كتاب القاضي إلى القاضي
مسألة: قال: "ويقبل كل كتاب لقاضٍ عدل ولا يقبله إلا بعدلين".
الأصل في جواز العمل على كتب القضاة، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقصة سليمان عليه السلام لبلقيس في قوله تعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)﴾ [النمل:29] الآية، فأنذرها بكتابه ودعاها إلى دينه، وجعله بمنزلة كلامه، واقتصر منه على أن قال: ﴿أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ واتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ [النمل:31]، فأوجز واقتصر، وهكذا تكون كتب الأنبياء عليهم السلام، ومعناه: لا تعصوني، وقيل: لا تخالفوني ﴿واتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ لديني، وقيل: مستسلمين لطاعتي، وهو أول من افتتح ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾، ولما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح كتبه بها.
وأما السنة: فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى ملوك الأمم يدعوهم إلى الإسلام، كتب إلى اثني عشر ملكًا منهم كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، فأما كسرى فكتب إليه: من محمد بن عبد الله إلى كسرى بن هرمز أن أسلم تسلم والسلام.
فلما وصل إليه كتابه مزقه، فقال صلى الله عليه وسلم: "يُمزق ملكه".
وكتب إلى قيصر: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى قيصر عظيم الروم، ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:64]، فلما وصل إليه كتابه قبله ووضعه على رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: "ثبت ملكه" فكان كما قال صلى الله عليه وسلم في كسرى وقيصر.
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزام كتابًا ذكر فيه الأحكام والزكوات والديات، فصارت في الدين شرعًا ثابتًا، وعملًا مستفيضًا.
وجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا وأمر عليهم عبد الله بن جحش، ودفع إليه كتابًا وقال: " لا تفضه حتى تبلغ موضع كذا، فإذا بلغته ففضه واعمل بما فيه" ففضه في الموقع الذي أمره وعمل بما فيه وأطاعه الجيش عليه.
وروي عن الضحاك بن سفيان قال: ولأني رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الأعراب، ثم كتب إلي يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي
الجزء: 14 - الصفحة: 3
من دية زوجها.
وأما الإجماع: فهو أن الخلفاء الراشدين كتبوا إلى أمرائهم وقضاتهم بما عملوا من الديانات والسياسات.
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عهده على قضاء البصرة، وهو مشهور جعله المسلمون أصلًا للعهود.
وكتب إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- أما بعد فإنه حصر بنا فالوحا الوحا.
وكتب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أما بعد، فإن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، فكأن قدر والسلام.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- فما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكتاب.
ولأن الحكام من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا كانوا يكتبون، يكتب بعضه إلى بعض، ويعملون عليه ولم ينكره منكر.
ولأن ضرورات الحكام إليها داعية، فإن من له حق على رجل في بلد غير بلده لا يمكنه إتيانه ولا مطالبته إلا بكتاب القاضي، فوجب قبوله.
ثم اعلم أن لوجوب قبولها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الثاني عالمًا بصحة ولاية الأول.
والثاني: أن يكون عالمًا بصحة أحكامه وكمال عدالته.
والثالث: أن يعلم صحة كتابه فيما تضمنه من حكمه.
واختلف العلماء فيما يعلم به صحة كتابه، فذهب الشافعي وأبو حنيفة -رضي الله عنهما- وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن يقبله إلا أن يشهد به شاهدان على ما نذكره، فأما بالخط أو الختم فلا يجوز.
وذهب قضاة البصرة الحسن، وسوار بن عبد الله وعبيد الله العنبري، وهو قول أبي يوسف، وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد، وهو رواية عن مالك، ومال إليه من أصحاب الشافعي الإصطخري، أنه إذا عرف القاضي [أن] المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه، واتصلت بمثله كتبه جاز أن يقبله ويعمل بما تضمنه، لأن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت مقبولة يعمل بما فيها من غير شهادة.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه"، فجعل الحكم مقصورًا على الشهادة دون الكتب، ولأن نقل ما غاب عن القاضي لا يثبت إلا بالشهادة دون الخط، كالشهود إذا كتبوا بشهادتهم، وكذلك الدعاوى والأقارير والعقود لا تثبت بمجرد الكتاب دون الشاهدين، وهذا كله لأن الخطوط تشتبه على ما ذكرنا، وأما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت ترد مع رسل يشهدون بها، وإنها تجري مجرى الأخبار التي يخف حكمها، لعموم التزامها بخلاف هذا.
ثم اعلم أنه يجوز أن يكتب قاضي مصر إلى قاضي مصر، وقاضي قرية إلى قاضي قرية، وقاضي بلد إلى قاضي قرية، وقاضي قرية إلى قاضي بلد، لأن كل واحد من
الجزء: 14 - الصفحة: 4
هؤلاء ينفذ قضاؤه وحكمه فيقبل كتابه.
ثم ينظر فإن كان كتب بحكم حكم به فيجوز قبول ذلك والعمل به سواء كان بينهما مسافة.
[نعتبر فيها شهادة شهود الفرع على شهادة شهود الأصل، أو لا يكون بينهما هذه المسافة، وإن كان كتب بشيء ثبت عنده ولم يحكم به يعتبر أن يكون بينهما مسافة يقبل فيها شهادة شهود الفرع، والفرق إنه إذا حكم حاكم يكتب بما نفذه وأمضاه وما حكم به حاكم يلزم كل حاكم تنفيذه وإمضاؤه فلم يعتبر قرب المسافة، وأما إذا لك يحكم فإنه خبره بذلك هو بمنزلة الشهادة على الشهادة فاعتبر فيه بعد المسافة وتعذر إثبات شهود الأصل ذلك عند الحاكم الثاني وقدر المسافة مسافة القصر وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني: نعتبر مسافة الشهود لأداء الشهادة إليه لم يمكنهم الرجوع إلى المنزل قبل الليل.
وقال أبو حامد: لا يقول ثبت عندي لأن الثبوت حكم كقوله حكمت وإنما يقول شهدًا عندي لفلان بكذا إذا كان قصده نقل الشهادة فإن قال: ثبت عندي فهو حكم لا يشترط فيه المسافة والصحيح عند أكثر أصحابنا أن الثبوت لا يكون حكمًا لأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس إلزامًا، وهو في ثبوت الحق كالإقرار ونص عليه في الأم فقال: كتابه كتابان؛ أحدهما: كتاب يستأنف المحكوم إليه به، والثاني: كتاب حكم منه، وقد ذكرنا ما يفعل به وحكي الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يجوز للحاكم المكتوب إليه أن نقبله، وإن كانت المسافة قريبة وقال بعض المتأخرين من أصحابه هذا مذهب أبي يوسف ومحمد والذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز ذلك كما في الشهادة على الشهادة وأحتج من أجازه بأن كتاب الحاكم بما ثبت عنده فجاز مع القرب ككتاب الحكم وهذا لنه نقل الشهادة إلى المكتوب إليه فلا تجوز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتاب الحكم لأنه ليس بنقل وإنما هو خبر بفعله فافترقا ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ينتجه ويقرأ عليهما الفصل والكلام إلا أن يكون في كيفية التجميل والأداء فأما التجمل فيحتاج الحاكم الكاتب أن يحضر شاهدين من أهل بلد الحاكم المكتوب إليه أو بمن يريد الخروج إليه ويقرأ الكتاب عنهما أو يقرؤه غيره وهو يسمعه قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب الشاهدين أن ينظرا في الكتاب لئلا يحرف شيء منه، فإن لم ينظرا جاز لأنهما يؤديان ما سمعاه فإذا سمعا ذلك وضبطاه قال الحاكم لهما: اشهدا إني كتبت إلى فلان ابن فلان بما سمعتما في هذا الكتاب].
قال الشافعي رضي الله عنه: وينبغي أن يأمرهم بنسخ كتابه في أيديهم ويوقعوا شهادتهم فيه قال أصحابنا: والاحتياط أن يكون ذلك قبل أن يقرأ الكتاب
الجزء: 14 - الصفحة: 5
عليهم فينسخ كل واحد منهما لنفسه نسخة تكون معه، فإذا قرأ الحاكم كتابه نظر في نسخته وقابل ليكون ضابطًا لما في الكتاب لئلا ينسوا ذلك، وقوله: ويوقعوا شهادتهم فيه، يعني في الكتاب الذي في أيديهم ويحتمل أن يريد بقوله فيه، أي في كتاب القاضي والاحتياط أن يوقعوا شهادتهم في كتاب القاضي وفي النسخة التي في أيديهم ليحفظوا من النسخة لفظ شهادتهم فإن ضبط ما يحتاج إليه من كتاب القاضي وحفظ من غير نسخ لم يحتج إلى ذلك؛ لأن المعول على ما علمه وشهد به إلا أن يكون مختومًا لأن الاعتماد على حفظهما لما فيه، ولو اقتصر القاضي فقال لهما: هذا كتابي إلى فلان القاضي أجزأ وإن لم يقل اشهدا بما فيه، وإن أدرج الكتاب وختمه استدعى شاهدين وقال لهما: هذا كتابي إلى فلان قد أشهدكما على نفسي بما فيه لم يصح التحمل وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه المشهور جاز أن يتحمل الشهادة عليه مدرجًا فإذا وصل الكتاب شهد عنده أنه كتاب فلان إليه ويذكر هذا عن أبي حنيفة وهو غير مشهور عنه، واحتج بأنهما شهدا بما في الكتاب فلا حاجة بهما إلى معرفة تفصيله كما لو شهدا لرجل بما في هذا الكيس من الدراهم جازت شهادتهما، وإن لم يذكروا قدرها وهذا غلط [2 أ/ 12]؛ لأنهما شهدا بما هو مجهول عندهما فلا تصح شهادتهما كما لو شهدا على أن لفلان على فلان مالًا وأما ما قاس عليه فلا يصح لأن تعيينها يغني عن معرفة قدرها وهما الشهادة بما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه فلا يجوز.
وقال الشافعي رضي الله عنه: وقبضا الكتاب قبل أن يغيبا عنه.
وأما صفة الأداء: فإنهما إذا وصلا إلى الحاكم الثاني يقولان: نشهد أن هذا الكتاب قُرئ على فلان القاضي وسمعناه وأشهدنا أنه كتبه إليك وهذه الشهادة بعد قراءة الكتاب.
قال الشافعي رضي الله عنه: فإن لم يقرأ الكتاب ولكنهما سلماه إليه وقالا إنه كتب إليك بهذا لم يجز خلافًا لأبي حنيفة.
وإذا شهدوا بذلك قبله القاضي إن كانوا عدولًا عنده وأمضاه إن كان حكمًا وحكم به إن كان تثبيتًا بالبينة أو بالإقرار عنده.
والحكم المبرم تارة يكون ببينة، وتارة يكون بإقرار، وتارة بعلم وقع له إذا جوزنا له أن يقضي بعلمه، وتارة بالنكول ورد اليمين، ولو كتب بحصول النكول ورد اليمين عنده من غير أن يبرم الحكم ليبرمه المكتوب إليه جاز، ولو كتب بعلم نفسه إلى غيره ليقضي المكتوب إليه بموجب علمه لم يجز لأنه إذا لم يبرم الحكم [2 ب/ 12] بنفسه بعلمه بل أخبره غيره بعلمه فهو شاهد إن شهد به وبالكتبة لا يحصل شيء لا الشهادة ولا غيرها، ثم إن كتب بثبوت الشيء عنده بالبينة من غير إبرام الحكم لابد أن يذكر ما تلك البينة فإنه قد تكون البينة عنده شاهدًا ويمينًا أو نكولًا محضًا، والمكتوب إليه لا يرى ذلك حجة.
ولا يجوز أن يقضي باجتهاد الكاتب بل ينبغي أن يحكم باجتهاد نفسه.
الجزء: 14 - الصفحة: 6
وأما إذا كتب الحكم المبرم يكفيه أن يقول: ثبت عندي الأمر ببينة أو بحجة أو جبت الحكم ولا يحتاج أن يذكر كيف ذاك، لأن الثاني ينفذ قضاءه لا غير فهو كالوكيل له والنائب عنه، والاجتهاد إلى من يقضي لا إلى من ينوب عنه فينفذه، وإذا كتب بسماع البينة فلابد من أن يسمي الشاهدين فيقول: شهد عندي فلان وفلان وقد ثبت عدالتهما فإن المشهود عليه ربما يمكنه إثبات جرحها عند القاضي المكتوب إليه فيكون الجرح أولى من التعديل، وإذا لم يسمها لم يدر المكتوب إليه بماذا يحكم بل يكون تقليدًا للحاكم الكاتب لا مجتهدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز أن يكتب ثبت عندي بشهادة العدول ولا يسميهم فإن لم تثبت عدالتهم سماهم وهذا ضعيف، ولو ثبت الحكم بالشهود ولم يسمهم بالعدالة هل يكون الحكم بعد تعديلًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون تعديلًا لأنه ذكرهم للحكم بشهادتهم تعديل فلا يحتاج إليه ثانيًا، والثاني: لابد من أن يصفهم بالعدالة وبما يجوز به قبول الشهادة لأنه قد يجوز أن يكون الحكم بظاهر التوسم والسمت، وقال أبو حنيفة: لا يتصور الكاتب بالقضاء المبرم إلا أن يقضي على حاضر ويبرم عليه ثم يهرب بماله فيكتب إلى قاضي البلد الذي هرب إليه ليأخذه به أو يكون عن الغائب نائب حاضر فيجوز القضاء على الحاضر والغائب، فأما من عير هذا فلا يقضي على الغائب بل يكتب سماع الشهادة ليبعث الحاكم المكتوب إليه بذلك الرجل المشهود عليه إليه فيعيد الشهود الشهادة علة وجهه ثم يقضي عليه.
ولا يقبل شاهد وامرأتان في الشهادة بالكتاب لأن المقصود منه إثبات الكتاب وهو ليس بمال ولا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء، وعند أبي حنيفة يقبل فيه شاهد وامرأتان، وأما شهود الكتاب فعدالتهم ينبغي أن تثبت عند القاضي المكتوب إليه لا عند الكاتب، ولو عدلهم القاضي الكاتب لا يثبت، وقال القفال الشاشي: يثبت، وهو غلط لأنه يؤدي إلى تزكية نفسه بنفسه وقوله وهذا لا يجوز.
واعلم أن صاحب "الحاوي" ذكر في هذا الباب ترتيبًا حسنًا فأوردته على وجهه وذلك لوجوب قبول الكتاب ثلاثة شرائط على ما ذكرنا، قسّم الكلام [3 ب/ 12] في صحته ولزوم الحكم به يشتمل على أربعة فصول: أحدهما: فيما يثبت به القاضي من أحكامه، والثاني: فيمن يكاتبه القاضي بحكمه، والثالث: فيما يجب به قبول كتبه، والرابع: فيما يمضيه القاضي المكتوب إليه من حكمه.
فأما الأول فأحكامه تنقسم أربعة أقسام: أحدهما: أن يحكم بحاضر على حاضر على غائب بحق غائب، والرابع: أن يحكم لحاضر على غائب بحث حاضر.
فأما الأول فالحق على ثلاثة أضرب أحدهما: أن يكون عينًا حاضرة فيحكم القاضي بها لمن استحقها، إما بإقرار أو ببينة وينتزعها من يد المحكوم عليه ويسلمها إلى المحكوم له ولا يجوز في مثل هذا أن يكتب به القاضي إلى غيره سواءً أقام المحكوم عليه أو هرب، والثاني: أن يكون
الجزء: 14 - الصفحة: 7
الحق في يد المحكوم عليه مقيمًا بعد الحكم استوفاء منه ولم يكتب به إلى غيره وإن هرب بعد الحكم عليه وقبل استيفائه منه جاز للقاضي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه الهارب بما حكم عليه من قصاص أو حد أو غيره ليستوفيه القاضي المكتوب إليه وهذا حكم على حاضر فيجوز أن يكتب به من لا يرى القضاء على الغائب، والثالث: أن يكون الحق في ذمة المحكوم عليه من الأموال الثابتة في الذمم فإن كان المحكوم عليه مقيمًا استوفاه القاضي منه له ولم يكتب به [4 أ/ 12] إلى غيره، وإن هرب قبل استيفاء الحق منه فإن كان له مال استوفاه من ماله ولم يكتب به إلى قاضٍ غيره، وإن لم يكن له مال حاضر كتب وهو قضاء على حاضر.
وأما القسم الثاني: أن يحكم لحاضر على حاضر بحق غائب فهذا يكون في الأعيان وهذا مما يكتب بمثله القضاة، وثبوت استحقاقه قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يقر به المطلوب، والثاني: أن يثبت باليمين بعد النكول، والثالث: أن يثبت بالبينة فإن ثبت استحقاقه بإقرار القاضي فيما يكتب به من حكمه مخيرًا من أن يذكر ثبوت استحقاقه بإقراره أو لا يذكره، فإن المقر لو أقام بينة باستحقاقه لم تقبل منه، وإن ثبت يمين الطالب بعد النكول لزم القاضي فيما يكتب من حكمه أن يذكر ثبوت ذلك عن يمينه بعد نكوله لأن المطلوب لو أقام به بينة قبلت منه وإن ثبت الاستحقاق ببينة شهدت به على المطلوب ففي وجوب ذكرها في كتاب القاضي وجهان: أحدهما: لا يلزمه ويكون مخيرًا كالإقرار، والثاني: يلزمه لأنه قد يجوز أن يعارضها المطلوب ببينة أخرى فيكون ببينة ويده أحق من بينة بغير يد.
وللقاضي الخيار من أن يسمي شهود البينة أو لا يسميهم إذا وصفهم بالعدالة، فإن لم يصفهم بالعدالة فقد ذكرنا وجهين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يحكم لحاضر على غائب بحق غائب، فإن كان الغائب وقت الحكم حاضرًا ثم غاب فهو حكم لحاضر على حاضر، وإن كان غائبًا عند الحكم عليه نفذ حكمه إن كان يرى جواز القضاء على الغائب ولم ينفذ إن لم يره.
فإن كتب وهو لا يرى القضاء على الغائب بسماع البينة عليه ولم يذكر الحكم بها فإن ذكر الشهادة ولم يذكر ثبوت الحق بالشهادة جاز أن يكتب به ويكون القاضي المكتوب إليه هو الحاكم بها ويكون في كتاب القاضي كالشهادة على الشهادة.
وإن ذكر ثبوت ذلك عنده بالشهادة ففي كون الثبوت حكمًا وجهان:
فإذا قلنا يكون حكمًا لا يجوز أن يكتب به لأنه لا يرى الحكم على غائب، وإذا نفذ القضاء به على ما فصلناه بالحق المحكوم به على أربعة أضرب: أحدهما: أن يكون في ذمته، والثاني: أن يكون في بدنه، والثالث: أن يكون عينًا غير منقولة في بلده، والرابع: أن يكون عينًا منقولة في بلده، فأما الأول: فيستوفي منه إن أيسر به وينظر به إن أعسر، وأما الثاني: فإن كان الحق لآدمي كالقصاص استوفاه المكتوب إليه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي ولا يستوفي [حدود الأبدان بكتب القضاة وإن كانت من حقوق الآدميين] لتغليظها وهذا لا يصح لأنه حق لآدمي لا شبهة فيه فجاز كتاب القاضي إلى القاضي كالأموال ونقول: كما جاز فيه الشهادة على
الجزء: 14 - الصفحة: 8
الشهادة جاز فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
وأما حقوق الله تعالى تدرأ بالشبهات وذكر في "الأم" يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الناس من الأموال والجراح والقول في الحدود التي لله تعالى واحد من قولين، وذكر بعض أصحابنا أنه لا يقبل في الحدود قولًا واحدًا وهو غلط، وأما الثالث: فالحكم على الغائب لا يكون إلا بالبينة فإن ثبت عنده عدالة شهودها حكم بثبوتها وجاز أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الملك المستحق دون قاضي البلد الذي فيه المحكوم إن كان في عينه، وإن لم تثبت عنده عدالة الشهود وهم غرباء وذكر الطالب أن له بينة بتزكيتهم يقيمها عند قاضي بلدهم فللشهود ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكونوا من أهل البلد الذي فيه الملك وهو على العود إليه، فلا تسمع شهادتهم، وإن سمعها لم يكتب بها وقال للطالب: اذهب مع شهودك إلى قاضي بلدهم وبلد ملكك ليشهدوا عنده بما شهدوا به عندي، فإن كتب القضاة مختصه بما لم يمكن ثبوته بغيرها وثبوت هذا بالشهادة ممكن فلم يحكم فيه بالمكاتبة كالشهادة على الشهادة لا يحكم بها مع القدرة على شهود الأصل.
والثانية: أن يكون الشهود من البلد الذي فيه الملك ولا يريدون العود إليه والبينة بتعديلهم فيه فيجوز أن يكتب القاضي بشهادتهم فيصير التعديل والحكم مختصًا بالقاضي المكتوب إليه، ويكون كتاب القاضي مقصورًا على نقل الشهادة ولا وجه لكاتبه الثاني إلى الأول بالتعديل ليقول الأول الحكم لأن الثاني قادر على تنفيذ الحكم فلم يحتج إلى الأول والثالثة: أن يكون الشهود في غير البلد الذي فيه الملك فيجوز للقاضي بعد سماع شهادتهم أن يكتب إلى قاضي بلدهم ويسأله عن عدالتهم فإن عرفها كتب بها إلى القاضي الأول ليتولى الأول الحكم بشهادتهم ويكون الثاني حاكمًا بعدالتهم ولا يجوز أن يقبل كتاب الثاني إلا بشهادة لأن كتاب الأول استخبار، وكتاب الثاني حكم.
وأما الرابع فإذا أحضر الطالب البينة بعبد ادعاه في يد المطلوب بغصب وحلاه الشهود بحليته ونعتوه باسمه وجنسه وصفته ففي الحكم بشهادتهم على ما ينقل من الأعيان الغائبة قولان: أحدهما: وهو المنصوص، وحكاه الشافعي عن أبي حنيفة ومحمد واختاره المزني لا يجوز حتى يشير الشهود إليها بالتعيين وهذا أصح وهو المعمول عليه لأن الصفات تتشابه والحلي تتماثل فلم يجز الحكم بها مع الاحتمال حتى يزول بالتعيين ويفارق ما لم ينقل لتعيينه بحدوده وموضعه بلا إشكال، ولأن المشهود به مجهول فلا يكفي فيه الوصف كما لا يكفي الوصف في المشهود له والقول الثاني أضافه كثير من أصحابنا إلى الشافعي رضي الله عنه وهو حكاية عن غيره يجوز لحفظ الحقوق على أهلها وقوع العلم بالصفات كما في العقود، وخرج ابن سريج وجهًا ثالثًا فقال: إن كان العبد المدعى غيبته يختص بوصف يندر وجوده في غيره كشامة في موضع من جسده أو أصبع زائدة أو كان مشهورًا من عبيد السلطان لا يشركه غيره في اسمه ومنزله وصفته يجوز الحكم به وإلا فلا يجوز وأجري ذلك مجرى الأنساب فيمن غاب إذا رفعت حتى تراخت وزال الإشكال فيما حكم بالشهادة، وإن قربت حتى اشتبه الاشتراك فيما لم يحكم بالشهادة إلا مع التعيين ولهذا التخريج وجه
الجزء: 14 - الصفحة: 9
ولكنه نادر وإطلاق القول يكون على الأعم الأغلب، فإذا قلنا بالقول الأول ففي جواز سماعها والمكاتبة بها قولان: أحدهما: لا تسمع لإيراد للحكم وهو لا يحكم، والثاني: نص عليه في كتاب الدعوى يجوز أن تسمع ويكتب به إلى قاضي البلد الذي فيه العبد المطلوب فإذا وصل الكتاب إليه لم يحكم بالعبد إلا مع التعيين من وجهين: أحدهما: أن لا يتكلف الثاني الكشف عن عدالتهم، والثاني: أن لا يتكلف الشهود إعادة شهادتهم، وإنما يقتصرون على الإشارة بالتعيين فيقولون: هذا هو العبد الذي شهدنا به لفلان عند القاضي فلان.
وقال صاحب "الحاوي": وفيها فائدة ثالثة عندي وهي أن يموت العبد فيستحق بهذه الشهادة على المطلوب ذي اليد قيمته علة نعته وصفته، وإذا قلنا يجوز الحكم أحضر القاضي المكتوب إليه العبد وصاحب اليد وقال هذا العبد المنعوت بهذه الصفة فإن اعترف بها حكم عليه بتسليم العبد إلى طالبه، وإن أنكر أن يكون هو الموصوف المحكوم به ففيه قولان:
أحدهما: حكاه الشافعي عن ابن أبي ليلى وبه قال أبو يوسف: يختم القاضي في عنق العبد ويسلمه إلى الطالب المشهود له مضمونًا عليه ويأخذ منه كفيلًا به وينفذه إلى القاضي الأول ليحضر الشهود لتعيينه فإن عينوه وقال إنه العبد الذي شهدنا به للطالب حكم له به وكتب إلى القاضي الثاني باستحقاق الطالب له وبرأه الكفيل من ضمانه.
وإن لم يشهدوا به للمطلوب بعينه ألزمه رده على من كان في يده وأخذه بنفقة عوده وبضمان نفسه إن تلف وضمن منفعته إن كان له منفعة في الزمان الذي فوتها عليه.
ولو كان بدل العبد أمة قال أبو يوسف: لا يسلمها إلى الطالب لأنها ذات فرج وربما كانت أم ولد لصاحب اليد وسوى أن أبي ليلى بين العبد والأمة في التسليم ولكنه أوجب في تسليم الأمة أن تضم إلى أمين ثقة تحفظ به حذرًا من التعرض لإصابتها.
قال الشافعي رضي الله عنه: وهذا استحسان وليس بقياس فأخذ بهذا القول من أصحابنا الإصطخري مذهبًا لنفسه ولا يصح تخريجه على مذهب لأنه متروك الاستحسان بالقياس وقد جعله استحسانًا وقد اختار القفال ما قال أبو يوسف.
والقول الثاني: حكاه الشافعي رضي الله عنه عن بعض الحكام أم ينادي القاضي على العبد فيمن يزيد فإن انتهى ثمنه قال لمدعيه: ادفع ثمنه يكون موضوعًا على يد عدل وخذ العبد معك فإذا عينه شهودك حكم به القاضي لك وكتب برد الثمن عليك، وإن لم يعينوه لك لزمك رده واسترجاع الثمن وهذا القول إن أجاب إليه الطالب جاز العمل عليه، وإن لم يجب إليه لم يجبر عليه.
قال صاحب "الحاوي": والأصح عندي من هذا كله أن يقبل القاضي الثاني
الجزء: 14 - الصفحة: 10
الكتاب ويحكم بوجوب ما تضمنه من العبد الموصوف فيه، ويخير صاحب اليد في العبد بين أحد ثلاثة أحوال: من أن يسلمه بالصفة المشهودة بها إلى طالبه فيبرم الحكم بها، ومن أن يمضي بالعبد مع طالبه على احتياط من هرب إلى القاضي الأول فإن عينه الشهود سلمه إلى الطالب بحكم وإلا خلى سبيل العبد مع صاحب اليد، ومن أن يعدل بالطلب إلى دفع قيمة العبد الموصوف دون العبد الذي في يده فأي هذه الثلاثة فعل صاحب اليد فقد خرج به من حث الطالب، وإن امتنع من كلها وقد ثبت استحقاق العبد الموصوف فلا يجوز أن يسقط شهادة العدول وأخذه القاضي جبرًا فدفع قيمة العبد الموصوف لأنه قد صار بالاشتباه غير مقدور عليه فجرى مجرى العبد المغصوب إذا أبق لزمه دفع قيمته، ولا يلزمه تسليم العبد لما ذكرنا من الاشتباه ولا يجبر على السفر بالعبد إلى القاضي الأول لأنه لا إجبار عليه في السفر بماله، ولا على المحاكمة إلى قاضي بلده والله أعلم بصوابه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان في المنقول: هل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي؟ فيه ثلاثة أقوال أحدهما: لا يقبل، والثاني: ينتزع من يده ويختم في عنقه إن كان عبدًا وفي الجارية: وجهان: هل ينفذها إلى الكاتب أم لا؟ والثالث: منتزع من يده ويدفع إليه قيمته على ما ذكرنا، وقد الشافعي القول الثالث ومال إلى الثالث وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق.
وأما القسم الرابع: وهو أن يحكم الحاكم لحاضر على غائب بحق حاضر فهذا يكون في الأعيان المستحقة بالشهادة فلا يقف الحكم فيها على مكاتبة قاضٍ آخر وينفرد بالحكم فيها بعد سماع البينة إن كان ممن يرى القضاء على الغائب وسواء كانت العين منقولة أو لا.
فإن سأله المحكوم له أن يكتب له كتابًا باستحقاق الملك الحاضر إلى قاضي البلد الذي فيه المحكوم عليه، فإن كانت العين المحكوم بها منقولة لم نكتب بها لانبرام الحكم بها وانقطاع العلائق فيها، وإن كانت غير منقولة كالعقار أجابه إليه وكتب له به، وإن كان الحكم قد أنبرم لأنه قد يجوز أن يستحق على ذلك أجرًا يطلب بها المحكوم عليه.
ويتفرع على هذا أن رجلًا لو حضر قاضي بلد وذكر له أنني اتبعت في خلطة فلان الغائب سهمًا من دار في بلدك وعفا عن شفعته ولي بينة قد أحضرتها فيشهد عليه بالعفو فاسمعها واكتب على قاضي البلد الذي فيه الشفيع فلست آمن إن خرجت إليه أن يطالبني بالشفعة ويجحد العفو لم يسمع القاضي بينته ولم يكتب له بشيء لأن سماعها بعفو الغائب يكون بعد دعوى الغائب فلم يجز أن يسمع عليه بينة فيما لم يدعه.
وهكذا لو قال الحاضر لفلان الغائب عليّ ألف درهم وقد دفعتها إليه، وقد أبرأني منها وهذه بينتي فاسمعها فإني لا آمن إن خرجت إليه أن يجحد القبض والإبراء
الجزء: 14 - الصفحة: 11
ويطالبني واكتب إلى قاضي بلده لم يسمعها ولم يكتب لأن الغائب لم يطالب فلم تسمع البينة على غير مطالب، وهكذا لو قال الحاضر: إن فلانًا الغائب باعني هذه الدابة أو وهبها لي وهذه بينتي ولست آمن أن يجحد بي فاسمعها لي لم يسمعها لأن سماعها يكون بعد جواب الغائب إن أنكر، وكذلك لو أن امرأة ادعت أن زوجها طلقها وهو غائب أو حاضر وهؤلاء شهودي عليه بالطلاق الثلاث ولست آمن أن يتعرض فاسمع بينتي لا تسمع لأنه لم يتعرض لها فلم تصح هذه الدعوة، فإن تعرض لها الزوج أحضره لم تسمع البينة قبل حضوره وإنكاره، فإن كان الزوج غائبًا وأرادت الزوجة أن تخرج إلى بلده ففي سماع بينتها إذا ادعت أنه قد تعرض لها وجهان:
أحدهما: لا يسمعها، والثاني: يسمعها بخلاف الأملاك لما يلزم من فضل الاحتياط في الفروج، ولو أنه تذكر خروجها إلى بلده لم تسمع بينتها وجهًا واحدًا وعلى هذا لو كانت أمة في يد رجل فأحضرها إلى القاضي وذكر أنه اشتراها من فلان الغائب ودفع إليه ثمنها، وسأل القاضي أن يسمع بينته على ما قال لم يسمعها منه، فإن استحقت الأمة من يده ببينة شهدت بها لمستحقها جاز للقاضي حينئذٍ أن يسمع بينته بابتياعها من الغائي؛ لأنه مستحق للرجوع بدركها بعد الاستحقاق بخلاف ما قبل الاستحقاق.
وهكذا لو ادعت الأمة أنها حرة الأصل وأقامت بينة بحريتها فسأل صاحب اليد أن يسمع ببينته ابتياعها من الغائب سمعها لاستحقاقه الرجوع بدركها، ولو قالت الأمة: أنا حرة الأصل وعدمت البينة ولم يتقدم إقرارها بالرق قبل قولها في حريتها وأحلفت لصاحب اليد لأن حرية الأصل لا يطرأ عليها الرق، فإن سأل صاحب اليد أن يسمع بينته بابتياعها من الغائب ليرجع بدركها عليه لك يسمعها ولم يكاتب بها.
والفرق بين المسألتين أن بينتها بالحرية مسموعة على كل ذي يد ثابتة وزائلة وقولها في الحرية مقبول على غير ذي اليد الثابتة، ولا يقبل على ذي اليد الثابتة ويستحق صاحب اليد إحلاف البائع أنها ليست بحرة فإن سأل القاضي أن يكتب له بما حكم به من حريتها كتب له بإحلاف البائع ولم يكتب له برجوع الدرك على البائع ويتفرع على هذا أن يشهد عند القاضي شاهد واحد بملك لرجل فذكر المشهود له [9 أ/ 12] أن له شاهد آخر في بلد آخر وسأل القاضي أن يكتب إلى قاضي ذلك البلد بما شهد به الشاهد عنده فهذا معتبر بالملك في بلد القاضي الآخر كتب إليه شهادة من شهد عنده ليتولى ذلك الحاكم تكميل البينة وتنفيذ الحكم، وإن كان الملك في بلد القاضي لم يكتب له الشهادة وأخذ كتاب ذلك القاضي إليه بما شهد به الشاهد الآخر ليتولى هذا القاضي تنفيذ الحكم بالشاهدين.
وعلى هذا لو أن رجل أو امرأة ادعى أن له ولدًا آخر، أو في بلد آخر وسأل القاضي سماع البينة بنفسه وحريته أو بأنه ولد على فراشه ليكتب به إلى قاضي ذلك البلد فلهذا الطالب في طلبه ثلاثة أحوال:
الجزء: 14 - الصفحة: 12
أحدهما: أن يطلب ذلك لن الولد قد مات فيجوز للقاضي أن يسمع بينته به ويكتب به إلى قاضي ذلك البلد ليحكم بميراث ولده.
والثانية: أن يذكر القاضي أن الولد حي وأنه في يد من استرق سمع البينة بنفسه وحريته وكتب به إلى قاضي ذلك البلد سواء ذكر اسم المسترق أو لم يذكره، ولو كان هذا في ملك لم تسمع البينة إلا بعد تسمية صاحب اليد لأن الملك ينتقل والحرية لا تنتقل، فإن كانت البينة شهدت لحرية الولد ولم تشهد بنسبه لم يسمعها ولم يكتب بها لأن الطالب إذا لم يثبت له نسب لم يثبت له حق في الطلب، ولو كانت البينة تشهد بالنسب دون الحرية فإن كان ثبوته موجبًا للحرية سمعها وكتب بها، وإن لم توجب الحرية لم يسمعها ولم يكتب بها.
الثالثة: أن لا يذكر الطالب استرقاق الولد ولا موته ولا يجوز أن يسمع البينة ولا يكتب بها لأنه لا يتعلق بها الحال حق لطالب ولا مطلوب.
وأما الفصل الثاني فيمن يكاتبه القاضي بحكمه على أربعة أقسام: مكاتبة القضاة، ومكاتبة الأمراء، ومكاتبة الشهود، ومكاتبة المحكوم عليه.
وأما قاضي البلد الذي فيه الملك المحكوم به وليس لمكاتبة غيرهما من القضاة وجه لأنه لا يتعلق على غيرهما شيء من حكمه، فإذا كتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم المطلوب فانتقل المطلوب إلى بلد آخر أوصل الطالب كتابه إلى ذلك القاضي ويتنجز به كتابه إلى قاضي البلد الذي انتقل إليه، وجاز للقاضي الثاني أن يكتب به إلى قاضي البلد فإن عاد الطالب إلى القاضي الأول وسأله أن يكتب له إلى القاضي الثالث فالأولى القاضي الأول أن يستفيد منه الكتاب الأول ويكتب له كتابًا إلى القاضي الثالث، فإن لم يستعيده وذكر في الكتاب الثاني أنه قد كان كتب له هذا بعد الحكم إلى فلان الغائب حتى لا يتوصل بالكتابين إلى أن يأخذ بحق حقين.
وإن قال الطالب خصمي في بلد كذا ولا آمن أن ينتقل منه إلى غيره وسأل كتابين لم يجز أن يكتبهما وهو بالخيار بين أن يكتب إلى قاضي البلد الذي كان فيه المطلوب ليتنجز به الطالب كتاب ذلك القاضي إن خرج المطلوب إلى غيره، وأما أن يكتب كتابًا مرسلًا إلى من وصل كتابه إليه من سائر القضاة.
وهكذا لو لم يعرف البلد الذي فيه المطلوب كتب كتابًا مطلقًا يعم به جميع القضاة فأي قاضٍ كان المطلوب في بلده جاز أن يقبل كتابه، وقيل: فيه وجه لا يلزمه أن يكتب على هذا الوجه ما لم يكن مستقرًا في موضع، ولو كتب القاضي له كتابًا وتسلمه منه ثم ذكر أنه قد ضاع كتب له غيره على مثل نسخته لا يتغير فيه لفظ ولا معنى وذكر فيه أن الطالب قد كان تنجز غيره مثله وذكر أنه ضاع منه ليلًا يتم بالكتابين احتيال.
ويجوز أن يكون كتاب القاضي إلى القاضي على أحد ودهين: إما بالحكم بالحق ليكون الثاني مستوفيًا، وإما بثبوت الحق ليكون الثاني حاكمًا.
وأما الثاني: فهو مكاتبة أمير البلد الذي فيه الخصم المطلوب أو الملك المحكوم به
الجزء: 14 - الصفحة: 13
دون غيره من الأمراء ولا يكتب إليه إلا بما حكم به وأمضاه ليكون الأمير مستوفيًا له ولا يكون حاكمًا به، لأن الأمراء أعوان على استيفاء الحقوق وليسوا بحكام وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه، ويكتب الأمير إلى القاضي والقاضي إلى الأمير.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه قبول حكم من الأمير وإن لم يكن فيه شرائط القضاء وهو غلط، ويجوز أن يتولى الرجل القضاء والإمارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا أميرًا وقاضيًا، ثم هذه المكاتبة مقصورة على أحد ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكتب إليه بما حكم به للطالب من ملك في بلده ليمكنه [10 ب/ 12] من التصرف فيه ويرفه عنه يد من سواه فهذا يجوز إذا أمن عدوان الأمير، فلو كان لبلد الملك أمير وقاضٍ كانت مكاتبة الأمير بذلك أولى من مكاتبة القاضي لأنه بالبلد أخص ما لم يعارض القاضي فيه.
والثاني: أن يكتب بما حكم به على الخصم المطلوب ليستوفيه الطالب فهذا يجوز أن يكتب به الأمير، فلو كان لبلد هذا المطلوب أمير وقاضٍ كانت مكاتبة القاضي أولى لأن القاضي بإلزام الحقوق أخص.
والثالث: أن يكتب إليه بإحضار المطلوب إليه فهذا يعتبر بولاية القاضي، فإن كان بلد الأمير داخلًا في ولايته جاز أن يكتب إليه بإحضار المطلوب ولزم الأمير إنفاذه إليه، وإن كان خارجًا من ولايته لم يجز للقاضي أن يكتب إلى الأمير بإحضاره ويلم يجز للأمير أن ينفذه إليه.
وأما القسم الثالث: فليس للشهود تنفيذ حكم ولا استيفاء حق وإنما هي وثائق فيما يتحملون من الحقوق ليشهدوا بها لمستحقيها عند مستوفيها فللقاضي في مكاتبته ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكاتبهم بتنفيذ الحكم فهذا منه استخلاف لهم على الحكم وهو استئناف ولاية لا يصح إلا بثلاثة شروط: أن يكونوا من أهل علمه، وأن يكونوا من أهل الاجتهاد، وأن يذكر لفظ التنفيذ ويصير هذا تقليدًا خاصًا في هذا الحكم دون غيره على إجماع فيه ولا ينفرد به أحدهم.
والثانية: أن يكاتبهم [11 أ/ 12] باستيفاء الحق ليعتبر شرطان: أحدهما: أن يكونوا من أهل علمه، والثاني: أن يكونوا من أهل الاجتهاد، والثالث: أن يكاتبهم إشهادًا لهم على حكمه ليكونوا وثيقة للطالب يتحملون عنه إنفاذ حكمه له فيجري هذا فجرى الشهادة على شهادة فيصح أن يكاتبهم به، وإن كانوا من غير أهل علمه ويصح أن يتحملوه عنه إذا أشهدهم شهود المتحملين للكتاب، فيصح أن يؤدوا ذلك إذا تعذر ثبوته لمن تحملوا ذلك عنه وهو القاضي أو شهود الكتاب كما نقوله في الشهادة على الشهادة.
الجزء: 14 - الصفحة: 14
وأما القسم الرابع: فالكتاب إلى المحكوم عليه إلزام له وحكم عليه، فإن كان من غير أهل علمه لم يجز أن يكتب إليه ولا يجب إذا كتب إليه أن يلتزم كتابه ولا يقبله لأنه في طاعة غيره من القضاة، وإن كان من أهل علمه جاز أن يكتب إليه ولزمه إذا وصل إليه أن يقبله لأنه ملتزم بطاعته، فإن خرج إلى الطالب من حقه وإلا لزمه المسير مع الطالب إلى القاضي إذا دعاه إليه إن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، وإن كان على أكثر منها لم يلزمه الحضور إلا بالاستحضار.
وأما الفصل الثالث منها وهو فيما يجب به قبول كتابه فقد ذكرنا أنه لا يقبل كتاب القاضي في الحكم إلا بشاهدين يتحملان الكتاب عنه ويشهدان به عند القاضي المكتوب إليه وإذا كان كذلك فلتحملها الكتاب شروط ولأدائها للكتاب شروط: فأما شروط تحمله فثلاثة: أحدها: أن يعلما ما فيه وعلمهما به يكون من أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إما أن يقرأه القاضي عليهما وإما أن يأمر من يقرأه عليهما بحضرته، وإما أن يقرأه الشاهدان عليه فإن لم يعلما ما فيه فقد ذكرنا أنه لا يجوز، فإن أراد الشاهدان في الكتاب المختوم أن يشهدا بالكتاب ولا يشهدان بما فيه ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنها شهادة بكتاب معين، والثاني: لا يجوز لأن الشهادة به لا تفيد لأن المقصود بها ما فيه، ولا يجوز للمكاتب قبوله للحكم بما فيه إلا بشهادة غيرهما.
والشرط الثاني: أن يقول القاضي لهما: هذا كتابي إلى القاضي فلان فاشهدا عليّ بما فيه فإن لم يقل لهما: هذا كتابي إلى فلان واقتصر بهما على عنوانه لم يجز.
ولو قال لهما: هذا كتابي إلى فلان ولم يستدعهما للشهادة ولا أشهدا عليّ بما فيه ففي صحة العمل والإجزاء بهذا القول وحده وجهان: مخرجان من الوجهين إلى جواز الشهادة على المقر بالسماع من غير استدعاء المقر للشهود، فإن قلنا بجوازه جوز هذا في التحمل والأداء، وإن قلنا: لا يجوز هناك لا يجوز هنا.
والشرط الثالث: أن لا يغيب الكتاب عنهما بعد تحمل ما فيه إلا أن يكونا قد كتبا فيه شهادتهما ليتذكرا به صحة الكتاب ومعرفته، فإن غاب الكتاب عنهما قبل إثبات خطهما فيه لم يصح إلا أن يعيد القاضي قراءته عليهما ويقول لهما: هذا كتابي الذي أشهدتكما عليّ ما فيه إلى القاضي فلان؛ لأنه قد يتحمل أن يبدل في الغيبة بغيره.
وأما شروط أدائه إلى القاضي المكتوب إليه فثلاثة شروط: أحدها: أن يستديما الثقة بصحة الكتاب إما بأن لا يخرج عن أدائها، وإما بأن يكونا قد أثبنا فيه خطوطهما حتى تتحقق علامتهما فيه فإن تشككا فيه لم يصح أداؤهما فيه، والثاني: أن يصل إلى القاضي بمشهدهما إما من أيديهما أو من يد الطالب بحضرتهما فإن لم يشاهدا وصوله لم يصح الأداء، والثالث: أن يشهدا عند القاضي بما فيه بلفظ الشهادة دون الخبر، فإن قالاه بلفظ الخبر دون الشهادة، أو شهدا بالكتاب ولم يشهدا بما فيه لم يصح الأداء للحكم.
الجزء: 14 - الصفحة: 15
وأما الفصل الرابع: وهو فيما يمضيه القاضي المكتوب إليه من حكمه فكتابه على ضربين: أحدهما: أن يكون مقصورًا علة فصل ما ثبت عنده من إقرار أو شهادة فيثبت بالكتاب عند الثاني ما ثبت عند الأول من إقرار أو شهادة، ويتولى الثاني إنفاذ الحكم فيه باجتهاده فإن اختلف اجتهادهما فيه كان محمولًا على اجتهاد الثاني دون الأول لاختصاص الثاني بتنفيذ الحكم فيه، والثاني: أن يكون الكتاب مشتملًا على ذكر الشهادة وإمضاء الحكم بها فلا يخلو حال حكمه عنده من ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون عنده جائزًا لا يخالف فيه، فعليه إمضاؤه، والثاني: أن يكون عنده باطلًا لامتناع الاجتهاد فيه فعليه أن ينقضه وهل يتوقف على المطالبة بالنقض قد ذكرنا.
والثالث: أن يكون حكمه محتملًا للاجتهاد فيؤدي إلى اجتهاده فيه [12 ب/ 12] إلى غير ما حكم به الكاتب فليس له أم يمضيه لاعتقاده أنه باطل، وليس له أن ينقضه لاحتماله في الاجتهاد وليس له أن يأخذ المطلوب بأدائه لأنه غير مستحق عنده وليس له أن يمنع الطالب منه لنفوذ الحكم به وقال للمطلوب: لا أوجبه عليك ولا أسقطه عنك، وقال للطالب: لا أوجبه لك ولا أمنعك منه، فإن تراضيتما أمضيته على مراضاتكما، وإن تنازعتما تركتكما على منازعتكما وقطعت التنافر بينكما، وخرج في هذه القضية أن يكون فيها حاكمًا أو مستفتيًا.
ثم اعلم أن الأحوط في كتب القضاة أن يكون في نسختين: أحدهما: مع الطالب مختومة والأخرى مع الشاهدين مفضوضة يتدارسانها ليحفظا ما فيها حتى إن ضاعت إحدى النسختين أو كلاهما أمكن الشاهدين إذا حفظا ما في الكتاب أن يشهدا بما فيه فإن اقتصر على نسخة واحدة جاز.
وفيه حالتان: إحداهما: أن يدفع الكتاب إلى الشاهدين من دون الطالب فيجوز وهو مخير بين ختمه وتركه والأولى أن لا يختمه ليتدارساه ويحفظا ما فيه حتى يشهدا به لفظًا إن ضاع منهما.
والثانية: أن يدفع إلى الطالب دون الشاهدين فعلى القاضي من الاحتياط أن يختمه بخاتمه، وعلى الشاهدين من الاحتياط بالشهادة به أن يوقعا فيه خطهما ليكون ذلك علامة لهما في نفي الارتياب عنهما ويكون ختمهما [13 أ/ 12] في داخل الكتاب وختم القاضي على ظهره معطوفًا فإن اقتصر الشاهدان على الخط جاز، وإن تركا زيادة الاحتياط فإذا وصل الكتاب بالشاهدين إلى القاضي يقول الطالب للقاضي: أنا أستعديك على فلان في حق لي عليه أو في يده وقد منعني عنه، ويجوز أن لا يذكر الكتاب ولا حضور الشهود ولا يصف الحق لأنه مجلس استعداء لا دعوى، فإذا حضر جدد الطالب الدعوى ووصفها وسأل القاضي الخصم فإن اعترف لم يحتج الطالب إلى إيصال الكتاب وحكم له بإقراره، وإن أنكر عرفه الطالب أن حقه عليه قد ثبت عند القاضي فلان وهذا كتابه إليك بثبوته عنده وكان الطالب هو المباشر لتسليم الكتاب من يده إلى القاضي ويذكر له حضور شهوده، فإذا وقف القاضي على عنوانه وختمه سأل الشاهدين عنه قبل فضه سؤال الاستخبار لا سؤال شهادة، فإذا أخبراه أنه
الجزء: 14 - الصفحة: 16
كتاب القاضي إليه فضه وقرأه والأولى أن يفضه ويقرأه بمحضر المطلوب فإن قرأه بغير محضر منه جاز خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز أن يفضه ويقرأه قبل حضوره بناءً على أنه لا يقضي على الغائب عنده، وهذا لا يصح لأنه لا يتعلق بالقراءة حكم ولا إلزام، فإذا قرأه القاضي سأل الشاهدين عما فيه سؤال استشهاد لأن بهذه الشهادة يجب الحكم بما في الكتاب [13 ب/ 12] ولا يجوز أن يكون هذا إلا بعد حضور الخصم غالبًا عند الاستخبار، ويجب أن يكون حاضرًا عند الاستشهاد، فلو اقتصر القاضي على الاستشهاد دون الاستخبار جاز، ولو اقتصر على الاستخبار دون الاستشهاد لم يجز لاختصاص الحكم بالشهادة دون الخبر والأولى بالقاضي أن يجمع بينهما على ما ذكرنا ليكون الاستخبار لاستباحة قراءته والاستشهاد لوجوب الحكم به فإذا ثبتت الشهادة بصحة الكتاب وقبله بالشاهدين وقع خطه فيه بالقبول وحكم به على المطلوب.
فإن كان الكتاب بعين قائمة من أرض جاز أن يرد الكتاب إلى الطالب ليكون حجة باقية في يده فإن سأل الطالب الإشهاد على نفسه بقبوله والحكم بمضمونه لزمه، وإن كان الكتاب بدين في الذمة فاستوفاه القاضي فطالبه لم يجز أن يرد الكتاب إلى الطالب لنه قد سقط حقه به، والمقصود بالكتاب حفظ ما فيه من نسيان أو خطأ، وبالختم الاحتياط والتكرمة، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:29] أي أنه مختوم والمعمول به عليه فيه ما يشهد به شاهدان.
فإن انكسر الختم قال الشافعي رضي الله عنه:
شهدوا بعلمهم عليه لأن المعوّل على شهادتهم دون الكتاب والختم خلافًا لأبي حنيفة، وقال الحسن بن زياد: أراد أبو حنيفة إذا لم يحفظ الشهود ما فيه [14 ا/ 12] وكذلك لو ضاع الكتاب فلا بأس لأن الاعتماد على حفظ الشهود دون نفس الكتاب خلافًا لأبي حنيفة.
وكيفية الشهادة.
أن يشهدوا أن فلان ابن فلان القاضي كتب إليك بكذا وأشهدنا على ذلك، ولو كان الكتاب باقيًا فأراد الشاهدان أن يشهدا بما فيه ولا يوصلانه حرم إمساكه عليهما ولم يمنع من صحة شهادتهما لأن الكتاب أمانة مؤداة في أيديهما، فإن انمحق ما في الكتاب لم يلزمه إيصالهما لأنه ليس بكتاب، وإن انمحق بعضه لزم إيصاله إن بقى أكثره، وإن لم يبق أكثره لا يلزمه.
ولو تغيرت حال القاضي الكاتب بما يمنعه من الحكم فيكون ذلك بأحد أربعة أمور: بموتٍ أو عزلٍ أو جنونٍ أو فسقٍ فإن كان بموتٍ أو عزلٍ فعند الشافعي رضي الله عنه حكم كتابه ثابت وقبوله واجب وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يقبل وسقط حكم كتابه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بسماع البينة خرج بموته عن أن يكون
الجزء: 14 - الصفحة: 17
بينة وهو غلط، وقال أبو يوسف: إن مات قبل خروج الكتاب من يده سقط حكمه، وإن مات بعد خروج الكتاب من يده يقبل ويعمل عليه.
ووجه الاختلاف أن أبا حنيفة أجرى عليه حكم الفرع اعتبارًا بمن شهد عنده، والشافعي رضي الله عنه أجرى عليه حكم الأصل اعتبارًا بمن أشهد على نفسه واعتباره بالأصل أولى من اعتباره بالفرع، لأنه لكا كان فرعًا لأصل وأصلًا لفرع كان اعتبار حكم الجاني أولى من اعتبار حكم قد زال لأن المعوّل في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان.
موت الحاكم بمنزلة موت شاهدي الأصل أو شهدا على شهادتهما ثم ماتا، فإن الشهادة لا تبطل.
وإن تغيرت بفسق أو جنون، فإن كان الكتاب بحكم أمضاه ويقبل، وإن كان بشهادة ثبتت عنده فإن تغيرت حاله بعد قبول كتابه ثبت حكمه، وإن تغيرت قبل قبوله سقط حكمه كالشهادة على الشهادة إذا فسق فيه شهود الأصل بعد قبول شهادة الفرع صحت، ولو فسقوا قبل قبول شهادة الفرع سقطت الشهادة.
ولو تغيرت حال القاضي المكاتب سقط أن يكون قابلًا أو حاكمًا به، وهل يجوز لمن تقلده بعده أن يقوم مقام الأول في قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب البصريين وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة عند المكتوب إليه، وإذا شهد شاهدان عند قاضٍ لم يحكم بشهادتهما غيره، والثاني: يجوز وهو مذهب البغداديين لأن المعمول من الكتاب ما يؤديه شهوده من حكم الأول بمضمونه فكان ثبوت الشهادة عند القاضي كثبوتها عند الأول، وحكي أن قاضيًا [12/ 15 أ] بالكوفة كتب إلى إياس بن معاوية وهو قاضي البصرة كتابًا بحكم فوصل بعد عزل إياس بن معاوية وولى الحسن البصري فقبله الحسن وحكم به.
ولو كان أحد القاضيين من قبل الآخر فتغيرت حال المولى بموتٍ أو عزلٍ لم يعزل المولى وليس له أن يقبل كتابه، ولو كان القاضي واليًا من قبل الخليفة فمات الخليفة لم ينعزل به القاضي وجاز له قبول كتابه.
والفرق أن الخليفة يستنيب القاضي في حق المسلمين لا في حق نفسه فلم ينعزل بموته بخلاف القاضي مع خليفته فعلى هذا الفرق يجوز للقاضي أن يعزل خليفته بغير موجب.
قال صاحب "الحاوي": وهذا قول الجمهور ولأن موت الخليفة لو عزل القضاة أدى إلى وقوف الأحكام في جميع الدنيا وفي ذلك ضرر عظيم وليس كذلك موت القاضي فإنه لا يؤدي إلى ذلك وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح"، وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا في الخليفة أنه إذا مات أو خلع
الجزء: 14 - الصفحة: 18
لا يعزل القضاة، ورأيت لمن خلع الطائع لله بحكم القضاة الأربعة ببغداد على عادتهم قبل أن يبايع القادر بالله، قال: وكذلك يستخلف للمسلمين فيجب أن لا ينعزل خليفته بموته وعزله أيضًا، ولهذا يشترط أن يكون من يوليه عدلًا مرضيًا فلو كان بمنزلة النائب والوكيل جاز أن يجعله إلى من يختاره من فاسق وغيره وهذا اختيار القفال.
قال: وعزل القاضي لا يوجب عزل القوام الذين ولاهم أمور الأيتام والأوقاف، ويوجب عزل وجل كتب إليه في تزويج امرأة بعينها ونحو ذلك من الأمور الخاصة، وذكر ابن أبي أحمد في أدب القضاة: أنه لا خلاف بين الفريقين في أن موت الإمام لا يوجب عزل قضاته.
وقال بعض أصحابنا: ينعزل القضاة أيضًا بموت الخليفة، وهذا اختيار والدي رحمه الله لأن تصرفهم بإذن مطلق فهم كالوكيل، والفرق بين هذا وبين الإمامة إذا صحت بمبايعة واحد أو جماعة لا تبطل بموتهم، أن العاقد لا يملك عزل الإمام فلا ينعزل بموته، والقاضي يملك عزل خليفته فانعزل بموته.
وقال في "الشامل": لو عزله الإمام من غير موجب لم ينعزل ويحق على قول من قال خليفة القاضي لا ينعزل بموته، أنه ليس له عزله مع سلامة حاله أيضًا.
فرع
لو وصل الكتاب إلى المكاتب وهو في غير موضع علمه لم يكن له أن يقبله، ولو أن قاضيين اجتمعا في غير موضع عملهما لم يكن لأحدهما: أن يؤدي إلى الآخر ما يحكم به، ولا أن يقبل منه ما حكم به، ولو اجتمعا في بلد أحدهما: مثل قاضي البصرة والكوفة إذا اجتمعا في البصرة لم يجز لقاضي البصرة بما أداه إليه قاضي الكوفة، ولو أداه قاضي البصرة إلى قاضي الكوفة فأداؤه مقبول؛ لأنه يؤدي في عمله ويصير قاضي الكوفة [12/ 16 أ] بسماعه منه عالمًا به وليس بحاكم فيه لأنه في غير عمله، فإذا صار إلى عمله ففي جواز حكمه به قولان كالقاضي في جواز حكمه بعمله.
فرع آخر
لو لم يكتب الحاكم الأول شيئًا بل أشهد شاهدين على حكم وأذن لهما في أداء الشهادة عنده أو عند أي حاكم من حكام المسلمين جاز، ولو ترك القاضي الكاتب اسم نفسه في الكتاب أو اسم القاضي المكتوب إليه لم يضر لما ذكرنا أن الحكم يتعلق بما يؤديه الشهود من مضمونه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز أن يقبل الكتاب إلا أن يكون معنونًا في داخله، فإن لم يكن فيه عنوان على ظاهره لم يجز أن يقبله، وقال أيضًا: لا يقبل معنونًا بالاسم وحده إذا كتبه حتى يجمع بين اسمه واسم أبيه، وحده لكل واحد من الكاتب والمكاتب فإن اقتصر على اسمه واسم أبيه ولم يجز إلا أن يكون اسم الأب مشهورًا (لا) يشركه غيره
الجزء: 14 - الصفحة: 19
أو تكون الكنية مشهورة لا يشركه غيره فيها.
فرع آخر
اعلم أن عنوان الكتاب في داخله عرف قديم، وعلى ظاهره عرف مستحدث، والعرف المعمول به أولى من العرف المتروك، وليس يجمع بينهما في عصرنا إلا في كتب الخلفاء خاصة.
واعلم أن العرف في عصرنا مستعمل باستيفاء النسب في العنوان من الأدنى إلى الأعلى وبالاقتصار فيه من الأعلى إلى الأدنى.
فأما ما يبدأ به في العنوان من اسم الكاتب والمكاتب فقد جاءت الأخبار باستعمال الأمرين في عصر الصحابة، فروي أن العلاء بن الحضرمي كان يبدأ باسمه في مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم فيكتب من العلاء بن الحضرمي إلى محمد رسول الله وكان خالد بن الوليد يكتب لمحمد رسول الله من خالد بن الوليد ويكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد فمن بدأ باسمه فهو على الأصل لأنه من الكاتب إلى المكاتب ومن قدم اسم المكاتب فلتعظيمه، وعرف الناس في عصرنا في كتب الملوك فمن دونهم أن يقدم في كتبهم اسم المكاتِب على اسم المكاتَب إلا الخلفاء خاصة فإنهم يقدمون في كتبهم أسماءهم على أسماء المكاتب فأي الأمرين عمل عليه في كتب القضاة ففيه سلف متبوع وقد صار تقديم اسم الكاتب في عصرنا مستنكرًا فكان العمل بما لم يتناكر أولى وإن جاز خلافه.
فرع آخر
قال بعض الفقهاء: كتب الخلفاء والأمراء إلى القضاة تقبل من غير شهادة في التجمل والأداء للعرف المستمر وصيانة السلطان على تكلف ما يباشر غيره وهذا فاسد لأنه لما لم تنفذ كتب القضاة في الأحكام إلا بالشهادة مع ظهورهم كان كتب الخلفاء والأمراء مع احتجابهم أولى ولأن القضاة فرع الخلفاء وحكم الأصول إن لم يكن أقوى لم يكن أضعف، فأما كتبهم في الأوامر والنواهي دون الأحكام والحقوق فمقبولة على ما جرت به العادة في أمثالها مختومة مع الرسل الثقات لأنها تنتشر ولأن التزوير فيها يظهر والختمة فيها تمنع التزوير، والاستدراك فيها ممكن بخلاف كتب الحكم.
فرع آخر
قال أبو حنيفة: لا يقبل كتاب قاضي الرستاق والقرية وجعل قبول الكتب موقوف على قضاة الأمصار لأنهم أحفظ لنظام الأحكام وهذا لا يصح لأن لقبول كتب القضاة شروطًا إن وجدت تقبل وإلا فلا تقبل فلا فرق بين القضاة في ذلك.
فرع آخر
لو كتب قاضي أهل البغي فإن كان من الخطابية لا يقبل، وإن كان ممن تقبل شهادته
الجزء: 14 - الصفحة: 20
فيه قولان: أحدهما: نص عليه في كتاب أهل البغي يقبل لأن أحكامهم ممضاة, وقال في "القديم": ليس لقاضي أهل العدل أن يقبل كتابه, وقال في هذا الباب: ويقبل كل كتاب لقاضي عدل وهذا يدل على أنه لا يقبل كتاب من ليس من أهل العدل وإنما يقبل كتابه وإن لم تنتقض أحكامه لأن الحكم لا ينتقض إلا بعد العلم بفساده في الكتاب لا يقبل إلا بعد العلم بصحته.
فرع آخر
لو كان الكتاب في الابتداء من آمل إلى قاضي همذان, فلما بلع الكتاب إلى الذي قال الشهود يتخلف هنا فللمدعي أن يقول القاضي الذي أسمع شهادتهما وأعطني بذلك كتابًا إلى المكتوب إليه, وإن لم يفعل المدعي ذلك بل أشهد بشهادتهما شاهدين آخرين في قول, وأربعة في قول وجرح شهود الفرع إلى همذان يجوز لأن شهادة الفرع تقبل في شهادة الكتاب إذا كان في الكتاب أمر يثبت بشهود الفرع, وقال القاضي الطبري: ولو كان المكتوب إليه حيًا كاتبًا لحكم وهو قادر على عرض الكتاب عليه فحمل الكتاب إلى غيره وشهد شاهدان بأن هذا كتاب فلان عمل به أيضًا في قياس المذهب.
فرع آخر
قال في "الأم" إذا كان فيه قاضيان كبغداد فكتب أحدهما: إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه وإنما يقبل البينة في البلدة الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه ولا يجوز أن يحكم بشهادة الفرع وشاهدا الأصل في ذلك البلد يمكن سماع الشهادة منهما بخلاف كتاب الحكم فإنه لا يعتبر فيه بعد المسافة, وكذلك لو كان في البلد قاضيان لا يتميز عمل أحدهما: عن عمل الآخر, فحكم أحدهما باجتهاده ثم رفع إلى الآخر يلزمه إمضاؤه, وإن سمع الشهادة وثبتها ولم يحكم بها ثم رفع إليه لا يحكم بها حتى تعاد الشهادة عنده وهذا يدل على أنه يجوز أن يكون في البلد قاضيان ينفذ ولاية كل واحد منهما في جميع البلد.
فرع آخر
قال أصحابنا: وليس للقاضي أن يسمع الشهادة ولا الدعوى في غير عمله, ولا أن يحكم في غير عمله, ولا أن يكتب كتابًا يشهد عليه فيه في غير عمله, ولا أن يفتح كتابًا أو يسمع الشهادة على القاضي الكاتب بما كتب, وإذا فعل ذلك لم يكن له حكم وأعاده إذا رجع إلى عمله فإن أذن الخليفة للقاضي المقيم عن غير عمله في الشهادة على نفسه فيما يكتب من الكتب من خلفائه وقبول كتبهم وسماع الشهادات فيما يتعلق بعمله في أي بلد هو فيه كان جائزًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 21
فرع آخر
لو نادى أحد القاضيين الآخر وكل منهما في موضع ولايته سمعت بينة كذا فاحكم بها والشهود ماتوا أو غابوا بعدما شهدوا عند هذا المخبر يجوز له أن يحكم بها فإن كانوا باقيين حضورًا لا يحكم على ما بيناه.
فرع آخر
لو أخبره فقال: أقر عندي المدعى عليه بكذا يقبل قوله إذا ثبت أنه الآن منكر فإن كان مصرًا على إقراره ولم يدرك كيف الحال لا يقضي بل يسأله ليقر بين يديه فيقضي ولا معنى لقبوله مع البينة مع المقر الذي لا يتعذر إقراره وعلى هذا إذا أقام البينة على غائب لابد من أن يقول خصمي الغائب جاحد للحق الذي أدعيه, فإن قال: أخشى أن يجحد ولا أدري جاحد أو مقر لم يسمع.
فرع آخر
يجوز للقاضي أن يسمع شهادة واحدة ويكتب به ليحلف مع شاهدة الأول ويستحق حتى لو لم يكن إلا امرأة واحدة شهدت له كتب بذلك القدر.
فرع آخر
لو قال لي: لي شهود الأصل بذلك وشهود الفرع هنا على شهادتهم فأقبل مني شهود الفرع واكتب لي بذلك فإني لا آمن إذا أتيت ذلك البلد أن يكون شهود الأصل قد ماتوا لا يقبل هذا بل يقول: اذهب فأقم هناك شهود الأصل فإن ماتوا قبل ذلك فأقم شهود الفرع إما هنا أو هناك.
فرع آخر
لو حكم الحاكم على الغائب بمال وكتب إلى حاكم بلد فيه المحكوم عليه فأمره الحاكم الثاني بتوفيره فوفر ثم طالب المدعي برد حججه التي كانت له عليه لم يلزم ردها لأنها ملكه, كما لا يلزم البائع دفع كتاب الأصل إلى المبتاع ويطالب بالإشهاد على نفسه بالقبض.
فرع آخر
هل تجب شهادة القاضي على نفسه ببراءته منه بقبض مستحقه؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو اختيار الاصطخري: يجب عليه ذلك لما ظهر من ثبوت الحق عنده, والثاني: يجب الإشهاد على القابض وحده, ولا يجب على القاضي لأن أسجال الحكام تختص بإثبات الحقوق, دون إسقاطها.
فرع آخر
لو سأل القاضي الثاني أن يكتب له براءة لزمه, فإن سأله أن يكاتب الحاكم الكاتب فيعرفه خروجه من الحق فهل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان على ما ذكرنا, واختار
الجزء: 14 - الصفحة: 22
الإصطخري أنه يلزمه فإذا قلنا: لا يلزمه فعاد إلى الخصم بعد ذلك فطالبه بالحق مضى المدعى عليه إلى البلد الآخر وأخذ كتابه إلى القاضي بالقضاء.
فرع آخر
هل يجوز للقاضي أن يكاتب حاكمًا فاسقًا عنده في تثبيت حق أو استيفائه فيه وجهان والأصح أن له ذلك.
فرع آخر
لو لم يذكر القاضي الكاتب أسماء الشهود فسأل الخصم القاضي المكاتب أن يكاتب القاضي الكاتب يسأله عن أسماء الشهود لم يلزمه إجابته, ولم يجز أن يكتب به لأن فيه اعتراضًا على القاضي المكاتب في أحكامه وشهوده.
فرع آخر
لو سأل المحكوم له أن يذكر أسماء شهوده لم يلزمه تسميتهم, ولكن لم يكن للقاضي أن يسأله عنهم.
فرع آخر
لو خرج الخصم إلى القاضي الكاتب وسأله عن تسمية شهوده, فإن كانوا ممن استقرت عنده عدالتهم وهو ممن لا يعاد المسألة عنهم لتقديم شهادتهم لم يلزمه تسميتهم له, وإن سماهم فأقام البينة بجرحهم عنده نقض حكمه وكتب بنقضه إلى قاضيه ليسقط عنه الحق الذي كاتبه به [12/ 19 ب].
فرع آخر
لو أقام البينة بجرحهم عند القاضي المكاتب لم يسمعها لأنه لا يعلم أنهم شهود الحكم إلا بقول الخصم.
فرع آخر
لو كان في الكتاب تسمية الشهود فأراد المحكومة عليه أن يقيم البينة على جرحهم قبلت إذا ذكروا سبب الجرح وعينوه بالاسم والحلية, ولو قال: أمهلوني حتى أذهب إلى القاضي الكاتب وأصحح عنده جرحهم قال بعض أصحابنا بخراسان: يمهل, والصحيح أنه لا يمهل أكثر من ثلاثة أيام.
فرع آخر
لو سأل المحكوم عليه إحلاف الطالب على عدالة الشهود لا يحلف لأن تعديل الشهود إلى الحاكم لا إليه.
فرع آخر
لو سأل إحلافه على أن لا ولادة بينه وبينهم ولا شركة لا يلزم إحلافه لاختصاصه بالمحكومة له دون الحاكم.
الجزء: 14 - الصفحة: 23
فرع آخر
لو سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وبينهم فهذا مما يخفى عليه فلا يلزم إحلافه.
فرع آخر
لو ادعى فسق الشهود الذين شهدوا عليه بالحق حكي الشافعي رضي الله عنه في اختلاف العراقيين عن أبي حيفة رحمه الله أنها لا تسمع ويؤخذ بالحق لأنه لا يعلم ما حد بعده من نوبة من تقدم بجرحه, وحكي عن ابن أبي ليلى [12/ 20 أ] أنه يسمع, وإذا قامت البينة به يبطل به الحكم ثم ذكر مذهبه فقال: ينظر فإن جرحهم بما ترد به الشهادة مع العدالة كالعداوة والولادة, والشركة فيما شهدوا به تسمع الدعوى والبينة ويبطل بها الحكم عليه, وإن جرحهم بالفسق ففه ثلاثة أحوال: إحداها: أن يشهدوا بفسقهم في وقت شهادتهم فتسمع ويبطل بها الحكم, والثانية: أن يشهدوا بفسقهم بعد الحكم لا تسمع لأنه لا يؤثر, والثالثة: أن يشهدوا بفسق الشهود قبل سمع شهادتهم فيعتبر ما بين زمان الجرح والشهادة, فإن كان الزمان قريبًا لا يتكامل صلاح الحال في مثلها سمعت ويبطل الحكم, وإن تطاول لم تسمع لأن الحال يصلح مع تطاول الزمان ويرتفع الفسق.
فرع آخر
لو لم يذكر القاضي في كتابه سبب حكمه وقال: ثبت عندي بما تثبت بمثله الحقوق فسأله المحكوم عليه عن السبب الذي حكم به عليه نظر, فإن كان حكم عليه بإقراره ولم يلزمه أن يذكره له لأنه لا يقدر على دفعه بالبينة, فغن كان قد حكم عليه بالشهادة ويمينه لزمه أن يذكره له لأنه يمكنه دفعه بالبينة, وإن كان قد حكم عليه بالشهادة فإن كان الحكم بحق في الذمة لم يلزمه ذكرها لأنه لا يقدر على دفعها بمثلها, وإن كان الحكم بيمين قائمة يلزمه أن يذكرها لأنه لا يقدر على مقابلتها بمثلها فترجح بينته باليد.
فرع آخر
لو سأل الطالب أن يحكم له بشاهد ويمين, فإن كان حنفيًا لم يحكم له والحاكم يسمع شهادة شاهده, وإن كان شافعيًا فإن كان الحكم على حاضر جاز إن علم به, وإن كان على غائب ففي جواز الحكم به فيما يكتب به إلى غيره وجهان: أحدهما: يجوز لأنه قول معروف ومذهب مشهور, والثاني: لا يجوز لأن المخالفين يرون نقض الحكم به فلم له تعريض حكمه للنقض, وقال صاحب "الحاوي" الأولى من إطلاق الوجهين أن يقال: يعتبر رأي القاضي الكاتب فإن كان يرى القضاء به كتب إليه, وإن كان لا يرى القضاء به لا يكتب إليه (به)
الجزء: 14 - الصفحة: 24
فرع آخر
لو أراد القاضي في حكمه بالشاهد واليمين أن لا يذكره في كتابه ويطلق الحكم بالبينة أو بثبوت الحق عنده جاز لأنه يحكم باجتهاد نفسه ولا يحكم باجتهاد غيره.
مسألة: قال: "وإن أنكر المكتوب عليه لم يأخذه به حتى تقوم بينة بأنه هو".
صورة المسألة أن يدعي حقًا على غائب وسأل الحاكم سماع البينة عليه فالحاكم يسمع البينة لأنا لو قلنا: لا يسمع لكان من عليه حق به بينة يهرب إلى بلد آخر حتى لا تسمع البينة عليه فيؤدي إلى ضياع الحقوق, فإن سأل الحاكم البينة, وسأله المدعي أن يحكم بالحق فإنه لا يحكم إلا بشرطين: أحدهما: أن تثبت عنده عدالة الشهود ظاهرًا وباطنًا على ما ذكرنا, والثاني: أن يحلفه على أن حقه ثابت عليه فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه حقه عليه ما قبضه ولا شيئًا منه ولا أبرأه ولا أحال به عليه وأنه ثابت عليه إلى هذا الوقت, وإنما حلفناه على ذلك لأنه يمكن أن يكون حدث بعد البينة قضاء وأبرأه لمن عليه الحق, ولو ادعى ذلك سمعت دعواه وحلف الخصم عليه, فإذا كان غائبًا لا يعبر عن نفسه حلف الخصم واحتياطًا وهكذا الكل من ادعى على من لا يعبر عن نفسه كالطفل والمجنون والميت وأقام بينة, فإنه يحلف مع البينة للمعنى الذي ذكرنا وليس هذا الاستحلاف لثبوته البينة ولكن لإمكان إن حدث بعد البينة قضاء أو إبراء, فإذا حلف المدعي وثبت عند الحاكم عدالة الشهود وسأله الخصم الحكم حكم به, وقال مالك وأحمد وابن شبرمة والليث والأوزاعي, وحكي عن أحمد في رواية أنه لا يحلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه قلنا: الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الغائب والخبر محمول على الحاضرين, وقال شريح وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وأصحابه لا يحكم على الغائب إلا أن يكون خصم حاضر من وكيل أو شفيع واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على قلبي وقال: إن الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك, فإذا اختصم إليك اثنان فلا تقضي للأول حتى تسمع من الآخر فإنك لا تدري كيف تقضي؟ فقال: ما زلت بعد ذلك قاضيًا, وروي فما شككت في قضاء بعد, ودليلنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند امرأة أبي سفيان أم معاوية: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف, وروي: ما يكفيك وبنيك وهذا قضاء على الغائب بعلم نفسه, وروي أن معاوية قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: أنشدك الله أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اختصم إليه الخصمان ضرب لهما أجلًا فوفى أحدهما: ولم يف الآخر, يعني: حضر أحدهما: ولم يحضر الآخر قضى عليه فقال: أما إذا أنشدتني فقد كان يفعل ذلك.
ولأن أبا حنيفة رحمه الله وافقنا أنه لا تسمع البينة عليه فنقول: بينة عادلة مسموعة
الجزء: 14 - الصفحة: 25
طلب صاحبها القضاء بها فوجب أن يلزمه القضاء بها كما لو كان حاضرًا, أو كما لو كان له تعلق بالحاضر وقد قال أبو حنيفة رحمه الله: لو ادعت أن لها زوجًا غائبًا وله مال في يد رجل وهي محتاجة إلى النفقة, واعترف لها بذلك فإن القاضي يقضي لها عليه بالنفقة.
وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: يجوز القضاء على الغائب إن تبين للحاكم أن فراره واستخفاءه للفرار من الحق والمعاندة للخصم.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن أقل ما يجزيه أن يحلفه [12/ 22 أ] أن حقه هذا الثابت عليه, وإذا حكم الحاكم ينظر فإن كان ادعى عينًا حاضرة سلمها إليه لأنه قد ثبت استحقاقه لها, وإن كان أدى حقًا في الذمة نظر فإن كان له مال من غير جنسه بيع وقضى الحق من ثمنه, وإن لم يكن له مال حاضر أو كان قد ادعى عينًا غائبة فقال الخصم: اكتب لي كتابًا إلى حاكم البلد الذي هو فيه بما ثبت عندكم كتب له كتابًا صفته بسم الله الرحمن الرحيم, حضر فلان ابن فلان ويرفع في نسبه وذكر قبيلته وصناعته بما يتميز عن غيره فادعى ضامن صفته كذا على فلان ابن فلان وأقام شاهدين فلان وفلان فشهدا بعد ما عرفنا الشهود عليه من اسمه ونسبه وقد عرفت عدالتهما وحلفته على الحق وحكمت عليه به, وسألني أن أكتب له بذلك محضرًا.
ثم لا يخلو إما أن يقدم الغائب قبل وصول الكتاب على الحكام أو لا يقدم, فإن قدم فجاء المدعي إلى الحاكم واستعداه عليه وسأله إحضاره فعل ذلك فإن أحضره أخبره بما جرى, فإن أقر بالحق ألزمه إياه, وإن أنكر وقال: لا حق له علي لم يلتفت إلى إنكاره, فإن ادعى القضاء قيل له: ثبت الحق بالبينة, وحلف المدعي أنه ما اقتضاه فعليك أن تقيم البينة على القضاء, فإن قال: أنظروني حتى أقيم البينة أنظر ثلاثًا, إن قال: البينة التي شهدت بالحق مجروحة لم يلتفت دعواه تلك حتى يقيم البينة بالجرح فإن سأل الأنظار ثلاثًا, وإن لم يقدم الغائب حتى وصل الكتاب إلى الحاكم استدعى الخصم وأخبره بورود الكتاب عليه, فإن قال: لا حق له علي لم يلتفت إلى قوله وحكم عليه, وإن ادعى القضاء لم يسمع إلا ببينة, وإن سأل إحلاف الطالب لم يكن له لأن القاضي الكاتب أحلفه, وإن أقر فيحكم بإقراره دون الكتاب, وإن أقر بالحق لغير هذا الطالب, فإن كان الحق عينًا قائمة بطل إقراره بها, وكان الطالب المحكوم له بها أحق, وإن كان الحق في الذمة يؤخذ بإقراره لغير الطالب ويؤخذ بالكتاب للطالب, وإن أنكر الحق وأقر بأنه المسمى في الكتاب يؤخذ بالحق وكتاب القاضي أوكد من الشهادة لأنه عن شهادة اقترن بها حكم وإن أنكر الحق وأنكر أيضًا أن يكون المسمى في الكتاب وهي مسألة الكتاب قال الحاكم للمدعي: إنما حكم لك على فلان ابن فلان وقد أنكر هذا أن يكون فلان ابن فلان فأقم البينة بذلك فإن لم يقمها فالقول قول المدعى عليه فيحلف أنه ليس هو فلان ابن فلان وتسقط الدعوى, وقال القفال: لو قال: لا أحلف هكذا ولكني أحلف أنه لا حق له علي فإن كان ما يدعيه لا
الجزء: 14 - الصفحة: 26
يلزمني توفيره علي له ذلك, كما لو ادعى عليه دارًا أنه باعها منه وقبض الثمن ولزمه تسليمها إليه فقال: لا أجيبك عن هذا بل أحلف أنه لا يلزمني تسليمها إليك قبل منه [12/ 23 أ] لأنه قد يبيعها منه ثم يتقابلان, وإن أقام البينة أن فلانًا ابن فلان قال له الحاكم, هل تقر بهذا؟ فإن أنكر وقال: لست أن فلان ابن فلان, لم يلتفت إلى إنكاره, وإن قال: أنا فلان ابن فلان ولكن لست أنا المحكومة عليه وإنما المحكومة عليه غيري وهو مشارك لي في اسمي ونسبي قلنا لا نعلم من هو بهذا الاسم والنسب غيرك فأقم البينة أن لك مشاركًا فيه, فإن لم يقم البينة حكم عليه, وإن أقام البينة عليه نظر؛ فإن كان الذي أقام البينة به يخالفه في الصناعة أو غيرها حكم عليه, وإن كان يوافقه في جميع الأحوال لا يحكم عليه لأنه لا يعلم من الذي عليه فيتوقف عن ذلك حتى تقوم البينة أن هذا فلان الذي حكم عليه, وإن أقام البينة باسم ميت قد عاصره الميت فإن كان موته بعد الحكم منعت هذه المشاركة من تعيين الحكم على الحي مأخوذ بالحق, فصار كما لو شارك فيه حيًا موجودًا وإن كان موته قبل الحكم ففيه وجهان: أحدهما: يثبت به حكم الاشتراك ويمنع من الحكم بالحق على الحي للاحتمال وأن الحق قد ثبت على الميت كثبوته على الحي, والثاني: لا يثبت به حكم الاشتراك لأن مطلق الأحكام متوجه في الظاهر إلى الأحياء دون الأموات وقال في "الحاوي": إذا وصل كتاب القاضي بشروطه وجب على القاضي المكاتب إحضار الخصم المطلوب ومسائلته عما تضمنه كتاب القاضي من الحكم عليه وله في الجواب عنه ستة أقوال: أحدهما: أن يقر به, والثاني: أن يقر ويدعي القضاء, والثالث: أن يقر بالحق لغير هذا الطالب, والرابع: أن ينكر ويقر بأنه المسمى في الكتاب, والخامس: أن ينكر أنه المسمى في الكتاب, وهو على ضربين: أحدهما: أن ينكر الاسم المذكور ويدعي غيره من الأسماء فله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يعرف بما ادعاه من الأسماء المذكورة في الكتاب فلا يلزمه الحكم حتى تقوم الشهادة, والثاني: أن يعرف بالأسماء المذكورة في الكتاب فيحكم عليه ولا يقبل ما ادعاه من الاسم, والثالث: أن يكون مجهول الحال فلا يحكم عليه إلا بالبينة, والثاني: أن يعترف بالاسم ويذكر أنه اسم لغيره شاركه فيه وغيره هو المحكوم عليه دونه وهو على ضربين: أحدهما: أن يعلم اشتراك جماعة في الاسم المذكور وأقله أن يشاركه في واحد فلا يحكم عليه إلا ببينة على ما ذكرنا, والثاني: أن لا يعلم من شاركه في الاسم والنسب فيؤخذ به, فإن أقام بينة بأن غيره يسمى بمثل اسمه ونسبه فهو على ضربين: أحدهما: أن يقيمها باسم حي موجود, والثاني: أن يقيمها باسم ميت؛ وقد ذكرنا ذلك, والسادس: أن ينكر ويعترف بالاسم ويدعي جرح الشهود الذين شهدوا عليه وقد ذكرنا شرحه.
الجزء: 14 - الصفحة: 27
فرع
القاضي في تسمية الشهود في كتابة مخير بين أمرين: إن شاء سماهم وهو أولى عندنا [12/ 24 أ] وأحوط للمحكوم عليه, وإن شاء لم يسمهم وهو أولى عند أهل الكوفة وأحوط للمحكوم له, فإن لم يسمها قال: شهد عندي به رجلان حران وعرفتهما بما يجوز به قبول شهادتهما, وإن سماهما قال: شهد عندي به فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما.
فرع آخر
لو لم يقل: وقد ثبت عندي عدالتهما فهل يكون تنفيذه للحكم بشهادتهما تعديلًا منه؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان الحكم على الغائب بإقراره ذكر في كتابه أنه أقر عندي طوعًا منه في صحة من جواز أمر, ولو اقتصر في كتابه على الحكم عليه بإقراره ولم يقل في صحة منه وجواز أمر فهل يقوم حكمه عليه مقام ذكره له فيه وجهان كما قلنا في العدالة.
فرع آخر
لو كان الحكم عليه بنكوله ورد اليمين ذكره القاضي مشروحًا في كتابه, واعلم أنه يصير الحق ثابتًا على الغائب من أحد ثلاثة أوجه: أحدها: بإقراره وهو الأقوى, والثاني برد اليمين وهو الأضعف, والثالث بالشهادة على إقراره وهو الأوسط, وإن لم يذكر القاضي ما حكم به منها في كتابه, وقال ثبت عندي بما ثبت بمثله الحقوق فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن كل واحد من الثلاثة يثبت به الحق, والثاني لا يجوز لاختلاف أحكامها لأنه في الإقرار لا تسمع منه الدعوى في الأعيان وتسمع منه البينة في النكول وتتعارض به البينة في الشهادة فيرجح وجود اليد عندنا ويرجح عدمها عند أبي حنيفة, وإذا اختلف الحكم بالحق في جانب المحكوم عليه في كل واحد من الوجوه الثلاثة لم يجز للقاضي إغفال ذكرها لما فيه من إسقاط حجة المحكوم عليه, وينبغي للقاضي أن يكتب بعد إنفاذ حكمه أنه قد جعل كل دعوى حق وحجة على ما كان له من حق أو حجة.
فرع آخر
لو أتى بما هو حجة وهي دفع لحجة صاحبها الحق, وكان القاضي باع شيئًا وصرفه في الحق لم يبطل ذلك البيع لأنه باع بولاية الحكم حين جاز له البيع في الظاهر.
فرع آخر
لو كان القاضي كتب بالحكم المبرم ولم يذكر الحلف جاز ولكن ينبغي للقاضي أن يذكر في الكتاب أنه حلفته ثم يدعي هناك الإبراء أو الأداء فيحلفه المكتوب إليه على ذلك بمطالبته ذلك ويجب التحليف إذا أراد قضاء الدين من (ماله) بحضرته.
الجزء: 14 - الصفحة: 28
فرع آخر
حكم الممتنع المتعنت والمتواري في البلد حكم الغائب, فأما من هو حاضر في البلد ولم يمتنع ولم يتوار عن مجلس الحكم فهل يجوز أن يسمع عليه البينة أم لا؟ قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بل يأخذ بالأقرب وهو استحضاره فربما يقر, والثاني: يجوز أن يسمع عليه البينة لأن في البينة من الفوائد ما ليس في الإقرار مثل بينة الوارث على المريض بلا خلاف وإقرار المريض للوارث لا يقبل في أحد القولين ونحوه, قال: ثم لا يبرم الحكم حتى يستحضره فيقول: سمعت عليك البينة بكذا ويمكنه من دفعها فإن لم يدفعها قضى عليه حينئذ وقال غيره: هل يحكم عليه بها من غير حضوره؟ وفيه وجهان: أحدهما: يحكم عليه لأن الحجة هي البينة وقد أحدثه والثاني وهو المذهب لا يحكم عليه بل يستدعيه ويسأله عن الدعوى لأنه يمكنه ذلك من غير ضرر بصاحب الحق وربما كان عنده قدح في البينة أو حجة يدفعها ويفارق الغائب لأن في تأخر القضاء ضررًا على صاحب الحق, ولو كان حاضرًا في مجلس فيه طريقان: أحدهما: هل يجوز سماع البينة قبل السؤال عنه, فيه وجهان, وقيل: وجهًا واحدًا لا يجوز.
فرع آخر
إذا كان للحكم اتصال بالحاضر فقد ذكرنا أن أبا حنيفة رحمه الله وافقنا فيه على جواز القضاء على الغائب ولكنه يقول للحاكم أن ينصب على الغائب وكيلًا مسخرًا ليجيب عن الدعوى ويذب عن الغائب فيسمع البينة على وجهه, ويقضي, وعندنا لا فائدة في هذا الوكيل المسخر الذي لم يوكله الغائب وكذلك على مذهبه لا يسمع الدعوى على ميت أو صبي حتى ينصب قيم لذلك الصبي أو عن ذلك الميت فتكون الدعوى وسماع البينة على وجهه وعندنا لا يجب ذلك.
فرع آخر
القضاء على الغائب إنما يكون في حقوق الآدميين ويجوز في القصاص وحد القذف بلا خلاف على المذهب, ولو قامت البينة على السرقة حكم بالغرم ولم يحكم بالقطع ولا يحكم عليه في الحدود التي هي حق الله تعالى لأنه مأمور بالاحتياط في إسقاطه ولا ضرر على الغير في تأخير حكمه إلى وقت حضوره هكذا ذكر أهل العراق وقالوا: لا يختلف فيه أصحابنا, وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما: هذا وهو المذهب, والثاني يقضي عليه بها ويكتب إلى قاضي البلد الذي فيه المدعي حتى يجحده.
باب القسام
مسألة: قال: "وينبغي أن يعطى أجر القسام من بيت المال لأنهم حكام الفصل".
الجزء: 14 - الصفحة: 29
الأصل في الحكم بالقسمة الكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾] النساء: الآية 8 [وقوله تعالى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾] القمر: الآية 28 [وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يرض في قسمة الصدقات بملك مقرب ولا بنبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه وقسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء, وقسم غنائم خيبر على ثمانية عشر سهمًا وروي أنه اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان في مواريث فقال: اذهبا فاقتسما واستهما وتحللا, وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشفعة فيما لم يقتسم, فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة, وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها ووجوبها وكان للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قسام وكان قسام علي رضي الله عنه عبد الله بن يحيى يعطيه رزقه من بيت المال.
وقول الشافعي رضي الله عنه القسام حكام أراد به أن القاسم بمنزلة الحاكم لأن الحاكم يجتهد ويعمل على ما يؤدي إليه اجتهاده فيحكم به ويلزم ذلك, والقاسم بهذه الصفة أيضًا لأنه إذا عدل السهام وأقرع لزم ذلك لقوله, ويخالفون الحكام من وجهين: أحدهما: أن حكمه مختص بالحري في تمييز الحقوق وإفرازها, وحكم الحاكم مختص بالاجتهاد, والثاني أن استعداء الخصوم إلى الحكام دون القسام, واعلم أن القاسمين أعوان الحكام فيلزم الحاكم أن يختار لنظره من القاسمين من تكاملت فيه شروط القسمة على ما تقدم بيانه وقد ذكرنا أنه لا بد من أن يكون عدلًا عارفًا بالحساب والمساحة والفرائض وغيرها من الفقه أو يكون إذا عرفه القاضي وفهمه كيف الحكم فيه عرفه ليمكنه من القسمة على حسب ذلك غير أنه إن كان فقيهًا جاز أن يوليه الأمر ليتمه باجتهاده, وإن لم يكن فالقاضي يخبره بأني حكمت بأن الدار والأرض بين هذين على كذا سهمًا فاقسم بينهما هكذا ثم يكون وكيلًا للقاضي في ذلك لا متوليًا للأمر بولاية نفسه, ثم إنما ينصب قاسمًا ويعينه الأمير إذا اكتفى الناس بقاسم واحد وإلا فلا يعين بل يدع الناس يطلبون القسام لأنفسهم, وكذا أمر الكاتب لأنه إذا عين واحدًا أمره بأخذ أجرته من صاحب القسمة وإلا وفى في ذلك ويضر ذلك بالناس, وإنما جاز للقاسم طلب الأجرة ممن أحل له وكذلك الكاتب, ولم يجز ذلك للقاضي والمزكي والمفتي لأنهم يعملون الشرع وينوبون عن كافة المسلمين فإن الحكم والفتوى من فرائض الكفايات وكذلك الشهادة والتزكية.
والقسمة والكتبة لا تفرض على الأعيان ولا على الكتابة إذ تعدل في ذلك حق الله
الجزء: 14 - الصفحة: 30
تعالى بخلاف القسمة, ولأن القاسم عملًا يباشره, والقاضي يقضي على الأوامر والنواهي التي لا يصح الاعتياض, وإنما يأخذ القاضي المصدق من بيت المال لانقطاعه إلى الحكم لا أنه يأخذه أجره عن الحكم كما نقول في رزق الإمام والمؤذن والمفتي والمزكي.
وأما الشاهد قال أصحابنا: إن كانت الشهادة تعينت عليه وهو مكفي لم يجز له أخذ الجعل عنها, وإن لم يكن له كفاية وكان ينقطع بأدائها عن كسبه جاز له أخذ الجعل على القضاء ولا فرق بينهما ذكره القاضي الطبري.
وقال ابن أبي أحمد: لا يجوز أن يدفع شيئًا من بيت المال إلى الشاهد لأن أداء الشهادة فرض عليه, ولأن أخذ أجرة على الشهادة يوقع تهمة فيها وهو قول بعض أصحابنا بخراسان, ولو كثرت القسمة واتصلت فرضت أرزاقهم مشاهرة من بيت المال من سهم المصالح, وإن قلت القسمة أعطوا منه أجرة كل قسمة وهذا لأن القاضي لا يستغني عن المكاتبة فإن عدل المقتسمون عنهم إلى قسمة من تراضوا به من غيرهم جاز ولم يعترض عليهم, وجاز أن يكون من ارتضوه عبدًا أو فاسقًا وكانت أجرته في مالهم.
ثم اعلم أن الكلام في فصلين: أحدهما: في عدد الأقسام, والثاني في حكم الأجرة, فأما العدد فإن تراضوا بالعدد على ما اتفقوا من واحد واثنين ولا يقبل الحاكم قول هذا القاسم لأنه ليس بنائب عنه ولا يسمع شهادته لأنه على فعله, وإن أمر الحاكم بالقسمة ففي القسمة تعديل وحكم, والتعديل معتبر باثنين كالتقويم فإن كان فيها تعديل وتقويم لم يجز فيها أقل من قاسمين, وإن لم يكن فيها تعديل ولا تقويم قال الشافعي رضي الله عنه في موضع أمر الحاكم الشركاء أن يجتمعوا على قاسمين, وقال في موضع آخر: القاسم حاكم فاختلف أصحابنا فيه فقال أكثرهم فيه قولان:
أحدهما: يجزئ واحد كيال واحد, والثاني: لابد من اثنين كما في التقويم وجزاء الصيد لا بد من مجتهدين ولا يمتنع أن يكون كالحاكم ويجمع من اثنين كما قال تعالى:} فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا {] النساء: الآية 35 [ومن أصحابنا من قال: هما على اختلاف حالين فإن كان في الشركاء طفل أو غائب فلا بد من اثنين, وإن كانوا حضورًا يجيبون عن أنفسهم جاز واحد ويقبل الحاكم هنا قول القاسم للاستتابة كما يقبل قول خلفائه, فإن جازت بقاسم واحد قبل قول الواحد, وإن لم يجز إلا قاسمين قبل قول الاثنين ولا يفتقر القاسم إلى لفظ الشهادة.
وقال بعض أصحابنا فيه وجهان وليس بشيء.
وأما أجرتهم ففيها أربعة أحوال: أحدهما: أن يتفقوا على أجرة معلومة فيتقدر بها, والثانية: أن يتطوعوا فلا أجرة لهم, والثالثة: أن يتفقوا على أجرة مجهولة يلزم أجرة المثل, والرابعة: أن لا يجزي إلا أجرة ذلك ولم يكن من الأرباب بذل ولا من القاسم
الجزء: 14 - الصفحة: 31
طلب فإن كان الحاكم أمر بها تحسب أجره المثل, وإن كانوا دعوا إليها فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه لا أجره, والثاني: وهو ظاهر مذهب المزني له الأجرة, والثالث: وهو إن جرت عادته بأخذ الأجرة فله الأجرة, وإن لم تجر عادته فلا أجرة, ولو استأجروه على التفاوت وعرف نصيب كل واحد منهم جاز وله أن يشترط على صاحب القليل جعلًا كثيرًا ويرضى من صاحب الكثير يجعل قليل لأنها عقود, وإن ذكر جملة الأجرة في عقد واحد فإن قال: آخذ من صاحب النصف خمسة, ومن صاحب الثلث عشرة, ومن صاحب السدس خمسة عشر.
ولو استأجروه بأجرة واحدة أو استأجروه بأجرة مجهولة ففي المسمى لزمهم أجرة المثل يلزمهم ذلك على قدر الأنصباء لا على عدد الرؤوس, وقال بعض أصحابنا: هو قول مخرج للشافعي رضي الله عنه تخريجًا من الشفعة فإنها بعدد الرؤوس في أحد القولين, واحتج بأن عمله في نصيب كل واحد منهم كعمله في نصيب الآخر تساوت الأنصباء أو اختلفت قلنا: ليس كذلك لأن عمله في أكثر النصيبين أكثر لأنه لو كان المقسوم مكيلًا أو موزونًا فكيل الكثير أكثر من كيل القليل, وكذلك الوزن, ثم يبطل بأجرة الحافظ فإن حفظ القليل والكثير سواء وتختلف الأجرة باختلاف القدر, وقال أبو يوسف ومحمد: القياس يقتضي أن يكون على عدد الرؤوس ولكنا أوجبناها على قدر الأنصباء استحسانًا.
وأما قول الشافعي رضي الله عنه فاستأجرهم بما شاء أراد لا ينبغي للقاضي أن يضرب للقسام راتبًا معلومًا ولكن يستأجر الخصم بما شاء ورضي به القاسم, والشافعي قال بما شاء ولم يقل بما شاءا جميعًا لعلمه أن القاسم يستكمل حقه وربما يستكره المقتسم على ما فوق حقه.
.
فرع
لو كان القاسم اثنين فلهما في الأجرة ثلاثة أقوال: أحدها: أن يستحقا أجرة المثل فلكل واحد ذلك, والثاني: أن يكون لكل واحد منهما أجرة مسماة, فيختص كل واحد منهما بأجرته قلت أو كثرت, سواء تساويا فيها أو تفاضلا, والثالث: أن يسمي لهما أجرة فليس على المقتسمين غيرها, وفي اقتسامهما لها وجهان: أحدهما: أنها بينهما نصفين اعتبارًا بالعدد, والثاني: أنها على أجر مثلهما اعتبارًا بالعمل.
فرع آخر
لو أفرد العقد مع واحد ولا يقال: أجرت نفسي منك لأفرز نصيبك وهو النصف من هذه الدار على كذا فإنما يصح إذا رضي الآخر بالقسمة أو كانت بحيث لا يحتاج إلى رضاهم فإما حيث يحتاج إلى الرضى ولم يرضوا بعد فعقده فاسد في نصيب هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 32
فرع آخر
إذا طلب أحد الشريكين القسمة والشيء مما يجاب فيه إلى القسمة دون رضى الآخر فالأجرة تلزمهما جميعًا ولا يختص بالتزامها هذا الذي يطلب القسمة وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد, وقال أبو حنيفة: الأجرة على طلب القسمة لأنها حق له, وهذا لا يصح لأن الأجرة تجب لإفراز الأنصباء وهم فيها سواء الأجرة عليهم كما لو تراضوا عليها.
فرع آخر
قال الشافعي رضي الله عنه: ولو كان في جملتهم يتيم ففي نفسي من أحمل عليه شيئًا وهو ممن لا رضي له شيء, فاختلف أصحابنا فيه هل أشار بذلك إلى القسمة أو الأجرة فقيل: أشار إلى أصل القسمة فخرجوها على وجهين: أحدهما: يمنع, والثاني: يجاب وقيل: أشار إلى أجرة القسمة لأن القسمة لا تمتنع بحق الصغير إذا احترزها الكبير لأن الصغر لا يمنع الحقوق فهل يلزمه أجرة القسمة؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الحاكم ولم يسقط منها مع عدم حفظه بها كما يلزمه مما لاحظ له فيه مؤنه وكلفة, والثاني: يقول الحاكم لشركاء الصغير إن أردتم القسمة التزمتم قسطه من الأجرة ولم يوجب في ماله ما لاحظ له منه وهذا اختيار أكثر أصحابنا بخراسان.
مسألة: قال: "وإذا تداعوا إلى القسمة وأبى شركاؤهم فإن كان ينتفع كل واحد منهما بما يصير إليه مقسومًا أجبرتهم على القسمة".
اعلم أن الملك إذا كان مشتركًا بين اثنين وأكثر فطلب بعضهم القسمة فلا يخلو إما أن ينتفع كل واحد منهم بهذه القسمة بحيث لا ضرر على أحدهم أو كان على واحد منهم ضرر وينتفع بها كل واحد منهم مثل أرض من شريكين أو دار واسعة أو دور مختلفة تقسم فنصيب كل واحد منهم دار بحكم هذه القسمة فإنه يجاب كل شريك دعا إلى القسمة ويجبر الممتنع عليه بعدما لم يحتج في القسمة إلى أن يرد أحدهم على الآخر بعض قيمة ما يصير إليه وهذا لأن المالك يحتاج أن ينتفع بملكه منفعة تامة, وإذا كان مشتركًا لم يمكنه ذلك لأنه إذا طلب الزراعة والعمارة ربما لم يجبه الشركاء إليه, فإذا طلب إقرار لملكه لينتفع به أجيب إليه, وإن كان يلحق كل واحد منهم ضرر بالقسمة لم يجبر الحاكم الممتنع عليها, ولكن إذا رضوا بالقسمة سألوا الحاكم أن ينصب من يقيم بينهم قسمة مراضاة أجاب إلى ذلك.
وإنما لم يجبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام من ضار الله به, ومن شاق شق الله عليه", وروى بصير مولى معاوية مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن قسمة الضرار" وروى محمد بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعضية
الجزء: 14 - الصفحة: 33
على أهل الميراث إلا ما حمل القسم" يعني: لا يبعض على الوارث.
وقال مالك: يجبر الممتنع على القسمة مع دخول الضرر على الطالب والمطلوب لينفرد بملكه ويده وهو في قسمة الحمام الصغير وهذا لا يصح لأنها قسمة على جميع الشركاء فيها ضرر فلا يجبر عليها كما لو كان بينهما جوهرة فدعوا إلى قسمتها.
وقال بعض أصحابنا: لو قسموها فيما بينهم جاز, ولكن لو سألوا الحاكم أن يقسمها بينهم لم يجبهم إلى ذلك لأن فيها ضررًا وهذا اختيار القاضي الطبري, وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان تذهب المنفعة بالكلية كالجوهرة تكسر فلا يجابون إليها, وإن تراضوا لأنه سفه, وإن كان لا تذهب منفعته بالكلية كالجوهرة تكسر فلا يجابون إليها, وإن تراضوا لأنه سفه, وإن كان لا تذهب منفعته بالكلية وينتفع به في الجملة ولكن ينتفع كل واحد منهم بحصته من ذلك الوجه, مثل حمام يقسم بين اثنين فلا يصلح كل نصف إذا أفرد أن يكون حمامًا ولكن يمكن أن يتخذ منه شيء آخر يقسم الحاكم بينهم برضاهم, وهكذا يقسم السيف بينهم برضاهم لأنه إذا قسم يحصل من نصيب كل واحد منهم سكين أو خنجر أو نحو ذلك فللمالك أن يفعل ذلك في ملكه وهذا حسن ولكن ظاهر المذهب ما اختاره القاضي الطبري لأن السفه في الكل لا يخفي والضرر ظاهر.
وإن كان على بعض الشركاء في ذلك ضرر فإن كان الطالب لا ضرر عليه فيها فإن كانت بين رجلين لأحدهما: خمسة أسداسها, وللآخر السدس فطلب صاحب الأكثر القسمة وهو ينتفع بحصته مفرزة, وصاحب الأقل ينتفع بحصته مفرزة أجبر الممتنع عليها وبه قال أهل العراق, وقال أبو ثور: لا يجبر الممتنع عليها بل يترك مشتركًا, وقال ابن أبي ليلى وأحمد: لا يجاب إلى القسمة ولكن يباع ويقسم الثمن بينهم لأنه طلب منه قسمة يستضر بها فلا يجاب إليه كما لو كان الاستضرار بالقسمة, وأما الذي ذكروا فلا يصح لأن الاعتبار بالطلب لأن من له الحق إذا طلب بيع مسكن من عليه الحق ليستوفي حقه يجاب إليه, وإن استضر به من عليه الحق, وكذلك يستوفي صاحب الدين حقه ممن عليه الدين, وإن استضر من عليه الدين بأن يذهب عن يده رأس ماله ويصير معسرًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان سواء تذهب المنفعة من نصيب الشريك أصلًا أو تذهب عن أن ينتفع به من الوجه الذي ينتفع به قبل القسمة وهذا خلاف المنصوص, ولعله جعل قول أبي ثور وجهًا في المسألة ولم يعرف النص الصريح هنا.
وإن كان على الطالب في قسمتها ضرر بأن طلب صاحب السدس القسمة قال أبو إسحق: لا يجبر الممتنع من القسمة ولا يجاب إلى ما يلتمسه لأنه يطلب ضرر نفسه وهو الصحيح المشهور من المذهب, ومتن أصحابنا من قال: يجبر الممتنع عليه لأن له
الجزء: 14 - الصفحة: 34
غرضًا في تمييز بأن يزيل سوء المشاركة ومؤنة المقاسمة وبه قال أبو حنيفة, وهذا لا يصح لما ذكرنا ويفارق هذا كله إذا كان للطالب فيها منفعة لأنه طلب ما ينتفع به فأجبر صاحبه عليه وهنا طلب ما يستضر به وفيه المال وسفه ظاهر فلا يجاب إليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان عليه ضرر ولكنه يمكن الانتفاع به من وجه, وإن لم ينتفع به منفعة الأصل يجاب إليه.
وإن كان لا ينتفع به أصلًا لا يجاب إليه, واعلم أن الضرر الذي ذكرنا إن ينتقص قيمة ما يصير إليه فظاهر كلامه أنه تنقص ونقصان القيمة يتبع نقصان المنفعة ولا يفترقان, قال: وقال بعض أصحابنا: فيما يعتبر فيه دخول الضرر وجهان: أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة إنه نقصان المنفعة دون القيمة.
والثاني: وهو الأشبه يعتبر بكل واحد من نقصان المنفعة أو نقصان القيمة لأن في كل واحد منهما ضررًا.
ولو كانت دار نصفها لواحد ونصفها لعشرة نفر ولا يمكن الانتفاع بكل عشر من هذا النصف على حدته بوجه وأمكن الانتفاع بنصف الدار فدعا صاحب عشر نصف الدار إلى القسمة لم يجب إليه على ما ذكرنا من المذهب وإن اجتمع العشرة وقالوا: نفرز نصيبنا عن النصف الذي لصاحبنا أو قال صاحب النصف: أفرز نصيبي وأدع النصف مشاعًا بين العشرة فلكل واحد منهم ذلك وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
وأقول لمن كره القسمة لقلة حصصهم: إن شئتم جمعنا حقوقكم وكانت مشاعة بينكم لتنتفعوا بها فإن قال قائل: حصصهم ملك لهم يفعلون به ما شاءوا فما فائدة قول الشافعي؟ يقال لهم: إن شئتم, قلنا: لعل متوهم يتوهم أن نصيب بعضهم إذا صار مقسومًا له وجب أن يصير سائر الأنصباء مقسومة ممتازة فأبان أن ذلك ليس من شرط القسمة ويجوز أن يقسم بعضهم حصته وتبقي حصة الآخرين مشاعة كما كانت, وعلى هذا لو كانت الأرض لستة نفر فصارت سهامهم فطلب واحد منهم القسمة قسمت أسداسًا وأقر سدسها له وكانت خمسة أسداسها مشتركة بين الباقين, وإن طلبها اثنان ليجوز أشهمهما مجتمعين قسمت أثلاثًا, وأفرز لطالبي القسمة ثلثها مشتركة بينهما وكان الثلثان مشتركًا بين الباقين وعلى هذا القياس إذا طلب الثلاثة والأربعة.
مسألة: قال: "وينبغي للقاسم أن يحصي عدد أهل السهام ومبلغ حقوقهم".
الفصل
الكلام في هذا في كيفية القسمة والقسمة على ضربين: قسمة فيها رد, وقسمة لا رد فيها, فأما التي فيها رد سيجيء حكمها, وأما التي لا رد فيها وهي قسمة الإجبار فلا
الجزء: 14 - الصفحة: 35
تخلو من أربعة أحوال: إما أن تكون الأنصباء متساوية والأجزاء متعادلة, أو أن تكون الأنصباء متساوية والأجزاء مختلفة القيمة, وأن تكون الأنصباء مختلفة والأجزاء مختلفة القيمة, وأنه تكون الأنصباء والأجزاء متعادلة, أو تكون الأنصباء [12/ 32 أ] مختلفة والأجزاء مختلفة, فإن كانت الأنصباء متساوية والأجزاء متعادلة فإن كانت الأرض بين نفسين لكل واحد منهما النصف, أو بين ثلاثة لكل واحد منهم الثلث وذراع منها من أول القراح يساوي درهمًا وكذلك من وسطه وآخره فإنه يقسم ذلك بالأجزاء فتمسح الأرض وتذرع ويجعل نصفها جزءًا والباقي جزءًا آخر ثم يقرع بينكما, ويمكن هنا إخراج الأسماء على الأجزاء فهو أن يكتب اسم كل واحد من المالكين في رقعة ويجعل رقعتين متساويتين, ثم تدرج في بندقتين من طين وتطرح في حجر رجل لم يحضر الكتبة والبندق ثم يقال: أخرج على الأول, فإذا أخرج فض ذلك ويجعل الجزء الأول لمن خرج اسمه ويتعين الآخر لصاحبه.
وأما إخراج الأجزاء على الأسماء فهو أن يكتب الجزء الأول في رقعة والجزء الثاني في رقعة أخرى ويخرج واحد على اسم أحد الرجلين فيجعل له الجزء ويتعين الآخر لصاحبه, فإذا خرجت القرعة لزمت القسمة وتعينت الحقوق وليس لأحدهما: الامتناع بعد ذلك منها.
قال: ولو أمر الصغير أو الأعجمي من العبد بإخراجه كان أولى لأنه أبعد من الحيلة, وقال أصحابنا: فإن كان هناك سمع أدرج فيه كان أخف وأنظف.
قال الشافعي رضي الله عنه: توزن, ومنهم من يقرأ بوزن يعني ينبغي أن تكون البنادق مستوية [12/ 32 ب] الوزن ليكون أبعد من التهمة فإن استوت ألقاها في حجر من لم يحضر البندقة وهذا أيضًا للاحتياط.
قال الشافعي: ولا الكتاب, يعني: ينبغي أن لا يكون من دفعت البنادق إليه حاضر حين يكتب الأسامي في الرقاع وتدرج في البنادق والأصل في الرقعة قصة مريم عليها السلام في قوله تعالى:} إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴿] آل عمران: الآية 44 [, وقوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾] الصافات: الآية 141 [ولو اقتصر لعل أن أقرع بينهم عصا أو أقلام جاز, وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير وكتب على أحدها: لله وقسمها على خمسة أجزاء وأقرع بالنوى وهذا لأن ما حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون أخف حالًا لأنه أبعد من الحيف وإنما يمكن الاحتياط في موضع التهمة فكذلك حكمها بعده إن كانت عند حاكم تنتفي عنه التهمة كان حكمها أخف, وإن كانت في موضع التهمة كان حكمها أغلظ, وإن كانت الأنصباء متساوية الأجزاء مختلفة القيمة يعدل بينهما بالقيمة في الإخراج على ما ذكرنا, وإن كانت الأنصباء مختلفة
الجزء: 14 - الصفحة: 36
والأجزاء معتدلة بأن يكون لواحد السدس ولآخر النصف والآخر الثلث.
قال الشافعي رضي الله عنه: قسمه على أقل السهمان وهو السدس, وقال أبو إسحاق: وإن كان فيهم من له سدس وربع فهو من اثني عشر, وإن كان من له سدس وثمن [12/ 33 أ] فهو من أربعة وعشرين فيقسم أبدًا من أقل ما تخرج منه السهام كلها وهذا لأنه لو أقسم على أكثر السهمان لم يمكنه أن يعطي الأقل من الأكثر ويمكنه أن يعطي الأكثر من الأقل, فإذا تقرر هذا تجعل الدار في مسألتنا ستة أسهم لأن أقل السهمان السدس فيجعل لصاحب السدس سهمًا ولصاحب الثلث سهمين ولصاحب النصف ثلاثة أسهم فتقسم الدار على ستة أجزاء فيمكنه أن يعطي النصف من الستة وهو ثلاثة أسهم, ولو أنه جعل الدار نصفين أو ثلاثًا لم يمكنه أن يعطي السدس هذا يعني قولنا: يمكنه إعطاء الأكثر من الأقل إذا قسمها على نسبة الأقل ولا يمكنه إعطاء الأقل من الأكثر ثم يجعل على كل سهم علامة ثم يكتب الرقاع.
واختلف أصحابنا في عددها فقال أبو إسحاق: يكتب ستة رقاع على عدد السهام, ويكتب اسم صاحب النصف في ثلاثة رقاع, واسم صاحب الثلاث في رقعتين, واسم صاحب السدس في رقعة, فيكتب اسم كل واحد منهم المعروف به أو يكتب صاحبه فإنه يعرف بذلك أيضًا وأيهما كتب أجزاؤه, وإنما قلنا: يكتب ستة رقاع لتكون رقاع من كثر نصيبه أكثر فيخرج اسمه أسرع من اسم من قل نصيبه, ثم يخرج ذلك على الأجزاء فإن خرج اسم صاحب السدس على السهم الأول حصل له ثم يقرع بين الآخرين فإن خرج اسم صاحب الثلث حصل له الثاني والثالث بلا قرعة ويتعين الثاني لصاحب النصف, وإن خرج في الابتداء لصاحب النصف حصل له ثلاثة أجزاء, ويقرع بين الآخرين, فإن خرج لصاحب السدس حصل له الجزء الرابع ويتعين الثاني لصاحب الثلث, وإن خرج لصاحب الثلث في الابتداء فله سهمان ثم يقرع بين الآخرين, فإن خرج لصاحب النصف فله الجزاء الثالث والرابع والخامس, ويتعين الباقي لصاحب السدس, وإن خرج لصاحب السدس فله الجزء الثاني والثالث بعد الذي خرج له بلا قرعة لأنا لو أقرعنا بينه وبين غيره في الحق الثاني ربما لا يخرج عليه فيحصل له ذلك من موضع آخر وينقطع نصيبه فيستضر به وفي هذا القسم لا يمكن إخراج الأجزاء على الاسم لأنه لو أخرج ذلك ربما يخرج الجزاء الرابع لصاحب النصف فيقول: هو أحد جزأين من الذي قبله, ويقول الآخر: بل يأخذ من الذي بعد فيؤدي إلى الخصومة والاختلاف فلم يجز.
فإن قيل: أليس في العتق تكتب الحرية والرق ولم تكتب أسماء العبيد, قلنا: قال بعض أصحابنا: هناك قولان على سبيل التخريج, من هنا فيكتب أسماء العبيد,
الجزء: 14 - الصفحة: 37
ومنهم من فرق بأن هناك لو كتب أسماء الأحرار ربما يؤدي إلى تفريق ملك واحد فلا يجوز إلا أن يكتب أسماء المستحقين, وفي العتق يجوز كلاهما لأنه لا يوجد هذا المعنى.
ومن أصحابنا من قال: يكتب ثلاث رقاع وهو اختيار ابن أبي هريرة وهو ظاهر كلام الشافعي فيكتب رقعة لصاحب السدس, ورقعة لصاحب الثلث, ورقعة لصاحب النصف, وهذا لأن صاحب النصف إذا خرج اسمه على الأول أعطيناه ثلاثة أسهم بلا قرعة أخرى فلا فائدة في أن يكتب له ثلاثة أرقاع, ويكون تعبًا في الحقيقة, وقيل: المذهب الأول لأن لصاحب النصف والثلث مزية على صاحب السدس بكثرة ملكهما, فلو كتبنا لكل واحد رقعة سوينا بينهما ولا سبيل إلى ذلك, والفائدة في كتبه ثلاث رقاع لصاحب النصف أنه ربما يكون له غرض في أن يأخذ نصيبه من الأول, فإذا كتب له ثلاث رقاع فذلك لخروجه اسمه في الأول.
وإن كانت الأنصباء مختلفة والأجزاء مختلفة فإنه يعدل بين الأجزاء والقيمة, ثم يكتب اسم الملاك في ثلاث رقاع ويخرج على ما ذكرنا في القسم قبله سواء, إلا أن في ذلك القسم التعديل أن يكون بالأجزاء وهنا التعديل بالقيمة.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ثم يسمي السهمان أولًا وثانيًا وثالثًا, يعني يسمى أحد الطرفين من الدار السهم الأول, ويسمى الذي يليه السهم الثاني ويسمى الذي يليه السهم الثالث, فإن قال قائل: ما بال الشافعي اقتصر في تسمية السهام على الأول والثاني والثالث وقد جعلت الدار ستة أجزاء فلم يذكر تسمية الرابع والخامس والسادس؟ قلنا: إنما اقتصر على الأول والثاني والثالث لوقوع الاكتفاء بتسميتها والاستغناء عن تسمية الرابع على ما بينا أنه إذا خرج سهم صاحب النصف فهو له والسهمان اللذان يليانه على ما شرحناه.
مسألة: قال: "وإذا كان في القسم رد لم يجز حتى يعلم كل واحد منهما موضع سهمه وما يلزمه ويسقط عنه".
قد ذكرنا حكم القسمة التي لا رد فيها, فأما القسمة التي فيها رد وهو أن يكون قراح فيه بئر أو نخلة أو شجر وغيرها, أو مجلس مبني لا يحتمل القسمة فيكون القراح قيمته مائة, وقيمة البئر أو النخل أو المجلس المبني مائتان فإن هذه القسمة لا يجبر واحد منهما عليها ولا بد فيها من أن يقرع بينهما بتراضيهما, فإذا خرجت القرعة على
الجزء: 14 - الصفحة: 38
أحدهما: كان بالخيار إن شاء رضي به مع الذي يرده, أو يأخذه ويكون المال الذي يرده على صاحبه معلومًا لهما وهو معنى قوله: وما يلزمه ويسقط عنه يعني ما يلزمه من العوض وما لا يلزمه, فإذا وقع الرضى بذلك بعد القرعة لزمهما وكان ذلك بمنزلة البيع هذا مذهب الشافعي رضي الله عن وقوله: أجزته لا بالقرعة أراد به أن هذه القسمة بيع قولًا واحدًا والبيع ولا يجوز بالقرعة وإنما القولين في قسمة [12/ 35 أٍ] ليس فيها رد هل هي بيع أو إفراز حق؟ وقال الاصطخري: إذا تراضيا على الإقراع فخرجت القرعة على أحدهما: لزمه كما نقول إذا كانت الأجزاء مختلقة القيمة ولا رد فيها وهذا غلط, لأن الأجزاء المختلفة إذا لم يكن فيها رد لا يعتبر التراضي وأجبر الممتنع منهما على القسم بخلاف هذا, فدل على الفرق بينهما.
وقال في "الحاوي": لهما في هذه المسألة أربعة أحوال إحداهما: إذا تراضيا بهذه القسمة ويتفقا على من يأخذ الأعلى ويرد من يأخذ الأدنى ويسترد فقد تمت القسمة بينهما بالمراضاة بعد تلفظهما بالتراضي لأن البيع لا يصح إلا باللفظ ويكون تلفظهما بالرضي جاريًا مجرى البذل والقبول ولهما خيار المجلس, وإن شرط في حال الرضى خيار الثلاث صح, وقال مالك: إذا كان الرد فيهما قليلًا صحت, وإن كان كثيرًا لا يصح وهذا لا يصح لأنها جارية مجرى البيع, ولا فرق بين القليل والكثير.
والثانية: أن يتنازعا في طلب الأغلى ويتزايدا ويتنازعا في طلب الأدنى ويتناقضا ثم يستقر الأمر بينهما على من يأخذ الأعلى ويرد من يأخذ الأدنى ويسترد فيتم هذه القسمة بالمراضاة ويبطل ما تقدم من تقويم القاسمين بما استقر بينهما من الزيادة أو النقصان.
والثالثة: أن يتنازعا أخذ الأعلى فيطلبه كل واحد من غير زيادة فلا يجبر ويقطع التنازع وتصير الأرض بينهما على الشركة كالجوهرة.
والرابعة: أن يتنازعا ويتراضيا بالقرعة وفي جواز الإقراع بينهما وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه بيع وليس في البيع إقراع, والثاني: يجوز تغليبًا لحكم القسمة واعتبارًا بالمراضاة فعلى هذا إن كان القاسم من قبل الحاكم فلا خيار لهما بعد القرعة, وإن كان من قبلهما ثبت لهما بعد القرعة خيار وفيه وجهان: أحدهما: أن يختار النصيب على الفور, والثاني: أنه كخيار مجلس يعتبر بالافتراق.
مسألة: قال: "ولا يجوز أن يجعل لأحدهما: سفلًا وللأخر علوًا".
الفصل
صور المسألة: أن تكون دار بين شريكين فطلب أحدهما: أن يقسم بينهما ويجعل العلو لأحدهما: والسفل للآخر لا يجبر على هذه القسمة؛ لأن العلو والبناء إنما يدخل
الجزء: 14 - الصفحة: 39
في القسمة تابعًا للعرصة ولا يدخل متبوعًا, ألا ترى أنه لو كان بين رجلين عرصة فطلب أحدهما: القسمة لم يجبر عليه فإذا أراد أن يجعل العلو لواحد والسفل لآخر يريد أن يجعل العلو والبناء متبوعًا في القسمة فلا يجبر على ذلك.
وقال في "الأم": في تعليل هذه المسألة لأن أصل الحكم أن من ملك السفل ملك ما تحته من الأرض وما فوقه من الهواء فإذا أعطي كل واحد منهما على غير أصل ما يملك الناس, وأيضًا فإن العلو مع السفل يجري مجرى الدارين المتلاصقين لأن كل واحد منهما مسكن منفرد, ولو كان بينهما دار ولم يكن لأحدهما: أن يطالب بأن يجعل إحدى الدارين نصيبً كذلك هنا.
وقول الشافعي رضي الله عنه: إلا أن يكون سفله وعلوه لواحد مشكل ومعناه لا يجوز أن يجعل لأحدهما سفلًا وللآخر علوًا ولا تصح القسمة إلا أن يكون سفل كل سهم وعلوه لواحد فأوجز المزني وأسقط هذا الاختيار, فإن تراضيا عليه جاز لأن أكثر ما فيه أن يكون بمنزلة الملكين المتجاورين ولو تراضيا في الملكين المتجاورين وأن يجعل لكل واحد دارًا منفردة لجاز كذلك هنا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقسمه الحاكم بينهما فيجعل ذراعًا من السفل بذراعين من العلو لأن عنده صاحب العلو لا ينتفع بالقرار وصاحب السفل ينتفع بالقرار, وقال أبو يوسف: يقسمها ذراعًا بذراع, وقال محمد: أقسمه بالقيمة وهذا لأنها دار واحدة فإذا قسمها على ما تراه جاز وهذا غلط ما ذكرنا, وأما ما ذكروه لا يصح لأن الهواء لصاحب العلو وله أن يصنع به ما لا يضر بصاحب السفل, ولو طلب أحدهما: أن يقسم السفل بينهما ويترك العلو على الإشاعة لم يجز الآخر على ذلك لأن القسمة ترد لتمييز حق أحدهما: عن الآخر, وإذا كان العلو مشتركًا لم يحصل التمييز.
فرع
إذا كان في الأرض زرع وأراد أحد الشريكين قسمة الأرض نظر؛ فإن أراد قسمة الأرض دون الزرع أجبر الآخر عليها, لأن الزرع في الأرض كالفرش في الدار لا يمنع القسمة, ولا فرق بين أن يكون خرج الزرع أو لم يخرج, وإن أراد قسمة الزرع خاصة نظر, فإن كان حبًا لم يجز وكذلك إن كان حبًا مشتدًا لم يجز لأنه مجهول, وإن كان قد خرج ولم يصر حبًا حكي الشيخ أبو حامد: أنه لا يجبر الممتنع على القسمة لأنه لا يمكن تعديله ولأن الإجبار إنما يكون على ما يبقى ويدخر ولا يقصد بالزرع التبقية وقال القاضي الطبري: في هذا نظر وعندي أنه مبني على القولين, فإن قلنا: إنه إفراز حق يجبر وهذا أشبه لأنه إذا أمكن تعديله مع الأرض أمكن منفردًا, وإن أراد قسمة الأرض مع الزرع فإن كان الحب لم يخرج لم يجز لجهالته؛ ولأنه بيع الحب بالحب ومعهما غيرهما فلا يجوز,
الجزء: 14 - الصفحة: 40
وكذلك إن كان الحب اشتد في السنابل, وإن قلنا: إفراز حق أيضًا لأنه معلوم ومجهول, وإن كان الزرع أخضر جازت قسمته مع الأرض ويكون تبعًا لها ويجوز مطلقًا, ولو طلب أحدهما: أن يقسم الزرع مع الأرض قال بعض أصحابنا: لا يجبر أن لأن الإجبار على ما يبقى ويدخر والصحيح أنه على ما ذكرنا.
فرع آخر
اعلم أن الأرض المشتركة ضربان: أحدهما: أن تكون متساوية الأجزاء يدخلها قسمة الإجبار على ما ذكرنا, والثاني أن تكون مختلفة الأجزاء بعضها عامرًا وبعضهما خرابًا, أو بعضها قويًا وبعضها ضعيفًا أو في بعضها شجرًا وبناء فهو على ضربين:
أحدهما: أن يمكن التساوي الشريكين بالقسمة في جيده ورديئة مثل أن يكون الجيد في مقدمها والرديء في مؤخرها, فإذا قسمت نصفين صار إلى كل واحد الجيد والرديء على السواء فيجبر أيضًا.
والثاني: أنه لا يمكن تساويهما فهذا على أربعة أضرب: أحدهما: أن تقسم قسمة تعديل بالقيمة على زيادة الزرع مثاله: أن تكون الأرض ثلثين جربيًا وتكون عشرة أجربة من جيدها بقيمة عشرين جريبًا من رديها فيجعل أحد السهمين عشرة أجربة, والسهم الآخر عشرين جريبًا فهل يجبر؟ قولان: أحدهما: لا يجبر لتعذر التساوي في الزرع, والثاني: يجبر وهو اختيار أبي حامد لوجود التساوي في التعديل فعلى هذا في أجره القاسم وجهان: أحدهما: سواء لتساويهما في أصل الملك, والثاني: على صاحب العشرة ثلث الأجرة وثلثاها على الآخر لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة.
والضرب الثاني: أن يكون القسمة رد وقد ذكرنا فيها أربعة أقوال.
والضرب الثالث: أن تقسم الأرض بينهما بالسوية ويترك البناء والشجر على الشركة, فإن تنازعا فيه لم يجبر الممتنع, وإن تراضيا به دخل في الأرض قسمة الإجبار ما كانا مقيمين على هذا الاتفاق زالت قسمة الإجبار.
والضرب الرابع: أن يقسم القاضي الأرض بينهما بالسوية ويكون ما فيه الشجر والبناء بينهما على الشركة ففي حكم هذه الأرض إذا تميز بناؤها وشجرها عن بياضها وجهان؛ أحدهما: أن حكمهما حكم أرض واحدة لاتصالها فعلى هذا لا تدخل قسمة الإجبار في بياضها لأنها لا تدخل في شجرها وبنائها, والثاني: أن حكم شجرها وبنائها متميز عن حكم بياضها فصارت باختلاف الصفتين كالأرضين المفترقتين وتدخل قسمة الإجبار في البياض كما لو انفرد ولا تدخل قسمة الإجبار من البناء والشجر كما لو انفرد.
فرع آخر
لو كانت الأرض ما يصح فيها قسمة التعديل وقسمة الرد فدعا أحدهما: إلى قسمة التعديل ودعا الآخر إلى قسمة الرد فإن قلنا: يجبر على قسمة التعديل كان القول قول
الجزء: 14 - الصفحة: 41
من دعا إليها, وإن قلنا: لا يجبر لم يترجح قول واحد منهما ووقفت على مراضاتهما بأحدهما.
فرع آخر
قسمة الدار المشتركة تكون على الضروب الأربعة فإذا قسمت على إجبار أو تراض وكان لكل واحد من السهمين طريق منفرد يختص به أمضيت القسمة عليه وإن لم يكن لواحد منهما طريق إلا أن يجد من الملك ما يكون طريقًا لهما وجب أن يخرج من الملك قبل القسمة فيما يكون طريقًا لهما مشتركًا بينهما, ثم يقسم بعده ما عداه.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى إذا تنازع في عرفهم أن يجعل سبعة أذرع وروي أنه قال: إذا تنازعتم في طريق فاجعلوه سبعة أذرع, وهذا يجوز أن يكون محمولًا على عرف المدينة فإن البلاد تختلف طرقها بحسب اختلافها وقد يحتاج إلى الأكثر من هذا ويتحمل أنه قال على معنى الإرفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد وهذا في الطرق العامة, فأما في هذا الاستطراق الخاص بين هذين الشريكين, قال أبو حنيفة: تكون سعت بقدر ما تدخله الحمولة ولا يضيق بها, وعند الشافعي يكون معتبرًا بما تدعو الحاجة إليه في الدخول والخروج وما جرت العادة بحمل مثله إليها ولا يعتبر بسعة الباب لأنهما قد يختلفان في سعة الباب كما اختلفا في سعة الطريق ولأن طريق الباب في العرف أوسع من الباب.
مسألة: "قال وإذا ادعى بعضهم غلطًا كلمة البينة".
صورة المسألة: أن يقسم رجلان أرضًا ثم ادعى أحدهما: غلطًا عليه وإن لم يحصل له كمال حقه فلا يخلو إما أن يكون ذلك قسمة إجبار, أو قسمة مراضاة فإن كانت قسمة إجبار لم تقبل دعواه ويكون القول قول الشريك الذي يدعي أن حقه في يده مع يمينه لأن الظاهر من القسمة الصحة, ولا يحلف القاسم لأنه حاكم, وإن أقام البينة وهي أن يأتي بقاسمين عدلين أنه حيف عليه ونقص من حقه نقضت القسمة, لأن ذلك ليس بأكثر من الحكم ولو قامت البينة أن الحاكم غلط في حكمه نقض كذلك ههنا, وإن كانت قسمة مراضاة فإن كانا اقتسما لأنفسهما من غير قاسم لم تقل دعواه لأنه رضي بأخذ حقه ناقصًا وأقر باستيفاء حقه, وفي الدعوى يكذب نفسه فلا يقبل بخلاف المسألة الأولى لأنه أقر في فعل الغير فيقبل قوله: إني أقررت ورضيت على ظاهر أن الغيب مصيب فبان لي الخطأ.
فإن ادعى في هذه المسألة أن صاحبه يعلم الغلط قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه اليمين أنه لا يعلم, وقال أيضًا: لو ادعى من حيث المشاهدة أن فيه غلطًا وأني
الجزء: 14 - الصفحة: 42
غلطت في الحساب واتفقا أنه لم يكن هناك ولا سبب يوجب الآخر أكثر من النصف وكان بينهما من قبل نصفين ودلت المشاهدة على أن هذا يوجب أن لا ترد دعواه؛ إذ لا يؤاخذ كذبه المشاهدة فيستوي حكم الفصلين أن عليه البينة وعلى صاحبه اليمين, وإن كانا نصبًا قاسمًا ففيه قولان: أحدهما: يعتبر التراضي فيها في الابتداء فقط والثاني يعتبر التراضي في الابتداء وبعد خروج القرعة وهما مبينان على أنهما لو حكما رجلًا فحكم بينهما هل يعتبر رضاهما بعد الحكم؟ قولان؛ والمنصوص الظاهر أنه يعتبر التراضي بعد القرعة, فإن قلنا: يفتقر التراضي في الابتداء أو بعد خروج القرعة لم تقبل الدعوى لأنه رضي بعد تعيين الحق بأخذه ناقصًا, وإن قلنا يفتقر إلى التراضي في الابتداء فقط فهي بمنزلة قسمة الإجبار.
فرع
قال الشافعي رضي الله عنه: وإذا اختلفا في الحد الذي ينتهي نصيب كل واحد منهما فقال أحدهما: تنتهي حصتك إلى هذا الموضع, وقال الآخر: تنتهي إلى موضع بعده فإنهما يتحالفان, فإذا تحالفا انفسخت القسمة, وإن قال أحدهما لصاحبه: حدي ينتهي إلى الموضع الفلاني وأنت غصبتنيه وأضفته إلى حصتك فالقول قول الذي في يده لأنه اعترف له باليد وادعى الغضب.
مسألة: قال: "وإذا استحق بعض المقسوم أو لحق الميت دين فبيع بعضها انتقض القسم".
صورة المسألة: أن يقسم الشريكان الأرض ثم استحق بعض نصيب أحدهما فلا يخلو إما أن يستحق شيء بعينه, أو مشاعًا, فإن استحق قطعة من نصيب أحدهما بعينه بطلت القسمة وردت على ملكهم وميز ملكهم, والذي استحق يكون من جميع الأرض.
والثاني: يكون بين الشريكين ويكون قد بقي لمن استحق بعض نصيبه حقًا في الأرض التي حصلت بالشركة فصارت الإشاعة كما كانت فبطلت القسمة اللهم إلا أن يستحق قطعة أرض بعينها مثل ما استحق من نصيب الآخر قطعة بعينها فبقي مع كل واحد منهما مثل ما بقى مع الآخر فتكون القسمة بحالها.
وإن استحق بعض الأرض مشاعًا فالقسمة قد بطلت في العدد المستحق, وهل تبطل في الباقي؟ اختلف أصحابنا فيه فقال ابن أبي هريرة: هذا مبني على القولين في تفريق الصفقة, فإن قلنا: لا تفرق بطلت القسمة في الكل, وإن قلنا: تفرق لم تبطل في الباقي, وقال أبو إسحاق تبطل قولًا واحدًا في الكل لأن القصد من القسمة تمييز الحقوق وهنا قد عادت الإشاعة في نصيبهما لأن المستحق صار شريكًا لكل واحد منهما فبطلت القسمة ويفارق البيع لأنه لما جاز عقد البيع في الابتداء بالتراضي جاز
الجزء: 14 - الصفحة: 43
استدامته بعد ذلك بالتراضي وهذه الطريقة أصح, وهكذا لو بان أنه كان أوصى بعين من الأعيان واحتمله الثلث فأدخلت في القسمة لأنه كالمستحق.
وأما إذا ظهر دين على الميت بعد قسمة الورثة التركة قبل للورثة: إن شئتم قضيتم الديون من مالكم فتبقى القسمة بينكم, وإن شئتم بعتم من التركة بمقدار الدين, فإن اختاروا بيع التركة نظر ف'ن استغرق جميع التركة انتقضت القسمة بالبيع، وإن استغرق بيع بمقداره وتبطل القسمة ويقسم بين الورثة والمشتري على قدر حقوقهم, ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على أن الوارث إذا بع التركة تعلق بها دين يستغرقها هل يصح البيع؟ فيه وجهان: وقيل قولان, فإذا قلنا: البيع صحيح فالقسمة أيضًا صحيحة, وإذا قلنا: لا يصح البيع فإن قلنا القسمة إفراز حق يصح, وإن قلنا إنها بيع لا يصح فإن قلنا: يصح فإنما يصح بشرط أن يقضي الورثة الدين, فإن لم يقضوا انتقضت القسمة وبيعت الأرض في الدين, وإن كان أوصى بشيء غير معين مثل ألف درهم ونحو ذلك فهو كما لو ظهر دين على ما ذكرنا.
فرع
لو مات رجل ولا دين عليه فلحقه دين حادث بسبب بئر حفرها فتردى فيها حيوان وغير ذلك من الأسباب, فالدين الحادث بعد القسمة كالدين القديم الظاهر بعد القسمة, فإن أدوه استقرت القسمة, وإن أبوا أنقضنا القسمة.
فإن قال قائل: قضاء الدين واجب من المال الذي خلفه كذلك الوصية فما معنى قول الشافعي رضي الله عنه: ويقال لهم في الدين بالوصية إن تطوعتم أن تعطوا أهل الدين والوصية أنقذنا القسمة, قلنا: قضاؤهما واجبان لكن من غير التركة لا من مال الورثة, فإن طابت أنفسهم بقضائها من مالهم جاز أن يسمى مثل هذا تطوعًا وإن العوض يصل إليهم من الميراث.
مسألة: قال: ولا يقسم صنف من المال مع غيره.
فصل
صورة المسألة: أن يكون بين رجلين أرض مختلفة بعضها فيه نخل وبعضها فيه بئر نصفها يشرب بالنضح ونصفها بالسيح وبعضها بالبعل فطلب منه أن يقسم أعيانًا وجعل لكل واحد منهما جنسًا منفردًا فلا يجبر على هذه القسمة بل يقسم كل جنس منفردًا كما قلنا في الدور المفترقة لا تقسم أعيانًا, ولكن تقسم كل واحدة على الانفراد, وقد ذكرنا الخلاف عن مالك وأبي يوسف ومحمد, وحكي عن مالك أنه قال: إذا اتصلت جمعت في قسمة الإجبار مع اختلافها, وإن افترقت لا تجمع, لأنها إذا اتصلت معًا وبها منفعتها ولا يعتبر المحال والمحلة, وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قولنا إلا أنه
الجزء: 14 - الصفحة: 44
قال: إذا كانت إحداهما حجرة الأخرى يجوز أن يجعل إحداهما في أحد النصيبين لأنهما يجريان مجرى الدار الواحدة, ودليلنا أن أثمانها متباينة ومنافعها مختلفة فلا يجوز أن يجمع في حق واحد, وأما تقارب المنفعة فلا معنى له كما لو كانتا متفرقتين وربما تتقارب منفعتها أيضًا, وأما ما ذكر أبو حنيفة لا يصح لأن الحجرة مسكن منفرد عن الدار فأشبه الدار المجاورة فإن تراضيا على ذلك جاز ويكون ذلك بمنزلة التتابع, ومراد الشافعي لا تقسم جبرًا, قال أبو إسحاق: أراد الشافعي بهذا إذا كانت في مواضع متفرقة كل نوع منه يقسم بانفراده, فإن كانت في موضع واحد يتصل بعضها ببعض يجوز أن يقسم الجميع قسمة واحدة ويجبر الممتنع عليها إذا لم يكن فيها كما لو كان قراح أحد طرفيه أكثر قيمة من الطرف الآخر بعماوة فيه يقسم الجميع قسمة واحدة ويجبر الممتنع عليها إذا لم يكن فيها رد, وكما لو كانت في الدار رواق وخزائن وصفة فإنها تقسم, وإن كان بعض أجزائها أرفع من بعض ذكره القاضي الطبري وقال ابن القاص وقد قيل: لا يجبر لأن قيمتها متقاربة وهذا أشبه بقول الشافعي رضي الله عنه.
فرع
لو كان بينهما دكاكين فالحكم على ما ذكرنا في الدور, ولو كانت بينهما عضائد صغار وهي الدكاكين الصغار التي لا يمكن قسمة كل واحد منها فطلب أحد الشريكين قسمة بعضها في بعض فيه وجهان:
أحدهما: يجبر عليه لأنها تجري مجرى البيوت في الخان الواحد يقسم ويجمع حق كل واحد منهما في بيت منفرد.
والثاني: لا يجبر عليه بل يقسم كل واحد منها لانفراد كل واحد منهما بطريقة وسكناه كالدكاكين المتفرقة, وقد ذكرنا أن البعل النخل إذا أرسخ عروقها في الماء والطري ما سقي العواثير من ماء السبيل والنضح ماء البئر الذي يستقي السوابي وقوله: والأعين: يريد ما يشرب مما ينبع من الماء, والأرض بدون الانقطاع يريد به ما يشرب من النهر الكبير مثل دجلة والفرات واعتبر باختلاف الشروب عن تفرق مواضعها.
مسألة: قال: وتقسم الأرضون والثياب والطعام.
الفصل
أما الأرضون قد ذكرناها وجملة المذهب فيها أن كل أرض تساوت أجزاؤها في القيمة, أو اختلفت أجزاؤها في القيمة إلا أنه يمكن تعديلها وقيل: الضياع المزرعة والمغروسة تقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتصل بعضها ببعض ويتماثل في المنفعة
الجزء: 14 - الصفحة: 45
والثمر والمؤنة فيضم بعضها إلى بعض ويقسم جبرًا كالصفة الواحدة, والثاني: أن يفترق ولا يضم بعضها إلى بعض بل يجبر على قسمة كل ضيعة منها, والثالث: أن يتصل ويختلف إما في منفعة بأن يكون في بعضها شجر وبعضها مزروعًا وبعضها كرمًا أو نخلًا, أو يختلف في مؤنة بعضها بشرب من نهر وبعضها بنضح, أو يختلف في نفاسة بعضها فقد ذكرنا أن الشافعي رضي الله عنه قال: لا يضم بعضها إلى بعض بل يجبر على قسمة كل صنف.
وأما العقار المسكون ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: لا يدخله قسمة الإجبار مع تمييزه وهي أن يكون بين الشريكين دارًا فيدعو أحدهما: إلى أن يجعل كل دار لأحدهما: فلا يجبره.
والثاني: ما تدخله قسمة الإجبار مع تمييزه وهي أن تكون قرية ذات مسكن بين شريكين فدعا أحدهما: إلى أن يقسم جميع القرية, ودعا الآخر إلى أن يقسم كل مسكن منها فقسمة الإجبار واقعة على جميع القرية فتنقسم نصفين بما اشتمل عليه من مساكنه لأن القرية حاوية لمساكنها كالدار الجامعة للبيوت, وفي الدار لا يقسم كل بيت كذلك هنا.
والثالث: ما اختلف فيه هو أن يكون بينهما عضائد متصلة وقد ذكرنا حكمها, وأما الثياب قال أبو إسحاق: إن كانت من جنس واحد يجبر على قسمتها, وإن كانت من أجناس فطلب القسم على أن يقع نصيب كل واحد منهما أحد الثوبين لم يجبر الممتنع, وإن طلب قسمة كل جنس بينهم أجبر الممتنع, قال: وكذلك لو كان بينهما ثوبان من جنس وصفة واحدة فطلب أحدهما: القسمة على أن يقع في نصيب كل واحد منهما أحد الثوبين أجبر الآخر عليه فإن قيل: فقد منعت ذلك في الدارين والأرضين المتفرقتين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن قسمة الثوب الواحد وقطعه يؤدي إلى إذهاب منفعته وإتلاف ثمنه وليس كذلك قسمة الدار الواحدة والأرض الواحدة فإنه لا ضرر فيها فافترقا, قال أبو إسحاق: فإن كان ثوبًا واحدًا لا تنقص قيمته بالقطع [12/ 42 ب] فإنه يقسم بينهما نصفين جبرًا وإن كان ينقص لا يجبر هذا ظاهر قول الشافعي رضي الله عنه, واختاره ابن سريج والاصطخري وجماعة وقال أبو سلمة: من أصحابنا يجبر بكل حال لأن الثياب لا تنقسم نصفين بخلاف الدور, وقال ابن خيران وابن أبي هريرة: لا يجبر على قسمة الأثواب أصلًا لأنها بمنزلة الدور والأرضين المتفرقة فلا تقسم أعيانًا ولأن في قسمة الثوب الواحد ضررًا وقسمة الثياب على أن يكون لكل واحد ثوب ينفرد به مبادلة, ولا يجبر على واحد منهما.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان لا تنقص قيمته بالقطع فيه وجهان: وظاهر المذهب أنه يجبر, وهذان الوجهان مبنيان على ما لو باع ذراعًا من كرباس وعينه جانب منه على أن يقطعه من ذلك الموضع هل يجوز؟ فيه وجهان وإن كان ينقص لم يجبر بحال.
الجزء: 14 - الصفحة: 46
والثوب الواحد إذا اختلف فيه لاختلاف نقوشه وألوانه لا يجبر على قسمته بلا خلاف.
وأما الطعام فعلى ضربين: مائع وجامد, فالجامد مثل الحنطة والعدس والحمص وغير ذلك يجبر على قسمتها لأن أجزائها متعادلة, وإذا قسم كيلًا كما يباع كيلًا ولا يضم نوع منها إلى نوع قولًا واحدًا.
وأما المائع فإن لم يكن دخله ماء ولا نار قسم جبرًا كخل الخمر والأدهان لتساوي أجزائها, وإن دخلته النار نظر, فإن دخلته للتصفية لا لعقد الإجزاء مثل العسل والسمن ونحو ذلك جازت قسمته, وإن دخلته النار لعقد الإجزاء كالدبس ونحوه فإن قلنا: القسمة بيع لم يجز كما لا يجوز بيع بعضه ببعض, وإن قلنا: إفراز حق يجوز.
وأما قسمة الحيوان والعبيد وغيرها فالخلاف فيها كالخلاف في الثياب, ونص الشافعي على جواز قسمة الرقيق في كتاب العتق فيقول: إن تفاضلوا لا يجبر, وإن تماثلوا ففيه وجهان: ظاهر المذهب أنه يجبر وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق, وقال ابن أبي هريرة وابن خيران: لا يجبر وأصل هذا حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه في إعتاق المماليك في مرضه فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فجعله ابن سريج دليلًا على قسمة الإجبار, وحمله ابن خيران على جوازه في العتق لاختصاصه بالجبرية فلا يجوز في غيرها, قال ابن خيران: وإن قال قائل: أليس تجب شاة في أربعين شاة فيؤخذ منها وذلك قسمة قلنا: ذاك ليس بقسمة, ولذلك يجوز أن يؤخذ من غيرها ويجب في الكبار جذعة من الضأن أو ثنية من المعز فدل أنه ليس بشركة ولا أخذها بقسمة, وبقولنا قال أبو يوسف ومحمد: إن الحيوان كلها تقسم, وقال أبو حنيفة: الرقيق لا يقسم لأنه تختلف منافعه ويقصد منها العقل والدين والفطنة ولا يقع التعديل بخلاف الشاة والبقر وهذا لا يصح لأن القيمة تجمع ذلك ويحصل التعديل, ولو اختلفت منافعها باختلاف أنواعها كالضأن والمعز يقسم كل نوع على الانفراد بلا تعيين وكذلك إذا كان بعض المعز تركيًا وبعضها هنديًا لا يقسم جبرًا, واعلم أن الشافعي رضي الله عنه أجاز قسمة الكلاب كما أجاز الوصية بها فمن أصحابنا من أجاز قسمتها إجبارًا وجهًا واحدًا للنص عليه وأنها بخروجها عن القيمة تجري مجرى ذوات الأمثال وقيل: فيه وجهان أيضًا وجعل هذا النص دليلًا على أنه أصحها, وأما الآلات من الخشب كالأبواب والأواني فكالحيوان إن اختلفت لا يجبر, وإن تماثلت فيه وجهان.
وأما قسمة الحمامات والأرجاء ليأخذ كل واحد منهما واحدًا, قال ابن القاص: من أصحابنا من قال: لا يجوز لأن قسمة كل واحد منها في نصيبه لا يصح فجازت قسمة حملتها كالحيوان, ثم ذكر عن ابن سريج أنه كان يفرق بينهما ويقول: الأصل البقاع والرحى والحمام بقعة وإنما لا يتهيأ قسمتها للجارة ونحو ذلك, فإذا كان كذلك كان
الجزء: 14 - الصفحة: 47
معنى القسمة التي فيها الرد فلم تجز إلا بالتراضي, وليس كذلك الحيوان لأن كل واحد منهما لا ينقسم وبنا ضرورة إلى إفراز حقوقهم فجاز إذا كثروا أن يقتسموا إجبارًا وهو كالوجهين في الدكاكين الضيقة.
وأما الدراهم والدنانير [12/ 44 أ] وسائر الموزونات التي لها مثل يجوز قسمتها جبرًا ولا يجوز قسمة الجواهر لتفاوتها وتباين قيمتها, وهل يعتبر التقابض قبل التفرق في قسمة الدراهم؟ قولان بناء على أنها بيع أو إفراز حق.
ولو كانت حنطة بعضها عراقية, وبعضها شامية, فإن اختلفت فيه أنواعه يصير إلى كل نوع كالجنس يقسم على انفراد, وإنما تماثل قيمة أنواعه فيه وجهان: أحدهما: يغلب حكم الجنس لتماثله فيجوز أن يقع الإجبار في إفراد كل واحد نوع, والثاني يغلب حكم النوع لامتيازه فيقسم كل نوع على انفراده وهذا أشبه, وأما الحديد يقسم جبرًا إن لم يكن مصنوعًا, فإن كان مصنوعًا أو أواني فإن اختلفت لا يجبر, وإن تماثلت فوجهان كما ذكرنا في الحيوان.
أما قسمة الدين, فإن كان على غريم واحد فقسمته فسخ الشركة, فإذا فسخت انقسم الدين في ذمة الغريم ويجوز أن ينفرد باقتضائه, ولو كانت الشركة على حالها لم يجز لأحدهما: أن ينفرد بقبض حقه منه وكان ما قبضه مشتركًا إن يقبضه عن غير إذنهم, وإن أذنوا في قبض حقه كان إذنهم له في قبض حقه فسخًا لشركته ولا وجه لمن خرجه على القولين في المكاتب إذا أدى إلى أحد الشريكين بإذن شريكه هل نختص فيه قولان لأن الفرق ظاهر وهو ثبوت الحجر على المكاتب وعدمه في حق الغريم [12/ 44 ب].
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وليس بشيء على ما ذكرنا, وإن كان الدين على غرماء يختص كل واحد بما على واحد لم يجز جبرًا لأن الغرماء يتفاضلون في الذمم واليسار وهل يجوز اختيارًا؟ فيه قولان بناء على أنها إفراز حق أو بيع فإذا قلنا: لا يجوز فيه فوجه الصحة أن يحيل كل واحد لأصحابه بحق على الغريم الذي لم يختره ويحيلوه بحقوقهم على الغريم الذي اختاره فيتعين الحق بالحوالة دون القسمة, وأما قسمة الرطب والعنب قد ذكرنا فيما قبل إنها إن قلنا: إن قسمة إفراز حق يجوز إجبارًا واختيارًا بكيل أو وزن وهل يجوز بالخرص قسمة الإجبار لأن المقصود بها التحقيق المعدوم في الخرص في قسمة الاختبار لأنها محمولة على التراضي, وإن قلنا: بيع لا يجوز أصلًا وأما قسمة الوقف فقد ذكرنا أنه إن اختلط بملك لا يجوز لأن حقوق أهله مقصودة على منافعه, بيع ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز جبرًا ولا اختيار تغليبًا للوقف, والثاني يجوز جبرًا واختيارًا تغليبًا للملك.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت دارًا مشتركة وفي أحد نصفين الدار بيت مزوق هل يجبر على القسمة من غير رد قسمة ولا هدم شيء قولان:
الجزء: 14 - الصفحة: 48
وأصلهما ما قال الشافعي: لو كانت التركة عبدين أحدهما: قيمته مائة وقيمة الآخر مائتين ففيه قولان: أحدهما: لا ينقسم إلا أن يتراضيا على الرد, والثاني يقسم فمن صار له القليل القيمة فهو له وربع الآخر مشاعًا فيقسم ما يحمل القسمة ويشاع ما لا يحتمل القسمة فإذا قلنا بالقول الثاني, فهناك تقسم جميع الدار سوى هذا البيت المزوق ويترك ذلك البيت المزوق على الإشاعة.
فرع آخر
لو تنازع الشريكان بعد القسمة في بيت دار قسماها فادعى كل واحد منهما في سهمه ولا بينة يتحالفان, ونقضت القسمة بعد إيمانهما, وقال مالك: القول قول صاحب اليد فيه مع يمينه, ولو وجد أحدهما: بعد القسمة عيبًا في سهمه فله الخيار في فسخ القسمة.
فرع آخر
لو كان بينهما جريب بر يجبر على القسمة, فإن دفع أحدهما: منه ابتداء خمسة أقفزة هل يجوز أن ينفرد بها وتكون قسمة أم لا فيه وجهان.
مسألة: قال: وإذا طلبوا أن يقسموا دارًا في أيديهم قلت: ثبتوا على أصول حقوقكم.
الفصل
صورة المسألة: أن تكون دار بين اثنين فترافعا إلى الحاكم وطلبا أن يقسمها بينهما, فإن أقاما البينة بالملك قسم لأنه قد ثبت أنه ملك لهما, وإن لم يقيما البينة ولكنهما تعادا بالملك اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: نص الشافعي رضي الله عنه لا يقسم لجواز أن تكون الدار لغيرهما وفي يدهما بعارية أو إجارة ونحو ذلك فإذا قسم الحاكم بينهما ادعيا ملكها, وإن الحاكم حكم لهما بذلك فتقع الشبهة بقسمة الحاكم بينهما ذلك لحاكم آخر وكان الاختيار أن لا يقسمها بينهما بنفسه, وأما قول الشافعي: وقد قيل تقسم ويشهد حكاية لمذهب أبي حنيفة حيث قال: إن كانا ورثاها قسمها بينهما من غير بينة الملك, وإن كانا اشتراها فله أن لا يقسم وبه قال أبو يوسف ومحمد: والدليل على أن هذا ليس بقول الشافعي أنه قال: ولا يعجبني ذلك ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا, والثاني يقسمها بينهما لأن اليد تدل على الملك كالبينة والطريقة الأولى أصح, فإذا قلنا: يقسم استظهر بأمرين أحدهما: أن ينادي هل من منازع له؟ والثاني أن يحلفهما أنه لا حق فيها لغيرهما وفي هذه اليمين وجهان أحدهما: استظهارًا ويجوز تركه, والثاني واجبة لا يجوز القسمة بدونها, ثم إذا فرغ من القسمة يشهد الشهود أنه قسمها على إقرارهما من غير بينة على ملكهما ولكن
الجزء: 14 - الصفحة: 49
بحكم أن الدار في أيديهما من غير منازع ولا خلاف أنه لا يجب على القاضي أن يقسم بينهما, وإنما لو تقاسما لا يمنع وفائدة قسمة القاضي بينهما ذلك أنه يقرع ويقسم فلا يكون لهما الامتناع إذا كان مما تجري فيه القسمة جبرًا, وإذا اقتسموا بأنفسهم لا يجبر ولمن شاء منهم مثل خروج القرعة وبعده أن يقول: لا أرضى وحكي عن أبي يوسف ومحمد وأحمد أنهم قالوا: تقسم بأقدارهم كل شيء وعن أبي حنيفة: إن كان منقولًا يقسم, وإن كان عقارًا فادعياه ميراثًا لا يقسم إلا ببيته تشهد على الميراث, وإن ادعياه بابتياع أو غيره قسم من غير بينة تشهد بالابتياع, واحتج بأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه إلا بالاحتياط للميت, فإذا لم يثبت عنده الموت والإرث فلا احتياط فيه ويخالف العقار المنقول ويتحفظ بالقسمة بخلاف العقار وهذا أصح من مذهب أبي حنيفة مما ذكرنا ولأن ما ذكره أبو حنيفة لا يصح لأنه لا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين والأصل عدمه وعندنا إذا أقاما البينة بالابتناء لم تكن بينة بالملك لأن يد الأب فيها كأيديهما, ولو كان تنازعهما غيرهما في تلك الحال ولا خلاف أنه لا يجوز للحاكم أن يقسم بينهما لأن قسمته إثبات ملكهما, ول تنازعا ويدعي كل واحد منهما أنها له لملكًا فجعلها أحكام بينهما بأيديهما وإيمانها لا يجوز أن يقسمها بينهما إن سألاه لأن في تنازعهما إقرار بسقوط القسمة.
فرع
الحاكم إذا أقر بالحكم قبل عزله والحاكم إذا أقر بالقسمة حال ولايته قبل لأنهما يملكان الحكم والقسمة وكل من ملك شيئًا ملك الإقرار به, وإن أقر بعد العزل فالمذهب أنه لا يقبل ويكون شاهدًا به نص عليه في "الأم" وقال الاصطخري: يكون شاهدًا به كالمرضعة تشهد على الإرضاع تقبل شهادته سواء كان بأجرة أو بغير أجرة وهذا لا يصح, والفرق أن الحكم هناك يتعلق بوصول اللبن إلى الجوف ولهذا لو أرضع وهي نائمة لم تثبت الحرمة, وليس ذلك من فعلها والقسمة فعله والحكم يتعلق به فلم تقبل شهادته على فعله وأيضًا فالرضاع لا يتضمن تعديل المرأة المرضعة والقسمة الصحيحة تتضمن تعديل القاسم فلم تقبل شهادته فيما تجر به إلى نفسه منفعة.
فرع آخر
لو كان بينهما منافع فأراد قسمتها مهاياة وهي أن تكون العين في يد أحدهما: مرة ثم في يد الآخر مرة مثلها جاز لأن المنافع كالأعيان فجاز قسمتها, وإن طلب أحدهما: وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع قيل: فيه وجه أنه يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان, والصحيح المنصوص الأول لأن حق كل واحد منهما معجل فلا يجبر على تأخيره بالمهاياة ويخالف قسمة الأعيان لأنه لا يتأخر بالقسمة حق واحد منهما, وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك: يجبر الممتنع على المهاياة [12/ 47 أ] وعند أبي حنيفة [أنه]
الجزء: 14 - الصفحة: 50
لا يجبر في العبيد على المهايا ويحبر في الدار.
ولو طلب أحدهما: القسمة بعد المهايا كانت له وأسقطت المهايا في قول أبي حنيفة وعند مالك.
لا تنتفي وتلزم المهايا.
باب على القاضي في الخصوم والشهود
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: وينبغي للقاضي أن ينصف الخصمين في المدخل عليه.
الفصل
جملة هذا أن الحاكم يحتاج أن يسوي بين الخصوم في خمسة أشياء في المدخل عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم عليهما والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾.
قال أبو عبيد: في أدب القضاء وهو الرجلان عند القاضي فيكون إل ى القاضي وإعراضه لأحد الرجلين عن الآخر.
وروى عطاء عن أم سلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة رضي الله عنه: أن البني صلى الله عليه وسلم قال: إني لأحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة, وأيضا خبر عمر وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وقد ذكرناه, وروي أن عمر وأبي بن كعب تقاضيا إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم في محاكمة بينهما [12/ 47 ب] فقصداه في داره فقال زيد بن ثابت لعمر بن الخطاب: لو أرسلت إلى لجئتك فقال عمر: في بيته الحاكم فأخذ زيد وسادته ليجلس عليها عمر فقال عمر: هذا أول جورك سو بيننا في المجلس فجلسا بين يديه ونظر بينهما فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد بن ثابت لأبي بن كعب: لو عفوت لأمير المؤمنين عن اليمين فقال عمر:" ما يدري زيد ما القضاء وما على عمر أن يحلف إن هذه أرض وهذه سماء" وروي أن أبي كعب ادعي نخلاً في يد عمر فقال: هي لي, وقال عمر هي لي وفي يدي, فاختصما إلى زيد فلما انتهيا إلى الباب قال عمر: السلام عليكم فقال زيد: ووعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله فقال عمر: قد بدأت بجور قبل أن أدخل الباب فلما دخل قال: هنا يا أمير المؤمنين فقال عمر: وهذه مع هذه ولكنى مع خصمي فقال أبي: نخلي غلبني عليه عمر فقال عمر: هي نخلي وفي يدي فقال زيد لأبي: هل لك من بينة؟ فقال: لا, فقال لأبي: فعف أمير المؤمنين من اليمين, فقال
الجزء: 14 - الصفحة: 51
عمر: مازلت جائزاً مذ دخلنا عليم وعليك يا أمير المؤمنين وهنا يا أمير المؤمنين فاعف أمير المؤمنين ولم يعفيني منها إن عرفت شيئاً أخذته بيميني ثم حلف عمر أن النخل كلها لي وما لأبي بن كعب فيها حق فقال: والله إنك لصادق وما كنت تحلف إلا على حق ثم قال عمر لأبي: هي لك بعدما حلفت عليه, وروي أنه قال له بعدما حلفت [12/ 48 أ] لا يرى زيد بن ثابت القضاء بعد هذا اليوم.
. . . . وروي أن عليا رضيا الله عنه نازع يهودياً في درع, فتخاصما إلى شريح القاضي فصدره شريح فقال علي رضي الله عنه: لو كان خصمي مسلماً ما ارتفعت عليه ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تسووا بينهم في مجالسهم ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم" قال صاحب " التقريب": إن صح الحديث وإلا سوى بينهم, واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه وجهان: أحدهما: يسوى بينهما كما في الدخول والكلام والثاني يقدم المسلم لخبر علي رضي الله عنه, ومن أصحابنا من قال: صح الخبر ولا يسوى بينهما وجهاً واحداً ورواه إبراهيم التميمي مشروحاً أن عليا رضي الله عنه عرف درعاً له مع يهودي فقال: يا يهودي درعي سقطت مني يوم الجمل فقال اليهودي: ما أدري ما تقول بيني وبينك قاضي المسلمين هذه درعي وفي يدي فانطلقا إلى شريح فلما رآه شريح قام عن مجلسه فأجلسه موضعه فجلس علي وأجلس اليهودي بين يديه فقال علي: لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الخير أورده ابن أبي أحمد وقال: بهذا أقول وروى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن الخصمين يقعدان [12/ 48 ب] بين يدي الحاكم", وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال:" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي" واعلم أن المأخوذ عليه أن يسوي بينهما في الأفعال دون القلب فإن كان محبب إلى أحدهما: قلبه ويحب أن يفلح بحجته على الآخر فلا شيء عليه في ذلك لأنه لا يمكنه التسوية بينهما في القلب والقلوب بيد الله تعالى لا يستطاع التحرز من مثلها ومحبتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: في القسم بين النساء هذا قسمي فيما أملم وأنت اعلم فيما لا أملك يعني قلبه وحبه لعائشة رضي الله عنها.
ويستحب أن يجلس الخصمان بين يديه لما ذكرنا أن عبد الله بن الزبير خاصم عمرو بن الزبير فدخل عبد الله على سعيد بن العاص وعمر بن الزبير معه على السرير فقال سعيد لعبد الله: هنا فقال: لا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم قال ابن العاص: فإذا جلس الخصمان بين يديه أقبل عليهما بمجامع قلبه وفهمه وعليه السكينة والوقار ولا يمازح الخصم ولا يضاحكه ولا يشير إليه ولا يساره دون صاحبه.
الجزء: 14 - الصفحة: 52
مسألة: قال: ولا ينهرهما ولا يتعنت الشاهد.
اعلم أنه لا يجوز للقاضي أن يزجر الخصوم ويصيح عليهم إلا أن يفعلوا ما استحقوا ذلك [12/ 49 أ] وهذا لأنه إذا فعل خلط عقولهم ولا يتمكنون من إيراد الحجة, ولا يجوز له أن يتعنت الشهود إن كان لهم عقول وافرة وحسن سمت في الظاهر لا يفرقهم ولا يسألهم عن الشهادة متفرقين لأنه يكون تعنتاً وإنما يفعل ذلك إذا استراب بهم على ما ذكرنا أولاً, ولا يقول للشهود: لم تشهدون, وكيف تشهدون ونحو ذلك لأنه تعنت وتشوش للأمر عليهم فلا يتمكنون من إقامة الشهادة ويكون ذلك ميل إلى المشهود له.
وقال في " الحاوي:": اعلم أن القضاة زعماء العدل والإنصاف فدنوا ليناصف بينهم الناس فكان أولى أن يكونوا أنصف الناس, قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾.
واعلم أن للقضاة آداباً تزيد بها هيبتهم وتقوى بها رهبتهم والهيبة والرهبة في القضاة من القواعد نظرهم ليقود الخصم إلى التناصف ويكفهم عن التجاحد.
ثم آدابهم تشتمل على ثلاثة أقسام: أحدهما: في أنفسهم وهو يعتبر بحال القاضي فإن كان مرموقاً بالزهد فالتواضع والخشوع أبلغ في هيبته وأيد في رهبته, وإن كان ممازحاً لأبناء الدنيا تميز عنهم بما يزيد في هيبته من لباس لا يشاركهم فيه ومجلس لا يساويه فيه غيره وسمت يزيد فيه على غيره [12/ 49 ب] فأما اللباس فينبغي أن يختص بألطفها ملبساً ويخص يوم نظره بأفخر لباسه جنساً يستكمل ما جرت به العادة بلبسه من العمامة والطيلسان ويتميز بما جرت عادة القضاة من القلانس والعمائم السود والطيالسة السود, فقد اعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخول مكة عام الفتح بعمامة سوداء تميز بها من غيره ويكون نظيف الجسد بأخذ شعره وتقليم ظفره, وإزالة الرائحة المكروهة ويستعمل من الطيب ما يخفي لونه وتظهر رائحته إلا أن يكون في يوم ينظر فيه بين النساء فلا يستعمل الطيب.
وأما مجلسه في الحكم فينبغي أن يكون فسيحاً لا يضيق بالخصوم ولا يسرع فيه الملل ويفترش بساطاً لا يزري ولا يطغى ويختص فيه بمقعد ووسادة ولا يشاركه غيره فيها وليكن مجلسه في صدر مجلسه ليعرفه الداخل عليه ببديهة النظر, ولو كان فيه مستقبلاً للقبلة كان أفضل ويفتح مجلسه بركعتين يدعو بينهما بالتوفيق والتسديد على ما ذكرنا ثم يطمئن في جلوسه متربعاً مستنداً وغير مستند.
وأما سمته فينبغي أن يكون في مجلس الحكم غاض الطرف كثير الصمت قليل الكلام يقتصر في كلامه على سؤال وجواب, ولا يرفع بكلامه صوتاً إلا لزجر وتأديب وليقلل الحركة والإشارة وليقف من أعوانه بين يديه من يستدعي الخصوم إليه ويرتب مقاعد الناس في مجلسه ويكون مهيباً [12/ 50 أ] مأموناً ليصان به مجلسه وتكمل به هيبته.
ويجعل يوما جلوسه للحكم العام
الجزء: 14 - الصفحة: 53
معروف الزمان والمكان, ويجعل يوم جلوسه أول الزمان فإنه أولى من آخره والاعتدال أن يكون له في كل أسبوع يومان إن اتبعا ولا يحل بيوم في كل أسبوع فإن وردت فيما عداه أحكام خاصة لم يؤخرها إن ضرت, ويتخير بين أن يستحلف أو يتولى بنفسه بعد أن يستكمل الراحة والدعة لئلا يسرع إليه ملل ولا ضجر.
والثاني آداب القضاة مع الشهود فمن آدابهم معهم إذا تميزوا وارتسموا بالشهادة أن يكون مقعدهم في مجلسه متميزاً عن غيرهم بالصيانة ولا يساويه واحد منهم في مقعده ولا فيما يخصص به من سواده قلنسوته ليتميز للخصوم القاضي عن شهوده.
وينبغي أن يخص الشهود في ملابسهم بما يتميزون به عن غيرهم ليتميزوا عن من يشهدهم كما تميز القاضي منهم.
ويسلموا على القاضي بلفظ الرئاسة عليهم ورد القاضي عليهم مجيباً أو مبتدئاً على تماثل وتفاضل ويقدم بعضهم على بعض في المجلس والخطاب بحسب ما يتميزون فيه من فضل وعلم بخلاف الخصوم الذين يلزمه التسوية بينهم, وإن تفاضلوا فإن حضروه في غير مجلس الحكم جلسوا في مقاعدهم المعروفة في مجليه ورتبهم فيه على اختياره وقطع تنافسهم فيه فإن التنافس يوهن العدالة, فإن تنافسوا في التقدم في أداء الشهادة [12/ 50 ب] كان قدحا في عدالتهم بالتمنع في أدائها وإن تنافسوا في الجلوس لم يقدح في العدالة ما لم يتنابذوا ويجو في غير مجلس الحكم أن يحادثهم القاضي ويحادثونه ويؤانسونه بما لا نتخرق به الحشمة ولا تزول معه الصيانة.
فأما حضورهم في مجلس الحكم فعليه وعليهم من التحفظ والانقباض فيه أكثر مما عليهم في غيره, فإن أحب القاضي أن يفردهم عن مجلسه في موضع معتزل ليستدعوا منه إقامة الشهادة كان أولى وكانوا بمنظر ومسمع وخص منهم شاهدين لمجلسه ليشهدوا بما يجري من الدعاوي والأحكام, وإن أحضرهم جميعاً في مجلسه جاز كانت ميمنة مجلسه أولى بهم من ميسرته, فإن افترقوا في الميمنة والميسرة جاز, وإن كان اجتماعهم أولى.
ويكون جلوس الكاتب في مجلسه بحيث يواجه القاضي ويشاهد الخصوم ويجمع بين سماع كلامه وكلامهم وجلوسه في الميسرة أولى به من الميمنة لأن حاجة القاضي في الإقبال عليهم أكثر منها على الشهود, وإقباله على ميسرته أسهل عليه من إقباله على ميمنة , وينبغي للقاضي أن يكف عن محادثة الشهود ويكفوا عن محادثته ويكون القاضي لهم مقصورا على الأدب في الشهادة وكلامهم له مقصوراً على أداء الشهادة ويغضوا عنه أبصارهم ولا يلقنهم شهادة ولا بتعنتهم فيها [12/ 51 أ] ولا يسألهم عن سبب تحملها, فإن أخبروه بسبب التحمل كان أولى إن تعلق به فضل بيان وزيادة استظهار أو كان تركه أولى إن لم يفد, ولا ينبغي للقاضي أن يستدعيهم للشهادة ولا ينبغي لهم أن يبدؤوا بها إلا بعد استدعائهم.
والذي يجب فيه أن يستأذن المشهود له القاضي في إحضار شهوده, فإن أذن له أحضرهم وقال لهم القاضي: بم تشهدون؟ على وجه الاستفهام
الجزء: 14 - الصفحة: 54
ولم يقل: اشهدوا فيكون أمراً, ويكون القاضي فيه بالخيار بين أن يقول ذلك للشاهدين فيتقدم من شاء منهما بالشهادة ولا يحتاج الثاني إلى إذن بعد الأول, ومن أن يقول ذلك لأحدهما: فيبدأ بالشهادة ولا يكون للآخر أن يشهد إلا بعد إذن آخر, ولو بدأ بالأول فاستوفى الشهادة, وقال للثاني: اشهد بمثل ما شهد به لم تصح شهادته حتى يستوفيها أيضا كالأول لأنه موضع أداء وليس موضوع حكاية.
والقسم الثالث: آداب القضاة مع الخصوم: وهو أن يبدأ بالنظر بين من سبق منهم ولا يقدم مسبوقاً إلا باختيار السابق ويجمع بينهما في الدخول ولا يستدعي أحدهما: قبل صاحبه فتضعف به نفس المتأخر بل يسوي في المدخل بين الشريف والمشرف, والحر والعبد, والكافر والمسلم, فإذا دخلا سوي بينهما في لفظ ولحظ, إن أقبل كان إقباله عليهما, وإن أعرض كان إعراضه عنهما, وإن تكلم كان كلامه لهما, وإن أمسك [12/ 51 ب] كان إمساكه عنهما, ولا يجوز أن يكلم أحدهما: دون الآخر, وإن اختلفا في الدين ليلاً يصير مماثلاً لأحدهما: ولا يسمع الدعوى منهما وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه تجاه وجهه.
وينبغي أن يكون مجلس الخصوم عند القاضي أبعد من مجالس غيرهم ليتميز به الخصوم من غيرهم, فإن اختلف جلوسهما فتقدم أحدهما: كان القاضي بالخيار بين أن يؤخر المتقدم أو يقدم المتأخر, والأولى أن ينظر , فإن كان المتقدم جلس في مجلس الخصوم وتأخر عنه الآخر قدمه إليه, وإن كان المتأخر جلس في مجلس الخصوم وتقدم عليه الآخر أخره إليه حتى يتساويا فيه.
ومن عادة الخصوم أن يجلسوا في التحاكم بروكاً على الركب لأنه عادة العرب في التنازع وعرف الحكام في الأحكام فإن كان التخاصم بين النساء جلسن متربعات بخلاف الرجال لأنه أستر لهن.
وإن كان بين رجل وامرأة برك الرجل وتربعت المرأة لأنه عرف لجنسها فلم يصر تفضيلاً لها.
والأولى بالقاضي أن يجعل للنساء وقتاً وللرجال وقتاً ولا يخص تحاكم النساء مع الرجال من يستغني عن حضوره ويختار عند تحاكم النساء أن يكون الواقف بين يديه لترتيب الخصوم خصياً, وإن كان التحاكم بين رجل وامرأة فالأولى أن ينظر بينهما عند تحاكم الرجال من أجل المرأة ولا عند تحاكم النساء من أجل الرجال ويجعل لهما وقتا غير هذين.
[12/ 52 أ] وإذا حضر الخصمان تقاربا إلا أن يكون أحدهما: رجلاً والآخر امرأة ليست بذات محرم فيتباعدا ولا يتلاصقا.
مسألة: قال: ولا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجة ولا شاهد شهادته.
اعلم أنه لا يجوز للقاضي أن يلقن أحد الخصمين شيئاً فلا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف وغير ذلك, ولا يلقن المدعى عليه الإنكار ولا الإقرار به لأنه إن لقنه الإنكار أضر بالخصم, وإن لقنه الإقرار أضر به, فلم يجز ذلك لأن عليه التسوية بين
الجزء: 14 - الصفحة: 55
الخصمين فيتركهما والقيام بحجتهما فلا يعينهما ولا واحداً منهما لا بصريح ولا تنبيه فإن ذلك محظور, وكذلك لا يجوز أن يلقن الشهود شيئا لأنه إذا لقنهم الشهادة أضر بالمشهود عليه, وإن لقنهم أن لا يشهدوا أضر بالمشهود له.
فرع
إذا جلس الخصمان بين يديه فهو بالخيار بين أن يسكت حتى يبتدئ أحدهما: بالكلام ومن أن يكلمهما فيقول: تكلما, أو يقول الذي على رأيه: تكلما ولا يجوز أن يقبل على أحدهما: ويكلمه دون صاحبه هكذا ذكر الشافعي رضي الله عنه, وقال ابن القاص: إذا جلس الخصمان بين يديه نظر القاضي إليهما كالمستنطق لهما ويقول العون للمدعي: تكلم فإن قاله الحاكم فلا بأس, وكان شريح يقول: أيكما المدعي فليتكلم, وقال أصحابنا: إذا عرف المدعي فلا بأس له أن يخاطبه [12/ 52 ب] فيقول له: تكلم, وإذا لم يعرف المدعي يقول ما قال شريح, أو ما قال الشافعي رضي الله عنه: تكلما, وقال في " الحاوي": إذا أمسك الخصمان عن الكلام لغير سبب لم يتركهما على تطاول الإمساك وقال لهما: ما خطبكما؟ وهو أحد الألفاظ في الاستدعاء لم يتركهما كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لابنتي صلى الله عليه ما خطبكما, وإن قال: تكلما أو يتكلم المدعي منكما أو يتكلم أحدكما جاز والأولى أن يقول ذلك العدل القائم على رأسه أو بين يديه.
فرع آخر
لو تنازعا في الكلام كفهما عن التنازع حتى يتفقا على المبتدئ فيهما, وإن أقاما على التنازع ففيه وجهان: أحدهما: يقرع بينهما, والثاني يصرفهما حتى يتفقا على المبتدئ منهما.
فرع آخر
إذا بدأ المدعي بالدعوى فداخله الآخر في الدعوى , فإن لم تكن صحيحة قال له: صحح دعواك ولا يلقنه ذلك, فإن لم يصحح دعواه أقامه بعد ثانيه ولا يلقنه صحيح دعواه لأنه يصير معيناً له على خصمه, وقال له: صحح دعواك وإلا صرفتك, وقال الإصطخري وجماعة: لا يجوز أن يلقنه ما يصحح دعواه لأنه توقيف لتحقيق الدعوات وليس بتلقين للحجة, لأن في تلقين الحجة كسراً لقلب صاحبه أيضاً والمذهب الأول لأن في تلقين الدعوى كسراً لقلب صاحبه أيضاً.
فرع آخر
لو قال للمدعي: استعن بمن ينوب عنك فإن إشارته إلى الاستعانة بالاحتجاج [12/ 53 أ] عنه لم يجز, وإن إشارته إلى الاستعانة في تحضير الدعوى جاز.
الجزء: 14 - الصفحة: 56
فرع آخر
إذا حقق الدعوى فالأولى أن يقول المدعي للحاكم: سله الخروج من دعواي, فإن لم يقل ذلك جاز لأن شاهد الحال يدل على أنه مطالب فيقول الحاكم للمدعى عليه: ما تقول في دعواه؟ فإن أقر لزم الخروج منها, وإن أنكر قال للمدعي: ألك بينه؟ فإن جاء ببينة سمعها وحكم بها, وإن لم تكن بينه لم يستحلف الخصم حتى يسأل استحلافه لأن ذلك حق له, فإن استحلفه قبل ذلك لا يعتد اليمين وتعاد اليمين بعد المطالبة, ثم إن طالبه بتحليفه وحلف أسقط الدعوى عن نفسه وإن نكل ردت اليمين على المدعي فيحلف ويستحق ما ادعاه.
واعلم أن في لفظ الشافعي رضي الله عنه إشكالا لأنه قال: فإذا أنفذ حجته نكلم المطلوب ومعلوم أن المدعي لا يشتغل بإقامة حجته إلا بعد جواب المطلوب, ومعناه فإذا أنفذ دعواه فسمى الدعوى التي هي سبب الحاجة إلى الحجة حجة, وقال في " الحاوي": إذا صح الإنكار فيه وجهان: أحدهما: الأولى أن يقول له القاضي قد أنكر ما ادعيته عليه فماذا تريد؟ والثاني الاختيار أن يقول: قد أنكر ما ادعيت فهل لك من بينه؟ وهذا أشبه لما روى وائل بن حجر أن رجلاً من حضرموت حاكم رجلاً ن كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فقال للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا, قال: فيمينه [12/ 53 ب] فقال: يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حلف عليه, وليس يتورع من شيء فقال: ليس لك منه إلا ذلك.
فرع آخر
لو قدم المطلوب الإقرار قبل استيفاء الدعوى لزمه الإقرار وسقط الإقرار وسقط جوابه عن الدعوى إذا وقعت بإقراره, وإن قدم الإنكار طولب به بعد استيفاء الدعوى لأن الإنكار إسقاط فلم يجز تقديمه بخلاف الإقرار.
فرع آخر
لو كانت دعواه في رقعة ودفعها إلى القاضي وقال: أثبت دعواي في هذه الواقعة وأنا مطالب له بما فيها فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل القاضي حتى يذكره نطقاً أو يوكل من ينوب عنه وبه قال شريح: لأن الطلب يكون باللسان دون الخط, والثاني يجوز ولكن يجب عليه أن يقرأها على الطالب ويقول: هكذا تقول أو تدعي , فإذا قال: نعم سأل المطلوب عن الجواب ولا يجوز أن يسأله قبل قراءتها على الطالب واعترافه بما تضمنها, فإن فعل المطلوب في جواب الدعوى مثل ذلك وكتب جوابه في رقعة ورفعها إلى القاضي فقال: هذا جوابي عن الدعوى, فإن جوزنا ذلك في الطالب جوزنا هذا في المطلوب, وإن لم نجوز في الطالب لا نجوز في المطلوب.
الجزء: 14 - الصفحة: 57
فرع آخر
لو لقن الشاهد صفة لفظ الأداء ولم يلقنه ما يشهد به في الأداء ففيه وجهان أحدهما: يجوز لأنه توقيف لا تلقين [12/ 54 أ] وقد أشار إليه الشافعي رضي الله عنه والثاني لا يجوز لما فيه من المماثلة, ويقول له: إن بينت ما تصحح به شهادتك سمعتها وقال القفال: يجوز أن يلقن قدر ما لابد منه مثل أن يشهد ببيع ويظن أن عنده شهادة الملك فلا بد من أيقول تشهد بالملك إذا لو لم يقل هذا القدر وقال: زد أو قال: هل عندك زيادة؟ لم يدر الشاهد ماذا يقول فالاستكشاف يجوز, والتلقين لا يجوز.
فرع آخر
لو بادر إلى أداء الشهادة لا يبعثه على التوقيف عنها إلا في الحدود التي تدرأ بالشبهات فيجوز أن يعترض بالتوقف كما فعله عمر رضي الله عنه في قصة المغيرة حين شهدوا عليه بالزنا حتى توقف زياد عن الشهادة بتعريض.
مسألة: قال: ولا ينبغي أن يضيف الخصم دون خصمه
أراد بهذا أن الحاكم لا يضيف أحد الخصمين دون صاحبه بل إذا أضاف أحدهما: أضاف الآخر ولا يجيب إلى ضيافة أحدهما: ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين, وقد رو إنه نزل بعلي رضي الله عنه ضيف فأضافه أياماً ثم إنه خاصم إليه رجلاً فقال له علي: تحول عنا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه وروي أنه لما نزل به قال له ألك خصم؟ فقال: نعم فقال: تحول عنا وذكر الخبر, وروي أن رسول الله [12/ 54 ب] صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم إلا ومعه خصمه وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله إنه كان إذا ادعى عبد على شريف حجبه حتى يقضي بينه وبين خصمه ولأنه إذا فعل ذلك انكسر قلب خصمه ويوجب التهمة في الميل إلى أحدهما:
مسألة: قال: ولا يقبل منه هدية, وإن كان يهدي إليه قبل ذلك.
اعلم أن الرشوة في الحكم حرام للخبر المعروف, ولأنه إما أن تأخذ ليحكم بغير حق أو ليوقف حق الخصم وكلاهما حرام, وأما الهدية فإن أهدي إليه من لم تجر عادته بالإهداء إليه قبل الحكم لا يجوز قبولها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من وليناه شيئا من أعمالنا ورزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" وروي أنه قال:" هدايا الأمراء
الجزء: 14 - الصفحة: 58
غلول" وروي سحت ولأنه إنما يهدي إليه لخصومة حاضرة أو لخصومة يتوقعها وذلك لا يجوز.
وإن أهدي إليه من جرت عادته بالإهداء إليه فإن كانت له خصومة حاضرة حرم عليه أخذها لأن الظاهر أنه أهدي إليه للخصومة, وإن لم يكن له خصومه يكره له أخذها ولا يحرم لأنه ربما يكون قد أهدي إليه لانتظار خصومة فيكره, ويجوز أن يكون جرى على عادته في الهدية فلا يجزه نص عليه, وقال في " الأم": وما أهدي له ذو رحم [12/ 55 أ] أو ذو مودة كان يهاديه قبل الولاية فالتنزه أحب إلى , ولا بأس أن يقبل, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له قبولها للخبر وقال الصميري: فيه قولان وهذا غلط لأنه إذا كانت عادته جارية بذلك لم يكن من أجل الحكم فلا تهمة والخبر محمول على العمال من جهة الأمراء ويجري ذلك في حقهم مجرى الرشوة وقال أبو حنيفة وأصحابه: الهدية ممن لم تجر عادته بالإهداء إليه قبل القضاء تكره ولا تحرم, وإن أهدي إليه من غير عمله قال الشافعي: كرهت له ذلك فإن قبل فجائز فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية, ومن أصحابنا من حرمها وليس بصحيح فإن قيل: أليس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا, وقال:" لو أهدي إلي ذراع لقبلت" قلنا: الله تعالى ميزه عن الخلق فقال:" ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وقرئ وهو أب لهم لأنه كان يكافئ وقد كافأ الأعرابي الذي أهدى بعيراً حتى رضي ولأنه بعيد من الميل ميزه عن الظن فلا يقاس عليه.
فرع
إذا منعناه من قبولهما فقبل فماذا يصنع بها.
فيه وجهان: أحدهما: يرد إلى بيت المال لأن في ذلك مصحة للمسلمين.
وقد روي أن عمر رضي الله عنه دخل على حفصة فرأى عليها قلادة من ذهب أهدت إليها ابنه هرقل فقال: أو أهدت إلى جميع نساء المسلمين مثل ذلك فقالت: لا فقال: افأهدت إليك [12/ 55 ب] لمكانك مني فأخذها ووضعها في بيت المال قال أصحابنا: لعله احتياط لها في ذلك وفعل ذلك برضاها فإنه لا بأس بهذا لأنها ليست بوصية ولا قاضية.
وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: " إنما كانت الهدايا في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سواها رشوة" والثاني يردها إلى صاحبها لأنه لم يملكها فإن مات صاحبها يردها إلى ورثته, فإن لم يكونوا وضعها في بيت المال لتنفق في مصالح المسلمين, وإن كان ورثته غيباً وضع في بيت المال للحفظ للورثة, وروي أن رجلاً أهدى إلى عمر رضي الله عنه رجل جذور وتحاكم إليه من بعد مع خصم وجعل يقول: فصل بيني وبينه كما تفصل رجل الجذور, فقال عمر: فما زال يذكرني حتى كدت أزيغ فقام وأخرج رجل الجذور ورده وقال: إن
الجزء: 14 - الصفحة: 59
هدايا الأمراء غلول" وروي أن رجلاً كان يهدي إلى عمر رضي الله عنه كل سنة فخذ جذور فخاصم إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلاً كما يفصل الفخذ من الجذور فكتب عمر إلى عماله لا تقبلوا الهدايا فإنها رشوة.
ولو أهدي إليه خوفاً منه وتوقياً شره فهو حرام عليه لا يملكه وإن المهدي ممن لا يتحاكم إليه في الحال.
فرع آخر
قال أصحابنا: ينبغي لكل ذي ولاية أن يتنزه عن قبول هدايا أهل عمله لما ذكرنا من الخبر [12/ 56 أ] وروي أنه لما رجع ابن اللتبية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لكم وهذا أهدي ألي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى إليه أم لا.
والمهاداة من عدا الولاة مستحبة في البذل ومباحة في القبول وقد ذكرنا ذلك في كتاب الهبات.
فرع آخر
مهاداة الإمام الأعظم ومن قام مقامه فكل الناس تحت ولايته ومن جملة رعيته فإن هاداه أهل الحرب جاز له قبولها كما تجوز استباحة أموالهم
فرع آخر
إذا هداه أهل الحرب ينظر في سبب الهدية, فإن كانت من أجل سلطانه فسلطانه بالمسلمين فصارت الهدية لهم دونه فكان بيت مالهم أحق بها منه, وإن هداه لما يختص بسلطانه من مودة سلفت جاز له أن يتملكها, وإن هداه لحاجة عرضت فإن كان لا يقدر على قضائها إلا بالسلطنة كان بيت المال أحق بها منه, وإن كان يقدر عليها بغير السلطنة كان أحق بها من بيت المال.
فرع آخر
لو هاداه أهل الإسلام ليستعين به إما على حق يستوفيه له, وإما على ظلم يدفعه عنه, وإما على باطل يعينه عليه, فهذه هي الرشوة المحرمة, وأهل الهدية إن كان على حق لقوم فهو من لوازم نظره ولا يجوز لمن لزمه القيام بحق أن يستعجل عليه كما في الصلاة.
وإن كان على باطل يعين عليه كان أعظم تحريما [12/ 56 ب]
فرع آخر
لو أهدي إليه من كان يهاديه قبله من ذي نسب أو مودة فهذه هدية لا رشوة وهي على ثلاثة أضرب, أحدهما: أن تكون بقدر ما كانت قبل الولاية لغير حاجة عرضت فيجوز قبولها للعرف وانتفاء الظن, وإن لم يقبلها كان نهاية الاحتياط لأنه إبراء لساحته وأجمل لذكره
الجزء: 14 - الصفحة: 60
والثاني: أن يقترن لحاجة عرضت إليه من قبوله عند الحاجة ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة, فقد روي أن زيد بن ثابت كان يهدي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناً فيقبله حتى اقترض زيد بن ثابت مالاً من بيت المال ثم اهدي إليه اللبن فرده عمر فقال زيد: لم رددته قال: لأنك اقترضت من بيت المال مالا فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك فرد المال وأهدي إليه اللبن فقبله منه
والثالث: أن يزيد في هديته على فوق العادة لغير حاجة فينظر فإن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف وإن كان من غير جنسها منع من قبولها لخروجها عن المألوف.
فرع آخر
لو أهدى إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية فهو على ثلاثة أضرب أحدهما: أن يهدي إليه من يخطب منه الولاية على عمل يقلده فهذه رشوة حرام سواء كان مستحقاً أو لا وعليه ردها, [12/ 57 أ] ويحرم على باذلها إن كان غير مستحق للولاية, وإن كان مستحقاً لها فإن كان مستغنياً عن الولاية حرم عليه بذلها, وإن كان محتاجاً إليها لم يحرم عليه بذلها.
والثاني: أن يهدي إليه من شكره على جميل كان منه فهذا ملحق بالهدايا لأن الرشوة ما تقدم والهدية ما تأخر وعليه ردها ولا يجوز له قبولها لأنه يصير مكتسباً مجاملته ومعتادا على جاهه وسواء كان ما فعله من الجميل واجبا أو تبرعا لا يحرم بذلها على المهدي
والثالث: أن يهدي إليه مبتدأ فهذه هدية بعث عليها جاه السلطنة, فإن كافأ عليها جاز له قبولها, وإن لم يكافئ عليها ففيه وجهان: أحدهما: يقبلها لبيت المال لأن جاه السلطنة لكافة المسلمين والثاني يردها لأنه المخصوص بها فلم يجز أن يستأثر دون المسلمين بشيء وصل إليه بجاه المسلمين.
فرع آخر
مهاداة ولاة الأعمال كعمال الخراج والصدقات ينظر فيها, فإن كان المهدي من غير أهل عمله كانت المهاداة بينهما كالمهاداة بين غير الولاة من الرعايا وإن كان من أهل عمله فعلى ثلاثة أضرب أحدها: أن يكون قبل استيفاء الحق فهذه رشوة يحرم قبولها وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" اللطفة عطفه" يعني: تعطف عن الواجب وسواء كان العامل مرتزقاً أو لا.
[12/ 57 ب].
والثاني أن يهدي إليه بعد استيفاء الحق منه على جميل قدمه إليه, فإن كان ذلك الجميل مما يجب على العامل أن يعلمه بحق عمله وجب رد الهدية وحرم قبولها وإن كان مما لا يجب عليه لم يكن للعامل أن يتملكها ما لم تعجل المكافأة عليها وفيها وجهان: أحدهما: تعاد إلى مالكها لخروجها عن المقصود بها.
الجزء: 14 - الصفحة: 61
والثاني: تكون لبيت المال لأنها مبذولة على فعل نائب عنهم وفي قبله قال النبي صلى الله عليه وسلم: هدايا الأمراء غلول, والغلول ما عدل بع عن مستحقه.
والثالث: أن يهدي إليه بعد استيفاء الحق على غير سبب أسفله فإن عجل المكافأ ة عليها بمثل قيمتها جاز أن يتملكها لأنه بالمكافأة معاوض فجري في إباحة التملك مجرى الابتياع, وإن لم يكافئه فقد خرجت عن الرشوة والجزاء فلم يجب ردها وتعرض بها للتهمة وسوء المقالة وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقر على العامل ولا يسترجع منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسترجع الهدية من ابن اللتبية.
والثاني: يسترجع منه لبيت المال لأنه أخذها بجاه العمل ويضم إلى المال الذي استعمل فيه لوصولها بسببه, فإن رأى الإمام أن يعطيه إياها جاز إذا كان مثله يجوز أن يبدأ بمثلها, وإن رأى أن يشاطره عليها جاز كما فعل عمر رضي الله عنه في ابنيه حين [12/ 58 أ] أخذا مال العراق قرضاً واتجرا وربحا فأخذ منهما نصف ربحهما كالقرض.
والثالث: إن كان العامل مرتزقاً قدر كفاية أخذت منه الهدية لبيت المال, وإن كان غير مرتزق أقرت عليه لما روى بريده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من استعملناه على عمل فرزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلول"
فرع آخر
لو كان مرتزقا ولم يكتف برزقه عما تدعوه الحاجة إليه فقد روى المستورد بين شداد أن النبي صلى الله علية وسلم قال:" من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليسكت خادماً فمن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً" فدل هذا الحديث على أن الغلول المسترجع منه ما يجاوز قدر حاجته.
فرع آخر
ولو كان الحاكم لا يأخذ رزقاً من بيت المال فقال: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضاً حكي عن أبي حامد أنه قال له ذكره القاضي الطبري أيضا ولم يذكرا إن طلب من أحدهما: وينبغي أن يكون أخذه من أحدهما: للحكم بالحق يجري مجرى الهدية التي ذكرناها ذكره في " الشامل"
فرع آخر
لو أضاف العامل من هو من أهل عمله فإن كان العامل مستوطناً لم يجز أن يدخل في ضيافته, وإن كان مجتازا جاز أن يدخل بعد استيفاء الحق منه ولم يجز قبله.
فرع آخر
قد ذكرنا مهاداة قضاة الأحكام [12/ 58 ب] وقال في " الحاوي": الهدايا في
الجزء: 14 - الصفحة: 62
حقهم أغلظ مأثمًا وأشد تحريمًا لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" فخص الحكم بالذكر تغليظاً قال: وفيه ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون الهدية في عمله من أهل عمله فللمهدي ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ممن لم يهاديه قبل الولاية فلا يجوز أن يقبل لأنه معرض لأن يحاكم أو يحاكم وهو من المتحاكمين رشوة محرمة ومن غيرهما هدية محظورة.
والثاني: أن يكون ممن يهاديه قبله وله في الحال محاكمته فلا يحل.
والثالث: أن يكون ممن يهاديه قبله وليس محاكمة, فإن كان من غير ذلك الجنس بأن كان يهاديه بالطعام فصار يهاديه بالثياب لم يجز أن يقبلها لأن الزيادة هدية للولاية وإن كان من جنسه فهل يجوز قبولها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لخروجها عن سبب الولاية , والثاني: لا يجوز قبولها لجواز أن يحدث له محاكمة ينسب بها إلى الممايلة والثاني من الأقسام: أن تكون الهدية في عمله من غير أهل عمله فلمهديها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون دخل بها إلى عمله فصار بالدخول فيها من أهل عمله فلا يجوز أن يقبلها لجواز أن يحدث له محاكمة [12/ 59 أ] والثانية: أن لا يدخل بها المهدي إلى عمله ويرسلها وله محاكمة وهو فيها طالب أو مطلوب فهي رشوة محرمة, والثالثة: أن يرسلها ولا يدخل بها إلى عمله ولا محاكمة له فهل يجوز قبولها: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما يلزمه من التزامه, والثاني: يجوز قبولها لوضع الهدية على الإباحة.
والقسم الثالث: أن تكون الهدية من غير عمله ومن غير أهل عمله لسفره عن عمله فنزاهته عنها أولى فإن قبلها جاز ولا يمنع.
فرع آخر
نزول القاضي ضيفاً على غيره فإن كان في عمله لم يجز, وإن كان في غير عمله جاز ولا يكره إن كان عابر سبيل, ويكره إن كان مقيماً
فرع آخر
قال في " الحاوي": أذا أبيحت له الهدية جاز أن يتملكها , ولو خطرت عليه فهي على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تكون رشوة فيحب ردها على باذلها, فإن ردها قبل الحكم نفذ حكمه, وإن ردها بعد الحكم فإن كان حكمه على الباذل نفذ حكمه, وإن كان حكمه لباذل ففي نفوذه وجهان: أحدهما: ينفذ إذا وافق الحكم كما ينفذ حكمه للصديق, والثاني: لا ينفذ كما لا ينفذ للولد للتهمة بالممايلة.
الجزء: 14 - الصفحة: 63
والثاني: أن تكون الهدية جزاء لتأخيرها عن الحكم فيجب ردها على مهديها والحكم معها نافذ سواء كان الحكم للباذل أو عليه.
والثالث: أن تخرج الهدية عن الرشوة والجزاء لابتداء المهدي بها تبرعاً فلا يتملكها القاضي لخطرها [12/ 59 ب] وفيه وجهان: أحدهما: ترد على مهديها لفسادها, والثاني: توضع في بيت المال لبذلها طوعاً لنائب المسلمين.
فرع آخر
قال في " الحاوي": روى عبد الله بن جعفر عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن ابن أبي أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربي" وهذا وإن كان مرسلاً فليستظهر في الاستدلال به على ما يوجبه حكم الأصول فيقول: مهاداة الشافع تعتبر بشفاعته وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشفع في محظور من إسقاط حق أو معونة على ظلم فهو في الشفاعة ظالم وبقبول الهدية عليها آثم لا على كلاهما.
والثاني: أن يشفع في حق يجب عليه القيام به فالشفاعة مستحقة عليه والهدية محظورة لأن لوازم الحقوق لا يستعجل عليها.
والثالث: أن يشفع في مباح لا يلزمه فهو بالشفاعة محسن لما فيه من التعاون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشفعوا إلى ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء" وللهدية على هذه الشفاعة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يشترطها الشارط وقبولها محظور عليه لأنه يستعجل على الإحسان والثانية أن يقول المهدي: هذه الهدية جزاء على شفاعتك فقبولها محظور عليه كما لو شرطها [12/ 60 أ] والثالثة أن يمسك الشافع عن اشتراطها ويمسك المهدي عن الجزاء بها فإن كان مهادياً كره, وإن لم يحرم فإن كافأه عليها لم يكره القبول.
مسألة: قال: وإذا حضر مسافرون ومقيمون فإن كان المسافرون قليلا فلا بأس أن يبدأ بهم.
الفصل
إذا اجتمع المسافرون والمقيمون في باب القاضي فإن كان المسافرون قليلاً فلا بأس أن يبدأ بهم لأنه ربما يفوتهم السفر والرفقة, والمقيمون لا يفوتهم شيء وقد وضع الله عنهم الصوم وشطر الصلاة رفقاً بهم فلذلك تجوز البداية بهم للرفق بهم,
الجزء: 14 - الصفحة: 64
فرع
قال في" الحاوي": وهل يعتبر استطابه نفوس المقيمين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر ويجوز للقاضي أن يقدمهم وإن كره المقيمون لدخول الضرر على المسافرين دون المقيمين والثاني يعتبر حتى إن امتنعوا لم يجبرهم لاستحقاق التقدم بالسبق والأصح الوجه الأول وهو المذهب.
فرع آخر
قال في " الأم": وإن جعل لهم يوماً بقدر ما يضر بأهل البلد ويرفق بالمسافرين فلا بأس.
فرع آخر
وإن كثر المسافرون حتى تنادوا أهل البلد آسى بينهم أي سوى بينهم مخافة الضرر ولكل حق, قال في " الأم": كان لكلهم حق ولا يجوز إضاعة الحق.
فرع آخر
لو كثروا كما في أيام الموسم فإن كان اليوم الواحد يتسع للنظر بين المقيمين والمسافرين [12/ 60 ب] جعل للمقيمين فيه وقتاً وللمسافرين فيه وقتاً فإن استوي الفريقان سوي بين الفريقين , وإن تفاضل فاضل في الوقتين, وإن كان اليوم الواحد لا يتسع جعل للمسافرين يوماً وللمقيمين يوماً إن تساووا, وإن تفاضلوا فاضل بينهم في الأيام وينبغي أن يخص المسافرين بالمجلس الأول إن لم يضر بالمقيمين إما إجباراً أو باستتابة نفوسهم على الوجهين وإن استضر به المقيمون أقرع بينهم في المجلس الأول لأنه ليس فيه سبق يعتبر فعدل فيه إلى القرعة.
مسألة: قال: ولا يقدم رجلاً جاء قبله رجل.
الفصل
قال أصحابنا: إذا كان يوم القضاء فالحاكم يجب أن يقعد أمينه على بابه حتى يكتب أسماء الخصوم الأول فالأول فإذا جاء القاضي نظر في الرقعة وينظر بين الأسبق فالأسبق إذا كانوا مقيمين في البلد لأنه لا يمكن النظر بين جماعتهم في رقعة فلا بد من تقديم بعضهم فكان تقديم الأسبق أولى كما قلنا في المياه المباحة والاعتبار بسبق المدعي مجيئه لا بالمدعى عليه.
فرع
ينبغي أن يكون الذي يتولى إثبات أسمائهم فهماً أميناً فطناً, ويثبت في كل اسم الطالب واسم أبيه وجده وقبيلته وصناعته, وقال بعض أصحابنا: يثبت معه في الواقعة دون المطلوب ولأن الطالب لو قال: أريد أن أحاكم غيره في هذا المجلس لم يمنع.
الجزء: 14 - الصفحة: 65
فرع آخر
إذا أريد إحضاره عند خروج رقعته نودي باسمه وحده دون اسم أبيه وجده, فإذا حضر سأله القاضي عن اسمه واسم أبيه وجده فإن وافق ما في الرقعة نظر بينه وبين خصمه, وإن خالف قال له: ليست هذه رقعتك فانصرف حتى يحضر صاحبها ونودي مرة ثانية حتى يحضر من هو صاحبها ثم نودي مرة ثالثة فإن لم يحضر اخرج رقعة غيره, فإن حضر صاحب الرقعة الأولى وصاحب الرقعة الثانية فإن كان حضوره قبل الشروع في النظر بين الثاني وخصمه قدم الأول عليه وشرع في النظر ولم يقطع واستوفاه ثم نظر الأول وبعده.
فرع آخر
لم جاؤوا دفعة واحدة أو لم يمكن ضبط ذلك لكثرتهم , فإن رضوا بتقديم واحد منهم قدم, وإن تشاحنوا أقرع بينهم فيكتب أسماءهم في رقاع ويتركها بين يديه ثم إذا أراد أن يحكم أخذ واحدة فمن خرج اسمه نظر بينه وبين خصمه وكذلك يفعل في الثاني والثالث ولا حاجة فيه إلى الاحتياط الذي يفعل في قسمة الأموال من الإدراج في البنادق وغير ذلك لأن هذا أسهل.
فرع آخر
لو أن القاضي استناب في إخراج هذه الرقاع وفي القراع من يثق [12/ 61 ب] بعقله وفطنته جاز وكان أبلغ في صيانته.
فرع آخر
لو كان المسبوق مريضاً يستضر بالصبر عذره الله تعالى في حقوقه بالرخص, فإن عذره الآدميون في تقديمه على أنفسهم كان أولى بهم, وإن شاحوه قدمه القاضي إن كان مطلوباً ولم يقدمه إن كان طالباً لأن المطلوب مجبر والطالب مخير.
فرع آخر
إذا نظر بين الأسبق وبين خصمه لا ينظر إلا في خصومة واحدة وإن كان له خصومة أخرى لا ينظر فيها ونظر في خصومة من يليه لئلا يؤدي إلى فوت حق الباقين, وقال في " الحاوي": لو ادعى دعوى ثانية على الخصم الأول هل تسمع بسبقه؟ فيه وجهان: أحدهما: تسمع لأنها مع خصم واحد, والثاني لا تسمع لأنها في محاكمة أخرى
فرع آخر
لو كان في آخر المجلس ولم يكن بعده خصم جاز للحاكم أن يصغي إلى خصومته الثانية, والثالثة لأنه لا ضرر فيه على أحد إن لم يلحق القاضي ملل.
الجزء: 14 - الصفحة: 66
فرع آخر
لو أن المدعى عليه بعد انبرام الحكم معه استأنف دعوى على المدعي فإن لم يكن اسمه ثابتاً في رقعة المدعي لم يسمعها, وإن كان اسمه ثابتاً في رقعة المدعي ففيه وجهان: أحدهما: تسمع دعواه بهذا السبق وهو قول من يرى إثبات اسمه في رقعة المدعي, والثاني: لا يسمعها إلا في مجلس آخر وهو الأصح لأن اسمه فيها [12/ 62 أ] لم يثبت لحقه بل لحق غيره ذكره في " الحاوي".
فرع آخر
لو كان المدعي السابق ادعى على اثنين معاً في حالة واحدة فإن كانت الدعوى مختلفة لم يسمع إلا على واحد, وإن كانت الدعوى واحدة كادعائه ابتياع دار منها جاز لأنها محاكمة واحدة بين طالب ومطلوبين.
فرع آخر
لو اجتمع اثنان في الدعوى على واحد فإن اختلف دعواهما لم تسمع إلا من أحدهما: وإن لم تختلف دعواهما لادعائهما ميراثاً بينهما جاز أن يسمع دعواهما عليه لأنها محاكمة واحدة بين طالب ومطلوب.
فرع آخر
لو كانت الدعاوي على واحد تسمع عليه دعوى الجماعة واحداً بعد واحد لأن الحكم حق المدعي دون المدعى عليه والمدعي جماعة وكذلك لو ادعى المدعي الثاني على المدعي الأول نظر الحاكم بينهما أيضاً.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أراد الحاكم أن يقدم واحداً من غير قرعة لغرض مثل المرأة تقدم على الرجال جاز.
فرع آخر
لو تقدم اثنان إلى حاكم فادعى أحدهما: على الآخر فقال المدعى عليه: أيها الحاكم أنا جئت به وأنا المدعي, فإن الحاكم يقول له: قد سبقك بالدعوى ويمكن أن يكون الآخر صادقاً فيما ذكره ويمكن أن يكون كاذباً فلم يسقط حق السبق بأمر محتمل فينظر الحاكم في خصومه الأول فإذا فرغ منها نظر في خصومة المدعى عليه.
فرع آخر
لو جاء رجلان [12/ 62 ب] فحضرا بين يدي الحاكم وادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه هو الذي جاء به ليدعي عليه, حكي ابن المنذر في هذا مذهب فقال: من
الجزء: 14 - الصفحة: 67
الناس من قال: يقرع بينهما, ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء منهما, ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا ثم يعودا, وقيل: بعد التحليف يقدم من شاء ولا نص للشافعي رضي الله عنه فيه, وقال أصحابنا: مذهبنا كما لو جاء مدعيان في حالة واحدة يقرع بينهما لتساويهما.
فرع آخر
لو كان لجماعة حق على رجل فوكلوا رجلاً فقدمه إلى القاضي وطالبه بحقوقهم فأنكر فلا يجوز أن يستحلفه القاضي يميناً واحدة بجماعتهم لأن لكل واحد منهم حق الاستحلاف, وحقوق الجماعة لا تتداخل فإن رضي الجماعة أن يستحلفوه يميناً واحدة ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنهم لو أقاموا بينة واحدة ثبت حق جماعتهم بها فجاز أن يسقط المدعى عليه دعواهم أيضاً بيمين واحدة والثاني وهو المذهب لا يجو لأن القصد من اليمين الردع والزجر وعند الجمع لا يحصل ذلك, وإن حصل الرضا كما لو رضيت المرأة أن يحلف الزوج دفعة واحدة في اللعان لا يجوز ذلك, ولأن اليمين حجة في حق الواحد, فإذا رضي بها في حق الاثنين صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة والحجة [12/ 62 ب] الناقصة لا تكمل يرضى الخصم كما لو رضي أن يحكم عليه بشاهد واحد لم يجز, وقال بعض أصحابنا بخراسان: وجه أن للحاكم أن يفعل ذلك من غير الرضي وهذا ليس بشيء وحكي الإصطخري أن إسماعيل بن إسحاق القاضي حلف رجلاً بحق رجلين يميناً واحدة فخطأه أهل عصره
فرع آخر
إذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم لزم أن يستدعيه سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية وقال مالك: لا يعدي عليه إلا أن يعلم أن بينهما معاملة وهو رواية عن أحمد, واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يعد به الحاكم على خصمه حتى يعلم أن بينهما معاملة ولأن في أعدائه على كل من استعدى عليه تبذلاً لأهل المروة فلا يجوز ذلك إلا بسبب ظاهر, وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى الإضرار بالناس لأنه قد يستحق عليه بغصب أو وديعة أو إعارة وغير ذلك وإن لم يكن بينهما معاملة, فإذا لم يعد عليه سقط حقه, وأما ما ذكره فلا يصح لأنه مقابل بما ذكرناه أنه يؤدي إلى إسقاط الحقوق.
ثم لا بد له في مجلس الحكم لأن عمر رضي الله عنه حضر عند زيد بن ثابت وعليا رضي الله عنه حضر عند شريح, وقال ابن سيرج: إذا كان من أهل الصيانات استدعاه الحاكم إلى داره [12/ 63 ب] وحكم بينه وبين خصمه فلا يحصل بذلك بذلة.
مسألة: وينبغي للإمام أن يجعل مع رزق القاضي شيئاً لقراطيسه.
الجزء: 14 - الصفحة: 68
الفصل
قد ذكرنا أنه ينبغي للإمام أن يجعل للحاكم رزقاً من بيت المال لأن منفعته مشغولة بمصالح المسلمين كالمرابطين وكارتزاق الخلفاء الراشدين على الخلافة لانقطاعهم بها عن المكاسب وهذا الرزق جعالة لا أجرة ومتى وجد الإمام متطوعاً بالقضاء لم يجز أن يعطي على القضاء رزقا والأولى إذا استغنى عن الرزق أن يتطوع بعمله لله تعالى التماس ثوابه, وإن استباح أخذه مع الحاجة والغنى ورزقه مقدر بالكفاية مع غير صرف ولا تقتير, وكذلك إنفاق أعوانه من كاتب وحاجب وقاسم وسجان.
ويستحب أن يجعل له مع ذلك شيئاً يشترى به القراطيس التي تكتب فيها المحاضر والسجلات لأن ذلك من مصالح المسلمين وفيه تذكرة للحجج وحفظ لما عسى ينساه فهو كأجرة الكيال والوزان فإن لم يفعل الإمام ذلك, أو لم يكن في بيت المال شيء فإنه يكون على المحكوم له فإذا جاء بقرطاس كتب له الحاكم المحضر والسجل لأن الحق في ذلك فإن لم يفعل لم يكن عليه ولا يلزم الحاكم أن يبذل القرطاس من عنده وليس له إكراه [12/ 64 أ] المدعي على ذلك لأنه لوثيقة حقه فمن المحال إكراهه عليه, فإذا تقرر هذا قال في المختصر: فإن لم يفعل قال للطالب: إن شئت فآت بصحيفة يكتب فيها شهادة شاهديك وكتاب خصومتك ولا أكرهك ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب فأنسى شهادته وذكر في " الأم" هذا الفصل وقال: يقول القاضي للطالب: إن شئت جئت بصحيفة بشهادة شاهديك وكتاب خصومتك وإلا لم أكرهك ولم أقبل منك أن يشهد عندي شاهد الساعة بلا كتاب وأنسى شهادته فاختلف أصحابنا في تأويل المسألة قال ابن العاص وغيره: قد قيل: معناه أن يكون لرجل على رجل حق مؤجل فأقام صاحب الحق أن يغيب فأقام الشهود على الذي عليه الحق لكي يحكم الحاكم عليه وقت حلول الحق لا يقبل الحاكم ذلك ولا يسمع الشهادة إلا بكتاب فيه ذكر الشهود عليه والشهادة ومبلغ الحق وأسماء الشهود لأنه قد ينسى ذلك الوقت وليس به إلا قبول الشهادة في الحال ضرورة لأنه ليس وقت الحكم, وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة هذه ولكن قوله وأنسى شهادته من النسيان فكأنه قال: إن لم يكن كتاب بما سمعت من شهادتك أو حكمن لك ثم جئتني بعد ذلك تطالبني بإمضاء ما حكمت [12/ 64 ب] لك به والحكم بما سمعت من شهادتك لم أفعل إلا أن يكون كتاب في يدك أتذكر بع فإن قيل: لو شهد شاهد مع الكتاب والقاضي نسي شهادته لا يجوز أن يقبل فما معنى قوله بلا كتاب؟ قلنا: فائدة ذكر الكتاب الأمن من النسيان لأن الكتاب لو كان مكتوباً فالقاضي يطالبه والخصم يعرض عليه فكان لا ينسى فمعنى قوله: ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب أي بلا ذكرى بسبب الكتاب فلما كان الكتاب سبب الذكر وضعه موضع الذكرى.
قال القاضي الطبري: وهذا ليس بشيء لأن معنى قوله: وأنسى شهادته معناه: أؤخر شهادته ولهذا نقله المزني وأنسا بالألف لا بالياء على أنه من التأخير وليس من النسيان وقد بينه في " الأم" فقال: ولم أقبل منك إن شهد عندي شاهد الساعة بلا
الجزء: 14 - الصفحة: 69
كتاب وأنسا شهادته, ويدل على هذا أنه إذا نسي لم يحكم بالكتاب وإنما حكم بما يذكره فليس التأويل إلا الأول وهو ظاهر لمن تأمل كلام الشافعي رضي الله عنه في " الأم" ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن الحاكم إذا حكم لرجل بشيء يقول للمحكوم له: ائتني بصحيفة لأكتب لك فيها ذلك فلا أنسى فإني إذا نسيت لا يفيد حكمي وليس معناه لا يحكم له حتى يأتي بالكاغد [12/ 65 أ] ولكن يقدم إليه العذر.
فإن كان القاضي بحيث لا يمكنه حفظ شهادة شاهد إلى أن يشهد الآخر بل يلتبس عليه, وقال أبو حامد وأكثر أصحابنا: هذا هو الصحيح في الفقه, لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في " الأم" على خلاف نقل المزني وقال: ائتني بالصحيفة لشهادة شاهدين يعني لأكتب فيها شهادة شاهديك فالمزني حرف ذلك ونقل: ائتني بصحيفة فيها شهادة شاهديك والصحيح هذا ومن تأمل كلامه في " الأم" عرف حقيقته, وقال في " الحاوي": اختلف أصحابنا في تأويله على وجهين أحدهما: يكتب فيه ما حكم له بالشهادة والثاني يكتب فيه الشهادة ليحكم بها فمن ذهب إلى التأويل الأول منع من سماع الشهادة قبل إنكار الخصم ومن ذهب إلى التأويل الثاني جوز سماع الشهادة قبل إنكار الخصم,
فرع آخر
إذا تعذر القاضي من بيت المال وأراد أن يرتزق من الخصوم فقد ذكرناه.
وقال في " الحاوي": إن لم يقطعه النظر عن اكتساب المادة إما لغنائه بما يستجده وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب لم يجز أن يرتزق من الخصوم, وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المادة مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم [12/ 65 ب] بثمانية شروط أحدهما: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه فإن لم يعلما إلا بعد التحاكم لم يجز أن يرتزق منهما والثاني: أن يكون رزقه على الطالب دون المطلوب والثالث: أن يكون عن إذن الإمام لتوجه الحق عليه ولا يجوز بغير إذن الإمام والرابع: أن لا يجد الإمام متطوعاً والخامس: أن يعجز الإمام عن دفع رزقه والسادس: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مؤثر عليهم ولا مضر لهم , والسابع: أن لا يستزيد على قدر حاجته, والثامن: أن يكون قدر المأخوذ مشهوراً يتساوى فيه جميع الخصوم وإن تفاضلوا في المطالبات لأنه يأخذه على زمان النظر فلم يعتبر بمقادير الحقوق فإن فاصل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان.
واعلم أن في مثل هذا معرة تدخل على جميع المسلمين ولئن جازت في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان إما بأن يتطوع منهم بالقضاء
الجزء: 14 - الصفحة: 70
من يكون من أهله، وإما أن يقام لهذا بكفايته فيسقط رزقه على أهل البلد لأنه لما كان ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته.
ولو اجتمع أهل البلد عند إعواز [12/ 66 أ] بيت المال على أن جعلوا للقاضي من أموالهم رزقاً داراً جاز وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم
فرع آخر
قال في "الحاوي": إذا تحاكم الخصمان فلهما حالتان: إحداهما: أن يسألاه الكتابة، والثانية: أن لا يسألاه، فإن لم يسألاه إياها كان القاضي مندوباً إلى إثبات محاكمتهما في ديوانه مشروحة بما انفصلت عليه من إلزام أو إسقاط احتياطاً للمتحاكمين ووجوب ذلك معتبر بالحكم، فإن كان بما استوفى وقبض لم يجب عليه إثباته وكان ثابتاً مستظهراً، وإن كان فيما لم يقبض ولم يستوف، فإن كانت الحالة مشهورة لا تنسى مثلما لم يجب إثباتها إلا استظهاراً، وإن جاز أن ينسى مثلها وجب عليه إثباتها ليتذكر بخطه ما حكم وألزم لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها فالتزم بذلك ما يؤول إلى حفظها، وإن سأله الخصم أن يكتب له ما حكم به ليكون حجة بيده فالذي يكتب القاضي كتابان محضر وسجل، والمحضر حكاية الحال، والسجل حكاية المحضر مع زيادة إنفاذ الحكم به والذي يشتمل عليه المحضر من حكاية الحال يتضمن أربعة فصول صفة أحدها الدعوى بعد تسمية المدعى والمدعى عليه والثاني ما يعقبها من جواب المدعي عليه من الإقرار والإنكار، والثالث حكاية شهادة الشهود على وجهها، فإن حكي شهادة أحدهما: وأن الآخر شهد [12/ 66 ب] بمثل شهادته جاز بخلاف ما لو قاله الشاهد في أدائه ويكره في المحضر ذلك لمنعنا منه في الأداء، والرابع ذكر التاريخ في يوم من شهره وسنته، ولو ضم إليه ذكر ما أداه الشهود من تاريخ التحمل كان حسناً، وإن تركه قضاة زماننا، وأما السجل يتضمن ستة فصول: أحدها: تصديره بحكاية شهادة القاضي بجميع ما فيه، والثاني: حكاية جميع ما تضمنه المحضر من الفصول الأربعة، والثالث: حكاية إمهال القاضي المشهود عليه ليأتي بحجة الدفع فعجز ولم يأت، والرابع: إمضاء الحكم للمشهود له وإلزامه للمشهود عليه بعد مسألة الحاكم، والخامس: إشهاد القاضي على نفسه بما حكم، والسادس: تأريخ يوم الحكم ثم جعله نسختين وأشهد فيهما على نفسه وسلم أحدهما: إليه ووضع الآخر في ديوانه.
فرع آخر
في تسمية الشهود الذين حاكم بشهادتهم في المحضر والسجل قال أكثر أهل العراق: ترك تسميتهم أولى وهو أحوط للمشهود له واختاره الإصطخري، وقال أكثر
الجزء: 14 - الصفحة: 71
أهل الحجاز تسميتهم أولى وهو أحوط للمشهود عليه لعله يقدر على جرحهم اختاره ابن سريج.
فرع آخر
لو أن القاضي عدل عن كتب السجل إلى أن زاد في الخصمين إنفاذ حكمه وأمضاه بعد إمهال المشهود عليه بما يدفع به الشهادة قال: [12/ 67 أ] وأشهد على نفسه جاز.
مسألة: فإن قبل الشهادة من غير محضر فلا بأس.
قد ذكرنا هذه المسألة وذكر في "الأم" أن لا يقبل القاضي شهادة الشاهد إلا بمحضر من الخصم المشهود عليه، فإن قبلها بغير محضر فلا بأس ولا يختلف فيه أصحابنا ولكن إذا سمع الشهادة فإن كان الخصم غائباً أو متوارياً في البلد حكم عليه بلا خلاف، وإن كان حاضراً غير مستتر إذا دعاه أجابه قد ذكرنا في الحكم عليه وجهين: أحدهما: يحكم به وبه قال ابن شبرمة وأحمد وإسحاق، قال ابن شبرمة: أحكم عليه ولو كان وراء الجدار وهذا لأن البينة ثبتت، فإن كان له حجة تزيل بينتها سمعها وأنقض الحكم، والثاني وهو ظاهرة المذهب واختاره أبو إسحاق لا يحكم بها إلا بعد حضوره لأنه ربما كانت عنده حجة تزيل عن نفسه شهادة خصمه ولا ضرر في تأخير الحكم إلى وقت حضوره ويجوز تأخير الحكم مدة لا يلحقه الضرر كاليوم واليومين والثلاثة أكثره، فإن لم يأت بالحجة حكم عليه، فإن قيل: إذا كنت تسمع جرحه بعد الحكم فلا فائدة في تأخير الحكم من أجله قلنا: قال أبو إسحاق: فيه فائدة أنه إذا أتى بشهادة على فسق الشهود، فإن كان قبل الحكم لم يحكم بها وإن كان بعد الحكم لم ينقضه لجواز أن يكون حدث الفسق بعد الحكم، وقد ذكرنا عن القتال [12/ 67 ب] أنه قال: هل يسمع البينة من غير حضوره؟ فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا أنه لا خلاف في جواز سماع البينة ولو كان غائباً عن الحكم حاضراً في مجلسه لا يجوز الحكم عليه إلا بعد حضوره وإعلامه بلا خلاف لأنه لا ضرورة، ذكره في "الحاوي" وقال مالك: يجوز القضاء على الغائب فيما ينقل ولا يجوز فيما لا ينقل من العقار حكاه صاحب "الحاوي"، ثم قال الشافعي: وينبغي إذا حضر أن يقرأ عليه ما شهدوا به عليه وينسخه أسماءهم وأنسابهم ويطرده جرحهم ثم إذا لم يأت به حكم عليه ومعنى قوله يطرده جرحهم أي يمهله الجرح إن أمكنه ذلك.
مسألة: قال وإذا علم من رجل بإقراره أو تيقن أنه شهد عنده بزور عزره.
أراد بتيقن سوى الإقرار، وجملته أن شهادة الزور من أكبر الكبائر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كالإشرال بالله قاله ثلاثاً ثم قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾
الجزء: 14 - الصفحة: 72
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وروى خريم بن فاتك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعدلت شهادة الزور بالاشتراك ثلاث مرات وتلا هذه الآية.
فإذا ثبت عند الحاكم أن شاهداً شهد بزور عزره وأشهره [12/ 68 أ] وإنما يثبت على رجل بالقتل أو الزنا والحاكم يعلم أنه ما قتل ولا زنا إذ كذبته المشاهدة أن يشهد بقطع يد رجل ثم وجدنا يديه صحيحتين ونحو ذلك، وأما إذا شهد شاهدان أنه أقر بأنه شهد بزور لا يثبت بذلك شهادة الزور عليه لجواز أن يكونا كذبا كذبا في شهادتهما عليه، وإن قالا: نشهد أنه كاذب في شهادته لا يقبل لأنهما ينفيان أن يكون هذا الحق ثابتاً والشهادة على النفي تقبل ولا يؤثر هذا في القضاء بعد القضاء، ولكن لو أقيمت الشهادة بذلك قبل القضاء لم يقذ القاضي بتلك الشهادة فأما إذا كذبته المشاهدة فلابد من نقض الحكم بلا إشكال.
والأصل في تعزيره إذا تحققنا منه بما ذكرنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يجلد شاهد الزور أربعين وروى ابن المنذر أن عمر رضي الله عنه جلد شاهد الزور أربعين سوطاً، وروي أنه أتى بشاهد زور فوقفه للناس يوماً إلى الليل يقول: هذا فلان شهد بزور فاعرفوه ثم حبسه، وروي أنه ظهر على شاهد زور فضربه أحد عشر سوطاً ثم قال: لا تأسروا الناس بشهود الزور فإنه لا نقبل من الشهود إلا العدل، وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا أخذ شاهد زور بعث به إلى عشيرته فقال: إن هذا شاهد زور فاعرفوه وعرفوه، ثم خلى سبيله لأنه أتى [12/ 68 ب] بكبيرة لا يجب فيها الحد فاستحق التعزير والأمر في التعزير عندنا مردود إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى أن يضر به أقل من أقل الحدود وهو دون أربعين فغاية تعزيره تسعة وثلاثون سوطاً، وإن رأى أن يحبسه مع ذلك فعل، وإن رأى أن لا يضر به لأنه شيخ ضعيف ويحبسه فعل ذلك، وإن رأى أن ينادى عليه فقط فعل ذلك، وقال مالك رحمه الله: يجوز أن يزيد في تعزيره على أكثر الحدود وقال ابن أبي ليلى لا يبلغ بها المائة ويجوز ما دونها، وقال أبو يوسف: يجوز ما دون الثمانين.
والأصل في تشهيره والنداء عليه ما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذكروا الفاجر بما فيه لكي يعرفه الناس ". وروي: لكي يحذره الناس، ولأنه إذا شهره يجتنبه الناس ويحذروه وإذا لم يفعل ذلك ربما اغتروا به.
وكيفية التشهير أن يبعث معه ثقة إلى المواضع التي يعرف فيها فإن كان من أهل الأسواق ففي سوقه، وإن كان من أهل المساجد ففي مسجده قال الشافعي رحمة الله عليه: وإن كان من أهل قبيله وقفه في قبيله، وإن كان من قبيله وقفه في قبيلته والفرق بين القبيلة والقبيل أن القبيلة بنو الأب الواحد والقبيل الأخلاط المجتمعون من آباء شتى فيقول المنادي: السلام عليكم هذا فلان ابن فلان [12/ 69 أ] قد عرفناه بشهادة الزور فاعرفوه، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يعزر بل تكفي الشهرة، ذكره الطحاوي والمشهور أنه لا يعزر ولا يشهر ولا يجوز أن يزد على ما ذكرنا
الجزء: 14 - الصفحة: 73
فلا يسود وجهه ولا يحلق رأسه ولا ببلاءه بذلك على نفسه، وقال شريح: يجوز أن يفعل كل ذلك في شهرته، وروي أنه قال: يركب حماراً وينادي على نفسه هذا جزاء من شهد بالزور، وقال بعض العلماء: يحلق نصف رأسه، وقد روي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق نصف رأسه وتسخيم وجهه والطواف به في الأسواق والذي شهد له معه، ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وهذه مثلة.
فرع
لو كان من ذوي الصيانات قال ابن أبي هريرة: يصان عن هذا النداء ويقتصر فيه على إشاعة أمره لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وقال غيره من أصحابنا لا فرق بين ذوي الصيانة وغيرهم لأن الصيانة قد خرج منها بزوره.
فرع آخر
إذا ظهر أنه شاهد زور يقضى بفسقه فلا تسمع له شهادة من أحد ما لم يتب، فإن تاب وأمسك حتى يستمر عليها ويتحقق صدق معتقده فيها تقبل شهادته.
فرع آخر
هل ينادى بعد توبته بقبول شهادته؟ فيه وجهان: أحدهما: ينادى بها كما نودي بفسقه والثاني: لا ينادى بها [12/ 69 ب] لأن ظهور التوبة بأفعاله أقوى ولأن في النداء بذلة.
فرع آخر
إذا شهد بالخطأ لم تكن شهادة زور ولكن يوبخ عليها لتسرعه إلى الشهادة قبل تحققها، فإن كثر ذلك منه ردت شهادته، وإن كان على عدالته بعد الثقة بها.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بحق ثم بان أنهما كانا فاسقين ترد شهادتهما ولا يتصل بهما شيء مما ذكرنا لأنه لا يقطع على كذبهما، وإنما ردت شهادتهما للفسق لا للكذب.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه ينبغي للقاضي إذا لم يثق بسلامة الشهود مما ذكرا أن يقدم وعظهم وتحذيرهم فقد كان شريح رحمه الله تعالى إذا حضره شاهدان للشهادة قال لهما: حضرتما ولم أستدعكما، وإن انصرفتما لم أمنعكما، وإن قلتما: سمعت فاتقيا الله فإني متق بكما.
مسألة: قال: واختلف قوله في الخصم يقر عند القاضي فقال: فيها قولان:
الجزء: 14 - الصفحة: 74
الفصل
اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في القاضي إذا علم شيئاً ولم يشهد عنده به شهود هل يجوز أن يقضي بعلمه؟ فقال في أحد القولين: لا يجوز سواء كان في حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين وسواء علمه قبل القضاء أو بعده ولكن يكون شاهداً به يشهد غيره وقول الشافعي أحد القولين أنه كشاهد لم يرد به أن شاهداً آخر لو شهد عند القاضي صار الحاكم كالشاهد الثاني حين يقضي ولكن المراد به ما ذكرنا [12/ 70 أ] أنه عند قاض آخر كشاهد حتى لو شهد معه الشاهد الثاني قضى ذلك القاضي به وبه قال شريح والشعبي ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وأبو عبيد.
والقول الثاني: قاله في "الأم": يجوز أن يحكم بعلمه واختاره في كتاب "الرسالة" وهو اختيار المزني وبه قال أبو يوسف والربيع: وهو الصحيح، ولا فرق بين أن يعلم في ولايته أو في موضع عمله أو غيره وقال أبو حنيفة: إن علمه قبل ولايته يحكم، وكذلك إن علمه في غير موضع عمله، وإن كان في عمله بعد ولايته حكم به، وروي عن محمد مثله وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: يحكم بما علمه في مجلس قضائه ولا يحكم بما علمه في غيره ووجه القول الأول ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قصة الحضرمي والكندي شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك، وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه تداعى عنده رجلان فقال له أحدهما: أنت شاهدي فقال: "إن شئت شهدت لك ولا أحكم، أو أحكم ولا أشهد".
وروي أن عمر قال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: أرأيت لو رأيت رجلاً قتل أو سرق أو زنا قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال: أصبت وسئل الشعبي عن رجل كانت عنده شهادة فجعل قاضياً فقال أتي شريح: في ذلك [12/ 70 ب] فقال: أنت الأمير.
وأنا شاهداك وقال شريح: القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.
ووجه القول الثاني ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنعن أحدكم مخافة الناس إذا رأى الحق يقوم به ويعمل به قال أبو سعيد: وددت أني لم أسمع هذا الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي "لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه"، وروي أو علمه.
وروي أنه قال: في خطبته ولا يمنعكم مخافة الناس من أنفسكم أن تقولوا بالحق إذا علمتم، وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنعن أحدكم مخافة أن يتكلم بحق إن علمه فما زال البلاء حتى قصرنا، وروى سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخاك
الجزء: 14 - الصفحة: 75
محبوس بدين فاقض عنه" فقضى عنه فقال يا رسول الله: أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأته ليس لها ببنة فقال:" أعطها فإنها صادقة" وظاهره أنه حكم لها بعلمه وروى أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله إن لي عند هذا بعيرا, وقال الآخر: ليس له عندي بعير فقال: استحلفه فحلف بالله [12/ 71 أ] الذي لا إله إلا هو وما له عندي بعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر قولك لا إله إلا الله قم بأداء البعير فإنه عندك" وروى أبو داود بإسناده عن عمارة بن غزيه عن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه الفرس ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتعاه فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد ابتعته منك فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا فقال خزيمة: أشهد أنك بعته فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بم تشهد فقال: بتصديقك يا رسول الله.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين" ووجه الحديث عندنا أنه صلى الله عليه وسلم حكم على الأعرابي بعلمهما إذا كان صلى الله عليه وسلم صادقا بارا في قوله وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله والاستظهار بها على خصمه وغلط من قال: تجوز الشهادة لمن عرفت صدقة لهذا الخبر, وروي " أن البائع كان سوار بن الحارث المحارب فجحد [12/ 71 ب] فشهد به خزيمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضر؟ فقال يا رسول الله: صدقتك ما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا فقال: من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه وروي " أن الأعرابي قال: إن شهد على خزيمة فأعطني الثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خزيمة أنا لم استشهدك فكيف شهدت؟ قال: أنا أصدقك على خبر السماء ألا أصدقك على ذا الإعرابي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين فلم يكن في الإسلام رجل تجوز شهادته شهادة رجلين غير خزيمة" وأيضا روي" عن زينب الأسدية قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبي ترك جارية" فولدت ابناً وإنا نتهمها فقال: ائتوني به فلما أتوه نظر إليه وقال: إن الميراث
الجزء: 14 - الصفحة: 76
له وأما أنت فاحتجبي منه" وهذا حكم بعلمه واحتج المزني فقال:" قد قطع بأن سماعه الإقرار منه أثبت من الشهادة وصرح في كتاب الرسالة قال: أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين" لأن العلم به مقطوع والشهادة ظن فكان الحكم بعلمه أولى, وقال الربيع: كان الشافعي رضي الله عنه يعتقد جواز القضاء بعلمه ولكن كان لا يبوح به مخافة قضاة السوء فالمسألة على قول واحد أنه يجوز القضاء بعلمه وأما خبر الحضرمي [12/ 72 أ] فلا حجة فيه لهم لأنه لم يكن معه علم الحاكم وجوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون معه شاهدان, وأما خبر عمر فغير مشهور فالقياس يقدم عليه واعلم أن الشافعي رضي الله عنه قال: في كتاب الرسالة أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين وشاهد والمرأتان وهو أقوى من شاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين ولا إشكال في قوله أقوى من شاهد وامرأتين لأن الطلاق والنكاح لا يثبت بشاهد وامرأتين والشاهد والمرأتان أقوى من شاهد ويمين لأن الإجماع أقوى من الخلاف والإشكال في قوله والشاهد واليمين أقوى من النكول ورود اليمين ولموضع الإشكال أن الشاهد واليمين بينة مختصة بالأموال والنكول ورد اليمين بينة جارية في الدماء والفروج وجميع الأحكام بين الآدميين فكيف جهل الشافعي الشاهد واليمين؟
والجواب: لعل الشافعي أراد بقوله أقوى من النكول ورد اليمين في علم القاضي فإنه يغلب على قلبه فوق العلم الذي ثبت له بالنكول ورد اليمين وذلك أن شهادة العدل الواحد فوق نكول الناكل قد ينكل لكونه ظالماً وقد يخرج عن اليمين وهو صادق فصار شهادة العدل مع يمين الطالب فوق نكول الخصم مع يمين الطالب في التغليب على قلب الحاكم, فأما في الفوائد التي تستفاد من البينات فالنكول ورد اليمين أقوى [12/ 72 ب] من الشاهد واليمين أو نقول: هو أقوى في النفس من ورد اليمين لأنها أتت من غير جهة المدعي واليمين بعد النكول بينه من جهة المدعي.
فرع آخر
إذا قلنا لا يحكم بعلمه فأقر عنده الخصم لم يجز أن يحكم إلا أن يشهد بإقراره شاهدان ليصير حاكماً لا بعلمه وينبغي أن يكون في مجلس حكمه شاهدان عادلان على القول حتى لا يحتاج إلى القضاء بالعلم به قال مالك: وقال بعض أصحابنا: لا يعتبر ذلك ويجوز أن يقضي هنا قولاً واحدا لأنه يحكم بالإقرار وليس يحكم بالعلم قال في " الحاوي": وأكثر أصحابنا على هذا وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا "إذا أقر في مجلس الحكم وقضى عليه في ذلك المجلس وقال: هو قضاء بالحجة فيجوز قولاً واحداً فإن فارق مجلسه ثم عاد فأراد أن يقضي أو أقر في غير المجلس ففيه قولان.
الجزء: 14 - الصفحة: 77
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان مع علمه شاهد واحد هل يقضي ويعد نفسه شاهد آخر , فيه وجهان: أحدهما: يقضي وبه قال شريح, والثاني: لا يقضي بعلمه يدع الحكم بعلم نفسه وإذا شهد عنده شاهدان بالنكاح والقاضي يعرف بين الزوجين رضاعاً لا يقضي بصحة النكاح, ولو قضى يكون عاصياً ولا يصح قضاؤه وكذلك لو شهد بقتل رجل وهو يعرف يقيناً بقاء ذلك الرجل لا يقضي ونحو ذلك كبير وقال في "الحاوي": لو شهد عنده شاهدان بما يعلم خلافه لم يجز أن يحكم بعلمه [12/ 73 أ] وهل يجوز حكمه بالشهادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم بها لأن الشهادة هي المعتبرة في حكمه دون علمه والثاني لا يحكم بها.
وهو الأصح لأنه يتحقق كذبهما.
فرع آخر
لو ذكر القاضي أن بينة قامت عنده بصدقة على ما ذكر منها ويجوز له أن يحكم بها على القولين لأنه حاكم بالبينة دون العلم.
فرع آخر
إذا قلنا: يحكم بعلمه يقول القاضي للمنكر علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي فإن اقتصر على أحد هذين وأغفل الآخر لم ينفذ حكمه ذكره في" الحاوي"
فرع آخر
إذا قلنا: لا يقتضي بعلمه في الأموال ففي حدود الله تعالى أولى وإذا قلنا: يحكم بعلمه هناك ففي حدود الله تعالى هل يجوز أن يقضي بعلمه؟ قال الشافعي رضيا الله عنه: يحتمل أن تكون حقوق الآدميين ويحتمل أن يفرق بينهما لأن من أقر بشيء للناس ثم رجع لم يقبل رجوعه ومن أقر لله تعالى ثم رجع قبل رجوعه فخرجه على قولين: على هذا القول وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي ولأن الحد مأمور بالستر عليه والخصم في الحدود الحاكم فلا يحكم فيما بعلمه.
فرع آخر
إذا قلنا: يحكم بإقراره في مجلس حكمه ولا يكون حاكماً بعلمه بل يكون حكماً بحجته فأقر في مجلس حكمه بحد الله تعالى حكم عليه بالحد من غير شهادة أيضاً
فرع آخر
لو حكم خصمان رجلاً من الرعية [12/ 73 ب] ليقضي بينهما جاز لما روي أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما تحاكما إلى زيد بن ثابت, وروي أن
الجزء: 14 - الصفحة: 78
عثمان وعبد الرحمن بن عوف تحاكما إلى خبير بن مطعم رضي الله عنهم فإن قيل: كان عمر رضي الله عنه إماماً فإذا تحاكم إلى زيد صار زيد حاكماً قلنا: لم ينقل أكثر من الرضا بحكمه وهذا لا يصير حاكماً.
وروي أن عليا رضي الله عنه حكم في الإمامة ففيما عداها أولى وهكذا حكم أهل الشورى في الإمامة عبد الرحمن بن عوف
فرع آخر
التحاكم يجوز سواء كان في البلد حاكم أو لا لأنه إذا جاز أن يوليا عند عدم الحاكم جاز مع وجود الحاكم كالإمام يجوز أن يولي رجلاً حاكماً وإن كان في البلد حاكم.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد في أدب القضاء إذا تحاكما إليه فأيهما أراد الرجوع عن ذلك رجع مالم يقض بينهما, فإذا قضى وأبرم الحكم قال الشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لازم ولا يرد إلا ما يرد من قضاء قاض غيره وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حكم بين اثنين تراضياً له فلم يعدل بينهما فهو ملعون.
ولولا أنحكمه يلزمها لم يلزمه بترك العدل ولأنهما إلى من لم يتراضيا بحكمه جاز ولزم فلئن يلزم بتراضيهما أولى ولأنهما رضيا بحكمه ونظره فحكمه محل الإمام الذي رضوا بحكمه وأمانته والثاني [12/ 74 أ] أنه كالفتيا يعني لهما فلا ينفذ حكمه عليهما إلا أن يترضيا به بعد الحكم لأن الحكم إنما يلزم ممن له ولاية والولاية لمن ولاه الإمام لأنه يلي على الأيتام ويزوج ألأيامي وهذا لا ولاية له فلا يلزم حكمه إلا بالتراضي قال ابن سريج: وهذا أشبه بقوله: لأنه قال في القاسم بالتراضي لا يلزم القسمة ألا أن يتراضيا عليه بعد القسمة وهذا اختيار المزني والأول أصح عندي خاصة في زماننا هذا وبه قال أكثر الفقهاء وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحداً" فصار بتأمرهم له نافذ الأمر عليهم وروى شريح عن أبيه هانئ أنه " وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى المدينة فكانوا يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلا تكني أبا الحكم فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي بهذا الفريقان فقال صلى الله عليه وسلم: حسن هذا فما لك من الولد فقال لي شريح ومسلم وعبد الله , قال فمن أكبرهم؟ قال قلت: شريح قال: وأنت أبو شريح"
الجزء: 14 - الصفحة: 79
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الأول فلو شرع المحكم في الحكم فأراد أن يمتنع فهل له ذلك؟ فيه وجهان: ذكرهما الإصطخري أحدهما: له ذلك لأنه إنما يلزم بالتراضي حال الحكم ولم يؤكد ذلك, والثاني ليس له ذلك لو جوزنا ذلك لم يلزم بحال [12/ 74 ب] لأنه كلما هم بالحكم يمتنع المحكوم عليه.
فرع آخر
لا يجوز لقاضي البلد أن يرد من حكمه إلا ما يرد من حكم غيره, وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يفسخ إّا خالف رأيه , وإن لم يخالف الإجماع لأن هذا عقد في حق الحاكم فكان له فسخه كالعقد الموقوف يجوز أن يفسخه من وقع في حقه وهذا لا يصح لأن هذا الحكم قد صح ولزم فلا يفسخ بمخالفة رأيه كسائر الأحكام وأما ما ذكره فلا يصح لأنه لازم للخصمين فكيف يكون موقوتاً ولا سليم الوقف في العقود.
ولو كان كما قاله لكان له إمضاءه إذا خالف رأيه
فرع آخر
إذا حكم بينهما به في المجلس الذي حكم فيه قبل التفرق لأن قوله لا يقبل عليهما بعد الافتراق كما لا يقبل قول الحاكم بعد العزل.
فرع آخر
لو تعدى الحكم إلى غيرهما وكان منفصلاً عن الحكم ولا يتصل به إلا عن سبب موجب كبينة شهدت بالدين وأن فلانً ضامنه يلزم حكمه في الدين دون الضمان لأن الرضي لم يوجد ممن عليه الضمان.
فرع آخر
لو كان متصلاً بالحكم ولا ينفصل عنه إلا بسبب موجب مثل إن تحاكما إليه في قتل خطأ فقامت به البينة ففي وجوب الدية على العاقة التي لم ترض بحكمة وجهان: أحدهما: يجب عليهم بهذا الحكم إذا قلنا تجب الدية على الجاني ثن تتحملها العاقلة والثاني لا تجب على العاقلة الدية لأنهم [12/ 75 أ] لم يرضوا بحكمه إذا قلنا تجب الدية ابتداء بين العاقلة.
فرع آخر
يجب أن يكون الحاكم من أهل الاجتهاد بحيث يجوز قضاءه فإن كان لا يصلح للقضاء فهو مصلح لا لاحاكم فلا يلزمهما قوله قولاً واحداً
فرع آخر
التحكيم لا يجوز إلا في أحكام مخصوصة والأحكام ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وما يصح العفو منه والإبراء وقسم لا يجوز فيه التحكيم
الجزء: 14 - الصفحة: 80
وهو ما اختص القضاة بالإخبار عنه من حقوق الله تعالى والولايات عن الأيتام والحجر على المبذر وقسم مختلف فيه وهو أربعة أقسام: النكاح واللعان والقذف والقصاص فيها وجهان: أحدهما: يجوز التحكيم فيها لوقوفها على رضا المتحاكمين، والثاني لا يجوز لأنها حقوق تختص الولاة بها وحكمها آكد والأول أظهر وبه قال أكثر أصحابنا.
فرع آخر
لو أن امرأة لا ولي لها فتحاكمت مع رجل غلى رجل ليزوجها منه فإن كانا في دار الحرب أو في بادية لا يصلان إلى حاكم جاز، وإن كانا في دار الإسلام يقدران على الحاكم جاز في أحد القولين وهو اختيار أبي طاهر الزيادي وأبي إسحاق الإسفرايني وعملائه وأنا على هذه الفتوى خاصة في زماننا هذا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يجوز في الحدود والقصاص وجهاً واحداً وفي اللعان وجهان، وكذلك في النكاح.
فرع آخر
لو رضي المتنازعان بتحكيم اثنين لم ينفذ [12/ 75 ب] ذلك فإذا أذن له يجوز أن يستخلف قل عمله أو كثر إلا أنه إن قل عمله يتخير في الاستخلاف، وإن كثر عمله يجب عليه الاستخلاف، ويجوز له أن يولي من شاء في بلد ولايته وقراه وأطرافه والمستحب أن لا يدع طرفاً من ولايته قد جرت العادة فيه بأن يكون هناك خليفة كيلا تبعد على الناس المسافة ولا يشق والأولى إذا ولي قضاء مصر كبير أن يقضي هو في المصر ويستخلف على السواد لأنه تبع فاختص بالتابع، وإن كانا مصرين كالكوفة والبصرة كان بالخيار في أن يقضي في أيهما شاء ويستخلف في أيهما شاء.
فرع
القاضي في بلدين إذا حكم في أحدهما: واستخلف خليفة في البلدة الأخرى أن ينتقل إلى بلد خليفته وينفذ خليفته غلى بلده إلا أن يكون الإمام عين له الحكم في إحداهما والاستخلاف على الآخر فلا يجوز أن يعدل عما عين له وتكون ولايته على البلد الآخر مقصورة على اختيار الناظر فيه دون الحكم.
فرع أخر
لو تنازع خصمان فيه وفي خليفته فإن كان القاضي في يوم التنازع ناظراً فالداعي إليه أولى، وإن كان خليفته ناظراً، والقاضي فيه تاركاً فالداعي غلى خليفته أولى لأنه أعجل.
فرع أخر
لو جعل له الإمام على القضاء رزقاً فإن سمي له اختص به، وإن سمي للقضاء شاركه فيه خلفاءه بحسب كفاياتهم في النظر وكثرة العمل، فإن عزل من استخلف وقام بعمله جاز [12/ 76 أ] أن يأخذ رزقه، وإن لم يقم به لم يجز أن يأخذه.
فرع أخر
لو نهاه الإمام عن الاستخلاف لا يجوز له ذلك سواء قل عمله أو كثر، وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 81
استخلف فلا ولاية لخليفته فإن حكم بين خصمين ترافعا إليه كان كالمحكم من الرعايا.
فرع آخر
إذا كثر عمله لزمه إعلام الإمام بعجزه عن النظر لتخير الإمام بين أن يأذن له بالاستخلاف أو يصرفه عما لا يمكنه القيام بنفسه، ولا يجوز للإمام بعد علمه أن يتركه على حاله وأولى الأمرين بالإمام أن يصرفه عن الزيادة ليكون هو المتولي للاختيار فيكون عن ثقة من نفسه فإن لم يعلم الإمام أو أعلمه فلم يأذن له في أحد الأمرين فكثرة عمله على ضربين: أحدهما: أن يكون مصراً كثير السواد كالبصرة فيختص نظره بالبعد اعتباراً بالعرف وله أن يحكم بين أهل السواد إذا قدموا عليه، فإن استعدى إليه على رجل من أهل السواد فإن كان على أقل من مسافة يوم وليلة لزمه إحضاره، وإن كان على مسافة القصر وأكثر ففي وجوب إحضاره قد ذكرنا وجهين، والضرب الثاني أن يكون عمله مشتملاً على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد يتخير في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما: هل ينعزل عن الآخر؟ قال صاحب "الحاوي ": يحتمل وجهين: أحدهما: أنه انعزل عنه لتعذر حكمه فيه بالعجز عما لو تعذر بآفة والثاني لا ينعزل عنه ويكون باقي الولاية عليه لصحة الولاية عليهما [12/ 76 ب] مع العجز عنهما فعلى هذا يجوز أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر وعلى الوجه الأول لا يجوز له ذلك.
فرع آخر
لو أطلق الولاية ولم يأذن له في الاستخلاف ولا نهى عنه فإن كان الذي ولاه إياه مما يمكنه القيام في جميعه بنفسه فالمذهب أنه يجوز له الاستخلاف في شيء منه لأنه رضي باجتهاده دون غيره فهو كالوكيل لا يوكل، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال الإصطخري: له الاستخلاف اعتباراً بعموم ولايته ولأن الإمام يولي القضاء للمسلمين لا لنفسه ولهذا لا يجوز له عزله فلا يقف استخلافه على إذنه والأول أصح.
ولا نسلم بل له عزله من غير فسق ذكره ابن خيران وجماعة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان ولا معنى لهذا فإن المذهب المنصوص ما ذكرنا.
وإن كان الذي ولاه مما لا يمكنه القيام فيه بنفسه يجوز له أن يستخلف على القدر الذي لا يمكنه القيام فيه بنفسه لأن مثل هذا التقليد يتضمن الإذن في الاستخلاف ضرورة، كما لو دفع ثوباً إلى بزاز ليبيعه يتضمن الإذن في أن يدفعه إلى من ينادي عليه، وأما القدر الذي يمكنه القيام فيه بنفسه هل يجوز له أن يستخلف فيه؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: يجوز له لما جاز الاستخلاف في البعض جاز في الكل، والثاني لا يجوز وهو الأصح لأنه لا ضرورة في ذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 82
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الأول أنه يجوز له الاستخلاف [12/ 77 أ] في الكل لأن العرف فيه كالإذن ينظر، فإن استخلف فيما يدور على مباشرته جاز له أن يعزل خليفته مع بقائه على سلامته وإن استخلف فيما لا يقدر على مباشرته ففي جواز عزله مع بقائه على سلامته وجهان أحدهما: يجوز لنيابته عنه كالوكيل، والثاني: لا يجوز لأنه نائب عنه في حقوق المسلمين ذكره في "الحاوي "وقال أيضاً في الخلافة ثلاثة أوجه: أحدهما: ليس له أن يستخلف قل عمله أو كثر وهو اختيار ابن خيران وذكره القفال، والثاني: وهو قول الإصطخري له ذلك بكل حال، والثالث: وهو قول الجمهور يعتبر بعمله فإن قل وقدر على مباشرته بنفسه يجوز ثم في أي قدر يجوز وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا جوزنا الاستخلاف فحكم الخليفة نافذ، وعلى الحاكم المولى إمضاء ذلك، وإن خرج المولى من موضع ولايته فحكم خليفته نافذ، وإن كان حكم الأصل لا ينفذ بمفارقته تلك الولاية.
فرع آخر
إذا لم يجز الاستخلاف فاستخلف وحكم الخليفة قال الشافعي رضي الله عنه في "الأم ": فمن رأى أنه لا يجوز إلا بأمر، وإن لم ينبغ للقاضي أن ينفذ حكم ذلك القاضي الذي استقضاه ولم يجعل إليه، وإن أنفذه كان تنفيذه باطلاً إلا أن يكون إنفاذه إياه على استئناف حكم بين الخصمين إلى مسالة القولين في رجل تحاكم إليه وتراضيا بحكمه [12/ 77 ب] فحكم بينهما هل يلزم حكمه بنفس الحكم أو لا يلزم غلا بعد أن يتراضيا به؟ فقولان فكذلك هذا المولى في حكم من لم يول فيجئ القولان فيه ولما رأى الإصطخري تعليق الإمام الشافعي رضي الله عنه في "الأم "على ما ذكرنا اجتهد فيه وذكر ما حكيناه عنه.
مسألة: قال: ولو عزل فقال كنت قضيت لفلان على فلان لم يقبل.
الفصل
قد ذكرنا أن القاضي إذا قال في حال الولاية: حكمت لفلان بكذا يقبل لأنه يملك الإنشاء فيملك الإقرار به سواء قال: قضيت عليه بشهادة عدلين رجلين أو قال: سمعت بينته وثبت عندي عدالتهم أو خلفت المدعى عليه أو أقر عندي لفلان بكذا فحكمت به وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف واحمد، وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: لا يقبل حتى يشهد معه رجل عدل وبه قال مالك، واحتج بأنه لما يكن له أن يحكم على
الجزء: 14 - الصفحة: 83
المنكر إلا بالشهادة لم يقبل قوله على المنكر إلا بالشهادة.
وأيضاً روي أن رجلاً سب أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال أبو بردة: دعني أقوم إليه وأقتله، فقال له أبو بكر: لو أمرتك بهذا أكنت فاعله؟ قال: نعم، قال: فما كان هذا لأحد بعد رسول الله صل الله عليه وسلم ". ودليلنا ما ذكرنا ويفارق هذا الشهادة لأن للحاكم ولاية وليس للشاهد ولاية، وأما الخبر أراد به أنه لا يقتل عن سب [12/ 78 أ] أحد إلا من سب رسول الله صل الله عليه وسلم ولم يرد به أن قبول القول يكون للنبي صل الله عليه وسلم خاصة دون غيره.
وإن أخبر به بعد العزل لا يقبل حتى يأتي المقضي له بشاهدين على أنه حكم له قبل أن يعزل لأنه بعد العزل بمنزلة واحد من الرعية ولا يقبل شهادته مع غيره أيضاً لأنه يشهد على فعل نفسه، وقال أحمد: يقبل قوله لأن عزله لا يمنع قبول قوله كما لو كتب كتاباً إلى غيره ثم عزل وهذا لا يصح لما ذكرنا، وأما الكتاب فإنما يقبل عندنا بشهادة شاهدين ويقبل حكمه أيضاً بمثل ذلك.
فرع
لو قال بعد العزل لحاكم آخر: أشهد أن فلاناً أقر في مجلس حكمي بكذا تقبل شهادته على الإقرار لا على الحكم، ولو قال: أشهد أن حاكماً عدلاً حكم عليه بكذا ففيه وجهان: أحدهما: يقبل لأنه لم يضف الحكم إلى نفسه والظاهر أنه أراد غيره، والثاني لا يقبل لأنه يحتمل أن يريد حكم نفسه ويحتمل أن يريد حكم غيره فلا يقبل مع الشك حتى يتيقن.
فرع آخر
لو حكم بعد العزل وهو لا يعلم أنه معزول قال في "الإفصاح "فيه قولان: كما نقول في تصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم فيه قولان، وقال ابن أبي هريرة في المسألتين وجهان بناءً على اختلاف القولين في الفسخ هل يلزم حكمه قبل العلم؟ وقال القفال: قال بعض أصحابنا: هنا قولاً واحداً ينفذ حكمه بخلاف الوكيل، لأن فيه ضرراً بالناس لنقض الأحكام الماضية [12/ 78 ب] وربما يشكل التاريخ وهذا اختيار الإمام أبي زيد المروزي، ولهذا لا يوجب موت الإمام عزله وهذا لأنه ناظر في حق غير المولي والوكيل ناظر في حق الموكل، وقال صاحب "الإفصاح ": ينعزل في الحال قولاً واحداً إذا قال في الكتاب: أما بعد فأنت معزول فإن قال: إذا أتاك كتابي فأنت معزول فلا شك أنه لا ينعزل ما لم يبلغه الكتاب وكذلك إذا قال: إذا قرأت كتابي فما لم يقرأ لا ينعزل، وإذا قرأ بنفسه أو قرئ عليه أو أخبر به انعزل لأن القصد في مثل هذا العلم بخلاف الطلاق فإنه تعلق بالإخطار فيجوز أن يعلق بصفته وهي القراءة بنفسها.
فرع آخر
إذا أراد الإمام عزل القاضي فأدى إليه اجتهاده إما لظهور ضعفه أو لوجود من هو أكفأ منه جاز، وإن لم يؤد اجتهاده إلى عزله لاستقلاله بالنظر في علمه على الاستقامة لم يكن له أن يعزله ولكن إن عزله انعزل، وإن كان الاجتهاد بخلافه لأن عزله حكم فلا
الجزء: 14 - الصفحة: 84
يراد إذا لم يخالف نعتاً أو إجماعاً، وإذا عزله ينعزل بعزله جميع خلفائه ولا ينعزل من ولاه على الأيتام والأوقاف لنظرهم في حق غيره.
فرع آخر
العزل يكون بالقول: فإن قلد غيره واقترن بتقليده شواهد العزل كان تقليد غيره عزلاً له وإن لم يقترن به شواهد العزل [12/ 79 أ] كان الثاني مشاركاً للأول في نظره.
فرع آخر
لو أراد أن يعزل نفسه فإن كان لعذر جاز له الاعتزال، وإن كان لغير عذر منع، وإن لم يخير عليه ولا يجوز أن يعتزل إلا بعد إعلام الإمام واستعفائه لأنه موكول بعمل يحرم عليه إضاعته وعلى الإمام أن يعفيه إذا وجد غيره حتى لا يخلو العمل من ناظر، فإن أعفاه قبل ارتياد غيره جاز إن كان لا يتعذر ولم يجز إن تعذر.
فرع آخر
قال في "الحاوي ": لا يكون قوله: عزلت نفسي عزلاً لأن العزل يكون من المولي وهو لا يجوز أن يولي نفسه فلم يجز أن يعزل نفسه وإنما له أن يستعفي فيعفى.
فرع آخر
قد ذكرنا أن موت الإمام لا يبطل ولاية القضاة لأنه استنابة في حق المسلمين لا في حق نفسه، وروي "أن رسول الله صل الله عليه وسلم قلد عتاب بن اسيد قضاء مكة فلما توفي اختبا عتاب وامتنع من القضاء فأظهره سهيل بن عمرو، وقال: إن يكن رسول الله صل الله عليه وسلم مات فإن المسلمون باقون فعاد عتاب إلى نظره ولم ينكره أحد من الصحابة "فصار إجماعاً.
فرع آخر
قد ذكرنا أن القاضي إذا مات يبطل بموته ولايات خلفائه لأنه خاص النظر خاص العمل [12/ 79 ب] لأنه يفارق الإمام لأن القاضي إذا مات يقدر الإمام على استدراك الأمر في الحال بتقليد غيره، ولو كان قاضي القضاة العام الولاية في جميع الأمصار فهو عام العمل خاص النظر فعموم عمله أنه والٍ على البلاد كلها وخصوص نظره أنه مقصور على القضاء دون غيره فشابه الإمام من وجه فهل تنعزل القضاة بموته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تنعزل لعموم عمله، والثاني تنعزل لخصوص نظره.
فرع آخر
لو حدث فيه عجز فهو على ثلاثة اضرب:
أحدها: ما يمنع التقليد كالعمى والخرس فقد انعزل لحدوثه فيه، والثاني: ما لا يمنع من التقليد كالزمانة فلا ينعزل بها، والثالث: المرض فإن أعجزه عن النهضة ولم يعجزه
الجزء: 14 - الصفحة: 85
عن الحكم لم ينعزل به، وإن أعجزه عن النهضة والحكم فإن كان مرجو الزوال لم ينعزل به، وإن لم يكن مرجو الزوال انعزل به.
فرع آخر
لو حدث الفسق في الإمام الأعظم كان كموته لأنه ينعزل بالفسق في الظاهر، وإن حدث في القاضي فإن استدامه مصراً عليه انعزل به، وإن عجل الإقلاع عنه فإن كان عن غير ندم وتوبة انعزل وإن كان عن ندم وتوبة فإن كان فسقه ظهر قبل التوبة انعزل به، وإن لم يظهر حتى تاب منه [12/ 80 أ] لم ينعزل به لانتفاء العصمة عنه، وإن هفوات ذوي الهيئات مقالة وقل من يسلم منها إلا من عصم الله ذكره في "الحاوي "وسائر أصحابنا أطلقوا أنه ينعزل بالفسق.
فرع آخر
إذا انعزل بالفسق فحكم في حال عزله فإن كان إلزاماً بإقرار صح، وإن كان حكماً بشهادة بطل.
فرع آخر
إذا انعزل به يلزمه أن يمتنع عن الحكم وينهي حاله إلى من ولاه ليقلد غيره ولا يغتر به الناس.
فرع آخر
إذا لزمه أنها حالة فهو مخير بين أمرين: أحدهما: أن يظهر الاستعفاء ويكتم حاله ليكون حافظاً لستره وهو أولاهما، والثاني: أن يخبر ما به وسبب انعزاله وإن كره له هتك ستره للخبر عن رسول الله صل الله عليه وسلم "من أتى منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله "ويخرج بكل واحد منهما عن مأثم الإمساك عن الحكم.
فرع آخر
إذا تمم الحكم قبل موته وعزله فهو على نفاذه، وإن شرع فيه ثم عزل فإن كان مما لا يجوز أن يعاد ولا يجوز أن يراد مثل حد القذف إذا عزل بعد استيفاء بعضه، أو اللعان إذا عزل بعد لعانه قبل لعانها أو بعد بعض لعانه كالمتحالفين إذا حلف أحدهما: وكالأيمان والقسامة إذا حلف بعضها ثم عزل يجوز للقاضي الثاني أن يبني على فعل الأول ولا يلزمه استئنافه، وهذا البناء معتبر بتصادق الخصمين أو بقيام البينة [12/ 80 ب] إن تعاونا.
فرع آخر
لو حكم بفسخ النكاح بإعسار الزوج ولم يفسخ النكاح حتى عزل فليس للثاني فسخه
الجزء: 14 - الصفحة: 86
بحكم الأول بإعساره حتى يستأنف الحكم وكذلك لو حكم ببيع مال المفلس ثم عزل قبل بيعه لم يكن للثاني بيعه حتى يستأنف الحكم، وكذلك لو أذن لولي يقيم في بيع ماله في مصالحه فلم يبعه حتى عزل منع حتى ياذن الثاني، وكذلك لو حكم بشفعة الجوار ولم يسلط الشفيع على الأخذ حتى عزل فليس للثاني تسليطه بحكم الأول حتى يستأنف الحكم بالشفعة والتسليط.
فرع آخر
لو عزل القاضي بعد سماع البينة فإن سمعها ولم يحكم بقبولها حتى عزل يستأنف الثاني الشهادة، فإن قيل أفليس يجوز للقاضي أن يكتب بسماع البينة في الغائب فكذلك هنا؟ فلنا: الفرق أن الغائب لا يقدر على سماع بينة وهنا القاضي الثاني كالأول قادر على سماع البينة فيلزمه سماعها، وإن حكم بقبولها وألزم الحق الذي تضمنها فعلى القاضي الثاني إذا شهد الأول على نفسه بالإلزام أن يبني على حكم الأول في تنفيذ الإلزام، وإن عزل بعد الحكم بقبولها وقبل الحكم بإلزام ما تضمنها فلا يخلو حال من شهد عنده من أن يكونوا أحياء أو موتى، فإن كانوا أحياء لم يجز للثاني البناء حتى يستأنف سماع الشهادة والحكم لأن القدرة على شهود الأصل تمنع الحكم [12/ 71 أ] بشهود الفرع، وإن كانوا موتى أو مفقودين جاز للثاني أن يبني على حكم الأول فيحكم بإلزام حكم الأول بالقبول لأن تعذر القدرة على شهود الأصل يبيح الحكم بشهود الفرع.
فرع آخر
قال في "الحاوي ": الكلام في القاضي في أربعة فصول في ولايته وفي عزله وفي حكمه وفي قوله فأما الفصل الأول وهو الولاية فهي معتبرة بما تضمنه عهده من حدود العمل في صفة النظر من عموم أو خصوص وعلى الإمام فيه حق، وعلى القاضي فيه حق فأما ما على الإمام من حق فثلاثة أشياء: أحدها: تقوية يده حتى لا يعجز عن استيفاء حق ودفع ظلم.
والثاني: مراعاة عمل حتى لا يتخطاه إلى غيره ولا يخل ببعضه.
والثالث: مراعاة أحكامه وأن تجري على السداد من غير تجاوز ولا تقصير ولذلك اخترنا للإمام أن يثبت نسخة العهد في ديوانه لتعتبر أفعاله بما تضمنها وما يلزمه من مراعاته في مبادئ نظره أكثر مما يلزمه فيما بعد، وإن لم يجز أن يخل بمراعاته في حال من الأحوال، فإن شق ذلك عليه ندب له من يراعيه وينهي غليه ما يجري فيه، ولذلك قلد الإمام قاضي القضاة ليكون نائباً عنه في مراعاة القضاء، وأما ما على القاضي من الحق فثلاثة أشياء: أحدها: أن يعمل بما تضمنه عهده من عمل ونظر من
الجزء: 14 - الصفحة: 87
غير مجاوزة وتقصير ولذلك أمر بقراءة عهده على أهل عمله ليعلموا منه ما غليه وما ليس إليه والأولى أن يكون معه قراءة [12/ 81 ب] عهده شاهدان قد شهدا على ما تضمنه ليشهدا به عند أهل عمله حتى يلتزموا طاعته فإن لم يكن الشهود فما قرن بقراءة العهد من شواهد الحال ما يدل على صحته من القرب من بلد الإمام وانتشار الحال واشتهارها لزمتهم الطاعة، وإن لم يقترن به شاهد الحال لم تلزم الطاعة.
والثاني: أن يستمد معونة افمام فيما عجز عنه من استيفاء حق أو دفع ظلم حتى لا يفوت حق قد ندب لاستيفائه ولا يتم ظلم قد ندب لرفعه.
والثالث: أن لا يخل بالنظر مع المكنة اعتباراً بالعرف والعادة.
ولو كان القاضي مرتزقاً لا يستحق رزقه قبل وصوله إلى عمله فإذا وصل إليه ونظر استحق الرزق، وإن وصل ولم ينظر فإن كان متصدياً للنظر استحقه، وإن لم ينظر كالأجير إذا سلم نفسه إلى مستأجره فلم يستعمله استحق الأجرة فإن لم يتصد للنظر فلا رزق له كالأجير إذا لم يسلم نفسه.
وأما الفصل الثاني في العزل وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يعزله الإمام المولي، والثاني: أن يعزل نفسه، والثالث: أن تحدث أسباب العزل والأسباب ثلاثة: موت، وعجز، وجرح وقد ذكرنا حكم الكل.
وأما الفصل الثالث في حكمه وهو على ضربين: ما تممه قبل موته، وما شرع فيه ثم عزل وقد ذكرناه.
وأما الفصل الرابع في قوله وهو ما يخبر به عن نفسه وقد ذكرنا حكم قوله قبل العزل وبعد العزل.
[12/ 82 أ].
مسألة: قال: وكل ما حكم به لنفسه وولده ووالده ومن لا تجوز له شهادته رد حكمه.
جملة هذا أن كل من ردت شهادته له للتهمة يرد حكمه له لأن التهمة فيها واحدة وهم الآباء، والأجداد، والأولاد، وأولاد الأولاد، ويردهما إلى خليفته وقال أبو ثور: يجوز الحكم لكل هؤلاء وهذا غلط لأن التهمة في الحكم أكثر من التهمة في الشهادة، فإذا لم تجز شهادته لهم فالحكم أولى، وقال ابن أبي أحمد: قال الشافعي رضي الله عنه في القديم: تقبل شهادته لوالده وولده وهل يجوز حكمه له؟ وهذا قول شاذ لم يحكه غيره، وقيل إنه وجه لأصحابنا ولا يصح، وأما الحكم عليهم فيجوز كالشهادة عليهم لأنه لا تهمه.
ويجوز الحكم لمن عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كما تقبل الشهادة لهم، وكذلك يجوز للولي المعتق والمعتق.
الجزء: 14 - الصفحة: 88
فرع
حكم القاضي على نفسه مقبول، وهل يكون إقراراً أو حكماً فيه وجهان: أحدهما: يكون إقراراً فعلى هذا يصح في كل ما يصح في الإقرار به، ويرد فيما لا يلزم الإقرار كشفعة الجار إذا قال: حكمت فيها على نفسي للجار لم ينفذ حكمه بها على نفسه، والثاني: يكون حكماً على نفسه ويلزم الشفعة للجار، وكذلك بمقاسمة الإخوة للجد وهو جد ذكره في "الحاوي ".
فرع آخر
للأب أن يفتي للابن في العبادات وهل يلزمه الإفتاء فيما عداها وجهان.
فرع آخر
لو تحاكم إليه والداء [12/ 82 ب] أو ولداه فحكم لأحدهما على الآخر ففي جوازه وجهان محتملان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز لأنهما استويا في البعضية فانتفت عنهما تهمة الممايلة فصار حاكماً على ولده أو على والده.
فرع آخر
لو أراد القاضي أن يستخلف في أعماله والداً أو ولداً جاز، وكذلك جاز أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده.
فرع آخر
لو رد الإمام إلى القاضي اختيار قاض لم يكن له أن يختار والده ولا ولده لأن رد الاختيار إليه يمنعه من اختيار نفسه فمنعه ذلك من يجري بالبعضية مجرى نفسه ويخالف تقليد القضاء لأنه يجوز أن يقضي بنفسه فجاز أن يستقضي من يجري بالبعضية مجرى نفسه.
فرع آخر
لو أراد الإمام محاكمته جاز أن يحاكمه إلى قضائه، وكذلك لو حاكم إلى واحد من رعيته ثم ينظر؛ فإن قلده خصوص هذا النظر صار قاضياً خاصاً قبل الترافع إليه فلم يعتبر فيه رضي الخصم، وإن لم يقلده النظر قبل الترافع اعتبر فيه رضي الخصم.
فرع آخر
القاضي إذا أراد محاكمة خصم له فإن كان في بلد الإمام يحاكمه إلى الإمام أو إلى من يرد إليه الإمام، ولو أراد أن يحاكمه إلى خليفته جاز لأن عمر تحاكم مع أبي بن كعب إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم هكذا ذكره عامة أصحابنا، وقال في "الحاوي ": إذا أراد أن يحاكمه إلى خليفته ففيه وجهان: أحدهما: يجوز [12/ 83 أ]
الجزء: 14 - الصفحة: 89
كما يجوز للإمام أن يحاكم إلى خليفته، والثاني: لا يجوز لأن كل القضاة خلفاء الإمام، وليس كل القضاة خلفاء هذا القاضي فجاز للإمام ما لم يجز للقاضي.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لا يجوز قضاؤه لمكاتبه، ولا لأم ولده، ولا لشريكه فيما له فيه شركة.
فرع آخر
لو وجب على القاضي أن يعدي خصماً يدفع إليه ختمه إلى خصمه ويكون منقوشاً فيه أجب القاضي فلان ابن فلان باسمه ونسبه فإن رد الطابع أو كسره أو قال: لا أجب أو سكت، أو قال: أجئ ثم دافع وتمادى ولم يحضر فرجع الطالب وذكر أنه امتنع من الحضور وصح ذلك بعث العون لإحضاره والعود الرجل الذي يكون في باب داره يأخذ رزقه من بيت المال، وقال في "الحاوي ": القاضي بالخيار بين أن ينفذ عوناً من أمنائه ليحضره، وبين أن يختم طبن بخاتمه المعروف ويكون علامة استدعائه وبين أن يجمع له بين العون والختم بحسب ما يؤدي إليه الاجتهاد من قوة الخصم وضعفه.
فرع آخر
إذا أخبر بامتناع الخصم من الحضور فإن أخبره العون الأمين قبل من غير بينة، وإن أخبره المستعدي لم يقبل إلا بشاهدي عدل وقال أبو حنيفة: يقبله بقول شاهدين، وإن لم يعرف عدالتهما وقال ابن أبي أحمد: يكفي أن يعدل تلك البينة [12/ 83 ب] من سكن قلبه إلى تعديله.
فرع آخر
إذا لم تكن بينة استحلفه على أنه ما أراه الطابع، وإن لم يرد الطالب اليمين إذا رأى القاضي ذلك لأنه من حقه فإن حلف برئ، وإن برئ اتهمه بعد اليمين أو عدل وهدده، وإن نكل عن اليمين فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن ترد اليمين على الطالب فيحلف إن أراد الطالب أنه أراه الختم ولم يجب تخريجاً من النص على قطع السارق لما فيه من حقوق الله تعالى وحقوق بني آدم.
فرع آخر
إذا ثبت أنه رد الطابع أدبه الحاكم على ما يراه من زجر أو من ضرب أو من حبس؛ قال ابن أبي أحمد: ولا يبلغ بتعزير العبد أربعين وبتعزير الحر عشرين.
فرع آخر
إن لم يحضر بالعون بعث شاهدين حتى يشهدا على امتناعه من الحضور بعث إلى
الجزء: 14 - الصفحة: 90
وإلى الأحداث وهو صاحب الشرط ويأمره بإحضاره أو يحضره هو جبرًا بأهل القوةً من أعوانه فإن تغيب ولم يحضر بعث القاضي ثقةً ينادي على بابه ثلاثًا وأعذر إليه في النداء أنه إن لم يحضر المجلس سمر بابه، أو ختم عليه وحسن أن يجمع المنادي أماثل جيرانه ويشهدهم على إعذاره، فإن لم يظهر ولم يحضر سأل المطالب أن يسمر عليه أو يختم وتقرر عند القاضي أن المنزل له وأنه يأوي إليه بشاهدي عدل سمر بابه أو ختم بأي ذلك [12/ (84) أ] رأى فعله فإن لم يحضر بعد التسمير والختم فمذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه يوكل عنه وكيلًا، فإن ثبت عليه حق وقدر على ماله وتوفير حقه فعل وباع عليه عقاره وعروضه وإن لم يكن له مال قال ابن سريج: يجوز الهجوم عليه إن ثبت عند القاضي أنه متوارٍ في بيته فيبعث القاضي الأعوان والخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا، فإن كان عنده قوة في ذلك وإلا استعان بالوالي ويبعث معهم ثقاتًا من النساء فيقدم معهن غلمان لم يبلغوا وخلفهم الخصيان ثم الأعوان من وراء ذلك، فإذا توسط النساء صحن الدار مع الغلمان أنذروا النساء الحرم بدخول الدار ليتجاوزوا إلى بيت ثم يدخل الخصيان فيفتشون الدار ويؤمر ثقةً من النساء بتفتيش النساء ذكره ابن أبي أحمد وقال في ((الحاوي)): إذا ظهر امتناعه من الحضور فالقاضي يتخير بحسب اجتهاده بين أن يحضره جبرًا بأهل القوةً من أعوانه وبين أن ينهي إلى ذي سلطان خبره بعد أن لا يهتك عليه ولا على حرمه سترًا، وبين أن يفعل ما اختاره أبو يوسف أن ينادى على بابه بما يتوجه عليه في الامتناع وبما يمضيه عليه من الحكم.
فرع آخر
إذا تعذر إحضاره قال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ فإن ذكر بينةً أذن له في إحضارها وأمره بتحرير الدعوى عليه ويسمع البينةً ويحكم عليه بعد النداء على بابه بإنفاذ الحكم [12/ (84) ب] عليه ويجري مجرى الغائب في الحكم عليه.
فرع آخر
لا يلزم القاضي في حق هذا المتواري أن يحلف المدعي أنه ما قبض كما ذكرنا في الغائب لأن هذا قادر بحضوره على المطالبةً به لو أراد بخلاف الغائب.
فرع آخر
لو قال: ليس لي بينةً هل يكون هذا الامتناع من الحضور كالنكول في رد اليمين على المدعي أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه لا يجعل نكولًا، لأن النكول بعد سماع الدعوى، وسؤاله عن الجواب، فيصيران شرطين في النكول، وهما مفقودان مع عدم الحضور.
والثاني: وهو الأشبه أن يجعل كالنكول بعد النداء على بابه بمبلغ الدعوى وإعلامه بأنه يحكم عليه بالنكول لوجود شرطي النكول في هذا النداء، فعلى هذا يسمع القاضي الدعوى مجردةً، ثم يعيد النداء على بابه ثانيةً
الجزء: 14 - الصفحة: 91
أنه يحكم عليه بالنكول.
فإذا امتنع من الحضور بعد النداء الثاني, حكم بنكوله, ورد اليمين على المدعي, وحكم له بالدعوى إذا حلف.
فرع آخر
لو كان الخصم المدعى عليه امرأةً, فإن كانت برزةً, والبرزةً التي تتظاهر بالخروج في مآربها غير مستخفيةً فهي كالرجل سواء.
وإن كانت مخدرة لا تخرج لحوائجها وأمورها إلا في النادر فالحاكم لا يحضرها بل يبعث إليها مع خصمه من يحكم بينهما في بيتها وتسمى هذه المخدرةً خفرةً وهي التي لا تتظاهر بالخروج في إرب، وإن خرجت استخفت ولم تعرف ولهذا أصل في الشرع وذلك أن الغامدية [(12) / (85) أ] اعترفت بالزنا ورجمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رؤوس الملأ ظاهرًا لأنها كانت برزةً، وقال في قصة العسيف: "واغد يا أنيس على امرأةً هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها " في موضع مستور لأنها لم تكن برزةً.
فرع آخر
لو اختلفت وخصمها في البروز والخفر فإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم الخفر فالقول قولها مع يمينها، وإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم البروز فالقول قول الخصم مع يمينه.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لو أن رجلًا استعدى على أحد حدًا من حدود الله تعالى لم يعده ولم يهجم عليه في أخذه إلا في مسألة واحدةً وهى حد قاطع الطريق قلته تخريجًا.
فرع آخر
إذا حكم على الغائب قال الحسين بن علي الكرابيسي: من أصحابنا وغيره يطالب القاضي المحكوم له بكفيل لجواز أن يتجدد ما يوجب بطلان الحكم، وقال جمهور أصحابنا: لا يجب ذلك لأنها كفالةً بغير مستحق، ولأنه لو قضى على ميت أو صبى لا يلزم أخذ الكفيل والغائب مثله.
فرع آخر
لو كان غائبًا في أعمال هذا القاضي فإن كان له فيه نائب لم يلزمه إحضاره وهو بالخيار بين إنفاذ الخصم إلى خليفته لمحاكمة خصمه، أو سماع البينة عليه ومكاتبه خليفته به [12/ 85 ب] وإن لم يكن له فيه خليفة، قال أبو يوسف: إن كان على مسافةً يرجع منها إلى وطنه قبل منام الناس أحضره، وإن زاد عنها لا يحضره وقال بعض العلماء: يحضره إذا كان بينهما مسافةً يوم وليلةً، ومنهم من قال: يعتبر مسافة ثلاثةً أيام وعند الشافعي إن كانت مسافةً لا يقصر فيها الصلاةً يحضره، وإن كان على مسافةً يقصر فيها الصلاة اختلف أصحابنا فيه قال أكثرهم وهو الظاهر من مذهبه يحضره للتحاكم لئلا يتمانع الناس في الحقوق بالتباعد، والثاني: لا يجب إحضاره وهو غلط لما ذكرنا من العلة.
الجزء: 14 - الصفحة: 92
فرع آخر
إذا ألزم إحضار الغائب على ما بيناه لم يجز للقاضي أن يحضره إلا بعد تحرير الدعوى وصحة سماعها لأنه قد يجوز أن يدعي ما لا تصح فيه الدعوى، وحكي أن رجلين تقدما إلى قاض فقال أحدهما: إن أخا هذا قتل أخي، فقال القاضي للمدعى عليه ما تقول فقال: إن غير هذا قتله غيري فماذا علىّ، وهذا جواب صحيح عن فساد هذه الدعوى وكان من صحتها أن يقول: إن أخاه قتل أخي وأنا وأرث وهذا من عاقلته لتتوجه له المطالبة بهذه الدعوى فلذلك لم يجز أن يحضر الغائب إلا بعد تحرير الدعوى بما يصح سماعها، ولو كانت الدعوى على حاضر في البلد جاز للقاضي إحضاره قبل تحرير الدعوى [12/ 86 أ] والفرق أن في إحضار الغائب مشقةً فلم تلزم إلا بعد تحرير الدعوى بخلاف الحاضر، وحكي القاضي الطبري عن ابن أبي أحمد أنه قال: إذا كان خارج المصر في موضح يتهيأ حضور المجلس والرجوع بعد المجلس إلى أهله في يومه أحضره، وإن كانت المسافة أبعد من ذلك لا يحضره إلا بعد إقامة المدعي البينةً في حقه لأنه تلحقه المشقةً في الحضور فلا يستحضر حتى يتحقق دعواه بالبينة وهذا غريب ولكنه محتمل؛ لأنه وإن يحقق الدعوى ربما لا يقدر على تمشيتها بالحجةً ولا يعجز كل أحد عن الدعوى الصحيحةً، ولو كان في موضعه رجل مستور كتب إليه حتى يتوسط بينهما حتى لا يحتاج إلى إحضاره، والأولى إن كان ذلك الرجل يصلح للقضاء يفوض إليه القضاء بينهما حتى لا يحتاج إلى إحضاره.
فرع آخر
إذا حضر الخصمان في مجلسه وأراد القاضي فصل الحكم بينهما ابتدأ المدعي بتحرير الدعوى لتنتفي الجهالةً إلا فيما يصح تمليكه كالوصايا فيجوز أن يدعيها مجهولةً فإن قيل: لو أقر لمجهول جاز فهلا جاز أن يدعي مجهولًا قلنا: الفرق أنه تعلق بالإقرار حق لغيره فلزم بالمجهول ولم يتعلق بالدعوى حق لغيره فلم يجز مجهولًا.
فرع آخر
لو كانت الدعوى بشيء في الذمة لا تحتاج إلى ذكر الموضع وإن كانت الدعوى في دار في يد المدعى عليه بين موضعها من السكةً والمحلة والناحيةً والبلد على قدر ما يتعارف أهلها من مواضع الدور [12/ 86 ب] والمحال وحدودها الأربعةً، ثم قال ادعى علي فلان ابن فلان هذا أن جميع هذه الدور بحدودها كلها أرضًا وسفلًا وعلوًا وجمع حقوقها لي وإنها في يده ظلمًا وإني أطالبه بردها علي وإنه ممتنع من ردها، وإن كانت الدعوى على ظالم يمنعه منها قال بعد التحديد: ادعى أن هذه الدار لي وأنه يمنعني منها ولا يحتاج في هذا إلى أن يقول: إنها في يده ولا إني أطالبه بها ولا أنه يمتنع من ردها علىّ، وكذلك الأرضون والعقار يحدها ويبين القريةً ويذكر الرستاق والكورةً والطسوج والناحيةً من البلد على قدر تعارف أهلها، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز
الجزء: 14 - الصفحة: 93
أن يذكر ثلاثة حدود من الأربعةً، وإن اشتهرت الدار باسم لا يشاركها فيه غيرها ميزها بذكر الاسم لأنه زيادة علم ولفظ الدعوى ينبغي أن يقول: لي في يده ولا يقول: لي عليه ولا عنده، ثم يصل هذه الدعوى بأن يقول: وقد غلبني عليها بغير حق أو قد باعها مني ولم يسلمها ولا يلزم صفة البيع إلا بعد أن يختلفا فيه فتنتقل الدعوى إلى البيع فتوصف، فإن كانت الدار في يد المدعي لم تصح الدعوى إلا بعد أن يتعلق له بها حق على المدعى عليه من أجرة سكناها أو قيمةً مستهلك منها، فإن قال: قد نازعني فيها لم يصح لأن المنازعةً دعوى تكون من غيره، وإن قال: وقد عارضني فيها بغير حق قال بعض أصحابنا: تصح هذه الدعوى وسأل الخصم عنها [12/ 87 أ] لأن في المعارضةً رفع يد مستحقةً، ومن أصحابنا من قال: لا تصح هذه الدعوى حتى يصفا المعارضةً بما يصح معها الدعوى.
فرع آخر
لو كانت الدعوى فيما ينقل في الذمة فقد يستحق ذلك من خمسة أوجه: ثمن وأجرة وقرض وقيمة متلف وعقد سلم.
ويجب أن يصف بما يدعيه في الذمة بما ينفي عنه الجهالةً، فإن كان من سلم استوفى أوصاف السلم كلها، وإن كان من ثمن أو أجرةً أو من متلف صار معلومًا بأربعة أشياء: ذكر قدره، وذكر جنسه، وذكر نوعه، وذكر صفته، وإن نسبت إلى طابع ذكر الطابع.
فرع آخر
لفظ الدعوى منه أن يقول: لي عليه، فإن قال: لي عنده جاز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، قلنا: عندنا قد يستعمل في موضع على اتساعًا فلا يمنع صحة الدعوى.
فرع آخر
هو في هذه الدعوى مخير بين أن يذكر سبب الاستحقاق من أحد الوجوه الخمسة التي ذكرناها، أو لا يذكر بعد أن وصف بما ينفى عنه الجهالة وبين المكيل المعروف والوزن في الموزون والذرع في المذروع ونحو ذلك.
فرع آخر
لو كانت الدعوى على عين حاضره تصح الدعوى بالإشارة إليها من غير ذكر الصفة ولفظ الدعوى أن يقول: لي في يده هذا العبد، أو هذه الدابةً، فإن قال لي عنده جاز، ولو قال: لي عليه هذا العبد جاز عند بعض [12/ 87 ب] أصحابنا ولا يجوز عند بعضهم.
فرع آخر
لا يجوز أن يطلق بيان الدراهم في الدعوى، وإن جاز إطلاقها في الأثمان لجواز أن يكون الثمن مشروطًا من غير الغالب ففي الدعوى لا بد من البيان.
الجزء: 14 - الصفحة: 94
فرع آخر
لو كانت العين غائبةً فإن كانت محبط بالصفة كالحبوب والأدهان فما له مثل يصفها ولا يحتاج إلى ذم قيمتها، وإن لم يكن له مثل لؤمه أن يستوفي جميع صفاته ويستظهر بذكر قيمته لجواز أن يستحقها مع التلف، ولو ذكر القيمةً في ذوات الأمثال فلا بأس وكان تأكيدًا فإن أغفل عن ذكر القيمة جاز مع بقاء العين لأنها غير مستحقةً، وإن كان مما لا يضبط بالصفة كالجوهر يذكر الجنس والنوع واللون ثم حرر الدعوى ونفى الجهالة بذكر القيمة لأنه لا يصير معلومًا إلا بها، وإذا ادعى أنه أتلف عليه سلعةً قيمتها كذا أو لم يصفها جاز، فإن ذكر صفتها كان تأكيدًا ولا بأس.
فرع آخر
لو ادعى عليه سيفًا محلى لم يكن بد من ذكر قيمته إلا أنه إن كان محلى بالفضة قوّمه بالذهب وإن كان محلى بالذهب، قومه بالفضة، وإن كان محلى بالذهب والفضي قومه بأحدهما: لأنه موضع ضرورةً ذكره أصحابنا، ويحتمل عندي أن يقال: ينبغي أن يفصل بينهما في الدعوى ويقوم بغير الجنس والله أعلم.
فرع آخر
إذا صحت الدعوى [12/ (88) أ] فالأولى أن سال المدعى القاضي بعد استيفاء دعواه لمطالبة خصمه بما ادعاه عليه، فإذا طالب هكذا سأل المدعى عليه فيقول: سمعت ما ادعاه عليك فما تقول فيه، فإن أجاب بإقرار أو إنكار كان كافيًا ولو بدأ القاضي بسؤاله من غير أن يطالبه المدعي بسؤاله هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز سؤاله لأنه من حقوق المدعي فلم يجز أن ينفرد به القاضي ويكون السؤال لغوًا يعيد فيه باتهام المدعى عليه دون إنكاره كما لو ابتدأ بالجواب قبل السؤال، والثاني: يجوز هذا السؤال ويصح الجواب عقيبه لأن شاهد الحال يدل على إرادة المدعي لسؤاله ويغني ذلك عن سؤاله وهذا أصح، وقيل: هل يجب عليه أن يسأل المدعى عليه قبل مطالبة المدعى؟ فيه وجهان: والمذهب أنه يجب.
فرع آخر
لو أن المدعي تفرد بسؤاله لم يلزمه الجواب حتى يكون القاضي هو السائل لأن حق المدعي مختص بالمطالبة دون السؤال، فإن أجابه المدعى عليه عن سؤاله بإقرار أو إنكار هل يقوم سؤاله مقام سؤال القاضي؟ فيه وجهان: أحدهما: يقوم إذا قلنا: لا يسأل القاضي إلا بعد طالبة المدعي بالسؤال، والثاني: لا يقوم إذا قلنا بالوجه الآخر فعلى هذا يكفى إنكاره.
فرع آخر
إذا طالب المدعى عليه بالجواب لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقر، والثاني: [12/ 88 ب] أن ينكر، والثالث: أن لا ينكر ولا يقر، فإن أقر ثبت الحق
الجزء: 14 - الصفحة: 95
بإقراره ولا يحكم به إلا بعد أن يسأله المدعي الحكم لأنه الطالب فيقول القاضي: قد أقر لك بما ادعيت فماذا تريد؟ ولا يقول له: قد سمعت إقراره لأن قوله قد أقر حكم بصحة الإقرار بخلاف قوله: سمعت إقراره، فإن لم يطالب المدعي بالحكم أمسك عنه وصرفهما وكان للمدعي أن يتخير من القاضي محضرًا بثبوت الحق دون الحكم به ولم يكن له ملازمة المقر قبل الحكم، وإن سأله الحكم عليه بإقراره حكم بثلاثة ألفاظ: قد حكمت عليك بإقرارك، أو ألزمتك ما أقررت به، أو أخرج إليه من حقه، وليس له مطالبته بكفيل إلا أن يتفقا عليه عن تراض.
ولا يسقط حقه من ملازمته بإقامة الكفيل سواء كفل بنفسه أو بماله لأن الكفالة وثيقةً فلم تمنع الملازمة كما لم تمنع المطالبة، فإن اتفقا على تخلية سبيله عند الكفالة لم يلزم هذا الاتفاق وله أن يعود إلى ملازمته بعد تخليته لأنه حق له إلى أن يستوفي حقه.
وأما القسم الثاني إذا أنكر يجوز للقاضي أن يقول للمدعي قد أنكر ويجوز أن يقول: قد سمعت إنكاره بخلافه في الإقرار لتردد الإقرار بين صحة وفساد وعدمه في الإنكار، ثم إن كان هذا المدعي عاميًا لا يعرف رسوم الحاكم، فإن كان الحاكم يقول له: أقم البينةً إن كانت لك فإن كانت له بينة [12/ 89 أ] سمعها ولا يسمعها إلا أن يقول المدعي: سلهم أيها الحاكم فإذا قال ذلك قال لهم الحاكم: ما تقولون أو ما عندكم في هذا؟ ولا يقول لهم: اشهدوا فإذا شهدوا نظر فإن كانت الشهادةً غير صحيحةً لم يحكم بها ولم يلقنهم، وقال للمدعي: زد في شهودك، وإن لم تكن له بينةً فليس له إلا يمين المدعى عليه إلا أن الحاكم لا يحلفه حتى يسأله المدعى عليه.
وإن كان المدعي ممن يعرف رسوم القضاء فالحاكم بالخيار إن شاء قال: أقم البينة إن كانت لك، وإن شاء قال قد أنكر دعواك وسكت، فإن قال: لي بينةً سمعها، وإن طلب إحلافه أحلفه بالله تعالى وقال بعض أصحابنا: القاضي في اختياره بالإنكار بائن أن يقول له: قد أنكر فماذا عندك فيه والأول أولى مع من جهل، والثاني أولى مع من علم.
واعلم أن الحكم في إنكار الدعوى موقوف على بينة المدعي في إثبات الحق بها، وعلى يمين المدعى عليه عند عدمها لإسقاط المطالبة بها وللمدعى الخيار في إقامة البينةً لأنها من حقوقه فلم يجبر على إقامتها، وللمنكر الخيار في اليمين لأنها من حقوقه فلم يجبر على الحلف بها.
فرع آخر
لو أنكر المدعى عليه وقال: ما لك عليّ فقال له المدعي: نعم، كان تصديقًا له على الإنكار وبطلت دعواه، ولو قال: بلى، كان تكذيبًا له على الإنكار ولم تبطل دعواه، والفرق أن نعم حجاب الإيجاب [12/ 89 ب] وبلى جواب النفي وهذا حكمه فيمن كان من أهل العربية وفى اعتباره فيمن كان من غير أهل العربية وجهان على ما ذكرنا في كتاب الإقرار.
وأما القسم الثالث: أن لا يقر ولا ينكر فله حالتان: إحداهما: أن يكون
الجزء: 14 - الصفحة: 96
غير ناطق لخرس أو صمت فإن كان مفهوم الإثارة صار بها كالناطق فيجري عليه حكم الغائب، والثانية: أن يكون ناطقًا فامتناعه من الإقرار والإنكار من أحد: إما أن يقول: لا أقر ولا أنكر، وإما أن يسكت فلا يجيب بشيء فيجري عليه حكم الناكل ولا يحبس على الجواب وقال أبو حنيفة: يحبسه حتى يجب بإقرار أو إنكار.
فرع آخر
البينة تسمع على المنكر دون المقر لأن الإقرار أصل هو أقوى، والبينة فرع هو أضعف.
فرع آخر
لو خالفت البينة الدعوى في الجنس لا تسمع، وإن خالفتها في القدر إلى نقصان حكم في القدر بالبينةً دون الدعوى فإن خالفتها إلى زيادةً حكم في القدر بالدعوى دون البينةً ما لم يكن من المدعي تكذيب البينة في الزيادةً، فإن أكذبها فيه ردت ولم يحكم بها.
فرع آخر
لو اتفق شاهدًا البينةً على الشهادة، فإن اختلف الشاهدان في الجنس ردت وإن اختلفا في القدر ثبت في الأصل.
فرع آخر
لو سمعت البينة بعد الدعوى قبل الإنكار هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز [12/ 90 أ] لوجودها بعد الطلب، والثاني: لا يجوز حتى تقام بعد الإنكار لتقدمها على زمانها.
فرع آخر
لابد أن يكون الأداء بلفظ الشهادة أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه أن عليه لفلان كذا، وأن يقل: أشهدني فيه وجهان بناء على أن الاسترعاء شرط في حمل الإقرار أولًا، والأصح أنه لا يشترط.
فرع آخر
لو كانت الشهادةً في غير إقرار كالثمن في بيع حضرةً أو قرض، ففي لزوم ذكر سببه في أدائه وجهان كقوله في أداء الإقرار وأشهدني.
فرع آخر
لو شهد بلفظ الخبر بأن قال: اعلم أن له كذا لم يجز لأن الخبر حكاية حال: مضافةً إلى المشهود عليه فلا يتعلق بها الإلزام إلا بالشهادة المضافة إلى الشاهد.
فرع آخر
لا تسمع البينة إلا بمشهد المدعي وعينه، ثم إذا سمعها لم يحكم بها إلا إن يسأله
الجزء: 14 - الصفحة: 97
فإن حكم بها قبل سؤال المشهود له هل يجوز؟ فيه وجهان: بناء على الوجهين في جواز سؤاله للمدعى عليه قبل أن يطالبه المدعي بسؤاله أحدهما: لا يجوز لأنه حكم لغير طالب، والثاني: يجوز لأن شواهد الحال تدل على الطلب.
فرع آخر
إذا ثبتت عدالة الشهود وسأل المدعي الحكم بها فالأولى أن يقول للمشهود عليه: قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبتت عندي عدالتهما وقد اطردت لك [12/ 90 ب] جرحهما وينظره يومًا ويومين وثلاثةً، فإن أتي بالجرح سقطت الشهادةً، وإن لم يأت بالجرح حكم له، فإن حكم به قبل إعلامه جاز.
فرع آخر
قال في "الأم": واجب للقاضي إذا أراد القضاء على رجل أن يجلسه ويبين له ويقول له: احتججت عندي بكذا وقامت البينة عليك بكذا، واحتج خصمك بكذا أفرأيت الحكم عليك من قبل كذا ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه وأبعد من التهمة، وإن لم يفعل جاز حكمه.
فرع آخر
قال في "الأم": وإذا كان الأمر بينا عند القاضي مما يختصم فيه الخصمان فأحب أن يأمرهما بالصلح، وأن يتحللهما من تأخير الحكم بينهما بشيء بان له، وإن أشكل الحكم عليه لم يحكم بينهما طال ذلك أو قصر حتى تنتهي الغايةً في البيان والحكم قبل البيان ظلم، والحبس قبل البيان يعني حبس الحكم ظلم فجعل الشافعي رضي الله عنه الحكم على الفور إذا انكشف له ولم يسوغ له التأخير إلا برضي من له الحكم وجوز التأخير إذا بان مشكلًا لم ينكشف.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه قبل الشهادة: ما يشهد به هذان الشاهدان علي فهو حق لم يكن إقرارًا بما يشهدان به لتقدمه على الشهادة.
فرع آخر
لو قال بعد الشهادة: [12/ 91 أ] ما شهدا به علي حق كان إقرانًا، ولو قال: ما شهدا علي صدق لم يكن إقرارًا، والفرق أن الحق ما لزم فلم يتوجه إليه احتمال والصدق قد يكون فيما قفاه فيتوجه عليه الاحتمال.
فرع آخر
لا يحلف المدعي مع البينة، وقال ابن أبي ليلى: لا حكم له بالبينة حتى يحلف معها كما في الحكم على غائب، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وسوار القاضي، وقال إسحاق: إذا استرابه الحاكم يجب ذلك، واستحلف شريح رجلًا فتأبى عليه فقال: بئس
الجزء: 14 - الصفحة: 98
ما تثني على شهودك وهذا غلط لأن في إحلافه مع بينته قدحًا فيها ولأن الحاضر لو قضى لذكر بخلاف الغائب.
فرع آخر
لو أخر المدعي إحضار بينته وأراد ملازمة خصمه على إحضارها سأله القاضي فإن كانت غائبةً لم يكن له ملازمته وقيل له: لك الخيار في تأخيره إلى حضور بينتك أو تحلفه فتسقط الدعوى، فإن حضرت البينة لم تمتع اليمين من سماعها، وإن كانت البينة حاضرةً في البلد له أن يلازمه ما كان في مجلس الحكم في يومه باقيًا، فإذا انقضى المجلس لم يكن له ملازمته ما لم يشهد الحال بوجود البينةً، فإن شهدت أحواله بوجودها جاز له أن يلازمه إلى غايةً أكثرها ثلاثة أيام لا يتجاوزها ولا يلزمه إقامة كفيل بنفسه لما روى الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده ((أنه استعدى [12/ 91 أ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل فقال له: إلزمه)) ودليلنا خبر الحضرمي والكندي ((شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذاك)).
وأما خبرهم فمحمول على حق ثبت وجوبه هكذا ذكره في ((الحاوي)) وقال ابن أبي أحمد عندنا لا يلزمه إلا أن يكون في مقدار جلوس القاضي فيلازم حتى يحضر البينة، وقال أبو حنيفة ت له ملازمته إلى ثلاثة أيام وهذا أولى عندي بالصواب لأن المدعي يدفع دعواه بيمينه فلا معنى لملازمته.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه لا يجوز إحلاف المدعى عليه إلا بعد مطالبة المدعى فإن كان المدعي عالمًا باستحقاق اليمين وإلا أعلمه القاضي أنه قد وجب له اليمين ولو حلفه القاضي قبل سؤال المدعي لا يعتد به وحلفه ثانيًا بسؤاله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتسب به إذا حلفه القاضي وهو غلط ظاهر.
فرع آخر
قال في ((الحاوي)): هل يجوز للقاضي أن يعرض عليه اليمين قبل مسألة المدعي؟
فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة كما لا يجوز إحلافه، وقال ابن سريج يجوز أن يعرضها، وإن لم يجز أن يحلفه بها ليعلم إقدامه عليها فيعطيه أو يقفه عليها فيحذره.
فرع آخر
لو حلف المدعى عليه قبل تحليف القاضي لا يعتد به وأعاد الحاكم عليه اليمين لخبر ((ركانة بن عبد يزيد فإنه طلق امرأته البتة فقال له [12/ 92 أ] النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أردت قال والله ما أردت بها إلا واحدةً فردها عليه فأعاد اليمين عليه لما حلف قبل الاستحلاف))، ولأن يمين المدعى عليه تنعقد بحسب ما يستحلفه عليه الحاكم دون نية الحالف، فإذا حلف قبل استحلافه انعقد بحكم نيته فلم تكن اليمين المستحقة عليه فلا يعتد بها، وقيل في خبر ركانةً اثنتا عشرةً فائدةً ثلاث في اليمين أنه يجوز الاقتصار في
الجزء: 14 - الصفحة: 99
اليمين على الاسم خاصة، والثانية: أنه أعادها عليه حين كان قبل الاستحلاف، والثالثة: جواز حذف طرفي القسم من اليمين لأنه قال: الله إنك أردت واحدة فقال: الله إني أردت واحدة فحذف الواو.
وثلاث في الرجعة إحداها: أن الرجعة ثبتت بعد الواحدة والثانية: أنها لا تفتقر إلى رضي المرأةً، والثالثة: أنها لا تفتقر إلى الشهود.
وست في الطلاق إحداها: أن البينة ليست بصريح ولا يقع الطلاق بها إلا بالبينةً، والثانية: أنه يقع بها ما نواه من عدد الطلاق لأنه رجع إلى نيته، والثالثة: إيقاع الثلاث ليس بمحرم لأنه سأله عما أراد من العدد، والرابعة: أن الطلقة الواقعة بها لا تقطع الرجعة خلافًا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى.
. .، والسادسة: أن اليمين تعرض في الطلاق خلافًا لأبي, حنيفة رحمه الله، وقيل بدل على أنه لا يقع بها الثلاث خلافًا لمالك رحمه الله.
فرع آخر
لو ترك إحلافه لا يسقط حقه منها [12/ 92 ب] متى أراد إحلافه، ولو قال: عفوت في اليمين أو أبرأته منها سقط حقه منها في هذه الدعوى، ولم تسقط الدعوى، فإن أراد إحلافه من بعد لم يجز أن يحلفه يا لدعوى المتقدمة، ويجوز أن يستأنف الدعوى فيحلفه بالدعوى المستأنفة.
فرع آخر
لو أن المدعي سأل إحلافه وأمسك عن ذكر بيته عند سؤاله هذا فلم يذكر أن له بينة أو لا بينة فليس للقاضي أن يلزمة ذكر البينة وعليه أن يحلف له.
فرع آخر
إذا حلف له ثم جاء بالبينةً وأقامها تسمع بينته وثبت حقه وبه قال شريح والشعبي وأبو حنيفة ومالك وقال ابن أبي ليلى وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا تسمع بينته، وحكاه صاحب ((الحاوي)) عن مالك أنه قال: إن علم أن له بينة عند التحليف لم يكن له إقامتها، وإن لم يعلم فله إقامتها.
واحتجوا بأن اليمين حجة المدعى عليه كما أن البينةً حجة المدعي ولا تسمع يمين المدعى عليه بعد حجةً المدعي فلذلك لا تسمع حجة المدعي يعد حجة المدعى عليه.
ودليلنا أن كل حالةً يجب عليه الحق بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وأما ما ذكروه فلا يصح لأن البينة أقوى ولهذا تقدم على اليمين فلا يجوز اعتبا ر البينة بها.
فرع آخر
لو ذكر أن له بينةً غابت وسأله إحلافه يلزمه إحلافه لأن الغائبة كالمعدومة [12/ 93 أ] ولأن الحكم إذا وجب تعجيله لم يجز له تأخيره.
فرع آخر
لو قال لي بينة حاضرة وأريد إحلافه ولا أريد إقامتها أحلف له أيضًا لأنه قد يكون
الجزء: 14 - الصفحة: 100
له غرض في تأخير البينةً وطلب اليمين لأنه يخاف من اليمين فبقي مستغنى عن البينةً، أو ليثبت كذبه في يمينه بعد إقامة البينةً، وقال في ((الحاوي)): فيه وجهان أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه وبه قال أبو يوسف له ذلك، والثاني: ليس له إحلافه وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لأن مقصود المدعي إثبات الحق عليه دون إسقاطه ويمكن إثباته بالبينةً، ولو أراد إحلافه بعد إقامة البينة لم يجز لعدم تأثيرها.
فرع آخر
لو قال المدعي: إن حلف فهو بريء فحلف لم يمنع ذلك من سماع البينة عليه لأن البراءةً لا تقع بالصفات.
فرع آخر
لو قال: لا بينةً لي حاضرةً ولا غائبةً وسأل إحلافه يلزمه فإن أحضر بينة ففيه وجهان أحدهما: وهو قول الأكثرين لا تسمع لأنه قد أكذبها بإنكارها وبه قال محمد وقال الإصطخري تسمع لأنه قد لا يعلم أن له بينةً ثم علم، ولو علم لكان ذلك كذبًا منه ولم يكن تكذيبًا للبينه وقيل: هذا ظاهر المذهب وبه قال أبو يوسف ومن أصحابنا من قال: إن تولى الإشهاد بنفسه لم تسمع له بينة لأنه أكذبها، وإن كان وكيله [12/ 93 ب] تولى الإشهاد عليه أو كانا شهدًا عليه من غير أن أشهدهما سمعت بينته وكذلك لو قال: كل بينة تشهد لي فهي كاذبةً وحلف المدعى عليه ثم أقام البينة ففيه ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، وهذا إذا اعتذر وقال: لم أعلم في ذلك الوقت والآن علمت وقال الصيمري: إذا قال: كل بينةً أقيمها فهي داحضةً لا تقبل إذا أتي بشهود بعده.
فرع آخر
لو استمهل المدعى عليه في اليمين فإن كان ليراجع النظر في حسابه أمهله بحسب ما يمكنه مراجعة الحساب، وقيل: يمهل ثلاثة أيام ولا يمهل أكثر منها، وإن استمهله لغير ذلك لم يمهله ولم يحبسه على اليمين وكان باطلًا ولا يسأل عن سبب امتناعه عن اليمين.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: لا أحلف لأنه حلفني على هذه الدعوى مرةً واستنظره لإقامة الحجةً على يمينه أنظره القاضي مجلسًا واحدًا أو أكثر على ما يراه إلى ثلاثة أيام، وإن قال أحلفني عندك والقاضي يعلم أنه ما أحلفه لا يقبل ذلك ولا ينظره لإقامة البينة.
فرع آخر
لو لم يكن القاضي عالمًا بذلك فأقام البينة أنه حلفه عنده قال ابن أبي أحمد يقبل البينة تخريجًا مما قال الشافعي رضي الله عنه في ((الأم)) في باب أدب القضاء: الخصمان إذا تداعيا وأقام المدعي البينة فاتخذ القاضي محضرًا بما جرئ، فإن حلف إنسان أمر من حضره من [12/ 94 أ] العدول بتوقيع شهاداتهم في المحضر فإذا أدوا شهادتهم يحكم بها وإلا شهد عليه من يقيل شهادته فيقبله.
الجزء: 14 - الصفحة: 101
فرع آخر
لو لم يقم على ذلك بينةً ولكنه رام استحلاف المدعي على أنه لم يحلفه على هذه الدعوى حلفه القاضي بالله فإن قال المدعي أيضًا، لا أحلف فإنه قد حلفني على ذلك مرةً ولي بذلك بينةً سمعها القاضي، وإن قال لا بينة لي فأحلفوه على أنه لم يحلفني أنه ما حلفته في هذه الدعوى لم يسمع القاضي من المدعي لأن المدعى عليه يدفع ذلك مثل مقالته وعواه وذلك يطول إلى ما لا نهايةً له وفي ذلك ذريعةً إلى منع القاضي من الوصول إلى الحكم فالمدعي أحق بقطع المادةً لأنه هو الطالب دون المدعى عليه، فإما أن يحلف، وإما أن يقوم عن المجلس قاله ابن أبي أحمد تخريجًا.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: حلف المدعى أنه ما أبرأني من هذه الدعوى، مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحلف المدعى لأنه لو أقر بأنه لا دعوى عليه بريء.
فرع آخر
لو قال: أبرأني من هذه الدعوى لا يكون إقرارًا بالمال، ولو قال: أبرأني من هذا المال قال ابن أبي أحمد: يكون إقرارًا بالمال لأن الإبراء لا يكون إلا عن دين قال: ولو حلف رجل لأبرأ فلانًا من هذا المال فبرأه مما ليس عليه لم يكن ذلك إبراء فدل على أن الإبراء يقتضى ثبوت [12/ 94 ب] المال وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا يكون إقرارًا بالمال لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: الآية (69)] الآية وكان الإيذاء بقولهم به آدرةً ولم يكن به آدرةً.
والجواب عن هذا التمسك أن الله تعالى برأه من قولهم لا من الأدرةً فلا حجةً فيه لهم.
فرع آخر
وقال: أبرأني من المال قد بينا أنه يكون إقرارًا فإن أقام البينةً على الإبراء برئ، فإن لم يكن له بينةً فالقول قول المدعي مع يمينه لأن الأصل عدم البراءةً، فإذا أراد أن يحلف قال الشافعي رضي الله عنه: يحلف بالله تعالى أن هذا الحق ويسميه تسميةً يصير بها معلومًا ثابت عليه ما اقتضاه ولا شيئًا منه ولا اقتضاه مقتضى بأمره ولا بغير أمره ولا أحال به ولا بشيء منه ولا أبرأه منه ولا من شيء منه، وإنه لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين قال أبو إسحاق: هذا إذا ادعى البراءة مطلقًا فإن ادعى البراءةً بجهةً معلومةً حلف على تلك الجهة، فإذا ادعى أنه استوفى حلف أنه ما استوفى فقط قال أصحابنا: يمكنه أن يجمع ذلك بأن يحلفه أنه لم يبرأ من ذلك الحق لا بقول ولا بفعل، ولو حلفه ما برئت ذمته من ذلك الحق ولا من شيء منه أو ما برأت ذمته من شيء من ذلك الحق كفاه، وما ذكره الشافعي رضي الله عنه [12/ 95 أ] تأكيدًا لا يضر تركه.
الجزء: 14 - الصفحة: 102
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: لو قال برئت إليه من هذا المال مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يسأل عنه فإن قال: قضيت كان إقرارًا وحلف المدعى بالله تعالى واقتضاه فإن قال: برئت إليه بأن حلفت له أو أقمت بينة على إقراره فالقول قول المدعى عليه مع يمينه فلم يجعل قوله: برئت إليه من هذا المال إقرارًا بالمال ورجع في تفسيره إليه وجعل قوله من هذا المال إقرارًا بالمال قال القاضي الطبري: ويمكن أن يقال في وجه الفرق بينهما أن قوله: أبرأني يقتضي ثبوت المال قبل إبرائه لأن ما يبرأ منه بإبرائه هو المال الثابت، فأما إذا قال: برئت إليه أو عندي براءةً من هذا المال محتمل لأن يكون قد حلف له على إنكاره أو غير ذلك فيرجع في تفسيره إليه والله أعلم.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد لو قال عندي مخلص من هذا المال أو مخرج من هذا المال لا يكون إقرارًا وسأله القاضي عن وجه المخلص، وكذلك لو قال: عندي مخرج من هذه الدعوى أو مخلص أو براءةً من هذه الدعوى.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه بعد إنكاره حلفوا المدعى على ما ادعى وأحكموا له بما يدعيه لم يحلف المدعي وتعرض اليمين أولًا على المدعى عليه فينكل تم ترد اليمين على المدعى بعد النكول ثلاثةً تخريجًا على مذهب الشافعي رضي الله عنه [12/ 95 ب] لأنه إنما جاز رد اليمين وليس ترد حتى تعرض وينكل.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه: لا يجوز لي أن أحلف ماله القاضي عن ذلك، فإن قال: لأني حلفت أن لا أحلف عند حاكم أو نذرت لم يعذره بذلك ولم يجعله ناكلًا بل طالبه باليمين فإن أبى أن يحلف رد اليمين على المدعي.
فرع آخر
لو قال المدعى عليه للقاضي: محل المدعي من أين له هذا المال فإن ادعى من وجه كذا فلي عليه بينةً، وإن ادعى من غيره حلفته فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن القاضي بالخيار إن شاء سأله تخريجًا مما قال الشافعي وأحب أن لا يقبل الشهادةً حتى يسأل من أين هذا عليه.
فرع آخر
لو قال المدعي: أريد تأخير إحلاف المدعى عليه ليغلظ بإحلافه بعد العصر أو في ((الجامع)) كان له ملازمته إن استحق تغليطها وإن لم يستحق تغليطها فليس له ملازمته.
الجزء: 14 - الصفحة: 103
فرع آخر
لو كانت الدعوى تشتمل على أنواع فأراد أن يحلف على أحدها ويتوقف فيما عداه جاز، وإن أراد أن يحلفه على كل نوع منها يمينا يمينًا فإن فرقها في الدعوى جاز أن يفرق في الأيمان وإن جمعها في الدعوى لم يجز أن يفرق في الأيمان.
فرع آخر
إذا وجب اليمين على المدعى عليه فامتنع أو قال: نكلت عنها أو قال: لا أحلف فإن لم يعرف حكم النكول وجب على القاضي [12/ 96 أ] أن يعلمه حكمه وهو رد اليمين، وإن عرف حكمه استغنى عن إعلامه، ولكن يقول له: إن أقمت على امتناعك جعلتك ناكلًا.
فرع آخر
بماذا يستقر نكوله؟ قال ابن سريج: يستقر نكوله بإعلامه ولو كان بدفعة واحدةٍ ومن أصحابنا من قال وهو اختيار أهل العراق لا يستقر إلا بأن يعرضه عليه ثلاثًا هي حد في الاستظهار.
فرع آخر
إذا استقر المكود فهل يفتقر إلى حكم الحاكم به قبل رد اليمين فيه وجهان: أحدهما: لا يرد إلا بعد أن يقول للمنكر: قد حكمت عليك بالنكول لما فيه من الاجتهاد فإن ردها عليه قبل علمه لم يجز.
والثاني: يجوز أن يردها على المدعي وإن لم يقل حكمت بالنكول لأن ردها عليه حكم بالنكول.
فرع آخر
لو أراد المدعى عليه أن يحلف بعد الحكم بنكوله ليس له ذلك لانتقالها إلى المدعى.
فرع آخر
لو حلف المدعي بعد النكول والرد عليه حكم له، وإن قال: لا أحلف سألناه عن سبب امتناعه فإن قال: امتنعت لأن لي بينةً أقيمها، أو لي حساب أنظر فيه للاحتياط فأحلف على ما يتيقنه لم يسقط حقه من اليقين ومتى اختار اليمين حلف وثبت حقه.
فإن قيل أليس قلتم: لو امتنع المدعى عليه من اليمين لا يسأل عن سب امتناعه، وإذا امتنع المدعي من يمين سئل عن سبب امتناعه فما الفرق؟ قيل: إن المدعى عليه إذا امتنع قويت يذلك جنبةً المدعي فانتقلت اليمين إليه [12/ 96 ب] فلا فائدةً في سؤاله لأنه لا يقبل منه ما يبطل ما ثبت بامتناعه للمدعي، وأما إذا انتقل لا ينتقل الحق إلى غيره بل يقف الأمر فسألناه عن ذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 104
فرع آخر
لو توقف المدعي لغير استمهال هل يحكم على المدعي بالنكول في يمين النكول؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الإصطخري يحكم، فإن رام أن يحلف بعد الحكم بنكوله لم يجز كما في المدعى عليه، والثاني وهو الأظهر لا يحكم بنكوله والعرف أن نكول المنكر يتعلق به حق الغير ونكول المدعى لا يتعلق به حق لغيره فله أن يحلف متى شاء ويستحق.
واعلم أن صاحب "الحاوي" ذكر فصلًا وترتيبًا حسنًا فيما ذكرنا من الفروع فقال: إذا حضر الخصمان عند القاضي ففصل الحكم بينهما يشتمل على ستة فصول: أحدها: ابتداء المدعي تحرير الدعوى، والدعوى على ضربين فيما ينقل وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون في الذمة، والثاني: أن يكون بعين قائمةً وهي على ضربين: حاضرة، وغائبة, والفصل الثاني في سؤال المدعي، والفصل الثالث في جواب المدعى عليه وهو على ثلاثة أقسام، والفصل الرابع سماع البينةً ولسماعها أربعة شروط: أن تكون موافقةً للدعوى، والثاني أن يتفق شاهدًا البينةً على الشهادة، والثالث أن يسمع بعد الدعوى والإنكار، والرابع أن يكون الأداء بلفظ الشهادة، والفصل الخامس في إحلاف المنكر وللمدعي حالتان: أن يترك إحلافه [12/ (97) أ] وأن يسأل إحلافه وإذا سأل فهو على أربعة أضرب: أحدها: أن يمسك عن ذكر البينةً ولا يقول لي بينة.
والثاني: أن يذكر أن له بينة غائبةً.
والثالث: أنه يذكر أن له بينةً حاضرةً.
والرابع: أن يقول: لا بينةً لي حاضرةً ولا غائبةً والفصل السادس في حكم النكول وقد ذكرنا شرحها مفصلًا وبالله التوفيق.
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد وإذا أراد المدعي إقامة البينة فشهدت قبل الاستشهاد لا تكون شهادةً؛ لأنه شهد ولم يستشهد، وقد عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من فعل ذلك وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي أقوام فيحلفون ولا يستحلفون ويشهدون ولا يتشهدون)).
فإن استعادها القاضي فأعادها قبلت لأنه ليس بجرح وهذا فيما عدا السرقة وقطع الطريق لتعلقه بحق الله تعالى وهذا تخريج مما قال الشافعي رضي الله عنه في شاهدين شهدا عند القاضي على رجل بسرقة من حرز فلان يوجب القطع تسمع الشهادةً ويسأل فلانًا فإن ادعاها حكم بها، وعلى هذا لو كان في زكاةً أو كفارة يندب إلى الشهادة قبل الاستشهاد وهكذا [12/ 97 ب] كل ذلك مقبول والاحتياط أن يثبت الوكالة أولًا، ثم سمع البينة على المال لأن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا يكون خصمًا عند صاحب المال إلا بعد ثبوت الوكالة.
الجزء: 14 - الصفحة: 105
فرع آخر
لو أقر بوكالته وأنكر الدين ورام الوكيل إقامة البينة على الدين، قال ابن أبي أحمد: لا تسمع البينة منه على الدين لأن الوكالة لا تثبت بإقراره إلا ببينة تقوم عليه قلت على مذهب الشافعي تخريجًا، لأنه قال: ولو أقر بالوكالة والدين لا أجبره على دع المال، وقلت له: إن شئت فادفع، وإن شئت فلا تدفع.
فرع آخر
قال: ولو أرسل رسولًا إلى رجل ليقبض مالًا له عليه فأنكر الرجل لم يكن للرسول أن يخاصمه، ولو وكله بالخصومة دون القبض أو بالقبض دون الخصومة كان وكيلًا في القدر الذي أذن له فيه، وقد ذكرنا عن ابن سريج إذا وكله بالقبض هل له الخصومة، فيه قولان وما قاله ابن أبي أحمد أصح.
فرع آخر
لو أقام الوكيل البينة على خصم بحق للموكل فذكر الخصم أن الموكل قد قبض منه الدين أو أبرأه ورام إحضار الموكل ليحلفه قيل له: أخرج مما لزمك ووفر على الوكيل الدين ثم ارفع الموكل وطالبه قال ابن سريج تخريجًا وإن أراد أن يحلف الوكيل أنه لا يعلم أن الموكل أبرأه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحلفه، لأنه لو أقر به خرج عن الوكالةً والخصومةً ذكره ابن سريج.
فروع متفرقة
إذا قال الشريكان: قد قسم هذا [12/ 98 أ] المال هل يقبله الحاكم؟ فيه وجهان.
ولو تقاسم الشريكان، ثم تقابلا جاز وأعادت الإشاعة، ولو كانت دار بين ثلاثة نفر وكل أحدهم شريكه أن يقسم عنه على أن ينفرد على كل واحد نصيبه لم يجز، وإن كان على أن يكون نصيب الوكيل والموكل حيزًا واحدًا فلا بأس.
فرع آخر
لو اتفق ثلاثة شركاء في دار على أن وكلوا رجلًا يقسم عنهم ويرى فيما يأخذه القسمةً لكل واحد منهم رأيه لم يجز حتى يوم كل واحد وكيلًا على حاله.
فرع آخر
لو استأجر رجل من قوم أرضًا بينهم وأرادوا القسمة فله منعهم إن أضر، وإن لم يضر ففيه وجهان.
فرع آخر
لو قال: والله ما بعت شيئًا فقاسم شريكًا له وقلنا: إنها بيع لم يحنث وفيه وجه أن يحنث.
الجزء: 14 - الصفحة: 106
فرع آخر
لو قال رجل للحاكم: لا تقبل شهادتي لأني جُرحت أو جرحت نفسي لم يرده ما لم يبين.
فرع آخر
هل يعدل الحاكم الشهود بعلمه، فيه قولان وقيل: يحكم به قولًا واحدًا وهو الأصح.
فرع آخر
إذا وقع الحاكم إلى فقيه ليزوج فلانة وعنده أن الموقع إليه المذكور فيه هو فلان بعينه فتبين أنه كان غيره هل يكون هذا إذنًا لفلان غير المذكور في القصة قال والدي رحمه الله: الظاهر عندي أنه لا يكون إذنًا قياسيًا على من صلى خلف رجل وعنده أنه زيد فبان أنه كان عمرو لم يجز.
فرع آخر
لو أذن الحاكم في التزوج لمن في التوقيع ولا يعرف عين [12/ 98 ب] المأذون له جاز ويكون إذنًا مضافًا إلى الاسم والنسب والحرفةً المذكورةً كل ذلك فيه، ولهذا يصح من الرجل توكيل الغائب عنه بالاسم والنسب والحرفةً، وإن لم يعرفه بعينه قط ولهذا تعتبر الرؤية في صحة الوكالة.
فرع آخر
من عدل في القليل هل يعدل في الكثير؟ فيه وجهان: أحدهما: يعدل في الكل لأن الفاسق لا تقبل شهادته والمعدل تقبل شهادته فتقبل على العموم كما ترد على العموم والذي قاله الشافعي رضي الله عنه من الفرق بين القليل دون الكثير لأن من صحت عدالته في القليل لا يكون عدلًا في الكثير، والثاني أنه يجوز أن يعدل في القليل دون الكثير لأن القضاء بالشهادةً بطريق غلبة الظن على الصدق، وقد لا يسكن القلب بقول الإنسان في الكثير دون القليل ولهذا يرى الرجل في العادة يؤتمن على المال القليل دون الكثير، ولهذا تهيب النفوس بالتعديل في القليل دون الكثير، وفائدة هذا الاختلاف أن الشاهد بالقليل إذا عدله عدلان وصح ذلك بتعديلهما ثم شهدا في الحال هل يلزم السؤال عن الحال ثانيًا؟ على هذين الوجهين.
فرع آخر
إذا ادعى الوكيل حقًا على رجل وصحت وكالته عند الحاكم فشهد والد الوكيل أو ابنه بما يدعيه الوكيل لموكله هل تقبل هذه الشهادة إذا كان الوكيل وكيلًا بالخصومة فقط دون [12/ 99 أ] قبض الحق؟ يحتمل أن يقال لا يقبل، لأنها تصديق من الوالد لولده، فتجري مجرى تعديله له، وذلك لا يجوز، ولأن ذلك يوجب إسقاط المطالبة عن الوكيل بإقامة البينة وثبوت المطالبة على المدعى عليه بالمعارضة، والدفع أو التزام موجب
الجزء: 14 - الصفحة: 107
الشهادة، فكانت هذه الشهادة واقعةً من الأب لابنه، فلم يقبل قوله له، كما لو كان وكيلًا بالقبض أيضًا لا تقبل شهادته له.
فرع آخر
إذا شهد على امرأةً ولم يذكر أنه رآها سافرةً عن وجهها يحتمل أن يقال تصح هذه الشهادة ما لو كانت الشهادة على رجل ويحتمل أن يقال لا تصح هذه الشهادة وهو الأظهر؛ لأن الظاهر ستر وجوههن وهو الغالب بخلاف الرجل، ويخالف هذا ما ذكره الشافعي إذا شهدوا على إقراره، ولم يقولوا: إنه كان صحيح العقل فهو على الصحة لأن الظاهر وجود العقل فاعتبرنا الظاهر في جميع ذلك.
فرع آخر
إذا ادعى شيئًا في يد غيره وأقام عليه شاهدين ظاهرهما العدل فعدل المدعي عند عدل فتلف عنده نم ثبت أن الشيء كان للمدعي أو للمدعى عليه فلا ضمان على الحاكم ولا على العدل، وهل على المحكوم الضمان يحتمل وجهين الأصح أن يقال: إن الحكم للمدعي فالمدعى عليه يلزمه الضمان، وإن علم أنه المدعى عليه فلا ضمان على المدعي، ولو سلم الشيء المدعي على طريق التعديل عنده لا يجوز له ذلك لأن التعديل لا يكون عند [12/ 99 ب] المنازع ولكن لو فعله الحاكم فتلف في يد المدعي ثم صح أن الشيء كان له فهل يلزم المدعى عليه الضمان؟ فمرتب على ما ذكرناه من الوجهين فإن أسقطناه هناك فههنا أولى وإن أوجبنا الضمان هناك ففي هذا وجهان مخرجان بناء على القولين في إطعام الغاصب المغصوب منه مع جهل المالك بالحال، ووجه الجمع بينهما أن التسليم حصل لا على التزام لأن المدعي لا يتمكن من التبسط فيه بالتصرف والتنازع حاصل كما أن المغصوب منه مع الجهل بالحال لا يتمكن من التصرف في المغصوب لأن الإباحةً توجب جواز التصرف على الخصوص دون العموم فوجب تخرج الجواب على وجهين لهذا الوجه.
فرع آخر
إذا نوى العدل أن يواقع كبيرةً كالقتل والزنا لم يصر به فاسقًا، وإذا نوى المسلم أن يكفر غدًا فهل يكفر في الحال؟ فيه وجهان: والصحيح أنه يصير كافرًا في الحال، والفرق أن نية الاستدامة في الإيمان شرط والتوبة لا تجب في حق من لا ذنب له فإنه ليس الأصل وجوب الفسق والأصل فقد الإيمان وإيجاب فعله.
فرع آخر
القاذف إذا أتى بأربعة يشهدون بزنا المقذوف، وأحدهم أبوه أو ابنه هل تقبل هذه الشهادة؟ يحتمل أن تقال: تقبل فيثبت الزنا بشهادتهم ثم يسقط الحد عن القاذف لثبوت الزنا ولهذا لو ثبت [12/ 1 أ] على رجل الزنا بشهادة الشهود قبل القذف ثم قذفه ابن أحد الشهود أو أبوه يعد الحكم لم تبطل الشهادة ولم يلزم القاذف الحد ولا فرق بين
الجزء: 14 - الصفحة: 108
أن يكون هذا القذف بعد إقامة الحد على المشهود عليه أو قبل إقامته فإن كان بعد إقامته أظهر ويحتمل أن يقال: لا تقبل هذه الشهادة لأن هذه تجر نفعًا وتنفع ضرًا عن والده أو ولده فتصير كالشهادة التي يدفع الشاهد بها عن نفسه ضررًا ولا يشبه هذا إذا تأخر القذف عن الحكم بالشهادة بدليل أن شاهدين لو شهدا لرجل بدار وحكم الحاكم بشهادتهما ثم ملكا أحد الشاهدين صح، ولو اشتراها أولًا ثم شهد أبوه أن البائع كان مالكًا حين البيع لم يقبل فدل على الفرق بين ما قبل الحكم وما بعده.
فرع آخر
الشاهد على الزنا إذا قدم لفظ الزنا ثم عقبه بقوله: اشهد على ذلك يحتمل على مذهبنا أنه يصير قاذفًا لأن بقوله زنا صار قاذفًا ولزمه الحد، فإذا قال: وأنا اشهد على ذلك صار متهمًا في إسقاط موجب القذف عن نفسه وبهذا فارق تقديم لفظة أشهد لأن التهمة منتفيةً هناك، ويخالف هذا سائر الشهادات إذا أخر فيها لفظة لأن بقوله لم يتوجه عليه شيء فلم يصر متهمًا بضم لفظة أشهد إليه فقبلنا، ولهذا لو لم يعقب بقوله أشهد هناك ثم شهد في مجلس آخر يقبل بخلاف مسألتنا ويحتمل أن يقال [12/ (1) ب] يحصل في المسالة وجهان.
فرع آخر
إذا شهد على إقرار المدعى عليه بعشرة دراهم وكان المدعي ادعى بتسعة فالشهادة زائدةً على الدعوة فتبطل في الزيادة، وهل تبطل في الباقي؟ قولان بناء على القولين تنقيض الشهادة.
فرع آخر
لو ادعى رجل على رجلين مالًا ثم شهد له الرجلان على أخر بدين، الأظهر أنها مقبولةً إلا أن يكون ذكر في دعواه عليهما ما لو صح كان فسقًا وإنكارهما لحقه لا يوجب التنسيق لجواز أن يكونا خاطئين في الإنكار ويجب أن لا يفصل بين أن تكون هذه الشهادة في المجلس الذي وقعت فيه الدعوى الأولى أو غيره.
فرع آخر
إذا ادعى رجلان على رجل مالًا فأنكر ثم شهدا له بشيء على رجل يجب أن تقبل إذا لم يقل عند إنكاره ما يوجب على قوله فسقهما، ولا فرق بين أن تكون هذه الشهادة في ذلك المجلس أو مجلس غيره.
فرع آخر
إذا ادعى عنى آخر عشرة دنانير وذكر أوصافها إلا أنه لم يذكر أنها موزونة بالمثاقيل، أو شهد شاهدان على البت بعشرة دنانير ولم يذكر من أوصافها أنها موزونةً بالمثاقيل هل تصح هذه الدعوى والشهادة؟ الأظهر أنها تصح لأنه استقر العرف على أنه يراد به الوزن دون العدد ولهذا إذا باع ماله بعشرة دنانير ولم يذكر الوزن حمل عليه
الجزء: 14 - الصفحة: 109
ولهذا [12/ 101 أ] إذا أقر به وأطلق حمل عليه ولم يقبل قوله أنه أراد به العدد باتفاق أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: لا تصح الشهادة إلا بذكر الوزن لأن هذا اللفظ يحتمل الوزن والعدد ولهذا أقر بعشرة دراهم عددًا تلزمه بهذه الصفة فلولا أنه من يحتمل اللفظ لما صح تفسيره به والشهادة بالمحتمل إذا وقعت على البت لا تكون صحيحةً، والأول أصح لأن ما يقبح أن يفسق به لا يمنع من جملة مطلقةً على ما يفعل من ظاهره ألا ترى أنه لو شهد بالطلاق أو الحريةً يصح وإن صح بغير ذلك بالطلاق من وثاق وحرية الخلق ولو قيد هكذا لم يقع الطلاق ولا الحريةً وقد رأيت عن بعض أصحابنا: أنه إذا قال: علي عشرة دراهم عددًا يلزمه وزنًا وعددًا.
فرع آخر
إذا شهد على شهادة رجل أن الأرض التي حدودها هكذا لفلان ولا يعرف شاهد الفرع عين الأرض وهي معلومةً عند شاهد الأصل يحتمل أن يقال تصح هذه الشهادة لأنه ناقل للشهادةً غير مبتدئ بها، وهذا كما أن الناقل للخبر عن أبي هريرة أو غيره لا تعتبر مشاهدته النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتبر ذلك في المنقول عنه.
فرع آخر
إذا سعى بآخر إلى السلطان ثم شهد عليه عقيب السعاية ولم يظهر بينهما شيء [12/ 101 ب] وعنده شهادة لرجل هل له أن يشهد أو عليه أن يشهد؟ فيه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في الفاسق هل عليه إقامة الشهادة لأن الشاهد فرضه وحقه أن يؤدي الشهادة والتفحص عن العدالة من فرض الحاكم فإذا لم يجد الحاكم وجها يوجب الجرح فلا على الشاهد شيء إذا أدى الفرض وقال الحق ويحتمل أن يقال: لا يشهد لأن في أدائه الشهادة إيقاعًا منه في الحكم بالباطل بل هو حلي له على أن يحكم حكمًا باطلًا وهذا لا يجوز لأن الحمل على الباطل منهي عنه في الدين وبهذا فارق إذا كان فسقه ظاهرًا عنده لأن ذلك لا يقتضي حمل الحاكم على الحكم بالباطل لأن الحاكم إذا تفحص عن الحال عرف الفسق، ولا يصح أن يقال: الحاكم قضى بالحق فكيف يكون باطلًا لأن السبب الذي يستند إليه القضاء إذا كان باطلًا من جهة الشرع كان القضاء باطلًا، وإن وافق الحق عند الله تعالى، كمن صلى الفرض مع الشك في دخول الوقت تكون صلاته باطلةً، وإن صادفت الوقت ولهذا نقول من اعتقد التوحيد عما ظنه دليلًا وليس بدليل في الحقيقةً فهو غير عارف بالتوحيد كمن اعتقد لا عن دلالة أصلًا.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر مالًا يعرض اليمين عليه فرد اليمين على المدعي سهل [12/ 102 أ] لينظر في الحساب أتأخر لعارض أمر ثم عاد في مجلس آخر فقال المدعى عليه: أنا أحلف الآن فيه وجهان: أحدهما: له ذلك لأن المجلس الثاني لا ينبني على الأول في الأقوال وغيرها،
الجزء: 14 - الصفحة: 110
والثاني: ليس له ذلك لأن اليمين صارت حقًا للمدعي في المجلس الأول وسقط فيه حق المدعى عليه عنها فلا تعود بزوال المجلس وعلى هذا يجب أن لا يلزم استئناف الدعوى والرد في المجلس الثاني.
فرع آخر
إذا ادعى رجل على رجل عشرة دنانير فأنكر وامتنع من اليمين وقال: أرد اليمين في خمسةً من هذه الجملة وأحلف في الباقي.
الظاهر جواز هذا الرد لأن نكود المدعى عليه ويمين المدعي إما أن تكون كإقرار المدعى عليه، أو كإقامة البينة، أو أضعف منهما، وأي الأمور كان يوجب جواز ذلك لأنه لو أقر بالبعض ورد اليمين كان له، فكذلك هذا لأن كل واحد منهما رد اليمين في بعض ما تناولته الدعوى، فلو ادعى على رجل عشرة دنانير فأنكر فقال المدعي: أحلفه في خمسةً الآن، الأظهر أن له ذلك لأن له إقامة البينة على البعض فله التحليف في البعض، لأن كل واحد منهما أحد حجتي المدعي، ولا يقال في هذا إضرار بالمدعى عليه لأن هذا يوجب إذا ادعى خمسةً وحلف المدعى عليه أن لا تسمع دعواه في خمسةً أخرى ليعرض عليه اليمين ثانيًا، وكذلك [12/ 102 ب] ثالثًا ورابعًا.
ومن أصحابنا من قال في كلتي المسألتين: ليس له ذلك وليس بشيء.
فرع آخر
لو شهد شاهدان لرجل ثم قال المدعي بعده: صرفت شاهدي عن شهادتهما هذه بطلت الشهادة ولا يصح الحكم بها لأن صحة الشهادة تفتقر إلى طلب المدعي لها فلا بد من المقام على الطلب، يؤكده أن الشاهد لو صرف نفسه عن الشهادة لم يجز القضاء بشهادته كذلك إذا صرفه المشهود له عنها، فإن عاد المدعي وأقام هذا الشاهد ثانيًا قبلت الشهادة لأنه لم يكذبها، وإنما صرف نفسه عن إقامتها فإذا أعيدت ثانيًا لزم قبولها.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر شيئًا في يده وأقام بينة على ما ادعاه، ثم أقام المدعى عليه بينة على أن الشيء له، ثم أقام الخارج بينة على إقرار المدعي أنه لا حق له فيه ولم يذكروا التاريخ يحتمل أن يقال: يقضى ببينة الخارج لأن قوله لا حق له فيه إنما يبنى عما عقلناه بالأصل أنه لا حق له فيه فكما أن عملنا بهذا الأصل لا يمنع من القضاء بشهود الخارج على إقرار صاحب اليد لم يكن قول المدعى عليه إذا وافق هذا الأصل مانعًا منه، ويبين هذا أن هذه الدعوى لو كانت بدين في الذمة فأقام المدعي بينةً على إقرار المدعى عليه بكذا وأقام الآخر بينةً على إقرار المدعي أنه لا حق له عليه لم تكن هذه [12/ 103 أ] البينةً دافعةً لبينة المدعى على ما ذكرنا من المعنى، فكذلك القول إذا كانت الدعوى في العين.
الجزء: 14 - الصفحة: 111
فرع آخر
إذا شهد على شهادة ابنه وكانا عدلين صحت الشهادة، فإن قيل: لعل الابن يخفي من حال والده ما لو ظهر كان جرحًا قلنا: نحن لا نعمل على تعديل الابن بل المسألة مصورة فيه إذا عرفت عدالة الوالد من غير جهة الابن ولا تهمة في سماع الشهادة على شهادته، ولا يقال: يخفى الجرح إذا كان شاهدًا على شهادته لينفذ قوله فيصير متهمًا من هذا الوجه لأن هذا يوجب إذا شهد الرجل مع ابنه لأجنبي شيء أن لا تقبل شهادتهما لأن كل واحد يخفي ما يعلمه من صاحبه من الجرح ليعمل، وأجمعنا على قبول هذه الشهادةً وهذا اختيار عبد الله القطان الطبري من أصحابنا.
ويحتمل أن يقال: لا تقبل لأنه لو شهد على شهادة وجرحه وعدله سائر الناس لم تقبل شهادته على شهادته فلما كان قوله عليه بالجرح مسموعًا وهو سكت عن الجرح صار كأنه منفذًا لشهادته لأن شهادته لا تتم إلا بسكوته عن جرحه وبهذا خالف شهادة الرجل مع ابنه لآخر، لأن أحدهما: لو جرح الآخر وعدلهما سائر الناس كان العمل على التعديل فلا تهمة إذا في شهادة أحدهما مع صاحبه فجوزناها.
فرع آخر
إذا شهد الابن عند أيه الحاكم لأجني على آخر الأظهر [12/ 103 ب] أنه لا يقبل، وإن كان أزهد الناس عند الكافةً لأنه يجوز أن يخفي ما يعرفه من أحواله من الجرح فلا يعرى عن تهمةً، وفيه وجه آخر: يجوز ذلك إذا كانت عدالته معقولة من غير جهة الوالد.
قال هذا القائل: أليس يجوز للوالد أن يستخلف ابنه على القضاء ولا يعرى عن تهمةً لأنه قد يخفي ما لو ظهر لا يجوز استخلافه فجاز مثله في مسألتنا، وهذا لأن التهمة الضعيفة لا توجب رد الشهادة كالصداقةً والأخوة.
فرع آخر
إذا ادعى على آخر في يده وأقام بينة، ثم أقام المدعى عليه شاهدين على أن الشيء له فعاد شهود المدعي بمطالبة المدعي وشهدوا بجرح شاهدي المدعى عليه الأظهر أن هذه الشهادة مسموعة؛ إذ لا مانع من قبولها من قرابةً وعداوةً وغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا تقبل هذه الشهادة لأنهم متهمون في تنفيذ شهادتهم وهذا ضعيف لأن شاهد الفرع إذا عدل شاهد الأصل قبل، وإذا شهد الرجل مع ابنه بحق تقبل الشهادة وما ذكروه من التهمةً الضعيفةً موجودةً في هذين الموضعين وهذا لأن ما عرفناه من عدالة الشاهدين يمنعنا من المبالاة بهذه التهمةً الضعيفة.
فرع آخر
إذا أراد النظر إلى امرأةً أجنبيةً للشهادةً مرةً واحدةً وهو يعلم أنه لا يقع له [12/ 104 أ] المعرفة بالمرة الواحدة على وجه لو رآها ثانيًا علم أنها تلك المرأةً هل يفسق به
الجزء: 14 - الصفحة: 112
ويصير ذلك طعنًا؟ ويحتمل أن يقال: لا يكون طعنًا لأن لهذه الرؤية تأثيرًا في شهادته لأن الرؤية لو تكررت حتى وقعت المعرفة على الوجه الذي ذكرناه كان المؤثر في ذلك جميع ما تقدم من الرؤية فلم يصر هذا طعنًا في العدالة، وإن كان هذا القدر غير كاف في جواز الشهادة كالعبد يدخل في الشهادة في مثل ذلك فلا يصير طعنًا في عدالته من جهة جواز أداء الشهادة بهذه الرؤية بعد الحرية، وإن كانت لا تقبل في الحال ويحتمل أن يقال: يكون طعنًا لأن التحمل لا يقع بهذه الرؤية فهي إذًا غير مفيدةً فصار كالرؤية لا لغرض صحيح ويفارق مسألة العبد لأن التحمل هناك يقع بتلك الرؤية على وجه الصحة فصارت الرؤية مفيدةً هناك فلم تصر طعنًا، وهذه الرؤيةً وإن كان لها تأثير فإنما يحصل ذلك التأثير بضم غيرها إليها ومسألتنا فيمن يريد الاقتصار على هذه النظرةً الواحدةً.
فرع آخر
إذا قال المشهود له للشاهد: عفوت عن أداء الشهادة ثم طلبها منه يلزمه إقامتها لأن أداء الشهادة عند الطلب هو حق لله تعالى وحق الله تعالى لا يصح فيه العفو من جهة الآدمي له ولأن الشاهد يجرح بهذا العفو من الشهادة لأنه لو أقامها بعد الطلب [12/ 104 ب] صحت الإقامة.
فرع آخر
إذا قال: زنيت ولكني حددت يحتمل أن يقال: لا يقبل قوله بخلاف ما لو رجع عن إقراره يقبل لأن رجوعه أوجب شبهة في أصل الفعل وهو الزنا فلم يكن الحد، وهنا يدعي استيفاء ما وجب عليه فلا يقبل إلا ببينة، ويحتمل أن يقال: يقبل لأنه لو لم يقبل قوله في استيفاء الحد لم يقبل في الرجوع كما في الأموال، يؤكده أنه لو أقر ثم رجع لا يقبل، ولو ادعى دفع الزكاة إلى ساعٍ آخر قبل قوله فصار أمر القبول في دعوى الاستيفاء أولى.
فرع آخر
إذا قال رجل: لا شهادةً لفلان عندي في الأرض الفلانية إلا باليد، ثم شهد بالملك في الحال يحتمل أن يقال: لا تقبل، ولا يقال: اليد دلالةً على الملك، والشاهد به الشاهد بالملك في الحقيقةً؛ لأنه لو صح هذا لما جاز أن يكون شاهدًا بالملك دون اليد، أو باليد دون الملك وأجمعنا على جوازه.
فرع آخر
لو قال للقاتل: عفوت عن بعض دمك ولم يبين مقدار البعض فإن قلنا: البراءةً عن المجهول تجوز فهذا أجوز، وإن قلنا: لا يجوز ذلك فهنا يحتمل أن يقال: يجوز لأن العفو عن البعض فيه كالعفو عن الكل.
الجزء: 14 - الصفحة: 113
فرع آخر
إذا اعتقد الشاهد أن الحاكم لا يصلح للقضاء لكنه يوصل المشهود له إلى حقه بشهادته لزمه أن يشهد عنده [12/ 105 أ] ذكره أصحابنا.
فرع آخر
إذا حلف فاستثنى في يمينه أعيدت عليه اليمين مثل أن يقول: إن شاء الله قال: إلا أن يكون بين يمينه واستثنائه سكتة فلا يعاد عليه لأن الاستثناء إذا انفصل عنها ما لا يعمل فيها.
الجزء: 14 - الصفحة: 114