كتاب الضمان
قال: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72]، وهذا كما قال: لا خلاف بين المسلمين في جواز الضمان، وإنما أورد المزني رحمه الله الأدلة ليبين أنه أمر معهود قديم لا ليستدل بها على مخالف.
والأصل في جوازه ما ذكر من الأدلة، أحدهما: قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72]، فأخبر عن الضمان في شرع من قبلنا ولم يعقبه بنكير، فدل على جوازه.
فإن قال قائل: الحمل مجهول فكيف صح ضمانه؟ قلنا: لعله كان معلومًا عندهم، كان لو قر مقوم المقدار عند أهل البلد إذا أطلق.
وكذلك الوسق معلوم حتى علق النبي صلى الله عليه وسلم به حكم العشر.
فإن قيل: كيف يصح أن يضمن للسارق شيئًا على رد ما سرق؟ قيل: لم يضمن الضامن للسارق شيئًا، وإنما ضمن للمسترجع من السارق.
ومثل هذا الضمان جائز، فإن قيل هذا [18 ب/ 8] المنادي ملتزم بقوله: وفيه جاء به حمل بعير، فما معنى قوله: وأنا به زعيم.
قيل: لعله أخبر عن الملك بالالتزام وعلى نفسه الضمان، وذلك أن يوسف صلى الله عليه أمر أن يجعل الصاع في رحل ابن يامين ثم بعث في أثرهم من قال: إنكم لسارقون صاع الملك، وكان قصده أن يمسك ابن يامين عنده، فإنه كان في شريعة يعقوب صلى الله عليه إن من سرق استبعده المسروق منه بسنة.
والصحيح أن المزني جعل لفظ الزعامة حجةٌ، لأن ضمان الجعل قبل استقرار وجوبه.
والزعيم الضمين وفيه لغات ضمين وزعيمٌ وحميل وكفيل وقبيل وصبير.
واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40]، أي: ما يقول الكفار إنا نجعل المسلمين كالمجرمين وبما ذكر من بعده.
وتعلقه من هذه الآية بلفظ الزعيم، إذ ليس فيها حكم الضمان.
واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الزعيم غارم"، وتمام الخبر ما روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقال: "العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم- يعني الكفيل- غارم" يعني الكفيل.
الجزء: 5 - الصفحة: 463
واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما وضعت قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، قال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله لهما عليَّ وأنا لهما ضامن فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على علي رضي الله فقال: "جزاك الله عن الإسلام خيرًا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك"، فدل على أن الدين يلزم بالضمان.
وروى جابر بن عبد الله: أنّ جنازة وضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: " على صاحبكم من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه.
ثم وضعت جنازة أخرى فقال: "هل على صاحبكم من دين؟ " قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة رضي الله عنه: هما عليَّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن [19/ أ]، فصل النبي صلى الله عليه وسلم عليه".
قال أبو قتادة رضي الله عنه: فلقيني رسول الله بعد ثلاثٍ فقال: "ما فعلت في دين أخيك؟ فقلت: الآن قضيته، فقال: الآن بردت جلده عن النار".
ثم قال جابر رضي الله عنه: هذا نسخ حين كثرت الأموال، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يومًا خطيبًا فقال: "من خلَّف مالًا أو حقًا فلورثته، ومن خلَّف دينًا أو كلًا فكله إليَّ ودينه عليَّ، فقيل: يا رسول الله عليه وعلى كل إمام بعدك؟ فقال: وعلى كل إمام بعدي".
وروي أنه قال: "من ترك دينًا فعليَّ قضاءه".
فقيل: معناه إذا لم يكن له مال فعليَّ قضائه من مال الصدقات من سهم الغارمين.
وقيل: معناه من ترك دينًا له ومال فعليَّ اقتضاء الدين له، واستخراجه ممن هو عليه حتى يصير مع ماله الذي تركه إلى ورثته.
ثم قال المزني رحمة الله عليه: روى الشافعي رحمة الله عليه في قسم الصدقات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة"، ذكر منها رجلًا تحمل بحمالة فحلت له الصدقة.
قال المزني: فكانت الصدقة محرمًة عليه قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة، فخرج من معناه الأول أن حلت له الصدقة، وهذا الدليل الذي ذكره دليل واضح على صحة الضمان.
ولكن المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي ما روى الحديث هكذا، بل روي ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسٍة، لغاز في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار
الجزء: 5 - الصفحة: 464
مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين الغني" فليس في هذا الحديث ذكر الثلاثة ولا ذكر الحمالة، والخبر الذي ذكر فيه الحمالة ما روي عن قبيصة بن المخارق أنه قال: فحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال: "نؤديها عنك أو نخرجها عنك إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة" المسألة حرمت إلا في ثلاثٍ: رجلٍ تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجلٍ أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش ثم يمسكه، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادًا من عيش أقوامًا من عيش ثم يمسك.
وما سوى ذلك [19/ ب] من المسألة فهو سحت.
ففي هذا الخبر ذكر الحمالة وهي الضمان وليس فيه ذكر الغني وتحليل الصدقة له، فدل على أن المزني غلط وخلط أحد الحديثين بالآخر.
فإذا تقرر هذا فالضمان يفتقر إلى ثلاثٍة: ضامن ومضمونٍ له ومضمون عنه، كالحوالة تفتقر إلى محيل ومحتالٍ ومحيل عليه، فإذا ضمن عن رجل مالًا فهل يفتقر إلى معرفة المضمون له والمضمون عنه.
قال ابن سريج: فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أنه يجوز وإن لم يعرفهما وصورته: رجل غريب حكي له أن لعمرٍو على زيد ألف درهمٍ وهو لا يعرف واحدًا منهما فقال: أنا ضامن لعمرٍو عن زيد ذلك، وهذا لأن التزاما على طريق الوثيقة فصار كالتزام الشهادة لا يفتقر إلى معرفة الشهود له والمشهود عليه، ولأن خبر على بن أبي طالب وأبي قتادة رضي الله عنهما يدل على هذا لأنهما لم يعرفا ذلك.
والثاني: لا يجوز حتى يعرفهما لأنه لا بد من الدفع إلى المضمون له فيحتاج أن يعرفه أنه سهل المعاملة أو بخلاف ذلك من الرجوع على المضمون عنه فيحتاج أن يعرفه ليعلم أنه يؤدي ما عليه أو لا يؤدي.
والثالث: لا بد من معرفة المضمون له لأنه إثبات مالٍ له بالعقد ولا يحتاج إلى معرفة المضمون عنه لأنه لا معاملة بينهما إذا ضمن بغير إذنه ولا رجوع عليه، وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأنه قال في اختلاف العراقيين: ولو ضمن دين الميت بعدما يعرفه ويعرف لمن هو فالضمان لازم.
ونقل المزني منه إلى المختصر فشرط معرفة مقدار المال ومعرفة المضمون له وحده.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يختلف المذهب أن معرفة المضمون عنه شرط وفي المضمون له وجهان ظاهر الخبرين أنه ليس بشرط لأنهما لم يقولا وأنا ضامن
الجزء: 5 - الصفحة: 465
لمن، وفي هذا نظر والصحيح ما ذكرنا.
فإذا قلنا: يفتقر إلى معرفتهما لم يفتقر إلى إذن المضمون عنه ورضاه وجهًا واحدًا، وهل يفتقر إلى قبول المضمون له؟ قال صاحب "الإفصاح": لا يصح إلا بقبوله، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، إلا في مسألة وهي إذا قال المريض لبعض ورثته: اضمن عني فضمن جاز، وإن كان الغرماء غيبًا ولم يسلم الدين استحسانًا، وهذا غلط لأنه إثبات مالٍ لآدمي فلم يثبت إلا بقبوله، كما في البيع والشراء.
وقال ابن سريج: فيه [20/ أ] وجه آخر، لا يفتقر إلى قبوله وهو اختيار ابن أبي أحمد لأنه قال: ويتم الضمان بالضامن وحده إذا علم لمن هو، وكم هو، وإلى متى هو، وعلى من هو؟ وبه قال أبو يوسف، لأن عليًا وأبا قتادة رضي الله عنهما ضمنا من غير قبول المضمون له وأجازة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قلنا بالأول فضمن لرجلٍ مالًا فإن قبل صح ولزم، وإن لم يقبل حتى رجع الضامن فيما ضمن صح رجوعه، كما يرجع البائع عن الإيجاب قبل قبول المشتري.
فإن قال قائل: أليست الكفالة بالبدن لا تجوز إلا بإذن المكفول عنه؟ فالكفالة بالحال واجب أن لا تجوز إلا بإذن المضمون عنه.
قلنا: الفرق أنه لا يمكن إحضاره إلا بإذنه فلا يصح إلا بإذنه، وأداء المال يمكن من غير إذن من عليه فجاز بغير إذنه.
ومن أصحابنا من قال: لو خاطب المضمون له بالضمان فتمام الضمان موقوف على المضمون له بلا خلاف.
وهل يشترط قبوله أو رضاه؟ وجهان:
أحدهما: وهو اختيار ابن سريج يشترط قبوله لفظًا لأنه عقد وثيقة يفتقر إلى لفظ الضامن فيفتقر إلى لفظ المضمون له كالرهن، فعلى هذا لو تراخى القبول لم يجز، كما في البيع والرهن.
والثاني: لا يفتقر إلى قبوله لفظًا، لأن الضمان لو كان كالرهن لا يفتقر إلى مواجهة فدل على أنه موقوف على الرضا دون القبول، فعلى هذا إذا رضي بما يدل على الرضا في مجلس الضمان جاز، وإن تراخى عن حال الضمان.
وإن لم يظهر منه الرضا بالضمان حتى فارق المجلس لا ضمان وللضامن أن يرجع عن ضمانه قبل رضا المضمون له، لأن الضمان لم يتم وإن رضي بالضمان لا رجوع للضامن فيه لأنه تم.
مسألة: قال: وَإِذَا ضَمِنَ رَجُلٍ حَقَّاً فَلِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَاخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجلٍ دينًا يتوجه المطالبة على الضامن والمطالبة لا تسقط عن الأصل، بل تبقى عليه ويتجدد على الضامن ويكون المال متعلقًا بكل
الجزء: 5 - الصفحة: 466
واحدٍة من الذمتين وله مطالبة من شاء منهما به، سواء كان قادرًا على قبضه من المضمون عنه أو غير قادر عليه، لأن الضمان ليس بنقل الدين عن الذمة، بل هو انضمام ذمة إلى ذمٍة، وبه قال أبو حنيفة وعامة الفقهاء.
وقال [20/ ب] ابن أبي ليلى وابن شبرمة تبرأ ذمة المضمون عنه وينتقل الحق إلى ذمة الضامن كما في الحوالة، ولكن لو تعذر استيفاؤه من الضامن يرجع إلى المضمون عنه، وكذلك في الحوالة وهو قول داود واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: "فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك" وقال صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: "هما عليك والميت منهما بريء".
ولأن بقاء الدين عليه يؤدي إلى أن يصير الدين الواحد دينين وهذا لا يجوز.
وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خبر أبي قتادة: "الآن برّدت على أخيك جلده" فلو تحول الحق بعقد الضمان لبرّد عليه جلده بعقد الضمان قبل الأداء وإنما قال هذا بعد الأداء ولأنه وثيقة أطلق فلا يتحول الحق بها كالرهن.
وأما الخبر الأول قلنا: كان امتناع من الصلاة عليه وبالضمان فكَهُ من هذا حتى صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الخبر الثاني قلنا: أراد أن الميت بريء من الرجوع في تركته وأنك تؤدي متطوعًا.
وأما قوله: يصير الدين الواحد دينين غلط لأنه لا يأخذ منهما بل يأخذ من أحدهما، وإن كان يتعلق بهما حق الاستيفاء كما يتعلق بذمة الراهن وعين المرهون.
وقال مالك فيما حكى أصحابنا عنه لا يطالب الضامن إلا تعذر مطالبة المضمون عنه: وبه قال أبو ثور وجعله ابن أبي هريرة قولًا محتملًا وجعله لنفسه وجهًا.
وهذا غلط لأن الحق تعلق بالذمتين فله استيفاؤه من كل واحدٍ منهما كما لو ضمن الحق ضامنان.
وقال محمد بن جرير: له الخيار في أن يبتدئ بمطالبة أحدهما عنه، فإذا طالب أحدهما عنه، فإذا طالب أحدهما لم يكن له مطالبة الآخر بشيء وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا.
فرع
لو كان الضمان بشرطٍ كان لصاحب الحق مطالبته على موجب الشرط مثل أن يكون له عليه الدين حالًا فيضمنه مؤجلًا إلى شهرٍ ويطالب المضمون عنه في الحال، ولا يطالب الضامن إلا إذا حل أجله، وكذلك لو كان المال عليه إلى شهرٍ فضمنه إلى شهرين جاز أن يطلبه بعد شهرين.
فإن قيل: عندكم الدين الحال لا يتأجل [21/ أ] فكيف تأجل ها هنا على الضامن؟.
قيل: الدين لم يثبت على الضامن حالًا وإنما ثبت عليه ما يضمنه وقد ضمنه ابتداء مؤجلًا والدين يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان ثبوته بعقد.
فرع آخر
لو كان الدين عليهما مؤجلًا فمات الضامن قبل محل الدين حل عليه الدين في تركته وله أن يطالب ورثته بقضائه، وليس له مطالبة المضمون عنه لأن الدين لم يحل عليه.
ثم إذا قبض من ورثة الضامن برئ من عليه أصل الحق من حقه ولم يكن لورثة الضامن
الجزء: 5 - الصفحة: 467
أن يرجعوا على المضمون عنه حتى ينقضي الأجل لأن الدين عليه مؤجل فلا يجوز المطالبة به من قبل محله، وحكي عن زفر أنه قال: لهم مطالبته به قبل الأجل لأن الضامن ضمن يأمره مع علمه أنه يحل عليه بموته.
وهذا غلط لأنه أدخله في المؤجل وهذا الحلول كان من غير اختيار فصار كما لو عجل الدين قبل محله لا يرجع عليه في الحال.
وهكذا لو مات المضمون عنه يحل الدين عليه، ولا يجوز له مطالبة الضامن لأنه لم يحل عليه فإذا استوفاه من تركته سقط عن الضامن والمضمون عنه.
فرع آخر
لو كان الدين مؤجلًا فضمنه حالًا فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يصح الضمان لأن الضامن فرع المضمون عنه فلا يستحق مطالبته دون أصله.
والثاني: يصح الضامان ويكون حالًا كما يجوز أن يضمن الحال مؤجلًا.
والثالث: يصح الضامن ويكون مؤجلًا لأجله وسقط قوله حالًا لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل وهذه الأوجه ذكرها ابن سُريج والأصح عندي الوجه الأول لأن المضمون له يجبر على التأجيل وقد ضمن له عاجلًا ولا يُجبر الضامن على التعجيل فيكون الفرع أقوى من الأصل فلا وجه إلا إبطال الضمان.
وقال في "الحاوي": لا يصح الوجه الثاني لأن حال الضامن أضعف من حال المضمون عنه، ثم لا يلزم المضمون عنه حالًا فالضامن أولى والمذهب الوجه الثالث ويقال له: الأولى لك أن تعجل القبض بشرطك فإذا أَبَيت إلا الأجل المستحق لم تجبر ويكون اشتراطك التعجيل تطوعًا منك لا يلزم إلا بالقبض.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح ويكون حالًا فضمن مطلقًا ثم اختلفا فقال الضامن: ضمنته على [21/ ب] وصفه فهو مؤجل وقال المضمون له: ضمنته مالًا فعليك التعجيل فالقول قول الضامن لأنه اعترف بما ضمن.
مسألة: قال: "فإنْ ضمنَ بأمرهِ وغرمَ رجعَ بذلكَ عَليه".
وهذا كما قال: إذا ضمن عن رجل مالًا وأداه لا يخلو من أربعة أحوال:
أحدهما: أن يكون الضمان والأداء بأمره فيرجع على المضمون عنه وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف رحمهم الله، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن قال: اضمن عني يقتضي إقرارًا منه بالحق، وإذا أطلق يصير كأنه قال: تطوع عليه أو وهب له هذا وإذا كان مخالفًا له فقد يأمره بالنقد عنه فقلنا: يرجع عليه استحسانًا.
وقالا: الزوجة والولد كالمخالط وهذا غلط ضمن بأمره ودفع فأشبه إذا كان مخالطًا له أو
الجزء: 5 - الصفحة: 468
قال: اضمن عني.
وأما ما ذكره لا يصح لأن قوله: "انقده" يقتضي أن يكون ذلك عنه لأنه لا يأمر إلا بذلك في الظاهر وليس فيه ما يدل على الأمر بالهبة.
والثاني: أن يكون الضمان بغير أمره والأداء بغير أمره، فلا يرجع عليه وبه قال كافة العلماء، وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين: يرجع عليه وهذا غلط لخبر عليّ وأبي قتادة رضي الله عنهما ووجه الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي على ميت عليه دين دعا لا وفاء له فلو ثبت لهما الرجوع بما ضمنا لما صلى عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لبقاء الدين عليهما للضامنين.
ولأن تبرع بذلك فلا يرجع عليه كما لو أطعم عبده.
ولأنه دين غيره بغير أمره فلا يرجع عليه كما لو كان القاضي عدوًا للمقضي عنه ووافقونا أنه لا يرجع ها هنا.
والثالث أن يكون الضمان بغير أمره والأداء بأمره فالمذهب أنه لا يرجع عليه لأن الدين قد وجب عليه بغير أمره والأداء من مقتضى الوجوب السابق دون أمره، وهذا ظاهر كلام الشافعي لأنه قال: فإن تطوع بالضمان لم يرجع ولم يفرق بين أن يكون الأداء بأمره أو بغير أمره.
ومن أصحابنا من قال: يرجع عليه لأن الرجوع إنما يثبت بالأداء دون الضمان وهذا الأداء كان بأمره فيرجع عليه ومن أصحابنا من قال: يُنظر فإن قال: أدِّ ما ضمنته لترجع به عليّ له الرجوع إذا أدى ولو قال: أدِّ ما ضمنته عني فيه وجهان أحدهما: يرجع لأنه أمره بالغرم عنه.
والثاني: لا يرجع [22/ أ] لأنه يحتمل أنه أراد به التطوع.
والرابع: أن يكون الضمان بأمره والأداء بغير أمره فظاهر المذهب أنه يرجع به عليه لأنه قال: وإن ضمن بأمره وغرم رجع به عليه ولم يشترط أن تكون الغرامة بإذنه وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وهذا لأن الأمر بالضمان يقتضي الأداء وقد لزمه الحق بإذنه فإذا أدى رجع كما لو أعاره عبدًا فرهنه بأمره ثم بيع العبد في دينه رجع به عليه ولهذا يملك مطالبته بتخليصه، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي على هذا في كتاب "النكاح والطلاق" من رواية الربيع وفي "الإملاء" على مسائل مالك من رواية حرملة.
ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: هذا، والثاني: لا يرجع عليه لأنه دفع بغير إذنه فصار كما لو ضمن بغير إذنه، والثالث: قاله أبو إسحاق: إن كان مضطرًا إلى أدائه بأن كان المضمون عنه غائبًا أو كان حاضرًا ولم يحضره المال فطالب الضامن فأداه رجع عليه، وإن كان المضمون عنه حاضرًا مليًا فلم يطالبه بتخليصه من الضمان وأداه إلى المضمون عنه لم يرجع.
ومن أصحابنا من قال: إن أداه بعد المطالبة والمحاكمة له الرجوع قولًا واحدًا، وإن أداه قبل المطالبة فهل يرجع؟ وجهان، وهكذا الخلاف إذا وكل رجلًا أن يشتري له عبدًا بألف فاشتراه فطالب الوكيل بالثمن فإن أدى من ماله فهل يرجع إلى الموكل؟ فعلى قول أبي إسحاق إن كان مضطرًا إلى أدائه بأن كان الموكل غائبًا أو حاضرًا إلا أنه لم يحضره المال فطالبه البائع بالأداء فأداه كان له الرجوع عليه وإن لم يكن مضطرًا فلا
الجزء: 5 - الصفحة: 469
رجوع.
وعلى قول ابن أبي هريرة: يرجع عليه إلا أن يكون قال له: لا تَزِنْ عني فإذا وزن لم يرجع عليه وقيل: فيه ثلاثة أوجه لأن قبول الوكالة مع العلم بأن الثمن يتعلق بذمته بمنزلة الضمان عنه لأمره.
فرع
لو قال الضامن للمضمون عنه: أضمن عنك لفلان كذا فقال: نعم كان هذا أمرًا بالضمان وقال أبو حنيفة: لا يكون أمرًا وهذا غلط لأنه لو قال: اضمن عني لفلان كذا كان أمرًا وهذا أوكد في الأمر.
فرع آخر
لو قال لرجل: أَدِّ عني ديني كان له الرجوع عليه في أصح الوجهين ولو قال: أدِّ دين فلان ولم يقل: عني لا رجوع في أصح الوجهين.
مسألة: قال: وكَذَلِكَ كُلُّ ضَامِنٍ في دَيْنٍ [22/ ب] وَكَفَالَةٍ فيْ دَيْنٍ وَأُجْرَةٍ وَمَهْرٍ.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في بيان الحقوق التي يصح ضمانها والتي لا يصح، والحقوق على أربعة أضرب حق مستقر في الذمة كالثمن بعد قبض المبيع والقرض والأجرة بعد انقضاء المدة بعد الدخول والعوض في الخلع وقيم المتلفات وأَروش الجنايات كل هذا يصح ضمانه.
والثاني: حق لازم إلا أنه غير مستقر كالثمن قبل قبض المبيع والمهر قبل الدخول والأجرة قبل انقضاء المدة والسلم في الذمة نص الشافعي على جواز ضمانه لأنه يؤول إلى الاستقرار والسقوط بالهلاك أمر مشكوك فيه وقيل: إنه في الظاهر مستقر في الحال والهلاك مشكوك فيه فكان الحكم للظاهر.
وقال أحمد في رواية: لا يصح ضمان المُسلَم فيه لأنه يؤدي إلى استيفاء المسلم فيه من غير المسلم إليه فلا يجوز كالحوالة وهذا غلط لأنه حق لازم فصح ضمانه كالقرض.
ولا يشبه الحوالة لأنه يطالب فيها ببذل الحق، وفي الضمان يطالب بنفس الحق.
والثالث: حق غير لازم ولا يفضي إلى اللزوم وهو مال الكتابة لأن المكاتب يقدر على الامتناع من الأداء مع القدرة على الأداء فضمانه باطل لأنه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل.
والرابع: حق غير لازم ولكنه يفضي إلى اللزوم وهو الجعل في الجعالة قبل الفراغ من العمل فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 470
أحدهما: لا يجوز ضمانه لأنه غير لازم في الحال ولا يؤول العقد إلى اللزوم لأنه يجوز للعامل والمعمول له الرجوع عن ذلك ولا يلزم العقد بحالٍ.
والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم والاستقرار إذا رده بخلاف مال الكتابة وهذا أشبه.
فرع
ضمان الثمن في مدة الخيار هل يجوز أم لا؟ فيه طريقان:
أحدهما: يجوز وجهًا واحدًا لأن الشافعي نص على أنه إذا باع شيئًا على أن يعطيه جميلًا بعينه جاز والثمن غير لازم حتى يتفرقا, وإذا جاز شرط الضمان جاز الضمان ويخالف مال الجعالة لأن ثبوته بالعقد آكد من ثبوت مال الجعالة ألا ترى أن مال الجعالة لا يصير لازمًا بالعقد حتى ينضم إليه العمل والثمن يصير لازمًا بالعقد بالتفرق أو بمضي مدة الخيار.
والثاني: فيه وجهان أيضًا [23/أ] كما في الجعالة لأنه غير لازم في الحال والاول أصح فإن قيل: على هذا ليست الحوالة بالثمن في مدة الخيار لا تجوز في قول فما الفرق؟ قلنا: فرق بينهما كما يفرق بين ضمان الطعام في ذمة المُسلم إليه فيجوز وبين الحوالة فلا يجوز.
وأما مال الجعالة بعد العمل يصح ضمانه بلا خلاف.
فرع آخر
ضمان دين الأجنبي على المكاتب يجوز لأنه لازم وفي ضمان دين السيد على المكاتب من جهة المعاملة وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه يسقط بالتعجيز كالنجوم.
والثاني: يجوز لأنه لازم في الحال, وإن كان يتوهم سقوطه بفسخ الكتابة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذان الوجهان مبنيان على أنه هل يستدام الدين عليه بعد عجزه؟ وفيه وجهان.
فرع آخر
ضمان مال المسابقة مبني على القولين فإن قلنا: إنها بمنزلة الإجازة يصح ضمانه, وإن قلنا: إنها بمنزلة الجعالة فقد ذكرنا فيه وجهين.
فرع آخر
لنفقة الزوجات ثلاثة أحوال مستقرة وهي ما وجب لزمان ماض.
ولازمة غير مستقرة وهي نفقة يومها من صلاة الغداة فهذان يجوز ضمانهما ونفقتها في المستقبل فيها قولان قال في "الجديد": تجب يومًا بيوم فعلى هذا لا يصح ضمانها.
وقال في "القديم": تجب لها بالعقد وتستقر بمضي المدة فعلى هذا يصح ضمان زمان معلوم فيقول: ضمنت نفقة عشر سنين ويضمن نفقة المعسرين لأنها أقل نفقة تجب لها.
وعلى هذا يجوز
الجزء: 5 - الصفحة: 471
ضمان نفقة الأقارب إذا وجبت, وإن كانت قد تسقط بمضي الزمان اعتبارًا بلزومها وقت الضمان.
فرع آخر
ضمان دية النفس وأرش الجرح هل يجوز أم لا؟ قال أبو إسحاق رحمه الله: إن كان ذهبًا أو ورِقًا وعرفاه جاز الضمان.
وإن كان إِبلًا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يجوز ضمانه وأخذ البدل عنه ومنهم من قال: لا يجوز لأن الصفة التي وجبت الدية فيها بها لا يجوز عقد الشراء عليها وهو كالرقاب والطعام أوجبت في الكفارة مطلقة ولا يجوز العقد عليها على الإطلاق كذلك ها هنا.
وقيل: الوجهان مبنيان على القولين في جواز الصلح عنها على مالٍ
فرع آخر
ضمان الأعيان هل تجوز أم لا؟ إن كانت العين أمانة [23/ب] لا تجوز كالمال في يد الوصي أو الوكيل أو المقارض لأنها غير مضمون عليهم.
وإن تعدوا فيها وصارت مضمونة عليهم هل يجوز ضمانها وكذلك ضمان المغصوب والعارية؟ قال في "الإفصاح": فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه مال لزمه أداؤه فصح ضمانه كالدين في الذمة وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله.
والثاني: لا يجوز وهو المذهب لأنه إن ضمن العين نفسها فالأعيان لا تثبت في الذمم, وإن ضمن قيمتها فهو ضمان ما لم يجب وضمان مجهول فلا يجوز.
وقال ابن سريج: فيه قول آخر للشافعي وهو غير صحيح وقال أيضًا: هذان الوجهان مبنيان على كفالة البدن وفيها قولان فإن قلنا: إنها تجوز فهذا أولى لأن هذه الأعيان مضمونة والبدل غير مضمون.
فرع آخر
إذ قلنا: إنه يجوز فهذا أولى يؤخذ الضامن بتسليم العين إن كانت باقية, فإن تعذر صار كالمعسر بالحق.
وإن تلف العين خرّج ابن سريج فيه وجهين:
أحدهما: بطل كما لو تكفل ببدن من عليه رجل ثم مات المكفول ببدنه.
والثاني: ينتقل الضمان إلى القيمة لأن القيمة تقوم مقام العين عند تلفها ولا يمنع الحوالة قدرها من لزوم ضمانها لأنها تفرعت عن أصل معلوم وهذا غلط لأن العين إن كانت باقية فالواجب ردها.
وذلك مما قد يعجز عنه الضامن ويقدر, وإن تلفت يلزم قيمتها ولم يضمنها الضامن وفيها جهالة.
وقيل: فيه وجهان بناء على أصله في كفالة البدن متى مات المكفول ببدنه هل يلزم الكفيل ما في ذمته من الدين؟ وجهان قال أبو حامد: هذا لا يصح لأن مذهب الشافعي أن المكفول به مات لا يلزم الكفيل شيء
الجزء: 5 - الصفحة: 472
فكيف يصح هذا التخريج؟.
فرع آخر
إذا دفع الثوب إلى القصار أو إلى الخياط فإن قلنا: إنه أمانة لم يصح الضمان عنه وإن قلنا: إنه مضمون عليه ففي الضمان وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
ذكر المزني في كلامه ضمان العهدة, وضمان العهدة أن يشتري رجل من رجل عينًا من الأعيان فيضمن ضامن عن البائع عهدة المبيع وهي أنه متى خرج مستحقًا ضمن له الثمن, فإن كان البائع لم يقبض الثمن لم يصح الضمان لأن في هذه الحالة لو خرج المبيع مستحقًا لم يجب على البائع رد شيء وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه [24/أ] يجوز للحاجة وليس بشيء.
وإن كان البائع قبض الثمن صح الضمان عن البائع نص عليه الشافعي في آخر كتاب "الإقرار" وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد, وفيه قول آخر خرجه ابن سريج أنه لا يجوز وهو اختيار ابن أبي أحمد وهو القياس, واحتج بأنه ضمان مال لم يجب بعد.
ولأنه ضمان عين وهو الثمن وذلك لا يجوز.
ولأنه مجهول لأنه لا يعلم هل يستحق جميعها أو بعضها, وهذا لا يصح لأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة على البائع ولا يمكن الوثيقة عليه إلا بالضمان لأن الوثائق ثلاث: الشهادة, والرهن, والضمان.
فأما الشهادة فلا يستوفي فيها الحق, وأما الرهن فلا يجوز في ذلك بالإجماع لأنه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونًا فلم يبق إلا جواز الضمان وأما قوله: إنه ضمان ما لم يجب فقد بيّنا أنه يجوز ها هنا للحاجة وإن لم يجب.
وأيضًا هذا ضمان ما وجب لأنه إن لم يكن المبيع مستحقًا فلا ضمان عليه, وإن كان مستحقًا فقد وجب ضمان الثَّمَن على البائع بقبضه إيّاه وإذا ضمن ذلك فقد ضمن حقًا واجبًا في الباطن, وإن كنا لا نعلم وجوبه ظاهرًا فلهذا جوزنا ولهذا لا يجوز هذا الضمان إلا بعد قبض البائع الثمن.
وأما قوله: إنه ضمان عين فقد ذكرنا فيه الخلاف.
ولأنه جوز للحاجة ما ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا الضمان بعد أن تصرف البائع في الثمن ولم يبقَ في يده منه شيء يجوز لأنه ضمان ما في ذمة البائع, وإن كان الثمن قائمًا في يده فهو ضمان عين فيكون على وجهين.
وأما الجهالة فلا تصح لأنه ضمن الجملة, فإن خرج بعضه مستحقًا فقد وجب عليه بعض ما ضمنه.
فرع آخر
إذا جوزنا ضمان العهدة فألفاظ ضمان العهدة أن يقول: ضمنت لك عهدة هذا البيع والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن ولكن الفقهاء يستعملونها عبارة عن الثمن لأنه مكتوب في العهدة فيصح, وحكي عن أبي يوسف أنه قال: العهدة كتاب الابتياع فإذا ضمن العهدة كان ضامنًا للكتاب وهو عين لا يصح ضمانها, وهذا لا يصح لأنه إذا ثبت للعرف اسم للاسم عرف ينصرف الأصلان إليه وهذا في العرف عبارة عن
الجزء: 5 - الصفحة: 473
الدرك وضمان الثمن ويفسد [24/ب] بهذا عما يجاوزه من الثمن ويقرب منه.
ولو قال: ضمنت لك الدرك فيه كان عبارة عن العهدة أيضًا.
ولو قال: ضمنت لك الثمن إن بانت مستحقة فهو صريح في الباب وكذلك لو قال: ضمنت لك ثمنه.
ولو قال: ضمنت لك خلاصك منه قال أصحابنا: هذا عبارة عن العهدة أيضًا.
فرع آخر
لو قال: ضمنت لك خلاص المبيع كان باطلًا لأن المستحق ربما لا يسلمه بعد أن استحقه.
وحكي عن ابن سريج أنه قال: لا يضمن الخلاص إلا أحمق ومعناه ان يضمن أنها لو استحقت يشتريها الضامن من مالكها ويسلمها إليه.
فإن قيل: أنتم تقولون هذا وقد نص الشافعي في الإقرار على جوازه فقال: ولو ضمن له ضامن عهدتها أو خلاصها كان للمشتري أن يرجع على الضامن بالثمن؟ قلنا: تأويله أنه أراد خلاصك منها, وهذا لأن خلاصه إذا كان متعلقًا بها جازت إضافته إليها كما يضاف المصدر إلى الفاعل والمفعول به وقيل: أراد وخلاصها وقد صارت أو بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] يعني ويزيدون وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24] يعني: وكفورًا فمعناه ضمن عهدتها وخلاصها معًا فيلزمه الضمان بقوله: ضمنت لك العهدة لا بقوله: وخلاصها وهذا بين في كلامه لأنه قال: يرجع على الضامن بالثمن إذا استحقت ولم يقل: كان عليه خلاص الدار.
فرع آخر
إذا ضمن خلاص المبيع وقلنا: لا يجوز فإن كان هذا في البيع فسد البيع لأنه شرط فاسد.
وكذلك إذا شرطه في مدة الخيار فسد البيع.
وإن شرطه بعد لزوم البيع لم يصح الضمان ولم يؤثر في البيع.
وإن ضمن عهدته وخلاص المبيع بعد لزوم البيع فسد في الخلاص ولم يؤثر في العقد.
وهل فسد في ضمان العهدة؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة.
فرع آخر
اعلم أنه يكتب في بعض الوثائق: ضمنت لك قيمة ما يحدث في المبيع من بناء وغراس إذا ظهر الاستحقاق وذلك لا يجوز عندنا لأنه ضمان مجهول وضمان ما لم يجب.
وإن قدره فقال: من درهم إلى ألف لا يجوز لمعنى واحد وهو أنه ضمان ما لم يجب.
وعند أبي حنيفة يجوز ذلك بناءً على أصله في جواز ضمان المجهول [25/أ] وجواز ضمان ما لم يجب.
فإن ذكر هذا في كتاب الوثيقة وأفرده عن ضمان العهدة بطل ذلك وصح ضمان العهدة.
وإن قرنه بضمان العهدة هل يتعدى بطلانه إلى بطلان العهدة؟ قولان بناء على تفريق الصفقة, وإن ضمن البائع ذلك لم يصح ضمان ما يحدث والعهدة واجبة عليه بغير ضمان.
وإن شرطه في أصل البيع بطل البيع.
الجزء: 5 - الصفحة: 474
فرع آخر
إذا جوزنا ضمان العهدة فإن سلمت له الدار فقد بان أنه ما كان ضامنًا بشيء, وإن لم يسلم له الدار لا يخلو, إما أن يبطل ذلك بأمر حادث أو بمعنى قارن العقد, فإن كان بأمرٍ حادثٍ مثل الاحتراق في يده أو في يد البائع قبل القبض أو تقايلا فعادت إلى البائع بالإقالة أو غصبها غاصب منه فلا شيء على الضامن لأنه إنما ضمن عنه الاستحقاق الموجود عند العقد ولم يوجد ذلك.
وإن كان ذلك بأمر قارن العقد, فإن كان بغير تفريط من البائع لم يرجع به عليه وعلى الضامن وهو الأخذ بالشفعة بل يرجع بالثمن على الشفيع.
وإن كان بتفريط من البائع, فإن كان التفريط تدليسًا بعيب أصاب المشتري به عيبًا فرده بالعيب يرجع بالثمن على البائع ولا يرجع به على الضامن لأنه ليس يدرك نص عليه الشافعي وكذلك لو فسخ البيع في مدة الخيار, لا يرجع بالثمن على الضامن.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الرجوع به على الضامن لأنه استحق الثمن بسبب, فإن العقد حصل بتفريط البائع فكان له الرجوع به على الضامن كما لو استحق وهذا لا يصح لأن الضامن إنما ضمن ما وجب وهذا لم يكن واجبًا.
ولأن ملكه زال عنه بسبب حادث فأشبه إذا تلف في يد البائع.
ولو كان فيه عيب وحدث عند المشتري عيب آخر يكون له رده وله الرجوع بأرش العيب ويرجع به على البائع.
وهل يرجع به على الضامن؟ على ما ذكرنا من الخلاف.
وقال ابن سريج: فإن صرح وقال: ضمنت لك كل دَرَك يلحقك من عيب وغيره يرجع به عند وجود العيب على الضامن وكذلك في أرش العيب.
وقال القاضي الطبري: لا يصح ضمان الأرش بحال وجهًا واحدًا لأنه مجهول ولم يجب بعد لأن الأرش لا يجب بالعقد وإنما يجب بتعذر الرد بحدوث عيب آخر في يده فلا وجه [25/ب] لما ذكر بعض أصحابنا.
وإن كان التفريط بالاستحقاق فإن المستحق يأخذ ما استحقه ويتصرف فيه.
ثم لا يخلو الاستحقاق من أحد أمرين إما أن يكون في الكل أو في البعض, فإن كان في الكل رجع على من شاء منهما بالدرك.
وإن استحق البعض أو كان المبيع عبدين فاستحق أحدهما بطل البيع في المستحق.
وهل يبطل فيما عداه؟ قولان فإذا قلنا: يبطل في الكل رجع بحصة المستحق على من شاء منهما, وبغير المستحق وجهان: أحدهما: يرجع به أيضًا على من شاء منهما لأنه لحقه بسبب الاستحقاق.
والثانى: يرجع به على البائع وحده دون الضامن وهذا أصح لأن الدرك لحقه في نصف الثمن, وفساد البيع في النصف الآخر ليس من جهة الدرك لأن الدرك هو
الجزء: 5 - الصفحة: 475
الاستحقاق وذلك لم يستحق.
وإذا قلنا: يبطل في المستحق وحده فالمشتري بالخيار بين الإمساك أو الرد.
فإن أمسك بكم يمسك؟ قولان أحدهما: بكل الثمن أو يرده.
والثانى: بالحصة أو يرده.
فإن قلنا: بالكل فلا رجوع على أحد.
وإن قلنا: بالحصة رجع بحصة المستحق على من شاء منهما إن أمسك الباقي.
وإن زاد الباقي رجع بحصة المستحق على من شاء منهما وبحصة غير المستحق على من يرجع؟ وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو بان أن البيع كان فاسدًا لا باستحقاق بل بسبب أوجب فساده فيه وجهان: أحدهما: يطالب به ضامن العهدة كما لو كان بالاستحقاق.
والثاني: لا يطالبه لأنه لا يمكنه إمساك المستحق حتى يرد عليه الثمن ويمكنه إمساك المبيع بيعًا فاسدًا ليرد عليه الثمن فلا حاجة به إلى الرجوع على ضامن العهدة ذكره القفال رحمه الله.
فرع آخر
لو قبض رجل ألف درهم من دين له على رجل فضمن له ضامن نقصها في الوزن أو الصفة صح, وجرى ذلك مجرى ضمان الدرك وخرج عن باب ضمان المجهول وضمان مالم يجب.
ثم إذا ادعى القابض أنها نقصت مائة درهم فإن صدقه الدافع والضامن كان بالخيار في الرجوع إلى ما شاء من الدافع أو الضامن, وإن كذباه كان قوله مقبولًا على الدافع مع يمينه لأن الأصل بقاء دينه فإذا حلف استحق [26/أ] الرجوع عليه بالنقص, وهل يقبل قوله على الضامن حتى يرجع عليه بالقبض؟ وجهان: أحدهما: يقبل على الضامن كما يقبل على من كان عليه أصل الحق.
والثاني: وهو الأصح لا يقبل عليه لأنه لم يكن دينه ثابتًا قبل هذا عليه والأصل براءة ذمته.
ولو كذبه الدافع وصدقه الضامن له أن يرجع على كل واحدٍ منهما لأن كل قوله على الدافع مقبول, فلو رجع على البائع الضامن لا يرجع على الدافع لإنكاره.
فرع آخر
لو ضمن له نقص الصفة وهو أن يبدل ما كان رديئًا فإن صدقه الدافع والضامن أنه كان فيها كان بالخيار في الإبدال.
فإن أراد أخذ البدل من الدافع فله أن يمتنع من دفع البدل إلا بعد استرجاع الرد المبدل.
وإن أراد الأخذ من الضامن لم يمن له أن يمتنع ليسترجع المبدل لأنه لا يملكه وقيل للضامن: لك أن تفسخ القضاء في القدر المردود وتدفع إليه بوزنه جيدًا ويكون الرد مع القابض ليرد على الدافع.
فرع آخر
لو كذبه الدافع والضامن فإن عيبًا لا يخرجها من جنس الدراهم لم يقبل قول القابض على واحد منهما, وإن كان يخرجها من جنس الدراهم كالزائف والصفر
الجزء: 5 - الصفحة: 476
المطلي فقول القابض مقبول على الدافع وهل يقبل على الضامن؟ على ما ذكرنا من الوجهين والفرق أن المعيب إذا كان من جنس الفضة جاز أن يكون قضاء من الفضة فلم يقبل قوله في ادعاء الرد لأنه يصير مبتدئًا لإثبات حق والرضا بل لا يجوز أن يكون قضاء من الفضة فكان حقه باقيًا لا يسقط بقبضه فلم يصر بادعاء الرد مبتدئًا لإثبات حق فهذا فرق ما بينهما, ولو صدقه الضامن وكذبه الدافع كان له أن يرجع بالبدل على الضامن وللضامن ها هنا أن يمنع من دفع البدل له باسترجاع الرد بخلاف ما ذكرنا إذا صدقاه لأن الضامن مع تكذيب الدافع لا يقدر أن يرجع عليه بالبدل فكان له استرجاع الرد ليتوصل به إلى بعض حقه.
فرع آخر
لو ضمن له نقص الدراهم ولم يذكر نقص الوزن أو نقص الصفة كان ضامنًا لنقص الوزن بلا خلاف.
وهل يضمن نقص الصفة؟ وجهان حكاهما ابن سريج أحدهما: يضمن لانطلاق النقص على الأمرين.
والثاني: لا يضمن [26/ب] لأن عرف الناس في مثله على نقص الوزن دون الصفة.
فرع آخر
لو استقرض من رجل قرضًا بشرط أن يرهن عنده رهنًا فقال أجنبي للمرتهن: ضمنت لك تسليم هذا الرهن إليك كان ناكلًا لأن للراهن الامتناع من تسليم الرهن.
فإن قال قائل: ما معنى قول المزني: "وكذلك كل ضامن في دين وكفالة بدين" وهما مسألة واحدة؟ وقيل: يحتمل أنه أراد كفالة الوجه وأجاب على قول التصحيح ومراده أن ضمان الدين لازم وكفالة البدن في الدين كفالة لازمة.
ويحتمل أن يريد بذلك ضمان الضمان ومراده أن من ضمن دينًا عن المديون فالضمان له لازم ومن ضمن عن الضامن دينًا فالضمان لازم على الثاني كما كان ضمان الاول صحيحًا لازمًا وتقديره: أو ضمان في كفالة بدين, فإن قال قائل ها هنا: وإن أداه بغير أمره كان متطوعًا لا يرجع به عليه وقيل: هذا بسطرين فإن ضمن بأمره وغرم رجع به عليه ولم يعتبر الإذن عند الأداء وهذا مناقضة, والمسألة خلاف بين أصحابنا ولكن لا يستحسن أن يجيب في سطر على مذهب وفي السطر الثاني على مذهب آخر قلنا: يحتمل أن يكون ما ذكره أولًا حكاية عن الشافعي, وما ذكره ثانيًا من عنده يدل عليه نظم تصنيفه لأنه قال بعد النص الاول قال المزني: "وكذلك كل ضامن في دين" الفصل: أو يكون تجوزًا في العبارة عن واحد.
مسألة: قال: فّإِنْ أُخِذَ الضَّامِنُ بِالحَقِّ وَكَانَ ضَمَانُهُ يَأمُرُ الذِيْ هُوَ عَلَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ بِخَلاَصِهِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 477
الفصل
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجل مالًا فلو كان كان بغير أمره لم يكن له مطالبة المضمون عنه بخلاصه منه لأنه لا معاملة بينهما, وإن كان بأمر وقال ابن أبى هريرة: وإن كان مؤجلًا لم يحل عليه لم يكن له مطالبته بخلاصه.
وإن كان حالًا فإن له مطالبته بخلاصه سواء طالبه المضمون له بالمال أو لم يطالبه, كما لو أعطاه عيناً ليرهنه فحل الحق كان له مطالبته بكفالة سواء طالبه المرتهن بالمال أو لم يطالبه.
ولأن عليه ضررًا في بقائه لأنه قد يتلف مال المضمون عنه فلا يمكنه الرجوع عليه.
ومن أصحابنا من قال: ليس له أن يطالبه بخلاصه حتى يطالبه المضمون له بالمال, وهذا ظاهر ما نقله المزني [27/أ] لأنه قال: فإن أخذ الضامن بالحق وكان ضمانه بأمر الذي هو عليه فله أخذه بخلاصه فشرط أن يؤخذ الضامن بالحق فدل على أنه إذا لم يؤخذ به فلا مطالبة له بخلاصه.
وهذا يفارق الرهن, لأن على صاحب العين ضررًا في كونه مرهونًا في الحال ولا ضرر على الضامن في وجوب الدين في ذمته قبل المطالبة به.
وأما المال فلا يجوز له أن يرجع به إلا بعد أن يغرمه للمضمون عنه.
فرع
إذا قلنا: ليس له أن يطالبه بخلاصه إذا لم يطالبه صاحب الحق قال ابن سريج: للضامن أن يقول للمضمون له: إما أن تبرئني من الحق, وإما أن تطالبني به لأطالب المضمون عنه بنكال ذمتي.
فرع آخر
لو ضمن ألفًا بأمره ثم دفع المضمون له إلى الضامن ألفًا, قال ابن سريج: يُنظر فيه فإن جعله رسولًا ووكيلًا في قضاء الدين به عنه جاز , وإن قال: خذه بدلًا عما سيجب لك علي بالقضاء عني فيه وجهان:
أحدهما: يصح ويملكه الضامن ملكًا مراعًى وله التصرف فيه, وهو كتعجيل الزكاة والكفارة قبل وجوبها.
والثاني: لا يصح لأنه أعطى بدلًا عما يجب له في الثاني فلا يصح.
فعلى هذا يكون ضامنًا لما قبضه لأنه قبضه قبضًا فاسدًا.
وعلى الوجه الأول إن قضي عنه الألف تبينا أنه ملك الألف, لم يقبض منه ولكن برئت ذمة المضمون عنه من وجه آخر فعليه رد الألف.
فرع آخر
إذا ضمن عن رجل بأمره فطولب بالمال الذي ضمنه فقضاه على الوجه الذي ضمن رجع عليه بما قضى بلا إشكال.
وإن قضى أفضل منه من جنسه كأنه قضى الصحاح مكان المكسرة لم يرجع عليه إلا بالمكسرة التي ضمنها, لأنه تبرع بالزيادة, وإن قضى عن الصحاح مكسرة أو عن البيضاء سوداء رجع بالمكسرة والسوداء, لأنه لا يرجع عليه
الجزء: 5 - الصفحة: 478
إلا بما غرم, ولهذا لو أبرأه من جميع الحق لم يرجع بشيء, فكذلك إذا أسقط صفة من صفاته.
ولو قضاه بغير جنس الحق الذي ضمن كأنه دفع إليه بالألف ثوبًا أو غيره جاز وسقط الدين وله [27/ب] الرجوع على المضمون عنه بأقل الامرين من الألف وقيمة الثوب لأن قيمة الثوب إن كانت أكثر فلا يلزمه إلا ما ضمنه عنه, وإن كانت أقل فلا يلزمه إلا ما غرم عنه, هذا مذهب الشافعي.
وقال ابن سريج: يرجع بما ضمن في هذه المسألة والتي قبلها وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو ضمن بأمره فطولب الضامن بأداء ما ضمنه وحبس به فأراد الضامن أن يحبس المضمون عنه قبل أداء المال فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك لأن له مثل ما عليه.
والثاني: ليس له ذلك لأنه لم يستحق قبل الغرم عليه مالًا حتى يحبسه به والحبس عقوبة.
فرع آخر
ولو سقط عنه الحق بإبراءٍ قد ذكرنا أنه لا يرجع على المضمون عنه, لأنه لم يغرم شيئًا, ولو قال: وهبت الحق منك أو تصدقت عليك يكون كالإبراء عندنا.
وقال أبو حنيفة: يكون كالاستيفاء حتى يرجع الضامن على المضمون عنه.
فرع آخر
لو أدى الضامن المال ثم وهبه من الضامن بعد القبض ففي رجوعه على المضمون عنه قولان مخرجان من الزوجة إذا وهبت صداقها لزوجها ثم طلقها زوجها قبل الدخول هل يرجع بنصف الصداق؟ قولان.
فرع آخر
لو أبرأ الضامن المضمون عنه من مال الضامن قبل أدائه عنه, هل يصح الإبراء؟ وجهان مخرجان من الوجهين في جواز تعجيل القضاء قبل أن يغرم, فإن قلنا: يجوز التعجيل صح الإبراء وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز الإبراء.
فرع آخر
لو كان المضمون عنه صغيرًا والضامن ضمن بأمر أبيه, ثم طولب الضامن بالغرم فإن كان المضمون عنه على صغره لم يجز له أن يأخذ الأب بخلاصه.
وإن بلغ له أن يأخذ الابن دون الأب.
ولو كان غير الأب أمره بالضمان ليس للضامن أن يطالب الآمر بخلاصه بحال لأنه أمره من لا ولاية له.
فرع آخر
لو ضمن ذمي لذمي عن مسلم ثم صالحه على خمر هل يصح الصلح؟ فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 479
أحدهما: يصح لأنه بين كافرين.
والثاني: لا يصح, لأنه متصل [28/أ] بحق مسلم.
فإذا قلنا: يصح فبماذا يرجع؟ فإن قلنا: إذا صالح المسلم على ثوب يرجع بقيمة الثوب فها هنا لا يرجع بشيء, وإن قلنا هناك: يرجع بجميع الحق فكذلك ها هنا يرجع بأصل الحق.
فرع آخر
لو لم يكن الضمان بإذن المسلم فالصلح جائز على معنى أنا نُعوض عنه فلا نبطله, ويحتمل وجهًا آخر أنه باطل لما ذكرنا أنه يبرأ به ذمة المسلم لما ذكرنا.
فرع آخر
لو صالح صاحب الحق مع الضامن صلح حطيطةٍ يرجع بما صالح عليه بلا خوف.
مسألة: قال: "وَلَوْ ضَمِنَ عَنِ الأَوَّلِ بِأَمْرِهِ ثُمَّ ضَمِنَ عَنِ الضَّامِنِ ضَامِنُ بِأَمْرِهِ فجائز".
الفصل
وهذا كما قال: قد بينا أنه يصح ضمان الدين الذي على الضامن لأنه لازم مستقر, ثم لصاحب الحق أن يطالب من شاء منهم, فإن طالب فقبض الحق من بعضهم برئ الجميع.
وإن أحالهم له بعضهم على آخر فكذلك برئ الجميع لان الحوالة كالقبض.
وإن أبرأ واحدًا منهم فإن أبرأ الأصيل برئ هو وبرئ الضامنان, وإن أبرأ الضامن الأول برئ هو والضامن الثاني, ولا يبرأ المضمون عنه لان الضامن الثاني فرع للضامن الاول, والضامن الأول فرع لمن عليه الدين, فإذا برئ الفرع لم يبرأ الاصل.
ولو ضمن الأصل عن الضامن أو ضمن الضامن الأول عن الثاني لا يجوز لان الحق واجب في ذمته فلا يفيد هذا الضمان شيئًا.
ولو ضمن رابع وخامس عن الضامن يجوز أيضًا وإن كثروا ولصاحب الحق مطالبة الكل على ما ذكرنا.
فإن قلنا: أليس لا يجوز أن يأخذ بالرهن رهنًا وهو وثيقة كالضمان فما الفرق؟ قيل: الفرق أن الضمان بحق ثابت في الذمة, والرهن بحق متعلق بالعين لا بالدين فافترقا.
ولو قبض الحق من الضامن الثاني فإن كان ضمن عن الأول بإذنه رجع عليه.
وهل يرجع الأول على الأصل؟ إن كان ضمن عنه بإذنه رجع عليه وإلا فلا.
وإن كان الثاني ضمن عن الأول بغير إذنه لم يكن له الرجوع على الضامن الأول, فإن لم يرجع عليه لم يكن للضامن الأول الرجوع على الأصل لأنه لم يغرم.
فرع
لو ضمن عن الأصل ضامن من غير أمره ثم قال الأصيل لرجل: اضمن عن هذا الضامن ما ضمنه عني [28/ب] فضمن بإذنه دون إذن الضامن وأدى المال رجع إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 480
الأصيل.
وإن كان بإذنهما جميعًا رجع على أيهما شاء، وبمثله لو قال لرجل: اقضِ دين فلان أو اضمن عن فلان ففعل لم يرجع على الآمر لأنه لا غرض له في قضاء غير دين الغير فذلك الأمر لا يفيد شيئًا، وها هنا له غرض في قضاء الدين الذي هو عليه، وإن كان هناك ضامنٌ فسواء بين أن يقول: اضمن عن ضامني ذكره القفال.
وقيل: فيه وجهان مبنيان على ما لو قال: اقضِ ديني، فإن قلنا هناك لا يرجع فها هنا لا يرجع، وإن قلنا: هناك يرجع فها هنا يرجع.
فرع آخر
لو ضمن في الابتداء بشرط أن يعطي المضمون عنه ضامنًا بما ضمن هل يصح؟ فيه وجهان ذكره أصحابنا بخراسان والأصح أنه لا يجوز هذا الضمان إذ لا خيار في الضمان، ولو ضمن بالخيار كان باطلًا وهذا لأن من جوز هذا الضمان بهذا الشرط قال على المضمون عنه أن يعطي للضامن ذلك الضامن المشروط، فإن لم يضمن فلان فلهذا الضامن الخيار في أن يرضى بلا ضامن أو يفسخ الضمان ويبرئ نفسه.
قال هذا القائل: وأصل الوجهين ما قاله ابن سريج، وهو أن بنفس الضمان هل ينعقد بين الضامن والمضمون عنه حكم أم لا؟ فيه وجهان ولهذا الخلاف خمس فوائد: أحدها: هذه المسألة، والثانية: ما ذكرنا، أنه لو حبس الضامن بالحق هل له أن يقول: احبسوا المضمون عنه معي على ما سبق بيانه.
والثالثة: ما ذكرنا أنه لو أبرأ الضامن المضمون عنه عما سيغرم هل يصح أم لا؟ والرابعة: لو صالح عما سيغرم على بعضه هل يصح أم لا؟ والخامسة: لو أعطى المضمون عنه الضامن ضامنًا بما يضمن هل يجوز أم لا؟.
مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيْلٌ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ.
الفصل
وهذا كما قال: لو كان له على رجلين ألف درهم على كل واحدٍ منهما خمسمائة وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بأمره فله مطالبة من شاء منهما بألف، خمسمائة أصلٌ وخمسمائة ضمان.
ثم لا يخلو إما أن يقبض أو يبرئ، فإن قبض ألفًا من أحدهما [29/ أ] برئ عن خمسمائة أصلًا وبرئ شريكه عن ضمانها وبرئ عن خمسمائة ضمانًا وبرئ شريكه عن أصلها.
وإن قبض من أحدهما خمسمائة نُظِر فإن عيّنها باللفظ أو بالنية كان عما عينها، وإن عيّن الأصل برئ من الأصل وبرئ شريكه من ضمانها، وإن عيَّن الضمان برئ منه وبرئ شريكه من أصلها.
وإن قبض خمسمائة مبهمةً غير معينة بقولٍ ولا بنيةٍ فيه وجهان: أحدهما: له أن يعينها في أي الدينين شاء وهو المذهب كما لو أعتق عبده عن كفارته وكان عليه كفارتان له تعيين العتق عن أيهما
الجزء: 5 - الصفحة: 481
شاء.
والثاني: يكون من الدينين معًا مائتان وخمسون عن الأصل ومائتان وخمسون عن الضمان لأن الإطلاق يقتضي التسوية بينهما.
وإن أبرأ أحدهما من الألف برئ من الأصل وبرئت ذمة شريكه من ضمانها وبرئ عن خمس مائةٍ ضمانًا ولم يبرأ ذمة شريكه عن أصلها.
وإن أبرأ أحدهما عن خمسمائة فإن عين بالقول أو بالنية كان على ما عين.
فإن أبرأه عن الأصل برئ منه وبرئت ذمة شريكه عن ضمانها، وإن أبرأه عن الضمان برئ منه ولم يبرأ ذمة شريكه عن أصلها.
وإن أبرأه عن خمسمائة مبهمةٍ فيه وجهان على ما ذكرنا.
فإن جعلها عن الضمان له أن يطالب الذي لم يبرئه بألفٍ خمسمائة أصلٌ وخمسمائة ضمان.
وإن أراد أن يطالب المبرئ عنه يطالبه بخمسمائة التي هي الأصل.
فرع
لو كانت هذه الكفالة في بيع بطل البيع وهي أن يقول: بعتكما هذا العبد بألف على أن كل واحدٍ منكما ضامن على صاحبه لأنه لم يبع النصف من هذا بخمسمائة إلا بأن يضمن له الدين الذي له على غيره.
فرع آخر
لو كان له عليهما ألف على كل واحدٍ منهما خمسمائةٍ وكل واحدٍ منهما كفيل ضامنٌ عن صاحبه ثم ضمن ثالث عن أحدهما الألف الذي في ذمته صح وكان له مطالبة أي الثلاثة منهم شاء.
فإن طالب الثالث فقبض الحق منه برئت ذمة الشريكين ولم يكن للثالث أن يرجع على من لم يضمن عنه منهما وهل له [29/ ب] أن يرجع على من ضمن عنه منهما؟ نُظر فإن كان ضمن عنه بغير أمره لم يرجع، وإذا لم يرجع لا يرجع هو على شريكه.
وإن كان قد ضمن بأمره رجع به عليه، وهل يرجع هو على شريكه أم لا؟ أمّا مال الأصل فلا يرجع على شريكه، وأمّا مال الضمان فإن كان قد ضمن عن شريكه بأمره رجع عليه وإلا لم يرجع.
فرع آخر
قال القفال: قال ابن سريج: لو قضى في المسألة السابقة أحدهما خمسمائة ثم اختلفا فقال صاحب الحق: قضيت عن صاحبك، وقال الدافع: لا بل عن نفسي وحلف فلصاحب الحق أن يطالب الذي لم يقبض شيئًا بخمسمائة لأنه يقول: إن صدقت صاحبك فعليك خمسمائة، وإن صدقتني وكذبت صاحبك فنصيبه عليه باقٍ وأنت ضامن لذلك.
أو يقول: لي على صاحبك خمسمائة وأنت أقررت بأنه أدى عنك خمسمائة فله عليك خمسمائة فأنت غريم غريمي فأطالبك به كما لو كان له على رجل ألف وتعذر عليه استيفاؤه فأقر رجل لذلك الرجل الذي عليه المال بألفٍ وأنكر المقر له فلصاحب الحق أن يقول له: عليك ألف ولي عليه ألف فأدِّ حقي كما لو ظفرت بشيء من ماله فلي أخذه بحقي عند التعذر، وبعدما حلف الدافع إني دفعت عن نفسي فلصاحب الحق أن يطالبه بالنصف الآخر الذي هو ضامنٌ فيه لأنه يقول: إنما قلت: إنك دفعت
الجزء: 5 - الصفحة: 482
المضمون ظنًا مني أو دلني ظاهر الحال على ذلك فلما حلفت أنك ما دفعت إلا نصيبك فالمضمون عليك باقٍ.
فرع آخر
لو ضمن ثلاثة أنفسٍ عن رجل ألف درهم كان على كل واحدٍ ثلاثة إلا أن يقول كل واحد منهم أنا ضمن لجميعه.
فرع آخر
لو كان المضمون له مريضًا فأبرأ الضامن ومات من مرضه فإن خرج من الثلث برئ، ى وإن لم يخرج من الثلث برئ من مقدار الثلث وكان الضمان باقيًا فيما زاد عليه.
مسألة: قال: "وَلَوْ أَقَامَ الرَجُلٌ البَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ هّذَا الرَّجُلِ وَمِنْ رَجُلٍ غَائِبٍ عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَاهُ مِنْهُ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا قدَّم رجل رجلًا إلى الحاكم وادعى عليه أنه باع منه ومن رجل آخر غائب عبدًا بألف درهم، وإن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بأمره وأنه مطالبٌ له بالألف فلا [30/ أ] يخلو المدعى عليه إما أن يقرّ به أو ينكره، فإن أقر به لزمه.
فإذا قدم الغائب فإن صدقه على إقراره رجع بنصف الألف عليه، وإن لم يصدقه لا يقبل إقرار المدعى عليه على الغائب ولم يكن له الرجوع عليه.
وإن أنكر المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون له بينة أو لا بينة له، فإن لم تكن له بينة فالقول قوله مع يمينه فإذا حلف برئ.
ثم إذا قدم الغائب لا يخلو إما أن ينكر أو يقر فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه.
وإن أقر يلزمه خمسمائة درهم وهي التي لزمته بالشراء، فأمّا ما لزمه بالضمان عن صاحبه فقد سقط عنه لأن صاحبه قد برئ عنه بيمينه، وإذا برئ المضمون عنه برئ الضامن ومن أصحابنا من قال: ما لزمه بالضمان لم يسقط عنه ويؤخذ بإقراره لأن اليمين لم يبرئه من الحق بل أسقط عنه المطالبة في الظاهر ولهذا تسمع البينة عليه، وإذا أقامها لزم الضامن.
وإن كانت له بينة فأقامها فإنه يقضى بها على الحاضر بألف درهم نصف بالشراء ونصفه بالضمان فإذا قدم الغائب فإن كان الحاضر لما قدم إلى الحاكم وأنكر قال: ما اشتريت وما ضمنت فإنه قد كذّب بينة المدعي وأقر بأن ما غرمه ظلم لحقه من جهة المدعي فلا يرجع به على الغائب.
وإن أنكر الشراء وسكت عن الضمان كان له الرجوع عليه بخمسمائة لأنه لم يكذب البينة، قال ابن أبي هريرة: وهكذا إذا قال: لا أقر ولا أنكر فسمع الحاكم عليه البينة وقضى بها عليه رجع هو على الغائب وهذا جواب عن سؤال يقال: الخصم الحاضر أنكرها ادعى المدعي من الشراء والضمان فكيف يرجع على الغائب بنصف الألف وهو يزعم أن المدعي مبطل في
الجزء: 5 - الصفحة: 483
دعواه، لأنه على ما ذكرنا لم يقل: إن المدعي مبطل في دعواه حتى لو قال ذلك لا يرجع.
وقيل: لعله وكل بالخصومة وكيلًا فلم يبطل حق رجوعه بإنكار وكيله فلهذا قال: ورجع على الغائب.
وقيل: وهو الصحيح جحوده لمدافعة خصومة الخصم لا يمنعه من الرجوع إذا توجه الحكم عليه لأنه لو اشترى من رجل عبدًا وقبضه فجاء مستحق وادعى أنه مغصوب [30/ ب] فأنكر المشتري وقال: بل كان ملكًا للبائع حين باعه مني وهو اليوم ملكي، ثم أقام المستحق بينة على الغاصب واسترجع العبد منه كان له أن يرجع على البائع بثمن العبد ولا يمنعه نسبة ملك العبد إلى البائع في مدافعة الخصومة عن الرجوع لأنه يقول: كانت تلك المقالة مني صادرة على الظاهر لدفع الخصومة، فإذا توجه القضاء عليّ ثبت لي حق الرجوع عليك كذلك ها هنا، وقيل: تأويله أن الحاضر صدق المدعي في ذلك غير أن المدعي قال: وأنا أقيم البينة بما ادعى عليك ليثبت الحق على الغائب فسمع الحاكم ذلك وقضى بها ها هنا له الرجوع لأنه ليس فيه تكذيب البينة.
وقيل: تأويله أنه لم يجب بقوله ما اشتريت وما ضمنت ولكن قال: لا يلزمني دفع هذا المال من الوجه الذي تذكره فيحتمل أنه قضى ذلك المال مرةً.
وقيل: تأويله أن الحاضر أنكر الضمان عن الغائب على ظاهر ما قال المزني، فلما قبض منه الألف قال: قد ظلمني هذا المدعي وأخذ مني ألفًا لا يستحقه وأعلم أن لك قبل الغائب ألفًا أقدر على أخذه بالبينة التي أقمت فقد وجد مالًا لمن عليه مال لا يقدر على أخذه فكان له أخذه بحقه، فعلى هذا التأويل هذا الحاضر لا يرجع على الغائب بما ضمن عنه وإنما يرجع بمال الغاصب عنده.
وهذا التأويل لا يستقيم لأنه إذا أنكر جملة ما ادعاه المدعي وقال: لا تستحق عليّ ولا على الغائب بسبب هذه الدعوى، فكيف يرجع عليه بسبب هذه البينة؟ وإن لم ينكر ما ادعاه على الغائب وإنما أنكر الضمان عند فقد سقط عنه بأدائه عنه في الظاهر، وما ذكره من حكم الباطن ففي الظاهر لا يجوز أخذ ماله.
قال المزني: وهذا مما يجامعنا عليه من أنكر القضاء على الغائب يعني به أبا حنيفة فإنه وافقنا في المسألة، لأن له اتصالًا بالحاضر وهو الضامن ينوب عن الغائب في الخصومة.
وقال أبو إسحاق: هذا ليس بإلزام لأنهم يقولون بجواز القضاء على الغائب إذا كان هناك خصم حاضر وقال غيره: هذا وإن كانوا يقولونه فهو حجة عليهم، لأنه أثبت البيع و [31/ أ] الثمن على الحاضر والغائب وإنما قيد المزني هذه المسألة بالقبض لأن المدعي إذا لم يدّع أن المشتري قبض السلعة مني لم يستحق طلب الثمن على المشهور من مذهب الشافعي رحمة الله عليه.
فرع
ولو شهدت البينة ولم يعين الغائب باسمه ونسبه فهل يحكم بها على الحاضر بالألف؟ قال صاحب "الإفصاح": يحتمل وجهين:
الجزء: 5 - الصفحة: 484
أحدهما: لا يحكم عليه لأن بهذه الشهادة لا يثبت المال على الغائب، وإذا لم يثبت على الغائب لم يجز أن يثبت على الحاضر عنه.
والثاني: يُحكم عليه بالألف لأن البينة لو شهدت على رجل بأن عليه لفلان ألف درهم من جهة الضمان قبلت هذه الشهادة وقضي عليه بالألف، وإن لم يكن المضمون عنه معينًا.
مسألة: قال: وَلَوْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ لِرَجُلٍ فَدَفَعَها بمحضره ثُمَّ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم فطالب المضمون له الضامن به فدفعه إليه ثم جحد القابض ما قبضه فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم القبض.
وقد قال المزني: "حلف وبرئ" وليس معنى قوله: "برئ" أن عليه دينًا برئ منه لأنه طالب الدين، ولكن المراد به براءته عما توجه عليه من دعوى القبض والبراءة مرة تكون عن الدين ومرة عن الدعوى في الخصومة.
ثم إذا حلف لا يخلو إمّا أن يكون دفعه إليه بحضرة المضمون عنه أو بغيبته، فإن كان بحضرته كان المضمون له أن يطالب أيهما شاء بالألف.
فإن طالب المضمون عنه بما كان عليه دفعه إليه ليزن ألف درهم له وألف درهم للضامن، لأنه يقر بأن الضامن قد استحق الألف عليه وأن الظلم لحقه من جهة المضمون له، وهذا هو الذي نقله المزني واختاره أبو إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: لا يرجع الضامن عليه لأنه فرط في ترك الإشهاد ولم يقبض الدين قضاء يبرئ ذمة المضمون عنه به فلا يرجع عليه كما لو دفع بغيبة المضمون عنه ولم يشهد وهذا غلط والفرق بينه وبين حالة الغيبة أن الأمر هناك مفوض إلى الضامن فإذا ترك الإشهاد فرط فلا يرجع [31/ ب] وها هنا الأمر مفوض إلى المضمون عنه فإنه حاضر، فكان سبيله أن يحتاط لنفسه، فإذا لم يفعل كان التفريط من جهته فاستحق الضامن الرجوع عليه.
وفرع ابن سريج على هذا فقال: لو ادعى الضامن أنه قضى الدين وصدق المضمون له وكذبه المضمون عنه فيه وجهان:
أحدهما: القول قول المضمون عنه لأن الضامن منهم في قوله والمضمون له يشهد على فعل نفسه فلا تقبل شهادته على فعل نفسه.
والثاني: القول قول الضامن ويرجع على المضمون عنه لأن المضمون له قد اعترف بأن الدين الذي في ذمة المضمون عنه صار لغيره وهو الضامن فيقبل لأنه أقر بما هو ملكه لغيره.
ولأن الإقرار يقوم مقام البينة ولو ثبت القبض بالبينة رجع كذلك إذا ثبت
الجزء: 5 - الصفحة: 485
الإقرار.
وإن طالب الضامن وقبض منه ألف درهم فإن الضامن يرجع على المضمون عنه بالألف الأول وهو الذي دفع إلى الطالب بحضرة المضمون عنه ولا يرجع بالألف الثاني لأنه يقر أنه ظلم لحقه من جهة الطالب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر يرجع بالألف الثاني دون الألف الأول لأن البراءة به وقعت للمضمون عنه وهو ضعيف.
وإن كان الضامن دفعه إلى الطالب في غيبة المضمون عنه لا يخلو إما أن يشهد عليه أو لم يشهد، فإن لم يشهد عليه لا يخلو إما أن يكون قد أمره بالإشهاد، أو منعه من الإشهاد، أو لم يأمره ولم يمنعه منه فإن كان قد منعه منه نُظر صدق الضامن في قوله كان الحكم فيه كما لو دفعه بحضرته.
فإن جحده كان القول قوله مع يمينه وعلى الضامن البينة، فإذا حلف برئ من دعوى الضامن ويكون المضمون له بالخيار إن شاء طالب الضامن، وإن شاء طالب المضمون عنه، فإن طالب المضمون عنه وزن ألف درهم له ولا يلزمه أن يزن للضامن شيئًا، وإن طالب الضامن وزن له ألف درهم.
وهل يرجع على المضمون عنه؟ المذهب أنه يرجع بالألف الثاني لأن بالأول لم تحصل البراءة وإنما حصلت بالثاني وهذا اختيار القاضي أبي حامد رحمه الله، ومن أصحابنا من قال: لا يرجع بشيء لأن بالألف الأولى لم تحصل البراءة، والثاني يقر الضامن أنه ظلم لحقه من جهة [32/ أ] المضمون له وأن البراءة حصلت بالألف الأول الذي قبضه.
قال صاحب "الإفصاح": ولو قال قائل: هذا القول كان مذهبًا ومن أصحابنا من قال: يرجع بالألف الأول لأن ذمته برئت به في الباطن، وإن كان قد أمره بالإشهاد عليه فترك الإشهاد فإنه مفرط بترك الإشهاد مضيع لما دفعه إليه فلا يجوز أن يرجع به على المضمون عنه وإن صدقه المضمون عنه، ثم ينظر في المضمون له، فإن طالب المضمون عنه وزن له ألف درهم ولا يلزمه أن يزن للضامن شيئًا.
وإن طالب الضامن لزمه أن يزن له ألف درهم ثانيًا وهل يرجع على المضمون عنه؟ على ما ذكرنا.
وإن لم يأمره بالإشهاد ولم يمنعه منه قال أبو إسحاق: يلزمه الإشهاد، فإن لم يشهد كان مقبوضًا ولا يرجع على المضمون عنه وإن صدقه، كما لو أمره بالإشهاد لأن أمره بالدفع يقتضي دفعًا مبرئًا وذلك بالإشهاد عليه حتى إذا جحده تكون شهادتهما حجة عليهم.
وقال ابن أبي هريرة: يحتمل أن له الرجوع لأن الدفع وقع بأمره ولم يأمره بالإشهاد حتى يكون مفرطًا فيه، فصار كما لو دفعه بحضرته والأول المشهور، وقد فرقنا بين حالة الحضرة وحالة الغيبة.
وإن كذبه فإن قلنا: لو صدقه لم يرجع عليه فلا يمين عليه.
وإن قلنا: إذا صدقه رجع عليه فعليه اليمين على نفي العلم.
وأما المضمون له إن شاء رجع على المضمون عنه، وإن شاء رجع على الضامن على ما ذكرنا.
فإن رجع على المضمون عنه فلا كلام، وإن رجع على الضامن بالألف فإن قلنا: إنه لو لم يرجع
الجزء: 5 - الصفحة: 486
عليه رجع بالألف الذي دفعه رجع ها هنا أيضًا به، والثاني ظلم لا يرجع به وإن قلنا: بالوجه المشهور أنه لا يرجع فها هنا هل يرجع؟ على ما ذكرنا من الخلاف وفيه وجه آخر ذكره ابن أبي هريرة يرجع بأحد الألفين لا يعينه، قال القاضي الطبري: وهو الصحيح عندي لأن البراءة حصلت بالألفين جميعًا بالألف الأول في الباطن، وبالألف الثاني في الظاهر وقد كان يمكنه تحصيل البراءة منه بألف واحد ففرط فيه فإذا كان كذلك حصل له على المضمون عنه من الألفين ألف واحد من غير تعيين.
ومن أصحابنا من رتب فقال: هل يرجع عليه؟ وجهان فإذا قلنا: يرجع فيه وجهان: [32/ ب] أحدهما: يرجع بالألف الأول، والثاني: بالألف الثاني، وفيه وجه ثالث: يأخذ الألفين لا يعينه وقيل: يرجع بأقلهما لأن الأقل إن كان أقل فهو لا يدعي إلا هو، وإن كان الثاني أقل استحق الرجوع به في الحكم فلا يرجع بأكثر منه هذا كله إن لم يكن أشهد عليه.
فإن كان قد أشهد عليه لا يخلو إما أن يشهد شهودًا يثبت بها الحق أو لا يثبت بها الحق أو مختلف فيها، فإن كان شهودًا يثبت بها الحق مثل رجلين أو رجل وامرأتين عدولٍ فإن الضامن يقيمها فإذا ثبت القضاء كان له الرجوع على المضمون عنه، فإن مات الشهود أو غابوا أو فسقوا واعترف المضمون عنه أن الضامن كان قد أشهد كان للضامن أن يرجع عليه بما قضى عنه لأنه لم يكن مفرطًا، والحكم فيه كما لو دفعه بحضرة المضمون عنه.
وإن أشهد شهودًا لا يثبت بها الحق فإن كانت ترد بأمر ظاهر مثل الفسق الظاهر والرق والكفر لم يكن له الرجوع على المضمون عنه لأن مفرط في ذلك.
وإن كانت ترد شهادتهم بأمرٍ خفي مثل الفسق الخفي فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع لأنه أمره حين لم يحصل المقصود من الشهود، والثاني: يرجع لأن الجرح والتعديل إلى غيره فلا يكون مفرطًا ولأنه أمر يستبطن فكان معذورًا في الخطأ فيه.
ومعنى الوجهين: أنه يُكتفى بظاهر العدالة في شهود النكاح أو تعتبر حقيقة العدالة كما عند الحاكم على وجهين.
وإن أشهد بينة مختلفًا فيها مثل العدل، فإن كان باقيًا حلف معه وحكم له.
وإن كان قد مات فيه وجهان: أحدهما: يكون مفرطًا لأن الشاهد الواحد ليس ببينة تامة في الابتداء.
ولأن الحاكم ربما كان لا يرى الحكم بالشاهد واليمين.
والثاني: لا يكون مفرطًا وهو الصحيح لأنه لو كان حيًا لم يكن مفرطًا فلا يصير مفرطًا بموته.
مسألة: قال: وَلَوْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَا قَضَى لَهُ بِهِ عَلَى آخَر.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: ضمنت لك ما قضى لك على فلان، أو شهدت لك ببينتك
الجزء: 5 - الصفحة: 487
عليه، أو ضمنت لك مالك على فلان لم يَجُز لأنه ضمان مجهول.
ولو قال: ضمنت لك ما تُداين فلانًا أو تُقرضه أو تُعامله به لم يَجٌز [33/ أ] لمعنيين: أحدهما: أنه ضمان ما لم يجب.
والثاني: أنه ضمان المجهول وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والليث وأحمد رحمهم الله، وقال أبو حنيفة ومالك: يصح ضمان المجهول وضمان ما لم يجب لأنه يصح تعليقه بالغرر والخطر ولهذا جاز ضمان الدرك وهو مجهول ولم يجب.
وهذا غلط لأنه إثبات مال في الذمة بعقد لآدمي فلم يجز في المجهول كالبيع.
وقد بينا ضمان الدرك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج من ضمان الدرك أنه يجوز كما قال أبو حنيفة: خرجه ابن سريج رحمهما الله.
وقيل: إنه مخرج من قوله القديم: يصح ضمان نفقة الزوجات وهذا غير مشهور.
فرع
لو قال: ضمنت لك ما تداين به فلانًا من درهم إلى مائة لم يجز أيضًا لمعنى واحد وهو أنه ضمان ما لم يجب.
وقيل: فيه وجهان تخريجًا من ضمان نفقة الزوجات، وفيه قولان.
ولا يصح هذا التخريج لأنه في القديم يرى وجوب النفقة بالعقد، وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز هذا للحاجة الداعية إليه.
وهذه العلة غير صحيحة لأنه لا حاجة لأنه يمكنه الصبر حتى يجب الحق عليه.
فرع آخر
لو قال: أقرض زيدًا ألف درهم وعليّ ضمانه فالمذهب أنه لا يجوز وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: يجوز لأنه ضمان مقترن بالقرض فصح اجتماعهما وهذا اختيار ابن سريج.
وهكذا لو قال: عبدك هذا من زيد بألف وأنا ضامن بخمسمائة هل يلزمه الضمان؟ وجهان ذكرناه في البيع.
فرع آخر
لو كان عليه دين فجهل قدره فقال: ضمنت لك عنه من درهم إلى ألف درهم قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: لا يجوز وهو الأقيس لأنه مجهول.
والثاني: يجوز وهو ظاهر المذهب لأن الجملة معلومة فهو ضامن لكل قدرٍ من الألف.
وعندي أن ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وكذا ذكره أصحابنا بالعراق.
فرع آخر
لو قال: هذا الرجل وكيلي فكل ما أعطيته لي فهو عليّ فما أعطاه لزمه ضمانه للتوكيل دون عقد الضمان فإنه إذا أعطاه يصير بمنزلة دفعه إلى الموكل فإن يد الوكيل يد الموكل.
الجزء: 5 - الصفحة: 488
فرع آخر
لا يجوز الضمان المعلق بالصفة قبل [33/ ب] أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فقد ضمنت لك الألف الذي على فلان وهذا لأنه يقتضي أن يكون وجود الصفة سببًا في وجوب الحق عليه وهذا محال.
وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز ذلك.
فرع آخر
لو ذكر أجلًا في الضمان غير معين الوقت ولكنه يعرف الجملة لفصح النصارى فيه قولان حكاهما ابن سريج.
أحدهما: لا يجوز كما في البيع.
والثاني: يجوز لأنه موضوع للرفق.
وهكذا لو قال: إلى الحصاد أو الجذاذ أو الدباس ولو قال: إلى مجيء المطر وقدوم الغزاة لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه لا يعرف أصلًا.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز هذا الشرط هل يبطل به الضمان؟ قولان مبنيان على الضمان بشرط الخيار يبطل الخيار وفي بطلان الضمان قولان.
مسألة: قال: وَلَو ضَمِنَ دَيْنَ مَيٍّتٍ بَعْدَمَا يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ لِمَنْ هُوَ فَالضَّمَانُ لاَزِمَ.
الفصل
وهذا كما قال: يجوز ضمان دين الميت سواء حلَّف وفاءً أو لم يحلِّف، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد.
وقال الثوري وأبي حنيفة: لا يجوز إلا إذا ترك وفاء أو كان به ضامن وهذا غلط لخبر عليّ وأبي قتادة رضي الله عنهما.
وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل يصلي عليه فقال: عليه دّين؟ قالوا: نعم، فقال: "إن ضمنتم دينه صليت عليه".
ولأن الديَن على الميت صحيح مستقر بدليل أن سمرة بن جندب قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات فلما انصرف قال: "ها هنا من بني فلان أحد إن صاحبكم فلانًا قد احتبس عن الجنة بدين عليه فإما أن تفدوه من عذاب الله عز وجل وإما أن تسلموه".
وأما قوله: بعدما يعرفه أراد معرفة المضمون عنه وهذا يدل على أحد وجهي أصحابنا.
فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه يعرف مقدار الدين قلنا: يحتمل هذا، ولكن ذكر قبله بسطرٍ ضمان المجهول فيبعد أن يقصد التكرار وهذا اختيار القفال رحمه الله.
ولو أطلق الضمان عن الحق ولا يدري أنه حالّ أو مؤجل فالمذهب أنه يجوز، ولزمه على بينته في الحلول والتأجيل.
وقال بعض شيوخنا: لا بد أن يعلم أنه حالّ أو مؤجل.
[34/ أ]
الجزء: 5 - الصفحة: 489
مسألة: قال: "وَلَا تَجُوزُ كَفَالَةُ العَبْدِ المَاذُونِ فِي التِّجَارَةِ".
الفصل
وهذا كما قال.
الكلام الآن فيمن يصح ضمانه وفيمن لا يصح، وأصل هذا أن كل من صح بيعه صح ضمانه.
فإن كان الضامن عبدًا لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مأذونًا له في التجارة، أو غير مأذون له في التجارة، فإن كان غير مأذون لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون بإذن سيده أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فالضمان صحيح.
ثم هل يتعلق بكسبه أو يلزم في ذمة العبد حتى يؤديه بعد العتق؟ قد ذكرنا فيما تقدم وجهان:
أحدهما: وهو اختيار صاحب "الإفصاح" يتعلق بكسبه فإن لم يكن له كسب ففي ذمته كالمهر والنفقة إذا أذن له بالنكاح وهذا لأن المقصود من الضمان أداء الحق، فإذا أذن فيه فقد رضي بتعلقه بكسبه.
والثاني: يلزم في صحته وهو الأصح لأن الإذن بالضمان إذن بالمعاملة فصار كما لو ابتاع مالًا بإذن سيده كان الثمن في ذمته دون كسبه ويفارق النكاح لأنه استمتاع لا يحصل له إلا بالمهر والنفقة فتعلق ذلك بكسبه لإذنه فيه.
وإن كان هذا الضمان بغير إذنه قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان: أحدهما: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة ويكون المال في ذمته يتبع به إذا عتق لأنه في ضرر على السيد فيه ويخالف النكاح لأن يضر بالسيد فإنه يقتضي الإنفاق وتعطيل منافعه بالكسب له.
قال هذا القائل: وقول الشافعي: ولا يصح كفالة العبد المأذون له في التجارة أراد إذا ضمن في المال دون الذمة.
والثاني: لا يجوز وهو اختيار الإصطخري وهو ظاهر المذهب لأنه تبرع واستهلاك في الحقيقة فلا يجوز دون إذن السيد وهذا اختيار ابن سريج.
وإن كان العبد مأذونًا فإن ضمنه في ذمته من غير إذن سيده فالحكم ما ذكرنا، قال القفال: والصحيح أنه لا يجوز، لأنه ليس من التجارة فلا يتناوله الإذن.
وقال أبو حنيفة: يجوز، لأنه من جملة ما تدعو إليه التجارة وهذا غلط لما ذكرنا ولأنه ربما يجد مرجعًا وربما لا يجد فيكون استهلاكًا ومخاطرة فلا يجوز.
وإن ضمنه في المال الذي في يده لم يجز بلا خلاف.
وإن ضمن بإذن السيد في الذمة جاز.
وهل يكون في ذمته أو كسبه؟ وجهان [34/ ب] على ما ذكرنا.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا قلنا: يجب في كسبه يجب أن يتعلق فيما في يده من المال أيضًا كما قلنا في النكاح.
وإن ضمنه في المال الذي في يده وقلنا: إنَّ إذنه لا يقتضي تعلق الضمان به لم يصح الضمان.
ولو أذن له في الضمان فيما في يده صريحًا
الجزء: 5 - الصفحة: 490
فضمن صح الضمان وجهًا واحدًا ويفارق الحر إذا ضمن الدين في مال معين في يده لا يجوز لأنه لا حاجةً للحر إلى تعيين المال لصحةُ ذمته، ولا سبيل إلى استيفاء ما في ذمته في حال رقه فافترقا.
أو نقول: التعيين فيما بيد العبد ينصرف إلى الأداء دون الضمان لأن الضمان متعلق بذمته فصح، والتعيين في الحر ينصرف إلى الضمان فبطل، وعلى هذا لو عينه السيد في رقبته تعين.
وقال بعض أصحابنا: لو ضمن الحر مالًا وعين القضاء في عين من أعيان ماله يجوز ويتعلق به عنى قياس قول ابن سريج، لأن الحقوق تتعلق بأعيان الأموال كما في الرهن؛ وهذا إذا لم يكن على العبد المأذون دين، فإن كان عليه دين فهل يصير العبد محجورًا عليه في المال الذي بيده لأجل ديونه؟ قولان حكاهما ابن سريج.
أحدهما: لا حجر عليه فيما بيده إلا لسيده لكون ذلك على ملكه فعلى هذا يجوز تصرفه ما لم يحجر علته بالفلس وصح ضمانه بإذن سيده، ولو أذن له السيد في هبةُ ماله صحت هبته.
والثاني: أن العبد محجور لأجل الدين كما محجور في حق سيده لأن العبد يفاضل بما في يده لضعف ذمته بخلاف الحر؛ فعلى هذا ليس له أن يفعل ما يدخل الضرر على غرمائه بهبةٍ ولا غيرها، وإن كان بإذن سيده.
فإذا قلنا بهذا الوجه الثاني ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: باطل لأنه صرفه إلى جهةٍ لم يثبت فيها.
والثاني: يجوز لأن الضمان لا يتعين في المال وإنما يتعين فيه الأداء؛ فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: يكون فيما اكتسبه بعد الضمان وفيما فضل بعد دينه من المال الذي كان يده قبل الضمان.
والثاني: في ذمته يؤديه بعد عتقه؛ وإذا قلنا بالوجه الأول أنه لا حجر عليه فيما بيده للغرماء فضمن مالًا رجل فالمضمون له يشارك سائر الغرماء قبل الحجر عليه لأن المال للسيد وقد أذن في [35/أ] ذلك.
فرع
لو ضمن السيد لعبده مالآ عن أجنبي وعليه دين من تجارةً مأذون فيها فيه مخرجان من اختلاف قوليه من غرماء العبد هل يستحقون حجرًا عليه بديونهم أم لا؟ فإن قلنا: لا حجر لهم عليه فضمان السيد له باطل، وإن قلنا: لهم الحجر عليه ضمان السيد له جائز؛ فإن قضى العبد دينه برئ السيد من ضمانه.
فرع آخر
لو كان على ذمةُ العبد دين فضمن عنه ضامن يجوز بلا خلاف فإن قيل: كيف يصح ضمانه ولا يطالب العبد به؟ قلت: الدين في ذمته لازم وإنما لا يطالب به لعجزه في
الجزء: 5 - الصفحة: 491
حال رقه عن أدائه فكان ذلك بمنزلةُ الدين على العبد.
فرع آخر
لو ضمن العبد مالأ عن أجنبي فمذهب الشافعي ضمانه باطل، وقال ابن سريج: يجوز ضمانه لأنه لا يجوز له أن يثبت له في رقبةَ عبده مالًا لأنه يملك الرقبةً، ويجوز أن يثبت له في ذمته مال لأنه لا يملك الذمةً فعلى هذا لا يكون للسيد أن يطالب عبده بالضمان إلا بعد عتقه.
فرع آخر
المبايعةَ للعبد مع سيده هل تجوز أم لا؟ قال في "الحاوي" إن قال ابن سريج مثل ما قال في الضمان فقد جرى على القياس وكان لقوله وجه وإن كان يمنع فقد ناقض.
ويحتمل أن يركب ابن سريج القياس ويجيز الأمرين كما قال في جواز بيع العبد من نفسه، ويحتمل أن يفرق بينهما بأن بيع نفسه عليه مفضي إلى عتقه فجاز وبيع غير نفسه عليه لا يفضي إلى عتقه فلم يجز لفضل مزيةُ العتق.
فرع آخر
لو ضمن العبد عن سيده شيئًا بأمره يصح فإذا عتق وغرم هل يرجع على السيد بما غرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليه تغليبًا لحالة القضاء على حالةَ الضمان ذكره القاضي أبو علي الزجاجي رحمه الله.
والثاني: لا يرجع عليه تغليبًا لحالة الضمان على أداء حالةَ الأداء ذكره الشيخ أبو محمد الجوينى رحمه الله.
فرع آخر
لو ضمن المحجور عليه نظر فيه، فإن كان محجورًا عليه للسفه لم يصح ضمانه، وإن كان للفلس صح ودفع اليه ما فضل من الغرماء.
مسألة: قال: وَلَوْ ضِمْنَ عَنْ مَكَاتِبِ أَوْ مَالَا فِي يَدِيِ وَصِيِّ أَوْ مقارض أَوْ ضَامِنَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِلَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِل.
وهذا كما قال قد ذكرنا ضمان مال [35/ب] الكتابةً أنه لا يجوز وأما المكاتب إذا ضمن عن الغير مالاً فإن كان بغير إذن المولى فهو كالعبد القِن.
وإن كان إذن المولى فهو تبرع وفي تبرعات المكاتب بإذن المولى قولان معروفانَ ثم اعلم أن المزني أخل بالنقل حيث جمع بين الضمان عن المكاتب والوصي والمقارض، ثم عطف على ذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 492
فقال: أو ضمن ذلك أحد منهم عن نفسه وهذا العطف في المكاتب محال، لأن المكاتب ضامن بعقد الكتابةً نجوم العقد فلعله ظن أنه ذكر سوى المكاتب ثلاثةً من الأمناء.
مسألة: قال: وَضَمَان المَرْأَةِ كَالَّرجُلِ.
وهذا كما قال: ضمان المرأةَ يصح لأن كل من لزمه الثمن في البياعات صح ضمانه كالرجل، وقال مالك: لا تضمن المرأةَ إلا بإذن زوجها كالعبد لا يضمن إلا بإذن سيده.
مسألة: قال: " وَلَا يَجُوزُ ضُمَّانُ مِنْ لَمْ يُبْلَغْ، وَلَا مَجْنُونَ، وَلَا مبرسم يَهْذِي "
الفصل
وهذا كما قال: لا يجوز ضمان الصبي لأنه غير مكلف وهو قول جميع العلماء، لا يجوز أيضاً ضمان المجنون لأنه لا حكم لقوله وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
وأما المريض كان مبرسمًا يهذي لا يصح ضمانه كالمغمى عليه.
وإن كان يعقل صح ضمانه فإن برئ من مرضه كان من صلب ماله، وإن مات كان محسوبًا من ثلاثةَ لأنه إتلاف مال بلا عوض، وأما قوله: يهذي قيل: إنه زيادةً ذكرها المزني لغوًا، وقيل: له فائدةً وذلك أن المبرسم يهذي في أول برسامه مع قوةُ جسمه فإذا تطاول به أضعف جسمه فلا يهذي فأبطل ضمانه في الحالةَ التي يهذي فيها لينبه على بطلانه في الحالةَ التي هي أغلظ منها وهي الحالة التي لا يهذي فيها.
وأما الأخرس فإن كان لا يعقل الإشارةً ولا الكتابةً لا يصح ضمانه، وإن كان يعقل الإشارةَ والكتابةً فأشار به وكتب قام مقام النطق فهو كالناطق يصح ضمانه؛ وإن ضمن الإشارة دون الكتابة جاز، وإن ضمن بالكتابة دون الإشارةَ لا يجوز وجها واحداً ذكره ابن أبي هريرة؛ لأن مجرد الكتابةَ لا يقوم مقام النطق لاحتمالها حتى تنضم إليه الإشارةَ فيزول احتمالها.
ومن أصحابنا من قال: يجوز لأن كتابته أقوى في البيان من الإشارة قال [36/أ] هذا القائل: المزني غلط في نقله حيث شرط شرطين أن يعقل الإشارةً، وأن يعقل الكتابةً وأحدهما يكفي ويغني عن الثاني.
وهكذا الخلاف إذا كان لا يعقل الإشارةً ويحسن الكتابةً فكتبه ولم يشر، والصحيح عندي جوازه وإن كان ما تقدم ظاهر المذهب.
فرع
لو اختلفا فقال المضمون له: ضمنت وأنت بالغ، وقال: بل ضمنت وأنا صبي
الجزء: 5 - الصفحة: 493
فالقول قول الضامن لأن الأصل براءة ذمته والأصل الصغر.
ولو قال: ضمنت وأنت مفيق، وقال: بل ضمت وأنا مجنون، فإن لم يعرف له حالةً جنون فالقول قول المضمون له لأنه أقر بالضمان وادعى ما يوجب البطلان والأصل عدم ما العام، وإن عرف له حالةً جنون فالقول قوله لأن الأصل براءةً ذمته وعلى المضمون له إقامةَ البينةً أنه ضمن له في حال إفاقته.
فرع آخر
لو ضمن رجل المبيع فاستحق المبيع برئ الضامن، وكذلك إذا رده بمب أو إقالةً.
ولو زوج رجلًا بغير أمره وضضن المهر كان النكاح فاسدًا والثامن ساقطا، ولو ضمن صداق امرأته وأقبضها ثم ارتدت قبل الدخول بها يلزمها رد الصداق إلى الزوج ثم يلزم الزوج رد عين ما أخذ منها إلى الضامن ذكره أصحابنا بالعراق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزمه رد ملك العين إلى الضامن بل يغرم مثلها له وهذا أقيس.
مسألة: قال: وَضِعْفُ الشَّافِعِيِ كفالَةً الْوَجِهَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له عليه دين يجوز ضمانه هل تصح الكفالة ببدنه رده إليه متى طالبه به أم لا؟ قال الشافعي في عامةً كتبه: إنها جائزة نص عليه في حرملةً واختلا ف العراقيين واللعان.
وقال في الدعوى والبينات: يجوز ثم قال في آخر كلامه: غير أن كفالةَ الأبدان عندي ضعيفةً ضعف ذلك، واختلف أصحابنا فيه فقال أكثرهم:
المسألةَ على قولين أحدهما: يجوز وهو المشهور وبه قال كافةُ العلماء ومالك وأهل المدينة َوالليث والثوري وأبو حنيفةَ وأحمد رحمهم الله.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: (66)] ولأن ما وجب تسليمه بعقد وجب بعقد الكفالةَ بالمال في بيان الوصف يجب تسلم البدن بعقد النكاح وعقد الإجارةً،
والثاني: لا يجوز وهو القياس لأن كل مضمون إذا هلك كان على الضامن قيمته وهاهنا لا مال [36/ب] عليه إذا هلك المكفول به، ولا إذا تعذر عليه تسليمه فوجب أن لا يكون مضمونًا عليه.
وهذه الطريقةَ اختيار المزني وأبي إسحاق.
والطريقة الثانية أن المسألةً على قول واحد أنها تجوز لأن الشافعي قطع بجوازها في كتب ومع عليه وقوله: إنها ضعيفةَ ليس بقول ثانٍ، وإنما أراد أنها ضعيفةً من حيث القياس ولكنا أجزناها لأخبار وإجماع الناس عليها.
وروي أن نفرًا آمنوا بمسيلمةَ الكذاب فأخذهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقتل واحدًا منهم وتاب جماعةً فكفلهم عشائرهم ووافقه على هذا الرأي جرير والأشعث رضي الله عنهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 494
فرع
إذا قلنا: إنها باطلةً فلا تفريع عليه وإن قلنا: إنها صحيحةً هل يلزم أن يكون عارفًا بالمكفول؟ له وجهان كالمضمون له المال.
فرع آخر
هل يلزم أن يكون عارفًا بقدر الحق على المكفول ببدنه؟ وجهان: أحدهما: يلزم ولا يصح إلا بعد معرفته وهو قول ابن سريج لأن عنده أن موت المكفول به يوجب على الكفيل غرم الدين وبه قال مالك حكاه عنه أصحابه، وأصحابه ينكرونه.
والثاني: لا يلزم وهو مذهب الشافعي، لأنه لا يلزم المال عليه بموته عنده.
فرع آخر
لو كان الحق الذي عليه مما لا يصح ضمانه فإن كان للجهل به وهو أن يكون الدين مجهولَا فقد ذكرنا كان لكونه حدًا نظرًا فإن كان حد لله تعالى كحد الزنا وغرب لم تصح الكفالةَ قولًا واحدًا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا كفالة في حد"، ولأن حد الله تعالى مبني على الإسقاط والكفالة؛ استيثاق فلا مدخل لها فيه، وإن كان حدًا للآدمي كالقصاص وحد القذف قال الشافعي في اللعان: ولا كفالةً في حد ولا لعان، ونقل المزني في "الجامع الكبير" وتجوز الكفالةَ بمن عليه حق أو حد فمن أصحابنا من أخذ بظاهر ما نقل وتأول ما قال في اللعان أن المراد به الكفالةَ بنفس الحد ووجهه أنه حق لآدمي فصحت الكفالةً كسائر حقوق الآدميين.
وقال ابن سريج: فيه وجهان: احدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز لأنه يسقط بالشبهةَ، ولأن الكفالةَ لا تصح به فكذلك لا تصح ببدن من هو عليه، وقال جماعةً من أصحابنا: وهذا هو المذهب.
وقال أبو حامد [37/أ] رحمه الله: يشبه أن يكون الوجهان مبنيين على أن موت المكفول به هل يوجب الحق على الكفيل؟ فمن قال: يجب ذلك لا يجوز هذه الكفالةَ لأنه يحوز وجوب الحد على الكفيل وهذا إشارةً إلى أن المذهب أنه يجوز لأن عند الشافعي لا يلزمه المال بموته ويفارق حد الله تعالى، لأن حق الآدمي مبني على الاستقصاء فيجوز الاستيثاق بالكفالة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الكفالة ببدن من عليه حد الله تعالى قولان أيضا.
وهو كالقولين في أن كتاب القاضي إلي القاضي والشهادةً على الشهادةَ هل يجري في حدود الله تعالى أم لا؟ ووجه البناء أن حكم الحدود هل يجعل كحكم الأموال
الجزء: 5 - الصفحة: 495
قولان؟ وفي هذا نظر والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر
لو ثبت الحق ثم تكفل رجل ببدن المدعى عليه فمات المكفول به قبل تسليمه إليه برئ الكفيل ولا قيء عليه على ما ذكرنا.
وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن سريج: فيه وجهان;: أحدهما: هذا.
والثاني: يلزمه المال لأنه المقصود من هذه الكفالةَ وهذا غلط لأنه لم يتكفل بالمال فلا يلزمه ما لم يتناوله كفالته كما لو تكفل بمائةً درهم لا يلزمه أكثر منها؛ ولأنه لو كفل بالمال لا يلزمه إحضار النفس فكذلك إذا تكفل بالنفس لا يلزمه إحضار المال ولا فرق بينهما.
فرع آخر
إذا قلنا: يلزمه المال فهو الذي ثبت على ذمته وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه
وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: يغرم الأقل من دينه أو الحق الذي عليه وهو
كالقولين فيمن أراد أن يفدي عبده الجاني هل يفدي بإرش الجاه بالغًا ما بلغ آخر بالأقل من قيمته أو أرش جنايته.
فرع آخر
لو قال: تكلفت ببدنه إلى وقت كذا فإن لم أسلمه إليك في هذا الوقت فعليّ ما عليه أو ما تدعيه أو كذا وكذا درهما فالكفالةَ باطلةً لأنها كفالةً معلقةً بصفةً وبه قال محمد وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز فإن لم يوافقه به وجب عليه المال.
فرع آخر
لو لم يمت ولكنه غاب غيبةً لا يعرف موضعه لا يلزمه شيء كما لو مات على ظاهر المذهب وإن عرف موضعه وأمكنه إحضاره وأجل إلى وقت يمكن فيه الذهاب والمجيء، فإن جاء به وإلا حبسه [37/ب] الحاكم له ذكره القاضي أبو حامد في جامعه.
وقال ابن شبرمة: يحبس في الحال لأن الحق قد توجه عليه وهذا غلط؛ لأن الحق وإن توجه عليه فإن يعتبر فيه إمكان التسليم ولا يمكنه ذلك.
فرع آخر
كل موضع أجزنا الكفالةً هل يفتقر إلى إذن المكفول به؟ قال عامة أصحابنا: يفتقر إلى الإذن ولا يجوز من دون إذنه وهو ظاهر المذهب وهو اختيار ابن أبي أحمد وقال ابن سرج: يجوز ذلك من غير إذنه لأنه وثيقةً بالحق فأشبه ضمان المال وهذا غلط لأنه يوجب تسليم النفس وذلك لا يمكن إلا بتمكين المكفول به، ولا يلزمه طاعته إذا لم تكن الكفالةَ بإذنه وفي المال يمكنه أداء الماء فافترقا.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح كما قال ابن سرج فتكفل به من غير إذنه قال: إذا طالب المكفول له
الجزء: 5 - الصفحة: 496
بإحضاره يلزمه أن يحضر معه لا من ناحيةُ الكفالةَ ولكن من ناحيةً الوكالةً فكأنه وكله بإحضاره فيلزمه أن يحضر معه، ولو لم يقل له أحضره بل قال: اخرج إلي من كفالتك فطالبه الكفيل بالحضور هل يلزمه أن يحضر معه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه لأن قوله اخرج إليّ من كفالتك معناه أعطني، ما عليك من الحق فعلى هذا له حبسه حتى يخرج إليه من كفالته ولا يلزم المكفول به قال أصحابنا: هذا يدل على فساد ما قاله لأنه يحبسه على ما لا يقدر عليه وهذا لا في الشرع.
والثاني: يلزمه الحضور معه لأن قوله هذا يتضمن الإذن له في إحضاره ومعناه التوكيل
فرع آخر
إذا تكفل ببدن صبي أو مجنون صحت الكفالة لأن الحق يجب عليهما في ذمتهما وقد يحتاج إلى إحضارهما للشهادةً عليهما بالإتلاف ثم إنما تصح الكفالةَ بهما بإذن الولي لأن إذنهما لا يصح، وإن كان من غير إذن الولي لم يجز إلا على قول ابن سريج، ثم إن كانت الكفالةً بإذن وليه فطولب بإحضاره كان للكفيل مطالبة وليه بإحضاره من حيث وجوب الحق على الصبي لا من ناحية الكفالةَ.
وقال في "الحاوي": "ظاهر مذهب الشافعي رحمةُ الله عليه أنه لا يحوز وإن أمره الأب بالكفالةً لان أمر الأب [38/أ] سؤال وطلب لا يتعلق عليه حكم به".
وعلى قول ابن سريج يجوز ذلك.
فرع آخر
إذا جوزنا على ما قال ابن سريج تجوز الكفالة به غائبًا كان أو حاضرًا، محبوسًا كان أو مطلقًا، لأنه يمكنه تسليم المحبوس وإحضار الغائب، وإن كانت الغيبةُ منقطعةً ولا يمكنه إحضاره لا يجوز وقال أبو حنيفة: لا تجوز الوكالة ببدن المحبوس والغائب وهذا غلط لأن كل وثيقةً صحت مع الإطلاق والحضور صحت مع الغيبةً والخبر كالشهادة والضمان.
فرع آخر
لو كانت الكفالةً بإذنه فطالبه المكفول له بإحضاره يلزمه الإحضار ويلزمه الحضور معه حتى يبرئ ذمته عن الكفالةَ، وإن كان المكفول له غير مطالب برده له إحضاره وتسليمه إليه كما لو أعاره للرهن كان له مطالبةُ الراهن فكاكه كذلك هاهنا.
فرع آخر
كل موضع أجزنا الكفالةً لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون مطلقةً، أو مقيدةً؛ فإن كانت مطلقةً كانت حالةً وكان له المطالبة به متى شاء ولزمه تسليمه في [موضع] الكفالةَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 497
وإن كانت الكفالةً مقيدة وهو أن يتكفل به إلى أجل لا يخلو الأجل من أحد أمرين إما أن يكون معلومًا أو مجهولًا، فإن كان مجهولًا مثل إن قال: تكلفت ببدنه إلى العطاء أو الحصاد لا يصح وهو الأصح، في المذهب، وفيه وجه آخر يصح كالعاريةً والإباحةً لأنه حق لا يقابله عوض؛ وهذا غلط لأنه ضمن في ذمته مالأ بعقد فلا يجوز إلى أجل مجهول كالثمن في البيع، ويفارق العاريةً لأنه لو قال: أعرتك أحد هذين الثوبين يجوز وله الانتفاع بأحدهما، ولو قال: تكفلت لك بأحد هذين لا يجوز.
وإن كان إلى أجل معدوم هو قولًا واحدًا، فإذا صحت إلى أجل لم تجب المطالبةَ به قبل انقضاء الأجل وفيه وجه آخر لا تجوز إلا مطلقة.
فرع آخر
لو شرط عليه تسليمه في موضع بعينه فقال: أسلمه إليك في المسجد الأعظم أو مجلس الحكم رده تسليمه إليه فيه فإن سلمه إليه في موضع آخر نظر فإن كان بقرب مجلس الحكم ولا يتعذر عليه حمله إليه، وإذا امتنع لحقه الغوث من جهةُ الحاكم والمعونة في حمله لزمه تسليمه وفيه [38/ب] وجه آخر لا يلزمه قبوله إلا في الموضع الذي عينه لأن عليه مؤنةً في حمله إلى الموضع الذي عينه، وإن قلت وإن كان في طرف من البلد ولا يمكنه حمله إلى مجلس الحكم ويخاف هربه منه أو امتناعه عليه لم يلزمه تسلمه.
فرع آخر
إذا وجب تسلمه فأبى أن يقبله أجبره الحاكم على قبوله، فإن لم يقبله تسلمه الحاكم وبريء الكفيل قال ابن سريج: فإن لم يكن حاكم أشهد على إحضاره عدلين وبرئ الكفيل.
فرع آخر
لو لم يحمله إلى الحاكم مع القدرةَ عليه وأشهد على امتناعه رجلين ظاهر ما قال الشيخ أبو حامد: إنه لا يبرأ، وقال القاضي الطبري: يبرأ ويكفي الإشهاد على امتناعه وهذا أقيس لآن مع وجود صاحب الحق لا يلزمه تسليمه إلى من ينوب عنه من حاكم أو غيره.
فرع أخر
لو كان هناك يد حائلة مثل سلطان قام أو متغلب عليه لم يكن هذا تسليما كتسليم المبيع سواء.
فرع أخر
لو كانت الكفالةً مؤجلةً فحل الأجل فإن كان المكفول به حاضرًا فالحكم فيه كما لو كانت الكفالةً مطلقةً، وإن كان غائباً فإن كانت غيبته غيبةً منقطعة لا يملك مطالبته
الجزء: 5 - الصفحة: 498
بإحضاره ويتوقف إلى وقت القدرةً، وإن لم م غيبته منقطعةً يلزمه إحضاره على ما ذكرنا.
ولو طولب بإحضاره والمكفول في محبس الحاكم بحق فقال الكفيل للمكفول له: احضر محبس الحاكم حتى أسلمه إليك يحضر معه ويسلمه إليه في الحبس ينظر بينه وبين المحبوس، فإن أخرجه من الحبس لسماع البينة عليه أو الدعوى فإذا رخ رده إلى الحبس، وإن ثبت عليه الحق حبسه بالحقين وإن لم يثبت حبسه بالأول على ما كان.
وقال المزني: لا يبرأ الكفيل بهذا لأنه يمكنه أن يقضي دينه من الحبس ويحضره له.
وقال أيضا: لو خرج المكفول به إلى دار الحرب يلزمه إحضاره من دار الحرب لأنه لم يمت ولا يبرأ ما لم يحضر وهذا غلط؛ لأن التسليم في الحبس، ممكن على ما ذكرنا فلا حاجةَ إلى إخراجه من الحبس.
وأما إذا لحق بدار الحرب لا يقدر على إحضاره ظاهرًا فصار كالمعسر بالحق وعندنا يلزمه أن يفعل ها يغدر عليه [39/أ] من أسباب التسليم ولا يلزمه الزيادة للتعذر.
فرع آخر
لو كان محبوسًا عند غير الحاكم لا يبرأ ولا يلزمه تسليمه لأنه على استيفاء حقه منه بخلا ف ما إذا كان في حبس الحاكم.
فرع آخر
لو تكفل به في مصر فرده إليه في مصر آخر فإن كانت بينته في مصر الحاكم لم يلزمه قبوله فيه حتى يسلمه إليه في المصر الذي تكفل ببدنه فيه.
وإن لم تكن له بينةُ ولا كان حاكمه يعلم أن حقه عليه يلزمه قبوله في المصر الآخر.
فرع آخر
لو لقيه المكفول به في الموضع المشروط وقال: اشهدوا أني سلمت نفسي إليه من كفالةَ فلان برئ الكفيل، ذكره القاضي أبو حامد في "الجامع" لأن القصد حصوله في يده فلا فرق بين أن يكون بالكفل أو بنفسه وحده.
فرع آخر لو أحضره قبل انقضاء الأجل نظر فإن كان عليه في قبوله ضرر لم يلزمه قبوله، والضرر أن يكون بينته بالحق غائبةً وحجته متعذرةً أو لم يكن اليوم يوم مجلس الحكم للحاكم، وإن لم يكن في قبوله ضرر يلزمه قبوله، كمن أتي بالدين قبل محله يلزمه القبول إذا لم يكن عليه ضرر ذكره أبو حامد في "الجامع".
فرع آخر لو تكفل ببدنه رجلان فرداه معا برءا؛ لأن رده أحدهما دون شريكه وقال المزني: يبرأ شريكه أيضا كما لو قضى أحد الضامنين المال يبرأ الضامن الآخر وهذا غلط لأن الحق باق على المكفول به فلا يسقط حق الوثيقة عن الكفيل الأخر من غير
الجزء: 5 - الصفحة: 499
أن يؤخذ منه الإحضار، ويفارق قضاء الدين لأن الحق قد سقط فسقطت الوثائق به وها هنا سقطت الوثيقةُ عن أحدهما مع بقاء الحق فصار كما لو كان بالحق رهون فانفك أحدها مع بقاء الحق لم ينفك الباقي.
فرع آخر
لو تكفل كل واحد منهم المكفول به وببدن الآخرين جاز لأن عليهما حقا وصار كل واحد منهم كفيلًا بمن عليه الحق وكفيلًا الكفيلين، فإن رده واحد منهم برئ بالرد من كفالة الأصل وبرئ صاحباه من كفالتهما به لأنهما فرع له وبقي كل واحد كفيلًا بالأصل وكفيلًا بصاحب الباقي معه وقال أبو حامد: إذا رد أحدهم [39/ب] بريء الآخران كما قال المزني، وذكره القاضي الطبري في المذهب المجرد أن هذا هو المذهب لأن المكفول به عند الشافعي البدن دون المال فإحضار أحدهم البدن وتسليمه إليه بمنزلةُ قضاء الدين في ضمان المال وهذا غير مشهور.
وذكر في "المهذب" أن القاضي الطبري اختار خلاف ما قال المزني، وعندي الصحيح ما قاله المزني وعلى قياس قول ابن سريج لا يبرأ الآخران لأن المال عنده مضمون في هذه الكفالة، فإذا كان المال باقيا عليه لم يبرأ الآخران في هذه الكفالةً وفى ضمان المال.
فرع آخر
لو كان لرجلين على رجل ألف فتكفل به رجل لهما فرده على أحدهما برئ وكان عليه رده إلى شريكه لأن عقد الرجل مع الرجلين في حكم العقدين.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل ثم تكفل بالكفيل كفيل آخر ثم ثالث بالثاني فكله صحيح؛ وإن مات من عليه الدين برئ الكفلاء على قول الشافعي، وإن مات الكفيل الأول برئ من بعده من الكفلاء ولم يبرأ الأصل، وإن مات الكفيل الثاني برئ هو ومن بعده من الكفالةً ولا يبرأ الكفيل الأول ولا صاحب الحق والحكم فيه إذا أحضره واحد من الجملةً فالحكم فيه إذا مات والإبراء عن الكفالةَ كالموت سواء.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل عليه دين ثم قال المكفول له: لا حق لي قبل المكفول به هل برأ الكفيل والمكفول به بذلك؟ قال ابن سريج؛ يحتمل معنيين يعني وجهين:
أحدهما: أنه مقر بأنه لا حق له قبله على العموم لا في بدنه ولا في ذمته فبرئ بذلك هو والكفيل لان هذا نفي في نكرةً فيقتضي استغراق الجنس.
والثاني: يرجع في تفسيره إليه فإن قال: أردت لا دين عليه ولا حق في ذمته برئ من الحق ومن الكفالة، وإن قال: أردت لا حق لي في يده على سبيل الأمانةً والوديعةً والعاريةً إلى الكفيل أو المكفول به، فإن صدقاه على ذلك فالكفالة بحالها، وإن
الجزء: 5 - الصفحة: 500
كذباه فالقول قوله مع يمينه لأنه أعلم بما نواه وأعرف بما قصده فيحلف وتبقى الكفالةً بحالها.
فرع أخر
لو عاد المكفول له إلى (1) المكفول به [40/أ] ولازمه بالحق فلقيه الكفيل فقال: دعه وأنا على ما كنت عليه عادت كفالته ولأن هذا الكلام يحتمل استئناف الكفالةً ويحتمل الإخبار عن أنه على الكفالةً وأيهما كان فقد ألزم نفسه الكفالة؛ وكذلك لو قال: دعه فقد عدت إلى ما كنت عليه عادت كفالته، لأن هذا استئناف كفالة ذكره ابن سريج.
فرع آخر
لو قال رجل لرجل: فلان ملازم فلانا فاذهب فتكفل به ففعل كانت الكفالةً لازمة للمباشر دون الآمر، لأن المباشر فعل ذلك اختياره والآمر بذلك على طريق الحث والإرشاد ولا يلزم المكفول به الحضور مع الكفيل لأنه ما تكفل به بإذنه ذكره ابن سريج.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل عليه دين ثم قال الكفيل: بريء المكفول به من الدين وأنكر المكفول له قال ابن سرج: القول قول المكفول له لأن الأصل بقاء الحق فإن حلف فالكفالة والحق بحالهما، وإن نكل حلف الكفيل وبرئ من الكفالةً ولا يبرأ المكفول به من الحق لأنه لا يجوز أن يبرأ بيمين غيره.
فرع آخر
لو قال الكفيل بعد أن تكفل به: تكفلت ببدنه ولا حق عليه فالقول قول المكفول له لأن الظاهر صحةَ الكفالة؛ وهل يحلف؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يحلف لأن دعوى الكفيل خالف ظاهر قوله.
والثاني: لأن ما ادعاه ممكن فأحلفناه ليزول الإشكال، فإن حلف فلا كلام، وإن لم يحلف رددنا اليمين على الكفيل؛ لأنه يجوز أن يعلم أنه لا حق له عليه بقوله: لا حق لي عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تكفل ببدن رجل قبل ثبوت حق المدعى عليه بالبينة أو بالإقرار فعلى الكفيل إحضاره مجلس الحكم ولا بد من الإذن ها هنا ليمكنه إحضاره عند القاضي والكفالةَ واقعةً على إحضاره، فإن تعذر الإحضار بموت أو غيبةً بطلت الكفالةً إلا أن يكون الميت لم يتغير ويقول الشهود: نحن نشهد على وجهه لا على اسمه ونسبه فعلى الكفيل مؤونةً إحضاره مجلس الحك- ليشهدوا على وجهه ذكره بعض أصحابنا بالعراق والمشهور الأول وقال في "ألحاوي": إذا كان له بينة تشهد
الجزء: 5 - الصفحة: 501
على عينه لا بأس بإحضار الميت مجلس الحكم [40/ب] أو بحضور الحاكم موضع الميت، ليسمع البينةَ على عينه، وعلى هذا في الكفالةً وجهان: أحدهما: أنها باقية ويؤخذ الكفيل بإحضار الميت والثاني: أنها تبطل لأن الميت مقدور عليه لإقامةً الشهادةً عليه فلم يحتج إلى الكفيل.
فرع آخر
لو شرط الخيار في الكفالة أو ضمان المال بطلت الكفالة.
وقال أبو حنيفة: يبطل الشرط وتجوز الكفالةً وهذا غلط لأنه عنده لا يجوز فيه شرط الخيار، فإذا شرطه بطل كالسلم والصرف.
فرع آخر
لو قال: تكفلت بشرط الخيار وأنكر المكفول له الشرط قال في "الأم" و"المواهب" فيه قولان:
أحدهما: يسقط إقراره لأن الإقرار لا يتبعض وقد وصل إقراره بما يبطله.
والثاني: إقراره فتصح الكفالةَ ويبطل قوله بشرط الخيار لأن الحكم لزمه بأول قوله فإذا وصله بما يسقطه سقط الأخير وبقي الأول، وأصل هذا إذا قال: عليّ درهم قضيته يبطل إقراره؟ قولان: وقال بعض أصحابنا: على قياس هذا إذا قال: تكفلت ببدن فلان ولا حق لك عليه هل يبطل إقراره؟ قولان أيضًا.
فرع أخر
لو كان له على رجل حق وله بمن عليه الحق كفيل فقال آخر للمكفول له: تكفلت لك ببدن من عليه الحق بشرط أن تبرأ من كفالةَ فلان وأقوم مقامه، قال ابن سريج: يجوز ومن كالحوالةً على الثاني، وقال أبو حامد: فيه عندي نظر وينبغي أن لا تصح لأنه شرط أن يبرئ غيره من الحق وهذا شرط لا يلزمه الوفاء به.
فرع آخر
لو كان له ألف على رجلين فقال له أجنبي: تكفلت لك ببدن هذا الغريم فإن جئتك به وإلا آنا كفيل يدن الأخر فالكفالةَ باطلةً فيهما.
فرع أخر
اللفظ التي تصح به الكفالة أن يقول: قد كفلت لك بنفس فلان وهذا عرف أهد العراق أو يقول: كفلت له بوجه فلان وهذا عرق أهل الحجاز، وإن ذكر عضوًا يعبر به عن الجملة كالعين والرأس والوجه والرقبة تجوز.
وإن كان لا يعتبر به عن الجملة فإن كان لا يحيا بفقده كالكبد والفؤاد والطحال يجوز ويكون كقوله بنفسه؛ وكذلك إذا قال: بنصفه ونحو ذلك يجوز لأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا [41/أ] بإحضار
الجزء: 5 - الصفحة: 502
الكل.
وإن كان يحيا النفس مع فقده كاليد والرجل ونحو ذك فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه ينفرد البدن عنها وربما تذهب اليد وتبقى الكفالةَ فيستحيل الإشارة في الكفالة.
والثاني: يجوز لأنه لا يمكن إحضارها على صفتها إلا إطار البدن وهذا أظهر، وقال أبو حامد والقاضي الطبري: لا تصح الكفالةَ في شيء مما ذكرنا لأن ما لا يسري إذا خص به عضوًا لا يصح كالبيع والنكاح.
فرع آخر
لو أن رجلًا تكفل بالمال الذي عليه وسماه وقال: إن وافيتك به غدًا فآنا بريء من المال فوافاه به عن الغد أو لم يوافه به فالكفالةُ باطلةً.
فرع آخر
لو ادعى رجل قبل عبد دعوى فكفل مولاه بض جاز، وإن كفل بمال لزمه فإن أدى عنه بعد عتقه رجع عليه، وإن أدى عنه قبل عتقه فيه قولان:
أحدهما: لا يرجع بشيء
والثاني: أنه يضرب بما أدى عنه مع غرمائه أن كل الضمان بأمره ابن سريج: وهذا أحب إلي.
فرع أخر
لو تكفل رجل عن رجل بط في على أن يجعل له جعلاً فالضمان باطل والجعل غير لازم وإن لم يشترط الجعل في عقد الضمان جاز ولا جعل له.
فرع آخر
لو أبرأ الطالب الكفيل من المال وأبرأ من عب أصل المال أو قال: أنت في حل هل يبرأ قبل القبول؟ قال القاضي أبو عليّ الزجاجي: فيه قولان أحدهما: بريء وإن لم يقبل وهو الأصح.
والثاني: لا يبرأ إلا بعد القبول.
فرع آخر
إذا تكفل ببدن المكاتب لسيده لم يصح لأن الحق الذي عليه غير لازم له فلا تصح الكفالة به.
فرع آخر
لو مات الكفيل بطلت الكفالة.
وقال في "الحاوي": يحتمل على قول ابن سريج أن تبطل الكفالةَ لأنها قد تفضي إلى ما يتعلق التركةَ ولا نص عندي في هذا.
فرع أخر
لو مات المكفول له لا تبطل الكفالةً؛ فإن خلف ورثةً وغرماء ووصى بإخراج الثلث فإن كان المستحق على المكفول به لا يتعلق بالمال كان المستحق، (للكفالة) الوارث
الجزء: 5 - الصفحة: 503
وحده.
(وإن) كان مالأ لم يبرأه الكفيل إلا بتسليمه إلى الورثةً والغرماء والوصي جميعًا.
ولو سلمه إلى الورثةَ دون الغرماء والوصي أو إلى الغرماء دون الورثة [41 أ/ب] لم يبرأ.
ولو سلمه إلى الورثة والغرماء وأهل الوصايا دون الوصي ففي براءته وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: يبرأ لأنه سلمه إلى مستحقيه وإنما الوصي نائب ووسيط.
والثاني: لا يبرأ حتى يكون الوصي في جملة من يسلمه إليه، لأن للوصي ولايةً على أهل الوصايا كولي الطفل.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو ضمن اثنان عن رجل مائةَ درهم على أن كل واحد منهما ضامن لما على صاحبه جاز، وكان كل واحد منهما ضمن شيئين ضمن عن الأصيل نصف المال وعن الكفيل الآخر نصف المال بخلاف البيع لا يصح بهذا الشرط على ما ذكرنا، ثم إن صاحب الحق بالخيار إن شاء طالب الأصيل، وإن شاء طالب هذا الضامن، وإن شاء طالب الضامن الآخر، وإن شاء طالب كل واحدٍ منهما بخمسين ثم يقال للدافع: إن دفعت النصف الذي على الأصل فارجع على الأصيل، وإن دفعت الذي أنت فيه كفيل الكفيل فارجع على صاحبك لكن صاحبك يرجع عليك أيضًا فيتقاضان فلا فائدةَ فيه، وإنما فائدته تظهر إذا قال أحدهما: دفعت النصف الذي أنا فيه ضامن الأصيل وقال الآخر: وأنا دفعت النصف الذي أنا فيه ضامن عن الكفيل فيقول له: ارجع على صاحبك ثم يقول لصاحبه: ارجع بالكل على الأصيل ولو غرم احدهما كل المائةَ فله أن يطالب صاحبه بخمسين، وهل له أن لا يرجع عليه بل يرجع بالكل على الأصيل؟ نُظر كان الأصيل أذن له أن يضمن النصف عن الكفيل الآخر فله ذلك لآنا ذكرنا أن الأصل إذا قال لرجلٍ: اضمن عني ضامني فضمن وكان الضامن الأول ضمن بإذن الأصيل فله الرجوع بما غرم عن الآمر.
وإن لم يكن أذن له في ذلك فلا يرجع عليه؛ ولو كانت المسألةً بحالها وهو أن اثنين ضمنا وكل واحدً منهما ضمن عن صاحبه بالإذن، ثم إن أحدهما صالح المضمون عنه عما سيغرمه على عشرة دراهم ففي صحةَ الصلح ذكرنا وجهين: فإن جوزنا الصلح فغرم المائةً لم يرجع بشيء على المضمون عنه ولا على الكفيل الآخر، لأنه لو رجع على الكفيل لرجع الكفيل على الأصل.
والثاني: أنه لا يجوز الصلح فعلى هذا القول له قد قبضت [42/ أ] عشرةً؛ فإن شئت فخذ الباقي وهو تسعون من الأصيل، وإن شئت فخذ منه أربعين ومن الكفيل الأخر خمسين.
فرع آخر
في أخذ السفتجةً بالمال جائز وربما تكون بدين ثابت، وربما تكون بقرض حادث فأما بدين ثابت إذا سأل صاحبه من عليه أن يكتب له به إلى بلد لم يلزمه إلا أن
الجزء: 5 - الصفحة: 504
يشاء فلو اتفقا جاز.
وإما بقرضٍ حادثٍ فهو على ضربين.
أحدهما: بشرط أن يكتب له فقد ذكرنا أنه قرض باطل سواء شرطه المقرض أو المقترض.
والثاني: أن يكون قرضًا مطلقًا ثم يتفقان على كتب سفتجةً فيجوز؛ فإن كانت بلغةُ الحوالةً فوردت عليه لزمه أداؤها بأربع شرائط أن يعترف بدين المكاتب، وأن يعترف بدين المكتوب له، وأن يعترف بأنه كتاب المحيل، وأن يعترف بأنه كتبه مريدًا به الحوالة؛ فإذا اعترف بهذه الشرائط لزمه ما فيها سواء فه لفظًا أو لا.
فرع آخر
لو اعترف بدينهما أو بالكتابة وأنكر أن يكون الكاتب أراد به الحوالة فالمذهب الذي يوجبه القياس أنه لا يلزمه، ومن أصحابنا من متى اعترف بالكتابةً والدين تلزمه الحوالة، وإن أنكر الإرادة اعتمادًا على العرف وأن الوصول إلى الإرادةً متعذر.
فرع آخر
لو لم يعترف بالكتاب ولكنه أجاب إلى دفع المال ليكون مضمونًا عليه إلى أن تصح الحوالة جاز؛ ثم اختلف أصحابنا في أن له استرجاعه منه قبل صحة الحوالةً أم لا؟ على وجهين: أحدهما: ليس له اعتبارًا بالشرط وأن له استرجاعه بعد العلم ببطلان الحوالة.
والثاني: وهو اختيار الزبيري من أصحابنا يجوز له استرجاعه متى شاء ما لم تثبت صحة الحوالة لأن المال لا يلزمه قبلها.
فرع آخر
لو كانت السفتجة بلفظ الأمر والرسالة لم يلزم المكتوب إليه دفعه إلا أن لفظا سواء اعترف بالكتاب والدين أم لا، وبه قال محمد رحمه الله، وقال أبو يوسف: إذا قرأها وتركها ترك رضا لزمته وقال بض العراقيين: إذا أثبتها في حسابه أزمته، وعندنا لا يلزمه شيء من هذا؛ وكذلك لو كتب على ظهرها أنها صحيحة قد قبلتها حتى يخمنها لفظًا.
ثم لا يلزم الكاتب إلا [42/ب] أن يعترف بها لفظًا ولا يلزم باعترافه الخط.
ومن أصحابنا من قال: إن اعترف بالخط لزمه وهو قول من قال: إن المكتوب إليه إن اعترف بالخط في الحوالة يلزمه وهو غير صحيح في الموضعين.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: لو كان رجلان لكل واحد منهما على الأخر دين اسم أحدهما زيد واسم الآخر عمرو فسأل زيد عمرًا أن يجعل ماله عليه قصاصًا أم لا؟ نظر يلزم عمرو ذلك أم لا؟ نظر فإن كان عمرو موسرًا لزمه أن يفعل ما سأله زيد لأن كل واحدٍ من الحقين معجل ولمن عليه الدين دفعه من أي مال شاء، فإذا أراد زيد أن يدفع
الجزء: 5 - الصفحة: 505
ما عليه مما له على عمرو لزمه قبوله، وإن كان عمرو معسرا لم يلزمه فعل المقاصة لأنه يستحق الأنظار بما عليه ومطالبةَ زيد بالحق معجلًا فلا يلزمه أن يجعل المؤخر قصاصًا عن المعجل الثابت في الحال وجوبًا وأداءً لأن فيه إلحاق ضرر به كالدين المؤجل مع الحال.
فرع آخر
إذا كان له على آخر دين لا يتمكن من قبضه ولمن عليه الدين دين على آخر فقبضه، منه صاحب الدين الأول لتمكنه منه صح القبض وبرئ من عليه الدين، لأن الدين كعين المال ذكره والدي رحمه الله قال: وعلى هذا لو كان للمديون عين مغصوبةً في يد رجل فتمكن صاحب الدين من قبضها فقبضها والمديون ممتنع من قضاء دينه صح القبض
وبرئ الغاضب من الضمان فكذلك القول في الدين.
قال: ويحتمل آن لا يبرأ الغاصب لأن بعض أصحابنا قال: صاحب الدين إذا قبض من مال المديون الممتنع من غير جنس حقه فتلف في يده قبل بيعه واستيفاء الحق من ثمنه هل يكون من ضمانه؟ وجهان: فإذا قلنا: لا يلزمه الضمان يبرأ الغاصب فيما ذكرنا، لأن القابض كالوكيل في الأمانةً فكان مثله في رفع الضمان؛ وإذا قلنا: يلزمه الضمان لا يبرأ لأنه ضامن وصل المغصوب إلى يده بغير إذن صاحبه فصار كالغاصب من الغاصب.
قال: والأوضح عندي أن يبرأ الغاصب وجها واحدًا كما يبرأ من عليه الدين في مسألةَ الدين، ولا يمكن أن يقال خلافه لأنه لو لم يبرأ لما جاز للقابض قبضه لأنه لا حق له على المقبوض منه [43/أ] وإنما يجوز له استيفاء الحق منه بشرط أن يصير ملكًا للمديون؛ لأول.
فرع آخر
إذا جوزنا الكفالةَ بالبدن من غير إذن المكفول به فطالب الكفيل يلزمه الخروج إليه ويسأله المجيء إلى الحاكم على سبيل التوكيل عن صاحبه على ما ذكرنا، فإذا خرج إليه وأخبره هل يلزم المدعي عليه وهو المكفول ببدنه إجابته إلى ذلك؟ وجهان كما إذا خرج نفس صاحب الحق إليه وسأله الحضور معه عند الحاكم هل يلزمه الحضور معه؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه ما لم يقم البينةُ عليه.
والثاني: يلزمه.
وهكذا إذا حمل ختم الحاكم أو عونه هل يلزمه الحضور عند الحاكم بنص ذلك؟ وجهان: والأصح أنه يلزمه.
ولو أن صاحب الحق طالب الكفيل برد المكفول عليه ولم يأمره بإحضاره عند الحاكم فهل ذك أمر منه بإحضاره؟ وجهان ذكرهما ابن سريج رحمه الله.
فرع آخر
إذا أراد أن يؤخر من عليه الدين مما عليه فادعى صاحب الدين أنه مؤجل ولا يلزمه قبضه إلى انقضاء الأجل إما للمؤونةً أو لخوف الفساد وادعى من عليه الدين أنه حال
الجزء: 5 - الصفحة: 506
وعليه أن يقبضه أو يبرئه منه فهل القول قول صاحب الدين أو من عليه الدين؟ قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين وأصل هذا إذا ادعى من عليه الدين عقيب إقراره التأجيل وادعى من له الدين الحلول فيه قولان.
فرع آخر
إذا زعم الضامن أن المضمون له أبرأه من ضمانه وأحضر شاهدين أحدهما المضمون عنه فإن كان الضمان من غير أمر المضمون عنه صحت الشهادة، وإن كان بأمره لا تصح.
تم الجزء الخامس حسب تقسيم المحقق
ويليه إن شاء الله الجزء السادس
وأوله: كتاب الشركةْ
الجزء: 5 - الصفحة: 507
الجزء: 5 - الصفحة: 508
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد الجزء السادس
يحتوي على الكتب التالية: الشركة - الوكالة - الإقرار - الوديعة - قسم الفيء والغنائم الصدقات - العارية - الغضب
دار الكتاب العلمية
الجزء: 6 - الصفحة: 1
بسم الله الرحمن الرحيم