بحر المذهب للرويانيكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب وقت الصلاة والأذان

اعلم أن الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، يقال: صلى فلان، يعني دعا.
قال تعالى: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" [التوبة: 103]، أي: ادع لهم.
وقال تعالى: "وصلاة الرسول" [التوبة: 99]، وأراد دعاء الرسول.
ثم الشرع سمى الدعاء مع ما ضمه إليه من الأفعال والتكبير والقراءة صلاة، فكأنه أقر الدعاء على ما كان، وأضاف إليه غيره من الأركان، فصار عرف الشرع منصرفاً إليها، فمتى ورد في الشرع الأمر بالصلاة مطلقاً، انصرف إلى الصلاة الشرعية دون اللغوية.
والأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى في غير موضع: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" [البقرة: 43].
وقوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" [البينة: 5].
وروى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس "، وذكر منها: "وإقام الصلاة".
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خمسكم " الخبر.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد كفر"، ولأنه لا خلاف بين المسلمين في وجوبها، والإجماع حجة، فإذا تقرر هذا: قال الشافعي - رحمة الله تعالى عليه- في استقبال القبلة: سمعت من أثق بخبره وعلمه يقول: أن الله تعالى أنزل فرضاً في الصلاة ثم نسخه بفرضٍ غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، ويعني به قوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا،

الجزء: 1 - الصفحة: 371

نصفه" [المزمل: 1 - 3] الآية.
وجملة ذلك، أن فرض الصلاة كان قيام الليل نصفه أو أزيد منه ثلثه [1 أ/2]، أو أنقص من ثلثيه، وهو المراد بقوله تعالى: "نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه" [المزمل: 3 - 4]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي به وطائفة من الذين آمنوا معه.
قال الله تعالى: "إن ربك يعلم أنك تقوم ادنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك" [المزمل: 20] معك ثم تاب الله تعالى على عباده وخفف عنهم، فنسخه بعد سنة إلى قيام اليسير من الليل، فقال تعالى: "فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" [المزمل: 20]، يعني: فصلوا، فعبر عن الصلاة بالقراءة، لأنها ركن من أركانها، وعبر بالقيام عنها في أول السورة، لأنه ركن منها.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «كان بين أول السورة وبين آخرها سنة»، ثم نسخ كله بقوله تعالى: "ومن الليل فتهجد به نافلة لك" [الإسراء: 79].
وقيل: نسخه بالصلوات الخمس واستقر الأمر عليها، وكان ذلك ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، لم يزد عليها، ولم ينقص بدليل ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس صلوات فرضهن الله تعالى في اليوم والليلة، فمن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل ذلك فليس له على الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ". ثم فرض الصوم بعد الهجرة بثلاث سنين، فكان بين فرض الصلاة والصوم أربع سنين، ثم فرض الحج بعد الهجرة بست سنين، فكان بينه وبين الصوم ثلاث سنين، وفرض الصلاة قبل فرض الصوم، وقيل: بعد فرض الصوم، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الصلوات الخمس مؤقتة، بدليل قوله تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا" [النساء: 103]، أي مكتوبة موقتاً، ثم ذكر الوقت في آيتين ذكراً فيه إجمال، فقال في موضع: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون" [الروم: 17 - 18]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: "سبحان الله" أي: سبحوا الله، ومعناه: "صلوا".
فعبر عن الصلاة بالتسبيح، وأراد بقوله: "حين تمسون" صلاة المغرب

الجزء: 1 - الصفحة: 372

والعشاء، وأراد بقوله: "وحين تصبحون" صلاة الصبح، وأراد بقوله: "وعشياً" صلاة العصر، "وحين تظهرون" صلاة الظهر.
وقال في موضع آخر: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر * إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: 78].
والدلوك: هو الزوال، فتضمن ذلك صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم أفرد صلاة الصبح بالذكر، فقال: "وقرآن الفجر"، يعني: صلاة الفجر.
وقيل: الدلوك: عبارة عن الغروب، فيكون فيه ذكر العشاء من صلاة الفجر.
وقوله: "مشهودا"، أي: تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، ثم بين جبريل عليه السلام الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا، ورد فيه الإخبار وأحسنها ما روى نافع وجبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عليه السلام عند باب البيت مرتين، فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس ". وروى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى بي العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بين الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد في اليوم الثاني، فصلى بي الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله قدر العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار كل شيء مثليه، ثم صلى بي المغرب للقدر الأول لم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر.
وروي: وقد كاد [2 أ/ 2] حاجب الشمس يطلع، ثم التفت، فقال: يا محمد هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك.
والوقت فيما بين هذين.
وقوله: مثل الشراك ليس على مضي التحديد، ولكن الزوال لا يستبان بأقل ما يرى من الفيء وأثلّه فيما يقدر ما هو مبلغ قدر الشراك، أو نحوه، وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلدان، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلدان التي ينتقل فيها الظل، أي يصير الظل تحت النقل عند الزوال، وإذا كان أطول يوم في السنة، واستوت الشمس فوق الكعبة، لم ير شيء من جوانبها ظل، وكل بلد يكون أقرب إلى وسط الأرض كان الظل فيه أقصر وما كان من البلدان أبعد من واسطة الأرض، وأقرب إلى طرفها، كان الظل فيه أطول.

الجزء: 1 - الصفحة: 373

مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه: والوقت للصلاة وقتان.
الفصل وهذا كما قال: اعلم أن وقت القيام هو وقت الصلاة في حال الإقامة، ووقت الرفاهية هو وقت من لا عذر له، كما بينه جبريل عليه السلام.
والرفاهية هي: الخفض والدعاء.
وأما وقت العذر والضرورة، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، لأن العذر ما رخص له فيه من غير أن يدفع الإنسان إليه، والضرورة ما دفع إليه من غير اختياره فوقت العذر، هو وقت المعذور بالسفر والمطر عند الجمع.
وأما وقت الضرورة، فهو وقت الصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق وغير ذلك، فهذا القائل يقول: الوقت ثلاثة: وقت مقام، ورفاهية، ووقت عذر وهو وقت الجمع، ووقت ضرورة.
وقد نص الشافعي على هذه الأوقات الثلاثة فغلط المزني فجعلها اثنين.
ومن أصحابنا من قال: أصاب المزني فيما ذكر، وأراد بقوله: [2 ب/ 2]، ووقت عذر وضرورة ويسر.
وثلاثة أقسام قد تجعل خبرين: يقسم في خبر، ثم قسمان.
وإنما صح ذلك له، لأن كل ضرورة عذر، وإن لم يكن كل عذر ضرورة، وهذا غير صحيح، لأنه ذكر في آخر الباب ما يدل على فساده، فقال: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، ثم فسر بطهر الحائض وإفاقة المجنون، فثبت أنه أراد بهما وقتا واحدا.
وقال أبو إسحق: وقت العذر والضرورة واحد، لأن كل ضرورة عذر، وهو وقت الصبي إذا بلغ وغيره، ولم يذكر في جملتهم المسافر والممطور، بل ذكر ذلك في باب الجمع.
وهذا أصح، لأن الشافعي قال: الوقت للصلاة وقتان، وفسره بكذا في آخر الباب.
ونسب المزني هذه العبارة إلى الشافعي، وهو صادق في الرواية، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان وقت الصلاة وقد بدأ الشافعي في "القديم" بيان وقت صلاة الصبح أولاً، وعليه كل الفقهاء، وبدأ في "الجديد" ببيان وقت الظهر أولاً، وهذا أولى، لأنه اعتمد في بيان الأوقات على خبرين أشار إليهما في آخر هذا الفصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 374

وكانت صلاة الظهر هي المبدأ ببيان وقتها في كل الخبرين، ولهذا سميت الظهر الصلاة الأولى.
ثم اعلم أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وزوالها ميلاً عن وسط الفلك، لأنها تطلع، ولا تزال في الارتفاع حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإذا انتهت إليه انحطت عنه، وهو زوالها.
وذلك أن السماء على الدنيا مثل القبة مسبلة الأكتاف عالية الوسط، ألا ترى أن الشمس ترى عظيمة حين تطلع لقربها منك، وإذا علت صغرت في رأي العين لبعد المسافة وبيان فالزوال في الأرض أنها أول ما تطلع يكون الظل في الشمس طويلا مديداً نحو المغرب، فكلما علت يتقلص الظل حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإن كان [3 أ/ 2] الزمان صيفاً، والمكان وسط الدنيا مثل مكة، لم يبق لكل شخص قائم معتدل ظل بحال حتى يأخذ الشمس حواليها كلها من غير ظل، وهذا لا يكون إلا يوماً واحداً على ما ذكرنا، فمتى سقط الظل وإن قل فقد مالت الشمس، وإن لم يكن الزمان صيفاً، وهو الربيع والخريف والشتاء، أو كان صيفاً، ولكن المكان غير وسط الدنيا، فالفيء لا يتقلص كله حتى لا يبقى للشخص فيء، بل يبقى له ظل يخلف قدره بالزمان والمكان، لأن الشمس تبلغ في الصيف وسط السماء، فتبعد من الأرض وينقص الفيء.
وفي الشتاء يصير في عرض السماء، ولا تبلغ الوسط، فتكون أقرب إلى الأرض، فيطول الفيء فمعرفة الزوال في هذه الفصول أو في الصيف في غير وسط الدنيا أن ينظر إلى الظل، وتتفقد تناقصه حتى إذا علمت انتهاء النقصان، فقد عرفت انتهاء ارتفاعها، فإذا ظهر الظل نحو المشرق أدنى شيء، فذلك زوال الشمس، وهذا لأن أول ما تطلع الشمس يقع الظل إلى ناحية المغرب مستطيلاً، ثم لا تزال ترتفع ويتقلص الظل، ثم عند استواء الشمس يأخذ الظل الثاني الذي لا يزال في الزيادة نحو المشرق، فإذا تحقق زوال الشمس، فقد دخل أول وقت الظهر ووجبت الصلاة ويجوز الأذان لها.
قال الله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: 78]، قال الشافعي: أراد به زوال الشمس دون الغروب.
وبه قال ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم، قالوا: دلوك الشمس: ميلها.
وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: الدلوك: غروبها، وهذا غلط لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر المواقيت، فصلى في الظهر حين دلكت

الجزء: 1 - الصفحة: 375

الشمس، فدل أن المراد به الزوال، ولأن اسم الدلوك يقع على الزوال على ما ذكرنا عن الصحابة، وهم أهل اللسان، ويقع على الغروب على ما ذكرنا، [3 ب/ 2] وذلك لأن الدلوك: الانتقال والتحول، وهو حاصل فيهما، ولكن حمل الآية على الزوال أولى، لأن ذلك ينتظم جميع الصلوات، ولأنه أسبق، فانصرف إليه الأمر.
وذكر أبو جعفر الراسي في المواقيت، قبل أن ينتهي طول النهار بستة وعشرين يوماً لايكون للشخص في مكة ظل.
وكذلك بعدما انتهى بستة وعشرين يوماً، وهذا غريب.
وأما قبل الزوال، لا يجوز استفتاح صلاة الظهر بحال.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما رواية ضعيفة، أنه يجوز استفتاحها قبل الزوال بقليل، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للصلاة أولاً وآخراً، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس".
وقال مالك: يؤخر استفتاحها بعد الزوال حتى يصير الفيء قدر ذراع، وهذا غلط لقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: 78]، فاعتبر الزوال وحده.
وروي أن جبريل عليه الصلاة والسلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت الزوال، وقال: قم يا محمد فصل الظهر، فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يسهل معرفة ذلك إذا كانت الشمس طالعة، والسماء صاحية، فإن كانت السماء مغيمة، قال الشافعي: راعي الشمس فإنه نزوله منها ما يدله وإلا تأخر حتى يرى أنه قد صلاها بعد الوقت، واحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف دخول وقت العصر، وهذا صحيح، فيقول: إذا كانت السماء مغيمة راعى قرص الشمس، فإن بانت له من وراء الغيم تحمل على ما يدله عليه وإن لم يرها تجري في ذلك، واستدل على دخول الوقت بعمل أو قرئ أو قراءة قرآن ونحو ذلك، فإذا غلبه على ظنه دخول الوقت بشيء من ذلك عمل عليه.
وأحب الشافعي أن يؤخرها إلى أن يخاف خروج الوقت، فإذا صلى بذلك نظر فإن لم ينكشف الأمر بذلك، كانت الصلاة مجزية، وإن انكشف الأمر بظهور الشمس، فإن بان أنه فعلها قبل الوقت لم تجزه، وإن بان أنه فعلها في الوقت أجزأته، [4 أ/ 2] وإن كان فعلها بعد خروج الوقت أجزأته، هذا يدل على أن نية القضاء لا تجب، لأنه اعتقدها أداء.

الجزء: 1 - الصفحة: 376

قال الشافعي: وسواء علم بذلك بنفسه أو أخبره من صدقه، أراد به إذا أخره عن مشاهدة، وإن أخره عن اجتهاب لم يلزمه قبوله، وكذلك إن أخبره من لا يصدقه لم يلزمه قبوله، والاحتياط الإعادة إذا أخبره أنه فعلها قبل الوقت، وإن لم يصدقه.
قال الشافعي في "الأم": وإذا كان أعمى وسعه خبر من يصدقه في الوقت والاقتداء بالمؤذنين.
وقال أيضا في استقبال القبلة، وإن كان محبوساً في ظلمة أو أعمى ليس بقربه أحد لم يسقه أن يصليها وتأخى على إلا عليه عنده من مرور الوقت من نهار وليل، وإن وجد غيره تآخى به.
وهذا يدل على أن المحبوس والأعمى يجوز لهما التبيان.
ووجه ذلك أن في إمارات الوقت ما يدرك بالبصر مثل قرصة الشمس من وراء الغيم والفيء الخفي.
وفيها ما يدرك بالعمل والصفة وغير ذلك، فأشبه الأواني لما كان منها ما يستدل على طهارتها ونجاستها بالبصر.
ومنها: ما يستدل عليه بغير البصر، كان له الاجتهاد والتقليد إن لم يتبين له.
ومن أصحابنا من قال: ليس له التقليد فيه لأنه من أهل الاجتهاد فيه فأشبه البصير غير المحبوس ويفارق القبلة لأنه ليس من أهل الاجتهاد فيها.
هذا خلاف النص وإن أخبرهما واحد بالوقت عن مشاهدة وكان مصدقاً عندهما لزمهما قبول ذلك والعمل به وأما العمل على أذان المؤذنين، قال أبو حامد: الأعمى والبصير في ذلك سواء، لأن الأذان بمنزلة الإخبار بالوقت، فيجب قبوله وحكي عن ابن شريح أنه قال: الرجوع إلى الأذان جائز للبصير والأعمى بلا خلاف إذا كان المؤذن ثقة، عارفاً بالمواقيت، لأن الناس يحضرون الجمعة من صلاة الغداة وعشياً غلون بالنوافل، فإذا أذن المؤذن عمل الكل في الأذان، ولا يطالع كل واحد منهم الشمس.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا لا يصح، لأن الشافعي خص الأعلى به، ولأن المؤذن (يحمتل) أن يكون يؤذن عن اجتهاب لا عن مشاهدة، ويسوي البصر في الاجتهاد، والواجب أن يقال: ينظر، فإن كان في الصحو قبل لأنه إذا كان ثقة لا يؤذن إلا بعد العلم بدخول الوقت من طريق المشاهدة، ويكون حراً، وإذا كان غيماً لا يجوز للبصير أن يقلده، لأنه يمكنه الاجتهاد، ويجوز للأعلى أن يقلده على ما ذكرنا.
وقال أصحابنا: إلا أن يكون المؤذنون عدداً في جهات شتى، لا يجوز على مثلهم

الجزء: 1 - الصفحة: 377

الغلط والتواطئ، فيقع بهم العلم في دخول الوقت، فيجب قبوله.
وقيل في الغيم وجهان، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز للبصير تقليد المؤذن، وإن كان صحواً، لأنه يجوز إن لم يؤذن عن مطالعة، بل أذن عن اجتهاد.
والصحيح ما تقدم، ولو صلى المحبوس في ظلمة أو الأعمى من غير تآخ.
قال الشافعي: أعاد الصلاة وإن وافقا الوقت، وأراد إذا صلى من غير خبر، كالخبر عن اجتهاد، ولو خفيت عليه، ولا يلي الوقت ولم يظهر ما يستدل عليه حتى على حسب حاله، وأعاد بكل حال، لأنه صلى بغير اجتهاد.
فرع قال بعض أصحابنا: إن الاعتماد على أصوات الديكة في القوت ينظر فإن كان وجدها في زمان الصحو تصح عادة بقدر دخول الوقت، فله أن يعتمد على أصواتها وإلا فلا.
فرع آخر بصير في بيت لا يقدر على الخروج ومطالعة وقت الصلاة، قيل له: أن يجتهد في الوقت، وجهان: أحدهما: لا يجتهد لأنه قادر على اليقين، كالمكي لا يجتهد في القبلة [5 أ/2].
والثاني، يجوز، وهو ظاهر المذهب، لأن اجتهاده من حمل الدليل عليه، ولأن للأعمى أن يجتهد فيه، وإن كان قادراً على سؤال البصير.
وبه فارق القبلة، ولأن الصحابي كان يجتهد ويبني، وإن كان قادراً على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم.
مسألة: قال: " ثم لا يزال وقت الظهر قائماً حتى يصير ظل كل شيء مثله"، وهذا كما قال.
اختلف العلماء في آخر وقت الظهر فعندنا إذا صار ظل كل شيء مثله فقد خرج الوقت، فإن لم يكن للشمس حين الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من أصل الشخص، وإن كان للشخص من الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من عند الزيادة على الظل الموجود حتى لو كان الشخص سبعة أذرع، وظله وقت الاستواء ذراع، يجب أن يصير الظل ثمانية أذرع.

الجزء: 1 - الصفحة: 378

وقيل: مثل الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، فإذا أردت أن تقدر المثل، فقدر الزيادة من التي بقدمك، وذلك بأن تقف في موضع مستو من الأرض، وتعلم على الموضع الذي انتهى إليه فيه، وتعرف قدر ما زالت عليه الشمس، وتقدر فيه بالأقدام، فيضع قدمه اليمنى بين يدي قدمه اليسرى، فيلصق عقبيه بإبهامه اليسرى، فإذا مسحه بالأقدام أسقط منه القدر الذي زالت عليه الشمس، فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف فقد بلغ المثل، وبهذا قال الأوزاعي والليث والنووي والحسن بن صالح وأحمد وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور.
وروي هذا عن مالك وقال: بعضهم وقت الظهر إذا من حين الزوال إلى غروب الشمس ووقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى الغروب فما بين الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مختص بالظهر، والباقي في الغروب مشترك بين الظهر والعصر.
وبه قال عطاء وطاوس [5 ب/ 2] وهو رواية ابن وهب عن مالك، وحكى ابن جريج عن عطاء، قال: لا يفرط بتأخيرها حتى تدخل الشمس في الصفرة.
وقيل عن مالك: آخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات، ووقت الاختيار عنده نحو قولنا.
وقال ابن جرير وابن المبارك وإسحق ابن راهويه: إذا صار ظل كل شيء مثله فقد دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر إلى أن يمضي من الوقت بمقدار ما يصلى فيه أربع ركعات، ثم يخرج وقت الظهر، ويكون باقي النهار إلى الغروب من وقت العصر.
وحكى ابن جرير هذا عن مالك.
وقيل: إنه اختيار المزني وأبو ثور، واحتجوا بأنه روي: أن جبريل عليه السلام "صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول "، وهذا غلط، لأن الوقت الواحد لا يجوز أن يكون مشتركاً بين صلاتين كسائر الأوقات.
وأما الخبر فالمراد بقوله: "صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله "، أي: ابتداؤها.
"وفي اليوم الثاني صلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله " أراد فرغ منها لأن الخبر سبق لبيان الأوقات وتحديد أوائلها وأواخرها، بدليل قوله: في آخره "الوقت فيما بين هذين الوقتين "، فلو كان الأمر على ما قالوه لبقي الإشكال في أمر الأوقات، لأن الصلاة تطول في العادة وتقصر، والذي يوجب حمله على هذا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ووقت

الجزء: 1 - الصفحة: 379

الظهر ما لم تحضر العصر".
واحتج من نصر رواية ابن وهب عن مالك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بين الظهر والعصر في الحضر»، قلنا: محمول على العذر بالمطر، أو جمع بينهما على التعاقب، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها [6 أ/ 2].
وقد روى أبو قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة أن يترك صلاة حتى يدخل وقت أخرى».
وروي عن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها: مثل قولنا.
رواها الحسن بن زياد عنه.
والثانية: أخر وقتها إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه.
رواها أبو يوسف عنه، وهو المشهور.
والثالثة: رواها أبو يوسف أيضاً، آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، ولم يجد ذلك المقدار.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال في هذا الموضع: لم يرض صاحبنا بأن خالف النبي صلى الله عليه وسلم حتى خالف جبريل عليه السلام!.
مسألةٌ: قال: «فإذا جاز ذلك بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر»، وهذا كما قال عندنا أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة، وبهذه الزيادة يتبين خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، وهي من وقت العصر، ولا فصل بين الوقتين.
وقال في «الأم»: وقتاهما يتجاوران.
ومن أصحابنا من قال: وقت الزيادة فصل بين الوقتين، وهو خلاف النص.
وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وزاد عليه أقل زيادة، فقد دخل وقت العصر، واحتج بقوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار" [هود: 114]، فلو كان وقتها ما ذكرتم كان وسط النهار، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث جبريل عليه السلام، ولا حجة في الآية، لأن الطرف ما تراخى عن الوسط، وهذا موجود فيما ذكرناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 380

مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العصر قائماً، حتى يصير ظل كل شيء مثليه».
وهذا كما قال: آخر وقت العصر من طريق الاختيار أن يصير ظل كل شيء مثليه، وما بعد هذا وقت الجواز من غير كراهية إلى أن تصفر الشمس وما بعدها [6 ب/2] وقت الجواز مع الكراهة إلى أن تغرب الشمس، فإن صلى قبل غروب الشمس لا يكون عاصياً ولا قاضياً، وحصل للعصر أربعة أوقات: وقت الاستحباب، وهو أول الوقت، ثم وقت الاختيار إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ثم وقت الجواز من غير كراهة إلى أن تصفر الشمس، ثم وقت الجواز مع الكراهة حالة اصفرار الشمس إلى الغروب.
وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا زاد الظل على مثليه، فقد فات وقت العصر، ويصير عاصياً قاضياً بعده إذا كان بغير عذرٍ، وهذا اختاره وليس بمذهب.
واحتج بإمامة جبريل عليه السلام أنه صلى العصر في الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه.
وقال: «الوقت فيما بين هذين»، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح».
وأما خبر جبريل عليه السلام فمحمول على بيان وقت الاختيار، وحكي عن سفيان وأحمد أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس.
وعن الأوزاعي نحو من ذلك، وقيل عنهم: ما لم تتغير الشمس.
مسألةٌ: قال: «فإذا غربت الشمس، فهو وقت المغرب والأذان».
الفصل وهذا كما قال وقت صلاة المغرب، يدخل بغروب الشمس إجماعاً.
وقيل: هو أن يسقط قرص الشمس بكماله حتى لا يبقى شعاع الشمس على الأبنية العالية ورؤوس الجبال.
واختلفوا في آخر وقتها، فقال الشافعي في «القديم» و «الجديد»: لها وقت

الجزء: 1 - الصفحة: 381

واحد، ولهذا لم يقل: فإذا غربت [7 أ/ 2] الشمس، فهو أول وقت المغرب كما قال في الظهر والعصر، لأن مذهبه أن وقتها غير ممتد.
وبه قال مالك والأوزاعي، وحكي عن مالك أنه قال: يمتد وقتها إلى قبل طلوع الفجر كما قال في الظهر، وحكى أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، أولهما هذا، وآخرهما إلى دخول وقت العشاء.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وابن المنذر والزبيري من أصحابنا، وهذا أصح القولين عندي للأخبار الثابتة فيها، وذلك ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق»، أورده أبو داود في «سننه».
قال أبو سليمان الخطابي: هذا القول أصح لهذا الخبر، فور الشفق: بقية حمرة الشمس في الأفق، وسمي (فوراً) لفورانه وسطوعه.
وروي: ثور الشفق، وهو ثوران حمرته.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، أورده مسلم بن الحجاج في «الصحيح».
وروى جابر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة، فقال: «صل معنا»، فذكر الحديث وفيه: «ثم صلى المغرب في اليوم الثاني قبل غيبة الشفق».
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد: أن لها وقتاً واحداً، ولا تصح رواية أبي ثور عنه، ووجه هذا أن جبريل عليه السلام صلاها في اليومين لوقت واحد.
وروى العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم».
والفطرة: الدين.
وروي عن أبي عمران: أن عقبة بن عامر «صلى بهم المغرب، فأخرها» ونحن بالقسطنطينية، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أبو أيوب لعقبة: لم تؤخر صلاة المغرب وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [7 ب/ 2] فيراك من لم يصحبه، فيظن أنه وقتها؟ فقلنا لأبي أيوب: فمتى وقتها؟ فقال: كنا نصليها حين تجب الشمس نبادر بها طلوع النجم.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أخر صلاة المغرب لشغل اشتغل به

الجزء: 1 - الصفحة: 382

غير ناسٍ حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين، وقال عمر رضي الله عنه: «ما صلاة أخوف فواتاً عندي من المغرب» فإذا قلنا بهذا القول، فلا وقت استدامةٍ، فوقت الافتتاح من حين تغرب الشمس، ويمضي قدر ما يتطهر للصلاة، ويلبس ويؤذّن، ولا يجوز تأخير الافتتاح عن هذا الزمان.
وقال أبو حامد: وإن أخر افتتاحها عن هذا الوقت عصى وأثم، وفي هذا نظر، لأن المنصوص أن من أدرك ركعة من الوقت لا يكون عاصياً.
وأما مقدار وقته، فما ذكرنا وقد فعل ثلاث ركعات لا طويلة ولا قصيرة على حسب العرف فيها، فإن لم يفعل وأخرها عن هذا الوقت صار مفرطاً عاصياً، وللصلاة قاضياً، ولا يعتبر صلاة كل أحد طهارته في نفسه، لأن العادات مختلفة، فمن الناس من يستغرق بطهارته زماناً مديداً لثقل حركته، لأن لك الصلاة، وإنما يعتبر الوسط من الدرجتين لا في غاية الخفة، ولا في غاية الإبطاء، والمرجع فيه إلى العادة.
وهذا في الحقيقة تقدير وقتها بالزمان لا بالفعل.
وقال بعض أصحابنا: جميع وقت المغرب بمنزلة أول وقت كل صلاة، فيجوز أن يتراخى عن غروب الشمس كما أن من أخر الصلاة في غيرها قليلاً، ثم صلى يكون مصلياً في أوله، وهذا معنى وقت واحد ولسائر الصلوات وقتان يريد أن لها وقتاً أولاً، ووقتاً آخراً، فينبغي أن يكون وقت (المغرب) بقدر وقت الأول من سائر الصلوات، وذلك منها ما لا يبلغ إلى نصف وقتها.
وقال صاحب «الحاوي»: «هل يتقدر وقتها بالفعل أو بالعرف؟ وجهان: أحدهما: بالفعل [8 أ/ 2]، وهو بما ذكرناه.
والثاني: بالعرف، وهو أن يكون إذا أتى الصلاة فيه لم ينسب في العرف إلى تأخيرها عن أول الوقت، لأن الفعل يختلف بالعجلة والإبطاء، ولأن الصلاة ذات الوقتين يتقدر أول وقتها بالعرف لا بالفعل، ومنزلة المغرب في تفردها بوقت واحد منزلة الوقت الأول من الوقتين».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: بتقدر بالفعل ويعتبر أداء خمس ركعات وسط، وهذا خلاف ظاهر المذهب.
وقيل: يعتبر أن يكون الستر والطهارة قبل الغروب ثم ما بين ذلك إلى غروب الشفق خالياً عن الصلاة في وقت الرفاهية، ولا يقطع أنه خالي عن الصلاة على الإطلاق، لأنه وقت لها عند الجمع.
وأما وقت الاستدامة، قال أبو

الجزء: 1 - الصفحة: 383

إسحق: فيه ثلاثة أوجه، المذهب أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق للأخبار الواردة في هذا الباب، وقد ذكرناها.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصلاة أولاً وآخراً وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وآخر وقتها حين يغيب الأفق».
وروي عن مروان بن الحكم أنه قال: قال لي زيد بن ثابت رضي الله عنه: تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطول الطوليين يريد أطول السورتين، ويقال: إنه أراد سورة الأعراف.
والوجه الثاني، لا يستديمها أكثر من وقتها الذي ذكرنا.
والثالث: يستديمها قدر ما ذكرنا من العرف في أول وقت سائر الصلوات.
واعلم أن العرب يسمُّون صلاة المغرب العشاء، وقد روى البخاري في «صحيحه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تغلبنكم (الأعراب) على اسم صلاتكم، إنها المغرب، والمغرب يسمونها العشاء»، فَكَرِه ذلك [8 ب/ 2].
مسألةٌ: قال: «فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة، فهو أول وقت عشاء الآخرة والأذان».
وهذا كما قال: لا خلاف أن وقت العشاء إذا غاب الشفق، ولكن اختلف العلماء في الشفق فعندنا أنه الحمرة، فإذا غابت الحمرة، فقد دخل وقتها.
وبه قال ابن عمر وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ومكحول وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري وطاوس ومالك والثوري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وأبو يوسف ومحمد رضي الله عنهم.
وحكى عنه أنه قال: وقتها في البلدان والأبنية عند غيبوبة البياض، وفي الصحارى عند غيبوبة الحمرة، وإنما اعتبر هذا لأن البنيان في ستر منه، فاحتاط أن يؤخرها إلى غيبوبة البياض في البنيان بخلاف الصحارى.
وفي الحقيقة عنده الشفق: الحمرة.
وقال أبو حنيفة: الشفق: البياض.
وبه قال زفر والأوزاعي والمزني، وروى ذلك عن أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم،

الجزء: 1 - الصفحة: 384

وحكى عن الفراء أنه قال: الشفق: الحمرة.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: الشفق: البياض.
وقال بعض أهل اللغة: الشفق: اسم للحمرة والبياض معاً، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة لا باليقين.
الاسم كالقرء الذي يقع على اسمه على الطهر والحيض معاً، والدليل على صحة ما ذكرنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة».
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق، فهو لليلتين»، فدل على أن الشفق: الحمرة.
فرع قال بعض أصحابنا في بلاد المشرق [9 أ/ 2] بنواح تقصر الليالي، فلا يغيب الشفق عندنا فأول وقت العشاء في حقهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر مغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم.
مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العشاء قائماً حتى يذهب ثلث الليل».
وهذا كما قال، اختلف قول الشافعي رحمة الله عليه في آخر وقت العشاء المختار، فقال في «الجديد»: وقتها إلى ثلث الليل.
وبه قال عمر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ومالك وأحمد في رواية.
وقال في «القديم» و «الإملاء»: وقتها إلى نصف الليل.
وبه قال ابن المبارك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد في الرواية الثانية، وهذا اختيار أبي إسحق.
وبه أقول لأن الزيادة في الخبر أولى، واحتجوا بما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ووقت العشاء إلى نصف الليل».
وظاهر المذهب الأول لما روي من حديث جبريل عليه السلام، ولأن الثلث، ثبث بجميع الروايات، وتعارضت الأخبار في الزيادة، فسقطت الزيادة.

الجزء: 1 - الصفحة: 385

وقال ابن سريج: ليست المسألة على قولين، فيقول رواية من روى إلى ثلث الليل محمولة على أنه آخر وقت الابتداء بها.
ورواية من روى إلى نصف الليل محمولة على أنه آخر وقت الانتهاء بها، حتى لا تتعارض الاخبار، ولا يختلف فيه قول الشافعي رضي الله عنه.
وقال النخعي: وقتها إلى ربع الليل، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقتها المختار يبقى إلى طلوع الفجر، وبه قال عطاء وطاووس وعكرمة.
وأما وقت الجواز، (فباقٍ) إلى طلوع الفجر الثاني.
وحكى الشيح أبو حامد: أن الشافعي قال في «الأم»: وقتها بانقضاء ثلث الليل، ولفظه: وآخر وقتها إلى أن [9 ب/ 2] يمضي ثلث الليل، فإذا مضى ثلث الليل، فلا أراها إذا فاتته فحصل قولان، والأصح الأول، لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ابهارَّ الليل، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة».
وقال الاصطخري: إذا فات وقتها المختار، فقد فات وقت الجواز أيضاً كما قال في صلاة العصر، وقال: لو أدرك قبل طلوع الفجر الثاني يكون مدركاً لها، وهذا مناقضة منه.
فرعٌ: قال في «الأم»: واجب أن لا يسمي صلاة العشاء بالعتمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاة هي العشاء إلا أنهم يعتمون بحلاب الإبل».
أي: يؤخرون الحلب إلى أن يعتم الإبل ويسمون الحلبة العتمة، وقيل: العتمة، الظلمة، فإذا قال: صليت العتمة معناه: صليت الظلمة.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه إذا سمع رجلاً يقول: العتمة صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء، ويكره أن يقول ذلك، وهذه كراهية تنزيه.
قال الشافعي: وأحب أن يلقن الرجل أهله وولده ذلك ليعتادوه، وإن احتاج إلى أن يخاطبه بهذا الاسم من لا يعرف الصلاة إلا به ومنه ذلك.
وقيل: للصلاة ثلاثة أوقات:

الجزء: 1 - الصفحة: 386

أولها، من حيث يغيب الشفق، وآخرها: إلى ثلث الليل أو نصفه من غير كراهية، والثالث: وقت الجواز مع الكراهة بعد ذلك إلى طلوع الفجر.
مسألة: قال: "ولا أذان إلا بعد دخول وقت الصلاة خلا الصبح».
الفصل وهذا كما قال نص الشافعي: أن وقت أداء صلاة الصبح، وأنه مخالف لأذان سائر الصلوات، ثم عاد إلى بيان وقت صلاة الصبح، فأولاً، [10 أ/2] يذكر وقت صلاة الصبح، ثم يذكر وقت أذانها، فأول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني لخبر جبريل عليه السلام، «والفجر فجران»: فالأول، هو المستطيل المستدق في الجو، ولا ينتشر في الأفق وتسميه العرب الفجر الكاذب، لأنه يضيء ثم يسود، وتصير الدنيا أظلم مما كانت ويسمى الخيط الأسود ويشبه بذنب السرحان، وهو (الذئب)، وإنما يشبه بذلك لأنه مستدق صامد في غير إعراضٍ.
والفجر الثاني، هو المستنير المستدير المنتشر بالمعترض في الأفق، ويسمى الفجر الصادق، لأنه صدقك عن الصبح، وثبت ذلك، ويقال لهذا الثاني: صبح، ولا يقال للأول: صبح، وإن كان يقال: فجر، لأن الصبح ما جمع بياضاً وحمرة، ولهذا يقال للرجل الذي عليه حمرة: أصبح، ويسمى الخيط الأبيض، وإذا طلع هذا يزداد كل ساعة ضياءً ونوراً، فبالأول لا يتعلق التحريم والتحليل، وهو كطلوع نجم من النجوم، وبالثاني: يخرج الليل ويدخل النهار وتجب به الصلاة ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغرَّنك الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستنير».
ثم اعلم أن صلاة الفجر من صلوات النهار، لأن أول النهار من حين طلوع الفجر الثاني.
وقال حذيفة بن اليمان والشعبي والحسن بن صالح والأعمش: هي من صلاة الليل، وحكي عن الأعمش أنه قال: النهار يدخل بظهور مغرب قرص الشمس، ويخرج

الجزء: 1 - الصفحة: 387

بغروب نصف قرصها حتى يجوز للصائم الأكل والشرب ما لم يطلع نصف القرص.
وروي مثل هذا عن حذيفة، وهذا يفيد مع ظهور تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر في كل عصر، وظاهر قوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض" [البقرة: 187] الآية.
وروي في حديث جبريل عليه السلام أنه قال: «وصلى بي الفجر في اليوم الأول حين حرم الطعام والشراب [10 ب/ 2] على الصائم»، ولا يصح الصوم بالليل بالإجماع، واحتجوا بقوله تعالى: "فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة" [الإسراء: 12]، وآية النهار الشمس، فينبغي أن يكون النهار من طلوعها، ولأنه يجهر فيها بالقراءة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة النهار عجماء».
قلنا عن الأول: الشمس آية النهار وهذا لا يدل على أنه لا آية له غيرها، ولأنه يقال للفجر: حاجب الشمس.
وقال الخليل بن أحمد: النهار هو الضياء الذي من طلوع الفجر وغروب الشمس.
وأما الخبر قال الدارقطني: هذا لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول الفقهاء، ثم المراد به معظم صلوات النهار، ألا ترى أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، وهي من صلاة النهار، وقيل: المعنى فيه أن الكفار كانوا إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ يسبون القرآن ومن أنزله، فأنزل الله تعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" [الإسراء:110]، فأمر بالمخافتة فيما يحضره الكفار من الصلوات وكانوا وقت العشاء والصبح نياماً، ووقت المغرب مشتغلين بالأكل فلا يحضرون، فيجهر النبي صلى الله عليه وسلم في قراءتها لهذا المعنى.
وحكي أن أبا حنيفة خرج إلى الأعمش زائراً وجعل يعتذر ويقول: لولا مخافة الثقل لزرناك كثيراً، فقال له: أنت ثقيل في بيتك، فكيف إذا جئتنا؟ فقام أبو حنيفة رحمه الله مغضباً، وقال: ماذا أقول لرجل لم يصم لله تعالى قط، ولم يغتسل من الجنابة قط؟ وعنى به هذه المسألة التي ذكرناها عنه.
وقوله: الماء من الماء، فإنه يذهب إلى أنه لا يجب الغسل بالتقاء الختانين، فإذا تقرر هذا فوقت الاختيار يبقى إلى أن يسفر النهار، وهو آخر وقت الاختيار ثم بعد الإسفار يبقى وقت الجواز، والأداء إلى أن تطلع الشمس، ولكن يكره له تأخيرها إليه، فحصل للصبح ثلاثة أوقات [11 أ/ 2]، كما ذكرنا في العشاء.
وقال الإصطخري: يخرج الوقت بالإسفار كما قال في العصر والعشاء، وهذا غلط

الجزء: 1 - الصفحة: 388

لما روي في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس».
وقال بعض العلماء: صلاة الصبح من صلاة اليوم ليست من صلاة النهار ولا من صلاة الليل لقوله تعالى: "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" [الحج: 61]، فاقتضى أن يكون زمان ولوج الليل في النهار ليس من الليل، ولا من النهار، فيكون الليل الذي لم يلج فيه شيئاً من النهار ليلاً، ويكون النهار الذي لم يلج فيه شيء من الليل نهاراً، وهو بعد طلوع الشمس.
وقد بينا صحة ما ذكرنا وبطلان غيره.
فإذا تقرر هذا، فإن فرغ منها قبل طلوع الشمس، فلا كلام، وإن صلى منها ركعة في الوقت ثم طلعت الشمس فيصلي باقيها بعد طلوعها.
نص في «القديم» و «الجديد» أن الكل أداء.
وبه قال أحمد وإسحق وهو اختيار ابن سريج، وعلى هذا لا يصير عاصياً إذا لم يكن بعذر، وقال أبو إسحق: ما فعله في الوقت يكون أداء، وما فعله خارج الوقت يصير قضاء، ويكون بهذا التأخير عاصياً، إذا لم يكن معذوراً، ونص الشافعي على هذا في غير موضع وأراد بما ذكرتم في حق أهل الأعذار، فإنه لا حرج عليهم، ويكونون مؤدين لحقها.
قال أبو حامد: وهذا قول عامة أصحابنا، وهذا غلط للخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» الخبر، ولأنه لا خلاف أن من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركاً لها، فدلَّ على ما قلنا.
وقال القاضي الطبري: هذا مذهب الشافعي الذي لا يحتمل غيره.
وقد نقل المزني صريحاً، فقال: فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة [11 ب/2]، فقد خرج وقتها فجعلها فائتة بطلوع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة، والذي ذكره أبو إسحق ما وجد للشافعي في شيء من كتبه.
وقال ابن المنذر، هو قول أبي ثور.
وقال بعض أصحابنا: المقصود من الأوقات أن يكون الافتتاح فيها، فإن شرع فيها ومدها إلى خارج الوقت لم يكره لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه: «قرأ سورة البقرة في صلاة الصبح»، فلما سلم قال له عمر رضي الله عنه: كدت لا تسلم حتى تطلع الشمس، فقال: «لو طلعت لم تجدنا غافلين».
واحتجَّ أبو إسحق بقوله صلى الله عليه وسلم: «وقت الصبح ما لم تطلع الشمس»، وهذا عندنا على أنه أراد وقت افتتاحها بدليل ما ذكرناه وهكذا الحديث فمن صلى ركعة من العصر قبل غروب الشمس وأتمها بعد غروبها، وإن صلى دون الركعة قبل طلوع الشمس أو قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 389

الغروب لا يكون مؤدياً لها بلا (خلاف) ويصير عاصياً إذا لم يكن معذوراً.
وقال أبو حنيفة: إذا طلعت الشمس قبل الفراغ منها بطلت ووافقنا في صلاة العصر أنها لا تبطل بغروب الشمس فيها، فقيس عليه.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في «الأم»: وأحب أن تسمى هذه الصلاة بصلاة الفجر كما سماه الله تعالى: "وقرآن الفجر" [الإسراء: 78] أو الصبح كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستحب أن يقول: صلاة الغداة، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم أذانها، فيجوز الأذان لها قبل طلوع الفجر ولا يجوز الأذان لسائر الصلوات قبل دخول أوقاتها.
وقال الشافعي رحمة الله عليه: السنة أن يكون لها مؤذنان: أحدهما، يؤذن قبل الوقت، والآخر، بعده كما كان بلال وابن أم مكتوم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان المؤذن واحداً، فالسنة أن يؤذن لها قبل الفجر، ويعيد بعد الفجر ليكون لها أذانان، فإن لم يفعل واقتصر على الأذان الأول جاز وإذا أراد الاقتصار على واحد، فالمستحب أن يؤذن بعد الفجر، وبقولنا [12 أ/ 2]، قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وأبو يوسف وأهل الحجاز وأهل الشام.
وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري: لا يجوز أن يؤذن الأولى بعد دخول وقتها، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالاً يؤذن لليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
واحتجوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه: أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد قد نام.
قلنا: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد أنه غفل عن الوقت كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها.
والثاني: معناه أنه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم، ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، ثم نسخ ذلك بما روينا من خبر بلال.
ومن أصحابنا من قال: هذا يجوز إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا لم يكن إلا مؤذن واحد، فلا يجوز له أن يؤذن إلا بعد دخول الوقت فيحمل

الجزء: 1 - الصفحة: 390

خبر النهي على الوقت الذي كان المؤذن واحداً، ويحمل خبر الجواز على الوقت الذي كان المؤذن اثنين، فإذا تقرر هذا، فكم يجوز التقديم؟ فيه أوجه: أحدها: وهو الأصح أول وقت أذانها إذا انتصف الليل ولم يذكر أهل العراق غير هذا القول، لأنه لو أذن قبله لشبه بأذان العشاء، ولا يحتاج أيضاً في النصف الأول إلى سبب من أسباب صلاة الفجر بحال.
والثاني: يجوز أذانها بعد ثلث الليل فإنه أخر وقت العشاء اختياراً.
والثالث: يجوز في جميع الليل إلا أن المستحب أن يؤخره عن وقت الاختيار للعشاء حتى لا يخلط بأذان العشاء فيقع الغلط.
والرابع: يجوز ما لم يتباعد عن الصبح وقدروا ذلك بوقت السحر، وتارة بالثلث الآخر من الليل [12 ب/ 2] ووقت السحر المسنون إذا بقي من الليل سدسه.
وقال صاحب «التقريب»: المستحب تقديم الأذان على وقتها، وإن كان مرة، لأن الشافعي قال في موضع: «فإن أذن قبل الفجر، ولم يعد بعده، فلا بأس» لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله: (لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) دليل على أن التقديم أحب وعلى هذا يدل كلام القاضي الطبري في «الخلافيات».
وما تقدم أصح.
وأما الإقامة، فلا يجوز تقديمها على الوقت بحال.
والفرق بينها وبين الأذان للصبح أن الإقامة تراد لاستفتاح الصلاة، ولا يجوز قبل وقت الافتتاح والأذان يراد للإعلام، ويدخل في وقت الصبح، والناس نيام، منهم الجنب المحدث فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهبوا للصلاة بخلاف أذان سائر الصلوات.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي رحمه الله: «وليس ذلك بقياس»، قيل: معناه ليس بقياس على سائر الصلوات، ولم يرد به أن القياس يخالفه، ولا يساعده لما ذكرنا من المعنى.
وقيل: أراد ليس بقياس جلي، ولكنه قياس شبه.
وقيل: أراد تركت القياس فيه للخبر بخلاف ما قال أبو حنيفة، فإنه قال بالقياس وترك الخبر ثم قال: واعتمد في ذلك على إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قري، واعتمد بنصب الدال وقري واعتمد بالرفع فالنصب.
ذكره على وجه الخبر، يعني: قال

الجزء: 1 - الصفحة: 391

المزني.
واعتمد الشافعي فيه على ذلك وبالرفع ذكره على وجه الحكاية يعني: قال الشافعي: اعتمد في ذلك على إمامة جبريل عليه السلام ويريد به ما ذكرنا فيما تقدم.
وأراد بالخبر الآخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامته بالقوم، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات، فقال له: «أقم عندنا»، فصلى به صلى الله عليه وسلم [13 أ/ 2] في يومين مثل ما صلى جبريل عليه السلام في تعليمه للأوقات، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ فقال الرجل: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال له: «ما بين هذين وقت».
مسألة: قال: «والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، فإذا أغمي غلى رجل فأفاق».
الفصل وهذا كما قال أهل العذر والضرورة أربعة: الصبي إذا بلغ، والمغلوب على عقله بالجنون أو الإغماء إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم.
وذكر الشافعي في جملتهم: وإن لم يكن له عذر ويلزمه الصلاة في حال كفره، لأنه مخاطب بالشرائع ويعاقب على تركها، لأنه يجري مجراهم في سقوط القضاء عنه إذا أسلم بعد فوات الوقت.
وقيل: أنه فسَّر وقت الضرورة ولم يفسِّر وقت العذر، لأن كل ضرورة عذر ونحن نذكر الآن وقت العذر من غير الضرورة، فوقت عذر العصر هو جميع وقت الظهر إلا قدر أربع ركعات من أوله، لأن من جمع وقت الظهر لم يجز له إلا تقديم الظهر على العصر.
وأما وقت عذر الظهر، فهو جميع وقت العصر أو يستثني من آخره أربع ركعات وجهان، وأصل الوجهين أن من جمع وقت العصر هل له تقديم فعل العصر على الظهر؟ وجهان، وهكذا في المغرب والعشاء، فإن وقت عذر العشاء جميع وقت المغرب إن جعلنا للمغرب وقتين إلا قدر ثلاث ركعات من أوله ووقت عذر المغرب جميع وقت العشاء في وجه ويستثنى قدر أربع ركعات من آخره في وجه آخر هكذا ذكره القفال.
وقال بعض أصحابنا: الأحسن أن يستثنى قدر ركعتين من أول وقت الظهر أو من

الجزء: 1 - الصفحة: 392

آخر وقت العصر لأنها تقضى كما تجمع، وكذلك في العشاء، وأما وقت الضرورة فما ذكره، فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن هؤلاء لو أدركوا [13 ب/ 2] من وقت العصر ركعة قبل الغروب أو من وقت العشاء ركعة قبل طلوع الفجر أو من وقت الصبح ركعة قبل طلوع الشمس يلزم هؤلاء فرض الصلاة، فإن أدركوا أقل من ركعة فيه قولان: أحدهما: تجب الصلاة بمقدار تكبيرة الافتتاح، نص عليه في كتاب استقبال القبلة في باب التلبية على الفعل في «الجديد».
وبه قال أبو حنيفة.
وقال القاضي أبو حامد: هذا أشهر القولين، وهو اختيار أبي حامد ووجه أنه أدرك جزءاً من الوقت بعد زوال عذره فأشبه إذا أدرك مقدار ركعة ويؤكده أنه يعتبر فيه إدراك الحرمة دون الفعل، لأنه لو أدرك الوقت، ولم يفعلها يلزمه ذلك، فاستوى فيه القليل والكثير كإدراك حرمة الجماعة.
والقول الثاني: لا يلزمه الصلاة بإدراك دون ركعة ثانية، نص عليه في «القديم».
وذكر المزني أنه سمعه منه لفظاً، وهو اختيار المزني.
وبه قال مالك، وقال أبو إسحق: هذا أشهر القولين، وهكذا ذكره القاضي الطبري ووجهه ما احتج به المزني، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»، فعلق الإدراك بركعة، وأيضاً الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فكيف يكون مدركاً للعصر معاً بتحريمه؟.
والجواب عن هذا أن نقول: أما الخبر فوارد في إدراك الفعل، أو أراد به من أدرك شيئاً في الجملة.
وهذا احتجاج من المزني لمفهومه لا لمنطوقه، فلا حجة فيه ظاهراً.
وأما المعنى قلنا: ذلك إدراك إسقاط، فإنه يسقط عن نفسه ركعتين بذلك، فلا بدَّ من إدراك الركوع كما لا يسقط القيام والقراءة عن المأموم إلا بإدراك الركوع وهذا إدراك إلزام، فيحصل بأدنى شيء.
لمسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أدنى شيء يلزمه صلاة [14 أ/ 2] المقيم.
فإذا تقرر هذا نقل المزني أن هؤلاء إذا تغيرت حالهم قبل مغيب الشمس بركعة أعادوا الظهر والعصر، ونقل بعده إن أدرك الإحرام صلاهما فاستعمل لفظ الإعادة عند إدراك ركعة.
ولفظ الصلاة عند إدراك تحريمة، وأوهم مع هذين قولين في «الجديد».
وهما غلطان اثنان:

الجزء: 1 - الصفحة: 393

أحدهما: أن الشافعي وضع لفظ الإعادة حيث وضع المزني لفظ الصلاة، فقال في كتاب استقبال القبلة: ولو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بتحريمة أعاد الظهر والعصر ووضع لفظ الصلاة حيث وضع المزني لفظ الإعادة، فقال: لو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بركعة صلى العصر ولفظ الإعادة أليق بمن أدرك تحريمة، ولفظ الصلاة والأداء أليق بمن أدرك قدر ركعة.
والثاني: أن القول في «الجديد» غير مختلف في وجوب الضدين بإدراك ركعة أو تحريمة.
واختار المزني القول القديم وعنده أنه يختار الجديد، فإذا تقرَّر هذا ففي دليله لفظ مثيل، وهو أنه قال.
معنى قوله: عنده إن لم يفته، أي: عند الشافعي، وهذا التفسير مفتقر إلى تفسير وربما يقرأ إن لم تفته بالكسر وربما يقرأ أن لم تفته بالفتح فمعنى الكسر إن لم تفت الجمعة الرجل بأن أدرك منها ركعة صلاها جمعة، وإن فاتته بأن أدرك أقل من ركعة صلاها ظهراً وبالفتح تقدير اللفظ أن يقال: معنى هذا الخبر عند الشافعي: أن الجمعة لم تفته إذا أدرك ركعة وفاتته إن أدرك أقل من ركعة.
ولو قال: ومعنى قوله عنده أنها لم تفته أو ارتفع الإشكال.
وهكذا سماع بعض المشايخ، ولكن أكثر النسخ على ما قدمنا واعتصد بجمع ذلك أحد، فإذا تقرر هذا، فهذا الذي ذكرنا إذا امتدت به حال السلامة قدر ما يتم فيه الصلاة، فأما إذا حدث عقيب خروج الوقت عذر آخر لا يلزمه الصلاة [14 ب/2] إذا لم يكن أدرك من الوقت قدر أربع ركعات إذ الإمكان شرط ويتصور ذلك بأن (يبلغ) ثم بعد قليل يجن أو تحيض أو تطهر ثم يجن، فأما الصلاة التي قبلها هل تلزمهم؟ ينظر فإن كانت صلاة لا تضم إلى هذه كالصبح مع الظهر لا تلزمهم، وكذلك بإدراك المغرب لا تلزم العصر ولا تلزم بإدراك الصبح العشاء، وإن كانت صلاة تضم إليها عند العذر كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء يلزمهم.
وقال أبو حنيفة: لا تلزم الظهر بإدراك العصر ولا المغرب بإدراك العشاء.
وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهما أوجبا على الحائض التطهر قبل طلوع الفجر بركعة المغرب والعشاء، ولا مخالف لهما.
واحتج الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما في وقت واحد، فدلَّ أن وقتهما

الجزء: 1 - الصفحة: 394

للضرورات واحد، فإذا تقرر هذا لم يشترط أن يدرك حتى يلزمه الظهر مع العصر.
قال في «الجديد»: تجب الظهر بما تجب به العصر لأن وقتهما واحدٌ عند العذر، وكذلك تجب العشاء بما تجب به المغرب.
وقال في «القديم»: فيه قولان: أحدهما: بمقدار ركعة وطهارة تجب الصلاتان لأن الاعتبار بإدراك ركعة فاعتبر إدراك ركعة كاملة بالطهارة.
والثاني: بمقدار خمس ركعات لأنه يعتبر وقت يمكن الشروع فيهما.
ومن أصحابنا من قال: يخرج على قوله «القديم» أربع ركعات وتكبيرة.
قال أبو إسحق: وهذا محتمل لأن الشافعي اعتبر في إدراك العصر قدر تكبيرة، واعتبر في «القديم» لإدراك الظهر أربع ركعات فجمع أحد القولين إلى الآخر، فاعتبر كليهما أربع ركعات وتكبيرة، وهذا أضعف الأقوال، فحصل فيما يدرك به الظهر والعصر خمسة أقوال: أحدها: يدركهما بمقدار تكبيرة.
والثاني: بمقدار ركعة.
والثالث: بمقدار ركعة وطهارة [15 أ/ 2].
والرابع: بمقدار أربع ركعات وتكبيرة.
والخامس: بمقدار خمس ركعات.
والصحيح قوله «الجديد»: وما عداه من الأقاويل باطلة.
وقال القفال: حصل في الجملة ثمانية أقوال، خمسة ذكرناها.
والسادس: تحريمة وطهارة.
والسابع: خمس ركعات وطهارة.
والثامن: أربع ركعات وتحريمة مع الطهارة، فإذا قلنا بخمس ركعات، وهو قول مالك، فالمنصوص في «القديم» أنه يكون مدركاً للعصر بركعة وللظهر بأربع ركعات.
وقال أبو إسحق: يكون مدركاً للعصر بأربع ركعات وللظهر بركعة، وهذا غلط، لأنه جعل إدراك العصر بأربع ركعات، فخالف نص السنَّة وترك المذهب.
وفائدة هذا تتبين في المغرب والعشاء، فإن قلنا: أربع للعصر وركعة للظهر ففي الآخر وقت العشاء لا بدَّ من إدراك خمس ركعات أيضاً، وإن قلنا: أربع للظهر وركعة للعصر ههنا يكفي أربع ركعات: ثلاث للمغرب وركعة للعشاء، ويأتي في وجوبهما على ما ذكر القفال ثمانية أقوال، ويزيد أربعة أقوال: أحدها: أربع ركعات.

الجزء: 1 - الصفحة: 395

والثاني: ثلث ركعات وتحريمة.
والثالث: أربع ركعات وطهارة.
والرابع: أربع ركعات وتحريمة وطهارة.
والمذهب أنه لا فرق بين ما ذكرنا وبين ما يدرك به المغرب والعشاء إلا في فصل، وهو أنا إذا اعتبرنا هناك خمس ركعات فيعتبر ههنا أربع ركعات، لأن عدد المغرب ثلاث ركعات، وهذا كله في زوال العذر الموجود في آخر الوقت، فأما الكلام في حدوث العذر في أول الوقت، وهو زوال العقل بجنون أو إغماء، أو زوال طهر بحيض أو نفاس.
فأما العذر للصغر فلا (يحدث) والكفر يحدث، ولكن ليس بعذر لأن المرتد يلزمه قضاء الصلاة، فإذا زالت الشمس ثم زال عقله أو حاضت أو نفست المرأة نظر، فإن كان الذي مضى من الوقت لا يتسع [15 ب/ 2] لأربع ركعات لم يستقر الفرض، ولا يجب القضاء عليه نص عليه في «الإملاء».
وبه قال عامة أصحابنا.
وقال أبو يحيى البلخي: يلزمه ويستقر عليه، وعليه القضاء، لأنه أدرك جزءاً من الوقت، فأشبه إذا أدرك من آخره، وهذا ليس بشيء لأنه في آخره، يمكنه التلبس بها والبناء عليها، وههنا لا يمكنه البناء بحال، وإن مضى من الوقت ما يتسع لصلاة الظهر أخف صلاة استقرت، فلا تسقط بعد ذلك.
وقال ابن سريج والاصطخري: لا تستقر إلا بمضي كل الوقت.
وبه قال مالك، لأنه لو سافر في آخر وقت الصلاة قصر إذا بقي من الوقت ما يمكنه أداء الصلاة، وهذا غلط لأن اعتبار عددها بحال الأداء، فأما الاستقرار بإمكان الأداء في الوقت وقد وجد ذلك.
وهذا الكلام في الظهر، فأما العصر فلا يكون مدركاً لها بإدراك وقت الظهر فلو زال عقله مع آخر وقت الظهر، لا يلزمه العصر.
وقال أبو يحيى البلخي: تجب العصر بإدراك وقت الظهر إذا أدرك ثمان ركعات، لأنه وقت لهما، كما إذا أدرك وقت العصر لزمته كلتا الصلاتين، وهذا ليس بشيء، لأن وقت العصر وقت للظهر وقتاً متبوعاً بدليل أن له تقديم الظهر على العصر ووقت الظهر وقت العصر تبعاً للظهر لا وقتاً لها بدليل أنه لا يقدم العصر عليها في وقت الظهر، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن فيما هو عذر، وفيما ليس بعذر وجملته أنه متى زال عقله بوجه هو معذور فيه حتى فاتته الصلاة لا قضاء عليه كالإغماء والجنون.
ولا فرق بين الإغماء الكثير والقليل وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء دون يوم وليلة لا يسقط قضاء الصلوات، وإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 396

أكثر تسقط وفي يوم وليلة اختلفوا على قولين وسلموا في الجنون أنه [16 أ/ 2]، يسوّى بين قليله وكثيره في هذا المعنى، فنقيس عليه.
وقال أحمد: يجب عليه القضاء بكل حال، واحتجّ بما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه أغمي عليه يوماً وليلة فقضى الصلوات، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغمى عليه فينزل الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق وقتها فيصليها»، ويحمل ما روي عن عمار على الاستحباب.
وقد روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه أغمي عليه ثلاثة أيام، فلم يعد الصلاة.
وعن أنس نحو ذلك، وإن زال عقله بسبب هو غير معذور فيه حتى فاتت الصلاة، فعليه قضاء كلها، كالسكر وإذا شرب دواءً مجنناً ونحو ذلك.
وقد قال في «الأم»: إذا سكر بشرب الخمر أو النبيذ كان مخاطباً مكلفاً بالعبادات إلا أنه لا يفتتح الصلاة، وهو سكران حتى يفيق، لأن الله تعالى قال: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" [النساء: 43]، فإن افتتحها وهو سكران أو افتتحها مفيقاً فسكر بالصلاة بطلت صلاته، وعليه الإعادة وأقل السكر (أن) أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب عليه قبل الشرب.
فرعٌ قال في «الأم»: «ولو شرب المسكر قليلاً وصلى لم (تجب) الإعادة، وأحب لو أعاد».
وهذا إذا غسل فمه، فإن لم يغسل لا تجوز صلاته.
فرعٌ آخر لو تناول دواء فيه بعض السموم.
وقال الشافعي في «استقبال القبلة»: "إن كان الأغلب منه السلامة يحل تناوله، وإذا تناوله فزال عقله ونزل الصلاة لم يلزمه قضاؤها.
فرع آخر قال في كتاب الأطعمة: «وإذا جعل في الدواء سم، فالغالب منه السلامة حل تناوله، وقيل: لا يحل تناوله لأن السم يقتل [16 ب/ 2] قليله وكثيره، فخرج فيه قولين.

الجزء: 1 - الصفحة: 397

والأصح الأول، لأن الاعتبار بغالب السلامة، فإذا قلنا: يحل فزال عقله لا إعادة وإلا فيلزم الإعادة».
فرعٌ آخر قال في «الأم»: ولو أكل أو شرب هلالاً، فخبل عقله أو وثب وثبة، فانقلب دماغه، وزال عقله أو تنكس فذهب عقله لم يكن عليه إعادة صلاة صلاها، هو لا يعقل أو تركها لذهاب العقل، وإن وثب لغير منفعة، أو تنكس لذهاب عقله، فذهب كان عاصياً، وعليه القضاء.
قال الشافعي: «وأقل ذهاب العقل الذي يوجب عليه إعادة الصلاة أن يكون مختلطاً يغرب عنه عقله في شيء وإن قلّ وثوب».
فرعٌ آخر قال: «ولو شرب قليلاً مما يزيل العقل لا لحاجة ظناً منه أنه لا يزيلُ العقل لقلته، فزال عقله يلزمه إعادة الصلاة، ولو لم يعلم أن ذلك يزيل العقل فأزال لا إعادة».
فرعٌ آخر لو سكر ثم جن كم يعيد من الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما: قدر ما يدوم السكر.
والثاني: يلزمه قضاء الكل كما لو اتصل الجنون بالارتداد وعندي هذا إذا تولد الجنون من السكر فإن كان بعلة أخرى، فلا يلزمه سوى مدة السكر.
فرعٌ آخر قد ذكرنا مواقيت وجوب الصلاة في حق المعذور، فأما في حق غير المعذور، فإنها تجب بأول الوقت وتستقر بإمكان الأداء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب بآخر الوقت إلا أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً، يقولون: تجب إذا بقي من الوقت بمقدار تكبيرة.
وقال زفر: تجب إذا بقي من الوقت قدر الصلاة.
وقال الكرخي: إنما يعتبر عندهم قدر التكبيرة في حق المعذورين، فأما في حق غير المعذورين تجب بقدر الصلاة كقول زفر.

الجزء: 1 - الصفحة: 398

واختلفوا إذا صلى في أول الوقت، فمنهم من قال: تقع فرضاً.
وقال الكرخي: تقع نفلاً ويمنع ذلك من وجوب الفرض في آخر الوقت [17 أ/2] ومنهم من قال: تقع مراعىً فإن أدرك آخر وقتها، وهو ممن تلزمه الصلاة وقعت فرضاً وإلا وقعت نفلاً، وهذا غلط، لأنه وقت لأداء صلاة لو أظهر في حق الكافة فكان وقتاً للوجوب كآخر الوقت.
وقال بعض أصحابنا: كل حظ من الوقت له حظ في الوجوب، ولا نقول: وجبت الصلاة بأول الوقت حتى لو أدرك جميع الوقت نقول: وجبت بجميع الوقت، وهذا كالقيام يجب بقدر الفاتحة، فلو طال القيام بقراءة السورة، فالكل واجب وهذا خلاف المذهب.
فرع آخر إذا قلنا بالوجوب في أول الوقت، فلم يصل مع الإمكان حتى مات.
وقال القفال: هل يحكم بأنه عاصٍ، وجهان: أحدهما: يكون عاصياً كما في الحجِّ على أحد الوجهين.
والثاني: لا يكون عاصياً، والفرق بينه وبين الحج أن آخر وقت الصلاة معلوم بخلاف آخر وقت الحج، وهذا هو الأصح وذاك غلط.
فرع آخر وقت وجوب الطهارة متى يكون، فيه وجهان: أحدهما: تجب كلما انتقض طهره.
والثاني: وهو ظاهر المذهب تجب بدخول وقت الصلاة على من كان محدثاً عند دخول وقتها، ويجوز فعلها قبل وقتها.
فرع آخر إذا أفاق المجنون وقد بقي من وقت العصر مقدار ركعة يلزمه الظهر والعصر، ثم جن بعد أن مضى من الوقت مقدار أربع ركعات ولم يصلّ وبقي على جنونه مدةً طويلة، ثم أفاق هل يلزمه إعادة الظهر أو العصر أو هما؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إعادة الظهر وحدها، لأن الإمكان وجد في صلاة واحدة، ولا يمكن إيجاب الظهر وحدها، لأن الإفاقة كانت في وقت العصر.
والثاني: يلزمه الظهر والعصر جميعاً، لأن وجوب العصر يستدعي وجوب الظهر، وهذا أصح لأن وقتيهما واحد عند العذر [17 ب/ 2].
هكذا قال والدي الإمام رحمه

الجزء: 1 - الصفحة: 399

الله وهذا لا يصح عندي، لأن الإمكان شرط، وإن كان وقتهما واحداً، ولا يتسع هذا القدر من الوقت لأداء الصلاتين فصار كما لو تمكن من أداء ركعتين من العصر لا يلزمه تمام العصر.

باب صفة الأذان وما يقال له

من الصلاة وما لا يؤذن اعلم أن معنى الأذان والتأذين الإعلام، يقال: أذن يؤذن تأذيناً وأذاناً.
إذا أعلم الناس بشيء يحتاجون إليه.
قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر" [التوبة: 3]، معناه إعلامٌ من الله تعالى بذلك.
وقال الله تعالى: "آذناك ما منا من شهيد" [فصلت: 47]، أي: أعلمناك، وإنما قيل: أذن بالتشديد مبالغة وتكثيرا.
وقال الزجاج: إنما سمي الإعلام إيذاناً اشتقاقاً من الأذن، ومعنى الإعلام في الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو مقاربة الوقت.
والإقامة: معناها الأمر بالقيام لافتتاح الصلاة، وقوله في الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح "، أي: هلم وتعال، يقال: حي على كذا، أي: أسرع وعجل إليه.
وقيل: معناه: يا أهل الحي هلموا وأقبلوا على الصلاة.
وقيل: معناه: بادروا وأسرعوا إلى فعل الصلاة ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيّ هلا بعمر، أي: فبادر بذكره في أولهم، وقيل في حي على الفلاح، تأويلان: أحدهما: إن الفلاح إدراك الطلبة واللطف بالحاجة.
والثاني: إنه البقاء والخلود في الجنة.
والتثويب عبارة عن قوله: الصلاة خير من النوم، وإنما سمي تثويباً من ثاب فلان إلى كذا [18 أ/ 2] إذا عاد إليه، فإذا قال: الصلاة خير من النوم بعد الحيعلة، فقد عاد إلى الدعاء إلى الصلاة فسمي تثويباً، فإذا تقرر هذا، فالأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: "وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً" [المائدة: 58] فذمَّ الله تعالى من يستهزئ بالأذان.
وأيضاً قوله تعالى: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" [الجمعة: 9].
وأفا السنة، ما روي أنه لما انتشر الإسلام في الناس واشتغل كثير منهم بالمعاش أهمهم أمر الصلاة واحتاجوا إلى إمارة يعرفون بها الوقت، فاجتمع قوم من الصحابة في

الجزء: 1 - الصفحة: 400

المسجد فتشاوروا، فقال بعضهم: نضرب بالناقوس.
وقال آخرون: تلك علامة النصارى لا نريده.
وقال بعضهم: نضرب بالبوق، فقال آخرون: تلك علامة اليهود لا نريده.
وقال بعضهم: نوقد النار بالليل وندخن بالنهار، فقال آخرون: تلك علامة المجوس لا نريده ولا ندخل النار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تفرقوا مهتمين لهذا الشأن، ثم جاء عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، وقال: كنت بين النائم واليقظان إذ نزل ملك من السماء عليه ثياب خضر بيده قوس، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: أضرب به في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟.
قلت: بلى، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، وذكر الأذان ثم صعد جذم حائط فأقام مثل ذلك، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «حق إن شاء الله، ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً»، فقلت: يا رسول الله [18 ب/2]، ائذن لي أن أؤذن مرة، فأذن فأذنت، فلما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوتي خرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال: الحمد لله، فذاك أثبت ثم أتاه بضع عشرة من الصحابة كلهم رأوا مثل ذلك إلا أنه نسب إلى عبد الله بن زيد، لأنه كان أول من أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أول من أذن في الإسلام.
قال ابن عمر ابن أنس الأنصاري: نزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً.
وروي أن عمر رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «لم لم تخبرنا به؟» فقال: سبقني به عبد الله بن زيد فاستحييت وروى أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: ائتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القمع يعني الشبور فلم يعجبه ذلك.
وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له الناقوس.
قال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو (مهتم) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدى الأذان في منامه فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، فأذن بلال.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

وقال أبو داود: القنع بالنون ساكنة.
وقال مرة أخرى: القبع بالباء مفتوحة، وتفسيره ما ذكر في الحديث.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي: إن كانت الرواية بالنون فهو من إقناع الصوت، وهو رفعه [19 أ/ 2] يقال: أقنع الرجل صوته، وأقنع رأسه إذا رفعه.
وأما القبع، فلأنه يقبع صاحبه، أي: يستره.
يقال: قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه.
وقال أبو عمر: هو من القثع بالثاء، يعني البوق، وليس هذا عن غيره.
وأما الإجماع، فلا خلاف بين المسلمين فيه.
مسألة: قال: «ولا أحب أن يكون في أذانه وإقامته إلا مستقبلاً القبلة».
الفصل وهذا كما قال المستحب للمؤذن أن يؤذن على مكانٍ عالٍ من منارةٍ أو سطح أو تل حتى يكون أبلغ في الإعلام.
ولما روي في خبر عبد الله بن زيد أن الملك صعد جذم حائط، وقال: الله أكبر، ويستحب له استقبال القبلة في أذانه بالإجماع.
وقد روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: رأيت رجلاً قائماً مستقبلاً القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، ولأن الجهات سواء فكانت جهة القبلة أولى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»، فإن ترك الاستقبال كره وأجزأه لحصول المقصود نص عليه في «الأم»، وخرج الشيخ الإمام سهل الصعلوكي قولاً، أنه لا يجوز ولا يحتسب به.
قد تفرَّد بهذا القول.
وقال في «الأم»: وأحب أن يؤذن قائماً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بلال قم فناد للصلاة»، ولأن ذلك أبلغ لصوته، ولو أذن جالساً، فإن كان مريضاً أو على سفر راكباً لايكره وإن كان من غير عذر يكره، ويجوز نصَّ عليه، لأنه ليس بواجب فلا يجب له القيام.
وذكر الإمام سهل فيه قولاً مخرجاً، لا يجوز.
مسألةٌ: قال: «ويقول: الله أكبر، الله أكبر».

الجزء: 1 - الصفحة: 402

الفصل: وهذا كما قال: الكلام، الأذان في صفة الأذان.
واختلف الناس فيه [19 ب/ 2]، في مذهبنا أنه تسع عشرة كلمة، وكيفيته على ما رواه أبو محذورة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان.
فقال: «تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
وهذا هو الترجيع المسنون، ثم تقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فإن كان أذان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»، فيبلغ إحدى وعشرين كلمة.
وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة فالتكبير مرتين في الابتداء ووافقنا في الترجيع.
وقال أبو حنيفة والثوري خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع وافقنا في التكبير، وروي عن أبي يوسف: ثلاث عشرة كلمة فنقص التكبير وترك الترجيع وقيل: إنه رجع بعد ذلك إلى قول أبي حنيفة.
وروى ابن المنذر عن أحمد، قال: إن رجّع فلا بأس، وإن ترك فلا بأس.
وقال إسحق: قد ثبت أذان بلال وأذان أبو محذورة وكل سنة.
وقال الشافعي: رأيت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: يؤذن نحو قولنا، ويقول: أدركت أبي وجدي يؤذنون هكذا.
وروي أيضاً أن سعد القرظ أذن ورجع، وقال: هذا أذان بلال، ولو ترك الترجيع فقد ترك سنة، ويجوز أذانه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: لا يحتسب [20 أ/ 2] كما لو ترك التكبير.
والثاني: يحتسب كما لو ترك التثويب، وحكي هذا عن الشافعي، وهو خلاف المذهب.

الجزء: 1 - الصفحة: 403

مسألة: قال: «ويلتوي في حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح يميناً وشمالاً ليسمع النواحي».
وهذا كما قال: يستحب للمؤذن أن يلتوي في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح برأسه وعنقه يميناً وشمالاً، ولا يدير بدنه، ولا يلوي غير رأسه وعنقه.
وروي عن بلال أنه لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يزل قدميه، وروي أنه لوى شدقيه يميناً وشمالاً.
ولا فرق بين أن يكون على المنارة أو على الأرض وكيفيته أن يلتوي يميناً، فيقول: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم شمالاً، فيقول: حي على الفلاح مرتين.
وقال القفال: وحده الصحيح أن يلتوي يميناً، فيقول: حي على الصلاة مرة ثم شمالاً، ويقول: ذلك مرة.
وكذلك في حيَّ على الفلاح، لأنه إذا فعل على ذلك الوجه، فقد خص أهل كل واحدة من الناحيتين بلفظٍ ومعنى يخالفه أهل الناحية الأخرى، وهذا حسن.
وقال ابن سيرين: لا يلتوي في شيء من الأذان ويكره ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولأن القصد منه الإعلام، وإنما يتم ذلك بالالتواء على ما ذكرنا.
واحتج بأن في الخطبة لا يلتوي يميناً وشمالاً، فكذلك في الأذان، ولأن في سائر كلمات الأذان لا يلتوي، فكذلك في هذه الكلمة، قلنا: الفرق أن الخطبة خطاب الحاضرين، وفي صرف الوجه عمن هو في قصد وجهه إلى غيره سوء الأدب فلا يسن ذلك.
والأذان: إعلام الوقت.
وفي هذا تأكيد الإعلام فسن، أن تختلف ألفاظ الخطبة.
والقصد منه العظة والإفهام فمن فاته بعض الفصول لا يفهم الباقي بخلاف الأذان، كلامه معهود، والقصد منه الإعلام والصوت، وهو يحصل بكل حال.
وأما سائر الكلمات، فذكر الله تعالى محضاً فلا بأس فيها الالتفات.
وهذه الكلمة [20 ب/ 2]، خطاب آدمي فهو كالسلام من الصلاة فسن فيه الالتفات عن اليمين والشمال، لأنه خطاب آدمي إلا أنه جعل للتجليل، فلم يجز في وسط الصلاة.
إذ الكلام في الصلاة لا يجوز، ويجوز في الأذان، فورد خطاب الآدمي في خلال الأذان دون خلال الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إن أذن على المنارة دار حول الحجرة، وإن أذن على الأرض لوى

الجزء: 1 - الصفحة: 404

عنقه.
وروي هذا عن أحمد، واحتج بما روي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: «رأيت بلالاً يؤذن يدور فاتبع فاه ههنا وههنا وأصبعاه في أذنيه»، وهذا غلط.
لما روى سفيان الثوري بإسناده عن أبي جحيفة أنه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدر».
ويحمل ما رويتم على هذا الالتواء، ولأنه إذا استدار استدبر القبلة، فكره كما لو كان على الأرض.
وقال صاحب «الحاوي»: قد كانت المنارة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه مربعة لا مجال لها حتى أحدث المنارة المدورة عبيد الله بن زياد بالبصرة والكوفة، فإن كان البلد لطيفاً والعدد يسيراً لا يدور المؤذن في المنارة في مجالها، لأنه لا حاجة.
وإن كان البلد واسعاً والعدد كثيراً كالبصرة، ففي جواز طوافه في مجالها وجهان: أحدهما: يجوز، لأن فيه زيادة الإبلاغ والتسوية من الجهات.
وإن علماء الأمصار أقروا المؤذنين عليه، ولم ينكروا.
والثاني: لا يجوز إلا على ما ذكرنا، ولا يدور في الحيعلة بحالٍ، وهذا حسن، ولكنه خلاف مذهب الشافعي رضي الله عنه.
فرع لو خطب مستقبل القبلة، قال بعض أصحابنا: أساء ويجوز كما لو استدبر القبلة في الأذان.
وقال جمهور أصحابنا: لا يجوز [21 أ/ 2]، بخلاف الأذان.
والفرق أن الخطبة لما كانت فرضاً، كانت جهة الاستقبال المشروعة فيها فرضاً بخلاف الأذان، ولأن في العدول في الخطبة عدولاً عن أهلها المقصودين بها بخلاف الأذان.
فرع آخر لو أذن ماشياً، فإن انتهى في مشيه إلى حيث لا يسمع من كان في الموضع الذي ابتدأ الأذان فيه بقية الأذان لم يجز وإن كان يسمع من سمع ابتداءه لا يجوز.
مسألة: قال: «وحسن أن يضع أصبعيه في أذنيه».

الجزء: 1 - الصفحة: 405

وهذا كما قال: يستحب وضع أصبعيه في أذنيه لما ذكرنا في خبر أبي جحيفة، ولأنه إذا انسد خروق الأذن يكون صوته أرفع وأبلغ في الإعلام، ولا يفعل ذلك في الإقامة، لأنه لا يحتاج فيها إلى الرفع البليغ.
مسألة: قال: "ويكون على طهر".
وهذا كما قال أراده، وحسن أن يكون على طهر، وإنما يستحب ذلك لما روى وائل بن حجر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق وسنة أن لا يؤذن أحد (إلا) وهو طاهر»، ولأنه يستحب أن يؤذن عقيب الأذان ركعتين، ولأن الأذان يراد للصلاة التي تجب فيها الطهارة، فيسن فيه الطهارة فإن أذن على غير طهارة نظر، فإن كانت المنارة خارج المسجد كره ذلك لكونه غير طاهر وأجزأه جنباً كان أو محدثاً وإن كانت المنارة في المسجد فإن كان محدثاً فكذلك، وإن كان جنباً حرم عليه اللبث في المسجد، ولكنه لو لبث وأذن أجزأه الأذان.
وقال الشافعي في «الجامع الكبير»: «وأن للأذان مجنباً أكره للأذان محدثاً، وأن للإقامة محدثاً أكره مني للأذان محدثاً لأنهم إن انتظروه شقَّ عليهم، وإن لم ينتظروه كان موضعاً للتهمة».
قال أصحابنا: أما زيادة كراهية أذان الجنب على أذان المحدث، فلأجل أن طهر المحدث أخف وأقل شغلاً والغسل أكثر شغلاً فيشق على الناس انتظاره، ولأنه لا يمكنه [21 ب/ 2] الوقوف في المسجد بخلاف المحدث.
وأما زيادة كراهية الإقامة، فلما ذكره الشافعي رحمه الله.
وأيضاً السنة أن لا تباعد الصلاة عن الإقامة، فلا ينتظره الناس ويتهم في تخلفه عن الصلاة ويلحقه الاستخفاف.
وقال أحمد وإسحق: لا يجوز الأذان على غير طهارة قياساً على الخطبة.
وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، فأخبر أنه سنة، ولأنه ذكر مشروع خارج الصلاة، فلا يجب فيه الطهارة كالتكبير في العيد بعد الصلاة.
وأما الخطبة ففيها قولان، وإن سلمنا، فالفرق أنها ذكر واجب أقيمت مقام ركعتين بخلاف الأذان.
فرع آخر: لو افتتح الأذان على طهر ثم أحدث في خلاله، قال في «الأم»: بنى على أذانه،

الجزء: 1 - الصفحة: 406

ولا يقطعه سواء كان الحدث جنابة أو غيرها، وأراد به إذا كان هذا خارج المسجد، فإن كان في المسجد نظر.
فإن كان غير الجنابة فكما قال: وإن كان جنابة حرم عليه المقام في المسجد فيحرم إلينا لا للأذان بل للمكان.
وإنما قال: ولا يقطعه لأنه إذا قطعه وتطهر ورجع أخل بالإعلام، فإنه يشتبه على الناس بما يجعل بينهما من القطع وإذا مضى فيه أخل بالطهارة، إلا أن الإخلال بالطهارة في الأذان هيئة، والإعلام مقصود.
قال: فإن قطعه وتطهر ورجع بنى على أذانه، ولو استأنف كان أحب إلي، وإنما استحب الاسئتئناف لما وقع من الخلل في الإعلام.
مسألة: قال: "وأحب رفع الصوت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به"، وهذا كما قال: أراد به في الأذان، وأراد بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم قوله لأبي محذورة: «ارجع ومدَّ صوتك».
وقال في خبر عبد الله بن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «إني أراك تحب البادية والغنم [22 أ/ 2]، فإذا كنت في باديتك أو غنمك، فدخل وقت الصلاة، فأذن وارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك حجر ولا مدر إلا شهد لك به يوم القيامة».
وروي أنه قال: «لا يسمع صوتك جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة».
وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب يابس».
وروي: مدّ صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة، ويكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغفر للمؤذن منتهى صوته، ولا يسمع صوته رطب ولا يابس إلا جاء يوم القيامة يشهد له».
قال الإمام أبو سليمان: مدى الشيء غايته، والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت.

الجزء: 1 - الصفحة: 407

وقيل: أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوباً تملأ تلك المسافة يغفرها الله تعالى له.
والمعنى فيه أنه أبلغ في المقصود به، وهو الإسماع والإعلام.
وقال في «القديم»: يرفع صوته ما أمكنه ما لم يجهده، لأنه إذا أجهد نفسه انقطع صوته.
فرع قال في «الأم»: لو جهر بشيء منه وخافت في بعضه لم يكن عليه إعادة ما خافت به.
قال أصحابنا: هذا إذا كان يؤذن لنفسه فإن كان يؤذن لجماعة لم يحتسب به، وأعاد ما خافت فيه أو استأنف ويحتمل مراد الشافعي إذا خافت بشيء منه لا يخرجه من الإعلام كتكبيرة أو شهادة، فيكون الباقي كافياً.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رحمه الله على أنه يرفع صوته في ابتداء الترجيع [22 ب/ 2] قدر ما يسمع أهل المسجد، وهذا صحيح.
مسألة: قال: "وأن لا يتكلم في آذانه".
الفصل وهذا كما قال: أراد وأحب أن لا يتكلم في أذانه.
والكلام ضربان: ضرب: لا يتعلق بمصلحة الناس والصلاة، فيكره له ذلك في خلال الأذان، لأنه يخل بالإعلام ويرفع اللبس والإشكال.
وضرب: يتعلق بمصلحة الناس مثل أن يحذر أعمى أن يقع في بئر، ونحو هذا فإن أمكن أن يؤخر عن الأذان فعل، وإن لم يمكن يجوز له أن يتكلم في خلاله ولا يكره، ثم ينظر في كلها، فإن لم يكن طويلاً بنى وإن طال، فالمستحب أن يستأنف، ولو بنى جاز نصَّ عليه.
وحكي عن سليمان بن صرد أنه كان يأمر بحاجته في أذانه، وكان بين الصحابة.

الجزء: 1 - الصفحة: 408

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر مناديه في الليلة ذات الريح أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم».
فرع آخر قال في «الأم»: لو سكت سكوتاً طويلاً أحببت استئنافه، وكان له البناء، ففرق الشافعي بين الطويل والقليل في استحباب الاستئناف.
وقال صاحب «الإفصاح»: وكذلك الكلام إذا كان قليلاً لا يستحب له الاستئناف، وإذا كان كثيراً استحب.
وقال غيره: هذا خلاف ظاهر قول الشافعي، فإنه في الكلام لم يفرق بين القليل والكثير في استحباب الاستئناف.
والفرق أن القليل من السكوت لا بد منه للتنفس والاستراحة ولا يحتاج إلى قليل الكلام أصلاً من غير ضرورة.
فرع آخر لو نام في أثناء الأذان أو غلب عليه عقله أو جن ثم ثاب إليه عقله فالمستحب أن يستأنف.
قال في «الأم»: طال أو قصر فإن بنى جاز.
وإنما قلنا كذلك، لأنه إذا استأنف يكون أبلغ في الإعلام، وإذا بنى حصل الإعلام [23 أ/ 2] في الجملة، وإن لم يكن تاماً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا طال الفصل يبني على ما لو سبقه الحدث في الصلاة، فخرج وتوضأ لها يبني أم يستأنف؟ قولان، فإن قلنا: هناك يبني ففي الأذان أولى، وإن قلنا: هناك لا يبني، ففي الأذان قولان: والفرق أن الأذان يتخلله ما ليس منه بخلاف الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: يجب الاستئناف ههنا قولاً واحداً، لأنه لا يحصل الإعلام، ولا يصح البناء على ما سبق الحدث في الصلاة، لكن هناك لا فصل بين اليسير والكثير، وههنا اليسير لا يوثر بالإجماع.
وهذا أقيس، ولكنه خلاف المنصوص.
فرع آخر لو ارتد في خلال أذانه، فإن أكمله مرتداً لا يعتد به، وإن عاد إلى الإسلام هل يبني أو يستأنف؟ فيه وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 409

أحدهما: يبني كما لو جن ثم أفاق، ولأن الردة لا تحبط العمل ما لم يتصل بها الموت، فهو أذان من مسلم يقع به الإعلام، وهذا أصح.
والثاني: يستأنف لأن الردة تبطل العبادة التي هو فيها.
ومن أصحابنا من قال: نص في الأذان أنه يستأنف.
وقال: إذا ارتد في خلال إعتاقه ثم أسلم لا يستأنف.
فمن أصحابنا من قال: فيها قولان على سبيل النقل والتخريج، ومنهم من قال: هما على حالين.
وأراد في الأذان إذا أحدث الردة وفي الاعتكاف إذا لم يمتد.
وفي هذا نظر.
فرع آخر لو أذن ثم ارتد قال في «الأم»: لو أذن بعض الأذان أو كله، ثم ارتد لم يترك يعود لأذانه ولا يصلى بأذانه، ويؤمر غيره فيؤذن أذاناً مستأنفاً.
وهذا استحباب حتى لا يُصلى بأذان مرتد.
ويجوز لأن مجرد الردة لا تحبط العمل عندنا، وقد أتى به في حال السلامة.
فرع آخر إذا كانت الليلة باردة أو ذات ريح وظلمة، قال الشافعي رحمه الله: يستحب أن يأمر المؤذن [23 ب/ 2] يقول إذا فرغ من أذانه: ألا صلوا في رحالكم، فإن قال في أثناء الأذان بعد قوله: حي على الفلاح، فلا بأس، فقد أمر ابن عباس رضي الله عنه بذلك.
وقد ذكرنا فيه خبر عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فرع آخر كل موضع قلنا: يبني على أذانه كان هو الباني على ما مضى، فإن بنى غيره لم يجز قرب أم بعد، نص عليه.
وقال: ولا يشبه هذا الصلاة يبني الإمام فيها على صلاة إمامه قبله، لأنه يفرغ من الصلاة فيتمم ما عليه ولا يمكنه العودة في الأذان بعد الفراغ، ولأنه إذا ابتدأ بالصلاة يكون أول صلاته، ولا يكون أول الأذان شيء غير التكبير، ولأنه لا يحصل الإعلام به لأنه تختلف أصواتهما، ويحمله الناس على اللهو واللعب بخلاف الصلاة، فإن المقصود يحصل هناك.

الجزء: 1 - الصفحة: 410

فرع آخر يلزمه أن يأتي بالأذان على الولاء والترتيب، ولا يقدم كلمة على كلمة فإن نكس أعاد مرتباً، وإن ترك منها كلمة أعادها وبنى عليها ما بعدها، ولفظ الشافعي في «الأم»: لو كبر ثم قال: حي على الصلاة عاد فتشهد، ثم أعاد: حي على الصلاة حتى يضع كل شيء منه موضعه، وهذا لأنه نكس لا يحصل به الإعلام ويعد لعباً واستهزاء، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز إذا حصل به الإعلام، وهو غير صحيح عنه عندي.
فرع آخر يستحب للمؤذن أن يجمع بين الأذان والإقامة ليكمل له الثواب.
وقال في «الأم»: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى فيه أن من أذن أقام.
وقال: وإن أقام غيره أجزأه، وبه قال الثوري والليث، وقال مالك وأبو حنيفة في رواية: لا بأس أن يقيم غير من أذن، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم «أمر بلالاً بالأذان في الأول، فأذن، فقال عبد الله بن زيد: إني رأيته، وإني أردت ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بالإقامة» [24 أ/ 2]، وهذا غلط لما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: «لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر فيقول: لا حتى إذا طلع الفجر نزل ويلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صداء من أذن، ومن أذن فهو يقيم».
قال: فأقمت.
وخبرهم محمول على الجواز إن صح.
وقد روينا فيما تقدم خلاف هذا، وهو الأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي رحمه الله: «فإن أذن واحد وأقام غيره أجزأه إن شاء الله»، فقال أصحابنا: هل يحتسب بتلك الإقامة؟ قولان: بناء على ما لو خطب واحد وصلى آخر هل يصح؟ قولان.
وهذا لا يصح لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين من الصلاة، فيجوز فيه التخريج على قولين كما في الصلاة بخلاف الأذان.

الجزء: 1 - الصفحة: 411

فرع آخر لو أذن بعض الأذان ثم دخل الوقت، قال الشافعي رحمه الله: «استأنف».
قال أصحابنا: يحتسب بما وقع في الوقت على الترتيب، وهو أنه لو أتى بتكبيرتين ثم دخل الوقت احتسب بتكبيرتين أخريين في آخر الأذان ويبني على ذلك هو إن دخل الوقت بعد ذلك احتسب بالتكبيرتين في آخر الأذان وبنى عليها.
فرع آخر إذا لم يكن منارة يستحب أن يؤذن على باب المسجد، فإن أذن في صحن المسجد جاز، وإن ترك المستحب.
مسألة: قال: "وإن فات وقته أقام ولم يؤذن"، وهذا كما قال: أراد، وما فات وقته من الصلوات المكتوبة، وجملته أنه إذا (أراد) أن يصلي صلاة فاتته يقام لها، وفي الأذان لها ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يستحب لها الأذان قاله في «الأم»، و «البويطي».
وبه قال الأوزاعي ومالك وإسحق.
والثاني: يؤذن لها [24/ 2]. قاله المزني في «القديم»، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثالث: قاله «الإملاء» إن رجى اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يرج اجتماعهم أقام ولا يؤذن، وكأنه في الأول اعتبر الأذان لحرمة الوقت، وفي الثاني: لحرمة الصلاة، وفي الثالث: لحرمة الجماعة، واجتماع الناس.
ووجه قوله «الجديد» ما احتج الشافعي به، وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: «حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الخندق يعني: شغل بالحرب عن الصلاة حتى بعد المغرب فظهر شيء من الليل فدعا رسول الله صلى اله عليه وسلم بلالاً وأمره أن يقيم، فأقام العصر، ولم يؤذن».
وقد روي بخلاف هذا، ولكن هذه الرواية أشهر وأصح.
ووجه قوله «القديم» ما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: «سافرنا مع

الجزء: 1 - الصفحة: 412

رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، أو قال: سرية، فلما كان آخر السحر عرسنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم وأمز بلالاً، فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام الغداة».
وروي عن أبي هريرة أنه صرح عن هذا، فقال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر سار ليلة حتى أدركنا الكرى فعرَّس وقال لبلال: اكلأ إناء الليل، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا بلال»، فقال: أخذ نفسي الذي أخذ نفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
قال: فقادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسي صلاة فليصلها [25 أ/ 2] إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: "وأقم الصلاة لذكري" [طه: 14] والكرى النوم».
وقوله: عرس، أي: نزل للنوم والاستراحة.
والتعريس: النزول لغير إقامة.
وقوله: فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، معناه: انتبه من نومه يقال: أفزعت الرجل من نومه، ففزع، أي: فانتبه وإنما تحوَّل عن ذلك المكان قبل الصلاة لئلا يصلي في المكان الذي أصابته الغفلة فيه.
وقد روي في هذا الخبر الإقامة من دون الأذان.
وهذا القول اختيار كثير من أصحابنا لهذا الخبر.
وقالوا: الزيادة إذا صحت فالعمل بها واجب.
ووجه قوله في «الإملاء»: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن للعصر بعرفات ولا العشاء بمزدلفة لاجتماع الناس.
وقال أبو إسحاق: هذا أصح الأقاويل لإمكان حمل الأخبار المختلفة على اختلاف الحالين.
وهذا اختيار القاضي أبي الطيب.
وفرع أبو إسحق على هذا، فقال: لا فرق على هذا بين الفائتة والحاضرة في وقتها، فإذا صلى الصلاة الحاضرة في وقتها في موضع لا يرجو اجتماع الناس أقام ولم يؤذن استحباباً، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة قضى كل واحدة منها في وقت دون الوقت الآخر.
فالحكم على ما مضى وإن قضاها في وقت واحد، فالحكم في الأولى على ما مضى.
وأمّا الباقيات فلا يؤذن لها قولاً واحداً، ولكنه يقيم لكل واحدة.
وعند أبي حنيفة، يؤذن لكل واحدة وهذا غلط، لما روى ابن مسعود

الجزء: 1 - الصفحة: 413

رضي الله عنه في خبر الخندق أن الكفار شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات، «فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء».
وقد روى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أذن وأقام لكل واحدة، ولكنه غير محفوظ عند أهل الحديث.
واحتج الشافعي أيضاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بعرفة بأذن وإقامتين، وبمزدلفة بإقامتين [25 ب/ 2]، ولم يؤذن».
وأراد أن الظهر بعرفة كانت في وقتها فأذن لها وأقام، والعصر لم تكن في وقتها أو كان أيضاً جامعاً بينها وبين الظهر، فلذلك لم يؤذن لها، وفي المغرب بمزدلفة لم يؤذن، لأنه نقلها عن وقتها، ولم يؤذن للعشاء لئلا يطول الفصل بينهما.
ونذكر حكم الأذان عند الجمع، فنقول: إن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى قولاً واحداً، وأقام للثانية ولم يؤذن، وإن جمع بينهما في وقت الثانية، فالحكم فيها كالحكم الفائتين.
هل يؤذن للأولى ثلاثة أقاويل؟ ويقيم الثانية ولا يؤذن.
وقال أبو حنيفة: يقيم للعشاء بمزدلفة، وإن أراد أن يقدم العصر في هذا الجمع، هل يجوز وجهان، فإن جوَّزنا يؤذن للعصر ويقيم دون الظهر.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت عليه فائتة وفريضة الوقت، فإن قدم الفائتة ففي الأذان لها ما ذكرنا من الأقوال، ثم يقيم لفريضة الوقت ولا يؤذن، وإن قدم فريضة الوقت أذن لها وأقام، ولا يؤذن للفائتة قولاً واحداً، وهذا يقرب من اختيار أبي إسحاق.
فرع آخر الصلوات على ثلاثة أضرب منها: ما يؤذن لها ويقام كالصلوات الخمس، ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام.
ولكن يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء وقيام شهر رمضان.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ومعاوية أنهما أذنا لصلاة العيد وهذا غلط، لما روى

الجزء: 1 - الصفحة: 414

جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «لم يؤذن لها ولم يقم».
ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام ولا يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة الجنازة والنوافل مما ليس فيه الجماعة.
مسألة: قال: "ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة ولا وحده إلا بأذان وإقامة".
وهذا كما قال: أراد به الصلاة المكتوبة، وجملته أن الأذان والإقامة مسنونان في [26 أ/ 2] صلاة الانفراد والجماعة.
وبه قال جماعة العلماء، فإن اتفق أهل بلده على تركه لم يقاتلهم الإمام على ذلك.
وقيل: في وجه آخر: يقاتلهم الإمام، لأنه شعار الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار الإصطخري وجماعة، وهما فرائض الكفايات، فإذا أقام بها قوم سقط الفرض على الباقين، إلا خرجوا أجمعين.
وبه قال أحمد والكفاية أن لا يبقى بالمكان أحد إلا ويعلم أنه قد أذن فيه، فإن كان المكان قرية يبلغ النداء إلى جميعها أجزى ذلك في مكان واحد.
وكذلك الرفقة في السفر، وإن كانت أكبر من ذلك فلا بد من الأذان في موضعين، فإن كانت بلدة كبيرة، فالكفاية أن تقام في كل محل منها حتى يتصل بعض المحال ببعضٍ، فعلى هذا إذا اجتمع أهل بلدٍ على تركهما أو ترك أحدهما قاتلهم الإمام.
وهذا خلاف المنصوص.
ومن أصحابنا من قال: هما سنَّة إلا في الجمعة فإنهما من فرائض الكفايات فيها، وهو النداء الذي يحرم البيع عنده.
وهو إذا جلس الإمام على المنبر.
وحكي عن ابن خيرات والإصطخري أيضاً.
وقال عطاء وداود يجب كلاهما في صلاة الجماعة في كل يوم خمس مرات.
وحكي عن عطاء، وهو الأصح أنه قال: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن بعذرٍ يجوز، وإلا فلا يجوز.
وروي عنه أنه قال: من نسي الإقامة يعيد الصلاة.
وقال مجاهد: هما واجبان، فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته.
وقال الأوزاعي: هما واجبان ولكن أحدهما ينوب عن الآخر، فإن أتى بأحدهما يجوز، وإن تركهما لم يجز وأعاد الصلاة إن كان وقتها

الجزء: 1 - الصفحة: 415

باقياً، ولا يعيد إن كان فائتاً، وهذا كله غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: والمسيء صلاته «إذا أردت الصلاة، فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر»، ولم يأمره بالأذان.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم بأرض فلاةٍ، [26 ب/ 2]، فدخل عليه وقت الصلاة، فإن صلى من غير أذان ولا إقامة صلى وحده وإن صلى بإقامة صلى بصلاته (ملكان)، وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب».
واحتجوا بما روي عن مالك بن الحويرث أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحب له، فقال لهما: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا نزل بقبلة استمع إذا أصبح، فإن سمع الأذان وإلا شن الغارة».
قلنا: أمَّا الأول، نحمله على الاستحباب.
وأما الثاني: فلأنه كان يستدل بتركهم الأذان على كفرهم لا أنه كان يقاتلهم لترك الأذان.
فرع قال الشافعي- رحمه الله-: يأتي بالأذان المقيم والمسافر، والحر والعبد سواء صلى منفرداً أو في جماعة، وسواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً، ولكنه في المساجد العظام أشد استحباباً، فإن ترك رجل الأذان والإقامة منفرداً أو في جماعة كرهت له ولا إعادة.
وهذا يدل على خلاف قول أبي إسحق على ما ذكرنا قبل هذا في الصلاة الحاضرة إذا لم يكن جماعة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يسن الأذان للمنفرد؟ قولان: قال في «القديم»: لا يسن.
وقال في «الجديد»: يسن.
وهذا غير مشهور.

الجزء: 1 - الصفحة: 416

فرع آخر قال في «الأم»: لو صلى الرجل مع إمامه جماعة، فأذن المؤذن وإقامته تكفيه ولا حاجة به إلى أن يؤذن لنفسه، ويصلي بأذان غيره، وإن كان المؤذن ما أذن له ولا نواه مثل أن يجتاز بمسجد قد أذن فيه والناس على أن يصلوا فيه، فإنه يصلي مع القوم، ولا يؤذن لنفسه.
فرع آخر لو دخل رجل المسجد، وقد صلى فيه بأذان وإقامة، هل يؤذن فيه لنفسه؟.
قال في «الأم»: أحببت أن يؤذن ويقيم لنفسه.
وقال في موضع آخر من «الأم»: ولا أعلم مخالفاً أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف [27 أ/ 2] حالين، فالذي يؤذن ويقيم إذا كان الإمام والناس قد انصرفوا وفرغوا، والذي قال لا يؤذن ولا يقيم، إذا دخل حين فرغ الإمام من الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: يؤذن ويقيم بكل حال في نفسه ولا يرفع صوته، لأنه يوقع الإشكال للسامع، فإنه إذا سمع الأذان الثاني قدر الصلاة الأخرى، قد دخل وقتها.
وما قال في «الأم»: له أن يصلي بلا أذان أراد به الجواز.
فرع آخر لو كان في بيته فسمع أذان المؤذن وأراد أن يصلي في بيته هل يجزئه أذان المؤذن؟ قال في «القديم»: يكفيه أذانه وإقامته، وقال في «الأم»: لا يكفيه، وهو الأصح عندي.
مسألة: قال: "وأحب للمرأة أن تقيم".
وهذا كما قال: الأذان للنساء غير مسنون، وهذا لأن الأذان لإعلام الغائبين، ولا يستحبُّ لها رفع الصوت.

الجزء: 1 - الصفحة: 417

وروي عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهما أنهما قالا: ليس على النساء أذان.
ولو أذنت قال الشافعي: لم يكن مكروهاً.
وقال البويطي: لأن ذلك تحميد.
ومن أصحابنا من قال: يكره لها، وهو خلاف النص.
وقال الحسن وابن سيرين: ليس عليهن أذان، فإن فعلن، فهو ذكز ولا يكون أذاناً شرعياً.
وهو قول بعض أصحابنا ولو صفين جماعة، وأذنت واحدة منهن.
قال في «الأم»: "لا بأس ولا ترفع صوتها إلا بقدر ما يسمع صواحباتها".
وأما الإقامة فإنها مسنونة لها، فإن تركت الإقامة قال في «الأم»: أكره لها من تركها ما أكره للرجال.
وروي عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: نعم.
لأن الإقامة تراه لافتتاح الصلاة ولا تبالغ فيها برفع الصوت بخلاف الأذان.
فرع قال في «الأم»: "لو أذنت امرأة للرجال لم يجز عنهم"، لأن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً للرجال، فلا يعتد بأذانها لهم.
وقال أبو حنيفة: يعتد بأذانها لهم.
وقيل: هو قول بعض أصحابنا لأنها تخبر عن دخول الوقت وخبرها مقبول.
مسألة: قال: "ومن سمع المؤذن أحببت أن يقول مثل ما يقول".
[27 ب/ 2].
الفصل وهذا كما قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، لأنه لا يقول مثل ما يقول في جميع الكلمات، وأراد به فيما عدا الحيعلة، فإذا ثبت هذا ينظر، فإن سمع الأذان خارج الصلاة، فالمستحب أن يقول مثل ما يقوله إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول في ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا لأن سائر الألفاظ ذكراً لله تعالى، وهاتان اللفظتان ليستا بذكر بل يقصد بهما الإعلام فلا يتابعه فيهما.
والأصل في ذلك ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله كبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد

الجزء: 1 - الصفحة: 418

أن محمداً رسول الله، فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة».
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن».
فرع قال بعض أصحابنا: ويستحب قول: لا حول ولا قوة إلا بالله مرة مرة، وإن كان المؤذن يقول: حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة.
فرع آخر قال في «الأم»: وأحب لكل من كان خارج الصلاة، أو ذاكر أو صامت أو متحدث أن يقول ذلك، فأستحب قطع القراءة لذلك، وهذا لأن قراءة القرآن لا تفوت، والقول مع المؤذن يفوت ويفارق هذا المصلي لأن تحريمته أوجبت عليه الاشتغال بها، ولا يجوز الإعراض عنها.
فرع آخر قال الشافعي رحمة الله عليه: المستحب للسامع والمؤذن بعد الفراغ أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم [28 أ/ 2] قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة إلا تكون لعبد من عباد الله عز وجل وأرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حقت لهُ الشفاعة».
ثم يقول ما روى عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال أحدكم حين يسمع الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الفضيلة والوسيلة وابعثه المقام

الجزء: 1 - الصفحة: 419

المحمود الذي وعدته حلَّت له الشفاعة يوم القيامة».
وروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً غفر له ذنبه».
وهذا يدل على أنه يقوله في أثناء الأذان.
وهذا محتمل لتطويل المؤذن ألفاظه، وإن قاله بعد الفراغ من الأذان جاز ويزيد فيه عند أذان المغرب، فيقول: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، فاغفر لي»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة رضي الله عنها بذلك، ويستحب أن يدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا».
وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد دعوته حضر النداء بالصلاة والصف في سبيل الله».
قلت: ويستحب أن يقرأ آية الكرسي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ ذلك بين الأذان والإقامة لم يكتب عليه ما بين الصلاتين».
فرع آخر قال أصحابنا: [28 ب/ 2] المستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة مدة ينتظر فيها الجماعة، لأن الملك الذي رآه عبد الله بن زيد أذن وقعد قعدة، ولأنه لو وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة، فلا يحصل المقصود بالأذان.
فرع آخر يستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره للإقامة لما روي في خبر عبد الله بن زيد، «ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال وجعلها وتراً».
فرع آخر إذا سمع الإقامة يستحب له أن يقول مثل ما يقول على ما ذكرنا، فإذا قال: قد

الجزء: 1 - الصفحة: 420

قامت الصلاة، يقول: أقامها الله وأدامها وجعلنا من صالحي أهلها لما روى أبو أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقامها الله وأدامها».
فرع آخر قال بعض أصحابنا: إذا قال المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وقيل: يقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير من النوم».
فع آخر قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ منها قاله.
وقال الشافعي في «الأم»: ولا فرق بين أن يكون في صلاة فرض أو نافلة، وإنما يقوله بعد الفراغ منها تحصيلاً للقربة، والمستحب أن لا يقوله في أثناء الصلاة.
وقال مالكٌ والليث: إن كان في صلاة النافلة يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا غلط، لأنه يقطعه عن الإقبال على الصلاة والاشتغال بها فأشبه صلاة الفريضة.
فرع آخر قال أبو إسحق: إذا فرغ منها لا يكون من تأكيد الاستحباب ما يكون في حال ما يسمعه.
فرع آخر لو قال ذلك في الصلاة، قال الشافعي: لم يكن مفسداً لها إن شاء الله، والاختيار أن لا يقوله.
قال أصحابنا: أراد به إذا قال ما سن له من القول، فأما إذا قال ما قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح بطلت صلاته [29 أ/ 2] إن كان عالماً بأنه خطاب الآدميين، وإن كان جاهلاً لا تبطل ويسجد للسهو، وهذا لأن هذا بذكر الله تعالى بخلاف سائر الألفاظ.

الجزء: 1 - الصفحة: 421

فرع آخر قال أصحابنا: هذا إذا ذكر في غير الفاتحة، فإذا ذكر في الفاتحة وأجاب المؤذن كما هو السنة في غير الصلاة بطلت قراءته، لأن التتابع فيها شرط، ويتسأنف القراءة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لا أكره أن يجيب المؤذن في الصلاة وليس على قولين بل لا يكره ولا يستحب ويباح، وقيل: هل يستحب في الصلاة؟ قولان.
وقيل: هل يكره؟ وجهان، وهذا غلط ظاهر.
مسألة: قال: "والإقامة فرادى".
الفصل وهذا كما قال: الإقامة فرادى، وهي إحدى عشرة كلمة التكبير مرتين، والشهادتان مرتين، وحي على الصلاة مرة، وحي على الفلاح مرة، وقد قامت الصلاة مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة.
وبه قال عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم، وكان عليه عمل أهل مكة والمدينة والشام.
وقيل: عبارة أصحابنا الإقامة فرادى على المجاز، ومعناه كل ما كان في الأذان مثنى ففي الإقامة مرة، لأن التكبير مرتان وكذلك كلمة الإقامة [29 ب/ 2] وقال بعض أهل خراسان للشافعي قول أنه يفرد التكبير في الانتهاء وثنيه في الابتداء، وفيه نظر.
وقال الشافعي في «القديم»: هي عشر كلمات يقول: قد قامت الصلاة مرة، وبه قال مالك وداود، وحكي عن مالك أنه قال: التكبير فيها مرة أيضاً.
وقال الثوري وأبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان ويزيد لفظ الإقامة مرتين، واحتج بما روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: «فأمهل هنيهة، ثم قام، فقال مثلها إلا أنه زاد: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة».
وروى ابن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «علّمه سنة الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة»، وهذا غلط لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة».
وروي: إلا الإقامة، ومعناه إلا كلمة الإقامة.
وقوله: أمر بلال يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره به، والأمر مضاف إليه دون غيره، وقد قالوا: كان الآمر فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا خطأ ظاهر

الجزء: 1 - الصفحة: 422

لأن بلالاً لحق بالشام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما خبرهم الأول قلنا روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن زيد أنه قال في الخبر: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
وذكر نحو قولنا إلى آخرها.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: قد روي هذا بأسانيد مختلفة وإسناد هذا أصحها وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد اليمن وديار مصر ونواحي المغرب، وحكاه سعد القرظ، وكان أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بقباء، ثم استخلفه بلال وسأل عمر رضي الله عنه، وكان يفرد الإقامة.
[30 أ/ 2] وأما الخبر الثاني، قلنا: روى الحميدي في الرد على أهل الحذف قال: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أدركت أبي وجدي يقيمون فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وذكر نحو قولنا، ويشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على إفراد الإقامة فاتبعه وكان أمر الأذان ينقل من حال إلى حال وتدخله الزيادة والنقصان، ولأنها إنما تبلع تسع عشرة كلمة بالترجيع، وهم لا يقولون.
وقال بعض أصحابنا: إذا رجع في أذانه ثنى الإقامة لهذا الخبر.
وحكاه شيخنا الإمام ناصر رحمه الله عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهذا خلاف مذهب الشافعي.
وقال ابن شريح: الترجيع والتثنية في الإقامة من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من البعض، وهذا قول مطروح بالإجماع، فإذا تقرر هذا لزم الشافعي رحمة الله عليه نفسه سؤالاً، فقال: فإن قال قائل: فقد أمر أن يوتر الإقامة.
واختلف أصحابنا في معنى هذا السؤال، فمنهم من قال: هذا سؤال من جهة مالك في إفراد التكبير، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، وأنت تأمر بتشفيع التكبير، فأجابه بأن عارض، فقال: قيل له: فأنت تثني الله أكبر، فتجعلها مرتين، يعني مرة في ابتداء الإقامة، ومرة في آخرها، فيلزمك من الخبر ما ألزمتنا.
ومن أصحابنا من قال: هذا سؤال من قوله «القديم» على قوله «الجديد» في إفراد

الجزء: 1 - الصفحة: 423

قوله: قد قامت الصلاة، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، فلم ثنيت، قوله: قد قامت الصلاة، فأجاب على قوله الجديد بقوله: تثني الله أكبر، الله أكبر، فتجعلها مرتين في ابتداء الإقامة ومرتين في آخرها، ولأنه روي استثناء كلمة الإقامة من الإفراد على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وقال في القديم: [30 ب/ 2] ويزيد في صلاة الصبح التثويب وهو: الصلاة خير من النوم" مرتين.
الفصل وهذا كما قال: السنة أن يقول ذلك نص عليه في «القديم» و «الجديد» في «الإملاء»، و «البويطي»، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال في كتاب استقبال القبلة من «الجديد»: يكره ذلك، لأن أبا محذورة لم يحكه.
قال أصحابنا: هذا القول سهو من الشافعي ونسيان حتى سطر هذه المسالة، فإنه حكي ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، ولأن أصحابنا رووا هذا في خبر أبي محذورة على ما سبق بيانه.
وقيل: هذه الرواية لم تبلغ الشافعي ولو بلغه لقال بها، فالمسألة على قول واحد.
وقد قال الشافعي: إذا رأيتم قولي خلاف السنة، فاطرحوا قولي في الحش.
وقال أبو إسحاق: في المسألة قولان: أصحهما الأخذ بالزيادة كما قلنا في الترجيع، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثل قولنا وروي عنه أنه قال: هو بدعة.
وروى محمد عنه أنه قال: لأن التثويب الأول، الصلاة خير من النوم مرتين من الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة، حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين من الأذان والإقامة وهو حسن.
وهذا اختيار أبي بكر الرازي.
واحتج بما روي عن بلال أنه أذن، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: إنه نام فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقره عليه.
وهذا غلط لما روي عن أبي محذورة أنه قال: «قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، فذكر الخبر إلى أن قال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر».

الجزء: 1 - الصفحة: 424

وأما خبر بلال قلنا: روى ابن المنذر عن سويد بن غفلة أن بلالاً كان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم [31 أ/ 2].
وقال أبو هريرة: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح، فقيل: هو نائم فقال: الصلاة خير من النوم، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الذي زدت في أذانك»؟ فقال: الصلاة خير من النوم، ظننتك وسنت يا رسول الله، وثقلت عن الصلاة، فقال: «زدها في أذانك».
وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أذن بلال للصبح، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذنه، فقيل: إنه نائم، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الصلاة خير من النوم مرتين، ثم دخل فحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم».
وروى الشافعي رحمة الله عليه عن علي رضي الله عنه نحو قولنا، ثم قال المزني: الزيادة أولى في الأخبار كما قال في التشهد وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت.
وأراد بخبر التشهد رواية ابن عباس رضي الله عنه: «التحيات المباركات».
وأراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه أسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، فأخبرت فبادرت إلى المسجد فوجدته قد خرج فادركت بلالاً، فقلت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: أين صلى؟ فأشار إلى موضع، فنسيت أن أسأله: كم صلى؟».
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «دخل البيت ودعا ولم يصل» فأخذ الشافعي بالزيادة وهذا قاله صحيح، وهو المذهب ومن نصر مخالفيه، أجاب عن هذا بأن الزيادة إنما تكون أولى فيما يجوز أن يخفى على العامة كالتشهد وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فإنه لم يدخلها إلا مع نفر يسير، فأمَّا أمر الأذان فهو من الأمور الظاهرة [31 ب/ 2] الشائعة المتكررة في كل يوم وما كان هذا سبيله فالزائد والناقص فيه سواء، لأنه مما لا يخفى على العامة، ولهذا أخذ بإفراد الإقامة دون التثنية.
ثم اعلم أن ابن شجاع قال: قال أبو حنيفة: التثويب الأول في نفس الأذان، والثاني من الأذان والإقامة، فيقول بعد الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: يثوب بعد الأذان بقدر عشرين آية، واحتج بما روى أبو يوسف عن كامل بن العلاء السعدي أنه قال: «كان بلال إذا أذن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 1 - الصفحة: 425

فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يرحمك الله».
وهذا عندنا بدعة لما روى مجاهد قال: لما قدم عمر رضي الله عنه مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك، أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوته ما نأتيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكره عمر رضي الله عنه، وسئل الأوزاعي عن التسليم على الأمراء، فقالى: أول من أحدثه معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز.
وأما كامل بن العلاء فلم يلق بلالاً، فلا حجة فيه.
قال أصحابنا: يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة كما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مر أبا بكر فليصل بالناس».
قال: إنه قال: فكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا تقرر هذا لا يستحب التثويب في غير الصبح عندنا.
وقال: يثوب في العشاء وأيضاً لأنه وقت النوم.
وقال النخعي: يثوب في جميع الصلوات، وهذا غلط لما روى يزيد بن غفلة عن بلال رضي الله عنه [32 أ/ 2]، قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في أذان الصبح ولا أثوب في غيرها».
وروي أن عمر رضي الله عنه أنه دخل المسجد يصلي فسمع رجلاً يثوب في أذان الظهر، فخرج عنه فقيل له: إلى أين تخرج؟! فقال: أخرجتني البدعة.
مسألة: قال: "وأحب أن لا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلاً ثقة لإشرافه على الناس".
وهذا كما قال، قوله ثقة تأكيد لأن العدل لا يكون إلا ثقة، وقيل: معناه إلا عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبداً، لأن العبد لا يوصف بالعدالة، ولكن يوصف بالثقة والأمانة.
وقيل: أراد إلا عدلاً في دينه ثقة في علمه بمواقيت الصلاة، وجملته أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 426

يستحب أن يكون المؤذن عدلاً أميناً لاطلاعه على الناس عارفاً بالمواقيت لأن الناس يعتمدون عليه وقوله: لإشرافه على الناس، يحتمل شرف المكان عند الأذان فيطلع على عورات الناس.
وقيل: أراد الإشراف على المواقيت، وقد قال في «الإملاء» لإشرافه على عوراتهم وأمانته على الوقت.
وقال في «القديم»: لإشرافه على بعض عورات الناس ولأجل المواقيت وهذا أصح، لأنه لا يقدر أن يشرف على عورات الكل، وهذا لأنه إذا لم يكن عدلاً ثقة يخاف منه الفتنة في الإشراف والتلبيس على الناس في الأوقات.
قال: وأحب أن يكون حراً كاملاً من خيار الناس لقوله صلى الله عليه وسلم: «يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم».
وقال عمر رضي الله عنه لرجل: من مؤذنكم؟ فقال: موالينا أو عبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كثير.
وقال في «القديم»: الأولى أن يكون من أولاد المؤذنين الذين جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فيهم، وهم أبو محذورة وبلال وسعد القرظ، فإن لم يبق منهم أحد فإلى من أنابهم فإن لم يبق منهم أحد جعله في أولاد أحد من الصحابة، فإن انقرضوا جعل إلى الأقرب فالأقرب، [32 ب/ 2] فإن لم يكن جعل إلى من يراه من خيار الناس على ما وصفنا.
وقال أبو محذورة: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الملك في قريشٍ والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد».
فرع قال في «الأم»: "ومن أذن من عبد مكاتب وحر أجزأ، فأما الصبي فيكره أن يكون مؤذناً".
قال في «الأم»: «وأحب أن لا يؤذن إلا بعد البلوغ لما رويناه فإن أذن قبل البلوغ أجزأه».
وقال داود: لا يعتد بأذانه، لأنه ليس بمكلف بالشرع فأشبه المجنون، وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكرة، قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 427

«كان عمومتي يأمرونني بأن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم».
وأنس ابن مالك رضي الله عنه شاهد ولم ينكر، وهذا فيما يظهر ولا يخفى، فثبت أنه إجماع منهم ولأنه تجوز إمامته في النوافل بالإجماع كالعبد، وأما المجنون، فلأنه لا يعقل معنى ما يقول هذا.
فرع آخر لو كان خصياً أو مجبوباً لا يكره ويجوز، ولو كان فاسقاً يكره ولو أذن جاز لما قلنا في إمامته، والكافر لا يجوز بحالٍ.
فرع آخر قال: لو كان أعمى فإن معه بصير يؤذن قبله أو يعرفه المواقيت جاز ولا يكره، وإن كان وحده كره ذلك، لأنه لا يشاهد علامات الوقت، فإن أذن جاز، لأن له أن يجتهد في المواقيت.
وجملته: أن الناس على أربعة أضرب: من يستحب أن يكون مؤذناً، وهو من ذكرنا، ومن يجوز أن يكون مؤذناً وإن كان غيره أولى منه، وهو العبد ونحوه، ومن يكره أن يكون مؤذناً، ويجوز كالأعمى إذا كان وحده، والصبي والفاسق، ومن لا يجوز بحال، وهو الكافر والمجنون والمرأة للرجال.
فرع آخر لو تنازع جماعة في الأذان مع تساويهم استمعوا.
روى ابن المنذر أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم.
وروي عن عمر [33 أ/ 2] بن الخطاب رضي الله عنه أنه اختصم إليه ثلاثة نفر في الأذان، فقضى لأحدهم بأذان الفجر وقضى للأخر بالظهر والعصر وللآخر بالمغرب والعشاء.
مسألة: قال: وأحب أن يكون صيتاً.
أي: رفيع الصوت لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً»، ولأنه أبلغ في الإعلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 428

مسألة: قال: "وأن يكون حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه".
وهذا كما قال، أراد أنه إذا كان حسن الصوت يكون أدعى إلى الإجابة، لأن الداعي إلى الطاعة ينبغي أن يكون حلو المقال، ترق القلوب له.
قال الله تعالى: "ولو كنت فظاً غيظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: 159]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم»، وأراد به تحسين الصوت بالقراءة.
وقال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: "فقولا له قولاً لينا" [طه: 44] الآية.
مسألة: قال: "وأحب أن يؤذن مترسلاً بغير تمطيط".
وهذا كما قال، أراد بالترسل إفراد كل كلمة من الأذان وإرسال النفس عند انتهائها.
يقال: جاء فلان على رسله، أي: على هينة غير عجل ولا متعب نفسه.
وروى ابن عمر رضي الله عنه سمع أبا محذورة وقد رفع صوته، فقال له: «أما خشيت أن ينشق من تطاول، فقال: أحببت أن تسمع صوتي».
والتمطيط: التمديد.
وقيل: إنه الإفراط في المد، وقوله: ولا نفي فيه، أراد أن يرفع صوته حتى يجاوز به المقدار.
وقرئ، ولا يغني فيه.
وأراد تشبيهه بالغناء في التطريب والتلحين.
وروي أن رجلاً قال لابن عمر رضي الله عنه: «إني أحبك في الله، فقال: وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك».
قال حماد: يعني التطريب.
مسألة: قال: "وأحب الإقامة إدراجاً مبيناً".
وهذا كما قال.
الإدراج: أن يدرج كلمة في كلمة ويجمع بينهما في نفس واحد بخلاف الترسل، ولكن مع الإدراج [33 ب/ 2] يجب أن يكون مبيناً، وإنما قلنا كذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذر!».
رواه جابر، وروى أبو الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب رضي

الجزء: 1 - الصفحة: 429

الله عنه، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذر، ولأن الأذان يراد الإعلام، والترسل فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة تراد لافتتاح الصلاة.
والإدراج فيه أقرب إلى الاستفتاح ولا يستحب فيه الصعود على المنارة، وهل يلتوي فيها في كلمة الحيعلة؟.
قال القفال: مرة يلتوي كما في الأذان، وقال: مرة لا يلتوي، والصحيح عندي الأول، وهو ظاهر المذهب.
وقول الشافعي: «ويلتوي في حي على الصلاة يرجع» إليهما.
وقيل: الصحيح لا يلتوي لأن القوم يسمعون من غير التفات حتى لو كان المسجد كبيراً يلتوي ليحصل الإعلام.
ثم قال الشافعي: «وكيف ما جاء بهما أجزأه».
يعني إن خالف ما قلناه، فأدرج الأذان وأقام مترسلاً جاز، وإن كان تاركاً للسنة لأنهما هيئتان فيهما، فهو كترك الجهر والإبراد في الصلاة.
فرع إذا أذن بالفارسية للجماعة لم يجز وإن كان لنفسه ولا يحسن العربية أجزأه، وعليه أن يتعلم وإن كان يحسن العربية لم يجز.
كأذكار الصلاة ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر متى يقوم الناس إلى الصلاة عند إقامة المؤذن؟ قال أصحابنا: ينبغي لمن كان منهم شيخاً بطئ النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن كان شاباً سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة فيختلف باختلاف القائمين ليستووا في صفوفهم قياماً في وقت واحد.
مسألة: قال: "وأحب أن يكون المصلي بهم عالماً فاضلاً".
وهذا كما قال أراد أن الإمام سفير بين القوم وبين الله تعالى، فيجب أن يكون أفضلهم وأعلمهم، وأي الناس صلى بالإمامة من الرجال [34 أ/ 2] المسلمين جاز، وإن كان فاسقاً وشرح هذا يجيء في موضعه، فإن هذه المسألة ليست من مسائل الأذان، بل هي من مسائل الإمامة.

الجزء: 1 - الصفحة: 430

مسألة: قال: "وأحب أن يكون المؤذنون اثنين".
الفصل وهذا كما قال: يجب أن يكون لكل مسجد كبير مؤذنان لكل صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فإن اقتصر على مؤذن واحد جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أذان سعد القرظ وعلى أذان زياد بن الحارث.
قال في «الأم»: ولا يضيق أن يؤذن أكثر من اثنين.
قال أصحابنا: ولا يستحب أن يزيد على أربعة، لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين، ونص في «القديم»: أنه يجوز أكثر من ذلك.
قال الشافعي: وإذا كان المؤذنون أكثر أذن واحد بعد واحد لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ولأنهما إذا أذنا معاً كما يعملون اليوم في بلدنا يتشوش، ولو كان مسجد كبير في كل جانب منه منارة، فأذنوا في وقت واحد كل واحد منهم يسمع من يليه، فلا بأس، فكذلك إذا أذنوا في نواحيه معاً جاز.
نص عليه في «الأم».
قال أصحابنا: وإذا اجتمعوا هكذا يتفقون في الأذان كلمة كلمة فإن اشتراكهم في كل كلمة منه أبين في الإعلام.
فرع لو كثر المؤذنون، فلا يبطئ الإمام بالصلاة لانتظار فراغهم فيؤدي إلى ترك فضيلة أول الوقت، ولكنه يخرج بعد الأذان الأول، ويصلي في أول الوقت، ويقطع من بقي من المؤذنين من الأذان.
فرع آخر لا يستحب أن يقيم إلا واحداً منهم، فإن أذن واحد بعد واحد، يقيم الأول وإن أذنوا معاً في جوانب المسجد فأيهم أقام فقد أتى بالسنة، فإن تشاجروا أقرع بينهم

الجزء: 1 - الصفحة: 431

[34 ب/ 2]، فيقيم من خرجت قرعته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أذنوا معاً اجتمعوا في الإقامة ولا يترتبون لأن من سنة الإقامة أن يتصل بطرف الصلاة، والأول أظهر وهذا محتمل إذا كان المسجد كبيراً وأذن المؤذنون في جوانبه يقيمون في كل جانب معاً إذا كانوا لا يسمعون الإقامة إلا هكذا.
مسألة: قال: "ولا يرزقهم الإمام وهو يجد متطوعاً".
الفصل وهذا كما قال: إذا وجد الإمام من يتطوع بالأذان وكان أميناً لم يجز للإمام أن يعطيه الرزق من بيت المال، لأن منزلة الإمام من بيت المال كمنزلة ولي اليتيم من مال اليتيم لا ينفق منه إلا ما لا غنى باليتيم عنه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين ولاه الطائف: «صل بهم صلاة أضعفهم ولا تتخذ مؤذناً يأخذ على أذانه أجراً»، فإن لم يجد متطوعاً جاز له أن يرزق مؤذناً واحداً، ولا يزيد عليه لأن هذا من جملة مصالح المسلمين.
وهكذا لو وجد فاسقاً متطوعاً ووجد أميناً لا يتطوع به كان له بذل الرزق من بيت المال للأمين.
وقيل: فيه وجه آخر.
المتبرع أولى وإن كان فاسقاً حتى لا يحتاج إلى التزام مؤنة، ولو كان المتبرع ليس بحسن الصوت، فيه وجهان، لأنه تتوفر الجماعة به.
وقال الشافعي في «القديم»: رزقهم إمام هدى عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولو عظمت البلدة ولم يكمهم مؤذن واحد نصب في كل محلة مؤذناً ورزقهم.
وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أجرى الرزق على أربعة مؤذنين بالمدينة، ونص الشافعي رحمة الله عليه في «الأم»، فقال: «رزق منهم قدر ما يحتاج إليه، ولو أراد الإمام أن يرزق مؤذناً من مال نفسه مع وجود من يتطوع به فلا بأس به».
فرع اختلف أصحابنا في جواز عقد الإجارة على الأذان من الإمام [35 أ/ 2]، أو من واحد من الرعايا، فقال الأكثرون: يجوز كما يجوز على تعليم القرآن وأداء الحج عن الغير وبه قال مالك، وهذا أشبه بالمذهب، واختار القاضي الطبري وجماعة أئمة

الجزء: 1 - الصفحة: 432

خراسان.
وقال أبو حامد: لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال.
وغلط من أجازه وليس للشافعي ما يدل على جوازه.
وقد قال ههنا: «فإن لم يجد متطوعاً فلا بأس أن يرزق مؤذناً» فسماه رزقاً ولم يسمه أجرة.
وقال في الحج: استأجر من يحج عنه فدل على الفرق.
وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: يجوز أخذ الرزق، ولا يجوز أخذ الأجرة.
وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد.
وروي عن أبي حنيفة لا يجوز أخذ الرزق أيضاً، وقيل: يجوز من الإمام ولا تجوز الإجارة من آحاد الرعية، وعلى ماذا يأخذ الأجرة؟ فالظاهر أنها على جميع الأذان كما في تعليم القرآن.
وقيل: فيه أوجه: أحدهما: على مراعاة الوقت.
والثاني: على رفع الصوت.
والثالث: على كلمتي الحيعلة، لأنهما ليستا بذكر الله تعالى، ويجوز أخذ الأجرة على إعادة الدروس واحتجوا بخبر عثمان بن أبي العاص الذي ذكرنا.
وهذا غير صحيح عندي، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، ككتبة المصاحف.
والخبر محمول على ما لو وجد متطوعاً 0 ومن نصر قول أبي حامد قال: يجوز أخذ الرزق على القضاء، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه 0 وكذلك على الإمامة.
وقال هذا القائل القرب في باب الإجارة والرزق على ثلاثة أضرب: قربة يفعلها عن نفسه، ولا يعود نفعها إلى غيره، فلا يجوز أن يأخذ عليها رزقاً ولا أجرة بحالٍ كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
وقربة يفعلها عن الغير وتقع عنه كالحج وتعليم القرآن وبناء القناطر والمساجد يجوز أخذ الأجرة والرزق عليها معاً.
وقربة يفعلها عن نفسه ويعود نفعها إلى غيره كالأذان والقضاء والخلافة، ويجوز أخذ الرزق عليها دون الأجرة [35 ب/ 2] قلت: إذا كان الأذان بأجرة فهو قربة يفعلها للغير وهو إعلامهم بوقت الصلاة ودعائهم إلى حضور الجماعة فهو كالحج وتعليم القرآن، فلا يصح هذا التقسيم.
فرع آخر قال: "ولا يرزقهم إلا من خمس الخمس"، سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد به سهم

الجزء: 1 - الصفحة: 433

النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة والفيء جميعاً فإنه مرصد لمصالح المسلمين وهذا من المصالح، ثم نقل المزني: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء ولا من الصدقات، لأن لكل مالكاً موصوفاً وفيه خلل، لأنه معقول أن خمس خمس الفيء مع خمس خمس الغنيمة سهمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصروفان إلى مصالح الإسلام، فيجوز صرف بعض هذا السهم من الفيء إليهم، والشافعي لم يقل هكذا، بل قال: ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء يعني من الأخماس الأربعة ألا ترى أنه علَّل فقال: لأن لكل مالكاً يريد فما عدا سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة، والفيء والصدقات ملاكاً موصوفين في القرآن والسنة وليس لسهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة ولا من الفيء مالاً موصوف بل هو للمصالح.
وهذا على القول الذي يقول: أربعة أخماس الفيء للمقاتلة.
فأما على القول الثاني، أنها للمصالح فإنه يبدأ بالأهم، فالأهم، والأهم أن يبدأ بالمقاتلة أيضاً، ثم بسد الثغور، ويجوز ذلك فما فضل جاز أن يرزقهم الإمام منه ويرزق الحكام وغيرهم أيضاً.
مسألة: قال: "وأحب الأذان لما جاء فيه".
وهذا كما قال، أراد به يستحب التأذين لما جاء في فضله من الأخبار، ثم روى من الأخبار خبراً واحداً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين».
ومعنى قوله: الأئمة ضمناء، أي: ضمنوا إتمام الصلاة بالقوم كما جاء في خبر آخر.
قال: فإن أتموا فلكم ولهم وإن نقصوا فلكم وعليهم [36 أ/ 2].
وقيل: الضامن في كلام العرب الراعي والضمان معناه الرعاية، فمعنى الخبر أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم.
وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم.
ومعنى قوله: «المؤذنون أمناء»، أي: هم مؤتمنون على الأوقات، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن سبع سنين صابراً محتسباً كتبت له براءة من النار».
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن اثني عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان مسنون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة»، أورده الدارقطني.

الجزء: 1 - الصفحة: 434

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يشفع المؤذنون يوم القيامة»، فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في الأذان والإقامة أيهما أفضل؟ فقال أبو حامد وجماعة: الأذان أفضل، قالوا: وهذا هو المذهب، وقد صرح به في كتاب الإمامة، فقال: وأحبّ الأذان لما فيه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اغفر للمؤذنين».
وذكره الإمامة للضمان.
وهذا اختيار أبي إسحق ووجه هذا ما ذكرنا من الخبر، «الأئمة ضمناء» فإن الإمامة موضع السلامة، ولا يخاف منها شيء.
والضمان موضع الخطر والغرامة ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لكل واحد منهما فكان دعاؤه للأئمة بالرشد الذي هو سبب المغفرة، وكان دعاؤه للمؤذنين بنفس المغفرة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذنون أطول أعناقاً يوم القيامة».
وفي لفظ: «يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقاً»، ومعناه أطول رجاء يقال: طال عنقي إلى وعدك، أي: رجائي.
وقيل: أراد طولاً حتى لا يبلغ العرق إلى أفواههم فيلجمهم كما يلجم غيرهم.
وقيل: لم يرد به أن أعناقهم تطول لكن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه.
والمؤذنون [36 ب/ 2] لا يعطشون فأعناقهم قائمة.
وقيل: أراد أطول الناس أصواتاً وعبر عن الصوت بالعنق، لأنه محل الصوت.
وقيل: أراد أكثر أتباعاً.
والعنق: الجماعة من الناس، يقال: ما تبعه عنق من الناس.
ومعناه من أجابهم إلى الصلاة تبعهم إلى الجنة يوم القيامة.
وقيل: أراد أطولهم أعناقاً لأمنهم، إذ الأمين مشرفٌ رافع رأسه والخائن متوارٍ منقبض.
وقيل: إعناقا بكسر الألف، ويراد به سرعة السير إلى الجنة.
وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في الأذان لتضاربوا عليه بالسيوف».
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وأنه يغفر له مدى صوته أين بلغ».
وروي أن عمر رضي الله عنه قال: «لو كنت مؤذناً لما باليت أن لا أجاهد، ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام».

الجزء: 1 - الصفحة: 435

وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله" [فصلت: 33] نزلت في المؤذنين.
ومن أصحابنا من قال: الإمامة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده اختاروا الإمامة، ولأنها أشق فكانت أفضل.
ومن قال بالأول، قال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأذان لاشتغاله بما هو أهم.
وكذلك الخلفاء، وهو ظاهر في قول عمر رضي الله عنه لولا الخلافة لأذنت.
ولا بد من الصلاة إن لم يكن إماماً فمأموماً فلهذا تولى الإقامة.
وقيل: إنما تركه لأنه يحتاج أن يشهد لنفسه، ويقول: أشهد أني رسول الله وفيه تغيير نظم الأذان أيضاً.
وقيل: إنما تركه، لأنه لو دعا الناس بنفسه إلى الصلاة لم يسع لأحد منهم التخلف، وفيه ضيق على الناس.
وقيل: كانت الإمامة له أفضل، لأنه كان مأموناً من الخطأ والزلل والتقصير في أداء الضمان [37 أ/ 2]، فإنه لا يقر على الخطأ والسهو.
وقال بعض أصحابنا وهو قول أئمة خراسان، وهو الصحيح عندي: الإمامة أفضل إذا كان عالماً بما يلزم الإمام في صلاته وما ينوب فيها ويعلم من نفسه القيام بحقها، لأنها أشق والإمام الضامن أكثر عملاً من المؤذن الأمين.
وكلما كثر العمل فالثواب أكثر، وهذا اختيار صاحب «الإفصاح» وصرح الشافعي به في كتاب الإمامة، فقال: وأحب الأذان وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أم ينبغي أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإذا فعل رجوت أن يكون خير حال من غيره.
وفيما ذكروه من لفظه في كتاب الإمامة خلل، ولم يذكروا تمام الكلام على هذا الوجه، وهذا يزيل الإشكال.
فرع قال أصحابنا: لا يستحب أن يتولى واحد كلا الأمرين: التأذين والإمامة، لأن ذلك لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضي الله عنهم، ولأن المؤذن والقوم تبع للإمام.
ومن أدب المؤذن إذا أذن أن ينتظر اجتماع القوم، ثم إذا اجتمعوا يأتي نائب الإمام فيؤذنه باجتماعهم كما ذكرنا عن بلال.
وقال صاحب «الحاوي»: «لو أمكن القيام بهما والجمع بينهما أولى، فيجوز

الجزء: 1 - الصفحة: 436

شرف المنزلتين وثواب الفضيلتين»، والأول أصح عندي، وهو ظاهر المذهب.
فرع آخر روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، ولم يرد به أن الإمام يقيم بل أراد أن المؤذن يؤذن متى شاء إذا دخل الوقت، ولكن لا يقيم إلا أن يرضى الإمام أو يأذن فيها، ويجوز انتظاره لها.
مسألة: قال: "وأحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها"، وهذا كما قال: يستحب تعجيل الصلوات في أول وقتها في الجملة.
وقال أبو حنيفة: يستحب تأخيرها عن أول وقتها، وهذا غلط لما احتج به [37 ب/ 2] الشافعي، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله».
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه، ثم بين الشافعي المعنى فيه، فقال: وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظاً، ومن المخاطرة بالنسيان والشغل والآفات خارجاً، وهذه إشارة منه إلى تأويل قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" [البقرة: 238]، وفيه خلل، لأن الشافعي احتج بهذه الآية، ثم ذكر هذه اللفظة على جهة الاستدلال، فترك المزني نقل الدليل ونقل جهة الاستدلال، ولا يحسن ذلك، وفيه خلل آخر.
وقال: «ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين» ولم يقل الشافعي هذا، لأن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت موسع فلا ينسب إلى التقصير، ولفظ الشافعي: ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو عفوان عفو تقصير وعفو توسعة، ويشبه أن يكون الفضل في غير التوسعة ما لم ينه عن ذلك الغير، ومعنى ذلك أن الفطر رخصة في السفر، والصوم أفضل ما لم يجهده، فيكون الفطر أفضل.
فأما إذا لم ينه عن ترك الرخصة، فالفصل في تركها، فلم يجعل الشافعي التأخير من باب

الجزء: 1 - الصفحة: 437

التقصير، وإنما جعله من باب التوسعة، فألحقه المزني بالتقصير.
وقيل: أراد به أنه مقصر بإضافته إلى ثواب من صلى في أول الوقت كالمصلي عشر ركعات نفلاً مقصر بإضافته إلى من صلى عشرين، ولم يرد به تقصير الإثم.
وقيل: أنه مقصر لولا عفو الله في إباحة التأخير، فإذا تقرر هذا نذكر كل صلاة على التفصيل.
أما الصبح: التغليس بها أفضل إذا تحقق طلوع الفجر، فإذا غلب على ظنه طلوعه يجوز له أن يصلي ولكن يستحب له تأخيرها إلى أن يتحقق.
وبه قال عمر وعثمان وابن الزبير [38 أ/ 2] وأنس وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة ومالك والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وجماعة.
وقال الثوري وأبو حنيفة: الإسفار بها أفضل ما لم يخشَ طلوع الشمس إلا الصبح بمزدلفة، فإن تعجيلها أفضل.
وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي واحتجوا بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر».
وروي: «أصبحوا بالصبح» الخبر، هذا غلط لما روي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلى الصبح بغلس ثم أسفر مرة ثم غلس ولم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى».
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس»، والغلس اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والغبش قريب منه إلا أنه دون، والمروط أكسية تلبس، والتلفع بالثوب الاشتمال به.
وروي: متلفقات، أورده مسلم في «صحيحه».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال عند الله الصلاة لأول وقتها».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ثلاث لا تؤخرها، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً».
وأما خبرهم أراد به إسفار الفجر، وهو ظهوره واستنارته، وهذا لأنه يحتمل أنه لما

الجزء: 1 - الصفحة: 438

أمر بتعجيل الصلوات كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والفجر الثاني طلباً للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب، فقال لهم: صلوها بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر، فإن ذلك أعظم للأجر، فإن قيل: كيف يقال هذا، والصلاة إذا لم تجز لم يكن فيها أجر؟ [38 ب/ 2] قلنا: لا جواز لها، ولكن أجرهم فيما نووه بالخطأ ثابث كقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر».
وقيل: الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة.
وذلك أن الصبح لا يتبين فيها جيداً، فأمرهم بزيادة التبيين استظهاراً باليقين في الصلاة، فإذا تقرر هذا يستحب أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس.
وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يدخل فيها بغلس ويخرج منها بالإسفار جمعاً بين الأخبار، وهذا حسن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «صلوا الفجر في الشتاء وتغلسوا بها، وأطيلوا القراءة على قدر ما تطيقون وإذا كان الصيف فأسفر فإن الليل قصير ليدركها النوام».
وأما صلاة الظهر: يستحب تعجيلها في كل وقت لكل أحد إلا أن يشتد الحر، فيستحب أن يؤخرها عن أول وقتها باربع شرائط: أحدها: أن يكون الرجل إمام القوم يصلي بهم جماعة.
والثاني: أن يكون في شدة الحر في الصيف.
والثالث: أن يكون في البلاد الحارة مثل الحجاز ونحوه.
أن تنتابها الجماعة ويحضرها من مكان بعيد، فإن اختل شرط من هذه الشرائط لا يستحب تأخيرها مثل أن يصلي وحده أو في جماعة في جوار المسجد، أو في زمان معتدل، أو في شدة الحر في البلاد الباردة، أو في مسجد يكون الطرق إليه في ظل أو كنين.
وقال في «البويطي»: القريب والبعيد فيه سواء لأن القريب يلحقه حر المسجد ويشق عليه ذلك.
وقيل: الإبراد في حق من يصلي في بيته قولان: أحدهما: يسن لعموم الخبر.
والثاني: لا يسن، لأنه لا مشقة، وهذا غريب.
وإذا وجدت هذه الشرائط أخرها حتى تكسر شدة الحر ويتسع فيء الحيطان، ثم صلاها.
قال الشافعي رحمه الله:

الجزء: 1 - الصفحة: 439

«ولا [39 أ/ 2] يبلغ بتأخيرها آخر وقتها حتى يصليها معاً، يعني: الظهر مع العصر من يصيبها، وينصرف منها قبل آخر وقتها».
وقال أيضاً: «يصليها في وقت إذا فرغ منها يكون بينه وبين آخر الوقت فصل».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا ينبغي أن يبلغ بالتأخير نصف الوقت، وهذا صحيح موافق للنص الذي ذكرنا.
وقيل: يؤخر إلى أن يحصل فيء ويمشي فيه القاصد إلى الصلاة، وهذا قريب مما تقدم، والأصل في هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب قد أكل بعضي بعضاً، فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حرها وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وقوله: فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره، يقال: مكان أفيح، أي: واسع.
وقيل: هذا في الحقيقة من وهج حر جهنم.
وقيل: خرج هذا الكلام مخرج التقريب، أي: كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها، فإن قيل.
روى خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة حر الرمضاء، فلم يشكنا»، وهذا يدل على أنه لم يجوز لهم التأخير لشدة الحر.
وقال جابر رضي الله عنه: «كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر».
قلنا: يحتمل أنه لا يزول ذلك بالإبراد وإنما يزول بالسترة ويحتمل أن يكون رخص بعد ذلك وأمر بالإبراد.
وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها أبداً حتى يصير الفيء قدر ذراع لأن الناس يكونون في أشغالهم فإذا أخرت قليلاً اجتمع لها الناس، وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي الظهر حين ترجع الشمس».
وأما ما قاله لا يصح لأنه لو صح لكان يؤخرها إلى وسط الوقت ليكثر الناس [39 ب/ 2].
وقال أبو حنيفة: «تأخيرها أبداً إلا الظهر في الشتاء»، وهذا غلظ لما ذكرنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 440

فرع الإبراد بالظهر على ما ذكرنا هل هو سنة أو رخصة؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: سنة، وهو ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي إسحق لأن شدة الحر تذهب بالخشوع فهي كشدة الجوع، ومنهم من قال: هو رخصة، لأن الشافعي، قال في البويطي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخيرها في الحر توسعة منه ورفقاً بالذين ينتابونه مثل توسعته صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الصلاتين، فحصل قولان.
فرع آخر الإبراد بصلاة الجمعة عند اشتداد الحر بهذه الشرائط، هل يستحب؟ وجهان: أحدهما: لا يستحب، لأن الناس ندبوا إلى التبكير إليها، فإذا اشتد الحر يكونون مجتمعين في الجامع، فتعجيل الجمعة بهم أرفق من تأخيرها، وهذا أظهر.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا اشتد البرد بكر بها، وإذا اشتد الحر أبرد بها».
والثاني: يستحب فيها ذلك أيضاً، لأنها في يوم الجمعة كالظهر في سائر الأيام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا في المسجد الكبير الذي يجتمع فيه الناس الكثير في الجماعات وجهان أيضاً، وهذا محتمل قياساً على الجمعة.
وأما صلاة العصر: فتعجيلها أفضل، وبه قال من ذكرنا من الصحابة وغيرهم.
وقال مالك: يؤخرها يسيراً كما قال في الظهر.
وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل ما دامت الشمس بيضاء نقية، وبه قال الثوري إلا في يوم الغيم وعن إبراهيم أنه كان يؤخر العصر.
وروي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لأنها تعصر، واحتج بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر بتأخير هذه الصلاة»، يعني صلاة العصر، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن أنسٍ رضي الله عنه [40 أ/ 2] أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس بيضاء حية ثم يذهب الذاهب إلى العوإلي فيأتيها والشمس مرتفعة».
وحياتها شدة وهجها وبقاء حرها.
وقيل: حياتها صفاء لونها لم تتغير.
وقال الزبيري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة.
قال الراوي: وأحسبه قال: أو أربعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 441

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» ومعنى الظهور هنا: الصعود.
يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته.
ووجه الدليل أن حجرة عائشة كانت ضيقة الرقعة والفناء والشمس تتقلص عنها سريعاً، فلا يكون مصلياً للعصر قبل أن تصعد الشمس عنها، إلا وقد بكر بها.
وأما خبرهم رواه عبد الواحد بن رافع، وهو مطعون فيه.
وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأوزاعي عن ابن المجادي عن رافع بن خديج.
قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ثم ننحر الجزور فنقسمه ثم نطبخ فنأكل لحماً نضجاً قبل أن تغيب الشمس» فدل على ما قلنا.
وأما صلاة المغرب: فلا خلاف بين العلماء أنه يستحب تعجيلها.
والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه، قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ثم نخرج فنناضل حتى يخرج صوت بني سلمة فننظر إلى مواقع النبل من الإسفار».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم».
وأما العشاء الآخرة: قال في «الإملاء» و «القديم»: «تعجيلها أولى»، وهو الصحيح لما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: أنا أعلمكم بوقت هذه الصلاة، صلاة عشاء الآخرة، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة»، وهذا إخبار عن دوام فعله.
[40 ب/ 2] وقال في «الأم»: «تأخيرها أفضل».
وبه قال أبو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل».
وروي إلى نصف الليل.
واختلف قوله في قدر التأخير لاختلاف الرواية.
وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها

الجزء: 1 - الصفحة: 442

أمة قبلكم».
ومعناه أخروها.
فرع قال أصحابنا: يكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة، قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها».
فرع آخر أوكد الصلوات في المحافظة عليها، الصلاة الوسطى، لأن الله تعالى قال: "والصلاة الوسطى" [البقرة: 238] فخصها بالذكر، والصلاة الوسطى هي صلاة الصبح.
وبه قال مالك، وروي هذا عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة أنها العصر.
ورواه ابن المنذر عن علي وأبي هريرة وأبي أيوب وأبي سعيد رضي الله عنهم.
وروي عن عائشة وزيد أنهما قالا: هي الظهر.
وروي هذا عن أبي حنيفة وأصحابه.
وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب.
وهذا كله غلط لقوله تعالى: "وقوموا لله قانتين" [البقرة: 238]، فقرنها بالقنوت، ولا قنوت إلا في صلاة الصبح.
وروى مالك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى وقنت فيها، ثم قال: «هذه الصلاة التي أمرنا الله فيها أن نقوم قانتين».
وروى مالك في «الموطأ»: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن أكتب لها مصحفاً، فإذا بلغت هذه الآية فأذنتني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" قال: فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: حافظوا [41 أ/ 2] على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، ثم قالت: «سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولأن صلاة الصبح لا تتبع إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فهي منفردة قبلها صلاتا الليل وبعدها صلاتا نهار.
واحتج أبو حنيفة بما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة

الجزء: 1 - الصفحة: 443

الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً».
قلنا: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سماها وسطى ونحن لا نمنع من ذلك وخلافنا في المراد بالآية.
واحتج زيد بن ثابت رضي الله عنه بأن صلاة الظهر وسط صلوات النهار وفيها مشقة لكونها في شدة الحر ووقت القيلولة.
واحتج قبيصة بأن المغرب أوسط أعداد الصلوات ووقتها مضيق فنهى عن تأخيرها.
قلنا: أخبارنا أولى لأنها صريحة منصوصة، ويعارضهم بأن الله تعالى حث على صلاة الصبح دون غيرها، فقال: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: 78].

باب

استقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمس مسألة: قال: "ولا يجوز لأحد صلاة فريضة ولا نافلة ولا سجود قرآن ولا جنازة إلا متوجهاً إلى البيت الحرام".
الفصل وهذا كما قال: اعلم أنه افتتح الباب ببيان الحال التي يجب فيها استقبال القبلة والحالة التي لا تجب، والمقصود هذا.
وقوله في ترجمة الباب، (وأن لا فرض إلا الخمس) شيء اعترض في الباب وبيانه سيأتي في موضع آخر، وأراد بالبيت الحرام الكعبة.
قال الله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس" [المائدة: 97]، وكذلك المراد بقوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]، الكعبة فإنها هي القبلة بعينها [41 ب/ 2]، وشطر المسجد: نحوه.
وجملته: أن استقبال القبلة شرط في الصلاة في الجملة بدليل هذه الآية.
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «استقبل الكعبة وصلى ركعتين.
وقال: هذه القبلة، هذه القبلة».
مرتين.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يصلي أول فرض الصلاة بمكة إلى بيت المقدس، وكان يصلي على صفةٍ يكون متوجهاً إلى الكعبة ليكون مستقبلاً لها ولبيت المقدس لمحبته قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، فلم يزل على هذا

الجزء: 1 - الصفحة: 444

حتى هاجر إلى المدينة وكان يصلي فيها إلى بيت المقدس، ولم يمكنه التوجه إلى الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة يكون مستدبراً للكعبة، فلا يمكنه ما كان بمكة فشق عليه ذلك.
ومضى على هذا ستة عشر شهراً أو سبعة عشر، فسأل يوماً جبريل عليه السلام أن يسأل له ربه عز وجل أن يجعل قبلته الكعبة، فقال له: سله أنت فإنك من الله بمكان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج جبريل عليه السلام وكان يقلب النبي صلى الله عليه وسلم وجهه في السماء، فنزل قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنواينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]. فنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
وكان هذا في وقت صلاة العصر.
وقال أنس رضي الله عنه: كان في صلاة الظهر.
«وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين منها نحو بيت المقدس، فانصرف إلى الكعبة».
وقال الواقدي: كان هذا في يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن القبلة والقيام الأول.
وقال أيضاً: أول من صلى إلى الكعبة، [42 أ/ 2] وأوصى بثلث ماله وأمر أن يتوجه إلى الكعبة البراء بن معرور وابنه بشر بن البراء الذي أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة فمات، واختلف أصحابنا، هل استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس برأيه أو عن أمر الله تعالى على قولين: أحدهما: برأيه، لأن الله تعالى خيره في قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، أي: قبلة الله، فاختار بيت المقدس وبه قال الحسن وعكرمة وأبو العالية والربيع بن أنسٍ.
والثاني: استقبله بأمر الله تعالى لقوله تعالى: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143]. وبه قال ابن عباس وابن جريج وفي قوله تعالى: "إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143] أربع تأويلات: أحدها: ليعلم رسولي وأوليائي لأن من عادة العرب إضافة ما فعله اتباع الرئيس كما قالوا: فتح عمر رضي الله عنه سواد العراق.

الجزء: 1 - الصفحة: 445

والثاني: ألا ترى والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم.
والثالث: معناه، إلا لتعلموا أننا نعلم، لأن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها.
والرابع: معناه إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك، وهذا قول ابن عباسٍ رضي الله عنه.
وأما قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، له ست تأويلات: أحدها: ما قاله الأولون من تخيير الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقبل حيث شاء قبل استقبال الكعبة.
والثاني: نزلت في صلاة التطوع للسائر وللخائف في الفرض.
وبه قال ابن عمر رضي الله عنه.
والثالث: نزلت فيمن خفيت عليه القبلة.
والرابع: أنه لما نزل قوله تعالى: "أدعوني استجب لكم" [غافر: 60]، قالوا: إلى أين؟ فنزل هذا، وبه قال مجاهد.
والخامس: أراد وحيث ما كنتم من مشرق أو مغرب فلكم جهة الكعبة فيستقبلونها.
والسادس: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استقبل الكعبة، قالت اليهود: قبحاً في ذلك، فنزل هذا.
وبه قال [42 ب/ 2] ابن عباس.
وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن نستقبل الكعبة، فاستقبلوها.
وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة».
وروي أن هذا القائل، قال لهم: أشهد أن القبلة قد حولت إلى الكعبة.
وقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فاستداروا في صلاتهم وبنوا عليها، فإذا تقرر هذا، فكل من لزمه التوجه إليها على ستة أضرب: ضرب: فرض المعاينة.
والثاني: ضرب فرضه الإحاطة دون المعاينة.

الجزء: 1 - الصفحة: 446

والثالث: ضرب فرضه الخبر.
والرإبع: ضرب فرضه التقليد.
والخامس: ضرب فرضه الاجتهاد.
والسادس: ضرب فرضه التفويض.
فأما من فرضه المعاينة فكل من يقدر على معاينة البيت فمن يكون بمكة في مسجدها أو منزل منها أو سهل أو جبل لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال القبلة، لأنه يدرك صواب عينه بمشاهدة ومعاينة.
وأما من فرضه الإحاطة، وهي اليقين دون المعاينة، فكل من كان بمكة في موضع لا يرى منه البيت إلا أنه نشأ بمكة، ويعلم جهة البيت يقيناً فهذا يلزمه أن يصيب استقبال البيت من طريق الإحاطة واليقين.
وهكذا من يقدر على قبلة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة لأنها مقطوع بصحتها، لأنه لا يقر على الخطأ.
قال أصحابنا: وكذلك القبلة التي صلى إليها الصحابة كقوله قباء والكوفة.
وأما من فرضه الخبر: فكل من كان وراء جبل أبي قبيس وما أشبهه من الجبال، وهو غريب لا يعرف سمت البيت وعلى رأس الجبل من يخبره عنه من طريق المشاهدة، وهو ثقة يلزمه قبول خبره كمن وجد من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [43 أ/ 2] نصاً يلزمه قبوله، ولا يجوز الاجتهاد فيه.
وأما من فرضه التقليد كالأعمى.
وقال داود: يصلي الأعمى إلى أي جهة شاء، لأنه عاجز.
وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: "فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: 144]، ولأنه يمكنه السؤال فلا يكون عاجزأ.
وأما من فرضه الاجتهاد فكل من كان على صفة لا يقدر على معاينة ولا إحاطة ولا خبر لبعده عن مكَّة ففرضه الاجتهاد يستدل عليها بالرياح والنجوم والشمس والقمر، فمن غلب على ظنه جهة صلى إليها.
وأما من فرضه التفويض، فهو أن يدخل بلداً كبيراً كثير الأهل، قد اتفقوا على قبلتهم كالبصرة، وبغداد، فيستقبل قبلتهم تفويضاً، لاتفاقهم لأنه يبعد أن يكونوا على خطأ ويستدركه واحد، فإذا تقرر هذا، فكل من كان غائباً عن مكة يجوز له الاجتهاد فيها إذا تعذر معرفتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 447

وأما من كان بمكة ذكر الشافعي فيه كلاماً مختلفاً، فقال في «الأم»: فكل من كان يقدر على رؤية البيت لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال البيت، لأنه يدرك صواب استقباله بمعاينةٍ.
ثم قال بعد ذلك: ومن كان بمكة لا يرى البيت وأراد المكتوبة لا يحل له أن يدع الاجتهاد في طلب صواب عين الكعبة بالدلائل، فجعل فرضه الاجتهاد وإن كان بمكة وجعل في الأولى فرضه الإحاطة.
وليست المسألة على قولين بل هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: فرضه اليقين إذا كان الحائل دونها حادثاً كالبناء والسترة، ولا يجوز الاجتهاد بل ينتقل إلى حيث يرى البيت ويصلي إليها على اليقين.
والموضع الذي قال: فرضه الاجتهاد إذا كان الحائل دونها من خلقة الأصل كالجبال والتلول ونحوها، فالحاصل من هذا أنه إذا كان بالبعد من مكة ففرضه الاجتهاد، [43 ب/ 2] وإن كان بالقرب منها ينظر، فإن كان الحائل من خلقة الأصل، ففرضه الاجتهاد، هان كان الحائل حادثاً، ففرضه الإحاطة، ومن أصحابنا من قال: إن كان الحائل أصلياً، ففرضه الاجتهاد، لأنه يشق عليه صعود الجبل، ونحوه، وإن كان حادثاً كالأبنية، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأنه لو كثف المشاهدة أدى إلى تكليف سيراً يشق عليه، ولأن بينه وبين البيت حائلاً يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل.
والثاني: لا يجوز، لأن الاجتهاد لم يجز في هذا الموضع قبل حدوثه، فلا يجوز بعد حدوثه وطرآنه.
فرع لو استقبل حجر الكعبة، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «صلي في الحجر، فإنه من البيت».
والثاني، لا يجوز استقباله وحده، وهو الصحيح، لأنه ليس من البيت قطعاً، بل هو منه بغلبة الظن، فلم يجز العدول عن اليقين لأجله.

الجزء: 1 - الصفحة: 448

فرع آخر لو اجتهد فتساوت عنده جهتان مختلفتان على كل واحدة منهما.
أمارات دالة ولم يترجح عنده إحداهما، فيه وجهان: أحدهما: يصلي إلى أي الجهتين شاء.
والثاني: يصلي في إحدى الجهتين ويعيد في الأخرى، وأصل هذين الوجهين اختلافهم في العامي إذا أفتاه فقيهان بجوابين مختلفين، فيه وجهان: أحدهما: يتخير.
والثاني: يأخذ بالأغلظ، والأغلظ ههنا أن يصلي إلى الجهتين.
ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر تعلم دلائل القبلة فرض في الجملة وهل هو على الأعيان أو على الكفاية، وجهان: أحدهما: على الأعيان ليعلم أركان الصلاة.
والثاني: على الكفاية كتعلم دقائق مسائل الفقه.
مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه «إلا في حالين».
الفصل وهذا كما قال: لا يجوز ترك استقبال القبلة إلا في حالين: [44 أ/ 2] إحداهما: حالة الخوف، والثاني: حالة السفر.
فأما الخوف، فضربان: خوف لا يقطع عن استقبالها بل يكون بالمسلمين كثرة، وبالمشركين قلة ويمكنهم أن يفترقوا فرقتين، طائفة وجاه العدو وتصلي الطائفة الأخرى ففرضهم التوجه إلى القبلة لا يجزئهم غير ذلك.
وخف يقطعه عن ذلك، وهو شدة الخوف عند المسايفة والتحام القتال، فيجوز له ترك إستقبالها في الفرض والنفل راكباً كان أو نازلاً.
قال الله تعالى: "فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً" [البقرة: 239] ويسقط عنه في هذه

الجزء: 1 - الصفحة: 449

الحالة ثلاثة أشياء: التوجه إلى القبلة، والقيام، واستيفاء الركوع والسجود، فإن قدر على بعضها دون بعض يلزمه.
وأما السفر: فيجوز لأجله ترك الاستقبال في النافلة فقط دون الفريضة، وإن كانت من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة ولا فرق فيه بين الماشي والراكب.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للماشي ذلك، لأنه عمل كثير، وهذا غلط، لأنه أحد اليسرين، فأشبه سير الراكب، ولأن النوافل كثيرة غير محصورة.
ولا بد من الأسفار وتقع الحاجة إلى الأسفار ماشياً كما تقع راكباً، فلو قلنا: لا يجوز النفل ماشياً أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن أسفارهم ومعايشهم.
قال القفال: وعرفت فضل عبادة الشيخ أبي زيد المروزي، واجتهاده على غيره بأنه كان يعلل في هذه المسألة بأنه يؤدي إلى أن ينقطع الناس عن نوافلهم.
فكان عنده أن النوافل لا بد منها وإن أدى إلى ترك المعاش لها.
والأصل فيما ذكرناه قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك.
وروى جابر رضي الله عنه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي على راحلته في كل جهة» [44 ب/ 2] وروي أنه صلى الله عليه وسلم «كان يوتر على راحلته».
فرع إذا كان ماشياً فأراد صلاة النافلة يلزمه التوجه إلى القبلة في ثلاثة أحوال: منها عند الافتتاح، فيلزمه أن يفتتحها إلى القبلة، ثم يعدل إلى جهة سفره ويقرأ، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع إلى القبلة وسجد على الأرض إلى القبلة متمكناً لأنه لا مشقة في ذلك، لأن زمانه يسير.
نص عليه في «القديم» و «إلإملاء»، وكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير.
فرع آخر إذا سجد إن شاء والى بين السجدتين وإن شاء فرق بينهما وتشهد ماشياً وسلم في

الجزء: 1 - الصفحة: 450

جهة سفره، أي جهة كانت، لأن التشهد يطول زمانه، فهو كالقراءة، والسلام ليس كالتكبير لأن في السلام لا يعتبر التوجه إلى القبلة في غير حالة العذر أيضاً، فإنه يسلم عن يمينه وشماله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستقبل القبلة عندالسلام أيضاً.
وقيل: فيه وجهان، وقيل: هل يلزمه وضع الجبهة على الأرض أم يكفي إدناؤها من الأرض؟ وجهان.
وهذا كله خلاف المذهب المشهور على ما ذكرنا.
فرع آخر لو كان راكباً في كبيسة أو عمارية أو هودج على صفةٍ يمكنه التوجه إلى القبلة، ويتسع الركوع والسجود يلزمه ذلك، لأنها كالسفينة وهذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يلزمه ذلك لأن فيه إضراراً لمركوبه وإدخال مشقة عليه، فصار كراكب السرج.
فرع آخر لو كان راكب السفينة مسيراً لها كالملاح يجوز له أن يصلي إلى غير القبلة في نافلته ويصلي إلى جهة سيره، لأنه يسقط التوجه إلى القبلة عن الماشي فعن هذا أولى، لأنه ينقطع بالتوجه عن السير هو وغيره.
فرع آخر لو كان راكب السفينة لا يسيرها يصلي الفرض والنفل، كما يصلي غير الراكب ولا يختلف الفرض والنفل [45 أ/ 2] في حقه إلا في ترك القيام مع القدرة وعند أبي حنيفة يجوز له ترك القيام في السفينة في الفرض مع القدرة، لأن الغالب أنه يدور رأسه وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يدور رأسه في الحال، وهذا لأنه قادر على القيام والاستقبال من غير مشقة.
فرع آخر لو كان على ظهر دابة ناقة أو فرس أو حمار ونحو ذلك، فإن كان واقفاً فالتوجه عند افتتاحها شرط فإذا عقدها سار في جهة سفره حيث كان.
وإن كان سائراً ننظر، فإن كانت سهلة مطيعة يمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة من غير مشقة يلزمه أن يدير رأسها ويفتتح الصلاة إلى القبلة، وإن كان يشق ذلك لأنه حرون أو مقطر بالآخر لا يلزمه

الجزء: 1 - الصفحة: 451

استقبال القبلة ويفتتح أينما توجهت به مركوبه، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع وسجد يومئ إيماء ويكون سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه السجود على كفه ولا على سرجه، ولو سجد على مقدم رحله أو سرجه جاز، ونحو هذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة عند الركوع والسجود يلزمه، كما قلنا في الماشي، ذكره القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه استقبال القبلة عند الافتتاح؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكرنا.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأن فيه كلفة وإن كان الركوب سهلاً بخلاف الماشي، وهذا أقيس.
والثالث: إن كان وجه دابته إلى القبلة أو إلى طريقه افتتح كما هو وإن كان إلى غير هذين، لا يفتتح إلا إلى القبلة ومنهم من قال: نص الشافعي في مواضع أنه يلزمه ذلك ونص في موضع لا يلزمه فقيل: قولان.
وقيل: على حالين كما ذكرنا وفي هذا نظر، وما تقدم أصح.
فرع آخر لو كان ظهره في طريقه إلى القبلة فركب الدابة مقلوباً وجعل وجهه إلى القبلة، فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه إذا جازت صلاته إلى غير القبلة، فإلى القبلة أولى.
والثاني: لا يجوز [45 ب/ 2]، لأن قبلته طريقه، وهو قد ترك ما جعل طريقاً له.
فرع آخر لو أراد أن يصلي الفريضة قائماً في كنيسة واسعة مستقبل القبلة بأركانها فإن كانت الدابة واقفة جاز، وإن كانت سائرة.
قال أبو حامد: نصّ الشافعي في «الإملاء»: أنه لا يجوز بخلاف السفينة.
والفرق أن البهيمة لها اختيار وتسير بنفسها ولا تكاد تثبت على حالٍ واحد؟، فيؤدي ذلك إلى تغيره عن القبلة في الفريضة، فلا يجوز.
والسفينة كالأرض لا تسير بنفسها، وإنما تسير إلى جهةٍ واحدة لا تختلف فافترقا.
وذكر القاضي أبو الطيب رحمه الله في الإمامة: أنه إذا أمكنه ذلك في كنيسة يقوم

الجزء: 1 - الصفحة: 452

ويركع ويسجد صخت صلاته كما لو صلى على سريرٍ يحمله أربعة.
وهذا إذا كان لها من يسيرها حتى لا تختلف جهة القبلة بلزوم لجامها ولحفظها أو كانت واقفة، وهو القياس عندي.
فرع آخر لو كانت راحلته متوجهة إلى القبلة، ثم تحولت عنها، وهو في الصلاة، فإن كان ذلك الانحراف إلى الطريق لا يضره، وإن كان على غير الطريق، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وإن سها عنه فظن أن طريقه ذلك أو نسي أنه في الصلاة، ثم ذكر رجع ومضى على صلاته ويسجد للسهو نصّ عليه في «الأم».
وهذا يدل على أن من سها في النوافل سجد سجدتي السهو.
وحكي عنه أنه قال في «القديم»: لا يسجد وليس بصحيح.
فرع آخر لو كان ناسياً، ثم علم ثبت، وهو يمكنه أن ينحرف فسدت صلاته ولو غلبته دابته يردها إلى الطريق ويبني على صلاته، ثم قال الشافعي: إن ردها عن قرب لا يسجد للسهو، لأنه لا أثر لذلك القليل، وإن تطاول وتمادى الأمر سجد للسهو.
وقال أصحابنا في مسألة النسيان: يجب أن يفرق بين التطاول وعدمه على قياس هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان ناسياً، وطال الفصل، بطلت صلاته لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، وإن ردها في الحال سجد للسهو [46 أ/ 2]، وان كان مغلوباً فطال بطلت صلاته، وإن قل تبطل ولا يسجد لسهو، لأنه لم يوجد منه فعل.
وهذا خلاف المذهب المنصوص.
فرع آخر الدابة لو مشت على نجاسةٍ لم تؤثر في صلاته، لأنه لا يمكن حفظها منه في حال السير حتى لو تعمد الراكب تسييرها على موضع نجس بطلت صلاته.
فرع آخر إذا ضرب الدابة أو حرك رجله لسيرها فإن كان لحاجةٍ لم يؤثر وإن كان لغير حاجة؛ فإن كان قليلاً لم تبطل، وإن كان كثيراً تبطل.

الجزء: 1 - الصفحة: 453

فرع آخر الشرط فيه أن يكون موضع ركوبه وجميع ما يلاقيه بدنه وثيابه والزمام الذي في يده طاهراً، فلو دمي فم الدابة وتنجس طرف اللجام فحكمه حكم من يصلي وفي يده حبل مشدود في رقبة كلب.
فرع آخر الماشي إذا صلى يلزمه أن يجتنب النجاسة حتى لو (مشى) على موضع نجسٍ بطلت صلاته، لأنه لا يشق عليه الاحتراز منه.
فرع آخر لو عدا في صلاته فإن كان لغرضٍ لم تبطل وإلا بطلت.
فرع آخر لو كان يسير إلى غير جهة القبلة، (فاستفتح) ثم عدل إلى جهة القبلة، وليست بجهة سفره لا يضر الصلاة سواء كان عالماً أو جاهلاً، لأنه إذا جاز لغير القبلة فلأن يجوز إلى القبلة أولى.
فرع آخر لو دخل بلده الذي يقصده فمتى وصل إلى أول عمرانه لا يجوز له أن يصلي على الراحلة، ولكنه ينزل، ويستقبل القبلة، ويبني على صلاته، وكذلك إن كان ماشياً استقبل القبلة ويبني على ما مضى، ولو دخلها وكان مستقبل القبلة.
قال بعض أصحابنا بخراسان: صحت صلاته على الراحلة لكنه يسجد على مقدم الرحل، ولا يجوز بالإيماء.
وعندي أنه لا يجوز أن يصلي سائراً، لأنه في حكم الحاضر في البلد وله أن يصلي واقفاً، ولعل هذا القائل أراد هذا.
فرع آخر لو دخل بلداً لا يريد المقام فيه، وإنما يريد أن يجتاز فيه أو يقيم فيه مقام المسافر دون أربعة أيام له أن يصلي على الراحلة حيث توجهت إلى أن ينزل، [46 ب/ 2] وإذا نزل أو وقف للنزول لا يجوز له أن يصلي إلا مستقبل القبلة.
والأصل في هذا أن ترك الاستقبال في الصلاة على الراحلة إنما يجوز للمسافر السائر، فإن عدما أو أحدهما لم يجز.

الجزء: 1 - الصفحة: 454

فرع آخر لو دخل بلده، ولكنه لا يريد المقام بها مثل إن كان له بسارية أهل ومال، فخرج من بلده قاصداً الاستراباذ، فدخل سارية، قال الشافعي: فإن أراد النزول بها، أو كان بلده لم تجز صلاته إلا مستقبل القبلة، وأراد بالنزول بها المقام.
وقوله: أو كان بلده يدل على أن بدخوله هناك يصير مقيماً.
وفي المسألة قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يصير مقيماً، فعلى هذا لا يلزمه النزول، وله ترك الاستقبال، ذكره القفال.
فرع آخر لو افتتح الصلاة على الراحلة، ثم ترك استقبال القبلة وبنى على ما مضى من صلاته، لأن عمل النزول قليل، ولو أحرم على الأرض، ثم ركب بطلت صلاته، لأنه عمل كثير نصّ عليه الشافعي رحمه الله.
فرع آخر قال في «الأم»: وليس له أن يصلي فائتة، ولا صلاة نذر ولا صلاة طوافٍ ولا صلاة جنازة على الراحلة، وهذا لأن الفائتة والمنذورة فريضتان وصلاة الطواف فريضة في أحد القولين.
وإذا قلنا: تطوع، فإنه يكون حاضراً في حال صلاته أو مسافراً غير عابر في طريق، وصلاة الجنازات من فروض الكفايات وليست بتطوع.
وقال ابن القفال في «التقريب»: يحتمل أن يقال: يجوز إذا لم يتعين، كما قال الشافعي: يجوز أن يصليها، وبتيمم الفريضة وهذا خلاف النص.
وقال أنس رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصلي في جنازة وهو ذاهب إلى خيبر، والقبلة خلف ظهره» ولأنه وإن لم يتعين تقع واجبة، أو هذه صلاة لا تكثر بل تندر فليس في اشتراط الاستقبال فيها مشقة، ويخالف التيمم، لأنها تبع ذلك في الفريضة.
[47 أ/ 2] وقال بعض أصحابنا بخراسان: في ركعتي الطواف وجهان بناء على أنهما واجبتان أم لا، وفيه قولان.
وفي المنذورة قولان: بناء على أن المنذورة هل يسلك بها مسلك

الجزء: 1 - الصفحة: 455

النوافل، أو مسلك ما ورد به الشرع؟ وفيه قولان، وهذا غير صحيح.
فرع آخر قال الشافعي: لو غرقت السفينة وتعلق رجل بلوح وصلى مومياً فإن استقبل بها القبلة لا إعادة وإن مال إلى غير القبلة تلزم الإعادة.
وهذا لأن غير الخائف قد يسقط فرضه بالإيماء.
وهو المريض فجاز أن يسقط ههنا وغير الخائف لا تصح صلاته مع ترك القبلة، فلم يصح ههنا.
مسألة: قال: "وطويل السفر وقصيره سواء".
وقال في «البويطي»: وقد قيل: لا ينتقل أحد على ظهر دابة في سفر إلا سفراً يقصر في مثله الصلاة.
وقال أصحابنا: هذا قول مالك، وإنما أراد به، وليس بقول الشافعي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول آخر، وهو الصحيح، وهذا ليس بمشهور، وهو غلط، لأنه سفر مباح، فأشبه السفر الطويل.
فرع التنفل في الحضر ماشياً لا يجوز ولا يجوز ترك الاستقبال فيها ولا الإيماء بالركوع والسجود فيها.
وقال الإصطخري: يجوز لأنه جوز في السفر لتتصل النوافل، وهذا موجود في الحضر.
وقيل: إذا جوزنا هذا للماشي يجوز للراكب أيضاً، وهذا غلط، لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحضر، ولو فعل لنقل، ولأن المشقة الغالبة والضرورة الداعية توجد في السفر دون الحضر.
ثم إن الشافعي رحمه الله، قال في أثناء هذا الكلام، وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وليس هذا مقصود هذا الباب.
واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على الراحلة».
قال والدي الإمام رحمه الله: هذا الاستدلال منصف.
وذلك أن الوتر كان [47 ب/ 2] واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «كتب علي الوتر، ولم يكتب عليكم»، وفعله على راحلته لم يدل على نفي وجوبه عنه فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، وهذا حسن.
واحتج أيضاً بخبر الأعرابي وتمامه ما روى أبو داود بإسناده عن

الجزء: 1 - الصفحة: 456

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق دخل الجنة وأبيه إن صدق».
وفي هذا الخبر خمسة أدلة: أحدها: أنه قال: خمس صلوات، ولم يقل: ست صلوات.
والثاني: لما قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا.
والثالث: قال: إلا أن تطوع فسمى الزيادة تطوعاً.
والرابع: قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فأقره عليه.
والخامس: قال: أفلح ومدحه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا»، يعني إن فعل ذلك فهو من أهل الجنة.
قال: قال الإمام أبو سليمان رحمه الله قوله: «أفلح وأبيه» كلمة جارية على لسان العرب يريدون بها التوكيد وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن يحلف الرجل بأبيه» فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أنه جرى هذا منه على عادة الكلام الجاري على الألسن ولم يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه.
وقيل: يحتمل الإضمار وتقديره: أفلح ورب أبيه.
مسألة: قال: "ولا يصلي في غير هاتين الحالتين إلا إلى البيت إن كان معايناً".
الفصل وهذا كما قال المعاين للبيت يجب عليه استقباله، ولا يجوز له الصلاة إلى جهته بلا خلاف [48 أ/ 2]، وأما الغائب عن البيت.
قال في «الأم»: يجب عليه إصابة العين وظاهر ما نقل عن المزني أنه يجب عليه طلب جهة القبلة، فمن أصحابنا من قال: هذا قوله، ولا يعرف للشافعي، وهو اختيار أبي حامد.

الجزء: 1 - الصفحة: 457

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان.
ووجه القول الأول ما ذكرنا من الآية والخبر.
ووجه القول الثاني، وهو قول أبي حنيفة: أن إدراك العين مع البعد يتعذر.
ولهذا تجوز صلاة أهل الصف الطويل على مدى خط مستوي، ولا يجوز أن يتوجه منهم إلى الكعبة إلا بقدر الكعبة، ولكن لن يجاب عن هذا بأن أهل الصف الواحد لا يمكن لأحد منهم أن يقطع بأنه يحاذي الكعبة.
وإنما ذلك طريقة الظن فإذا لم يتعين منهم المخطئ لعين الكعبة لم نوجب على أحد منهم القضاء بخلاف هذا.
وقال مالك: من كان في المسجد الحرام ففرضه عين الكعبة ومن كان خارج المسجد في الحرم ففرضه المسجد، ومن كان خارج الحرم من أهل الآفاق ففرضه الحرم، وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قال: "فإن اختلف اجتهاد رجلين: لم يسع أحدهما اتباع صاحبه".
وهذا كما قال: إذا كان رجلان في موضع لا يرى البيت منه فاجتهدا في القبلة فأدى اجتهاد أحدهما إلى جهة واجتهاد الآخر إلى جهة، فعلى كل واحد منهما أن يعمل على اجتهاد نفسه، ولا يجوز لأحدهما أن يقلد صاحبه، وإن كان أعلم منه في الاجتهاد، لأنهما اشتركا في الأدلة الموصلة إلى العلم بالقبلة، فلا يجوز لأحدهما تقليد صاحبه كالعالمين في أحكام الشرع لا يقلد أحدهما صاحبه ولا يسع أحد منهما أن يأتم بالآخر، لأن كل واحد منهما يعتقد أن صاحبه متوجه إلى غير القبلة وأنه غير مصيب فيها، فإن ائتم أحدهما بصاحبه كانت صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم باطلة.
وقال أبو ثور: يجوز أن يأتّم أحدهما بصاحبه ويصلي كل واحد منهما إلى جهة كما يجوز أن يصلي [48 ب/ 2] الناس جماعة حول الكعبة، ويكون إمامهم إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى، وهذا غلط، لأن كل واحد منهما يعتقد أنه في غير صلاة بخلاف ما قاس عليه، فإن كل واحد مصيب هناك، وإن كان الاجتهاد في جهةٍ واحدة، فقال أحدهما: عن اليمين.
وقال الآخر عن الشمال صلى كل واحد منهما على اجتهاد نفسه، فإن أراد الجماعة ليكون أحدهما إمام الآخر.
قال ابن سريج: يجوز.
قال أصحابنا: هذا إذا قلنا: الواجب طلب الجهة، فأما إذا قلنا: الواجب إصابة العين، وهو المذهب، لا يجوز كالاختلاف في الجهتين.

الجزء: 1 - الصفحة: 458

فرع آخر لو اجتهد قوم فاتفق اجتهادهم إلى جهة فاقتدوا بواحد منهم فلما شرعوا في الصلاة تغير اجتهاد بعضهم إلى جهة أخرى انحرفوا في صلاتهم، فإن كانوا مأمومين خرجوا عن الاقتداء وأتموا لأنفسهم، وإن تغير اجتهاد الإمام، فمن وافقه انحرف معه ومن كان على اجتهاده الأول خرج من صلاته وصلى وحده نصّ عليه الشافعي.
مسألة: قال: "فإن كان الغيم وخفيت الدلائل على رجل فهو كالأعمى".
وهذا كما قال: جملته أن الناس ضربان: بصراء وعميان.
فالبصير على ثلاثة أضرب: ضرب يعرف دلائل القبلة وضرب لا يعرفها، وإذا عرف عرف.
وضرب لا يعرفها، وإذا عرف لم يعرف، فإن كان عارفاً ففرضه الاجتهاد على ما ذكرنا ولا فرق فيه بين العالم والعامي.
وأما من لا يعرفها، وإذا عرف يعرف نظر، فإن كان الوقت واسعاً للتعلم والاجتهاد بنفسه، فالحكم فيه كالعالم إذا كان هناك من يعلمه وإن ضاق الوقت ولا يسع للتعليم والاجتهاد فالحكم فيه، وفي العالم إذا خفيت عليه الدلائل بأن حصل في ظلمة أو حبس في موضع يمنع الدلائل أو لم يكن في ظلمة ولا حبس، [49 أ/ 2] ولكن ضاق الوقت عن الاجتهاد، هل له أن يقلد غيره؟.
قال الشافعي: «ههنا فهو كالأعمى» وظاهره أنه يقلد ويقضي.
وقال: ولا يسع بصير خفيت عليه الدلائل بل اتباع غيره بحالٍ.
وظاهره أنه لا يقلد.
واختلف أصحابنا على ثلاثة طرقٍ.
وقال أبو إسحق: لا يجوز له تقليد غيره بحالٍ، لأن معه آلة الاجتهاد، وهي البصر.
وقول الشافعي: هو كالأعمى، أي: في إعادة الصلاة، لأن الأعمى إذا لم يجد بصيراً يقلده في جهة القبلة صلى على حسب الإمكان، ثم يعيد الصلاة إذا وجد من يقلده.
كذلك هنا يصلي على حسب حاله ويعيد إذ بان له الصواب.
وهذا ظاهر المذهب.
وقال ابن سريج: لا يختلف المذهب أن له التقليد إذا ضاق وقت الصلاة، لأنه قال: فهو الأعمى.
والأعمى يقلد فلذلك.
قال: ومن قال: لا يقلد أراد مع اتساع

الجزء: 1 - الصفحة: 459

الوقت، وكان ابن سريج يقلد الملاحين في القبلة في طريق الأهواز.
وقال بعض أصحابنا: المسألة على قولين: أحدهما: وهو اختيار المزني ومذهبه جواز التقليد.
واحتج بأنه لا فرق بين جهل القبلة لعدم العلم وبين من جهلها لعدم البصر كما لا فرق بين من لا يحسن الحروف لعدم البصر وبين من لا يحسبها للجهل بها، أي: كونه أمياً لا يحسن الكتابة، ومن اختار القول الآخر أجاب عن هذا بأنه قادر على التعلم، فلا يضطر إلى التقليد (اضطرار) الأعمى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا بناء على أنه هل يجب تعلم دلائل القبلة على الأعيان؟ وفيه وجهان: أحدهما، له الإعراض عن تعلمها وتقليد من علمها والثاني يلزمه، تعلمها.
وفي هذا نظر.
وأما من لا يعرفها وإذا عرف لم يعرف ففرضه التقليد، كالأعمى، والأعمى لا يجوز له أن يصلي إلى القبلة برأي نفسه بل فرضه التقليد، لأنه ليس معه آلة الاجتهاد.
فرع لو كان إذا عرف يعرف [49 ب/ 2] فأخر التعليم مع القدرة حتى ضاق الوقت عن التعليم قلد غيره وصلى، وهل تلزمه الإعادة؟ يحتمل وجهين بناء على أن معه ماء فأراقه وصلى بالتيمم.
فرع آخر إذا لم يجز له التقليد فله أن يقبل ما يتوصل به إلى الاجتهاد مثل أن يقول له آخر: قد انكشف السحاب فرأيت الشمس في موضع كذا، فيقبل، لأنه يخبر عن يقين.
وكذلك لو خرج من مكة ولم يدر من أي أبوابها خرج، فأخبره رجل أنك عن يمين مكة أو يسارها يقبل منه ويجتهد بنفسه، وهو كالحاكم يقبل رواية الحديث، ثم يجتهد بنفسه، ولا يكون مقلداً في الحكم ولو قال: إذا كانت الشمس ههنا، فالقبلة كذا لا يقبل لأنه اجتهاد.
فرع آخر لو أخبره مخبر عن القبلة عن يقين بإن قال: أدركت آبائي المسلمين يصلون إليها غير أنهم لم ينصبوا محراباً قبل ذلك لا يجوز له الاجتهاد، ولأن الخبر عن قبلة المسلمين

الجزء: 1 - الصفحة: 460

بمنزلة الخبر عما أجمعوا عليه، أو عما تواتر الخبر.
فرع آخر لو دخل بلداً من بلاد المسلمين فرأى محاريبهم لزمه أن يتوجه إليها على ما ذكرنا، ولا يجوز له أن يجتهد في طلب القبلة، ولو دخل بلدة خربت وانتقل أهلها فرأى فيها محاريب منصوبة يلزمه أن يجتهد فيها في طلب القبلة، لأنه يجوز أن تكون تلك المحاريب لأهل الذمة دون المسلمين ولو عرف أنها محاريب المسلمين لا يجوز له الاجتهاد.
قال القفال رحمه الله: ويجوز في البلاد التي بنيت فيها المحاريب أن يجتهد في التيامن والتياسر، لأن الخطأ في ذلك القدر يحتمل ولا يوقف عليه قطعاً ويقيناً.
وقال بعض مشايخنا في قبلة مدينة آمل طبرستان بعضها مبني على الغرب وبعضها مبني على الزوال فلا يصلى إليها إلا بعد الاجتهاد في طلب الأصح منها.
والسلف من علمائنا كانوا يميلون عن قبلة الزوال [50 أ/ 2] قليلاً إلى اليمين وعن قبلة الغرب قليلاً إلى اليسار.
فرع آخر لو أن أعمى شاهد القبلة قبل العمى في المسجد فدخل المسجد ولمسها، يجوز أن يصلي إليها ولو كان للأعمى مسجداً يصلي فيه على الدوام، فدخل فيه وجسّ محرابه بيديه لم يجز أن يصلي إليه حتى يقلد بصيراً يقلده الصواب بخلاف ما لو كان شاهده.
فرع آخر لو صلى باجتهاد نفسه ثم قيل له: إنك صليت إلى القبلة، القبلة لا يجوز لأنه كان شاكاً في حال الصلاة.
وقال داود رحمه الله: له أن يصلي إلى حيث شاء ويسقط عنه فرض القبلة، وهكذا قال في البصير الذي إذا عرف لم ينحرف.
واحتج بقوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:115] وهذا غلط لقوله تعالى: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: 144]، والآية التي ذكرها وردت في التطوع.
فرع آخر لو اجتهد في القبلة فأدى اجتهاده إلى جهةٍ فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته، وإن بان أن التي صلى إليها القبلة، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه

الجزء: 1 - الصفحة: 461

الله: تجوز صلاته، لأن المبتغى هو القبلة، وصلى إليها كما لو شك إنائين فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد ثم بان أنه الطاهر، وهذا غلط، لأنه ترك فرضاً عليه، وهو التوجه إلى ما أدى اجتهاده إليه كما لو ترك النية.
وأما الأواني إن بان له ذلك بعدما دخل في الصلاة لم تجز صلاته وإن كان قبل الدخول في الصلاة يجوز.
والفرق أن الطهارة تمنع قبل وجوبها فإذا عملها قبل وجوبها أجزأته ولم يضره الشك قبل ذلك.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «كل من دل الأعمى على القبلة من رجل أو امرأة أو عبد من المسلمين وكان بصيراً وسعه قبوله إذا صدقه» قال: وتصديقه أن لا يرى أنه يكذب.
قال: "ولا تتبع دلالة مشرك بحالٍ" وهذا لأنه متهم في خبر الدين، وأيضاً إذا لم يقبل قول الفاسق فيه، فالكافر أولى لأنه أسوأ حالاً منه، [50 ب/ 2] وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما حدثكم به أهل الكتاب، فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم».
وذكر أصحابنا أن قول الكافر لا يقبل إلا في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية وكذا الفاسق في ظاهر المذهب، وهذا لأنهما أحسن حالاً في القول من الصبي، ويقبل من الصبي ذلك.
وقيل: المذهب أنه لا يجوز قبوله من الفاسق لأنه لا يتهم في مثل هذا الأمر.
فرع آخر حكى الخضري نصاً عن الشافعي أنه لا يجوز قبول دلالة الصبي، وحكى أبو زيد المروزي نصاً عن الشافعي أنه يجوز قبول قوله، فأخبر الخضري مما حكاه الشيخ أبو زيد، فقال: لا يتهم ذلك الشيخ في الرواية، ولكن وجه الجمع أنه أخبره عن محراب مشاهد قبل إذا كان يعقل عقل مثله، وإن اجتهد به لا يقبل.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجهان، أو قولان، وهكذا في قبول خبر النبي صلى الله عليه وسلم منه وهذا كله خطأ عند أهل العراق من أصحابنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 462

فرع آخر لو صلى بقول بصير ثم أخبره أنه أخطأ، فالبصير آلته، فإن أخبره بالخطأ عن اجتهاد فلا إعادة عليه قولاً واحداً، وإن أخبره عن معاينة، هل تلزمه الإعادة؟ قولان.
فرع آخر لو كان هناك جماعة فدلوه على القبلة، فإن اتفقوا على جهةٍ واحدة عمل عليها، وإن اختلفوا عليها قلد الأعلم والأدين والأور وأيهم قلده أجزأه.
فرع آخر لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده، ثم عمي كان له أن يصلي إلى الجهة التي كان يصلي إليها ولا يلزمه الرجوع إلى التقليد لأن اجتهاده أقوى من اجتهاد غيره، فإن استدار في تلك الصلاة بطلت صلاته، لأنه لا يحسن الرجوع إلى الجهة التي كان عليها ولزمه أن يستأنف الصلاة بالتقليد، وكذلك لو فرغ من تلك الصلاة لا يستأنف غيرها بذلك الاجتهاد الأول.
فرع آخر لو دخل في الصلاة بالتقليد ثم أبصر في الصلاة نظر، فإن بان له [51 أ/ 2] أنه على صواب حين عاد بصره بنى عليها، فإن بان له الخطأ، أو لم يعلم هل هو خطأ أم صواب؟ بطلت صلاته، لأنه لا يسوغ له بالتقليد وهو من أهل الاجتهاد.
فرع آخر لو دخل بقول واحد في الصلاة، فقال له بصير آخر: قد أخطأ بك، نطر، فإن كذب الثاني مضى في صلاته وإن كان الثاني صادقاً نظر، فإن كان عنده كالأول في الصدق مضى في صلاته، وإن كان الثاني أصدق منه عنده صار إلى قوله وانحرف عن تلك الجهة، وهل يستأنف أم يبني نظر، فإن أخبره عن اجتهاد بنى قولاً واحداً وفيه وجه آخر يستأنف، وهو ضعيف، وإن أخبره عن يقين.
قال أبو إسحق رحمه الله: عدل عن قوله بكل حال، وهل يبني أم يستأنف؟ قولان.
بناء على ما لو صلى باجتهاد ثم تعين له نفس الخطأ هل يلزمه إعادتها؟ قولان، وهذه المسألة نقلها المزني بعد مسألة أخرى ولكنا ذكرنا ههنا، لأن هذا موضعها.

الجزء: 1 - الصفحة: 463

فرع آخر لو اجتهد البصير فصلى إلى جهة ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده، هل عليه تجديد الاجتهاد؟ نصّ الشافعي رحمه الله في «الأم»: أنه يلزمه ذلك كما في الحكم والفتوى يلزمه إعادة الاجتهاد في الحادثة الثانية وذكر أبو حامد رحمه الله فيه وجهين: أحدهما: لا يلزمه، لأن اجتهاده قائم لم يتغير، وهذا خلاف النص.
فرع آخر لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده ثم شك هل أخطأ أم لا؟ يجوز له أن ينصرف عن الجهة التي اجتهاده إليها بلا شك.
فرع آخر لو صلى الأعمى بالاجتهاد من البصير أم أخبره بالخطأ غير المجتهد له عن يقين، فإن كان خبراً متواتراً، هل يلزمه الإعادة؟ قولان، وإن كان خبر واحد وقع في نفسه صدقه.
قال أبو إسحق: لا إعادة، لأنه لا يتيقن الخطأ بخبره كما يتيقنه البصير بمشاهدته.
وقال غيره من أصحابنا بل تكون الإعادة على قولين [51 ب/ 2] ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: "ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف".
الفصل وهذا كما قال: اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه أراد بقوله: فصلى، أي: شرع في الصلاة، ثم رأى القبلة يقيناً إلى الغرب استأنف وهو ظاهر تعليله فإنه قال: لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى تعين صواب جهتها.
والثاني: أن يكون المراد بقوله: فصلى، أي: فرغ من الصلاة، ثم رأى، أي:

الجزء: 1 - الصفحة: 464

علم يقيناً القبلة إلى الغرب استأنف، أي: أعاد هذه الصلاة، ومعنى أن الاجتهاد ينقض بوجود النص، ويرجع منه إليه، وجملة الكلام فيه أنه إذا اجتهد في القبلة فأخطأ، لا يخلو إما أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها أو بعد الفراغ منها، فإن كان قبل الدخول عدل عن الاجتهاد الأول إلى الثاني سواء بان له الخطأ اجتهاداً أو يقيناً أو تيامناً أو تياسراً، وإن كان بعد الدخول في الصلاة لا يخلو إما أن يتبين له الخطأ بالاجتهاد أو باليقين، فإن كان بالاجتهاد نظر، فإن كانت الجهة واحدة وغلب على ظنه الآن أنه منحرف عن سمت القبلة إما تيامناً أو تياسراً انحرف إليها ويعتد بما مضى قولاً واحداً؛ لأن ذلك لا يقع عن يقين وإنما يقع عن ظن لأن الجهة الواحدة لا تتبين منها الكعبة يقيناً.
ومن أصحابنا من قال: تبطل صلاته ويلزمه أن يستأنفها بالاجتهاد الثاني، لأن الصلاة الواحدة لا يجوز أداءها باجتهادين مختلفين كالحكم الواحد لا تجوز باجتهادين مختلفين، وهذا غلط بخلاف النص وذلك أنه لا يجوز إبطال ما فعله بالاجتهاد باجتهاد آخر، ولا يمنع ما ذكر هذا القائل، لأن المستأنف يصلي إلى جهة، فإذا زال الخوف أتمها إلى القبلة ويخالف الحكم، لأنه لا يمكن فيه، ولأن كل ركن من أركان الصلاة بمنزلة الحكم [52 أ/ 2] المنفرد، لأن الحكم لا يمكن فصل بعضه عن بعض، لأنه شيء واحد، والصلاة إذا أتى بعضها مع الأركان فقد أتى بما يسمى صلاة فلا يجوز إبطالها بهذا لئلا يؤدي إلى ما ذكرنا، فوزان الحكم من الصلاة أن يقول: الله ولم يتم التكبير حتى تغير اجتهاده يلزمه ترك الاجتهاد الأول، والابتداء بالتكبير ثانياً، وإن كانت جهتان مختلفتان مثل أن يصلي إلى الغرب ثم بان أنها إلى الشرق (بالاجتهاد)، وعدل عن الأول، وهل يبني أم يستأنف المذهب أنه القبلة الثانية التي ذكرناها.
ومن أصحابنا من قال: يستأنفها لأنه لو بنى تيقن أنه ترك القبلة في بعض هذه الحالة، وقال أبو حامد: فيه وجهان، وهو غلط، وقيل: ههنا تفصيل فإن كان حين بان له الخطأ بان له جهة القبلة تحول إليها، وإن احتاج إلى اجتهاد بطلت صلاته لأن استدار الصلاة إلى غير قبلة، وإن بان يقيناً نظر فإن كانت الجهة واحدة بالتيامن والتياسر انحرف ما لم يتفاحش انحرفه حتى يقارب الجهتين وتحريه، لأنه لا يعرف ذلك إلا اجتهاداً حتى لو كان بمكة لا يجوز الانحراف في الصلاة، وإن كانت الجهة أبين فيه قولان: أحدهما: يبني.

الجزء: 1 - الصفحة: 465

والثاني: استئنافها.
وقال القفال: هذا مبني على الحكم بعد الفراغ من الصلاة، فإن قلنا: هناك يعيد الصلاة، فههنا أولى أن يستأنف، وإن قلنا: هناك لا يعيد فههنا وجهان.
والفرق أن الصلاة بعد الفراغ منها كالقضية المبرومة، وقبل الفراغ منها كالقضية غير المبرومة.
ومن أصحابنا من قال: الجهة إن كانت واحدة فقد يعلم الخطأ يقيناً أنه في بعض جهة الكعبة دون بعض فيلزمه العود إليه، ثم إن قلنا فرضه استقبال الجهة دون العين بنى، وإن قلنا: فرضه إصابة العين، هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
وإن كان معه أعمى يصلي باجتهادٍ فكلما يجب عليه من الانحراف أو الاستئناف [52 ب/ 2] يجب على الأعمى، فيعرفه ذلك، لأنه تابعه، وهو دليله، وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يخلو إما أن يتبين الخطأ اجتهاداً أو يقيناً، فإن بان اجتهاداً لا يلزمه إعادة الصلاة، ويصلي ثانياً إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها ثانياً، وصورته أن يغلب على ظنه أن القبلة في هذه الجهة الأخرى إلا أن يستوي الجوازان، وكذلك ثالثاً ورابعاً حتى لو صلى إلى الجهات الأربع على هذا أجزأه لأنه لا يجوز نقض الاجتهاد باجتهاد مثله كما في الحكم.
وقال أبو إسحق الإسفرايني في هذه المسألة يلزمه إعادة كلها كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، وإن بان ذلك يقيناً، فهل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان: أحدهما: يلزمه.
نصّ عليه في كتاب استقبال القبلة في «الجديد».
والثاني: لا يلزمه.
نص عليه في «القديم» في كتاب الصيام والطهارة من «الأم».
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله، وهو اختيار المزني رحمه الله.
وجه القول الأول أنه الخطأ فيما يأمن قوله في القضاء، فيلزمه الإعادة كالحكم إذا تيقن الخطأ والمصلي بمكة.
ووجه القول الثاني ما روي عن عامر بن ربيعة، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا يصلي وبين يديه أحجار فلما أصبحنا إذا نحن إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:11].
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه كان في صلاة التطوع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ومثل هذه المسألة: إذا صلى ثم بان أنه كان

الجزء: 1 - الصفحة: 466

على بدنه أو ثوبه نجاسة لم يعلمها أو نسي الفاتحة، هل يلزمه الإعادة؟ قولان.
وكذلك المحبوس في المطمورة، ولو اجتهد في صوم رمضان، ثم بان أنه صام شعبان، فيه قولان، وكذلك لو دفع الزكاة بالغلط إلى غني، هل تحسب؟ قولان، وأصلهما في المجتهد، [53 أ/ 2] هل يقال: كل مجتهد مصيب أم الحق في واحد من القولين؟.
واختلف أصحابنا في محل القولين، فمنهم من قال: هذا إذا أبان له الخطأ، وبان له يقين الصواب، فأما إذا بان له الخطأ دون تيقن الصواب فلا قضاء عليه، هذا مفهوم نصه، وفيه وجه مخرج عليه القضاء.
ذكره الإمام الجويني رحمه الله، ومنهم من قال: القولان إذا بان له يقين الخطأ دون يقين الصواب، فأما إذا بان له اليقينان، فقول واحد يلزمه القضاء، ومنهم من قال: في الكل قولان، وبه قال أهل العراق من أصحابنا.
وقال القفال: معنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير أم كلف التوجه إلى القبلة؟ وفيه قولان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى كلام المزني رحمه الله.
اختار المزني أن لا يلزمه الإعادة، وأورد فصولاً مختلطة، فحكى أولاً عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قطع بهذا القول في موضعين: أحدهما: في كتاب الصيام.
والثاني: في كتاب الطهارة.
وأما ما حكي عن كتاب الصيام قال: قال الشافعي رحمه الله فيمن اجتهد ثم علم أنه أخطأ يجزه، واحتج به لو تآخى القبلة ثم علم بعد كمال الصلاة أنه أخطأ أجزأت عنه كما يجزيء ذلك في خطأ عرفة، وأراد به أن الأسير إذا أشكل عليه دخول شهر رمضان واجتهد وصام شهراً، ثم علم أنه أخطأ وصام شهراً بعده يجوز، واحتج على جواز صومه هذا وإن أخطأ في وقته بجواز صلاته إذا علم أنه أخطأ في القبلة، واحتج على جواز صلاته وإن أخطأ فيها جهة القبلة، يجوز وقوله بعرفة إذا علم أنه أخطأ يوم عرفة، فكان المزني يقول: هذا النص من الشافعي يقطع بجواز صلاة من أخطأ فيها جهة القبلة كما هو في خطأ عرفة.
وأما ما حكي عن كتاب الطهارة، وهو قوله: (واحتج أيضاً في كتاب الطهارة بهذا المعنى، فقال: إذا تأخى في أحد الإناءين أنه طاهر والآخر نجس وصلى)، أي: فصلى بوضوءه بما تأخى أنه طاهر، ثم أراد أن يتوضأ [53 ب/ 2] ثانية.
الأغلب عنده أن

الجزء: 1 - الصفحة: 467

الذي ترك هو الطاهر لم يتوضأ بواحد منهما، ويتمم ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء مستيقناً.
وفي بعض النسخ: لأن معه ماء مستيقناً، أي: متيقن الطهارة، ثّم فرق بين هذا وبين الخطأ في القبلة، وهو مقصود المزني من حكاية هذا النص، فقال: وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم رآها في غيره، أي: ليس عليه إعادة ما أخطأ فيها، وعلل فقال: لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، فلا يلزمه الإعادة لهذه العلة، ثم اختلف أصحابنا في المراد بهذه العلة، فقال: المراد به ما من ناحية من النواحي إلا وهي قبلة لقوم في بعض الأحوال لبعض الأعذار، وهو في السفر والخوف، فكذلك هذا المخطئ معذور، فلا يلزمه الإعادة، وقيل: أراد إلا وهي قبلة لقوم من أهل الآفاق.
وذلك أن أهل الشرق يستقبلون الغرب، وأهل الغرب يستقبلون الشرق وأهل يمين القبلة يستقبلون يسارها.
وأهل يسارها يستقبلون يمينها، فلم يخرج هذا المخطئ في اجتهاده عن قبلة قوم في الجملة، وهذا معنى قول عمر رحمه الله «ما بين المشرق والمغرب قبلة».
ثم علل المزني رحمه الله هذا للقولين، فقال: لأنه أدى ما كلف، أي: إنما كلف أداء الصلاة حيث أدى اجتهاده إليها وقد أداها كما كلف.
قال: ولم يجعل عليه إصابة العين، أي: لم يجعل الشافعي على هذا المجتهد إصابة عين القبلة للعجز عنها في حال الصلاة، فلا يلزمه ما عجز عنها.
والجواب عن هذا هو أن نقول في أول الفصل: إن كان احتجاجك بأن الشافعي رحمه الله لم يوجب الإعادة في مسألة القبلة، فإنما أجاب بأحد القولين، فلا يكون فيه دليل على بطلان القول الآخر، وإن كنت تقيس على الخطأ في الصوم في عرفة، فالفرق ظاهر، وهو أنه قد يفطر الرجل بعذر ويقضي بعذر ما في رمضان [54 أ/ 2] فصوم رمضان يجوز في شوال مع العلم الأمن إلى غير القبلة مع العلم.
وأيضاً لو أوجبنا الإعادة هناك لأعاده بعد رمضان أيضاً، فلا فائدة فيه.
وههنا يعيد مستقبل القبلة.
وأما خطأ عرفة، قلنا: ذاك غلط لخلق عظيم، وفي إعادته مشقة عظيمة بخلاف هذا، وأيضاً ذلك الخطأ في الوقت، وأجمعنا على أن الخطأ في الوقت لا يعذر منها

الجزء: 1 - الصفحة: 468

بل هذا غلط في المكان، ولو غلط في المكان بعرفة لم يجز، وأيضاً لا نأمن ذلك في القضاء إذ كل عام يتوهم مثله، وههنا لا يأمن الخطأ في القضاء.
وأما الثاني فكما أجاب بأحد القولين، فلا حجة فيه، واحتج بفصل آخر، فقال: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلي في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود وستر إن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عرياناً، فإذا قدر من بعد لم يعد، فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة كان عنه أسقط.
وقوله دون ما قدم عليه من الإيماء عريان.
يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به أن العريان إذا لم يجد السترة لعورته صلى قاعداً بالإيماء، ولا يرفع مقعدته عن الأرض في السجود، لأن ذلك أستر له، وهو قادر على صلاته بالإيماء الذي هو أستر لعورته، فلا يسقط عنه ذلك، وهو أحد قولي الشافعي، وفيه قول آخر: يصلي كما يصلي المكتسي وكأن الأول اختيار المزني، ويحتمل أن يكون المراد به الاستثناء للتخصيص بالإعادة دون من عجز عن الركوع والسجود فيكون على هذا في النظم تقديم وتأخير فكأنه يقول: فرض الله كله ساقط عنه، فإذا قدر من بعد لم يعد ما قدر عليه من الإيماء عرياناً، فإنه يعيد عند وجود الثوب، وهذا لأنه ترك القيام مع القدرة عليه، وإنما يسقط عند الفرض بالعجز عنه في حال الصلاة، وعلى المعنى الأول لا يلزمه الإعادة.
والجواب عن هذا أن ذاك عجز، وهذا خطأ [54 ب/ 2] في الاجتهاد والأصول مفرقة بينهما، ألا ترى أن صلاة المستحاضة جائزة، ثم لو تحرى فصلى بالوضوء بماء نجس، ثم علم يلزمه الإعادة، فلذلك تقديم الصلاة على الوقت بعد الجمع يجوز، والخطأ فيه ليس بعذر.
واحتج بفصل آخر، وهو قصة أهل قباء، فقال: وقد حولت القبلة وقد صلى أهل قباء ركعة إلى غير قبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد تيقنهم أنهم صلوا إلى غير قبلة.
ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه وهو قوله: ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضاً لما أجزأهم خلافه للجهل كما لا يجوز بغير ماء طاهر للجهل، ثم علم لا يجوز.
والجواب، أن أهل قباء لم يكونوا على خطأ بل كان شرعهم ذلك الأول ما لم

الجزء: 1 - الصفحة: 469

يبلغهم النسخ كما أن الذين لم تبلغهم الدعوة إذا كانوا متمسكين بدين عيسى عليه السلام مثلاً حكمهم حكم المسلمين، وهم معذورون وعفي عنهم قبل بلوغهم الدعوة.
كذلك ههنا، ومن أصحابنا من قال: يتوجه حكم النسخ على الجميع وإن لم يعلم بعضهم، فعلى هذا الفرق بين أهل قباء وغيرهم أنهم صلوا بالنص على اليقين الأول، فلا تلزم الإعادة لأنهم لو أرادوا الاجتهاد قبل علمهم (بالنسخ) لم يكن لهم بخلاف الخاطئ في القبلة، لأنه دخلها باجتهاد لا بنصٍ وعن ظنٍ لا بيقين.
ثم إن المزني رحمه الله بعدما فرغ من الاحتجاج قاس على هذا الأصل كان من أمر بالصلاة في حال العجز على لا تلزمه الإعادة إذا قدر، فقال: ودخل في قياس هذا الباب أن من عجز عما عليه من نقص الصلاة يريد القيام والركوع والسجود أو ما أمر به فيها يريد القراءة: والتشهد والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم أولها يريد الطهارة واستقبال القبلة، والسر أن ذلك ساقط لا يعيد إذا قدر.
ثم قال: وهو أولى بأحد قوله من قوله فيمن صلى في ظلمةٍ أو خفيت عليه الدلائل، [55 أ/2] أو به دم لا يجد ماء يغسله إلى آخر الفصل وقد مضى بيان ذلك في كتاب الطهارة.
والجواب عنه، وقول المزني ففهم أراد به الشافعي، وإذا قال: فافهموه يريد أصحاب الشافعي.
فرع قال أصحابنا: يكره أن يصلي وبين يديه رجل يستقبله وجهه، لما روي أن عمر رضي الله عنه «رأى رجلاً يصلي ورجل جالسٌ بين يديه يستقبله فضربهما بالدرة».
مسألة: قال: "ولو دخل غلام في صلاة فلم يكملها، أو صوم يوم فلم يكمله حتى استكمل خمس عشرة سنة أحببت أن يتم ولا يعيد ولا يتبين أن عليه إعادة".
الفصل إلى آخر الباب وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من مسائل استقبال القبلة.
وجملته أنه إذا دخل الصبي في صلاة الوقت فلم يكملها حتى استكمل خمس عشرة سنة، فاختلف أصحابنا قال أبو إسحق وغيره: يجب عليه أن يتمها، ويستحب له أن يعيدها، ولا يجب،

الجزء: 1 - الصفحة: 470

وذلك وإن كان الوقت باقياً، وهذا هو المذهب الصحيح.
وقوله: أحببت أن يتم ويعيد اختصار من المزني.
والشافعي رحمه الله قال: أتم وأحببت أن يعيد ومعنى ما نقل يستحب الجمع بين الإتمام والإعادة، فأما الإتمام بانفراده واجب بكل حالٍ، وإنما استحببنا ذلك لشروعه فيها قبل الخطاب، ويتفرع على هذا الصبي إذا صلى في أول الوقت وفرغ منها، ثم بلغ في آخر الوقت لا يلزمه الإعادة.
وهذا ينافي الحقيقة على أصله أنه ليس للصبي صلاة شرعية، وعندنا له صلاة شرعية ويجوز أن يصلى خلفه الفرض والنفل.
وقال مالك رحمه الله مثل قوله، وهو رواية عن أحمد رحمه الله، واحتجوا بأنها تقع نافلة، فلا تجزي عن الفرض.
قلنا: الصبي كان مأموراً بأداء الصلوات المشروعة في وقتها، ويطالب بأن ولو صلى بغير نية صلاة الوقت لم يسقط الأمر له بذلك، وإذا كان مأموراً بالصلاة بنية الوقت [55 ب/ 2] ينبغي أن يسقط عنه الفرض، وليس كسائر النوافل لأنها لا تؤدى بنية صلاة الوقت بخلاف هذه، ولأن من قدم العصر فصلاها في وقت الظهر جمعاً لا يمكن وصفها بالوجوب ويجزئه عن الفرض.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي رضي الله عنه إذا فرغ من الصلاة ولم يبق من وقتها ما يفعلها فيه، فأما إذا بقي قدر ما يفعلها فيه تلزمه الإعادة.
وقال الاصطخري والمزني: لا نعرف هذا القول للشافعي، ولو كان هذا على ما ذكره هذا القائل لوجبت أن يلزمه الإعادة، وان لم يبق من الوقت ما يفعل فيه هذه الصلاة، لأن الشافعي يوجب الصلاة على المعذور بإدراك ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين.
وحكي عن ابن سريج: يتمها استحباباً ويعيدها واجباً، وكذلك إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره يعيدها واجباً.
وذكر أبو حامد أنه رجع عنه إلى قول أبي إسحق في كتاب الانتصار.
وهذا والذي قبله خلاف نصّ الشافعي، وقيل هل تلزمه الإعادة؟ قولان، لأن الشافعي قال: ولا يتبين أن عليه إعادة، وهذا تعليق القول.
وقيل: القولان بناء على أنه إذا نوى الظهر ولم يقيد بالفرضية، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غلط، لأن اللفظ يدل على أن وجوب الإعادة لم يبق عنده، ولا يدل على أن سقوط الإعادة لم يبق عنده، فمن المحال إحالة القولين على هذا اللفظ، وأما إذا بلغ الصبي في الصوم خرج ابن سريج رحمه الله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يتمه واجباً ويعيده استحباباً، وهو اختيار أبي إسحق.
والثاني، يتمه استحباباً ويعيده استحباباً، لأنه لم يدرك وقتاً يمكنه إيقاع الصوم فيه،

الجزء: 1 - الصفحة: 471

فلم يلزمه، ولو أصبح مفطراً، ثم بلغ في ذلك اليوم له أن يأكل بقية نهاره قولاً واحداً، وهل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ وجهان: أحدهما: يلزمه، وهو الأصح لأنه أدرك جزءاً من وقت الصوم [56 أ/ 2] كما لو أدرك جزءاً من وقت الصلاة.
والثاني: خرجه ابن سريج: لا يلزمه لأنه مدرك وقت الإمكان لأن بقية النهار لا يمكن إيقاع جميع الصوم فيها.
وبنى الباقي عليه بخلاف الصلاة.
واختار المزني رحمه الله أنه يلزمه قضاء الصلاة دون قضاء الصوم.
واحتج بأنه لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخرها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب يبتدئ العصر من أولها ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتدئ صومه من أوله فيعيد الصلاة لإمكان القدرة، ولا يعيد الصوم لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكليف مع العجز.
والمزني ألحق هذه المسألة بهذا الباب لهذه النكتة التي أشار إليها، وهي أنه لا تكليف مع العجز فتكون هذه المسألة نظراً للمسائل التي كان تكلم فيها قبل ذلك ومعنى هذا الكلام أن الصوم يستغرق الوقت، فبإدراك بعض الوقت لا يحصل الإمكان بخلاف الصلاة، فمن أصحابنا من قال: في عبارته خلل كان ينبغي أن يقول لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن الأول فات ههنا دون الآخر.
وقيل: أراد المزني هذا، ووقع الغلط في الخط.
وقيل: ما قاله صحيح أيضاً، لأن قصده ما ذكرنا أن الصوم يستغرق الوقت بخلاف الصلاة فسواء ما قال في أوله أو قال في آخره، فيصح ذلك.
والجواب عن هذا أن يقول: وإن كان يمكنه إعادة الصلاة إلا أنه لم يؤمر بها، لأنه أدى وظيفة الوقت قبل البلوغ وسقطت العقوبة عنه بالضرب بأدائها فهو كعبدٍ صلى يوم الجمعة الظهر ثم عتق وأدرك الجمعة لا يلزمه إعادتها، فكذلك هذا، وأيضاً الاعتبار بالإمكان لأنه قد يدرك تحريمه، أو ركعة من آخر الوقت، فتلزمه الصلاة، وإن لم يحصل الإمكان في الوقت فدلّ أن المعنى ليس ما ذكرتم بل المعنى أنه إذا أسرع في العبادة على الصحة يجوز [56 ب/ 2]، أن يتمها واجباً، وفي أولها لم يكن الشروع واجباً كما لو نذر صوم يوم بعد الشروع فيه يكون مقطوعاً في أوله ويجب الإتمام في آخره، كذلك ههنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 472

فرع قال ابن الحداد: لو أن صبياً صلى الظهر، ثم بلغ وأدرك الجمعة عليه حضور الجمعة وإن صلى العبد الظهر ثم عتق، أو المسافر ثم أقام لا يلزمهما حضور الجمعة.
والفرق أنهما كانا من أهل الفرض، فأديا الفرض والصبي لم يؤد الفرض، فإذا أدرك الجمعة تلزمه.
قال أصحابنا: هذا التعليل أخذه من كتب أبي حنيفة رحمه الله وعندنا لا تلزمه الجمعة إذ لو لزم ذلك لزمه في سائر الأيام إذا صلى، ثم بلغ في الوقت إعادة الصلاة، وليس ذلك كذلك.
تم الجزء الأول بتقسيم المحقق ويليه الجزء الثاني وأوله: «باب صفة الصلاة»

الجزء: 1 - الصفحة: 473

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي

تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ

تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثاني يحتوي على الكتب التالية: تتمة الصلاة - الجمعة - صلاة الخوف - صلاة العيدين - الجنائز

دار الكتاب العلمية Dar Al-Kotob Al-ilmiayh DKI أسسها محمد حلمي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان Est.
by Mohammad Ali Baydoun 1971 Befaut- Lebanon Etablic par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - liban

الجزء: 2 - الصفحة: 1

  • الكتاب: بحر المذهب ... Title: BAHR AL - MADHAB
  • المؤلف: الإمام أبو المحاسن الروياني Author: Imàm Abu al-Mahàsin al-R?yàni
  • المحقق: طارق فتحي السيد ... Editor: Tariq Fathi al-Sayyid
  • الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ... Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiayh
  • الطبعة: الأولى ... Edition: 1 st ...

الجزء: 2 - الصفحة: 2

بسم الله الرحمن الرحيم

باب صفة الصلاة

مَسْأَلُة: قال: (وإذا أحرم إمامًا، أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده).
وهذا كما قال: لا تصح الصلاة إلا بنية.
والأصل فيها ما تقدم من الآية والخبر، فإذا ثبت ذلك، فإن الكلام فيها في ثلاثة فصول في محّلها وكيفيتها ووقتها.
فأما محّلها فالقلب، فإن نوى بقلبه ونطَق بلسانه، فهو الكمال، وهذا إذا نطق قبل التكبير، ثم كبرّ ناويًا، وإن نطق بلسانه بهما، ولم ينِو بقلبه لم يعتد بهما، وإن نوى بقلبه، ولم ينطق بلسانه أجزأته.
ومن أصحابنا من سها، فقال: لا تجزئه حتى ينطق بلسانه، لأن الشافعي رحمه الله، قال في كتاب الحج: (وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة، وليس كالصلاة التي لا تصحّ إلا بالنطق)، وهذا غلٌط، لأن الشافعي قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا بدّ مع النية في الحج من التلبية أو سوق الهدي حتى ينعقد، وأراد بالنطق في الصلاة التكبير لا التلفظ بالنية.
وأما كيفية النية، قال في (الأم): وكان على المصّلي في كل صلاٍة واجبة أن يصّليها وينويها بعينها فأوجب تعيين النّية [57 أ/ 2].
واختلف أصحابنا في ذلك، فقال أبو إسحق رحمه الله: عليه أن ينوي ثلاثة أشياء: الفعل والتعيين والفرض.
فالفعل أصلي، والتعيين قوله: الظهر أو العصر، والفرض قوله: فرض، قال ابن أبي هريرة رحمه الله: يكفيه أن ينوي الفعل والتعيين، فينوي صلاة الظهر، ولا يحتاج إلى نية الفرض، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فريضة فاستغنى عن نية الفرض.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، ولأن الصبي إذا صلّى بنية صلاة الوقت، ثم بلغ أجزأه، وإن لم يكن نوى الفريضة.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن من أعاد الصلاة في جماعة ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، وكذلك الصبي مأمور بأن يصّلي ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، والأشهر قول أبي إسحق، ولكن قول ابن أبي هريرة أصح في القياس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتاج أن ينوي فرض الوقت ليتميز عن القضاء، ولم يذكره أهل العراق، أو يقول: أؤدي صلاة الظهر فريضة، وقيل: يحتاج أن ينوي لله

الجزء: 2 - الصفحة: 3

تعالى، وهو ضعيف، وهذا لإظهار الإخلاص.
والمذهب أنه يستحب ذلك، لأنها لا تكون إلا لله تعالى.
فَرْعٌ لو قال: نويت أداء فرض الظهر، ولم يقل: فريضة صلاة الظهر، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الظهر اسم الوقت لا العبادة.
والثاني: يجوز لأن الظهر في الُعرف اسم الصلاة والمفهوم عند الإطلاق اسم العبادة لا الوقت.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: نية الأداء مأمور بها في ظاهر المذهب لأن الصلاة تنقسم إلى قضاء وأداء وعلى هذا لو قال: نويت أن أصلي فريضة صلاة الوقت، ولم يقيد بالأداء لا يجوز، والتقييد بفرض الوقت لا يقوم مقامه، لأنه يتصور صلاة في الوقت وتكون قضاء، وهو إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم أراد أن يصّلي ثانيًا، فهو قضاٌء [57 ب/ 2]، ويظهر لمسألتين: أحديهما: مقيٌم شرع فيها ثم أفسدها، ثم سافر لا يقصرها.
والثانية، مسافٌر نوى الإتمام، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لا يجوز له القصر فلو لم يكن قضاء لا يلزمه الإتمام، لأن القصر جاز للمسافر بلا خلاف.
فَرْعٌ آخرُ لو قال: على ما ذكرنا أقضي صلاة فريضة الوقت، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن بين القضاء والأداء اختلافًا في الحكم، فإن لم يكن في الفعل فلا بدّ من التمييز.
وظاهر نصّ الشافعي: يجوز لأن القضاء يعّبر عنه بالأداء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: 10] الآية، أراد: أديت.
وقيل: العبارات على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يكفي فيه نية الفعل فقط، وهو الحّج والعمرة والطهارة.
والثاني: ما يكفي فيه الفعل والفرض من غير تعيين، وهو الزكاة والكفارة.
والثالث: ما يفتقر إلى نية الفعل والفرض والتعيين، وهو الصلاة ونحوها، وبماذا يحصل بأدائها بهذه الثلاثة؟.
قال أبو إسحق: بأن ينوي ثلاثة أشياء.
وقال ابن أبي هريرة: يحصل بأن ينوي شيئين.
وأما نية استقبال القبلة لا يشترط بل إذا علم قبل التكبير أنه مستقل القبلة كفاه، ولا يجوز أن يعتقد أنه غير مستقبل لها.
وقيل: نية الاستقبال شرٌط، وليس بشيء، ونية أعداد الركعات لا يشترط.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: تستحبّ.
وفيه نظٌر.
وأما في الفائتة.
قال بعض أصحابنا: يحتاج أن ينوي أربعة أشياء: الفعل، والفرض، والتعيين، والفوات ليتميز من

الجزء: 2 - الصفحة: 4

الأداء.
نصّ عليه في (الأم)، وهذا اختيار أبي حامد.
وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نصّ الشافعي؛ لأنه قال: ولو صلّى في يوم غيم ثّم بان أنه صلّى بعد الوقت أجزأه، وإن لم يكن نوى الفائتة.
وهذا قال في الأسير: إذا تحرى صوم رمضان فبان أنه صام شوالًا أجزأه، ولم ينِو القضاء، وكذلك لو اعتقد [58 أ/ 2] أن وقت الصلاة فات فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت ما فات أجزأه فبان أن نية القضاء والأداء لا تجب.
ويمكن أن يجاب عن هذا فنقول: ههنا نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم، فكيف وقعت أجزأته سواًء وقعت أداًء؛ أو قضاًء، لأنه غير وقت وجوبها وجرى مجرى من نوى صلاة أمس تجزئه، وإن لم ينِو القضاء، وإنما يتصور الخلاف فيمن كانت عليه فائتة الظهر، فصلّى في وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة تقع بحكم الوقت، فإن نسي أنه صلاها، فصلّى ثانيًا ينوي صلاة الظهر الفريضة على ما ذكره أبو حاحد لا تجزئه عن القضاء، وتقع نافلًة وعلى ما قاله القاضي تجزيه، ويلزمه أن يقول فيمن صلّى الظهر قبل الوقت معتقدًا أن الوقت قد دخل ولم يكن قد دخل أنها ُتجزئه عن فائتة الظهر.
وفي هذا نظٌر، لأنه إذا اعتقد دخول الوقت فقد عين ظهر ذلك اليوم، فلا يلزمه هذا.
وأما من صلّى في غير وقت الظهر ونوى الظهر الفريضة، وهو عالم بالوقت، فلا بدّ أن يكون عالمًا بسبب الوجوب، وهو فوات الظهر في وقتها فقد تضمنت نيته القضاء ومثل ما صورناه في الصلاة لا يتصور في الصوم، لأنه لا يقضيه إلا في غير زمانه، فإذا نواه عن رمضان فقد تضمن نية القضاء، ووجه قول أبي حامد أنه لم ينِو بهذه الصلاة الظهر التي تركها، فلا تجزئه كما لو لم ينو الظهر.
ووجه القول الآخر أنه أتي في قضائها ما كان لزمه في الأداء فأجزأه، كسائر الأفعال ذكره صاحب (الشامل)، وما قاله القاضي أصح عندي، وإن كان يصّلي جماعة فنية الإقتداء شرط ليحوز فضيلة الجماعة، وكذلك نية الإمامة شرط إن أراد حيازة فضيلة الجماعة.
فَرْعٌ إذا لم ينِو الجماعة هل تصح صلاته منفردًا؟ فيه وجهان! [58 ب/ 2] أحدهما: يصحّ لأنه أتى بجميع أركانها.
والثاني: لا يصحّ لأنه ينتظر في أركانها من ليس بإماٍم له فيبطلها.
فَرْعٌ آخرُ إذا لم ينِو الإمامة، هل تكون صلاته جماعة؟ وجهان: أحدهما: لا تكون.
والثاني: تكون، لأن سبب الفضيلة اجتماع القوم على العبادة، ولهذا تزداد الفضيلة بزيادة الجماعة، وإن لم يكن للإمام ولا لأحد المأمومين قصد فيه تظهر فائدته إذا لم ينِو الإمامة في صلاة الجمعة، فإن قلنا: صلاته جماعة تصحّ جمعته، وإن قلنا: صلاته انفراد لا تصحّ جمعته.

الجزء: 2 - الصفحة: 5

فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يشترط في الجمعة شرطان زائدان نية الاقتداء وتقييد النية بما يتميز عن الظهر الذي هو فرض الوقت في سائر الأيام بأن يقول: أصّلي صلاة الجمعة فرض الوقت، أو يقول: الصلاة المفروضة ركعتين، ونية القصر عند الافتتاح شرٌط ليجوز له القصر.
وأما صلاة النافلة، فعلى ضربين: مقيدة وغير مقيدة، فالمقيدة كصلاة العيدين والخسوف والكسوف، وصلاة الاستسقاء وقيام رمضان والوتر وركعتي الفجر، فهذه الصلوات لا تقع إلا بنيتها، فيلزمه أن ينوي الفعل، والتقييد.
وأما غير المقيدة مثل صلاة الليل وسائر النوافل يكفيه أن ينوي الفعل فقط.
ومن أصحابنا من قال في النوافل الراتبة في الصلوات الخمس يلزم التقييد، وهذا َاقَيُس عندي وليس بمشهور.
ومن أصحابنا من قال: في جمع النوافل المرتبة مع الفرائض سوى ركعتي الفجر يكفيه نية الفعل، لأن فعلها قبل الفريضة وبعدها يغني عن تقييدها وتخالف ركعتي الفجر، لأنها تقع سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر، وإن صلّى الفريضة في آخره، ويصليها بعد الفريضة أيضًا إذا تركها، وهذا ضعيٌف عندي، لأن النوافل الراتبة وسواها في هذا المعنى سواء، وهذه النوافل مزية على غيرها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سّنها وواظب على فعلها، فلا بدّ من تعيينها.
وأما وقت النية [59 أ/ 2] في الإحرام لا قبله ولا بعده، فيحتاج أن تكون نيته مقارنة لجميع التكبير، ولو قدمها واستصحبها إلى حال التكبير جاز، والحكم للنية المقارنة، ولو أتى بتمام النية مع ابتداء التكبير واستصحبها إلى آخره أجزأه، وإن لم يستصحب ذكرها إلى آخر التكبير لم ُيْجِز، فإن قيل: هلّا قلتم: إنه إذا نوى مع أول جزء من التكبير أجزأه، لأنه عندكم من الصلاة كما قلتم فيمن ينوي الطهارة مع أول جزء من وجهه أجزأه؟ قلنا: لأن في الطهارة كل جزء منها سقط به الفرض عن محله، فإذا نوى عن أول جزء منها أجزأه، وههنا الصلاة عقد ينعقد لجمح لفظ التكبير، وإذا أتّمه يدخل به في الصلاة وانعقدت به، فيلزمه أن لا يعري شيئًا منه عن النية.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يأتي بجميع النية مع ابتداء التكبير، لأن النية لحظة، وهذا غلٌط.
وأما قول الشافعي رحمه الله: (لا قبله) لم يرد به أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، بل أراد: لا ينوي قبله ويقطع قبل التكبير، وكذلك قوله: ولا بعده لم يرد أنه لا يجوز استدامة النية بعد التكبير، بل أراد: لا يجوز إنشاؤها بعد التكبير وقصد به الرّد على أبى حنيفة حيث قال: إذا نوى قبل التكبير بلحظة يجوز، وبه قال أحمد، وهذا لأن عبادات الأبدان مبنية على أن نيتها تقارن الشروع فيها، إلا في النية في الصوم للضرورة بدليل الحّج وغيره.
وروى الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة مثل مذهبنا، وقال داود: يلزمه أن يقدم النية على التكبير لئلا يعرى جزء منها عن النية، وهذا غلٌط لأنا نوجب أن يقارن جميع النية ابتداء التكبير، فلا يخلو جٌزء منها عن النية.
وقال القفال: قال المتقدمون من أصحابنا: يلزمه أن

الجزء: 2 - الصفحة: 6

ينوي ابتداء النية مع ابتداء التكبير وانتهائها مع انتهائه، لأن الشافعي رحمه الله، قال: (لا قبله ولا بعده)، وهذا لا يصحّ، لأن النية ليست شيئًا يمتد حتى لو فعل [59 ب/ 2] هكذا، بطلت صلاته.
والأصح أن يأتي بجميع النية قبل التكبير ويستصحبها حتى يفرغ من التكبير، لأنه إنما يصير داخلًا في الصلاة بالفراغ من التكبير، وهذا صحيح موافق لما ذكرناه.
فَرْعٌ آخرُ لو تراخى بعض النية عن آخر حرٍف من حروف التكبير لم تجز صلاته، ولو نوى بعض النية قبل التكبير وأتمها مع التكبير لم تجز أيضًا، ولو نوى كلها قبل التكبير وكلها مع التكبير يجوز.
فَرْعٌ آخرُ إذا نوى على ما ذكرنا لا يلزمه استصحاب ذكرها إلى آخر الصلاة ولو عزبت نيته جازت صلاته لأنا لو كلفناه.
ذكرها إلى آخرها أّدى إلى المشقة ويلزمه استصحاب حكمها حتى لا يغيرها، فإن َغيرها ُنِظر، فإن اعتقد أنه يقطعها أو أنه سيقطعها قبل الفراغ منها أو تفكر على أن يقطعها أم لا؟ بطلت صلاته، لأنه زالت نيته عن الُمضَّي فيها، فأشبه إذا سلم ونوى الخروج.
وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله لا تبطل قياسًا على الحّج، وهذا غلط، لأن الحج لا يقبل القطع بخلاف الصلاة، ولو قال: سأخرج إن لقيت فلانًا هل تبطل صلاته في الحال؟ وجهان، وقيل: وجه واحٌد لا تبطل.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى في الابتداء مثل هذا لم تنعقد صلاته خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأنه لم يقطع النية الواجبة عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو شك هل نوى الخروج منها أم لا؟ ُنِظر فإن تذكر في الحال مضى في صلاته، وإن تذّكر بعد ما انتقل من ركٍن إلى ركٍن بعد الشك بطلت صلاته لأن العمل الذي يأتي به في حال الشك لا يحسب، ولو شاك هل دخلها بنية صحيحة أم لا؟ فإن ذكر قبل أن ُيْحِدث عملًا جاز، والعمل مثل القراءة، أو الركوع أو السجود، وإن ذكر بعد أن طال الأمر، وبعد أن عمل شيئًا من هذا بطلت صلاته، فإن قيل: وإن لم يعمل عملًا فهو متلبٌس بالصلاة، وقد مضى جزء منها مع الشك في النية فوجب أن تبطل، قلنا: ذلك الجزء لو حلّت منه الصلاة لجاز بخلاف الأفعال التي ذكرناها، فعفي عن الشك فيه.
فإن قيل: َأَلْيَس لو شّك المسافر أنه نوى القصر أو الإتمام وطال الفصل، ثم تذّكر [60 أ/ 2] فصلاته جائٌزة، ويلزمه الإتماُم، وإن تذّكر في الحال، يلزمه الإتمام أيضًا، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ما مضى في حال الشّك محسوب من صلاته، ولكن إتمامًا لا قصرًا، وإذا لزم الإتمام في جزء لزم في الكل كما لو نوى الإتمام قبيل التسليم،

الجزء: 2 - الصفحة: 7

فلهذا لم يُجز القصر وههنا ذلك القدر لم يحسب من صلاته فُجعل كأن لم يكن ثم جازت صلاته حين لم يبطل الفصل، فلهذا لم نبطلها.
فَرْعٌ آخرُ لو عزبت نيته عن الصلاة التي هو فيها، فاعتقد أنه في غيرها كالفائتة أو صلاة الوقت، ثم ذكر التي دخل بها.
قال في (الأم): لا يجزئه ما انتقل إليه، وقال أبو حامد: لا يجزئه ما انتقل عنه، وإن كان ساهيًا وإن تذكر ذلك، وهو في الصلاة.
سمعت بعض أصحابنا يقول: يعيد ما أدّى بالنّية الثانية ويسجد للسهو، وإن طال مثل أن يصلي ركعتين من الظهر بنية الظهر، ثم صلّى ركعتين منه بنية العصر، ثم تذّكر يعيد ركعتين بنية الظهر، وهذا صحح عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو غّير النية إلى غيرها عمدًا، فإن كان إلى فريضة أخرى لم تجز كلتاهما، لأن الصلاة الأولى بطلت بقطع نيتها ولم يصحّ الصلاة الثانية، لأنه لم ينوها من أول صلاته، وكذلك لو صرفها من القضاء إلى الأداء أو من الأداء إلى القضاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تبطل، أو تصير نفلًا؟ قولان، وليس بمشهور.
فَرْعٌ آخرُ لو غيرها إلى نفٍل قال في (الأم): لا يجوز، وقال في باب اختلاف نية المأموم والإمام، ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقّدم بجماعة، فأحّب أن يكمل ركعتين تكونان له نافلًة.
فالمسألة على قولين: أحدهما، لا يجوز، لأنه لم ينو النفل في جميع الصلاة، وهذا أصح.
والثاني، يجوز، لأن نية النفل دخلت في نية الفرض، وهو نية الصلاة، فقد حصلت نية النفل في جميع الصلاة ألا ترى أن من نوى صلاة قبل دخول وقتها انعقدت نافلًة لوجود نية النفل [60 ب/ 2] في نّية الفرض؟ ومن أصحابنا من قال: قوٌل واحٌد، أنه لا يجوز.
وقوله: تكونان له نافلًة إنما أجاز لفرٍض صحيح، وهو أن يحصل له الجماعة في الفرضية، فإذا لم يكن هذا الفرض فلا يجوز، ولأن الشافعي قال: تكونان له نافلة بفعله شرعًا لا بتعين نيته ولو نقلها إلى نافلٍة معنيٍة كركعتي الفجر ونحوهما لا تجوز قولًا واحدًا.
فَرْعٌ آخرُ قال القفّال: وكذلك لو أن مريضًا كان يصلي بقوم فوجد قوة القيام عليه أن يقوم، فإن لم يفعل، قال الشافعي: بطلت صلاته، وكذلك صلاة من خلفه وعلم بحاله.
وقال: قال أصحابنا، هل تبطل أو تصير نفلًا؟ قولان.
وكذلك لو كبرّ للفرض قاعدًا مع

الجزء: 2 - الصفحة: 8

القدرة على القيام وأحرم بالظهر قبل الزوال مع العلم.
قال: وعلى هذا لو أحرم بالحج قل أشهر الحج، هل يبطل أو ينعقد عمرًة؟ قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو شرع في الجمعة بنية الظهر لم َيُحز، ولو شرع في الظهر بنية الجمعة، قال القفال: فيه وجهان بناًء على أنها ظهٌر مقصورٌة أو فرض مبتدأ، وفيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو كان في نافٍلة فنقلها إلى فريضٍة لم تجز التي انتقل عنها، ولا التي انتقل إليها، والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها على أحد القولين، أن نية الصلاة تكفي للنفل، فإذا ترك ما زاد على هذه النية لا يمنع أن يكون نفلًا محسوبًا بخلاف الفرض، فإنه لا يجوز إلا بنية معينة في ابتدائه.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (إذا فاتته صلاة لا يدري أهي الظهر أم العصر أو غيرها، فكبر ينوي الصلاة الفائتة لم تجزءه لأنه لم يقصد الفائتة قصد صلاٍة بعينها).
وهذا صحح، ويلزمه أن يأتي بالصلوات الخمس، وقال المزني رحمه الله: القياس عندي، والله أعلم.
أنه يجزئه أربع ركعات ينوي بها ما عليه يجهر في الأوليين ثم يجلس بعد الثالثة أيضًا، فإن كانت عليه الصبح فقد صلاها وزاد فيها ركعتين على وجه الشك والنسيان، [61 أ/ 2] فتجري مجرى من صلّى الصبح أربعًا، ناسيًا فإنها تجزئه وتسقط، الزيادة وإن كانت مغربًا، فقد زاد ركعًة بعد أن تشهد لها التشهد الأخير على وجه السهو كما ذكرنا، وإن كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو عشاًء فقد أتى بها وزاد تشهدًا احتياطًا كمن شّك في صلاته فأتى بركعٍة زائدٍة وجهر بالقراءة فلا تضر صلاته وإنما أمره بالجهر، لأن الجهر في ثلاث صلوات من الخمس وذلك أكثرها قال المزني: وهو كما لو كان عليه كّفارة ولم يعلم من أي جهة أجزأه أن يعتق رقبة ينوي بها الكفارة كذلك ههنا، وهذا غلط، لأنه بتعيين النية وتعيينها واجٌب في الأداِء فلم يجز تركها في القضاء، ويفارق الكفارة لأن تعيينها لا يجب في الأداء، فلم يجب في القضاء، وأما تشبيهه سهوًا، لا يصحّ لان ذلك يقع، ولا يمكن الاحتراز منه، لأنا نأمن مثله في القضاء وههنا يمكن الاحتراز بأن يأتي جميع الصلوات الخمس فيلزمه ذلك.
فَرْعٌ قال في (الأم): (ولو فاتته الظهر والعصر، فدخل في الصلاة ينوي بها الظهر والعصر لم يجزه) لأن تشريكه بين الصلاتين يمنع وقوع التعيين بأحدهما.
وقال أيضًا: لو دخل نّيته أحديهما ثم شك فلم يدِر آيتهما نوى لم يجزئه على يقين من التي نواها.

الجزء: 2 - الصفحة: 9

فَرْعٌ آخرُ لو كبرّ لافتتاح الصلاة ثم كبر مرًة أخرى، قال صاحب (التلخيص): بطلت صلاته، فإن كبرّ ثالثة جاز فإن كبرّ رابعة بطلت.
قال أصحابنا: هذا بشرطين: أحدهما: أن يقصد محل تكبيرة الافتتاح.
والثاني: أن لا ينوي الخروج من الصلاة قبل التكبير الثاني فإن نوى ذلك صّح خروجه ثم إذا كبرّ الثانية صّح افتتاحه.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: لو صلّى أرع ركعاٍت ظهرًا بنية الفاقة ولم يعلم أن عليه ذلك ثم علم أنه كان عليه ذلك هل يجوز عن فرضه الفائت؟ ينبغي أنه يجوز [61 ب/ 2] لأّن بالإجماع لو صلّى الظهر وفرغ منه، ثم شّك في بعض فرائضه يستحب له الإعادة بنية الفرض، فلولا أن الأولى إذا تبين فساده تقع الثانية عن فرضه، لم يكن للإعادة معنًى، وبان ذلك أن شّكه في وجوبه عليه لا يمنع صحة فعله، وقد صّح أيضًا أن من نسي صلاة من خمس صلوات يؤديها كلها، وفي كل صلاة منها لا يعلم أنها واجبة عليه بنيتها، فبان بهذا أن هذه المعرفة لا تكون شرطًا، إنما يؤديه من الصلوات.
مَسْألةٌ: قال: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر)، وهذا كما قال.
اختلف العلماء فيما تنعقد به الصلاة على خمسة مذاهب، فعندنا لا تنعقد إلا بالتكبير مع القدرة، والتكبير قوله: الله أكبر لا غير ونقل المزني رحمه الله لا تنعقد إلا بقوله؛ الله أكبر، أو الله الأكبر، وهو عبارة عامة أصحابنا، وص غلٌط لأن الشافعي رحمه الله نصّ في (الأم): إذا قال: الله الأكبر، انعقدت صلاته بما فيه من قوله: الله أكبر، والألف واللام زيادتان لا ُيخلان بالمعنى ولا تنعقد بما عدا هذا من الألفاظ.
وبه قال ابن مسعود، وطاوس، والثوري، وداود، وإسحاق رحمهم الله، وقال مالك وأحمد رحمهما الله: لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، ولو قال: الله الأكبر لا تجوز صلاته.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تنعقد بكل اسم لله تعالى علي وجه التعظيم كقوله: الله العظيم أو الجليل، وبقوله: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ولو قال: الله أو الرحمن من غير وصٍف، فيه روايتان.
روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول أنه لا يجوز من دون ذكر الصفة ووافقنا أنه لو قال: على وجه النداء: يا الله، لم تنعقد.
وبه قال النخعي، والحكم، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير قوله: [62 أ/ 2] الله أكبر.
وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير خاصة، فلو قال: الله الكبير أجزأه، ولا تنعقد بما عداه.

الجزء: 2 - الصفحة: 10

وقال الزهري: تنعقد بمجرد النية من غير لفٍظ، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسلم)، فدّل على أنها لا تنعقد بغير التكبير.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)، الخبر إلى أن قال: (ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر)، لأن في قوله: الله أكبر معنى العِظم والقِدم قبل كّل شيء، وهذا لا يحصل بغير هذا اللفظ.
واحتّج مالك رحمه الله بأنه عدل عن قوله: الله أكبر، فلا يجوز، قلنا: قوله: الله الأكبر لم يتغير عن نيته ومعناه؛ لأن لام التعريف الزائدة لا تنقص معناه بل تفيد التعريف كقول القائل رجل، والرجل فجرئ مجرى قوله: الله أكبر كبيرًا ونحو ذلك.
واحتّج الزهري، بأنه يكفي للشروع في العبادة النية كما في الحّج والصوم.
قلنا في الأصل: لا يجب النطق في الانتهاء، فلا يجب النطق في الأول بخلاف الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (لو قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، واش أكبر كبيرًا فقد كبرّ وزاد شيئًا، فهو داخل في الصلاة بالتكبير والزيادة نافلٌة) كما لو أتى بالقدر الواجب من القراءة وزاد عليها.
وروى جبير بن مطعم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل في الصلاة، وقال: والله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد هـ كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه).
قال عمرو بن مرة راويه: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.
فَرْعٌ آخرُ لو أتى من ذكر الله تعالى بين التكبير شيئًا من صفات الله تعالى ومدحه كقوله: الله، لا إله إلا هو أكبر، أو الله عز وجل أكبر، أجزأه، ولكنه لا يستحب، وإن كان طويلًا بحيث يجعل بين الذكرين [62 ب/ 2] مفصولًا، مثل قوله: الله لا إله إلا هو، وحده لا شريك له أكبر، لا يجوز، لأنه خرج عن حّد التكبير إلى الثناء والتهليل، ذكره في (الحاوي).
فَرْعٌ آخرُ لو نقص من التكبير حرفً لم يكن داخلًا في الصلاة إلا بكمال التكبير، قال: ولو

الجزء: 2 - الصفحة: 11

أبقى من التكبير حرفًا، فأتى به، وهو راكٌع، أو منحٍن، ولم ينطق بالراء إلا راكعًا، لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان داخلًا في النافلة، لأن القيام في التكبير للمكتوبة واجٌب، وغير واجٍب للنافلة، وإذا أتم التكبير للنافلة، وقد زال عن حّد القيام أجزأه.
وهذه المسألة تتصور في المأموم إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا فكبرّ ودخل معه في الركوع.
فَرْعٌ آخرُ التكبير عندنا من الصلاة، وهو أول الصلاة.
نصّ عليه في (الإملاء).
وقال بعض أصحابنا: التكبير أول الصلاة، وبالفراغ منه يدخل فيها، وهذا غير صحيح بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير مع النية حتى يصحّ قولنا: التكبيرتين من الصلاة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما يدّل على أنه ليس من الصلاة، بل يشرع به في الصلاة، وهذا غلٌط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تحريمها التكبير)، ولأن العبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.
فَرْعٌ آخرُ لو قال: الكبير الله، قال في (الأم): لم أره داخلًا في الصلاة ولا يختلف المذهب فيه، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، هل تنعقد صلاته؟.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: تنعقد لأن تقديم النعت على الاسم أبلغ في التعظيم، لأن قوله: فلاٌن أكبر دون قوله: الأكبر فلاٌن، قال هذا القائل، وهذا هو المذهب، لأن الشافعي رحمه الله فرض المسألة فيه إذا قال: الكبير الله، فلو كان قوله: أكبر الله، لا يجوز لكان يفرض فيه المسألة، لأنه موضع الإشكال.
وقال ابن سريج وغيره من أصحابنا: لا يجوز، وهذا أشبه بمذهب الشافعي في (الأم)، لأنه قال: وكذلك ما أمر به من ذكٍر أو قراءة لا يجزيه حتى يأتي به مرتبًا، كما أنزل، وهذا إنما يرجع إلى قوله: أكبر الله، لأنه إذا رتبه جاز، [63 أ/ 2] فإذا نكسته لا يجوز.
وفي قوله: الكبير الله لو أتى به مرتبًا لا يجوز.
وقال في (الحاوي): في الأكبر الله، وجهان.
وفي أكبر الله لا يجوز قولًا واحدًا، لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا، والأصح أنه لا يجوز ذلك أيضًا، لأنه أوقع الإلباس.
وأخرجه من صفة الكبير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نصّ ههنا أنه لا يجوز ونص في السلام على أنه لو قال.
عليكم السلام، بدل قوله: السلام عليكم، يجوز، فقيل: قولان.
وقيل: فرق بينهما، وهو أنه في السلام يسّمى مسلمًا، إذا عكس ولا يسمى مكبرًا، وفي هذا النص الصريح نظٌر.

الجزء: 2 - الصفحة: 12

فَرْعٌ آخرُ قال: وأحّب أن يجهر الإمام بالتكبير وبنيته ولا يمططه ولا يحذفه.
والسنة للمأموم أن يخفيه بقدر ما يسمع نفسه، أو من إلى جانبه إن شاء، فإن خافَت الإمام بها جاز وإن خافتا بها معًا، أو أحدهما، فإنه يجزئ بقدر ما يسمع نفسه، فإن حرك لسانه على صفة لا يسمع لم يجزئه كما لو اعتقد بقلبه.
قال أصحابنا: فإن كان الجمع كثيرًا، فلا بأس أن يجهر عدد منهم يسمع جميعهم.
فَرْعٌ آخرُ إذا أمت المرأة النساء، فإنها تخفض صوتها بالتكبير حتى لا تجاوزهن، وتخالف الرجل فإنا نستحب له أن يجهر بالتكبير، وإن جاوز من خلفه، وإن كانت تصلي فرادى، فالسنة الإخفات، وهو أن تسمع نفسها فقط.
فَرْعٌ آخرُ لو كان لا يقدر على النطق لخرٍس أو قطع لساٍن أو علٍة ففرُضه حركة لسانه به أكثر ما يقدر عليه، وبالقراءة والتشهد وأذكار الصلاة، لأنه إذا عجز عن النطق أتى بما قدر عليه من الحركة، فإن النطق يتضمن الحركة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو صلّى ركعًة ثم ذكر أنه لم يكبرّ ابتدأ الكبير ويلغى ما مضى، ولا بأس أن يسلم أو لا يسلم، لأنه لم يكن في صلاٍة.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: الَأولى في ظاهر المذهب في الافتتاح [63 ب/ 2] أن تكون بسرعٍة من غير تأني ومدًّ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (التكبير جزم والسلام جزم)، ولأن النية مع التكبير شرٌط ويخشى إذا مده أن تزول النية من قلبه.
ومن أصحابنا من قال: الَأولى أن يمده ويأتي به على ترتيل، وهذا على طريقة من يبتدئ النية مع ابتداء التكبير فيمد التكبير حتى تتم له النية.
فَرْعٌ آخرُ قال: (لو أدرك الإمام راكعًا فكّير تكبيرة واحدة، فإن نوى بها تكبيرة الافتتاح أجزأه، لأن كان داخلًا في الصلاة، لأن نوى بها تكبيرة الركوع لم يكن داخلًا في

الجزء: 2 - الصفحة: 13

الصلاة ولو كبرّ لا ينوي واحدًة منهما، فليس بداخل في الصلاة، وإن كبرّ فنوى تكبيرة الافتتاح والركوع لم يجزه من المكتوبة لأنه شرك في النية بين الفرض والنفل).
قال أصحابنا: هذا يدل على أنها تجزئه عن النفل، واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال: تجزئه عن النفل، لأنه نوى بها النفل، وتكون جميع الصلاة نفلًا، كما لو أخرج خمسه ينوي بها الزكاة والصدقة والتطوع يقع عن الطوع، ومنهم من قال: لا تجزئه لأن تكبيرة الافتتاح شرط في النافلة أيضًا، فقد شرك بين النافلة والفرض في الشرط، والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (لو أبقى من التكبيرة حرفًا وأتي به، وهو راكع أو منحٍن للركوع لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان [داخلًا] في نافلٍة.
قال أصحابنا; هذا إذا كان جاهلًا، فإن كان عالمًا أنه لا يجوز لا تنعقد صلاته أصلًا كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال عالمًا لا تنعقد فرضًا، ولا نفلًا.
وقال القفال: فيه قولان، وفيه نظٌر.
مسألة: قال: (فِان لم يحسن بالعربية كبر بلسانه).
وهذا كما قال: أراد بقوله: بلسانه أي بغير العربية، وليس من شرطه أن يكون لسانه، بل يجوز أن يكبرّ بجميع الألسنة وجملته [64 أ/ 2] أنه لا يجوز أن يكبرّ بغير العربية مع القدرة بحاٍل، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز ذلك، وهذا غلٌط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خّص قوله: (الله أكبر)، فإن قيل: أجزتم كلمة التوحيد بلسانه مع القدرة على العربية، وههنا لا تجوزون، فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من قال: لا تجوز هناك أيضًا، وهو اختيار الإصطخري، وإن سلمنا، وهو المذهب.
فالفرق أن المقصود من التوحيد الاعتقاد، فبأي لفظ عّبر عن اعتقاده حكمنا بإسلامه.
وههنا القصد اللفظ دون الاعتقاد، فلا يجوز العدول عن اللفظ الذي ورد به الشرع إلى غيره مع القدرة، ولو عجز عن العربية ُنظر، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يتعلم ويكبرّ بالعربية، ففرضه العربية، ولو توانى فيه وصلى بالتكبير بالفارسية يلزمه الإعادة، وإن كان الوقت ضيقًا عن التعلم يجوز له أن يكبرّ بالفارسية، فيقول: (خذاء يزر كنز)، ولا يقتصر على التعظيم من غير حرف التفضيل حتى يكون معبرًا بقوله: الله أكبر، فإن قيل: هلّا قلتم: يجوز أن يكبرّ بالعجمية في الوقت الأول، ولا يلزمه تأخير الصلاة للتعليم، كما قلتم: يجوز له أداُء الصلاة بالتيمم في أول الوقت، وإن تيقن وجود الماء في آخره؟.
قلنا: لأنا لو جوزنا ذلك، لم يتوجه عليه فرض التكبير بالعربية جملًة.
وذلك لأنه إذا صلّى لا يلزمه التعليم في هذا الوقت، وفي الوقت الثاني مثله، ويفارق الماء لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 14

وجوده لا يتعلق بفعله، فإن قيل: قلتم: لا يجوز قراءة القرآن بالفارسية، وإن كان عاجزًا وههنا جوزتم بالفارسية عند العجز، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القرآن ُمعِجز، ومعناه لا يكون معجزًا، فلا يكون قرآنًا ولا تجوز الصلاة بغير القرآن بخلاف هذا.
فَرْعٌ لو كان لا يحسن العربية ولكنه يحسن [64 ب/ 2] الفارسية والسريانية، فيه ثلاثة أوجٍه: أحدها: يكبرّ بالفارسية، لأنها أقرب اللغات إلى العربية.
والثاني: بالسريانية، لأن الله تعالى أنزل بها كتابًا دون الفارسية.
والثالث: بآيتهما شاء.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يحسن الفارسية والتركية، فيه وجهان: أحدهما: يكبرّ بالفارسية لأنها أقرب.
والثاني: الخيار إليه فيهما، ولو كان يحسن السريانية والنبطية، فيه وجهان: أحدهما: يكبرّ السريانية.
والثاني: أنه بالخيار فيهما، ولو كان يحسن بالتركية والهندية كان بالخيار وجهًا واحدًا.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رحمه الله: (وكذلك الذكر)، وأراد به أن كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والتشهد والتعوذ وغيرها كالتكبير في اعتبار لفظ العربية فيه، وفسره في (الأم)، فقال: التكبير والتشهد إلا القرآن.
وقيل: أراد به كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والدعوات والتشهد والتعوذ سوى القراءة بمنزلة التكبير لا فرق بينهما في جوازها بالفارسية عند العجز، وهذا لأنا لو كلفناه بالعربية أدى إلى فوات الوقت، أو الذكر المشروع فيها.
قال الشافعي: وعليه أن يتعلّم، وهذا لأن الأذكار المشروطة فيها يسيرة المؤنة على المتعلم فيلزمه كما يلزمه شري الماء للطهارة والثوب للستر.
وقال في (الحاوي): كل ذكٍر واجٍب، كالشهد والسلام لا يجوز بالفارسية مع حسنه بالعربية وكل ذكر مستحب كالتسبيح والتوحيد يجوز بالفارسية، إن كان يحسن العربية ولكنه أساء وإذا لم يحسن العربية يجوزها بالفارسية وهذا غريب، وهذا لأنه ليس من جنس العجز، ولم يتعين له لغٌة حتى يأتي بأي لفظٍة من العربية، أراد فلا تتعين فيه لغةُ العرب

الجزء: 2 - الصفحة: 15

بخلاف التشهد، فإنه يتعين فيه لغة العرب، والأول اختيار القفال رحمه الله، لأنه لم َيِرد في الخبر إلا بالعربية.
وقيل: عند العجز، هل يجوز له الترجمة؟ وجهان، لأنه لا حاجة إليه فيتركها حش يتعلّم.
فَرْعٌ آخرُ إذا لم يعلم بالعربية [65 أ/ 2] ليس عليه أن ينتقل إلى بلٍد آخر ليجد من يعلمه كما إذا عدم الماء في موضعه ليس عليه أن ينتقل إلى بلد الماء وعليه أن يطلب من يعلمه في بلده كما يلزمه طلب الماء في موضعه.
مسألة: قال: (ولا يكبر ان كان إمامًا حتى تستوي الصفوف خلفه).
وهذا كما قال: المستحب للإمام إذا أراد أن يكبرّ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، ويقول: استووا، رحمكم الله، عن اليمين والشمال، فإذا رآهم قد استووا كبرّ.
والأصل في هذا ما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة، قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله: (استووا تعادلوا)، وروى أبو مسعود البدري رضي الله عنه، قال: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، ومعناه أنه إذا اخلف القوم فتقدم بعضهم على بعٍض تغّير قلب بعضهم على بعض، وذهب عن الصلاة.
وروى أنس رضي الله عنه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة).
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لتسّوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكما).
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال؛ (استووا في صلواتكم ولو ِبَسهم).
وروى البراء بن عازٍب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أقيمت الصلاة مسح صدورنا، وقال: (تراصّوا، المناكب بالمناكب، والأقدام بالإقدام، فإن الله يُحب في الصلاة ما يحُب في القتال كأنهم بنيان مرصوص).
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأمر قومًا بتسوية الصفوف، فإذا رجعوا إليه كبرّ.
فإذا تقرر هذا، فالإمام والمأموم يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة.
وبه قال مالٌك وأحمد وإسحق وأبو يوسف رحمهم الله، وعلى هذا أهل الحرمين، ثم يقول: استووا.

الجزء: 2 - الصفحة: 16

وقال بعض أصحابنا بخراسان: يسوي الصفوف في آخر الإقامة حتى إذا فرغ [65 ب/ 2] من الإقامة كبرّ، وهذا خلاف المنصوص.
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قال المؤذن: حّي على الصلاة، قاموا في الصف، ويقول: استووا، فإذا قال: قد قات الصلاة، كبرّ الإمام وكبرّ القوم تصديقًا لقول المؤذن، قد قامت الصلاة، إلّا أن يكون المؤذن الإمام، فلا وجه إلا أن يفرغ، ثم يكبرّ، وهذا غلط لما روى أبو إمامة رضي الله عنه أن بلالًا أخذ بالإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أقامها الله، وأدامها)، وقال في سائر الإقامة مثل ما قال.
وقول المؤذن: قد قامت الصلاة، أي: قرب قيامها.
فَرْعٌ قال: ولا يكبرّ المأموم حتى يفرغ الإمام، وبه قال مالك وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد: يكبرّ مع تكبيرة الإمام كما يركع مع ركوعه، وهذا غلٌط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا)، وأما الركوع فلأنه لا يجوز أن يأتي به بعد فراغه بخلاف هذا.
فَرْعٌ آخرُ لو سبق المأموم الإمام بالتكبير نقضه، ثم يستأنف التكبير.
وحكي عن مالك والثوري أنه يعتّد بتكبيره.
قال أصحابنا: هذا يدل على أن عند الشافعي انعقدت صلاته حتى يحتاج إلى قطعها، وهذا إذا اعتقد أنه كبرّ، ولم يكن كبرّ، فأنا إذا علم أنه لم يكن كبرّ، فكبر بنية الاقتداء به لا تنعقد، لأنه ائتم بمن ليس في الصلاة، ويحتمل قولًا آخر أنه يضمها إلى صلاة الإمام إذا حكمنا بانعقادها لأنه يجوز أن يضم المفرد صلاته إلى صلاة الإمام في أحد القولين.
مسألة: قال: (ويرفع يديه إذا كبر خذو منكبيه) وهذا كما قال.
رفع اليدين مستحب حال التكبير في ابتداء الصلاة لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه).
وأما كيفية الرفع فهي أن يرفعهما حتى يحاذي كفاه منكبيه [66 أ/ 2].
وبه قال مالٌك وأحمُد وإسحُق، وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: يرفعهما حتى يحاذي كفاه أذنيه، وهو معنى قوله: يرفعهما إلى فروع الأذنين، وهذا غلٌط لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه)،

الجزء: 2 - الصفحة: 17

ورواه علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنه واحتجوا بما روى مالكٌ بن الحويرث ووائل بن حجٍر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يرفع يديه حيالَ أذنيه)، قلنا: رواية الجماعة أولى أو يحمل هذا على أن أطراف الأصابع كانت تبلغ الأذنين وقيل: أن الشافعي رضي الله عنه لما قدم العراق قدم عليه العلماء مثل: أبي ثور والحسين الكرابيسي وغيرهما، فسألهم عن الجمع بين أخبار رفع اليدين، فلم يذكروا شيئًا، فقال: إني أرى أن تكون كفاه حذو المنكبين، ورأس إبهامه عند أصل الآذنين ورؤوس أصابعه عند فروع الأذنين، فاستحسنوا ذلك، فعلى هذا يرتفع الخلاف.
وقال ابن سريج: الرفع إلى المنكبين أو إلى الأذنين من الاختلاف المباح، وليس أحدهما أولى من الآخر.
فَرْعٌ قال في (الأم): ويثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، وجملة ذلك أنه إذا أراد أن يكبرّ أسبل يديه، ثم رفعهما مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى بهما منكبيه أثبتهما مرفوعتين حتى يكمل التكبير، لأن الرفع أسرع من الإتيان بالتكبير، لأنه يستحب له ترتيل التكبير والرفع يحصل في وقت يسير، ولا يمكن في هذا القدر ترتيله فعلى هذا ينتهي الرفع قبل انتهاء التكبير.
وقال أبو إسحق: ينبغي أن يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير.
وبه قال صاحب (الإفصاح)، وهذا خلاف نصّه، وقد بّينا دليله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يرفع يديه [66 ب/ 2] غير مكبرّ ويكبرّ، ثم يرسلها غير مكبرّ، وهو رواية ابن عمر رضي الله عنه.
وهذا عندي غلط.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): وينشر أصابع يديه إذا رفعهما للتكبير ويفرقهما، والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان ينشر أصابعه للتكبير).
وذكر بعض أصحابنا أنه لا نصّ فيه، وهو سهٌو.
فَرْعٌ آخرُ قال: ويرفع يديه في كل صلاة فريضة ونافلة، ولا فرق بين الإمام والمأموم.
قال: وكذلك إن كان يصّلي قاعدًا لمرض به رفع يديه.
قال: وإن ترك رفع اليدين حيث أم به كرهت ذلك ولا إعادة عليه ولا سجود، وهذا لأنه هيئة.
قال أصحابنا وكذلك إن كان مضطجعًا أو متكئًا يأتي بالرفع في مواضعه، لأنه لا مشّقة عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 18

وأما في صلاة الجنازة يرفع يديه في كل تكبيرة وكذلك في العيدين يرفع اليدين في كل تكبيرة في حالة القيام، وصلاة الاستسقاء كالعيدين سواء في هذا وفي صلاة الخسوف الركوعان يريد الرفع فيه في الركوع والرفع من الركوع وفي سجود التلاوة والشكر يرفع يديه عند التكبير لأنها تكبيرة الافتتاح.
فَرْعٌ آخرُ لو أثبت يديه مرفوعتين حتى انتهى تكبيره أو أثبتهما هكذا بعد انقضاء التكبير لم يضره، ولم يؤمر به، وهذا لأنه لو ابتدأ رفع يديه في أثناء الصلاة لم تبطل.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت بيديه علة لا يقدر على رفعهما إلى الحد الذي ذكرنا ويقدر على رفعهما دون ذلك رفعهما إلى حيث يقدر.
وروى وائل بن حجر - صلى الله عليه وسلم - أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يرفعون بأيديهم إلى صدورهم وعليهم برانس وأكسية)، وتأويله أنه كان عليهم ذلك لشدة البرد، وكان يشّق عليهم رفع اليدين إلى الموضع المسنون كاشفًا.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت بيديه ِعّلة يقدر على رفعهما مجاوز المنكبين ولا يقدر على الاقتصار على حذاء المنكبين لم يدع رفعهما وإن جاوز المنكبين، [67 أ/ 2] وتلك الزيادة مغلوٌب عليها لا تضره.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت علة فقدر على أحد الرفعين: إما فوق المكبين أو دون المنكبين ليأتي بالمأمور زيادة من غير اختياره.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت إحدى اليدين صحيحة والأخرى عليلة، صنع بالعليلة ما وصفنا، واقتصر الصحيحة على حذو المنكب.
فَرْعٌ آخرُ لو أغفل الرفع في موضعه ثم ذكره فإن ذكره قبل انقضاء التكبير أتى به وإن ذكره بعد انقضاء التكبير لم يأِت به، لأن هيئته في وقت فإذا مضى لم يوضع في غيره.
مسألة: قال: (ويأخُذ كوعه الأيَسَر بكفيه اليمنى).
الفَصْل وهذا كما قال.
جملة هذا أن وضع اليمين على الشمال ُسّنٌة في الصلاة بعد الفراغ من الرفع، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور، ويكره إرسال اليدين في ظاهر المذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 19

وقال أبو إسحق المروزي، قال الشافعي في (الأم): (القصد منه تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس)، وعن مالك روايتان: إحداهما: أنه مستحب.
والثانية: أنه مباحٌ.
وحكي عن مالٍك أنه قال: يضع اليمين على الشمال في نافلٍة يطول فيها القيام ولا يفعل في غيرها.
وروى ابن المنذر عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه.
وبه قالت الشيعة.
وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين والنخعي.
وقال الليث: يرسل يديه إلا أن يطيل القيام فٌيْعِل.
وقال الأوزاعي من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور ونعجل الإفطار، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة).
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على الشمال في الصلاة.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى [67 ب/ 2]: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -: (ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟، فقال: ليست هذه من نحائركم إنما هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة).
وروى عقبة بن ظبيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فوضع يده اليمنى على ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
وروى أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على اليسرى)، ولأن هذا أعون على خشوعه، وأتّم لخضوعه، فإذا تقرر هذا، كيف يصنع ذلك؟ فالسّنة أن يضع يده اليمنى على ظهر كّفه اليسرى، والرسغ والساعد ويأخذ كوعه الأيسر هكذا.
رواه وائل بن حجر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل هكذا في صلاته.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر كّفه اليسرى من غير أخٍذ.
وروي عنه أنه قال: يأخذ لرسوغه، وأما أين يضع اليدين؟ نقل المزني: ويجعلهما تحت صدره، وهو المروي عن علي رضي الله عنه.
وقال أبو إسحاق: تحت سّرته، وهو قول أبى حنيفة وإسحق وعن أحمد روايتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 20

وروي هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه أيضًا.
والأول أولى لأن وضعها تحت الصدر أخشع ووضعها تحت السّرة أقرب إلى إرسالها، وأشبه به.
وقيل: هذه اللفظة توجد للشافعي، فيجوز أن يكون المزني سمعها من الشافعي، أو قالها من عند نفسه، وهو حسن وهو قول إمام مثل علي رضي الله عنه.
وذكر الإمام الجويني رحمه الله عن علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسألة: (ثم يقول: وجهت وجهي).
الفَصْل وهذا كما قال: إذا فرغ من التكبير استحب أن يبتدئ [68 أ/ 2]، فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين إن صلاتي وُنُسكي وَمْحياَي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولا يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]. لأن ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه أولهم في هذه الأمة نصّ عليه.
ومعنى ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾، أي: قصدت بوجهي الله سبحانه.
وقال أبو حنيفة: يستفتح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جُّدك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك.
وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وقال أبو يوسف يقول معه: وجهت وجهي أيضًا، وقد ذكر بعض أصحابنا أنه لو جمع بين الذكرين كان أولى، ولو أراد الاقتصار على أحدهما، فما تقدم أولى وقصد بهذا القائل الجمع بين المذهبين، والأخبار الواردة فيه.
واعلم أن هذا من الاختلاف المباح فأّيهما استفتح الصلاة يجوز وروي كلاهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فروى علي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة كبرّ، ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ إلى آخره، غير أنه قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة، قال: (سبحانك اللهم وبحمدك.
. .)، إلى آخره.
ومعنى قوله: وبحمدك، أي: وبحمدك سبحتك، ومعنى الجد: العَظم ههنا، وإنما قلنا: إني وجهت وجهي َأولى، لأنه َألَيق بالموضوع وهو من ألفاظ القرآن والتسبيح يعود في الركوع والسجود، وما ذكرناه إذا ترك لا يعود.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يستحب أن يقرأ: وجهت وجهي إلى آخره قبل التكبير حتى لا يعقب التكبير بقراءة القرآن، وهذا غلط، لأنه لو كان قرآنًا لاقتصر على قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ دون قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾، ولقال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ موافقًة للقرآن.
وقال: مالٌك: لا يدعو بشيء بعد الافتتاح، [68 ب/ 2] ويفتتح الصلاة بقول: الله

الجزء: 2 - الصفحة: 21

أكبر، ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
واحتّج بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتح الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا عندنا يجوز إذا ذكر التسمية في أول الفاتحة، ولكنه يكره، وهذا الخبر محمول على استفتاح القراءة وعّبر بالصلاة عنها.
قال الشافعي: ويستحب بعده: أللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنَت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: والشر ليس إليك، قال المزني: معناه لا يضاف الشر إليك، وإن كان هو الخالق له، لأنه إنما يضاف إليه محاسن خلقه، فيقال: خالق السماء والأرض، ولا يقال: خالق العذرة والخنازير، وإن كان هو الخالق لها في الحقيقة.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: معناه، والشر لا يتقرب به إليك.
وهكذا قاله الخليل بن أحمد.
وقوله: أنا بك وإليك، يعني: انتمائي والتجائي.
وقال في (الأم): يأتي بهذا كله لا يغادر منه شيئًا رواه علي وأبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن زاد فيه شيئًا أو نقص منه كرهته ولا يسجد للسهو عمد أو جهلُة لو نسيه.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو سها عنه في موضعه، ثم ذكره، وقد افتتح القراءة أو التعوذ لم يقله لأن هيئته فات وقتها، وإن ذكره قبل الأخذ في القراءة أتى به ولا يقوله إلا في أول ركعٍة، ولا يقوله فيما بعده بحاٍل.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا اختلف الأمام [69 أ/ 2] فيما لا يجهر، ففات من الركعة ما إن قال: هذا لا يقدر أن يقرأ القران.
قرأ أم القرآن وتركه وإن لم يفت من الركعة ما لا يقدر عليه أوفات منها ما يقدر على بعضه، أحببت أن يقول ذلك، وإن لم يقله لم يقِض في الركعة بعدها.
وقال أصحابنا: الإمام يقول إلى قوله وأنا من المسلمين، ولا يقول ما بعده لئلا يطول الصلاة فيتأذى به المأموم المريض، أو من له عذر، وهذا صحيح، قال: رضي به

الجزء: 2 - الصفحة: 22

المأمومون، ولا مشّقة عليهم يستحب له كل ذلك.
قال: ويقوله في النافلة والفريضة.
َمسألة: (ثَُّم َيَتَعََّوُذ َفَيُقوُل: َأُعوُذ ِبالله ِمَن الَّشَْيطاِن الَّرجيِم).
وهذا كما قال: إذا فرغ من دعاء الافتتاح أتى بالتعوذ، وهو سنة في الصلاة.
وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق.
وقال مالٌك: لا يتعّوذ في المكتوبة ويتعّوذ في قيام رمضان.
وحكي عن النخعي وابن سيرين: أنهما كانا يتعّوذان بعد القراءة.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، واحتّج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ومعنى الآية، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، أي: أردتم القيام إلى الصلاة.
والدليل على مالك أن يقول: صلاة تتضمن قرآنًا فتضمن تعّوذًا كقيام رمضان.
فَرْعٌ قال الشافعي: (وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه موافق للآية) وبه قال أبو حنيفة وقال أصحابنا: الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
وقال أحمد: يقول هكذا ويزيد أنه هو السمع العليم، وهذا غلٌط، لأنه ذكره مرًة، فلا معنى لتكراره.
وقال الثوري: يقول [69 ب/ 2]: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم.
واحتّج بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]، وهذا غلٌط، لأن قوله: ﴿إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة، وإنما هو خبٌر بعده والأمر ما قبله، وهو الذي يقول، وقال الحسن بن صالح يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
وبه قال ابن سيرين.
فَرْعٌ آخرُ لو استعاذ بالله بأي كلام استعاذ به جاز كقوله: أعوذ بالرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بكلمات الله من الشيطان الرجيم.
وقال أصحابنا: قوله؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أولى من قوله: أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (ويقوله في أول ركعٍة، ثم قال: وقد قيل: إن قاله حين يفتتح

الجزء: 2 - الصفحة: 23

القراءة في كل ركعٍة فحسٌن ولا أمُر به في شيء من الصلوات أمري به في أول ركعٍة).
واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حامٍد المسنون في الركعة الأولى لا غير قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: ولا آمر به.
وبه قال ابن سيرين وأبو حنيفة، لأن الصلاة كالفعل الواحد فيكفي استعاذة واحدة كالتوجه.
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يستحب في كل ركعة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98]، وهذا يريد القراءة في كل ركعة، ويفارق التوجه، لأنه للاستفتاح، وذلك لا يتكرر في الصلاة بخلاف القراءة.
وقال القاضي الطبري: قوٌل واحٌد أنه يستحب في كل ركعة إلا أنه في الركعة الأولى أكد وكلام الشافعي في (الأم) يقتضي هذا، وبه يفتي كثير من أصحابنا، وهذا اختياري، وهو الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يستحب في الركعة الأولى خاّصة لو نسيه في الأولى أش به في الركعة الغانية، ومتى ذكر أتى به [70 أ/ 2] في ابتداء القراءة، ويفارق دعاء الاستفتاح، لأّن محله.
قال: فلا يأتي به في الركعة الثانية، وههنا القراءة تتكرر وإنما يتعوذ في الابتداء لجميع القراءة، فإذا نسيه في بعضها أتى به في الباقي، ولو تركه أصلًا، قال: أكره ذلك ولا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وإن كان ناسيًا أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، لأنه روي مثل هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا حسٌن، ولكن الشافعي لم يذكره.
فَرْعٌ آخرُ هل يجهر به في صلاة الجهر.
قال الشافعي رضي الله عنه في (الأم): (كان ابن عمر رضي الله عنه يتعّوذ في نفسه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يجهر به وأيهما فعل أجزأه).
وقال في (الإملاء): يجهر به فإن أخفت أجزأه، فقال أبو حامٍد: فيه قولان: أحدهما: أنه مخّيٌر وهما سواء، وهو قوله في (الأم).
والثاني: يجهر به، وهو ظاهر المذهب، وهذا لأن هذه مراد للقراءة، فكان بصفتها كالتأمين، ولأن أبا هريرة رضي الله عنه جهر به في جماعٍة ولم ينكر عليه، ولأن روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فلولا أنه كان

الجزء: 2 - الصفحة: 24

يجهر به، وإلا لم يسمع ذلك.
وقال صاحب (الإفصاح): يستحب له ترك الجهر قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: وأيهما فعل جاز، وإن كنت أستحب له ترك الجهر، لأن سنة الجهر بالقرآن والأذكار التي جعلت علمًا على الإتباع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قوله: القديم أنه يجهر بها، وقوله الجديد: لا يجهر، وهو المذهب، قلت: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: يستحب الجهر بها.
والثاني: يسحب الإسرار بها.
والثالث: هما سواء، والأظهر الصحيح عندي ما اختاره صاحب (الإفصاح).
مسألة: قال: (ثم يقرأ [70 ب/ 2] مرتلًا بأم القرآن).
وهذا كما قال: الصلاة تفتقر إلى القراءة.
وبه قال جمهور العلماء، وحكي عن الحسن بن صالح والأصم أنهما قالا: القراءة مستحّبة في الصلاة، وليست بواجبٍة.
واحتجّ بما روي عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أنه صلّى فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود قالوا؛ حسنًا.
قال: فلا بأس، وهذا غلٌط لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (أو تكون صلاة بلا قراءة).
وأما خبر عمر رضي الله عنه، قلنا: يحتمل أنه ترك ما زاد على الفاتحة أو ترك الجهر بها بدليل ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا، في (الأم): قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، والترتيل ترك العجلة في القراءة عن الإبانة، وكلما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلّي ما لم تبلغ الزيادة تمطيطًا وأحب ما وصفت لكل قارئ، في صلاة وغيرها، وأما للمصلي أشد استحبابًا مني للقارئ في غير الصلاة.
قال: ولا يجزئه أن يقرأ في صدره ولا ينطق بلسانه لأنه ليس بقراءة بل هو تفّكر، ولو أيقن أنه لم يبَق من القراءة شيء إلا نطق به أجزأه، وإن لم يرتله، وهو بأن يسمع نفسه حروفه، وإن لم يسمع هو لشغل قلبه أجزأه، لأنه قرأ بحيث يسمع، فإذا تقرر هذا، فالقراءة التي لا تجزئ الصلاة إلا بها، فاتحة الكتاب، فإن أخّل بحرف منها لم تجزه الصلاة، وفيها أربع عشرة تشديده، فإن أخّل بواحدٍة منها لم تجزه، ثلاٌث في بسم الله الرحمن الرحيم في اللام من اسم الله تعالى، والراء والراء من الرحمن

الجزء: 2 - الصفحة: 25

الرحيم.
وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تشديدتان اللام من اسم الله تعالى، والباء في رب وفى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تشديدتان: الراء، والراء، [71 أ/ 2] وفي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تشديده، وهي في الدال، وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تشديدتان في الياء من إياك وإياك، والصاد في ﴿الصِّرَاطَ﴾، واللام من ﴿الَّذِينَ﴾.
وفي قوله: ﴿ولا الضالين﴾ تشديدتان في الضاد واللام.
وهذا لم يذكره الشافعي، ولكن أصحابنا ذكروه لأن عند أهل اللغة التشديد يقوم مقام الحرف.
وبه قال عمر وابن عباس وخوات بن جبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنه والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة: القراءة غير متعينة في الصلاة والمشهور عنه أنه يجب قراءة آية إما طويلة، وإما قصيرة حتى لو قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾.
وروي عنه أنه قال: يجوز أقل من آية إذا كان يقع عليه اسم القرآن.
وأصحابه بخراسان يقولون: هذا هو الصحيح والأول أشهر.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آيًة طويلًة كآية المدثر وآية الكرسي يجوز وإن كانت آياٍت قصارًا لم َيُجز أقلّ من ثلاث آيات، وربما ينسب هذا إلى أبي حنيفة.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (المسيء صلاته، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)، وهذا غلٌط لما ذكرنا من الخبر.
وأمّا خبرهم روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ)، ثم نحمله على الفاتحة، فإنها التي تتيسر على جميع الناس في الغالب، ولأن القراءة ركٌن من أركان الصلاة فكان متعينًا كالركوع والسجود.
مسألة: قال: (يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم).
وهذا كما قال: بسم الله الرحمن الرحيم آيٌة تامة من الفاتحة، ومن كل سورة.
وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه قال للشافعي قول آخر أنها من الفاتحة.
وحكاه ابن القطان أيضًا، وقال: لا يعرف [71 ب/ 2] هذا القول عنه، وهو على ما ذكر، ومن أصحابنا من قال: هي في سائر السور بعض آية في أحد القولين كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وبقولنا، قال ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء والزهري وأحمد وإسحق وأبو عبيد.
وروي عن الزهري أنه كان يفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول آية من كتاب الله تعالى تركها الناس.
وقال ابن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشر آية.
وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: التسمية ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها بعض آيٍة هناك وإنما ذكرت في رأس سائر السور تبركًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 26

وقال الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السور.
وروي هذا عن أحمد، وعن أحمد رواية أخرى أنها من الفاتحة.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يقرأها في الصلاة أصلًا إلا في قيام رمضان، فإنه يقرأها في ابتداء السورة بعد الفاتحة، لا في الفاتحة.
ووافقنا أبي حنيفة أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وعندنا من قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾، وما قلناه أولى، لأن أواخر آيات هذه السورة كلها مجرورة وممدودة، فينبغي أن تكون آخر الآية السادسة فيها كذلك، والمشهور من مذهب أبى حنيفة أنه لا يأتي بالتسمية إلا في أول الركعة كالتعوذ.
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله تعالى: أثنى علّي عبدي، فإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول: الله مجدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي، [72 أ/ 2] فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، يقول الله تعالى: هذه لعبدي، ولعبدي ما سأل).
ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم منها.
وقوله: فتمت الصلاة، أي: القراءة.
وحقيقة هذه التسمية منصرٌف إلى المعنى لا إلى الألفاظ، وذلك أن نصف هذه السورة ثناء ونصفها مسالٌة ودعاٌء.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1]، وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلط لما روت أم سلمه رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين)، وهذا نصّ.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب، وإنها السع المثاني)، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها، وقال جابر رضي الله عنه، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة، قلت: أقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم).
وأما خبر أبي هريرة رضي الله عنه، قلنا: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبي

الجزء: 2 - الصفحة: 27

السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في هذا الخبر: فإذا قال العبد؛ بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: ذكرني عبدي.
وأما سورة الملك، قلنا: قد ذكرنا قولًا: أن التسمية بعض آيٍة منها، مضمومة إلى الآية الأولى منها، ويحتمل أنه قال ذلك قبل نزول بسم الله الرحمن الرحيم، أو أراد ما يختص بهذه السورة من آياتنا.
وحكي شيخنا أبو سهل الأبيوردي أن خطيب بخارى من جملة العلماء الزهاد رأى خبرًا عن رسول الله.
أنه قال: من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [72 ب/ 2] ألف مرة رفع الله تعالى عنه وجع السن ولا يتجع أبدًا).
فوجع سّنُه فقرأها ألف مرة، فلم يزل الوجع وزاد فنام فرأى في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن وجع السن وعما فعل، فقال: رأيت خبرًا عنك يا رسول الله كذا، وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لأنك قرأتها بلا تسمية فاقرأها بالتسمية)، فانتبه فقرأها مع التسمية فرفع الله تعالى عنه وجع السن، ولم يعد.
قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة، ولا أصلي إلا بالتسمية في أول الفاتحة، فإن قيل: لو كانت قرآنًا لم يجز فيها الاختلاف، قلنا: تقابل بأنه لم يكن قرآنًا لما أضيفت إليه بمثل خط سائر القرآن ثم أصلها من القرآن بلا خلاف.
والخلاف ههنا في موضعها، فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بالتواتر قطعًا.
قلنا: من أصحابنا من قال: نحن نثبتها حكمًا لا قطعًا، وهو أنا نوجب قراءتها في الصلاة، فيجوز إثبات ذلك بأخبار الأحاد وهو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: يثبت قطعًا لكونها في المصحف بخط القرآن ولم نكفر جاحدها كما لم نكفر مثبتها لحصول الاختلاف بنوع من الشبهة كما كانت الشبهة لابن مسعود رضي الله عنه في المعوذتين.
وقال: إنهما ليستا من القرآن، فإذا تقرر هذا، قال في البويطي: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب، وقبل السورة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد رضي الله عنه، وعند أبي حنيفة يقرؤها في صلاة الجهر.
وبه قال علي وابن مسعود وعّمار والثوري والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد رضي الله عنه.
وقال مالك: المستحب أنه لا يقرأها أصلًا في شيء من الصلوات.
وبه قال الأوزاعي في روايٍة.
[73 أ/ 2] وقال الحكم وإسحق وابن أبي ليلى: الجهر والإخفات فيها سواء، وكلاهما حسٌن، واحتجوا بما روى قتادة عن أنس أنه قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلٌط لما روى ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم).

الجزء: 2 - الصفحة: 28

وروى النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أّمني جبريل - عليه السلام -، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم).
وروي عن نعيم ين عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب وقبل السورة وكبرّ في الخفض والرفع، وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء: قال أبو هريرة: (ما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعنا كم وما أخفى عنا أخفينا عنكم).
وروى الشافعي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة بعدها حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان؛ يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم للسورة بعد أم القرآن، وهذا إجماٌع.
وروي عن مسلم بن حيان، قال: صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقلت له: لقد صليت صلاة ينكرها كثير من الناس، فقال: وما ذاك؟ فقلت: جهرت ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، قال: نعم صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ُقبض، فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، وخلف أبى الصديق فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، فلا أدع الجهر بها حتى أموت [73/ ب].
وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، فيحتمل أنه لم يسمع ذلك لصغره أو أُبعده، وأخبارنا المثبتة أولى، فَرْعٌ قال في (الأم) لو أغفل أن يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم وقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر السورة كان عليه أن يعود فيقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويأتي ببقية السورة، وهذا لأنه يجب الترتيب في القراءة ولا يجوز أن يغيرها فيقرأ آيًة بعد آية بعدها، فإذا ترك آية وجبت عليه إعادتها وإعادة ما بعدها كما أنه لا يجوز أن يغير حروف الكلمة الواحدة أو الكلمتين، فيقول: موضع لله الحمد، كذلك ترتيب الآيات لا يجوز تغييرها، وكذلك لو قرأ بعد التسمية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وترك ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأتى بالحمد لله، وما بعده كما لو نسي القراءة، فركع وأتى بالقراءة والركوع.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو بدأ فقرأ في الركعة غيرها، ثم قرأها أجزأت عنه.
قال أصحابنا: أراد إذا قدم السورة على الفاتحة لم يمنع ذلك صحة قراءة الفاتحة،

الجزء: 2 - الصفحة: 29

ويستحب إعادة السورة لتقع في موضعها، نصّ عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو سكت في أثناء القراءة طويلًا، ولم ينِو قطعها أو تعايا فيها، فوقف أو أدخل فيها آية من سورة أخرى ناسيًا لم يكن ذلك قطعًا لقراءته، ألا ترى أنما يأتي به في الصلاة على طريق السهو لا يكون قطعًا لصلاته، فكذلك لا يكون قطعًا لقراءته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في السكوت الطويل من غير نية القطع وجهان، لأن التلاوة في العادة تكون موصولة فحمل مطلق الخطاب على المعهود، وهو خلاف النص في الذكر الطويل ناسيًا.
فَرْعٌ آخرُ لو عمد فقرأ فيها آية من غيرها كان ذلك قطعًا لها، فيلزمه استئناف القراءة، وكذلك لو دخل فيها عمدًا سائر الأذكار من التسبيح والتهليل، ونحو ذلك وكذلك لو سكت في أثنائها ونوى قطع القراءة.
وقال بعض أصحابنا: [74 أ/ 2] هذا في السكوت الطويل، ولو سكت قليلًا مع نية القطع، فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح عند أصحابنا يكون قطعًا للقراءة، لأنه اقترن الفعل بالقطع.
والثاني: لا يكون قطعًا، لأن النية لا تأثير لها والسكوت القليل بمجرده لا يضر، وهو الأشبه عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي فقرأ غيرها في أثنائها ثم تذكر فمّر على قراءة غيرها كان قطعًا لقراءته، وإن عاد إليها حال ذكره بني عليه، وهو كما لو تكلم في الصلاة ناسيًا، يبطلها، فإن تذكر ودام على الكلام أبطلها.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو قرأ منها شيئًا ثم نوى قطعها ولم يسكت لم يكن ذلك قطعًا، لأن فعله مخالف لنيته، والاعتبار فيها بالفعل دون النية، ويفارق هذا نيته لقطع الصلاة، وهو فيها لأن الصلاة تحتاج إلى النية، فإذا غيرها بطلت، والقراءة لا تحتاج إلى النية، وإنما تحتاج إلى الفعل خاصة.
فَرْعٌ آخرُ لو أمن في خلال الفاتحة متابعة الإمام لم يكن قطعًا للقراءة، لأن هذا موضعه، وهو مأمور به عند تأمين الإمام، كما لو مّر بآية فقال: اللهم اغفر لي، لا يكون قطعًا

الجزء: 2 - الصفحة: 30

لقرائته.
وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي، والطبري والقفال وهو الصّحيح وبه قال أبو حامٍد: تنقطع القراءة ويستأنفها، لأن الشافعي قال: لو عمد فقرأ فيها من غيرها استأنفها، وهذا اختيار القاضي أبي علي الزجاجي رحمه الله وجماعة، وقيل: نص عليه في (الإملاء): قياسه سجوٌد التلاوة، والفتح على الإمام لأنه أطول وهذا لأن هذه ليست من مصلحة التلاوة وتقطع نظمها فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لا يضر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى الوجه الأول لو فتح على الإمام في آيًة أو سجد للتلاوة معه لا يقطعها؛ لأنه من صلاح صلاته، وإن فتح على غيره أو أجاب مؤذنًا فيها بطلت قراءته، ولو ترك منها آيًة عمدًا وقرأ ما بعدها مثل أن [74 ب/2] يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كان قطعًا لها كما لو أدخَل فيها آيًة من غيرها.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك قراءة الفاتحة ناسيًا لم تجز صلاته في قوله (الجديد)، وكان يقول في (القديم): تجوز لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلّى المغرب، فلم يقرأ فيها، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجوٌد، فقالوا: حسنًا، فقال: لا بأس، وهذا غلٌط، لأنه ركن من أركان الصلاةَ، فلا يسقط بالنسيان كالركوع.
وخبر عمر رضي الله عنه محموٌل علي ما ذكرنا فيما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام قائمًا، فأحرم خلفه وقرأ بعضه القراءة ثم ركع الإمام يركع معه وصار مدركاً للركعٍة ويسقط عنه من القراءة ما عجز عنه، وأراد إذا لم يشتغل بالثناء.
وقال القفال: فإن لم يفعل هكذا حتى رفع الإمام رأسه من الركوع في أحد الوجهين، أو حتى سجد في الوجه الثاني بطلت صلاته.
ومن أصحابنا من خّرج فيه وجهًا آخر أنه يجب عليه إتمامها ثم يتبعه، لأنه إذا وجب بعضها وجب كلها، وهذا خلاف نصّ الشافعي.
وحُكي عن محمد بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: إذا أدركه راكعًا لا يحتسب له بالركعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: (من أدرك الإمام راكعًا، فليركع معه وليعد الركعٍة)، وهذا خلاف إجماع علماء العصر، وقد روى أبو هريرة أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا جئتم إلى الصلاةَ، ونحن سجوٌد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاةَ).
فَرْعٌ آخرُ لو أدرك الإمام في أول صلاته، وكان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيء القراءة

الجزء: 2 - الصفحة: 31

ففرغ الإمام من القراءة وركع والمأموم لم يتّمم القراءة بعد، فيه وجهان: أحدهما: يتبعه ويسقط الباقي عنه للعجز.
والثاني: لا يسقط ولكنه يخرج من صلاته، والأولى أن لا يصلي [75 أ/ 2] خلف من تكون صفته كذلك، لأن هذا يتكرر في كل ركعٍة ويكثر ويكون ذلك عذراً في مفارقة الإمام والخروج من إمامته، وهذا أظهر عندي لئلا يؤدي إلى ترك المبالغة في أكثر الصلاةَ لو ترك الصلاةَ المفروضة، وفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة في كل ركعٍة ولا يضر التأخر عنه، لأنه معذوٌر.
فَرْعٌ آخرُ لو أدرك من القيام قدرًا يمكنه قراءة الفاتحة إلا أنه يشتغل بقراءٍة دعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو في أثنائها، فإن أمكنه إتمامها ويدرك معه الركوع فعل، وإن قرأ منها قدر دعاء الاستفتاح بعد ركوعه ثم ترك الباقي وركع معه، فقد أدرك الركعٍة أيضًا، ولو عرف أنه إذا أتّمها أدرك معه الاعتدال أتّمها أيضًا، ولو عرف أنه لا يدركها إلا في السجوٌد تبعه في الركوع، ولا تحتسب له هذه الركعٍة، وهذا هو الصّحيح عندي.
وقال القفال: يتّم الفاتحة ويمضي خلفه بكل حالٍ ويكون معذّورًا في التخلف عن الإمام بسبب القراءة، فإن لم يتّم الفاتحة في هذه الحالة وركع بطلت صلاته.
مَسْألةٌ: قالَ: (وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: 7] قال: ﴿آَمِّينَ﴾ [المائدة: 2] يرفع بها صوته).
وهذا كما قال: جملُة هذا أن التأمين مسنوٌن لكل مصًّل إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، فإن كانت صلاته لا يجهر فيها بالقراءة لم يجهر بها، وإن كانت صلاته يجهر فيها بالقراءة جهر بها الإمام والمنفرد، وبه قال أبو هريرة وابن الزبير رضي الله عنه وعطاء وأحمد وإسحاق وداود.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجهر بها بحاٍل، وعن مالك روايتان: إحداهما: لا يقولها الإمام أصلًا، والمأموم يؤّمن سّرًا، وروي هذا عن أبي حنيفة.
والروأيًة الثانية: يقولان سّرًا.
واحتّج مالك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا قال الإمام: (ولا الضالين)، (فقولوا: (آَمِّينَ)، فدّل على أن الإمام لا يقولها، [75 ب/2] وهذا غلط لما روى وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: آَمِّينَ، ورفع بها صوته)، وروي نحو هذا عن علي رضي الله عنه، وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه، وبالدلالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر بها، أي: وقلت هذا بما روي في هذا الخبر، واحتّج الشافعي رضي الله عنه أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمّن الإمام أّمنت الملائكة،

الجزء: 2 - الصفحة: 32

فأّمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ُغفر له ما تقدم من ذنبه).
قال الزهري عقيب هذا الخبر: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (آَمِّينَ).
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلّى قال: (آَمِّينَ) حتى يسمع لصوته طنين.
وأما خبرهم فلا حّجة فيه لأن القصد به أن يوافق تأمينه تأمين الملائكة والإمام.
وليس فيه أن الإمام لا يؤّمن أصلًا.
وأما المأموم هل يجهر بها؟ قال في (الجديد): يسمع نفسه.
وقال في (القديم): يجهر بها.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال: فيه قولان سواء كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا: أحدهما: لا يجهر بها، لأنه ذكر مسنوٌن في الصلاةَ، فلا يستحب للمأموم الجهر كالتكبيرًات.
والثاني: وعليه الأكثرون أنه يجهر بها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: (آَمِّينَ).
ويقول من خلفه، حتى أن للمسجد لضّجة.
وروى عطاء أن ابن الزبير رضي الله عنه قال: كان يؤّمن ويؤّمنون وراءه حتى أن للمسجد للَّجة.
وروى نعيم المجمر أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: آَمِّينَ، وقال الناس: آَمِّينَ.
ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالّين، فالذي قال في (الجديد): إذا كان المسجد لطيفًا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، والذي قال في (القديم): إذا كان المسجد كبيرًا مثل جامع لا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، فيستحب للمأمومين أن يجهروا حتى يعلم تأمين الإمام آخر الصفوف [76 أ/2] بتأمينهم.
وأما قول الشافعي في (المختصر): (ويسمع من خلفه أنفسهم)، قيل: أراد لا يجهرون بالتأمين، وقيل: أراد لا يجهرون بالقراءة، والأول أظهر.
فَرْعٌ قال في (الأم): لو نسي التأمين أو جهل أمن المأموم وجهر صوته بها حتى يسمعها الإمام فيؤمّن).
فَرْعٌ آخرُ قال: (لو نسي حتى استفتح السورٍة لم يؤّمن لأن محلها فات، وهي هيئة في وقت، فيفوت بفوات وقتها).
وقال في (الحاوي): (وهل يعود إلى التأمين إذا قدر قبل الركوع؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في

الجزء: 2 - الصفحة: 33

القراءة، هل يأتي بها أم لا؟).
فَرْعٌ آخرُ قال: وقول آمين في الصلاةَ يدّل على أن لا بأس أن يسأل العبد ربه عزّ وجلّ في الصلوات كلها أمر الدين والدنيا، وإنما كان كذلك، لأن معناهُ: اللهم اسمع واستجب.
فَرْعٌ آخرُ قال: (ولو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا).
فَرْعٌ آخرُ قال: في آمين لغتان: إحداهما: أمين بقصر الألف.
والثانية: آمين بمَّد الألف والتخفيف فيهما.
وأنشد في المقصورة قول الشاعر: تباعدَ عني فَطْحَلٌ إِذا سَأَلتُهُ أمينٌ فَزَاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا وأنشد في الممدودة: يا ربّ لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا فإن شدّد الميم وإنما معناهُ قاصدين، قال الله تعالى: ﴿آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:2] أي: قاصدين، ولا يكون معناهُ معنى الدعاء، فإن تعمّد ذلك وعرف معناهُ بطلت، لأنه من كلام الآدميين، ذكره والدي الإمام رحمه الله وبعض أصحّابنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا دخل وقت الصلاة ولا يعرف الفاتحة ولا هناك من يعلمه، وهناك مصّحف القرآن لغيره ولا سبيل له إلى تعلمها إلا من المصّحف وصاحب المصّحف غائب، هل له أخذه والنظر فيه؟ قال والدي الإمام: يحتمل أن يقال: يجوز له ذلك، بل يلزمه للضرورة من جهة الشرع، لعلمنا أن الصلاةَ لا تجزيء إلا بالفاتحِة [76 ب/2] مع إمكان قراءتها بوجٍه، وهو كما يباح أخذ مال الغير وأكله للضرورة، ولأن صاحب المصّحف لو كان حاضرًا عالمًا بالقرآن يلزمه تعليمه بنفسه ولو لم يعلم هو، يلزمه تمكينه من مصّحفه، فإذا لم يكن حاضرًا جاز له أخذه أيضًا، فإذا صح أن له الأخذ، هل يلزمه كراء المثل؟ وهل يضمن؟ قال والدي: سمعت بعض أصحابنا يقول: يجري

الجزء: 2 - الصفحة: 34

هذا مجرى العاريَّة يلزم عليه ضمان العين دون المنفعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه الضمان، لأن الأخذ ههنا باستحقاق، ألا ترى أنه لو كان المالك حاضرًا استحق عليه الدفع إليه وبعدما دفع ليس له الاسترجاع قبل استيفاء منفعته.
مَسْألةٌ: قال: (ثُّم يقرأ بعد أم القْرآن بُسورٍة).
وهذا كما قال ما زاد على قدر الفاتحة مستحب، ولا يجب قراءة الفاتحة فقط.
وبه قال جماعة العلماء، وقال عثمان ابن أبي العاص يجب قراءة الفاتحة وقدر ثلاث آياتٍ.
وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروي عنهما أنه يلزم قراءة شيء بعد الفاتحة من غير تقدير، وبه قال أحمد، واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن أنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد).
وروي أنه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ لمن لم يقرأ في كل ركعٍة بالحمد وسورٍة في الفريضة وغيرها).
وهذا غلٌط، لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة إلا بقراءٍة ولو بفاتحة الكتاب).
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب) وخبرهم محموٌل على نفي الفضيلة، أو معناهُ: لا صلاةَ، إلا بفاتحة الكتاب جوازًا وشيء معها كمالًا.
فَرْعٌ آخرُ لا خلاف أنه تسن قراءة السورٍة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، وهل تسن قراءتها في الركعتين الأخريين [77 أ/ 2] من الظهر والعصر والعشاء، والركعٍة الثالثة من المغرب؟ قولان فقال في (القديم): ورواه المزني والبويطي أنه لا يقرأها.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو الأشهر لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،كان يقرأ في صلاةَ الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورٍة، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأها في الأخريين بفاتحة الكتاب في وقال في كل ركعٍة).
وقال في (الأم): يقرأها، وهو الأصح عندي وعند جماعة من أصحاب الماوردي.
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يقرأ في الظهر

الجزء: 2 - الصفحة: 35

في الركعتين الأوليين في كل ركعٍة ثلاثين آيًة، وفي الأخريين نصف ذلك)، وهذا أكثر من قدر الفاتحة.
وروي عن أبى عبد الله الصنابحي أنه قال: (صليت خلف أبى بكر الصديق رضي الله عنه المغرب فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمّس ثيابه فقرأ في الركعٍة الأخيرة بأم الكتاب.
وهذه الآيًة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:8]) ولأن هاتين الركعتين ساوتا الأوليين قي الواجب من القراءة، فكذلك في المستحب.
وأما خبرهم، قلنا: نحمله على الجواز وما قلناه أولى لأنه إثبات زيادة.
فَرْعٌ آخرُ ظاهر ما قاله الشافعي في (الأم): أنه يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، لأنه قال: فيه واجب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورٍة في القرآن مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونحوها.
وفي الأخريين أم القرآن وآيًة وما زاد كان أحب إلّي ما لم يكن إمامًا يثقل على الناس.
قاله أكثر أصحابنا هذا هو المستحب فيسوي في القراءة في الأوليين ويسوي في الأخريين فإن فاضل جاز، وهذا لخبر أبي سعيد الخدري على ما ذكرنا.
وقال الماسرجسي: من أصحابنا يستحب أن يطول الركعٍة الأولى في جميع الصلوات [77 ب/ 2] ليلحق القاصد، ويستحب ذلك في الفجر أكثر مما يستحب في غيرها.
وقال أبو قتادة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يطول في الركعٍة الأولى من صلاةَ الفجر ويقصر في الثانية).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يستحب ذلك في الفجر دون غيرها.
وقال الثوري ومحمد: يستحب أن يطيل الأولى في كل الصلوات.
واحتجوا بخبر أبي قتادة الذي ذكرنا، قلنا: يحتمل أنه كان ذلك لأنه أحَس بدخول مأموم فطّول أو زاد القيام فيها لدعاء الاستفتاح، لأن الأخريين متساويتان، فكذلك الأوليان.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: قراءة سورٍة كاملٍة عقيب الفاتحة أولى من قراءة آياٍت من سورًة للخبر في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يفعل هكذا.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا السّنة: أن يقرأ في الركعٍة الثانية سورةً بعد السورٍة التي قرأها في الركعٍة الأولى، فإن اتفق قراءة سورٍة الناس في الركعٍة الأولى، ففي الثانية يقرأ سورة البقرة، ولو قرأ سورة قبل تلك السورة جاز لما روينا أن أبا بكٍر الصديق رضي الله عنه قرأ في الركعٍة الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، [آل عمران: 8] الآيًة.

الجزء: 2 - الصفحة: 36

فَرْعٌ آخرُ قد ذكرنا أن القراءة واجبة فلا يجوز أن يقرأها بالفارسية ولا بسائر اللغات، ولا يبدل لفظًا بلفٍظ آخر بالمعنى.
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قرأ بالفارسية وإن شاء قرأ بالعربية.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز أن يقرأ بالفارسية، وإن كان لا يحسنها جاز بلساٍن آخر تفسرها، وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ إلا بقرآن)، وتفسير القرآن لا يكون قرآنًا، لأن القرآن معجز بلفظه ونظمه.
وهذا خلافه.
مَسْألةٌ: قال: (فَإذا َفَرَغ ْمنها َوَأراَد َان َيْرَكَع ابَتَدَأ ِباَّلْتكبيِر َقاِئمًا).
الفَصْل وهذا كما قال: [78 أ/ 2] إذا فرغ من القراءة ركع عقيب الفراغ منها والركوع ركن من أركان الصلاةَ، فإذا جاء وقت الركوع فعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة، فيرفع يديه حذو منكبيه مكبرا آخذاً في الانحناء، ورفع اليدين مستحب في الركعٍة الأولى في ثلاثة مواضع: إذا كبرّ للافتتاح، وإذا كبرّ للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وفي الركعات التي بعدها يستحب رفع اليدين في كل ركعٍة في موضعين: إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وبه قال أبو بكر الصديق وابن الزبير وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس والحسن وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق ورواه ابن وهٍب عن مالك.
وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: لا يستحب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الافتتاح.
وبه قال الشعبي والنخعي.
وروي هذا عن مالٍك وعليه أصحابه اليوم.
واحتجوا بما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود).
وروي نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين).
قال الشافعي: وروى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحدهم أبو قتادة.
وقال الحسن: رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا،

الجزء: 2 - الصفحة: 37

وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنهم المراوح.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.قال: (من صلّى ولم يرفع يديه [78 ب/ 2] إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع لعنته أعضاؤه).
وأما حديث البراء، قلنا: قال سفيان بن عيينة، حدثنا يزيد بن أبى زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، ولم يقل: ثم لا يعود، فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود وظننت أنهم لّقنوه.
وقال الحميد بن زيد: هذا ساء حفظه في آخر عمره واختلط، ثم تأويله، ثم لا يعود في الركعٍة الثانية في ابتدائها.
فَرْعٌ المستحب أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير، ثم ينتهي رفعهما قبل انتهاء التكبير، وينبغي أن يكون في التكبير، وهو يهوي راكعًا حتى ينتهي التكبير مع انتهاء ركوعه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: أنه يمدّ التكبير مداً لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر.
والثاني: يحذفه حذفًا، وبه قال أبو حنيفة وابن المبارك، وهو اختيار القفال، والأول أصح، وهو قوله (الجديدة).
وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزّيز: لا يكبرّ في ركوعه، ولا في شيء من صلاته سوى موضع الافتتاح، وهذا غلط لما روي عن علي بن الحسين رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - (يكبرّ لخفض ورفع حتى لقي الله تعالى).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان (يكبرّ في كل خفض ورفع وقيام وقعود).
ومثل هذا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي رفع اليدين، ثم ذكر فإن ذكر قبل الفراغ من التكبير أتى به، وإن ذكر بعد الفراغ من التكبير لم يقضه ولا يسجد لتركه ذلك ساهيًا كان أو عامدًا، ولو أراد أن يسجد للتلاوة في أثناء الصلاةَ لا يرفع يديه في تكبيره لافتتاح السجوٌد.
مَسْألةٌ: قال: (ويضع راحتيه على ركبتيِه ويفرق بين أَصابعه).
وهذا كما قال: الكلام الآن في كيفية الركوع وفيه فصلان: أحدهما: في بيان كماله.
والثاني: في بيان أقلّ ما يجزئ منه.
فأما الكمال: هو أن يضع [79 أ/2] راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه ويقبض عليها ويمدّ ظهره ولا يرفعه ويجتهد أن يكون مستويًا في ذلك كله.
وقال في (القديم): يكون رأسه وعنقه حيال ظهره.
وقال في (الإملاء): (ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 38

يتباذخ)، يعني لا يخرج صدره ويطأ من ظهره حتى يكون كالسرج، ولا يحدودب، فيجعل ظهره كأنه حدبة بأن يطأطئ كتفيه ويعلى وسط ظهره، ويجافي مرفقه عن جنبيه.
وحكي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: يطبق إحدى راحتيه على الأخرى ويجعلهما بين الركبتين.
وحكي مثل ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن الأسود وكان ابن مسعود يروي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان (إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه وفرّج بين أصابعه).
وروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: (صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي، قال: فضرب أبي في يدي فلما انصرفت، قال: يا بني إنا كنا نفعل ذلك فأمرنا أن نضرب الأكف على الركب).
وهذا يبين النسخ.
والدليل على ما ذكرناه من الهيئات ما روي أن أبا أحمد الساعدي رضي الله عنه، قال في عشرة من الصحابة منهم: أبو قتادة: (أنا أعلمكم بصلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: فلم، فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صّحبة.
قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إذا قام إلى الصلاةَ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبرّ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبرّ ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه [79 ب/2]، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبرّ، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: الله أكبرّ، ويرفع ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبرّ ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما يكبرّ عند افتتاح الصلاةَ، فإذا كانت السجدة التي قبلها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت).
وروي أنه قال فيه: وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرّج من أصابعه وهصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح لخده.
وروي كان لا يصبي رأسه ولا يقنعه.
يقال: أصبى الرجل رأسه إذا خفضه جدًا، وقوله: لا يقنعه، أي لا يرفعه.
والإقناع رفع الرأس، وقوله: يفتح أصابع رجليه، أي يلينها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة.
والفتح ليٌن

الجزء: 2 - الصفحة: 39

واسترسال في جناح الطائر.
وقوله: يهصر ظهره، يعني يثني ظهره ويحفظه.
وقوله: ولا يصافح خدّه، أي يبرز صفحة خدّه ممايلًا في أحد الشّقين.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (وليعدل ظهره).
(ونهى أن يدبح الرجل في الصلاةَ كما يدبح الحمار).
وأراد أن يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهرِه.
وروي ابن قتيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التدبيح في الصلاةَ، وفسره بهذا التفسير.
وروي عن عائشة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان في ركوعه مستويًا بحيث لو صب على ظهره ماء لا يستمسّك).
وروي: ما انصّب.
وأما أقلّ ما يجزئ في الركوع، فهو أن ينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه حتى لو أراد [80 أ/2] وضعهما عليهما أمكنه ذلك، ثم يمكث بعد ذلك قليلًا حتى يطمئن، والُطمأنينة فيه واجبة.
وقال أبو حنيفة: يجوز ما يقع اسم الركوع عليه، وهو أن ينحني قليلًا من غير طمأنينة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلَ المسجد، فدخلَ أعرابي فصلّى وأساء الصلاةَ، ثم جاء وسلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى، ثم عاد وسلم، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى ثم عاد فسّلم، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني ما يجزيني، فقال: (توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة وقل: الله أكبرّ ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم، ثم، ثم افعل ذلك في كل ركعٍة).
وروي: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)،.
وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أسوأ السراق سرقة الذي يسرق من صلاته)، قيل: كيف يسرق من صلاته.
قال: (لا يتّم ركوعها ولا سجوٌدها).
فَرْعٌ آخرُ لو كان أقطع اليدين أو كانتا عليلتين.
قال الشافعي: (ركع بحيث لو كانتا صحيحتين وضعهن على الركبتين، وإن كانت أحدهما صحيحة والأخرى عليلة قبض الركبة بالصحيحة وأرسل العليلة).

الجزء: 2 - الصفحة: 40

فَرْعٌ آخرُ قال: (لو أتى من الركوع بقدر الأجزاء أو الكمال، ثم سقط على وجهه قبل أن يعتدل قائما يلزمه أن ينتصب قائمًا، فيحصل له منه الرفع من الركوع والسجوٌد عن قيام).
فَرْعٌ آخرُ قال: لو ترك وضع يديه على ركبتيه ثم اعتدل قائمًا فشك، هل أتى بقدر الأجزاء من الركوع أم لا؟ فعليه أن يعود لركوعه، لأن الأصل براءة الركوع من ذمته، حتى يتحقق براءتها منه 0 فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك المأموم الإمام راكعا فقد أدرك الركعٍة لأنه أدرك معظم الركعٍة وهو أنه أدرك اثنين من الأركان الثلاثة، فإن ركع قبل رفع الإمام، فلا إشكال في أدارك الركعٍة، وإن رفع الإمام قبل أن يركع، فهو لا يكون مدركًا للركعٍة، وإن أخذ هذا يركع وأخذ الإمام يرفع، ُنِظَر، فإن لحق بإمامه قبل أن يرفع عن قدر الأجزاء فقد أدرك الركعٍة وإن رفع عن قدر الأجزاء [80 ب/ 2] قبل أن يصير المأموم إلى حّد الأجزاء لم يدرك الركعٍة.
فَرْعٌ آخرُ لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام فالمستحب أن يعود إلى الركوع، وإن كان قد أسقط عن نفسه الفرض، لأن عليه متابعة الإمام، فإن لم يعد حتى رفع الإمام رأسه، قال: كرهته له، ويعتد له بتلك الركعٍة، لأنه خلاف يسير.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو تعمد إلى رفع رأسه قبله يكره ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار).
وروي: رأس كبٍش.
وقال صاحب (الإفصاح): إذا لم ينِو الخروج من صلاته يحتمل أن يقال: بطلت صلاته، وهذا خلاف نص الشافعي.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: لا صلاةَ لمن فعل ذلك، وعندنا يؤمر أن يعود إلى موضعه 0 وبه قال أكثر الفقهاء، وقال بعضهم مكث في ركوعه بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 41

فَرْعٌ آخرُ لو ركع الإمام ورفع ثم ذكر أنه ترك الذكر في الركوع لم يكن عليه العود للذكر، لأنه سنة فات وقتها، فإن خالف وعاد للذكر.
قال الشافعي: (لا تبطل صلاته)، وقال الربيع فيه قوٌل آخر: بطلت صلاته.
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالتين، فالذي قال: لا تبطل إذا كان جاهلًا بأن كان يرى أن التسبيح في الركوع فرٌض، والذي قال: لا تبطل إذا كان عالمًا بأنه ليس بفرٍض، ولا يجوز العود له، وقيل: فيه قولان، ولا يصحّ.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: تصحّ صلاته لو أدركه رجٌل في هذا الركوع فركع معه، قال الشافعي رضي الله عنه: (لا يكون مدركًا للركعٍة، ولا يحتسب له بهذه الركعٍة من صلاته، لأنه لا يعتّد بهذا الركوع من صلاةَ الإمام).
وقال في (الإفصاح): يحتمل أن يكون مدركًا قياسًا على ما قاله فيمن قام إلى الخامسة، فأدركه رجل في هذه الركعٍة يحتسب له بها، وإن لم تكن محسوبة للإمام، وهذا غلط، لأن من أدرك الإمام في الركعٍة الخامسة في أول الركعٍة وصلاها معه يعتدّ له بها فعلها بنفسه، فيتعلق الاحتساب بفعله، لا بفعل الإمام حتى لو أدركه راكعًا في هذه الركعٍة الخامسة لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأن الاحتساب يتعلق بفعل الإمام، ولا يحتسب ذلك للإمام فكيف للمأموم.
وذكر الإمام السنجي وجهًا آخر: أنه لا يعتدّ له وإن أدركه في أول الخامسة، لأنها لغٌو في حق الإمام [81 أ/ 2]، وهكذا نقول لو كان الإمام جنبًا، فأدركه رجل في الركوع لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأنه لا يحتسب للإمام به.
فَرْعٌ آخرُ لو ركع الإمام، فلما أراد أن يعتدل قائمًا سقط على وجهه فعليه أن ينتصب قائمًا على ما ذكرنا فلو كبرّ رجل خلفه فركع وقد انتهى الإمام في أثناء قيامه إلى حّد الركوع واجتمعا على هذه الصفة لم يعتدّ له بهذه الركعٍة أيضًا، لأن الركوع قد سقط عنه قبل سقطته.
مَسْألةٌ: قال: (يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وهذا أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الذكر في الركوع والسجوٌد مستحب وليس بفرٍض، وهو التسبيح.
وقال أهل الظاهر والحسن وأحمد وإسحق: يجب تسبيحه واحدة حتى لو تركها عمدًا بطلت صلاته ولو تركها ساهيًا سجد للسهو.
وقال داود: هي واجبة إلا أنه إذا تركها

الجزء: 2 - الصفحة: 42

عمدًا لا تبطل صلاته.
وهكذا الخلاف في تكبيرًات الركوع والسجوٌد والتسميع.
وقوله: رب اغفر لي بين السجدتين.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علّم رجلًا الصلاةَ، وقال: ثم قل: (الله أكبرّ، ثم اركع، هذا غلٌط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي المسيء صلاته، (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا)، الخبر.
ولم يأمره بالتكبير ولا بالتسبيح وما ذكروه من الخبر محموٌل على الاستحباب.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّح، فقال: (سبحان ربي العظيم في الركوع).
وقال: (سبحان ربي الأعلى في السجوٌد)، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) قلنا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل في صلاته المسنون والمفروض، فنحن نفعل المسنون مسنونًا، والمفروض مفروضًا حتى يكون كفعله سواء، واحتجوا أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في سجودكم).
قلنا: أراد استحبابًا لأن عندهم يجوز ذكر آخر غير هذا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ركع أحدكم فليضع يديه على ركبتيه، ثم يمكث حتى يطمئن كل عظٍم في مفاصله [81 ب/2]، ثم يسّبح ثلاث مراٍت، فإنه يسبح الله عزّ وجلّ من جسده ثلاثة وثلاثون وثلثمائة عظم وثلثمائة وثلاثة وثلاثون عرقًا، وإذا سجد، فليسّبح ثلاثًا، فإنه يسّبح من جسده مثل ذلك).
واحتجوا بما روي أنه علّم رجلًا الصلاةَ، قال له: (إذا ركعت فقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا)، وذلك أدناه، (وإذا سجدت فقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه).
وقال على رضي الله عنه: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا، قلنا: معناهُ، وذلك أدنى الكمال.
والكمال أقلّ وأكثر كما الثلاث، ولأن عندهم لا يجب التثليث، فلا حّجة فيه 0 واحتجوا بأن في القيام يجب الذكر، وكذلك في الركوع والسجوٌد، قلنا: لأن القيام ينقسم إلى عادٍة وعبادٍة، فيحتاج إلى التمييز بالذكر والركوع في نفسه عبادٌة لا تشاركه العادة، فلا حاجة فيه إلى الذكر.
والدليل على الفرق أنه لا يجبر الذكر بالسجوٌد عند النسيان في القيام بخلاف الذكر في الركوع.

الجزء: 2 - الصفحة: 43

فَرْعٌ قال بعض أصحابنا.
أتم الركوع في التسبيح إحدى عشر تسبيحه أو تسع وأوسط الكمال خمس وأدنى الكمال ثلاٌث، كما قال الشافعي، وحكي الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك الذي خلفه ثلاثًا.
وقال ابن المبارك: الأفضل للمنفرد خمٌس وللإمام ثلاث، وهذا أحَسن مما قال الثوري.
والدليل على ما ذكرنا.
ما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال: (سبحا ن ربي العظيم ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، ولأن المأموم يسجد معه فما أمكن الإمام من ذلك أمكن المأموم.
وقيل: أعلى الكمال أن يسبح ثلاثًا، ثم يزيد عليها ما قال الشافعي.
روي عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع، قال: (اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك أّمنت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وشعري وبشري، وما استقلت به، فدمى لله رب العالمين)، وهذا أفضل من جنس التسبيحات [82 أ/ 2].
قال في (الأم): وأحب أن لا يقتصر على هذا إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيٌف لا يثقل، وهذا صّحيح.
قال: فإن زاد من جنس التسبيحات، فلا بأس، فيسبح في الركعتين الأوليين إحدى عشرة، وفى الأخريين سبعًا سبعًا، لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: (كنا نصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيسبح في الركعتين الأولتين في الركوع والسجوٌد إحدى عشرة، وفي الأخيريين سبعًا سبعًا).
ذكره في (الإفصاح)، وقال في (الحاوي): الإمام يقتصر على التسبيح َوْحَده ليخفف على من خلفه.
فَرْعٌ آخرُ قال ابن المنذر، قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وعندي يقول ذلك لما روى حذيفة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثًا، ولأنه زيادة حمٍد، ومعناهُ، وبحمدك سبحتك.
وروى أبو داود بإسناده عن عائشة رضي لله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول

الجزء: 2 - الصفحة: 44

في ركوعه وسجوٌده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
يتأول القرآن، وأراد- قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3].
فَرْعٌ آخرُ لو ترك الذكر كله فيه لم يسجد للهو عامدًا كان أو ساهيًا.
قال الشافعي: ويكره أن يقرأ القرآن في ركوعه وسجوٌده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني ُنهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب).
وأما السجوٌد فاجتهدوا في الدعاء فقمٌن أن يستجاب لكم).
وقوله: فإنه فقمٌن أي: جدير وحري أن يستجاب لكم، ويقال: قمن بفتح الميم، فإن قرأ فيه عامدا أو ساهيا سجد للسهو، وهذا لأن كل موضع شرعت فيه القراءة كرهت فيه غير القراءة، فلذلك كل موضع شرع فيه غير القراءة من الذكر كرهت فيه القراءة.
وقال في (الحاوي): إن قرأ غير الفاتحة جازت الصلاةَ، وإن أساء وفي سجوٌد، وجهان [82 ب/2]، وإن قرأ الفاتحة، هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: تبطل لأنه أتي بركٍن منها في غير محله.
والثاني: لا تبطل لأن القراءة ذكر فخفف عن حكِم الأفعال في إبطال الصلاةَ، ولكنه يسجد من أخلها سجوٌد السهو وجهًا واحدًا.
مَسْألةٌ: قال: (وإذا أَراد أن يرفع ابتدأ بقوله مع الرفع: سمع الله لمن حمده).
الفَصْل وهذا كما قال إذا فرغ من الركوع يلزمه أن يرفع رأسه منه، ويعتدل قائما، ويطمئن فيه لا يجزئه غير ذلك.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب شيء من ذلك، بل ينحط من ركوعه ساجدًا.
واختلف أصحاب مالٍك في ذلك على قولين، وهذا غلط لخبر الأعرابي الذي ذكرنا، ولأنه ركن هو خفض فالرفع منه فرٌض كالسجوٌد، فإذا تقرر هذا يفعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة: يرفع صلبه ويرفع يديه، ويقول: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، سواء كان إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا.
وبه قال أبو برزة من الصحابة وعطاء وابن سيرين وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد.
واختاره ابن المنذر.
وقد قال أبو حنيفة: المنفرد يجمع بينهما.
وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يأتي الإمام بهما، والمأموم لا يزيده على قوله: ربنا لك الحمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 45

واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد)، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد)، وقال: (صّلوا كما رأيتموني أصلي) وذلك عام في الإمام والمأموم.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد فقولوا مثل ذلك).
وأما خبرهم يحتمل أنه قال ذلك، لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، فإنه [83 أ/2] إنما يجهر بسمع الله لمن حمده، وحده ولم يأمرهم بها لأن المأموم يقتدي بالإمام في جميع الأذكار، فلا يخفى عليهم ذلك.
وذكر الطحاوي أن الشافعي خالف الإجماع في هذا، وقد روينا عن جماعة ما قلنا: حتى يعلم بطلان قوله، فإذا تقرر هذا، فمعناهُ الدعاء لحامد الله تعالى بالإجابة كأنه يقول ليسمع الله، وليستجيب لمن يقول: ربنا لك الحمد بعد قوله: سمع الله لمن حمده ليصير بذلك من الحامدين، فيستحق إجابة الله تعالى وسماعه لحمده، ولهذا قال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يأتي بالحمد، لأنه يندب من خلفه إلى الحمد، والقوم يقولون: ربنا لك الحمد، ولا يقولون: سمع الله لمن حمده، لأنهم منتدبون إلى ما ندبهم الإمام إلّيه، وعندنا لكل واحٍد منهما، يستحب ذلك، فكأنه ندب نفسه إلى الحمد، ثم ينتدب إلّيه غيره كالمنفرد ويجمع بينهما لهذا المعنى، وهذا كما إذا قرأ فاتحة الكتاب، يقول: آمين، لأن النصف الأخير من الفاتحة دعاء من القارئ فندب القارئ إلى أن يقول: آمين على دعاء نفسه كما ندب السامع إلّيه كذلك ههنا.
فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، وهذا لأنه رواه علّي وأبو هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ، قال: ولو قال: من حمد الله سمع له لم يكن عليه إعادة، وأجزأه، وأن يقول: سمع الله لمن حمده اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي، قال: ولو قال: لك الحمد ربنا اكتفى وأن يقول: ربنا ولك الحمد اقتداء برسول - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي.
واعلم أنه روي: ذلك الحمد بالواو.
وروي من غير الواو، والواو فيه زيادة يقال: يعنى هذا الثواب بعشرة، فيقول: هو لك بعشرة.
فَرْعٌ آخرُ قال ويستحب أن يزيد عليه ما روي عن علي رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا رفع

الجزء: 2 - الصفحة: 46

رأسه: (ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده،.
وعند أبي حنيفة لا يسن ذلك.
قال: والدعاء الكامل ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول ذلك ويزيد (أهل الثناء والمجد [83 ب/2] حق ما قال العبد: كلنا لك عبُد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجّد، ويستحب أن يقول هذا كّل مصلٍّ من إماٍم ومأموم ومنفرد.
ذكره أبو حامٍد، وقال بعض أصحابنا: هذه الزيادة يستحب للمنفرد دون الإمام لئلا يطول على القوم، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو اعترضته علة منعته من الركوع سجد عن ركوعه، فإن زالت العّلة نظر، فإن كان زوالها قبل سجوٌده عاد إلى القيام، وإن زالت قد وضع جبهته على الأرض، لم يعد لقيامه، لأنه قد سقط عنه، فإن خالفه وقام نظر، فإن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته وسجد للسهو.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو قرأ في اعتداله القرآن كان عليه سجوٌد السهو، وإن طال القيام بعد الرفع يذكر الله تعالى، ويدعو ساهيًا لا ينوي به القنوت، فلا سجوٌد عليه للسهو، ولو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجوٌد السهو.
والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود ودعاء القنوت مقصود، فإذا أتى به في غير موضعه ساهيًا سجد كالقراءة.
مَسْألةٌ: قال: (فإذا هوى ليسجد ابتدأ التكبير قائمًا).
الفَصْل وهذا كما قال: إذا فرغ من الذكر حال الانتصاب ابتدأ بالسجوٌد والتكبير معًا، ولا يرفع يديه ههنا ويكون في التكبير، وهو يهوي حتى ينتهي التكبير مع أول السجوٌد، واختار القفال ههنا أن يحذفه ولا يمدّه، وذكر أنه أحد القولين، فإذا سجد وضع على الأرض ما كان إليّها أقرب ركبتيه ثم يديه ثم أنفه وجبهته دفعًة واحدًة.
وبه قال أبو حنيفة وإسحق وأحمد في أصح الروايتين.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مذهب النخعي والثوري.
وقال الأوزاعي: يضع يديه قبل ركبتيه.
وبه قال زفر، وقال أصحاب مالك إن شاء وضع التدين وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحَسن.
واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا سجد أحدكم فلا

الجزء: 2 - الصفحة: 47

يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه).
وروى ابن عمر رضي الله عنه نحوه، وهذا غلط [84 أ/ 2] لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. كان (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفعه يديه قبل ركبتيه)، ولأن اليدين تسبقان الركبتين في الرفع فوجب أن تتأخر عنهما في الوضع كالجبهة مع اليد.
وأما خبرهم، قلنا: روي أنه منسوخ.
وقد قال سعد رضي الله عنه (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين)، فإن خالف فوضع يديه أولًا أجزأه وترك المستحب، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في السجوٌد في فصلين: أحدهما: في أعضاء السجوٌد.
والثاني: في نفس السجوٌد.
فأما الكلام في أعضائه ففي فصلين: أحدهما: في الكمال.
والثاني: فيما يقع به الأجزاء، فالكمال أن يقع غلى الأرض ثمانية أعضاء: الأنف والجبهة واليدين والركبتين وأطراف أصابع القدمين لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أمرت أن أسجد على سبع، وأن لا أكف الشعر والثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين).
ومد الجبهة والأنف معًا لاتصاله بها ومقارنته لمساواتها.
وقوله: لا أكف الشعر، قال عطاء: معناهُ، الشعر عن الأرض.
وكانوا يكرهون أن يسجد وهو قاُص شعره، وكذلك الثياب لا يجمعها ويدعها تقع على الأرض.
وروي: لا يكفت شعرًا ولا ثوبًا، أي: لا يجمع.
وأما الأجزاء، فلا يختلف المذهب أن السجوٌد على الجبهة، ولا يجوز ترك فرضها فيه عند القدرة، ولا خلاف عندنا أن وضع الأنف لا يجب، وإنما هو شرط الكمال، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه وإن اقتصر على الأنف لم يجزه.
وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وابن سيرين والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ومالك.
وقال سعيد بن جبير: يجب السجوٌد عليهما حتى لو أخّل بأحدهما لم يجز، وبه قال النخعي وعكرمة وإسحق والأوزاعي وأحمد في رواية.
واحتجوا بما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا ما يصيب أنفة من الأرض، فقال: (لا صلاةَ لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)، أو قال: «ما يمس الجبين)، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبع)، ولم يذكر [74 ب/2].
الأنف.
وقال جابر: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، وعلى

الجزء: 2 - الصفحة: 48

هذا لم يسجد على الأنف.
وأما خبرهم، قلنا: قال، الدارقطني هو مرسل ثم نحمله على الفضيلة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتعين الأجزاء لكل واحٍد من الجبهة والأنف على الانفراد فعلى أيهما سجد جاز لأن الأنف والجبهة عضُو واحُد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض).
وروى ابن عباس أنه قال: (مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها).
وما ذكره يبطل بعظم الرأس، فإنه متصل بعظم الجبهة، ولا يجوز السجوٌد عليه، وكذلك لا خلاف أنه يجوز السجوٌد على حّده.
وأما غير الجبهة والأنف من أعضاء السجوٌد من اليدين والركبتين والقدمين.
قال في (الإملاء): يجب وضعها في السجوٌد، وبه قال أحمد وإسحاق.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فوضع جبهته فليضع يديه، وإذا رفع رأسه، فليرفع يديه فإنهما يسجدان له كما يسجد وجهه).
وثم في (الأم) عنى قولين: أحدهما: المشهور وظاهُر المذهب.
والثاني: لا يجب وضعها.
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وهو الأصح.
واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (سجد وجهي للذي خلقه).
الخبر فدّل على أن السجوٌد للوجه فقط، ولأنه لا يجب كشفها في السجود، فلا يجب وضعها.
ووجه القول الآخر خبر ابن عباس رضي الله عنه.
فَرْعٌ إذا قلنا: لا يجب وضعها فالواجب وضع الجبهة فقط فلو تمكّن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأه وكما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة ومستورة وراحتيه أو ظهور كفيه.
الباب واحُد.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت بجبهته علة يدني جبهته من الأرض أقصى ما يمكنه ولا معنى لوضع الأنف.
وحكي عن أبى يوسف أنه قال: إن كانت بجبهته علة جاز السجوٌد على الأنف، وإن لم يكن علة لا يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 49

فَرْعٌ آخرُ إذا قال: يجب وضع الأعضاء كلها فالكمال أن يضع بطون كفيه وأصابعهما على الأرض وكذلك ركبتيه وبطون أصابع رجليه، فإن اقتصر على وضع بعض كل واحد منها من الأصابع، [85 أ/ 2] أو راحتيه أجزأه.
ثم عليه في (الأم).
فَرْعٌ آخرُ الكمال في الجبهة أن يضع بضعها كلها على الأرض، فإن اقتصر على وضع بعضها.
قال في (الأم): (كرهته وأجزأه) وقال أيضًا: (لو عصبت جبهته بخرقة مشقوقة فوضع موضع الشق على الأرض جاز ولو سجد على عظم رأسه وشيء من جبهته أجزأه).
فَرْعٌ آخرُ كشف الجبهة واجُب.
وعليه أن يسجد على الأرض، أو على حائل منفصل منه كالبساط والحصير، فإن سجد على ما هو حامله من طرف الرداء أو كور العمامة لا يجوز.
وبه قال علي وابن عمر وعبادة بن الصامت رضي الله عنه ومالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجوٌد على كور العمامة وكمه، ولو سجد على يده، ويجوز.
وبه قال الحسن وحكاه صاحب (الشامل) عن مالٍك وأحمد وروي عن شرح أنه كان يسجد على برنسه.
واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنه سجد على كور العمامة)، وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت رضي الله عنه، قال: (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حّر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يقل شيئًا وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا).
وروى ابن عبد الحكم في كتابه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يسجد وقد اعتّم على جبهته فحسر عنها وقال: إذا سجدت فمّكن جبهتك من الأرض).
وأما خبرهم لا أصل له ثم إن صّح نحمله على أنه سجد على بعض جبهته معه.
وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فليضع جبهته بين يديه، فإذا رفع رأسه فليرفع يديه فإنهما يسجدان لله كما يسجد وجهه).
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو انقلب يريد السجوٌد، فماست جبهته الأرض أجزأه السجوٌد، ولا فرق بين

الجزء: 2 - الصفحة: 50

أن لا ينقلب وبين أن ينقلب إلى السجوٌد من غير تعود في أن السجوٌد معتد به.
[85 ب/2] فَرْعٌ آخرُ قال: ولو أنه هوى ليسجد، فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماّست جبهته الأرض لم يعتدّ بهذا السجوٌد، لأنه انقلب لغير إرادة السجوٌد وانعطفت نيته الأولى، كما لو نوى فتوضأ ثم غسل بعض الأطراف لتبرد أو تتنظف لم يجز، لأنه فعل لغير الطهارة.
قال: ولو هوى على وجهه يريد السجوٌد فوقع على جبهته وكان على إرادته لم يحدث غير السجوٌد إرادًة أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو سجد على ذيل رجل آخر أو ظهره ولم يكن مرتفعًا بحيث يخرج هذا الساجد عليه عن صورة الساجدين يجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو سجد على موضع عاٍل، فإن كان بحيث لا يكون ظهره أعلى من رأسه ورقبته، لا يجوز لأنه لا يسمى سجوٌدا، وإن كان ظهره أعلى من رأسه ورقبته يجوز، ويكره إذا لم يكن له عذر.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يجب وضع سبعة أعضاء في السجوٌد، هل يجب كشفها، قال في (الأم).
ولا أحب كشف الركبتين بل أحب أن يكونا مستورتين، ولا أحب تخفيف الثياب عنهما، لأن سترهما من تمام ستر العورة وأما القدمان إن كانت في الخفين أجزأه السجوٌد عليهما فيهما، وإن كانتا في النعلين، فالمستحب أن ينزع النعلين ويكشف عن موضع السجوٌد منهما، فيسجد على الأرض وعلى حائل ينفصل عنه، فإن لم يفعل أجزأه.
وأما اليدان، فيه قولان.
قال في (الأم): وفي السبق والرمي الكشف مستحُب غير واجٍب وهذا أصح.
وقال في موضٍع آخر.
وقيل: فيه قوُل آخرُ يجب كشفهما ووجهه خبر خباب بن الأرت، ووجه القول الأول أنه عضو أعضاء السجوٌد، ولا يبرز في العادة إلا لحاجة فلا يجب كشفه في السجوٌد كالقدمين.
وأما خبر خباب، قلنا: نحمله على أنه لم يشكهم من أجل الجبهة.

الجزء: 2 - الصفحة: 51

فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا لا يجب كشفهما فحكمهما حكم الرجلين، وإذا قلنا: يجب كشفهما فحكمهما حكم الجبهة، ولو وضع ظاهُر الكفين مكشوفًا على هذا القول.
ثم في (الأم) أنه لا يجوز.
وأما نفس السجوٌد فالكمال فيه التخوية، [86 أ/ 2] فهي أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد خوي)، وفي رواية (لجج)، واللجج التخوية.
وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى يديه حتى لو أرادت بهيمة أن تمّر تحته مّرت).
وروى ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد فّرج يديه عن جنبيه).
وروى أحمد بن جري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى عضديه على جنبيه حتى نأوي له).
أورده أبو داود ومعنى نأوي له، أي: نرق له.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجنح قد فّرج يديه.
وقوله: هو مجنح، أي: رفع مؤخره ومال قليلًا.
قال الشافعي: (يجافي حتى إن لم يكن عليه ما يستره رأيت عفرة إبطيه)، أي: سواد إبطيه ويكنى عن ذلك العفرة، كما يقال للحبشي أبو البيضاء ويفّرج بين فخذيه ورجليه ويضع يديه حذو منكبيه.
قلنا: رواه وائل بن حجر رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: يضع حذو أذنيه ويضم أصابعه بعضها على بعض ويضم الإبهام إليّها ضمًا بخلاف الركوع.
والفرق أن هناك يقبض على ركبتيه.
والتفريق أمكن له بخلاف السجوٌد، ولأنه يستحب أن يستقبل بكلها القبلة، ولا يستحب ذلك في الركوع أن يوجهها نحو القبلة، فلهذا يضم الأصابع ههنا دون الركوع ويرفع ظهره، ولا يحدودب ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه، ويكون على صدور قدميه وعلى أصابع رجليه، فيضع بطول أصابع رجليه على الأرض لتكون رؤوس الأصابع إلى القبلة، وهكذا فسره بعد ذلك.
قال: ويوجه أصابعه نحو القبلة ولم يقله، أي: رؤوس الأصابع.
كما ذكرنا في أصابع اليد.
وقال القفال: من أصحابنا من قال قوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة لم يقل به الشافعي، وهو بخلاف قوله، ويكون على أصابع رجليه، لأنه إذا نصب الأصابع، [86 ب/ 2] فظهورها إلى القبلة، فإن أضجعها وحّول رؤوسها إلى القبلة لم يكن على أصابع رجليه.
وفي هذا نظُر، وقد بّينا ما يزيل الإشكال، ويكره أن يفرش ذراعيه في السجود.

الجزء: 2 - الصفحة: 52

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن افتراش السبع في الصلاةَ).
قال أبو عبيد: هو أن يلصق ذراعيه بالأرض في سجوٌده.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب)، وافتراش الذراعين ما ذكرنا.
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فضّم كفيك وارفع مرفقيك)، وقيل في أدب الصلاةَ: ادعم على راحتيك، وأبدل ضبعيك.
والإدعام: مأخوُذ من الدعامة.
والضبعان: العضدان، وأبدادهما: هو نزعهما، يقال: أبد فلاُن يده إذا مدها.
ثم إذا دخَل في السجوٌد على الوجه الذي ذكرنا مكث في السجوٌد مقدار ما يطمئن فيه.
والطمأنينة في السجوٌد واجبة، وهى أن يسكن مقدار ما تسكن جوارحه خلافًا لأبي حنيفة.
مَسْألةٌ: قال: (ويقول في سجودة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وهو أدنى الكمال).
وهذا كما قال: الكلام الآن في أدنى الكمال وأعلاه.
وجملته أن الذكر في السجوٌد مسنوٌن، وهو أن يقول: سبحان ربى الأعلى، وأدنى الكمال أن يقول ثلاثًا، وأعلى الكمال أن يضيف إلّيه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوٌده: (اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك أّمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشّق سمعه وبصره، تبارك الله أحَسن الخالقين).
ورواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكره في (الأم).
قال: ويجتهد في الدعاء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء.
أما الدعاء بعد الكمال فمستحب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في سجوٌده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلّه آخره وأوله علانيته وسّره) [87 أ/2].
وحكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه كان يقول في سجوٌده: وسجد وجهي حقًا حقًا تعبدًا ورقاً.
وقال في (الأم): (ويدعو بعد هذا الذكر بما أحب رجاء الإجابة).
ويستحب الدعاء للإمام ما لم يثقل على المأمومين، وإن كان مأمومًا اجتهد في الدعاء ما لم يخالف الإمام في الإتباع.

الجزء: 2 - الصفحة: 53

وقال في (الإملاء): لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأول أصح لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (فأكثروا من الدعاء).
وقيل: قال في (الأم): (الدعاء بعد الكمال يأتي به الإمام أيضًا كما يأتي بها على الكمال).
وقال في (الإملاء): لا يزيد الإمام على الكمال.
وهذا أصح عندي لئلا يؤدي إلى المشقة بالمأمومين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو أتى بذكر آخر سوى التسبيح فيه جاز، وإن كان الأفضل التسبيح لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: افتقدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فراشي ليلة النصف من شعبان، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فطلبته فلم أجده، [فظننُت أَّنما انسَّل إلى بعض نسائه، فإذا أنا به ساجُد كالثوب الطريح، فسمعته] يقول: (سجد لك سوادي وخيالي وأّمن بك فؤادي، وهذه يدي التي جنيت بها على نفسي يا عظيم، يا رجاء كل عظيم، اغفر الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم، ثم رفع رأسه ثم سجد، وقال: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك أقول كما قال أخي داود: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن أسجد له).
فلما فرغ من صلاته، قال: ما لك؟ أخذك شيطانك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أنت في واد، ونحن في واد).
ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ لواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: لا أحصي ثناء عليك، أي لا أطيقه ولا أبلغه.
وقال بعض أصحابنا: لو قال في سجوٌده: سّبوح، قّدوس، رب الملائكة، والروح القدس.
فهو حسن لما روت عائشة رضي الله عنه، قالت: كان رسول الله [87 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك في سجوٌده.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يرفع مكبرًا كذلك حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى).
وهذا كما قال إذا انتهى الدعاء في السجوٌد يرفع مكبرّا، ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، فيكون فيه، وهو يرفع حتى يكون انتهاء التكبير مع انتهاء الجلوس.
والجلوس ركن، والطمأنينة فيه ركنُ.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب هذا الجلوس أصلًا، ويكفيه أدنى رفع حتى لو رفع قدر ما يسع من الأرض وجبهته حدّ سيٍف.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجب أن يرفع حتى يصير إلى الجلوس أقرب منه

الجزء: 2 - الصفحة: 54

إلى السجوٌد، وفي الركوع يجب أن يرفع حتى يكون إلى القيام أقرب منه إلى الركوع، وهذا ليس بمشهور، فإذا ثبت هذا فصفة الجلوس أن يكون مفترشًا، وهو أن يفترش رجله اليسرى، فتجعل ظهرها إلى الأرض ويجلس عليها، وينصب أليمنى ويضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بأطرافها القبلة.
والإقعاء مكروه، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد عليها مستوفزًا غير مطمئن على الأرض وذلك اقعاء الكلاب والسباع، إنما أن تقعد على مؤخرها وتنصب أفخاذها وقال أبو عبيد: هو أن ينصب رجليه في هذا، وقال غيره: هو أن يفترش رجليه وكلاهما مكروه، وبهذا قال جماعة العلماء.
وروي كراهته عن على وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه.
وروي عن على رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن الإقعاء في الصلاةَ) وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن عقب الشيطان في الصلاةَ).
قال ابن قتيبة: هو أن يضع إليتيه على عقبيه في الصلاةَ من السجدتين.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هو سنة نبيكم، وقال طاوس، قلنا لابن عبا س في الإقعاء، فقال: هو السّنة، قلنا: إنا لنراه.
جفا بالرجل، فقال: سنة نبيك.
وقال أحمد بن حنبل: أهل مكة يستعملون الإقعاء.
وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلون ذلك [88 أ/ 2]، ابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنه، قلنا: قد كان هذا وُنِسخ بدليل ما ذكرنا وقد وصف أبو حميد صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر هذا.
وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء، فإني إنما فعلت هذا حين كبرّت.
وقال صاحب (الإفصاح): حكي عن الشافعي قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه، والأول أصح، فإذا تقرر هذا يستحب أن يقول في هذه الجلسة: رب اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني.
وروي: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأهدني وارزقني.
وقال القفال: روى الشافعي بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني).
وأصحابنا رووا زيادة، وقد ذكرنا، وهذا حسن، ولو بلغ الشافعي لقال، وزادت أم سلمه رضي الله عنها: (وأهدني للسبيل الأقوم).
وقال أبو حنيفة: لا يسّن ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولئلا يخلو هذا الفعل عن الذكر.
قال الشافعي: (ثَّم َيْسُجُد َسْجَدًة ُاخَرى َكذلِك)، وهذا صّحيح.
مسألة: قال: (فإذا استوى قاعدًا نهض معتمدًا على يديه).

الجزء: 2 - الصفحة: 55

وهذا كما قال: أراد إذا استوي قاعدًا بعد السجدتين والجلسة أنه يرفع من السجدة الثانية مكبرّا فيستوي جالسًا، ثم ينهض.
وهذه رواية المزني.
وقيل: يستحب أن يكون بقدر الجلسة بين السجدتين، ولا يزيد عليها.
وقال في (الأم): يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس.
وقال فيه أيضًا: إذا أراد القيام من السجدة الثانية كبرّ مع رفع رأسه حتى يكون انقضاؤه مع استوائه جالسًا، فلم يستحب الجلوس من السجدة الثانية إلا للشّهد.
فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: المزني ثقة فتضم روايته إلى ما قاله في (الأم) ففي المسألة قولان.
وعلى هذا القول في الصلاةَ أربع جلسات، وتسمى هذه الجلسة، جلسة الاستراحة، وهي مستحبُة غير واجبة.
ومن أصحابنا من قال: هو اختيار أبى إسحق، هذا على اختلاف حالين، فإن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة كما [88 ب/2] نقل المزني، ومن كان شابًا قويًا لا يجلس كما قال في (الأم).
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحق: لا يستحب هذا الجلوس أصلًا، واحتجوا بما روى وائل بن حجر رضي الله عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا رفع رأسه من السجوٌد استوي قائمًا بتكبيره).
وهذا غلط لما روى أبو حميد الساعدي في صفة صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجلوس.
وهذه الرواية في عشرة من الصحابة، فكانت أولى.
وروي أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه حكي صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: (فلما قام من السجدة الثانية من الركعٍة الأولى جلس ثم نهض معتمدًا على يديه).
فإذا تقرر هذا.
قال أبو إسحاق: إذا جلس قضى تكبيرة مع جلوسه، ثم نهض إلى القيام من غير تكبير، لأن التكبير للرفع من السجوٌد دون الذهاب إلى القيام، ولا يجوز أن يبتدئ للقيام بالتكبير، لأنه يؤدي إلى الموالاة بين التكبيرتين، ويخالف إذا قام إلى الثالثة من التشهد حيث يكبرّ، لأنه لا يؤدي إلى الموالاة بين الكبيرتين لأنه تخلل التشهد بينهما.
وكذلك بين السجدتين تخّلل الدعاء المأمور فيه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال هذا القائل وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه يكبرّ رافعًا من السجوٌد وينهيه مع انتهاء الانتصاب لئلا ينفّك بعض هذا الفصل عن الذكر، وما ذكره أبو إسحق ليس بشيء، وهذا أصح عندي، لأنه أشبه بأفعال الصلاةَ، فإنه لم يشرع فيها فعل يخلو عن ذكر، وهذه الجلسة لا تكون من الأولى ولا من الثانية، بل هي فصُل للجلوس كالتشهد الأول، فلا بدّ فيها من الذكر، ولكنه يطّول التكبيرات، ولا يطول الجلوس، ويأتي بهذا بأسهل ما يمكن وما قاله أبو إسحق: اختيار القاضي الطبري.

الجزء: 2 - الصفحة: 56

وقال القفال: كلام الشافعي في صلاةَ العيد يدّل على أنه يكبرّ بين جلوسه وقيامه، ولا يبتدئ عند الرفع، لأنه قال: يكبرّ في الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وقيل: رجع القفال عن هذا، وتأويل قوله: القيام من الجلوس [89 أ/ 2] على المقارنة، وأراد تكبيرة الرفع، ثم اعلم أنه ينهض من هذا الجلوس معتمدًا على الأرض بيديه.
وبه قال ابن عمر وعمر بن عبد العزّيز ومالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: يقوم من السجدة الثانية على صدور قدميه.
وبه قال على وابن مسعود رضي الله عنه، وهو مذهب الثوري، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، لأنه أشبه بالتواضع وأعوذ للمصلي على الصلاةَ وأحرى أن لا ينقلب.
مَسْألةٌ: قال: (ولا يرفع يديه في السجود ولا في القيام من السجود).
وهذا كما قال عندنا: لا يرفع يديه إلا في ثلاثة مواضع على ما ذكرنا.
وقال أبو علي في (الإفصاح): (يستحب رفع اليدين كلما قام إلى الصلاةَ من سجوٌد أو تشهد).
واختاره ابن المنذر، وقال: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد الساعدي.
وروي في حديث علي رضي الله عنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا قام من السجدتين رفع يديه وكبرّ).
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي حديث أبي حميد الساعدي قال به عشرة من الصحابة.
وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي.
والقول لازُم به على أصله في قبول الزيادة، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إلى ما رواه علّي رضي الله عنه، وإن صّح الخبر فالقول به واجُب.
وقيل: إنما لم يذكره الشافعي لخبر ابن عمر الذي تقّدم ذكره فلعل ذلك نسخ.
وحكي عن أحمد أنه قال: يستحب رفع اليدين في ابتداء كل ركعٍة، وهو غلط عندي، بل مذهبه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول لا هذا.
مَسْألةٌ: قال: (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك).
وهذا كما قال: الركعٍة الثانية مثل الركعٍة الأولى في أفعالها وأذكارها سوى تكبيرة الافتتاح، [89 ب/ 2] ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين في ابتدائها، وهذا لأن أبا حميد قال: (وصلّى ركعٍة أخرى مثل ذلك).
مسألة: قال: (ويجلس في الثانية على رجله اليسرى).

الجزء: 2 - الصفحة: 57

الفَصْل وهذا كما قال إذا فرغ من الركعٍة الثانية رفع مكبرا واستوي جالسًا للتشهد الأول، وهذا الجلوس والتشهد في مسنوٌنان معًا.
وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وجماعُة.
وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود: هما واجبان، فإن تركهما عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا سجد للسهو، وهذا غلٌط لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوي قائمًا فلا يجلس ويسجد للسهو).
وروى عبد ابن بحينة، قال: (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين من الظهر- أو العصر- فسبحوا له، فلم يرجع ومضى في صلاته، فلما كان في آخر صلاته، وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتي السهو قبل التسليم)، ولأنه لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو كالتشهد الثاني، فإذا ثبت ما ذكرنا فصفة الجلوس ههنا الافتراش، والجلسات المشروعة في الصلاةَ أربع، ويستحب في كلها الافتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يستحب فيه التورك.
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وصفة الافتراش قد ذكرناه.
وأما صفة التورك يجعل رجليه معاً ويخرجهما من تحت وركه اليسرى إلى أليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض ويفرش اليسرى وينصب قدمه أليمنى ويضع بطون أصابعهما على الأرض، ويستقبل بأطرافهما القبلة.
وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس في جميعهما مفترشاً.
وقال مالك: (يجلس في جميعهما متوركاً.
واحتّج أبو حنيفة بما روى أنس بن مالٍك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا جلست [90 أ/2] فاجعل عقبك تحت إليتيك).
واحتّج مالك بما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس في وسط صلاته، وفى آخرها متوركاً)، وهذا غلُط لما روينا من خبر أبى حميد الساعدي في الجلستين نحو مذهبنا.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس بين الركعتين كأنه على الرضف).
والّرضف: الحجارة المحماة.
واحدتها: رضفة.
وهذا يدّل على أنه كان يخالف بينهما في الجلوس، ولأن خبرنا متأخر يحتمل أن ذلك نسخ، أو في

الجزء: 2 - الصفحة: 58

خبرنا زيادة وهي الفصل بين التشهدين، فكان أولى، وهذا الذي ذكرنا في الصلاةَ التي لها التشهدان.
فأما ما ليس فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة يجلس في تشهده متوركاً، ولو أدرك الإمام في الركعٍة الثانية من الصبح تشهد بها تشهدين يفترش في الأول مع الإمام ويتورك في الثاني، وكذلك لو أدركه في التشهد الأخير يجلس هو مفترشًا، والإمام متوركاً.
ثم عليه في (الأم)، ولو فاتته ركعٍة من المغرب، ولو أدرك الثانية بعد الركوع، فإّنه يتشهد أربع تشهداٍت فيها، يفترش في ثلاثة منها ويتورك في الرابع ثم عليه في (الأم).
قيل ويقعد مفترشًا، لأنه يريد أن يسجد بعد ذلك، فهو كالجلسة بين السجدتين بخلاف من لا سجوٌد عليه.
مَسْألةٌ: قال: (ويبسط يده اليسرى على فخده اليسرى ويقبض أصابع يده اليمنى على فخده اليمنى إلا المسبحة).
وهذا كما قال: الكلام ههنا في صورة وضع اليدين في التشهد، فإنها لا تختلف باختلاف التشهدين، وإن اختلفت صفة الجلوس فيهما، فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسطها عليها، ولكن يضم بعض أصابعها إلى بعض ويقيم إبهامها إليّها، ولا يفرقها.
لا يختلف القول فيه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهًا آخر أنه يفرق الأصابع، وهو غلط، ويستقبل بأطرافها القبلة.
وأما يده أليمنى [90 ب/2] يضعها على فخذه أليمنى، وكيف يضعها، فيه ثلاثة أقواٍل.
قال في (الآم): يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، ويرسل إبهامه على فخذه، ولا يضمها إلى أصابعه، وقال في (الإملاء): يقبض الخنصر والبنصر ويطلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة.
ونقل المزني، وثم عليه في (القديم): يقبض أصابع يده أليمنى إلا المسبحة، فعلى هذا في كيفية وضع الإبهام على هذا القول، وجهان: أحدهما: يضعها على حرف راحته أسفل من سبابته كالقابض ثلاثة وخمسين.
والثاني: يضعها فوق الوسطى، وهو الأصح المشهور.
وقد روي كل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عمر رضي الله عنه (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض في التشهد على أربع أصابع، ويشير بالسبابة، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين).
وروى ابن الزبير رضي الله عنه (كان يضع إبهامه على الوسطى).
وروى وائل بن حجر رضي الله عنه (أنه كان حلق ثلاثين، وأشار بالسبابة).
وروى أبو حميد أنه بسط

الجزء: 2 - الصفحة: 59

الإبهام، فكيف ما وضع يده في ذلك أتى بالسّنة وهو بخلافهما، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: ويشير بها متشهدا.
وهذه الأسئلة مستحّبة على ما ثم عليه.
وروي في خبر أبي حميد: ولا يجاوز بصره إشارته، وهل يحركها؟ فيه وجهان: أحدهما: يحركها طول التشهد.
والثاني: لا يحركها، وهو الخلاف لما روى ابن الزبير رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بها بصره)، فيستحب أن ينظر إلى السبابة إذا جلس، وهو معنى قوله ولا يجاوز بها بصره.
وقال أبو حنيفة: (لا يشير بها أصلًا)، وهذا غلط لما روينا من الخبر، فإذا قلنا: يحرك، أو قلنا: يشير ولا يحرك ينوي به الإخلاص لله عزّ وجلّ والتوحيد لا الإشارة إلى السماء.
قال أصحابنا: وإنما يشير عند قوله: [91 أ/2] إلا الله، ولا يشير عند قوله: لا إله، وهذا حسن ولو لم يفعل شيئًا من هذا بل جلس متربعًا أو مادًا رجليه فقد أساء ويجزئه.
فَرْعٌ قال في البويطي: وينظر المصّلي في صلاته إلى موضع سجوٌده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا، والخشوع أقصر.
وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهذا لما روى ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاةَ لم ينظر إلا موضع السجوٌد)، ولأن هذا أبلغ في الخشوع.
وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته.
قال شريك بن عبد الله: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوٌده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي السجوٌد إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره ويكره أن ينظر إلى أطراف قميصه، أو إلى شيء يقرأ أو صورة يتأملها، فإن فعل لم تبطل صلاته، وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى في خميصة لها أعلاُم، فلما فرغ، قال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته)، والخميصة كساء مربع من صوف، والأنبجانية نسبة إلى [مْنِبج].
وقال من لا علم لها ولم يعد الصلاةَ فدل أنه لا يبطلها.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي التشهد الأول وجلس على رجليه للاستراحة، ثم تذكر وهو جالس تشهد، وليس عليه سجود السهو، لأنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، وإن ذكر بعدما نهض عاد

الجزء: 2 - الصفحة: 60

فجلس ما بينه وبين أن يستنم قائمًا، وعليه سجود السهو، لأنه زاد في صلاته، وهو القيام.
ومن أصحابنا من قال: إن كان نهوضه إلى الجلوس اقرب لا يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، وهذا حسٌن، ولو ذكر بعد اعتداله قائمًا لم يجز له العود، ويسجد للسهو، فإن عاد نُظِر، فإن كان جاهلًا لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته كما لو تكلم في الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا فرغ من التشهد قام مكبرًا".
وهذا كما قال: هذا اللفظ يدل على أنه لا يستحب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، ونص على هذا في "القديم".
[91 ب/ 2].
وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق.
وقال في "الأم" و "الإملاء": يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأصح.
وبه قال مالك، لأنه أحد التشهدين.
فرعٌ فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالتشهد الأخير، واحتج من قال بالأول بما روي "أنه كان يجلس فيه كأنه على الرضف"، يعني في تخفيفه، قلنا: لأنه كان يترك الدعاء فيخف، وعندنا لا يستحب الدعاء في هذا التشهد، ولا الصلاة على الآل وجهاً واحدًا.
وقال مالك: يدعو في هذا التشهد أيضًا بما شاء كالتشهد الأخير، وهذا غلط، لأنه في التشهد الأخير غير عازم على القيام إلى ركعة أخرى، فهو مطمئن فيه فيدعو بخلاف التشهد الأول.
ومن أصحابنا من قال: يستحب الصلاة فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا واحدًا، والذي نقل المزني متأول على أنه أراد به التشهد مع الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن التشهد لا يتم إلا بها، ولو نسي فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن قلنا: لا يستحب فيه، لا يسجد، وقيل: هل يسن فيه الصلاة على الآل؟ وجهان.
بناء على الوجوب في التشهد الأخير، وعند مالك يسن الدعاء فيه، وعندنا لا يسن، وإذا قلنا: يسن على الآل يسجد للسهو بتركها.
فرع يبتدئ التكبير ههنا في أول قيامه ويمدّه إلى استوائه.
وحكي عن مالك أنه قال: "لا يكبر حتى يستوي قائمًا، لأنه قيام إلى افتتاح ركعة، ولا يكبر إلا بعد اعتداله كالركعة الأولى"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود"، ولأن هذا يؤدي إلى أن يخلو موضع من الصلاة عن ذكرٍ، وهذا خلاف موضوع الصلاة، وفي الركعة الأولى يقوم إليها في غير صلاة بخلاف ههنا.
ثم قال الشافعي: "معتمدًا على الأرض بيديه"، وهذا سنة في قيامه من الجلوس،

الجزء: 2 - الصفحة: 61

وكذلك إذا سجد في الصلاة سجود القرآن [92 أ/ 2]، ثم أراد أن يقوم اعتمد على الأرض بيديه وقد ذكرنا ما يسن فيه ويكره له تقديم إحدى رجليه عند النهوض.
وروي عن مالك أنه قال: لا بأس به.
وروي عن مجاهد أنه رخص فيه للشيخ، وهذا لا يصح لأنه لم ينقل مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كثرة الواصفين صلاته.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "هذه الخطوة الملعونة".
مسألة: قال: "ويصلي الركعتين الأخريين كذلك".
الفصل وهذا كما قال: أراد أنه تجب فيهما قراءة الفاتحة.
وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد.
وقال مالك في رواية ابن القاسم عنه: "إن ترك القراءة في ركعةٍ واحدة"، وقرأ في ثلاث ركعاتٍ أجزأه.
وقال في رواية أخرى مثل قولنا.
وقال الحسن وداود: "تجزئه القراءة في ركعة واحدة"، وروي هذا عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: "لا تجب القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، ولا في الركعة الثانية من المغرب، ويلزمه القراءة في جميع صلاة الوتر بثلاث ركعات".
واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين"، وهذا غلط.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وأما خبر علي رضي الله عنه، قلنا: رواه الحارث الأعور، وكان كذابًا.
ثم روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها، فلم يصل إلا خلف الإمام"، ولا خلاف أنه لا يجهر بهذه القراءة، وهل يسنّ فيهما قراءة السورة؟ قد ذكرنا.
فرع لو قرأ من المصحف وقلب الأوراق أحيانًا لا تبطل صلاته.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن يقرأ آية قصيرة، أو كان يحفظ القرآن، لأنه عمل طويل، فهو كما لو تلقن من غيره، وهذا غلط لأن من جازت له القراءة ظاهرًا جازت ناظرًا كالآية القصيرة.
وقوله: إنه عمل طويل لا يصحّ، لأن الفكر [92 ب/ 2] والنظر لا يبطل الصلاة كما لو تفكر في إشغاله، وينظر إلى المارين، وأما إذا تلقن من الصلاة فسلم، بل لا تبطل به الصلاة.
مسألة: قال: "فإذا قعد في الرابعة أماط رجليه".

الجزء: 2 - الصفحة: 62

الفصل وهذا كما قال: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، جلس متشهدًا والجلوس والتشهد فرضان وكذلك الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والسلام فرضان آخران.
وبه قال عمر وابن عمر وأبو مسعود البدري والحسن وأحمد رضي الله عنهم.
وقال: عليّ بن أبي طالب وسعيد بن المسيب والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري: الجلوس فيه والتشهد معًا ليسا بواجبين.
وقال أبو حنيفة: الجلوس فيه قدر التشهد واجبٌ، وقراءة التشهد لا تجب.
واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم الأعرابي المسيء صلاته قراءة التشهد، وهذا غلط لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد.
والسلام على الله على عباده السلام على جبريل، السلام على ميكائيل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات" إلى آخره.
وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول "تعلموا فإنه لا صلاة إلا بالتشهد".
وأما خبر الأعرابي فيحمل أنه كان قبل فرض التشهد، أو كان يعلم التشهد فلم يذكر له، فإذا تقرر هذا، فإن سلم قبل التشهد، فإن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا نُظِر، فإن ذكر قبل تطاول الفصل بنى وإن ذكر بعد تطاول الفصل استأنف والرجوع في طوله إلى العُرف.
قسم الكلام في التشهد في فصلين؛ في الأفضل وفي أقل ما يجزئ.
فأما الأفضل ما روى سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[93 أ/ 2] يعلمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فقال: "قولوا: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
هذا رواه الشافعي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان.
ورواه أبو داود، فقال: "السلام" بالألف واللام، وهما صحيحان، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو اختيار أصحابنا بالعراق.
وقال مالك: وأهل المدينة الأفضل تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد علم الناس التشهد على المنبر، فقال: "التحيات الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام عليمنا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله

الجزء: 2 - الصفحة: 63

إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: الأفضل، ما رواه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وبه قال الثوري وأحمد وإسحق واختاره ابن المنذر وجماعة من السلف، وما قلناه أولى، لأن فيه زيادة كلمة: المباركات.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقاه إلقاءً شائعًا ظاهرًا وعلّمه كما يعلّم القرآن، وهو متأخر موافق للقرآن.
قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61].
وقال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 181]، وكل موضع ذكر الله تعالى التحية منه، فإنه سلام بغير ألف ولام.
وأمّا خبر عمر رضي الله عنه، فليس بمسنٍد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رويناه أولى، فإذا تقرر هذا، قال صاحب "الإفصاح": قال بعض أصحابنا: الأفضل أن يبتدأ فيقول: بسم الله وبالله، التحيات المباركات الزاكيات [93 ب/ 2] الطيبات، فيجمع به من الزيادات المرورية.
وقال ابن المنذر: ليس في شيء من الأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التسمية.
وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا فعلّمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا، وقال: "إذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات"، فحصل وجهان.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقول: بسم الله، فانتهره، فإن قيل: روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك.
قلنا: رواية أيمن عن ابن الزبير وأيمن ضعيف.
قلت: سمعت فيه خبرًا بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "بسم الله، وبالله التحيات لله"، وبهذا أقول فإنه زيادة.
وروي عبد الغفاري في تشهد عمر رضي الله عنه: "قال: قل: بسم الله، خير الأسماء".
وروي جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يعلّمنا التشهد: بسم الله، وبالله التحيات لله".
وأمّا أقل ما يجزئ منه، فهو خمس كلمات: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا

الجزء: 2 - الصفحة: 64

رسول الله، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال في "الأم": لو اقتصر على هذا كرهته وأجزأه، وهذا لنه يأتي على معنى الجميع.
وقال ابن شريح: أقل التشهد أن يقول: التحيات لله، سلامٌ عليك أيها النبي، سلام على عباد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فاكتفى بذكر السلام عن ذكر الرحمة، واكتفى بذكر عباد الله عن قوله: علينا، لأن الكل عباد الله، ولم يشترط الصالحين، لأن الإضافة تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]، الآية.
ولم يعد ذكر الشهادة، لأن حرف العطف دليل عليه.
وقال القاضي الحسين: يكفي أن يقول: أيها النبي، وعلى عباد الله [94 أ/ 2]، وإعادة لفظ السلام قبل قوله: عباد الله لا يشترط، بل يكفي حرف العطف.
فرع لو قال: صلى الله عليه محمد بدل قوله: أللهم صلِّ على محمد، وجهان.
والموالاة شرط بين كلمات التشهد حتى لو تركها لا يحتسب، ولو قال: اللهم صلِّ على الرسول، لا يجوز حتى يسمي محمدًا.
وأمّا سر التحيات، قال ابن عباس رضي الله عنه: التحيات العظمة والصلوات: الصلوات الخمس والطيبات: الأعمال الصالحة.
وقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: التحيات: الملك، وأنشد قول زهير: وّكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى قَدْ نِلتُهُ إِلَّا التَّحِيَّةْ وقيل: الطيبات: هو الثناء على الله تعالى.
وقيل: معناها الحلالات.
فأمّا السلام، ففيه قولان: أحدهما: اسم السلام، والسلام: هو الله تعالى، كما يقال: اسم الله عليك.
والثاني: معناه سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "لو قدّم بعض ألفاظها على بعض أجزأ كما يجزئه في الخطبة"، وهذا نص على أنه لا يجب الترتيب فيه والتحرير أنه ذكر واجب من غير جنس المعجز، فلا يجب الترتيب فيه كالخطبة.
فَرْعٌ آخرُ قال: يلزم كل مكلف من المسلمين أن يتعلم التشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يتعلم عدد الركعات والركوع والقراءة، فإن كان لا يحسنها نُظر، فإن كان ذكيًا واتسع

الجزء: 2 - الصفحة: 65

الوقت، ففرضه التعليم، وإن قصر حتى فات التعليم صلّى وأعاد، وإن ضاق الوقت على الذكي أو اتسع على البليد فلم يتعلم صلّى على حسب حاله، فإن كان يحسن غير ذلك من الذكر أتى به، وإن كان لا يحسن أجزأه بغير ذكرٍ.
وجملته أن الحكم فيهما كالحكم في القراءة، ولو بدل عربية فيها بغيرها لا يجوز، لأنه تغيير نظمه.
فَرْعٌ آخرُ قال: المستحب لمن كان إمامًا أن يرتّل التشهد بحيث يعلم أن ثقيل اللسان خلفه [94 ب/ 2] قد أتى به، فإن حذف ذلك ولم يرتب كره وأجزأه.
فَرْعٌ آخرُ قال: السنة، إخفاء التشهد، وكذلك كل ذكر حال السجود وغيره إلا السلام.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من السنة الإسرار بالتشهد".
مسألة: قال: "ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". هذا كما قال: الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركنٌ من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا به، وبه قال ابن مسعود وأبو مسعود البدري رضي الله عنهما وإسحق وأحمد في رواية.
وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: "يستحبّ ذلك، ولا يجب"، واحتجّوا بما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "علّمه التشهد، ثم قال: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا، فقد تمت صلاتك".
وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، والصلاة عليَّ".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: لا صلاة لمن لم يتشهد، ولم يصلِّ عليّ".
وأما خبرهم نحمله على أنه كان في الأول، أو معناه: قارب التمام كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وقف بعرفه فقد تم حجّه"، أي: قارب التمام بدليل أنه يجب الخروج من الصلاة بالإجماع، فإذا ثبت هذا، فالأفضل فيها أن يقول ما روى كعب بن عمرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الصلاة: "أللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، الآية.
قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد" على ما رواه كعب ولم يرو في الخبر، قوله: وارحم محمدًا وآل محمد، ولا قوله: "ترحّمت على إبراهيم"، وليس بفصيح أيضًا، لأنه يقالُ:

الجزء: 2 - الصفحة: 66

رحمته، ولا يقالُ: [95 أ/ 2] ترحمته، ولأن الترحم معنى التكلف، وليس ذلك من صفات الله تعالى، ويرجع معناه إلى الشفقة والرقّة، ولا يجوز ذلك على الله تعالى.
ذكره القفّال: والواجب الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده فيقول: "أللهم صلِّ على محمد".
وأما الصلاة على آل محمد يستحب ولا يجب، وهو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: إنها واجبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد".
وروي هذا عن أحمد، وقد روى أبو سعيد الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من صلّى صلاة ولم يصلِّ عليّ وعلى آل بيتي لم تقبل"، وهو خلاف الإجماع، ولا يجب ذكره في الأذان، والإيمان فكذلك في الصلاة بخلاف ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما تفسير الآل، قال الماسرجسي: سمعت أبا إسحق المروزي يقول: المراد بآل محمد ههنا بنو هاشم وبنو المطلب، كما أن المراد بذي القربى في تحريم الصدقات المفروضات وسهم ذوي القربي من خمس خمس الفيء والغنيمة هؤلاء وهذا لأن الآل منقلب عن أهل وهؤلاء أهل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: المراد به من كان على دينه، وهم جميع أمته لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، وأراد به من كان على دينه.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن آل محمد، فقال: "كل مؤمنٍ تقي إلى يوم القيامة"، والأول أصح.
ثم إذا فرغ من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآلهِ دعا بما أحب من أمر دين ودنيا.
قال أصحابنا: ويستحب أن يقول ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجّال ثم يدعو لنفسه بما بدا له".
وروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كان رسول الله [95 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا كلماتٍ، ولم يكن يعلّمناهنّ كما يعلّم التشهد، وهي: أللهم ألفّ بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذريتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، وأتمها علينا وأثبتها".
وروى عليّ رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول من التشهّد والسلام: "أللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت"، وجملته أن كل دعاء يجوز خارج

الجزء: 2 - الصفحة: 67

الصلاة من أمر الدين والدنيا يجوز في الصلاة.
وقال أبو حنيفة: "لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس".
ومن أصحابنا من قال: لا يطلب إلا من الله تعالى، يدعو به فيها، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا دعا به في الصلاة بطلت صلاته، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر ابن مسعود رضي الله عنه بعد ذكر الشهادتين في التشهد: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما أعجبه"، ولأن دعاء الله تعالى يجوز خارج الصلاة، فجاز في الصلاة كالدعاء المأثور.
مسألة: قال: "ويدعو قدرًا أقل من التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". وهذا كما قال: هذا نقل المزني.
وقال في "الإملاء": ويدعو بقدر التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ليس باختلاف القول، فإن الأقل من قدر التشهد، والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقدر التشهد، وقد بيّنه في "الأم"، فقال: "أرى إذا كان إمامًا أن يدعو أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلًا [96 أ/ 2] ليخفف على من خلفه".
وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، ولم يذكره أحدٌ من أهل العراق.
مسألة: قال: "ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر قرأ من خلفه، وإذا جهر لم يقرأ من خلفه"، وهذا كما قال: أراد به أن المأموم يتبع الإمام فيفعل مثل فعله في كل ما ذكرناه ويتأنى الإمام في الخفض والرفع بحيث يمكن من خلفه أن يتبعه ويقتدي به من غير مشقة.
وأمّا القراءة، فاختلف قول الشافعي فيها، قال في "الأم" و "الإملاء"، وكتاب الجمعة من "الجديد": "المأموم كالمنفرد يقرأ فيما يسرّ به ولا يقرأ فيما يجهر به".
وبه قال مالكٌ وأحمد وإسحق وداود وعبد الله بن المبارك.
وروى ذلك عن عائشة وأبي هريرة والزهري رضي الله عنهم، وقال في البويطي و "الأم": "يلزمه أن يقرأ فيما أسرّ وجهر"، وهو الصحيح.
وقال الربيع: رجع الشافعي عن القول الأول.
وبه قال عمر وابن عباس وأبي بن كعب وعليّ في رواية رضي الله عنهم، والليث والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عيينة: "لا يقرأ المأموم بحالٍ".
وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وجابر وعليّ وفي رواية رضي الله عنهم، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة"، وهذا غلط لما روى أبو داود بإسناده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: كنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ

الجزء: 2 - الصفحة: 68

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فثقلت القراءة عليه، فلما فرغن قال: "لعلكم تقرؤون [96 ب/ 2] خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرا بها"، والهذ سرد القراءة، وتداركها في سرعة واستعجال.
وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وإنما نهى عن الجهر، أو عن الزيادة على الفاتحة، ويحمل خبرهم على هذا أيضًا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ن قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خدام غير تام".
قال أبو السائب رواية عن أبي هريرة، فقلنا: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي، وقال: اقرأ يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين .... ". الخبر.
وقوله: فهي خداج"، أي: ناقصة نقص فساد وبطلان.
تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها، وهو دم ولم يستبن خلقه.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: من صلى صلاة مكتوبة فليقرأ فيها بأم القرآن، وقرآن معها، فإن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأت عنه ومن كان مع الإمام، فليقرأ قبله، وإذا سكت، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج".
فرع ثلاثة إذا قلنا: لا يقرأ خلف الإمام: أحدها: إذا جهر في صلاة السر، هل يقرأ المأموم؟ وجهان: والأصح يقرأ لأنه جهر في غير موضعه.
والثاني: لو أسّر في صلاة الجهر، هل يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يجب، لأنه لم يتوجه عليه فرض الاستماع.
والثاني: لا يجب اعتبارًا بأصل الصلاة.
والثالث: إذا كان على بعد من الإمام بحيث لا يسمع، هل يجب أن يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يقرأ.
والثاني: لا يقرأ، لأن الصلاة مما يجهر فيها، والبعد عن الإمام لا يجوز أن يكون سببًا لإيجاب الفرض على المأموم.

الجزء: 2 - الصفحة: 69

فَرْعٌ آخرُ قال في البويطي: [97 أ/ 2] وأحبّ أن يكون ذلك في سكتة الإمام قبل أن يقرأ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا كبرّ في الصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، قلت: بأبي أنت وأمي ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة.
قال: أقول "أللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بني المشرق ولالمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء الثلج والبرد".
وقال سمرة رضي الله عنه: "حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين في الصلاة سكتة إذا كبرّ حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب"، فأنكر عليه عمر، فكتب في ذلك إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه، فكتب إليه أن سمرة قد حفظ.
ولا ينبغي أن يقرأ معه.
وروي أنه كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سكتات في الصلاة، وقال أصحابنا: سكتة بعد الإحرام، وأخرى بعد الفاتحة، وأخرى في الركعة الثانية، ولو قرأ قبل أن يبتدئ الإمام يجوز، وفيه وجهٌ أنه لا يجوز كما لو رفع قبله، وهذا لا يصحّ، لأنه لا يظهر به المخالفة.
ولهذا له أن يؤخّر القراءة عن قراءته بخلاف الركوع، ولو كان في صلاة السرّ، فالأولى أن يؤخرّ مقدار ما يعلم أن الإمام قرأ الفاتحة، فإن قرأ قبله، فقد ذكرنا، ولو علم أنه لا يمكن من قراءتها بعد قراءته يقرأ معه.
وأما قراءة السورة لا يختلف المذهب أنه تسن له قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة السرّ أو كان في صلاة الجهر في موضع لا يسمع قراءة الإمام، لأنه غير مأمور بالإنصات إلى غيره، فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان الإمام يجهر بالقراءة، وهو يسمع قراءته اقتصر على الفاتحة، ولا يستحب الزيادة فيها.
وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة الظهر بالقوم، فلما انفتل، قال: "أيكم قرأ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، فقال رجل: أنا، فقال: "علمت أن بعضكم خالجنيها"، ومعناه: [97 ب/ 2] جاذبنيها، وإنما أنكر عليه مجاذبته في قراءة السورة حين تداخلت القراءتان وتجاذبتا ونهى عن قراءة السورة خلفه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصحّ أنه لا يقرأ خلفه سوى الفاتحة بحالٍ، وفيه وجهان، وهو غلطٌ ظاهٌر، وهكذا نقول فيمن تباعد عن الخطيب ولا يسمع خطبته، يقرأ القرآن في نفسه، وذكروا وجهًا آخر أنه لا يقرأ شيئًا، وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ المنفرد يجهر في صلاة الجهر سنّة عندنا خلافًا لأبي حنيفة، والأصل في هذا أن الجهر عنده شرع للإمام للإسماع، فإن المأموم لا يقرأ.
وعندنا يجهر، لأنه سنّة مقصودٌة.

الجزء: 2 - الصفحة: 70

فَرْعٌ آخرُ لو نسي الفاتحة حتى ركع الإمام، فيه ثلاثة أوجٍه: أحدها: يركع معه ويعيد ركعةً في آخرها، وهو الأصح.
والثاني: يقرأها ويتابع الإمام، لأن النسيان عذرٌ كما لو تأخر عن الإمام بعذٍر.
والثالث: يقرأها وحكمه حكم من تخلف بغير عذر، لأن الناسي لا يخلو عن تفريط.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: هل يسن للمأموم قراءة السورة؟ في ثلاثة أوجه، فإذا قلنا: يسنّ: هل يسنّ في الركعتين الأخيرتين؟ وجهان كالمنفرد.
مسألة: قال: "ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن الخروج من الصلاة ركن يتعين فيه السلام مع القدرة، ولا يقوم غيره مقامه، وبه قال الثوري وجماعٌة.
وقال أبو حنيفة: الخروج من الصلاة واجبٌ، ولكن لا يتعين له السلام، فيخرج منها بكل ما ينافي الصلاة من فعله كالحدث ونحوه، ويسنّ أن يكون السلام، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتحليلها التسليم"، ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالتكبير في أول الصلاة.
ثم أعلم أن التسليمة الأولى عندنا في الصلاة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست من الصلاة، بل يخرج بها من الصلاة، وهذا غلط، لأنه ذكر شرع في محل [98 أ/ 2] من الصلاة، فلا يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فكان فيها، فإذا تقرر هذا، فالكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال.
والثاني: في الإجزاء.
فأمّا الكمال، فإن كان المسجد كبيرًا وكثر الناس واللغط في المسجد يسلم تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله، وإن كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا وقلّ الناس فيه، فيه قولان في "القديم": يقتصر على تسليمة واحدة، لأنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سلّم واحدة، وأنه سلّم اثنين"، فيحمل على حالين.
وقال في "الأم": "يسلّم تسليمتين"، وهذا أصح لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لم أنسَ تسليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله"، ولأنه زائد فكان أولى.
وبه قال أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم، وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق رحمهم الله.

الجزء: 2 - الصفحة: 71

وقال مالك والأوزاعي: يسلم تسليمة واحدة بكل حال.
وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة، تلقاء وجهه، وكان يميل إلى شقّه الأيمن قليلًا"، قلنا: قبل رواية عمرو بن أبي سلمة، وهو ضعيف، فإن ثبت لعله كان في الأول، ثم نسخ.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: إن قوله القديم مثل قول مالك، وهو غلط، فإذا قلنا: يسلم تسليمة واحدة، نقل كما روت عائشة رضي الله عنها، وإذا قلنا: يسلم تسليمتين سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خديه إمامًا، كان أو مأمومًا.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: معناه حتى يُرى خدُّه الأيمن عن الجانب الأيمن وخده الأيسر [98 ب/ 2] عن الجانب الأيسر، ومنهم من قال: معناه حتى يرى خداه من الأيمن، ثم من الأيسر، وعليه يدلّ خبر ابن مسعود رضي الله عنه، واللفظ يحتمل الوجهين.
وفرع الشافعي على هذا فقال: "إذا سلم الإمام تسليمة واحدة على اعتقاده، فالمأموم يسلم تسليمتين ولا يتبعه فيما يفعل"، لأنه خرج من إمامته، وبهذا فارق إذا ترك الإمام التشهد الأول تابعه المأموم، ولا يقرأه، لأنه لم يخرج عن إمامته ههنا، فيلزمه متابعته.
وما قدر الإجزاء فتسليمة واحدة، قال في "الأم": أقل ما يكفيه من تسليمه السلام عليكم، فإن نقص منه حرفًا عاد فسلم، فإن لم يفعل حتى قام عاد فسجد للسهو، ثم سلم، فإن تطاول الفصل استأنف الصلاة قولًا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
كما لو ترك سجود السهو وتطاول الفصل بعد السلام هل يعيد؟ قولان: وهذا ضعيف، لأن ههنا ترك ركنًا بخلاف ذاك.
وقال الحسن بن صالح رضي الله عنه: عليه تسليمتان، وهذا أصحّ الروايتين عن أحمد.
واحتجوا بخبر ابن مسعود رضي الله عنه في السلام، وهو غلطٌ لخبر عائشة رضي الله عنها في السلام، وخبرهم محموٌل على الاستحباب.
فرع لو قال: سلام عليكم، ولم يُنَوِّنْ لا يجوز قولًا واحدًا، وإن قال: سلامٌ عليكم بالتنوين، فيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 72

أحدهما: لا يجوز، لأنه أسقط حرفين، وهو ظاهر قوله في "الأم".
والثاني: يجوز، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو الأقيس، لأنه يجزئه في التشهد بكلا اللفظين: السلام وسلامٌ.
ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأن الخبر ورد هناك بكلا اللفظين، ولم يرد في آخر الصلاة، إلا بالألف واللام.
فَرْعٌ آخرُ لو قدّم وأخّر، فقال: عليكم السلام، قال أبو إسحق: "يجزئه"، ونص على جوازه في كتاب "استقبال القبلة" في آخر "باب السلام"، فقال: "لو قال [99 أ/ 2] هكذا كرهته، ولا إعادة عليه"، وهو كالتشهد، يجوز تقديم وتأخيرها.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع" من أصحابنا من قال: لا يجوز، ويلزمه أن يأتي مرتبًا، وهذا ضعيٌف.
فَرْعٌ آخرُ كيف ينوي عند السلام؟ فإن كان منفردًا نوى عن يمينه الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة، وهم الملائكة، وإن كان إمامًا نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على من على يمينه من المأمومين.
ونوى عن يساره شيئين: السلام على الحفظة، وعلى المأمومين الذين عن يساره.
وأما المأموم ينظر، فإن كان على يمين الإمام نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته في صفّه.
ووراءه: وقدّامه، وينوي عن يساره ثلاثة أشياء: السلام على إمامه، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته.
وإن كان على يسار الإمام نوى عن يمينه أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الإمام، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين وعن يساره، ينوي شيئين: السلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين.
والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه، قال: أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نسلّم على أنفسنا، وأن يسلّم بعضنا على بعض"، وقيل: يسلّم على مسلمي الجن والإنس والملائكة، وإن كان حذاء الإمام من خلفه.
قال في "الأم": "هو بمنزلة كونه على يسار الإمام"، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى وإلا نواه في الثانية.
وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار ههنا إن شاء يردّ على الإمام عن يمينه، وإن شاء ردّ على الإمام عن يساره.
ذكره أبو حامٍد.
فَرْعٌ آخرُ لا يختلف المذهب أن ما عدا نيّة الخروج من الصلاة مستحبٌة غير واجبٍة.
وأما نية الخروج منها

الجزء: 2 - الصفحة: 73

قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي لو اختلف أصحابنا فيها، فقال عامة أصحابنا: هي واجبة.
وهو ظاهر نص القاضي في البويطيّ، [99 ب/ 2] فإنّه قال: ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة، وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهذا لأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالطرف الآخر.
وقال أبو حفص بن الوكيل وجماعة من أصحابنا: لا يجب ذلك كما لا يجب عليه نية الخروج من الحج، وهذا لأن نية الصلاة في الابتداء قد اشتلمت على جميع أقوالها وأفعالها المشرعة فيها والسلام من جملتها، فلم يحتج إلى نيٍة منفردٍة، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي، وعند مشايخ خراسان، ولهذا لو نوى الخروج من الصلاة من غير تعيين الصلاة التي هو فيها، يجوز بالإجماع، فلو كانت النية واجبة ي آخرها لوجب تعيينها كما في ابتدائها.
فَرْعٌ آخرُ لو عيّن فأخطأ، قال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: نية الخروج لا تشترط لم يضره، وإن قلنا: تشترط لم يصحّ سلامة فيسجد للسهو ثم يسلم مرة أخرى، ولو تعمد إلى هذا بطلت صلاته.
وعندي أنه لا يصح سلامه بحال على الوجهين جميعًا لأن نية الخروج وإن كانت لا تشترط فإذا أتى بها على الخلاف يمنع احتساب السلام.
فَرْعٌ آخرُ إذا فرغ من السلام يستحب أن يدعو إمامًا كان أو منفردًا، والمستحب أن يكون الدعاء ما روى ابن الزبير رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعيد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون".
وقال الشافعي في كتاب الصلاة: وبأي دعاء دعا جاز.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام"، وكلما أكثر من الدعاء بعد المكتوبة كان أحب إليّ رجاء الإجابة.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل الإخفات في هذا الدعاء إذا كان منفردًا أو مأمومًا والإمام ينظرُ [100 أ/ 2]، فإن لم يكن بالناس حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإخفات أيضًا، وإن كان بهم حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإعلان بقدر ما يرى أنهم حفظوه، ثم يرجع إلى الإخفات، وعلى هذا يحمل جهر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نريد الإخفات أن يذكر في قلبه بل ينطق بقدر ما يسمع نفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 74

قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]، يعني: به الدعاء، ومعناه: لا تجهر برفع صوتك ولا تخافت بها حتى لا تسمع نفسك.
قال الشافعي: وعامة الرواية سوى رواية ابن الزبير من غير ذكر الجهر.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا صلى الصبح أن يشتغل بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لئن أجلس مع قوم يذكرون الله من الصبح إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس"، الخبر.
مسألة: قال: "ويثب ساعة ما يسلم إلا أن يكون خلفه نساء فيثبت لينصرفن قبل الرجال".
وهذا كما قال: أراد به أن الإمام يسرع القيام ساعة السلام فعبّر عن سرعة قيامه بالوقوف، وإنما قال ذلك لخبر روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "إذا سلّم إمامكم ولم يقم فأنحوه، ولأنه لو أقام على حاله لا يأمن أن يلحقه السهو أو الشك في السلام، وربما يدخل داخلٌ فيعتقد أنه جالسٌ في الصلاة فيدخل معه، ثم إن كانت صلاة يُنتفّل عقبيها يثبت عقيب السلام، وإن كانت صلاة يلا ينتفل عقيبها يتحول عن مكانه أو ينصرف.
وقيل: يقبل بوجهه على القوم إذا لم يرد الانصراف ولا التنفل ويتبعه المأموم في هذا، فإن مكث الإمام ولم يثبت فالمستحب للمأموم أن يتوقف ولا يقوم ويتبعه فإنه ربما يتذكر سهوًا فيسجد له فإن وثب وتركه، فلا شيء عليه.
قال في "الأم": "وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام وإن أخّر ذلك [100 ب/ 2] حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحبّ إليّ"، وقال في "الأم": "وإذا أراد الانصراف، فإن كان له حاجة انصرف حيث ما توجهت به حاجته يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه، ومن ورائه".
والحاجة كالدخول إلى منزله.
وهذا يتصوّر إذا كان في مسجد له أبواب كثيرة، أو كان في فضاء، فإن كان للمسجد باب واحد خرج منه، وإذا خرج انصرف على ما ذكرناه، وإن لم يكن له حاجة، فالمستحب أن ينصرف عن يمينه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يحبّ التيامن في كل شيء".
وقال القفّال: "أراد بالانصراف عن اليمين أنه يقعد على الجانب من المحراب الذي كان يلي يمينه عند الاستقبال للقبلة والانصراف عن اليسار أن يقعد عن الجانب الآخر الذي كان يلي يساره عن استقباله"، وهذا هو المسنون عند أبي حنيفة، وعندنا ذلك هو

الجزء: 2 - الصفحة: 75

المستحب المسنون.
وفي كيفية الانتقال، اختلف أصحابنا، قال الأكثرون: يفتل يده اليسرى ويكون يمينه إلى القبلة، واليسار إلى القوم، ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب.
وقال بعضهم، وهو اختيار القفّال: يفتل يده اليمنى ويكون يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس كما قلنا في الطواف، يجعل الكعبة عن يساره واليمين إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب، ولأنه أحين في الأدب فربما يقتدي به واحدٌ، فإذا فعل ذلك كان مقبلًا بوجهه فيه، ولا يكون موليًا ظهره عليه، وعلى أي الجانبين قعد، فلا بأس، وقيل: ظاهر هذا أنه لا يشتغل بالدعاء في الجلوس بعد السلام.
وذكر أبو حامد: ويثبت ساعة يفرغ من الدعاء، وهو خلاف النص، ولا يفوته الدعاء بالقيام والإقبال على القوم بالوجه فيدعو في تلك الحالة الدعاء المشروع، ولو كان خلفه رجال ونساء.
وقال الشافعي: "يثبت عقيب السلام في موضعه حتى ينصرف النساء".
قال في "القديم": لا يلحقهن سرعان الرجال فيختلطون بهم، والأصل في هذا [101 أ/ 2] ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا سلّم قام النساء حين يقضي صلاته فيمكث يسيرًا قبل أن يقوم".
قال الزهري: نرى، والله أعلم، أن مكثه لينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال.
وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّون في المسجد الجامع فمن كان بيته من قبل بني تميم انصرف عن يساره ومن كان بيته مما يلي بني سليم انصرف عن يمينه، فمن بالبصرة، وهذا يدلّ على ما سبق.
فرع قال الشافعي: إذا أراد التنفل بالصلاة، فالأفضل أن يتنفل في بيته.
وقيل: إلا يوم الجمعة، فإنه ينتفل ظاهرًا في المسجد، وهو الأولى لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة".
وهذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره".
وروى عبيد الله عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا"، ولأن المسجد بني للجماعة

الجزء: 2 - الصفحة: 76

والنافلة لم تسن لها الجماعة فكانت في البيت أولى، ولأنها في البيت أسلم من الرياء، والفرائض بُعدى عن الرياء حيث كان يفعلها العامة والخاصة، ولأن الفرائض شعار الإسلام، فاستحب فيها الإظهار بخلاف النافلة.
فَرْعٌ آخرُ جرت عادة بعض الناس يسجدون بعد الفراغ من الصلاة فيدعو فيها وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ولم تنقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم.
مسألة: قال: "ويقرأ بين كل سورتين: بسم الله الرحمن الرحيم".
وهذا يوهم أن بسم الله الرحمن الرحيم، تسنَ في أول كل سورة، والمذهب خلافه، وهذا اللفظ متأول على أنه قصد به الرّد على من قال: لا يقرأ بها أصلصا، وقد مضى حكم هذا.
والمزني أحلّ به في موضعه، [101 ب/ 2] وذكره ههنا.
وقوله: فعله ابن عمر، أراد به أنه كان يجهر به.
مسألة: قال: "فإن كانت الصلاة ظهراً أو عصرًا أسَرَّ القراءة في جميعها".
وقد مضى بيان هذا، والجهر والإسرار من جملة هيئات الصلاة.
وقيل في تفسير قوله تعالى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 110]، أراد: اجهر في البعض وخافت في البعض.
مسألة: قال: "وإذ رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وهو قائم قال: اللهم اهدني فيمن هديت".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن القنوت في صلاة الصبح مستحب إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، فإن تركه عامدًا أو ناسيًا سجد للسهو، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس رضي الله عنهم، والحسن ومالٌك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
وبه قال الثوري، وروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وربما يقولون: إنه بدعة.
وقال أبو حنيفة: "لو قنت إمامه سكت هو ولم يقنت قنوته"، وقال أبو يوسف: "قنت بقنوته"، ويرى هذا عن محمد، وحكى الساجي عن أحمد أنه قال: "لا بأس بالقنوت فيها".
وروي عن أحمد أنه قال: "القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإذا ذهب إليه ذاهب، فلا بأس، وإمام الجيوش والسلطان فعله".
وقال إسحاق: "هو سنّة عند الحوادث لا تدعه إلا به".
واحتجوا بما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القنوت في الفجر".
وروى ابن مسعود وأنس

الجزء: 2 - الصفحة: 77

رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت شهرًا ثم ترك".
وهذا غلط لما احتجّ الشافعي، وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قتلهم في الصلاة سواها"، أي: في سائر الصلوات سوى الصبح، مع الصبح [102 أ/ 2] ثم ترك القنوت في سواها.
وهذه إشارةٌ إلى قصة نذكرها، وذلك أن رجلًا يقال له: أبو البراء ولقبه ملاعب الأسنة من سادات نجد من المشركين قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفدًا من قبل نجٍد فأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلم يقبل هديته، وقال: "لا نقبل هدية مشرك، فإن أحببت أن أقبل هديتك فأسلم"، فقال: اعرض عليّ الإسلام، فعرض عليه، وتلا عليه القرآن، فلم يسلم، وقال: ما تقوله حسنٌ، ولكني وفد قومي، فأرى أن تبعث من أصحابك من يعرض عليهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن، فإني أرجو أن يسلموا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أخاف على أصحابي نجدًا"، فقال: أنا جارٌ لهم، إني خفير، وندب النبي - صلى الله عليه وسلم - ستين رجلًا من أصحاب الصفة وأمَّر عليهم رجلًا منهم يقال له: المنذر بن عمرو فلما بلغوا بئر معونة من أرض نجد اجتمع عليهم رِعْلٌ، وذكوان وعصية من قبائل نجد ولم ينفذوا أمان أبي البراء، فقتلوهم إلا رجلين منهم، أحدهما عمرو بن أميّة، والآخر أنصاريّ كانا ذهبا في طلب بغير لهما ضلّ، فلما وجدا وانصرفا، فالتقتهما جارية فقالت: هل أنتما من أصحاب هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيَّ؟ قالا: نعم، فقالت لهما: النجاة، النجاة، فقد قتل أصحابكما في بطن هذا الوادي، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نركب البعير ونلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنخبره به، فقال الأنصاري: أمّا أنا فلا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، فوالله لا يردنّ الجنة قبلي، فقال له عمرو: اصبر إذًا حتى أركب البعير وأتوارى، ثم أنت أعلم، قال: نعم، فركب عمرو وسل الأنصاري سيفه وأقبل على أهل الوادي، فقاتل حتى قتل، فأنزل الله تعالى: (أخبورا إخواننا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيمًا)، وكان ذلك من القرآن، ثم نسخت تلاوته، [102 ب/ 2] فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يقنت في جميع الصلوات يدعو على أولئك الكفار باللعنة شهرًا، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، فنهاه الله عن اللعنة عليهم إذ كان في سابق علمه تعالى أن يُسلم بعضهم، وذلك أنه روي أن رجلًا منهم أسلم بعد ذلك فسئل عن سبب إسلامه، فقال: "إني طعنت يوم بئر معونة رجلًا من المسلمين بحربتي في صدره فنفذ فيه حتى خرج من ظهره، فكأني أنظر إلى بريق سنان رمحي من ظهره، وهو يبتسم في وجهي وأخذ شيئًا من دمه فرمى نحو السماء فقال: فزت وربّ الكعبة، فقلت في نفسي: بم فاز هذا الرجل؟ أليس قد قتلته؟ ثم أُخبرت أنه الشهادة، فقلت: إنه حق، فأسلمت، فلما نزلت هذه الآية ترك النبي - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 2 - الصفحة: 78

القنوت في الصلوات سوى الصبح، وفي الصبح لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا".
رواه أنس بن مالك.
وروي أنه سأل أنس: هل قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح؟، قال: نعم.
قال: قبل الركوع أو بعد الركوع؟، فقال: بعد الركوع، ثم قال: وقنت عمر وعلي رضي الله عنهما بعد الركعة الأخيرة، وإنما لم يذكر عثمان، لأنه في أيامه قدّم القنوت على الركوع ليدرك الناس تلك الركعة، فإنه كان يسفر بصلاة الفجر لأجل أن عمر رضي الله عنه قتل في صلاة الصبح، وكان يفلس بها".
وأمّا خبر أم سلمة نحمله على الدعاء على اللعان أنه تركه ونهى عنه.
ثم صفة القنوت أن يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت".
وجملته ثماني كلمات.
رواه الشافعي بإسناده عن أبي الجوزاء أنه قال للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، هل عندك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، فقال: "كلمات أقولهنّ [103 أ/ 2] في قنوت التوتر"، وذكر هذه الكلمات، وقد زاد بعض أصحابنا: "ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، استغفرك وأتوب إليك".
وقالوا: لو قال هذا كان حسنًا.
وقال القاضي الطبري قوله: لا يعزّ من عاديت ليس بحسن، لأنه لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وهذا فيه نظرٌ، لأن مثل هذا جاء في القرآن العظيم: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، فلا بأس بهذه الألفاظ، وإذا كان إمامًا، قال أصحابنا: الأفضل أن يعم، فيقول: "اللهم، اهدنا" حتى يكون الدعاء له ولغيره من المأمومين، ولو دعا بغير هذا الدعاء جاز، وإن كان المستحب ذلك.
وقال بعض أصحابنا: لو قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنًا، وهو ما روى نافعٌ عن ابن عمر، قال: قنت رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح، فسمعته يقول: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفر بك، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار مُلحق.
اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألّفة بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان

الجزء: 2 - الصفحة: 79

والحكمة وثبتهم على ملّة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم.
وروي أن عثمان رضي الله عنه لما كان يجمع القرآن لا يثبت إلا ما اجتمع عليه عدد من الصحابة، فانفرد واحدٌ من الصحابة براوية هاتين السورتين: "اللهم إنا نستعينك" إلى آخره، فقال عثمان رضي الله عنه: "اجعلوها في القنوت"، وإنما أمر به حتى لا تضيّعا، ويستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعاء لما روي في حديث الحسن في الوتر، أنه قال: "تباركت وتعاليت" [103 ب/ 2] وصلّى الله على النبيّ وسلم.
أورده أبو عبد الرحمن النسائي في سننه، وقيل: لا يستحب، ولكن يجوز لأنه لم يصحّ الخبر.
وأما القنوت فيما عدا الصبح، فلا يستحب إذا لم يكن نازلة ويُنهى عنه، فإن نزل نازلة بالمسلمين، ولن تنزل إن شاء الله قنت فيها كلها إن شاء الإمام، ثم إذا زالت النازلة ترك القنوت.
وقال الطحاوي: "القنوت في سائر الصلوات لم يذكره غير الشافعي"، وهذا غلط لما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قنت في صلاة المغرب، وهذا محمول على نزول النازلة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحٍد، أو يدعو على أحٍد.
كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "ربنا لك الحمد" وذكر الدعاء.
وقال بعض أصحابنا: إذا لم يكن نازلة، قال في "الأم": "لا يقنت".
وقال في "الإملاء": "إن شاء قنت وإن شاء ترك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا: ناسخٌ ومنسوخٌ"، وفي نظر.
والصحيح ما تقدم، وقيل: يقنت في الجمعة والعشاءين وإن لم يكن نازلة فإذا قلنا لا يقنتا فلا كلام وإذا قلنا يقنت فالقنوت بعد الركوع في آخر الصلاة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: كان بعض الصحابة يقنت قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع، فإن كانت الصلاة مما تسرّ فيها القراءة أسرّ به، وإن كان مما يجهر فيها بالقراءة جهر به، وقال أبو العوام بن حمزة المازني: قلت لأبي عمرو البهزي: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعده، فقلت له: عمنّ أخذت هذا؟ فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
وحكي عن مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى أنه قبل الركوع، وأما المأموم ماذا يفعل في حال قنوت الإمام؟ قال بعض أصحابنا: هل يقنت معه المأموم؟ أم يؤمّن على

الجزء: 2 - الصفحة: 80

دعائه؟ لا نص للشافعي فيه، ولكنه قال: إذا مرّت به آية رحمة سألها، ولذلك المأموم فشرك بينهما في الدعاء، فينبغي أن يكون ههنا مثله.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [104 أ/ 2] "إذا دعا الإمام فأمّنوا على دعائه".
وقيل في الكلمات التي ليست بدعاء فالمأموم يسكت أن يقول مثله أو يقول: أشهد.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو على الكفّار ونخن نؤمّن خلفه".
وهذا يدل على أنه يؤمّن، ولا يدعو.
وقال بعض أصحابنا: هذا فيما كان دعاء، فأمّا ما كان ثناء على الله تعالى، فينبغي أن يقول مثله، وقيل: المأموم بالخيار في ذلك إن شاء أمّن في الكل، وإن شاء قرأ معه، فإن التأمين على الدعاء يجري مجراه، فاستويا في حقه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجهر في القنوت أم يسرّ؟ وجهان.
فإذا قلنا: يجهر، فالمأموم يؤمّن، وإذا قلنا: يسرّ، فالمأموم يقنت أيضًا.
وأمّا رفع اليدين فيه، فلا نص فيه.
وقال أصحابنا: يستحب رفع يديه عند الدعاء لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه "كان يرفع يديه حتى يبدو ضبعاه"، أي عضداه.
وروي أن عمر "قنت ورفع يديه حتى رأي بياض إبطيه".
وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رفع يديه على الكفار".
وروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما "رفعا أيديهما إلى صدورهما".
ومن أصحابنا من قال: يقتضي المذهب أنه لا يرفع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في: الاستسقاء، والاستنصار، وعيشة عرفة".
ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد.
وقال القاضي الطبري مرةً: أنه لا يرفع وهو اختيار القفّال.
وقال مرةً: أنه يرفع، والأولى عندي هذا، وأنا أرفع اليدين فيه.
وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يمسح يديه على وجهه عند الفراغ من الدعاء لما روي محمد ابن كعب عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: إذا دعوت فادع الله ببطون كفك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك"، [104 ب/ 2] ولا يمسح يديه على غير وجهه من بدنه، فإن فعل ذلك كان مكروهًا.
وروى بعض أصحابنا بخراسان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا قنت يرفع يديه شاهرًا، ثم يمسح بهما على وجهه".
وفي هذا نظر وأنا لا أفتي بهذا.
فرع قال بعض أصحابنا: لو أراد أن يدعو في القنوت لقوم أعيانهم، أو على قوم

الجزء: 2 - الصفحة: 81

بأعيانهم، جاز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية، وأنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام"، الخبر.
وفي هذا نظرٌ عندي.
مسألة: قال: "والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة".
وأراد بها التورك.
وقد ذكرنا ذلك، وذكر بعد هذا كيفية التشهد، وقد مضى ذلك.
مسألة: قال: "ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى".
وهذا كما قال: من فاتته صلوات تركها عامدًا أو ناسيًا، أو نام عنها حتى فاتت أوقاتها استقرت في الذمّة وسقط الترتيب فيها، ويجوز أن يقدمها على صلاة الوقت، ويجوز تقديم صلاة الوقت عليها قلّت أو كثرت إلا أنه إن ذكرها، وهو في صلاة أخرى أتمها، ثم قضى ضيقًا كان الوقت أو واسعًا، وإن ذكرها قبل أن يتلبس بها، فإن كان الوقت ضيقاً بحيث إن قضاها فاتت صلاة الوقت فيكون قد صلاها قضاء، فالأولى تقديم صلاة الوقت والقضاء بعدها، وإن كان الوقت واسعاً، فالمستحب أن يصلي الفائتة أولاً، ثم الحاضرة ويُراعي الترتيب للخروج من الخلاف، فإن خالف فصلى الحاضر أولاً جاز.
وبه قال الحسن وطاوس وشريح.
وقال أبو حنيفة ومالك: إذا ذكر صلاة فائتة، وهو في حاضرة بطلت التي هو فيها ويجب عليه أن يقضي ما فاته ثم يصلي الحاضرة، وإن ضاق الوقت يصلي الحاضرة أولاً، ثم الفائتة، وإذا اجتمعت عليه فوائت فإن الترتيب فيها واجب ما لم يبلغ ست صلوات، فإن بلغت ست صلوات فقد دخلت في حد التكرار، فلا يلزم الترتيب، وفي خمس صلوات، هل يلزم [105 أ/ 2] الترتيب؟ روايتان، ويسقط هذا الترتيب عند النسيان، وقال أحمد وإسحق: "إذا ذكرها، وهو في الصلاة مضى فيها واجبًا، وصلّى الفائتة، ثم أعاد صلاة الوقت، ويلزم الترتيب بكل حالٍ حتى لو فاتته صلاة في أول بلوغه، ثم ذكرها، وقد صار شيخًا يلزمه إعادة ما بعدها".
وبه قال الزهري وربيعة، وذكر بعض أصحابنا: أنه يسقط هذا الترتيب عند النسيان، وإذا ضاق الوقت فيه روايتان عنه.
وقال الليث: "إن كانت ست صلوات لا يلزم الترتيب، وفيما دونها يلزم الترتيب مع اتساع الوقت وضيقه، والذكر والنسيان، فإن ذكرها، وقد صلّى صلاة الوقت يصلّي الفائتة، وأعاد صلاة الوقت، وإن ذكرها، وهو متلبسٌ بصلاة الوقت مضى فيها مستحبًا، وأعاد الفائتة وصلاة الوقت"، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلّى

الجزء: 2 - الصفحة: 82

التي نسي"، ولأن هذه الصلوات فاتت أوقاتها، فلا يجب الترتيب في قضائها كالست.
واحتجّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن عليه صلاة"، وروى نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من نسي صلاة فذكرها وهو مع الإمام، فإذا فرغ منها قضى فائتة، ثم أعاد التي صلّى مع الإمام".
أمّا الخبر، تحمله على نفي الكمال أو أراد: لا نافلة لمن عليه فريضةٌ.
وأما الخبر الآخر فيحمل الإعادة على الاستحباب.
فرع إذا نسي صلاة من صلوات الليل فذكرها بالنهار لا يجهر فيها بالقراءة، رواه أبو ثور عن الشافعي، وقال أبو ثور: يجهر فيها ليكون القضاء كالأداء كما لو قضى صلاة النهار بالليل لا خلاف أنه لا يجهر فيها، وهو غلط عندي.
وفي النوافل يسرّ بالقراءة [105 ب/ 2] في النهار ويجهر في الليل، والأول أصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر".
وروى بريدة مرفوعاً "من جهر في صلاة النهار فارجموه بالبعر"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة النهار عجماء"، ولأن الجهر سنّة متعلقة بالوقت، فقامت بفوات الوقت.
وقال أبو حنيفة مثل ذلك إلا أنه يقول: "إذا كان إمامًا يجهر، وإذا كان منفردًا لا يجهر"، وإن قضاها ليلاً لا نص فيه للشافعي، والذي يجيء على مذهبه أنه يجهر فيها، لأنا إن اعتبرنا أصلها فهي مما يجهر فيها، وإن اعتبرنا الوقت، فالوقت وقت الجهر.
وقال الأوزاعي: إن قضاها نهارًا أسرّ فيها، وإن قضاها ليلاً فهو بالخيار بين الجهر والإسرار.
مسألة: قال: "لا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة".
الفصل وهذا كما قال: الصلاة تشمتك على واجبات ومسنونات وهيئات فالواجبات القيام والقعود والركوع ونحو ذلك.
والمسنونات: التشهد الأول، والقنوت ونحو ذلك.
وأما

الجزء: 2 - الصفحة: 83

الهيئات؛ فالرجل يخالف المرأة في بعضها، فالرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه ساجدًا، والمرأة تضم مرفقيها إلى جنبيها، ولا تقل بطنها عن فخذيها لأنها عورة، وهذا أستر لها.
وأما في الجهر والقراءة: فالمرأة كالرجل ما لم يسمعها الرجال الأجانب وإنما يسمعها النساء أو ذوي محارمها من الرجال، فإن كان يسمع الرجال الأجانب فالسّنة لها الإسرار بخلاف الرجل وهو معنى قول الشافعي: "وتخفض صوتها"، وهذا لأن صوتها كالعورة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يرد الشافعي أنها تسرّ كما صلاة السرّ، بل أراد تسمع من يليها قليلًا ولا تجهر [106 أ/ 2] بحيث يسمع أهل المسجد كلهم بخلاف الرجل، فإنه يستحب له ذلك عند الإمكان.
وقال بعضهم: لا يزيد على إسماعها نفسها، وهو غلط ظاهرٌ وما تقدم أصحّ.
وأما في التشهدين: تجلس كما يجلس الرجل.
وقال أبو حنيفة: "تجلس كأستر ما يكون".
وقال الشعبي: "تجلس كما يتيسر عليها".
وكان ابن عمر رضي الله عنها يأمر نساءه أن يجلسن متربعات، وهذا غلط، لأنه ليس في هذا ترك الستر، فكان مسنونًا في حقها كوضع اليمين على الشمال.
مسألة: قال: "وتكتف جلبابها".
وهذا كما قال: الجلبات: الشملة التي تشتمل بما فوق الثياب، وقال أبو عبيد: هو الخمار والإزار.
وقال الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار.
وقوله: تكثف، أي: تجعله كثيفًا حتى لا يصفها، والكثيف: الثخين.
وقيل: تكثف وتكفت.
والكفت: الشدّ، والكفت: الجمع، أي: تجمع.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ [المرسلات: 25]، أي: نضمهم ونجمعهم، إنما كان ينبغي للمرأة أن تفعله لأنها عورة، فلا ينبغي أن تصفها ثيابها.
قال: "وتجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها".
أراد به تجافي عن نفسها ثيابها لأنها لو ضمت ثيابها حكي ضمها خلقتها من السمن والهزال، وهذا مستحب.
وقال بعض أصحابنا: يستحب لها أن تصلي في أستر موضع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها".
مسألة: قال: وإن نابها شيء في صلاتها صفقت".

الجزء: 2 - الصفحة: 84

الفصل وهذا كما قال الرجل إذا نابه شيء في صلاته، مثل إن سها إمامه، أو رأى أعمى متردٍّ في بئر، أو طرق عليه الباب، وهو في الصلاة، فله أن يسبّح يقصد به الإعلام والتحذير، والإذن بالدخول.
ولو قرأ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ﴾ [المائدة: 23]، أو قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] [106 ب/ 2]، أو ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12]، بقصد الأمر بالقراءة جاز، وهذا إذا قصد به قراءة القرآن مع أمره به، فإن لم يقصد به قراءة القرآن أصلًا، بطلت صلاته، لأنه خطابٌ آدمي.
وقال أبو حنيفة: إن قصد به إفهام الآدمي، بطلت صلاته إلا أنه ينبّه إمامه أو المارّ بين يديه، وكذلك لو أرتج على الإمام له أن يفتتح القراءة عليه وعلى غيره، وسواء كان الغير في الصلاة أو في غيرها، ولا فرق بين أن يكون ذلك ابتداء من جهته أو جوابًا.
والمستحب للمرأة أن تصفق في كل ما يسبّح فيه الرجل، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
وأصل الخبر ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليصلح بين قبليتين فأبطأ، فقال بلالٌ لأبي بكر الصديق: استأخر مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاقيم لتصلي بالناس؟ فقال أبو بكر: شئت، فأقام وتقدم أبو بكر فلما أحرم حضر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل الناس يصفقون ويخرقون الصفوف وكان أبو بكر لا يلتفت فلما أكثرو علم أنه جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أحرم، فأشار إليه أن اثبت مكانك، فرفع أبو بكر يده فحمد الله شكرًا، إذ رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك المقام ثم استأخر، وتقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من الصلاة، قال للناس: "أحسنتم"، يعني: حين لم يؤخروا الصلاة انتظارًا لي.
وقال لأبي بكر: "هلّا ثبت مكانك إذ أمرتك"، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للقوم: "ما لي رأيتكم تصفقون؟ من نابه شيء في صلاة فليسبّح، فأما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فإن لم يتسع الإمام أنه سها لا يعمل بقول المأموم، لأن من شك في فعل نفسه لا يرجع إلى قول غيره، كالحاكم [107 أ/ 2] إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان أنه حكم، وهو لا يذكره.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه مثل هذا.
وقال مالك: "المرأة تسبّح كالرجل".
فرع التصفيق ليس أن تضرب كفًا على كف، لأن ذلك يشبه اللهو، بل تضرب كفها اليمني على ظهر كفها اليسرى، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري وهو الأصح، والأصابع من الكلف.
وقيل: هو أن تضرب ظهر كفها اليمنى على بطن كفها الأيسر.

الجزء: 2 - الصفحة: 85

وقيل: تضرب بإصبعي يمينها على ظهر كفّها الأيسر، وقيل: على بطن كفها الأيسر.
وقيل: أن تضرب أكبر أصابع يدها اليمنى على ظاهر أصابعها اليسرى.
وروي في الخبر: "التصفيح للنساء" وفي معناهما واحد، وقيل: التصفيح: أن تضرب إصبعي اليمنى على باطن أصابعها اليسرى، وهذا لأن ضرب اليد أستر لها ولو صفّق الرجل للتنبيه أو سبحت المرأة فقد خالفا السنّة ويجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو صفقت المرأة، أو الرجل على وجه اللعب لا الإعلام بطلت صلاتها قليلًا كان أو كثيرًا، لأن اللعب ينافي الصلاة فاستوى قليله وكثيره كالضحك والقهقهة، ذكره القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ لو عطس رجل فشمتهُ وهو في الصلاة فقال: يرحمك الله، بطلت صلاته، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي كردّ السلام، ذكره صاحب "الإفصاح".
وبه قال عامّة أصحابنا، وهو المذهب.
وقال القاضي الطبري: "وجدت فيما جمعه عبد الرحمن بن أبي حاتم من "مناقب الشافعي" يقول: روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول في الرجل يكون في الصلاة فيعطس رجل لا بأس أن يقول له المصلي: يرحمك الله، فقلت له: ولِمَ؟ قال: لأنه دعاء، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم في الصلاة، ودعا على آخرين".
وهذه رواية صحيحة، فوجب أن تكون أولى مما قاله أصحابنا [107 ب/ 2]، وأنا رأيت عن الإمام أبي عبد الله الخياطي حكى عن البويطي عن الشافعي هكذا.
وهذا هو الصحيح عندي إذا كان قصده الدعاء لا الخطاب وما تقدمّ أشبه بالسنية، بدليل ما روي عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبّني، ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
وقوله: ما كهرني، أي: انتهرني، ولا أغلط لي.
وقرأ بعض الصحابة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9].
فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "فإن عطس وهو في الصلاة هل يحمد الله

الجزء: 2 - الصفحة: 86

تعالى؟ قال بعض العلماء: يحمد الله تعالى.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "العاطس في الصلاة يجهر بالحمد"، وكذلك قال النخعي ومحمد، وهو مذهب الشافعي، قال: إنه يستحب أن يكون في نفسه"، وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ إذا سلم رجل على المصلي، قال في "القديم": "يرد بالإشارة بيده وبرأسه ولا يتكلم".
وبه قال جميع أصحابه، وهو مذهب مالكٍ وأحمد وأبي ثور.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ولو قال: عليك السلام بطلت صلاته، لأنه خطابٌ لآدمي على طريق الجواب فجرى مجرى سائر الكلمات ويخالف تشميت العاطس في قول، لأنه موضوع للدعاء لا للخطاب.
وقال الحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة: يرد لفظًا، واحتجوا بأن ردّ السلام واجب، والكلام الواجب لا يبطل الصلاة، وقال أبو ثور وعطاء والنخعي، والثوري يؤخر الردّ حتى يفرغ من الصلاة، [108 أ/ 2] ثم يردّ بالكلام"، وحكي عن الثوري أنه قال: "إن كان المسلم حاضرًا فعل هكذا، وإن كان قد ذهب اتبعه بالردّ".
وقال النخعي: "ردّ عليه بقلبه".
وقال أبو حنيفة: "لا يردّ أصلًا، لا بالقلب ولا بالإشارة، لأن العمل يكره في الصلاة"، وهذا كله غلط لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قدم من الحبشة سلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فلم يردّ عليه، قال ابن مسعود: فأخذني ما قربُ وما بعُد فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث لا تكلموا في الصلاة"، وهذا دليل على الحَسَن ومن تابعه.
وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا سُلّم على أحدم وهو في الصلاة، فليُشر ولا يتكلم".
وروى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجد عمرو بن عوف يصلي ودخل معه صهيب، فدخل رجال من النصار فسلموا عليه، فسألت صهيبًا: كيف كان يصنع إذا سلّم عليه؟ فقال: كان يشير بيده"، وفي هذا نص فيما قلناه، وأما قوله: (إن ردّ السلام فرض)، قلنا: إنما يكون فرضًا إذا وقع في موقعه، وههنا الأولى أن لا يسلّم لأن المصلي مشغول بصلاته، فهو كمن سلّم على من هو قاعد لحاجته لا يرد عليه، وقد نص الشافعي إلى أن الداخل على الإمام في حال خطبته يكره له أن يسلم، فينبغي أن يكون المصلي أولى به.
وبه قال عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق، وروي ذلك عن جابر رضي الله عنه،

الجزء: 2 - الصفحة: 87

وعن مالك روايتان في هذا، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسًا، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا مصليًا فأجابه بالكلام لم تبطل صلاته، لأن إجابته في الصلاة واجبة.
والواجب فيها لا يبطل الصلاة كالقراءة.
قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
[108 ب/ 2] وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على أبي بن كعب، وهو يصلي فلم يجب، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: السلام عليك يا نبيّ الله، وقال: "وعليك السلام ما منعك أن تجييني إذ دعوتك؟ " فقال: كنت أصلي، فقال: "أفلم تجد فيما أوحي إليّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ فقال: بلى يا رسول الله لا أعود".
فَرْعٌ آخرُ إذا رأى المصلي أعمى يتردى في بئر أو صيبًا يقع في نار، يلزمه أن يصبح به، وينذره وإذا فعل ذلك، حكى الدارمي عن أبي إسحق أنه قال: لا تبطل صلاته.
وقال سائر أصحابنا: بطلت صلاته لأن الوقوع غير متحقق، وليس كذلك لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أمرٌ متحقق وهذا لا يصحّ، لأن هذا التوهم لا يمنع الوجوب فلا تمنع منه الصلاة، وهذا أظهر، وإن أخرج زكاته في الصلاة بطلت صلاته، لأن إخراجها لا يتعين عليه في الصلاة، وإن كان واجبًا.
فصل في النواهي في الصلاة روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القِران في الصلاة" وأراد والله أعلم القران بين أذكارها كالقران بين الإحرام والتوجه، وبين التوجه والاستعاذة، والقراءة والتكبير.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الشكال في الصلاة"، ومعناه أن يلصق إحدى رجليه بالأخرى.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره الشكال في الخيل" أراد أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل مختصرًا".
قال أبو عبيد: "هو أن يضح يديه على خصره في الصلاة".
وروي أنه "نهى عن الاختصار في الصلاة"، ومعناه ما ذكرنا.
ويقال: إن هذا من فعل اليهود.
وروي في بعض الأخبار: أن إبليس - لعنه الله - أهبط إلى الأرض كذلك، وهو فعل أهل

الجزء: 2 - الصفحة: 88

المصائب يضعون أيديهم على الخواصر [109 أ/ 2] إذا قاموا في المأتم.
وقيل: معنى الاختصار وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي: عصًا يتوكأ عليها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم".
والغرار: النقصان في عدد الركعات أو في الركوع والسجود، ولا تسليم، أي: لا يسلم عليه فيها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم".
قال ابن قتيبة: حتى يحتزم بثوبه، فيتزر إن كان إزازًا ويزره عليه إن كان قميصًا.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن اشتمال الصماء".
قال أبو عبيد: هو أن يشتمل على منكبه ويسدله على قدميه ويلقي ما فضل من منكبه الأيمن على منكبه الأيسر.
وقيل: إنما سمي صماء، لأنه يصير كصخرة صماء لا يبين فيه شق.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن السدل في الصلاة"، وأراد به سدل اليدين.
وقيل: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض وكان سفيان يكرهه في الصلاة، وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وغيرها.
وقال مالك: "لا بأس به في الصلاة"، وبه قال عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين ويكره في غير الصلاة، لأن المصلي ثابتٌ مكانه، فلا يرون فيه خيلاء وفي غير الصلاة خيلاء فنهى عنه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل وهو زناء" يعني حاقنًا ضاق به الأمر.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم وهو يدافع أخبثيه".
وروي: وهو ضام ركبتيه.
وروي: صريحًا به.
قال: "إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة"، لأن هذا العذر يمنعه من الخشوع في الصلاة والخشوع شرط.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره أن يصلي الرجل وبه طوف.
قال: قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " [109 ب/ 2] نهى عن كفل الشيطان في الصلاة".
قال قطرب: هو أن يصلي الرجل وهو عاقد شعره من ورائه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن قعدة الشيطان في الصلاة".
قال أهل العراق: هي الجلسة قبل القيام إلى الركعة الثانية، ولا يوجد هذا عن المفسرين لغرائب الحديث.

الجزء: 2 - الصفحة: 89

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن نقرة الغراب في الصلاة"، وهي أن ينقر إذا سجد من غير أن يطمئن.
وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن النفخ في الصلاة"، وهو أن ينفخ في موضع سجوده.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التفات الثعلب في الصلاة"، وهو أن يلتفت يمينًا وشمالًا بسرعة.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلب في الصلاة"، وهو أن يضع يديه على خصريه ويجافي مرفقيه.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يرفع الرجل أصابعه، وهو في الصلاة".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك منه الشيطان".
وروي أنه قال: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه، فإن شيطان ينتقل ما بين لحييه".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن صلاة العجلان"، وهذا لئلا يترك شيئًا من سنن الصلاة.
ويكره أن يلتفت الرجل في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يزال الله تعالى مقبلًا على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا ألتفت صرف عنه وجهه".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا التفت العبد في صلاته.
يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه" [110 أ/ 2].
وقالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وإن احتاج إلى الالتفات لا يكره لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يلتفت في صلاته يمينًا وشمالًا"، فإن التفت من غير حاجة لا تبطل صلاته أنه عملٌ قليل، إلا أن يستدبر القبلة أو صرف صدره عن القبلة، فتبطل صلاته

الجزء: 2 - الصفحة: 90

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يوطن الرجل الصلاة في المسجد كما يوطن البعير"، وهو أن يألف مكانًا معلومًا من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير يتخذ مكانًا لا يبرك إلا فيه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التمطي في الصلاة".
وروى أن الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في أرض مزبلة".
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ولينتهين عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم".
ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ، قال: "ألهتني أعلام هذه".
وقد ذكرناه.
ويكره أن يكف شعره وثوبه في الصلاة لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نُهي أن يكف شعره وثوبه".
ويكره أن يمسح الحصى في الصلاة لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصا"، وأراد بمسح الحصا تسويته ليسجد عليه.
وأكثر العلماء كرهوا هذا.
وقيل: أراد العبث بها.
وقال مالك: "لا بأس به"، وكان يسوي الحصا في صلاته غير مرة.
وروى معيقيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمسح لحصا، وأنت تصلي، فإن كانت لابدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصا" [110 ب/ 2].
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة".
رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهذا لأن عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي التثاءب، فيغطي فمه عند ذلك للخبر الذي تقدم.
وروى سعيد المقبري: أن أبا رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - "مرَّ بالحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو يصلي قائمًا وقد غرز ضفره في قفاه فحله أبو رافع فالتفت الحسن إليه مغضبًا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 2 - الصفحة: 91

يقول: "كفل الشيطان"، يعني: مقعد الشيطان، يعني معرز ضفره ويريد بالضفر المضفور من شعره، وأصل الضفر: الفتل، واصل الكفل: أن يجمع الكساء على سنام البعير، ثم يركب وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فيسجد معه.
وقد روي في السجود: "أمرت أن لا أكفّ شعرًا ولا ثوبًا".
وروى أن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في سبعة المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام ومحجة الطريق ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام".
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأرض كلها مسجٌد إلا الحمام والمقبرة"، وإنما منع من المزبلة والمجزرة لأجل النجاسة، فإذا تحقق طهارة الموضع جازت الصلاة إلا أنها مكروهة لأنه موضع النجاسة، وإن تحقق النجاسة فلا تجوز الصلاة فيه بلا خلافٍ.
وإن شكّ في نجاسته، فيه وجهان بناء على أن الاعتبار بالأصل أو بالغالب.
وأمّا المقبرة، فإن كانت جديدة تجوز الصلاة فيها، ولكنه يكره.
وقال مالك: "لا بأس بالصلاة في المقابر".
وحكي عن الحسن أنه صلّى في المقابر، وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا مقبرة، ولا تجوز لظاهر الخبر.
وأما الحمام، اختلف أصحابنا [111 أ/ 2] في المعنى الذي كرهت الصلاة، فمنهم من قال: إنما منع من الصلاة فيه لأجل النجاسة، فإنه محل النجاسات، وعليه نص في "الأم"، فعلى هذا إن علم نجاسته لم تجز، وإن علم طهارته كره، وجاز وإن جهل أمره فوجهان على ما ذكرنا أو على هذا لا ينهي عن الصلاة في المسلخ، لأنه ليس بمحل النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: إنما نهى عنها لأجل أنه مأوى الشياطين لكشف عورات فيه، ولهذا لما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوادي ولم ينتبه حتى أيقظهم حرّ الشمس، قال: "ارتفعوا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا"، ولم يصل فيه، فعلى هذا المسلخ وبيوت الحمام سواء؛ لأن العورات تكشف في المسلخ ويكون النهي نهي كراهة، فإن صلى جازت الصلاة.
وقيل: النهي عن الصلاة في الحمام لأنه يكثر دخول الناس فيه فلو كان الحمام في داره هل يكره الصلاة فيه؟ وجهان، وحكي عن رجل أنه قال: "لا تجوز الصلاة في الحمّام ولا في سطحه" والنهي يعتمد.
وأمّا محجة الطريق فلأجل أنه لا يحصل الخشوع فيها لشغل القلب بالعوارض وقيل لأن الغالب فيها النجاسة وقيل لأنه يكثر فيها

الجزء: 2 - الصفحة: 92

المار فلا يمكن الخشوع، فعلى هذا لو صلى في قارعة الطريق لا يمرّ أحد فيها، هل يكره؟ فيه وجهان.
وأمّا في معاطن الإبل وظهر بيت الله الحرام فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فصل في الخشوع في الصلاة قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ [المؤمنون: 2]ـ فدل ترك الخشوع على عدم الفلاح.
وروى شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أول ما يرفع من الناس الخشوع"، وهذا كالمشاهد في زماننا هذا، لأنهم يقتصرون على الجائز والمباح.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من هانت عليه صلاته كان على الله أهون" والخشوع أن يفعل ما أمر به، ويجتنب ما نهي عنه، وأن يخلي نفسه من حديث النفس [111 ب/ 2] وأفكار الدنيا.
وكان علي رضي الله عنه "إذا دخل عليه وقت الصلاة يصفرّ وجهه تارةٌ ويخضرّ تارةً، ويقول: أتتني الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أني حملها وأشفقن منها وحملتها أنا، فلا أدري أُسيء فيها أن أُحسن؟ ". وروي أنه قيل له: إنك تلقى الأقران وتشهد الحروب، ولا نرى بك ما نرى عند الصلاة؟ فقال هذا.
وقال عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء".
والأزيز الالتهاب والحركة.
وروى أبو داود "في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء"، وأزيز الرحا صوتها وحركتها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ لا يحضر فيها قلبه".
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رجلين من أمتي يصليان ركوعهما واحدٌ وسجودهما واحدٌ وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ومن الخشوع أن ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده وفي حال جلوسه إلى حجره".
وقال مالك: "الخشوع أن ينظر تلقاء وجهه" وما قلناه أولى لوجهين: أحدهما: أنه مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن خلفائه.
والثاني: أنه أغضّن لطرفه وأجزى أن لا يشغل عن صلاته.
ومن الخشوع أن يكون المصلي قريبًا من محرابه ليصده عن مشاهدة ما يلهي ويمنعه من مرور ما يؤذي.
لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ارهقوا

الجزء: 2 - الصفحة: 93

القبلة"، يعني ادنوا منها، فإن لم يكن محرابٌ اعتمد القرب من حائط أو سارية، فإن لم يكن وضع بين يديه شيئًا أو خط خطاً، ومن الخشوع أن لا يضع [112 أ/ 2] رداءه عن عاتقه بين يديه، ولا يكثر الحركة والالتفات ولا يقصد فعل شيء أبيح له فعله في الصلاة.
ومن الخشوع أن لا يلبس ثوبًا يلهيه ويعتمد لبس البياض ولا يصلي متلثّمًا ولا مغطى الوجه فإنه مكروه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي، وقد غطى لحيته، فقال: "اكشف وجهك".
ومن الخشوع أن لا ينتحنح في صلاته ولا يبصق.
وروى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه"، فإن غلبه البصاق فألقاه على الأرض لم تبطل صلاته.
وروي أن عثمان رضي الله عنه "أول من رسم الخلوق في المسجد لينمحي به أثر البصاق".
فرع إن كان حاقنًا ويخاف فوت الصلاة لضيق وقتها، فيه وجهان: أحدهما: يؤخرها حتى يأتي الخشوع، ويكون عذرًت في التأخير كما لو خاف ذهاب الوقت لو تطهّر لا يترك الطهارة.
والثاني: يصليها على حاله ثم يستحب له أن يعيد لأنه يؤدي إلى فوات الصلاة.
مسألة: قال: "وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها".
الفصل وهذا كما قال: يجب ستر العورة على الرجل والمرأة في الصلاة قولاً واحدًا.
وأما في غير الصلاة ينظر فإن كان هناك من ينظر إليه، فعليه الستر، وإن كان خاليًا في بيته، فيه وجهان.
والمذهب المنصوص أنه يجب سترها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فالله أحق أن يُستحى منه"، ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك.
وقال مالك: "ستر العورة ليس بشرط من شرائط الصلاة بل هو واجب في الصلاة وغيرها".
واحتج بأن وجوبه لا يختص بالصلاة فلا يكون من فروضها، فإذا عدم فيها لم يبطلها كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها [112 ب/ 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة امرأةٍ حاضت إلا بخمار".
أي

الجزء: 2 - الصفحة: 94

بلغت حال الحيض، وما ذكروه يبطل الإيمان والطهارة أيضًا، فإنه تجب لمس المصحف وفقدهما يبطل الصلاة، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في قدر العورة، فهو من الرجل ما بين سرته وركبته، وليست السرة ولا الركبة منها.
نص عليه في عامة كتبه.
وبه قال مالك وأحمد في رواية وقال أبو حنيفة: الركبة من العورة.
وبه قال عطاء، وهذا غلط لما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "وما فوق الركبة من العورة وما أسفل السرّة من العورة".
وقال ابن عباس رضي الله عنه: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأتزر تحت سرّته وتبدو سرّته ولقي الحسن بن علي أبو هريرة رضي الله عنهم، فقال: "أرني الموضع الذي قبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع الحسن ثوبه فقبل سرّته"، ولأنها حدّ العورة فأشبهت السّرة.
واحتج بما روي أبو الخصوب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الركبة من العورة".
قلنا: أبو الخصوب لا يثبته أهل الأخبار فخبرنا أولى أو أراد استحبابًا.
وحكى الداركي عن الترمذي أن الشافعي نصّ في موضع على أن السرّة والركبتين من العورة، وهذا لا يعرف في شيء من كتبه، ولكنه قول بعض أصحابنا.
وقال داود بن الجرير: العورة هي السوأتان: القبل والدبر من الرجل والمرأة.
وروي ذلك عن أحمد، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعاً في بيته كاشفًا عن فخده، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوّى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قلت: يا رسول الله [113 أ/ 2] دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"، فلو كان الفخذ عورة لغطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخول أبي بكر وعمر.
وهذا غلط لما روى جرهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رآه في المسجد قد كشف عن فخذه، فقال: غطّ فخدك، إن الفخذ من العورة".
وروى الدارقطني بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لعلي: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت".
وأمّا ما روي عن عائشة رضي الله عنها قلنا: روي كاشفًا عن ساقيه، ويحتمل أن يكون الموضع المكشوف لم يكن من الناحية التي جلس فيها أبو بكر وعمر، ويحتمل

الجزء: 2 - الصفحة: 95

أن يكون جائزًا ثم نسخ بما ذكرنا.
وأما المرأة فكل بدنها عورة إلا الوجه والكفين فمتى صلت، وقد كشف بعضها، وإن كان شعرة بطلت صلاتها.
وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو ثور إلا أنا ذكرنا عن مالك ما قال في حكم الصلاة، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقد قال مالك لو تركت الستر ووقت الصلاة باق أعادتها، وأصحابه يقولون: كل موضع يقول مالك: يعيد إن كان الوقت باقيًا يريد الإعادة استحبابًا.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يجب عليها ستر جميع بدنها حتى ظفرها وإن انكشف منها شيء بطلت صلاتها.
وروي هذا عن أحمد.
وروي عن أحمد وداود: كل بدنها عورة إلا وجهها فقط.
واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، والظاهر الوجه، وهذا غلط، لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: إلا ما ظهر منها: الوجه والكفين.
وروت عائشة رضي الله عنها: أن امرأة رمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء ستر بثياب فقبض ذلك.
وقال: "ما أدري أيد امرأة أم رجل"، [113 ب/ 2] فقالت: بل امرأة، فقال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك" يعني بالحناء، فلو كانت يدها عورة لم ينظر إليها.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: قدم المرأة ليست بعورة.
وعن أبي حنيفة رواية: أنها عورة.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن في أخمض قدميها وجهين.
وقيل: قولين.
وهذا غلط لما روت أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله "أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: "نعم، إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها".
قالوا: القدمان يظهران منها في العادة كالكفين، قلنا: لا نسلم بل تستران في العادة، ولهذا لا يجب كشفهما في الإحرام بخلاف الكفين.
وقال أبو حنيفة أيضًا: العورة عورتان مخففة ومغلظة، فالمخففة ما بين السرة والركبة من الرجل وجميع بدن المرأة إلا ما ذكرنا.
والمغلظة: السوأتان من الرجل والمرأة، فإن ظهر من المغلظة قدر درهم لا تبطل صلاته وإن زاد بطلت وإن انكشف من المخففة قدر ربع عضو فأكثر لا تصح الصلاة وإن كان دون ذلك يصح.
وقال أبو يوسف: يُعفى عن أقل من النصف وعندنا لا فرق.
ولا يُعفى عن قليله وليس فيما قدره توقيف ولا اتفاق، فلا يجوز القول به.
فإذا تقرر هذا فالمستحب لها أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ يغطي قدميها وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار هو الجلباب الذي ذكره الشافعي، نص عليه في "الأم"

الجزء: 2 - الصفحة: 96

وروي عن عمر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أبواب، وأما الواجب الخمار والقميص السابغ لما ذكرنا من خبر أم سلمة رضي الله عنها.
مسألة: قال: "وإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها".
وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة المرأة الحرة، فأما عورة الأمة لم يذكر الشافعي [114 أ/ 2] قدرها، ولكنه قال: تصلي بغير قناع.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنها كالرجل عورتها ما بين السرة والركبة، وهو اختيار أبي إسحق والقاضي الطبري وجماعة، وهو ظاهر المذهب لأنها سلعة من السلع يضطر الناس إلى النظر إلى صدرها كما يضطرون إلى النظر إلى الإشهار لأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن بدنه عورة كالرجل.
ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا ما تمس الحاجة إلى كشفه عند التقلب من الرأس والوجه واليدين والساقين وما عدا ذلك عورة.
وقال صاحب "الإفصاح": "عورتها كعورة الحرة" إلا أن لها كشف الرأس لما روي أن عمر رضي الله عنه: "رأى جارية متقنعة لآلِ أنسٍ فَعَلاها الدرة.
وقال: أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء.
وروي أنه قال: "اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر يا لكاع".
وقال ابن المنذر: "كان الحسن البصري يوجب على المرأة الخمار إذا تزوجت أو يتخذها سيدها لنفسه وروي عنه: إذا ولدت".
فرع أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها سواء في قدر العورة، ذكره جميع الصحابة.
وقال في "الحاوي": "في المعتق نصفها وجهان: أحدهما: هنا، وهو أنها كالأمة في صلاتها ومع الأجانب وكأمة الغير مع سيدها.
والثاني: أنها كالحرائر في صلاتها ومع سيدها والأجانب، وهذا أصحّ لأنه إذا اجتمع التحليل والتحريم كان حكم التحريم أغلب" وهذا غريب جيد.
وقال محمد بن سيرين: أم الولد لا تصلي إلا متقنعة لثبوت سبب الحرمة لها، وهو رواية عن أحمد.
وروي عن مالك مثله، وهذا غلط لأنها مضمونة بالقيمة فأشبهت القن.
فَرْعٌ آخرُ لو دخلت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت قبل الفراغ منها فعليها أن تستتر ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 97

تمضي في صلاتها، ثم لا يخلو إما أن يكون بالقرب منها أو بالبعد عنها، فإن كان بالقرب منها أخذته وسترت به عورتها، ولم تبطل صلاتها لأنه عمل يسير، وهكذا لو سترها غيرها به جازت صلاتها أيضًا.
ولو احتاجت إلى استدبار القبلة بطلت صلاتها، وإن كان قليلًا لأن استدبارها أعظم من العمل الكثير، وإن كان الثوب بالبعد عنها فعليها أن تمشي إليه وتستر به عورتها، فإذا مشت إليه بطلت صلاتها.
وقال في "الحاوي": "ثم فيه وجهان: أحدهما: تبطل برؤية الثوب كالمتيمم إذا رأى الماء، وهذا لا يصحّ لأنه لو صحّ لبطلت، وإن كان الثوب قريبًا.
والثاني: تبطل بالمشي إليه وعلى هذا لو لم تمضِ لأخذ الثوب ولا انتظرت من يناولها، تبطل أيضًا؛ لأنها وإن لم تمض فهي في حكم من مضى لوجوب ذلك عليها".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على من سبقه حدث في صلاته فخرج وتوضأ، هل يبني أم يستأنف؟ قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو كان هناك من يأتيها به، فهل يجوز لها أن تمسك عن عمل الصلاة حتى يأتيها به ويسترها؟ فيه وجهان: قال أبو إسحق: يجوز ذلك ولا تبطل صلاتها لأنها فعلٌة واحدٌة، فهو كانتظار الراكع المأموم.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاتها، لأنها تركت ستر العورة مع القدرة عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على المشي، فإن جوزنا المشي فالانتظار أولى وإن لم نجوز المشي، فيه وجهان.
وهذا مبني على أنه هل يجوز في صلاة الخوف أكثر من انتظارين؟ فَرْعٌ آخرُ لو كانت جاهلة بالعتق أو بوجوب الستر أو بوجود الثوب، وصلت مكشوفة الرأس لم تجزها لأنه شرط فلا يسقط بالنسيان والجهل قولًا واحدً.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان [115 أ/ 2] من المصلي في الثوب النجس ناسيًا، فإن فيه قولين.
ومن قال الأول أجاب عن هذا: أنها مندوبة إلى الستر، فصارت كالمفرطة في تركها ولم يعزر فيه الجهل بخلاف مسألة النجاسة، وفي هذا الفرق نظرٌ.
فَرْعٌ آخرُ المكاتبة كالأمة، ولكن إذا كان عندها ما تؤدي في نجومها وقد حلت يكره لها أن تصلي مكشوفة الرأس، وهكذا لو قال لها سيدها: إني دخلت الدار في يومي هذا، فأنت حرة فتركت الدخول، أو قال لها: أنت حرة إن شئت.

الجزء: 2 - الصفحة: 98

فَرْعٌ آخرُ لو قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرةٌ من الآن يعني قبل الصلاة، فصلت مكشوفة الرأس صحت صلاتها ولا تعتق قبل الصلاة، لأن هذه صفة باطلة، لأن تقدم المشروط على الشرط محال ويكون كإيقاع العتق في الزمان الماضي.
فَرْعٌ آخرُ يلزم الحرة ستر العورة الصغرى مع الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ولم تتحرك عليهم الشهوة والصغرى ما بين السّرة والركبة وأما مع العبيد فيه ثلاثة أوجه أحدها: يلزمها ستر العورة الكبرى، كالأجانب، والكبرى: جميع البدن.
والثاني: يلزمها ستر العورة الصغرى لدى الرحم وبه قال ابن أبي هريرة، وابن سريج.
والثالث: وهو تقريب أنها تبرز إليهم وهي فضل بارزة الذراعين والساق، ولا يختلف أصحابنا أنه لا يلزمهم الاستئذان إلا في وقت مخصوص بخلاف الحرة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان نصفها حرًا فعليها ستر العورة الكبرى منه بلا خلاف ذكره في "الحاوي".
فَرْعٌ آخرُ الشيوخ الهرمي الذي عدموا الشهوة وفارقوا اللذة ففي عورتها معهم وجهان: أحدهما: هي الكبرى.
والثاني: الصغرى، كما قلنا في الصبيان.
فَرْعٌ آخرُ المحبوب الذي ليس بخصيّ، ففي عورتها معهم وجهان أيضًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾.
فَرْعٌ آخرُ العينين [115 أ/ 2] والمأيوس من جماعه والخصي والمؤنث المشبه بالنساء كغيرهم من الرجال في حقها.
فَرْعٌ آخرُ لو تجرد الرجل في ماء نهر أو غدير، فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الماء يقوم مقام الثوب في ستر عورته.
والثاني: لا يجوز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن ينزل الماء بغير مئزر، وقال: "إن للماء سكانًا".

الجزء: 2 - الصفحة: 99

فَرْعٌ آخرُ لا حكم لعورة الأطفال دون السبع، فإذا بلغ الغلام عشرًا والجارية تسعًا كانا كالبالغين في حكم العورة، وتحريم النظر إليها، لأن هذا زمان يمكن فيه البلوغ فيغلظ حكم العورة وفيما بين التسع والعشر من الغلام والجارية يحرم النظر إلى فرجها ويحلّ فيما سواه.
مسألة: قال: "وأحب أن يصلي الرجل في قميص ورداء".
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة الرجل، فيلزمه أن يصلي مستور العورة، ثم الكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال.
والثاني: في قدر الجائز.
فأما الكمال هو أن يصلي في ثوبين وقميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحقّ من يزين له".
فمن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود، وإن كان معه ثوب واحد اتزر به إذا كان ضيقًا، ويجعل على عاتقه شيء، وإن كان واسعًا التحف به، وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعله القصّار إذا كان في الماء.
والأصل في ذلك ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له: "يا جابر إذا كان الثوب واسعًا، فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك"، وإنما قال كذلك في الثوب الواسع ليكون بمنزلة الإزار والرداء.
وروى أبو داود في "سننه" عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: "رأيت النبي [116 أ/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه على منكبيه".
وقال أحمد: لا يجزئه حتى يكون على عاتقه شيء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وهذا غلط، لأن هذا الموضع ليس بعورة، فلا يجب ستره.
والخبر محمول على الاستحباب أو على أنه أراد: لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقوه، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه، فيخالف بينهما ويشده على عاتقه على ما بيّنا.
وأما اشتمال اليهود أن يجلل بدنه الثوب ويسلبه من غير أن يشيل طرفيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 100

وأما قدر الجائز فثوب واحد يستر به عورته فأولاها القميص ثم الرداء، ثم الإزار، ثم السراويل، فقدم الشافعي الإزار على السراويل، لأنه روى: "فليتزر به"، وهذا لأن السراويل تصف العورة حيث كان معمولاً على قدها.
قال أصحابنا: وتقديم السراويل أولى لأنه أجمع للستر، ولا فرق بين أن لا يقدر على أكثر من ثوب واحد وبين أن يقدر، والأصل في هذا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصلاة في ثوب واحدٍ، فقال:" أو يكلكم ثوبان"؟.
وروى جابر رضي الله عنه أنه "صلى يومأ في إزار واحد ورداؤه موضوع بين يديه على المشجب فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ليراني جاهل مثلك فيعلم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة وأينا كان له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان".
فإذا تقرر هذا، فمتى ملى في قميص واحد فعليه أن يزره لئلا يشاهد عورته هو أو غيره حال الركوع والسجود.
وروي أن سلمة بن الأكوع، قال: يا رسول الله إنا نكون في الصيد فيصلي أحدنا في القميص الواحد، قال: "انعم، [116 ب / 2] وليزره ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة".
وروي أنه قال: "زره عليك أو اربطه بشوكةٍ".
وعنا أبي حنيفة: يجوز وان لم يزره لأن ستر العورة يجب من المقابلة، فإن كان على رقبته ثوب أو خلة بخلال أجزأه، وان ترك ذلك، فإن جيبه ضيقاً ورقبته غليظة يمنع النظر إلى العورة عند الركوع والسجود أجزأه، وان لم يفعل شيئاً من هذا وشد وسطه على سرته بخيط أو حبل أجزأه، وان كان في قميصه شق نظر، فإن قابل العورة لم يجز، وإن لم يقابلها، فهو كالجيب إن كان يشاهد العورة منه، لم يجز، وإن لم يشاهد جاز، ولو غطاه بلحيته أو شعر رأسه، أو وضع يده على موضع الشق لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يغطي بعض بدنه ببعضه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: والصحيح الأول، ولو كان معه رداء اتزر ببعضه وجعل البعض على عاتقه، ولو كان معه سراويل واحد لبسه.
قال الشافعي: وأحث أن يكون على عاتقه شي، عمامة أو غيرها، وإن كان حبلاً ولم يجد غيره جعله على عاتقه، وهذا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء"، فان لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلاً حتى لا يخلو من شيء.
مسألة: قال: "وكل ثوب يصف ما تحته أو لا تجز لم تجز الصلاة فيه".
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الثوب الساتر، وهو أن يكون صفيقاً يستر لون

الجزء: 2 - الصفحة: 101

البشرة فإن كان لا يستر لونها ويشاهد أنه أحمر أو أسود لم يجز لأنه لم يستر العورة، فإن قيل: أليس قلتم: لو كان الحائل خفيفاً عليها فمسها فوق ذلك الحائل لا ينتقض وضوؤه عناكم فجعلتموه ستراً لها؟!.
قلنا: الفرق أن نقض الطهارة يتعلق بمباشرة البشرة، والسترة الخفيفة تحول دونه، [117 أ/ 2] وليس كذلك السترة في الصلاة، فإن الفرض الحيلولة لتبين البصر وبين البشرة، فإذا لم يستر لونها لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: تجوز الصلاة في الثوب الواصف للون وكذا ذكره القفال زماناً فألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي، فرجع عن ذلك، ولو كان الثوب صفيقاً يستر لونها جازت الصلاة فيهء وإن وصف حجم الأعضاء للينه من الإليتين أو الفخذين، أو الذكر، لأنه ما من ثوب إلا ويصف ذلك وغيره أولى.
وقول الشافعي: "وكل ثوب يصف ما تحته".
أراد به ما ذكرنا.
وقوله: أو لا يستر أراد به أن يكون رخو النسج بحيث يرى من فرج النسج ما تحته من العورة.
فرع يجوز ستر العورة بكل طاهر يستر عورته، فلو سترها يجلد طاهر ذكي أو مدبوغ جاز.
وقال في "الأم": "وإذا لم يجد ثوباً ووجد ورق الشجر ستر به عورته وصلى" لأنه أكثر ما يقدر عليه من الستر ويخصفه على نفسه بشدة أو خيطه.
فَرْعٌ آخرُ لو طين عورته بطين حتى لا يرى من لونه شيء وصلى جازت صلاته، لأن الواجب ستر لونه لا ستر جثته وخلقته، ألا ترى أنه لو لبس سراويل ضيقة ترى جثة أعضائه فيه جازت صلاته.
وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: "لا تجوز صلاته"، وهذا غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ هل يلزمه أن يطين عورته؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: يلزمه، وهو الأصح، وهو ظاهر المذهب، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا وجد ما يستر عورته من جلد طاهر أو ووق ما وغيره يلزمه"، وأراد بالغير الطين، ووجه هذا أنه جسم صفيق يستر ويمنع النظر ولهذا لو طين المحرم رأسه تلزمه الفدية.
والثاني: لا يلزمه، وهو اختيار أبي إسحق وجماعة، لأنه يتلوث به البدن، ولأنه إذا جف يتشقق ولا يستره، فإذا قلنا: لا يطين، [117 ب / 2] فلا كلام، وإذا قلنا: يطين، فإن كان محدثاً طين كيف شاء، وإن كان متطهراً طين بدنه غير القبل والدبر، فأما القبل

الجزء: 2 - الصفحة: 102

والدبر ينظر فإن أمكنه تطين ذلك من غير أن يباشر الفرج بيده بأن يكون الطين ثخيناً أو يجعل على يده شيئاً من خرقة، أو ورق شجر أو خشبة فعل وإلا انتقض طهره بمسه.
فَرْعٌ آخرُ لو وجد من الكسوة ما يستر بعض عورته مثل أن تجد المرأة سراويل أو الرجل خرقة صغيرة أو إزاراً مشقوقاً، فعليه أن يستر به ما قدر عليه من عورته.
والقياس: أن له أن يستر أي موضع شاء من عورته، والأولى ستر القبل والدبر، هكذا ذكر أبو حامد.
وقال في "الأم": "ستر به الفرجين لأنهما أغلظ من الفخذين"، فظاهره وجوب ذلك، وان وجد ما يستر به أحدهما، قال في "الأم": "ستر القبل دون الدبر"، لأنه لا حائل دون ذكره يستره ودون الدبر حائل من الإليتين، ولأن هذا الفرج يستقبل به القبلة فكان ستره أولى وكذلك المرأة تستر قبلها دون الدبر أيضاً، ومن أصحابنا من قال: يستر دبره، لأنه ينكشف في الركوع والسجود، فيكون أفحش من القبل، ومن أصحابنا من قال: هما سوا،، وكلاهما خلاف النص الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ لو كان للرجل ما يستره أو يستر امرأته لا يكفيهما وإنما يكفي أحدهما، وليس للمرأة شي،، فالأفضل أن يسترها لأن عورتها أعظم حرمة، فإن لم يفعل وستر نفسه وصلت عريانة صحت صلاتها لأنها صلت ولم تملك ما تستر عورتها، نص عليه في "الأم".
فَرْعٌ آخرُ لو صلى في قميص واحد فوق سطح بحيث لو نظر ناظر من الأسفل رأى عورته جازت صلاته، لأنه لا يلزمه ستر عورته من الأرض، وإنما يلزمه من الجهة التي جرت العادة بالنظر منه ونظيره الخرق في الخف يمنع المسح، ولكن لو كان لابساً للخف وكان واسع الساق بحيث لو نظر [118 أ / 2] ناظر في ساقه رأى ظهر قدمه يجوز المسح عليه.
وذكر والدي الإمام وجهاً آخر أنه لا يجوز، لأنه كما يلزمه الستر لحق الآدمي من الأعلى والأسفل، كذلك يلزمه لحرمة الصلاة وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى في ماءٍ كدرٍ ستر به ما دون السرة حتى لا يظهر منه شيء إذا ركع ويمكنه أن يسجد على الأرض فيها، أو كان يصلى على جنازة حتى لا يحتاج إلى ركوع وسجود تجوز صلاته، وكذلك إذا كان صافياً ودخل فيه إلى عنقه حتى تراكم الماء واخضر به وستر بلونه لون عورته جازت الصلاة، وإلا فلا.
وحكي عن ابن أبي أحمل: أنه لا يجوز ذلك بحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 103

فَرْعٌ آخرُ لو ستر عورته بالزجاج لا يجوز لأنه لا يستر اللون.
فَرْعٌ آخرُ لو وقف عرياناً في جب وصلى على الجنازةء فإن كان رأس الجب ضيقاً لا تبين العورة له ولا للناظرين يجوز وإلا فلا يجوز، وكذلك لو حفر في الأرض حفرة، ووقف فيها ورد التراب إلى نفسه.
فَرْعٌ آخرُ لو انكشفت عورته بريح أو سقطة لم تبطل صلاته نص عليه في "الأم"، فإذا قار عليه وأمكنه إعادته كما كان لزمه فعله وان أخره عن أول حال الإمكان بطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد إلا ثوبا نجساً ولا يقدر على عيله.
قال في "الأم": "لم يصل فيه وتجزئه الصلاة عرياناً ولا يعيد".
وبه قال الليث.
وقال في البويطي هكذا، ثم قال: "وفيه قول آخر: يصلي في الثوب النجس ويعيد"، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: "يصلي فيه ولا يعيد".
وبه قال المزني، وهذا غلط لأن فرض الصلاة يسقط مع العري ولا يسقط مع النجاسة.
والدليل على أنه لا يسقط مع النجاسة ما تقدم.
وقيل: هذا الذي حكي عن أبي حنيفة، مذهب مالك والأوزاعي لأن عندهما لا تجب إزالة النجاسة على المصلي.
وقد روى أبو يوسف [118 ب / 2] عن أبي حنيفة أنه إن شاء صلى عرياناً وان شاء صلى في الثوب النجس.
واحتج بأن كليهما واجب وليس أحدهما بأولى من الآخر فيتخير.
وروى محمد في "الإملاء" عن أبي حنيفة أنه إن كانت النجاسة في أقل من نصف الثوب صلى فيه، ولا يصلي عرياناً، وإن كان مملوءاً دماً، فإن شاء صلى عرياناً، وان شاء صلى في الثوب، وهذا غلط، لأنها سترة نجسة، فلم تجز الصلاة فيها كجلد الميتة، وما ذكره ينقض بهذا.
فَرْعٌ آخرُ لو كانوا جماعة فذهبت ثيابهم لغرق أو حريق أو قطع طريق نظر، فإن بقي مع أحدهم ثوب نظر، فإن كان يحن القراءة تقدم إماماً، وصلوا جماعة، لأنه يمكنه أن يقف أمام الصف الذي هو موقف الأئمة، فكان أولى من العريان، وان كان لا يحسن القراءة يصلي وحده، لأن إمامته ممن يحن الفاتحة لا تصح، فإذا في غ من الصلاة، فالمستحب له أن يعيرهم ثوبه ليصلوا فيه، لأن فيه قربة وثواباً، فإن بخل ولم يعرهم

الجزء: 2 - الصفحة: 104

ثوبه لم يكن لهم قتاله ومكابرته عليه لأنه لا ضرورة لهم إليه لأن لهم أن يصلوا عراة وتجزئهم، ويخالف هذا إذا كان به جوع شديد ووجد مع غيره طعاماً فضل عن حاجته كان له مكابرته عليه، لأن به ضرورة إليه.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يعيرهم، فالأولى أن يبدأ بالنساء، ثم بالرجال، لأن عورتهن أغلظ وأكد حرمة فكانت البداية بسترها أولى.
فَرْعٌ آخرُ يجب على المعار قبول العارية به ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، قبول العارية كما لو بذل له ماء الطهارة يلزمه القبول.
فَرْعٌ آخرُ لو امتنع من الإعارة ورغب في الهبة تمليكاً لا يلزمه قبوله في ظاهر المذهب، لأن في قبوله منة كما لو بذل له ثمن ماء الطهارة لا يلزمه قبوله.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: [119 أ / 2] أحدها: هذا.
والثاني: يلزمه قبوله.
وأما الثالث: يلزمه قبوله ناوياً به العارية، ثم إذا صلى فيه رده إلى ملكه، لأن عليه أن يتسبب إلى ستر عورته بما يقدر عليه، ولهذا عليه أن يستتر بالأوراق وغيرها، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وهو غلطء لأن الرجل بذل له عينه دون منفعته، فكيف يمكنه قبول منفعته دون عينه، وإذا تملكه كيف يمكنه رد ملكه إلى الغير؟.
فَرْعٌ آخرُ لو خافوا ذهاب الوقت إذا صلوا واحداً واحداً، قال ههنا: لم يجز لهم أن يصلوا عراة.
وقال في "الإملاء": يتعاورونه بينهم إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا كما أمكنهم حكاه صاحب "الإفصاح"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يلزمهم الصبر، ولا يجوز أن يصلوا عراة، فإن صلوا أعادوا لأن متر العورة لا بال له يرجع إليه، فلا يجوز تركه لخوف فوت الوقت كما لو كان معه ثوب يحتاج إلى غسله، ويخاف فوت الوقت لو اشتغل بغله لا يجوز له أن يصليها حتى يغسله، كذلك ههنا.
والثاني: لهم أن يصلوا عراة، لأن الستر يسقط بالعذر وخوف فوت الوقت عذر يسقط به.
ولو كانت جماعة في سفينة لا يمكن جميعهم أن يصلوا قياماً وأمكنهم واحداً واحداً.
قال الشافعي: "صلوا واحداً واحداً إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا قعوداً".
قال المزني في "الجامع الكبير": "إذا كان هذا من قول الشافعي فكذلك يلزمه في الثوب

الجزء: 2 - الصفحة: 105

مثله"، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال في مسألة السفينة قولين أيضاً، ومنهم من قال: ههنا قول واحد، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ستر العورة أكد من القيام، لأنه يجوز ترك القيام في النوافل مع القدرة، ولا يجوز ترك الستر بحال.
والثاني: أن ستر العورة لا بدل له يرجع إليه وللقيام بدل، وهو القعود.
فَرْعٌ آخرُ لو تخلف [119 ب / 2] القادر على الثوب مع القدوة، وتقدم واحد من القوم مع المكتسي يجوز.
نمق عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهو غلط.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة المكتسي خلف العاري، وهذا غلط، لأنه ذكر تجوز صلاته، فصحت صلاته خلفه.
فَرْعٌ آخرُ لو استعار ثوباً فلبسه ثم أحرم بالصلاة، ثم استرجعه مالكه بنى على صلاته عرياناً، وتجوز لأنه عاجز الآن عن الستر.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق مع أحدهم ثوب أصلاً.
قال الشافعي: "صلوا فرادى وجماعة"، فمخير بين الفرادى والجماعة.
وقال في "القديم": "الأولى أن يملوا فرادى"، لأنه أغض للبصر، فكان أولى من الجماعة التي لا يمكن معها غض البصر، ولأن الجماعة فضيلة وغض البصر فريضة فما أدى إلى فعل الفرض أولى، ولأنه لا يمكنهم أن يأتوا بسنة الجماعة بأن يصطفوا خلف الإمام، وإنما يقف إمامهم وسطهم.
ووجه قوله "الجديد": أنهم إذا صلوا فرادي سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين، أنه ين لهم الجماعة خلافاً لأبي حنيفة، وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلوا جماعة فالمستحب للإمام أن يقف وسطهم، لأنه إذا تقدمهم لم يمكنهم أن يفضوا أبصارهم عن عورته ويقف المأمومون صفا واحداً، فإن فاق الموضع قاموا صفين وغض الصف الأخير أبصارهم.
فَرْعٌ آخرُ لو كانوا رجالاً ونساء صلى الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد، فإن كان المكان واسعاً غاب الرجال عن النساء وصلى الكل في وقت واحد، والحكم في جماعهم وانفرادهم على ما ذكرنا، وإن كان المكان ضيقاً صلى الرجل جماعة،

الجزء: 2 - الصفحة: 106

واستدبر النساء الرجال حتى إذا فرغوا صلى النساء حتى لا يشاهد بعضهم عورات بعض [120 أ / 2] في الصلاة، وظاهر كلام الشافعي ههنا أن النساء ينفردن عن الرجال سواء كان هناك حائل بينهن وبينهم، أو لم يكن.
ولكن قال أصحابنا: لا تمنع النسا، إذا كان هناك حائل في حرم المسجد أن يصلين مع الرجال في جماعة، لأن المنع للاطلاع على العورة، وههنا لا توجد هذه.
ومن أصحابنا من قال في النساء: ين لهن الجماعة بخلاف الرجال العراة لأنهن يصلين بسنة جماعتهن فإن إمامتهن تقف وسطهن عاريات كن أو ملتبسات.
فَرْعٌ آخرُ العريان إذا لم يجد السترة يصلي قائما بركوع وسجود.
وبه قال مالك، وروي ذللك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد.
وقال الأوزاعي وأحمد والمزني: "يصلي قاعداً، لأنه قادر على ستر عورته بالأرض، فيلزمه".
وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قعد، وإن شاء قام، لأنه لا من ترك فرض في كل واحد من الفعلين، فيتخير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه يصلي قاعداً يومئ بالسجود، ولا يسجد على الأرض، فيكون كما قال الشافعي في المحبوس في حبس يصلي ويومئ، ثم إذا صلى هكذا، هل تلزم الإعادة؟ فيه وجهان.
والمشهور ما تقدم.
والدليل عليه أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلا يجوز له تركه كما لو كان يجد السترة، ولأن فيما قالوا: لا يحصل الستر، بل يسترها من بعضه، ولا يوازي هذا ترك القيام والركوع والسجود، فلا يصح ما قلتم، ولا يضع يده على فرجه إذا صلى فإن وضع بحيث مس باطن كفه فرجه أعاد الوضوء والصلاة.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في ثوب حرير، وكان يجد غيره فقد عصى، ولكن تصح صلاته.
وقال أحمد: "لا تصح صلاته"، وكذلك قال: إذا صلى في دار مغصوبةٍ، [120 ب / 2] وهذا غلط، لأنه لا تعلق لهذا النهي بالصلاة، فلا يمنع صحتها كما لو وجب عليه أداء الحق، فتركه واشتغل بصلاة النافلة أو الصلاة في أول الوقت، لا يمنع صحتها، ولو لم يجد غير هذا الثوب الحرير.
قال بعض أصحابنا: يجوز له أن يصلي فيه، ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، لأن العذر يبيح لبسه، وقد "رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في الحرير لحكة كانت بهما".
وقد قال الشافعي: لو فاجأته الحرب يجوز له لبى الديباج، وهذه حالة عذر فجاز له اللبس، ويحتمل عندي وجهاً، أنه يصلي عرياناً، ولا يلبه كما لو وجد ثوب الغير، ولم يعره صاحبه.

الجزء: 2 - الصفحة: 107

فَرْعٌ آخرُ يكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة، لأن الوجه من المرأة ليس بعورة، فهي كالرجل يكره له أن يصلي متلثماً على ما ذكرنا في الصلاة في الثوب الذي عليه الصور لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، فلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليه فقال: "أخريه عني فجعلت منه وسادتين".
فَرْعٌ آخرُ لو دخل العريان في الصلاة، ثم وجد السترة، فهو كالأمة تصلي مكشوفة الرأس، ثم تعتق وتجد السترة.
وقال أبو حنيفة: "بطلت صلاته" فنقيس على الأمة إذا أعتقت، وهي حاسرة الرأس سترت، ولا تبطل صلاتها.
مسألة: قال: "ومن سلم أو تكلم ساهياً أو نسي شيئاً من صلاته بنى ما لم يتطاول".
وهذا كما قال.
الكلام في الصلاة ضربان: ذكر الله تعالى وغير ذكر الله تعالى، فإن كان ذكر الله تعالى، وهو التكبير والقراءة، ونحو ذلك لا تبطل الصلاةء وإن قصد به التنبيه والتحذير على ما بيناه.
وأما غير الذكر، فهو خطاب الآدميين ينقسم أربعة أقسام: أحدها: أن يتكلم به ناسياً، أنه في الصلاة، [121 أ / 2] فإن كان يسيراً لم تبطل صلاته، وإن كان كثيراً، فظاهر كلام الشافعي ههنا أنه يبطلها، لأنه قال: بنى ما لم يتطاول.
وقال نحو هذا في البويطي ولفظه: "إذا تكلم أو فحك ناسياً لصلاته، فإن كان يسيرا ككلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين بنى، وإن كان كثيرا أعاد".
واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: هذا، لأنه يقطع نظام الصلاة، ولأنه لو نسي شيئاً من صلب الصلاة وسلم.
طال الفصل أبطل الصلاة وجهاً واحداً، فكذلك الكلام.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحق لا يبطلها، لأن العلة كونه ساهياً، وهو موجود في القليل والكثير، ولهذا سوي في الأكل في الصوم ناسياً بين القليل والكثير.
قال: وقول الشافعي: "بنى ما لم يتطاول" عاد إلى ما تركه من صلب الصلاة لا إلى الكلام.
وأما في العمل إنما فرقنا بين القليل والكثير، لأن الفعل أكد وأغلظ حكماً، ولهذا المكره على القتل يلزمه القود والمكره على الطلاق لا يقع طلاقه، والأول أصح كما صرح في البويطي وأما دليله لا يصح لأنه إذا كان كثيراً يؤمن مثله في القضاء، فلم يعف وجرى مجرى الفعل الكثير، ولهذا العمل القليل يساوي الكلام القليل، لأنه لا يمكن الاحتراز منهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 108

والثاني: أن يسلم من اثنتين يعتقد بأنه فرغ منها فتكلم، ثم بان له أنه لم يفرغ منها، فالحكم فيه كالثاني، والأصل فيه خبر ذي اليدين.
والثالث: أن يكون قائماً بالصلاة ولكنه يجهل تحريم الكلام بأن يكون قريب العهد بالإسلام، فهو كالناسي أيضا لخبر معاوية بن الحكم.
وقد ذكرناه ولو علم أن جنس الكلام يبطل الصلاة، ولكنه يجهل أن هذا الكلام بعينه يبطلها لم يعذر وتبطل.
والرابع: أن يتكلم عامداً مع العلم بالتحريم فيبطلها سواء كان من المصلحة كقوله للإمام: سهوت [121 ب / 2]. وقوله للأعمى: لا تقع في البئر ونحو ذلك.
وذكر بعض أصحابنا قسماً خامساً، وهو أن يقصد تلاوة القرآن، أو ذكراً من الأذكار، فسبق إلى لسانه كلام البشر لا يبطلها، وبهذا قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعطاء رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة والنخعي: "جميع ذلك يبطل الصلاة إلا السلام ناسياً".
وقال سعيد بن المسيب والنخعي وحماد: "جنس الكلام يبطل بكل حال، وكذلك السلام ناسياً في أثناء الصلاة".
وقال مالك والأوزاعي: "إن كان لمصلحة الصلاة، لا يبطلها كتنبيه الإمام ودفع المار من بين يديه بالكلام"، وحكي عن الأوزاعي: "لا يبطلها، وان لم يكن هن مصلحة الصلاة كقوله للأعمى: لا تقع في البئر".
وهذا كله غلط لما احتج الشافعي من خبر ذي اليدين أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلم القوم ثم بنوا على صلاتهم، وتمام الخبر ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فسلم من اثنتين، وانصرف وقعد على خشبة في المسجد كالمتفكر، فخرج سرعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، فقام رجل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: "لم أنس ولم تقصر الصلاة ". وروي أنه قال: "ذلك لم يكن ما قصرت الصلاة ولا نسيت، فقال: أنسيت يا وسول الله؟.
وروي: فقال: بلى قد كان بعض ذلك، فالتفت إلى أبي بكر وعمر، فقال: أو كما قال ذو اليدين؟ فقالا: بلى.
وروي: فقالا برأسيهما: أي نعم، فأقبل على القوم.
وقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأ أي: نعم، فرجع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مقامه، [122 أ / 2] فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد، ثم سلم، ثم قال: "لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم لكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.
وسرعان مفتوحة السين والراء هم الذين يقبلون بسرعة، ويقال: سرعان بكسر السين.

الجزء: 2 - الصفحة: 109

وسكون الراء أيضاً، وهو جمع سريع.
واحتج مالك بهذا الخبر وذكر أن القوم تكلموا عمداً لمصلحة الصلاة، ولم تبطل صلاتهم، قلنا: كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ظن أنه خارج من الصلاة، وكلام ذي اليدين على هذا المعنى لأن الزمان زمان نسخ فزيادة الصلاة ونقصان فتوهم أنه خارج من الصلاة للنسخ وكلام آبي بكر وعمر والقوم كان بالإيماء، ويقول الرجل: قلت بيدي، وقلت برأسي على التوسعة في الكلام، وإن مع أنهم نطقوا لم يضرهمء لأنهم أجابوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبطل الصلاة على ما ذكرنا.
والدليل على بطلان قوله أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فلو جاز الكلام في هذا لاستغنى عن التسبيح والتصفيق.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات يوم والرجال صفان والنساء صف، فلما قام ليكبر، قال: "إن أنساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح الرجال ولتصفق النساء".
فرع قال في "الإملاء": "النفس الشديد ليس بكلام، وكذلك النفخ حتى يكون كلاماً يفهم كقوله: أف، والأنين كالنفخ".
وهذا صحيح، وجملته أنه إذا أتى من الحروف شيئاً فشيئاً يكون كلاماً مفهوماً بطلت صلاته، وهذا لأن الكلام ما تحرك به اللسان والشفة، فأما صوت يخرج من الحلق، فليس بكلام، فإذا طبق شفتيه وتنحنح [122 ب / 2] لا تبطل، ولو مد الحرف الواحد لا تبطل، لأن مجرد الحرف من غير تشديد لا يسمى كلاماً، وأقل ما يفهم حرفان عند أهل اللغةء فأما الحرف الواحد، فليس بكلام، فلا تبطل الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: حتى لو كان حرفاً واحداً له معنى كالأمر من وقى، يقي، ق، ومن وعى، يعي، ع، جمع ومن وشى، يشي، ش. بطلت صلاته، لأنه كلام يفهم ومعناه: ق نفسك من كذا، وع كلامي، وش ثوبك.
ولو قال: آه، بطلت صلاته سواء كان من خوف الله تعالى، أو من مرض وألم.
وقال أبو حنيفة: "إذا نفخ في صلاته بطلت بكل حال وأما الأنين إن كان لمرض تبطل، وان كان لخوف الله تعالى، لا تبطل، وإن بان حرفان".
وهذا غلط لما روي أن عمر رضي الله عنه، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى، ثم سجد في آخرها، وجعل ينفخ في الأرض ويبكي، ويقول: "أللهم لا بعدي بهذا وأنا فيهم، ولا بعدي بهذا ونحن نستغفرك".فرفع رأسه وقد تجلت الشمس؛ ولأن هذا لا يسمى كلاماً.

الجزء: 2 - الصفحة: 110

فَرْعٌ آخرُ لو كان في فيه طعام أو سن من أسنانه، فازدرده لم يقطع صلاته إذا كان مما يمر مع الريق بلا مضغ، كما لا يبطل الصوم، ولو مضغه أو علكه أو استأنف إدخال شيء منه وازدرده بطلت صلاته نص عليه في "الجامع الكبير".
وقال سعيد بن جبير وطاوس: "لا تبطل صلاة النفل وتبطل صلاة الفرض".
وشرب سعيد بن جبير الماء في صلاة النفل، وقال طاوس: "لا بأس به"، وهذا غلط، لأن ما أبطل الصوم أبطل الصلاة كالمباشرة، وإن ترك في فمه لقمة، ولم يزدردها لا تبطل صلاته، لأنه ليس بأكل، ولا عمل طويل، ولو كان ناسياً أو جاهلا بالتحريم، فهو كالكلام ناسياً، فإن كان قليلاً لا تبطل صلاته.
قال أصحابنا: ولا سجود عليه ههنا، لأن العمل [123 أ / 2] اليسير معفو عنه، وإن تطاول، فوجهان.
والمذهب أنه يبطل.
وقيل ههنا قول واحد: إنه يبطل، لأنه نادر.
وقال القفال: إذا أكل كثيرا في الصوم، فإن قلنا الكلام الطويل ناسياً، لا يبطل الصلاة، فهذا أولى، وان قلنا: هناك يبطلها فههنا وجهان، فإن جعلنا العلة أن الاحتراز من الكثير يمكن في الغالب، فالموضعان سوا،، وان جعلنا العلة إن نظم الصلاة ينتح بالطويل، فالصوم لا يبطل، لأنه ليس فيه أفعال منظومة.
فَرْعٌ آخرُ ولو بكى في صلاته، فإن كان بغير نطق، وإنما هو خشوع وذرف دموع لم تبطل صلاته، وإن كان بالنحيب والرقة والتأوه حتى بان حرفان، فإن كان ناسياً أو جاهلاً لم تبطل صلاته، وإلا بطلت كالكلام سواء، ولا فرق بين أن يكون ذلك من أمر الدنيا أو الآخرة، ذكره أبو حامد في "الجامع".
قال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: إن كان آية عذاب فبكى من خشية الله تعالى لم تبطل صلاته، وإن حزن على ميت فبكى بطلت صلاته، وهذا يشبه مذهب أبي حنيفة، ولا يجي على أصلنا الفرق.
فَرْعٌ آخرُ لو ضحك في الصلاة، فإن كان يبديها من غير صوت لم تبطل صلاته، لأنه ليس فيه أكثر من ظهور أسنانه، وإن كان بصوت وصار حروفاً تفهم كالقهقهة، فإن كان ناسياً أو جاهلاً، أو مغلوباً عليه لا تبطل صلاته وإلا بطلت.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي في أثنا، هذا الفصل: "أو نسي شيئاً من صلب الصلاة"، وجملته: أنه لا يخلو إما أن يترك واجبا أو غير واجبٍ، فإن لم يكن واجباً كالأذكار المسنونة لم

الجزء: 2 - الصفحة: 111

تبطل صلاته عامداً كان أو ناسياً، وان كان واجباً، فإن كان ذاكرا نظر، فإن كان تكبيرة الافتتاح لم تنعقد صلاته، ولا يصح بشيء مما عمله، وعليه [123 ب / 2] أن يستأنفه الصلاة، وهكذا لو علم أنه ترك ركناً، ولا يدري عينه، وإن نسي القراءة، فقد ذكرنا قولين، فإذا قلنا بقوله "القديم" فذكرها، فإن كان قبل فوات وقته بأن ذكر قبل الركوع أتى بهاء وان ذكرها بعد الركوع لا يعيدها، وإن كان فعلاً كالركوع والسجود، ونحوهما لا يسقط بالنسيان، فإن ذكره بعد التسليم قريباً بنى عليه، وفعل ما نسيه، وأعاد جميع ما عمله بعد الذي نسيه، لأن الترتيب فيها متسحق، وان تطاول الزمان يلزمه استئناف الصلاة قولاً واحداً، لأنه انقطع الموالاة، وذلك يمنع متابعة الأذكار.
فَرْعٌ آخرُ اختلف أصحابنا في حد التطاول فمنهم من قال: هو الخروج من العرف بأن يحول وجهه عن القبلة، ويطول الفعل خارجا عن العرف، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، وجماعة، وهو الصحيح، وهو ظاهر كلامه في "الأم".
وقال أبو حامد في "الجامع" حكى البويطي في "مختصره": "أنه قدر ركعة تامة".
قال: وهذا نص فهو أولى، وهو اختيار أبي إسحق، وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: حده مقدار الصلاة التي هو فيها، لأن العلم يبني على تحريمة هذه الصلاة، وهذا خلاف نص الشافعي، وغلط لأنه يؤدي إلى اختلاف التطاول لاختلاف أعداد الصلوات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يبني وان تطاول تخريجاً مما قال: يمضي سجود السهو، وإن طال الفصل في قول، وهذا ليس بشي،.
مسألة: قال: "وإن تكلم أو سلم عامداً أو أحدث فيما بين إحرامه وبين سلامه استأنف".
وهذا كما قال: قد ذكرنا حكم كلام العمد وفروعه ومن جملة فروعه أنه لو قرأ كتاباً بين يديه، فإن قرأ في نفسه لم تبطل صلاته لأن التفكر [124 أ / 2] وحديث النفس لا يبطل الصلاة لما روى أبو هريرة ورضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تجاوز الله لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا"، ولذلك لو سها على القراءةء ثم تذكر فعاد إليها لا سجود، وان قرأ بلسانه بطلت صلاته، لأن قوله: أطال الله بقاءك، وأدام عزك من كلام الآدمي.
وأما الحدث في الصلاة على ثلاثة أضرب: عمد وسهو وسبق حدث، فالعمد يبطل الطهارة، وإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة.
قال أبو حنيفة: إذا أحدث عمداً قبل

الجزء: 2 - الصفحة: 112

السلام بعد القعود قدر التشهد، قام مقام السلام، وتمت به الصلاة.
وأما سهو الحدث، فكالعمد سواء.
وأما سبق الحدث يبطل الطهارة قولاً واحداً، وهل تبطل الصلاة؟ قولان.
قال في "القديم ": "لا تبطل الصلاة" وعلق القول في هذا في "الإملاء": فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتطاول أو يتكلم.
وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود.
وقال في "الجديد": "بطلت صلاته، فيتوضأ ويستأنف".
وبه قال مالك وابن شبرمة.
وروي هذا عن المسور بن مخرمة.
وروي نحو قول "القديم" عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم، وهذا هو الصحيح بدليل ما روى أبو داود في "سننه" بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته"، لأنه حدث يمنع المضي في صلاته، فيمنع البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج.
واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من قاء أو رعف، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم".
قلنا: قال أبو حاتم الرازي، هذا مرسل، لأنه يرويه ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يحمل قوله: "بنى على صلاته" على الاستئناف، لأنه يقال لمن فعل مثل ما مضى بنى، وفي هذا نظر.
وحكي عن مالك أنه قال: إن كان [124 ب / 2] في أول الصلاة بنى، وإن كان في آخرها استأنف، وهذا بعيد عن الصواب.
فرع لا فرق في سبق الحدث عندنا بينه وبين النجاسة إذا خرجت من بدنه من القيء أو الرعاف، فعلى قوله القديم: يغسل النجاسة ويبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل لما يخالف الصلاة من أكل أو كلام أو عمل طويل، ولو فار دم جرحه، فلم يصب شيا من بدنه مضى في صلاته على القولين معاً، ذكره في "الحاوي": وسمعت شيخنا الإمام ناصر رحمه الله يقوله: لخبر المهاجري والأنصاري، وهو معروف مذكور ووجه الدليل أنه لم يقطع صلاته بالرمية الأولى والثانية، لأن ما انفصل عن البشرة في الحكم غير مضاف إليه، وان كان الدم متصلا بعضه بالبعض كما لو قلب الماء من إناء على نجاسة فيتغير بها، فالمتغير نجس وما في الطريق طاهر.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا بقوله القديم، فانصرف ليتوضأ فبال الباقي، له أن يبني على صلاته أيضا، لأن الذي سبق منه هو الذي أبطل الطهارة، وبطلان الطهارة لم يبطل الصلاة على هذا القول.

الجزء: 2 - الصفحة: 113

وأما الباقي الذي قصده باختياره لا يبطل الطهارة، فلا يبطل الصلاة.
وعلى هذا قال الشيخ الإمام سهل الصعلوكي رحمه الله: لو كان بال ثم تغوط الآن لا تبطل الصلاة أيضاً.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: العلة في باقي البول أنه يحتاج إلى إخراج باقيه، وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله، فعلى هذا إذا أحدث حدثا أخر بطلت صلاته، لأنه لا يوجد فيه هذه العلة.
مسألة: قال: "وإن عمل عملا قليلا مثل دفعه المار بين يديه أو قتل حية".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن العمل القليل لا يبطل الصلاة عامداً كان أو ساهياً، وهذا إجماع، لأنه لا بد فيها من قليل العمل، لأنه يدفع المار ويسوي ثوبه ويميط عنه الأذى [125 أ / 2] إن أصابه.
وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يملي بأصحابه، فخلع نعليه، فوضعه عن يساوه، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جبريل عليه السلام أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً".
وفي هذا دليل أيضاً على أن الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله واجب كهو في أقواله، فإن أصحابه نزعوا نعالهم لما وأوه نزعه، ودفع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - المار بين يديه، وكان يحمل أمامة بنت أبي العاص، "فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها".
وهذا عمل كبير عند الجمع ولكن مرة قليل.
وأما حد القليل والكثير، قيل: المرجع فيه إلى العرف والعادة.
ومن أصحابنا من قال: حد القليل أن يفعل فعلا لا يتراءى للنظارة أنه في غير الصلاة، وحد الكثير أن يفعل فعلا يتراءى للنظار أنه ليس في الصلاة، وهذا اختيار مشايخ خراسان.
ومن أصحابنا من قال: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل كحك الجربان، وإن احتيج فيه إلى اليدين كان كثيرا مثل تكوير العمامة وهذا ليس بشيء.
فرع قال الشافعي في "الجديد": "القليل مثل دفعه المار بين يديه وقتل الحية

الجزء: 2 - الصفحة: 114

والعقرب، فلا بأس به في الصلاة".
قال: وكل عمل خف يف، وإن كان عمداً مثل الخطوة والخطوتين والطعنة والطعنتين ودفع المار مرة ومرتين، ومسح التراب عن وجهه، وإصلاح ردائه ونحو ذلك لا يبطل الصلاة، فجعل حد القليل المرة والمرتين، وجعل حد الكثير فيما زاد على ذلك، وإنما ذكر دفع المار بين يديه للخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقطع صلاة المرء شيء، [125 ب / 2] وادرؤوا ما استطعتم"، وذكر قتل الحية والعقرب، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"، وقتل الحية في الغالب إنما يكون بالضربة والضربتين.
وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها.
وقال أبو رافع: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقرباً، وهو يصلي" ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزيد على الضربة الواحدة، لأن الشافعي قال في صلاة الخوف: "ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب أو ردد الطعنة في المطعون، أو عمل ما يطول بطلت صلاته"، فمن أصحابنا من قال: "المسألة على قول واحد، وهو أن الثلاثة تبطلها والمرتين لا تبطلها"، وهو اختيار أبي حامد.
ومن أصحابنا من قال: "في المرتين قولان"، وهذا اختيار القاضي الطبري، ووجه قولنا أنه يبطلها أن المرتين دخلتا في حد التكرار كالثلاث.
والمشهور الأول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه وذلك فعلان.
فَرْعٌ آخرُ لا يكره قتل الحية والعقرب فيها، وقال النخعي: يكره، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
فَرْعٌ آخرُ لو قصد بالعمل القليل منافاة الصلاة تبطل صلاته، لأنه لو قصا الخروج من صلاته بطلت فبالقصد مع العمل أولى، وهو أن يفتح بابا أو يخطو خطوة أو يستنا إلى حائط بهذه النية، وكذلك لو التفت بوجهه قاصداً منافاة الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ إذا قفز قفزة وان كان مرة تبطل صلاته، لأنه في نفسه فعل كثير فاحش.
فَرْعٌ آخرُ لو التفت بجميع بدنه وحول قدميه عن جهة القبلة، فإن كان عامداً بطلت، وإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 115

ساهياً، فإن تطاول الزمان بطلت وإن قصر [126 أ / 2] يسجد للسهو.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك لو استدبر القبلة بوجهه دون بدنه.
فَرْعٌ آخرُ لو خطا خطوتين لا تبطل الصلاة، وكذلك لو وقف كثيراً بعد ذلك، ثم خطا مثل ذلك حتى خطى عشرين خطوة في صلاة واحدة لم تبطل صلاته، لأن الذي يبطلها لم يكثر دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ لو دق عليه الباب، وهو بالبعد فخطا خطوة، ثم وقف ثم خطا خطوةً أخرى، ثم وقف ثم هكذا إلى أن بلغ الباب وفتح تصح صلاته، لأن الأعمال المتفرقة، لا ينبني بعضها على بعض.
وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الحجرة والباب مغلق عليه، فجثت واستفتحت فمشى وفتح لي، ثم رجع إلى مصلاه".
وقالت أم سلمة: "استأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي، فإما مشي عن يمينه، وإما مشى عن يساره حتى فتح الباب، ثم رجع إلى مقامه".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان في صلاة سبح، وكان ذلك إذنه لي، وان لم يكن في صلاة أذن لي".
فَرْعٌ آخرُ لو وضح السكر في فمه أو شيئاً يذوب بريقه في الصلاة فذاب ونزل في حلقه بطلت صلاته، لأن الصوم فيها شرط.
فكل أكل أبطل الصوم أبطل الصلاة، وهذا ظاهر المذهب ولأنه ينافي الاشتغال بالعبادة والخشوع، ويمكن الاحتراز منه.
وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاته لأنه نزل إلى حلقه من غير اختياره ولم يوجد منه إلا الترك في فيه، والصوم يبطل.
لأنه هكذا يؤكل، والإمساك فيه شرط ذكره أبو حامد.
فَرْعٌ آخرُ يكره له البصاق في المسجد سواء كان في صلاة أو غيرها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن المسجد لينزوي من النخامة [126 ب / 2] كما تنزوي الجلدة من النار".
وقال جابر رضي الله عنه: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون،

الجزء: 2 - الصفحة: 116

فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتها بالعرجون، ثم قال: "أيكم يحت أن يعرض الله عنه، إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قتل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادره، فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه أروني عبيراً، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوف في راحته، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لطخ به على أثر النخامة".
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوف في مساجدكم، والعرجون عود لباسه النخل، وسمي عرجوناً لانعراجه، وهو انعطافه.
وقوله: فإن الله قبل وجهه، أي: القبلة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه، وفيه هذا الإضمار إنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما يقال: بيت الله، فإن كان يصلي في غير المسجد، فلا يبصق عن يمينه ولا بين يديه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بادره جعله في ثوبه، وحك بعضه ببعض كما في الخبر.
قال أصحابنا: فإن بصق في المسجد ناسياً دفنه لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه".
فَرْعٌ آخرُ لو وجد قملة في ثيابه فالأولى أن يتغافل عنها، فإن رمى بها جاز لأنه عمل قليل، وإن قتلها جاز لأن دمها، معفو عنه، ولا يرميها في المجد.
فَرْعٌ آخرُ من دخل في الصلاة بنية الإطالة، ثم نابه شيء كالخوف [127 أ / 2] على المال والحريق والغريق أو بكاء ولد أو حاجة، فله التخفيف، بل يستحب ذلك لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي خلفي، فأخفف لما أعلم من قلب أمه".
فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان: "إذا صلى المصلي وحده، فالأدب أن يخلع نعله ويضعها عن يساره، ولو كان مع غيره في الصف وكان عن يساره ويمينه ناس، فإنه يضعها بين رجليه".
وهذا لما روينا من خبر أبي سعيد الخدري في نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعله.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه

الجزء: 2 - الصفحة: 117

عن يمينه ولا عن يساره، فيكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ويضعها بين رجليه".
وهذا ليصان ميامين الناس من كل شيء يكون محلاً للأذى.
وفي هذا الخبر: "دليل على أنه إن خلع نعليه، فتركها من ورائه أو عن يمينه، فتعرقل بها رجل فتلفت بأن خر على وجهه أو تردى في بثر بقربهء يلزمه الضمان، وهو كوضح الحجر في غير ملكه".
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: "وإذا عد الآي في الصلاة عقداً ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وتركه أحب إلي"، وهذا لأنه عمل يسير.
وقال مالك: "لا بأس به." وبه قال الثوري واسحق وأبو ثور وابن أبي ليلى والنخعي.
وقال أبو حنيفة ومحمد: "يكره".
قال في "الحاوي": "وهو قولنا".
وقال أبو يوسف: "لا بأس به في التطوع".
واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسبح ثلاث تسبيحات"، وذلك إنما يكون بالعد.
وقال أبو الدرداء: "إني لأدعو في صلاتي لسبعين رجلا من إخواني".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يعقد في صلاته عقا الأعراب" [127 ب / 2]، وإن عل ركعاتها لا يكره كذلك عد الآي، ولأنه علم العباس رضي الله عنه صلاة التسبيح، فلا يخلو إما أن يعد بعقد القلب، وهو مكروه، لأنه يشغله عن الخشوع فثبت أنه كان يعد بالأصابع، وهذا غلط، لأن هذا عمل ليس من الصلاة، فكان تركه أولى كمسح وجهه، ولأنه مأمور بقراءة ما تيسر عليه، وهذا العد يقطع خشوعه، ويخالف عد الركعات، لأنه لا يقطع خشوعه، لأن معرفة ما مضى منها، وما بقي واجب فجاز عقد الأصابع، ولا يكره.
وأما التسبيحات، فلا تحتاج إلى عقا ولا فكر أصلاً.
وقول أبي الدرداء يحمل على أنه عدهم قبل الصلاة، أو قال ذلك حرزا وتخميناً.
وأما الخبر الذي ذكروا فقد روي أنه عد الفاتحة في الصلاة، وقطعها وهذا يدل على الجواز، وإنما فعل ذلك ليتبين عددها فجاز لغرض، وعلى ما ذكرنا لو داوم بتحريك أصابعه أو أجفاته، لا تبطل صلاته، لأن الفعل في نفسه قليل.
فَرْعٌ آخرُ لو تلوثت جبهته بالتراب في الصلاة، فالأولى بأن لا صيحة حتى يفرغ من صلاته لما روي عن ابن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "أبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 2 - الصفحة: 118

صبيحة الحادي والعشرين من شهر رمضان وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين".
مسألة: قال: "وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله".
وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة، ولا فائدة في إعادتها ههنا إلا أنه اتبع الدليل، وهو أنه قال: لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن، وفي الأول ذكره المزني بلا دلالة.
وقال أبو حنيفة: "الانصراف على اليسار أولى، لأنه انصراف من العبادة كالخروج من المسجل يقدم رجله اليسرى، وهذا يبطل بالسلام من الصلاة".
واعلم أن التيامن بالانصراف [128 أ / 2] مثل التيامن في السلام، وذلك أنه في السلام يلتوي ويوجهه عن يمينه.
كذلك في الانصراف يلتوي ببدنه عن يمينه، وهذا لأن القصد من الانصراف الإقبال على القوم، وربما يكون المأموم واحدا على يمينه، فلو التوى عن يساره ببدنه صار قفاه نحو المأموم على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإن فات رجل مع الإمام ركعتان من الظهر قضاهما بأم القرآن وسورةٍ".
وهذا كما قال: إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من الصلاة، فإنها أخر صلاة الإمام وأول صلاة المأموم فعلاً وحكماً، وبه قال عمر وعلي وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب والحسن والزهري والأوزاعي ومحمد بن الحسن واسحق.
وقال أبو حنيفة: "ما أدرك مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أول صلاته فعلا وآخرها حكماً، وما يقضيه آخر صلاته فعلاً، وأولها حكماً"، فوافقنا في الفعل وخالفنا في الحكم.
وفائدة هذا الترتيب يتبين في مسألة، وهي أنه إذا صلى الوتر مع الإمام ركعة أو ركعتين وقنت معه إتباعاً يعيد القنوت عندنا في آخر صلاته وعندهم لا يعيد، وربما يقولون: روي عن أبي حنيفة أنه قال: يعيد القنوت، فلا يبقى معه للخلاف فائدة.
والدليل على ما قلنا: أنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فكانت أول صلاته كالمنفرد، فإذا تقرر هذا، فلو فات مع الإمام ركعتان من الظهر، وأدرك ركعتين، فإن شاء صلى من الركعتين الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام قام، وصلى الثالثة والرابعة.
قال الشافعي: "قضاهما بأم القرآن وسورة كما فاته"، وإن كان ذلك في صلاة المغرب، وفاتته منها الركعة الأولى وأدرك الركعة الثانية والثالثة، فإنما للإمام الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام صلى الثالثة، ويقرأ فيها بأم القرآن وسورة، [128 ب / 2] ويسر فيها بالقراءة.
قال المزني: "وهذا غلط قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، يقرأ أم الكتاب وسورة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالتعوذ"، وهذا متناقض.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنما أجاب الشافعي ههنا على القول الذي يقول:

الجزء: 2 - الصفحة: 119

قراءة السورة تستحب مع الفاتحة ني الأخريين وفي الثالثة من المغرب، فأما على القول الذي يقول: لا تستحب في الآخرين ولا تستحب هها قراءة السورة، كما قال المزني.
وبه قال القاضي أبو حامد.
ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحق، هها تستحب قراءة السورة على القولين جميعاً، لأنه فاتته فضيلة السورة في الأوليين من صلاته، فإنه لم يسمعها من الإمام، ولم يقرأها بنفسه فعليه أن يقرأها في الأخريين لتحمل له الفضيلة، وهذا مذهب الشافعي، أن السنة إذا فاتت في محلها جاز قضاؤها في مثل محلها إذا لم يكن في قضائها ترك سنة أخرى، ألا ترى أنه إذا قرأ الإمام في الجمعة في الركعة الأولى سورة المنافقين، وترك سورة الجمعة استحببنا له في الركعة الثانية قضاء سورة الجمعة وإتباعها بسورة المنافقين.
والدليل على صحة هذا أنه قال في البويطي: "يقضي بأم الكتاب وسورة كما فاته".
وكذا ذكر ههنا ولم يعلل بأن آخر الصلاة محل السورة بل علل بالفوات، فإن قيل: أليس لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف لا يقضيه في الأربعة الباقية، فما الفرق؟.
قلنا: الفرق أن سنة الأربعة المشي وسنة الثلاثة في الابتداء الرمل، فلو قضى الرمل في ثلاثة من الأربعة المتأخرة ترك سنة الأربعة، وهي المشي وههنا لا يؤدي تضاء هذه السنة إلى ترك سنة أخرى.
فرع إذا قلنا: بقراءة السورة، [129 أ / 2] هل يجهر بالقراءة؟ قال صاحب "لإفصاح"، قال الشافعي في موضع: "يجهر بها".
وقال في "الإملاء": "لا يجهر"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يجهر بها حتى يأتي بها على حسب ما فاته، أو ليدرك ما فاته من الجهر كقراءة السورة.
والثاني: لا يجهر بها لا الثالثة من المغرب، والأخريين من غيرها لا مدخل للجهر بالقراءة فيها بحال وللقراءة فيها مدخل، فجاز أن يستحب فيها القراءة دون الجهر.
وقال أصحابنا: نص الشافعي على الجهر ههنا يدل على خطأ الجواب للأول عن كلام المزني أنه قال على القول الذي يقول: يقرأ في كل ركعة سورة.
فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك الإمام راكعاً كبر وهو قائم معتدل ورفع يديه حذو منكبيه ثم كبر تكبيرة أخرى للدخول في الركوع ويرفع يديه حذو منكبيه، ويل خل معه في الركوع، ولو أدركه ساجداً كبر تكبيرة الافتتاح على ما ذكرنا، ثم يسجد ولا يكبر، لأنه لم يدرك محل التكبير، وإنما يفعل هذا السجود على طريق المتابعة، فإنه لا يستحب به من صلاته، فيفعل القدر الذي أدركه ورفع رأسه مكبراً وسجد سجدة أخرى مكبراً تبعاً لإمامه، ويخالف الركوع لأنه يحتسب به من صلاته، فيأتي به على هيئته.

الجزء: 2 - الصفحة: 120

ومن أصحابنا من قال: يكبر للسجود أيضا، لأنه مأمور بالسجود متابعة للإمام، فيسن له التكبير كما لو كان من صلب صلاته، وهذا ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأول كبر تكبيرة الإحرام وجلس بغير تكبير وجها واحداً، وقد نص عليه في البويطي، ووجهه أن الجلوس عن القيام لم يسن في الصلاة، فلا يكبر له، فإذا قام مع الإمام إلى الثالثة كبر متابعة لإمامه، لأن إمامه يكبر، فإذا صلى ركعتين مع الإمام وسلم الإمام قام إلى ثالثته مكبراً، لأنه يقوم إلى ابتداء ركعة.
[129 ب / 2] فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأخير كبر وجلس بغير تكبير، ويتشهد معه، لأنه أدرك محل التشهد فتبعه في المحل والذكر فيه، ويحصل له فضيلة الجماعة، ثم إذا سلم الإمام قام من غير تكبير، لأنه كبر في ابتداء هذه الركعة، وإنما قام في أثنائها، وليس له إمام يكبر فيتابعه.
ومن بعض أصحابنا من قال: لا يتشهد معه، لأنه ليس بموضع تشهده، والأول أصح، لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده للمتابعة جاز أن يتبعه ني التشهد أيضاً، إلا أن هذا التشهد لا يجب عليه، لأنه يلزمه متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار.
والأصل فيما ذكرناه أن كل موضع كان محلاَ للتكبير لو كان وحده، فإنه يكبر إذا فارق إمامه، وكل موضع ليس بمحل التكبير إذا كان وحده نظر، فإن كان إمامه مكبراً كبر معه متابعا له، وإن لم يكن إمامه مكبراً فيه، لم يكبر هو.
وعلى هذا إذا أدركه في الركوع وتبعه، ثم سلم الإمام، قام يكبر لأنه يقوم إلى ركعة أخرى لنفسه، ولو أدرك مع الإمام سجدة سجد بها معه ولا يضيف إليها أخرى وإذا استوى قائماً بعدما سلم الإمام، وأدركه في التشهد لا يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه قد اشتغل عقيب تكبيرة الافتتاح بغيره، فلا يعود إليه.
فَرْعٌ آخرُ قال: "ويصلي الرجل قد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة".
وهذا كما قال: إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس منفرداً، ثم أدرك الجماعة، فالمستحب أن يصليها معهم، ولو صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى يستحب أيضا أن يصليها معهم نص عليه في "الجديد".
ومن أصحابنا من قال: لا يستحب له ذلك، لأنه أدرك فضيلة الجماعة، فلا معنى لإعادتها، وهذا اختيار كثير من مشايخ خراسان.
ومن أصحابنا من قال: إن كان صبحاً أو عصراً لا يستحب له [130 أ / 2] إعادتها

الجزء: 2 - الصفحة: 121

في جماعة أخرى، وهل يكره؟ وجهان.
وان كانت غيرهما يعيدها استحباباً، وان كانت مغرباً قد قيل: هي كالظهر.
وقيل: يكره حتى لا يصير الوتر شفعاً، والأول أصح.
ومن أصحابنا من مال: ينظر في الجماعة الثانية، فإن كانت فيها زيادة فضيلة بالإمام أو المسجد أو بكثرة الجماعة يعيدها، وإلا فلا يعيدها.
ذكره الإمام سهل والمنصوص الأول، وهو الأصح، لأن فيه غرضاً وسبباً ظاهراً، وهو استدراك زيادة الفضيلة، وبهذا قال علي وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والزهري والحسن وأحمد واسحق رضي الله عنهم.
وروي عن أحمد أنه قال: "لا يعيد الفجر والعصر إلا مع إمام الحق دون غيره".
وقال مالك: "إن صلاها في جماعة لا يعيدها، وإن صلاها في غير جماعة يعيد إلا المغرب".
وقال النخعي والأوزاعي: "يعيد الكل إلا المغرب والصبح".
وبه قال أبو ثور.
وروى عن الحسن وحكي عن الأوزاعي مثل قول مالك.
وقال أبو حنيفة: ا (لا يعيد إلا صلاتي الظهر والعشاء، فأما الصبح والعصر والمغرب، فلا يعيدها".
واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين".
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس".
وأما المغرب لو أعادها صارت وترين من جنس واحد، ولأن الوتر لا يتنفل بهاء وهذا غلط لما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه من الخبر.
وتمامه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى بالمدينة يوماً صلاة الصبح، فلما انفتل منها رأى رجلاً منعزلاً لم يكن صلى معهم، فقال له: "ما لك لم تصل معنا"؟، فقال: كنت قد صليت، فقال له: "إذا جثت فصل، وإن كنت [130 ب / 2] قد صليت".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما انفتل من صلاته رأى رجلين منعزلين في ناحية المسجد، فقال: "علي بهما"، فأتى بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: "هونا على أنفسكما، فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"، ثم أعرض عنهما حتى سكن ما بهما، ثم قال لهما: "ألستما برجلين مسلمين؟! فقالا: بلى، يا رسول الله، فقال: "لم لم تصليا معنا"؟ فقالا: كنا قد صلينا في رحالنا، فقال: "فلا تفعلا إذا جئتما، فصليا، وان كنتما قد صليتما في رحالكما يكون لكما سبحة"، أي: نافلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 122

وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام، فليصل معه، فإنها نافلة".
وقوله: "ترعد فرائصهما"، جمع الفريصة: وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب ترتعد عند الفزع.
وروى صعصعة بن أبي العريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم في رحله، فوجد الناس يصلون، فليصل بصلاتهم وليجعل صلاته في بيته نافلة".
وروي أن رجلاً سأل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: يصلى أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة، فليصل معهم، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك له سهم جمع"، وأراد أنه سهم من الجزء جمع له فيه حظان.
وقال الأخفش: أراد سهم الجيش، وهو السهم من القسمة والجمع ههنا الجيش مثل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: 45].
وأما خبرهم محمول على إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب، قلنا: إذا كان لها سبب، وهو إحراز الفضيلة، فلا يدخل تحت النهي أو صار ذلك منسوخاً، لأن خبرنا كان في حجة الوداع.
وأما قوله: لا يجوز التنفل بالوتر لا يسلم، فإنه يجوز عندنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يصلي ثانياً مع الإمام ينوي الفريضة كما في الأولى.
ومن أصحابنا من قال: يطلق النية إن شاء قيد [131 أ / 2] بالغرض.
والصحيح الأول، وقيل: إن قلنا: الفرض أكملهما ينوي الفرفية.
وإن قلنا: الثانية نافلة، فيه وجهان: أحدهما: ينوي النفل لأنها تقع نفلاً.
والثاني: وهو الصحيح ينوي الفرض لأن القصد إدراك فضيلة الجماعة، ولا تشرع الجماعة في النوافل.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى ثانياً، أيهما تكون فريضة؟ قال في "الجديد": الأولى فرضة، والثانية سنة.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد بدليل ما ذكرنا من نص الخبر الصريح، ولأن الأولى تسقط الغرض بدليل أنه لا يجب عليه الثانية، فدل على أنها نافلة.
وقال في "القديم" "أحديهما: فرضه لا بعينها يحتسب الله تعالى له بأيهما شاء".
وقيل: يحتسب الله تعالى بأفضلهما وأكملهما، وعبارة هذا أحسن، ووجه هذا أنه استحب إعادتها ليكملهما بالجماعة، فلو كانت الثانية نافلة لم يستحب لها الجماعة، وهذا لا يصح، لأن ههنا الجماعة سببهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 123

وقال الشعبي والأوزاعي: "هما فريضة"، وهذا غلط لأن النبي {}، قال: "لا صلاتين في يوم".
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بقوله "الجديد" يضم ركعة أخرى إلى صلاة المغرب الثانية ليصير شفعاً، فإنه لا يستحب التنفل بثلاث وكعات.
وقيل: إنما يضم إليها ركعة أخرى حتى يكون مع الأولى وتراً.
وروي هذا عن حذيفة بن اليمان، وقيل: فيه وجه أنه يقتصر على ثلاث.
قال: وإذا قلنا: لا يعيدها في جماعة أخرى استحباباً لو أراد فضلها تكون نافلة لا سبب لها، فتكره في الوقت المنهي، وإن كانت مغربا يجعلها شفعاً، وهذا خلاف المذهب.
مسألة: قال: ومن لم يستطع إلا أن يومئ أومأ وجعل السجود اخفض من الركوع.
وهذا كما قال: القيام واجب في صلاة الفريضة عند القدرة سواء كان قادراً على الركوع والسجود [131 ب / 2]، أو عاجراً عنهما.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238]، أي: مطيعين.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن الحصين رضي الله عنه وكان به البواسير: "صل قائماً، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب".
وقال أبو حنيفة وصاحباه: "إذا عجز عن الركوع والجود بمرض ولم يعجز عن القيام سقط عنه القيام، لأن كل صلاة لا يجبه فيها الركوع والسجود لا يجب فيها القيام كالنافلة على الراحلة".
وهذا غلطء لأن القيام ركن، فلا يسقط بعجزه عن غيره كالقراءة، وليس كالنافلة، لأنه لا يجب فيها القيام، وإن وجبه الركوع والسجود، وهو إذا كان على الأرض.
وروي عن أبي حنيفة: "أنه بالخيار بين أن يصلي قائماً، وبين أن يصلي قاعداً" كما قال في العاري.
فرع إذا كانت بظهره علة تمنعه الركوع ولا تمنعه القيام أجزأه أن ينحني بظهره للركوع، فإن لم يقدر حنى رقبته، وان لم يقدر على ذلك إلا بأن يعتمد على شيء اعتمد مستوياً أو في شق.

الجزء: 2 - الصفحة: 124

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الركوع ولا يقدر على القيام لمرض أو تقوس ظهره من الكبر فصار، كأنه راكع، كان قيامه على صورته راكعاً، فإذا جاء وقت الركوع.
قال في "الأم": "خفض على قدر قيامه ثم يسجد ليميز بين قيامه وركوعه".
فَرْعٌ آخرُ لو لم يتمكن من وضع جبهته على الأرض في السجود يدني رأسه من الأرض أقصى ما قدر عليه، ولا يضع صدغه على الأرض، لأن ذلك ليس بسجود.
هكذا ذكر أصحابنا، وذكر صاحب "الشامل": أن الشافعي قال: "وان قدر أن يسجد على صدغيه فعل، لأنه إذا سجد على صدغيه قربت جبهته من الأرض".
فَرْعٌ آخرُ إذا قار أن يقرب رأسه من الأرض مستوياً أو على أحد شقيه لزمه أن يفعل ما فيه المقاربة، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، فإن [132 أ / 2] رفع مخدة إلى وجهه وسجد عليها لم يجزه، لأنه لا يسمى ساجداً.
فَرْعٌ آخرُ لو سجد على مخدة فإن وضعها على يديه لم يجزه، لأنه سجد على ما هو حامل له، وان وضعها على الأرض ثم سجد عليها، قال: أجزأه إن شاء الله.
وقال: "إذا جاز إن يسجد على ربوة بين يديه جاز إن يجد على مخدة بين يديه، ولو سجد الصحيح على وسادة من أدم لاصقة بالأرض كرهت له، ولم أر عليه أن يعيد".
وروى الحسن البصري عن أمه قالت: رأيت أم سلمة رضي الله عنها تسجد على مخدة من أدم.
وروي لرمدٍ بها.
فَرْعٌ آخرُ متى عجز عن القيام والركوع وقدر على القعود يصلى قاعداً لما ذكرنا من الخبر، قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]، وأراد: الذين يصلون قياماً عند القدرة، وقعودا عند العجز، وعلى جنوبهم عند العجز عن القعود.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سقط عن فرسه فجحش شقه فصلى بالناس قاعداً"، قال في "الأم": "وإنما آمره بالقعود إذا كانت المشقة عليه غير محتملة، أو كان لا يقدر على القيام بحال".

الجزء: 2 - الصفحة: 125

فَرْعٌ آخرُ كيف يقعد ههنا؟ فيه قولان.
قال في البويطي: "يجلس في موضع القيام متربعاً، وفي التشهد الأول مفترشاً، وفي التشهد الأخير متروكاً" كما حكاه ابن المنذر والساجي.
وبه قال مالك والثوري وأبو يوسف وأحمد واسحق والليث إلا أنهم لا يقولون بالتورك.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم، ووجه ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي النفل متربعاً".
وروى المزني والقاضي أبو حامد عن الشافعي أنه يجلس كما يجلس في التشهد مفترشاً، لأنه قعود في أثناء الصلاة، فأشبه القعود للتشهد الأول، ولأن القعود [132 ب / 2] متربعا فعل الجبابرة والقعود مفترشاً جلوس تواضع، فهو أليق بالصلاة.
وهذا أصح.
وقد قال ابن مسعود: "لأن أجلس على رضفة أحب إلي من أن أصلي متربعاً".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير المتربع".
وقال بعض أصحابنا: إلا أن تكون امرأة فالأستر لها التربع، وهذا غريب.
وهكذا الخلاف في القعود في النافلة.
وروى محمد عن أبي حنيفة: "يقعد كيف شاء".
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يجلس متربعا وكيف قعد، فإذا جاء وقت الركوع حنى ظهره، ثم سجد إن قدر على السجود، وإن لم يقدر فعل ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً، فقدر على القيام في مواضع قيامه يلزمه القيام، ثم ينظر، فإن قدر عليه قبل القراءة، قام وأتى بها قائماً، وان قدر بعد الفراغ منها قام ليأتي بالركوع عن قيام، قال: وأستحب له أن يعيد القراءة قائماً، وبهذا غلط.
قول بعض أصحابنا: أنه إذا كرر الفاتحة بطلت صلاته.
وحكي عن ابن الوكيل وأبي الوليد النيسابوري صاحب ابن شريج، قالا: "تبطل الصلاة، لأنها وكن كالركوع"، وهذا غلط بخلاف النص.
والفرق أن الركوع إذا كرره يأتي بالثاني في غير موضعه، وههنا يأتي بالفاتحة ثانياً في موضع القراءة أنه تطويل الركوع وأيضاً لا يقاس الذكر على الفعل، لأن ما ليس بركن في الصلاة من الأفعال مثل الجلوس للتشهد الأول لا يجوز تكراره، والقراءة التي ليست بواجبة يجوز تكرارها، ولا يبطل ذلك الصلاة، فكذلك الواجبة فيها.
وهكذا الحال لو تشهد مرتين عمداً، وإن قدر على القيام في أثناء قراءة الفاتحة قطع القراءة وقام ولا يقرأ حال

الجزء: 2 - الصفحة: 126

نهوضه إلى القيام، فإذا اعتدل قائماً [133 أ / 2] بنى على ما مضى.
وقال محمد: إذا قار على القيام بطلت صلاته ولا يبني على ما مضى، وهذا غلط، لأن زوال العذر إذا لم يورث عملاً طويلاً لا يبطل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ لو قرأ باقي الآية بعد القدرة على القيام في حال نهوضه إلى القيام قبل انتصابه لم يعتد بها وليس هذا كمن قرأ بعض الفاتحة قائماً، ثم عجز عنه فجلس لا يقطع القراءة ويستديمها حين الانحطاط للجلوس، لأن فرضية القراءة قاعداً بعد العجز، وهذه حالة تزيد على حال القعود وهناك فرضة القراءة قائماً، وعند النهوض نقص عن القيام، فلم يجز.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "إذا كان قادرا أن يصلي قائما ويحفف الصلاة، ولو صلى مع الإمام احتاج أن يقعد في بعضها لطول صلاته صلى منفرداً، لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فالإتيان به في جميع الصلاة أفضل من الجماعة، فإن صلى مع الإمام، فقام ما أمكنه وجلس في وقت العجز صحت صلاته".
فَرْعٌ آخرُ لو أطاق القيام فأبطأ حتى عاوده العجز، فإن كان قاعداً في موضع الجلوس يجوز، ولا إعادة عليه، وإن كان في موضع القيام بطلت صلاته، لأنه لما استدام ذلك صار كالمطيق إذا قعد في موضح القيام.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان لا يقدر على القيام إلا بمعين، وإذا قام لا يتأذى بوقوفه، فإنما يلزمه أن يستعين بغيره، فإن لم يجد إلا بأجرة تلزمه الأجرة.
فَرْعٌ آخرُ الكمين إذا صلوا قعوداً.
قال الشيخ أبو عاصم العبادي: "فيه قولان: أحدهما: لا يصخ لأنهم آمنون لا خوف عليهم.
والثاني: يصح، لأنهم تركوا القيام لغرض صحيح، وهو التوصل إلى قهر العدو:.
فَرْعٌ آخرُ لو كان به رمد عين، فقيل له: إن صليت متلقياً قرب البرء، وإن صليت قائماً بالركوع والسجود أبطأ [133 ب / 2] لا نص فيه للشافعي.
وحكي عن أبي حنيفة والثوري أنه يجوز ذلك.
وقال مالك والأوزاعي: "لا يجوز ذلك" قال الشيخ أبو حامد: وهذا أشبه

الجزء: 2 - الصفحة: 127

بمذهبنا، وهو الأصح ووجهه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أنه لما كف بصره ووقع في عينه الماء حمل إليه عبد الملك بن مروان الأطباء على البرد، فقيل له: إن صبرت سبعة أيام تصلي مستلقياً داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة يسألهم عن ذلك فكل قال: إن جاءك الأجل في السبعة الأيام، فما تصنع بصلاتك؟ فترك معالجة عينه".
وروي أن عياش كره ذلك، وقال: بلغني "أن من ترك الصلاة، وهو يستطيع أن يصلي لقي الله، وهو عليه غضبان".
وقال القاضي الطبري: "عندي أنا إذا قلنا: يجوز ترك الماء، والاقتصار على التيمم لخوف إبطاء البرء والزيادة في العلة جاز ههنا ترك القيام"، وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ من لم يستطع أن يصلي جالساً جاز له ترك الجلوس وكيف يتوجه إلى القبلة) المذهب أنه يصلي على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة معترضاً كما يوضع الميت في اللحد، نص عليه في "البويطي".
وقال فيه: وان لم يستطع استلقى على ظهره ورجلاه إلى القبلة.
وبه قال أحمد، وقال صاحب "الإفصاح": "يكون على جنبه الأيمن ورجلاه إلى القبلة حتى إذا أومأ يكون إيماؤه إلى ناحية القبلة"، والأول ظاهر كلام الشافعي.
وهذا الثاني لا يصح، لأن التوجه إلى القبلة إنما يعتبر في غير حال الركوع والسجود، لأن الصحيح إذا ركع كان في وجهه إلى الأرض وسجوده إليها، وههنا يكون وجهه إلى غير القبلة على ما ذكرنا قبل الإيماء.
وقال أبو حنيفة: "صلي على ظهره [134 أ / 2] مستلقياً ورجلاه في القبلة بحيث إذا رفع وسادته قليلاً، كان وجهه نحو القبلة"، وهو قول بعض أصحابنا بخراسان: ولا يصح، لأن المستلقي يستقبل السماء ولا يستقبل القبلة، ولأن في خبر عمران بن الحصين رضي الله عنه، "فإن لم تستطع فعلى جنب".
وروى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فجالساً، فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه"، وعلى أي صفة صلى، فإذا جاء وقت الركوع والسجود، فإن قدر عليهما، وإلا أومأ بعينيه وحاجبيه، إذا لم يقدر أن يومئ برأسه ويكون السجود أخفض من الركوع.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى على جنبه الأيسر، قال أبو حامد: لو قلنا: تجزئه صلاته لم يبعد، فإن الاعتبار باستقبال مقدمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 128

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الجلوس في أثنا، صلاته يجلس ويبني على صلاته.
وقال محمد: يستأنف.
وقال أبو حنيفة: إذا قدر المومئ على القيام والقعود تبطل صلاته، ووافقنا في القاعد إذا قدر على القيام أنه يبني.
فَرْعٌ آخرُ لو تمكن من السجدة الأولى ولم يتمكن من الثانية أومأ في الثانية، ولو أومأ بالأولى وقدر على الثانية سجد الثانية، ولا يعيد الأولى.
فَرْعٌ آخرُ لو عجز عن الإشارة وعجز لسانه عن القراءة أيضاً، فعندنا يصلي بقلبه ويعرض القرآن على قلبه، وكذلك جميع أفعال الصلاة وتجزئه.
وقال أبو حنيفة: "تسقط الصلاة عنه".
وحكي عنه كذلك: "إذا لم يقدر أن يومئ برأسه، وقدر أن يومئ بطرفه وحاجبيه"، وهذا غلط لخبر علي رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً فقدر على القيام في حال ركوعه يقوم ثم يسجد ولا يعود إلى الركوع، لأنه يؤدي إلى ركوعين في ركعة.
فَرْعٌ آخرُ هل يجوز التنفل منه مضطجعاً مع القدرة على القيام [134 ب / 2] والقعود؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز، لأن كل حالة يصح أداء الفريضة عليها يجوز أداء الفعل عليها، وان كان قادراً، وهكذا الوجهان في المومئ.
ذكره مشايخ خراسان.
وذكر في "الحاوي": قطعاً: أنه يجوز.
مسألة: قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمةٍ إن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته".
وهذا كما قال: أراد بالخبر ما روي عن حذيفة رضي الله عنه، قال: "صليت خلف رسول الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته".
فما مر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا آية عذاب إلا استعاذ بالله، ولا آية تنزيه إلا سبح، ولا ضرب مثل إلا فكر".
وجملته أن المستحب عندنا إذا قرأ في الصلاة آية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا قرأ آية عذاب أن يستعيذ به من النار.

الجزء: 2 - الصفحة: 129

وقول الشافعي: "والناس"، أراد به أن المأمومين يسألون الله تعالى مثل ما يسأل الإمام ويستعيذون مثل ما يستعيذ الإمام.
وقال أبو حنيفة: "يكره ذلك في الفرض، ولا يكره في النفل، لأنه ليس بموضع الدعاء"، وهذا غلط، لأن الذكر إذا استحب في النافلة استحب في الفريضة كسائر الأذكار.
إذا قرأ آية سورة القيامة يستحب أن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر سورة الملك يقول الله تعالى، وفي آخر سورة المرسلات: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، والكل سنة في حق المأموم أيضاً، وقد ورد به الخبر.
مسألة: قال: "وإن صلت إلى جنبه امرأة صلاة هو فيها لم تفسد عليه".
وهذا كما قال: إذا صلى النساء مع الرجال، فالسنة أن يتقدم الرجال ويتأخر النساء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [135 أ / 2] "أخروهن من حيث أخرهن الله".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن تقدمت المرأة وصلت إلى جنب الرجل أو بين يديه، أو إلى جنب الإمام فقد أسا، ت وخالفت السنة.
وكذلك الرجال حين وقفوا معها، ولا تبطل صلاة واحدٍ منهم بذلك.
وقال أبو حنيفة: "إذا وقفت بجنب الإمام مقتدية، ونوى إمامتها بطلت صلاتها وصلاة سائر المأمومين، وان وقفت بين يدي رجلين بطلت صلاتهما، ولا تبطل صلاة غيرهما، وهذا غلط، لأنه لا تبطل بهذا صلاة الجنازة، فكذلك غيرها".
فرع إذا صلت المرأة خلف الرجل صحت صلاتها معه.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تصح ائتمامها به إلا أن ينوي الإمام إئتمامها به، لأن من أملهم أن صلاة الإمام تبطل بصلاتها، وهو إذا وقفت إلى جنبه، وكل من تبطل صلاته بصلاته، يحتاج أن ينوي صلاته كالمأموم ينوي صلاة الإمام".
وهذا لا يصح لأن كل من صح ائتمامه به إذا نواه صح وإن لم ينوه كالرجل، ثم الإمام إنما ينوي صلاته المأموم لأنه يحتاج أن يقتدي به، والإمام لا يقتدي بغيره، فكيف يلزمه أن ينوي صلاته؟ فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يدع رجلاً أو امرأةً أو دابةً أو شيئاً يمر بين يديه، فإن مر من ذلك شيء لم تفسد صلاته".

الجزء: 2 - الصفحة: 130

وقال أصحابنا: لو نصب بين يديه شيئاً فمر به مار وراء ما يصلي إليه لم يضره وإن مر من بين يديه دفعه ومنعه من المرور بين يديه، وله أن يضربه، وإن أدى إليه قتله، ولو لم ينصب شيئاً، فالحكم هكذا سواء كان في مسجد، أو منزل أو صحراء، وإنما لا يجوز ذلك في موضع سجوده، [135 ب / 2] وفيما عداه يجوز.
والأصل في هذا ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
وروي: "إذا مر المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه فإن أبى فلمقاتله".
والدرء: المدافعة.
وقوله: "فإنما هو شيطان"، أواد أن الشيطان يحمله على ذلك، أو أنه من فعل الشيطان وتسويله له.
وروى ابن عمر رضي الله عنه: "فليقاتله، فإن معه القرين"، يريد الشيطان.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: "إن لم يكن المصلي يصلي إلى سترة وأراد المار أن يمر، فليس له درؤه، ولا دفعه".
بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شي، يستره من الناس، فإن أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع من عجزه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، فشرط أن يصلي إلى ستره، وهذا غريب.
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين "، منهم من قال: أراد أربعين سنة، ومنهم من قال: أربعين يوماً، وقيل: أربعين ساعة.
وقال ابن عمر وأنس والحسن رضي الله عنهم: "يقطع صلاة الرجل الحمار والكلب الأسود والمرأة".
وقال ابن عباس وعطا، رضي الله عنهم: يقطع الصلاة: "الكلب الأسود والمرأة الحائض".
وقال أحمد واسحق: "لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود".
وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال أحمد: "وفي قلبي من المرأة والحمار شيء"، وعندنا لا يقطع الصلاة شيء من هذا.
وبه قال علي وعثمان رضي الله عنهما [136 أ / 2] وابن المسيب

الجزء: 2 - الصفحة: 131

والشعبي وعروة بن الزبير ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، واحتجوا بما روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي قير، قال: "تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرجل: الحمار والكلب الأسود والمرأة"، فقلت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تسألني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه، قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض".
وقيد آخر الرحل أي قدرها في الطول وقدر العلماء بهذا ذراعاً.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يداريها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه.
والبهيمة ولد الشاة أول ما تولد.
وقوله: يداريها هو من الدرء مهموز، أي: يدافعها.
وقال أنس: بادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمرة ليمنعها تمر بين يديه، وهو في الصلاة.
وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان".
وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة، وأنا حائض".
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي صلاته من الليل، وعائشة معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
وقالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: "كان فراشي بحيال مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فربما وقعت يداه علي وهو يصلي وأنا على فراشي".
وروي عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس رضي الله عنه، فقال: جثت وأنا غلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -[136 ب / 2] يصلي، فنزل ونزلت فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالى ذلك.
وقال الفضل بن عباس رضي الله عنه: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في بادية نصلي في صحراء ليست بين يديه سترة وحمارة لنا وكليبة يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك".
وأما خبر أبي ذر، قلنا: يحتمل أنه أراد أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي

الجزء: 2 - الصفحة: 132

المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة، فذاك معنى قطعها الصلاة دون إبطالها من أصلها، ونقول: صار منسوخاً بخبرنا.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي والحمر تعترك بين يديه".
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "للمصلي في صلاته يستتر بنحو من عظم الذراع طولاً بدليل ما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل ولا يبالي ما وراء ذلك".
وقال عطاء: مؤخرة الرحل، ذراع.
وقال فيه: "ويدنو المصلي من سترة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وقال ابن المنذر: "كان مالك يصلي متبايناً عن السترة فمر به رجل لا يعرفه، فقال: أيها المصلي ادن من سترتك، قال: فجعل مالك يتقدم، ويقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113] ". فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في الصحراء، فالمستحب أن ينصب على ما ذكرنا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه".
قال الشافعي: "ويبعد عنه قدر ثلاث أذرع ". وبه قال عطاء وأحمد: وان لم [137 أ / 2] يجد ما ينصبه بين يديه خط على الأرض خطاً، وصلى إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان مع أحدكم عصا فلينصبها، وليصل إليها"، فإن لم يكن، فليخط خطاً.
إلا أن يكون لي في ذلك حديث ثابت، فيتبع.
قال ابن المنذر: "كان الشافعي يأمر الخط إذ هو بالعراق، ثم قال بمصر ما حكاه البويطي"، وقال ابن المنذر: "قد صح الحديث فيه".
وذكر القاضي أبو حامد أنه يخط خطآ بين يديه وإن صلى في البيت أو في المجد، فلا يحتاج إلى نصب شيء بين يديه، لأن في محراب المسجد أو الحائط كغاية.
هكذا ذكر أصحابنا.
قال في "الحاوي": "يستحب أن يدنو من القبلة نحو ثلاث أذرع".
قال ابن عمر رضي الله عنه: سألت بلالاً ماذا منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل البيت؟ فقال: "صلى وبينه وبين القبلة ثلاث أذرع".

الجزء: 2 - الصفحة: 133

فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يستتر بامرأة ولا دابة".
وقد روى ابن المنذر بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى إلى بعير".
وروى أبو داود في "سننه" عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه قال: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً".
والصمد: القصد يريد به لا يجعله تلقاء وجهه.
مسألة: قال: "وإذا قرأ السجدة سجد فيها".
وهذا كما قال: كتب في رواية عبدان بن محمد ههنا.

باب

عدد سجود القرآن وسجدة الشكر ولم يكتب في رواية غيره، وجملته أن سجود التلاوة منون غير واجبه نص عليه في "القديم" و"الجديد".
وقال في موضع من "القديم": هو سنة مؤكدة.
وقال في "اختلاف الحديث": [137 ب / 2] "أكره تركه ومن تركه ترك فضلاً لا فرضاً".
وبه قال عمر وابن عباس ومالك والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: "هو واجب، وليس بفرض على القارئ والمستمع إلا أنه بالخيار وإن شاء سجد في الحال، وإن شاء أخر وسجد في آخر الحال".
واحتج بأن الله تعالى أوعدنا على تركه، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]، وهذا غلط لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: "عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾: فلم يسجد منا أحداً".
واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سجد وترك"، وأراد به ما روي أن رجلاً قرأ بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد، فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجوده، ثم قرأها رجل آخر فلم يسجد، فلم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ذلك الرجل: سجدت يا رسول الله لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال: "كنت إمامنا لو سجدت، لسجدت معك".
واحتج أيضا بقول عمر رضي الله عنه: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
وتمام الخبر ما روي أنه قرأ يوما على المنبر سورة السجدة، فنزل وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية، فقرأها فتهيأ الناس للسجود".
وروي: فنشز الناس للسجود، فقال: "أيها الناس على رسلكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
وكان هذا بمحضر الجمع الكثير، ولم ينكر منكر.
وقوله:

الجزء: 2 - الصفحة: 134

نشز الناس، أي: استنفروا للسجود وتهيأوا له.
وأما الآية إنما ذمهم على ترك السجود، لأنهم لا يعتقدون فضله.
مسألة: قال: "وسجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة ﴿ص﴾، فإنها سجدة شكر".
وهذا كما قال، وبحملة هذا [138 أ / 2] أن سجود القرآن أربع عشرة سجدة نص عليه في "الجديد" في النصف الأول أربع في آخر الأعراف ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]، وفي الرعد ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15].
وفي النحل ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، وفي بني إسرائيل ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء: 109]، وعشر في النصف الثاني في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: 58]، وسجدتان في الحج: أحدهما: عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] والثانية: عند قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77].
وسجدة في الفرقان عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان: 60]، وسجدة في النمل عند قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26]، وسجدة في آلم تنزيل عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]، وسجدة في حم السجدة، عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، وثلاث سجدات في المفصل: أحداها: في آخر النجم، ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، والثانية: في إذا السماء انشقت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] والثالثة: في آخر: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
وقال في "القديم": "إحدى عشرة سجدة"، فلم يجعل في المفصل سجود، وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهل والحسن ومالك في الرواية المشهورة.
وقال أبو ثور: "ليس في النجم خاصة سجود".
وقال ابن سريج: "هي خمس عشرة سجدة"، فأضاف إليها سجدة ﴿ص﴾.
وبه قال اسحق وأحمد في رواية، وهو اختيار أبي اسحق.
وروي عن أحمد: أنها أربع عشرة نحو القول "الجديد".
وقال أبو حنيفة ومالك: هي أربع عشرة، ولكنها في سورة الحج واحدة عند قوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وأثبت سجدة ﴿ص﴾، في قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ [ص: 24] وأناب، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "عزائم السجود أربع في ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾ [السجدة: 251]، وفي ﴿حم﴾ السجدة وفي ﴿اقْرَا﴾، وهذا كله غلط لما روي عن أبي رافع، قال: صلى أبو هريرة رضي الله عنه صلاة المغرب فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، وسجد، [138 ب / 2] فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت فيها خلف

الجزء: 2 - الصفحة: 135

أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه".
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في الحج سجدتان؟، فقال: "نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما".
وقال عبد الله بن ثعلبة: رأيت عمر رضي الله عنه سجد في سجدتين.
وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.
وقال أبو إسحق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين.
وهذا إجماع.
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو على المنبر سورة ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة نشز الناس للسجود، فقال: "إنما عي توبة نبي، ولكني رأيتكم نشزتم للسجود"، فنزل وسجد، فبين أنها توبة، وليست بسجدة.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "سجدها داود للتوبة ونحن نسجدها شكراً".
واحتجوا بما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشر سجدة في القرآن"، ولا يكون هذا إلا مع سجدة ﴿ص﴾ "، قلنا: نحن نقول: يسجد فيها، ولكن شكراً وليس في الخبر تفصيل.
واحتج من قال بالقول القديم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل مذ تحق ل إلى المدينة"، قلنا: تركه لا يد ل على أنه ليس بسنة، ثم رواية أبي هريرة أولى، لأنها متأخرة، وهي مثبتة والمثبت أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 136

فرع قد ذكرنا أن موضع السجود في سورة ﴿حم﴾ السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38].
وقال ابن عباس ومعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد، وقال أهل المدينة [139 أ / 2] والحسن ومالك موضعه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].
وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه.
واحتجوا بأن الأمر بالسجود في هذه الآية، فكان الجود فيها، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه رأى رجلاً سجد هناك، فقال: هلا نزلت، إلى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38]، ولأن تمام الكلام عند الآية الثانية، فكان السجود عقيبها كما قلنا في سورة النحل، فإن السجود عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50]، وذكر السجود ههنا أيضاً في الآية التي قبلها.
وقال ابن سريج: ما قلناه أصح لأنه إن كان موضع السجود فقد أتى به في موضعه، وان كان قبله فقد أخره عنه، فلا يضره وإذا قدمه لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: مثلما قال أهل المدينة، وقال في سورة النحل: موضع السجود عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 49]، وقالوا أيضاً في سورة النمل عنه قوله: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 74].
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: منصوص الشافعي رضي الله عنه في سجدة ﴿ص﴾ فقرأ الآية التي فيها السجدة، فإن كان في غير الصلاة، سجد شكراً لله تعالى على ما أنعم به داود السلام بأن غفر له، وان كان في الصلاةء لا يجوز أن يسجد فيها، فإن خالف وسجد نظر، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بأنها سجدة.
شكر لا تبطل صلاته، وإن كان عالماً بأنها سجدة شكر، هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: تبطل لأنها منجاة شكر كما لو بشر في الصلاة فسجد شكراً، وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا تبطل، لأنها سجدة تتعلق بالتلاوةء وهذا اختيار صاحب "الافصاح"، وبه أقول فعل هذا في الصلاة أربع سجدات: الراتبة، والسهو، والتلاوة، والشكر، فعلى هذا القول ليس له أن يجد فيها شكراً، وان كانت سجدة التلاوة آكد، وهو قول بعض أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: لو كان الإمام حنفياً فقرأ سورة ﴿ص﴾ وسجد فيها لا يتابعه، بل ينتظر.
قائماً [139 ب / 2] حتى يفرغ.
وهذا صحيح، لأنه لا تبطل صلاته لاعتقاده، وعندي في أحد الوجهين يجوز أن يتابعه فيها بنية سجود الشكر.
وقيل: إذا انتظره على ما ذكرنا، هل يسجد للسهو؟ وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 137

أحدهما: يسجد، لأنه اعتقد أن إمامه زاد في صلاته ما ليس منها جاهلاً، فاختلت صلاته.
والثاني: لا يسجد لأن الاعتبار بالإمام المتبوع.
فَرْعٌ آخرُ سجود التلاوة مستحب للتالي والمستمع، فأما من طرق سمعه من غير استماع اتفاقاً، فلا يسن في حقه.
وقال في "البويطي": "لا أؤكد عليه وإن سجد فحسن".
وقال أبو حنيفة: "التالي والمستمع والسامع سواء"، وهذا غلط لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه "مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه فلم يسجد، وقال: ما استمعنا له".
وقال ابن مسعود وعمران بن الحصين رضي الله عنهما: "ما جلسنا لها".
وقال سلمان: "ما عدونا لها".
وقال ابن عباس رضي الله عنه: "السجدة لمن جلس لها"، ولا مخالف لهم.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يسجد التالي سجد المستمع نص عليه في "البويطي"، وان كان التالي في الصلاة فنظر، فإن سجد هو، سجد المستمع المأموم معه، وان لم يسجد، لم يسجد المستمع، ويتبعه كما يتبع في ترك سائر المستويات بخلاف ما إذا كان خارج الصلاة، فإنه يسجد، وإن ترك التالي، لأن لكل واحد منهما حكم نفسه خارج الصلوات.
وقال القفال: إنما يستحب للسامع بثلاث شرائط: إحداها: أن يسجد التالي، فإن لم يجد هو لم يسجد هو أيضاً.
والثانية: أن يقصد الاستماع.
والثالثة: أن يكون متطهراً عند السماع، وهذا حسن للخبر الذي تقام، ولكنه خلاف المنصوص.
وقال: يتأكد الاستحباب بهذه الشرائط.
فَرْعٌ آخرُ لو كان التالي في غير الصلاة والسامع في الصلاة لا يسجد، ولا ينبغي أيضاً أن يستمع إلى قراءة التالي، بل يشتغل بصلاته، فإن استمع أو سمع لم يسجد في الصلاة، لأن سببها لم يوجد في صلاته [140 أ / 2]، ولا يسجد أيضاً، إذا فرغ.
وقال أبو حنيفة: "يسجد إذا فرغ من الصلاة".
وبناه على أن السامح يلزمه السجود، ولا يمكنه أن يسجد في صلاته، فيسجد إذا فرغ منها.
وقال أبو حنيفة: "إذا تلا الصلاة سجد فيها، فإن يجد حتى خرج منها سقط عنه السجود، لأنه صار من سنن صلاته، وإذا لم يفعل في صلاته سقط"، فنقول: إذا لم يلزمه حكم تلاوته في الصلاة بعد الفراغ منها، فلأن لا يلزم حكم السامح عند الخروج من الصلاة أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 138

فَرْعٌ آخرُ ويسجد في كل وقت ولا يكره فعلها في الأوقات التي نهي فيها عن الصلوات سوا، نهي عنها لأجل الوقت أو لأجل الفعل.
وقال الشافعي في "البويطي": "ويجد بعد العصر وبعد الصبح وبعد الفجر"، وهذا يدل على أنه يكره التنفل بعد الفجر سوى ركعتي الفجر.
وقال مالك: "يكره في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها".
وقال أبو حنيفة: "يكره في الأوقات الثلاثة التي نهى عنها لأجل الوقت فحسب"، وهذا غلط، لأن لها سبباً فجازت في الوقت المنهي.
فَرْعٌ آخرُ لو قرأها في وقت تجوز فيه الصلاة، ثم سجدها في الوقت المنهي لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ لا يجوز سجود التلاوة إلا بالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة إن كان يسجد على الأرض، وحكمه حكم صلاة النفل، لأنها صلاة في الحقيقة.
ولو كان على الراحلة في السفر سجد حيث توجهت به، وإن كان ماشياً في السفر سجد على الأرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه أخر يجوز بالإيماء من غير أن يسجد على الأرض وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ الحائض إذا استمعت لا تومئ برأسها وقال ابن المنذر: "تومئ برأسها"، وبه قال سعيد ابن المسيب، وهذا غلط، لأن ما ينافي الصلاة ينافي السجود والإشارة به.
فَرْعٌ آخرُ لا يكره قراءة آية السجدة في الصلاة بحال.
وقال مالك: "يكره بكل حال".
وقال أبو حنيفة: [140 ب / 2] "يكره في صلاة السر، ولا يكره في صلاة الجهر"، وبه قال أحمد.
وقال أحمد: "لو قرأها لا يسجد، لأنه يشتبه على المأمومين ولا يعلمون سبب سجوده"، وهذا علته، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة"، وقال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، فسجد، فرأينا أنه قرأ: ألم تنزيل السجدة".
وأما ما ذكره، لا يصح لأن المأموم، يلزمه متابعة الإمام، ولا يحتاج إلى معرفة سجوده، وإذا جهر الإمام قد يشتبه أيضاً على ما لا يسمع لبعده أو صممه ونحو ذلك.
فَرْعٌ آخرُ إذا كانت السجدة في آخر السورة مثل قوله، ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]،

الجزء: 2 - الصفحة: 139

فقرأ ذلك في الصلاة، سجد، فإذا قام يقرأ من سورة أخرى شيئاً، ثم يركع، فإن لم يقرأ، وهام وركع جاز، وقيل: إذا قام، هل يركع أم يقرأ آية ثم يركع؟ وجهان: ولو قام من السجود إلى الركوع، ولم يقم لم يجز، لأنه لم يبتدئ الركوع من قيام.
فَرْعٌ آخرُ لا يقوم الركوع مقام السجود فيه.
وقال أبو حنيفة: "يقوم مقامه استحساناً"،.واحتج بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعا وَأَنَابًَ﴾ [ص: 24]، وهذا غلط، لأن السجود المشروع لا ينوب عنه الركوع كسجود الصلاة.
وأما الآية، قلنا: إن لها السجود، بدليل أنه قال: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، ولا يقال: خر إذا ركع، وإنما يقال ذلك إذا سجد وعبر بالركوع عن السجود، ثم تلك السجدة عندنا ليست من العزائم، وقد ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ كل من سن له ذلك، فمتى تركه حتى فارق موضعه أو طال الفصل، لم يقضه، لأن سنة في وقت راتب، فإذا لم يفعلها سقطت، وإن أخر يسيرا يأتي به نص عليه في "البويطي".
فَرْعٌ آخرُ لو كرر وقراءة أية السجدة في مجلس واحد مرتين وثلاثاً يكفيه سجدة واحدة ذكرها ابن سريج، وهو قول أبي حنيفة، ولو قرأها مرة وسجد ثم قرأها ثانياً.
قال القفال: "يسن له السجود ثانياً"، وقال أبو حنيفة: "لا يسجد ثانيا إلا أن يقرأها في مجلس أخر"، وهو وجه أخر لأصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يسجد سجود التلاوة [141 أ / 2] في الصلاة يكبر ويسجد ثم يرفع ويكبر مع الرفع ويعود إلى قراءته، ولا يرفع يديه.
نص عليه.
وقال ابن أبي هريرة: "خر ساجداً من غير تكبير ويرفع قائماً بغير تكبير"، وهذا غلط، لأنه خفض ورفع في الصلاة فيستحب له التكبير.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان يسجد للتلاوة خارج الصلاة.
قال الشافعي: "يرفع يديه في التكبير لسجود القرآن وسجود الشكر".
قال ابن سريج: "هذا يقتضي أن تكون تكبيرة أخرى للسجود، لأنه جعل التكبيرة الأولى للإحرام بها، ولا فرق في رفع اليدين بين أن يكون قائماً أو جالساً أو مضطجعاً".
وقال أبو جعفر المهدي من أصحابنا: "يكبر للسجود لا غير ثم يكبر أخرى لرفع الرأس منه، لأنه سجود مجرد ولا يفتقر إلى الإحرام"، وبه قال أبو حنيفة: وهذا خلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 140

المنصوص، وهو غلط، ونهى صلاة ذات سجود فتفتقر إلى تكبيرة الإحرام.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يسجد سجود التلاوة مع الإمام ولم ينو مفارقته بطلت صلاته، ذكره بعض أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ يكره للمأموم قراءة أية السجدة، فإن قرئ وسجد، ولم يخرج نفسه من إمامته تبطل صلاته، ولو ترك يستحب أن يسجد بعد الفراع على قولنا النوافل تقضى.
فَرْعٌ آخرُ لو قرأ في صلاته ينبغي أن يسجد عقيبها، فإن أخرها، ثم سجد، فإن لم يطل الفصل، فلا بأس أن يسجد، وإن طال سواء كان في تلك الركعة أو ركعة أنرى، لا يسجد، ولو سجد بطلت صلاته، لأنها سجدة زائدة في غير محلها.
فَرْعٌ آخرُ لو كبر تكبيرة واحدة بنية الإحرام وتكبيرة السجود، ولم يجز وأعاد السجود، ولا قرأ أية السجدة جالساً.
قال بعض أصحابنا: السنة أن يقوم ثم يكبر للإحرام، ثم يكبر ويسجد، لأن النافلة قائماً أفضل، وإذا توالت سجدتان قام بينهما لانفصالهما.
وهذا اختيار أبي حامد المقري النيسابوري من أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ليس في سجود القرآن، ولا سجود الشكر تشهد ولا سلام ". وروى المزني في المنثور عن الشافعي، أنه يسلم، فحمل في السلام قولان: [141 ب / 2] أحدهما: لا يسلم كما لو سجد في الصلاة، ولأنه لا يفتقر إلى القراءة، فلا يفتقر إلى السلام كالطواف.
والثاني: يسلم، وبه قال أحمد في رواية، وهو مذهب عطا، وابن سيرين، لأن ما افتقر إلى الإحرام، افتقر إلى السلام، وهذا اختيار أبي إسحق وابن سريج، والأول ظاهر المذهب، والثاني، أقيس وأحسن؛ وبه أقول.
ومن أصحابنا من قال: يتشهد أيضاً، لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام، فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة، وهذا غلط، لأنه إذا لم يفتقر إلى القراءة، فالتشهد أولى، وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة، أنه لا يسلم.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه لا يكبر إذا انحط ويكبر إذا رفع.
فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجود القرآن: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله

الجزء: 2 - الصفحة: 141

وقوته تبارك الله أحسن الخالقين".
ولو قال: "أللهم اكتب لي عندك أجرأ وضع عني بها وزراً واجعلها لي عنه ك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود عليه السلام"، فهو أحسن لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، رأيت هذه الليلة فيما يرى النائم، كأني أصلي خلف شجرة، وكأني قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنها تسجد بسجودي، فسمعتها وهي ساجدة تقول: هذا الذي ذكرنا.
قال ابن عباس، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ السجدة، فسمعته، وهو ساجد يقول: ما قال الوجل عن الشجرة، ولو قال فيه ما يقول في سجود الصلاة يجوز.
وقيل: المستحب هذا ويستحب زيادة التسبيح في ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾ (السجدة: 1]، لقوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (السجدة: 15]، وفي سورة تبارك، يستحب أن يقول: "آمنت بالرحمن سجل وجهي للرحمن، فاغفر لي يا رحمن"، لأن الخبر ورد به، ويستحب أن يدعو بعد التسبيح فيه، ما روى ابن عباس رضي الله عنه.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي الإمام رحمه الله: إذا قرأ الإمام آية السجدة في صلاة السر [142 أ / 2] لو ترك السجود للتلاوة إلى وقت الفراغ من الصلاة يكون أولى، لأنه لو سجد جملة أكثر الجماعة على السهو فيشوش أمر الصلاة عليهم ويختلفون في الاتباع، وقد استحب أصحابنا إذا قرأ آية السجدة ترك السجود لما فيه من الاحتياج إلى النزول والممعود، فلا يبعد نحوه فيما ذكرنا للعذر.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يسجد سجود القرآن في غير الصلاة صح، وإن نذر الإتيان به في الصلاة لم يصح الشرط، وفي صحة النذر وجهان: أحدهما: يصح.
والثاني: وهو الأقرب كما لو نذر صوم يوم النحر لم يجز، ولا يجوز القول فيه بإلغاء التقييد وإيجاب الصوم، فكذلك ههنا ذكره والدي رحمه الله.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: لو قرأ آية السجدة في صلاة الجنازة، لم يسجد فيها، لأنه لا سجود فيها شرعاً، وهل يسجد لهذه القراءة بعد الفراغ؟ فيها وجهان، وأصلهما أن القراءة التي هي غير مشروعة أصلاً.
هل يسجد سجود القرآن لها بحال؟ وجهان، وعلى

الجزء: 2 - الصفحة: 142

هذا لو قرأ آية السجدة في سجود القرآن، هل يسجد لهذه القراءة؟ وجهان، لأنها غير مشروعة، فإذا قلنا: يسجد لم ينب هذا السجود عنها قولاً واحداً.
ولكن إذا قلنا: يشرع فيه السلام، هل يسجد لهذه القراءة قبل السلام؟ فيكون فاعلاً لهذا السجود في نفس هذه الصلاة، أم يسجد بعد الفراغ منها؟.
الأظهر لي أنه يسجد بعد الفراغ، ولو فعله فيها تبطل الصلاة، ويحتمل خلاف هذا.
مسألة: قال: "ويصلي في الكعبة الفريضة والنافلة وعلى طهرها".
الفصل وهذا كما قال: جملة هذا أن صلاة الفريضة والنافلة يجوز فعلها داخل الكعبة.
وبه قال أبو حنيفة وجماعة.
وقال مالك: "يجوز أن يصلي فيها النافلة دون الفريضة والوتر".
وبه قال أحمد واسحق.
وقال ابن جرير: لا يجوز فعل الفريضة فيها، ولا النافلة.
[142 ب / 2] وروي هذا عن ابن عمر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، أي: نحوه، وإذا كان فيها لم يول وجهه نحو جميعها، ولأنه مستدبر لبعضها، فلا يجوز كما لو صلى خارجها مستدبراً، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، ولم يفصل، فإن قيل: الطواف لا يجوز فيها، فكذلك الصلاة.
قلنا: الطواف بكلها لا يحصل بطوافه فيها والصلاة لا تجب إلى كلها بل يتوجه إلى جهة منها، وقد وجا ذلك فيجوز، وأما إذا كان خارج الكعبة، واستدبر فلأنه، لم يستقبل شيئاً منها، فلا يجوز ههنا بخلافه، واحتج ابن جرير بما روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت، ولم يصل".
قلنا: روي عن بلال رضي الله عنه أنه قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت فصلى ركعتين".
قال ابن عمر: فقلت لبلال: أين صلى؟ فقال: نزل عموداً عن يمينه وعموداً عن شماله، وثلاثة أعمدة من ورائه.
وكان البيت إذ ذاك على ستة أعمدة، وما رويناه أولى، لأنه زائد، ويحتج على مالك بأن كل جهة جاز أداء النفل إليها مع الأمن والقدرة جاز أداء الفريضة إليها كما لو كان خارجاً.
قال: وإنما جازت النافلة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها فيها، ولأن أمر الاستقبال في النوافل أخف، فإنها تجوز في السفر إلى غير القبلة، قلنا: لما صلى فيها النفل صار دليلا على جواز الفرض والتخفيف في النوافل عند الضرورة والاحتياج، ولا حاجة ههنا إلى الفرق بين الفرض والنفل، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا الفرادى فيها أفضل من الفرادى في غيرها.
والجماعة فيها أفضل من الجماعة في غيرها، والجماعة في غيرها أفضل من الفرادى فيها.
وقال بعضهم: إذا كانت صلاة نافلة لم تسئ لها الجماعة أو فائتة لا يرجو لها

الجزء: 2 - الصفحة: 143

الجماعة، فالأفضل أن يصليها في جوف الكعبة، وإذا صلى خارجها فكلما كان أقرب إليها [143 أ / 2] كان أولى، وان كانت صلاة الجماعة، فالمستحب أن يكون خارج البيت، لأن الكعبة لا تسع للجماعات، ولأنه يؤدي إلى ابتذالها في الدخول إليها للصلوات الخمس، وفي الصعود والنزول عنها مشقة على الناسء فالأفضل أن يصلي جماعة خارجها نص الشافعي، وهذا أصح، ولكن لو اتفقت جماعة في الكعبة على وجه لا يؤدي إلى ما ذكره، فلا شك أنها أولى فيها، فإذا تقرر هذا، فإذا صلى فيها وتوجه إلى غير الباب صحت صلاته، وإن صلى إلى الباب، فإن كان مغلقاً أو مردوداً صحت صلاته، وإن كان مفتوحاً نظر، فإن كانت له عتبة شاخصة، وإن قلت: صحت صلاته، لأن العتبة والباب من جملة البيت، ولهذا يدخل في البيع بالإطلاق وإن لم يكن عتبة لم يجز، لأنه صلى إلى غير شيء من البيت.
فرع لو رفع بناء الكعبة، والعياذ بالله وبقيت العرصة، فإن وقف على طرفها حتى لا يكون بين يديه منها شيء لم يجز، وان وقف في وسطها أو حيث يكون بين يديه منها شيء.
قال أبو إسحق وابن خيران: "لا تجوز صلاته"، وهو الصحيح، لأنه لو صلى على ظهرها، وليست بين يديه سترة لا يجوز، ولا فرق بين ظهرها وعرصتها.
وقال ابن سريج: "يجوز، لأنه يتوجه إلى القدر الذي بين يديه منها"، وهذا خلاف المذهب، ويبطل بما لو كان على ظهرها لا يقال: يصلي إلى ما بين يديهء ولو صلى خارجها مستقبلا العرصة يجوز بلا خلافء لأن من هو خارجها يكون متوجها إليها، ومن صلى عليها لا يقال: هو متوجه إليها، ولهذا لو صلى فوق جبل أبي قبيس جاز وان كان أعلى من الكعبة، ولو صلى على ظهر الكعبة إليها لم يجز حتى يكون بين يديه شي، شاخص.
قال بعض أصحابنا: ويستحب أن ينصب في موضعها خشب أو يفرج عليها أنطاع ليستقبله [143 ب / 2] الناس كما فعل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
وقال القفال: اعتقادي في هذه المسألة مثل قول أبي حنيفة: إنه تجوز الصلاة على ظهر الكعبة، وفي عرصتها، وإن لم يكن بناء لهذه المسألة، وهي أنه إذا صلى إلى التربة، ولا بناء يجوز، وكذلك إذا وقف على التربة، وبين يديه بعضها يجوز.
وقال ابن عباس: "إذا انهدمت الكعبة سقط فرض التوجه إليها، ولم يتابعه أحد".
فَرْعٌ آخرُ لو صلى على ظهرها وبين يديه سترة، فإن كانت مبنية بجص أو طينٍ أو خشبةٍ مسمرةٍ تجوز لأنها من البيت بدليل أنها تدخل في بيع الدار، وإن كانت موضوعة عليها كالثياب والأجر نصب بعضها على بعضٍ، لا يجوز، وان كانت عصا غرزها فيه.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من كانت معه

الجزء: 2 - الصفحة: 144

عصاً، فلينصبها بين يديه، وليصل إليها"، ولم يفصل، ولأنها جارية مجرى الأوتاد، والأوتاد تتبع الدار في البيع، والثاني: لا يجوز، لأنه غير منسوب إلى البيت، ألا ترى لو باع داراً فيها خشبة مغروزة لا تدخل في البيعء فلا تصح صلاته إليها، وهذا أصح.
فَرْعٌ آخرُ اختلف أصحابنا في قدر الستر ة فمنهم من قال: قدر ذراع، وهو الأصح، لأن هذا القدر يستر شيئاً منه ويسمى سترة في العادة، ومنهم من قال: قدر قامة الرجل حتى يكون جميع بدنه في مقابلته، وهو ضعيف.
مسألة: قال: "ويقضي المرتد ما ترك في الردة".
وهذا كما قال من ارتد عن دينه، ثم عاد إلى الإسلام كان كمن سكر، ثم أفاق يلزمه قضاء كل ما ترك في حال ردته من العبادات مثل الصلاة والصيام والزكاة، وما فعله قبل ردته يعتد له.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية أنه إذا عاد إلى الإسلام يصير بمنزلة كافر أصلي أسلم [144 أ / 2]، فيلزمه الحج ابتداءً، أو لا يلزمه قضاء ما ترك من العبادات حتى قال أبو حنيفة: "لو ترك الصلاة خمسين سنة في إسلامه، ثم ارتد ثم أسلم لا يلزمه قضاء شيء منها"، وأصل هذا أن عنده الردة تحبط العمل بمجردها.
وعنانا لا تحبط حتى ينضم إليها الموت، وهذا غلط، لأنه ترك الصلاة بالعصيان بعدما التزمها بالإسلام، فيلزمه قضاؤها كالسكران، ولأن الردة لا تزيده خيراً، إن لم تزده شراً في سقوط قضاء الصلوات على ما قلتم.
فرع لو جن أو أغمي عليه في حال رأته حتى فات وقت الصلاة.
نص في "الأم": أنه يلزمه قضاؤها.
وقال المزني في "الجامع": هذه والله وحشة، وإن حاضت في حال ردتها ثم أسلمت لا يلزمها قضاء ما تركت من الصلوات فيها.
والفرق أن إسقاط الصلاة عن المجنون والمغمى عليه رخصة وتخفيف، ألا ترى أنه يستحب لهما القضاء والمرتد لا يستحق التخفيف، وأما الحائض فإسقاط الصلاة عنها عزيمة وتغليط، لأنها ليست من أهل الصلاة في هذه الحالة، ومع قدرتها على فعلها مشاهدة منعت من فعلها حتى لو أقدمت عليها تصير عاصية، ولهذا يكره لها القضاء، فلهذا سقط عن المرتدة قضاؤها ويدل على صحة الفرق أنه لو شرب دواء حتى جن أو أغمي عليه لم يسقط عنه القضاء، ولو شربت حتى حاضت أو نفتء لا يلزم القضاء.
فإن قيل: المعصية ليست في سبب الرخصة، وهي الإغماء والجنون، وإنما هي بالاعتقاد.
قلنا: ولكن غلظنا عليه بإيجاب القضاء إذ وجد منه ذلك في زمان المعصية كما أزلنا

الجزء: 2 - الصفحة: 145

يده عن أملاكه تغليظاً عليه، وان كان الإسلام ليس بسبب للملك، لأن الكافر الأمي يملك، وهذا مشكل.
[144 ب / 2]

باب

سجود السهو وسجود الشكر مسألة: قال: "ومن شك في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً".
الفصل وهذا كما قال: إذا سها في صلاته لم تبطل صلاته، فإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وطرح الشك ولا يأخذ بغلبة الظن والتحري سواء كان في المرة الأولى أو الثانية، فإن شك هل صلى ركعة أم ركعتين جعلها واحدة، وإن شك هل صلى ثلاث وكعات أم ركعتين جعلها ركعتين، وان شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ جعلها ثلاثاً.
وبه قال أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير واسحق وربيعة ومالك والثوري.
وقال الأوزاعي: تبطل ما صلا ته، ويلزمه استئنافها.
وقال الحسن: يسجد سجدتي الوهم وتجزئه.
وروي هذا عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما.
وقال أحمد: "إن كان منفرداً بنى على اليقين، وان كان إماماً، ففيه روايتان: إحداهما: يبني على اليقين.
والثانية: يبني على غالب ظنه".
وقال أبو حنيفة: "إن كان ذلك أول مرة بطلت صلاته، وان كان شكاكاً وتكرر منه هذا تحرى وعمل على ما يؤديه تحريه إليه، فإن لم يغلب على ظنه شيء عمل على اليقين".
روي عن سفيان الثوري أنه يتحرى بكل حال، واحتجوا بما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم يسلم ويسجه سجدتين".
واحتج الحسن البصري بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن أحدكم إذا قام يملي جاءه الشيطان، فيلبس عليه حتى لا يدوي كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالساً"، وهذا غلط [145 أ / 2] لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحاكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة، وان كانت ناقمة كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجدتان

الجزء: 2 - الصفحة: 146

مرغمتي الشيطان".
وروي: "كانت الركعة والسجدتان نافلة".
وروى عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليصل ركعة ويسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة، فالسجدتان ترغيم الشيطان"، وأراد أن الشيطان يأتي أحدكم، وهو في الصلاة، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا لما كان لا يذكره حتى يشك في صلاته، فلا يدري كما صلى، وقوله: شفعها بهاتين أراد أن سجود السهو إنما شرع جبراناً للصلاة من النقص والزيادة فيها، فإن نقص منها في الحقيقة فتشفعها السجدتان، أي: يصيرها أربعاً في الحكم لا أنها تصيرها ستاً في الحكم كما توهمه أبو حنيفة، وأما خبرهم أراد بالتحري البناء على اليقين على ما فسر في خبرنا وحقيقة التحري هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وهو فيما قلنا لما فيه من إكمال الصلاة، والاحتياط لها والتحري يرد بمعنى اليقين كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن: 14]، وأما خبر أبي هريرة فخبرنا أولى، لأنه مفسر لما أجمله في هذا الخبر.
مسألة: قال: "فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل السلام".
وهذا كما قال: إذا فرغ من صلاته بعد التشهد سجد سجدتي السهو قبل السلام سواء كان السهو نقصاناً أو زيادة أوهما أو زيادة متوهمة، فالنقصان ترك الجلوس للتشهد الأول وترك القنوت [145 ب / 2]، ونحو ذلك.
والزيادة أن يجلس في موضع قيامه ونحو ذلك، والزيادة المتوهمة أن يشك في عدد الركعات نص عليه في كتبه القديمة والجديدة.
وبه قال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسعيد بن المسيب والزهري وربيعة والأوزاعي والليث.
وقال في اختلافه ومالك: ما يدل على تخريج الأخبار الواردة فيه على الزيادة والنقصان، فيسجد للزيادة بعد السلام للنقصان قبل السلام.
وذلك أن عبد الله بن مالك ابن بحينة.
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد قبل السلام، وقال: "السجود في السهو قبل السلام".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه "سجد بعد السلام"، فيحمل هذا على الزيادة، وذلك على النقصان، وبه قال مالك والمزني واسحق وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والثوري: سجود السهو بعد السلام بكل حال.
وروي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار وسعد بن أبي وقاص والنخعي وابن أبي ليلى رضي الله عنهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 147

وحكي عن الشافعي أنه قال بعد ما ذكر في اختلافه ومالك ما قلنا: كان مالك لا يعرف الناسخ من المنسوخ، وكان آخر ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السجود قبل السلام".
وقال الزهري: "سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام وبعد السلام، وكان آخر الأمرين قبل السلام"، وقد روى ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه "أنه كان يأمر بسجدتي السهو قبل السلام" فثبت ترك ما رواه، لأنه نسخ، ولأن الزيادة تحل محل النقصان، فمان الصلاة تبطل بهاء فالجود عنها قبل اللام أيضاً، ولأن في خبر أبي سعيد توهم الزيادة وأمر السجود قبل السلام فبطل قول مالكٍ.
قال المزني:"واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدوي وبحديث ابن بحينة"، ولم يرد به أنه احتج بالخبرين في السجود قبل السلام بل ذكر مسألتين: مسألة البناء على اليقين، [146 أ / 2] ومسألة السجود قبل السلام، ثم احتج فيها بالخبرين، فالخبر الأول، يرجع إلى المسألة الأولى، والخبر الثاني، يرجع إلى المسألة الأخرى.
مسألة: قال: "وإن ذكر أنأ في الخامسة سجد أو لم يسجد".
الفصل وهذا كما قال: إذا ملى صلاة هي أربع ركعات، فلما كان في الرابعة سها وظن أنها ثالثة، فقام إلى الخامة، ثم ذكر، فإن ذكر بعد السلام سجد للسهو حين ذكر وسلم، وقد تمت صلاته، وإن ذكر بعد التشهد وقبل السلام، فقد ذكر في موضع السجود فيسجد سجدتين ويسلم، وقد تمت أيضاً، ولا فرق بين أن يكون قعد في الرابعة أو لم يقعد، وإن ذكر قبل التشهد وبعد السجود نظر، فإن لم يكن قعد في الرابعة، ولا تشهد، فإنه يقعد ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم، وإن كان قد قعد في الرابعة وتشها بالتمام.
قال ابن سريج: "يعيد التشهد، ثم يسجد للهو، ثم يلم ليكون سجود السهو بعد التشهد".
قال: وهذا مذهب الشافعي، لأنه قال: "سجد أو لم يسجد وقعد في الرابعة، أو لم يقعد"، فإنه يعود إلى الرابعة ويتشهد، فنص على أنه قعا في الرابعة أو لم يقعد.
والمذهب أنه لا يعيد التشهد، لأن موضوع الصلاة على أنه إذا سها فيها سقط السهو ويبني على ما قبله، ولا يسقط السهو ما وقع صحيحاً قبله بدليل أن من سجد سجدة، ثم قام إلى الثانية عاد وبنى على الأولى، ولم يبطلها ما تخلل بينهما من سهو العمل كذلك ههنا.
وقول الشافعي: "يتشهد ويسجد للسهو ويسلم قعد في الثانية، أو لم يقعد" قصد به الرد على أبي حنيفة، حيث قال: إن كان قد سجد في الخامسة، ولم يكن قعد في الرابعة بطل فرضه، وعليه إعادتها لأنها صارت نفلاً، وإن كان قد قعد في الرابعة فقد

الجزء: 2 - الصفحة: 148

تمت صلاته بالقيام، والركعة الخامسة نفل، فيضيف إليها ركعة أخرى، وإن كان سجد فيها، وإلا فلينصرف عنها، أو يقول: تأويل هذه اللفظة [146 ب / 2] أن قول: "ويتشهد" يرجع إلى إحدى الحالتين، وهو أنه إذا لم يكن تشهد، فكأنه جمع بين مسألتين، وأجاب عن إحداهما إذا لم يكن مقصوده كيفية الرجوع، وإنما كان قصده أنه في الجملة يرجع إلى الرابعة بكل حال.
وقيل: قوله: "قعد في الرابعة، أو لم يقعد" لم يرد به التشهد، فإنه قد يقعد ولا يتشهد وقراءة التشهد واجبة كالقعود واجب، فكأنه صور المسألة فيمن تذكر أنه في الخامسة وشك فلم يدر قعد في الرابعة أم لا؟ فعليه أن يتشهد إذا رجع وقد ترك كلمتان فيهما حرف أو وإحداهما للتنويع والأخرى للشك.
كما قال الشافعي في خبر الربا، ونقص أحدهما، التمر أو الملح وزاد الآخر فهذا شك، ثم لما قاله ابن سريج معنيان: أحدهما: أن الموالاة شرط بين الأركان.
والثاني: لا يجوز إفراد ركن وفي ذلك إفراد السلام يعني إذا لم يعد التشهد.
وفائدة هذا تظهر فيما لو ترك الركوع ساهياً وتذكر في السجود، فإن قلنا: المعنى فيها الموالاة، يجب أن يقوم من السجود مستوياً، ثم يركع، وان قلنا بالمعنى الآخر يجوز أن يعود راكعاً وبقولنا.
قال الحسن وعطا، والزهري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق.
والأصل في هذا ما روى عبد الله بن مسعود رصي الله عنه.
قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمساً، فلما انفتل توسوس القوم بينهم، فقال: "ما شأنكم؟ "، قالوا: يا رسول الله زيد في الصلاة؟ قال: "لا"، قالوا: فأنت صليت خمساً، فانفتل فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: "إنما أنا بشر أنى كما تنسون "، والظاهر من حاله أنه لم يجلس في الرابعة، لأنه قام إليها يعتقد أنه يقوم من الثالثة.
وعند أبي حنيفة: إذا لم يكن جلس بطلت صلاته، وإن كان جلس يلزمه أن يضيف إليها ركعة أخرى والنبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء خمساً، [147 أ / 2] فسجد سجدتي السهو، وهو جالس".
وقال الثوري: إن لم يكن قعد في الرابعة أحب إلي أن يعيد.
مسألة: قال: "وإن نسي الجلوس من الركعة الثانية، فذكر في ارتفاعه وقبل انتصابه، فإنه يرجع إلى الجلوس".
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما أنه إذا ترك التشهد الأول، فذكره قبل انتصابه عاد إليه، وإن ذكر بعد انتصابه لا يعود.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يريد بالانتصاب أن يصير إلى حالة هي أرفع من

الجزء: 2 - الصفحة: 149

حالة الراكع، وحالة الراكع أن تنال راحتاه ركبتيه فما كان أرفع من ذلك فهو حد الانتصاب، وما دون ذلك، فليس بانتصاب.
وفي هذا نظر والانتصاب المشهور أن يصير إلى حالة يعتد بقيامه فيها.
وقال مالك: "إن قام أكثر القيام لم يعتد، وإن قام أقل القيام، أعاد" وحكى ابن المنذر عن مالك، أنه قال: "إن فارقت أليته الأرض مضى، ولا يرجع"، وقال الحسن: "يرجع ما لم يركع".
وقال النخعي: "إن ذكر قبل القراءة عاد، وإن ذكر بعدما قرأ لا يعود".
وقال أحمد: "إن ذكر قبل أن يستوي قائماً، يلزمه أن يرجع، وإن ذكره بعدما استوى قائماً، وقبل: القراءة يتخير بين الرجوع وبين المضي"، والأولى أن لا يرجع، ثم إذا رجع بعد الانتصاب، قد ذكرنا أنه إن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، وإن تعمد بطلت.
وقال صاحب "الحاوي": "فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحق تبطل صلاته، لأنه أتى بعمل طويل في الصلاة عمداً".
والأصح لا تبطل، لأنه لم يقصد بعمله منافاة الصلاة، فأشبه إذا صلى خمساً ناسياً، وإذا عاد قبل الانتصاب، هل يسجد للسهو؟ قد ذكرنا.
وقال أبو حامد: "فيه قولان: أحدهما: يسجد.
وبه قال أحمد".
وقال يحيى بن سعيد: "رأيت أنس بن مالك تحرك للقيام في الركعتين من العصر، ثم تذكر فجلس، ثم سجد سجدتين، وهو جالس"، وهذا لأنه زاد في الصلاة من جنها ساهياً، فأشبه إذا زاد ركعة.
والثاني: لا يسجد.
[147 ب / 2] وبه قال الأوزاعي لما روي في حديث المغيرة بن شعبة إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم في الركعتين، فلم يستتم قائماً فليجلس"، ولم يأمر بالسجود.
وروي: "فليجلس ولا سهو عليه"، ولأن هذا القدر من القيام عمل يسير، ولو تعمد لا تبطل صلاته، فأشبه الخطوة والخطوتين.
وهذا أحسن عندي، وهو اختيار أبي حامد، والأول اختيار القاضي الطبري، ولم يذكر القولين.
فرع لو كان إماماً فرجع بعد الاعتدال بطلت صلاته وينوي المأموم مفارقته، وإن كان الإمام جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته، ولكن المأموم لا يتابعه أيضاً، وينوي مفارقته كما لو قام إلى الخامسة ناسياً لا يتابعه، وإن كان هو جاهلاً أيضاً، أو ناسياً فتابعه لم تبطل صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 150

فَرْعٌ آخرُ لو انتصب قائماً بعدما تذكر أنه تركه تبعه المأموم بكل حال، لأن متابعته واجبة والتشهد الأول نغل فيجب ترك النفل للفرض، وإن ذكر الإمام قبل أن يعتدل قائماً يرجع المأموم، لأن متابعته أولى من فرضه، كما لو أدركه في الركعة الأخيرة جالساً يلزم الجلوس معه اتباعاً، وإن كان يترك: فرض نفسه.
وهذا هو المذهب.
وقال أبو حامد: "وفيه وجه آخر لا يرجع لأنه تقابل فرضان، وليس أحدهما أولى من الآخر".
وهذا ضعيف، ولو انتصب الإمام دون المأموم، ورجع الإمام إلى الجلوس، فالذي يقتضيه المذهب أن المأموم يقوم، ولا يتابعه في الجلوس، لأن المأموم، وإن لم يكن انتصب فقد وجب عليه الانتصاب، لانتصاب الإمام، فإذا سها الإمام بالرجوع لم يسقط عن المأموم ما وجب من الانتصاب، ولا يتابع الأمام فيما ليس من صلاة الإمام.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى نافلة بنية ركعتين، فقام إلى ثالثة ناسياً لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعاً، ويجوز أن يرجع إلى الثانية، ويجوز أن يكمل الثالثة، ويسلم.
[148 أ / 2] وأي ذلك فعل سجد للسهو، والأولى بمذهب الشافعي أن لا يمضي ويرجع إلى الثانية، ويسجد للسهو سواء كان في صلاة الليل، أو في صلاة النهار.
وقال بعض أهل العراق: الأولى أن يتمها أربعا، وقال ابن سيرين: "لا يسجد للسهو في النوافل"، وقيل: هذا قوله في "القديم"، وهو خطأ، لأنه نص في "القديم"، و"الجديد" على أنه يسجد للسهو في الفرض والنفل، وهذا لأن كل عبادة دخل الجبران في فرضها، دخل في نفلها كالحج، ولو قام إلى الثالثة عمداً، ولم ينو شيئاً بطلت صلاته، ولو غير نيته قبل أن يقوم، وصلى أربعا عامداً أجزأه، ولا سجود عليه كالمسافر إذا أتم بعل ما نوى القصر.
مسألة: قال: "وإن جلس في الأولى، فذكر قام وبنى، وعليه سجود السهو"، وهذا كما قال: إذا جلس في موضع قيامه، إما عقيب الركعة الأولى، أو عقيب الركعة الثالثة، فقد جلس في موضع جلة الاستراحة، فإن ابتدأ فقرأ التشهد في جلوسه سجد للسهو قليلا كان جلوسه أو كثيراً، ولا نعني بقراءة التشهد أن يقرأ جميعه، بل إذا أخذ في قراءته فالحكم كذلك، وإن لم يقرأ التشهد ننظر في قدر جلوسه، فإن كان قدر جلسة الاستراحة، فلا سهو عليه، وإن زاد على جلة الاستراحة سجد للسهو، لأن ذلك لو تعمده أبطل الصلاة.
وحكي عن علقمة والأسود أنهما قالا: لا يسجد للسهو ههنا لأن الجبران للنقصان

الجزء: 2 - الصفحة: 151

والزيادة لا تحتاج إلى الجبران كما نقول في الحج.
وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً، وسجد للسهو، وزاد في الصلاة في خبر ذي اليدين، وسجد للسهو".
مسألة: قال: "وإن ذكر في الثانية: أنه ناسٍ لسجدة من الأولى بعدما اعتدل قائماً".
الفصل وهذا كما قال: جملته أن الترتيب عندنا واجب في أركان الصلاة، فلا يسقط بالنسيان، فإذا نسي السجدة الثانية من الركعة الأولى، فاعتل ل قائماً، ثم ذكر في قيامه، لا يصح لأن الركعة الثانية [148 ب / 2] لا تصح قبل إتمام الركعة الأولى، فإذا تذكر بعد ذلك لا يخلو، إما أن يذكر قبل أن يسجد فيها مثل أن ذكر قبل الركوع أو بعده، وقبل السجود كان عمله في الثانية كلا عمل، فيلزمه أن يعود ويسجد، ثم كيف يسجد؟ لا يخلو من ثلاث أحوال، إما أن يكون تركها وحدها دون جلة الفصل بين السجدتين أو تركها مع جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضا، أو تركها وترك جلسة الفصل، ولم يترك جلسة الاستراحة، فإن تركها وحدها جلس عقيب السجدة الأولى جلسة الفصل، ثم قام، فكيف يسجد التي تركها؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المذهب أنه يخر ساجداً وتجزئه من غير جلوس.
والثاني: وهو قول أبي إسحق: لا يجزئه حتى يجلس، ثم يسجد، لأن السجدة الثانية لا تصح إلا من الجلوس، وهذا غلط، لأنه لا يختلف المذهب أنه إذا صلى أربع ركعات، ونسي من كل ركعة سجدة، يحصل له منها ركعتان، ويحصل له السجدة للركعة الأولى من الركعة الثانية، وهذه السجدة في الركعة الثانية حصلت من القيام.
فإن قال في هذه المسألة: لو لم أحتسب بالسجدات أدى إلى بطلان عمل كثير، قلنا: ما لا يحتسب به، لا فرق بين أن يقل وبين أن يكثر، وأما إذا تركها وترك جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضاً، وهو أن يرفع رأسه من السجدة الأولى، وينهض قائماً، ولم يجلس بحال، فإنه يسجد للثانية التي عليه، وكيف يسجد؟ المذهب أنه يجلس ثم يسجد بعده لأنه جلوس هو ركن، فلا يسقط بالقيام كأخر جلسة في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: يكفيه أن يسجد، ولا يحتاج إلى جلة الفصل، لأن الفصل حصل بالقيام فأغنى عن الجلسةء وهذا غلط، لأن هذه الجلسة واجبة مقصودة ولو تعمد إلى القيام ليفصل بينهما تبطل صلاته، ولا ينوب القيام منابها، فكذلك ههنا، وإن تركها وترك جلسة الفصل، ولكنه لم يترك جلسة الاستراحة، فجلس بهذه النية هل ينوب هذا عن الفرض الذي عليه؟.
اختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج: لا ينوب عنه، [149 أ / 2] لأن جلوس الاستراحة، نفل، وهذا الجلوس فرض فلا ينوب الفرض عن النفل كما لو نسي وسجد

الجزء: 2 - الصفحة: 152

للتلاوة، أو للسهو لا ينوب عنه".
وقال سائر أصحابنا وهو المذهب: ينوب عنه كما لو تشهد في الرابعة على أنه في التشهد الأول، ثم ذكر أجزأه، وسقط الثاني بنية الأول، وإن كان الثاني فرضاً، والأول نفلاً، ويخالف سجود التلاوة، وسجود السهو، لا يجزيان عن سجود الصلاة، لأنهما ليسا من سجود الصلاة، راتباً، والجلوسان من الصلاة مشروعان فيهما، فجاز أن يسقط أحدهما بنية الآخر.
وأيضا سجود التلاوة يقع في موضعه، فلا يقع عن غيره بخلاف السجدة الأولى، ههنا من الركعة الثانية، لأنه لا يجوز أن تصح الثانية قبل تمام الأولى، فإن قيل: فهذه القراءة أيضا قبل إتمام الأولى، قلنا: سجود التلاوة لا يختص بالقراءة المجزية في صلاته بل يتعلق بالتلاوة الصحيحة، وقد وجدت، فإن قيل: فقولوا: إذا قرأ آية السجدة في الركوع يسجد للتلاوة، قلنا: يكره له هذه القراءة، فلا يقع موقعها.
وههنا قصد إلى قراءة جائزة، وإنما لم تجز عنه لعدم تمام الأولى من جهة نسيانه.
وقال أبو حامد: "لا نص في سجدة التلاوة وسجدة السهو، ويحتمل أن يقال: تنوب عن الفرض، ولا يبعد"، وهذا غلط، لأن الشافعي، نص عليه حكاه صاحب "الإفصاح"، وغيره.
والفرق ظاهر على ما ذكرنا، وإن ذكر في الثانية بعد أن سجد فيها، لا يخلو إما أن يذكر بعد السجدتين، أو بعد إحدى السجدتين، فإن تذكر بعد السجدتين تمت الأولى قولاً واحداً، ولكن بآية الجدتين تتم الأولى؟ ينبني على الأقسام، فإن لم يكن ترك في الأولى جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضا، فإن قلنا: ينوب القيام عن جلسة الفصل تمت الأولى بالسجدة الأولى من الثانية، وإن قلنا: لا ينوب القيام عنها تمت الأولى بالسجدة الثانية، وإن كان ترك جلسة الفصل دون جلسة الاستراحة، فإن قلنا: تنوب [149 ب / 2] هذه الجلسة عن جلسة الفرض، تمت الأولى، وإلا تمت الثانية، وان ذكر بعد أن سجد في الثانية سجدة واحدة، فكل موضع قلنا: تمت الأولى بالسجدة الأولى من الثانية، فقد تمت ههنا الأولى، ولا حاجة إلى السجود، وكل موضع، قلنا: تمت الثانية، فعليه أن يسجد ههنا سجدة أخرى لتتم الأولى.
وقال أبو حنيفة: "إذا ترك السجدة الثانية من الأولى، لم يمنع من احتساب ما بعدها، بل سجد في آخر صلاته سجدة فتلتحق بموضعها ويسلم ويسجد للسهو"، والى فعل ذلك عمداً محت صلاته عنده، ولا يسجد للسهو.
وعندنا إن فعل ذلك عمدا بطلت صلاته، ووافقنا أنه لو ترك سجدتين لم يحتسب الثانية، وكذلك لو ترك ركوعاً لا يحتسب بما بعده.
وقال: "لو ترك أربع سجدات من أربع رجات يسجد في آخر صلاته أربع سجدات متواليات وتجزئه".
وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن.
وقال الحسن بن مالك بن حيي: "لو ترك ثمان سجدات أتى بهن متواليات".
وقال

الجزء: 2 - الصفحة: 153

مالك: "إن ذكر في الثانية قبل أن يطمئن راكعاً أنه نسي سجدة من الأولى عاد إلى الركعة الأولى، وإن ذكر بعدما اطمأن راكعاً لا يعيد، فإذ لم يكن سجد مضى في صلاته وأتى بالسجود في الركعة الثانية، ويلغوا ما فعله في الأولى، وإن كان قد سجد بطلت الأولى وبنى على الثانية".
وقال أحمد: "إذا ذكرها بعد القراءة بطلت الأولى وأتم الركعة الثانية"، وهذا غلط، لأنه شارع في الثانية تبل إكمال الأولى، فيلزمه العود إذا تذكر كما لو تذكر قبل الركوع، أو يقول في الفصل الثاني، لأنه سهو، نهو لا يبطل العبادة، فلا يمنع من الاعتداد بما مضى منها كما لو ذكر قبل الركوع.
واحتج بأن ما يفعله في ركعته لا يتقل إلى أخرى ألا ترى أن المزحوم في الجمعة عن السجود في الأولى، إذا زال الزحام والإمام راكع في الثانية، فإن يتبعه ويجد معه، ولا يتم به الأولى كذلك هها.
وهذا لا يصح لأن في المزحوم هل يكون سجوده للأولى أم الثانية؟ [150 أ / 2]، وجهان.
وإن سلمنا، فالفرق أن الجمعة لا تدرك بركعةٍ ملفقة على أحد الوجهين، فلهذا احتسبنا به من الثانية لتكون ركعةً كاملةً وههنا لا يوجد هذا المعنى.
ولهذا أمرناه بفعل الركوع في مسألة الزحام مع علمه بما عليه من الجود، وههنا لا يفعل ذلك مع العلم، بل يأتي به سهواً فيصح ما يلي ما فعله على وجه الصحة، وهو السجود.
مسألة: قال: وإن ذكر في الرابعة أنه نسي سجدة من كل ركعة".
الفصل وهذا كما قال: إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعاتٍ صحت له ركعتان، وذلك أن الأولى صحت إلا سجدة، فلما شرع في الثانية كان عمله فيها كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة تمت الأولى بهذه السجدة، وسقطت الثانية، فلما قام إلى الركعة الأخرى، وهي ثالثة في العدد، ثانية في الحكم، صحت له إلا سجدة، فلما شرع في الركعة الأخرى، وهي الرابعة في العدد كان عمله فيها كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة تمت بها الثانية ولغا باقيها فصحت له ركعة من الأولى وركعة أخرى من الثالثة والرابعة، فإن ذكر ذلك بعد أن تشهد قام، فأتى بركعتين وكان هذا: تشهد واقعاً عن التشهد الأول، وإن ذكر قبل التشهد تشهد التشهد الأول، ثم قام، فصلى ركعتين.
والأصل في هذا وفي نظائره أن المصلي إذا نسي ركناً سجدة أو ركوعاً، أو غيرهما واشتغل بما وراء ذلك الركن، فكل فعل فعله، وذلك الفعل غير مشابه للركن المني، فهو غير محسوب، وإن كان مشابهاً للركن المنسي قام مقامه، وألفينا سائر أفعاله.
وهذه المسألة مفروضة فيه إذا ترك من كل ركعة سجدة دون جلسة الفصل بين

الجزء: 2 - الصفحة: 154

السجدتين، فإن ترك جلسة الفصل، نظر فإن أتى بجلسة الاستراحة، فهو على الوجهين، فإن قلنا: يقوم مقام جلسة الفصل، فكما ذكرنا، وإن قلنا: لا يقوم مقامها صحت له ركعة إلا سجدة، فإنه ما صح له بعد هذا سجود بحال، وإن لم يكن جلس [150 ب / 2] للاستراحة أيضاً، فإن قلنا: القيام مقام الجلسة، فكما ذكرنا، وإن قلنا بالمذهب الصحيح حصلت ل ركعة إلا سجدة.
وهذا إذا لم يجلس للتشهد الأول، فإن كان قد جلس للتشهد في الركعتين حصلت له ركعتان إلا سجدة على الصحيح من المذهب، لأن السجدة التي حصلت من الركعة الثانية لا يعتد بها، لأنه لم يتقدمها جلوس.
وأما السجدة في الثالثة تضاف إلى الأولى، لأن الجلوس للتشهد قام مقام الجلة بين الجدتين، وإن كان هذا الجلوس لم يكن بنية الفرض.
وقال ابن سريج: "هذا إذا لم يحاشها أن يكون أوله أو ثانيه، فأما إذا حاشاها ذلك، فلا يجوز لا من الأولى ولا من الثانية".
ومعنى: لم يحاشها، أي: لم ينفها بقلبه.
قال القفال: "وهو كما قال: لأن استدامة النية الأولى، وان لم يشترط من حيث الذكر، فهي شرط من حيث أن لا يبدلها بغيرها، فإذا قصد أن لا تقع على وجه كذا لم تقع على ذلك الوجه" ونظيره ما قال الشافعي: "لو أراد أن يسجد، فسقط فانقلب على وجهه فماست جبهته الأرض لم يجز، وعليه أن يسجد".
هذا إذا ترك من كل ركعة سجدة، فإن ترك سجوداً، ولم يعلم من أين تركها، فالأصل أن ينظر إلى أسوأ الأحوال، فيأخذ بها، لأنه اليقين، فإن ترك سجدة، لا يعلم موضعها، فأحسن أحواله، أن تكون هذه السجدة من آخر ركعة، فيصح له أربع ركعات إلا سجدة وأسوأ أحواله أن تكون هذه السجدة من ركعة غير الرابعة، فيصح له ثلاث ركعات، وإن كان الترك سجدتين، فأسوأ أحواله أن يكون سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة، فيحصل ركعتان، ويأتي بركعتين.
وفرع ابن سريج ههنا، فقال: "إن علم أن السجدتين من ركعة واحدة صحت له ثلاث راحات.
وهذا أسوأ الأحوال، فإن علم أنها من ركعتين متواليتين صحت له ثلاث وكعات أيضاً"، وليست ههنا حال [151 أ / 2] أحسن من حالٍ، لأنهما إن كانا من الأولى والثانية، تمت الأولى، وسقطت الثانية، وإن كانتا من الثانية والثالثة، سقطت الثالثة، وإن كانتا من الثالثة والرابعة، سقطت الرابعة فيصح ثلاث ركعات، وإن ترك ثلاث سجدات فأسوأ أحوالها أن تكون واحدة من الأولى، فتمت الأولى بالثانية، وبقيت ركعتان من أنهما كانت السجدتان صحت له ركعتان، فصحت له ركعتان، فيأتي بما بقي، فإذا لا فصل بين أن يترك سجدتين، أو ثلاث سجدات.
وإن ترك أربع سجدات، فأحسن أحواله أن تكون من الثالثة والرابعة، وأسوأ أحواله

الجزء: 2 - الصفحة: 155

أن تكون سجدة من الأولى وثلاث من الثالثة والرابعة فتتم الأولى بالثانية، وتسقط الثانية، وبقيت ركعتان، فيذهب منهما ثلاث سجدات، فيصح له منها ركعة إلا سجدة، فيأتي بسجدة في الحال، ويصلي ركعتين أخريين.
ولو ترك خمس سجدات، فأسوأ أحواله أن يأتي في الأولى بسجدة، ويأتي في الثانية بسجدتين فتتم بها الأولى، ولا يأتي في الثالثة والرابعة بسجود، فيحصل له الأولى تامة والرابعة بلا سجود.
هكذا ذكره أصحابنا، ويحتمل أن يأتي في الرابعة بسجدتين فتتم بها الأولى، فلا يحصل له إلا ركعة، وهذا أصح.
ولو نسي ست سجدات، ولا يدري كيف تركها يحصل له ركعة واحدة، لأن أسوأ الأحوال أن يكون نسي من الأولى سجدتين، ومن الثانية سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، فيضاف إلى الأولى من الثانية سجدة واحدة، ومن الرابعة سجدة أخرى، فتتم الأولى بالثانية والرابعة.
وإذا نسي سبع سجدات يحصل له ركعة إلا سجدة، وإذا نسي ثمان سجدات حصلت له ركعة إلا سجدتين.
وقال الليث وأحمد: "في المسألة الأولى، وهي إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعات، يحصل له التكبير فقط، ولا يحصل له شيء آخر من الصلاة، وهذا غلط، لأنه سهو لا يبطل العبادة، فلا يمنع البناء على فعله كالكلام ناسيا.
وعن أحمد رواية أخرى: [151 ب / 2] أنه تبطل كلها، وقال مالك: "يصح له الركعة إلا سجدة، ويبطل ما قبلها".
وبه قال أحمد في رواية أخرى.
مسألة: قال: "وإن شك هل سها أم لا؟ فلا سهو عليه".
وهذا كما قال: ليس هذا على الإطلاق بل ينظر فإن شك هل زاد أم لا؟ مثل أن شك هل قعد في موضع قيامه؟ أم قام في موضع قعوده؟ فلا سهو عليه، لأن الأصل أنه ما زاد، فأما إن شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ جعلها ثلاثا، وأضاف إليها أخرى وسجد ههنا لأنها زيادة متوهمة، وهو أنه قد فعل الفعل حقيقة، وشك هل هو زيادة أم لا؟ وليس كذلك إذا شك هل جلس في موضع قيامه؟، لأنه لا يدري هل جلس أم لا؟ وهو لا يدري زاد أم نقص فإن كان الشك في النقصان مثل أن شك هل فعل الشيء أو لا؟ هذا إذا كان الشك في الزيادة، وكذلك لو تيقن أنه سهى ولا يدري زاد أم نقص فإن كان الشك في النقصان مثل إن شك هل فعل الشيء أم لا؟ وهو القنوت والتشهد الأول سجد ههنا، لأن الأصل أنه لم يفعل، وكذلك لو تيقن السهو وشك هل سجد للسهو أم لا؟ سجد لأن الأصل أنه لم يجد، ولو شك هل سجد سجدتين أو سجدتين للسهو؟ وسجد أخرى، لأن الأصل أنه لم يسجد، ولا يسجد لهذا الشك، لأنه ربما يسهو ثانياً وثالثاً، فيؤدي إلى ما لا نهاية له.
والأصل في كل هذا البناء على اليقين.

الجزء: 2 - الصفحة: 156

مسألة: قال: "وإن سها سهوين أو أكثر، فليس عليه إلا سجدة السهو".
وهذا كما قال: لو تكرر سهوه وكثر سجد لها سجدتين قبل السلام سواء كان السهو جنساً واحداً مثل أن يتكلم ساهياً مراراً، أو كان أجناساً، ولا فرق بين ألا يكون كلها نقصاناً أو زيادة أو بعضها زيادة، وبعضها نقصاناً.
وقال الأوزاعي: إن كانا جنساً واحداً كفاه سجدتان، وإن كانا جنسين احتاج كل سهو إلى سجدتين كالمحرم إذا لبى ثم لبس تداخلت الفدية، ولو لبس وتطيب لا تتداخل.
وقال ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان في آخر الصلاة، واحتج بما روى ثوبان دني الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [152 أ / 2] قال: "لكل سهو سجدتان".
وهذا غلط لما روي في حديث ذي اليدين "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم ناسياً، وتكلم ناسياً، واستدبر القبلة ناسياً، واقتصر على سجدتين".
ولأن سجود السهو إنما أخر إلى آخر الصلاة عن محل السهو لتداخل أحكام السهو وإلا لكان يؤتى به عقيب كل سهو كسجود التلاوة، وأما خبرهم محمول على أنه أراد به لكل سهوٍ سجدتان زيادة كانت أو نقصاناً، أو قولاً فعلاً أو أراد به إذا انفرد.
مسألة: قال: "وما سها عنه من تكبير سوى تكبيرة الافتتاح أو ذكر فيٍ ركوعٍ أو سجود ٍأو جهرٍ فيما يسر".
الفصل وهذا كما قال: السهو الذي يقتضي الجبران ضربان: نقصان القول وهو ترك التشهد الأول دون الجلوس، وترك القنوت دون القيام، وترك الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، ونقصان الفعل: وهو ترك الجلوس للتشهد الأول، والقيام للقنوت في الصبح والوتر في النصف الأخير من شهر رمضان.
وقال في "القديم": "من نسي الفاتحة، لا تبطل صلاته ويسجد للسهو"، وهو غير صحيح.
وأما الزيادة، فضربان: قول وفعل.
فالقول: أن يسلم ساهياً، أو يتكلم، أو يقرأ القرآن في غير محل القراءة.
والزيادة ضربان: زيادة متحققة ومتوهمة، فالمتحققة الزيادة في الركوع والسجود ونحو ذلك.
والمتوهمة: ما ذكرنا.
وقال في "الأم": "لو رفع رأسه من الركوع واعتدل قائماً، فأطال القيام أو قصر فقرأ القرآن كان سجود السهو، لأن القراءة من غير الصلاة في غير هذا الموضع، وهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 157

الموضع، موضع ذكر غير القراءة".
وقال: وكذلك لو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجود السهو، لأن القنوت عمل معدود من عمل الصلاة، فإذا عمله في غير موضعه أوجب سجدتي السهو.
وقوله: (عمل معدود)، ومعناه معتد، مقصود، وعلى هذا يجب إذا قرأ في موضع التشهد أو تشهد في موضع القراءة أو فعل ذلك في الركوع والسجود أن يسجد سجدتي السهو، لأن علة الشافعي تقتضيه، [152 ب / 2] ولا فرق بين الاثنين.
وقال صاحب "الإفصاح": "يحتمل أن يفرق بينهما"، وذكر شيئاً لا يتبين ويخالف أيضاً تعليل الشافعي.
وأما قول الشافعي: "ولا سجود إلا في عمل البدن"، قد قيل: فيه خلل من المزني، لأن سجود السهو يجب في غير عمل البدن على ما ذكرنا، وإنما قال الشافعي: "فلا سجود في التفكر، وإنما السجود في العمل"، يعني: إذا انضم العمل إلى التفكر يجب السجود، ولا سجود بمجرد التفكر، وإنما ذكره عقيب مسألة، وهي أنه لو قعد للتشهد فظن أنها الركعة الرابعة، ثم تذكر أنها الثانية، فأتم صلاته، فلا يلزمه سجود السهو لأنه فكر، وقيل: أراد به سجود السهو في عامة الصلاة ليس إلا في عمل البدن، ولكنه يجوز أن تجب في غيره أحياناً.
وقيل: معناه إلا في عمل البدن أو ذكر، قصد له العمل، فالتشهد الأول والقنوت مقصودان، ولا يفعل لغيرهما على وجه الهيئة له، أو التبع.
وهذا شرع لهما محل مختص بهما يسقط بسقوطهما بخلاف دعاء الافتتاح، فإنه يراد للافتتاح، وقراءة السورة تبع للفاتحة في محلها، والتكبيرات هيئات للرفع، والخفض والتسبيحات هيئات للركوع والسجود تسقط بسقوط محلها، فلا سجود لها لهذا المعنى.
وقال القاضي الطبري: خبر الباب عندي أن السهو الذي يقتضي السجود ضربان: نقصان وزيادة، فالنقصان: بترك كل مسنون مقصود في نفسه، ومعناه أن محله قدر به، وهو التشهد الأول ونحوه، والزيادة: ضربان متحققة ومتوهمة، فالمتوهمة ما ذكرنا، والمتحققة ضربان: ضرب من غير جنس الصلاة ككلام الآدميين، وضرب من جنس الصلاة كالقيام في موضع القعود والسلام ونحو ذلك.
وقد قال الشافعي: "لو نوى المسافر القصر، ثم نسي وأتتها أربعاً سجد سجدتي السهو"، وهذا قيام في موضع السلام، هذا هو المذهب الصحيح [153 أ / 2] في "الجديد".
وقال أبو إسحق: قال في "القديم": "يسجد لكل مسنون تركه في الصلاة، وهكذا إذا أسر فيما يجهر به، أو جهر فيما يسر به"، وهذا قول مالك حتى يقول: "لو ترك سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع سجد فيه"، هذا قول مرجوع عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 158

وقد روى أبو قتادة أن أنساً رضي الله عنه "جهر في العصر، فلم يسجد"، ولأنه هيئة مسنونة، فلا يسجد لتركها كرفع اليدين.
وعن أحمد: إذا بدل الجهر بالإسرار، روايتان: هل يسجد أم لا؟.
وقال الأوزاعي: "إذا ترك التكبيرات المسنونة أتى بها إذا ذكرها"، وهذا غلط، لأن هذا ذكر مسنون، فلا يقضى بعد فوات محله كدعاء الاستفتاح.
وقال أبو حنيفة: "لا سجود في تكبيرات الانتقالات ولا في التسبيحات، ولكن يلزم في تكبيرات العيد، وترك قراءة السورة، أو تبديل الجهر بالإسرار"، واحتج بأن تكبيرات العيد ذكر كثير في محل واحد فأشبه التشهد الأول، وهذا غلط، لأنها تكبيرات مسنونة، فلا يسجد لتركها كتكبير الركوع والسجود، وما ذكره يبطل بدعاء الاستفتاح.
وقال ابن أبي ليلى: إذا بدل الجهر بالإسرار بطلت صلاته"، وهذا غلط لما روى أبو قتادة، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعنا أحياناً الآية والآيتين في صلاة الظهر والعصر"، ولأنه أخل بصفة في ذكر، فلا تبطل صلاته كما لو غير الجلوس في التشهد.
وقيل: الصلاة تشتمل على أركان ومسنونات وهيئات، فالأركان والهيئات لا تجبر فعلاً كان أو قولاً، وإنما تجبر المسنونات المقصودة وتفصيلها معلوم على ما ذكرنا.
ونظيره الحج يشتمل على أركان: كالإحرام والطواف وهيئات كالرمل والاضطباع، ومسنونات: كالمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت بمنا.
فالأركان والهيئات لا تجبر بالدم بخلاف المسنونات كذلك ههنا.
فرع قال القفال: "لو سجد سجدة، [153 ب / 2] ثم تشهد على ظن أنه سجد سجدتين، ثم تذكر فسجد الثانية، فلا سجود عليه للهو بخلاف من قعد بين الركوع والسجود، فتشهد لأنه لم يزد على دعاء وما بين السجدتين محل الدعاء، فتطويله بالتشهد، أو دعاء غيره لا يضره".
وقيل: السجدتان ليس محل القعود ولا الدعاء بحال، ويحتمل الخلاف هذا على قياس ما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: لو شك بعد الفراغ من الصلاة أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً، فيه وجهان: أحدهما: لا يكون شيئاً وتمت صلاته ولم يقل أهل العراق غير هذا، لأن الظاهر أنه أداها على التمام، ولو اعتبرنا حكم الشك بعدها شق ذلك وضاق.
والثاني: يتم الباقي فكأنه سلم ناسياً، فيقوم ويصلي ركعة أخرى، وإن تباعد الوقت

الجزء: 2 - الصفحة: 159

استأنف، وهذا غريب.
ورأيت عن بعض أصحابنا أنه إن كان الوقت قريباً بنى على اليقين، وإن كان بعيداً لا يضره، ولهذا وجه.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: لو أطال القيام بعد الركوع نظر، فإن أطاله للقنوت، بطلت صلاته ذكره القفال، لأنه لا قنوت في هذه الصلاة، وكذلك لو أطاله بذكر مشروع ونوى به القنوت، ولو أطاله بذكر مشروع، ولم ينو به القنوت لا تبطل صلاته.
وفيه معنيان: أحدهما: لأنه نقل ذكراً مشروعاً من ركن إلى ركن.
والثاني: لأنه ما ركناً مقصوراً.
وفائدة المعنيين يتبين في مسألة، وهي إذا تشهد قائماً، وقرأ قاعداً، فإن قلنا بالمعنى الأول يسجد، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يسجد، لأن القعود ممدود، وكذلك القيام، وعلى هذا لو تشهد قائماً متعمداً أو قرأ قاعداً متعمداً، فإن قلنا: إذا فعله ناسياً يجد، فإذا فعله عامداً بطلت صلاته، وإن قلنا: لا يسجد لا تبطل صلاته، وفي هذا كله نظر.
مسألة: قال: "وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم [154 أ / 2] قريباً أعادهما وسلم".
الفصل وهذا كما قال أولاً: نذكر مسألة قبل هذه المسألة، ثم نعود إليه، وهي أن سجود السهو مسنون غير واجب، وقال الكرخي: عن أبي حنيفة: "إنه واجب ليس بشرط في صحة الصلاة لجبران الحج".
وبه قال مالك في رواية، وقال ني رواية أخرى: هو واجب لو تركه بطلت صلاته، وبه قال داود، وروى أصحاب مالك عه أنه في النقصان واجب، وهذا غلط لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خبر أبي سعيد الخدري، فإن كانت الصلاة تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة؛ ولأن هذا يفعل بدلاً عما ليس بواجب لتكملة الصلاة، فلا يكون واجباً.
وأما في الحج: يجب الجبران بترك فعل واجب، فكان واجباً بخلاف هذا، فإذا تقرر هذا موضع سجود السهو، والقولين فإن قلنا: موضعه قبل السلام نظر، فإن أتى به في موضعه، فلا كلام، وإن تركه ساهياً، ثم ذكره بعد السلام نظر، فإن لم يبطل الفصل أتى به قولا واحداً، وإن طال الفصل فيه قولان: قال في "الجديد": "لا يعيد"، وبه قال أبو حنيفة ومالك، لأنه يبني على الفصل، فإذا تطاول الفصل منع من البناء عليها، كما لو ترك من الركعة الأخيرة سجدة، ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 160

ذكرها، وقد طال الفصل، لا يبني.
وقال في "القديم": "يعيد".
وبه قال الأوزاعي، لأنه جبران للعبادة، فلا يسقط بتطاول الفصل لجبران الحج.
وقال أبو حنيفة: "إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه السجود بناء على أصله أن كلام الناسي يبطل الصلاة ". وحكي عن مالك أنه قال: "إن كان لزيادة أتى بهما، ولو بعد شهر، وإن كان لنقصان، فإن ذكر قريباً أتى بهما، وإن تطاول أعاد الصلاة".
وقال ابن شبرمة: "إذا خرج من المسجد أعاد الصلاة"، وقال الحسن وابن سيرين: "إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد"، وبه قال ابن أبي أحمد في "التلخيص".
وهذا غلط لما روي في خبر ابن مسعود [154 ب / 2] رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً، ثم أقبل عليه بوجهه قيل له: أحدث في الصلاة شيء، فذكر فثنى رجله، واستقبل القبلة، وسجد بهم سجدتين".
وفي حد الطول والقرب، قال في "القديم ": "ما لم يقم عن مجلسه".
وقال في "الجديد": "المرجع فيه إلى العرف والعبادة" ذكره أبو حامد.
ونص في "البويطي" "أنه قدر ركعة تامة"، فحصل ثلاثة أقوال، والأصح قوله "الجديد"، وما ذكره في "البويطي" قريب منه، وهذا لأن ما لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة يرجع فيه إلى العرف والعادة.
وقيل: حد التطاول أن يمضي مقدار تلك الصلاة، وهذا غلط، لأنها تختلف باختلاف الناس تطويلاً وتخفيفاً، وكل موضع.
قلنا: أنه بعد السلام يأتي به عقيب السلام، فإن لم يفعل، ثم ذكره، فإن لم يطل الفصل أتى به، وإن طال، فقولان كما ذكرنا، وكل موضع قلنا: يسجد بعد السلام يأتي به.
سجد وتشهد بعدها ثم سلم، نقله المزني لفظاً، ونص عليه في "القديم".
وهو مذكور في بعض نسخ المزني بعد هذا.
قال: سمعت الشافعي يقول: "إذا كانت سجدتا السهو بعد السلام تشهد لهما، وإن كانتا قبل السلام كفاه التشهد الأول، وكل موضع.
قلنا: يسجد قبل السلام نظر، فإن فعل قبل السلام سلم عقيبها، ولا يتشهد".
ومن أصحابنا من قال: "يتشهد ويسلم".
حكاه القاضي الطبري، وهو ضعيفه، ولو أخر ذلك إلى ما بعد السلام ناسياً، اختلف أصحابنا فيه، فقال صاحب "التلخيص": "يتشهد ويسلم"، وتعلق بظاهر كلام الشافعي الذي نقله المزني من السماع.
وقال في "الحاوي": "هذا مذهب الشافعي وجماعة أصحابنا"، لأن من حكم

الجزء: 2 - الصفحة: 161

سجود السهو أن يكون تشهد وسلام، فإذا فعله بعد السلام يلزمه وصله به.
[155 أ / 2] وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سجد سجدتين، ثم تشهد بعد ذلك وسلم".
وقال أبو إسحق وصاحب "الإفصاح": "يسجد سجدتين ويسلم ولا يتشهد"، وهذا هو المذهب الصحيح، لأن الشافعي قال: "وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم قريباً أعادهما، ولم يذكر التشهد، وهذا لأن السجود تركه من الصلاة، فلا يلزمه أن يعيل ما قبله، بل يأتي به فقط كما لو نسي شيئاً من صلب صلاته.
قال هذا القائل، وما قاله المزني تفريع على مذهب الغير، إما أبي حنيفة، وإما مالك أو تفريع على قوله "القديم".
ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني قول الشافعي، أنه يتخير في سجود السهو بين ما قبل السلام وبعده في الزيادة والنقصان بخلاف قول مالك، حكاه الإمام أبو محمد الجويني رحمه الله.
وقال القفال: هذا مبني على أنه إذا اشتغل بالسجدتين إلى أن سلم مرة أخرى، هل هو عائد إلى حكم الصلاة أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون سلامه لغواً وهو في الصلاة لا على معنى العود، ولكن جعل سلامه كأن لم يكن حتى لو أحدث بطلت صلاته، فعلى هذا لا يعيد التشهد ولا يكبر.
وهذا اختيار الشيخ أبي زيد.
والثاني: لا يلغي اللام، بل هذا منفرد عن صلاته، فلو أحدث بطل حكم السجدتين، ولا تبطل الصلاة، فعلى هذا لا بد من التشهد بعدهما.
ولو سلم عامداً.
قال بعض أصحابنا: حكمه كما لو سلم ساهياً.
وعندي إذا سلم عامداً لا يمكن أن يلفي سلامه، فيكون خارجاً من الصلاة، ثم هل يأتي بسجود السهو على ما ذكرنا فإذا قلنا: يأتي به لا بد من التشهد، ولا يصير عائداً إلى حكم الصلاة حتى يبطل بالحدث، وقيل: فائدة هذا الاختلاف في خمس مسائل: إحداها: إذا خرج وقت صلاة الجمعة، وهو في سجود السهو بعد السلام، هل يتمها ظهراً أم صحت الجمعة؟.
والثانية: في المسافر إذا نوى الإقامة فيها.
والثالثة: إذا أحدث فيها مع ما ذكرنا والرابعة: إذا لم يكن سلم المأموم هل على المأموم أن يتابعه.
والخامسة: إذا سلم المأموم مع الإمام ثم عاد الإمام هل على المأموم أن يعود حتى إذا لم يعد تبطل صلاته.
فرع: إذا قلنا يسجد من الزيادة بعد السلام فسهى سهوين زيادة ونقصاناً سجد قبل السلام، لأنه يجوز بالاتفاق، فإنه من قال يسجد بعد السلام، قال: لو سجد قبله يحتسب به وبعد السلام مختلف فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 162

مسألة: قال: "ومن سها خلف إمامه فلا سجود عليه".
وهذا كما قال.
إذا سها المأموم وحده تحمله عنه الإمام، وكان وجود سهوه وعدمه سواء، وصور الشافعي السهو خلف الإمام في مسألة حسنة ذكرها في "البويطي"، وهي أن الرجل إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية من الصبح فصلاها معه وقعد معه التشهد فسمع صوتا ظنه تسليم الإمام فقام لقضاء ما عليهء فصلاها وقعد للتشهد فإذا الإمام الآن يسلم من صلاته فإنه يقوم ويصلي تلك الركعة مرة أخرى، وليس عليه بهذا السجود سجود؛ لأنه سها خلف إمامه.
وقال مكحول: لا يتحمل عن المأموم السهو.
وحكي عنه أنه قام في قعود الإمام فسجد سجدتي السهو، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من خلف الإمام سهو، الإمام عافيه، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، ومن سها خلف الإمام فلا سهو عليه".
وكذا روى عن عمر- رضي الله عنه - ولأنه كما يتحمل عن المأموم بعض مسنونات الصلاة من التشهد الأول وقراءة السورة ونحو ذلك كذلك سجود السهو: لأن في خبر معاوية بن الحكم: سها خلف إمامه ولم يأمره بسجود السهو، وإن سها الإمام يلزمه سهو إمامه؛ لأن على المأموم متابعة إمامه فيما يلزمه من مسنونات الصلاة، كما قلنا أنه يتابع إمامه في التشهد وان لم يكن موضع تشهده، وهذا لأن نقصان صلاة الإمام نقصان صلاته في الحقيقة، وإن سهوا معا فهو كما لو أنفرد الإمام.
مسألة: قال: "فإن لم يسجد إماماً سجد من خلفه".
وهذا كما قال: إذا جاء وقت سجود الإمام بعد التشهد وقبل السلام لم يخل من أحد الأمرين، إما أن يسجد للسهو أو لا يجد، فإن سجد تبعه المأموم، وإن ترك السجود عامداً أو ساهياً فالمذهب المنصوص أن المأموم يسجد ولا يتركه.
وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث وأحمد في رواية.
وقال أبو حنيفة: "لا يسجد" وبه قال النخعي، وحماد، والمزني، وابن الوكيل، واحتجوا بأنها سنة فتسقط عنه إذا تركها الإمام كالتشهد الأول؛ لأن المأموم ما سها وإنما سهى الإمام ويسجد هو للمتابعة، فإذا لم يسجد هو فلا متابعة.
وهذا غلط؛ لأن صلاة المأموم تنتقص بنقصان صلاة الإمام، كما تكمل بكمالها، فإذا لم يجبوها الإمام جبرها المأموم.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن هناك يفارق إمامه فلا يأتي به لأنه يؤدي إلى ترك متابعته في حال إمامته وههنا فارق إمامه حين سلم فلهذا يسجد لنفسه.
مسألة: قال: "وإن كان قد سبقه إمامه ببعض صلاته سجدهما بعد القضاء".

الجزء: 2 - الصفحة: 163

الفصل وهذا كما قال.
جملة هذا أن الإمام إذا سها وكان خلفه مأموم مسبوق بركعة أو أكثرها، فإن الإمام يسجد قبل سلامه ويتابعه المأموم المسبوق بلا خلاف.
وحكي عن ابن سيرين أنه قال: "لا يتابعه" لأنه ليس هذا موضع سجود السهو من حق المأموم وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه قول بعض أصحابنا، وليس بشيء.
والدليل على ما ذكرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد فاسجدوا".
[155 ب / 2] ولأن المأموم يتابع الإمام فيما لا يعتد به إذا أدركه رافعاً من ركوعه.
فكذلك ههنا يتابعه، وإن لم يجد إمامه عمداً أو سهواً، أو كان فيمن يرى سجود السهو بعد السلام، فسلم، فالمأموم لا يسجد في هذا الموضع، ولكنه يقوم ويصلي ما بقي عليه، ثم يسجد في آخر صلاته قولا واحداً.
وعند أبي حنيفة: يتابعه في السجود، ولا يتابعه في السلام، لأن عنده يعود إلى حكم صلاته بعد السلام إذا سجد معه، وقام لقضاء ما عليه فقضاه هل يسجد للسهو مرة أخرى؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "الأم"، ونقله المزني: يسجد ولا يعتد بما فعله مع إمامه، لأن صلاته نقصت بنقصان صلاته، والذي سجد معه في غير موضعه لإتباع الإمام، فيلزمه أن يسجد في محل السجود جبراناً للنقص.
والثاني: قاله في "القديم" و"الإملاء": "لا يسجد"، لأن بسجود الإمام كملت الصلاة في حق الإمام وحق المأمومء فلا حاجة به إلى السجود ثانياً، والأول أصح.
فرع هذه المسألة أنه إذا قام لقضاء ما عليه فسها فيه حصل له سهوان: سهو نفسه، وسهو الإمام، فإذا قلنا: لا يعيد يسجد ههنا سجدتين فقط لسهو نفسه، وإذا قلنا: يعيد فههنا وجهان: أحدهما: يكفيه سجدتان، وهو المذهب، نص عليه في "القديم".
والثاني: يحتاج إلى أربع سجدات، لأنهما سهوان مختلفان، فلم يتداخل حكمهما، وهذا غلط، لأنه لو تكلم ناسياً وترك التشهد الأول يكفيه سجدتان، وإن اختلف السبب كذلك ههنا.
وقيل فيما نقله المزني في هذا الموضع خلل، وذلك أنه قال: "وإن كان سبقه إمامه ببعض صلاته سجدهما بعد القضاء إتباعاً لإمامه، لا لما يبقى من صلاته، وهذه العلة إنما ذكرها الشافعي في مسألة أخرى، وهي أنه لو سها في باقي الصلاة بعدما سجد مع الإمام سجد في آخر صلاته، لأن سجوده كان إتباعاً لإمامه لا لما يبقى من صلاته [156 أ / 2]، وهذا لا يليق بتلك المسألة التي أوردها المزني، ولو سها الإمام فيما سبق به المأموم بأن صلى ركعة من الظهر وسها فيها، ثم كبر هو ودخل معه

الجزء: 2 - الصفحة: 164

هل يتعلق به حكم ذلك السهو السابق؟ المنصوص في صلاة الخوف أنه يتعلق به ذلك.
وبه قال مالك، ومن أصحابنا من قال: "لا يتعلق به حكمه، لأنه فيما يقضى لا يتحمله الإمام، فكذلك فيما انفرد به الإمام لا يلزمه حكمه"، وهذا غلط، لأنه يكمل صلاته بتلك الركعة وتنتقص بنقصاتها فهو كما لو سها فيما لحقه فيه، ويخالف إذا انفرد المأموم لأنه لا يجبره الإمام بعد مفارقته، فلزمه حكمه، فإذا قلنا: لا يتعلق به، فإن سجد إمامه سجد معه متابعاً، وإن لم يجد إمامه لا يجد هو أصلاً، وإذا قلنا: يتعلق به فالحكم كما ذكرنا في المسألة الأولى.
فَرْعٌ آخرُ هذه المسألة أنه إذا أحرم بالظهر وحده وصلى ركعة ثم جاء إمام فأحرم بها مع توم فنقل صلاته إليه حتى يصلي معه القوم جماعة، هل يجوز ذلك؟ قولان.
فإذا قلنا: يجوز، كان أول صلاته انفراداً، وآخرها جماعة.
ولكن المأموم يفرغ من صلاته قبل فراغ الإمام، فإذا صلى الإمام ثلاثاً، وقام في الرابعة نوى مفارقته وتشها لنفسه، فإن كان قد سها إمامه، فيما أدرك معه سجد هو، ثم سلم، وإن كان قد سها هو فيما انفرد به قبل الجماعة سجد أيضاً، وإن كان قد سها هو عند الانفراد وسها إمامه حصل سهوان إن من جنسين لم يسجد، وجهان على ما ذكرنا، وإن حمل له انفراد في طرفي الصلاة، وجماعة في الوسط، كأنه صلى وحده ركعة من الظهر، ثم أحرم مسافر بقوم، فبنقلها إلى صلاته وصلى معه، ثم سلم وبقي عليه، فقام لقضاء ما عليه، واجتمع السهو في هذه الأحوال الثلاث، سهوان منه وسهو من الإمام، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يسجد ست مجدات.
والثاني: أربع سجدات، لأنهما جنسان انفرد وجماعة.
والثالث: وهو المذهب يكفيه سجدتان.
والوجه الأول أضعف الوجوه، [156 ب / 2] ولا يصح لأن السهو من جنسين في الحقيقة مستحيل إلا من سجدات.
فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك مع إمامه آخر الصلاة صلى ما أدرك وقضى ما فاته، ولا سهو عليه، لأن الذي فعل مع إمامه، وإن كان زيادة في الصلاة، فهو فعل واجب، فلا يوجب السجود.
وحكي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، أنهم قالوا: يسجد للسهو، ثم يسلم، لأنه زاد في صلاته ما ليس منها.
وهكذا ينبغي أن يختص بالمسبوق الذي تابع إمامه فيما لا يعتد به، وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم، فامضوا".
وروي: "فأتموا" أو لم يأمر بالسجود، ولأن هذه الزيادة كانت واجبة عليه، فلم

الجزء: 2 - الصفحة: 165

ينقصها فلا تحتاج إلى الجبران.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل وجل والإمام في السجدة الأولى، فأحرم ودخل معه في السجود، ثم أحدث الإمام، وبطلت صلاته وانصرف، ولم يستخلف، يقوم ولا يأتي بالسجدة الثانية.
وقال ابن أبي هريرة: يسجد الثانية، ثم يقوم لأنها لزمته بحكم الاتباع، وهذا غلط، لأن ذلك إنما وجب للمتابعة، فإذا بطلت إمامته لم يتبعه فيها، ويخالف هذا سجود السهو يأتي به على طريق الاتباع ثم يأتي به منفرداً، وإن زالت إمامته، لأن سهو الإمام نقص صلاة المأموم، فإذا لم يأت به أتى به في آخر صلاته جبرانا لما لحق صلاته من النقصان، فإذا ثبت هذا، هل يجلس في الركعة الأولى مشتهدا فيأتي به على ترتيب صلاة الإمام أو يراعي ترتيب صلاة نفسه على هذين الوجهين؟، والصحيح أنه يراعي ترتيب صلاة نفسه، لأن الاتباع قد بطل ببطلان صلاته.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك التشهد الأول، أو القنوت عمداً، هل يسجد للجبران؟ قال الشافعي: "يسجد، لأنه إذا سجد للسهو، [157 أ / 2] فالعمد أولى به".
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر، فلا يسجد، وبه قال أبو حنيفة وأبو إسحق من أصحابنا لأنه يسمى سجود السهو، وهذا غلط، لأن الشافعي لم يذكر هذا القول في شيء من كتبه، وإنما يسمى سجود السهو، لأنه يفعل غالباً عند السهو، لأنه يقال: فدية الأذى، وإن تعلقت الفدية بالحلق لا بالأذى، فكذلك ههنا يتعلق بالسجود، وترك التشهد ولا يختص بالسهو.
فَرْعٌ آخرُ لو سجد إحدى سجدتي السهو، ثم سلم، أو قام ساهياً لا نص للشافعي فيه.
وقال عامة أصحابنا: لا حكم لهذا السهو فيأتي بالسجدة الثانية ويسلم، لأن سجود السهو في نفسه جبران، فلم يفتقر إلى جبران كصوم التمتع لم يفتقر إلى جبران في تأخيره بخلاف قضاء رمضان.
ومن أصحابنا من قال: وهو قول قتادة: "يسجد لهذا السهو سجدتين"، ويكون حكمه حكم السهو في غيره فتكون السجدة الأولى من هاتين السجدتين نائبة عن السهو الأول والثاني.
والسجدة الثانية نائبة عن السهو الثاني.
فَرْعٌ آخرُ لو سها بعد فراغه من سجود السهو قبل سلامه فتكلم، أو قام.
اختلف أصحابنا

الجزء: 2 - الصفحة: 166

فيه، فمنهم من قال: "يعيد سجدتي السهو"، وهو ظاهر هذا المذهب، لأن السجود لا يجبر ما يقع بعده من السهو، لأنه لو كان يجبر ذلك لما كان للتأخير إلى آخر الصلاة معنى، ولأن هذا السهو لم يقع في الجبران حتى يمنع جبرانه، بل وقع في نفس الصلاة، فكان بالساهي قبل سجوده أشبه بخلاف المسألة السابقة، وهذا اختيار ابن أبي أحمد، ومنهم من قال: "لا يعيد السجدتين"، لأنه إنما أخر عن موضعه إلى آخر الصلاة ليجمع السهو، فلو جاز أن يفرض فيه وبعده سهو يقتضي سجوداً لم يكن لتأخيره وجه ووجب الإتيان بالسجود لكل سهو عقيبه، أو كان السجود يؤخر عن السلام كما قال أبو حنيفة، ليجمع السهو كله، ولأنه لو سجد بعده لجاز أن يقع السهو بعد الثاني [157 ب / 2] والثالث، فيؤدي إلى ما لا نهاية له.
وهذا اختيار القفال.
وقال أبو عبد الله الحسن من أصحابنا: هذا قياس المذهب.
فَرْعٌ آخرُ لو سجد ثلاث سجدات، قال صاحب "التلخيص": "لا يسجد سجدتي السهو"، ولعل حجته أن الجبران لا يقضي الجبران وعلى قول أصحابنا في هذا وجهان أيضاً.
وحكي أن الكسائي قال لأبي يوسف: من تقدم في صناعته أمكنه أن يهتدي إلى سائر العلوم، فقال له: أنت إمام في النحو والأدب، فهل تهتدي إلى الفقه؟ فقال: سل ما شئت، فقال: إن سها في سجود السهو، هل يلزمه أن يسجد؟ قال: لا، لأن التصغير لا يصغر، فقال: هل يجوز الطلاق قبل النكاح؟ قال: لا، لأن السيل لا يسبق المطر، فناقضه بالوصية قبل المال فتوقف.
فَرْعٌ آخرُ لو شك، هل سها أم لا؟ فجهل وسجد للسهو لزمه أن يسجد ثانياً للزيادة.
فَرْعٌ آخرُ لو سها في صلاة الجمعة يسجد سجدتي السهو، ثم دخل وقت العصر قبل أن يسلم أتمها ظهراً ويعيد سجدتي السهو في آخر صلاته، لأن ما سجد في خلال صلاته لم يعتد به.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى المسافر القصر فيها في الركعتين وسجد للسهو، ثم نوى الإقامة أو الإتمام، أو بلغت السفينة البلدة قبل أن يسلم من الركعتين، فإنه يجعلها أربعاً، ويعيد سجدتي السهو.
وقال صاحب "التلخيص": "لا يلزم أكثر من سجدتين عنا السهو إلا في مسائل"، وذكر نحو هذه المسائل.
وفي الحقيقة لا يحتسب إلا سجدتان، والباقي لغو.
فَرْعٌ آخرُ لو أحرم المسافر بصلاة الظهر فنسي فصلى أربع ركعات وسلم، ثم تذكر أنه نسي

الجزء: 2 - الصفحة: 167

من كل ركعة سجدة فصلاته صحيحة، وسقط عنه فرض الظهر، ولا تجزيء أحداً صلاة الظهر.
أربه ركعاتٍ في كل ركعة سجدة إلا في هذه المسألة.
فَرْعٌ آخرُ لو سها في صلاة المغرب فزاد ركعة يسجد للسهو وأجزأته صلاته.
وقال قتادة والأوزاعي: "يضيف إليها أخرى، ويسجد للسهو، لأنه إن لم يضف إليها أخرى [158 أ / 2] صارت شفعاً، وهذا غلط لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً ناسياً، فلما تذكر سجد للسهو"، ولم يضف إليها أخرى حتى تصير شفعاً، وهذا لأن ما فعله على وجه السهو لا يعتد به.
فَرْعٌ آخرُ قال القاضي أبو علي البندنيجي: "لو دخل في صلاة، فلم يكملها حتى اعتقد أنه ما كبر تكبيرة الافتتاح مستأنفاً للصلاة، فإن ذكر أنه كان كبر الأولى نظر، فإن ذكر بعد أن فرغ من الثانية لم تفد صلاته الأولى، وتمت بالثانية، وان ذكر قبل أن يكمل الثانية عاد إلى الأولى، فأكملها وسجد في كل هذا للسهو"، نص عليه الشافعي رضي الله عنه.
مسألة: قال: "وإن تكلم عامداً بطلت صلاته".
وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة، واستدل الشافعي في كلام السهو بحديث ذي اليدين، وقد ذكرنا، ثم أول خبرهم الذي يتدلون به، وهو خبر عبد الله بن مسعود وتمامه أن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نتكلم في الصلاة، ونسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيرد علينا، وهو في الصلاة قبل أن نخرج إلى أرض الحبشة، فلما قامت من أرض الحبشة وجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فلمت عليه، فلم يرد علي السلام، فأخذني ذلك، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة علم ما داخلني، فقال: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث إن لا تكلموا في الصلاة"، وهذا كله بمكة، وخبرنا كان بالمدينة، فيحمل خبرهم على العمد، ولم ينسخ أحدهما بالآخر.
مسألة: قال: "وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى نغاشا فسجد شكراً لله".
وهذا كما قال: سجود الشكر مسنون، وهو إذا حدث ما يشكر الله عليه مثل ابتداء النعمة من المال والجاه والولد والنصرة على الأعداء ودفع بلية مثل النجاة [158 ب / 2] من الغرق والحرق والعدو والسبع.
وبه قال الليث وأحمد.
وقال الطحاوي وأبو حنيفة: "لا نرى سجود الشكر شيئاً"، وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه كان يكرهه، في به قال مالك، وقال محمد: "لا يكره".
واحتج الشافعي بالخبر الذي ذكره.
والنغاش: الناقص الخلق.
وقيل: إنه المبتلى.

الجزء: 2 - الصفحة: 168

وروى ابن عمر رضي الله عنهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر برجل به زمانة، فنزل وسجد شكراً لله".
وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا قام من النوم سجد، وإذا رأى القرد سجد، وإذا رأى رجلاً متغير الخلق سجد".
وروى أبو بكرة رضي الله عنه أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - "أتاه ظفر جند ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فرفع رأسه فسجد".
وقال المغيرة بن شعبة: "رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً قصيراً بينا في قصره، فسجد لله تعالى شكراً".
وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجداً لله تعالى".
وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب المدعي النبوة فيما بين المرتدين سجد شكراً لله تعالى".
وروي عن علي رضي الله عنه "أنه سجد شكراً حين وجد ذو الثدية مقتولاً" وحكمها حكم سجود التلاوة إلا أنه لا يسجد في الصلاة، ثم إذا أراد أن يعبه للشكر، فإن كان للنعمة أظهرها، وان كان لنقص رآه بالغير، فإن كان نقصا هو فيه غير معذور كالكفر والفسق أظهره ليرتاع العامي بذلك، ويأنف مما هو فيه، وإن كان نقصاً هو فيه معذور كالزمانة أخفى ذلك لئلا يدخل الحزن على قلب أخيه المؤمن، وربما يسخط عليه ويخاصمه إذا رآه يفعل ذلك.
ثم قال الشافعي: "ويسجد الراكب إيماءً، والماشي على الأرض"، وأراد: والماشي يسجد للشكر على الأرض، فكأنه لم يجز للماشي النجود بالإيماء كما جوز للراكب، وهذا دليل على أن صلاة النفل لا تجوز للمقيم بالإيماء، وإن كانت تجوز قاعداً، [159 أ / 2] وهو أحد وجهي أصحابنا.
ومن جوز ذلك حمل كلام الشافعي على الاستحباب.
فرع قال والدي الإمام رحمه الله: إذا أراد القنوت في غير صلاة الصبح لوقوع النازلة فنسي القنوت، هل يسجد للهو؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يسجد لأنها صلاة استحب القنوت فيها كالصبح.

الجزء: 2 - الصفحة: 169

والثاني: لا يسجد، والفرق أن القنوت في الصبح مستحب في حال الاختيار، فاستحب الجود بتركه فيها بخلاف سائر الصلوات، وهذا أظهر.
فَرْعٌ آخرُ إذا كلم في صلاته كلاماً لم يسمعه لعارض كالصياح العظيم، وكان يسمعه لو لم يكن ذلك العارض، هل تبطل صلاته.
قال والدي: فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل لفقد السماع.
والثاني: تبطل، وهو الأظهر لوجود إمكان السماع، وأصل هذا إذا قرأ الفاتحة في صلاته، ولم يسمعها للعارض الذي ذكرناه، هل يسقط عنه فرض القراءة؟ وجهان، والأظهر سقوطها، وهكذا الحكم لو كان العارض الصمم.

باب

أقل ما يجزئ من عمل الصلاة مسألة: قال: "وأقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويبدأ بأم القرآن".
الفصل وهذا كما قال: القصد به بيان جواز الاقتصار على الصلاة على الأركان، وذكر الإحرام، ولم يذكر النية، لأن الإحرام إذا عري عن النية لم يكن إحراماً، وقد قيل: ذكر النية، لأنه لا يكون الإحرام إلا بالنية، وقيل: إنما لم يذكر النية، لأنه أراد أعمال الصلاة التي تفعل بجوارح البدن، لا جارحة القلب، لأنه قال: "من عمل الصلاة".
وجملته: أن الصلاة تشتمل على أركان، ومسنونات، وهيئات، وتفتقر إلى شرائط تتقدمها، وكل وكن شرط، وليس كل شرط ركناً.
والأركان ما اشتملت عليه، والشرائط ما تقدم عليها.
والشرائط ست: الطهارة من الحدث، وطهارة البدن من النجس، [159 ب / 2] وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وقيل: ثمان، فذكر دخول الوقت، والنية معها، وقيل: خمس، الطهارة من الحدث، والنجس بالماء الطاهر، وستر العورة بالثوب الطاهر، وستر العورة بالثوب الطاهر، والوقوف على بقعة طاهرة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت قطعاً أو استدلالاً يغلب على الظن دخوله في صلاة الفرض، وهذا أحسن عندي، وغلط من قال: النية من شرائطها، لأن الصلاة تشتمل عليها لمقارنتها التكبير.
وقيل: استقبال القبلة ركنها، وهو غلط أيضاً.
وأما أركانها: فأربعة قبل الركوع، التكبير، والنية، والقراءة.
وأربعة قبل السجود: الركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال، والطمأنينة فيه.
وأربعة قبل السجود الثاني:

الجزء: 2 - الصفحة: 170

السجود والطمأنينة فيه، والجلوس والطمأنينة فيه، وركنان بعد هذا السجود والطمأنينة، فذاك أربعة عشر ركناً في أول ركعة من الصلاة، وفي كل ركعة بعد الأولى اثنا عشر ركناً، لأنه لا افتتاح فيه، ولا نية وبعد آخر ركعة في كل صلاة أربعة أركان: الجلوس والتشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتسليمة الأولى.
ومن أصحابنا من قال: خمسة وضم إليها نية الخروج من الصلاة، فإذا أردت أن تعرف أركان الصلاة، فاجعل لكل ركعة منها اثني عشر ركناً، وزد على ذلك ستة أركان: ركنان تنفرد بهما الركعة الأولى وأربعة بعد آخر الركعة، أو زد سبعة إذا قلنا: نية الخروج من الصلاة واجبة، فالظهر والعصر والعشاء كل واحدة أربع ركعات في كل ركعة اثنا عشر ركناً، تكون ثمانية وأربعين وستة بعدها تصير أربعة وخمسين أو خمسة وخمسين على قول بعض أصحابنا [160 أ / 2]. وفي المغرب اثنان وأربعون ركناً.
وفي الصبح ثلاثون ركناً هذا إذا جعلت الطمأنينة ركناً مفرداً.
وظاهر قول الشافعي: إن الطمأنينة صفة من صفات الركوع والسجود والجلوس، فنقول على هذا، وهو الأصح في أول الركعة تسعة أركان: أربعة قبل الركوع، والركوع مطمئناً، والاعتدال عنه مطمئناً، والجلوس مطمئناً، والسجود الثاني مطمئناً، وفي كل ركعة بعدها سبعة أركان وأربعة أركان في آخر الصلاة، ففي الصبح عشرون ركناً، وعلى هذا الحساب، فإن أردت أن تحصر أركان الصلاة من غير تفصيل.
قلت: أجناسها أحد عشر ركناً: التكبير، والنية، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والتشهد، والطمأنينة في أربعة أركان والتشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلام.
وقيل: أربعة عشر، وزاد هذا القائل: نية الخروج من الصلاة، وترتيب أفعالها على ما ذكرناه، والاعتدال من الركوع، والجلوس بين الجدتين، والجلوس للتشهد عدهما اثنين، وجعل الطمأنينة صفة في الأركان، ولم يعدها في هذه الجملة.
قال صاحب "التلخيص": "الأركان أربعة عشر"، وعد الاستقبال فيها دون الطهارة والستر، لأن الطهارة تسبق الصلاة، وستر العورة لا يختص بالصلاة، والصحيح ما تقدم.
وأما المسنونات: فهو كل ما لو تركه عمداً أو سهواً سجد للسهو لأجله، وهو التشهد الأول والجلوس له، والقنوت في الصبح والوتر، والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول على أحد القولين، ولم يذكر أصعابنا القيام للقنوت، وهو من المسنونات حتى لو ترك القيام في القنوت في الصبح، ولم يترك القنوت سجد للسهو، فهو خمسة، وأصحابنا يسمونها أبعاض الصلاة.
وأما الهيئات: فكل ما تركه لا يجبر بالسجود، وهو كثير رفع اليدين في ثلاثة مواضع ودعاء الافتتاح، والتعوذ، والجهر، والتأمين، [160 ب / 2] وقراءة السورة، ووضع اليمنى على الشمال، وتكبيرات الانتقالات، ووضع اليدين على الركبتين في

الجزء: 2 - الصفحة: 171

الركوع، والتسبيحات في الركوع والسجود، والتسميع والذكر بعده وجعل اليدين حذو المنكبين في حال السجود، وجلسة الاستراحة، ووضع اليدين على الفخذين عند الجلوس، والصلاة على الآل، والتسليمة الثانية.
وخلط أبو العباس ابن سريج السنة بالهيئات، وربما قال: ثمان رفع اليدين في ثلاثة مواضع ودعا، الاستفتاح، والتعوذ، ورفع اليمين على الشمال فيها، والتأمين، وقراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات، والتسبيحات في الركوع والسجود، وما عداها فهيئات.
وقيل: السنن خمس وثلاثون: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع من الركوع، ووضع اليمنى على الشمال، والنظر إلى موضع السجود، ودعاء الاستفتاح، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، والتكبيرات سوى تكبير الإحرام، والتسميع، والتحميد، والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود، ووضع إليه على الركبة في الركوع، ومد الظهر والعنق فيه، والبداية بالركبة، ثم باليد في السجود، ووضع الأنف في السجود، ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود، وإقلال البطن عن الفخذين في السجود، والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، ووضح اليد على الأرض عند القيام، والتورك في آخر الصلاة، والافتراش في سائر الجلسات، ورفع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والتشهد الأول، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، والصلاة على آله في التشهد الأخير، والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح، والتسليمة الثانية، والسلام على الحافرين، والسلام على الحفظة.
وأبو حنيفة يوافقنا في بعض هذه الأشياء ويخالفنا في أكثرها، فيجوز عنده في الطهارة ترك النية والترتيب، والاقتصار على غسل ربع اللحيةء والتوضؤ بالنبيذ، وفي الستر يجوز أن ينكشف من العورة الغليظة قدر درهم [161 أ / 2]، ومن العورة الخفيفة دون ربع العضو، ويجوز أن يكون على ثوبه قدر درهم من النجاسة، وفي التكبير يقتصر على قوله: الله، أو يقول بالفارسية: خذا، ويقتصر في القراءة على آية، أو يفسر قوله، ثم نظر بالفارسية، ويقول: (لس ينكرست)، ويركع حتى يكون إلى الركوع أقرب، ولا يطمئن، ولا يرفع رأسه، بل يخر ساجداً، ولا يطمئن ويجد على كور العمامة، ويرفع قليلاً، ثم يسجد كذلك، ثم يصلي ركعة أخرى كذلك، ولا يقرأ في الأخريين، ويجلس قدر التشهد ولا يتشهد، ثم يحدث أو يتكلم، وقد تمت صلاته.
وقال الطحاوي: "أركان الصلاة عند أبي حنيفة ستة: النية، والتكبير، والقراءة، والقيام، والركوع، والسجود".
مسألة: قال: "فإن كان لا يحسن أم القرآن، فيحمد الله تعالى ويكبره مكان القراءة".

الجزء: 2 - الصفحة: 172

الفصل وهذا كما قال: إذا كان يحسن قراءة الفاتحة فقراءتها شرط على ما ذكرنا، ولو شدد المخفف فيها يجوز وإن أساء، وإن لم يحسن الفاتحة لا يخلو من ثلاث أحوال: إما أن يحسن غيرها من القرآن، أو من الذكر، أو يحسن قرآناً، ولا ذكراً، فإن كان يحسن غيرها من القرآن، فعليه أن يقرأ مكانها سبع آيات وجهاً واحداً، ولا يكفيه دون سبع آيات، حتى لو قرأ آية المداينة لم يحتسب له إلا آية واحدة.
قال الشافعي: "ويستحب أن يقرأ ثماني آيات لتكون الآية الثامنة بدلاً من السورة"، وهل يعتبر أن تكون هذه الآيات بعدد حروف الفاتحة، فيه قولان: أحدهما: لا يعتبر لأن الاعتبار بالآي لا بالحروف، ألا ترى أنه لو قرأ ست آيات حروفها أكثر من حروف الفاتحة بكثير لا يجوز، وقد قال الشافعي في "الأم": "صغاراً أو كباراً من موضعٍ واحد أو من مواضع".
وقال في "الجامع الكبير": "طوالاً كن أو قصاراً"، وهذا كما أن في قضاء الصوم يعتبر عدد الأيام، ولا يعتبر طولها وقصرها، والشافعي يعتبر ذلك، [161 ب / 2] وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، لأن الشافعي، قال فيما نقل المزني: وقرأ بقدرها سبع آيات"، فاعتبر الأمرين جميعاً.
والدليل عليه أنه بدل عن مبدل من جنسه، فيجب أن يكون مساوياً له بكل حالٍ ومعنى قوله: "صغاراً أو كباراً"، أي: وإن كباراً، لا يكفيه دون سبع آيات.
وقال أبو حامد: فيه وجهان، لأنه رواية المزني غير مريحة في اعتبار الحروف، وإن كان يحسن آية من الفاتحة، ويحسن غيرها من القرآن، فإن يقرأها، وهل يكررها سبعاً، أو يقرأ غيرها؟ فيه وجهان: وقيل: فيه قولان: في "الأم" ذكره أبو حامد.
أحدهما: يقرأها، ويقرأ ست آيات من غيرها.
قال الشافعي: "وأحب أن يعيد تلك الآية سبع مرات"، وهذا أصح، لأن سائر القرآن لما قام مقام كل الفاتحة قام مقام بعضها.
وأيضاً روي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني ما يجزئني.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، فقال: هذا لله، فما لي؟، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قل: اللهم ارحمني وعافني وأهدني وارزقني".
وهذا الرجل يحسن من الفاتحة: الحمد لله، ولا يتعذران بقول: رب العالمين، فيتم آية، ولا يحتاج إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 173

ذكر آخر إن وجب التكرار، فدل أنه لا يحب ذلك.
والثاني: يكروها سبع مرات، ويكفيه لأن تكرارها أشبه بما فرض عليه دون غيره، وهكذا لو كان يحسن آية من الفاتحة ويحمن الذكر دون القرآن، هل يكروها أم يأتي بها ويكمل بالذكر؟ قيل: قولان، وقيل: وجهان، فإذا قلنا: يكمل بالذكر يلزم مراعاة الترتيب، فإن عوف مثلاً النصف الأول من الفاتحة أتى به، ثم يأتي بالذكر، وإن كان يحسن النصف الأخير منها يأتي بالذكر قدر النصف الأول، ثم يقرأ ما بقي من الفاتحة.
[162 أ / 2] ذكره القفال رحمه الله، ولو كان يحمن آية من الفاتحة، ولا يحسن شيئاً آخر لا من القرآن ولا من الذكر كررها سبعاً قولاً واحدً، وإن كان لا يحسن الفاتحة، ولكنه يحسن من غيرها آية واحدة، ولا يحسن غيرها نص في "الأم" على قولين: أحدهما: يقرأها وست كلمات من الذكر، لأنه لما ناب الذكر عن كل القراءة ناب عنه بعضها.
والثاني: يكررها سبع مرات لأنها بالفاتحة أشبه، فإذا قلنا: يأتي بها وبالذكر أتى بالذكر بعد ست آيات.
وإذا قلنا: يكررها سبعاً.
قال في "الأم": "يكررها سبعاً أو ثمانياً"، وعندي إنما قال: أو ثمانياً لتقوم المرة الثامنة مقام قراءة السورة، وإن لم يحسن القرآن بحالٍ، ويحسن الذكر يقوم الذكر مقام القراءة قولاً واحداً، ويجب عليه قراءته والذكر ما تقدم في الخبر، وإنما أمر بذلك لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أفضل الذكر بعد كلام الله عز وجل، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
وقال أبو حنيفة: "لا يلزمه الذكر ويقوم ساكتا قدر القراءة، ثم يركع"، وقال مالك: "لا يلزمه الذكر ولا القيام"، واحتج بأنه موضح من الصلاة، فلا يجب فيه ذكر غير القرآن كالركوع، وهذا غلط لخبر عبد الله بن أبي أوفى.
وقد قال الرجل: "فعلمني ما يجزئني".
وروى رفاعة بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمر الله تعالى، ثم ليكبر، فإن كان معه شي، من القرآن قرأ به، وإن لم يكن معه فليحمد الله، وليكبر"، وليس كالركوع، لأنه قربة في نفسه، فاستغنى عن الذكر بخلاف القيام.
والدليل على بطلان قول مالك: أن القيام فعل واجب في الصلاة، فلا يسقط بتعذر الذكر فيه كسائر الأفعال، فإذا تقرر هذا، ففي قدر الذكر الذي يقيمه مقام الفاتحة، وجهان: أحدهما: وهو اختيار أبي إسحق يجبه من الذكر بقدر حروف الفاتحة ويسقط اعتبار

الجزء: 2 - الصفحة: 174

الآي، لأنه لا يمكن اعتبارا في الذكر، وهذا لأنه أقيم مقامها فاعتبر قدرها، [162 ب / 2] ولا يتعين ما ورد به الخبر، لأنه لو كان يحسن غير الفاتحة لا يتعين ما يلزمه أن يقرأ فيها بل يخير، فيقرأ سبع آيات من أي موضع شاء.
وهذا اختيار أبي حامد، وابن أبي هريرة.
والثاني: يجب ما نص عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة، ولا تبديل، وهو اختيار صاحب "الإفصاح" وأشبه بالسنة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر على ذلك، ولم يأمره بالزيادة عليه، ويفارق هذا القراءة من غير الفاتحة، لأن هذا بدل من غير الجنس كالتيمم، فلا تجب فيه الزيادة على النص.
وهذا اختيار القافي الطبري وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: هذه خمس كلمات فيأتي بها ويضم إليها كلمتين آخرتين حتى تصير سبعاً، فإن كل كلمة بمنزلة آية، ولا يعتبر قدر الحروف، وإن كان لا يحسن شيئاً، ففرضه أن يقوم قدر القراءة، ويسقط عنه الذكر نص عليه، ولو قدر على التعلم يلزمه ذلك، فإن لم يتعلم وصلى، قد ذكرنا أنه يلزمه إعادة الصلاة، ثم فيه وجهان: أحدهما: يعيد كل صلاة صلاها من وقت قدرته على التعلم.
والثاني: يعيد إلى أن أخذ في التعلم، لأن الأخذ في التعلم يزيل حكم التفريط، فيسقط عنه إعادة ما صلى في هذه المدة.
فرغ لو تعلم الفاتحة في خلال إتيانه بالبدل، فالصحيح أنه يترك البدل ويشتغل بالفاتحة، وفيه وجه آخر يمضي في البال، وليس بشيء.
ومن أصحابنا من قال: يحتسب بالقدر الذي أتى به، ويقوم مقام أول الفاتحة فيتم من أخر الفاتحة، لأن الذكر مقصود في نفسه، فيستحب بما أتى به منه، والأول أصح، لأنه قدر على الأصل قبل الفراغ من البدل.
فَرْعٌ آخرُ لو تعلم بعد فراغه من البدل يلزمه أن يقرأها إذا لم يكن ركع، لأن محل القراءة باق.
ذكره القاضي الطبري، [163 أ / 2] وهو الصحيح.
وقيل: فيه وجهان، واختار مشايخ خراسان، أنه لا يلزمه العود إلى الفاتحة، لأنه فرغ من البدل كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان لا يحفظ الفاتحة، ولكنه قادر على تلاوتها من المصحف يلزمه التلاوة، ويلزمه الشراء أو الاستعارة، ولو كان بالليل عليه تحصيل الضوء، فإن قال قائل: لم قال الشافعي ههنا وضيع حظ نفسه فيما ترك، ولم يقل ذلك في مسنونات الوضوء.
قلنا: لأن هذه السنن أكد ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قط خالياً عن المسنونات، وقد

الجزء: 2 - الصفحة: 175

توضأ مرة مرة!! فإذا تقرر هذا، ذكر الشافعي: أنه لو ترك حرفاً من أم القرآن، وهو في الركعة رجع إليها وأتمها.
وفي بعض النسخ رجع إليه، وهما صحيحان، فالتأنيث يرجع إلى الفاتحة وكناية التذكير راجعة إلى الحرف، والمعنى في المسألة، أن كل حرف من الفاتحة ركن عن حياله، والترتيب فيه شرط، فإذا نسي حرفاً لم يحتسب ما بعده، فإن تذكر في تلك الركعة رجع إلى ذلك الحرف فبنى عليه، وان لم يذكر حتى قرأ في ركعة أخرى التحقت قراءته فيها بالركعة التي قبلها فتمت القراءة فيها، وسقطت في التي بعدها.

باب

طول القراءة وقصرها مسألة: قال: "وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل".
وهذا كما قال: اعلم أن القصد من هذا الباب، أن المستحب للإمام في الصلاة التخفيف مع التمام، كما قال أنس رضي الله عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - "من أخف الناس صلاة في تمام".
وبين الشافعي ذلك، وهو أن يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة في كل ركعة بسورة من طوال المفصل كسورة الحجرات، والذاريات، والواقعة ونحوها.
ويقرأ في الظهر سنها بذلك يعني في [163 ب / 2] الركعتين الأوليين، وفي الأخويين ذكرنا قولين في سنة السورة، فإذا قلنا: تسئ قرأ فيهما على النصف من الأوليين.
والأصل فيه خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "حزرنا قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر: ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾ (السجدة: 1 - 2]، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلكء وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر بنحو مما يقرا في العشاء".
وأراد في الأوليين من العشاء، ثم امن ما يستحب في العشاء، وهو قدر سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل مثل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (العاديات: 1].
وهذا تفسير التخفيف في تمام.
فإن زاد على هذا كان مثقلاً على القوم، وان نقص عنه كان مقصراً إلا أن يكون له عذر ظاهر، أو لأحدٍ ممن خلفه، فلا بأس حينئذ أن ينقص عنه، ولا يكون مقصراً، فإن قصر أو زاد يجوز في الجملة.
وإنما شبه الشافعي الصبح بالظهر والعصر والعشاء، لأنهما صلاتا سر، ولم يثبت ما إذا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهما، وفي كل هذا ورد الخبر.
قال ابن عباس رضي الله عنه: "صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح يوم الجمعة، فقرأ فيها بسورة السجدة: ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ وقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والسورة التي ذكر فيها المنافقون".

الجزء: 2 - الصفحة: 176

وروي أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة الجمعة: ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى﴾.
وروي أنه "قرأ ليلة الجمعة في المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي صلاة العشاء تلك الليلة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ". وقال بعض أصحابنا: يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العشاء سورة الجمعة وسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}.
وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح، فقرأ فيها، ﴿يس﴾، و ﴿حم﴾.
وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه [164 أ / 2]: "قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ يسمعنا الآية أحياناً".
وقال بريدة الأسلمي رضي الله عنه: "قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَالشَّمْسِ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ". وروي أنه قرأ في العصر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ". وروي عن عمرو بن حريث رضي الله عنه، قال: "كأني أسمح صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الغداة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: 15] وروى أبو داود بإسناده عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1].
وروي أنه "قرأ في العشاء الآخرة سورة الجمعة والمنافقين".
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بقصار المفصل".
وروى ابن مسعود رضي الله عنه: "قرأ في المغرب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه "قرأ في المغرب: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾، فقالت أم الفضل: إنه لآخر ما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب".
والظاهر أن هذا التطويل كان نادراً، وهذه الأخبار كلها تدل على جميع ما ذكرنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يقرأ في الأولى من الصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية"، وفي الركعة الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر: شبهها بالصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية" حكاه الكرخي، وقال في العصر: "يقرأ في الركعتين الأوليين سوى الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء الآخرة".
وقال أحمد: "يقرأ خمس عشرة آية".
فرع قال بعض أصحابنا: يستحب تطويل القراءة في صلاة الصبح، لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ في صلاة الصبح سورة البقرة في الركعتين.
وعن عمر رضي الله

الجزء: 2 - الصفحة: 177

عنه أنه قرأ سورة يوسف في ركعة، وسورة الحج [164 ب / 2] في ركعةٍ.
والمستحب أن لا ينقص عن السور الطوال في سبع المفصل لما روي أنه "قرأ بسورة ﴿ق﴾ في صلاة الصبح".
وروي أنه "قرأ يوم الجمعة: ﴿الم (1) تَنزِيلُ﴾ السجدة".
فزع آخر قراءة السورة الكاملة في الصلاة أولى من قراءة بعض الآيات، لأنه لم يقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قراءة السور، ولو قرأ ذلك جاز لما روي أن الصديق رضي الله عنه قرأ البقرة في الركعتين من الصبح، "وقرأ في الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: 8] الآية".
فَرْعٌ آخرُ لو قرأ سورتين لم يكره، لأن عمر رضي الله عنه "قرأ سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وسجد ثم قام، فقرأ سورة أخرى".
وكان ابن عمر إذا صلى منفرداً يقرأ أحياناً السورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: تطويل القراءة أولى من تطويل الركوع والسجود لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، ولأن الذكر المشروح في القيام قراءة القرآن وفي غيره التسبيح، والقراءة أفضل من التسبيح.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: لو كان يصلي النافلة أكثر من ركعتين بتشهد واحد يقرأ في كل ركعة الفاتحة والسورة، وإن كان يصلي بتشهدين، فهل يقرأ السورة في الركعتين الأخريين؟ وجهان، بناء على القولين في الركعتين الأخريين من الفرائض.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ((ولا باس بتلقين الإمام في الصلاة"، ونقل المزني أن الشافعي قال: "وإن حضر الإمام لقن"، والأصل في هذا ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: "نعم، قال: فما منعك؟ "، وأراد به ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتني قد لبس علي؟.

الجزء: 2 - الصفحة: 178

وروي عن عثمان بن عفان وابن عمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان به بأساً.
وبه قال عطا، [165 أ / 2] والحسن وابن سيرين ومالك وأحمد واسحق.
وقال ابن مسعود: "يكره ذلك".
وبه قال الشعبي والثوري.
وقال أبو حنيفة: "إذا استفتحه الإمام فتحته عليه، فإن الكلام في الصلاة.
واحتجوا بما روى الحارث عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة".
قلنا: رواه يونس بن أبي إسحق عن أبي إسحق عن الحارث، قال أبو داود: سمع أبو إسحق من الحارث أربعة أحاديث ليس هذا منها.
وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه".
يعني: أنه إذا تعايا في القراءة، فلقنوه.
ورواه بعض أصحابنا بخراسان مرفوعاً، ولا يصح.

باب

الصلاة بالنجاسة مسألة: قال: "وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا".
وهذا كما قال: إذا صلى الرجل بقوم من غير طهارة، فعليه الإعادة جنباً كان أو محدثاً، عالماً كان أو جاهلاً.
وأما المأموم ينظر فيه، فإن كان عالماً بحدثه لم تصح صلاته، وإن كان جاهلاً صحت صلاته سواء كان الإمام جنباً أو محدثاً عالما كان بحدث نفسه أو جاهلاً وسواء علم المأموم به بعد خروج وقت الصلاة، أو قبل خروجه، فإن جهل كل المأمومين صحت صلاتهم، وإن كانوا عالمين بحاله لم تنعقد صلاتهم، وان كان بعضهم عالماً، وبعضهم جاهلاً صحت صلاة الجاهل به.
وبه قال عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر والحسن والنخعي وسعيا بن جبير والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: "تبطل صلاة المأمومين بكل حال".
وبه قال الشعبي وابن سيرين وحماد.
وقال مالك: ا (إن كان الإمام غير عالم بحدث نفه صحت صلاة المأمومين، وان كان عالماً لم تصح صلاتهم".
[165 ب / 2] وقال عطاء: "إن كان حدثه جنابة لا تصح صلاتهم، وإن كان حدثه غيرها يلزمهم إعادة الصلاة في الوقت، وان كان الوقت خارجاً، فلا إعادة".
واحتج مالك بأنه إذا علم بحدث نفسه فسق، ولا تصح الصلاة خلف الفاسق، وهذا غلط، لأن الفسق لا يقدح في الإسلام، فلا يمنع جواز الصلاة خلفه، والدليل على ما ذكرنا ما روى أبو بكرة رضي الله عنه، قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فأومأ إليه، أي: مكانكم، ثم ذهب، ثم جاء، ورأسه يقطر، فصلى بهم".
وهذا يدل على أنهم أحرموا خلفه، لأنه أومأ إليهم، ولم يكلمهم، لأن كلام المصلي يكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 179

واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، والقياس، وأراد به ما روي أن عمر رضي الله عنه "صلى يوماً صلاة الصبح بالناس، فلما انفتل من صلاته رأى على ثوبه أثر الاحتلام، فقال: هكذا يفعل بنا اللحم إذا أكلناه ما أراني إلا وقد احتلمت، وصليت بكم، وما شعرت، فقام واغتسل، وأعاد صلاته"، ولم يأمر أحداً بالإعادة.
وأما القياس: ما ذكره المزني، وهو أن كلأ مصل على نفسه، فلما كانت صحة صلاة الإمام لا تغني عن المأموم إذا كان المأموم جنباً أو محدثاً، فكذلك فساد صلاته من هذا الوجه لا يوجب صلاة المأموم، إذا لم يعلم، ثم أيد ذلك بأنه لو سبقه الحدث في صلاته ينصرف ويتوضأ ثم يبني على صلاته، ويجوز للمأمومين المضي في صلاتهم إذا استخلف عليهم رجلاً بالإجماع، فدل أن فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأموم، إذا لم يعلم، كما أن امتناع المضي في الصلاة للإمام بسبب سبق الحدث لا يوجب امتناع المضي للمأموم في الصلاة.
وذكر صاحب "التلخيص" أن قول مالك أحد القولين للشافعي: ولا يصح ذلك عنه.
فرع لو أدرك [166 أ / 2] الإمام في الركوع وصلى، ثم علم بجنابته، قد ذكرنا أنه لا يحتسب له بهذه الركعة.
ومن أصحابنا من قال: يعتد له بها، لأنه إذا لم يعلم بحاله صار كالإمام الطاهر، وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى الجمعة خلف إمام جنب، فإن كان الإمام تمام الأربعين لا تصح صلاتهم، وإن كان زائداً على الأربعين فلا تصح صلاة الإمام.
وهل تصح صلاة المأمومين؟ نص في "الأم": أنها صحيحة، وحكي عنه في "القديم": أنها لا تصح، لأن الإمام شرط في صحة هذه الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ لو أحرم بهم، وهو جنب أو محدث، وأحرموا خلفه جاهلين بحدثه، ثم علموا فعليهم مفارقته، فإن نووا مفارقته، وفارقوه أتموا لأنفسهم، وان لم ينووا مفارقته، أو نووا ذلك ولم يفارقوه فعلاً بطلت صلاتهم وان علم بعضهم دون بعض، فصلاة من لم يعلم صحيحة وصلاة من علم على ما ذكرنا، وكذلك لو أحرم بهم، وهو طاهر، ثم أحدث فعليه أن يخرج من الصلاة، وعليهم أن يفارقوه على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: "إذا أحدث الإمام عمداً بطلت صلاة المأمومين"، وهذا غلط لما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 180

فَرْعٌ آخرُ لو أحوم بهم، ثم ذكر أنه جنب، قال في "القديم": فإن كان الموضع قريباً، ولم يكن ركع بهم، فإنه يشير إليهم: كما أنتم، ومضى، واغتسل ورجع وصلى بهم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان موضعه بعيداً وكان موضعه قريباً، ولكنه كان قد ركع يشير إليهم أن صلوا منفردين ويمضي ويغتسل، لأنه إذا كان قد صلى ركعة يحتاج إلى مفارقته في آخر صلاته مفارقة الآن ولا ينتظره.
وهذا على قوله "القديم": لا يجوز الاستخلاف في الصلاة.
وأما على قوله "الجديد": فإنه يستخلف من يصلي بهم، وقد قيل: إنما قال في "القديم " هذا ليخرجوا من الخلاف، فيصلون لأنفسهم.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف كافر عزر الكافر وأما المأموم، [166 ب / 2] فإن كان عالما بأنه كافر فقد أسا، وصلاته باطلة، وان كان جاهلاً، فهل تجزئه صلاته أم لا؟ فالكافر ضربان: كافر يظهر كفره، وكافر يستره، فإن كان ممن يظهره، فالصلاة باطلة.
قال الشافعي رضي الله عنه: "لأنه اءتم بمن لا يصح أن يكون إماماً له بحال".
وقال أصحابنا: لأنه مفرط بالائتمام به، فإن علامته تظهر بالغيار والزنار، وهذا يبطل بالمرتد، لأنه لا أمارة على كفره، ولا تصح الصلاة خلفه، ويمكن بأن يعلل بأن هذا يندر، ولا يكثر، فلا يؤدي وجوب المتحرز منه إلى المشقة على المأمومين.
وقال المزني: "تصح ملاته، لأنه أدى ما كلف"، وهو غلط لما ذكرنا، وإن كان ممن يستسر بكفره كالزنديق والمنافق.
قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي: في موضع ما يدل على التسوية بين جميع الكفار.
وقال في موضع ما يدل على الفرق، فيحتمل وجهين، والمذهب أن صلاته باطلة لعلة الشافعي رضي الله عنه.
وقال أبو إسحق: "لا تبطل لأن علامته لا تظهر، فلا ينسب إلى التفريط".
فَرْعٌ آخرُ لو أسلم رجل فصلى بقوم، فلما فرغ، قال لهم: ما كنت أسلمت، وإنما تظاهرت بالإسلام، فصلاتهم ماضية، ولا يقبل قوله في إبطال صلاتهم، ويكون مرتداً فيستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف مرتد بعد العلم بردته، فالصلاة باطلة، ولا يجوز أن يصلي خلفه حتى يعرف رجوعه إلى الإسلام، فإن كان يسلم تارة ويرتد أخرى، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه، فلم يعلم هل صلى خلفه في حال إسلامه أم في حال كفره؟ تصح صلاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 181

والمستحب أن يعيد، لأن الصلاة مضت على السلامة، نص عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلفه رجل في دار الإسلام، ثم شك، هل كان مسلماً أو كافراً؟ لا يلزمه إعادة الصلاة، لأن الظاهر من الدار الإسلام.
فَرْعٌ آخرُ لا تجوز الصلاة خلف المجنون، لأنه إن صلى مع علمه، فهو متلاعب، [167 أ / 2] وإن لم يعلم جنونه، فإن الجنون مما يمكن الوقوف عليه، فيكون منسوباً إلى التفريط، وان كان يجن ويفيق فصلى خلفه، ولم يعلم أنه ملى في حال جنونه أو عقله، فلا إعادة عليه قياماً على ما قال في المرتد، وان أحرم خلفه، وهو مفيق فجن في أثناء الصلاة، فعليه أن يفارقه، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ السكران كالمجنون مواء لا تصح الصلاة خلفه، وإذا سكر ينبغي أن يعلم إفاقته حتى تجوز الصلاة خلفه، فإذ كان يكر ويفيق فصلى خلفه لم يعد كما قلنا في المرتد، ولو أحرم خلفه فسكر في أثنائها، فعليه مفارقته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
ولو شرب مسكراً، قال الشافعي: "تجوز الصلاة خلفه"، وأراد إذا غسل فمه، وما أهاب من يديه وثوبه منه، وجملته إن كل ما لا يصح أن يكون إماماً بحال لم تصح الصلاة خلفه كالكافر والزنديق والمرتد والمرأة والمجنون وكل من يصح أن يكون إماماً بحال، كالمحدث والجنب محت صلاته خلفه، وعند المزني تصح الصلاة خلف الكل إذا لم معلم لأنه أدى ما كلف.
مسألة: قال: "ولو صلى رجل وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح فكان قليلاً مثل دم البراغيث".
الفصل وهذا كما قال: إنما قال في ثوبه، لأن أثر موضح الاستنجاء من بدنه معفو عنه، وقوله: (فكان قليلاً مثل دم البراغيث)، أو كان نفس دم البراغيث (وما يتعافاه الناس)، أي: يتساهله الناس.
وجملته: أن الصلاة تفتقر إلى طهارتين: طهارة من حدث، وطهارة من نجس.
والطهارة من الحدث مضى بيانها.
وأما الطهارة من النجس نقلها المزني إلى هنا، فلا تجوز الصلاة حتى يكون طاهر البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
قال الفقهاء وابن سيرين: أراد [167 ب / 2] وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 182

حقيقة الثياب والطهارة.
هذا وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، أراد بالرجز النجاسة.
وقال ابن عباس وسعيا بن جبير رضي الله عنهم: أراد: لا تلبس ثيابك على الفار والمعاصي.
فقول العرب لمن غدو دنى ثيابه، ولمن وفى بالعهد طاهر الثوب.
وقيل: ثيابك فقصر حتى لا تنجر خيلاء وكبراً.
وقال الحكم: "معناه: وعملك فأصلح".
وقال الحسن: "وخلفك فحسن".
وقيل: وقلبك فطهر.
والصحيح الأول، فإن صلى وعليه نجاسة يلزمه إعادة الصلاة في الجملة.
وقال مالك رحمه الله: "لا يعيدها خارج الوقت، ويعيدها في الوقت"، وأراد استحباباً.
وهذا يدل على أن إزالة النجاسة لا تجب عند الصلاة.
وبه قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى.
وقال ابن عباس: "ليس على الثوب جنابة"، أي: لا يجب الاجتناب عن الثوب النجس.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نحر جزوراً، فأصاب ثوبه من فرثه ودمه، فصلى ولم يغسلها.
وروي أن رجلاً "سأل سعيد بن جبير عن رجلٍ صلى في ثوبه نجاسة، فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثوب من النجس".
وبه قال ابن مجلز.
وروى بعض أصحاب مالك عنه أن إزالة النجاسة واجبة إلا يسير الدم.
والدليل على ما قلنا ما روى ابن عباس، وأبو هريرة، وأنى رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تنزهوا من البول، فإن عامه عذاب القبر منه".
وروى ابن عباس انه - صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين، فقال: "إنهما يعذبان"، وقد مضى هذا الخبر.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم"، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان النجاسة التي يعفى عنها، والتي لا يعفى عنها.
وجملته أن النجاسة التي تجب إزالتها خمس: الغائط، والبول، والخمر، والدم والصديد.
[168 أ / 1] وقال داود: "الخمرة ظاهرة".
ورواه الليث عن ربيعة مثله.
واحتجوا بأنه كان عصيرا طاهراً، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، والرجس في اللغة: النجس، ولأنها مائع حرم على الإطلاق، فكان نجساً كالدم.
وحكي عن الحسن أنه ذهب إلى طهارتها، واحتج بأن الله تعالى أعدها لخلقه في الجنة، ولا يعد النجس لهم.
وهذا خطأ لأنه لا يبعد أن تكون في الدنيا نجسة، ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 183

يقلب الله تعالى عينها، وحكمها أو نقول: النجاسة ضربان: دم وغير دم.
فأما غير الدم، إن كان قدرا يدركه الطرف، فلا يعفى عنه قليلا كان أو كثيراً إلا أثر الاستنجاء وحكم ما لا يدكره الطرف، قد ذكرنا.
وأما الدم، فجميع الدماء نجش بلا خلاف إلا دم السمك على ما ذكرنا فيما قيل، وإذا ثبت أن كلها نجس، فإن كان دم ما ليست له نفس سائلة كالبراغيث والقمل والذباب والزنابير والبق، فاليسير معفو عنه قولاً واحداً.
وأما الكثير منه الخارج عن العرف والعادة، فإن طبق الثوب ذلك، فغيه وجهان.
المذهب أنه معفو عنه لأن الكثير منه نادر، فكان ملحقا بمعتاده كرخص السفر ثبتت للمسافر، وإن كان مرفهاً في سفره لا مشقة عليهء ولأن من يبيت في ثيابه لا يسلم من كثيره، وفي الاجتناب عنه فيق وحرج.
والثاني: وهو اختيار الإصطخري لا يعفى عنه لأنه لا مشقة عليه في الاحتراز عنه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: "هو طاهر لأنه دم غير مسفوح، فأشبه الكبد"، وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾ [البقرة: 173] ولم يفصل.
وأما قوله: ليس بمسفوح خطأ، بل هو مسفوح سائل، ولكنه لا ينسفح لقلته، وان كان دم ما له نفس سائلة كالآدمي وغيره من الحيوان فقد نص فيه على قولين.
قال في "الإملاء": "حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن قليله وكثيره".
وقال في "القديم" و"الأم": "يعفى عن قليله دون كثيره"، فإذا قلنا: يعفى عن قليله.
[168 ب / 2] اختلف قوله في حق القليل، فقال في "الأم": "القليل هو اليسير كدم البراغيث، لأن يتعافونه ويتجاوزونه، ولا يعفى عن قار الدرهم والدينار".
وهذا أصح، لأنه يشق الاحتراز من يسيره كما في دم البراغيث.
وقال في "القديم": "إن كان دون الكف لم يجب غسله، وإن كان قدر الكف أو أكثر وجب غسله، ولا تجوز الصلاة فيهء وفيه قدر لمعة".
وقيل: إن اجتمع في موضع قدر راحته، لا يعفى، وان كان متفرقا في بدنه أو ثوبه كدم البراعيث يعفى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: "القليل دينار"، وقال في موضع: "قدر لمعة".
وقال في موضع "قدر كف".
والعبارات ترجع إلى معنى واحدٍ، وإنما اختلفت عباراته لاختلاف دم البراغيث باختلاف الزمان، فتكثر في الصيف وتقل في الشتاء.
وفي هذا نظر، والصحيح ما تقدم.
وقال أصحابنا: هذا في دم يصيبه من نفسه من الحك والبثرة والجرب والفصد والحجامة، فأما الدم الذي يصيبه من غيره من الآدمي أو البهيمة، فلا يعفى عنه أصلاً.
وهذا صحيح على ما ذكرنا، وقيل: في الكل قولان.
وهذا الفصل لا يعرف عن الشافعي بل نص في كتبه على ما بيناه، ولم يفصل، وقيل: إذا قلنا بهذا التفصيل لا يعفى عن دم الحجامة والفصد أصلاً، لأنه يمكن الاحتراز منه، وهو ضعيف عندي.

الجزء: 2 - الصفحة: 184

وقال القفال: هذا مستحب على أن العلة في عفو دم البراغيث، ماذا؟ فإن قلنا: القلة، فلا فرق، وإن قلنا: الابتلاء به وتعذر الاحتراز منه، فيفصل هكذا.
وأما الصديد والقيح نص في عامة كتبه: أنه كالدم، وقيل: قال في موضع من "الأم": "هو أخف حالاً، ولكنه متى بلع لمعة وجب غسله".
وقال أبو حامد رحمه الله: "المذهب الأولى، وما قال في "الأم": لا يحكى، وهذا لأنه مستحيل، كالدم".
وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أرخص في [169 أ / 2] دم الحنون"، أي: الدمل، وأما ماء القروح، فهو كالعرق يظهر عليه، وينزل عنه، فإن كان له رائحة فهو كالدم، وإن لم يكن له رائحة نص في "الإملاء" ما يدل على أنه طاهر كالعرق.
وقال في موضع من "الإملاء": "إنه يجري مجرى الصديد والقيح"، فحصل فيه قولان.
والمذهب الأول.
وقال مالك وأحمد: "يعفى عن الدم ما لم يتفاحش".
وروي عن أحمد أنه قال: "البثر متفاحش".
وروي عنه أنه قال: "النقطة والنقطتان معفو.
وهذا غلط، لأن ما دون الشبر متفاحش في العادة، فيجب أن لا يعفى عنه.
وقال مالك: "المتفاحش نصف الثوب".
وقال الأوزاعي والنخعي: "يعفى عن أقل من درهم"، وأما ونيم الذباب فنجش، ولكنه يعفى عنه في الثوب، كما قلنا في دم البراغيث، لأن الابتلاء به موجود كدم البراغيث.
وعند أبي حنيفة رحمه الله هو طاهر.
وقيل: حد النجاسة كل عين حرم تناوله على الإطلاق مع إمكان التناول لا لحرمته، وإنما حددنا بتحريم التناول، لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، فجعل النجاسة علة تحريم الكل، ولا يلزم السم، لأنه لا يحرم قليله الذي لا ضرر فيه ولا يلزم الحجر ولحم الآدمي للاحتراز، فإذا تقرر هذا، فلو صلى مع نجاسة عير معفو عنها نظر، فإن صلى مع العلم بها جاهلاً لحكمها لم تنعقد صلاته، وإن صلى فلما فرغ من الصلاة علم بها فيه ثلاث مسائل: إحداهما: إن فرغ منها ثم شك، هل كانت موجودة حال الصلاة أم لا؟ مثل إن كانت رطبة يحتمل أن تكون إصابته بعد الصلاة، ويحتمل أن تكون أصابته في الصلاة، لا يلزمه الإعادة، لأن الصلاة المحكوم بصحتها ظاهراً لا تبطل بالاحتمال.
والثانية: شاهد النجاسة على ثوبه أو بدنه، ولم يغسلها، ولم يذكرها حتى فرغ [169 ب / 2] من الصلاة، فالمذهب أن عليه الإعادة، لأنه مفرط في إزالتها.
ومن أصحابنا من قال: لا إعادة عليه في قوله "القديم"، خرجه القافي أبو حامد رحمه الله، كالذي نسي الماء في رحله فتيمم وصلى لا يلزمه الإعادة في قول ضعيف.
والثالثة: لما فرغ من الصلاة علم بها ولم يعلم بها قبل ذلك، ولكنه تحقق أنها كانت في الصلاة مثل أن شاهدها يابسة، ففيه قولان.
قال في "الجديد": "لم تنعقد

الجزء: 2 - الصفحة: 185

صلاته، لأنها طهارة تستباح بها الصلاة، فلا تسقط بالنسيان كالطهارة من الحدث".
وقال في "القديم": "انعقدت صلاته ولا إعادة عليه".
وبه قال ابن عمر والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية.
واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزع نعليه في الصلاة.
وقال: "أخبرني جبريل عليه السلام أن فيهما قذراً".
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن القذر كان بصاقاً أو مخاطاً، فكان يصيب المجد ويتلوث به عند السجود والقعود.
وقيل: روي أنه كان فيها دم حلمه وذلك مما يعفى.
وإذا قلنا بقوله "القديم" فعلم في أثنائها، فإن أمكن طرح الثوب عن نفسه بأن كان عليه ثوبان أو بقربه آخر، فيستبدل بثوب آخر فعل ذلك، وبنى.
ولو أصابت النجاسة الشيء الصقيل كالسيف والمرأة والزجاج لا يطهو إلا بالماء.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يطهر تمسحاً، وهذا غلط ولأنه محل نجس فلا يكفي فيه المسح كالثوب النجس.
مسألة: قال: "وإن كان معه ثوبان: أحدهما طاهر والآخر نجس".
الفصل قد ذكرنا أن التحري في الثياب عند الاشتباه جائز، فإذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين صلى فيه ولا إعادة عليه، وإن غسل النجس وصلى فيه صحت صلاته أيضاً، وإذا بانت له بالتحري طهارة أحدهما صلى فيه ما شاء، [170 أ / 2] ولا يلزمه إعادة الاجتهاد في صلاة أخرى بخلاف القبلة، لأن أمارات القبلة تنتقل وتحدث وأمارات الطهارة في الثوب لا تتجدد كل ساعة ولو أعاد اجتهاده في الثوبين فغلب على ظنه طهارة الثاني، لم يعد ما ملى ولا يجوز له أن يستأنف الصلاة فيه، لأن اجتهاده الثاني أثبت له حكم النجاسة، ثم مذهب الشافعي رحمه الله أنه يصلي عرياناً ويعيد لأن معه ثوباً طاهراً بيقين.
وقال ابن سويج: "يصلي في الثاني، ولا يعيد.
وقال المزني: يصلي في أحدهما، ويعيد في الآخر بنا، على أمله، أنه لا يتحرى أصلاً".
فرع لو لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما يصلي عريانا وتلزمه الإعادة إذا وجد ثوباً طاهراً على المذهب.
وقال المزني وساعده بعد أصحابنا في هذا الموضع: يصلي في أحدهما ويعيد الآخر، ولو فعل هذا لأجزأه على مذهب الشافعي رحمه الله، وان كان لا يوجب عليه، هكذا ذكر في "الحاوي".
ويحتمل أن يقال: لا يجوز أن يفعل هذا، لأنه يؤدي إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 186

أن يصلي بنجاسة متيقنة، وذلك لا يجوز ورأيته عن كبار أصحابنا، وهو الصحيح كما لو اشتبهت في القبلة جهتان، فصلى إلى أحدهما من غير تحر، ثم صلاها ثانية إلى جهة أخوى، لم يجز واحدة منهما، ولو أمكنه أن يغسل أحدهما ويصلي فيه، فقياس المذهب أنه يلزمه ذلك، كما لو كان معه ثوب نجس يقدر على غسله، فإن قيل: ألم يحكم بنجاسته كيف يلزمه غسله؟.
قلنا: ولكن لا تجوز الصلاة فيه ويمكنه أن يصلي فيه لغسله، فيلزمه ذلك، ويفارق الإناءين إذا لم يؤد اجتهاده إلى طهارة أحدهما، لأنه لا يمكنه أن يتوصل إلى تطهير أحدهما.
فَرْعٌ آخرُ لو أخبره ثقة أن النجاسة في أحد كمي الثوب، هل يجوز له قبول خبره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز إذا قلنا: لا يجوز له التحري.
والثاني: يجوز، وهو إذا قلنا: يجوز له التحري فيهما ذكره في "الحاوي".
مسألة: قال: "وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب غسله كلها" [170 ب / 2]. الفصل وهذا كما قال: قد تقدم جواب هذه المسألة فلو شق هذا الثوب نصفين حتى صار بمنزلة الثوبين لا يتحرى أيضاً، لأنه يجوز أن يكون كل واحد منهما نجساً، ويكون موضع النجاسة حصل بعضه مع أحد النصفين وبعضه مع النصف الأخر، وفي الكمين هل يتحرى؟ ذكرنا وجهين، فلو فصل أحد الكمين عن الآخر يجوز التحري وجها واحداً، لأنهما بعد الفصل بمنزلة الثوبين.
فرع لو نجس أحد البيتين من دار واحدة يجوز التحري بلا إشكال كالثوبين، موضع من بيته، ولا يدري عينه، هل يجوز التحري؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما لا يتحرى في الثوب الواحد ويلزمه غسله كله.
والثاني: يصلي في أي موضع منه شاء إذا غلبت على ظنه طهارته، ولا يلزمه غسله، كما لو تيقن أن موضعا من الصحراء نجس يصلي في أي موضع شاء، والصحيح الأول، لأن الصحراء تخالف البيت، لأنه يمكنه غل البيت، ولا يمكنه غسل الصحراء فافترقا.
مسألة: قال: "وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها".

الجزء: 2 - الصفحة: 187

الفصل وهذا كما قال: إذا أصاب الثوب دم الحيض، فالمستحب أن تحته بخشبة أو بظفرها وتقرصه.
والقرص إمعان الدلك.
ثم تغسله بالماء، وهو المراد بقول الشافعي رحمه الله: "قرصته بالماء حتى تنقيه ثم تصلي فيه"، والاقتصار على الغسل بالماء يجوز.
وقال بعض أهل الظاهر: الحت والقرص واجب، ثم إذا غسل وبقي له أثر لاصق لا يخرجه الماء عفي عنه على ما مضى بيانه.
مسألة: قال: "ويجوز أن يصلي في ثوب الحائض".
الفصل وهذا كما قال: إنما جاز ذلك، لأن الأصل الطهارة، وقد ذكرنا أن بدن الحائض طاهر.
وروت ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي وهو عليه"، والمرط ثوب يلبسه الرجال والنساء، ويكون إزاراً ويكون رداء ويتخذ من قز وغيره.
وقالت عائشة رضي الله عنها: [171 أ / 2] "كنت أحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حيض جميعاً ولا أغسل لي ثوباً".
وأما الثوب الذي جامع فيه الرجل أهله، فتجوز الصلاة فيه ما لم يصبه مذي أو ودي أو بول بما روي أن رجلاً سأل أم حبيبة رضي الله عنها، "هل كان وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الثوب الذي جامع أهله فيه، فقالت: نعم، ما لم تعلم فيه أذى"، وإن أصابته رطوبة فرجها، فقد ذكرنا الخلاف في نجاستها.
وأما ثياب المشركين، فقد ذكرنا، وأما الصلاة في ثوب الصبي والصبية يجوز له أيضاً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته"، ولا شك أن معها ثوبها.
وقال في "الأم": "يجوز حملها في الصلاة من غير ضرورة لهذا النهي".
وقال أصحابنا: لو توقى عن هذه الثياب كان أحبه".
فرع لو كان على الثوب نجاسة يابسة فنفضها عنه زال حكمها، لأنه لم يبق منها شيء، ولو كان في الصلاة فنفضها عن نفسه حال وقوعها صحت صلاته، كما لو كشفت الريح عورته في الصلاة فسترها في الحال، ولأنه مغلوب عليه كسلس البول، ولو وقعت في الصلاة، فأزالها بيده بطلت صلاته لمماسة النجاسة.
مسألة: قال: "وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل أو لا يؤكل، فكل ذلك نجس

الجزء: 2 - الصفحة: 188

الفصل جملته: أن أبوال الآدميين كلها نجسة سواء في ذلك بول الكبير والصفير، والأنثى والذكر، ويجب غسل جميعها إلا بول الغلام ما لم يطعم الطعام، فإن الرش عليه يجزى، وهو أن ينضح بالماء حتى يغمره من غير أن ينزل الماء عنه، وأطلق أصحابنا هذا اللفظ، ومن أصحابنا من قيد.
وقال: ما لم يطعم الطعام غير اللبن، وهو صحيح.
وفيما نقله المزني رحمه الله خلل، لأنه قال: "فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش قلى بول الصبي"، فأوهم الاستثناء من النجاسة طهارة بول الصبي، ولا يختلف المذهب في نجاسته، وإنما قال الشافعي رضي الله عنه: "فكل ذلك نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة [171 ب/ 2] وبه قال أحمد واسحق وأبو عبيد رحمهم الله.
وروي هذا عن علي وعطاء رضي الله عنهم.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي من أصحابنا: الرش أن ينضح ما يزيد على قدر البول، فيطهر بذلك، وأراد بالسنة ما روي أن صبياً حمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليحنكه فوضعه في حجره، فبال فيه فدعا بماء فرش عليه، وتركه"، والمستحب الغسل، نص عليه.
ثم قال الشافعي: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية"، يعني من حيث المعنى، ولكن السنة فرقت بينهما.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية".
وروي عن أمامة بنت الحارث أنها قالت: كان الحسين بن علي رضي الله عنهما في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلت: البس ثوباً آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
قال أبو سليمان الخطابي: "معنى النضح في هذا الموضع الغسل، إلا أنه غسل لا مرس ولا ودلك في الجارية: غسل يستقضي فيه فيمرس باليد ويعصر بعده"، وهذا قريب مما ذكرنا، والاعتماد في الفرق بين الصبي والصبية على السنة، لأن بول الجارية أصفو وله رائحة، وبول الصبي أبيض كالماء، فلهذا افترقا.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: إنما فرق بينهما بعض أصحاب الحديث، وعندنا: لا فوق بينهما في جواز الرش.
وقال أبو حامد: التسوية بينهما ذكره بعض أصحابنا،

الجزء: 2 - الصفحة: 189

وليس بشيء.
وقال القفال: فيه قولان، والأقيس أن لا فرق.
والصحيح الفرق للسنة، والأثر عن علي رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري ومالك رحمهم الله: "يجب غسل الأبوال كلها"، وقال داود: "وبول الصبي ما لم يأكل الطعام، فالرش استحباب"، وحكي عن الأوزاعي والنخعي: يرش على الأبوال كلها قياساً على بول الصبي.
وأما ما عدا الآدميين من جميع الحيوانات فبولها كلها وأرواثها نجسة سوا، كانت مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [172 أ/ 2] "بول ما لا نفى له سائلة وروثه طاهر، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب، وأن العسل ظاهر من النحل".
قال: وبناء الوجهين على أنه هل ينجس بالموت؟ وفيه قولان.
وهذا غير صحيح، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب لقلته وعموم البلوى به لا لطهارته، والعسل ليس بروث النحل، وإنما تعسله بفمها.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: 69] يعني من جوف الفم لا من دبرها.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: سألت الشيخ أبا حامد عن ذرق السمك والجراد، فإن الناس يأكلون الجراد والسمك الصغار على صفته، فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بعلة الشافعي لأنه بول فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما يقول في جب ماءٍ ألقي فيه السمك ومكث دهراً يعلم أنه بال وذرق فيه؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبواله وذرقه أنه نجس معفو عنه، لأن الاحتراز منه لا يمكن كدود الخل وذباب الباقلي إذا مات فيه نجس ولكن يعفى عنه قولاً واحداً.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "الكل نجس إلا ما لا يمكن الاحتراز عنه كزرق الحمام والعصافير ونحوها"، فإنه طاهر وما عداها نجس إلا أنه يختلف الحكم فيه فبول ما لا يؤكل لحمه وروثه لا يعفى عنه إلا قدر الدرهم وبول ما يؤكل لحمه يعفى عنه ما لم يتفاحش إلا عند أبي حنيفة، المتفاحش ربع الثوب، وقيل: ذرع في ذراع.
وعند أبي يوسف: شبر في شبر، وفي روث ما يؤكل لحمه، لا يعتبر أبو حنيفة التفاحش، وأبو يوسف يسوي بين بوله وروثه.
وقال الزهري ومالك والثوري وعطاء وأحمد وزفر رحمهم الله: "بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر".
وقال الليث ومحمد: "بول ما يؤكل لحمه طاهر دون روثه".
وقال النخعي: "بول ما عدا الآدميين وروثه كلها طاهر مما يؤكل ومما لا يؤكل".
واحتجوا بما روي أن قوماً من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، أي: كرهوها فاصفرت ألوانهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو خرجتم في إبلنا فأصبتم من أبوالها وألبانها"، ففعلوا فصحوا فمالوا على الرعاء فقتلوهم، [172 ب / 2] واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في أثارهم فأتى بهم، فقطع أيديهم

الجزء: 2 - الصفحة: 190

وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا عطشاً".
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب".
والذرب: فساد المعدة.
قالوا: وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم"، وأخبر "في أبوالها شفاء"، فدل أنها طاهرة حلال.
وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله".
وروي عن انس رضي الله عنه، قال: كنت بين يدي ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء فكانت تقصع بجرانها ولحاثها يسيل على رأسي، وهو يقول: "لبيك بجحة وعمرة"، فدل أن الحرة طاهرة.
وعندكم هي نجسة.
وهذا غلط للأخبار الواردة في البول، وقد ذكرنا، ولم تفصل، ولأنه حيوان محرم الدم، فكان محرم البول كالحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو نقول خارج نجس مما لا يؤكل لحمه، فكان نجساً مما يؤكل كما ذكرنا.
وأما الخبر الأول صار منسوخاً، لأنه روي أنه مثل فيهم ونسخت المثلة حتى نهى "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة، ولو بالكلب العقور" أو ذاك للضرورة والتداوي إذا لم يكن في غيره مثل ذلك الشفاء، وهكذا الجواب عن الخبر الثاني، وحال الضرورة، أنه لا يقول: أنه حرام، بل هو مباح، فيكون الشفاء في الحلال.
وأما الخبر الثالث: نحمله على حال الضرورة أيضاً، فإن قيل: وبول ما لا يؤكل لحمه عند الضرورة أيضاً، فلا تأثير له، قلنا: لعل السؤال وقع عن بول ما يؤكل فخصه بالذكر.
وقيل: رواه سوار بن مصعب، وهو ضعيف، وقد روى: "ما يؤكل لحمه، فلا بأس بسؤره"، فلعل ما رويتم مصحف.
وأما الخبر ليس فيه أنه لم يغسل ذلك، ويحتمل أنه أصابه اللعاب، ثم قصع بجرته.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله [173 أ / 2] بأن الناس أجمعوا على ترك الحمام والعصافير في الماجد الصحابة والعلماء في بيت الله الحرام ذلك، ولم ينكر منكر، وهذا مما روي: في بول ما يؤكل لحمه وروثه إلى قول مالك وأحمد في سيرتهم خلفاً عن سلف في مدينة الحجاز، يمكن أن يجاب أنهم تركوا ذلك للحوق المشقة في إزالته، ألا ترى أنه مستقذر بلا خلاف، "وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 2 - الصفحة: 191

عن النخامة في المسجد" وهي أنظف منه بكل حال.
مسألة: قال: "ويفرك المني فإن صلى ولم يفركه، فلا بأس".
وهذا كما قال: المني عندنا طاهر لا تجب إزالته، وبه قال أحمد في أصح الروايتين.
وروي ذلك عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء رضي الله عنهم.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة: "هو نجس" إلا أن مالكاً والأوزاعي يقولان: "هو نجس بكل حال".
وقيل: هذا قول الشافعي رضي الله عنه في "القديم".
حكاه أبي أحمد، وأبو حنيفة يقول: "يفرك يابساً"، وهو قول أحمد في الرواية الثانية.
وقال الحسن بن صالح بن حيي: "لا يعيد الصلاة من يعيدها من المن في البدن، وإن قل".
واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إنما يغسل الثوب من خمسة: البول والمني والدم والقيء".
وهذا غلط لما روى الشافعي رضي الله عنه: أن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركا، فيصلي فيه" وروي: وهو في الصلاة.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المني يصيب الثوب، فقال: "أمطه عنك بإذخرة فإنما هو كبصاق أو مخاطٍ".
وأما خبر عمار، قلنا: رواية ثابت بن حماد، وهو ضعيف أو نحمله على الاستحباب فيه، [173 ب / 2] ولا فرق عندما بين مني الرجل ومني المرأة.
وقال بعض مشايخ خراسان: مني المرأة طاهر بأصل الخلقة، ولكن هل ينجس بملاقاة الرطوبة التي في باطن الفرج؟ قولان: أصحهما، أنه لا ينجس، لأنه إن جعل ذلك الموضع في الحكم كالطاهر فبلله كالعرق، وإن جعل في حكم الباطن فنجاسة الباطن لا حكم لها، ومن هنا قال ابن أبي أحمد في "المنهاج": "ومني المرأة نجس"، وهذا غير صحيح، والمنصوص المشهور ما ذكرنا.
فرع في مني البهائم ثلاثة أوجه: أحدها: كله طاهر إلا مني الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وهذا ظاهر المذهب، لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أمله، فكان طاهراً.
والثاني: كل ذلك نجس، وإنما اختص الآدمي بطهارته للإكرام، فإنه يخلق منه

الجزء: 2 - الصفحة: 192

الأنبياء والأولياء، ولهذا لا ينجى الآدمي بالموت دون غيره.
والثالث: وهو الأقيس يعتبر باللبن، فكل حيوان يحل شرب لبنه فمنيه طاهر، حيوان لا يحل شرب لبنه فمنيه نجس.
فَرْعٌ آخرُ المني إذا استحال وصار علقة أو البيضة صارت دماً، فيه وجهان: أحدهما: أنهما طاهران، وهو الأصح وحكاه الربيع عن الشافعي، لأن المعنى الموجب لطهارة المني موجود فيه.
وقال أبو إسحق: "هو نجسء لأنه دم".
فَرْعٌ آخرُ بيض الدجاجة، هل يشرط غسله؟ فيه وجهان بناء على رطوبة فرج المرأة.
فَرْعٌ آخرُ المشيمة التي يكون فيها الولد نجسة إذا نفصلت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبين من حي فهو ميت"، قلت: ويحتمل وجها آخر عندي.
فَرْعٌ آخرُ الأنفحة لبن جامد يحل أكلها، وهي طاهرةء ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا: "أنها نجسة، لأنها كرش"، والأول أظهر عندي.
مسألة: قال: "ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه إذا ذكي".
وقد ذكرنا حكم الجلود فيما مضى، وجملته أنه تجوز الصلاة على كل محل طاهر عندنا.
وقال بعض الشيعة: "لا تجوز الصلاة [174 أ / 2] على ثوب الصوف ونحوه مما لا ينبت على الأرض".
وقد روي عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يصلي على الخمرة"، والخمرة: سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، وسميت خمرة، لأنها تخمر وجه الأرض، أي تستر.
وروي أنه "صلى على نمرة".
قال الشافعي: "النمرة، تعمل من الصوف".
وروى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يصلي على الحصير والفروة المدبوغة"، وروي: "كان يستحب أن يصلى على الحصير، أو فروة مدبوغة".
مسألة: قال: "ولا يصل ما انسكر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمة".

الجزء: 2 - الصفحة: 193

الفصل وهذا كما دل: إذا انكسر عظمه، فاحتاج أن يرقعه بعظم نظر، فإن رقعه بعظم طاهر، وهو عظم ذكي يؤكل لحمه جاز، ولذلك إذا انقلعت سنه، فجعل مكانها سن حيوان يؤكل لحمه ذكياً جاز، وإن أراد أن يرقعه بعظم نجس، وهو عظم كلب أو خنزير أو عظم ميتة لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون مضطراً إليه، أو غير مضطر، فإن كان مضطرا إليه، بأن لم يجد غيره جاز له، أن يرفعه به، لأنه موضع ضرورة، فهو كأكل الميتة، وإن لم يكن مضطراً إليه لم يجز أن يرقعه به، فإن خالف ورقع به، هل يلزمه قلعه؟ لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن لا ينبت اللحم أو نبت، ولا يخاف التلف من قلعه، أو يخاف التلف من قلعه، فإن لم ينبت عليه اللحم يلزمه قلعه وإزالته بمنزلة النجاسة على ظاهر البدن، وإن نبت عليه اللحم، ولكنه لا يخاف التلف من قلعه فعليه أن يقلعه، وان كان يدخل عليه وجع شديد ومشقة عظيمة، فإن فعل، وإلا أجبره السلطان على قلعه لأن صلاته لا تصح إلا بقلعه، فهو كما لو ترك الطهارة يجبره السلطان عليها كذلك ههنا، فإن توانى ولم يقلعه وصلى يلزمه إعادة كل صلاة صلاها، وهو حامل له.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "إذا التحم لا يلزم قلعه [174 ب / 2] أصلاً"، وإنما يتصور الخلاف معه في عظم الخنزير، فإن عنده كل عظم طاهر إلا عظم الخنزير، وهذا غلط، لأنه أوصل نجاسة غير معفو عنها إلى غير معدنها ولا يخاف التلف من إزالتها، فيلزمه إزالتها، فإن قيل: أليس لو شرب خمراً، أو أكل لحم الخنزير، أو الميتة لا يلزمه أن يتقيأ؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إزالته بالاستقاء كما يلزم قلع العظم في مسببنا.
والثاني: لا يلزمه ذلك، وهو اختيار صاحب "الإفصاح".
والفرق أن هناك أوصل النجاسة إلى معدن النجاسة وموضعها، وههنا يوصلها إلى غير معدنها، فبان الفرق بينهما.
ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب صلاة الخوف: "لو أسر رجل فحمل على شرب محرم ففعل للضرورة، فعليه أن يتقيأ إن قدر عليه".
قال هذا القائل: وهذا هو المذهب لأن تغذي البدن به محرم.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه شرب لبناً، فقيل له: "إنه كان من إبل الصدقة، فتقيأ".
والصحيح عندي ما سبق، فإن قيل: أليس لو غصب خيطاً فخاط به جرح نفسه لا يجبر على نزعه، وان كان لا يخاف التلف، قلنا: لأن له بدلاً يرجع إليه، وهو القيمة، فلا يجبر على نزعه، ويلزمه دفع قيمته بخلاف هذا، ولو مات قبل قلعه، فهل يقلع عنه بعد وفاته أم لا؟.

الجزء: 2 - الصفحة: 194

قال في "الأم": "لا يقلع بعد موته، لأنه صار ميتاً كله، والله حسيبه"، وأراد لا يقلع بعد موته، والله تعالى يحاسبه عليه، إن شاء آخذه وان شاء عفا عنه.
وقال أبو إسحق: "يجب أن يقلع عنه لئلا يلقى الله تعالى بنجاسة، عصي بإدخالها في بدنه".
وحكي عنه أنه قال: "إن قلع عنه كان أحوط وأولى، وإن ترك جاز".
وهذا غلط، لأن المعصية، لا تزول بنزع ذلك ولا يتجدد المعصية في إنقائه [175 أ / 2] وإزالته إنما تراد للصلاة، فإذا زال التكليف لم تجب إزالتها، ولهذا لا يلزم إزالته حتى يدخل عليه وقت الصلاة، ويتوجه عليه الأمر بإقامتها، فإن قيل: أليس يزال عين النجاسة ويغسل، وإن سقط عند التكليف؟.
قلنا: أما غسله، فتعبد، تعبد الأحياء، وليس بحكم يتوجه عليه في نفسه لو كان حياً، وأما إزالة النجاسة فلأن حكم الغسل لا يحصل ما دامت النجاسة، إذ النجاسة تمنع وصول الماء إلى ما تحتها، ولأنه ليس في ذلك مثله، ولا هتك حرمة، وفي كسر عظمه مثله.
وقد خرج عن التكليف فلا يؤمر، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا اللفظ يدل على أن بدن الآدمي ينجس بالموت، وهذا المذهب، لأنه قد صار ميتاً كله، أي: نجساً كله، فلا معنى لإزالة النجس عن النجس، وهذا غلط، بل المذهب أن الآدمي لا ينجس بالموت، وتأويل هذا اللفظ صار جماداً لا تكليف عليه، فلا معنى لقلعه.
والمسألة مشهورة بالقولين.
وإن كان يخاف التلف من قلعه مثل أن كان في صلبه أو ضلعه أو رأسه أو خاف تلف عضو من أعضائه كالأصبع واليد ونحوهما، هل يجبر على قلعه؟.
المذهب أنه لا يجبر، لأن حكم النجاسة يسقط عند خوف التلف، ألا ترى أن له أن يأكل الميتة عند خوف التلف، ولأنه لما جاز أن يجبره به إذا لم يجد غيره لموضع الضرورة، كذلك لا يقلع عند الضرورة.
ومن أصحابنا من قال: يجبر على قلعه، لأنه أطلق القول في "الأم"، فقال: "أجبره السلطان على قلعه"، ولم يفصل، ولأنه أن يستوفى منه حق الله تعالى، وإن أدى إلى التلف كالقطع في السرقة، ويستحق القتل على ترك الصلاة، وهذا لا يصح، لأنه يعفى عن النجاسة للضرورة كما في سلس البول والمستحاضة، ولا يعفى محن الصلاة جملة فيقتل تاركها، ولأن المجبر على الصلاة بالقتل يمكنه إسقاط [175 ب / 2] القتل عن نفسه.
ومن أصحابنا من أطلق القولين في المسألة، وهو غير صحيح.
فرع لو سقطت سنه، قال الشافعي رضي الله عنه: "صارت ميتة لا يجوز له أن يعيدها بعد أن بانت، ولا يعيد سناً غير سن ذكي يؤكل لحمه، فإن أعاد بعظم ميتة أو ذكي لا

الجزء: 2 - الصفحة: 195

يؤكل لحمه أو عظم أدمي نهو كالميتة عليه قلعه وإعادة كل صلاة صلاها، وهو عليه".
نص صريحاً على أن جزء الآدمي إذا انفصل عه يكون نجساً.
وقال أبو بكر الصيرفي رحمه الله من أصحابنا: عضو الآدمي إذا قطع في حياته، نهو طاهر، لأن جملته ميتاً طاهرة، وهذا خلاف النص، ولكنه أقيس، وبه أنتي، وهو اختيار كير من الأئمة، والفرق عد الشافعي بين العضو وبين الجملة أن العضو المبان لا حرمة له، ألا ترى أنه لا يجب غسله وتكفينه ودنه بخلاف الجملة مجرى العضو مجرى سائر الميتات سوى الآدمي.
وقال في "الأم": "فإن اعتلت سه فربطها قبل أن تدر، فلا بأس لأنها لا تصير ميتة حتى تندر".
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "لو أدخل تحت جلده دماً فثبت، فعليه إخراجه ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم"، فإن خاف التلف، فالحكم ما ذكرنا.
وسمعت بعض أصحابنا قال: "لو عض الكلب رجلاً يلزمه أن يغسل موضع العض سبعاً، فلو لم يغسل حتى التحم يلزمه شقه وغسله".
وهذا عندي خطأ، لأنه لا يمكنه تمييز موضح القطع وغسله، فلا يلزمه الشق.
مسألة: قال: " ولا تصل المرأة شعرها بشعر إنسانٍ، ولا بشعر ما لا يؤكل".
الفصل وهذا كما قال: كل شعرٍ نجسٍ لا يجوز للمرأة أن تصل به شعرها، لأن فيه استصحاب النجاسة، ولا تجوز الصلاة مع شعر نجس، فإن فعلت وجب عليها قلعه، فإن لم تفعل أجبرت عليهء وكل شعر طاهر، هل يجوز للمرأة وصل شعرها به، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لا يجوز لها ذلك [176 أ / 2]، وتأثم بذلك، لأنه تدليس على طالبها، لأن الرجال يرغبون في كثرة الشعر.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا".
وان كان لها زوج فوصلت به لتتزين له، جاز ذلك لها، وذكر بعض أصحابنا: أنه يكره لها ذلك على معنى أنها لا تأثم، ولا تعصي، إذا لم يكن قصدها التغرير، وهو القياس عندي.
وقال أحمد: "يكره لها ذلك، وإن كان لها زوج" لعموم الخبر، وحكى أبو داود عنه أنه قال: "لا بأس بالقرامل" وحكي هذا عن سعيد بن جبير، والقرامل: ما يوصل

الجزء: 2 - الصفحة: 196

بالذوائب حتى تطول.
وهذا غلط، لأنه شعر طاهر، وليس في شده غش، ولا تدليس، فلا وجه للمنع منه.
والأصل في كراهة الوصل ما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها علة فتمزق شعرها، أفلا أصل فيه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعنت الواصلة والمستوصلة".
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ألا ألعن من لعن الله في كتابه، لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة"، فرجعت امرأة معنية بأمر دينها فقرأت القرآن، فرجعت إلى ابن مسعود، وقالت: قرأت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال: لو قرأتيه لوجدتيه، الم تسمعي الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]؟ وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والمستوصلة"، الخبر.
وروي أنه قال: "لعن الله الواشرة والمستوشرة، والنامصة والمتنمصة، والعاضهة والمستعضهة، والمغلجة للحسن والمغيرة خلق الله"، فقال: وأراد بالواصلة: واصلة الشعر.
والمستوصلة: طالبة الوصل، والواشمة: التي تجعل في وجهها خالاً للحسن، وقيل: التي تنقش يديها وتسمه بالخضرة، وربما تسقيه العظلم، وأما الوشم بالحناء والخضاب حلال، وأراد بالمستوشمة طالبة الوشم، وأراد بالواشرة: التي تبرد الأسنان بحديدة لتحديدها وزينتها، وأراد بالنامصة: [176 ب / 2] التي تأخذ الشعر من حول الحاجبين وأعالي الجبهة.
وقيل: التي تدقق حاجبيها وترققه للجمال، وهو قريب مما تقدم، والمفلجة للحسن: التي تبرد أسنانها لتفليجها.
والعاضهة: التي تقع في الناس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وصلت بشعر الآدمي لا يجوز بحال، لأنه وان كان شعر امرأة لا يحل للزوج النظر إليه، لأنه عضو من أجنبية.
وقيل: يجب دفنه ومواراته حتى قلامة ظفر يجب دفنها.
وان كان شعر رجل لم يجر لها أن تستصحبه، وإن وصلت بشعر طاهر لا من آدمي، فالتفصيل فيه كالتفصيل في التطريف والنقوش بالحنا وتحمير الوجه بالحمرة، ونمش الحاجبين بالواد، فإن كانت تبرز لغير زوجها لا يجوز، وان كانت لا تبرز لغيره، ولم يعلم به الزوج لا يجوز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورٍ"، وإن علم الزوج به ورضي، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن فيه استمالة قلبه.
والثاني: لا يجوز لعموم النهي، وقال بعض أصحابنا: مفهوم كلام الشافعي الجواز، لأنه خص شعر الآدمي وشعر ما لا يؤكل لحمه عن الوصل، فدل أن بغيره يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 197

وقال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي: إنما خص شعر الآدمي لنجاسته في أحد القولين، وهذا أشبه عندي، ولكنه رجع عن هذا القول على ما رواه إبراهيم البلدي عنه، فهو قول مرجوح لا اعتبار به.
فرع لو وصلت شعرها بوتر أو بشيء يخالف لونه لون شعرها.
قال أصحابنا: يجوز، لأنه لا خديعة فيه، وهذا عندي إذا كان طاهراً لا يحصل به الغرور، وأما إذا كانت متقنعة ينظر إلى رأسها ويغتر.
بكبر ذلك بالموصول، فهو منهي أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: خضاب الشعر مباح بالحناء الكتم ومحظور بالسواد إلا أن يكون في جهاد العدو؛ لما روى الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الخضاب بالسواد، وقال: "إن الله تعالى: يبغض الشيخ الغربيب ألا لا تغيروا هذا الشيب، فإنه نور المسلم، فمن كان [177 أ / 2] لا محالة فاعلاً، فبالحناء والكتم"، ذكره في "الحاوي".
مسألة: قال: "وإن قال رجل في مسجد أو أرض طهر بأن يصب قليه ذنوب من ماء".
وهذا كما قال: إذا بيل على الأرض فطهارتها أن يكاثر بالماء حتى يغلب البول، ويغيره، فيزيل اللون والريح والطعم.
وفي كيفية الإزالة.
قال الشافعي رضي الله عنه: يصب عليه ذنوب من ماء، يعني به الدلو الكبير، والسجل مثله، وهو الأصح، وقيل: إنه دون الذنوب.
وقيل: إنه اسم لما يشد به الرشاء، فإن لم يكن رشاء لا يسمى ذنوباً.
والعرب دونه بلا إشكال.
واختلف أصحابنا في هذا، فقال الأنماطي والاصطخري: إنه شرط وتحديد حتى لو بال اثنان لم يطهره إلا دلوان كعدد السبع في ولوغ الكلب لورود الشرع به.
وقال سائر أصحابنا: وهو صحيح إنما ذكره الشافعي على سبيل التقريب أو لموافقة لفظ الخبر والاعتبار بالمكاثرة، لأن البول يختلف، فيقل ويكثر.
والذنوب لا تختلف، فلا يجوز أن تكون الذنوب حداً فيه، وإنما الواجب أن يغمره بالماء حتى يغلب عليه، فلا يبقى له رائحة، ولا لون، وان كان له لون.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: والذي يثبه أن لا يزال البول بأقل من سبعة أضعافه.
وهذا يشبه أن يكون قاله بعدما جرب قدر الماء الذي يأتي على البول ويغمره، وليس فيه حد محدود قولاً مقدار مقدر إلا ما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 198

ورأيت بعض أصحابنا، قال: لا يختلف المذهب في هذا وذلك غلط.
قال الشافعي: "وإن بال اثنان لم يطهره إلا دلوان"، وهذا على الخلاف الذي ذكرناه.
وقصد الشافعي به ترتيب الاثنين على الواحد على موافقة الخبر لا التحديد على ما توهمه بعض أصحابنا، وهذا لأنه قد يزيد بول الواحد على بول الجماعة، فلا اعتبار بعدد الدلاء.
وقال أبو حنيفة: "إن كانت الأرض رخوة فصب عليها ما يطهر ظاهرها، ولا يطهر باطنها، وإن كانت صلبة، فصب عليها ماء وجرى طهر موضع البول [177 ب / 2] والماء نجس.
وذلك الموضع الذي يركد فيه الغسالة نجس ولا يطهر إلا بالحفر"، وبناه على أصله أن الماء المزال به النجاسة نجس، وأن العصر شرط في الثوب المغسول، وعندنا وإن اشترط العصر في أحد الوجهين فههنا الأرض تنشف، فيقوم مقام العصر.
واحتج الشافعي بخبر الأعرابي وتمامه ما روي أن أعرابياً دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فلما رأى لطفه وتثريبه ولم ير من أصحابه ذلك، قال: أللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد تحجرت واسعاً يا أعرابياً"، فما لبث أن قام إلى زاوية المسجد، وقعد يبول، فهم به أصحابه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزرموه"، فلما فرع وخرج، قال: قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، صبوا عليه ذنوباً من ماءٍ"، أو قال: "سجلاً من ماءٍ".
وقوله: "لا تزرموه"، أي: لا تقطعوا عليه بوله.
وقوله: "لقد تحجرت واسعاً"، أي: استوليت عليه بزعمك واقتطعته لنفسك.
فإن قيل: روينا أنه أمر بأخذ التراب الذي أصابه البول فيلقي ويصب على مكانه.
قلنا: قال أبو داود رواه عبد الله بن معقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو لم يلقه.
فرع لو وقع البول على موضع من الأرض، فأتى المطر عليه كان بمنزلة الماء الذي يصب عليه، فإن كاثره حتى غلب عليه واستهلك طهر، لأن القصد غير معتبر في إزالة النجاسة، نص عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو مر بالمكان سيل نظر، فإن دام بمقدار ما يعلم أنه وصل إلى انتهاء البول طهر، وإن مر على الموضع مسحة واحدة لم يطهر كما لو صب عليه الماء فجرى عليه مسحاً لا يطهر المكان إلى انتهاء البول إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 199

فَرْعٌ آخرُ قال: لو قلع المكان، وهو رطب حتى لم [178 أ / 2] يبق له أثر رطوبة فقد طهر بغير الماء، فإن جف البول، فقلع المكان لم يطهر، لأن أثره بعد الجفاف إنما يتبين على الطبقة العليا من الأرض إلا أن يستقصي حتى يحيط أنه انتهى إلى انتهاء البول، وأزالة كله.
مسألة: قال: "والخمر في الأرض كالبول".
الفصل وهذا كما قال: الخمرة نجسة على ما ذكرنا، فإذا أصابت الأرض، فهي كالبول يصب عليها الماء، حتى يغمرها، فإن ذهبت ريحها، ولم يذهب لونها لا تطهر قولاً واحداً، وإن ذهبت لونها، ولم يذهب ريحها أجاب ههنا أنه لا يطهر، وفيه قول نص في "الأم "، وهو الصحيح: "إنه لا يطهر لان الرائحة قد تبقى لذكائها مع زوال العين كالماء تتغير رائحته بجيفة، ولا يحصل عينها في الماء".
وقال بعض أصحابنا: إن كانت في الثوب، لا يطهر قولاً واحداً، لأن حكم النجاسة في الأرض أخف لكونها معدناً للأنجاس بخلاف الثوب، ولأن رائحة الخمر لا تتعدى إلى الثوب إلا ببقاء الأجزاء فيه لبعده عنها فتشبه الرائحة فيه بقاء اللون في الأرض، وفي الإناء إذا بقيت رائحة الخمر بعد العسل، فهو أخف حكماً من الأرض، فيطهر قولاً واحداً، لأن بقاء الرائحة فيه لكثرة المجاورة، وقيل: فيه قولان أيضاً، كالأرض ذاكره في "الحاوي".
فرع لو ذهبت أوصاف النجاسة عن الأرض بالجفاف، فلم يبق لون ولا ريح، ولا طعم، فإن كان في الظل لم يطهر قولاً واحداً، وإن طلعت الشمس وهبت الرياح عليها فجفت، هل يطهر؟ قولان: أحدهما: لا بطهر، وبه قال مالك وأحمد واسحق وزفر رحمهم الله، وهو الصحيح، لأنه محل نجس، فلا يطهر بالشمس كالثوب.
والثاني: يطهر، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله: لأن الشمس تحيل الشيء عن طبيعته وتأثيرها أكثر من تأثير الماء، وهم يقولون في الظل مثله بخلاف قولنا.
ومن أصحابنا من رتب الظل [178 ب / 2] على الشمس.
فقال: إن قلنا بالشمس لا يطهر فعند الظل أولى، وإان قلنا يطهر فغي الظل وجهان.

الجزء: 2 - الصفحة: 200

وقال في "الحاوي": هذا القول الثاني في شمس حكاه ابن جرير عن "القديم"، ولا يعرف هذا عن الشافعي رحمه الله.
مسألة: قال: "فإن صلى فوق قبر أو إلى جنبه ما لم ينبش أجزأه".
وهذا كما قال: المقبرة على ثلاثة أضرب: مقبرة منبوشة تحققها، فالصلاة فيها لا تجوز للنجاسة، وذلك أن لحوم الموتى وصديدهم اختلطت بهذا التراب البارز، والآدمي.
وإن قلنا: لا ينجس بالموت، فإن ما في جوفه نجش بلا إشكال، وتخليط ذلك بغيره.
والثاني: مقبرة جديدة غير منبوشة، قال الشافعي: "كرهته وأجزأه، ولا آمره بالإعادة"، وإنما كره ذلك، لأن المقبرة مدفن النجاسات، وسواء بين الصلاة فوقها وإلى جنبها أو إليها.
والثالث: مقبرة أشكل أمرها، ولا يعلم، هل هي منبوشة أم لا؟.
قال في "الأم": لم يكن له أن يصلي فيها، لأن الأصل الآن أنها مقبرة حتى يعلم انه لم يدفن فيها قط وترابه لم ينبش.
وقال في "الإملاء": "إن صلى فيها لم أر عليه الإعادة"، فحصل قولان.
وهذا الثاني قول مالك رحمه الله، ووجهه أن الأصل الطهارة فلا يزول إلا بيقين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن شك فالأصل الطهارة، وإن كان الغالب كونها منبوشة فقولان بناء أنه يعتبر الأصل أو الغالب فهذا حسن.
وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة فيها بحال وإن تحقق طهارته"، وكذلك إذا استقبلها في الصلاة، والنهي عن ذلك تعبد، لا لأجل النجاسة، ولو صلى مع النهي هل يجوز؟ روايتان.
وقال داود: "تجوز الصلاة في المقبرة المنبوشة أيضاً مع الكراهة"، والدليل على أحمد أنها بقعة طاهرة فجازت الصلاة عليها كسائر البقاع، وأما الخبر الوارد فيه محمول على المنبوشة.
وروى أبو ذر رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع [179 أ / 2] في الأرض، فقال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى".
فقلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون عاماً وحيث أدركت الصلاة فصل".
مسألة: قال: "وما خالط التراب من نجس لا تنشفه الأرض إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء".

الجزء: 2 - الصفحة: 201

وهذا كما قال: إذا أحلت النجاسة الأرض لا يخلو إما أن تكون مائعة أو جامدة، فإن كانت مائعةً قد ذكرنا حكمها، وإن كانت جامدة فعلى ضربين: عين قائمة، ومتفرقة، فإن كانت عيناً قائمةً كالفأرة الميتة والعصفور الميت، ونحو هذا من العذرة والسرجين، ينظر فيه، فإن كانت يابسة فالأرض لم تنجس فتزال عن المكان، ويصلى فيه كما لو حلت ثوبا فرماها عنه، وإن كانت رطبة بقيت نداوتها في الأرض بعدما أزالها يكون مكانها من الأرض كالبول على الأرض وقد مضى حكمه، وان كانت النجاسة عيناً متفرقة فيها كأجزاء الميتة والسرجين، فلا يطهر المكان بمكاثرة الماء، وإنما يطهو بقلع المكان حتى يحيط العلم أنه لم يبق من أعيان النجاسة شيء، وإن أراد أن يصلي في هذا الموضع قبل قلع التراب لم يجز حتى يطينه بطين طاهر، فيصير حائلاً بينه وبين النجاسة، أو يفرش عليها بساطاً طاهراً، فإذا فعل هذا كره له أن يصلي على هذا الحائل، لأنه على نجاسة كالمقبرة الجديدة ويجوز، لأنه محل طاهر، وعلى هذا هذه الطرقات التي تلكها البهائم وتروث فيها، ويختلط روثها بترابها كذلك.
مسألة: قال: "وإن ضرب لبن فيه بول لم يطهر إلا مما تطهر به الأرض".
وهذا كما قال: إذا ضرب اللبن من تراب نجس فهو نجس، لا يجوز أن يصلي عليه ولا حاملاً له، وإن طبخ بالنار، فإن النار: لا تطهر شيئاً.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "يطهر بالطبخ بالنار"، حتى قال في السرجين: "إذا صار رماداً بالنار طهر"، وحكي عنه أنه قال: "لو وقع خنزير في ملاحة فصار ملحاً طهر"، واحتج بأن الاستحالة أبلغ في إزالة النجاسة من الماء، ولهذا تطهر الحمر بالاستحالة [179 ب / 2]، وهذا غلط، لأن هذا لم ينجس بالاستحالة، فلا يطهر بها بخلاف العصير، فهو ينجس بالاستحالة، إذا مار خمراً، فطهر بالاستحالة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كانت نجاسته بمائع يصير طاهراً في قول مخرج مما قال الشافعي في "الإملاء" في الحجر المستنجي به إذا أصابته الشمس وذهب أثر النجاسة يحكم بطهارته، لأن النار أبلغ في هذا المعنى من الشمس.
وكان الشيخ أبو زيد يقول: "وإن قلنا: لا يطهر بالشمس ينبغي أن يطهر بالنار، لأن النار أبلغ تأثيراً من الشمس"، وربما قالوا: فيه وجهان.
وذكروا الوجهين في السرجين إذا صار بطبع التراب، وصار رماداً بالنار، وكذا في الخنزير أو الكلب إذا صار ملحاً.
وهذا الذي اختاره أبو زيد أسهل على الناس فيضطرون إلى هذه الفتوى في كثير من البلاد وأفتى به بعض مشايخنا الذين رأيتهم، ولكنه خلاف منصوص الشافعي، وظاهر المذهب، وعلى المذهب الظاهر إذا سجر تنوراً بالرقين فعلق به دخانه، ثم لصق به الرغيف ينجس أسفله، ولو وقع في وسط التنور على الرماد نجس أيضاً.
والوجه أن يكبح التنور بشيء يابس، ثم يلصق به الرغيف، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي رضي الله

الجزء: 2 - الصفحة: 202

عنه: "يكره أن يبني باللبن النجس مسجداً ويفرش به"؛ لأن المسجد ينزه عن النجاسة، والصلاة تكره على النجاسة أو إلى النجاسة، وإن لم يلاقها المصلي، فإن بنى مسجداً وصلى في بقعة طاهرة، والجدار نجس صحت صلاته كما لو كان أمامه قبراً منبوشاً أو جيفة وإن فرش المسجد به لم تجز الصلاة عليه، فإن فرش عليه بساطاً وصلى كره، لأنه صلى على نجاسة تحت بساطه، وتجوز.
وأما ما يطهر به هذا اللبن ينظر فيه، فإن كانت النجاسة جامدة كلحوم الموتى والعذرة والسرجين.
قال في "الأم": "لا سبيل إلى طهارة هذا الحال طبخ أو لم يطبخ، ولو غسل بما، الدنيا [180 أ / 2] كالميتة".
ومن أصحابنا من قال: إذا طبخ فقد أكلت النار أجزاء النجاسة التي على وجه اللبنة، فإذا غسل بالماء ظاهرها طهر ظاهرها، ويجوز إن يصلى عليها.
وهذا صحيح، وإن كان خلاف ظاهر النص وذاك محمول على ما لو لم تحرق النار أجزا، النجاسة في ظاهرها، وبقيت عينها.
وقال كبار أصحابنا: المذهب ما ذكر في "الأم"، لأن عينها تبقى ولكنها تبدل وعند التأمل الأمر بخلافه.
وقال ابن القطان من أصحابنا: طهر بالطبخ بالنار، لأن النار تأكل السرجين، ويبقى الطين، وهذا لا يصح لأن ما نجس بمجاورته يبقى.
وروي أنه سئل الشافعي عن هذا النص، فقال: "إذا فاق الشيء اتسع"، ولم يرد الطهارة، بل أواد إباحة استعماله في غير الصلاة إذا لم يمكن التحرز منه، وإن كانت النجاسة مائعة كالخمر والبول، فإن لم يطبخ فكالأرض يبال عليها فطهارته بأن يكاثر بالماء، حتى يصير اللبن طيناً، ثم يكاثر الطين بالماء حتى تستهلك النجاسة فيه، فيطهر كله، ثم إن شاء ضربه لبناً وإن شاء تركه، ولو طبخه فغسل يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الماء يجري على ظاهره فيزول عنه حكم النجاسة، لأنه ما بقي له غير بحال، فإن أراد غسل باطنه دقه حتى يصير تراباً، ثم كاثر بالماء، فيطهر الكل.
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا صب عليه الماء وكاثره حتى خلص الماء إلى الوجه الآخر وتقاطر بالرشح طهر كما تطهر الأرض، وهذا صحيح لو تصور جريان الماء إلى الجانب الأخر حتى يحصل الغسل.
وحكي عن أبي حامد رحمه الله أنه علل، فقال: "لا يطهر، لأن النجاسة صارت جامدة، وصار اللبن حجراً لا ينشف الماء"، وفيه نظر.
مسألة: قال: "والبساط كالأرض".
الفصل وهذا كما قال: لا تصح الصلاة حتى يكون طاهراً [180 ب / 2] في ثيابه وبدنه، وأن

الجزء: 2 - الصفحة: 203

تكون البقعة التي يصلي عليها طاهرة بحيث لا يلاقي شيء من بدنه ولا ثيابه شيئاً من النجاسة سواء كان موضع القدمين أو الجبهة أو غير ذلك.
وقال أبو حنيفة: "إذا كان موضع القدمين طاهراً صحت صلاته ولا يضره نجاسة غيره"، وقال أبو يوسف ومحمد: "يجب أن يكون موضع الجبهة طاهراً أيضاً".
وقيل: هو رواية أبي حنيفة، واحتج بأن وضع الركبتين والراحتين لا يجب فوضعهما على النجاسة كلا وضع.
وهذا غلط، لأن هذا موضع المصلى عليه كموضع القدمين والجبهة سواء.
وأما ما ذكره لا يصح لأنه وإن لم يجب وضعه، ولكن وضعه على النجاسة ممنوع كما لو كان له ثوب طويل بعضه نجس لا تجوز صلاته.
فرع لو صلى على موضع طاهر من البساط وباقيه نجس تجوز صلاته سواء تحرك موضع النجاسة منه بقيامه أو قعوده، أو لم يتحرك.
وقال أبو حنيفة: "إن كان يتحرك ذلك بتحركه لا تجوز صلاته مثل أن يكون على سرير يتحرك بتحركه، أو صلى على الحصير وتحت الحمير نجاسة.
والحصير تضطرب فوقها بحركة وإن وقعت ثيابه على المكان الطاهر"، قال في "الأم": "وليس هذا كما لو لبس بعض ثوب طاهر، والبعض نجس ساقط عنه لا تجوز الصلاة"؛ لأنه منسوب إليه يقال له: لابس الثوب ويزول عن مكانه فيزول الثوب معه بخلاف هذا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي عليه وتحت صدره أو بطنه نجاسة على البساط ولا تصيبها ثيابه ولا بدنه، تصح صلاته، نص عليه، لأنه غير حامل لها ولا يماسها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا تصخ صلاته، لأنه من جملة مصلاه فطهارته شرط، وهذا ضعيف عندي.
هكذا الخلاف فيمن وضع يده في السجود على ثوب مهلهل النسج وتحته نجاسة [181 أ / 2] فوقع الالتقاء من خلل النسج بين كفه وبين النجاسة، وإن كان الثوب صفيقاً، فلا إشكال في الجواز إذا لم يكن مبتلاً يخرج بلله إلى وجه البساط.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت على رأسه عمامة وطرفها في موضع نجس لا تجوز صلاته وكذلك لو كان الطرف الساقط في نفسه نجساً، وقال أبو حنيفة: "إن كان لا يتحرك بحركته تجوز صلاته"، فنقول: هل يؤدي إلى أن تدرك النجاسة إذا قربت منه تجوز الصلاة، وإذا بعدت لا تجوز لأنها إذا قربت وأرخى إرسال العمامة لا يتحرك وإذا بعده ولم يرخ إرسالها يتحرك بتحركه، وهذا محال.

الجزء: 2 - الصفحة: 204

فَرْعٌ آخرُ لو شد كلباً بحبل وصلى وطرف الحبل معه نظر، فإن جعل طرف الحبل تحت قدمه لم تضر صلاته سواء كان الكلب صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً، وإن شد طرف الحبل في وسطه أو أمسكه بيده نظر، فإن كان الكلب ميتاً أو صغيراً يتحرك معه إذا مشى لا تصح الصلاة، وإن كان كبيراً يمشي بنفسه، فالمذهب أنه لا تصح صلاته، لأنه حامل الحبل يلاقي النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: "لا تبطل صلاته، لألا لهذا الكلب اختياراً، فهو واقف باختياره".
ومن أصحابنا من قال: "إن كان مشدوداً على موضع طاهر مثل إن لف على عنقه خرقة وشد الحبل بتلك الخرقة تجوز صلاته، وإلا فلا تجوز"، وكلا الوجهين ضعيف، لأن هذا الكلب في العادة تابع له يمشي بمشيه، فهو بمنزلة الميت.
فَرْعٌ آخرُ لو كان الحبل مشدوداً في سفينة فيها نجاسة نظر، فإن جعل الحبل تحت قدميه فلا بأس، وان أمسكه بيده أو شده في وسطه نظر، فإن كانت مغيرة تحرك معه كيف مشى لا تصح صلاته سواء كان طرف الحبل مشدوداً في موضع منها لا تصيبه النجاسة، أو كان مشدوداً في النجاسة، وان كانت السفينة كبيرة لا تتحرك معه إذا مشى نظر، فإن كان طرف الحبل ملاقياً للنجاسة لا تجور صلاته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: "فيه وجه أخر أنه تجوز صلاته، لأنه ليس من لباسه"، [181 ب / 2] وهذا غلط ظاهر، وإن كان مشدوداً في موضع طاهر منها، فالمذهب أنه تجوز صلاته، لأن السفينة ليست تابعة له، فإنها لا تزول بزواله، فلا يكون حاملاً للنجاسة.
ومن أصحابنا من غلط وقال: "لا تجوز لأنها منسوبة إليه ومتصلة به"، وأطلق صاحب "الإفصاح"، فقال: فيه وجهان.
وما ذكره أولى.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى وفي كمه حيوان طاهر تجوز صلاته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حمل أمامة في صلاته"، فإن قيل: أليس لا يخلو بطنه عن النجاسة، فيكون حاملاً للنجاسة؟ قلنا: تلك النجاسة في معدنها فلا يمنع جوازها.
فَرْعٌ آخرُ لو كان مذبوحاً، فغسل موضع الدم منه وحمله في الصلاة لا يجوز، لأنه لا حكم لباطن الحيوان في النجاسة والطهارة ما دام حياً، فإذا زالت الحياة يعتبر حكمها، وتصير بمنزلة القارورة إذا جعلت فيها نجاسة وسد رأسها برصاص أو شمع، وملى معها لا تجوز صلاته.
وحكي عن ابن أبي هريرة أنه حضر في مجلس ما لزم عليه هذه المسألة، فارتكب، وقال.
تجوز صلاته، وهدا غلط، لأن هذه النجاسة في غير معدنها.

الجزء: 2 - الصفحة: 205

ورأيت بعض أصحابنا أطلق وقال: في المسألة وجهان.
وقال في اللبن: إذا طهر ظاهره دون باطنه فحمله في صلاته، هل تجوز صلاته؟ والصواب ما ذكرنا، ومثل هذا الارتكاب لا يحتمل التخريج عليه.
مسألة: قال: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد".
الفضل وهذا كما قال: الأحداث على ثلاثة أضرب: حدث يمنع الصلاة دون القراءة والجماع، وهو الحدث الأصغر، فلا يمنع الاجتياز في المسجد ولا اللبث فيه.
وحدث يمنع الصلاة والقراءة دون الجماع، وهو الجنابة، فهذا الجنب إذا أراد الاجتياز في المسجد نظر، فإن كان لغرض كطلبه إنساناً في المسجد والعبور فيه لقرب الطريق، فهذا مباح، وان كان لغير غرض، فينبغي أن لا يفع، فإن فعل لم يكن فيه كبير كراهة.
ومن أصحابنا من سوى [182 أ / 2] بين وجود الغرض وعدمه، وأما اللبث فيه فممنوع بكل حال، وان أجنبه، وهو فيه خرج منه من غير لبث فيه، وبه قال سعيه بن المسيب والحسن وعطاء رحمهم الله تعالى، وقال مالك وأبو حنيفة: "لا يجوز له العبور فيه".
وقال أحمد وإسحق: "إذا توضأ جاز له اللبث فيه"، وقال داود والمزني: "يجوز له اللبث فيه، وإن لم يتوضأ"، واختاره ابن المنذر وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43].
قال الشافعي: لا تقربوا مكان الصلاة، وهو المسجد، كما قال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40].
وأراد مواضع الصلاة.
وقوله: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا أن تجتازوا.
وروي عن جابر رضي الله عنه، قال: كان أحدنا يمر في المسجد، وهو جنب مجتازاً، ولا يفعلون مثل هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذنه، ولأنه يجوز المبيت في المسجد فلو لم يجز العبور فيه جنباً، لم يجز ذلك، لأن النوم فيه يؤدي إلى هذا، وقد قال أبو حنيفة: "إذا احتلم فيه يخرج مجتازاً".
وقال الثوري "يتيمم، ثم يخرج".
ويحكى عن أبي حنيفة أيضا هذا، واحتج أيضا بما روى زيد بن أسلم، قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل المجد، فيتحدث".
قلنا: يحمل على أنه كان يتحدث مجتازاً أو نسخ ذلك.
وحدث يمنع الصلاة والقراءة والجماع أيضا، وهو الحيض والنفاس، فينظر فيها،

الجزء: 2 - الصفحة: 206

فإن كانت لا تأمن تلويث المسجد ويخاف أن يقطر الدم منها فيه يكره لها العبور فيه، كما قلنا في المستحاضة، ومن به سلس البول [182 ب / 2] إذا كان لا يأمن ذلك ولهذا قلنا: يمنع الصبيان والمجانين والسكران من المسجد لئلا يؤدي إلى هذا، فإن كان واحد من هؤلاء لا يحبس البول متى جاءه، والسكران ربما يتقيأ فيه، وهذه الكراهة كراهة تحريم.
وقال أنس: يا رسول انه تخرج الحائض الخمرة من المسجد؟ قال: "نعم، وتمر إن كان طريقها فيه"، وقيل: إنها كراهة تنزيه.
والأول، وان أمنت تلويث المسجد بأن تلجمت واستوثبت، هل يكره لها العبور؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكره كالجنب، لأنه حدث يزول بالغسل كالجنابة.
وقول الشافعي: "وأكره ممر الحائض"، أراد إذا كانت لا تأمن تلويثه.
ومن أصحابنا من قال: يكره لها العبور بكل حال لظاهر لفظ الشافعي، ولأن الحيض أغلظ حكماً، لأنه يمنع الجماع دون الجنابة، وهذا ضعيف، لأنهما استويا في المزيل كالبول والدم سواء، وأما الذي على بدنه نجاسة، ولا يخاف منها تلويث المسجد، فله دخوله والمقام فيه.
فرع لو احتلم في المسجد يخرج، فإن خاف العسس يتيمم بتراب غير تراب المسجد، فإن لم يجد إلا تواب المسجد لا يتيمم به كما لو وجد تراباً مملوكاً للغير، ولكنه لو تيمم به جاز.
فَرْعٌ آخرُ لو كان له بابان، فأراد أن يخرج من الأبعد، فإن كان لغرض جاز، وإن لم يكن لغرض فيه وجهان، هل يكره أم لا؟.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يقعد في المسجد لا لغرض صحيح يكره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى"، وان كان لمذاكرة العلم أو لاستماع الوعظ والعلم لا يكره.
مسألة: قال: "ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام".
وهذا كما قال: المشرك لا يدخل الحرم بحال [183 أ / 2] لا بالإذن ولا بغير الإذن، وأراد بالمسجد الحرام جميع الحرم حتى قال الشافعي: "ويخرج الإمام منه إلى الرسل"، أي: لا يأذن للرسل في دخول الحرم ومسجده أيضاء واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم

الجزء: 2 - الصفحة: 207

الفتح: "ومن دخل المسجد فهو آمن.
وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (التوبة: 28]، والآية بعد سنة تسع من الهجرة وفيها نزلت سورة برا، ة. وأما ما ذكر صار منسوخاً بهذه الآية.
وأما غير الحرم، فلا بأس أن يدخل فيما يجوز للمسلم أن يدخل فيه من المساجد وغيرها، ويجوز أن يبيت فيه لما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي ربط على سارية المجد بأمر وسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من المشركين في المسجد، وهم وفد ثقيف.
قال أصحابنا: ولا يجوز لهم ذلك من دون إذن المسلم.
ورواه بعض أصحابنا بالعراق عن الشافعي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى إذن المسلم؟ وجهان، والظاهر أنه لا يحتاج إليه، وبه قال أبو يعقوب الأبنوردي، هل يجوز للمشرك المقام في المسجد قولان.
قال: وقد قيل هذا على حالين، فإن كان بإذن المسلم رجاء إن ينزجر عن كفره بسماع القرآن ومشاهدة الصلوات جاز، وإلا فلا يجوز لاستخفافه بالمسجد.
وقال مالك رحمه الله: "لا يجوز لهم دخول المسجد أصلاً، وان كان بالإذن قياساً على المسجد الحرام"، وهذا غلط، لأن للمسجد الحرام من الاختصاص بالطواف والمناسك وتحريم قتل الصيد ما ليس لغيره.
وقال أحمد رحمه الله: "ولا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان: أحدهما: لا يجوز.
والثانية: يجوز بالإذن".
ثم قال المزني رحمه الله: "إذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى"، لأنه ربما تكون حائضاً، أو جنباً مع المشرك، فمن أصحابنا من قال: استدل المزني لجواز مقام الجنب فيه بمقام المشرك فيه.
قلنا: من أصحابنا دن قال: نحن إنما [183 ب / 2] نبيح للمشرك والمشركة دخول المسجد إذا لم نعلم منهما جنابة، فإن علمنا، فلا يجوز التمكن من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يبيح له بكل حال، وهو الظاهر.
والفرق أن المشرك غير معتقد تعظيم حرمة المساجد، والمسلم معتقد تعظيم حرمتها، فطولب بموجب اعتقاده.
وهذا يمنع الملم من قراءة القرآن جنباً، لأنه يعتقا تعظيمه، والكافر لو تعلم القرآن وجعل يقرأه، وهو جنب لا يمنع منه ذكره ابن سريج.
وفي هذا الاستشهاد نظر عندي.
ومن أصحابنا من قال: مذهب المزني أنه لا يقيم فيه المشرك وأراد بهذا الكلام

الجزء: 2 - الصفحة: 208

الإنكار على الشافعي وهو أنه إذا لم يقم فيه الجنب المسلم ولا يبيت، فالمشرك أولى، وهذا بعيد.
فرع إدخال النجاسة في المسجد لا يجوز، لأنه مكان الصلاة، وإدخال الصبيان والمجانين يكره فيه للخبر، وإدخال البهائم فيه يكره، لأنه لا يؤمن تلويثه، ولكنه لا يحرم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "طاف راكباً".
مسألة: قال: "والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار".
الفصل وهذا كما قال: ذكر الشافعي الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، والأصل فيه: ط روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيه، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها وصلوا، فإنها جن من جني خلقت ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها".
والأعطان في اللغة: مواضع قريب الماء تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غير الشاربة لا مبيتها بالليل.
ومراح الغنم: موضع مأواها ليلاً.
وجملته: أنه إن كان العطن والمراح نجسين بأبعارها وأبوالها، لا تجوز الصلاة فيها، وإن كانا طاهرين لا بول فيهما ولا بعر، فإن صلى فيهما، فالصلاة صحيحة، ولكن السنة قضت بأنها مكروه في أعطان الإبل غير مكروهٍ في المراح، وليس الفرق بينهما للطهارة والنجاسة، وإنما الفرق لما قال الشافعي في "الأم"، [184 أ / 2] وهو أنه كره الصلاة بالقرب من الإبل، لأجل أنه مأوى الشياطين والجن كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنها جن"، فهو كما تكوه الصلاة في الحمام والحش وان كان في موضع طاهر منهما.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ناموا عن الصلاة: "اخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطاناً".
قال الشافعي: "فأمرهم بالخروج من ذلك الوادي كراهة قرب الشيطان، فلذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل كراهية الإبل المخلوقة من الجن"، وهو معنى قوله: (فكره قربه لا لنجاسة إبل ولا موضع فيه شيطان)، ثم استدل على جواز الصلاة بقرب الشيطان، فقال: وقد مر "برسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيطان فخنقه" ولم يفسد صلاته.
وتمام هذا الخبر ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لقد مر بي البارحة عفريت ليفسد علي صلاتي، فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أناملي،

الجزء: 2 - الصفحة: 209

فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد لتلعب به صبيان المدينة فتذكرت قول أخي سليمان عليه السلام: {} [ص: 35]، فرددته خاسئاً"، فدل على أن قرب الشيطان لا يفسد الصلاة، وهذا المعنى لا يوجد في القرب من الغنم لأن فيها سكينة وبركة، وقيل: إنها من دواب الجنة، فلهذا لا تكوه الصلاة في القرب من الغنم ومراحها.
والفرق الثاني ذكره الشافعي: أن أعطان الإبل في العادة أوسخ مكان يكون في الأرض، فإن بطلت لها الدبغ من الأرض، فإنها لا تملح إلا بذلك فتكره الصلاة فيه، لأنه مكان وسخ.
وأما مراح الغنم أنظف موضع وأطيب تربة، وتطلب لها ما استعلت أرضه واستدار من مهب الشمال موضعه، فلم تكره الصلاة فيه.
ومن أصحابنا من فرق بأن الصلاة بالقرب من الإبل تسقط الخشوع، لأنه لا يأمن على نفسه من نفورها والخوف على نفسه منها، ويكره له ما يسقط الخشوع، ولهذا لا يصلي عند مدافعة الأخبثين ونحو ذلك.
[184 ب / 2] وفي الغنم يأمن على نفسه لما فيه من البركة والسكينة، فلم يكره.
وقال بعض أصحابنا: هذا الذي ذكره الشافعي في العطن والمراح ترجيح لقول من يقول لجواز الصلاة، وعلى الثوب طين الطريق إذ الغالب من العطن والمراح أنهما لا يخلوان من النجاسةء وان قلت: غير أن البناء على أمل الطهارة، وليس الغالب نجاسة جميع العطن.
وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة في أعطان الإبل، وإن كان المكان طاهراً، ويجوز في مراح الغنم، وإن كان فيه بول وبعر" بنا، على أصله، أنه طاهر، واعتمد على النهي والإباحة في الخبر، وإياه قصد الشافعي بتطويل هذا الفصل.
وقيل: العطن هو الموضع الذي تناخ الإبل فيه الصيف إذا شربت في المرة الأولى ليملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه هذه الشربة الثانية تسمى العطل.

باب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع

قال: "أخبرنا مالك.
. . ."، وذكر الخبر، وهذا كما قال: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، خمسة: وقتان: منهي عنها فيهما لأجل الفعل بعد فعل الصبح حتى يبتدئ طلوع الشمس، وبعد فعل العصر حتى تصفر الشمس، وقيل: حتى تبتدئ الشمس بالغروب ذكره القاضي الطبري.
وقيل: حتى تغرب الشمس، ذكره أبو حامد، وما ذكرنا أصح وهو معنى هذا أن من لم يصل بعد صلاة الوقت في هذين الوقتين غير منهي عن الصلاة فيهما، فلو أخر الصبح عن وقته لا يكره قبله النافلة، وإذا صلى يكره حينئذ، وكذا لو

الجزء: 2 - الصفحة: 210

أخر العصر لم يكره النفل قبلها إلى قبل اصفرار الشمس، ولو صلى في أول وقتها يكره النفل بعدها، وإن كان قبل الاصفرار وذلك الفعل لا لعين الوقت.
وثلاثة أوقات منهي عنها فيها لأجل الوقت حين تأخذ في الطلوع حتى تطلع [185 أ / 2] وترتفع قيد رمح.
والثاني: حين يستوي الزوال حتى يزول وحين تأخذ في الغروب تغرب.
وقال بعض أصحابنا: يكره أن يصلي بعد ركعتي الفجر غير ركعتي الفجر لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ليبلغ الشاهد الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يصلى بعد الفجر غيرهما"، فتصير الأوقات المنهية على هذا القول ستة، وظاهر المذهب أنه لا يكره ذلك، والقائم به، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه إلا بعد صلاة الصبح حتى تطله الشمس.
هكذا ذكره مشايخ خراسان.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: "ظاهر المذهب الكراهة".
وروي ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب والنخعي.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: "لا تكره".
وقد روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر"، ومن أصحابنا من قال: جملته ثلاثة أوقات بعد طلوع الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند استواء الشمس حتى تزول إلا إن قيل: أن تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب يتعلق النهي بفعل صلاة الصبح والعصر، فلو لم يصل لم يحصل النهي حتى تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب، والذي قاله هذا أحسن.
وقيل: إنما نهى عن الصلاة بعد الصبح ليكون أقوى لهم على صلاة الضحى، وبعد العصر ليكون أقوى لهم على صلاة الليل، وعند نصف النهار لأجل النافلة والاستراحة.
وقيل: إنه كان يجلس في هذه الأوقات ليعلمهم دينهم ويتلوا الوحي عليهم، فكانوا ينقطعون عنها بالصلاة فنهاهم عند قيام الظهيرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قيلوا فمان الشيطان لا يقيل".
[185 ب / 2] فإذا تقرر هذا، فإطلاق النهي يقتضي كل صلاة في كل مكان، وفي كل زمان.
وليس النهي على ظاهره، بل أراد به الخصوص في صلاة دون صلاة، وفي مكان دون مكان وفي زمان دون زمان.
فأما الصلاة: فالنهي يتناول إنشاء نافلةٍ لا سبب لها، وهو أن يشرع بنافلة لا عادة له

الجزء: 2 - الصفحة: 211

بها، فأما كل صلاة لها سبب، فله فعلها في هذه الأوقات كلها من ذلك الفوائت، وصلاة النذور والجنائز وصلاة الخسوف والعيدين قضاء.
ومن أدرك جماعة وكان قد صلاها، والنوافل الراتبة كالوتر وركعتي الفجر وغير ذلك من النوافل الراتبة مع الفرائض وسجود التلاوة والشكر.
وأما تحية المسجد، ينظر فإن دخل المسجد في هذه الأوقات لغرض له مثل العبور فيه أو لينام فيه، أو يقرأ أو يكتب علماً أو يجلس فيه لحاجة دين أو دنيا، فالسنة أن يصلي ركعتي التحية، وإن كان دخوله لغير غرض، فيه وجهان أحدهما: لا يصليها، لأنه يفضي إلى أن يتحرى النافلة في هذه الأوقات، وهو الأقيس.
والثاني: له أن يصليها، لأن سببها موجود، وهو دخول المسجد.
وحكي عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا: أنه لا تجوز تحية المسجد مطلقاً، وقيل: هل يجوز قصد دخول المسجد للتحية؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأن بعد الدخول قد وجا السبب.
والثاني: لا يجوز القصد إلى إحداث سببها كما لا يجوز القصد إلى الصلاة فيه.
وأما ركعتا الإحرام، لا يجوز في الوقت المنهي لأن سببه متأخر عنها لا يتقدم عليها، فهو كصلاة لا سبب لها.
فنقول له: أخر الإحرام وركعتيه.
وذكر بعض أصحابنا: أنه يجوز ذلك في الوقت المنهي لأنها صلاة لها سبب ذكره القاضي البندنيجي، وهو غلط، وإن ذكر في هذه الأوقات صلاة كانت ورده وعادته في وقت كمن عادته أن يصلي الضحى ركعتين أو يسجد في [186 أ / 2] كل ليلة قدراً راتباً، فالحكم في سائر الناس مبني على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها.
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "شغل عن ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فذكرهما بعد العصر، فصلاهما في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وثبت أنه داوم على قضائهما بعد العصر قالت عائشة رضي الله عنها: "ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً إلا وصلى تلك الركعتين".
وأما غيره من الناس إذا ذكرها في هذه الأوقات قضاها فيها قولاً واحداً.
وذكر بعض أصحابنا: فيه وجهاً آخر أنه لا يقضي فيها وليس بشيء.
وأما المداومة على القضاء في هذا الوقت كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل ذلك سبباً في فعل مثلها، هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: وهو الأصح، لا يجوز له أن يداوم عليها، لأن التكرار ليس بسبب،

الجزء: 2 - الصفحة: 212

ويفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان ألزم نفسه أن لا ينسى صلاة، فيذكرها في وقت إلا قضاها فيه، ولا يوجد هذا المعنى في غيره.
وروي أن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: أفنقضيها نحن إذا فاتتنا؟، فقال: "لا".
وروي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يرى هذا النهي عاماً، فقيل له: أليس قد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سلمة؟ فقال: "إنه فعل ما أمر ونحن نفعل ما نؤمر".
وتأويل هذا أنه لا يجوز لنا أن نجعله عادة ويجوز له، ولو نذر أن يصلي في الوقت المنهي عنه.
فالصحيح أنه لا ينعقد نذره، وفيه وجه آخر.
وأما المكان، فالنهي يتناول كل البلدان إلا مكة، فالطواف وركعتا الطواف تجوز في هذه الأوقات كلها قولاً واحداً.
وان أراد أن ينشئ نافلة يتبرع بها من غير سبب فيها، فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالطواف وركعتيه، ولا فرق بين مسجدها وبيوتها في ذلك.
وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي ذر رضي الله عنه [186 ب / 2]: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، إلا بمكة إلا بمكة "ثلاثاً"، ولأن هذا التفضيل للمسجد الحرام على سائر البقاع، وتخصيصها بحراسة الله تعالى لها من أن يتخطفها شيطان.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكل الله عز وجل بأطراف الحرم ستين ألفاً من الملائكة يحرسونه من الشياطين".
وهذا اختيار جماعة من أصحابنا.
وهو المذهب.
والثاني: لا يجوز ذلك لأنا جق زنا الطواف وركعتيه لئلا ينقطع الطواف، وهذا معدوم في غيرها من النوافل.
ولا يجوز في البيوت، لأن للمسجد حرمة زائدة.
وهذا اختيار ابن سريج.
وأما الزمان، فالنهي يتناول كل الأيام إلا يوم الجمعة.
وفيه ثلاث مسائل: إحداها: من بكر للجمعة وجلس ينتظر الصلاة والخطبة، فله التنفل إذا استوت الشمس للزوال حتى كيف شاء، لأنه مخصوص بالاستثناء.
والثانية: الأوقات الأربعة في يوم الجمعة كما في سائر الأيام، لأن الاستثناء كان في نصف النهار.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: وجهاً أنه لا نهي يوم الجمعة أملأ عن الصلوات لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة"، وأشار إليه صاحبه "الإفصاح"، وهو ضعيف.
والثالثة: من تخلف عن الجمعة لعذر أو غير عذر، هل له أن يتنفل إذا استوت

الجزء: 2 - الصفحة: 213

الشمس للزوال؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، لأن الاستثناء لم يخص قوماً دون قوم.
والثاني: وهو المذهب ليس له ذلكء لأن المعنى في الرخصة أن الناس ندبوا إلى التبكير إلى الجمعة وإيصال الصلاة، فلو أخذوا بأن يرقبوا حين الاستواء لشق ذلك عليهم، ولعله يخفى على أكثرهم، ويؤدي مراعاة ذلك إلى تخطي رقاب الناس، وذلك مكروه ولا وجه لأن يقال بترك الصلاة قبله، لأنه إذا لم يصل ربما ينامء فينتقض وضوءه، ثم يشق عليه وعلى الناس الخروج للطهارة، وهذا المعنى معدوم فيمن ليس في الجامع، فلهذا لا يتنفل في هذا الوقت.
وقال أبو حنيفة: "النهي عام في جميع الأزمان، [187 أ / 2] وجميع البلاد، وجميع الصلوات إلا عصر يومه عند اصفرار الشمس، فإن الوقتين المتعلقين بالفعل سلم جواز قضاء الفوائت، ولم يجوز الصلاة المنذورة، ولا ركعتي الطواف".
وقال ابن المنذر: "لا تكره الصلاة إلا بعد العصر حتى تصغر الشمس"، لأنه روي عن علي رضي الله عنه أنه "دخل فسطاطه فصلى ركعتين بعد العصر".
وروي ذلك عن الزبير وابنه والنعمان ابن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة وتميم الداري رضي الله عنهم.
وقال داود: "يجوز فعل النافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع أيضاً".
وقال مالك رحمه الله: "يقضي الفرائض في الأوقات المنهي عنها، ولا يصلي فيها النوافل أصلاً".
وبه قال أحمد إلا أنه أجاز فيها ركعتي الطواف وصلاة الجنازة مع إمام الحي.
وقال أحمد: "لا يجوز وقت الزوال يوم الجمعة".
واعلم أن الشافعي رحمه الله أورد في هذا الباب أخباراً عاقة في النهي، وأخباراً عامة في الإباحة، وأخباراً فيها تفصيل، فبدأ بما يدل على النهي عاماً، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
قال: وعن أبي ذر رضي الله عنه مثل ذلك.
وأخل المزني بالنقل؟ لأنه نقل لفظ أبي ذر في خبر أبي هريرة رضي الله عنه بأن أبا هريرة روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس".
وروى أبو ذر رضي الله عنه ما ذكرنا وزاد فيه: "إلا بمكة" على ما ذكرنا، فكان من حق المزني إذا أراد الاختصار أن ينقل خبر أبي هريرة بلفظه، ثم يقول، وعن أبي ذر مثل ذلك، أو يقول: خبر أبي ذر بلفظه، ثم يقول: وعن أبي هريرة مثل ذلك، ثم روى عن الصنابحي، وهو عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن

الجزء: 2 - الصفحة: 214

الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت فارقها، [187 ب / 2] فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها"، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة هي تلك الأوقات.
واختلف العلماء في تأويل هذا اللفظ، فقال بعض أصحابنا: معنى (قرن الشيطان)، أي: ناصية الشيطان أو رأسه.
وذلك أنه يقارن الشمس في هذه الأوقات الثلاثة، لأن الذين يعبدون الشمس من الناس يجدون لها في هذه الأوقات الثلاثة فيحيونها حالة الطلوع، لأنها حالة ظهورها، وعند الاستواء، لأنه أكمل أحوالها، وعنه الغروب يودعونها، فالشيطان يقارن الشمس فيرى أن هؤلاء إنما يجدون له.
وقيل: أراد القرن القوم، يقال: قرن نوح وقرن كذا بمعنى القوم والحزب، فمعناه تطلع بين قرني الشيطان، وهو من جماعته الأولين، وجماعته الآخرين، فكأنه جعل عبدة الشمس قوم الشيطان وحزبه، لأنه أغراهم واستزلهم بالسجود في هذه الأوقات، ولم يرد أنهم مع الشيطان، فنهى عن الصلاة في هذه الساعات لئلا يتشبهوا بهؤلاء.
وقيل: أراد بين قرني رأسه، أي: ناحيته، لأن لكل رأس قرنين، أي: ناحيتين، وسمي: ذا القرنين، لأنه ضرب على جانبي رأسه.
وقيل معناه: أن الشيطان مقارن لها.
وقال إبراهيم الحربي: "معناه أن ذلك الوقت حين يتحرك الشيطان وينشط، فيكون كالمعين لهم" ونظيره ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الشيطان يجري من ابن أدم مجرى الدم"، أي: يغويه على المعاصي، وقيل: قرن الشيطان، أي: حزب الشيطان من الإنس الذين يعبدون الشمس في هذه الأوقات كالمجوس.
وقيل: حزب الشيطان من الجن الذين يصرفهم في أعماله وينهضهم في مرضاته في هذه الأوقات.
وقيل: القرن، عبارة عن الارتفاع، فيرتفع الشيطان إلى الشمس في هذه الأوقات، وقيل: قرن الشيطان قوته، [188 أ / 2] فيقوي التسويل لعبدة الشمس حتى يسجدوا لها.
وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أوقات أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا إذا طلعت الشمس حتى ترتفع بازغة، وإذا استوت في كبد السماء حتى تزول، وإذا تضيقت الغروب حتى تغرب"، يعني: مالت.
وهذا لم ينقله المزني.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون أرضاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصلاتين: صلاة الصبح، وصلاة العصر"، ولم ينقله المزني أيضاً.
ثم روى خبر أبي سعيد الخدري

الجزء: 2 - الصفحة: 215

رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة"، وهذا خبر التفصيل.
وروى جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئاً، فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"، أراد طاف وصلى ركعتي الطواف.
وقيل: أراد جميع الصلوات، وهو أصح، ثم ذكر الصلوات التي لها سبب، وأورد الخبر العام في الإباحة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، وتمام الخبر، "فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره".
يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، أي: إذا ذكرتها.
ثم أورد خبر التفصيل، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قيس بن فهد يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس"؟ فقال: لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الركعتان، فسكت.
وروي خبر أم سلمة رضي الله عنها، وتمام الخبر ما روي عن أم سلمة، قالت: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر، فقام يصلي، فقلت لجارية لنا في البيت: قومي إلى جنب [188 ب / 2] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولي له: ألست نهيتنا عن هذه الصلاة، فإن أشار إليك أن استأخري، فاستأخري، فقامت، وقالت ذلك، فأشار إليها، فاستأخرت، فلما صلى ركعتين سلم، ثم نادها، فقال لي: "يا هنتاه ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما وفد بني تميم".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس إلا بركعتين".
وروي أنه قال لرجلين في مسجد الخيف: "إذا جئتما فصليا وان كنتما قد صليتما"، ثم بين الشافعي رحمه الله المبب في قضاء الصلاة التي أغفلها، فقال: وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قل"، ثم قال: "فأحب فضل الدوام"، أي: فأحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضا، هذه الصلاة حيازة فضل الدوام على العمل وقرأ: "فأحب فضل الدوام".

الجزء: 2 - الصفحة: 216

قال الشافعي: "أحب ذلك".
ثم قال الشافعي: "وصلى الناس على جنائزهم"، يريد بالناس أهل الحرمين من الصحابة والتابعين صلوا على جنائزهم بعد العصر وبعد الصبح، فدل أن النهي على الخصوص، ثم قال: "وليس من هذه الأخبار شيء مختلف على ما رتبنا لا يختلف ذلك"، ثم إذ المزني رحمه الله اعترض على الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع، فقال: "وهذا خلاف قوله فيمن نسي ركعتي الفجر حتى صلى الظهر والوتر حتى صلى الصبح أنه لا يعيد"، وأراد به أن قول الشافعي ههنا في قضاء صلاة فرض أو جنازة، وغير ذلك خلاف ما قال في موضع: "لا يقضي ركعتي الفجر بعدما صلى الظهر ولا الوتر بعدما صلى الصبح".
ثم قال: "والذي قبل هذا أولى بقوله وأشبه عندي بأصله"، أراد ما نص عليه في هذا الباب من قضاء هذه الصلوات في هذه الأوقات، ويريد بأصله المسألة التي حكاها ههنا، وهي قوله: قال الشافعي: "من ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى"، ولم يفصل في قوله: (ثم قضى) من صلاة، [189 أ / 2] وصلاة، فينبغي إذا ذكر ركعتي الفجر، وهو في صلاة الظهر أتم صلاة الظهر ثم قضى ركعتي الفجر، ثم بعد هذا أطنب المزني الكلام في الاعتراض حتى قال الشيخ أبو زيا المروزي رحمه الله يقول: ليته اختصر من كلام نفه كما اختصر من كلام الشافعي، فحكى عن أصحابنا عن الشافعي أنه كان يقول: "التطوع قسمان: أحدهما: صلاته جماعة مؤكدة، ولا أجيز بتركها لمن قدر عليها"، وهي خمس صلوات على ما ذكرنا أكدت بالجماعة فيها.
وصلاة منفرد، وهو القسم الثاني، وبعضها أوكد من بعض، فأوكد ذلك الوتر ويشبه أن يكون صلاة التهجد، أي: يثب أن يكون الوتر هي صلاة التهجد التي أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79].
وخرج الشافعي بهذا في "الأم".
وقال الشافعي في "جامعه الكبير": "ويشبه أن تكون هي صلاة التهجد.
وقيل: صلاة التهجد غير الوتر"، وهي صلاة يصليها الرجل في الليل ورداً له، وأصل التهجد في اللسان من الأضداد، ويقال: تهجدت إذا نمت وتهجدت إذا سهرت.
وقول الشافعي: "ويشبه أن تكون صلاة التهجد"، أي: ويشبه أن يكون الذي يتبع الوتر في التأكيد صلاة التهجد، ولأن الوتر يشترك فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصاً بالتهجد لقوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، وهذا خلاف نص الشافعي، ومن قال بالأول أجاب أن قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: زيادة لك وفضيلة، لأن بنوافل غيره تجبر الفرائض.
وفرائضه معصومة من النقصان، فتبقى له سائر الصلوات زيادة، والمراد به الوتر، وكان واجباً

الجزء: 2 - الصفحة: 217

على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتهجد: اسم الصلاة بعد الهجود، وهو النومء والمستحب أن يصلي الوتر في آخر صلوات الليل.
قال: "ثم ركعتا الفجر".
الفصل إلى أن [189 ب / 2] قال: "وقالوا، أي: وقال أصحابنا: إن فاتته الوتر حتى يصلي الصبح لم تقض".
الفصل وهذا لا يليق بما ذكروا من تأكيد أمر الوتر وركعتي الفجر، ثم أيد ذلك بإعادة ما قال الشافعي في جواز قضاء الفرض والصلوات التي لها سبب في الأوقات المنهية، واستدلالاً له بالأخبار، فأعاد المزني كل ذلك على وجهه، ثم هال في آخره: "يقال لهم، أي: لأصحابنا: فإذا استويتم في القضاء بين التطوع الذي ليس بأوكد وبين الفرض لدوام التطوع الذي ليس بأوكد، أي: جعلتم السبب فيه الدوام على العمل، فلم أبيتم قضاء الوتر الذي هو أوكد؟ ثم ركعتي الفجر، وهما أوكد من الكل"، ثم قال: "أفتقضون الذي ليس بأوكد، ولا تقضون الذي هو أوكد؟ وهذا من القول غير مشكل"، أي: خطأه وضعفه.
ثم أيد ذلك بقوله: ومن احتجاجكم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، فقد خالفتم في ذلك قضاء الوتر وركعتي الفجر، ثم لزم نفسه سؤالاً، فقال: "فإن قيل القضاء على القرب"، أي: قضاء النوافل، إنما يكون على القرب من وقتها لا على البعد أبطلنا هذا بأنه لو صح هذا لما قضى ركعتا الفجر نصف النهار لبعد قضائها من طلوع الفجر، وأنتم تقولون: يقضي ما لم يصل الظهر وينبغي إذا صلى الصبح عند الفجر أن يقضي الوتر، لأن وقتها إلى الفجر أقرب، ثم قال: "وفي ذلك إبطال ما أعللتم به من القرب والبعد"، وقيل: كل موضع يقول المزني: قال بعض الناس: يريد به أبا حنيفة، وإذا قال: قال أصحابنا: يريد مالكاً، ثم اعلم إن أجابوا عما ذكر المزني، فقالوا: الصلاة على ضربين: فرض ونفل.
وما عدا الفرض، هو النفل، وهو على ضربين: ضرب سق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وضرب لم يسن رسول الله شر، وإنما يصلي الأنفال عن تلقاء نفسه [190 أ / 2]، فأما التطوع الذي سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته ضربان: ضرب سنت له الجماعةء وهو خمسة: العيدان والخوفان والاستقاء.
وضرب لم يسن له الجماعة، وهو الوتر وركعتا الفجر وغيرهما، وكل واحد من هذين الضربين بعضه أوكد من بعض.
وأما ما سن له الجماعة، فهو أوكد من سائر السنن، لأنه يشبه الفرائض للاشتراك في الجماعة، والمذهب أن جميعها سنة مؤكدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 218

وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: أن كلها فرض على الكفاية لقوة سببها، وظهور شرائع الإسلام بها، فعلى هذا يستوي حكم جميعها في الفضل وليس بعضها أوكد من بعض.
والثاني: ما ذكرنا فعلى المذهب فيها وجهان: أحدهما: في الفضل سواء لاستواء أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها وفعله لها.
والثاني: وهو الأظهر أن بعضها أوكد من بعض، فأوكدها صلاة العيدين، لأنها صلاة راتبة سنت لها الجماعة في وقت معلوم لا لعارض، فهي كالفرائض، ثم بعد صلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تركها قط، وهي أكثر عملاً، فإنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، ولأن الله تعالى ذكر الخسوف والكسوف، وذكر عقبيهما السجود، ولم يذكر ذلك في شيء من الآيات، ولأنها عبادة محضة، لا يخالطها شي،.
وقال في "الحاوي": "ثم صلاة كسوف القمر، ثم صلاة خسوف الشمس، ثم صلاة الاستسقاء" التي هي عبادة.
ومسألة، فهي بعد الكل.
وأما ما لم تسن له الجماعة: فالوتر وركعتا الفجر آكد من غيرهما، وفي الوتر وركعتي الفجر أنهما آكد، قولان.
قال في "القديم": "ركعتا الفجر آكد"، وبه قال أحمد.
وقال في كتبه الجديدة: "الوتر آكد"، وبه قال مالك: وجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوتر: "إن الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء والفجر".
ومعلوم أن حمر النعم بعض الدنيا وما فيها.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [190 ب / 2]- صلى الله عليه وسلم - "ما ترك ركعتي الفجر في سفر ولا حضر".
وقالت أيضاً: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح".
وقالت أيضاً: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرع إلى شيء منه إلى ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة ينتهزها".
وقالت أيضاً: "صلوا ركعتي

الجزء: 2 - الصفحة: 219

الفجر ولو طردتكم الخيل"، لأن ركعتي الفجر تحصر بعدد لا يزيد ولا ينقص، فتشبه فريضة الصبح بخلاف الوتر.
ووجه القول الجديد، وهو الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يوتر فليس منا".
وروى أبو سعيد الخدري رضي لله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي الوتر أو نام عنه، فليصله إذا ذكر أو أصبح"، لان الناس اختلفوا في وجوب الوتر، ولم يختلفوا أن ركعتي الفجر سنة، ولان الشافعي رضي الله عنه، قال: "ويشبه أن يكون الوتر صلاة التهجد"، فإذا قلنا بالأول، فاولاً ركعتا الغجر، ثم ما عداهما، وإذا قلنا بالقول الثاني، فيه وجهان: أحدهما: الوتر ثم ركعتا الفجر، ثم ما عداهما.
والثاني: الوتر ثم صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ذكره أبو إسحق، وهذا لأن قيام الليل كان نائباً عن الفرائض، وورد به القرآن، وهذا غير صحيح لما ذكرنا أن صلاة التهجد هي: الوتر ولهذا قال الشافعي: "من ترك واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل".
وأراد به: الفجر وركعتي الوتر، فدل أنه لا ثالث بينهما، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم القضاء، فالصلوات على ثلاثة أضرب: صلاة تؤدى وتقضى، وهي الصلوات الخمس تؤدى في الوقت وتقضى في خارج الوقت، وصلاة تؤدى ولا تقضى بعد فوات وقتها، وهي كل صلاة تفعل لعارض، وهي صلاة الخوف والكسوف والاستقاء، وصلاة الجنازة تفعل لعارض، ولا تقضى، ولكن لا يفوت وقتها، فإن كل الزمان وقت لها، وصلاة تؤدى، وفي القضاء قولان، وهي كل نافلة لها وقت [191 أ / 2] راتب فوقت الوتر لا يريد قيام الليل عقيب فعل العشاء، ولا يزال وقته قائماً مع وقت العشاء، وفي وقته المختار قولان، كما ذكرنا في العشاء، ويبقى وقت جوازه إلى طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني فقد دخل وقت ركعتي الفجر، ولا يزال وقتهما قائماً حتى تطلع الشمس، وقيل: وقتهما ممتد إلى زوال الشمس بظاهر لفظ الشافعي، وعندي هذا ضعيف، والأفضل تقديمهما على الفرض، فإن أخرهما جاز.
ووقت سنة الظهر حين تزول الشمس، ولا يزال وقتهما قائماً مع بقاء وقت الظهر، فإذا خرج وقت الظهر فات وقتهما، وليست مع العصر سنة راتبة، والمغرب سنتها عقيبها، فإذا فاتت هذه النوافل عن أوقاتها، هل تقضى؟ قد ذكرنا قولين: قال في "القديم": "تقضى"، وهو الصحيح، وذكره في "الجديد" أيضاً على ما حكاه بعض أصحابنا، وهو اختيار المزني، وبه قال أحمد في رواية، ووجه خبر أم سلمة

الجزء: 2 - الصفحة: 220

رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى ركعتين بعد العصر كان يمليهما بعد الظهر"، ولأنها صلاة راتبة في وقت، فأشبهت الفرائض.
وقال ههنا: لا تقضى، وأومأ إليه في "القديم" أيضاً.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنها نافلة، فلا تقضى كصلاة الخوف، وقيل: ما كان من صلاة النهار تقضى نهاراً، وما كان من صلاة الليل تقضى ليلاً في وجه، وهو بعيد، فإذا قلنا: لا تقضى سقطت، فإن تطوع فصلى كانت تطوعاً ابتداء بغير سبب فيكره فعلها في الأوقات المنهية، وإذا قلنا: تقضى، يجوز قضاؤها في الأوقات المنهية، ويأتي بالتي فاتته بنية القضاء، فعلى هذا وقت القضاء بعضه أوكد من بعض، فالأولى أن يقضي ما لم يأت بمكتوبة من وقت صلاة أخرى، فيقضي الوتر ما لم يطلع الصبح، فإذا فعلها، قال في "القديم".
وقله المزني: "لم يقض الوتر"، ولذلك قال في ركعتي الفجر: يقضيها بالنهار [191 ب / 2] ما لم يفعل الظهر.
وقال أبو إسحق رحمه الله: معناه لم أحث على قضائها بعد فعل الفرض كما أحث عليه قبل فعل الفرض، ويقضيهما أبدأ.
والمسألة على قول واحد: إنه يقضي جميع النوافل.
وهذا اختيار القاضي الطبري، قال: والدليل عليه أن الشافعي قال: "يصليها ما لم يصل الظهر"، فلو كانت تسقط بالفوات لسقطت بطلوع الشمس.
وقيل: قول المزني عن الشافعي لا يقضي، أراد لا يقضي واجباً، كما قال أبو حنيفة.
وقيل: تأويله لا بقضي في هذه الحالة بل يقدم الصلاة التي دخل وقتها، لأنها أهم وأولى.
ثم يقضي ما فات من الوتر وركعتي الفجر.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يقضي، هل يسقط فعلها بفعل الصلاة الأخرى أم بدخول وقتها؟ وجهان: أحدهما: بدخول الوقت فتسقط صلاة الوتر بطلوع الفجر وركعتا الفجر بزوال الشمس.
وقول الشافعي: "حتى يصلي الصبح" عبارة عن دخول الوقت، لأنه يستحب أن يبادر إلى فعل الفريضة، فعبر بفعلها عن دخول وقتها.
والثاني: بفعل الصلاة، فيقضي الوتر بعد الفجر قبل صلاة الصبح، ويصلي ركعتي الفجر بعد الزوال قبل صلاة الظهر، فإذا صلاها سقطت.
ومن أصحابنا من قال في "القديم": ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا يقضي ركعتي الفجر ما دام النهار باقياً، وهذا غريب ضعيف.
ومن أصحابنا من قال: جميع النوافل يقضي إلا أربع صلوات، فإن فيها قولين: الوتر وركعتي الفجر، وصلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى.

الجزء: 2 - الصفحة: 221

ومن أصحابنا من سلم المزني ما نقله، وقال: المعنى ليس ما ذكرت من القرب والبعد، ولكن المعنى أن الوتر تابع لصلاة العشاء، فلو قضاها بعد الصبح صارت تابعاً لصلاة الصبح.
وكذلك لو قضى ركعتي الفجر بعد الظهر صارت تابعة للظهر، وذلك لا يجوز وليس فيه أنه لا يجوز القضاء بعد ذلك ويكره له القضاء، [192 أ / 2] ولكنا لا نأمر بذلك ولا نندبه إليه، والاعتماد على أن ما اختار المزني، هو القول الصحيح وأولنا القول الآخر، فلا يحتاج الجواب، وهكذا لو كان له ورد وراتب كصلاة الضحى والتهجد فنسيه، ثم ذكرها، هل يقضيها على القولين؟ والصحيح عندي أنها تقضى.
وأما الضرب الآخر من النوافل التي لم ين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسيأتي في باب آخر إن شاء الله تعالى.
فرع إلى متى تمدد ركعتي الفجر؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى أن يصلي الصبح.
والثاني: إلى أن تطلع الشمس، لأنه وقت الصبح.
والثالث: إلى الزوال، لأنه لم يصل بعد الصبح فريضة أخرى.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا في غ من ركعتي الفجر أن يتحدث أن يضطجع ليكون فصلاً بين النفل والغرض.
والأصل فيه: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "صلي ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يقوم إلى الصلاة".
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب أن يخفف ركعتي الفجر، قالت عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخففهما حتى أني لأقول، هل قرأ فيهما القرآن أم لا؟ ". وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: 1)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1] ". فَرْعٌ آخرُ السنة قبل الظهر إلى متى وقتها؟ وجهان: أحدهما: إلى أن يصلي الظهر.

الجزء: 2 - الصفحة: 222

والثاني: ما لم يخرج وقت الفرض.
وسنة المغرب، يمتد وقتها إلى سقوط الشفق وسنة العشاء إلى طلوع الفجر، وفيه وجه آخر سنة المغرب، إلى أن يصلي العشاء وسنة العشاء إلى أن يصلي الصبح وفي آخر وقت الوتر قولان: أحدهما: إلى طل ح الفجر.
والثاني: إلى أن يشتغل بفريضة الصبح.
وروي أن علياً رضي الله عنه [192 ب / 2] سمع تثويب المؤذن، فقال: "نعم، ساعة الوتر هذه"، وتلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 17 - 18].

باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان

مسألة: قال: "الفرض خمس في اليوم والليلة".
الفصل وهذا ما قال: القصد من هذا الباب ذكر أقسام التطوع، وبيان أحكامه، ولكنه افتتح بذكر حصر الفرائض من الصلوات في اليوم والليلة ليعلم أن ما عداها تطوع، قال: الفرض خمس وذكر حديث الأعرابي وقد مضى هذا فيما قبل، وبقولنا قال مالك والثوري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق رحمهم الله، وقال أبو حنيفة مع أصحابه رحمهم الله: "الوتر واجب وليس بفرض"، وهذا غلط لما تقدم، وأيضا روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن على فرض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر".
وأيضاً روى ابن محيريز: أن رجلاً من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام مكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب.
قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فأخبرته، فقال: كأب أبو محمد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وجاءهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، وإن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه".
ثم ذكر بعد هذا أقسام التطوع على ما جرى في الباب قبله إلا أن موضعها في هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 223

الباب، فلذلك أعاد الذكر ههنا.
قال: التطوع وجهان، ثم ذكر المسألة التي اعترض عليها في الباب قبله، وقال في أثنائه.
قال الشافعي رضي الله عنه: مران فاتته ركعتا الفجر [193 أ / 2] حتى تمام الظهر لم يقض، لأن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
وقد أخل بنقل خبر أبي هريرة ههنا من وجهين: أحدهما: نقله موقوف عليه، وهو مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أوهم أن الشافعي استدل على أن ركعتي الفجر لا تقضى بعد الظهر بهذا، وليس كذلك،.
بل استدل على أن من دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة لا يشتغل بركعتي الفجر.
وهذا مذهبنا في الرجل إذا دخل والإمام في صلاة الصبح دخل معه في الفرض، ثم صلى بعد الفراغ منها ركعتي الفجر.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: "إن رجا إدراك ركعة من الفرض صلى ركعتي الفجر في رحبة المسجد أو في زاوية منه، ثم دخل معه في الفرض، وان خاف فوت الفريضة دخل معه في الفريضة، ولا يقضيها"، وهذا الخبر نص في هذا الموضع على خلاف ما قال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: روي في هذا الخبر زيادة وهي أنه قيل: يا رسول الله، "وإن كانت ركعتي الفجر، قال: وان كانت ركعتي الفجر"، وروي أنه قيل: "ولا ركعتا الفجر؟ فقال: ولا ركعتا الفجر".
ثم ذكر هذا أنه كيف يستحب في النوافل أن يصليها؟ وكيف يجوز أن يصليها؟.
وروي خبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ونقل المزني هذا القدر وكان من حقه أن ينقل تمام الخبر، وهو قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر بركعة" لأنه عطف على هذا الخبر ما لم يخشى إلا بعد ذكر تمامه، وهو قوله في ذلك دلالتان إحداهما: أن النوافل مثنى مثنى.
والثانية: أن الوتر واحدة، وهذه الدلالة الثانية لا مخرج إلا في آخر الخبر الذي ترك المزني روايته، وجملة الكلام فيه أن نقول: الصلاة ضربان: فرض ونفل.
والفرض فرضان: فرض العين كالصلوات الخمس، وفرض الكفاية كصلاة الجنازة، والنفل ضربان: سنة راتبة.
وقد ذكرناها، وسنة يتبرع بها، [193 ب / 2] فله ذلك،.
أي عدد شاء.
وقيل: أفضل ما يتطوع به من العبادات التطوع بالصلاة كما أن أفضل الفرائض صلاة الغرض، وهذا لأنها تجمع من القرب ما لا يجمع غيرها.
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير

الجزء: 2 - الصفحة: 224

أعمالكم الصلاة".
والتطوع ضربان، ما كان تبعاً للفرائض، وما ينشأه بنير سبب.
فأما ما هو تبع للفرائض، ففي عدد ركعاته وجوه: أحدها: ما حكى البويطي عن الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين قبل العصر، وركعتين قبل صلاة الفجر، فيحصل مع ركعتي المغرب وركعتي العشاء اثنتا عشرة ركعة".
وقيل: ذكر في البويطي ثماني ركعات: ركعتين قبل الصبح وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب لم يذكر الوتر، وهو ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة، وهذا أدنى الكمال، وقيل: ثلاث عشرة وزاد على هذا ركعتين بعد العشاء.
وقيل: إثنتا عشر ركعة على وجه آخر، وهي ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء غير الوتر، ولم يل كر قبل العصر شيئاً.
وهذا اختيار أبي حامد لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة".
وقيل: عشر ركعات سوى الوتر، وأسقط هذا القائل ركعتين من الأربع قبل الظهر.
وقال صاحب "الإفصاح": "ثماني عشر ركعة غير الوتر، ومع الوتر إحدى وعشرون ركعة".
وهذا على الكمال لما روى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتينء وقبل العصر أربع ركعات يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ". وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين".
وروت أم حبيبة رضي الله عنها [194 أ / 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار".
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً".
واختلف في كيفية العدد عن صاحب "الإفصاح"، فقال بعضهم: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها وركعتان بعد العشاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 225

وقال بعضهم: أربح قبل الظهر وأربح بعدها، ولم يذكر ركعتين قبل المغرب.
وهذا أصح، وقد تعارفت الأخبار في الركعتين قبل المغرب، فروى البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته، ولم يذكر قبل المغرب شيئاً".
وروى المختار بن فلفل عن أنى رضي الله عنه أنه قال: "صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت لأنس: رآكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم وأنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا".
وروي هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب رضي الله عنهما، وقال طاوس: سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الركعتين قبل المغرب، فقال: "ما رأينا أحداً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما".
وقيل: ست عشر ركعة غير الوتر وأنكر هذا القائل الركعتين قبل المغرب.
وقال: هو مذهب الحنابلة ونسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - "بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب".
وقيل: بل يستحب أن يصلي قبل المغرب، وجهان: والصحيح أنه لا سنة للعصر.
وكان يستحب أن يصلي قبلها وكم قدر المستحب؟ وجهان: أحدهما: ركعتين.
والثاني: أربعاً.
وقال ابن أبي أحمد: سبع عشرة مع الوتر ركعتان قبل الصبحء وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر [194 ب / 2] وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وثلاث مع الوتر بتسليمتين، ثم قال: قلته في العصر تخريجه، وهذا لا معنى له، لأن معنى السنة ما داوم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يداوم على السنة قبل العصر.
وقال الإمام أبو عبد الله الخضري: "لا سنة للعشاء"، وذكر ركعتين بعدها من صلاة الليل، لأنه ليس في خبر أم حبيبة، ولا خلاف أنه لا سنة قبل صلاة العشاء.
وذكر الباقي نحو ما اختار أبو حامدٍ.
وأما النوافل التي ينشأها بغير سببٍ فهي كل نافلة يتبرع بها في غير الأوقات المنهية، وهي دون ما تقدم، لأن الموقتة بأوقات الفرائض صارت مشابهة للفرائض في

الجزء: 2 - الصفحة: 226

أوقاتها، فكانت آكد من غيرها، وفعل هذه النوافل يجوز ليلاً ونهاراً في الجملة والأفضل في هذا القسم صلاة التهجد، وهي صلاة الليل، ومن صلى قبل النوم لا يسمى متهجداً، وهي أفضل من صلاة النهار أيضاً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار"، وأراد في نهار القيامة، ولأن الليل وقت الخلوة وانقطاع الذكر ويكون الناس في غفلة، فالعبادة فيه أفضل لهذا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل السوق على غفلة من الناس فقال: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
كتب له بكل فصيح منها وأعجمي" يعني: من الأجر، والفصيح: الآدمي، والأعجمي: البهيمة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة".
وقال أيضاً: - صلى الله عليه وسلم - أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل، وإذا فعل شيئاً من الصلوات، فالمستحب أن يداوم عليه، وان قل لما ذكرنا من الخبر، فإذا داوم على ركعتين في كل ليلة كان أفضل من قيام الليل كله [165 أ / 2] في غير مداومة، وإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في صفة الأفضل منها.
والجائز، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى ليلاً كان أو نهاراً للخبر الذي ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: "أفضل التطوع في النهار أربع بتسليمة واحدة إلا ما ورد الشرع بالركعتين، وفي الليل إن شاء صلى ركعتين أو أربعاء أو ستاً وما شاء لا فضل لبعضها على بعض".
وأما الجائز: فله أن يصلي بتسليمة واحدة ما شاء من النوافل من غير حصر شفعاً كان أو وتراً ويقعد في آخوه ويتشهد ويسلم، والأولى أن يتشهد بعد كل ركعتين، فإن لم يفعل جاز، نص عليه.
ومن أصحابنا من قال: له أن يزيد في عدد الركعاتء ولا يزيد على تشهدين، وإذا صلى ثمان وكعات يتشهد في السادسة، والثامنة، ولو أراد أن يتشهد بعد الرابعة والثامنة لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد في عدد الركعات في الوتر، وما زاد على تشهدين، وكان تشهده بين الركعة والركعتين، فههنا بين ركعتين وركعتين كما في الاتساع من الفرائض.
وحكي عن بعض السلف أنه كان يفعل بغير إحصاء، فقيل له في ذلك: فقال: "إن الذي أصلي له يعرف العدد.
وعند أبي حنيفة: لا تجوز الزيادة على الأربع في النهار والليل على ثمان وكعات.
وقال أبو يوسف ومحمد: "صلاة الليل مثنى مثنى".

الجزء: 2 - الصفحة: 227

وقال مالك وأحمد: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، واحتج أبو حنيفة بما روى أبو أيوب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء".
وهذا محمول على الجواز عندنا، فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما قبل أنه إذا أحرم بنافلة بنية ركعتين، ثم نسي فصلاها أربعاً يسجد سجدتي السهو، ولو غير نيته إلى الأربح يجوز، ولو نوى الأربع في الابتداء ثم سلم عن ركعتين عامداً مقتصراً عليهما يجوز، وإن لم ينو عند سلامه الاقتصار على ركعتين لا تجوز صلاته، ولو سلم ساهياً قام، [195 ب / 2] وأتم وسجد للسهو ولو سلم ساهياً عن ركعتين، ثم علم فنوى الاقتصار عليهما يسجل للسهو ثم يسلم عامداً يجوز.
فرع قال بعض أصحابنا: من السنن الراتبة صلاة الضحى، وهي سنة مختارة فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وداوم عليها واقتدى به السلف فيها.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أقل ما كان يصليها أربع ركعات، وأكثر ما كان يصليها ثماني ركعات".
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وصلاة الضحى".
وروي "أن آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضحى في بيت أم هاني بنت أبي طالب بمكة أول عام الفتح ثماني ركعات، وداوم عليها إلى أن مات" فيختار أن يصلي ثماني ركعاتٍ اقتداء به ووقتها في الاختيار إذا مضى من النهار وربعه ووقت جوازها إذا أشرفت الشمس إلى الزوال، وهل تقضى إذا فاتت؟ قولان على ما ذكرنا.
وروى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "على كل سلامي أحدكم صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يملي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة"، ويقول: هذه صلاة الأوابين فمن صلاها غفر له"، وكان الصالحون من السلف يصلونها ويسمونها صلاة الغفلة، أي الناس غفلوا عنها وتشاغلوا بالعشاء والنوم، وهذا مختار أيضاً، والأظهر عندي أنها دون صلاة الضحى في التأكيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 228

فَرْعٌ آخرُ التنفل بالأوتار لا يستحب ولو فعل جاز.
فَرْعٌ آخرُ إذا أحرم بالنفل مطلقا، هل يكره أن يسلم عن ركعة؟ وجهان بنا، على ما لو نذر أن يصلي مطلقا، هل يلزم ركعة أو ركعتان، فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يصلي النافلة قائماً لا يلزمه لأن القعود [196 أ / 2] فيها رخصة فنذره أن لا يقبل الرخصة لا يلزم كما لو نذر أن بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين قائماً يلزمه القيام: لأنه نذر أصل الصلاة بصفةٍ مخصوصة.
مسألة: قال: "وأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منها".
الفصل وهذا كما قال: صلاة التراويح، وهي سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم به بعزيمة.
ويقول: "من قام رمضان إيماناً أو احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى صلاته ناس ثم صلى من الليلة القابلة وكثر الناس ثم المسألة الثالثة والرابعة، وعجز عن الناس، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي منعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خفت أن يفرض عليكم ذلك في رمضان".
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ناس في رمضان يصلون في المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ليس معهم قرآن وهم يصلون صلاته، فقال: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، فدل هذا على أنه مندوب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله وأقر أصحابه عليه.
وأما إمامة هذه الصلاة إلى أنها من سنة عمر رضي الله عنه فمعاذ الله لأن القدر الذي كان في هذا من عمر رضي الله عنه أن القوم كانوا يصلون أوزاعاً في المسجد بأئمة مفرقين، فدخل عمر رضي الله عنه فرآهم جماعة، وإن كل من كانت قراءته أطيب اجتمع الناس عليه [196 ب / 2] أكثر فجمعهم عمر رضي الله عنه على إمامٍ واحد، وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 229

أبي بن كعب، فصلى أبي بن كعب عشرين ليلة، ثم تأخر، فقال الناس: ابق أبي، ابق أبي، ثم صلى تميم الداري بعد ذلك بقية الشهر، وإنما ندب عمر رضي الله عنه أبياً رضي الله عنه إلى هذا، لأنه كان أقرب الناس عهداً بقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن علي: أبي في السنة التي مات فيها، وكان قصده من هذا تلقين أبي من ألفاظه، وإنما جمعهم على إمام واحد لئلا يؤدي إلى الشتات والاختلاف، وأمر بإسراج القناديل راحة للناس وتنويرا للمسجد.
وروي أن عثمان رضي الله عنه، قال: "إنها بدعة ونعمت البدعة"، يعني: القناديل وجمعهم على إمام واحدٍ.
وقال علي رضي الله عنه لما رأى القناديل: رحم الله عمر ونور قبره كما نور مساجدنا بالقرآن واجتمعت الصحابة على ذلك وانقرض عصرهم عليه، فهو إجماع.
فإن قيل: فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يصل معهم.
قلنا: روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يلم في ركعتين ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات، فإذا تقرر هذا، فهل الأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً.
قال في "الأم": "فأما قيام رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه".
قال في "القديم": "إن صلى رجل في شهر رمضان لنفسه فهو أحب إلي، وإن صلاها في جماعة فحسن".
وقال في البويطي لما ذكر النافلة المتأكدة بالجماعة: وقيام رمضان في معناها في التأكيد.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال عامة أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحق وغيرهما.
المذهب أن قيام رمضان في جماعة أفضل من قيامه في الانفراد.
ولما روينا من خبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصابوا"، أو "نعم ما صنعوا" [197 أ / 2]. فإن قيل: تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة.
قلنا: بين العذر فيه.
وقال: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها".
وقول الشافعي: "فصلاة المنفرد أحب إلي منه".
أراد بالصلاة التي هي ركعتا الفجر والوتر اللتين هما من صلاة الانفراد أحب إلي من قيام رمضان، وإن كان هذا القيام من صلاة الجماعة ألا ترى أنه قال: "فصلاة المنفرد أحب إلي"، فلو أراد قيام رمضان في الانفراد، قال: فصلاته منفرداً أحب إلي منه في جماعة، فإن قيل: فكيف يكون أولى من صلاة سنت فيها الجماعة؟.
قلنا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدم على فعلها جماعة، بل فعلها ليالي، ثم لم يخرج إليهم،

الجزء: 2 - الصفحة: 230

فكان الوتر أفضل منها، ولا يكون أفضل من العيدين وصلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم على فعلها جماعة.
وأما ما قال في "القديم"، فليس فيه تعرض للأفضل، ومن أصحابنا من أخذ بظاهر كلامه.
وقال: قيام رمضان في الانفراد أفضل منها في جماعة بشرائط، وهي أن يحفظ القرآن وتأخره عن المسجد ولا يؤدي إلى تعطيل المسجد، وانقطاع الجماعة فيه، وأنه يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام.
واحتج هذا القائل بما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للقوم في رمضان لما صلى بهم ليالي: "قد عرفت ما رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ومن قال بالأول قال: هذا الخبر محمول على غير التراويح.
وقيل: ما ذكرنا من إجماع الصحابة.
ويمكن الجواب إن احتج هذا القائل بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أفضل صلاة الرجل تطوعاً في بيته على صلاته في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في بيته".
وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة [197 ب / 22] في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله تعالى".
ومن أصحابنا من قال: إنها في البيت أولى من دون الشرائط التي ذكرناها.
وحكي عن مالك أنه قال: "قيام رمضان في البيت لمن نوى أحب إلي".
قال مالك: وكان ربيعة وغير واحدٍ من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: "من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان، فأحب إلي أن يصلي في بيته".
مسألة: قال: ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين وأحب إلي عشرون".
وهذا كما قال: صلاة التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين، فذلك عشرون ركعة بعشر تسليمات، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى.
وروي عن أحمد أنه قال: "هي ست ثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة".
وروي هذا عن مالك، وهذا غلط، لأنه روى ابن عمر رضي الله عنهما: لما اجتمع الناس على أبي بن كعب صلى بهم عشرون ركعة، وهذا إجماع منهم، وكذلك يفعلون بمكة.
وأما أهل المدينة، قال الشافعي رحمه الله: "إنما صلوا تسعاً وثلاثين ركعة، لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 231

أهل مكة كانوا يصلون عشرين ولكنهم كانوا يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، والترويحة: أربع وكعات، فكان يحصل لهم من عشرين ركعة، أربعة أطواف، فأقام أهل المدينة مقام كل طواف أربع ركعات طلباً لمساواتهم أهل مكة فيكون ست عشرة ركعة ويوترون بثلاث ركعات، فتلك تسع وثلاثون".
ولم يرد به أنهم كانوا يصلون التراويح سعا وثلاثين، بل التروايح كانت ستاً وثلاثين، والوتر بعدها ثلاث ركعات.
قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك، لأن أهل المدينة تشرفوا بمهاجر رسول الله [198 أ / 2]- صلى الله عليه وسلم - وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة بخلاف غيرهم.
وقال في - صلى الله عليه وسلم - القديم": "ليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه، لأنها نافلة"، ولم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك عاد محدود إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ".
ورأيت في كتاب بعض مشايخنا عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة، ويوتر بثلاث"، وإنماً كانوا يوترون بثلاث في مكة والمدينة لئلا تتفرق الجماعة في الوتر، فإذ الخلاف في الوتر بركعة كان ظاهراً، فاختاروا الثلاث اقتداء بمالك رحمه الله، ولهذا قال الشافعي في "القديم": "إن أوتر جماعة أوتر بثلاث، وإن أوتر منفردا أوتر بواحدة"، والمعنى ما قلنا.
وقيل: كان السبب في فعل أهل المدينة أنه كان لعبد الملك بن مروان تسعة أولاد، فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة فتقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة، فصار ستة وثلاثين.
وقيل: السبب أن تع قبائل من العرب تنازعوا في الصلاة واقتتلوا فقدم من كل قبيلة وجل، فصلى بهم ترويحة، ثم صار سنة.
مسألة: قال: "ولا يقنت إلا في رمضان في النصف الأخير".
وهذا كما قال: السنة أن يقنت في النصف الأخير من رمضان في الركعة الثالثة من الوتر ولا يسن القنوت في بقية السنة، وبه قال مالك.
وكلام الشافعي رحمه الله يدل على كراهية القنوت في سائر السنة في الوتر، وقال أبو حنيفة وأحمد: "ستحب القنوت في جميع السنة حتى لو تركه يسجد للسهو"، وبه قال أبو عبد الله [198 ب / 2] الزبيري من أصحابنا، واحتجوا بما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع".
وهذا غلط لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "السنة إذا انتصف الشهر من

الجزء: 2 - الصفحة: 232

رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يقول: أللهم قاتل الكفرة".
وروي أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه في صلاة التراويح ولم يقنت إلا في النصف الثاني، قال الشافعي: "وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري، وإنما قيل له: القاري لأنه كان من بني قارة بغير همزة، وليس هو من القراءة بالهمز.
وأما ما رووا قلنا: قال أصحاب الحديث: ذكر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في جميع السنة من غير كراهة، فلو تركه لا يسجد للسهو بخلاف ما لو ترك القنوت في النصف الأخير، فإنه يسجد للسهو، وهذا اختيار مشايخ طبرستان.
وأنا أقول به".
وقال مالك: "يقنت في جميع رمضان في الوتر".
فرع قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي ما يقنت به في الوتر، وإنما لم يذكره، لأنه نص عليه في قنوت الصبح، وهو ما روى الحسن بن علي رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت.
. ." إلى آخره.
وروى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ومعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم إنا نستعينك.
. ." إلى آخره.
وزاد ابن أبي أحمد: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ " إلى آخر السورة.
قال القاضي [199 أ / 2] أبو الطيب: كان شيوخنا يدعون فيقولون: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويدعون معك إلهاً، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم، وتوفهم على ملة رسولك، وانصرهم على عدوك وعادوهم، واجعلنا برحمتك منهم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
فإذا فرغ من القنوت، فالمستحب أن يقول بعده: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول ذلك ثلاثاً ويمد صوته: "رب الملائكة والروح".

الجزء: 2 - الصفحة: 233

قال: ويستحب له رفع اليدين في الدعاء، فإذا فرع مسح بهما وجهه، وقد شرحنا هذا فيما تقدم.
مسألة: قال: وآخر الليل أحث إلي من أوله، وإن جزأ الليل أثلاثاً فالأوسط أحب إلي أن يقومه".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الصلاة بالليل أفضل.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من طال قيامه بالليل خفف الله عنه يوم القيامة".
وروي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه".
ثم إذا أراد أن يجعل الليل ثلاثة أجزاء: للنوم وللصلاة، ولغيرهما.
قال الشافعي: "الأوسط أحب إلي أن يقومه"، وإن أراد أن يجعله جزءين: فالنصف الثاني أفضل، وهذا لأنه أشق، والطاعات فيه أقل، ولأن ذلك وقت النوم والغفلة، فكان الذكر فيه أفضل.
وقال مالك: "الثلث الأخير أفضل بكل حال"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل [199 ب / 2] أفضل، فقال: "جوف الليل البهيم"، وروي: "جوف الليل الغابر" وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل أجوب وأسمع، فقال: "جوف الليل الأخير"، أي: أوجب للإجابة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل عن الصلاة نصفه الليل، فقال: "تلك صلاة الأوابين"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام نصف الليل، ويقوم الثلث وينام السدس".
وقالت: "من أراد أن يراه قائماً رآه، ومن أراد أن يراه نائماً رآه، ومن أراد أن يراه صائماً رآه، ومن أراد أن يراه مفطراً رآه"؟ وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى يقال: لا ينام وينام حتى يقال لا يقوم ويصوم، حتى يقال: لا يفصر ويفطر حتى يقال: لا يصوم".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام صيام أخي داود - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يومأ ويفطر يوماً وأفضل القيام قيام أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه".
وقال مالك: "كان عبد الله بن أبي بكر يقوم الليل، فإذا أصبح يقول: عند الصباح يحمد القوم السرى يعني من سار ليلاً حمد أمره إذا أصبح".

الجزء: 2 - الصفحة: 234

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين كتبا في الذاكرين والذاكرات".
وقال الربيع رحمه الله: "كان الشافعي رضي الله عنه دهره ينظر في العلم الثلث الأول ويصلي الثلث الثاني وينام الثلث الثالث.
وقال المعتمر بن سليمان لبعض أهله: لولا أنك من أهلي ما حدثتك أنا منذ اثنين وأربعين سنة أقوم يوماً وأفطر يوماً، وأصلي الصبح على طهر العشاء".
وكان للحسن بن صالح بن حي ثلاثة أخوة يجزؤوا الليل أرباعاً، فكان كل واحد يقوم ربع الليل فمات واحد منهم فجزؤوه ثلاثة أجزاء، ثم مات آخر فجزؤوه نصفين، [200 أ / 2] ثم مات الثالث، وبقي الحسن، فكان يقوم الليل كله.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى دار عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فرأى امرأته متبذلة في ثياب مهنةٍ، فقال لها ما لك لا تتزينين لعبد الله؟ فقالت: إن عبد الله لا حاجة له في إنه يقوم الليل كله ولا ينام ويصوم دائماً ولا يفطر.
قال عبد الله: فلما أتيت داري صادفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فألقيت له وسادة فوضعها بيني وبينه ولم يجلس عليها، ثم قال: "ألم أخبر أنك تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر؟ "، فقلت: إني أفعل ذلك، فقال: "لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك عجمت عيناك ونقهت نفسك إن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وأن لزوجك عليك حقاً، قم ونم وصم وافطر".
ثم قال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر".
قلت: إني أطيق أكثر من ذلك.
قال: "صم عشرة أيام"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يوماً وأفطر يوماً".
قلت: إني أقوى من ذلك.
قال: "لا تفعل فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود عليه السلام"، ثم قال: "اختم القرآن في الشهر مرة".
قلت: إني أقوى من ذلك.
قال: "في كل عشرة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "في كل ثلاثة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "لا".
فكان عبد الله بعدما كف بصره وكبر يبكي ويقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان أعرف بنفسي مني".
ومن ههنا قال بعض أصحابنا: يكره أن يقوم الليل كله.
مسألة: قال: "قلت للشافعي: أيجوز أن يوتر بواحدةٍ؟ ". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الوتر سنة مؤكدة غير واجبةٍ خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله وحده.
وقد روى عاصم بن حمزة عن علي رضي الله عنه، قال: "ليس الوتر محتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".

الجزء: 2 - الصفحة: 235

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أوتروا [200 ب / 2] يا أهل القرآن".
وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: "سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في السفر ركعتين وهما تمامء والوتر من السنة"، فإذا ثبت هذا فالكلام الآن في أربعة فصول: في قدره، ووقته، وما يقرأ فيه، ويدعى به.
فأما قدره، ففيه مسألتان: الجواز، والأفضل.
أما الجواز فأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويجوز فيما بين ذلك بكل وتر كيف شاء بتسليمة واحدة أو بما أحب من التسليمات بين كل ركعتين.
وبه قال أحمد رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: "أقل الوتر ركعة، وليس لما قبل ذلك من الشفع حد، وأقله ركعتان".
وقال أبو حنيفة والثوري: "الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها كالمغرب، والركعة الواحدة ليت بصلاة".
وحكي عن مالكٍ، قال: الوتر ثلاث بتسليمتين، ولكن لا ينبغي أن يتكلم بعد السلام، ولا يحتاج إلى تجديد النية لهذه الركعة الثالثة.
واحتجوا بخبر أبي بن كعب الذي ذكرنا.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن البتراء".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما أجزأت ركعة قط.
وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بخمس فليفعل".
واحتج الشافعي بأن عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل بركعة هي وتره، وروي: أنه كان يقرأ فيها جميع القرآن.
وروي: أن معاوية رضي الله عنه أوتر في الشام بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب إنه لفقيه، ومثل هذا عن سعيد بن أبي وقاص.
واحتج على مالك وأبي حنيفة أيضا، بأن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين من الوتر [201 أ / 2] حتى يأمر ببعض حاجته، وان لم يكن له حاجة كان يقول: يا جارية اعلفي الناضح.
واحتج على مالك أيضا، بأن من سلم من اثنتين فقد فصل، فإن قال: ما فصلت لأني أمنع الكلام، قلنا: لا خلاف أنه لو أحدث لا يبطل ما مضى من الركعتين.
وروى ابن عمر رضي الله عنه إن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر، ولأنه يجهر في قراءة الثالثة منها"، فلو كانت موصولة بما قبلها لم يجهر فيها كما لا يجهر في الثالثة من المغرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 236

وأما البتراء فهي: الناقصة الأركان التي لا يقيم فيها الركوع والسجود.
وأما خبر أبي نقول به جوازاً.
وأما قول ابن مسعود أراد في الفريضة خلافاً لابن عباس رضي الله عنه حيث قال: "صلاة الخوف ركعة"، ثم تقابل بما روي أن عمر رضي الله عنه "مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع، فمن شاء زاد ومن شاء نقص".
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فواحدة توتر بها، فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر"؛ لأنه واحد.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا توتروا بثلاث تتشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبح أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك".
وروى ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر يأكل ويشرب ثم يركع ركعة".
وروى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر خمس أو ثلاث أو واحدة".
وقال أبو أمامة رضي الله عنه: يا رسول الله بكم أوتر؟، قال: "بواحدة"، قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "بثلاث"، ثم قال: "بخمس"، ثم قال: "بسبع"، قال أبو أمامة: [201 ب / 2] أني كنت قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما الأفضل، قال الشافعي في "القديم" و"الجديد": "والذي اختار ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فيصلي عشر ركعات بخمس تسليمات ثم يصلي ركعة واحدة، وهي الوتر"، لأن السلام يفصل.
قال بعض أصحابنا: لا يختلف مذهب الشافعي رحمه الله أن الوتر واحدة.
ذكره في "الحاوي".
وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وأقل الأفضل ثلاث بتسليمتين، وهي أفضل من واحدة والخمس أفضل من ثلاث.
وقال الداركي من أصحابنا وجماعة: ينوي الوتر في كلها وتر وغلط من قال: الوتر منها ركعة، وهذا اختياري فإن قيل: كيف يكون كلها وتر؟ والسلام فاصل.
قلنا: يجوز

الجزء: 2 - الصفحة: 237

أن يسمى كلها وتراً، وإن كان السلام في أثنائها كما تسمى العشرون ركعة تراويح، وإن كان يسلم عن كل ركعتين منها.
ومن أصحابنا من قال: ينوي بما تقدم على الواحدة صلاة الليل، ومن أصحابنا من قال: ينوي مقدمة الوتر، وقال مشايخ طبرستان: ينوي سنة الوتر ويجوز أن يكون للسنة سنة كركعتي طواف القدوم.
وقال القفال: لو لم يقدم على الواحدة ركعتين فالثلاث بتسليمة أفضل منها ولو قام عليها ركعتين لصلاة الليل، ثم أوتر بواحدة كان هذا أفضل من ثلاث وكعات موصولة للوتر، وهكذا لو صلى رجل إحدى عشرة ركعة أوتر فيها بواحدة يكون أفضل ممن أوتر بإحدى عشرة ركعة متصلة، وهذا ظاهر ما ذكر في "المختصر"، لأن فيها زيادة تكبيرات وتسليمات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: هذا.
والثاني: الثلاث أفضل بجلستين وتسليمة واحدة وفقاً للخلاف، وهو اختيار الشيخ أبي زيد.
والثالث: الواحدة أفضل [202 أ / 2] بكل حالٍ.
والرابع: إن كان في الجماعة فالثلاث بتشهد واحد أفضل حتى لا يؤدي إلى الفتنة بين الناس.
واختلاف الجماعة، ولأن في ذلك تشبيه بصلاة المغرب، لأن فيها تشهدين، وإن كان منفرداً، فالواحدة أفضل.
ورأيت بعض أصحابنا اختار هذا من غير فرق بين الجماعة والانفراد وفقأ للخلاف، وأنا أفعل هذا منفرداً وأوتر بواحدة في الجماعة إظهاراً لمذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، فإنه الحق، والله أعلم.
وقال بعض أصحابنا: إذا أوتر بثلاث أو بخمس أو بإحدى عشرة إن شاء لا يتشهد إلا في الركعة الأخيرة، وإن شاء يتشهد فيها وفيما قبلها، وروي كلاهما في الخبر، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ولا يجلس إلا في آخرهن وبإحدى عشرة ركعة لا يجلس إلا في آخرهن".
وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وبتسع لا يجلس إلا في السادسة والثامنة".
وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الليل ثلاث عشر ركعة يوتر منها بخمس يجلس في الأخيرة ويسلم".
وأما وقته فمن لا يريد قيام الليل يصلي العشاء ويوتر ثم ينام، ومن أواد قيامه، فإن شاء أوتر، ثم قام، وإن شاء قام وصلى بعد ذلك صلاة الليل وختمها بالوتر، وهذا هو الأفضل.

الجزء: 2 - الصفحة: 238

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: "متى توتر"؟ فقال: أول الليل، ثم قال لعمر بن الخطاب: "متى توتر"؟ فقال: في آخر الليل، فقال: "أما هذا فقد أخذ بالحذر يعني الحزم والاحتياط، وأما هذا فقد أخذ بالقوة"، وقيل: تعجيلها أولى أم تأخيرها وجهان: أحدهما: تأخيرها أفضل لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بعد فراغه من صلاة الليل، وقال: "الوتر ركعة في آخر الليل".
والثاني: تعجيلها أولى، لأن في تأخيرها مخاطرة.
وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [202 ب / 2] قال: "من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل، ثم ليرقد، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليقم آخر الليل ثم ليوتر".
وأما ما يقرأ فيه، فالمستحب عند الشافعي أن يقرأ في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، والمعوذتين.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال أحمد: "يقرأ في الثالثة بسورة الإخلاص وحدها"، وهكذا روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما ذكرنا رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ كذلك، وهذه الرواية أولى للزيادة وآكد بما قد ذكرنا.
فرع إذا صلى الوتر ثم نام ثم قام وصلى لا يلزمه إعادة الوتر.
وبه قال مالك وقال أحمد: "انتقضت وتره فيشفعها بركعة ثم يتهجد بما أراد، ثم يوتر بركعة".
وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهم.
وقيل عن ابن عباس مثله.
وروي عن أبي بكر الصديق وعمار بن ياسر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لا يشفع الرجل وتره".
ورأيت بعض أصحابنا بخراسان يميل إلى هذا القول، وذكر وجها في المسألة، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وتران في ليلة"، وهذا وتران بل ثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ لو اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم تذكر أنه لم يصلها صلى العشاء، ثم أوتر، لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 239

تقديم الوتر على العشاء لا يجوز.
وبه قال صاحباه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يجزئه الوتر"، وهذا غلط، لأنه تابع للعشاء ولم يفرد بوقت ولا يتقدم التابع على المتبوع.
مسألة: قال المزني رحمه الله،: "قلت: آنا لا أعلم الشافعي رضي الله عنه ذكر موضع القنوت من الوتر".
الفصل وهذا كما قال عندنا موضع القنوت في الوتر بعد الركوع قياساً على القنوت في الصبح نص عليه الشافعي في "حرملة"، وخفي ذلك على المزني.
وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [203 أ / 2] رضي الله عنهم.
ومن أصحابنا من قال: "يقنت فيه قبل الركوع" وليخالف القنوت في الصبح كما خولف بين خطبة الجمعة وخطبة العيد.
وهذا اختيار ابن سريج وعلى هذا لا يكره خلافاً لأبي حنيفة.
وقال يعقوب الأبيوردي: وهذا مذهب عامة أصحابنا، وهو الأصح، ولا معنى لهذا الكلام عندي مع النص الذي ذكرنا، وأجمع أهل العراق وخراسان من أصحابنا على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: إنه قبل الركوع.
واحتج بخبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في الصبح بعد الركوع".
ورواه أبو هريرة أيضاً، وروي عن عثمان وحده من الخلفاء الراشدين أنه قدم القنوت على الركوع في أخر عمره ليدرك الناس معه الركعة للتخفيف على الناس.
واحتج الشافعي عليه بحجتين: إحداهما: أن قوله: "سمع الله لمن حمده"، دعاء.
والقنوت دعاء، فالدعاء في محل الدعاء أولى من الدعاء في محل القراءة.
والثانية: أنه أسر بتكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بدليل، فلا يجوز القول به، وإذا بطل هذا القول بقي قولنا.
فرع إذا قنت قبل الركوع قد قيل: أساء ويجزئه.
وقيل: يعيده في الركوع ويسجد للسهو.

باب

فضل الجماعة والعذر بتركها قال: "اخبرنا مالك.
. . . " وذكر الخبر.
وهذا كما قال: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ثلاث عشرة سنة بمكة من غير جماعة،

الجزء: 2 - الصفحة: 240

لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة.
والجماعة واجبة في صلاة الجمعة على الأعيان بلا خلاف، لأنها لا تصح إلا بالجماعة.
وأما فيما عداها من صلاة الفرض اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثر أصحابنا: هي من فرائض الكفايات كرد السلام ودفن الموتى، ويجوز ذلك نص عليه الشافعي في كتاب "الإمامة".
[203 ب / 2] وقد قال ههنا: لا أرخص في تركها من غير عذر، وهو الصحيح، والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما من ثلائة في قريةٍ أو بلدةٍ".
وروي: "أو في باديةٍ"، وفيه نظر.
وروي: "في قرية ولا بدوٍ".
"وهذا أصح لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية".
ومن أصحابنا من قال: "هي سنة مؤكدة"، والأولى أن لا يخل بهاء ويحافظ عليها، فإن أخل بها ترك فضلا كثيراً وأجزأه.
وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي.
وحكي عن الأوزاعي وأحمد وأبي ثور وداود وابن المنذر ومحمد بن إسحق وابن خزيمة: "هي واجبة على الأعيان، فمن تركها من غير عذر فقد عصى".
قالوا: ولكن لا يشترط في جوازها حتى لو صلى منفرداً يجوز، وإن عصى.
وحكى أصحابنا بخراسان عنهم: أنه لا تجوز صلاته.
واحتجوا بقوله تعلى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف: 31 - 32]، الآية.
وداعي الله: المؤذن.
وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
وروي انه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر أو مطر".
ورواه ابن عباس رضي الله عنه، ولم يقل: "أو مطر".
وروي أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار وعلى طريقي نخل ولا قائد لي، وروي: لي قائد لا يلازمني.
هكذا روي، والصواب: لا يلامني، أي: لا يوافقني فهل تجد لي رخصة؟ فقال: "أتسمع النداء"، قال: نعم، فقال: "لا أجد لك رخصة".
وروي أنه قير قال: "لقد هممت أن آمر فتياني من قريش ليجمعوا حطباً، ثم آمر رجلا ينادي بالصلاة، ثم أحرق على أقوام بيوتهم يسمعون النداء ولا يحضرون، وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 241

أحدهم لو دعي إلى مرماتين حسنتين لآتاهما ولو حبواً".
[204 أ / 2] قيل: المرماة: السهم.
وقيل: عظم عليه قطعة لحم.
وروى ابن أم مكتوم، قال: يا رسول الله إن المدينة كبيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حي على الصلاة، حي على الفلاح، فحي هلا"، وقوله: حي هلا كلمة حث واستعجال، ولأن الله تعالى أمر أن يصلى جماعة في حال الخوف، ولم يعذر في تركها، فدل أنها في حال الأمن أوجب.
وقال عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقربة رخصة إذا سمع النداء، وأن يدع الصلاة.
وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: 47])، ولم يفصل.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ". وروي بخمس عشرين درجة، فلولا جواز الانفراد وإلا ما فاضل بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد، فإن قيل: لعله أراد به في حق صاحب العذر.
قلنا: العاجز يكتب أجره كاملاً من غير نقصان لما روي عن رسول الله قيه، قال: "إذا مرض المريض يقول الله تعالى لملائكته: اكتبا لعبدي ما كنتما تكتبان في صحته من أعمال الخير حتى أقبضه، أو أبدله بلحمة خيرا من لحمه وبدم خيرا من دمه"، فإن قيل: لعله أراد به النفل.
قلنا: النفل في الخفية والانفراد أفضل.
وأيضاً روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلاة الرجل مع الواحد أفضل".
وروي: "أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الواحد وحيث ما كثرت الجماعة، فهو أفضل".
وروي أن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار، وأحب أن تحضر بيتي وتصلي في موضع أتخذه مسجداَ، فحضر بيته وصلى في [204 ب / 2] موضع، فكان يصلي عتبان هناك".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين في مسجد الخيف: "لم لم تصليا معنا فقالا لنا: قد صلينا في رحالنا"، فلم ينكر عليهما، ولأنه كان يأمر في الليلة المطيرة للمؤذن أن يقول في أذانه، "ألا صلوا في رحالكم"، فلو كان واجباً لما كان المطر عذراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 242

وقال مشايخ خراسان: هذا عندنا سنة أن يقول في هذه الحالة في أذانه بعد حي على الفلاح.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال".
وأراد به النعال المعهودة في اللباس، وقيل: كنى بها عن الأرجل والأقدام.
وقيل: أراد بالنعال الحجارة الصغار تكون في الطرق تسمى نعالاً.
وأما الآية التي ذكروا، قلنا: أراد بالداعي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: 31] والإيمان بالمؤذن لا يجب.
وأما الخبر الأول، قلنا: أراد: لا صلاة له كاملة، أو أراد: لا صلاة لجار المسجد بصلاة الإمام مقتدياً به إلا في المسجد، وأما سائر الأخبار نحملها على أنها فرض على الكفاية.
وأما خبر ابن أم مكتوم: نحمله على الجمعة، وأما الخبر الأخير ورد في شأن المنافقين الذين لا يصلون في بيوتهم، ولا يرون الجماعة أصلاً، وهكذا الجواب إن احتجوا بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: "حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى، وأن الله تعالى شرع لنبيه - صلى الله عليه وسلم - سنن الهدى، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم".
وقوله: "ليهادى بين رجلين"، أي: يرفد من جانبيه، ويؤخذ بعضديه يتمنى به إلى المسجد.
[205 أ / 2] وقوله: "كفرتم"، أي: يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئاً شيئاً منها حتى تخرجوا من الملة، فإن قاسوا على صلاة الجمعة، قلنا: أصلها أربع ركعات، وردت إلى ثنتي بشرائط منها: الجماعة بخلاف هذا.
ثم لو كانت الجماعة شرطاً ههنا لبطلت بتركها كما نقول في الجمعة، فإذا قلنا: إنها فرض على الكفاية فمتى قام بها قوم سقط الفرض عن الباقين، وإلا خرجوا أجمعون.
ولو اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام على إقامتها حتى يقيموها، والحد الذي يسقط الفرض به عن الباقين أن يظهر إقامتها ويعرف فعلها، وذلك أن يعلم الناس إقامتها مشاهدة أو سماعاً، فإن كان المكان قرية صغيرة، فأقيمت في مسجدها فقد ظهرت في كلها، وإن كان بلداً كبيراً، فكل محلةٍ منه مثل هذه القرية يحتاج أن تظهر في كل مسجد في كل مسجدٍ محلةٍ، فإذا أقامها أهل محلة لم يسقط فوضها عن أهل محلة أخرى، ولو اتفقوا على أن يصلي كل واحد جماعة في بيته، ولا يخرج إلى المساجد.
قال أبو إسحق: لم يسقط ما ذكرنا من الفرض عنهم.
وقال

الجزء: 2 - الصفحة: 243

يعقوب الأبيوردي: فيه وجهان، والأظهر أنه يسقط الفرض به، لأن الشافعي رضي الله عنه، قال: "وإن جمع في بيته أجزأ عنه".
والأصح عندي الأول، وأراد الشافعي أجزأ عنه إذا ظهرت الجماعة في الأسواق، لأن فرضها يسقط بذلك.
ومن أصحابنا من قال: أقل من يسقط الفرض عن الباقين ثلاثة نفر فإنه هو الجمع المطلق.
والمذهب أن أقل الجماعة إثنان، فيكفي ذلك إذا ظهرت في الباقين، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا كانوا ثلاثة فأمهم أحدهم كانوا جماعة، وان كانوا اثنين، فأتم أحدهما بالآخر رجوت أن تكون جماعة، ثم قطه في أخر الباب أن الاثنين جماعة، ولا خلاف أن فضيلة الجماعة تحصل بالاثنين، فبطل قول القائل الأول".
والدليل عليه [205 ب / 2] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الاثنان فما فوقهما جماعة".
مسألة: قال: "وإن جمع في بيته أو مسجد وان صغر أجزأه".
الفصل وهدا كما هال: هد ذكرنا أن اقل الجماعة إثنان.
وهال في "الأم": "إذا صلى الرجل مع أخر أدرك فضيلة الجماعة سواء صلى مع إمامه أو زوجته أو ولده أو رفيقه".
وقد قال أصحابنا: أراد إذا صليت الجماعة في المسجد، وظهر ذلك في الباقين، ولكن تأخر بعضهم وصلى في بيته هكذا، أو أراد: إذا قلنا: الجماعة سنة، فحيث ما جمع جاز.
وأما الأفضل فكلما كان الجمع أكثر كانت الصلاة أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن صلى مع اثنين كان له مثل أجرهما، وحيث ما كثرت الجماعة فهو أفضل، والصلاة جماعة في المسجد أفضل منها في البيت".
فرع قال: لو كان بقرية مسجدان متساويان في الجماعة، فإن كان يبلغه النداء من أحد المسجدين دون الآخر، فالذي يبلغه النداء منه أولى بالحضور، وإن كان يبلغه النداء منهما، فإن كان أحدهما أقرب من الآخر، كان الأقرب أولى، وإن كانا في القرب سواء حضر أيهما شاء.
فَرْعٌ آخرُ قال: "لو كان أحدهما أتوب والأخر أبعد إلا أن الجماعة في الأبعد أكر، فإن كان لخروجه لا يختل الأقرب فالأبعد أفضل، وإن كان يختل ويؤدي إلى انقطاع الجماعة عنه كان حضور الأقرب الذي فيه الجماعة اليسيرة أولى، لأن إقامة الجماعة في مسجدين أولى من إقامة جماعة واحدة وتعطل المسجد الأخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 244

فَرْعٌ آخرُ لا كان الإمام في الجماعة الكبيرة مبتدعاً كالمعتزلي والرافضي وفي الجماعة القليلة موافقاً، فإن حضور الجماعة القليلة أولى، والصلاة منفرداً أفضل [206 أ / 2] من الصلاة خلفه.
وحكي عن أبي إسحق أنه قال: "صلاته منفرداً أولى من الجماعة خلف الحنفي، لأنه لا وضوء له، ولا صلاة بترك النية والترتيب في الوضوء وترك الفاتحة ونحوهما في الصلاة".
وقال القاضي الطبري: "في هذا نظر، لأن أمر المسلم بني على الإتيان بالعبادة على أكمل الأحوال ألا ترى أنهم يعتقدون أن التشهد غير واجبء ولكنهم يتشهدون ولا يتركه أحد منهم".
وحكي عن أبي حامد أنه قال: "متى أتى الحنفي بالشرائط يصح الاقتداء به، وإلا فلا".
وحكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحق الإسفراييني رحمه الله أنه قال: "لا يجوز وإن أتى بها"، لأنه يعتقد أنه يأتي بها نافلة لا فرضاً.
وحكي عن القفال: أنه يصح الاقتداء به، وان لم يأت بشرائطها، لأنه يحكم بصحة صلاته، ولهذا لا يباح قتله، ولا يقع به الاختلاف في ظاهر الأفعال، فلا يمنع صحة الاقتداء به، والفتوى عندي أنه إن كان متديناً يوثق أنه يؤدي الصلاة على الاحتياط للفريقين، كالأئمة الذين رأيتهم ببخارى وغزنة تجوز الصلاة خلفه من غير كراهة وإن علم أنه يترك ركنا أو شك في ذلك لا تصح الصلاة خلفه، لأن عناه أنه في غير صلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان لرجل مسجد يجمع فيه، ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي وان لم يأته وصلى في مسجده منفرداً فحسن.
فَرْعٌ آخرُ لو كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت لهم ذلك، لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره لتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعته، فتتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت الصلاة دخلوا فجمعوا يكون فيه اختلاف وتفريق كلمة [206 ب / 2] وفيهما المكروه، وبهذا قال جماعة الصحابة والفقهاء أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث رحمهم الله.
وروي ذلك عن سالم وأبي قلابة.
وقال أحمد وإسحق وداود وابن المنذر: "لا تكره الجماعة بعده".
ورواه قتادة عن أنس رضي الله عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 245

يندب إليها ثانيا، وهو غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان مسجد على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم يصلي فيه المارة، ويستظل به الناس، فلا أكره هذا فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت.
قال أصحابنا: وهكذا لو كان المسجد في موضع أهل لا يسع جيرانه لضيق الوقت عليهم، والمكان إقامتها دفعة واحدة، وإنما يصلون فيه فوجاً بعد فوج لم يكره فيه الجماعة بعد الجماعة.
مسألة: قال: "وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم".
الفصل وهذا كما قال: ترك الجماعة يجوز لعذر سواء قلنا أنها من فرائض الكفايات أو سنة مؤكدة.
والعذر ضربان: عام وخاص.
فالعام ضربان: عذر يجوز ترك الجماعة وعذر يجوز التأخير، فالذي يجوز التأخير مثل شدة الحر وقت الظهر على ما بيناه.
وأما الذي يجوز الترك، فمثل المطر والوحل في الليل والنهار أو الريح الشديدة في الليلة المظلمة دون النهار.
ويجوز ترك الجمعة للمطر والوحل أيضاً، ولا يتصور عذر الريح فيها لأنها تقام نهاراً.
وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعض أصحابنا: أنهما لا يكونان عذراً في ترك الجمعة تأكيداً لها على سائر الجماعات.
وهذا خلاف المذهب ولا شك أن الريح والوحل لا يكونان محذراً لجواز الجمع بين الصلاتين بخلاف المطر.
وقال في "التلخيص": "وأنكر المزني أن يكون المطر عذراً".
قال القفال: "لا أدري أين قال [207 أ / 2] المزني هذا".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الوحل هل يكون محذراً في ترك الجماعة؟ وجهان: أحدهما: لا يكون عذراً، لأن له عده بالخف والصندل، وبهذا يفتي مشايخ طبرستان رحمهم الله لمن قدر على ذلك.
وروى ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه: "صلوا في رحالكم".
وأما العذر الخاص، فهو: الذي يختص به الواحد من بين الجماعة، وهو عشرة أشياء ذكرها الشافعي رضي الله عنه في "الأم"، فمتى أقيمت الصلاة واتفق واحد منها ساع له تركها من ذلك إذا حضر الطعام، وهو شديد التوقان إليه في أي صلاة كانت فإنه

الجزء: 2 - الصفحة: 246

يتناول منه ما يسد الرمق، ثم يشتغل بالصلاة، ولا فرق بين أن يكون صائماً أو لا، لأن الشافعي قال في "المختصر": وإذا حضر فطره، أي: كان صائماً فحضر وقت فطره أو طعام مفطر به إليه حاجة، أي: لم يكن صائماً، ولكن حضر طعامه، وهو جائع، وبه حاجة إلى أكله.
وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يصلي أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء"، وأراد قدر ما يسكن النفس لا أن يتربع للألواذ الكثيرة حتى يتضلع فيخرج وقت الصلاة.
وهذا يدل على جواز تأخير صلاة المغرب يسيراً.
والثاني: مدافعة الأخبثين: الغائط والبول، أو أحدهما، لأنه يسقط خشوعه.
والثالث: المرض، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض تركها أياماً كثيرة.
والرابع: الخوف من سلطان ظالم أو مطالبته بغير حق، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر".
قالوا: يا رسول الله، وما العذر؟، قال: "خوف أو مرض".
والخامس: [207 ب / 2] السفر، ولا يريد به المسافرين، فإنهم يصلون جماعة كغيرهم، وإنما يريد إذا أقيمت الصلاة، ومن اشتغل بالجماعة فاتته الرفقة له تركها.
والسادس: النعاس وغلبة النوم، لأنه يسلب الخشوع في الصلاة ويخاف انتقاض الطهر في أثنائه.
والسابع: إذا كان له مريض يعلله متى فارقه خاف عليه يجوز له ترك الجماعة بسببه، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة.
وكذلك إذا كان له قريب مريض يخاف موته، لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال.
والثامن: ثلاثة أعذار: في المال، إذا خاف هلاكه أو ضياعه أو رجا عود ما قد ضل، فالهلاك مثل أن يكون خبز في تنور وطبخ في قدر متى اشتغل بالجماعة هلك.
والثاني: إذا كان له مال قد قدم في الحال ومتى لم يتداركه ضاع عليه كله أو بعضه له ترك الجماعة لحفظه.

الجزء: 2 - الصفحة: 247

والثالث: إذا أبق له عبد أو سرق له فرس أو ند له بعير يرجو تداركه في ترك الجماعة.
وقال القاضي أبو الطيب رحمه الله: ومن جملة الأعذار إذا كان قد أكل بصلاً أو كراثاً لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربا في مسجدنا"، وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فمه، والتداوي، فإن أمكن ذلك لم يكن عذراً، وإن أكله مطبوخاً جاز الحضور، ولما روي أن عمر رضي الله عنه خطب الناس، فقال: "فمن كان لا بد له من أكلهما فليتمهما طبخاً".
قال القفال: "ومن تركها لواحد من هذه الأعذار وكان قصده الجماعة لولا العذر حصلت له فضيلة الجماعة".
وقيل: من العذر الخاص أن يكون عله قصاص يرجو العفو ولا يحل له الخروج بأن يكون عارياً أو حافياً وتكره الجماعة هكذا، ذكره بعض مشايخ خراسان.
فرع يستحب أن يمشي على عادته وسكونه إلى الجماعة ولا سرع، وإن خاف فوتها.
وقال أبو إسحق: [208 أ / 2] إذا خانك فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اشتد إلى الصلاة، وقال: "بادرت حد الصلاة" يعني: التكبيرة الأولى، وكان الأسود بن يزيد يهرول إلى الصلاة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
وروي: "فاقضوا".
وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا ذالك فاجرة كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين".
وقوله: لا ينصبه، معناه: لا يتعبه إلا ذلك.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا توضأ أحدكم فأحن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد".
وقوله: "لا ينهزه"، أي: لا يبعثه ولا يشخصه إلا ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 248

فَرْعٌ آخرُ لو حضر رجل المسجد ولم يجد إلا من صلى بالجماعة استحب لبعض من حضر أن يصلي معه لتحصل له فضيلة الجماعة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً جاء وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بمنزلة الصدقة عليه.
فَرْعٌ آخرُ لو حضر والإمام لم يحضر، فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة عليه افتئاتا عليه، وإفساداً للقلب، فإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب ليصلح بين قومين [208 ب / 2] فقدم الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في الصلاة، فلم ينكر عليهم، فإن خافوا إنكاره ينتظرونه ما لم يخف فوات الوقت، فإن خيف لا ينتظره أحد.

باب

صلاة الإمام قاعداً بقيام قائماً وبقعود مسألة: قا: "وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف".
الفصل وهذا كما قال: إذا عجز الإمام عن الصلاة بالقوم، فالمستحب أن يستخلف من يصلي بهم قائماً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف في أكثر الصلوات حين مرض، وإنما صلى قاعداً بهم دفعة واحدة، ليبين الجواز، ولأن من الناس من لا يجيز إمامة القاعد، فيستحب الخروج من الخلاف فلو لم يستخلف وصلى بهم قاعداً، وهم قيام يجوز، ومن عجز منهم قعد معه أيضا.
وبه قال أبو حنيفة والثوري ومالك في روايةٍ.
وروي عن مالك أنه قال: "لا تصح صلاة القائم خلف القاعد ويجب عليه أن يستخلف"، وبه قال محمد وعند أبي حنيفة يجوز خلف القاعد ولا يجوز خلف المومئ.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحق: "يصلون خلفه جلوساً"، وهو اختيار ابن المنذر، واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ركب فرساً معروراً"، فسقط فجحش شقه الأيمن فصلى بالناس في بيتي قاعداً، والقوم خلفه قيام، فأشار إليهم أن اقعدوا فقعدوا، فلما فرغ مت صلاته، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا

الجزء: 2 - الصفحة: 249

عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجدنا فاسجدوا، وإذا قرأوا فأنصتوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين".
وقوله: فجحش شقه، أي: قد انسجح جلده، والجحش كالخدش أو أكثر منه، ولأنه يجوز أن يسقط بسبب الإمام فرض الانفراد كما في الجمعة تسقط ركعتان.
[209 أ / 2] واحتج مالك بما روى الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالساً"، وهذا غلط لما قال الشافعي وفعله الأخر ناسخ لفعله الأول، أي: صار ما رويتم منسوخاً بفعله الآخر، فإن قيل: هذا اللفظ لا يصح، لأن فعله في الحالين الصلاة قاعداً، فكيف ينسخ أحدهما بالأخر؟ قلنا: أراد تقريرهم على القيام خلفه ناسخ لأمره إياهم بالقعود وتقريره نوع فعل أيضاً.
وهذا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما استعز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويفيق، فدخل وقت الصلاة، وهو مغمى عليه، فلما أفاق، قال: "أصلى الناس؟ "، فقيل: لا، هم ينتظرونك، فقال: "ضعوا لي ما، في المخضب"، أي: ضعوني في ماء في المخضب، وهو مثل الأجانة، فوضعناه فاغتسل ثم أغمي عليه، فأفاق وقال: "ضعوا أي ماءٍ في المخضب"، فاغتسل مرة أخرى، فأغمي عليه أيضاً، فلما أفاق قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس".
قالت عائشة رضي الله عنها: فكرهت ذلك مخافة أن يتشاءم الناس بأبي، فأردت أن أصرف عنه ذلك، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء، إذا قام مقامك، فلو أمرت غيره، فقال: ا"مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقدمت حفصة وأمرتها أن تقول مثل ذلك، فذكرت ذلك، فقال: "أنتن صواحبات يوسف"، أبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه، ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجا في نفسه خفة في بعض الأيام، فخرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أهل بيته: العباس بن عبد المطلب ورجلٍ آخر؟ قال الراوي: أتدرون من الرجل الآخر؟ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن كانت لا تذكره، وهي تستطيع، فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد كان أبو بكر رضي الله عنه قد افتتح الصلاة، فلما رآه الناس تفرجت الصفوف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [209 ب / 2] فعلم أبو بكر أنه لا يتقدم ذلك الموضع أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يسار أبي بكر، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره وجعل الناس يكترون بتكبير أبي بكر رضي الله عنه.
وروي: فكان يصلي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر،

الجزء: 2 - الصفحة: 250

يريد أن أبا بكر كان كالمترجم لهم إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعداً وهم قيام وأكثرهم لا يرونه ولا يسمعون صوته، فلهذا قال: كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ولم يأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقعود، فكان هذا ناسخاً للأول.
وروي: أنه خرج يهادي بين رجلين: أسامة ورجل آخر.
وقد روى سفيان: أن الإمام كان أبا بكر رضي الله عنه، وهو غلط.
وأما الدليل الآخر، قلنا: في الجمعة سقطت ركعتان بسبب الجماعة لا بسبب الإمام، لأن الإمام لو انفرد صلى أربعاً كالقوم وههنا لو قدر الإمام على القيام لم يترك لعجز القوم، فلذلك القوم لا يتركونه لعجز الإمام، ثم تقابل بأن المأموم أحد ركني الجماعة، فلا يسقط عنه القيام بعجز صاحبه كالإمام لا يقعد بقعود المأمومين، ويؤكده أن القارئ يتحمل القراءة عن المأموم عند بعض العلماء، والأمي لا يتحمل والقادر إذا لم يتحمل القيام عن القوم، فالعاجز أولى أن لا يتحمل.
وأما احتجاج مالك رحمه الله.
قلنا: صار منسوخاً بجبرنا مع أنه مرسل ضعيف.
رواه جابر الجعفي، أو أراد استحباباً.
واحتج أيضاً بأنه فقد ركناً من صلاته، فلا تجوز إمامته كالأمي.
قلنا: لأنه ناقص أو مقصر في التعليم والعاجز عن القيام ليس بناقص إذ لا يجوز أن يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كان ناقصاً حين مرض ولا أن صلاته ناقصة.
مسألة: قال: "فإن صلى الإمام لنفسه جالساً ركعة، ثم قدر [210 أ/2] على القيام".
الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا زالت العلة في أثناء الصلاة يلزمه القيام ويبني، فإن لم يقم بطلت صلاته، فإن لم يعلم المأموم بصحته وقدرته على القيام صحت صلاته لأنه غير مفرط، وإن علم بصحته وتركه القيام بطلت صلاته، فإن قيل: كيف يعلم المأموم صحته وقدرته؟.
قلنا: قال أبو إسحق رحمه الله: يمكنه أن يعلم بأن المانع أنه كان لا يقدر على مد الرجلين، فرآه، وقد مدهما وقد يعلم بعلامة أخرى سوى هذه.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول أخر: لا تبطل صلاته بل تصير نفلاً.
وقول الشافعي ههنا: (أفسد صلاته)، أي: أفسد يعني الفرض فعلى هذا لا تبطل صلاة المأمومين أصلاً، وإن علموا بصحته.
وهذا خلاف المذهب الظاهر، ثم ذكر المزني رحمه الله بعد هذا مسألة الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، وقد ذكرناها فيما تقدم، وذكر في وسط كلامه أنه إذا دخل في الصلاة، وهو لا يحسن أم القرآن ثم أحسنها بني عليها، وعند أبي حنيفة: بطلت صلاته إذا تعلم القرآن، ولم يكن يعلم شيئاً.
مسألة: قال: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم".

الجزء: 2 - الصفحة: 251

الفصل وهذا كما قال: إذا بلغ الصبي سبع سنين كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة، لأن هذا سن التمييز والعقل في العادة، وهو الحد الذي يخير فيه الصبي بين أبويه، وإذا بلغ عشراً أمره بها وضربه عليها.
قال القاضي أبو حامد: "ويعوده الجماعة ليعتادها"، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، والمعنى في الضرب إذا بلغ عشراً أنه يحتمل البلوغ فيه بالاحتلام، فيؤمر به ضرباً، لأنه ربما يكون [210 ب/2] بلوغه، فإن كان بالغاً يكون مؤدياً للواجب وإن لم يكن بالغاً يتعود ذلك حتى لا يكسل عنها في كبره.
وكذلك الجد والوصي والقيم من جهة الحاكم عليهم ما على الأب.
وأما وجوب الفعل قبل بلوغه فلا يجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
وأما في "الأم" فأشار إلى أنه يجب قبل بلوغه، ولكنه لا يعاقب على تركها عقوبة من تركها بعد بلوغه.
ورأيت كثيراً من المشايخ يركبون هذا القول في المناظرات وليس بمذهب لأنه غير مكلف أصلاً، وإنما هذا قول أحمد في رواية: أنها تجب عليه إذا بلغ عشراً بدليل أنه يضرب على تركها، وعندنا هذا الضرب للاعتياد كما يضرب تأديباً في الأمور.
فإذا تقرر هذا ففيما نقله المزني إشكال، لأنه قال: أن يعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عصوا، فيوهم الأمر بالضرب فيما دون العشر إذا عقل، وليس كذلك فنقول في النظم تقديم وتأخير ونظمه ويعلمونهم الطهارة والصلاة إذا عقلوا، ويضربونهم على ذلك، فيبقى الضرب مطلقاً عن بيان الوقت، ثم يعلم وقته بالخبر، ثم قال: "فمن أحتلم أو حاض أو أستكمل خمس عشرة سنة لزمه الفرض"، أراد فمن احتلم من الغلمان أو حاض من النساء.
واختلف أصحابنا في الجارية إذا احتلمت في هذه السن، ولم تحض هل يكون بلوغاً؟ على وجهين.
والصحيح أنه بلوغ وظاهر قوله ههنا: فمن احتلم يدل على التسوية بينهما، وإذا لم يوجد حيض ولا احتلام، فالبلوغ عندنا استكمال خمس عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: يحصل بالطعن في الخامسة عشرة، وعند أبي حنيفة باستكمال ثماني عشر، وفي المرأة روايتان: إحداهما: كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 252

والثانية: سبع عشرة سنة، والله أعلم.
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[211 أ/2]

باب اختلاف ... الإمام والمأموم مسألة: وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر وجاء قوم فصلوا خلفه ينوون العصر.
الفصل وهذا كما قال وجملته أن الصلاتين إذا اتفقتا في الأفعال الظاهرة يجوز أن يكون الإمام في [332 أ/2] إحداهما المأموم في الأخرى فريضتين كانتا أو نافلتين أو فريضة ونافلة وسواء كانت الفريضتان متفقتين كظهرين وعصرين أو مختلفتين كظهر وعصر وسواء كانتا مما يجهر فيهما أو لا يجهر فيهما أو يجهر في إحداهما دون الأخرى وله أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح أو الوتر ويجوز ذلك، والقضاء خلف الأداء وبه قال عطاء وطاوس والأوزاعي والحسن وأبو ثور وأحمد في رواية وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أخرى: لا يصلي المفترض خلف المتنقل ولا المفترض في غير فرضه ويصلي المتنفل خلف المفترض وبه قال الزهري وربيعة ولا يجوز أن النفل خلف الفرض أيضاً ويروى هذا عن مالك وهو الصحيح عنه وهذا غلط لما روي الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال "كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم ينطلق إلى قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة مكتوبة" وروي أن جابراً رضي الله عنه: "قال كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم يرجع فيصليها [332 ب/2] بقومه من بني سلمة فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة فصلى معه ثم رجع فأم قومه فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده فقالوا له نافقت فقال: ما نافقت ولكني آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إنك أخرت العشاء وإن معاذاً صلى معك ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أفتان أنت يا معاذ أقرأ بسورة كذا وكذا" فإن قيل يجوز أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تطوعاً ثم صلى بقومه فريضة قلنا قد روي أنه كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء والعشاء في صلاة الفريضة ولأنه لا يجوز على معاذ أن يذر الفرض وهو أفضل العمل أفضل الخلق فيتركه ويضيع بحظه منه ويقنع من ذلك بالنقل ثم استأنس بفعل عطاء بن أبي رباح المكي بمكة وهو أنه كان يصلي مع الإمام القنوت يريد، ركعتين من التراويح ثم يعتمد بهما من العتمة وكان الدخول فيهما [أ/333 - 2] بنية العتمة فإذا سلم الإمام قام فنسي ركعتين من العتمة فعبر بخبر صلاة الليل بالقنوت لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238] ولأن أبا حنيفة رحمة الله ناقض أصله حيث قال تجوز صلاة النذر خلف من يصلي الصلاة الشرعية بعلمه أن صلاة النذر واجبة وليت بفريضة وقال: لو سجد

الجزء: 2 - الصفحة: 253

الإمام للسهو بعد السلام فأحرم رجل خلفه لصلاة الظهر لصح وليس هو في صلاة الظهر وسجود السهو عنده واجب لا فرض.
فرع لا يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي صلاة الجنازة ولا خلف من يصلي صلاة الخسوف لاختلافهما في الأفعال الظاهرة ولذلك لا يصلي الكسوف خلف من يصلي الصبح وقال بعض أصحابنا بخراسان واختاره القفال أنه يجوز لأن اقتدى بمصلي فيقوم قائماً حتى يسلم الإمام في صلاته ثم يركع هو وفي الخسوف لا يركع معه في الركوع الثاني ولكن إذا سجد تابعه.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى الصبح خلف من يصلي صلاة العيد ظاهر المذهب أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة.
وقال والدي رحمه الله فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا والثاني يجوز ولا يكبر معه تكبيرات العيد [333 ب/2] والثالث يجوز ويكبر معه التكبيرات.
فرع لو صلى ركعتي خلف من يصلي أربعاً فإذا قام الإمام إلى الثالثة إن شاء سلم وإن شاء انتظر الإمام ليفرغ ويسلم به ولا تبطل صلاته وإن خرج عن صلاة الإمام لأنه خروج بعذر وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز أن يصلي ركعتين خلف من يصلي الأربع؟ قولان: لأن يؤدي إلى خروجه من صلاة الإمام قبل فراغه منها وهذا غلط ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى ركعتين من العشاء خلف من يصلي التراويح ثم سلم الإمام فقضى هو تمام صلاته فإنه يجوز بلا خلاف فلو قام الإمام إلى ركعتين أخرتين من التراويح فقام هو في ثالثة واقتدى في الإمام مرة أخرى هل يجوز؟ قولان كما لو افتتح الصلاة مفرداً ثم صلاها مع الإمام.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم" لو أن رجلين قاما إلى الصلاة فأحرم أحدهما قبل الأخر ثم شكا قبل الفراغ من الصلاة فلم يدريا أيهما الإمام؟ بطلت صلاتهما وإن شك أحدهما دون الآخر بطلت صلاة الشاك دون الذي لم يشك ولو قال الذي يشك للذي شك: ما شككنا فصدقه لم [334 أ/2] تسقط عنه إعادة الصلاة لأنه لايرفع في عمل الصلاة إلا إلى علم نفسه ولو كان ثلاثة أو أكثر فعلموا أن الإمام كان واحداً ولكن كل احد منهم شك هل كان هو الإمام أو هو المأموم؟ أعادوا أجمعين فلو كان هذا الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا إعادة عليهما لأن الشك الطارئ بعد السلام من الصلاة وسلامة الصلاة في الظاهر لا توجب الإعادة ولأنه إذا شك بعد الصلاة إن كان إماماً صحت صلاته وإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 254

مأموماً صحت ويخالف إذا كان في الصلاة لأنه لا يدري هل يتبعه أم يتبعه صاحبه؟.
فَرْعٌ آخرُ قال لو وقف رجلان يصلي كل واحد منهما لنفسه غير مؤتم بصاحبه فصلى جماعة خلفهما وجعلوهما معاً إمامين لم تصح صلاة المؤتمين إذ ليس أحدهما بأولى باتباعه من الأخر وإن كانت المسألة بحالها فجعل الذي خلفهما أحدهما: إماما لا يعينه مثل أن قال أحدهما: إمامنا لم تصح أيضاً لأنه إذا لم يتعين لا يمكن الاقتداء به.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل رجل المسجد فرأى رجلين [334 ب/2] أحدهما يأتم بالأخر فأحرم هذا وجعل المأموم إمام نفسه لم يجز لأن المأموم لا يكون إماماً وهو مأموم وسواء فعل هذا الثالث ما فعله مع الجهل بحالة أو مع العلم فإن قيل أليس لو صلى خلفه المحدث جاهلاً يجوز؟ قلنا هو هناك غير مفرط وهو هنا مفرط لأن كونه إماماً أو مأموماً يظهر في حركاته وكيفية صلاته في أركانها فإذا لم يتأمل ذلك لم يعذر.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا لو نوى كل واحد منهما أنه هو الإمام وإن الآخر هو المأموم صحت صلاتهما معاً لأن كل واحد منها يصلي لنفسه ويعتقد أن غيره يصلي بصلاته فإذا بان خلاف ذلك لا يضر ولو اعتقد كل واحد منهما أنه هو المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام فلا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو افتتح الصلاة بنية الانفراد ثم جاء آخر فصلى خلفه صح ائتمامه به وإن لم ينو الإمام إمامته وبه قال جماعة العلماء وقال الثوري وأحمد، وإسحاق لا يصلي خلفه إلا أن ينوي الإمام إمامته فإن لم ينو فسد صلاتهم واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " [335 أ/2] الأئمة ضمنا ولا تضمن إلا بعلم العلم" وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كان رهطاً فلما أحس رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة فقلنا له حين فرغ: أفطنت بنا الليلة؟ قال: نعم ذلك الذي حملني على ما صنعت" وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ ثم جئت فوقفت عن يساره فأخذني بيمني وروى فأخذني برأسي وحولني إلى يمينه وروي فأخذ بأذني فأدارني من ورائه فإمامني عن يمينه فصليت معه ولم يكن نوى الإمامة فيها وفي هذا دليل على جواز الصلاة بالجماعة في الإثنين وإن الإثنين جماعة وإن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا اثنين وإنه يجوز العلم اليسير في الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 255

مسألة: قال وإذا أحس الإمام برجل وهو راكع [335 ب/2] لم ينتظره وهذا كما قال الانتظار في الصلاة على أضرب أحدها أن يدخل الإمام في الصلاة في مسجد لم تكثر فيه الجماعة فطولها رجاء تلاحق الناس وتكاثر الجماعة فهذا مكروه لقوله: "إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" والثاني أن يتخلف رجل له جاه في المكان وعادة بالصلاة في هذا المسجد كالسلطان والعالم فهذا يكره انتظاره أيضاً والثالث: أن يكون في الصلاة فأحس بداخل يقصد الجماعة نظر فإن لم يكن القاصد دخل المسجد كره له الانتظار أيضاً وإن كان قد دخل فلا يخلو إما أن يكون الإمام ركعاً أو غير راكع فإن كان ركعاً فلا يستحب له أن ينتظره ليدرك الركعة وهل يكره له الانتظار فيه قولان؟ أحدهما: يكره وهو اختيار المزني رحمه الله والثاني يباح له ذلك وهو اختيار أبي إسحاق رحمه الله وهذا ما لم يكثر الداخلون فيطول على من حضره قال أبو إسحاق وجواز الانتظار أحوط القولين وأقواهما وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن الشعبي والنخعي [336 أ/2] وقال أبو إسحاق فيه قولان: أحدهما يكره له الانتظار.
والثاني: يستحب وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلا يكره بل يستحب كالانتظار في صلاة الخوف وحكي صاحب الإفصاح عن بعض أصحابنا أنه قال إن لم يطل على المأمومين ولم يشق عليهم فإنه ينتظر قولاً واحداً وإن طال فهل ينتظر قولان وهذه الطريق غلط لأن تعليل الشافعي رحمه الله ولكن صلاته خالصة لله تعالى يقتضى الكراهية معلقاً قال المزني الأول عندي أولى بالصلاة وقرئ بالصواب فمن قرأ بالصلاة أراد بحق الصلاة حتى لا يطول على المتقدم ومن قرأ بالصواب أراد لا ينتظره أولى بالصواب لأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها واحتج المزني على أنه يكره وبه قال أبو حنيفة ومالك وداود، وأبي المنذر رحمهم الله بأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها فكان أولى ولأن فيه تشريكاً بين الله وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:110] وقال أبو حنيفة من فعل [336 ب/2] ذلك فقد أشرك بين العمل لله تعالى وبين المخلوقين ولم يرد به الإشراك الذي هو الكفر كما وهم بعض أصحابه وأفتى بشركه وإباحة دمه وكيف يكون شركاً به وقد استحبه كثير من الفقهاء فأما نحن لا ننسب هذا الداخل إلى التقصير ولا نظن به الأخير فلا بأس بانتظاره قليلاً ليفتتح الصلاة ويدرك الركوع ولا يمنع ذلك أن تكون صلاته خالصة لله تعالى ولأنه روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إني ربما أكون في الصلاة في سورة أريد أن أتممها فلما أسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه" فإذا جاز له - صلى الله عليه وسلم - أنه يجوز بالصلاة لحق بعض المأمومين جاز للإمام هذا الانتظار القليل لحق الداخل حتى لا تفوته الركعة ولأنه يؤمر بإعادة الجماعة لمن فاتته الجماعة ويؤمر برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه ولا يقال فيه تشريك ويستحب ذلك كذلك ههنا ولأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وأجلس الحسن رضي الله عنه عند قدميه فلم سجد ركب ظهره فأطال السجود فلما

الجزء: 2 - الصفحة: 256

[337 أ/2] فرغ قيل له: أطلت السجود قال: "إن ابني ركبني فأطلت السجود ليقضي وطره" فإذا أجاز هذا ففي مسئلتنا أولى وقيل: هما على حالين فإن كان يعرف الداخل لا ينتظره لأنه لا يخلو عن نوع مراياة وإن كان لا يعرفه لا ينتظره.
فرع لو أحس به وهو قائم أو ساجد لا ينتظره لأنه لا غرض للداخل في لحوق القيام ولا في لحوق السجود وإن أحس وهو قاعد في التشهد وقارب السلام هل ينتظره حتى يحرم الداخل أم لا ينتظره ويسلم على القولين لأن للداخل غرضاً في لحوقه في التشهد وهو أن يدرك فضيلة الجماعة وإن لم يكن قارب السلام يكره انتظاره لأنه لا يقوم بترك الانتظار فضيلة ولا نية فوات ركعة.
فَرْعٌ آخرُ لو انتظره لا للاحتساب بل للتودد واستمالة القلب يكره قولاً واحداً وههنا قال أبو حنيفة رحمه الله أخشى أن يكفر وقال بعض أصحابنا بخراسان هل تبطل صلاته بالانتظار الذي ذكرنا؟ قولان وهذا ليس بشيء وقال أيضاً لا يدرك الرجل فضيلة الجماعة إلا بإدراك ما يحتسب له به مثل أن يدركه في الركوع فأما إذا أدركه في السجود لا يحصل له فضيلة الجماعة وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ قال [337 ب/2] بعض أصحابنا وردت الأخبار في فضل إدراك التكبيرة الأولى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى متى يكون مدركاً لها فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: إذا أدرك الركعة صار مدركاً لها لفضيلتها وإن كان أدرك الركوع معه والثاني: ما لم يدرك شيئاً من القيام لا يكون مدركاً لها.
والثالث: ينظر فإن كان مشتغلاً بأمر الدنيا لا يكون مدركاً لها ما لم يدرك شيئاً من القيام وإن كان مشتغلاً بالطهارة فإنه يكون مدركاً لها بإدراك الركوع.
مسألة: قال ويؤتم بالأعمى وبالعبد وهذا كما قال يجوز إمامة الأعمى للبصراء والعميان ولا تكره وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال تكره وبه قال ابن سيرين ويروى عن مالك رحمه الله أيضاً لأنه لا يرى النجاسة فلا يمكنه التوقي وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم مراراً على المدينة وكان يصلي بالناس وكان ضريراً ولأنه ليس فيه إلا فقد حاسة لا تخل به شيء من شرائط الصلاة فأشبه الأطرش فإذا تقرر هذا فقد قال في كتاب الإمامة الأعمى والبصير فيها سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر لأن [338 أ/2] البصير وإن كان له فضل قربة في اجتناب النجاسات ومشاهدة الجهات فالأعمى فضيلة أخرى في كثرة الخشوع لأنه لا يشاهد شيئاً يشغله عن الصلاة.
وقال بعض أصحابنا وبه أفتي البصير أولى لما تقدم من العلة وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته وهذان الوجهان مخالفان للنص وهو أولى ولهذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى كما قدم البصير ولم يفرق بينهما فاستويا وقال أبو حنيفة:

الجزء: 2 - الصفحة: 257

البصير أولى بكل حال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف البصراء في أكثر الأحوال ولم يستخلف الأعمى إلا مرة أو مرتين قلنا لأن البصراء بالمدينة هم أكثر من العميان لا لما قلتم وأما إمامة العبد تجوز ولا تكره إمامته قال: والاختيار أن يقدم الأحرار على المماليك لأن الإمامة هي فضيلة وكمال فالكامل بها أولى وحكي عن أبي حنيفة أنه تكره إمامته وبه قال أبو مجلز وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: لا يؤمهم في الجمعة والعيدين وقال الأوزاعي رحمه الله: أربعة لا يؤمون الناس فذكر العبد إلا أن يؤم أهله [338 ب/2] وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة" وقال عبد الله بن أبي مليكة: كنا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأمرت مولى لها لم يعتق بعد فصلى بنا وروي أنه كان لعائشة رضي الله عنها غلاماً يكنى أبا عمرو وكان يؤم بني محمد بن أبي بكر وعروة ولم يكن عتق بعد وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن قوماً من المهاجرين نزلوا بحسن قباء وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمهم سالم مولى أبي حذيفة.
وإمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير ثم ينظر فإن كنت إمامته بقدر صلاة الانفراد لا يلزم استئذان السيد وإن تطاول عن حد الانفراد كالجمعة يلزمه استئذانه لأن فيها تفويت خدمته.
فرع إمامة الصبي الذي يفعل الصلاة للبالغين في الفريضة والنافلة جائزة ولا يكره والاختيار أن لا يؤهم إلا بالغ نص عليه وبه قال الحسن وإسحاق وقال عطاء والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي تكره إمامته وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يؤم الغلام حتى [339 أ/2] يحتلم وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز أن يكون إماماً أصلاً وروي عنه أنه يجوز ذلك في النوافل دون الفرائض وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم وكلام أحمد في هذا يحتمل وجهين وهذ غلط لما روى عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا إذا رجعوا مرو بنا فاجهرونا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كذا وقال كذا وكنت غلاماً حافظاً فحفظت من ذلك قرأناً كثيراً فانطلق أي وافد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال يؤمكم أقرأكم وكنت أقرأهم فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقوله: كنا بحاضر الحاضر هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه ومعنى الحاضر: المحضور ولأن من أجاز أن يكون لنا ما في النفل جاز أن يكون إماماً في الفرض كالبالغ وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب فيصلوه بنا التراويح وكنا نعمل لهم القلية والخشكنانج.
فرع قال الشافعي [339 ب/2] رحمه الله وأكره إمامه ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه لأن الإمامة موضع فضيلة وبه قال مجاهد وروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله نهى رجلاً يصلي

الجزء: 2 - الصفحة: 258

بالناس عن الإمامة لأنه لا يعرف أبوه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يكره وبه قال الثوري وأحمد، وإسحاق ورواه ابن المنذر عن مالك رحمهم الله واختاره والصحيح عن مالك وأبي حنيفة مثل قولنا وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء فإن أم جاز لأنه يذكر من أهل الصلاة فأما الخصي والمحبوب فكالفحل سواء بلا إشكال.
مسالة: قال: وأكره إمامة من يلحن.
فصل وهذا كما قال إذا لحن الإمام في القرآن فإن كان لا يخل بالمعنى فصلاته وصلاة من خلفه جائزة سواء كان في أم القرآن أو غيرها مثل أن يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ بضم الألف ﴿وَإِيَّاكَ﴾ بفتح الألف ونستعين بخفض النون الأولى ونحو ذلك وتكره إمامته لأن الاختيار أن يكون الإمام فصيح اللسان حسن البيان مرتلاً للقرآن كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله" وإن كان يخل المعنى فإن كان في [340 أ/2] غير الفاتحة مثل أن يقول (إن الله برئ من المشركين ورسوله) بخفض اللام قوله: (أنعمت) عليهم بضم التاء فإن كان لا يحسن الصواب أو جرى بذلك لسانه من غير قصد لا يضره ولا يضرهم لأنه في غير الفاتحة التي هي الفريضة وحدها وإن كان تعمد بذلك فإن كان معتقداً لما قرأه فقد كفر ولا صلاة للكافر وإن لم يكن معتقداً فقد فسق به وبطلت صلاته لأنه تلاعب بصلاته فكان حكمه أغلظ من حكم من تكلم في الصلاة عامداً وأما صلاة المأمومين فإن علموا بحاله وتبعوه في صلاتهم بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل صلاتهم وإن كان ذلك في أم القرآن مثل أن يقرأ ولا الظالين بالظاء أو أنعمت عليهم على ما ذكرنا أو إياك نعبد بخفض الكاف فيكون خطاباً للمؤنث قال الشافعي رحمه الله: أجزأته دونهم وقال في استقبال القبلة: لا تجوز صلاته ولا صلاة من خلفه وليست المسألة على قولين وإنما على اختلاف حالين؛ فالأولى إذا كان لا يستقيم لسانه ولا يقدر على تعلم الصواب والثانية إذا كان يمكنه ذلك ففرط وأما صلاة من خلفه فمن كان مثله [340 ب/2] تجوز صلاته ومن كان يحسن ذلك من غير لحن فهو بمنزلة صلاة القارئ خلف الأمي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وأما قول الشافعي: أو لفظ بأعجمية معناه أن يقول الخمد بالخاء المعجمة والهمد بالهاء كما يقول الجبلي والديلم أو يتبدل حرفاً بحرف مثل أن يقول ما يقول بعض العجم إهدنا الصراط المستقين بالنون فهذا كله بمنزلة اللحن الذي يحيل المعنى وقد ذكرنا.
فرع لو ترك التشديد في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ وخففها فإن تعمد وعرف معناه صار كافراً لأن الإيا ضوء الشمس فيصير كأنه يعبد ضوء الشمس وإن كان ناسياً أو جاهلاً يسجد للسهو بعد إعادته على الصحة.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا ولو لحن بغير المعنى مثل أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونصب

الجزء: 2 - الصفحة: 259

الهاء هل يجزيه؟ وجهان بناء على أصل وهو أن الإعجاز في النظم وحده دون الإعراب أو في النظم والإعراب معا؟.
مسألة: قال وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
الفصل وهذا كما قال.
التمتام هو الذي يردد التاء ثم يأتي بها والفأفأة هو الذي يردد الفاء ثم يأتي بها فهذان تصح الصلاة خلفهما [أ 34 أ/2] لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال والزيادة مغلوب عليها ويكره تقديمهما لموضع الزيادة بالتردد وأما الأرت وهو الذي في لسانه رتة يدغم حرفاً في حرف ولا يبني الحروف وقال بعض أصحابنا هو الذي يبدل حرفاً بحرف مثل اللام تاء ونحو ذلك وهكذا قاله الفراء وقال أبو العباس المبرد: الأرت الذي به رتة وهو أن أول الكلام لا يطاوعه حتى إذا نطق به اتصل فحكمه حكم التمتام على هذا وقال في تفسيره عن الشافعي رحمه الله: من يكون في لسانه رخاوة كما يكون في لسان الصبيان فإن كان هكذا فإنه تجوز الصلاة خلفه إذا أتى بالتشديد في موضعه وإذا قلنا بما ذكره بعض أصحابنا أو ذكرنا أولاً لا تجوز صلاة القارئ خلفه وأما الألثغ فهو الذي يقلب الحرف عن موضعه حتى يتلفظ بالعين بدل الغين أو اللام في مخرج الكاف أو الكاف في مخرج التاء ونحو ذلك فهو بمنزلة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة وقال القاضي أبو حامد رحمه الله الألثغ هو الذي يبدل حرفاً بحرف وقال المبرد اللثغة هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الفراء: اللثغة [341 ب/2] هي بطرف اللسان وهي أن يجعل الراء على طرف لسانه لاماً ويجعل الفاء تاء وقال الأزهري: الأليغ بالياء وهو الذي لا يبني الكلام وقد ذكرنا حكمه.
فرع لو كان ممن لا يصرح بالحرف فيتكلم بالحرف بين حرفين كالعربي الذي لا يجعل القاف كافاً بل يخرجها بين الحرفين لا كافاً ولا قافاً أو العجمي الذي لا يصفو له الضاد غير أنه لا يقول ظاء فيه فتكره الصلاة خلفه ويجوز وحكي عن الشيخ أبي العباس الأسفراييني عن الداركي عن أبي غانم تلقى أبي العباس قال: انتهى ابن سريج رحمه الله إلى هذه المسألة فقال: لا تجوز إمامة الألثغ وكان به لثغه يسيرة وفي مثلها فاحتشمت أن أقول له هل تصح إمامتك؟ فقلت أيها الشيخ هل تصح إمامتي؟ قال: نعم.
وإمامتي أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ لو اختلف لحن الإمام والمأموم فأحال الإمام بلحنه معنى كلمة أصاب المأموم معناها وأحال معنى كلمة سواها ففي صلاة المأموم وجهان؛ أحدهما: يجوز لاشتراكهما في اللحن وإن اختلفا والثانى: لا يجوز وهو الأصح لأنه يفضل على الإمام فيما قصر عنه وإن اعتوره النقص من غيره وكذلك لو كان [342 أ/2] المأمون لا يحسن الفاتحة ويحسن سبع آيات لا يلحن فيها أو لا يحسن من القرآن شيئاً ولكنه يسبح ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 260

يلحن فصلى خلف من يحيل بلحنه معنى الفاتحة فهو على هذين الوجهين وروى عبيد بن عمير أن رجلاً من السائب كان يصلي بالناس بمكة وكان أعجمي اللسان فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فهم بالمسور فقال يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع به بعض الحاج فيأخذ بعجمته فقال: أصبت.
فَرْعٌ آخرُ لو اختلف لثغة رجلين لم يجز لأحدهما أن يأثم بالآخر في أصح الوجهين لأن كل واحد يعجز عن صاحبه في الحرف الذي أتى به فكان نقصاً.
فَرْعٌ آخرُ الحبسة في اللسان تعذر الكلام عند إرادته والفف إدخال حرف والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحرف وأصل الغمغم موت المبارز في الحرب وحكم هؤلاء حكم الألثغ.
فَرْعٌ آخرُ القراءات الشاذة ما عدا الحروف السبعة فإن لم يكن فيها زيادة حرف ولا تبديل معنى فقراءتها في الصلاة لا تبطلها وتحتسب لأن اللحن الذي لا يغير المعنى لا يمنع الاحتساب بالقراءة [342 ب/2] على ظاهر المذهب وإن كان فيها زيادة كلمة أو كان فيها تغيير المعنى فتلك القراءة تجري مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان عمداً تبطل الصلاة وإن كان سهواً فإنه يسجد للسهو.
مسألة: ولا يأتم وجل بامرأة ولا بخنثى وهذا كما قال لا يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجال وبهذا قال كافة العلماء وقال أبو ثور يجوز ذلك وحكي عنه وعن ابن جرير أنهما قالا: يجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلفه الرجال واحتجوا بما روي عن ورقة بنت نوفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها في بيتها فجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها وهذا عام في الرجال والنساء وهذ غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أخروهن من حيث أخرهن الله" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تؤمن امرأة رجلاً ولا إعرابي مهاجراً لا فاسق مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" ولأن الإمامة هي موضع الكمال والمرأة ليست من أهل الكمال ولهذا لا تصلح للقضاء والإمامة الكبرى ولأن في إمامتها [343 أ/2] افتتاناً بها فلا يجوز وأما خبرهم قال الدارقطني: أمرها أن تؤم نساء أهل دارها.
وأما الخنثى فينظر فيه فإن بان أنثى فهو كالمرأة وإن بان رجلاً فهو كالرجل وقال في الحاوي: إذا زال إشكاله وبان أمره كرهنا له أن يأتم بامرأة ويجوز، وإن بان رجلاً كرهنا للرجال أن يأتموا به ولكن يجوز، وأما إذا كان مشكلاً لا يجوز أن يكون إماماً للرجال لئلا تكون امرأة ولا يجوز أن يكون إماماً للخنثى لئلا

الجزء: 2 - الصفحة: 261

تكون امرأة والمأموم رجلاً، ولا يجوز للخنثى أن تأتم بامرأة لئلا يكون رجلاً خلف امرأة.
ويجوز أن يكون إماماً للمرأة وأن يأتم بالرجال أيضاً.
فرع قال في كتاب الإمامة ويصلي الرجل بالنساء من ذوات محارمه فإن كن أجنبيات ولا رجل معهن كره له أن يصلي بهن وإنما كان كذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية وقال: "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" وإن كان معهن رجال لم يكره بحال.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف الخنثى ولم يعلم ثم علم لزمه إعادة الصلاة [343/ 2] فلو لم يعد الصلاة حين عرف حتى بان أنه رجل فالصحيح أنه يلزمه الإعادة أيضاً وفيه قول مخرج أنه لا يلزمه الإعادة من قول الشافعي رضي الله عنه ولو رأوا سواداً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه غير عدو يلزمهم الإعادة في أحد القولين ولو ائتم خنثى بامرأة ثم بان أن الخنثى امرأة لا تسقط عنه الإعادة قولاً واحداً لأن إحرامه انعقد فاسداً ولو فرغ من صلاته ثم بان أن الإمام امرأة ففيه وجه مخرج أنه لا إعادة ذكره في الحاوي.
مسألة: قال: وأكره إمامة الفاسق والمظهر للباع وهذا كما قال تكره إمامة الفاسق وأراد كراهة التنزيه وهو المسلم إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق أو ارتكب غيره من المعاصي فإن صلى بهم صحت صلاتهم والكراهة للنهي الذي ذكرنا في الخبر وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "انتقدوا أئمتكم انتقاد الدرهم والدنانير" وقال مالك رحمه الله: الفاسق بغير تأويل لا يجوز الصلاة خلفه وفي المتأول روايتان والمشهور عنه أنه قال: إذا صلى خلف الفاسق بتأويل يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه [344 أ/2] لا تجب الإعادة وقال أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق أصلاً وروي أنه قيل لأحمد: أتصلي خلف من يشرب النبيذ؟ فقال: أنا أروي عنه الحديث أفلا أصلي خلفه؟ وهذا إذا غسل فاه عند الصلاة وثيابه نظيفة وكان صاحياً والدليل على ما ذكرنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلو خلف من قال: لا إله إلا الله وعلى كل من قال: لا إله إلا الله" وصلى ابن عمر رضي الله عنهما خلف الحجاج وكان من أفسق الناس، وروي أنه قيل لابن عمر رضي الله عنهما: أتصلي خلف الحجاج؟! فقال: إذا دعونا إلى الله تعالى أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
وقال معاذ قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبن أحداً من أصحابي" وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثلاث من السنة الجهاد في سبيل الله مع كل بر أو فاجر والصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والصلاة على من صلى إلى القبلة بر أو فاجر" وقال الشافعي وإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد والدين أجزأه

الجزء: 2 - الصفحة: 262

وخلاف الحمد هو الذم ولكنه [344 ب/2] تطرف في العبادة فعبر عن الفسق المذموم بخلاف الحمد وأراد به من بلغ الغاية في ارتكاب المعاصي ولم يرد الغاية في البدعة هي الكفر، وأما المظهر للبدع في الدين بالطعن على السلف الصالح فإنه تكره الصلاة خلفه فإن صلى صحت صلاته لأن ذلك لا يخرجه عن الإسلام وقال صاحب الإفصاح: أراد الشافعي رحمه الله: إذا لم يخرج عن الإسلام ببدعته ولم يكفر السلف ولم ينقصهم ولم يعتقد حدوث كلام الله تعالى ولا نفي شيء من صفاته، وإنما خالف في الأرجاء والوعيد ونحو ذلك من البدع التي لا تخرجه من الملة فتكره الصلاة خلفه، ولكن تجوز فأما إذا اعتقد شيئاً مما ذكرنا لا تجوز الصلاة خلفه.
ومن أصحابنا من قال: البدعة على ثلاثة أضرب ضرب لا يفسق به كالمخالف في الفروع من الفقهاء فلا تكره الصلاة خلف معتقده إلا أن يكون منهم من يذهب إلى ترك الأركان فتكره الصلاة خلفه لئلا يترك ركناً ويجوز لأن الظاهر منه أنه يأتي به إذ هو يستحب عنده قلت: وربما يعتقد أنه لا يستحب كالتسمية في الركعة الثانية ولكنه يأتي به للخروج [345 أ/2] من الخلاف، وضرب يفسق به كمن سب الصحابة من الروافض والخوارج، فتصح الصلاة خلفه ولكنه يكره، وضرب يكفر به كالقول بخلق القرآن والاعتقاد بأن علياً رضي الله عنه كان إلهاً أو كان نبياً كما قالت غلاة الرافضة فلا تجوز الصلاة خلفه.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يؤتم ببدعي ولعله أراد من يحكم بكفره وقال القفال: تجوز الصلاة خلف الخوارج والروافض ولكن يكره لأن مذهب الفقهاء أن لا يكفر أهل الأهواء بالتأويل وقيل لجعفر بن محمد رضي الله عنه: أكان الحسن، والحسين إذا صليا خلف مروان بن الحكم يعيدان الصلاة؟ فقال: لا ما كان يزيدان على الصلاة معه غير النوافل.
مسألة: قال وإن أمي أي بمن يقرأ أعاد القارئ وهذا كما قال إذا ًصلى القارئ وهو الذي يحسن أم القرآن خلف الأمي الذي لا يحسن أم القرآن ففيه قولان؛ أحدهما قاله في الجديد: أنه لا تجوز صلاة القارئ وقال في القديم: إن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة لا يجوز لأن الإمام يتحمل القرآن في هذه الصلاة والأمي ليس هو من أهل التحمل وإن كانت الصلاة مما يسن فيها [345 ب/2] بالقراءة يجوز لأنه يقرأ لنفسه وبه قال الثوري وخرج أبو إسحاق رحمه الله قولاً ثالثاً فقال على هذا نحى في قوله الجديد أن يصح صلاة القارئ خلف الأمي بكل حال لأنه يلزمه أن يقرأ لنفسه في الصلاتين وبه قال المزني وأبو ثور واختاره ابن المنذر وروي ذلك عن عطاء، وقتادة ووجهه أن القراءة هي ركن من أركان الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إماماً للقادر كالقائم يصلي خلف القاعد وقال القاضي الطبري هذا التخريج باطل لأن الشافعي رحمه الله رجع في الجديد كما قاله في القديم من تحمل الإمام قراءة المأموم وألزم المأموم القراءة في الصلاتين ومع هذا فقد منع جواز صلاة القارئ خلف الأمي وفي القديم اعتبر بطلان صلاته بتحمل القراءة عن المأموم فلم يجز أن يخرج على قوله الجديد طريقة رجع عن القول بها ولو جاز هذا لجاز أن يقال قوله القديم قول الشافعي في

الجزء: 2 - الصفحة: 263

الجديد مع رجوعه عنه واختياره لطريقة مخالفة له فلما لم يجز هذا فكذلك هذا التخريج وقال القفال اختلف أصحابنا في نصين للشافعي خالف الآخر الأول هل يجعل للآخر [346 أ/2] رجوعاً عن الأول أم لا فإن قلنا أنه يكون رجوعاً فلا يأتي في الجديد إلا قول واحد لا يجوز بحال وإن قلنا لا يجوز رجوعاً فعلى هذا يخرج ما قاله أبو إسحاق قال: وإنما لا يجعل رجوعاً لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين والصحيح القول الأول وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والثوري في الرواية الصحيحة أن الإمام من يقدر على التحمل إذا أدركه راكعاً فالعاجز لا ينتصب له كالإمام الأعظم إذا عجز عن عمل أعيا الأمة لا يكون إماماً.
فرع إذا صلى القارئ خلف الأمي صحت صلاة الإمام وإن لم تصح صلاة القارئ خلفه وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد رحمهم الله وكذلك يجوز للأمي أن يصلي خلف الأمي مع المقدرة على الاقتداء بالقارئ ولكل واحد منهما أن يصلي منفرداً، وكذلك يجوز للأخرس أن يصلي خلف الأخرس مع القدرة على الصلاة خلف الناطق ويصلي منفرداً أيضاً مع القدرة على الاقتداء بالناطق، وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة الأمي أيضاً قال أبو حازم: من جملة أصحابه إنما أفسد أبو حنيفة صلاة الأخرس لأنه يمكنه [346 ب/2] أن يقتدي بالقارئ فيؤدي صلاة بقراءة وهذا يدل على أنه لا يصلي وحده وقال الكرخي: إنما أفسد صلاته لأنه لما أحرم معه صح إحرامه معه ثم لزم تحمل القراءة عنه فعجز فبطلت صلاته، وهذا غلط لأنه أم من لا يجوز له أن يؤمه فلا تبطل صلاته، كالمرأة تؤم الرجل وأما ما ذكر أبو حاتم فغلط فإنه يوجب الجماعة على الأمي وقد روينا أن رجلاً قال يا رسول الله إني لا أستطيع شيئاً من القرآن فقال: "قل سبحان الله" والحمد لله الخبر ولم يأمره بالائتمام بالقارئ وأما ما ذكره الكرخي لا يصح لأن هذا الأمي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه فكيف يجب عليه أن يتحمل عن غيره.
فَرْعٌ آخرُ الأمي في اللغة: هو الباقي على أميته يعني عى خلقته الأولى لم يعلم شيئاً وفي الشرع: من لا يحسن أم القرآن فإذا ائتم من لا يحسن أم القرآن ويحسن غيرها فصلاة من يحسن أم القرآن خلفه باطلة وإن كان الإمام لا يحسن أم القرآن يحسن سبع آيات أو ثمان آيات والمأموم لا يحسن أم القرآن أيضاً إلا أنه يحس من سائر القرآن أكثر صحت صلاته خلفه لأنهما أميان والمستحب [347 أ/2] تقدم من يحفظ الأكثر.
فرع لو كان لا يحسن شيئاً من القرآن فصلى بمن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة فهو كصلاة القارئ خلف الأمي لأن سبع آيات تقوم مقام الفاتحة.

الجزء: 2 - الصفحة: 264

فَرْعٌ آخرُ لو كان أحدها يحسن النصف الأول من الفاتحة والأخر يحفظ النصف الأخير لا يصح اقتداء أحدهما بالأخر وهذا مما يسأل للتعنف فيقال: أيهما أولى بالإمامة؟ ومثل هذا يسأل فقال: جماعة من الخنائى إمامهم أين يقف؟ وهذا السؤال محال لأنه لا يصح اقتداء بعضهم ببعض.
فَرْعٌ آخرُ لو صلى رجل خلف من لا يعرفه قارئاً فإن كانت الصلاة يسر فيها بالقراءة أحببنا له الإعادة لئلا يكون أمياً ولا يجب عليه لأن الظاهر أن لا يتقدم بالناس إلا قارئ وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ولكنه ما جهر بها قال في الأم عليه الإعادة لأنه لو كان يحسن القراءة لجهر بها اللهم إلا أن يسأله فيقول: تركت الجهر ناسياً فلا يلزم الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أم رجل قوماً يقرأون القرآن ولا يدرون أيحسن أن يقرأ أم لا؟ فإذا هو لا يحسن أم القرآن أو تكلم بسجع في القرآن لم تجزهم صلاتهم وابتداء الصلاة وعليهم إذا سمع [347 ب/2] ما ليس من القرآن أن يخرجوا من الصلاة خلفه وسجاعته كالدلائل الظاهرة على أنه لا يحسن يقرأ وأراد بالسجع ما حكي عن الأصمعي قال: اجتزت ببعض أحياء العرب فحضرت الصلاة فقام رجل يؤم القوم فقرأ: والسماء ذات البروج والحيل السروج والأرض ذات المروج والبحر عليها يموج.
ثم ذكر وقام إلى الثانية فقرأ: والليل إذا يغشى وجاء الذئب يسعى وأكل الشاة الوسطى وترك الشاة العرجا وسوف يأخدها مرة أخرى.
وكبر وسلم فقلت له: إن هذا ليس بقرآن قالها القرآن قال: فلقنته الفاتحة والمعوذتين قال أما إنه لأحسن مما كنت أقول وقرأ بعض العرب: قل هو الله أحد قاعد على الرصد مثل الأسد لا يفوته أحد.
فإذا علم أنه أمي أو سمع ما ذكرناه وكان قد أحرم خلفه قال الشافعي رحمه الله أحب أن يعيدوا الإحرام فإن بنوا عليه وأتموا لأنفسهم أجزأتهم واحتج المزني رحمه الله على صحة قوله بأربعة أشياء؛ أحدها: قال قد أجاز صلاة من ائتم بجنب وهو ليس في صلاة فأولى أن تجوز الصلاة خلف العاصي بترك الغسل دون المطيع والثاني [348 أ/2] قال الشافعي: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعداً بقيام وفقد القيام هو أشد من فقد القراءة لأن القراءة تسقط إذا أدرك الإمام راكعاً دون القيام والثالث: قال أجاز الشافعي رحمة الله عليه في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام إذا نسي سجدة من الأولى وقد بطلت هذه الثانية على الإمام والرابع قال ولا يكون هذا أكثر ممن ترك أم

الجزء: 2 - الصفحة: 265

القرآن عمداً وتجوز صلاة المأموم خلفه والجواب عن الكل هو يرجع إلى نكتة واحدة وهي أن في هذه المواضع لم يكن أنقص في ذات الإمام يمنع اقتداء كامل بالذات به وفي الأمي وجد نقص في ذاته فمنع اقتداء القارئ الذي هو كامل الذات به كما لا يجوز اقتداء الرجل بالمرأة ولهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالصلاة وهو جنب ثم تذكر فخرج فاغتسل وصلى وروي أنه لما مرض صلى قاعداً ولا يقال هو نقص فيه أو نقول الحدث والطهارة متعاقبان وليست لهما علامة يعرف.
الرجل بها والأمي يمكن الوقوف على حاله ولأن خلف الجنب لا تجوز الصلاة مع العلم وهو يجوز خلف الأمي [348 ب/2] مع العلم فلا يصح الاعتبار وقوله: فقد القيام أشد ليس كذلك بل فقد القراءة أشد لأن المتنفل يترك القيام مع القدرة دون القراءة وأما إذا أدرك الإمام لا يأتي بقيام القراءة بل يأتي بقيام التكبير فكما سقطت للقراءة فكذلك للقيام وأما الأخير قلنا ليست لتركه القراءة عامداً علامة يعرف بها بخلاف الأمي.
مسألة: وإن ائتم بكافر ثم علم أعاد ولم يكن هذا منه وهذا كما قال إذا صلى الكافر قبل أن أن يظهر الشهادتين لم يكن ذلك إسلاماً منه وعذر على ذلك ولا يكون ذلك أيضاً دلالة على إسلامه وسواء كان إماماً أو مأموماً وسواء صلى في بيته أو في المسجل وإنما يعزر لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم واستهزأ بدينهم وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يعاقب وينبغي أن يريد به التعزير وقال أبو حنيفة: إذا اقتدى بمسلم في مسجد وحكم بإسلامه حتى لو قال: ما أسلمت حكم بردته ويقتل وإن كان إماماً أو منفرداً في مسجد فيه روايتان وإن صلى في غير المسجد لم يكن إسلاماً وعند محمد إذا صلى في المسجد على أية حالة كانت كان إسلاماً وقال أحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل [349 أ/2] حال وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو حج وطاف كان إسلاماً منه وهذا غلط لأن صلاته تحتمل وجوه فلا تدل على الإسلام.
فرع هذا الذي ذكرنا هو إذا لم نسمع منه كلمة الشهادتين في التشهد فإن سمع منه ذلك قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان أحدهما: أنه يحكم بإسلامه وهو الصحيح وهو اختيار القفال لأن الشهادتين قد وجدتا منه ابتداء فكان إسلاماً كما لو دعي إلى الإيمان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله والثاني أنه لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بها قاصداً إظهار الإسلام لجاز أن يكون ذلك منه على طريق الحكاية والاستهزاء كما روي أن أبا محذورة وأصحابه إذنوا في طريق حنين على طريق الحكاية والاستهزاء لمؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل ذلك إسلاماً منهم وعلى هذا إذا أتى بالشهادتين في غير الصلاة من غير دعاء إلى الإيمان أو أذن هل يحكم بإسلامه فيه وجهان.
فرع لو قال مع الشهادتين وأنا برئ من كل دين خالف الإسلام حكم بإسلامه على أي

الجزء: 2 - الصفحة: 266

وجه كان وإنما يعتبر ذلك هذا عند الدعاء إلى الإيمان في العيسوية من اليهود الذين يقولون: إن محمداً [349 ب/2] رسول الله أتى العرب دون بني إسرائيل.
فرع قال الشافعي رحمه الله في المرتد في الكبير إذا قامت البينة على الرجل بالردة غنم ماله إذا مات فإنه قال ورثته: أنه رجع إلى الإسلام وأقاموا البينة أنهم رأوه بعد الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين يعني في دار الحرب قبلت ذلك منهم وإن كان هذا في بلاد المسلمين لا يحكم بإسلامه بها قال القافي أبو الطيب: وعندي أن الكافر إذا صلى في دار الحرب مثل المرتد وهذا لأنها دلالة على الإسلام فإذا وجدت في دار الإسلام جاز أن يكون هذا رياء وتقرباً إلى المسلمين فلا يحكم بها بالإسلام كصوم شهر رمضان فإذا وجدت في دار الحرب لا يحتمل إلا الإسلام وهذا غريب لم يذكره أهل خراسان وقد ذكرنا من قبل أنه إذا صلى خلف الكافر ثم ... فإنه يلزمه الإعادة بخلاف ما لو صلى خلف الجنب ثم علم والفرق ما أشار إليه الشافعي قال الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً في الأحوال الظاهرة ويقرأ هذه اللفظة بالطاء والظاء ومعناهما متقارب إلا أن الأحوال لا توصف [350 أ/2] بالطهارة ويصح أن توصف بالظهور من قرأها بالظاء قال الخلل وقع من المزني رحمه الله لأن الشافعي رحمه الله عبر بخلافه في الكبير فقال لأن الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً إلا أنه ليس له أن يصلي إلا طاهراً وأراد أن الطهارة والحدث حالتان متعاقبتان على المؤمن فلا يمكن المقتدي الاحتراز من حدث الإمام كما يمكنه في الغالب الاحتراز من كفره إذا الكفر والإسلام ليسا متعاقبين في الغالب وكذلك الذكور والأنوثة وبهذا نجيب المزني رحمه الله كما ذكره هنا وهو قوله كل فصل لنفسه.
مسألة: قال ومن أحرم في مسجد أو غيره ثم جاء الإمام فتقدم لجماعة.
فصل وهذا كما قال وجملته أن في نفل الصلاة إلى الصلاة ثلاث مسائل؛ إحداها: أن ينقل من جماعة إلى جماعة مثل إن أحدث الإمام فاستخلف غيره أو أحرم بهم وهو جنب فذكره انصرف واغتسل وعاد فابتدأ بهم الصلاة صح ذلك كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد انعقد في هذه المسألة الثانية جماعة بغير الإمام ثم صارت جماعة بإمام فيجوز والثانية [350 ب/2] نقل الجماعة إلى الانفراد ينظر فإن سلم إمامه قبل الفراغ المأموم مثل أن أدرك معه بعض الصلاة أتمها المأموم منفرداً وإن أخرج نفسه من صلاة إمامه قبل فراغ الإمام منها نظر فإن كان لعذر أتمها لنفسه لما ورد في صلاة الخوف وإن كان لغير عذر ففيه طرق قال الإصطخري لا تبطل قولاً واحداً وقال غيره من أصحابنا فيه قولان والصحيح أنه لا يبطل ويكره لما روي أن رجلاً خرج من صلاة معاذ حين أطالها فلم يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائماً ثم قعد وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بعذر فقولان، وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 267

كان بغير عذر فتبطل قولاً واحداً.
وهذا ضعيف وقال بعض أصحابنا بالعراق من المتأخرين: فيه قولان: سواء كان بعذر أو غير عذر وهذا هو أضعف من الذي تقدمه وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: تبطل صلاته سواء كان بعذر أو غير عذر واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا يختلفوا عليه قلنا: [351 أ/2] أراد ما دام متابعاً له والثالثة: أن ينقلها من الانفراد إلى الجماعة ينظر فإن أحرم وحده ثم جاء قوم فصلوا خلفه فنوى هو إمامتهم صارت جماعة ويجوز بلا خلاف وإن جاء هو والإمام معاً لصلاة الجماعة فلما وقفا للدخول فيها أحرم قبل إمامه فنوى إتباعه في الصلاة لا يجوز قولاً واحداً ولو أحرم وحده بصلاة فجاء إمام ومعه قوم فأحرموا بتلك الصلاة فالمستحب أن يتجوز في إكمال الركعتين ويسلم ويتبع الإمام فيصلي معه الجماعة وإن لم يفعل كذلك ولكنه نقلها إلى صلاة الإمام قال في الأم والقديم ونقله المزني: يكره ويصح وقال في الإملاء: تبطل صلاته واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال قول واحد أنه لا يجوز لأنه قال في الإملاء: لا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره وهذا منسوخ أراد به ما قال في الكبير هو منسوخ بفعل معاذ وذلك أن في ابتداء الإسلام كان إذا دخل المسبوق يسأل بعض القوم كم مضى من الصلاة فيشير إليه بأصبعين أو ثلاثة فيصلى هو ذلك القدر ثم يتم صلاته مع الإمام فدخل معاذ رضي الله عنه فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -[351 ب/2] ما أدراك فلما سلم قضى ما فاته فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأخبره كيف فعل فقال: "إن معاذاً سن لكم سنة فاتبعوه" وروي: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها تمشون ولا تأتوها تسعون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ونقل المزني رحمه الله: وكرهت ذلك وأراد كراهة التحريم كما قال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء:38] أي محرماً والذي قاله في القديم قال قائل: يدخل مع الإمام ويعيد بما مضى أراد به مالكاً رحمه الله ثم رده عليه وقال: من قال بهذا أجاز الصلاة بإمامين ونحن لا نجيز ذلك أراد به إبطال الاستخلاف في قوله القديم لا يجوز هذا والفرق أنه التزم أحكام المنفردين بالانفراد فليس له إسقاطها بالاقتداء بخلاف الصلاة خلف إمامين فإنه لا يؤدي إلى هذا وهذا جواب المزني عما اختار من جواز نفل صلاة الانفراد إلى الجماعة قال هذا القائل ولا يجوز الاحتجاج بما روي أنه أحرم وهو جنب فتذكر فخرج ثم عاد بعد الغسل فأحرم لأنهم افتتحوا على قصد [352 أ/2] الجماعة بخلاف هذا قال: ولا يجوز الاحتجاج أيضاً بما روي أن أبا بكر رضي الله عنه ائتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما صلى بعض الصلاة إماماً لأن ذلك أيضاً هو افتتاح جماعة وهذا قول أبي حنيفة ويروى عن مالك أيضاً ومن أصحابنا من قال وهو الأصح في المسألة قولان: والصحيح عندي أنه يجوز وهو اختيار المزني رحمه الله ووجهه أنها صلاة افتتحت فرادى وصارت جماعة فلا بأس كما لو أحرم وحده ثم صلى خلفه جماعة، والاحتجاج بما روي أنه صلى بهم وهو جنب صحيح لأنه - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة لم يكن في صلاة فلم تصح جماعتهم ثم صحت

الجزء: 2 - الصفحة: 268

بعد ذلك وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان في حكم الأصل ولم يكن متابعاً لأحد ثم صار متابعاً وجاز ذلك، وهاتان الحجتان قويتان.
ثم اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال القولان: قبل الركوع فأما بعد الركوع لا يجوز قولاً واحداً لأن فيه تغيير نظام الصلاة ومنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وغيره إن كان قبل الركوع يجوز قولاً واحداً والقولان: بعد الركوع ومنهم من قال وهو الأصح في الكل قولان: قبل الركوع وبعده ثم من أصحابنا من [352 ب/2] قال القولان هما مبنيان على أن الخروج من صلاة الإمام قبل فراغه هل يجوز أم لا؟ لأنه يحتاج ههنا إلى الخروج قبله ومنهم من قال: هما مبنيان على أن الاستخلاف هل يجوز أم لا؟ ووجهه المشابهة أنه يصلي الآن بإمام لم يكن من قبل والصحيح أنهما قولان: بأنفسهما لأنه خروج بعذر ومعنى القولين أنه يؤدي إلى تغيير الأحكام فإذا قلنا: يجوز ضمها وكان قد سبقه بركعة فإذا قام الإمام إلى الرابعة لا يجوز له أن يقوم معه لأنه يؤدي إلى أن تصير صلاته خمساً بل يقعد ويتشهد ثم إن انتظر الإمام حتى يتشهد ويسلم كان له ذلك كما جاز في صلاة الخوف نحو هذا وان أراد أن يسلم كان له ذلك لأنه عذر ولو صلى ركعتين من الظهر ثم ضم إلى صلاته فقام غير ركعتين إن شاء انتظر حتى يصلي ركعتين ويتم الصلاة فيسلم معه وهو يطول الدعاء في حال الانتظار وإن شاء سلم لنفسه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان يجوز قبل الركوع وبعده بشرط أن لا يؤدي إلى مخالفة الإمام فإن أدى إلى مخالفة الإمام لا يجوز بأن صلى ركعة من الظهر ثم وصل بإمام وهو في أول [353 أ/2] الظهر لأنه مخالفة في القيام والقعود في كل ركعة وهذا لا يصح لأنه إذا جوزنا هذ يتابعه إلى آخر الصلاة ويترك التشهد الأول متابعة له ويأتي معه بالتشهد في الركعة التي هي ثالثة متابعة له ولا يضره ذلك ثم إذا تمت ركعات صلاته وقام هو إلى الرابعة فعلى ما ذكرنا وهذا أوضح.
فرع لو شرع في صلاة فائتة فحضرت صلاة الوقت جماعة لا يقطعها لأنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى والله أعلم.

باب موقف صلاة المأموم مع الإمام

مسألة: قال وإذا أم رجلاً قام المأموم عن يمينه.
الفصل وهذا كما قال، المأموم إذا كان واحداً فالسنة أن يقف عن يمين الإمام قال سعيد بن المسيب رحمه الله يقف على يساره وقال النخعي رحمه الله: يقف خلفه إلى أن يركع فإن أدركه آخر وقف معه وإن لم يدركه تقدم ووقف عن يمينه وهذا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس رضي الله عنه في بيت ميمونة رضي الله عنها في هذا الخبر دلائل كثيرة أربعة ذكرناها والخامس: أنه يدل على أنه إذا وقف على يساره فإنه يجوز وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 269

[353 ب/2] ترك السنة، والسادس: أنه لا يلزمه سجود السهو بذلك.
والسابع: أنه إذا وقف عن يساره يلزمه أن يتحول إلى يمينه، والثامن: أن يؤخره الإمام بيمينه لا يساره، والتاسع: أن يريده من خلفه لا من قدامه، والعاشر: أنه يحرم الكلام في صلاة النفي.
والحادي عشر: أنه يدل على أن المشي اليسير لا يبطل الصلاة.
والثاني عشر: أن للصبي موقفاً في الصف كالبالغ وابن عباس رضي الله عنهما كان صبياً فإذا ثبت هذا فإن تركه الإمام على يسار نفسه وصلى معه لم تبطل صلاة واحد منهما وإذا أراد أن يدور عن اليسار إلى اليمين فالمأموم يدور دون الإمام لأنه تابع فهو أولى بالانتقال وإن كان المأموم اثنين يقومان وراء الإمام.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال يقف بينهما وروي أنه تمسك بثلاث سنن منسوخة.
أحدها: هذا، والثانية: التطبيق في الركوع، والثالثة: الإقعاد في الصلاة والدليل عليه في هذا الموضع ما روى جابر رضي الله عنه قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجئت ووقفت على جنبه فجاء جابر بن صخر فوقف عن يساره فأخرنا بيده حتى [354 أ/2] صيرنا خلفه.
فإن وقفا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أو وقف كلاهما عن يمينه لم تبطل صلاة أحد واحتج بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بين علقمة والأسود فلما فرغ قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: صار منسوخاً بخبرنا.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كانوا ثلاثة تقدم واحد وتأخر اثنان" وقال مسعود: غلام فروة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإلى جنبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصلي فدفع - صلى الله عليه وسلم - في صدر أبي بكر فقمنا خلفه.
فإذا تقرر هذا فإذا جاء الثاني ووقف على يساره وأحرم فإن كان قدام الإمام واسعاً ووراءه ضيقاً تقدم الإمام وإن كان قدامه ضيقاً وورائه واسعاً تأخر المأمومان لأنهما تابعان للإمام.
وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتقدم الإمام وذكر بعض أصحابنا بخراسان مثله وهو غلط لما ذكرنا.
وقال القاضي الطبري: إذا جاء آخر يقف على يساره ويحرم [354 ب/2] فإذا أحرم فإما أن يتقدم الإمام عليهما أو يتأخر المأمومان عنه ويكره أن يحذر المأموم الذي عن يمينه فإنه لم يصر بعد في الصلاة فلا يجوز له ترك موقفه لأجله وكلام سائر أصحابنا يدل على أنه يتأخر المأموم إلى الجائي قبل الشروع في الصلاة، والصحيح ما ذكره القاضي رحمه الله قال: ولو جاء ثالث وهما قاعدان في التشهد الأخير فالمستحب أن يقعد عن يساره متشهداً ولا يتأخران عنه قل في التأخر في حال القعود أو تقدم الإمام مشقة والمرأة إذ أمت امرأة قامت عن يمينها فإذا جاءت أخرى فإنها تقوم عن يسارها لأن إمامة النساء تقوم وسطهن ولو أم صبياً وقفا معاً خلفه.
فرع لو كان معه صف من الرجال وصف من الصبيان خلف الرجال ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي حتى يتعلم أفعال الصلاة والأول: هو المذهب لقوله - صلى الله عليه وسلم - "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق" يعني ما يكون فيها من [355 أ/2] ارتفاع الأصوات وما

الجزء: 2 - الصفحة: 270

يحدث فيه من الفتن وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وأما ما ذكروه موجود إذا صلوا خلفهم فإنهم يتعلمون منهم.
مسألة: قال وإن كان امرأة أو خنثى مشكلاً قام كل واحد منهما خلفه وحده وهذا كما قال: المرأة إذا صلت مع الرجل وقفت وراءه على ما ذكرنا وإن كان إمام ورجل وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام والمرأة ورائه والدليل عليه ما روى أنس رضي الله عنه أن حدثته مليكة دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام منعته فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل بكم.
قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين وكانت العجوز أم سليم وهذا يدل على نسخ ما قاله ابن مسعود وروى الشافعي رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم أنس وعجوزاً منفردة خلف أنس وأراد بالعجوز أم سليم وهي أم أنس.
وإن كان إمام وخنثى مشكل وقف الخنثى [345 ب/2] خلفه لجواز أن تكون امرأة وإن كان إمام ورجل وخنثى وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام ثم الخنثى خلفه ثم المرأة خلفه وإن كان هناك رجال ونساء وصبيان وخناثى فالرجال يلون الإمام ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى ثم النساء.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها أخرها".
فرع لو تقدم المأموم على الإمام قال في الجديد: بطلت صلاته وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله: وقال في القديم تصح صلاته قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور رحمهما الله: واحتجوا بأن مخالفة الموقف لا تبطل الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام ووجهه قوله الجديد هو الصحيح لأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال فلا تصح صلاته كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد وبهذا فارق إذا وقف عن يساره لأن اليسار قد يكون موقفاً للمأموم بخلاف القدام.
فَرْعٌ آخرُ لو كان الناس في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة فصلوا بصلاة الإمام فإن كان الإمام أقرب إلى الكعبة من المأمومين صحت صلاتهم، وإن كان بعضهم أقرب إلى الكعبة من الإمام قال [356 أ/2] أبو إسحاق: تبطل صلاتهم لأنهم تقدموا على الإمام.
وهذا بخلاف نص الشافعي لأنه نص في كتاب الإمامة على خلاف هذا فقال: ويجتهدون أن يكونوا أبعد عن البيت من الإمام فإن لم يفعلوا وعلموا وبعضهم أنه أقرب إلى البيت من الإمام فلا إعادة عليهم ثم قال: ولا تجزي صلاة الذين يصلون من جهته إلا أن يكونوا خلفه فإن لم يفعلوا عادوا ففرق الإمام بين من كان خلف الإمام يتوجه إلى الكعبة وبين من كان موجهاً إلى الكعبة من جهة أخرى وذكر في الفرق بينهما أن من هو في غير جهته لا يخفى عليه فعله وليس كذلك إذا كان الإمام في جهته خلفه لأنه يخفى عليه فعله فلم يجز وأيضاً من كان محاذياً له لما جاز له التوجه إلى غير جهة

الجزء: 2 - الصفحة: 271

الإمام وجاز له التقدم عليه ومن هو خلفه لما لم يجز له أن يتوجه إلى غير جهة الإمام لم يجز له التقدم عليه وهذا هو الجواب إن احتج به أصحاب مالك على جواز التقدم وكذلك في الكعبة لو استقبل أحدهما صاحبه على هذا الوجه يجوز وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه إذا تقدم المأموم على الإمام [356 ب/2] في الكعبة تجوز وهذا الإطلاق خطأ وإنما يجوز على ما ذكرنا.
مسألة: قال وركع أبو بكر وحده وخاف أن تفوته الركعة فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بالإعادة وهذا كما قال من دخل وقد استوت الصفوف فإن وجد فرجة وقف فيها معهم في الصف ثم آخر فإن أحرم خلفه ثم دخل الفرجة فإنه يكره ويجوز صلاته، وهكذا لو مضى على صلاته وحده ولم يدخل معهم في الصف كره وأجزأه وبه قال الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وابن المبارك رحمهم الله وروي ذلك عن زيد بن ثابت.
وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، وداود: لا تنعقد صلاته وبه قال النخعي، والحسن بن صالح واختاره ابن المنذر واحتجوا بما روى وابصة بن معبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى، ثم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.
وأيضاً روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل صلى خلف الصف: أنها خلف الصف هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف فيصلي معه أعد صلاتك.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -[357 ا/2] قال: "لا صلاة للمنفرد خلف الصف" وهذا غلط لخبر أبي بكرة وتمام الخبر ما روي أن أبا بكرة دخل المسجد فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركوع فخاف أن تفوته الركعة فركع وحده خلف الصف ثم خطا خطوة أو اثنتين حتى اتصل بالصف فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته روي أنه قيل له ذلك وروي أنه علمه لأنه كان يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من قدامه فأقبل على أبي بكرة.
وقال له: يا أبا بكرة زادك الله حرصاً ولا تقرأوا اسم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ولأنه أخطأ في الوقف ولم يخرج عن حد المتابعة فأشبه إذا وقف الواحد على يسار الإمام وأما خبرهم الأول والثاني فإنا نحمله على الاستحباب وأما الثالث فلعله أساء إلى رجل بعينه كان منافقاً أو لم يتم ركوعه وسجوده فقال: لا صلاة له.
فإن قيل فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن القعود قلنا: إنما تنهاه لأجل الكراهة أو أراد لا تعد إلى التأخر.
وقال بعض أصحاب [357 ب/2] أحمد إدا افتتح صلاته منفرداً خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع الإمام رأسه من الركوع فلا صلاة له ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة نفر ولو التحق بالصف أو تلاحق به القوم قبل رفع الإمام رأسه من الركوع تصح صلاتهم وكان الزهري، والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريباً من الصفوف أجزأه وإن كان بعيداً لم يجزه.

الجزء: 2 - الصفحة: 272

فرع لو دخل المسجد ولم يجد في الصف فرجة، يصلي خلف الصف وحده وذكر أبو حامد أنه يستحب له أن يجذب رجلاً من القوم ليقف معه خلف الصف فإن لم يفعل هذا كره وأجزأه وبه قال جماعة من أصحابنا وقالوا: لا نص فيه وذكر القاضي الطبري أن الشافعي رحمه الله نص في البويطي أنه يقف وحده ولا يجذب رجلاً وهو أصح لأن في جذبه رجلاً يحدث خللاً في الصف الأول ويحرمه فضيلة الصف الأول وليس له ذلك.
فَرْعٌ آخرُ لو وجد في الأول فرجة فدخل رجل له أن يتقدم ويسد الفرجة وإن احتاج إلى المرور بين يدي [358 أ/2] آخر لأن الذي ترك الفرجة بين يديه في الصف الأول منع حق نفسه حين لم يتصل بالصف الأول.
مسألة: قال وإن صلت امرأة بين يديه أجزأته صلاته وهذا كما قال في رواية ابن خزيمة وإن صلى وبين يديه امرأة وقصد به الرد على أحمد رحمه الله حيث قال: ومرور الحائض بين يدي الرجل في الصلاة تبطل صلاته وأخذ بالخبر الذي تقدم وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها لما أخبرت بذلك قالت: "بئس ما عدلتمونا بالكلاب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على فراشي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمز وجلي فأقبضهما وإذا رفع مددتهما" والقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة ووجهه أن المرأة إذا لم تكن في الصلاة فإذا وتكون قائمة بخلاف ما إذا كانت في الصلاة فإذا لم تضر.
صلاة الرجل في شر حاليها فلأن لا تضر صلاته في أحسن حاليها أولى.
مسألة: قال وإن صلى رجل في طرف المسجد والإمام في طرفه ولم تتصل الصفوف بينه وبين الإمام.
الفصل وهذا كما قال إذا صلى الإمام في المسجد وصلى غيره لصلاته نظر [358 ب/2] فإن كان معه من جوف المسجد صحت صلاته سواء كان بينهما حائل أو لم يكن، بعدت المسافة بينهما أو قربت، اتصلت الصفوف أو لم تتصل، إذا كان له طريق إلى العلم بصلاة الإمام فإن كان سميعاً بصيراً علم بالسماع والمشاهدة لأنه يشاهد الركوع والسجود ويسمع التكبير وقول سمع الله لمن حمده منه، أو من غيره ممن يأتم به وإن كان بصيراً أصم علم بالمشاهدة وإن كان أصم ضريراً لم يجز حتى يكون إلى جنب من يسدده للركوع والسجود، فإن لم يكن أو كان ولكنه لم يثق به لم يجز أن يقتدي به ويجوز لهذا الضرير الأصم أن يكون إماماً لأنه يصلي لنفسه ولا يقتدي بغيره بل غيره يقتدي به والمساجد اللطاف المتصلة بالجامع فإن حكمها حكم المسجد الكبير فإذا وقف المأموم فالمسجد اللطيف والإمام في المسجد الكبير صحت صلاته وإن كان الباب الذي بين المسجدين مردوداً لأن الجميع بني للجماعة الواحدة ولو وقف الإمام

الجزء: 2 - الصفحة: 273

في أسفل المسجد والمأموم على سطح المسجد صحت صلاته لأن سطح المسجد هو من جملة المسجد [359 أ/2] ألا ترى أنه يجوز للجنب اللبث فيه والمستحب له أن يتأخر حتى يكون من وراء الإمام فإن حاذاه كرهنا له ذلك وأجزأه وإن تقدم حتى يصير إلى القبلة أقرب فهو على القولين ولو كان الإمام في ظهر المسجد والمأموم أسفل فإنه يجوز أيضاً وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا يجوز ولكن إذا كان المأموم أعلا والإمام أسفل فإن كان المأموم أعلا بأقل من قامة الرجل صحت الصلاة وإن كان أكثر من ذلك لم تجز صلاته وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد ولم يفصل ولو كان الإمام في المقصورة والمأموم في الصحن أو رحبة المسجد جاز وإن زادت المسافة بينهما على ألف ذراع مثلاً والرحبة هي البناء المبني لدخوله متصلاً به أو فنائه وهو ما يقارب بابه وجداره من حريمه ومطرح ترابه كالعادة الجارية في أفنية الدور وهكذا لو كان الإمام في بئر المسجد أو المأموم فيها والإمام خارج أو كان أحدهما على المنارة والآخر أسفل كل ذلك جائز وإن كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في غير [359 ب/2] رحبة ففيه ثلاثة مسائل؛ إحداها: أن لا يكون دونه حائل بحال مثل أن لا يكون للمسجد حائل يحول دون روية من فيه من حائط وغيره لو يكون له حائط إلا أن باب المسجد بحذائه أو يمينه أو يساره مفتوح فإن كانت الصفوف متصلة صحت صلاته وإن خرجت فرسخاً أو أكثر وإن كانت الصفوف متقطعة قال الشافعي رحمه الله تصح صلاته على القرب ولا تصح من البعد وهو أن يكون منقطعاً على قدر ثلثمائة ذراع واختلف أصحابنا من أي موضع أخذ الشافعي هذا التحديد على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما أنه أخذه من صلاة الخوف يوم ذات الرقاع فإنه يحني عن المصاف بقدر رميتهم وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا وقيل أخذه من صلاة الخوف فإنه صلى بفرقة ركعة فانصرفت وهم في الصلاة إلى وجاه العدو وأتت الفرقة الأخرى فأحرمت من خلفه فصارت الفرقتان في مكان بين التي معه والتي تحرسه ثلثمائة ذراع وقال ابن الوكيل، وابن جبران رحمهما الله إنما أخذه [360 أ/2] من العرف والعادة لأنه قال ما يعرف الناس قوماً وكذلك ثلثمائة ذراع فما دونها وهذا ظاهر المذهب ثم اختلف أصحابنا أنه تحديد أو تقريب قال أبو إسحاق رحمه الله: هذا تحديد فإن جاوز ثلثمائة ذراع لم تجز صلاته قال أبو إسحاق والذي قال المزني أجاز ذلك في الإملأ بلا تأقيت مطلق محمول على ما قيده ههنا وهذا هو المذهب المشهور ذكر القاضي الطبري رحمه الله ومن أصحابنا من قال هو تقريب وليس بتحديد فإن زاد عليها قليلاً قدر ثلاثة أذرع لم يضر وهذا هو اختيار المزني رحمه الله وهو الصحيح عند مشايخ خراسان وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في الأم وذلك ليس بشيء وهذا لأن الشافعي قال مائتي ذراع أو ثلثمائة ذراع أو نحو ذلك وهذا ليس إلا للتقريب ولأنه اعتبر ذلك من صلاة الخوف أو العرف أو العادة وليس ذلك إلا بالتقريب وهل يعتبر هذه المسافة

الجزء: 2 - الصفحة: 274

من الإمام أو من آخر المسجد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يعتبر من موقف الإمام إن لم يكن خلفه أحد في المسجد أو من آخر [360 ب/2] الصفوف إن كانت خلفه صفوف، والثاني: وهو المذهب أنه من آخر المسجد في صحراء موات لا مالك له أو كان ملكاً لرجل واحد فإن كانت أملاكاً مختلفة ففيه وجهان؛ أحدهما: يجوز ولا اعتبار باختلاف الليل وإنما الاعتبار باختلاف الأبنية ولا بناء ههنا.
والثاني: لا يجوز أن يكون الإمام في ملك والمأموم في ملك آخر وهذا كان اختيار القفال رحمه الله ثم رجع عنه وهذا الوجه الثاني لا وجه له عندي.
المسألة الثانية، والثالثة: أن يكون بينه وبينه حائل فإن كان الحائل من غير المسجد لم يختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: حائط المسجد ليس بحائل لأنه بني لمصلحة المسجد كالسواري في الوسط وقال عامة وهو المذهب الصحيح وهو حائل يمنع صحة الصلاة لأنه بني الفصل بينه وبين غيره بخلاف غيره ولأن عائشة رضي الله عنها قالت لنسوة صلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإن كان دونه في حجاب لم يكن بين منزلها والمسجد إلا سور المسجل لأن باب منزلها كان ينفذ إليه وقيل هذه الحكاية لا تصح [361 أ/2] عن أبي إسحاق ونص في الشرح على خلافه وإن كان الحائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة مثل المشبك فعلى قول أبي إسحاق هذا أولى أن لا يكون حائلاً وعلى هذا المذهب في هذا وجهان؛ أحدهما: لا يكون حائلاً لأنه لا يمنع النظر إلى من في المسجد فهو كالباب المفتوح.
والثاني: يكون حائلاً لأنه يمتنع للاستطراق بخلاف الباب المفتوح وهذا أقرب.
فرع لو كان باب المسجد مفتوحاً والناس في المسجد فوقف رجل بحذاء الباب يصلي بصلاة الإمام فإن صلاته صحيحة وصلاة من على يمينه ويساره وإن اتصل الصف وطال وكذلك صلاة من خلفهم وإن اتصلت الصفوف لأنه إذا كان في الصف من يرى بعض المأمومين أو من بين يديه صحت صلاة الكل وأما صلاة من وقف قدامه على يمين المسجد أو يساره ولم يقف أحد منهم بحذاء الباب هل تصح صلاته؟ المذهب أنه لا تصح وعلى قول أبي إسحاق تصح وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قول أبي إسحاق وهذا غلط كما ذكرنا ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا [361 ب/2] في المسجد" وأراد بصلاة الإمام في المسجد ولم يرد به إذا لم يكن حائل يدل على أنه أراد إذا كان حائل وحكي الشافعي رحمه الله عن عطاء رحمه الله أنه قال يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته ولم يراع القرب وهذا لا يصح لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:9] فظاهره أن السعي واجب وإن علم بصلاة الإمام وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو صليتم في بيوتكم لضللتم" ومذهب عطاء جوازها في بيته وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته إلا في الجمعة.
وهذا غلط أيضاً لما سبق من الدليل ويقيس على الجمعة.
مسألة: قال وكذلك الصحراء والسفينة.

الجزء: 2 - الصفحة: 275

الفصل وهذا كما إذا كان الإمام في الصحراء والمأموم يصلي بصلاته وبينهما مسافة يعتبر القرب والبعد على ما ذكرنا ومقدار المسافة يعتبر في أخر الصفوف والشارع والطريق بين الصفوف ليس بحائل وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله هو حائل يمنع الائتمام وقيل أنه وجه آخر وليس بشيء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[362 أ/2] أنه قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق فليس هو مع الإمام" وهذا غلط لما روي أن أنساً رضي الله عنه كان يصلي الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام في المسجد وهو الوليد بن عبد الملك وبينه وبين المسجد طريق ولم ينكر منكر ولأن ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها هو لأن ذلك لا يمنع الاستطراق ولا المشاهدة وأما الخبر الذي ذكروا فإنه لا أصل له في كتب أصحاب الحديث أو هو محمول على البعد أو الكراهة وأما في السفينة فقد ذكرنا جواز الصلاة فلو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ إما أن تكونا مغطاتين أو إحداهما مغطاة والأخرى مكشوفة أو كلتاهما مكشوفتين فإن كانتا مغطاتين أو إحداهما، لم تجز صلاة المأمومين لأن السفينتين هما في حكم الدارين فلا يجوز أن يكون بينهما حائل، وإن كانت مكشوفتين فإن كانت إحداهما مشدودة إلى الأخرى صحت الصلاة لأنهما كالبيت الواحد وإن كانت إحداهما منفصلة عن الأخرى ولم يكن بينهما بعد فالمذهب جواز الصلاة وإن الماء ليس بحائل وقال أبو سعيد [362 ب/2] الأصطخري: لا يجوز لأن بينهما ما يمنع الاستطراق وبهذا قال أبو حنيفة: وهذا غلط بخلاف المنصوص لأن الماء لا يمنع الاستطراق بسباحة على لوح ولأنه إن نصب الماء يمكن الاستطراق قيام الماء مانع منه فأشبه النار وقد سلم في النار أنها لا تمنع الائتمام وقال الإمام أبو محمد الجويني: الانقطاع ببعد المسافة، أو بنهر عظيم يجرى بينه وبين المسجد، أو بملك لغيره، لا يجوز له الوقوف فيه متى كان بينه وبين المسجد حائل يتعذر به الوصول إلى المسجد من موقفه حتى يحتاج إلى أن يتيامن أو يتياسر فيقطع قنطرة، أو يركب سفينة فذلك في العادة قطر وإلا فلا وهذا أحسن، ولكنه خلاف النص الذي ذكرنا.
فرع لو كان هناك جسر بينه وبين الإمام فلا شك أن الماء ليس بحائل وكذلك إن كان هناك نهر وليس في النهر ماء أو كان نهر صغير بحيث يمكنه العبور إلى الجانب الآخر أو قل الماء في النهر العظيم كذلك لا يكون حائلاً ولو كان النهر في المسجد وهما في المسجد فلا نص بلا إشكال لأن المسجد جامع وقيل فيه وجهان وليس بشيء.
مسألة: قال [363 أ/2] وإن صلى في دار قرب المسجد.
الفصل.
وهذا كما قال إذا صلى الرجل في الدار بصلاة الإمام في المسجد فإن كان حائط الدار هو حائط المسجد فعلى ما ذكرنا من مذهب أبي إسحاق وغيره وإن كان بينهما حائل غير حائل غير حائط المسجد فإن كان لا يشاهد أحداً من المأمومين لا يجوز أن يصلي بصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 276

الإمام بحال، وإن كان يشاهد بعض المأمومين، فلا يخلو إما أن يكون الباب مفتوحاً والصفوف متصلة حتى دخلت إلى داره أو لا يكون كذلك.
فإن كانت متصلة على ما ذكرنا فصلاته صحيحة، لأنا بينا أن مواضع الصفوف هي بمنزلة المسجد وإن كانت متصلة متقطعة ولكنه واقف بحذاء الباب ويبصر بعض الصفوف في المسجد أو خارج المسجد، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز ائتمامه إذا كان بينهما مقدار ثلثمائة ذراع فما دونها وهو الصحيح كما يقول إذا وقف في بعض الشوارع والطرقات ومن أصحابنا لا يجوز حتى يكون العقول متصلة إلى داره لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لم يجز إلا بأن تتصل به الصفوف ولا [363 ب/2] منه وبينهما فاعتبر فيه شرطين؛ أحدها: عدم الحائل، والثاني: الصفوف وتفارق الطريق والشارع لأنه جعل ذلك لمرافق المسلمين وهذا أحد المرافق بخلاف الدار والأول هو المذهب وعليه المحصلون من أصحابنا قول الشافعي رحمه الله إلا أن تتصل به الصفوف أراد بألا .. أن يكون بينه وبين آخر الصفوف أو آخر المسجد ثلثمائة ذراع فما دونها لأن ذلك عنده في ذلك الصف أو خلفه صحت صلاته ومن وقف قدامه ولم يكن محاذياً للباب لا تصح صلاته خلفه.
فرع قال ولو وقف خلف صفوفه متصلة في دار بيت من الدار لم يكن له أن يصلي حتى تتصل الصفوف في البيت وأراد به إذا كان في البيت لا يرى أحداً من أهل الصف فإن كان يرى بعضهم وكان بينه وبين آخر الصفوف ثلثمائة ذراع أجزأته صلاته هكذا ذكره القاضي الطبري وقال بعض أصحابنا إن كان هذا الصف الثاني في قرار.
ولا حائل فإنه يجوز وإن كان من ذلك حائل مثل إن كان في بيت أو في علو الدار في غرفة أو سطح لا يجوز سواء شاهد الصف [364 أ/2] أو لم يشاهد لأن الشافعي علل فقال: لأن علوها باين من المسجد ونحو هذا ذكره القفال ولعل مواد القاضي الطبري هذا التفصيل أيضاً وهو الأشهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: كيفية اتصال الصفوف ههنا أن ينظر فإن كان البيت على يمين المسجد أو يساره ولم يكن له باب شارع إلى المسجد فلا يتصور اتصال الصفوف ولا يجوز الاقتداء منه بإمام المسجد بأن يقف رجل في المسجد وآخر داخل العتبة الحائلة بين البيت والمسجد ولا يكون بينهما إلا ما يكون بين رجلين من الصف على العرف والعادة حتى لو كانت العتبة عريضة فتباعد الرجلان، لا يجوز إلا بأن يقف واحد على العتبة ليحصل الاتصال فإذا حصل هكذا واتصل الصف جاز، وإن كان البيت وراء المجد فمن أصحابنا من قال: لا يتصور الاتصال هناك بحال ولا تصح الصلاة خلفه من ههنا ومن أصحابنا من قال: يتصور بأن يقف صف في المسجد أو رجل واحد وصف في البيت أو رجل ولا يكون بين الصفين في سائر المواضع على العرف [364 ب/2] ثم إذا حصل هذه فصلاة جميع من يكون في ذلك البيت جائزة وإن لم تتصل بهذا الرجل الذي وقف داخل العتبة وحصل به الاتصال ثم هكذا لو كان في البيت بيت آخر فالاتصال بين من في البيتين على نحو ما ذكرنا.
وإن وقف قوم على سطح البيت الذي بجوار المسجد لم يجز إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 277

بأن تتصل الصفوف بهم من سطح المسجد، فيجوز حينئذ قال أصحابنا: ويجوز في موضع آخر وهو أن يكون السطح غير عال وصحن المسجد مرتفعاً حتى إذا وقف رجل في المسجد ورجل على سطح البيت لم يكن قدر ذلك بحذاء رأس هذا الذي في المسجد ولكن تحصل المحاذاة بين جسديهما ببعض الجسد فيكون ذلك في حكم المتصل إذا وقف على حرف السطح ووقف الذي في المسجد بجنبه قريباً منه وهذا كله اختيار القفال وقيل: خلف المسجد، فعلى وجهين أيضاً كالدار خلف المسجد وقال القفال: لو اختلفت البقعة مثل لو كان الإمام في الصفة وهو في البيت يشترط اتصال الصف حتى يصح اقتداؤه به لاختلاف البناء بخلاف المسجد فإن اختلاف الأبنية فيه [365 أ/2] لا يضر قال و .. فاقتدى من أحدهما الذي في الآخر لا يجوز إلا باتصال الصفوف كالبيتين وهذا كله خلاف المشهور في المذهب والذي تقدم هو أصح.
فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يتقدم الرجل الصف الأول لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة وروي ما في الصف الأول استهوا عليه وروى البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" والمستحب أن تعمدوا يمين الإمام لما روى البراء رضي الله عنه قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه.
فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال أتموا الصف الأول" فإن كان نقص ففي المؤخر وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فإن الشيطان يدخل بين ذلك الصف" وروى ابن عباس رضي الله عنه قال: خياركم ألينكم مناكب [395 ب/2] في الصلاة.
فقيل: لين المناكب لزوم السكينة والطمأنينة فيها لا يلتفت وقيل: أراد لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف لسدد الخلل ولصق المكان بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف.
مسألة: قال ومن خرج من إمامة الإمام فأتم لنفسه.
الفصل وهذا كما قال.
قد ذكرنا هذه المسألة وذكرنا خبر معاذ وروى أنه ما رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضباً منه في تلك الموعظة، وقال: أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت؟ أين أنت من ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:1] إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف الخبر إلى آخره والله أعلم.
وهذا آخر الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى (باب صلاة الإمام وصفة الأئمة) قد تم نسخ هذا الكتاب بمعرفة محمود صدفي النساخ نقلاً عن نسخة الأصل الموجودة بالكتبخانة الخديوية وذلك في يوم الاثنين ربيع الثاني سنة 1325 هـ الموافق مايو سنة 1907 م [366 أ/2].

الجزء: 2 - الصفحة: 278

باب صلاة الإمام وصفة الأئمة

مسألة: قال: وصلاة الأئمة قد قال أنس بن مالك.
الفصل وهذا كما قال: قد ذكر فيما قيل: إن المستحب لمن كان إماماً أن يخفف الصلاة بعد أن يأتي بالذكر والأفعال على الكمال، ويكون التخفيف من ترك تطويل القراءة، وإذا صلى وحده يطول كيف يشاء.
وقال بعض أصحابنا: يخفف أذكارها ويكمل أفعالها ومعناهما واحد، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء".
وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم -: "كان أخف الناس صلاة بالناس، وأطول صلاة على نفسه"، فإن كان الإمام يصلي بقوم محصورين يريدون التطويل كأهل محله، أو كانوا في سفر طول كيف شاء إذا رضوا بذلك ذكره أبو إسحاق وقال غيره يستحب ذلك.
مسألة: "قال ويؤمهم أقرؤهم وأفقههم".
وهذا كما قال: الصفات التي يتعلق بها التقديم للإمامة في الصلاة سنة أشياء: الفقه، والقراءة، والسن، والنسب والهجرة، فالنسب: هو أن يكون قريشياً فيكون أولى من [1 أ/3] العربي، والعربي أولى من غيره، وبنو هاشم وبنو المطلب يقدمون على غيرهم من قريش، والهجرة: أن يكون من هاجر من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو من أولاد المهاجرين ممن سبق إلى الهجرة أو سبق أبوه إليها كان أولى ولا فرق بين أن تكون الهجرة قبل الفتح أو بعده، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح"، قلنا أراد أن لا تجب الهجرة، وأما فضيلة الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تسقط.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذه الهجرة تحتمل معنيين: أحدهما: هجرة النسب، والثاني: هجرة نفسه مثل أن يكون رجلان أسلما في دار الحرب وسبق أحدهما الآخر بالهجرة إلى دار الإسلام، فإن كان المراد ذلك هل يكون أقدم من السن؟ قولان: وهذا حسن ولكنه خلاف النص، وأما السن: فإن المراد من طال منه مسلماً.
فأما من له سبعون سنة فأسلم الآن فإنه لا يكون كمن أسلم أمس وإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 279

أصغر منه سناً، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أم قوماً وفيهم من هو أقرأ [1 ب/3] للقرآن منه وأفقه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة، فإذا ثبت هذا فلا يختلف المذهب أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما من الشرائط لأنهما يختصان بالصلاة بخلاف غيره.
ثم ينظر فيه فإن استويا في الفقه وأحدهما أقرأ فالأقرأ هو أولى وإن استويا في القراءة وكان أحدهما أفقه فالأفقه أولى، وإن كان أحدهما يقرأ ما يكتبه في الصلاة وليس فقيه، والآخر لا يقرأ ما يكفيه في الصلاة، وهو فقيه فالقارئ أولى؛ لأن الفرقة شرط بخلاف الفقه، فإن كان أحدهما يقرأ ما يكفي الصلاة وهو كتاب الفقه والآخر يفقه ما يكفي الصلاة وهو القراءة قال في كتاب "الإمامة" إن قدم الفقيه فحسن، وإن قدم القارئ ههنا فحسن ثم قال بعده: يشبه أن يكون من كان فقيهاً وقرأ من القرآن شيئاً هو أولى بالإمامة لأنه قد ينو به في الصلاة ما يعلم كيف يفعل به من الفقه ولا يعلمه من لا فقه له وهذا ترجيح منه للفقيه على القارئ وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله والأوزاعي وأبو ثور وعطاء بن أبي رباح وهذا لأن القراءة الواجبة هي محصورة بخلاف الفقه الذي يحتاج إليه المصلي.
ومن أصحابنا من أطلق [2 أ/3] وقال: هما سواء في قول الشافعي لأن الفضيلتين تقابلتا والصحيح ما ذكرنا، وهو ظاهر في آخر كلام الشافعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: -رحمهم الله-: القارئ أولى واختاره ابن المنذر رحمه الله واحتجوا بما روى أوس بن ضمغج عن ابن مسعود البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه".
وتكرمته: فراشه.
وروي في هذا الخبر فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة وهذا غلط لما ذكرنا من الدليل، ولهذا كان الفقيه بالقضاء والإمامة الكبرى أولى من القارئ، وأما الخبر فأجاب الشافعي بما قال: إن من مضى كانوا يسلمون كباراً يتفقهون قبل أن يقرؤوا ويريد به الصحابة الذين هم المخاطبون من بعدهم من التابعين إلى يومنا هذا، كانوا يقرؤون القرآن صغاراً قبل أن يتفقهوا، وأراد لم يكن أحد من الصحابة أقرأ إلا وهو فقيه إذ ذاك وكثير منهم كانوا فقهاء ولم يكونوا قراء واليوم يتعلمون [2 ب/3] الناس القرآن صغاراً، ويتفقهون كباراً فكثير منهم يكونون قراء ولا يكونون فقهاء فلهذا لم نقدم الأقرأ اليوم على الأفقه.
وقد روي أنه لم يجمع جميع القرآن من الصحابة إلا ستة، فقرأ أبو بكر وعثمان

الجزء: 2 - الصفحة: 280

وعلي وزيد وأبي وابن مسعود ثم بعدهم ابن عباس رضي الله عنهم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم عليها أو يعرف حلالها من حرامها"، فإن استويا في الفقه والقراءة معاً ففيه قولان: قال في "القديم": يقدم بالشرف فإن كان في الشرف سواء فقدم الهجرة فإن كانا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً، وقال في "الجديد": السن يتقدم على الشرف والهجرة فإن كانا في السن سواء فالشرف أولى، فإن كانا في الشرف سواء فأقدمهم هجرة فلا يختلف القول: إن الهجرة تلي الشرف، وإنما الخلاف في السن هل يقدم عليهما أو يؤخر عنهما؟ فيه قولان: فالترتيب على قوله القديم: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن، وعلى قوله الجديد: القراءة والفقه والسن والشرف والهجرة وأن ... علامة للحفظ فقل هل السن أوسطها أم آخرها؟ قولان: ووجه قوله القديم وهو اختيار [3 أ/3] أبي إسحاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشاً"، ولأن النسب حصل بأمر مكتسب كانا لآبائه والسن صفة تحدث ليست بمكتسبة فالمكتسب أولى ووجه قوله الجديد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمكم أكرمكم"، ولأنه فضل في نفسه والنسب فضل في آبائه ولأن من كبر سنه يكون أسكن وأخشع في الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي رحمة الله عليه فإن استويا فأقدمهم هجرة، فإن أراد المزني أنا لو صورنا رجلين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما من المهاجرين الأولين، والآخر من مسلمي الفتح فالأمر كما قال، وإن أراد أن ولد المهاجر أولى من ولد من لم يهاجر فهو نسب، والنسب يقدم أو السن؟ فيه وجهان وهذا غلط؛ لأنا نقلنا لفظ الشافعي فيه، والهجرة غير النسب فلا معنى للوجهين مع النص، فإن تساويا في كل هذا.
قال أصحابنا: تقدم أورعهم وأدينهم وقال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال: أراد أحسنهم صورة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "يؤمكم أحسنكم وجهاً فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقاً" ذكره في الحاوي [3 ب/3] ولأنه فضيلة كالنسب.
ومنهم من قال: يقدم أحسنهم بين الناس ذكراً وأشدهم طريقة وهذا أحسن ذكره القاضي الطبري رحمه الله وروت عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب انه فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سناً فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهاً فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكبرهم حسباً".
وقيل بعد السن والنسب يقدم لطيفه الثوب على

الجزء: 2 - الصفحة: 281

الوسخ الثوب، لأن قلب الناس إليه أميل ثم يقام بعده حسن الصوت لما ذكرنا من تقدم حسن الصورة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لا يحسن خلق رجل وخلقه وهو يريد أن يعذبه في النار".
مسألة: قال ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه.
الفصل وهذا كما قال: إذا اجتمع قوم في منزل رجل فصاحب المنزل أحق بالإمامة من جميع من قدمنا ذكره إلا أن يكون فيهم والٍ فإنه أحق من صاحب المنزل ولو حضر الخليفة ومن دونه فالخليفة أولى لأنه أعم سلطاناً، وإذا لم يحضر الوالي فلا يحتاج أحد في الإمامة إلى إذنه وإن [4 أ/3] كان في مسجد جامع مصر والأصل فيه ما ذكرنا من الخبر في رواية أبي مسعود الأنصاري، وقيل معنى التكرمة: الطنفسة، والمصلى الخاص الذي يتخذه الرجل لجلوسه فلا يوطأ ذلك إلا بإذنه لأنه قد يريد أن يكرم الغير بإجلاسه عليه فلا يفوت ذلك عليه أو يريد أن يجلس هو حتى يتميز عن غيره ولأن ولاية السلطان هي عامة وصاحب الدار واحد من رعيته فهو أولى، ويفارق ذلك ولاية النكاح لأنها تراد لطلب الحظ وحفظ العشيرة عن العار، فإن الولي الخاص هو أولى بذلك، والإمامة تراد للكمال والإمام أكمل ويفارق صلاة الجنازة في أحد القولين؛ لأن المطلوب منها الشفقة على الميت وإخلاص الدعاء له والاستغفار، والولي المناسب هو أحسن وأشفق من غيره ودعاؤه أرجى للإجابة فكان أولى من الوالي بخلاف هذا فإنه للكمال والإمام أكمل.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: فيه قولان: أحدهما ما ذكرنا، والثاني: أن صاحب الدار أولى من الوالي لأنها ملكه فله أن يخص نفسه بالوقوف فيه وهذا غريب.
وقال في "الحاوي": "إن كان إمام العصر فلا خلاف أنه أولى من الكل بكل [4 ب/3] حال" فإن كان إمام الوقت أو سلطان البلد ففيه قولان: أحدهما: رب الدار أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رب الدار هو أحق بالدار" والثاني: وهو الأصح المشهور في الجديد والقديم أن إمام الوقت أو السلطان أولى لأن ولايته عامة على ما ذكرنا فإن أذن لبعض الحاضرين بها جاز ولا يكره ذلك.
فرع لا يجوز لواحد من الرعية أن ينصب نفسه إماماً في جامع البلد إلا بإذن سلطانه، لما فيه من الاستهانة به، والامتياز عليه في ولايته ولو عدم السلطان فارتضى أهل البلد بتقديم أحدهم جاز.
فَرْعٌ آخرُ المساجد التي في الأسواق يجوز لأحدهم أنه يندب نفسه للإمامة فيها من غير إذن

الجزء: 2 - الصفحة: 282

السلطان لأنه يشق استئذانه فإن انتدب أحدهم وعرف أنه ليس لغيره التقدم عليه إلا بإذنه وهذا لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما حضر مسجد مولى له فقيل له: تقام فقال لمولاه: تقدم فإنك إمام المسجد.
فَرْعٌ آخرُ لو دفع السيد إلى عبده منزلاً يسكنه فهو أولى بالإمامة فيها من غيره إلا أن يكون سيده [5 أ/3] حاضراً فيكون هو أولى؛ لأن الملك له وإن كان قد ملكه وقلنا: يملك بالتمليك لك لأن للسيد التحكم عليه فيما ملكه.
فَرْعٌ آخرُ قال الشيخ أبو حامد رحمه الله: والمستعير كالعبد هو أحق بالإمامة ما لم يحضر المعير فإن حضر المعير فهو أحق، لأن للمالك الرجوع في العارية متى أراد، والمستأجر أولى بالإمامة من المؤجر، لأنه قد ملك المنافع بعقد الإجارة وهذا من جملة المنافع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المستعير كالمستأجر، وقال القفال رحمه الله في الابتداء: المعير كالسيد مع العبد كما قال أبو حامد رحمه الله: ثم رجع إلى أن المستعير أولى، لأنه يكن الدار لنفسه والعبد يكن لسيده والأول أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو اجتمع مسافرون ومقيمون قال الشافعي رحمه الله: فإن كان الوالي من أحد القريتين صلى بهم مسافراً كان أو مقيماً وإن لم يكن فيهم وال فأحب إلي أن يؤمهم المقيم لتكون صلاتهم بإمام يريد به أن المقيم إذا أم المسافرين لزم المسافرون التمام فلا يؤدي إلى مفارقة الإمام في بعض الصلاة كما تؤدى إذا أم المسافر، قال: ويؤجر المسافرون على الجماعة وكمال عدد الصلاة وهذا يدل [5 ب/3] على أن الائتمام عنده أفضل من القمر والمشهور أن القمر أفضل، وإن أم مسافر قال: كرهت له ذلك إذا كان يصلي خلفه مقيم ولكن يجوز وبني المقيمون على صلاة المسافر إذا قصر.
وقال في "الإملاء": لا بأس به، وقيل: قال في "الإملاء": هما سواء فحصل من هذا أن إمامة المقيم أفضل، ويجوز إمامة المسافر وهل يكره؟ فيه قولان والأظهر ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري.
فَرْعٌ آخرُ لو حضر إمام المسجد في أول الوقت ولم يتكامل اجتماع الناس يقيم الصلاة ولا ينتظر كثرتهم؛ لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة اليسيرة أفضل.
قال أصحابنا: ولا يكره هذا بشرطين:،أحدهما: أن لا يفوت به أول الوقت، والثاني: أن لا يسبق على الحاضرين ويقدم الإمام في الصف الأول الشيوخ والعلماء وأهل الفضل.

الجزء: 2 - الصفحة: 283

فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": يكره للرجل أن يؤم قوماً وهم له كارهون، فإن فعل لم تبطل صلاته، ولم يكن مكروهاً للمأموم لأن إمامه لا يكره أن يصلي الناس خلفه وإن كرهه بعضهم دون بعض نظرنا إلى الغالب، فإن كان الأكثر يكرهون كرهنا وإن كان الأكثر لا يكرهون [6 أ/3] نكره؛ لأنه لا يخلو في العادة عن أن يكون فيهم من يكرهه، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة من يؤم قوماً وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا صلاة عبد آبق من سيده حتى يرجع"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يقبل الله صلاتهم: من أم قوماً وهم له كارهون، ومن استعبد محررة، ومن لا يأتي الصلاة إلا دباراً"، ومعنى الدبار أن يؤخر حتى يفوت ثم يأتي.
قال الإمام أبو سليمان رحمه الله: هذا إذا اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها، واستعباد المحرر من وجهين: أحدهما: أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق، قال: وهذا الوعيد في الرجل الذي ليس من أهل الإمامة فينقلب عليها حتى يكره الناس إمامته، ولو كان مستحقاً للإمامة فالوعيد على من كرهه دونه، وشكا رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه يصلي بقوم وهم له كارهون، فقال له: إنك لخروط يريا أنك متعسف في فعلك، ولم يزده على ذلك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [6 ب/3] هذا إذا لم ينصبه الإمام فإن نصبه الإمام لا يبالي فالكراهة من القوم، وقيل أراد الشافعي رحمه الله وأكره أن يتولى قوماً وهم له كارهون ولاية الحكم دون ولاية الصلاة.
فرع إذا صلى الإمام على مكان مرتفع عن الناس، مثل أن يصلي على دكة أو سرير أو منبر نظر، فإن كان بالناس حاجة إلى تعلم الصلاة منه أحببنا له ما فعل، وإن لم يكن فالمستحب أن يكونوا على مستو من الأرض لا يعلو بعضهم على بعض.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على المنبر بالناس إعلاماً للناس، فكلما أراد السجود رجع قهقرى وسجد على الأرض، ثم عاد إليه، ثم قال بعد الفراغ: صلوا كما رأيتموني أصلي" وروي أنه قال: "إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي" وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يكره ذلك لما روي أن حذيفة صلى بالناس فوقف على دكان فأخذ ابن مسعود رضي الله عنه ثيابه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود: ألم تعلم أنه نهى عن ذلك.
فقال: بلى ذكرت حين جبذتني.
روى الشافعي أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 284

قال: ألم ترني تابعتك قلنا: نحمله على غير وقت التعليم [7 أ/3].
وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يرتفع الإمام على من خلفه قيد أربع أصابع ثم إذا صلى الواحد منا على مكان مرتفع كبر، وقرأ وركع فإن كان المكان لا يضيق عن سجوده فيه سجد فيه، وإن ضاق عنه كالمنبر فإن قدر على التقدم إلى مكان واسع يسجد عليه تقدم، وإن لم يقدر دون التأخر نزل القهقرى فسجد وصعد ولا ينحرف عن القبلة متيامناً أو متياسراً، فإن كرر ذلك وتفاحش بطلت صلاته، وإن أمكنه التقدم والتأخر معاً، فالتقدم أولى لأن التقدم من شأن المصلين، وإذا علم مرة واحدة أحببنا له أن يصلي مع المأمومين في مستو من الأرض بعد ذلك.
فَرْعٌ آخرُ إذا صلى بالجماعة فالمستوى أن يتبع الإمام فيركع بعد ركوعه، وكذلك في كل ركن وانتقال من ركن إلى ركن؛ لأنه تابع فلا يسبق المتبوع، فإن وافقه في ذلك جاز إلا في الإحرام فإنه لا يجوز أن يحرم معه على ما ذكرنا، والأصل في هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت [7 ب/3] تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت"، وأراد بقوله: تدركوني إذا رفعت أي لا يضركم رفع رأسي وقد بقي عليكم منه إذا أدركتموني قائماً قبل أن أسجد.
وقوله: بانت وروي على وجهين: بتشديد الدال، ومعناه كبر السن، فقال: بأن الرجل إذا أسن، والثاني: بدنت مضمومة الدال غير مشددة.
ومعناه: زيادة الجسم وحمل اللحم وهذا يثقل البدن.
فَرْعٌ آخرُ لو سبقه فركع قبل إمامه يكره ذلك، ويؤمر بالانتصاب فإن فعل فأدرك إمامه منتصباً ركعة بعد ركوعه، وإن أقام على ما هو عليه حتى لحق به الإمام، واجتمعا في الركوع جازت صلاته، ولو ركع قبل إمامه ثم اعتدل قبل أن يركع الإمام فإنه يركع مع إمامه إذا ركع، وإن رفع قبل إمامه، وأراد الاعتدال فجعل الإمام يركع، وهذا يرجع اجتمعا معاً على الركوع في حالة واحدة بعد سبق إمامه بركن فلا تبطل صلاته.
وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"، وروي كبش، وروي حية.
فإن أقام على [8 أ/3] الانتصاب حتى لحق به إمامه فانتصبا معاً أجزأه وإن رفع من الركوع فركع إمامه، ثم سجد قبل اعتدال إمامه من الركوع فقد سبق بركنين فإن كان عالماً بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، ولكنه لا يعتد بهذه الركعة، وهذا أصل أنه متى سبقه بركن كره وأجزأه، وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 285

سبقه بركنين.
فإما أن تبطل أو لا يعتد بتلك الركعة ويبني على صلاته نص عليه.
فرع لو سلم مع إمامه معاً، فإن قلنا: إن نية الخروج لا تجب يجزيه كما لو ركع معه، وإن قلنا: تجب نية الخروج لا يجزيه كما لو كبر معه لا تنعقد له صلاة الجماعة، ثم قيل على هذا تبطل صلاته كما لو تقدم على الإمام بركن.
فَرْعٌ آخرُ يستحب للمسبوق أن ينتظر فراغ الإمام عن التسليمتين جميعاً ثم يقوم، وإن قام قبل التسليمة الثانية يجوز.
فَرْعٌ آخرُ لو قام المسبوق مقارناً للتسليمة الأولى؛ فإن قلنا في المأموم الموافق: إنه لو سلم مقارناً له يجوز فيجوز؛ وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا يبطل إلا أن ينوي الخروج عن متابعته.
[8 ب/3].
فَرْعٌ آخرُ لو وقف المأموم المسبوق بعد سلام الإمام، ولم يقم، وطال جلوسه، فإن كان قد أدرك مع الإمام ركعتين لا تبطل لأنه جلوس محسوب من صلاته، فإن كان قد أدرك ركعة تبطل، لأن جلوسه بحكم المتابعة، وقد زالت بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ لو مد قيامه حتى سبقه الإمام بركن لم يضره، وإن تأخر حتى سبقه بركنين بطلت صلاته ثم اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا كان هذا قعد في القيام ووصل إمامه إلى السجود بطلت صلاته، لأنه يسبقه بالركوع والاعتدال منه وهما ركنان، ومنهم من قال: إذا أدركه في السجود جازت صلاته، والركوع والاعتدال منه كركن واحد والأول أصح، ولو سجد الإمام سجدتين، وهو قائم في الاعتدال ففيه وجهان، أحدهما: تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود.
والأول أصح وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن خالف إمامه بركن غير مقصود مثل جلسة الاستراحة لا يضره، وإن خالفه بركن مقصود مثل القنوت والتشهد [9 أ/3] الأول فترك الإمام واشتغل هو به بطلت صلاته وفي هذا نظر والله أعلم.

باب إمامة المرأة

مسألة: قال أخبرنا إبراهيم ... الخبر.
وهذا كما قال: جملة هذا أن كل صلاة تستحب للرجال في جماعة تستحب للنساء في جماعة فريضة كانت أو نافلة، إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 286

أن للرجال آكد، فإنه يكره لهم ترك الجماعة ولا يكره للنساء ذلك، وبه قال عطاء، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله.
وقال بعض أصحابنا: هل تكون جماعتهن في الفضل والاستحباب كجماعة الرجال؟ على وجهين: أحدهما: أنها كجماعة الرجال تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
والثاني: وهو الأظهر أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228] وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة وروي ذلك عن نافع، وعمر بن عبد العزيز.
واحتجوا بأنه يكره لهن الأذان كذلك الجماعة.
وقال الطحاوي: عند أبي حنيفة: الأفضل أن يصلين فرادى لا الكراهة.
وهذا غلط لما روت أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على النساء الجمعة ولا الاغتسال [9 ب/3] للجمعة ولا تتقدم إمامتهن ولكن تقدم وسطهن"، وروي أن عائشة -رضي الله عنها- صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- مثله وعن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين -رضي الله عنه- أنه كان يأمر جارية تقوم بأهله في رمضان.
وقال صفوان بن سليم: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم إذا صلت المرأة بنسوة وسطهن، وأراد بالسنة الخبر الذي ذكرنا أولاً.
وأما الأذان فإنه يراد للإعلام، ويسن فيه رفع الصوت، ويكره لها رفع الصوت لأجل الستر بخلاف هذا، وقال الشعبي والنخعي: يكره له الإمامة في الفرض دون النفل وما ذكرنا من خبر عائشة -رضي الله عنها- دليل عليهما، فإذا تقرر هذا فالسنة أن يقف الإمام وسطهن، فإن تقدمت جازت الصلاة لأنه خطأ في الموقف، وإن كثر النساء فصفوفهن كصفوف الرجال، ويستحب أن تكون إمامتهن حرة وهي أولى من الأمة، لأن الإمامة موضع فضيلة، والحرة أكمل، فإن أمت أمة غير متقنعة متشبهة بالحرائر جاز، لأن هذا فرضها وهذا فرضهن نص عليه.
فرع صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد [10 أ/3] والأصل في هذا ما روى ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المرأة عورة وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان فأقرب ما تكون في وجه الله تعالى وهي في قعر بيتها".
وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها".
يعني صحن دارها.
وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"،

الجزء: 2 - الصفحة: 287

والمخدع: هو جوف البيت تخبئ فيه المرأة ثيابها، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات" قيل التفل: سواء برائحة يقال: امرأة تفلة إذا لم تتطيب، والنساء تفلات، قلنا: قد روي: وبيتها أستر لها، وروي: وبيوتهن خير لهن ثم يحمل على النساء العجائز، وقد قال الشافعي - رحمه الله-: يستحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة.
فروع متفرقة: ذكرها أصحابنا -رحمهم الله- قال والدي رحمه الله: إذا صلى مع ثوب فلما فرغ تذكر أن النجاسة أصابت هذا الثوب، ولا يدري هل كان أزالها عنه أم لا؟ فهل يلزمه إعادة الصلاة المفعولة أم لا؟!.
يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه الإعادة لأنه [10 ب/3] شك في وجوب الإعادة.
والثاني: يلزمه الإعادة لأن الأصل بقاء النجاسة، ولا شك أنه لا يصلي مع ذلك الثوب ثانياً إلا بعد تطهيره.
وأصل هذا إذا فرغ من صلاته ثم شك بعد الفراغ هل كان تطهر بعد الحدث أم لا؟ لا يصلي ثانياً ما لم يتطهر، وفي إعادة ما فعله ما ذكرنا من الاحتمال، والمسألتان واحدة إلا أن إحداهما في طهارة الحدث والأخرى في طهارة النجس، وذكر الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال في "الأم": إذا أحرم بالعمرة وفرغ منها، ثم شك أنه طاف بطهارة أو بغير طهارة لا يلزمه إعادة الطواف؛ لأنه أدى العبادة في الظاهر، وهذا يدل على صحة أحد الوجهين ها هنا.
فَرْعٌ آخرُ قال أيضاً: إذا صلى خنثى خلف امرأة معتقداً أنها رجل مكان امرأة، بان أن الخنثى كان أنثى هل تصح الصلاة؟ يحتمل أن يقال: تصح الصلاة لأنه اعتقد في الابتداء، أنه على صفة يجوز له الائتمام به وبأن في المال كما اعتقده في الابتداء ويحتمل أن يقال: لا تصح الصلاة؛ لأن هذا الخنثى لم يكن معذوراً في الابتداء حيث لم يعلم أن المتقدم أنثى، لأن علامة المرأة [11 أ/3] ظاهرة، ولهذا يلزم الإعادة على الرجل إذا خاف، وإن لم يعلم بحالها وهذا أصح، وعلى هذا لو حكم الحاكم في الحدود بشهادة الخنثى، وهو يعتقد كونه رجلاً ثم ظهر بعد ذلك أنه رجل فالحكم صحيح في أحد الوجهين، لأن الحقيقة صادفت موجب الاعتقاد وعلى الوجه الثاني: لا يصح.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي - رحمه الله-: لو اعتقا الصبي الكفر وأبواه مسلمان أو أحداهما فصلى معتقداً للكفر، هل تصح صلاته؟ كنت أقول: تصح صلاته لأن حكمه حكم المسلمين لا حكم الكافرين فتصح صلاته كصحتها قبل ذلك، كالمكره على إظهار كلمة الكفر إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 288

صلى تصح صلاته، لأن ذلك اللفظ الذي ظهر منه لم يجعله كافراً، وظهر لي الآن أن صلاته تبطل لأجل أن اعتقاده للكفر إبطال منه لصلاته، إذ لا معنى للصلاة في اعتقاد من نفى الصانع، واعتقاد بطلان الصلاة مبطل به للصلاة في حق الصبي الذي لا يعتقد الكفر؛ إذا نوى الخروج منها أو إبطالها ويفارق المكره لأنه لم يوجد منه نية الفساد والبطلان فصحت صلاته، وعلى هذا لو توضأ الصبي أو صام، وهو يعتقه الكفر هل يصح صومه [11 ب/3] ووضوؤه؟ على الوجه الأول يصحان، وعلى الوجه الثاني: وجهان يبنيان على أنهما يبطلان بنية البطلان، وفيه وجهان.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: لا تجوز الجمعة خلف من يصلي النفل، لو لم يعلم أنه متنفل ثم علم هل يصح؟ يحتمل وجهين: بناء على الجمعة خلف الجنب عند الجهل هل يجوز؟ فيه قولان وعلى هذين القولين ينبني إدراك الركعة بإدراك الركوع خلف الجنب فيه وجهان؛ لأن هذا الإدراك يفتقر إلى الإمام كأداء صلاة الجمعة فهما سواء لا فضل بينهما.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا بلغ الصبي الذي أحد أبويه مسلم واختار الكفر مدة ثم رجع إلى الإسلام، هل يلزمه قضاء الصلوات المتروكة في حال الكفر؟ يحتمل وجهان مبنيان على أن هذا الصبي هل يقر على الكفر، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يقر فحكمه حكم المرتد فيلزمه القضاء، وإن قلنا: يقر فحكمه حكم الكافر الأصلي فلا قضاء والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا شك خلف الإمام في صلاة الجمعة أنه صلى ركعة أو ركعتين، وقلنا بأحد الوجهين [12 أ/3] أنه لا يقلد جماعة المأمومين فيه فقام هذا المأموم وقد سلم الإمام ليتم الظهر أو الجمعة على اختلاف وجهي أصحابنا فيه، وفعل ذلك هل يسجد للسهو؟ القياس أنه يسجد للسهو كالمصلي إذا شك في عدد أعداد ركعات صلاته، فإنه يبني على اليقين، ويتم صلاته ويسجد للسهو وهذا الشك، وإن كان خلف الإمام، فإنما يتعلق السجود بفعل الركعات بعده، وهذا الفعل إنما وجد بعد مفارقة الإمام، يبين هذا أن المصلي للظهر لو شك قبل السلام هل صلى أربعاً أم خمساً لم يكن عليه سجود السهو فصح ما قلناه.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو افتتح الإمام في يوم الجمعة الصلاة، وهو ممن لا جمعة عليه فشك هل نوى الظهر المقصور أم نوى الظهر مطلقاً، وقلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، وهو أحد القولين: فعليه أن يصلي الجمعة وجهان: اعتباراً بما قال الشافعي رحمة الله عليه: لو شرع المسافر في صلاة، وشك هل نوى القصر أم لا؟ يصلي أربعاً، فإن زال الشك بعد ذلك.
وفيه وجه أخر أنه يصليها قصراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 289

فَرْعٌ آخرُ لو شرع الصبي في الصلاة، ثم اعتقد الكفر [12 ب/3] في أثنائها هل تبطل الصلاة؟ وجهان، وقل ذكرنا نظير هذه المسألة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو افتتح المرتد الصلاة بالناس، ثم اعتقد الإسلام في الركعة الثانية وتاب فأدركته جماعة، فصلوا خلفه ولم يعلموا بحاله لا تصح صلاة الطائفة الأولى، لأنهم افتتحوها خلف كافر فلا فرق فيه بين العلم والجهل، وأما الجماعة الثانية: هل تصح صلاتهم؟ وجهان: أحدهما لا تصح، لأن من لا تصح خلفه صلاة طائفة مع الجهل بحاله لم تصح صلاة طائفة أخرى، كما لو بقي على كفره، والثاني: يصح، لأن الطائفة الثانية حيث افتتحوا صلاتهم كانت صلاة الإمام باطلة لفساد ابتداء صلاته لا بسبب كفره، وهو على ضعفه تصح صلاتهم خلفه ابتداء بحال، فلهذا صحت صلاتهم مع الجهل بحاله، كما لو ترك الإمام المسلم فيه الصلاة في الابتداء صحت صلاة المأموم لجهله بحاله بخلاف الطائفة الأولى.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة خلف جنب فاعتقد الإمام الكفر في أثناء صلاته، والمأموم لا يعلم بالجنابة، ولا بالكفر، هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أحدهما يصح، لأن صلاة الإمام لم تبطل بالكفر [13 أ/3]، ولكن تفقد الطهارة وهذا لا يقدح في صلاة المأموم، وإن أمكن تعليق البطلان على الكفر أولى ههنا؛ لأنه قارن الجنابة في ابتداء الصلاة، وأحدهما يبغي الصلاة بكل حال دون الأخر، أعني الجنابة، فعلقنا البطلان بالأقوى، وأبطلنا صلاة المأموم وههنا أحدهما قارن الابتداء دون الأخر، فالسابق هو المبطل دون الآخر فلهذا صحت صلاة المأموم وهذا على القول الذي يقول: لا تجوز الصلاة خلف الكافر بحال فأما إذا قلنا: تجوز خلف الزنديق يجوز ههنا وجهاً واحداً.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا خطب الإمام للجمعة وهو معتقد الكفر ثم اعتقد الإيمان فصلى الجمعة والناس لم يعلموا بحاله هل تصح صلاة المأمومين؟ وجهان: فإذا قلنا: يصح هل عليهم إتمامها أربعاً؟ ينبغي أن يلزمهم الأربع؛ لأن الخطبة وجدت في حالة الكفر الذي يمنع جواز الائتمام في حال الجهل والعلم فيقدح في الخطبة أيضاً، وبهذا خالف إذا كان الإمام جنباً في حال الخطبة دون الصلاة، حيث صحت صلاة المأموم عن الجمعة إذا لم يعلم بالحال مع كون الطهارة شرطاً في [13 ب/3] الخطبة في أصح القولين؛ لأن افقد الطهارة يوجب الفصل بين حالة العلم وحالة الجهل في حالة الائتمام في الصلاة، فكذلك في حال الخطبة والكفر تمنع صحة الائتمام بكل حال في حالتي العلم والجهل، فيمنع جواز الخطبة في حق المأمومين أيضاً في الحالتين، ويجيء في الخطبة

الجزء: 2 - الصفحة: 290

جنباً أن يقال: ولا تصح صلاة المأموم عن الجمعة، وإن لم يعلم بالحال إذا اعتبرنا الطهارة فيها على القول الذي لا تجوز الجمعة خلف الجنب مع الحال.
فَرْعٌ آخرُ إذا افتتح صلاة الصبح مثلاً خلف من يصلي على الجنازة، ولم يعلم وقلنا: لا يصح ذلك مع العلم، ثم علم ونوى مفارقته في الحال قبل التكبيرة الثانية هل تصح صلاته؟ وجهان: أحدهما: تصح كالصلاة خلف الجنب.
والثاني: لا تصح كالصلاة خلف الكافر لأن العلامة ظاهرة في الغالب وهذا أوضح.
فرع قال: إذا نذر أن يسجد سجدة، أو يركع ركوعاً واحداً يلزمه ما نذره، ولو نذر أن يقوم ويقرأ هل يلزمه القيام؟ يحتمل وجهين، أحدهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه لأن نذر القيام على انفراده لا يوجب شيئاً، فكذلك إذا نذره مع القراءة، وبهذا خالف [14 أ/3] الركوع والسجود؛ لأن نذر كل واحد منهما على الانفراد موجب للمنذور، فكذلك إذا نذرهما والأول أصح، والفرق بين القيام المجرد وبين الركوع، هو أن الركوع لا يفعل إلا عبادة فيلزم بالنذر بخلاف القيام: لأنه تشترك فيه العادة والعبادة ولا يتميز إلا بالذكر، فإذا تجرد لا يكون عبادة فلا يلزمهم بالنذر.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر أن يصلي ركعتين قاعداً، هل يصح النذر؟ وجهان: فإذا قلنا يصح هل يلزمه القيام؟ وجهان، أحدهما: يلزم، والثاني: لا يلزم لأنه استثنى إحدى الفرائض التي لا تمنع صحة الصلاة فقدها مع القدرة وذلك في صلاة النافلة، وحالة المرض في الفرض، وبه خالف سائر أركان الصلاة، فإذا قلنا بهذا: لو صلى قائماً أجزأه؛ لأن هذه الحالة هي أكمل من الحالة المنذورة فحصل ثلاثة أوجه في المسألة.
فرع قال: إذا نذر أن يصلي ركعتين قائماً، وإن كانت المشقة الشديدة تلحقه لكبره أو مرضه فاشتد عليه القيام فهل يجوز القعود؟ وجهان: أحدهما: له ذلك لأن الصلاة الواجبة شرعاً هي آكد من هذه، ويجوز القصور فيها ففي هذه [14 ب/3] أولى.
والثاني: ليس له ذلك لأن نذره في هذه الحالة فلا يمتنع أن يلزمه لحق النذر ما لا يلزمه لحق الشرع، كالزائدة على الخمس لا يلزم شرعاً وإن لزمت نذراً وهذا هو أصح.
فَرْعٌ آخرُ لو أحرم بالجمعة في وقتها ولكن لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة لم تصح في أحد الوجهين، وتصح في الوجه الثاني، كما لو أحرم في آخر ساعات الوقوف وهو يعلم أنه لا يمكنه الوقوف صح الإحرام، ومن قال بالأول فصل بينهما بأن الجمعة إذا فاتت بفوات الوقت يبقى حجاً، فلهذا صح الإحرام به، وإن علم الفوت بعد الشروع فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 291

فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: لا يلزم القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فعلى صلاة الجهر خلف جنب، ولم يعلم بحاله، ولم يقرأ خلفه هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أصحهما لا يصح وأصلهما الجنب إذا أدركه المأموم في الركوع هل يكون مدركاً للركعة وجهان.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أحرم بالعصر ظناً منه أنه قد دخل الوقت، ولم يكن دخل صح عن النفل، ولو علم أن الوقت لم يدخل لم يصح عن النفل ولو أحرم [15 أ/3] بالحج قبل أشهر الحج فإنه ينعقد عمرة في حال الجهل والعلم، والفرق أنه في الصلاة نوى الفرض فيما يعلم أنه نفل، ونوى العصر فيما يعلم أنه ليس بعصر، فتضمن ذلك إبطال الصلاة عن النفل: إذ الصلاة تبطل بنية الإبطال، وفي الحج إن نوى الحج فيما يعلم أنه عمرة فتضمن إبطال إحرامه عن العمرة، وبالنية لا يبطل الإحرام عما انعقد عنه تبين هذا أنه لو أحرم بالنفل، ثم نوى إبطاله عنه بطلت صلاته عن النافلة، ولو أحرم بالعمرة ثم نوى إبطال الإحرام عن العمرة لم تبطل فصح الفرق، وأيضاً نية الفرض لو طرأت على صلاة النفل مع العلم بطلت صلاته حتى لا يصح عن النفل أيضاً، فلهذا إذا قارنت إحداهما مع العلم بطلت أيضاً بخلاف نية الحج لو طرأت على العمرة مع العلم بالحال لم تبطل العمرة.
فلهذا إذا قارنت إحرامها لا يبطلها أيضاً، وعلى هذا لو كان في صلاة النفل فاعتقد في الركعة الثانية أنه في الفريضة، ومضى على هذا الاعتقاد صح ما فعله من النافلة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان في صلاة الجمعة فاعتقد في أثناء الصلاة أنه يصلي الظهر قصراً، فإن تعمد [15 ب/3] إلى ذلك هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل وهذا إذا قلنا: إنه ظهر مقصور، والثاني: تبطل وهذا إذا قلنا: إنها صلاة منفردة عن الظهر.
فَرْعٌ آخرُ قال: المسافر إذا افتتح الصلاة بنية التمام، ثم اعتقد في الركعة الثانية أنه يصلي الظهر المقصور وأن إحرامه وقع بذلك، ثم تذكره في التشهد الأول هل يقع الاحتساب بالقدر المفعول بالنية الجديدة أم لا؟ الأوضح أنه يقع محسوباً؛ لأن صلاة القصر والتمام صلاة واحدة، وإنما يختلفان في العدد وهذا كما لو صلى الركعة الثانية بنية الأولى، فإنها تقع محسوبة عن الثانية؛ لأن الصلاة لا تختلف سواء كانت الركعة أولى وثانية، ويفارق هذا إذا صلى الركعة الثانية في الظهر بنية العصر يظن أنها العصر لم تصح هذه الركعة من الظهر: لأن صلاة العصر تخالف صلاة الظهر وعلى قياس هذا يجب أن يقال: إذا كان في الظهر فصلى الركعة الثانية وعنده أنه في الجمعة أو كان في الجمعة يصلي الثانية وعنده أنه في

الجزء: 2 - الصفحة: 292

الظهر أنه يصح ما فعله من الصلاة التي هو فيها؛ لأن [16 أ/3] صلاة الظهر والجمعة صلاة واحدة، ألا ترى أن إحداهما تبنى على الأخرى.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أحرم بالجمعة في وقتها فطولها حتى تحقق وهو في الركعة الثانية أن الوقت ينقضي قبل الفراغ من الصلاة، إن اقتصر على الفرائض وترك السنن والهيئات، هل تصير هذه الصلاة ظهراً الآن؟ إنما تصير ظهراً بعد خروج الوقت، الذي عندي أنها تصير ظهراً الآن، لأنه لما تحقق أن أداء الجمعة لا يصح بالإحرام الذي فعله وتحقق أن الإحرام لا يفسد، لأنه وقع في حال اتساع الوقت لم يبق بعد هذين إلا الجواز عن الظهر، ويوضحه أن افتتاح الجمعة لا تصح في هذا الزمان بحال لأحد من الناس، فإذا بلغ المصلي أن هذه الحالة وجب أن تبطل صلاته عن الجمعة، كما لو خرج الوقت ودخل وقت الحصر، فإن قيل: ما يقول في الأمة شرعت في إحرام الحج أو العبد، وعلم أنه يصير حراً قبل فوات زمان الوقوف، مثل أن يكون السيد علق عتقه بدخول يوم عرفة، هل تنقلب حجه إلى حجة الإسلام في الابتداء أم عقيب طلوع الفجر يوم عرفة؟ قلنا: ينقلب [16 ب/3] عقيب الطلوع يوم عرفة، وقيل: ذلك لا ينقلب وإن كان المعلوم أنه ينقلب إلى حجة الإسلام، والفرق أن ابتداء الإحرام بحجة الإسلام لا يصح قبل الحرية، فلهذا لا ينقلب الإحرام إليها في ذلك، وابتداء الإحرام بالظهر صحيح في هذا الوقت؛ لأنه لا يتسع لأداء الجمعة فيه، فجاز أن ينقلب إحرام الجمعة إليه في هذا الوقت، كما إذا فعل ذلك بعد دخول وقت العصر، وفيه وجه أخر أن هذه الصلاة إنما تصير ظهراً إذا دخل وقت العصر، لأن الموجب لانقلاب هذه الصلاة إلى الظهر فوات الوقت، ولم يوجد الآن، ولا يمتنع أن لا يصح الابتداء بالجمعة في هذا الوقت، وتصح الاستدامة، كما يجوز استدامة الصلاة بالتيمم مع رؤية الماء، وإن لم يجز الابتداء.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى الفريضة والنافلة، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما ولا يدري لا يلزمه إعادة الفريضة، لأنه شاك في وجوب الإعادة فلا يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة، ثم ظن أنه لم يفتتحها فتكلم لا تبطل صلاته، ويفارق هذا الصائم إذا تسحر، ثم علم أنه كان نهاراً، لأنه وجد [17 أ/3] نوع تفريط من جهته لتمكنه من ترك الأكل حتى يتيقن بقاء الليل، وههنا لا تفريط بوجه.
فَرْعٌ آخرُ إذا أم الأمي في الجمعة بأربعين رجلاً هم أميون، فإن قلنا: صلاة القارئ تجوز خلف الأمي صحت الجمعة، وإن قلنا: لا تجوز صلاة القارئ خلفه وهو الأصح، فيه

الجزء: 2 - الصفحة: 293

وجهان: أحدهما: لا تجوز؛ لأن الجمعة تلزم الأعيان وتجمع الجماعات ولا تصح على الانفراد، ولا تفعل مرتين، فاعتبر أن يكون الإمام فيها على صفة تصح صلاة جماعة الناس خلفه بخلاف سائر الصلوات، والثاني: يجوز وهو الأصح، لأن من تنعقد به الجمعة يجوز له الانفراد بالجمعة مع أمثاله، وهذا أشبه؛ لأن أصحابنا أطلقوا جواز صلاة الأمي خلف الأمي.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام في سجود الركعة الثانية في صلاة الجمعة شرع فيها بنية الظهر فلو نوى الجمعة هل يصح إحرامه؟ فإن قلنا: صلاة الجمعة والظهر صلاتان مختلفتان فلا يصح إحرامه عن الظهر، وإن قلنا: إنها ظهر مقصورة ففيه احتمال وعندي أنه لا يجوز إذا علم أن الواجب عليه نية الظهر، ويجوز إذا لم [17 ب/3] يعلم ذلك؛ لأن نية الجمعة تقتضي نية الخروج من هذه الصلاة التي تنعقد إذا انعقدت ظهراً، وهذه النية تبطل الصلاة في حالة العمد دون حالة الخطأ، وهذا كما لو نوى المسافر القصر في موضع الائتمام، فإنه تبطل صلاته مع التعمد ولا تبطل مع الجهد.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو قال قائل: أليس لو أدركه في الركوع في الثانية، ثم سلم الإمام فقام وصلى ركعة أخرى، ثم علم أنه ترك سجدة من إحدى الركعتين ولم يدر من أيتهما ترك صحت له منهما ركعة ويبني عليها الظهر، وإن قلنا: هما صلاتان مختلفتان؟ قلنا: فيه وجهان أيضاً، أحدهما: يستأنفها ظهراً ذكره الإمام الاسفرائيني على هذا القول، والثاني: يبني.
والفرق أن فيما ذكرتم نوى الجمعة في الحال التي لا يتمكن من أدائها بحال فافترقا.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل المسافر بلداً وهو على عزم الظعن أو كان مقيماً على حرب وجاوز أربعة أيام هل يجوز له ترك الجمعة؟ فإن قلنا: له أن يقصر له تركها وإلا فلا، وجملته: أنه إذا جاز قصر السفر فالجمعة لا يجب، وإذا لم يجز ذلك وجبت [18 أ/3] هذه ونحن وإن قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور بقصر السفر ووجوب قصر الحضر لا يجتمعان، ولكن جواز قصر السفر يجتمعا ويجوز أن يجتمع جواز قصر السفر، ووجوب الجمعة في موضع، وهو إذا نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر، وقلنا: يجوز قصرها على أحد القولين.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات مختلفة، ثم تعينت له القبلة تعييناً ولا يدري عين الصلوات التي أداها إلى غير هذه الجهة، هل عليه إعادة جميعها إلى هذه الجهة؟ وجهان: أحدهما: يلزم كما لو صلى أربع صلوات قلنا: منها بغير طهارة ولا يعرف عينها، والثاني: لا يلزم، كما لو قضى بأربع حكومات، ثم علم أنه أخطأ النص في ثلاث منها ولا يعرف عينها فإنه لا ينقض شيئاً منها، وإن كان الحكم منقوضاً عند تعين الخطأ في

الجزء: 2 - الصفحة: 294

حكومة منها، ولا يختلف القول إنه قيل: إن تيقن عين القبلة لا يلزم إعادة الصلوات الثلاث إلى الجهة الرابعة؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا التفريع على القول الذي يقول: إذا تيقن الخطأ معيناً في القبلة يلزمه إعادة الصلاة، ومثل هذا إذا مس الخنثى [18 ب/3] المشكل فرجه وصلى الظهر، ثم بعد وضوء آخر مس ذكره وصلى العصر، ثم تبين أنه رجل أو امرأة ولا يدري عين الصلاة التي أداها عند مس الفرج والتي أداها عند مس الذكر، فعليه إعادتهما قولاً واحداً، وقيل: تبين حاله هل يلزمه الإعادة؟ عندي لا يلزمه، ورأيت بعض أصحابنا يوجب إعادتهما، والأول أظهر، وعلى هذا لو تيقن النوم، ولم يدر هل كان في حال القعود أو في غيره؟ ففي وجوب الوضوء احتمال وجهين، إذا قلنا: إن نوم القاعد لا ينقض الوضوء.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يصلي خلف الإمام، فها إمامه وأراد أن يسجد للسهو والمأموم في التشهد الأخير، فإن كان قد قرأ القدر المفروض من التشهد قطع تشهده وتابع الإمام، فإذا سجد وسجد هو لا يقرأ ما بقي من تشهده، ولكنه يسلم إذا سلم الإمام، لأن هذا أقرب إلى ما وضع عليه أمر سجود السهو وهو التأخير إلى آخر الصلاة، وإن كان المأموم لم يفرغ من القدر المفروض يتبع الإمام في السجدتين، فإذا فرغ تم تشهده، هل يعيد سجدتي السهو؟ قولان.
ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً لا يقطع التشهد، بل يتم المفروض [19 أ/3] ثم يتبعه كالإمام إذا ركع قبل إتمام المأموم الفاتحة، وكان قد افتتح الصلاة معه فعليه إتمام الفاتحة، ثم إتباعه، ومن قال: بالأول يشبه هذا بما لو سجد الإمام للتلاوة وهو في أثناء الفاتحة عليه المتابعة، ثم يعود إلى فرض نفسه كذلك ههنا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر الصلاة على الجنازة، وكان قد صلى عليها مرة هل يصح النذر؟ وجهان: إحداهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إن الصلاة على الجنازة بعد سقوط الفرض تقع فرضاً كالأولى، وقد ذهب إليه كثير من مشايخنا فلا معنى للنذر في الفروض، والثاني: يصح لأنها صلاة تلزم شرعاً فصح وجوب جنسها بالنذر كسائر الصلوات وهذا أصح؛ لأن الصلاة الثانية لا يمكن عند التحقيق أن يقال بوجوب الشرع فيها، لأن ذلك لو وجب لبطل قولنا إن الفرض قد كان سقط بالفعل الأول.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر رجل أن يصلي وأطلق، ثم سجد سجود القرآن لم يسقط فرض النذر، ولو صلى على الجنازة هل يسقط النذر؟ وجهان، والفرق أن هذه تسمى صلاة عرفاً وشرعاً بخلاف ذلك [19 ب/3].
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى على رجل وعنده أنه امرأة، أو كان بعكس ذلك ففي الجواز وجهان،

الجزء: 2 - الصفحة: 295

وكذلك إذا صلى خلف رجل وعنده أنه فلان فإذا هو غيره فيه وجهان أيضاً، وهذان الوجهان إذا نوى الصلاة خلف الشخص الواقف للإمامة إلا أن عنده أنه فلان فإذا هو غيره، فأما إذا لم تحضره هذه النية عند الإحرام فنوى خلف فلان فكان غيره لا يصح وجهاً واحداً، ولو نوى أنه يصلي خلف إمام وعنده أن اسمه زيد فكان اسمه عمراً يجوز بلا خلاف.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نوى الصلاة خلف واحد إلا تسبيحات الركوع والسجود فإنه لا يؤديها خلفه، أو نوى الصلاة خلفه سوى الركعة الأخيرة، أو نوى الصلاة خلفه إلا الركعة الثانية، أو الثالثة، ففي هذه المسائل الثلاث وجهان: وأصلهما أن من افتتح الصلاة منفرداً هل له ضمها إلى صلاة الإمام؟ وهل يجوز بعد مفارقة الإمام وبقاء بعض الصلاة عليه أن يضم صلاته إلى صلاة الإمام التي يفتتحها بعد الأولى؟ وفيهما جميعاً قولان: أحدهما: لا يجوز فعلى هذا لا يصح فيما نحن فيه، والثاني: يجوز فعلى هذا يصح فيما نحن فيه، ولو نوى الصلاة [20 أ/3] خلفه سوى الركعة الأولى صحت صلاته على القول الثاني في الأصل الذي ذكرناه، وعلى القول الأول لا يصح، فإذا قلنا: بالأول فهل تصير صلاته بعد الركعة الأولى جماعة بهذه النية أم تعتبر فيه مستأنفة؟ يجب أن يقال: تعتبر نية جديدة لأن تقديم نية الجماعة على ما يكون مؤتماً فيه بإمامه لا يقع صحيحاً، كما لا يصح تقديم نية الصلاة خصوصاً إذا كان بزمان طويل.
فَرْعٌ آخرُ قال: هل يجوز رفع اليد النجسة في الدعاء خارج الصلاة؟ يحتمل أن يقال يكره في غير حائل ولا يكره في الحائل، كتحريم مس المصحف بيده النجسة وهو على طهارة تزول بكونها في حائل، وإذا جاز هذا الفرق فيما طريقه التحريم جاز أيضاً فيما طريقه الكراهة، وتحتمل الكراهة في الموضعين، لأن المقصود رفع اليد دون الحائل، والتعبد بهذا ورد ويخالف مس المصحف؛ لأن اليد فيه من جهة التعبد كالحائل ولا يجيء القول فيما نحن فيه بالتحريم.
فَرْعٌ آخرُ صلاة الصغيرة الحرة بغير خمار هل تجوز؟ ظاهر الخبر يقتضي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لحائض إلا بخمار"، أي: لمن بلغت المحيض [20 ب/3] فصح أن ذلك يختلف باختلاف حال المرأة، فإذا كانت صغيرة لا يشترط الخمار، وعندي المذهب أنه لا يجوز، وقد تقدم هذا، وقال أيضاً، هل تجوز صلاة الظهر من الصبي قاعداً مع القدرة على القيام؟ وجهان، والأصح لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة منفرداً وسها فيها، ثم ضمها إلى صلاة الإمام، وجوزنا في أحد القولين: هل يسقط عنه سجود السهو؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن من أدرك

الجزء: 2 - الصفحة: 296

جزءاً من الصلاة مع الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، فجرى ذلك السهو كأنه وجد خلف الإمام والأول أولى.
فَرْعٌ آخرُ إذا شك في خروج وقت الصلاة قد ذكرنا أنه يجوز الصلاة بنية معلقة ويجيء أن يقال: لا يجوز عن الفائتة إن كان الوقت خارجاً، ويجوز عن الأداء إن كان الوقت باقياً، لأن نية الفائتة غير مبنية على أصل، ونية المؤقتة مبنية على أصل.
ويفارق هذا مسألة رمضان؛ لأن الفطر لا يحتاج إلى النية فصح الصوم، وإن كان من رمضان، لأن الأصل بقاء الشهر، وعلى هذا الوجه لا يجيء أن يقال: لا يجوز عن صلاة الوقت أيضاً إن كان الوقت باقياً من جهة امتناع تبعيض [21 أ/3] النية في الفساد والصحة، وذلك أن الشافعي رحمه الله جعل صلاة من افتتحها بنية الفرض قبل الوقت نافلة لبعض النية فلا يمتنع التبعيض في هذا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى العصر خلف من يصلي الصبح فترك الإمام القنوت ولم يسجد للسهو، فهل يسجد المأموم؟ على قول الشافعي دون المزني يحتمل أن يقال: يسجد، لأنه سجود لزم إمامه، ولا يقال: لا يدخل للقنوت في صلاة العصر التي هي صلاة المأموم، لأنه إذا جاز أن يسجد بكلام الإمام سهواً، وإن لم يقع ذلك الكلام في صلاته جاز أن يسجد لترك الإمام القنوت في صلاته وإن لم يترك هو وليس عليه ذلك.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا شك خلف الإمام في الظهر، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً هل يسبح بالإمام؟ يحتمل أن يقال: لا يسبح؛ لأن الأظهر أن الإمام يعتقد أنه صلى أربعاً والمأموم لا يتيقن خطأه فيه فلا يأذن له من تشكيك الإمام وتشويش الأمر عليه ويجيء أن يقال: يسبح، لأن شكه في الصلاة كاليقين، ألا ترى أنهما سواء في حق نفسه، وكما لا يلزم الإمام العمل على شك المأموم لا يلزمه [21 ب/3] النزول عند يقينه أيضاً فهما سواء.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أخرج المأموم نفسه من صلاة الإمام على الوجه الثاني فعليه أن يتمها أربعاً ويسجد للسهو، وإن كان الشك منه خلف الإمام، لأن مثل هذا الشاك إنما يسجد للسهو لإتيانه بالزيادة المتوهمة لا لمجرد الشك، ألا ترى أنه لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهو منفرد أو إمام ثم علم في الحال أنه صلى أربعاً لا يسجد للسهو، وهذه الزيادة حصلت منه حال الانفراد فلا بد من سجود السهو، وهذا واضح.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: يجوز أن يكون الإمام في الجمعة عن الخطيب، وقلنا في المراهق: إنه لا يجوز أن يكون إماماً لهم وهذا في الخطبة أولى لأنها آكد.

الجزء: 2 - الصفحة: 297

فَرْعٌ آخرُ إذا كان الإمام في بعض الأحوال يرفع رأسه من الركوع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده عند الاعتدال، أو إذا قرب منه فأدرك رجل هذا الإمام في الركوع وركع ورفع حين سمع قوله، فلا يدري هل اجتمع معه في الركوع بأن لا يكون عمل على ما ذكرنا أم لا يجتمع؟ فإن كان منه على ما وصفناه ولم يكن شاهده عند الركوع والرفع عياناً [22 أ/3] هل يكون مدركاً للركعة الأولى؟ فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أغلب أحواله ما ذكرناه، وإنما يفعل ما هو السنة نادراً فهذا لا يكون مدركاً للركعة؛ لأن الأصل بقاء فرض القراءة وقيامها عليه فلا يسقط إلا بيقين، والظاهر هاهنا عدم الإدراك لعادته التي ذكرنا.
والثانية: أن تكون أحواله مختلفة فيه ولا يمكن جعل أحد الأمرين أصلاً في حقه وعادة لاختلاف أحواله واضطرابها وتلونه في أوقاته، فلا يصير مدركاً أيضاً لعدم اليقين، ولا ظاهر يدل على الإدراك.
والثالثة: أن تكون عادته إتباع السنة في ذلك أيضاً، وإنما يقع منه ما ذكرنا نادراً هل يصير مدركاً للركعة؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون مدركاً لعدم اليقين ولا اعتبار بالغلبة في فرائض الصلاة: لأن مبناها على الاحتياط.
والثاني: يكون مدركاً وهو أوضح، لأن أمر الإتباع هو مبني على استعمال الظاهر وحسن الظن بالإمام.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر أن يسجد سجدة في أثناء صلاة يصليها لم يصح النذر في أحد الوجهين، وفي الوجه الثاني يصح النذر ويبطل الشرط، ولا يحتمل أن يقال لصحة الشرط؛ لأن [22 ب/3] سجود النذر لا يجوز فعله في الصلاة بحال.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو نذر أن يقرأ القرآن غير الفاتحة في صلاته هل يصح الشرط؟ وجهان: أحدهما: أنه لا يصح كالسجود، والثاني: يصح لأن القراءة التي هي غير مشروعة في الصلاة لا تبطلها كالقراءة في حال الركوع والسجود وكالقراءة للعبادة فيها ثانياً وثالثاً ويخالف السجود في هذا المعنى، ولهذا جازت القراءة المنذورة مطلقاً في الصلاة دون السجود المنذور مطلقاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر أن يسجد سجود السهو إذا سها في صلاته، فإن نذر فعله قبل السلام لم يصح النذر لامتناع سجود النذر في أثناء الصلاة، وإن نذر فعله بعد السلام ففي

الجزء: 2 - الصفحة: 298

صحة النذر وجهان: أحدهما: يجوز كما يجوز نذر سجود لو لم ينذره كان تطوعاً.
والثاني: لا يجوز لأن من حق سجود السهو أن يصح فعله قبل السلام؛ وقد أجمع أصحابنا على أن السجود المنذور لا يجوز فعله قبل السلام، فإذا كان كذلك وجب امتناع هذا النذر.
فَرْعٌ آخرُ قال: هل يؤذن المؤذن للعشاء ويصلي العشاء في وقت واحد في الشتاء والصيف أم يختلف [23 أ/3] الأمر فيه؟ الأصل في هذا أن العبرة بغروب الشفق وهو الحمرة، إلا أن غروبه في الليل الطويل أبعد، وفي الليل القصير أقرب، فينبغي إذا كان لا يشاهد الشفق وأراد الاجتهاد في غروبه أن يراعي هذا المعنى، وهذا كما أن طلوع الشمس وزوالها يختلفان بقصر النهار وطوله في القرب والبعد، وهذا ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا فاتته صلاة الظهر وأراد قضاءها في وقت العصر، فنوى أنه يصلي صلاة ظهر يومه فريضة، أو لم ينو الفائتة، يحتمل أن يقال: لا يجوز لأن ظهر اليوم قد يكون أداء، وقد يكون قضاء في الجملة، فلا بد من نية الفائتة للتمييز، ويحتمل أن يقال: يجوز لأن ظهر اليوم بالإضافة إلى هذا الزمان لا يكون إلا فائتة فوجب التمييز، وهكذا لو نوى في صلاة الصبح أنه يصلي صلاة فريضة شرع في أدائها التثويب، أو ينسى فيها القنوت في عموم الأحوال ولم ينو الصبح على هذا الخلاف.
وهذا لأن هذه الصلاة معروفة باسم الصبح ولا يعلم بهذه النية أن المراد بها الصبح إلا الخواص من الناس، فلا يكتفي به للتمييز، وهكذا لو لم يكن [23 ب/3] عليه فائتة غيرها من الصبح أو لا فائتة عليه أصلاً سوى هذه فأحرم بها، ولم ينو الفائتة، فإن كان عليه صبح الوقت لم يجز لعدم التمييز، وإن لم يكن عليه صبح الوقت أيضاً فيحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأن الصبح في الجملة هو ينقسم إلى أداء وفائت فيحتاج إلى التمييز، ويحتمل أن يقال يجوز؛ لأن الصبح الذي عليه الآن ليس إلا الفائتة الواحدة، فإذا نوى صلاة الصبح فريضة، والحالة هذه انصرفت هذه النية ضرورة إلى ما عليه، إذ الغرض من التمييز قد حصل.
وهكذا لو فاتته صلاة العشاء، وأراد أن يقضيها في النهار، فنوى أنه يصلي العشاء الذي هو للبارحة فريضة، ولم ينو الفائتة على هذين الوجهين، والأشبه الجواز هاهنا؛ لأن عشاء البارحة لا تكون إلا قضاء، فإن الأداء منها لا يسمى بهذا الاسم، وهذه التسمية يقتضي دخول النهار وذهاب الليل فتقوم هذه النية مقام نية القضاء في الجواز، بل هذا أولى لأن هذه النية هي أخص من نية القضاء الذي قد يكون عشاء البارحة، وقد يكون عشاء غيرها من الليالي فكانت أولى بالجواز ويشبه بما [24 أ/3] ذكرنا من الوجهين في هذه المسائل الوجهين في نية الفرض.
هل يلزم في صلاة الظهر؟ أحدهما:

الجزء: 2 - الصفحة: 299

لا يلزم لأن نية الظهر تقتضي نية الفرض، والثاني: يلزم لأن الظهر في الجملة ينقسم إلى نفل وفرض وهو في حق الصبي والبالغ.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم على رجل مرتين في مجلس واحد، هل يلزم الجواب مرة أو مرتين؟ ينبغي أن يلزم الجواب مرة ويكون جواباً لهما، كما لو سها مرتين في صلاة واحدة فإنه يكفيه جبران واحد، فإن أجاب ونوى به الإجابة عن السلام الأول دون الثاني أو عن الثاني دون الأول فيحتمل أن يقال: يبقى عليه فرض آخر، ويحتمل أن يقال: لا يبقى فرض آخر، ويحتمل الفصل بين أن ينوي الرد الأول دون الثاني، فلا يلزمه للثاني شيء وبين أن ينوي الرد للثاني دون الأول، فيبقى عليه فرض الأول.
ومثل هذا إذا أحدث أحداثاً ثم نوى في الوضوء رفع حدث واحد منهما دون غيره هل يصح وضوءه؟ فيه أوجه على ما ذكرنا، والوجه الثالث: منها الفصل بين نية رفع الحدث الأول أو رفع ما بعده، ولكن على هذا الوجه الأول [24 ب/3] أو رفع ما بعده في السلام يصح عما أجاب عنه، وفي الوضوء لا يصح عما نواه أيضاً، والفرق أن الوضوء لا يصح مع مجامعة الحدث له من غير ضرورة، ورد السلام يصح مع وجوب فرض الرد عليه لأمر آخر لحق سلام آخر عليه فظهر الفرق.
وهكذا لو سها في صلاته مرتين ثم سجد بنية جبران أحدهما دون الآخر يجيء أن يقال: لا يجوز، وهذا على الوجه الثالث في الطهارة، فعلى هذا يجب بطلان الصلاة لزيادة السجود فيها عمداً، ولا يمكن على هذا الوجه تجويز السجود عما نواه فقط كما قلنا في السلام: لأن هذا يوجب بقاء السجود عليه للسهو الثاني، فيؤدي ذلك إلى اجتماع أربع سجدات لسهوين تقدماها، وهذا غير جائز.
ويحتمل أن يقال: يجوز عنهما وهذا على الوجه الأول في الطهارة، ويجيء الفصل بين الأول والثاني، وهذا على الوجه الثاني فحصل ثلاثة أوجه في هذا أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو سلم رجل على رجل فرد عليه الجواب، ثم سلم ثانياً في ذلك المجلس هل يلزم رد الجواب؟ الأقرب أنه لا يلزم، لأن السلام الثاني [25 أ/3] هو غير مشروع، فإن حق السلام يؤدى بالمرة الواحدة إذا كان المجلس واحداً، كما يؤتى بتحية المسجد والحالة هذه مرة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لا شك أن الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب صحيح، فإن قيل: كيف يصح ووقت المغرب ينقضي قبل الفراغ من العشاء؟ فإنه إذا صلى ركعتين منه فقد مضى الوقت الذي للمغرب في سائر الأوقات، قلنا: هذا لا يضر؛ لأن افتتاحه كان في وقت المغرب والاعتبار بوقت الافتتاح، ألا ترى أنه لو افتتح في الوقت، ثم خرج الوقت في الأثناء يجوز إتمامها من غير نية الفائتة؛ لأن الافتتاح كان في الوقت، وهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 300

يمكن أن يجعل دليلاً على قوله.
قال: يجوز استدامة المغرب إلى الشفق، ولو أراد الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فأخر الظهر إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله وركعة من العصر جاز الجمع قياساً على ما ذكرنا، ولو أراد الجمع بين المغرب والعشاء فأخر المغرب إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله ففعله ليس له أن يصلي العشاء ما لم يدخل وقته وزال الجمع [25 ب / 3]؛ لأنه لو صلى العشاء الآن لم يكن جامعاً بين الصلاتين في وقت العشاء ولا في وقت المغرب، ومن شرط الجمع افتتاحهما في وقت إحداهما لا محالة، فإن كان قد بقي من وقت المغرب مقدار فعله، ومن العشاء أقل من ركعة، فيحتمل أن يقال: لا يصلي العشاء الآن؛ لأن المفعول في الوقت إذا كان أقل من ركعة، فإن الصلاة قضاء، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح"، فإذا صح هذا والجمع لا يدخل في القضاء، فوجب القول بامتناع الجمع هاهنا.
قلت: وعندي أنه يجوز الجمع في هذه المسألة والتي قبلها، لأن وقت المغرب يمتد إلى طلوع الفجر الثاني عند العذر، فإن جمع بينهما لا في الوقت المعهود للمغرب ولا في وقت العشاء المعهود جاز، ومتى جاز المغرب في الجمع بعد دخول وقت العشاء فلا يجوز قبل دخول وقت العشاء أولى، وتقديم العشاء إذا جاز إلى وقت المغرب المعهود يجوز إلى ما بعده أيضا وهذا ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ وجل جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فلما قعد في التشهد في العصر تيقن أنه [26 أ / 3] ترك سجدة ولا يدري تركها من الظهر أو العصر، ينبغي أن يقال: تصرف بنية إلى الظهر، فيعيا ركعة منه، ثم يعيد العصر في وقته لا على جهة الجمع.
ووجهه: أن السجدة إن كانت متروكة من العصر فالظهر صحيح إذا امتثل ما قلناه في الحالين، ولو بنى على أن الترك من العصر فأعاد ركعة أخرى منه لم يجز لجواز أن تكون السجدة متروكة من الظهر، فلا يصح العصر، أو شرط هذا الجمع تقديم الظهر على العصر.
وإنما قلنا: لا يجمع لأن السجود قد يكون متروكا من العصر، فإذا أعاد العصر الآن كان الفصل الطويل واقعاً بين الصلاتين، وشرط هذا الجمع الاتصال فلا يجوز مع فقد الشرط.
قال: وهذا الجواب كنت أقوله ثم ظهر لي الآن فساد هذا القول، وذلك أن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يصح البناء عليها مع وقوع الفصل الطويل بركعات العصر، والبناء على الصلاة من شرط الاتصال كما أنه من شرط الجمع فكما منع من

الجزء: 2 - الصفحة: 301

الجمع وخوف الانفصال.
فكذلك البناء، بل هذا أولى؛ لأن البناء إن احتيج إليه فوقوع الانفصال بركعات [26 ب / 3] العصر متيقن لا محالة.
فإن قيل: أليس إذا كان في الظهر فأدى الركعة الثانية والثالثة والرابعة، وعناه أنه في العصر، ثم تبين له في التشهد له أن يقوم ويعيد ثلاث ركعات ويبني على صلاته مع طول الفصل، فهلا جاز مثله في هذا الموضع؟.
قلنا: هناك لم يقصد الخروج من الظهر بل اعتقا وقه ع الإحرام عن العصر في الابتداء، فصارت الركعات الثلاث سهواً في الصلاة من جنسها، فلا يؤثر التطويل والقصر منه فيها، وهاهنا قصا الخروج من الظهر فلا سبيل له إلى البناء عليه مع طول الفصل، كمن سلم، ثم ذكر بعد طول الفصل أنه نسي فرضاً لا يبني، فإذا صح هذا فالجواب الصحيح أن يقال: يلزمه إعادة الصلاتين في وقتهما بلا جمع؛ لأن صلاة الظهر صحيحة في حال باطلة في حال وصلاة العصر باطلة في حال ومنقوصة في حال، فإذا لم يتعين الباطل منهما مع تيقن وجوب فرض الإعادة عليه في الجملة وجبت إعادتهما جميعاً، فإن كانت المسألة بحالها والجمع كان في وقت العصر فعليه أن يقوم ويصلي ركعة أخرى للعصر ويصح عصره وعليه إعادة الظهر [27 أ / 3] ويكون جامعاً: لأن السجود إن كان متروكا من الظهر فعصره صحيح، وإن كان من العصر فقد صح بأداء هذه الركعة، ويسوغ له أداء ركعات العصر، لا محالة، والشاك في أعداد الركعات للصلاة التي هو فيها يلزمه البناء على اليقين، وإنما لزمته إعادة الظهر، لأنه يجوز أن تكون السجدة متروكة منهء وهو قا تيقن عند وجود هذا الشك وجوب فرض ما عليه، ولا يتيقن زوال هذا الغرض إلا بإعادة الظهر مع ما فعله من البناء على العصر، فلزمه ذلك لنزول الفرض عنه بيقين.
وإنما قلنا: إنه يكون جامعاً لأن الجامع بين الصلاتين في وقت الأخيرة منهما يجوز له تقديم الصلاة الثانية، ولا يضره أيضا وتدع الفصل الطويل بين الظهر والعصر، والمسألة بحالها فعليه إعادة الظهر والعصر أيضا، ولا يجوز له البناء الذي ذكرناه؛ لأن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يمح افتتاحه للعصر، لأنه بعد في الظهر، إلى أن يقع الفصل الطويل.
ألا ترى أنه لو ذكر في الحال جاز له البناء على الظهر، [27 ب / 3] فإذا كان كذلك فهو لا يتيقن سقوط الغرض الذي لزمه عند الشك إلا بإعادة الصلاتين فوجب إعادتهما، فإذا أعادهما وقت العصر كان جامعا قاضيا لما ذكرناه فيما مضى.
فَرْعٌ آخرُ قال: رجل فاتته صلاة الظهر فأدرك الإمام في العصر في وقت العصر سعة، هل يصلي العصر خلف إمام الظهر؟ يحتمل أن يقال: يصلي العصر، ثم يقضي الظهر، ثم يستحب له إعادة العمر ولا يلزمه؛ لأن إعادة كل واحدة منهما واجبة عليه، والاتباع في فعل العصر هو أظهر، وموضوع الجماعة على اعتبار ذلك، وإنما سنت إعادة العصر للخروج من الخلاف، ولا يمكن أن يقال: يصلي الظهر خلفه للخروج من هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 302

الخلاف؛ لأن هذا يعارضه خلاف آخر، وهو فعل الظهر خلف من يؤدي العصر، والقضاء خلف من يصلي الأداء.
فيتعادل القولان من هذا الوجه، ووجب الأخذ بما ذكرناه، ولا ينقلب علينا هذا مما ذكرنا من السنون من جهة وقوع الخلاف في إعادة العصر مرتين؛ لأنا إنما أمرناه بإعادة العصر خوفاً من فساد الأول، ولو تحقق ذلك كانت هذه الإعادة شرعاً [28 أ / 3] لا محالة بالإجماع، ومثل هذا الإجماع لا يجده ذلك القائل فافتقروا والقولان.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نوى في الفر قبل دخول وقت الظهر الجمع بينه وبين العصر هل يكتفي بهذه النية أم يلزم تحديد النية في وقت الظهر؟ يحتمل أن يقال: لا يكتفي بها، لأن الوقت لا يصلح للظهر فلا يصلح لنية الجمع، ويحتمل أن يقال يجوز كنية الصوم يتقدمه، والأول أشبه؛ لأن هذه النية تدل على فعل الظهر في وقته المعهود والإتيان بالبال الذي هو عمل البدن لا يجوز قبل وجوب المبدل، كالتيمم قبل دخول وتته الصلاة، وهكذا لو نوى في اليوم الأول أنه يجمع في كل يوم بين الظهر والعصر في وقت العصر، هل يلزمه إعادة النية في كل يوم في وقت الظهر؟.
الأشبه أنه يلزمه ولو دخل بعليه وقت الظهر في الحضر فنوى الجمع بينه وبين العصر في وقت العصر في السفر، ثم سافر في الحال قبل خروج وقت الظهر، هل تجب إعادة النية؟ يحتمل أن يقال لا يلزم الإعادة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا عام ويجوز أن يقال [28 ب / 3] يلزم، لأن تلك النية وقعت في حالة لا تصلح للجمع فلا يصح فيه الجمع فيها.
. . فرع قال: إذا جمع بين الصلاتين في وقت الأولى ثم ارتد في وقت فراغه من الأولى، ثم أسلم عن قريب، فافتتح العصر هل يبطل الجمع؟ يحتمل أن يقال: لا يبطل؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ويحتمل أن يقال: يبطل لأن الارتداد يقتضي بطلان الجمع ونيته، فصار كمن أبطل نية الجمع قبل دخوله في وقت العصر يبطل الجمع، وهكذا لو نوى الصوم في الليل، ثم ارتد، ثم أسلم قبل العجز، هل يلزم إعادة النية؟ يخرج على وجهين.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يجمع في وقت الظهر، فلما شرع في العصر نسي أنه ني الصلاة، فقال: أبطلت نية الجمع بطلت صلاته، لا من جهة أن كلام السهو يبطلها، ولكن لأن هذا يقتضي بطلان نية الجمع، وهذا يقتضي بطلان العصر، أو شرط هذا الجمع البقاء على نية الجمع إلى الفراغ منه، ألا ترى أنه لو نوى إبطال نية الجمع بطلت صلاته وإن لم يتلفظ، فإذا تلفظ فالمؤثر في البطلان نيته دون قوله.

الجزء: 2 - الصفحة: 303

فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فلما [29 أ / 3] شرع في الظهر وصلى ركعة نوى ترك الجمع، وأبطل نية الجمع بطلت صلاته وعليه إعادتها بنية القضاء، فإن قيل: هلا قلتم تتم صلاته؛ لأنه قد أدى ركعة منها في الوقت كمن صلى ركعة من سائر المواضع في الوقت، ثم خرج الوقت عليه إتمامها لأداء ركعة في الوقت.
قلنا: الغرق هو أن نية ترك الجمع يبين لنا أن افتتاح الظهر كان في غير وقته: لأن من شرط هذا الجمع المقام على نيته إلى الفراغ من الظهر، وإنما يصير وقت العصر وقت الظهر بهذه النية، والافتتاح في غير الوقت محتاج إلى نية القضاء، فإذا لم يأت بها لم يصح الافتتاح، وهناك لا يتضح بخروج الوقت، لأن الافتتاح كان في غير الوقت فوقع الافتتاح صحيحاً فلم يبطل بخروج الوقت خصوصاً، وقد صلى في الوقت مقدار ما يقع به الإدراك.
قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فصلى الظهر بنية الأداء، ثم أخر العصر إلى أن غربت الشمس، هل يصح ما أداه من الظهر؟ الأشبه الجواز، أن فعل العصر لو كان معتبراً في جواز الظهر لاعتبر اتصاله به، ولاعتبر تقدمه عليه [29 ب / 3]. ألا ترى أن فعل الظهر لما كان شرطاً في جواز العصر إذا كان الجمع في وقت الظهر اعتبر اتصاله به وتقدمه عليه، ويحتمل أن يقال: لا يجوز، لأنه لم يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، وأداء الظهر في وقت العصر بغير نية القضاء إنما يصح بشرط الجمع، والشرط إذا لم يوجد لم يحصل المشروط، وهكذا لو ملى الظهر وقت العصر، ثم عزم على ترك الجمع، هل عليه إعادة الظهر بنية القضاء إذا لم يصل العصر بعد؟ يخرج على هذين الوجهين.
ولو نوى في وقت الظهر تأخيره إلى العصر ليؤديه فيه دون العمر ليس له أن يصلي الظهر في وقت العصر إلا بنية القضاء؛ لأنه لم ينو الجمع، وهذا يدل على صحة الوجه الثاني، وللقائل الآخر أن يقول: العزم في الابتداء على فعل العصر أيضاً في وقته شرط في جواز الظهر في وقت العمر بغير نية القضاء، ووجود العصر ليس بشرط، ومثله موجود في الأصول، ألا ترى أن بيع الثمار قبل صلاحها يقف على شرط القطع لا على وجود القطع كذلك هاهنا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا دخل في الظهر في وقت وأراد استدامته [30 أ / 3] إلى أن يدخل وقت العصر يحتمل أن يقال: لا يجوز في أحد الوجهين، والثاني: يجوز قياساً على استدامة المغرب إلى الشفق، فان قيل: ما الفرق بينه وبين استدامة الجمعة إلى ما بعد وقتها لا يجوز وجهاً واحداً؟ قلنا: الفرق أن خروج الوقت هناك يبطل بالصلاة عن الجمعة والفرض الجمعة في يوم الجمعة بخلاف هاهنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 304

فَرْعٌ آخرُ قال: رجل نذر إتمام كل صلاة يشرع فيها، وصح نذره ولزم، فأراد الشروع في صلاة نغل، هل ينوي التطوع أم الفرض؟ يجيء أن يقال: ينوي التطوع؟ لأن ابتداءها يقع نفلاً، ثم يجب إتمامها كما في الحج ينوي التطوع عند الشروع، ثم يصير واجباً، وهكذا لو لم يبق من الصبح إلا ركعة واحدة يفتتح بنية الأداء، وان قلنا إنها تصير قضاء بعده.
فَرْعٌ آخرُ العبد إذا شرع في الجمعة يلزمه إتمامها بخلاف المسافر إذا شرع في صوم رمضان، والفرق أنه جوز للمسافر ترك فرض الوقت على كل وجه بخلاف العبد، لأنه لم يجوز له ترك الفرض بالكلية.
فَرْعٌ آخرُ قال: التأمين على دعاء الكفار لا يجوز [30 ب / 3]؛ لأنه عدو الله ورسوله وقد قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: 14] فأما التأمين على دعاء فساق المسلمين فإنه يجوز؛ لأنهم لم يخرجوا عن الإسلام، والله تعالى قد يجيب دعاءهم، وجاز الدعاء لهم فإنه يصلي عليهم إذا ماتوا، فجاز التأمين على دعائهم، بخلاف الكفار، وأما التأمين على التأمين فإنه يجوز لأنه دعاء، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89] وموسى عليه السلام كان يدعو وهارون عليه السلام كان يؤمن وأضاف الدعاء إليهما، ويحتمل أن يقال: لا يؤمن على التأمين لأن الشرع لم يرد به.
. . فَرْعٌ آخرُ قال: إذا عزبت النية للصلاة في خلال التكبير يجوز، وإذا عزبت النية في لفظ الكناية هل تطلق) وجهان، والغرق أن المصلي إذا فرغ من التكبير علمنا شروعه في الصلاة عند الحرف الأول، على قولنا: إن التكبير من الصلاة فلم يؤثر غروب النية في خلال التكبير؛ لأن غروب النية في أثنا، الصلاة لا يبطلها، وفي الطلاق تقع الفرقة عقيب الفراغ من اللفظ، والذي تقع به الفرقة هو اللفظ بشرط اقتران النية به، فلو جوزنا غروب النية في أثنا، اللفظ أدى إلى إيقاع الفرقة [31 أ / 3] بلفظ كتابة لم تقارنه النية، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: لو كان شارعاً في الصلاة عند الحرف الأول لوجب إذا اقتصر على قوله: الله أن يجوز قلنا: إذا فرغ من التكبير فتبين الشروع عند الحرف، فإذا اقتصر على قوله: الله لم يجز، لأن شرط التبيين لم يحصل، ومثل هذا لا يمتنع، ألا ترى أن المشتري إذا قال: قبلت كان البائع بائعاً بقوله: بعت لا بالقبول الحاصل من المشتري، وان كان قوله: لو تجرد عن القبول لم يكن بائعاً لأجل قوله، ويمكن أن يقال: غروب النية في أثناء التكبير يبطله كما في الطلاق، لأن الشروع فيها يحصل بتمام التكبير، فلو جوزنا غروب النية في الأثناء لصار شارعاً بما تقدمته النية، وهذا لا يجوز، إذ لو جاز هذا لجاز تقديم النية على التكبير كما قال أبو حنيفة - رحمه الله -:

الجزء: 2 - الصفحة: 305

ويمكن أن يجاب بأن اعتبارها في الابتداء صار أحق لمعنى الأولية، وهذا كما أن صحة الصلاة تقف على أركان مع الإحرام، ثم النية معتبرة في ركن معين منها وهو الإحرام لمعنى الأولية فكذلك هذا.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو قرأ أية القرآن وقصد به [31 ب / 3] التنبيه دون القراءة لم يجزه، وان قصا كليهما قيل قولان: أحدهما: باطلة وهو قول ابن سريج والثاني: تصح.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو ناداه الوالد أو الوالدة وهو في الصلاة، قيل فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الإجابة وتبطل صلاته إذا أجاب، والثاني: تلزمه الإجابة ولا تبطل صلاته بها، وفيه وجه ثالث لا تلزمه الإجابة أصلاً، وهذا هو أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام في الثالثة وني التشهد الأول، ثم تذكره فشك هل يجوز له العود أم لا، فعاد هل تبطل صلاته؟ يحتمل أن يقال: لا تبطل لأنه علم كون التشهد مسنوناً له، وهو شاك في أن هذه الحادثة، هل تزيل تلك السنة أم لا، والأمل كونه مسنوناً له وهو شاك في أن هذه الحادثة هل تزيل تلك السنة أم لا؟، والأصل كونه مسنوناً له، وهذا كمن شك في خروج الوقت يلزمه البناء صلى الأصل، ويحتمل أن يقال: تبطل صلاته؛ لأن لما شك لزمه ترك العود من جهة أن مراعاة الاحتياط في الصلاة واجبة، والاحتياط ههنا هو في ترك العود؛ لأن الزيادة في أفعال الصلاة محرمة وترك [32 أ / 3] التشهد الأول غير محرم، ومل هذه المسألة إذا عمل في الصلاة أعمالاً، ثم شك هل هي كبيرة أم قليلة، وهل يلزمه الاستئناف؟ يخرج على هذين الوجهين.
والأشبه عندي أنه لا يلزم، لأن الأصل بقاء الصلاة نصار كالشك في الحدث بعد يقين الطهارة لا يضر، فإن قيل: لا فائدة في ذكر هذين الوجهين في العود، لأنه إذا عاد وعنده أن العود لا يجوز فصلاته باطلة على الوجهين، وإن عاد وعنده أن العود جائز فصلاته لا تطل على الوجهين، قيل: فائدة ذلك إذا هاد ولا يدري هل يجوز العود أم لا؟ فعلى الوجه الأول لا تبطل، وعلى الثاني: تبطل وتظهر فائدة ذلك ني حال وقوع مثل هذه الحادثة في أثناء الصلاة، لأنه إذا عرف ما ذكرناه، نعلى الوجه الأول: يجوز له العود في الظاهر، وعلى الثاني: لا يجوز له ذلك، وهذه فائدة معقولة.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر قراءة القرآن نقرأه ولم ينو النذر ولا الفرض، فإن كان النذر غير مضاف إلى زمان بعينه لم يكن واقعا عن النذر، وإن أضافه إلى زمان بعينه.
مثل إن قال: لله علي أن أقرأ القرآن في كذا.
يحتمل [32 ب / 3] يقال: لا يقع

الجزء: 2 - الصفحة: 306

عن النذر وهو الأشبه، ويحتمل أن يقال: تجعل نيته عند قوله: في يوم كذا، كالنية المتقدمة فيحكم بجوازها في أحد الوجهين قياساً على جواز تقديم النية في الزكاة على أحد الوجهين، ويمكن أن يقال ذاك إنما يجوز في عبادة المال، فأما في عبادة البدن في فلا يجوز إذا لم يكن ضرورة.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان على ثوب الإمام نجاسة إلا أن المأموم لم يعرف ذلك لبعده من الإمام لم تصح صلاته؟ لأن النجاسة موجودة في موضح يمكن رؤيتها، وإنما عرض ما يمنع من الرؤيا فصار كما لو كان قريباً منه، إلا أنه لم يقف عليها لاشتغال قلبه بأفعال الصلاة، فإنه تلزمه الإعادة بالإجماع، وكما لو صلى خلف الكافر ولم يعرفه لبعده منه يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان على عمامة الإمام نجاسة تمكن المأموم من رؤيتها إذا قام غير أنه صلى قاعداً لعجزه عن القيام، ولا يمكنه رؤيتها في هذه الحالة لا يلزمه الإعادة؛ لأن فرضه القعود في هذه الحالة وهو على أي وجه قعد لا يمكن من رؤية النجاسة فلم يحصل [33 أ / 3] من جهته تعزراً بوجه كما لو كانت النجاسة على باطن ثوبه لا يلزمه الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ النية هل تلزم في الخطبة؟ وجهان: أحدهما: تلزم لأنها عبادة لا تصح من المجنون كالصلاة، والثاني: لا تلزم والأول أصح، وكذلك الوقوف بعرفة والأذان والطواف هل يفتقر إلى النية؟ وجهان.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا ارتد الإمام في الجمعة في أثناء الخطبة، ثم أسلم له استئنافها وله البناء عليها، لأن التفريق لا يبطلها، وكذلك إدخال ما ليس منها لا يبطلها كالأكل والكلام.
فَرْعٌ آخرُ لو خطب الإمام يوم الجمعة ثم شك هل ترك شيئاً من فرائضها ليس له الشروع في الصلاة، وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضاً واحداً، ولم يعلم عينه، ويقرأ أية من القرآن في هذه الخطبة، وهذا لأنها غير مقصودة بنفسها فالشك فيها بعد الفراغ يؤثر كالشك بعد الفراغ من الوضوء.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أدرك الإمام في السجود فسجد معه وقام، فإنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه تابع للإمام، والإمام لا يأتي به.
ولو أدركه [33 ب / 3] في التشهد الأخير فأحرم وقعد معه ثم قام بعد سلام الإمام يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه فرض الاتباع سقط فيجب العود إلى حكم صلاة الانفراد، وفيه نظر، وعندي لا يلزمه أن يأتي بدعا، الاستفتاح هاهنا أيضاً، وانقطع ذلك بقعوده معه.

الجزء: 2 - الصفحة: 307

فَرْعٌ آخرُ قال: لو أراد الجمع بين الجمعة والعصر للمطر نظر، فإن أراد الجمع بينهما في وقت العصر لا يجوز، وإن أراد الجمع في وقت الجمعة ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز لأن الجمع رخصة واردة في موضع مخصوص فلا يقاس عليه.
والثاني: يجوز لأن ما يباح لعذر يستوي فيه الجمعة والظهر كترك القياس عند العجز والأول أصح.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قرأ سبع آيات عند الفجر عن الفاتحة، هل يستحب له التأمين في الآخر إذا كان مضمنا بالدعاء؟ والصواب عندي أنه يسن لأنها بدل على الفاتحة والتأمين شرع بعدها طلباً لإجابة السؤال، وهذا موجود هاهنا ويحتمل وجهاً أخر أن الخبر لم يرد به.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام ناسياً إلى الركعة الثالثة قبل [34 أ / 3] التشهد فقبل اعتداله بدأ بقرا، ة الفاتحة، ثم تذكر ما نسي من التشهد، هل يرجع إلى الجلوس والتشهد؟ نظر فإن كان في صلاة الفرض يرجح، وإن كان في النفل لم يرجح، لأن القراءة هي غير محسوبة في الفرض قبل الانتصاب بخلاف النفل، أو يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام، فابتداؤه في النفل بالقراءة كالانتساب في الغرض وفيه وجه آخر يعود فيهما.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام الإمام تاركاً التشهد الأول واعتدل، ثم أحدث فاستخلف واحداً من المأمومين لا يتشهد هذا المستخلف ويبني على صلاته، ألا ترى أنه يقعد في موضح قعوده ويلزمه إتمام الصلاة، وإن كان مسافراً إذا كان المستخلف مقيماً ففي حكم التشهد يتبعه أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا جمع بين صلاتين في الوقت الأول، فلما فرغ من الظهر شك هل كان نوى الجمع أم لا؟، ثم تيقن أنه كان نوى ليس له أن يجمع؟ لأنه طرأت حالة تمنع الجمع فزوالها بعد لا يوجب الجواز، كما لو نوى الإقامة ثم أراد السفر لم يكن له أداء العصر بعده في وقت الظهر، وإن كان ما حدث من المقام زائلاً.
[34 ب / 3] وذكر الشافعي - رحمة الله عليه - نظيره إذا شك في نية العصر ثم تذكر في الحال فإنه لا يقصر.
قلت: وعندي يجوز الجمع؟ لأنه لم يصادف هذا الشك العبادة.
وقد يقع الشك في شرط منها، وقد تحقق وجود الشرط في الحال، والحالة ليست بحالة العبادة فصار كما لو شك في ركن الطهارة، ثم تذكر في الحال له الدخول في الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو أذن لصلاة الظهر قبل دخول وقتها، ثم أراد أن يؤدي به فائتة، وقلنا بالقول

الجزء: 2 - الصفحة: 308

الذي يقول: إن الأذان مشروع للفائتة، هل له أداء الفائتة بهذا الأذان؟ نظر، فإن كان ذاكراً للفائتة وقت الأذان يجوز، وإن لم يكن ذاكراً لها لا يجوز، والفرق أن وقت الفائتة إنما يدخل عند ذكرها، فإذا كان ذاكراً لها، ولم يصح عما قصده وقع عما كان الوقت وقتاً له، كما لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج صح عن العمرة.
وفي المسألة الثانية لم يدخل وقت الفائتة ولا يقع الأذان عنها، لأن تقديم الأذان على وقته لا يجوز إلا في الصبح، ويحتمل وجهاً آخر أن هذا الأذان لا يصح عن الفائتة في الحالتين، ويحتمل وجها ثالثاً أنه يصح في الحالتين [35 أ / 3]. فرع قال: إذا أقام لصلاة الجمعة قبل الإتيان بتمام الخطبة المفروضة، ثم أتمها بعده وافتتح الجمعة بعده في وقت يسير هل يصح؟ عندي أنها لا تجوز، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا يجوز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الاستفتاح، كالإقامة للصبح لا تجوز قبل الوقت، وان صح الأذان.
ويحتمل أن يجوز كالإقامة قبل الفراغ من الطهارة وهذا أبين.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم عليه رجل فلم يرد الجواب حتى طال الزمان، هل يسقط فرض الرد؟ يحتمل وجهين وكذلك لو مضت أيام.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك الرجل هل أدى الصلاة التي وجبت عليه أم لا؟ فإن قيل: إن فوات الوقت يلزمه أداؤها بلا خلاف، وان كان فوات الوقت يحتمل أن يقال: يلزمه الإعادة للاحتياط، والأصل: عدم الأداء، ويحتمل أن يقال: إن كان في وقت لا ينس في مثله في العادة أداء الصلاة التي أديت يلزمه قضاؤها وإلا فلا يلزم؛ لأن الظاهر إذا كان في وقت ينسى أنه لا يتغافل عن صلاته وأداها، ولكنه لا يمكنه تذكرها إلى هذه الغاية.
والظاهر إذا كان في وقت لا ينس أنه [35 ب / 3] لم يؤدها ولو لم يفصل هكذا لأدى إلى مشقة عظيمة.
وقيل: لا يلزمه الإعادة كما لو شك بعد الفراغ من الصلاة في بعض أفعالها وهذا ليس شيء.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك المصلي هل سلم من صلاته التي أداها أم لا؟ نظر، فإن حدث أمر يقطع الصلاة، أو يمنع صحة السلام في هذه الحالة فلا يلزم حكم الشك، وإن كان قاعداً متوجها إلى القبلة، ولم يطل الفصل لزمه السلام لنزول شكه في صحة الصلاة، ووجه ذلك أن في الأول: لو أوجبنا اللام لوجبت الإعادة من الأصل، والشك لا يوجب الإعادة، وفي الثانية: يجوز البناء ولا يلزمه الإعادة، فيجوز إثبات وجوب السلام في تلك الحالة؟ لأن وقت السلام باق في تلك الحالة، ولا يشبه التشهد إذا شك في قراءته بعد السلام: لأن وقته فات بحصول السلام، ألا ترى أنه لو ترك ذلك وتعمد إلى السلام بطلت صلاته، وإن كان قريباً وفوات الوقت يمتنع من تأثير الشك فيما لا يمكن اعتبار الظاهر فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 309

فَرْعٌ آخرُ قال: البالغ إذا أدرك الصبي الإمام في [36 أ / 3] الركوع هل يكون مدركاً الركعة؟ وجهان: والأصح الإدراك، وعندي لا معنى للوجه الآخر بعدما حكمنا بصحة صلاته.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام في الركوع فافتتح الصلاة، ولم ينو الجماعة، وركع معه لم تصح صلاته، سواء قلنا: الإخلال بنية الجماعة مع الاقتداء يبطلها أو لا يبطلها إلا أن يكون عنده جواز اتباعه فلا يصير مدركاً للركعة، ولا تبطل الصلاة، فإن قيل: نية الجماعة هي واجبة في الجمعة أم لا؟ قلنا: هي واجبة على المأموم، ولا يجوز أن يقال غيره، وهل يلزم الإمام هذه النية؟ وجهان: أحدهما: لا تلزمه كما في سائر الصلوات، والثاني: تلزمه لأنها لا تصح إلا بالعدد، وهو اختيار جدي الإمام - رحمه الله -. فَرْعٌ آخرُ قال: صلاة التراويح إذا صليت قبل دخول وقت العشاء بعد غروب الشمس هل تصح؟ وجهان: أحدهما: لا تصح لأنها تابعه للعشاء كالوتر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة صلوها في وقت العشاء والوقت يؤخذ توقيفاً.
والثاني: أنها تمح كقيام الليل.
فَرْعٌ آخرُ هل تصح في وقت العشاء قبل العشاء؟ [36 ب / 3] يحتمل أن يقال: لا يجوز كالوتر ويحتمل خلافه.
فَرْعٌ آخرُ قال: من به سلس البول إذا أم الناس في الجمعة هل له أن يجمع بين الخطبتين وصلاة الجمعة بوضوء واحد؟ يحتمل على قياس قول الشافعي وجهين بناء على اعتبار الطهارة في الخطبة، وفيه قولان، والأصح أنه لا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يصلي الظهر عن قعود لعجزه عن القيام فني التشهد الأول، ثم ذكره فإن كان قد أخذ في القراءة المفروضة لم يرجح، وإن لم يكن أخذ فإنه يرجع، وإن ابتدأ بالقعود على قول من قال: يتعوذ في كل ركعة فغيه وجهان.
فرع قال: إذا كانت صلاة العشاء هل له أن يصلي الوتر قبل قضاء العشاء وجهان.
فرع قال: إذا في الإمام التشهد الأول واعتدل فعزل المأموم نفسه من صلاة الإمام، هل يأتي بالتشهد؟ فإن كان اعتدل قائماً لم يأت به، وإن لم يكن اعتدل يحتمل وجهين:

الجزء: 2 - الصفحة: 310

أحدهما: لا يأتي به، والثاني: يأتي به وهو الأظهر.
فرع قال: إذا علم أنه ترك صلاة الظهر في مدة شهر معين في بعض الأيام وصلاها في بعض الأيام ولا ندري كم ترك؟ وكم صلى؟.
قال القفال: نقول [37 أ / 3] له: كم تتحقق من الصلوات تركها؟ فإن قال: أعلم أني كنت تركت عشرة أيام، ولا أدري الزيادة، نقول: أقض عشرة صلوات وليس عليك إلا ما تحققت تركها، فإن الظاهر أن المسلم لا يترك الصلاة.
وقال القاضي الحسين - رحمه الله -: الأمر عندي على العكس فيقال: كم تتحقق قدر ما صليت؟ فإن قال: أتحقق عشرة أيام يقال له: اقض عشرين يوماً لأنا تحققنا اشتغال ذمته بالفرض فلا يسقط عنه إلا بيقين.
ونظيره إذا أسلم ثم شك، هل ترك ركناً فيه قولان.
أحدهما: إن كان الفصل قريباً عاد وبنى، وإن طال الفصل استأنف.
والثاني: أنه لا يبني عليه، لأن الظاهر أن الصلاة قد تمت على وجهها.
فَرْعٌ آخرُ إذا شرع في الفائتة على تقدير أن في الوقت سعة فتبين أن الوقت قد ضاق، المذهب أن عليه أن يقطع الفائتة، ويملي صلاة الوقت ثم يعيد الفائتة؛ لأنه لو شرع منفرداً ثم أدرك الجماعة فإنه يستحب له أن يجعله نفلاً ويسلم، ومراعاة حق الوقت هاهنا أولى من مراعاة الجماعة، ففيه وجه آخر يتمها ولا يقطعها وليس كتلك المسألة، لأن الجماعة من مصلحة تلك الصلاة فجاز [37 ب / 3] أن يقطعها لمراعاة مصلحتها، وفي القضاء ليس الوقت من مصلحتها، وإنما الوقت من مصلحة فريضة الوقت، فلا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى.
فَرْعٌ آخرُ إذا ترك الصلاة فقال: كنت نسيت أو كنت أجد البرد، أو كانت على بدني نجاسة ما قدرت على غسلها لا يقبل بل يؤمر بالصلاة.
فإن امتنع بالمذهب أنه لا يقبل؛ لأن الصلاة إنما يتضيق فعلها في الوقت ومعظم الجنابة في التأخر عن الوقت ولم يتحقق قصده إلى التفويت، وفيه وجه آخر أنه يقبل لامتناعه من الإتيان بها مع التمكن.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يكفيه في نية الصلاة نية الظهر لا بد وأن يعتقد فرض الظهر حتى إن كان قريب العهد بالإسلام ولم يعلم أن صلاة الظهر من المفروضات، أو علم أنها من المفروضات ولكن لم يعلم فريضة أركانها إذا اعتقد في بعضها أنها سنة لم تصح صلاته؛ لأن فرض الصلاة لا يؤدى بنية النفل، ولو اعتقد أن جميع ما يفعله فيها فرض

الجزء: 2 - الصفحة: 311

يصح؛ لأن السنة تؤدى بنية الفرض.
فَرْعٌ آخرُ إذا قتل برغوثة على ثوبه فيه وجهان: أحدهما: لا يكون عفواً لأنه يمكن الاحتراز منه، وإن [38 أ / 3] كان كثيراً فإنه لا يعفى وجهاً واحداً.
والثاني: أنه يعفى لعلته لاعتبار الجنس وهو الصحيح، ولما روي أن ابن عمر - رضي الله عنه - عصر بثرة بوجهه وصلى.
فَرْعٌ آخرُ دم البراغيث يعفى عنه في ثوبه الملبوس، فإن كان في كمه روث فيه دم البراغيث، فإن كان كثيراً لا يجوز، وإن كان قليلاً فيه وجهان؛ لأنه يمكن الاحتراز وكذلك لو كان دم البراغيث على مصلاه.
فَرْعٌ آخرُ إذا كان عليه دم البراغيث فعرق بدنه وانتشر، يصير ذلك الموضع نجد وهل يعفى عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعفى وهو اختيار القاضي الحسين - رحمه الله - ويختص العفو بعين الدم دون المحل الذي يتعدى إليه نجاسة الدم كما في محل الاستنجاء.
والثاني: يعفى وهو الصحيح عندي، واختاره أبو عاصم العبادي؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه عرفاً، ولأنه لم ينقل ذلك عن الصحابة - رضي الله - عنهم مع علمنا بأنهم كانوا فقراء، ولم يكن للواحد منهم إلا ثوب، وكانوا يبيتون فيه، وقلنا: يخلو عن مثله والعرق يكثر في الحجارة لشدة الحر، ولأنا لو أوجبنا غسل [38 ب / 3] المتعدي لأوجبنا غسل موضع الاستنجاء؟ لأن البعض متصل بالبعض.
وقال جعفر بن محمد الصادق: لقد هممت أن أتخذ للمغتسل ثوباً فإني رأيت الذباب تقع على النجاسة، ثم تقع على الثوب، ثم إني تفكرت أن السلف المالح ما كان لهم إلا ثوب واحد فتركته.
فَرْعٌ آخرُ لو ابتلع خيطاً وطرفه خارج فمه لم تصح صلاته؛ لأن الظاهر هو متصل بالنجاسة.
فرع لو قدر على قطع موضع النجاسة من الثوب، فإن كان النقصان الداخل فيه بقدر أجرة ثوب يستأجره للصلاة تلزمه أن يقطع، وإن زاد فلا يلزمه.
فَرْعٌ آخرُ لو شك في الحدث في صلاته لا ينصرف، فلو انصرف لتجديد الطهارة، فإن بان أنه كان أحدث له البناء على صلاته في قوله: القديم، فيمن سبقه الحدث، وإن بان أنه ما كان أحدث، أو بقي الحال مشكلاً فيه وجهان: أحدهما: يبطل، لأنه ممنوع من الانصراف قبل تحقيق الحدث، والثاني: لا يبطل، لأنه من سلم ناسياً وظن أنه ليس في الصلاة فتكلم لم تبطل صلاته حتى يبني عليها، ويجعل كأنه تكلم بعد إتمام الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 312

فكذلك [39 أ / 3] من جهل بقاء الطهارة يجعل في الحكم كأنه تحقيق انقطاعها.
فرع لو قال في صلاته: يا قومنا قوموا لله موصولاً فهو كلمات القرآن، ولكن ليست على ذلك النظم تبطل صلاته؛ لأنها ليست بقرآن، ولو فرق الكلمات لا تبطل لأن الجمع من القرآن.
فَرْعٌ آخرُ إذا تنحنح الإمام، وقلنا في أحد القولين: التنحنح يبطلها فمن أصحابنا من قال: يزم المأموم أن يفارقه، فإن لم يفارقه بطلت صلاته؛ لأن الظاهر أنه قاصد، وقد بطلت صلاته، ومنهم من قال: يمضي على متابعته لأن المسلم لا يقصد بطلان الصلاة، والظاهر أنه غير مختار له وأن صلاته لم تبطل، وهذا أمح عندي إذا كان الإمام ممن لا يخفى عليه هذا القدر.
فرع لو تستر في الصلاة بآدمي أو بهيمة؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام، ولو صلى إلى آدمي أو إلى حيوان طاهر جاز لخبر عائشة - رضي الله عنها -: ((كنت معترضة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
فَرْعٌ آخرُ لو أخبره جماعة أنه صلى ركعتين وهو يشك فهل يعتما على قولهم؟ وجهان والأصح [39 ب / 3] أنه يعتمد.
فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي الصبح فرفع رأسه من السجود، وقام إلى الثانية بعدما شك أنه صلى الواحدة أو الثانية، ثم تذكر أنه ما صلى إلا ركعة، وأن التي قام إليها هي الثانية، فالظاهر أن عليه سجود السهو؛ لأنه حين قام لم يقطع بأن عليه فرض القيام، بل توهم أنه صلى ركعتين وهذه ثالثتهما وهي زيادة في الصلاة، وفيه وجه آخر: أنه لا يسجل لأن الوهم زال بالتذكر وتبين أنه ما زاد فيها.
قال بعض أصحابنا: والأول أصح؛ لأن فعله مع الوهم أنه يفعله زيادة فيها خلل ولهذا لو بقي على الشك حتى فرغ منها عليه سجود السهو، وإن احتمل أنه لم يزد وقد تقرر أن من شك هل زاد في صلاته لا سجود عليه، وعندي الوجه الثاني أصح.
فرع لو شك في سجوده أنه سجد سجدة أو سجدتين بنى على اليقين، فإذا أخذ بالأقل ثم بان قبل أن يرفع رأسه من السجدة أنه ما كان سجد إلا واحدة فلا سجود عليه للسهو؟ لأن تلك السجدة معتد بها، وان بان بعد أن رفع رأسه من تلك الجدة وسجد السجدة الأخرى، ثم تذكر أنه [40 أ / 3] ما كان قد سجد إلا سجدة واحدة، وأن هذه ثانيتها يلزمه سجود السهو لأن فعله لم يكن معتداً به لاحتمال أنه سجد سجدتين وهذه ثالثتهما على ما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 313

فَرْعٌ آخرُ لو سلم وقام، ثم داس نجاسة برجله، المذهب أنه لا يبني على صلاته إذا علم أنه ترك منها شيئاً؛ لأن حكم النجاسة هو أغلظ من حكم القبلة والكلام، فيبني بعه استدبار القبلة والكلام قليل ولا شيء بعد النجاسة.
فَرْعٌ آخرُ إذا سلم فقال له وجل: سلمت من ركعتين، فمان تداخله شك يعود إلى صلاته في الوقت ولو اشتغل بجوابه، ثم تذكر فأراد أن يعود إلى الصلاة ليس له ذلك، فإن لم يتداخله شك فأجابه، وقال: بل أتممت الصلاة، ثم تذكر أنه سلم محن ركعتين له أن يبني على صلاته لخبر "ذي اليدين".
فرع لو قام من موضعه لا يعوذ إلى موضعه، بل يبني في المكان الذي تذكر لأن عوده ليس من مصلحتها.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يبني لا يحتاج إلى النية؟ لأن التحريمة الأولى باقية.
ولو كبر ونوى الافتتاح بطل ما مضى.
[40 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو سلم من ركعتين وقام وافتتح النفل، ثم تذكر أنه نسي ركعتين فعلى قول بعض أصحابنا: الانتقال إلى الركن مقصوداً شرط، فعلى هذا ما فعله لا يعتد به إلا أن الفعل من جنس الصلاة فله أن يبني على صلاته، وإن كان قد طال الفصل، وعلى طريقة الباقين الانتقال إلى الركن بالقصد ليس بشرط، ولكن هذا الرجل قصد النفل وعليه الفرض هل يتأدى الفرض بنية النفل؟ ذكرنا فيه الخلاف بين أصحابنا، فإن قلنا: يتأدى بها احتسب له ما فعله ويتممه.
وإن قلنا: لا يتأدى بها استأنف الركعتين وهذا أصح عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو أراد المأموم أن يقنت في الصبح وترك الإمام القنوت، فإن أخرج نفسه من متابعته وقنت لا يسجد للسهو، وان لم يخرج نفسه من متابعته ولكن طول الإمام قيام الاعتدال فقنت جاز، وهل يسجد للسهو؟ وجهان.
قال أبو حامد يسجد، وقال القفال: لا يسجد، لأن في اعتقاد إمامه أنه ليس في صلاته خلل والمأموم اعتقد الخلل فيجعل اعتقاده كسهو منه ولا يسجد للهو خلف الإمام [41 أ / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو قنت في الركعة الأولى ساهياً أو في غير الصبح.
قال الشافعي - رحمه الله _:

الجزء: 2 - الصفحة: 314

يسجد للسهو، فقال بعض أصحابنا: لأنه نقل ذكراً مقصوداً من محله إلى غير محله، فجعل الإتيان به في غير محله كتركه في محله.
وقيل: العلة هي أن قيام الاعتدال ركن قصير، وقد طوله بالقنوت، وعلى هذا لو قنت في الركعة الأولى عامداً أو في غير الصبح عامداً، فإن قلنا: العلة عند السهو نقل الذكر لا تبطل صلاته لأن الصلاة هي محل الذكر، وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير تبطل صلاته ونجعل تطويل الركن القصير كزيادة ركن في الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ لو قنت قبل الركن عامدا لا تبطل صلاته، ولو فعله ساهياً، فإن قلنا: إن العلة نقل الذكر المقصود ويسجد، وإن قلنا: العلة تطويل الركن لا يسجد، لأن القيام ركن ممتد.
فَرْعٌ آخرُ لو تشهد قائماً، أو قرأ القرآن في التشهد، فإن كان عمداً لا تبطل، وإن كان ناسياً، فإن قلنا: العلة في المسألة الأولى نقل الذكر ليسجد! لأنه نقل موجود وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير لا يسجد لأن الركن في نفسه ممتد [41 ب / 3].

باب صلاة المسافر

مسألة: قال: وإذا سافر الرجل سفراً يكون ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي.
فله أن يقصر الصلاة.
وهذا كما قال.
الأصل في جواز القصر في السفر الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: 101] الآية.
وأما السنة: فما وري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يقصر في أسفاره حاجاً وغازياً".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين الملمين فيه.
فإذا تقرر هذا، فجملة الأسفار على أربعة أضرب: سفر واجب كالسفر للحج والعمرة والجهاد والهجرة، وسفر معصية: كالسفر لقطع الطريق، وطلبه الزنا، والمعاصي، والهرب من الغريم مع القدرة، والخروج مراغما لأبويه في شيء، وسفر طاعة: كزيارة الوالدين أو أحدهما، الخروج إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى المجد! لأقصى، وسفر مباح: كتجارة أو تنزه ويستباح القصر في كلها إلا في سفر المعصية.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه _: لا يجوز القصر إلا في السفر الواجب: لأن الواجب لا يترك إلا للواجب، وقال عطاء [42 أ / 3]. رحمه الله -: لا يجوز إلا في سفر الطاعة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصر إلا في سبيل الخير.
وقال داود: لا يجوز إلا عند الخوف لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] النساء: 101] فشرط الخوف وهذا غلط لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاء وفي السفر ركعتين"، وروى يعلى بن أمية

الجزء: 2 - الصفحة: 315

وقيل: يعلى بن منية، وقيل: أمية أبوه ومنية جدته، فنسب إلى كل واحد منهما.
قال: وقلت لعمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _: أباح الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر إذا أمن، فقال: عجبت مما عجبت، فألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
فثبت جوازه في الأمن.
وروى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خياركم من قصر في السفر وأفطر"، وروى ابن عمر _ رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار أمتي أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا [42 ب / 3] وإذا سافروا قصروا وافطروا"، وروى عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: كنت مع عمي عبد الله بن عمر في سفر فصلى ركعتين، ثم انصرف فرأى ناساً في المسجد يصلون فقال: لو كنت مصلياً معهم لأتممت، لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فما رأيته يصلي إلا ركعتين، ما يصلي معهما شيئاً حتى لقي الله"، ولقد صحبت أبا بكر في السفر "فما رأيته يصلي إلا ركعتين ما يصلي معهما شيئاً، ثم صحبت عمر في السفر ففعل هكذا ثم صحبت عثمان فما رأيته إلا هكذا، ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقال أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة فسار فرسخاً قصر الصلاة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر في السفر في الحج وكان آمنا، ولأن الرخصة إذا تعلقت بسفر الطاعة تعلقت بالفر المباح كصلاة النافلة على الراحلة.
وأما ما ذكر ابن مسعود _ رضي الله عنه _ ينتقض ممن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه يقصر بالإجماع، وأما ما قال عطاء فلا يصح لأنه لو اختص بموضع السنة [43 أ / 3] لما جاز القصر في غير الموضع الذي سار فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يقصر الصلاة في عوده، وإن كان مباحاً وأماما، قال داود رحمه الله: قلنا ذكر الخوف لا للشرط كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: 31] فهذا ليس بشرط، وقال أبو حنيفة _ رحمه الله _: يجوز القصر في جميع الأسفار، وان كان سفر معصية وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا فإن عنانا لا يجوز القصر إلا في السفر الطويل، وقال داود: يجوز القصر في السفر القليل وإن كان فرسخاً لظاهر الآية، وهذا غلط لما روى ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدني من أربعة برد من مكة إلى عسفان".
وهذا يخص الآية، ولأن المشقة لا تلحقه في ذلك غالباً فأشبه الانتقال في البلد من محله إلى محله.

الجزء: 2 - الصفحة: 316

فإذا تقرر هذا فحد السفر الطويل ماذا؟ قال الشافعي: هاهنا ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي.
وقال في القديم: يقصر إذا جاوز أربعين ميلاً، وقال في موضع: مسيرة ليلتين، وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة.
وقال في موضع: أربعة برد.
وكل هذا واحد والأصل فيه ما قال [43 ب / 3] هاهنا ستة وأربعون ميلاً، والذي قال ثمانية وأربعون ميلاً احتسب فيه الميل الذي يبتدي منه، والميل الذي ينتهي إليه وهناك لم يحتسب.
والذي قال في القديم: جاوز أربعين ميلاً أبهمه وفسره في الجديد، والذي قال مسيرة ليلتين قال: فيه قاصرتين سير الأبغال ودبيب الأقدام دون سير البرد والخيل ونحب الركاب لأن ذلك خارج عن المعتاد، كما لا يعتبر سير المزمن والمقعد، وذلك ستة عشر فرسخاً في كل ليلة ثمانية فراسخ، والذي قال مسيرة يوم وليلة أراد إذا وصل سير الليل والنهار وذلك ما قلناه.
والذي قاله: أربعة برد فهو ما ذكرنا؟ لأن كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي قدر أميال البادية وبردها كل ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.
وجملته ستة عشر فرسخاً.
وقال بعض أصحابنا: كل ميل أربعة آلاف قدم وهو غلط ظاهر، وقال الساجي: قوله: ثمانية وأربعون ميلاً أراد به أميال بني أمية، وقوله: ستة وأربعون ميلاً أراد به أميال بني هاشم لأن أميال بني أمية هي أقصر من أميال بني هاشم وهذا [44 أ / 3] غلط، لأن الشافعي رحمة الله عليه نص في الموضعين على أميال بني هاشم، وبقولنا: قال مالك والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: لا يقصر إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرون فرسخاً، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وسويد بن غفلة وسعيد بن جبير والنخعي رحمهم الله.
وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم، وروي ذلك عن أنى رضي الله عنه وقال الزهري رحمه الله: مسيرة يوم تام ثلاثين ميلاً، وقد قال الشافعي رحمه الله: لا يستحب أن يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
كما قال أبو حنيفة: للخروج من الخلاف، والدليل على ما ذكرنا: خبر ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكرنا، وقال عطاء رحمه الله: لابن عباس رضي الله عنهما أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى منى؟ فقال: لا، ولكن اقصر إلى جدة أربعة برد.
واحتجوا بما روي عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ يصلي ركعتين.
أورده أبو داود عن علي رضي الله عنهما أنه خرج [44 ب / 3] إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة؟ قلت: احمل الخبر على ما لو نوى سفراً طويلاً، فحين خرج من بلده ثلاثة أميال ابتداء

الجزء: 2 - الصفحة: 317

القصر، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الشد والحل والارتحال فجاز القصر فيها كالثلاث، ثم الصحيح أنه تجديد كالنصاب في الزكاة: لأنه ثبت بالنص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لا بالاجتهاد، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لم يقصد الشافعي بألفاظه التحديد الذي لا ينقص منه وإنما أراد به التقريب.
فرع لو سافر في البحر لا اعتبار بسير الفن كما لا اعتبار في البر بالسير السريح، بل الاعتبار بالمسافة التي يقصر الصلاة في مثلها في البرء قال: فإن شك هل بلغ مثل تلك المسافة في البر أم لا؟.
لا يجوز له القصر حتى يستيقن أنها مسافة القصر.
مسألة: قال: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة.
وهذا كما قال: الصلوات المفروضات خمس، اثنتان منها لا تقصران، وهما الصبح والمغرب، والباقيات يقصرن وهي الظهر والعصر والعشاء، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرفت [45 أ / 3] الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر إلا المغرب والصبح.
أما المغرب فوتر النهار، وأما الصبح فلطول القنوت.
معناه: أنه مقصور عدداً ولكنه يطول بطول القراءة فإذا كان في السفر يخفف القراءة فيه: ولأن الصبح مقصور والمغرب لا ينتصف صحيحاً، ولا يمكن أن ترد إلى ركعتين: لأنه يخرج عن كونه وتراً ولا أن ترد إلى ركعة: لأنه إسقاط الأكثر، ثم اعلم أن القصر رخصة لا عزيمة ولا فرض كالمسح على الخفين فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وأيهما فعل سقط عنه الغرض كالعبد والمرأة إذا حضرا الجمعة يختاران الجمعة أو الظهر أربح ركعات، وأيتهما فعلا سقط عنهما الفرض، وبه قال عثمان وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهم والأوزاعي وأحمد وأبو ثور رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: القصر عزيمة لا يجوز تركه بحال، وبه قال عمر وعلي رضي الله عنهما، وعن مالك رحمه الله روايتان والأشهر عنه نحو مذهبنا، وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع [45 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت.
فقلت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحسنت"، وهذا نص ولأنه لو صلى خلف مقيم صلى أربعاً والركعات لا تزيد بالإتمام، فإذا تقرر هذا نص الشافعي رحمه الله في كتاب استقبال القبلة أن القصر أفضل من الإتمام، ونقل المزني رحمه الله في "الجامح الكبير": أن الاختيار للمسافر القصر، ثم اعترض عليه بأن الإتمام أفضل لأنه أكثر عملاً، وهو مذهبه ونص في كتاب الإمامة على أن الإتمام

الجزء: 2 - الصفحة: 318

أفضل، فيكون في المسألة قولان، ومن أصحابنا من ذكر قولاً واحداً أن القصر أفضل وهو اختيار أبي حامد، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وقول الشافعي رحمه الله: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة لم يرد به أن تركه رغبة عن السنة، ولكن أراد إذا ترك على وجه الرغبة عن السنة كفر، فكيف يقول الشافعي هذا؟ قلنا: قيل: إن الشافعي قال في "الأم": والقصر سنة وأكره تركه، وهذا نقله المزني وله تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يتركه في حال [46 أ / 3] الأمن عدولاً عن قبول خبر الواحد.
وهذا لا يوجب كفراً، لأنه ذهب إلى ظاهر القرآن وشرط الخوف فيه.
والثاني: أراد أنه رغب عن هذه السنة الرخصة الثانية بالسنة، وقال: لا أترك ما ثبت من عدد الركعات بالتواتر والإجماع، فإن قيل: أليس الصوم أفضل من الإفطار في السفر إذا أطاق الصوم فكذلك الإتمام وجب أن يكون أفضل؟ قلنا: قال القفال: الفطر أفضل من الصوم في أحد الوجهين والصحيح الغرة، وذلك أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون قضاء الصلاة إذا قصرها، ودخل الوقت تفوت بالفطر بخلاف القصر، ولأن الخلاف فيه أشهر منه في جواز الفطر: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا"، وقد داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القصر ولا يداوم إلا على الأفضل، وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه: حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى [46 ب / 3] ذهب وسافرت مع عثمان رضي الله عنه فصلى ركعتين ست سنين، ثم أتم بمنى.
فإن قيل: إذا اعتبرتم الاحتياط للخروج من الخلاف هاهنا، وفي القصر في أقل من ثلاث مراحل على ما قال الشافعي فيم لا يحتاطون في الوتر حتى يوتر بثلاث؟ قلنا: لأن الأخبار في الوتر بواحدة هي كثيرة مشهورة، وهاهنا أكثر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسفار القصر فيها، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وله أن يفطر في أيام رمضان، فإن صام فيه أجزأه" وموضعه كتاب الصوم.
مسألة: قال: فإن نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق المنازل.
الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في وقت القصر، فكل سفر يقصر فيه الصلاة فوقت القصر هو إذا فارق البنيان والمنازل، وهو المكان الذي إذا عاد إليه من سفره يزول القصر، فإن كان للبلد سور فحتى يفارق السور، وإن لم يكن له سور فحتى يفارق البنيان والمنازل، فلا يبقى بيت منفصل ولا متصل، وان كانت أطراف البلد حزبه نظر، فإن كانت الحيطان قائمة فهي كالعامرة، وان كانت ساقطة [47 أ / 3] فهي كالمعدومة، وإن كان حول البلد بساتين،

الجزء: 2 - الصفحة: 319

فإن الاعتبار بمفارقة حيطان البلد المبنية للإيواء والكن، فأما حيطان البساتين فهي كالمعدومة: لأنها مبنية لحفظ الغلات والثمار لا للاستيطان، وإن كان البلد ذا جانبين يفصل بينهما نهر كبغداد وواسط والبصرة فالجانبان معاً كالبلد الواحد يفصل بينهما شارع، فالماء والشارع سواء فلا يجوز القصر إذا عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن كانت قريتان اتصلت عمارتها حتى ليس بينهما قضاء فإنهما بمنزلة القرية الواحدة، وإن كان بينهما قضاء فهما قريتان، وان كان ذراعا مثلا ذكره في "الحاوي".
ضومن أصحابنا من قال: إن كان الفضاء يتباعد بينهما فعلى ما ذكرنا، وان قرب القضاء بينهما فهما قرية واحدة.
ذكره ابن سريج، وهذا خلاف المذهب، لأن الشافعي نص على ما ذكرنا وأطلق، وهذا لأن كل واحدة منهما منفصلة باسمها وبنائها، وإن كان بدوياً يخرج من البادية، فإن لم يكن خيمة يكون فيها بل له بقعة قد نزلها، نقل المزني أنه لا يقصر حتى يفارق موضعه.
وقال الشافعي في كتاب استقبال القبلة: حتى [47 ب / 3] يجاوز البقعة التي فيها منزله، وهذا أبين وأشرح، وأراد المزني أيضاً بقعة موضعه لا نفس الموضع، وهي مواضع تردده إليها في الاحتطاب وغير ذلك على العادة، وقال عطاء والأسود والحارث بن أبي ربيعة رحمهم الله: إذا نوى السفر جاز له القصر في منزله وبلده لمجرد النية.
وقال مجاهد رحمه الله: إن سافر نهاراً لا يقصر حتى يمسي، وإذا سافر ليلاً لا يقصر حتى يصبح، وهذا غلط لما روي عن أنى رضي الله عنه أنه قال: صليت مع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين.
وقال علي بن ربيعة: خرجت مع علي رضي الله عنه فقصر ونحن نرى البيوت ورجعنا بقصر ونحن نرى البيوت.
واحتج عطا، بأنه لو نوى الإقامة فإنه يلزمه الإتمام في الحال، فإذا نوى الفر قصر في الحال أيضا.
إن الحارث بن أبي ربيعة أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، فصار إجماعاً، قلنا: إذا نوى الإقامة وجد مع النية ما يوافقها وهو اللبث والإقامة، وإذا نوى السفر لا يوجد ما يطابقها حتى [48 أ / 3] يسير فيما جاوز البنيان فاعتبر ذلك فيها.
فرع لو كانت له خيمة وهناك خيام مجتمعة كالبيوت في القرية فحتى يفارق كلها، نص عليه في "الأم" قال: فإن كان في حاضر مجتمع فحتى يفارق ما قارب منزله، وأراد إذا كان من أهل المظال والخيام لقبائل متفرقة فلا اعتبار بالحلة، فإن كانوا يعدونها حلة واحدة فيعتبر مجاوزة جميعها، وان كانوا يعدونها حللاً مختلفة، فإذا جاوز حلت له أن يقصر: لأن الحلل هي كالقوى فإذا فارق قريته قصر وإن كان يقربها قرية أخرى لم

الجزء: 2 - الصفحة: 320

يجاوزها.
قال أصحابنا: وما يكون من مرافق الحلة كمطرح الذبل وموضع الطبخ، والخبز، ومتحدث النادي من جملتها لا يقصر حتى يفارقها.
وقال القفال: إذا كانوا يجتمعون للسمر ويتعين بعضهم ببعض في الحوائج، وان كانت متفرقة فهي كالمحلات في بلده.
فَرْعٌ آخرُ قال: وإن كان في عرض وادٍ فلا يقصر حتى يقطع عرفه.
قال أصحابنا: أراد به إذا كانت البيوت قصر، وان كان في عرض كان في عرض الوادي، وقال القافي الطبري: لم يشترط الشافعي ما ذكره بل أطلق وإنما قال ذلك، لأن [48 ب / 3] جانبي الوادي بمنزلة السور على البلد؛ لأنهم إنما اختاروا النزول في الوادي ليتحصنوا بجانبيه كما يتحصن أهل البلد بسورة فينبغي أن لا يقصر حتى يفارقه، ولو كان منزله في طول الوادي فإنه يقصر أيضاً إذا جاوز البيوت.
فَرْعٌ آخرُ قال: ما دام يتردد حول خيمته للارتحال وإحضار الدابة فهو كالمقيم إلا أن تستوي دابته على الطريق ذاهباً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان على صعود في صحراء فما لم ينهبط منه لا يقصر، وان كان في هبوط فما لم يصعد لا يقصر، وعندي ليس هذا على هذا الإطلاق لأنه قد تطول المسافة بين الصحراء وبينه، فإذا فارق موضعه من أعلاه وتباعد يجوز له القصر وان لم ينزل بعد.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خرج مسافراً، ثم ذكر شيئاً نسيه في منزله فعاد إلى بلده لأخذ ذلك الشيء، لم يكن له أن يقصر لأنه صار بعوده مقيماً، ولهذا لم يجز له أن يقصر إلا بعد مجاوزته.
فَرْعٌ آخرُ لو دخل البلد الذي قصده، وبلغ أول بنيانه أتم الصلاة.
وقال في "البويطي": لو خرج إلى الجب مبرزاً ليخرج إلى مكة في المشاة أو الركبان وكانت [49 أ / 3] نيته المقام حتى يتكامل الناس أتم حتى يرحلوا، لأن السفر يبتدأ من حيث نزل هاهنا، وإن كانت بنية المقام في الجب أقل من أربعة أيام ويسير منه مكامل الناس أو لم يتكاملوا فله القصر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو رجع واحد ممن له القصر إلى منزله في حاجة، فحضرته الصلاة ذاهباً وجاثياً قصر، وليست المسألة على قولين بل على اختلاف حالين، فالذي قال في "الإملاء": لا يقصر إذا حصل في جوف البلد، والذي قال في "البويطي": يعني: في طريق البيت ما لم يدخل شيئاً من البلد، وفي طريقه راجعاً إذا فارق البلد فاعتبر كونه في الوطن، وقال القفال: حال ما نوى صار مقيماً في مكانه رجع أو لم

الجزء: 2 - الصفحة: 321

يرجع، ولو لم يرجع لا يجوز له القصر ما لم يفارق مكانه.
قال: وهكذا لو نوى الرجوع من موضع أبعد منه بعد ما لا يكون بينه وبين مبتدأ سفره مسافة قصر الصلاة، فإن سار قدر مسافة القصر ثم نوى الرجوع صار مقيماً في موضعه، لأنه ترك سفره الأول ثم عند الانصراف له القصر في الطريق، وقطع في الصيد لأني بهذا الجواب، ولم يذكر ما قال في "البويطي" والصحيح ما ذكرت من التفصيل.
[49 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ ذكره أصحابنا على هذا الذي سبق، وهو أنه لو سار إلى بلد بعيد يدخل في طريقه بلل أو نوى المقام فيه أربعة أيام أتم، فإن خرج منه إلى المقصد وبينه تمام الفر قصد أيضاً إذا فارق بنيان هذا البلد، فإن نسي شيئاً فعاد إلى البلد لأخذه له أن يقصر هاهنا ذاهباً وجائياً، وفي وسط البلد: لأن هذا البلد ليس بوطن له، وبلده الذي هو وطنه موضع وطنه فانقطع قصره بدخوله.
فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو أحرم خارجاً من البلد بنية القصر، ثم رعف فانصرف فاخل بعض المنازل لغسله، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة وله العود والبناء لزمه الإتمام: لأنه حصل في الوطن في أثناء الصلاة، وإن قلنا: إذا رعف بطلت صلاته لم يلزمه إتمامها فاعتبر الوطن لا غير.
مسألة: قال: وإن نوى المسافر مقام أربع أتم.
وهذا كما قال متى دخل المسافر بلداً لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ينوي المقام أو لا ينوي فإن نوى المقام فطر، فإن نوى مقام أقل من أربعة أيام فهو مسافر، وان نوى مقام أربعة أيام فهو مقيم ينقطع قصره، وهذه الأربعة هي غير يومه الذي دخل [50 أ / 3] فيه ويومه الذي خرج منه فيه، فلو دخل يوم الأحد وخرج يوم الخميس كان له القصر: لأن بين دخوله وخروجه ثلاثة أيام، وإنما ينقطع قصره إذا دخل يوم البت وخرج يوم الخميس تعمل له أربعة أيام في الوسط؛ فلو ترك بعد طلوع الفجر من يوم السبت ورحل قبل غروب الشمس من الخميس أتم فيها كلها، وبه قال عثمان وسعيد بن المسيب والليث وأحمد وإسحاق ومالك وأبو ثور رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن نوى مقام خمسة عثر يوماً مع اليوم الذي دخل فيه واليوم الذي يخرج منه بطل حكم سفره، وبه قال الثوري واختاره المزني رحمه الله، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ثلاث روايات إحداها: هذا، والثانية: إذا نوى ثلاثة عشر يوماً أتم وفي لفظ أقلها يقصر، والثالثة: إذا نوى اثنا عشر يومأ أتم، وفي أقلها يقصر، وبه قال الأوزاعي، وقال نافع: اختلفت الروايات عن ابن عمر رضي الله عنهما

الجزء: 2 - الصفحة: 322

في مدة الإقامة ثم آل الأمر إلى اثني عشر.
وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما إذا نوى إقامة عثرة أيام أتم وإلا قصر وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سبعة عشر يوماً، وبه قال إسحاق في رواية [50 ب / 3] وقال الليث في رواية: أكثر من خمسة عشر يوماً، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الحسن البصري رحمه الله: إذا دخل البلد أتم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إذا وضع المسافر رحله أتم وسواء كان في البلد أو خارجه.
وقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم وإلا قصر، وروي عن أحمد رحمه الله أنه قال: إن نوى مقام مدة يؤدي فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وروي هذا عن عائشة رضي الله عنها وهو قريب من مذهبنا، وبه قال ابن المنذر، وحكي عن أنس رضي الله عنه أنه أقام بنيسابور سنتين وكان يقصر فيهما، وروى النخعي أن علقمة أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر فيهما.
واحتج الشافعي رحمه الله عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً"، وأراد بالمهاجر الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كان حراماً عليهم بعد ذلك أن يقيموا بمكة، فرخص لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حج منهم أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، ولم يرخص في أكثر من ذلك، فدل أن ما زاد يكون في حد الإقامة ولما روي أنه أقام بمنى ثلاثاً يقصر الصلاة، وبما روى [51 أ / 3] ابن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ولو عشت لأخرجت اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، فلم يعش إلى قابل، ولم يتفرغ لذلك بعده أبو بكر رضي الله عنه فلما آل الأمر إلى عمر رضي الله عنه، جمع من كان في جزيرة العرب وهي بلاد الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها وأمرهم بالانجلاء منها، وضرب لمن يقدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام أي قدر ولم يقدر أكثر من ذلك يدل أن ذلك مقام السفر وما جاوزه مقام الإقامة.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم بها خمسة عشر ليلة فأكمل الصلاة ولا مخالف لهما.
واحتج أحمد رحمه الله بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صبيحة يوم الأحد وهو الرابح من ذي الحجة، وكان قد صلى الصبح قبل دخوله، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بها في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام.
وصلاته [51 ب / 3] في هذه المدة عشرون صلاة؛ قلنا: أما الأول: فقد روى الشافعي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: من أجمع إقامة أربع أتم.

الجزء: 2 - الصفحة: 323

فتعارضا، ثم روى أبو مجلز، قال: كنت جالساً عند ابن عمر رضي الله عنهما فقلت: يا أبا عبد الرحمن أتى المدينة طالباً حاجة فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية، كيف أصلي؟ قال: ركعتين.
وأما ما ذكره أحمد رحمه الله: نقول به، لأن مدة إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير يوم الدخول ويوم الخروج ثلاثة أيام، وإنما لا يعتبر يوم الدخول ويوم الخروج لأنه يشق مراعاة الزمان والساعة التي دخل فيها وخرج وضم بعضه إلى بعض، وفيه وجه آخر: أنه إذا دخل وقت الزوال يوم الجمعة ودخل وقت الزوال يوم الثلاثاء لا يقصر لأنه أربعة أيام كوامل، وهذا خلاف النص، وإن لم ينو الإقامة أصلاً ولكنه دخل لينجز حاجته كالبيع والشراء، أو سرع حديث أو لعلة لحقته حتى يبرأ، ويحصل مراده في اليوم واليومين، وربما طال فله أن يقصر ما لم يتصل مقامه أربعة أيام كاملة على ما بينا، ويستحب له فيه القصر على ما ذكرنا في السفر السائر، وإن زاد على هذا بعد نقل المزني أنه يتم وإن قصر أعاد [52 أ / 3]. وقال في "الإملاء": وإن دخل بلداً لحاجة فيحج في اليوم واليومين فاستأخر كان له القصر ما لم يجمع مكثاً أو يبلغ مقامه مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهوازن وذلك سبع عشرة ليلة ~ن زاد عليه أتم، وقال في استقبال القبلة من "الأم": فإن جاوز أربعاً أحببت له أن يتم، فإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد أربع، ولو قيل الحرب وغير الحرب سواء في هذا كان مذهباً.
فاستحب الشافعي رحمه الله الإتمام.
وقوله: إنما يريد به مستحباً؛ لأنه نص على أن الإتمام مستحب وقال فيه: ومن قصر كما يقصر في خوف الحرب لم يبن لي أن عليه الإعادة، فإن اخترت ما وصفت، واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق وغيره: بعد الأربعة إلى ثمانية عشر يوماً قولان أحدهما: لا يجوز له القصر، لأنه لو نوى مقام أربعة أيام لزمه الإتمام، فإذا أقام أربعة من غير نية الإقامة أولى أن يلزمه الإتمام؛ لأن فعل المقام هو آكد من نيته، والثاني: يجوز له القصر ما لم ينو مقام أربعة أيام، أو يجاوز سبعة عشر يوماً والثاني يقصر أبداً، فأما القصر إلى سبعة عشر يوماً فإنه يجوز قولاً واحداً وهذا أصح، ولا يصح الطريقة الأولى، لأن الشافعي [52 ب / 3] رحمه الله بين في "الأم": أن إعادة الصلاة إذا قصرها بعد الأربعة هي استحباب وأنه إذا استحب الإتمام، فإذا لم يتم تكون الإعادة مستحبة أيضاً، ونص أنه والمحارب سواء لا فرق بينهما والمزني رحمه الله اختصر كلام الشافعي وأخل به وأورث شبهة، ونقل عن "الإملاء" أنه يقصر ما لم يجمع مكثاً، ولم يقتصر الشافعي على هذا، بل قال: أو يجاوز مقامه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينقله المزني.
وقال أبو حامد: أسقط المزني قول الشافعي: أحببت أن يتم فنقل أنه يتم، ومن أصحابنا من قال: ما نقل المزني صحيح وذكر في موضع آخر في كتاب استقبال القبلة

الجزء: 2 - الصفحة: 324

من "الأم": أنه إذا كان محارباً أو خائفاً مقيماً في موضع سفر قصر ثمانية عشر، فإذا جاوزها أتم، وإذاً كان غير خائف قصر أربعة فإذا جاوزها أتم، وهذا مثل ما نقله المزني، ويحتمل أن يكون قوله في "الأم": أحببت خطأ القلم من أوجبت، لأنه في الموضع الذي يستحب القصر لا يأمر بالإعادة إذا أتم فعلى هذا لا يقصر فيما زاد على الأربعة قولا واحداً، أو هذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي يقصر أبداً كما في الحرب في أحد القولين بل أراد أن [53 أ / 3] الحرب كالأمن في أن لا يزيد فيها القصر على أربعة أيام، فهو يشبه الحرب بالأمن لا الأمن بالحرب، واحتجاج المزني رحمه الله بما روى ابن عمر رضي الله عنهما في أذربيجان أنه يقصر أبداً غلط، لأن أذربيجان هي بلاد كثيرة، فيجوز أن يكون أقام في كل بلد منها دون مدة المقام، وهكذا الجواب إن احتج بما روي أن مسور بن مخرمة أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة، وهذا غلط لما ذكرنا من النص الصريح.
وقيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقصر أبداً وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يقصر إلى سبعة عشر.
والثالث: لا يقصر فيما زاد على الأربعة بحال.
فأما إذا تيقن أنه لا تنتجز حاجته في أقل من أربعة أيام لا يجوز له القصر عندنا قولاً واحداً، وأما المحارب وهو من كان مقيماً على حرب أو مستعداً للحرب أو خائفاً من حرب، فلا يخلو إما أن ينوي مقاماً معلوماً أو لا ينوي، فإن نوى مقاماً مدة معلومة، فإن قصرت عن أربعة كان له القصر كالتاجر سواء: وقال في "القديم": فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: له القصر أبدأ وبه قال أبو حنيفة _ رحمه الله _، وهو اختيار المزني رحمه [53 ب / 3] الله لأن المحارب لا تصح نيته وعزمه لأنه مقيم على الحرب فربما هزم وربما هزم ولا اختيار له في ذلك، وروي أن رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنا نقرأ ببلاد خراسان فنقيم في الموضع الشهر والشهرين، أفأقصر الصلاة؟ فقال: اقصر ولو إلى عشر سنين.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر أربعين يوماً يصلي ركعتين، وظاهر المذهب الأول؛ لأنه نوى مقام أربعة أيام، وما ذكروا من التجويز يجوز أيضاً في حق من أقام على نجز حاجة من غير حرب، وان لم ينو مقاماً ولكنه يتوقع انقضاء الحرب ويريد الانصراف متى ينقضي، فله القصر إلى سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يومأ: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هذه المدة بمكة عام الفتح مستعداً لحرب هوزان يقصر، وقد اختلفت الأخبار في هذا، فروى أنس رضي الله عنه أنه أقام عشرة أيام، وروى عمران بن حصين رضي الله عنه أنه أقام سبعة عشر، وروى ابن عباس رضي الله عنهما

الجزء: 2 - الصفحة: 325

أنه أقام ثمانية عشر، وروى جابر رضي الله عنه عشرين يوماً، ولم يصحح الشافعي رحمه الله خبر أنس، والأصح أنه كان [54 أ / 3] ثمانية عشر يوماً، وجابر رضي الله عنه حسب فيه يوم الدخول ويوم الخروج فصار عشرين يوماً، فإن زاد على ذلك نص في "الأم" على قولين، وقال فيه القول الأول أولى أن لا يقصر زيادة على ما ذكرنا، وهذا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرب هوزان ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم، واختار المزني القول الثاني، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال أيضاً على ما ذكرنا وهو ضعيف بعيد، فإذا تقرر هذا فاعلم أن في هذا الفصل إشكالاً وهو أن الشافعي جعل أربعة أيام في مباشرة الإقامة حداً لجواز القصر فيها حين قال: فإذا جاوز أربعة أتم، وقيل: هذا بعد أربعة بنية الإقامة حداً لوجوب الإتمام، فيحتاج إلى الجمع بين هذين النصين لئلاً يتناقضا.
ووجه الجمع ما ذكره القفال رحمه الله، وهو أنه أراد بذكر أربعة أيام في مباشرة الإقامة مع يومي الدخول والخروج، وأما في نية الإقامة أراد فيه مقام أربعة أيام سوى يوم الدخول والخروج فهما متفقان من هذا الوجه [54 ب / 3]. فرع لو نوى أن يقيم في بلد يوماً، ونوى أنه إن بقي فيه ثلاثاً أقام أربعة أيام فإنه يقصر في ذلك اليوم حتى يلقاه؟ لأنه قبل أن يلقاه لم يحصل منه نية مقام أربعة أيام ولا فعله، فإذا لقيه لم يجز له القصر، وكذلك لو نوى الخروج إلى سفر طويل، ثم بعل مفارقة العمران قال: إن لقيت فلاناً انصرفت فلما لم تلقه لا تنقطع رخصته، فإذا لقيه صار كالمقيم في موضعه بنيته السابقة، وقال القفال رحمه الله: وكذلك لو قال: إن دخلت بلدة في وسط الطريق أقمت هناك أربعة أيام، فما لم يدخلها لا يصير مقيماً، وإن كان من بلده إلى هناك أقل من مسافة القصر.
وقيل فيه وجهان: وليس بشيء فإنه خلاف المنصوص.
ولو خرج في الابتداء يريد لقاء فلان أو أتى عبداً له أو ضالة ببلد يقصر فيه الصلاة، فقال: إن تنجزت الحاجة دون البلد رجعت، لم يكن له القصر حتى تكون نيته بلوغ البلد الذي يقصر فيه الصلاة، أو تيقن أنه لا تنتجز حاجته ما لم يخرج ستة عشر فرسخاً، وهذا لأنه لم يقطع بنيته سفراً يستباح فيه القصر فتفرق بين الابتداء والانتهاء في هذه النية نص عليه، ولو [55 أ / 3] أقام في بلد أربعة بعده على ما بينا.
فرع لو قصد السفر إلى البلد الذي فيه العبد الآبق، وهي مسافة القصر، ثم في أثناء الطريق قال: إن استقبلني العبد في الطريق رجعت، فإلى وقت تغيير النية له أن يقصر

الجزء: 2 - الصفحة: 326

وبعد تغيير النية، هل له أن يقصرها؟ فيه وجهان كما ذكرنا فيمن أنشأ سفراً مباحاً، ثم أحدث نية المعصية.
فرع الأسير في أيدي الكفار إذا سافر معهم، فإن كان يعرف مقصدهم وقصد الخروج معهم إلى مقصدهم له أن يترخص، وإن كان على عزم الانصراف متى قدر على التخلص فلا يترخص، وإن كان لا يعرف مقصدهم ففي الحال لا يترخص، فإذا ساروا به أكثر من مرحلتين.
حكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: له أن يقصر لأنه تيقن طول سفره، وقال: العبد الآبق إذا قصد رده أنه لا يترخص، لأن القصد في الابتداء ما وجد.
قال أصحابنا: فتكون المسألتان على قولين، ونظيره ما لو باع مال أبيه على تقديم أنه حي وكان ميتاً هل يجوز؟ فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو سافر من مكة إلى المدينة وله فيما بين مكة والمدينة مال أو ماشية فنزل لشيء من ماله كان له أن يقصر ما لم [55 ب / 3] يجمع مقام أربعة أيام وكذلك إن كان له ذو قرابة أو أصهاراً وزوجة، ولم ينو المقام قصر إن شاء، نص عليه في "الأم" خلافاً لأبي حنيفة، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحج وأصحابه معه ونزلوا مكة في دورهم وعلى أقاربهم وكانوا يقصرون الصلاة، وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حج قصر هذا.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج من بلده يريد بلداً والمقام فيه أربعة أيام فصاعداً، ثم الخروج منه إلى بلد أخر فهما مفران مختلفان، فإن كان كل واحد منهما يقصر فيه الصلاة قصر، وان كان لا يقصر في واحد منهما الصلاة لم يقصر، وإن كان يقصر في إحداهما دون الآخر قصر فيما يقصر ولم يقصر فيما لا تقصر، ولو رجع من البلد الأقصى إلى بلا كان بينهما أو بلدة فإن لم يكن إليه مسافة القصر أتم وإلا قصر.
فَرْعٌ آخرُ لو أقام في المراسي في البحر، وهي: المواضع التي تحبس فيها السفن أو الجزائر فهي كالمقام في البر لا تختلف، فإن أزمع مقام أربعة أتم، وإن لم يزمع قصر على ما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو حبسه الريح في البحر ولم يزمع مقام أربعة إلا ليجد السبيل إلى الخروج [56 أ / 3] بالريح، قصر ما بينه وبين الأربعة، فإذا مضت أربعة كما وصفت في

الجزء: 2 - الصفحة: 327

الاختيار، وإذا أتيت به مسيرة قصر يعني سار إلى مكانه الذي قصده، وإن ردته الريح إلى ذلك المكان فهو على القصر ما لم يجمع مقام أربعة، وهذا يدل على أنه لو نوى هناك مقام أربعة انقطع القصر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة كالبحر والمفازة هل يصر مقيماً؟ قولان كما لو نوى الإقامة في الحرب.
وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصير مقيماً وهذا غلط عندي؟ لأن الخبر ورد في الحرب دون هذا، ولأن هناك هو على الخطر من الإقامة فإنه ربما يغلبه العدو فيطرده فلا تتحقق الإقامة وهذا لا يوجد في غير الحرب.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان الرجل مالكاً للسفينة وفيها منزله وأهله وأولاده معه، أو لا أهل معه فيها، فأحب إلي أن يتم، وان كان الأحب للمسافر القصر، لأن هذا يسير، ومنزله معه يسير، فإن قصر جاز، وهو فيها كالغريب يتكاراها لا يختلفان.
وقال أحمد رحمه الله: لا يجوز له القصر، لأنه مقيم فيمكنه وماله وهذا غلط للظواهر الواردة في القصر، ولأن كون أهله [56 ب / 3] وماله معه لا يمنع الترخص كالجمال.
فَرْعٌ آخرُ قال: ولو كان الرجل من أهل البادية لا مال له ولا دار يصير إليها، وإنما هو سيارة تتبع مواقع القطر، فكلما شام برقاً انتجعه، فإن استيقين أنه بينهما ما تقصر فيه الصلاة وكانت نيته أنه إن مر بموضع مخصب أو موافق له في النزول أن ينزل لم يقصر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا أو يخرجوا، لم يجز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر.
فَرْعٌ آخرُ لو كان على مسافة تقصر الصلاة بينها إلى مكة فخرج حاجاً كان له القصر حتى يدخلها، فإذا دخل ولم ينو المقام بها قصر أيضاً، وإن نوى مقام أربعة أتم، ثم إذا خرج منها إلى عرفة يريد قضاء النسك نظر، فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن لم ينو المقام إلى أن يرجع من حيث جاء فله القصر، فإن قيل: عندكم من سافر إلى بلد تقصر الصلاة إليه فدخل بنيان ذلك البلد انقطع القصر، وقد سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة وقدمها فلم يزل يقصر فيها.
قلنا: كان قصده - صلى الله عليه وسلم - قضاء النسك لا المقام لها فدخل مكة اليوم الرابع من [57 أ / 3] ذي الحجة، وخرج إلى منى اليوم الثامن وحج، وعاد إلى منى اليوم العاشر، فأقام بها ثلاثاً، ثم قدم قاصداً مكة ليلة الرابع فنزل بالمخصب، ثم دخل مكة وطاف وانصرف فما أقام بها مدة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بمنزلة ما لو خرج إلى بلد في رسالة، فإن له القصر حتى يعود وليس عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 328

الإتمام بوصوله إلى ذلك البلد.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج إلى مكة والياً عليها وعلى الحج قصر حتى ينتهي إلى مكة، ثم أتم بها وبعرفة ومنى، لأنه انتهى إلى بلدة مقامه ما لم يعزل، فإذا عزل لم يقصر حتى يخرج منها مسافراً.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو ولي بلاداً كثيرة ونيته المقام ببلدة منها كان له القصر في كل بلد دخله من ولايته ما لم ينو المقام فيه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في أسفاره ويمر ببلاد الإسلام وأهلها وأهل طاعته فما أتم في شيء منها.
فَرْعٌ آخرُ لو خرج من مكة يريد المدينة فنوى المقام بعسفان أو عدل عنها إلى موضح يقيم فيه أو يتعرف الأخبار فيه، كان كمن هو من أهل عسفان؟ لأنه قد قطع سفره الأول، فإلى أي موضع سافر من عسفان راجعاً إلى مكة أو غيرها، فإن كان [57 ب / 3] سفراً يقصر فيه الصلاة قصر وإلا أتم.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو نوى مقام أربعة في موضع ومعه من نوى هذه النية غير أن مذهبه أن يقصر مع هذه النية.
قال في "الإملاء": كرهت له أن يأتم بهذا الذي لا يتم، فإن خالف وائتم به نظر، فإن أتم إمامه فذاك، وان سلم من اثنتين قام هو فأتم أربعاً، وهذا لأنه محكوم بجواز صلاته خلفه، قلت: لا شك أنه ينوي القصر عند إحرامه، وعندنا من نوى القصر وليس له القصر تبطل صلاته فلا تجوز الصلاة خلفه على قياس قول الشافعي، ويمكن أن يقال: إذا جاز هاهنا تجوز الصلاة خلف الحنفي، وإن ترك الأركان؛ لأنه محكوم بجواز صلاته في نفسه ويمكن أن يقال: إذا نوى القصر لا تبطل صلاته بل تنعقد نفلاً على وجه، فحينئذ تجوز الصلاة خلفه وهذا أشبه.
مسألة: قال: وإن خرج في أخر وقت الصلاة قصر.
الفصل وهذا كما قال.
الكلام الآن في وقت إنشاء السفر، وفيه ست مسائل: أحدها: أن يسافر قبل الزوال، ثم زالت الشمس وهو في السفر.
والثانية: أن يسافر بعد الزوال نظر، فإن [58 أ / 3] كان القدر الذي مضى من الوقت، ما يصلي فيه أربع ركعات قصر.
وقال المزني رحمه الله لا يقصر لأن الشافعي رحمه الله، قال: إن أمكنت امرأة الصلاة فلم تصل حتى حاضت لزمتها، وهذا لأن الصلاة عنده تجب بأول الوقت والإمكان فهذا أشبه بقوله: قلنا خرج ابن سريج رحمه الله هاهنا وجهاً أنها تسقط بالحيض أيضاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 329

وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا المسألتين، قولان وهذا غلط، والجواب أنا لا نقول إن الصلاة تجب بأول الوقت من حيث لا تأثير لآخره في الوجوب، بل الصلاة تجب بقدر ما أدرك من الوقت، فإن أدرك الأول دون الآخر وجبت بالأول، وإن أدرك الآخر دون الأول وجبت بالآخر، وان أدرك جميع الوقت، فالوجوب وفق الأول فلا يؤدي الصلاة في جز، من أجزاء الوقت إلا وقد أداها في وقت وجوبها، فيصير قاضياً إذا أداها، فبان صحة ما قلناه؛ وأيضاً بالسفر يتعلق تخفيف الفرض دون إسقاطه، فإذا حققنا عنه بعد لمكان فعلها لعارض السفر لم يؤد ذلك إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب، وإذا أسقطنا لعارض الحيض أو الجنون أدى [58 ب / 3] إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب.
وقال القفال رحمه الله: هذا شيء يختاره المزني على أصل الشافعي لأن مذهبه أنه لو فاتته صلاة في الحضر، ثم أداها في السفر، فإنه يقصر فاعتبر وقت القضاء وهذا هو مذهب تفرد به، وفي هذا عندي نظر.
والثالثة: أن يسافر وقد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات يجوز له القصر أيضاً.
وقال المزني وأبو الطيب بن سلمة رحمهما الله صاحب بن سريج: لا يجوز له القصر؛ لأنه قد تعين صلاة الحضر، وهذا غلط؟ لأنه لم يتضيق وقتها في حال الإقامة، فإذا لم يتضيق لم يتعين فعلها مقيماً فجاز له القصر.
والرابعة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما لا يمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات.
نص الشافعي في "الإملاء" في هذه المسألة أن له القصر حكاه القافي الطبري، وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في "الأم" في باب تفريع السفر.
وقال في "الحاوي": المنصوص في غير "الإملاء"، وبه قال عامة أصحابنا إنه لا يقصرها لعدم الأداء في جميعها ففي المسألة قولان، واختيار أبي إسحاق أنه لا يقصر، واختيار ابن خيران أنه [59 أ / 3] يقصر واستدل بأن الصلاة قد تجب بآخر الوقت في أصحاب العذر كوجوبها في أوله، فاقتضى أن يستويان في جواز القصر، وهذا مبني في الحقيقة على أنه يكون مؤدياً لكلها ومؤدياً لبعضها قاضياً لبعضها وقد بينا هذا فيما مضى، وظاهر المذهب ما ذكره ابن خيران.
والخامسة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه ركعتين، فالمذهب أن المسألة على قولين.
وحكى الداركي عن أبي هريرة أنه يجوز له القصر هاهنا قولاً واحداً، لأنه إذا قصرها أدى جميع الصلاة في وقتها، وهذا غلط لما بيناه.
والسادسة: أنه يسافر وقد بقي من الوقت مقدار تكبيرة وما دون ركعة يلزمه الإتمام بلا خلاف.
مسألة: قال: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام.

الجزء: 2 - الصفحة: 330

وهذا كما قال.
قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: صلاة المسافر ركعتان ولا حاجة إلى نية القصر، لأنه عزيمة وعندنا رخصة لا تثبت له إلا بالنية، وأصل فرضه أربع، ثم احتج على أن أصل فرضه أربعء فإنه لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر خلف مقيم يعني أربعاً، وذكره الشافعي وأسقط المزني، ثم اعترض عليه المزني وقال: ليس [59 ب / 3] هذا بحجة وكيف يكون حجة وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين فرض فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين: أحدهما: أن الخلل وقع من الاختصار، لأن الشافعي رحمه الله قال: ما صلى أربعاً وأراد أن ركعات الصلاة في الأمل لا تزيد بسبب الاقتداء فلما، أجمعنا أن المسافر يصلي خلفه المقيم أربعاً دل ذلك أن أصل فرضه أربع وهذا دليل قوي.
والثاني: أن الشافعي رحمه الله ألزمه على أصل أبي حنيفة رحمه الله أن اختلاف صلاتي المأموم والإمام تمنع صحة الاقتداء، ثم لم يمنع في هذا الموضع فدل أن أصل صلاتهما واحد.
وقال المزني رحمه الله: نية القصر شرط ولكن يجوز في أثنائها، ولو نوى مع سلامه جاز، وان سلم غير ناو كمن ملم في صلاته ساهياً فتم.
وهذا غلط، لأن كل صلاة تفتقر إلى النية فمحل تلك النية الإحرام.
وقال المزني: يجوز له القصر، وان نوى الإتمام كما جاز له أن يفطر، وإن نوى الصوم وهذا غلط، لأن الفطر مضمون بالقضاء فلم يتحتم الصوم بدخوله [60 أ / 3] فيه بخلاف القصر.
وقال الشعبي وطاوس رحمهما الله: لا يلزم الإتمام بالصلاة خلف مقيم، وبه قال إسحاق، وقال مالك رحمه الله: إن نوى الإمام والمأموم القصر ثم نوى الإمام الإقامة أو الإتمام لا يلزم المأموم الإتمام وهذا غلط؛ لأنه مؤتم بمتم فلا يجوز له القصر، كما لو نوى الجمعة خلف من يصلي الظهر.
فرع لو أراد أن يصلي الظهر قصراً خلف من يصلي الجمعة لم يكن له ذلك، لأنه مؤتم بمقيم نص عليه في "الإملاء".
فَرْعٌ آخرُ لو فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، وقلنا له: قصرها في قول فأراد أن يؤديها خلف من يصلي الصبح قصراً لا يجوز؛ لأنه مؤتم بمقيم.
ولو صلى مسافر بأهل البلد الجمعة فدخل معه مسافر ينوي صلاة الظهر قصراً لم يجز وعليه الإتمام؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 331

الإمام وإن كان مسافراً إلا أنه يصلي صلاة المقيم.
جملته أن كل من ائتم بمقيم أو يتم لا يجوز له القصر.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر يجوز إذا قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور، وهذا غلط ظاهر.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى الإتمام، ثم خرج منها لم يجز له القصر بعده خلافاً للمغربي، وكذلك [60 ب / 3] إذا أحرم مطلقاً ثم أفسدها لأنه التزم الأربع فلا يسقط بعده.
فَرْعٌ آخرُ لو شك أنه نوى عند افتتاحها الإتمام أو القصر فعليه الإتمام، لأنه شك في شرط الجواز والأصل عدمه، فإن تذكر بعده أنه نوى القصر فعليه الإتمام أيضا، لأنه وجب عليه الإتمام في حال فلا يجوز القصر بعده بحال.
فَرْعٌ آخرُ لو جهل رجل القصر فقصر ظناً أن ليس له ذلك أعاد كل صلاة تامة قصرها؛ لأنه صلى ركعتين وعنده أن ذلك لا يجزيه، ولو أتم في السفر وهو جاهل بالقصر فلا إشكال أنه يجوز.
فَرْعٌ آخرُ أنه لو أدرك تكبيرة من صلاة المقيم أتمها أربعاً، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود رحمهم الله، وقال مالك: إذا أدرك ركعة من صلاته أتمها، وإلا قصر، وهذا غلط لما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: إذا دخل المسافر في صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وروي أنه سئل ابن عباس فقيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة وهذا بمنزلة الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن [61 أ / 3] هذه الصلاة مردودة من الأربع فلا يصليها خلفه من يصلي الأربع كالجمعة، واحتج مالك رحمه الله بأن من أدرك دون الركعة هن الجمعة لا تصح جمعته كذلك هاهنا قلنا: لأن بذاك يرجع من أربح إلى ركعتين فلا يحصل له بدون ذلك وهاهنا خلافه.
مسألة: قال: وإن نسي صلاة وهو في سفر فذكرها في حضر.
الفصل وهذا كما قال: إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها لا يخلو إما أن يكون تركها في حضر فذكرها في حضر، أو تركها في سفر فذكرها في سفر، فأما إذا تركها في الحضر فذكرها في الحضر، فإنه يأتي بها تامة سواء تخلل بين الوقتين سفر أو لم يتخلل؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 332

العذر لم يوجد في وقت استقرارها ولا أدائها.
وأما إذا تركها في السفر تذكرها في الحضر فقال في "القديم" و "الإملاء": يجوز له قصرها، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري إلا أنهم قالوا: يتحتم عليه القصر، وعندنا على هذا القول هو بالخيار بين القصر والإتمام، وروي هذا عن الحسن وحماد، وهذا لأن القضاء معتبر بالأداء ويجزيه في الأداء ركعتان فكذلك في القضاء.
وقال في "الأم": لا يجوز له قصرها وبه قال [61 ب / 3] الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني رحمهم الله: لأن القصر رخصة، فإذا زال السفر قبل الترخص بطلت الرخصة كما لو قدم قبل أن يفطر، وأما ما ذكر القائل الأول فإنه تبطل بالجمعة إذا تركها لا يؤديها ركعتين.
وأما إذا شرطها في الحضر، ثم ذكرها في السفر فإنه يأتي بها تامة: لأن صلاة الحضر قد استقرت في ذمته بفوات وقتها في الحضر فلا يجوز إسقاط شيء منها.
وروى الأشعث عن الحسن البصري: أن الاعتبار فيها بحالة الفصل فيصلي ركعتين، وروى يونس عنه أن الاعتبار بحال الترك.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: رأيت للمزني في مسائله المعتبرة على الشافعي رحمه الله أنه نقص، واحتج عليه بأنه لو ترك صلاة وهو صحيح، ثم ذكرها وهو مريض بأنه يصلي صلاة المريض قاعداً كذلك هاهنا، ولأنه لو أفطر في رمضان، ثم شرع في قضائه في السفر فهو بالخيار إن شاء أتم وان شاء أفطر فكذلك هاهنا.
قلنا: أما الأول نصفه الفصل يخالف عدد الركعات، لأنها تسقط بالعجز والعدد يسقط رخصته لا بالعجز، ولم يوجد سبب الرخصة وقت الاستقرار، ولأنه [62 أ / 3] إذا لم يأت بها على حسب حاله مريضاً أدى إلى تأخيرها وفي ذلك تقرير بها، وهاهنا الإتمام ممكن في الحال، وأما ما ذكر ثانياً، قلنا: قال أبو إسحاق: إن ترك الصوم في الحضر بلا عذر، ثم أراد قضاءه في السفر انحتم عليه، لأن الأصل في الحضر كان منحتما فكذلك القضاء، وان كان تركه للعذر ثم أراد أن يقضيه في السفر كان له الخيار في القضاء إن شاء أتم، وعلى هذا أكثر أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: تثبت له رخصة الإفطار في القضاء سواء كان أفطر لعذر، أو لغير عذر، والفرق أن الصوم يتركه إلى بدل بخلاف الركعتين فإنه يتركهما لا إلى بدل، وكان أغلظ، ولهذا يقول: إذا أصبح في السفر ناوياً للصوم، ثم أراد الفطر له ذلك، ولو أحرم بالصلاة ينوي الإتمام ثم أراد القصر ليس له ذلك فإن قيل: أليس من وجبت عليه الكفارة ثم اعتبر جاز له العدول إلى الصوم اعتباراً بحالة الأداء، يقولوا: مثله هناء قلنا: لا نسلم على أحد الأقوال، وإن سلمنا فلأن الكفارة لا تقضى بل تؤدى أبدأ أو هاهنا بخلافه، وأيضاً فإن ملك حالة عجز فهي بمنزلة المريض في [62 ب / 3] حالة القضاء بخلاف هذا، فأما إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 333

تركها في السفر، ثم ذكرها في السفر هذا السفر أو غيره.
قال في "الإملاء" و"القديم": له القصر وهو الصحيح عندي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها صلاة تؤدى وتقضى، فكان قضاؤها مثل أدائها كالصبح، وأيضاً هذا تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً، كالقعود في صلاة المريض، وقال في "الأم": ليس له القصر، لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وهذا اختيار مشايخ خراسان، قالوا: وهذا ظاهر المذهب؛ لأن الشافعي رحمه الله علل بأن علة القصر الوقت والسفر، وقال أبو حامد: لا أعرف هذا القول وليس كذلك لأن المسألة مشهورة بالقولين.
فرع لو تخلل الحضر بين السفرين، فإن قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يقصر فهاهنا أولى، وان قلنا هناك يقصر فهاهنا وجهان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هاهنا لا يقصر قولاً واحداً، لأن في كل حالة عليه تكليف القضاء، فإذا لم يقض صار كأنه تركها في تلك الحالة، ولو تركها في الإقامة ثم سافر أتم، وهذا كما لو غصب شيئاً قيمته ألف فبلغت قيمته ألفين ثم [63 أ / 3] تلف يلزم ألفان، لأنه مخاطب في كل حالة برد المغصوب، فكأنه غصبه في تلك الحالة وهذا أقيس، والمسألة مشهورة بالقولين هاهنا أيضاً من غير فرق.
فرع لو سافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه يجوز له القصر، فلو لم يصل حتى خرج هل له القصر؟ فيه قولان: بناء على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يصل في السفر في وقتها حتى دخل الحضر وبقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه وجب عليه الإتمام بلا خلاف، ولا يكون بمنزلة فوات الصلاة وكذلك إذا بقي من وقتها مقدار ركعة في الحضر، ولم يصل حتى فات وقتها.
فَرْعٌ آخرُ لو أخر المسافر صلاة الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع كان له أن يقصرهما في وقت القصر قولاً واحداً، لأن وقت القصر وقت الظهر في السفر وهو مؤد للصلاتين فيه، وإن أخرها من غير نية الجمع ففي القصر الظهر قولان؛ لأنه يصير بترك نية الجمع قافيا عامياً.
مسألة: قال: وإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى المقام أتم أربعاً ومن خلفه من المسافرين.

الجزء: 2 - الصفحة: 334

وهذا كما قال: هذه صورة صلاة يكون في ابتدائها مسافراً وفي آخرها مقيماً، فإذا أحرم [63 ب / 3] بالصلاة بنية القصر، ثم نوى في الصلاة أن يقيم في ذلك الموضع أربعة أيام فصاعداً لم يجز له القصر، لأنه اجتمع له المقام مع النية، فإن قيل: أليس لو كان مقيماً فنوى السفر لا يصير مسافراً بمجرد النية فيجب أن لا يصر مقيماً لمجرد النية؟ قلنا: الفرق هو أن نية الإقامة قد وجدت مع نقل الإقامة وهو اللبث، ونية السفر لم توجد مع السفر، ولو نوى السفر وسار مع النية صار مسافراً، ووزانه من مسألتنا أن ينوي الإقامة وهو سائر في سفره غير ماكث لا يصير مقيماً، ونظير هذه المسألة إذا نوى القينة في مال التجارة يصير للقينة، ولو نوى التجارة في مال القينة فإنه لا يصير للتجارة ما لم يتجر، فإن قيل: ألا قلتم وجود الإقامة في أثناء الصلاة لا يوجب إتمامها حيث مع الدخول فيها مقصورة، كما قلتم في المتيمم: إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته.
قلنا: الفرق هو أن المتيمم وجب عليه الدخول في الصلاة عند عدم الماء وهذا رخص له، فإذا زال سبب الرخصة سقطتء ولأن المتيمم إذا وجب عليه استعمال الماء بطل ما عمله بالتيمم، وها هنا يتمم الصلاة ويبني على ما فعله.
وقال مالك رحمه [64 أ / 3] الله: لا يبني عليها فإن كان قد صلى ركعة بسجدتيها أتمها ركعتين نافلة ويستأنف الفريضة، وهذا غلط؛ لأنهما صلاة واحدة ولا تختلف بينهما إلا من جهة العدد، فإذا نواها ركعتين جاز له أن يجعلها أربعاً كالنافلة، وإن كان إماماً وخلفه مسافرون في هذه المسألة يلزمهم أن يتموا أيضاً، وإذا أرادوا الإتمام بنوا على ما فعلوا ولا تبطل صلاتهم وقد ذكرنا عن مالك أنه قال: هم يقصرون، وكذلك لو نوى الإتمام فإنه يلزمه الإتمام وعليهم أن يتموا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقصر هو ويقصرون لأنه لا تأثير لنية الإتمام عنده في الصلاة في السفر، فإن قيل: أليس لو نوى الإتمام لا يجوز له القصر بعده، فكذلك إذا نوى القصر لا يجوز له الإتمام؟ قلنا: لأنه إذا نوى الإتمام ترك الترخص، ونوى الصلاة الكاملة وهاهنا نوى الترخص، ثم ترك الرخصة والتزم التامة فلا يجوز له النقصان.
فرع لو أحرم مسافراً بصلاة نوى القصر فيها فصلى أربعاً تجزيه ويسجد للسهو [64 ب / 3] ولو تعمد ذلك بنية الإتمام لم يجد، وهذا فرع غريب! لأن الزيادة التي توجب سجدة السهو إذا تعمدها أفسدت الصلاة، وهاهنا السهو يوجب السجود والعمد لا يبطل.
وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزيه لأن هذا السهو عمل كثير، وهذا غلط لأن هذا من جنس الصلاة فلا يبطلها كما لو صلى خامسة.
فَرْعٌ آخرُ لو نوى القصر، ثم صلى أربعاً عامداً من غير نية الإتمام بطلت صلاته كمن صلى الصبح أربعاً عامداً.

الجزء: 2 - الصفحة: 335

فرع لو سهى فصلى أربعاً، فلما بلغ أخر صلاته تذكر فعليه أن يلغي الزيادة ويرجع إلى تشهد الركعة الثانية، ويسجد للسهو.
فلو قال في نفسه: كان لي أن أتم جميع ما فعلت محسوباً، قلنا: عليك أن تقوم فتصلي ركعتين أخرتين؛ لأن الوسطين لغو وأنت قد نويت الإتمام قبل السلام، ولم يكن حصل لك محسوباً إلا ركعتان فزد ركعتين واسجد للسهو.
مسألة: قال: ولو أحرم في مركبٍ ثم نوى السفر لم يكن له أن يقصر.
وهذا كما قال، وأراد بالمركب السفينة، ولا يتصور السفر في خلال الصلاة الآن [65 أ / 3] من هذا الوجه، لأنه بمجرد النية لا يصير مسافراً كما يصير لمجرد النية مقيماً، فإذا أحرم فيها والفينة قائمة، ثم نوى السفر وسارت السفينة لا يجوز له القصر؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والإقامة ابتنى حكمها على الإقامة، وهكذا لو أحرم بها وهو مسافر بنية القصر ثم دخل المركب البلد الذي يريده قبل أن يفرغ من الصلاة.
مسألة: قال: "وإن أحرم خلف مقيم أو خلف من لا يدري فأحدث الإمام كان على المسافر خلف المقيم يلزمه إتمام الصلاة".
ولو صلى خلف من لا يدري أهو مسافر أو مقيم يلزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، ثم إذا تبعه وكان الإمام مسافراً وقد نوى القصر فسلم عن ركعتين قام هو وأتم صلاته أربعاً، ولو علم أن الإمام مسافراً ولكنه شك هل نوى القصر أم الإتمام؟، فإن له أن يصلي خلفه وينوي القصر إن قصر الإمام قولاً واحداً، وفي كيفية نية القصر عند افتتاح الصلاة اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يحرم بنت القصر قطعا، ثم ينظر في حال الإمام فإن قصر قصر معه، وإن أتم أتم [65 ب / 3] ولا يضره ما تقدم من نية القصر لأن تغيير نية القصر إلى الإتمام جائزة، فإن علق نيته، وقال: إن قصر الإمام قصرت، وان أتم أتمت لا تجوز الصلاة، لأن الدخول في الصلاة بنية معلقة لا يجوز، ألا ترى أنه لو نسي الظهر أو العصر، ولا يدري عينها لم يجز له أن يحرم بها بنية معلقة، فنقول: إن كانت المنسية ظهراً فهذه ظهر، وان كانت المنسية عصراً فهذه عصر، ولو قطع النية بإحدى الصلاتين، ثم ذكر أنها هي المنسية أجزأته أيضا: لأنه إن قطع النية فهي في الحقيقة معلقة، لأنه إن أتم الصلاة لزمه الإتمام، إن قصر جاز له القصر فجاز له التعلق.
ونظير هذه المسألة أن يخرج خمسة دراهم فنقول: إن كان مالي الغائب سالماً فهذا زكاته، وإن لم يكن سالماً فهو نافلة يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين أن يجهل حال الإمام.
فلا يدري أمقيم هو أو مسافر؟ فلا يجوز له أن ينوي القصر خلفه وبين أن يعلم أنه مسافر

الجزء: 2 - الصفحة: 336

ويجهل حاله أنه نوى القصر أو الإتمام.
فيجوز له أن ينوي القصر خلفه، وقول الشافعي رحمه الله أو خلف من [66 أ / 3] لا يدري أراد به المسألة الأولى دون الثانية.
والفرق: أنه إذا علم أنه مسافر فالظاهر من حاله القصر؛ لأنه خائف وهو الأولى وليس كذلك إذا جهد حاله في الأصل، لأن الظاهر أنه مقيم فلا يجوز له القصر، وهذا كما لو شك هل هذا اليوم من رمضان أم لا؟، فإن كان في أول الشهر جاز لم تصح له نية صوم رمضان لأن الأصل أنه من شعبان، وان كان في آخر الشهر فإنه يصح لأن الظاهر له من رمضان؟ لأن الأصل أنه من رمضان حتى يثبت دخول شوال.
وأيضاً فإن للمسافر علامات لا تكاد تخفى فيمكن تعرفها، فإذا لم يتعرف اقتدى به على الشك فيلزمه الإتمام والنية غيب لا يوقف عليها، فلو قلنا: إنه لا يجوز القصر إلا أن يتيقن بنية القصر أدى أن لا يمكنه القصر بحال خلف الإمام.
فإذا تقرر هذا فلو أحدث هذا الإمام وانصرف فلا يخلو حاله من ثلاثة أحوال: إحداها: أن يعلم أنه كان نوى القصر بأن يخبره فيقصر هو.
والثانية: أن يعلم أنه نوى الإتمام أتم هو.
والثالثة: أن يشك هل نوى القصر أم الإتمام؟ قال أبو إسحاق رحمه الله: لزمه الإتمام وهو [66 ب / 3] الذي نقله المزني، لأنه شاك في نية إمامه فهو كمن صلى بعض الصلاة، ثم شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً فإنه يلزمه البناء على اليقين، وكما لو شك في نية نفسه هل نوى القصر أم لا؟ وهذا ظاهر المذهب.
وقال ابن سريج رحمه الله: يجوز له القصر وغلط المزني رحمه الله في النقل، وإنما أجاب الشافعي رحمه الله بهذا الجواب: إذا أحدث المأموم وانصرف ليتوضأ، وقد نص عليه في كتاب استقبال القبلة فقرر المزني أنه أراد إذا أحاث الإمام.
والغرق بينهما أن الإمام إذا أحاث وانصرف، فإن نية الإمام هي فعل باطن لم يكلف المأموم الإحاطة بها فجاز أن يرجع إلى الظاهر، والظاهر من حال المسافر القصر؟ لأنه أقل عملاً وأكثر أجرأ فيقصر هو، وإذا أحدث المأموم وانصرف يمكنه أن يرجع ويتعرف كيف صلى الإمام وهل قصرها أم أتمها؟ لأن عدد الركعات فعل ظاهر يحمل من الإمام، فإذا لم يتعرف كان التفريط من جهته فلزمه الإتمام.
فرع لو أحرم خلف من لا يدري أمقيم هو أو سافر؟ فقد ذكرنا أنه يلزمه الإتمام فلو أفسد المأموم صلاته يلزمه أن يقضيها تامة.
وقال [67 أ / 3] أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له قصرها، لأن الإتمام لزمه الاقتداء فإذا زال الاقتداء سقط حكمه وهذا غلط، لأن هذه العبادة لزمته بالدخول فيها، فإذا أفسدها يلزمه قضاءها على صفتها كالحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 337

فَرْعٌ آخرُ لو أن مسافراً أم مسافرين ومقيمين، وكانت نيته القصر فصلى أربعاً ساهياً فقد ذكرنا أنه يسجد للسهو، وأما من خلفه من المسافرين إن نووا إتمام الصلاة لأنفسهم فصلاتهم صحيحة تامة، وإن لم ينووا إتمام الصلاة لأنفسهم إلا أنهم رأوه قد أتم لنفسه فأتموا معه، فإنه يجزيهم أيضاً لا يلزمهم أن يصلوا أربعاً خلف من صلى أربعاً، وان صلوا ركعتين معه على غير شيء من هذه النية وعلى أنه ساهٍ فاتبعوه، ولم يريدوا الإتمام لأنفسهم يلزمهم إعادة الصلاة نص عليه في كتاب استقبال القبلة.
فرع لو أحرم مسافر خلف إمام مسافر، وكان الإمام قد نوى الإتمام أو المقام وهو قد نوى القصر ولم يعلم، ثم انكشف أن الإمام كان جنباً، قال ابن القاص في "التلخيص": له القصر؛ لأن صلاة الإمام لم تنعقد فلم ينعقد بها صلاة المأموم قال: وليس على أصلنا مسألة يحرم المسافر خلف المقيم ويجوز [67 ب / 3] له القصر عبر هذه المسألة.
فرع لو قام الإمام من اثنتين ساهياً فظن القوم أنه نوى الإتمام فقاموا معهم يلزمهم الإتمام، وإن بان بعد ذلك إن لم يكن نوى الإتمام بل كان ساهياً وليس له أن يسلم عن اثنتين بعدما ظن أنه نوى الإتمام إلا أن يتيقن أنه ساه فيلم ولا يتابع وهذا قلما يعلم.
فَرْعٌ آخرُ لو أحرم خلف من ظنه مقيماً مقتدياً به، ثم بان أنه كان مسافراً محدثاً أو غير محدث لم يقصر هذه الصلاة أبداً؛ لأنه التزم الإتمام، وانعقد صلاته خلفه.
فَرْعٌ آخرُ لو أن مكياً قصد الخروج إلى منى ثم إلى عرفات، ثم يعود إلى منى ثم إلى مكة ثم إلى بعض الأفاق ولا يقيم في شيء من هذه المواضع أربعة أيام لا يقصر في شيء من هذه المواضع نص عليه؛ لأن المسافات متقاربة ومكة بلد إقامته، ولو قصد الخروج منها إلى موضع يقصر إليه الصلاة ويعود إليها ويفارقها من غير إقامة فيها فدخلها راجعا، فلا شك أن له القصر ذاهباً وراجعاً.
وهل له القصر في مكة ما لم يجاوز مقامه فيها أربعة أيام؟ قد ذكرنا نصاً في "الأم": أنه يقصر ولا يصير بالدخول فيها مقيماً.
وقال القفال: فيه [68 أ / 3] قولان.
وقال بناء على ما مر في سفره ببلد له به أهل ومال، هل يصر مقيماً بدخوله؟ قولان فحصل في المسألة طريقان وهذا غريب.
ولو خرج إلى ثمانية فراسخ بنية أن يرجع ليس له أن يقول: ذهابي ورجوعي ستة عشر فرسخاً فلي القصر، بل لا يجوز له القصر

الجزء: 2 - الصفحة: 338

بحال ولا يكون ذهابه ورجوعه كفر واحد في هذا المعنى.
فَرْعٌ آخرُ لو شرع في الصلاة بنية الإتمام منفرداً، ثم بان أنه كان محدثاً له القصر؛ لأنه لم يصح شروعه فيها، فكذلك لو دخل فيها في الحضر، ثم بان أنه كان محدثاً، ثم سافر له قصرها لأن دخوله محدثاً فيها في حال الإقامة كلأ دخول.
مسألة: قال: وإن رعف وخلفه مسافرون ومقيمون فقدم مقيماً كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعاً.
وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمسافرين ومقيمين فرعف الإمام قبل أن يستكمل ركعتين يقدم مقيماً ليصلي بهم بقية الصلاة.
قال الشافعي رحمه الله: يصلون أربعاً، والراعف أيضاً، أما المستخلف فلا شك أنه يصلي أربعاً؛ لأنه مقيم والمسافرون يتمون لأنهم ائتموا بمقيم، وأما الراعف [68 ب / 3] قال الشافعي رحمه الله: يتم، وقال المزني: هذا غلط، بل له أن يصلي ركعتين، لأنه مسافر ولم يأتم بمقيم.
واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق: هذا بناه على قوله "القديم": إنه يبني على صلاته إذا غسل الدم، وهذا مذهبه في "الإملاء".
من "الجايد"، وقد غسل الدم وأتم صلاته مع هذا المقيم بدليل أن الشافعي علل فقال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى صار فيها في صلاة مقيم، فدل أنه رجع إلى صلاة المقيم وذكر على قوله "الجديد": إنه لا يبني ولكنه خرج من الصلاة وغسل الدم وعاد وأحرم خلف خليفته، وقيل: قاله على قوله "القديم": وأنه لم يخرج من الصلاة فيكون بعد الاستخلاف في حكم المؤتم بالمقيم، وإن لم يأتم وهذا ليس بشيء؟ لأنه لم يأتم بمقيم حقيقة وقطعاً.
وقال ابن سريج رحمه الله: إنما أوجب الشافعي على الراعف الإتمام أيضاً، لأن الذي استخلفه يصلي أربعاً، ولا يجوز أن يكون الذي هو خليفته، ويبني على ترتيب صلاته فصلى أربعاً وهو يصلي ركعتين.
قال أبو إسحاق: وهذا غلط لأن الشافعي رحمه الله قال في كتاب صلاة الخوف [68 أ / 3]، في باب تقدم الإمام في صلاة الخوف: إذا كان الإمام الأول مسافراً وخلفه مسافرون ومقيمون فصلى ركعة ثم أحدث، وقدم مقيماً ليصلي بهم بقية الصلاة، كان على الطائفتين جميعاً أن يصلوا أربعاً، فإن قيل: لم أمر الطائفة الأولى بالإتمام وهي لا تأتم بالإمام الثاني لأنه إذا صلى الإمام الأول وهو مسافر ركعة، فإن الطائفة الأولى تفارقه وتصلي لنفسها ركعة أخرى؟، قلنا: أراد الشافعي رحمه الله إذا أحذث الإمام الأول قبل أن تفارقه الطائفة الأولى مثل أن يحدث قبل أن يعتدل في الركعة الثانية فلما قدم الإمام الخليفة صارت الطائفة الأولى مقتدية به، وهذا في كلامه بين،

الجزء: 2 - الصفحة: 339

لأنه قال في آخره: إن كلا قد دخل مع الإمام مقيم في صلاته.
ذكره القاضي الطبري رحمه اه.
ولأن الخليفة يصلي أربعاً لأنه مقيم.
وهذا ليس بمقيم فكيف يكون حكمه حكمه.
وقال أبو غانم: تلقى أبي العباس تأويل المسألة أن الإمام أحس بالرعاف فاستخلف ولم يكن وعف فوقف خلف خليفته، ثم رعف فانصرف فعليه الإتمام؛ لأنه صار خلف مقيم وهذا غلط [69 ب / 3] أيضاً؛ لأن الرجل لا يجوز له أن يستخلف في الصلاة ويكون فيها مأموماً له قبل الانصراف عنها، ولأن الشافعي قال: رعف وخلفه مسافرون ومقيمون ولم يقل أحس.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجب على المسافرين خلفه الإتمام، لأن صلاتهم هي مبنية على صلاة الإمام الذي قبله، بدليل أنه لو كان مسبوقاً بركعة فإنه يبني على ترتيب المستخلف، وهذا غلط لأنهم مؤتمون به وقد بطلت صلاة الأول ولهذا لو سها هذا الخليفة فإنه يلزمهم سجود السهو، ولو بطلت صلاة هذا الخليفة بالحدث عمداً بطلت صلاتهم عند أبي حنيفة فدل أنه للإمام في الحقيقة.
مسألة: قال: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخر.
الفصل وهذا كما قال: إن أراد أن يسافر إلى بلد وله إلى ذلك البلد طريقان، أحدهما: مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً، والأخرى أقل من ذلك، فإن سلك الأقرب لم يجز له القصر، وإن سلك الأبعد فإن كان لفرض له فيه، مثل أن يكون في الأقرب حزونة وهي الحنونة من الحجارة، والصعود والهبوط، أو يكون فيه خوف من اللصوص، أو السباع، أو لا يكون فيه ماء [70 أ / 3] أو كان له في الأبعد قريب أو صديق يريد زيارته، أو معامل يريد محاسبته فهذا يجوز له القصر قولاً واحداً، وان لم يكن له فيه غرض بوجه ففيه قولان: قال في كتاب استقبال القبلة من "الأم": لا يقصر وبه قال أبو إسحاق رحمه الله، وهو الأصح لأنه طول على نفسه من غير غرض فأشبه إذا هام في الأرض ومشى لا يجوز له القصر، وإن سار ألف فرسخ، وقال في "الإملاء": يقصر.
وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار المزني، واحتج بأنه سفر مباح قلنا: لا نسلم أنه مباح؛ لأن فيه إتعاب نفسه وطهره وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يبغض المشايين من غير إرب".
ومن أصحابنا من قال ما قاله في "الإملاء": مجمل وتفسيره ما ذكرنا إذا كان له فيه غرض فليس في المسألة إلا قول واحد إنه لا يقصر.
مسألة: قال: وليس لأحد سافر في معصيةٍ أن يقصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 340

الفصل وهذا كما قال: إذا أنشأ الإنسان سفره لمعصية على ما ذكرنا، فلا يجوز له الترخص بشيء من وخص السفر كالفطر، والقصر، والمسح على الخفين ثلاثاً، والجمع بين الصلاتين، والنوافل على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة، وأكل مال [70 ب / 3] الغير إذا لم يأذن صاحبه عند الضرورة.
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي رحمهم الله: هو كالمطيع في سفره في جميع الأحكام وهو اختيار المزني رحمه الله.
واحتجوا بأنه لو غصب خفاً جاز له المح عليه وإن كان عاصياً يلبسه كذلك هاهنا، ولأنه إذا منع المضطر من أكل الميتة فقد أمرتم بقتل نفسه وهذا لا يجوز، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] قال ابن عباس رضي الله عنه: غير باغ على المسلمين مفارق لجماعتهم مخيف للسبيل، ولا عاد عليهم بسيفه؟ ولأن فيه إعانة على المعصية والإعانة على المعصية معصية، ولهذا لا يجوز صلاة الخوف في القتال ظلماً، وأما الخف المغصوب لا يسلم في وجه، وإن سلمنا فبسب الرخصة هناك هو السفر وليس الخف شرطاً وليس بسبب؛ ولأن المعصية لا تختمر بلبسه لأنه غاصب وإن نزعه بخلاف هذا.
وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه لا يجوز لأن اللبس معصية فلا يكون سبباً للرخصة وقال أبو حامد رحمه الله: يجوز وجهاً واحداً [71 أ / 3] وأما المضطر قلنا: يقال له: تب ويحل، ثم يحل له أكلها فلا يؤدي إلى قبلة.
فرع قد ذكرنا أن له أن يمسح مسح المقيم على الصحيح من المذهب، لأنه يجعل كأنه لم يسافر، وهكذا لو دخل بلداً ليقيم فيه على معصية هل يمسح مسح المقيمين؟ وجهان: ذكرهما أبو إسحاق رحمه الله، لأن الإقامة هي سبب لمسح يوم وليلة، كالسفر سبب لمسح ثلاثة أيام، وهو عاص بهذه الإقامة والمذهب جوازه.
فرع لو أنشأ السفر في غير معصية ثم نقله إلى معصية هل يترخص؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يترخص وهو الأصح وظاهر المذهب، والثاني: يترخص لأنه مستديم غير متثنى وهو اختيار بعض مشايخ خراسان رحمهم الله.
فرع لو أنشأ سفراً مباحاً إلا أنه كان يفق فيه بالأفعال المحرمة يجوز له الترخص؟ لأن السفر مباح، وإنما يؤمر بترك المعصية لا بترك السفر.
فَرْعٌ آخرُ لو كان جريحاً في سفر المعصية فإن له التيمم؛ لأنه لا تأثير للسفر فيه وإنما التيمم

الجزء: 2 - الصفحة: 341

للقرح بخلاف ما إذا عدم الماء فإنه يتيمم ويعيد الصلاة في أصح الوجهين عندي؛ لأن السفر فيه شرط.
وقال بعض أصحابنا [71 ب / 3] بخراسان: ينظر إن أصابته الجراحة في الحضر لا يعيد، وإن أصابته في السفر ففيه وجهان.
فَرْعٌ آخرُ لو وثب من موضع لاعباً فاندقت قدماه فصلى قاعداً.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح عندي أنه لا إعادة وهو المذهب؛ لأن دوام العجز ليس باختياره ولا هو مقصود جنايته ولا يلزم السكر لأنه مقصود جنايته، وإن لم يكن دوام المكر باختياره.
فَرْعٌ آخرُ لو تاب في خلال سفره، فإن بقي إلى مقصده من موقع التوبة مسافة القصر قصر وإلا فلا.
فَرْعٌ آخرُ التنفل في السفر مستحب قال في "الأم": هو كالحاضر في التطوع.
وقال بعض أهل العلم من السلف: يكره لمن يقصر أن يتنفل لأنه إذا أسقط بعض الفرض لا يأتي بالنافلة.
وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها وهذا غلط، لما روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر سفراً فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر.
وروى عطية عن [72 أ / 3] ابن عمر رضي الله عنه: "أنه قال صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ركعتين وبعدها ركعتين".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - "كان يتنقل على راحلته في السفر"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة على حرب هوازن عام الفتح فكان يصلي قبل الظهر ركعتين.
وروي: أربعاً ولأن المسافر كالحافر في النفل الواقع في أثناء الصلاة فكذلك كالحافر في النفل الواقع خارجها.
فرع وإن صلى مسافر بمقيمين ومسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين، وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمقيمين أو مسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين إذا نووا القصر، وأما المقيمون يلزمهم الإتمام فإذا فرغ الإمام يستحب أن يقول لهم الإمام: أتموا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام عام الفتح بمكة أياماً يصلي ركعتين ركعتين ويقول لهم: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر"، وهذا لأنهم أو بعضهم لا يعلمون ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 342

فرع هل يجوز للإمام أو المقيمين أن يقدموا من يصلي بهم بقية الصلاة؟ هذا مبني على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام وانصرف، فإن [72 ب / 3] قلنا: لا يجوز هناك فهاهنا لا يجوز، وإن قلنا: يجوز هناك وهو قوله الجديد فهاهنا وجهان: أحدهما: يجوز كما لو أحدث الإمام وانصرف.
والثاني: لا يجوز لأن هذه الصلاة قد أديت جماعة فلا يجوز عقد جماعة أخرى فيها كما يقول في المسبوق بركعة في صلاة الجمعة إذا سلم الإمام والأول أصح، والفرق بينهما وبين الجمعة هو أن الجمعة لا تصلى جماعة بعد جماعة بخلاف غيرها، وهكذا المسبوق بركعة في غير الجمعة هل يستخلف؟ على هذين الوجهين.
مسألة: قال: وكل مسافر له أن يتم.
وقد مضت هذه المسألة، واحتج هاهنا بما روي أن عثمان رضي الله عنه كان يتم الصلاة إذا حج، وكان يحتاط في ذلك لأنه كان له بمكة أهل وعيال فاختار الإتمام وإلا فالمستحب القصر.
مسألة: قال: واحتج في الجمع بين الصلاتين في السفر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع في سفره إلى تبوك.
. . الخبر.
وهذا كما قال: إذا سافر سفراً يجوز له فيه قصر الصلاة يجوز له الجمع فيه بين الصلاتين، وهو الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء.
وأما [73 أ / 3] في السفر القصير هل تجوز الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز قاله في "القديم" وبه قال مالك، ووجهه: أن أهل مكة يجمعون بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء وسفرهم قصير ولم ينكر منكر.
والثاني: لا يجوز ذكره في "الجديد" وهو الصحيح لأنه تأخير العبادة عن وقتها فلا يجوز في السفر القصر كالفطر، وأما أهل مكة فإنهم يقصرون أيضاً ونحن وأنتم تقولون: لا يجوز ذلك في السفر القصير.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي رحمه الله: اختلف قول الشافعي رحمه الله في جمع أطر مكة بعرفة ومزدلفة أهو لحق النسك أم لحق السفر؟ على قولين فإذا قلنا: إنه نسك فلا كلام، وإذا كان للسفر فمتى كان السفر قصيراً قولان وسائر أصحابنا لم يذكروا القولين.
وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهاً أنه لحق النسك وليس بمذهب الشافعي، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه كان يقول: لا يجوز الجمع إلا في السفر الطويل، نص عليه في الجديد والقديم.

الجزء: 2 - الصفحة: 343

وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز الجمع لحق السفر أصلاً، وإنما يجوز لحق النسك [73 ب / 3] في موضعين.
أحدهما بعرفة في يوم عرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر والثاني بمزدلفة ليلة النحر يجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وبه قال النخعي، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين قالوا: وفي السفر تؤخر الظهر إلى آخر وقتها ويعجل العصر في أول وقتها، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يفعل ذلك وروي ذلك عن ابن سيرين، وقيل: إنه مذهب المزني رحمه الله وبقولنا قال ابن عباس وابن عمر، ومعاذ بن جبل، ومالك، والثوري، وعطاء، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاها، وأحمد، وإسحاق، وأبو موسى، وسعد بن أبي وقاص، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها غير الواحد.
وهذا غلط لما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فقالوا: بلى، فقال: "كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، فإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت [74 أ / 3] العصر"، وكذلك في المغرب والعشاء.
وهذا نص ورواه ابن عمر وأنس أيضا.
وروى معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان يجمح في غزوة تبوك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً".
وروى نافع أن ابن عمر رضي الله عنه استصرخ على صفية وهو بمكة فسار حتى غربت الشمس وبات النجوم فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به أمر في سفر بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما.
وروي أن ابن عمر كان يرجع من جرف أرعوه، فأخبر في الطريق بأن امرأتك صفية بالموت فأسرع السير، فلما غربت الشمس قلنا له: الصلاة فسكت حتى دخل وقت العشاء فنزل وجمع، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل إذا جد به السير والرواية الأولى أصح.
وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع [74 ب / 3] بينهما، قال: ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق"، ثم احتج الشافعي رحمه الله بالجمع في عرفة ومزدلفة فاستنبط منه المعنى وعدى إلى سائر الأسفار، وأما ما ذكروا قلنا:

الجزء: 2 - الصفحة: 344

الأوقات تثبت مطلقة ويجوز تخصيصها بحالة الإقامة بخبر الواحد: كما يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
فإذا تقرر هذا فالمسافر بالخيار بين أن يقدم العصر وقت العصر فيجمع بينهما في وقت الظهر، وبين أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما في وقت العصر، وهكذا في المغرب والعشاء، والحقيقة أن السفر يمزج الوقتين، فإذا زالت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العصر، وكذلك إذا غربت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العشاء، والأفضل أنه إن سار قبل الزوال أن يجمع بينهما في وقت العصر، وان زالت الشمس قبل أن سار جمع بينهما في وقت الظهر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل وهذا أسهل وأرفق.
مسألة: قال: ولا يؤخر الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع.
وهذا كما قال: إذا اختار الجمع في وقت الظهر لا تصح إلا [75 أ / 3] بأربح شرائط: السفر والنية والموالاة والترتيب.
فالسفر قد ذكرناه ولا بد منه لأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع في السفر كما روي عنه أنه قصر في الفر، فجعلنا السفر علة في الجمع كما جعلناه علة في القصر: لأن كل واحد منهما تخفيف في الصلاة.
وأما نية الجمع: فلا بد منها ليخرج بذلك عن أن يكون تاركاً للصلاة ساهياً أو متوانياً.
وحكي عن المزني رحمه الله أنه قال إذا أتى بالثانية عقيب الأولى جاز ولا يحتاج إلى النية؛ لأن الجمع حصل بفعله، ولأن الوقت يوجد لهما في السفر، وصار وقت الصلاتين واحداً وهذا غلط؛ لأنه أحد الجمعية فافتقر إلى النية كتأخير الظهر إلى العصر، ولأن أفعال الصلاة تؤخذ من غير قصد إلى فعلها ولا تجري كذلك هنا.
وأما الموالاة: فإنه لا يفصل بينهما فصلاً طويلاً، والمرجع في التطويل إلى العرف والعادة، وان تكلم بينهما فلا بأس، فإن أتى بركعتين نافلة بينهما لا يصح الجمع، وقد قال الشافعي: ولا يسبح بينهما ولا عقيب الثانية فيهما يعني أنه لا يتطوع بالصلاة لأنه إن تطوع بينهما طال الفصل، وان تطوع [75 ب / 3] بعد الثانية بعد تطوع العصر والتطوع بعد العصر لا يجوز.
وقال أبو سعيد الإصطخري رحمه الله: التنفل بركعتين بينهما لا يمنع صحة الجمع، لأنه من سنة الصلاة كالإقامة.
وحكي عنه أنه لا يحب الموالاة، لأن كل واحدة منهما منفردة عن الأخرى، ولهذا جازتا بإمامين، وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تقام الثانية ولم يتنفل بينهما، وقد قال الشافعي رحمه الله في مواضع: أنه إن صلى الأولى ثم أغمي عليه فأفاق أو سها أو نام أو شغل شغلاً بطل جميعه.
وأما الترتيب: فهو أن يقام الظهر أولاً، فإذ قدم العصر لم يجز، وهذا لأن الوقت

الجزء: 2 - الصفحة: 345

الأولى والثانية تجوز تبعاً لها فيجب تقديم المتبوع، وعلى هذا لو تلبس بالظهر فأفسدها، ثم صلى العصر بعد الزوال لم يجز حتى يصلي الظهر أولاً ثم الحصر، وإن أواد الجمع بينهما في وقت الثانية افتقر إلى شرطين السفر ونية التأخير للظهر إلى وقت العصر، فإن أخرها بغير نية فقد عصى وأثم، وإن سها عنها فصلاها في وقت الحصر كان قافياً، ولا يكون مؤدياً لها في وقت العصر حتى يؤخرها بنية [76 أ / 3] الجمع وفات الجمع الشرعي، ثم إذا زاد يصليها في وقت العصر لا يحتاج إلى نية أخرى للجمع، لأن كل واحدة منهما يصليها بعد دخول وقتها.
وأما الموالاة والترتيب: فليسا بشرط أما الموالاة: فإن الوقت للقصر فأي وقت أتى بها فيه فقد أتى بها مؤدياً، وأما الترتيب: فإن الظهر إذا تأخرت إلى وقت العصر لم يكن إحداهما تبعاً للأخرى، بل صارت كل واحدة منهما متبوعة غير تابعة والأفضل أن يقدم الظهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزم الترتيب هاهنا؟ وجهان حتى لو ترك الترتيب كان الظهر قضا، لا أداء، فلا يجوز قصرها إذا قلنا: لا يقصر الفائتة ولا معنى لهذا مع النص الصريح عن الشافعي.
وأما وقت نية الجمع فالجمع ضربان: جمع تأخير، وجمع تقديم.
فأما جمع التأخير: فلا بد وأن ينوي تأخير الظهر على ما بيناه، ووقت النية من حين نزول الشمس إلى أن يبقى من الوقت ما يقيم فيه الصلاة فإن فاق الوقت عن هذا كان عاصياً، وهذا على قول أبي إسحاق، فأما على [76 ب / 3] القول الذي يقول: إذا بقي من الوقت مقدار ما يملي فيه ركعة لا يكون عامياً ولا قاضياً فيجوز أن يؤخر نية الجمع إلى أن يبقى من الوقت هذا القدر.
وأما جمع التقديم: إن نوى قبل أن يحرم بالأولى لا يجوز، وإن نوى بعد السلام من الأولى لا يجوز، وقال المزني رحمه الله: يجوز إذا لم يطل الفصل بين السلام من الأولى والإحرام بالثانية.
وقال أبو يعقوب الابيوردي: قد قيل: إن الشافعي رحمه الله نص على هذا في استقبال القبلة فقال: ولو أكمل الظهر، ثم نوى الجمع أو كان فيه أجزأه، وهذا غريب، وقيل: قوله: أكمل الظهر أي: أفعاله سوى السلام، وان نوى مع التحريم بالأولى أجزأه بلا إشكال وإن نوى في أثناء الأولى فيه قولان: أحدهما: يجوز حتى ينوي عند الإحرام بالأولى: لأن محل النية ذلك الوقت نص عليه في الجمع في المطر.
والثاني: يجوز نص عليه في الجمع في السفر فقال: إذا نوى قبل أن يسلم مع التسليم جاز له الجمع؛ لأن وقت الجمع حين ينفصل عن الأولى ويدخل في الثانية ولا تتأخر النية عن هذا الوقت فجاز [77 أ / 3] وهذا اختيار أبي إسحاق رحمه الله قال: وهذا أشبه بأصل الشافعي، ويفارق نية القصر تعتبر عند الإحرام لتبتعد صلاته ركعتين.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد يجوز ذلك، وما قاله في جمع المطر قصد به أن المطر لا يبيح الجمع بنفسه دون انضمام النية إليه، لأنه ذكر المسألتين في باب واحد

الجزء: 2 - الصفحة: 346

فيبعد تخريجهما على قولين.
ومن أصحابنا من قال: في الجمع للمطر تشترط النية عند الإحرام، وفي الجمع للسفر لا شرط عنده والفرق هو أن نية الجمع يجب أن تكون في حالة يشترط فيها وجود سبب الجمع بقي السفر موجود، وفي المطر أن يشترط وجود المطر الذي هو سبب جواز الجمع في أول الصلاة الأولى وأول الصلاة الثانية حتى إن سكبت فيما بين ذلك لا يضر فلهذا اشترط نية الجمع في أول الصلاة الأولى.
فرع لو جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ثم بعدما فرغ من الصلاتين نوى الإقامة قبل أن يدخل وقت العصر ووصل إلى مقصده هل يستحب بالعصر؟ وجهان: أحدهما: لا يحتسب لأن الشرائط قد زالت قبل دخول [77 ب / 3] وقت الوجوب كما لو عجل زكاته ثم هلك المال.
والثاني: يحتسب لأنه فرع على الصحة كما لو عجل شاة بصفة الزكاة فحال الحول وقد تعيبت بصفة لا يجوز إخراجها في الزكاة يعتد بهاء وهكذا الخلاف لو دخل وقت العصر فنوى الإقامة قبل مضي إمكان الصلاة فإن مضى وقت إمكان الصلاة ثم أقام فقد استقر حكم ما فعل فلا إعادة.
مسألة: قال: والسنة في المطر كالسنة في السفر.
وهذا كما قال: يجوز الجمع للمطر بين الصلاتين كما يجوز السفر، وبه قال عبد الله بن عمر والفقهاء السبعة.
فقهاء المدينة.
وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بعز الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار".
وفعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو مذهب مالك وأحمد والليث إلا أن عندنا يشترط في ذلك أن يكون المطر قائماً وقت افتتاح الصلاتين معاً، ولم يشترط ذلك غيره.
وروي عن مالك وأحمد أنه يجوز الجمع للمطر بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر لأن [78 أ / 3] المشقة في مطر الليل دون النهار.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي والمزني: لا يجوز ذلك للمطر بحال وروي عن الأوزاعي مثل قولنا.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الظهر والعمر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر".
أورده أبو داود.
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر وإنما ذكر قول مالك استئناساً، فأما وجه الدليل منه ظاهر وهو أن الدليل قام في غير المطر فتعين المطر،

الجزء: 2 - الصفحة: 347

وروى أصحابنا عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر".
ويقول: على مالك كل عذر أباح الجمع بين المغرب والعشاء أباحه بين الظهر والعصر كالسفر، وأما ما ذكره من المشقة لا اعتبار بها، لأن الليلة المقمرة كالنهار ويجوز الجمع فيها عندكم.
فإذا تقرر هذا يجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما بلا خلاف، فإن أراد الجمع بينهما في وقت الثانية منهما.
قال في "القديم" و "الإملاء": إن شاء قدم الثانية إلى وقت الأولى، وإن شاء أخر الأولى إلى وقت [78 ب / 3] الثانية.
وبه قال أحمد وقال في "الجديد": في استقبال القبلة لا يؤخر الأولى إلى الثانية للمطر وهو المذهب المشهور، فقد قيل قولان، وقيل: قول واحد لا يجوز إلا في وقت الأولى، لأن المطر ينقطع بغير اختيار فربما ينقطع المطر ولا يؤخذ عند الجمع بخلاف السفر، فإنه لا ينقطع من دون اختياره فلا يتقدم حالة الجمع طاهراً فإذا قلنا: لا يجوز ذلك فلا كلام، وإذا قلنا: يجوز فإن لم ينقطع المطر بينهما، وإن انقطع صلاهما في وقت العصر، لأن وقت العصر قد دخل والظهر عليه فيصليهما معاً.
وأما إذا جمع بينهما في وقت الأولى منهما لا يصح إلا بأربع شرائط على ما ذكرنا، فالعذر وجود المطر حين الإحرام بالأولى، فإن أحرم بها والمطر قائم نظر، فإن استدام حتى في غ منهما فلا كلام، وإن انقطع قبل [79 أ / 3] الفراغ منهما نظر، فإن انقطع بعد أن أحرم الثانية لم يؤثر، لأن الجمع قد صح فإن قيل: قد قلتم إذا دخل في الثانية ثم نوى المقام، أو دخل البلد الذي يريده بطلت صلاته فلم لا يقولون مثله هاهنا؟ قلنا: الفرق هو أن نية المقام والسير إلى بلده بإرادته واختياره، فإذا اختار ذلك لم يكن له الجمع وانقطاع المطر لا يتعلق باختياره وإرادته، فإذا انقطع بعد دخوله في الصلاة لم يضره كما قلنا في وجود الماء في حق المتيمم في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي رحمه الله على انقطاع المطر بعد الإحرام بالثانية لا تؤثر في صحة الجمع، وعلى قياس هذا ينبغي أن تكون نية الإقامة ودخول البلد الذي يريده مثله، ولا يمنع هذا أيضاً صحة الجمع لأنه إذا جاز الدخول في الصلاة جاز له إتمامها ويفارق هذا إذا دخل في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة فإنه يتمها أربعاً لأنها صلاة واحدة تامة ومقصودة وهاهنا إن لم يجوز له الجمع أبطلنا ما جوزنا له الدخول فيه وذلك لا يجوز فافترقا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا [79 ب / 3] المسألتين وجهان: وقال هذا القائل: لو نوى الإقامة بعد الفراغ من العصر أو انقطع المطر في هذه الحالة فعلى أحد الوجهين وجهان، وهذا ضعيف، ولو انقطع المطر قبل أن يحرم بالثانية لم يكن له الجمع.

الجزء: 2 - الصفحة: 348

فرع لو انقطع قبل أن يسلم من الأولى، ثم عاد واتصل لا يمنع ذلك الانقطاع صحة الجمع نص عليه، ولو وجد عند افتتاح الأولى والثانية، ولكن انقطع عنا خروجه من الأولى وعاد في الحال.
قال الشيخ أبو زيد رحمه الله: لا يصح الجمع وفيه وجه أخر أنه يصح الجمع، وهو ظاهر ما قال أصحابنا يشترط وجود المطر عند افتتاح الأولى والثانية.
فرع لو افتتح الظهر والسماء لم تمطر، ثم مطرت بعده لا يجوز الجمع، نص عليه في استقبال القبلة، وهذا لأنه شرع فيها ولم يكن من أهل الجمع فصار كما لو أحرم ولا سفر، ثم وجد السفر لا يصح الجمع، ومن أصحابنا من قال فيه قولان: مبنيان على أنه هل تجوز نية الجمع في أثناء الصلاة فإذا قلنا: يجوز ذلك يمكنه أن ينوي الجمع عند مجيء المطر ويجمع.
فَرْعٌ آخرُ هل يجوز الجمع للمنفرد في بيته أو في المسجد، أو بمن كان في المسجل [80 أ / 3] أو لمن كان بين منزله والمسجد ظلال يمنع وصول المطر إليه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الأم" لأنه إنما جوز للمشقة ولا مشقة في هذه الحالة وعلى هذا إنما يجوز في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من بعد في المطر.
وقال في "الإملاء": يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع وكانت بيوت أزواجه مفتحة إلى المسجد لا يشق عليه الخروج للجماعة، ولأن العذر إذا تعلقت به الرخصة استوى فيه وجود المشقة وعدمها كما في السفر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان ولا معنى لهذا مع النص.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رحمه الله: ويجمع في قليل المطر وكثيره.
قال أصحابنا: معناه إذا كان القليل بين الثياب، فإن كان مما لا يبل لا يجوز به الجمع، وقال القاضي الطبري رحمه الله: يعتبر ابتلال الثياب والطين.
قلت: ابتلال الثياب يورث الطين لا محالة فلا فائدة في ذكره.
فَرْعٌ آخرُ البرد لا يبح الجمع، لأنه لا يبل الثياب.
وأما الثلج فإن كان رقيقاً يبل الثياب فهو كالمطر، وإن لم يكن كذلك فلا يبيح الجمع، وفيه وجه آخر [80 ب / 3] كالثلج يبيح الجمع بكل حال، لأنه يتأذى بالمشي فيه ويشتق.
فرع الوحل، والظلمة، وشدة الريح، والبرد لا يبيح الجمع، وقد قال الشافعي: لا يجوز الجمع في الحضر من غير مطر للمرض والخوف.
وقال أحمد وإسحاق ومالك رحمهم

الجزء: 2 - الصفحة: 349

الله: يجوز للمريض والخائف ذلك، وبه قال عطاء بن أبي رباح وقالوا: يجوز في الوحل أيضاً: لأنه كالمطر في المشقة، ولهذا يجوز ترك الجمعة به، واختاره القاضي الحسين فإن كانت تشد الحمى في وقت الزوال وتخف وقت العمر فالأولى أن يؤخر الظهر، وإن كانت تشد وقت العصر يقدم العمر إلى الظهر، وهذا لأنه عذر يبيح الفطر كالسفر، ولأن الضرر بهذا أكثر منه بالمطر ولهذا أبيح به ترك القيام والفطر في الصوم.
وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال للمستحاضة: "إن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر وتغتسلي، ثم تصلين الظهر والعصر جميعاً ثم تؤخرين المغرب وتعجلين بالعشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين المغرب والعشاء فافعلي، وهذا هو أحب الأمرين إلي".
رواه البيهقي رحمه الله وهذا غلط،؛ لأنه لم ينقل الجمع في شيء منها وكانت كلها على عهد رسول [81 أ / 3] الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن عذر المطر من جهتين من الأعلى والأسفل، وهذا الوحل من الأسفل، وأما ترك الجمعة للرجل قلنا هناك لا يترك إلا السعي إلى المسجد ويأتي بالصلاة فيحصل له الترفه بترك السعي إلى المسجد وحده وهاهنا يترك السعي إلى المسجد ويترك الوقت الذي هو شرط من شرائط الصلاة، فكان حكمه أغلط، ولهذا جاز ترك الجمعة لخوف فوت الرفقة وطلب الغريم بخلاف الجمع.
وحكى ابن المنذر، عن ابن سيرين أنه قال: يجوز الجمع بين الصلاتين من غير مرض أيضاً، واختاره ابن المنذر واحتج بما روى أبو داود رحمه الله في سننه بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر.
قال: فقلت لابن عباس: ما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وقال ابن المنذر: ولا يمكن حمله على عذر من الأعذار لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهي قوله: أراد أن لا تحرج أمته وحكي عن ابن سيرين رحمه الله [81 ب / 3] أنه قال: لا بأس به إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذ عادة.
وهذا غلط لما روي من اختيار المواقيت.
وأما خبرهم قلنا: أصحاب الحديث قد تكلموا في حبيب بن أبي ثابت، ثم إنا نحمله على أنه انقطع المطر في أثناء الصلاة الثانية، أو أراد الجمع بتأخير الظهر إلى آخر وقتها، وتعجيل العصر في أول وقتها، وفي هذا رفاهية ورفع للحرج ولا يمكن أن يول به أخبار الجمع في السفر؛ لأنه صرح هناك بما لا يحتمل هذا التأويل.

الجزء: 2 - الصفحة: 350

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل