بحر المذهب للرويانيكتاب الصلح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا احل حراماً أو حرم حلالا".
قال في الحاوي: والأصل في جواز الصلح الكتاب والسنة والأثر والاتفاق فإما الكتاب فقوله تعالي ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:114] وقال تعالي: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:128] الآية.
وقال تعالي: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:35] وأما السنة فما روى عبد الله عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" يا أيوب ألا أدلك عل صدقةٍ يرضي الله موضعها.
قلت بلي يا رسول الله.
قال: تسعي في صلح بين اثنين إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا.
وروى أبو هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرام حلالا".
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله عليه وسلم: قال لبلال بن الحارث:" اعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالا أو أحل حراماً والمسلمون علي شروطهم، إلا شرطا حرم حلالاً أو أحل حراماً".
وروى ان النبي صلي الله عليه وسلم مر بكعب بن مالك وهو يلازم غريماً له يقال له: ابن أبي حدرد

الجزء: 5 - الصفحة: 401

وقد ارتفعت بينهما خصومه، فقال النبي صلي الله عليه وسلم لكعب: "خذ منه الشطر ودع الشطر".
وأما الأثر فيما روى الشافعي عن عمر رضي الله عنهما: أنه قال في عهده إلي أبي موسي الأشعري: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالاً.
وروي أن أكثر قضايا عثمان رضي الله عنه كانت صلحاً.
وقد قيل في تأويل قوله تعالي: ﴿وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾

ثلاثة تأويلات: أحدها: الصلح بين الخصوم.
والثاني: فصل الحكم بنفسه من غير استحلاف فيه.
والثالث: سرعة القضاء وبت الحكم.
وأما الاتفاق فهو إجماع المسلمين علي جواز الصلح وإباحته بالشرع.
وإنما اختلف أصحابنا هل هو: رخصة لاستثنائه من جملة محظورة.
أو هو: مندوب إليه لكونه أصلاً بذاته؟ علي وجهين: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة انه رخصة لأنه فرع لأصول يعتبر بها في صحته وفساده وليس بأصل بذاته فصار لاعتباره بغير رخصة مستثناة من جملة محظورة.
الثاني: واليه ذهب أبو الطيب بن سلمه أنه مندوب إليه لكونه أصلاً بذاته قد جاء الشرع به وجرى العمل عليه وقد أشار إلي القول به أبو حامد.
فصل فأما قوله الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فقد اختلف أصحابنا فيه.
هل هو عام أو محمل علي وجهين: أحدهما: أنه محمل وهو قول من جعله معتبراً بغيره ولم يجعله أصلاً بذاته.
والثاني: أنه عام وهذا قول من جعله أصلا بذاته.
فأما الصلح الذي يحرم الحلال فهو: أن يصالحه علي دار علي أن لا يسكنها، أو يصالح زوجته علي أن لا يتزوج عليها، أو علي أن لا يطلقها فيحرم علي نفسه بالصلح ما أحله الله تعالي له من السكني والنكاح والطلاق.
وأما الصلح الذي يحل الحرام فهو: أن يصالحه من الدراهم علي أكثر منها، أو علي دنانير مؤجلة أو علي خمر أو خنزير.
فيستحل بالصلح ما حرم عليه من الربا والخمر والخنزير.

الجزء: 5 - الصفحة: 402

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"فما جاز في البيع جاز في الصلح وما بطل فيه بطل في الصلح".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجملة الصلح ضربان: معاوضة، وحطيطة.
فأما المعاوضة: فهو أن يصالح علي حقه من غير جنسه، مثل ان يصالح علي دراهم بدنانير أو دنانير بدراهم، فهذا بيع يجرى عليه حكم فإن كان مما يدخله الربا كالصلح علي الدراهم بالدنانير أو علي البر بالشعير لزم فيه القبض قبل الافتراق ودخله خيار المجلس دون خيار الشرط.
وإن كان مما ربا فيه جاز فيه الافتراق قبل القبض وثبت فيه خيار المجلس وخيار الثلاث.
وصح فيه دخول الأجل وأخذ الرهن فيه فيعتبر في صحته وفساده ما يعتبر في صحة البيع وفساده وهو الذي بدأ به الشافعي.
وأما الحطيطة فهو أن يصالحه من حقه علي بعضه وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون الحق في الذمة.
والثاني: أن يكون عينا قائمة.
فإن كان الحق في الذمة فصورته: أن يدعي عليه مائة دينار فيتعرف بها فيصالحه منها علي خمسين ديناراً فهذا يكون إبراء.
فإن حط الباقي بعد الخمسين بالفظ الإبراء فقال قد صالحتك علي خمسين ديناراً وأبرأتك من الباقي صح.
إلا أن يخرج الإبراء مخرج الشرط فيقول: إن أعطيتني خمسين ديناراً فقد أبرأتك من الباقي.
أو يقول قد أبرأتك من خمسين ديناراً إن دفعت إلي خمسين ديناراً فلا يصح هذا لإبراء.
وكذلك لو قال إن أقررت لي بحقي فقد أبرأتك من خمسين ديناراً فأقر لم يبرأ من شيء لأن تعليق البراءة بشرط لا يصح.
فإن حط الباقي بغير لفظ الإبراء فقال: قد صالحتك من المائة علي خمسين ففيه وجهان: احدهما: وهو قياس قول أبي إسحاق المروزي لا يصح.
والثاني: وهو قياس قول أبي الطيب بن سلمه يصح.
وتوجيه هذين القولين مبني علي ما نذكره عنهما فيما بعد.
وإن كان الحق عيناً قائمة فصورته: أن يدعي داراً في يد رجل فيعترف له بها ويصالحه منها علي نصفها فهذا يكون هبة.
فإن فعل ذلك بالفظ الهبة فقال بعد أن أقر له بالدار قد وهبت لك نصفها صح.
واعتبر فيها ما يعتبر في صحة الهبة من القبول ومرور زمان القبض.
وهل يحتاج إلي إذنه

الجزء: 5 - الصفحة: 403

في القبض؟ علي قولين: وإن لم يذكره بلفظ الهبة بل قال: صالحتك من هذه الدار علي نصفها ففيه وجهان: أحدهما: وهو نص قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجوز لأنه مالك لجميع الدار فلم يجز أن يصالحه علي بعضها كما لا يجوز فيما نص عليه الشافعي أن يصالحه علي سكناها.
الثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة انه يجوز لأنه لما جاز أن يصالحه علي ما في الذمة علي بعضه جاز أن يصالحه عن الأعيان علي بعضها.
ومن هذين يخرج الوجهان الأولان وكل ذلك بناء علي اختلاف المذهبين في الصلح هل هو فرع لغيره أو أصل بذاته.
مسألته: قال الشافعي رضي الله عنه:"فإن صالح رجل أخاه من مورثه فإن عرفا ما صالحه عليه بشيء يجوز في البيع جاز" قال في الحاوي: وهذا صحيح.
ومقصود الشافعي بها تفسير قوله فما جاز في البيع جاز في الصلح وما بطل فيه بطل في الصلح، فذا ورث أخوان تركه صالح أحدهما الآخر علي مال من حقه لتصير له التركة كلها بإرثه وصلحه فهذا في حكم البيع لأنه يصير مشترياً من أخيه نصيبه من الميراث فيصح بثلاثة شروط يعتبر بها صحة البيع: أحدها: معرفة التركة بالمشاهدة لها والإحاطة بها.
الثاني: معرفة قدر ما يستحقه المصالح بالإرث منها.
والثالث: كون العوض معلوماً تنتفي الجهالة عنه.
فإن لم يشاهد التركة أو جهلا حصة المصالح أو قدر العوض بطل الصلح.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عن:"ولو ادعي رجل علي رجل حقا فصالحه من دعواه وهو منكر فالصلح باطل ويرجع المدعي علي دعواه ويأخذ منه صاحبه ما أعطاه".
قال الماوردي: وهذا كما قال بالصلح علي الإنكار باطل حتى يصالح بعد الإقرار بالدعوي.
وقال أبو حنيفة ومالك يجوز الصلح مع الإنكار استدلالاً بعموم قوله تعالي: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [السناء:128] ولما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"كل ما وقي المرء به عرضه فهو صدقة".
والصدقة تستحب لباذلها وتحل لآخذها فهكذا الصلح.
ولأنه بذل مالاً في الصلح مختاراً فصح كالمقر به.
ولأنه مدع لم يعلم كذبة فصح صلحه كالمقر له.

الجزء: 5 - الصفحة: 404

ولأن اختلاف الأسامي يوجب اختلاف المعاني، فلما اختص الصلح باسم غير البيع وجب أن يكون مخالفاً لحكم البيع ولو كان لا يجوز إلا بعد الإقرار لكان بيعاً محضاً ولم يكن لاختصاصه باسم الصلح معني ولأن الاعتبار في الأصول بالآخذ دون الباذل.
ألا تري أن شاهداً لو شهد علي رجل بعتق عبده فرت شهادته ثم ابتاعه الشاهد منه حل له أخذ ثمنه لاعتقاد إحلاله.
وإن كان الباذل معتقداً لتحريمه فكذلك الصلح يحل للأخذ وإن كان الباذل منكراً.
ولأن في المنع من الصلح مع الإنكار منعاً من الصلح بكل حال لأنه يبعد الصلح مع الإقرار فلم يبق له محل إلا مع الإنكار.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188] والصلح علي الإنكار من أكل المال بالباطل.
لأنه لم يثبت له حق يجوز ان يعارض عليه.
وما روي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال" الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالا".
والصلح علي الإنكار محرم للحلال ومحل للحرام لأنه يحل المعاوضة علي غير حق ثابت وذلك حرام.
ويحرم علي المدعي باقي حقه وذلك حلال.
ولأن صلح علي مجرد الدعوى فوجب ان يكون باطلاً كما لو ادعي قتل عمد فصولح عليه مع الإنكار.
ولأنه اعتاش عن حق لم يثبت له فوجبت ان لا يملك عوضه.
أصله إذا ادعي وصية فصولح بما.
ولأنه صالح من لم يعلم صدقه فوجب أن لا يصح كما لو علم كذبه.
ولأنه نوع معاوضة لا يصلح مع الجهالة فوجب أن لا يصح مع الإنكار كالبيع.
ولأن الصلح لما لم يجز علي مجهول ألوف فأولي ان لا يجوز علي مجهول العين.
ولأن المبذول بالصلح لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يكون مبذولاً لكف الأذى.
أو يكون مبذولاً لقطع الدعوى.
أو يكون مبذولاً للإعفاء من اليمين.
أو يكون مبذولاً للمعاوضة.
فلم يجز أن يكون مبذولاً لدفع الأذى لأنه من أكل المال بالباطل.
ولم يجز أن يكون لقطع الدعوى لما فيه من اعتبار ما يمنع من الربا وهو: إذا كان الحق ألفاً لم يجز أن يصالحه علي أكثر منها.
ولو كان دراهم صولح عليهم بدنانير لم يجز أن يفارقه قبل قبضها ولو كان لقطع الدعوى لجاز الافتراق.
ولم يجز أن يكون للإعفاء من اليمين لما ذكرنا من الأمرين فثبت انه مبذول للمعاوضة.

الجزء: 5 - الصفحة: 405

والمعاوضة تصح مع الإقرار وتبطل مع الإنكار، لأن ما لم يجب من الحقوق لم يجز المعاوضة عليه.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فهو أنها مخصوصة بما ذكرنا من الدلائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بقوله عليه السلام"كل مال وقي المرء به عرضه فهو صدقة" فهو أن يكون المقصود به البر لأن المال لا يخلو المقصود به من ثلاثة أحوال: إما أن يقصد به القربة وهو الصدقة.
أو الصلة وهو الهبة.
أو المعاوضة وهو البيع.
وليس مال الصلح مقصوداً به البر ولا الصلة فثبت أن المقصود به المعاوضة والخبر لا يتناول المعاوضة فلم يكن فيه دلالة.
وأما الجواب عن قياسهم علي المقر فهو أن المعني في المقر أن العوض مأخوذ عما ثبت له فصح.
وفي المنكر عما لم يثبت له فلم يصح.
فأما الجواب عن استدلالهم بأن اختلاف الاسامي يوجب اختلاف المعاني فاقتضي ان يكون الصلح مخالفاً للبيع.
فهو أن البيع مخالف للصلح من وجهين: أحدهما: أن الصلح في الغالب يكون بعد التنازع والمخاصمة والبيع بخلافه.
والثاني: أن المقصود بالصلح الإرفاق وبالبيع المعاوضة.
فكان افتراقهما من هذين الوجهين لا من حيث ما ذكر من الإقرار والإنكار.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الاعتبار بالآخذ دون البازل كالشاهد فهو أنه ليس بصحيح.
والشاهد إنما كان له ابتياع من شهد بعتقه لأنه كان محكوماً برقه لبايعه.
وإن قصد مشتريه استنفاذه من رقه كما أن قصد من اشتري عبداً مسلماً من كافر استنفاذه من أسره.
وأما الجواب عن استلالهم بأن المنع من الصلح من الإنكار يفضي إلي المنع من الصلح بكل حال فغلظ؛ لأن المقر له قد يصالح أيضاً إما لكون المقر غاصباً بيده وإما لكونه مماطلاً بحقه ويرى أن يتعجل قبض البعض بالصلح ولا يمنع من الكل بالغضب أو المطل.
فصل فإذا ثبت أن الصلح مع الإنكار لا يجوز فلو صالحه مع إنكاره كان الصلح باطلاً ولزم رد العوض ولم يقع الإبراء حتى لو صالحه من ألف درهم قد أنكرها علي خمسمائة درهم وأبرأه من الباقي لزمه في الحكم رد ما قبض ولم يبرأ مما بقي حتى لو أقام بالألف بينه عادلة كان له استيفاء جميعها، وإنما كان كذلك لأن ما قبضه بالصلح الفاسد لا يملكه كالمقبوض بالبيع الفاسد.
والإبراء كان مقروناً بملك ما صالح به فلما

الجزء: 5 - الصفحة: 406

لزمه رده لعدم ملكه بطل إبراؤه لعدم صفته، وكمن باع عبداً بيعاً فاسداً فأذن لمشتريه في عتقه فاعتقه المشترى بإذنه لم يعتق، لأن إذنه إنما كان مضموناً بملك العوض فلما لم يملكه بالعقد الفاسد لم يعتق عليه بالإذن، فإن قيل: افيسع صاحب الحق أن يأخذ ما بذل له بالصلح مع الإنكار إذا كان محقاً قيل بسعة ذلك ويجوز فيما بينه وبين الله تعالي فأما في ظاهر الحكم فيجب عليه رده.
فصل فلو ادعى عليه ألفا فأنكره قم أبرأه منها قبل ثبوتها عليه بينة أو إقرار برئ منها لأن الإبراء إذا لم يكن عن عقد صلح كان مطلقاً فصح وإذا كان عن عقد صلح كان مقيداً بصحته فبطل ببطلانه ولكن لو لم يبرئه منها بلفظ الإبراء وقال قد حططتها عنك ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنه قد سقطت المطالبة بها وبرئ منها؛ لأن الحطيطة أحد ألفاظ الإبراء.
والثاني: أن المطالبة باقية ولا يبرأ من شيء لأن الحطيطة إسقاط وإسقاط الشيء إنما يصح بعد لزومه.
فصل فلو ادعى عليه ألفا اقر بها ثم صالحه منها علي خمسمائة وأبرأه من الباقي فكان ما صالحه عليه من الخمسمائة مستحقاً فالصلح صحيح والإبراء لازم.
ويرجع علي المقر ببذل ما استحق من يده وإنما كان كذلك لان ما في الذمم من الحقوق إذا أخذ به مال معين لم يتعين فيه إلا بأحد أمرين: إما الاستقرار بالقبض باستقرار الملك.
وإما لتعيينه بعقد لازم.
وهذا النوع من الصلح هو إبراء وليس بعقد من عقود المعوضات اللازمة.
فغلب حكم الإبراء في صحة الصلح ولم يغلب حكم المعاوضة في إبطال الصلح.
فصل إذا أقر المدعي عليه بالحق ثم أنكر جاز الصلح، وإن أنكر فصولح ثم أقر كان الصلح باطلاً.
لأن الإقرار المتقدم لا يبطل بالإنكار الحادث فصح الصلح إذا أنكر بعد إقراره لوجوده بعد لزوم الحق.
ولم يصح الصلح إذا كان عقيب إنكاره وقبل إقراره لوجوده قبل لزوم الحق.
فصل فلو أنكر الحق فقامت عليه بينه عادلة جاز الصلح عليه للزوم الحق بالبينة كلزومه بالإقرار.
فلو كان المدعي عليه علي إنكاره فقال صالحني عليه لم يكن ذلك إقراراً فلا يصح

الجزء: 5 - الصفحة: 407

الصلح معه.
ولو قال ملكني ذلك كان إقراراً يصح الصلح معه.
والفرق بينهما: أن قوله صالحني يحتمل أن يكون أراد به قطع الخصومة وكف الأذى فلم يضره مقراً وقوله ملكني لا يحتمل فصار به مقراً والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو صالح عنه رجل يقر عنه بشئ جاز الصلح وليس للذي أعطي عنه أن يرجع عليه لأنه تطوع به" قال في الحاوي: وصورتها ما شرحه الشافعي في "الأم"أن يريد الرجلات الصلح ويكره المدعي عليه الإقرار.
قال الشافعي رحمه الله: فلا بأس أن يقر رجل عن المدعي عليه ثم يؤدي إلي المدعي ما يتفقاه عليه فيكون صحيحاً وهذا علي ضربين: أحدهما: أن تكون الدعوى حقا في الذمة.
والثاني: أن تكون عيناً قائمة.
فإن كانت الدعوي حقاً في الذمة جاز أن يصالح أجنبياً عنه بعد الإقرار عنه سواء أذن له في الصلح عنه أو لم يأذن.
لأن هذا الصلح إنما يوجب إسقاط الدين والبراء منه وذلك لا يفتقر إلي إذن من عليه الدين إلا تراه لو قضى الدين عنه بغير إذنه صح فكذلك إذا صالح عنه بغير إذنه صح.
وإذا كان كذلك فمن شرط هذا الصلح أن يقر عنه الأجنبي بالحق فيقول حقك ثابت علي فلان فصالحني عنه.
وهل يحتاج أن يقول وقد أقر عنه به؟ علي وجهين: أحدهما: أنه يحتاج ان يقول حقك ثابت علي فلان وقد اقر عندي به ليصح أن يكون عالماً بثبوت الحق عليه.
الثاني: لا يحتاج إلي ذلك لأنه قد يعلم بذلك عن إقراره تارة وبغير إقراره أخرى.
فإذا أقر فصالح عنه صح الصلح ولزم المصلح عن غيره دفع ما اتفقا علي الصلح به وبرئ المدعي عليه من المدعي ولم يكن للمصالح أن يرجع عليه بما صالح به ما لم يأذن له فيه لأن تطوع بالغرم عنه كما لو تطوع بقضاء دينه.
فأما إذا أذن له في الصلح عنه فهذا علي ضربين: أحدهما: أن يأذن له في الصلح عنه دون الأداء فيقول صالح عني فلا رجوع له بما أداه في الصلح لأنه غير مأذون له في الأداء فصار متطوعاً.
الثاني: أن يأذن له في الأداء فينظر في إذنه بالأداء فإن قال له صالح وأدى لترجع علي فله الرجوع عليه وإن قال أد ولم يصرح بالرجوع ففي رجوعه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 408

أحدهما: يرجع عليه لإذنه فيه.
والثاني: لا يرجع عليه لأن أمره بالأداء يحتمل أن يكون لمعني التطوع به ويحتمل أن يكون لمعني الرجوع عليه فلم يكن الإذن صريحاً في الرجوع به.
فصل وإن كانت الدعوى عيناً قائمة فلا يخلو حال المصالح عنها من أحد أمرين: إما أن يصالح عنها لنفسه.
أو يصالح عنها للمدعي عليه.
فإن صالح عنها للمدعي عليه فلا يخلو أما أن يصالح عنه بإذنه أو بغير إذنه فإن صالح عنه بإذنه جاز وهل يحتاج للوكيل في الصلح إلي الإقرار بها عنده؟ علي وجهين: احدهما: لا يصح الصلح عنه بمجرد إذنه للوكيل حتى يقر بها عنده للمدعي ثم يقر الوكيل بذلك عند المدعي عند صلحه.
الثاني: وهو أصح ان الصلح يصح بإذنه للوكيل ولا يحتاج إلي إقراره عند الوكيل لأنه وكليه في الصلح نائب عنه، فإقراره عنده كإقراره عند نفسه.
وإنما يقر الوكيل عنه علي ما ذكرنا من قبل، ويزيد فيه أن فلاناً وكلني في الصلح عنه.
فإن لم يذكر ذلك فهو علي ما نذكره من اختلاف الوجهين هل يكون إذنه شرطاً في صحة الصلح أم لا؟ فأما إذا صلح عنه بغير إذنه ففيه لا صحابنا وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي علي الطبري وأبي حامد، أن الصلح جائز لأنه لما جاز أن يصالح عما في الذمة بغير إذنه جاز أن يصالح عن العين القائمة بغير إذنه.
الثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة وأبو سعيد الاصطخرى أن الصلح باطل ما لم يكن من المدعي عليه إذن فيه؛ لأن في هذا النوع من الصلح تمليك عين فلم يصح بغير إذن من تملكها كمن اشترى لغيره شيئاً بغيره أمره.
وبهذا المعني فارق ما في الذمة لان طريقه الإبراء ويصح من الإنسان أن يبرئ غيره بغير أمره وإذنه.
فصل فأما إذا صالح عنها لنفسه فهذا في حكم من اشتري شيئاً مغصوبا فيحتاج أن يعترف للمدعي بالملك ويقر بأنه قادر علي انتزاع ذلك من يد المدعي عليه فيصح هذا ويكن بيعاً محضاً، فإن انتزع ذلك من يده برئ المدعي من ضمان العقد، وإن عاد فذكر أنه ليس يقدر علي انتزاعها من يده، فالقول قول مع يمينه إذا كذبه المدعي وله الرجوع بالعوض الذي بذله.
فصل إذا أوقف رجل داراً بيده ثم ادعاها مدع فأقر له بها كان إقراره مردوداً لخروجها عن

الجزء: 5 - الصفحة: 409

حكم ملكه بالوقف، وهكذا لو صدقه الذين وقفت الدار عليهم لم يبطل الوقف لما تعلق به من حقوق غيرهم من البطن الثاني أو الفقراء لكن لا حق لمن صدق منهم في الوقف.
ويكون ذلك لغيرهم ممن لم يصدق.
ويصح بهذا الإقرار وإن لم يبطل به الوقف إن يصالح المدعي المقر له فلو ان رجلاً جعل داراً في يده مسجداً وخلفها وأذن للناس فيها بالصلاة من غير أن يتلفظ بتسبيلها لم تصر سبله بهذا القدر.
وقال بعض العراقيين: متى خلفها وجعلها برسم المساجد خرجت من ملكه.
وقال آخرون: إذا صلي فيها المسلمون خرجت من ملكه وكل هذا خطأ؛ لأنه إزالة الأملاك لا تكون إلا بالقول كالعتق والوقف والطلاق.
فلو فعل ما ذكرنا فادعاها مدع فأقر له بها لزمه إقراره ولو صالحه عليها صح صلحه، فلو سبلها مسجداً ثم أقر بها لغيره لم يبطل التسبيل ولزمه غرم قيمتها لمن أقر له بها فلو صالحه علي ذلك صح صلحه.
ولو صالحه أهل المحلة وجيران المسجد جاز ولم يكن لهم أن يرجعوا علي المسبل بشيء ما لم يأمرهم بالصلح عنه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أشرع جناحاً علي طريق نافذة فصالحه السلطان أو رجل علي ذلك لم يجز ونظر فإن كان لا يضر ترك وإن ضر قطع"؟ قال في الحاوي: صورة هذه المسألة في رجل أشرع من داره جناحاً أو ساباطاً علي طريق فلا يخلو حال الطريق من أحد أمرين: إما أن تكون نافذة أو غير نافذة.
فإن كانت نافذة فلا يخلو حال الجناح من أن يكون مضراً بالمارة أو غير مضر.
فإن كان الجناح الخارج غير مضر بالمارة والمجتازين ترك علي حالة.
ولم يكن لأحد من المسلمين ان يعترض عليه فيه.
لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه مر بدار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقطر عليه من ميزابه ماء فأمر بقلعه فخرج إليه العباس رضي الله عنه وقالت ميزاباً نصبه رسول الله صلي الله عليه وسلم بيده فقال عمر: والله لا يعاد إلا علي ظهري فركب العباس ظهره وأعاد الميزاب في موضعه".
ولأنه لم يزل الناس قديما يفعلونه ورسوله الله صلي الله عليه وسلم ومن بعده من خلفائه يشاهدونه فلا ينكرونه فدل علي انه شرع مستقر وإجماع منعقد.
ولأنه لما جاز للناس الارتفاق بالطرق والمقاعد منها جاز لهم الارتفاق بهوائها.
فإن قيل أليس الإنسان ممنوع من وضع سارية في الطريق وبناء دكه وإن كان ذلك مرفقاً والعمل به جارياً فكذلك الجناح.
قيل السارية والدكة مضر بالناس لما فيه من تضايق الطريق عليهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 410

ولأنهم ربما ازدحموا فأضربهم أو سقط عليه ضرير لا يبصر فتأذى وليس كذلك الجناح في الهواء، فأما إن كان الجناح مضراً بالمارة والمجتازين قلع، ولم يقر، وأمر الإمام بهدمه وإن لم يختصم الناس إليه فيه.
وقال أبو حنيفة: إن خوصم فيه إلي الإمام قلعة، وإن لم يخاصم تركه لأن الإمام حاكم وليس بخصم، والحاكم لا يحكم ألا لطالب وهذا الذي قاله خطأ لأمرين: أحدهما: أن الإمام مندوب لإزالة المنكر والنيابة عن كافة المسلمين في أبواب المصالح فوجب ان ينفرد بإزالة المنكر.
والثاني: أن ما يجوز إقراره لا يفتقر إلي الرضا به في الترك وكذا ما لايجوز إقراره لا يفتقر إلي إنكاره في القلع.
وليس هذا من طريق الحكم فلا يحكم إلا لخصم لأن الخصم فيه لا يتعين فإنما كافة الناس فيه شرع واحد.
فإذا وجب قلعة فبذل صاحبه مالاً صلحاً علي تركه لم يجز لأمرين: أحدهما: أنه صلح علي إقرار منكر.
والثاني: أنه صلح علي الهوى.
فأما حد ما يضر مما لا يضر فمعتبر بالعرف والعادة ومختلف باختلاف البلاد.
وقال أبو عبيد بن حربوية من أصحابنا: حد الضرر أن لا يمكن الفارس ان يختار تحته برمح قائم وحكي نحوه عن شريح.
وهذا التحديد ليس بصحيح لأن الرماح مختلفة في الطول والقصر.
ولأن هذا يؤدي الي أن لا يخرج أحد جناحاً لأن الرمح قد يعلو علي المنازل في أكثر البلاد.
ولأنه لا مضرة علي صاحب الرمح في الاجتياز برمحه مائلاً.
وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر ذلك بحسب البلاد.
فإن كان البلد قد تجتاز في طرقه الجمال التي عليها الكبائس والعماريات وذلك علي ما يجتاز في الطرقات فحد الإضرار أن لايمكن اجتياز الكبائس والعماريات تحته وإن أمكن اجتيازها بمضر.
فإن كان البلد مما لم يجر عادة الكبائس والعماريات أن تجتاز به وجرت عادة الجمال المحملة أن تجتاز فيه فحد الإضرار فيها أن لا يمكن اجتياز الجمال المحملة تحته.
وإن أمكن فليس بمضر.
وإن لم تجر عادة البلد باجتياز الفرسان فيه فحد الإضرار فيه أن لا يمكن اجتياز الرجل التام إذا كان علي رأسه حمولة مستعلية فإذا ثبت ما وصفنا فحد الإضرار معتبر بما ذكرنا.

الجزء: 5 - الصفحة: 411

فصل فإن كانت الطريق غير نافذة فليس له إخراج الجناح فيها إلا بإذن جميع أهلها سواء كان الجناح مضراً أو غير مصر.
لأن الطريق التي لا تنفذ مملوكة بين جميع أهلها وليس لأحدهم ان يتصرف فيها إلا بحق الاجتياز، فلم يجز ان يتعدى إلي إخراج كالأرض المشتركة أو الطريق المستحقة.
فإن صالح أهل الطريق علي مال في إقرار الجناح لم يجز لأنه صلح علي الهوى.
إلا ان يتصل بالعرضة كبناء بعضه في عرضة الطريق ثم يرفعه فيجوز.
ويكون ذلك بيعاً منهم بقدر حقوقهم من العرضة التي حصل فيها البناء فلو أذنوا جميعاً له في إخراج الجناح جاز مضراً كان أو غير مضر.
لأنه حق قد تعين لهم لا يشركهم فيه غيرهم وليس كالطريق النافذة التي يشترك فيها الكافة فلو رجعوا بعد إذنهم، فان كان رجوعهم بعد إخراج الجناح لم يكن لرجوعهم تأثير وكان له إقرار الجناح ما بقي.
وإن كان قبل إخراجه بطل ما تقدم من الإذن فكان إخراج الجناح كمن أخرج بغير إذن وكذا لو رجع أحدهم مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو أن رجلين ادعيا داراً في يدي رجل فقالا ورثناها عن أبينا فأقر لأحدهما بنصفها فصالحه من ذلك الذي أقر له به علي شئ كان لأخيه ان يدخل معه فيه (قال المزني):قالت أنا: ينبغي في قياس قوله أن يبطل الصلح أقرب في حق أخيه لأنه صار لأخيه بإقراره قبل أن يصالح عليه إلا ان يكون صالح بأمره فيجوز عليه" قال في الحاوي: وصورتها في أخوين ادعيا داراً في يد رجل ميراثاً عن أبيهما أو نسباً ذلك إلي جهة يستويان فيها غير الميراث كقولها ابتعناها من زيد أو استو هبناها من عمرو فيكون حكم هذا وحكم الميراث سواء لأنهما نسبا ذلك إلي جهة واحدة يستويان فيها.
وإذا كان كذلك فلصاحب اليد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصدقهما ويقر لهما فيلزمه بإقراره تسليم الدار إليهما.
والحال الثانية: أن يكذبهما وينكرهما فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن للأخوين بينه.
فإن نكل عن اليمين ردت علي الأخوين فإن حلفا كانت الدار بينهما نصفين، وإن نكلا أقرت الدار في يد المدعي عليه.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان نصف الدار للحالف بيمينه لا يشاركه أخوه في شئ منها والنصف الآخر مقر في يد (المدعى) عليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 412

والحالة الثالثة: أن يصدق أحدهما علي نصفها ويكذب الآخر فعليه اليمين لمن أنكره وينزع النصف الذي أقر به فيكون بين المقر له وبين أخيه نصفين.
وإنما كان كذلك لأنهما نسبا دعواهما إلي جهة يستوبان فيها ويشتركان فيما ملكاه بها وكان إنكاره النصف لأحدهما يجرى مجرى غصبه شيئاً من تركة أبيها.
ولو غصب من تركة أبيهما قبل القسمة واحد من عبدين أو داراً كانت الدار الباقية والعبد الباقي بنيهما والمغصوب بينهما.
فإن قيل أليس لو أنكرهما ونكل لفحل أحد الأخوين ونكل الآخرين كان النصف للحالف لا يشاركه فيه الناكل؟ قيل نعم والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الناكل سقط حقه بنكوله إذ قد كان يمكن أن يصل إليه بيمينه وليس كذلك في الإقرار.
والثاني: انه قد تقرر في الأصول ان احد لا يستحق بيمين غيره شيئاً وليس كذلك في الإقرار.
فصل فإذا ثبت أن النصف المقر يكون بين الأخوين معاً فصالح الأخ المقر له بالنصف للمقر فهذا علي ضربين: أحدهما: أن يصالحه علي حقه وهو الربع فالصلح جائز والشفعة فيما صالح من الربع واجبه وفيها قولان: أحدهما: أنها تجب لأخيه المشارك في نصف الدار دون المقر.
والثاني: أنها تجب لأخيه وللمقر الذي صولح.
فلا يكون للأخ أن ينزع من المصالح إلا قدر حقه، وفي حقه قولان: أحدهما: انه بينهما نصفان والثاني: انه بينهما علي قدر الماليين أثلاثاً.
وسنذكر توجيه القولين في كتاب الشفعة إن شاء الله.
والضرب الثاني: أن يصالحه علي جميع النصف فهذا علي ضربين: أحدهما: ان يصالحه بإذن أخيه فالصلح في النصف كله جائز ويكون المال الذي وقع الصلح به بين الأخوين نصفين والثاني: أن يصالحه بغير إذن أخيه فيكون الصلح في حق أخيه وهو الربع باطلاً.
وهل يبطل في حق نفسه أم لا قولين من تفريق الصفقة: أحدهما: يبطل.
والثاني: لا يبطل.
ويكون المصالح بالخيار بين فسخ الصلح واسترجاع العوض إلا أن يأذن الأخ إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 413

أخذه بالشفعة وبين أن يقيم علي الصلح في حقه وبماذا يقيم عليه علي قولين: أحدهما: بجميع العوض وإلا فسخ.
والثاني: وهو أصح يقيم عليه بحسابه وقسطه وهو النصف.
فصل فأما الإمام المزني فإنه نقل كلاماً محتملاً وتأوله تأويلاً فاسداً ثم اعترض عليه بما لو صح تأويله لصح اعتراضه وهو أنه نقل عن الشافعي: إذ أقر لأحدهما بنصفه فصالحه من ذلك علي شيء كان لأخيه أن يدخل معه فيه فتأوله علي أن الشافعي أجاز صلحه في جميع النصف ثم جعل أخاه شريكاً له في مال الصلح، فاعترض عليه بأن قال: يجب أن يبطل الصلح في حق أخيه، وهذا وهم من المزني في تأويله، لأن مراد الشافعي بقوله كان لأخيه أن يدخل معه فيه: يعني في النصف من الدار لا في النصف من المال والجواب في الصلح علي ما شرحنا.
والله اعلم.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه:" ولو كانت المسألة بحالها وأدعي كل واحد منهما نصفها فأقر لأحدهما بالنصف وجحد للآخر لم يكن للآخر في ذلك حق وكان خصومته".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا ادعي أخوان داراً في يد رجل ولم ينسباها إلي إنهما ملكاها بسبب واحد فأقر المدعى عليه لأحدهما بالنصف وأنكر الآخر فعليه اليمين لمن أنكره وينفرد المقر له بالنصف لا يشاركه الآخر فيه.
لأنه لا تعلق لملك أحدهما بالآخر.
وهكذا لو ادعياها ميراثاً مقبوضاً قد استقر ملكهما عليها بالقسمة والقبض فصدق احدهما علي النصف وأنكر الآخر تفرد المقر له بالنصف ولم يشاركه الآخر فيه.
كما لو لم يضيفا ذلك إلي سبب واحد لأن الميراث إذا استقر ملكه بالقسمة والقبض لم يتعلق ملك أحدهما بالآخر.
إلا تري لو اقتسما دارين واخذ كل واحد منهما إحدى الدارين ثم غصبت احدي الدارين من أحدهما انفرد الآخر بالباقية من غير أن يشاركه فيها أخوه.
ولو غصبت قبل القسمة لشاركه فيها كذلك في الإقرار إذا صدق احدهما علي النصف قبل القسمة شاركه الآخر فيه.
وإن صدقه بعد القسمة لم يشاركه الآخر فيه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:" ولو كان أقر لأحدهما بجميع الدار فإن كان لم يقر للآخر بأن له النصف فله الكل وإن كان أقر بأن له النصف ولأخيه النصف كان لأخيه أن يرجع بالنصف عليه".

الجزء: 5 - الصفحة: 414

قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ادعي الإخوان داراً في يد رجل فاعترف المدعي عليه لأحد الأخوين بجميع الدار وأنكر الذاخر فهذا علي ضربين: أحدهما: أن ينسبا تلك إلي جهة واحدة يستويان فيها فتكون الدار للأخوين معاً.
والثاني: أن لا ينسباها إلي جهة يتساويان فيها فللمقر له حالان: حال يقبل الإقرار بجمعيها، وحال لا يقبل.
فإن لم يقبل الإقرار بجميعها كان له النصف الذي ادعاه.
فإما لنصف الآخر الذي أقر له به ولم يقبله ففيه لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون مقراً في يد المدعي عليه ويكون المكذب خصماً له فيه لأنه لم يستحق أخذه مع أن يده عليه.
والوجه الثاني: انه ينزع النصف من يده ويوضع علي يد حاكم حتى إذا ثبت عنده مستحقه سلمه إليه لأن إقراره أوجب رفع يده.
والثالث: أنه يدفع إلي مدعيه لأنه خصم له فيه.
وإن قبل مدعي النصف الإقرار بالكل انتزع الكل من المدعي عليه ثم نظر فإن كان المقر له قد حفظ عليه تصديق أخيه في ادعائه النصف أما قبل الإقرار له أو بعده لزمه تسليم النصف إلي أخيه.
بما تقدم من إقراره؛ لأن إقراره علي غيره لا يلزم فإذا صار القبض إلي يده لزمه.
ألا تري أن رجلاً لو أقر أن الدار التي في يد فلان مغصوبة من فلان لم يلزمه إقراراه فلو صارت الدار إليه ببيع أو هبة أو ميراث لزمه إقراراه ووجب عليه تسليم الدار إلي من اقر بغصبها منه فأما إن لم يكن مدعي النصف صدق أخاه في دعواه فله أن ينفرد بجميع الدار ولا حق فيها لأخيه إلا أن يستأنف الدعوي عليه فيصير خصماً له فيها.
فإن قيل: فهو إنما ادعي النصف فكيف يجوز أن يدفع إليه الكل ويزاد علي ما ادعاه قيل قد اختلفت أصحابنا.
فكان بعضهم لأجر هذا السؤال يقول: إن المسألة مقصورة علي أنه ادعي نصفها ملكاً وباقيها يدا.
فإذا أقر له بالجميع دفع إليه بدعوى الملك واليد ولم لم يدع هذا لم يدفع إليه إلا النصف.
وقال جمهور أصحابنا: بل يدفع إلي جميعها وإن لم يدع سابقاً إلا نصفها لأنه ليس بمنكر ان يكون له جميع الدار فيدع نصفها لأمور: منها: أن يكون نصفها مصدق عليه فلم يدعيه ونصفها منازع فيه فادعاه.
ومنها: أن يكون له بنصفها بينه حاضرة وبنصفها بينه غائبة فيدعي نصفها لتشهد به البينة الحاضرة ويؤخر الدعوى في النصف الآخر إلي أن تحضر البينة الغائبة.
ومنها: أن يدعى ما لا منازعة له فيه استثقالاً للخصومة وهي تأخير النزاع.
فلهذه الأمور صح إذا ادعي النصف أن يدفع إليه الجميع.

الجزء: 5 - الصفحة: 415

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن صالحه علي دار أقر له بها بعبد قبضه فاستحق العبد رجع إلي الدار فأخذها منه" قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ادعي عليه داراً في يده فأقر بها ثم صالحه منها علي عبد فاستحق العبد فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون العبد معيناً فالصلح باطل كما لو ابتاع داراً بعبد فاستحق العبد.
وله أن يرجع بالدار كما يرجع به البائع.
إلا أن يستأنف صلحاً ثانياً وكذا لو كان البعد مرهوناً أو مكاتباً أو مات قبل قبضه.
ولا يبطل الصلح لو كان مدبراً أو موصى بعتقه أو معتقاً بصفة.
الثاني: أن يكون العبد غير معين موصوف في الذمة، فالصلح لا يبطل باستحقاقه وعليه أن يأتي بعبد علي مثل صفته كما لو استحق العبد المقبوض في المسلم.
ولو كان العبد معيناً فقتل قبل قبضه ففي بطلان الصلح بقتله قولان ذكرناهما في البيوع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه:" ولو صالحه علي ان يسكنها الذي هي في يديه وقتاً فهي عارية إن شاء أخرجه منها" قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا ادعي عليه داراً فاعترف بها ثم صالحه علي أن يكسنها المقر سنة كان الصلح باطلاً.
لأن الصلح إنما يصح إذا عاوض علي ما يملك بما لا يملك.
وهذا قد عاوض علي ملكه بملكه لأن من ملك داراً ملك سكناها.
فإن قيل أفليس لو صالحه علي نصفها جاز، قيل قد ذكرنا فيه وجهين: أحدهما: لا يجوز للعلة التي ذكرناها.
والثاني: يجوز.
والفرق بينهما أن الصلح عن النصف هبة.
والهبة لازمه فصار الصلح بها لازماً والصلح علي السكني عارية والعارية غير لازمه فصار الصلح بها غير لازم، فإذا ثبت أن هذا الصلح باطل فالمالك الدار أن يسكنه إياها إن شاء وله أن يخرجه منها متى شاء كالدار العارية ولا أجرة عليه.
فلو جعل الصلح علي السكني شرطاً في إقراره فقال قد أقررت لك بهذه الدار علي أن أسكنها سنة بطل اشترط السكني والصلح عليه.
فأما الإقرار فقد اختلف أصحابنا فيه: فذهب أبو علي بن خيران إلي بطلانه لكونه إقراراً مقيداً بشرط.
وذهب سائر أصحابنا إلي صحة الإقرار ولزومه لأنه إقرار بشرط في عارية.

الجزء: 5 - الصفحة: 416

مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " أو صالحه منها علي خدمة عبد بعينه سنة فباعه المولي كان للمشتري الخيار في أن يجيز البيع وتكون الخدمة علي العبد للمصالح أو يرد البيع".قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا صالح المقر بالدار علي خدمة عبد معين سنة جاز الصلح.
لأن المقر عاوض علي الدار بما ملكه من خدمة العبد.
وصار المقر له بالدار مستأجراً للعبد سنة بالدار التي قد ملكها بالإقرار فلو باع المولي عبده قبل مضي السنة كان الصلح علي حاله وفي البيع قولان: - أحدهما: باطل لأن تسليمه غير مستحق كالبيع بشرط تأخير القبض.
والثاني: وهو أصح أن البيع جائز لان استحقاق المنفعة لا يمنع بيع الرقبة كالأمة المزوجة.
فعلي هذا أن كان المشترى عالماً بالحال فلا خيار له وإن كان جاهلاً بها فله الخيار بين الفسخ والمقام.
ويمكن المصالح منه ألي انقضا مدة الخدمة.
ولا رجوع له علي البائع بشئ من أجرتها، لأنها مستحقة قبل عقده.
أما إذا ابتاعه المصالح فالبيع جائز قولاً واحداً.
إلا أن في قبضه وانفساخ الإجارة وجهان: أحدهما: لا تنفسخ كما لو باعه علي غيره فعلي هذا الصلح علي حاله.
والثاني: أنها قد انفسخت كما لو تزوج أمته ثم ابتاعها بطل النكاح المتقدم بالبيع الطارئ.
كذا تبطل الإجارة السالفة بالبيع الحادث فعلي هذا قد بطل الصلح وملك العبد بالبيع.
فصل فأما إذا اعتق السيد عبده الذي صالح بخدمته فعتقه نافذ لأنه صادف ملكاً تاماً فلم يمنع استحقاق المنفعة كعتق الأمة المزوجة، وعلي العبد المعتق خدمة المصالح باقي السنة، وهل له ان يرجع علي سيده الذي اعتقه بأجرة الخدمة بعد عتقه علي قولي: أحدهما: يرجع عليه بأجرته فيما بقي من المدة بعد عقته أن نفوذ عتقه يمنع من استحقاق منافعه فصار كالأخذ لها بغير حق فضمن كالغاضب.
والقول الثاني: لا رجوع له بشئ لأن عتق السيد أزال ما كان مالكاً له وخدمة العبد، تلك السنة لم يكن السيد مالكاً لها فلم يتعلق حكم العتق بها ولم يستحق العبد رجوعاً بسببها كالأمة المزوجة إذا عتقت لم تستحق الرجوع علي سيدها بالمهر.

الجزء: 5 - الصفحة: 417

فصل فأما إذا كاتبه السيد فالكتابة باطلة لأنه لا يقدر علي التصرف لنفسه ولا علي تملك كسبه ولكن لو دبره صح التدبير.
وكذلك لو اعتقه بصفة.
فأما إذا أجره من غير المصالح فالإجارة باطلة لأن ما توجه إلي عقد الإجارة مستحق من قبل، وإن عقد علي ما بعد السنة فهو باطل، لأنه عقد علي عين بشرط تأخير القبض.
إما إذا رهنه فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من أجرى الرهن مجرى البيع فعلي هذا يخرج علي قولين: ومنهم من أجرى ذلك مجرى الإجارة لنا في الحال متوجه إلي المنفعة، فعلي هذا يكون باطلاً قولاً واجداً فأما إذا وهبه ففيه قولان كالبيع سواء.
مسألة" قال الشافعي رضي الله عنه " ولو مات العبد جاز من الصلح بقدر ما استخدم وبطل منه بقدر ما بقي" قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مات العبد الذي صالحه علي الدار بخدمته سنة لم يخل حال موته من ثلاثة أحوال.
أحدهما: أن يموت في الحال قبل مضي المدة أو شيء منها فالصلح قد بطل لتلف العوض فيه قبل قبضه كتلف الثمن المعين قبل القبض، وللمصالح أن يرجع بالدار كما يرجع البائع بالبيع.
والثانية: أن يموت بعد مضى السنة كلها فالصلح قد تم وحكمه قد أنبرم وموت العبد غير مؤثر لاستيفاء المعقود عليه قبل موته.
والثالثة: أن يموت بعد مضي بعض المدة وبقاء بعضها فالصلح قد بطل فيما بقي من المدة لفوات قبضه بالموت، وأما فيما مضي من المدة المستوفاة فهو علي اختلاف أصحابنا في الفساد في بعض الصفقة إذا طرأ بعد العقد هل يجرى مجرى الفساد المقارن للعقد.
فذهب أبو إسحاق المرزوي انه يجرى مجرى الفساد المقارن للعقد، فجعل بطلان الصلح فيما مضي من المدة قولين من تفريق الصفقة.
أحدهما: قد بطل الصلح فيما بقي ووجب علي المصالح أجره ما استخدم فيما مضى من المدة وله استرجاع الدار.
والثاني: لا يبطل لكن يكون بالخيار بين الفسخ والمقام فإن فسخ رجع بالدار وغرم أجرة ما مضى من المدة، فإن أقام فعلي قولين: أحدهما: يقيم عليه بجميع الصلح.

الجزء: 5 - الصفحة: 418

والثاني: بحسابه وقسطه.
وقال جمهور أصحابنا أن الفساد الحادث بعد العقد مخالف للفساد المقارن للعقد لسلامة الصفقة عند عقدها.
فيكون الصلح فيما مضي من المدة جائراً قولاً واحداً.
فعلي هذا.
هل للمصالح خيار أم لا؟ علي وجهين أحدهما: لا خيار له لاستقرار قبضة وفوات رده.
فعلي هذا يقيم علي ما مضي من المدة بحسابه من الصلح وقسطه ويرجع من الدار بقسط ما بقي من المدة والثاني: له الخيار لأنه عاوض علي مدة كاملة وصفقة سليمة فكان النقص فيها غبناً موجباً للخيار كالنقص في الأعيان.
فعلي هذا يكون بالخيار بين أن يفسخ الصلح فيما مضى وبين ان يقيم.
فإن فسخ فيما مضي غرم مثل أجره تلك المدة واسترجع الدار كلها.
وإن أقام فعلي قولين أحدهما: يقيم علي ما مضي بجميع الصلح والثاني: بحسابه وقسطه.
مسالة: قال الشافعي رضي الله عنه" وإذا تداعي رجلان جداراً بين دارنهما فإن كان متصلا ببناء احدهما اتصال البنيان الذي لا يحدث مثله إلا من أول البنيان جعلته له دون المنقطع منه وإن كان يحدث مثله بعد كمال بنيانه مثل نزع طوبة وإدخال أخرى أحلفتهما بالله وجعلته بينهما وإن كان غير موصول بواجد من بنائهما أو متصلا ببنائهما جمعياً جعلته بينهما بعد أن احلف كل واحد منهما" قال في الحاوي: وصورتها: في حائط بين دارين تنازعه المالكان وقال كل واحد منهما هو ولي جونك ولا بينه لو احد منهما علي دعواه.
فلا يخلو حال الحائط من ثلاثة أقسام.
إما أن يكون متصلا ببنائهما أو يكون منفصلاً عن بنائهما أو يكون متصلاً ببناء احدهما منفصلا عن بناء الآخر.
فإن كان متصلا ببنائهما أو منفصلاً عن بنائهما فهما في الحكم سواء علي ما نذكره وإن كان متصلاً ببناء احدهما دون الآخر واتصاله هو أن يكون بناء احدهما قد اتصل ببينه الحائط علي ما لا يمكن إحداث مثله بعد كمال البناء فصارت حائطين احدهما المعارضة مسنده بالحائط المتنازع فيه سواء كان اتصال تربيع أم لا.
وقال أبو حنفية: اتصال البناء ان يكون تربيع دار احدهما مسندة بالحائط المتنازع فيه ولا يكون اتصال بعض الحدود مؤثراً.
وهذا خطأ، لأن اتصاله ببعض حدود الدار مما لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء.

الجزء: 5 - الصفحة: 419

كما أن اتصاله بجميع الحدود تربيعاً لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء فوجب أن يكون الحكم فيهما علي سواء.
فأما أن كان علي الحائط لأحدهما أزج أو قبة نظر في الحائط فإن كان قد بني من أساسه متعرجاً علي ما جرت به عادة بعض القباب والازاج فهذا اتصال.
لأن هذا التعريج لا يمكن إحداث مثله بعد كمال البناء.
وإن لم يكن بناء الحائط متعرجا فالأزج المبني عليه والقبة لا يكون متصلاً بالحائط كله لأن إحداث مثل الازج والقبة علي الحائط بعد كمال البناء ممكن فصار كالاجذاع.
لكن ما كان من اعلي الحائط خارجاً عن تعريج القبة والازج فهو لصاحبه القبة والازج، وما انحدر عنه من انتصاب الحائط في حكم المنفصل غير المتصل وأما إن كان الحائط المتنازع فيه ينتهي طولاً إلي أن يتجاوز ملك ولا يتجاوز ملك الآخر مثل أن يكون طول الحائط عشرين ذراعاً وعرصه احدهما عشرة اذرع وعرصة الآخر عشرون ذراعاً فيتنازعون من الحائط ما كان بين عرصتيهما معاً دون القدر المجاوزة فقد اختلف أصحابنا هل يكون هذا في حكم المتصل أو المنفصل، علي وجهين: أحدهما: يكون في حكم المتصل لأن ما اتصل بعرضه في بناء احدهما بمثل ما اتصل بطوله.
والثاني: أن لا يكون متصلا ويكون في حكم المنفصل لأن اتصال العرض لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء واتصال الطول يمكن إحداثه بعد كمال البناء.
فإذا ثبت أن الاتصال ما ذكرنا وكان متصلا ببناء احدهما دون الآخر فهو لمن اتصل ببنائه بعد أن يحلف لصاحبه وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أن اتصاله بما له تصرف فيه يد وصاحب اليد المتصرفة أحق من غيره كمن نوزع شيئاً في يده.
والثاني: أن اتصاله بملكه دليل علي تملكه كمن نوزع بناء في أرضه كان لصاحب الأرض دون منازعة.
ثم لزمنه اليمين لأن هذا دال علي الملك وليس بموجب له فلزمت فيه اليمين كاليد.
فصل فأما إذا كان متصلا ببنائيهما أو منفصلاً عن بنائيهما فهما فيه سواء ويتحالفان عليه.
وهل يكون الحاكم مخيراً في الابتداء بإحلاف أيهما شاء أو يقرع بينهما؟ علي وجهين: أحدهما: يكون مخيراً لاستوائها.
والثاني: يقرع بينهما لانتفاء التهمة عنه.
وفي قدر ما يحلف كل واحد منهما عليه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 420

أحدهما: وهو قول البغداديين.
أنه يحلف على نصفه لأنه يحلف على ما يصير إليه بيمينه والذي يصير إلى كل واحد منهما النصف.
والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا أنه يحلف على جميعه لأنه يحلف على ما يدعيه وهو يدعي جميعه.
ثم على كلا الوجهين لابد أن يتضمن يمينه النفي والإثبات.
لأنه ينفي ملك غيره ويثبت ملك نفسه.
ولكن اختلف أصحابنا هل يحتاج إلى يمين واحدة للنفي والإثبات أو يحتاج إلى يمينين أحدهما للنفي والأخرى للإثبات على وجهين: أحدهما: أنه يحلف يمينًا واحدًا تتضمن النفي والإثبات لأنه أفضل للقضاء وأثبت للحكم.
والوجه الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي علي بن خيران وطائفة أنه يحلف يمينين أحدهما للنفي لأنه منكر بها، والثانية للإثبات لأنه مدع بها.
فإذا ثبت ما وصفنا لم يخل حالهما من ثلاثة أحوال: أما أن يحلفا معًا فيجعل الحائط بينهما بأيمانهما.
أو ينكلا معًا فيمنعان من التخاصم ولا يحكم لواحد منهما بملك شيء منه ويكون الحائط موقوفًا على ما كان عليه من قبل.
أو يحلف أحدهما وينكل الآخر فيحكم به للحالف منهما دون الناكل.
وهكذا لو حلف أحدهما يمينين على أحد الوجهين وحلف الآخر يمينًا واحدًة حكم به للحالف بيمينين وكان الحالف يمينًا بمثابة الناكل لأن يمينه لم تكمل.
فلو أقام الناكل بينه كان أحق ببينته من يمين صاحب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنُهُ: "وَلاَ أَنْظُرُ إِلى مَنْ إِلَيْهِ الخَوَارجَ وَلاَ الدَّوَاخِلِ وَلاَ أَنْصَافُ اللِّبْنِ وَلاَ مَعَاقِدُ القِمْطِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا دَلاَلَةٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
والدواخل هي وجوه الحيطان.
والخوارج هي ظهور الحيطان وأنصاف اللبن فيه تأويلان حكاهما ابن أبي هريرة.
أحدهما: أن تكون كسور أنصاف اللبن إلى أحدهما والصحيح منه إلى الآخر.
والثاني: أنه إفريز يخرجه البنَّاء في أعلى الحائط نحو نصف لبنة ليكون وقاية للحائط من المطر وغيره.
وأما معاقد القمط فتكون في الأخصاص وهي الخيوط التي يشهد بها الخص.
لأن القمط جمع قماط وهو الخيط.
فإذا تنازع جاران حائطًا بينهما وكان إلى أحدهما الدواخل وأنصاف اللبن لم يكن

الجزء: 5 - الصفحة: 421

ذلك دليلاً على ملكه.
وكذلك لو ادعى خصًا وكان إلى أحدهما معاقد القمط لم يكن ذلك دليلاً على ملكه وهو قول أبي حنيفة.
وجعل أبو يوسف ومحمد هذه دلائل على الملك وهو قول بعض أهل المدينة.
استدلالاً بما روي أن رجلين تنازعا جدارًا بينهما فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة أن يحكم فحكم بالجدار لمن إليه معاقد القمط فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبت.
قالوا: لأن العادة جارية في بناء الحائط أن يكون وجهه إلى مالكه وظهوره إلى غيره ومعاقد الخص تكون إلى مالكه فوجب أن يحكم بظاهر العادة.
كما يحكم في اتصال البنيان.
وهذا خطأ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "البَيِّنَةُ عَلَى المُُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ".
ولأن هذه أمور قد يقصد بها في البناء والجمال.
فربما أحب الإنسان أن يجعل أجمل بنيانه، وأحسنه إلى منزله، وربما أحب أن يجعله خارجًا فيما يراه الناس.
فلم يجز مع اختلاف العادة فيه في سائر الأغراض أن يجعل دالاً على الملك كالتزاويق والنقش لا يكون وجوده من جانب أحدهما دليلاً على ملكه كذلك ما ذكرناه.
فأما الجواب عن الخبر فهو أنه ضعيف لأن رواية دهثم بن قران وهو مرغوب عنه.
فإن صح لم يكن فيه دلالة.
لأنه لم يجعل معاقد القمط علة في الحكم وإنما جعل تعريفًا لمن حكم له كما لو قيل حكم للأسود لم يدل على أن السواد علة للحكم وإنما يكون سمة وتعريفًا لمن وجب له الحكم.
وأما ادعاؤهم العرف لمعتاد فيه فغير صحيح لما ذكرنا من اختلاف الأغراض فيه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَلَوْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلاَ شَيْءَ للآخَرِ عَلَيْهِ أَحْلَفْتُهُمَا وَأَقْرَرْتُ الْجُذُوعِ بِحَالِهَا وَجَعَلتُ الجِدَارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِالجُذُوعِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ".
قال في الحاوي:؛ وهذا كما قال: إذا تنازع الجاران حائطًا بينهما وكان لأحدهما عليه جذوع فهما فيه سواء.
قال أبو حنيفة: صاحب الجذوع أحق به إذا كانت جذوعه ثلاثة فصاعدًا فإن كانت أقل من ثلاثة وكان بدل الجذوع متصلاً فيهما فيه سواء استدلالاً بأن وضع الجذوع أوكد من اتصال البناء.
لأن وضع الجذوع يثبت يدًا وارتفاقًا واتصال البناء يثبت أحدهما وهو الارتفاق دون اليد فلما كان اتصال البناء إلا على الملك كان وضع الجذوع أولى بأن يدل على الملك.

الجزء: 5 - الصفحة: 422

ولأن وضع الجذوع تصرف في الملك فوجب أن يكون دالاً على الملك كالأزج والقبة.
ولأن وضع الجذوع هو تركيب على الحائطين يجرى مجرى ركوب الدابة وقد ثبت أن دابة لو تنازعها راكبها وأخذ بلجامها كان راكبها أحق بها ممن هو أخذ بلجامها فكذلك الحائط إذا تنازعه صاحب الجذوع وغيره.
كان صاحب الجذوع أحق.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه هو أن كل ما لم يكن قليله دالاً على الملك لم يكن كثيره دالاً على الملك كالقصب والرفوف.
ولأن ما أمكنت أحاثه بعد كمال البناء لم يكن دالاً على ذلك البناء كالجص والنقش.
ولأنه لو كان بين صاحب الأجذاع والحائط طريق نافذة كالساباط لم يكن وضع أجذاعه فيه دليلاً على ملكه له، كذلك إذا اتصل بملكه.
لأن وضع الجذوع لو كان يدًا لاستوى الأمران في الاتصال بالملك والانفصال عنه.
ولأن وضع الأجذاع في الحائط قد يكون بالملك تارة وبالإذن أخرى وبالحكم على ما نذكره تارة.
فلم يجز مع اختلاف أسبابه أن يكون مقصورًا على أحدهما في الاستدلال به على الملك.
فأما الجواب على استدلاله باتصال البنيان فهو أن ذلك مما لا يمكن حدوثه بعد كمال البنيان فجاز أن يدل على الملك لافتراقه به.
وليس كذلك الجذوع.
وبمثله يكون الجواب عن الأزج والقبة إن كان مما لا يمكن حدوث مثله بعد البنيان.
وأما الجواب عما استدلوا به من راكب الدابة وقائدها فقد اختلف فيه أصحابنا على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما في الدابة سواء تكون بينهما نصفين فعلى هذا يسقط الاستدلال به.
والثاني: أن الراكب أحق بها من الآخذ بلجامها.
والفرق بين ذلك وبين وضع الجذوع وتركيبها على الحائط من وجهين: أحدهما: أن الإجماع مانع من ركوب دابة الإنسان لا بإذنه، فجاز أن يكون ركوبها دليلاً على ملكه.
والخلاف منتشر في أن الإنسان أن يضع أجذاعه جبرًا في حائط غيره فلم يكن وضعها دليلاً على ملكه.
والثاني: أن الركوب لما كان تصرفًا لا يختلف حكمه بين وجوده في الملك وغير الملك جاز أن يكون دليلاً على الملك.
ولما كان وضع أجذاع الساباط الذي لا يتصل بالملك لا يدل على الملك لم يكن

الجزء: 5 - الصفحة: 423

وضع الأجذاع دالاً على الملك.
فإذا تقرر أن وضع الجذوع لا يدل على الملك فإنهما يتحالفان ويجعل بينهما وتقر الجذوع على ما كانت عليه لأنه يجوز أن يكون وضعها بحق وإن لم يملك الحائط.
فصل فأما إذا تنازعا حائطًا في عرصه هي لأحدهما فإنه يكون لصاحب العرصة لأن يده عليه.
وهكذا لو تنازعا علو حائط أسفله لأحدهما كان لصاحب السفل مع يمينه لما ذكرنا من ثبوت اليد.
ولكن لو تنازعا عرصة حائط هو لأحدهما ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها تكون لصاحب الحائط لأن تصرفه فيها أظهر.
والوجه الثاني: أنهما فيها سواء كوضع الجذوع.
وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا فيمن أقر لرجل بحائط هل يدخل قراره في إقراره.
أو باع حائطًا هل يدخل قراره في بيعه على وجهين.
فصل فأما قول الشافعي رضي الله عنه لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره.
فقد روي في القديم حديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ" قال أبو هريرة مَا لِي أَراكُمْ عَنْهَا مُعْرِضينَ.
وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمُ.
فكان يذهب في القديم إلى أن للجار أن يضع أجذاعه في جدار جاره جبرًا بأمره وغير أمره.
وبه قال مالك تعلقًا بهذا الحديث.
ثم رجع عنه في الجديد وقال ليس له أن يضع أجذاعه في جدار جاره إلا بأمره كما ليس له أن يتصرف في غير ذلك من الأملاك التي لجاره إلا بأمره.
ولأن الشريك في الملك أقوى من جار الملك وليس لأحد الشريكين أن ينفرد بالتصرف، فالجار أولى، وهذا قول أبي حنيفة.
فعلى هذا يكون حديث أبي هريرة محمولاً على أحد وجهين: أحدهما: أن يحمل على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم.
والثاني: أنه محمول على الجار ليس له منع صاحب الحائط من وضع أجذاعه في حائطه وإن كان مضرًا بالجار في منع ضوء أو إشراف ليكون موافقًا للأصول.
فإن قيل لم قال الشافعي في القديم لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره وهو في الجديد لا يقول هذا، قلنا فيه تأويلان:

الجزء: 5 - الصفحة: 424

أحدهما: بأمره يعني مجاهرًا وبغير أمره يعني ساترًا.
والثاني: بأمره يعني باختياره وبغير أمره يعني بإجبار من يرى ذلك من القضاة والحكام.
فإذا تقرر ما ذكرنا فإن قلنا بوجوب ذلك عليه على مذهبه في القديم لم يكن له منع جاره من وضع أجذاعه في جداره.
وكان للجار أن يضع في الجدار ما احتمله من الأجذاع ولو صالحه من وضع الأجذاع على عوض لم يجز لوجوب ذلك عليه ومن وجب عليه حق له يجز أن يعتاض عليه.
ولو انهدم الحائط لم يلزم مالكه أن يبنيه إلا باختياره.
فإن بناء كان للجار أن يعيد أجذاعه فيه.
ولو أراد الجار بناء الحائط عند امتناع صاحبه عن بنائه كان له ذلك ليصل بذلك إلى حقه من وضع أجذاعه فيه، وإذا قلنا بقوله في الجديد إن ذلك ليس بواجب وهو القول الصحيح.
فليس للجار أن يضع أجذاعه في الجدار إلا بإذن مالكه واختياره ويجوز للمالك أن يأذن له فيه بعوض وغير عوض، لان ما لا يملك عليه يجوز أن يعاوض عليه إذا كان معلومًا، فإن أذن فيه بغير عوض كانت عارية وجاز أن لا يشترط عدد الأجذاع ولا يعلم طولها ولا موضع تركيبها، لأن الجهل بمنافع العارية لا يمنع من صحتها.
ثم ليس له أن يرجع في العارية ما بقي الحائط لأن موضع الأجزاع يراد الاستدامة فكان إطلاقه الإذن محمولاً عليه.
كمن أعار أرضه لدفن ميت لم يكن له الرجوع في عاريته وإخراج الميت منها بعد دفنه ولكن لو إنهدم الحائط وأعاده مالكه فهل لصاحب الأجزاع أن يعيد وضعها فيه بالإذن المتقدم أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له ذلك لأنه صار مستحقًا على التأييد كما لو كان الأول باقيًا.
والثاني: وهو أصح ليس له ذلك إلا بإذن مستحدث.
لأن حكم العارية قد انقطع بانهدام الحائط، ولأنه إنما استحق تأييد ذلك لما فيه نزعها من الأضرار به وقد لحقه ذلك بانهدامه.
ولكن لو أعار أرضًا لدفن ميت فنبشه سبع أعيد دفنه فيها من غير إذن ستحدث وجهًا واحدًا.
ولو أكله السبع لم يجز أن يدفن غيره فيها إلا بإذن جديد لذهاب ما كان مستحقًا لمنفعة العارية.
ولو كان قد أذن له في وضع جذع في حائطه فانكسر الجذع كان له إعادة غيره.
والفرق بينه وبين الميت أن المنع من الرجوع في عارية القبر لحرمة الميت.
فإذا أكله السبع انقضت حرمته عن المكان.
والمنع من الرجوع في موضع الأجذاع لما يلحقه من الضرر بانهدام السقف وهذا موجود بعد انكسار الجذع، فأما إذا أخذ منه على وضع أجذاعه عوضًا فلا يصح إلا بعد معرفة عدد الأجذاع وطولها وامتلائها وموضعها من الحائط وقدر دخولها فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 425

لأن المعاوضة تحرس من الجهالة ثم اختلف أصحابنا فيه إذا انتفت الجهالة عنه هل يكون بيعًا أو إجارة، على وجهين: أحدهما: يكون بيعًا وهذا قول أبي حامد المروروزي.
فعلى هذا يصح على التأييد من غير اشتراط مدة فيه ومتى انهدم الحائط ثم بني أعيد وجهًا واحدًا.
بخلاف العارية التي لا يمنع من صحتها الجهالة بمدة منفعتها.
والثاني: وهو عندي أصح أن يكون إجارة ولا يكون بيعًا.
لأنه عقد على منفعة لا عين.
فعلى هذا لا يصح إلا باشتراط مدة معلومة تتقدر بها المنفعة ويؤخذ بقلع ذلك عند انقضائها.
وعلى الوجهين معًا أن قدر ذلك بمدة صح وكان إجارة، وهكذا لو صالحه على إجراء مسيل ماء في أرضه فلا بد من تعيين موضعه وتقدير طوله وعرضه ثم إن قدر بمدة صح وكانت إجارة وإن لم يقدره كان على وجهين: أحدهما: أن يكون بيعًا لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأييد.
والثاني: يكون باطلاً إذا قيل إنه يكون إجارة.
وأما إن صالحه على ما سقي ماشيته من عين أو بئر مدة معلومة لم يجز لأن قدر ما تشربه الماشية مجهول.
وهكذا الزرع ولكن لو صالحه على نصف العين أو ثلثها جاز وكان بيعًا لا يحتاج إلى تقدير المدة فيه لأنه عقد على عين.
ولو قدره بمدة خرج عن البيه إلى الإجارة فكان باطلاً لأن إجارة عين الماء منها لا يجوز.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَلَمْ أَجْعَلْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ كَوَّةً وَلاَ يَبْني عَلَيْهِ إِلاَّ بِإذْن صَاحِبِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الحائط بين شريكين لم يكن لأحدهما أن يقتح فيه كوة ولا يضع فيه جذعًا ولا يسمر فيه وتدًا إلا بإذن شريكه.
وجوز العراقيون لأحد الشريكين أن يفعل في الحائط ما لا يضر به من فتح كوة وإيتاد وتد اعتبارًا بالعرف المعتاد فيه بين الناس وهذا خطأ لأمرين: أحدهما: أن تفرد أحدهما بالتصرف في ذلك غير جائز.
والثاني: أنه هدم بعض الحائط فلم يجز كالباب.
فإن قيل فهلا كان كوضع الجذوع فيه فيكون على قولين: قيل: الفرق بينهما أن الحائط موضوع للحيلولة ووضع الأجذاع فيه لا يمنع من الحيلولة.
وفتح الكوة يمنع منها.
فلو آذن أحدهما لصاحبه في فتح كوة ثم أراد سدها لم يكن له ذلك إلا بإذن شريكه.
لأن زيادة بناء على حائطه.
والشريكان في الحائط لا يجوز

الجزء: 5 - الصفحة: 426

لأحدهما البناء عليه إلا بإذن شريكه فيه.
وكلما لم يكن للشريك أن يفعله فأولى أن لا يكون للجار أن يفعله.
فلو صالح جاره على فتح كوة في حائطه لم يجز لأنه صلح على الهواء والضوء ولو أن رجلاً فتح كوة في حائطه فأراد جاره أن يبني في وجهها حائطًا فيس ملكه يمنعه الضوء من الكوة جاز ولم يكن لصاحب الكوة أن يمنعه لأنه متصرف في ملكه.
فصل وإذا كان لرجل دار ظهرها إلى زقاق مرفوع فأراد أن يفتح من ظهر داره إلى الزقاق كوة أو ينصب شباك للضوء جاز ولم يمنع لأنه متصرف في ملكه.
ولو أراد فتح بابًا إليه فإن كان يريد فتحه للاستطراق فيه لم يجز لأنه لا حق له في استطراق الزقاق المرفوع.
وإن كان يريد فتحه لينصب عليه بابًا ولا يستطرقه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لو أراد هدم حائطه كله جاز فإذا أراد هدم بعضه فأولى بالجواز.
ولأنه لو أراد يحول بين داره والزقاق ببناء جار، فكذلك إذا أراد أن يحول بينهما بباب.
والثاني: لا يجوز لأنه يوهم بذلك عند تطاول الزمان أنه مستحق للاستطراق.
لأن الباب من شواهد استحقاقه وليس كذلك هدم بعض الحائط فيه.
فصل وإذا كان في الزقاق المرفوع داران لرجلين إحداهما في أوله والأخرى في آخره فأراد صاحب الدار الأولى تغيير بابه ونقله من موضعه إلى غيره.
فإذا أراد تقديمه إلى باب الزقاق كان له.
لأنه قد كان يستحق الاستطراق إلى غاية اقتصر على بعضها فصار تاركً لبعض حقه.
وإن أراد تأخير بابه إلى صدر الزقاق لم يكن له لأنه يصير متجاوزًا لحقه في الاستطراق.
وكان بعض أصحابنا يجوز له ذلك ويجعل عرصة الزقاق كلها مشتركة بينهما تخريجًا من عرصة السفل، إذا تنازعها صاحب العلو والسفل على ما سنذكره.
فأما صاحب الدار التي في صدر الزقاق إذا أراد تقديم بابه جاز إن لم يرد إدخال ما وراء ذلك إلى داره.
وإن أراد إدخال ما وراء الباب المستحدث إلى صدر الزقاق في داره فهو على اختلاف أصحابنا: هل عرصة الزقاق مشتركة بين الدارين أم لا؟.
فمن قال إنها مشتركة منع صاحب الصدر من إدخال ذلك في داره.
ومن قال إنها ليست مشتركه وإن ما يتجاوز باب الأول يختص بملك صاحب

الجزء: 5 - الصفحة: 427

الصدر جوز له ذلك.
وأما إن أراد صاحب الدار الأول أن يقر بابه في موضعه ويفتح دونه بابًا ثانيًا جاز ولم يمنع.
وقال أبو حنيفة: أمنعه من فتح باب ثان لأنه يستحق مدخلاً واحدًا فلم يجز أن يتعدى إلى مدخلين.
وهذا خطأ لأنه مستحق للاستطراق فيه فلا فرق بين أن يكون من مدخل أو مدخلين ولأن موضع الباب المستحدث لو أراد هدمه لغير باب جاز فكذا الباب.
فصل وإذا كان لرجل داران متلاصقان وباب كل واحد منها إلى زقاق مرفوع فأراد هدم الحائط الذي بين الدارين جاز.
ولو أراد فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى غير نافذ ليستطرقه لم يجز.
وهو قول أبي حنيفة ومالك لأمرين: أحدهما: أنه يصير مستطرقًا إلى كل واحدة من الدارين من الزقاق الذي لا حق لها في الاستطراق منه.
والثاني: أن الزقاق مرفوع فيجعله بفتح الباب مستطرقًا غير مرفوع.
والله أعلم بالصواب وخبرنا به الإمام أبو علي الحسين بن صالح بن خيران من أصحاب الشافعي رضي الله عنه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاآ إِنْ كَانَ عَرْضُهُ ذِرَاعًا أُعْطِيهِ شِبْرًا فِي طُولِ الجِدَارِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَ مِنْ عَرَصَةِ دَارِكَ أضوْ بَيْتِكَ شِبْرًا آخَرَ لِيَكُونَ لَكَ جِدَارٌ خَالِصٌ فَذَلِكَ لَكَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الحائط بين شريكين فطلب أحدهما القسمة وأراد إجبار شريكه عليها عند امتناعه منها لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون بناء لا عرصة له.
والثاني: أن يكون عرصة لا بناء فيها.
والثالث: أن يكون معًا.
فإن كان الحائط بناء لا عرصة له لم يجز أن يقسم جبرًا لأن البناء لا يعلم ما فيه ليساويا في الاقتسام به إلا بعد هدمه وفي هدمه ضرر فلم يدخله إجبار فإن اصطلحا عليه جاز.
وإن كان ذلك عرصة لأبناء فيها دخلها الإجبار في القسمة فإن دعا الطالب إلى قسمه عرصة الحائط طولاً أجيب إليها ومثاله أن يكون طول العرصة عشرة أذرع وعرضها ذراع

الجزء: 5 - الصفحة: 428

فيدعو إلى قسمة الطول ليكون خمسة أذرع من العشرة في عرض ذراع فهذا جائز لأن أي النصفين حصل له بالقرعة نفعه، فإن دعي إلى القسمة عرضًا ليكون له شبرًا من العرض في الطول كله ففي جواز الجبر عليها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجاب إليها ولا يجبر الممتنع عليها، لان قسمة الإجبار ما دخلتها القرعة.
ودخول القرعة في هذه القسمة مضر، لأنه قد يحصل لكل منهما بالقرعة ما يلي صاحبه، فلا ينتفع واحد منهما بشيء مما صار إليه، وعادت بالضرر عليه، والقسمة إذا عادت بضرر الشريكين لم يدخلها الإجبار.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: انه يجاب إليها، ويقسم عرض العرصة بينهما، ويدفع إلى كل منهما النصف الذي يليه بغير ذرعه، لأن القرعة تدخل في القسمة لتمييز ما اشتبه الانتفاع به والأنفع لكل واحد منهما أن يأخذ ما يليه، فلم يكن لدخول القرعة وجه قال الشافعي: ثم قلت له إن شئت أن تزيد من عرصة دارك أو بيتك شبرًا آخر ليكون لك، جدارًا خالصًا فذلك لك.
وهذا لم يقله مشوره كما عابه من جهل معنى كلامه، وإنما قاله ليبين أن كل واحد منهما قد ينتتفع بما صار له.
ثم ذكر وجه المنفعة، بأن يضم إلى العرصة شبرًا ليصير جدارًا كامًلا.
فصل فإن كان الحائط بناء وعرصة نظر في طالب القسمة، فإن دعي إليها عرضًا ليكون له شبر من عرض البناء، والعرصة من الطول كله، لم يجب إليها جبرًا، ولا يصح ذلك بينهما تراضيًا واختيارًا، وإنما كان كذلك لأن ما يصير إلى كل واحد منهما من نصف العرض مضر به ويصاحبه.
لأنه إن أراد هدمه لم يقدر عليه إلا بهدم ما لشريكه أو شيء منه وإن أراد وضع شيء عليه، وقع الثقل على ما لشريكه فأضربه.
فإن قيل: فهلا جاز لك بتراضيهما؟ قيل إن تراضيا بهدمه في الحال والاقتسام بآلته جاز.
وغن تراضيا بقسمته بناء قائمًا، وتحديدًا ما لكل واحد منهما متصلاً لم يجز وإن لما ذكرنا من دخول الضرر فيما بعد.
وغن كان الطالب يدعو إلى قسمته طولاً، ليكون لكل واحد منهما نصفه طولاً في العرض كله جازت بالتراضي.
وفي جواز الإجبار عليها وجهان: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي، لا يجاب إليها ولا يجبر الممتنع عليها لأنه قد لا يقدر على هدم النصف الذي صار له إلا بهدم شيء من نصف

الجزء: 5 - الصفحة: 429

صاحبه فصارت ضررًا عليهما.
والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة يجبره على هذه القسمة بالقرعة، لأن الضرر على كل واحد منهما في هدم حصته يسير فلم يمنع من القسمة.
ولأنه قد يمكن وله إزالة الضرر بقطع الحائط بينهما بالمنشار، فلا ينهدم من حصة الآخر شيء.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَلَوْ هَدَمَاهُ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لأَحَدِهِمَا ثُلْثُهُ للآخَرِ ثُلْثَاهُ عَلَى أَنْ يًحْمِلُ كُاّ وَاحِد مِنْهُمَا مَا شَاءَ عَلَيْهِ إِذَا بَنَاهُ فَالًّاحُ فَاسِدٌ وَإِنْ شَاآ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قُسَّمَتْ أَرْضُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا هدم الشريكان حائطًا بينهما، ثم اصطلحا عند بنائه بمالهما أن يكون لأحدهما ثلثه، للآخر ثلثاه، على أن يحمل كل واحد منهما عليه ما شاء من أجذاع وغيرها، فهذا صلح باطل لثلاثة معان: أحدهما: أنه بذل بصلحه على الثلث بعد ملكه النصف سدسًا بغير عوض.
وبذل الملك في الصلح إذا كان عبثًا بغير عوض لا يصح.
والثاني: أنه شرط فيه الانتقال لملك صاحبه من غير عوض وذلك لا يصح.
والثالث: أن اشترط لنفسه ارتفاقًا مجهولاً وذلك باطل، فإذا ثبت بطلان الصلح لما ذكرنا.
وكانا قد عملا به ووضعا فوق الحائط ما شاءا فالملك بينهما نصفان على ما كان من قبل، ثم لكل واحد منهما أن يأخذا صاحبه بقلع ما وضعه في الحائط من أجذاعه.
وسواء في ذلك من شرط الزيادة والنقصان، لأنه وإن كان مأذونًا فيه فهو عن عقد فاسد، ففسد ما تضمنه من الإذن.
ولأن الإذن يقتضي وضع ما يستأنفه، كما يقتضي وضع ما تقدمه ثم كان ممنوعًا من المستأنف، فكذلك من المتقدم ولا وجه، لأن يقر أجذاع من شرط الزيادة لنفسه لأن صاحبه قد شرط عليه ما لم يحصل له من وضع ما شاء من أجذاعه.
فصل قال الشافعي رحمه الله: فإن شاءا أو أحدهما، قسمت أرضه بينهما نصفين.
وقد اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام بحسب اختلافهم في كيفية قسمة العرصة جبرًا بين الشريكين.
فذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه محمول على إيقاعها جبرًا إذا طلب أحدهما قسمة العرصة طولاً لا عرضًا.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أنه محمول على إيقاعها جبرًا على الأمرين طولاً وعرضًا وقد مضى مشروحًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 430

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ السَّفْلُ فِي يَدَىْ رَجُلٍ وَالْعُلوُ فِي يَدَيْ آخَرَ فَتَدَاعَيَا سَقْفَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لأَنَّ سَقْفَ تَابعٌ لَهُ وَسَطْحُ الْعُلْوِ أَرْضٌ لَهُ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا كان بيت سفله لرجل وعلوه لأخر, فاختلفا في السقف الذي بينهما وتداعياه, فمذهب الشافعي رحمه الله أنهما يتحالفان ويكون بينهما نصفان.
وحكي عن مالك أنه يكون لصاحب العلو, لأنه لا يقدر على التصرف في العلو إلا به.
وحكي عن أبى حنيفة أنه يكون لصاحب السفل, لأنه موضوع على ملكه كالجدار المبنى في أرضه.
وكلا المذهبين غلط وكون السقف بينهما أصح.
لتساوى أيديهما عليه وتصرفهما فيه, فهو لصاحب السفل سقف ومرفق, ولصاحب العلو أرض ومقعد, ولأنه متصل بمالهما ومجاور لملكيهما فوجب أن يستويا فيه كالحائط إذا كان بين داريهما.
فإذا ثبت أن يكون بينهما, فلصاحب العلو أن يتصرف فيه كما كان يتصرف من قبل بالجلوس عليه, وإحراز المتاع المعتاد فيه من غير تجاوز ولا تعد.
كالحائط إذا تخلفا فيه وكانت عليه جذوع لأحدهما جعل بينهما وأقرت الأجذاع عل حالها.
وأما صاحب السفل فارتفاقه به أن يكون مستظلًا به , من غير أن يتجاوز ذلك إلى تعليق شيء عليه, لأن السقف لم يوضع غالبًا إلا للاستظلال.
ولا وجهة لما أجازه بعض أصحابنا من تعليق زنبيل عليه.
ووضع خطاف فيه.
لأن إيتاد الوتد في الحائط المشترك أسبل وهو ممنوع منه, كما ذكرنا في السقف أولى أن يكون ممنوعاً منه.
فصل ولو تنازعا في حائط السفل, فهو لصاحب السفل إلى منتهى وضع الأجذاع مع يمينه, لأنه في يده وتحت تصرفه.
ولو تنازعا في حائط العلو, فهو لصاحب العلو مما فوق أجذع السقف, لأنه في يدي صاحب العلو وتحت تصرفه.
وما كان من الحائط بين السفل والعلو في خلال أجذاع السقف فهو بينهما, لأنه تبع للسقف المشترك بينهما.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن سقط لم يجبر صاحب السفل على بنائه".

الجزء: 5 - الصفحة: 431

قال الماوردي: وهذا صحيح.
إذا أنهدم البيت الذي سفله لرجل وعلوه لآخر, فإنه لا يخلو حالهما من أربعة أحوال: أحدهما: أن يتفقا على تركه مهدومًا فلا اعتراض عليهما فيه.
والثاني: أن يتفقا على بنائه فذلك لهما, ويختص صاحب السفل ببناء السفل إلى انتهاء وضع الأجذاع.
وصاحب العلو ببناء العلو إلى حيث كان من غير أن يزيد عليه, ولا لصاحب السفل أن يأخذه بالنقصان عنه.
فلو اختلفا مع اتفاقهما أن ارتفاع السفل والعلو عشرون ذراعًا, فقال صاحب السفل, السفل خمسة عشر ذراعًا, وارتفاع العلو خمسة أذرع, وقال صاحب العلو بل ارتفاع السفل خمسة أذرع وارتفاع العلو خمسة عشر ذراعًا.
فقد اختلفا على أن لصاحب السفل خمسة أذرع لا نزاع فيها ولصاحب العلو خمسة أذرع لا نزاع فيها, واختلفا في عشرة أذرع ادعاها كل واحد منهما أيمانهما معاً عليها, فوجب أن يتحالفا عليها ويجعل العشرة المختلف عليها بعد أيمانهما معًا بينهما نصفان.
فيصير لصاحب السفل عشرة أذرع, ولصاحب العلو عشرة أذرع.
ثم يشتركان في بناء السفل, بعد أن يختص كل واحد منهما ببناء حقه, إلا أن يكون السقف لأحدهما, فيختص الذي هو له ببنائه دون غيره.
والحال الثالثة: أن يمتنع صاحب العلو من البناء, ويدعو صاحب السفل إليه, فله أن يختص ببناء سفله, وليس له مطالبة صاحب العلو ببناء علوه, لأنه لا يحق له بنائه, ويقدر على الانتفاع بحقه إلا أن يكون السقف بينهما, فيكون على ما نذكره من القولين في إجبار الشريكين على المباناة.
والحال الرابعة: وهى مسألة الكتاب: أن يمتنع صاحب السفل من بنائه ويدع صاحب العلو إليه ليبنى العلو عليه ففي إجباره قولان: وهكذا الشريكان في حائط قد أنهدم, إذا دعي أحدهما إلى البناء وامتنع الآخر.
هل يجبر الممتنع منهما على البناء أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال مالك: أنه يجبر الممتنع على البناء ليصل الآخر إلى حقه.
لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرار من ضارّ أضرّ الله به ومن شاق شقّ الله عليه".
فلما نفي لحقوق الإضرار دل على وجوب الإجبار.
ولما روي: أن الضحاك بن خليفة أنبع ماء بالعرض وأراد أن يجريه إلى أرضه فلم يصل إليه إلا بعد إمراره على أرض محمد بن سلمة فامتنع محمد من ذلك وتخاصما إلى عمر رضي الله عنه, فقال عمر لمحمد بن سلمة ليمرنَّ به أو أمِرَّه على بطنك.
وروي أنه: "قضي على بعض الأنصار, بمثل ذلك لعبد الرحمن بن عوف".

الجزء: 5 - الصفحة: 432

سقط البيت لم يجبر صاحب السفل على البناء وإنما أوجب على صاحب السفل بناء السفل هاهنا لوقوع الشرط على ذلك في الهدم.
وإذا هدمه لغير علة فهو متعٍد بهدمه فلزمه الإعادة, فإن قيل: هذا الشرط وعد من جنبه فلا يلزمه الوفاء به, قلنا: هذا الشرط التزامٌ لأنه لم يستحق هدمه وإنما هدمه لغرض له والتزام إعادته فلزمه, فإن قيل: فقد ضمنتموه الحائط بمثله وهذا لا يجوز, قلنا: ليس هذا بضمان متلف لأن المتلف له والبدل له وإنما لغيره حق الحمل عليه فلزمه أن يقيم مثله مقامه لما ذكرنا.
وقال أبو حامد رحمه القياس أن لا يلزمه إعادته لأن الحائط لا يضمن بالمثل, ولكن نص الشافعي على ما ذكرنا.
وقال القاضي أبو على البندنيجى: فيه طريقان أحدهما: يلزمه إعادته قولًا واحداً, والثاني: فيه قولان والأصح ما ذكرنا وهو القياس على ما شرحنا والله أعلم.
ثم أن المزني قال: قال الشافعي في كتاب الدعوة: والبيان على كتاب أبى حنيفة فإذا أفاد صاحب السفل مالًا أخذ منه قيمة ما أنفقه في السفل, قال الأول أولى بقوله لأن الباني متطوع فليس له أخذه من غيره إلا بأن يراضيه عليه واختلف أصحابنا في هذا, فقال أبو إسحاق رحمه الله: أجاب الشافعي ف كتاب الدعوى على قوله القديم: فأما على قوله الجديد فلا رجوع له.
ومن أصحابنا من قال: هذا يخرَّج على قوله الجديد وهو إذا كان صاحب السفل معسرًا لا يقدر على البناء فجعل الحاكم لصاحب العلو أن يبنى ويرجع بالنفقة عليه, وقضى له هنا وكان معتقجًا لمذهب الشافعي في القديم, فإذا قضى به الحاكم له الرجوع به فلا يصح اعتراض المزني.
ثم قال الشافعي: ليس له منع صاحب السفل من سكناه ونقض الجدران له قوئ نُقْضُ وقوئ نقض بفتح النون وضمها, فمن قرأ بالفتح أراد له نقضها إذا خيف أن يسقط.
أو أراد له نقضها إذا بناه من ماله متطوعًا حتى يصير قضاء كما كان.
ومن قرأ بالرفع أراد أن الطوب والخشب له إذا أنهدم أو هدمه عمدًا إذا بناه من خاص ماله.
وقيل: أراد ما حصل من الجدار الأول المنهدم لصاحب السفل ولا يصير لصاحب العلو بسببه بني السفل وهذا بعيد عندي.
[1/ب] مسألة: قال: "وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلَةٌ أَوْ سَجَرَةٌ فاستعلت وانْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا".
الفصل وهذا كما قال: إذا كان في ملك رجل شجرة أو نخلة فاستعلت ودخلت أغصانها في دار جاره, كان للجار إزالته عن داره وعن هواء الحائط المشترك بينهما.
وكذلك أن دخلت في بستان جاره, وهذا لأن هواء الجار حق الجار كفنائه.
وهكذا لو شرعت عروق هذه الشجرة في قرار أرضه يلزمه إزالتها كالأغصان في الهواء سواء, فإن كانت

الجزء: 5 - الصفحة: 433

الأغصان رطبة لينة عطفها إلى داره.
وإن كانت يابسة لا يمكنه عطفها أو كانت رطبة قوية لا يقدر أن يلويها قطعها, وقال أصحابنا: للجار أن يقطعها بنفسه إذا لم يقطعها صاحب الشجرة, ولا يلزمه أن يمضى إلى الحاكم ليطالبه بذلك كما لو دخل رجل داره له إخراجه من داره ومقاتلته عليه, وإن أدى إلى قتله ولا يحتاج إلى الحاكم, وكذلك إذا دخلت بهيمة دار رجل له إخراجها من ملكه من غير حاكم.
وقال بعض العراقيين: يضمن ذلك إذا قطع بغير حاكم وهو غلط لما ذكرنا, وإن كانت الأغصان رطبة خفيفة يمكنه أن يثنيها إلى الشجرة ويشد معها فقطعاه بثمن ما نقص من قيمة الشجرة لأنه كان يمكنه إزالتها من غير قطع.
وحكي أن رجلًا سأل أبا حنيفة عن هذه المسألة فقال: سجر تنوراً في ملكه تحتها فأكنه علمه الحيلة لتحترق الأغصان أو تصير يابسة ولم يجوز القطع.
قال الإصطخري: كذلك إذا مال حائط إلى دار الغير فلصاحب الدار مطالبته بإصلاح الحائط لأنه شغل هواء داره فجرى مجرى الأغصان.
وإن تشبعت ولم يمل يكن له مطالبته بإصلاحه.
وإن اصطلحا على أن يقر أغصانها في داره بعوض نظر, فإن كان غير معتد على حائط الجار لا يجوز لأنه عقد على الهواء المجرد.
وإن كان معتمدًا على حائطه وخارجًا إلى هواء داره نظر, فإن كان رطبًا يزيد لم يجز لأنه غير معلوم, وإن كان جافًا يجوز لأنه معلوم والهواء تابع للحائط وهو كجذع يضعه عل جداره في موضع معلوم ومال معلوم هكذا ذكر جماعة أصحابنا.
وقال في "الحاوي": إذا كانت [2/أ] رطبة فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا, والثاني: يجوز وما يحدث من الزيادة يصير تابعًا لا يبطل العقد جهالته كجهالة المرافق في بيع الدار وهكذا قول أكثر البصريين, ثم هل يكون حكمه حكم البيع أو الإجازة؟ قد ذكرنا من قبل.
فرع لو أن عرق شجرة رجل أخرج شجرة في ملك الغير فهي لصاحب الشجرة الأصلية كالزرع لصاحب البذر.
وقال أبو حنيفة: هي ملك صاحب الأرض التي خرجت فيها, حكاه بعض أصحابنا بخراسان عنه.
وهذا غلط لأن الأصل له فالفرع له.
فرع آخر قال القاضي أبو حامد رحمه الله: سئل أبو إسحاق المروزى عن شجرة الأترج إذا انتشر غصنها إلى ملك رجل ودخل رأس الغصن في برنية له وانعقدت فيه أترجة فكبرت ولم يمكن إخراجها إلا بقطع الغصن والأترجة أو كسر البرنية, فقال: الواجب قطع الغصن والأترجة لتسلم البرنية لأن الغص لما شرع في ملك غيره كان مأخوذًا بإزالته, فلما لم يزله صال متعدياً به فوجب أن يلتزم حكم تعديه, ويكون القطع المتقدم واجبًا عليه, وليس من صاحب البرنية تعدٍ في وضعها في ملكه.
فقيل لأبى حامد: ما تقول

الجزء: 5 - الصفحة: 434

في البرنية إذا كانت وديعة في بيت رجل فوضعت في سطحه حتى وقعت فيها أترجة من غصن جاره؟ فقال: يقطع الأترجة لتسلم البرنية لأن قطع الغصن كان مستحقًا من قبل وذلك أسبق من وضع البرنية, فقيل له: فما تقول اذ كانت الشجرة في داره والبرنية وديعة عنده فقال: يقطع الغصن أيضا لتسلم البرنية لأنه متعدٍ بوضع البرنية بحيث يدخل غصن الشجرة فيها.
فقيل له: فما تقول في حيوان بلع لؤلؤة؟ فقال: لا لمر بذبحه وأتركهم حتى يصطلحوا عليه لأن للحيوان حرمة, ولهذا لو غصب خيطًا به جرح حيوان لم يكلف النزع.
فرع آخر لو كان سطح أحد الجارين أعلى من سطح الآخر لم يجبر أحدهما على بناء سترة.
وقال أحمد رحمه الله: يجبر الأعلى عليه واحتج بأنه إذا صعد الأعلى على سطحه أشرف على الأسفل ويستضر به الأسفل فيزال ضرره.
وهذا غلط, لأن هذا [2/ب] حاجز بينهما بين ملكيهما فلا يجبر أحدهما عليه كالحائط في الأسفل.
وأما ما ذكره لا مسألة: قال: "وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ بدنانير".
الفصل وهذا كما قال: لو صالح رجل رجلًا من دنانير على دراهم, أو من دراهم على دنانير أو من دنانير عل دنانير مختلفة السبكة متماثلة العدد والجوهر, أو من دراهم على دراهم يجوز الصلح كما يجوز بيع بعضها ببعض, ثم يعتبر فيه التقايض قبل التفرق به في البيع, ولو قبض بعضاً دون بعض وافترقا بطل الصلح فيما لم يقبض, وهل يبطل فيما قبض؟ طريقان أحدهما: قولان.
والثاني: قول واحد يبطل لأن الفسخ طارئ, وقد ذكرنا هذا في البيع وأجاب هاهنا على قول جواز تفريق الصفقة فصحح العقد في المقبوض دون غير المقبوض.
ثم قال: المصالح القابض بالخيار إن شاء أجاز الصلح, وإن شاء أبطله.
فإن قال قائل: لِمَ خصص الشافعي المصالح القابض بالخيار دون صاحبه وهما في الصلح متعاقدان والمتصالحان؟ قلنا: إنما جعل الخيار في جانب القابض لأن حقه كان دينًا في ذمة صاحبه ورضي عن ذلك الدين بما يأخذه من العين فكانت معاني البيع في جنبة من يأخذ الدين بالعين أو العين بالدين أظهر من الجنبة الثانية وهى جبيه من يبرئ ذمته عن الدين ببذل لأنه مشترى ذمته على الحقيقة وصاحبه مشترى العين والخيار في جنبه المشترى أثبت وأظهر من الخيار في جنبة البائع, ولذلك أثبتنا الخيار للمشترى للعين الغائبة, ولم نثبت على المذهب الصحيح لبائع العين الغائبة.
وكذلك لو اشترى شيئًا على توهم السلامة بثمن كثير ثم بان عيبه فله الخيار, ولو باع بثمن قليل على توهم العيب ثم بان للبائع سلامته لم يكن له الخيار فجاء من هذا أن الذي كان الدين في ذمته لا خيار له.

الجزء: 5 - الصفحة: 435

وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا حصل التفرق من صاحبه فإن حصل منه لا خيار له, وهذا إشارة إلى أنه رضي بتفريق الصفقة حين فارقه هو, وهذا لا يصح عندي لأن هذا الخيار يثبت, لأنه دخل في العقد على أن يسلم له جميع المسمى بجميع المسمى فإذا [3/أ] لم يسلم ذلك وبطل العقد في بعضه ثبت له الخيار في الفسخ, ومثل هذا الخيار لا يبطل بمفارقته المجلس.
مسألة: قال "وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الوُرَثَةِ فِي أَيْدِيْهِمْ بِحَقٍ لِرَجُلٍ".
الفصل وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة فقال بعضهم: صورتها أن تكون داراً في أيدي ثلاثة إخوة ورثوها عن أبيهم, فجاء رجل فادعى أن له على أبيهم دينًا وأن هذه الدار رهن عنده به فصدقه أحدهم وأنكره الآخران فصالحه المقر من الدين على بعضه وقضاه من ماله كان الصلح صحيحا بإذن الباقين، أو غير إذنهم ويكون هذا الصلح فرعًا للأبناء، لأنه أخذ بعض دينه وأبرأه من الباقي، ولا يرجع هذا المقر على إخوته بشيء مما دفع إلى المدعي من ماله، لأنه متطوع به، وإنما قلنا صورة المسألة هذا لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: إذا أقر أحد الورثة في دار في أيديهم بحق لرجل ولم يقل بدار، والظاهر من الرهن الحق الرهن دون الملك.
ولأنا لو قلنا: إن المدعي إذا ادعى فيها سهمًا فأقر به أحد الإخوة وصالحه منه على مال أعطاه لكان ذلك مكرراً لأن الشافعي قال في أول كتاب الصلح: ولو صالح عنه رجل يقر عنه بشيء جاز الصلح، وليس للذي أعطي عنه أن يرجع عليه لأنه متطوع به.
ومن أصحابنا من قال: صورتها أنه ادعى سهمًا من هذه الدار فأقر له أحدهم وأنكره الآخران فصالحه.
المقر على مال بذله صح الصلح, وعلى هذا أكثر أصحابنا، قال القاضي الطبري: وهذا هو الصحيح، لأن الشافعي ذكرها في الأم مشروحة، فقال: ولو كانت دار بين ورثة فادعى رجل فيها دعوى فأقر له أحدهم ثم صالحه على شيء بعينه أو دراهم مضمونة فالصلح جائز والوارث المصالح متطوع لا يرجع على أخويه بشيء مما أدى عنهم بغير أمرهم، ولو صالحه على أن حقه له دون أخويه فإنما اشترى منه حقه دون أخويه، فدل هذا على أن صورة المسألة أنه ادعى سهماً في الدار، وقوله: بحق في دار أي: بسهم في دار، ويدل هذا على خطأ من قال من أصحابنا: أن صلح الأجنبي عن المنكر لا يصح إلا بأن يقول إني وكيله، وقد بينا ذلك فيما مضى.
فإذا تقرر أن صورة المسألة هذه فإن [(3) / ب] صالحه على مال بدله فالحكم ما ذكرنا، أنه لا يرجع بما بدله على أحد لأنه متطوع به.
وإن صالحه على أن يكون نصيبه له دون أخويه، فإن الخصومة تكون بينه وبين أخويه، فإن أقرا له بذلك أو استحقه بإقامة البينة عليهما ثم صالحهما بشيء أخذه منهما كان الصلح جائزاً, وكان للأخ الثالث أن يأخذ نصيبهما بالشفعة.
وإن لم يقرا له ولم يقم له بينة كان لهما ثلثا الدار، وهل لهما أخذ الثلث

الجزء: 5 - الصفحة: 436

الذي ملكه أخوهما بالصلح نظر فيه، فإن كان كل واحد منهما ادعى ثلث الدار فإن لهما أن يأخذا نصيب الأخ الذي ملكه بالشفعة، وإن كانا قالا: إن هذه الدار لنا عينًا ورثناها عن أبينا فإنهما مقران بأن صلح الأخ باطل، فلا شفعة لهما عليه.
ومن أصحابنا من قال: لهما الشفعة لأن الصلح قد صح في الحكم، فإن الأخ قد أقر للمدعي بالثلث وصار الملك له ويجوز أن يكون انتقل إليه نصيب المقر من غير أن يعلم الإخوة.
فإذا صالحه منه على شيء أخذه كان بيعًا صحيحًا فوجب أن تثبت به الشفعة، وهذا أصح وهو المنصوص في الأم، وقال فيه أيضًا: وإن كانوا ملكوا الدار بجهات مختلفة فصالحه المقر من حقه على مال ثم أراد المنكران الأخذ بالشفعة لهما ذلك، لجواز أن يكون المنكر كاذبًا في إنكاره، والمقر صادق في إقراره، وصلحه عليه صحيح.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة هذه الثانية ولكن حين عقد هذا المقر الصلح قال: إخوتي مقرون بذلك، وقد وكلوني بالصلح فصدقه ثم الحكم ما ذكرنا إذا صدقوه في الوكالة، أو كذبوه وقد مضى ذلك فلا نعيده.
مسألة: قال "وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بَيْتَاً فِي يَدَيْهِ فَاصْطَلَحَأ بَعْدَ الإِقْرَارِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ لأَحَدِهِمَا سَطْحُهُ" الفصل وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، قال صاحب الإفصاح: صورتها أن يدعي رجل على رجل بيتًا في يده فيقر له بسفله دون علوه ثم يصالحه من السفل على العلو, على أن يكون له أن يبني عليه بناء معلوماً فيكون الصلح جائزا، ويكون ذلك فرعا للبيع لأنه بيع [(4) /أ] السفل بالعلو.
ومن أصحابنا من قال: صورتها أن يقر له بجميع البيت ثم يصالحه على أن يكون له العلو وللمقر له السفل، ويكون له أن يبني عليه بناء معلوما فالصلح صحيح ويكون ذلك فرعا للهبة في العلو، وللعارية في حيطان السفل التي يريد أن يبني عليها.
ومن أصحابنا من قال: صورتها أنهما تنازعا البيت ثم تقارا على أن السفل لأحدهما والعلو للأخر لا على سبيل الصلح، ولكن على سبيل الاعتراف من كل واحد منهما، لأن الشافعي بين ذلك في الأم فقال: فإن تقارا جعلت بينهما وجعلت لهذا علوه ولهذا سفله، فال أنه حصل لكل واحل ما جعل له بإقرار صاحبه.
وقال ابن سريج: الأشبه بكلام الشافعي الصورة الثانية، فإن قال قائل: كيف يقال هذا؟ وإذا أقر صاحبه اليد للمدعي أن البيت يملكه كيف يتصور المصالحة بينهما بالبناء على السطح والسفل والعلو كلاهما للمدعي؟ قيل: أراد بالصلح العارية وقل مضى بيان هذا، وهذا كما لو أقر له بدابة ثم صالحه على أن يركبها المقر صح ولا يلزم، وقصد الشافعي به الفرق بين هذا وبين الملح على سكنى الدار، لأن في مسألة الركوب عارية لا تلزم بحال، وهاهنا إذا بني لا يمكنه الأمر بالقلع إلا أن يغرم له نقص القلع.
قال المزني: لا يجوز الأقيس على قوله، وهو قول أهل العراق إذ لا يجوز أن

الجزء: 5 - الصفحة: 437

يأخذ مالاً بدلا عما يبذله من هواء سطحه, كما لا يجوز أن يأخذ مالا على جناح يشرعه جاره في هواء داره.
قلنا: لو أخذها لما على إشراع الجناح في هواء الدار على أن تكون خشبة الجناح موضوعة على ملك قابض المال, كانت المصالحة صحيحة وهذه صورة مسألة الكتاب، فأما ما ذكرت من الصلح الفاسد في إشراع الجناح فصورته أن لا تعتمد خشبة الجناح على جدار القابض للمال، فهي معاملة على الهواء المنفرد فلا يصح مثل ذلك على هواء صحن الدار وهذا لأنه لا يجوز إفراد الهوا، بالبيع ويجوز إفراد القرار بالبيع.
مسألة: قال: وَلَوْ اشْتَرَى عُلوَ بَيْتٍ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جُدْرَانِهِ وَيَسْكُنَ عَلَى سَطْحِهِ أَجَزْتُ ذَلِكَ.
الفصل وهذا كما قال: يجوز شراء العلو [(4) /ب] بشرط أن يبني عليه بناء معلوماً, فأما بناء مطلق غير معلوم فلا يجوز, ويخالف إجارة الأرض بشرط أن يبني عليها ما أراد من الأثقال لأن الأرض حمالة لجميع ما يبنى عليها وليس كذلك الحيطان, فإنه لا يحمل عليها إلا مقدارًا معلومًا فلا يجوز بشرط البناء المطلق.
ولا يضر أن يصف كل جدار يكون سمكه وغلظه وطوله, ويكون رصفا أو مطبقًا, ويصف السقف كذلك.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز بانفراده لأن العلو تبع يجري مجرى المرافق التي لا يجوز إفرادها بالعقد، وهذا غلط، لأن العلو عين مملوكة يجوز الانتفاع بها كالسفل فجاز بيعها.
وقال في الحاوي: إن شرطا أن يبنى ما شاء لا يجوز للجهالة وإن أطلقا البناء فيه وجهان, أحدهما: يجوز ويبنى ما احتمله لأنه يعرفه أهل الخبرة، والثاني: لا يجوز وهو الأصح لأن العادات فيه مختلفة وهذا غريب.
وقال فيه: ولو تبايعا مطلقا من غير شرط البناء هل للمشتري أن يبني؟ فيه وجهان, أحدهما: له ما يحتمله لأنه من منافع ملكه، والثاني: ليس له ذلك لما فيه من الإضرار بالسفل، ومنفعته تكون مقصورة على السكنى والارتفاق بما تضمنه العقد من غير إحداث زيادة.
ولو باعه بشرط أن لا يبني فالبيع جائز وهذا الشرط لم يتضمن حجرا فيما ملكه بالعقد، بل تضمن أنه ليس له إحداث ما ليس على ملكه في الحال بخلاف ما لو باعه أرضا على أن لا يبني عليها لا يجوز لأنه لم يبق للبائع فيها حق ولا يدخله ضرر بالبناء، وهاهنا العلو متصل بملك البائع, وفي البناء إضرار به فصار الشرط فيه متعلقا بحقه فافترقا.
فإن قال قائل: هذه المسألة والتي قبلها سواء في الحكم، فأي فائدة في الإعادة على نسق واحد.
قلنا: يحتمل أن الشافعي أراد أن يبين التسوية بين لفظة المصالحة ولفظة الشراء في هذه المسألةء فأكرها مرة بلفظ الصلح ثم أعادها بلفظ الشراء في غير تلك الصورة.
أو نقول المسألة الأولى مصورة في العارية عند بعض أصحابنا, وهذه الثانية مصورة في الشراء فتكونان متباينتين من غير تكرار.
قال المزني: هذا غير منعه في [(5) /أ] كتاب

الجزء: 5 - الصفحة: 438

أدب القاضي: أن يقتسما داراً على أن يكون لأحدهما السفل وللآخر العلو حتى يكون السفل وعلوه لواحد، معناه أنه لم يجوز في كتاب أدب القاضي أن يجعل السفل لأحد الوارثين والعلو للآخر في قسمة التركة, وجوزها هنا شراء سقف البيت فيكون السفل لشخص والعلو لآخر، واختار أنه لا يجوز ذلك هاهنا أيضًا, قلنا: الممنوع في كتاب أدب القاضي ممنوع هاهنا، وهو أن يجعل القسام لأحدهما الفل وللآخر العلو على جهة الإجبار، والجائز في هذا الموضع جائز في كتاب أدب القاضي، وهو أن يكون لك على جهة التراضي، والعجب من المزني حيث يسوي بين حالة الإجبار وحالة التراضي، ألا ترى أنه إذا كانت بينهما داران أو دار وضيعة, فأراد أحدهما أن يقتسما على أن يقتسما على أن يكون لأحدهما الدارين وللآخر الأخرى أو يكون لأحدهما الدار وللآخر الضيعة لم يجبر الآخر عليه, ولو تراضيا جاز كذلك هاهنا.
مسألة: قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَنَازِلُ السَّفْلِ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالعُلْوِ فِي يَدَيْ الآخَرِ فَتَدَاعَيَا العَرَصَةَ" الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يكون خانا بيوته التي في السفل لرجل وبيوته التي في العلو لآخر فتداعيا صحن الخان نظر فيه, فإن كانت الدرجة التي يصعد عليها إلى العلو في صدر الخان كان الصحن بينهما لأن يد كل واحد منهما ثابتة عليه.
وان كانت الدرجة مع الباب ففي صحن الدار وجهان, أحدهما: يكون بينهما نصفين وعلى هذا يدل ظاهر كلام الشافعي لأنه من مرافق الخان, والخان بينهما فكذلك الصحن.
والثاني: يكون لصاحب السفل لأن صاحب العلو لا حق له فيه بوجه، لأنه لا يستطرقه إلى شيء من ملكه فوجب أن يكون صاحب السفل أولى.
وان كانت الدرجة في الدهليز أو في وسط الخان كان الصحن إلى موضع الدرجة بينهما وما من الأعلى مما لا حق له في استطراقه، ولا حائل دونه فيه وجهان, أحدهما: لصاحب السفل لتفرده باليد، والثاني: أنه بينهما لاتصاله بما هذا حكمه.
وكل موضع قلنا: أنه بينهما [5/ب] فإنهما يتحالفان على ما بيناه في الجدار يكون بين الدارين.
وقيل هما كالوجهي اللذين ذكرناهما في زقاق ............ فلمن هو أسفل منه أن يمنعه وفيمن فوقه وجهان.
وهكذا لو أراد أهل أسفل السكة أن يقتسموا فناثهم ويزيد كل واحد منهم حصته في داره، هل لمن فوقهم منعهم من ذلك؟ وجهان.
وعلى هذا لو كان الدرب الذي لا ينفذ في صدره باب أحدهما وفي أوله باب الآخر فتنازعا بقية الدرب إلى ماره فيه وجهان، ومن أقله إلى صدره بينهما.
مسألة: قال: "وَلَوْ كَانَ فِيْهَا دَرَجٌ إِلَى عُلُوهَا فَهْوَ لِصَاحِبِ العُلُو".
الفصل وهذا كما قال: إذا تداعيا الدرجة فإنها في يد صاحب العلو لأنها تبنى للممر إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 439

العلو والقول قوله مع يمينه، وعلى صاحب الفل البينة، ولا فرق بين أن تكون معقودة بالجص والأجر، وبين أن تكون سلما من خشب أو سياج.
وقال في الأم: فإن كان الناس يتخذون الدرج للمرفق ويجعلون ظهورها مدرجة لطريق من الطرق جعلت الدرج بين صاحب السفل والعلو لأن فيها منفعتين، إحداهما: بيد صاحب السفل، والأخرى: بيد صاحب العلو.
قال أصحابنا: أراد به إذا كانت الدرجة على أزج تحت بيته وعلى الأزج ممر، كان بينهما لأنه سماء لصاحب الفل وممر لصاحب العلو وهو مثل زقاق الصفارين في بلدة مرو، ويكون زقاقاً لأصحاب السفل ممر لصاحب العلو.
ومن أصحابنا من قال: إن كان ما تحتها مرفقا كاملا لبيت أو خزانة يصلح للسكنى وإحراز القماش فالدرجة بينهما كالسيف لأن لكل واحد منهما تصرفاً فيها وعليها يداً، وان كان المرفق ناقصاً مثل أن يكون تحتها زق أو موضع حيث أو نحو ذلك فيه وجهان، أحدهما: أنها بينهما لارتفاقها بها، وبه قال ابن أبي هريرة وأبو إسحاق.
والثاني: لصاحب العلو لأن تصرفه فيها أكمل ويده عليها أقوى، وبه قال أبو حامد وهو الأصح.
وقال القاضي الطبري: إذا كان مرفقا كاملا فيه وجهان أيضا، لأن الدرجة لا تبنى لما تحتها في العادة وإنما يقصا منها الارتقاء فتكون [6/أ] لصاحب العلو في أحد الوجهين.
مسألة: قال: "وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ زَرْعَاً فِي أَرْضٍ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ على دراهم فَجَائِزٌ" الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن تكون في يد رجل أرض فيها زرع أخضر فادعاه رجل فأقر له به ثم قال له: صالحني على عوض أعطيك إياه ينظر في المقر، فإن لم تكن الأرض له وصالحه منه على شرط القطع جاز, لأن بيع الفصيل بشرط القطع جائز.
وان صالحه من غير شرط القطع لا يجوز لأن بيعه على هذا الوجه لا يجوز.
وان كانت الأرض للمقر فصالحه على شرط القطع جاز, وهل يجوز من غير شرط القطع؟ وجهانء كما لو باع الزرع من صاحب الأرض هل يلزم شرط القطع؟ وجهان، وكذلك لو باع الثمرة قبل بدو ملاحها من صاحب النخلة مطلقًا من غير شرط القطع وجهان, أحدهما: يجوز لأنه يصير تبعًا للأرض, والثاني: لا يجوز لأن عقد الصلح انفرد في الزرع فلا يجوز أن يجعل تبعا لما لم يدخل فيه من الأرض.
فإذا قلنا: لا يجوز إلا بشرط القطع فشرط لا يلزمه الوفاء بالشرط لأن القطع لتفريغ الأرض والأرض له.
فإن قيل: هلا قلتم يجبر على قطعه لأن له غرضا في ذلك، وهو أنه ربما تصيبه الجائحة فيرفع إلى حاكم يرى وضع الجائحة فيضمنه، قلنا: إنما توضع الجائحة إذا لم يشترط القطع عليه، فأما مع شرط القطع فلا يضمن الجائحة بحال، لأنه ينسب إلى التفريط بترك القطع.
وان كان الزرع أخرج السنابل فانعقد فيها الحب هل يجوز

الجزء: 5 - الصفحة: 440

الصلح؟ قولان كما قلنا في البيع.
مسألة: قال ((وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ)).
الفصل وهذا كما قال: إذا كان الزرع بين رجلين فادّعى عليهما رجل أن الزرع له فأقر أحدهما وأنكر الآخر فصالح المقر عن نصيبه على دراهم فإن قلنا: لابد من شرط القطع وهو الصحيح لم يجز الصحيح الصلح لأن القطع لا يمكن في نصيبه حتى يقطع الجميع وهذا فلا سبيل إليه.
وإذا قلنا: يجوز من غير شرط القطع فالصلح صحيح، وهذا إذا كان المقر صاحب الأرض فلما إذا أصلح رفع الأجنبي لا يجوز لأنه [6/ب] لابد من شرط القطع فيه ولا سبيل إلى قطع نصيبه ولا يجوز قطع الجميع فبطل الصلح.
فإن قيل: يقاسمه ويقطعه قلنا: لا يجوز قسمة الزرع عندنا وإنما هو مذهب ابن أبي هريرة.
فرع لو كان لرجل أرض فيها زرع، فادَّعى رجل أن زرعها له فأقر له بنصفه ثم صالحه من هذا النصف على نصف الأرض على أن يفرغ له هذا النصف ويقطع النصف الذي اشتراه كان جائزاً، لأن نصف الزرع وجب قطعه بالشرط في البيع ونصفه بالشرط في الشراء ذكره صاحب الإفصاح، ولو لم يقل على أن يفرغ له هذا النصف لا يجوز.
وإن صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلم إليه الأرض فارغة صح كما لو اشترى أرضاً فيها زرع وشرط تفريغ الأرض جاز.
فرع آخر لو أقر له بجميع الزرع ثم صالحه من نصفه على نصف الأرض لتكون الأرض والزرع بينهما نصفين وشرط القطع في الجميع نظر، فإن كان الزرع في الأرض بغير حق جاز الشرط لأن الزرع يجب قطع جميعه.
وإن كان الزرع في الأرض بحق قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه شرط قطع كل الزرع ففي أحد النصفين شرط على مشتري الزرع قطعه وفي النصف الثاني: شرط ليقبض مشتري الأرض هذه الأرض فارغة من الزرع.
وقال أبو حامد: هذا قريب من الصواب وعندي أنه لا يجوز لأن المشتري شرط قطع ما اشتراه وبقي نصف الزرع لغيره وقد شرط قطعه فكأنه شرط قطع زرع لتسليم أرضه فارغة منه، وهذا محال وهو على ما قاله رحمة الله وارتضاه جمهور أصحابنا.
ولو شرط القطع في أحد النصفين فلا إشكال أنه لا يجوز لأنه لا سبيل إليه لعدم تميزه ولا يجوز قطع جميعه.
فرع آخر إذا أتلف رجل على رجل ثوبًا عليه أو عبدًا قيمته دينار فادعاه فأقر له به ثم صالحه

الجزء: 5 - الصفحة: 441

منه على أكثر من ذلك الثوب لم يجز.
وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأن الواجب في الذمة قيمة المتلف دون مثله، ولهذا لا يطالبه بمثله فإذا صالحه عليها بأكثر منها أو أقل فقد عاوض عليه متفاضًلا وهو ربًا [7/أ] في النقود فلا يجوز.
فرع آخر لو كانت قيمته ألفًا فصالحه على ألف مؤجل لم يتأجل ولم يصح الصلح، وقال أبو حنيفة: يصح، وهذا أيضًا غلط لأن الواجب دين في ذمته فإذا كان عوضه مؤجًلا كان بيع دين بدين، وذلك لا يجوز.
فرع آخر لو ادَّعى مالًا مجهولًا فأقر به ثم صالحه عليه لم يصح الصلح.
وقال: أبو حنيفة: يصح وهذا غلط، لأن معاوضة ولهذا تثبيت فيه الشفعة فلم يصح في المجهول كالبيع.
فرع آخر قال في الأم: لو صالحه على أن يسقي أرضًا له من نهر وعين وقتًا من الأوقات لم يجز، ولكنه يجوز له أن يصالحه على ثلث العين أو ربعها، وكان بيعًا لذلك القدر من القرار.
وهكذا لو صالحه على أن يسقي ماشية له شهراً من مائة لم يجز، وإنما لا يجوز لأن الماء مجهول في كلتا المسألتين.
فرع آخر قال في الأم: لو ادَّعى رجل على رجل شيئًا ثم صالحه بعد الإقرار له على مسيل ماء في أرضه فإن سمى له عرض الأرض التي يسيل عليها الماء وطولها ومنتهاها فجائز، لأن ذلك بيع موضع من أرضه.
ولا يحتاج إن يبينا عمقه لأنه إذا ملك الموضع كان له النزول فيه إلى تخومه، وقال في الحاوي: إن قدر المدة كانت إجارة، وإن أطلق فيه وجهان، أحدهما: يكون بيعاً لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأبيد، والثاني: يكون إجارة ويبطل لأنه لم يذكر المدة.
فرع آخر لو صالحه على أن يجري الماء في ساقية في أرض المصالح فإن هذا إجارة، قال في الأم: يلزمه تقدير المدة.
قال أصحابنا: وإنما يصح إذا كانت الساقية محفورة، فإن لم تكن محفورة لم يجز لأنه لا يمكن المستأجر إجراء الماء إلا بالحفر وليس له الحفر في ملك غيره.
ولأن ذلك إجارة لساقية وهي غير موجودة فإن حفر الساقية وصالحة جاز.
فرع آخر لو كانت الأرض في يد المقر بإجارة جاز أن يصالحه على إجراء الماء في ساقية فيها محفورٍة مدة معلومة لا تجاوز مدة إجارته، وإن لم تكن الساقية محفورة لم يجز له

الجزء: 5 - الصفحة: 442

أن يصالحه على ذلك لأنه لا يجوز له إحداث ساقية في أرض غيره [7/ب] بإجارة.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: وكذلك إذا كانت الأرض وقفاً عليه جاز له أن يصالح على إجراء الماء في ساقية فيها محفورة مدة معلومة.
وإن أراد أن يحفر فيها ساقية لم يكن له لأنه لا يملكها وإنما له أن يستوفي منفعتها كالأرض المستأجرة.
فرع آخر لو صالحه على إجراء ماء سطحه على سطحه يجوز، ولكنه يشترط أن يكون السطح الذي يسيل الماء إليه معلومًا، لأن هذا يقل ويكثر ولا يحتمل السطح كل ما يجري عليه بخلاف الأرض.
ويكون هذا فرعًا للإجارة، وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى ذكر المدة بخلاف الساقية لأنه لا يستوفي منافع السطح مع ذكر المدة بخلاف الساقية فإنه يستوفي منفعتها مع ذكر المدة.
فرع آخر قال أصحابنا: لا يمنع الإنسان أن يبني في ملكه حمامًا بين الدور أو يؤاجر كانونه من الخباز للخبز بين العطارين.
وقال أحمد رحمه الله في رواية: يمنع من ذلك، وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة، واحتج بأنه يضر بجاره فيمنع كما يمنع أن يرسل الماء في ملكه بحيث يضر بجاره أو يدق شيئًا على وجه يزعج حيطان جاره.
وهذا غلط، لأن تصرف في ملكه الذي يختص به ولم يتعلق به حق غيره، فلا يمنع منه، كما لو طبخ في داره شيئًا لا يمنع منه إلا أن يلحق جاره دخانه.
وأما الماء الذي قالوا فإنما يمنع لأنه يؤدي إلى إجراء الماء في ملك غيره فلم يجز.
وأما الدق إن سلمنا فلأنه يهدم ملك غيره وهاهنا بخلافه.
فرع آخر لو كان لرجل دار في زقاق بابها إليه وظهرها إلى زقاق آخر، فأراد أن يفتح بابًا من ظهرها إلى ذلك الزقاق فإن كان ذلك الزقاق نافذًا كان له ذلك، وإن كان غير نافذ يكن له لأن في ذلك مشاركة أهل الزقاق في الاستطراق ولا حق له في ذلك.
قال القاضي الطبري: وهذا يدل على أن بعض أهل الزقاق إذا أراد أن يخرج روشنًا إلى الزقاق الذي لا ينفذ لا يجوز إلا بإذنهم.
فرع آخر لو قال أشرع بابها إلى ذلك الزقاق ولا استطرقها منه بل أغلقه وأسمره، قال في الإفصاح: فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأنه يوهم ذلك [8/أ] عند تطاول الزمان أنه مستحق للإستطراق لأن الباب من شواهد استحقاقه، والثاني: يجوز وهو الصحيح لأن له أن يرفع جميع الحائط فكان له أن يرفع بمقدار الباب، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.

الجزء: 5 - الصفحة: 443

[فرع آخر] لو أراد أن يفتح فيه كوًة للضوء أو شباكًا جاز لما ذكرنا أن له رفع جميع الحائط ولا يكون دليًلا على الطريق، ولو قال: افتح كوة للنظارة فيه وجهان.
فرع آخر لو كان باب داره في درب لا ينفذ وجانب منها إلى شارع فأراد أن يفتح بابًا إلى الشارع جاز.
فإن قيل: فهو يجعل الدرب الذي لا ينفذ نافذًا فيجب أن لا يجوز، قلنا: ليس كذلك، بل يجعل داره نافذة، ألا ترى أن غيره لو أراد أن يستطرقها من الشارع لم يكن له.
فرع آخر لو كان لرجلين في زقاق غير نافذ داران لكل واحد منهما دار بابها إلى هذا الزقاق، فأرادا سد الزقاق، قال في الإفصاح: يحتمل وجهين أحدهما: ليس لهما ذلك، والثاني: لهما ذلك وهذا أصح عندي ولا وجه للوجه الأول.
فرع آخر لو كانت لرجل داران متلاصقان وباب كل واحدة منهما إلى زقاق غير نافٍذ وظهر كل واحدة من الدارين إلى الأخرى فأراد هدم الحائط الذي بين الدارين ليتسع داره لا للاستطراق جاز.
وإن أراد فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى ليستطرقه إلى الدارين من هذا الزقاق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك، لأنه يجعل الزقاقين النافذين ولا يجوز ذلك، ولأنه يصير مستطرقاً إلى كل واحدة من الدارين من الزقاق الذي لا حق لها في الاستطراق منه ولا سبيل إلى ذلك.
ولأنه يتغير به حكم الشفعة على قول من يوجب الشفعة بالطريق فلا يؤمن أن يتطرق به إلى إثبات الشفعة لنفسه على قدر الدارين.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار القاضي الطبري يجوز له ذلك، لأن له أن يزيل الحاجز بين الدارين ويجعلهما دارًا واحداً ويترك البابين على حاليهما فجاز أن ينفذ أحدهما إلى الأخرى، وهذا أقيس، ولكنه غير مشهور.
فرع آخر لو كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ أحدهما قريب من باب الزقاق والباب [8/ب] الآخر في وسطه فأراد كل واحد منهما أن يقدم بابه إلى أول الزقاق كان له لأن له استطراق ذلك، وهذا ينقص من استطراقه.
وإن أراد أن يؤخر بابه إلى صدر الزقاق فيه وجهان، أحدهما: ليس له ذلك وهو الأظهر لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، والثاني: له ذلك لأن له يدًا في الدرب فكان الجميع في يدهما وهذا الحائط ملكه فإلى حيث ينتهي الحائط يكون فناؤه فله فتح الباب فيه، وإن كان لأحدهما باب يلي

الجزء: 5 - الصفحة: 444

باب الزقاق وللآخر باب في الصدر فأراد صاحب الصدر أن يقدم بابه إلى حد باب الآخر فهل له ذلك؟ مبني على الوجهين فإن قلنا لصاحب الباب الذي يلي باب الزقاق أو يؤخر لم يكن له لك، وإن قلنا: ليس له ذلك كان لصاحب باب الصدر أن يقدمه إلى الباب الثاني.
فرع آخر إذا جوزنا لمن داره في صدر الزقاق تقديم بابه وهو الأصح فأراد دفع ذلك بإدخال ما وراء الباب المستحدث إلى صدر الزقاق في داره فيه وجهان، بناء على أن عرصة الزقاق مشتركة بين الدارين أم لا، فإن قلنا مشتركة ليس له ذلك، وإن قلنا: ليس بمشتركة وهو الأصح بل ما يحاذى باب الأول مختص بملك صاحب الصدر يجوز له ذلك.
فرع آخر لو أراد صاحب الدار الأولى أن يقر بأنه في موضعه ويفتح دونه بابًا ثانيًا ويجعلها حجرتين جاز ولا يمنع لأن كليهما في موضع استطراقه، وقال أبو حنيفة: يمنع منه لأنه يستحق مدخًلا واحدًا فلا يتعدى إلى مدخلين وهذا غلط لما ذكرنا أنه يستحق الاستطراق فيه، فلا فرق بين أن يكون من مدخل أو مدخلين.
فرع آخر لو أدعى على رجل شيئًا فأقر به وهما يعلمان ذلك ولكنهما لم يسمياه ثم قال له: صالحني منه على كذا جاز لأنه معلوم عندهما، وإن لم يذكراه نص عليه في الأم.
فرع آخر لو كان لرجل جذع على حائط جاره فأراد صاحب الجدار أن ينقض الجدار ويزيل الجذع فقال له صاحبه: بعني معرض خشبي من حائطك ففعل جاز البيع، لأنه لما جاز أم يبيعه من غيره جاز له أن يبيعه منه.
وكذلك إن كان ميزابًا في حائطه ونحو ذلك نص عليه في الأم.
وبالله التوفيق.
[9/أ]

الجزء: 5 - الصفحة: 445

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل