أمانا فيهم ولا أمانا لهم.
الثالثة: أن يستأمنوه، ولا يؤمنوه، فينظر، فإن كان لا يخافهم إما لقدرته على الخروج، وإما لثقته بكفهم عنه، فهم على أمانهم منه لا يجوز أن يغتالهم في نفس ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 322

مال، وإن لم يأمنهم فلا أمان لهم، ويجوز له اغتيالهم، لقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58].
والرابعة: أن يؤمنوه ولا يستأمنوه، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا أمان لهم منه، وإن عقدوا له أمانا منهم: لأن تركهم لاستئمانه قلة رغبة في أمانه.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وقول جمهور أصحابه، إنه قد صار لهم بأمانهم له أمان منه، وإن لم يستأمنوه، لما يوجبه عقد الأمان من التكافؤ فيه.
مسألة: قال الشافعي: "ولو خلوه على فداء إلى وقت فإن لم يفعل عاد إلى أسرهم فلا يعود ولا يدعه الإمام أن يعود ولو امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطهموه فلا يعطيهم منه شيئًا لأنه مال أكرهوه على دفعه بغير حق".
قال في الحاوي: إذا أطلق أهل الحرب أسيرًا على اشتراط فداء يحمله إليهم، فإن حمله، وإلا عاد إليهم، لم يجب عليه حمل الفداء، ولا العود إليهم، ويكون الشرطان باطلين.
وقال الزهري، والأوزاعي: الشرطان واجبان، فيؤخذ بحمل المال إليهم، فإن حمله، وإلا أخذ بالعود إليهم.
وقال أبو هريرة والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري: اشتراط الفداء لازم، واشتراط العود باطل.
واحتجوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عقد صلح الحديبية مع قريش على أنه يرد إليهم من جاء مسلمًا منهم، فجاءه أبو جندل بن سهل بن عمرو مسلمًا، فرده إلى أبيه، وجاءه أبو بصير مسلمًا، فرده إليهم مع رسول لهم، فقتل الرسول، وعاد فقال: يا رسول الله قد وفيت لهم، ونجاني الله منهم، فلم ينكره عليه.
ودليلنا: ما روي أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد صلح الحديبية مسلمةً، وجاء أخواها في طلبها، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن ردها إليهم، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 15].
ولأن المعاوضة عن رقبة الحر لا تصح، فبطل الفداء، وسقط المال.
والهجرة من دار الحرب واجبةً، والعود إليها معصيةً، فلم يجز العود.
فأما حديث أبي جندل، وأبي بصير، فهو منسوخ بحديث أم كلثوم، وعلى أنهما كانا ذوي عشرة طلبا رغبة فيهما، وإشفاقا عليهما، فخالفا من عداهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 323

فصل: فإذا ثبت سقوط الفداء، وتحريم العود، فالوفاء لهم بالفداء مستحب، وإن لم يجب، ليكون ذريعةً إلى إطلاق الأسرى.
والوفاء بالعود محظور، لا يجب، ولا يستحب لما فيه من الخوف على نفسه ودينه.
فإن افتدى نفسه بماله ساقه إليهم، ثم غنمه المسلمون منهم نظر، فإن كان بذله لهم مبتدئًا كان ذلك المال مغنومًا، وإن شرطوه على إطلاقه، كان ذلك الحال باقيًا على ملكه، ويكون أحق من الغانمين به.
وهكذا إذا افتدى الإمام أسرى في دار الحرب بماله ساقه إليهم من بيت المال، ثم غنم ذلك المال منهم، لم يملكه الغانمون عنهم؛ لأنه مال المسلمين صار إليهم بغير حق، فوجب أن يعود إلى حقه في بيت المال.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أعطاهموه على شيء أخذه منهم لم يحل له إلا أداؤه إليهم إنما أطرح عنه ما استكره عليه".
قال في الحاوي: إذا ابتاع الأسير من أهل الحرب مالًا بثمن أطلقوه عليه، ليحمله إليهم من بلاد الإسلام، لم يخل ابتياعه من أن يكون عن مراضاةً أو إكراه.
فإن كان عن مراضاةً لزمه الوفاء به، وحمل الثمن إليهم: لأن العقود في دار الحرب لازمةً، كلزومها في دار الإسلام، ولذلك كان تحريم الربا في الدارين سواء، وإن كان عن إكراه فعقد المكره باطل، ويجب عليه رد المال: لأنه قبضه عند استئمان، وفيما يلزمه من رده وجهان: أحدهما: يلزمه رد ما ابتاعه لفساد العقد، وضمانه الرد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة - أنه يكون مخيرًا بين رد ما ابتاعه منهم: لأنه عين مالهم، وبين دفع ثمنه: لأنهم قد امتنعوا به، فلو تلف منه ما ابتاعه نظر في تلفه.
فإن كان بفعله، فعليه ضمانه، وإن تلف بغير فعله اعتبر حال قبضه منهم، فإن كان باختياره وجب عليه ضمانه، وإن كان مكرها عليه لم يضمنه.
وفي ضمانه إذا لزم ما قدمناه من الوجهين: أحدهما: قيمته إذا قيل: إن الواجب رد عينه.
والثاني: يكون مخيرًا بين القيمة والثمن إذا قيل مع بقائه: إنه مخير فيهما.
مسألة: قال الشافعي: "وإذا قدم ليقتل لم يجز له من ماله إلا الثلث".

الجزء: 13 - الصفحة: 324

قال في الحاوي: أما الأسير في دار الحرب، ومن وجب عليه من المسلمين القصاص في النفس، إذا وهبا مالًا وأعطيا عطايا لم يخل حالها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون هباتهما وعطاياهما قبل تقديمهما للقتل والقصاص، فيكون ذلك من رءوس أموالهم دون الثلث: لأن السلامة عليها في هذه الحال أغلب من الخوف.
والثاني: أن تكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، ووقوع الجرح بهما، وإنها ردمهما، فيكون من الثلث لا من رأس المال؛ لأن الخوف عليهما بعد الجرح أغلب، والسلامة فيها نادرةً، فأجرى عليهما في الحياة حكم الوصايا بعد الموت، لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]. فأجرى عليهما عند حضور أسباب الموت حكم الموت.
والثالث: أن يكون عطاياهما بعد تقديمهما للقتل والقصاص، وقبل وقوع الجرح بهما، فقد قال الشافعي في الأسير: تكون عطاياه من الثلث، فجعل الخوف عليه أغلب، وقال في المقتص منه: تكون عطاياه من رأس المال دون الثلث، فجعل السلامة عليه أغلب، فخالف بينهما في الجواز مع اتفاقهما في الصورة.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: - وهو قول أبي إسحاق المروزي - إن جمع بين المسألتين وجمع اختلاف الجوابين وخرجهما على قولين: أحدهما: تكون عطاياهما من الثلث على ما نص عليه في الأسير: لأن الخوف عليهما أرجى من الخوف على المريض.
والقول الثاني: تكون عطاياهما من رأس المال على ما نص عليه في المقتص منه بخلاف المريض ما لم يقع به جرح؛ لأن سبب الموت حال في بدن المريض، وليس بحال في بدن الأسير والمقتص منه، فهذا وجه.
والثاني: أن الجواب على ظاهره فيهما، فتكون عطايا الأسير من الثلث، وعطايا المقتص منه من رأس المال، ويكون الأسير أخوف حالًا منه: لأنه مع أعدائه في الدين يرون قتله تدينا وقربة، والمقتص منه مع موافقين فيه وصفهم الله بالرأفة والرحمة، وندبهم إلى العفو مع المقدرة.
والثالث: أن تغلب شواهد الحال فيهما، فإن شوهد من المشركين في الأسير رقةً ولين كانت عطاياه من رأس المال، وإن لم يشاهد ذلك كانت من الثلث.
وإن شوهد من أولياء القصاص غلظة وحنق، كانت عطاياه من الثلث، وإن لم يشاهد ذلك كانت من رأس المال، وهذا محكي عن أبي العباس بن سريج، وقد ذكرنا في كتاب الوصايا من التفريع على هذه المسألة، فيمن وجب عليه القتل في الحرابة، والرجم في الزنا، والحامل إذا ضربها الطلق، وراكب البحر إذا اشتد به الريح، والملتحم في القتال بين الصفين ما أغنى عن الإعادة، وبالله التوفيق.

الجزء: 13 - الصفحة: 325

باب إظهار دين النبي على الأديان كلها من

كتاب الجزية

قال الشافعي: - رحمه الله تعالى -: قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9] وروي مسندًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، وقال: ولما أتى كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى مزقه فقال - صلى الله عليه وسلم-: يمزق ملكه قال: وحفظنا أن قيصر أكرم كتابه ووضعه في مسك فقال - صلى الله عليه وسلم- يثبت ملكه (قال الشافعي) - رحمه الله -: ووعد رسول الله الناس فتح فارس والشام، فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- ففتح بعضها وتم فتحها في زمن عمر، وفتح عمر - رضي الله عنه - العراق وفارس، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: فقد أظهر الله دين نبيه - صلى الله عليه وسلم- على سائر الأديان بأن أبان لكل من تبعه أنه الحق وما خالفه من الأديان فباطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين فقهر النبي - صلى الله عليه وسلم- الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه - صلى الله عليه وسلم- قال: فهذا ظهوره على الدين كله، قال: ويقال ويظهر دينه على سائر الأديان حتى لا يدان لله إلا به، وذلك متى شاء الله قال: وكانت قريش تنتاب الشام انتيابًا كثيرًا، وكان كثير من معاشهم منه، وتأتي العراق، فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم- خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال - صلى الله عليه وسلم-: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم - عليه الصلاة والسلام - على نحو ما قالوا وكان كما قال - عليه السلام - وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر ومن قام بعده بالشام، وقال في قيصر: يثبت ملكه، فثبت له ملكه ببلاد الروم، وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضًا ". قال في الحاوي: وهذا الباب أورده الشافعي، وليس من الفقه، ليوضح به صدق الله تعالى في وعده، وصدق رسوله في خبره، ليرد به على من ارتاب بهما، فصار تاليا للسير.
فأما كتاب الله تعالى، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
أما قوله: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ تفسيرها ففيه ثلاث تأويلات: أحدها: أن الهدى هو دين الحق، وإنما جمع بينهما لتغاير لفظيهما، ليكون كل

الجزء: 13 - الصفحة: 326

واحد منهما تفسيرًا للآخر.
والثاني: معناه أنه أرسله بالهدى إلى دين الحق؛ لأن الرسول هادٍ والقرآن هدايةً، والمأمور به هو دين الحق.
والثالث: أن الهدى هو الدليل، ودين الحق هو المدلول عليه.
وأما قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
فقد دفعه المتشككون في أديانهم، وقالوا: قد بقيت أطراف الأرض من الروم، والترك، والهند، والزنج، وغيرهم من الأمم القاصيةً، ما أظهر دينه على أديانهم، فلم يصح هذا الموعد.
والجواب عن هذا القدح: أن أهل التأويل قد اختلفوا في هاء الكناية التي في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] إلى ماذا تعود؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعود إلى الهدى.
والثاني: أنها تعود إلى دين الحق وحده.
والثالث: أنها تعود إليهما، وهو الأظهر.
فأما الهدى ففي معنى إظهاره ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إظهار دلائله، وحججه، وقد حقق الله فعل ذلك، فإن حجج الإسلام أظهر ودلائله أقهر.
والثاني: أنه إظهار رسوله الله وقد حقق الله تعالى ذلك، فإنه ما حارب قومًا إلا انتصف منهم، وظهر عليهم.
والثالث: أنه بقاء إعجازه ما بقي الدهر، فإن معجزة القرآن باقيةً على مرور الأعصار، ومعجزة موسى فلق البحر، وعيسى في إحياء الموتى، منقطع لم يبق.
وأما الدين، ففي إظهاره على الدين كله ثلاثة أوجه: أحدها: أن إظهاره هو انتشار ذكره في العالمين، ومعرفة الخلق به أجمعين، وهذا موجود؛ لأنه لم يبق في أقطار الأرض أمة إلا وقد علمت بدين الإسلام، ودعوة محمد - صلى الله عليه وسلم- إليه، وهو بالحجاز، وهو أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
والثاني: أن إظهاره هو علوه على الأديان كلها، فهو طالب وغيره مطلوب، وقاهر وغيره مقهور، وغانم وغيره مغنوم، وزائد وغيره منقوص، وهذا ظاهر موجود، قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "الإسلام يعلو ولا يعلى، ويزيد ولا ينقص".
والثالث: أن إظهاره على الأديان كلها سيكون عند ظهور عيسى ابن مريم ونزوله من السماء حتى لا يعبد الله تعالى بغيره من الأديان كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، [النساء: 159]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي

الجزء: 13 - الصفحة: 327

ما زوي لي منها، ومعنى زويت: أي جمعت.
فصل: وأما السنة، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- خبران: أحدهما: رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله".
والثاني: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، فلما وصل كتابه إليه مزقه، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: "تمزق ملكه".
وكتب إلى قيصر كتابًا إلى الإسلام، لما وصل كتابه إليه قبله، وأكرمه، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: "ثبت ملكه".
والأكاسرة هم ملوك الفرس، ودينهم المجوسية، والقياصرة هم ملوك الروم، ودينهم النصرانية.
فكان الخبران في الأكاسرة متفقين، وقد وجد الخبر فيهما على مخبره: لأنه قال في الخبر الأول: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وقال في الخبر الثاني: تمزق ملكه، وكان ظاهر الخبرين في القياصرة مختلفًا، والمخبر فيهما متنافيًا لأنه قال في الأول: وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال في الثاني: ثبت ملكه، وهذا متناف، وقد نرى ملك الروم ثابتًا فكان ثباته موافقا للخبر الثاني منافيًا للخبر الأول، فعنه جوابان يمنعان من التنافي: أحدهما: أن معنى قوله: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" يعني به زوال هذا الاسم عن ملوكهم، وكان اسمًا لكل ملك منهم، فلما هلك قيصر لم يتسم به أحد من ملوكهم، وثبت ملكه الآن في بلادهم.
والثاني: أن لهذا الحديث سببًا، وهو أن قريشا كانت تنتاب اليمن في الشتاء، والشام والعراق في الصيف، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، [قريش: 2].
فلما أسلموا وبلاد الرحلتين على شركهم شكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لانقطاع الرحلتين عنهم بالشام والعراق فقال - صلى الله عليه وسلم- ما طيب به نفوسهم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، يعني بالعراق، فهلك، فلم يبق بالعراق ولا بغيرها من البلاد، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده يعني بالشام، فهلك، ولم يبق لهم ملك بالشام، وإن بقي في غيرها في بلاد الروم، فصدق خبره، وصح موعده، وبالله التوفيق.
فصل: يشتمل على فروع من كتاب الأسارى والغلول

الجزء: 13 - الصفحة: 328

وإذا سبى الحربي جاريةً لمسلم، فأولدها في دار الحرب أولًا ثم غنمها المسلمون لم يملكوها، وكان مالكها من المسلمين أحق بها وبأولادها.
ولو أسلم الحربي وهي معه وأولادها لم يملكها: لأنها ملك لمسلم غلب عليها بغير حق.
فأما قيمة أولادها، ومهر مثلها، فمعتبر بحال إيلاده لها، فإن كان قبل إسلامه، فلا قيمة عليه لأولادها، ولا مهر لها عليه: لأن ذلك استهلاك منه في حال كفره، وما استهلكه الحربي على المسلمين هدر.
وإن أولدها بعد إسلامه كان عليه قيمة أولادها، ومهر مثلها؛ لأنه أولدها بشبهة ملك، فلحقوا به، وعتقوا عليه، وهو مسلم، فلا ينهدر ما استهلكه كالمسلم.
فرع: ولو دخل مسلم دار الحرب، فدفع إليه أهلها مالا ليشتري لهم به متاعا من بلاد الإسلام، فللمال أمان إذا دخل به المسلم، وإن لم يكن لمالكه أمان؛ لأن استئمانهم له أمان منه، ولو خرج بالمال ذمي كان أمانه فاسدًا، فإن علم مالكه من أهل الحرب فساد أمانه كان المال مغنومًا، وإن لم يعلم فساد أمانه كان محروسا عليه حتى يصل إليه، وحال الصبي والمجنون إذا أمن أحدهما حربيًا كان الأمان فاسدًا، وكان مستأمن الصبي والمجنون محقون الدم، حتى يعود إلى مأمنه إن لم يعلم بفساد الأمان، فإن علم به كان مباح الدم، وخرج الربيع استئمان الذمي على المال على قولين، وهو خطأ منه، وحمله على هذا التفصيل أصح.
فرع: ولو أسلم عبد لحربي في دار الحرب، وخرج إلينا عتق، ولو أقام في دار الحرب كان على رقه، فإن سبي العبد ملكه الغانمون؛ لأنه وإن كان مسلمًا فهو عبد لحربي.
والفرق بين أن يعتق إذا خرج إلى دار الإسلام أو لا يعتق إن أقام في دار الحرب أنه إذا خرج، فقد قهر سيده على نفسه فعتق، وإذا أقام لم يقهره عليها فرق، ألا ترى أن العبد لو أسلم، وغلب على سيده الحربي وأولاده، وأزواجه، ودخل دار الإسلام عتق، وصاروا له رقيقا.
فرع: وإذا دخل الحربي دار الإسلام، واشترى عبدا مسلمًا، ودخل به دار الحرب، فسبي العبد، فهل يملكه غانموه أم لا؟ على قولين على اختلاف قولي الشافعي في صحة ابتياع الكافر للعبد المسلم، فإن قيل بصحة ملكه، ملكه الغانمون، وإن قيل بفساده لم يملكوه، وكان باقيًا على ملك سيده المسلم.
فرع: وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان لم يكن له أن يستكمل مقام حول إلا ببذل

الجزء: 13 - الصفحة: 329

الجزية، وإن شرط الإمام عليه عند دخوله أنه إن أقام حولًا أخذت منه الجزية، فأقام حولا وجبت عليه الجزية، ولو شرط عليه أنه إن أقام حولا جعل نفسه من أهل الذمة، فاستكمل حولا لم يصر من أهل الذمة إلا باختياره.
والفرق بين المسألتين: أن الشرط في الأولى للإمام فالتزمه الحربي بغير اختياره، وفي الثانية للذمي فلم يلزمه إلا باختياره.
وسوى أبو حنيفة بينهما في اللزوم، والفرق يمنع من استوائهما.
فرع: وإذا غزا صبيان لا بالغ فيهم أو نساء لا رجل بينهن أو عبيد لا حر معهم، وغنموا أخذ الإمام خمس غنيمتهم، وفي أربعة أخماسها وجهان أشار إليهما ابن أبي هريرة: أحدهما: أن يقسم جميعه بينهم باسم الرضخ، وإن كان في حكم السهام، وليسوي بينهم فيه كأهل السهام.
والثاني: أنه يحبس بعضه عنهم بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه، لئلا يساووا فيه أهل السهام، وتقسم الباقي بينهم بحسب ما يراه من مساواة وتفضيل.
فصل: وإذا حاصر الإمام بلدا أو قلعة في دار الحرب، ثم صالحهم على تحكيم رجل من المسلمين، ليحكم فيهم بما يؤديه اجتهاده إليه إذا كان من أهل الاجتهاد مستوفيا لشروط الحكام، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، والعلم.
فإذا استكمل هذه الشروط السبعة صح أن يحكم فيهم برأيه كما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل، ومن لم تجر عليه استرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "هذا حكم الله من فوق سبع أرقعة، وهي سبع سماوات"، وإن أخل بشرط منها فقد شرط من شروط الحاكم الذي ينزل على حكمه لم يجز أن يحكم فيهم، فإن كان هذا المحكم فيهم أعمى جاز تحكيمه، وإن كان لا يجوز أن يكون حاكمًا في عموم الأحكام؛ لأنه يحكم بما اشتهرت فيه أحوالهم، وتظاهرت به أخبارهم، فاستوي فيها الأعمى والبصير، كما يستويان في الشهادة بما تعلق باستفاضة الأخبار، فإن صلحوا على تحكيم غير معين، ليقع الاختيار له، أو التعيين عليه من بعد لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون موقوفًا على اختيار المسلمين له، فيصح.
والثاني: أن يكون موقوفًا على اختيار المشركين له، فلا يصح.
والثالث: أن يكون موقوفًا على اختيار المسلمين والمشركين، فيصح؛ لأن بني قريظة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تحكيم سعد بن معاذ فأجابهم إليه، فإن اتفق المسلمون والمشركون على اختياره انعقد تحكيمه ونفذ فيهم حكمه، وإن اختلفوا لم ينعقد تحكيمه،

