كتاب القتل
باب تحريم القتل
ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] الآية وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33] وقال عليه السلام: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
قال في الحاوي: الأصل في ابتداء القتل وتحريمه ما أنزل الله جل أسمه على رسوله صلى الله عليه وسلم من قصة ابني آدم عليه السلام هابيل، وقابيل حتى بلغ الأمة وأنذرها، فقال: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] يعني بالصدق، ويريد بابني آدم قابيل القاتل، وهابيل المقتول.
﴿إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: 27] وسبب قربانهما أن آدم أقر أن يزوج كل واحد من ولده بتوأمه أخيه، فلما هم هابيل أن يتزوج بتوأمه قابيل منعه منها، وقال: أنا أحق بها منك.
وفي سبب هذا القول منه قولان:
أحدهما: لأن قبيل وتوأمته كانا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمته كانا من ولادة الأرض.
والثاني: لأن توأمه قابيل كانت أحسن من توأمه هابيل فاختصما إلى آدم فأمرهما أن يقربا قرباناً، وكان هابيل راعياً، فقرب هابيل سمينة من خيار ماله، وكان قابيل
الجزء: 12 - الصفحة: 3
حراثاً، فقرب حزمه زرع، فنزلت نار من السماء فرفعت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول فازداد حسد قابيل لهابيل، فقال: "لأقتلنك": ﴿قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ [المائدة: 27 - 28] فلم يمنع عن نفسه، لأنه لم يؤذن له في المنع منها وهو مأذون فيه الآن، وفي وجوبه للفقهاء قولان: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 30] فيه تأويلان:
أحدهما: شجعت قاله مجاهد.
والثاني: زينت قاله قتادة.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: 30] قيل: بحجر شرخ به رأسه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30] لأنه خسر أخاه وديته ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31] لأنه ترك أخاه على وجه الأرض ولم يدفنه، لأنه لم ير قبله مقتولاً ولا ميتاً، وفي بحث الغراب قولان:
أحدهما: بحث الأرض على ما يدفنه فيها لقوته قتنبه بذلك على دفن أخيه.
والثاني: أنه بحث على غراب ميت حتى دفنه: ﴿قَالَ يَا ويْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: 31] فدفنه حينئذ وواراه فأصبح من النادمين فيه وجهان:
أحدهما: من النادمين، على قتل أخيه.
والثاني: من النادمين على أن ترك مواراة سوأة أخيه، ثم قال تعالى بعدما أنهاه من حال ابني آدم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] أن خلصها من قتل وهلكة وسماه إحياء لما فيه من بقاء الحياة، وإن كان الله تعالى هو المحيي، وفي تسميته بقتل الناس جميعاً وإحياء الناس جميعاً تأويلان:
أحدهما: فكأنما قتل جميع الناس عند المقتول، وكأنما أحيا الناس عند المستفيد وهذا قول ابن مسعود.
والثاني: أن على جميع الناس دم القاتل، كما لو قتلهم جميعاً وعليهم شكر المحيي كما لو أحياهم جميعاً، وهذا أصل في تحريم القتل.
وقد روى معمر عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن ابني آدم ضرباً مثلاً لهذه الأمة فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما".
وقال: ﴿مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] الآية وهذا أغلظ وعيد يجب
الجزء: 12 - الصفحة: 4
في أغلظ تحريم حتى قال ابن عباس: لأجل ما تضمنته هذه الآية من الوعيد أن توبة القاتل غير مقبولة، وتعلقاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما نازلت ربي في شيء كما نازلته في توبة قاتل العمد فأبى علي" وذهب من سواه إلى قبول توبته لقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68] إلى قوله: ﴿إلاَّ مَن تَابَ﴾ فاستثناه من الوعيد، فدل على قبول توبته.
فإن قيل: هذه الآية نزلت قبل الآية الأولى بستة أشهر فلم يجز أن تنسخ ما بعدها.
قيل: ليس فيها نسخ، وإنما فيها إثبات شرط، والشرط معمول عليه تقدم أو تأخر، فأما الخبر المحمول على المبالغة في الزجر لئلا يسارع الناس على القتل تعويلاً على التوبة منه، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "باب التوبة مفتوح" ما يقتضي حمله على هذا مع قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25] وقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لم ينزع التوبة عن أمتي إلا عند الحشرجة" يعني وقت المعاينة.
وأما تحريم القتل بالسنة فروى أبو أمامة بن سهل عن عثمان، وروى مسروق عن ابن مسعود، وروى عكرمة عن ابن عباس، وروى عبيد بن عبيد بن عمير عن عائشة، كلهم يتفقون مع اختلاف الألفاظ على معنى واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحدث ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد فغضب ثم قال: "والذي نفسي بيده لو تمالأ عليه أهل السماء والأرض لأكبهم الله في النار".
وروى ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكبائر أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك".
قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي
الجزء: 12 - الصفحة: 5
الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "ألا أن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، اللهم اشهد".
فصل:
فإذا ثبت تحريم القتل بالكتاب والسنة مع انعقاد الإجماع وشواهد العقول فالقصاص فيه واجب لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] يعني أن العفو يوجب استحقاق الدية، يطالب بها الولي بمعروف، ويؤديها القاتل إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، يعني: التخيير بين القصاص والدية، وتخفيف من الله تعالى على هذه الأمة، لأن قوم موسى عليه السلام أوجب عليهم القصاص دون الدية، وقوم عيسى عليه السلام أوجب عليهم الدية دون القصاص، وخيرت هذه الأمة بين الأمرين، فكان تخفيفاً من الله تعالى ورحمة وقال: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] لأن القصاص وإن لم يكن في استيفائه حياة فوجوبه سبب للحياة، لأن القاتل إذا علم بوجوب القصاص عليه كف عن القتل، ولم يقتص منه فصار حياة لهما، وهذا من أوجه كلام وأوضح معنى.
وقيل: إنه في التوراة: يا بني إسرائيل لا تقتلوا تقتلوا، بين المعنيين فرق إذا سبر، وتعاطت العرب مثل ذلك، فقالوا: القتل أنفي للقتل، وكان لفظ القرآن أفصح، ومعناه أوضح وكلامه أوجز، وقال: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] فيه تأويلان:
أحدهما: أنه القصاص، وهو قول قتادة.
والثاني: أنه الخيار بين القصاص والدية، أو العفو عنهما، وهو قول ابن عباس.
فلا يسرف في القتل فيه تأويلان:
أخدهما: أن يقتل غير قاتله، وهو قول طلق بن حبيب.
والثاني: يمثل به إذا اقتص وهو قول ابن عباس.
وتأوله سعيد بن جبير وداود تأويلاً ثالثاً: أن يقتل الجماعة بالواحد.
إنه كان منصوراً فيه تأويلان.
أحدهما: أن الولي كان منصوراً بتمكينه من القصاص وهو قول قتادة.
والثاني: أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله، وهو قول مجاهد، وقال: {وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا
الجزء: 12 - الصفحة: 6
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} إلى قوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: 45] له فيه تأويلان:
أحدهما: فهو كفارة له للمجروح وهو قول الشعبي.
والثاني: فهو كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهو قول ابن عباس.
فإن قيل: فهذا إخبار عن شريعة من قبلنا، وهي غير لازمة لنا.
قيل: في لزومها لنا وجهان:
أحدهما: يلزمنا ما لم يرد نسخ.
والثاني: لا يلزمنا إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل بوجوب ذلك علينا من وجهين.
أحدهما: أنه قد قرأ أبو عمرو: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] بالرفع وهذا خارج عن الخبر إلى الأمر.
والثاني: ما روي عن حميد عن أنس قال: كسرت الربيع بنت مسعود وهي عمة أنس ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر، عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله القصاص" فرض وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبر قسمة" ذكره البخاري في الصحيح.
فموضع الدليل من أنه أخبر بأن كتاب الله موجب للقصاص في السن ولم يذكره إلا في هذه الآية فدل على لزمها لنا، ويدل على وجوب القصاص من السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل قتيل فهو به بسواء" يعني سواء فإذا ثبت وجوب القصاص، وهم معتبر بالتكافئ على مسا سنذكره تعلق بالقتل حقان.
أحدهما: لله.
والثاني: للمقتول.
فأما حق الله فشيئان الكفارة والمأثم.
فأما الكفارة فلا تسقط بالتوبة، وأما المأثم فيسقط بالتوبة على ما قدمناه، والتوبة معتبر بثلاثة شروط:
أحدها: الندم على قتله، وترك العزم على مثله، وتسليم إلى ولي المقتول، ليقتص منه أو يعفو عنه.
الجزء: 12 - الصفحة: 7
وأما حق المقتول، فأحد أمرين يرجع فيها إلى خيار وليه في القصاص أو الدية، ولا يجوز أن يجمع بين الأمرين.
وروي أن مقيس بن صبابة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطالبه بدم أخيه وقد قتله بعض الأنصار، فحكم له بالدية، فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه وعاد إلى مكة مرتداً.
وأنشأ يقول:
شفي النفس أن قد بات بالقاع مسنداً ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع
ثأرت به قهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتي ... وكنت عن الإسلام أول راجع
فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح صبراً.
وهو أحد الستة الذين أمر بقتلهم، وإن تعلقوا بأستار الكعبة.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد المسلمين، أو الأحرار المعاهدين، أو العبيد منهم، قتل من كل صنف مكافئ في دمه منهم الذكر قتل بالذكر وبالأنثى، والأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر".
قال في الحاوي: والمكافأة معتبر في وجوب القصاص على تفصيل أقسامها، وهي منقسمة ثلاثة أقسام: مكافأة في الأجناس، ومكافأة الأنساب، ومكافأة في الأحكام.
فأما مكافأة الأجناس: فهو الذكور بالذكور والإناث بالإناث، فهو غير معتبر عند الفقهاء بأسرهم، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين فيجوز أن يقتل الذكر بالذكر وبالأنثى، وتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر.
وحكي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لا يقتل الذكر بالأنثى إلا أن يؤخذ منها نصف الدية ثم يقتل بها.
وبه قال عطاء استدلالاً بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: 178] فلما لم يتكافأ الأحرار والعبيد لم يتكافأ الذكور والإناث، ولأن تفاضل الديات تمنع من التماثل في القصاص كما يمنع تفاضل القيم في المتلفات من التساوي في الغرم.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فعم من غير تخصيص.
وروى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلك كتب كتاباً إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن، وأنفذه مع عمرو بن حزم، وكان فيه: "يقتل الذكر
الجزء: 12 - الصفحة: 8
بالأنثى" وهذا نص.
وروى قتادة عن أنس بن مالك أن يهودياً مر بجارية عليها حلي لها، فأخذ حليها، وألقاها في بئر فأخرجت وبها رمق، فقيل: من قتلك؟ قالت: فلان اليهودي، فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف فأمر به فقتل.
ولأن الأحكام ضربان: ضرب تعلق بحرمة كالحدود فيستوي فيه الرجل والمرأة، وضرب تعلق بالمال كالميراث، فتكون المرأة فيه على النصف من الرجل والقود متعلق بالحرمة فاستوت فيه المرأة والرجل.
والدية متعلقة بالمال فكانت المرأة فيه على النصف من الرجل.
ولأن القصاص إن وجب فبذل المال معه لا يجب وإن لم يجب القصاص فبذل المال لا يجب.
فأما قوله: ﴿والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ فليس يمنع قتل الأنثى بالأنثى من قتل الذكر بالأنثى، لأن الحكم المعلق بعين لا يقتضي نفيه عما عداها.
وأما اختلاف الديات فلا يمنع من التماثل في القصاص كتفاضل الديات بين أهل الكتاب والمجوس وهم متساوون في القصاص.
فصل:
وأما التكافؤ بالأنساب فغير معتبر بالإجماع فيقتل الشريف بالدنيء، والدنيء بالشريف، والعربي بالعجمي، والعجمي بالعربي.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقال صلى الله عليه وسلم: "أئتوني بأعمالكم ولا تأتوتي بأنسابكم".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "من له علي مظلمة أو له قبلي حق فليقم ليأخذ حقه فقام له رجل يقال له عكاشة، فقال: لي عليك مظلمة ضربتين بالسوط على بطني يوم كذا، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: قم فاقتص، فبكى الرجل، وقال: عفا الله عنك يا رسول الله.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأن الشريف كان إذا أتى الحد لم يحد وحد الدنيء".
وأما تكافؤ الأحكام فكالأحرار مع العبيد، والمسلمين مع المعاهدين فهو عندنا معتبر، وإن خولفنا فيه وسنذكره فيما يليه.
وأصل التكافؤ في الحرية على ما سيأتي بيانه.
الجزء: 12 - الصفحة: 9
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يقتل مؤمن بكافر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر" وإنه لا خلاف أنه لا يقتل بالمستأمن وهو في التحريم مثل المعاهد.
قال المزني رحمه الله: فإذا لم يقتل بأحد الكافرين المحرمين لم يقتل بالآخر.
قال الشافعي رحمه الله: قال قائل: عنى النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر حربي فهل من بيان في مثل هذا يثبت؟.
قلت: نعم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن فهل تزعم أنه أراد أهل الحرب لأن دماءهم وأموالهم حلال؟ قال: لا ولكنها على جميع الكافرين لأن اسم الكفر يلزمهم.
قلنا: وكذلك لا يقتل مؤمن بكافر، لأن اسم الكفر يلزمهم فما الفرق؟ قال قائل: روينا حديث ابن البيلماني، قلنا: منقطع، وخطأ إنما روي فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافراً كان له عهد إلى مدة، وكان المقتول رسولاً فقتله النبي صلى الله عليه وسلم به، فلو كان ثابتاً كنت قد خالفته، وكان منسوخاً لأنه قتل قبل الفتح بزمان، وخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقتل مؤمن بكافر" عام الفتح، وهو خطأ لأن عمرو بن أمية عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم دهراً وأنت تأخذ العلم ممن بعد ليس لك به معرفة أصحابنا.
قال في الحاوي: أما تكافؤ الأحكام بالحرية والإسلام فمعتبر عندنا فيقتص من الأدنى بالأعلى ولا يقتص من الأعلى بالأدنى، وهو أن يقتل الكافر بالمسلم، ولا يقتل المسلم بالكافر، وسواء كان الكافر ذمياً، أو معاهداً، أو حربياً، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
قال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي، ولا يقتل بالمعاهد والحربي، وقال الشعبي: يقتل المسلم بالكتابي، ولا يقتل بالمجوسي.
واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وبقوله: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] ورواية ابن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بكافر وقال: "أنا أحق من وفي بذمته".
وبما روي أن عمرو بن أمية الضمري قتل مشركاً، فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن مسلم قتل نصرانياً فكتب إليه عمر أن يقتاد منه.
ومن القياس: أن كل من قتل به الكافر جاز أن يقتل بالكافر كالكافر.
لأن كل من قتل بأهل ملته جاز أن يقتل بغير أهل ملته كقتل اليهودي بالنصراني.
الجزء: 12 - الصفحة: 10
ولأن المسلم قد ساوى الذمي حقن دمهما على التأبيد، فوجب أن يجري القصاص بينهما كالمسلمين.
ولأن حرمة نفس الذمي أغلظ من حرمة ماله وقد ثبت أن يد المسلم تقطع بسرقة ماله، فكأن أولى أن يقتص من يده بيده، لأن كافراً لو قتل كافراً ثم أسلم القاتل لم يمنع إسلامه من الاستيفاء للقود، كذلك لا يمنع من وجوب القود، ولأنه لما جاز للكافر قتل المسلم دفعاً عن نفسه كان قبله قوداً بنفسه، لأنهما في الحالين قتل مسلم بكافر.
ودليلنا قوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20] فكان نفي التساوي بينهما يمنع من تساوي نفوسهما، وتكافؤ دمائها، فإن قيل: ليس يجوز أن يقطع على هذا المسلم بالجنة لجواز كفره، ولا على الكافر بالنار لجواز إسلامه.
قيل: الحكم وارد في عموم الجنسين دون أعيان الأشخاص، وقد قطع لأهل الإيمان بالجنة وأهل الكفر بالنار وقال تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141] وهذا وإن كان بلفظ الخبر فالمراد به النهي، لأن الخبر لا يجوز أن يكون بخلاف مخبره، وقد نرى لكافر سبيلاً على المسلم بالتسلط واليد، ونفي السبيل عنه يمنع من وجوب القصاص عليه.
فإن قيل: وهو محمول على أن لا سبيل له عليه في الحجة والبرهان، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه محمول على العموم اعتباراً بعموم اللفظ.
والثاني: أننا نعلم أنه لا سبيل له عليه بالحجة الدالة بهذه الآية فلم يجز حملها على ما هو معلوم بغيرها.
ويدل عليه من السنة وهو المعتمدة في المسألة ما رواه أبو هريرة وعمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقتل مؤمن بكافر".
وروى معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
وروى قتادة عن الحسن عن قيس قال: انطلقت أنا والاشتر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهده إلى الناس عامة؟ فقال: لا إلا ما في هذا الكتاب، وأخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه: "المسلمون تتكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.
ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
الجزء: 12 - الصفحة: 11
وروى حماد عن جابر عن الشعبي عن علي بن الحسين قال: أخرج أبي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه العقل على المؤمنين عامة ولا يترك مفرج في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر.
والمفرج الذي لا يكون له قبيلة ينضم إليها فأمر أن يضم إلى قبيلة يضاف إليها حتى لا يكون مفرداً.
فدلت هذه النصوص كلها على أن لا يقتل مسلم بكافر.
فإن قالوا المراد بقوله: "لا يقتل بكافر" أي بكافر حربي، لأنه قال: "ولا ذو عهد في عهده" وذو العهد يقتل بالمعاهد، ولا يقتل بالحربي، ليكون حكم العطف موافقاً لحكم المعطوف عليه فعنه جوابان:
أحدهما: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" يقتضي عموم الكفار من المعاهدين، وأهل الحرب فوجب حمله على عمومه ولم يجز تخصيصه بإضمار وتأويل، وقوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مبتدأ أي: لا يقبل ذو العهد لأجل عهده، وأن العهد من قبله حقناً لدماء ذوي العهود.
والثاني: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" محمول على العموم في كل كافر من معاهدي وحربي.
ولا ذو عهد في عهده محمول على الخصوص في أنه لا يقتل بالحربي، وإن قتل بالمعاهد لأنه ليس تخصيص أحد المذكورين موجباً لتخصيص الآخر.
ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو كنت قاتلاً مسلماً بكافر لقتلت خداماً بالهذلي" ولو جاز قتله ببعض الكفار دون بعض غيره ولم يطلقه، ويدل عليه من طريق الاعتبار أن المسلم لما لم يقتل بالمستأمن لم يقتل بالذمي.
وللجمع بينهما ثلاث علل:
أحداهن: أنه منقوض بالكفر، فوجب إذا قتله مسلم أن لا يقاد به كالمستأمن.
والثانية: أن من لم يمنع دينه من استرقاقه لم يقتل به من منع دينه من استرقاقه كالمستأمن.
فإن قيل: هذا منتقض بالكافر إذا قتل كافراً ثم اسلم القاتل فإنه يقتل به، وإن كان مسلماً فعنه جوابان:
أحدهما: إن في شرط العلة إذا قتله مسلم، وهذا قتله وهو كافر، فلم تنتقض به العلة.
والثاني: أن التعليل للجنس فلا تنتقض إلا بمثله.
فإن قيل: المستأمن ناقص الحرمة، لأن دمه محقون إلى مدة بخلاف الذمي فإنه تام
الجزء: 12 - الصفحة: 12
الحرمة، محقون الدم على التأييد، فأشبه المسلم فعنه جوابان:
أحدهما: أن اختلاف الحرمتين في المدة لا يمنع من تساويهما في الحكم مع بقاء المدة، ألا ترى أن تحريم الأجنبية مؤقتة، وتحريم ذات المحرم مؤبد، وقد استويا في وجوب الحد في الزنا كذلك ها هنا.
والثاني: أن للنفس بدلين: القود والدية، فلما لم يمنع اختلافهما في الحرمة من تساويهما في الدية لم يمنع من تساويهما في القود، ولأن حد القذف يجب بهتك حرمة العرض، والقود يجب بهتك حرمة النفس، فلما سقط عن المسلم حد قذفه كان أولى أن يسقط عنه القود في نفسه، لأن أخذ النفس أغلظ من استيفاء الحد.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فمن وجهين:
أحدهما: أنه عائد إلى بني إسرائيل وكانوا أكفاء فلم يجز حكمهم على غير الأكفاء.
والثاني: أنه عموم خص بدليل.
فأما قوله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] فهو قصاص لهم فلم يجز أن يفعل قصاصاً عليهم.
وأما حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بكافر فهو حديث ضعيف لا يثبته أصحاب الحديث، ثم مرسل، لأن ابن البيلماني ليس بصحابي، والمراسيل عندنا ليست بحجة، ولو سلم الاحتجاج به لما كان فيه دليل، لأنها قضية في عين لا تجري على العموم.
وقد يجوز أن يكون القاتل اسلم بعد قتله فقتله به، وإذا احتمل هذا وهذا وجب التوقف عن الاحتجاج.
وأما حديث عمرو بن أمية الضمري فقد أجاب الشافعي عند بثلاثة أجوبة:
أحدها: أن طريقة بن أمية الضمري عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في زمن معاوية، فاستحال ما أضيف إليه.
ولهذا قال الشافعي: وأنت تأخذ العلم، من بعد ليس لك به معرفة أصحابنا يعني: أهل الحرمين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينهم فكانوا بأقواله وأصحابه أعرف.
والثالث: أن في روايتهم أنه قتله رسول مستأمن، وعندهم أن المسلم لا يقتل بالمستأمن، فلم يكن لهم فيه دليل.
وأما حديث عمر فقد روى أن معاذ بن جبل أنكر عليه.
وروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقتل مؤمن بكافر" وأن زيد بن ثابت قال له: لا تقتل أخاك بعبدك فرجع عنه، وكتب إلى أبي موسى أن لا تقتله به، فصار ذلك إجماعاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 13
وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أنه حقن دمه بدينه وأن دينه يمنع من استرقاقه فخالف الكافر.
وأما قياسهم على قتل اليهودي بالنصراني فلا يصح، لأن الكفر كله عندنا ملة واحدة، وإن تنوع، فلذلك جرى القود بينهما، وملة الإسلام مخالفة لهما ومفضلة عليهما.
وقولهم: إن حرمة النفس أغلظ من حرمة المال، والمسلم يقطع في مال الكافر فكان أول أن يقتل بنفس الكافر.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن القطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه فجاز أن يستحق في مال الكافر كما يستحق في كال المسلم والقود من حقوق الآدميين لجواز العفو عنه فلم يستحقه كافر على مسلم.
والثاني: أنه لما جاز قطع المسلم بسرقة مال المستأمن، ولم يقتل به، جاز أن يقطع في مال الذمي، وإن لم يعتد به.
وقياسهم على الكافر فالمعنى فيه تساويهما في الدين.
وقولهم: إنه يقتل به لو اسلم بعد قتله، فكذلك إذا كان مسلماً قبل قتله لا وجه له لأن القود حد، والحدود تعتبر بحال الوجوب، ولا تعتبر بما بعده، لأن مجنوناً لو قتل ثم عقل لم يجب عليه القود، ولو كان عاقلاً وقت القتل، ثم جن وجب عليه القود، وقد ذهب الأوزاعي إلى أنه لا يقتل به الكافر، إذا أسلم تمسكاً بظاهر قوله: لا يقتل مؤمن بكافر" وإن خالفناه فيه بالمعنى الذي قدمناه.
وقولهم: لما جاز أن يقتله دفعاً، جاز أن يقتله قوداً، فيفسر من وجهين:
أحدهما: أن المستأمن يجوز له قتل المسلم دفعاً ولا يجوز أن يقتل به قوداً.
والثاني: بالمال يجوز أن يقتل المسلم بدفعه عنه ولا يقتل ما بدفعه عليه.
وفيما تتجافاه النفوس من قتل المسلم بالكافر ما يمنع من القول به، والعمل عليه.
حكي يحيي بن زكريا الساجي عن موسى بن إسحاق الأنصاري عن علي بن عمرو الأنصاري أنه رفه إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافراً فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة ألقاها إليه من شاعر بغدادي يكنى أبو المضرجي فيها مكتوب.
يا قاتل المسلم بالكافر ... جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها ... من فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسف ... إذ يقتل المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكو على دينكم ... واصطبروا فالأجر للصابر
فأخذ أبو يوسف الرقعة، ودخل على الرشيد، فأخبره بالحال، وقرأ عليه الرقعة،
الجزء: 12 - الصفحة: 14
فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا يكون منه فتنة.
فخرج أبو يوسف وطالب أولياء المقتول بالبينة على صحة الذمة، وأداء الجزية فلم يأتوا بها فأسقط القود وحكم الدية، وهذا إذا كان مفضياً إلى استنكار النفوس وانتشار الفتن كان العدول عنه أحق وأصواب.
فصل:
فإذا ثبت أن المسلم لا يقتل بالكافر فحالهما تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما لا يقتل به، وتجب عليه دية كافر، وهو أن يبتدئ المسلم بقتل الكافر توجيه فلا يجب القود لإسلام القاتل، وتجب به دية كافر لكفر المقتول.
والثاني: ما لا يجب فيه القود، وتحب فيه دية مسلم، وهو أن يجرح المسلم كافراً، ثم يسلم المجروح، ويموت مسلماً، فلا قود على المسلم، لأن المقتول وقت الجرح كان كافراً، وفيه دية مسلم، لأنه مات من الجرح مسلماً، لأن الاعتبار في القود بحال الابتداء، وفي الدية بحال الانتهاء.
والثالث: ما يقتل به المسلم ولا يجب فيه الدية كافر، وذلك في حالتين:
إحداهما: أن يقتل كافر كافراً ثم يسلم القاتل به، وإن كان مسلماً اعتباراً بحال القتل، ولا تجب عليه إلا دية كافر، لأن المقتول مات كافراً.
والثانية: أن يطلب المسلم نفس الكافر فيجوز للكافر أن يقبل طالب نفسه، وإن كان مسلماً فلو قتله المسلم الطالب لم يجب عليه إلا دية كافر، ولو قتل المسلم لم يجب له دية لأن نفس المطلوب مضمونة، ونفس الطالب هدر.
والرابع: ما اختلف القول فيه، وهو أن يقتل مسلم كافراً في الحرابة، ففي قتله به قولان للشافعي:
أحدهما: وهو المشهور عنه أنه لا يقتل به لعموم النهي.
والثاني: ذكره الشافعي في موضع وقال: هذا مما استخير الله فيه أن يقتل به، لأن في قتل الحرابة حقاً لله تعالى يجب أن يستوفي ولا يجوز العفو عنه فاستوي فيه قتل المسلم والكافر، وهو في غير الحرابة حق لآدمي يجوز العفو عنه فسقط في حق الكافر، ولو قتل مرتد كافراً لم يجب عليه القود، وإن اتفقا على الكفر لما ثبت له من حرمة الإسلام، وما أجرى عليه من أحكامه.
مسألة:
قال الشافعي: "قال: ولا يقتل حر بعبد".
الجزء: 12 - الصفحة: 15
قال في الحاوي: لا يقتل الحر بعبده وبعبد غيره.
وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه استدلالاً بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس﴾ [المائدة: 45] ورواية علي بن أبي طالب عليه السلام: أنه قال: المسلمون بتكافؤ دماؤهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم فاعتبر المكافأة بالإسلام قد استوى الحر والعبد فيه فوجب أن يتكافأ دمهما، ويجري القود بينهما، ومن الاعتبار أن كل من قتل بالحر قتل به الحر كالحر، ولأن الرق مؤثر في ثبوت الحجر، وما ثبت به الحجر يمنع من استحقاق القود على من ارتفع عنه الحجر كالجنون والصغر، ولأنه لما جاز أن يقتل به الحر دفعاً جاز أن يقتل به قوداً.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] فاقتضى هذا الظاهر أن لا يقتل حر بعبد.
وروى سليمان بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل حر بعبد".
ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا نص لا يسوغ خلافه وروى إسرائيل عن جابر عن عامر عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "من السنة ألا يقتل مسلم بكافر، ومن السنة ألا يقتل حر بعبد يعني: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقوم مقام الرواية عنه، وليس له في الصحابة مخالف، فصار مع السنة إجماعاً، ومن الاعتبار أن حرمة النفس أغلظ من حرمة الأطراف، فلما لم يجب القود بينهما في الأطراف، فأولى أن لا يجري بينهما في النفس.
وتحريره قياساً أن كل شخصين امتنع القود بينهما في الأطراف امتنع في النفس كالوالد مع ولده طرداً، وكالحربي عكساً، ولأن كل قود سقط بين المسلم والكافر المستأمن سقط بين الحر والعبد كالأطراف.
فإن قيل: الأطراف تعتبر فيها المماثلة لأنه لا تؤخذ السليمة بالشلاء المريضة، ولا تؤخذ الأيدي بيد واحدة، والمماثلة غير معتبرة في النفوس لقتل الصحيح بالمريض، والجماعة بالواحد، فكذلك جرى القود بين الحر والعبد في النفس، وسقط في الأطراف.
قيل: هما عندنا سواء، والمماثلة المعتبرة فيهما واحدة، لأننا نقطع الأيدي بيد واحدة، وإن خالفتمونا فيه ونقتل الصحيح بالمريض كما نقطع اليد الصحيحة بالعليلة، ولا نقطعها باليد الشلاء كما لا يقتل الحي بالميت، لأن الشلاء ميتة.
فإن قيل: فقد فرقتم بين قطع الشلاء في وجوب الأرض فيهما، وبين استهلاك الميت في سقوط الأرش فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 16
قيل: لأن الشلاء متصلة بحي، وفيها جمال، فجاز أن يجب الأرش بقطعها مع موتها، كما يجب في الشعر مع كونه عندكم ميتاً، ولأن الرق حادث عن الكفر فلما سقط به القود عن المسلم وجب أن يكون ما حدث فيه من الرق بمثابته في سقوط القود عن الحر ولأن النقص بالرق يمنع من استحقاق القود على الحر كالسيد مع عبده، ولأنه لما سقط عنه الحد بقذفه فأولى أن يسقط عنه القود بقتله لأن حرمة النفس أغلظ.
فأما الجواب عن الآية فهو أنها تضمنت نفساً وأطرافاً فلما خرج العبيد من حكم الأطراف خرجوا من حكم النفوس.
وأما الخبر فقال قال فيه: "ويسعى بذمتهم أدناهم" يريد به العبيد، ومن كان أدناهم لم يجز أن يؤخذ بالأعلى.
وأما قياسهم على الحر، فالمعنى فيه جريان القود في الأطراف فجرى في النفوس، ولا يجري في الأطراف بين الحر والعبد، فلم يجز في النفوس، وكذلك الجواب عن تعليلهم بتأثير الحجر كالجنون والصغر، وقد مضى الجواب عن جمعهم بين قتل الدفع وقتل القود، وليس لما تناكرته العامة، ونفرت منه الخاصة مساغاً في اختلاف الفقهاء.
وحكي أن بعض فقهاء خراسان سئل في مجلس أميرها عن قتل الحر بالعبد فمنع منه وطولب بالدليل عليه.
فقال: أقدم قبل الدليل حكاية إن احتجت بعدها إلى دليل فعلت ثم قال: كنت أيام تفقهي ببغداد نائماً ذات ليلة على شاطئ دجلة فسمعت ملاحاً يترنم وهو يقول:
خذوا بدمي هذا الغلام فإنه رماني ... بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه إني أنا عبده ... ولم أر حراً قط يقتل بالعبد
وما انتشر في العامة تناكره حتى نظموه شعراً، وجعلوه في الأمثال شاهداً كان من اختلاف الفقهاء خارجاً فقال الأمير: حسبك فقد أغنيت من دليل.
فصل:
واستدل النخعي وداود على قتل السيد بعبده بما رواه قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه" وفي رواية أخرى: "ومن خصاً عبده خصيناه".
والدليل عليهما رواية الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبه، وهذا نص وما أمر به من جلده ونفيه تعزيز.
فأما الخبر المستدل به ضعيف، لأن الحسن لم يرو عن سمرة إلا ثلاثة
الجزء: 12 - الصفحة: 17
أحاديث ليس هذا منها.
وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل حر بعبد".
ولو صح لحمل على أحد وجهين إما على طريق التغليظ والزجر لئلا يتسرع الناس إلى قتل عبيدهم، وإما على من كان عبده فاعتقه فإنه يقاد به، وإن كان من قبل عتقه لا يقاد به والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت أن الحر لا يقتل بالعبد فكذلك لا يقتل بكل من جرى عليه حكم الرق من المدبر والمكاتب، وأم الولد، ومن رق بعضه، وإن قل، فلو قتل حر كافر عبداً مسلماً لم يقتل به لحريته، ولو قتله العبد المسلم لم يقتل به لإسلامه، فيسقط القود عن كل واحد منهما بصاحبه، وإذا قتل عبد نصفه حر عبداً نصفه حر قتل به لاستوائهما في الحرية والرق، ولو كان نصف القاتل حراً وثلث المقتول حراً ولم يقتل لفضل حرية القاتل، وإن كان ثلث القاتل حراً ونصف المقتول حراً قتل به لفضل حرية المقتول على القاتل، لأنه يجوز أن يقتل الناقص بالكامل، ولا يجوز أن يقتل الكامل بالناقص، كما يجوز أن يقتل العبد بالحر، ولا يجوز أن يقتل الحر بالعبد.
ولو قتل حراً عبداً في الحرابة كان في وجوب قتله به قولان على ما مضى في قتل الذمي في الحرابة، ولو جرح عبد حر عبداً فاعتق المجروح ومات حراً فلا قود على القاتل، وعليه دية حر، ولو جرح عبد عبداً فاعتق الجارح ومات قتل به.
مسألة:
قال الشافعي: "وفيه قيمته وإن بلغت ديات قال المزني رحمه الله تعالى: وفي إجماعهم أن يده لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد، فإذا منع أن يقتص من يده وهي أقل لفضل الحرية على العبودية، كانت النفس أعظم، وهي أن تقتص بنفس العبد أبعد".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا قتل العبد بجناية أو مات في يدها منه ففيه قيمة ما بلعت، وإن زادت على دية الحر ضعافاً، وهو قول جمهور أهل الحجاز، وبه قال من العراقيين سفيان الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يضمن في اليد جميع قيمته ما بلغت، ويضمن في الجناية بقيمته إلا أن تبلغ دية حر أو تزيد عليها فتنقص عن دية الحر عشر دراهم حتى لا يساويه في ديته.
وإن كانت أمة قد زادت قيمتها على نصف الدية نقصت عنها عشرة دراهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 18
وقيل: خمسة دراهم، لأن لا تساوي دية الحر استدلالاً بأنه آدمي مضمون بالجنابة فلم يضمن بأكثر من دية حر كالحر، ولأنه يضمن بالجناية ضمان النفوس لوجوب الكفارة فيه فوجب أن يضمن كالأطراف، ولأن نقصه بالرق يمنع من كمال بدله كالناقص القيمة، وهو معنى قول أبي حنيفة: لا أوجب في المملوك مما أوجب في المالك.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] والمثل في الشرع مثلان مثل يفي الصورة، ومثل في القيمة فإذا لم يعتبر المثل في الصورة اعتبر في القيمة ما بلغت، ولأن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة، ثم كانت البهيمة مضمونة بجميع قيمتها فكان أولى أن يضمن العبد بجميع قيمته.
وتحريره قياساً بأحد معنيين: أن تقول في أحدهما: إنه مملوك مضمون فوجب أن لا تتقدر قيمته كالبهيمة.
والثاني: أن ما لم يتقدر أقل قيمته لم تتقدر أكثرها كالبهيمة، ولأن ضمان العبد بالجنابة أغلظ من ضمان باليد، ثم كان في اليد مضموناً بجميع قيمته فكان أول أن يضمن في الجناية بجميع قيمته.
ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أنه أحد نوعي الضمان فوجب أن يستوفي به قيمة المضمون كالضمان باليد.
والثاني: أن ما ضمنت قيمته باليد ضمنت قيمته بالجناية كالناقص القيمة، ولأن العبد متردد الحال بين أصلين:
أحدهما: الحر لأنه آدمي مكلف يجب في قتله القود والكفارة.
والثاني: البهيمة لأنه مملوك يباع ويوهب ويورث وهو في القيمة ملحق بأحد أصلين.
فلما بالبهيمة في ثلاثة أحوال:
أحدها: إذا قلت قيمته.
والثانية: إذا ضمن باليد.
والثالثة: إذا ضمنه أحد الشريكين بالعتق.
وجب أن يلحق بالهيمة في الحال الرابعة وهو إذا أرادت قيمته في ضمانه بالجناية، لأنه لا يجوز أن يلحق بالبهيمة في أقلها، ويلحق بالحر في أكثرها، ولأنهم لا يلحقونه بالحر في أكثرها حتى ينقصوا من قيمته عشرة، فلم يسلم لهم أحد الأصلين.
فأما الجواب عن قياسهم على الحر، فهم لا يساوونه بالحر لما يعتبرونه من نقصان قيمته عن دية الحر فهذا جواب.
وجواب ثان أنه لما يلحق بالحر في ضمانه باليد لم يلحق في ضمانه بالجناية، ولما امتنع أن يلحق به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به إذا زادت.
وقياسهم على ضمان أطرافه فأطرافه معتبرة بقيمته، وقيمته غير مقدرة، فلم تتقدر بها
الجزء: 12 - الصفحة: 19
أطرافه، وقولهم: أنه ناقص بالرق فلم يساوي الحر في ديته، فاسد من وجهين:
أحدهما: أنهم جعلوه كاملاً في القصاص وناقصاً في الدية وهذا تناقض.
والثاني: أنه لما لم يمنه نقصه في ضمانه باليد من الزيادة على دية الحر لم يمنع من ذلك في ضمانه بالجناية.
فصل:
فإذا ثبت أن العبد مضمون بالقيمة، وإن زادت على الدية، لم يخل الضمان أن يكون نفسه أو لما دونها فإن ضمنت نفسه استوى ضمانها باليد إذا غصب وبالجناية إذا قتل، فتجب فيه جميع قيمته ما بلغت لكن يعتبر في الجناية قيمته وقت القتل، وتعتبر في اليد قيمته أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت التلف.
فأما ما دون نفسه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون جرحاً لا يتقدر فيه من الحر دية، فتجب فيه ما نقص من قيمته في ضمانه باليد والجناية جميعاً.
فلا يخلو ضمانها في العبد من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تضمن بالجناية فتضمن بنصف قيمته كالحر في ضمانها بنصف ديته.
والقسم الثاني: أن تضمن باليد فتضمن ما نقص من قيمته سواء زاد على نصف القيمة أو نقص كالبهيمة.
والقسم الثالث: أن تضمن باليد والجناية فيضمنها بأكثر الأمرين من نصف قيمته، أو ما نقص منها لأنه لما جمع بين الأمرين وجب أن يلزمه أغلظهما لوجود موجبه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا يقتل والد بولد لأنه إجماع، ولا جد من قبل أم، ولا أب بولد وإن بعد، لأنه والد، قال المزني رحمه الله: هذا يؤكد ميراث الجد، لأن الأخ يقتل بأخيه، ولا يقتل الجد بابن ابنه، ويملك الأخ أخاه في قوله، ولا يملك جده، وفي هذا دليل على أن الجد كالأب في حجب الإخوة وليس كالأخ".
قال في الحاوي: "لا يقتل والد ولا والدة ولا جد ولا جدة بولد ولا بولد ولد وإن سفل، سواء قتله ذبحاً قال مالك: إن ذبحة غيلة قتل به وإن حذفه بسيف فقتله لم يقتل به، استدلالاً بعموم الكتاب والسنة، ولأن تساويهما في الإسلام والحرية يوجب
الجزء: 12 - الصفحة: 20
تساويهما في القود كالأجانب ولأنه لما قتل الولد بالوالد جاز قتل الوالد بالولد.
ودليلنا ما روى قتادة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد" وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً من بني مدلج أولد جارية فأصاب منها ابناً، وكان يستخدمها، فلما شب الغلام قال: إلى متى تستأمن أمي أي: تستخدمها خدمة الإماء فغضب فحذفه بسيف أصاب رجله فقطعها، ومات فانطلق في رهط إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد الأب من أبنه" لقتلتلك هلم ديته، قال: فأتاه بعشرين ومائة بعير، قال: فخير منها مائة فدفعها إلى ورثته، وترك أباه، فإن قيل: إنما أسقط عنه القود للحذف، ودخول الشبهة فيه بما جعل له من تأديبه، وهذا المعنى مفقود في ذبحه غيلة.
قيل: هذا فاسد من وجهين إنه ليس في عرف التأديب حذفه بالسيف فلم يجز حمله عليه.
والثاني: أنه لو جاز لما استحقه من تأديبه أن لا يقال لحذفه يسقط به القود عن كل مستحق للتأديب من وال وحاكم، وهم يقادون به مع استحقاقهم للتأديب فكذلك الأب، ولأنه لا يحلو سقوط القود عن الأب في الحذف أن يكون لشبهة في الفعل، أو في الفاعل، فلم يجز أن يكون لشبهة في الفعل، لأنه لا يكون شبهة فيه مع غير الولد فثبت أنه لشبهة في الفاعل وهو الأبوة فوجب أن يسقط عنه القود مع اختلاف أحواله، ولأن الولد بعض أبيه، ولا قود على الإنسان فيما جناه على نفسه كذلك لا قود عليه في ولده لأنه بعض نفسه.
واستدلاله بالظواهر مخصوص وقياسه على الأجانب ممنوع بما ذكرناه من البعضية واعتباره بقتل الولد بالوالد فاسد لتسويته في الولد بين الذبح، والحذف، وفرقة في الأب بين الذبح والحذف، وأنه يحد الولد بقذف الوالد، ولا يحد الوالد بقذف الولد، وهذا انفصال ودليل.
فإن قيل: فكيف قال الشافعي فيما خالف فيه مالك: لأنه إجماع، وكيف ينعقد الإجماع مع خلاف مثله فعنه جوابان:
أحدهما: أنه أراد به الصحابة لأن قول عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالف أحدهم.
والثاني: أنه قتله حذفاً إجماع لا يعرف فيه خلاف فكان الذبح بمثابة فأما المزني
الجزء: 12 - الصفحة: 21
فإنه لما رأى الشافعي يقول: إن الجد كالأب في أنه لا يقتل بولده ولده قال: يجب أن يكون الجد كالأب في حجب الإخوة عن الميراث.
قيل: إنما قال: إن الجد كالأب لأجل الولادة ولا يقتضي أن يحجب به الإخوة، كما تجعل الأم وأباها كالأب في سقوط القود، ولا تجعلها كالأب في حجب الإخوة.
فصل:
فإذا ثبت أن لا قود على الأبوين ومن علا من الأجداد والجدات من ورث منهم أو لم يرث فسواء كان الوالد القاتل حراً أو عبداً مسلماً أو كافراً، ويعزر لإقدامه على معصية، وعليه الدية والكفارة في ماله، ولا ميراث له منه، لأن القاتل لا يرث.
فصل:
وإذا تنازع رجلان في أبوة ولد ثم قتلاه أو أحدهما فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون لقيطاً قد أدعاه كل واحد منهما ولداً فعند أبي حنيفة: أنه يلحق بهما.
وعلى مذهب الشافعي: أنه يعرض على القافة، ويلحق بمن ألحقوه به منهما، فإن عدمت القافة، وأشكل عليهم وقف إلى زمان الانتساب لينتسب إلى أحدهما بطبعه، وللكلام معه موضع غير هذا، وإذا كان كذلك فللمدعي أبوتة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكونا مقيمين على ادعائه، والتنازع فيه، فإن قتلاه فلا قود عليهما، لجريان حكم الأبوة عليهما، وإن لم يتعين في أحدهما، لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه وإن قتله أحدهما قبل البيان فلا قود عليه سواء لحق بالقتل أو بالآخر، لثبوت الشبهة فيه عند قتله.
والثانية: أن يسلمه أحدهما إلى الآخر قبل القتل فيلحق بمن سلم إليه، ويصير ابناً له دون الآخر، فإن قتله من ألحق به فلا قود عليه، لأنه أب له، وإن قتله من نفي عنه أقيد به، لأنه أجنبي منه، وإن قتلاه معاً فلا قود على الأب، ويقاد من الآخر.
والثالثة: أن يرجعا جميعاً عن ادعائه فلا يقبل رجوعهما، وإن قبل رجوع أحدهما، لأنه قد صاراً بدعواهما مستحقاً لأبوة أحدهما فإذا سلمه أحدهما صارا متفقين على إثبات أبوته فقبل منهما، وإذا رجع عنها صاراً متفقين على إسقاط أبوته فلم يقبل منهما.
فإن قتلاه أو أحدهما لم يقتل به لبقاء حكم الأبوة بينهما.
وإن تنازعا لاشتراكهما في الفراش، أو تناكراه مع اشتركهما في الفراش، فالحكم فيهما سواء، وكذلك لو سلمه أحدهما إلى الأخر لم يقبل منه بخلافهما في دعوى اللقيط، لأن حكم الأبوة في اللقيط يثبت بالدعوى، فجاز تسليمه لأحدهما.
وفي ولد الموطوءة ثبت حكم الأبوة بالاشتراك في الفراش فلم يؤثر فيه التسليم
الجزء: 12 - الصفحة: 22
والإنكار، وإذا كان كذلك فلبيان نسبة في لحوقه بأحدهما حالتان:
إحداهما: بالولادة، وهو أن تلده لأقل من ستة أشهر من وطء أحدهما، ولستة أشهر فصاعداً من وطء الآخر، فيكون لاحقاً بمن ولدته لستة أشهر فصاعداً من وطئه، وهذا بيان لا يجوز أن يتأخر عن زمان الولادة فلا يكون القتل إلا بعد استقرار نسبة، فإن قتله من لحق به فلا قود عليه، وإن قتله من انتفي عنه أقيد به، وإن اشتركا في قتله به غير أبيه، وسقط القود عن أبيه.
والثانية: أن لا يبين نسبة بالولادة، لولادته بعد ستة أشهر من وطئها معاً، فيوقف نسبة على البيان، بالقافة أو الانتساب، فإن قتل بعد البيان أقيد به غير أبيه، وإن قتل قبل البيان فلا قود على واحد منهما، سواء بان من بعد أنه أب أو غير أب، لثبوت الشبهة حال القتل.
فصل:
وإذا قتل الرجل زوجته وتركت ولداً فله حالتان:
إحداهما: أن يكون من القاتل.
والثاني: أن يكون من غيره.
فإن كان من القاتل سقط القود عنه، لأن وراثها ابن قاتلها، وإذا لم يثبت للابن على أبيه قود في حق نفسه لم يثبت عليه بإرثه عن غيره، ولو كان الزوج قد قذفها قبل القتل سقط عنه حد القذف وإذا ورثها ابنه، لأن الابن لما لم يستحق عليه الحد في قذف نفسه، فكذلك لا يستحقه بإرثه عن غيره، وإن كان ولد المقتولة من غير القاتل ثبت له على القاتل القود حد القذف، لأنه لا نسب له بينهما، ولا بعضية.
ولو تركت المقتولة ولدين أحدهما من القاتل والآخر من غيره، ورثها الولدان معاً، وسقط عن الزوج القود، ولم يسقط عنه حد القذف، لأن القود في حق ابنه قد سقط فسقط في حق الآخر منهما، كما لو عفا أحد الوليين عن القاتل سقط القود في حق الآخر ولا يجوز لأحد الوليين أن يستوفيه.
وحد القذف بخلافه لأن عفو أحد الوارثين عنه لا يوجب سقوط حق الآخر منه، ويجوز لأحدهما أن يستوفه فافترقا فيه ويتصل بهذا الموضع فروع قدمناها في كتاب الفرائض.
مسألة:
قال الشافعي: "ويقتل العبد والكافر بالحر المسلم والولد بالوالد".
قال في الحاوي: وإذا مضى الكلام في الإيقاد من الأكمل بالأنقص فلا يمنع أن
الجزء: 12 - الصفحة: 23
يقاد من الأنقص بالأكمل فيجوز أن يقتل الكافر بالمسلم، وإن لم يجز أن يقتل المسلم بالكافر، ويجوز أن يقتل العبد بالحر، وإن لم يجز أن يقتل الحر بالعبد، ويجوز أن يقتل الولد بالوالد، وإن لم يجز أن يقتل الوالد بالولد، لأن أخذ الأنقص بالأكمل اقتصار على بعض الحق، وأخذ الأكمل بالأنقص استفضال على الحق فيجوز الاقتصار فيه، ومنع من الاستفضال عليه، فلو بذل الأكمل نفسه بالأنقص فبذل الحر نفسه بقتل العبد، وبذل المسلم نفسه بقتل الكافر، وبذل الوالد نفسه بقتل الولد، لم يجز أن يقاد من واحد منهم، لأن القود إذا لم يجب لم يستبح بالبذل، كما لو بذل نفسه أن يقتل بغير قود لقول الله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29].
مسألة:
قال الشافعي: "ومن جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه القصاص في الجراح".
قال في الحاوي: وهذا صحيح كل بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف والجراح، سواء اتفقا في الدية كالحرين المسلمين أو اختلفا في الدية، كالرجل والمرأة والعبيد إذا تفاضلت فيهم، وإن لم يجز القصاص بينهما في النفس لم يجز في الأطراف كالمسلم مع الكافر والعبد مع الحر.
وقال أبو حنيفة: إن اختلفت دياتهما جرى القصاص بينهما في النفس دون الأطراف كالرجل مع المرأة بقتله بها، ولا يقطع يده بيدها، والعبيد إذا تفاضلت قيمهم، وقل أن تكون متفقة، فيوجب القود بينهم في النفوس، لأنه لا يجوز أن تؤخذ اليد السليمة بالشلاء، وتؤخذ النفس السليمة بالنفس السقيمة، فلم يمنع تفاضل الديات من القود في النفوس، ومنع من القود في الأطراف، ولأن أطراف الرجل أعم نفعاً من أطراف المرأة لاختصاصهما بالتصرف في الأعمال والاكتساب، فلم يتكافأها أطراف المرأة فسقط القود فيها.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] إلى قوله: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فكان على عمومه.
ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى في الأطراف كالرجلين.
ولأن كل قصاص جرى بين الرجلين والمرأتين جاز أن يجري بين الرجل والمرأة كالنفوس، وكل قصاص جرى بين الحرين جرى بين العبدين كالنفوس، وقد مضى الجواب عن استدلاله باعتبار التكافؤ في الأطراف دون النفس بأنه معتبر في الأمرين، وفي الشلل حكم نذكره في موضعه، وما ذكره من اختصاص أطراف الرجل بالمنافع
الجزء: 12 - الصفحة: 24
فيفسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما اتفقوا عليه من أخذ يد الكاتب والصانع والمحارب بيد من ليس بكاتب ولا صانع ولا محارب.
والثاني: أن في يد المرأة منافع ليست في يد الرجل فتقابلا.
والثالث: أن أطراف العبيد تماثل في المنافع، ولا يجري فيها قود، فبطل هذا الاعتبار وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي: "ويقتل بالواحد، واحتج بأن عمر رضي الله عنه قتل خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"
قال في الحاوي: وهو كما قال إذا اشترك الجماعة في قتل واحد قتلوا به جميعاً إذا كانوا له أكفاء وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: للولي أن يقتل به من الجماعة واحداً فيه إلى خياره، ويأخذ من الباقين قسطهم من الدية، وهو في الصحابة قول معاذ بن جبل، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وفي التابعين: قول ابن سيرين والزهري.
وقال آخرون: لا قود على واحد من الجماعة بحال، وتؤخذ منهم الدية بالسوية، وبه قال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وداود بن علي وأهل الظاهر، واستدلالاً بقول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وبقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: 178] فاقتضي هذا الظاهر أن لا تقتل النفس أكثر من نفس، ولا بالحر أكثر من حر، وبقوله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] ومن السرف قتل الجماعة بالواحد.
وروى جويبر عن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل اثنان بواحد" وهذا نص ولأن الواحد لا يكافئ الجماعة لا يقتل بالجماعة إذا قتلهم، ويقتل بأحدهم، ويؤخذ ماله ديات الباقين، وكذلك إذا قتله جماعة لم يقتلوا به، ولأن زيادة الوصف إذا منعت من القود حتى لم يقتل حر بعبد، ولا مسلم بكافر، كان زيادة العدد أولى أن تمنع من القود، فلا يقتل جماعة بواحد، ولأن للنفس بدلين: قود ودية، فلما لم يجب على الاثنين بقتل الواحد ديتان لم يجب عليهما قودان.
الجزء: 12 - الصفحة: 25
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وسبب الحياة أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كف عن القتل، فحي القاتل والمقتول، فلو لم تقتص من الجماعة بالواحد، لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا هم بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما وصار رافعاً لحكم النص.
وروى أبو شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعد قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
وهذا الخبر وارد في قتل الجماعة لواحد لأنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل" ثم قال: "فمن قتل بعده قتيلاً" ومن ينطلق على الجماعة كانطلاقه على الواحد ثم قال: "فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل، فدل على قتل الجماعة بالواحد، لأن الحكم إذا ورد على سبب، لم يجز أن يكون السبب خارجاً من ذلك الحكم.
وروى ابن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيله وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعاً به.
والقتل على أنواع غيلة، وفتك، وغدر، وصبر.
فالغيلة: الحيلة وهو أن يحتالوا له بالتمكن من الاستخفاء حتى يقتلوه.
والفتك: أن يكون آمناً فيراقب حتى يقتل.
والغدر: أن يقتل بعد أمانه.
والصبر: قتل الأسير محاصرة.
وروي عن علي عليه السلام أنه قتل ثلاثة قتلوا واحد وكتب إلى أهل النهروان حين قتلوا عامله خباب بن الأرت سلموا إلى قاتله قالوا: كلنا قتله قال: فاستسلموا إذن أقد منكم، وسار إليهم فقتل أكثرهم.
وقتل المغيرة بن شعبة سبعة بواحد.
وقال ابن عباس: إذا قتل جماعة واحداً قتلوا به ولو كانوا مائة.
وهذا قول أربعة من الصحابة فيهم إمامان عملاً بما قالا به فلم يقابلهم قول معاذ بن الزبير وصار ربيعة وداود خارجين من قول الفريقين بإحداث قول ثالث خالف فيه الفريقين فصارا مخالفين للإجماع، لأن من أحدث قولاً ثالثاً بعد قولين أحدث قولاً ثانياً بعد أول، ولأن قتل النفس أغلظ من هتك العرض بالقذف فلما حد الجماعة بقتل الواحد، كان أولى أن يقتلوا بقتل الواحد.
الجزء: 12 - الصفحة: 26
ولأن كل واحد من الجماعة ينطلق اسم القتل عليه، فوجب أن يجري عليه حكمه كالواحد، ولأن ما وجب في قتل الواحد لم يسقط في قتل الجماعة كالدية.
فأما قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وقوله: ﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] فستعمل في الجنس لأن النفس تنطلق على النفوس، والحر ينطلق على الأحرار وقوله: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] يريد أن لا يقتل غير قاتله على أن قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] يقتضي أن يكون سلطانه في الجماعة كسلطانه في الواحد فصارت الآية دليلنا.
وأما حديث الضحاك فمرسل منكور وإن صح كان محمولاً على المسك والقاتل، فيقتل به دون المسك.
وقولهم إن دم الواحد لا يكافئ دم الجماعة غير صحيح، لأن حرمة الواحد كحرمة الجماعة لقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] فوجب أن يكون القود فيهما واحداً، وليس يوجب قتل الجماعة بالواحد، أن تقتل الواحد بالجماعة، وإن قال به أبو حنيفة لأن المقصود بالقود حقن الدماء، وأن لا تهدر فقتل الجماعة بالواحد لئلا تهدر دماؤهم.
وقولهم: لما منع زيادة الوصف ممن القود كان أولى أن يمنع من زيادة العدد، فالفرق بينهما أن زيادة الوصف منعت من وجود المماثلة في الواحد فلم تمنع في الجماعة ألا ترى أن زيادة الوصف في القاذف تمنع من وجوب الحد عليه، وزيادة العدد لا يمنع من وجوب الحد عليهم وقولهم: لما لم تستحق بقتله ديتان لم تستحق به قودان فعنه جوابان:
أحدهما: أن الدية تتبعض فلم يجب أكثر منها، والقود لا يتبعض فعم حكمه كسرقة الجماعة لما أوجبت غرماً يتبعض، وقطعاً لا يتبعض اشتركوا في غرم واحد وقطع كل واحد منهم.
والثاني: أن القود موضوع للزجر والردع فلزم في الجماعة كلزومه في الواحد، والدية بدل من النفس فلم يلزم فيها إلا بدل واحد، فإذا ثبت قتل الجماعة بالواحد:
كان الولي فيه بالخيار بين ثلاثة أحوال: إما أن يقتص من جميعهم أو يعفوا عن جميعهم، إلى الدية فتسقط الدية الواحدة بينهم على أعدادهم، أو يعفو عن بعضهم، ويقتص من بعضهم، ويأخذ ممن عفا عنه من الدية بقسطه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو جرحه أحدهما مائة جرح والآخر جرحا واحد فمات كانوا في القود سواء".
الجزء: 12 - الصفحة: 27
قال في الحاوي: أعلم أن اشتراك الجماعة في قتل الواحد تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون كل واحد منهم موجباً مثل أن يذبحه أحدهما ويبقر الآخر بطنه ويقطع حشوته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعلا ذلك معاً في حالة واحدة، فيكونا جميعاً قاتلين، ويجب القود عليهما، وتؤخذ الدية منهما.
والثاني: أن يتقدم أحدهما على الآخر فيوجئه ثم يتلوه الآخر مع بقاء النفس ووجود الحركة فيوجئ حتى يطفا ويبرد، فالأول منهما هو القاتل، وعليه القود وجميع الدية، دون الثاني، لأن فوات الحياة منسوب إلى فعل الأول، ولا يجري على ما بقي من النفس والحركة حكم الحياة، ولو مات له في هذه الحالة ميت لم يرثه، ولو أوصى له بمال لم يملكه، ولو انقلب على طفل فقتله لم يضمنه، ويعزز الثاني أدباً وزجراً.
فصل:
والقسم الثاني: أن يكون كل واحد منهم جارحاً أو قاطعاً غير موج فيكون جميعهم في قتله سواء اجتمعوا في وقت واحد أو تفرقوا، وسواء اتفقوا في عدد الجرح أو اختلفوا حتى لو جرحه واحدة، وجرحه الآخر مائه جراحة، كانوا في قتله سواء وعليهم القود والدية بينهم بالسوية، لا على عدد الجراح لأنه يجوز أن يموت من الجرح الواحد، ويحيا من مائة جرح، أما لاختلاف المواضع القاتلة، وإما لاختلاف مورد الحديد في دخوله في جسده، وذلك غير مشاهدة.
فلهذا لم تقسط الدية على عدد الجراح، وتقسطت على عدد الجناة الجناية.
فإن قيل: أفليس الجلاد لو حد القاذف أحداً وثمانين سوطاً فمات كان عليه من الدية جزء من إحدى وثمانين جزءاً فهلا كان الجناة في أعداد الجراح كذلك؟ قيل: في الجلاد قولان:
أحدهما: عليه نصف الدية لفوات النفس من وجهين، مباح، ومحظور، ولا اعتبار بعدد الجلد، وتساوي حكم الجناة.
والثاني: أنه تتقسط الدية على عدد الجلد ولا تتقسط على أعداد الجراح، والفرق بينهما: أن محل الجلد مشاهد يعلم به التساوي فتقسطت الدية على عدده ومور الجراح غير مشاهد لا يعلم به التساوي فلم تتقسط الدية فيه على عدده.
فصل:
والقسم الثالث: أن يكون أحدهما جارحاً، والآخر موج فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتقدم الجارح على الموجئ فيؤخذ كل واحد منهما بحكم جنايته، فيكون الأول جارحاً فيقتص منه في الجراح، إن كان مثله قصاص أو يؤخذ منه ديته، إن لم يكن فيه قصاص، ويكون الثاني قاتلاً يقتص منه في النفس، أو تؤخذ منه جميع الدية،
الجزء: 12 - الصفحة: 28
وكذلك لو اجتمعا معاً لم يسقط حكم الجرح لأن التوجية لم تتقدمه.
والثاني: أن يتقدم الموجئ على الجارح فيسقط حكم الجرح بعد التوجية ويؤخذ الموجئ بالقود أو جميع الدية.
فصل:
ولو جرحه أحدهما موضحة، وجرحه الآخر جائفة، ثم مات قبل اندمالهما كانا قائلين، والدية بينهما نصفين لأنه قد يجوز أن يبرأ من الجائفة، ويموت من الموضحة والولي في صاحب الموضحة بين خيارين بين أن يبدأ بقتله أو يوضحه ثم يقتله وفي صاحب الجائفة على قولين:
أحدهما: أنه بالخيار فيه بين قتله ابتداء، وبين أن يقتص من الجائفة ثم يقتله.
والثاني: أنه ليس له إجافته، لأن الجائفة لا قصاص فيها، ويعتد له بالقتل فلو اندملت الموضحة، ثم مات قبل اندمال الجائفة، صار الذي أوضحه جارحاً، ويجوز أن يقتص منه في الموضحة أو تؤخذ ديتها، وصار الذي أجافه قاتلاً عليه القود أو الدية، وهل له إجافته قبل قتله أم لا على قولين.
ولو اندملت الجائفة، ومات قبل اندمال الموضحة كان في اندمال الموضحة في الجائفة ديتها دون القود، وصار الموضع قاتلاً والولي معه بين خيارين إما أن يبدأ بقتله أو يقتص من الموضحة ثم يقتله.
فلو ادعى صاحب الجائفة أن جراحته اندملت ومات من الموضحة فصدقه الولي وكذبه صاحب الموضحة، نظر في حال الولي فإن أراد القود قبل قول الولي في تصديقه لصاحب الجائفة، وكان له أن يقتص من صاحب الموضحة وحده، ويأخذ من صاحب الجائفة أرش جائفته، لأن له لو لم تندمل الجائفة أن يقتص من صاحب الموضحة وحده، وإن كان الولي قد عفا عن القود، وأراد الدية لم يقبل تصديقه لصاحب الجائفة لأمرين:
أحدهما: أن يجر بها إلى نفسه نفعاً في أخذ أرش الجائفة بعد اندمالها مع دية النفس.
والثاني: أنه يدخل على صاحب الموضحة ضرراً، لأنه قد كان ملتزماً ما لو لم تندمل الجائفة نصف الدية فألزمه جميعاً، وإذا كان كذلك حلف صاحب الموضحة بالله لقد مات المجروح قبل اندمال الجائفة ولم يلزمه إلا نصف الدية فإن نكل عن اليمين ردت على الولي، لأن الحق له دون صاحب الجائفة وقضى له بجميع الدية.
مسألة:
قال الشافعي: "ويجرحون بالجرح الواحد إذا كان جرحهم إياه معاً لا يتجزأ".
الجزء: 12 - الصفحة: 29
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اشترك الجماعة في جرح أو قطع طرف اقتص من جميعهم وقال أبو حنيفة والثوري: لا قصاص عليهم إذا اشتركوا في الأطراف، وإن وجب عليهم القصاص إذا اشتركوا في النفس استدلالاً بما قدم ذكره من أن التساوي معتبر في الأطراف دون النفس، لأن اليد السليمة لا تؤخذ بالشلاء، وتقتل النفس السليمة بالنفس السقيمة ودليلنا ما روي أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على رجل بالسرقة فقطع يده ثم عادا، ومعهما آخر فقالا: أخطأنا في الشهادة على الأول وهذا هو السارق، فرد شهادتهما، ولم يقطع الثاني وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما.
فدل على جوازه قطع اليدين باليد الواحدة، ولأن كل جناية لو انفرد بها الواحد أقيد، وجب إذا اشترك فيها الجماعة أن يقادوا، كالجناية على النفوس، ولأنه قود يستحق في النفس فوجب أن يستحق في الطرف كالواحد، ولأن حرمة النفس أغلظ من حرمة الطرف فلما أقيدت النفوس بنفس، فأولى أن تقاد الأطراف بطرف، وقد أجبنا عن استدلالهم بأن التساوي معتبر في الأطراف، دون النفوس بأنهما سواء عندنا في اعتبار التساوي فيهما على ما بيناه.
فصل:
فإذا ثبت قطع الأطراف بطرف فاعتبار الاشتراك فيه أن يجتمعوا على أخذ السيف بأيديهم كلهم، ويعتمدوا جميعاً في حال واحدة على قطع اليد فحينئذ يصيروا شركاء في قطعها، فتقطع أيديهم بها.
فأما إذا انفرد كل واحد منهم بقطع موضع منها حتى بانت، إما في موضع منها أو في مواضع، أو يقطع أحدهما من باطن اليد والآخر من ظاهرها حتى يلتقي القطعان فتبين اليد وتسقط فليس هذا اشتراكاً في الفعل الواحد فلم يجب على الواحد منهم قود، وأخذ بأرش جنايته.
فأما اشتراكهم في جرح موضحه فإن اجتمعوا على سيف واحد، أوضحوه به في حالة واحدة، وجب على كل واحد منهم القصاص في مثل تلك الموضحة، وإن عفا عن القصاص كان على جماعتهم دية موضحة واحدة، وإن تفرد كل واحد منهم بأن أوضح منها موضعاً حتى اتسع اقتص من كل واحد منهما مثل ما أوضح، لأن القصاص يجب في صغير الموضحة كما يجب في كبيرها فإن عفا عن القصاص كان على كل واحد منهم دية موضحة، لأن دية الموضحة إذا صغرت كديتها إذا كبرت.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يقتص إلا من بالغ، وهو من احتلم من الذكور أو حاض من
الجزء: 12 - الصفحة: 30
النساء، أو بلغ أيهما كان خمس عشرة سنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجوب القصاص معتبر بالبلوغ والعقل المعتبرين في التكليف فإن كان الجاني صغيراً أو مجنوناً لم يجب عليه القصاص في نفس ولا طرف لرواية علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه" فإن قيل: فقد روي عن علي عليه السلام أنه قطع أنملة صبي.
قيل: ليس بثابت، ولو صح لاحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قطعها الأكلة وقعت فيها لتسلم من سرايتها، ولم يقطعها قوداً.
والثاني: أن يكون غلاماً صغيراً في المنظر وإن بلغ، ولأن عدم التكليف يمنع من الوعيد والزجر، فلم يجب عليه قود كما لم يجب عليه حد، ولأن حقوق الأبدان تسقط بالجنون والصغر كالعبادات.
فصل:
فإذا تقرر أن لا قود عليهما إذا جنيا لم يؤخذا به بعد البلوغ والعقل، ووجب القود على البالغ العاقل إذا قتلهما، لأن التكليف معتبر في القاتل دون المقتول فلو ادعى القاتل أنه قتل وهو صغير، وادعى الوالي أنه قتل وكان بالغاً، فالقول قول القاتل مع يمينه لأمرين:
أحدهما: أن الأصل الصغر حتى يعلم البلوغ.
والثاني: أن الأصل سقوط القود حتى يعلم استحقاقه، ولو ادعى القاتل أنه قتل وهو مجنون وادعى الولي أنه قتل وكان عاقلاً، فإن علم بجنونه فالقول قوله مع يمينه للأمرين، وإن لم يعلم جنونه فالقول قول الولي مع يمينه، لأن الأصل السلامة، فإذا سقط القود عنهما في العمد لزمتها الدية لأنها من حقوق الأموال التي يجب على غير المكلف كوجوبها على المكلف، وإن اختلفا في حقوق الأبدان، وفي الدية اللازمة لهما قولان:
أحدهما: أنها تكون في أموالهما.
والثاني: على عواقلهما بناء على اختلاف قولي الشافعي في عمدهما هل يكون خطأ أو عمداً، والله أعلم.
باب صفة القتل العمد وجراح العمد التي فيها قصاص وغير ذلك
قال الشافعي رحمه الله: "وإذا عمد رجل بسيف أو خنجر أو سنان رمح أو ما يشق بحده إذا ضرب أو رمي به الجلد واللحم دون المقتل فجرحه جرحاً كبيراً أو صغيراً فمات منه فعليه القود".
الجزء: 12 - الصفحة: 31
قال الماوردي: اعلم أن آلة القتل على ضربين:
أحدهما: المثقل ويأتي.
والثاني: المحدد وهو على ضربين:
أحدهما: ما شق بحده.
والثاني: ما نفذ بدفنه.
فأما ما شق بحده فقطع الجلد ومار في اللحم كالسيف والسكين، والسنان والحربة، وهذا يجمع نفوذاً، وقطعاً فالقود فيه واحب باتفاق، سواء كان بحديد أو بما يقوم مقام الحديد من محدد الخشب والزجاج والقصب.
وأما ما نفذ بدفنه فعلى ضربين:
أحدهما: ما كبر وبعد غور نفوذه كالسهم والمسلة، إذا وصلا إلى الجسد فنفذ فيه وجب فيها القود بعد نفوذها، سواء خرج منها دم أو لم يخرج، لأن خروج الدم غير معتبر في وجوب القود كما لم يعتبر في استحقاق الدية.
والثاني: ما صغر منه كالإبرة، فإن كانت في مقتل كالنحر والصدر والحاضرة والعين ففيهما القود، وإن كانت في غير مقتل كالألية والفخذ نظر حالهما، فإن اشتد ألمها ولم يزل المجروح بها زمناً منها حتى مات ففيها القود، وإن لم تؤلم نظر في الموت فإن تأخر زمانه بعد الجرح بها، فلا قود فيها، ولا دية لعدم تأثيرها في الحال، وإن مات معها في الحال ففي وجوب القود وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أن القود فيها واجب لأن لها سراية وموراً، ولأن في البدن مقاتل خافية في عروق ضاربة، قال: وهو معنى قول الشافعي جرحاً كبيراً أو صغيراً.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي سعيد الإصطخري: أنه لا قود فيها لأن مثلها لا يقتل غالباً، ولأنه لما مزق في المثقل بين صغيرة وكبيرة، وجب الفرق في المحدد بين صغيرة وكبيرة، فعلى هذا في وجوب الدية عند سقوط القود وجهان:
أحدهما: تحب الدية مغلظة لتردده بين احتمالي قتل وسلامة.
والثاني: أنه لا دية فيه، لأن أقل ما ينفذ من المحدد كأقل ما يضرب به من الثقل، فلما لم تجب الدية في أقل المثقل لم تجب في أقل المحدد.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن شدخه بحجر، أو تابع عليه الخنق، أو والي عليه بالسوط حتى يموت، أو طين عليه بيتاً بغير طعام، ولا شراب، مدة الأغلب أنه يموت من مثله، أو ضربه بسوط في شدة برد أو حر، ونحو ذلك: مما الأغلب أنه يموت منه فمات فعليه القود".
الجزء: 12 - الصفحة: 32
قال في الحاوي: أما القتل بالمثقل وما يقتل مثله في الأغلب من الخنق والحرق والتغريق، وما أشبه، ففيه القود على ما سنصفه.
وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا قود في المثقل إلا أن يكون حديداً كالعمود، ولا قود في غير المثقل إلا أن يكون بالنار، استدلالاً بظاهر ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قود إلا بالسيف".
وروى عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "لا قود إلا بحديدة".
وروى جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء خطأ إلا السيف وفي كل خطأ أرش".
وروى القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على درج الكعبة يوم الفتح: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها".
وروى إبراهيم عن عبيد عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عصبتها.
وهذه كلها نصوص في سقوط القود بالمثقل.
ومن طريق المعنى: أنه لما لم يقع الفرق في المحدد بين صغيرة وكبيرة في وجوب القود، اقتضى أن لا يقع الفرق في المثقل بين صغيرة وكبيرة في سقوط القود.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وهذا قتل مظلوماً فوجب أن يكون لوليه القود.
وروى شعبة عن هشام بن زيد عن جده أنس بن مالك أن جارية كان عليها أوضاح فرضخ رأسها يهودي بحجر، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال لها: من قتلك؟ وذكر لها جماعة وهي تشير برأسها إلى أن ذكر اليهودي فأشارت برأسها نعم فأمر به
الجزء: 12 - الصفحة: 33
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بين حجرين.
فإن قيل: إنما قتله لنقض عهده لا لقتله فعنه جوابان:
أحدهما: أنه حكم ورد على سبب فوجب أن يكون محمولاً عليه.
والثاني: أنه لما قتله بمثل ما قتل من الحجر دل على أنه مماثلة قود لا لنقص عهده.
وحكي الساجي عن بشر بن المفضل قال: قلت لأبي حنيفة: يجب القود على من قتل بالمثقل: قال لو رماه لم يجب عليه القود.
قلت: قد روى شعبة عن هشام بن زيد عن جده أنس بن مالك: أن يهودياً رض رأس جارية بحجر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بين حجرين فقال: هذا بهذا.
وبمثل هذا القول لا تدفع أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن حمل بن مالك بن نابغة الكلابي قال: كنت بين جاريتين لي - يعني زوجتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، والمسطح عمود الخيمة، فقتلتها وما في جوفها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة، وأن يقتل مكانها.
ولا يعارض حديث المغيرة، لأنه أجنبي من المرأتين، وحمل ابن مالك زوج الضرتين، فكان بحالهما أعرف.
ومن المعنى: أن المثقل: أحد نوعي ما يقصد به القتل في الغالب فوجب أن يستحق فيه القود كالمحدد، ولأن ما وجب القود في محدده وجب في مثقله كالحديد، ولأن القود موضوع لحراسة النفوس كما قال الله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] فلو سقط بالمثل لما انحرست النفوس، ولسارع كل من يريد القتل إلى المثقل ثقة بسقوط القود وما أدى إلى إبطال معنى النص كان مطرحاً فأما الجواب عن قوله: "لا قود إلا بالسيف" فظاهرة حال استيفاء القود أنه لا يكون إلا بالسيف، ونحن نذكره من بعد، وقوله: "كل شيء خطأ إلا السيف" فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده "كل شيء من خطأ إلا السيف" وهذا أولى لزيادته، ولو لم تنقل الزيادة لكان الخبر محمولاً عليه بأدلتنا، وقوله: ألا إن في قتيل الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل" فلا دليل فيه من وجهين:
أحدهما: أنه جعل في عمد الخطأ بالسوط والعصا الدية، ولم يجعل السوط والعصا عمدا خطأ.
والثاني: ما قدمناه أن في السوط والعصا عمداً خطاً، وليس بمانع أن يكون عمداً
الجزء: 12 - الصفحة: 34
محضاً، لأنه قد يتنوع، والسيف لا يتنوع، وقد دفعنا حديث المغيرة برواية حمل بن مالك.
واستدلالهم بالجمع بين صغير المثقل وكبيرة في سقوط القود، كما جمع بين صغير المحدد وكبيرة في وجوب القود، فالجواب عنه أنه صغير المحدد وكبيرة يقتل غالباً فجمع بينهما، وصغير المثقل غالباً ويقتل كبيره في الغالب فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت في القتل بالمثقل قوداً فالمثقل ينقسم ثمانية أقسام:
أحدها: قتل مثله في الأغلب كالصخرة الثقيلة والخشبة الكبيرة، ويقتل في أي موضع وقعت عليه من الجسد وعلى من وقعت عليه من جميع الناس فالقود واجب.
والثاني: ما لا يقتل مثله في الغالب كالحصاة مثل النواة والخشبة مثل القلم لا يقتل في أي موضع وقعت عليه من الجسد، ولا على من وقعت عليه من جميع الناس فلا قود فيه ولا دية.
والثالث: ما يجوز أن يقتل مثله، ويجوز أن لا يقتل مثله، ويجوز أن يقتل وهو ما توسط بين الأمرين فلا قود، وفيه الدية مغلظة، وهو المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل العمد والخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها".
والرابع: ما يقتل إذا ردد، ولا يقتل إذا أفراد كالسوط والعصا فإن ردده وجب فيه القود، وإن لم يردده وجب فيه الدية دون القود.
والخامس: ما يقتل الصغير والمريض ويجوز أن لا يقتل الكبير والصحيح، فيراعي المقتول به فإن كان صغيراً أو مريضاً وجب فيه القود، وإن كان كبيراً صحيحاً ففيه الدية دون القود.
والسادس: ما يقتل إذا وقع في المواضع القاتلة ولا يقتل إذا وقع في غيرها فيراعي موضع وقوعها، فإن كان في مقتل، وجب فيه القود، وإن كان في غير مقتل وجبت فيه الدية دون القود.
والسابع: ما يقتل بقوة الضارب ولا يقتل مع ضعفه، فيراعي حال الضارب، فإن كان قوياً وجب عليه القود.
وإن كان ضعيفاً وجب عليه الدية دون القود.
والثامن: ما يقتل في شدة الحر والبرد، ولا يقتل مع سكونهما، فيراعي وقت الضرب، فإن كان في شدة الحر والبرد وجب فيه القود، وإن كان مع سكونهما وجب فيه الدية دون القود.
وجملته أن يراعي حال الضارب والمضروب، وما وقع به الضرب ليفصل
الجزء: 12 - الصفحة: 35
لك بها أحكام هذه الأقسام.
فصل ثان:
وأما الخنف فعلى ضربين:
أحدهما: بآلة وهو أن يربط حلقة بحبل حتى يختنق فيمنع النفس ففيه القود، لأنه ربما كان أوحى من السيف، وسواء علقه بحبل أو أرسله فإن عفي عنه صح العفو، وسقط القود، وسواء تكرر منه الخنق أو لم يتكرر.
وقال أبو يوسف: إن تكرر منه الخنف لم يصح العفو عنه، وتحتم عليه القتل كالمحارب، لأنه قد صار ساعياً في الأرض بالفساد وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لو انحتم قتل من تكرر منه الخنق لا نحتم قتل من تكرر منه القتل بالسيف وهو غير منحتم، وإن تكرر وكذلك الخنق.
والثاني: أنه لو صار في انحتام قتله كالمحارب لما اعتبر تكرار منه كما لم يعتبر في المحارب.
والضرب الثاني: أن يخنقه بغير آلة مثل أن يمسك حلقه بيده حتى يمنع نفسه ولا يرفعها عنه حتى يموت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقدر المخنوق على خلاص نفسه لفضل قوته على قوة الخانق فهذا هو قاتل نفسه، ولا قود له وفي وجوب الدية قولان ممن أمر غيره بقتله.
فإن قيل: فمن أريدت نفسه فلم يدفع عنها حتى قتل لم يسقط عن قائله القود فهو كان حال هذا المخنوق كذلك.
قلنا: لأن سبب القتل في المخنوق موجود، فكان تركه إبراء وسببه في الطالب غير موجود، فلم يكن في الإمساك قبل حدوث السبب إبراء.
والثاني: أن لا يقدر على خلاص نفسه لفضل الخانق على قوته فعليه القود فلو رفع الخانق يده، أو حل خناقه، وفي المخنوق حياة ثم مات، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون نفسه ضعيفاً كالأنين والشهيق فعليه القود، ويكون بقاء هذا النفس كبقاء حركة المذبوح.
والثاني: أن يكون نفسه قوياً فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقرب موته من حل خناقه فعليه القود لدنوه من سبب القتل.
والثاني: أن يتأخر موته عن حل خناقه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ضميناً مريضاً من وقت خناقه إلى حين موته فعليه القود، لأن استدامة مرضه دليل على سراية خناقه.
والثاني: أن يكون بعد خناقه على معهود صحته ثم يموت، فلا قود عليه ولا دية، كما لو جرح فاندمل جرحه، ثم مات.
الجزء: 12 - الصفحة: 36
وهكذا لو وضع على نفسه ثوباً أو وسادة، وجلس عليها، ولم يرسله حتى مات، وجب عليه القود إذا لم يمكن دفعه فإن أرسله نفسه باق فهو كالمخنوق بعد حل خناقه.
فإن لطمه فمات من لطمته هذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مثلها قائلاً في الغالب لقوة اللاطم وضعف الملطوم، فيجب عليه القود.
والثاني: أن لا يقتل مثلها في الغالب لضعف اللاطم، وقوة الملطوم، فلا قود فيه ولا دية.
والثالث: أن يقتل مثلها، ولا يقتل لقوة اللاطم، وقوة الملطوم، فلا قود عليه وفيه الدية.
فصل ثالث:
وأما إذا طين عليه بيتاً حبسه فيه حتى مات فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يمكنه من الطعام والشراب، ولا يمنعه منهما، فلا قود عليه، ولا دية، سواء كان المحبوس كبيراً أو صغيراً، ما لم يكن طفلاً لا يهتدي بنفسه إلى الأكل والشرب فيلزمه فيه القود.
وقال أبو حنيفة: يضمن الصغير وإن كان يهتدي على الأكل والشرب إذا اقترن موته بسبب ذلك، وإن كان من غير جهته كنهشة حية، ولدغة عقرب لم يضمنه وهذا فاسد، لأن الحر لا يضمن باليد ولو ضمن بها كالمملوك للزم ضمانه في موته بسبب وغير سبب.
والثاني: أن يمنعه في حبسه من الطعام والشراب فلا يخلو حاله من أربعة أقسام:
أحدها: أن تطول مدة حبسه حتى لا يعيش في مثلها حي بغير طعام ولا شراب، وليس لأقله حد، وإن حده الطب باثنتين وسبعين ساعة متصلة الليل والنهار، ولما روي أن عبد الله بن الزبير واصل الصيام سبعة عشر يوماً ثم افطر على سمن ولبن وصبر، وذهب في السمن إلى أنه يفتق الأمعاء ويلينها، وفي اللبن إلى أنه ألطف غذاء، وفي الصبر إلى أنه يشد الأعضاء، فإذا مات مع طول المدة، وجب فيه القود، لأنه قتل عمد.
والثاني: أن تقصر مدة حبسه عن موت مثله بغير طعام ولا شراب كاليوم الواحد وما دونه، لأن الله تعالى قد أوجب إمساكه في الصوم، ولو كان قاتلاً ما أوجبه، فهذا لا قود فيه ولا دية.
والثالث: أن تكون مدة يجوز أن يموت في مثلها ويعيش فلا قود، وفيه الدية لأنه عمد كالخطأ.
والرابع: أن يكون في مدة يموت في مثلها الصغير والمريض، ولا يموت في مثلها الكبير الصحيح فيراعي حال المحبوس، فإن كان صغيراً أو مريضاً وجب في القود، وإن كان كبيراً صحيحاً لم يجب وهكذا الحكم لو منعه دون الشراب، أو منعه الشراب
الجزء: 12 - الصفحة: 37
دون الطعام، لأن النفوس لا تحيا إلا بهما إلا أن الصبر عن الطعام إذا وجب شراباً أمد زماناً من الصبر عن الشارب إذا وجد الطعام.
روي أن أبا ذر رضي الله عنه لما أراد الإسلام اختفي من المشركين تحت أستار الكعبة بضعة عشرة يوماً، فكان يخرج في الليل من بين الأستار فيشرب ماء زمزم، قال: فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنها طعام طعم وشفاء سقم" فبان أن الماء يمسك الرمق فيراعي حكم كل واحد منهما إذا انفرد بالعرف المعهود في الأغلب.
فصل رابع:
إذا ألقاه في نار مؤججة أو ألقى عليه ناراً أجاجها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يقدر على الخروج منها حتى يموت فيها، وذلك لإحدى خمسة أحوال.
إما أن يلقيته في حفرة قد أججها.
وإما أن يربطه فلا يقدر مع الرباط على الخروج منها.
وإما أن يطول مدى النار فلا ينتهي إلى الخروج منها.
وإما أن يقف في طرفها فيمنعه من الخروج.
وإما أن تثبط بدنه فيعجز عن النهوض فيها، فهذا قاتل عمداً، وهو أشد القتل عذاباً، ولذلك عذب الله تعالى بالنار من عصاه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله" فعليه القود.
والثاني: أن يقدر على الخروج منها فهذان على ضربين:
أحدهما: أن لا يخرج مع القدرة على الخروج حتى يموت فلا قود عليه، وفي الدية قولان فمن أذن لغيره في قتله، أحدهما عليه الدية كما لو قدر على مداواة جرحه فامتنع من الدواء حتى مات وجبت الدية.
والثاني: لا دية، وعليه أرش ما لفحته النار عند إلقائه فيها، لأن التلف باستدامة النار، والتي ينسب استدامتها إليه دون ملقيه، وخالف تركه لدواء الجرح، لأن لم ينسب إلى زيادة عليه.
والضرب الثاني: أن يخرج حياً ثم يموت بعد الخروج، فهذا على ضربين:
الجزء: 12 - الصفحة: 38
أحدهما: أن يكون تثبيط بدنه باقياً فعليه القود كالجراح إذا مات منه قبل أن يندمل.
والضرب الثاني: أن يبرأ من التثبيط فلا قود فيه كالجرح إذا مات بعد اندماله وعليه أرش ما لفحته النار وتثبيط جسده.
فصل خامس:
إذا ألقاه في الماء فغرق فيه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلقيه في لجة بحر يبعد ساحله، فهذا قاتل عمد وعليه القود، سواء كان يحسب العوم أو لا يحسن لأنه بالعوم لا يصل إلى الساحل مع بعده.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "البحر نار في نار" فشبهه بالنار لإتلافه.
وأغزى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جيشاً في البحر، وأمر عليهم عمرو بن العاص، فلما عاد سأله عن أحوالهم فقال: دود على عود، بين غرق أو فرق فآلى على نفسه أن لا يغزى في البحر أحداً".
والثاني: أن يلقيه في نهر أو بحر يقرب من الساحل فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يربطه أو يثقله حتى لا يقدر على الخلاص من الماء غرير فعليه القود أيضاً، كالملقى في لجة البحر.
والثاني: أن يكون مطلقاً غير مربوط ولا مثقل فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يحسن العوم فعليه القود أيضا، لأنه لا يقدر على الخلاص.
والثاني: أن يحسن العوم فلا يعود فلا قود فيه، لأنه قدر على خلاص نفسه، فصار متلفاً لها.
واختلف أصحابنا في وجوب الدية فخرجها بعضهم على قولين كالملقى في النار إذا قدر على الخروج منها، ومنع الباقون من وجوبها، قولاً واحداً، وفرقوا بين الماء والنار بأن الإلقاء في النار جناية متلقة لا يقدم الناس عليها مختارين وليس الإلقاء في الماء لمن يحسن العوم جناية عليه، لأن الناس قد يعومون فيه مختارين لتبرد أو تنظف، فلا ينسبون إلى تغرير.
فلو ألقاه في الماء فالتقمه الحوت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الإلقاء في ذلك الماء غير موجب للقود على ما فصلنا فلا قود فيه إذا التقمه الحوت، لأنه تلف من غيره عليه، وعليه الدية لأنه سبب من جهته أفضى إلى تلفه.
والثاني: أن يكون الإلقاء في ذلك الماء موجب للقود فالتقمه الحوت قبل التلف، ففي وجوب القود قولان:
الجزء: 12 - الصفحة: 39
أحدهما: وهو ظاهر منصوص الشافعي: عليه القود لأنه لو لم يلتقمه الحوت لوجوب فلم يسقط بالتقامه.
والثاني: حكاه الربيع أنه لا قود عليه لأن مباشرة تلفه حصلت بغير فعله وتلزمه الدية.
ومن أصحابنا من حمل القولين على اختلاف حالين فالقول الذي أوجب فيه القود محمول على نيل مصر الذي يغلب عليه التماسيح فلا يسلم منها أحد، والقول الذي أسقط فيه القود محمول على غيره من البحار والأنهار التي تخلو غالباً من مثله.
فصل:
إذا أرسل عليه سبعاً فافترسه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يقدر على الخلاص منه لقصور خطوته عن وثبة السبع، فعليه القود لأن بمثابة من أرسل سهما قاتلاً.
والثاني: أن يقدر على الخلاص منه، إما بسرعة العدو وإما بالدخول إلى بيت، أو بالصعود إلى شجرة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مضعوف القلب، إما بصغر أو بله يدهش في مثل ذلك عن توقيه، فالقود فيه واحب، لأنه عاجز عن الخلاص، وإن قدر عليه غيره.
والثاني: أن يكون ثابت النفس قوي القلب يقدر على الخلاص، فلم يفعل حتى افترسه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقف السبع بقدر إرساله زماناً، ثم يسترسل فلا قود ولا دية، لأن حكم إرساله قد انقطع بوقوفه فصار هو المسترسل بنفسه.
والثاني: أن يسترسل عليه مع إرساله من غير توقف، فلا قود لقدرته على الخلاص وفي وجوب الدية وجهان تخريجاً من القولين المتقدمين:
أحدهما: لا يجب، لأن قدرته على الخلاص تقطع حكم الإرسال.
والثاني: تجب عليه الدية لا اتصال التلف بالإرسال.
فأما إذا كتفه وألقاه في أرض مسبعة، فافترسه السبع فلا قود عليه ولا دية، ويكون كالممسك والذابح، لا يجب على الممسك قود كذلك ها هنا، وإذا وجب عليه القود بإرسال السبع عليه فهو معتبر بتوجيه السبع له، فأما إن جرحه السبع فمات من جراحته لم يخل جراحته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقتل مثلها في الغالب فعليه القود.
والثاني: أن لا يقتل مثلها في الغالب فلا قود عليه ولا دية.
والثالث: أن يقتل مثلها ولا يقتل، فعليه الدية دون القود.
فأما إذا ألقى عليه حية فنهشته فهذا على ضربين:
الجزء: 12 - الصفحة: 40
أحدهما: أن يلقيها بين يديه فلا ضمان عليه بخلاف السبع لا يضر أو الحية تهرب.
والثاني: أن يلقيها على جسده، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون نهشها موجياً مثل حيات الطائف، وأفاعي مكة، وثعابين مصر وعقارب نصيبين فعليه القود.
والثاني: أن تكون غير موجية قد يسلم الناس منها كحيات الدود والماء، ففيه قولان:
أحدهما: عليه القود اعتباراً لجنس القاتل.
والثاني: لا قود، ليه الدية، لإمكان السلامة، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قطع مريئة وحلقومه أو قطع حشوته فأبانها من جوفه أو صيره في حال المذبوح ثم ضرب عنقه آخر فالأول قاتل دون الآخر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كانت جناية الأول قد أتت على النفس بقطع حلقومة أو مريئة أو قطع حشوته، فهو في حكم الميت، لانتقاض بينته التي تحفظ حياته، ولا حكم لما بقي من الحياة، لأنها تجري مجرى حركة المذبوح التي لا ينسب معها إلى الحياة وتجري مجرى الاختلاج، وإن كانت أقوى فلو جاء آخر بعد أن صيرة الأول على هذه الحال فضرب عنقه كان الأول قاتلاً يجب عليه القود أو الدية والثاني عابثاً فجرى مجرى ضرب عنق ميت فلا يجب عليه قود ولا دية، لكن يعزر أدباً لانتهاكه الحرمة التي يجب حفظها في الحي والميت وسواء كان مع جناية الأول يتكلم لأن كلامه مع انتهائه إلى هذه الحال يجري مجرى الهذيان الذي لا يصدر من عقل صحيح، ولا قلب ثابت حكي ابن أبي هريرة أن رجلاً قطع وسطه نصفين فتكلم واستسقى ماء فسقى، وقال: يفعل بالجيران، وهذا إن صح فهو كلام تصور في النفس قبل قطعة فنطق به اللسان بعده فلم يجر عليه حكم، ولو وصى لم تمض وصيته، ولا يصح منه إسلام ولا كفر.
وهكذا لو افترسه سبع فقطع حشوته أو قطع مريئة أو حلقومه، ثم ضرب إنسان عنقه فلا قود عليه، لأن السبع قد أتى على حياته، والباقي منها غير مستمر، فلم يجز عليه حكم.
ومثاله في مأكولة السبع إذا قطع حشوتها ثم ذبحت لم تؤكل، لأن الباقي من حياتها غير مستقر فلم يجز عليها حكم الزكاة.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أجافه أو خرق أمعاءه ما لم يقطع حشوته فيبينها منه، ثم
الجزء: 12 - الصفحة: 41
ضرب آخر عنقه، فالأول جارح والآخر قاتل، قد جرح معي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موضعين وعاش ثلاثاً، فلو قتله أحد في تلك الحال كان قاتلاً وبرئ الذي جرحه من القتل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كانت جراحه الأول لم تأت على النفس لا نقضت بنية الجسد، وكانت الحياة معها مستقرة، ثم ضرب عنقه آخر وذبحه أو قطع حشوته فالثاني هو القاتل يجب عليه القود أو الدية كاملة، والأول جارح يؤخذ بحكم جراحه، فإن كانت مما فيه القود كقطع يد ورجل أو شجة موضحة اقتص منه أو أخذت منه الدية، وإن كانت مما لا قود فيه أخذ منه ديتها، ولا تدخل في دية النفس لاختلاف الجانبين، سواء كانت جراحة الأول مما يجوز أن يعيش منها، أو لا يعيش، لأنه باقي الحياة.
وإن قطع بموته منها فجرى المريض المدنف المقطوع بموته إذا قتل وجب القود على قاتله، لأنه المباشر لنقص بنيته وإفاقة حياته، وقد جرح عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في موضعين من أمعائه فسقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه أبيض فقال له الطبيب: أنت ميت فاعهد بما شئت، فعهد بالشورى، ووصى بوصايا، وعاش ثلاثاً ثم مات رحمة الله عليه، فأمضى المسلمون عهوده، ونفذوا وصاياه.
قال الشافعي: فلو قتله أحد من تلك الحال كان قاتلاً وبرئ الذي جرحه من القتل.
وهكذا لو افترس السبع رجلاً فجرحه جرحاً يعيش منه أو لا يعيش لكنه باقي الحشوة والحلقوم فضرب عنقه، رجل، أو ذبحه أو قطع حشوته وجب عليه القود، لأنه هو الناقص لبنيته، والمفوت لحياته، ولو تقدمت جناية الرجل عليه فجرحه جرحاً يعيش منه ثم أكله السبع، فلا قود على الجارح، لأن نقض البينة وفوات الحياة كان من غيره، ويؤخذ الجارح بالقصاص من جرحه إن كان في مثله قصاص، أو دية جرحه، إن لم يكن فيه قصاص.
ومثال ذلك: في فريسة السبع أن يجرح بهيمة لا تعيش من جراحته لكنها باقية في الحلقوم والخشوة فتذكا، حل أكلها لورودها على حياة مستقرة وإن لم تدم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو جرحه فلم يمت حتى عاد إليه فذبحه صار والجراح نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ابتدأ الجاني فجرحه لم يمت منها،
الجزء: 12 - الصفحة: 42
وكانت على حالها لم تندمل حتى عاد إليه فذبحه أو ضرب عنقه فعليه القود في الجراح وفي النفس ويدخل دية الجراح في دية النفس ولا يلزمه أكثر منها.
وقال أبو سعيد الاصطخري وذكره أبو العباس بن سريج أن دية الجراح لا تدخل في دية النفس كما لم يدخل قود الجراح في قود النفس، فيؤخذ بدية الجراح وبدية النفس كما أقيد بالجراح، وأقيد بالنفس، وهذا خطأ لأن جناية الواحد إذا لم تستقر بني بعضها على بعض، ودخل الأقل في الأكثر، فإذا صارت بعد الجراح نفساً كان مأخوذاً بدية النفس، ودخل دية الجراح فيها، لأن دية الجراح لا تستقر إلا بعد انتهاء سرايتها، وهي قبل الاندمال غير منتهية، فلذلك سقط أرشها، وصار داخلاً في دية ما انتهت.
فإن قيل: إنما يعتبر الاندمال فيها لانقطاع سرايتها، والتوجيه بعدها قطع لسرايتها، فصارت كالاندمال.
قيل: التوجيه عليه سراية الجراح، ولم تقطعها والاندمال قطع سرايتها فافترقا.
فأما قود الجراح فيجوز أن يستوفي مع قود النفس، واختلف أصحابنا في حكم استيفائه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه يستوفي به القصاص في النفس ليقابل القاتل بمثل فعله، ولا يكون ذلك قوداً في الجراح، فعلى هذا يكون القود في الجراح داخلاً في قود النفس، كما دخلت دية الجراح في دية النفس.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه يكون قوداً في الجراح يستوفي لأجلها، لا لأجل النفس لتميزها، فعلى هذا لا يدخل قود الجراح في قود النفس، وإن دخلت دية الجراح في دية النفس.
والفرق بينهما أن حكم القود أعم من حكم الدية، لأن الجماعة يقادون بالواحد، ولا يؤخذ منهم إلا دية واحدة، فجاز لأجل ذلك أن تدخل دية الجراح في دية النفس، وإن لم يدخل قود الجراح في قود النفس.
فأما إذا كان الجراح من رجل والتوجيه من آخر أخذ الجارح بحكم جراحته في القود والدية، وأخذ الموجئ بحكم القتل في القود والدية، ولم تدخل دية الجراح في دية النفس، كما لا يدخل قود الجراح في قود النفس بخلاف الواحد، وهو متفق عليه والفرق بينهما تفرد الواحد وتميز الاثنين.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو برأت الجراحات، ثم عاد فقتله كان عليه ما على الجارح منفرداً، وما على القاتل منفرداً".
الجزء: 12 - الصفحة: 43
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الجراحات إذا اندملت وبرأت استقر حكمها في القود والدية، فإذا طرأ بعدها القتل لم يسقط حكم ما استقر من قود وعقل، لأن الحقوق المستقرة لا تسقط بحقوق مستجدة كالديون والحدود، فيستوفي قود الجراح وديتها وقود النفس وديتها، ولا يدخل دية الجراح في دية النفس كما لم يدخل قود الجراح في قود النفس، وسواء كانا من واحد أو اثنين بخلاف ما لم يندمل في الغرق بين الواحد والاثنين لما قدمناه من التعليل بالاستقرار، فلو اندمل بعض الجراح، وبقي بعضها حتى طرأت التوجيه سوى فيما اندمل بين الواحد والاثنين، وفرق فيما لم يندمل بين الواحد والاثنين.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو تداوي المجروح بسم فمات، أو خاط الجرح في لحم حي فمات، فعلى الجاني نصف الدية، لأنه مات من فعلين، وإن كانت الخياطة في لحم ميت فالدية على الجاني".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: في التداوي بسم.
والثاني: في خياطة الجراح.
فأما التداوي بالسم فلا يخلو حاله من أربعة أقسام:
أحدها: ما كان قاتلاً موجياً في الحال.
والثاني: ما كان قاتلاً يتأخر قتله عن التوجئة في الحال.
والثالث: ما كان قاتلاً في الأغلب، وإن جاز ألا يقتل.
والرابع: ما كان غير قاتل في الأغلب، فإن جاز أن يقتل.
فأما القسم الأول: وهو القاتل الموجئ في الحال، فهذا هو قاتل نفسه بالتوجيه بعد جرحه بالجناية، فيسقط عن الجارح حكم النفس في القود والدية، ويلزمه حكم الجرح في القود والدية، فالجارح إذا تعقبه قاتل موج وسواء تداوي به المجروح عالماً بحاله أو جاهلاً شربه، أو طلاءه على ظاهر جسده، إذا كان موجياً في الحالين.
فصل:
وأما القسم الثاني: هو القاتل الذي لا يوجئ في الحال ويقتل في ثاني حال فهذا مما يجوز أن يتقدم فيه سراية الجراح على سراية السم، ويجوز أن يتقدم سراية السم على سراية الجرح، وليس أحدهما أغلب من الآخر، فاستويا وصار القتل منسوباً إليهما،
الجزء: 12 - الصفحة: 44
فيعتبر حال التداوي بالسم، فلا يخلو مستعملة من أن يكون عالماً بحاله أو غير عالم، فإن لم يعلم بحاله فاستعماله عمد شبه الخطأ، لأنه عامد في الفعل خاطئ في النفس، فيسقط القود على الجارح، لأنه قد شارك في النفس خاطئاً، ولا قود على العامد إذا شاركه الخاطئ.
وساء كان المداوي هو المجروح أو غيره، وإن علم بأنه سم قاتل، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون المداوى به طبيب غير المجروح فيجب عليهما القود، فإن عفا عنه إلى الدية كانت بينهما نصفين، لأنه مات من جنايتهما بفعل تعمداه فصارا كالجارحين.
والثاني: أن يكون المجروح: هو المداوي لنفسه ففي وجوب القود على الجارح قولان:
أحدهما: يفاد منه في النفس، لمشاركته فيها للعامد، ولا يكون سقوطه عن الشريك موجياً لسقوطه عنه كشريك الأب في قتل الابن.
والثاني: أنه لا قود عليه في النفس، وعليه نصف الدية، وعليه الكفارة، لأنه قد صار أحد القاتلين، فإن أراد الولي أن يقتص منه من الجرح دون النفس نظر في الجرح فإن لم يكن فيه قصاص إذا انفرد كالجائفة فلا قصاص عليه لانفراد حكمه بسقوط القود في النفس.
وإن كان الجرح مما يوجب القصاص إذا انفرد كالموضحة أو كقطع يد أو رجل ففي وجوب القصاص منه مع سقوطه في النفس وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: لا يجب، وتسقط بسقوطه في النفس، لأنه إذا انفرد عنها روعي فيه الاندمال، ولم يندمل.
والثاني: يجب فيه القصاص لأنه قد انتهت غايته بالموت فصار كالمندمل فعلى هذا لا يخلو حال الجرح المستحق فيه القصاص من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون دية مثله نصف دية النفس كإحدى اليدين أو الرجلين فقد استوفي الولي بالاقتصاص منه جميع حقه، لأنه استحق نصف دية النفس، وقد استوفاه بقطع أحدى اليدين.
والثاني: أن تكون ديته أقل من نصف دية النفس كالإصبع فيها عشر دية النفس، فإذا اقتص منها استوفي بها خمس حقه من نصف الدية، فيرجع عليه بالباقي منها، وهو أربعة أخماس النصف ليستكمل بها جميع النصف.
والثالث: أن يكون ديته أكثر من نصف الدية ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قياس قول أبي سعيد الاصطخري يقتص منه، وإن زاد على دية النفس لانفراده بالحاكم عن سقوط القود في النفس كما لو انفرد بالاندمال.
والثاني: وهو عندي أشبه، أنه لا يجوز أن يقتص بنصف الدية من الأعضاء إلا ما
الجزء: 12 - الصفحة: 45
قابلها؟ لأنها تؤخذ بدلاً منها، فعلى هذا تكون على ضربين:
أحدهما: ما أمكن تبعيضه، وأن تستوفي منه بقدر حقه كاليدين إذا قطعهما ففيهما الدية، ويمكن أنت تؤخذ إحداهما، وفيهما نصف الدية فها هنا يجب القصاص عليه في أحدى اليدين، ويسقط في الأخرى، لأنه قد استوفي بها نصف الدية، فلم يجز أن يستزيد عليها فوق حقه، ويكون مخيراً بين الاقتصاص من اليمنى أو اليسرى، ولا خيار له في غير هذا الموضع.
والثاني: ما لم يمكن تبعيضه كجدع الأنف، وقطع الذكر، فيسقط القود فيه لما تضمنه من الزيادة على القدر المستحق من الدية.
فصل:
وأما القسم الثالث من أقسام السم: وهو القاتل في الأغلب، وإن جاز أن لا يقتل فهذا قد يجوز أن يموت من الجرح دون السم، ويجوز أن يموت من السم دون الجرح، وليس أحدهما أغلب من الآخر فجرى السم مجرى الجرح الآخر، والحكم في مستعمله على ما مضى، لكن اختلف أصحابنا فيه هل يكون في حكم العمد المحض أو خطأ العمد على وجهين:
أحدهما: أنه في حكم خطأ العمد، لأن المقصود دية التداوي فصار خطأ في القصد، عمداً في القتل، يسقط القود عن الجارح في النفس، ويجب عليه نصف الدية مع الكفارة، لأن جرحه صار قتلاً ويكون حكم شريك عمد الخطأ كشريك الخطأ في سقوط القود، فإن أراد الولي القصاص في الجرح لم يكن له ذلك وجهاً واحداً، لأن شريك الخطأ في الجرح كشريكه في النفس.
والثاني: أن السم يكون في حكم العمد المحض، فعلى هذا في وجوب القود على الجارح قولان على ما مضى يقاد من نفسه في أحدهما لخروجها بعمد محض، ولا يقاد منها في الآخر لسقوطه في حكم السم إذا كان المتداوى به هو المجروح، فإن أراد الولي القود في الجرح كان على ما ذكرنا من الوجهين.
فصل:
وأما القسم الرابع من أقسام السم: وهو أن لا يقتل في الأغلب، وإن جاز أن يقتل فهذا خطأ محض، اشترك فيه عمد محض، فيسقط القود الجارح في النفس والجرح ويجب عليه نصف الدية، حالة مغلظة في ماله، لأنها دية عمد محض، ولا يعتبر حكمها بمشاركة الخطأ المحض، وتجب عليه الكفارة، لأن جرحه صار قتلاً.
فإن جهل حال السم ولم يعلم من أي هذه الأقسام الأربعة هو؟ أجرى عليه حكم أخفها، وهو هذا القسم الرابع، لأنها على يقين منه، وفي شكل من الزيادة عليه.
وأما الفصل الثاني من فصلي المسألة: وهو أن يخيط المجروح جرحه فيموت فهذا على ضربين:
الجزء: 12 - الصفحة: 46
أحدهما: أن يخاط في لحم ميت فلا تأثير لهذه الخياطة، لأنها في اللحم الميت لا تؤلم، ولا تسري، فيصير الجارح منفرداً بقتله بسراية جرحه فوجبت عليه القصاص في النفس، فإن عفا عنه فجميع الدية مغلظة حالة في ماله، وعليه الكفارة.
والثاني: أن يخيط في لحم حي فالخياطة جرح، والذي عليه جمهور أصحابنا: أنه يجري عليه حكم العمد المحض وعندي أنه يجري عليه حكم عمد الخطأ، لأنه قصد به حفظ الحياة فأفضى به إلى التلف، فصار عمداً في الفعل خطأ في القصد.
فإن قيل: فبهذا فالجارح قد صار قاتلاً شريكاً لعمد الخطأ، فسقط عنه القود، وتجب عليه نصف الدية حالة مغلظة مع الكفارة، وإن قيل بما عليه الجمهور أن الخياطة عمد محض روعي من تولي الخياطة أو إبرتها فإنه لا يخلو من أحد أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون المجروح تولاها أو أمر بها.
والثاني: أن يكون أبو المجروح تولاها.
والثالث: أن يكون الإمام تولاها أو أمر بها.
والرابع: أن يكون أجنبي تولاها أو أمر بها.
فأما القسم الأول: وهو أن يتولاها المجروح، ففي وجوب القود على الجارح قولان:
أحدهما: عليه القود في النفس إذا اعتبر في القود خروج النفس عن عمد محض.
والثاني: لا قود عليه إذا اعتبر فيه خروج النفس عن مضمون، لأن عمد المجروح غير مضمون، وكذلك الحكم لو تولاها من أمره الجارح بها، ولا يكون المأمور ضامناً، لأنه فعله عن أمر من يملك التصرف في نفسه.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون أبو المجروح تولاها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون المجروح غير مولى عليه لبلوغه وعقله فيكون الأب ضامناً لنصف الدية، ولا قود عليه، لأنه لا قود للابن على أبيه، وعلى الجارح القود في النفس قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون، فإن عفا عن القود فعليه نصف الدية، لأنه أحد القاتلين، وعليه الكفارة لأن جرحه صار نفساً.
والثاني: أن يكون المجروح مولى عليه بصغر أو جنون.
ففي ضمان الأب لها وجهان:
أحدهما: يضمنها تغليباً لحسن النظر بمقصود ولايته، فعلى هذا في وجوب القود على الجارح قولان:
أحدهما: عليه القود، إذا روعى مشاركته في عمد غير مضمون.
الجزء: 12 - الصفحة: 47
والثاني: أن الأب ضامناً لها تغليباً للفعل المضمون، فعلى هذا يجب على الجارح القود في النفس قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون، وكذلك لو تولاها من أمره الأب، لأن للأب في النظر على ولده ما ليس لغيره.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يتولاها الإمام، أو من يقوم مقامه من حلفائه، أو من يأمره الإمام بها، لأن أمر الإمام مطاع، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون المجروح غير مولى عليه لبلوغه وعقله فعلى الإمام القود، لإقدامه على ما لا نظر له فيه، فإن عفا عنه كان عليه نصف الدية حالة في ماله والكفارة، وعلى الجارح القود في النفس، لأنهما قاتلاً عمد.
والثاني: أن يكون المجروح مولى عليه بصغر أو جنون ففي وجوب القود قولان ذكرهما الشافعي في قطه السلعة:
أحدهما: عليه وعلى الجارح القود، فإن عفا عنهما كان على كل واحد منهما نصف الدية حالة في ماله والكفارة.
والثاني: لا قود على الإمام لشبهة ولايته وعلى نصف الدية، وأين تكون على قولين:
أحدهما: في ماله مع الكفارة.
والثاني: في بيت المال، والكفارة في ماله، لو عزز فتلف المعزز، فأما الجارح فعليه القود قولاً واحداً، لأنه شارك في عمد مضمون فأما المأمور بها من قبل الإمام فمنسوب الفعل إلى الإمام لما يجب على المأمور من التزام طاعته.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يتولاها أجنبي أو من لا ولاية له عليه من أقاربه فهما سواء، ولا يخلو حاله من أحد أمرين.
أما أن يتولاها بنفسه أو يأمره بها غيره، فإن تولاها بنفسه كان عليه القود وعلى الجارح معاً لأنهما قاتلا عمد والدية بينهما نصفين وإن بها غيره، وجد القود على المأمور، لأنه لا شبهة له في طاعة الأمر، وعزر الآمر لمعاونته على ما أفضى إلى القتل، ووجب القود على الجارح، فإن عفا عنهما، كانت الدية سنة وبين المأمور نصفين، وعلى كل واحد منهما كفارة.
فصل:
وإذا اختلف الجارح والولي في الخياطة فقال الولي: كانت في لحم ميت فعليك القود أو جميع الدية، وقال الجارح: بل كانت في لحم حي، فليس علي إلا نصف الدية،.
الجزء: 12 - الصفحة: 48
وعدها البينة فالقول قول الجارح مع يمينه وليس عليه إلا نصف الدية لأمرين:
أحدهما: أننا على يقين في وجوب النصف، وفي شك من الزيادة.
والثاني: أن الأصل حياة اللحم حتى يطرأ عليه الموت فصار الظاهر مع الجارح دون الولي، ولو اختلفا في الدواء، فقال الجارح: كان سماً موجياً وليس على إلا دية الجرح، ولا قود في النفس، وقال الولي: بل كان سماً موجياً وليس علي إلا دية الجرح، ولا قود في النفس، وقال الولي: بل كان دواء غير قاتل، وأنت القاتل فعليك القود، أو دية النفس، فالقول مع عدم البينة قول الولي دون الجارح، وعلى الجارح القود في النفس أو جميع الدية لأمرين اقتضيا عكس ما اختلفا فيه من الخياطة:
أحدهما: أننا على يقين من جناية الجارح وفي شك من غيرها.
والثاني: أن الظاهر في التداولي أنه بالنافع دون القاتل، فصار الظاهر هو المغلب والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو قطع يد نصراني فأسلم، ثم مات لم يكن قود، لأن الجناية كانت وهو ممن لا قود فيه، وعليه دية مسلم، ولا يشبه المرتد، لأن قطعة مباح، كالحد والنصراني يده ممنوعة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا قطع مسلم يد نصراني فأسلم ثم سرى القطع إلى نفسه فمات لم يجب فيه القود ووجب فيه دية مسلم، اعتباراً في القود بحال الجناية وفي الدية باستقرار السراية، وإنما اعتبر في القود بحال الجناية لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان النصراني لو قطع يد نصراني، ثم اسلم القاطع ومات المقطوع، لم يسقط القود عن القاطع بإسلامه اعتباراً بوجوبه حال الجناية، ووجب إذا انعكس في المسلم إذا قطع يد نصراني ثم اسلم المقطوع أن لا يجب على القاطع القود، اعتباراً بسقوطه عنه حال الجناية.
والثاني: أنه لما صح في هذه الجناية إسقاط بالكفر عند الجناية، وإيجاب بالإسلام عند السراية، وجب أن يغلب حكم الإسقاط على حكم الإيجاب، لأنه يصح فيه إسقاط ما وجب، ولا يصح فيه إيجاب ما سقط، واعتبرنا في الدية استقرارها بعد السراية لأمرين:
أحدهما: أنه لما اعتبرنا استقرار السراية فيما زاد في الموضحة إذا صارت نفساً في إيجاب الدية الكاملة بعد أن وجب نصف عشرها، وفيما نقص بقطع اليدين والرجلين إذا سرت إلى النفس في إيجاب دية واحدة بعد وجوب ديتين وجب أن يكون بمثابتهما ما حدث من زيادة الدية بالإسلام.
الجزء: 12 - الصفحة: 49
والثاني: أن حدوث الزيادة في المضمون ملتزمة كزيادة المغصوب، فلما ذكرنا من هذين وقع الفرق في اعتبار القود بحال الجناية واعتبار الدية بعد استقرارها بالسراية، وهكذا لو جرح الحر عبداً فأعتق ثم مات لم يجب عليه القود، لأنه جرحه وهو عبد، ووجبت عليه دين حر لاستقرارها فيه وهو حر.
فصل:
فأما إذا خرج المسلم مرتداً فأسلم ثم مات لم يجب فيه قود ولا دية، فشابه النصراني إذا أسلم في سقوط القود اعتباراً بحال الجناية، وخالفه في الدية في ترك الاعتبار بها عند استقرارها بالسراية.
والفرق بينهما: أن نفس النصراني مضمونة بحقن دمه، فضمن ما حدث بالإسلام من زيادة ديته، ونفس المرتد هدر غير مضمونة، فصار ما حدث من سرايتها في الإسلام هدراً غير مضمون كالسارق إذا سرى إلى نفسه القطع لم يضمن، لأن قطعه غير مضمون وكالحربي إذا قطعت يده فأسلم ثم مات لم يضمن بقود، ولا دية، لأنه عند الجناية غير مضمون بقود ولا دية.
فأما إذا جرح مقراً بالزنا وهو محصن فرجع عن إقراره ثم مات ففي ضمان نفسه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: لا يضمن بقود، ولا دية لإباحة نفسه وقت الجناية كالمرتد.
والثاني: يضمن ديته وإن جرى عليه حكم الإباحة وقت الجناية.
والفرق بينه وبين المرتد أن المرتد مباح الدم إلا أن يتوب من ردته، والزاني محظور النفس إلا أن يقيم إقراره.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أرسل سهماً فلم يقع على نصراني حتى اسلم، أو على عبد فلم يقع حتى اعتق لم يكن عليه قصاص، لأن تخلية السهم كانت ولا قصاص، وفيه دية حر مسلم والكفارة، وكذلك المرتد يسلم قبل وقوع السهم لتحول الحال قبل وقوع الرمية".
قال في الحاوي: جمع الشافعي في إرسال السهم بين ثلاث مسائل، وضم إليها أصحابنا رابعة تظهر باستمرار القياس:
فإحداهما: مسلم أرسل سهمه على نصراني، فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات.
والثانية: في حر أرسل سهمه على عبد فاعتق، ثم وصل السهم إليه فمات، فلا قود فيها على المسلم والحر اعتباراً بإرسال السهم، لأن المسلم أرسله على نصراني، والحر أرسله على عبد، وعليهما دية مسلم، ودية حر، اعتباراً بوصول السهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 50
وقال أبو حنيفة: إذا أعتق العبد بعد إرسال السهم، وقبل الإصابة ففيه قيمته لسيده اعتبارًا بإرسال السهم دون الإصابة، وأما الكافر فديته ودية المسلم عنده سواء، وهذا فاسد؛ لأن النصراني لم يصل السهم إليه إلا بعد إسلامه، والعبد لم يصل السهم إليه إلا بعد عتقه قد ذكرنا أن القود معتبر بحال الجناية، وهو وقت الإرسال، والدية معتبرة بحال الاستقرار وهو الإصابة.
فأما ما ظهر فيه اشتباه القياس فمسألتان اتفق أصحابنا في إحداهما، وظهر الخلاف في الأخرى.
فأما التي اتفق أصحابنا عليها مع ظهور الاشتباه فيها: فهي في مسلم أرسل سهمه على مرتد فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات، قال الشافعي: "لا قود عليه" اعتبارًا بإرسال السهم وعليه الدية اعتبارًا بإصابة السهم وهذا مشتبه؛ لأن ابتداء الجناية إن كان عند إرسال السهم، فينبغي أن لا تجب فيه الدية لأنه كان عند إرساله مرتدًا، وإن كان ابتداؤها عند الإصابة، فينبغي أن يجب فيه القود، لأنه كان عند إصابته مسلمًا ولا يجوز أن يجعل ابتداؤها في سقوط القود عند الإرسال وفي وجوب الدية عند الإصابة لتنافيها، وهذا الاشتباه وإن كان محتملًا، كاد ابن أبي هريرة أن يخرجه وجهًا ثانيًا: أنه لا قود ولا دية اعتبارًا بحال الإرسال كما اعتبر في النصراني والعبد حال الإرسال، ويحمل قول الشافعي: وكذلك المرتد يعني: في سقوط القود والدية معًا، وهذا الاحتمال، وإن كان لو قاله قائل مذهبًا فلم يصرح به من أصحابنا أحد؛ لأن الدية تضمن ضمان الأموال فروعي فيها وقت المباشرة، وذلك عند الإصابة والقود يضمن ضمان الحدود، فروعي فيها وقت الفعل، وذلك عند الإرسال، فلذلك سقط القود في المرتد اعتبارًا بوقت الإرسال، ووجب فيه الدية اعتبارًا بوقت الإصابة.
وأما المسألة الثانية من مسألة الاشتباه فهي التي ضمها أصحابنا إلى الثلاث المنصوصات، وظهر فيا من بعضهم خلاف.
وهي في مسلم أرسل سهمه على حربي فأسلم ثم وصل السهم إليه فمات، فقد جمع أصحابنا بينه وبين المرتد، فأسقطوا فيه القود اعتبارًا بوقت الإرسال، وأوجبوا فيه دية مسلم اعتبارًا بوقت الإصابة.
وفرق أبو جعفر الترمذي بينه وبين المرتد، فأسقط في الحربي القود والدية معًا، وأوجب في المرتد الدية، وأسقط القود فصار جامعًا بينهما في سقوط القود، ومفرقًا بينهما في وجوب الدية احتجاجًا بأن قتل الحربي مندوب إليه في حق الإمام وغيره، وقتل المرتد منهي عنه إلا في حق الإمام وهذا الذي قاله الترمذي فاسد؛ لأن اختلافهما من هذا الوجه لما لم يمنع من تساويهما قبل الإسلام في سقوط القود لم يمنع من تساويهما بعد الإسلام في وجوب الدية.
الجزء: 12 - الصفحة: 51
مسألة:
قال الشافعي: "ولو جرحه مسلمًا فارتد ثم أسلم ثم مات فالدية والكفارة ولا قود للحال الحادثة".
قال في الحاوي: وصورتها: في مسلم جرح مسلمًا ثم ارتد ثم أسلم ثم مات مسلمًا، فلا يخلو زمان ردته من أن تسري فيه الجناية أو لا تسري فإن كان زمانًا لا تسري فيه الجنابة في مثله لقربه وقصره، فالدية تامة؛ لأن النفس تلفت من جناية وسراية، وهو مضمون النفس في حالة الجناية وحال السراية، فوجب أن تكمل فيه الدية، ولا يؤثر فيها زمان الردة إذ ليس له تأثير في السراية.
فأما القود ففيه قولان:
أحدهما: يجب فيه القود؛ لأنه لما لم تؤثر الردة في الدية لم تؤثر في سقوط القود.
والثاني: يسقط القود في النفس؛ لأنه قد صار بالردة في حال لو مات عليها سقط القود، فلم يستحقه بالانتقال عنها كالمبتوتة إذا ارتدت ثم أسلمت قبل موت زوجها لم ترثه؛ لأنه لو مات في ردتها لم ترثه وعليه الكفارة في الأحوال؛ لأنه قد ضمن دية النفس كاملًا فصار قاتلًا، وإن كانت الردة في زمان تسري الجناية في مثله لطوله، فلا قود فيه؛ لأن مستحق ضمان النفس في حال الجناية والسراية وبعض السراية المقابل لزمان الردة غير مضمون، فصار الضمان مختصًا بالجناية وبعض السراية، وساقطًا عن بعض السراية، فسقط في الحالين؛ لأن القود لا يتبعض وجرى مجرى عفو أحد الوليين عن القود، يوجب سقوطه في حقهما؛ لأن القود لا يصح في التبعيض فإذا سقط القود ففي قدر ما تستحقه من الدية ثلاثة أقاويل:
أحدها: جميع الدية لاعتبارها بحال الجناية، واستقرار السراية، وهو فيهما مسلم مضمون الدية، فعلى هذا عليه الكفارة؛ لأنه قاتل.
والثاني: عليه نصف الدية؛ لأنه مات من جناية وسراية، بعضها مضمون وبعضها غير مضمون، فصار كمجروح جرح نفسه ثم مات كان على جارحه نصف الدية، وعلى هذا يجب الكفارة؛ لأنه قد صار في حكم أحد القاتلين.
والثالث: عليه أرش الجرح، ويسقط ضمان السراية؛ لأن سراية الإسلام حادثة عن سراية الردة، فصارت تبعًا لها في سقوط الضمان، فعلى هذا لا كفارة عليه؛ لأنه على هذا القول جارح وليس بقاتل.
فإذا ثبت هذا فما استحق فيه من قود ودية فهو لوارثه؛ لأنه مات مسلمًا فورثه.
فصل:
ويتفرع على هذه المسألة أن تنعكس الردة فتكون في الجاني دون المجني عليه،
الجزء: 12 - الصفحة: 52
وهو أن يجرح مسلمًا خطأ ثم يرتد الجارح ويرجع إلى الإسلام، ويموت المجروح، فعلى الجارح جميع الدية دون القود؛ لأنه قتل مسلمًا خطأ وما تحمله عاقلته المسلمون لها، معتبر بزمان ردته، فإن كان يسيرًا لا تسري الجناية في مثله تحملت العاقلة عن جميع الدية كما لو كانت هذه الردة في المجروح تحمل الجارح جميع الدية.
وإن كان زمان ردته كثيرًا تسري الجناية في مثله، ففيما تتحمله العاقلة عند ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تحمل على عاقلته جميع الدية، إذا قيل إنه يضمن في ردة المجروح جميع الدية.
والثاني: أنه يتحمل عنه عاقلته نصف الدية ويتحمل الجاني نصفها المقابل لزمان ردته إذا قيل إنه يضمن في ردة المجروح نصف الدية؛ لأن عصبته المسلمين يعقلون عنه في إسلام، ولا يعقلون عنه في ردته.
والثالث: أنهم يعقلون عنه أرش الجرح، ويتحمل هو ما بقي من دية النفس، إذا قيل إن ردة المجروح توجب أرش جرحه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو مات مُرتدًا كان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح.
قال المزني: القياس عندي على أصل قوله أن لا ولاية لمسلم على مرتد، كما لا وراثة له منه، وكما أن ماله للمسلمين فكذلك الولي في القصاص من جرحه ولي المسلمين".
قال في الحاوي: وصورتها: في مسلم جرح مسلمًا ثم ارتد المجروح ومات على ردته، فلا يجب في النفس قود، ولا دية؛ لأن تلفها كان بجناية في الإسلام، وسراية في الردة، والردة ليسقط حكم ما حدث فيها من السراية فسقط بها ما زاد على الجناية، ولم يبق إلا الجناية، وليست على النفس فسقط حكم النفس.
فأما الجناية الواقعة في الإسلام على ما دون النفس من جرح أو طرف، فالمنصوص عليه من مذهب الشافعي ها هنا وفي كتاب "الأم" أنها مضمونة بالقصاص، والأرش، وهو الصحيح الذي كان عليه جمهور أصحابنا لحدوثها في الإسلام الموجب لضمانها، وتكون الردة مختصة بسقوط ما حدث من السراية فيها.
وقال أبو العباس بن سريج: "يسقط القصاص ويجب الأرش" لأن الجرح إذا صار نفسًا دخل في حكمها، وصار تبعًا لها.
فإذا سقط القود في النفس المتبوعة سقط في الجرح التابع.
وحكي أبو حامد الإسفراييني عن بعض أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه يسقط حكم
الجزء: 12 - الصفحة: 53
الجناية في القصاص الأرش جميعًا؛ لأنها لما صارت نفسًا دخلت في حكمها، وقد سقط حكم النفس فسقط حكم ما دونها.
وكلا المذهبين فاسد، وما نص عليه الشافعي أصح؛ لأن الجناية أصل، والسراية فرع، فلم يسقط حكم الأصل بسقوط فرعه، وإن سقط حكم الفرع بسقوط أصله، ألا ترى أنه لو جني عليه في الردة وسرت في الإسلام سقط حكم السراية لسقوط حكم الجناية، وكذلك إذا جني عليه في الإسلام وسرت في الردة ثبت حكم الجناية، وإن سقط حكم السراية.
فصل:
فإذا ثبت أن الجناية مضمونة بالأمرين، وإن سقط حكم السراية في الأمرين، لم يخل حال الجناية من أحد أمرين.
إما أن يكون في مثلها قصاص أو لا يكون.
فإن لم يكن في مثلها قصاص كالجائفة وجب أرشها، وكان لبيت المال دونما الورثة؛ لأن المرتد لا يورث، ولم يجز العفو عن الأرش؛ لأنه لكافة المسلمين.
وإن كان في مثلها قصاص كقطع يد أو رجل وجب فيه القصاص؟
وفي مستحق استيفائه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب المزني، وابن أبي هريرة وأكثر أصحابنا: أنه للإمام؛ لأن القصاص موروث كالمال، ومال المرتد لبيت المال دون ورثته، فتولى الإمام كما يتولى أخذ أرشه ويكون معنى قول الشافعي: "كان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح" إشارة إلى الإمام؛ لأنه ولي من لا وليه له.
والثاني: أن مستحق القصاص ومستوفيه أولياؤه المسلمون، وإن لم يرثوه، لأن القصاص موضوع للتشفي ودفع الاستطالة فاختص به الأولياء دون غيرهم، فعلى هذا يكون بالخيار بين أن يقتصوا أو يعفوا عن القصاص إلى الأرش، ولم يصح عفوهم عن الأمرين؛ لأنهم ملكوا القصاص ولم يملكوا الأرش فصح عفوهم عما ملكوه من القصاص ولم يصح عفوهم عما لم يملكوه من الأرش؛ فإن سقط القصاص بعفوهم أو بعفو الإمام إن كان هو المستوفي له على الوجه الأول تعين استحقاق الأرش، ولم يصح عفو الإمام عنه كما لا يصح عفو الأولياء؛ لأنه مستحق لكافة المسلمين.
وإذا كان كذلك لم يخل حال الأرش من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون أقل من دية النفس كقطع إحدى اليدين، فيها نصف الدية فيوجبها ويسقط ما زاد عليها بالسراية.
والثاني: أن يكون مثل دية النفس كقطع اليدين، فيهما كمال الدية فيوجب الدية الكاملة؛ لأنه لم يكن للسراية تأثير في الزيادة.
الجزء: 12 - الصفحة: 54
والثالث: أن تكون أكثر من دية النفس كقطع اليدين، وجدع الأنف، ومن حكم ذلك في المسلم أنها إذا اندملت وجب فيها ديتان، وإن سرت إلى النفس وجب فيها دية واحدة؛ لأنها صارت نفسًا فلم تزد على دية النفس، فأما إذا سرت إلى النفس في حال الردة فقد اختلف أصحابنا فيها على وجهين:
أحدهما: وهو قول الأكثرين إنه يغلب حكم السراية في الدية على حكم الجناية، فلا يجب فيها أكثر من دية؛ لأنها قد صارت نفسًا فتصير الجناية مضمونة بأقل الأمرين من أرشها أو دية النفس.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنها تضمن بما بلغ من أرشها وإن زاد على دية النفس أضعافًا لأمرين:
أحدهما: أن سقوط القود في النفس يجري على الجرح حكم الاندمال.
والثاني: أنه لما سقط حكم السراية إذا نقص أرش الجرح عن دية النفس سقط حكم السراية إذا زاد الأرش على دية النفس، وتصير الجناية مضمونة بمبلغ أرشها في الزيادة والنقصان ورد أصحابنا عليه هذا الاستدلال بأن حرمة نفسه لو استدام الإسلام أغلظ من حرمتها إذا ارتد، فلا يجب فيه مع استدامة إسلامه أكثر من الدية فلأن لا يجب فيها مع الردة أكثر من الدية أولى وأشبه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو فقأ عيني عبدٍ قيمته مائتان من الإبل، فأعتق فمات لم يكن فيه إلا ديةٌ، لأن الجناية تنقص بموته حُرًا، وكانت الدية لسيده دون ورثته.
قال المُزني رحمه الله: القياس عندي أن السيد قد ملك قيمة العبد وهو عبدٌ فلا يُنقص ما وجب له بالعتق".
قال في الحاوي: وأصل هذا أن كل ما وجب في الحر منه دية وجب في العبد منه قيمة، وما وجب في الحر منه نصف الدية كان في العبد منه نصف القيمة، وما وجب في الحر منه حكومة كان في العبد ما نقص من قيمته، ويجتمع في العبد قيم كما تجتمع في الحر ديات، فإن سرت الجناية إلى النفس لم تجب فيها أكثر من قيمة في العبد، ودية في الحر.
فإذا استقر هذا الأصل فصورة مسألتنا: في حر فقأ عيني عبد قيمته ديتان قدرهما الشافعي بمائتين من الإبل، وإن لم يقوم العبد بالإبل، وذلك بقدرهما بألفي دينار لأنه أشبه بالقيم فهذا على ضربين.
أحدهما: أن يبقى العبد على رقة حتى تستقر الجناية، أما بالاندمال أو بالسراية، فيجب على الجاني إن أندملت ألفا دينار، وإن سرت إلى النفس فمات ألفا دينار أيضًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 55
ويستوي حكم الجناية في الاندمال أو السراية، لأن الواجب فيهما قيمة كاملة، ولو فقأ إحدى عينيه وجب فيها نصف قيمته إن اندملت، وهو ألف دينار، وإن سرت إلى نفسه وجب فيها جميع قيمته وهو ألفا دينار.
والثاني: أن يعتقه السيد بعد الجناية عليه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تستقر الجناية بالاندمال فيجب فيها القيمة الكاملة ألفا دينار، سواء كان العتق قبل الاندمال أو بعده لأن ما اندمل ولم يسر اعتبر فيه وقت الجناية وكان الاندمال معتبرًا في الاستقرار دون الوجوب، كما لو فقأ عيني نصراني فأسلم ثم اندملت عيناه وجب فيهما دية نصراني، وإن كان عند الاندمال مسلمًا كذلك العبد إذا اندملت عيناه بعد عتقه وجب فيهما قيمته عبدًا، وإن كان عند الاندمال حرًا.
والثاني: أن تسري الجناية إلى نفسه وقد أعتقه السيد قبل موته فيجب فيها دية حر، وذلك ألف دينار، لأنها إذا سرت إلى النفس اعتبر بها وقت السراية دون الجناية، لدخول الأطراف في النفس، هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه.
وقال المزني يجب فيها ألفا دينار اعتبارًا بوقت الجناية استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن السيد قد ملك بالجناية ألفي دينار هي قيمة عبده والعتق الذي هو قربة إن لم يزده خيرًا لم يزده شرًا.
والثاني: أن الاندمال غاية كالسراية، ثم كان الاندمال بعد العتق يقتضي نقص قيمته، كذلك السراية، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما اختلف الاندمال والسراية في نقصان القيمة، وجب أن يختلفا في زيادة القيمة قيمته عبدًا، لأنه لو كان قيمته مائة دينار ثم اندملت بعد عتقه وجب فيها مائة دينار ولو سرت إلى نفسه وجب فيه ألف دينار ديته حرًا، كذلك إذا كانت قيمته ألفا دينار وجب فيها إذا اندملت ألفان، وإذا سرت إلى النفس ألف.
والثاني: أنه لما اختلف الاندمال والسراية في ديات الأطراف حتى لو قطع يديه ورجليه، وجب في الاندمال ديتان، وفي السراية دية واحدة، وجب أن يختلفا في قدر الدية فيجب إذا اندملت ألفا دينار، وإذا سرت ألف واحد، وهذا دليل وانفصال، والخير المستزاد بالعتق هو الثواب، ونقصان القيمة فيه ليس بشر، وإنما هو الإبراء والمعونة فصار خيرًا أيضًا.
فصل:
فإذا ثبت أن الواجب فيها بعد السراية ألف دينار، وإن وجب بالاندمال ألفان فهذه الألف ملك للسيد المعتق دون ورثة العبد.
فإن قيل فهلا كانت لورثته المسلمين دون النصارى، لأنه مات مسلمًا.
قيل الفرق بينهما: أن النصراني كان ملكًا للأرش في الجناية قبل إسلامه، فورثت
الجزء: 12 - الصفحة: 56
عنه بعد موته مسلمًا، والجناية على العبد كانت ملكًا لسيده، فلم تورث عنه بعد موته حرًا.
فإن قيل: فهلا جعلتموها بين السيد والورثة نصفين لأنها مستحقة بجناية في ملك السيد وسرائه بعد العتق في ملك المعتق، فيكون ما قابل زمان الرق ملكًا للسيد وما قابل زمان العتق للوارث كما لو كسب مالًا في العتق ومالًا في الرق كان ما كسبه في الرق لسيده، وما كسبه في العتق لوارثه قيل: السراية أثرت نقصانًا في حق السيد.
فلم يجز أن يشاركه الوارث ولو أثرت زيادة كانت للوارث، مثل أن تكون قيمته مائة دينار، وقت الجناية، ثم يسري بعد العتق إلى نفسه فيجب فيها ألف دينار ديته حرًا، فيكون للسيد منها مائة دينار هي قيمته عبدًا والباقي وهو تسع مائة دينار لورثته لحدوثها بعد عتقه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قُطع يد عبدٍ وأُعتق ثم مات فلا قود إذا كان الجاني حُرًا مُسلمًا، أو نصرانيًا حُرًا، أو مُستأمنًا حُرًا، وعل الحُر الدية كاملةً في ماله للسيد منها نصف قيمته يوم قطعه والباقي لورثته".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المعتبر في القصاص حال الجناية، والمعتبر في الدية حال الاستقرار، إما بالاندمال أو بالسراية إلى النفس؛ لأن المقطوع كان وقت الجناية عبدًا، وعلى القاطع دية حر؛ لأن المقطوع مات حرًا، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا؛ لأنه لم يجب له وقت الجناية أكثر منها، أو جميع ديته حرًا؛ لأن السراية لم تستقر في أكثر منها.
وقال أبو علي بن أبي هريرة للسيد أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو نصف ديته حرًا.
وهذا زلل من أبي علي؛ لأن الجناية من شخص واحد؛ ولا يخلو حالها من أحد أربعة أقسام:
إما أن يعتبر بها وقت الجناية فنصف القيمة قلت أو كثرت، أو يعتبر بها وقت الموت فجميع الدية قلت أو كثرت أو يعتبر بها أكثر الأمرين فلا يجوز، وهو مردود بالاتفاق، أو يعتبر بها أقل الأمرين، وهو المتفق عليه، فيجب أن يكون الأقل ما وجب في الابتداء، وهو نصف القيمة أو بما استقر في الانتهاء، وهو جميع الدية.
فأما أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية فلا يعتبر إلا في جناية الاثنين، وهو أن يقطع حر يده قبل العتق ويقطع آخر يده الأخرى بعد العتق، ثم يموت فتكون عليها دية حر بينهما نصفين، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته، أو نصف ديته؛ لأنهما جنايتان:
الجزء: 12 - الصفحة: 57
أحدهما: في الرق يختص بها السيد، والأخرى في الحرية، ويختص بها الورثة.
فأما الجاني الواحد فليس للسيد إلا ما قدمناه من أقل الأمرين من نصف قيمته، أو جميع ديته، وإذا كان كذلك لم يخل نصف قيمته من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تكون نصف قيمته أقل من نصف ديته أو مثلها فما دون، فيستحق السيد نصف قيمته على المذهبين، ويكون ما بقي من ديته لورثته.
والثاني: أن يكون نصف قيمته يزيد على نصف ديته، ولا تزيد على جميعها فيستحق على مذهب الشافعي نصف قيمته؛ لأنه أقل من جميع ديته، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة يستحق نصف ديته؛ لأنه أقل من نصف قيمته.
والثالث: أن يكون نصف قيمته أكثر من جميع ديته، فيستحق على مذهب الشافعي جميع ديته، وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة، يستحق نصف ديته.
فصل:
ويتفرع على هذه المسألة أن يقطع حر إحدى يدي عبد فيعتق، ثم يعود الحر الجاني فتقطع إحدى رجليه، فلا يخلو حال القطعين من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يندملا.
والثاني: أن يسريا إلى النفس.
والثالث: أن يندمل الأول، ويسري الثاني إلى النفس.
والرابع: أن يندمل الثاني ويسري الأول إلى النفس.
فأما القسم الأول: وهو أن يندمل القطعان فالأول منهما لا قود فيه؛ لأنها جناية حر على عبد، وفيه نصف قيمته قلت أو كثرت تكون لسيده، وإن زاد على ديته حرًا؛ لأن اندمالها يوجب استحقاق ما وجب بها وقت الجناية.
وأما القطع الثاني: ففيه القود؛ لأنها جناية حر على حر، فإن عفا عنه ففيه نصف ديته حرًا تكون له دون سيده فيصير الجاني في هذا القسم ضامنًا بالقطع الأول نصف القيمة دون القصاص، وبالقطع الثاني القصاص، أو نصف الدية.
وأما القسم الثاني: وهو أن يسري القطعان إلى نفسه فيموت فيها فلا قود على الجاني في النفس لخروجها بسرائه قطعين، لا قصاص في سراية أحدهما فيسقط القصاص في سراية الآخر، كما لو عفا أحد الوليين سقط القصاص في حقها، وعلى الجاني دية حر؛ لاستقرارها بعد السراية في حر، فإن أراد المولى أن يقتص من القطع الثاني في الحرية ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن سريج لا قصاص له فيه لدخوله بالسراية في نفس لا يستحق فيها القود.
الجزء: 12 - الصفحة: 58
والثاني: وهو قول الجمهور أنه يستحق فيه القصاص وإن سقط القود في النفس لتمييزها في القطع، وإن اشتركا في النفس.
فإن قيل بالوجه الأول أنه يسقط القصاص في الطرف لسقوطه في النفس وجب الدية، وكان للسيد منهما أقل الأمرين من نصف قيمته، أو نصف ديته وجهًا واحدًا، وبخلافه لو تفرد بالجناية عليه قبل عتقه؛ لأن نصف الجناية ها هنا في حال الرق ونصفها بعد العتق، فلم يستحق إلا أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، ويكون الباقي للورثة ولعل ابن أبي هريرة خالف في تلك المسألة حملًا على هذه والفرق بينهما واضح.
وإن قيل بالوجه الثاني: أنه لا يسقط القصاص في الطرق الثاني، وإن سقط في النفس فهو مستحق للوارث دون السيد، فإن اقتص منه فقد استوفي به نصف الدية، وإن كان ما أخذه السيد من أقل الأمرين هو نصف الدية، فقد استوفي كل واحد من السيد والوارث حقه، وإن كان السيد قد أخذ نصف القيمة؛ لأنه أقل من نصف الدية كان زائدًا عليه من نصف الدية راجعًا على الوارث؛ لأنها زيادة حدثت بالحرية.
وأما القسم الثالث: وهو أن يندمل القطع الأول، ويسري الثاني إلى النفس، فعلى الجاني في القطع الأول نصف قيمة قلت أو كثرت لاندمالها في عبد ولا قصاص فيها؛ لأنها جناية حر على عبد.
وعليه في القطع الثاني القود في النفس لسرايته إليها، وأنها من حر إلى حر، فإن عفا عنه فعليه جميع الدية لاستقرارها في نفس حر، فيصير بالقطعين ملتزمًا لنصف القيمة وجميع الدية يختص السيد بنصف الدية والورثة بجميع الدية.
وأما القسم الرابع: وهو أن يندمل القطع الثاني، ويسري القطع الأول في النفس، ففي القطع الثاني نصف الدية وفيه القصاص وجهًا واحدًا، لاستقرارها من حر على حر.
فأما الأول فقد صار نفسًا فلا قصاص فيه؛ لأنها جناية حر على عبد، وفيه دية حر لاستقرارها في حر، يكون للسيد منها الأقل من نصف قيمته أو نصف ديته.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو قطع ثانٍ بعد الحُرية رجله، وثالثٌ بعدهما يده، فمات فعليهم دية حر، وفيما للسيد من الدية قولان، أحدهما: أن له الأقل من ثلث الدية ونصف قيمته عبدًا، ولا يجعل له أكثر من نصف قيمته عبدًا، ولو كان لا يبلغ إلا بعيرًا؛ لأنه لم يكن في ملكه جنايةٌ غيرها، ولا يُجاوز به ثلث دية حر، ولو كان نصف قيمته مائة بعير من أجل أنه تنقص بالموت، والقول الثاني: أن لسيده الأقل من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حُرًا، لأنه مات من جنايةٍ ثالثةٍ: قال المزني رحمه الله: وقد قطع في
الجزء: 12 - الصفحة: 59
موضع آخر أنه لو جرحه ما الحكومة فيه بعيرٌ ولزمه بالحرية، ومن شركة عشرٌ من الإبل لم يأخذ السيد إلا البعير الذي وجب بالجرح وهو عبده؛ قال المزني رحمه الله: فهذا أقيس بقوله، وأولى عندي بأصله، وإن لم يزده على بعيرٍ؛ لأنه وجب بالجرح وهو عبده، ففي القياس أن لا يُنقصه وإن جاوز عقل حر؛ لأنه وجب له بالجرح وهو عبده".
قال في الحاوي: وصورتها في عدد من الأحرار جنوا على معتق بعضهم في الرق، وبعضهم بعد العتق فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكونا اثنين.
والثاني: أن يكونوا أكثر من اثنين.
فإن كان الجاني عليه اثنان فقطع أحدهما في حال الرق إحدى يديه، وقطع الآخر بعد العتق إحدى رجليه، فلا يخلو حال القطعين من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يندملا فيكون الأول قاطعًا في الرق فلا قود عليه، وعليه نصف القيمة، قلت أو كثرت تكون لسيده؛ لأنها جناية حر على عبد، والقاطع الثاني عليه القود، فإن عفا عنه فعليه نصف الدية تكون للمعتق؛ لأنها جناية حر على حر.
والثاني: أن يندمل القطع الأول، ويسري الثاني إلى النفس، فيكون على الأول نصف القيمة لسيده دون القصاص وعلى الثاني القود في النفس أو الدية لورثته.
والثالث: أن يندمل القطع الثاني، ويسري الأول إلى النفس، فيكون في القطع الثاني القود؛ لأنه من حر على حر، فإن عفا عنه ففيه نصف الدية لورثة المعتق لاستحقاقهما بعد العتق.
وأما القطع الأول فقد صار نفسًا وجبت فيه الدية كاملة لاستقرارها في حر، وللسيد منها أقل الأمرين من القيمة أو الدية، كما لو تفرد الأول بقطعه دون الثاني، وله على قول أبي علي بن أبي هريرة أقل الأمرين من جميع قيمته أو نصف ديته.
والرابع: أن يسري القطعان إلى نفسه فيموت، فالكلام في فصلين:
أحدهما: في القصاص.
والثاني: في الدية.
فأما القصاص فلا يجب على الأول القاطع في الرق قصاص في اليد، ولا قود في النفس، لأنه قاطع في الرق فتبعه حكم السراية بعد العتق؛ لأنها لم تضمن جنايته بالقصاص لم تضمن سرايته بالقود.
كما أن ما لم تضمن جنايته بالأرش لم تضمن سرايته بالدية.
وأما القاطع الثاني بعد العتق فعليه القصاص في الرجل والقود في النفس؛ لأنها جناية حر على حر في حال القطع والسراية.
وقال أبو الطيب بن أبي سلمة: عليه القصاص في الرجل ولا قود عليه في النفس؛
الجزء: 12 - الصفحة: 60
لأن النفس تلفت بسراية جرحين ممتزجين فأوجب سقوط القود في أحدهما سقوطه في الآخر كاشتراك العامد والخاطئ، وهذا فاسد باشتراك الحر والعبد في قتل عبد، والمسلم والكافر في قتل الكافر، لا يكون سقوط القود عن الحر والمسلم موجبًا لسقوطه عن العبد والكافر لأنهما تساويا في الفضل، واختلفا في الكفارة كذلك في سراية القطع، وخالف اشتراك العامد والخاطئ لاختلافهما في الفضل.
وأما الدية فعليها دية حر لاستقرار جنايتها في حر يجب على كل واحد منهما نصفها، ولا يتحمل القاطع في الرق أقل مما يتحمله القاطع بعد العتق.
فإن قيل: فهلا اختلفا في قدر ما يتحملانه لاختلافهما في رقه وحريته؛ كما لو عبدًا في الحالتين كان على الأول نصف قيمته سليمًا، وعلى الثاني نصف قيمته مقطوعًا.
قلنا: لأن قيمة العبد تختلف بالسلامة والنقصان ودية الحر لا تختلف بالسلامة والنقصان، فلذلك تساويا في دية الحر وتفاضلا في قيمة العبد.
فإذا ثبت أن الدية عليهما نصفين فهي بين السيد والورثة، لحدوث الجناية في رق وحرية، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، فإن كان نصف الدية أقل الأمرين استوفي من القاطعين الدية إبلًا وأعطى السيد نصفها إبلًا، وللورثة نصفها إبلًا.
وهل يختص السيد بالنصف الذي على القاطع الأول أم لا؟ على وجهين محتملين:
أحدهما: يختص به لاختصاصه بالجناية في ملكهن فيكون النصف الذي على القاطع الأول للسيد والنصف الذي على القاطع الثاني للورثة، ولا يقع اشتراك بين السيد والورثة.
والثاني: أنهما مشتركان فيهما على القاطعين، ولا يختص واحد منهما بما على أحدهما؛ لأنهما اشتركا في قتل نفس مشتركة، ولا يجوز أن يعدل بالسيد عن نصف الدية من الإبل إلى نصف القيمة إلا عن مراضاة، وإن لم تكن من الإبل مستحقة في قيم العبيد، لأنه صار معدولًا به عن القيمة إلى الدية، وجب أن يعدل به عن جنس القيمة إلى جنس الدية وإن كان أقل الأمرين نصف القيمة وجب أن يأخذ السيد من إبل الدية نصف قيمة عبده ورقًا أو ذهبًا، فإن عدل إلى الإبل لم يجز إلا عن مراضاة؛ لأن حقه من غيرها، فإن قيل بالوجه الأول أن حقه مختص بالجاني الأول رجع عليه بنصف قيمة عبده، وقوم بها من الإبل ما قابلها، ودفع ما بقي من نصف الدية مع جميع النصف الآخر إلى الورثة، وإن قيل بالوجه الثاني إن السيد والورثة مشتركان فيما على القاطعين أخذت منهما الدية إبلًا، وكان السيد شريكًا فيها للوارث بنصف قيمة عبده، والوارث بالخيار في أن يدفع إليه نصف القيمة من ماله، ويأخذ جميع الدية، وبين أن يبيع منها بقدر نصف القيمة ويأخذ الباقي، فإن أراد الوارث أن يدفع إلى السيد بنصف القيمة إبلًا لم يلزمه إلا عن مراضاة؛ لأن حقه في غيرها، فهذا حكم الجناية إذا كانت من اثنين.
الجزء: 12 - الصفحة: 61
فصل:
وأما إذا كان عدد الجناة أكثر من اثنين كالثلاثة فصاعدًا، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون الجناة في الرق أقل من الجناة بعد العتق.
والثاني: أن يكون الجناة في الرق أكثر من الجناة بعد العتق.
والثالث: أن يتساوي عددهم في الرق، وبعد العتق.
فأما القسم الأول: وهو إذا كانوا في الرق أقل، فهو مسألة الكتاب.
وصورتها: أن يقطع حر يده في حال الرق، ثم يعتق، فيقطع ثانٍ يده الأخرى، ويقطع ثالث إحدى رجليه، وتسري الجنايات الثلاث إلى نفسه فيموت، فالجاني في حال الرق لا قود عليه في نفس ولا طرف؛ لأنه جناية حر على عبد.
وأما الجانيان بعد العتق فعليهما القصاص في الطرف، والقود في النفس، لأنها جناية حر على حر.
وعند أبي الطيب بن سلمة أنه يقتص من طرفه، ولا يقاد من نفسه.
وقد رددنا عليه فأما الدية فعلى الثلاثة دية حر بينهم بالسوية، مشترك في التزامها الجاني في الرق، والجانيان بعد العتق.
وهما للسيد منهما قولان منصوصان:
أحدهما: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو ثلث ديته لحر؛ لأن الجناية في ملكه بقطع يده أوجبت نصف قيمته، فإن حدث له بالسراية زيادة لم يملكها لزوال ملكه عند وجوبها، وإن حدث نقصان عاد عليه كما لو جني عليه جنايات توجب قيمًا ثم سرت إلى نفسه وجب قيمة واحدة، وعاد البعض عليه كذلك ها هنا.
والثاني: للسيد أقل الأمرين من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا؛ لأمرين:
أحدهما: أن الجنايات إذا صارت نفسًا سقط اعتبارًا أروشها، كما ل جرحه، أحدهما موضحة، والآخر جائفة ومات كانا في ديته سواء.
والثاني: أنه لما اعتبر أعداد الجناة فيمن يجب عليه الدية، وجب أن يعتبر أعدادهم فيمن يستحق للدية، فعلى هذا لو كانت المسألة بحالها، وجني عليها رابع بعد العتق وجبت الدية على أربعة بينهم بالسوية.
وفيما للسيد منها قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا أو ربع ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية.
والثاني: له أقل الأمرين مع ربع قيمته عبدًا، أو ربع ديته حرًا اعتبارًا، ولو كان من الرابع خامس لكان له على القول الأول أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو خمس ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية.
الجزء: 12 - الصفحة: 62
وله على القول الثاني أقل الأمرين من خمس قيمته عبدًا، أو خمس ديته حرًا؛ اعتبارًا بأعداد الجناة.
ولو كان الجاني الأول قطع في الرق إحدى أصابعه، ثم أعتق، فقطع ثانٍ بعد العتق بيده، وقطع ثالث رجله، ثم مات.
ففيما للسيد من الدية قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من عشر قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا؛ اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلث قيمته عبدًا، أو ثلث ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الجناة في الرق أكثر منهم بعد العتق فصورته، أن يقطع حر إحدى يديه في الرق، ثم يقطع ثانٍ إحدى رجليه، ثم يعتق فيقطع ثالث يده الأخرى، ثم يسري إلى نفسه فيموت، فعلى الثلاثة الدية بينهم بالسوية.
وفيهما للسيد منها قولان:
أحدهما: أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو ثلثي ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية لأن في إحدى اليدين وإحدى الرجلين قيمته.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلثي قيمته عبدًا أو ثلثي ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق من الثلاثة اثنان، وبعد العتق واحد.
ولو جني عليه في الرق ثلاثة: قطع أحدهم إحدى يديه، وقطع الآخر يده الأخرى، وقطع الثالث إحدى رجليه ثم أعتق فقطع رابع بعد العتق رجله الأخرى، ومات.
ففيما للسيد قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو ثلاثة أرباع ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية.
فإن قيل: فقد وجب لجنايات الرق قيمة ونصف، فهلا أوجبتموها له إذا اعتبرتم أرش الجناية.
قلنا: لأنها إذا صارت نفسًا بطل اعتبار ما زاد على القيمة فلذلك سقط حكمهما.
والثاني: له أقل الأمرين من ثلاثة أرباع قيمته عبدًا، أو ثلاثة أرباع ديته حرًا، اعتبار بأعداد الجناة.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع ثانٍ إصبعًا ثانية، ثم أعتق، فقطع ثالث إصبعًا ثالثة، ثم مات، وجبت عليهم الدية.
وفيما للسيد منها قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من خمس قيمته عبدًا، أو ثلثي ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية.
الجزء: 12 - الصفحة: 63
والثاني: له أقل الأمرين من ثلثي القيمة، أو ثلثي الدية اعتبارًا بأعداد الجناة.
وأما القسم الثالث: وهو أن يستوي أعداد الجناة في الرق وبعد العتق.
وصورته: أن يقطع إحدى يديه في الرق، ويقطع ثانٍ يده الأخرى ثم يعتق، فيقطع ثالث إحدى رجليه، ويقطع رابع رجله الأخرى، ثم يموت، فعليهم الدية وفيما للسيد منها قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من جميع قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في اليدين القيمة.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق منه اثنين، وفي الحرية اثنين.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع الثاني إحدى رجليه، ثم أعتق، فقطع الثالث رجله الأخرى، وقطع الرابع يده الأخرى ومات، ففيما للسيد منها قولان:
أحدهما: له أقل الأمرين من ثلاثة أخماس قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة، وفي اليد نصفها.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة، لأن في الرق منهم اثنين.
ولو قطع الأول في الرق إحدى أصابعه، وقطع الثاني إحدى رجليه، ثم أعتق فقطع الثالث رجله الأخرى، وقطع الرابع يده الأخرى، ومات ففيما للسيد قولان:
أحدهما: أقل الأمرين من ثلاثة أخماس قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الجناية، لأن في الإصبع عشر القيمة وفي الرجل نصفها.
والثاني: له أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا، اعتبارًا بأعداد الجناة؛ لأن في الرق منهم اثنين، وفي الحرية اثنين، ثم على هذا القياس.
فصل:
ويتفرع على هذا الأصل فرع يحمل عليه نظائره.
وصورته: في حر قطع إحدى يدي عبد، ثم أعتق، فقطع ثانٍ يده الأخرى، ثم ذبح المقطوع فمات توجئة بالذبح.
فلا يخلو حال الذابح من أحد ثلاثة أقسام:
إما أن يكون هذا القاطع الأول فقد صار بالذبح قاطعًا لسراية القاطع الثاني سواء اندمل قطعه، أو لم يندمل، فيجب على الثاني للوارث دون السيد القصاص في اليد، أو نصف الدية، لأنه قطعه بعد الحرية.
وأما الأول فقد قطع ثم ذبح فيعتبر القطع، فإن كان قد اندمل قبل الذبح استقر حكمه ووجب فيه للسيد نصف القيمة دون القود، لأنها جناية حر على عبد، ووجب على
الجزء: 12 - الصفحة: 64
القاطع بذبحه القود ي نفس للوارث، فإن عفا فعليه الدية؛ لأنها جناية حر على حر، وإن لم يندمل قطعه حتى ذبحه سقط القصاص في القطع، لأنه حر جني على عبد، ودخل أرشه في دية النفس، لأنه لا يستحق مع دية النفس أرش قطع لم يندمل، وعليه القود في النفس؛ لأنها جناية حر على حر، يستحقه الوارث دون السيد لحدوث سببه بعد العتق، فإن اقتص الوارث سقط حق السيد من أرش القطع، لأنه لا يجتمع قصاص وأرش.
فإن عفا الوارث عن القود كان له دية حر للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا، أو نصف ديته حرًا قولًا واحدًا، اعتبارًا بأرش اليد ولو كان القطع لإصبع من اليد، كان له أقل الأمرين من عشر قيمته عبدًا، أو عشر ديته حرًا، اعتبارًا بأرش الأصبع.
وإن كان الذابح هو القاطع الثاني فقد استقر قطع الأول القاطع في الرق سواء اندمل أو لم يندمل، لأن حدوث الذبح بعده قاطع لسرايته فاستقر حكمه، ووجب فيه نصف قيمته، قلت أو كثرت، ولا قود لأنه قطع حر لعبد ثم ينظر في القطع الثاني بعد العتق، فإن كان قد اندمل قبل الذبح استقر حكمه في حق الوارث مع حكم الذبح، وكان للوارث الخيار في القصاص والدية بين أربعة أشياء.
وبين القصاص في اليد، والقصاص في النفس، فيستوي بهما حقي القطع والذبح، لأنهما من حر على حر، وبين أن يقتص من اليد، ويأخذ دية النفس، وبين أن يقتص من النفس ويأخذ نصف الدية في اليد، وبين أن يعفو عنها فيأخذ نصف الدية في اليد، ودية كاملة في النفس، فيحصل له باندمال اليد دية ونصف.
ولو لم تندمل اليد فالوارث بالخيار في القصاص بين أربعة أشياء:
أحدهما: أن يقتص من اليد والنفس، فيستوفي بهما حقي القطع والذبح.
والثاني: أن يقتص من اليد، ويعفو عن القود في النفس، فيحكم له بدية النفس، وعندي أنه سهو إلا على قول أبي سعيد الإصطخري.
والثالث: أن يقتص من النفس، ويعفو عن القصاص في العبد، فيسقط أرش اليد، لاختصاصها قبل الاندمال بالقصاص دون الأرش.
والرابع: أن يعفو عن القصاص في اليد والنفس فيحكم له بدية النفس، ويسقط أرش اليد لدخوله في دية النفس.
وإن كان الذابح أجنبيًا استقر حكم القطعين وصارا وإن لم يندملا كالمندملين لما تعقبهما من التوجئة القاطعة لسرايتها، وكان على القاطع الأول للسيد نصف قيمته عبدًا دون القود؛ لأنها جناية على حر وعلى الذبح القود في النفس، فإن عفا الوارث عنه فله دية النفس كاملة، لأنه جناية حر على حر، ولا تنقص بالمأخوذ من أرش اليدين لما جرى عليها من حكم الاندمال.
فصل:
ويتفرع على ما قدمناه أن يكون عبد بين شريكين فيقطع حر إحدى يديه، ثم يعتق
الجزء: 12 - الصفحة: 65
أحد الشريكين حصته، وهو معسر، ويأتي آخر فيقطع يده الأخرى، ثم يموتن ونصفه حر، ونصفه مملوك، فلا قود على واحد منهما، لبقاء الرق في نصفه، والمستحق منه نصف قيمته عبدًا ما بلغت، ونصف ديته حرًا لاستقرارها فيه بعد عتق نصفه ورق نصفه، ويتحمل القاطعان بينهما بالسوية فيكون على كل واحد منهما ربع القيمة وربع الدية، ولا يفضل واحد على الآخر، وإن اختلفت جنايتهما في الرق والعتق، لاستقرارها فيمن رق نصفه وعتق نصفه، ويكون للمسترق من الشريكين نصف قيمته.
فأما نصف الدية فيشترك فيها المعتق والوارث إذا جعلنا من عتق بعضه موروثًا فيأخذ منها المعتق أقل الأمرين من ربع قيمته عبدًا، أو ربع ديته حرًا، لأن إحدى الجنايتين كانت في ملكه والأخرى بعد عتقه.
ويعود على الوارث ربع الدية، وما فضل من ربع القيمة، إن كان.
فعلى هذا لو كانت المسألة بحالها، فعاد القاطع الأول فقطع إحدى رجليه ومات، فقد مات من جنايتين أحدهما بعد العتق، والأخرى نصفها في الرق ونصفها بعد العتق، فيكون عليها نصف القيمة ونصف الدية، لاستقرارها فيمن نصفه حر ونصفه مملوك، وهما في تحملها بالسوية؛ لأن أفعال الجاني يبني بعضها على بعض، إذا صارت نفسًا.
ولا يتقسط الأرش على أعداد الجرح، كما لو جرحه أحدهما جرحًا، والآخر عشرًا.
ويكون لمالك رقه نصف قيمته ما بلغت.
فأما نصف الدية فيكون منها لمعتقه أقل الأمرين من ربع قيمته، أو ثمن ديته، لاستقرار ثلاثة أرباع الجناية في نصف بعد عتقه.
فصل:
فأما المزني فإنه يحكم على فصلين:
أحدهما: أنه إذا فقأ عينيه في الرق، وقيمته ألفا دينار، ثم أعتق كانت عليه الألفان، وقد تقدم الكلام عليه.
والثاني: هي مسألة الكتاب إذا جني واحد عليه في الرق، واثنان بعد العتق، أنه يختار من القولين أنه يعتبر أرش الجناية في الرق، ولا يعتبر بأعداد الجناة تمسكًا بأمرين:
أحدهما: أن الشافعي قد ذكره في موضع آخر، وهذا ليس بشيء، لأن ذكر أحد القولين في موضعين، وذكر الآخر في موضع لا يقتضي إثبات ما تكرر ونفي الآخر.
والثاني: أن قال: لما كان الزائد بالحرية لا يعود على السيد وجب أن يكون الناقص بالحرية لا يعود عليه، وهذا خطأ، لأن الزائد بالحرية حادث في غير ملكه، فلم يستحقه، والناقص بالحرية من فعله فعاد عليه نقصه والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 66
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وعلى المتغلب باللصوصية والمأمور القود إذا كان قاهرًا للمأمور".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن من أمر غيره بقتل نفس ظلمًا بغير حق لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون إمامًا ملتزم الطاعة.
والثاني: أن يكون متغلبًا نافذ الأمر.
والثالث: أن يساوي المأمور، لا يعلو عليه بطاعة ولا قدرة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الآمر بالقتل إمامًا ملتزم الطاعة.
فلا يخلو حال المأمور في قتله من أحد أمرين:
إما أن يجهل حال المقتول ولا يعلم أنه مظلوم، ويعتقد أن الإمام لا يقتل إلا بحق فلا قود على المأمور، ولا دية، ولا كفارة، لأن طاعة الإمام واجبة عليه لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:59] وعلى الإمام القود، لأن أمره إذا كان ملتزم الطاعة يقوم مقام فعله لنفوذه، وحدوث الفعل عنه، وجرى المأمور معه جري الآلة.
قال الشافعي: وهكذا قتل الأئمة ويستحب للمأمور أن يكفر لما تولاه من المباشرة.
والحالة الثانية: أن يكون المأمور عالمًا بأنه مظلوم، يقتل بغير حق فبهذا المأمور حالتان:
إحداهما: أن يقتله مختارًا.
والثانية: مكرهًا.
فإن قتله مختارًا غير مكره فهو القاتل دون الإمام، لأن طاعة الإمام لا تلزم في المعاصي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم ويكون الإمام آثمًا، ويتمكن المأمور من القتل عاصيًا، وإن لم يلزمه قود ولا دية ولا كفارة.
وهو ظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه.
وذهب بعض أصحابه إلى وجوب القود على الإمام بمجرد أمره، وإن لم يكن منه إكراه للزوم طاعته، ونفوذ أمره، وجعل القود واجبًا على الآمر والمأمور معًا، ولهذا القول وجه في اعتبار المصلحة، وحسم عدوان الأئمة، وإن كان في القياس ضعيفًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 67
وإن كان المأمور مكرهًا على القتل بأن قال له الإمام: إن لم تقتله قتلتك، فالقود على الإمام الآمر واجب.
وفي وجوبه على المأمور قولان:
أحدهما: واجب كالإمام يقاد منهما جميعًا، فإن عفا عنهما اشتركا في الدية، وكان على كل واحد منهما كفارة.
وبه قال زفر بن الهذيل:
والثاني: إنه لا قود على المأمور والمكره، ويختص القود بالإمام المكره واختلف أصحابنا في تعليل هذا القول في سقوط القود عن المأمور فذهب البغداديون بأسرهم إلى أن العلة فيه أن الإكراه شبهة تدرأ بها الحدود.
فعلى هذا التعليل يجب عليه إذا سقط القود عنه نصف الدية؛ لأنه أحد القائلين، وعليه الكفارة.
وذهب البصريون منهم: إلى أن العلة فيه أن الإكراه إلجاء وضرورة تنقل حكم الفعل عن المباشر إلى الآمر كالحاكم إذا ألجأه شهود الزور إلى القتل.
فعلى هذا التعليل تسقط عنه الدية والكفارة كما تسقط عنه القود، وتكون الدية كلها على الإمام المكره وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا قود على الإمام الآمر، ولا على المأمور استدلالًا بأن أمر الإمام سبب ومباشرة المأمور إلجاء، فسقط حكم السبب بحدوث المباشرة، وسقط حكم المباشرة بوجود الإلجاء، فسقط القود عنهما.
وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فلو سقط القود عنهما مع وجود الظلم في القتل لبطل سلطانه، ولما انزجر عن القتل ظالم، ولأن إجماع الصحابة يمنع من قول أبي يوسف.
وهو ما روي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه ولي رجلًا اليمن، فأتاه رجل منهما مقطوع اليد، فقال: إن خليفتك ظلمني فقطعني.
فقال أبو بكر: لو علمت أنه ظلمك لقطعته.
فدل على مؤاخذة الوالي بظلمه فيما أمر به.
وقد أنفذ عمر رضي الله تعالى عنه رسولًا إلى امرأة أرهبها فأجهضت ما في بطنها فزعًا فالتزم عمر ديته.
وروي أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب عليه السلام على رجل بالسرقة فقطعه بشهادتهما، ثم عادا، وقالا: غلطنا، والسارق هو هذا فرد شهادتهما، ولم يقطع الثاني، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" فجعل الجهل لهما بالشهادة موجبًا لإضافة الحكم إليهما وأخذها بموجبها، ووافقه على ذلك من عاصره فصار مع ما تقدم
الجزء: 12 - الصفحة: 68
عن أبي بكر وعمر إجماعًا، لأن القتل قد يكون بالمباشرة تارة، وبالسبب أخرى، فلما وجب القود بالمباشرة جاز أن يجب بالسبب؛ لأنه أحد نوعي القتل.
فصل:
فأما أبو حنيفة فقد وافق في وجوب القود على الإمام الآمر ردًا على أبي يوسف، وأسقط القود عن المأمور المكره، وسلبه حكم المباشرة، فلم يوجب عليه دية ولا كفارة، وهذا أحد قولي الشافعي في سقوط القود.
وموجب تعليل البصريين في سقوط الدية والكفارة، ومخالف لتعليل البغداديين في وجوب نصف الدية والكفارة مع سقوط القود، وهو مخالف للقول الثاني للشافعي في جميع أحكامه؛ لأنه يجري عليه حكم الإمام الآمر في وجوب القود والدية والكفارة، وأبو حنيفة يسلبه بالإكراه جميع أحكام الإمام استدلالًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولأنه قتله لإحياء نفسه، فوجب أن يسقط عنه القود كالمقتول دفعًا عن نفسه، ولأن ما أوجب القتل بفعل المختار سقط فيه القتل بفعل المكره كالزنا، ولأن الإكراه قد نقل حكم لمباشرة إلى الآمر، فوجب أن يزول حكمها عن المأمور، لأن الفعل واحد، ويصير المأمور فيه كالآلة أو كالسبع المرسل والكلب الشلاء، ولأن الإكراه يتنوع نوعين: إكراه حكم، وإكراه قهر، ثم ثبت أن إكراه الحكم وهو إلجاء الحاكم إلى القتل بشهادة الزور يمنع من وجوب القتل عليه مع أمنه على نفسه، فكان إكراه القهر أولى أن يمنع من وجوب القود مع خوفه على نفسه؛ ولأن الإكراه يكون تارة على القول بأن يتلفظ بكلمة الكفر، وتارة على القتل بأن يؤمر بالقتل، ثم ثبت أن حكم الكفر تزول بالإكراه فوجب أن يكون حكم القتل يزول بالإكراه.
ودليلنا عموم قول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] ولأنه عمد، قتله ظلمًا لإحياء نفسه، فلم يمنع إحياؤه لها قتله قودًا، قياسًا على المفطر إذا أكل من الجوع محظور النفس، ثم هذا أولى بالقتل من المضطر، لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، وليس المأمور على يقين من القتل إن لم يقتل، وعلى أن الأصول تشهد لصحة هذا التعليل، ألا ترى أن ركاب السفينة إذا خافوا على أنفسهم فألقوا عليه أحدهم ليتشاغل به عنهم وجب عليهم القود، كذلك المكره المفتدي نفسه بغيره، ولأنه لا عذر له في إحياء نفسه بقتل غيره، لأن حرمة غيره مثل حرمة نفسه، فلم يكن إحياء نفسه بالغير أولى من إحياء الغير بنفسه فاستويا، وصار وجود العذر كعدمه، فاقتضى أن يحب القود بينهما كوجوبه لو لم يكن مكرهًا.
فأما الخبر فمحمول على ما اختص بحقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين،
الجزء: 12 - الصفحة: 69
وقياسهم على قتله دفعًا عن نفسه منتقض بأكله من الجوع، ثم المعنى في المدفوع أنه قد أباح نفسه بالطلب فصار مقتولًا بحق، وهذا مقتول بظلم، فافترقا.
وقياسهم على الإكراه اختلف أصحابنا في صحة الإكراه عليه فذهب بعضهم إلى استحالته لأن إيلاج الذكر لا يكون إلا مع انتشاره، وانتشار الذكر، وإنزال مائة لا يكون إلا مع قوة الشهوة المنافية للإكراه فاستحال فيه الإكراه.
وذهب آخرون منهم إلى صحة الإكراه، فيه لأن انتشار الذكر قد يكون من الطبع المحرك الذي لا يقدر على دفعه عن نفسه، وهو مؤاخذ بفعل نفسه لا بما ركبه الله تعالى في طبعه، فعلى هذا يكون المعنى في سقوط الحد بالإكراه اختصاصه بحقوق الله تعالان والقتل بحقوق الآدميين، فافترقا وقولهم: إن الإكراه قد نقل حكم المباشرة عن المأمور إلى الآمر فليس بصحيح، بل تعدى عن المأمور إلى الآمر، والفعل إذا تعدى حكمه إلى غير الفاعل كان أولى أن يؤاخذ به الفاعل، لأن تعديه لفضل قوته.
وجمعهم بين المكره والحاكم إلجاء غير صحيح، لأن من قتله الحاكم بالشهادة، وقد كان واجيًا عليه لا يسوغ له تركه فلم يؤاخذ بالقود، ومن قتله المكره مظلوم، والقاتل فيه مأثوم فوجب القود عليه، لأنهما لما افترقا في جواز القتل افترقا في وجوب القود.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من حكم إكراه الإمام فكذلك الحكم فيمن استخلفه الإمام وولاه إذا أكره رجلًا على القتل كان الحاكم فيه كالحكم في إكراه الإمام في وجوب القود على الآمر، وفي وجوبه على المأمور قولان، لأن طاعة من استخلفه الإمام تلزم كلزوم طاعة الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله".
واختلف أصحابنا في الإكراه على القتل بماذا يكون على وجهين:
أحدهما: أنه يكون بكل ما كرهته النفس وشق عليها من قتل، أو ضرب، أو حبس أو أخذ مال، كالإكراه في الطلاق والبيع على ما قدمناه.
والثاني: أنه لا يكون الإكراه على القتل إلا بالقتل، أو بما أفضى إليه من قطع أو جرح، ولا يكون الضرب والحبس، وأخذ المال فيه إكراهًا، لأن حرمة النفوس من أغلظ من حرمة الأموال، فاقتضى أن يكون الإكراه على القتل أغلظ من الإكراه فيما عداه.
واختلف أصحابنا في إكراه الإمام على قتل الظلم هل يخرج به من إمامته على وجهين: حكاهما ابن أبي هريرة.
الجزء: 12 - الصفحة: 70
وكذلك في ارتكابه للكبائر الذي يفسق بها.
أحد الوجهين: أنه يخرج من الإمامة لقول الله تعالى: ﴿إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:124].
والثاني: أنه لا يخرج بها من الإمامة حتى يخرجه منها أهل الحل والعقد، لانعقاده بهم، وعليهم أن يستنيبوه فإن تاب وإلا خلعوه.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الآمر بالقتل متغلبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون متغلبًا بتأويل كمن ندب نفسه لإمامة أهل البغي، إذا أمر بقتل رجل ظلمًا فلا يخلو حال المأمور من أحد أمرين:
إما أن يكون ممن يرى رأيه، ويعتقد طاعته، أو يكون مخالفًا له، فإن كان موافقًا لرأيه معتقد الطاعة فحكم المأمور معه كحكمه مع إمام أهل العدل إن لم يكن من الآمر إكراه وجب القود على المأمور دون الآمر، وإن كان منه إكراه وجب القود على الآمر وفي وجوبه على المأمور قولان.
وإن كان ممن يخالفه في رأيه، ولا يعتقد طاعته ففيه وجهان:
أحدهما: أن يغلب فيه حال المأمور لما يعتقده من مخالفة الآمر، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان متغلبًا باللصوصية على ما سنذكره.
والثاني: أن يغلب فيه حال الآمر، ويجري عليه حكمه مع الآمر إذا كان إمامًا لأهل العدل لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان الباغي مع إمام أهل العدل في حكم أهل العدل، وجب أن يكون أهل العدل مع إمام أهل البغي في حكم أهل البغي.
والثاني: أن الشافعي أمضى أحكام قضائهم على أهل العدل وأهل البغي، وجواز أخذ الزكاة وجباية الخراج منهما فاستويا في الحكم، وإن اختلفا في المعتقد.
والضرب الثاني: أن يكون متغلبًا باللصوصية إذا أمر بقتل رجل فالفرق بين أمره وأمر الإمام من ثلاثة أوجه متفق عليها، ورابع مختلفة فيه.
فأما الثلاثة المتفق عليها:
فأحدها: أن طاعة الإمام واجبة إلا فيما يعلم أنه ظلم، وطاعة هذا المتغلب غير واجبة إلا فيما يعلم أنه حق.
والثاني: أن الظاهر من أمر الإمام بالقتل أنه يحق إلا أن يعلم أنه ظلم، والظاهر من أمر المتغلب بالقتل أنه يظلم إلا أن يعلم أنه حق.
والثالث: أن اجتهاد الإمام فيمن يستبيح قتله من مسلم بكافر، وحر بعبد نافذ، واجتهاد هذا المتغلب فيه غير نافذ.
الجزء: 12 - الصفحة: 71
فإذا افترقا من هذه الأوجه الثلاثة اعتبر كل واحد منهما في الآمر إن كان إمامًا أو متغلبًا فأجري عليه حكمه على اختلاف أحكامهما في الجهتين.
وأما الرابع المختلف فيه فهو الإكراه، وقد اختلف في حكم الإكراه هل يستويان فيه أو يختلفان على وجهين:
أحدهما: أنهما يستويان في الإكراه، وإن اختلفا في الآمر من غير إكراه، فعلى هذا إذا أمر المتغلب رجلًا بالقتل من غير إكراه وجب على المأمور القود، سواء علم بظلمه أو لم يعلم، لأن الظاهر من أمره بالقتل أنه بغير حق، ولا قود على الآمر لأنه غير مطاع في الظاهر، ما لم يعلم أنه حق، فصار المأمور هو المنفرد بالقتل، والآمر مشير به، وإن أكرهه الآمر المتغلب على القتل وجب على الآمر القود، وفي وجوبه على المأمور قولان، لاستواء الإمام والمتغلب في الإكراه.
والثاني: أنهما مختلفان في حكم الإكراه كما اختلفا في حكم الاختيار لأمرين:
أحدهما: أن في طاعة الإمام شبهة ليست في طاعة المتغلب.
والثاني: أن أمر الإمام عام في جميع البلاد، لا يقدر على الخلاص منه، وأمر المتغلب خاص في بعضها يقدر على الخلاص منه إذا انتقل إلى غيرها.
فعلى هذا إذا أكره المتغلب رجلًا على القتل وجب القود على الآمر والمأمور جميعًا، وإن كان في مكره الإمام قولان: لما ذكر من الفرقين، وإن كانا ضعيفين.
فصل:
وأما القسم الثالث أن يكون الآمر بالقتل مساويًا للمأمور لا يفضل عليه بقدرة، ولا يد فالإكراه من مثله معدوم، والمأمور هو المنفرد بالقتل دون الآمر، والآمر أضعف حالًا من الممسك، فلا يجب عليه قود ولا دية ولا كفارة، لكن يكون آثمًا بالرضا والمشورة، وعلى المأمور القود أو الدية، ويختص بالتزامهما مع الكفارة.
فإن غر الآمر المأمور وقال: اقتل هذا فإنه حربي أو مرتد فقتله وكان مسلمًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون في دار الإسلام فالقود على المأمور واجب، ولا قود على الآمر، فإن عفي عن القود وجب عليه الدية، ولا يرجع بها على الآمر، لأن الظاهر من دار الإسلام إسلام أهلها، فضعف غرور الآمر فيها.
والثاني: أن يكون ذلك في دار الحرب فلا قود على المأمور ولا على الآمر، وتجب على المأمور الدية كالخاطئ؛ لأن الظاهر من دار الحرب كفر أهلها.
فإذا غرم المأمور الدية ففي رجوعه بها على الآمر الفار وجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن غر في النكاح على أن المنكوحة حرة فباتت أمة، عل يرجع عليه بما غرمه من صداقها فيها قولان: كذلك ها هنا يتخرج فيه وجهان والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 72
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وعلى السيد القود إذا أمر عبده صبيًا أو أعجميًا لا يعقل بقتل رجلٍ فقتله، فإن كان العبد يعقل فعلى العبد القود، ولو كانا لغيره فكانا يُميزان بينه وبين سيدهما فهما قاتلان، وإن كانا لا يُميزان فالآمر القاتل وعليه القود".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أمر عبده بالقتل، فامتثل أمره فيه فللعبد المأمور حالتان:
أحدهما: أن يكون ممن لا يميز في طاعة سيده بين المحظور والمباح، إما لصغره وإما لأعجميته، فيكون السيد الآمر هو القاتل، ويكون العبد معه كالآلة التي يستعملها أو كالبهيمة التي يشليها فيكون القود في المقتول واجبًا على السيد دون العبد، فإن عفا إلى الدية كانت حاله في ماله، ولا يرتهن رقبة العبد بها، ويكون كسائر أموال السيد.
وعلى هذا لو قال السيد لهذا العبد: اقتلني فقتل سيده بأمره فلا قود عليه، ويكون السيد قاتل نفسه.
ولو قال له السيد: اقتل نفسك فقتل نفسه عن أمره، كان السيد هو القاتل لعبده، فيؤخذ بما يؤخذ به قاتل عبده.
والثانية: أن يكون هذا العبد يميز في طاعة سيده بين المباح وبين المحظور، ويعلم أن القتل محظور لا يطاع فيه السيد، إما لبلوغه وعقله، وإما لمراهقته وتمييزه، فيكون العبد هو القاتل دون السيد، فإن كان بالغًا وجب عليه القود، وإن كان مراهقًا لم يبلغ فلا قود عليه، وتكون الدية في رقبته يباع فيها.
وعلى هذا لو قال له السيد: اقتلني فقتل سيده بأمره كان العبد هو القاتل إلا أنه لا قود عليه؛ لأن في أمر السيد إبراء من القود، ولا يثبت في رقبته الدية، لأنه مملوك لمستحقها من الورثة ولو قال له السيد: اقتل نفسك فقتل نفسه كان هو القاتل لنفسه دون السيد.
وهكذا حكم الأب مع ابنه إذا أمره بالقتل في أن يراعي تمييز الابن، فإن كان مميزًا يعلم أن طاعة الأب في القتل لا تجب، فالابن هو القاتل دون الأب، وإن كان لا يميز لصغره أو بلهه، فالأب هو القاتل دون الابن.
فصل:
وإذا أمر أجنبي عبد غيره بالقتل، فأطاع العبد غير سيده في القتل، روعي حال العبد، فإن لم يفرق بين طاعة سيده وطاعة غيره لصغره أو أعجميته أو اعتقد أن كل آمر مطاع كان الآمر هو القاتل، وإن فرق بين سيده وبين غيره في التزام طاعته، فالعبد هو القاتل دون الآمر، فإن تشبه الأجنبي بالسيد ودلس نفسه على العبد حين أمره بالقتل كان
الجزء: 12 - الصفحة: 73
الآمر هو القاتل دون العبد، إن كان العبد لا يفرق في طاعة السيد بين المباح والمحظور، وإن كان يفرق بينهما، فالعبد هو القاتل دون الآمر.
ولو قال الأجنبي للعبد: قد أمرك سيدك بالقتل فقتل كان هذا القول في حق العبد كأمر سيده، وفي حق الأجنبي كأمر نفسه فيكون على ما تفضل من الحكمين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قتل مرتدٌ نصرانيًا ثم رجع ففيهما قولان، أحدهما: أن عليه القود وهو أولادهما؛ لأنه قتل وليس بمسلم، والثاني: أن لا قود عليه لأنه لا يُقر على دينه.
قال المُزني رحمه الله: قد أبان أن الأول أولادهما، فالأولى أحق بالصواب، وقد دل قوله في رفع القود عنه، لأنه لا يُقر على دينه، على أنه لو كان القاتل نصرانيًا يُقر على دينه لكان القود عليه، وإن أسلم.
قال المُزني رحمه الله: فإذا كان النصراني الذي يُقر على دينه الحرام الدم إذا أسلم يُقتل بالنصراني، فالمباح الدم بالردة أحق أن يُقاد بالنصراني وإن أسلم في قياس قوله".
قال في الحاوي: إذا قتل مرتد نصرانيًا صاحب عهد أو جزية، ففي وجوب القود عليه قولان:
أحدهما: وهو قول المزني: أن القود على المرتد واجب، سواء أقام على ردته أو رجع إلى الإسلام لأمرين:
أحدهما: اجتماعهما على الكفر، وإن تنوع واختلف لأن جميع الكفر ملة واحدة، ثم النصراني أحسن حالًا من المرتد، لأنه يقر على نصرانيته، والمرتد لا يقر على ردته.
والثاني: أنه لما كان حدوث إسلام النصراني بعد أن قتل نصرانيًا لا يمنع من القود لاجتماعهما على الكفر عند القتل، كذلك تقدم إسلام المرتد على قتله أولى أن لا يمنع من القود، لأن حرمة الإسلام عند ثبوته أوكد من حرمته بعد زواله.
والقول الثاني: أنه لا قود على المرتد في قتل النصراني لأمرين:
أحدهما: أن من جرت عليه أحكام الإسلام لم تزل عنه بالردة كالصلاة والصيام.
والثاني: أنه لما أجرى على المرتد أحكام الإسلام في غير القود، بما يؤخذ من زكاة ماله، ويؤخذ بقضاء ما ترك من صلوات وقته، ولا يؤخذ منه الجزية؛ لأن لا يجري عليه صغار الكفر، وتمنع المرتدة من نكاح كافر لثبوت حرمة الإسلام لها، وجب أن يكون حكم الإسلام جازيًا عليه في سقوط القود بقتل الكافر، وبهذا يدفع احتجاج المزني.
الجزء: 12 - الصفحة: 74
فصل:
فإذا ثبت توجيه القولين، فإن قلنا: إنه لا قود عليه كانت دية النصراني في ماله، سواء قتل بالردة أو رجع عنها، ويكون باقي ماله بعد الردة إن قل لبيت المال، وإن قلنا: إن القود واجب عليه فولي النصراني مخير بين القود والعفو، فإن عفا عنه إلى الدية فعلى ما مضى، وإن أراد القود فللمرتد حالتان:
إحداهما: أن يرجع إلى الإسلام، فيسقط قتل الردة ويقتل قودًا.
والثانية: أن يقيم على ردته فيقال لولي المقتول: إن عدلت إلى الدية قتلناه بالردة، وإن أقمت على ما طلب القود قتلناه قودًا، ودخل فيه قتل الردة، وكان جميع ماله فيئًا في بيت المال، ويقدم قتله بالقود على قتله بالردة لأمرين:
أحدهما: أن الخصم في القود آدمي حاضر فكان أوكد.
والثاني: أن المراد بقتل الردة أن لا يوجد منه الإقامة عليها، وهذا موجود في قتله قودًا.
فصل
فأما إذا قتل نصراني مرتدًا ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا قود عليه، ولا دية لأنه مباح الدم فسقط عنه الضمان كما لو قتله مسلم.
والثاني: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة: أن على النصراني القود أو الدية وإن لم يجب على المسلم في قتله قود ولا دية، لأن المرتد مباح الدم في حقوق المسلمين دون الكفار، كالقاتل مباح الدم في حقوق الأولياء دون غيرهم، فإن قتله الأولياء لم يضمنوا، وإن قتله غيرهم ضمنوه.
والثالث: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: إنه مضمون في حق النصراني بالقود دون الدية، فيقاد به النصراني، لأن القود معتبر بالمعتقد، وقد تكافآ فيه فوجب فإن عفا عنه سقطت الدية، لأنها بوجوب الحرمة، ولا حرمة لنفس المرتد، فلم تجب في قلته دية، وعكس ما قاله ابن سلمة أشبه، لأن وجوب القود أغلظ من وجوب الدية عمد الخطأ يوجب الدية، ولا يوجب القود، فلو قال: إن الدية واجبة لبيت المال دون القود لكان أشبه بالأصول.
فصل:
فأما إذا وجب قتل الزاني المحصن، فقتله رجل بغير أمر الإمام.
فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن القود على قاتله واجب، لأن ولي قتله هو الإمام، فإذا تولاه غيره أقيد منه، كالعامل إذا قتله غير ولي المقتول أقيد به.
وظاهر مذهب الشافعي، وما عليه جمهور أصحابه: أنه لا قود، لرواية أبي صالح
الجزء: 12 - الصفحة: 75
عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أقتله؟ أم حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حتى تأتي بأربعة شهداء كفي بالسيف شا" يعني شاهدً هذا فانصرف سعد وهو يقول: والله، لو وجدته لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "أاتسمعون ما يقول سيدكم؟ "، فقالوا: اعذره يا رسول الله، فإنه رجل غيور، وما طلق امرأة فتزوجها رجل منا.
فموضع الدليل منه أنه أباح قتله بعد البينة.
وروي الشعبي أن رجلًا غزا، واستخلف على امرأته أخاه فأتته امرأة، فقالت له: أدرك امرأة أخيك، عندها رجل يحدثها، فتسور السطح، فإذا هي تصنع له دجاجة وهو يرتجز ويقول:
وأشعت غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها وتمسي ... على جرد الأعنة والحزام
كأن مواضع الربلات منها ... فئام ينهضون إلى فئام
فقتله وألقى بجيفته إلى الطريق، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أنشد الله امرءًا عنده علم هذا القتيل إلا أخبرني، فقام الرجل: فأخبره بما كان فأهدر عمر دمه، وقال: أبعده الله وسحقه.
وروي سعيد بن المسيب أن رجلًا من أهل الشام يقال له: ابن خيبري وجد مع امرأته رجلًا فقتله وقتلها، فأشكل على معاوية القضاء، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأله أن يسأل علي ابن أبي طالب عليه السلام عنها فسأله فقال: ليست هذه بأرضنا حلفت عليك لتخبرني بها فقال: كتب بها إلى معاوية فقال علي: يرضون بحكمنا وينقمون علينا، إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته".
وفيه تأويلان:
أحدهما: فليضرب على رمته يعني بالسيف قودًا.
والثاني: معناه فليسلم برمته حتى يفاد منه.
وأما الجمع بين الزاني والقتل، فقد فرق من خالف بينهما بأن على القتل قودًا ودية، فلم يجز تفويت الدية بالقود، وليس على الزاني إلا القتل الذي لا تخيير فيه والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين أن يقال: إن وجب قتل الزاني بالبينة فلا قود على قاتله لا نحتام قتله وإن وجب بإقراره أقيد من قاتله لأن قتله بإقراره غير منحتم لسقوطه عنه برجوعه عن إقراره.
وعلى هذا لو أن محاربًا من قطاع الطريق قتل في الحرابة رجلًا فللإمام أن ينفرد
الجزء: 12 - الصفحة: 76
بقتله دون ولي المقتول، لما قد تعلق بقتله من حق الله تعالى الذي لا يجوز العفو عنه، ولولي المقتول أن يقتله بغير إذن الإمام لما تعلق به من حقه الذي لا يجوز أن يمنع منه.
فإن قتله غيرهما من الأجانب فعلى الوجه الأول: يجب عليه القود، وعلى مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه لا قود عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ويقتل الذابح دون الممسك، كما يحد الزاني دون الممسك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أمسك رجلًا حتى قتله آخر فعلى القاتل القود، فأما الممسك فإن كان القاتل يقدر على القتل من غير إمساك، أو كان المقتول يقدر على الهرب بعد الإمساك فلا قود على الممسك بالإجماع.
وإن كان القاتل لا يقدر على القتل إلا بالإمساك، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الإمساك فقد اختلف الفقهاء في الممسك، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا قود عليه ولا دية، ويعزر أدبًا.
وقال إبراهيم النخعي وربيعة بن أبي عبد الرحمن بحبس الممسك حتى يموت، لأنه أمسك المقتول حتى مات، فوجب أن يجازي بمثله، فيحبس حتى يموت.
وقال مالك: يقتل الممسك قودًا كما يقتل القاتل إلا أن يمسك مازحًا ملاعبًا فلا يقاد استدلالً بقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33].
وبما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعالى عنه أنه قتل جماعة بواحد.
وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به أي لو تعاونوا عليه.
والممسك قد عاون على القتل ولأنهما تعاونا في قتله، فوجب أن يستويا في القود، كما لو اشتركا في قتله، ولأن ممسك الصيد لما جرى عليه حكم القاتل في وجوب الجزاء، ولو أمسكه أحد المجرمين، وقتله الآخر اشتركا في الجزاء، وجب أن يكون ممسك المقتول يجري عليه حكم القاتل في وجوب القود، ويكونا فيه سواء، ولأن الإمساك سبب أفضى إلى القتل فلم يمنع أن يجري عليه حكم المباشرة للقتل كالشهود إذا شهدوا عند الحاكم على رجل بالقتل فقتل، ثم رجعوا قتلوا قودًا بالشهادة، وإن كانت سببًا كذلك الممسك.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقتل القاتل، ويصبر الصابر" قال أبو عبيدة: يعني يحبس لأن المصبور هو المبحوس، يريد بالحبس التأديب لا كما تأوله ربيعة على الحبس إلى الموت، ولأن الإمساك سبب، والقتل مباشرة، فإذا اجتمعا ولم يكن في
الجزء: 12 - الصفحة: 77
السبب إلجاء كالشهود سقط حكم السبب بوجود المباشرة، كما لو حفر رجل بئرًا فدفع رجل فيها إنسانًا فمات كان القود على الدافع دون الحافر، ولأن هذا القاتل قد يصل إلى القتل تارة بالإمساك وتارة بالحبس، ثم ثبت أنه لو قتله بعد الحبس لم يقتل الحابس، كذلك إذا قتله بعد الإمساك لم يقتل الممسك، ولأن حكم الممسك مخالف لحكم المباشر في الزنا، لأنه لو أمسك امرأة حتى زنا بها رجل، وجب الحد على الزاني دون الممسك.
ووجب أن يكون حكم الممسك في القتل بمثابته في وجوب القود على القاتل دون الممسك.
ولو جاز أن يساويه في القود جاز أن يساويه في الحد.
ولأن الإمساك غير مضمون لو انفرد فكان أولى أن لا يضمن إذا تعقبه القتل.
ولأن ما لا يضمن خطاؤه لم يضمن عمده كالضرب بما لا يقبل.
فأما الآية فقد قال: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء:33] والسرف أن يتجاوز القاتل إلى من ليس بقاتل.
وقول عمر رضي الله تعالى عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به محمول على اشتراكهم في قتله، لأن المعاونة هي التساوي في الفعل وبه يجاب عن قياسهم على الاشتراك في القتل، ثم المعنى في المشركين في القتل أن كل واحد منهما يضمن إذا انفرد، فضمن إذا شارك والممسك لا يضمن إذا انفرد فلم يضمن إذا تعقبه قاتل.
وأما إمساك العبد فإنما يضمن به العبد، لأنه مضمون باليد إذا انفردت، والمقتول غير مضمون باليد، وإنما يضمن بالجناية، ولو كان الإمساك جاريًا مجرى مباشرة القتل لوجوب إذا أمسك المجوس شاة فذبحها مسلم أن لا تؤكل، كما لو أشترك في ذبحها مجوس ومسلم، وفي إجماعهم على جواز أكلها دليل على الفرق بين الممسك والمشارك.
وما استدلوا به من الشاهدين فلا يصح لأنهما ألجأ الحاكم إلى القتل، ولم يكن من الممسك إلجاء فافترقا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربه بما الأغلب أنه يقطع عضوًا أو يُوضح رأسًا فعليه القود".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن القود يجب في القتل بالمحدود والمثقل، كذلك القصاص في الجراح والأطراف يجب في المحدد والمثقل، فلو رمى رأسه بحجر فأوضحه، ومثله يوضح وجب فيه القصاص، وإن كان مثله لا يوضح في الغالب وربما أوضح فهو عمد شبه الخطأ، ففيه دية الموضحة دون القود، كذا لو ضرب يده بخشبة فأبانها، كان مثلها يقطع في الغالب، وجب فيها القصاص، وإن كان مثلها لا يقطع ي الغالب وجب فيها الدية، كما قلنا في تلف النفوس.
الجزء: 12 - الصفحة: 78
فلو ضرب يده فشلت فلا قصاص فيها، وعليه ديتها؛ لأن الشلل لا يمكن في مثله القصاص، فلو شجه بحجر فأوضح رأسه، وسرى إلى نفسه فمات فإن كان مثل الحجر يوضح ويعقل غالبًا وجبه عليه القصاص في الموضحة، والقود في النفس.
وإن كان مثله يوضح غالبًا ولا يقتل في الغالب وجب فيه القصاص في الموضحة لأنها عمد محض، ولم يجب عليه القود في النفس، ووجبت الدية، لأنه عمد يشبه الخطأ، وهذا إذا حدث منه القتل في الحال من غير سراية.
فأما إذا سرت الموضحة إلى نفسه فالقصاص فيها وفي النفس واجب بحدوث القتل عن جرح يوجب القصاص فوجب أن تكون سرايته موجبة للقصاص اعتبارًا بموجبها.
فصل:
فأما إذا سقاه سمًا فمات فالسم على ستة أقسام:
أحدها: أن يكون قاتلًا في الغالب منفردًا ومع غيره، فهذا يوجب القود، ويكون هذا السم من آلة القتل كالسيف.
والثاني: أن يكون هذا السم قاتلًا بانفراده، ولا يقتل إذا كسر بغيره، فيجب به القود إن أفرده، ولا يجب به القود إن كسره.
والثالث: أن يقتل إذا خلط يغيره، ولا يقتل إذا أفرده، فلا يجب به القود إذا أفرد، ويجب به القود إذا خلط بما يقتل معه.
والرابع: أن يكون مما يقتل العضو الضعيف، ولا يقتل الجلد القوي فلا يجب به القود في الجلد القوي، ويجب به القود في العضو الضعيف.
والخامس: أن يكون مما يقتل في بعض الفصول في السنة، ولا يقتل في بعضها فيجب به القود في الفصل القاتل، ولا يجب في غير الفصل القاتل.
والسادس: أن يكون مما يقتل تارة، ولا يقتل أخرى فلا يجب به القود، وتجب فيه الدية، ويكون كعمد الخطأ، فإن اختلف الساقي للسم وولى المسقي في السم.
فقال الساقي: ليس بقاتل على ما مضى من أقسام ما لا يقتل.
وقال ولي المسقي: هو قاتل على ما مضى من أقسام ما يقتل، فإن كان لواحد منهما بينة على ما ادعاه عمل عليها، وإن عدما البينة فالقول قول الساقي مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته من قود وعقل.
فلو اتفقا على أنه قاتل وقال الساقي: لم أعلم أنه قاتل ففيه قولان: أحدهما: لا قود عليه إذا حلف أنه لم يعلم، لأنه شبهة محتملة، وعليه الدية كالخاطئ.
والثاني: عليه القود، لأنه قد كان يقدر على استعلام حاله فجرى عليه حكم من علم به.
فإذا تقرر ما وصفنا من أقسام السم القاتل وأحكامه في وجوب القود وإسقاطه فالكلام بعده في صفة وصول السم إلى المسموم، وهو على ضربين:
الجزء: 12 - الصفحة: 79
أحدهما: أن يكون من الساقي إكراه على شربه أو أكله فهو قاتل عمد والقود عليه واجب.
والثاني: أن يدفع السم من يده إلى المسموم فيشربه المسموم فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون صغيرًا أو أبله لا يميز، ويطيع كل أمر فعلى الساقي القود، كما لو أمر صبيًا أو أبله أن يقتل فقتلها كان عليه القود.
والثاني: أن يكون عاقلًا مميزًا فللساقي حالتان:
إحداهما: أن يعلمه بأنه سم فيشربه بعد إعلامه به فلا قود على الساقي ولا دية ويكون شارب السم هو القاتل لنفسه، سواء أعلمه الساقي بعد تسميته بالسم أنه قاتل أو لم يعلمه، لأن اسم السم ينطلق على ما يقتل.
والثانية: أن لا يعلمه عند دفعه إليه أنه سم فهو ضامن لديته، وفي وجوب القود عليه قولان:
أحدهما: عليه القود لمباشرة الدفع وإخفاء الحال.
والثاني: لا قود عليه لشرب المسموم له باختياره فهذا قسم.
والقسم الثاني: أن يخلطه الساقي بطعام لنفسه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يأكله المسموم بغير إذن فلا قود على الساقي ولا دية، والآكل هو القاتل نفسه.
والثاني: أن يأذن له في أكل الطعام فيكون كما لو دفعه من يده، لأن الإذن في الطعام أمر بأكله فيجب عليه الدية، وفي وجوب القود قولان:
والقسم الثالث: أن يضعه في طعام المسموم فيأكله المسموم، وهو لا يعلم بسمه، فيكون الساقي ضامنًا لقيمة الطعام، لأن قد صار بالسم كالمستهلك، وفي ضمانه لنفس المسموم ثلاثة أقاويل:
أحدهما: يضمنها بالقود، وهكذا يكون القتل بالسم في الأغلب.
والثاني: يضمنها بالدية دون القود لعدم المباشرة من جهته.
والثالث: أنه لا ضمان عليه من قود ولا دية، ويكون الفرق على هذا القول بين وضع السم في طعام الساقي ووضعه في طعام المسموم أنه أكل طعام الساقي بأمره فصار بالأمر ضامنًا لديته، وأكل طعام نفسه بغير أمره فلم يضمن ديته والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو عمد عينه بإصبعه ففقأها اقتص منه؛ لأن
الجزء: 12 - الصفحة: 80
الأصبع يأتي منها على ما يأتي به السلاح من النفس، وإن لم تنفقئ اعتلت حتى ذهب بصرها أو انتجفت ففيها القصاص".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا فقأ عين رجل بإصبعه وجب عليه القود، لأن الإصبع يأتي من العين على ما يأتي عليه الحديد من النفس، والعين تتميز عن غيرها من الجسد وتنفصل كالأعضاء، فوجب القود فيها كالأطراف لقول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:45] قرأ الكسائي بالرفع، وقرأ بالنصب إخبار عن شريعة غيرنا، وهي لازمة لنا في أصح الوجهين ما لم يرد نسخ، وإذا كان القود فيها واجبًا، فلها حالتان:
إحداهما: أن تنقلع الحدقة بالفقأ فيجوز الاقتصاص منها بالإصبع مقابلة للجناية بمثلها، ويجوز فعلها بالحديد، لأنه أسهل وأسرع، فإن المجني عليه يبصر بالعين الأخرى، جاز أن يتولى الاقتصاص بنفسه، وإن كان أعمى لا يبصر لم يجز أن يتولاه لخوف تعديه، وتولاه وكيله.
والثانية: أن تكون الحدقة باقية في موضعها، وأذهب الإصبع ضوء بصرها أو كانت الجناية على رأسه فأذهبت ضوء بصره، أو لطمه على وجهه فذهب ضوء ناظره، فالقصاص فيه واجب؛ لأن ضوء العين يجري منها مجرى الروح من الجسد، فلما وجب القود بإفاتة الروح مع بقاء الجسد وجب القصاص بإذهاب الضوء مع بقاء العين، فيفعل بالجاني مثل فعله بإصبع كإصبعه أو لطمه مثل لطمته، وليس ذلك لوجوب القصاص واللطم، ولكن ليستوفي باللطم ما يجب فيه القصاص.
فإن ذهبت بالإصبع واللطمة ضوء عين الجاني فقد استوفي منه القصاص وإن لم يذهب بها ضوء عينه عدل إلى إذهاب ضوئها بما تبقى معه الحدقة من علاج ودواء، فإن لم يذهب إلا بذهاب الحدقة فلا قصاص فيها وعليه ديتها؛ لأن ما لم يمكن الاقتصاص منه إلا بالتعدي إلى غيره سقط القصاص فيه لعدم المماثلة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان الجاني مغلوبًا على عقله فلا قصاص عليه، إلا السكران فإنه كالصحيح".
قال في الحاوي: كل من لم يجز عليه قلم بجنون أو صغر فلا قصاص عليه إذا جرح أو قتل، وسواء كان الصغير مميزًا أو غير مميز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
الجزء: 12 - الصفحة: 81
ولأن القصاص حد فأشبه في سقوطه عن الصبي والمجنون سائر الحدود.
ولأن ما تعلق بحقوق الأبدان لا يجب على غير مكلف كالصلاة والصيام، فإذا سقط القصاص عنهما فعليهما الدية، لأن حقوق الأموال لا تسقط بعدم التكليف كقيم المتلفات، ولأن القصد فيها غير معتبر فلم تسقط بعدم القصد كالخاطئ.
فصل:
فإذا ثبت وجوب الدية عليهما، لم تخل جنايتهما من أن تكون على وجه الخطأ أو العمد، فإن كانت منهما على وجه الخطأ فالدية مستحقة على عواقلهما، وإن كانت على وجه العمد ففي عمدهما قولان:
أحدهما: أنه كالخطأ لعدم قصدهما فتكون الدية محققة على عواقلهما.
والثاني: أنه كعمد غيرهما، وإن سقط القصاص عنهما لعدم تكليفهما، فتجب الدية عليهما مغلظة في أموالهما حالة.
فلو بلغ الصبي بعد صغره، وأفاق المجنون بعد قتله، لم يستحق عليها القصاص فيما جناه في الصغر والجنون، فو اختلفا بعد البلوغ والإفاقة مع ولي المقتول.
فقال القاتل: قتلت قبل البلوغ فلا قود علي.
وقال الولي: قتلت بعد البلوغ فعليك القود.
فالقول قول القاتل مع يمينه، لأن الصغر صفة متحققة، والأصل: "أن جنب المؤمن حمى".
ولو قال القاتل: كنت عند القتل مجنونًا.
وقال الولي: بل كنت مفيقًا، فلا يخلو حال القاتل من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن لا يعلم له جنون متقدم فالقول قول الولي، وعلى القاتل القود؛ لأن الأصل السلامة.
والثاني: أن يعلم جنونه طبقًا مستديمًا فالقول قول القاتل، ولا قود عليه، لأنه قد صار فيه أصلًا فشابه دعوى الصغر.
والثالث: أن يعلم منه أنه كان يجن في زمان، ويفيق في زمان ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول فيه قول القاتل مع يمينه لاحتماله.
والثاني: أن القول قول الولي مع يمينه؛ لأن السلامة أغلب.
فصل:
فأما السكران من شرب المسكر من خمر أو نبيذ، فالقود عليه إذا قتل واجب لجريان القلم عليه إلا على القول الذي خرجه المزني عن الشافعي في القديم أن ظهار السكران لا يصح، وطلاقه لا يقع، فلا يجب عليه على هذا القول إن صح تخريجه قود
الجزء: 12 - الصفحة: 82
وتخريجه مستنكر عند جمهور أصحابنا، وإنما هو مذهب المزني لم يروه عن الشافعي سواء في قديم ولا جديد، فيقال فيه قولًا واحدًا.
فأما النائم إذا انقلب على صغير أو مريض فقتله فلا قود عليه لارتفاع القلم عنه، وعليه الدية محققة على عاقلته، لأنه خطأ محض، وكذلك المغمي عليه لا قود عليه، فأما من شرب دواء فزال به عقله فإن قصد به التداوي فهو كالمغمي عليه إن أفاق، وكالمجنون إن استمر به فلا قود عليه، وإن قصد به زوال العقل واستدامة الجنون ففي وجوب القود عليه وجهان:
أحدهما: عليه القود كالسكران لمعصيتهما بما أزال عقلهما.
والثاني: لا قود عليه؛ لأن حكم السكران أغلظ لما اقترن بسكره من الطرب الداعي إليه في حال من شرب ما أزال العقل، وأحدث الجنون لفقد هذا المعنى فيه، وأنه نادر من فاعليه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع رجلٌ ذكر خنثى مُشكل وأنثييه وشفريه عمدًا، قيل: إن شئت وقفناك فإن بنت ذكرًا أقدناك في الذكر والانثيين، وجعلنا لك حُكومةً في الشفرين، وإن بنت أنثى فلا قود لك، وجعلنا لك دية امرأةٍ في الشفرين وحكومةً في الذكر والأنثيين.
قال المُزني رحمه الله: بقيةٌ هذه المسألة في معناه أن يُقال له: وإن لم تشأ أن تقف حتى يتبين أمرك وعفوت عن القصاص، وبرأت، فلك دية شفري امرأةٍ وحكومةٌ في الذكر والأنثيين، لأنه الأقل، وإن قلت: لا أعفو ولا أقف، قيل: لا يجوز أن يقص مما لا يدري أي القصاص لك، فلابد لك من الأمرين على ما وصفنا".
قال في الحاوي: لهذه المسألة خمس مقدمات:
إحداهما: في ذكر الرجل اقود فإن عفا عنه ففيه دية الرجل تامة.
والثانية: أن في أنثيي الرجل القود فإن عفا عنه ففيه دية الرجل تامة.
والثالثة: أن في أسكتي المرأة وهما شفراها القود، فإن عفا عنه ففيه دية المرأة تامة.
ووهم أبو حامد الإسفراييني فأسقط القود في الشفرين؛ لأنه لحم ليس له حد ينتهي إليه.
وهذا زلل منه خالف به نص الشافعي في كتاب "الأم" لأن الشفرين هما المحيطان بالفرج من جانبيه بمنزلة الشفتين من الفم وفي الشفتين القود، كذلك في
الجزء: 12 - الصفحة: 83
الشفرين، فإذا تعذر القود فالدية.
وزعم بعض أهل اللغة أن الشفرين داخل الإسكتين، فيكون المحيط بالفرج الإسكتان، وداخلها الشفران، والخلاف في الاسم لا يغير الحكم.
والرابعة: أن العضو الزائد على الخلقة لا يكافئ عضوًا من أصل الخلقة في قود ولا دية، فلا يقاد بالذكر الزائد ذكرًا من أصل الخلقة، وفيه حكومة، وكذلك ما زاد من الأنثيين والشفرين.
والخامسة: أن لا يجوز أن يقضي بالقول حتى يستيقن، ولا بالدية حتى يتحقق ويعطي مع الإشكال أقل الحقين.
فصل:
فإذا تقررت هذه المقدمات الخمس اشتمل مسطور المسألة على خمسة فصول:
أحدها: رجل جني على خنثى مشكل.
والثاني: امرأة جنت على خنثى مشكل.
والثالث: خنثى مشكل جني على رجل.
والرابع: خنثى مشكل جني على امرأة.
والخامس: خنثى مشكل جني على خنثى مشكل.
فأما الفصل الأول: وهو المسطور إذا قطع رجل ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه، وطالب بعد الاندمال بحقه من القود والدية، لم يجز أن يحكم له مع بقاء الإشكال بالقود حتى يبين أمره، فإن بان رجلًا وجب له القود في ذكره وأنثييه؛ لأنهما من أصل الخلقة فأقيد بما كافأهما، وأعطي حكومة في الشفرين؛ لأنهما زائدان على الخلقة، فإن عفا عن القود أعطي ديتي رجل إحداهما في الذكر، والأخرى في الأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان الخنثى امرأة فلا قود على الرجل الجاني في ذكره ولا في أنثييه، لأنهما زائدان في خلقة المرأة، وأعطيت دية امرأة في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
وإن بقي الخنثى على إشكاله، ولم يتعجل بيانه، وطالب بحقه، نظر، فإن عفا عن القود أعطي أقل حقيه وهو أن يجري عليه حكم المرأة فيعطي دية في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين، فإن بان امرأة فقد استوفت حقها، وإن بان رجلًا كمل له ديتي رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
فإن تعجل الطلب ولم يعف عن القود كان القود موقوفًا على زوال الإشكال، واختلف أصحابنا في إعطاء المال على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لا يعطي المال، ويكون موقوفًا على زوال الإشكال، كما وقف القود؛ لأن في إعطاء المال سقوط القود، وهو يطالب بالقود فسقطت المطالبة بالمال.
الجزء: 12 - الصفحة: 84
والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا إنه يعطي من المال أقل ما يستحقه مع القود؛ لأنه يستحق القود في عضو، ويستحق المال في غيره فلم يكن في إعطائه عفو عن القود، والذي يعطاه من المال حكومة في الشفرين كوقوف القود في الذكر والأنثيين، إذا بان رجلًا.
وقال أبو حامد المروزي في "جامعة": يعطي دية الشفرين وهذا خطأ؛ لأن الذي يعطاه مالًا يسترجع منه إن أقيد، وقد يتبين رجلًا فيقاد من ذكره وأنثييه، ويستحق الحكومة في شفريه، ولو أعطاه الدية لا يسترجع منها ما زاد على الحكومة، فلذلك اقتص به على قدر الحكومة، وروعي ما سبق من أمره فإن بان رجلًا أقيد من ذكره وأنثييه، وقد استوفي حكومة شفرية، وإن بان امرأة سقط القود وكمل لها دية الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
وأما الفصل الثاني: وهو أن تقطع امرأة ذكر خنثى مشكل وأنثييه وشفريه، فيصير القود موقوفًا على الشفرين كما كان في القود في جناية الرجل موقوفًا على الذكر والأنثيين اعتبارًا بالتجانس.
فإن بان الخنثى رجلًا سقط القود في الشفرين لزيادتهما على الخلقة وكان له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان امرأة أقيد من الشفرين، وأعطي حكومة في الذكر والأنثيين.
وإن بقي على إشكاله وعفا عن القود أعطي أقل الحقين، وهو دية امرأة في الشفرين وحكومة في الذكر والأنثيين، وروعي ما يتبين من أمره، فإن بان امرأة فقد استوفت حقها، وإن بان رجلًا كما له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين، وإن لم يعف عن القود كان موقوفًا على الشفرين، وأعطي إذا قيل بإعطاء المال مع الوقف على القود حكومة في الذكر والأنثيين، فإن بان امرأة أقيد من الشفرين، وقد استوفي حكومة الذكر والأنثيين.
وإن بان رجلًا أسقط القود في الشفرين، وكمل له ديتا رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين، فلو اشترك في الجناية على الخنثى رجل وامرأة فقطعا معًا ذكره وأنثييه وشفريه عن الرجل القود في الشفرين، وكان القود معها موقوفًا على التعيين.
فإن بان رجلًا أقيد بذكره وأنثييه من الرجل، وأخذ من المرأة نصف حكومة الشفرين مع النصف من ديتي رجل في الذكر والأنثيين؛ لأنها أحد جانبين وإن بان امرأة أقيد بشفريه من المرأة، وكان على الرجل نصف حكومة الذكر والأنثيين مع النصف من دية امرأة على الشفرين، لأنه أحد الجانبين.
فأما الفصل الثالث: وهو خنثى مشكل جني على رجل فقطع ذكره وأنثييه فإن طلب القود وقف على البيان.
فإن بان رجلًا أقيد من ذكره وأنثييه.
الجزء: 12 - الصفحة: 85
وإن بان امرأة فلا قود عليها ديتان في الذكر والأنثيين.
فإن بقي الخنثى على إشكاله لم يكن للمجني عليه المطالبة بمال إلا أن يعفو عن القود؛ لأنه لا يستحق مع القود مالًا بخلاف ما مضى ولكن لو عفا عن القود في الأنثيين، وطلب القود في الذكر أعطى دية الأنثيين، ووقف القود في الذكر على البيان، فإن بان رجلًا أقيد منه، وإن بان امرأة أخذ منها دية الذكر وسقط فيه القود.
وأما الفصل الرابع: فهو خنثى مشكل جني على امرأة فقطع شفريها فإن طلبت القود وقف على البيان.
فإن بان امرأة أقيد من شفريها.
وإن كان رجلًا فلا قود، وأخذت منه دية امرأة في الشفرين، فلو قطع مع شفري المرأة أعلى الركب، وهو منابت الشعر لم يستحق فيه قود، لأنه لحم ليس لانتهائه حد، ووجبت فيه حكومة ولو تجب فيه دية، لأنه تبع لغيره، فإن قطع مع الشفرين وجب القود في الشفرين، والحكومة في الركب، فإن سقط القود في الشفرين، وجب في الشفرين دية، وفي الركب حكومة.
وأما الفصل الخامس: وهو خنثى مشكل جني على خنثى مشكل فقطع ذكره وأنثييه وشفريه وقف القود على البيان ولهما ثلاثة أحوال:
إحداهما: أن يبينا رجلين فيستحق القود في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين إلا أن يمكن القود منهما لتماثلهما في الزيادة منهما، فيقاد من الزائد بالزائد عند التماثل كما قيد من الأصل لأجل التماثل.
والثانية: أن يبينا امرأتين فيقاد من الشفرين، ويؤخذ حكومة في الذكر والأنثيين إلا أن يتماثلا في كل واحد منهما فيقاد بالزائد كما قيد بالأصل.
والثالثة: أن يبين أحدهما رجلًا والآخر امرأة فيسقط القود لاختلاف التجانس وعدم التماثل في الأصل والزائد.
وينظر في المجني عليه، فإن بان رجلًا أعطي ديتي رجل في الذكر والأنثيين، وحكومة في الشفرين.
وإن بان امرأة أعطيت دية امرأة في الشفرين، وحكومة في الذكر والأنثيين.
فإن ماتا مع بقاء إشكالهما جاز أن يعتبر بعد الموت بيان حال المجني عليه دون الجاني، لأن بيان الجاني موقوف على القود وقد سقط بالموت، وبيان المجني عليه لأجل الدية وهي مستحقة بعد الموت، فإن لم يبن بعد الموت أحد الأمرين وجب أقل الحقين.
فإن اختلف وارثهما فادعا وارث المجني عليه أكثرهما، واعترف وارث الجاني بأقلهما لم يكن للدعوى والإقرار تأثيره ألا ترى أن يصف كل واحد منهما حال الخنثى بما يوافق قوله، فإن أخلا بالصفة أطرح قولهما ووجب أقل الحقين، وإن وصفناه بما يوافق قولهما وعدما البينة عليه عرضت اليمين عليهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر
الجزء: 12 - الصفحة: 86
قضى بيمين الحالف على الناكل، وإن حلفا معًا تعارضت اليمينان وسقطتا، وأوجبنا أقل الحقين اعتبارًا باليقين.
فصل:
وإذا خلق لرجل ذكراه، فإن كان يبول من أحدهما، ولا يبول من الآخر، فالذكر هو الذي يبول منه، وفيه القود أو الدية، ولا قود في الآخر، وفيه حكومة.
وإن كان يبول منهما فأكثرهما بولًا وأقواهما خروجًا هو الذكر، وفيه القود أو الدية، وفي الآخر حكومة، فإن استويا في البول فالذي ينشر منهما وينقبض هو الذكر، وإن كانا في الانتشار والانقباض سواء، فالثابت في محل الذكر المنفرد هو الذكر والمنحرف زائد، فإن استويا في محل الذكر، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بوصف زائد فهما جميعًا ذكر زائد لا يجب في واحد منهما قود، وفيه نصف الدية، وزيادة حكومة، لأنه أزيد من نصف ذكر، فإن قطعا معًا وجب فيهما القود، وزيادة حكومة في الزيادة كالكفين على ذراع.
باب الخيار في القصاص
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، عن أبي شريح الكعبي، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا بني خزاعةً قد قتلتم هذا القتيل من هذيلٍ، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
قال في الحاوي: قتل العمد موجب للقود ولولي المقتول أن يعفو عنه إلى الدية، ولا يفتقر إلى مراضاة القاتل.
وقال أبو حنيفة ومالك: قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب له الدية إلا بمراضاة القاتل استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45] وهذا نص في أن لا يجب في النفس غير النفس.
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:178] وفي الزيادة على القصاص إيجاب ما لم يجز العدول إلى غيره من الأبدال إلا عن مراضاة.
ولأن القتل موجب للقود في عمده والدية في خطئه، فلما لم يجز العدول عن الدية في الخطأ إلى غيرها إلا عن مراضاة لم يجب أن يعدل عن القود إلى غيره إلا عن مراضاة.
ولأن القتل يستحق بالقود تارة، وبالدفع عن النفس أخرى، فلما لم يملك بدل قتله
الجزء: 12 - الصفحة: 87
دفعًا لم يملك بدل قتله قودًا.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة:178] معناه فمن عفا له عن القصاص فليتبع الولي الدية بمعروف، ويؤديها القاتل بإحسان فجعل للولي الإتباع، وعلى القاتل الأداء فلما تفرد القاتل بالأداء وجب أن ينفرد الولي بالإتباع ولا يقف على المراضاة.
وحديث أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
فجعل الولي مخيرًا بين القود والدية وهذا نص.
فإن قيل: فقد روي: "إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا فادوا" والمفاداة لا تكون إلا عن مراضاة.
قيل: هذه رواية شاذة، وتحمل المفاداة فيها على بذلك الدية التي لا تستحق إلا عن مراضاة، ويحمل خبرنا في خيار الولي على أصل الدية التي لا تفتقر إلى مراضاة ليستعمل الخبرين، ولا يسقط أحدهما بالآخر، ولأن القود قد يسقط بعفو الولي إذا كان واحدًا، ويعفو أحدهم إذا كانوا جماعة، ثم ثبت أن سقوطه بعفو أحدهم موجب للدية بغير مراضاة فكذلك يكون وجوبها بعفو جميعهم.
وتحريره قياسًا: أنه قود سقط بالعفو عنه فلم تقف الدية فيه على مراضاة كما لو عفا عنه أحدهم.
ولأن استحقاق القود لا يمنع من اختيار الدية كما لو قطع كفًا كاملة الأصابع، وفي كفه أربعة أصابع كان المجني عليه عندنا وعندهم بالخيار بين القصاص والدية.
فإن أحب الدية أخذ دية كاملة، وإن أحب القصاص اقتص عندهم بالكف الناقصة، ولا شيء له غيرها، وعندنا يقتص منها، ويؤخذ دية الأصبع الناقصة من كف الجاني، ولأن للقتل بدلين، أغلظهما القود وأخفهما الدية فلما ملك القود الأغلط بغير مراضاة كان بأن يملك الدية الأخف بغير مراضاة أولى، ولأن قتل العمد أغلظ وقتل الخطأ أخف، فلما ملك الدية في أخفهما فأولى أن يملكها في أغلظهما.
فأما الجواب عن الآيتين: فهو أن وجوب القصاص فيهما لا يمنع من العفو عنه إلى غريه كالمراضاة.
وأما قياسهم على إتلاف المال فالمعنى فيه: أنه ليس له العمد والخطأ إلا بدل واحد، وللقتل بدلان فافترقا.
وقولهم: لما لم يملك العدول عن دية الخطأ إلا بالمراضاة كذلك القود العمد.
فالجواب عنه أن القود أغلظ والدية أخف فملك إسقاط الأغلظ بالأخف، ولم
الجزء: 12 - الصفحة: 88
يملك إسقاط الأخف بالأغلظ، وما اعتبروه من قتل الدفع الذي لا يملك فيه الدية فلا يشبه قتل القود؛ لأنه يملك بقتل الدفع إحياء نفسه فلم يجز أن يبدلها بالدية مراضاة ولا اختيارًا، وليس كذلك قتل القود، لأنه ملك به استيفاء حق يجوز أن يعدل عنه بالمراضاة، فجاز أن يعدل عنه بغير مراضاة.
فصل:
فإذا ثبت أن استحقاق الدية في قتل العمد لا يقف على مراضاة القاتل، فقد اختلف قول الشافعي فيما يوجبه قتل العمد على قولين:
أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، وكلاهما بدل من النفس، وليست الدية بدلًا من القود، والولي فيهما بالخيار، كالحالف مخير في الكفارة بين الإطعام والكسوة والعتق.
ووجه ذلك شيئان:
أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" وتخيرهم بين القود والدية يقتضي أن يكون كل واحد منهما بدلًا من القتل كالكفارة.
والثاني: أن الدية بدل من نفس المقتول دون القاتل، بدليل أن المرأة لو قتلت رجلًا وجب عليها دية الرجل، فلو جعلت الدية بدلًا من القود صارت بدلًا من نفس القاتل دون المقتول، ولو وجب على المرأة إذا قتلت رجلًا أن يؤخذ منها دية امرأة، إذا ثبت أن الدية بدلًا من نفس المقتول جرت مجرى القد فصارا واجبين بالقتل.
والقول الثاني: أن قتل العمد موجب للقود وحده، وهو بدل النفس، فإن عدل عنه إلى الدية كانت بدلًا من القود فيصير بدلًا عن النفس ووجهه شيئان:
أحدهما: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ [البقرة:187] فدل على أن الذي يجب له القصاص وحده.
والثاني: أن قتل الخطأ لما أوجب بدلًا واحدًا، وهو الدية اعتبارًا بالمتلفات التي ليس لها مثل، اقتضى أن يكون قتل العمد موجبًا لبدل واحد، وهو القود اعتبارًا بالمتلفات التي لها مثل.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين كان القود مستحقًا على كلا القولين وترتب استحقاق الدية على اختلاف القولين.
فإن قلنا القول الأول إن قتل العمد موجب لأحد شيئين إما القود أو الدية فلولي المقتول في الاختيار والعفو سبعة أحوال:
أحدها: أن يختار القود، فلا يسقط حقه من الدية إلا أن يقتص، فإن عدل القود
الجزء: 12 - الصفحة: 89
إلى الدية استحقها؛ لأنه عدل بها عن الأغلظ إلى الأخف.
والثانية: أن يختار الدية فيعطاها، ويسقط حقه من القود لما في العدول إليه من الانتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لاختياره تأثير، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما.
والرابعة: أن يعفو عن القود فيتعين حقه في الدية، ولا يجوز أن ينتقل عنها إلى القود إلا بعد سقوطه بالعفو، ولأنه انتقال عن الأخف إلى الأغلظ.
والخامسة: أن يعفو عن الدية فله القود، ولا يكون لعفوه عن الدية تأثير، وله أن ينتقل من القود إلى الدية، لأنه انتقال من الأغلظ إلى الأخف.
والسادسة: أن يعفو عن القود والدية فيصح عفوه عنهما ولا يستحق بعد العفو واحدًا منهما من قود ولا دية.
والسابعة: أن يقول قد عفوت عن حقي فيكون عفوًا عن القود والدية معًا لأن يستحقهما.
وإن قلنا بالقول الثاني إن قتل العمد موجب للقود وحده ولا تجب الدية إلا باختيار بدلًا من القود فللولي في اختياره وعفوه سبعة أحوال:
أحدها: أن يختار القود فلا يسقط بهذا الاختيار حقه من اختيار الدية وقت استحقاقها لأنه يستحق اختيارها بعد سقوط حقه من القود، فصار كالإبراء من الحق قبل وجوبه، لا يبرئه من ذلك الحق بعد وجوبه، ولا يتحتم عليه القود بهذا الاختيار، لأنه حق له وليس بحق عليه فصار هذا الاختيار لا تأثير له.
والثانية: أن يختار الدية فيكون في اختارها إسقاط لحقه من القود فيحكم له بالدية ويسقط القود.
والثالثة: أن يختار القود والدية فلا يكون لهذا الاختيار تأثير في القود ولا في الدية، لأنه لا يستحق الجمع بينهما ولم يعين بالاختيار أحدهما فيستوي حكم الاختيار، وهذه الأحوال الثلاث على القولين معًا، وإنما يفترقان في الأحوال الأربع في العفو.
والرابعة: أن يعفو عن القود فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختار الدية مع عفوه عن القود، فيسقط حقه من القود بالعفو وتجب له الدية بالاختيار.
والثاني: أن يقتصر على العفو، عن القود ولا يعله باختيار الدية فيسقط القود بالعفو عنه وفي الدية قولان:
أحدهما: نص عليه في جراح العمد - أنه له أن يختار الدية من بعد.
والثاني: ذكره في كتاب "اليمين مع الشاهد" أنه قد سقط حقه من الدية فليس له أن يختارها من بعد.
الجزء: 12 - الصفحة: 90
وأصل هذين القولين في المدعي إذا قام شاهدًا وامتنع أن يحلف مع شاهده، وعرضت اليمين على المنكر فنكل عنها، فهل ترد على المدعي أم لا؟ على قولين:
والخامسة: أن يعفو عن الدية فلا يكون لعفوه تأثير القود ولا في الدية، لأن القود لم يعف عنه، والدية لم يستحقها مع بقاء القود، فلم يصح عفوه عنها.
والسادسة: أن يعفو عن القود فيسقط القود بعفوه عنه، وفي سقوط الدية بعفوه عنهما قولان حكاهما أبو حامد المروزي في "جامعه".
أحدهما: يصح عفوه عنها لاقترانه بالعفو عن القود.
والثاني: لا يصح العفو عنها، لأنه لم يقع في وقت الاختيار بعد القود.
فعلى هذا إن اختار الدية في الحال وجبت له، فإن اختارها بعد ذلك فعلى ما مضى من القولين:
والسابعة: أن يعفو عن حقه فيسقط القود، لأنه يستحقه، ولا يسقط الدية، لأنه لم يستحقها، فإن عجل اختيارها وجبت له وإن لم يعجله فعلى القولين:
أحدهما: تجب له الدية إن اختارها.
والثاني: لا تجب له وقد سقط حقه منها بتأخير الاختيار والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولم يختلفوا في أن العقل يورث كالمال، وإذا كان هكذا فكل وارثٍ ولي زوجةً أو ابنةً لا يًخرج أحدٌ منهم من ولاية الدم".
قال في الحاوي: أما الدية فموروثة ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب وهو متفق عليه.
وهو معنى قول الشافعي: "لم يختلفوا في أن العقل موروثٌ" إلا حكاية شاذة عن الحسن البصري أنه لم يورث الزوج والزوجة والإخوة من الأم شيئًا من الدية وهو محجوج بالنص والإجماع.
روي سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رجلًا قتل خطأ فقضى عمر رضي الله تعالى عنه بديته على عاقلته فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقل زوجها فقال عمر: لا أعلم لك شيئًا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم فورثها عمر.
وروي عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة ترث من مال زوجها وعقله ويرث هو من مالها وعقلها".
الجزء: 12 - الصفحة: 91
(وروى) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن العقل ميراث ورثة القتيل على فرائضهم.
وروي الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث امرأة من دية زوجها، وورث زوجًا من دية امرأته.
فصل:
فأما القود فهو عندنا موروث ميراث الأموال بين جميع الورثة من الرجال والنساء على فرائضهم.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: يرثه رجال العصبات من ذوي الأنساب ودون الأسباب.
وقال ابن أبي ليل: يرثه ذوو الأنساب من الرجال والنساء دون ذوي الأسباب.
واستدل مالك بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] والوالي يتناول الرجال من العصبات فدل على أن لا حق فيه لغيرهم، ولأن القود موضوع لدفع العار فأشبه ولاية النكاح في اختصاصها برجال العصبات، ولأن النساء لو ورثن القود لتحملن العقل كالعصبات، وهن لا يتحملن العقل فوجب أن يسقط ميراثهم من القود كالأجانب.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل قتيلًا بعده فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
ومن هذا الخبر دليلان:
أحدهما: أن الأهل عبارة عن الرجال والنساء من ذوي الأنساب والأسباب.
والثاني: أنه خيرهم بين الدية والقود، والدية تكون بين جميعهم فكذلك القود.
وروي الأوزعي عن حصين عن ابن سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولأهل القتيل أن ينحجزوا الأول فالأول، ولو كانت امرأة" ومعنى قوله: "لينحجزوا" أن يتركوا يعني بتركهم فيما يجب على القاتل من قود ودية، ولأن كل من ورث الدية ورث القود كالعصبة؛ ولأن كل حق ورثه العصبة ورثه غيرهم من الورثة كالدية.
فأما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فقد ينطلق اسم على المرأة كما ينطلق على الرجل، لأنها تليه وإن لم تل عليه، ولو تناولت من يلي عليه لخرج منهم الأبناء والإخوة على أن المراد به مباشرة الاستيفاء، وذلك يختص بالرجال دون النساء.
الجزء: 12 - الصفحة: 92
وأما استدلالهم بالنكاح في وضعه لنفي العار فليس بصحيح، لأن القود يستحق للتشفي لا لنفي العار على أن ولاية النكاح لا تورث إنما تستفاد بالنسب، والقود موروث فافترقا.
وما ذكره من اختصاص القود، من يتحمل العقل فاسد بالآباء والأبناء والصغار والفقراء كل هؤلاء يرثون القود، ولا يتحملون العقل كذلك النساء.
فصل:
فإذا ثبت أن القود موروث كالمال لم يخل حال القتيل من ثلاثة أحوال:
أن يكون له ورثة يستحقون جميع ماله فلهم الخيار بين ثلاثة أمور:
إما القود، أو الدية أو العفو عنهما.
والثانية: أن لا يكون له وارث بحال فالإمام وليه لأنه موروث لبيت المال، وللإمام الاختيار في اعتبار الأصلح من أمرين: القود، أو الدية، وهل له الخيار في العفو عنه؟ على وجهين:
أحدهما: له الخيار في العفو عنهما كالورثة.
والثاني: لا خيار له في العفو عنهما؛ لأنه نائب فلم يجز أن يسقط الحق بغير بدل.
والثالثة: أن يكون له من الورثة من يستحق بعض تركته كالزوج والزوجة.
فليس لهذا الوارث أن ينفرد بالقود، لأنه لا ينفرد بالميراث وشريكه في استيفائه الإمام؛ لأن باقي التركة ميراث لبيت المال.
فإن اتفق الوارث والإمام على القود وجب، وإن أراده أحدهما دون الآخر سقط، واستحق الدية، وكان الوارث في حقه منهما بالخيار بين الاستيفاء والعفو، وفي خيار الإمام في حق بيت المال فيهما وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقتل إلا باجتماعهم، ويحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويبلغ الطفل، وإن كان فيهم معتوهٌ فحتى يُفيق أو يموت فيقوم وارثه مقامه".
قال في الحاوي: أما إذا كان ورثة القتيل أهل رشد لا ولاية على واحد منهم، فليس لبعضهم أن ينفرد بالقود دون شركائه، وعليه أن يستأذن من حضر وينتظر من غاب، وهذا متفق عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأهله من خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل" فأما إن كان فيهم مولى عليه لعدم رشده بجنون أو صغر فقد اختلف فيه الفقهاء.
الجزء: 12 - الصفحة: 93
فذهب الشافعي إلى أن القود موقوف لا يجوز أن ينفرد به الرشيد حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، ويجتمعون على استيفائه، ولا يجوز لولي الصغير أن ينوب عنه في الاستيفاء.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز للرشيد منهم أن ينفرد باستيفاء القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، ولو كان مستحقه صغيرًا أو مجنونًا لوليه أن ينوب عنه في استيفائه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:33] فذكره بلفظ الواحد فدل على جواز أن يستوفيه الولي الواحد.
ولأن ابن ملجم قتل عليًا رضوان الله عليه فاقتص منه ابنه الحسن، وقد شاركه من أخوته صغار لم يبلغوا، ولم يقف القود على بلوغهم ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فصار إجماعًا على جواز تفرده به.
قال: ولأن للقود حق يصح فيه النيابة فجاز إذا لم يتبعض أن ينفرد به بعضهم كولاية النكاح، ولأن القود إذا وجب لجماعة لم يمتنع أن ينفرد باستيفائه واحد، كالقتيل إذا لم يترك وارثًا استحق قوده جماعة المسلمين، وكان للإمام أن ينفرد باستيفائه.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل ذلك لجماعتهم، فلم يجز أن ينفرد به بعضهم، لما فيه من العدول عن مقتضى الخير.
ولأن القود إذا تعين لجماعة لم يجز أن ينفرد به بعضهم، كما لو كانوا جميعًا أهل رشد.
ولأن القود أحد بدلي النفس فلم يجز أن يستوفيه بعض الورثة كالدية.
ولأن كل من لم ينفرد باستيفاء الدية لم يجز أن ينفرد باستيفاء القود كالأجانب.
وأما الآية فمحمولة على الولي إذا كان واحدًا.
وأما تفرد الحسن بقتل ابن ملجم لعنه الله فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد كان في شركائه من البالغين من لم يستأذنه، لأن عليًا خلف حين قتل على ما حكاه بعض أهل النقل ستة عشر ذكرًا وست عشرة أنثى فيكون جوابهم عن ترك استئذانه للأكابر جوابنا في ترك وقوفه على بلوغ الأصاغر.
والثاني: أن ابن ملجم انحتم قتله لسعيه بالفساد، لأن من قتل إمام عدل فقد سعي في الأرض فسادًا فصار محتوم القتل، لا يجوز العفو عنه فلا يلزم استئذان الورثة فيه.
والجواب الثالث: أن ابن ملجم استحل قتل علي عليه السلام فصار باستحلاله قتله كافرًا، لأن من استحل قتلٍ إمام عدل كان كافرًا فقته الحسن لكفره ولم يقتله قودًا، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أيقظ عليًا من نومه في بعض الأسفار، وقد سيقت الريح عليه التراب، فقال: قم يا أبا تراب، ثم قال: أتعرف أشقى الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله
الجزء: 12 - الصفحة: 94
أعلم، قال: أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين من خصب هذه من هذا، وأشار إلى خضاب لحيته من دم رأسه، فيجوز أن يكون الحسن عرف بهذا الخبر كفر ابن ملجم لعنه الله لاعتقاده استباحة قتل علي فقتله بذلك.
وأما قياسهم على ولاية النكاح فعنه جوابان:
أحدهما: أن ولاية النكاح يستحقها الأكابر دون الأصاغر، فجاز أن ينفرد بها الأكابر والقود يستحقه الأكابر والأصاعر فلم يجز أن ينفرد به الأكابر.
والثاني: أن ولاية النكاح يستحقها كل واحد منهم فجاز أن ينفرد بها أحدهم، والقود يستحقه جميعهم فلم يجز أن ينفرد به بعضهم.
فأما ما ذكره من تفرد الإمام بالقود فيمن ورثه جماعة المسلمين، فالجواب عنه أنه لما لم يتعين مستحقه وكان للكافة، تفرد به من ولي أمورهم، وهذا قد تعين مستحقه فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت وقوف القود على بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وجب حبس القاتل إلى وقت البلوغ والإفاقة ليحفظ حقهما بحبسه ولا يطلق، وإن أعطى كفيلًا بنفسه؛ لأنه حق لا يملك استيفاؤه إلا منه، والمتولي لحبسه الإمام دون الولي؛ لأن أمر الحاكم أنفذ من أمره، فإن أراد الولي أن يلازمه لم يمنع، ولا يقف حبس الحاكم له على الاستعداء إليه، وينفرد به إذا ثبت عنده القتل لما يجب عليه من حفظ الحقوق على من يولي عليه، ولو كان في الورثة رشيد غائب لم يلزم الحاكم حبس القاتل إلا بعد الاستدعاء إليه، لأن مستحق القود رشيد لا يولي عليه، وهكذا لو غصب دارًا لغائب جاز للحاكم أن ينزعها من الغاصب إن كان مالكها موليًا عليه، ولم يجز أن ينتزعها منه إن كان مالكها رشيدًا، فإن أراد ولي الصغير والمجنون أن يعفو عن القود إلى غير مال لم يجز، وإن أراد العفو عن القود إلى الدية نظر في الصغير والمجنون، فإن كانا موسرين غير محتاجين إلى المال لم يكن للولي العفو عن القود، وإن عفا بطل عفوه، وإن كانا فقيرين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون لهما من يجب عليه نفقتهما، فلا يجوز لوليه أن يعفو عن القود لاستغنائهما ممن وجب عليه نفقتهما.
والثاني: أن لا يكون لهما من يلتزم نفقتهما وهما من ذوي الفاقة إلى قدر نفقتهما، ففي جواز عفو وليهما عن القود وجهان:
أحدهما: يجوز للضرورة اعتبارًا بمصلحتهما.
والثاني: لا يجوز لما فيه من إسقاط حقهما، ويحتمل وجهًا ثالثًا أن يعتبر حال
الجزء: 12 - الصفحة: 95
المولى فإن كان مناسبًا أو وصيًا لم يصح عفوه، وإن كان حاكمًا صح عفوه، لأنه حكم يجوز أن ينفرد باجتهاده والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأيهم عفا عن القصاص كان على حقه من الدية، وإن عفا على غير مالٍ كان الباقون على حقوقهم من الدية".
قال في الحاوي: وإن عفا على غير مال كان الباقون على حقوقهم من الدية إذا كان أولياء المقتول جماعة، فعفا أحدهم عن القود سقط جميع القود في حقوق جماعتهم، ولم يكن لواحد منهم أن يقتص سواء عفا أقلهم أو أكثرهم.
وقال مالك: يجوز لمن لم يعف أن يقتص ولو كان واحد من جماعة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولأن القود موضوع لنفي المعرة كحد القذف، ثم ثبت أن حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثة، كذلك القود يجب أن يكون بمثابتهم، ولأنه لما لم يكن عفو بعضهم عن الدية مؤثرًا في حق غيره وجب أن يكون عفوه عن القود غير مؤثر في حق غيره.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وهو محمول عند كثير من المفسرين على عفو بعض الورثة، لأنه جاء بذكر الشيء منكرًا، وجعل عفوه موجبًا لإتباع الدية بمعروف، وأن تؤدى إليه بإحسان ويحمل على عموم العفو من الواحد والجماعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" فجعل الخيار في القود لجميع أهله لا لبعضهم، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم روي أن رجلًا قتل رجلًا على عهد عمر رضي الله عنه فطالب أولياؤه بالقود فقالت أخت المقتول وهي زوجة القاتل: عفوت عن حقي من القود فقال عمر: الله أكبر، عتق الرجل يعني من القود ولم يخالفه من الصحابة أحد مع انتشاره فيهم، فثبت أنه إجماع، ولأن القود أحد يدلي النفس فلم يكن لبعض الورثة أن ينفرد باستيفاء جميعه كالدية، ولأن القاتل، قد ملك بالعفو بعض نفسه فاقتضى أن يستوي في الباقي منها كالعتق، ولأنه قد اجتمع في نفس القاتل إيجاب القود وإسقاطه فوجب أن يغلب حكم الإسقاط على الإيجاب لأمرين:
أحدهما: أن القود يسقط بالشبهة، وهذا من أقوى الشبه.
والثاني: أن لسقوط ما وجب منه بدلًا وهو الدية، وليس للإيجاب ما سقط منه بدل.
الجزء: 12 - الصفحة: 96
فأما الجواب عن الآية فقد مضى.
وأما الجمع بين القد وحد القذف فغير صحيح، لأنهم في القود مشتركون وفي الحد منفردون، فلم يجز أن ينفرد أحدهم باستيفاء القود وجاز أن ينفرد باستيفاء الحد، وإنما اشتركوا جميعًا في القود وانفرد كل واحد في لحد لأمرين:
أحدهما: أنهم ملكوا القود ميراثًا عن ميتهم لأنه بدل عن نفسه فاشتركوا فيه كالدية وملكوا الحد نيابة عن ميتهم لنفي العار عنه فانفرد كل واحد منهم به.
والثاني: أن القود بدل فلم يسقط بالعفو حق من لم يعف، فلذلك ما اشتركوا وليس للحد بدل فانفرد، ولئلا يسقط بالعفو حق من لم يعف، وأما الدية فإنما لم تسقط بالعفو حق من لم يعف، لأنها تتبعض فصح أن ينفرد كل واحد منهما باستيفائه حقه، لأنه لا يتعدى استيفاؤه إلى حق شريكه والقود لا يتبعض ولا يمكن كل واحد منهم أن ينفرد باستيفاء حقه منه إلا بالتعدي إلى حق شريكه، فسرى العفو عن القود ولم يسر العفو عن الدية.
فصل:
فإذا ثبت أن عفو أحدهم موجب لسقوط القود في حق جميعهم انتقل الكلام إلى الدية، أما من لم يعف فقد ملكوا حقوقهم من الدية بسقوط القود ولا يقف ملك الدية على اختياره لأن القتل قد صار في حقوقهم بسقوط القود من غير اختيارهم جاريًا مجرى قتل عمد الخطأ الذي لا يجب فيه قود، ويملك به الدية بنفس القتل كذلك ها هنا، وأما الدية في حق العافي فمعتبرة بعفوه عن القود، فإن قرنه باختيار الدية وجب له حقه منها، وإن لم يقرنه باختيار الدية على ما مضى من القولين في الذي أوجبه قتل العمد، ثم على ما مضى من التفصيل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن عفوا جميعًا وعفا المفلس يُجني عليه أو على عبده القصاص، جاز ذلك لهم ولم يكن لأهل الدين والوصايا منهم، لأن المال لا يُملك بالعهد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيًا، وبمشيئة الورثة إن كان ميتًا.
قال المزني رحمه الله: ليس يُشبه هذا الاعتلال أصله، لأنه احتج في أن العفو يُوجب الدية بأن الله تعالى لما قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ لم يجز أن يقال: عفا إن صولح على مالٍ، لأن العفو تركٌ بلا عوضٍ، فلم يجز إذا عفا عن القتل الذي هو أعظم الأمرين إلا أن يكون له مالٌ في مال القاتل أحب أو كره،
الجزء: 12 - الصفحة: 97
ولو كان إذا عفا لم يكن له شيءٌ لم يكن للعافي ما يتبعه بمعروفٍ، ولا على القاتل ما يُؤديه بإحسانٍ.
قال المزني رحمه الله: فهذا مالٌ مشيئةٍ، أو لا تراه يقول: إن عفو المحجور جائزٌ، لأنه زيادةٌ في ماله وعفوه المال لا يجوز، لأنه نقصٌ في ماله وهذا مالٌ بغير مشيئةٍ، فأقرب إلى وجه ما قال عندي في العفو الذي ليس لأهل الدين منعه هو أن يبرئه من القصاص ويقول بغير مالٍ فيسقطان وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال الوارث لقتل العمد في عفوه من أحد ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون جائز الأمر مالك التصرف فيصح عفوه عن القود وعن الدية جميعًا.
والثاني: أن يكون محجورًا عليه لا يجرى عليه قلم كالصغير والمجنون، فلا يصح عفوه عن القود ولا عن الدية جميعًا.
والثالث: أن يتعلق به حجر من وجه وإن جرى عليه القلم، فهذا قد يستحق من أحد أربعة أوجه:
أحدها: أن يتعلق بتركة المقتول ديون ووصايا فتتعلق بدينه كما يتعلق بتركته على ما سنذكره، فيصير الوارث في حكم المحجور عليه فيها حتى تقضى الديون وتنفذ الوصايا.
والثاني: أن يكون الوارث محجورًا عليه بالفلس في حقوق غرمائه حتى يستوعبوا ماله في ديونهم.
والثالث: أن يكون الوارث محجورًا عليه لسفه في حقه نفسه حفظًا لماله.
والرابع: أن يكون الوارث مريضًا يمنع في حق الورثة من العطاء إلا في ثلثه فهؤلاء الأربعة يصح عفوهم عن القود إلى الدية، لأن القود لا يؤثر في حقوقهم والعفو عنه أرفق بهم وفي صحة عفوهم عن الدية قولان:
أحدهما: يصح من جميعهم، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فيه موجبًا للقود وحده والدية لا تجب إلا باختيار الوارث، فيصح عفوه، لأنه لم يملكها فيعارض فيه ولا يملكها إلا بالاختيار، وهو لا يجبر على الاختيار، لأنه اكتساب عما لا يجبر على قبول الوصايا والهبات.
والثاني: أن عفو الثلاثة باطل لا يصح، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فهي موجبًا للقود، أو الدية، لأنه عفو عن مال قد تعلق به حق غيره.
فأما المريض فعفوه على هذا القول معتبر من ثلثه، فإن احتمل ثلثه جميع الدية صح عفوه عنها، وإن لم يملك غيرها صح عفوه عن ثلثها وبطل عن باقيها فأما المزني فإنه تكلم على فصلين:
أحدهما: الرد على أبي حنيفة في منعه من الدية إلا عن مراضاة.
والثاني: في اختياره لأحد القولين أن قتل العمد موجب لأحد أمرين من القود أو الدية.
الجزء: 12 - الصفحة: 98
فأما الفصل الأول فسلم كلامه فيه، وأما الفصل الثاني فالتبس عليه حتى اختلط تعليله، وضعف دليله وفي كشفه إطالة يقتصر فيها على سيره عند تأمله، وبالله التوفيق.
باب القصاص بالسيف وغيره
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ قال: وإذا خلى الحاكم الولي وقتل القاتل فينبغي له أن يأمر من ينظر إلى سيفه، فإن كان صارمًا وإلا أمره بصارمٍ لئلا يُعذبه، ثم يدعه وضرب عنقه".
قال في الحاوي: ما أوجب القصاص من الجنايات ضربان: طرف، ونفس.
فأما الطرف فلا يمكن مستحق القصاص من استيفائه بنفسه، لما يخاف من تعديه إلى ما لا يمكن استدراكه، وأما النفس فيجوز للولي أن يتولى استيفاء القود منها بنفسه إذا قدر على مباشرته للآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا" وكما يستوفي جميع حقوقه بنفسه، ولأن القود موضوع للتشفي فكانت المباشرة فيه أشقى، وإذا كان كذلك فاستيفاؤه للقود معتبر بستة شروط:
أحدها: أن يحكم به الحاكم ليميز العمد المحض من عمد الخطأ، وليتعين بالحكم ما اختلف فيه الفقهاء، ولئلا يتسرع الناس إلى استباحة الدماء.
والثاني: أن يكون مستوفيه رجلًا فإن كانت امرأة منعت، لما فيه من بذلتها وظهور عورتها.
والثالث: أن يكون ثابت النفس عند مباشرة القتل، فإن ضعفت منع.
والرابع: أن يعرف القود ويحسن إصابة المفصل، فإن لم يحسن منع.
والخامس: أن يكون قوي اليد نافذ الضربة، فإن ضعفت يده لشلل أو مرض منع.
فإذا تكاملت فيه هذه الشروط الخمسة وصار بها من أهل الاستيفاء لم يخل حال الولي أن يكون واحدًا أو عددًا، فإن كان واحدًا قام باستيفائه، وإن كانوا عددًا خرج منهم من لم يتكامل فيه شروط الاستيفاء ولم يجز أ، يشترك الباقون فيه حتى يتولاه أحدهم، فإن سلموه لأحد كان أحقهم به وإن تنازعوا فيه أقرع بينهم، فمن قرع كان أحقهم باستيفائه، فإذا تعين الاستيفاء لواحد منهم اعتبر في استبقائه عشرة أشياء:
أحدها: حضور الحاكم الذي حكم له بالقود، أو نائب عنه ليكون حضوره تنفيذًا لحكمه.
ط
والثاني: أن يحضره شاهدان ليكونا بينة ي استيفاء الحق أو في التعدي بظلم.
والثالث: أن يحضر معه من الأعوان من إن احتاج إليهم أعانوا، فربما حدث
الجزء: 12 - الصفحة: 99
ما يحتاج إلى كف وردع.
والرابع: أن يؤمر المقتص منه بما تعين عليه من صلاة يومه، ليحفظ حقوق الله تعالى في الإضاعة.
والخامس: أن يؤمر بالوصية فيما له وعليه من الحقوق، ليحفظ بها حقوق الآدميين.
والسادس: أن يؤمر بالتوبة من ذنوبه، ليزول عند مأثم المعاصي.
والسابع: أن يساق إلى موضع القصاص سوقًا رفيقًا، ولا يكلم بخنا ولا شتم.
والثامن: أن تستر عورته بشداد حتى لا تبرز للأبصار.
والتاسع: أن تشد عينيه بعصابة حتى لا يرى القتل ويترك ممدود العنق، حتى لا يعدل السيف عن عنقه.
والعاشر: أن يكون سيف القصاص صارمًا ليس بكال ولا مسموم، لأن الكال والمسموم يفسد لحمه ويمنع من غسله، فيراعي سيف الولي، فإن كان على الصفة المطلوبة وإلا التمس سيفًا على صفته أو أعطى من بيت المال، وإن كان موجودًا، وإنما اعتبرنا هذه الشروط والأوصاف إحسانًا في الاستيفاء، ومنعًا من التعذيب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى كتب عليكم الإحسان فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه: "نهى عن تعذب البهائم" فكان النهي عن تعذيب الآدميين أحق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه:"وإن ضربه ما لا يُخطاء بمثله من قطع رجلٍ أو وسطٍ عزر، وإن كان مما يلي العنق من رأسه أو كتفه فلا عقوبة عليه، وأجبره الحاكم على أن يأمر من يُحسن ضرب العنق ليوجيه".
قال في الحاوي: وأما محل القصاص من النفس فهو العتق يضرب بالسيف من جهة القفا، لأنه أمكن والسيف فيه أمضى حتى يقطع المريء والودجين، ولا يراعي قطع الحلقوم إذا لم ينته السيف إليه، لأن في قطع المريء والودجين توجئة، وإن كان قطع الحلقوم معه أوجى، ولا يجوز أن يعدل به إلى الذبح والمعتبر في تذكية البهائم لافتراقهما في الحرمة واختلافهما في الحكم، فإن وصل بالضربة الواحدة إلى محل التوجئة اقتصر عليها ولم يزد، وإن لم تصل إلى محل التوجئة ضربة ثانية، فإن لم تصل الثانية لم يخل
الجزء: 12 - الصفحة: 100
من أحد أمرين:
إما أن يكون من كلال سيفه فيعطي غيره من السيوف الصارمة وإما أن يكون من ضعف يده، فيعدل إلى غيره من ذوي القوة.
فصل:
فإن ضربه فوقع السيف في غير عنقه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يقع في موضع لا يجوز الغلط في مثله كضربه لرجله أو ظهره أو بطنه، فيعزز لتعديه، ولا تقبل دعوى الغلط فيه، ولا يحلف عليه لاستحالة صدقه، واليمين تدخل فيما احتمل الصدق ولا قود عليه فيما قطع أو جرح، ولا غرم لأرش ولا دية، لأنه قد ملك إتلاف نفسه، وإن تعدى بالسيف في غير محله.
والثاني: أن يقع السيف في موضع يجوز الغلط بمثله كأعلى الكتف وأسفل الرأس سئل، فإن قال: عمدت غرز ومنع وإن قال: أخطأت أحلف على الخطأ لإمكانه ولم يعزر ولم يمنع من القصاص، فإن تاب بعد عمده وأراد العود إلى القصاص فقد قال الشافعي ها هنا ما يدل على سقوطه حقه من الاستبقاء بقوله: "وأجبره الحاكم على أن يأمر من يحسن ضرب العنق" ليوجيه يريد به الاستتابة به.
وقال في كتاب "الأم" يمكنه الحاكم في الاستيفاء فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين، فخرجه البصريون على اختلاف قولين، وخرجه أبو حامد الإسفراييني على اختلاف حالين فالمنع محمول على أنه بان للحاكم أنه لا يحسن القصاص، والتمكين محمول على أنه يحسن القصاص.
فصل:
ولو كان الجاني قد قطع يد المجني عليه وقتله، فأراد الولي أن يقتص من القطع والقتل جاز أن يتولى القتل بنفسه ولم يجز أن يستوفي القطع بنفسه، وإذا منع من القطع والقتل كان له أن يستنيب فيه من يشاء من غير اعتراض إذا اجتمع فيه أمران:
الإماتة، وشروط الاستيفاء فلو بادر الولي وقد عدم شروط الاستيفاء فاقتص بنفسه من النفس والأطراف لم يضمن قودا ولا دية، لأنه استوفي ما استحق ويعزره الحاكم لافتياته.
ولو كان الولي من أهل الاستيفاء فامتنع من استيفائه بنفسه لم يجبر عليه وجاز أن يستنيب فيه، فإن استناب وإلا اختار له الحاكم من ينوب عنه في مباشرة الاستيفاء، فإن لم يستوفه النائب إلا بأجرة أعطى أجرته من بيت المال، لأنه من المصالح العامة، وإن لم يكن في بيت المال ما يعطاه كانت أجرته في مال المقتص منه دون المقتص له.
وقال أبو حنيفة: تكون الأجرة في مال المقتص له دون المقتص منه، وسيأتي الكلام معه.
الجزء: 12 - الصفحة: 101
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "قال ولو أذن لرجل فتنحى به فعفاه الولي فقتله قبل أن يعلم ففيها قولان؛ أحدهما: أن ليس له على القاتل شيء إلا أن يحلف بالله ما علمه عفا ولا على العافي.
والثاني: أن ليس على القاتل قود لأنه قتله على أنه مباح وعليه الدية والكفارة ولا يرجع بها على الولي لأنه متطوع وهذا أشبههما.
قال المزني رحمه الله: فالأشبه أولى به".
قال في الحاوي: أما التوكيل في القصاص فضربان:
أحدهما: توكيل في إثباته.
والثاني: توكيل في استيفائه.
وقد ذكرنا كلا الضربين في كتاب "الوكالة" ونحن نشير إليهما في هذا الموضع.
أما الضرب الأول وهو التوكيل في إثبات القصاص فهو جائز عند جمهور الفقهاء إلا أبا يوسف وحده، فإنه منع منه، لأنه حد يدرأ بالشبهة، وهذا فاسد، لأن الشبهة ما اختصت بالفعل أو بالفاعل فلم يتعد إلى التوكيل والموكل، ولأن التوكيل في الإثبات مختص بإقامة البينة وإثبات الحجة، وهذا يجوز أن يفعله الموكل وتصح فيه النيابة.
فإذا ثبت جواز التوكيل في إثبات القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه بعد ثبوته إلا بإذن موكله، وهو قول جمهور الفقهاء إلا ابن أبي ليلى وحده، فإنه جوز له استيفاء القصاص وحده بعد إثباته، لأنه مقصود الإثبات، فأشبه الوكيل في البيع يجوز له قبض الثمن من غير إذن لأنه مقصود البيع وهذا فاسد؛ لأن فعل الموكل مقصور على ما تضمنه التوكيل فلم يجز أن يتعداه ولأن إثبات القصاص يقف موجية على خيار الموكل دون الوكيل، ولأن في استيفائه للقصاص إتلاف ما لا يستدرك وخالف قبض الثمن في البيع من وجهين:
أحدهما: أن المقصود في البيع قبض الثمن، والمقصود في القصاص مختلف.
والثاني: أن رد الثمن مستدرك، ورد القصاص غير مستدرك، فعلى هذا لو اقتص الوكيل كان عليه القود، وينتقل حق الموكل إلى الدية لفوات القصاص.
وأما الضرب الثاني: وهو التوكيل في استيفاء القصاص فعلى ضربين:
أحدهما: أن يستوفيه بمشهد الموكل فيصح الوكيل؛ لأنها استنابه في مباشرة الاستيفاء والموكل هو المستوفي.
والثاني: أن يوكله في استيفائه مع غيبته عنه، فظاهر ما قاله ها هنا صحة الوكالة، وظاهر ما قاله في كتاب "الوكالة" فسادها، فخرجه أكثر أصحابنا على قولين:
الجزء: 12 - الصفحة: 102
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة فسادها.
والثاني: وهو أصح جوازها وقد مضي توجيه القولين، ومن عدل بهما من أصحابنا إلى اختلاف تأويلين، وعلى كلا القولين من صحة الوكالة وفسادها إذا استوفاه الوكيل كان مستوفيا لحق موكله لتصرفه فيه عن إذنه، ولا ضمان عليه من قود ولا دية.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فصورة مسألتنا أن يوكله في القصاص، ثم يعفو عنه ويستوفيه الوكيل منه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعفو بعد اقتصاص الوكيل، فيكون عفوه باطلا، لأن عفوه بعد الاستيفاء كعفوه عن دين قد استوفاه وكيله ويكون عفوه بعد القبض باطلا.
والثاني: أن يعفو قبل أن يقتص الوكيل، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون مسافة الوكيل أبعد من زمان العفو مثل أن يكون الوكيل على مسافة عشرة أيام، ويعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام، فيكون عفوه باطلا لا حكم له كما لو رمي سلاحه على المقتص منه، ثم عفا عنه قبل وصول السلاح إليه كان عفوه هدرا؛ لأنه عفو عما لا يمكن استدراكه.
والثاني: أن تكون مسافة الوكيل أقصر من زمان العفو، مثل أن يكون الوكيل على مسافة خمسة أيام ويعفو الموكل قبل اقتصاص الوكيل بعشرة أيام، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعلم الوكيل بعفو موكله قبل القصاص فيبطل حكم الإذن ويصير قاتلا بغير حق، فيجب عليه القود، ويكون الموكل على حقه من الدية إن لم يعف عنه على ما قدمناه من شرح القولين.
والثاني: أن لا يعلم الوكيل بعفو الموكل حتى يقتص فلا قود عليه، لأنه مستصحب حالة إباحة، فكانت أقوى شبهة في سقوط القود، وفي وجوب الدية عليه قولان:
أحدهما: لا دية عليه استصحابا لحال الإباحة كالقود.
والثاني: عليه الدية، لأنه صادق الحظر بعد الإباحة، فصار بعمد الخطأ أشبه، وكالحربي إذا أسلم وقتله من لم يعلم بإسلامه ضمنه بالدية دون القود، قد أسلم اليمان أبو حذيفة بن اليمان فقتله قوم من المسلمين لم يعلموا بإسلامه "فقضي عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم بديته" ومن هذين القولين خرج أصحابنا بيع الوكيل بعد عزله وقبل علمه على وجهين:
أحدهما: أن بيعه باطل لمصادفته حال العزل، وإن لم يعلم.
والثاني: أنه صحيح ما لم يعلم بعزله، ومسألة اختلاف أصحابنا في نسخ الحكم هل يلزم من لم يعلم بالنسخ، أم لا يلزمه إلا بعد علمه بنسخه؟ على وجهين:
أحدهما: لا يلزم إلا بعد انتشاره والعلم به؛ لأن أهل قباء استداروا في صلاتهم إلى الكعبة حين بلغهم تحويل القبلة إليها.
الجزء: 12 - الصفحة: 103
والثاني: أن فرض النسخ لازم للكافة مع البلاغ، وإن لم ينتشر في جميعهم ولا علمه أكثرهم، لأن حكم الله تعالى على الجماعة واحد.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من القولين، فإن قيل بالأول إنه لا ضمان على الوكيل من قود ولا عقل فقتل الوكيل للجاني يكون قودا ويكون عفو الموكل باطلا، واختلف أصحابنا على هذا القول في الوكيل هل تلزمه الكفارة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا كفارة عليه، لأنه قد أجرى على قتله حكم استيفائه قودا.
والثاني: عليه الكفارة كمن رمى دار الحرب فقتل مسلما ضمنه وكفر عنه.
وإن قيل بالقول الثاني إن الوكيل ضامن للدية، فعفو الموكل صحيح وحقه في الدية إذا استوجبها على ما مضى من التفصيل مستحق على الجاني قاتل أبيه يرجع بها في ماله ولا يرجع بها على وكيله، ويرجع أولياء القاتل المقتول بديته على الوكيل، وهل تكون حاله في مال الوكيل أو مؤجلة على عاقلته على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق تكون حالة في ماله مع الكفارة، لأنه عامد في فعله وإنما سقط القود فيه بشبهته.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة تكون مؤجلة على عاقلته والكفارة في ماله؛ لأنه قتله معتقدا لاستباحة قتله فصادف الحظر فصار خاطئا فإذا أغرم الوكيل الدية ففي رجوعه على موكله بها قولان، كالزوج المغرور إذا أغرم مهر المثل بالغرور هل يرجع به على الغارم أم لا؟ على قولين، لأن الموكل قد صار بعفوه غارا للوكيل حين لم يعلمه بعفوه، وسواء كان هذا الوكيل مستعملا أو متطوعا، وهكذا الحكم في الأطراف إذا اقتص منها الوكيل بعد العفو.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا تقتل الحامل حتى تضع، فإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلي أن لو تركت بطيب نفس الولي حتى يوجد له مرضع، فإن لم يفعل قتلت.
قال المزني رحمه الله: إذا لم يوجد للمولود ما يحيا به لم يحل عندي قتله بقتل أمه حتى يوجد ما يحيا به فيقتل".
قال في الحاوي: إذا وجب القصاص على حامل أو وجب عليها وهي حائل فحملت، لم يجز أن يقتص منها حاملا حتى تضع لقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وفي قتل الحامل سرف للتعدي بقتل الحمل معها، ولأن الغامدية أقرت عند رسول الله صلي الله عليه وسلم بالزنا وهي حامل، وقالت: طهرني يا
الجزء: 12 - الصفحة: 104
رسول الله (صلى) الله عليه وسلم فقال لها: "اذهبي حتى تضعي حملك" وأمر عمر برجم امرأة أقرت بالزنا وهي حامل فردها علي وقال لعمر رضي الله عنهما: إنه لا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: "لولا علي لهلك عمر".
وقيل: بل كان القائل ذلك معاذ بن جبل فقال له عمر: "كاد النساء يعجزون أن يلدن مثلك" والأول أشهر ولأنه قد تقابل في الحامل حقان:
أحدهما: يوجب تعجيل قتلها وهو القصاص.
والثاني: استبقاء حياتها وهو الحمل، فقدم حق الحمل في الاستيفاء على حق القصاص في التعجيل لأن في تعجيل قتلها إسقاط أحد الحقين وفي إنظارها استيفاء الحقين، فكان الإنظار أولى من التعجيل، وسواء كانت في أول الحمل أو في آخره، علم ذلك بحركة الحمل أو لم يعلم إلا بقولها ليستبرأ صحة دعواها.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا تقبل دعواها للحمل حتى يشهد به أربع نسوة عدول، ويعجل قتلها إن لم يشهدن لها، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 228] فكان هذا الوعيد على ما وجب من قبول قولها فيه، وتحلف عليه إن اتهمت، فإذا وضعت حملها أمهلت حتى ترضع ولدها اللبأ الذي لا يحيا المولود إلا به، ويتعذر وجوده من غيرها في الأغلب، فإذا أرضعته ما لا يحيا إلا به لكم يخل خاله في رضاعه من أربعة أقسام:
أحدها: أن لا يوجد له مرضع سواها، فالواجب الصبر عليها حتى تستكمل رضاعة حولين كاملين، لأنه لما أخرناها لحفظ حياته فأولى أن نؤخرها لحفظ حياته مولودا، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للغامدية حين عادت إليه بعد وضع حملها: "اذهبي حتى ترضعيه حولين كاملين".
والثاني: أن يوجد له مرضع قد تعينت وسلم إليها ملازمة لرضاعه فيقتص منها في الحال، وإن كانت في بقية نفاسها، لأنه لم يبق للولد عليها حق ولا لحياته بها تعلق.
والثالث: أن يوجد له من لا يترتب لرضاعه من النساء على الدوام، أو يوجد له بهيمة ذات لبن يكتفي بلبنها ولا يوجد لرضاعه أحد النساء، فيقال لولي القصاص.
الأولى بك أن تصبر عليها لتقوم برضاعه، لئلا يختلف عليه لبن النساء إذا لم يترتب له إحداهن، أو يعدل به إلى لبن بهيمة ولبن النساء أوثق له، ولا يلزمك الصبر، لأن فيما يوجد من لبن البهيمة ومن لا يترتب له من النساء حفظ لحياته فإن صبر مختارا أخر قتلها، وإن امتنع وطلب التعجيل قتلت ولم تؤخر، وهو معنى قول الشافعي "فإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إلي لو ترك بطيب نفس الولي حتى يوجد له مرضع، فإن لم يفعل قتلت، وليس كما توهمه المزني أنه أراد إذا لم يوجد له مرضع أبدا.
والرابع: أن يعلم أنه سيوجد له مرضع يترتب لرضاعه، ولكن لم يتعين في الحال ولا تسلمته، ففي تعجيل قتلها قبل تعيين مرضعة وتسليمه وجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 105
أحدهما: وهو أظهرهما تعجيل قتلها، إلا أن يرضى الولي بإنظارها إلى تعيين المرضع وتسليمه لأننا لا نأمن على المولود من تلف النفس.
والثاني: يجب تأخير قتلها حتى يتعين المرضع وتسليمه، رضي به الولي أو لم يرض؟ لأنه ربما تأخر تعيين المرضع وتسليمه إليها زمانا لا يصير المولود فيه على فقد الرضاع فيتلف.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو عجل الإمام فاقتص منها حاملا فعليه المأثم فإن ألقت جنينا ضمنه الإمام على عاقلته دون المقتص.
قال المزني رحمه الله: بل على الولي لأنه اقتص لنفسه مختارا فجني على من لا قصاص له عليه فهو بغرم ما أتلف أولى من إمام حكم له بحقه فأخذه وما ليس له".
قال في الحاوي: إذا عجل قتل الحامل قودا ولم تسهل حتى تضع لم يخل حالها بعد القتل من أن تلق ولدا، أو لا تلقيه فإن لم تلق ولدا فلا ضمان في الحمل، لأنه موهوم وينظر حالها، فإن كانت أمارات الحمل ظاهرة عليها كان قاتلها آثما إذا علم بالأمارات، لأنه عجل بقتل وجب تأخيره وإن لم تظهر أماراته فلا مأثم فيه، لأن الظاهر خلوها من الحمل وإن ألقت ولدا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون حيا يبقى بعد قتلها فلا ضمان فيه لبقاء حياته، فإن مات بعدها روعي أمره فيما يبين وضعه وموته، فإن لم يزل فيه ضمنا يحدث به ضعف بعد ضعف، فالظاهر من موته أنه كان يقتل أمه فيكون مضمونا بالدية، وإن كان فيما بين وضعه وموته سليما يزداد قوة بعد قوة ثم مات، فالظاهر من حال موته أنه عن سبب حادث بعد ولادته فلا يضمن ديته.
والثاني: أن تضعه جنينا لا يبقى له حياة فيكون مضمونا؛ لأن الظاهر من إلقائه أنه كان بقتل أمه لأمرين:
أحدهما: أن حياته كانت متصلة بحياتها.
والثاني: أنه فقد غذاءه منها وإن كان مضمونا نظر فيه، فإن وضعته ميتا وجب فيه غرة عبد او أمة قيمتها خمسون دينارا هي عشر دية أمة: ونصف عشر دية أبيه، ولا فرق بين أن يكون الجنين ذكرا أو أنثى ضمن بدية امرأة.
فصل:
فإذا ثبت أن الجنين مضمون بالغرة إن لم يستعمل، وبالدية إن استهل كان لزومها مقصورا على الإمام لحكمه بالقصاص، وعلى الولي لاستيفائه القصاص، ولا يخلو
الجزء: 12 - الصفحة: 106
حالهما في الحمل من أربعة أقسام:
أحدها: أن يعلم الولي بالحمل ولا يعلم به الإمام، فالضمان على الولي دون الإمام لمباشرته لقتل علم حظره.
والثاني: أن يعلم الإمام بالحمل ولا يعلم به الولي، فالضمان على الإمام لحكمه بقتل علم حظره، كالشهود بالقتل إذا استوفاه الحاكم بشهادتهم ثم رجعوا ضمنوه دون الحاكم.
وقال المزني: في هذا لقسم "يكون ضمانه على الولي دون الإمام لمباشرته" وهو فاسد بما ذكرناه.
والثالث: أن يعلم الإمام والولي بالحمل فالضمان على الإمام دون الولي، وقال المزني: على الولي دون الإمام، وهذا فاسد، لأن الولي مطالب بحقه والإمام هو الممكن منه، والحاكم به فكان بالتزام الضمان أحق.
والرابع: أن لا يعلم الإمام ولا الولي بالحمل، ففي ما يلزم الضمان ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه مضمون على الولي، لمباشرته له.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه مضمون على الإمام دون الولي، بتسليطه عليه.
والثالث: وهو قول البصريين، أنه مضمون على الإمام وعلى الولي نصفين لوجود التسليط من الإمام ووجود المباشرة من الولي، فصارا فيه شريكين.
فصل:
فإذا استقر تعيين من وجب عليه الضمان، على ما ذكرناه من التقسيم كان ما ضمنه الولي من ديته أو غرته على عاقلته؛ لأنه من خطئه الذي تتحمله العاقلة عنه، وكانت الكافرة في ماله، لأن العاقلة تتحمل العقل دون الكفارة.
فأما ما ضمنه الإمام من الدية أو الغرة ففيه قولان:
أحدهما: أنه مضمون على عاقلته يتحملونه عنه، لأن عمر رضي الله عنه حين ضمن جنين المرأة التي أرهبها فألقته ميتا قال لعلي عليه السلام: "عزمت عليه لا تبرح حتى تضربها على قومك" يعني من قريش، لأنهم عاقلة عمر وكما يتحملون عنه العقل لو لم يكن إماما فعلى هذا تكون الكفارة في ماله كغير الإمام.
والثاني: تكون الدية أو الغرة مضمونة في بيت المال، لأنه يكثر من الإمام لما يتولاه من أمور المسلمين التي لا يجدهن مباشرتها والاجتهاد فيها بدا، فلو تحملت عاقلته ما لزمه من خطأ اجتهاده عجزوا عنه ولم يطيقوه، فوجب أن يكون في مال من ينوب عنهم ويقوم بمصالحهم من المسلمين، فلذلك كان في بيت مالهم.
فإن قيل: ليس هذا من مصالحهم، فيكون في بيت مالهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 107
قيل: لما كان سببه القصاص الذي فيه حفظ حياتهم وصلاح أنفسهم، كان موجب الخطأ فيه من جملة مصالحهم، فعلى هذا يكون في بيت المال ما ضمنه من الدية أو الغرة على تأجيل لخطأ، وفي الكفارة وجهان:
أحدهما: في بيت المال كالدية لاتفاقهما في معنى الوجوب.
والثاني: أنها تكون في مال الإمام دون بيت المال، لأن بيت المال عاقلته والعاقلة تتحمل الدية دون الكفارة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتل نفرا قتل للأول وكانت الديات لمن بقي في ماله فإن خفي الأول منهم أقرع بينهم فأيهم قتل أولا قتل به وأعطي الباقون الديات من ماله".
قال في الحاوي: إذا قتل الواحد جماعة إما في حال واحدة بأن ألقي عليهم حائطا، أو ألقاهم في نار، أو غرقهم في سفينة، أو قتلهم في أوقات شتى واحدا بعد واحد وجب أن يقتل بأحدهم، وتؤخذ من ماله ديات الباقين.
وقال مالك وأبو حنيفة يقتل بجماعتهم وقد استوفوا به حقوقهم، ولا دية لهم في ماله فإن بادر أحدهم فقتله كان مستوفيا لحقه وحقوقهم وبني أبو حنيفة ذلك على أصلين:
أحدهما: أنه في قتل العمد أنه لا يوجب غير القود، وأن الدية لا تستحق إلا عن مراضاة.
والثاني: أن القاتل إذا فات الاقتصاص منه بالموت لم يجب في ماله دية، وقد مضى الكلام معه في الأصل الأول، ويأتي الكلام معه في الأصل الثاني، واستدل في هذه المسألة بأن الجماعة إن كانوا كفؤا للواحد إذا قتلوه قتلوا به، وجب أن يكون الواحد كفؤا للجماعة إذا قتلهم قتل بهم، ولأن القصاص إذا ترادف على نفس واحدة تداخل بعضه في بعض كالعبد إذا قتل جماعة، وكالمحارب إذا قتل في الحرابة جماعة، ولأن القصاص حد، فوجب أن يتدخل بعضه في بعض، كحد الزنا والقطع في السرقة ولأنهم اشتركوا في عين ضاقت عن حقوق جميعهم، فوجب أن يكونوا فيها أسوة كغرماء المفلس، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فمن جعل نفسا بأنفس خالف الظاهر وقال تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ومن قتله بجماعته أبطل سلطان كل واحد منهم، ولأنها جنايات لا يتداخل خطأها فوجب أن لا يتداخل عمدها، كالأطراف لأن واحدا لو قطع أيدي جماعة قطع عندنا بأحدهم، وأخذ منه ديات الباقين، وعند أبي حنيفة يقطع يده بجماعته ثم يؤخذ من ماله
الجزء: 12 - الصفحة: 108
إن كانوا عشرة تسع ديات يد تقسم بين جماعتهم، فصار هذا الاختلاف إجماعا على أن لا تتداخل الأطراف، ولأنها جنايات لا تتداخل في الأطراف فوجب أن لا تتداخل في النفوس كالخطأ، ولأن جنايات العمد أغلظ من الخطأ، فلم يجز أن يكون أضعف من موجب الخطأ، ولأن حقوق الآدميين إذا أمكن استيفاؤها لم تتداخل كالديون، ولأن للقصاص موضوع لإحياء النفوس.
كما قال تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فلو قتل الواحد بالجماعة لكان فيه إغراء بقتل الجماعة، لأنه لا يلتزم بعد قتل الأول شيئا في جميع من قتل، وليسارع الناس بعد ابتدائهم بالقتل إلى قتل النفوس ولم يكفوا، ولم يصر القصاص حياة، وهذا استدلال وانفصال عن جمعه بين قتل الجماعة بالواحد، وقتل الواحد بالجماعة.
وأما الجواب عن قياسهم على قتل العبد والمحارب، فإن جعل الأصل فيه العبد.
فالجواب عنه أنه لما تداخلت جنايات خطئه تداخلت جنايات عمده وإن جعل الأصل قتل المحارب فقد اختلف أصحابنا في تداخل جنايته فذهب ابن سريج إلى أنها لا تتداخل، ويتحتم قتله بالأول، ويؤخذ من ماله ديات الباقين، وذهب جمهورهم إلى تداخلها، لأنها صارت بانحتام قتله من حقوق الله تعالى، وحقوقه تتداخل وإذا قيل في غير الحرابة، لأنها صارت بانحتام قتله من حقوق الله تعالى، وحقوقه تتداخل وإذا قيل في غير الحرابة لم ينحتم قتله، فكان من حقوق الآدميين وحقوقهم لا تتداخل وكذا الجواب عن قياسهم على الحدود وقياسهم على غرماء المفلس.
فالجواب عنه أنه لم يبق لغرماء المفلس عين يستوفون حقوقهم منها، فاستهموا في الموجود منها.
ولو كان القاتل مفلسا لكان الأولياء معه بمثابتهم وإذا فارق المفلس يساره وجد الأولياء سبيلا إلى استيفاء حقوقهم، فافترق الجمعان.
فصل:
فإذا ثبت أن قاتل الجماعة يقتل بأحدهم لم يخل حال قتله لجماعتهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقتلهم واحدا بعد واحد.
والثاني: أن يقتلهم في دفعة واحدة.
والثالث: أن يشكل حال قتله لهم ومن يقدم قتله منهم.
فأما القسم الأول: وهو أن يقتلهم واحدا بعد واحد فأحقهم بالاقتصاص منه ولي الأول، فلا يخاطب أولياء الباقين إلا بعد عرض القصاص على الأول، فإن طلبه اقتص منه للأول وكان في ماله ديات الباقين، فإن اتسع ماله لجميع دياتهم استوفوها، وإن ضاق عنها استهموا فيها بالحصص، وصار المتقدمون والمتأخرون فيها أسوة، وإنما تقدم الأسبق في القصاص، ولم يتقدم في الدية، لأن محل الدية في الذمة، وهي تتسع
الجزء: 12 - الصفحة: 109
لجميعها، فشارك المتأخر الأسبق لاشتراكهما في الذمة، ومحل القود الرقبة، وهي تضيق عن اقتصاص الجماعة، ولا يتسع إلا لواحد، فيقدم الأسبق بها على المتأخر، فإن عفا الأول عن القصاص إلى الدية عرض القصاص على الثاني، فإن استوفاه رجع الأول ومن بعد الثاني بدياتهم في مال القاتل، وإن عفا الثاني عن القصاص إلى الدية عرض القصاص على الثالث، ثم على هذا القياس في واحد بعد واحد إلى آخرهم، فلو عمد الإمام فقتله للأخير فقد أساء وأثم إن علم بتقدم غيره، ولا يأثم إن لم يعلم ولا ضمان عليه في الحالين، وهكذا لو بادر ولي الأخير فقتله قصاصا لم يضمنه، وعزر عليه ورجع الباقون بدياتهم في مال القاتل، ولو كان ولي الأول صغيرا أو مجنونا أو غائبا وقف الاقتصاص من القاتل على إفاقة المجنون وبلوغ الصبي، وقدوم الغائب ثم عرض الإمام عليهم القصاص على ما مضى، فإن لم ينتظر به الإمام بلوغ الصبي وإفاقة المجنون وقدوم الغائب وعجل قتله قصاصا لم يخل من أحد أمرين:
إما أن يقتله لهم، أو يقتله لأولياء من بعدهم، فإن قتله لهم لم يكن ذلك قصاصا في حقهم ولا حق غيرهم، لأن لهم العدول عن القصاص إلى الدية فلم يجز أن يفوت عليهم حقهم منها ويصير الإمام ضامنا لدية المقتص منه، لأن قتله لم يكن قصاصا وهل تكون الدية على عاقلته أو في بيت المال؟ على ما مضى من القولين، وإن قتله لمن حضر أولياؤه عن أمرهم جاز وقد أساء بتقديمهم على من تقدمهم، وإن قتله بغير أمرهم كان على ما مضى من قتله في حق الصغير والمجنون والغائب.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد قتل الجماعة في حالة واحدة، فإن سلموا القود لأحدهم كان أحقهم به، ورجع الباقون بالديات في تركته، وإن تشاحوا فيه وطلب كل واحد أن يقاد يقاد بقتيله أقرع بينهم واختص بقتله من قرع منهم، ورجع الباقون بدياتهم في تركته، فإن بادر أحدهم فاقتص منه بقتيله من غير قرعة، فإن كان بأمر الإمام فقد أساء الإمام ولم يعزر المقتص، وإن كان بغير أمره عزر، وقد استوفي بالاقتصاص حقه ورجع الباقون بدياتهم في تركته، فإن ضاقت اقتسموها بينهم بالحصص من غير قرعة في التقدم، وإن كان للمقتص منه غرما ضربوا بديونهم مع أولياء المقتولين بدياتهم في التركة ليتوزعوها بينهم على قدر حقوقهم.
وأما القسم الثالث: وهو أن يشكل حال قتله لهم هل ترتبوا، أو اشتركوا؟ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعترف أولياء جميعهم بالإشكال، فيقال لهم: إن سلمتم القصاص لأحدكم كان أحقكم به وإن تشاححتم أقرع بينكم واقتص منه من قرع منكم.
والثاني: أن يختلفوا ويدعي كل واحد منهم أنه الأول، فإن كانت لأحدهم بينة عمل عليها، وإن عدموها رجع إلى الجاني القاتل، فإن اعترف بالتقدم لأحدهم كان أحقهم بالقصاص، وإن لم يعترف أقرع بينهم لنكافئهم، واختص بالقصاص من قرع منهم،
الجزء: 12 - الصفحة: 110
فلو شهد اثنان منهم بالتقدم لأحدهم قبلت شهادتهما؛ لأنهما غير متهمين فيها فإن ردت شهادتهما بجرح سقط حقهما من القصاص بالاعتراف به لغيرهما، والاعتبار بالتقدم أن يراعي وقت الموت لا وقت الجناية، فلو قطع يد زيد ثم قطع يد عمرو فمات عمرو ثم مات زيد استحق زيد القصاص في النفس دون زيد، لأن موته أسبق والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع يد رجل وقتل آخر قطعت يده باليد وقتل بالنفس".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا قطع الجاني يد رجل، ثم قتل آخر قطعت يده للأول، وقتل الثاني.
وقال مالك: يقتل بالثاني ويدخل فيه القطع، لأن القتل أعم فاستوعب الحقين ولأن الغرض إفاتة نفسه والزيادة عليه ومثله ولأنه وجب عليه القطع في السرقة والقتل في الردة قتل بالردة ودخل فيه قطع السرقة، وكذلك في الجناية على اليد وعلى النفس، يجب أن يدخل قطع اليد في قتل النفس، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] فوجب أن يجازى بالأمرين، ويستوفي منه الحقان، ولأن القطع والقتل حقان لشخصين، فلم يجز أن يتداخلا كالديون وسائر الحقوق، ولأنه لما امتنع تداخلهما في الدية امتنع تداخلهما في القود، ولأن الخطأ أخف من العمد وهما لا يتداخلان في الخطأ فكان أولى أن لا يتداخلا في العمد فبطل به الاستدلال الأول، ولا يكون نكالا ومثله، لأنه جزاء فاجتماع قطع السرقة وقتل الردة فقد اختلف أصحابنا في تداخلهما على وجهين:
أحدهما: لا يتداخلان ويستوفيان، فيقطع بالسرقة ويقطع بالردة.
والثاني: يتداخلان، لأنهما من حقوق الله تعالى، فجاز تداخلهما وحقوق الآدميين لا تتداخل، وهكذا اختلف أصحابنا فيمن زنا بكرا ثم زنا ثيبا، هل يدخل الجلد في الرجم مع اختلافهما في الحكم وارتفاقهما في الموجب على وجهين.
فصل:
ولو ابتدأ الجاني فقتل رجلا، ثم قطع يد آخر اقتص من يده بالقطع، ثم من نفسه بالقتل ويقدم القطع وإن تأخر عن القتل وإن تقدم، بخلاف القتيلين في تقديم الأسبق فالأسبق؛ لأنه لا يمكن استيفاء القود في القتيلين، فقدم أسبقهما، ويمكن استيفاء القود
الجزء: 12 - الصفحة: 111
في اليد والنفس فربما على الوجه الذي يمكن استيفاؤهما.
ولو قدم القتل سقط القطع، وإذا قدم القطع لم يسقط القتل، فلذلك قدم القطع وإن تأخر على القتل وإن تقدم، ولكن مثال القتيلين من الأطراف أن يقطع طرفين متماثلين من اثنين مثل أن تقطع من رجل يمنى يديه ومن آخر يمنى يديه فلا يمكن استيفاء القصاص من اليد الواحدة، فيقدم الاقتصاص منها لأسبقهما كالقتلين لتعذر القصاص فإن عفا الأول اقتص منها للثاني.
فإن قيل فالمقتول كان كامل الأطراف، فوجب أن يقتص له من نفس كاملة الأطراف.
قيل: كمال النفوس لا يعتبر بكمال الأطراف، لأن القاتل لو كان كامل الأطراف والمقتول ناقص الأطراف قتل به مع كمال أطرافه ولو كان القاتل ناقص الأطراف والمقتول كامل الأطراف قتل به ولا شيء له في زيادة أطرافه، لأن دية النفس وإن نقصت أطرافها كدية النفس وإن كملت أطرافها.
فصل:
وإذا ابتدأ الجاني فقطع إصبع رجل من يده اليمنى، وقطع من آخر يده اليمنى قدم القصاص في الإصبع لتقدم استحقاقه، فإن اقتص صاحب الإصبع منها اقتص بعده لصاحب اليد وقد اقتص من يد نقصت إصبعا بيده الكاملة فيرجع بعد القصاص على الجاني بدية إصبع وهي عشر الدية، وهذا بخلاف ما قدمناه من القصاص في النفس إذا نقصت أطرافها، لأن الكمال معتبر في تكافؤ الأطراف، وغير معتبر في تكافؤ النفوس؛ لأن دية الأطراف مساوية لدية النفس الكاملة الأطراف، فلو عفا صاحب الإصبع عن القصاص كان له ديتها وقطع لصاحب اليد، ولا شيء له سواه، لأنه قد استوفي القصاص في يد كاملة بيده الكاملة، ولو ترتب القطعان بالضد، فبدأ الجاني فقطع من رجل يده اليمنى ثم من آخر إصبعا من يده اليمنى قدم القصاص لصاحب اليد على القصاص لصاحب الإصبع لتقدم قطع اليد على قطع الإصبع اعتبارا بالأسبق.
فإن قيل: فهلا قدمتم القصاص في الإصبع، وإن تأخرت على القصاص في اليد ليستوفي به الحقان مما قدمتم القصاص في اليد، وإن تأخر على القصاص في النفس لاستيفاء الحقين؟
قيل: لما قدمناه من اعتبار الكمال في تكافؤ الأطراف وسقوط اعتباره في تكافؤ النفوس، وقد استحق صاحب اليد بكمال يده الاقتصاص من يد كاملة، فلم يجز أن يقتص له من يد ناقصة مع إمكان الاقتصاص منهما وهي كاملة، وإذا كان كذلك واقتص صاحب اليد سقط القصاص لصاحب الإصبع ورجع بديتها، وإن عفا صاحب اليد عن القصاص رجع بديتها واقتص لصاحب الإصبع، وهكذا قطع الأنملة من رجل وقطع تلك الإصبع من آخر يكون على قياس الإصبع مع الكف.
الجزء: 12 - الصفحة: 112
مسألة:
قال المزني رحمه الله: "فإن مات المقطوعة يده الأول بعد أن اقتص من اليد فقياس قول الشافعي عندي أن لوليه أن يرجع بنصف الدية في مال قاطعه لأن المقطوع قد استوفي قبل موته ما فيه نصف الدية باقتصاصه به قاطعه".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل قطع يد رجل وقتال آخر فقطعت يده قصاصا للأول، وقتل قودا للثاني ثم مات الأول من سراية يده، صار القطع قتلا وقد فات القود في النفس بالقود الثاني فوجب للمقطوع دية نفسه بسراية القطع إليها، وقد أخذ بالاقتصاص من يده ما يقابل نصف دية نفسه، فوجب أن يرجع وليه في تركه الجاني بنصفها ليصير مستوفيا بالقطع والأخذ بما يقابل جميع دية النفس، ولو كان الجاني قطع من الأول إحدى أصابعه وقتل آخر فاقتص للأول من إصبعه، وقتل للثاني ثم مات الأول من سراية إصبعه كان لوليه أن يرجع في تركة الجاني تسعة أعشار دينه لأنه قد استوفي بقطع الإصبع عشرها، فصار مستوفيا لجميع الدية ولو كان الجاني قطع يدي رجل ثم قتل آخر فقطعت يداه للأول وقتل للثاني ثم سرت يد المقطوع إلى نفسه فمات فلا شيء لوليه، لأنه قد استوفي بقطع اليد كمال الدية، لأن في اليدين جميع الدية.
فصل:
وإذا قطع إحدى يدي رجل فاقتص منها ثم سرت إلى نفسه فمات كان لوليه أن يقتص من نفس القاطع؛ لأن القطع صار قتلا، فإن عفا عن القود في النفس، إلى الدية كان له الرجوع بنصف الدية، لأنه قد استوفي بقطع اليد ما يقابل نصف الدية، فصار مستوفيا لجميع الدية، ولو كان المقطوع يده، أخذ دية ولم يقتص ثم سرى القطع إلى نفسه فمات سقط القود في النفس، لأن عدوله إلى دية القطع عفو عن القود في النفس، ولو قطع يد رجل فاقتص منهما ثم سرى القطع إلى نفسه فمات، كان لوليه القصاص في النفس، فإن عفا إلى الدية لم يستحقها، لأنه يقطع اليدين قد استوفاهما، وهذا موضع يجب فيه القود ولا تجب فيه الدية، وهو نادر.
ولو كان المقطوع أخذ دية يده ثم سرت إلى نفسه لم يكن لوليه قود ولا دية، لسقوط القود بدية القطع واستيفاء دية النفس بدية اليدين.
فصل:
ولو قطع إحدى يدي رجل فأخذ المقطوع ديتها نصف الدية ثم عاد الجاني إليه فقتله قبل اندمال يده ففيما يلزمه بقتله ثلاثة أوجه حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدها: وهو ظاهر مذهب الشافعي أنه لا قود عليه في النفس لأخذه نصف الدية
الجزء: 12 - الصفحة: 113
في قطع اليد، ويرجع وليه بنصف الدية، وهو الباقي من دية النفس.
والثاني: وهو قول ابن سريج عليه القود في النفس، فإن عفا عنه، فعليه جميع دية النفس وجعل جناية الواحد كجناية الاثنين.
والثالث: وهو قول ابن علي بن أبي هريرة عليه القود في النفس، ولا يلزمه إن عفا عن القود إلا نصف الدية، لأن النفس لا تكون تبعا للأعضاء فلم يوجب سقوط القود في اليد سقوطه في النفس، ولم يستحق إلا نصف الدية، لأنه قد أخذ ما فيه نصفها.
فصل:
إذا قطع نصراني يد مسلم فاقتص المسلم من النصراني ثم مات المسلم من سراية القطع كان لوليه أن يقتص من نفس النصراني، لأن القطع قد صار بالسراية نفسا، فإن عفا عن القصاص في النفس كان فيما يرجع به على النصراني وجهان:
أحدهما: يرجع عليه بخمسة أسداس الدية، لأن دية المسلم اثنا عشر ألف درهم ودية النصراني ثلثها أربعة آلاف درهم وقد اقتص من إحدى يديه بنصفها وهو ألفا درهم، وقدرهما سدس دية المسلم، فصار الباقي له خمسة أسداسها.
والثاني: وهو أشبه أن يرجع النصراني بنصف الدية لأنه لما رضي المسلم أن يأخذ النصراني بيده ودية اليد نصف دية النفس صار الباقي له نصف الدية ألا تراه لو ابتدأ النصراني بقتل المسلم فرضي وليه أن يقتص منه كانت نفسه بنفس المسلم ولم يرجع وليه بفاضل ديته، كذلك في اليد، ولو كان النصراني قطع يدي المسلم فاقتص المسلم منها ثم مات المسلم كان لوليه القصاص في النفس فإن عفا عنه إلى الدية كان على الوجهين أيضا:
أحدهما: يرجع عليه بثلثي الدية؛ لأنه قد أخذ منها باليدين دية نصراني قدرها أربعة آلاف درهم وذلك ثلث دية المسلم فبقي له ثلثاها.
والثاني: أنه لا شيء له عليه، لأن في يدي النصراني دية نفسه فصار في الاقتصاص منها كالمقتص من نفسه، وعلى هذين الوجهين لو قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات الرجل كان لوليه أن يقتص من نفس المرأة، فإن فعا عنها إلى الدية رجع عليها في الوجه الأول بثلاثة أرباع الدية، لأن دية المرأة نصف دية الرجل وقد أخذ بيدها نصف ديتها وهي ربع دية الرجل فبقي له ثلاثة أرباعها.
وعلى الوجه الثاني: يرجع عليها بنصف الدية، لأنه قد أخذ باليد نصف الدية، والديتان مع تفاضلهما يتماثلان في القصاص، ولو قطعت المرأة يدي الرجل فاقتص منها ثم مات: فعلى الوجه الأول يرجع وليه عليها إن لم يقتص من نفسها بنصف الدية، ولا يرجع عليها في الوجه الثاني بشيء لاقتصاصه من يدين يجب فيها دية النفس.
الجزء: 12 - الصفحة: 114
فصل:
سراية الجناية مضمونة على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة على المقتص فإذا قطع رجل يد رجل فاقتص المجني عليه من الجاني، ثم مات المجني عليه من القطع، كانت نفسه مضمونة على الجاني، ولو مات الجاني من القصاص كانت نفسه هدرا لا يضمنها المقتص.
وقال أبو حنيفة: سراية القصاص مضمونة على المقتص كما أن سراية الجناية مضمونة على الجاني، فإذا مات الجاني مع سراية القصاص ضمن المقتص جميع دية نفسه على عاقلته، استدلالا بأن ما حدث عن المباشرة كان مضمونا على المباشر كالجاني.
ولأن القصاص مباح وليس بلازم لتخيير وليه بين فعله وتركه كضرب الرجل لزوجته والأب لولده، ثم ثبت أن ما حدث من التلف عن ضرب الزوج والأب مضمون عليهما كذلك ما حدث عن القصاص يجب أن يكون مضمونا على المقتص.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)﴾ [الشورى:41] وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: "من مات من حد أو قصاص فلا دية له الحق قتله" وليس لهما مخالف فصار إجماعا، ولأن ما استحق قطعه بالنص لم يضمن سرايته كالسرقة، ولأن السراية معتبرة بأصلها فإن كان مضمونا لحظره ضمنت سرايته، وإن كان هدرا لإباحته لم يضمن سرايته اعتبارا بالمستقر في أصول الشرع بأن من أوفد نارا في ملكه فتعدت إلى جاره، أو أجرى الماء في أرضه فجري إلى أرض غيره لم يضمن، ولو أوقد النار في غير ملكه وأجرى الماء في غير أرضه ضمن بتعديهما، ولو حفر بئرا في ملكه لم يضمن ما سقط فيها ولو حفرها في غير ملكه ضمن ما سقط فيها كذلك سراية القصاص عن مباح فلم يضمن وسراية الجناية عن محظور فضمنت، وهذا دليل وانفصال عن الجمع بين السرايتين، وما ذكره من ضرب الزوج والأب فالفرق بينه وبين القصاص تقدير القصاص بالشرع نصا، فلم يضمن والضرب عن اجتهاد فضمن، كما لا يضمن ما حدث عن جلد الزاني ويضمن ضرب التعزير.
فصل:
إذا قطع رجل يد رجل فاقتص المجني عليه من الجاني ثم سرى القطعان إلى النفس، فمات المجني عليه ومات الجاني فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتقدم موت المجني عليه على موت الجاني، فيجزي قطع القصاص وسرايته عن قطع الجاني وسرايته؛ لأنه لما قامت السراية في الجناية مقام المباشرة وجب أن تقوم السراية في القصاص مقام المباشرة؛ لأن المستحق على الجاني أخذ نفسه وقد أخذها ولي المجني عليه بسراية قوده، هذا ما قاله أصحابنا وعندي فيه نظر؛ لأن سراية المجني عليه غير مضمونة، فلم يجز أن يستوفي بها سراية الجاني وهي مضمونة.
الجزء: 12 - الصفحة: 115
والثاني: أن يكون موت الجاني قبل موت المجني عليه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزي ما تقدم من سراية القصاص في القود عما حدث بعده من سراية الجناية؛ لأن تقديم القصاص من قبل استحقاقه لا يجزي بعد استحقاقه؛ لأن يصير سلفا، والسلف في القصاص لا يجوز فعلى هذا يؤخذ من تركة الجاني نصف الدية.
والثاني: أنه تجزي سراية القصاص وإن تقدمت عما وجب بالسراية عن الجناية وإن تأخرت لأن كل واحدة من السرايتين تابعة لأصلها، وقطع القصاص متأخر، فجرى على ما تقدم من سرايته حكم المتأخر، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتله عمدا ومعه صبي أو معتوه أو كان حر وعبد قتلا عبدا أو مسلم ونصراني قتلا نصرانيا أو قتل ابنه ومعه أجنبي فعلى الذي عليه القصاص القصاص وعلى الآخر نصف الدية في ماله وعقوبة إن كان الضرب عمدا.
قال المزني رحمه الله: وشبه الشافعي أخذ القود من البالغ دون الصبي بالقاتلين عمدا يعفو الولي عن أحدهما إن له قتل الآخر.
فإن قيل: وجب عليهما القود فزال عن أحدهما بإزالة الولي قيل فإذا أزاله الولي عنه أزاله عن الآخر فإن قال لا قيل فعلهما واحد فقد حكمت لكل واحد منهما بحكم نفسه لا بحكم غيره.
قال: فإن شركه قاتل خطأ فعلى العامد نصف الدية في ماله وجناية المخطئ على عاقلته واحتج على محمد بن الحسن في منع القود من العامد إذا شاركه صبي أو مجنون فقال: إن كنت رفعت عنه القود لأن القلم عنهما مرفوع وإن عمدهما خطأ على عاقلتهما فهلا أقدت من الأجنبي إذا قتل عمدا مع الأب لأن القلم عن الأب ليس بمرفوع وهذا ترك أصلك.
قال المزني رحمه الله: قد شرك الشافعي رحمه الله محمد بن الحسن فيما أنكر عليه في هذه المسألة لأن رفع القصاص عن الخاطئ والمجنون والصبي واحد فكذلك حكم من شاركهم بالعمد واحد".
قال في الحاوي: إذا اشترك اثنان في قتل نفس لم يخل حالهما من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون كل واحد منهما لو انفرد بقتله قتل به كحرين قتلا حرا أو عبدين قتلا عبدا، أو كافرين قتلا كافرا، فعليهما إذا اشتركا في قتله القود، لأن كل واحد منهما لو انفرد بقتله وجب عليه القود.
والثاني: أن يكون كل واحد منهما لو انفرد بقتله لم يجب عليه القود، كحرين قتلا عبدا، أو مسلمين قتلا كافرا، فلا قود عليهما إذا اشتركا لسقوط القود عن كل واحد منهما إذا انفرد.
الجزء: 12 - الصفحة: 116
والثالث: أن يجب القود على أحدهما لو انفرد، ولا يجب على الآخر إذا انفرد، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في نفسه، كالأب إذا شارك أجنبيا في قتل ولده، وكالحر إذا شارك عبدا في قتل عبده، وكالمسلم إذا شارك كافرا في قتل كافر، فيسقط القود عنه لمعنى في نفسه لا في فعله.
والثاني: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عاملا في القتل أو تعمد الخطأ إذا شارك عمدا محضا فيسقط القود عنه لمعنى في فعله لا في نفسه، فاختلف الفقهاء في شريك من سقط عنه القود بأحد هذين الضربين، هل توجب الشركة سقوط القد عنه بسقوطها عن شريكه أم لا؟ على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب مالك، أنه لا يسقط القود عنه بسقوطه عن شريكه، سواء كان سقوط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا، أو لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يسقط القود عنه لسقوطه عن شريكه، سواء سقط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا أو لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا.
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه إذا شارك من سقط القود عنه لمعنى في نفسه كالأب إذا شارك أجنبيا لم يسقط القود عن الأجنبي، وإن شارك من سقط عنه القود لمعنى في فعله كالخاطئ إذا شارك عامدا لم يجب القود على العامد، فصار الخلاف مع مالك في شريك الخاطئ، عنده يقتل، وعند الشافعي لا يقتل، ومع أبي حنيفة في شريك الأب عند أبي حنيفة لا يقتل، وعند الشافعي يقتل.
فأما مالك فاستدل على أن شريك الخاطئ يقتل، بأن كل من وجب عليه القود إذا انفرد وجب عليه القود إذا شارك فمن ليس عليه قود، كشريك الأب، ولأنه لو جاز أن يتعدى حكم الخاطئ إلى العامد في سقوط القود لجاز أن يتعدى حكم العامد إلى الخاطئ في وجوب القود، ولأنه لما لم يتغير حكم الدية بمشاركة الخاطئ لم يتغير بها حكم القود.
والدليل على أن شريك الخاطئ لا يقتل قول النبي صلي الله عليه وسلم: " ألا إن في قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل مغلظة" وهذا القتيل قد اجتمع فيه عمد وخطأ، فوجب أن يستحق فيه الدية دون القود، ولأنها نفس خرجت بعدم أو خطأ، فوجب أن يسقط فيها القود، كما لو جرحه الواحد عمدا أو جرحه خطأ؟ ولأنه إذا اجتمع في النفس موجب ومسقط يغلب حكم المسقط على حكم الموجب، كالحر إذا قتل من نصفه مملوك ونصفه حر، ولأن سقوط القود في الخطأ يجري في حق القاتل مجرى عفو بعد الأولياء وسقوطه عن الأب يجري مجرى العفو عن أحد القاتلين، وعفو بعض الأولياء يوجب
الجزء: 12 - الصفحة: 117
سقوط القود في حق من بقي من الأولياء والعفو عن أحد القتلة لا يوجب سقوط القود عمن بقي من القتلة، وهذا دليل وانفصال عن جميعه بين الأمرين:
وقوله: "لو تعدى الخطأ إلى العمد لتعدي العمد إلى الخطأ" فهو خطأ بما ذكرناه، وأن اجتماع الإيجاب والإسقاط يقتضي تغليب حكم الإسقاط على الإيجاب.
وقوله: "لما لم يتغير حكم الدية لم يتغير حكم القود" ليس بصحيح، لأن الدية تتبعض والقود لا يتبعض.
فإذا ثبت سقوط القود عن العامد لسقوطه عن الخاطئ فعلى العامد نصف الدية مغلظة حالة في ماله، وعلى عاقلة الخاطئ نصف الدية مخفضة إلى أجلها.
فصل:
وأما أبو حنيفة فاستدل على أن شريك الأب لا يقتل بأنه شارك من لم يجب عليه القود، فوجب أن يسقط عنه القود كشريك الخاطئ، ولأن مشاركة الأب كمشاركة المقتول ثم ثبت أن المقتول لو شارك قاتله لسقط عنه القود، كذلك الأب إذا شارك الأجنبي وجب أن يسقط عنه القود.
والدليل على أن شرك الأب يقتل عموم قوله تعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] ولأنها نفس مضمونة خرجت بعمد محض، فلم يكن سقوط القود عن أحد القاتلين موجبا لسقوطه عن الآخر، كالعفو عن أحدهما لا يوجب سقوط القود عن أحد القاتلين موجبا لسقوطه عن الآخر، كالعفو عن أحدهما لا يوجب سقوط القود عنهما، ولأنه لما لم يتغير حكم الأب بمشاركة الأجنبي في وجوب القود عليه لم يتغير حكم الأجنبي بمشاركة الأب في سقوط القود عنه.
فأما الجواب عن قياسه على الخاطئ فهو أن سقوطه عن الخاطئ لمعنى في فعله، وقد امتزج الفعلان في السراية فلم يتميزا، وسقوطه عن الأب لمعنى في نفسه وقد تميز القاتلان فلم يستويا، وجمعه بين شركة الأب وشركة المقتول ففيه قولان:
أحدهما: أن شريك المقتول، فعلى هذا يسقط الاستدلال.
والثاني: وهو الأصح لا يقتل، وإن قتل شريك الأب، لأن شركة المقتول إبراء وليست شركة الأب إبراء.
فصل:
فأما البالغ العاقل إذا شارك في القتل صغيرا أو مجنونا، فإن كان قتل الصبي والمجنون على صفة الخطأ فلا قود على شريكه، لأنه لو كان الخطأ من بالغ عاقل سقط به القود عن العامد، فكان أولى أن يسقط به غير الصغير والمجنون، وإن كان قتل الصغير والمجنون على صفة العمد، فقد اختلف قول الشافعي في عمدهما هل يكون عمدا أو خطأ؟ على قولين:
الجزء: 12 - الصفحة: 118
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة أن عمدها خطأ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم" ولأنه لو كان عمدا لتعلق به القود والمأثم، وبسقوطهما عنه يجري عليه حكم الخطأ، فعلى هذا لا قود في العمد على البالغ العاقل إذا شاركهما، وعليه نصف الدية حالة في ماله، وعليهما نصف دية الخطأ مخففة على عواقلهما.
والثاني: أن عمدها عمد، لأنهما قد يميزان مضارهما من منافعهما، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قد جعل للصبي تمييزا في اختيار الأبوين، وقدمه للصلاة إماما، ولأنه لما كان عمده للأكل في الصيام عمدا وعمد المجنون خطأ لكان الفرق بينهما أشبه، لأن العبادات تصح من الصبي، ولا تصح من المجنون، لكن القول في الجمع بينهما مطلق فأطلقناه مع الفرق الذي أراه، فعلى هذا يجب على العامد إذا شاركهما في القتل القود بخروج النفس بعمد محض، ولا قود عليهما، لأن ما تعلق بالأبدان ساقط عنهما، وعليهما نصف الدية مغلظة حالة من أموالهما، لأن ما تعلق بالأموال واجب عليها، فصار سقوط القود وعنهما على القول الأول لمعنى في فعلهما فلذلك سقط القود عمن شاركهما، وسقوطه عنهما على القول الثاني معنى في أنفسهما، فلذلك وجب القود على من شاركهما.
فصل:
فأما العامد إذا شارك في القتل سبعا أو ذئبا أو نمرا لم يخل حال الرجل العامد، ومن شاركه من سبع أو ذئب من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون الرجل موجئا والسبع جارحا، فعلى الرجل القود، فإن عفا عنه إلى الدية فعليه جميعها.
والثاني: أن يكون الرجل جارحا والسبع موجئا، فينظر، فإن تقدمت توجئة السبع، فلا ضمان على الرجل من قود ولا أرش، وإن تقدمت جراحة الرجل ضمن الجراحة وخدها بقودها أو أرشها.
والثالث: أن يكونا موجئين فينظر، فإن تقدمت توجئة السبع، فلا ضمان على الرجل من قود ولا أرش، وإن تقدمت توجئة الرجل فعليه القود أو جميع الدية.
والرابع: أن يكونا جارحين يجوز أن يموت من كل واحد منهما ويجوز أن يعيش، ففي وجوب القود على الرجل قولان:
أحدهما: وهو أظهرهما، عليه القود لخروج النفس بالعمد.
والثاني: لا قود عليه، لأنه لا تمييز للسبع، فصار كاشتراك العمد والخطأ، وهكذا مشاركته للحية إذا نهشت يكون في وجوب القود عليه قولان:
أحدهما: تجب.
والثاني: لا تجب، وعليه نصف الدية حالة في ماله.
الجزء: 12 - الصفحة: 119
فصل:
وإذا اشترك في قتل العبد سيده وعبد آخر فلا ضمان على السيد من قود ولا قيمة، وفي وجوب القود على العبد المشارك له قولان، بناء على شريك السبع، لأن فعل السيد غير مضمون، كما كان فعل السبع غير مضمون.
أحدهما: يجب عليه القود لخروج النفس بعمد محض.
والثاني: لا قود عليه لمشاركة من لا ضمان عليه، وهكذا لو أن مسلما جرح رتدا ثم أسلم فجرحه مسلم آخر ومات فلا قود على الأول، لأن جرحه في الردة غير مضمون، وفي وجوب القود على الثاني قولان؛ لأن شارك من لم يضمن:
أحدهما: يقاد منه.
والثاني: لا قود عليه، وعليه نصف الدية، وعلى هذا لو أن رجلا قطعت يده قودا وقطع آخر يده الأخرى ظلما ومات المقطوع، فقد خرجت لنفس عن قصاص مباح وظلم محظور، ففي وجوب القصاص على ظالمه بالقطع قولان:
أحدهما: يقتص من نفسه.
والثاني: لا يقتص من نفسه، وعليه نصف الدية، فإن أراد أن يقتص من اليد وجب له على القولين معا.
فصل:
فأما كلام المزني فيشتمل على فصلين:
أحدهما: ما حكاه عن الشافعي في مناظرته لمحمد بن الحسن في شريك الصبي، لم أسقط عنه القود؟ فقال محمد بن الحسن: لأن القلم عنه مرفوع، فأجابه الشافعي:
بأن شريك الأب لا قود عليه عندك، وليس القلم مرفوعا عن الأب، فأبطل عليه تعليله بارتفاع القلم.
قال أصحاب أبي حنيفة: لا يلزم محمد بن الحسن هذه لمناقضة، لأنها نقيض العكس دون الطرد، والنقيض إنما يلزم في الطرد بأن توجد العلة ولا حكم، ولا يلزم في العكس بأن يوجد الحكم ولا علة فعنه جوابان:
أحدهما: أن من مذهبهم نقض العلة بطردها وعكسها، فألزمهم الشافعي على مذهبهم.
والثاني: أن التعليل إذا كان لعين انتقض بإيجاد العلة ولا حكم، ولا ينتقض بإيجاد الحكم ولا علة، وإن كان التعليل لجنس انتقض بإيجاد العلة ولا بإيجاد الحكم ولا علة، وتعليل محمد بن الحسن قد كان للجنس دون العين، فصح انتفاضه بكلا الأمرين.
والفصل الثاني: من كلام المزني أن اعترض به على الشافعي فقال قد شارك محمد بن الحسن فيما أنكر عليه، لأنه رفع القصاص عن الخاطئ حتى أسقط به القود
الجزء: 12 - الصفحة: 120
من العامد, ورفع القصاص عن الصبي ولم يسقط به القود عن البالغ, وهذا الاعتراض وهم من المنزي, لأن الشافعي حمل ذلك على اختلاف قوليه في عمد الصبي هل يكون عمدا أو خطأ, فجعله في أحد قوليه عما فلم يسقط به القود عن البالغ إذا شاركه لوجود الشبهة في الفاعل دون الفعل, بخلاف الخاطيء وإن جعل عمده في القول الثاني خطأ سقط به القود عن البالغ لوجود الشبهة في القتل دون الفاعل كالخاطيء, فكان اعتراضه زللا, والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قتل أحد الوليين القاتل بغير أمر صاحبه ففيهما قولان أحدهما لا قصاص بحال للشبهة قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ يحتمل أي ولي قتل كان أحق بالقتل وهو مذهب أكثر أهل المدينة ينزلونه منزلة الحد لهم عن أبيهم إن عفو إلا واحدا كان له أن يحده.
قال الشافعي رحمه الله: وإن كان ممن لا يجهل عزر وقيل للولاة معه لكم حصصكم والقول من أين يأخذونها واحد من قولين أحدهما أنها لهم من مال قاتل المقتول على قاتل صاحبهم بحصة الورثة معه من الدية.
والقول الثاني في حصصهم أنهم لهم في مال أخيهم القاتل قاتل أبيهم لأن الدية إنما كانت تلزمه لو كان لم يقتله ولي فإذا قتله ولي فلا يجتمع عليه القتل والغرم.
والقول الثاني: أن على من قت من الأولياء قاتل أبيه القصاص حتى يجتمعوا على القتل.
قال المزني رحمه الله: وأصل قوله إن القاتل لو مات كانت الدية في ماله.
قال المزني رحمه الله: وليس تعدي أخيه بمبطل حقه ولا بمزيله عمن هو عليه ولا قود للشبهة".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن القود لا يستحقه الأولياء إلا باجتماعهم عليه, وأن ليس لأحدهم أن ينفرد به, فإن بادر أحد الوليين فقتل القاتل انقسمت حاله فيه ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون عن إذن أخيه وشريكه فيه, فلا يكون بقتله متعديا, وقد استوفي القود في حقهما.
والثاني: أن يكون بعد عفو أخيه وعلمه بعفوه فهو متعد بهذا القتل, والصحيح أن عليه القود لسقوطه في حقهما بعفو أحدهما.
والثالث: أن لا يكون من أخيه إذن ولا عفو, فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يحكم له الحاكم بالقود, فالصحيح أن لا قود عليه لنفوذ حكمه بمختلف فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 121
والثاني: أن يحكم عليه الحاكم بالمنع من القود, فالصحيح أن عليه القود لنفوذ حكمه برفع الشبهة فيه.
والثالث: أن لا يكون من الحاكم فيه حكم بتمكين ولا منع, ففي وجوب القود عليه قولان منصوصان:
أحدهما: لا يجب عليه القود, وهو مذهب أبي حنيفة لأمرين:
أحدهما: إنه شريك في استحقاق النفس التي قتلها فوجب أن تكون الشركة شبهة في سقوط القود عنه كالأمة بين شريكين, إذا وطئها أحدهما سقط الحد عنه لشبهة الشركة.
والثاني: أنه لما قتل نفسا استحق بعضها لم يجز أن يقاد من نفسه التي لم يستحق بعضها, لعدم التكافؤ كما لا يقاد الحر بمن تصفه عبد ونصفه حر.
والقول الثاني: يجب عليه القود, وإن كان شريكا لأمرين:
أحدهما: أن القود يجب في قتل بعض النفس كما يجب في قتل جميعها, لأن الشريكين في القتل يقاد كل واحد منهما, وهو متلف لبعض النفس, كما يقاد به إذا انفرد بقتله, كذلك هذا الشريك قد صار قائلا لبعض النفس بعد استحقاق بعضها فوجب عليه القود.
والثاني: أن استحقاقه لبعض النفس كاستحقاقه للقود من بعض الحسد, ثم ثبت أنه لو استحق القود من بعض الجسد فقتله وجب عليه القود, كذلك إذا استحق بعض نفسه فقتله وجب عليه القود, وقد خرج من هذين القولين قول فيما ذكرنا صحة حكمه من الأقسام المتقدمة إيجابا وإسقاطا.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين تفرع الحكم عليهما, فإذا قبل بالقول الأول, أنه لا قود على الولي القاتل, وهو اختيار المزني فعليه الدية وقد سقط عنه نصفها, وهو ما استحقه من دية أبيه إذا جعل الين المتماثل قصاصا, وبقي عليه نصف دية قاتل أبيه, وبقي لأخيه نصف دية أبيه, وفي انتقال حقه من هذا النصف عن قاتل أبيه إلي أخيه القاتل قولان منصوصان:
أحدهما: وهو اختيار المزني أنها لا تنتقل ويرجع الأخ بحقه من نصف الدية في تركة قاتل أبيه, ويرجع ورثة قاتل الأب بنصف الدية على الأخ القاتل, وإنما لما ينتقل حق الأخ الذي ليس بقاتل إلي الأخ القاتل, لأنه حقه على قاتل أبيه, فلم ينتقل إلي قاتله كما لو قاتله غير أخيه, فعلى هذا لو أبرأ ورثة قاتل الأب للأخ القاتل بريء, ولو أبرأه أخوه لم يبرأ, لأن ما عبيه من الدية مستحق لورثه قاتل أبيه دون أخيه, ولو أبرخ الأخ ورثة قاتل
الجزء: 12 - الصفحة: 122
أبيه.
برؤوا لأن حقه على قاتل أبيه دون أخيه
والثاني: أنه انتقل حق الأخ من نصف الدية عن قاتل أبيه إلي أخيه القاتل؛ لنه قد صار بالقتل مستوفيًا لحقهما من قتل أبيهما كما لو كانت لهما وديعة فأخذهما أحدهما من المودع كان قابضا لحقهما, وللأخ مطالبته بحقه منها دون المودع, فعلى هذا قد براء ورثة قاتل الأب من جميع الدية وصار ما على القاتل من نصف الدية لأخيه دونه, فلو أبرأه أخوه براء ولو أبرأه ورثة قاتل أبيه لم يبرأ, وإذا قيل بالقول الثاني أن القوود على ولي القاتل واجب فلورثة القاتل لأبيه الخيار, بين أن يقتصوا أو يعفوا عن القصاص إلي الدية, أو يعفوا عن القصاص والدية.
فإن اقتصوا فقد استوفوا حقهم قودًا, وعليهم في تركة أبيهم دية قتيله يكون نصفها لوليه الباقي, ونصفها لورثة وليه المقتول قودا, وإن عفوا عن القصاص إلي الدية وجبت لهم دية أبيهم على قاتله, ووجب عليهم في تركة أبيهم دية مقتولة فيبرؤوا من نصفها وهو حق القاتل, ويبقى لهم نصف الدية, وفي انتقال ما عليهم من نصفها للولي الذي ليس بقاتل إلي من لهم عليه نصفها وهو الولي القاتل قولان على ما ماضى, لو قيل بسقوط القود حكمًا وتفريعًا فإن عفوا عن القصاص والدية جميعًا سقط في قتل أبيهم ووجب في تركته دية قتيله لوليه ليستوي فيها القتل وغير القاتل, ويجري قتل أبيهم بعد عفوهم مجرى موته, ولو مات القاتل وجبت الدية في تركته, وإن سقط القود بموته.
وقال أبو حنيفة: إذا مات القاتل سقطت عنه الدية, وكذلك لو قتله أجنبي سقطت عنه دية قتيله, ووجب له القصاص على قاتله, بناء على أصله في وجوب الدية بالمراضاة عند النزول عن القصاص الممكن, والموت, قد منع إمكان القصاص فمنع من وجوب الدية, واستدلالًا بعده بأمرين:
أحدهما: أن سقوط القصاص بتلف المقتص منه يوجب سقوط الدية, كالعبد الجاني إذا مات قبل القصاص.
والثاني: أنه لو انتقل القصاص من نفسه إلي الدية عند تلفه, لصارت نفسه مضمونة عليه, وما أحد يضمن نفسه, وإنما يضمنها غيره.
ودليلنا مع بنائه على أصلنا في أن الدية تجب على القاتل من غير مراضاة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن قتل بعد قتيلًا فأهله بين خيرتين, إن أحبوا قتلوا, وإن أحبوا أخذوا العقل" ومن خير بين حقين, إذا فاته أحدهما تعين حقه في الآخر, ولأن سقوط القصاص بعد استحقاقه بغير اختيار مستحقة يوجب الانتقال إلي الدية' كما لو عفا بعض الورثة انتقل حق من لم يعف إلي الدية, ولأن الدية لما وجبت في أخفّ القتلين من الخطأ كان وجوبها في أغلظهما من العمد أولى, ولأن القصاص مماثلة لجنس متلف, فوجب إذا تعذر استيفاء المثل أن يستحق الانتقال إلي بدله من المال, كمن استهلك ذا مثل من الطعام فأعوز انتقل إلي قيمته.
فأما قياسه على موت العبد الجاني فلم تسقط الدية بموته, ولكن لتعذر وجودها
الجزء: 12 - الصفحة: 123
بعدم ملكه وقف استحقاقها بعد موته, وكذلك لو مات معسرًا.
وقوله: "إن نفسه غير مضمونة عليه" فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لما جاز أن يضمنها حيًا ببذل الدية جاز أن يضمنها ميتًا بوجوب الدية.
والثاني: أن يضمن الدية بدلًا من نفس قتيله لا من نفسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو قطع يده من مفصل الكوع فلم يبرأ حتى قطعها آخر من المرفق ثم مات فعليهما القود يقطع قاطع الكف من الكوع ويد الآخر من المرفق ثم يقتلان لأن ألم القطع الأول واصل إلي الجسد كله".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا توالت جنايتان فأزالت الثانية منهما محل الأولى, مثل أن يقطع أحدهما يده من مفصل الكوع, ويقطع الثاني بقيتهما من الكتف أو المرفق أو يقطع أحدهما إصبعه ويقطع الثاني بقية كفه, أو يكون مثل ذلك في قطع القدم والساق, ثم يموت المقطوع ودمه سائل, فمذهب الشافعي أنهما قاتلان, وعليهما القصاص في الطرف وفي النفس.
وقال أبو حنيفة: الأول قاطع يجب عليه القصاص في اليد دون النفس.
والثاني: يجب عليه القصاص في النفس دون اليد, احتجاجا بأن السراية تحدث عن محل الجناية, فإذا زال محلها زالت سرايتها لانقطاع مادتها, ألا ترى أن سراية الأكلة تزول بقطع محلها, فصار انقطاعها كالاندمال, وصار الثاني الكمنفرد, أو الموجيء فوجب أن يكون هو القاتل دون الأول.
ودليلنا هو أن يموت بالسراية حادث عن ألمها, وألم القطع الأول قد سرى في الحال إلي الجسد كله قبل القطع الثاني, فانتقل محله إلي القلب الذي هو مادة الحياة فإذا حدث القطع الثاني أحدث ألمًا ثانيًا زاد على الألم الأول, فصار الموت حادثًا عنهما لا عن الثاني منهما, كمن سجر تنورًا بنار حمى ثم أخرج سجاره وسجره بأخرى تكامل حماه بهما لم يكن تكامل الحمى منسوبًا إلي السجار الثاني, وإن زال السجار الأةل' بل كان منسوبًا إليهما, كذلك تكامل الألم في القلب لم يكن بالقطع الثاني دون الأول, بل كان بالثاني والأول.
فإن قيل: فزيادة الألم منقطعة وزيادة الألم الثاني مستديمة, فيجب أن يكون الموت منسوبًا إلي الألم الثاني لاتصال مادته دون الألم والأول لانقطاع مادته عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا يقتضي زيادة الألم الثاني وقلة الأول, وليس اختلافهما في القلة
الجزء: 12 - الصفحة: 124
والكثرة مانعًا من تاسويهما في القتل, كما لو جرحاه فكانت جراحة أحدهما أكثر ألمًا كانا سواء في قتله.
والثاني: أن انقطاع أسباب الألم لم يمنع من مساواة ما بقيت أسبابه في إضافة القتل إليهما, كما لو ضربه أحدهما بخشبة وجرحه الآخر بسيف كانا شريكين في قتله, وإن كان أثر الخشبة مرتفعًا وأثر السيف باقيًا, وفي هذين الجوابين دليل في المسألة وانفصال عن الاعتراض وما ذكروه من قطع الأكلة لانقطاع سرايتها فالمقصود به قطع الزيادة دون الإزالة, وأن لا يسري إلي ما داوزه, وأما الاندمال فلا يكون إلا بعد زوال الألم والقطع لا يزيل الألم وإنما يقطع زيادته فافترقا.
وأما التوجئة فلا بقاء للنفس معها, فارتفع بها حكم السراية, وناظرتي في هذه المسألة القاضي أبو بكر الأشعري, وقد استدللت فيها بما تقدم, فاعترض عليّ بأن الألم عرض لا يبقى زمانين فاستحال أن يبقى مع انقطاع مادته فأجبته عنه بأن الألم لما وصل إلي القلب صار محلًا له, فتوالت منه مواده كما يتوالى من محل القطع.
فصل:
فإذا ثبت أنهما قاتلان فللولي أن يقتص من الأول, فيقطع يده بالجناية ويقتله بالسراية, فأما الثاني فإن كان أقطع الكف فللولي أن يقطع ذراعه من المرفق بالجناية ويقتله بالسراية, وإن كانت كفه باقية على ذراعه جاز له أن يقتله, وفي جواز قطع ذراعه قبل قتله قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا يجوز, لأن المقصود به إفاته نفسه فلم تعتبر زيادته.
والثاني: لا يجوز أن يقطع؛ لأنه إيجاب قصاص فيما ليس فيه قصاص, وهكذا كل جرح إذا انفرد لم يقتص منه كالجائفة والمأمومة إذا صارتا نفساً, ففي جواز القاص منه عند إرادة قتله قولان:
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا تشاح الولاة قيل لهم لا يقتله إلا واحد منكم فإن سلمتم لواحد أو لأجنبي جاز قتله وإن تشاححتم أقرعنا بينكم أيكم خرجت قرعته خليناه وقتله ويضرب بأصرم سيف وأشد ضرب".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة وهي تشتمل على فصلين:
أحدهما: صفة القصاص وقد استوفيناه, وذكرنا أنه إن كان في طرف استوفاه الإمام, وإن كان في نفس استوفاه الأولياء.
الجزء: 12 - الصفحة: 125
والثاني: في مستحقه من الأولياء وهو معتبر بأحوالهم وهم ثلاثة أصناف:
أحدهما: أن لا يكونوا من أهل القصاص وقد بيناهم.
والثاني: أن يكونوا من أهل القصاص وقد بيناهم.
والثالث: أن يكون بعضهم من أهله, وبعضهم من غير أهله فإن كانوا جميعاً من غير أهله كانوا إذا جاز أمرهم بالخيار بين أن يوكلوا من يختارونه من أهل القصاص, وبين أن يفوضوه إلي الإمام لييستنيب لهم من يختاروه, وإن كان بعضهم من أهله وبعضهم من غير أهله خرج منهم من كان من غير أهله, وبقي أهله هم المباشرون له ويكون التنازع فيه مقصورًا عليهم, فإن قال من ليس من أهله انا أدخل في التنازع لأستنيب من يباشره احتمل وجهين:
أحدهما: له ذلك لمشاركته لهم في الاستحقاق.
والثاني: ليس له ذلك, لأنه موضوع للتشفي, فكان مباشرة المستحق له أولى من مباشرة النائب عن مستحقه, وإن كانوا جميعاً من أهله لم يجز أن يشتركوا في استيفائه, لأنه قتل واحد لم يقتص منه إلا واحد وتولاه أحدهم, فإن فوضوه إلي واحد منهم كان أحقهم باستيفائه, والأولى أن يختاروا أشدهم وأقواهم وأدينهم, فإن عدلوا عنه إلي أدونهم جاز, وإن تنازعوا فيه وتشاجروا عليه أقرع بينهم, فإذا جرخت القرعة لأحدهم صار أحقهم باستيفائه, لكن لا يجوزن أن يستوفي القصاص بعد خروج قرعته إلا عن إذن من جميعهم؛ لأن الإقراع بينهم لا يكون إذنًا منهم في الاستيفاء, وإنما يتعين به مباشرة الاستيفاء, ويكون الاستيفاء موقوفًا على اتفاقهم.
باب القصاص بغير السيف
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإن طرحه في نار حتى يموت طرح في النار حتى يموت".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في وجوب القصاص في القتل بجميع ما يقتل مثله من حديد وغير حديد, وذكرنا خلاف أبي حنيفة في أن لا قصاص إلا في القتل بالحديد والنار, ولا قود في القتل بمثقلات وغيرها إلا بمثقل الحديد وحده, فأما استيفاء القصاص فمعتبر بحال بالقتل, فإن كان بالحديد لم يجز أن يستوفي القصاص إلا بمقله, وإن كان بغير الحديد كان الولي مخيرًا في استيفائه بمثله أو بالحديد.
وقال أبو حنيفة: إذا قتله بمثقل الحديد أو بالنار لم يجز أن يستوفي القصاص منه إلا بمحدد الحديد دون مثقله, ودون النار, استدلالًا بما رواخ سعيد بن المسيب عن أبي
الجزء: 12 - الصفحة: 126
هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قود إلا بالسيف".
وروي عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا قود إلا بحديدة".
وروي أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه حرق قومًا بالنار ادعوه إلها فقال له ابن العباس: لو كنت أن لم أقتلهم إلا بالسيف, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يعذب بالنار إلا رب النار", ولأن استحقاق القتل يمنع من استيفائه بغير السيف كالمرتد وكالقاتل بالسيف, ولأن تقويت النفوس المباحة لا يجوز إلا بالمحدد كالذبائح, مع أن نفوس الآدميين أغلظ حرمة من نفوس البهائم.
ودليلنا قوله تعالى" ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]
وقال تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه".
وروى أنس أن رجلًا من اليهود شدخ رأسه جارية من الأنصار فقتلها, وأخذ من حليها, فأمر به رسول الله فشدخ رأسه بين حجرين حتى قتل, ولأن كل آله قتل مثلها جاز استيفاء القصاص بمثلها الكسيف.
ولأن القصاص موضوع للماثلة وهي معتبرة في النفس فكان أولى أن تعتبر في ألة القتل.
ولأن القتل مستحق لله تعالى تارة للآدميين تارة, فلما تنوع في حق الله تعالى نوعين بالحديد تارة, وو بالمثقل في رجم الزاني المحصن, وجب أن يتنوع في قوق الآدميين نوعين بمثقل وغير مثقل.
وتحريره قياسًا: أحد القتيلين فوجب أن يتنوع استيفاء نوعين كالقتل في حقوق الله تعالى.
فأما الجواب عن قوله: "لا قود إلا بالسيف".
وقوله: "إلا بحديدة", فمحمول على القتل إذا كان بسيف أو حديدة, ورواية ابن عباس: "أن لا يعذب بالنار إلا رب النار" فوارد في غير القصاص, لأن القصاص مماثلة ليس بعذاب, وإنما هو استيفاء حق, وكذا الجواب عن قياسهم على قتل المرتد.
وأما قياسه على الذبائح مع فساده يرجم الزاني المحصن فالمعنى فيه: أن المماثلة غير معتبرة فيه, وأن المحل الذبح معين, فجاز أن تكون الآلة معينة, ولما اعتبرت المماثلة بمحل الجناية اعتبرت بمثل آلتها.
الجزء: 12 - الصفحة: 127
فصل:
فإذا ثبت اعتبار المماثلة في القصاص بكل ما يقتل بمثله, فهو على العموم بكل ما قتل, إلا بثلاثة أشياء:
أن يقتل بالسحر, أو باللواط, أو يسقي الخمر, فلا يقتل بالسحر وإن قتل ولا يقتل باللواط وإن لاط به, ولا يقتب بسقي الخمر وإن سقاه, ويعدل إلي قتله بالسيف.
وحكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه يقتل في قتل اللواط بإيلاج خشبة, وفي سقي الخمر بسقي الخل, وهذا فاسد, لأنه لما تعذرت المماثلة لحظرها على الفاعل والمفعول به, ولم يكن في العدول عنها مماثلة, كان السيف أحق, فأما إذا قتل بالسم المهري احتمل القصاص بمثله وجهين:
أحدهما: جوازه اعتبارًا بإمكانه.
والثاني: لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أنه لا يمكن غسله, كذلك وهو حق لله تعالى علينا.
والثاني: أنه ربما تعدى ذلك إلي من باشر غسله وتكفينه.
فصل:
نبدأ بما بدأ به المزني من حرقه بالنار, فيكون الولي بالخيار بين أن يعدل عن حرقه بالنار إلي قتله بالسيف, فله ذاك؛ لأنه أوجى وأسل, فيضرب عنقه, ولا يعدل عنه, فإن عدل عن العنق إلي غيره من جسده أساء وغرر, وقد استوفي قصاصه, وإن أراد أن يقتص منه بإحراقه بالنار كان له, وروعي ما فعله الجاني من إحراقه فإنه على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد ألقى عليه نارًا, فيكون الولي بالخيار بين أن يلقى عليه النار حتى يموت وبين إلقائه في النار, لأنه أوجى.
والثاني: أن يكون قد ألقاه في النار, فلوليه أن يلقيه في النار, وليس له أن يلقى عليه النار, لأنه أغلظ عذابًا, وإذا ألقاه في النار كان له أ، يلقيه في مثلها, وما هو أكثر منها, وليس له أن يلقيه فيما هو أقل منها, لأنه أغلظ عذابًا, كما لو لو قتله بسيف, كان له أن يقتله بمثله وما هو أمضى, وليسه له أن يقتله بما هو أقل, ويخرج من النار إذا مات قبل أن يشوي جلده, ليمكن غسله وتكفينه, ولا تماثل بالمحرق إن أكلته النار لما علينا من استيفاء جسده في حقوق الله تعالى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات أعطي
الجزء: 12 - الصفحة: 128
وليه حجرًا مثله فقتله به, وقال بعض أصحابنا, إن يمت من عدد الضرب قتل بالسيف".
قال الماوردي: إذا قتله بحجر يقتل مثله في الغالب على ما قدمناه وجب عليه القود بمثله, وكان لوليه الخيار إن شاء عدل إلي الاقتصاص منه بالسيف, لأن أوجى, وإن شاء رماه بحجر مثله في مثل الموضع الذي رماه من بدن المقتول إن كان في الرأس رماه على رأسه, وإن كان في الظهر رماه على ظهره, وإن كان في البطن رماه على بطنه, ولا يعدل عن موضع الرمي إلي غيره, فإن رماه بمثل ما رمى فمات فقد استوفي حقه, وإن لم يمت ففيه قولان:
أحدهما: يوالي رميه بالحجر ويكرره حتى يموت أن ينتهي إلي حالة يعلم قطعًا أنه يموت منها, ولا تطول حياته بعدها, فيمسك عنه كما يمسك عن المضروب العنق إذا بقيته فيه حياة, ولو قتله برميه حتى يموت كان له وجه كالزاني.
والثاني: أن يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى, لأن السيف أوجى, وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها, فإن ضربه ذلك العدد فلم يمت كان على قولين: أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قتله بالسيف إذا لم يمت من رميه بمثل ما رمى, لأن السيف أوجى, وهكذا لو كان قد ضربه بعصا حتى مات ضرب بمثلها وبمثل عددها, فإن ضربه ذلك العدد فل يمت كان على قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل إلي قته بالسيف, ولو ألقاه من جبل حتى تردى فمات, من جدار أو سطح دار وأراد الولي قتله فعل, وإن أراد إلقاءه من مثل ذلك الموضع فعل, فلم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يوالي عليه الضرب حتى يموت.
والثاني: يعدل به إلي قتله بالسيف, فلو ألقاه من جدار فتلقاه رجل من الأرض بسيفه فقده نصفين روعي مدى العلو, فإن كان مما يجوز أن يعيش من ألقى منه فالمستقبل له بسيفه هو القاتل, وإن كان ذلك المدى بعيد لا يجوز أن يعيش من ألقى منه ففيه وجهان:
أحدهما: أن الملقي هو القاتل, لأنه بإلقائه كالموجاء.
والثاني: أن المستقبل له بالسيف هو القاتل, لمباشرة التوجئة.
مسألة:
قال مزني: "هكذا قال الشافعي رحمه الله في المجوس بلا طعام ولا شراب
الجزء: 12 - الصفحة: 129
حتى مات إنه يحبس فإن لم يمت في تلك المدة قتل بالسيف".
قال في الحاوي: أما إذا أراد الولي أن يعدل عن حبسه إلي قتله بالسيف كان له, ليس في اختلاف المحابس زيادة, ثم لا يخلو حاله إذا حبس من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أنه يموت كأنه قد حبس المقتول عشرة أيام مات فيها, فحبس هو فمات في خمسة أيام, فالواجب إخراجه ليواري ويدفن, ولا يترك بقية بالمدة فيتغير لحمه.
والثانية: أن يموت في مثلها فقد تساويا في المدة والتلف.
والثالثة: أن يحبس مثل تلك المدة فلا يموت فيها ففيه قولان:
أحدهما: يستدام حبسه حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف بعد انقضاء المدة.
فصل:
فإن حبسته في بيت مفعى فنهشته أفعى فمات نظر, فإن كانت أفاعيه تغيب عنه وتعود إليه فلا ضمان عليه, وإن كانت مقيمة فيه نظر حال البيت, فإن كان واسعًا يزيد على طول الجبة ومنتهى نفخها فلا ضمان عليه, لتمكنه من البعد عنها إذا قربت, وإن كان ضيقًا يقصر عن طولها ومدى نفخها روعي البيت, فإن كان فيه كوى ونقاب تتسرب فيه الأفاعي فلا ضمان عليه, لأن من عادة الأفعى أن تغيب عن مشاهدة الإنسان, وإن كان مسلمًا لا كوة فيه ولا نقبل فعليه ضمان ديته, ولا قود عليه في نفسه, لأنه كعمد الخطأ إلا أن نهشته الأفعى بيده وهي من الأفاعي القاتلة بيجب عليه القود واختلف أصحابنا فيما يقاد به على وجهين:
أحدهما: يقاد بالسيف؛ لأن الأفاعي غير متماثلة ولا نهشاتها متساوية.
والثاني: أن يقاد بإنهاش الأفعى له, فإن كانت تلك الأفعى موجودة لم يعدل إلي غيرها, وإن فقدت التمس مثلها, فإن نهشته فمات فقد استوفي, وإن لم يمت فعلى قولين:
أحدهما: يعاد عليه نهشها حتى يموت.
والثاني: يقتل بالسيف.
فأما إذا حبسه في بيت مع سبع حتى افترسه فهذا قاتل, لأن ضراوة السبع طبع لا تزول في الأغلب, وفي القود منه بإضرار السبع عليه وجهان, على ما ذكرنا في نهشه الأفعى لعدم التماثل في الجناية والقود, ويمنع السبع من أكل لحمه بعد قتله لحرمته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وكذا قال لو عرفه في الماء وكذلك يقليه في مهواة في
الجزء: 12 - الصفحة: 130
البعد أو مثل سدة الأرض وكذا عدد الضرب بالصخرة فإن مات وإلا ضربت عنقه فالقياس على ما مضى في أول الباب أن يمنعه الطعام والشراب حتى يموت كما قال في النار والحجر والخنق بالحبل حتى يموت إذا كان ما صنع بع من المتلف الوحي".
قال في الحاوي: وهو صحيح مولى الغريق بالخيار بين قتل المغرق بالسيف لأنه أوجى وبين تغريقه؛ لأن المماثلة في التغريق ممكن, ويجوز أن يغرقه في ذلك الماء وفي غيره, فإن غرقه في ماء ملح كان له أن يغرقه في ماء الملح وفي العذب؛ لأن العذب اسهل, وإن غرقه في العذب لم يجز أن يغرقه في الملح, لأنه أشق, وإن كان يححسن العوم ربط حتى لا ينجو منه ثم يخرج بعد موته حتى يصلي عليه ويواري, سواء فعل ذلك بالغريق الأول أو لم يفعل, فإن كان في مالء من حيتانه ما يأكل غرقًا, فإن لم يأكل الحيتان الغريق الاول لم يلق المقتص منه إلا في ماء يؤمن ان يأكله حيتانه, وإن أكلته الحيتان ففي جواز إلقائه فيه لتأكله حيتاه وجهان إذا اقتصرت الحيتان على إفاتة نفسه دون استهلاك جسده, فإن استكلته لم يجز لوجوب حق الله تعالى في مواراة جسده.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع يديه ورجليه فمات فعل به الولي ما فعل بصاحبه فإن مات وإلا قتل بالسيف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح ولي المقطوع يداه ورجلاه إذا سرت إلي نفسه بالخيار بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يضرب عنقه, فيجوز له ذلك باتفاق, لأن النفس يقتص من تلفها بالسراية كما يقتص من تلفها بالتوجيه.
والثانية: أن يقتص من يديه ورجليه ويعفو عن القصاص في النفس فيجوز, لأن لما كان الاقتصاص منها مع عدم السراية كان مع السراية أولى, فإن اقتص وعفا عن النفس إلي الدية لم يستحقها, لأنه قد استوفي بقطع اليدين والرجلين أكثر منها, وهذا من المواضع النادرة التي يجوز أن يقتص فيها من النفس ولا يملك ديتها, وقال أو حنيفة: إذا عفا عن النفس بعد الاقتصاص من الطرف لزمته دية الأطراف, استدلالًا بأن الأطراف تبع للنفس, فإذا سقط بالعفو القصاص في النفس التي هي أصل سقط في الأطراف التابعة لها, لأن القصاص لا تبعض فصار آخذًا لها بغير قصاص, فلزمه ديتها, ولا دية عليه عند الشافعي للأطراف مع العفو عن النفس.
وبه قال أبو يوسف, ومحمد.
ودليلنا هو أن ما لم يضمن من الأطراف إذا اندملت فأولى أن لا يضمن إذا سرت,
الجزء: 12 - الصفحة: 131
لأن القصاص في النفس يسقط بالاندمال كما يسقط بالعفو, ولأنهما حقان يستوفي كل واحد منهما إذا انفرد, فجاز مع العفو عن أحدهما أن يستوفي الآخر منهما كالطرفين المختلفين, وكالدين, وإذا جاز ذلك سقط فيه الضمان.
والجواب عن استدلاله بدخول الأطراف في النفس: هو أن حكم كل واحد منهما قد ينفرد عن الآخر فلم يصر بعضًا منه ولا تابعًا له.
والثالثة: أن يقتص من اليدين والرجلين ثم يقتله قصاصًا من نفسه, فيجوز له ذلك عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجمع بين القود في الأطراف والنفس, ويقتص من نفسه دون أطرافه, استدلالًا بأن للطرف بدلين القود والدية, فلما دخلت دية الأطراف في دية النفس, وجب أن يدخل قود الأطراف في قود النفس, لأنه أحد البدلين فأشبه الدية.
ودليلنا: هو أن كل طرف اقتص منه لو انفرد عن النفس جاز الاقتصاص منه وإن اقتص من النفس, كما لو قتل النفس بالتوجئة, كذلك إذا قتلها بالسراية, فإن أبا حنيفة يوافق إذا عاد إليه فذبحه بعد قطع أطرافه أنه يقتص من نفسه وأطرافه, وإنما يخالف في ذهاب النفس بالسراية إلي القصاص فيما يسقط القصاص في الأطراف, وإن كان أبو يوسف يسوي بينهما, ويسقط القصاص من الأطراف فيهما, ثم يقال لأبي حنيفة: إذا لم يسقط القصاص في الأطراف بالتوجئة التي لم تحدث عن الأطراف فلأن لم تسقط بالسراية الحادثة عن الأطراف أولى, ولأن المماثلة في القصاص مستحقة, والأطراف بالأطراف أشبه بالمماثلة من النفس بالأطراف.
والجواب من قياسهم على الدية فساده بالقتل توجئة هو أن القصاص أوسع حكمًا من الدية, لأن الجماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به جميعًا, وإن لم يجب عليه مع العفو إلا دية واحدة.
فصل:
فإذا ثبت أنه يقتص من أطرافه ثم من نفسه فإن للولي أن يستوفي القصاص من النفس وفي جواز مباشرته لقطع الأطراف إذا اتصلت بالنفس وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو انفردت, ويستنيب من يستوفي له القصاص في الأطراف.
والثاني: يجوز لاتصالهما بالنفس أن يستوفيها, وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الجوائف إذا صارت نفسًا, هل يقتص منها أم لا؟ على قولين: فلو كان الجاني حين قطع يد المجني عليه ورجليه جني عليه أجنبي فقطع يديه ورجليه كان للجاني أن يقتص ليديه ورجليه, أو يأخذ ديتهما, ويسقط عنه القصاص فيهما, لعدمهما, وكان ما أخذه من ديتهما إذا اقتص من نفسه خالصاً لورثته, وإن كان قطع يديه ورجليه مستحقًا
الجزء: 12 - الصفحة: 132
لأولياء قتيله, لأنهم استحقوها قصاصًا لا مالًا, وهكذا لو قطع أولياء المقتول يدي الجاني ورجليه قصاصًا ثم جني عليه أجنبي فقتله افتص منه في النفس, فإن عفا عنه كان عليه ما يلزمه من دية النفس, وهو أن ينظر قطع يديه ورجليه في القصاص إن اندملتا كان على ما قابله جميع الدية, وإن لم يندملا كان عليه نصف الدية, تختص بها ورثته, ولا شيء فيها لأولياء قتيله, لاستيفائهم بقطع يديه ورجليه أكثر من دية نفسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو كان أجافه أو قطع ذراعه فمات كان لوليه أن يفعل ذلك به على أن يقتله فأما على أن لا يقتله فلا يترك وإياه.
وقال في موضع آخر: فيها قولان أحدهما هذا والآخر لا نقصه من ذلك بحال لعله إذا فعل ذلك به أن يدع قتله فيكون قد عذبه بما ليس في مثله قصاص.
قال المزني رحمه الله: قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه بالجوائف إذا والى بها عليه حتى يموت كما يوالي عليه بالحجر والنار والخنق حتى يموت.
قال المزني أولاهما بالحق عندي فيما كان في ذلك من جراح أن كل ما كان فيه القصاص أو بري أقصصته منه فإن مات وإلا قتلته بالسيف وما لا قصاص في مثله لم أقصه منه وقتلته بالسيف قياسا على كا قال في أحد قولي في الجائفة وقطع الذراع أنه لا يقصه منهما بحال ويقتله بالسيف".
قال في الحاوي: لا يخلو حال الجرح إذا صار نفسًا من أحد أمرين:
إما أن يكون موجبًا للقصاص إذا انفرد أو لا يوجبه, فإن أوجب القصاص إذا انفرد كالموضحة وقطع الأطراف من مفصل فيجوز أن يقتص منهما ومن النفس بعدها على ما مضى, وإن لم يوجب القصاص إذا انفرد عن النفس فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون موجبًا في الغالب كشدخ الرأس بالحجارة, فيوجب القصاص إذا صار نفسًا, وإن لم يوجبه إذا انفرد؛ لأنه موج في القصاص كما كان موجبًا في الجناية, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتص من اليهودي الذي شدخ رأس الأنصارية بشدخ رأسه.
والثاني: ما كان غير موج كالجائفة والمأمومة وقطع الأطراف من غير مفصل, فإذا صارت نفسًا جاز أن يقتص من النفس.
فأما الاقتصاص من الجوائف وقطع الأطراف من غير مفصل, فإن أراده مع عفوه عن القصاص في النفس, لم يجز, لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن السراية إلي النفس فلم يجز أن يقتص منه كالمنفرد, فإن أراد أن يقتص منه مع الاقتصاص من
الجزء: 12 - الصفحة: 133
النفس ففي جوازه قولان:
أحدهما وهو اختيار المزني لا يجوز, لأنه قد يعفو بعد الاقتصاص منهما عن النفس فيصير مقتصًا فيما لا قصاص فيه.
والثاني: يجوز أن يقتص منها لدخولها في النفس, فخالفت ما انفرد عنها, وليس ما يتوهم من جواز العفو عن النفس مانعًا من دخولهما في حكم النفس؛ لأنه قد يجوز لو أراد القصاص عن نفسه أن يعفو بعد حزّ رقبته بالسيف حزًا لا قصاص فيه, ثم يعفو بعد فعل ما لا قصاص فيه, ولا يمنع هذا التوهم من جواز القصاص في النفس كذلك في الجوائف, وفي هذا انفصال عما احتج به المزني للقول الأول.
فصل:
قال مزني: "قد أبى أن يوالي عليه بالجوائف كما والى عليه بالنار, والحجر والخنق بمثل ذلك الحبل حتى يموت ففرق بين ذلك إذا والى بها عليه ... "
والقياس عندي على معناه أن يوالي عليه الجوائف والكلام على الفرق بين الجمع من وجهين:
أحدهما: أنه يقتص منه بالحجارة إذا صارت نفسًا قولًا واحدًا, وفي الاقتصاص من الجوائف إذا صارت نفسًا قولان:
والفرق بينهما: أن الحجارة موجية فجاز الاقتصاص بها, والجوائف غير موجئة فعدل عنها.
والثاني: أن الحجارة يجوز أن يوالي إلي التلف في أحد القولين, ولا يجوز أن توالي الجوائف إلي التلف قولًا واحدًا.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: ما قدمناه, وأن موالاة الحجارة موج وموالاه الجوائف غير موج.
والثاني: أن للحجارة تأثيرًا إذا أعيدت في مواضعها, ولا يجوز العدول بها إلي غير مواضعها, وإن تأثرت, وبالله التوفيق.
باب القصاص في الشجاج والجراح والأسنان
ومن به نقص أو شلل أو غير ذلك
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "والقصاص دون النفس شيئان جرح يشق وطرف يقطع".
قال في الحاوي: قد مضى القصاص في النفس وهو فيما دون النفس واجب
الجزء: 12 - الصفحة: 134
كوجوبه في النفس, لقول اللع تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة 179] ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة 194] ولقوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأَنفَ بِالأَنفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة 45] فجمعت هذه الآية عموم القصاص فيما استحق من الوجوه الثلاث, وهي القصاص في النفس والقصاص في الأطراف, والقصاص في الجروح, ولا قصاص فيما عداهما, وهي ضربان:
أحدهما: ما أوجب الأرش دون القصاص إما بمقدر كالجائفة أو بغير مقدر كالحارضة.
والثاني: ما لا يوجب أرشًا ولا قصاصًا كالضرب الذي لا أثر له في الجسد, فصارت الجنايات على خمسة أقسام, يجب القصاص منها في ثلاثة, والأرش في أربع, والعفو عنه في الخامس, وفيه يستحق التعزيز أدبًا.
فإذا ثبتت هذه الجملة فالمكافأة في القصاص على ضربين:
أحدهما: في الأحكام.
والثاني: في الأوصاف.
فأما المكافأة في الأحكام فهو اعتبار التكافؤ في الحرية والإسلام, فهذا معتبر في جميع ما يجب فيه القود من الأقسام في النفوس والأطراف والجراح, فإذا منع الرق والكفر من القصاص في النفس منع منه في الأطراف والجراح, فلا يؤخذ حر ولا مسلم بطرف عبد ولا كافر وكذلك في الجراح.
وأما المكافأة في الأوصاف فتقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: في الصحة والمرض.
والثاني: في الزيادة والنقصان.
والثالث: في الصغر والكبر, فلا يعتبر واحد من هذه الأقسام الثلاثة في القصاص من النفس, فيقتص من الصحيح بالمريض, ومن المريض بالصحيح, ومن الكامل بالأقطع, ومن الأقطع بالكامل, ومن السليم بالأشل, ومن الأشل بالسليم, ومن الأعمى بالبصير ومن البصير بالأعمى, ومن الكبير بالصغير, والعاقل بالمجنون , ولا يقتص من الصغير والمجنون بالكبير, ولا بالعاقل, لارتفاع القلم عنهما بالصغر والجنون.
وأما الأطراف فيعتبر في القصاص منها السلامة من النقصان والزيادة, ولا يعتبر فيها الصحة والمرض, ولا الصغر والكبر, فلا يجوز أن تؤخذ اليد الكاملة الأصابع باليد الناقصة الأصابع, ولا اليد الزائدة الأصابع باليد الكاملة حتى يقع التساوي في الزيادة والنقصان وتؤخذ اليد الكبيرة باليد الصغيرة, واليد الصغيرة باليد الكبيرة, واليد الصحيحة باليد المريضة إذا سلمت من شلل, ويأخذ اليد المريضة إذا سلمت من شلل باليد الصحيحة, ولا تؤخذ سليمة بشلاء, وتؤخذ الشلاء بالسليمة إذا رضي مستحق القصاص بها.
الجزء: 12 - الصفحة: 135
وأما الجراح فيعتبر في القصاص فيها الصغر والكبر والزيادة والنقصان, فلا يؤخذ بالصغير إلا صغيرًا, وبالناقص إلا ناقصًا, وبالكبير إلا كبيرًا على ما سنذكره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإذا شجه موضحة فبراء حلق موضعها من رأس الشاج ثم شق بحديدة قدر عضها وطولها فإن أخذت رأس الشاج كله ويبقى شيء منه أخذ منه أرضه".
قال في الحاوي: وإذا قد مضى القصاص في النفس فما دونها ضربان: طرف يقطع بطرف, وجرح يشق بجرح.
فأما القصاص في الأطراف فقد مضى وجوبه, وسيأتي استيفاؤه.
وأما الجراح فقدم الشافعي فيه شجاج الرأس وهي إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين: الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة والدامغة.
فأما الحارصة: فهي التي تحرص جلد الرأس أي تكشطه ولا تدميه, مأخوذ من قولهم حرص القصاص الثوب: إذا شقه.
وتليها الدامية: وهي التي تخدش الجلد حتى يدمى, ولا يجري.
ثم تليها الدامغة: وهي التي يجري دمها كجريان الدموع.
ثم تليها الباضعة: وهي التي تبضع اللحم أي: تشقه.
ثم تليها المتلاحمة, وهي التي تغوص في اللحم, وقد يسميها أهل المدينة الباذلة؛ لأنها تبذل أي يشق فيها اللحم, ويحتمل أن تكون الباذلة بين الباضعة والمتلاحمة, وهي التي تبذل الدم منها فتكون أقوى من الدامغة, لأن دم الباذلة ما اتصل ودم الدامغة ما انقطع, وهذا أشبه بالمعنى والاشتقاق, فيصير الشجاج على هذا انتثي عشرة شجة.
ثم تليها السمحاق وهي التي تستوعب جميع اللحم حتى يصل إلي سمحاق الرأس, وهي جلدة رقيقة تغشي عظم ال {اس, مأخوذة من سماحيق البطن وهو الشحم الرقيق, وغير سماحيق إذا كان رقيقًا وقد يسميها أهل المدينة البلطاء, ومنهم من جعلها بين المتلاحمة والسمحاق فيصير الشجاج ثلاث عشرة شجة.
ثم يليها الموضحة: وهي التي توضح عظم الرأس حتى يظهر ثم تليها الهاشمة: وهي التي تزيد على الموضحة حتى تهشم العظم, أي تكسره, ومنهم من يجعل بين الموضحة والهاشمة شجة تسمى المفرشة, وهي التي إذا أوضحت صدعت الرأس ولم
الجزء: 12 - الصفحة: 136
تهشمه, فيصير شجاج الرأس على هذا أربع عشرة شجة.
ثم يليها المنقلة: وهي التي تزيد على الهاشمة بنقل العظام من مكان إلي مكان.
ثم تليها المأمومة, ويقال لها الأمة: وهي التي تصل إلي أم الدماغ, وهي جلدة رقيقة محيطة بالدماغ, ثم تليها الدامغة, وهي التي خرقت غشاوة الدماغ حتى وصلت إلي مخه.
فهذه إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين منها ستة قبل الموضحة وأربعة بعدها وهي أربع عشرة شجة في قول آخرين, منها ثمانية قبل الموضحة, وخمسة بعدها, وليس فيما قبل الموضحة قصاص, وفيها أرش مقدر إلا المفرشة على قول من زادها ففي الزيادة على الموضحة منها حكومة غير مقدرة.
فأما الموضحة فيجتمع فيها القصاص إن شاء والأرش المقدر إن عدل إليه على ما سنذكره, فصارت الشجاج منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة:
قسم لا قصاص فيه ولا يتقدر أرشه, وهو ما قبل الموضحة, ويجب فيه حكومة على ما سنذكره من حكمها.
وقسم لا يجب فيه القصاص ويتقدر أرضه وهو بعد الموضحة فيجب في الهاشمة عشر من الإبل, وفي المنقلة خمسة عشرة بعيرًا, وفي المأمومة ثلث الدية, ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث, وكذلك في الدامغة, وكتاب أبي العباس بن سريج يجعل الدامغة والمأمومة سواء, ويجعلها الدامغة غير معممة وهي الثالثة التي تلي الدامية, ولقوله وجه, لأنها لو زادت على المأمومة لزادت على أرشها.
وقسم يجب فيه القصاص ويتقدر أرشه وهو الموضحة يجب فيها خمس من الإبل.
فصل:
فإذا أراد القصاص من الموضحة فيقدر اعتبارها من رأس المشجوج فاعتبر فيها ثلاثة أشياء:
أحدهما: موضعها من رأسه هل هي في مقدمه, أو مؤخره, أو عن يمينه, أو عن يساره وفي يافوخه أو هامته, أو قرعته, لاستحقاق المماثلة في محلها, فلا يؤخذ مقدم بمؤخر ولا مؤخر بمقدم ولا يمنى بيسرى, كما لا يؤخذ يمنى اليدين بسراها.
والثاني: أن يقدر ما بين طرفيها طولًا لئلا يزاد عليها أو ينقص منها, لأن الزيادة عليها عدوان والنقص منها بخس.
والثالث: أن يقدر ما بين جانبيها عرضًا؛ لأنه قد يوضح بالشيء الغليظ فتعوض الموضحة ويوضح بالشيء الدقيق فيقل عرضها فيعتبر من موضحه المشجوج لهذه الأمور الثلاثة, ولا يعتبر عمقها, لأن المقصود في الموضحة الوصول إلي العظم فسقط اعتبار
الجزء: 12 - الصفحة: 137
العمق, لأنه قد تغلظ جلدة الرأس من بعض الناس وترق من آخر, فصار عتق الرأس في سقوط اعتباره جاريًا مجرى مساحة الأطراف التي لا تعتبر في القصاص, ثم لا يعدل بعد ذلك إلي الشجاج فيحلق شعر رأسه, سواء كان المشجوج أشعرًا أو محلوقًا؛ لأن المماثلة في استيفاء القصاص لا تتحقق إلا بمعرفة موضعها عن رأس المقتص منه, فيعلم في رأس الشاج ما قدمنا اعتباره من رأس المشجوج, وهو موضعها, وطولها, وعرضها, ويخط عليه بسواد أو حمرة, ويبضع القصاص بالموسى, ولم يضرب بالسيف وإن كان الجاني شج بالسيف؛ لأن ضرب السيف ربما هشم ولا يستوفيه المشجوج بنفسه ويستنيب فيه من يؤمن تعديه, فإن لم يستنيب ندب الإمام مأمومًا ينوب عنه في استيفائه.
فصل:
فإذا تقرر ما يعتبر في الاقتصاص فيها لم يخل حالها من أن تكون في بعض الرأس أو في جميعه.
فإن كانت في بعضه اقتص بقدرها في محلها من رأس الشاج, وإن كانت في جميعه قد أخذت طولًا ما بين الجبهة والقفا, وأخذت عرضًا ما بين الأذنين, لم يخل رأس الشاج والمشجوج من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتماثل رأساهما في الطول والعرض, فاستيعاب القصاص ممكن, فإذا كانت طولًا مابين الجبهة والقفا اقتص من الشاج طول رأسه من جبهته إلي قفاه, واختلف أصحابنا في هذه القصاص على وجهين:
أحدهما: أنه يبدأ به من الموضع الذي بدأ به الجاني, إما من ناحية الجبهة أو القفا ليماثل في الابتداء كما يماثل في الاستيفاء, فإن أشكل رجع إلي الجاني دون المجني عليه.
والثاني: وهو أصح وبه قال جمهور أصحابنا: إن المستوفي له القصاص مخير في الابتداء بأي الموضعين شاء, لأن له أن يقتص من بعضها في أي الموضعين شاء.
والقسم الثاني: أن يكون رأس المشجوج أصغر من رأي الشاج, فيستوفي بمقدارها من رأس الشاج, ويترك له باقي رأسه بعد استيفاء مقدار رأس المشجوج.
مثاله: أن يكون طول رأس الشاج عشرين إصبعًا, وطول رأس المشجوج خمسة عشر إصبعًا, فيقتص من رأس الشاج قدر خمسة عشر إصبعًا ويبقى من رأسه مقدار خمس أصابع لا قصاص عليه فيها, لفضلها بعد استيفاء القصاص, ويكون محل هذا المتروك بناء على ما قدمناه من الوجهين من الابتداء بموضع القصاص.
فإن قيل: بالوجه الأول إنه يبدأ في القصاص بالموضع بداية الجاني نظر, فإن بدأ بمقدم الرأس كان المتروك من مؤخره, وإن بدأ بمؤخره كان المتروك من مقدمه.
وإن قيل: بالوجه الثاني الذي هو أصح أن المقتص له مخير في الابتداء بأي
الجزء: 12 - الصفحة: 138
الموضعين شاء كان بالخيار بين ثلاثة أحوال:
إما أن يستوفي قصاصه من مقدم الرأس, ويترك فاضله من مؤخره, أو يستوفيه من مؤخره, ويترك فاضله من مؤخره, أو يتسوفيه من مؤخره, ويترك فاضله من مقدمه, أو يستوفيه من وسطه ويترك فاضله من مقدمه ومؤخره, فإن أراد أن يستوفيه من طرفيه ويترك فاضله من وسطه لم يجز, لأنه إذا فصل بينهما صارتا موضحتين, ولا يجوز أن يقتص من موضحة بموضحتين, ويجيء على تخريج أبي علي بن أبي هريرة في دية هذا القاتل أن يجوز له ذلك ليجري على كل موضع من الجناية حكم الموضحة, وليس بصحيح, لما ذكرناه من التعليل.
والقسم الثالث: أن يكون رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج.
مثاله: أن يكون طول رأس المشجوج عشرين إصبعًا, وطول رأس الشاج خمسة عشرة إصبعًا, فيستوعب في الاقتصاص طول رأس الشاج, وقدره ثلاثة أرباع الموضحة, فلا يستوفي الربع الباقي من الجبهة ولا من القفا, ولا يخرج من الرأس لأن كل ذلك في غير محل القصاص, كما لا يجوز أن يقتص في موضحة الوجه من الرأس, ولا في موضحة الرأس من الوجه, ويرجع على الجاني بقسط ذلك من أرش الموضحة وهو ربع أرشها؛ لأن الباقي منها ربعها, ولو كان الباقي منها ثلثها رجع بثلث أرشها, وخرج أبو علي بن أبي هريرة احتمال وجه ثانٍ, أنه يرجع عن الباقي منها بجميع أرش الموضحة, لأن أرض الموضحة يكمل فيها قل منها وكثر, وهذا فاسد, والفصل فيها أن اسم الموضحة ينطلق على صغيرها وكبيرها, فاستوي الأرش في جميعها, ولا ينطلق على الباقي من هذه الموضحة اسم الموضحة, وإنما ينطلق عليه اسم بعضها فلم يستحق فيه إلا بعض أرشها وهكذا لو كانت موضحة المشجوج بين قرني رأسه, وكان ما بين قرني رأس الشاج أضيق لم يجز أن يعدل بعد استيفاء ما بين القرنين إلي ما يجاوزهما.
وإن كان من جملة الرأس, لخروجه عن محل القصاص ورجع بقسطه من أرش الموضحة.
فصل:
فإذا استوفي القصاص على ما ذكرنا لم يعتبر بعد الاقتصاص اختلاف الشجتين قبل الاندمال, فلو اندمل جرح المشجوج شائنًا ظاهر العظم غير ملتحم الجلد واندمل جرج الشاج حسنًا قد تغطى لحمه والتحمه جلده فلا شيء للمشجوج في زيادة الشين لأن حقه كان في القصاص وقد استوفاه.
وكذلك لو انعكس فكان الشين في جراحة الشاج دون المشجوج, وكانت زيادة الشين هدرًا كما تكون سرايتها هدرًا, فلو تجاوز مستوفي القصاص مقدار الموضحة, وأحذ أكثر منها من رأس الشاج كان عليه القصاص في الزيادة إن عمد, وأرش الموضحة كاملة إن أخطأ, وهذا بخلاف الباقي من موضحة المشجوج حيث رجع من أرشها بقسط الباقي منها.
الجزء: 12 - الصفحة: 139
والفرق بينهما: أن مجاوزة القصاص إلي الزيادة لما أوجب اختلاف الحكم في المستحق والعدوان تميزًا, فصارت كل واحدة منهما موضحة غير الأخرى, فلذلك كمل أرشها وما نقص عن استيفاء لم يختلف حكمه في الاستحقاق والعدوان فلم يتميز, وصار موضحة واحدة فرجع بقسط باقيها من أرشها, فإن كانت الزيادة من اضطراب المستوفي منه عند القصاص كانت هدرًا, فلو اختلفا والحال مشتبه كان القول قول المستوفي؛ لأن الأصل براءة ذمته, ويحتمل وجهًا ثانيًا من المقلوف إذا قطع واختف في وجود جناية عند القطع أن يكون القول قول المستفاد منه إذا قيل في الملقوف أن القول قول وليه, وإن كان الفرق بينهما لائحًا, فلو كانت موضحة المشجوج قد وضح وسطها حتى تبرز العظم وتلاحم طرفاها حتى بقي عليه اللحم وجب القصاص فيما وضح عن العظم, والأرش دون القصاص فيما تلاحم من الطرفين, لأن المتلاحمة لما سقط فيها القصاص إذا انفردت سقط فيها إذا اتصلت بالموضحة وكانت حكومتها أقل من قسطها وأرش الموضحة لنقصانها عن حكم الموضحة.
فصل:
وإذا أوضحه موضحتين وأكثر, كان المشجوج مخير فيها بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعفو عن الاقتصاص عن جميعها إلي الدية, فيستحق في كل موضحة أرشًا, كما يستوي فيه أرش ما صغر منها وما كبر, وسواء تقاربت أو تباعدت.
والثانية: أن يقتص من جميعها فيقاد في يوم واحد إن شاء أو في أيام شتى إلا أن يخاف على نفس الشاج إن اقتص من جميعها في يوم واحد, إما المرض أو شدة حر أو برد فلا يجمع عليه بين الاقتصاص من جميعها ويقتص من واحدة, فإذا اندملت اقتص من غيرها, وهكذا لو كانت الموضحة واحدة قد استوعبت طول الرأس وعرضه وخيف على نفسه إن اقتص من جميعها في يوم واحد جاز أن يفرق الاقتصاص منها, ويستوفي في وقت بعد وقت, ولو قيل: يستوفي الموضحة الواحدة في وقت واحد وإن خيف منها كما يقطع اليد قصاصًا وإن خيف منها كان لو وجه.
والثالثة: إن يقتص من بعضها ويعفو إلي الدية عن باقيها, فيكون مخيرًا في الاقتصاص من أيهما شاء من صغير وكبير شائن, ويرجع بأروش باقيها متساوية على أعدادها, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذا كل جرح يقتص منه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, والجراح ما كان في الجسد, والشجاج ما كان في
الجزء: 12 - الصفحة: 140
الرأس, وقد مضى حكم الشجاج في الرأس وأنه ينقسم إلي ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه القصاص, وأرش مقدر وهو الموضحة.
وقسم لا قصاص فيه ويجب فيه مقدر وهو ما فوق الموضحة, وهذا حكم شجاج الرأس وكذلك إذا كان في الوجه واللجين يكون في حكم شجاج الرأس وإن كان جرحًا, ويصير الوجه والرأس في حكم الشجاج والجراح, سواء يجب القصاص في موضحة الوجه والمقدر من الأرش فيجب في موضحة الوجه خمس من الإبل, وفي هاشمته عشر من الإبل, وفي منقلته خمس عشرة من الإبل.
فأما جراح البدن فتنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه مقدر ولا يجب فيه القصاص, وهو الجائفة الواصلة إلي الجوف, لا قصاص فيها, وفيها ثلث الدية.
وقسم لا قصاص فيه ولا مقدر وهو ماعدا الموضحة والجائفة من الباضعة والمتلاحمة؛ لأن ما لا يجب فيه من الرأس والوجه قصاص ولا مقدر فأولى أن لا يجب فيه من البدن قصاص, ولا مقدر, لشرف الرأس والوجه على جميع البدن, وأن الشين فيهما أقبح من الشين في سائر البدن.
والقسم الثالث: ما يجب فيه من القصاص ولا يجب فيه المقدر وهو الموضحة إذا كانت في ذراع أو عضد أو ساق أو فخذ يجب فيها القصاص لإمكانه كالرأس, وتجب حكومة ولا تحب فيها مقدر بخلاف الرأس لما ذكنراه من شرف الرأس وضبح شينه, هذا مذهب الشافعي ومنصوصه.
وقال كثير من أصحابه: لا قصاص في موضحة البدن, لأنها لما خالفت موضحة الرأس في الأرش المقدر خالفتها في القود, وهذا فاسد مذهبًا وحجاجًا.
أم المذهب فقول الشافعي في كتاب "الأم": إن الموضحة إذا كانت على الساق لم تصعد إلي الفخذ ولم تنزل إلي القدم, وإن كانت على الذراع لم تصعد إلي العضد ولم تنزل إلي الكتف.
وأما الحجاج: فهو: أنه لما كان في البدن جرح مقدر وهو الجائفة وجب أن يكون فيها مايوجب القصاص وهو الموضحة كالرأس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرحه فلم يوضحه منه أقص منه بقدر ما شق من الموضحة فإن أشكل لم أقد إلا مما أستيقن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن ما تقدم موضحة الرأس من الشجاج الستة وهي
الجزء: 12 - الصفحة: 141
الحارصة والدامية, والدامغة, والباضعة, والمتلاحمة والسمحاق, لا قصاص فيها, لأمرين:
أحدهما: أن مورها في اللحم وقصورها عن حد العظم يمنع من التماثل لعدم الغاية فيه كالجائفة.
والثاني: إن إثبات القصاص فيما دون الموضحة ينقص إلي أن يصير الاقتصاص منها موضحة لاختلاف الحلقة في جلدة الرأس لأنها تغلظ من قوم وترق من آخرين ولابد في الاقتصاص من تقدير عمقها حتى لا يتجاوز, وقد يكون عمقها من رأس المشجوج يبلغ إلي الموضحة من رأس الشاج, فنكون قد اقتصصنا من المتلاحمة بالموضحة وهذا غير جائز, فلهذين المعنيين سقط القصاص فيما دون الموضحة, هذا مذهب الشافعي, ومقتضى أصوله, وما نص عليه في كتاب "الأم" وغيره, وقال في كتاب "حرملة": لأن ذلك في لحم, غير أن المزني نقل عنه في هذا الموضع: "ولو جرحه فلم يوضحه اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة", وظاهر هذا يقتضي وجوب القصاص فيما دون الموضحة, فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه وهم من المزني في نقله؛ لأن الشافعي لم يذكره في شيء من كتبه, وهذا لا وجه لأن المزني أضبط من نقل عن الشافعي وأثبتهم رواية.
والثاني: أن هذا محمول على قول ثان, فيكون القصاص فيما دون الموضحة على قولين.
والثالث: أنه ليس بقول ثان بخلاف نصه في جميع كتبه, وإنما هو محمول على استيفائه إذا أمكن, وهذا قول أبي إسحاق المروزي, وأبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا, فإن لم يكن فلا قصاص, وليس يمكن استيفاء القصاص منه إلا على وجه واحد, وهو أن يكون الشاج قد جرح المشجوج موضحة ومتلاحمة فينظر عمق المتلاحمة نصف أنملة علم أن المتلاحمة من رأسه هي نصف موضحة, فيقتص من رأس الشاج موضحة وينظر عمقها فإن كان أنملة فقد استوفي في عمق جلدة الرأس, فإذا أردنا الاقتصاص من المتلاحمة بعد الموضحة اقتص إل نصف أنملة من جلد رأسه, وإن كان رأس الشاج أرق جلدًا أو لحمًا وكان عمق موضحته نصف أنملة اقتص من متلاحمته ربع أنملة ليكون نصف موضحة كما كانت من المشجوج نصف موضحة, لا يمكن الاقتصاص منها إذا لم ينضم إليها موضحة في الجناية على المشجوج والقصاص من الشاج, وإذا تقدرت المتلاحمة في القصاص إما بالنصف على ما مثلناه, أو بالثلث إن نقص, أو بالثلثين إن زاد تقدر أرشها بقسطها من أرش الموضحة من نصف أو ثلث أو ثلثين, وإذا لم يتقدر المتلاحمة من الموضحة في القصاص لم يتقدر أرشها وكان فيها حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده كما يقدر حكومات سائر الجراح الذي
الجزء: 12 - الصفحة: 142
لا قصاص فيه ولادية على ما سنذكره.
وحكي أبو حامد الإسفراييني عن أبي إسحاق المروزي ولم أره في شرحه: أنه إذا أشكل مور المتلاحمة ولم يتحقق قدر عمقها اعتبر ما يتيقن قدر مورها, وما يشك فيه وجمع بينع وبين تقويم الحومة ليعتبر بيقين المور صحة التقويم في الحكومة ويعتبر بتقويم الحكومة حكم الشك في المور, فإذا تيقنا أن مور المتلاحمة نصف عمق الموضحة وشككنا في الزيادة عليه اعتبرنا تقويم الحكومة, فنجده لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون قدر نصف أرش الموضحة فيتفقان في وجوب النصف ويدل كل واحد منهما على صحة الآخر, ويكون الشك في زيادة المور مطرحًا بالتقويم.
والثاني: أن يكون تقويم الحكومة أكثر من نصف أرش الموضحة فيوجب ما زاد على نصف الأرش, ويكون التقويوم دليلًا على أن ما شككنا فيه من زيادة المور على النصف, قد صار بالتقويوم معلومًا.
والثالث: أن يكون تقويم الحكومة أقل من النصف ويستدل بيقين المورة على أن تقويم الحكومة خطأ, لأن اليقين لا يتغير بالاجتهاد ويستفاد بالتقويم إسقاط الشك فيما زاد على النصف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتقطع اليد باليد والرجل بالرجل من المفاصل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا وجوب القصاص في الأطرف كوجوبه في النفوس؛ لأن الأطراف مفاصل يمكن المماثلة بها, فإذا قطه يده فله خمسة أحوال:
أحدها: أن يقطعها من مفصل الكوع فيقتص منها, وإن اختلفا في الصغر والكبر, والصحة والمرض إذا كانت سليمة من نقص أو شلل, فيقتص من الكبيرة بالصغيرة, ومن القوية بالضعيفة ومن ذات الصنعة والكتابة بغير ذات الصنعة والكتابة, كما يجري مثله في النفوس, ولا تؤخذ سليمة بشلاء, ولا كاملة بناقصة على ما سنذكره بعد.
والثانية: أن يقطعها من نصف الذراع فيقتص من كف القاطع ولا يقتص من نصف ذراعه لأمرين:
أحدهما: لأنه لا مفصل فيها فيستوفي وربما وقع التجاوز فيه.
والثاني: أنه قد ينشظا العظم إذا قطع ولا يتماثل في القاطع والمقطوع فإن قيل: قد وضعتم القطع في القصاص في غير موضع القطع من الجناية وليست هذه مماثلة قلنا: لما تعذرت المماثلة في موضع الجناية كان العدول إلي ما دونها إذا أمكنت لدخولها في الجناية, فإذا اقتص من كف الجاني أخذت منه حكومة في نصف الذراع لا يبلغ بها دية
الجزء: 12 - الصفحة: 143
الكف, ولو عفا المقطوع عن القصاص أعطى نصف الدية في الكف وحكومة هي أقل منها في نصف الذراع.
والثالثة: أن يقطعها من مفصل المرفق فيقتص من جميعها, ويقطع الجاني من مرفقه؛ لأنه مفصل لا يمكن فيه المماثلة, فإن عدل إلي الدية أعطى نصف الدية في كف وحكومة في الذراع, ولو طلب القصاص من الكف وأرش في الذراع في المرفق لم يجز بخلاف المقطوع من نصف الذراع, لأنه إذا أمكن في القصاص وضع السكين في محلها لم يجز أن يعدل بها عن محلها.
والرابعة: أن يقطع يده من المنكب فيقتص منها في المنكب, لأنه مفصل, فإن طلب القصاص من الكف أو المرفق وحكومة في الزيادة لم يجز لما ذكرنا, وإن عفا عن القود إلي الدية أعطي نصف الدية في الكف وحكومة في الذراع, والعضد يكون أقل من نصف الدية, فلو كان قد أجافه حين قطع يده من الكف لم يقتص من الجائفة, وأعطى أرشها ثلث الدية بعد الاقتصاص من المنكب.
والخامسة: أن يقطع يده من نصف العضد فيجب بالقصاص من المرفق لإمكانه فيه وتعذره في نصف العضد كما قلنا في قطعها من نصف الذراع, فإن طلب القصاص من الكف وأخذ حكومة في الزيادة أجيب, ويكون في القصاص مخيرًا بين أن يقتص من المرفق, لأنه أقرب إلي محل الجناية وبين أن يقتص من الكف للفرق بينهما بأن ما أمكن وضع السكين في القصاص في موضعها لأنه أقل وخالف الجناية من المرفق حيث لم يجز أن يقتص فيها من الكف في الجناية لم يجز العدول عنه, وإذا لم يمكن جاز وضعها فيما قرب منها, وإذا جاز وضعها في الأكثر جاز وضعها في الأقل.
فصل:
وهكذا القصاص في الرجل تنقسم على هذه الأحوال الخمس, فإن كانت من القدم اقتص منها, فتؤخذ القدم الكبيرة بالصغيرة, والماشية بغير الماشية, والصحيحة بالمريضة والمعتدلة بالعرجاء, والمستقيمة بالحتفاء فإن كانت في نصف الساق اقتص من القدم وأعطى حكومة في نصف الساق, وإن كانت من الركبة اقتص منها, لأنها مفصل, وإن كانت من نصف الفخذ اقتص من الركبة, فإن سأل من القدم أجيب وإن كانت من الورك اقتص منها, فإن سأل القصاص من الركبة والقدم لم يجب إليه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والأنف بالأنف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: القصاص في الأنف واجب بالنص, فإذا جدع أنفه من العظم حتى استوعب جميع مارنه اقتص منه بمثله, وقطع جميع مارنه ويقتص من أنف
الجزء: 12 - الصفحة: 144
الشام بأنف الأخشم, ومن الكبير بالصغير ومن الأقنى بالأفطس, ومن الصحيحة بالخرماء إذا لم يذهب بالخرم منها شيء, فإن قطع أنفه من نصف المارن اقتص من نصف مارنه, بخلاف القاطع من نصف الذراع, لأن في الذراع عظمًا يمنع من مماثلة القصاص ومارن الأنف ليس يمكن فيه القصاص, فلو قطعه من نصف العظم صار حينئٍذ كالقاطع من نصف الذراع فيقتص له من حد العظم ويستوعب به جميع المارن, ويعطي حكومة فيما قطع من العظم, فلو أوضح عن العظم ولم يقطعه أخذ منه دية موضحة, ولو هشمه أخذ منه دية هاشمة, ولو نقله أخذ منه دية منقلة, وفي حكومة قطع أكثر من دية منقلة, وإذا قطع أحد شقي أنفه اقتص منه؛ لأن حاجز المنخرين حد ينتهي القصاص إليه, ولو قطع حاجز المنخرين اقتص منه إلي الحد الذي قطعه لإمكان الاقتصاص من جميعه, ولو ضرب أنفه فاستحشفت لم يقتص منه وكان له الدية, كما لو ضرب يده فشلت, ويحتمل أن يتخرج قيه قول آخر من استحشاف الأذن أنه له حكومة, ولو كسر أنفه مجبرة أعطى حكومة ولا قود له, فلو انجبر معوجًا كانت الحكومة أكثر منها لو انجبر مستقيمًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والأذن بالأذن".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب, لأن للأذن حدًا يتميز به عما سواه, فيقتص من أذن السميع بأذن الأصم, لأن محل السمع في غير الأذن, ويقتص من الكبيرة بالصغيرة, ومن الصحيحة بالمثقوبة ثقب فرط أو شنف, فأما المخرومة فإن لم يذهب بالخرم منها شيء اقتص بها من الصحيحة, فإذا أذهب الخرم شيئًا منها قيل للأخرم: إن شئت القصاص قطعنا لك من أذن الجاني إلي موضع خرمتك وأعطيناك دية ما بقي منها بعد الخرم وإن شئت أعطيناك دية الأذن, ولو قطع بعض أذنيه اقتص من أذن الجاني بقدره لإمكان الاقتصاص منه, ولو قطع أذنه فذهب منها سمعه اقتص من أذنه ولم يقتص من سمعه لتعذره, ولو ضرب أذنه فاستحشفت ويئست لم يكن فيها قصاص كاليد إذا شلت, وفيما يجب فيها قولان:
أحدهما: ديتها كشلل اليد.
والثاني: حكومة, لأن شلل اليد يذهب منافعها في القبض والبسط, وليس كذلك في استحشاف الأذن, فإن قطعت بعد استحشافها كان فيها حكومة ولا تنقص الحكومتان عن دية الأذن ويجوز أن يكونا أكثر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والسن بالسن كان القاطع أفضل طرفًا أو أدنى ما
الجزء: 12 - الصفحة: 145
لم يكن نقص أو شلل".
قال في الحاوي: وهذا نص الكتاب في السن لتمييزه عن غيره فيجوز القصاص فيه في الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس, فيقتص بها إذا أقلعت بمثلها من أسنان الجاني, فيقلع من أسنانه مثل ما قلع, فيقتص من البيضاء بالسوداء والخضراء, ومن الشاب بسن الشيخ, ومن القوية بالضعيفة, ومن الكبيرة بالصغيرة, ومن المشتدة بالمتحركة, إذا كانت منافعها باقية, ولا قود في السن الزائدة إلا أن يكون للجاني مثلها في مثل موضعها فيقتص منها, فإن كسر سنه وأمكن أن يسكر سن الجاني مثل كسره اقتص منه, وإن لم يكن فلا قصاص, وكان عليه دية السن, وهي خمس من الإبل بقسط ما كسر منها من نصف أو ثلث أو ربع ويكون بقسطه على ما جرح في اللثة وظهر منها, وإن كان لو قطعها من أصلها يجب فيها أكثر منها, كما لو قطع أصابع كفه وجب فيها ديته, ولو قطعها مع الكف لم يجب فيها أكثر منها, ولا تؤخذ ثنية برباعية ولا ناب بضرس ولا يمنى بيسرى, ولا عليا بسفلى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان قاطع اليد ناقصًا إصبعًا قطعت يده وأخذ منه أرش أصبع".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو كف القاطع والمقطوع من أربعة أحوال:
أحدهما: أن تكونا كاملتي الأصابع.
والثاني: أن تكونا ناقصتي الأصابع.
والثالث: أن تكون كف المقطوع كاملة وكف القاطع ناقصة.
والرابع: أن يكون كف المقطوع ناقصة وكف القاطع كاملة, فإن استويا في الكمال والنقص جرى القصاص بينهما في الكاملة بالكاملة والناقصة بالناقصة إذا كان النقص فيهما متساويًا, وإن كانت يد المقطوع كاملة الأصابع ويد القاطع ناقصة إصبعًا فهي مسألة الكتاب, وله أن يقتص من كفه الناقصة ويأخذ منه دية الأصبع التي نقصت.
وقال أبو حنيفة: يقتص من كفه الناقصة بكفه الكاملة ولا شيء له في الإصبع الناقصة, احتجاجًا بأنه لما لم يعتبر في قود النفوس نقصان الأطراف لدخولها في النفس لم يعتبر في قصاص الأطراف ما تخللها من نقص, ولأنه لما كان أخذ الشلاء بالسليمة أذا رضي بها المقطوع لا يوجب الرجوع بنقص الشلل كذلك أخذ الناقصة بالكاملة لا يوجب الرجوع بأرش النقص, ولأن القصاص يوجب وضع السكين من القاطع في موضعهما من المقطوع وقد فعل ذلك في الكف الناقصة فصار مستوفيًا للحق.
الجزء: 12 - الصفحة: 146
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل 126] والمثل مثلان: مثل في الخلقة, ومثل في القيمة, وليست الكف الناقصة مثلًا في الخلقة ولا مثلًا في القيمة فلم تكافيء ما فضلت عنها في الخلقة والقيمة, وإذا عدم مثل الخلقة في الناقصة أوجب العدول إلي مثلها في القيمة وهي الدية, ولأن كل عضو أخذ قودًا إذا كان موجودًا أخذت ديته إذا كان مفقودًا كما لو قطع أصابعه وكان للقاطع بعضها, ولأن المقطوع مخير بين القصاص والدية, فلما لم يؤثر نقصان كفه في نقصان الدية لم يؤثر نقصانها في نقصان القصاص.
فأما جمعه بين النفوس والأطراف فقد تقد الفرق بينهما, وأما اعتباره بالشلل فلا يصح, لأن الشلاء تامة الأصابع ناقصة المنافع, وهذه ناقصة الأصابع والمنافع فافترقا, وأما اعتباره بوضع السكين, في موضعهما من المقطوع, فإن استويا في الوضع فقد اختلفا في التمام فلم يجز أن يستوفي الناقص بالتام.
فصل:
وإن كان كف المقطوع ناقصة الأصابع وكف القاطع كاملة الأصابع لم يقتص من كفه الكاملة بكف ناقصة, ويلزم أبا حنيفة أن يقول بهذا كما قاله في نقصان كف القاطع وكمال كف المقطوع, فإن قاله فقد جرى فيهما على قياس, وإن لم يقله فقد ناقض ومذهبه في الموضعين مسمى على القياس.
فإذا كانت كف المقطوع ناقصة إصبعًا سقط القصاص في كف القاطع لزيادة أصبعه التي لا قصاص فيها ولا يمكن استيفاؤها مع قطع الكف, فوجب استيفاء الكف بها لحفظ الإصبع الزائدة, واقتص من أصابعه التي للمقطوع مثلها, واستبقى للقاطع الإصبع التي فقدت من المقطوع, وأخذ منه أرش الكف المستبقاة له, ولا يبلغ بأرشها دية إصبع, لأنها تبع للأصابع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كانت شلاء فله الخيار إن شاء اقتص بأن يأخذ أقل من حقه وإن شاء أخذ دية اليد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قطع الأشل اليد يدًا سليمة لم تكن الشلاء مكافئة لها لنقصها عن كمال السلامة فإن أراد المقطوع أعطي دية سليمة فإن أراد القصاص من الشلاء بيده السليمة كان له, لأن أخذ الأنقص بالأكمل يجوز, وأخذ الأكمل بالأنقص لا يجوز, فإن أراد أن يقتص من الشلاء ليأخذ من الشلاء ليأخذ مع القصاص من الكاملة ويأخذ فضل الدية لم يجز, فإن خيف على القاطع الأشل إن قطعت يده الشلاء أن لا تندمل عروق الدم بالشلل
الجزء: 12 - الصفحة: 147
الذي لا يلتحم ويتحقق تلفه لم يقتص منه, لأنه يصير اقتصاصًا من يد بنفس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان المقطوع أشل لم يكن له القود فيأخذ أكثر وله حكومة يد شلاء".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يقتص من اليد السليمة باليد الشلاء.
وقال داود: يقتص من السليمة بالشلاء اعتبارًا بملطق الاسم, كما يقتص من القوية الضعيفة, ومن الصحيحة بالمريضة ولأنه لما اقتص من الأذن السليمة بالأذن المستحشفة, والاستحشاف شلل, كذلك شلل اليد, وهذا خطأ, لقول الله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى 40] وليست الشلاء مثلًا لسليمة فلم يجز أن تؤخذ بها, ولأن البصير إذا قلع عينًا قائمة لا تبصر لم يقتص بها من عينه المبصرة مع وجود الحياة فيما قلع, فكل شلل اليد مع هذه الحياة فيها أولى ان لا يقتص منها من يد ذات حياة.
فإن قيل: لو كانت الشلاء ميتة لما حل أكلها من الحيوان المذكى؟
قيل: إنما حل أكلها لحمًا وإن كانت ميتة؛ لأنها صارت تبعًا لمذكى كالجنين إذا مات بذكاة أمه, ولأن قطع الشلاء من حي كقطعها من ميت, لأنها في الحالتين ميتة, وقطعها من الميت لا يوجب القصاص, فكذلك قطعها من الحي.
فإن قيل: قطعها من الميت لا يضمن بالأرش, وقطعها من الحي مضمون بالأرش فجاز أن تضمن بالقود وإن لم تضمن به يد الميت؟
قيل: لأن اليد تبع للجسد, وجسد الميت غير مضمون فلم تضمن يده, وجسد الأشل مضمون فضمنت يده وخلاف نفس الضعف والمرض لوجود الحياة معهما وحصول النفع بهما, فأما الأذن المستحشفة ففي الاقتصاص بها من السليمة قولان:
أحدهما: لا قصاص كاليد الشلاء.
والثاني: يقتص بها من السليمة بخلاف اليد الشلاء.
والفرق بينهما: أن منفعة الأذن حصول الجمال بها, وهذا موجود في المستحشفة كوجوده في السليمة, ومنفعة اليد قبضها وبسطها والعمل بها, وهذا مفقود في الشلاء موجود في السليمة فافترقنا.
فصل:
فأما إذا قطع الأشل يد أشلاء ففي القصاص وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا قصاص بينهما, واعتل بأن
الجزء: 12 - الصفحة: 148
العلة في الأبدان تتفاوت ولا يعرف منتهاها, فصار الشللان مختلفين غير متماثلين فسقط القصاص فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا أن القصاص فيه واجب, لأن تفاوت الشلل يكون في نهايته ويكون في أحدهما أكثر سارية منه في الآخر, ولسنا نستوفي القصاص إلا من حد القطع فقد تساويا في نقصه فيجرب القصاص بينهما في الشلل كما يجري مع السلامة إلا أن تكون الشلاء من المقطوع يمناه ومن القاطع يسراه فلا قصاص بينهما, لأنه لا يجوز أن يقتص من يمنى بيسرى, وسواء كان الشلل حادثًا مع الولادة أو طارئًا بعدها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطع أصبعه فتأكلت فذهبت كفه أقيد من الأصبع وأخذ أرش يده إلا أصبعا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال اختلف الفقهاء فيمن قطع إصبع رجل فسرى القطع إلي أن تآكلت كفه ثم اندملت فذهب الشافعي إلي وجوب القصاص عليه في الإصبع دون الكف, فأوجبه في الجناية السراية.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص عليه في الإصبع ولا في الكف, فأسقطه في الجناية والسراية.
وقال آخرون: يجب عليه القصاص في جميع الكف فأوجبوه في الجناية والسراية.
واستدل أبو حنيفة على سقوط القصاص في الجناية والسراية بناء على أصله في أن قطع اليد إذا سرى إلي النفس وجب القصاص في النفس دون اليد, فكان القصاص عنده معتبرًا بالسراية دون الجناية, وليس في السراية ها هنا قصاص فسقط في الجناية واحتج بعده بأمرين:
أحدهما: أن الجناية إذا لم تضمن سرايتها بالقود لم يضمن أصلها بالقود كالخطأ.
والثاني: أن هذه الجناية قد اجتمع فيها موجب القصاص بالمباشرة وسقط له بالسراية, وإذا اجتمع في الجناية موجب ومسقط غلب حكم الإسقاط على الإيجاب كالعامد إذا شارك خاطئًا.
والدليل على وجوب القصاص في الجناية دون السراية قول الله تعالى: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة 45] والجرح مختص بالجناية دون السراية, ولأن كل جناية وجب القصاص فيها مع عدم السراية وجب القصاص فيها مع وجود السراية, قياسًا على قطع يد الحامل إذا سرى إلي سقاط حملها, ولأنه لا يمتنع وجوب القصاص في الجناية وإن
الجزء: 12 - الصفحة: 149
انتهت (إلى) ما لا قصاص فيه كمن رمى رجلًا بسهم فنفذ السهم إلي آخر وماتا وجب القصاص للأول دون الثاني, ولأننا نبينه على أصلنا في أنه لا يسقط القصاص في الجناية وإن اقتص في السراية, نقابل أصلهم, وقياسهم على الخطأ فاسد بسراية الجناية إلي الحمل, ثم المعنى في الخطأ سقوط القصاص مع الاندمال فسقط مع الراية ووجوب القصاص في العمد مع الاندمال فوجب مع السراية.
وأما قياسهم على شريك الخاطئ فالمعنى فيه مع فساده بالسراية إلي الحمل هو أن قتل الشريكين حادث بالسراية ولم يمتميز سراية بالعمد من سراية الخطأ' فسقط القود عنهما بسقوطه عن أحدهما, وحكم الجناية في مسألتنا متميز عن السراية فلم يكن سقوط القود في أحدهما موجبًا لسقوطه فيهما, كما لو قطع أحدهما يده عمدًا وقطع الآخر يده الأخرى خطأ لما تميز فعل أحدهما من فعل الآخر لم يكن سقوط القود عن أحدهما موجبًا لسقوط القود عن الآخر.
فصل:
واستدل من أوجب القصاص في الجناية والسراية بأمرين:
أحدهما: أنه لما وجب القصاص في السراية إذا انتهت إلي النفس كان أولى أن يجب فيها إذا كانت دون النفس.
والثاني: أنه لما وجب القصاص فيها إذا سرت إلي ذهاب البصر وجب فيها إذا سرت إلي طرف.
والدليل على سقوط القصاص في السراية وإن وجب في الجناية: أن ما أمكن مباشرة أخذه بغير سارية كان انتهاء السراية إليه غير مقصود, وما لم يقصد بالجناية جرى عليه حكم الخطأ في سقوط القود, وبهذا المعنى قد فرقنا بين السراية إلي النفس في وجوب القود لأن النفس لا تؤخذ إلا بالسراية, لأنها مغيبة تسري في جميع البدن وبين السراية إلي الطرف في سقوط القود, لأنه يمكن أن يؤخذ بالمباشرة دون السراية وكذلك السراية إلي ذهاب البصر, لأنه محسوس غير مشاخد لا يؤخذ في الأغلب إلا بالسراية.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القصاص في الجناية دون السراية قيل للمجني عليه: أنت بالخيار في الجناية بين القصاص أو الدية, فإن عفا عن القصاص فيها إلي الدية كان له دية الكف كلها, وهي نصف الدية خمسون من الإبل, وكان دية الجناية منها, وهي دية الإصبع المقطوعة عشر من الإبل دية عمد محض تجب في مال الجاني حالة, وفي دية السراية إلي الكف, وهي أربعون من الإبل وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لسقوط القصاص فيها دية خطأ تجب مؤجلة على العاقلة.
الجزء: 12 - الصفحة: 150
والثاني: وهو ظاهر قول أبي علي بن أبي هريرة أنها دية عمد تجب حالة في مال الجاني، لأنها جنايةً واحدةً فلم يختلف حكم أرشها، وإن طلب المجني عليه القصاص في الجناية اقتص له من إصبع الجاني، وأخذ منه أربعة أخماس دية الكف لذهابها بالسراية عن جناية، وذلك أربعون من الإبل هي دية أربع أصابع وأصولها من الكف واختلف أصحابنا: هل يدخل فيها أرش أصل الإصبع المأخوذ قودًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه قد دخل في حكم القصاص تبعًا لدخوله في حكم الدية تبعًا.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن أصول الأصابع من الكف تكون تبعًا لها في الدية ولا تكون تبعًا لها في القصاص، ألا ترى أنه لو قطع أصابعه الخمس كان عليه خمسون من الإبل ولو قطعها مع الكف وجبت عليه الخمسون من غير زيادة، فصارت الكف تبعًا للأصابع في الدية، ولو قطع أصابعه الخمس ثم سرت إلى الكف اقتص من خمس أصابعه ووجب عليه أرش الكف، ولم يكن أرش الكف تبعًا للقصاص فاقتضى هذا التعليل أن يؤخذ منه أرش ما يجب للإصبع المقتص منها من الكف مضافًا إلى دية الأصابع الأربع، وهل يكون جميعه حالا في مال الجاني أو مؤجلًا على عاقلته؟ على الوجهين الماضين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اقتص من إصبع الجاني فسرت إلى كفه كسراية جنايته من إصبع المجني عليه إلى كفه لم تكن السراية قصاصًا من السراية.
فإن قيل: فهلا كانت السراية إلى الأطراف قصاصًا كما كانت الراية إلى النفس قصاصًا؟
قيل: النفس لا تؤخذ بالمباشرة وإنما تؤخذ بالسراية، والأطراف تؤخذ بالمباشرةً دون السراية، ولذلك وجب القصاص في سراية النفس ولم تجب في سراية الأطراف.
فإن قيل: أفليس لو شجه موضحةً فسرت إلى ذهاب بصره فاقتص من موضحة الجاني فسره إلى بصره كانت السراية قصاصا، وليس ذلك سراية إلى نفس، فهلا كان في السراية إلى الطرف كذلك؟
قيل: لأن أخذ البصر يكون بالسراية كالنص، لأن ضوء البصر غير مشاهد، ولذلك وجب القصاص في السراية إلى ذهاب البصر قصاصًا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصا بالسراية إلى ذهاب البصر قصاصًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 151
فصل:
فإذا ثبت أن سراية القصاص إلى الكف لا تكون قصاصا من سراية الجناية إلى الكف، فإذا اقتصصنا من إصبع الجاني أخذنا الباقي من دية الكف على ما وصفنا، ولم ينتظر بإصبعه أن ينتهي في السراية إلى مثل سراية جنايته، لأنها لو انتهت إليه لم يكن قصاصا فلم يكن للانتظار وجه، وهو معنى قول الشافعي: ((ولم ينتظر به أن يراقي إلى مثل جنايته أولًا، فإن سرت أكلة الكف إلى نفس المجني عليه بعد الاقتصاص من إصبع الجاني نظر فإن كانت السراية إلى نفسه بعد أخذ دية باقي كفه فلا قصاص له في النفس، لأنه قد استوفي بعض ديتها فيستوفي ما بقى من دية النفس وذلك نصف الدية، لأنه قد أخذ بالقصاص والأرش نصفها الآخر، وإن كانت السراية قبل أخذ الباقي من دية كفه ففي وجوب القصاص في النفس وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في دية السراية إلى الكف هل يكون دية عمد أو خطأ؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها دية خطأ، فعلى هذا لا قود في السراية إلى النفس، ويعدل إلى استكمال الدية ليأخذ تسعين من الإبل لاقتصاصه من إصبع ديتها عشر من الإبل، وعلى هذا لو سرى القصاص من الجاني إلى نفسه لم تسقط عنه الدية.
والوجه الثاني: وهو مقتضى قول أبي علي بن أبي هريرة، وقول أبو حامد الإسفراييني إنها دية عمد، فعلى هذا يستحق القصاص في النفس إلا أن يعفو إلى الدية فيعطاها إلا دية إصبع، وعلى هذا لو سرى القصاص من إصبع الجاني إلى نفسه كانت سرايته قصاصًا، لأن سراية جنايته موجبة للقصاص والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو سأل القود ساعة قطع إصبعه أقدته فإن ذهبت كف المجني عليه جعلت على الجاني أربعة أخماس ديتها))
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يجوز القصاص في الأطراف قبل اندمالها.
وقال أبو حنيفة، ومالك والمزني: لا يجوز أن يقتص من طرف أو جرح حتى يندمل أو يسري إلى النفس، وبناه أبو حنيفة على أصله الذي تقدم فيه الكلام معه من أن سرايته إلى ما دون النفس موجية لسقوط القود فيه، احتجاجًا برواية ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر أن رجلًا جرح فأراد أن يستفيد فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
وروى يزيد بن عياض عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يتسانا
الجزء: 12 - الصفحة: 152
بالجراحات سنة))، ولان القود أحد البدلين فلم يجز استيفاؤه قبل استقرار الجناية كالدية؛ ولأن القود من الطرف قبل استقرار الجناية قد يجوز أن يسري إلى نفس الجاني قبل سرايته إلى نفي المجني عليه، فإن جعلتموه قصاصًا في النفس كان سالفًا قي قتل قبل استحقاقه وذلك غير جائز قصاصًا إن أخذتم الدية كنتم قد جمعتم بين القصاص والدية وذلك غير جائز.
ودليلنا رواية أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستفيد فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل، فا ستفاد فعرجت رجله وبرئت رجل المستفاد منه، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ليس لك شيء أنت أبيت)) فدل هذا الحديث على ثلاثة أشياء:
أحدها: جواز تعجيل القود قبل الاندمال.
والثاني: أن تأخيره إلى وقت الاندمال استحباب.
والثالث: جواز القود من الجناية بغير الحديد، لأن الجناية كانت بقرن، وهذا الحديث ذكره الدارقطني في سننه، ولأن القود واجب بالجنايةً والاندمال عافيةً من الله تعالى لا توجب سقوط القود، وسرايتها لا تمنع من استيفائه، فوجب أن يكون استقرار الجناية على أحد الحالين غير مالح من تعجيل القود، ولأن ما استحق فيه القود لم يلزم تأخيره كالمندمل.
فأما استدلالهم بالخبر الأول فمحمول على الاستحباب بدليل خبرنا.
وأما الخبر الثاني فمتروك من وجهين:
أحدهما: ضعف راويه، قال لدارقطني: يزيد بن عياض ضعيف متروك.
والثاني: أن تقدير تأخيره بالسنة لا يلزم بالإجماع.
وأما الجواب عن قياسهم على الديةً فهو أن للشافعي في أخذ دية الطرف قبل اندماله قولان:
أحدهما: قاله في كتاب ((المكاتب)): لو جني السيد على عبده المكاتب فقطع يده كان له أن يعجل أرش يده قصاصًا من كتابته، فخرجه أصحابنا قولا في جواز تعجل الأرش قبل الاندمال، فعلى هذا إن كان أرش الجناية أقل من دية النفس أخذ جميعها، وإن كان أكثر من دية النفس كقطع يديه ورجليه، فقد اختلف أصحابنا في أخذ ما زاد على دية النفس على وجهين حكاهما أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: يؤخذ منه ديات الأطراف وإن كانت أربعًا فوق دية النفس اعتبارًا بحال الجناية كالقود.
الجزء: 12 - الصفحة: 153
والثاني: حكاه عن أبي إسحاق المروزي أنه لا يؤخذ منه أكثر من دية النفس لجواز السراية إليها فلا يجب أكثر منها فلا يؤخذ ما يجوز أن يسترجع، فعلى هذا القول قد بطل أصل القياس للتسوية بين الدية والقود في استيفائهما قبل الاندمال.
والقول الثاني: وهو الصحيح المنصوص عليه في جميع كتبه والمعمول عليه عند سائر أصحابنا أنه لا يجوز أخذ الدية قبل الاندمال وإن كان القود قبله.
والفرق بينهما: أن القول لا يسقط بما حدث بعد ألجناية من اندمال أو سراية، فجاز أن يستوفي قبل استقرارها، ودية الطرف لا تستقر إلا بعد الاندمال، لأنه إن قطع إصبعًا أرشها عشر الدية فقد يجوز أن يشاركه في قتل المجني عليه مائة نفس، فلا يلزم كل واحد من الجماعة من الدية إلا عشر عشرها فيحتاج إلى أن يرد على قاطع الإصبع الزيادة عليه فافترقا.
فإن قيل: فقد يجوز أن يحدث في القود مثله، لأنه قد يجوز أن يشركه قبل اندمال الإصبع خاطئ فتسري الجنايتان إلى نفسه فيسقط القول على العامد.
قيل: إنما يسقط القول عن العامد في النفس إذا شاركه خاطئ بخروج النفس بعمده وخطئه، فأما الطرف الذي تفرد العاهد بأخذه فلا يسقط القول فيه بمشاركة خاطئ له في النفس، وصار القود في الطرف محتوم الاستحقاق.
وأما الجواب عن قولهم: وإن هذا يفضي عند السرايتين إلى السلف في القصاص فهو أن تقول: لا تخلو السرايتان بعد الجناية والقصاص من أن تقدم سراية الجناية أو سراية القصاص، فإن تقدمت سراية الجناية على سراية القصاص فقد استوفي بسراية القصاص ما وجب في سراية الجناية من القصاص، وإن تقدت سراية القصاص على سرأية الجناية، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أنها تكون قصاصًا وإن تقدمت على سراية الجناية، فلا يكون ذلك سلفًا لحدوثها عن قصاص قد استوفي بعد استحقاقه، والسلف أن يقول: اقطع يدي ليكون قصاصًا من سراية الجناية لتقدمها عليه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنها لا تكون قصاصًا، لتقدمها على سراية الجناية وتميز الطرفين عن السرايتين، فعلى هذا يصير المجني عليه مستحقًا لدية النفس لفوات القصاص فيها بالسراية اليها وهي غير مضمونةً لحدوثها عن مباح, وقد استوفي المجني عليه من دية النفس عشرها وهي دية الإصبع المقتص منها، فيرجع في مال الجاني بتسعة أعشار الدية، وقد استوفينا هذين الجوابين لما تعلق بهما من شرح المذهب.
مسألة:
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ((ولو كان مات منها قتلته به لأن الجاني ضامن لما
الجزء: 12 - الصفحة: 154
حدث من جنايته والمستفاد منه غير مضمون له ما حدث من القود بسبب الحق)).
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن سراية الجناية مضمونةً على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة على المقتص له، لحدوث سراية الجناية عن محظور وحدوث سراية القصاص عن مباح، وإن سوى أبو حنيفة بين ضمان السرايتين، فعلى هذا صورة مسألتنا أن يقطع إصبعه فيقتص من إصبعه، ثم تسري الجناية إلى نفس المجني عليه، فيجب أن يقتص له من نفس الجاني، ولو كان المجني عليه قد أخذ دية إصبعه ثم مات من سرايتها لم يقتص له من نفس الجاني، لأن أخذه لدية إصبعه عفو عن القصاص فيها، وسراية ما لا قصاص فيه غير موجبةً للقصاص، وله أن يرجع بتسعة أعشار الدية، لأنه قد أخذ في دية الإصبع عشرها، فصار مستوفيًا لجميع الدية.
مسألة:
قال المزني رضي الله عنه: " وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ مِنْهَا عَيْنَاهُ وَشَعْرُهُ فَلَمْ يَنْبُتْ ثم برئ أقص مِنَ المُوضِحَةِ فَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفي حَقَّهُ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ عَيْنَاهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ زِدْنَا عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَفِي الشعر حكومة ".
قال في الحاوي: اعلم أن سراية الجناية تنقم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسري إلى النفس، فيجب القصاص له في السراية كوجوبه في الجناية، لأن النفس تؤخذ تارة بالتوجئة وتارة بالسراية، فوجب القصاص في الحالين وليست النفس عينًا ترى فتنفرد بالأخذ، فلو سرى قصاص الجناية إلى النفس كان وفاء لحق المجني عليه.
والثاني: أن تسري الجناية إلى عضو في الجسد كسراية قطع الإصبع إلى الكف وسراية قطع الكف إلى المرفق، فالقصاص في الجناية دون السراية، ويؤخذ أرش السراية مع القصاص في الجناية على ما مضى، فلو سرى قصاص الجناية مثل سراية الجناية لم يسقط به أرش سراية الجناية، لما ذكرناه من حدوث سراية الجناية غير مضمون فصار مضمونًا، وحدوث سراية القصاص عن غير مضمون فلم يصر مضمونًا.
والثالث: أن تسري الجناية إلى ذهاب ضوء العين كالموضحة في الرأس إذا ذهب بها ضوء العين، فالذي نقله المزني عن الشافعي نصًا في هذا الموضع أن القصاص في السراية إليه واجب؛ لأن ضوء العين ليس بشخص يرى فيؤخذ بقلع العين تارةً وبالسرايةً أخرى فأشبه النفس، فاقتضى أن يجب القصاص في السراية إليه كما يجب في السراية إلى النفس، فيصير هذا ملحقًا بالقسم الأول.
الجزء: 12 - الصفحة: 155
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الموضحة ولا في السرايةً كما لا يجب في الإصبع ولا في السراية إلى الكف.
وقال أبو يوسف: يجب القصاص في الموضحة وفي السرايةً إلى ضوء العين وإن لم يجب في الأصبع والسراية إلى الكف، وخرج أبو إسحاق المروزي قولًا ثانيًا لم يساعده عليه غيره أن السرايةً إلى ضوء العين لا توجب القصاص كما لا توجبه السرايةً إلى أعضاء الجسد لأنهما سرايتان إلى ما لا دون النفس وجعل ذلك ملحقًا بالقسم الثاني، فأما السرايةً إلى ذهاب الشعر فلا توجب القصاص، لأن الشعر عين ترى يمكن أن يقصد بالأخذ فصار كسائر الأعضاء.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرناه من هذه المقدمة فصورة مسألتنا في رجل شبح رجلًا موضحة فذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه، فعلى منصوص الشافعي في وجوب القصاص في السرايةً إلى ضوء العين، يقتص من موضحة الجاني، فإن ذهب منها ضوء عينيه وشعر رأسه فقد استوفي المجني عليه حقه، وإن لم يذهب منها ضوء عينيه ولا شعر رأسه أخذ منها حكومة في الشعر الزائد على موضع الموضحةً، لأن الشعر الذي في موضع الموضحة قد دخل في القصاص منها أو في أرش ديتها، ولا يعالج شعره حتى يذهب ولا يعود نباته؛ لأنه قصاص في السرايةً إلى الشعر، وقد كان القياس يقتضى أن يؤخذ من الجاني حكومةً وإن لم ينبت شعر، غير أن الشافعي جعله تبعًا لخفة حكمه من أحكام الأعضاء، فأما ضوء العين إذا لم يذهب بسراية القصاص فإن أمكن يعالج العين بما يذهب ضوءها من غير جنايةً على الحدقة مثل الكافور أو ميل يحمى بالنار ويقرب إلى العين من غير أن يذوب به شحمها اقتص منه بذلك، وإن لم يكن إلا بقلع الحدقة لم يجز قطعها لأحد أمرين:
أحدهما: أن الحدقة عضو لم يجن عليه فلم يقتص منه.
والثاني: أنه لا يجوز أن توضع حديدة القصاص في غير محلها من الجناية.
فإن قيل: أفليس لو سرت إلى نفسه ولم يسر القصاص إلى نفس الجاني.
قيل: ووضع حديد القصاص في غير موضعه من الجناية؟
قيل: لأن القصاص في النفس يستهلك به جميع الجسد وفيما دون النفس لا يستهلك به إلا عضو الجناية وحده فافترقا، وإذا تعذر القصاص في ضوء العين أخذ منه ديتها مع حكومة الشعر بعد الاقتصاص من الموضحة، ولو لم يقتص منها يضم إلى ذلك دية الموضحة.
فأما على القول الثاني خرجه المروزي، أنه لا قصاص في ذهاب ضوء العين بالسرايةً فيقتص من الموضحة، ويؤخذ من الجاني دية في ذهاب في ضوء العين، وحكومةً في ذهاب الشعر، سواء سرى قصاص الموضحةً إلى ذهاب ضوء عين الجاني وذهاب
الجزء: 12 - الصفحة: 156
شعره أم لا، كما قلنا في السرايةً إلى الكف بقطع الإصبع لما لم يجب فيه القصاص لم تكن سراية القصاص إلى الكف مسقطًا لما وجب من أرش الكف، فأما المزني فإنه جمع بين السرايةً في النفس في وجوب القصاص فيهما وهو الأصح.
فأما إن لطمه فأذهب ضوء عينه فإن كانت اللطمةً يذهب بمثلها ضوء العين في الغالب وجب القصاص فيها بلطمةً يقصد بها ذهاب ضوء العين، ولا يقصد بها القصاص في اللطمةً فإن ذهب بها ضوء العين فقد استوفي القصاص منها، وإن لم يذهب منها ضوء العين وأمكن أن يؤخذ ضوؤها مع بقاء الحدقةً بغير حديد فعل، وإن لم يمكن أخذت منه دية العين، ولا أرش عليه في اللطمةً لاستيفاء ما حدث عنها، وإن كانت اللطمةً لا يذهب في الأغلب منها ضوء العين ويجوز أن يذهب فلا قصاص فيها؛ لأنها عمد الخطأ وتؤخذ منه دية العين، ولا يعزر في اللطمةً؛ لأنه قد استوفي منه حقها، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا أبلغ بشعر رأسه ولا بشعر لحيته دية قال المزني رحمه الله: هذا أشبه بقوله عندي قياسا على قوله إذا قطع يده فمات عنها أنه يقطع فإن مات منها فقد استوفي حقه فكذلك إذا شجه مقتصا فذهبت منها عيناه وشعره فقد أخذ حقه غير أني أقول إن لم ينبت شعره فعليه حكومة الشعر ما خلا موضع الموضحة فإنه داخل في الموضحة فلا نغرمه مرتين".
قال في الحاوي: لا خلاف أن الشعر إذا عاد نباته فلا دية فيه، فأما الحكومة فمعتبرة بحال الشعر، فإن كان مما لا شين في أخذه كشعر الرأس والجسد والشارب فلا يجب في أخذه حكومة، وإن كان مما يشين أخذه كاللحية والحاجبين وأهداب العينين فلا يخلو حال نباته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعود مثل ما كان، فلا حكومة فيه ويعزر جانبه.
والثاني: أن يعود أخف مما كان وأقل فعليه حكومة ما نقص منه، سواء عاد أقبح مما كان أو أجمل، لأنه قد زال من جسده ما لم يعد.
والثالث: أن يعود أكثف مما كان وأكثر فإن لم يكن في الزيادة قبح فلا شيء عليه ويعزر، وإن كان في الزيادة قباحةً وشين فعليه حكومة ما نقص بالقباحةً والشين، وذهب بعض أصحابنا إلى أن نبات الشعر بعد ذهابه لا يسقط ما وجب فيه من حكومة أخذه، وقد روى محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من مثل بالشعر فليس له خلاق عند الله يوم القيامة)) وفيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 12 - الصفحة: 157
أحدها: أن مثلة الشعر تغييره بالسواد.
والثاني: أنه نتفه.
والثالث: أنه حلقه في الخدود وغيرها.
فصل:
فأما إن قني شعره قلعا لم يعد نباته، فإن أمكن فيه القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته اقتص منه مع التماثل والمكنة، وإن تعذر القصاص منه إلا أن يعود نباته فعليه في جميعه حكومة، ولا تبلغ حكومته دية، وأوجب أبو حنيفة الدية في الشعر في أربعة مواضع؛ في شعر الرأس، واللحية، والحاجبين وأهداب العينين، فجعل في كل واحد منها الدية إلا في العبد فإنه أوجب في شعره ما نقص من قيمته، احتجاجًا بما روي أن رجلًا أفرغ قدرًا يغلي على رأس رجل فتمعط منها شعره فأتى عليًا - عليه السلام - فقال له: اصبر سنة فصبر فلم ينبت فقضى علي له بالدية، ولم يظهر له في الصحابة مخالف فكان إجماعًا.
قال: ولأن الدية تجب بإتلاف ما فيه منفعة كاليدين والرجلين، وبإتلاف ما فيه جمال كالأنف والآذنين، وفي هذا الشعر جمال، وإن لم يكن فيه منفعة، فاقتضى أن يجب فيه الدية كالأنف والأذنين.
قال: ولأن كل ما فرق بين الرجل والمرأةً وجبت فيه الدية كالذكر والأنثى.
ودليلنا: هو أن الدية لا تجب إلا توفيقًا كديات الشجاج والأطراف، وليس في الشعر توقف فلم يجب فيه دية، ولأن الدية تجب فيما يؤلم وليس في أخذ الشعر ألم، وما اختص بالجمال دون الألم لم تكمل فيه الدية كاليد الخلاء، ولأنه شعر لا يجب في العبد منه مقدر فلم يجب في الحر منه مقدر كشفر الجسد، ولأن من لا يجب في شعر جسده مقدر لم يجب في شعر وجهه مقدر كالعبد، ولأن ما جرت العادة بإزالته عند تجاوزه حده لم تجب الدية في إزالة أصله كالأظفار، ثم في الأظفار مع الجمال نفع ليس في الشعر، لأن الأنامل لا يتصرف إلا بها فنقص حكم الشعر عنها.
فأما احتجاجهم بقضاء على رضوا ن الله عليه فقد خالفه فيه أبو بكر رضي الله عنه فقضى فيه بعشر من الإبل، فقد خالفه فيه أبو بكر رضي الله عنه فقضى فيه بعشر من الإبل، وخالفها فيه زيد فقضى فيه بثلث الدية، وليس مع الخلاف إجماع، وقيامه على الذكر لاختصاص الرجال به فيفسد بشعر الشارب يختص به الرجال ولا يجب فيه الدية.
ثم المعنى في الذكر أن فيه منفعة وإنما يخاف منه للسرايةً إلى النفس، فخالف الشعر، وما ذكره من القياس على الأنف والأذين فلا توية بيها وبين الثم لأمرين:
أحدهما: أن في الأنف والأذنين منفعة ليست في الشعر، لأن الأنف يحفظ النفس والشم، والأذن يحفظ السمع ويدفع الأذى.
الجزء: 12 - الصفحة: 158
والثاني: أن في قطعهما ألمًا ربما أفضى إلى النفس بخلاف الشعر الذي لا يؤلم ولا يخاف منه التلف.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو أصابته من جرح يده أكلة فقطعت الكف لئلا تمشي الأكلة في جسده لم يضمن الجاني من قطع الكف شيئا فإن مات من ذلك فنصف الدية على الجاني ويسقط نصفها لأنه جني على نفسه)).
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل قطع إصبع رجل فتآكلت، وخاف المجني عليه سرايتها إلى نفسه فقطع كفه ليقطع سرايتها، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يندمل بقطع كفه فيجب على الجاني القصاص في الإصبع التي قطعها، وعليه الأرش فيما سرت إليه الجناية من كف المجني عليه كأنها سرت إلى إصبع ثانية، فيلزمه ديتها لذهابها بسراية جنايته، ولا قود عليه فيها، ويكون الباقي الكف التي قطعها صاحبها هدرًا لا يضمنها الجاني فإن قيل: إنما قطعها من الخوف الحادث عن جنايته فهلا كانت من ضمانه كالسراية.
قيل: تلف السراية حادث عن فعله فضمنه، وتلف الخوف حادث عن فعل غيره فلم يضمنه.
والثاني: أن يسري قطع الكف إلى نفسه فيموت، فيكون الموت حادثًا من سرايتين.
قطع الجناية، وقطع الاستصلاح، فيصير الجاني أحد القاتلين، وعند أبي حنيفة يكون الثاني قاتلًا دون الأول، لأنه قطع محل الجناية فأزال سرايتها، وهذا فاسد بما قدمناه من الدلالة عليه، فإن الموت كان بسراية الألمين، فلذلك صار الأول أحد القاتلين، وإذا كان كذلك ففي قطع الجاني نصف الدية، فأما القود في النفس فقد صار مشاركًا في النفس لمن لم يلزمه ضمانها فاختلف أصحابنا في وجوب القول عليه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين من شريك السبع ومن جارح نفسه بعد الجناية عليه:
أحدهما: عليه القول في النفس.
والثاني: لا قود عليه، وقد مضى توجيه القولين من قبل.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا قود عليه قولًا واحدًا وإن كان شريك السح وشريك المجني عليه قولين وفرق بينهما بأن النفس في شركة السع والمجني عليه خرجت عن قصد التلف فصار جميعها عمدًا محضًا فجاز أن يجب فيها القول، وفي هذا الموضع خرجت عن قصد الاستصلاح دون التلف، فإذا أفضى إلى التلف صار عمد الخطأ ولا قود على شريك الخاطئ وكذلك ها هنا.
الجزء: 12 - الصفحة: 159
فصل:
فأما إذا قطع الجاني قطعة لحم من بدن المجني عليه فخاف المجني عليه سرايتها فقطع ما يليها فمات فينظر، فإن قطع المجني عليه ميتًا فلا تأثير للقطعة، لأن قطع الميت لا سرايةً له، والجاني هو القاتل وحده، والقول عليه في النفس واجب، فإن عفا عنه فجميع الدية، وإن قطع لحمًا حيًا فالموت من سرايتها والجاني أحد القاتلين بوفاق أبي حنيفةً؛ لأن محل الجناية عنده إذا كان باقيًا حدثت السراية عنهما، وإن أزاله الثاني كانت السراية عن الثاني، وعندنا أنه لا فرق بين بقاء محل الجناية وزواله في حدوث السراية عنهما، ويكون القول ها هنا على الجاني محمولًا على ما قدمناه من اختلاف أصحابنا، فيكون على قول ابن أبي هريرة على قولين، وعند أبي إسحاق المروري: لا قود عليه قولًا واحدًا، وعليه نصف الدية، وهكذا لو أن المجروح خاط جرحه فمات، فإن خاطه في لحم ميت فالجارح هو القاتل وعليه القول في النفس أو جميع الدية، وإن خاطه في لحم حي كان الجارح أحد القاتلين وكان وجوب القود على ما ذكرناه من اختلاف أصحابنا في القولين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان في يد المقطوع إصبعان شلاوان القصاص في اليد لم تقطع يد الجاني ولو رضي فإن سأل المقطوع أن يقطع له إصبع القاطع الثالث ويؤخذ له أرش الإصبعين والحكومة في الكف كان ذلك له ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع لأنها تبع للأصابع وكلها مستوية ولا يكون أرشها كواحدة منها ((.
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السليمة لا تقاد بالشلاء، ويجوز أن تقاد الشلاء بالسليمة، فإذا قطع كفًا فيها إصبعان شلاوان فلا تخلو كف القاطع من أن تكون سليمة أو فيها شلل فإن كانت سليمةً فلا قصاص عليه في كفه وإن بذلها، لأن سلامة ما قابل الأشل يوجب سقوط القصاص عنه، ومن سقط القصاص عنه لم يقتص منه وإن رضي لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان سقوط القود عن الأب بالابن وعن الحر بالعبد يمنع من القود مع رضا الأب والحر كذلك يمنع منه مع رضا السليم بالأشل.
والثاني: أن سقوط القود في السليم عن الجاني قد أوجب المال أرشًا في الأشل من المجني عليه فصار كالدين المستحق، ولو بذل من عليه الدين أن يؤخذ به شيء من أعضائه لم يجز، كذلك هنا وإذا سقط القصاص من الملجم المقال للأشل لم يسقط من السليم المقابل للسليم فيقال للمجني عليه: أنت بالخيار بين القصاص أو الدية، فإن طلب الدية وعفا عن القصاص أعطي ديةً ثلاثةً أصابع ثلاثين بعيرًا يدخل فيها حكومة ما تحتها
الجزء: 12 - الصفحة: 160
من الكف، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لا يبلغ بهادية إصبعين سليمتين، ويدخل في حكومتهما حكومة ما تحتهما من الكف لأن أراد القصاص اقتص من ثلاثة أصابع من كف الجاني المماثلة للسليمة من كف المجني عليه، وأخذ منه حكومة في الإصبعين الشلاوين يدخل فيهما حكومة ما تحتهما من الكف، وهل يدخل في القصاص في الأصابع الثالث حكومة ما تحتهما من الكف؟ على وجهين ذكرناهما من قبل:
أحدهما: تدخل حكومتهما في القصاص كما تدخل حكومتها في الدية.
والثاني: وهو منصوص الشافعي لا تدخل حكومتهما في القصاص، لبقائها، بعد استيفائه، ولا يبلغ بحكومة الكف دية إصبع؛ لأنها تع للأصابع فلم يبلغ بالتابع حكم المتبوع، وإذا كان هذا في جميع الكف فالمستحق ها هنا حكومة ثلاثة أخماس الكف، لأن حكومة خمسها قد دخل في حكومة الإصبعين الشلاوين إذا كان قد أدخله في اعتبار حكومتهما فلا تبلغ بحكومة ثلاثة أخماس دية إصبع وثلاثة أخماس ديتها ست من الإبل فينقص منها شيء وإن قل.
فصل:
وإن كان في كف الجاني شلل فعل ضربين:
أحدهما: أن يتساوى الشلللان من كف الجاني وكف المجني عليه، فيكون الشلل من أصابع الجاني والمجني عليه في الخنصر والبنصر والباقي منها سليم فيقتص من كف الجاني لتكافئهما في الأشل والسليم.
والثاني: أن يختلف الشللان فيكون الآشل من المجني عليه الخصر والبنصر ومن الجاني الإبهام والسبابة، فإن رضي المجني عليه أن يأخذ الأشل بالسليم اقتص له من أصابع الجاني الثلاثة وهي الوسطى سليمة بسليمة والسبابة والإبهام شلاوان بسليمتين، وأعطي حكومة في إصبعيه الشلاوين لأن لم يرض أخذ الأشل بالسليم اقتص له من إصبع واحدةً وهي الوسطى، لسلامتهما منهما معًا، وأعطي ديتي إصبعين عشرين بعيرًا في السبابة والإبهام، لسلامتهما من المجني عليه وشللهما في الجاني، وأعطي حكومة إصبعين شلاوين لقصهما من المجني عليه وسلامتهما من الجاني، ويدخل في دية السليمتين ما تحتهما من الكف، وفي حكومة الشلاوين ما تحتهما من الكف في سقوط حكومة ما تحت المقتص منها وجهان على ما مضى
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان القاطع مقطوع الأصبعين قطعت له كفه وأخذت للمقطوعة يده أرش (أصبعين) تامتين)).
الجزء: 12 - الصفحة: 161
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا قطع كفًا كاملة الأصابع وكف القاطع ناقصة إصبعين كان للمقطوع الخيار في الدية والقصاص، فإن اختار الدية أعطي دية يد كاملة لكمالها من المقطوع، وإن نقصت من القاطع ووفقنا أبو حنيفة على أن ديتها لا تقف على مراضاة القاطع وهو أصل معه فيما خالفنا عليه من دية النفس، فإن اختار القود من كف القاطع أقيد منها وهي أنقص من حقه؛ فيقاد من الناقص بالكامل، ويعطى بعد القصاص دية أصبعين لوجودهما في كف المقطوع ونقصانهما من كف القاطع.
وقال أبو حنيفة: لا شيء له بعد القصاص، وقد تقدم الكلام معه، واعتبر فقد الإصبعين بشللهما ولا يلزم بعد الاقتصاص نقص شللهما كذلك لا يلزم بعد، دية فقدهما، وهذا فساد بما قدمناه من الغرق بين شللهما وفقدهما بكمال العدد مع الشلل ونقصانه مع الفقد.
فصل:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان للقاطع ست أصابع لم يقطع لزيادة الإصبع)).
قال في الحاوي: لأن القصاص أن يؤخذ من الجاني مثل ما أخذ من غير زيادة فإذا كان للقاطع ست أصابع وللمقطوع خمس لم يجز أن تؤخذ ست بخمس فإن قيل: إذا جاز إذا اشترك رجلان في قطع يد أن يقطعوا بيدهن يد فهلا جاز أن يأخذوا ست أصابع بخمس؟
قلنا: لأن يد كل واحد منهما مماثلة ليد المقطوع فقطعناها وليست يده مماثلةً لليد الزائدة فلم يقطعها، وإذا كان كذلك نظر في السادسة الزائدة، فإن كانت تحت الكف في طرف الذراع وأصل الزند اقتص من كف القاطع، لبقاء الزائدة بعد أخد الكف، وإن كانت الزائدةً في الكف مع أصابعها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثابتة في الكف، فيقتص من أصابع القاطع الخمس وتستبقي الزائدة على كفه، وهل تؤخذ منه حكومة كفه المستبقاة؟ فعلى وجهين:
أحدها: وهو منصوص الشافعي: يؤخذ حكومة كفه لبقائها بعد استحقاق القود لها، ولا سلخ بها دية إصبع, لأنها تبع للأصابع.
والثاني: لا تؤخذ منه حكومة كفه يتكون تبعا للاقتصاص من أصابعه كما تكون تبعًا لها لو أخذت ديتها.
والقسم الثاني: أن تكون الإصبع الزائدة ملتصقةً بإحدى أصابعه الخمس فيسقط القصاص في الإصبع الزائدة مع الملتصقة بها، ولا يقتص منها لدخول الضرر على
الجزء: 12 - الصفحة: 162
الزائدةً، ويقتص من أربع أصابع القاطع، وتؤخذ منه دية إصبع وهي المستبقاة له مع الزائدة وتدخل حكومة ما تحتها من الكف في ديتها، وفي دخول حكومة باقي كفه في الاقتصاص من أصابعه ما ذكرناه من الوجهين: والقسم الثالث: أن تكون الإصبع الزائدة ثابتة على إحدى أنامل إصبع فيقتص من أصابع القاطع الأربع، فأما الإصبع التي تثبت الزائدةً في أناملها فلا يخلو حال الزائدة عليها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثابتة منها في الأنملة العليا، فلا قصاص عليه في شيء منها، وتؤخذ منه دية الإصبع، ولو بذلها قصاصا لم يجز أن يقتص منها.
والثاني: أن تكون الزائدة ثابتة على الأنملة الوسطى، فيقتص من أنملته العليا، ويؤخذ منه دية ثلثي إصبع ستة أبعرة وثلثين لبقاء الأنملة الوسطى والأنملة السفلى.
والثالث: أن تكون الزائدة ثابتة في الأنملة السفلى، فيقتص من أنملته العليا والوسطى، ويؤخذ منه ثلث دية إصبع، لبقاء الأنملة السفلى، وهو ثلاثة أبعرة وثلث.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان الذي له خمس أصابع هو القاطع كان للمقطوع قطع يده وحكومة الإصبع الزائدة ولا أبلغ بها أرش إصبع)).
قال في الحاوي: إذا كانت الإصبع الزائدة في كف المقطوع دون القاطع اقتصصنا من كف القاطع وأخذنا منه حكومة الإصبع الزائدة، ولا تبلغ بها دية إصبع من أصل الخلقة، فلو قطع الإصبع الزائدة وحدها فلا قصاص فيها لعدم مثلها في أصابع القاطع، وتؤخذ حكومتها، فإن بقي لها بعد اندمالها شين وكانت كفه بعد أخذها أجمل منها مع بقائها ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج لا شيء فيها، ويعزر الجاني عنهما، لأن الحكومة أرش للنقص ولم يحدث من جنايته نقص، وإنما يعزر للألم، ويكون بمثابة من قطع سلعة يضمن إن أفضت إلى التلف، ولا يضمن إن برأت.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والساجي: عليه حكومة، لأنه قد أراق دما بجناية، واختلفا في اعتبار حكومتها، فقال أبو إسحاق المروزي: اعتبر حكومتها والدم جار.
وقال الساجي: اعتبر حكومتها في أول أحوال اندمالها، لأنه أقرب إلى الاندمال المعتبر في غيرها.
الجزء: 12 - الصفحة: 163
فصل:
ولو كانت الإصبع الزائدة في كف القاطع والمقطوع معا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتماثل محل الزائدة من كفيهما فتكون مع الخنصرين أو مع الإبهامين فيقتص من كف القاطع بكف المقطوع ويستوفي القصاص في الأصل والزيادة.
والثاني: أن يختلف محل الزائدة من كفيهما فتكون الزائدة من القاطع مع خنصره والزائدة من المقطوع مع إبهامه، فلا قصاص في الزائدة لاختلافهما باختلاف محلهما، ويقتص من أصابعه الخمس، ويؤخذ منه حكومة الأصبع الزائدة.
فصل:
وإذا كان لرجل أربع أصابع من أصل الخلقةً وإصبع زائدةً في محل الخامسة الناقصة، والعلم بزيادتها وإن كانت في محل الخامسةً الناقصةً يكون إما بضعفها وقلة حركتها، وإما بدقها وصغرها، وإما بغلظها وطولها، وإما بسلبها عن استواء الأصابع، فإن قطع هذا الكف رجل سليم الكف لم يقتص من كفه، لأن فيها إصبعا من أصل الخلقة قد قابلتها إصبع زائدةً الخلقةً فلم يجز أن يأخذ الكاملة بالناقصة كما لا يأخذ السليمة بالشلاء، فإن أراد الدية أعطي دية أربع أصابع أربعين من الإبل وأعطي حكومةً في الزائدة، ويدخل في ذلك حكومةً الكف، فإن أراد القصاص اقتص من أربع أصابع القاطع وأخذت منه حكومة في الإصبع الزائدة، ولو قطع كفا كاملة الأصابع وله كف قد نقصت إصبعا وزاد في محلها إصبع، فإن رضي المقطوع أن يأخذ الزائدة بالكاملةً اقتص له من كف القاطع ولا شيء له في نقص الزائدة كما لو اقتص من شلاء بسليمةً، وإن لم يرض يأخذها بدلا من إصبعه اقتص له من أربع أصابع القاطع، وأخذ منه دية إصبع عشرا من الإبل، ولو كانت الزائدة في غير محل الناقصة لم يجز أن يقتص منها بالكاملة وإن تراضيا لسقوط القصاص فيها باختلاف المحل، ولو كانت كف كل واحد من القاطع والمقطوع ناقصةً إصبعًا وزائدةً إصبعًا فإن تساويا في الناقصةً والزائدةً جرى القصاص بينهما في الزيادة والنقصان، وإن استويا في الزائدةً واختلفا في الناقصة اقتص من الزائدة بالزائدة ويؤخذ من القاطع دية إصبع واحدةً وهي الناقصة من كف القاطع ويقتص من ثلاثة أصابع المتماثلة فيهما، وإن اختلفا في الزائدة واستويا في الناقصة فلا قصاص بينهما في الزائدة، ويقتص من أصابع القاطع الأربع ويؤخذ منه حكومة الزائدةً من المقطوع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قطع له أنملة لها طرفان فله القود من إصبعه وزيادة حكومة وإن كان للقاطع مثلها أقيد بها ولا حكومة فإن كان للقاطع طرفان
الجزء: 12 - الصفحة: 164
وللمقطوع واحد فلا قود لأنها أكثر)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الطرفان في أنملة المقطوع اقتص من القاطع وأخذ منه حكومة الطرف الزائد، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع فلا قصاص عليه، وتؤخذ منه دية أنملة، وإن كان الطرفان في أنملة القاطع والمقطوع اعتبر تماثل الطرفين، فإن كان متماثلين جرى القصاص بهما في الطرفين وإن كانا غير متماثلين فلا، لأن الطرف الزائد من أحدهما متيامن ومن الآخر متياسر فلا قصاص بينهما، ويؤخذ من القاطع دية أنملة وزيادة حكومة في الطرف الزائد.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قطع أنملة طرف ومن آخر الوسطى من إصبع واحد فإن جاء الأول قبل اقتص له ثم الوسطى وإن جاء صاحب الوسطى قيل لا قصاص لك إلا بعد الطرف ولك الدية)).
قال في الحاوي: إذا ابتدأ فقطع أنملة عليا من سبابة رجل ثم قطع أنملةً وسطى من سبابة آخر ليس لها عليا كان القصاص لصاحب العليا مستحقا في الحال، وقصاص صاحب الوسطى معتبرًا بصاحب العليا، فإن اقتص صاحب العليا اقتص بعده لصاحب الوسطى، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص قبل اقتصاص صاحب العليا لم يخل صاحب العليا من أن يكون قد عفا عن القصاص أو لم يعف، فإن عفا سقط قصاص صاحب الوسطى، لأنه لا يجوز أن يأخذ أنملتين عليا ووسطى بأنملة واحدة وسطى وإن لم يعف صاحب العليا قيل لصاحب الوسطى: لا قصاص لك في الحال مع بقاء العليا وأنت بالخيار بين أن تعفو عن القصاص إلى الدية وبين أن تنتظر بها قصاص صاحب العليا.
فإن قيل: إذا كان غير مستحق للقصاص في الحال فكيف يجوز أن يستحقه في ثاني حال، وهلا كان باختلاف الحالين كالحر إذا قطع يد عبد لما سقط القصاص عنه في الحال لم ينتظر بها عتق العبد من بعد حتى يقتص منه قيل: القصاص في الوسطى قد وجب بعد قطع العليا وإنما أخر استيفاؤه لأجل صاحب العليا، وما أخر استيفاؤه من القصاص لسبب لم يوجب تأخيره بطلانه كتأخير الاقتصاص من الحامل حتى تضع، وخالف قطع الحر العبد، لأن القصاص له يجب فافترقا، فإن بادر صاحب الوسطى فاقتص من القاطع فقد تعدى بأخذ العليا مع الوسطى إذ لا قود له عليه فيها لعدم محلها منه، وعليه ديتها للقاطع، ويرجع صاحب العليا بديتها على القاطع.
فصل:
ولو ابتدأ الجاني فقطع الأنملة الوسطى من سبابة رجل ليس له عليا ثم قطع العليا
الجزء: 12 - الصفحة: 165
من سبابة آخر فلا قصاص لصاحب الوسطى، سواء اقتص صاحب العليا أو لم يقتص، لأنه لم يستحق القصاص في الحال فلم تستحقه في ثاني حال كالعبد إذا أعتق، وكما لو قطع إصبعا شلاء ثم شلت إصبع القاطع بعد الجناية لم يقتص منها، وحكي ابن أبي هريرة في السليمة إذا شلت وجها ثانيًا أنه يقتص منها ولا وجه له اعتبارًا بما ذكرنا، ولو قطعهما من رجلين في حالةً واحدةً وجب لصاحب الوسطى القصاص إذا استوفاه صاحب العليا، ويصير كما لو تقدم بقطع العليا ثم الوسطى، لأن القصاص مستحق بعد القطع والعليا بعده مستحقة القطع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولا أقيد بيمنى يسرى ولا بيسرى يمنى)).
قال في الحاوي: والمماثلة في القصاص معتبرة في الجنس والنوع، فالجنس أن تؤخذ اليد باليد، ولا تؤخذ يد برجل، والنوع أن تؤخذ يمنى بيمنى، ولا تؤخذ يمنى بيسرى، فإذا قطع يده اليمنى وكان للقاطع يد يمنى أخذناها قودًا، وإن لم يكن له يمنى سقط القصاص إلى الدية ولم يؤخذ بها اليسرى لعدم المماثلة وهو قول الجمهور.
وقال شريك بن عبد الله: أقطع اليمنى باليمنى ولا أعدل عنها إلى اليسرى، فإن عدمت اليمنى قطعت اليسرى بها، لاشتراكهما في الأيسر وتماثلهما في الخلقة وتقاربهما في المنفعة وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126] ولأن ما تميز محله وتفرد بنوعه لم يكن الاشتراك في الاسم العام موجبًا للقصاص كالإصبع لا تؤخذ السبابة بالوسطى وإن اشتركا في الاسم لاختلافهما في المحل، ولأنه لو جاز أخذ اليسرى باليمنى عند عمدها لجاز أن تؤخذ بها مع وجودها وذلك غير جائز مع الوجود فكذلك مع العدم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قلع سنه أو قطع أذنه ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه وسأل القود فله ذلك لأنه وجب له بإبانته، وكذلك الجاني لا يقطع ثانية إذا أقيد منه مرة إلا بأن يقطع لأنها ميتة)).
قال الماوردي: وهذه المسألة يشتمل في القاطع والمقطوع على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقطع أذنه فيبينها ثم إن المقطوع أذنه ألصقها بدمها فالتحمت مندملة ثم سأل القصاص من القاطع اقتص له منه لوجوب القصاص بالإبانة، فإن سأل المقتص منه أن تزال أذن المقتص له.
قيل: لا حق لك في إزالتها وإنما تزال في حق الله تعالى، لأنها بعد الإبانةً ميتةً
الجزء: 12 - الصفحة: 166
نجسة يلزم أخذه بإزالتها لما عليه من اجتناب الأنجاس في الصلاةً وهو حق يستوفيه الإمام دونك، وهكذا لو اقتص من أذن الجاني فألصقها بدمها فسأل المقتص له أن تعاد إزالتها، قيل له: قد استوفيت حقك من القصاص بالإبانة، وإنما تزال في حق الله تعالى لا في حقك، فلو قطع هذه الأذن الملصقة قاطع من المقتص له أو من المقتص منه لم يضمنها بقود ولا ديةً، ويعزر لافتياته على الإمام لا لتعديه على المقطوع، لأنه مستحق عليه فلم يكن تعديًا في حقه وكان افتياتًا في حق الإمام لمداخلته في سلطانه.
والثاني: أن تقطع أذنه إلى نصفها ثم يتركها فيلصقها المجني عليه بدمها فتلتحم وتندمل فلا قصاص على الجاني لأمرين:
أحدهما: عدم الإبانة.
والثاني: إقرارها مندملةً وتؤخذ منه حكومة ما حدث من الشين بعد الاندمال فلو جني عليها آخر فقطعها إلى آخر الموضع الذي قطعها الأول أخذ بحكومتها دون القود كالأول، ولو أبانها اقتص منه بها، فلو بلغ القصاص إلى نصف أذن القاطع فألصقها بدمها أعيد قطعها منه قودًا، لأنها مقرة في غير القصاص فوجب أن تؤخذ في القصاص.
الثالث: أن تقطع أذنه وتتعلق بالجلد فلا تنفصل منه، فإن أعادها المجني عليه فالتصقت أقرت، لأنها إذا لم تنفصل فهي طاهرة لبقاء الحياة فيها، وإذا أقرت بعد الالتحام فلا قصاص فيها، وفيها حكومة بقدر الشين، وإن لم تلتحم وجب القصاص فيها فيقتص من أذن الجاني حتى تتعلق بجلدتها، ولا يقطع الجلدة كما لم يقطعها، لأن غضاريف الأذن محدودة فجرى القصاص فيها مع بقاء الجلد المغشي لها كما يقتص من الموضحة لانتهائها إلى العظم كذلك يقتص من غضروف الأذن لانتهائه إلى اللحم، فإذا اقتضى منها وأعادها الجاني فألصقها حتى التحمت أعيد قطعها ثانية، لأن حقه في بقائها بائنة كما بقيت أذن المجني عليه بائنةً.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقاد بذكر رجل شيخ وخصي وصبي والذي لا يأتي النساء، كان الذكر ينتشر أو لا ينتشر ما لم يكن به شلل يمنعه من أن ينقبض أو ينبسط.
قال في الحاوي: القصاص في الذكر واجب، لأنه عضو له حد وغايةً، فإذا استوعبه من أصل القضيب اقتص منه، ويؤخذ الطويل بالقصير، والغليظ بالدقيق، وذكر الشاب بذكر الشيخ، وذكر الذي يأتي النساء بذكر العنين، والذكر الذي ينتشر بالذي لا ينتشر ما لم يكن به شلل، وذكر الفحل بذكر الخصي.
الجزء: 12 - الصفحة: 167
وقال أبو حنيفة، ومالك: لا أقتص من ذكر الفحل بذكر الخصي، ولا الذكر المنتشر بغير المنتشر لنقصهما وقلة النفع بهما فلم يقتص من كامل بناقص، وهذا فاسد، لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126]. ولأنهما قد اشتركا في الاسم الخاص مع تمام الخلقة والسلامة من الشلل فجرى القصاص بينهما كسائر الأطراف، ولأن ذكر العنين صحيح وعدم الإنزال لعلة في الصلب، لأنه محل الماء، وكذلك ذكر الخصي صحيح، والنقص في غيره وهو عدم الأنثيين، ولأنه ليس في العنة والخصي أكثر من فقد الولد، وهذا المعنى لا يؤثر في سقوط القود، كما يؤخذ ذكر من ولد له بذكر العقيم، وكما يؤخذ ثدي المرضعةً ذات اللبن بثدي من لا ترضع وليس لها لبن، وفيما ذكرناه انفصال.
فأما الذكر الأشل فلا قصاص فيه من السليم كما لا يقتص من اليد السليمة بالشلاء، وشلل الذكر هو أن يستحشف أو ينقبض فلا ينبسط بحال، وينبسط فلا ينقبض بحال أو ينقبض باليد فإذا فارقته انبسط، أو ينبسط باليد فإذا فارقته انقبض، فهذا هو الأشل على اختلاف أنواع شلله، فلا يقتص منه إلا بأشل ولا يمنع اختلاف أنواع الشلل من جريان القصاص بينهما لعموم النقص وعدم المنفعة.
فصل:
فإن قطع حشفة الذكر كان فيها القصاص، لأنها معلومة الغاية ولا يمنع اختلافهما في الصغر والكبر من جريان القصاص بينهما، ولو قطع بعض ذكره اقتص منه إذا أمكن، لأنه عصب يمكن قطعه وليس فيه عظم يتشظى كالذراع، فيقدر المقطوع من ذكر المجني عليه، فإن كان نصفه قطع نصف الذكر الجاني، سواء كان أكبر من ذكر المجني عليه أو أقل، وإن كان ثلثه قطع ثلث ذكر الجاني، ولا يؤخذ بقدر المقطوع: لأنه قد يكون نصف ذكر المجني عليه بقدر الثلث من ذكر الجاني، فيؤخذ نصف ذكره ولا يقتصر على ثلثه اعتبارًا بمقدار المقطوع من بقية ذكره لا من ذكر الجاني.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وبأنثيي الخصي القصاص لأن ذلك طرف وإن قدر على أن يقاد من إحدى أنثيي رجل بلا ذهاب الأخرى أقيد منه وإن قطعهما ففيهما القصاص أو الدية تامةً)).
قال في الحاوي: أما القود في الأنثيين فواجب، لأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة ويخاف من قطعهما على النفس فأشبها الذكر، فيؤخذ أنثيا الشاب بأنثيي الشيخ، وأنثيي الرجل بأنثيي الصبي، وأنثيي من يأتي النساء بأنثيي العنين، وأنثيي الفحل
الجزء: 12 - الصفحة: 168
بأنثيي المجبوب، وهو الذي عناه الشافعي بالخصي، ومنع أبو حنيفة ومالك من أخذ أنثيي الفحل بأنثيي المجبوب، ومن أخذ أنثيي الذي يأتي النساء بأنثيي العنين، كما منعا منه في الذكر، والكلام فيهما واحد.
فإن قطع إحدى الأنثيين اقتص منها إذا علم أن القصاص منهما لا يتعدى إلى ذهاب الأخرى، لأن كل عضوين جرى القصاص فيهما جرى في أحدهما كاليدين والرجلين، فإن علم أن القصاص من إحداهما يتعدى إلى ذهاب الأخرى الأنثيين فلا قصاص فيهما، لأنه يصير قصاصًا من عضوين بعضو وذلك لا يجوز، ويؤخذ منه ديتها وهي نصف الدية، لأن في الأنثيين جميع الدية.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((فإن قال الجاني جنيت عليه وهو موجوء، وقال المجني عليه بل صحيح فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأن هذا يغيب عن أبصار الناس ولا يجوز كشفه لهم)).
قال في الحاوي: إذا اختلف في سلامة العضو المجني عليه فقال الجاني: هو أشل وهو موجوء قد بطلت منافعه فلا قود علي ولا دية، وعلي حكومة.
وقال المجني عليه: بل هو سليم استحق فيه القود أو الدية عامةً فقد نص الشافعي في الأعضاء الباطنةً كالذكر والأنثيين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول المجني عليه مع يمينه على سلامتها، وله القود إلا أن يقيم الجاني البينةً على ما ادعاه من الشلل، ونص في الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين والأنف والعينين القول المعتبر في سلامتها عند القصاص أن القول قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمة، ولا قود عليه ولا دية إلا أن يقيم المجني عليه البينة على سلامتها، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين على وجهين:
أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنةً أنها غير سليمةً على ما نص عليه في الأعضاء الباطنةً لا قود عليه ولا دية.
وبه قال أبو حنيفة: لأن الأصل براءة الذمةً من قود وعقل فكان الظاهر صدقه.
والقول الثاني: أن القول قول المجني عليه مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنة على ما نص عليه في الأعضاء الباطنة، لأن الأصل سلامة الخلقة وثبوت الصحة، وهكذا لو قطع رجلًا ملفوفًا في ثوب فادعى أنه كان ميتًا وادعى وليه أنه كان حيًا فهو على قولين:
أحدهما: أن القول قول الجاني.
والثاني: أن القول قول الولي وأصلهما اختلاف قوليه في أيهما هو المدعي:
الجزء: 12 - الصفحة: 169
أحدهما: أن الجاني هو المدعي لحدوث الموت، فيكون القول فيه قول الولي.
والثاني: أن الولي هو المدعي للقود، فيكون القول قول الجاني، فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أن اختلاف النصين محمول على اختلاف حالين، فيكون القول في الأعضاء الظاهرة قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمةً، والقول في الأعضاء الباطنة قول المجني عليه مع يمينه أنها سليمة.
والفرق بينهما: تقدير إقامة البينة في الأعضاء الباطنةً وإمكانها في الأعضاء الظاهرةً، فيقوى في الباطن جنبة المجني عليه، وقوي في الظاهر جنبة الجاني، كما لو قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها، كان القول فيه قولها لتعذر البينة عليها.
وإن قال: إن ولدت فأنت طالق، فادعت الولادة وأنكرها كان القول فيه قوله دونها، لإمكان إقامة البينة على ولادتها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من شرح المذهب، فإن قلنا إن القول قول المجني عليه في سلامتها مع يمينه حلف لقد كان سليما عند الجناية عليه، وحكم له بالقود أو الدية، إلا أن يكون للجاني بينة على ما ادعاه من الشلل وعدم السلامة، فإن شهدوا أنه كان أشل عند الجناية أو قبلها حكم بشهادتهم، وسقط القود والدية ووجب الأرش، لأن الشلل إذا ثبت قبل الجناية يزول وكان باقيا إلى وقت الجناية، فلذلك ما استوي حكم الشهادة في الحالتين، والبينة هاهنا إن كانت الجناية موجبة للقود شاهدان، وإن كانت موجبة للدية دون القود في الجناية شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، وإن قلنا: إن القول قول الجاني فلا يخلو حاله من أن يكون قد اعترف بالسلامة قبل الجناية أو لم يعترف بها، فإن لم يعترف له بالسلامة وقال لم تزل سلامته وحلف، فالقول قوله مع يمينه، وإن اعترف له بالسلامة وادعى حدوث الشلل عند الجناية القول المعتبر في السلامة عند القصاص ففي قبول قوله قولان منصوصان:
أحدهما: لا تقبل للاعتراف بالسلامة، لأنها قد صارت باعترافه بها أصل استصحابه فيصير القول فيه قول المجني عليه.
والثاني: أن يقبل دعواه في حدوث الشلل مع اعترافه بتقدم السلامة، لأننا لما قدمنا قوله في الشلل وإن كان الظاهر سلامة الخلقة قبلنا قوله مع اعترافه بسلامة الخلقة، لاعترافه بما وافق الظاهر من السلامة، فيكون القول قوله مع يمينه، لقد كان أشل ولا يلزم أن يكون يمينه على شلله وقت الجناية، لأن الشلل لا يزول بعد حدوث، فإن أقام المجني عليه بينة على سلامته سمعناها إن شهدت بسلامته وقت الجناية.
وإن شهدت بسلامته قبلها فعلى قولين من اختلاف قوليه إذا اعترف بتقدم سلامته هل
الجزء: 12 - الصفحة: 170
يقبل قوله في حدوث شلله.
فإن قيل بقبول قوله فيه لم يحكم عليه بهذه البينة، وإن لم يقبل قوله فيه حكم عليه بهذه البينة، وكان له إحلاف المجني عليه لقد كان سليما إلى وقت الجناية عليه، ولا يقبل فيما أوجب القود إلا شاهدان ويقبل فيما أوجب الدية دون القود شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقاد أنف الصحيح بأنف الأخرم ما لم يسقط أنفه أو شيء منه)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] ولأن الأنف حد ينتهي إليه، وهو المارن المتصل بقصبة الأنف الذي يحجز بين المنخرين، والمارن ما لان من الأنف من القصبة الذي بعده من العظم فشابه حد الكف من زند الذراع، فلذلك وجب فيه القود، فيؤخذ الأنف الكبير بالصغير، والغليظ بالدقيق، والأقنى بالأفطس، والشام بالأخشم الذي لا يشم، لأن الخشم علة في غير الأنف، ويؤخذ أنف الصحيح بأنف الأجذم والأخرم إذا لم يذهب بالجذام والخرم شيء منه، لأن الجذام مرض لا يمنع من القود، فإن ذهب بالجذام والخرم شيء من أنف المجني عليه روعي ما ذهب منه وما بقي، فإن أمكن فيه القود استوفي، وهو أن يذهب أحد المنخرين ويبقى أحدهما فيقاد من المنخر الباقي ويؤخذ مثله من الجاني، وإن لم يكن فيه القود لذهاب أرنبة الأنف وهو مقدمه سقط القود فيه، لأنه لا يمكن استيفاء الأرنبة مع القود فيما بعدها، وكان عليه من الدية بقسط ما أبقاه الجذام من أنف المجني عليه من نصف أو ثلث أو ربع.
ولو كان أنف المجني عليه صحيحا وأنف الجاني أجذم، فإن لم يذهب بالجذام شيء منه أقيد به أنف الصحيح ولا شيء عليه بعده، وإن أذهب الجذام بعضه أقيد من أنفه وأخذ من دية الأنف بقسط ما أذهبه الجذام من أنف الجاني من ربع أو ثلث أو نصف، ولو قطع الجاني بعض أنف المجني عليه وكان كل واحد منهما صحيح الأنف قدر المقطوع من أنف المجني عليه وما بقي منه.
فإن كان المقطوع ثلث أنفه أقيد من الجاني ثلث أنفه، وإن كان نصفا فالنصف، ولا يقاد بقدر المقطوع، لأنه ربما كبر أنف المجني عليه فكان نصفه مستوعبا لأنف الجاني، فيفضي إلى أخذ الأنف بنصف أنف وهذا لا يجوز، فلو قطع المارن وبعض القصبة أقيد من مارن الجاني وأخذ منه أرش المقطوع من القصبةً، لأنهما عظم لا يتماثل فلم يجب فيه القود، كما لو قطع يدا من عظم الذراع أقيد من كفه وأخذ منه أرش ما زاد عليها من عظم الذراع.
الجزء: 12 - الصفحة: 171
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وأذن الصحيح بأذن الأصم)).
قال في الحاوي: والقود في الأذن واجب، لقوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ فيأخذ الأذن الكبيرةً بالصغيرةً، والغليظةً بالدقيقةً، والسمينةً بالهزيلةً، والسميعةً بالصماء.
وقال مالك: لا أقيد أذن السميع بأذن الأصم، لنقصها بذهاب السمع، وهذا فاسد؛ لأن محل السمع في الرأس، والصم يكون إما بسداد منافذه، وإما لذهابه من محله فلم يكن نقصا في الأذن وإنما هو نقص في غيرها، فجرى القود بينهما فيها، ومنفعةً الأذن تجمع الأصوات لتصل إلى السمع، وتؤخذ الأذن التي لا ثقب فيها بالأذن المثقوبة إذا لم يذهب بالثقب شيء منها، فإن أذهب الثقب منها شيئًا فهي كالأنف إذا أذهب الجذام شيئا منه، وكذلك قطع بعضها على ما بيناه في الأنف لتشابههما.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإن قلع سن من قد أثغر سنه هل يجب القصاص فإن كان المقلوع سنه لم يثغر فلا قود حتى يثغر فيتتام طرحة أسنانه ونباتها فإن لم ينبت، وقال أهل العلم به لا ينبت أقدناه)) قال في الحاوي: أما القصاص في الأسنان فواجب بقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45].
ولرواية أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في السن القصاص ولأن فيها منفعةً وجمالًا فأشبهت سائر الأعضاء.
فإن قيل: فالسن عظم والعظم لا قصاص فيه.
قيل: السن لانفراده كالأعضاء المنفردة التي يجري القصاص فيها، وغيره من العظام ممتزج ومستور بما يمنع من مماثلة القصاص فلم يجب فيه القصاص، فإذا ثبت وجوب القصاص فيه لم يخل حال المجني عليه بقلع سنه من أحد أمرين: إما أن يكون قد ثغر أو لم يثغر، والمثغور أن يطرح أسنان اللبن وينبت بعدها أسنان الكبر، فإن كان مثغورًا قد طرح أسنان اللبن ونبتت أسنان الكبر فقلعت سنه وجب القصاص فيها من مثلها من سن الجاني، وأسنان الفم إذا تكاملت اثنان وثلاثون سنًا، منها أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثني عشر ضرسا، وهي الطواحن، وأربعة نواجذ وهي أواخر أسنان الفم، فتؤخذ الثنيةً بالثنيةً، ولا تؤخذ ثنيةً برباعيةً، ولا ناب بضاحك، كما لا يؤخذ إبهام بخنصر، وتؤخذ اليمنى باليمنى ولا تؤخذ يمنى بيسرى
الجزء: 12 - الصفحة: 172
وتؤخذ العليا بالعليا ولا تؤخذ عليا بسفلى، وتؤخذ السن الكبيرة بالصغيرة، والقويةً بالضعيفةً، كما تؤخذ اليد الصحيحةً بالمريضةً، لأن الاعتبار بالاسم المطلق، وإذا كان كذلك لم يخل حال السن المقلوعةً بالجنايةً من أن تقلع من أصلها أو يكسر ما ظهر منها، فإن قلعت من أصلها الأسنان قلعت سن الجاني من أصلها الداخل في لحم العمور ومنابت الأسنان، وإن كسر ما ظهر منها وبرز من لحم العمور كسر من سن الجاني ما ظهر منها وترك عليه ما ستره اللحم من أصلها، فإن عفا عن القصاص إلى الدية كانت فيه دية السن خمسًا من الإبل كما لو قلعها من أصلها، لأن منفعتها وجمالها بالظاهر دون الباطن، فإن عاد وقطع ما بطن من بقيتها كان فيه حكومةً، كمن قطع أصابع الكف وجب عليه دية كف، فإن عاد فقطع بقية الكف كانت عليه حكومة، ولو كان قد قطعها من أصل الكف لم يجب عليه أكثر من الدية، ولو كسر نصف سنة بالطول، فإن أمكن القصاص منها اقتص، وإن تقدر كان عليه نصف ديتها.
فصل:
وإن قلع سن من لم يثغر فلا قصاص في الحال ولا ديةً، لأنها من أسنان اللبن التي جرت العادة بنباتها بعد سقوطها ووجب الانتظار إلى أقصى المدة التي يقول أهل العلم بها من الطب أنها تنبت فيه، فإن نبتت فلا قصاص فيها ولا دية، لأن القصاص والدية إنما يجبان فيما يدوم ضرره وعينه ولا يجبان فيما يزول ضرره وشينه كالسن إذا نبتت وكاللطمة إذا آلمت، لزوال ذلك وعوده إلى المعهود منه، فإن كان قد خرج مع سن اللبن حين قلعت دم نظر فيه فإن خرج من لحم العمور وجب فيه أرش، كمن جرح في لحم بدنه فأنهر دمه، وإن خرج من محل السن المقلوعة ففي وجوب الأرش وجهان حكاها أبو حامد الإسفراييني:
أحدهما: لا يجب فيه أرش كمن لطم فرعف لم يجب فيه أرش.
والثاني: فيه الأرش، لأنه قد قلع بقلعه ما اتصل به من عروق محله ومرابطه فلزمه الأرش، وعلى مقتضى هذا التعليل يجب عليه الأرش وإن لم يخرج دم لقطع تلك المرابط والعروق.
فإن قيل به كان هذا الوجه الثاني أصح، وإن لم يقل به كان الوجه الأول أصح، والقول الثاني عندي أولى.
فإذا ثبت وجوب الانتظار بالسن المقلوعة وقت نباتها لم يخل حال صاحبها من أحد أمرين:
إما أن يعيش إلى ذلك الوقت أو يموت قبله، فإن عاش إليه لم يخل حال تلك السن المقلوعة من أحد أمرين:
إما أن تنبت أو لا تنبت، فإن لم تنبت وجب فيها القصاص، فإن عفا عنه فالدية تامةً، لأنه قلع سنا لم تعد فصارت كسن المثغور وإن نبتت فلها ثلاثة أحوال:
الجزء: 12 - الصفحة: 173
أحدها: أن تنبت كأخواتها في القد واللون، فلا قود فيها ولا دية.
والثانية: أن تنبت أقصر من أخواتها فالظاهر من قصرها أنه من قلع ما قبلها قبل أوانه فصار منسوبا إلى الجاني فيلزمه دية السن بقدر ما نقص من السن العائد، فإن كان النصف فنصف ديتها، وإن كان الثلث فثلثها.
والثالثة: أن تنبت في قد أخواتها لكنها متغيرةً اللون بخضرةً أو سواد، فالظاهر أنه من الجنايةً، فيؤخذ الجاني بأرش تغييرها، وإن مات المقلوع سنه قبل الوقت الذي قدره أهل العلم بالطب لعودها فلا قود فيها، لأن الظاهر أنه لو بقي لعادت، والقصاص حد يدرأ بالشبهة.
وأما الدية ففي استحقاقها وجهان: أحدهما: يستحق، لأن قلعها مستحق وعودها مع البقاء متوهم، فلم يسقط بالظن حكم اليقين.
والثاني: لا يستحق الدية اعتبارًا بالظاهر كما لم يجب القود اعتبارًا به.
فصل:
وإذا كان المقلوع سنه مثغورًا فعادت سنه ونبتت ففيها قولان:
أحدهما: أنه يصير كغير المثغور إذا عادت سنه بعد قلعها تكون هي الحادثة عن المقلوعةً، فلا يجب فيها قصاص ولا دية كما لو جني على عينه فأذهب ضوءها ثم عاد الضوء كان هو الأول ولم يكن حادثًا عن غير، فلو كان قد تقدم الاقتصاص منها لم يقتص للجاني منها، لأن المستوفي على وجه القصاص لا يجب فيه القصاص لكن له الدية يرجع بها على المجني عليه لأخذه القصاص من سن لا يستحق فيها القصاص.
والثاني: أن هذه السن الحادثة هبة من الله مستجدة وليست حادثة من المقلوعة، لأن الظاهر من حال المثغور أن سنه إذا انقلعت لم تعد، فلا يسقط بعودها قصاص ولا دية، فيقتص من الجاني وإن عادت من المجني عليه بخلاف من لم يثغر، لأن سن المثغور لا تعود في غالب العادة، وسن غير المثغور تعود في الأغلب، وخالف ضوء العين إذا عاد بعد ذهابه، لأنه كان مستورًا بحائل زال فأبصر بالضوء الأول لا بضوء تجدد وهذه سن تجددت فافترقا، ويتفرع على هذين القولين فرعان:
أحدهما: أن يقلع رجل سنا فيقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، ثم تعود سن الجاني فتنبت.
فإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي هبةً مستجدةً وليست حادثةً عن الأولى، فلا شيء على الجاني بعود سنه من قصاص ولا دية لاستيفاء القصاص منه، وما حدث بعده هبةً من الله تعالى له.
وإن قيل: إن السن العائدة في المثغور هي الحادثةً عن الأولى، ففي وجوب
الجزء: 12 - الصفحة: 174
الاقتصاص منها ثانيًا وجهان:
أحدهما: يقتص منها إذا عادت ثانيةً كما اقتص منها في الأولى، وكذلك لو عادت ثالثةً ورابعةً، لأنه قد أفقد المجني عليه سنه فوجب أن يقابل بما يفقد سنه.
والثاني: لا قصاص فيها لاستيفائه منها وأنه جني دفعةً واحدةً فلم يجز أن يقتص منه أكثر من دفعةً واحدةً، فعلى هذا هل تؤخذ منه ديتها أم لا: على وجهين:
أحدهما: تؤخذ منه الدية لترك سنه عليه.
والثاني: لا يؤخذ بالدية كما لم يؤخذ بالقصاص، لأن لا يجمع بين دية وقصاص.
والفرع الثاني: أن يقتص من سن الجاني بسن المجني عليه، فتعود سن الجاني وتعود سن المجني عليه، فلا قصاص هنا من الثانيةً ولا دية على القولين معًا، لأننا إن قلنا بأن العائدة هبةً مستجدةً فهي هبةً في حق كل واحد منهما، وإن قلنا إنها حادثةً عن الأولى فقد عادت سن كل واحد منهما والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قلع له سنًا زائدةً ففيها حكومةً إلا أن يكون للقالع مثلها فيقاد منه)).
قال في الحاوي: أما السن الزائدةً فهي ما زادت على الاثنين والثلاثين سنًا المعدودة التي عيناها من أسنان الفم، وتنبت في غير نظام الأسنان، إما خارجةً أو داخلةً، وتسمى هذه الزيادة سنا ثانيةً، قال الشاعر:
فلا يعجبن ذا البخل كثرة ماله فإن الشغا نقص وإن كان زائدًا
فإذا جني عليها جان فقلعها لم يخل أن يكون للجاني مثلها أو لا يكون، فإن لم يكن له مثلها فلا قود فيها، لعدم ما يماثلها، كما لو قطع نابه ولم يكن له ناب لم يؤخذ به غير الناب، فإذا سقط القصاص في الشاغبةً فعليه فيها حكومةً لا يبلغ بها ديةً سن غير شاغبةً لنقص الأعضاء الزائدة عن أعضاء الخلقةً المعهودةً، وإن كان للجاني سن زائدةً لم يخل من أن تكون في مثل محلها من المجني عليه أو غير محلها، فإن كانت في غير محلها منه مثل أن تكون الزائدة من الجاني مع الأسنان العليا ومن المجني عليه مع الأسنان السفلى أو تكون من الجاني يمنى ومن المجني عليه يسرى، أو تكون من الجاني مقترنة بالناب ومن المجني عليه مقترنةً بالثنية فلا قصاص فيها، لأن اختلاف محلهما يمنع من تماثلهما فإن كانت من الجاني في مثل محلها من المجني عليه ففيها القصاص، لتماثلهما في المحل، وسواء اتفقا في القدر والمنفعةً أو تفاضلا، لتساويهما في الاسم الخاص كما قلناه فيما كان من أصل الخلقة المعهودة.
الجزء: 12 - الصفحة: 175
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ومن اقتص حقه بغير سلطان عزر ولا شيء عليه)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح ليس لمستحق القصاص أن ينفرد باستيفائه من غير إذن السلطان، سواء كان في نفس أو طرف ثبت ذلك عند سلطان أو لم يثبت لأمرين:
أحدهما: أن في القصاص ما اختلف الفقهاء في استيفائه فلم يتيقن فيه الحكم باجتهاد الولاة.
والثاني: أنه موجود في تعديته في الاقتصاص منه فلم يكن له القصاص إلا بحضور من يزجره عن التعدي، فإن تفرد باستيفائه فقد وصل إلى حقه ويعزر على افتياته، ولا شيء عليه إذا كان ما استوفاه من القصاص ثابتًا فإن ادعاه ولم يكن له بينة لم تقبل دعواه وصار جانيًا، فيؤخذ بما جناه من قصاص أو ديةً، ولا تكون دعواه شبهة في سقوط القصاص عنه، لأن سعدًا قال للنبي - ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ - ((أرأيت يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلًا أقتله؟ قال: لا حتى تأتي بأربعة من الشهداء، كفي بالسيف شا)) يعني: شاهدًا عليك بالقتل، وقال منصور بن إسماعيل التميمي المصري، من أصحابنا: لا يعزر الولي إذا استوفاه بغير سلطان: لأنه استوفي حقه فلا يمنع منه كاسترجاع المغصوب وهذا فاسد بما قدمناه من الأمرين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو قال المقتص: أخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها، وقال عمدت وأنا عالم فلا عقل ولا قصاص فإذا برئ اقتص من يمينه وإن قال لم أسمع أو رأيت أن القصاص بها يسقط عن يميني لزم المقتص دية اليد)).
قال في الحاوي: وصورتها في رجل وجب القصاص عليه في يمناه فأخرج يسراه فقطعها المقتص، فلا يجوز أن تكون اليسرى قصاصًا باليمنى لاستحقاق المماثلة فيه، كما لا تكون اليد قصاصا بالرجل وإن وقع به التراضي، وإذا كان كذلك بدئ بسؤال فخرج يده قبل سؤال المقتص القاطع: هل أخرج يده باذلا لقطعها أو غير باذل؟ فإن قال: أخرجتها غير باذل لقطعها وإنما أردت بإخراجها التصرف بها سأل حينئذ المقتص القاطع: هل علم أنها اليسرى أو لم يعلم؟ فإن قال: لم أعلم أنها اليسرى وظننتها اليمنى فقطعتها قصاصًا فلا قصاص على هذا المقتص في اليسرى وإن لم يكن قصاصًا في اليمنى، لأنها شبهةً تدرأ بها الحدود، وعليه ديتها، لأنه قطعها خطأ بغير حق، وهل يسقط بذلك حقه من قطع اليمنى أم لا؟ على وجهين:
الجزء: 12 - الصفحة: 176
أحدهما: قد سقط حقه من الاقتصاص منها لاعتقاده استيفاء قصاصه، فعلى هذا يرجع المقتص على مخرج يده اليمنى حالة في ماله، لأنها دية عمد، ويرجع مخرج يده اليسرى على عاقلة المقتص، لأنها دية خطأ، ولا يكونا قصاصا لاختلاف محلهما.
والثاني: أن حقه في الاقتصاص من اليمنى باق لبقائها، وأن الخطأ بغيرها لا يزيل الحق منها، فعلى هذا يكون للمقتص أن يقطع يمين الجاني المخرج ليسراه إذا اندملت اليسرى، لأن لا يوالي عليه بين قطعين فيسري قطعهما إلى تلفه، وهذا بخلاف ما لو استحق عليه قطع يديه فإنه يجوز أن يوالي عليه في الاقتصاص منهما بين قطعهما ولا ينتظر اندمال أولاهما، لأن قطعهما مستحق فلم ينتظر به الاندمال وفي مسألتنا الأولى غير مستحق فانتظر اندماله لاستيفاء المستحق بعده، فإذا اقتص من اليمنى كان على عاقلته دية يسرى الجاني.
وإن قال المقتص القاطع لليسرى علمت حين قطعتها أنها اليسرى.
قيل: عليك منها القصاص، لأنك أخذتها عمدًا بغير حق، سواء علم تحريم قطع اليسرى باليمنى أو جهل، فيقتص من يسراه بيسرى الجاني، فأما حقه في الاقتصاص من يمين الجاني فمعتبر بحاله في قطع اليسرى، هل قصد بقطعها القصاص من اليمنى أو لم يقصد بقطعها أن تكون قصاصًا باليمنى؟ فإن لم يقصد قصاصًا باليمنى كان على حقه من الاقتصاص من يمين الجاني، وإن قصد بقطع اليسرى أن يكون قصاصًا من اليمنى، ففي سقوط حقه من الاقتصاص منها وجهان:
أحدهما: قد سقط حقه من قطع اليمنى قصاصا لاعتقاده استيفاء بدله ويكون له على الجاني ديتها.
والثاني: أنه على حقه في الاقتصاص من اليمنى، لأنه لما لم تكن اليسرى بدلًا عنهما واستوفي القصاص لها وجب أن يكون على حقه من القصاص من اليمنى.
فصل:
وإن قال الجاني المخرج ليسراه: أخرجتها باذلا لقطعها الذي أخرج يسراه وكان عليه القصاص في يمناه سئل عن بذلها: هل جعلته بدلا من اليمنى أو غير بدل؟ فإن قال لم أجعله بدلا لعلمي بأنه لا يقتص من يسرى بيمنى قيل فقطع يدك هدر لإباحتك لها، فلا قود لك فيها ولا دية، ويعزر قاطعها زجرًا في حق الله تعالى مع علمه بالحظر، ولا يعذر مع جهله به، ثم يسأل قاطعها هل قطعها قصاصا أو غير قصاص: فإن قال: قطعتها غير قصاص كان على حقه في الاقتصاص من اليمنى بعد اندمال اليسرى، وإن قال: قطعتها قصاصًا من اليمنى، قيل له: علمت أنها اليسرى أو لم تعلم؟ فإن قال: علمت أنها اليسرى صار ذلك عفوًا منه عن قطع اليمنى فسقط حقه من الاقتصاص منها، وله ديتها حالة في مال الجاني، وإن قال: ظننتها اليمنى ولم أعلم أنها اليسرى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه فهل يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى؟ على ما مضى من الوجهين: أحدهما: لا يسقط وله الاقتصاص منها بعد اندمال اليسرى.
الجزء: 12 - الصفحة: 177
والثاني: يسقط القصاص منها ويرجع بديتها، وإن قال المخرج لليسرى أخرجتها لتكون بدلًا من اليمنى أخرج يسراه وعليه قصاص في يمناه سئل قاطعها: هل قطعتها بدلًا من اليمنى أم لا؟ فإن قال: لم أقطعها بدلًا كان عليه القصاص في يسراه، وله القصاص في يمنى الجاني، لأنه لما لم يسقط بذلك حقه من القصاص في اليمنى لم يسقط عنه القصاص في اليسرى، ولم يكن بذل مخرجها مسقطا لقصاصه لها، لأنه بذلها لتكون معاوضة باليمنى، فإذا لم تكن عوضًا سقط حكم البذل، وإن قال: قطعتها بدلًا لتكون قصاصًا من اليمنى سئل: هل علمت أنها اليسرى أو لم تعلم: فإن علم أنها اليسرى سقط قصاصه من اليمنى، وكان عليه دية اليسرى وله دية اليمنى فيتقاصان، لأنهما ديتا عمد في أموالهما، فإن تفاضلت ديةً أيديهما لكون أحدهما رجلًا والآخر امرأةً تراجعا فضل الدية وإن ظنها اليمنى ولم يعلم أنها اليسرى ففي سقوط القصاص ما قدمناه من الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان ذلك في سرقة لم يقطع يمينه ولا يشبه الحد حقوق العباد)).
قال في الحاوي: وصورتها: أن يستحق قطع يمين السارق فيخرج يسراه فتقطع فقد قال الشافعي في موضع القديم: القياس أن تقطع يمناه والاستحسان ألا تقطع فصار قوله في القديم لم يلزم من تقديم على الاستحسان، لأنه لا يجوز أن يؤخذ يسرى السارق بيمناه كالقصاص وقطع اليمنى بعد قطع اليسرى إذا اندملت، فعلى هذا إذا أخرجها السارق مبيحا لها لا قصاص فيها ولها دية، وإن أخرجها لتقطع في السرقة بدلا من يمناه فليستفد بها منه.
وإن عمد الجلاد قطع اليسرى وعلم بها اقتص منه يد السارق، وإن لم يعلم فلا قصاص عليه وفي وجوب الدية وجهان:
أحدهما: يجب عليه ديةً للصيد، لأن ما وجب في القود في عمده وجبت الدية في خطئه.
والثاني: لا ديةً عليه، لأنه في الخطأ متسلط، وفي العمد ممنوع هذا ما يقتضيه مذهبه في القديم.
فأما قوله في الجديد فلم يختلف أن أخذ اليسرى في السرقة مجزئ عن قطع اليمنى، وإن لم يجز في القصاص.
والفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن حقوق الله تعالى موضوعة على المساهلةً والمسامحةً، وحقوق العباد
الجزء: 12 - الصفحة: 178
موضوعةً على الاستقصاء والمشاحة؟
والثاني: أن قطع اليمنى في السرقة يسقط بذهابها إذا تآكلت، ولا يسقط حكم الجناية بذهابها في القصاص إذا تآكلت
والثالث: أن يسرى السارق تقطع إذا عدم اليمنى، ولا تقطع يسرى السارق بجاني إذا عدم اليمنى.
فلهذه المعاني الثلاثة افترقا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال الجاني مات من قطع اليدين والرجلين، وقال الولي مات من غيرهما فالقول قول الولي)).
قال في الحاوي: وصورتها في رجل قطع يدي رجل ورجليه ثم مات المجني عليه فلا يخلو موته من خمسة أحوال:
أحدها: أن يموت بعد اندمال اليدين والرجلين فيكون الجاني قاطعا وليس بقاتل فيلزمه إن عفا عن القصاص في يديه ورجليه ديتان إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين.
والثانية: أن يموت قبل اندمالهما فيصير الجاني قاتلًا يقتص من نفسه بعد الاقتصاص من اليدين والرجلين، فإن عفا عن القصاص كانت عليه ديةً واحدةً، لأن ديات الأطراف تدخل في ديات النفس إذا سرت الجناية إليها.
والثالثة: أن يموت بعد اندمال أحدهما وبقاء الأخرى، كموته بعد اندمال يديه وبقاء رجليه، فيصير الجاني قاتلًا بسراية الرجلين قاطعًا باندمال اليدين وتلزمه ديتان إحداهما في النفس لسراية الرجلين إليهما والأخرى في اليدين لاستقرار ديتها باندمالهما، لأنها تدخل في دية النفس ما لم تندمل، ولا تدخل فيها إذا اندملت.
والرابعة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات بعد اندمالهما فاستحق على الجاني ديتين، وادعى الجاني أنه مات قبل اندمالهما ليلتزم ديةً واحدةً، فالواجب مع هذا الاختلاف أن يعتبر الزمان الذي بين الجناية والموت، فإن اتسع للاندمال كالشهر فما زاد فالقول قول الولي مع يمينه بالله لقد مات بعد اندمال الجنايةً، لأنه قد استحق بابتداء الجناية ديتين، وما ادعاه من الاندمال محتمل فلم تقبل دعوى الجاني في إسقاط أحدهما إلا أن يقيم بينة أن المقطوع لم يزل مريضا حتى مات من الجناية فيحكم بها، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً، وإن ضاق الزمان عن الاندمال كموته بعد يوم أو أسبوع فالقول قول الجاني، لأن ما ادعاه الولي مخالف للظاهر ويحلف الجاني وإن كان الظاهر معه، لجواز أن يموت المقطوع مخنوقًا أو مسمومًا، فإن ادعى الولي مع ضيق الزمان عن
الجزء: 12 - الصفحة: 179
الاندمال أن المقطوع مات موجئا بذبح أو سم أو خنق صار مع كل واحد منهما ظاهر يوجب العمل عليه، فيكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون القول قول الولي مع يمينه وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأنه قد استحق في الظاهر بابتداء الجناية ديتين وما ادعاه من حدوث التوجية محتمل.
والثاني: أن القول قول الجاني مع يمينه، لأن الظاهر موته من الجناية وما ادعاه الولي من حدوث التوجية غير معلوم فلم يقبل منه، فعلى هذا لو اختلفا في اتساع الزمان وضيقه فقال الولي: اتسع الزمان للاندمال فالقول قولي في استحقاق الديتين، وقال الجاني: ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قولي في أن لا تلزمني إلا ديةً واحدةً، فالقول قول الجاني مع يمينه دون الولي، ولا يلزمه إلا ديةً واحدةً لأمرين:
أحدهما: أن الأصل قرب الزمان حتى يعلم بعده.
والثاني: أن الأصل بقاء الجناية حتى يعلم اندمالها.
والخامسة: أن يختلفا فيدعي الولي أنه مات من الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فاستحق القصاص في النفس، ويدعي الجاني أنه مات من غير الجناية قطع يده ورجله ومات المقطوع فلا قود عليه في النفس، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه، لأن الظاهر معه، فإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني مع يمينه، لأن الأصل أن لا قصاص عليه في النفس.
فصل:
فلو كانت المسألة بضد المسطور وكانت الجناية موضحة توجب خمسا من الإبل ومات المجني عليه واختلف الولي والجاني، فقال الولي: مات من جنايتك فعليك دية النفس أو القصاص فيها، وقال الجاني: بل مات من غير جنايتي فليس علي إلا ديةً الموضحةً، فإن ضاق الزمان عن الاندمال فالقول قول الولي مع يمينه وله القصاص في النفس أو الدية كاملةً، لأن الظاهر معه، وإن اتسع الزمان للاندمال فالقول قول الجاني، لأن الظاهر معه في أن لم يجب بالجنايةً إلا دية موضحةً وأن النفس لا قصاص فيها، فصار الجواب بضد ما تقدم، لأنها بضده والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويحضر الإمام القصاص عدلين عاقلين حتى لا يقاد إلا بحديدةً حادةً مسقاةً ويتفقد حديده لئلا يسم فيقتل من حيث قطع بأيسر ما يكون به القطع)).
قال في الحاوي: وإنما اختار الشافعي أن يحضر القصاص عدلين شاهدين ليشهدا باستيفائه إن استوفي، وبالتعدي فيه إن تعدي، فإن قيل: فما معنى قول الشافعي: عدلين
الجزء: 12 - الصفحة: 180
عاقلين))، والعدل لا يكون إلا عاقلا فمنه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أنه قاله على طريق التأكيد، كمال قال الله عز وجل: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:26] و ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: 167].
والثاني: أنه أراد بالعقل ثبات النفس وسكون الجأش عند مشاهدة القصاص، وليس كل عدل يمكن جأشه عند مشاهدة القتل والقطع قاله أبو القاسم الصميري.
والثالث: أنه أراد بالعقل الفطنة والتيقظ ليفطن بما يجري من استيفائه من حق أو تعد، إذ ليس كل عدل يفطن لذلك قاله أبو حامد الإسفراييني، فإن غاب الشاهدان عن استيفاء القصاص لم يؤثر فيه وكان المسيء هو الحاكم بالقصاص دون المستوفي له، فأما صفة ما يستوفي به القصاص من الحديد فقد ذكرنا أنه ينبغي لمن حكم باستيفائه من سلطان أو قاض أن يتفقده حتى لا يكون مثلوما كالا ولا مسموما، لأن الكال يعذب المقتص منه والمسموم يهري لحمه، فإن اقتص بكال مثلوم لم يعزر، وإن اقتص بمسموم فإن كان القصاص في النفس فقد استوفي ولا غرم في السم لكن يعزر المقتص أدبا، كما لو قطع المقتص منه بعد قتله قطعا، وإن كان في طرف فأفضى السم إلى تلفه وصار التلف حادثا عن القصاص الذي لا يضمن وعن السم الذي يضمن فيلزم نصف الدية لحدوث التلف عن مباح ومحظور، كمن جرح مرتداً ثم أسلم وجرحه بعد إسلامه أخرى ثم مات ضمن نصف ديته لتلفه عن سببين أحدهما مباح والآخر محظور.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويرزق من يقيم الحدود ويأخذ القصاص من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس كما يرزق الحكام فإن لم يفعل فعلى المقتص منه الأجر كما عليه أجر الكيال والوزان فيما يلزمه)).
قال في الحاوي: ينبغي للإمام أن يندب لاستيفاء الحدود والقصاص رجلا أمينا من بيت المال إن لم يجد متطوعا، لأنه من المصالح العامة، ويكون من مال المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء والغنيمة المعد بعده للمصالح العامة، فإذا استوفي الجلاد القصاص أعطى أجرته منه، فإن أعوز بيت المال أو كان فيه ولزم صرفه فيما هو أولى منه من سد الثغور وفي أرزاق الجيوش منه كانت على المقتص منه أجرته دون المقتص له.
وقال أبو حنيفة: أجرته على المقتص له دون المقتص منه استدلالا بأن حقه متعين، وإنما يحتاج إلى الفصل بين حقه من حق غيره فكانت أجرة الفاضل على مستوفيه كمشتري الثمرة يلزمه أجرة لقاطها وجذاذها، وكمشتري الصبرة يلزمه أجرة حمالها ونقالها، ولأنه
الجزء: 12 - الصفحة: 181
لما كانت أجرة متعد المال على مستوفيه دون موفيه كذلك القصاص، ولأن العامل في الصدقات مستوف من أرباب الأموال لأهل السهمان، ثم كانت أجرته في مال أهل السهمان المستوفي لهم دون أرباب الأموال المستوفي منهم وجب أن تكون أجرة المقتص في مال المستوفي له دون المستوفي منه.
ودليلنا هو أن القصاص استيفاء حق فوجب أن تكون أجرته على الموفي دون المستوفي كأجرة الكيال والوزان، ولأنه قطع مستحق فوجب أن تكون أجرته على المقطوع منه كالختان وحلق شعر المحرم.
فإن قيل: فالختان وحلق شعر المحرم حق للمقطوع منه فلذلك وجب عليه أجرته والقصاص حق للمقطوع له دون المقطوع منه فكان المقطوع له أولى بالتزام أجرته من المقطوع منه.
قلنا: هما سواء، لأن الختان وحلق شعر حق على المقطوع منه كما أن القصاص حق على المقطوع منه، غير أن الحق في الختان والحلق لله تعالى وفي القصاص للولي فكا التزم حق الله التزم حق الآدمي.
فأما الجواب عن استدلاله بأجرة الجذاذ والنقل فهو أن ذلك تصرف فيما قد استقر ملكه عليه فاختص بمؤنة تصرفه فيه، وكذلك أجرة منتقد الثمن، وليس كذلك القصاص، لأنه إيفاء للحق ومؤونة الإبقاء مستحقة على الموفي كما قال تعالى:} فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ {[يوسف: 88].
ثم ثبت أن أجرة الكيال على الموفي دون المستوفي، كذلك في القصاص، وأما عامل الصدقات فهو نائب عن أهل السهمان في الإستيفاء لهم، وليس بنائب عن أرباب الأموال في الإبقاء عنهم، فكانت أجرته واجبة على من ناب عنه كأجرة الوكيل، وخالف المقتص؛ لأنه يقوم بالإبقاء دون الاستيفاء، فصار بالكيال والوزان أشبه.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا أن أجرة القصاص على المقتص منه دون المقتص له فقال المقتص منه: أنا أقتص لك من نفسي لتسقط عني أجرة القصاص لم يكن ذلك له لأمرين:
أحدهما: أن موجب المماثلة في القصاص يقتضي أن يؤخذ منه ما أخذه من غيره، ولا يكون هو الأخذ لهما معا.
والثاني: أنه حق عليه فلم يجز أن يكون هو المستوفي له كما لو أراد بائع الصبرة أن يكيلها بنفسه لم يكن له ذلك، فلو قال السارق وقد وجب قطع يده أنا أقطع يد نفسي ولا ألتزم أجرة قاطعي ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز القصاص.
والثاني: يجوز، لأن قطع السرقة حق لله يقصد به النكال والزجر فجاز أن يقوم بحق
الجزء: 12 - الصفحة: 182
الله تعالى عليه وخالف القصاص المستحق للآدمي وبالله التوفيق.
باب عفو المجني عليه ثم يموت وغير ذلك
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو قال المجني عليه عمدا قد عفوت عن جنايته من قود وعقل ثم صح جاز فيما لزمه بالجناية ولم يجز فيما لزمه من الزيادة لأنها لم تكن وجبت حين عفا.
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كانت جناية العمد على طرف كإصبع فعفا المجني عليه عنها لم يخل حالها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تندمل.
والثاني: أن تسري إلى النفس.
فأما القسم الأول: وهو أن تندمل الجناية ولا تسري فهو مسطور المسألة، فإذا كانت على إصبع قطعها فاندملت لم يخل حال العفو عنها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل.
والثاني: أن يعفو عن القود وحده.
والثالث: أن يعفو عما وجب بها على الإطلاق.
فأما القسم الأول: وهو أن يعفو عما وجب بها من قود وعقل فيصح عفوه عنهما جميعا فلا يستحق بها قودا ولا دية وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال المزني: ((يصح عفوه عن القود ولا يصح عفوه عن الدية)) لأن القود وجب قبل عفوه والدية لم تجب إلا بعد عفوه، لأنه لو طلب القود قبل الاندمال استحقه ولو طلب الدية قبل الاندمال لم يستحقها، والعفو عما وجب صحيح وعما لم يجب مردود، وهذا فاسد، لأن الدية مستحقة بالجناية وإنما يتأخر استيفاؤها إلى الاندمال كالديون المؤجلة بدليل أن عبدا لو جني عليه فباعه سيده قبل اندمال جنايته ثم اندملت في يد مشتريه كان أرشها لبائعه دون مشتريه، لأن استحقها بالجناية الحديثة في ملكه ولم يستحقها المشتري وإن اندملت في ملكه فصار ذلك عفوا عما وجب له، وإن لم يستحق قبضها، وفيه انفصال عما احتج له.
وأما القسم الثاني: وهو أن يعفو عن القود فلا يكون ذلك عفوا عن الدية ويكون عفوا مقصورا على القود وحده، لأنه لما خصه بالذكر اختص بالحكم.
وأما القسم الثالث: وهو أن يعفو عما وجب بالجناية ولا يسمى قودا ولا عقلا
الجزء: 12 - الصفحة: 183
فيكون ذلك عفوا عن القود، وهل يكون عفوا عن الدية أم لا؟ على قولين: بناء على اختلاف قوليه فيما توجبه جناية العمد.
فإن قيل: إنها توجب أحد الأمرين من القود أو العقل كان ذلك عفوا عن الدية كما كان عفوا عن القود لوجوب الدية بالجناية كوجوب القود بها.
وإن قيل إنها توجب القود وحده على التعيين ولا تجب الدية إلا باختيار المجني عليه لم يصح عفوه عن الدية وإن صح عفوه عن القود، لأن القود وجب والدية لم تجب، فهذا حكم الجناية إذا اندملت.
وأما القسم الثاني: وهو أن تسري إلى ما دون النفس كسرايتها من الإصبع إلى الكف فلا قود في الكف لثلاثة معان:
أحدهما: أن سقوط القود في أصل الجناية موجب لسقوطه فيما حدث عنها.
والثاني: أن السراية إلى الأطراف لا توجب القود وإن وجب بالسراية إلى النفس لما قدمناه من الفرق بينهما.
والثالث: أن أخذ الكف مع استيفاء الإصبع غير ممكن، فأما دية ما ذهب بالسراية من الكف فواجب مستحق لا يسقط بالعفو عن دية الإصبع لثلاثة معان:
أحدهما: أنه لم يتوجب إليه عفو.
والثاني: أنه لم يجب عند العفو ولم يتوجب إليه عفو.
والثالث: أن الدية لما تبعضت لم يسر العفو عن بعضها إلى جميعها، والقود لما لم يتبعض سرى العفو عن بعضه إلى جميعه، ويلزمه أربعة أعشار الدية أربعون من الإبل، لأن في الإصبع المعفو عنها عشر الدية.
وأما القسم الثالث: وهو أن تسري جناية الإصبع إلى النفس فيموت منها فلا قود في النفس لمعنى واحد، وهو أن سقوط القود في أصل الجناية يوجب سقوط فيما حدث عنها، وعليه دية النفس إلا قدر دية الإصبع إذا صح العفو عن ديتها، لما قدمناه من المعاني الثلاثة، فيلزمه تسعة أعشار الدية، لأن دية الإصبع عشرها إلا أن يمنع من الوصية للقاتل، عل ما سنذكره فيلزمه جميعها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال: قد عفوت عنها وما يحدث منها من عقل وقود ثم مات منها فلا سبيل إلى القود للعفو ونظر إلى أرش الجناية فكان فيها قولان أحدهما أنه جائز العفو عنه من ثلث مال العافي كأنها موضحة فهي نصف العشر ويؤخذ بباقي الدية.
والقول الثاني أن يؤخذ بجميع الجناية لأنها صارت نفسا وهذا (قاتل) لا
الجزء: 12 - الصفحة: 184
يجوز له وصية بحال.
قال المزني رحمه الله: هذا أولى بقوله لأن كل ذلك وصية لقاتل فلما بطل بعضها بطل جميعها)).
قال في الحاوي: وهذه المسألة تخالف ما تقدمها في ((صفة العفو)) وإن وافقتها في الصورة، وهو أن يقول المجني عليه وقد قطعت إصبعه عمدا: قد عفوت عنها وعما يحدث عنها من قود وعقل، وكان عفوه في المسألة الأولى مقصورا على العفو عنها دون ما حث منها فينقسم حال الجناية على ما قدمناه من الأقسام الثلاثة:
أحدهما: أن تندمل، فيكون على ما مضى من صحة عفوه عن القود في الإصبع وعن ديتها.
والقسم الثاني: أن تسري الجناية إلى ما دون النفس كسرايتها إلى الكف فيسقط القود فيها بالعفو عنه، ويبرأ من دية الإصبع لعفوه عنه ويؤخذ بدية الباقي من أصابع الكف وهي أربع ذهبت بالسراية مع الكف وذلك أربعون من الإبل، ولا يبرأ منه بالعفو عنه، لأنه إبراء مما لم يجب، والإبراء من الحقوق قبل وجوبها باطل مردود.
والقسم الثالث: وهو مسألة الكتاب: أن تسري الجناية إلى النفس فيموت منهما وقد عفا عنها وعما يحدث منها من قود فيسقط القود عنه في النفس والإصبع بالعفو عنه، وأما الدية فقد صار هذا الجاني قاتلا والعفو عنه من عطايا المريض المعترة من الثلث كالوصايا، وقد اختلف قول الشافعي في الوصية للقاتل على قولين:
أحدهما: باطلة كالميراث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس لقاتل شيء)) فعم الميراث والوصية؛ ولأن الميراث أقوى وأثبت من الوصية لدخوله في ملك الوارث بغير قبول ولا اختيار ووقوف الوصية على القبول والاختيار، فلما منع القتل من الميراث الذي هو أقوى كان بأن يمنع من الوصية التي هي أضعف أولى.
والثاني: أن الوصية للقاتل جائزة، وإن لم يرث لتخصيص النص بردها للوارث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)) فدل على عموم جوازها لغير الوارث، ولا يمنع الوصية كذلك القتل.
فإن قيل بالقول الأول: وهو أن الوصية للقاتل باطلة لزمته الدية كلها ولم يبرأ منها بالعفو عنها، وسواء ما وجبت بالجناية قبل العفو وما حدث بعده بالسراية، لأن سراية جنايته إلى النفس قد جعلته قاتلاً.
فإن قيل: فإذا أبطلتك الوصية للقاتل وأسقطتم عفوه عن الدية فهلا بطل العفو عن القود، لأن وصية لقاتل كما أبطلتم عفوه عن الدية أو أخرتم عفوه عن الدية كما أخرتم عفوه عن القود؟ قيل: لأن الدية مال والقود ليس بمال لأمرين:
أحدهما: أنه لو وصى لرجل بثلث ماله كان الموصى له شريكا في الدية ولم يكن شريكا في القود.
والثاني: أنه لو وصى لرجل بالدية صح، ولو وصى له بالقود لم يصح فلذلك صح
الجزء: 12 - الصفحة: 185
العفو عن القود ولم يصح عن الدية، فهذا حكم عفوه على القول الذي ترد فيه الوصية للقاتل.
وإن قيل بجواز الوصية للقاتل اعتبر حال عفوه، فإن خرج مخرج الوصية فقال: قد وصيت له بها وبما حدث عنها من قود وعقل، صح عفوه عن جميع الدية ما وجب منها قبل العفو من دية الإصبع وما حدث بعده من دية النفس، وإن لم تكن قد وجبت عند العفو، لأن الوصايا تصح بما وجب ربما سيجب، وبما ملك وبما سيملك، وإذا صار ذلك وصية كانت الدية معتبرة من الثلث كسائر الوصايا، فإن احتملها الثلث صح جميعها فيبرأ الجاني من الدية كلها، وإن لم يحتملها الثلث أمضى منها قدر ما احتمله الثلث ورد فيما عجز إلا أن يجيزه الورثة، وإن لم يخرجه مخرج الوصية وجعله عفوا أو إبراء محضا فقد اختلف قول الشافعي في عفوه، وإبرائه هل يجري مجرى الوصية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يجري مجرى الوصية لاعتباره من الثلث، فعلى هذا يكون على ما مضى من صحة جميعه إذا احتمله الثلث.
والثاني: أنه لا يصير وصية وإن اعتبر من الثلث، لأن الوصية عطية وهو العفو، والإبراء هو ترك وإسقاط، فخرج عن عطايا الوصايا، فعلى هذا يبرأ الجاني فيما وجب قبل العفو وهو دية الإصبع ولا يبرأ فيما وجب بعده من دية النفس، لأنه إبراء منه قبل وجوبه واستحقاقه ويلزمه من الدية تسعة أعشارها، واعترض المزني على هذا القول حين رأى الشافعي قد بعض عفوه فأجاز بعضه ورد بعضه اعتراضا وهم فيه فقال: إن صحت الوصية للقاتل صحت في الجميع وإن بطلت ردت في الجميع، ولم يكن لتبعيضها وتفريقها وجه، هذا وهم منه لأن الشافعي ما بعض عفوه وفرقه إذا كان وصية، والحاكم في جميعه على ما ذكره من صحته في الكل، وإن جازت الوصية له أو إبطاله في الكل وإن ردت وإنما فرقه إذا جعل إسقاطا وإبراء، لأن من حكم الإبراء على مذهبه أن يصح فيما وجب ويبطل فيما لم يجب فبطل اعتراضه.
مسألة:
قال المزني رضي الله عنه: ((قال -يعني الشافعي ولأنه قطع بأنه لو عفا والقاتل عبد جاز العفو من ثلث الميت قال وإنما أجزنا ذلك لأنه وصية لسيد العبد مع أهل الوصايا)).
قال في الحاوي: وهذه مسألة من إحدى ثلاث مسائل أوردها المزني ها هنا لاعتراضه الذي قدمته، وصورتها في عبد جني على حر فعفا المجني عليه عنها وعما يحدث منها من قود وعقل، ثم سرت الجناية إلى نفسه فمات عنها، فهذا العفو قد تضمن إسقاط القود وإسقاط الدية، والقود مستحق على العبد الجاني، والدية مستحقة على سيده
الجزء: 12 - الصفحة: 186
لتعلقها برقبة عبده، وإذا كان كذلك لم يخل حال العفو من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون مطلقا.
والثاني: أن يضاف إلى العبد.
والثالث: أن يضاف إلى السيد.
فإذا كان مطلقا بأن قال الجاني: عفوت عنها وعما يحدث عنها من عقل وقود صح العفو عن القود في حق العبد، وصح عن الدية في حق السيد، وسواء جازت الوصية للقاتل أو لم تجز، لأنها وصية للسيد والسيد غير قاتل، وإن كان العفو مضافا إلى العبد بأن قال له المجني عليه قد عفوت عنك وعما يجب لي عليك من قود وعقل صح العفو عن القود ولم يصح عفوه عن الدية لوجوب القود على العبد ووجوب الدية على السيد، وإن كان العفو مضافا إلى السيد بأن قال المجني عليه: قد عفوت عما وجب لي على سيدك من قود وعقل صح عفوه عن الدية ولم يصح عفوه عن القود لوجوب الدية على السيد ووجوب القود على العبد.
مسألة:
قال المزني رضي الله عنه: ((قال -يعني الشافعي ولأنه قال في قتل الخطأ لو عفا عن أرش الجناية جاز عفوه لأنها وصية لغير فاتل)).
وهذه المسألة الثانية التي أوردها المزني لحجاجه وهو أن تكون الجناية خطأ فيعفو عنها المجني عليه ثم تسري إلى نفسه فيموت منها فلا يخلو ثبوت هذه الجناية من أحد أمرين إما بأن تكون بإقرار أو بينة فإن أقر بها الجاني وعدمت فيها البينة لزمت بإقراره كما يلزم جناية العمد.
وقال مالك: لا يلزم إقراره بجناية الخطأ وإن لزم بجناية العمد، لأن دية الخطأ على العاقلة فصار مقرا بها على غيره فبطل إقراره وهذا فاسد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحمل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا)).
فأثبت للاعتراف حكما ونفاه عن العاقلة فدل على لزومه، ولأن للقتل الخطأ حكمين الكفارة والدية، لقول الله تعالى:} فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ {[النساء: 92] فإذا وجبت الكفارة بإقراره وجبت به الدية، ولأن ما وجب بالبينة وجب بالإقرار كالدين، وإذا لزم إقراره بها وجبت الدية عليه دون عاقلته إذا لم يصدقوه لتوجه التهمة إليه، ولذلك أسقطها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وإذا لزمته الدية وقد صار قاتلا جرى على العفو عنها حكم العفو عن دية العمد في إبطاله إن أردت الوصية للقاتل وجوازه إن أمضيت.
الجزء: 12 - الصفحة: 187
فصل:
وإن ثبتت جناية الخطأ بالبينة وجبت الدية على العاقلة، وفي وجوبها قولان:
أحدهما: وجبت عليهم ابتداء من غير أن يتوجه وجوبها على الجاني.
والثاني: أنها وجبت على الجاني ثم تحملتها العاقلة عنه، وعاقلته عصبته، فإن عدموا فجميع المسلمين في بيت مالهم، لأن دين الحق قد عقد الموالاة بينهم فصار المسلم لا يعدم عصبة، وإذا كان كذلك لم يخل مخرج عفوه من أن يكون وصية أو إبراء فإن كان وصية على ما ذكرنا فلا يخلو حالها من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يجعلها للعاقلة فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها لعاقلته فتصح هذه الوصية في ثلثه إذا احتملها، وتبرأ العاقلة منها، سواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن العاقلة غير قتلة.
والثاني: أن يجعلها للقاتل فيقول: قد وصيت بها وبما يحدث منها للجاني فإن ردت الوصية للقاتل وجبت الدية على العاقلة لورثة المقتول، فإن أجيزت الوصية للقاتل فإن له استيفاءها من عاقلته، لأنها وصية له بما عليهم، سواء قيل بوجوبها عليهم تحملا أو ابتداء، لأنهم تحملوها ساعة وجوبها عليه من غير مهلة فصارت الوصية بها بعد استحقاقها عليهم.
والثالث: أن يجعل الوصية بها مطلقة فيقول قد وصيت بها وما يحدث منها، ولا يسمى الموصى له بها، فهذه وصية باطلة، لأنها لغير مسمى، وللورثة استيفاؤها من العاقلة.
فصل:
وإن لم يخرج عفوه مخرج الوصية بل كان عفوا وإبراء محضا فالعفو والإبراء لا ينتقل من جهة من وجبت عليه الدية إلى غيره بخلاف الوصية، سواء أجرى عليه حكم الوصية أو حكم الإسقاط، إلا أنه إن جرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن جرى عليه حكم الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث عنها، لأن الإبراء منه كان قبل وجوبه، وإذا كان كذلك لم يخل حال عفوه من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتوجه إلى الجاني فيقول: قد عفوت عنك وعما يحدث بجنايتك، فإن قيل: إن الدية وجبت ابتداء على العاقلة لم يبرأوا منها، وكانوا مأخوذين بها، لأن العفو عن غيرهم، وإن قيل: إنها وجبت في الابتداء على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه صح العفو عنها وبرأت العاقلة منها لتوجه العفو إلى محل الوجوب، سواء جعل هذا العفو في حكم الوصايا أو الإبراء، وسواء أجيزت الوصية للقاتل أو ردت، لأن وجوب الدية على الجاني غير مستقر لانتقالها في الحال عنه إلى عاقلته فلم يكن في الوصية بها ما يمنع القتل منها إذا لم يتقبل إليها مالها، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية كان عفوا عن جميع
الجزء: 12 - الصفحة: 188
الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء، أو الإسقاط كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية دون ما حدث بعدها بالسراية فيلزم العاقلة ما حدث بالسراية دون ما لزم بابتداء الجناية.
والثاني: أن يتوجه العفو إلى العاقلة فيقول: قد عفوت عن عاقلتك في جنايتك وما يحدث منها فيصح العفو عنهم، سواء قيل بوجوبها عليهم ابتداء أو تحملا، لأنهم محل استقرارها، ولا مطالبة على الجاني بها لانتقالها عنه إلى من براء منها، لكن إن أجرى على العفو حكم الوصية كان عفوا عن جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء كان عفوا عما وجب بابتداء الجناية، وتؤخذ العاقلة بما حدث بالسراية.
والثالث: أن يكون العفو مطلقا فيقول: قد عفوت عنها وعما يحدث منها، فيصح العفو على الأحوال كلها، لتوجه العفو المطلق إلى محل الحق، لكن إن أجرى عليه حكم الوصية صح في جميع الدية، وإن أجرى عليه حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو كان القاتل خطأ ذميا لا يجري على عاتقه الحكم أو مسلما أقر بجناية خطأ فالدية في أموالهما والعفو باطل لأنه وصية للقاتل ولو كان لهما عاقلة لم يكن عفوا عن العاقلة إلا أن يريد بقوله: عفوت عنه أرش الجناية أو ما يلزم من أرش الجناية قد عفوت ذلك عن عاقلته فيجوز ذلك لها، قال المزني رحمه الله: قد أثبت أنها وصية وأنها باطلة لقاتل)).
قال في الحاوي: وهذه المسألة الثالثة من مسائل حجاجه، وهي مصورة في الذمي إذا لم تكن له عاقلة، وفي المسلم إذا أقر بالجناية ولم يقم بها بينة، وهما يستويان في حكم جناية الخطأ وإن افترقا فيها من وجه آخر، واستواؤهما فيها أن الذمي إذا كانت له عاقلة لا يجري عليهم حكمنا كانت جناية خطئه في ماله، فلو جرى عليهم حكمنا كانت جنايته على عاقلته، والمسلم إذا أقر بجناية الخطأ كالذمي إذا لم يجز على عاقلته حكم في وجوب الدية عليهما في أموالهما، فإذا كان كذلك فهما قاتلان، فإن ردت الوصية للقاتل، وجبت الدية عليهما سواء خرج العفو مخرج الوصية أو مخرج الإبراء، وإن أجيزت الوصية للقاتل صح العفو عن جميع الدية، وإن أجري عليه حكم الوصية، وإن أجري على العفو حكم الإبراء صح فيما وجب بالجناية وبطل فيما حدث بالسراية، وأما ما يفترق المسلم والذمي فيه من جناية الخطأ فهو أن المسلم إذا لم تكن له عاقلة كانت جنايته في ماله لأن المسلمين أولياء المسلم دون الكافر فعقلوا عن المسلم ولم يعقلوا عن الكافر، ولئن صار مالهما بالموت إلى بيت المال إذا لم يكن لهما وارث فحكمه مختلف، لأن مال المسلم ينتقل إلى بيت المال ميراثا وينتقل مال الذمي إليه فيئا، وفيما أوردناه من
الجزء: 12 - الصفحة: 189
شرح (المذهب) في هذه المسائل الثلاث التي احتج بها المزني ما يزول به احتجاج وهمه وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولو جني عبد على حر فابتاعه بأرش الجرح فهو عفو ولم يجز البيع إلا أن يعلما أرش الجرح، لأن الأثمان لا تجوز معلومة، فإن أصاب به عيبا رده وكان له في عنقه أرش جنايته)).
قال في الحاوي: وصورتها: في عبد جني على حرجناية عمد فالتمس المجني عليه أن يبتاعه من سيده، فالسيد بالخيار بين بيعه عليه أو منعه منه، سواء أراد السيد أن يفديه من جنايته أو أن يبيعه فيها، لأن البيع عقد مراضاة لا يلزم إلا بالاختيار، فإن أجاب سيده إلى بيعه على المجني عليه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن بيعه عليه بثمن في الذمة.
والثاني: أن بيعه بأرش الجناية، فإن كان البيع بثمن في الذمة لم يكن الابتياع عفوا عن القود لاستحقاقه على العبد لو كان في ملك المجني عليه، ولم يسقط بانتقاله إليه، وإذا كان كذلك لم يخل بالقصاص من أن بكون مستحقا في طرف أو نفس، فإن كان مستحقا في طرف فالبيع جائز، وللمجني عليه أن يقتص من أطرافه إذا صار في ملكه كما كان له أن يقتص منه في ملك بائعه، ولا خيار له في نقصه بهذا القصاص، لعلمه باستحقاقه، وإن كان القصاص في نفسه لم يمنع ذلك من جواز بيعه لتردد حاله بين عفو واقتصاص، كالمريض المدمن يجوز بيعه مع خوف موته لتردد حاله بين برء وعطب، وإذا كان البيع جائزا فولى المجني عليه بعد ابتياعه على حقه من القصاص، وهو فيه بالخيار، فإن عفا عنه استقر البيع فيه، وكان له مطالبة بائعة بالدية إن كانت بقدر ثمنه فما دونه، وإن كانت أكثر منه فعلى قولين:
أحدهما: يطالبه بجميعها.
والثاني: ليس له إلا قدر ثمنه، وسيده البائع مخير بين دفع الثمن الذي قبضه بعينه وبين أن يدفع إليه غيره، ويكون الباقي من الدية بعد ثمنه هدرا، وإن اقتص منه ولي المجني عليه المشتري له فقد اختلف أصحابنا في الاقتصاص منه هل يجري مجرى مستهلكه بالغصب أو مجرى موته بالمرض؟ على وجهين:
أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري مجرى استحقاقه بالغصب، فيعلى هذا يكون لولي المجني عليه أن يرجع على البائع بثمنه مع علمه بحاله، لأن من اشترى عبدا من غاصبه مع علمه بغصبه كان له الرجوع بثمنه.
الجزء: 12 - الصفحة: 190
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن القصاص يجري مجرى موته بالمرض، فعلى هذا لا يرجع بثمنه لتلفه في يده ولا بأرش عينه لعلمه بجنايته.
فصل:
وإن اشتراه المجني عليه أو وليه بأرش جنايته فهي مسألة الكتاب فيكون ذلك عفواً عن القصاص بمجرد الطلب، سواء تم البيع بينهما أم لا؛ لأنه عدول إلى الأرش، والعدول إليه عفو، ثم ينظر في أرش الجناية فإن جهلها المتبايعان كان البيع باطلاً للجهل يقدر الثمن، وإن علماها فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون مقدرة ورقاً أو ذهباً، فالبيع جائز.
والثاني: أن تكون مقدرة إبلاً كالجناية على الإصبع مقدرة بعشر من الإبل أثلاثاً في العمد أخماساً في الخطأ، فإذا ابتاعه بها فهي معلومة الجنس والسن مجهولة النوع والصفة، وفي جواز جعلها صداقاً قولان:
أحدهما: يجوز للعلم بجنسها وسنها وثبوتها في الذمة واستحقاق المطالبة بها.
والثاني: لا يجوز للجهل بنوعها وحبسها، وأن حكم العقود أضيق وأغلظ.
فأما البيع فقد اختلف أصحابنا فيه، فكان أبو علي بن أبي هريرة يخرجه على قولين كالصداق، لأنهما عقداً معارضة، وذهب أبو إسحاق المروزي إلى بطلانه قولاً واحداً وإن كان الصداق على قولين، للفرق بينهما بأتساع حكم الصداق لثبوته بعقد وغير عقد وضيق حكم البيع الذي لا يستحق الثمن فيه إلا بعقد.
فإن قبل ببطلان البيع كان أرش الجناية في رقبة العبد يباع فيها إلا أن يفديه السيد منها.
فإن قبل بجواز البيع برئ العبد وبائعه من أرش جنايته، فإن وجد به المجني عليه أو وليه عيباً سوى الجناية كان له أن يرده به ويعود أرش الجناية في رقبته فيباع فيها أو يفديه السيد منها.
فإن قيل: فما الفائدة في رده وليس للمجني عليه غير ثمنه معيباً؟ قيل: لجواز أن يرغب في ابتياعه من يرضي بعيبه فيبرأ المجني عليه من ضمان دركه.
وبالله التوفيق.
الجزء: 12 - الصفحة: 191