كتاب اللقطة
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَانُكَ بِهَا».
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي: فَبِهَذَا أَقُول.
قال في الحاوي: وهذا كما قال وهذا الحديث هو الأصل في اللقطة وقد رواه الشافعي في «الأم» بتمامه وأنه سأله بعد قوله فشأنك بها عن ضالة الغنم فقال: «لك أو لأخيك أو للذئب» فقال: فضالة الإبل؟ قال: «مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» أما قوله في ضالة الغنم: «هي لك» يعني إن أخذتها أو لأخيك إن أخذها غيرك» أو للذئب يعني إن لم تؤخذ أكلها الذئب فأما قوله في ضالة الإبل: «مالك ولها» أي لا تأخذها وقوله: «معها سقاؤها» يعني أعناقها التي تتوصل بها إلى الماء فلا تحتاج إلى تقريب الراعي ومعونته وقوله: حذاؤها يعني خفاف أرجلها التي تقدر بها على السير وطلب المرعى وتمتنع من صغار السبع فخالفت الغنم من هذه الوجوه الثلاثة.
وروى مطرب بن عبد الله عن ابيه أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نصيب هوامي الإبل فقال: «ضالة المؤمن حرق النار» وهو من الإبل: هي المهملة التي لا راعي لها، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: «لا يأوي الضالة إلا ضال».
الجزء: 7 - الصفحة: 316
وروى الشافعي يحيى بن سعيد عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة أنه سأل أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن سوط وجده فقال: إني وجدت صرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مائة دينار فذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «عرفها حولًا فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه وإلا فاستمتع بها»
وروى الشافعي عن عبد العزيز عن شريك عن عطاء بن يسار عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه وجد دينارًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره له فأمره أن يعرفه فلم يعرف فأمره بأكله ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه.
فصل: فإذا ثبت ما روينا فاللقطة والضوال مختلفان في الجنس والحكم.
فالضوال الحيوان لأنه يضل بنفسه وسنذكر حكمه، واللقطة غير الحيوان سميت بذلك لالتقاط واجدها لها ولها حالتان.
إحداهما: أن توجد في أرض مملوكة فلا يجوز لواجدها التعرض لأخذها وهي في الظاهر لمالك الأرض إذا دعاها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: «ما كان منها في طريق ميتاء فعرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك وما كان منها من خراب ففيها وفي الركاز الخمس».
وقوله في طريق ميتاء يعني مملوكة قديمة سميت بذلك لإتيان الناس إليها وروي في طريق مأتى سميت بذلك لإتيان الناس إليها.
والثانية: أن توجد في أرض غير مملوكة من مسجد أو طريق أو موت فلا يخلو ذلك من أحد أمرين أما أن تكون بمكة أو بغير مكة فإن كانت بغير مكة من سائر البلاد فعلى ضربين ظاهر ومدفون فإن كان ظاهرًا فعلى ضربين:
أحدهما: ما لا يبقى كالطعام الرطب فله حكم نذكره من بعد.
والثاني: أن يكون مما يبقى كالدراهم والدنانير والثياب والحلي والقماش فهذه هي اللقطة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اعرف عفاصها ووكاءها وعرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فشانك بها».فعليه أن يقيم لشروط تعريفها ثم له بعد الحول إن لم يأت صاحبها أن يتملكها، وإن كان مدفونًا فضربان: جاهلي وإسلامي فإن كان إسلاميًا فلقطة أيضًا وهي على ما ذكرنا وإن كان جاهليًا فهو ركاز يملكه واجده وعليه إخراج خمسه في
الجزء: 7 - الصفحة: 317
مصارف الزكوات لقوله صلى الله عليه وسلم وفي الركاز الخمس.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وفي السيوب الخمس» يعني الركاز.
قال أبو عبيد ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية.
فصل: وإن كانت اللقطة بمكة فذهب الشافعي رحمه الله أنه ليس لواجدها أن يتملكها وعليه أن أخذها إن يقيم بتعريفها أبدًا بخلاف سائر البلاد.
وقال بعض أصحابنا: مكة وغيرها سواء في اللقطة استدلالًا بعموم الخبر وهذا خطأ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن إبراهيم حرم مكة فلا يختلي خلاءها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» وفي المنشد تأويلان:
أحدهما: وهو قول أبي عبيد أنه صاحبها الطالب والناشد وهو المعرف الواجد لها قاله الشاعر:
يَصِيحُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ إِصَاحَةَ النَّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لأحد أن يتملكها إلا صاحبها التي هي له دون الواجد»، والتأويل الثاني وهو قول الشافعي أن المنشد الواجد المعرف الناشد هو المالك الطالب.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد».معناه لا وجدت كأنه دعا عليه فعلى هذا التأويل معنى قوله لا تحل لقطتها إلا لمنشد أي لمعرف يقيم على تعريفها ولا يتملكها فكان في كلا التأويلين دليل على تحريم تملكها ولأن مكة لما باينت غيرها في تحريم صيدها وشجرها تغليظًا لحرمتها باينت غيرها في ملك اللقطة ولأن مكة لا يعود الخارج منها غالبًا إلا بعد حول إن عاد فلم ينتشر إنشادها في البلاد كلها فلذلك وجب عليه إدامة تعريفها ولا فرق بين مكة وبين سائر الحرم لاستواء جميع ذلك في الحرمة فأما عرفه ومصلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان: أحدهما: أنه حل تحل لقطته قياسًا على جميع الحل، والوجه الثاني: أنه كالحرم لا تحل لقطته إلا لمنشد لأن ذلك مجمع الحاج وينصرف النفار منه في سائر البلاد كالحرم ثم اختلفوا في جواز إنشادها في المسجد الحرام مع اتفاقهم على تحريم إنشادها في غيره من المساجد على وجهين: أصحهما جوازه اعتبارًا بالعرف وأنه مجمع الناس.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْبَقَرُ كَالإِبِلِ لأَنَّهُمَا يَرِدَانِ المِيَاهَ وَإِنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 318
تَبَاعَدَتْ وَيَعِيشَانِ أَكْثَرَ عَيْشِهِمَا بِلَا رَاعٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالمَالُ وَالشَّاةُ لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ وَجَدَهُمَا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَهُ أَكْلُهُمَا وَغُرْمُهُمَا إِذَا جَاءَ صَاحِبُهُمَا وَقَالَ فِيمَا وَضَعَهُ بِخَطِّهِ لَا أَعْلَمُهُ بِسَمْع مِنْهُ وَالخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالحَمِيرُ كَالبَعِيرِ لأَنَّ كُلَّها قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الأَثَرِ فِي الأَرْضِ وَمِثْلُهَا الظَّبْيُ لِلرَّجُلِ وَالأَرْنَبِ وَالطَّائرِ لِبُعْدِهِ فِي الأَرْضِ وَامْتِنَاعِهِ فِي السُّرْعِةِ».
قال في الحاوي: اعلم أن ضوال الحيوان إذا وجدت لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن توجد في مصر أو في صحراء فإن وجدت في مصر فيأتي وإن وجدت في صحراء فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون مما يصل بنفسه إلى الماء والرعي ويدفع عن نفسه صغار السباع.
أما لقوة جسمه كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير وأما البعد أثره كالغزال والأرنب والطير فبهذا النوع لا يجوز لواجده أن يتعرض لأخذه إذا لم يعرف مالكه لقوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الإبل: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر ذرها حتى تلقى ربها» ولأنها تحفظ أنفسها فلم يكن لصاحبها حظ في أخذها، فإن أخذها لم يخل من أحد أمرين: إما أن يأخذها لقطة ليمتلكها إن لم يأت صاحبها فهذا متعد وعليه ضمانها فإن أرسلها لم يسقط الضمان.
وقال أبو حنيفة ومالك قد سقط الضمان عنه بالإرسال بناء على من تعدى في وديعة ثم كف عن التعدي فعندهما يسقط الضمان عنه وعندنا لا يسقط فإن لم يرسلها ولكن دفعها إلى مالكها فقد سقط عنه ضمانها بأدائها إلى مستحقها وإن دفعها إلى الحاكم عند تعذر المالك ففي سقوط الضمان وجهان:
أحدهما: قد سقط لأن الحاكم نائب عمن غاب.
والثاني: لا يسقط لأنها قد تكون لحاضر لا يولى عليه.
والثانية: ألا يأخذها لقطة ولكن يأخذها حفظًا على مالكها فإن كان عارفًا بمالكها لم يضمن ويده يد أمانة حتى تصل إلى المالك وإن كان غير عارف للمالك ففي وجوب الضمان وجهان:
أحدهما: لا ضمان لأنه من التعاون على البر والتقوى.
والثاني: عليه الضمان لأنه ولاية له على غائب فإن كان واليًا كالإمام أو الحاكم فلا ضمان عليه فقد روي أن عمر رضي الله عنه كانت له حظيرة يحضر فيها ضوال الإبل فهذا حكم أحد الضربين.
فصل: والضرب الثاني: ما لا يدفع عن نفسه ويعجز عن الوصول إلى الماء والرعي كالغنم والدجاج فلو أخذه فأكله في الحال من غير تعريف غنيًا كان أو فقيرًا فعليه غرمه لمالكه إن وجده وبه قال أبو حنيفة وقال مالك وداود هو غير مضمون ويأكله أكل إباحة
الجزء: 7 - الصفحة: 319
ولا غرم عليه في استهلاكه استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» ومعلوم أن ما استهلكه الذئب هدر لا يضمن وإنما أراد بيان حكم الأخذ في سقوط الضمان ولأن ما استباح أخذه من غير ضرورة إذا لم يلزمه تعريفه لم يلزمه غرمه كالدراهم.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها قياسًا على اللقطة في الأموال ولأنها ضالة فوجب أن تضمن بالاستهلاك كالإبل فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» فهو أنه نبه بذلك على إباحة الأخذ وجواز الأكل دون الغرم وأما الركاز لا يلزم رده فلذلك سقط فرمه وليس كذلك الشاة لأن ردها واجب فصار غرمها واجبًا.
فصل: فإذا ثبت جواز أخذ الشاة وما لا يدفع عن نفسه وإباحة أكله ووجوب غرمه فكذلك صغار الإبل والبقر لأنها لا تمنع عن أنفسها كالغنم ثم لا يخلو حال واحد الشاة وما في معناها من أربعة أحوال:
إحداها: أن يأكلها فيلزمه غرم ثمنها قبل الذبح عند الأخذ في استهلاكها ويكون ذلك مباحًا لا يأثم به وإن غرم.
والثانية: أن يتملكها ليستبقيها حية لدر أو نسل فلذلك له لأنه لما استباح تملكها مع استهلاكها فأولى أن يستبيح تملكها مع استبقائها ثم في صحة ضمانها وجهان كالعارية مخرجًا وفي اختلاف قوليه في ضمان الصداق أحدهما أنه ضامن لقيمتها في الوقت الذي يملكها فيه.
والثاني: أنه ضامن لقيمتها أكثر ما كانت من حين وقت التملك إلى وقت التلف فإن جاء صاحبها وهي باقية وقد أخذ الواجد درها ونسلها كان الدر والنسل للواحد لحدوثه على ملكه وللمالك أن يرجع بها دون قيمتها فإن بذل له الواجد قيمتها لم يجبر على أخذها مع بقاء عينها إلا أن يتراضيا على ذلك فيجوز فلو كانت الشاة حين رجع المالك بها زائدة في بدنها أو قيمتها لم يكن للواجد حق في الزيادة وكانت للمالك تبعًا للأصل ولو كانت ناقصة رجع المالك بنقصها على الواجد، لأنها مضمونة بالتلف فكانت مضمونة بالنقص.
فصل: والثالثة: أن يستبقيها في يده أمانة لصاحبها فلذلك له لأنه لما أجاز أن يتملكها على صاحبها فأولى أن يحفظها لصاحبها ولا يلزمه تعريفها لأن ما جاز تملكه سقط تعريفه ولا يلزمه إخبار الحاكم بها ولا الإشهاد عليها بل إذا وجد صاحبها سلمها إليه ولا ضمان عليه مدة إمساكها لصاحبها لو تلفت أو نقصت لأن يده يد أمانة كالمعرف.
الجزء: 7 - الصفحة: 320
وقال بعض أصحابنا وجهًا آخر إنه يضمنها لأن إباحة أخذها مقصور على الأكل الموجب للضمان دون الائتمان وهكذا القول فيما حدث من درها ولبنها على المذهب لا يضمنه، وعلى هذا الوجه يضمنه، فإن اتفق عليها أكثر من مؤنة علوفتها فإن كان ذلك منه مع وجود حمى للمسلمين ترى فيه فهو متطوع بالنفقة وليس له الرجوع بها، وإن كان مع عدم الحمى فإن كان عن إذن الحاكم رجع بما أنفق، وإن كان عن غير إذنه فإن كان قادرًا على استئذانه لم يرجع بها، وإن لم يقدر على استئذانه فإن لم يشهد لم يرجع وإن أشهد ففي رجوعه بها وجهان:
أحدهما: يرجع للضرورة.
والثاني: لا يرجع لئلا يكون حاكم نفسه.
فلو أراد بعد إمساكها أمانة أن يتملكها ففي جوازه وجهان:
أحدهما: له ذلك كالابتداء.
والثاني: ليبس له ذلك لاستقرار حكمها فأما إن أراد أن يتملك درها ونسلها من غير أن يتملك أصلها لم يكن له ذلك وجهًا واحدًا لأنه فرع يتبع أصله فلو أرسلها بعد إمساكها أمانة لزمه الضمان إلا أن يدفعها إلى حاكم فلا يضمن ولو نوى تملكها ثم أراد أن يرفع ملكه عنها لتكون أمانة لصاحبها، لم يسقط عنه ضمانها وفي ارتفاع ملكه عنها وجهان:
أحدهما: لا يرتفع ملكه لأن الملك لا يزول إلا بقبول المتملك فعلى هذا يكون مالكًا لما حدث من درها ولبنها لبقائها على ملكه.
والثاني: يرتفع ملكه عنها مع بقاء ضمانها وذلك أحوط لمالكها فوجه ذلك أنه لما جاز أن يتملكها من غير بذل مالكها جاز أن يزول ملكه عنها من غير قبول متملكها.
فعلى هذا يكون الحادث من درها ونسلها ملكًا لربها تبعًا لأصلها وعليه ضمانه كالأصل.
فصل: والرابعة: أن يريد بيعها فلا يخلو ذلك من أحد أمرين: إما أن يبيعها بعد أن يتملكها، فلذلك له كما لو أكلها ويكون ضامنًا لقيمتها دون ثمنها؛ لأنه باعها في حق نفسه.
فلو جاء صاحبها بعد البيع لم يكن له في رقبتها حق لنفوذ البيع ورجع بالقيمة على الواجد.
فلو كان الخيار المجلس أو خيار الشرط في البيع باقيًا فأراد المالك أن يفسخ وأراد البائع الإمضاء ففيه وجهان حكاهما أبو القاسم بن كج:
أحدهما: أن القول قول المالك في الفسخ لاستحقاقه الرجوع بعين ماله مع بقائه.
والثاني: أن القول قول البائع في الإمضاء لأن خيار العقد يستحقه العاقد دون غيره فإذا أمضى غرم القيمة دون الثمن وإن أراد بيعها لمالكها جاز إن كان البيع أحظ من الاستبقاء لما يلزم من الإنفاق عليها.
وجاز أن يكون الواجد هو المتولي لبيعها من غير استئذان حاكم بخلاف من أراد بيع مال غريم جاحد فيستوفي منه قدر دينه في أحد الوجهين لأن صاحب الدين يبيعه في حق نفسه فمنع من تفرده به في أحد الوجهين وهذا يبيعه في حق المالك فجاز كالوكيل فإن أراد المالك الفسخ في خيار العقد استحقه وجهًا
الجزء: 7 - الصفحة: 321
واحدًا لبيعها في حقه.
فلو أراد بعد بيعها لمالكها أن يتملك ثمنها لم يكن له ذلك وجهًا واحدًا: بخلاف ما لو أراد أن يتملكها بعينها بعد إمساكها أمانة في أحد الوجهين لأن الثمن قد خرج عن حكم الضوال ولم تخرج هي مع بقائها عن أن تكون ضالة.
فلو كانت الضالة عبدًا فإن كان كبيرًا فكالبعير لا يتعرض لأخذه وإن كان صغيرًا كالشاة يأخذه ويملكه إن شاء لو كانت أمة صغيرة ففي جواز تملكه لها وجهان:
أحدهما: يجوز كالعبد الصغير.
والثاني: لا يجوز كما لا يجوز قرض الإماء وإن جاز قرض العبد لأنها ذات فرج فكان حكمها أغلظ فعلى هذا إتباع على مالكها إن كان البيع أحظ.
ثم هل يجوز للواجد أن يتملك ثمنها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز كالأصل.
والثاني: يجوز لأن معنى الأصل مفقود في الثمن.
فلو كان عبدًا فباعه الواجد له ثم حضر المالك فذكر أنه كان قد أعتقه قبل البيع.
قال الشافعي القول قوله وعليه اليمين إن طلبها المشتري لأنه مقر في ملك لم يزل قال الربيع وفيه قول آخر إن قوله غير مقبول لأن بيع الواجد كبيعه في اللزوم: فعلى ما نص عليه الشافعي من قبول قوله يكون البيع باطلًا ويصير العبد حرًا ويلزم بائعه الواحد أن يرد ثمنه على المشتري سواء باعه في حق المالك أو في حق نفسه، ولو كان الواجد قد باعه في حق المالك وضاع الثمن من يده بغير تفريط رجع المشتري به على الواجد القابض له فلم يكن للواجد أن يرجع على المالك بثمن ما قد حكم بنفوذ عتقه، فأما على القول الذي خرجه الربيع أن قول المالك فيه غير مقبول فيكون البيع نافذًا إن حلف المشتري عليه والعبد على رقه للمشتري ثم ينظر فإن كان الواحد قد باعه في حق نفسه فله أن يتملك الثمن ما لم يصدق المالك ولا يلزمه غرم القيمة لادعاء المالك حريته التي يسقط معها استحقاق قيمته.
وإن كان الواجد قد باعه في حق المالك كان الثمن موقوفًا في يديه بين المشتري والمالك فإن عاد المشتري فأكذب نفسه وأقر بالعتق فله استرجاع الثمن ويحكم بحرية العبد، وإن عاد المالك فأكذب نفسه وأقر ببقاء الرق ففي قبول قوله في تملك الثمن وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله في ملك الثمن كما لا يقبل قوله في استرقاق ما أقر بحريته.
والثاني: أن يقبل قوله في تملك الثمن وإن لم يقبل قوله في استرقاق ما أقر بحريته لبقاء الملك على الثمن وزواله عن الحر والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَيَاكُلُ اللُّقَطَةَ الغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
الجزء: 7 - الصفحة: 322
وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَيْسَرِ أَهْلِ المَدِينَةِ أَوْ كَأَيْسَرِهِمْ وَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا أَنْ يَاكُلَهَا وَأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أّنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يَعْرِفْ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بِأَكْلِهِ فَلَمَّا جَاءَ صَاحِبُهُ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ وَعَلَيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لأَنَّهُ مِنْ صُلْبِيَّةُ بَنِي هَاشِمْ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال يجوز لواجد اللقطة بعد تعريفها حولًا أن يتملكها ويأكلها غنيًا كان أو فقيرًا وقال أبو حنيفة يجوز له ذلك إن كان فقيرًا ولا يجوز له ذلك إن كان غنيًا أن يتملكها ويكون مخيرًا فيها بين أمرين: إما أن تكون في يده أمانة لصاحبها أبدًا كالوديعة وإما أن يتصدق بها فإن جاء صاحبها وأمضى صدقته فله ثوابها ولا غرم على الواجد وإن لم يمض الصدقة فثوابها للواجد عليه غرمها استدلالًا بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها» وهذا نص، قال: ولأنه مال يعتبر فيه الحول فوجب أن يختلف فيه حار الغني والفقير كالزكاة ولأنه مال مسلم فوجب ألا يحل إلا للمضطر قياسًا على غير اللقطة ودليلنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم لواجد اللقطة: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك» بها يقتضي التسوية بين الغني والفقير.
وروي عن أبيّ بن كعب وجد صرة فيها ثمانون دينارًا وروى مائة دينار فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عرفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها» قال الشافعي: وأبي من أيسر أهل المدينة أو كان أيسرهم ولو لم يكن موسرًا لصار بعشرين دينارًا منها موسرًا على قول أبي حنيفة فدل ذلك على أن الفقر غير معتبر فيها، وإن الغني لا يمنع منها.
وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجد دينارًا فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وجدت هذا الدينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرفة ثلاثًا» فعرفه ثلاثًا فلم يجد من يعرفه فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «كله أو سائل به» فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرًا وبثلاثة دراهم تمرًا وقضى عنه ثلاثة دراهم وابتاع بدرهم لحمًا وبدرهم زيتًا وكان الصرف على أحد عشر درهمًا بدينار حتى إذا أكله جاء صاحب الدينار يتعرفه فقال علي عليه السلام: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكله، فانطلق صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء ناشئ أديناه إليك» وكان صاحب الدينار يهوديًا.
قال الشافعي: وعلى ممن تحرم عليه الصدقة لأنه من طينة بني هاشم ولو كانت اللقطة تستباح بالفقر دون الغنى لحظرها عليه ولأن كل من كان من أهل الالتقاط جاز أن يرتفق بالأكل والتملك كالفقير ولأن ما ثبت للفقير في اللقطة ثبت للغني كالنسك والصدقة، ولأن كل ما استباح الفقير إتلافه بشرط الضمان استباح الغني إتلافه بشرط الضمان كالقرض ولا يدخل عليه طعام المضطر لاستوائهما فيه وقد جعل المضطر أصلًا فيقول كل ارتفاق بمال الغير إذا كان مضمونًا استوى فيه الغني والفقير كأكل مال الغير
الجزء: 7 - الصفحة: 323
للمضطر، ولأنه استباح إتلاف مال الغير لمعنى في المال فوجب أن يستوي فيه حكم الغني والفقير كالنحل الصائل، ولأن كل ما استباح تناوله عند الإياس في الأغلب من مالكه استوى فيه حكم الغني والفقير كالركاز ولأنه لا يخلو حال اللقطة في يد واجدها من أن تكون في حكم المغصوب فيجب انتزاعها قبل الحول وبعده من الغني والفقير أو في حكم الودائع فلا يجوز أن يتملكها فقير ولا أن يتصدق بها غني أو حكم الكسب فيجوز أن يتملكها الغني والفقير.
ومذهب أبي حنيفة فيها مخالف لأصول هذه الأحكام الثلاثة فكان فاسدًا.
ثم يقال لأبي حنيفة: الثواب إنما يستحق على المقاصد بالأعمال لا على أعيان الأفعال لأن صورها في الطاعة والمعصية على سواء كالمرائي بصلاته ثم لا يصح أن يكون ثواب العمل موقوفًا على غير العامل في استحقاقه وإحباطه فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «تصدق بها» فمحمول على أن الواجد سأله عن ذلك فأذن له فيه.
وأما الزكاة فلا معنى للجمع بينها وبين اللقطة لأن الزكاة تملك غير مضمون ببدل واللقطة تأخذ مضمونة ببدل فكان الغني أحق بتملكها لأنه أوفى ذمة وأما ما ذكروه من المضطر فقد جعلناه أصلًا وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلَا أُحِبُّ لأَحِدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا إِذَا كَانَ أَمِينًا عَلَيْهَا».
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وظاهر قوله ها هنا ولا أحب ترك اللقطة يقتضي استحباب أخذها دون إيجابه وقال في كتاب الأم ولا يجوز لأحد ترك اللقطة إذا وجدها فكان ظاهر هذا القول يدل على إيجاب أخذها فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين الظاهرين وكان أبو الحسن بن القطان وطائفة يخرجون ذلك على اختلاف قولين:
أحدهما: أن أخذها استحباب وليس بواجب عليه حراسة نفس أخيه المسلم وجب عليه حراسة مال أخيه المسلم.
والثاني: أن أخذها واجب وتركها مأثم لأنه كما وجب عليه حراسة نفس أخيه المسلم وجب عليه حراسة مال أخيه المسلم.
وقال جمهور أصحابنا: ليس ذلك على قولين إنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي لا يأخذها إذا كانت تؤمن عليها ويأخذها غيره ممن يؤدي الأمانة فيها والموضع الذي أوجب عليه أخذها إذا كانت في موضع لا يؤمن عليها ويأخذها غيره ممكن لا يؤدي الأمانة فيها لما في ذلك من التهاون وعلى كلا الحالتين لا يكره له أخذها إذا كان أمينًا عليها وحكي عن ابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما كرها أخذها.
وروي أن شريح مرّ بدرهم فلم يعرض له، وفي هذا القول إبطال التعاون وقطع
الجزء: 7 - الصفحة: 324
المعروف، وقد أخذ أبيّ بن كعب الصرة التي وجدها وأخذ علي عليه السلام الدينار، وأخبرا به النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليهما ولا كرهه لهما ويجوز أن يكون المحكي عن ابن عباس وابن عمر فيمن كان غير مأمون عليها أو ضعيفًا عن القيام بها ونحن نكره لغير الأمين عليها وللضعيف عن القيام بها أن يتعرض لأخذها وإنما نأمر به من كان أمينًا قويًا فلو تركها القوي الأمين حتى هلكت فلا ضمان عليه وإن أساء فإن أخذها لزمه القيام بها وإن تركها بعد الأخذ لزمه الضمان ولو ردها على الحاكم فلا ضمان عليه بخلاف الضوال في أحد الوجهين؛ لأنه ممنوع من أخذ الضوال فضمنها وغير ممنوع من أخذ اللقطة فلم يضمنها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَعَرَّفَهَا سَنَةً عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ العَامَّةِ وَيَكُونُ أَكْثَرُ تَعْرِيفِهِ فِي الجُمُعَةِ الَّتي أَصَابَهَا فِيهَا فَيَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوَزْنَهَا وَحِليَتَهَا وَيَكْتُبُهَا وَيَشْهَدُ عَلَيْهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: واجد اللقطة وإن كان مخيرًا في أخذها فعليه بعد الأخذ القيام بها والتزام الشروط في حفظها على مالكها والشروط التي يؤمر بها أخذ اللقطة سبعة أشياء جاء النص ببعضها والتنبيه على باقيها.
أحدها: معرفة عفاصها وهو ظرفها الذي هي فيه عند التقاطها.
والشرط الثاني: معرفة وكاءها وهو الخيط المشدودة به وبهذين الشرطين جاء النص ولأنها تتميز بمعرفة هذين عن جميع أمواله فيأمن اختلاطها بها.
والشرط الثالث: معرفة عددها تنبيهًا بالنص لأنه معرفة عددها أحوط من تميزها عن الظرف لأن الظرف قد يشتبه.
والشرط الرابع: معرفة وزنها ليصير به معلومًا يمكن الحكم به أن وجب غرمها.
والشرط الخامس: أن يكتب بما وصفناه من أوصافها كتابًا وأنه التقطها من موضع كذا في وقت كذا لأنه ربما كان ذكر المكان والزمان مما يذكره الطالب من أوصافها.
والشرط السادس: أن يشهد على نفسه بها شاهدين أو شاهدًا وامرأتين ليكون وثيقة عليه خوفًا من حدوث طمعه فيها ولأنه ربما مات ولم يعلم وارثه بها أو غرماؤه ولئلا يحدث من الورثة الطمع.
وقد روي في بعض الأخبار أنه قال لواجد اللقطة وأشهد ذوي عدل.
والشرط السابع: أن يعرفها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به لواجدها ولأنه طريق إلى علم مالكها إلا بالتعريف لها فإذا أكمل حال هذه الشروط السبعة على ما سنذكره من صفة التعريف
الجزء: 7 - الصفحة: 325
فقد أقام بحقوقها.
وربما استغنى عن بعض هذه الشروط في بعض اللقطة لأنه ربما وجد دينارًا أو درهمًا فلا يكون له عفاص ولا وكاء فلا يحتاج إلى معرفتها، والواجب من ذلك كله شرطان متفق عليهما وثالث مختلف فيه أحد الشرطين المتفق عليهما تميزها عن أمواله كلها بأي وجه تميزت به سواء احتاج معه إلى معرفة عفاص ووكاء أو لم يحتج والثاني التعريف الذي به يصل إلى معرفة المالك وإعلامه.
وأما المختلف فيه فالإشهاد عليها ولأصحابنا في وجوب الإشهاد على اللقطة والملقوط ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإشهاد فيهما واجب لما فيه من الوثيقة وفي تركه من التغرير.
والثاني: أن الإشهاد فيهما مستحب لأن الواجد مؤتمن فلم يجب عليه الإشهاد كالوصي والمودع.
والثالث: أن الإشهاد على التقاط المنبوذ واجب والإشهاد على أخذ اللقطة ليس بواجب والفرق بينهما أن اللقطة كسب مال فكان أمرها أخف واللقيط يتعلق به نسب وإثبات حرية فكان أمره أغلظ.
ألا ترى أن البيع لما كان اكتساب مال لم يجب فيه الشهادة ولما كان النكاح مفضي إلى إثبات نسب وجبت فيه الشهادة.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من شروطها فنشرح حال المقصود منها وهو التعريف والكلام فيه يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: في مدة التعريف.
والثاني: في مكان التعريف.
والثالث: في صفة التعريف.
فأما مدة التعريف فمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أنه يعرفها حولاً كاملًا ولا يلزمه الزيادة عليه ولا يجز به النقصان عنه وقال شاذ من الفقهاء يلزمه أن يعرفها ثلاثة أحوال لا يجزيه أقل منها استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر واجد اللقطة أن يعرفها حولًا وروى في ذلك خبرًا.
وقال آخر: يعرفها ثلاثة أيام استدلالًا بحديث علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعريفها ثلاثًا.
والدليل على وجوب تعريفها حولًا حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشانك بها».وحدثنا أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعريفها حولًا.
ولأن الحول في الشرع أصل معتبر في الزكاة والحرية فكان أولى أن يكون معتبرًا في اللقطة ولأن الحول جميع فصول الأزمنة الأربعة وينتهي إلى مثل زمان وجودها فكان الاقتصار على ما دونه تقصيرًا والزيادة عليه مشقة.
فأما الاستدلال الأول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعرفها حولًا ثم حولًا فعنه جوابان:
أحدهما: أنه محمول على من اختار ذلك فسأله عن الجواز دون الوجوب.
والثاني: يحصل على أنه أمره ثلاث مرات أن يعرفها حولًا فكان الحول واحدًا والأمر به ثلاثًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 326
وأما الاستدلال أحمد على الشهر بالخبر الذي رواه عنه فمحمول على من بقي من حوله شهر.
وأما من استدل بأنه أمر عليًا عليه السلام بأن يعرفه ثلاثًا فعنه جوابان:
أحدهما: حمله على الأمر ثلاثًا بالتعريف على ما تقدم.
والثاني: أنه أمره بتعريفه بنفسه ثلاثًا ليستكمل غيره مدة التعريف.
والثالث: أنه يجوز أن يكون علم من ضرورته ما أباح له ذلك قبل بلوغ أجله فإن للمضطر أن يستبيح من مال غيره ما يدفع به ضرورة وقته وذلك ظاهر من قول بعض الشعراء حيث قال:
إِذَا صَادَفَ الْمَلِكَ دِينَارٌ وَقَدْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ اللُّقَطْ
دِينَارُكَ اللهُ تَوَلَّى نَقْشَهُ كَذَلِكَ الْحِنْطَةُ مِنْ خَيْر الحِنطْ
فإذا وجب تعريفها حولًا بما ذكرنا فأول وقت الحول من ابتداء التعريف لا من وقت الوجود وليس عليه أن يستديم تعريفها في جميع نهاره ولكن عليه أن يشيع أمرها في كل يوم بالنداء عليها مرتين أو ثلاثًا لا سيما في ابتداء الأمر وأوله ثم يصير التعريف في كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا حتى يصير في الأسبوع مرة لا يقصر عنها فلو عرفها سنة أشهر ثم أمسك عن تعريفها ستة أشهر فهو غير مستوف لمدة التعريف وعليه أن يعرفها ستة أشهر أخرى ليستكمل الحول في تعريفها ثم ينظر حاله عند إمساكه لها بعد ستة أشهر من تعريفها فإن كان قد نوى تملكها فقد ضمنها ولا يصير مالكًا لها وإن لم ينو تملكها فهل يصير ضامنًا لها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: قد ضمنها لأن إمساكه عن التعريف تقصير.
والثاني: لا يضمنها لأن إتيانه بالتعريف يوجب عليه استيفاء جميعه ولا يكون ذلك تقصيرًا وهذا قول المزني.
فصل: فأما مكان التعريف ففي مجامع الناس ومحافلهم من البلد الذي وجدها فيه وإن وجدها واجدها في صحراء قفرًا أو على حادتها من البلاد المقاربة لها، وليكن تعريفها على أبواب المساجد فقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا ينشد ضالته في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد» وليكثر من تعريفها في محاط الرجال ومناخ الأسفار وفي الأسواق فأما الضواحي الخالية فلا يكون إنشادها فيه تعريفًا.
وروى المزني عن الشافعي أنه قال: ويكون أكثر تعريفها في الجمعة التي أصابها فيه.
وروى الربيع عن أنه قال: في الجماعة التي أصابها فيها، فكان بعض أصحابنا ينسب المزني إلى الغلط في روايته وأن الأصح رواية الربيع؛ لأن الجمعة وغيرها من الأيام في التعريف سواء، وإنما يؤمر بتعريفها في الجماعة التي أصابها فيه؛ لأن من ضاع منه شيء في جماعة والأغلب أنه يلازم طلبه في تلك الجماعة.
وقال سائر أصحابنا: إن كلا الروايتين صحيحة، ولهم في استعمال رواية المزني جوابان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إنما خص يوم الجمعة بكثرة التعريف
الجزء: 7 - الصفحة: 327
فيه على سائر الأيام لاجتماع الأباعد فيه وإشهار ما يكون فيه.
والثاني: أن رواية المزني محمولة على أن الواجد أصابها يوم الجمعة فيكون أكثر تعريفه لها يوم الجمعة لأنها ربما سقطت ممن كان خارج المصر الذي لا يأتيه إلا في كل جمعة ورواية الربيع محمولة على أنه وجدها في جماعة فيكون أكثر تعريفه لها في تلك الجماعة لأنها الأغلب من بقاع طالبها.
فصل: فأما صفة التعريف فهو مخير بين أحد أمرين: إما أن يقول من ضاع منه شيء ولا يذكر جنسه وهذا أولى الأمرين وإما أن يذكر الجنس فيقول من ضاعت منه دراهم أو من ضاعت منه دنانير ولا يصفها بجميع أوصافها فينازع فيها فإن وصفها بجميع أوصافها من العدد والوزن وذكر العفاص والوكاء ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه لأنها لا تدفع إلى الطالب بمجرد الصفة حتى يقيم البينة عليها.
والوجه الثاني: عليه الضمان لأنه ربما كان الحاكم ممن يرى دفعها بالصفة فإذا سمعها بالتعريف من تقل أمانته أسرع إلى ادعائها وينبغي أن يكون المعرف لها مأمونًا غير مشهور بالخلاعة والمزاح حتى لا ينسب عند التعريف إلى الكذب والمجون فإذا وجه متطوعًا بالتعريف فهو أولى وإن لم يجد إلا مستعجلًا فإن تطوع الواجد ببدل جعله من ماله كان محسنًا وإن دفعه دينًا على صاحبها استأذن فيه حاكمًا ليصح له الرجوع به فإن لم يستأذن وهو قادر على استئذانه وأشهد بالرجوع ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع.
والثاني: لا يرجع.
فصل: فلو ضاعت اللقطة من الواجد لها فالتقطها آخر ثم علم الواجد الأول بها فإن كان ذلك بعد أن تملكها الأول عند استكمال تعريفها حولًا فالملتقط الأول أحق بها من الثاني لاستقرار ملكه عليها وإن كان ذلك قبل استكمال الأول لتعريفها حولًا ففي أحقها بها وجهان حكاهما ابن كج:
أحدهما: الأول لتقدم يده.
والثاني: أن الثاني أحق بها لثبوت يده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فِهِيَ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ غِرِيمٌ إِنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا».
قال في الحاوي: إذا استكمل تعريفها حولًا كان بعده بالخيار بين أن يتملكها وبين
الجزء: 7 - الصفحة: 328
أن تكون في يده أمانة وبين أن يدفعها إلى الحاكم ليحفظها على مالكها بأن يضعها في بيت المال أو على يد أمين.
وقال عبد الله بن عمر: لا يجوز للواجد بعد تعريف الحول أن يتملكها بل عليه أن يضعها في بيت المالك وقال مالك إن كان غنيًا جاز له أن يتملكها وإن كان فقيرًا لم يجز لعجز الفقير عن الغرم وقدرة الغني عليه.
وقال أبو حنيفة: يجوز للفقير أن يتملكها دون الغني وقد مضى الكلام معه والدليل على جميعهم قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».وروي في بعض الأخبار أنه قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك» وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام أن يتملك الدينار وهو لا يجد غرمه حتى غرمه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل به قول مالك وأذن لأبيّ بن كعب أن يتملك الصرة وهو غني فبطل به قول أبي حنيفة، ولأن الواجد لو منع بعد الحول من تملكها أدى ذلك إلى أحد أمرين: إما أن لا يرغب الواجد في أخذها وإما أن تدخل المشقة عليه في استدامة إمساكها فكان إباحة التمليك لها بعد التعريف أحث على أخذها وأحفظ على مالكها لثبوت غرمها في ذمته فلا تكون معرضة للتلف وليكون ارتفاق الواجد بمنفعتها في مقابلة ما عاناه في حفظها وتعريفها وهذه كلها معان استوى فيها الغني والفقير.
ثم مذهب الشافعي لا فرق بين المسلم والذمي في أخذها للتعريف وتملكها بعد الحول لأنها كسب يستوي فيها المسلم والذمي.
وقال بعض أصحابنا لا حق للذمي فيها فهو ممنوع من أخذها وتملكها لأنه ليس من أهل التعريف لعدم ولايته على مسلم ولا ممن يملك مرافق دار الإسلام كإحياء الموات.
فصل: فإذا ثبت جواز تملكها بعد الحول لكل واحد من غني أو فرق فقد اختلف أصحابنا بماذا يصير مالكًا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يصير مالكًا لها بمضي الحول وحده إلا أن يختار أن تكون أمانة فلا تدخل في ملكه، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل؛ لأنه كسب على غير بدل فأشبه الركاز والاصطياد.
والثاني: أنه يملكها بعض مضي الحول باختيار التملك، فإن لم يختر للتملك لم يملك، وهذا قول أبي إسحاق المروزي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».فرد أمرها إلى اختياره، ولأنه أبيح له التملك بعد الحول بعد أن كان مؤتمنًا فاقتضى ألا ينتقل عن ما كان عليه إلا باختيار ما أبيح له.
والثالث: أنه لا يملكها بعد مضي الحول إلا باختيار والتصرف وهو ما لم يتصرف غير مالك لأن التصرف منه كالقبض فأشبه الهبة.
فصل: فإذا صار مالكها كما ذكرنا فقد ضمنها لصاحبها، فمن جاء طالبًا لها رجع بها إن كانت باقية وليس للمتملك أن يعدل به من بقائها إلى بدلها وإن كانت تالفة رجع ببدلها فإن كانت ذا مثل رجع بمثلها وإن كانت غير ذي مثل رجع بقيمتها حين يتملكها؛ لأنه إذ ذاك صار ضامنًا لها، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول ممتلكها؛ لأنه غارم، فلو
الجزء: 7 - الصفحة: 329
كانت عند مجيء صاحبها باقية بعينها لكن قد حدث فيها نماء منفصل رجع بالأصل دون النماء لحدوث النماء على ملك الواجد، فلو عرف الواجد صاحبها وجب عليه إعلامه بها، ثم ينظر فإن كان ذلك قبل تملكها فمؤنة ردها على صاحبها دون الواجد كالوديعة، فإن كان قصد أن يتملكها الواجد فمؤنة ردها عليه دون صاحبها لبقائها على ملكه ما لم تصل إلى يد صاحبها، وقال الكرابيسي إذا تملك الواجد اللقطة فلا غرم عليه لصاحبها ولكن له الرجوع بها بعد التملك وإن كانت باقية بعينها.
استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».وروى: «وإلا فهي لك» فلم يجعل عليه بدلًا، ولأنه تملك كالركاز، فلما ملك الركاز بغير بدل ملك اللقطة أيضًا بغير دبل.
وهذا قول خالف فيه نص الشافعي وجمهور الفقهاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا عليه السلام بالغرم، فلما أعسر غرمه عنه؛ ولأن مقصود اللقطة حفظها على مالكها، وفي إسقاط الغرم استهلاك لها.
ولأن ملك المسلم لا يستباح من غير اختياره إلا ببدل كأكل مال الغير، فأما الركاز فليس المقصود به حفظه على مالكه ولذلك سقط تعريفه وصار كسبًا محضًا لذلك وجب خمسة فافترقا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَسَواءٌ قَلِيلُ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرُهَا فَيَقُولُ مَنْ ذَهَبَتَ لَهُ دَنَانِيرُ إِنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ وَمَنْ ذَهَبَتْ لَهُ دَرَاهِمُ إِنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَمَنْ ذَهَبَ لَهُ كَذَا وَلَا يَصِفُهَا فَيُنَازِعُ فِي صَفَتِهَا أَوْ يَقُولُ جُمُلَةً إِنَّ فِي يَدَيَّ لُقَطَةً».
قال في الحاوي: وجملة ذلك أن اللقطة على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان له قيمة وإذا ضاع من مالكه طلبه كالدينار والدرهم فهذا يجب تعريفه على واجده.
والثاني: ما كان تافهًا حقيرًا لا قيمة له كالتمرة والجوزة فهذا لا يجب تعريفه، فقد روى أن عمر رضي الله عنه سمع رجلًا يعرف في الطواف زبيبة فقال: إن من الورع ما يمقته الله.
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الحسن تمرة وجدها وقال: «لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لتركتها».
والثالث: ما كان له قيمة إلا أنه لا تتبعه نفس صاحبه ولا يطلبه إن ضاع منه كالرغيف والدانق من الفضة فقد اختلف أصحابنا في وجوب تعريفه على وجهين:
أحدهما: يجب لكونه ذا قيمة.
والثاني: لا يجب لكونه غير مطلوب ثم ما وجب تعريف من قليل ذلك أو كثيره عرفه حولًا كاملًا لا يجزيه أقل من ذلك في القليل ولا يلزمه أكثر منه في الكثير.
وقال الحسن بن صالح: تعريف الحول يلزم في عشرة دراهم فصاعدًا وما دون العشرة يعرفه
الجزء: 7 - الصفحة: 330
ثلاثة أيام.
قال إسحاق بن راهويه: ما دون الدينار يعرفه جمعة.
وقال سفيان الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام، وهذا غير صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: «عرفها حولًا» ولم يفرق بين القليل والكثير.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا وجد سوطًا أن يعرفه حولًا، فأما صفة التعريف فقد مضى الكلام فيها والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعَيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَإِنْ كَانَ مَوْليًا عَلَيْهِ أَوْ لِسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ ضَمَّهَا القَاضِي إِلَى وَليِّهِ وَفَعَلَ فِيهَا مَا يَفْعَلُ المُلْتَقِطُ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وجد اللقطة محجور عليه بسفه أو صغر أو جنون لم يجز إقرارها في يده؛ لأنه منعه الحجر من التصرف في مال نفسه، فأولى أن يمنعه من التصرف في مال غيره.
وعلى الولي أن يأخذها من يده ليقوم بتعريفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعها الولي إليه وإن لم يجئ صاحبها، فللولي أن يفعل بها أحظ الأمرين للمولى عليه من تملكها له أو تركها أمانة لصاحبها، فإن رأى أن يتملكها له جاز؛ لأنها كسب له بوجوده لها، وليست كسبًا لوليه، فإن كان المولى عليه صغيرًا أو مجنونًا كان الولي هو الذي يتملكها له؛ لأن الصبي والمجنون لا يصح منهما قبول تملك، ولذلك لم يصح منهما قبول وصية ولا هبة، وإن كان سفيهًا كان هو المتملك لها عن إذن الولي بعد اجتهاده في أحظ الأمرين هو التملك؛ لأن السفيه لا يمنع من قبول الوصية والهبة بخلاف الصبي والمجنون.
ثم إذا جاء صاحبها فعرفها في مال المولى عليه لدخولها في ملك المولى عليه دون الولي، وإن رأى الولي أن أحظ الأمرين للمولى عليه أن تكون أمانة لصاحبها لا يكون غرمها مستحقًا في مال المولى عليه وكانت على حالها أمانة مقره في يد الولي، فلو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو فك الحجر عن السفيه فأراد أن يتملكها وينزعها من وليه بعد أن نوى الأمانة فيها كان ذلك للمولى عليه؛ لأنها من اكتسابه، وهو الآن أقوم بمصالحه فهذا حكمها إن أخذها الولي من المولى عليه.
فصل: فأما أن يأخذ الولي من يده فلا يخلو من أن يكون قد علم بها أو لم يعلم بها فقد ضمنها لمالكها، وإن لم يعلم بها لا يلزمه ضمانها، فإن تلفت في يد المولى عليه لم يخل تلفها من أن يكون بجانابة منه وجب غرمها في ماله كما يؤخذ من ماله غرم سائر جناياته، وإن كان تلفها بغير جناية منه ففي وجوب غرمها في ماله وجهان:
أحدهما: يجب ويكون أخذه لها عدوانًا منه.
والثاني: لا يجب الغرم؛ لأن الولي لو أخذها منه لما وجب في ماله غرمها فلو لم تتلف وكانت باقية في يده حتى انفك الحجر عنه وصار رشيدًا فله تعريفها وهل يكون
الجزء: 7 - الصفحة: 331
ضامنًا لها في مدة التعريف أم لا على ما ذكرنا من الوجهين في غرمها قبل فك الحجر لو تلفت ثم له بعد الحول أن يتملكها إن شاء.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فّإِنْ كَانَ عَبْدًا أُمِرَ بِضَمِّهَا إِلىَ سَيِّدِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهَا السَّيِّدُ فَأَقَرَّهَا فِي يَدَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، قَالَ فِيمَا وَضَعَ بِخَطِّهِ: لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ لَا غُرْمَ عَلَى العَبْدِ حَتَّى يُعْتَقَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: الأَوَّل أَقْيَسُ إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ وَالعَبْدُ عِنْدِي لَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بهَا السَّيِّدُ فَهيَ فِي رَقَبَتِهِ إِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ وَبَعْدَهَا دُونَ مَالِ السَّيِّدِ لأَنَّ أَخْذَهُ اللَّقَطَةَ عُدْوَانٌ إِنَّمَا يَاخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذاَ أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ وَلَا يَخْلُو سَيِّدُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلِمَهُ فَإِقْرَارُهُ إِيَّاهَا فِي يَدِهِ يَكُونُ تَعَدِّيًا فَكَيْفَ لَا يَضْمَنُهَا فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا فَلَا تَعْدُو رَقَبَةَ عَبْدِهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في عبد أخذ لقطة، فلا يخلو حاله في أخذها من أحد أمرين: إما أن يأخذها لسيده، أو لنفسه، فإن أخذها لسيده جاز ولم يتعلق بأخذه لها ضمان لأنه مكتسب لسيده ويده يد سيده، وعليه أن يُعلِم بها سيده ليضمنها إليه، فإذا علم بها أخذها السيد من يده وعرفها حولًا، فإن جاء صاحبها وإلا فللسيد أن يتملكها.
وإن أقرها السيد بعد علمه في يد عبده ليقوم بها وبتعريفها نظر حال العبد، فإن كان ثقة عليها بحيث يجوز أن يكون مؤتمنًا عليها جاز ولا ضمان، وإن غير ثقة فالسيد متعد بتركها في يده وعليه ضمانها في ماله، وإن كان العبد حين أخذها لنفسه لم يعلمه بها حتى تلفت، فإن كان تلفها بجناية منه ضمنها العبد في رقبته كسائر جناياته، وإن كان تلفها بغير جناية نظر، فإن لم يقدر على إعلام سيده حتى تلفت فلا ضمان عليه وغرمها هدر، وإن قدر على إعلامه ضمنها العبد في رقبته؛ لأنه صار بترك إعلام سيده بها متعديًا.
فصل: فأما أخذها العبد لنفسه لا لسيده ففيه قولان:
أحدهما: أن ذلك جائز له ولا يصير به متعديًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذلك مال الله يؤتيه من يشاء».فجعلها كسبًا فلم يمنع العبد منه كما لا يمنع من الاصطياد والإحشاش وعلى هذا يعرفها العبد حولًا فإن جاء صاحبها وإلا فلكل واحد من العبد والسيد أن يتملكها، فإن تملكها العبد وجب غرمها في ذمته كالقرض وللسيد أخذها منه؛ لأنها من اكتسابه، فلو كان على كسبه بعد عتقه، وإن تملكها السيد كان ضامنًا لغرمها في ذمته دون العبد، وإن اتفقا أن تكون أمانة لصاحبها فللسيد الخيار في أن ينتزعها من يد عبده ليحفظها، فلو تلفت في يد العبد قبل أن يتملكها واحد منهما لم يضمن أمانة، وإن
الجزء: 7 - الصفحة: 332
استهلكها العبد لنفسه نظر في استهلاكه لها، فإن كان قبل الحول ضمنها في رقبته؛ لأن ذلك عدوان منه، وإن كان بعد الحول ضمنها في ذمته؛ لأن ذلك مباح له فهذا حكم أحد القولين.
فصل: والثاني: أنه لا يجوز للعبد أن يأخذ اللقطة لنفسه ويكون بأخذها متعديًا لأمرين:
أحدهما: أن في أخذ اللقطة ولاية على صاحبها وليس العبد من أهل الولاية.
والثاني: أن المقصود اللقطة حفظها على مالكها بالتعريف في الحول وبالذمة المرضية أن تملكت بعد الحول وليس العبد من هذين؛ لأنه مقصوع لخدمة السيد عن ملازمته التعريف وليس بذي ذمة في استحقاق الغرم لتأخيره إلى ما بعد العتق فلأجل ذلك صار من غير أهلها؛ فعلى هذا للسيد حالتان؛ حالة يعلم بها وحالة لا يعلم بها، فإن لم يعلم السيد بها فالعبد ضامن للقطة في رقبته دون ذمته؛ لأن أخذه لها جناية منه، وسواء كان تلفها قبل الحول أو بعده بفعله أو بغير فعله، وإن علم بها السيد فله حالتان:
إحداهما: أن ينتزعها من يده، فإذا فعل ذلك سقط ضمانها عن العبد وكانت أمانة في يد السيد فإن قيل قلم سقط ضمانها عن العبد يدفعها إلى السيد وليس السيد مالكًا لها وضمان الأموال بالعدوان لا يسقط إلا بردها على المالك قيل لأن السيد مستحق لأخذها ألا ترى أن العبد لو أخذها لسيده لم يلزمه الضمان فإذا دفعها إلى السيد سقط عنه الضمان فإذا صح أن ضمانها قد سقط عن العبد بأخذ السيد لها ففي يد السيد حينئذٍ وجهان:
أحدهما: أنه يد مؤتمن لا يد ملتقط وليس له أن يتملكها بعد التعريف لنه غير الواجد لها فأشبه الحاكم الذي لا يجوز له بعد التعريف أن يتملكها.
والثاني: أن يده ملتقط فيجوز له بعد التعريف أن يتملكها لأن يد عبده كيده والحال الثانية أن لا يأخذها السيد من يد عبده بعد علمه بها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يأمره السيد بإقرارها في يده فيستبقيها عن إذن سيده فإن كان كذا نظر في العبد فإن كان ثقة أمينًا سقط ضمانها عن العبد بإذن السيد له في الترك؛ لأن يد العبد كيد سيده وصار كأخذ السيد فيكون على ما مضى من الوجهين، وإن كان العبد غير مأمون ضمنها السيد وهل يسقط ضمانها عن رقبة العبد أم لا على وجهين:
أحدهما: سقط لتصرفه عن إذن السيد وصار ذلك تفريطًا من السيد.
والثاني: أن ضمانها باقٍ في رقبة العبد لأنها لم تخرج عن اليد المتقدمة.
والضرب الثاني: أن يقرها السيد في يده من غير أن يأمره فيها بل يمسك عنها عند علمه، فالذي نقله المزني عن الشافعي ها هنا أن السيد يكون ضامنًا لها في رقبة عبده، ونقل الربيع في «الأم» أن السيد يكون ضامنًا لها في رقبته عبده وسائر ماله، فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين النقلين، فكان أبو إسحاق المروزي حمل ذلك على سهو المزني وغلطه وجعلها مضمونة على السيد في رقبة عبده وسائر ماله على ما رواه الربيع، وزعم
الجزء: 7 - الصفحة: 333
أن المزني قد ذكر ذلك في «جامعه الكبير» وإن كنت قد قرأته فلم أجد ذلك فيه.
وقال آخرون من أصحابنا: إن اختلاف هذا النقل بعض اختلاف قول الشافعي فيكون على قولين:
أحدهما: إن ذلك مضمون في رقبة العبد وحده؛ لأن رؤية السيد لجناية عبده وتركه لمنعه لا يوجب عليه ضمان جنايته، ألا ترى أن السيد لو شاهد عبده يقتل رجلًا أو يستهلك مالًا وقدر على منعه فلم يمنعه لم يضمن السيد قاتلًا، ولا مستهلكًا، ولا يجب عليه إن لم يمنعه غرم، ولا ضمان كذلك في اللقطة.
والثاني: أن ذلك مضمون على السيد في رقبة عبده وسائر أمواله لأن يد السيد لو عادت اللقطة إليها مستحقة لها فصار تركه في يده عدوانًا منه وليس كالذي يجني عليه عبده أو يستهلك فلذلك ضمن اللقطة في رقبة عبده وسائر ماله ولم يضمن جناية العبد وإن علم بها وإلا فمضمونة في رقبته دون سيده.
فإن قيل: فإن كانت مضمونة على السيد في سائر ماله فلم خصصتم رقبة العبد بها وهي من جملة ماله قلنا لأن تعلقها برقبة العبد معين كالجناية حتى لو كان السيد دين كان مالك اللقطة أحق برقبة العبد من سائر غرمائه كما لو جني وليس كذلك سائر أمواله.
لأن ملك اللقطة وغيرها في الغرم فيها سواء وقال آخرون من أصحابنا: ليس اختلاف هذا النقل على اختلاف قولين وإنما هو اختلاف حاليه فرواية المزني: أنها مضمونة في رقبة عبده محمولة على أن العبد كان بالغًا عاقلًا فلم يتعلق ضمانها إلا برقبته ورواية الربيع أنها مضمونة في رقبة عبده وسائر ماله محمولة على أن العبد كان صبيًا أو عجميًا فصار فعله منسوبًا إلى سيده بعد العلم به وهذا حكاه أبو علي بن أبي هريرة فأما المزني فغنه تكلم على ذلك واختار منه ما أخذه.
فصل: فأما إذا أمر السيد عبده بأخذ اللقطة فأخذها عن أمر سيده فذلك جائز لا يتعلق برقبة العبد ضمانها قولًا واحدًا ثم إن كان العبد من أهل الأمانات لم يضمنها السيد بإقرارها في يد العبد، وإن كان من غير أهلها ضمنها فأما إذا نهاه عن أخذها فأخذها بعد نهي السيد له فقد كان أبو سعيد الاصطخري يقول يضمنها العبد في رقبته قولًا واحدًا لأن نهي السيد قد قطع اجتهاده في أخذها وقال سائر أصحابنا بل يكون على ما مضى من القولين كما لم ينهه كالقرض الذي لو منع السيد عبده منه لما كان مضمونًا عليه لو فعله إلا في ذمته فلو كان العبد مأذونًا له في الجنازة والكسب فقد اختلف أصحابنا عل يكون أخذ اللقطة داخلًا في عموم إذنه أم لا على وجهين:
أحدهما: أنه يكون داخلًا فيه فعلى هذا يضمنها العبد إن أخذها قولًا واحدًا.
والثاني: لا يكون داخلًا في فعلى هذا في ضمانه لها إن أخذها قولان.
فصل: فلو التقط العبد لقطة ثم عتق قبل الحول أنها تكون كسبًا لسيده وله أن يتملكها دونه لأن أخذه لها كان وهو عبد وهي تملك بالأخذ وإنما تعريف الحول شرط
الجزء: 7 - الصفحة: 334
وقال بعض أصحابنا تكون كسبًا للعبد لأنها قبل التعريف أمانة وبعد التعريف كسب والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَإِنْ كَانَ حُرًّا غَيْرَ مَامُونٍ في دِينِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أحدهما أَنْ يَامُرَ بِضَمِّهَا إِلَى مَامُونٍ وَيَامُرَ المَامُونَ وَالْمُلْتَقِطَ بِالإِنْشَادِ بِهَا.
وَالقَوْلُ الآخَرُ لَا يَنْزَعُها مِنْ يَدَيْهِ وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ هّذَا القَوْلِ لأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: فَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا القَوْلِ لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلَا حَوْلَ لَهُ إِلَّا الأَوَّلُ وَهُوَ أَوْلَى بِالحَقِّ عِنْدِي وَباللهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ عَلَى الإِمَامِ إِخْرَاجَهَا مِنْ يَدِهِ لَا يَجُوز فِيهَا غَيْرُه وَهَذَا أَوْلَى بِهِ عِنْدِي».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان واجد اللقطة غير مأمون عليها ففيه قولان منصوصان:
أحدهما: أنها كسب لواجدها وإن كان غير مأمون كالركاز فتقر في يده ولا تنتزع منه فعلى هذا اختلف أصحابنا هل يضم إليه أمين يراعيها معه حفظًا لها أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي على بن هريرة أنه لا اعتراض عليه فيها بحال ويكون هو المقيم بحفظها وتعريفها من غير أن يكون لغيره نظر فيها، والوجه الثاني وهو قول أبي علي الطبري في «الإفصاح» أن الحاكم يضم إليه أمينًا يراعي حفظها في يد الواجد استظهارًا للمالك وإن لم تنتزع لما تعلق بها من حق الواجد.
والثاني: وهو الأصح واختاره المزني: أن الحاكم ينتزعها من يد الواجد إذا كان غير مأمون عليها، ويدفعها إلى من يوثق به من أمنائه؛ لأن الحاكم مندوب إلى حفظ أموال من غاب، ولأن مالكها لم يرض بذمة من هذه حالة، ولأن الوصي لما وجب انتزاع الوصية من يده لفسقه مع اختيار المالك له فلأن يخرج يد الواجد الذي لم يختره أولى.
فعلى هذا القول إذا أخرجها الحاكم من يده إلى أمين يقوم بحفضها ففي الذي يقوم بتعريفها قولان:
أحدهما: رواه المزني أن الأمين هو الذي يقوم بتعريفها خوفًا من جناية الواجد في تعريفها.
والثاني: في «الأم»: أن الواجد هو المعرف دون الأمين؛ لأن التعريف من حقوق التمليك وليس فيه تقرير، لأنها لا تدفع بالصفة فإذا عرفها حولًا ولم يأت صاحبها، فإن أراد الواجد أن يتملكها سلمت إليه وأشهد الحاكم عليه بغرمها إذا جاء صاحبها وإن لم يختر أن يتملكها كانت في يد الأمين.
الجزء: 7 - الصفحة: 335
فصل: فأما إذا كان الواجد لها مأمونًا لكنه ضعيف لا يقدر على القيام بها فإنها لا تنتزع من يده، ولكن يضم الحاكم إليه أمينًا يجتمع معه على القيام بها ليقوى به على الحفظ والتعريف.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَالمُكَاتِبُ فِي اللُّقَطَةِ كَالحُرِّ لأَنَّ مَالَهُ يُسَلمُ لَهُ».
قال في الحاوي: وهذا هو الذي نص عليه الشافعي في هذا الموضوع، أن المكاتب في اللقطة كالحر في جواز أخذها وتملكها، وقال في «الإملاء»: إنه كالعبد في أنه إن أخذها لسيده جاز، وإن أخذها لنفسه فعلى قولين.
فاختلف أصحابنا لاختلاف هذين النصين، فبعضهم يخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه كالحر في جواز أخذها وصحة تملكها لنفوذ عقوده وتملك هباته.
والثاني: أنه كالعبد؛ لأن مالك اللقطة لم يرض بذمة من له استرقاق في نفسه بالتعجيز وإبطال ذمته بالفسخ.
وهذه الطريقة هي اختيار أبي إسحاق المروزي.
وقال آخرون من أصحابنا: إن ذلك على اختلاف حالين، فالموضوع الذي قال فيه كالحر إذا كانت كتابته صحيحة.
والموضوع الذي قال هو كالعبد إذا كانت كتابته فاسدة، وهذا اختيار أبي علي الطبري؛ لأن في الكتابة الصحيحة كالحر في رفع يد سيده عنه، وفي الكتابة الفاسدة كالعبد القن في تصرف سيده.
فصل: فأما المدبر فهو كالعبد القن في اللقطة، وأما أم الوالد فكالعبد في اللقطة إن أخذتها للسيد جاز وإن أخذتها لنفسها فعلى قولين:
أحدهما: يجوز فعلى هذا يتعلق غرم اللقطة بذمتها إذا أعتقت.
والقول الثاني: لا يجوز فعلى هذا إن لم يعلم السيد بها فهل يتعلق غرمها بذمة أم الوالد أم برقبتها على وجهين:
أحدهما: بذمتها ولا يلزم السيد غرمها.
والثاني: برقبتها وعلى السيد غرمها وافتكاك رقبتها كما يفعل في جنايتها وإن علم السيد بها فعلى ثلاثة أوجه:
أحدها: في ذمتها بعد العتق.
والثاني: في رقبتها وعلى السيد فكاكها بأقل الأمرين من قيمة اللقطة أو قيمتها.
والثالث: أنها في ذمة السيد يغرمها بجميع قيمتها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَالعَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ، فَإِنْ التَقَطَ فِي اليَوْمِ
الجزء: 7 - الصفحة: 336
الَّذِي يَكُونِ فِيهِ مُخَلَّى لِنَفْسِهِ أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ وَكَانَتْ بَعْدَ السَّنَةِ لَهُ كَمَا لَوْ كَسَبَ فِيهِ مَالًا كَانَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي اليَوْمِ الَّذِي لسَيَّدِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ لأَنَّ كَسْبَهُ فِهِ لِسَيِّدِهِ».
قال في الحاوي: وصورتها في عبد نصفه حر ونصفه مملوك وجد لقطة فلا يخلو حاله من أن يكون مهايأة أو غير مهايأة فإن كان غير مهايأة فنصف أكسابه له بحق حريته وعليه نصف نفقته ونصف أكسابه لسيده وعليه نصف نفقته وإذا كان هكذا فنصف اللقطة له بما فيه من الحرية يقيم على تعريفه ويتملكه بعد حوله وأما النصف الآخر فهو فيه كالعبد فإن اخذه لسيده جاز ولم يضمنه ويتملكه بعد حوله وأما النصف الآخر فهو فيه كالعبد فإن أخذه لسيده جاز ولم يضمنه، وإن أخذه لنفسه فعلى ما مضى من القولين.
وللسيد أخذ ذلك النصف منه دون النصف الذي أخذه بحريته ثم يصيران شريكين فيها يقيمان على تعريفها ويتملكانها بعد حولها، وإن كان مهايأة والمهايأة أن يكتسب لنفسه يومًا وعليه نفقته ولسيده يومًا مثله وعليه نفقته فيدخل في المهايأة الأكساب المألوف وهل يدخل فيها ما ليس بمألوف من الكساب كاللقطة والركاز على قولين.
أحدهما: يدخل فيها وهو أظهرهما لأنه نوع من الكسب فعلى هذا إن وجدها في يوم نفسه فهو فيه كالحر يجب عليه تعريفها ويجوز له تملكها وإن وجدها في يوم سيده فهو فيها كالعبد المملوك جميعه فإن أخذها لسيده جاز وإن أخذها لنفسه فعلى ما مضى من القولين فهذا حكم دخولها في المهايأة.
والثاني: أنها لا تدخل في المهايأة ولا المكاسب النادرة لنها قد توجد في أحد الزمانين دون الأخر فيصير أحدهما مختصًا في زمانه بما لا يساويه الآخر في زمانه فعلى هذا يكون في اللقطة كغير المهايأة على ما مضى وهكذا حكمه لو كان أقله الحر أو أكثر مملوكًا فأما المملوك بين شريكين فإن لم يكن بينهما فيه مهايأة اشتركا في قيمة اللقطة وإن كان بينهما فيه مهايأة ففي دخول اللقطة في مهايأتهما قولان على ما مضى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَيُفْتِي المُلْتَقِطْ إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ العِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالعَدَدَ وَالوَزْنَ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيَّنَة لأَنَّهُ قّدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ بِأَنْ يَسْمَعَ المُلْتَقِطَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «اعِرفَ عِفَاصَهَا وَوَكَاءَهَا» وَاللهُ أَعْلَم لأَنَّ يُؤَدِّي عِفَاصَهَا وَوَكَاءَهَا مَعَهَا وَلْيَعْلَمَ إِذَا وَضَعَهَا فِي مَالِهِ أَنَّهَا لُقَطَةٌ وَقَدْ يَكُونُ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صِدْقِ المُعَرَّفِ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَفَهَا عشرة أَيُعْطُونَهَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّهُمْ كَاذِبٌ إِلاَّ وَاحِدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَيٌمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا».
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى لقطة في يد واجدها فإن أقام البينة العادلة على ملكها وجب تسليمها له وإن لم يقم بينة لكن وصفها فإن أخطأ في وصفها لم يجز دفعها إليه وإن أصاب في جميع صفاتها من العفاص والوكاء والجنس والنعت والعدد
الجزء: 7 - الصفحة: 337
والوزن فإن لم يقع في نفسه صدقه لم يدفعها إليه وإن وقع في نفسه أنه صادق أفتيناه بدفعها إليه جوازًا لا واجبًا فإن امتنع عن الدفع لم يجبر عليه وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك وأحمد: يجبر على دفعها إليه بالصفة استدلالًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء طالبها، أو قال باغيها، فادفعها إليه».فلما أخبر بمعرفة العفاص والوكاء دل على انه كالبينة في الاستحقاق.
وروى سويد بن غفلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاء باغيها فعرفك عفاصها ووكاءها فادفعها إليه».وهذا نص قالوا: ولأن كل أمارة غلب بها في الشرع صدق المدعي جاز أن يوجب قبول قوله كالقسامة قالوا: ولأن البينات في الأصول مختلفة وما تعذر منها في الغائب مخفف كالنساء المنفردات في الولادة وإقامة البينة على اللقطة متعذرة لاسيما على الدنانير والدراهم التي لا تضبط أعيانها فجاز أن تكون الصفة التي هي غاية الأحوال الممكنة أن تكون بينة فيها ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لو أعطى الناس بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فلم يجعل الدعوى حجة ولا جعل مجرد القول حجة بينة ولأن صفة المطلوب لا تكون بينة للطالب كالمسروق والمغصوب ولأن صفة المطلوب من تمام الدعوى فلم يجز أن تكون بينة للطالب قياسًا على الطلب.
قال الشافعي رحمه الله محتجًا عليهم: أرأيت لو وصفها عشرة أيعطونها ونحن نعلم أن كلهم كذبة إلا واحدًا بعينه فرد عليه ابن داود فقال كما لو ادعاها عشرة وأقام كل واحد عليها بينة نقسمها بينهم وإن كان صدق جميعهم مستحيلًا، كذلك إذا وصفوها كلهم.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن كذب المدعي أسقط للدعوى من كذب الشهود، ألا ترى أن إكذاب المدعي لنفسه مبطلًا للدعوى وإكذاب الشهود ولأنفسهم غير مبطل للدعوى.
والثاني: أن البينة هي أقصى ما يقدر عليه المدعي وأقوى ما يحكم به الحاكم فدعت ضرورة الحاكم في البينة إلى ما لم تدعه من الصفة.
وأما الجواب عن قولهم عفاصها ووكاءها فهو أن ذلك لدفعها بصفة العفاص والوكاء ووجوب رده معه ولكن لمعانٍ هي أخص بمقصود اللفظ منها أنه نبه بحفظ العفاص والوكاء ووجوب رده مع قلته وندارته على حفظ ما فيه ووجوب رده مع كثرته ومنها أن يتميز بذلك عن ماله ومنها جواز دفعها بالصفة وإن لم يجب وعلى هذا حمل حديث سويد بن غفلة الذي جعلوه نصًا وأما استدلالهم به فنحن ما جعلنا المارة على الصدق حجة في قبول الدعوى وإنما الأيمان بعدها حجة وهم لا يقولون بذلك في اللقطة بعد الصفة فدل على اختلافهما.
الجزء: 7 - الصفحة: 338
وأما استدلالهم بأن البينات في الأصول مختلفة فصحيح وليس من جميعها بينة تكون بمجرد الصفة ولا يكون تعذر البينة موجبًا أن تكون الصفة بينة ألا ترى أن السارق تتعذر إقامة البينة عليه ولا يكون صفة ما بيده لمدعي سرقته حجة.
فصل: فإذا ثبت أن دفعها بالصفة لا يجب فدفعها بالصفة وسعة ذلك إذا لم يقع في نفسه كذبه فإن أقام غيره البينة عليها بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كان مقيم البينة أحق بها من الآخذ لها بالصفة فإن كانت باقية في يد الواصف لها انتزعت منه لمقيم البينة وإن كان قد استهلكها نظر في الدافع لها فإن كان قد دفعها بحكم حاكم رأى ذلك مذهبًا فلا ضمان على الدافع ورجع مقيم البينة بغرمها على الآخذ لها بالصفة وإن كان قد دفعها بغير حكم حاكم فلصاحب البينة الخيار في الرجوع بغرمها على من شاء من الدافع الملتقط أو الآخذ الواصف فإن رجع بها على الآخذ لها بالصفة فله ذلك لضمانه لها باليد واستحقاق غرمها بالإتلاف وقد برئ الدافع لها من الضمان لوصول الغرم إلى مستحقه وليس للغارم أن يرجع بما غرمه على الدافع لأنه إن كان مستحقًا عليه فمن وجب عليه حتى لم يرجع به على أحد وإن كان مظلومًا به فالمظلوم بالشيء لا يجوز أن يرجع به على غير ظالمه وإن رجع مقيم البينة بغرمها على الدافع الملتقط نظر في الدافع فإن كان قد صدق الواصف لها على ملكها وأكذب الشهود لصاحب البينة عليها فليس له الرجوع بغرمها على الآخذ لها بالصفة لأنه مقر أنه مظلوم بالمأخوذ منه فلا يرجع به على غير من ظلمه وإن لم يكن قد صدق الواصف ولا أكذب الشهود فله الرجوع بالغرم على الأخذ لها بالصفة لضمانه لها بالاستهلاك فتكون البينة موجبة عليه وله.
المسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَإِنْ كَانَتْ اللَّقَطَةُ طَعَامًا رَطِبًا لَا يَبْقَى فَلَهُ أَنْ يَاكُلَهُ إِذَا خَافَ فَسَادَهُ وَيُغْرِمَهُ لِرَبِّهِ.
وَقَالَ فِيمَا وَصَفَهُ بِخَطِّهِ: لَا أَعْلَمُهُ سُمِعَ مِنْهُ إِذَا خَافَ فَسَادَهُ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذاَ أَوْلَى القَوْلَيْنِ بِهِ لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقُلْ لِلْمُلْتَقِطِ شَانُكَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ مَهْلَكَةً كَالشَّاةِ فَيَكُونُ لَهُ أَكْلُهُ وَيَغْرِمُهُ إِذا جَاءَ صَاحِبُهُ».
قال في الحاوية: أما الطعام الرطب فضربان:
أحدهما: أن يكون مما ييبس فيبقى كالرطب الذي يصير خمرًا والعنب الذي يصير زبيبًا فهذا حكمه حكم غير الطعام في وجوب تعريفه واستبقائه فإن احتاج تجفيفه إلى مؤنة كانت على مالكه ويفعل الحاكم احظ المرين للمالك من بيعه أو الإنفاق عليه.
والثاني: أن يكون مما لا يبقى كالطعام الذي يفسد بالإمساك كالهريسة والفواكه والبقول التي لا تبقى على الأيام فقد حكي المزني عن الشافعي ها هنا انه قال في موضع
الجزء: 7 - الصفحة: 339
يأكله الواجد وقال في موضع آخر أحببت أن يبيعه فاختلف أصحابنا فكان أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وطائفة من أصحابنا يخرجونه على قولين:
أحدهما: لواجده أكله كالشاة التي لم تعذر استبقاؤها أبيح لواجدها أكلها.
والثاني: ليس لواجده أكله بخلاف الشاه لا يجب تعريفها فأبيح له أكلها والطعام وإن كان رطبًا يجب تعريفه فلم يستبح واجده أكله وحكي أبو علي بن أبي هريرة أن ذلك على اختلاف حالين إن كان الحاكم موجودًا يقدر على بيعه لم يكن لواجده أكله وإن كان معدومًا جاز أكله وكان أبو القاسم الصيمري رحمه الله يقول اختلاف حاليه في إباحة أكله معتبر بحال واجده فإن كان فقيرًا محتاجًا استباح أكله وإن كان غنيًا لم يستبحه.
فصل: فإذا قلنا بجواز أكله فأكله صار ضامنًا لقيمته وعليه تعريف الطعام حولًا وهل يلزمه عزل قيمته من ماله عند أكله أم لا على قولين:
أحدهما: يلزمه عزل القيمة لئلا يصير متملكًا للقطة يجب تعريفها قبل حولها.
والثاني: لا يجب عليه عزلها لأنه لو عزلها فهلكت كانت من ماله فكانت ذمته أخط لها ولم يكن عزلها مقيدًا ومن قال بالأول جعل فائدة عزلها لو أفلس بعد عزل قيمتها ثم حضر المالك كان أولى بالمعزل من قيمتها من جميع الغرماء وزعم أن تلفها من يده بعد وجوب عزلها لا يوجب عليه غرمها فصار في ضمانه للثمن إن تلف بعد وجوب عزله وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة أنه يكون مضمونًا عليه والثاني وهو أشبه أنه لا ضمان عليه لأن الثمن مع وجوب عزله يقوم مقام الأصل مع بقائه.
فصل: وإذا قلنا لا يجوز له أكله فعليه أن يأتي الحاكم حتى يأذن له في بيعة ولا يجوز أن يتولى بيعه بنفسه مع القدرة على استئذان الحاكم بخلاف الشاة إذا وجدها وأراد بيعها لأن يده على الشاة أقوى لما استحقه عاجلًا من أكلها ويده على الطعام أضعف لما وجب عليه من تعريفه فإن أعوزه إذن الحاكم جاز بيعه له فلو باعة بإذن الحاكم كان الثمن في يده أمانة وعليه تعريف الطعام وحولًا فإن جاء صاحبه فليس له إلا الثمن دون القيمة ولو لم يأت صاحبه فللواجد أن يتملك الثمن ولو هلك الثمن في يده قبل الحول أو بعده، وقبل التملك لو كان تالفًا من مال ربه ولا ضمان على الملتقط وهكذا حكم الثمن لو كان الواجد هو البائع عند إعواز الحاكم فأما إن باعه مع وجود الحاكم فبيعه باطل وللمالك القيمة دون الثمن لفساد العقد فإن تلف الثمن من يد الواجد قبل الحول كان عليه غرمه لتعديه بقبضه مع فساد بيعه فإن حضر المالك والثمن بقدر القيمة من غير زيادة ولا نقص أخذه وهو مبلغ حقه وإن كان أقل فله المطالبة بإتمام القيمة ويرجع على المشتري لأن لما اشترى شراءً فاسدًا فكان ضامنًا للقيمة
الجزء: 7 - الصفحة: 340
دون المسمى إلا أن يشاء المالك أن يسامح بفاضل القيمة فيكون الباقي منه مردودًا على المشتري إذ ليس يلزمه إلا القيمة.
مسألة:
وقال فيما وضع بخطه لا أعلمه سمع إذا وجد الشاة أو البعير أو الدابة أو كانت بالمصر أو قرية فهي لقطة يعرفها سنة".
قال في الحاوي: قد مضى حكم ضوال الإبل والغنم إذا وجدها في الصحراء فأما إذا وجدها في المصر أو في قرية فالذي حكاه المزني فيما وجد بخطه أنها لقطة له أخذها وعليه تعريفها حولًا وحكي عن الشافعي في "الأم" أنها في المصر والصحراء سواء يأكل الغنم ولا يعرض للإبل فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن المصر كالبادية يأكل الغنم ولا يعرض للإبل، وهو المحكي عنه في "الأم" لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المؤمن حرق النار".
الثاني: أنها لقطة يأخذ الغنم والإبل جميعها ويعرفها كسائر اللقط حولًا كاملًا وهو للذي حكاه المزني عنه وفيما لم يسمع منه لأن قوله صلى الله عليه وسلم في ضوال الإبل: "معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر" يختص بالبادية التي يكون فيها الماء والشجر دون المصر وهي تمنع، صغار السباع عن أنفسها في البادية ولا تقدر على مع الناس في المصر.
والشاة تؤكل في البادية؛ لأن الذئب يأكلها وهو لا يأكلها في المصر، فاختلف معناهما في البادية والمصر، فاختلف حكمهما، ومن أصحابنا من حمل جواز أخذها على تسليمها إلى الإمام وحمل المنع من أخذها على سبيل التملك.
فصل: فإذا قلنا إن حكم البادية والمصر سواء فله أخذ الغنم وأكلها وليس يتعرض للإبل إلا أن يعرف مالكها، وإذا قلنا إن حكم المصر يخالف البادية للمعنى الذي ذكرنا، فله أخذ الإبل والغنم جميعًا، ويكونان لقطة يلزم تعريفها حولًا، فإن تطوع الواجد بالإنفاق عليها لم يرجع بما ينفق، وإن أبى أن يتطوع بها أتى الحاكم حتى يجتهد الحاكم رأيه في الأحظ لصاحبها في أحد ثلاثة أمور؛ إما أن يرى الاقتراض على صاحبها في الإنفاق عليها، أو يرى بيعها لصاحبها ليكفي مؤنة النفقة عليها، أو يرسلها في الحمى إن كان لضوال المسلمين حمى، ثم يقوم الواجد على تعريفها إلا أن يدفعها إلى الإمام رافعًا ليده عنها فيسقط عنه حكم تعريفها وإلا فما كان مقيمًا على التقاطها فتعريفها حولًا واجب عليه، فإن جاء صاحبها سلمت إليه إن كانت باقية بعد أن يدفع النفقة إن كان بأمر الحاكم، وإن بيعت سلم إليه ثمنها دون القيمة إن باعها حاكم أو
الجزء: 7 - الصفحة: 341
بأمره، وإن كان الواجد هو البائع لها فلصاحبها قيمتها دون الثمن لفساد بيعه إلا أن يقدر على استئذان حاكم، فيجوز بيعه، وإن لم يأت صاحبها بعد الحول فهل لواجدها أن يتملكها؟ على ثلاثة أوجه حكاها ابن أبي هريرة:
أحدها: يجوز له أن يتملكها اعتبارًا بحكم اللقطة.
والثاني: لا يجوز له أن يتملكها لقوله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المؤمن حرق النار".
والثالث: إن كان قد أنفق عليها جاز له أن يتملكها وإن لم ينفق عليها لم يجز أن يتملكها ليكون ذلك أحث على الإنفاق وأرفق بالفريقين.
فصل: إذا ترك الرجل الدابة أو البعير حسرًا في الصحراء لعجزه عن السير وعجز المالك عن حمله أو المقام عليه، فمز به رجل فأحياه بمقامه عليه ومراعاته حتى عاد إلى حاله في السير والعمل فقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فحكي عن الليث بن سعد والحسن بن صالح أنه يكون لأخذه ومحييه دون تاركه، إلا أن يكون تاركه تركه ليعود إليه فيكون التارك أحق به.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: إن آخذه المحيي له أحق من تاركه بكل حال سواء تركه ليعود إليه أم لا.
وقال مالك: هو على ملك تاركه دون آخذه، لكن لآخذه الرجوع بما أنفق، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه على ملك تاركه وليس لواجده الرجوع بنفقته لقوله صلي الله عليه وسلم "لا يحال مال امرئ مسلم بطيب نفس منه" ولأنه لو عالج عبدًا قد أشرف على الهلاك بالمرض حتى لو استنقذها مالًا من غرق أو حريق لم يملكه لكذا البهيمة.
وحكي عن الحسن البصري أن من أخرج متاعًا قد غرق من البحر فقد ملكه على صاحبه وهذا شاذ من القول مدفوع بالخبر والإجماع، ولكن لو وجد في البحر قطعة عنبر في الموضع الذي يجوز أن يوجد فيه كانت ملكًا لواجدها في البر كانت لقطا، لعلمنا بحصول اليد عليها قبله إلا أن يكون على الساحل نضب الماء عنها، فنكون ملكًا لواجدها لجواز أن يكون الماء قد ألقاها حين نضب، وهكذا لو صاد سمكة من البحر فوجد في جوفها قطعة عنبر كانت للصياد إذا كان بحرًا، قد يجوز أن يوجد فيه العنبر فأما الأنهار وما لا يكون من البحار فأنها تكون لقطة، وهكذا الياقوت والمرجان إلا أن يكون مصنوعًا
أو مثقوبًا فيكون لقطة، فأما اللؤلؤ فلا يكون في البحر إلا مع صدفه، فإن وجد فيه كان ملكًا لواجده وإن وجد خارجًا عن صدقه كان لقطة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذ حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضوال الإبل فمن أخذها ثم أرسلها ضمن".
الجزء: 7 - الصفحة: 342
قال في الحاوي: وهذا قد مضى وذكرنا أن ضوال الإبل في الصحراء لا يجوز لواجدها أخذها إلا في إحدى حالتين؛ إما أن يكون الإمام قد ندبه لأخذ الضوال حفظًا لها على أربابها كما يفعله الإمام في المصالح من حفظ الأموال، وإما أن يكون الواجد عارفًا لصاحبها فيأخذها ليردها عليه من غير احتياج إلى تعريف، فيجوز حينئذ للواجد في هاتين الحالتين أن يأخذها.
أما الحالة الأولى فما عليه إلا العمل فيما ندب إليه، وأما الحالة الثانية فمستحب لما أمر الناس به من التعاون إلا أن يقول بوجوب أخذ اللقطة إذا خيف هلاكها فيصير حينئٍذ واجبًا، فإن أخذها الواعد في غير هاتين الحالتين كان متعديًا
وصار لذلك ضامنًا، فإن تلفت وجب غرمها عليه وإن رفع يده عنها فله في رفع يده ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يردها على مالكها فيسقط الضمان عنه، والحال الثاني أن يرسلها من يده فعليه الضمان سواء أرسلها حيث وجدها أو في غيره.
وقال مالك وأبو حنيفة: أرسلها حيث وجدها سقط الضمان عنه، ولا أدري ما يقولانه في إرسالها في غير موضع وجودها وبينا ذلك على أصلها في ضامن الوديعة بالتقصير إذا كفء عنه زال عنه ضمانها.
واستدلالًا بأن ضمان الصيد على المحرم يسقط بإرساله، فكذلك ضمان الضوال بالأخذ يسقط الإرسال، وهذا جمع مفترق واستدلالًا فاسدًا، وأصل منازع؛ لأن الصيد يضمن على المحرم في حق الله تعالى، فإذا أرسله صار كعوده إلى مستحقه وليس الضوال كذلك؛ لأنها تضمن في حق آدمي فلم يكن إرسالها عود إلى مستحقها، ألا ترى أن الصيد لو كان ملكًا لآدمي فضمنه المحرم ثم أرسله سقط عنه حق الله تعالى في الجزاء ولم يسقط عنه حق الآدمي في الغرم.
والحال الثالثة: أن يدفعه إلى الإمام أو الحاكم ففي سقوط الضمان عنه وجهان:
أحدهما: يسقط كعودها إلى يد النائب عن الغائب.
والوجه الثاني: أن الضمان لا يسقط لتعدي الوجد والله أعلم.
باب الجعالة
مسألة:
قال: ولا جعل لمن جاء بآبق ولا ضالة أن يجعل له وسواء من عرف بطلب الضوال ومن لا يعرف به".
قال في الحاوي: وهذا كما قال وليس يخلو من ردًا آبقًا أو ضالة من أحد أمرين:
الجزء: 7 - الصفحة: 343
إما أن يردها يأمر مالكها أو بغير أمره فإن رد ذلك يغير أمر المالك فقد كان ضامنًا باليد وسقط عنه الضمان بالرد ولا أجرة له سواء كان معروفًا يطلب الضوال ومن لا يعرف.
وقال مالك إن كان معروفًا بطلب الفوال فله أجرة المثل في العبد والبهيمة وإن كان غير معروف بذلك فلا شيء له.
وقال أبو حنيفة إن كان المردود عبدًا أو أمة فله إن رد من مسافة ثلاثة أيام فصاعدًا أربعون درهمًا وإن رده من أقل من مسافة ثلاثة أيام فله أجرة المثل ولا شيء له في رد البهيمة وسواء كان برد النوال معروفة أو غير معروف استدلالًا منهما على اختلاف مذهبيهما بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل لمن رد آبقًا من خارج الحرم دينارًا وروى أصحاب أبى حنيفة تارة موقوفًا على ابن مسعود وتارة هكذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رد آبقًا فله أربعون درهمًا".وروي أن رجلًا رد ضالة لرجل فقال الناس لقد حاز أجزًا عظيمًا.
فقال ابن مسعود: وله مع ذلك أربعون درهمًا وكان من مسيرة ثلاثة أيام.
وروي عن عمر وعلي رضوان الله عليهما أنهما قالا: من رَد آبقًا فله عشرة دراهم، وليس لهم في الصحابة مخالف، فصار ذلك منهما إجماعًا على استحقاق الجعل؛ قالوا: ولأنه حكم موضوع على ما أدى إلى حفظها ورفق أربابها فيها فلو منع الراد لها من جعل يستحقه عليها لامتنع الناس من ردها ولأدى ذلك إلى تلفها ولحوق المشقة الغالبة في طلبها.
ودليلنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه منه" ولأن المنافع كالأعيان بل أضعف فلما كان لو استهلك أعيانًا في رد ضالة من طعام أو علف لم يستحق به عوضًا فإذا استهلك منافع نفسه، فالأولى أن لا يستحق بها عوضًا.
وتحريره قياسًا أن ما تطوع باستهلاكه في الضوال لم يرجع بعوضه كالأعيان ولأنه لو أوصل المالك إلى ملكه لم يستحق به عوضًا فكذلك إذا أوصل الملك إلى مالكه لم يستحق به عوضًا لتطوعه في كلا الحالين وتحريره أنه جمع بين المالك وملكه تطوعًا فوجب أن لا يستحق به عوضًا كما لو أوصل المالك إلى ملكه.
والدليل على مالك خاصة أن من تطوع باصطناع معروف لم يستحق به جعلًا كغير المعروف، ومن الدليل على أبي حنيفة خاصة أن استحقاق الجعل على رد العبد لا يخلو من أن يكون لكونه ملكًا أو لكونه آدميًا فإن كان لكونه ملكًا بطل استحقاقه وذلك لكونه ملكًا لأنه لو رد بهيمة أو لقطة لم يستحق شيئًا، ولم يجز أن يستحق ذلك لكونه آدميًا، (0) لأنه لو رد صبيًا قد ضاع لم يستحق شيئًا فبطل بهذين أن يستحق في رد العبد شيئًا.
قال: أما الجواب عما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكروه من إجماع الصحابة رضي الله عنهم فقد قال أحمد بن حنبل: لم يصح عن
الجزء: 7 - الصفحة: 344
النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة شيء منه.
ولو صح لكان محمولًا على أحد وجهين إما على اشتراط ذلك لمن جاء به خاصة قبل المجيء ليصير مستحقًا للجعل بالشرط، وأما لتقرير بأجرة المثل في الجعالة لا فاسدة وأما ما ذكروه من الإرفاق والمصلحة فمنتقض بالطعام والعلف.
فصل: فأما رد الضالة عن أمر مالكها فضربان:
أحدهما: أن يجعل له عند الأمر بردها عوضًا، فذلك مستحق فإن كان عوضًا معلومًا وعقدًا صحيحًا استحقه، وإن كان عوضًا مجهرلًا وعقدًا فاسدًا استحق أجرة المثل قال الله تعالي: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ ولِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وكان حمل البعير عندهم معلومًا كالوسق.
والضرب الثاني أن لا يذكر مع الأمر بالرد عوضًا لا صحيحًا ولا فاسدًا، بل قال له فلان: جئتي بعبدي الآبق فقد اختلف أصحابنا هل يستحق عليه أجرة مثله بمجرد الأمر أم لا؟ على أربعة أوجه:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه لا أجرة له سواء كان معروفة يأخذ الأجرة على ذلك أو لا لتردد الأمرين بين احتمال تطوع واستعجال.
والثاني: وهو مذهب المزني له أجرة المثل سواء كان معروفًا بذلك أو غير معروف لاستهلاك منافعه يأخذه.
والثالث: وهو مذهب ابن سريج إنه كان معروفًا بذلك فله أجرة المثل وإن كان غير معروف فلا أجرة له اعتبارًا.
والرابع: وهو مذهب أبي إسحاق المروزي أنه إن ابتدأه مالك العبد بالأمر فعليه أجرة المثل وإن استئذنه الجاني بالضالة فإذن له فلا أجرة له انتصارًا على حكم اسبق الحالين.
فصل: فلو اختلف مالك الضالة ومن ردها في الإذن فقال المالك: ردتها بغير إذن فأنت متطوع بغير أجر، وقال في ردها: بل ردتها عن أمرك بأجر فالقول قول المالك مع يمينه لبراءة ذمته، ولو اتفقنا على الإذن بالأجر في عين العبد المأذون برده وقد ردّ عليه عبده سالمًا وادعى الآخر نفيه، فقال المالك: بل فعلت ذلك ني عبدي غانم، فالقول قول: المالك مع يمينه ولا أجرة عليه؛ لأنه ينكر الإذن فيه وإن اعترف به في غيره.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "ولو قال لرجل إن جئتني بعبدي فلك كذا ولآخر مثل ذلك ولثالث مثل ذلك فجاؤوا به جميعًا فلكل واحد منهم ثلث ما جعله له اتفقت
الجزء: 7 - الصفحة: 345
الأجعال أو اختلفت".
قال في الحاوي: أما الجعالة فمن العقود الجائزة دون اللازمة، لما قدمناه من قوله عز وجل، ولمن جاء به.
حمل بغير وأنا به زعيم، وهي تفارق الإجارة من ثلاثة أوجه:
أحدها: جواز عقدها على عمل مجهول كقوله: "من جاء بعبدي الآبق فله دينار".وإن كان العبد مجهول المكان وفساد مثل ذلك في الإجارة.
والثاني: أن الجعالة غير لازمة والإجارة لازمة.
والثالث: أنها تصح من غير معين كقوله: "من جاءني بعبدي الآبق فله دينار" وإن لم يعين الجاني به، فأي الناس جاء به فله الدينار.
والإجارة لا تصح إلا مع من يتعين العقد عليه، وإنما فارقت الإجارة من هذه الوجوه الثلاثة لأنها موضوعة على التعاون والإرفاق فكانت شروطها أخف وحكمها أضعف.
فصل: فلو قال: من جاءني بعيدي الآبق فله دينار، فأي الناس جاء به استحق الدينار من رجل أو امرأة، حر أو عبد، مسلم أو كافر، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، إذا كان قد سمع النداء أو علم به لدخولهم في عموم قوله: "من جاءني" فلو جاء العبد بنفسه عند علمه بهذا القول من سيده لم يستحق عليه شيئًا؛ لأن الجعل عليه لا له فلو جاء به من لم يسمع النداء ولا علم به كان متطوعًا يحمله على حكم الأصل فلو علم بالنداء بعد المجيء به وقبل دفعه إلى سيده استحق الدينار؛ لأن السامع للنداء لو جاء به من أقرب المواقع أو أبعدها استحقه، فكذلك فلو أنفق عليه الجاني به في طعامه وشرابه كان متطوعًا بالنفقة، وليس له غير الدينار، فلو جاء بالعيد وهو مريض أو في قبضة حياته استحق الدينار؛ لأنه مبذول على حمله فلو اختلف العبد وحامله، فقال العبد: جئت بنفسي، وقال حامله: بل أنا جئت به، رجع إلى تصديق السيد، فان صدق الحامل لم يعتبر إنكار العبد واستحق الدينار، وإن صدق العبد حلف السيد، دون العبد، ولا شيء عليه، ولو اختلف السيد وحامل العبد فقال السير فلما لم تسمع النداء فلا شيء لك، وقال الحامل: بل سمعته وعلمت به فلي الدينار.
فالقول قول الحامل، وله الدينار؛ لأن علمه بالشيء يرجع فيه إليه لا إلى غيره، فلو قال سيد العبد من جاءني بعبدي من سامعي ندائي هذا فله دينار، فجاء به من علم بندائه ولم يسمعه لم يستحق شيئًا، ولو قال الجائي به، سمعت النداء وقال السيد: لم تسمعه فالقول قول الجاني به أيضًا.
فصل: فلو أمر السيد عبده فنادى: من جاء بعبدي فلان فله دينار كان نداء المنادي كنداء السير في وجوب الدينار عليه لحامل عبده فلو أنكر السير أمر المنادي بذلك فالقول قوله مع يمينه ثم ينظر في المنادي فإن قال في ندائه إن فلانًا قال من جاءني بعبدي فله دينار فلا شيء على المنادية لأنه جاهل وإن كان قد قال من جاء بعبدي فلان فله دينار فعلى المنادي دفع الدينار لأنه لا فرق بين أن ينزل ذلك من مال نفسه أو من مال غيره إلا
الجزء: 7 - الصفحة: 346
أن يكون الجائي بالعبد.
قد صدق المنادي على أمر السيد له فلا يرجع على المنادي بشيء.
فصل: فلو قال السيد: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار فجاء به نفسك كان الدينار بينهما لحصول المجيء بهما، ولو جاء به عشرة كان الدينار بينهم بالسوية سواء اتفقت أجورهم أو اختلفت لاستوائهم في المجيء به، فلو قال: يا زيدان جئتني بعيدي فلك دينار، فجاء به غيره لم يستحق الدينار، ولو جاء به زيد وعمرو، نظر في عمرو، فإن قال: جئت به معينًا لزيد فلزيد جمل الدينار ولا شيء لعمرو؛ لأن لزيد أن يستعين في حمله بمن شاء، وإن قال عمرو: جئت به لنفسي طلبًا لأجرته فلزيد نصف الدينار؛ لأن له نصف العمل ولا شيء لعمرو، لأنه لم يبذل له على عمله شيت فلو اختلف زيد وعمرو فقال زيد: جئت به معينًا لي، وقال عمرو: بل جئت به مستعجلًا لنفسي رجع إلى السيد، فإن صدق زيدًا استحق الدينار كله، وإن صدق عمرًا حلف السيد دون عمرو، لأنه الغارم وليس عليه إلا نصف الدينار.
فصل: فلو قال: يا زيد إن جئتني بعيدي فلك دينار، ويا عمرو إن جئتني بعبدي فلك خمسة دنانير ويا بكر إن جئتني به فلك عشرة دنانير فإن جاء به غيرهم فلا شيء له، وإن جاء به أحدهم فله ما جعل له، فإن جاؤوا به جميعا فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له، لأن لكل واحد منهم ثلث العمل فيكون لزيد ثلث الدينار، ويكون لعموم ثلث الخمسة، ويكون لبكر ثلث العشرة، فلو قال زيد وعمرو: أعاننا بكر في حمله فله كل العشرة، فقولهم في ذلك مقبول؛ لأن لهما أن يتركا العمل لأنفسهما ويتطوعا به لغيرهما.
فصل: وإذا قال: ما جاءني بعبدي فله دينار ثم رجع عن ذلك، فعليه إعلان الإذن فمن جاء به فله الدينار وإن أعلنه فلا شيء لمن جاء به بعد إعلان الإذن، سواء علم برجوعه أو لم يعلم، إذا كان قد شرع في المجيء به؛ لأن إعلام كل الناس برجوعه متعذر فلم يلزمه في الرجوع أكثر من الإعلان والإشاعة.
ولو كان هذا الجائي به شرع في حمله قبل الرجوع فله الدينار ما لم يعلم بالرجوع فأما إن قال: يا زيد إن جئتني بعيدي فلك دينار ثم رجع السيد فعليه إعلام زيد برجوعه ما لم يشرع في حمله فإن لم يعلم فهو على حقه سواء أعلن السيد الرجوع أو لم يعلنه لأن إعلام زيد بالرجوع غير متعذر فلو شرع زيد في حمله ثم أعلمه السيد برجوعه قيل للسيد: أنت بالخيار بين أن تمكنه من المجيء به فيستحق كل الدينار أو تبذل له أجرة مثل ما قوته من عمله؛ لأنه وإن كان غير لازم لك فليس لك إبطال عمله عليه كالمضاربة إذا رجع فيها رب المال بعد عمل العامل لزمه تمكين العامل من بع ما اشتراه لئلا يفوت عليه عمله بالرجوع وإن كان العقد غير لازم.
فصل: ولو جاء زيد بالعبد وقد مات السيد كان له الدينار في تركته إذا وصل العبد إلى ورثته ولو مات زيد قبل وصول العبد إلى سيده فإن تهم وارث زيد حمل العبد إلى
الجزء: 7 - الصفحة: 347
سيده فله من الدينار المستحق بقسط عمل زيد منه؛ لأن عمله لم يفت ولا شيء للوارث منه لقسط عمل نفسه لأن ما لم يلزم من للعقود يبطل بالموت فلم يقم عمل الوارث مقام عمل الموروث وإن لم يأت الوارث بالعبد فالصحيح أنه لا شيء لوارث زيد فيما عمله من حمل العبد؛ لأن زيد لو كان حيًا فلم يتهم حمله لم يستحق شيئًا.
وقال بعض أصحابنا باختياره فات عليه عمله، وهذا التعليل غير صحيح؛ لأن زيد لو كان على حمله فهرب العبد منه لم يستحق لما في عمله شيئًا وإن لم يختر تفويت العمل عليه، فلو مات العبد قبل وصوله إلى بلده فلا شيء له في حمله ولا ضمان عليه في موته، وهكذا لو مات بعد وصوله إلى بلده وقبل حصوله في يد سيده وهذا يوقع فساد ذلك التعليل.
فصل: ولو قال وهو بالبصرة ن يا زيد إن جئتني بعيدي من بغداد فلك دينار فجاء به منها استحق، ولو جاء به من أبعد منها والموصل لم يستحق أكثر من الدينار، ولو جاء به من أقل منها نحو واسط استحق من الدينار بقسطه، لأن بعض العمل الذي جعل له الدينار في مقابلته.
فصل: ولو قال: إن من جاءني بعيدي فله دينار، ثم قال بعده: من جاءني بعيدي فله عشرة دنانير، كان الآخر من توليه هو المعمول عليه، ويكون لسن جاء به عشرة دنانير ويعكس من قالب من جاءني فله عشرة، ثم قالب من جاءني به فله دينار كان للجار به دينار واحد والله أعلم بالصواب.
باب التقاط المنبوذ يوجد معه الشيء
قال الشافعي رحمه الله تعالي فيما وضع بخطه: ما وجد تحت منبوذ شيء مدفون من ضرب الإسلام أو كان قريبًا منه فهو لقطة أو كانت دابة فهي ضالة فإن وجد على دابته أو على فراشه أو على ثوبه مال فهو له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، أما المنبوذ فهو الطفل يلقي: لأن النبذ في كلامهم الإلقاء وسمى لقيطًا لالتقاط واجده له، وقد تفعل المرأة ذلك بولدها لأمور؛ منها: أن تأتي به من فاحشة فتخاف العار، فتلقيه، أو تأتي به من زوج فتضعف عن القيام به فتلقيه رجاء أن يأخذه من يقدم به، أو تموت الأم فيبقى ضائعًا فيصير فرض كفاية والقيام بتربيته علي كافة من علم بحاله حتى يقوم بكفالته منهم من فيه كفاية، كالجماعة إذا رأوا غريقًا يهلك او من ظفر به سبع فعليهم خلاصه واستنفاذه لقوله عز وجل: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] وفيه تأويلان: أحدهما: أن على جميع الناس شكره حتى كأنه قد أحياهم.
الجزء: 7 - الصفحة: 348
والثاني: أنه قد ناب عن جمع الناس في إحيائه.
ولقوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ولقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: 77] فدلت هذه الآية على الندب على أخذه والتوصل إلى حراسة نفسه وقد قال تعالى في قصة موسى صلى الله عليه وسلم: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 8] طلبًا لحفظ نفسه ورغبة في ثوابه.
وروي أن منبوذًا وجد على عهد عمر رضي الله عنه فاستأجر له امرأة تكفله واستشار الصحابة في النفقة فأشاروا أن ينفق عليه من بيني المال.
وروى الزهري عن أبي جميلة أنه قال: أخذت منبوذًا على عهد عمر رضي الله عنه فذكره عريفي لعمر فأرسل إليّ فدعاني والعريف عنده قال عسى الغوير أبؤسًا، فقال عريفي إنه لا يفهم فقال عمر: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: وجدت نفسًا مضيعة فأحببت أن يأجرني الله عز وجل فيها.
قال: هو حر وولاؤه لك وعلينا رضاعه.
فصل: فإذا وجد الرجل لقيطًا فلا يخلو أن يجد معه مالًا أو لا يجد، فإن لم يجد معه مالأ تطوع يأخذه والنفقة عليه، وإن أبى أن ينفق عليه تطوعًا إما لعجز أو شح رفع أمره إلى الحاكم على ما ذكره وإن وجل معه مالًا؛ لأنه ربما فعل ذلك ليكون باعثًا على أخذه والقيام بتربيته، فذلك المال ملك له؛ لأنه لا يمتنع وإن كان طفلًا أن يكون ملكًا بميراث أو وصية؛ وإنما بحكم يملكه فيما كان بيده؛ لأن له يد توجب الملك كالكبير الذي ينسب إليه ويجري عليه حكم ملكه كلما كان عليه من ثياب أو حلي، أو كان تحته من فراش أو حصير، أو كان في يده من دراهم أو عنان فرس، أو كان راكبًا له من بعير أو فرس، فكل ذلك منسوب إلى يده كالكبير ومحكوم له به في ملكه.
فصل: فما وجد منفصلًا عنه فضربان:
أحدهما: أن يبعد عنه كالفرس المربوط على بعد أو كيس من دراهم أو ثوب فذلك غير منسوب إلى يده كما لا ينسب إلى يد الكبير ويكون لقطة.
والثاني: أن يكون ذلك قريبًا منه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الموضع آهلًا كبير المارة فهذا يكون لقطة أيضًا.
والثاني: أن يكون الموضع منقطعًا قليل المارة ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من كلام الشافعي أن يكون لقطة كالكبير الذي لا يملك ما يقاربه من المال إذا لم يكن له عليه يد.
الجزء: 7 - الصفحة: 349
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يكون ملكًا للقيط اعتبارًا بالظاهر من حاله، وفرق بينه وبين الكبير بأن الكبير يقدر على إمساك ما يقاربه من مال أو فرس، فإذا لم يفعل ارتفعت يده فزال الملك، والصغير يضعف عن إمساك ما يقاربه فجاز أن ينتسب إلى ملكه، وأنه في حكم ما في يده.
فصل: فأما ما تحته من مال فضربان: مدفون وغير مدفون، فإن كان مدفونًا فليس بملك للقيط؛ لأن الكبير لو كان جالسًا على أرض تحتها دفين لم يحكم له بملكه، لم ينظر فإن كان من ضرب الإسلام فهو لقطة، وإن كان من ضرب الجاهلية فهو ركاز يملكه الواجد وعليه خمسة وإن كان غير مدفون فضربان:
أحدهما: أن يكون فوق بساطه وتحت جسده فهذا ملك للقيط لكونه في يده وتحت جسده فهذا ملك للقيط لكون في يده.
والثاني: أن يكون تحت بساطه ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ملكًا له كالبساط إذا كان تحته يكون ملكه.
والثاني: لا يكون ملكه ويكون لقطة بخلاف البساط؛ لأن الدراهم لم تجر العادة أن تكون مبسوطة على الأرضي تحت مالكها وجررت عادة البساط أن يبسط على الأرض تحت مالكه.
فصل: وأما الموضع الذي هو منبوذ فيه، فإن كان مواتًا أو مسجدًا أو طريقًا مائلًا، فهو على حاله، وإن كان ملكًا فضربان:
أحدهما: ما جرت العادة بسكناه كالدور فيكون ذلك له إذا لم يكن غيره فيها كالكبير يملك ما هو فيها من دار.
والثاني: أن يكون ما لم تجر العادة بسكناه كالبساتين والضياع فعلى وجهين:
أحدهما: يحكم بأنه ملكه ما لم يكن لغيره عليه يد كالدور.
والثاني: لا يحكم له بذلك بخلاف الدار؛ لأن سكنى الدار تصرف وليس الحصول في البساتين سكنى ولا تصرف.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى:"وإن كان ملتقطة غير ثقة نزعة الحاكم منه وإن كان ثقة وجب أن يشهد بما وجد له وأنه منبوذ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان ملتقط المنبوذ غير مأمون عليه خوفًا من استرقاقه ولا على ماله خوفًا على استهلاكه نزعه الحاكم من يده لأمرين:
الجزء: 7 - الصفحة: 350
أحدهما: أن غير المأمون ليس من أهل الولايات.
والثاني: أنه لاحظ للمنبوذ في تركه تحت يده.
فإن قيل: أفليس لو كان واجد اللقطة غير مأمون عليها أقرت في يده على أحد القولين فهلا كان اللقيط كذلك؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن اللقطة اكتساب فجاز أن يستوي فيها الأمين وغيره والتقاط المنبوذ ولاية فاختلف فيه الأمين وغيره.
والثاني: ما يخاف على المنبوذ من استرقاقه وإضاعته أغلظ مما يخاف على المال من استهلاكه وتلفه؛ لأن للمال بدل وليس للحرية بدل.
فصل: فإذا تقرر ما وصفناه لم يخل حال ملتقط المنبوذ من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون مأمونًا عليه وعلى ماله فيقران معًا في يده، وهل يكون للحاكم عليه نظر أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبى علي الطبري لا نظر عليه لا اجتهاد له فيما إليه كما أنه لا نظر في اللقطة على واجدها إذا كان أمينًا.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أن للحاكم عليه في المنبوذ نظر وله في كفالته اجتهاد لأنه الوالي على الأطفال وخالف حال اللقطة لأنها كسب وهكذا اختلف أصحابنا هل يكون الملتقط خصمًا فيما نوزع فنه المنبوذ من أمواله أم لا على وجهين:
أحدهما: يكون خصمًا فيه نيابة عن المنبوذ لمكان نظره عليه.
والثاني: لا يكون خصمًا إلا بإذن الحاكم.
والقسم الثاني: أن يكون الملتقط غير أمين عليه فواجب على الحاكم انتزاعها من يده ويرتضي له من يقوم بكفالته وحفظ ماله.
والقسم الثالث: أن كون أمينًا عليه فلا يخاف من استرقاقه له لكنه غير أمين على ماله خوفًا من استهلاكه له فهذا يقر المنبوذ في يده وينتزع المال منه لأنه قد صار له بالتقاطه حق في كفالته فما لم يخرج عن حل الأمانة فيه كان مقرأ معه وليس تراعي فيه العدالة فيكون جرحه في شيء جرحًا في كل شيء وإنما يراعى فيه الأمانة وقد يكون أمينًا في شيء وإن كان غير مؤتمن في غيره فإن قيل فهلا كان المال الذي ليس بمؤتمن عليه لأنهما في يده على أحد القولين كاللقطة لأنها جميعًا مال بخلاف المنبوذ قلنا لأن مال اللقطة كسب الملتقط وليس مال المنبوذ كسبًا للملتقط.
والقسم الرابع: أن يكون أمينًا على ماله غير أمين على نفسه ما من استرقاقه وأما لأنها ذات فرج لا يؤمن غيره فينتزع المنبوذ منه وفي إقرار المال معه وجهان:
أحدهما: يقر معه وان نزع المنبوذ منه.
كما يقر المنبوذ معه وإن نزع المال منه.
الجزء: 7 - الصفحة: 351
والثاني: ينتزع المال منه مع المنبوذ لأن ماله تبع له والفرق بين المنبوذ وبين ماله أن لملتقط المنبوذ حق في كفالته وليس له حق في حفظ ماله وإنما الحق عليه في المال وله الكفالة فافترقا.
فصل: ثم الحاكم مندوب إلى الإشهاد على من أخذ المنبوذ وماله في يده كما كان مندوبًا إلى الإشهاد على من أخذ المنبوذ ماله في يد ملتقط المال فإن كان القيم بكفالة المنبوذ وحفظ ماله غير الملتقط له التسليم الحاكم له إلى من ارتضاه لأمانته عند حياة ملتقطه فالإشهاد عليه مستحب وليس بواجب لأن تسليم الحاكم إليه ذلك حكم يغني عن الإشهاد فإن كان هو الملتقط ففيه وفي اللقطة ثلاثة أوجه مضيا.
أحدها: أن الإشهاد واجب في اللقطة والمنبوذ.
والثاني: أنه غير واجب فيهما جميعًا.
والثالث: أنه واجب في المنبوذ وغير واجب في اللقطة لما ذكرنا من الفرق بينهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "ويأمره بالإنفاق منه عليه بالمعروف وما أخذ ثمنه الملتقط وأنفق منه بغير أمر الحاكم فهو ضامن".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا وجل مع اللقيط مال كانت نفقته في ماله كما يجب نفقة الطفل إذا كان له مال في ماله دون مال أبيه فإن تطوع الملتقط وأنفق عليه من مال نفسه كان محسنًا كالأب بالإنفاق على ولده الغنى وإن أراد الملتقط أن ينفق عليه من ماله لزمه استئذان الحاكم فيه سواء قيل إن للحاكم عليه نظر في اللقيط أو ليس له لأن للحاكم نظرًا في ماله لا يختلف فيه فإن أنفق يغير إذن لم يخل ماله من أحد أمرين: إما أن يكون قادرًا على استئذانه أو غير قادر فإن كان قادرًا على استئذانه كان ضامنًا لما أنفق قصدًا أو سرفًا لأن الحاكم هو الوالي على المال دونه وصار ذلك وإن وصل إلى مالكه كمن أخذ علف رجل أعده لدابته فأطعمها إياه ضمنها له وإن وصل إليه وإن لم يقدر على استئذان الحاكم ففي ضمانه وجهان.
كالجمال إذا هرب من مستأجره فاكترى لنفسه عند إعواز حاكم ليستأذنه أحد الوجهين أن يسترجع المستأجر ولا يضمن الملتقط لضرورتها والثاني لا يرجع المستأجر ويضمن الملتقط لأن لا يكونا حاكم أنفسهما ومن أصحابنا من فرق بين حرب الجمال وبين ملتقط المنبوذ فجعل للمستأجر أن يرجع الملتقط ضامنًا لأن المستأجر مضطر إلى استيفاء حقه وليس الملتقط مضطر إلى التقاطه وهذا الوجه له لأنه ربما وجده ضائعًا في
الجزء: 7 - الصفحة: 352
مهلكة فلزمه أخذه لنفسه.
فصل: فإن استأذن الحاكم فهل يأذن له في النفقة عليه بنفسه من يده أو يتولاه غيره من أمنائه على قولين:
أحدهما: وهو الأصح: أنه يأذن له في للنفقة عليه إذا كان أمينًا أما بتقدير مثاله فإن زاد على القدر من غير حاجة ضمن وإما بأن رد ذلك إلى اجتهاده فما ادعاه فيها عن قصد قبل منه وما تجاوز للقصد لم يقبل منه لأنه متعد به وإن كان محقًا فيه.
والثاني: أنه يؤخذ من الملتقط من مال المنبوذ القدر الذي ينصرف في نفقته حتى يتولى ذلك نره من أمناء الحاكم لما فيه من فضل الاحتياط له ثم فيه وجهان:
أحدهما: أن الأمين يتولى شراء ما يحتاج إليه المنبوذ من طعام وكسوة ثم يدفعه إلى الملتقط حتى يطعمه ويكسوه لأنه أحوط.
والثاني: أنه يدفع قدر النفقة إلى الملتقط ليتولى شراء ذلك بنفسه لما له حق الولاية عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "فإن لم يوجد له مال وجب على الحاكم أن ينفق عليه من مال الله فإن لم يفعل حرم تضييعه على من عرفه حتى يقام بكفالته فخرج من بقي من المأثم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا الملتقط المنبوذ فقيرًا لا مال له ولم يتطوع أحد بالنفقة عليه وجب على الإمام الأعظم أو من ينوب عنه من والٍ وحاكم أن يقوم بنفقته؛ لأنها نفس يجب حراستها ويحرم إضاعتها ومن أين ينفق الإمام عليه فيه قولان:
أحدهما: وهو الأصح: من بيت المال لأنه رصد للمصالح وهذا منها.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أنه قال: لئن أصاب الناس سنة لأنفقن عليهم من مال الله حتى لا أجد درهمًا فإذا لم أجد درهمًا ألزمت كل رجل رجلًا.
وقد استشار عمر رضي الله عنه الصحابة رضي الله عنهم في للنفقة على اللقيط فقالوا: من بيت للمال فعلى هذا القول لا رجوع بما أنفق عليه من بيت المال على اختلاف ما يظهر من أحواله لوجوبها فيه.
والثاني: أنها لا تجب في بيت المال لأنه قد يجوز أن يكون عبدًا فتجب على سيده أو حرًا له أب غني فتجب على أبيه وبيت المال لا يلزم فيه إلا ما لا وجه له سواه فعلى هذا يجب على الإمام أن يفترض له ما ينفق عليه أما من بيت المال أو من أحد من
الجزء: 7 - الصفحة: 353
المسلمين فإن لم يكن في بيت المال ولم ينفرد أحد من المسلمين به وجب عليه أن يخص نفسه ومن حضره من ذوي المكنة وجعلها مقسطة عليهم على عددهم جبرًا ولا يخص بالإجبار عليها واحدًا.
قال الشافعي: فإن لم يفعل حرم تضييعه على من عرفه حتى يقام بكفالته، لآن ذلك من فروض الكفايات ثم ينظر فان بان عبدًا رجع بها على سيده وإن بان له أب غني أخذها من أبيه فإن بلغ ولا أب له ولا سيد فإن علمه مكتسبًا رجع عليه في كسبه وإن كان غير مكتسب فهو من جملة أهل الصدقات فيقضى ذلك عنه من أي المالين يراه فيها من سهم الفقراء أو المساكين أو من سهم الغارمين والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو أمره الحاكم أن يستلف ما أنفق عليه يكون عليه دينًا فما ادعى قبل منه إذا كان مثله قصدًا.
قال المزني: لا يجوز قول أحد فيما يتملكه على أحٍد لأأنه دعوى وليس كالأمين يقول فيبرأ".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط فقير أمر الحاكم ملتقطه أن يستقرض ما ينفقه عليه فذلك ضربان:
أحدهما: أن يأمره أن يستقرض عليه من غيره فهذا جائز ولا يأخذ القرض جملة ولكن يستقرض له في كل يوم أو أكثر في كل أسبوع قدر حاجته إليه ويقبل قول الملتقط في إنفاقه عليه لأنه لا يستغني عن غذاء في كل يوم فإذا مرت به الأيام على سلامة وهو فيها نامي الجسد مستقيم الأحوال كان الأظهر من حاله وصول النفقة إليه.
والثاني: أن يأمره أن يستقرض من نفسه فهل يجوز له أن يتولى إنفاقه عليه بنفسه أم لا على قولين:
أحدهما: وهو نصه ها هنا: يجوز لكونه أمينًا وما ادعاه من شيء يكون مثله قصدًا قبل منه.
والثاني: واختاره المزني أنه لا يجوز حتى يأخذها من غيره من الأمناء فينفقها عليه، لأنه لا يقبل قول أحد فيما يدعيه دينًا على غيره.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" ولو وجده رجلان فتشاحاه أقرعت بينهما فمن خرج سهمه دفعته إلين وإن كان الآخر خيرًا له لم يكن مقصرًا عما فيه مصلحته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اشترك نفسك في التقاط المنبوذ وهما من أهل
الجزء: 7 - الصفحة: 354
الكفالة لاستوائهما في الإسلام والحرية والأمانة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتنازعاه ويتشاحنا عليه، فمذهب الشافعي وعليه جمهور أصحابه أن الحاكم يقرع بينهما، لأنهما لما استويا ولم يكن أن يشترك بينهما كانت القرعة بينهما ليتميز بها الأحق من غير تهمة.
قال تعالى: ﴿ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] الآية ثم يتعين حق من قرع منهما في كفالته قان أراد رفع يده عنه كان له ولم يجبر على إمساكه ويتسلمه الحاكم منه وهل يصير شريكه أولى بكفالته من غيره أم لا على وجهين:
أحدهما: هو أولى به من غيره لاختصاصه بالتقاطه وإن تقدم الأخر بالقرعة.
والثاني: أنه قد بطلت كفالته لما قرعه صاحبه وصار غيره سواء فيجتهد الحاكم فيه رأيه فهذا حكم ما ذهب إليه الشافعي من الإقراع بينهما عند التنازع وسواء كان من خرج بالقرعة أنفع له إذا لم يكن الذي خرج قرعته مقصرًا أو كانا سواء، وقال أبو علي بن خيران لا قرعة بينهما عند التنازع ولكن يجتهد الحاكم فيهما رأيه فأيهما رآه أحظ له كان أولى بكفالته ولهذا القول وجه وإن خالف نعى الشافعي غير أن تساويهما يمنع من تغليب أحدهما إلا بالقرعة كالبنتين إذا تعارضتا.
فصل: والضرب الثاني: أن لا يتنازعا ويتفقا على تسليمه لأحدهما فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يسلمه قبل استقرار يده عليه فهذا يجوز لأن المسلم له بمثابة من رآه ولم يلتقطه ويصير المستلم أولى وكأنه التقطه وحده.
والثاني: أن تستقر أيديهما جميعًا عليه حتى يصير الملقوط معهما ثم يتسلمه أحدهما ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الحق لهما وليس يتجاوزهما كالشقيقين إذا سلم أحدهما لصاحبه.
والثاني: لا يجوز لآن للملتقط حق الكفالة وليس له حق التسليم كما لو كان هو الواجد وحده لم يكن له تسليمه إلى غيره حتى يتولى الحاكم.
فصل: ولو التقطه رجل وامرأة كانا في كفالته سواء فيقترعان ولا تقدم المرأة كتقديم الأم على الأب في الحضانة لأن في الالتقاط ولاية إن لم يكن الرجل أحق لها لم يكن أنقص حضانة الأبوين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان أحدهما مقيمًا بالمصر والآخر من غير
الجزء: 7 - الصفحة: 355
أهله دفع إلى المقيم".
قال في الحاوي: " إذا وجد اللقيط في المصر رجلان أحدهما من أهل المصر والآخر من أهل مصر آخر وهو غريب في هذا المصر فالواجد له من أهل عصره أحق بكفالته من الغريب الذي ليس من أهله لأن قيامه في البلد الذي وجد فيه أشهر لحاله وأقرب إلى ظهور نسبه ولكن لو انفرد الغريب بالتقاطه وأراد إخراجه من البلد الذي وجد فيه إلى بلده فان كان غير أمين أو كان للطريق غير مأمون فلا حق له في كفالته، وإن كان أمينًا والطريق مأمون فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون بلده قريبًا على أقل من يوم وليلة فهو مستحق لكفالته إذا تساوى البلدان أو كان بلد الملتقط أصلح فأما إن كان بلد اللقيط مصر وبلد الملتقط قرية ففيه وجهان:
أحدهما: لا حق له في كفالته لأن المصر أنفع له من القرية لما فيه من كثرة العلوم والآداب ووفور الصنائع والاكتساب.
والثاني: يستحق كفالته وإخراجه إلى قريته، لأن القرية ريما كانت أعف وكان أهلها أسلم ومعايشهم أطيب ولأن حاله في القرية أيسر منها في المصر الكبير لقلة من فيها وكثرة من ني المصر وقلما يمكن أن يشعر ني للقرى بفاحشة تخفى وريبة تكتم.
والثاني: أن يكون بلده بعيدًا وأخباره منقطعة والطارئ إليه أو منه نادر.
كمن بالعراق إذا أراد نقله إلى للشرق أو الغرب فلا حق له في كفالته لإضاعة نسبه وخفاء حاله فلو قال الغريب: أنا أستوطن بلد اللقيط قلنا: أنت حينئذ أحق بكفالته وإنما تمتع منه إذا أردت .... إلى بلدك.
والثالث: أن يكون بلده بعيدًا على أكثر من يوم وليلة لكن أخباره متصلة والوارد منه كثير كالبصرة وبغداد ففي استحقاقه لكفالته وجهان:
أحدهما: لا حق له في كفالته، لأن حظ اللقيط ني بلده أكثر وحاله فيه أشهر.
والثاني: أنه مستحق لكفالته لتساوي البلدين ني للتعليم والتأديب وربما كان في غير بلده أنفع فعلى هذا الوجه يتعين لحاكم بلد اللقيط أن يكتب إلى حاكم بلد الملتقط يذكر حاله وإشهار أمره.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان قرويًا وبدويًا دفع إلى القروي لأن القرية خير له من البادية".
الجزء: 7 - الصفحة: 356
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا التقطه رجلان: أحدهما قروي والآخر بدوي فالقروي أولى من البدوي، سواء وجداه في قرية أو بادية لأن القرية أمكن في التعليم وأبلغ في التأديب وأحسن في المنشأ وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن اقترب من أبواب السلاطين افتتن".
معنى قوله من بدا جفا أي من سكن البادية صار فيه جفاء الأعراب وقوله من اتبع السيد غفل يريد من يشتغل به وينقطع إليه تصير فيه غفلة.
فصل: فإذا انفرد اليدوي بالتقاطه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يجده في مصر أو قرية فلا حق له في كفالته، لأنه لا حظ له في نزول البادية لما ذكرناه.
والثاني: أن يجده في البادية فلا تخلو حاله من أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون ممن يسكن حلة مقيمًا فيها ولا ينتجع عنها فهو مستحق لكفالته لأن وجوده في البادية يدل على أنه من أهلها.
والحال الثانية: أن يكون ممن ينتجع ولا يلزم حلة ولا يقيم في مكان ففي استحقاقه لكفالته وجهان:
أحدهما: يستحق، لأن هذا هو الأغلب من حال البادية.
والثاني: أنه لا حق له فيها، لأن مداومة للنقلة وملازمة النجعة لا يشتهر بها حاله ولا يعرف معها مكانه مما يلحقه من المشقة في بدنه وتخير العادة في نقلته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان عبدًا أو حرًا دفع إلى الحر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اجتمع على التقاطه حر وعبد فالحر أولى بكفالته من العيد لأمرين:
أحدهما: أن العبد مولى عليه فلم يصح أن يكون واليًا.
والثاني: أن العبد ممنوع من كفالته لخدمة سيده، فلو انفرد العبد بالتقاطه فإن كان بإذن سيده فالسيد هو الملتقط، لأن يد العبد يد له وهو المستحق لكفالته وإن كان بغير إذن سيده لم يجز بخلاف اللقطة في أحد القولين، لأن اللقطة كسب وهذه ولاية فلو أخذه السيد من عبده وقد التقطه بغير إذن فإن كان بعد رفعه إلى الحاكم فهو أولى، لأن يد العبد لما لم تكن مقرة لم يكن لها حكم وصار كأن السيد هو الملتقط له وهكذا حكم المدبر في التقاطه كالعبد وإما المكاتب فإن عللنا مع العبد منه بأنه من غير أهل الولاية فالمكاتب
الجزء: 7 - الصفحة: 357
ممنوع فيه، وإن عللناه بأنه ممنوع فيه لخدمة السيد فالمكاتب مستحق لكفالته، لأنه أملك من السيد بمنافع نفسه ولو شاركه في التقاطه حر كان الحر أولى به منه على العلتين لكمال الحر ونقص المكاتب وأما الذي نصفه حر ونصفه عبد فله حالتان:
إحداهما: أن يكون غير مهايأة فهو كالعبد لا حق له في كفالته ما لم يأذن له المالك لرقه لإشراك حكمه وإن الشركة فيه مانعة عن كفالته.
والثانية: أن يكون مهايأة فلا يخلو حال التقاطه من أحد أمرين:
أحدهما: أن يلتقطه في زمان السيد فيكون فيه كالعبد لا حق له في كفالته.
والثاني: أن يلتقطه في زمان نفسه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مستحق لكفالته، لأنه في زمانه كالحر.
والثاني: لا حق له في كفالته لنقصه وإنه سنعود إلى المع في غير زمانه وعلى كلى الوجهين لو شاركه الحر في التقاطه كان أحق به منه لكماله على من قصر عن حريته.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" وإن كان مسلمًا ونصرانيًا في مصر به أحد به المسلمين وإن كان الأقل دفع إلى المسلم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا اشترك في التقاط المنبوذ مسلم وكافر، فلا يخلو حال المنبوذ من أن يجري عليه حكم الإسلام أو حكم الكفر على ما سنصفه، فإن جرى عليه حكم الإسلام فالمسلم أحق بكفالته، وهكذا لو تفرد الكافر بالتقاطه نزع من يده لقوله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141] ولأنه غير مأمون عليه في بدنه أن يسترقه، وفي دينه أن يفتنه، وفي ماله أن يتلفه؛ لأن عداوة الدين تبعث على ذلك كله، وإن جرى على المنبوذ حكم الكفر فإن انفرد الكافر بالتقاطه أقر في يده؛ لأن الكافر يلي على الكافر وإن اشترك في التقاطه مسلم وكافر، فعلى الظاهر من مذهب الشافعي في إقراعه بين المسلمين إذا اشتركا في التقاطه يقرع بين المسلم والكافر، يكون في يد من خرجت له القرعة، وعلى مذهب أبي علي بن خيران يسلم إلى المسلم دون الكافرة؛ لأن كفالة المسلم أصلح ولما يرجى له باعتبار الإسلام ويتعين عليه أن يميل إليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:"وجعلته مسلمًا وأعطيته من سهمان المسلمين حتى يعرب عن نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وعلته أن حكم اللقيط في إسلامه وكفره أنه معتبر
الجزء: 7 - الصفحة: 358
بحكم الدار التي وجد فيها فهي ضربان: دار الإسلام ودار الشرك.
فأما دار الإسلام فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن ينفرد المسلمون بها حتى لا يدخلها مشرك كالحرم فالمنبوذ إذا التقط في مثل هذه الدار محكوم بإسلامه في الظاهر والباطن لامتناع اجتماع الشرك الظاهر في أبويه.
والثاني: أن تكون دار الإسلام قد تخلطهم فيها أهل ذمة كالبصرة وبغداد أو معاهدون كأمصار الثغور فإذا التقط المنبوذ فيها كان مسلمًا في الظاهر دون الباطن وإنما حكمنا بإسلامه ظاهرًا تغليبًا لحكم الدار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى".ولم يحكم بإسلامه ني الباطن قطعًا لجواز أن يكون من ذمي أو معاهد.
والضرب الثالث: أن تكون دار الإسلام قد تنفرد أهل الذمة يسكناها حتى لا يساكنهم فيها مسلم ولا يدخلها مثل يلد من بلاد الشرك فتحه المسلمون صلحًا أو عنوة فأقروا أهله فيه على أن لا يخالطهم غيرهم فإذا التقط المنبوذ فيه كان كافرًا في الظاهر لأن أهل الدار كفار وإن كانت في يد المسلمين عليهم غالبة وأحكام الإسلام فيهم جارية وأما دار الشرك فعلى ثلاثة أضرب أيضًا:
أحدها: ما كان من بلادهم التي ليس فيها مسلم فإذا التقط المنبوذ منها جرى عليه حكم الشرك اعتبارًا بحكم الدار.
والثاني: ما كان من بلاد الشرك فيها مسلمون ولو واحد كبلاد الروم فإذا التقط المنبوذ فيها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مشرك في الظاهر اعتبارًا بحكم الدار.
والثاني: وهو قول أبي علي ين أبي هريرة والظاهر من كلام الشافعي أنه يكون مسلمًا في الظاهر تغليبًا لحكم الإسلام.
والثالث: كان من بلاد الإسلام التي غلب عليها المشركون حتى صارت دار شرك كطرسوس وأنطاكية وما جرى مجرى ذلك من الثغور والمملوكة على المسلمين فإذا التقط المنبوذ فيها نظر فإن كان فيها أحد المسلمين ولو واحدًا جرى على الملقوط فيها حكم الإسلام.
وإن لم يكن فيها أحد من المسلمين أجرى عليه حكم الشرك في الظاهر لبعد للمسلمين عنها وامتناع حكمهم فيها.
فصل: فإن أجرينا عليه حكم الإسلام فقد ذكرنا من أين ينفق عليه إذا كان فقيرًا وهو
الجزء: 7 - الصفحة: 359
على ما مضى من القولين وإن أجرينا عليه حكم الشرك لم يجز أن ينفق عليه من بيت المال إذا كان فقيرًا، لأن ما في بيت المال مصروف في مصالح المسلمين دون المشركين فإن تطوع أحد المسلمين أو من أهل الذمة بالنفقة عليه كان محسنًا لأنها نفس لها حرمة وإن لم يتطوع أحد بالنفقة عليه جمع الإمام أهل الذمة الذين كان المنبوذ بين أظهرهم وجعل نفقته مقسطة عليهم ليكون دينًا لهم إذا ظهر أمره فإن ظهر له أب رجعوا بالنفقة عليه وإن ظهر له سيد رجعوا بها عليه وإن لم يظهر ذلك كانت دينًا عليه يرجعون بها في كسبه إذا بلغ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي:" فإذا أعرب عن نفسه فامتنع من الإسلام لم يبن لي أن أقتله ولا أجبره على الإسلام وإن وجد في مدينة أهل الذمة لا مسلم فيهم فهو ذمي في الظاهر حتى يصف الإسلام بعد البلوغ".
قال في الحاوي: اعلم أن من يجري عليه حكم الإسلام قبل بلوغه على أربعة أقسام:
أحدها: من يجري حكم الإسلام عليه بإسلام أبويه فيصير بإسلامهما مسلمًا.
وروى أبو اليزيد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه كما تناقح الإبل من بهيمة جمعاء هل تحسون من جدعاء" قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" [.فمعنى قوله: يولد على الفطرة.
يريد على للإقرار بأن الله خالقه، لأن جمع الناس على اختلاف أديانهم يعلمون أن الله خالقهم ثم يهود لليهود أبناءهم وينصر للنصارى أبناءهم أي يعلمونهم ذلك وضرب لهم مثلًا بالإبل إذا أنتجت من بهيمة جمعاء والجمعاء هي السليمة وإنما سميت بذلك لاجتماع السلامة لها في أعضائها فتجدع أنوف نتاجها وتفقأ عيونها فأما إذا أسلم أحد الأبوين فإن كان الأب منهما هو المسلم كان ذلك إسلامًا له وإن أسلمت الأم فذهب الشافعي وأبي حنيفة أن إسلامها إسلام له كالأب وقال مالك: لا يكون إسلام الأم إسلامًا له وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلا ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه وينصرانه" فجعل اجتماعهما موجبًا لتهوده دون انفرادها، ولأنها لو أسلمت وهي حامل كان ذلك إسلامًا لحملها إذا وضعت كذلك إذا أسلمت بعد الوقع ولأنها أحد الوالدين فصار الطفل بها مسلمة كالأب، فأما استدلاله بالحرية فقد
الجزء: 7 - الصفحة: 360
يعتبر بالأب كما يعتبر بالأم، ألا ترى أنه لو ولد منه كان الولد حرًا، فإذا ثبت أن الإسلام أحد الأبوين يكون إسلامًا لغير البالغ من أولادهما، فكذلك يكون إسلامًا لمن بلغ منهم مجنونة، لأن المجنون تبع لغيره، فأما البالغ العاقل فلا يكون إسلام الأبوين أو أحدهما إسلامًا له، لأن الإسلام يصح منه، وأما إذا بلغ الكافر عاقلًا ثم جن فهل يكون إسلام أبويه إسلامًا له أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يكون ذلك إسلامًا له، لأنه قد فعل الكفر بنفسه يعد بلوغه فاستقر حكمه عليه.
والوجه الثاني: وهو اختيار أكثر أصحابنا أنه لا يصير مسلمًا، لأنه بزوال العقل وخروجه عن حدّ التكليف قد صار تبعًا فإذا تقرر ما وصفناه وصار الطفل أو المجنون مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما ثم بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن أقاما على الإسلام فقد استلام حكم إسلامها وإن رضيا الكفر لم يقبل منهما وصارا بذلك مرتدين يقتلان إذا أقاما على للردة سواء أقرا بالإسلام بعد البلد والإفاقة أو لم يقرا به.
وقال بعض أصحابنا إن كانا يعد البلوغ والإفاقة قد أقرا بالإسلام والتزما حكمه بفعل عبادته من الصلاة والصيام جعلتهما مرتدين وإن لم يوجد ذلك متهما لم أحكم بردتهما، لأن جريان حكم الإسلام عليهما تبعًا لضعف من جريان حكمه عليهما إقرارًا وعملًا وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطٌّور: 21].فأخبر بإيمان الذرية تبعًا لآبائهم فلم يجز أن ينتقل حكم الإيمان عنهم ولأن ما أوجب إسلامه أوجب إلزامه كالإقرار فهذا حكم القسم الأول.
فصل: والقسم الثاني: أن يجري عليه حكم الاسم بإسلام السابي له من بلاد الشرك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون السبي بعد البلوغ فلا يكون بإسلام سابيه مسلمًا ويكون حكم الكفر عليه جاريًا.
والثاني: أن يكون سبته قبل البلد فهذا على ضربين:
أحدهما: أن كون مسببًا مع أبويه أو أحدهما فلا يكون حكمه حكم سابيه، لأن إلحاق حكمه بأبويه أقوى من إلحاق حكمه بسابيه ويكون على حكم الكفر استصحابًا لدين أبويه.
والثاني: أن يسبى وحده دون أبويه ففيه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يتيح سابيه في الإسلام ويكون حكمه ني الشرك حكم أبويه؛ لأن يد السابي يد استرقاق فلم توجب إسلامه كالسيد.
والوجه الثاني: أنه يتبع السلبي في إسلامه؛ لأنه قبل البلد تبع لغيره فهو أخرجه
الجزء: 7 - الصفحة: 361
بسبيه عن أبويه من أن يكون تبعًا لهما، قصار تبعًا لمن صار إليه بعدهما، فعلى هذا يجري عليه قبل بلوغه أحكام السابي في العبادات والاقتصاص من المسلم إذا جني عليه، وإذا مات صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين وإن بلغ واستصحب الإسلام قولًا وعملًا ثم رجع عنه صار برجوعه مرتدًا، وإن وصف الكفر عند بلوغه فهل يحكم بارتداده أم لا؟ على وجهين مضى توجيههما فهذا حكم القسم الثاني.
فصل: والقسم الثالث: أن يجري عليه حكم الإسلام بنفسه إقرارًا واعترافًا بشروطه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد بلوغه فهذا مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
والثاني: أن يكون ذلك قبل بلوغه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك منه في طفولته وعدم تمييزه فلا يكون بذلك مسلمًا، لأنه لا حكم لقوله ولا يصل إلى معرفة حق من باطل ولا صحيح من فاسد.
والثاني: أن يكون مراهقًا مميزًا يصل بذهنه إلى معرفة الحق من الباطل ويميز ما بين الشبهة والدليل ففي الحكم بإسلامه إذا وصفه على شروطه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الظافر من مذهب الشافعي أنه لا يصير مسلمًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه".
فرفع القلم عنه قبل البلوغ في جميع أحواله، وجمع بينه وبين المجنون في سقوط تكليفه، ولأن عقود المعاملات أخف حالًا من شروط الإسلام، فلما امتنع قبل البلوغ أن تصح منه للعقود فأولى أن يمتنع منه شروط الإسلام.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أن يصير مسلمًا؛ لأنه قد يصل إلى معرفة الدليل كما يصل إليه البالغ وخالف الطفل والمجنون، ولأن عليًا عليه السلام أسلم قبل بلوغه فحكم بصحة إسلامه؛ فعلى هذا إن بلغ فرجع عن الإسلام صار مرتدًا.
والثالث: أن إسلامه يكون موقوفًا، فإن استدام ذلك بعد بلوغه علم أنه تقدم إسلامه، وإن فارقه بعد البلوغ علم أنه لم يكن مسلمًا، وعلى هذا الوجه يحتمل إسلام علي عليه السلام في قول من إسلامه إلى ما قبل البلوغ، وأنه لما استدامه بعد البلوغ علم به صحة ما تقدم إسلامه فهذا حكم القسم الثالث.
والقسم الرابع: أن يجري عليه حكم الإسلام بالدار، وهذا هو اللقيط، وقد قسمنا أحواله التي تجري عليه بها حكم الإسلام أو حكم الشرك، فان أجرينا عليه أحكام الشرك فبلغ ووصف الإسلام بعد بلوغه استوثق به حكم الإسلام من حينئٍذ، وإن أقام على الشرك
الجزء: 7 - الصفحة: 362
أقر عليه من تخويف ولا إرهاب، وإن جرى عليه حكم الإسلام فذلك ضربان:
أحدهما: أن يجريه عليه في الظاهر والباطن على ما ذكرنا من التقاطه في بلاد الإسلام التي لا يدخلها مشرك، فهذا لا يقبل منه بعد البلوغ الرجوع عنه ويكون إن رجع عنه مرتدًا.
والثاني: أن يجري عليه حكم الإسلام في الظاهر دون الباطن، فما لم يبلغ فحكم الإسلام جاٍر عليه، فإن مات غسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وإن قتله مسلم فعليه دية مسلم وفي وجوب الاقتصاص منه قولان:
أحدهما: يقتص منه لجريان حكم الإسلام عليه.
والثاني: لا يقتص منه لاحتمال حاله، وأنه ربما وصف الكفر بعد بلوغه فلم يجز أن يراق دم بالشبهة، فإن وصف الإسلام قولًا وأقام عليه فعلًا استقر حكم إسلامه وجرى القصاص على قاتله، وإن رجع عنه إلى الشرك أرهب وخوف لرجوع عن الإسلام، فإن أبى إلا أن يكون مشركًا سئل عن سبب شركه، فإن قال: لأن أبي مشرك وصرت لأتباع أبي مشركًا ترك لما اختاره من الشرك لاحتماله، وأجرى عليه أحكام الشرك؛ لأننا لم نكن حكمنا بإسلامه قطعًا وإنما حكمنا به تغليبًا.
فإن قال: لست أعرف دين أبى ولا أعلمه مسلمًا ولا مشركًا ولكني أختار الشرك ميلًا إليه ورغبة فيه ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه؛ لأنه لم يكن مقطوعًا بإسلامه.
والثاني: هو الأصح أنه لا يقبل منه ويجعل إن أقام عليه مرتدًا إلا أن يدعي شرك أبيه فيقبل منه ويقر عليه ليكون في الشرك تبعًا ولا يكون متبوعًا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو أراد الذي التقطه الطعن به فإن كان يؤمن لأن يسترقة فذلك له وإلا متعة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا التقطه مقيم ثم أراد بعد حصوله في كفالته وإقراره في يده جاز أن يسافر به بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون قد اشتد بدنه بحيث يقوى على السير فإن كان طفلًا لا يحتمل السير لم يجز.
والثاني: أن يكون السفر مأمونًا لا يخاف عليه من غلبة مسترق فإن خيف ذلك عليه.
[لم يجز]
الجزء: 7 - الصفحة: 363
والثالث: أن يكون المسافر مأمونًا عليه فلا يسترقه ولا يسيء إليه فإن خيف ذلك لم يجز.
والرابع: أن يكون بنية للعود إلى بلده، فإن لم يرد العود وسافر متنقلًا ففي تمكينه منه وجهان:
أحدهما: أنه يمكن، لأنه قد صار في استحقاق كفالته كالأب الذي يجوز له أن يأخذه من الأم في سفر نقلته.
والثاني: لا يجوز لما في نقله من إضاعة ما كنا نرجوه من ظهور نسبة ولهذا للمعنى جعلنا للمقيم إذا شارك في التقاطه مسافرًا أولى به.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وجنايته خطأ على جماعة المسلمين".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجنايته ضربان على نفسر أو مال فإن كانت على مال فهي في ماله صغيرًا كان اللقيط أو كبير موسرًا أو معسرًا فإن كان له ماله دفع منه غرم جنايته وإن لم يكن له مال كان دينًا عليه إذا أيسر أداه فإن كانت جنايته على نفسر آدمي فضربان عمد وخطأ فإن كانت خطأ فعلى عاقلته وإن لم يكن له عصبة يعقلون عنه ففي بيت المال، لأن جماعة المسلمين عاقلته.
ألا تراه لو مات بلا وارث كان ميراثه لبيت المال لجماعة المسلمين وإن كانت جنايته عمدًا يوجب العود فله حالان:
أحدهما: أن يكون بالغًا القود واجب عليه في نفس كانت الجناية أو في طرف.
والثانية: أن يكون صبيًا فلا قود عليه لارتفاع القلم عنه وفي محل الدية قولان من اختلاف قوليه في عمد الصبي هل يجري مجرى الخطأ أو مجرى العمد الصحيح وإن سقط عنه القود فإن قيل إنه يجري مجرى الخطأ كانت الدية في بيت المال مؤجلة كلية الخطأ وإن قيل إنه عمد صحيح وإن سقط عنه القود كانت الدية في ماله حالة فإن أعسر بها كانت دينًا عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "والجناية عليه على عاقلة الجاني فإن قتل عمدًا فللإمام القود أو العقل وإن كان جرحًا حبس له الجارح حتى يبلغ فيحتار القود أو الأرش فإن كان معتوهًا فقيرًا أحببت للإمام أن يأخذ الأرش وينفقه عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الجناية على اللقيط من أن تكون
الجزء: 7 - الصفحة: 364
عمدًا أو خطأ فإن كانت خطأ فهي على عاقلة الجاني في نفس كانت أو طرف ودينه دية حر مسلم ما كان على حاله اعتبارًا بالأغلب من حكم الدار في الحرية والإسلام.
وإن كانت عمدًا فضربان في نفس أو طرف فإن كانت في نفس استحق فيها دية حر مسلم وفي استحقاق القود إن كان القاتل حرًا مسلمًا قولان أصحهما عليه القود اعتبارًا بالأغلب من حاله وحال الدية في قتله.
والقول الثاني: لا قود، لأنه حد يدرأ بالشبهة وكان بعض أصحابنا يحمل اختلاف هذين القولين على اختلاف حالين فيقول إن كان قتله قبل البلوغ وجب القود على قاتله وإن كان بعد البلوغ فلا يجب، لأنه يقدر على إظهار حاله وهذا الفرق مسلوب المعنى، لأنه إن اعتبر حال الشبهة ففي الحالين وإن اعتبر حال الظاهر ففي الحالين فلم يكن للفرق بينهما وجه فإن قلنا بإسقاط القود أخذت الدية لبيت المال وإن قلنا بوجوب القود كان للإمام عن كافة المسلمين مخيرًا فيما يراه أصلح لجماعتهم من القرد لئلا يسرع الناس إلى قتل النفوس وأخذ الدية.
فصل: وإن كانت الجناية عليه في طرف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون بالغًا بالخيار بين أن يأخذ الدية أو يقتص لنفسه على ما ذكرناه من القولين:
والثاني: أن يكون غير بالغ فان قلنا بإسقاط القود على أحد القولين فليس له إلا دية الطرف ويأخذها الإمام له لينفق عليه منها أو يضم إلى ماله إن كان غنيًا.
وإن قلنا بوجوب القود على الصحيح من المذهب فللقيط أربعة أحوال:
إحداها: أن يكون عاقلًا غنيًا فعلى الإمام أن يحبس الجاني عليه إلى أن يبلغ فيختار القود أو الدية ولا يجوز للإمام أن يقتات عليه في أمرها كما لا يجوز لأب الطفل أن يقتات عليه فيما استحقه من قود أو دية.
والثانية: أن يكون معتوهًا فقيرًا فينبغي للإمام أن يأخذ الدية من الجاني لينفق منها عليه ويعفو عن القود لأمرين:
أحدهما: ظهور المصلحة بعد حاجته بالفقر.
والثاني: بقاؤه في الأغلب على عتهه بعد البلوغ.
والثالثة: أن يكون عاقلًا فقيرًا ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحبس قاتله ليختار لنفسه ما شاء من قود أو دية تعليلًا بظهور عقله.
والثاني: أن الإمام يأخذ له الدية ويعفو عن القود تعليلًا بحاجته وفقره، ولو بلغ فاختار القود ورد الدية ففيه وجهان: أحدهما له ذلك والثاني ليس له وعفو الإمام كعفو، وهذان الوجهان بناء على عفو الولي عن نفقته هل له المطالبة بها بعد لوغه أم لا على وجهين.
الجزء: 7 - الصفحة: 365
والرابعة: أن يكون معتوهًا غنيًا فعلى وجهين:
أحدهما: يحبس قاتله ليختار لنفسه بعد بلوغه وإفاقته فإما اعتبارًا بغيابه عن الدية.
والثاني: أن للإمام أن يأخذ الدية ويعفو عن القرد اعتبارًا بعتهه وعدم إفاقته في الأغلب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وهو في معني الحر حتى يبلغ فيقر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا نقطع بحرية اللقيط ولا نعم فيه أحكام العبد أما عدم القطع بحريته فلإمكان ما عداها من الرق.
وأما إسقاطها تغليبًا لأحكام الرق فلأن الأغلب من دار الإسلام الحرية كما كان الأغلب فيها الإسلام وإنما اختلف قول الشافعي في ظاهر أمره فأحد القولين إنه حر في الظاهر وإن جاز أن يكون عبدًا كما أجرينا عليه حكم الإسلام في الظاهر وإن جاز أن يكون كافرًا ولأن الرق طارئ والحرية أصل فلأن يجري في الظاهر على حكم الأصل أولى.
والثاني: أنه مجهول الأصل لإمكان الأمرين وأن الرق قد يجوز أن يكون مستحقا فلم يجز أن نحكم بتغليب غيره عليه وليس كالكفر
الذي هو باطل فجاز تغليب الإسلام عليه ومن هذين القولين خرج القولان في استحقاق القود من الحر.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "فإن أقر الرق قبلته ورجعت عليه بما أخذه وجعلت جنايته في عنقه".
قال في الحاوي: أما إقرار اللقيط قبل بلوغه فغير معمول عليه في حرية ولا في رق فإذا بلغ صار إقرار حينئٍذ معتدًا فإن ادعى الحرية وأنكر الرق كان قوله فيها مقبولًا وصار حرًا في الظاهر والباطن ما لم يقم بينة برقه ولا يقبل منه الإقرار بالرق بعد ادعاء الحرية كما لو بلغ فأقر بالإسلام لم يقبل منه الرجوع إلى الكفر فأما إذا أقر بالرق فإن جعلناه مجهول الأصل كان إقراره بالرق مقبولًا وإن جعلناه حرًا في الظاهر ففي قبول إقراره بالرق وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه إلا أن تقوم بينة، لأنه خلاف ما أجرى عليه من حكم الظاهر وحكاه أبو حامد المروزي في جامعه.
والثاني: وهو الصحيح الظاهر من كلام الشافعي أن إقراره به مقبول وإن كان قد أجرى عليه في الظاهر حكم الحرية كما يقبل إقراره بالكفر إن أجرى عليه في الظاهر حكم
الجزء: 7 - الصفحة: 366
الإسلام ثم يجري عليه حكم الرق في المستقبل من أمره إن جني أو جني عليه فأما في الماضي من أمره فقد ذكر الشافعي ما سوى الجناية فيما بعد وقدم ذكر الجناية في هذا الموضع والنفقة عليه أما الجناية فالكلام فيها يشتمل على فصلين أحدهما فيما جنى عليه والثاني فيما جناه على غيره.
فأما الجناية عليه فلا يخلو ما أخذه من أرشها بالحرية من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستوي أرشها بالحرية والرق فلا يراجع فإن كانت عمدًا وعرفها الجاني من ماله فقد غرم ما لزمه وإن كانت خطأ تحملتها عاقلته ففي رجوع العاقلة بها قولان بناء على اختلاف قوليه في تحمل العاقلة بالجناية على العبد.
والثاني: أن يكون أرشها في الرق أقل من أرشها في الحرية كأنها في الحرية ألف وفي الرق مائة فيسترجع منه ما زاد على أرش الرق وذلك بتسعمائة فإن كانت بعينها في يده أو كان بدلها موجودًا من كسبه ليسترجعه الجاني أو عاقلته، وإن كانت غير موجودة في يده ولا بد لها من كسبه نظر فإن كان الحاكم قد أنفقها عليه في صغره استحق الجاني الرجوع بها على سيده كما يرجع عليه بالقبض في النفقة عليه وهكذا لو كان المنفق لها على نفسه، لأن نفقته واجبة على سنده وإن لم يتصرف في نفقته لم يلزم السيد غرمها لأنها لم تصر في يديه ولا انصرفت في واجب عليه ثم ينظر فإن كان الحاكم قد أخذ ذلك في صغره ولم تصر إلى يده لتلفه لم يجب غرمه وكانت الزيادة هدرًا وإن كان هو القابض لها في كبره أو دفعها الحاكم إليه بعد كبره تعلق غرمها بذمته بعد عنقه ويساره لغروره ولم تتعلق برقبته.
والثالث: أن يكون أرشها في الرق من أرشها في الحرية بأن كانت في الحرية مائة وفي الرق ألف ففي استحقاق الزيادة بالرق قولان:
أحدهما: يستحق إلا أن يعترف الجاني بها ولا يقبل قوله فيها مع الإنكار لها لمكان للتهمة وهذا على القول للذي نجعله فيه حرًا في الظاهر.
فصل: وأما الجناية على غيره فلا يخلو ما دفعه في أرشها بالحرية من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستوي أرشها في الحرية والرق فليس للمجني عليه إلا ما أخذه ثم ينظر فإن كانت جنايته فقد أرشها من ماله أو كسبه كذلك ولن كانت خطأ أخذت من بيت المال وجب ردها فيه، لأن جناية العبد في عنقه دون بيت المال والسيد بالخيار بين أن يغرمها أو يبيع رقيقه فيها فإن ضاقت الرقبة عند بيعها عن غرم جميعها لم يلزم السيد ما بقي وهل يرجع به على المجني عليه في حق بيت المال أم لا على قولين.
والثاني: أن يكون أرشها بالرق أكثر من أرشها بالحرية فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون رقبة العبد تتسع للزيادة فيستحق المجني عليه الرجوع بها في
الجزء: 7 - الصفحة: 367
رقبة العبد إلا أن يفديه السيد منها.
والثاني: أن تكون رقبة العيد تضيق عن الزيادة ففيها قولان:
أحدهما: تكون هدرًا.
والقول الثاني: أنها مستحقة فإن فداه السيد وإلا بيع فيها.
والثالث: أن يكون أرشيا بالرق أقل من أرشها بالحرية ففي قول قوله في استرجاعها قولان:
أحدهما: يقبل قوله ويسترجع وهذا على القول الذي نجعله فيه مجهول الأصل.
والثاني: لا يقبل قوله فيها ولا يسترجع وهذا على للقول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر.
فصل: فأما النفقة التي أنفقها الحاكم عليه في صغره فان كانت من بيت المال لم تسترجع من السيد، لأنها دفعت من سهم المصالح وقد جعل ذلك مستحقًا فيه وإن كانت قرضًا اقترضه الحاكم من واحد أو عدد وجب على السيد غرمها وردها عليهم لوجوبها بحق الملك.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو قذفه قاذف لم أجد له حتى أساله فإن قال أنا حر حددت".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط قذفه قاذف بالزنى فإن كان اللقيط صغيرًا فلا حدّ على قاذفه، وإن كان كبيرًا لم يعجل إلى حدّ القاذف حتى يسأل اللقيط المقذوف لا يختلف فيه، لجواز أن يكون حرًا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جنب المؤمن حمى" فإن أقر بالرق ولم يدع الحرية فلا حدّ على قاذفه، لأن قاذف العبد لا حد عليه فان ادعى الحرية فإن صدقه عليها القاذف حدّ له حدًّا كاملًّا وإن كذبه وادعى رقه فعلى القول الذي نجعل فيه اللقيط مجهول الأصل يكون للقول فيه قول القاذف ولا حدّ عليه وعلى للقول الذي نجعل اللقيط فيه حرًا في الظاهر ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أن للقول قول اللقيط ويحدّ قاذفه كما يقتل هذا للقول قاتله.
والثاني: أن القول قول قاذفه ولا حدّ عليه وإن قتل قاتله وفرق قائل هذا الوجه من أصحابنا بين القتل والقذف بأن المقذوف حي يسكنه إقامة البينة على حريته فإذا عجز عنها ضعف حاله والمقتول لا يقدر على إقامة البينة على حريته بعد قتله فعمل فيه على ظاهر حاله كالدية؛ فمن قال بهذا اختلفوا في قبول قوله في القرود إذا كان في طرف فمن أصحابنا من أجراه مجرى للقذف ولم يقبل قول اللقيط فيه لتمكنه من إقامة البينة على
الجزء: 7 - الصفحة: 368
حريته ومنهم من أجراه مجرى القتل في للنفس وقبل قوله في حريته إلحاق! له بالقتل الذي هو من جنسه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "قاذفه وإن قذف حرًا حد".
قال في الحاوي!: وصورتها في لقيط قذف حرًا بالزنى فإن كان قبل بلوغه فلا حدّ عليه لارتفاع القلم عنه وإن كان بعد بلوغه فما لم يدع المقذوف حريته لم يكمل حدّه وإن ادعى حريته فإن اعترف له اللقيط بالحرية حدّ لقذفه حدًا كاملًا ثمانين وإن أنكر الحرية وادعى الرق فعلى القول للذي نجعله فيه مجهول الأصل القول قوله وليس عليه إلا حدّ العبيد نصف الحد وعلى للقول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القول قول المقذوف وبحد له اللقيط حدًا كاملًا تغليبًا لظاهر حاله.
والثاني: أن القول قول اللقيط القاذف وليس عليه إلا حد العبيد نصف الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
والثالث: أنه إن كان عند ادعاء الرق أقر لسيد بعينه قبل قوله وحد حدّ العبيد لاستقرار رقه فتعين المالك وإن لم يعينه وادعى رقأ مطلقة لغير سيد بعينه لم يقبل قوله وحدّ الأحرار ثمانين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "وسمعته يقول اللقيط حر لأن أصل الآدميين الحرية إلا من ثبتت عليه العبودية ولا ولاء عليه كما لا أب له فإن مات فميراثه لجماعه المسلمين.
قال المزني: هذا كله يوجب أنه حر.
قال المزني رحمه الله: وقوله المعروف أنه لا يحد القاذف إلا أن تقوم بينة للمقذوف أنه حر لأن الحدود تدرًا بالشبهات".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا ولاء على اللقيط لملتقطه ولا لغيره من المسلمين ما لم يثبت عليه رق.
وقال أبو حنيفة الولاء ثابت عليه لملتقطه دون غيره.
إذا حكم له الإمام بولاية وقال مالك ولاؤه ثابت لجماعة المسلمين.
واستدل من أثبت عليه الولاء بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليجوز للمرأة ثلاثة مواريث؛ ميراث عتيقها، وميراث لقيطها، وميراث ولدها الذي لاعنت عليه، وبما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل التقط منبوذًا: "لك ولاؤه وعلينا نفقته" قال: ولأنه منهم فجاز أن يستحق الولاء المعتق.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن
الجزء: 7 - الصفحة: 369
أعتق".
فانتفى الولاء بذلك عمن لا يعتق ولأن من لم يثبت عليه رق لم يستأنف عليه ولاء كالحر الأصلي ولأن ما استحق بالرق انتفى عن غير الرق كالملك، ولأن من جرى عليه حكم الحرية في أصله جرى عليه حكم الحرية في فرعه كالمعروف بالحرية طردًا وبالعبودية حكمًا.
فأما الجواب عن الخبر إن صح فحمله على أحد وجهين إما على ميراثه إذا دعته ولدًا أو على ميراثه إذا دعته عبدًا وأما قول عمر رضوان الله عليه: "لك ولاؤه وعلينا نفقته" فيحمل على الكفاية والولاية دون الولاء، وأما الجواب عن قولهم إنه منعهم فمنتقض بمن استنفذ غريقًا أو أجار مظلومًا أو منح فقيرًا فإذا ليت هذا فميراثه في بيت المال كالحر الذي لا وارث له.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله عليه: "ولو ادعاء الذي وجده ألحقته به فإن ادعاه آخر أريته القافة فإن ألحقوه بالآخر أريتهم الأول فإن قالوا إنه ابنهما لم ننسبه إلى أحدهما حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما وإن لم يلحق بالآخر فهو ابن الأول".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في رجل وجد لقيطًا فادعاه ولذا فدعواه مسموعة وقوله مقبول ويحكم له ببنوته سواء ادعاه مع التقاطه أو بعده، لأنه لا منازع له ليمنع منه وينبغي أن يسأله الحاكم استظهار من أين صار ولدك أمن أمة أو زوجة في نكاح أو شبهة فإن أغفل كل ذلك جاز، لأن قوله فيه مقبول فإن جاء آخر، لأن قوله فيه مقبول، فإن جاء آخر إلحاقه بالواجد فادعاه ولدًا لم يقبل قوله بمجرد الدعوى، لآن الأول بادعائه له قد صار دافعًا لدعواه ولا يمنع منها لاحتمالها وأن إلحاقه بالأول إنما كان تغليبًا لصدقه عند عدم المنازع وإذا كان كذلك وجب أن يرى الثاني مع الولد القافة، لأن فيها بيان عند التنازع في الأنساب فإن نفوه عن الثاني استقر لحوقه بالأول استصحابًا لسابق الحكم وإن ألحقوه بالثاني عرض عليهم الولد مع الأول فإن نفوه عن الأول لحق بالثاني وانتفى عن الأول، لأن القافة حجة في إثبات الأنساب وكالبينة فكانت أولى من إلحاقه بدعوى الأول فإن أقام الأول بعد إلحاق القافة له بالثاني بينة على الفراش بأربع نسوة عدول يشهدون أنه ولد على فراشه لحق بالأول ببينته وكان أولى من إلحاق القافة له بالثاني بشبهة، لأن حكم الشبه يسقط مع ثبوت الفراش ألا ترى لو أن ولدًا على فراش رجل فادعاه آخر وألحقته القافة به لم يلحق وكان ولد صاحب الفراش لتقديم الفراش على حكم الشبه.
فصل: وإن قالت القافة حين رأوه مع الثاني يشبهه كشبهه بالأول لم يلحق بهما ولو
الجزء: 7 - الصفحة: 370
بواحد منهما لعدم البيان في القافة ووجب أن يوقف أمر حتى يبلغ الولد إلى زمان الانتساب فينسب إلى أحدهما وفي زمان انتساب قولان:
أحدهما: البلوغ، لأنه لا حكم لقوله قبله.
والثاني: إلى أن يميز باستكمال السبع أو الثمان وهي الحال التي يخير فيها بين أبويه عند تنازعهما في الحضانة فإن قيل فهلا إذا عدم البيان في القافة أقرّ على بنوة الأول بما تقدم من إلحاقه به إذا لم يقابل بما يوجب لحوقه بغيره كالمال إذا نوزع صاحب اليد في ثم تعارضت البينتان فأسقطنا حكم تملكه لصاحب اليد: قيل الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن اليد تدل غلى الملك فجاز عند تعارض البنتين أن يحكم بها ولا تدل على النسب فلم يجز أن يحكم بها وإنما حكمنا بما سبق من الدعوى دون اليد وهذا فرق أبي علي بن أبي هريرة وفيه دخل، لأنه يمكن أن يقال فهلا إذا كانت الدعوى في النسب كاليد في الملك وجب أن يحكم بها عند سقوط الحجج بالتعارض كاليد.
والثاني: أن الأموال ليس لها بعد تعارض البينات بيان ينتظر فجاز أن يحكم باليد بالضرورة عند فوات البيان وليس كذلك حال النسب، لأن انتساب الولد عنه بلوغه حال منتظرة يقع البيان بها فلم يحكم بما تقدم من الدعوى لعدم الضرورة وهذا فرق أبي الحسين بن القطان ويدخل عليه فوت البيان بموت الولد.
فصل: فإذا ثبت أن النسب موقوف على بلوغ الولد لينسب إلى أحدهما أخذ به الولد بعد البلوغ فإذا انتسب صار لاحقًا بمن انتسب إليه منتفيًا عن الأخر فلو رجع فانتسب إلى الآخر لم يقبل منه للحقوقه بالأول بانتسابه الأول فلو وقف على الانتساب إلى أحدهما فانتسب بعد البلوغ إلى غيرهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه، لأن القافة قد وقفته عليهما فلم يجز أن يعدل بالانتساب إلى غيرهما كما لو ألحقته القافة لم يكن له أن ينتسب إلى غيره.
والثاني: يقبل منه ويصير ملحقًا بمن انتسب إليه، لأن وقفته بينهما لا يمنع دعوى غيرهما.
فصل: وإذا تداعيا بنوة اللقيط رجلان ولم يسبق أحدهما بدعواه فيلحق به ولم يكن لواحد منهما بينه تشهد بولادته على فراشه رجع فيه إلى بيان القافة فإذا ألحقوه بأحدهما لحق به دون الآخر.
وقال أبو حنيفة إن وصف أحدهما علامة غامضة في جسد المولود فهو أحق به، لأن علمه بذلك دليل على صدقه وهذا خطأ، لأنه قد يرى ذلك غير الوالد ولا يراه الوالد ولأنه لما لم يجز أن تدفع اللقطة بالصفة فالنسب أولى أن لا يثبت بالصفة.
الجزء: 7 - الصفحة: 371
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ ادَّعَى اللََّقِيط رَجُلاَنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُمَا بَيَنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ جَعَلْتُهُ لِلَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ أَوَّلاٌ وَلَيْسَ هَذَا كَمِثْلِ المَالِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجلين تنازعا كفالة اللقيط دون نسبه وادعى كل واحد منهما أنه التقطه دون صاحبه وأقام كل واحد بما ادعاه بينة والبينة هاهنا شاهدان لا غير، لأنها ليست على مال وإنما هي على استحقاق كفالة تثبت بها ولاية فإن شهدت إحدى البينتين لأحدهما بتقديم يده كان المقدم غليه أولاهما به، قال الشافعي وليس كالمال، لأن المتنازعين في المال إذا أوجبت بينتاهما تقدم يد أحدهما كان فيها قولان:
أحدهما: أن المتقدم إليه أولى كالمتنازعين في الكفالة.
والثاني: أنهما سواء ويقدم في الكفالة من تقدمت يده.
والفرق بينهما أن المال قد يصح انتقاله بحق من يد إلى يد فجاز أن يستوي فيه اليد المتقدمة واليد المتأخرة والكفالة لا يصح انتقال اللقيط فيها بحق من يد إلى يد فوجب أن يحكم بها لمتقدم اليد، فإن تعارضت بينتاها أو أشكلتا لعدم المنازع ففيه قولان:
أحدهما: يقرع بينهما ويستحقه من فرع.
والثاني: يسقطان ويتحالفان حلفا أو نكلا فقد استويا وصارا كالملتقطين له معًا فيكون على ما مضى من الوجهين أحدهما يقرع بينهما ويستحقه من قرع منهما والثاني: يجتهد الحاكم في أحظها.
فصل: ولو ادعى أحد المتنازعين فيه أنه ولده وتفرد الآخر بادعاء الكفالة دون الولادة حكم به ولدًا لمدعي نسبه، لأنه غير منازع في نسب وصار أولى بكفالته، لأن الوالد أحق بالكفالة من الملتقط وهكذا لو استقرت يد الملتقط في الكفالة ثم رجاء رجل فادعاه ولدًا لحق به نزع من يد ملتقطه وصار من جعلناه أولى بكفالته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَدَعْوَةِ المُسْلِمِ وَالعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا تداعى نسب اللقيط حر وعبد ومسلم وذمي فهما في دعوة النسب سواء تداعى كالحرين وكالمسلمين، وقال أبو حنيفة: يقدم الحر على العبد والمسلم على الكافر استدلالاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى "فلم يجز أن يتكافأ المسلم والذمي في الدعوى قال: ولأنه لما أجري على اللقيط حكم
الجزء: 7 - الصفحة: 372
الحرية والإسلام صار الحر والمسلم أقوى حالاً من العبد والكافر لاتفاقهما في الحكم واشتراكهما في الصفة ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر "فأثبت الولد للفراش ودون الاشتراك في الحرية والدين ولأن كل من سمعت دعواه إذا كان منفردًا لم يدفع عنها إذا كان منازعًا كالحرين والمسلمين ولأن كل دعوى لا يمنع الذمي منها مع البينة لم يدفع عنها بغير بينة كالمال، فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى "فمن علوه الانقياد لحقوق أهل الذمة على أن علوه باليد ونفوذ الحكم ونحن نجري على الولد وإن لحق به أحكام الإسلام، وأما قوله إنه موافق لحال الحر والمسلم دون العبد والكافر فهذا فاسد بتفرد العبد والكافر بادعائه وبمسلم وكافر تنازعا لقيطًا في دار الحرب فقد أجرى عليه حكم الشرك فإنهما فيه سواء ولا يغلب الكافر على المسلم لحكم الدار كذلك في دار الإسلام يغلب المسلم على الكافر لحكم الدار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "غَيَرَ أَنَّ الذِّمِّيِّ إِذَا ادَّعَاهُ وَوُجِدَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ فَأَلْحَقْتُهُ بِهِ أَحْبَبْتُ أّنْ أَجْعَلَهُ مُسْلِمًا فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ وَأَنْ آمُرّهُ إِذَا بَلَغَ بِالإِسْلاَمِ مِنْ غَيْرِ إِجْبَارٍ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى: إِنَّا نَجْعَلُهُ مُسْلِمًا لأَنَّا لَ نَعْلَمُهُ كَمَا قَالَ.
قَالَ المُزَنِيُّ: عِنْدِيِ هَذَا أَوْلَى بِالحَقُ لأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ لَمْ يَزلْ حَقُّهُ بِالدَّعْوَى فَقَدْ ثَبَتَ لِلإِسْلاَمِ أَنّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَجَرَى حَكْمُهُ عَلَيْهِ بِالدَّارِ فَلاَ يَزُولُ حَقُّ الإِسْلاَمِ بِدَعْوَى مُشْرِكِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهُ بَعْدَ أَنْ عَقَلَ وَوَصَفَ الإِسْلاَمِ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ وَمَنَعْنَاهُ أَنْ يَنْصُرَهُ فَإِذَا فَامْتَنَعَ مِنَ الإِسْلاَمِ لَمْ يَكُنْ مُرْتَدَّا نَقْتُلُهُ وَأَحْبِسُهُ وَأُخِيفُهُ رَجَاءَ رُجُوعِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُُ: قِيَاسُ مَنْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا أَنْ لاَ يَرُدَّهُ إِلى النَّصْرانِيَّةِ".
قال في الحاوي: وصورتها في ذمي ادعى لقيطًا ولدًا وألحقناه به نسبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلحق به بعدما صار مسلمًا وصلى وصام والتزم شرائع الإسلام فهذا يجري عليه حكم الإسلام وإن لحق نسبه بذمي، لأن فعله للإسلام أقوى من إتباعه لغير في الكفر فهل يصير بوصف الإسلام قبل البلوغ مسلمًا حتى لو رجع بعد البلوغ صار مرتدًا أم لا على ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة:
أحدها: أنه لا يصير بذلك مسلمًا وسواء ألحق بالذمي بمجرد الدعوى أو ببينة شهدت له بأنه ولد على فراشه.
والثاني: أن يلحق به في صغره وطفولته وقبل صلاته وصيامه فهذا على ضربين:
الجزء: 7 - الصفحة: 373
أحدهما: أن يلحق به ببينه تشهد بأنه ولد على فراشه فهذا تجري عليه أحكام الكفر تبعًا لبيه، لأن قيام البينة العادلة لولادته على فراشه تأصل عن حكم الأصل في ظاهر الدار.
والثاني: أن يلحق به بمجرد الدعوى من غير بينة ففيه قولان:
أحدهما: ينقل من حكم الإسلام إلى حكم الكفر، لأنه صار لاحقًا بكافر فصار الظاهر غير ذلك الظاهر.
والثاني: وهو اختيار المزني أنه يكون باقيًا على حكم الإسلام ولا ينقل عنه للحوقه بكافر، لأن حكم الدار أقوى من دعوى محتملة فعلى هذا إن خيف عليه من افتتانه بدين أبيه حيل بينه وبين أبيه وأخذ بنفقته حتى يبلغ فإن بلغ ووصف الإسلام تحقق حكمه فيه وإن وصف الكفر ومال إلى دين أبيه أرهب وخوف رجاء عوده فإن أبي إلا المقام على الكفر فبعدًا له ولا يصير بذلك مرتدًا ويقر على ما اختاره لنفسه من الكفر، لأن فعله أقوى حكمًا من غالب الدار.
فصل: فعلى هذا لو كان أبوه يهوديًا فقال وقد بلغ: لستُ يهوديًا ولا مسلمًا وإنما على غير اليهودية من الملل كالنصرانية والمجوسية ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل منه ويقر عليه، لأن الكفر كله ملة واحدة.
والثاني: لا يقبل منه ما أراد الانتقال إليه من الكفر ولا يعاد إلى دين أبيه لإقراره بأنه ليس إلا على الإسلام فإن أباه صار مرتدًا.
فصل: وإذا لحق اللقيط بمدعيه عند عدم منازع من مسلم أو كافر فبلغ وأنكر نسبه وادعى نسبًا غير لم يقبل منه إلا ببينة تثبت بولادته على فراش غيره، لأن لحوق نسبه لم يراع فيه قبول الوالد فيؤثر فيه إنكاره وإنما يراعي ذلك منه في إدعاء نسبه بعد البلوغ فلذلك أثر فيه إنكاره بعد البلوغ.
فصل: فإذا ادعى العبد لقيطًا ولدًا فإن صدقه سيد في إدعائه لحق به وإن كذبه فيه ففي قبول دعواه وإلحاق نسبه به وجهان:
أحدهما: لا يقبل كما لا يقبل إقراره باب لما فيه من إزاحته عن الميراث بالولاء لمن أعتقه.
والثاني: يقبل منه، لأنه قد أدخله تحت ولايته بخلاف الأب وإذا لحق اللقيط بالعبد لم يصر بذلك عبدًا، لأنه في الرق تبعًا لأمه دون أبيه ولا يسمع قول العبد أنه من أمه، لأنه لا حق له في رقه وغنما يسمع ذلك من سيد أمة تدعيه ولدًا لها ليصير له بهذه الدعوى عبدًا فإن حضر من ادعى عليه هذه الدعوى كان على ما سنذكره في ادعاء رقه فلو كان العبد قد أعتق فادعى بعد عتقه ولدًا فإن أمكنه أن يكون مولودًا بعد عتقه لحق به صدق السيد أو كذب وإن لم تكن ولادته بعد عتقه ففي لحوقه به مع تكذيب السيد وجهان مضيا.
الجزء: 7 - الصفحة: 374
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ دَعْوَةَ للِمَرْأَةِ إِلاَّ بِبيَنَّةٍ ".
قال في الحاوي: واختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على ثلاثة أوجه وخلافهم فيها قديم حكاه أبو إسحاق المروزي وغيره.
فأحد الوجوه الثلاثة: أنه لا يقبل منها ادعاء اللقيط ولدًا لنفسها إلا ببينة تشهد لها بولادته سواء كانت ذات زوج أو لم تكن بخلاف الرجل الذي يقبل منه دعوى نسبه وإن لم تكن له ببينة والفرق بين الرجل والمرأة أن لجوق الولد بالمرأة يمكن أن يعلم يقينا بمشاهدتها عند ولادته فكانت دعواها أضعف لقدرتها على ما هو أقوى والرجل يلحق به الولد بغلبة الظن دون اليقين فجاز لضعف أسبابه أن يصير ولدًا بمجرد الدعوى.
والوجه الثاني: أنها إن كانت ذات زوج لم يصر ولدًا لها بمجرد الدعوى حتى يقيم ببينة بولادته وإن كانت غير ذات زوج قبل منها وألحق بها، لأنها إذا كانت ذات زوج أوجب لحوقه بها أن يصير لاحقًا بزوجها، لأنها له فراش فلم يثبت ذلك إلا ببينة يثبت بها الفراش وإذا لم تكن ذات زوج فلحوقه بها لا يتعداها إلى غيرها كالرجل.
والوجه الثالث: أن مراد الشافعي بذلك أنه لا دعوة لها في إلحاقه بزوجها ولا في ادعائه لنفسها إلا ببينة تقيمها على ولادتها له ردًا على طائفة زعمت أن المرأة إذا ادعت ولادة ولد على فراش الزوج كان قولها فيه مقبولاً وصار بالزوج لاحقًا فأما إذا أرادت أن تدعو لنفسها ولدًا فإنه يلحق بها بمجرد الدعوى كالرجل.
فصل: فإذا لحق بها على ما ذكرنا من هذه الوجوه الثلاثة لم يلحق بزوجها إلا أن يصدقها على ولادته فيصير حينئِذ لاحقًا به بتصديقه، أو ببينة تقيمها على ولادته.
فصل: فلو قالت المرأة وقد ألحق بها الولد وأنكرها الزوج أن تكون ولدته على فراشه: أنا أريه القافة معك ليلحقوه بك لم يجز، لأن الولادة لا تثبت بالقافة لإمكان البينة.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ أَقَامَتِ امْرَأَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُهمَا لَمْ أَجْعَلْهُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى أُرِيَةُ القَافَةَ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِوَاحِدَةٍ لَحِقَ بِزَوْجِهَا وَلاَ تَنْفِيهِ إِلاَّ بِالِّلعَانِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: مَخْرَجُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا أَنَّ الوَلَدَ للِفْرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ فَلَمَّا أَلْحَقَتْهُ القَافَةُ بِالمَرْأَةِ كَانَ زَوْجُهَا فِرَاشًا يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا وَلاَ يَنْفيهِ إِلاَّ بِلعَانٍ".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في امرأتين تنازعتا في لقيط وادعته كل واحدة منهما ولدًا فهذا على ضربين:
الجزء: 7 - الصفحة: 375
أحدهما: أن لا يكون لهما مع التنازع بينة ففي سماع دعواهما ما ذكرنا من الثلاثة الأوجه:
أحدها: أنها غير مسموعة إلا ببينة سواء كانتا من ذوات الأزواج أو من الخلايا.
والثاني: أنهما إن كانتا من ذوات الأزواج لم تسمع دعواهما إلا ببينة وإن كانتا من الخلايا سمعت دعواهما بغير بينة وإن كان إحداهما ذات زوج والأخرى خلية كانت دعوى الخلية مسموعة ودعوى ذات الزوج مدفوعة إلا ببينة.
والثالث: أن دعواهما معًا مسموعة سواء كانتا من ذرات الأزواج أو الخلايا فعلى هذا إذا سمعت دعواهما وأقامتا على تنازعهما أو عدمت بينتاهما ففي الذي يحكم به فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما يريان القافة مع الولد فبأيهما ألحقوه ألحق بها وفي لحوقه بزوجها وجهان:
أحدهما: يلحق به إلا أن ينفيه باللعان، لأن القافية كالبينة بخلاف الدعوى المجردة.
والثاني: أنه لا يلحق به كالدعوى المجردة إلا أن يصدقها على ولادته فيصير لاحقًا به فإن عدمت القافة كان الولد موقوفًا بينهما إلى أن ينتسب عند بلوغه زمان الانتساب إلى إحداهما ويكون حكمهما فيه كحكم الرجلين إذا تنازعاه على العمل على القافة وإن وجدوا أو انتساب الولد إن عدموا.
والوجه الثاني: وهو قول ابن أبي هريرة أنه لا مدخل للقافة في إلحاق الولد بأمه وإنما يحكم بهم في إلحاقهم بالأب دونها والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الولد يعرف أمه يقينًا فلم يحتج إلى الحكم بالشبه ولا يعرف أباه ظنًا فاحتيج إلى الحكم بالبه.
والثاني: وهو فرق استدلال أن حكم القافة لما فيه من مباينة الأصول فكان مقصورًا على ما ورد فيه النص من إلحاقه بالأب دون الأم ويكون تنازع المرأتين في يوجب وقوفه بينهما حتى ينتسب عند البلوغ إلى إحداهما، والوجه الأول أصح، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيه﴾ [الإنسان: 2] يعني إخلاطًا.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لاختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
وقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ [6] يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 6 - 7] يعني أصلاب الرجال وترائب النساء وهي الصدور وقيل هي الأضلاع وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للخؤولة، وإذا سبق ماء الرجل كان الشبه للعمومة "فحصل للأم في الولد شبهًا كالأب، ولأن الولد
الجزء: 7 - الصفحة: 376
بالأم أخص وكان الشبه أحق.
فصل: والضرب الثاني: أن يكون لهما عند التنازع فيه بينه تشهد على ولادته بأربع نسوة عدول فإن كانت البينة لإحداهما دون الأخرى حكم به لذات البينة ولحق بزوجها إلا أن ينفيه باللعان وإن أقامت كل واحدة منهما بينة على ولادته قال أبو حنيفة ألحقته بهما بالبينة وأجعله ابنًا لكل واحدة منهما ولزوجها وأجعل منهما وزوجها أمًا له وأبًا قال وإنما قلت ذلك، لأن الضرورة عند امتناع الممتنعين إذا لم يترجح أحدهما يوجب الحكم بهما كاللعان قد امتنع به صدقهما ثم حكم به بينهما وكاختلاف المتبايعين إذا تحالفا عليه وقد أوجب فسخ العقد بينهما وإن علم بالضرورة أنه إحداهما فهذا القول مع خطته مستحيل ومع استحالته شنيع واستحالة لحوقه بالاثنين أعظم من استحالة لحوقه بالأبوين، لأنه لا يمنع ماء الرجلين في رحم واحد ويمتنع خروق الولد الواحد في رحمين، وقد قال الله تعالى: ﴿إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] فأخبر أن أمه هي التي تلده، فإن لحق الولد بهما اقتضى ذلك ولادتها وفي القول بهذا من الاستحالة ما تدفعه بذاته العقول ويمنع منه الحسن الفطن ولا يحتاج مع الملاحظة إلى دليل ولا مع التصور إلى تعليل وحسب ما هذه حالة اطرادًا واستقباحًا لاسيما ما يقضي هذا القول أما مذهبًا وأما إلزامًا إلى أن يصير الولد الواحد ملحقًا بنساء القبيلة ورجالها ثم بنساء المدينة ورجالها ثم بنساء الدنيا ورجالها ونعوذ باللهِ من قول هذه نتجت ومذهب هذه قاعدته فأما اللعان فما حكمنا فيه بصدقها مستحيل وإنما علقنا عليه حكمًا قد أسماه الصادق منهما اقتضى ذلك نفيه في أحدهما وأما التحالف في اختلاف المتبايعين فإنما أوجب إبطال ما اختلفنا فيه دون إثباته.
فصل: فإذا تقرر أنه لا يلحق بهما مع تعارض البينتين فقد اختلف الشافعي في تعارض البينتين في الأملاك هل يستعملان أو يسقطان وله في ذلك قولان:
أحدهما: يستعملان بقسمة الملك بين المتداعيين.
والثاني: يستعملان بالقرعة بين البينتين، فإن قلنا باستعمال البينتين في الأملاك استعملناهما في الانتساب ولم يجز أن تستعملهما بالقسمة لاستحالة ذلك في النسب ولا بالقرعة مع وجود القافة لأن القافة أقوى وأوكد ووجب أن يكون استعمالهما بتمييز القافة بينهما فينظر إلى الولد والمرأتين فإن ألحقوه بإحداهما لحق بها بالبينة، وكان تمييز القافة ترجيحًا فعلى هذا يصير لاحقًا بها وبزوجها إلا أن ينفيه باللعان وإن قلنا بإسقاط البينتين عند تعارضهما في الأملاك فهل يسقطان عند تعارضهما في الأنساب أم لا فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما يسقطان كالأملاك فعلى هذا يكون حكمهما كما لو تداعتاه ولا بينة لهما فيكون على ما مضى.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنهما لا يسقطان إذا تعارضتا في
الجزء: 7 - الصفحة: 377
الأنساب وإن سقطتا بتعارضهما في الأملاك والفرق بينهما أنهما لما تكافآ في الأملاك ولم يكن ما يترجح به إحداهما جاز أن يسقط ولما أمكن ترجيح أحدهما في الأنساب بالقافة ولم يسقطا وحكم لمن انضم إلى بينته بيان القافة.
فصل: فإذا ثبت ما وصفنا ووجدت القافة فألحقت الولد بإحداهما صار لاحقًا بها بالبينة لا بالدعوى فإن عدمت القافة أو أشكل عليهم لم يجز أن يقرع بين البينتين لوجود ما هو أقوى من القرعة وهو انتساب الولد إذا بلغ زمان الانتساب وفيه قولان:
أحدهما: إلى استكمال سبع أو ثمان.
والثاني: إلى بلوغ فإذا انتسب إلى إحداهما لحق بها وبزوجها، لأنه صار لاحقًا بها بالانتساب مع البينة وصار كالقافة مع البينة.
فصل: فلو ماتت واحدة منهما قبل انتساب الولد إلى أحدهما وقف من تركة الميتة ميراث ابن فإن انتسب إلى الميتة أخذ ما وقف له من تركتها وهو ميراث ابن وإن انتسب إلى الثانية منها رد ما وقف له من ميراث الميتة على ورثتها ولو مات زوج إحداهما وقف من تركته ميراث ابن لجواز أن ينسب إلى زوجته فيصير لاحقًا بها فإن انتسب إلى امرأة الميت أخذ ما وقف من تركة زوجها وإن انتسب إلى الأخرى رد ما وقف له من ميراث الميت على ورثته فلو ماتت إحدى المرأتين وزوج الأخرى وقف له من تركة الميتة ميراث ابن ومن تركة زوج الأخرى ميراث ابن فإن انتسب إلى الميتة أخذ ميراثها ورد ميراث زوج الباقية على ورثته وإن انتسب إلى الباقية أخذ ميراث زوجها ورد ميراث الميتة على ورثتها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ اللَّقِيطَ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ أَقْبَلِ البَيَّنّةَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنَّهَا رَأَتْ أَمَةَ فُلاَنٍ وَلَدَتْهُ وَأَقْبَلَ نِسْوَةِ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ شُهُودَهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ لأَنَّهُ قّدْ يُرَى فِي فَيَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: إنْ أَقَامَ بَيَّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ التِقَاطِ المُلْتَقِطِ لَهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا خِلاَفُ قَوْلِهِ الأَوَّلِ وَأَوْلَى بِالحَقِّ عِنْدِيِ مِنَ الأَوَّلِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى رق إنسان مجهول الحال وأنه عبد وليس وإن أقرّ صار عبدًا له.
والثاني: أن تكون الدعوى على غير بالغ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ممن لم يعلم أنه لقيط فيكون قول المدعي رقه مقبولاً ويحكم بأنه عبده ما لم تكن يد تدفعه أو مدع يقابله، لأن ما جهل حاله إذا لم يكن فيه منازع لم
الجزء: 7 - الصفحة: 378
يتوجه إليه اعتراض كمن وجد مالاً فادعاه ملكًا أقرَ على دعواه ما لم ينازع فيه فلو بلغ هذا الطفل الذي حكم برقه لمدعيه وأنكر الرق وادعى بالحرية لم يقبل منه بعد الحكم برقه كما لا يقبل منه إذا أنكر النسب بعد الحكم به فإن أقام بينه الحرية حكم بها ورفع رق المدعى عنه فإن طلب عند تعذر البينة عليه إحلاف المحكوم له برقه كان له ذلك، لأنها دعوى حرية قد استأنفها على سيده.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون الدعوى برق لقيط فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل ذلك التقاطه ففي قبول دعوى المدعي لرقه وجهان:
أحدهما: يقبل كما يقبل منه ادعاء نسبه.
والوجه الثاني: وهو قول الأكثرين من أصحابنا أن قوله لا يقبل في رقه وإن قيل في نسبه.
والفرق بين الرق والنسب من وجهين:
أحدهما: أن في دعوى النسب حقًا له وحقًا عليه ودعوى الرق حق له لا عليه.
الثاني: أن النسب لا يمنع منه ظاهر الدار بل يقتضيه والرق يمنع منه ظاهر الدار وينافيه ويشبه أن يكون تحريج هذين الوجهين من اختلاف قولي في حكم اللقيط فإن قيل إنه حر في الظاهر لم يحكم برقه للمدعي وإن قيل إنه مجهول الأصل حكم به.
فصل: والضرب الثاني: أن تكون دعوى رقه بعد التقاطه فلا تسمع هذه الدعوى إلا ببينه لا يختلف أصحابنا فيه سواء ادعاه ملتقطه أو غيره وفرق ما قبل التقاطه بعده أن قبل الالتقاط لم تستقر علي يد وبعد الالتقاط قد استقرت عليه يد وإذا كان كذلك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون مدعي رقه هو الملتقط.
والثاني: أن يكون غيره من الأجانب فإن كان المدعي هو الملتقط فلا يخلو من أحد أمرين أما أن تكون له بينه أو لا تكون فإن لم تكن له بينة كانت دعواه مردودة واللقيط على ظاهر الحرية لم يثبت عليه رق ويقر في يده مع ماله إن كان ولا ينزع منه وإن كان مدعيًا لما استحقه من كفالته بالالتقاط هو الذي نقله المزني في جامعه الكبير والذي أراه أولى أن انتزاعه من يده واجب، لأنه قد خرج بدعوى رقه من الأمانة في كفالته وربما صارت عليه استدامة يده ذريعة إلى تحقيق رقه وإن كانت له بينة فعلى ضربين:
أحدهما: أن تشهد له باليد فلا يحكم بها، لأن اليد شاهدة وليس يحكم بها للعلم بسببها فلم يكن للشهادة بها تأثير.
والثاني: أن تشهد البينة له بالملك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تصف سبب الملك على وجه يوجب الملك وذلك من أحد خمسة
الجزء: 7 - الصفحة: 379
أوجه إما ابتياع من مالك أو هبة قبضها من مالك أو ميراث عن مالك أو بسبي سباه فملكه أو ولدته أمته في ملكه فإن كانت البينة على البيع أو الهبة أو الميراث أو السبي حكم فيا بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين ولا يحكم بشهادة النساء منفردات وإن كانت الشهادة على أن أمته ولدته سمع فيه أربع نسوة يشهدن على ولادتها في ملكه وتكون شهادتين بملك الأم عند الولادة تبعًا للشهادة بالولادة وإذا لم يكن في ملك الأم نزاع فإن نوزع في ملكه الأم لم تقبل شهادتين بملك الأم حتى يشهد بملكها شاهدان أو شاهد وامرأتان بالملك والولادة فيه قبل فأما إن شهدت البينة بولادته من أمته ولم تشهد بأن الولادة كانت في ملكه فهذا مما لم يذكر فيه سبب ملكه، لأنه قد يجوز أن تكون أمه قد ولدته في ملك غيره فإذا ثبت هذا وشهدت البينة له بسبب الملك الموجب للملك حكم بها وصار عبدًا له.
والثاني: أن تشهد البينة له بالملك ولا تذكر سبب الملك ففي وجوب الحكم بها قولان:
أحدهما: أنه يحكم بها ويجعل اللقيط عبدًا له ولا يلزم أن يسألوا عن سبب الملك كما لو شهدوا بملك مال لم يذكروا سبب ملكه كان جائزًا فكذلك في ملك اللقيط.
والثاني: أن لا يحكم بهذه الشهادة في اللقيط حتى يذكروا سبب ملكه ويحكم بها في غيره من الأموال وإن لم يذكروا سبب ملكه والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن حكم اللقيط أغلظ من سائر الأموال لما فيه من نقله عن ظاهر حاله في الحرية إلى ما تشهد له البينة من الرق وليس كذلك سائر الأموال، لأنها مملوكة في سائر الأحوال.
والثاني: أن اليد في الأموال تدل على الملك وفي اللقيط لا تدل عى الملك فإن قبل فيجوز للشهود في الأموال أن يشهدوا فيا بالملك باليد وحدها قيل أما يد لم يقترن بها تصرف كامل فلا تجوز الشهادة بها في الملك وأما إذا اقترن بها تصرف فقد اختلف أصحابنا فحكي أبو علي الطبري في إفصاحه وجهين من غير ووجهًا ثالثًا عن نفسه.
أحد الوجهين: يجوز كما يجوز للحاكم والحكم أوكد من الشهادة.
والثاني: لا يجوز ذلك للشهود وإن جاز للحاكم، لأن للحاكم أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا.
والثالث: الذي حكاه عن نفسه أنه إن اقترن بمشاهدة اليد والتصرف سماع من الناس ينسبونه إلى ملكه جاز أن يشهدوا بالملك.
وإن لم يسمعوا الناس ينسبونه إلى ملكه لم يجز أن يشهدوا بالملك وشهدوا باليد.
فصل: وإن كان المدعي لرق اللقيط أجنبيًا غير الملتقط فإن لم تكن له بينته ردت
الجزء: 7 - الصفحة: 380
دعواه وإن كانت له بينة فعلى ضربين:
أحدهما: أن تشهد له بالملك فيكون على ما مضى في الشهادة للملتقط.
والثاني: أن تشهد له باليد قبل التقاطه ففي الحكم بها قولان:
أحدهما: لا يحكم بها لغير الملتقط كما لا يحكم با للملتقط ولا تكون اليد عليه موجبة لملكه لما ذكرنا من تغليظ حاله فعلى هذا لا يحكم بها في ملكه لرقه ولكن يحكم بها في تقدم يده واستحقاق كفالته، لأن بينته تشهد بأن يده كانت عليه قبل يد ملتقطه فعلى ما حكاه المزني ينتزع من الملتقط ويسلم إليه ليكفله وعلى ما أراه أولى يمنع لئلا يصبر ذريعة إلى استرقاقه.
والثاني: ذكره المزني في جامعه الكبير أنا نحكم له برقه مع الشهادة ل باليد بخلاف يد الملتقط، لأن في إقرار الملتقط بأنه لقيط تكذيب لشهوده بأن اليد موجبة لملكه وليس من غير الملتقط إقرار يوجب هذا إلا أن المزني فيما نقله عن الشافعي في جامعه الكبير أنه قال بعد الحكم بالشهادة ل باليد ويحلف أنه كان في يده رقيقًا له فإن لم يحلف لم أرقه له فاختلف أصحابنا في إحلافه مع البينة هل وواجب أو استحباب على وجهين:
أحدهما: أنه واجب لينفي بها احتمال اليد أن تكون بغير ملك فإن نكل لم يحكم له برقه.
والثاني: أنها استحباب وليست بواجبة، لأن اليد إن أوجبت الملك أغنته عن اليمين إذا لم يكن منازع وإن لم توجب الملك لم يكن للشهادة بها تأثير ولأن في اليمين مع البينة اعتلالاً للشهادة.
فصل: فلو ادعى الملتقط بنوة اللقيط ألحق به ولم يكلف ببينة فلو ادعى غيره بعد ذلك رق اللقيط لم يسمع منه إلا ببينة لما ذكرنا من الفرق بين الرق والنسب وإذا أقامها صار ابنًا للملتقط وعبدًا للآخر لإمكان الأمرين ويكون السيد أولى بكفالته من الأب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإذَا بَلَغَ اللَّقيطُ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَنَكَحَ وَأَصْدَقَ ثُمِّ أَقَرَّ بالرّقِّ لِرَجُلِ أَلْزَمْتُهُ مَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ إِقْرَارِهِ وَفِي إِلْزَامِهِ الرّقِّ قَوْلاَنِ أحدهما أَنََّ إِقْرَارِهِ يَلْزَمُه ُفِي نَفْسِهِ وَفِي الفَضْلِ مِنْ مَالهِ عَمَّا لَزِمَهُ وَلاَ يَصْدُقُ َفِي حَقِّ غَيْرِهِ وَمِنْ قَالََ أَصْدَقَهُ فِي الكُلِّ.
قَالَ: لأَنَّهُ مَجْهُولُ الأَصْلِ وَمِنْ قَالََ القَوْلَ الأَوَّلَ قَالَهُ فِي امْرَأَةٍ نُكحتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِمِلْك لِرَجُلٍ لاَ أُصَدِّقُهَا عَلَى إفْسَادِ النِّكَاح وَلاَ مَا يَجبُ عَلَيْهَا للِزَّوْجِ وَأَجْعَلُ طَلاَقَهُ إيَّاهَا ثَلاثَا وَعِدَّتُهَا ثَلاثُ حِيَضٍ وَفِي الوَفَاةِ عِدَّةُ أَمَةٍ لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا َفِي الوَفَاةِ حَقِّ يَلْزَمُهَا لَهُ وَأَجْعَلُ وَلَدَهُ قَبْلَ الإقْرَارِ وَلَدَ حُرَّةٍ وَلَهُ الخِيَارُ فَإنْ أَقَامَ عَلَى النْكَاحِ كَانَ وَلَدُهُ
الجزء: 7 - الصفحة: 381
رَقيقًا وَأَجْعَلُ مِلْكَهَا لِمَنْ أَقَرَّتْ لَهُ بِأَنَّهَا أَمَتُهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَجْمَعَتِ العُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقِّ لَزِمَهُ وَمَنْ ادَّعَاهُ وَلَمْ يَجِبْ لَهُ بدَعْوَاهُ وَقَدْ لَزمَتْهَا حُقُوقٌ بإقْرَارِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِبْطَالُهَا بدَعْوَاهَا".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في لقيط بلغ فجرت عليه أحكام الأحرار في عقوده وأفعاله اعتبارًا بظاهر حاله في الحرية، لأنه ممكن من ذلك كله ولا يمنع منه بالإشكال سواء قيل إنه حرّ في الظاهر أو مجهول الأصل فإذا وجد ذلك منه وجرت أحكام الحرية عليه ظاهرًا ثم جاء رجل فادعى رقه وأنه عبد فلا يخلو أن يكون له بينة تشهد له برقه أو لا يكون فإن أقام برقه بينة على ما تقدم من وصف البينة حكمنا له برقه وأجرينا عليه أحكام العبيد في الماضي من حاله وفي المستقبل فلما بطل من عقوده الماضية بالرق أبطلناه وما وجب استرجاعه من غرم أو مال استرجعناه وسواء في ذلك ما ضر غيره أو نفعه أو نفع غيره وضره، لأن البينة حجة عليه وعلى غيره وإن لم يكن للمدعي بينة فلا يخلو أن يقر اللقيط له بالرق أو ينكره فإن أنكره حلف له وهو على ظاهر حريته وإن أقر له بالرق فلا يخلو أن يكون قد اعترف قبل ذلك بالحرية أو لم يعترف فإن كان قبل ذلك قد اعترف بالحرية لم يقبل إقراره بالرق إلا أن تقوم بينة، لأن اعترافه بالحرية قد تعلق به حق الله تعالى وإن تضمنه حق لنفسه فلم يكن له إبطال حق الله تعالى وإن أبطل حق نفسه وإن لم يكن قد اعترف قبل ذلك بالحرية قبل إقراره بالرق سواء قيل بجهالة أصله أو بظاهر حريته، لأن إقراره على نفسه أقوى من حكم الظاهر ولأن الكفر بالله تعالى أغلظ من الرق ثم كان قوله لو بلغ مقبولاً في الكفر فأولى أن يكون مقبولاً في الرق.
فصل: فإذا ثبت أن إقراره بالرق مقبول أجريت عليه أحكام الرق في المستقبل وفي إجرائها عليه في الماضي قولان:
أحدهما: تجري عليه أحكام الرق في الماضي كما تجري عليه أحكامه في المستقبل، وهذا على القول الذي نجعله فيه مجهول الأصل ووجهه شيئان:
أحدهما: أن الرق أصل إذا ثبت تعلق في فرعه من أحكام فإذا ثبت أصله فأولى أن تثبت فروعه.
والثاني: أنه لما كان إقراره بالرق موجبًا لإجراء أحكام الرق عليه في المستقبل كالبينة اقتضى أن يكون موجبًا لذلك في الماضي كالبينة.
والثاني: أنه يجري عليه في الماضي أضر الأمرين به من أحكام الحرية أو الرق فما نفعه وضر غيره لا يقبل منه وما ضره ونفع غيره قبل منه وهذا على القول الذي نجعله فيه حرًا في الظاهر ووجهه شيئان:
أحدهما: أن إقراره فيما ضر غيره متهوم فأمضى وإقراره فيما ينفعه متهوم فرد.
والثاني: أنه كما لم يملك إبطاله من العقود بغير الإقرار بالرق لم يملكه بالإقرار،
الجزء: 7 - الصفحة: 382
لأن لزومها يمنع من تملك فسخها.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين تفرع عليها ما مضى فمن ذلك هباته وعطاياه فإن قيل بنفوذ إقراره فيهما بطلت وأستحق السيد استرجاعها وإن قيل برد إقراره فيهما بطلت واستحق استرجاعها أمضيت ولم يسترجع وليس للسيد إحلاف الموهوب له والمعطي إن أنكر.
فصل: ومن ذلك بيوعه وإجاراته إن قيل بنفوذ إقراره فيهما بطلت ولزم التراجع فيهما وإن قيل برد إقراره فيهما أمضيت ولا يراجع فيهما وما حصل بيده مما اشتراه لم يكن لسيده التصرف فيه، لأنه مقر أنه على ملك بائعه وله أن يتوصل إلى أخذ ثمنه منه فإن فضل منه لم يملكه.
فصل: ومن ذلك ديونه التي لزمته وهي على ضربين:
أحدهما: ما وجب باستهلاك وجناية فهي متعلقة برقبته على القولين معًا، لأن ذلك اضربه فنفذ إقراره فيه وإن ضاقت الرقبة عن غرم جميعه ففي تعلق الباقي بذمت بعد عتقه قولان إن قيل بنفوذ إقراره سقط ولم يلزم وإن قيل برد إقراره لزم في ذمته بعد عتقه.
والثاني: ما وجب عن معاملة من ثمن أو أجرة أو صداق فإن قيل بنفوذ إقراره تعلق ذلك بذمته بعد عتقه وكان السيد أحق بما في يده وإن قيل يرد إقراره كان ذلك مستحقًا فيما بيده فما كان بإزائه جميع ما في يده في ديونه ولا شيء فيه لسيده، وإن كان أقل منه كان الباقي بعده في ذمته بعد عتقه فإن كان أكثر الفاضل منه لسيده وهو معنى قول الشافعي: أن إقرار يلزمه في نفسه وفي الفضل من ماله عما لزمه يعني من ديونه.
فصل: ومن ذلك نكاحه وذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون اللقيط عبدًا فينكج امرأة.
والثاني: أن تكون امرأة فتنكح رجلاً فإن كان اللقيط عبدًا فنكح امرأة فإن قيل بنفوذ إقراره فالنكاح باطل من أصله، لأنه مقرّ أنه نكح بغير إذن سيد فإن لم يدخل فلا شيء عليه وإن دخل بها قلها مهر المثل دون المسمى إلا أن يكون مهر المثل أكثر فلا تستحق إلا المسمى، لأنها تدعي الزيادة عليه وإن قيل برد إقراره بفسخ النكاح من وقته لإقرارها بتحريمها عليه ولم ينفسخ من أصله لقبول إقراره فيه فإن كان قبل الدخول فلها نصف المسمى وإن كان بعد الدخول فلها جميعه وإن كان اللقيط أمة فنكحت رجلاً فإن قيل بنفوذ إقرارها بطل النكاح، لأنها منكوحة بغير إذن سيدها سواء كان الزوج واحدًا للطول أو لم يكن فإن لم يدخل بها فلا شيء لها وإن دخل بها فلها مهر المثل دون المسمى وكان أولادها منه أحرارًا، لأنه أصابها على حرية أولادها فصارت كالغارة بحريتها لكن على الزوج قيمتهم لسيدها وفي رجوع الزوج بعد ذلك عليها بعد عتقها قولان كالمغرور وإن
الجزء: 7 - الصفحة: 383
قيل برد إقرارها لم يقبل في فسخ النكاح سواء كان الزوج واحدًا للطول أو لم يكن، لأن الزوج يدعي صحة العقد على حرة وجميع أولادها منه قبل الإقرار وبعده لأقل من ستة أشر أحرار لا يلزم الزوج غرم قيمتهم وله الخيار في المقام معها لم استقر من حكم رقها فإن أقام عليها رق أولاده منها إذا وضعتهم لأكثر من ستة أشهر من وقت إقراره ثم إن لزمتها العدة على هذا القول الذي يرد إقرارها فيه فعلى ضربين: طلاق أو وفاة فإن كانت وفاة فعدة أمه شهران وخمس ليال، لأنها حق الله تعالى فقيل: قولها فيه على القولين معًا، وإن كانت عدة طلاق فعلى ضربين:
أحدهما: أن تملك فيها الرجعة فيلزمها ثلاثة أقراء، لأن حق الآدمي منها أقوى لثبوت رجعته فيها.
والثاني: أن لا يملك فيها الرجعة ففيه وجهان:
أحدهما: عدة أمه كالوفاة، لأنه لا يتعلق بها للزوج حق.
والثاني: وهو الظاهر من منصوص الشافعي أنها ثلاثة اقراء كما لو فيها الرجعة والفرق بين عدة الطلاق وعدة الوفاة أن عدة الطلاق يغلب فيها حق الادمي، لأنها لا تجب على ضغيرة ولا غير مدخول بها، لأن مقصودها الإستبراء وعدة الوفاة يغلب فيها حق الله تعالى لوجوبها على الضغيرة وغير المدخول بها ولأن المقصود بها التعبد، فأما الجناية منه وعليه فقد تقدم ذكرها وفيما استوفيناه من ذلك تنبيه على ما أغفلنا فأما المزني فإنه اختار أن لا ينفذ إقراره في الماضي وإن نفذ في المستقبل وكان من استدلاله أن قال أجمعت العلماء أن من أقر بحق لزمه ومن ادعاه لم يجب ل بدعواه.
وهذا القول صحيح غير أن الإستدلال به فاسد، لأن اللقيط لم يكن منه إقرار بالحرية فلا يقبل رجوعه عنه وإنما حمل أمره في الحرية على الظاهر وإقراه على نفسه أقوى فكان الحكم به أولى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أُقِرَّ اللَّقيطَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلاَنٍ.
وَقَالَ الفُلاَنُ مَا مَلَكْتُهُ ثُمَّ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِالرِّقِّ بَعْدُ لَمْ أَقْبَلْ إِقْرَارَهُ وَكَانَ حُرَّا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ".
قال في الحاوي: وصورتها في لقيط بالغ ابتداء من غير دعوى فأقر برقه لزيد فأنكر زيد أن يكون مالكه فأقر اللقيط بعد ذلك برقه لعمرو فإقراره مردود وهو حر في الظاهر إلا أن يقوم بينة برقه لمالك فيحكم بها دون الإقرار.
وقال أبو العباس بن سريج: إقراره مقبول للثاني، وإن رده الأول كما كان إقراره
الجزء: 7 - الصفحة: 384
مقبولاً للأول، وهكذا لو أنكره الثاني فأقر الثالث قبل منه، قال أهل العراق استدلالاً بأنه لو أقر بنسبه لرجل فرد ثم أقرّ بنسبه لغيره جاز، فكذلك إذا أقر برقه لرجل فرد ثم أقرّ به لآخر جاز وهكذا لو أقرّ بدار في يده لرجل فردّ إقراره ثم أقرّ بها لغيره نفذ إقراره، فكذلك في الرق، لأنه لا يخلو من ان يجري مجرى النسب وقد ذكرنا جواز ذلك فيه أو مجرى المال وقد ذكرنا جوازه فيه، وهذا الذي قاله أبو العباس ومن وافقه من أهل العراق خطأ من وجهين:
أحدهما: أن إقراره بالرق للأول إقرار لا رق عليه لغير الأول فإذا رد الأول الإقرار فقد رفع رقه عنه بالإنكار فصار إقراره بالرق إذا رد كالعتق فلم يجز أن يقرّ بعد الرق.
والثاني: أن في الحرية حقَا للهِ تعالى وحق للآدمي فصار أغلظ من حق الله تعالى إذا تجرد من حق الآدمي إذا انفرد فلم يكن لمن جرى حكمه عليه أن يدفعه عن نفسه فأما ما استدل به من إقراره بالنسب فقد كان بعد أصحابنا يضيق عليه الفرق بينهما فيجعل الحكم فيهما سواء ويقول إذا رد إقراره بالنسب لم أقبله إذا أقر به من بعد كما لو رد في العتق لم أقبله من بعد وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يقبل في النسب ولا يقبل في الرق والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن إنكاره الرق يقتضي أن لا رق وليس إنكاره للنسب موجبًا لرفع النسب.
والثاني: أن من أنكر شيئَا أقرّ به قبل ومن أنكر الرق ثم أقرّ به لم يقبل منه، وأما الإقرار بالدار فإذا ردّه المقرّ له لم يقبل إقرار المقر بها لغيره وإنما جعل الثاني أحق بها من حيث إنه لا منازع له فيها ولابد لكل ملك من مالك وليس كذلك اللقيط، لأنه قد يكون حرًا وليس له مالك.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا قيل للثاني إن أقمت البينة على رقه حكم لك به، لأن البينة توجب رقه وإن كان معترفًا بالرية فكانت بإثبات رقه في هذه الحال أولى.
فصل: ولو أن لقيطًا أقرّ بالبنوة لرجل ثم أقرّ بالرق بعده لآخر قبلنا إقراره لهما بالبنوة والرق، لأنه ليس يمتنع أن يكون ابنًا لزيد وعبدًا لعمرو ولو ابتدأ فأقر بالرق لرجل ثم أقرّ بعده بالبنوة لآخر نفذ إقراره بالرق المتقدم فلم ينفذ بالبنوة المتأخرة، لأن العبد لا يقبل إقراره بأب بتصديق السيد لما فيه من إبطال الإرث بالولاء وليس كذلك إذا قدم الإقرار بالأب ثم أقرّ بعده بالرق.
فصل: وإذا تنازع الرجلان طفلاً وادعاه كل واحد منهما ابنًا ثم سلمه أحدهما إلى الآخر واعترف بأبوته فإن كان تنازعهما في نسبه لإشتراكهما في الفراش لم يقبل تسليمه
الجزء: 7 - الصفحة: 385
إليه وإن كان لاشتراكهما في التقاطه قبل وصار ابنًا لمن سلم إليه دون من سلمه، والفرق بينهما أن الحادث عن الفراش ملحق بغير دعوى واللقيط لا يلحق إلا بالدعوى فلو رجع من سلم إليه وجعله ابنًا له وسلمه إلى غيره واعترف له بأبوته لم يجز، لأنه قدمكم له بعد التسليم بأبوته فلم يجز أن يدفعه عن نفسه ولا أن ينفيه باللعان لإعترافه به وهكذا لو تفرد رجل بالتقاطه وادعى بنوته ثم سلمه بعد ادعاء البنوة إلى غيره ولدًا لم يجز وصار لازمًا للأول لإلحاقه به فلو تنازع نسبه رجلان ثم تركاه معًا راجعين عن ادعاء نسبه لم يجز ورأينا فيما رأياه للقافة وألحقناه بمن ألحقوه به ولم سلمه المتنازعان إلى ثالث استحدث دعوى نسبه لم يجز لأنهما بالتنازع الأول قد اتفقا على أن نسبه لا يخرج عنهما ثم ينظر في الثالث فإن ألحقته القافة به صار بإلحاق القافة لاحقًا به لا بالتسليم وإن نفوه عنه وجب إلحاقه بأحد الأولين إما بالقافة أو بالتسليم والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 386