كتاب اللعان
مسألة: قال: "قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:6].
ثم قالَ: فكانَ بينًا في كتاب الله تعالى أنهُ أخرجَ الزوجُ من قذف المرأةِ باللعانِ، كما أخرجَ قاذفُ المحصنةِ غيرُ الزوجةِ بأربعةِ شهود".
الفصل
اللعان في اللغة مأخوذ من اللعن وهو الإبعاد والطرد فقال: لعن الله فلانًا أي أبعده وطرده والتعن الرجل إذا لعن نفسه ولاعن إذا لاعن زوجته، ورجل لعنته بفتح العين إذا كان يلعن الناس ولعنه بسكون العين إذا لعنه الناس واللعان والملاعنة لا تكون من اثنين، وإنما سمي هذا الحكم لعانًا لأنه لا ينفك عند العمل به من طرد وإبعاد لأن أحدهما كاذب، وإن لم يتعين منهما والكاذب يستحق البعد من الله تعالى وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الملاعن" أي اتقوا الطرفات والعقود عليها للمحدث سميت ملاعن للعن المارة من قعد عليها واحدث فيها، وقيل: سمي فيه لعانًا لما فيه من لعن الزوج نفسه في الكلمة الخامسة.
والأصل في اللعان الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب.
فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:6] إلى أخر الآيتين.
[172/ أ] فذكر الله تعالى اللعان ووصفه بأحسن بيان وأتم فائدة.
وأما السنة فما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن عويمر بن أشقر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلًا مع امرأته رجلًا أيقتله فتقبلونه أم كيف يفعل سل لي يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم: لم تأتِ بخبر قدر كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقبلونه أم كيف يصنع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد انزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله أن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا فطلقها عويمر
الجزء: 10 - الصفحة: 307
ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين وقوله كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها يريد المسألة عما لا حاجة بالسائل إليه دون ما به إليه به حاجة ولكن عاصم يسأل لغيره لا لنفسه فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة وفي ذلك إيثار لستر العورات، وأيضًا روي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما [172/ ب] إن هلال بن أمية قذف امرأته شريك بن سحماء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق أني لصادق وليقولن الله عز وجل في أمري ما يبرأ ظهري من الحد فنزلت ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء فقام هلال بن أمية فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ثم قامت المرأة فشهدت فلما كان عند الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9] قالوا: إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابع الإلتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن وروي ولولا الإيمان لكان لي ولها شأن وروي أن ابن أبي عباس رضي الله عنهما قال فيه: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعي الأب ولا يرمي ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضي أن لا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفي عنها.
وقال عكرمة: فكان هذا الولد بعد ذلك أميرًا على مصر وهو لا يدعي لأب وروي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قفوه عند الخامسة فإنها موجبة فحلف ثم ذكر لعانها وقفها عند الخامسة وروى أبو الزناد [173/ أ] عن القاسم بن محمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا عن بين العجلاني وامرأته وكانت حاملًا وكان الذي رميت به ابن السحماء وكذلك رواه الواقدي وغيرهما.
روي أن هلال قذف امرأته بشريك بن سحماء قال الإمام البيهقي: ما رواه أبو الزناد والواقدي احفظ والله اعلم.
وقال أبو حامد: نقل المزني رمي العجلاني امرأته بشريك وهو غلط من الناقل أو من المزني بل هلال بن أمية قذف بشريك دون العجلاني وحكاه الشافعي هكذا في أحكام القرآن وهكذا رواه البخاري في "الصحيح" ولم يسم والعجلاني والمزني به وروي في خبر هلال أن جاءت به أصيهب أريضح أثتيج حمش الساقين سابغ الإليتين
الجزء: 10 - الصفحة: 308
(فهو) لهلال، وإن جات به أورق جعدًا جماليًا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو الذي رميت به.
وروى سهل بن سعد فإن جاءت به أدعج العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق وقد جاز به أحيمر كأنه وجزه فلا أراه إلا كاذبًا.
وفي هذه الأخبار التي ذكرناها فوائد منها؛ أن الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ثم تلاعنا سقط عنه حق المزني به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال: البينة أوحد في ظهرك فلما تلاعنا لم يعرض لهلال بالحد، ولم يرد أن شريكًا عفا عنه ومنها أنه إذا قذف زوجته ولم يأت بالبينة ولم يلاعن يلزمه الحد لأنه قال: البينة والحد في ظهرك ومنها أن اللعان لا يتم إلا باستيفاء عدد الخمس خلافًا لأبي حنيفة لأنه قال: عند الخامسة إنها موجبة ومنها أن البينتين إذا تعارضتا سقطتا لأنه قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل من تائب؟ ومنها أن الإمام يحكم بالظاهر، وإن كانت شبهة تعترض وأمور تدل على خلافة ألا ترى أنه لو قال: لولا مضي من كتاب الله لكان لي ولها شأن [173/ ب] ومنها أن اللعان فسخ لا طلاق خلافًا لأبي حنيفة ومنها أن لا سكني لها ولا نفقة في عدتها ومنها أنه من رمي الملاعنة أو ولدها يلزمه الحد خلافًا لأبي حنيفة إذا كان هناك ولد نفاه.
ومنهه أنه لا يجوز الاستدلال بالشبه وهو في القيافه ولم يعمل به هاهنا لتقديم النص وهو اللعان على الاستدلال ومنها أن مع جواز الاستدلال به لا يحكم به إذا كان هناك ما هو أقوى منه في الدلالة على صد موجبه ومنها أن المتحلية بالنعوت المغيبة إذا أريد بها التعريف لم تكن غيبة يأثم به قائلها ومنها أن إيقاع الطلقات الثلاث مباح لأن عويمر طلقها ثلاثًا ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأصيهب تصغير الأصهب وهو الذي تعلوه صهبة وهي كالشقرة.
والأريضح تصغير الأرضح وهو الخفيف الإليتين أبدلت السين منه صادًا، وقد يكون أيضًا تصغير الأرضع أبدلت عينه حاءً قال الأصمعي: الأرضع الأرسح، والأثيبح تصغير الأثبج، وهو الناتئ الثبج والثبيج ما بين الكاهل وبسط الظهر، وقيل: هو الذي في ظهره كتلة، وقيل: لحمة نائتة بين الكتفين والحمش الدقيق الساقين.
والأورق الذي لونه بين السواد والغبرة، وقال ابن الأعرابي: الأورق من كل شيء الذي يضرب لونه إل السواد؛ إلا الإنسان فإن الأورق الأسمر من بني آدم.
وقوله: جعدًا من جعودة الشعر، والجمالي العظيم الخلق شبه خلقه بخلق الجمل قال: ناقة جمالية إذا شبه بالفحل من الإبل في عظم الخلق، وقيل: الجمالي بفتح الجيم وهو من الجمال، والأول أشهر وسابغ الإليتين بأنهما، والخدلج العظيم الساقين غليظهما، وأما الأديعج قال الأزهري: شدة سود العين واللون [174/ أ] والوحرة دويبة وجمعها وحر، ومنه قيل: فلان وحر الصدر إذا دبت العداوة في قلبه كدبيب الوحر، وقيل الوحرة من حشرات الأرض تشبه الحرباء حمراء كالعصابة.
وقيل الوحرة الوزغة.
وروي في الخبر: إن جاءت به أسحم، أدعج، والأسحم الأسمر.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا ذهب أكثر أصحابنا إلى أن
الجزء: 10 - الصفحة: 309
قصة العجلاني أسبق.
ومن أصحابنا من قال: قصة هلال أسبق وهو الأظهر في الإخبار، وما روي في قصة العجلاني أن الله تعالى قد أنزل فيك وفي صاحبك يعني فأنزل في قصة هلال لأن ذلك حكم في جميع الناس، ثم اعلم أن الرجل الأجنبي إذا قذف أجنبيًا أو أجنبية فقد فسق بالقذف، ووجب الحد عليه وله أن يسقط ذلك عن نفسه بالبينة بأن يجرح شهوده.
وإن كان المقذوف امرأة يمكن أن تقيم البينة على عذرتها، فإذا فعلت ذلك سقط الحد عنها.
فإن قذف امرأته فقد فسق ووجب عليه الحد، وله أن يسقط ذلك عن نفسه بأحد طريقين.
إما بالبينة أو باللعان فأيهما اختار كان له، وليس من شرط صحة اللعان عجزه عن إقامة البينة، فإذا فعله وجب الحد عليها وكان لها أن تسقطه بإقامة البينة على جرح الشهود أو عذرتها إن كان الزوج أقام عليها البينة، وإن كان الزوج لاعن كان لها أن تلاعن وتدرأ الحد عن نفسها.
والفرق بين الأجنبي إذا قذف لم يكن له الخروج من قذفه إلا بالبينة، وبين الزوج إذا قذف زوجته له الخروج بالبينة أو اللعان جميعًا، وإن الأجنبي لا يحتاج إلى القذف واللعان فإنه لا ضرر عله في زنا الأجنبي وهو مندوب إلى الستر عليه، [174/ ب] فإذا أظهر ذلك وقذف غلط عليه ولم يحصل له الخروج إلا بالبينة، وأما الزوج فعليه ضرر في زنا زوجته لما يلحقه من النسب الفاسد والمعرة فهو محتاج إلى قذفها وإظهار زناها، فإذا فعل ذلك خفف عليه بأن جعل له الخروج بالبينة أو اللعان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى ما قال الشافعي ومقصده بيان أن الواجب بقذف الزوجة الحد ولكن المخلص منه اللعان كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود، وإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه حد القذف، وإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا وهذا لأن الله تعالى في أول سورة: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] يعني غير الزوجات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: 6]، فأخرج الزوج باللعان عما أخرج عنه الأجنبي الشهودن وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: إذا قذف زوجته يجب عليه اللعان دون الحد، فإن لاعن وإلا حبس حتى يلاعن، فإن لاعن وجب على المرأة اللعان دون الحد، فإن لاعنت وإلا حبست حتى تلاعن.
وقال أحمد: إذا لم يلاعن الزوج حد، وإذا لاعن؛ لا يجب الحد على المرأة وهل تحبس المرأة؟ روايتان؛ واحتج بأن لعان الزوج لعان أحد الزوجين فلا يجب به الحد على الآخر أصله لعان الزوجة؛ وهذا غلط لأن الله تعالى قال: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾.
ولم يفرق بين الزوج وغيره، وإنما حض الأزواج بعد ذلك أن أقام لعانه مقام الشهادة على ما ذكرنا ثم قال: ويدرأ عنها العذاب، أي الحد أن تشهد أربع شهادات فدل على أنه وجب الحد عليها بلعانه [175/ أ] وإنما تسقطه بلعانها للضرورة.
وأما ما ذكره لا يصح لأن لعانها على سبيل المعارضة وقد تقدم لعان الزوج فلا يوجب الحد على الزوجة بخلاف لعانه.
الجزء: 10 - الصفحة: 310
فرع
لو لاعن الزوج ولاعنت هل يرتفع فسقه؟ قال في "الحاوي": يحتمل وجهين؛ أحدهما: يرتفع لأن اللعان كالبينة في حقه لسقوط حده، والثاني: لا يرتفع لأن لعانها معارض للعانه ومانع من وجوب حدها به.
مسألة: قال: "وفي ذلكَ دلالةٌ على أنْ ليسَ للزوجِ أَنْ يلتعنَ حتى تطلبَ المقذوفةُ حدَها".
الفصل
جملته أنه إذا قذف زوجته ولم يكن له بينة تشهد بالزنا فله أن يلتعن عن الطلب بلا خلاف وفيه نزلت الآية.
وإن كان له بينة تشهد بالزنا فله اللعان أيضًا وبه قال كافة العلماء، وقال بعض التابعين: لا يجوز أن يلاعن مع وجود البينة، وهذا غلط؛ لأن اللعان يفيد ما لا تفيد البينة من رفع الفراش ونفي النسب وهو محتاج إلى هذا.
فإذا تقرر هذا فإن طالبت بالحد وهي حرة محصنة، أو طالبت بالتعزير وهي أمة أو كتابية فله أن يلاعن لإسقاطه.
وإن لم تطالب هي وهناك بنسب الولد له أن يلاعن لنفيه، وإن لم يكن ينسب فالمذهب أنه لا يلاعن حتى تطالبه.
وقال أبو إسحاق: له أن يلاعن لتبرئة ذمته وهذا غلط؛ لأن اللعان يراد لإسقاط الحد المطلوب، أو لنفي النسب، وليس هاهنا واحد منهما.
والفراش يمكنه رفعه بالطلاق فلا حاجة إلى اللعان لأجله.
فصل
عندنا حد القذف الآدمي يورث عنه ويدخل فيه العفو، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: هو حق الله تعالى لا يورث ولا يدخله العفو.
ووافقنا أنه لا بد من المطالبة باستيفائه، وإن الحاكم يحكم فيه بعلمه بخلاف حد الله تعالى.
وقال مالك: [175/ ب] هو مشترك بين حق الله تعالى وحق الآدمي، فإن سمعه الإمام وشاهدان؛ يجب حد القذف من غير مطالبة.
وإن سمعه الإمام وحده لم يجب إلا بالمطالبة ويجوز العفو عنه قبل الترافع إلى الإمام ولا يجوز بعد المرافعة.
وروي عن أبي يوسف أنه مشترك لا يجب إلا بالمطالبة ويسقط العفو وهذا غلط لأنه عقوبة لا تستوفي إلا بالمطالبة بها فكانت عقوبة الآدمي كالقصاص، فإن قيل: أليس لو قال: اقذفني فقذفه لا يقسط حد القذف، ولو قال: اقتلني فقتله يسقط القصاص؛ قلنا: المذهب أنه يسقط حد القذف أيضًا ولا نص فيه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يسقط والفرق بينهما أن القتل يستباح بسبب فيحتمل أن يكون الأمر بقتل نفسه لإباحة الدم بالزنا ونحوه فلم يجب به القصاص على المأمور، وأما القذف لا يستباح بحال وأنه إن كان زانيًا لا يباح قذفه فلا يتأثر الأمر به.
الجزء: 10 - الصفحة: 311
مسألة: قال: "ولمَا لَمْ يخصَ اللهُ تعالى أحدًا من الأزواجِ دونَ غيرهِ ولمْ يدلَ على ذلكَ سنةٌ ولا إجماعٌ كانَ على كلِّ زوجٍ يصحُ طلاقهُ".
يصحُ اللعانُ مِنَ كل زوجين مكلفين سواء كانا مسلمين أو كافرين أو الزوج مسلمًا والمرأة كافرة أو الزوج كافرًا والمرأة مسلمة أو محدودين في القذف أو غير محدودين أو حرين أو رقيقين أو أحدهما رقيقًا والأخر حرًا.
وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، والليث، والنوري، وأحمد، وإسحق، وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا بين زوجين هما من أهل الشهادة ولا يجوز بين الكافرين ولا بين الكافرة والمسلم، ولا بين العبدين، ولا بين العبد والحرة، ولا بين المحدودين في القذف أو أحدهما وبه قال الزهري، وحماد، والأوزاعي وروي هذا عن أحمد أيضًا [176/ أ] واحتجوا بأن اللعان شهادة لأن الله تعالى استثناه من الشهادة بقوله سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6]، وأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة فلا يصح إلا ممن هو من أهل الشهادة وأيضًا روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من النساء لا ملاعنة بينهم النصرانية تحت المسلم واليهودية تحت المسلم والمملوكة التي تحت الحر والحرة تحت المملوك وروي "لا لعان بين أهل الإسلام وأهل الكفر ولا لعان بين العبد وامرأته"، ولا لعان بين المحدود في القذف وامرأته وهذا غلط؛ لعموم الآية ولأن من صح طلاقه صح لعانه كالحر المسلم ويؤكده أن اللعان خص بالأزواج للضرورة والضرورة قائمة في حق جميعهم، وأما ما ذكروه لا يصح لأن اللعان يمين لا شهادة أو المغلب فيه اليمين لأنه يشترط فيه ذكر اسم الله تعالى ويستوفي فيه الذكر والأنثى ويصح من الفاسق المعلن بفسقه والأعمى واليمين سمي شهادة قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1]، أي: نحلف، وأما الافتقار إلى لفظ الشهادة اختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: لا يفتقر إليه.
ولو قال: احلف بالله أو اقسم جاز.
والثاني: أنه يفتقر إليه ولا يمنع هذا كونه يمينًا لأن اليمين تغلط بلفظ الشهادة كما تغلط بسائر الألفاظ، وأما الخبر لا أصل له.
قال الشافعي والساجي: لم يذكره أحد من أهل الحديث، وقال الإمام أحمد البيهقي: مداده على عطاء الخراساني، وعثمان الوقاصي، وعمر بن هارون، ويحي بن أبي أنيسة وكلهم ضعفاء.
واعلم أن الشافعي علل هاهنا فقال: كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض جاز لعانه، ولم يرد تركيب الغلة منهما جميعًا بل أراد التنبيه على أن كل [176/ ب] وصف من هذين الوصفين علة مستقلة بنفسها، ألا ترى أنه قال في جانب الزوجة وكذلك كل زوجة يلزمها الفرض ثم قال: ويختلف الحدود لمن وقعت له يعني المقذوفة وعليه يعني القاذف وأراد به أنه تختلف الحدود في
الجزء: 10 - الصفحة: 312
جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين.
وحاله لا يجوز له قذفها ولا نفي ولدها وهي أن تأتي بولد يشك فيه أو لا يشك فيه ولكنه شبيهًا بمن يتهمها به أو تأتي بولد لا يشبه الأبوين مثل أن تأتي بولد أسود وهما أبيضان، أو تأتي بولد أبيض وهما أسودان ولم يعرف لها زنًا [177/ ب] ولا فجورًا فيها وجهان؛ أحدهما: لا يجوز له القذف واللعان وهو اختيار القاضي الطبري لأنه لا يجوز أن يكون في أبائه وأمهاته هذه الصورة فأشبه لأن العرق ينزع والدليل على هذا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن إعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم إن فيها أورقًا قال: فأنى ترى ذلك قال: لعل عرقًا نزعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلعل هذا نزعه عرق.
والثاني: لا يجوز له القذف واللعان لأن الظاهر أنه ليس منه، والشبه يحكم به في الإنسان في الشريعة فجاز له نفيه لأجله وهذا أقرب في المذهب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في خبر هلال أن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك بن سحماء.
ولو قال: بلغني أنها زنت، أو أخبرت بذلك ولم يقطع بأنها زانية، لم يكن قذفًا حتى يقطع، ذكره أبو إسحاق وقال في "الحاوي": الحامل خمسة؛ أحدها يجب أن يلتعن فيها بغير قذف، وهو أن تأتي بولد ولم يدخل بها يجب أن يلاعن لينفي ولدًا يعلم قطعًا أنه ليس منه يكون محرمًا لبناته، ولا يجوز أن يقذف لأنه يجوز أن يكون من زوج قبله أو أكرهت على نفسها، والثاني: يجب عليه ملاعنتها ولكن بعد القذف؛ بأن يكون أصابها واستبرأها ووجد معها رجلًا يزني بها ثم أتت تخمل لا يجوز أن يلاعن إلا أن يقذف فيصير القذف لوجوب اللعان الذي لا يصح إلا به واجبًا عليه.
ولولا الحمل ما وجب عليه.
والثالث: يكون مخيرًا بين أن يلاعنها أو يمسك وهو أن يطأها ولا يستبرئها، ويرى رجلًا يزني بها فيكون مخيرًا بين اللعان بعد القذف وبين الإمساك فأما نفي الولد [178/ أ]، فإن غلب على ظنه أنه ليس منه جاز نفيه، وإن غلب على ظنه أنه منه لم يجز نفيه، وإن لم يغلب على ظنه أحد المرين جاز أن يغلب في نفيه حكم الشبه لأجل ما شاهد من الزنا.
والرابع: لا يجوز له قذفها ولا نفي ولدها وهو أن يكون على إصابتها ولا يراها
الجزء: 10 - الصفحة: 314
تزني ولا يخبر عنها الزنا، ولا يرى في ولدها شبهًا منكرًا، والخامس: أن تأتي ولد أسود من بين أبيضين ولا يراها تزني، ولا يخبر بزناها فيه وجهان؛ على ما ذكرنا.
واختار ما اختار القاضي الطبري.
فرع
لو كانت امرأته تولد وكان يعزل عنها إذا وطئها لم يجز له نفيه لما روى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان انعزل عنهن، فقال: إن الله تعالى إذا قضى بسن خلقها ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به، وإن أت بولد وكان يجامعها دون الفرج فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز له النفي لأنه قد يسبق الماء فيعلق به.
والثاني: له أن ينفيه هو الأصح، لأن الولد من أحكام الوطئ فلا يتعلق بدونه كسائر الأحكام.
فرع آخر
لو أتت بولد وكان يطأها من الدبر فيه وجهان: أحدهما لا يجوز له نفيه، لأن قد يسبق الماء إلى الفرج فتعلق به، والثاني: له نفيه لأنه موضع لا ينبغي منه الولد.
مسألة: قال: "ولو جاءتْ بحملِ وزوجها صبي دون العشر لم يلزمه".
ظاهر هذا النص أن المرأة إذا أتت بولد وزوجها صبي دونَ عشرِ سنينَ؛ لا يلزمَه الولدُ".
قال الشافعي: لأن العلم يحيط أنه لا يولد لمثله، يريد به أن العادة جارية بأن مثله لا يكون منه نزول الماء فإذا كان كذلك كان منفيًا عنه بلا لعان، وإن كان له عشر سنين فأكثر يلحق به حتى يبلغ فينفيه باللعان [178/ أ] لأنه يمكن أن يولد منه والنسب يلحق الإمكان، وإن كان بخلاف الظاهر.
ألا ترى أنه لو تزوج فأتت امرأته بولد لوقت يمكن أن يكون منه ألحقناه به، وإن كان الظاهر أن عدتها قد انقضت وأن الولد من غيره.
وحكي أن عمرو بن العاص ولد له ابنه عبد الله وهو ابن عشر سنين، وحكي أن لعبد الله بن عمرو كان له نافلة وهو ابن اثنين وعشرين سنة، وعند أبي حنيفة أقل للزمان الذي يحتلم فيه الغلمان اثنا عشرة سنة، وعندنا عشر سنين.
فإن قيل: إذا ألحقتم به النسب وجب أن يحكموا ببلوغه لأن إلحاق الولد به يقتضي الإنزال، والإنزال بلوغ، قيل: نحن نلحق النسب بالإمكان ولا نجعله بالغًا الإمكان فلهذا ألحقناه ومنعنا من نفيه حتى يقر بالاحتلام أو يستكمل خمسة عشرة سنة، وإن أدعى بلوغًا بالاحتلام واتهم الحاكم بأنه كاذب؛ يريد أن يحلف قبل بلوغه حتى لا يأثم باليمين الكاذبة بعدما بلغ فإنه يحتاط من بابه بالتأخير ولا نحلفه أنه بالغ إذ لا معنى لتحليف من يظن أنه صبي، فإن يمين الصبي لا حكم له، وعلى هذا إن مات قبل أن
الجزء: 10 - الصفحة: 315
ينفيه؛ استقر نسبه ولا يجوز للورثة نفيه وورثه حقه من الميراث.
وقول الشافعي: فإن مات فهو ولده فقبل الموت وهو ولده إذ عليه نفقته غير أنه على معنى الموقف حتى يبلغ ولاعن نفيناه عنه، ولا نقول هو ولده على الإطلاق.
وقال أبو حامد وجماعة: يحتلم الغلام لتسع؛ كما تحيض المرأة لتسع.
ويحمل كلام الشافعي على أنها حد للحوق الولد تقريبًا، حتى لو جاءت امرأة الغلام بولد لتسع سنين وستة أشهر بعد التسع هي مدة أقل الحمل؛ يلحق به الولد، وهذا لأن المرأة والرجل لا يختلفان فيما به البلوغ كما لا يختلفان في البلوغ بالسن.
وقال جماعة من أصحابنا: أقل زمان الاحتلام [179/ أ] عشر سنين، وإن كان أقل زمان الحيض تسعًا لأن أقلها معتبر بالوجود ولم يوجد الاحتلام لأقل من عشر سنين، ووجد الحيض لتسع سنين.
وهذا لأن دم الحيض يرخيه الرحم بعد اجتماعه لضعف الجسد عن إمساكه، ومني الاحتلام يخرج لقوة الجسد على دفعه فصار بينًا سنة لزيادة القوة بها، وعلى هذا لو ولدت امرأته لأكثر من عشر سنين وأقل من ستة أشهر؛ لم يلحق به وهذا وإن لم يصرح به الشافعي فهو معلوم من أصل مذهبه فلذلك أطلقه.
وهكذا ذكره القفال عن بعض أصحابنا.
وذكر بعض أصحابنا نصًا عن الشافعي أنه قال: إذا أتت به لعشر سنين؛ يلحق به ويحكم ببلوغه قبل ذلك بتسعة أشهر من وقت ما علقت به المرأة، ذكره الماحملي من أصحابنا، وهذا غلط لما ذكرنا من الفرق بين الحكم بالبلوغ، وإلحاق النسب.
وذكر بعض أصحابنا أنه لا يعتبر ستة أشهر بعد العشر فإذا أتت بولد وهو ابن عشر من غير زيادة؛ يلحق به، ويقدر نزول الماء قبل ذلك بمدة الإمكان، وهذا ظاهر النص وبه قال أكثر علماء خراسان.
فإن قيل: هلا سمعتم لعانه في الحال لأنه إن لم يكن بالغًا فالولد منفي عنه، وإن كان بالغًا فقد انتفي عنه باللعان كما قلتم: أنه لا يحلف الصبي على دعواه البلوغ لأنه إن كان بالغًا لا حاجة بنا إلى يمينه، وإن لم يكن بالغًا لا يصح يمينه فسقطت؛ قيل: لا يجوز أن يبدي باليمين مع الشك في صحتها، فلهذا لا نحلفه ولا نأمره باللعان عند الشك في الصحة.
مسألة: قال: "ولو كانَ بالغًا مجبوبًا كانَ لهُ إلَّا أَنْ ينفيهُ بلعانِ لأنْ العلمَ لا يحيطُ أنهُ لا يحملُ لهُ".
هكذا نقل المزني؛ وقال في "الأم": إذا كان بالعًا مجبوبًا كان له نفيه باللعان لا العلم يحيط أنه لا يولد لمثله.
واختلف أصحابنا [179/ ب] فيه فقال أبو إسحاق: وهو اختيار أبي حامد: ما نقله المزني أراد إذا كان مجبوب الذكر دون الخصيتين، أو الخصيتين دون الذكر لأنه يحتمل إذا بقى أحدهما أن ينزل، وهذا لأن إيلاج الذكر يجتذب المني من الظهر، وإن لم يكن له الأنثيين.
وإذا لم يكن له ذكر فساحق فرج
الجزء: 10 - الصفحة: 316
المرأة يجتذب الفرج الماء إذا نزل كما تحبل البكر هكذا.
ولا يقبل فيه قول الأطباء أنه ترق مادته فلا يكون منه الولد.
والذي قاله في "الأم" أراد به إذا كان ممسوحًا أيضًا على ما نقله المزني؛ لأنه يمكن مع ذلك نزول الماء وتبقى بقية ولا يقبل قول أهل الظن في ذلك أنه لا يولد له؛ وهذا اختيار مشايخ خراسان، وجماعة من أهل العراق.
ولا يصح ما نقل عن "الأم".
وعندي ما تقدم أصح للعادة الجارية في ذلك، وقال القاضي أبو حامد في أصل الذكر: إذا قطع ثقبتين إحديهما مخرج البول، والأخرى مخرج المني فإن كان مخرج المني انسد والتحم لم يلحق به الولد لاستحالة إنزاله، وإن كان مخرج المني باقيًا كبقاء مخرج البول يلحق به الولد لجواز إنزاله؛ والنصان على هاتين الحالتين.
ومن أصحابنا من قال: ما نقله المزني هو المجنون تصحف من الناقل فيلحق به الولد لأنه كالعاقل في النسب، فلا يقال: لأن العلم لا يحيط أنه لا يحمل له أو يحمل له؛ وإنما يقال ذلك في المجبوب، ولأنه قال: إلا أن ينفيه بلعان، ولا يصح لعان المجنون.
مسألة: قال: "ولو قالَ: قذفتكِ وعقليَ ذاهبٌ، فهو قاذفٌ إلَّا أَنْ يعلمُ أَنْ ذلكَ يصيبهُ فيصدقُ".
صورة هذه المسألة: أنها ادعت أنه قذفها، وأقامت البينة فقال في جوابه: كان هذا مني وعقلي ذاهب، ولم يقل: قذفتها وعقلي ذاهب، فلا يخلو من أحد أمرين؛ [180/ أ] إما أن يعترف له حال جنون أو لا يعترف، فإن لم يعترف له ذلك فالقول قول المقذوفة لأن الظاهر من أمر الناس الصحة والسلامة وثبات العقل وإن عرف أنه قذفها في حال إفاقته يلزمه الحد، وإن أشكل فالقول قوله لأنه إذا أمكن أن يكون واحد منهما وتساوي الحالان في الاحتمال كان المرجع آلي قوله لأن الأصل براءة الذمة والحد يسقط بالشبهة وهذا هو المنصوص في كتبه وهو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول مخرج لا يقبل قوله في ذلك والقول قولها لأن الأصل الصحة والسلامة ووجوب الحد وهذا التجريح مما قال الشافعي: إذا كان قدّ ملفوفًا بنصفين ثم اختلف هو ووليه في حياته فيه قولان؛ أحدهما: القول قول القادّ لأن الأصل براءة الذمة.
والثاني: القول قول الولي لأن الأصل الحياة وقيل في المسألة قولان: على الإطلاق وهو غير صحيح، فإن قيل: إذا قطع لسان كبير أو يده وادعى الشلل فيه قلتم: القول قوله الجاني قولًا واحدًا ولم نعتبر الصحة والسلامة في الأصل، قيل في القذف: الصحة والسلامة في الحال موجودة وفي العضو لا تعرف السلامة ويحتمل أنه كان سليمًا ويحتمل أنه كان أشل فكان القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة.
الجزء: 10 - الصفحة: 317
فرع
لو قال: قذفته وأنا صبي وقال المقذوف: بل بالغ، قال أصحابنا: يجب أن يكون على قولين لأن الصبي معلوم فهو بمنزلة من علم أنه كان يصيبه الجنون.
فرع آخر
لو ادعى أنه قذفها في النوم لا يقبل قوله إلا بينة عادلة قولًا واحدًا.
والفرق أن القذف من النائم بعيد والمجنون يقذف ويسب هو الغالب من حاله.
[180/ ب].
مسألة: قال: "ويلاعنُ الأخرسُ إذا كانَ يعقلُ بالإشارةِ"ز
الأخرس على ضربين؛ أحدهما: أن لا تكون له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة فلا يصح قذفه ولا لعانه ولا عقوده.
والثاني: أن يكون له إشارة معقولة أو كناية مفهومة فإشارته تقوم مقام عبارته فيصح قذفه ولعانه كما تصح عقوده بها وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفه إلا بالصريح وإشارته كفاية ولا يصح لعانه لأنه كالشهادة ولا تصح شهادته وزاد على هذا وقال: لو كانت المرأة خرساء لا يصح لعان الناطق منها، ولو خرست بعد قذفه قبل اللعان لا يلاعن هو لأن الحكم لا يتم إلا بلعانها، فإذا تعذر لعانها سقط لعانه وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن إقراره بالزنا والقصاص يصح فيصح قذفع ولعانه كالناطق.
وأما قوله: إن إشارته كفاية لا نسلم لأنه يعلم الصريح منه بالإشارة كصريح الطلاق والعتق.
ثم إذا لاعن الأخرس سقط عنه الحد ووجب الحد على امرأته، فإن كانت خرساء لاعنت أيضًا إذا كانت تعقل الإشارة.
فإن كانت لا تعقل؛ لا تحد حتى ينطلق لسانها أو تتعلم الإشارة، وأما شهادته؛ قال بعض أصحابنا: تقبل شهادته وهو اختيار ابن سريج.
وقال الجمهور وهو ظاهر المذهب: لا تقبل شهادته لأنه يقوم غيره مقامه فيها فلا حاجة آلي تجويزها منه.
واللعان لا يجوز إلا من الزوج وبه ضرورة آلي نفي الولد كالناطق واللعان وضع للضرورة فافترقا.
فرع
لو نطق عد خرسه سئل عن إشارته بالقذف واللعان في خرسه، وفي هذا السؤال وجهان محتملان أحدهما أنه استظهار لا واج لنفوذ الحكم بإشارته على ظاهر الصحة، والثاني أنه واجب لأن في الإشارة احتمالًا يلزم الكشف عن حقيقته.
[181/ أ] ز
فرع آخر
إذا سئل فاعترف بالقذف واللعان استقر على ما كان، وإن أنكر القذف واللعان فهو كالناطق إذا رجع يقبل ما عليه دون ماله فلا يقبل في الفرقة وإباحة المرأة ونفي القذف ويقبل في وجوب الحد ولحوق النسب أنه لم يلاعن فيهما، فإن قال: أنا ألاعن الآن لهما يقبل، وينتفي الولد ويسقط الحد.
الجزء: 10 - الصفحة: 318
فرع آخر
لو أقر بالقذف وأنكر اللعان فقد جرى عليه حكم القذف وإن كان مقرًا به.
وأما اللعان فقد جرى عليه أحكامه ولكنه إذا أنكر وقال: ما لا عنت يعرض عليه اللعان، فإن أجاب كان لعانًا ثانيًا بعد أول يتأكد به إحكام اللعان الأول، وإن لم يجب إليه صار كالمنكر للقذف واللعان، فيعود عليه من أحكامه ما له من الحد، ولحوق الولد تغليظًا بعد التخفيف ولا يعود ما عليه من الفرقة، وتحريم التأبيد لأنه تخفيف.
وأما قول الشافعي: قال بعض الناس: لا يلاعن الأخرس، أراد أبا حنيفة ثم ألزمه الطلاق والبيع، وقال: ناقض في هذا؛ ووجه المناقضة ظاهر، وذلك أنه ألحقه بالناطق في الطلاق والبيع، ولم يلحقه بالناطق في القذف واللعان.
مسألة: قال: "وأصمتتْ أمامهُ بنتُ أبي العاصِ فقيلَ لها: لفلانِ كذَا أو لفلانِ كذَا فأشارتْ أي نعمْ فرفعَ ذلك فرأيتْ أنها وصيةٌ".
إذا أصاب الرجل سكتة أو ثقل لسانه لعارض مرض، نقل المزني أن إشارته تقول مقام عبارته.
وقال في "الأم": تربصنا به حتى يفيق أو يطول ذلك به فيشير إشارة تعقل أو تكتب كتابه يعقل فيصير كالأخرس واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: يرى رجلين طبيعيين من المسلمين، فإن قالا: إن ذلك يزول انتظر به، وإن قالا: لا يزول ذلك، لاعن بالإشارة كالأخرس.
[181/ ب] وهو كما قلنا في العضوية إن كانت تزول لم يجز له الاستنابة في الحج، وإن كانت لا تزول جاز له الاستنابة، وأراد الشافعي بقوله: أو يطول، إنه لا يوحي زواله.
وممن أصحابنا من قال: كلام الشافعي على ظاهره، وإن كان يطولن وإن قيل: يرجي زواله يلاعن أيضًا وهذا أصح، واختاره القاضي الطبري.
ومن أصحابنا من قال: يلاعن في الحال للعجز عند المطالبة والاعتبار الحال لأنه ربما يموت قبل السلامة فيبطل حقه، والدليل عليه خبر أمامة بنت أبي العاص حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: أصمتت أي: أصابتها سكتة اعتقل منها لسانها وذلك الداء يقال له: السكتات والصمتات فنفذت الصحابة إشارتها، وقوله في "الأم": أو يطول أراد ليتعود الإشارة فتأتي بها وجه الدليل أنه إذا قامت الإشارة مقام العبادة في الوصية فكذلك في اللعان والقذف.
مسألة: قال: "ولو كانتْ مغلوبًا على عقلها فالتعن وقعتْ الفرقةُ ونفيَ الولدُ".
إذا قذف زوجته وهي عاقلة ثم جنت أو قذفها بعدما جنت بقذف مضاف آلي حال إفاقتها كان عليه الحد عنها، وإن قذفها بقذف في حال جنونها كان عليه التعزير، فإن أفاقت وطالبت بالحد أو التعزير كان له إسقاطه باللعان، وإن لم تقف هل له أن يلاعن
الجزء: 10 - الصفحة: 319
من غير مطالبة ينظر فإن كان هناك نسب نفي حملًا كان أو ولدًا كان له اللعان، وإن لم يكن هناك نسب بل له أن يلاعن لإسقاط الحد من غير مطالبة الحد المذهب أنه ليس له ذلك لأنه لا يخلو إما أن يلاعن لدرء الحد عن نفسه فليس هاهنا مطالب، أو يلاعن لقطع الفراش فيمكنه دفعه بالطلاق [182/ أ] أو لاعن لا يجاب الحد عليها، ولا يمكن ذلك فلا وجه له.
وقد ذكرنا عن أبي إسحاق أنه قال: يلاعن، وإن لم يطالب لأن الشافعي قال: ونفي الولد أن انتفي منه فدل على أنه يصح لعانه من دون انتفاء النسب، فقيل لأبي إسحاق في الدرس هذا ما قاله الشافعي في أول الباب، وفي ذلك دلالة على أن ليس للزوج أن يلتعن حتى تطلب المقذوفة حدها فقال: إنما قال الشافعي: ليس عليه، ولم يقل ليس له.
واللعان إنما يجب عليه إذا طالبه بالحد، فأما قبل المطالبة فله ذلك ليسقط عن نفسه ما قد لزمه.
وقال جماعة من أصحابنا: ما ذكره أبو إسحق ظاهر المذهب، وذكر هذا القائل أنه يجوز أن يلاعن لقطع الفراش المجرد.
والشافعي أجاز هاهنا لقطع الفراش، وهذا لأن اللعان عند القذف حق الزوج احتاج إليه أو استغنى عنه.
ومن قال بالأول أجاب عما قال أبو إسحاق بأن قواله: ونفي الولد انتفي منه؛ أراد به أنه إن لم يعقل عن ذكره في اللعان نفي عنه، وإن نسى ذكر أو أعقله لم ينف عنه حتى يستأنف اللعان ويذكره.
فإذا تقرر هذا ولاعن الزوج انتفي الولد، وقت الفرقة، وانتفي النسب وسقط عنه الحد، ولكن لا يجب عليها الحد في الحال لأنها غير مكلفة فلا يقدر على دفعه عن نفسها، فإذا أقامت أقيم عليها الحد إلا أن تلتعن، ولو كان قذف مجنونة فأفاقت بعد لعانه؛ لا لعان عليها لأنها لا تخشى حدًا يقام عليها.
مسألة: قال: "ولو طلبهُ وليهَا، أو كانتْ أمةٌ فطلبهُ سيدهَا لمْ يكنْ لواحدِ منهمَا".
أراد به: إذا قذف امرأته وهي عاقلة فجنت، أو قذفها وهي مجنونة بزنا نسبه آلي صحالة الصحة وجب عليه الحد، [182/ ب] ولكن لا تطالب به حتى تعتق المرأة فتطالبه به فإن طالبه وليها؛ لم يكن له لأن ذلك لها يتعلق باختيارها، فليس للولي أن يفتأ به عليها.
كما نقول في المطالبة بفرقة الإيلاء.
وإن قذفها وهي مجنونة بزنا إضافة آلي حال الجنون؛ لم يلزمه الحد، ويلزمه التعزير حق لها كالحد، فليس للولي طلبه حتى يفيق.
وإن أراد الزوج أن يلاعن لإسقاطه؛ قد ذكرنا الخلاف فيه وهذا لأنه لا فرق بين الحد والتعزير، وإن كانت امرأته أمة مجنونة لم يجب عليه الحد بقذفها، ويجب التعزيز، وليس للسيد طلبه حتى تفيق فتطالبه به لأنه حق لها دونه تجب بهتك عرضها وعرضها لها بخلاف القصاص يتعلق بالبدن، وبدنها له وقد بينه الشافعي فقال: بعده أو بحد للحرة البالغة ويعزر لغيرها، وذكر في "المهذب" أنه لو جني على عبد رجل يوجب
الجزء: 10 - الصفحة: 320
القصاص ثبت القصاص للعبد وله المطالبة به والعفو عنه كما قلنا في حد القذف ومن نظر والفرق ظاهر وذكر في التلخيص ليس للعبد الاختيار فيما جني عليه دون سيده.
مسألة: قال: "فإن ماتت قبل أن يعفو عنه فطلبه وليه كان عليه أن يلتعن أو يحد للحرة البالغة ويعزز لغيرها".
قد بينا أن حد القذف موروث خلافاً لأبى حنيفة ووافقنا أنه لو قذفها بعد موتها كان لورثتها المطالبة وعلل بأن هذا الحد يثبت للورثة ابتداء لأن العار يلحقهم وهذا لا يصح لأنه قد قذف الميت دون الورثة ويعتبر فيه إحصان للميت دون الورثة.
فرع
اختلف أصحابنا فيمن يرثه على ثلاثة أوجه؛ أحدها: يرثه جميع الورثة من أهل الانتساب والأسباب بالزوجية والولاء [183/ أ] لأنه حق موروث لأدمى فيرثه جميع الورثة كسائر الحقوق.
والثاني: يرثه عصباته دون النساء لأنه موضوع لدفع العار لولاية النكاح وهو اختيار القفال.
والثالث: يرثه جميع ورثته المناسبين ولا يرثه الزوج أو الزوجة لأن الزوجية تنقطع بالموت فلا يلحقه العار وهذا الوجه لم يذكره كثير من أصحابنا بالعراق، وليس للشافعى أصل يدل عليه.
فرع آخر
قال القفال: إذا قذف الزوجة بعد موتها؛ هل يثبت للزوج المطالبة بحد القذف بحق الإرث، فإن قلنا: إذا ماتت الزوجة بعد القذف لم تثبت المطالبة فهاهنا أولى، وإن قلنا: تثبت المطالة فهاهنا وجهان؛ والفرق أن قبل الموت كانت الزوجة قائمة عند القذف، وهاهنا ارتفعت الزوجية عند القذف فلا ثبت له الحق ابتداءً، وهذا حسن.
وهكذا الحكم في قذف الزوجة هل للزوجة المطالبة بحد القذف أم لا؟
فرع آخر
إذا لم يكن للمقذوفة وارث؛ قال الداركى: قام الإمام مقام الوارث في طلبه، وعلى هذا لو كان القاذف زوجاً يلاعن لإسقاطه، وقال القفال: يسقط موتها ولا يطالبه الإمام ولا يلاعن له؛ والأصح الأول لأن الإمام نائب المسلمين وهم يورثونه.
فرع آخر
إذا جعلناه ميراثًا بينهم فإنه يجرى مجرى الولاية في النكاح، فيكون لجماعتهم ولكل واحد منهم كله، فإذا ترك بعضهم حقه فللباقين الاستيفاء كاملاً لأن حد القذف إنما شرع لدفع معرة الميت وكل واحد منهم يقوم مقام صاحبه فيه ولا يندفع العار إلا بتمام الحد، وقيل: جملته أن الحقوق على أربعة أضرب حق يثبت لجماعة الورثة، ولكل واحد منهم بتمامه وكماله وهو ما ذكرناه، [183/ ب] وحق يثبت لجماعة الورثة على
الجزء: 10 - الصفحة: 321
الاشتراك ولكل واحد منهم حصته سواء ترك شركاءهم حقوقهم أو لم يتركوا وهو حق المال، وحق يرثه جماعة على الاشتراك، ولا يملك أحدهم على الانفراد شيئًا منه وهو القصاص إذا عفي أحدهم يسقط الكل، وحق يثبت لهم على الاشتراك، وإذا عفي بعضهم توفر الحق على الباقين وهو حق الشفعة، ونحو ذلك الغنمة أيضًا.
ومن أصحابنا من قال في حد القذف: له أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا، والثاني: يسقط بعفو أحدهم كالقصاص، والثالث: أنه كما قال: يسقط بالحصة عند عدم أحدهم وهذا يحكى عن أبى الحسن القطان، وهذا والذي قبله ضعيف غير مشهور.
فرع آخر
لو قال: عفوت عن بعض الحد هل يسقط؟ وجهان؛ فإذا قلنا: يصح عفوه؛ هل يصح في ذلك القدر، أو يسرى آلي جميعه وجهان.
فرع آخر
لو قذف أمة ثم ماتت اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يسقط التعزير بموتها لأن أقاربها ليسوا ورثة ولا يلحق العار بسيدها وهذا اختيار القفال.
وأراد الشافعى بالولي الوارث، وقال الشافعي: فطلبه وليها كان عليه أن يلتعن، ولم يقل: فطلبه وليها أو سيدها، فلما صور ابتداءً المسألة في الحرة والأمة، واقتصر انتهائها على الحرة، عرفنا أنه فصل بعد الموت من ولي الحرة وسيد الأمة، ومن أصحابنا من قال: لا يسقط لأنه حد وجب بالقذف، فل يسقط بموت المستحق كحد الحرة، فإذا قلنا بهذا فالسيد يطالبه لأنه أولى به من غيره، لا على وجه الإرث ولكن لحق الملك وهذا ظاهر كلام الشافعي هاهنا لأنه قال: فإن ماتت قبل أن يعفو عنه فطلبه وليها كان عليه أن يلتعن أو يحد للحرة البالغة [184/ أ] ويعزر لغيرها يعنى لأمة وأما ذكر القائل الأول: لا يصح لأن لفظ الولي صالح للسيد ولعل لفظ الشافعي لم يقل أو سيدها لهذا المعنى أو لأنه ذكرهما في الابتداء فاستغنى عن التطويل في الانتهاء ألا ترى كيف جمع في آخر كلامه بين الحرة والأمة فقال: أو يحد للحرة البالغة ويعزر لغيرها وهذا أقيس، وقال ابن أبى هريرة: من أصحابنا من قال: يكون ذلك لقراباتها المناسبين لأنه يثبت لمعنى يرجع آلي النسب فكانوا أحق به من الولي وإن كانوا لا يرثونه وحكاه القاضي الطبري أيضًا قال: هذا القائل ويفارق القصاص لأنه يثبت على وجه البدل عن البدن وبدنها له والحد لهتك العرض وليس للسيد العرض.
مسألة: قال: "ولَو التعنَ وأبتْ اللعانَ فعلى الحرةِ البالغةِ الحدُ".
الفصل
إذا امتنع الرجل من اللعان قد ذكرنا أنه يجد حد القذف، وإن امتنعت بعد لعانه من اللعان يلزمها حد الزنا ونبين كيفية الحد في كتاب "الحدود" إن شاء الله وقد ذكرنا
الجزء: 10 - الصفحة: 322
مذهب (أبي) حنيفة، وحكي الشافعي أنه إذا امتنع من اللعان حد والمرأة إذا امتنعت حبست وليس هذا بمذهب أبى حنيفة فلعله مذهب بعض أهل العراق، فإذا تقرر هذا لو كانت له أربع نسوة حرة مسلمة وحرة كتابية وأمة مسلمة وصبية فقذفهن فالكلام في ثلاثة فصول فيما يجب عليه بقذفهن وفي اللعان وفيما يجب عليهن باللعان، أما ما يجب عليه بقذفهن فعليه الحد بقذف الحرة المسلمة البالغة العاقلة العفيفة وعليه بقذف الذمية والأمة.
التعزير يكون تعزير قذف، وأما الصبية فعلى ضربين صبية بجامع مثلها [184/ ب] وصبي لا يجامع مثلها، فإن كانت ممن يجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها ويكون تعزير قذف وإن كانت ممكن لا بجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها، ويكون تعزير قذف وإن كانت ممن لا يجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها، ويكون تعزير قذف وإن كانت ممن لا يجامع مثلها للصغير فعليه التعزيز ولكنه تعزيز سب وشتم لا تعزير قذف، وأما اللعان فله أن يلاعن في حق الكل إلا في الصغيرة في الموضع الذي يجب التعزير للسب فلا يلاعن لأجله وأما ما يجب بلعانه فتى لاعن فإن كانت حرة مسلمة بالغة عاقلة فكأنه أقام البينة عليها بالزنا فرجم عند الإحصان ويجلد ويغرب عامًا عند البكارة وإن كانت حرة كتابية فكذلك أيضًا وإن كانت أمة فعليها نصف الحد خمسون جلدة وهل تغرب قولان إذا قلنا: تغرب بل تكون نصف سنة أو سنة قولان، وإن كانت صبية فلا شيء عليها لأن القلم مرفوع عنها واعلم أن كل من وجب عليه بلعانه حد أو تعزير لها إسقاطه بلعانها فإن لم يلاعن استوفي ذلك منها.
وقد قال الشافعي هاهنا: ولا لعان على الصبية لأنه لا حد عليها.
قال القفال: أراد به أنه إذا لاعن هو عن الصبية فهي لا تلاعن ولا يتصور لعانه وهي صبية إذا جوزناه لمجرد رفع الفراش، كما قال أبو إسحق: لأن الولد لا يتصور للصغيرة ويمكن أن يقال: هذا ابتداء كلام ولا يدل على أنه أراد بعد لعانه عنها.
فرع:
إذا قلنا: يعزر في قذف الصغيرة للسب هل يعزر قبل بلوغها وجهان؛ أحدهما: لا يعزر حتى تبلغ.
والثاني: يعزر قبل بلوغها لأنه تعزير أدب فلا نقفه على بلوغها.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني فيه وجهان؛ أحدهما: أنه موقوف الاستيفاء على مطالبة الولي لقيامه بحقوقها.
والثاني: أنه موكول آلي الإمام في استيفائه لقيامه بالمصالح.
فرع آخر
إذا كانت [185/ أ] الصغيرة ممن يجامع مثلها تقف تعزير القذف على بلوغها لتكون هي المطالبة، وهل له أن يلاعن منها قبل بلوغها لإسقاطه على ما ذكرنا من الوجهين.
فرع آخر
إذا قلنا تغرب الأمة ففي نفقتها مدة تغريبها وجهان؛ أحدها: في بيت المال كمنع السيد منها.
والثاني: على سيدنا لأنه لا يملك استخدامها بعد تغريبها.
الجزء: 10 - الصفحة: 323
فرع آخر
إذا بلغت الصغيرة هل لها أن تلاعن بعد لعانه؟ وجهان؛ أحدهما: لا تلاعن لأنه لم يجب عليها بلعانه حد.
والثاني: لها ذلك لسفي بلعانها المعرة عن نفسها.
مسألة: قال: "ولا أجبرُ الذميةِ على اللعانِ إلَّا أنْ ترغبَ فِي حكمنَا".
الفصل
قد بينا في كتاب "النكاح" أنه هل يلزم على الحاكم أن يحكم بين الذميين إذا جاءا أو أحدهما وأجاب هاهنا على القول الذي يقول: إن الحاكم بالخيار في الحكم بينهم ولا يلزمه أن يحكم بينهم لأنه قال: فإن لم يفعل حددناها أن يثبت على الرضا بحكمنا، وأما إذا تحاكم مسلم وذمية يلزمه الحكم بينهما قولاً واحدًا ولا يعتبر رضا الذمية، ولكنه إذا قذفها ولا عن فأبت عن اللعان تركت على هذا القول ولا تجبر عليه لأنه ليس في لعانها إلا درء الحد عن نفسها وهو حق الله تعالى فلا يلزمها ذلك إلا أن ترضي.
قال القفال: وعلى القول الذي يقول: يلزم الحاكم الحكم بينهما في مسألة القذف واللعان بالحكم هكذا وهو أنها لا تجبر على اللعان لأن القولين في حق الآدمي وفي حق الله تعالى يحتاج إلى الرضي قولاً واحدًا.
قال أصحابنا: وفيما ذكر الشافعي هاهنا دليل على أن الرجل المسلم إذا لاعن وقال: لا أطلب لعان زوجتي وهي مسلمة فالحاكم يطالبها باللعان، فإن لم تفعل حدها لأنه حق الله تعالى فلا يسقط بعدم مطالبة الزوج.
وقال المزني: لا يعتبر رضاها [185/ ب] بعد لعانه فإن لم يلاعن حدت لأنها لما رضيت في الأول لزمها حكمنا ولا يعتبر المقام على الرضا واختار أيضًا أن لعن الذمية يجبرون على أحكامنا على أحد.
واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا ولو قدروا على أن يدفعا ذلك بترك الرضا لفعلا قلنا: أجمعنا على أنهما قدرا على إسقاط الرجم لأنه ثبت عليهما الزنا باعترافهما وعرف أن يرجع في حقوق الله تعالى إلى متى شاء وأيضًا فلا يكون مما فائدة في أن لا يرضيا بحكم الإسلام.
ثم قال: "وقال في الإملاء: إن أَبتْ أن تُلاعِنَ حددناها" وهذا أحد قوله إنهم يجبرون على أحكامنا فلا يعني بذلك الاحتجاج به، واعلم أن المزني قال في أول كلامه: أولى به أن يحدها لأنها رضيت وقوله لأنها رضيت لغو من الكلام من هذا القول الذي اختاره ولا فائدة فيه؛ لأنا إذا قلنا بهذا القول فتلكأت عن اللعان أقمنا عليها الحد رضيت في الابتداء أو لم ترض وظاهر كلام المزني يوهم كون الرضا في الابتداء شرطا على قوله الذي اختاره.
الجزء: 10 - الصفحة: 324
مسألة: قال: "لو كانتْ امرأتهُ محدودةً في زنَا فقذفهَا بذلكَ الزنَا، أو بزنَا كانَ فِي غيرِ ملكهِ عزرَ أَنْ طلبتْ ذلكَ ولَم تلتعنْ".
إذا ثبت الزنا عليها بالبينة سقط إحصانها، فإذا قذفها قاذف لم يحد سوى قذفها بالزنا الذي قامت بالبينة أو بغيره وسواء كان زوجًا أو أجنبيًا لأن هذا القذف لا يدخل المعرة عليها بقيام البينة به ولأنه قد ثبت صدقه في قذفه فلا يحد ولكنه يعزر للأذى والسب وهل للزوج أن يلاعن لأجله؟ نقل المزني أنه لا يلاعن، وقال في "الأم": عزر أن طلبت ذلك [186/ أ] إن لم تلتعن ونقله الربيع، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: وهو اختيار أبي إسحاق الصحيح ما نقله المزني وغلط الربيع في نقله لأنها إذا كانت محدودة في الزنا فقذفها بذلك الزنا فقد تبين صدقه فاستغنى عن تصديق نفسه باللعان، واللعان لا يراد إلا لتصديق قوله والتعزير، وإن وجب به فهو للأذى ولا مدخل للعان فيه.
قال أبو إسحاق: ولذلك لو قذف امرأة فحد لها ثم عاد فقذفها بذلك الزنا لم تعد عليه اللعان ثانيًا، وعزر للأذى لأن اللعان إنما يدخل في قذف لم يعلم حقيقته وهذا اختيار ابن أبي هريرة أيضًا ويفارق هذا شروع اللعان في قذف الذمية والأمة لإسقاط التعزير لأنه يفيد التصديق هناك، فإن قيل: أليس يفتقر هذا التعزير إلى مطالبتها كقذف الذمية يفتقر في تعزيره إلى مطالبتها، فلو كان هذا التعزير للأذى لما افتقر إلى المطالبة كما لو قال: الناس كلهم زناه قلنا: تعزير السب والأذى على ضربين.
أحدهما: لا يفتقر إلى المطالبة كما ذكرتم لأنه لم يتعين مستحقه.
والثاني: يفتقر إلى المطالبة وهو إذا تعين مستحقه وهاهنا هذا التعزير حقها بعينها فيفتقر إلى مطالبتها لهذا المعنى، ومن أصحابنا من قال: الصحيح ما نقله الربيع أن له أن يلاعن لأنه قذف في زنا حصل في ملكه فله التخلص منه باللعان.
وتأويل ما نقله المزني أنه قال: عزر أن طلبت ذلك ولم يلتعن أي عزر إذا حصل طلبها وامتناعه من اللعان ولا يجعل قوله ولم تلتعن كلامًا مفردًا أو جوابه هذا راجع إليه إذا قذفها بزنا كان قبل الزوجية فلا تلاعن له [186/ ب] لأن القذف بذلك الزنا لا يوجب اللعان فتكرار القذف به لا يوجبه، وإذا ثبت عليها الزنا في النكاح بالبينة وأقيم عليها الحد كان له اللعان في أصل الزنا فكذلك له اللعان إذا كرر القذف والأول أقيس وأصح، وأما إذا ثبت الزنا عليها بلعانه وامتنعت من اللعان فحدت كأن قذفها الزوج بعد ذلك فلا حد عليه ويعزر للأذى وليس له إسقاط هذا التعزير باللعان.
وإن قذفها أجنبي فيه وجهان؛ أحدهما: يحد وهو اختيار ابن سريج لأن إحصانها لم يرتفع في حق الأجنبي لأن اللعان حجة خاصة في حق الزوج فلا يبطل إحصانها إلا في حقه.
والثاني: لا يحد وهو اختيار أبي إسحق لأنها محدودة في الزنا فلم يحد قاذفها
الجزء: 10 - الصفحة: 325
كما لو حدت بالإقرار والبينة.
ولو لاعنها الزوج ولم تلاعن هي ولم تعد بعد سقط إحصانها في حق الزوج دون غيره أيضًا لأنه وجب عليها الحد بلعانه، وإن لم تحد وذكر الداركي وجهًا آخر هاهنا أيضًا أنه يسقط إحصانها في حق الكل لأنه ثبت زناها بلعانه كما لو حدت وهذا بعيد.
وقال أبو حنيفة: إن كان لها ولد نفاه باللعان سقط إحصانها في حق الكل وإن لم يكن لها ولد نفاه سقط إحصانها في حق الزوج خاصته.
وقد قال: لو قدمت إياه ومعها ولد لا يعرف نسبه فقذفها قاذف لا حد عليه لأن نسب ولدها غير ثابت وهذا غلط؛ لما روي أن النبي قال في خبر هلال فمن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، ولو لاعنت ولاعن الزوج ثم قذفها ثانيًا بذلك الزنا لم يجب عليه الحد ويعزر لأن اللعان لحجة في حقه كالبينة، ولو أعاد القذف بعد إقامة البينة لا يلزمه الحد لكن ذكر جماعة أصحابنا.
وذكر صاحب "الحاوي" و"الشامل" أنه يلزمه الحد [187/ أ] وجهًا واحدًا لأنه عارض لعانه لعانها ولم يثبت عليها الزنا ولا وجب الحد علها فلم يزل إحصانها وهذا أقيس عندي لوقذفها بعد التلاعن بزنا آخر فيه وجهان لأصحابنا؛ أحدهما: لا حد لقيام الحجة على زناها، وإن عارضها بلعانها، والثاني: يحد لزنه لم يقم الحجة على هذا الزنا، واللعان حجة خاصة فيما تقدم، ولم يقدم الحد عليها وهذا اختيار القفال.
وذكر مرة أن في المسألة قولين؛ ونص في "القديم" أنه يحد، ولو قذف زوجته ولم يقم البينة ولم يلاعن، فحد لها ثم رماها بذلك الزنا، عزر ولا يحد أيضًا، ولو رماها بزنا آخر فيه وجهان؛ أحدهما: وهو اختيار ابن الحداد لا يحد لأنه حد لها فلا يحد.
والثاني: يحد، وهما مبنيان على القولين الأجنبي يحد في قذف الأجنبي ثم قذفه ثانيًا بزنًا آخر، هل يحد أم لا؟ ومن العلماء من قال: يجب الحد ثانيًا إذا أعاد القذف بكل حال كما لو تكرر الزنا بعد إقامة الحد وهذا غلط لأن أبا بكرة كرر قذف المغيرة بعد إقامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد عليه، ولم يحده عمر، ولأن حد القذف يراد بالتكذيب، وقد ذكرناه حين حددناه فلا حاجة إلى الحد ثانيًا.
وأما إذا قذف زوجته بزنا؛ وكان قبل الزوجية ولم يقم عليه بينة، فإن لم يكن هناك ولد حد لها؛ ولا يكتفي لأنه لا ضرورة به إلى رميها بالزنا قبل الزوجية؛ وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: له أن يلاعن لأن الزوجية كانت قائمة وقت القذف والاعتبار بحالة القذف وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان هناك ولد يريد نفيه فيه وجهان؛ أحدهما وهو اختيار أبي إسحاق: لا يلاعن لأنه لا حاجة به إلى إلحاق الزنا إلى ما قبل الزوجية، فإذا فعل ذلك لا يلاعن وبه قال مالك وأحمد في رواية والنسائي، وهو اختيار ابن أبي هريرة [187/ ب] وصاحب الإفصاح والقاضي الطبري؛ يلاعن لأنه به حاجة إلى قذفها لنفي الولد فأشبه إذا قذفها بالزنا في الزوجية وهذا أصح، ولو قذف
الجزء: 10 - الصفحة: 326
الزانية بزنا آخر في ملكه يلاعن لنفي التعزير وبه قال أبو حنيفة لأنه لم يصدقه بهذا القذف فصدق نفسه.
ثم اعلم أن الشافعي في جمع هذا الفصل بين مسألتين مختلفتي الحكم وأجاب بجواب واحد فقال: ولو كانت امرأته محدودة في زنا فقذفها بذلك الزنا أو بزنا كان في غير ملكه عزر ومعلوم أنه إذا قذفها بزنا قد حدث فيه فحكمه التعزير، وإذا قذفها بزنا كان في غير ملكه وليست محدودة فيه فحكمه الحد لا التعزير؛ فكيف أجاب في المسألتين جميعًا وجوب التعزير، وهذا مشكل وإزالة هذا الإشكال أن يقال: الشافعي كثير الجمع بين مسألتين، ثم يجيب عن إحديهما فكأنه أجاب بالتعزير في المسألة الأولى وهي: إذا كانت محدودة في ذلك الزنا؛ ولم يجب عن المسألة الثانية وهي إذا كانت غير محدودة، ولو أجاب عن الثانية لكان يجب بوجوب الحد.
أو يقول: يحتمل أن يريد بقوله: بزنا كان في غير ملكه وهي محدودة في ذلك الزنا، والمسألة الأولى مصورة في زنا في ملكه؛ وهى محدودة فيه أيضًا، وإذا كانت المسألتان جميعًا مصورتين في الزنا الذي حدث فيه فجوابهما التعزير، وإن كانت في إحديهما زنت في ملكه، وفي الأخرى زنت في غير ملكه.
مسألة: قال: "وإن أنكرَ أنْ يكونَ قذفهَا فجاءتْ بشاهدينِ لاعنْ وليسَ جحودهُ القذفَ إكذابًا لنفسَه".
صورة المسألة: أن تدعي امرأة على زوجها أنه قذفها فجاءت بشاهدين فشهدا عليه بالقذف قال الشافعي: له أن يلاعن وليس جحوده القذف [188/ أ] إكذابًا لنفسه ولا خلاف على المذهب أنَّ له أن يلاعن ولكن اختلف أصحابنا في أن جحوده القذف إكذابًا منه لنفسه، أم لا فمنهم من قال: ليس بإكذاب وهو ظاهر ما قاله هاهنا؛ ووجهه أنه يقول: أنا ما قذفتها لأن القذف هو القول الكذب الزور، وإذا قلت: حقًا؛ والبينة إنما شهدت على أني قلت لها: يا زانية وأنا صادق في ذلك ولست بقاذف؛ فلا يكون فيه تكذيب لنفسه.
ومن أصحابنا من قال: هذا تكذيب منه لنفسه لأنه نفي أن يكون قذف وقد قامت البينة عليه بالقذف وحكمنا عليه بالقذف.
ألا ترى أنَّا نحده بالقذف إلا أنَّا مع كونه مكذبًا له أن يلاعن وثبت الزنا عليه، وإن كان قد جحد الكذب وصار مكذبًا فيه وهو اختيار أبي إسحاق.
ومنهم من قال: هذا تكذيب منه لنفسه؛ ولكنه يلاعن لأنه يقول: ما قذفت ولكن هي زانية فيكون بهذا القول قاذفًا، ومتى قال لها: ألا إن هي زانية فقد أحدث قذفها فيلتعن لأجل هذا القذف الحادث ويحققه باللعان، ولو قال: كذبت فيما قلت هي ما زنت ولم أقذفها، لم يكن له اللعان وكذلك إذا ادعت عليه أن قال لها: يا زانية فقال: ما قلت ذلك، وأقامت البينة بذلك فقد كذب نفسه فعليه الحد ولا يلاعن لأنه تقدم منه إقرار بأنها ليست بزانية فليس له أن يرجع ذلك؛ وكيف يقول في لعانه: إني لمن الصادقين فيما رميتها به، ولم يوجد منه القذف على
الجزء: 10 - الصفحة: 327
قوله، فالقائل الأول والثاني يقولان: يلاعن للقذف الأول، والقائل الثالث يقول: يلاعن للقذف المجدود.
ومن قال بالأول قال: حصل قذفها في لفظ لعانه حيث يقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به فلا يحتاج إلى تجديد هذه اللفظة [188/ ب] متى أراد اللعان وقال ابن أبي ليلى: لا يلاعن لأنه جحد القذف وقاعدة اللعان القذف وقصد الشافعي بما ذكر من العلة هو.
مسألة: قال: "ولو قذفَها ثم بلغَ لم يكنْ عليهِ حدٌ ولا لعانٌ".
الصبي إذا قال لزوجته: يا زانية لم يكن قذفًا ولا حد عليه ولا تعزير أيضًا لأنه لا حكم لكلامه، فإن بلغ وأراد اللعان لم يكن له لأن اللعان إنما يكون على القذف وليس هذا بقذف، وقال القفال: ولكن يؤدب الصبي على ما قال: إن كان يعقل عقل مثله، فإن لم يؤدب حتى بلغ لم يؤدب بعده لأنه زال المعنى الذي ونبه.
مسألة: قال: "ولو قذفَها فِي عدةِ يملكُ فيهَا رجعةَ فعليهِ اللعانُ".
الرجعية في حكم الأزواج فيلاعنها زوجها ولا يؤخر إلى أن يراجع كما يؤخر أمر الظهار والإيلاء لأن الظهار تحريم وهي محرمة والإيلاء مضارة ولا تبين المضارة في حال التحريم واللعان يراد لأمور تتحصل الآن وفي تأخيره ضرر بما يموت فيبقى النسب غير منتفي في الحال فيلاعن.
مسألة: قال: "ولو بانتْ فقذفَها بزنًا نسبهِ إلى أنه كانَ وهيَ زوجتُه حدَ ولا لعانَ".
إذا أبان زوجته بالطلاق الثلاث أو الخلع أو الفسخ ثم قذفها بزنا كان بينها في حال الزوجة نظر، فإن لم يكن هناك ولد ينفيه لم يجز له أن يلاعن، وحد إن لم يأت بالبينة لأنه لا ضرر فيه إلى قذفها بعد البينونة، وقال عثمان البتي: له أن يلاعن، وبه قال الأوزاعي وأحمد؛ وقيل عن أحمد مثل قولنا وهو الصحيح.
وإن كان هناك ولد يريد نفيه له أن يلاعن وقال أبو حنيفة: لا يلاعن لأنه قذفها في غير الزوجية فأشبه إذا لم يكن هناك ولد وهذا غلط لأنه لا حاجة به إلى قذفها [189/ أ] واللعان عند عدم الولد وبه حاجة إلى ذلك عند وجود الولد لئلا يلحقه نسب ولد ليس منه فافترقا، واعلم أن الشافعي ألزم نفسه سؤالاً فقال: فإن قيل: فلم لاعنت بينهما وهي بائن إذا ظهر بها حمل قيل: كما ألحقت الولد لأنها كانت زوجة فلاعنت أيضًا عند الاحتياج لأنها كانت زوجة، ثم قال الشافعي: نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد وهي زوجة فزال الفراش كأن الولد بعدما يتبين أولى ينتفي، ومعناه أن اللعان إذا لاقى الفراش تعلق به قطع الفراش وقطع النسب ودرء الحد، فإذا انقطع الفراش بالطلاق كيف لا يقوى اللعان على دفع النسب ودرء الحد وهو بعض ما كان يقوي عليه قبل ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 328
فرع
إذا لاعن منها عند وجود الولد ونفي نسب الولد؛ هل تحرم هي على التأبيد عليه؟ لا نص فيه؛ واختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: تحرم على التأبيد وهو الأشبه، والأصح أن اللعان إذا صح تعلق به التحريم على التأبيد كما لو لاعن زوجته، ولأن كل نسب يوجب التحريم المؤبد إذا صادف الزوجية أوجب التحريم المؤبد، وإن صادف غير الزوجية كالرضاع، والثاني: لا تحرم على التأبيد لأن التأبيد تابع لوقوع الفرقة بهذا اللعان، ولأنه تحريم يختص به الأزواج، فإذا صادف البينونة لا حكم له في الطلاق.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني، هل يجرى عليه حكم الطلاق الثلاث حتى لا تحل إلا بعد زوج لأن أضعف أحواله أن يكون الطلاق، والثاني: تحل قبل زوج إذا لم يستكمل عدد الثلاث بالطلاق المقدم لأن هذا اللعان لم يؤثر في الفرقة فلم يؤثر في التحريم أصلاً، ولو أثر في التحريم لكان تأثيره في تحريم التأبيد أولى.
[189/ ب]
فرع آخر
قال القفال: إذا لاعن فنفي الولد وحده فهل تلاعن المرأة؟ فيه وجهان؛ أحدهما: تلاعن كما في النكاح، والثاني: لا تلاعن؛ لأن نفي الولد ضد مقتضى لعانها فلا معنى للعانها فيه.
قال: وهذان الوجهان مبنيان على أنها هل تذكر أمر الولد في لعانها أم لا، والوجه الثاني أظهر لأن الشافعي قال: لو نسي الحاكم نفي الولد في اللعان قال الزوج: إذا شئت نفيه فلاعن، فإذا أعاد لم تعد المرأة لعانها كذلك هاهنا لا يلاعن ولا يحد فإنه لم يلاعن لإثبات الزنا عليها وإسقاط الحد عن نفسه وإنما لاعن لنفي الولد وحده.
فرع آخر
لو كان بها حمل يريد نفيه في المسألة التي ذكرناها نقل المزني بأن له أن ينفيه باللعان فقال: إلا أن ينفي به ولدًا أو حلاً فيلتعن، وذكر المزني في "الجامع الكبير" هذه المسألة؛ وقد قال الشافعي: لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدًا أو حملاً فيلا عن للولد ويوقف للحمل، فإذا ولدت التعن فإن لم يلاعن حدَّ، ثم قال المزني: أولى بقوله أن يلتعن، وإن لم تلد إذا أن الحمل.
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: التلاعن على نفيه قولاً واحدًا كما نقل المزني لأن المقصود باللعان هاهنا النفي.
ألا ترى أنه لو لم يكن هناك ولد لا يلاعن فلا يجوز ذلك، حتى يتيقن الولد الذي هو سبب صحة اللعان وحمل أبو إسحاق ما نقله المزني على ما قرره في "الجامع الكبير" وهو أنه يلاعن إذا وضعت، ويخالف هذا إذا كانت زوجته حاملاً له أن يلاعن وينفي الحمل قولاً واحدًا لأن المقصود هاهنا درء الحد عن نفسه، وينفي النسب تبعًا لأنه، وإن لم
الجزء: 10 - الصفحة: 329
يكن ولد يلاعن أيضًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا وهو الأصح.
والثاني: له أن يلاعن لنفيه كما في الزوجة يصح اللعان لنفي حملها كما يجوز لنفي ولدها المنفصل [190/ أ] وقيل: هذان القولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا حتى يلزم الاتفاق عليها للحمل، وفيه قولان؛ وهذا ضعيف لأنه لا يشبه النفقة فإنه إذا اتفق فلم يكن حمل يمكن الرجوع عليها ولا يمكن الرجوع في حكم اللعان.
فرع آخر
لو قذف زوجته وهي حامل له أن يلاعن لنفي نسب الحمل على ما ذكرنا، وإن لم يكن صرح بقذف الزنا، وبه قال مالك: ولو اختار تأخيره إلى ما بعد الانفصال كان له.
وقال أبو حنيفة منع الفرقة إذا لاعنت أيضًا وفرق الحاكم بينهما ثم تلحق نسب الولد ولا يقدر على نفسه بحال لأن اللعان لا يصح بعد زوال النكاح وهذا غلط؛ لأنه ولد يلحقه نسبه فله نفيه باللعان كالولد المنفصل ولأن هلال بن أمية لاعن على الحمل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جاءت به على نعت كذا وكذا أفلا أراه إلا وقد صدق عليها، وهذا نص صريح.
فرع آخر
لو استلحق الحمل لحقه، ولم يكن له نفيه بعده وقال أحمد: لا يصح استلحاقه ولا نفيه وهذا غلط؛ لأنه محكوم بوجوده لأنه يوقف له الميراث وتجب له النفقة فصح الإقرار به واحتج بأن إقراره به معلق بشرط إن كان بها حمل فلا يصح عليها لو علق الإقرار بدخول الدار قلنا: لا نقول إنه معلق بشرط ولكن نقول حكمه يظهر به في الحال.
فرع آخر
لو قذفها ثم أبانها له اللعان سواء أكان هناك ولد أو لا وقال أبو حنيفة: سقط اللعان بالإبانة وهذا غلط؛ لأنه ثبت حق اللعان بالقذف فلا يسقط بحادث الإبانة بعده.
فرع آخر
لو كان هناك ولد فلاعنها ووقعت الفرقة بينهما ثم قذفها بزنا آخر نسبه إلى حال الزوجية لا يلاعن لأنه لا نسبه هناك ينفيه وهل يلزمه الحد؟ فيه وجهان؛ [190/ ب] أحدهما: لا يحد ويعزر لأن اللعان أسقط إحصانها على ما ذكرنا.
والثاني: يحد لأن حكم اللعان لا يتعدى إلى غير حال الزوجية.
مسألة: قال: "ولو قالَ: أصابكَ رجلٌ في دبركِ حدَّ ولاعنَ".
القذف في الدبر والقبل سواء لأن الدبر فرج ينبغي باليلاج فيه لذة كاملة، فكان
الجزء: 10 - الصفحة: 330
القذف به موجبًا للحد كالقبل، ثم إن قذف به امرأته لاعن لأن به ضرورة إلى قذفها به، وإن قذف به أجنبية أو رجلاً أو غلامًا يحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، وقال أبو حنيفة: لا يصح القذف ولا يلاعن أصلاً ويعزر بناءً على أصله أنه لو تحقق ذلك لا يحد بل يعزر، وذكر المزنى هذه المسألة في "الجامع الكبير" وقال: لا أدري على ماذا أقسه كأنه أنكر هذا المذهب، فنقول له: قسه على القبل كما ذكرنا.
وحكي صاحب "الحاوي" عن المزني" إذا قذف بالإتيان في الدبر يجب الحد ولا يجوز اللعان لأنه لا يختلط بمائه، ولا يقدح في نسبه.
وعلى ما ذكرنا إذا لاعن في هذه المسألة سقط الحد عنه وثبت التحريم به وفي جواز نفي الولد به وجهان؛ أحدهما: لا يجوز لاستحالة العلوق منه، ويلحق الولد بالزوج إلى أن يقذف بما يكون منه الولد ويلاعن لنفيه وهو اختيار العمري.
والثاني: يجوز لأنه يحتمل أن يسبق الإنزال فيستدخله الفرج فتعلق به.
فرع
لو قال: أنت سحاقة، أو أصابك رجل فيما دون الفرج، أو قبلك، أو عانقك، لا يلزمه الحد ولا لعان أيضًا وعزر للأذى لأن هذا الفعل لو تحقق لا يوجب الحد.
فرع آخر
لو قال: وطئك رجلان في حالة واحدة عزر ولم يحد لاستحالته، وهذا التعزير للأذى.
فرع آخر
لو قال: علوت علي رجل ودخل منه في ذلك منك؛ يلزمه الحد، وله اللعان لأنه لو تحقق عليها ذلك وجب الحد نص عليه في "الأم" [191/ أ].
مسألة: قال: "ولو قالَ لها: يا زانيةُ بنتُ الزانيةِ وأمهَا حرةٌ مسلمةٌ".
الفصل
إذا قال لامرأة: يا زانية بنت الزانية فقد قذف كل واحدة منهما وعليه لكل واحدة منهما حد قولاً واحدًا ولا يتعلق حكم إحديهما بالأخرى لأنه أفراد كل واحدة منهما بالقذف بخلاف ما لو قذف اثنتين بكلمة واحدة يلزم حد واحد في أحد القولين لأنه جمعهما في القذف بكلمة واحدة، ولا فرق بين أن يقول: يا زانية بنت الزانية وبين أن يقول: زنيت وأمك زنت، ولو قال: أنت وأمك زانيتان قال القفال: فإن قلنا: في الأجنبيتين يلزم حدان فهاهنا أولى وإن قلنا: هناك يلزم حد واحد فهاهنا وجهان؛ لأن الموجب مختلف يلاعن في إحديهما ولا يلاعن في الأخرى والأصح أنه يجب حد
الجزء: 10 - الصفحة: 331
واحد هاهنا أيضًا لأن الحجة مختلفة لا الموجب، فإذا تقرر هذا لا يجوز لامرأته أن تطلب حد أمها وإنما المطالبة إلى الأم أو وكيلها، فإن كانت الأم ميتة فهي تطلب حد أمها وإنما المطالبة إلى الأم أو وكيلها، فإن كانت الأم ميتة فهي تطلب حد أمها مع باقي الورثة على قولنا إنه يثبت حد القذف لجميع الورثة الرجال والنساء، ولو جاءت البنت تطلب حدها والأم غائبة كان له إسقاطه بالبينة أو اللعان، فإن عجز عنها حدّ لها، وإن جاءت الأم قبل البنت كان له إسقاط حدها بالبينة خاصة فإن لم يكن بينة حد لها ولو جاءتا معًا فالمنصوص أنه يقدم حد الأم وهو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يقدم حد البنت وهو اختيار أبي إسحاق لأن الحد لها سبق حد الأم بقوله: يا زانية ثم قال: بنت الزانية وهو كما لو قتل رجلاً ثم رجلاً قدم القصاص الأول ولأنه إذا قذف أجنبيتين بكلمتين يبدأ الحد من قدم أولاً كذلك هاهنا والأول أصبح لمعنيين؛ أحدهما: أن حد الأم مجمع عليه [191/ ب] وحد البنت مختلف فيه، فإن عند أبي حنيفة لا يجب الحد لها بل يجب اللعان فقط والثاني: أن حد الأم أقوى لأنه لا يمكن إسقاطه إلا بالبينة وحد البنت يسقط باللعان فإذا قلنا: تقدم الأم فحددناه لها ثم جاءت البنت وطالبته فلم يلاعن ولا يأتي ببينة يلزم الحد لها ولكن لا يقيم عليه الحد حتى يبرأ من الحد الأول لأنه لا يجوز الموالاة بين الحدين مخافة التلف ويحبس حتى يبرأ للحد الثاني.
فإن قيل: أليس لو اجتمع عليه قطعان قطع في يمينه بسرقة، وقطع في يساره بجناية يوالي بين القطعين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القصد من الحد الزجر فأمر بحد الظاهر منه البقاء دون التلف ونخاف التلف بين الموالاة بين الحدين ولا يمكن أن يقال في القطع أمر بقطع لا يؤدي إلى التلف لأن ظاهر القطع التلف فوالينا بين القطعين وفي هذا نظر؛ لأنه يلزم على هذا أن يقطع في شدة الحر والبرد ولا يقطع عند وجود ذلك وأيضاً الحد مقدر بالشرع فلا يراد عليه، ولهذا لو تكرر سببه لم يتكرر الحد، فلو والينا بين الحدين أضر به وأدى إلى خلاف موضوعه والقصاص يجوز أن يجب في الأطراف كلها لواحد ويستوفي له في حالة واحدة أن يجب لاثنين ويستوفي لهما في حالة واحدة، وإذا قدمنا البنت ولم تلاعن ولم تقم البينة نحده لها ثم يخاصم الأم ونحده لها بعد برئه من الحد الأول على ما ذكر القفال عن بعض أصحابنا أنهما إذا اجتمعا على المطالبة يقرع بينهما لأن الكلام فصل واحد.
وقال أبو حنيفة: إن لاعن الابنة يحد للأم، وإن حد للأم أولاً بطل حق البنت لأنه يصير محدوداً في القذف فلا يصح لعانه.
قال: وإن اجتمعا يقدم حد الأم أولاً ثم يلاعن [192/ أ] واعلم أن الشافعي ربما يستقصي شرائط مسألة في موضع ثم إذا استقبلته تلك المسألة يذكر بعض شرائطها اعتمادًا منه على ما قد استقصى وهاهنا فعل على هذه العادة فقالك "وأمها حرة مسلمة" فاقتصر من ذكر شرائط الإحصان على الحرية والإسلام ولم يذكر العقل والعفة.
الجزء: 10 - الصفحة: 332
فرع آخر
لو قذف عبد رجلين فوجب عليه حدان هل يوالي بين الحدين؟ يحتمل وجهين ذكرهما أبو إسحاق؛ أحدهما: يوالي لأن الذي يقام عليه الحد ثمانون جلدة وقد يجوز أن يوالي عن الحر ثمانون جلدة والثاني: لا يوالي لأنهما حدان في حقه، والأول أقرب عندي.
فرع آخر
لو ثبت على رجل حدان لله تعالى أحدهما بالإقرار، والآخر بالبينة قال القفال: قدم ما ثبت بالبينة فإنه ربما يرجع عن الإقرار، فهاهنا أيضاً ينبغي أن يقدم حد الأم لأنه ربما يسقط حد الابنة باللعان.
مسألة: قال: "ومتى أبى اللعانُ فحددته إلاَّ سوطًا ثمَ قالَ: أنا ألتعنُ، قبلتُ رجوعَه ولا شيءَ لهُ فيمَا مضى".
اللعان في هذا كالشهادة عندنا لا كاليمين فإذا حددناه إلا سوطاً ثم قال: أنا أعود إلى اللعان أعدناه كما لو قال: أنا أقيم البينة قبلناها وتركناه، وكذلك المرأة إذا وجب الحد عليها بلعان فحده إلا سوطاً فقالت: أنا أعود إلى اللعان قبلنا وعادت إلى اللعان، فيسقط بلعانها ما بقي من الحد ولا شيء عليه فيما مضى من الضرب لأنه كان ضربًا ليمين ويخالف هذا إذا نكل المدعى عليه عن اليمين وردت اليمين إلى المدعي فقال المدعى عليه: أنا أحلف؛ لا يرد عليه اليمين لأن اليمين صارت حجة للمدعي، فلم يجز أن يأتي بها المدعى عليه وليس كذلك اللعان لأنه لا يصير بنكوله حجة لغيره.
قال القفال: لو أقيم عليه الحد في التمام؛ ثم قال: ألاعن؛ لأصدق نفسي لم يقبل منه وهذا صحيح.
[192/ ب].
مسألة: قال: "فإنَ قالَ قائلٌ: كيفَ لاعنتَ بينهُ وبينَ منكوحةِ نكاحًا فاسدًا بولدٍ، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6]، وهذهِ لستْ بزوجة".
الفصل
نقل المزني سؤالاً قبل بيان المذهب؛ فنحن أولاً نبين المذهب وهو أنه: إذا قذف المنكوحة نكاحًا فاسدًا لم يكن له اللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فيكون حكمه حكم المطلقة البائن في جميع ما ذكرناه.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن عنها بحال لأنها أجنبية منه وهذا غلط، وذكر الشافعي هاهنا وهو أنه لو جعل الوطئ في النكاح الفاسد كالوطئ في النكاح الصحيح في الأحكام من وجوب المهر والعدة ولحوق النسب فكذلك بالنفي باللعان، وقيل: هذا في النفي باللعان أولى لأن النسب أقوى في النكاح الصحيح، فإذا جاز نفي الأقوى فلأن يجوز نفي الأضعف أولى،
الجزء: 10 - الصفحة: 333
وهكذا الخلاف في الموطوءة بالشبهة إذا قذفها، فإن كان هناك ولد لاعن وإلا فلا يلاعن، وعند أبي حنيفة لا يلاعن؛ وهذا غلط لأنه يحتاج إليه لنفي ولد ليس منه، واللعان للنفي عند الاحتياج.
وذكر القفال عن بعض أصحابنا أنه لم يكن هناك ولد، وكان عالمًا بفساد النكاح لا يلاعن، وإن لم يكن عالمًا بفساد النكاح هل يلاعن؟ وجهان؛ وهذا غريب ضعيف.
وقيل: جملة الأحكام المتعلقة باللعان أربعة؛ درء الحد عن نفسه، ونفي الولد، وقطع الفراش، وإلحاق الحد عليها.
وهاهنا حكمان مقصودان بجوز إفراد كل واحد منهما باللعان وهما درء الحد عن نفسه إذا طالبه به، والثاني: نفي النسب وفيها حكمان تابعان لا يجوز إفرادهما باللعان؛ وهو قطع الفراش وإيجاب الحد عليها، والفرق أن به حاجة إلى نفي النسب، ودرء الحد عن نفسه باللعان، [193/ أ] فإن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ولا حاجة به إلى إيجاب الحد عليها ولا إلى قطع الفراش فإنه يمكنه ذلك بالطلاق وهذا هو المذهب الصحيح.
فرع
إذا لاعنها في النكاح الفاسد على ما ذكرنا؛ قال القاضي الطبري: لها أن تلاعن لدرء الحد عن نفسها وقد ذكرنا عن القفال خلاف هذا؛ وهو القياس، والمشهور ما ذكره عن القاضي.
فرع آخر
إذا قذفها ولاعن لإسقاط الحد عن نفسه ثم بان أن النكاح كان فاسدًا لا تحرم عليه المرأة باللعان؛ لأن اللعان لا يصح في النكاح الفاسد، فلا يتعلق به التحريم.
فرع آخر
قال أحمد بن حنبل: لا تعجبون من أبي عبد الله يقول للسيد أن يلاعن في أم ولده حكاه ابن أبي هريرة، فمن أصحابنا من قال: هذا قول في المسألة للشافعي.
وإذا لاعن حرمت على التأبيد كالزوجة، والمشهور أنه لا يلاعن عنها لأنه يمكنه نفي نسب ولدها بدعوى الاستبراء واليمين عليه فلا حاجة إلى اللعان.
قيل: أراد بأبي عبد الله؛ سفيان الثوري، وهذا غلط لأنه روي أنه قال من الشافعي، وقيل: أراد إذا كانت زوجته أمة فإن أحمد قال: لا يجوز نفي ولدها باللعان؛ وهذا غلط أيضًا.
وقال صاحب "التقريب": إن صح أن أراد به الشافعي فالمراد باللعان اليمين إذا ادعى الاستبراء.
فرع آخر
إذا اشترى امرأته فجاءت بولد ولم يقر بوطئها لدون أربع سنين له النفي باللعان، وإن جاءت به لأكثر من أربع سنين من يوم الشراء فهو منفي بلا لعان، وإن أقرَّ بالوطئ، فإن جاءت به لأقل ممن ستة أشهر فله اللعان، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدًا لحفه إلا أن يدعي استبراءً بعد الوطئ، وتأتى به لستة أشهر فصاعدًا بعد الاستبراء فلا يلحقه [193/ ب].
الجزء: 10 - الصفحة: 334
مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ: لا يلاعنُ إلا حرَّانِ مسلمانِ".
الفصل
قصد به الرد على أبي حنيفة وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وذكر الشافعي أن أبا حنيفة ترك ظاهر الآية لمعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6].
ولم يفصل بين الحر والعبد، وذكر أنه قال: اللعان شهادة وليس كذلك بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد بنفسه ولكانت المرأة تأتي بثماني شهادات، لأنها على النصف من الرجل في الشهادة، وإنه يصح من الأعمى والفاسق، ولا تجوز شهادتهما، ثم ألزم نفسه سؤالاً فقال: فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان، قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ثم أكد هذا بأن العبد إذا أعتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال، ثم الذمة أن الذمي من أهل الشهادة على الذمي والذمية، وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض عنده فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية أيضًا.
واعلم أن الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد مدة الاستبراء، وهذه المدة قدرها بعض أصحابنا بسنة وكلام الشافعي هاهنا يدل على أنها لا تتعذر، بل الرجوع بها إلى العرف والعادة لأنه قال: لو تابا لم يقبلا إلا بعد طول مدة يختبران فيها ولم يقدر.
باب أين يكون اللعان؟
مسألة: قال: "قالَ: وروي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ لاعنَ بينَ الزوجينِ على المنبرِ".
الفصل
جملته أن اللعان لا يصح إلا بحضرة الحاكم لأنه يمين ولا يصح يمين المتداعيين إلا بحضرة الحاكم.
وأيضًا اللعان الذي كان في الشرع إتيان هلال بن أمية [194/ أ] ولعان العجلاني وكلاهما كان بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا تقرر هذا فاللعان يغلط أربعة أشياء؛ باللفظ، والمكان، والزمان، والجمع أما باللفظ وهو أن يأتي كل واحد منهما بأربع شهادات؛ بالله وحكمه اللعن أو الغضب على ما نطق به الكاتب وهذا شرط بلا خلاف.
وأما المكان فهو أن يلاعن فهو أن لاعن في أشرق البقاع، فإن كان بمكة ففي المسجد الحرام بين البيت والمقام، وقيل بين الركن والمقام وكلاهما واحد، قال القفال: أحلف في الحجر وهذا لا بأس به ولكنه غير مشهور، وإن كان في المدينة قال الشافعي: هاهنا على المنبر، وقال في موضع آخر: عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: هذا على اختلاف حالين فالذي قال على
الجزء: 10 - الصفحة: 335
المنبر أراد إذا كثر الناس ليراه الناس، والذي قال: عند المنبر إذا قل الناس، وقال ابن أبي هريرة، يلاعن عند المنبر لا على المنبر بكل حال لأن في صعودهما على المنبر إعظام لهما ولا يجوز ذلك؛ لأنهما فاسقان أو أحدهما والذي قال على المنبر معناه عند المنبر كما يقال: حلف على المصحف يعني بالمصحف وهذا لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وأما ما رواه الشافعي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لاعن بين زوجين على المنبر قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر قاعدًا والمتلاعنان بين يدي المنبر ويؤمر الحاكم لأن بهذا وقيل: معناه أمر الملاعن بأن يصعد المنبر والرسول صلى الله عليه وسلم كان جالسًا عند المنبر فصعد العجلاني المنبر ولاعن ثم نزل وصعدت المرأة المنبر ولاعنت ويؤمر الحاكم الآن بهذا.
قال القفال: وهذا أصح [194/ ب] لأنه رثي على عثمان رضي الله عنه أن يحلف على المنبر فأبى أن يحلف وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمينه.
وإن كان في بيت المقدس ففي موضع الاختيار من مسجدها وجهان؛ أحدهما: عند الصخرة وهو المشهور لأنها أشرف بقاعه، وقال أبو حامد وجماعة: يكون على المنبر أو عنده لأنه أخص بالشهرة، وإن كان في سائر البلاد ففي جوامعها عند المنبر لأنها أشرف البقاع، ومن أصحابنا من قال: لا يختص بالمنبر في سائر البلاد لأنه لا مزية لبعض المسجد على بعض في سائر البلاد ويخالف المدينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" ذكره في "الشامل" ولم يذكره خلافًا وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف عند منبري هذا يمين إن وجبت له النار".
وروى جابر رضي الله عنه يتبوأ مقعده من النار فخص منبر لنفسه، وأما التغليظ بالزمان فهو أن يحلف بعد العصر، قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]. وقيل في التفسير: أراد بالصلاة هاهنا صلاة العصر.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم رجل حلف يمين على مال مسلم فأقطعه، ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر لقد أعطى بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء.
فإن الله تعالى يقول: "اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله.
قال القفال: ويؤكد يوم الجمعة إن لم يكن في تأخيره إلى يوم الجمعة ضرر فيحلف بعد صلاة العصر من يوم الجمعة لأن أبا هريرة رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم [195/ أ] أنه قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله شيئًا إلا
الجزء: 10 - الصفحة: 336
أعطاه"، فقال كعب الأحبار: إنها الساعة بعد العصر فقال أبو هريرة: كيف تكون بعد العصر وقد قال: "لا يوافقها عبد مسلم يصلي"، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فقال كعب: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد في الصلاة ما انتظر الصلاة".
وأما التغليظ بالجمع أن يجمع لها طائفة من الرجال العدول أقلهم أربعة ليثبت بشهادتهم وهذا لقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 2]، فلما كان الحد يستحب أن يكون بحضرة طائفة تستحب أن تكون بحضرتهم.
وقيل في التفسير: أراد بالطائفة هاهنا أربعة، ولأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم حضروا اللعان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على حداثة منهم والصبيان لا يحضرون المجالس إلا تابعين للرجال فدل أنه حضر جماعة من الرجال وتبعهم الصبيان ولأن اللعان مبني على التغليط المردع والزجر وفعله عند الجمع أبلغ في الردع، وأما التخصص بالأربعة فلأن شهود الزنا أربعة فلذلك هذا يخص بالأربعة.
فإذا تقرر هذا فلا يختلف المذهب أن التغليظ في اللفظ بالتكرار واجب هاهنا على ما ورد في سائر الدعاوى توكيد الإيمان باللفظ فيؤمر أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ونحو ذلك وهو إذا كانت الدعوى في غير المال أو في المال الذي بلغ نصابًا ولا يكون هذا واجبًا قولاً واحدًا، وأما التغليظ بالزمان والجمع لا يجب قولاً واحدًا بل يستحب ذلك، وأما التغليظ بالمكان فيه قولان؛ أحدهما: أنه مستحب كالزمان والجمع [195/ ب] والثاني: أنه واجب حتى لو أخل به يعاد اللعان لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلظ بالمكان وعدد الإيمان فكما وجب أحدهما كذلك الآخر، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان والزمان والجمع وهذا غلط؛ لما ذكرنا.
وقال القفال في التغليظ بالزمان: هل يجب أم لا؟ قولان أيضًا وهذا غير مشهور، وقيل في التغليظ بالجمع: بل يجب قولان أيضًا وليس بشيء وعلى ما ذكرنا لو امتنع الرجل أو المرأة من اللعان في الموضع المغلظ هل يجعل ناكلاً؟ قولان بناء على القولين في الوجوب.
مسألة: قال: "ويبدأ الإمام فيقيمُ الرجلُ قائمًا والمرأة جالسةً".
الفصل
السنة أن يتلاعنا قائمًا وهو نوع تغليظ فيقوم الرجل والمرأة جالسة فتلاعن، وإن لاعن قاعدًا مع القدرة أساء ويجزيه، فإذا فرغ الرجل وأرادت المرأة اللعان قامت والتعنت والرجل جالس هكذا روي في قصة هلال وهذا لأن القصد به الردع والزجر، رجاله القيام أبلغ من الردع والزجر ولأنه عند القيام إلي سماع الناس أقرب فكان أولى.
الجزء: 10 - الصفحة: 337
واعلم أنه يشترط فيه الترتيب فيلاعن الرجل أولاً ثم تلاعن المرأة فإن لاعنت قبل لعانه لم يعتد به وتؤمر أن تلاعن بعده، قال الشافعي: فإن حكم الحاكم بصحة لعانها قبل لعانه نقضت حكمه وهذا لأن الله تعالى بدأ بالرجل في اللعان.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن بدأت باللعان جاز ويعتد به وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8]، فجعل لعانها إدراء العذاب عنها.
وقبل لعانه لم يجب عليها شيء بالإجماع ولأن اللعان يمين أو شهادة ويجوز تقديم واحد منهما على وقته.
واختلف أصحابنا فيما ذكر الشافعي نقضت حكمه أنه لأي سبب (196/ أ] ينقض، فقال بعضهم: ينقص لمخالفة النص، وقال أبو حامد، لمخالفة قياس لا تحتمل غيره وهو ما ذكرنا.
واختلف من قال: بالنص على وجهين، أحدهما: نص التنزيل الذي ذكرنا من التعليل في درء العذاب عنها بعد وجوبه عليها.
والثاني: نص السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: حين ابتدأ في السعي بالصفا ثم بالمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله به".
وقال القفال: ومن جملة التأكيد في اللعان أن يأمر رجلاً ليضع يده على فم الزوج إذا أراد أن يذكر كلمة اللعنة، ويأمر امرأة أن تضع يدها على فم الزوجة إذا أرادت أن تذكر كلمة الغضب ويقول لكل واحد منهما: إنها موجبة أي تجب عليك اللعنة إن كنت كاذبًا ويجب عليك الغضب إن كنت كاذبة، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في امرأة العجلاني فتعتعت وقالت شيئًا فسمعه من قرب منها فحكي أنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ثم مضت على يمينها، قال القفال: وفي هذا دليل على أنها تحد إذا امتنعت لأنه لا فضيحة في أن تحبس لتلاعن ويستحب أن يعظهما في ابتداء الأمر إذا حضر لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهما وقال: "إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" فقال هلال: والله لقد صدقت عليها وقالت: كذب ثم تلاعنا.
مسألة: قال: "إلا أن تكونَ حائضًا فعلى بابِ المسجدِ".
قد بينا أنه يغلظ اللعان بالمكان فإن كانت طاهرًا ودخلت المسجد ولاعنت معه، وإن كانت حائضًا لاعن الزوج في المسجد فإذا فرغ منه لاعنت المرأة على باب المسجد لأن ذلك اللعان أشرف من الحوانيت والمازل ويحضر لعانها على باب المسجد الحاكم أو خليفته مع الجماعة أقلهم أربعة على ما ذكرنا وهذا لأنه لا يجوز [196/ ب] للحائض دخول المسجد والمكث فيه لا بقدر الخصومة ولا غيرها.
مسألة: قال: "أو كانت مشركة التعنت في الكنيسة وحيث تعظم".
الجزء: 10 - الصفحة: 338
إذا كان الزوجان مشركين يلاعنان في الموضع الذي يعظمانه، فإن كانا يهوديين ففي الكنيسة، وإن كانا نصرانيين ففي البيعة، وإن كانا مجوسين ففي بيت النار وهذا لأنهم يعظمون هذه المواضع وليس فيها معصية فخلا الإمام أن يحلفهم فيها لينزجروا عن الكذب ولا نقول لهذه المواضع حرمة والمعنى في التغليظ بها ما ذكرنا ويخالف اليمين بالوثن والصم لأن ذلك معصية فلا يجوز التحليف به، وإن كانوا يعظمونه، فإن قيل: إذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع فقد شاركهما في المعصية بتعظيم هذه المواضع قيل: دخولها لا يكون معصية، وإنما المعصية في تعظيمها والحاكم لا يعظمها، وقال القفال: لا يؤكد يمين المجوسي ببيت النار لأنه لم يكن لها حرمة قبل الفسخ وإن كان الزوج مسلمًا والمرأة مشركة، فإن الرجل يلاعن في المسجد وتلاعن المرأة في البيعة والكنيسة.
مسألة: قال: "وإن شاءت المشركة أن تحضره في المساجد كلها حضرته إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام".
قال أبو حامد: أراد الشافعي في الذمية تحت المسلم طلبت أن تلاعن زوجها في المسجد يجوز ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام وإنما كان لها ذلك إذا رضي الزوج به فإن لاعن الزوج في المسجد وطلبت أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه كان عليها ذلك، وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة في كافرين فأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد كان لها ذلك لأن التغليظ [197/ أ] عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت إسقاطه كان لها ولا وبد هاهنا من رضاه في لعانها في المسجد وهذا أقرب إلى المظاهر كلامه قال المزني: إذا جعل المشركة أن يحضره في المسجد وعسى بها مع شركها أن تكون حائضًا كانت المسلمة بذلك أولى وهذا مذهبه أن الحائض لا تمنع من المسجد كالمشركة والجواب، قال بعض أصحابنا: أن عرفنا حيضها وحياتها هل يجوز لها حضور المسجد؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز لها ذلك.
وهذا لا يصح لأن النص للشافعي فرق بينهما والمعنى ما ذكرنا في كتاب الصلاة أن المشركة لم تعتقد تعظيم المساجد حتى نطالبها بقضية الاعتقاد بخلاف المسألة فحيل بينها وبين المسجد ما دامت حائضًا.
مسألة: قال: "وإن كانا مشركين لا دين لهما تحاكما إلينا لاعن بينهما في مجلس الحكم".
إذا لم يكن لها دين من الزنادقة والدهر به وعبدة الأوثان وكانا عندنا بموادعة هدنة لا يعتقدان تعظيم المكان المخصوص لا يعتقدان صانعًا وربما يقولان بقدم الدهر فأي فائدة في يمينهما وكيف يتصور لعانهما ولا يمين لهما، قلنا: إنما يتصور ذلك لأنه ما
الجزء: 10 - الصفحة: 339
من مشرك وإن خلا في شركه إلا وهو عند رجوعه إلى نفسه يعترف بخالق خلقه وإن كان معاندًا بلسانه.
قال الله تعالى: في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث كسر الأصنام ﴿فَرَجَعُوا إلى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 64 - 65]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87] [197/ أ] في آيات كثيرة، وأيضًا نأمرهم بذلك، وإن لم يعتقد تعظيمه لما يتعلق به من الأحكام في شريعتنا مثل نفي النسب والفرقة الحد وترجو أن تلحقهما سوء الكذب في اليمين الكاذبة.
قال صلى الله عليه وسلم: اليمين الغموس تدع الديار من أهلها بلاقع، واللعن إلى مثلها أقرب منه إلى المسلم الكاذب.
وصورة يمينه في سائر الدعاوى أن يقول: بالله الذي خلقني ورزقني ذكره أبو حامد وهو حسن، وقول اليهودي: في لعانه أشهد بالله الذي أنزل التوراة على موسى.
ويقول النصراني: أشهد بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
وفي غير اللعان من الأيمان يقولان مثله.
باب سنة اللعان ونفي الولد
مسألة: قال: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً لاعن من امرأته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتفي من وردها ففرق رسول الله بينهما وألحق الولد بالمرأة، قال سهل بن سعد وابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين".
قال أصحابنا: يتعلق باللعان خمسة أحكام: درء الحد، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤيد، ووجوب الحد عليها.
وكل ذلك يثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيها إلى لعانه ولا إلى حكم الحاكم، فإن حكم به الحاكم كان تنفيذًا منه لا إيقاعًا للفرقة، وأما لعان المرأة لا يؤثر إلا في إسقاط الحد عن نفسها فقط، وحكي عن عثمان البتي أنه قال: لا يتعلق باللعان الفرقة أصلاً، وروي عنه أنه يؤمر بالطلاق بعد اللعان، واحتج بأن العجلاني طلق امرأته بعد اللعان فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاقه وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم [198/ أ] "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" وأما ما ذكره لا يصح لأنه لما طلق قال له: "لا سبيل لك عليها" أي بما سبق من اللعان.
وقال أبو حنيفة: تتعلق الفرقة ونفي الولد بلعانهما وحكم الحاكم وهو رواية عن أحمد، وعند أبي حنيفة أحكام اللعان إثبات نفي النسب وزوال الفراش والحد لا يجب حتى يسقط به، والتحريم على التأبيد لا يثبت أيضًا حتى لو أكذب نفسه وحد تحل له بعقد جديد وعند أبي حنيفة قبل حكم الحاكم الزوجية قائمة بينهما حتى لو طلقها نفذ طلاقه ولكن لا يجوز للحاكم أن يقرهما عليه بل يلزمه أن يفرق بينهما، وقال ربيعة ومالك، وداود، وزفر: تتعلق الفرقة بلعانها معًا ولا يحتاج إلى حكم الحاكم وهو الرواية الثانية عن أحمد، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًأ بشرط لعانهما، واحتج أبو حنيفة بما روي
الجزء: 10 - الصفحة: 340
أن النبي فرق بين المتلاعنين، فأضاف التفريق إليه وهذا غلط؛ لأن قوله: يمنع الزوجين من البقاء على النكاح فالفرقة به لا تفتقر إلى حكم الحاكم كالطلاق.
وأما الخبر الذي ذكره مالك يقول به: وليس فيه دليل على أنهما يجتمعان قبل لعانهما، وأما الخبر الذي ذكره أبو حنيفة قلنا: لفظ التفريق يستعمل لإيقاع الفرقة ويستعمل لإظهار الفرقة والمراد هاهنا الإظهار لا الإيقاع أي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين مفترقان بدليل أنه رؤى والحق الولد بالأم والمعلوم أن الولد يلحق بالأم من غير حاجة إلى حكم الحاكم في الإلحاق ومعناه إظهار ذلك الحكم.
وفسر الشافعي هذا اللفظ فقال: معنى قولهما: [198/ ب] أي قول سهل وابن شهاب: كانت تلك سنة المتلاعنين فرقة بلا طلاق الزوج وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم غير فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم.
ثم اعلم أن الفرقة الواقعة به فسخ كالفسخ بالرضاع وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: هي طلقة ثانية وهذا غلط؛ لأنها فرقة لا ترتفع بعقد النكاح بحال فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، وحكي عن الأصم أنه قال: لا ينتفي النسب باللعان وهذا خطأ فاحش لما روينا من الأخبار، ثم اعلم أن الشافعي استغل بعد هذا بتأويل ثلاثة أحاديث؛ أحدها أنه قال: وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلم أن أحدكما كاذب فهل ونكما تائب؟ فحكم على الصادق والكاذب حكمًا وحدًا وأخرجهما من الحد وقصد بهذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعمل غلبة الظن وقضى على الصادق والكاذب قضاء واحدًا وأخرجهما من الحد بلعانهما فدل على أنه لا يجوز للحاكم الأخذ بباطن المكذب وعليه إجراء الحكم بظاهره وأن تيقن أن أحد الخصمين كاذب في خصومته لا محالة، وهذا لأنه لما لم يتيقن الصادق من الكاذب استوي حكمهما كما لو صلى باجتهاده أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد لا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنه لم يتعين الخطأ في واحدة منها.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على النعت المكروه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمره أن يبين لولا ما حكم الله وأخبر أنه لم يستعمل دلالة صدقه عليها، وحكم بالظاهر بينه وبينها فمن بعده من الولاة أولى بأن لا يستعمل دلالة في مثل هذا المعنى، ولا يقضي إلا بالظاهر أبدًا لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما لا يعلم غيره، [199/ أ] وقصد بهذا أنه وجد إمارة دالة على كذبها ولم يعمل عليها، وأخبر أن الله تعالى أمر بإجراء الحكم فيها بظاهر الأيمان، وإن كان كذبهما بينا بالدلالة وقيل: قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر صفة الولد لزيادة الردع والزجر حتى تنزجر عن مثل صنيعها.
وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه يستعمل في بعض المسائل دلالة الصدق على غير ما ورد به الشرع، فقد قال في الخلوة: إذا طالت أو قصرت يختلف الحكم، فإن كانت الخلوة في داره فالقول قولها في وجود الإصابة طالت أو قصرت، وإن كانت الخلوة في دارها فالقول قوله في عدم الإصابة إذا قصرت المدة، والثالث:
الجزء: 10 - الصفحة: 341
أنه قال: لما نزلت آية الملاعنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة دخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء"، وقد ذكرنا هذا الخبر، قيل: "وروي أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم تأكل حرامهم، وينظر إلى عوراتهم فليست من الله في شيء"، وأراد بالحراب المواريث والنفقات، ورؤي في خبر المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت نسوة معلقات بثديهن يعذبن، فسألت جبريل عليه الصلاة والسلام عنهن فقال: هنَّ اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم"، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "اشتد غضب الله على امرأة ألحقت بقوم من ليس منهم تنظر إلى عوراتهم، وتأكل حرامهم".
وأما قوله في الخبر: وايما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، لأن الرقة والرحمة عند النظر أكثر ما وعد للرجل والمرأة على حسب دينهما؛ والله أعلم [199/ ب].
باب كيف اللعان
مسألة: قال: "ولما حكي سهل شهود المتلاعنين مع حداثته، وحكاهُ ابن عمرَ استدللنا على أنْ اللعانَ لا يكونُ إِلا بمحضر.
من طائفةِ مِنْ المؤمنين".
الفصل
قصد الشافعي بهذا أنه يغلظ اللعان بجمع الناس، وقد ذكرنا ذلك، واحتج الشافعي رحمة الله عليه بأن ابن عمر وسهلاً رضي الله عنهما رويا خبر اللعان مع حداثة بينهما ولا يحضران في أمر يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحضره الصغار إلا وقد حضره الكبار وقد بينا هذا.
وهذا دليل على أن الصغار المميزين إذا حضروا مثل هذا المحضر لم يمنعوا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعهما، والفائدة في حضورهم تعلمهم وتبليغهم، فإن كانت المرأة مخدرة لا تبرز في حوائجها بعث الحاكم مع خليفته إلى منزلها أربعة عدول لتلاعن بحضرتهم فإن لم يفعل، وبعث خليفته وحده جاز لما ذكرنا أن الجمع لا يجب، وأما حد السرقة قال صاحب الإفصاح: يحتمل فيه وجهين: أحدهما أنه يستحب في إقامته إحضار طائفة أيضًا للزجر والردع.
والثاني: لا يستحب لأن القطع يظهر فلا يحتاج إلى حضور طائفة للعلم به بخلاف اللعان وإقامة الحد فإنهما لا يظهران، فندب إلى حضور الطائفة فيهما.
ثم قال الشافعي: "وفي حكاية من حكي اللعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاه في كتابه فإنما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين بما حكاه الله تعالى في القرآن".
وأراد به أنه لما أعرض الراوي عن كيفية اللعان عرفنا أنه صلى الله عليه وسلم [200/ أ] لاعن بينهما كما ورد به القرآن مفسرًا وهو بأربع شهادات وكلمة اللعن، ولو زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الجزء: 10 - الصفحة: 342
لفظ اللعان زيادة في القرى، لنقل ذلك وهذا كما أنه قال رسول الله للأعرابي صلى الله عليه وسلم الذي أساء صلاته: توضأ كما أمرك الله لأن القرآن ورد بالوضوء مفسرًا، وجملته أن ما ذكره الله تعالى مجملاً لا بد للرسول صلى الله عليه وسلم من بيانه، إما بفعله أو بقوله، وما فسره الله تعالى لا يحتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيانه، ولا يجب على الراوي نقله مفسرًا أيضًا.
واللعان من هذه الجملة.
فإن قيل: أليس ابن عباس وسهل رضي الله عنهما؛ بيَّنا كيفية اللعان فكيف ذكر الشافعي هذا؟ قيل: إنما قال الشافعي ذلك من رواية ابن عمر رضي الله عنه وحده، فإن قيل: قال الشافعي: يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم أي: أقل من أربعة، وألا تنقص الطائفة عن أربعة لأجل أنه لا تقبل في شهادة الزنا أقل من أربعة، ولعل الزنا يثبت بالإقرار مرة كما يثبت بالشهادة قلنا: الوجه فيه أنه لما كان الزنا لا يثبت إلا بأربعة، وقد أمر الله تعالى طائفة بالحضور فالأولى لحضور هذا المحضر من يشهد على ذلك الزاني بالزنا لعلهم شهدوا ... فإذا شاهدوا فيه أليم العقاب رجعوا عن كذبهم فلا يكمل العذاب إذا رجعوا، ويقام عليهم حد القذف إذا كان المقذوف محصنًا فهاهنا كان أقل الشهود أولى من غيره بالحضور، وأقل عددهم أربعة جعلنا أقل الطائفة أربعة؛ ثم قسم فيه منزلة الإقرار على منزلة الشهادة فيما ذكرنا من الحد [200/ ب].
مسألة: قال: "واللعانُ أن يقول: الإمامُ للزوجِ: قلْ: أشهدُ باللهِ إني لمنْ الصادقينَ فيمَا رميتُ بهِ زوجتي فلانَة بنتُ فلانِ منْ الزنَا".
الفصل
اللعان أن يقول الإمام للزوج: قل أشهد بالله إني من الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان، ولو ابتدأ لعانه قبل تلقين الإمام لا تحتسب له ولا يحتاج إلى ذكر السبب إن لم يكن ولد ينفيه وينبغي أن يكون بعد حضور الزوجين وكل واحد منهما؛ بحيث يسمع كلام صاحبه، والأولى أن يراه مع سماع كلامه لتقع الإشارة إليه، وإن لم ير أحدهما ولا يسمع كلامه ينبغي أن يجمع أربعة من الشهود من روايتهما، وسماع كلامهما، فإن تباعا وتلاعنا يجوز لأن لعان كل واحد منهما بعد موت صاحبه يجوز، والموت قاطع للاجتماع ولكن إن بعد كل واحد منهما عن صاحبه بغير عذر يكره، وإن كان بعذر بأن تكوون حائضًأ فتقف عند أقرب إلى الغير لا يكره ثم إن كانت المرأة غائبة عن المجلس لا بد أن يرفعها في النسب حتى لا تشاركها امرأة أخرى فيه، وإن كانت حاضرة فهل تكفي الإشارة إلى عينها؟ وجهان؛ أحدهما: لا يكفي لأن اللعان أمر بني على المبالغة والتأكيد وأكد بالجمع بين الإضارة وذكر النسب، ولأنه يجوز أن يحضر
الجزء: 10 - الصفحة: 343
معها من يجوز أن تنصرف الإشارة إليه فيلزم التحقيق بذكر النسب مع الإشارة، وهذا ظاهر ما نص هاهنا.
والثاني: يجوز الاقتصار على الإشارة مع ذكر الزوجية فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا وهو اختيار ابن سريج لأن الإشارة تغنى عن ذكر نسبها كما في الشهادات وسائر الأحكام، وقيل: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يحتاج إلى أربعة أشياء؛ [201/ أ] الإشارة وذكر الزوجية واسمها والنسب وهو اختيار القاضي أبي حامد وهذا بيان الوجه الأول الذي ذكرنا، والثاني يكفي شيئان: الإشارة مع ذكر الزوجية وهو الوجه الثاني الذي قاله أن سريج، والثالث يحتاج إلى الاسم أيضًا ولا يلزم ذكر النسب.
وإن كان هناك نسب ولد يريد نفيه يقول في كل مرة: وإن هذا الولد ولد زنا ليس مني، ولو اقتصر وقال: إن هذا الولد من زنًا ولم يقل: وليس مني؛ هل يكفي بالانتفاء؟ قال القاضي أبو حامد: يكفي في الانتفاء لأن الولد الزنا لا يلحق به، وكان قوله: ليس مني تأكيدًا، وقال أبو حامد: لا ينتفي حتى يقول ما هو مني لأنه قد يعتقد أنه من زنا ويكون منه بأن تكون قد زنت قبل تزويجه بها وجاءت بولد لستة أشهر من وقت عقده فيكون لاحقًا به، وربما يعتقد أن الوطيء في النكاح بغير ولي زنا كما قال الصيرفي من أصحابنا: ويكون الولد من ثم إذا أتى ذلك أربع مرات وعظه الإمام أو الحاكم وقال له: اتقِ الله فإني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبؤ لعنة الله؛ فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه على ما تقدم بيانه فإن أبى تركه وقال: قل وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا على ما بيناه، فإذا أتى به تم اللعان من جهته؛ ثم يأمر المرأة بالقيام وأن تقول: أشهد بالله أن زوجي فلان ابن فلان هذا لمن الكاذبين فيما رما نى به من الزنا، فإن كان غائبًا وقعت في نسبه حتى يتميز، وإن كان حاضرًا فعلى وجهين كما ذكرنا في المرأة؛ ولا يحتاج في لعانها إلى ذكر الولد لأنه لا مدخل لها في إثبات النسب وإنما تلاعن لدرء الحد عن نفسها.
وكذا ذكر أصحابنا بالعراق، وقال القفال فيه وجه آخر؛ أنها تذكر الولد فتقول: [201/ ب] وهذا الولد ولد ليستوي اللعانان في المقابلة ويكرر ذكر أربع مرات ثم يعظهما الإمام ويذكرها ويقول لها: احذري أن تبوئي بغضب الله إن لم تكوني صادقة في إيمانك، فإن رآها تمضي أمر امرأة أن تضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي قال لها: قول: وعلي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فإذا قالت ذلك فقد فرغت ودرأت الحد عن نفسها.
ولو تلاعنا ولم تنفِ الولد، فإن أحب أن تنفيه استأنف لعانًا خاصًا لنفي الولد ولا تلاعن بعد الزوجة نص عليه الشافعي هاهنا، وقال في موضع من "الأم" تعيد الزوجة لعانها بعد لعانه وليس هذا على الوجوب على الاختيار حتى لا ينفرد الزوج بلعانٍ لا تساويه الزوجة.
فرع
لا يتعرض لهما بعد التلاعن وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يعزران بعد التلاعن،
الجزء: 10 - الصفحة: 344
لتحقق الكذب واجتماعهما عليه وهذا غلط لأن الكذب لم يتصف في واحد منهما كما لو تحالف المتبايعان لا يعزر واحد.
فرع آخر
ألفاظ اللعان ثابتة بالكتاب نصًا والعظة ووضع اليد على الفم ثابت بالسنة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أتت المرأة بدل الغضب بلفظ اللعنة ولم يعتد به، ولو أتى الرجل بدل اللعن بلفظ الغضب فيه وجهان أحدهما: لا يعتد به لأنه عدل عن المنصوص عليه فأشبه إبدال الغضب باللعن، والثاني: يعتد به لأن الغضب يتضمن معنى اللعن ويزيد عليه فإن اللعن هو الطرد والإبعاد وكل مغضوب عليه مطرود.
فرع آخر
لو جاء بكلمة اللعن قبل الخامسة أو جاء بكلمة الغضب قبل الخامسة بل يعتد بها وجهان: أحدهما: يعتد بها لأن القصد التغليظ والتأكيد فلا فرق [202/ أ] بين أن تكون أولاً أو آخرًا، والثاني: لا يعتد بها وهو الصحيح لأنه خلاف النص ولأن كلمة اللعن والغضب إن كان من الكاذبين فيما يشهد، وينبغي أن يتأخر عن كلمة الشهادة وهذا اختيار القفال.
فرع آخر
لو أتى بأكثر ألفاظ اللعان لا تتعلق بها الأحكام وينبغي أن يستوفي جميع الألفاظ بالتمام، وإن حكم الحاكم في الأكثر بالكفاية لا يجوز وينقض حكمه، وقال أبو حنيفة: إذا أتى كل واحد منهما بثلاث ألفاظ من الخمسة لا يجوز للحاكم أن يحكم بالفرقة، فإن الحكم كان مخطئًا، ونفذ حكمه وهذا غلط لأن الله تعالى ذكر الألفاظ الخمسة، والرسول صلى الله عليه وسلم لاعن بين الزوجين ولم ينقص عن الخمسة، ولأنه لو جاز الاقتصار على بعض الكلمات في اللعان وقد جعله الله تعالى بدلاً عن الشهود لجاز أن يقتصر في الزنا على ثلاثة من الشهود وأجمعنا على خلافه، وإذا قذف زوجته برجل سماه بعينه وأراد اللعان يحتاج إلى أن يذكر المرمي في لعانه كل مرة فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان، ثم إذا سماه في لعانه هكذا سقط عنه حدها وحده جميعًا كما لو أقام البينة على زناها به.
وقال أبو حنيفة: لا يذكر في لعانه ويلزمه الحد للأجنبي المرمي به ولا يسقط لعانه حال، وبه قال مالك وهذا غلط لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء اليهودي ولم يعذره له، ولأن اللعان بينه في أحد طرفي القذف فكان بينه في الطرف الآخر كالبينة.
فإن قيل: لو سقط حد المري به بلعانه لوجب الحد لعانه أيضًا كما قلت: يجب الحد عليها بلعانه قبل اللعان إنما يوجب حدًا يمكن إسقاطه بمثله، والمرأة لا تقدر على اللعان فجاز أن يجب الحد عليها بلعانه [202/ ب] والمرمي به لا يقدر على إسقاطه باللعان فلا يجب الحد عليه باللعان ولم يذكره في لعانه عنها، روى المزني عن
الجزء: 10 - الصفحة: 345
الشافعي أنه يحد للمرمي به إلا أن يعيد اللعان ويذكره فيه كما لو لم يذكر الولد في اللعان وأراد نفيه يحتاج إلى إعادة اللعان وهذا أصح لأنه وجب له الحد بالقذف فلا يسقط إذا لم يذكره في اللعان كالزوجة وقال في "الإملاء" و"أحكام القرآن": يسقط حده لأن ما كان تصديقًا فيها كان تصديقًا فيه، لأنه وطئ واحد وبه قال أحمد ولأن اللعان يثبت في حقه تعًا لسقوط حدها باللعان.
فإذا قلنا: الأول وأعاد اللعان بذكر المرمي؛ لا تحتاج المرأة إلى أن يعيد لعانها لأنه لا يتعلق درء الحد عنه بلعانها، وإنما يتعلق بلعانه وحده، وإن كان المرمى به اثنان أو أكثر فهل يجب حد واحد أو لكل واحد منهم حد؟ مبني على القولين في الواحد إذا قذف جماعة، فإن قلنا: يحد لهم حدًا واحدًا فهاهنا أولى، وإن قلنا يحد لكل واحد منهم حدًا واحدًا لأنه ضرورة إلى ذكرهم، ولأن حقهم يسقط بحد واحد، فلذلك يسقط حد واحد، وقال أبو إسحاق: يكفي هاهنا حد واحد، ولا ينبني على قذف الجماعة للعلة التي ذكرناها.
وإن لم يلاعن أصلاً لها وللمرمى به الحد وهل يكفي حد واحد؟ فيه طريقان؛ أحدهما فيه قولان كما لو قذف رجلين بكلمة واحدة والثاني يكفيه حد واحد هاهنا، والفرق هناك بزنانين ولعانين رجلين وهاهنا القذف بزنا واحد وفعل واحد فيكفي حد واحد، فإذا قلنا: لا يكفيه حد واحد هل يجوز له أن يحد للمرمي؟ به وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه [203/ أ] قذف كان اللعان فيه مجوزًا في حق كل واحد منهما، والثاني: لا يجوز لأنه تابع لحد الزوجة في اللعان فلم يجز أن يفرد باللعان.
فرع آخر
لو طلبت المرأة حدها عند امتناعه من اللعان فحد ثم حضر المرمى به، فإن قلنا: الواجب حد واحد لا يجب له شيء، وإن قلنا: يجب حدان فقد استوفت المرأة حدها، وبقي حد المرمى به، فإما أن يلتغى في حده أو يحد له، وإن عفت هي عن حقها يصح عفوها، وسقط حدها وبقي حده، فإما أن يلتعن لإسقاطه أو يحد له، وإن اعترفت بالزنا فقد سقط عنه حدها وعليه حده ويلزمها حد الزنا باعترافها وحد القذف أيضًا للمرمي به، وإن أقام الزوج البينة بما ذكر لا شك أنهما يحدان.
مسألة: قال: "وإنْ كانَ معهَا ولدٌ فنفاهُ أو بهَا حملٌ فانتفي منهُ قالَ: معَ كلِّ شهادةٍ اشهدُ باللهِ إنِي لمنْ الصادقينَ فيما رميتهَا بهِ من الزنَا وإنَّ هذَا الولدَ لولدُ زنَا ما هو منيّ وإنْ كانَ حملاَ قالَ: وإنْ هذَا الحملَ إنْ كانَ بهَا لحملٌ مِنْ زنَا مَا هو منّي".
إذا أراد نفي الولد أو الحمل باللعان لا بد من أن يذكره في لعانه على ما ذكرنا مع كل شهادة بالله ومع كلمة اللعنة.
فإن قيل: لم قال الشافعي، يقول: وإن هذا الحمل
الجزء: 10 - الصفحة: 346
وإن كان بها حمل لحمل من زنا وهذا تعليق اللعان ولا يجوز ذلك.
قيل: قوله إن كان بها حمل ليس في بعض نسخ المزني وإنما فيه وإن هذا الحمل لحمل من زنا أو يقول: إن صح هذا النقل فمثل هذا التعليق لا يضر اليمين شيئًا لأن الحمل لا يعلم قطعًا ويقينًا وإن قطع وجزم لعانه رجع قطعه وإطلاقه إلى مثل هذا التعليق وإن لم يصرح به وفي الحقيقة هو تحقيق للأمر لا تعليق.
ثم قال: "فإن أخطأ الإمام [203/ ب] فلم يدر نفي الولد أو الحمل في اللعان قال الزوج: إذا أردت نفيه أعدت اللعان".
وقد ذكرنا هذا فيما سبق ويكفي في اللعان المعاد أن يقول في كلمة: إني لمن الصادقين في أن هذا الولد من زنا وليس مني ولا تعيد المرأة اللعان.
مسألة: قال: "ولو قذفَها برجلِ فلمْ يلتعنْ بقذفهِ فإذَا أرادَ الرجلُ حدهُ أعادَ عليهِ اللعانُ وإلَّا حدَّ لهُ إِنْ لمْ يلتعنْ".
وقال في كتاب "الطلاق من أحكام القرآن"، وفي "الإملاء" على مسائل مالك ولما حكم الله على الزوج به في المرأة بالقذف ولم يستثن أن يسمي من يرميها به أو لم يسمه ورمى العجلاني امرأته بابن عمه أو ابن عمها شريك ابن السحماء، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه عليها، وقال: في الطلاق من أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرمي بالمرأة فاستدللنا على أن الزوج إذا التعن لم يكن على الزوج الذي رماه بامرأته حد".
قال الإمام الجويني: وهذه الرواية هي المسموعة ومعناها معنى الرواية الأولى، يقال: قفا فلان فلانًا وأقفاه إذا ابتعد بريبة يتحسسها عليه وقد ذكرنا أنه يعتبر ذكر المرمي به في لعانه إذا أراد إسقاط حده، وإن لم يذكر فيه قولان منصوصان على ما ذكر هاهنا، فإن قيل: هذا الذي ذكره في "المختصر" متناقض لأنه قال: في أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر المرمى به ولو كان له حد لأخذه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى المرمى به فسأله وهذا يدل على أنه لم يبعث إليه.
ثم قال: "وقال في "الإملاء" وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكًا فأنكر فلم يحلفه ولم يجده بالتعان غيره وهذا الحالف الأول، قلنا: هذا ليس بمتناقض لأنه لم يكن ثبت [204/ أ] عنده في كتاب الطلاق من أحكام القرآن أن يسأله عن ذلك ثم ثبت عنده فرجع عنه في الإيلاء".
وأيضًا نقول: لم يسأله لما قذفه وعند اللعان لأن حقه يسقط باللعان وسأله لما ولدت امرأة العجلاني بعد ذلك وراى في الولد شبهًا من شريك فلما أنكر لم يحلفه وقيل: لم يسأله عند القذف وسأله عند اللعان حتى أن طلب الحد ذكره الزوج في اللعان لأن الحق إذا ثبت له وهو لا يعلم فللإمام أن يسأله ويخبره بما ثبت له من الحق
الجزء: 10 - الصفحة: 347
ولم يسأله بعد اللعان لأن حقه سقط به فلا تتجسس بعد ذلك.
مسألة: قال: "وقالَ في اللعانِ: وليسَ للإمام إذَا رمى رجلٌ أن يبعثَ إليهِ فيسألهُ عنْ ذلكَ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾.
فإن شبه على أحدٍ بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ أنيسًا إلى امرأةٍ رجلٍ فقالَ: إنْ اعترفتْ فارجمها".
الفصل
مقصود الشافعي من هذا الفصل أن يبين الفرق بين حديث العسيف وبين حديث شريك بن السحماء، والموضع الذي يحتاج فيه إلى الفرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى شريك في المشهور من الرواية وبعث إلى المرأة في حديث العسيف أنيسًا وقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
ووجه الفرق ما أشار إليه الشافعي وهو أن تلك المرأة صارت مقذوفة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم به فأوجب لها حد إن لم يعترف بالزنا لأن والد العسيف قال: يا رسول الله إن ابني كان عسيفًا لهذا فزنا بامرأته فهذا قذف صريح وجب لها به حد وهي غير عالمة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريفها لتطلب حدها، وإن لم يعترف الزنا لم يتمحض بعث أنيس إليها تجسسًا.
فأما شريك ابن السحماء [204/ ب] لو بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يستخبره أو يستحضره كان ذلك محض التجسس لأنه يسأل ليقام عليه حد الزنا إن اعترف، ولا يسأل ليقام على قاذفه حد القذف إن جحد، وكيف جحد قافذه وقد التعن، وفي اللعان إذا سمي المرمى به يسقط حد قذفه، وإن لم يسمه يسقط أيضًا في أحد القولين وبه أجاب في "الإملاء" حيث ذكر هذا الفصل وهذا الفرق.
ثم اعلم أن بعد هذا الفرق في سواد الكتاب نوعان من الإشكال وراء الفرق أحدهما: أن الشافعي أطلق لفظه فقال: وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله؛ وهذا كيف يستقيم مع روايته أن امرأة رميت بالزنا فبعث إليها.
وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: إنما أراد الشافعي بهذا الإطلاق صورة مخصوصة وهي إذا رمى رجل رجلاً بامرأته وتلاعنا، أو أراد أن يلاعن؛ فليس للإمام في مثل هذا الموضع أن يبعث إلى المرمي، لأن المرمي لا يستحق حد القذف على الزوج الملاعن فالبعث إليه محض التجسس.
وقد قال الله: (وَلا تَجَسَّسُوا).
وإن كانت الصورة في غير الزوج الرامي فليبعث كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنيسًا ولم يرد الشافعي بمطلق لفظة هذه الصورة.
والإشكال الثاني: في السواد أن الشافعي قد روى هاهنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل شريكًا فأنكر فلم يحلفه وهذا يرفع ما ادعى الشافعي أن مقذوف الزوج الملاعن لا سأل لأنه تجسس.
وإزالة هذا الإشكال بأن نقل كأن الرواية قد اختلف في حديث شريك ففي رواية لم يستحضر، وفي رواية أنه استحضر.
فقصد الشافعي الكلام على
الجزء: 10 - الصفحة: 348
إحدى الروايتين [205/ أ] أنه لم يستحضر ولم يبعث إليه ليسأله وفصل بالمعنى بين شريك وبين المرأة في حديث العسيف، فاستقام كلامه، وقوله فأما الرواية الثانية التي رويت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل شريكًا فأنكر لا يمكن استعمالها إلا على القول الذي يقول: يجب الحد على الملاعن إذا سمى الزاني ولم يذكره في اللعان.
ولعل العجلاني لم يذكره في اللعان فخرج من هذا الزوج إذا قذف زوجته برجل بعينه ثم لاعن ولم يسمعه في اللعان هل يبعث إليه ويستحضر؟ قولان مبنيان على أنه هل يستحق حدًا على الزوج ترك ذكره في اللعان؟ وفيه قولان؛ فإذا قلنا: لا يستحق حدًا لا يبعث إليه لأن البعث إليه محض التجسس.
وإذا قلنا: يستحق الحد يبعث إليه لما وجب له من الحد لا للتجسس على ما ذكرنا في امرأة العسيف.
وقيل: إذا تعين القاذف والمقذوف؛ لا يجوز للإمام أن يسأل المقذوف: هل زنا أم لا؟ ولكن هل يلزمه إعلام قاذفه لمطالبته بحده فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يلزمه كما يلزمه إعلام ما ثبت عنده من أقواله وعلى هذا بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف وهو الأظهر، والثاني: ليس عليه إعلامه لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذا اختيار أبي حامد.
والثالث: وهو اختيار ابن سريج إذا تعدى قذف الغائب إلى قذف خصم حاضر فطالب الرجل قذف زوجته رجل سواه فلاعن بينهما لا يلزم الإمام إعلامه، وإن كان خلاف ذلك يلزم، وعلى هذا لو كان القذف من أجنبي لرجل وامرأة بزنا واحد فحضر أحدهما مطالبًا بالحد لم يلزم الإمام إعلام الآخر لأن الحاضر إذا استوفي الحد فهو في حقه وحق الغائب لأن الزنا واحد وإن لم يتصل بحاضر [205/ ب] بطالب وجب على الإمام إعلامه ليستوفي حقه إن شاء.
وقيل: أراد الشافعي لا يسأله ولا ينفذ أحدًا إذا كان الرامي معينًا كان رجلاً قال عند الحاكم: الناس يقولون إن فلانًا زانٍ فلا ينفذ إليه أحد يخبره بذلك، وإن كان معينًا أنفذ إليه، وعلى هذا لو قال في هذه القرية أو في هذه المسكن زانٍ لا يتفحص الإمام، ولو رمي بحجر فقال: من رماني بهذا فهو زانٍ وهو لا يدري من رماه لا يكون قاذفًا، فإذا ظهر الرامي لا يبعث إليه الإمام من يخبره بهذا لأن الحد لا يجب على القاذف بهذا ولا يصح؛ لأن شريكًا كان معينًا ولم يبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سأل شريكًا بعد ولادة المرأة على ما ذكرنا، قال القفال: وقد قيل: إنما بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف لأن الزنا ثبت عليه بشهادة أبي الزاني، ورجل آخر على إقرارها بالزنا، فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها بالزنا فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها تركها، وإن لم ترجع حدها وهذا ضعيف.
مسألة: قال: "وأيُّ الزوجينِ كانَ أعجميًا التعنْ بلسانِه بشهادةِ عدلينِ يعرفانِ بلسانهِ".
إذا عرف الملاعنان بلسان العرب لم يجز أن يتلاعنا بغير العربية مع القدرة لأنها لغة
الجزء: 10 - الصفحة: 349
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولغة القرآن.
والنص في اللعان ورد بذلك.
وإن لم يعرفا العربية تلاعنا بلسانهما لأن اللعان يمين، واليمين العجمية تجوز.
وقال بعض أصحابنا: يجوز بالعجمية مع القدرة على العربية كما قلنا في عقد النكاح وهذا أقيس.
ثم إن عرف الحاكم لسانهما حكم بعلمه، وإن لم يعرف قال الشافعي: يحكم بشهادة ترجمانين عدلين؛ واجب لو كانوا أربعة.
فمن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد كما نص عليه، وإنما استحب أربعة لأن شهود / أ] الزنا أربعة، ومنهم من قال فيه قولان مبنيان على الإقرار بالزنا فإن قلنا: يثبت الإقرار بعدلين يكفي في الترجمة عدلان، وإن قلنا: لا بد هناك من أربعة فلا بد من الترجمة من أربعة، والأصح ما تقدم لأن اللعان لا يتضمن إقرارًا بالزنا بحال ولا يخلو إما أن يكون يمينًا أو شهادة، وأيهما كان يثبت بعدلين فلا معنى للبناء على الخلاف في الإقرار بالزنا، وقال أبو حنيفة: الترجمة خبر فيقبل فيها قول الواحد العدل إذا تلاعنا بالعجمة، وهذا غلط لأنه يثبت به حد الزنا عليها فلا بد من العدد فيه.
مسألة: قال: "فإن كانَ أخرسَ يفهمُ الإشارةَ التعنْ بالإشارةِ ثم قال: ثم تقام المرأة فتقول: أشهد بالله أن زوجي فلانًا وتشير إليه".
الفصل
وقد ذكرنا ما قيل في لعان الأخرس، والفصل الآخر عطف على أول الباب فذكر الزوج وقال: يبدأ به وساق الكلام واعترض في سياق الكلام ما ذكر من الفروع إلى نظم أوله بعطف عليه فقال: ثم تقام المرأة، ثم ذكر أنه يقفها عند الخامسة ويعظها، واحتج على ذلك يخبر ابن عباس الذي تقدم ذكره، وقال في موضع آخر: ويتلو عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77]، قال أصحابنا: وروي أن امرأة ادعى عليها قتل وأنكرت فكتب عمر رضي الله عنه؛ أن احبسوها بعد العصر واتلو عليها هذه الآية ففعل فاعترفت.
وروي أن رجلاً ادعى على رجل حقًا عند شريك بن عبد الله القاضي فأتي بشيخ يشهد له فقال المدعى عليه لشريك: إن ذا الرجل لو سألت عنه لعدل ولا بأس بحاله ولكن الأنفة أخذته فشهد عليّ كاذبًا فأقبل شريك على الشيخ فقال: أيها الشيخ [206/ ب] روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الطيور لتضرب أجنحتها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا يرفع قدمه حتى تجب له النار فارتعد الرجل وتغير لونه وقال: رجعت عن هذه الشهادة.
باب ما يكون بعد التعان الزوجين من الفرقة
مسألة: قال: "وإذا أكملَ الزوجُ الشهادةَ والالتعانَ فقدْ زالَ فراشُ امرأتهِ".
الجزء: 10 - الصفحة: 350
الفصل
إذا أكمل الزوج اللعان تعلقت الفرقة ونفي الولد بلعانه على ما ذكرنا ولا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه وحد أو لم يكذب نفسه ولا حد، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، والنخعي، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ومحمد في رواية رحمهم الله، وقال أبو حنيفة، ومحمد: إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحدت له بنكاح جديد، وقال سعيد بن جبير: إذا أكذب نفسه عادت زوجته كانت، وقال سعيد بن المسيب: إن كذب نفسه وهي في العدة حلت له وإلا فلا تحل له أبدًا، وقال الحسن: إذا أكذب نفسه لا يعود النسب كما لا يرتفع التحريم وهذا غلط؛ لما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، وقال سهل بن سعد رضي الله عنه: مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين ثم لا يجتمعان أبدًأ، وقال علي وعبد الله بن مسعود [207/ أ] رضي الله عنهما هكذا، وقال عمر رضي الله عنه: "يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا"، وروي أنه سئل ابن عمر عن المتلاعنين إذا كذب نفسها هل ينكحها؟ فقال: لا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، واحتج الشافعي فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للملاعن بعد اللعان لا سبيل لك عليها، ولم يقل حتى تكذب نفسك فلو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية كما قال تعالى في المطلقة الثلاث ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. ثم عاد الشافعي إلى كلامه الأول أن الفرقة تقع بلعان الزوج وحده فقال: ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش، وكانت فراشًا لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش ومقصوده بهذا الكلام الاحتجاج على أن قطع الفراش يحصل بلعان الزوج قبل لعانها وقبل قضاء القاضي بالطلاق.
ووجه الاحتجاج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الولد للفراش ومعقول أن الزوج إذا لاعن انتفي عنه الولد قبل لعانها وصار ملحقًا بالأم كما ألحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا أن الفراش زائل قبل لعانها لما صار الولد منتفيًا عنه فإن ارتكب الخصم فقال: لا يصير الولد منتفيًا إلا بعد لعانها قيل له: إن نفي الولد عن الزوج بيمينه والتعانه لا بيمينها ولعانها لأن الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر، نفي الزوج لا إلحاق المرأة وهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق
الجزء: 10 - الصفحة: 351
الولد به وما دام نقرا على اللعان [207/ ب] فالولد منفي عنه، ولهذا لو قالت الأم: ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئًا وهو يستلحقه والولادة على فراشه فعرفنا أن نفي الولد بلعانه لا بلعانها والولد لا ينفي عنه إلا والفراش منقطع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فخرج من هذا إن ما لم يكن للعانها تأثيره في النفي لم يعتبر فيه أصلاً إذا انتفي بلعانه وحده بالدليل انقطع الفراش بلعانه وحده أيضًا ثم اعلم إذا بانت باللعان إن كان قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة ولا عدة لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول فإن كانت حائلاً لا نفقة لها في العدة فإن كانت حاملاً، فإن لم يكن نفي الحمل هل يلزمه النفقة لها؟ قولان، وإن كان نفي الحمل لا نفقة أصلاً والسكنى قولاً واحدًا حتى تنقضي العدة والمهر بتمامه لازم، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك، وقال الحكم وحماد: إذا لاعن قبل الدخول بها لها الصداق كاملاً، وقال الزهري: إذا تلاعنا لا صداق لها وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ، إذا التعنْ ثم قالتْ: صدفتْ إنِي زنيتُ فالولدُ لاحقُ ولاَ حدَّ عليهَا ولا لعانَ".
الفصل
إذا قذف زوجته فصدقته فيما ذكر لا يخلو إما أن تكون بعد فراغه من اللعان أو قبل ذلك فإن كان بعد فراغه منه تعلق باعترافها حكم واحد وهو أنها لا تلاعن على نفي الحد عنها ويكون الحد واحدًا عنها بلعانه واعترافها به فإن أكذبت نفسها فقالت: كذبت وما زنيت [208/ أ] سقط ما وجب عليها باعترافها وكان لها الآن أن تلاعن على إسقاط الحد عن نفسها وإن صدقته قبل فراغه من اللعان فلا فصل بين أن يكون التصديق قبل شروعه في اللعان أو بعد شروعه فيه وقبل إكماله فقد وجب الحد عليها باعترافه وسقط عنه حد القذف، وأما اللعان فإن كان هناك ول نفاه ولاعن، وإن لم يكن ولد هل يلاعن لقطع الفراش؟ قد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا صدقته واعترفت بالزنا لا حد عليها بإقرارها مرة واحدة ولا لعان وبقي الولد ثابت النسب فيتعذر اللعان منه عند أبي حنيفة بتعذره من جهة المرأة ولا ينتفي النسب من دون اللعان، واحتج الشافعي عليه فقال: دخل عليه أنه لو قذف فاسق عفيفة مسلمة والتعن كاذبًا وبقي الولد وهي عند المسلمين اصدق منه كان الولد منفيًا عنه، وإن كانت فاسقة فصدقته وقالت: زنيت كان الولد ملحقًا به فجعل أبو حنيفة ولد العفيفة لا أب له وألزمها عادة وجعل
الجزء: 10 - الصفحة: 352
ولد الفاسقة ولدًا له أب لا ينفي عنه بحال وهذا بحال.
مسألة: قال: "وأيهما ماتَ قبلَ أن يكملَ الزوجُ اللعانَ ورثَ صاحبهُ".
الفصل
إذا مات أحد الزوجين بعد الشروع في اللعان لا يخلو إما أن يموت الزوج أو الزوجة.
فإن مات الزوج فلا سبيل إلى إكمال اللعان لأن الورثة لا يقومون مقامه، وإن ماتت الزوجة نظر فإن جاء ورثتها تطالبه بالحد كان له أن يكمل اللعان لدرء الحد عن نفسه، وإن لم تطالبه بحدها، فإن كان هناك نسب يريد نفيه كان له أن يكمل اللعان، وإن لم يكن نسب لم يكن له إكماله، فإذا قلنا له: إكماله فأكمله لم ينقطع إرثه منها لأن النكاح زال بالموت لا باللعان فإن قيل أليس لو مات الولد ثم لاعن على نفيه [208/ ب] بعد موته لا يؤثر قلنا: الفرق هناك بيننا باللعان إن لم يكن ابنًا له قط ولا يتبين إنها لم تكن زوجة له بل تنقطع الزوجية عقيب الفراغ من اللعان في الحال فافترقا، فإن قيل: فالزوج بعض الورثة فكيف تطالبه باقي الورثة؟ قلنا: لأن حد القذف لكل الورثة ولكل واحد منهم لما ذكرنا أنه لو عفي بعضهم كان للباقين الاستيفاء بخلاف القصاص، وإن ماتت المرأة ولا وارث لها هل يطالب الإمام بالحد، ويلاعن على ما ذكرنا فيما تقدم والأظهر أنه يسقط حكمه بموتها هاهنا ولو مات بعد فراغه من اللعان لا توارث خلافًا لمالك وأبي حنيفة بناءً على أصلهما حيث قالا لا ينقطع النكاح بلعانه وحده على ما ذكرنا من مذهبهم فيما تقدم.
مسألة: قال: "فإن امتنعَ أن يكملَ اللعانَ حدَّ لهَا، فإنْ طلبَ الحدَّ الذِي قذفَها بهِ لمْ يحدْ".
إذا شرع الزوج في اللعان ثم أكذب نفسه قبل إكماله حددناه لها حد القذف لأن الحد إنما يسقط بكمال اللعان، فإذا لم يكمل لا يسقط كما لو لم يكمل البينة ثم إذا حددناه لها ثم جاء المرمى به وطالبه بالحد هل يحد له؟ ذكرنا فيما تقدم والمنصوص هاهنا أنه لا يحد له وهو اختيار أبي إسحاق.
فإن قيل: أليس لو عفت المرأة حددتموه لها حداً كاملاً فدل على أن عليه حدين، قلنا: هذا يدل على أن لكل واحد منهما حقًأ في الحد ولا يدل على انفراد كل واحد منهما بحد كامل ألا ترى أن رجلاً لو سرق من رجلين فأيهما جاء يطالبه قطعنا ييده لهما جميعًا وإن عفا أحدهما ولم يطالب وجاء الآخر وطالبه قطعنا يده له [209/ أ] فإن قيل: إذا لاعنهما ولم ييسمه في لعانه أوجبتم إعادة اللعان له ولم يسقط حقه بسقوط حقها في أحد القولين فقولوا مثله هاهنا، قلنا: البينة إذا قامت أنه سرق من اثنين فلا بد من أن يسمى البينة كل واحد من المسروق منهما والقطع لهما واحد فلذلك هاهنا لا بد من تسميتها والحق لهما واحد.
الجزء: 10 - الصفحة: 353
قال صاحب المنهاج: وعلى ما ذكرنا لو أقر رجل بالزنا وسمي المزني بها ثم رجع عن إقراره ليس عليه حد القذف لأن الإقرار إقرار واحد وقد أسقطنا حكمه في نفسه قياسًا على ما لو حد لها سقط حد المرمى به لأن الفعل واحد، قال: وقد قيل غير ذلك وعندي هذا سهو منه، والمنصوص أنه إذا رجع عن إقراره لا يسقط حد قذفها ثم قال الشافعي: والولد للفراش ولا ينفي إلا على ما نفي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد به أن الولد يلحقه ولا ينفي عنه إلا باللعان ولا ينفي بالشبه والاستدلال وأراد لا ينتفي إلا بكمال اللعان خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: أكثر اللعان يكفي إذا حكم به الحاكم وهذا التأويل أظهر، ولو قال: هو ولد زنا وما هو مني أو انتفيت منه أو أنا برئ منه لا يؤثر في نفيه وهذا لمراعاة الاحتياط في النسب.
مسألة: قال: "ولو أكملَ اللعانَ وامتنعتْ من اللعانِ وهي مريضةٌ أوْ في بردٍ أو حرٍ وكانتْ ثيبًا رجمتْ".
الفصل
عبّر الشافعي عن المحصنة بالثييب وعن غير المحصنة بالبكر كما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وجملته أنه لا يخلو إما [209/ ب] أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا يجب عليها عند الامتناع من اللعان بعد لعانه حد الإبكار وهو الجلد والتغريب فإن كانت صحيحة والهواء معتدل لا شدة حر ولا شدة برد يقام عليها الحد، وإن كان الهواء غير معتدل لا يقام حتى يعتدل الهواء لأن القصد منه الزجر والردع لا الإتلاف ولا يؤمن منه السراية والتلف، وإن كانت مريضة فإن كان مرضها يرجى زواله آخر إلى أن تبرأ، وإن كان لا يرجى زواله كالزمانة والسل أقيم عليها الحد عاجلاً بأطراف الثياب وأشكال لا نخل ولا فرق بين أن يكون ثبت عليها هذا الحد بالبينة أو بامتناعها من اللعان أو بالإقرار وإن كانت ثيبًا، قال أبو إسحاق: ترجم في جميع الأحوال لأن القصد إتلافها وهو ظاهر كلام الشافعي ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت الرجم بالبينة، فإن ثبت بإقرارها أو بامتناعها من اللعان أخر لشدة الحر والبرد لأن لها مخلصًا منه بالرجوع عن الإقرار والإقدام على اللعان فلا نأمن من أن نرجمها بعض الرجم ثم ترجع فنكون قد أعنا على تلفها وليس كذلك إذا قامت عليها البينة لأن لا مخلص لها منه وهذا لا يصح لأنه يحتمل رجوع الشهود عن الشهادة كما يحتمل رجوعها، وقال بعض أصحابنا: على عكس هذا، وهو أنه أن ثبت بالبينة لا يقام الحد إلا في هواء معتدل بخلاف الإقرار والفرق أن المقر هتك حرمة نفسه وأظهر الزنا الذي كان مندوبًا إلى ستره فغلط عليه وإقامة الحد في جميع الأوقات بخلاف ما لو أقيم عليه البينة وهذا ليس بشيء، وقال
الجزء: 10 - الصفحة: 354
القفال: نص الشافعي بالإقرار أنه يؤخر وقاس بعض أصحابنا: عليه امتناعها من اللعان [110/ أ] وفرق بعض أصحابنا بينهما وهو أنه يستحب له الرجوع عن الإقرار، وإن كانت صادقة في إقرارها فنحن وإن حملنا الأمر على الصدق فالتوهم باق وهاهنا وإن كانت محقة في امتناعها من اللعان فلا يندب ولا يباح لها أن تلاعن لأنها مبطلة في اللعان فلهذا لا يؤخر عن الحر والبرد وأسباب التلف وهذا كما أن رجوع الشهود عن الشهادة موهوم غير أن الظاهر أنهم صادقون ومع الصدق لا يرجعون فلا يؤخر هناك وهذا أيضًا ضعيف بخلاف ظاهر نص الشافعي وأما قطع الطرف في القصاص من أصحابنا من قال: نص الشافعي على أنه لا يقطع في شدة الحر والبرد ويؤخر القطع في السرقة بحيث أن تكون مثله، وقال الداركي: يقطع في الحال لأن قطع الطرف يقضي إلى التلف في الغالب فإذا أذن فيه مع الخوف من التلف استوفي الأحوال كلها في استيفائه.
مسألة: قال: "وقالَ بعضُ لا يلاعنُ بحملِ لعله ربحِ".
أراد به أبا حنيفة حيث قال: لا يجوز نفي تحمل بحال على ما ذكرنا من مذهبه ودليلنا على فساده، واحتج عليه الشافعي هاهنا فقال له: أرأيت لو أحاط العلم بأن ليس حمل أم يلاعن بالقذف قال: بلى، قيل: فلم لا تلاعن مكانه وهذا إلزام مختصر ومعناه أنه لو كانت حاملاً بحيث نعلم يقينًا أن لا حمل بها وقذفها جاز له ملاعنتها وقطع فراشها فإذا بان لها حمل فلم لا تلاعنها مكانه فإن قلت: لا يلاعنها حتى تصنع فهذا محال لأنه متى جاز له اللعان ولا حمل بها لأن القذف موجود وجب أن يجوز اللعان وبه حمل لأن القذف موجود، وإن قلت له أن يلاعنها في الحال ويقطع فراشها لكان له نفي الولد [210/ ب] لأن الولد للفراش والوقت الصالح لنفي الفراش صالح لنفي الولد.
مسألة: قال: "وزعمَ يعني أبا حنيفَة لو جامعهَا وهوَ يعلمُ بحملهَا فلمَا وضعتْ تركهَا تسعًا وثلاثينَ ليلةٌ وهي في الدم معهُ في مقرِّ لهُ ثمَّ نفي الولد كان ذلكَ له".
الفصل
قد ذكرنا أنه يصح نفي الحمل باللعان خلافًا لأبي حنيفة فإن لم ينفه وتركه لم يلزمه لأن تركه محتمل أن يكون لأنه تحقق وجوده، وذكر الإمام الجوينى في "المنهاج" أنه لو أحاط عنه بالحمل فسكت ولم ينف ليس له النفي بعده خلافًا لأبي حنيفة لأن يكون سكوته دليل على رضاه به، وهذا محتمل إذا قال: اعلم أن بها حملاً وإذا أنفي الآن أو سكت، وإذا وضعت وعلم وأمكنه نفيه فلم ينف لزمه نسبه عندنا وليس له فيه بعدها لأنه على النور وفيه قول آخر للشافعي: أنه تمهل ثلاثة أيام وقال أبو حنيفة: له أن
الجزء: 10 - الصفحة: 355
يؤخر النفي يومًا أو يومين استحبابًا، وروي عنه ثلاثة أيام كما قلنا في أحد القولين وقال أبو يوسف ومحمد: له نفيه في مدة النفاس إلى أربعين يومًا؛ لأن أيام دم إبقائه لحالة الولادة.
وقال عطاء ومجاهد: له نفيه أبدًا ما لم يغربه وهذا كله غلط؛ لأنه خيار بالاحتجاج في مسألة الحمل واللعان عليه، فقال: قد ترك أبو حنيفة ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العجلاني وامرأته وهي حامل من اللعان فخالف السنة بمنع اللعان على الحمل ثم ألزمه فساد مذهبه في المسألة الأخرى فقال: ولو لم يكن كما قلنا سنة كان قد جعل السكات [211/ أ] في معرفة الشيء في معنى الإقرار، فزعم في الشفعة إذا علم فسكت فهو إقرارٌ بالتسليم، وفي العبد يشتريه إذا استخدمه رضا بالعيب ولم يكلم فحيث شاء جعله رضا، ثم جاء إلى الأشبه بالرضا والإقرار وهو نسب هذا الولد فجعله رضا، ثم ذهب في ذلك إلى تقدير الأصل له، فجعل ممته إلى أربعين ليلة إقرارًا بنسبه وأباه في تسع وثلاثين ليلةً، فما الفرق بين الصمتين؟ ومقصود مناقضة قوله حيث جعل السكوت رضا في الشفعة والرد بالعيب ولم يجعله رضا فيما الأولى بالاحتياط فيه وهو النسب، ولم يقدر في الشفعة والرد بالعيب بثلاثة أيام وقدر هنا بأربعين يومًا، وهذه مناقضة ظاهرة.
واعلم أن مذهب أبى حنيفة خلاف ما ظنه الشافعي على ما ذكرنا.
وقيل: علم هو مذهب أبي حنيفة وهذه المناظرة مع أبي يوسف.
مسألة: قال: "وزعم بأنهن استدل بأن الله عز وجل لما أوجب على الزوج الشهادة ليخرج بها من الحد، فإذا لم يخرج من معنى القذف لزمه الحد قيل له، وكذلك كل من أحلفته ليخرج من شيء فلم يحلف حكمت عليه بذلك الشيء إما في مال أو غضب أو جرح عمد، قال: نعم، فقلت: فلم لم تقل ذلك في المرأة أنك تحلفا لتخرج من الحذ".
الفصل
اعلم أن الشافعي رجع إلى المناظرة في مسألة سبقت في هذا الباب، وهي أن الزوج إذا لاعن ونكلت عن اللعان فعليها حد ذكرها خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في الزوج إذا نكل عن اللعان، فمنهم من قال: لا يلزمه الحد [211/ ب] بل يحبس ليلاعن، وهذا هو المشهور من مذهبه.
ومنهم من سلم أن الزوج يحدن والشافعي حكي له هذا المذهب، واستدل عليه بما ذكر ورجح أحد المذهبين لهم، فقال: وليس في التنزيل أن الزوج يدرأ باللعان حدًا كما في التنزيل أن المرأة تدرأ باللعان حدًا، ثم حددت الزوج إذا نكل فأولى أن تحدها إذا نكلت، واحتج على بطلان الحبس فقال: "لها أن تقول:
الجزء: 10 - الصفحة: 356
إن كان الزوج صادقًا فحدوني، وإن كان كاذبًا فخلوني فما بالي والحبس، وليس حبسي في كتاب الله تعالى ولا سنة ولا إجماع ولا قياس على أحدها"، ثم زاد الشافعي إلزامًا فقال: "فإن قلت العذاب المذكور في القرآن هو الحبس لا الحد فهذا خطأ - لأنه يكون مجهول المقدار حينئذ - فكم ذاك الحبس مائة يوم أو حتى يموت، قد قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، أفتراه عنى الحد أو الحبس؟ قال: بل الحد وما الحبس بحد، والعذاب في الزنا الحدود، ولكن السجن قد يلزمه اسم عذاب، قلت: والسفر، والدهر، والتعليق، وكل ذلك يلزمه اسم عذاب".
فإذا جاز لك أن تعذبها بالحبس تحكيمًا من جهتك وليس حبسها من الكتاب، فجوز لنفسك أن تقول بحكم آخر يعذب بالتغريب والدهن والتعليق؛ لأن كل ذلك يسمى عذابًا.
ثم رجع الشافعي إلى أول هذا الباب فتكلم في تأييد الحرمة باللعان، واحتج بما روي عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لا يجتمع المتلاعنان أبدًا" وهم رووا عنه وخالفوهم.
الجزء: 10 - الصفحة: 357