الجزء: 13 - الصفحة: 330

وأعيدوا إلى مأمنهم حتى يستأنفوا اختيارًا أو صلحًا، فإن صولحوا على تحكيم أسير في أيديهم نظر.
فإن كان في وقت اختياره للتحكيم أسيرًا لم يصح تحكيمه؛ لأنه مقهور لا ينفذ حكمه، وإن كان قد أطلق قبل تحكيمه كرهناه حذرًا للممايلة وصح تحكيمه لأن دينه يمنعه من المقابلة، وهكذا لو عقد التحكيم على رجل منهم قد أسلم قبل التحكيم جاز وإن كره.
وإذا انعقد الصلح على تحكيم رجلين جاز؛ لأن اجتهادهما أقوى ونفذ حكمهما إن اتفقا عليه، ولم ينفذ إن اختلفا فيه، وإذا مات الحكم قبل حكمه، أو استعفي واعتزل أعيدوا إلى مأمنهم حتى يستأنفوا صلحا على تحكيم غيره.
فإذا تقررت هذه الجملة وانعقد التحكيم على رجل بعينه اجتهد رأيه في الأصلح للمسلمين دون المشركين لعلو الإسلام على الشرك، فإن أداه اجتهاده إلى قتل رجالهم، وسبي ذراريهم جاز ولزمهم حكمه كالذي حكم له سعد في بني قريظة، فإن رأى الإمام بعد ذلك المن على من حكم بقتله من رجالهم جاز، وإن رأى المن على من حكم بسبيه من ذراريهم نظر.
فإن كان بعد استرقاقهم لم يجز إلا بمراضاة الغانمين كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سبي هوازن حين من، وإن كان قبل استرقاقهم جاز؛ لأن سعدا لما حكم في بني قريظة بالقتل والسبي، جاء ثابت الأنصاري، فقال: يا رسول الله، إن الزبير بن باطأ اليهودي عندي، وقد سأل أن نهب له دمه وماله، ففعل ووهب له دمه وماله.
وإن رأى الإمام أن يسترق رجالهم أو يأخذ فداهم لم يجز إلا عن مراضاتهم؛ لأنه نقض حكم نفذ بالاستئناف لحكم مجدد، ولو كان المحكم فيهم قد حكم بالمن على رجالهم وذراريهم نفذ حكمه إذا أداه اجتهاده إليه، ولم يجز للإمام أن يفسخ حكمه عليه، وإن حكم عليه بالفداء لم يلزمهم حكمه إن كان المال غير مقدور عليه؛ لأنه عقد معاوضةً لا يلزم إلا عن مراضاةً، ولزمهم حكمه إن كان المال مقدورًا عليه؛ لأنه حكم منه بغنيمة ذلك المال، فنفذ حكمه به، وإن حكم باسترقاقهم صاروا بحكمه رقيقًا ولم يجز للإمام أن يمن عليهم إلا باستطابة نفوس الغانمين، وإن حكم عليهم بالجزية وأن يكونوا أهل ذمة لم يلزمهم حكمه بذلك؛ لأنها عقد معاوضةً لا يصح إلا عن مراضاةً، ولو حكم بقتلهم، فأسلموا سقط القتل عنهم، ولم يجز استرقاقهم، ولو حكم استرقاقهم، فأسلموا لم يسقط استرقاقهم؛ لأنه يجوز استرقاقهم بعد إسلامهم، ولا يجوز قتلهم بعد إسلامهم وبالله التوفيق.

الجزء: 13 - الصفحة: 331

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل