كتاب الصيام
فصل الأصل في وجوب الصيام الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] معناه فرض عليكم وإنما قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تسلية للقلوب وتهوينا للخطب ولم يعين الصوم [255 أ/4] في هذه الآية ثم عين في آية أخرى فقال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وأما السنة: فما روي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس" 1، ... الخبر إلى أن قال: "وإيتاء الزكاة وصوم رمضان"، وروي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لصوته دوي لا يفقه ما يقول فدنا منه فإذا هو يسال عن الإسلام فذكر له إلى أن ذكر له صوم شهر رمضان فقال: هل عليَّ غيره قال: "لا إلا أن تطوع" 2، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم" 3. وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا فاعلم أن معنى الصوم والصيام واحد وهما في حقيقة اللغة الكف عن الشيء والإمساك، ولهذا سمي الساكت صائمًا قال الله تعالى: ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أي: صمتًا ويقال: صام النهار إذا استوت الشمس للزوال لأن لها وقفًا عن السير ويقال: خيل صائمة إذا وقفت عن [255 ب/4] السير، ومنه قول النابغة 4: خيلٌ صيامٌ وخيلُ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاجِ وأُخْرىَ تَعْلِكُ اللُّجَما ومعناه في الشرع الإمساك عن أشياء مخصوصة مثل الطعام والشراب، والجماع واستنزال المني فكأنه نقل من اللغة على الشريعة وهو أخصر من اللغوي ولكنه ضمت إليه النية، ثم اعلم أن عند الشافعي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] شهر رمضان وصوم رمضان هو أول ما فرض وليس هو بمنسوخ بل بين بقوله
الجزء: 3 - الصفحة: 229
تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وهذه الآية الثانية بيان لا ناسخة، وقيل: أول ما فرض صوم يوم عاشوراء، وروي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: فرض الله تعالى أولاً صوم يوم عاشوراء ثم نسخه بشهر رمضان 5 وقيل: أول ما فرض صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] ثم نسخ بشهر رمضان وقيل: أول ما فرض صيام أيام البيض وفي وجهان: أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه والثاني: أنه الثالث عشر وما يليه وهو الأصح ثم نسخ [256 أ/4] بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وقيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم شهر رمضان إلا أن اليهود تركوه إلى يوم واحد من السنة، والنصارى نقلوه إلى وقت وزادوا عشرة أيام ثم مرض ملكهم فزادوا عند شفائه عشرة أيام شكرًا لله تعالى فيصومون الآن خمسين يومًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. يعني هداكم لهذا الشهر وضل عنه من كان قبلكم.
واعلم أن صفة الصوم في ابتداء الإسلام هو أن يمسك من حين يصلي العشاء الآخرة أو ينام إلى أن تغيب الشمس فإذا غربت الشمس حل الطعام والشراب إلى أن يصلي العشاء أو ينام والأصل في ذلك ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثله.
وإن صرمة بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا فقال: عندك شيء فقالت لا ولكني أذهب فأطلب لك فذهبت وغلبت عينه فنام فجاءت فقالت: خيبة لك وصام من الغد فلما انتصف النهار غشي عليه وكان يعمل في أرض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [256 ب/4] إلى قوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: 187] الآية 6، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً اختان نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] تفتعلون من الخيانة 7. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أصاب عمر بن الخطاب أهله بعد العشاء الآخرة ونام حمزة رضي الله عنه قبل أن يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فأكل وشرب ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكأن ذلك عفوًا من الله تعالى ورحمته.
واختلفوا لما سمي رمضان فقال ابن عمر: سمي بذلك لأن وجوبه وافق رمضان الحر فسمي رمضان من قولهم رمضت الفصال ورمضت الأرض إذا حميت، وقيل وهو الأولى: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها، قاله أنس رضي الله عنه.
ثم اعلم أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء [257 أ/4] على التخيير بين الصوم والإفطار بالفدية فقال
الجزء: 3 - الصفحة: 230
تعالى: ﴿وَعَلَى اّلَّذِينَ يُطِيقُونِهُ فِدّيَةُ﴾ [البقرة: 184] , وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184] ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] , هكذا قاله ابن عباس وسلمه بن لأكوع رضي الله عنهما.
وقيل: إن هذا للشيخ الهرم يتخير بين الفطر والفدية, وبين تكلف الصوم ولم يكن القادر مخيراً قط والأول أصح, واعلم أنه نزل فرض صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا منه وفي هذا الشهر فرض استقبال الكعبة واختلف السلف في الأفضل فقال بعضهم: الصلاة هي أفضل من الصيام لتقدم فرضها ومقارنتها للإيمان, وقال آخرون: الصيام أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله: "كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى عليه" 8، وقال آخرون: الصلاة بمكة أفضل من الصيام والصيام بالمدينة أفضل من الصلاة مراعاة لموضع نزول فرضهما فإذا تقرر هذا فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا [257 ب/4] رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان" 9، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" 10، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "جاء رمضان شهر مبارك" 11، قال أصحابنا وجه الجمع بينهما أنه يلفظ بذكر رمضان ولم يعرف به ما يدل على أن المراد به الشهر يكره ذلك, وإذا قرن به ما يدل على أن المراد به الشهر لا يكره ذلك.
مسألة: قال 12: وَلاَ يُجوزُ لِأَحَدٍ صيامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضان.
الفصل
وهذا كما قال: نية الصوم شرط في صحته ولا يصح شئ من الصيام من غير نية سواء صام في الحضر أو في السفر وسواء كان صحيحاً أو مريضاً وسواء كان فرضاً أو تطوعاً, وقال زفر: صوم رمضان لا يفتقر إلى النية أصلاً إذا كان متعيناً فإن لم يكن متعيناً مثل أن يكون مريضاً أو مسافراً يفتقر إلى النية [258 أ/4] وكذلك غير صوم عطاء ومجاهد واحتجوا بأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى النية أصلاً كرد المغضوب وهذا غلط, لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 13.
الجزء: 3 - الصفحة: 231
وروى "لمن لم ينو" وروي "لمن لم يعزم"، وروي "لمن لم يفرض"، وروي "لمن لم يجمع", وروي "لمن لم يبيت"، وروي "لمن لم يورض"" أورده الدار قطنى رحمه الله, والتوريض هو التمهيد, وروي "لا صيام لمن يورضه قبل الفجر" أي: لم يهيئه, يقال أرضت المكان إذا سويته وهيأته, وروت ميمونة بنت سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم" 14 ولأنه عبادة لا تصح بعض أنواعه بغير نية فلا يصح شئ منه بغير نية كالصلاة والزكاة, وأما رد المغصوب فمن باب المعاملات لأن باب العبادات بخلاف هذا فافترقا فإذا تقرر هذا فالكلام في وقت النية فالفرض لا يصح إلا بالنية من الليل سواء كان صوم [258 ب/4] رمضان أو قضاء غير رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة, ويه قال مالك وأحمد, وقال أبو حنيفة: صوم رمضان يجوز بالنية قبل الزوال واحتج بأن هذا يدل عن صوم عاشوراء وصوم عاشوراء جاز بالنية قبل الزوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالى يوم عاشوراء, وقال: "من أكل منكم فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم" 15، وهذا غلط لما ذكرنا من الأخبار, ولا نسلم أنه بدل عن صوم عاشوراء ولم يكن صوم عاشوراء واجباً قط في قول بعض أصحابنا بدليل أنه قال: "من أكل فليمسك" ولم يأمر بالقضاء ومن أصحابنا من قال: كان واجباً ولكنه وجب في بعض النهار فوجبت النية من ذلك الوقت بخلاف صوم رمضان فإذا تقرر هذا تجب النية لكل يوم ولا تجزيه أن ينوى في أول ليلة رمضان لجميع صوم رمضان, وقال مالك: يجوز ذلك, وروى ذلك عن أحمد واحتجا بأن صوم كل شهر رمضان هو كعبادة واحدة لأن له حرمة واحدة كل يوم هو ركن منها [259 أ/4] وهذا غلط, لأنه صوم يوم مفروض فيفتقر إلى النية من ليلته كاليوم الأول وقولهم إنه كعبادة واحدة غلط, لأن إفساد بعضه لا يفسد الباقي وقد يلزم بعضه دون بعض إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان وبلغ الصبي, وأما كيفية النية عندنا صوم الفرض يفتقر إلى تعيين النية ويه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يفتقر صوم رمضان إلى التعيين ولو نوى صوماً مطلقاً يجوز عن صوم رمضان ولو نوى صوم التطوع يقع عن رمضان, وإن نوى صوم القضاء أو صوم ألمذر أو صوم الكفارة وقع ما نوى ويلزمه قضاء رمضان وقال أبو يوسف ومحمد: حكم المسافر حكم المقين ولو نوى النفل في السفر فعن أبى حنيفة روايتان فإذا تقرر هذا فكيفية التعيين قال أبو إسحاق: ينوى أن يصوم غداً عن رمضان صوم الفرض وقيل: هل يلوم أن يقول لله تعالى وجهان, وقال ابن أبى هريرة: لا يحتاج إلى نية الفرض وهذا هو المذهب، لأن صوم رمضان ممن عليه الفرض لا يكون إلا فرضاً [259 ب/4]
الجزء: 3 - الصفحة: 232
وهو كالاختلاف في كيفية تعيين نية الصلاة ثم إذا نوى من الليل صحت نيته سواء نوى في أول الليل أ, في أخره, أو فيما بينهما وسواء أكل بعد النية أو جامع أو نام وانتبه بعد ذلك وإذا بقى عليه من الليل قدر النية تعينت عليه كما إذا بقى من وقت الصلاة يتعين فعلها وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح النية في النصف الأول من الليل وتصح في النصف الثاني لأن النصف الأول هو تابع لليوم الماضي لا للمستقبل, وحكي عن أبى إسحاق أنه إن نوى ثم أكل بعده أو جامع فسدت نيته وعليه أن يستأنف النية, وحكي عن الاصطخرى أنه لما بلغه عنه هذا قال: استثنيت من قال هذا فإن تاب وإلا قتلته لأنه خلاف الإجماع وهو خلاف نص الشافعي أيضاً لأنه قال: طلع الفجر وفي فيه طعام لفظه فإن ازدراده أفسد صومه, وإن كان مجامعاً أخرجه مكانه ونيته تكون قبل ذلك ولأن الله تعالى قال: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] , [260 أ/4] فأباح الأكل إلى أخر الليل, فلو اشترطت النية بعد الطعام لبقى جزء من أجزاء الليل يجب فيه الإمساك والصحيح أن هذا حكي عنه حكايته ولا يوجد ذلك في كتبه وليس بمذهب له وقيل: رجع عنه عام حجته وأشهد على نفسه.
فرع
لو نوى فكان انتهاء النية مع انتهاء الليل أجزأته وإن كان انتهاء الليل قبل انتهائها مثل إن كان بعضها بعد الفجر وبعضها قبله لم يجزئه, ولو وافقت مع الطلوع حتى وقعت النية والطلوع معاً ولم يفت من النهار جزء لا يجوز لأنه يمضى جزء من النهار عند الطلوع فيكون بغير كمال النية وهذا هو المذهب, وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز لأنه استغرق النهار بالنية والنية والنية تجرى مع أول العبادة وإنما رخص في تقديمها للمشقة, قال القفال: وهذا أقيس.
فرع آخر
لو قالت الحائض: نويت ان أصوم غداً إن انقطع حيضي فاتفق انقطاعها قبل الفجر فإن لم يكن انضم إلى نيتها ما يدل على انقطاعها لا يجوز, وإن انضم دليل إلى [260 ب/4] نيتها فإن كانت مبتدئة يتم لها خمسة عشر في تلك المدة يصح, وإن كانت معتادةً وهى أخر عادتها فيه وجهان: أحدهما: يجوز لان العادة دلالة, والثاني لا يجوز لأن العادة قد تتغير والأصل بقاء الحيض.
فرع آخر
لو قام في أخر الليل وقال: أتسحر لأقوى على الصوم فهذا لا يكفي في النية بلا خلاف.
فرع آخر
إذا كان رمضان في سنة سبعين فقدر أنها سنة تسع وستين أو إحدى وسبعين فنوى
الجزء: 3 - الصفحة: 233
في صومه ذلك لا يصح لأنه ... 16 من السنة التي قبلها ولم ينو الصوم الواجب ولو نوى ليلة الثلاثاء أن يصوم غداً واعتقد أنه يوم الاثنين أو يوم الأربعاء فنوى صوم ذلك اليوم قال الثاضى الطبري: الصحيح عندي أنه يصح صومه ولأنه عين صوم الغد وخطأه في اعتقاده أنه يوم أخر لا يضره كما لو نوى أن يصوم غداً من هذه السنة التي هو فيها واعتقد أنها سنة سبعين فكانت سنة إحدى تصح نيته وصومه لأنه عين نيته أن يصوم غداً سنته فكان اعتقاده لغواً كذلك هاهنا وليس كذلك في المسألة المتقدمة، لأنه نوى أ، يصوم غداً [261 أ/4] عن نية ماضية أو مستقبلة ولم ينو عن السنة التي هو فيها فلم يجز, وقال والدي رحمة الله: فيه وجهان, وقال في "الشامل": عندي أنه يجوز هذا أيضاً لأن تعينه الغد هو بمنزلة تعيين هذه السنة.
فرع آخر
لو كان عليه قضاء أ, ل يوم من رمضان فقال: أصوم قضاء عن اليوم الثاني لا يجوز ذكره القاضي, وأبو حامد من غير خلاف ووجهه أنه نوى غير ما عليه كما لو كانت عليه كفارة اليمين فأعتق عن الظهار ويحتمل وجهاً أخر يجوز لأن تعيين الصوم غير واجب, وقال أبو حنيفة: إن كان عليه قضاء أ, ل يوم نوى قضاء الثاني منه جاز, وإن كان عليه قضاء اليوم الثاني فنوى قضاء اليوم الأول لا يجوز.
فرع
لو نوى أن يصوم غداً وقال بلسانه إن شاء الله لا يضره لقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24,23] , وإن نوى ذلك بقلبه لا يضره ذلك أيضا, لأن معناه في نيته أنه يقف فعله على مشيئته وتمكينه وتوفيقه فإن ذكره على وجه الاستثناء والشك فلا يجوز صومه حينئذ, وقال في "الحاوي" 17: إن قال: إن [261 ب/4] شاء زيد لم يجز, ولو قال: إن شاء الله فالصحيح أ، هـ لا يجوز, لأ، هـ استثناء يرفع حكم مانيط عليه, ومن أصحابنا من قال: يجوز لان قوله: إن شاء الله قول باللسان فلا يؤثر في اعتقاد القلب وهذا باطل بمشيئة زيد.
وربما يقولون: إن الله تعالى شاء صومه لأنه خير وهذا يبطل بما لو قال: أ، ت حر إن شاء الله لا يقع والتحرير خير.
فرع
لو اعتقد ترك صومه هل يبطل صومه؟ وجهان: احدهما: يبطل صومه وهذا أصح, لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقى بغير نية فبطل لأنه لا يتبعض, والثاني: لا يبطل ويه قال أبو حنيفة: لأ، هـ عبادة تلزم الكفارة بإفسادها فلم تبطل بنية الخروج كالحج وهذا لا يصح لأنه لا يخرج من الحج بالفساد بخلاف الصوم.
الجزء: 3 - الصفحة: 234
فرع آخر
إذا قلنا: يبطل صومه ففي زمان فطره وجهان أحدهما: في الحال, والثاني: إذا مضى من الزمان قدر الأكل أ, الجماع إن نوى تركه بالجماع يفطر وقبله لا يفطر.
فرع آخر
لو نوى أن يفطر بعد ساعة لم [262 أ/4] يكن مفطراً وكان على صومه وقيل: فيه وجها أخر: ولو نوى أن يكون غير مصلٍ بعد ساعة يحتمل وجهين.
فرع آخر
لو نوى في صوم النذر نقله إلى صوم الكفارة لا ينتقل إلى الكفارة وهل يبطل أصلاً أو يبقى نافلة؟ فيه قولان ذكره أصحابنا بخراسان.
مسألة: قال 18: فَأَمَّا التطَوع فَعلاَ بأسَ إِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُطْعَمْ شَيْئَاً أَنْ يَنْوى الصَّوْم قَبْلَ الزًوَالِ.
وهذا كما قال: صوم التطوع يجوز بالنية من النهار ويه قال أحمد وجماعة العلماء, وروى ذلك عن أبى طلحة والأصل أن ينويه من الليل, وقال مالك والمزني وداود: لا يجوز إلا بالنية من الليل, وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وجابر بن زيد أبى الشعثاء رضي الله عنهما قال القفال: وهذا أقيس, ولكنا جوزنا للخبر واحتجوا بأن ما بقى من النهار كيف يصير عبادة بنية متأخرة, ولأن محل نية النفل ونية الفرض سواء كما في الصلاة ولأنه أحد طرفي النهار فلا يجوز فيه نية الصوم كما بعد الزوال وهذا غلط لما روى عن عائشة [262 ب/4] رضي الله عنها أنها قالت: دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل من غداء" فقلت: لا, فقال: "إني إذا صائم" 19 , وروى أنه كان يدخل على أزواجه ويقول ذلك الخبر ولا يجوز أن يقال هذا محمول على أنه أصبح صائماً ثم أفطر إذا وجد طعاماً لأن المداومة على هذا لا تستحب, وفي الخبر كان إخباراً عن المداومة ولأنه لو كان على هذا الوجه لقال: إني إذا لا أفطر إذا تمم الصوم, وروى إني إذا صائم, فلا يحتمل ما قلتم, وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" 20، ولأنه لا بد من أن يدخل الرخصة في النقل كما في صلاة النفل فإن قيل: قد دخلت الرخصة على أن الكفارة لا تجب بالفطر فيه قلنا: هذا موجود في أكثر الصيام المفروضة من القضاء وصوم النذر والكفارة ولا يختص به التطوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 235
وأما دليلهم الأول قلنا: اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إذا نوى في النهار يجعل صائما من أ, ل الليل ويثاب على صوم جميع النهار لأنه [263 أ/4] لا يتبعض كمن أدرك الإمام يكون له ثواب كل الركعة وهذا هو المذهب الصحيح.
وقال بعضهم: يجعل صائما من وقت النية ويثاب من هذا الوقت وهو اختيار القفال, وقال: هذا هو المذهب, لأن الإمساك عن الطعام لا يصير قربة إلا بالنية, ولا ترجع النية قهقرى ولو أكل في أول النهار ثم نوى الصوم في بقية النهار لا يصح الصوم نص عليه في "الأم", وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه خرج فيه وجهاً أخر: أنه يجوز ويه قال ابن جرير وابن سريج وأبو زيد المروزى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو القياس لأنا نجعله صائماً من وقت النية فلا اعتبار بما قبله وهذا غلط, لأن من الشروط أن يكون غير أكل في أ, ل النهار لتتميز العادة عن العبادة, فإن عادة أكثر الناس الغداء والعشاء فترك الأكل شرط وليس ذلك بصوم, وإنما الصوم هو من وقت ما نوى على ما ذكر القفال ويجوز أن يشترط تقدم شرط على وقت العبادة كما لو أدرك [263 ب/4] الجمعة فصلاته من وقت الشروع في الصلاة ويشترط تقدم الخطبة على ذلك الوقت كذلك هاهنا, وأما الصلاة فتؤدى بأفعال فما خلا عن النية لا يكون عمل الصلاة وما ليس بعمل الصلاة هو يفسدها بخلاف الصوم, وألا بعد الزوال قال في حرملة: في أي وقت من النهار نوى الصوم جاز, وقال في القديم والجديد: لا يجوز بالنية بعد الزوال, فالمسألة على قولين والصحيح أنه لا يجوز, ويه قال أبو حنيفة ومحمد لأنه لم يستغرق معظم النهار بالنية بخلاف ماذا نوى قبل الزوال وهذا كما لو أدرك الإمام راكعاً فإنه يصير مدركا للركعة ولو أدرك ساجداً لا يصير مدركاً لفوات المعظم.
فرع
إذا دخل في الصوم تطوعاً ثم أفطر هل يثاب على ما مضى؟ المذهب أنه لا يثاب لأنه لم يتم العبادة, وحكي عن الشافعي أنه قال: يثاب عليه ..... 21 له أجر ما أحتسب.
فرع آخر
لو نسى النية في صوم رمضان حتى طلع الفجر عليه إمساك بقية نهاره [264 أ/4] وهل يكون صوماً شرعياً؟ قال أبو إسحاق: يكون صوما شرعيا والمذهب أنه لا يكون صوماً شرعياً لا يحتسب به.
فرع آخر
لو كان كافراً في أول النهار ثم أسلم فنوى الصوم فإن قلنا بالإفساد: لا يجوز, وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 236
قلنا: الصوم من وقت النية فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لم يوجد عند الشروع في العبادة ولا بعدها ما يضادها, والثاني: لا يجوز لأنه يشترط خلو أول النهار عما بضاده.
مسألة: قال 22: وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ رمضانَ حَتّى يَسْتَيْقِنَ أَنّ الهلالَ قَدْ كَانَ.
الفصل
وهذا هو كما قال: صوم شهر رمضان لا يجب عندنا إلا بأحد شرطين: إما برؤية الهلال, وإما يعد شعبان ثلاثين يوماً, وقيل: إن المزني أخذ ينقله عبارة الاستيقان والشافعي لم يقل ذلك بل قال: حتى يعلك وهذه العبارة هي أصح لأن اليقين هو عبارة عن القطع والتحقيق, وذلك ليس يشرط فيه وجوب الصوم إذ لا يحصل ذلك إلا برؤية كل أحد والعلم يقع ظاهراً وإن لم يكن مقطوعا به ويجب به الصوم [264 ب/4] ويمكن أن تؤول هذه الكلمة بأنه أراد به يقين الشاهد الذي يخبر عنه ولم يُرد في حق كل أحد, وقال بعض العلماء: يجب بهذين الشرطين ويجب بشرط أخر وهو أن يكون عارفا بالنجوم أ, يشهد شاهدان من أهل المعرفة بالنجوم أن الشهر قد دخل, وعندنا أنه لا يقبل قول المنجمين في ذلك بحال, وإن أكثروا والدليل عليه ما احتج الشافعي فقال: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" 23: "لا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة", وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقته فيما يقول فقد كفر بما انزل على محمد" 24، فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] قلنا: أراد بالاهتداء بالنجم معرفة الطرق والمسالك والبلدان لا ما قلتم وحكي عن بعض الشيعة أنه قال: يعتبر العدد في شهر رمضان ولا يعتبر الهلال وهو غلط ظاهر.
مسألة: قال 25: وَقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَقَدَّمُ الصيامَ [265 أ/4] بيوم.
الفصل
وهذا كما قال: صوم يوم الشك مكروه سواء صامه عن رمضان أو عن غيره من فرض أو تطوع إلا أن يوافق يوماً جرت العادة منه بصومه فلا يكره ويه قال عمر وعلى وعمارة بن ياسر رضي الله عنهم, والعبى والنخع ومالك والأوزاعى, وروى عن ابن عائشة وأسماء رضي الله عنه أنه إذا كان صحواً يكره, وان كان غيماً لا يكره عن رمضان, ويه قال أحمد وقال الحسن وابن سيرين: الناس في صومهم تبع لإمامهم فإن صامه الإمام
الجزء: 3 - الصفحة: 237
صاموا, وإن أفطر أفطروا, وروى هذا عن أحمد وعنه رواية ثالثة مثل قولنا.
واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك, وقال أبو حنيفة: إن نوى التطوع فيه لا يكره, وإن نوى عن رمضان يكره, ويه قال مالك في رواية وهذا كله غلط, لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم [265 ب/4] الذي تشك فيه من رمضان" 26، وروى ربعى بن حراش رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ثم ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا" 27، وروى عن صلة بن زفر أنه قال كنا عند عمار بن ياسر رضي الله عنه في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة مصيله فتنحى بعض القوم وقال: أنى صائم, فقال عمارك من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم 28، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا هلال رمضان بيوم ولا يومين إلا ان يوافق صوما كان يصومه أحدكم" 29، وقال سماك: دخلت على عكرمة في يوم وقد أشكل على أمن رمضان هو أم من شعبان فأصبحت صائماً فقلت: إن كان من رمضان لم يسبقني, وان كان من شعبان كان تطوعاً فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً فقال: هلم إلى الغداء فقلت: إني صائم, فقال أحلفت بالله لتفطرنه قلت: سبحان الله قال: أحلف بالله لتفطرنه [266 أ/4] قال: فلما رأيته لا يستثنى أفطرت قم قلت: هات فقال: ابن عباس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت بينكم وبينه كآبة أ, غيمة فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" 30.
قال أصحابنا: فإن وافق يوم عادة صومه فصامه عن فرض عليه لا يكره لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعاً له سبب فلئن يجوز الفرض فيه أولى كما في الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا جاز أن يصلى تطوعاً له سبب يجوز الفرض, وقال القاضي الطبارى: يكره ذلك عن فرضه, وقال أيضاً: لو كان عليه يوم من رمضان فقد ضاق وقت القضاء في هذا اليوم فيكره له أن يصوم فيه لأن الفرض به القربة ولا قربة في ذلك, وقال غيره: يجوز هاهنا أن يصومه, وإن لم يكن يوم عادته لأنه ضاق وقت القضاء, وهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 238
أصح عندي, وأما قول الشافعي: كان ابن عمرو رضي الله عنه يتقدم الصيام بيوم قال القفال: لم يُرد به الأخبار عن عادته لأنه نهى عنه [266 ب/4] كما ورد ... 31 يخالفه ولكنه روى أنه لما كبر وضعف بصره يبعث من ينظر له الهلال من علمائه وأمنائه إلى الصحراء حتى ينظروا إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن رأوه كان يصوم وإن لم يروه, وكانت السماء مصحية أصبح مفطراً وان كانت السماء متغيمة أصبح متلوماً أي: ممسكاً عن المفطرات منتظراً ثبوت رؤية الهلال لئلا يكون اكلأ في شهر رمضان, وان لم يجز صومه والدليل عليه ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو صمت الدهر لأفطرت يوم الشك 32، وأيضاً فإنه كان يفطر على هذا الحساب في أخر الشهر إذا تم ثلاثون بل كان يصوم يوماً أخر سوى اليوم الأول وعلى هذا ما رواه الشافعي بعد هذا عن على رضي الله عنه قال: لئن أصوم يوماً من شعبان أحب إلى من أفطر يوماً من رمضان 33 أي: لئن أمسك في يوم من شعبان فلا أطعم فيه أحب الى من ذاك واحتج بما روى في خبر ابن عمر رضي الله عنه, وإن كانت السماء متغيمة أصبح صائماً, قلنا: أراد ممسكا أو يحتمل أنه كان ذلك اليوم يوم عادته في الصوم وشاهد [267 أ/4] للراوي يفعل ذلك مرتين على الموافقة فحكي فعله بلفظ كان.
فرع
لو شرع في صوم يوم الشك هلي ينعقد وجهان والمذهب أنه لا ينعقد.
مسألة: قال 34: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الهلالَ رُئيَ قَبْلَ الزَوُالِ أَوْ بَعْدَهُ فهو لِلَّيْلَّةِ المُسْتَقْبِلةِ وَوَجَبَ الصيامُ.
يعنى: من الغد وهذا كما قال: إذا أهل الهلال في يوم الشك فهو لليلة المستقبلة دون الماضية سواء كان قبل الزوال أو بعده, وسواء كان في أول رمضان أو في أخره فإن كان في أوله فإنه يصوم من الغد, وإن كان في أخره فالعيد من الغد ويه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد, وقال ابن أبى ليلى وسفيان وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة السالفة, وإن كان في أخره ففيه روايتان إحداهما: الليلة الماضية .... 35 الثانية للمستقبلة احتياطياً للصوم, وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" فيجب الصوم عليهم برؤيته, وان ما قبل الزوال هو أقرب الى الماضية وهذا غلط لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن [267 ب/4] بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس ويه قال على بن أبى طالب وابن مسعود رضي الله عنهما
الجزء: 3 - الصفحة: 239
ولا مخالف لهم وخبرهم يقتضى وجوب الصوم بعد الرؤية وعندهم أنه يصوم جميع اليوم, وأما القرب قلنا: هو في أ, ل النهار أقرب إلى الليلة المستقبلة منه إلى وقت طلوعه من أول الليلة الماضية وما ذكره أحمد من الاحتياط في وجه له لأن هذا ان كان لليلة الماضية ثبت فيها, وان كان للمستقبلة في دليل فيه فلا يحتاط مع عدم الدليل على أنه يبطل به إذا اشتبه الفجر فإنه لا يجب الإمساك احتياطا.
مسألة: قال 36: وَإِنْ شَهِدَ عَلى رؤيتِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ رَأَيْتُ أن أَقْبَلْهُ لِلأَثَرِ فيهِ والاحتياطِ.
ٍ
وهذا كما قال: إذا رأى الهلال وحده فإنه يلزمه الصوم لأنه علم قطعا ويقيناً وإذا شهد شاهد واحد قال في "الأم": رأيت أن [268 أ/4] أقبل عدلاً واحداً للأثر والاحتياط وأراد بالأثر خبراً, روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إليه من الحرة فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال: نعم, قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم [268 ب/4] .................... 37 [269 أ/4] ثم قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً" 38، وقال ابن عمر رضي الله عنه: "ترى أي الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنى رأيته فصام وأمر الناس بالصيام" 39، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قبل شهادة الواحد, قال: يكفي المسلمين أحدهم 40، ويه قال على بن أبى طالب رضي الله عنه قالت فاطمة بنت الحسين بن على رضي الله عنه: أن رجلاً شهد عند على رضي الله عنه على هلال رمضان وأراد بالاحتياط قاله على رضي الله عنه, ويه قال ابن المبارك وأحمد وهو الصحيح, وقال في "الويطى": ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حرين مسلمين عدلين فحصل قولان وبهذا قال مالك والأوزاعى والليث وإسحاق واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: صحبنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمنا منهم وأنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا" 41 قلنا هذا احتجاج بدليل الخطاب والنطق [269 ب/4] أولى منه فإن قاسوا على هلال الفطر قلنا: قال أبو ثور: يقبل فيه قول الواحد أيضا لأن هذا خبر يستوي فيه المخبر والمخبر فأشبه أخبار الديانات وقيل: هذا قول مخرج ولا يصح وهذا لما روى طاوس قال: شهدت المدينة
الجزء: 3 - الصفحة: 240
وبها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على هلال رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته [فأمره] أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلا رمضان، قالا: وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين 42، فنقول: السنة فرقت بينهما ولأن الاحتياط للصوم في كل واحد من الموضعين يفرق بينهما.
وقال أبو حنيفة: بين أول الشهر وآخره، فإن كانت السماء متغيمة فإنه يقبل فيه شهادة واحد، وإن كانت السماء مصحية فلابد من الاستعاضة وقد يحصل ذلك بالخمسين في البلد الكبير مثل مصر وبغداد.
واحتج بأنه يجوز أن ينظر الجمع الكثير والجمع الغفير إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد ولا يراه الباقون.
قلنا [270 أ/4] يجوز هذا مع لطافة المرئي وبعده ويحتمل أن يختلف موضع قصدهم ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد جاز ولو حكم على ما قلتم لما صح فيه حكم الحاكم فإذا قلنا: بالمذهب اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لو شهد عبد أو امرأة فإنه يقبل لأن طريقه طريق الخبر دون الشهادة بدليل سقوط العدد فيه وبه قال أبو حنيفة، وقال سائر أصحابنا، لا يقبل وهو المذهب ونص عليه في "الأم".
ونص أيضًا على أنه يعتبر أن يقيد لفظه بلفظ الشهادة حتى يقبل منه، ولو جرى مجرى الخبر للزم فيه قبول قول واحد عن الواحد فيقول أخبرني فلان عن فلان.
وقيل: لا يعتبر فيه لفظ الشهادة من وجه ولا شك أنه يعتبر فيه العدالة.
وقال بعض أهل خراسان: لا تعتبر العدالة الباطنة فيه.
وهو غلط، وإذا قلنا بالقول الثاني وهو القياس كما قال، والقياس أن لا يقبل على مغيب أي على أمر خفي إلا شاهدان، وأراد به القياس على هلال شوال لا يقبل إلا ذكرين حرين بالغين عاقلين مسلمين بلا إشكال، فإن قيل: كيف قال الشافعي: "يصوم بشهادة الواحد للاحتياط" [270 ب/4] وليس من الاحتياط يجري يوم الشك للصوم، قلنا: هذا سؤال من لا يعرف صوم يوم الشك وذلك أن الشاهد الواحد متى شهد فقد خرج اليوم عن حد الشك إلى حد الاحتياط أو حد الوجوب، وكذلك إذا كانت السماء كلها متغيمة فاليوم ليس بيوم الشك، فأما إذا كانت السماء قطع سحاب متفرّع بحيث يحتمل الرؤية في مكان وإن تعذرت في مكان، ولم يشهد على رؤية الهلال شاهد فمن أصبح في هذا اليوم كرهنا له الصوم لأنه صبيحة يوم الشك، وقال القفال: صورة يوم الشك أن يقول بعض الناس رئي الهلال ولا يقول عدل منهم: أنا رأيت وسواء ذكر الفساق ذلك أو الصبيان أو الكفار فإن قيل: ظاهر ما حكي عن علي رضي الله عنه يوهم أنه كان يستحب صوم يوم الشك، قلنا: ليس كذلك بل الظن بعلي رضي الله عنه أنه لا يخالف السنة، وقد قال عمران بن الحصين رضي الله عنه يوم الشك: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا
الجزء: 3 - الصفحة: 241
القاسم" والمراد بما ذكرنا ما قدمنا إذا شهد واحد وإذا شهد واحد خرج اليوم عن الشك ولو أراد المزني [271 أ/4] قطع هذا الإشكال في اختصاره لأمكنه ذلك بحذف الواو من قوله: وقال علي، ورواه عن علي لئن أصوم يومًا من شعبان فيكون معناه، ورواه الشافعي كما روينا ثم نختصر من تلك القصة قول علي فلما أدخل الواو أوهم أن قول علي منفصل عن رواية الشافعي وروايته منفصلة عن قوله فيفهم.
فرع
قال في "الأم" 43: لو غُمَّ الشهران معًا فصاموا ثلاثين ثم جاءتهم البينة بأن شعبان قبل صومهم بيوم قضوا يومًا لأنهم قد أفطروا أول يوم من رمضان، وإن جاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أية ساعة منه وصلوا العيد.
فرع آخر
الشاهد الواحد إذا شهد بإسلام ذمي لا يقبل في الإرث وهل يقبل في حكم الصلاة عليه وجهان بناء على هلال رمضان ووجه المقاربة أنها شهادة تقتضي إيجاب عبادة.
فرع آخر
لو صاموا بشاهدين فعدوا ثلاثين ولم يروا الهلال وكانت السماء مصحية كان لهم الفطر نص عليه في "الأم"، و"أمالي حرملة"، وقال ابن الحداد في تفريعه: لا يجوز لهم الفطر لأن عدم الهلال [271 ب/4] يقين والحكم بشهادة شاهدين مظنون واليقين مقدم على المظنون وهذا خطأ في المذهب وقوله: أنه من تفريعه خطأ أيضًا لأن الشافعي نص عليه وما قاله مذهب مالك والدليل عليه أنه لو شهد الآية برؤيته جاز الفطر فجاز الفطر أيضًا بناء على شهادتهما وإذا جاز أن يراه الواحد والاثنان دون غيرهما جاز أن لا يراه الجماعة فلا يتحقق كذلك الشاهدين.
فرع آخر
لو صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا وكانت السماء متغيمة فلم يروا الهلال نص في "الأم" 44: أنهم يفطرون وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من قال: وبه قال محمد يصومون يومًا آخر لأنهم لو أفطروا كان إفطارًا بشهادة واحد وهو غلط، لأن الإفطار يثبت على طريق التبع كشهادة النساء تثبت الولادة ثم يثبت الميراث والنسب تبعًا.
فرع آخر
إذا رأى الهلال أهلّ بلد دون أهل بلد آخر نظرت فإن كان البلدان بينهما مسافة قريبة لا يختلف المطلع لأجلها كبغداد والبصرة تجب على أهل البلد الآخر برؤيتهم الصوم، وإن كان البلدان [272 أ/4] متباينين كالعراق والحجاز أو الشام وخراسان قال أبو حامد: لا يلزم أهل أحدهما رؤية أهل الآخر لأن الهلال يجوز أن يهل في إقليمه ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 242
يهل في إقليم آخر واختاره القاضي أبو حامد والدليل عليه ما روي عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: بعثني أم الفضل بنت الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية رضي الله عنه فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة وصاموا وصمت فرجعت إلى المدينة فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال: أما نحن فقد رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو ستكمل العدة ثلاثين فقلت: أما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أصحابنا: يحتمل أنه كان عنده نص في ذلك ويحتمل أنه أراد به قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" وبهذا قال أبو حنيفة.
قال أبو حامد: وحكي لي ثقة أن من البلاد ما لا يزيد الليل فيه عن النهار ومنها ما تكون الشمس طالعة فيه ولا تكون في غيره فإذا كان [272 ب/4] كذلك كان لكل بلد طلوع نفسه وغروب نفسه ورؤية نفسه، وقال القاضي الطبري وجماعة: هذا غلط، وإذا رآه في بلد وجب على أهل سائر البلاد الصوم وحكي هذا عن أحمد لأن الأرض مسطحة مبسوطة فإذا رُئي في بلد عرفنا أن المانع في بلد آخر عارض يمنع الرؤية لأن الهلال لم يستهل والأول أظهر عندي فإذا قلنا بهذا فلو رأى الهلال ليلة السبت فحكمه حكم البلد الذي انتقل إليه وليس له أن يفطر قبلهم لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر كريبًا أن لا يفطر وأن يقتدي بأهل المدينة ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل فيه وجهان، والأصح أنه لا يفطر لئلا يخالف أهل تلك البلدة وذكروا أيضًا أنه يعتبر القرب والبعد بمسافة القصر في هذا الحكم وهو غلط، بل الاعتبار في أحد الوجهين بالإقليمين.
فرع آخر
لو أن واحدًا من أهل البلد الذي لم يرقبه الهلال سافر إلى البلدة التي رأوا فيها الهلال ثم هم أفطروا في آخر الشهر فإن أفطروا برؤية الهلال أفطر معهم [273 أ/4] وإن أفطروا بكمال العدد ثلاثين يومًا فإن قلنا: حكمهم يلزمهم أهل البلاد يفطر معهم لا يلزم فيه وجهان على عكس المسألة الأولى، فإن قلنا: هناك لا يفطر تبعًا لأهل البلدة التي هو فيها فهاهنا يفطر، وإن قلنا: هناك يفطر لاعتبار حكم البلدة التي سافر عنها فهاهنا لا يباح له الفطر حتى يرى الهلال أو يكمل العدد.
مسألة: قَالَ 45: وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا من جِمَاعٍ أَوِ احْتِلاَمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا جامع بالليل وأصبح وهو جنب لم يضر صومه، وكذلك إذا احتلم في النهار اغتسل وأتمّ صومه، وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر
الجزء: 3 - الصفحة: 243
وعائشة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يفطرون الصائم الحجامة والقيء والاحتلام" 46 وكذلك الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى أصبحت صح صومها وليس من شرط الصوم الطهارة لا من الحدث ولا من الجنابة ولا من الحيض وحكي عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله والحسن بن صالح بن حي يبطل صومه إذا أصبح جنبًا من جماع وبه قال [273 ب/4] الشيعة، وقال طاوس وعروة: إن كان علم بجنابته ففرط في الاغتسال حتى أصبح لم يصح صومه، وإن لم يعلم حتى أصبح لم يجب قضاؤه وقال النخعي يجزيه في التطوع ويقضي في الفريضة، واجتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" 47 وهذا غلط لما روي خبر عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله يصبح جنبًا من جماع 48، ثم يصوم" أي: كان لا يحتلم فإن الأنبياء لا يحتلمون.
وأما خبر أبي هريرة قلنا: روي أن عائشة لما روت هذا الخبر رجع أبو هريرة وقال: أخبرني به الفضل بن عباس وروي أن عيسى بن أبان طعن فيه وقال: روى أبو هريرة خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما روجع فيه أحال به على ميت يعني على الفضل، فإنه كان يومئذٍ ميتًا وهذا الطعن فيه أحق لأنه ثبت كثير من أحكام الشرع برواية أبي هريرة ولم يقل هو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون بقوله سمعت الفضل مناقضًا للأول بل قال: من أصبح جنبًا أفطر قاله محمد ورب الكعبة [274 أ/4] وهذا يحتمل أنه ذكر ذلك برواية الفضل، وروي عن جابر رضي الله عنه قال: ليس كل ما يروى سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سمع بعضنا بعضًا ونحن لا نكذب وروي أن مروان بعث إلى أبى هريرة أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم فقال: "أهما قالتاه، قال: نعم، قال: فهما أعلم" 49 ويحتمل أنه منسوخ فإن الخبرين إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ ورأينا الصحابة تلقوا أحدهما بالقبول وعملوا به دل على أنه ناسخ للحديث الآخر الذي تركوه أو يكون تأويله من أصبح مجامعًا أفطر وقد يسمى الشيء باسم ما هو سبب فسمى الجماع جنابة وهذا بعيد.
مسألة: قال 50: وَإنْ كَانَ يَرَى الفَجْرَ لَمْ يَجِبْ وَقَدْ وَجَبَ أَوْ يَرَى أنَّ اللَّيْلَ قَدْ وَجَبَ وَلَمْ يَجِبْ أعاد.
وهذا كما قال: إذا أكل ظانًا أن الشمس قد غربت ولم تكن قد غربت يلزمه القضاء بلا خلاف على المذهب، وبه قال عامة الفقهاء، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء
الجزء: 3 - الصفحة: 244
عليه ويمسكوا بقية [274 ب/4] النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعطاء وعروة واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنا فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة فعجل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم 51، ولأنه بمنزلة الناسي لأنه أكل وعنده أنه غير صائم وهذا غلط، لما روي أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء قال: وبد من ذلك أورده أبو داود في سننه وروي أصحابنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء وأما خبر عمر قلنا: روى حنظلة قال كنا بالمدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر [275 أ/4] الناس فأمر عمر رضي الله عنه من كان قد أفطر أن يصوم يومًا مكانه، وروي مالك في الموطأ أنه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك: أراد به حقه وجوب القضاء، وروي أصحابنا أنه قال: الخطب يسير يقضي يومًا مكانه، وأما الناسي فلا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيًا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس فالنسيان خطأ في الفعل، وهذا خطأ في الوقت، والتحرز منه ممكن، وقال القفال: أما في آخر النهار فيلزمه القضاء بلا خلاف، وأما في أول النهار فقد نقل المزني أنه يقضي، وما نقله ليس هو من لفظ الشافعي بل لفظه واجب تأخير السحور فإذا صار إلى وقت يخشي طلوع الفجر أمسك وأحب تعجيل الفطر فإن خاف أن يكون النهار باقيًا أمسك فإن أفطر فبان أن النهار كان باقيًا فعليه القضاء ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه، فمن أصحابنا من صوّب المزني في هذا التخريج وسوى بين أول النهار وآخره، وقال: لعل المزني سمعه منه، ومن أصحابنا من غلط المزني وقال: في أول النهار [275 ب/4] لا يبطل صومه وبه قال مجاهد وهو اختيار المزني لأن الأصل بقاء الليل فهو معذور وفي آخر النهار الأصل بقاء النهار فعليه أن يحتاط ويؤخر فإذا لم يفعل أفطر ولم يساعده على هذا أحد من أهل العراق.
مسألة: قَالَ 52: وَإِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَفِيْ فِيهِ طَعَام لَفَظَهُ فإنْ ازدَرَدَهُ أَفْسَدَ صَوْمَهُ.
وهذا كما قال: العرب تسمي فجر الصبح خيطًا كما قال الله عز وجل فاعلم أنه يدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس لما روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس
الجزء: 3 - الصفحة: 245
من هاهنا فقد أفطر الصائم" 53 ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] وإذا طلع الفجر وفي فيه طعام أخرجه كما طلع الفجر فإن ازدرده أي: ابتلعه بعد طلوع الفجر أفسد صومه إذا كان ذاكرًا للصوم، وحكي عن ابن سريج وأبي إسحاق أنهما قالا: هذه [276 أ/4] المسألة لا تتصور إلا في رجل كان على سطح أو ربوة من الأرض يراقب الفجر فانشق عموده وفي فيه بقايا طعامه لفظها وصح صومه، وأما إن كان مطلع الفجر متواريًا عن بصره يستره حائل يأكل حتى يخبر بطلوع الفجر فعليه قضاء اليوم لا ينفعه أن يلفظ ما في فيه عند اتصال الخبر به لأن الطعام لا محالة قد وصل إلى جوفه بطلوع أوائل الفجر إلى أن يسمع الخبر اللهم إلا أن يتصور إمساك لقمة في الفم قبل طلوع الفجر واتصال الخبر به قبل ازدراد شيء مها فيلفظها بجملتها بعد طلوع الفجر إن تصور ذلك.
فرع
لو طلع الفجر وفي فيه طعام فسبقه الطعام ودخل جوفه من غير اختيار لازدراده وهو ذاكر لصومه هل يفطر؟ وجهان مخرجان من المضمضة إذا شق منها الماء وأصحهما أن عليه القضاء.
مسألة: قال 54: وَإِنْ كَانَ مُجَامِعًَا أخْرَجَهُ مَكَانَهُ.
وهذا كما قال: إذا أولج قبل طلوع الفجر فوافاه الفجر مجامعًا نظر فإن وقع النزع والطلوع معًا بأن كان الفجر يطلع وهو شرع لم يقدح ذلك في صومه وإنما يتصور ذلك على [276 ب/4] ما صوره أبو إسحاق وابن سريج قال ابن سريج: وسواء أنزل في حال الإخراج أو لم ينزل لم يفسد صومه لأنه متولد من مباح، وقال مالك وأحمد وزفر والمزني: يفسد صومه، وعن أحمد أنه يلزمه الكفارة أيضًا، واحتجوا بأن النزع هو جماع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فيفسده وهذا غلط، لأن النزع ترك الجماع وترك الفعل ليس بفعل، ألا ترى أنه لو حلف أنه لا يلبس ثوبًا وهو لابسه فنزع في الحال لا يحنث، وأما الالتذاذ فلا يتعلق به الفساد بل يتعلق بالوطئ وهذا ليس بوطء ولهذا لا يتعلق بالمباشرة دون الفرج إذا لم ينزل وإن التذ.
مسألة: قال 55: فَإِنْ مَكَثَ شَيْئًَا أَوْ تَحَرَكَ لِغَيْرِ إِخْرَاجِه أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَقَضَى وكفَّرَ.
وهذا كما قال: إذا مكث على الجماع كما ذكرنا مع العلم والقدرة على إخراجه أو تحرك لغير إخراجه فسد صومه وعليه القضاء والكفارة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يجب القضاء ولا كفارة وذكره والدي رحمه الله عن بعض أصحابنا
الجزء: 3 - الصفحة: 246
وهذا غلط لأنه مع الانعقاد بالجماع فصار كما لو أفسد بالجماع [277 أ/4] ولو كان جاهلًا بطلوع الفجر فلا كفارة وعليه القضاء وإن مكث بعد ذلك متعمدًا وليس على قولنا جماع يمنع صحة الصوم ولا كفارة إلا هذا واختلف أصحابنا إذا مكث متعمدًا فمنهم من قال: لم ينعقد صومه أصلًا والكفارة تجب بمنع الانعقاد بالجماع ومنهم من قال: انعقد صومه ثم فسد إذا أحرم مجامعًا انعقد ثم فسد والأول أولى عندي وقال الإمام أبو محمد الجويني: لو اشتغل عند الطلوع بالإخراج ولكن قصد بالحركة للإخراج طلب اللذة صار كالمكث على الجماع لأن اللذة تلتمس بالإيلاج مرة وبالإخراج أخرى فليكن قصده ترك الجماع لا يشوبه ابتغاء اللذة حتى لا يبطل صومه.
فرع
لو طلع الفجر وهو مجامع وظن أن صومه قد بطل وإن أقلع فمكث ممسكًا عن خراجه يلزمه القضاء ولا كفارة لأنه غير قاصد لهتك الحرمة ذكره في "الحاوي" 56، فإن قيل: أليس إذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا فوطئها طلقت ثلاثًا وإن مكث مع القدرة عن النزول عنها لا يجب الحد ولا المهر فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا فيه فقال صاحب "الإفصاح" [277 أ/4] لا نص فيه للشافعي والذي يقتضيه نصه في كتاب الصوم أنه يلزمه الحد إذا كان عالمًا بتحريمها فإن لم يكن عالمًا فلا حد ويلزمه مهر مثلها فلا سؤال ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الحد ولا المهر لأن الشافعي قال في كتاب الإيلاء: ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثًا فإذا غابت الحشفة طلقت ثلاثًا فإن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها فاشترط أن يخرج ثم يدخل فدل على أنه إذا مكث أو تحرك لغير إخراجه لا شيء عليه والفرق أن في الصوم لم يتعلق بابتداء الوطئ غرم لأنه كان قبل طلوع الفجر فجاز أن يتعلق باستدامته بعده غرم وفي الإيلاء يتعلق بابتدائه غرم وهو البينونة واستقرار المهر المسمى فلم يتعلق باستدامته بعده بشيء.
مسألة: قال 57: وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أسْنَانِهِ مَا يَجْرِيْ بِهِ الرَّيقُ.
وَلاَ يُمْكِن الاحترازُ مِنْهُ لا يفطر، وإن كانت جسمًا يقدر على لفظه من فيه وإلقائه عنه فازدرده أفطره.
وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال فيما يجري به الريق نقل الربيع أنه يفطر ففيه قولان وهذا لا يصح [278 أ/4] وقد بينه الشافعي في "الأم" على ما ذكرنا فالنصان على حالين ولا معنى لتخريج القولين فيه.
وقال القفال: أراد إذا جرى به الريق من غير قصد فإن قصد ابتلاعه وأمكنه دفعه عن أن يجري به الريق فلم يفعل بطل صومه وصغره لا يكون عذرًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إن كان قدر سمسمة فابتلعه عمدًا لا يفطره لأن الاحتراز عنه مثله لا يمكن وهذا لا يصح، لأنه إذا لم يمكنه الاحتراز يكون معذورًا عندنا أيضًا وكلامنا إذا أمكن ذلك وفسّره الربيع على هذا الوجه الذي حكاه القفال ولو صح فقال: إن تعمد ازدراده فطر.
الجزء: 3 - الصفحة: 247
فرع آخر
في الريق والنخامة إذا بلع الريق الذي يجتمع في فيه على العادة لا يفطره لأنه يمكنه الاحتراز منه فإن الريق لو انقطع جف حلقه وفسد وإن بزق في كمه ثم أخذه وبلعه فطره، وهكذا إذا أخذه بإصبعه ثم رده إلى فمه وبلعه فطره وهكذا لو رمى به فتدلى من فيه ثم رده وبلعه فطره ولو جمع الريق في فمه حتى كثر ثم بلغ فيه، وجهان:
أحدهما: يفطره لأنه خرج عن العادة ويمكنه الاحتراز منه [278 ب/4].
والثاني: لا يفطره وهو الأصح لأنه لم يفارق محله ولم يوجد منه غير الجمع ومجرده لا يوجب الفطر ولو أخرج لسانه وعلى رأسه ريق ثم رده إلى فمه لا يفطره لأنه لم يفارق محله ولو مص ريق غيره وبلعه فطره فإن قيل: "روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها" 58 قلنا: يحتمل أن يكون مص اللسان في غير الصوم ويحتمل أنه لم يبتلغ فإن مجرد المص لا يفطره قد جرت عادة الخياطين أنهم يبلون الخيط بالريق ثم يردون الخيط إلى الفم ويفتلون فإن لم يكن على الخيط من الرطوبة ما ينفصل عنه لا يبطل صومه بلا خلاف، فإن كانت تنفصل عنه فابتلعها عالمًا أنه يبطل الصوم بطل صومه وإن كان جاهلًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه لأن مثل هذا يخفي ويشتبه على العوام.
والثاني: يبطل صومه لأنه علم أن الواصل إلى الجوف مبطل للصوم وإذا علم ذلك كان من سبيله أن يحترز عن كل واصل إلى الجوف فإذا لم يحترز بطل صومه ولو أخرج البلغم من صدره إلى فيه ثم بلعه فطره قاله صاحب [279 أ/4] "الإفصاح" وغيره لأنه كالقيء وعلى هذا لو جذبه من رأسه فدخل في فيه ثم بلعه يجب أن يفطره قولًا واحدًا ذكره القاضي الطبري، وقال في "الحاوي" 59:فيه وجهان والصحيح أنه إذا أخرجه من حلقه أو دماغه لم يفطره كالريق ولو لم يحصل في فيه ولكن وصل إلى حلقه ومن هناك نزل إلى جوفه لا يفطره عندي لأنه نزل من الجوف إلى الجوف.
مسألة: قال 60: وَإِنْ تَقَيَأَ عَامِدًا أَفْطَر، وَإِنْ ذَرَعَهُ القَيءُ لَمْ يُفْطِرْ.
وهذا كما قال: إذا تقيأ عامدًا أفطر وعليه القضاء ولا كفارة كما لو أكل عامدًا، وإن غلبه القيء لم يفطره كما لو كان ناسيًا وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: القيء لا يفطر بحال، وقال عطاء وأبو ثور: إن تعمد يلزمه القضاء والكفارة وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهما والدليل عليه ما روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض" 61. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُفطر من
الجزء: 3 - الصفحة: 248
قاء [270 ب/4] أو احتجم أو احتلم" 62. قلنا: أراد به إذا ذرعه القيء بدليل خبرنا وحكي عن الحسن البصري أنه قال في رواية يفطره، وإن غلبه وهو خطأ لما ذكرنا.
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر فقال ثوبان: صدق أنا صببت له الوضوء 63. وذكر المزني واحتج في ذلك بابن عمر وفي بعض نسخ المزني وقد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك مرفوعًا من رواية أبى هريرة على ما ذكرنا واختلف أصحابنا إذا تعمد القيء كيف يفطر فمنهم من قال: إنما يفطر لأنه لا يقيء أحد إلا ويترادّ منه شيء إلى جوفه ولولا ذلك لم يفطره لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: الصوم مما دخل والوضوء مما خرج ومنهم من لا يعتبر ذلك لأنه لو قاء منكسًا رأسه بحيث يعلم أنه لم يرجع إلى جوفه شيء يفطره وهذا أصح فإذا تقرر هذا قال المزني بعد هذا أقرب ما يحضر لي للشافعي فيما يجري به الريق أنه لا يفطره ما غلب الناس من الغبار في الطريق وغربلة الدقيق وهدم الرجل الدار وفي نسخة الجدار وما يتطاير من ذلك وفي نسخة وما يتكاثر من ذلك أي: يغلب بالكثرة [280 أ/4] في العيون والأنوف والأفواه فيصل إلى الحلق حتى يتنخمه فيدخل في فيه أي: فيجد لونه في نخامته التي يخرجها من فيه فيشبه ما قال الشافعي في قلة ما يجري به الريق، والأمر على ما ذكر وهذه الجملة هي تشتمل على خمس مسائل إحداها: أن الرجل إذا مشى في طريق وهو صائم فيصعد غبار الطريق إلى جوف رأسه أو ينزل إلى أقصى حلقه لم يبطل صومه لأنه مغلوب به، والثانية: لو غربل دقيقًا كان كالغبار ولو غربل الدقيق وفتح فاه عمدًا حتى وصل إلى جوفه فيه وجهان كمن تعمد جمع الريق وبلعه، والثالثة: لو لم يلتئم عند الهدم حتى وصل التراب إلى الجوف لم يضره، والرابعة: أن العين والأنف والفم في هذه المسائل فلا يفسد صومه ما يصل من هذه السبل إلى الجوف، والخامسة: أن الصائم إذا تنخم فانقلعت النخامة وخرجت إلى فيه وهو غير قاصد لم يفسد صومه، وإن كان قاصدًا قلعها عن حد الباطن بالتنخم اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يفسد صومه وهو ظاهر كلام المزني واختياره، ومنهم من قال: يفسد صومه كما لو قصد الاستقاءة ولا فرق إذ لا فرق في الاستقاءة بين قلع الشيء من المعدة وبين قلعه من الصدر فإن كل ذلك جوف وإن كانت [280 ب/4] به سلعة فانقلعت النخامة من غير قصده فهو كمن ذرعه القيء وهذا هو القياس الواضح ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: جملة هذا هو أن الفم يقع الفطر بالواصل إلى الجوف منه
الجزء: 3 - الصفحة: 249
والخارج إليه، وكذلك القبل من الرجل والمرأة يقع الفطر بالداخل فيه والخارج منه، وأما الدبر فإنه يقع الفطر بالداخل فيه دون الخارج منه، وكذلك الأنف والأذن، وأما العين فلا يقع الفطر بالداخل فيها ولا الخارج منها، وقال أبو حامد: أخطأ المزني في "المختصر" حيث عد العين من جملة منافذ البدن وشبهها بالأفواه والأنوف وعلى هذا لو تثاءب إنسان إلى فوق فقطرت في حلقه قطرة ماء المطر لا يفطره كالذباب سواء ولو صب في حلقه ماء وهو نائم أو حبر مكرهًا أو وطئت نائمة مكرهة لا يفطره، وقال أبو حنيفة: يفطره كلها وهذا غلط، لأنه مغلوب عليه فأشبه ما ذكرنا ولو أكره وخوف بالسيف حتى شرب أو أكل بنفسه فيه قولان أحدهما: لا يفطره وهو المذهب الصحيح لأن هذا أشد من عذر النسيان، والثاني: يفطر لأن التناول حصل بفعله.
فرع
لو أعمي عليه فعولج بدواء يصل إلى جوفه قال القفال: فيه وجهان [281،4] أحدهما: لا يفطره كما لو أولج لغير علة، والثاني: يفطره لأنه فعل لمصلحته فصار ما لو باشر باختياره وهكذا المحرم إذا أغمي عليه فعولج بدواء فيه طيب هل يلزم الفدية على المداوي فيه وجهان.
مسألة: قال 64: وَإِنْ أَصْبَحَ لاَ يُرَى أَنَّ يَوْمهُ مِنُ رَمَضَانَ وَلَمْ يُطُعَمْ ثُمَّ اسَتَبانَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أصبح يوم الثلاثين من شعبان وهو يراه من شعبان ولم ينو الصوم من الليل ثم بان في أثناء النهار أنه من رمضان فإن قامت البينة فلزمه إمساك لحرمة الوقت كما لو نوى الصوم ثم أفسده بالجماع أو بالأكل فإنه يلزمه إمساك البقية ويفارق هذا الحائض إذا طهرت في بعض النهار لا يلزمها إمساك بقية النهار، لأنا أبحنا لها أن تأكل مع علمها بأنه يوم من رمضان فجازت لها الاستدامة على الأكل وهاهنا لا يجوز به أن يأكل الطعام مع العلم بالحال، وإنما أبحنا على أنه ليس من رمضان فإذا بان ذلك حرمنا عليه الأكل ومن أصحابنا من قال: هل يلزم الإمساك في المسألة الأولى [281 ب/4] قولان أحدهما: لا يلزمه الإمساك لأنه قال في البويطي: أحببت له أن يمسك لأنه أبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك بعده ولا فرق بين أن يكون أكل أو لم يأكل وإنما صور الشافعي المسألة فيمن لم يطعم لقصد الخلاف مع أبي حنيفة، فإنه يقول: إذا لم يطعم ونوى الصوم قبل الزوال يجوز صومه لا لأن وجوب الإمساك يختلف بذلك عندنا، وإذا أمسك على ما ذكرنا يلزمه القضاء لأنه لم ينعقد الصوم وهل يثاب عليه فيه وجهان: أحدهما: لا يثاب عليه لأنه لا يعتد به كما لو أكل متعمدًا ثم أمسك في الباقي.
الجزء: 3 - الصفحة: 250
والثاني: يثاب عليه وهو الصحيح لأنه لو تركه استحق العقاب وهو مطيع بإتيانه فإذا أتى به يثاب عليه، وإن لم يكن ثواب الصوم وقال أبو حامد: قال أبو إسحاق: يكون صائمًا صومًا شرعيًا لأنه لا يجوز في شهر رمضان أن يصوم غير رمضان وهذا أصح، ولأنه لا يجوز أن يقع نقلًا في رمضان ونحن نوجبه عليه فهذه العبارة خطأ فينبغي أن يعتبر بما ذكرنا.
مسألة: قال: 65: وَإِنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ الشهرِ فَهْوَ فَرْضٌ وَإِلاَّ فَهْوَ تَطَوُّعٌ.
الفصل [282 أ/4]
وهذا كما قال: إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان ولم يثبت رؤية هلال رمضان فنوى أن يصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع فكان من رمضان لا يجوز لأن الأصل بقاء شعبان ودخول رمضان مشكوك فيه فلا يصح الدخول في العبادة بالشك، وإن كان ذلك في آخر رمضان فإنه يجزيه أن يقول أصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان فإن لم يكن من رمضان فأفطر لأن الأصل بقاء رمضان ودخول شوال مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك.
وقال أبو حنيفة والمزني: يجوز في المسألة الأولى أيضًا قياسًا على المسألة الثانية، وعند أبي حنيفة يجوز صوم رمضان بمطلق النية ولو نوى أن يصوم غدًا من رمضان أو نافلة لم يجز سواء كان في أول رمضان أو في آخره لأنه لم يقطع النية بأحدهما، وإنما يترك بين النفل والفرض فلم يجز.
وقال بعض أصحابنا: نظير هذه المسألة في صلاة الجمعة إذا قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة أو نافلة لم يجز، وإن بان بقاء الوقت لأنه شرك بين جمعة ونافلة، ولو قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة [282 ب/4] وإن كان خارجًا فهي نافلة فبان أنه لم يكن خرج الوقت كانت جمعة لأنه بني على أصل ولم يشرك وفي هذا نظر لأن من شك في وقت الجمعة هل خرج أم لا لا يجوز له أن يحرم بالجمعة على الصحيح من المذهب لأنه لم يتيقن وجود شرط جواز الجمعة ولابد من اليقين في ذلك.
فرع
لو نوى في غير رمضان فقال: أصوم غدًا عن قضاء رمضان أو نافلة فإنها تنعقد نافلة وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: تنعقد قضاء لأن التطوع لا يفتقر إلى التعيين فكأن نوى القضاء وصومًا مطلقًا وهذا غلط، لأن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالشك بقيت نية الصوم فوقع تطوعًا، وما قاله لا يصح لأن التطوع ينافي الفرض ونية الصوم لا تنافي الفرض، فإذا نواه نافي به الفرض في يوم شك.
الجزء: 3 - الصفحة: 251
مسألة: قال 66: وَلَوْ عَقَدَ رَجُلٌ على أنَّ غدًا عَندَهُ من رَمَضانَ في يَومِ شَكِّ ثُمَّ بان له أنه كان من رمضان أجزأه.
الفصل
وهذا كما قال: إذا عقد الرجل على أن غدًا عنده من رمضان عقدًا صحيحًا غير ممرض، إما بشهادة شاهد واحد يشهد عنده على رؤية الهلال أو بإخبار من يثق بخبره من امرأة أو عبد يغلب على ظنه صدقه أجزأته نيته وصح صومه لأن غلبة [283 أ/4] الظن في جواز الدخول في العبادة تجري مجرى اليقين، ألا ترى أنه إذا سمع أذان المؤذن فغلب على ظنه دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلي، وكذلك إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة بورده أو عمله يجوز له أن يصلي، وكذلك لو كان يعرف منازل القمر وتقدير سيره فعلم أن الهلال قد أهل هل يجوز له أن يصوم به؟ قال ابن سريج: يجوز، واختاره القاضي الطبري لأن علمه الحاصل من جهة الحساب هو آكد من غلبة الظن بخبر غيره فجاز أن يصوم به وهو اختيار القفال أيضًا، ومن أصحابنا من قال: لا تصح نيته به لأن الحساب ليس بطريق شرعي ولا يتعلق به وجوبه، وإنما الطريق الرؤية أو العدد، وهكذا الوجهان فيمن لا يعرف الحساب لكنه أخبره به من يثق هو بخبره فصام على ذلك، ولو عرف ذلك بالنجوم ففيه طريقان: أحدهما: قول واحد لا تجوز نيته به، والثاني: فيه وجهان أيضًا لأنه استند إلى دلالة علم والصحيح الأول لأن النجوم لا مدخل لها في أحكام الشرع.
فرع
هل يلزمه الصوم به إما بالحساب أو النجوم فلا خلاف أنه لا يلزمه به لأنه يكفي في الجواز ما لا يكفي في الجوب [283 ب/4] كما قلنا في وقت الصلاة: يجوز أن يدخل فيها بغلبة الظن، ولكن لا يجب وقيل: إذا كانت السماء متغيمة فقال أهل العلم بالحساب: لو لم يكن غيم أمكنت رؤية الهلال من طريق الحساب سير القمر فمن لا يعرف الحساب لا يعتمد ذلك ومن عرفه هل يلزمه أن يصوم وجهان والصحيح أنه لا يلزمه حتى يثبت عند الحاكم.
فرع
لو أخبره صبي عاقل برؤيته فغلب على ظنه صدقه، قال أبو حامد: يجوز أن ينعقد الصوم به وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك لأنه لا حكم لقوله.
فرع
لو عقد من غير دليل وقال: غلب على ظني أنه من رمضان لا يجوز له أن يصوم ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 252
صام لا يجوز، وإن أصاب ولو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخبرني أنه من رمضان وقال لي: صم لا يجوز العمل عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم أنه لا يجب إلا برؤية الهلال أو استكمال العدة ذكره القاضي الحسين رحمه الله ثم أعلم أنه في لفظ "المختصر" أو في إشكال، وذلك أنه قال: لو عقد رجل ولم يبن سبب العقد [284 أ/4] وأطلق قوله ثم بان ومعناه بان للناس لا لهذا الرجل لأن هذا الرجل بان له بالأمس ما بان للناس اليوم.
مسألة: قال 67: وَإِنْ أَكَلَ شَاكًَّا فِْي الفّجْرِ فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ.
وهذا كما قال: وقت الصوم هو ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس كما أن وقت تركه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني وليس للفجر الأول تعلق بعبادة بحال فما لم يطلع الفجر الثاني فله الأكل فإن كان شك في طلوعه فالمستحب أن لا يأكل فإن أكل ولم يتبين له طلوع الفجر وبقي على الشك فلا شيء عليه وصومه صحيح، وقال مالك: فسد صومه وعليه القضاء ولا يذكر أصحابه هذا وهذا غلط، لأن الليل يقين وطلوع الفجر شك فلا يزال حكم اليقين بالشك ومتى تحقق الليل أفطر ويستحب له تعجيل الفطر، وإن لم يتحقق وغلب على ظنه دخوله نظر فإن كان غير دليل فالمستحب أن لا يأكل حتى يغرر بالصوم فإن أكل ونفي الأمر على ذلك فلا قضاء عليه، وإن غلب على ظنه بغير دليل فأكل وبقي على الشك يلزمه القضاء لأنه لا يجوز له الأكل مع هذا الشك إذ الأصل تحريم الطعام وهو شاك في إباحته [284 ب/4] فلا يجوز استباحته بالشك فإذا أكل يجب القضاء، وإن بان أن الشمس كانت قد غربت فلا قضاء عليه، فإن قيل: قال الشافعي نصًا: إذا شك الناس عند افتتاح الجمعة أن الوقت باقٍ أو لا، لا تجوز جمعتهم والأصل بقاء الوقت فخالف هذا الأصل الذي ذكرتم قلنا: لم يخالف وذلك أن الشك وقع هاهنا حين لم يبق من الوقت إلا قليل وذلك القدر لا يمتد حتى يصلى فيه جميع الصلاة بل يتيقن خروج الوقت قبل فراغه منها فلهذا لم ..... 68 أن تبتدئ الجمعة حتى .... 69 عرض الشك في خلال الصلاة نص الشافعي أنهم يتمونها جمعة إذ يمكن الفراغ قبل خروج الوقت والأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة ذكره القفال.
مسألة: قال 70: وَإِنْ وطِئَ امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا
الفصل
وهذا كما قال: الجماع محرم على الصائم فإذا جامع في الفرج عامدًا في صوم رمضان أفسد صومه وعليه القضاء بكل حال، وحكي أن الشافعي قال في "الأم": إذا كفر الواطئ يحتمل أن لا يكون عليه القضاء، وإن القضاء هو داخل في الكفارة ويحتمل
الجزء: 3 - الصفحة: 253
أن يكون عليه القضاء ولكل وجه وأن يصوم أحب إلّي فأومأ إلى قولين، أحدهما: لا قضاء [285 أ/4] وهو بعيد ولا فرق بين أنواع الكفارة ففيه وجهان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالكفارة ولم يأمره بالقضاء، والثاني: يلزمه القضاء وقد روي أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "وصم يومًا مكانه" والصحيح أن المسألة على قول واحد يلزمه القضاء، وقال بعض أصحابنا: إن كفَّر بالعتق والإطعام يلزمه وإن كفَّر بالصيام فقولان ووجه أن قضاء اليوم دخل في صوم شهرين.
وهذا غلط لأن هذا من مذهب الأوزاعي ولا يصح، لأن الصوم نوع من أنواع الكفارة فوجب معه القضاء كالعتق، ولأن هذا الصوم وقع عن الكفارة فيستحل أن يدخل فيه قضاء رمضان وتجب الكفارة وهي عتق رقبة، ولا فرق بين الزنا وغيره.
وقال سعيد بن جبير، وقتاده، والشعبي، والنخعي: لا تلزم الكفارة كما في الأكل، وحكي عن سعيد بن جبير أنه إذا زنى لا كفارة وإذا ....... 71 ورد من وطئ الزوجة، وهذا غلط لخبر الأعرابي المذكور في المختصر وتمامه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا [285 ب/4] في المسجد يومًا بين أصحابه إذ أقبل أعرابي ينتف شعره ويضرب صدره ويقول: ألا هلك الأبعد ألا هلك الأبعد يريد نفسه حتى دخل المسجد فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أعرابي"، فقال: هلكت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت" فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فضرب يده على رقبته وقال: والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، فقال: "صم شهرين متتابعين" فقال: وهل أتيت إلا من الصوم أي: هل وقع إلا من قلة الصبر من الصوم، فقال له عليه الصلاة والسلام: "أطعم ستين مسكينًا".
فقال: لا أجد، فقال له: "اجلس" فجلس فأتى بعرق فيه تمر فقال: "خذها فتصدق بها" فقال: أعلى أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فوالله ما بين لابتيها - أي جبلي المدينة - أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال له: "كل وأطعم عيالك" فحمل الأعرابي المكتل على كاهله ورجع إلى قومه وقال لهم: خوفتموني من محمد فقد ذهبت وأعطاني هذا التمر 72. فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في قدر الكفارة وفيمن تجب [286 أ/4] عليه فأما قدر الكفارة قال في "القديم": كفارة واحدة وهو الصحيح لأنه صلى الله عليه وسلم أوجب كفارة واحدة، وبه قال أحمد وقال في الإملاء: يجب كفارتان كفارة عليه وكفارة عليها، وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا أنه قال: قال الشافعي: هذا في مناظرة جرت بينه وبين مالك وليس بمشهور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور واختاره ابن المنذر وروي هذا عن أحمد، وإذا قلنا: تجب كفارتان فعلى كل واحد منهما أن يكفر عن نفسه على حسب حاله من عتق أو صيام أو إطعام وإذا قلنا: كفارة واحدة ففي كيفية
الجزء: 3 - الصفحة: 254
الوجوب قولان أحدهما: تكون الرقبة عليهما وعلى الزوج تحملها عنها في ماله لأنهما اشتركا في هتك حرمة الصوم فاشتركا في وجوب الكفارة وهو ظاهر قول الشافعي عنه وعنها، والثاني: يكون عن الزوج خاصة ولا مدخل لها في وجوب هذه الكفارة كما لا مدخل لها في وجوب المهر وهو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: إنما لا تجب الكفارة عليها بالجماع لن فطرها سبق جماعها وهذا لا يصح لأنه يتصور فطرها بالجماع من ثلاثة [286 ب/4] أوجه:
أحدها: أن تكون نائمة فتنبهت بعد الإيلاج ومكثت على الجماع.
والثاني: أن تكون ناسية للصوم فتتذكر في أثناء الجماع وتمكث عليه.
والثالث: أن يكرهها في الابتداء ثم ترضى، فأول الإيلاج ما حصل به الفطر وإنما حصل بدوامه وقول الشافعي عنه وعنها أراد يجري عن فعله فعلها فلا يجب شيء آخر، وقيل: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: كفارتان، والثاني: كفارة عنهما، والثالث: كفارة عليه خاصة وقال والدي رحمه الله قول التحمل باطل لأنه لو صح لوجبت كفارتان تامتان، ألا ترى أنه لما تحمل زكاة الفطر عنها يجب صاعان صاع عن نفسه وصاع عنها ويستحيل إيجاب نصف رقبة ثم تحمله وهو على ما ذكر، وقال القفال في كيفية التحمل: وجهان:
أحدهما: أنه يجب نصف الكفارة عليها ويتحمل الباقي.
والثاني: على كل واحد منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان وهذا ضعيف لأن التداخل لا يجري في الكفارة عندنا، وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه يجب على كل واحد منهما كل الكفارة ولكن إذا أخرجها الزوج [287 أ/4] سقطت عنها كما لو كان عليها دين هو ألف وضمنه الزوج عنها فالدين متعلق بكل واحدة من الذمتين فإذا أدى ذلك برئت الذمتان، كذلك هاهنا فإذا قلنا: لا يجب عليها أصلًا تعتبر حالة فيها فإن كان واجدًا للرقبة أعتقها، وإن لم يكن واجدًا لها صام شهرين متتابعين، وقال ابن أبي ليلى: يجوز متفرقًا فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا وهذه الكفارة هي على الترتيب عندنا، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يتخير بين أن يعتق أو ينحر بدنة لما روى ابن المسيب مرسلًا "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي بعد الرقبة هل تستطيع أن تهدي بدنة فقال: لا" وهذا غير مشهور فلا يعتمد عليه، وقال مالك: على التخيير بين هذه الثلاثة واحتج بما روي في خبر الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينًا" ولأنها كفارة تجب بالمخالفة في موجب عقد فكانت على التخيير ككفارة اليمين وهذا غلط للخبر الذي روينا وروايته اختصار من خبرنا بعينه ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة [287 ب/4] ككفارة القتل، وليست كاليمين ولأنها خفف الأمر فيها بقلة المقدار وغيرها فخفف بالتخيير أيضًا وإذا قلنا بقول التحمل فلا يخلو حالهما من أحد أمرين: إما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا نظر فإن كان من أهل العتق أعتق الزوج رقبة واحدة تجزي عنهما ويقع حكمنا
الجزء: 3 - الصفحة: 255
عن كل واحد منهما، فإن كانا من أهل الصيام صام كل واحد منهما شهرين متتابعين، لأنه لا يدخل التحمل في الصيام ولا يتبعض، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ستين مسكينًا يقع عن كل واحد منهما كالعتق سواء، وإن اختلف الحالان فلا يخلو الزوج عن أحد أمرين: إما أن يكون أعلا أو أدنى فإن كان أعلا نظر فإن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أعتق وأجزأهما وسقط عنها الصيام، لأن معنى التحمل أن ينقلها إلى مثل حاله ويكفر عنه وعنها هذا إذا كان العتق عنها فإن كانت فيمن لا تكفر بالعتق وهي الأمة أعتق عنه نفسه وصامت عن نفسها لأنه لا يقدر أن ينقلها إلى منزلته في العتق، وقيل: إذا قلنا: يملك بالتمليك يجزي العتق وحكمها حكم الحرة المعسرة، وإن كان من أهل [288 أ/4] الصيام وهي من أهل الإطعام صام عن نفسه وأطعم عنها فإن تكلف العتق نقلها إلى مثل حاله وأعتق وسقطت الكفارة عنها فإن لم يفعل ذلك ولكنه اختار الصيام وصام عن نفسه ولا يصح فيه التحمل ويطعم عنها على ما ذكرنا إن قدر وإلا فلا يلزمه، وإن كان الزوج من أهل العتق وهي من أهل الإطعام أعتق وسقط عنها الإطعام لأنه نقلها إلى مثل حاله فصارت كأنها من أهل العتق، وإن كانت هي أعلا من الزوج فإن كانت من أهل العتق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وكان العتق في ذمته يعتق عنها متى قدر لأن من هو من أهل العتق لا يكفر بالصيام، وإن كانت من أهل الصيام وهو من أهل الإطعام أطعم عن نفسه وصامت عن نفسها لأن من كان من أهل الصيام لا يكفر بالإطعام ولا يدخل التحمل في الصيام، وإن كان من أهل الصيام وهي من أهل العتق أطعم عن نفسه وكان العتق عنها في ذمته حتى يقدر فيعتق عنها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اختلف الحالان على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: عليها [288 ب/4] كفارتان لأن الكفارتين إذا كانتا من جنسين لم يتداخلا، والثاني: يتداخلان وهو الأصح وفي هذا نظر.
فرع
لو قدم من سفر وقد طهرت زوجته من حيض فجامعها لا كفارة على واحد منهما، وإن كانت صائمة دونه نظر فإن أكرهها فعلى الوجهين لا كفارة لأن الإكراه اسقط الكفارة في حقها وهو مفطر فلا كفارة عليهما، وإن طاوعته لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تغره أو لا تغره فإن لم تغره ولكنها طاوعته مع العلم بذلك فعلى الوجهين، فإن قلنا: إن الكفارة عليه وحده لا كفارة هاهنا لأنه مفطر، وإن قلنا: عليهما فعليهما الكفارة ويتحملها عنها فيعتبر حالها فإن كانت من أهل العتق أعتق عنها، وكذلك إن كانت من أهل الإطعام أطعم عنها، وإن كانت من أهل الصيام صامت عن نفسها لأنه لا يحمل في الصيام.
ولو غرته مثل أن قالت: أنا مفطرة ثم بانت صائمة فإن قلنا: الكفارة عليه وحده فلا كفارة، وإن قلنا: بالقول الآخر قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين: أحدهما: الكفارة عليها لأنها غرته فلا يلزمه أن يتحمل عنها [289 أ/4] والثاني: لا كفارة على أحد
الجزء: 3 - الصفحة: 256
منهما لأن الزوج معذور في قبول قولها والمرأة لا يلزمها إخراج هذه الكفارة إذا كانت ...... 73 والأول اختيار أبي حامد ....... 74 لم يذكر غيره وإن هددها فطاوعته لا تجب الكفارة وفي إفطارها قولان.
فرع آخر
لو كان الرجل نائمًا فجاءت امرأته فاستدخلت ذكره لا يفطر قولًا واحدًا، وأما المرأة فإن قلنا: إن الكفارة عليهما تجب الكفارة في مالها، وإن قلنا: عليه واحده لا شيء عليهما ولو كانت هي نائمة لا يلزمها القضاء ويلزمه القضاء والكفارة، وقال مالك: عليها القضاء والكفارة، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء دون الكفارة وهذا غلط، لأن هذا أكثر من النسيان فلا يفطرها.
فرع آخر
لو كان الزوج مجنونًا والمرأة عاقلة فمكنته من نفسها فإن قلنا: لا كفارة على المرأة لا شيء هاهنا، وإن قلنا: على المرأة الكفارة هل يتحمل فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يتحمل لأنها وجبت بوطئه والوطء يجري مجرى الجناية وما يجب بجناية المجنون يجب في ماله، وقال ابن سريج: لا يتحمل عنها ويلزم في مالها لأنه لا قصد له ولا حكم [289 ب/4] لفعله ولأنه معذور دونها وهذا أظهر عندي وقيل: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أحرم بالحج ثم جن فجامع هل تلزمه الكفارة قولان، ولو أكرهها المجنون فلا كفارة قولاً واحدًا.
فرع آخر
لو أصبح صائمًا مقيمًا ثم جن فجامع وقلنا: لا يبطل صومه بالجنون قال ابن سريج: لا كفارة، وقال أبو إسحاق: عليه الكفارة ذكره بعض أصحابنا بخراسان وفيه نظر.
فرع آخر
لو أكره زوجته على الوطئ فإن لم يوجد منها تمكين فإن شدها ووطئها لا تفطر قولًا واحدًا تلزمه والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة وإن هددت بالضرب أو الطلاق حتى مكنته من نفسها هل تفطر، قولان:
أحدهما: لا تفطر والحكم على ما ذكرنا.
والثاني: تفطر ولا كفارة عليها قولًا واحدًا، لأنها معذورة في هذا الفطر غير عاصية به والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة، ولو أكره الرجل على الوطء بأن شدت يداه وأدخل ذكره في فرجها فإن لم ينزل فهو على صومه، وإن أنزل فيه وجهان: أحدهما: يفطر لأن الإنزال لا يحدث إلا عن قصد، والثاني: لا يفطر لأنه مكره فإذا قلنا: [290 أ/4] بالأول هل تلزمه الكفارة وجهان أحدهما: لا كفارة للشبهة، والثاني: تلزمه
الجزء: 3 - الصفحة: 257
الكفارة ذكره في "الحاوي" 75، وعند أحمد تلزمه الكفارة لأن الانتشار بالاختيار.
فرع
لو زنا رجل بامرأة فإن قلنا: تلزمه الكفارة وحده تجب على الزاني وحده ولا شيء عليها سوى القضاء، وإن قلنا: إن الكفارة عليهما وتتداخل أو لا تتداخل ولكنه يتحمل عنها وجب على كل واحد منهما أن يعتق رقبة لأن التحمل إنما يجب على الزوج دون الزاني، وقال القاضي أبو حامد: لا خلاف في هذا لأن الخبر لم يرد فيه ولا الزاني في معناه.
فرع 76
لو وطئ أربع زوجت له في يوم واحد فإن قلنا: الكفارة عليه فتكفيه كفارة واحدة، وإن قلنا: عليهما يلزمه أربع كفارات، ولو كانت له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم واحد فإن وطئ الذمية أولًا ثم المسلمة فعليه كفارتان في أحد الوجهين، وإن وطئ المسلمة أولًا ثم الذمية فليس عليه إلا كفارة واحدة.
فرع
لو وطئ زوجته هل يجب عليه ثمن الماء لغسلها من هذا الجماع، قال القاضي الطبري: لا أعرف هذه المسألة لأصحابنا والذي عندي أنه بمنزلة النفقة لقضاء [290 ب/4] الحج إذا وطئها الزوج فأفسده عليها وقد قال الشافعي على الزوج إن حج بها من قابل والظاهر من المذهب أنها في ماله، ومن أصحابنا من قال: تجب في مالها وقول الشافعي: عليه أن يحج بها من قابل أراد عليه أن يأذن لها في الحج ولا يمنعها من الخروج فيكون ثمن الماء بمنزلة نفقة الحج الذي أفسده عليها.
واعلم أن الشافعي ذكر خبر الأعرابي وتكلم عليه فقال: قوله خذ هذا فتصدق به يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يملكه إياه وإنما تطوع بالتكفير عنه من ماله فلما أخبره بحاجته صرف إليه، والثاني: أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بحاجته أذن له في أكله قال: وفي قوله أطعمه عيالك ثلاثة تأويلات:
أحدها: أمره بأن يطعم عياله ويكون الفرض في ذمته باقيًا وهذا أحب إليَّ وأقرب إلى الاحتياط، وإن لم يكن مذكورًا في الخبر، والثالث أمره أن يطعم عياله ويسقط الفرض عنه بعجزه فهي خمس تأويلات ولكل واحد منها فائدة، فأما الأول يدل على أن من وجبت عليه كفارة يجوز لغيره أن يكفر عنه من ماله بإذنه لأنه دفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم [291 ب/4] ولم يملكه إياه ولكنه أمره بالتصدق به ليسقط الفرض عنه.
والتأويل الثاني: يدل على أن الكفارة لا تلزم إلا في الفاضل عن الكفاية لأنه لما أخبره بالاحتياج أجاز له أكله ولم يأمره بالتكفير.
الجزء: 3 - الصفحة: 258
وأما الثالث: ففائدته أن من تطوع بالتفكير عن غيره يجوز له أن يدفع الكفارة إلى عيال المفكر عنه إذا كانوا محتاجين.
وأما التأويل الرابع: فائدته أن من وجبت عليه كفارة فعجز عنها فإنه يسقط فرضها عنه.
فحصل من التأويل الرابع والخامس قولان وهما: أن من عجز عن الكفارة هل تسقط عنه؟ قولان قال أصحابنا: حقوق الله تعالى المتعلقة بالمال هي على ثلاثة أضرب: حق يجب لا بسبب من جهته ولا هو على جهة البذل مثل زكاة الفطر فلا خلاف أنها تجب في حال الوجوب عند القدرة ولا تجب عند العجز ويسقط رأسًا، وحق يجب بسبب من جهته على جهة البذل كجزاء الصيد فلا خلاف أنه يجب إخراجه عند القدرة ويثبت في الدية عند الإعسار إلى أن يجد، وحق يجب بسبب من جهته لا على وجه البذل ككفارة الجماع [291 ب/4] والقتل واليمين والظهار فإن كان قادرًا في الحال يلزمه إخراجه، وإن كان عاجزًا هل يسقط؟ قولان: أحدهما: يسقط كزكاة الفطر، والثاني: وهو الصحيح أنه لا يسقط كجزاء الصيد ولا تجب الكفارة إذا وطاء في قضاء رمضان، وقال قتادة وأبو ثور: تجب الكفارة وهذا غلط، لأنه ليس لزمان القضاء حرمة رمضان فلا كفارة.
مسألة: قَالَ 77: وَإنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في أَكْلِ النَّاسي.
وهذا كما قال: إذا أكل ناسيًا لم يفطر ولا قضاء عليه وليس في الصيام ما يقضي إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا إلا في الناسي لطلوع الفجر وإن جامع ناسيًا فقد نقل المزني أنه لا كفارة قياسًا على أكل الناسي للخبر في ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أكل أو شرب في الصوم فليتم صومه فالله أطعمه وسقاه" 78. وروي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الذي صام ثم جامع أشياء مثل الذي يأكل ناسيًا وبقولنا قال على وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة [292 أ/4] ومن أصحابنا من غلط المزني فيه وقال: لا نص فيه الشافعي فيحتمل أن يخرج على قولين كما نقول في جماع الناسي في الحج قولان ذكره أهل خراسان وحدهم أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأنها تسقط.
والثاني: تلزمه الكفارة لأن الأعرابي جاهل بحكم الفطر والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة عليه والناسي هو مثل الجاهل وهذا أصح، ومن قال بالأول فرق بين الحج وهذا بأن المحظورات هناك تنقسم إلى ما هو استمتاع كاللباس وإلى ما هو إتلاف كالحلق ويستوي في هذا حكم العامد والناسي دون ذاك فجاز أن يلحق الجماع بما يستوي فيه السهو والعمد ومحظورات الصوم كلها على قسم واحد لا تختلف وكلها
الجزء: 3 - الصفحة: 259
تفترق بالسهو والعمد فيختلف هذا أيضًا، وقال مالك وربيعة: عليه القضاء في الأكل والجماع ولا تلزم الكفارة، وقال أحمد: تجب بالجماع الكفارة والقضاء ولا تجب بالأكل شيئًا، وقال في "الحاوي" 79: عن أحمد إذا أكل ناسيًا فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون أكل ولا كفارة فيهما [292 ب/4] واحتج مالك بأنه قاس على ترك النية وهذا غلط والفرق أن النية مأمور بها والأكل منهي عنه فيختلفان كما في الصلاة لو تكلم ناسيًا لا تبطل، ولو ترك الركوع ناسيًا بطلت واحتج أحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل المجامع في رمضان هل كان عامدًا أو ناسيًا وهذا غلط، لأنه روي أنه قال: "هلكت وأهلكت" وروي أنه قال "احترقت" فدل أنه كان عامدًا.
فرع
لو أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر ثم جامع عامدًا أو أكل عامدًا حكي القاضي أبو علي البندنيجي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا يبطل صومه كمن سلم من اثنتين من الظهر فتكلم فاعتقد أنه خرج من الصلاة لم تبطل صلاته، ونص الشافعي في "الأم" 80: أنه لا كفارة ولم يتعرض للقضاء، وكذلك لو احتجم أو اغتاب أو قبل ولم يُنزل واعتقد أنه يفطره أو اعتقد أنه نسي النية من الليل فوطئ ثم تذكر النية الباب كله واحد، وقال سائر اصحابنا: يلزمه القضاء ولا كفارة لأن الكفارة تسقط بالشبهة دون القضاء، ولم يذكر صاحب "الحاوي" 81 [293 أ/4] غيره والمسألة معروفة بالوجهين والأقيس الأول، وقال القاضي الطبري: يحتمل عندي أنه يلزمه الكفارة، لأن الذي ظنه لا يبيح له الوطء بخلاف ما لو جامع طانًا أن الشمس غربت لأن ظنه هاهنا يبيح الوطء، ولو علم أنه على صومه فجامع فإنه تلزمه الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة وجعل المتقدم شبهةً وهذا غلط، لأن كل وطء يوجب الكفارة إذا لم يتقدمه بعفو عنه يوجب الكفارة، وإن تقدمه معفو عنه كالوطئ في الحج.
فرع آخر
لو استكثر الأكل ناسيًا قيل: فيه وجهان لأنه نادر.
فرع آخر
لو تقيأ عامدًا وهو جاهل ببطلان الصوم قال القاضي الحسين رحمه الله: يبطل صومه إلا أن يكون حديث العهد بالإسلام وهكذا المحرم إذا تطيب جاهلًا تلزمه الفدية إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام قلت: ويحتمل أن يقال لا يفطره لأن هذا مما يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 260
مسألة: قال 82: وَالكَفَّارةُ عِتْقُ رَقَبَة.
وهذا كما قال: أراد سليمة مؤمنة خلاف قول أبي حنيفة لأنه أجاز الكفارة وهي على الترتيب [293 ب/4] عندنا على ما ذكرنا وحكي عن الحسن أنه قال: يتخير بين عتق رقبة وبين أن ينحر بدنة واحتج بما روى ابن المسيب في حديث الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تستطيع أن تُهدي بدنة" وروي عطاء بن أبي رباح عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر يومًا من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا" 83، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر المشهور وخبر الجماعة أولى من خبر عطاء الخراساني، وحديث جابر رواية الحارث بن عبيدة هو ضعيف، ثم قال: فإن لم يجد أي: فإن لم يجد الرقبة ولا ثمنها فصيام شهرين متتابعين لايفطر في شيء منها نهارًا من غير عذر ذكر بعد هذا أن لكل مسكين مدًا بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لكل مسكين مدان من الحنطة ومن الشعير والتمر صاع وقد وجد في خبر الأعرابي أنه أتى بعرق قال سفيان: والعرق هو المكتل [294 أ/4].
قال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًا، وروي هذا في الخبر فدل على صحة قولنا، ثم قال: وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة فله أن يتم صومه وقصد به خلاف قول أبي حنيفة والمزني: يلزمه العود إلى الرقبة ويستحب أن يعتق نص عليه وفي التيمم إذا رأى الماء هل يستحب له الخروج من الصلاة وجهان والأصح أنه يستحب والفرق على الوجه الآخر أنه يخير المسافر في الصوم بعد الشروع بخلاف الصلاة، وإن وجد الرقبة قبل الشروع في الصوم فيه قولان بناء على أن الاعتبار بحال الوجوب أو بحال الأداء والأظهر أنّ الاعتبار بحال الأداء.
مسالة: قال 84: وَنْ أَكَلَ عَامِدًا فِيْ صَوْمِ رَمَضَانَ فَعَليْهِ الْقَضَاءُ وَالعُقُوبَةُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أفطر بالأكل أو الشرب أو بما دون الجماع لا يلزم الكفارة ويلزمه القضاء والعقوبة يعني التعزيز ولا تلزم الكفارة العظمي عندنا إلا بجماع تام دون غيره ولو وطئ دون الفرج فلا كفارة أنزل أو لم ينزل وبه [294 ب/4] قال سعيد بن جبير والنخغي ومحمد بن سيرين وحماد وأحمد وداود وقال الأوزاعي والثوري والحسن والزهري وإسحاق وعطاء وأبو حنيفة: إنه تلزم الكفارة في صوم رمضان بالجماع التام والأكل التام وتفسيره عند أبي حنيفة أن يكون الفطر بمتبوع الجنس وهو الجماع التام أو ما يقصد به التغذي أو التداوي.
الجزء: 3 - الصفحة: 261
فأما إذا ابتلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة فلا كفارة، وقال: ولو ابتلع لوزة رطبة بقشرها يلزمه الكفارة لأنها تؤكل بقشرها، ولو ابتلع جوزة رطبة بقشرها فلا كفارة لأنها لا تؤكل بقشرها في العادة، وقال مالك: كل من أفطر بمعصية تلزمه الكفارة فدخل في هذا الفطر بالجماع دون الفرج إذا أنزل والقبلة إذا كان معها إنزال والنظر بالشهوة عمدًا حتى ينزل وابتلاع الحصاة والقيء عمدًا، وبه قال أبو ثور وناقض فقال: لو ارتد لا تلزم الكفارة، وقالت طائفة: أنه يغلّط فيه بالقضاء دون الكفارة ثم اختلفوا في قدر التغليظ فقال ربيعة: يصوم اثنى عشر يومًا مكان يوم وقال ابن [295 أ/4] المسيب: يصوم شهرًا مكان يوم، وقال النخعي: يصوم ألف يوم عن كل يوم، وروي عنه ثلاثة آلاف يوم وهو الصحيح عنه، وقال علي وابن مسعود رضي الله عنهما: لو صام الدهر لم يقض حرمة ذلك اليوم.
واحتج ربيعة بأن السنة اثنا عشر شهرًا، وصوم رمضان يجزي عنها وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي: "وصم يومًا مكانه" وروى أبو داود: وصم يومًا واستغفر الله ولأن قضاء العبادة لا يختلف بالترك بعذر وغير عذر كقضاء سائر العبادات، وحكي عن مالك أنه قال: لو تقيأ عمدًا لا كفارة واعتذر أصحابه بأن في الاستقاءة مشقة وأذى فلا يفعله لغرض صحيح وضرر كبير حتى لو أن ماجنًا استقاء من غير حاجة .... 85 فإذا تقرر هذا فظاهر المذهب أنه لا فدية عليه أيضًا، وقال ابن أبي هريرة تلزمه الفدية فقال بعضهم: مد من طعام عن كل يوم، وقال بعضهم: يلزمه أن يطعم فوق فدية الحامل دون كفارة المجامع [295 ب/4] لأن هذا غير معذور والحامل معذور، وحكي هذا عن أبي هريرة وهذه آراء لا ترجع إلى خبر ولا قياس فإذا تقرر هذا فكل وطء أوجبنا فيه الكفارة نظر فإن تكرر منه في يوم واحد فعليه بالأول ولا كفارة عليه بالثاني، وقال أحمد: إن كفَّر عن الأول وجبت بالثاني كفارة، وإن لم يكفر لم يجب ويوقف في اليومين إذا لم يكفر عن الأول واختلف أصحابه فيه واحتج بأنه وطء محرَّم كالأول وقاس على الحج إذا وطئ فيه مرتين، وقال: يلزمه الإمساك كما يلزمه قبل الجماع وهذا غلط، لأن الوطء الثاني لم يصادف الصوم فأشبه إذا كان ليلًا، وأما الأول فقد خالف الصوم وأفسده فلا يصح القياس عليه، وأما الحج فالوطء لا يرفع لإحرامه ولا يخرج عنه بالفساد بخلاف هذا، وأما الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة، ألا ترى أنه لو لم ينو من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليل [296 أ/4] يلزمه الإمساك ولا صوم وإن تكرر ذلك في كل يوم فعليه بكل وطء كفَّارة حتى قال في البويطي: لو جامع ثلاثين يومًا فإنه يلزمه ثلاثون كفارة سواء كفَّر عن الوطء الأول أو لم يكفر، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: إن لم يكفر عن الأول فلا كفارة للثاني، وإن كفر عن الأول ففيه روايتان، قال: ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 262
كان في رمضانين ففيه روايتان والأشهر أنها تتكرر وهذا غلط لأن كل يوم ....... 86
مسألة: قال 87: وَإِنْ تَلَذَّذَ بامرأتهِ حَتى يَنْزلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ.
وفي ذكرنا الخلاف فيه مع مالك، وقال أحمد: تجب الكفارة بالوطء دون الفرج وفي القبلة واللمس إذا أنزل روايتان وهذا غلط، لأنه وطء غير تام كما لو قبّل.
فرع
لو حك ذكره لعارض فأنزل هل يلزمه القضاء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه لم يتعمد، والثاني يلزمه لأنه اختار سببه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله لو لمس شعرها فأنزل هل يبطل [296 ب/4] صومه وجهان: أحدهما: يبطل لأنه جزء من بدنها، والثاني: لا يبطل لأن لمس شعرها كالنظر، ولهذا فإنه لا ينتقض الوضوء ولو لمس أذنها الملصقة بالدم فأنزل فإنه يحتمل وجهين، ولو أنزل عن لمس العضو المنفصل عنها لم يبطل الصوم بلا خلاف.
مسألة: قال 88: وَإِنْ أَدْخَلَ فِيْ دُبُرِهَا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا لاط بغلام أو أتى امرأة في الموضع المكروه فإنه يفسد صومه ويلزمه القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: في أشهر الروايتين لا تلزمه الكفارة وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله قولًا مخرجًا: أنه يعزر به ولا يحد وفي وجوب الكفارة على هذا القول وجهان وهذا غير صحيح، وأما إذا أتى بهيمة فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما في اللواط أحدهما: يلزمه القتل بكل حال، والثاني: أنه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصنًا ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوالٍ [297 أ/4] ..... 89 والثالث: يجب به التعزيز فإذا أوجبنا الحد أوجبنا الكفارة، وإذا أوجبنا التعزيز هل تلزم به الكفارة؟ وجهان أحدهما: لا يجب لأنه جماع لا يوجب الحد كالجماع دون الفرج، والثاني: يجب لأنه فرج يلزم بالإيلاج فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر بالحد كما في وطء زوجته في رمضان تلزم الكفارة ولا يتصور به وجوب الحد، وقال أبو حنيفة: تلزم الكفارة به وربما يقولون: لا يلزم به الغسل إذا لم ينزل.
مسألة: قال 90: وَالحَامِلَ والمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَليْهِمَا القَضَاءُ.
وهذا كما قال: الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم فإن كان خوفهما على أنفسهما يلزمهما القضاء ولا فدية عليهما كالمريض والمسافر، وإن كان خوفهما على
الجزء: 3 - الصفحة: 263
ولدهما قال الشافعي: أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم مدّ من حنطة، وأراد إذا كان قوت مثلهما الحنطة وإلا فمن قوتهما إلا أن يتطوعا بالحنطة وصامتا إذا أمنتا على [297 ب/4] ولديهما وبه قال مجاهد وأحمد، إلا أن أحمد يقول: مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير وهذا هو الصحيح.
وقال في البويطي: يجب على المرضع القضاء والفدية ويجب على الحامل القضاء دون الفدية والفرق أن حملها متصل بها فصارت كأن العذر في نفسها كالمريضة بخلاف المرضع، وبه قال مالك في أصح الروايتين والليث بن سعد، وقال صاحب "الإصلاح": قال الشافعي في موضع الكفارة عليهما استحباب وبه قال الحسن وعطاء والزهري وربيعة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد وداود وهو اختيار المزني وابن المنذر وهو قول أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: عليهما الفدية ولا قضاء وهو الأصح، لأن القضاء لزم المريض بالنص ففيه تنبيه على وجوبه على الحامل وقد روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم نصف صاع".
وقال [298 أ/4] القفال قول واحد في المرضع: يلزمها الفدية والقولان في الحامل والفرق ما ذكرنا وأيضًا الضرر الذي تخاف الحامل لو لحق ربما يتصل بالأم فإن الحمل هو جزء منها والأصل الضرر من ولد المرضع إلى بدنها، فليس فيها معنى المرض بل هي رخصة مخصوصة بشرط الفدية، واحتج المزني فقال: كيف يكفَّر من أبيح له الأكل والإفطار ولا يكفر من لم يبح له الأكل فأكل وأفطر؟ قلنا: من أصحابنا من لم يسلم ذلك الأكل عمدًا على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من سلم وهو المذهب والفرق أن االمستمتع بالفطر شخص واحد فلم يلزم بذلك الفطر إلا بدل واحد وهو القضاء وهاهنا المستمتع بالفطر شخصان الأم والولد، فجاز أن يتعلق بهذا الفطر بدلان القضاء والفدية كما لو جامع؛ ولأن مدار الكفارة ليس على الإثم لأن المحتقن والمستعط وتارك النية عامدًا من الليل هو مأثوم ولا كفارة عليه، ثم قال المزني: وفي القياس أن الحامل كالمريض والمرضع كالمسافر، وكل مباح له [298 ب/4] الفطر وأراد به أن المريض إنما يفطر لضعف في نفسه لا لعجز عن أمر كان يباشره، كذلك الحامل، وأما المسافر فإنما يفطر لا لضعف في نفسه ولكن لعجز عن أمر يباشره وهو قطع المسافة، وكذلك المرضع إنما تفطر للعجز عن الإرضاع فهو في القياس سواء والجواب ما ذكرنا من الفرق ثم احتج أيضًا بما حكاه عن الشافعي فقال: واحتج بالخبر من استقاء عامدًا هل عليه القضاء؟، قال عليه القضاء قال المزني: ولم يجعل عليه أي: على المستقيء عامدًا هل أحد من العلماء علمته فيه كفارة وقد أفطر عامدًا، وكذلك قالوا: في الحصاة يبتلعها الصائم والجواب من وجهين: أحدهما: أنهم إنما لم يوجبوا هناك الكفارة العظمى، فأما الفدية فغير مسلمة، والثاني: مثل ما قلنا إن المستمتع بالفطر هناك شخص واحد وهاهنا بخلافه.
الجزء: 3 - الصفحة: 264
فرع
إذا كانت ترضع ولد الغير بالأجرة لها أن تفطر وتفتدي كما في السفر إذا كان قبيحًا له أن يفطر.
فرع آخر
إذا أفطر ليخلص الغريق فيه [229 أ/4] وجهان، والظاهر أنه لتزمه الفدية لأن العذر في غيره.
فرع آخر
لو كانت حبلى بولدين هل يلزم فديتان؟ وجهان: أحدهما: تلزم فديتان لارتفاق شخصين عاجزين عن الصوم، والثاني: وهو الأظهر يلزم فدية واحدة لأنه تحصل المزية بها على فطر المريض.
مسألة: قال 91: وَمَنْ حَرَّكَتِ القُبلةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا لَهُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الصائم شابًا لا يأمن من القبلة الإنزال فإنه تكره القبلة ولا تباح وهل تطلق أنها حرام فيه وجهان: أحدهما: أنها حرام لأنه يخاف الفطر كالخلوة بالأجنبية هي حرام، والثاني: أنها إن أفضت إلى إنزال الماء كانت حرامًا وإلا فلا يكون حرامًا، وهذا أصح لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة: "أرأيت لو تمضمضت" فإن قبَّل ولم ينزل لم يفسد صومه، وإن كان شيخًا يأمن الإنزال لم يكره له ذلك والأفضل له تركها، قال الشافعي في "الأم" ومالك يكره في الحالين جميعًا عنها أفضل لأنه مع شهوة يرجى من [299 ب/4] الله تعالى ثوابها وفيما نقل المزني خلل لأنه قال: كرهتها له فإن فعل لم ينتقض صومه وتركها أفضل، لأن من تحرك القبلة شهوته لا يقال تركها أفضل لأن فعلها مكروه وسقط عن المزني نقل الشافعي ومن لم تحرك القبلة شهوته فلا بأس وترك هذا أفضل على ما ذكرناه من لفظه، وقال القاضي الطبري: هذه الكراهة في الحالة الأولى هي كراهة تحريم لأنه إذا كان يخاف منها إنزال الماء يخاف إفساد الصوم فلا يجوز له أن يعرض الصوم للإفساد في الغالب من حاله.
وقال محمد ابن الحنفية وابن شبرمة: القبلة تفطر الصائم بكل حال، وقال مالك: القبلة مكروهة للصائم بكل حال، وعند أحمد روايتان، وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنه لا تكره القبلة للصائم سواء كانت تحرك الشهوة أو لا، وهذا كله غلط، لما روي "أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن قبلة الصائم فنهاه ثم أتاه آخر فسأله فأباحها له" قال أبو هريرة رضي الله عنه فنظرنا فإذا الأول [300 أ/4] شاب والآخر شيخ 92، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل وهو صائم" وبينت عائشة رضي الله
الجزء: 3 - الصفحة: 265
عنها أن ذلك إنما كان منه لأنه لا يخاف على نفسه فقالت بعد رواية الخبر:- وكان تعني النبي صلى الله عليه وسلم - أملككم لإربه بأبي هو وأمي، أي: أنه كان يملك حاجته ولا تغلبه نفسه وشهوته فقيل لها نظن أنك هي فضحكت 93 فعلموا أنها إنما تعني نفسها، ويقال: أرب مفتوحة الألف والراء وإرب مكسورة الألف ساكنة الراء معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها والإرب الوضوء أيضًا، وروي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم"، وقالت عائشة رضي الله عنها: "تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني قبلة وأنا صائمة فقلت: إني صائمة فقال: ناوليني قرصًا فناولته كسرة فوضع على فيه ثم قال: ترى هذا فطرني".
وقالت أم سلمة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأنا صائمة"، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصائم يقبل قال: "ذاك ريحانة [300 ب/4] تشمها ولا بأس بذلك" وروي أنه قال: "لا بأس إنما هي ريحانة تشمها" 94، وروي عن جابر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال: "هششت يومًا فقبلت وأنا صائم قال: فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم قال: أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم، وروي أنه قال لو تمضمضت أيضرك؟ قال لا قال ففيم إذاً" 95 يعني: أن القبلة الخالية من الإنزال كمضمضة خلت عن سبق الماء إلى الجوف وهذا دليل على أن القياس حجة وروي أن امرأة أتت أم سلمة رضي الله عنها فقالت: بعثني زوجي لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم، فقالت أم سلمة: إنه كان يقبل إحدانا وهو صائم فرجعت إلى زوجها فلم تزده إلا شرًا وقال: إنه ليس مثلنا إنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة فأخبرته به أم سلمة فقال: [301 أ/4] ألم تخبريها أني أفعل ذلك وأنا صائم قالت: نعم رجعت إلى زوجها فما زاد إلا شرًا وقال: كذا وكذا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" 96. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما لي فقال: إنك تقبل وأنت صائم".
وروي عن أبي هريرة وعائشة مثل قولنا وبه قال عطاء والشعبي والحسن.
وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما كرهاها للشاب ولم يكرهاها للشيخ وهذا لأنه يخاف لتحرك الشهوة في الشباب دون الشيخ في الغالب وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه: من فعل ذلك يصوم يومًا مكانه 97. أورده الإمام البيهقي وهذا أصح مما تقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 266
عن ابن عمر وابن مسعود وتلك الرواية رواها أهل العراق وحكم الملامسة حكم القبلة.
فرع
لو قبل فوق خمار فأنزل لا يفطره.
فرع آخر
لو قبل امرأته وفارقها ساعة أو ساعتين، ثم أنزل فيه وجهان، والأصح أنه يفطره إن [301 ب/4] كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتمًا أنزل.
ولو قليل، أو يمسح فأمذى لم يفطر خلافًا لأحمد، لأنه خارج لا يوجب الغسل كالبول، ويفارق المني لأنه يلنذ بخروجه ويوجب الغسل.
مسألة: قال 98: "وإِنْ وَطاءَ دُونَ الفَرْج فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ وَلَم يُكَفَّر".
الفصل
وهذا كما قال، قد مضت هذه المسألة، وهل أراد بقوله ولم يكفر الكفارة العظمى أو الكل من العظمى والصغرى؟ فيه خلاف بين أصحابنا، ثم قال: "وإِنْ تَلَذَّذ بِالنَّظَر [فَأَنْزَل] لَمْ يُفْطِر" وقصد به الرد على مالك حيث قال: إن أنزل في أول النظر قضي ولم يفكر، وإن كرر النظر حتى أنزل قضى وكفر.
واختلف أصحاب مالك فيمن أنزل بالفكر وهل يفطر أم لا؟ وأكثرهم يسلمون ذلك وعندنا لا يفطر بحال، لأنه حديث النفس من غير مباشرة كالاحتلام.
وأما الإثم فإنه جاءه نظر فأنزل لم يأثم، وإن كرر النظر أثم ولو استنزل الماء بكفه أفطر وعليه القضاء دون الكفارة خلافًا لمالك، والأصل ما ذكرنا أنه لا كفارة في غير الجماع.
وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -[302 أ/4] أنه أتي بسكران في رمضان فعاقبه وقال للمنخرين والفم أو لليدين والفم ولو أننا صيام وأنت مفطر ولم يأمره بكفارة ولا أحد من الصحابة أمره بها.
مسألة: قال 99 الشافعي: وَإِذا أُغْمٍىَ عَلَى رَجُلٍ فَمَضَى لَهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ مِنْ شَهْرِ رمضانَ وَلَم يَكُنْ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ فعليه القضاءُ.
إِلى آخر كلام المزني.
وهذا كما قال: أراد به إذا أغمي على صائم لا أن الرجل يختص به وجملته أنه إذا أغمي على إنسان في رمضان في الليل ولم يفق إلا في النهار لم يصح صومه من الغد لأنه لم ينو من الليل وإن أغمي عليه بالنهار وكان قد نوى من الليل فإن استغرق النهار كله لم يصح صومه قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة والمزني يصح صومه كما لو نام في كل النهار وهذا غلط لأن النية قد انفردت عن الإمساك فلم يجز كما لو انفرد الإمساك
الجزء: 3 - الصفحة: 267
عن النية وأما النائم فقال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح صومه إذا نام في كله.
وقال عامة أصحابنا يصح صومه والفرق أن النوم جبلة وعادة لا يزيل العقل لأنه متى نبه تنبه ويلزم [302 ب/4] قضاء الصلوات بخلاف الإغماء وإن لم يستغرق جميع النهار.
قال في كتاب الصوم إذا أفاق في بعض النهار أجزأه، وقال في كتاب الظهار إن كان في أول النهار مفيقًا صح صومه وإن لم يكن مفيقًا في أوله لم يصح صومه.
وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إن أغمى عليها وهي صائمة أو حاضت فإنه يبطل صومها فجعل الإغماء منافيًا للصوم كالحيض واختلف أصحابنا فيه على طرق فقال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يحتاج أن يكون مفيقًا في أوله وبه قال مالك لأن الصوم يفتقر على الإفاقة كما يفتقر إلى النية ثم محل النية ابتداء الصوم كذلك الإفاقة.
والثاني: إذا كان مفيقًا في جزء من الصوم أجزأه لتحصل النية مع الإفاقة في جزء منه كما لو أفاق في أوله.
والثالث: أنه إذا أغمي عليه في جزء من الصوم بطل صومه لأنه معنى يُزيل العقل، ويفسده إذا وجد في جميعه فكذلك في بعضه كالجنون.
والطريق الثاني: قال ابن سريج المسألة على قول واحد يحتاج [303 أ/4] أن يكون مفيقًا في أوله على ما ذكر في الظهار وما قال في الصيام أجمل ولم يفصل وبينه في الظهار وأما ما قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى فله تأويلان، أحدهما: أنه ذكر الحيض والإغماء وأجاب عن الحيض.
والثاني: أنه أراد بالإغماء الجنون.
ثم خرج ابن سريج قولًا آخر أنه إذا اعتبرت في أوله اعتبرت في آخره لأنه أحد الطرفين كنية الصلاة تعتبر في طرفها أولها وآخرها.
والطريق الثالث: المسألة على قول واحد تعتبر الإفاقة في جزء منه حتى يحصل القصد إلى الإمساك إلا أنه ذكر في الظهار أول النهار لأنه جزء منه ولم يرد أن الأول بخلاف الاثنان والذي ذكر قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى تأويله ما ذكرنا وبه قال أحمد.
والطريق الرابع: فيه أربعة أقوال ثلاثة منصوصة وواحد مخرج وهو ما خرجه ابن سريج.
والطريق الخامس: فيه خمسة أقوال ثلاثة منصوصة وقولان مخرجان أحدهما ما ذكره المزني والثاني ما ذكره ابن سريج وهذا والذي قبله ضعيف.
فرع
لو شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره يلزمه القضاء [303 ب/4] فإن صحا في بعض النهار فهو كالإغماء، وكذلك لو شرب دواءً سفاهة فزال عقله فهو كالسكران.
فرع
لو جن في أثناء الصوم فيه قولان، قال في الجديد: يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فابطل الصوم كالحيض وهو الصحيح.
وقال في القديم لا يبطله كالإغماء لأن كليهما يزيل العقل والولاية وهذا لا يصح لأن حكم الجنون أغلظ، فعلى قوله
الجزء: 3 - الصفحة: 268
القديم فيه طرق كما ذكرنا في الإغماء.
وذكر القاضي أبو علي البندنيجي أن المذهب هو قوله القديم ذكره في البويطي أيضًا.
وقيل في المسألة وجهان وكلاهما غلط ولو امتد الإغماء إلى الليلة القابلة واليوم بعد ..... 100 وإن أفاق في بعضه لفقد النية من الليل، وعند أبي حنيفة لو كان قبل الزوال فنوى فإنه يصح صومه.
مسألة: قال 101: وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فَلا صَوْمَ عَلَيْها فإذَا طَهُرَتْ قَضِيت الصَّومَ.
وهذا كما قال لا يصح الصوم من الحائض ولكن يلزمها في ذمتها، ومعنى قوله فلا صوم عليها أي: لا يصح منها مباشرة الصوم [304 أ/4] في الحيض ولو قصدت الصوم تأثم ثم إذا طهرت قضت الصوم ولا تقض الصلاة إلا ما أدركت في وقت العذر والضرورة وهذا إجماع.
وروت معاذة العدوية عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يصيبنا الحيض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وإنما افترق حكم الصوم والصلاة في ذلك لأن الصوم لا يشق قضاؤه لأنه في السنة مرة واحدة والصلاة تكثر ويشق قضاؤها فافترقا.
مسألة: قال 102: وأحبُّ تَعْجِيلَ الفِطْرِ وَتَاخِيرَ السّحورِ.
وهذا كما قال: يستحب ذلك إذا تحقق الأمر وهو بقاء الليل أو دخوله لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" 103 وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" 104، وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "كنت أتسحر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [304 ب/4] ثم أقوم إلى الصلاة فقيل له كم كان بينهما قال قدر قراءة خمسين آية" 105. وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت رضي الله عنه تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فقيل لأنس كم كان بينهما فقال: "قدر ما بينهما قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" 106 وفي تأخير السحور تقوية على الصوم ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداء فقال لبعض أصحابه - وهو العرباض بن سارية-: "هلم إلى الغداء المبارك" 107. وفي تعجيل الفطر مخالفة اليهود والنصارى لأنهم يؤخرون الإفطار.
الجزء: 3 - الصفحة: 269
واعلم أنا نريد بتعجيل الإفطار الأكل والشرب لأن الإفطار يحصل بغروب الشمس من طريق الحكم لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم"، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحقق الفطر بفعله حتى يوافق فعله الحكم ويحصل به الشارع إلى قبول الرخصة وإظهار الفرق بين الوقتين وقت الإمساك ووقت الفطر، فلو أخر قال في "الأم" 108: إذا تعمد [305 أ/4] ذلك ورأى الفضل في تأخيره كرهت ذلك وإن لم ير ذلك فلا بأس لأنه لا يصير صائمًا بالليل وإن نواه ولو شك في طلوع الفجر الثاني، قال في "الأم" 109: أستحب له قطعه والامتناع منه، قال أصحابنا: ويكره له الأكل ولكنه يجوز لأن الأصل بقاء الليل.
وأعلم أن السحور سنة لما روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" 110. وروي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بقايلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار" 111.
فرع
قال في "سنن حرملة" أحب أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء والأصل فيه لما روي سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور" 112، وروي أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من الماء" 113. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر [305 ب/4] على تمر زيد في صلاته أربع مائة صلاة" 114.
فرع آخر
يستحب في زماننا هذا أن يفطر بكف من الماء يأخذه بيده من نهر ليكون أبعد من الشبهة فإن الشبهات كثرت فيما في أيدي الناس قاله القاضي الحسين.
الجزء: 3 - الصفحة: 270
فرع آخر
قال في "سن حرملة": وأحب للصائم أن يدعو عند إفطاره فإن له دعوة مستجابة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" 115، وكان يقول في رواية ابن عمر إذا افطر: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" 116، وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول إذا أفطر: "يا واسع المغفرة أغفر لي" 117، وري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قدم أحدكم عشاه فليذكر أسم الله تعالى وليقل اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
فرع آخر
قال أصحابنا: يستحب أن يفطر الصائم لما زيد بن خالد الجهيني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فطر صائمًا فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم [306 أ/4] شيء" 118.وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "من فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره" 119 هذا إن قدر عليه فإن لم يقدر يفطره على تمرة أو شربة من الماء أو اللبن، لما روى أن واحدًا من الصحابة قال: "يا رسول الله ليس كلنا نجد نفطر به الصائم فقال: يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن" 120.
فرع آخر
جرت عادة بعض الناس بترك الكلام في شهر رمضان وليس له أصل في الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفعلوا إلا أن له أصلًا في شرع من قبلنا، قال الله تعالى لزكريا عليه السلام ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا﴾ [مريم: 10]، وقالت مريم عليها السلام ﴿إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا﴾ [مريم: 26]، وقد قال بعض أصحابنا إن شرع من قبلنا يلزمنا فيكون هذا قربة تستحب.
ومن قال: إنه لا يلزمنا شرع من قبلنا قال: هذا لا يستحب.
مسألة: قال 121: وإذا سافر الرجل بالمرأة [306 ب/4] سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي كان لهما أن يفطرا.
الجزء: 3 - الصفحة: 271
الفصل
وهذا كما قال قد ذكرنا حد السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر فإذا خرج إلى مثل هذا السفر له أن يفطر فيأكل أو يجامع وهذا لقوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" 122. وقال أحمد: لا يجوز الإفطار بالجماع وإن جامع وجبت عليه الكفارة لأنه أبيح له الأكل والشرب للحاجة إليه ولا حاجة به إلى الجمال وهذا غلط لأنه لو كان لا يحتاج إلى الأكل فأجل فجاز له صوم يجوز أن يفطر فيه بالأكل يجوز أن يفطر فيه بالجماع كصوم التطوع، وإن صام في سفره أجزاه.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن صام في السفر قضى في حضر وبه قال داود وقال يحرم عليه الصوم.
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "ليس البر الصيام في السفر 123 كالمفطر في الحضر"، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الإسلامي قال للنبي صلى الله عليه وسلم [307 أ/4]: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال: "صم إن شئت وأطر إن شئت" 124. وروى عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة فر رمضان فلما انصرفنا قال لي:"ماذا فعلت قلت: صمت وما أفطرت وأتممت وما قصرت فقال: أحسنت" 125 ولأن من لا يترك الصلاة لا يكون فطره عزيمة كالمريض.
وأما الخبر الأول قلنا روى ابن المنذر بإسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاما على رجل قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم فقال: هذا وعندنا إذا أضعفه الصوم لا يكون له الصوم برآ.
وأما الخبر الأخر أراد من لم ير الفطر رخصة في السفر كمن لم ير الصوم في الحضر، وروى؟ أنهم كانوا في الحرب فأمرهم بالفطار ليتقووا على عدوهم في الحرب فصام قوم منهم فقال: هذا وقال أيضًا: أولئك العصاة وأما الأفضل فإنه إن كان يلحقه [307 ب/4] مشقة شديدة في الصوم فالأفضل له الفطر، وإن كان لا يلحقه ذلك فالأفضل له الصوم.
وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو ثور وروى ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص.
وروى عن ابن عباس وابن عمر المسيب رضي الله عنهم وأنهم قالوا: الفطر أفضل بكل حال، وبه قال الاوزعي والشعبي وأحمد وإسحاق كالقصر أفضل من الإتمام، وروى هذا عن مالك أيضًا وهذا غلط لما روى يلمه بن المحبّق رضي الله
الجزء: 3 - الصفحة: 272
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من كانت له حمولة تتساوى غلى شبع فليصم حيث أدركه " 126، ورزة أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أفطرت فرخصة الله، وإن صمت فهو أفضل"، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم في السفر أفضل" ولأن من خير بين الصوم والإفطار كان الصوم له الأفضل كالمتطوع".
وأما القصر فيه قولان، أحدهما: الإتمام أفضل وإن سلمنا وهو الصحيح فإنه لا يلزم القضاء الركعتين المتروكتين يلزم القضاء ها هنا في الذمة في الذمة فافترقا.
فرع
قال بعض أصحابنا [308 أ/4] بخراسان: لو أفطر المسافر بالجماع غير مترخص به فيه وجهان: أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأن هذا الصوم غير لازم فهو كالمترخص.
والثاني: تلزمه الكفارة وبه قال أحمد لأنه إذا لم يترخص صار كمقيم جامع فأفسد صومه فهو كما لو نوى القصر مترخصًا جاز ولو بدا له أن يتم في خلال الصلاة فقام بنية الإتمام جاز، ولو قام متعمدًا لا بنية الإتمام بطلت صلاته، والأول أظهر وأصح.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله أن الحامل إذا كانت سافرة فأفطرت نظر فإن كان للترخص برخصة السفر لا يلزمها الفدية، وإن كان للولد يحتمل وجهين، أحدهما: لا يلزمها أيضًا لأن الفطر جائز لها لا لأجل الولد.
والثاني: يلزم كالشيخ الهرم إذا أفطر في السفر، والأول أصح.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله أيضًا إذا وطئ امرأته الحامل وهي ممن يباح لها الفطر للولد فلا كفارة عليها وإن قلنا تلزم الكفارة على المرأة لأن الفطر مباح لها في الجملة كالمسافرة فإن قيل هل يباح لها الفطر على هذا الوجه قلنا الأوضح أنه مباح كحالة السفر ولا يصح أن يقال الفطر] 308 ب/4] إنما أبيح للولد فلا يباح إلا بما يعود نفعه إلى الولد وليس في الجماع نفعه لأن الفطر إذا أبيح بجهة فلا تخصيص، كما في المسافر أبيح له الفطر ليقوى على السفر ثم له أن يجامع.
وإن لم يكن فيه هذا المعنى قلت: ويحتمل وجهًا آخر قياسًا على ما تقدم من الوجه في المسافر إذا جامع غير مترخص به.
فرع آخر
ذكره والدي أيضًا إذا شرع السافر في صوم رمضان ثم نذر الإتمام، قال: عندي لا يلزمه الإتمام لأن الإيجاب شرعًا هو أقوى من الإيجاب نذرًا وذلك لا يوجب الإتمام
الجزء: 3 - الصفحة: 273
ولهذا أنه لو نذر المسافر أن يقصر الصلاة أو يتمها لم يتغير الحكم بهذا النذر لأن الإيجاب الشرعي إذا لم يوجب أحد هذين على التعيين لم يصح التعيين فيه بجهة النذر.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله ويحتمل عندي ..... 127 أدخل المسافر في الصوم أن يفطر بعده لأنه دخل في فرض المقيم كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد القصر لا يجوز ولم يقله غيره.
مسألة: قال 128 وليس لأحد أن يصوم في شهر رمضان نذرًا
الفضل
وهذا كما قال [309 أ/4] وفي نسخة دينا أراد بقوله دينًا صومًا كان عليه دينًا عن كفارة أو نذرًا وغيرهما ثم قال ولا قضاء لغيره وأراد قضاء رمضان غيره.
وجملته: أن عندنا لا يجوز للمسافر أن يصوم عن غير رمضان بحال لأن زمان رمضان هو مستحق لصوم رمضان وحده فلو نوى المسافر صومًا آخر لا ينعقد له ذلك الصوم ولا صوم رمضان.
وقال أبو حنيفة: له أن يصوم عن النذر والقضاء والكفارة وعن التطوع روايتان، وخالفه أبو يوسف ومحمد وقالا ت يقع عن رمضان وهذا غلط لأنه يجوز له الإفطار للعذر فلا يجوز له أن يصوم عن غيره كالمريض والشيخ الهرم.
مسألة: قال 129: وإن قدم رجل من سفره نهارًا مفطرًا كان له أن يأكل حيث لا يراه أحد.
وهذا كما قال الأصل في هذا الباب هو أن كل من لم يلزمه صوم أول النهار ظاهرًا وباطنًا لا يلزمه إمساك باقي النهار، فإذا قدم المسافر في نهار رمضان بلده أو بلدًا يريد المقام فيه غير بلده فإن كان مفطرًا أو تاركًا للنية يستحب له أن يمسك باقي النهار ولا يلزمه ذلك وهكذا المريض [309 ب/4] إذا بدأ في أثناء النهار والحائض والنفساء إذا طهرتا في أثنائه، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والكافر يسلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح في الحائض أنه لا يلزمها التشبه لأن عذرها أعظم.
ونص في "حرملة" أن الكافر إذا أسلم كان الكفر بمنزلة الأعذار.
وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم "يجب ما قبله".
وبه قال مالك وأبو ثور وداود وأحمد في إحدى الروايتين، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز لهم أن يأكلوا في بقية النهار وهذا غلط لأنه أبيح له الإفطار ظاهرًا وباطنًا فإذا أفطر كانت له استدامته إلى آخر النهار كما لو داوم عذره.
ومن أصحابنا من قال: يجب الإمساك على الصبي والمجنون إذا بلغ وأفاق وكذلك على الكافر إذا أسلم لأنه لا يجب القضاء عليهم، ولأن الكافر كان مخاطبًا بالصيام مفرطًا بتركه.
وقال القفال: هل يلزم قضاء ذلك اليوم على هؤلاء وجهان:
فإن قلنا يلزمهم القضاء لا يلزمهم التشبه.
الجزء: 3 - الصفحة: 274
وإن قلنا لا يلزمهم القضاء فيلزمهم التشبه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه أربعة أوجه، [310 أ/4] اثنان: وهو ما ذكرنا، والثالث: يلزم الكافر التشبه وحده دون الصبي والمجنون لأنه غير معذور.
والرابع: يلزم الكافر والصبي ذلك دون المجنون لأنه يصح منهما الصوم إذا أتيا بالشرائط، بأن ينوي الصبي ويسلم الكافر وينوي، والمجنون لا يمكنه ذلك فكان معذورًا.
ومن أصحابنا من فال في المريض: إذا صح أنه يلزمه الإمساك، بخلاف المسافر لأنه أبيح له الفطر لعجزه عن الصوم.
فإذا زال العجز ارتفع معنى الإباحة فيلزم الإمساك والمسافر يفطر وإن أطاق الصوم وهذا هو اختيار البصريين من أصحابنا وقالوا: هذا أشبه ذكره في "لحاوي" 130 ونص في "البويطي" في المغمى عليه يفيق ليس عليه الإمساك فلا يصح هذا التخريج على المذهب.
وحصل خمسة أوجه في الجملة والمنصوص ما تقدم.
وقال الشافعي: وإن كانت امرأته حائضًا فطهرت أي امرأة هذا القادم قد طهرت في هذا اليوم كان له أن يجامعها ولو ترك ذلك كان أحب إلىَّ أيْ: للاحتياط أو الخروج من الخلاف ثم اعلم أن الشافعي قال: له أن يأكل حيث لا يراه أحد لا لأنه لا يجوز له الأكل حيث يراه الناس ولكن [310 ب/4] لئلا يتهم بأنه ترك فرض الله تعالى إذ ليس كل أحد يعلم إباحة الأكل له.
فرع
قال بعض أصحابنا؛ إذا تبين يوم الشك أنه من رمضان ولم يكن أكل فحكي البويطي عن الشافعي أنه قال: أحببت له الإمساك لأنه أصبح ولم يكن الفطر محرمًا عليه ولو كان أكل، فإن قلنا هناك لا يحرم الأكل فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك يحرم الأكل فهل يحرم هاهنا؟ وجهان، والصحيح أنه يحرم لأنه بان أنه لم يكن الأصل مباحًا وعلى هذا فإذا قلنا أنه يلزمه الشبه يلزمه القضاء على الفور، لأن قلنا لا يلزمه التشبه فالقضاء على التراخي.
فرع
لو دخل المسافر أو المريض في الصوم ثم زال العذر في أثناء النهار فظاهر ما ذكره في المختصر أنه يلزمه الإتمام ولا يجوز له أن يفطر لأنه قال.
لأن قدم من سفره نهارًا مفطرًا فشرط أن يقدم مفطرًا، وبه قال أبو إسحاق وهذا لأن عذره زال قبل الترخص فهو كالمسافر إذا أقام قبل أن يقصر الصلاة لم يجز له القصر، وهذا هو الصحيح.
وقال القفال: لا خلاف فيه، وقال ابن أبي هريرة: يجوز له الإفطار وهو القياس.
[311 أ/4] وقيل نص عليه في البويطي لأنه لما أبيح له الإفطار في أول النهار مع علمه
الجزء: 3 - الصفحة: 275
بالحال بقيت الرخصة إلى آخر النهار كما لو أفطر ثم أقام فحصل قولان وقيل وجهان، وهو غلط.
وقال يعض أصحابنا بخراسان: إن أصبحا تاركين للنية لم يكونا أكلا فزال العذر هل يلزم التشبه لأنه لم يلحقه الرخصة في السفر.
لأن أكلا لم يلزم التشبه، وإن صاما فلا يجوز الفطر وهذا لا يصح لأنه إذا لم ينو من الليل كان مفطرًا، ولو شرع الصبي في المحرم ثم بلغ لا يلزمه الإتمام قولًا واحدًا.
وفي هذا نظر لأنه ليس من أهل اللزوم وقت الشروع وذكر في "الشامل" في المريض إذا صام ثم زال المرض لا يجوز أن يفطر قولًا واحدًا ولا وجه للفرق بينه وبين المسافر عندي.
فرع آخر
هل يثابون على الإمساك في بقية النهار فيه ثلاثة أوجه: احدها: لا يثابون لأنه لا يعتد به، والثاني: وهو الأصح يثابون عليه لأنهم يستحقون العقاب بتركه، والثالث: أنهم لم يكونوا مفرطين بالفطر، فإنهم يثابون عليه وإلا فلا عقوبة على تعديه [311 ب/4].
مسالة: قال 131: ولو أن مقيمًا نوى الصوم قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرًا لم يفطر يومه.
وهذا كما قال إذا أصح في رمضان وهو مقيم صائم ثم سافر ذلك اليوم لا يجوز له أن يفطر في بقية اليوم بخلاف ما إذا مرض لأن المرض ضرورة والسفر اختيار، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والنخعي ومكحول والزهري وأبو ثور، وقال إسحاق وداود والمزني وابن المنذر وهو رواية عن أحمد: يجوز له الفطر وهذا غلط لأنه عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا أنشأه في الحضر ثم سافر فوجب أن يغلب حكم الحضر كالصلاة.
واحتج المزني بما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في مخرجه إلى مكة في رمضان حتى بلع كراع الغميم وصام الناس معه ثم أفطر وأمر من صام معه بالإفطار" 132، فلو كان لا يجوز له الفطر ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما أفطر.
قلنا ظن المزني أن كراع الغميم قريب من المدينة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح في المدينة ثم خرج إلى كراع الغميم فأفطر وليس كما توهم بل بين المدينة وبين كراع الغميم ثمانية أيام فصام رسول الله [312 أ/4] صلى الله عليه وسلم في السفر مع الناس ثم أفطر في هذا اليوم حين رأى رجلًا يظلل عليه وينفح بالماء فقال: ما ذاك؟ فقيل: صائم جهده الصوم فأفطر وأمر الناس بالإفطار، وقيل: لما احتج المزني بهذا الخبر قيل: له هذا فقال: خطوا عليه وفي بعض النسخ خط عليه وفي بعضها لم يخط وأمر بالخط على هذا الاحتجاج لا على مذهبه، وقيل خط على مذهبه في المنثور ووافق الشافعي، فإذا تقرر ما ذكرنا فلو خالف فأفطر فإن أفطر بالأكل فلا كفارة ووجب القضاء لأن أفطر بالجماع يلزمه القضاء والكفارة.
وقال أبو حنيفة ومالك في رواية أنه لا كفارة وكذلك عبد الملك إذا أنشأ الصوم في الفر ثم أفطر ففي
الجزء: 3 - الصفحة: 276
الكفارة روايتان وهذا غلط لأن الفر الذي لا يبيح الفطر لا يسقط الكفارة كالسفر القصير.
فرع
لو شك هل سافر قبل طلوع الفجر أم بعده؟ ليس له أن يفطر لأنه في شك من تقدم السفر وبالشك لا تباح الرخص.
فرع آخر
لو قدم من سفره مفطر فجامع امرأته وهي صائمة فإنه يلزمه الكفارة عنها فلو حاضت في آخر النهار فإنه تسقط الكفارة عنه في الصحيح من المذهب.
وقال في اختلاف العراقيين:] 213 ب/4] قد قيل عليه عتق رقبة، وقيل لا شيء عليه فحمل قولان: لا يسقط، وبه قال مالك وابن أبى ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود قياسًا على ما لو جاع ثم سافر سفرًا يبيح له الفطر.
والثاني: يسقط، وبه قال أبو حنيفة والثوري لأنه خرج هذا اليوم من أن يكون صومه مستحقًا فلا كفارة وهكذا الخلاف إذا وطئ في أول النهار وطئًا يوجب الكفارة ثم جن في آخر النهار أو مات أو مرضًا يبيح له الفطر وقيل في الجنون والحيض الصحيح إنما تسقط؛ لأن الجنون ينافي الصوم فقد بان أنه لو لم يفطر ما كان يحصل له الصوم بخلاف المرض وقوله إنه غير مستحق لا نسلم بل كان الصوم مستحقًا قبل وجود هذا القدر.
وقال زفر: الحيض والجنون يسقطانها والمرض لا بمثلها لأن المرض لا يبطل الصوم بخلاف الحيض والجنون وهذا غلط لأن هذا السفر الطارئ لا يبيح له الفطر وهو إلى اختياره بخلاف ذلك.
مسألة: قال 133: ومن رأى الهلال وحده وجب عليه الصيام.
وهذا هو كما قال: إذا رأى هلال رمضان وحده يلزمه أن يصوم [313 أ/4] سواء شهد عند الحاكم فرد شهادته أو لم يشهد بلا خلاف.
وقال عطاء والحسن وشريك وإسحاق لا يلزم الصوم حتى يحكم الحاكم برؤية الهلال وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يعتبر حكم الحاكم ولأنه إذا رأى الهلال بنفسه فقد تعين دخول رمضان وإذا شهد الشهود عرف ذلك بغلبة الظن،.
فإذا لزم هناك فهاهنا أولى فإذا تقرر هذا فلو فطر في هذا اليوم بالجماع فإنه يلزمه الكفارة.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة لأنها تسقط بالشبهة وهذا غلط لأن هذا اليوم قد لزمه صومه من رمضان فتلزمه الكفارة بالجماع فيه كما لو قبلت شهادته.
مسألة: قال 134: فلا رأى هِلاَلَ شَوَّالَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأكُلَ حَيْثُ لا يراه أحد.
الجزء: 3 - الصفحة: 277
وهذا كما قال: إذا رأى هلال شوال وحده ورد الحاكم شهادته حل له أن يأكل حيث لا يراه أحد وهذا لئلا يلحقه إنكار من السلطان وممن لا يعرف حاله، وقال أبو حنيفة: لا يحل له أن يفطر بل عليه أن يصوم مع الناس فلو أفطر فلا كفارة.
وقال مالك وأحمد لا يحل له [313 ب/ 4] الفطر ويخالف الابتداء للاحتياط وهذا غلط لأنه تبقيه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت البينة.
وأما الاحتياط الذي ذكره فإنه ينتقض به إذا شك في الفجر يجوز له الأكل بالجماع والاحتياط بالإمساك.
فرع
لو رئي هذا الرجل يأكل فقال: كنت رأيت الهلال فإنه لا يعذر بل يعزر ولا يبلغ بالتعزيز الحد إلا أن يكون فطره بشرب الخمر فيحد ويندرج التعزيز تحته وإن أراد أن يشهد الآن لا تقبل شهادته لأنه منهم في دفع التعزيز عن نفسه ولا تقبل شهادة الظنين وهو المتهم والأصل في مثل هذا ما روي "أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر رضي الله عنه فلم يجبه أحد فأعاد الاستئذان مرة ثانية وثالثة فلم يجبه أحد وكان عمر في بيته مشتغلًا ببعض أشغاله ويسمع صوته فانصرف أبو موسى فبعث عمر في أثره وقال: ما دعاك إلى الانصراف فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا 135، فقال ائتني بمن يشهد لك وإلا [314 أ/4] أذيتك فانصرف أو موسى إلى الأنصار وقال: من يشهد لي فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا فقام أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فشهد بذلك عند عمر رضي الله عنه لأبي موسى فقال: عمر لأبي موسى: أما أني لا أتهمك ولكن خشيت أن لا أراجع أحدًا في أمر إلا ويروي لي خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبل رواية أبي موسى لأنه أراد أن يدفع عن نفسه بذلك عتاب عمر رضي الله عنه ذكره القفال.
مسألة: قال 136: وَلاَ أقْبَلُ علي رُؤيَةِ الهِلاَلَ للفِطْرِ إلاَّ عدلين.
قال المزني: هذا يقضي لأحد قوليه أن لا يقبل في الصوم إلا عدلان وقد ذكرنا هذا فيما تقدم واختيار المزني السوره بين الطرفين في الشهادة والفرق ظاهر وهو أن التهمة متمكنة في الطرف الأخير دون الأول.
مسألة: قال: 137 وإن صحا قبل الزوال أفطر وصلى بهم.
وهذا كما قال: أراد بقوله: صحا أي: صحت عدالة الشاهدين على رؤية الهلال قبل الزوال من يوم الثلاثين وإذا صح ذلك أفطر، وهذا يقضي صلاة العيد، واحتج بأنه لا يقضي [314 ب/4] بعد الزوال ولا يقضي بعد شهر وقد ذكر بعض أصحابنا ..... 138 وقال القفال: عندي ينبنى القولان في قضاء صلاة العيد على أن صلاة العيد كالجمعة لا تُقضى أو كسائر النوافل هل يقضي وفيه قولان.
الجزء: 3 - الصفحة: 278
مسألة: قال 139: وَمَنْ كَانَ عَلَيهِ صوم رمضان لسفر أو مرض فلم يقضه يقدر عليه حتى دخل شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر ثم يقضي من بعد الذي عليه ويكفر لكل يوم بعد.
وهذا كما قال: كل من أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر وأوجبنا عليه القضاء فوقت
القضاء ما بين رمضان الذي يقضيه وبين رمضان الذي يليه كان قضاؤه في وقت القضاء فلا شيء عليه وإن أخره عن وقته فإن كان لعذر مثل أن استدام السفر أو اتصل به المرض قضاه ولا شيء عليه وإن كان بغير عذر صام الشهر الذي أدرك عن فرضه ولا يجوز له إيقاع القضاء فيه كما يتذكر الفائتة في وقت لضيق الحاضرة فليس له الاشتغال بالفائتة وقضى الذي أفطر ولا يسقط عنه بتداخل الأحوال وعليه لكل يوم لأجل التأخير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
[315 أ/4] يتصدق به على مسكين واحد، ولا يجوز أن بدفع إلى مسكينين ولو دفع مدين ليومين إلى مسكين واحد جاز بخلاف ما لو دفع مدين من كفارة بمد إلى مسكين واحد لم يجز.
والفرق: هو أن كل مد يوم من رمضان كفارة على حدة فكأنه أعطاه من كفارتين بخلاف ذلك وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة والزهري، وقال يحيى بن أكثم القاضي وحدثه عن ستة من الصحابة ولم يذكر أسماءهم.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه وهو اختيار المزني وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان لمرض فلم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى ما فاته وأطعم عن كل يوم مسكينًا" 140، وقال بعض أصحابنا إنما قيد الشافعي من كان عليه ذلك بسفر أو مرض لأن من أفطر بغير عذر يتضيق عليه القضاء
عند الإمكان ومن أفطر بعذر كان في فسحة من قضائه إلى رمضان آخر لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من [315 ب/4] شهر رمضان فلا أقضيه لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدخل شعبان" 141 وهذا خلاف ما عليه أهل العراق.
فرع
لو أخره سنتين أو ثلاث فيه وجهان: أحدهما: يجب لكل سنة مد قياسًا على السنة الأولى، وبه قال عامة أصحابنا واختاره القاضي الطبري وهذا لأن كل واحد من المتأخرين لو انفرد لوجب المد فإذا اجتمعا لم يتداخلا.
الثاني: وبه قال ابن سرج يكفيه مد واحد لأن القضاء موقت بما بين رمضانين فإذا آخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجب الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب بالتأخير كفارة، قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب والوجه الآخر ليس بشيء وهذا أظهر عندي.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله لو كان عليه قضاء يوم من رمضان فلما طلع الفجر من اليوم الثاني من شوال سافر بعده وامتد السفر إلى رمضان ثان ولم يقض، هل تلزمه الفدية؟ يحتمل أن يقال يجب كفارة التأخير لأن السفر الحادث بعد الفجر لا يمنع وجوب الكفارة بالجماع لأنه لو سافر بعد طلوع [316 أ/4] الفجر لا يجوز الفطر ولو جامع فيه يلزمه الكفارة فلا يمنع أيضًا وجوب كفارة التأخير لأن كل واحدة من الكفارتين تسقط عند وجود العذر وتلزم عند فقده ويحتمل أن يقال: لا يلزم الكفارة لأن حكم القضاء أضعف من حكم الأداء، قلت: هذا أصح عندي لأنه لم يحصل إمكان القضاء فلا يلزم الفدية إلا بوجود القضاء.
مسألة: قال 142: فإذا مات أطعم عنه.
وهذا كما قال: إذا أفطر في رمضان لعذر سفر أو مرض فلم يقض حتى مات.
قال الشافعي: في كتبه القديمة يصوم عنه وليه، وقال فيه إن صح الخبر قلت به وقد صح الخبر فحصل قولان:
أحدهما: لا يصوم عنه وليه وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري.
وقال مالك لا يلزم الولي أن نطعم عنه أيضًا حتى يوصي بذلك.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ووجهه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين" 143 ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة.
والثاني: يصوم عنه [361 ب/ (4)] وليه.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ركبت امرأة البحر فنذرت أن الله تعالى إن نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله تعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى النبي.
فذكرت ذلك له فقال لها: "صومي عنها" 144، ولأنها عبادة يدخلها الجيران بالمال فجاز أن يدخلها النيابة بعد الوفاة كالحج وهذا غلط لأن في الخبر كلامًا لأن صح يحمله على أنه أراد به أدى عنه وليه ما يقوم مقام الصوم بدليل خبرنا، ولا يجوز قيامه على الحج لأنه يجوز الاستئجار عليه بخلاف هذا وروي عن أحمد وإسحاق، أنه إن كان صوم نذر صام عنه وليه وإن كان صوم رمضان أطعم عنه جمعًا بين الخبرين، وهذا أيضًا غلط لأنه لا فرق في القياس بينهما وعندنا كل صوم وجب عليه ثم مات بعد إمكان الأداء، فحكمه الإطعام عنه.
وذكر في " الحاوي" 145 عن أحمد
الجزء: 3 - الصفحة: 280
وإسحاق وأبي ثور أنه يصوم عنه وليه في صوم رمضان إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه.
ومن أصحابنا من قال: المسالة على قول واحد وأنكر أصحابنا [317 أ/4] أن يكون قوله القديم مذهباً له فإذا قولنا بقوله القديم بعض أصحابنا: يصوم عنه وارثه أي قدر كان.
وقال بعضهم: لو أمر أجنبياً في أحد فصام عنه بأجره أو بغير أجرة فإنه يجوز كالحج عن الميت يجوز من الأجنبي في أحد الوجهين.
وإذا قلنا بالمذهب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يموت قبل فوات وقت القضاء وهو بعد دخول رمضان آخر فإن مات قبل فوات القضاء أطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينا مداً.
وعند أبي حنيفة يطعم صاعاً من تمر أو نصف صاع من برَّ إن أوصى به وهذا غلط لما روينا في الخبر أطعم عنه كل يوم مد وإن مات بعد فوات وقت القضاء فيه وجهان:
أحدهما: انه يطعم عنه وليه عن كل يوم مدين مداً عن الصوم ومداً عن التأخير وهو الصحيح من المذهب لأن كل واحد منهما لو انفرد فإنه يوجب مداً.
والثاني: قاله ابن سريج، وبه قال مالك يجزيه مد واحد لأنه إذا أخرج بدل الصوم فقد زال التفريط بالتأخير فلم يجب لأجله شيء وحكي عن ابن سريج أنه قال يجزيه مد التأخير ويسقط المد الذي [317 ب/4] هو بدل عن الصوم وهذا غلط عليه وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان بمرض فلم يصمه حتى مات أطعم عنه كل يوم مدان" 146، فأراد ما ذكرنا وغن كان هذا الموت قبل أن يتمكن من القضاء بان أفطر في السفر، ثم استدام المرض حتى مات فلان شيء.
وحكي عن طاووس، وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه.
وهذا غلط لأن العبادة تجب عند وجود شرط الوجوب، ولكن لا يستقر غلا بإمكان الأداء كالصلاة، وها هنا لا تستقر فتسقط بالعذر، فإن قيل: أليس يلزم الفدية على الشيخ الهم مع العجز؟ قلنا: لا يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت.
فرع
لو كان عليه قضاء عشرة أيام فاخرها حتى بقي بينه وبين رمضان خمسة أيام هل يجب في الحال فدية خمسة أيام قبل دخول رمضان حتى لو مات يقضي من تركه فدية التأخير؟ فيه وجهان:
أحدهما: نحكم بالوجوب لانا غرفنا عجزه عن القضاء قبل رمضان.
والثاني: لا نحكم بوجوب لأنه لم يدخل وقت مثله.
[318 أ/4] وأصل هذا إذا قال: والله لأشربن هذا الماء غداً فأنسي اليوم هل يحل حانثا في الحال؟ وجهان.
الجزء: 3 - الصفحة: 281
فرع
إذا أدرك رمضان آخر وأخر القضاء.
فإن قلنا: يصوم عنه وليه يصوم يوماً مكان يوم ويخرج مد التأخير.
وإذا قلنا يطعم عنه فقد مُد بدلاً عن الصوم، ومدُ بالتأخير هل يتداخلان؟ وجهان، أحدهما: يتداخلان لأنهما لله تعالى والجنس واحد.
والثاني: لا يتداخلان بينهما.
فرع آخر
ذكره والدي- رحمه الله- لو كان عليه قضاء يومين فتمكن من قضاء أحد اليومين، وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني، ثم مات وجب الإطعام عنه لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان:
أحدهما: يلزم الإطعام عنه.
والثاني: لا يلزم.
وأصل هذا إذا نذر صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم أم لا يلزمه شيء؟ وفيه وجهان وهو في الكافر يسلم في أثناء اليوم.
مسألة: قال 147: "ومن قضى متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب إليَّ".
وهذا كما قال، إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان فالمحتسب أن [318 ب/4] يقضيها متتابعاً فإن قضاها متفرقاً أجزاه، وبه قال ابن عباس، ومعاذ وأبو هريرة، وأنس.
وقال علي وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم يجب قضاؤها متتابعا وبه قال النخعي والحسن وداود وروى أصحابنا بخرسان عن أحمد ولا يصح عنه بل مذهبه مثل مذهبنا.
وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء وهذا غلط لأنه إذا تابع يكون فيه مبادرة إلى الطاعة، واحتجوا بما روي "أن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" 148 وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه شيء من قضاء رمضان فإن شاء صامه متتابعا وإن شاء صامه متفرقا" 149، ولأن صيام شهر رمضان يتابعها من حيث الوقت لا من حيث العبادة بدليل أن فساد بعضها لا يفسد الباقي، فإذا فات الوقت لا معنى لمراعاة التتابع فيه بخلاف صوم الشهرين في الكفارة وهذا بقضاء الصلوات يجوز من غير ترتيب لهذا المعنى.
وأما [319 أ/4] خبر عائشة فروي عنها أنها قالت: نزلت ﴿سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] متتابعات ثم سقط متتابعات 150 وهذا يدل على أنه صار منسوخا وأما الخبر الآخر فنحمله على الاستحباب.
الجزء: 3 - الصفحة: 282
مسألة: قال 151: ولا يصام يوم الفطر.
الفصل
وهذا كما قال: روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن صيام ستة أيام" على ما ذكرنا فأما العيدان فلا يجوز صيامهما، ولا ينعقد الصوم فيهما وإن نذر صيامهما لا ينعقد النذر خلافا لأبي حنيفة حيث قال: ينعقد ويصوم يوما آخر ولو حلف بالطلاق أن يصوم يوم الفطر، قال بعض أصحابنا: لا يصح فيه الصوم وطلقت امرأته ولزمه الجنث ..... 152 أمسك وفي زمان ..... 153 كان احدهما: بمضي اليوم كله، والثاني: يحنث في الحال.
وأما أيام المنى وهي أيام التشريق قال في الجديد: لا يجوز صومها بحال فرضاً كان أو تطوعاً.
وقال في "القديم": يجوز للمتمتع أن يصوم الثلاثة فيها فإذا قلنا بهذا عل يجوز لغير المتمتع فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وإنما هو رخصة للمتمتع خاصة وبه قال مالك، وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: "لم يرخص في [319 ب/4] صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي"، وقال أبو إسحاق: يجوز فيها كل صوم له سبب من نذر أو كفارة وقضاء او تطوع راتب.
فأما الصوم الذي لا سبب له لا يجوز بلا خلاف.
وأما صوم يوم الشك فقد ذكرنا.
فرع
قال المزني: في "جامعه"، قال الشافعي: ولا يبين لي أن أنهي عن صيام يوم الجمعة إلا على اختياره لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً فعلها وذهب أبو حامد وجماعة من أصحابنا إلى أنه يكره صومه منفردا لما روي أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل عن صيام الجمعة فقال: على الخبير رجعت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يوم الجمعة يوم عيد وذكر فلا تجعلوا عيدكم يوم صيامكم ولكن اجعلوه يوم ذكر إلا أن تخلطوا بأيام" 154. وروي عن أبي الأوبر أنه قال: كنت عند أبي هريرة فأتاه رجل فقال: يا أبا هريرة أأنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة قال: لا لعمرو الله ما نهيتهم أن يصوموا يوم الجمعة ولكن ورب هذه الحرمة ثلاث مرات لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحد منكم يوم الجمعة إلا أياما يصومه [320 أ/4] معها أو يصومها معه" 155.
وروي عن أبي قتادة العدوي قال: ما يوم أكره إلي أن أصومه من يوم الجمعة ............ 156 من يوم الجمعة، فقيل وكيف في أيام متتابعة لما أعلم من فضيلته وأكره أن أخصه من بين الأيام.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره فإن وصله بيوم
الجزء: 3 - الصفحة: 283
قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصومن أحدكما يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله او يصوم بعده"، وروي عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "صمت أمس قالت: لا قال: وتريدين أن تصومي غداً قالت: لا قال: فأفطري" 157.
وروي عن محمد بن عباد بن جعفر أن رجلا سأل جابر بن عبد الله وهو يطوف فقال أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعن ورب هذا البيت" 158، وبهذا القول قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف واختاره ابن المنذر.
وقال بعض أصحابنا: هذا خلاف ما حكاه المزني عن الشافعي، وفي التحقيق مذهب الشافعي أن معنى النهي فيه أن يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها فإن كان هكذا فإنه يكره له صومه وإلا فلا بأس، ومن أصحابنا من قال: إنما يكره لأنه يوم عيد كيوم الفطر وهذا [320 ب/4] ليس بشيء ولا يكره إقرار عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كيوم الشعانين وفصح النصارى وفطر اليهود ويم النيروز ويوم المهرجان.
مسألة: قال 159: وإن بلع حصاة أو ما ليس بطعام.
الفصل
وهذا كما قال الصائم إذا أكل أو شرب ما يعتاد أكله أو شربه أفطر بلا خلاف وإن أكل ما لا يؤكل في العادة أو شرب ما لا يشرب في العادة كابتلاع الحصاة أو الزجاجة أو التراب أو التبن، ونحو ذلك أفطر وبه قال العلماء.
وروي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يستف البرد في الصوم ويقول: هذا ليس بطعام أو شراب وهذا غلط لقول تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: 187]، والصيام هو الإمساك عن كل شيء ولأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما يمكنه الاحتراز عنه فيفطره كالمعتاد.
مسألة: قال 160: ولو احتقن أو داوى جرحه حتى وصل إلى جوفه.
الفصل
وهذا كما قال: الحقن يفطر الصائم وقال مالك: إن كان كثيرا فطر وإلا فلا، وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر به وإنما يفطر بما يصل إلى جوفه من فمه وهذا غلط لأنه وصل إلى جوفه باختياره مع ذكر الصوم ما يمكن الاحتراز منه فيفطره كما لو وصل من الفم فإن قيل: أليس قلتم: إنه لو حقن الصبي باللبن [321 أ/4] لا يثبت الحرمة في أحد القولين، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الرضاع لإنبات اللحم وانتشار العظم وذلك لا يحصل بالحقنة والفطر لوصول الواصل إلى حرف الجوف وقد وصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 284
وأما إذا رزق في إحليله شيئا أو دخل فيه ميلاً أو قطعه يفطره قولا واحداً لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه وهو المني ُّ يتعلق بالواصل إليه كالفم، ولا فرق بين أن يصل إلى مثانته أولاً.
ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يفطره، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فصار كما لو أوصل إلى فمه لا يفطره.
وقال القفال: لا نص فيه والأظهر هذا واختاره القاضي الحسين، وقال القفال: الوجه الأول خرجه ابن أبي أحمد قال: ويفارق نقض الطهارة بخروج الخارج منه لأن ذلك بخروج الخارج من محل الحدث، والفطر بوصول الواصل إلى الجوف وهذا ليس بجوف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان إن وصل إلى المثانة فطره، وإن وصل إلى القضيب دون المثانة وجهان/ والمذهب الأول وهو المنصوص عند أهل العراق.
وأما إذا كانت في بطنه جراحة فداوها به واتصل إلى الجوف فطره سواء كان الدواء رطبا أو يابساً، [321 ب/4] وبه قال أحمد وأبو حنيفة.
وروى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه كان رطبا فطره وإن كان يابساً لم يفطره وهذا لأن الغالب من الرطب أنه يصل إلى الجوف ومن اليابس أنه يقف ولا يصل إلى الجوف.
وعلى هذا يرتفع الخلاف، وقال مالك: لا بفطره وهذا غلط لما ذكرنا من العلة ولو أسقط الدهن أو غيره حتى وصل إلى جوف رأسه فطره، ويعني به إن تجاوز ذلك خياشيمه لا أن يصل إلى خريطة الدماغ، وهكذا إذا كانت برأسه شجة مأمومة فأوصل دواء ألى باطن الرأس وإن لم يوصل إلى باطن الأمعاء فطره.
قال أبو يوسف ومحمد لا يفطره لأنه يستعمله علاجاً لا اعتداء فجرى مجرى الضرورة، وقال الأوزاعي ومالك وداود السعوط لا يفطره إلا أن ينزل إلى حلقه وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" فيرفق وهذه الحشية للفطر فأما إذا أوصل إلى ما ليس بجوف وإن كان له حكم الباطن لا يفطره مثل جراحه في فخذه أو يده فأوصل إلى باطنه شيئا وإن أوصل إلى باطن العظم حيث يكون فيه المخ وكذلك لو اقتصد وأوصل المبضع إلى باطن العرق ولو أوصل بالسعوط إلى باطن الأنف ولم يتصعد إلى جوف الرأس لا يفطره بخلاف [322 أ/4] ما لو غيب في إحليل الذكر فإنه يفطره، والفرق أن ذلك جوف بدليل أنه لو جرح جراحة وصلت إلى جوف الذكر كانت جائفة فوجب ثلث الدية ولو أجاف أنف رجل أو جلدة خده حتى وصل إلى فمه يجب الحكومة على الصحيح من المذهب ولو جرح نفسه بالسكين أو جرحه غيره باختياره حتى وصل إلى جوفه فطره، وقال أبو يوسف ومحمد وداود: لا يفطره.
وقال أبو حنيفة: إن وصلت الطعنة إلى الجانب الآخر فطره وإلا فلا يفطره وهذا غلط لما ذكرنا.
ولو صب في أذنه شيئا فوصل إلى الدماغ بطل صومه لأن الدماغ هو أحد الجوفين على ما ذكرنا/ ولو لم تصل إلى الدماغ بأن أدخل أصبعه أو خشبة للحك لا يبطل صومه، وإن غاب عن رأى العين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يفطره أصلا لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ
الجزء: 3 - الصفحة: 285
وإنما يصل إليه في المسام كما يصل الكحل من العين إلى الحلق حتى يجد طعمه في حلقه ولا يفطره، وكذلك لو دهن بطنه يتشرب ذبك الدهن ويتحقق أنه وصل إلى الباطن لا يفطره لهذه العلة وهذا غريب بخلاف المذهب المشهور.
فرع
لو ابتلع خطياً ورأس الخيط بيده لم يبتلعه فطره إذا وصل شيء منه إلى الجوف خلافا [322 ب/4] لأبي حنيفة حتى قال: لو شد خرزة في رأس خيط وابتلعها والخيط بقي خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط بقى خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط وبقي الخرزة داخل الجوف فطره وعلى هذا عندنا لو أدخل في حلقه أصبعاً حتى وصل إلى حد الباطن من حلقومه فطره خلافاً لأبي حنيفة وكذلك الخلاف إذا أدخلت أصبعها في فرجها.
فرع
لو ابتلع خيطا وبقى طرفه خارجا فإن ابتلع الباقي فسد وإن أخرجه كان كالقيء يبطل صومه أيضاً وإن ترك كذلك لا تصح صلاته، فلو جاء رجل وأخرجه قهراً أو في حال نومه لا يبطل صومه وإذا لم يكن هناك من يخرجه قهراً يمتنع الصلاة والصوم فإنهما يراعي فيه وجهان: أحدهما: يراعي الصلاة فيخرج لأن حرمة الصلاة أعظم لأن بترك إخراجه تفوت صلوات ثلاث وبإخراجه لا يفوت إلا صوم واحد فكان اعتبار الصلاة أولى.
والثاني: يراعي الصوم لأنه شرع فيه دون الصلاة فمراعاة المشروع فيه أولى فيصلى على حاله ويعيد بعد الغروب.
فرع آخر
لو ابتلع ريقا نجسا فإن كانت نجاسته لاختلاط شيء به فطره لان غير الرفق فيه وإن جاوزه نجس ولم يخالطه فابتلع الريق النجس مفردا فيه وجهان، أحدهما: لا يفطره وهو [323 أ/4] اختيار القفال لأنه ليس في الريق غيره وإنما نجاسته من طريق الحكم فلا يضر الصوم وهذا أصح، والثاني: يفطره لأنه مأمور بإلقائه وإبعاده عن فمه فصار كالطعام في فيه، وهكذا لو تناول بالليل نجسا ثم أصبح وابتلع الريق.
مسألة: قال 161: وإن استنشق رفق.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراد الصائم المضمضة والاستنشاق يكره له المبالغة فيهما وهي المراد بقوله: رفق لما رويناه في حديث لقيط بن صبره فإن خالف ففعل فسبق الماء إلى جوفه فإن كان ناسيا للصوم لا يبطل صومه وإن كان ذاكراً للصوم اختلف أصحابنا فيه على طرق، فمنهم من قال: قولان لأنه منهي عنه مع ذكره للصوم وإن لم يبالغ فقول واحد لا يفطره ذكره القفال، ومنهم من قال: إذا بالغ يفطره قولاً واحداً وهو الصحيح
الجزء: 3 - الصفحة: 286
لخبر لقيط بن صبره ولأنه حادث بسبب مكروه فأشبه الإنزال مع القبلة وإن لم يبالغ فيه قولان:
احدهما: يفطره وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني لأن الماء وصل إلى جوفه بفعله مع ذكره للصوم فوجب أن يفطره، كما لو بالغ.
والثاني: لا يفطر وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو اختيار الربيع وهو الصحيح لأنه وصل [323 ب/4] إلى جوفه بغير اختيار فلا يفطر كغبار الطريق وغربلة الدقيق، وقال الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وهو قول ابن عباس رضي الله عنهم: أنه إن توضأ لمكتوبة لا يفطره وإن كان لنافلة فطره لانه في الفريضة مضطر بخلاف النافلة.
ومن أصحابنا من قال: بالغ او لم يبالغ فيهما قولان لأن وصول الماء لا يكون غلا بزيادة على المحدود فيهما وهو مغلوب في كلتا الحالتين ولأن الشافعي لم يفصل بين ان يكون بالغ او لم يبالغ وهذا أضعف الطرق.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين لا على قولين فالذي قال في "الأم": لا يفطره أراد أنه إذا لم يتعمده والذي قال في راوية المزني والقديم يفطره أراد إذا تعمد وفسر في كتاب ابن أبي ليلى فقال: لا يلزمه حتى يحدث ازدراداً أي: يقصد ذلك.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين من وجه آخر فإن بالغ فإنه يفطره قولاً واحداً وإن لم يبالغ لم يفطره قولاً واحداً واحتج المزني بالغلط في الوقت يفطره.
فقال: إذا كان الآكل لا يشك في الليل أي: في بقاء الليل فيوافي الفجر مفطراً بالإجماع وهو بالناسي أشبه، ووجه الشبه أن كليهما لا يعلم [324 أ/4] أنه صائم وقت أكله وهذا السابق إلى جوفه يعلم أنه صائم فإذا أفطر في الأشبه بالناسي كان الأبعد من الناسي وهو هذا المستنشق بالفطر أولى والجواب عن هذا أن يقول: تشبيهك أولا المخطئ في الوقت بالناسي غير صحيح لأنه لو كان كذلك لكان المخطئ لا يفطر كالناسي، ثم الفرق بين مسألتنا وبين المخطئ في الوقت هو أن الفطر إنما يقع بشيئين الازدراد مع ذكر فالمخطئ في الوقت ذاكر للصوم قاصد إلى الازدراد ففطره وهذا المستنشق ذاكر للصوم ولكته غير ذاكر للصوم فلم يجتمع فيه المعنيان فلم يفطره ثم يبطل ما ذكره بما لو صب الماء في حلقة فإنه ذاكر للصوم ولا يفطره.
فرع
لو غلبه العطش فأدخل الماء في فمه ليسكن عطشه أو أدخل الماء في فمه لا لغرض فسبق إلى جوفه فيه طريقتان، أحدهما: فيه قولان، والثانية: قول واحد يفطره لأنه لا حاجة إليه.
مسألة: قال 162: وإن اشتبهت الشهور على أسير.
الجزء: 3 - الصفحة: 287
الفصل
وهذا كما قال: هذا الحكم لا يختص بالأسير بل الأسير وغيره سواء، ولكن الشافعي فرض المسألة في أسير من المسلمين في مطورة المشركين لأن الغالب أن الشهر إنما يشتبه على مثل هذا [324 ب/4] والمذهب فيه أنه إذا غلب على ظنه دخول رمضان يلزمه أن يصوم فإن وافق شهر رمضان يجزئه، وبه قال جماعة العلماء وقال الحسن بن صالح بن حي لا يجزئه لأنه صامه على الشك كما لو صام يوم الشك لا يجزئه.
وإن بان أنه من رمضان وهذا غلط لأنه أداه بالاجتهاد فإذا وافق الصواب أجزأه كنا في القبلة.
ويفارق صوم يوم الشك لأنه أداه من غير إمارة حتى لو صام بالإمارة مثل أن أخبره عدل برؤية الهلال أو بمعرفة منازل القمر أجزأه، ولو صام ها هنا من غير أمارة ولكنه وقع في نفسه أنه الشهر لا يجوز والإمارة مثل الحر والبرد والخريف والربيع وإدراك الثمار ونحو ذلك وإن بان أنه كان يفطر بالنهار ويصوم بالليل فإنه يلزمه القضاء بلا خوف وإن وافق ما قبل رمضان فإن علن قبل مضي رمضان صامه قولاً واحداً وإن علم وقد مضى رمضان كله فيه طريقان:
أحدهما: يلزمه القضاء قولاً واحداً لأن الشافعي قال "الأم": ولو قال قائل يجزيه كان مذهبا وأرد مذهب الغير لا مذهبه ومفهوم ما ذكر هنا انه لا يجزئه لأنه قال: فوافقه أو ما بعده ولم يقل أو ما قبله [325 أ/4] ومنهم من قال: فيع قولان وبه قال عامة أصحابنا لأن الشافعي قال في "القديم" صريحا: فإن وافق قبله ثم تبين له بعد انقضاء رمضان ذلك أجزأه ووجه هذا أنه لو اشتبه يوم عرفة فأحرموا ووقفوا ونحروا فوافق ما قبله فإنه يجوز بالإجماع والصحيح انه لا يجوز، وبه قال جماعة العلماء لأنه أدى العبادة المفروضة قبل وقتها فلا يجوز كالصلاة.
وأما خطأ عرفة فذاك للجمع الكثير يشق عليهم القضاء ولا يؤمن مثله في القضاء بخلاف هذا.
وقال القفال: معنى القولين عندي أنه إذا وافق شهراً بعد رمضان أجزأه بذلك على معنى القضاء أو الأداء فإن كان على معنى الأداء جاز ها هنا لأنه إذا صار الشهر أداء بالاجتهاد فما قبل رمضان وبعده سواء وإن كان على معنى القضاء فالقضاء قبل الوقت لا يجوز قال: ويبني على هذين المعنيين انه إذا صام شهراً بعد رمضان يجوز بلا خلاف ثم الاعتبار بعدد أيام رمضان أو بعدد أيام الشهر الذي صامه، فإن جعلناه قضاء اعتبرنا أيام رمضان فإن كان رمضان ثلاثين والشهر الذي صامه تسعة وعشرين فعليه صوم يوم آخر وإن كان رمضان تسع وعشرين وصام شهراً هو ثلاثون ولكنه أفطر منه يوماً كفاه ما صام [325 ب/4] وإن جعلنا أداء اعتبرنا أيام الشهر الذي صامه، ففي المسألة الأولى يكفيه ما صام، وفي المسألة الثانية عليه قضاء اليوم الذي أفطر فيه.
وقال أهل العراق: إن كان رمضان تاماً والشهر الذي صامه بين الهلالين ناقصاً يحتمل أنه يجزئه وبه قال الحسن بن صالح ويحتمل أن لا يجزئه لأن بفوات رمضان استقر عليه عدده.
وقال أبو حامد: والأول أشبه لأن الشافعي نص في "الأم" أنه يجزئه
الجزء: 3 - الصفحة: 288
فقال: ولو اشتبهت الشهور على أسير فيجزئ شهر رمضان فوافقه، أو ما بعده فصام شهراً أو ثلاثين يوماً.
وقال القاضي الطبري: المذهب أنه لا يجزئه لأنه إنما يجب عليه قضاء ما ترك ألا ترى أنه إذا فاته بعضه يجب أن يقضي قدر ما فاته لا كله ولا يقال: يلزمه أن يكمل ثلاثين لأنه فرق صومه.
وأما قول الشافعي في"الأم" أراد يجزئه إذا لم يفصل بين أن يوافق شوالاً وأشهراً أخر ومعلوم أنه لو وافق شوالاً أنه يجزئه حتى يتم عدد الشهر الماضي [326 أ/4] لأن في هذا الشهر ما لا يصح صومه فيه فإن قيل: أليس لو نذر صوم شهر أجزأه ما بين الهلالين؟ قلنا: لأن الإطلاق يحمل على ما يتناوله الاسم وقد تناوله وها هنا يجب قضاء ما فات وتركه فيجب أن يراعي عدد ما ترك.
ألا ترى أنه لو نذر صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه بعددها وإن لم يتبين، ولو بان له ذلك وقد مضى بعض رمضان صام الباقي وفيما مضى قولان، وقيل قول واحد يلزم قضاء ما مضى وما تقدم أصبح فإن قيل: إذا وافق ما بعد رمضان فقد صام القضاء بنية الأداء فيجب أن لا يجوز؟ قلنا: أداء القضاء بينة الأداء يجوز ألا ترى أنه لو دخل في الصلاة في وقتها ثم خرج وقتها صحت صلاته، وإن كان بعضها قضاء والنية كانت للأداء.
وإن اتفق صومه ذا الحجة لم يجزئه صوم النحر وأيام التشريق وحسب الباقي من جملة ما ترك.
فرع
لو لم يغلب على ظن هذا الأسير شهر رمضان عن أمارة، قال أبو حامد: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين إذا وقع في نفسه أنه شعر رمضان ويلزمه القضاء متى تيقن الحال [326 ب/4] كالمصلي إذا بم يغلب على ظنه القبلة يصلي على حسب حاله ويعيد.
وقال بعض أصحابنا وهو الأصح أنه لا يلزمه ذلك لأنه لا يعلم دخوله لا يقيناً ولا ظناً كمن شك في دخول وقت الصلاة لا يلزمه الصلاة ويفارق القبلة لأن وقت الصلاة معلوم فلا يجوز أن يخيله من فعلها وها هنا لا يعلم وجود وقت العبادة فلم يجب عليه الشك في سبب الوجوب.
فرع آخر
لو شرع في الصوم بالاجتهاد ثم جامع يلزمه الكفارة لأن الوقت موجود وإن علمه بنوع اجتهاد، وإن صادف شهراً غير رمضان فلا كفارة.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله لو صام الأسير بنية قضاء رمضان شهراً لظنه بالاجتهاد أن رمضان قد مضى ثم بان أن صومه وافق رمضان صح صومه عن الأداء اعتباراً.
بما قاله الشافعي: لو أنه صام على أنه أداء ثم تبين له أنه صام بعد رمضان جاز، ووجه الجمع أن الأداء لا يصح بنية القضاء مع العلم بالحال وكذلك القضاء بنية الأداء ثم جاز
الجزء: 3 - الصفحة: 289
القضاء بنية الأداء في الأسير للعذر الموجود فيصح منه الأداء بنية القضاء لهذا [327 أ/4] العذر ولا فرق بينهما بل جواز هذا أولى؛ لأن القضاء بنية الأداء ترك نية القضاء، وفعل الأداء بنية القضاء زيادة القضاء والزيادة أخف من الترك.
مسألة: قال وللصائم أن يكتحل.
الفصل
وهذا كما قال لا يكره الكحل للصائم بالإثمد والصبر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا، وسواء وجد لون الكحل في نخامته أو لا، العين لا مجرى لها إلى الحلق إلا من طريق العروق ولا حكم لمجرى العروق ولهذا فإنه يدلك أسفل رجله بالحنظل فيجد طعمه ولا يفطره.
وإذا قبض البلح بيده وجد برده في فؤاده.
وقال مالك وأحمد: يكره له ذلك ولكن لا يفطره، وقال مكحول وابن أبي ليلى وابن شبرمة: إذا وجد طعمه في حلقه، ويرويه أصحاب مالك عن مالك وهذا غلط لما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ونزلت معه فدعا بكحل واكتحل به في رمضان وهو صائم" 163.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "كره السعوط للصائم"، أو أن يصب في أذنه شيء ولم يكره الكحل 164. وروى مثل قولنا عن ابن [327 ب/4] أبي أوفي وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن هذا فقال: هل هو إلا مثل الغبار ينزل في الحلق ولا يعرف لهما مخالف وبه قال جماعة العلماء وهو مذهب عطاء والحسن والنخعي والشعبي.
وكذلك لو دهن رأسه حتى وجد طعم الدهن في حلقه أو انغمس في الماء فوجد برده في دماغه أو في كبده لم يضره ولا يكره ذلك.
ومعنى قوله: وينزل الحوض فيغطس فيه أي: ينغمس ليقطع العطش، يقال هما متغاطسان ويتماقلان في الماء.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يصبح جنباً من جماع ثم يغتسل ويصوم" 165 وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: "حدثني من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صائف يصب على رأسه الماء من شدة الحر والعطش وهو صائم" 166. وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما "أنهما كانا يتماقلان في الماء وكانا صائمين".
فرع
إذا غاص في الماء فدخل الماء إلى دماغه ولم يدخله بنفسه قيل: فيه قولان، وقيل قول واحد أنه يفطره.
قال أصحابنا: ويجوز أن يتمضمض أيضاً كذلك ولا يكره وحكي عن بعض [328 أ/4] أصحابنا أنه إن دهن رأسه بالنهار بعد الصلاة فدخل جوف
الجزء: 3 - الصفحة: 290
الرأس بالليل فيجوز، وإن دهن بالليل فدخل جوف رأسه بالنهار فلا يجوز وهذا ليس بشيء.
مسألة: قال 167: ويحتجم.
وهذا كما قال: يجوز للصائم أن يحتجم، قال في "الأم" 168: ولو ترك كان أحب إلى وهذا لأنه يضعفه وربما أحوجه إلى الأفطار.
وروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والوصال في الصوم إبقاء على أصحابه".
وقال بعض أصحابنا: يكره له ذلك وظاهر المذهب أنه لا يكره لأنه قال: ويحتجم بعد قوله وينزل الحوض وذلك لا يكره كذلك هذا وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والحسن بن علي وأبو سعيد الخدرى وزيد ابن أرقم وأنس وأم سلمة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس والقاسم بن محمد وسالم وعروة والشعبي والنخعي وأبو العالية وجماعة الفقهاء رضي الله عنهم.
وروى عن على بن أبى طالب وعائشة وأبى هريرة رضي الله عنهم وهو مذهب الحسن وعطاء والأوزاعي وأحمد [328 ب/4] وإسحاق وداود أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعًا واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وقال أحمد في رواية يلزم بها الكفارة واحتجوا بماروى رافع بن خديج وثوبان رضي الله عنهما" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يحجم رجلًا فقال: أفطر الحاجم والمحجوم" 169، وهذا غلط لما روى مقسم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرمًا في حجة الوداع بالقاحة" 170. وقال أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رمضان بعد ما قال: أفطر الحاجم والمحجوم"، وقال أنس إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجامة للصائم مخافة الضعف.
وروى البخارى مفصلاً فقال: "روى أنه احتجم وهو صائم"، وروى أنه احتجم وهو محرم.
وروى أبو عريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة والقيء والاحتلام".
وأما خبرهم أنهما قلنا: هو منسوخ بخبرنا ويحتمل أن يريد بذلك تعريفهما بذلك لأنه روى أنهما كانا يغتابان واحدًا فقال: هذا على طريق المجاز ومعناه [329 أ/4] بطل أجر صومهما كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صيام لأهل بيت اللحم، قيل: من هم يا رسول الله، فقال: الذين يصبحون يأكلون لحوم الناس" أي يغتابون، والذي يدل على هذا أن الحاجم لا يفطر إذا لم يصل إلى حلقه شيء على الصحيح من مذهبهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 291
مسألة: قال 171: وَأَكْرَهُ العَلْكَ لأَنَّه يَجْلِبُ الرِّيقَ.
وهذا كما قال، يكره للصائم أن يمضغ العلك وهو الموميا الذي مضغه وعلكه وصلب وقوي ....... 172 الذي لا ينحل ولا ......... 173 فإن خالف وفعل فجلب الريق واجتمع وابتلعه لم يفطره وجد في حلقه طعمه أو لم يجد كالكحل سواء.
وإن كان علكًا يتفتت بالمضغ وهو الكندر نظر فإن لم ينزل إلى حلقه شيء لم يفطره، وإن نزل في حلقه فطره.
وقيل: معنى قوله: يجلب الفم أي: يطيب النكهة ويزيل الخلوف.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم صائم أطيب عند الله من ريح المسك" 174، فلهذا كره وقيل: معناه تجمع الريق في الفم ويفطر بابتلاعه في قول بعض أصحابنا يكره ذلك، وقيل: يحلب بالحاء فمعناه يمتص الريق ويجهد الصائم فيورث العطش فكره لذلك.
وقال [329 ب/4] أصحابنا: ويكره أن يمضغ الخبز للصبي فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لا يكره له ذلك ولو فعل ولم ينزل منه شيء إلى حلقه لم يفطر.
مسألة: قال 175: وَصَومُ شَهْرِ رَمَضَانَ واجبُ عَلى كل بالغٍ مُحْتَلِمٍ.
الفصل
وهذا كما قال: صوم رمضان يجب على المكلفين من المسلمين ذكوروهم وإناثهم وأحرارهم وعبيدهم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ولا يلزم على الصبي والمجنون لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ".
وذكر الشافعي البالغ ولم يذكر العاقل لأنه مفهوم في ذكره البالغ فإذا تكرر هذا فالصبي إذا بلغ حد التمييز وهو سبع سنين أو ثمان سنين يؤمر بالصوم ويعلم ذلك.
وإذ بلغ عشراً فإنه يضرب عليه كما قلنا في الصلاة وإذا صام كان صومه شرعياً خلافاً لأبي حنيفة وهذا لأن كل من صحت طهارته صح صومه كالبالغ، وصوم في رمضان لا يصح إلا بالنية من الليل وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بالنية من الليل إلا هذا.
مسألة: قال 176: وَمَن احْتَلَمَ مِنَ الغِلْمَانِ أَوْ أّسْلّمَ مِنَ [330 أ/4] الكُفَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ رمضانَ فَإِنَّهُمَا يَسْتَقْبِلاَنِ الصَّومَ ولا قضاءَ عليهما.
وهذا كما قال: الصبي إذا بلغ بعد مضى شهر رمضان فلا قضاء عليه بالإجماع.
وإن بلغ في خلال رمضان فإن كان ليلًا استقبل الصوم فيما بقى ولا قضاء عليه مما مضى.
وإن بلغ نهارًا فإن كان مفطرًا كان له أن يستديم الإفطار ويستحب له الإمساك وهل يجب عليه قضاؤه؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 292
أحدهما: لا يجب وهو المنصوص في "مختصر البويطي"، وبه قال أبو حنيفة لأنه سقط عنه حكم هذا اليوم في أوله فسقط في آخره أيضاً لأن الآخر تابع الأول.
والثاني: يلزم القضاء لأنه صار من أهل التكليف في آخره فلزمه ذلك القدر من الصوم ولا يمكن الشروع في ذلك القدر فيقضي ولا يمكن القضاء إلا بيوم كامل، والأول أصح وإن بلغ صائماً في هذا اليوم لزمه إتمامه ولا يجب القضاء إذا قلنا لا تجب إذا كان مفطرًا.
وإن قلنا يجب القضاء إذا كان مفطرًا فهاهنا وجهان: أحدهما: يقضي لأنه لم يبق الصوم الواجب من أوله، والثاني: هو اختيار أبي إسحاق أنه لا يلزمه القضاء لأنه حصل في الصوم من أوله.
ويمكن بناء الباقي على الأول إلا أنه يكون متنفلًا [330 ب/4] في أوله مفترضًا في آخره ولا يمتنع مثل ذلك كما لو شرع في الصوم ... 177 إذا أسلم بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه.
وإن أسلم في أثنائه فما مضى لا يقضيه.
وأما اليوم الذي أسلم فيه هل يلزمه قضاؤه؟ وفيه وجهان كما ذكرنا في الصبي، وقيل: قول واحد يلزمه القضاء لأنه متعد واختلف أصحابنا هل يوصف بالوجوب عليه أم؟ وقد مضى هذا وحكي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أسلم الكافر في شهر رمضان يلزمه قضاء ما مضى وهذا غلط، لأن الصيام هو في حكم عبادات فوجوب بعضها لا يستدعي وجوب الباقي.
وقال القفال من أصحابنا من قال: يجب قضاء هذا اليوم على الكافر يسلم والصبي يبلغ لأنهما مفرطان بترك الصوم ولا يجب على المجنون إذا أفاق، وقيل: لا يجب إلا على الكافر إذا أسلم لأنه عاص بخلاف غيره وأما المجنون إذا أفاق بعد مضي الشهر لا قضاء عليه.
وقال مالك: يلزمه القضاء وحكي هذا عن ابن سريج وقد تفرد به من بين أصحابنا وهو رواية عن أحمد قياساً على الإغماء، وقيل: هذا لا يصح عن ابن [331 أ/4] سريج وهذا خطأ ظاهر بخلاف الإجماع، ولأن التكليف عنه ساقط بخلاف المغمى عليه وإن أفاق في أثناء الشهر لا قضاء عليه لما مضى وفي اليوم الذي أفاق فيه وجهان على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما مضى وإذا بلغ مجنونًا ثم أفاق في أثناء شهر رمضان فيه روايتان عنه وهذا غلط لأنه معنى لو دام الشهر كله لا يلزمه القضاء، فإذا زال في بعض الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى كالصَّغير.
وحكي عن المزني أنه قال في "المنثور" إذا أفاق في أثناء الشهر يقضي ما مضى في قول للشافعي وأهل الكوفة ولم يقبله أصحابنا أجمع وقالوا: لا نعرف هذا للشافعي، وأما المغمى عليه فإنه يلزمه القضاء بكل حال.
وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: إذا امتد الإغماء شهرًا كالمجنون فإذا أفاق
الجزء: 3 - الصفحة: 293
بعد مضي تمام الشهر لا يلزمه القضاء.
مسألة: قال 178: وَأُحبُّ للصَّائِمِ أنْ يُنَزَّه صيامَهُ عنِ اللَّغَطِ القَبِيحِ.
الفصل
وهذا كما قال: أراد أنه يستحب له أن يطهر صومه ويصونه عن اللغط القبيح من الغيبة والنميمة والكذب والمشاتمة ويكره له ذلك والكراهة في [331 ب/4] المشاتمة أشد لأنها أقطع، وقيل يجب عليه أن يصون سمعه وعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل ويسمعه فلا استمع إلى ما لا يحل وبلسانه فلا ينطق إلا بخير وهذه الأشياء وإن كانت حراماً ففي رمضان هي أشد تحريمًا وهذا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به- يريد العمل بالزور وهو الربا - فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" 179 ويستجب إذا شوتم أن يقول: إني صائم فقيل يقول ذلك باللسان أو لا يشتغل بالانتصار وقيل أراد فليعلم أنه صائم ليمنعك ذلك من المقابلة لأن ستر الطاعة أولى.
وقال الشافعي للخبر في ذلك وأراد ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصوم جنة وحصن حصين من النار فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث فإن امرؤ شاتمه أو سابه فليقل إني امرؤ صائم" 180.
وقيل: لقوله إني صائم ثلاث تأويلات: أحدها: أن في قوله هذا شفاء لغيظه وسكوناً لنفسه، والثاني: ليتذكر صوم نفسه فيمتنع من جواب خصمه، والثالث: ليعلم خصمه صيامه فيكف عن شتمه وإذائه.
ومن أصحابنا [332 أ/4] من قال: أنه في صوم رمضان يقول ذلك بلسانه وفي صوم التطوع وجهان، والفرق أنه لا يؤدي هناك إلى إظهار الطاعة والرياء ليعلم الناس أنه صائم في ظاهر الحال وفي التطوع يؤدي إلى ذلك فلا يقول هذا باللسان ولكن ليعلم في نفسه ذلك وهذا حسن فإن اغتاب أو شتم أو قذف لا يبطل صومه.
وقال الأوزاعي وبعض الشيعة: يبطل صومه، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء، الغيبة والنميمة والكذب والنظر بالشهوة واليمين الفاجرة" 181. وهذا غلط لأن ما لا يفطره مباحة لا يفطره محظورة كالقبلة أو نوع كلام لا يخرج به عن الإسلام كغيره وأمَّا الخبر فمحمول على بطلان الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس حظه من قيامه إلا السهر" 182، وأراد به لبطلان أجره.
الجزء: 3 - الصفحة: 294
مسألة: قال 183: وَالشَّيْخُ الكبيرُ الذي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوَّمَ.
الفصل
وهذا كما قال: الشيخ الهرم والشيخة الهرمة إذا عجزا عن الصوم يجوز لهما أن يفطرا وهل يجب عليهما لكل يوم مد من طعام فيه قولان، قال في عامة كتبه: يلزمه ذلك وهو الصحيح وبه قال جماعة العلماء، [332 ب/4] وهو قول سعيد بن جبير وطاوس وقال ابن عباس وابن عمر يطعم كل يوم مسكينًا 184 وقال أبو هريرة: عليه لكل يوم مد قمح 185. وروي أن أنسًا ضعف عن الصوم عاماً قبل وفاته فأفطر وأطعم مكان كل يوم مسكينًا 186، وعن أحمد أنه يطعم مدًا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير، وقال في "حرملة" و "البويطي": يستحب له الفدية ولا يجب، وبه قال مالك وربيعة ومكحول وأبو ثور واحتجوا بأن من جهده العطش يفطر ويفضي ولا فدية كذلك هاهنا، واحتج الشافعي بما روي أن ابن عباس أوجب الفدية وقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:184]، قال: أراد به المرأة الهرمة والشيخ الكبير يتكلفان الصوم فلا يطيقان يفطران ويطعمان لكل يوم مسكيناً، ثم إن الشافعي خالفه قراءة وتأويلاً ولم يخالفه مذهباً فقال وغيره من المفسرين يقرؤونها يطيقونه، وكذلك يقرأها ويزعم أنها نزلت حين نزل فرض الصوم ثم نسخ ذلك قال الشافعي: وآخر الآية يدل على هذا المعني لأن الله تعال قال: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:184] وزاد على مسكين، أي: أطعم مسكينين فهو خير له.
ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] [333 أ/4] قال فلا يؤمر بالصوم من لا يطيقه أي: لو كان المراد بالآية ما قاله ابن عباس عن الشيخ الهرم لكان لا يأمره بالصوم لأنه لا يطيقه قال ثم بيّن من نسخه فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185] قال وإلى هذا يذهب وهو أشبه بظاهر القرآن.
قال المزني: هذا بين في التنزيل أي: في ظاهر القرآن مستغنى فيه عن التأويل وهو على ما ذكر.
واحتج بعض أصحابنا بأن الله تعال خير في ابتداء الإسلام على ما ذكرنا ثم ختم الصوم بما ذكرنا من الآية فالشيخ الكبير تناول من يحتم عليه الصوم دون الشيخ الهرم فهو باق على أصل التخيير فإذا تكرر هذا قال في "الأم" 187: والحال الذي يترك به الكبير الصوم هو أن يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك إذا كان الصوم يزيد في مرض المريض يفسده وزيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر وكذلك المرضع إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 295
أضر الصوم بلبنها الإضرار البين.
فأما ما كان من ذلك محتملًا فلا يفطر والصوم قد يزيد في عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينقص بعض اللبن ولكن نقصاناً محتملاً فإذا تفاحش أفطر.
هذا كل لفظ الشافعي [333 ل/4] رحمه الله ولم يرد بما ذكر في "المختصر" لا يستطيع الصوم بحاله ولكن أراد ما فسرها هنا وهذا الذي ذكرنا هو إذا انتهى إلى حد الهرم بيقين لا يرجى قدرته في المستقبل على القضاء فإنه إن كان يرجى ذلك فحكمه حكم المريض ثم هذا الذي ذكرنا هو إذا كان قادراً على الإطعام فإن كان فقيراً لا يقدر على الإطعام حتى مات فلا شيء عليه وإن أيسر بعد الإفطار فقد وجب عليه الإطعام فإن مات قبل أن يطعم وجب الإطعام عنه لأن الإطعام من الشيخ الهرم هو بمنزلة القضاء في المريض والمسافر لو ماتا قبل زوال عزرهما ويمكنهما من القضاء لا يجب عليهما شيء، وإن زال عزرهما وقدر على القضاء لزمهما القضاء، وإن ماتا قبل القضاء وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مُداً من الطعام فلذلك هاهنا.
فإن قيل: قال الشافعي هاهنا: والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم ويقدر على الكفارة يتصدف.
فقيل: وجوب الكفارة بالقدرة عليها، وهذا يقتضي أنه لو كان معصرًا لم يلزمه ذلك.
قلنا: مذهب الشافعي وغيره أن الكفارة لا تسقط بوجود الاعتبار عند [334 أ/4] سبب وجوبها وأراد الشافعي بهذا التقييد تعجيل المباشرة حتى إن كان موسرًا فأفطر عجل مباشرة الكفارة ولم يرد بذلك أنه إذا كان معصرًا ثم أيسر لا يلزمه.
وقد حكي الشافعي حديث الأعرابي المجامع، ثم قال: لما أمره بصرفه إلى عياله احتمل أن يقال: لا تجب الكفارة على معصر، واحتمل أنها واجبة ولكن لم يكن مخاطباً بها في الحال للعصرة، والصحيح أنه لم يذكر هذين الاحتمالين على معنى تخريج القولين، بل تكلم على الخبر بما يحتمل ثم بين مذهبه على ما سبق ذكره.
وقال داود: كيف ما كان المرض يسيرًا أو شديدًا فله النظر، وقال الحسن والنخعي: إن كان مرضه بحيث له أن يصلى قاعدًا فله الفطر وإلا فلا.
وسمعت بعض أصحابنا يفتى بهذا الصحيح ما تقدم.
فرع
لو أفطر الشيخ الهرم فأوجبنا الفدية، ثم قدر على القضاء بعده تلزمه الفدية، وهو كالمغضوب إذا أحج رجلًا عن نفسه ثم قدر على الحج يلزمه أداؤه بنفسه.
فرع آخر
ذكره والدي- رحمه الله - لو كان على الشيخ الهرم صوم نظر أو قضاء فعليه الإطعام عن كل يوم مُدًّا، ولو نظر الصوم [334 أ/4] وهو شيخ هرم هل ينعقد نظره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح ويلزمه الإطعام وهذا أصح، والثاني: لا يصح.
وقيل: الوجهان مبنيان على أنه يلزمه صوم رمضان ثم بالعجز يفتدي أو الواجب عليه الفدية أولًا ابتداء، وفيه وجهان، فظاهر المذهب أنه يلزمه الصوم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
الجزء: 3 - الصفحة: 296
آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] فعلى هذا ينعقد بدؤه، ليس من أهل وجوب الصوم ولم ينظر الفدية حتى يوجبها.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله لو شرب شراباً قصداً منه إلى المرض قبل الفجر فطلع الفجر وهو مريض قال: عندي يحل الفطر لأن المرض من فعله الله تعالى وإن كان سببه معصية وعلة الإباحة وجود المرض.
ويفارق هذا إذا جُن فشرب دواء قصداً منه إلى زوال العقل فإنه يلزمه قضاء الصلوات لأن لو علقنا الحكم على ذلك أدى إلى إسقاط الصلاة، وهاهنا لا يؤدي إلى إسقاط الصوم وإنما يؤدي إلى التأخير فلهذا فصلنا بينهما.
ومثاله: إذا وجد نصف الرقبة في الكفارة لم يلزمه إعتاقه ولو وجد نصف الصَّاع دون الثاني ويفارق سفر المعصية لأن السفر فعله بخلاف المرض.
يؤكده أنه يمكنه أن يقطع نية المعصية ويفطر فإذا لم يقطع كان هو الجاني على نفسه ولا يمكنه أن يقطع بسبب المرض فإن المرض لا يختلف ولا يتغير حاله بذلك فأبيح الفطر للضرورة ولهذا لا يجوز للمسافر العاصي بسفره أن يقصر الصلاة ويجوز لهذا المريض أن يصلي الفرض قاعدًا فهما يفترقان.
فرع آخر
ذكره والدي رحمة الله إذا أدى الشيخ الهرم الفدية قبل دخول رمضان لصومه لم يجز.
وغن أداها بعد دخول رمضان فإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم جاز، وإن أداها قبل الفجر يحتمل أن يقال: يجوز كما تجوز فيه النية لو كان قادرًا على الصوم قلت: ويحتمل أنه لا يجوز لأنه لم يدخل وقت وجوب الصوم.
قال: وإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم واليوم الثاني يجوز للأول وهل يجوز لليوم الثاني؟ يحتمل أن يقال: كما يجوز أداء زكاة الفطر بعد دخول رمضان، ويحتمل أن يقال: لا يجوز والأصل فيه أن سبب وجوب الفدية هو الإياس من القدرة [335 ب/4] على الصوم وله سبب آخر وهو دخول زمان رمضان وحالة وجوب وهي إذا غربت الشمس ي اليوم أل ترى أنه لو مات قبل غروب الشمس لم يلزم في ماله فدية ذلك اليوم لعدم القدرة، فإذا أدى الفدية بعد وجود السبب الأول وبعد دخول زمان السبب الثاني جاز وإلا فلا يجوز كما جاز أداء زكاة المال بعد وجود النصاب قبل الحول ولا يجوز قبل النصاب وأما الحامل إذا احتاجت إلى الفطر فلا يجوز لها تقديم الفدية.
فرع آخر
قال: رأيت في تعليق الإمام الزيادي رحمه الله أنه يجوز لأنه لما رخص لها في فعل سبب الفدية هو الفطر وجب أنه يجوز تقديمها كتقديم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين ولا يجوز لها إلا تقديم فدية يوم واحد فلو قدمت فدية يومين أو أيام لا يجوز
الجزء: 3 - الصفحة: 297
لأن العارض الذي يبيح الفطر في هذا اليوم قد يزول في اليوم الثاني.
فرع
ذكره والدي رحمه الله إذا تركت الصوم خوفاً على الولد ولم تشرع فيه هل يلزمها الفدية يحتمل وجهين: أحدهما: يلزم وهو الأظهر كما في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزم [336 أ/4] وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه ذكر المسألة بلفظ الإفطار وليس كالشيخ الهرم لأن لو أسقطنا الفدية هناك أدى إلى إسقاط بدل الصوم رأساً ولا يؤدي إلى هذا هاهنا لأن القضاء يلزمها.
فرع آخر
لو رأى الصائم من يفرق في ماء ولا يمكنه تخليصه منه إلا بأن يفطر فيقوى له الفطر وهل تلزمه الفدية فيه وجهان، أحدهما: تلزمه الفدية لأنه بسبب الغير كفطر الحامل، والثاني: لا يلزمه لأنه ليس ذلك من طريق الخلقة والاتصال به.
مسألة: قال 188: ولا أَكْرًهُ في الصَّوْمِ السَّوَاكَ بالعُودِ الَّطْبِ وغيره.
وهذا كما قال: السواك مستحب لغير الصائم في جميع الأوقات.
وأما للصائم قال الشافعي: يستحب له أن يصوم بالغداة ويكره له ذلك بالعشي، ولم يجده الشافعي بالزوال ولكن قال أصحابنا يستحب له إلى أن تزول الشمس فإِن زالت الشمس يكره له إلى آخر النهار وبه قال: على علي وابن عمر وعطاء ومجاهد والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره أصلاً واحتجوا بما روى أبو إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحوال أيستاك الصائم؟ قال: نعم قلت: [336 ب/4] برطب السواك ويابسه قال: نعم قلت: أول النهار وآخره، قال: نعم، قلت: عمن، قال: عن أنس، قال: عمن، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم 189 وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صممت فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورًا بين عينه يوم القيامة" 190، ولأن الخلوف تكره إزالته لقوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
وروى عن على رضي الله عنه أنه قال: إذا صممتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي 191. وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك 192. وأما خبرهم قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي [ضعيف] ويحتمل
الجزء: 3 - الصفحة: 298
أن يكون ذلك استدلالًا من عاصم الأحوال لا سماعًا فإذا تكرر هذا لا فرق عندنا بين رطب السواك ويابسه، وبه قال جماعة العلماء، وقال مالك وإسحاق وأحمد في رواية يكره بالعود الرطب لأنه يجلب الفم كالعلك وهو مذهب عباة والشعبي والحكم.
وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه [337 أ/4] أنه قال: لا بأس بالسواك الرطب واليابس (1). قال علي رضي الله عنه: لا بأس بالسواك الرطب الأخضر، وأما ما قالوا قلنا رطوبة ليست بأكثر من رطوبة الماء ولا يجاوز به الأسنان فلا يجلب الفم والعلك يدعو القيء ويورث العطش ويجلب الفم فافترقا.
وقال القفال: إن كان رطبًا يخاف أن يصل إلى جوفه يكره السواك وبه ولو وصل ذلك فطره.
وحكي بعض أصحابنا عن أحمد أنه قال: يكره ذلك في الفرض دون النفل لتخفيف حكم النفل فلا بأس بإزالة الخلوف فيه وهذا لا يصح لأن ما يكره في الفرض فإنه يكره في النفل كالمبالغة في المضمضة.
باب صيام التطوع والخروج منه قبل إتمامه
قال أخبرنا سفيان ..... الخبر.
وهذا كما قال: إذا دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع فهو مخير إنشاء أتمه وإن شاء خرج منه والإتمام أفضل.
وقال بعض أصحابنا: يكره له الخروج منهما فإن خالفا وخرج لا يأثم ولا يلزمه القضاء، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: يجب المضي في ولا [337 ب/4] يجوز له الإفطار إلا بعذر وهو شفاعة الصديق والوالدين وإذا أخرج يلزمه القضاء وبه قال الأوزاعي وقال مالك يجب بالدخول فيه ولا يخرج إلا بعذر فإن خرج بعذر لا يلزمه القضاء وإن خرج بغير عذر يلزم القضاء، واحتجوا بما روي أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما حيس فأفطرتا ثم سألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اقضيا يومًا مكانه" 194، وهذا غلط للخبر الذي رواه الشافعي عن عائشة رضي الله عنهما قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا خبأنا لك حيسًا فقال:"أما أني كنت أريد الصوم ولكن قربيه" 195 والحيس طعام يتخذونه من سويق وخبز وقيل من تمر وأقط وفيه نظر.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندك شيء قلت: لا، قال: إذا أصوم ثم دخل علي يومًا آخر فقال: عندك شيء فقلت نعم فقال إذا فطر وإن فطر وإن كنت قد فرضت الصوم" 196، واحتج بخبر آخر وهو"أن النبي صلى الله عليه وسلم193
الجزء: 3 - الصفحة: 299
صام في [338 أ/4] سفر حتى بلغ كراع الغميم ثم أفطر" ووجه الدليل أن المسافر هو مخير في ابتداء نهاره بين الشروع في الصوم وبين الفطر وإذا شرع كان مخيرًا أيضًا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك هاهنا، واختلف أصحاب أبى حنيفة في هذا وظاهر مذهبهم جواز الفطر له ثم احتج بعده بآثار الصحابة في الصوم والصلاة فقال: وركع عمر ركعة ثم انصرف فقيل له في ذلك أي: روجع فيه فقال: إنما هو تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص وعند أبي حنيفة ليس له أن ينقص عما نواه.
قال الشافعي: ويخالف هذا الحج والعمرة فإنه إذا شرع فيهما ثم أفسدهما فإنه يلزمه القضاء لأنهما أكد لزوماً وأغلظ حكماً ترى أنه يلزم المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما واحتج في سقوط القضاء بما روت أن هانئ رضي اللهم عمها قالت: دخل رسول صلى الله عليه وسلم وأنا صائمة فناولني فضل شرابه فشربت ثم قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت صائمة وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال: إن كان قضاء من رمضان فصومي يوماً مكانه وأن كان تطوعاً [338 ب/4] فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه" 197، وأما خبر عائشة وحفصة فنحمله على الاستحباب بدليل هذا الخبر.
فرع
إذا دخل في صوم واجب أداء أو صلاة واجبة أداء أو صوم نذر بعينه لم يكن له الخروج فيه من غير عذر لأنه أوجب عليه فيه بعينه، وإن كان في الذمة غير متعين كقضاء الصوم والصلاة والنذر المطلق والكفارة لا يجوز له الخروج منه إذا دخل فيه، نص عليه "الأم"، لأن هذا واجب عليه في زمان لا يعينه وإذا تلبس به كان تعييناً كذلك الزمان وصار بمنزلة الفرض المعين بخلاف النافلة.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم على أخيه وهو صائم فسأله أن يفطر إلا أن يكون ذلك الصوم نذراً أو كفارة أو قضاء من صوم شهر رمضان" 198.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن كان يفطره في رمضان عاصيًا عصى بفطره في القضاء لأن قضاءه مضيق الوقت فما من يوم يؤخر القضاء فيه إلا وهو عاصٍ به، وكذلك الكفارة إذا لزمته بسبب غير مباح لا يجوز له الفطر لأنه مضيق الوقت، وإن كان يفطره معذورًا [339 أ/4] كالمريض والمسافر لا يعفي إذا أفطر في القضاء لأن وقته موسع وهو متبرع بالشروع فيه وهو اختيار القفال، وكذلك لو لزمته الكفارة بسبب هو غير عاصٍ به وهذا حسن، ولكنه خلاف المنصوص.
فرع
ذكره والدي رحمة الله: لو كان عليه قضاء رمضان فسهي عنه حتى دخل رمضان
الجزء: 3 - الصفحة: 300
آخر، فإن كان الإفطار الذي وجب به القضاء لعذر لم يلزم الإطعام، وإن كان لغير عذر يحتمل وجهين أحدهما: يلزمه الإطعام مع القضاء، والثاني: لا يلزم.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله لو نوى في النهار قبل الزوال صوم القضاء لم يجز عنه وهل يجوز عن النفل؟ وجهان والصحيح جوازه كما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها انعقدت نفلًا.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: لو شك في الليل هل نوى أو لم ينو فعليه إعادة النيَّة، وإن كان الشك بعد الفجر فإن كان من صوم النفل يلزمه إعادة النية قبل الزوال، وإن كان في الفرض في وجهان أحدهما: لا معنى لصومه، والثاني: لا تأثير للشك في صومه وصومه صحيح.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله أيضًا: [339 ب/ 4] لو نوى لصوم كفارة اليمين قبل الحنث ثم حنث قبل طلوع الفجر هل يصح أداء صوم الغد عن الكفارة بتلك النية يحتمل وجهين.
فرع آخر
لو قال: لله عليَّ إتمام كل صوم أدخل فيه فنوى صوم يوم بعد الفجر صح وصار فرضًا بعد الشروع، لأن ابتداءه نفل ولهذا لو قال: لله علىَّ إتمام كل صلاة أشرع فيها كان له الشروع في صلاة بعد أداء الفريضة بتيممه الأول، وقال القاضي الحسين لو قال: هذا على وجه اللجاج يعني لا أشرع فيه فموجبه موجب نذر اللجاج يخرج عنه بكفارة يمين في أحد الأقوال.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله: إذا كان صائمًا صوم القضاء فاعتذر بعد الفجر أنه صائم عن النفل أو النذر غربت الشمس وهو على هذا الاعتقاد هل يصح صومه عن القضاء أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إذا نوى إبطال الصوم يبطل وهو أصح الوجهين وينبغي أن يقال على هذا الوجه لا فرق بين علمه أنه في صوم القضاء ........... غيره ولا فرق بين أن يمضي على هذا الاعتقاد إلى الليل أولًا لأن الاحتساب لا يقع بالنذر الذي [340 أ/ 4] قارنه هذا الاعتقاد، وإذا لم يكن صوم بعض اليوم محسوبًا من صوم الفرض لم يصح باقيه ويفارق الصلاة إذا كان في فرض فاعتقد أنه في النافلة ثم يذكره قبل التحلل لم يبطل، لأنه يمكنه إعادة ما فعله بنية النفل
الجزء: 3 - الصفحة: 301
على الاتصال، فإذا أعاده صحت صلاته ولا يمكنه في الصوم إعادة ما فعله بنية النفل على الاتصال لأن زمان الليل لا يقبل الصوم بحال فبطل وعلى هذا لو كان في صوم النفل فاعتقد بعد الفجر أنه في صوم الفرض، وإن تعمد إلى هذه النية ففي بطلان الصوم عن النفل وجهان وأصلهما إذا نوى إبطال الصوم، وإن لم يتعمد إلى هذه النية بل ظن أن شروعه كان في صوم الفرض ومضى على ذلك حتى غربت الشمس فهل يقع الاحتساب بالقدر الذي قارنه الفرض؟ عندي يقع الاحتساب به لأن الصوم المفعول بنية الفرض إذا لم يصح عن الفرض صح عن النفل إذا كان الزمان قابلًا للنفل، كما لو كان عنده أن علي صوم القضاء فشرع فيه بنية القضاء ثم بان أنه لم يكن عليه صوم [340 ب/ 4] القضاء صح عن النفل ويفارق ما ذكرناه، إذا كان في صوم القضاء فظن أنه في النفل واعتقد ذلك بعد الفجر لم يقع الاحتساب لصوم ذلك اليوم في أحد الوجهين لأن الصوم بنية النفل لا يصح أداء القضاء به بوجه من الوجوه والمفعول ... الفرض قد يؤدي به النفل فهما يفترقان، وهذا واضح.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: إذا نوى في الليل أنه يصوم هذا عن قضاء رمضان وهو يعلم أن لا قضاء عليه هل يقع صومه عن النفل وجهان: أحدهما: لا يقع كما لو أحرم بالصلاة بنية القضاء وهو يعلم أنه لا قضاء عليه لم يصح عن النافلة، وإن صح عنها عند الخطأ فكذلك يفصل بين العلم والخطأ في الصوم، وهذا إذا قلنا: إن طريان نية الفرض على صوم النفل مع التعمد لا يبطل الصوم لأن هذ النية لما لم تقدح في حال الاستدامة لم تقدح في حال الابتداء.
فرع
ذكره والدي إذا شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يلزمه الإتمام في أصح الوجهين ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده لأن ما يلزم به الإتمام لا فرق بين وجوده قبل الزوال أو بعده [341 أ/ 4] كالإقامة الطارئة على السفر يلزم بها الإتمام في أحد الوجهين، ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده في ذلك فإن لم يكن صائمًا فنذر صوم ذلك اليوم فإن كان قبل الزوال صح النذر في أحد الوجهين وهو الصحيح، وإن كان بعد الزوال فإن قلنا: صوم النفل يصح بعد الزوال صح النذر، وإن قلنا بالقول الآخر وهو الأصح لم يجز النذر والله أعلم.
باب الوصال
قال: أحبرنا مالكُ .... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: أعلم أن معنى الوصال وصل صوم الليل بصوم النهار، وقد كان
الجزء: 3 - الصفحة: 302
ذلك جائز لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دوننا لأخبار جاءت فيه روى الشافعي منها واحدًا في هذا الباب بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال فقالوا: يا رسول الله إنك تواصل أي: كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: "إني لن مثلكم إني أطعم وأسقى 199 "وروي: "أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني "وقيل في ذلك معان.
أحدها: أنه كان يُطعم ويسقى من طعام الجنة.
والثاني: أنه أراد [341 ب/ 4] إني على ثقة من أن يطعمني طعام الجنة.
والثالث: وهو الأصح معناه: إني أعطى قوة الطاعم والشارب، لأنه لو كان ذلك إطعامًا على الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: أراد محبة ربي تمنعني من الطعام والشراب، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يكتب عليكم صيام الليل فمن شاء فليُعن نفسه ولا أجر له 200 " وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصلوا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم فلم ينتهوا فقال: "لو أن الشهر مدَّ لي لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم إني لست مثلكم إني يطعمني ربي ويسقيني 201 "ولأن فيه ضعفَا ومشقة في أداء الفرائض والعبادات فيكره ثم بيَن الشافعي جواز تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم لا يشاركه فيه غيره من أمته فقال وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم، وفي أمور كتبها عليه وخففها عنهم، فإذا تقرر هذا فالوصال المكروه هو أن لا يطعم بالليل بين يومي الصوم ويستديم جميع أوصاف الصائمين فلو ذاق يئًا وإن قل [342 أ/ 4] فقد خرج عن الكراهة، ولو ترك الأكل بالليل لا على قصد التقرب ولا نوى أن يصوم من الغد لا يكون مواصلًا، ولو واصل من سحر إلى سحر جاز لما روى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ".
فرع
هل هذا النهي نهي تحريم أم تنزيه؟ ظاهر كلام الشافعي أنه تحريم لأنه قال: فرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم فقد ذكر الوصال وهو ظاهر النهي في الخبر يدل على تحريمه، ومن أصحابنا من قال: النهي نهي تنزيه لأنه ترك أكل المباح فنهى عنه لما يلحقه من الضعف والمشقة وذلك لا يقتضي التحريم، وروي أن ابن الزبير كان يواصل وعلى كلى الوجهين لو خالف وفعل لم يكن بالليل صائمًا بل يكون مفطرًا ممسكًا لأن الفطر يحصل بدخول الليل نوى الإفطار أو لم ينو، وإذا أصبح من غده صائمًا صح صومه لأن النهي ما تناوله وإنما تناول ترك الأكل ليلًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 303
باب صوم يوم عرفة وعاشوراء
قال: أخبَرَنا شفيانُ ... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: [342 ب/ 4] جملته أن صوم يوم عرفة هو مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة، فأما الحاج فيستحب له أن يفطر يوم عرفة بكل حال، قال الشافعي: لأن الحاج مسافر مُضح وأراد به أنه متعرض للشمس، فإذا صام ضعف عن الدعاء يوم وأفضل الدعاء يوم عرفة فحيازة فضيلة الدعاء في ذلك الوقت أفضل من الصوم فيه، وقبل: يستحب أن يصوم يوم التروية معه للاحتياط حتى لا يفرته فضيلة يوم عرفة، وقيل: غلط المزني في حكاية هذا التعليل في قوله: مضح وإنما هو ضاح ذكره في "الإملاء "، أي: تأزر للمس ومنه قوله تعالى: ﴿وأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ولا تَضْحَى﴾ [طه: 119] أي: لا تصيبك الشمس فتؤذيك فأما المضحي فهو الداخل في وقت الضحوة وليس ذلك وقت الوقوف بعرفة، وقيل: المضحي هو الواقف في الضحى والضحى هو الفضاء، وقال عطاء: إن كان صيفًا فالأولى له الإفطار، وإن كان شتاًء فالأولى له الصوم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا لأنه إذا كان قويًا في الشتاء لا يؤثر فيه الصوم فيكون [343 أ/ 4] جامعًا بين العبادتين، وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم يوم عرفة 202، وقال هذا القائل هذا اصح وأنا أقول به مثله، وبالله التوفيق وذا غلط، بدليل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن صوم يوم عرفة 203 "، وقال ابن عمر: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر بصيامه ولا أنهي عنه 204، وروي عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمَّانَا فقال: ادن فكل لعلك صائم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم هذا اليوم 205، وحكي عن أبي حنيفة أنه يستحب له صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء ويقطعه عنه، وروت أم الفضل بنت الحارث: أن أناسًا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو قائم بعرفة فشرب 206، وأما صوم يوم عاشوراء يستحب أيضًا وهو صوم اليوم العاشر من المحرم والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [343 ب/ 4] قال: "صيام يوم عرفة كفارة السنة والسنة التي تليها وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة 207 " وأراد بقوله كفارة السنة والسنة التي تليها ما جاء في
الجزء: 3 - الصفحة: 304
خبر آخر مفسرًا صيام يوم عرفة يكفّر سنة قبلها وسنة بعدها، ولا يوجد في ثواب شيء من العبادات أن يكون تكفير ذنوب زمان لم يأت بعد، وإنما حض الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، وقيل: أراد به أنه كفارة سنتين ماضيتين وقيل: صوم يوم عرفة هو أفضل من كل يوم يتطوع به الإنسان لهذا المعنى، وقال زؤيبة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا في يوم عاشوراء أن نتفل في أفواه الصبيان، وقال: "لا تسقوهم شيئًا إلى الليل ".
قال أصحابنا: ويستحب أن يصوم اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان في العام المقبل صمنا اليوم التاسع "ثم لم [344 أ/ 4] يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم 208 وأراد بقوله صمنا اليوم التاسع أي: مع العاشر.
وقال بعض أصحابنا: الأكمل أن يصوم اليوم التاسع معه فإن لم يصمه يصوم الحادي عشر معه حتى يخالف اليهود وإذا قلنا: يؤمر به احتياطًا لما روى شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء يومين يوالي بينهما مخافة أن يفوته 209. فعلى هذا لو لم يصم التاسع لا يصوم الحادي عشر بدله، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء "، وقيل: أمر بصوم يوم تاسوعاء للاحتياط من أن يخرج ذو الحجة ناقصًا وهو لا يعلم ذلك فيفوت عنه صوم العاشر ومن العلماء من قال: صوم يوم عاشوراء هو صوم اليوم التاسع من المحرم وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يومًا فقال: "ما هذا "قالوا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق فرعون فقال: "أنا أحق بموسى منهم "فأمر مناديه "ألا من [344 ب/ 4] أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم 210 "، وكان غرق فرعون في اليوم العاشر من المحرم، وروي أنه "سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اليوم الذي يصومون فيه فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فسكت حتى أصبح يوم عاشوراء فأمر الناس بالصيام وأخبر .... 211 موسى هذا وإن اليهود ضلوا عنه كما ضلوا عن يوم الجمعة "قال القفال: وهذا أصح لأن اليهود لا يصومون الآن يوم عاشوراء بل يصومون يومًا آخر وقد ذكرنا أنه لم يكن واجبًا قط، وهو ظاهر المذهب لما روى الشافعي عن حميد بن
الجزء: 3 - الصفحة: 305
عبد الرحمن: أنه سمع معاوية رضي الله عنه يوم عاشوراء على المنبر يقول يا أهل المدينة أين عطاؤكم سمعت رسول الل صلى الله عليه وسلم يقول: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر 212 "، ومن أصحابنا من قال: إنه كان واجبًا وهو قول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: صوم المحرم أفضل من صوم سائر شهور السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي: الصوم أفضل [345 أ/ 4] بعد رمضان؟ فقال: "شهر الله المحرم 213 ".
فصل
قال أصحابنا: يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بستة من شوال ليكون جميع صيامه سنة وثلاثين يومًا فيكون له صيام السنة كلها كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام الدهر 214 "، وبه قال أحمد وجماعة العلماء، وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا خوفًا من أن تلحق ذلك بالفرض وحكاه محمد عن مالك ولم يذكر خلافه، وقال في الموطأ: يكره له ذلك وما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وهذا كله غلط، لما ذكرنا والأولى أن تكون متتابعة عقيب الفطر فإن ... 215 الفضيلة، وقد روى أبو حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام السنة 216 "، وهذا خبر غريب، وروى ابن عباس [345 ب/ 4] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم الستة بعد رمضان كالكار بعد الغار "قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "شهر الله الأصم "وروي: "الأصم "لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة صبًا.
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، وصوم الثاني منه كفارة سنتين، وصوم اليوم الثالث منه كفارة
الجزء: 3 - الصفحة: 306
سنة ثم صوم كل يوم منه كفارة سنة ثم بعد رجب شهر شعبان 217 "، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر "وأراد بشر الصبر شعبان، وقيل: رمضان 218، ومعنى وحر صدره أي: غل صدره وبلابله ومن أراد أن يصوم أيامًا فيستحب له أن يصوم أيام البيض، قال أعرابي: يا رسول الله إني أصوم ثلاثة أيام من الشهر فقال: "إن كنت صائمًا فصم الغر 219 "، قال ابن قتيبة [346 أ/ 4] الغر: البيض بطلوع القمر في جميعها.
وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان صائمًا من الشهر فليصم الأيام البيض 220 "، وروي أنه قال: "هي كهيئة صوم الدهر "يعني: أن صوم ثلاثة أيام بشهر وإن صام ثلاثة من الشهر غيرها فيستحب أيضًا لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت منها صوم ثلاثة أيام من كل شهر 221 "، وقالت حفصة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى 222 "، وروت عائشة رضي الله عنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالي أي أيام الشهر يصوم هذه الثلاثة 223 " فقيل: هذه الثلاثة صوم أيام البيض وقيل: إنها يوم الاثنين والخميس والاثنين الآخر من الجمعة الأخرى، ويستحب أن يصوم يوم الاثنين والخميس، قال أسامة بن زيد رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس، وقال: هما يومان [346 ب/ 4] تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح 224.
وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل القرآن 225 " ويستحب لمن قدر أن يصوم صوم داود عليه السلام وقيل: إنه أفضل من صوم الدهر لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام أخي داود صلى الله عليه وسلم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود وكان يرقد شطر الليل ويقوم ثلثه ثم يرقد آخره 226 ".
الجزء: 3 - الصفحة: 307
فرع
قال أصحابنا: لا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقًا ولم يخف ضررًا ولفظ الشافعي في "مختصر البويطي "لا بأس بسرد الصيام إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وبه قال عامة الفقهاء، وهذا لما روت أم كلثوم مولاة أسماء رضي الله عنها قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: تصومين الدهر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر؟ قالت: نعم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [347 أ/ 4] ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إنما نهى رسول الله صلى الله علي وسلم عن صوم الدهر لأنه يضعف عن العبادات وهو يشبه النفل الذي نهى عنه ولو أراد بالنهي صوم هذه الأيام كلا ما كان لتخصيص الأيام الستة بالنهي معنى ولما خص الأيام الستة دل على أن صوم الباقي جائز وهكذا إذا خاف ضررًا وضعفًا في أداء العبادات لا يستحب ما ذكرنا من صيام الأيام المستحبة لما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سليمان وبين أبي الدرداء فجاء سليمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة فقال ما شأنك فقالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا فقال: سليمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا وعبيدك عليك حقًا فصم وافطر وقم ونم وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سليمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل ما قال سليمان.
والدليل على ما ذكرنا أن أبا طلحة الأنصاري كان لا يفطر في حضر ولا في سفر فلم يعبه رسول الله [347 ب/ 4] صلى الله عليه وسلم ولا نهاه عن ذلك، ومن العلماء من قال: يكره ذلك لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها حتى سكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال عمر: يا رسول الله كيف من يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: "أو يطيق ذلك أحد "قال: كيف يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: "وددت لو أني أطقت ذلك "، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله 227 "قلنا: يشتبه أن يكون غضب النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه أو يمله بقلبه فيكون صيامًا من غير إخلاص، وقوله: "لا صام ولا أفطر "معناه لم يصم ولم يفطر [348 أ/ 4] ومعناه الدعاء عليه كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك إذا لم يفطر في شيء من الأيام، وإن نهى عن صيامها أو إذا لم يقوِ على ذلك على ما ذكرنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
فرع آخر
ذكره ابن سريح إذا نذر صوم الدهر انعقد نذره إلا زمان العيدين والتشريق فإن أفطر في رمضان لعذر من سفر أو مرض فعليه القضاء ولا وقت للقضاء غير زمان النذر فيقضي من رمضان ويدع النذر وهل يدخل زمان القضاء تحت نذره فيه وجهان: أحدهما: لم يدخل تحت نذره لأنه بان أنه مستحق للقضاء فلم يدخل في النذر كشهر رمضان، والثاني: دخل زمان القضاء تحت نذره لأنه لو صامه عن نذره أجزأه، فإذا قلنا: بهذا هل تلزمه الفدية عن هذه الأيام التي فاتته من نذره؟ قال: يحتمل وجهين: أحدهما: يلزمه لأنه بسقط إلى مال لتعذر صومه عليه بكل حال كما يقول في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزمه لأنه لا يمكنه فعله فهو كالمريض إذا أفطر واتصل مرضه بموته لا تلزمه الفدية.
فرع آخر
ذكره والدي رحمه الله: أنه لو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا منه هل يقضيه في يوم من الأيام المستقبلة؟ قال: [348 ب/ 4] قال أصحابنا: لا يقضيه ويصوم عن أداء النذر في الأيام المستقبلة لأنه لو قضاه في يوم وجب عليه قضاء ذلك اليوم ثم إذا قضاه يلزمه قضاء ذلك اليوم أيضًا فيؤدي إلى إخراج كثير من صيامه عن الوقت وهو نظير ما قلنا في قضاء إحرام دخول مكة لا يلزمه لهذا المعنى.
فرع آخر
قال والدي: لو قضاء في يوم آخر هل يصح عن القضاء فيه وجهان: أحدهما: يصح عن القضاء في الحال، والثاني: لا يصح لا عن القضاء ولا عن الأداء فعلى هذا يلزمه الإطعام في الحال لأنه آيس من استدراك هذا الصوم بالقضاء، قلت: ويحتمل وجهًا آخر على ما ذكرنا: ولو سافر هذا الرجل يحل له الفطر وهل عليه الإطعام في الحال وجهان.
فرع آخر
إذا نذر أن يصوم يوم الخميس أو يصلي فيه لم يكن له أن يصوم يوم الأربعاء ولا أن يصلي يوم الأربعاء خلافًا لأبي يوسف، ولو نذر أن يتصدق بدرهم يوم الخميس له أن يتصدق به يوم الأربعاء، وهذا لأن إطلاق النذر يحمل على المعهود الشرعي والصوم والصلاة الشرعيان لا يجوز تقديمهما على الوقت بخلاف الزكاة كذلك هاهنا.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو نذر صوم يوم بعينه ثم أراد أن يأتي فيه بصوم النفل أو فرض آخر غير النذر فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما في رمضان، والثاني: يجوز وهو الأوضح وعليه قضاء المنذور والفرق أن زمان رمضان لو لم يلزم صومه لم يجز فيه غير صوم رمضان وهو في حق الصبي فإذا تعين كان مثله وفي هذا اليوم لو لم يلزم الصوم
الجزء: 3 - الصفحة: 309
فيه لفقد النذر صح فيه صوم التطوع فكذلك إذا لزمه صومه بالنذر.
فرع
لو كان عليه قضاء رمضان فأخره بعذر إلى رمضان ثانٍ ثم قدر على القضاء عقيب انقضاء رمضان ثم أخره فمات قبل دخول رمضان ثالث لا تلزمه الفدية للتأخير.
فرع
لو قال: لله عليَّ أن اصوم شعبان أبدًا فأسر هذا الناذر فكان يتحرى فصام رجبًا على أنه شعبان وصام شعبان على أن رمضان ثم تبين له الأمر بعد سنين يلزمه قضاء شهرين أحدهما عن شعبان والثاني عن رمضان ولا إطعام علي للتأخير.
فرع
لو كان عليه صوم ثلاثة أيام أحدهما عن قضاء يومان عن نذر فصامهما ثم على أنه ترك النية في أحدها ولا يدري عين ما ترك له [394 ب/ 4] النية يلزمه أن يعيد صوم يومين أحدهما عن النذر والثاني عن القضاء ليتيقن سقوط الفرض عنه كما لو كانت عليه ثلاث صلوات إحداها صبح واثنتان ظهر فصلاها ثم علم أنه ترك النية في إحداهما يلزمه أن يعيد الصبح وظهرًا واحدًا.
فرع آخر
لو صام يومين أحدهما عن نفل ثم علم أنه أضلَّ بالنية في أحدهما ولا يدري هل كان في الفرض أم في النفل، قال أصحابنا: يلزمه إعادة الفرض وقال والدي: لا يلزمه إعادته لأنه شاك في وجوب الإعادة والشك في وجوب الإعادة لا يوجبها.
فرع آخر
ذكره والدي: إذا وطئ زوجته وهي ناشزة في رمضان وقلنا بقول: التحمل هل يتحمل عنها الكفارة وجهان أحدهما: لا يتحمل لزكاة الفطر والنفقة، والثاني: يتحمل والفرق أن ذلك يلزم بمقابلة التمكين وبالنشوز زال التمكين والكفارة تلزم الجماع لأن التمكين وإن وجد لا يلزم الكفارة ما لم بجامع وقد حصل الجماع في حال النشوز كحصوله في حال الطواعية فلزمته الكفارة عنها في الحالين، ويؤكده إن تعلق هذه الكفارة غذ كان الجماع وقد حصل في حال النشوز زال النشوز من الجهة المقصودة [350 أ/ 4] فوجبت الكفارة كما لو تزوج امرأة لا يلزمه دفع المهر، وإن كانت باقية على النشوز لما ذكرنا وهذا أشبه بكلام أصحابنا، والأول أقيس.
فرع آخر
لو جامع العبد امرأته الحرة والزوج الكفارة ل يتحمل عنها، قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يتحمل لأن التحمل إذا لم يثبت في الحال يثبت بعده، والثاني: يتحمل لأن سبب التحمل حصل وإنما امتنع لعارض فإذا زال العارض كان عليه التحمل إذا كان الوجوب باقيًا، وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارة بحال ...
الجزء: 3 - الصفحة: 310
فأما إذا قلنا بحال الوجوب فلا تتحمل لسقوط التحمل في حال الوجوب.
فرع آخر
الصبي إذا جامع في رمضان لا تلزمه الكفارة بحالِ، وهل يبطل صومه بالجماع عن قصد، قال والدي- رحمه الله- فيه وجهان مبنيان على القولين من أن عمده عمدَا وخطأ، وإنما قلت هذا لأنه صاحب الإفصاح ذكر من جماع الصبي عمدًا في الحج هل يفسد الحج؟ وجهين.
فرع آخر
إذا شهد عدل بطلوع الفجر في رمضان هل يلزمه الإمساك عن الطعام أم يعتبر قول اثنين إذا لم يمكنه معرفة الحال؟ قال: يحتمل وجهين وهما مبينان على قبول شهادة الواحد [350 ب/ 4] في هلال رمضان، وهذا لأن مقتضاه وجوب الصوم والإمساك كذلك وفي الشهادة على غروب الشمس لابد من اثنين كالشهادة على هلال شوال.
فرع آخر
لو نذر صوم شهر شعبان فشهد عدل واحد برؤية هلاله هل يلزمه الصوم؟ إن قلنا في هلال رمضان يقبل واحد فهاهنا وجهان:
أحدهما: يقبل.
والثاني: لا يقبل لأن وجوبه يختص به الواحد ولا تشترك فيه العامة بخلاف صوم رمضان، ولأن صوم رمضان أكد والأول اصح.
ذكره والدي- رحمه الله.
فرع آخر
إذا اتمضمض فشق الماء إلى جوفه لا عن مبالغة قبل الزوال، ثم أراد أن يبتدئ بصوم التطوع فيه وجهان بناء على القولين في بطلان الصوم غذا طرأ عليه، والأصح أنه لا يبطل ولا يجوز ابتداء هذا الصوم.
باب الأيام التي نهي عن الصوم فيها
مسألة: قال 228: "وأنهي عنْ صِيامِ يَوْم الفطْرِ ".
فصل
وهكذا كما قال، قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وروي عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى 229.
أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم.
وأما [351 أ/4] يوم الفطر ففطركم من صيامكم وما ذكره الشافعي دليل على أن
الجزء: 3 - الصفحة: 311
النهي بظاهره يدل على فساد النهي عنه على مذهبه.
فرع
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يدخل رمضان (1) "وروي: "فلا صوم إلا لرمضان "قال أصحابنا: إذا ابتدأ الصوم قبل انتصاف شعبان ثم وصله برمضان أو وافق آخر أيام شعبان وردًا له فصام لا يكره ويجوز له ذلك ولو ابتدأ صيام نفل من غير سبب بعد انتصاف شعبان ووصل برمضان كره ذلك، وإن لم يكن شك لأنه يشبه استقبال الفرض وقد ورد عنه وهذه الكراهية هي كراهة تنزيه عندي ويحتمل أنه استحب إتمام الصيام في بقية شعبان ليتقوى به على صيام رمضان فإنه ربما يضعف عن صوم رمضان، ومن أصحابنا من قال: لا يكره ذلك بحال لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدموا رمضان بيوم أو يومين (2) "فنهى عن صوم يومين قبل رمضان والخبر الذي ذكرنا غير ثابت.
باب الجود والأفضال في شهر رمضان
قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد ... الخبر.
وهذا كما قال: [351 ب/ 4] هذا كتاب ليس من أحكام الصيام وقصد به الندب لأولي السعة والغنى على الزيادة والجود والأفضال في شهر رمضان وهو مستحب في شهر رمضان، وفي كل وقت ولكنه في رمضان أكد استحبابًا والأصل ما رواه الشافعي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير "، أي: في عموم الأوقات "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان 232 وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن "أي: يدرس عليه فيعارضه كما يقرأ الإنسان على المقرئ "فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة "فمنهم من قال: يريد أنه كان أسرع إلى الخير من الريح المرسلة فإنها تعم كل شيء، ثم قال الشافعي: ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم وأراد أن الحاجة بالناس إلى معايشهم في هذا الشهر مثلها في غيره وزيادة وفيه من أمر الصلاة والصيام الذي يشغلهم عن معاشهم ما ليس في غيره، فكذلك استحب الزيادة في هذا الشهر، وفي [352 أ/ 4] هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على استحباب الزيادة تلاوة القرآن إذا دخل شهر رمضان وعلى أن من أراد قراءة القرآن في شهر رمضان خاصة وفي سائر الشهور عامة يستحب له أن يقرأ على غيره معارضة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض على جبريل عليه السلام في شهر رمضان، فأما من أراد التهجد به فهو مأمور به حينئذِ بأسكن وقت وأخلا زمان.230231
الجزء: 3 - الصفحة: 312
فصل
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة 233 "رواه أبو بكرة رضي الله عنه واختلف العلماء في تأويله على وجوه أحدها: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، والثاني: معناه أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعة في النقصان إن كان أحدهما تسعًا وعشرين كان الأخر ثلاثين على الكمال ذكره أحمد بن حنبل وأراد به في أغلب العادة، والثالث: معناه تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
فصل
روى أبو صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه أن امرأة [352 ب/ 4] جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ سورتين وقد نهيتها فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها يفطرني فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها "وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عُرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "إذا استيقظت فضلَّ 234 " وفي ذا الخبر دليل على أن منافع المتعة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال، وأنها لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه وللزوج أن يمنعها من حج التطوع وتعجيل حج الفرض، وله أن يضربها إذا امتنعت في إيفاء حقه، وإنما قال: "إذا استيقظت فصل "فإنه كان كالمعجوز عنه وصاحبه في ذلك هو بمنزلة من يغمى عليه فيعذر فيه أو أراد به في بعض الأوقات لأنه يبعد أن يبقى الإنسان على مثل [353 أ/ 4] هذا ولا يكون بحضرته من يوقظه، والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 313