بحر المذهب للرويانيكتاب الأشربة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة: قال: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام.
اعلم أن الأصل في تحريم الخمر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] وأيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33] والإثم الخمر، قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول وأيضًا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91 - 92] وروي عن أبي ميسرة أنه قال: قال عمر رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿مُّنتَهُونَ﴾ فحين سمعها عمر قال: انتهينا انتهينا.
فهذه أربع آيات في تحريم الخمر، وأما السنة فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخمر أم الخبائث" وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الخمر وشاربها" الخبر وأيضًا روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر [106/ب] وكل مسكر حرام ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة" ومدمن الخمر هو الذي يتخذها ويتعاهدها، وقال النضر بن شميل: من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر، وإن لم يتخذها وقوله: "لم يشربها في الآخرة" قيل: معناه لم يدخل الجنة لأن الخمر شراب أهل الجنة إلا أنه لا غول فيها ولا نزف، وأيضًا روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر فإذا مناديًا ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت فقال: اخرج فاهرقها فهرقتها فجرت في سكك المدينة، وأيضًا روى وعلة

الجزء: 13 - الصفحة: 119

المصري سأل ابن عباس عما يعصر من العنب فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: "علمت أن الله حرمها" فقال: لا فسار إنسانًا إلى جنبه فقال: بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، وأيضًا روى أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم واليتامى في حجره وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال يا رسول الله: أصنعها خلًا قال: لا وصبها حتى سالت في الوادي، [106/أ] وأيضًا روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب" وأيضًا روى جابر رضي الله عنه أن رجلًا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة فقال له: المزر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ومسكر هو؟ قال: نعم فقال: "كل مسكر حرام إن الله تعالى عهد لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"، قالوا: يا رسول الله ما طينة الخبال قال: "عرق أهل النار وعصارة أهل النار"، وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قيل: وما طينة الخبال قال: عصارة أهل جهنم.
وأيضًا روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم علم ينتهون إليه فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم [106/ب] فأنكروا ذلك ووثبوا جميعًا حتى أتوه فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ملكًا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل صبيًا أو يزني أو يأكل من لحم خنزير أو يقتلوه إن أبى فاختار شرب الخمر فإنه لما شرب الخمر لم يمنع من كل شيء أرادوه منه"، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيبًا: "ما من رجل يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة فإن مات في الأربعين ليلة مات ميتة جاهلية".

الجزء: 13 - الصفحة: 120

وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها وكان بعض الصحابة يعتقد إباحتها في أول الإسلام منهم قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وكانوا يتأولون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] الآية فأنكرت الصحابة عليهم وبينوا أن هذه الآية مخصوصة في الخمر فرجعوا عن القول وأجمعوا على تحريمها فمن استحلها اليوم كفر.
واعلم أن عندنا العصير يصير خمرًا بشرطين: الشدة، والسكر، وقال أبو حنيفة: يشترط شرط آخر وهو أن يقذف بزبده، وقيل: سمي خمرًا لأنه يخمر عصيره في الإناء أي: يغطى حتى يصير خمرًا ولو لم يغط لم يصر خمرًا والتخمير: التغطية، وقيل: [107/ أ] سمي خمرًا لأنه يخامر العقل بالسكر أي: يغطيه، واعلم أن المسلمين كانوا يشربونها في أول الإسلام، واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: كانوا يشربونها استصحابًا لحالهم في الجاهلية لأنه لم يتقدم منع منها ولا تحرم وهذا أشبه، وقال بعضهم: استباحوا شربها بشرع ورد فيه وهو قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] فالسكر: ما أسكر من الخمر والنبيذ والرزق الحسن ما اتخذ من التمر والزبيب والرطب وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ثم نسخ هذا بتحريم الخمر، وقيل: السكر: الخل بلغة الحبشة، وقيل: بلغة أزد عمان، وقيل: السكر: الطعام والرزق الحسن والإيمان.
ثم نزل تحريم الخمر، وقيل في سبب تحريمها: أن قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشرب فعبث بعضهم ببعض حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: 90] الآية، وقيل: إن سعد بن أبي وقاص صنع طعامًا ودعا ناسًا من الصحابة وشوى لهم رأس بعير وفيهم رجل من الأنصار فعضب من شيء تكلم به سعد بن أبي وقاص فكسر أنفه بلحي جمل فأنزل الله تعالى تحريمها.
وقيل: إن رجلًا سكر من الخمر فجعل ينوح على قتلى بدر فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وأقبل الرجل [107/ب] فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بيده ليضربه فقال: "أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله لا أطعمها أبدًا" فنزل تحريمها.
وقيل: إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا ودعا نفرًا من الصحابة فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا رجلًا منهم يصلي بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنت عابدون ما أعبد وأنا عابد ما عبدتم لكن دينكم ولي ديني، فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] الآية، وقيل: سبب تحريمها ما روى أبو ميسرة أن عمر رضي الله عنه قال: اللهم بين لنا في الخمر على ما ذكرنا فهذه خمسة أقوال في سبب تحريهما، وقال الحسن البصري: تحريم الخمر بالآية التي في سورة البقرة وقرأ حمزة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وما كثر إثمه لم تجز استباحته وكان ما بعدها

الجزء: 13 - الصفحة: 121

مؤكدًا، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: تحريمها بقوله تعالى في سورة الأعراف والإثم لما فيها من صريح التحريم، وقال قتادة وهو قول الأكثرين تحريمها بالآية التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 91] الآية.
وروي أنه لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين شربوها وماتوا؟ فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] أراد من المباحات غير المحرمات.
وقيل: من الخمر قبل التحريم [108/أ] إذا ما اتقوا في باقي أمر الله تعالى بالقول، وقيل في أداء الفرائض: وآمنوا يعني بالله ورسوله وعملوا الصالحات أي البر والمعروف ثم اتقوا وآمنوا فيه وجهان: أحدهما: المخاطب بها غير الذي خوطب بالتقوى الأولى وإن الأولى لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم فكرر ذكرها لاختلاف المخاطب، والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: أحدهما: المراد بالأولى فعل الطاعات، وبالثانية اجتناب المعاصي، والثاني: المراد بالأولى جملة الفرائض، والثانية عمل النوافل ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي في هذه التقوى، وفي الثالثة ثلاثة أوجه: أحدهما: بالإقامة على التقوى، والثاني: توفي الشبهات.
والثالث: إنابة المحسن والعفو عن المسيء، وحكي عن الحسن وطائفة المتكلمين: أنها تحرم إذا كانت صرفًا ولا تحرم إذا مزجت بغيرها وهذا غلط لأنه يؤدي إلى إبطال مقصود التحريمولجاز شربها إذا ألقي فيها عود ونحو ذلك، فإذا تقرر هذا فمن شرب الخمر يلزمه الحد بلا خلاف قليلًا كان أو كثيرًا، ويفسق شاربها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم" وقد صار القتل منسوخًا وروي قبيصة [108/ب] ابن ذؤيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل شرب الخمر فجلده ثم أتي به ثانيًا فجلده، ثم أتى به ثالثًا فجلده، ثم أتي به رابعًا فجلده أربع مرات وقد قال الشافعي: لا أعلم في هذا خلافًا من أهل الفتيا، وإن أتي به خامسًا أو سادسًا فيجد أبدًا، ولا يقتل، ولو تكررت منه الشرب قبل إقامة الحد لم يحد إلا مرة لأن حدود الله تعالى تتداخل.
ثم اعلم أن الخمر المتفق على تحريمها هي: عصير العنب الذي اشتد وقذف زبده وهكذا إن أغلي واشتد حتى أسكر، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقد ذكرنا عن أبي حنيفة أنه يشترط أن يزبد وأما ما عداها من الأشربة مطبوخًا كان أو نيئًا لا فرق بين شيء من ذلك هنا في الحكم وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وسعد ابن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهم ومالك والأوزاعي وأحمد

الجزء: 13 - الصفحة: 122

وإسحاق، وقال أبو حنيفة: الأنبذة على أربعة أضرب: أحدها: الخمر يحرم قليلها وهي ما ذكرنا عنه، والثاني: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثه فهو حرام أيضًا، وإن ذهب ثلثه فهو حلال إلا ما يسكر منه، وقيل عنه: إذا طبخ يسيرًا يكون حرامًا ولكن لا حد فيه ما لم يسكر وإن طبخه عنبًا فيه روايتان: أحدهما: يجري مجرى عصيره والمشهور أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه، والثالث: نقيع التمر والزبيب [109/أ] إذا اشتد يكون حرامًا ولا حد لأنه مختلف فيه كالوطء المختلف فيه وإذا طبخا حتى اشتدا كانا حلالين إلا السكر منهما ولا يعتبر أن يذهب ثلثاهما، والرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك فإنه حلال سواء كان نقيعًا أو مطبوخًا.
وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: لا يحد من سكر من ذلك والسكر محرم وجميع الأنبذة عنده طاهرة وإن حرم سوى الخمر، وروي مثل قول أبي حنيفة في المطبوخ عن عمر وعلي وابن مسعود في رواية والخلاف معه في خمسة فصول: أحدها: أن الكل سمي خمرًا حقيقة وهو قول المزني واختيار أكثر أصحابنا لأن الاشتراك في الصفة تقتضي الاشتراك في الاسم، وقال بعض أصحابنا: سمي خمرًا مجازًا لا حقيقة لأنهما يختلفان في بعض الصفات وتحريم الكل بالآية، وقال بعضهم: لا يسمى خمرًا بل هو محرم بالسنة وعند أبي حنيفة لا يسمى خمرًا، والثاني: أن قليل المطبوخ حرام عندنا خلافًا له، والثالث: في وجوب الحد في قليل نقيع التمر والزبيب النيئ، والرابع: في سائر الأنبذة من الحبوب وعندها لا يفسق شارب النبيذ إذا كان متأولًا ولكنه يحد، وقال مالك: يفسق كما يحد وهذا لا يصح لأنه بعد التوبة يحد وإن زال الفسق، والخامس: أن تحريم الخمر يعلل بعلة الشدة [109/ب] وعند أبي حنيفة حرمت الخمرة لعينها لا لعلة، وقيل: والسادس: في طهارتها ونجاستها، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب" وروى أبو بردة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اشربوا ولا تسكروا"، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان في الطواف فدعا بشراب فشرب ثم قطب وجهه وقال: "إذا اغتلمت هذه الأشربة فاكسروا بالماء"، ودليلنا ما روى النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا وإن من العسل خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا".
وروى ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من

الجزء: 13 - الصفحة: 123

خمسة من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل وفيه إثبات القياس وإلحاق الشيء بنظيره وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" ومعناه معظم ما يتخذ من الخمر منهما، وإن كانت الخمر تتخذ من غيرهما، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيرة فقليله حرام" وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام [110/أ] وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" والفرق: مكيلة تسع ستة عشر رطلًا، وروت: "فالمجة منه حرام"، وقيل: للعرب أربعة مكائيل: المد والقسط: وهو ضعف المد والصاع والفرق وهو: ثلاثة أضعاف الصاع، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نصنع شرابًا نشربه عند غدائنا وعشائنا فقال: "كل مسكر حرام" فقالوا: يا رسول الله أرأيت إن عمد أحدنا إلى الشربة فمذقها بالماء؟ فقال: "حرام قليل لما أسكر كثير"، وروي أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال حين عاد من اليمن: يا رسول الله شرابان بأرضنا البتع من العسل نبيذ حتى يسكر، والمزر من الشعير نبيذ حتى يسكر فقال: حرام كل مسكر أسكر عن الصلاة.
وروى أنس رضي الله عنه قال: كل مسكر حرام وإن كان القراح، وروى أبو مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"، وروى الحميدي بإسناده عن ديلم الحميري أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا في أرض باردة نعمل فيها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا فقال: هل يسكر؟ قلت: نعم قال: فاجتنبوه قال: فإن الناس غير تاركيه قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم رواه أحمد في كتاب الأشربة.
وروى عبد الله بن عمر [110/ب] أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: "كل مسكر حرام" والكوبة قيل: الطبل، وقيل: النرد وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر، والمفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في

الجزء: 13 - الصفحة: 124

الأطراف وهي مقدمة السكر فنهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر، وقال أنس فيه: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد لخمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورهم البسر والتمر وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن الطلا وهو العنب يعصر ثم يطبخ ثم يجعل في الدنان قال: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه يسكر قال: فكر مسكر حرام، وقال أيضًا: إن النار لا تحل شيئًا ولا تحرمه، وأما الدليل على تحريم الخمر فعلل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91] وهو صريح في التعليل وإن العصير قبل حدوث الشدة المطربة فيه حلال فإذا حدثت الشدة حرمت فإذا زالت الشدة؛ إن تحللت حل فدل على أن العلة هي الشدة المطربة.
وأما خبر ابن عباس قلنا: وقال أحمد بن حنبل: والسكر من كل شراب بفتح السين والكاف وأراد به المسكر فهو دليلنا في تحريم جنس المسكر ومعنى الخبر حرمت الخمر بالنص الظاهر والمسكر ملحق بها بالسنة اسمًا وحكمًا، وأما الخبر الثاني قال أصحاب الحديث: [111/ أ] وهم أبو الأحوص فيه والصحيح لا تشربوا مسكرًا، وأما الخبر الآخر قلنا: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو هش فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وروي عن عبد الله بن الديلمي أنه قال: قلت: يا رسول الله إن لنا أعنابًا ما نصنع بها؟ فقال: زببوها قلنا: ما نصنع بالزبيب؟ قال: امذوه على غذائكم واشربوه على عشائكم وابنذوه في الشنان ولا تنبذوه في القلل فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًا، والشنان الأسقية من الأدم وغيرها وواحد شن، والقلل: الجرار الكبار واحدها قلة، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان ينبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء فولي أعلاه وله عزلًا ينبذ غدوه فيشربه عشاء وينبذ عشاء فيشربه غدوة، والعزلاء: فم المزادة وقد يكون السقاء من أسفله، وقالت عائشة: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب وألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي صلى الله عليه وسلم، والمرس والمرت: بمعنى واحد وهو الدلك بالأصابع في الماء وهذا كله يدل على أنه لم يكن حرام والحرام شرب المسكر، وإنما يشرب الحلو لأن مياههم كانت مالحة ويؤكد ما ذكرنا أن الخمر [111/ب] اختلفت أسماؤها ولم يختلف حكمها فكذلك النبيذ اختلفت أسماءه، ولم يختلف حكمه، فمن أسمائه الخمر العقار سميت بذلك لأنها تعاقر الإناء أي: تقيم فيه، والقهوة لأنها تقهي عن الطعام أي: تقطع شهوته، والسلاف: وهو الذي يخرج من العنب بغير اعتصار.

الجزء: 13 - الصفحة: 125

ومن أسماء النبيذ السكر وهو الذي لم يطبخ، والباذق: وهو المطبوخ، والفضيخ: وهو البسر سمي به لافتضاح البسر فيه والبتع من العسل لأهل اليمن، والمزر من الذرة لأهل الحبشة والمزاء من أشربة أهل الشام والسكر: وهو نقيع التمر الذي لا تمسه النار، والسكركة من الأرز لأهل الحبشة والجعة من الشعير، وروي مرفوعًا أنه نهى عن الجعة والخلطتان ما جمع فيه من بسر وعنب أو بين تمر وزبيب والمصنف ما ذهبنصفه وبقي نصفه والمثلث ما ذهب ثلثه وبقي ثلثاه، والطلا ما بقي ثلثه وذهب ثلثاه ومنه الجمهوري وهو ما يجمد فإذا أريد شربه يحل بالماء والنار ويسميه أهل فارس البلنجيح فإذا كان كذلك جاز أن يختلف اسم الخمر والنبيذ وتتفق أحكامهما من أجل الشدة كما اتفقت أحكام الخمر وأحكام النبيذ مع اختلاف الاسم للاشتراك في الشدة وهذا دليل من سلم اختلاف الأسماء وهو قول طائفة من أصحابنا وتأثير ذلك في أن من أطلق النبيذ اسم الخمر حرمه بالنص ومن لم يطلق [112/ أ] حرمه بالقياس، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن النقيروالمقير والحنتم والدباء والمراد المجبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه، قلنا: الدباء القرع، وقال أبو بكر الثقفي: إنا معشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء يعني اليقطينة من القرع فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت، وأما المزفت فالوعاء الذي يطلى بالزفت، وأما الحنتم: فجرار خمر كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وقال الأصمعي: هي الجرار الخضر خاصة، وقال آخرون: كل نوع من الجرار حنتم وإن اختلفت ألوانها وهذا أصح لما روى ابن أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب البسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت والمزادة المجبوبة هي التي ليست بها عزلاء من أسفلها تتنفس منها والشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها، وفي نهيه عن الانتباذ في هذه الأواني تأويلان: أحدهما: أنه كان ذلك قبل تحريم الخمر فجعل النهي عن هذه الأواني مقدمة [112/ب] يتوطئون بها على ما يرد بعدها من تحريم الخمر لأنهم قد كانوا ألفوها فوطأهم لتحريمها، والثاني: أنه كان بعد التحريم وإباحتهم غير المسكر وهذه الأواني يعجل إسكار شرابها فنهى عنها ليطول مكث ما لا يسكر في غيرها، وقال أبو سليمان الخطابي: إنما نهى عنها لأن لها ضراوة

الجزء: 13 - الصفحة: 126

يشتد فيها النبيذ فلا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرور من شرابها والصحيح أنه صار منسوخًا بحديث بريدة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا، وقال مالك وأحمد وإسحاق: الخطر باق ولا يحل الانتباذ في هذه الأوعية، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، فإن قيل: ما معنى ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر معًا ونهى أن ينبذ البسر والرطب والتمر جميعًا؟ قلنا: قال بعض العلماء: يحرم الخليطان، وإن لم يكن مسكرًا لظاهر الحديث، وبه قال عطاء وطاوس ومالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، وقالوا: من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثمًا من جهتين: أحدهما: شرب الخليطين [113/ أ] والأخرى: شرب المسكر، وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعًا لأن أحدهما يشد صاحبه وبه قال الثوري وأبو حنيفة وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشرب في السقاء" وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن اختناث الأسقية ونهى عن الشرب من ثلمة القدم وأن ينفخ في الشراب" وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائمًا، وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه"، قلنا: إنما كره الشرب من السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه ولا يراه الشارب حتى يدخل جوفه فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره، وروي أن إنسانًا شرب من في سقاء فانساب جان فدخل جوفه، وأما اختناث الأسقية هو أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها وسمي المخنث مخنثًا لتكسره وتثنيته، وقيل: إن النهي في ذلك لأن الشراب غذا دام فيه تخنث وتغيرت رائحته، فإن قيل: روى أبو داود بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل [113/ب] أخنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها فكيف الجمع بين الخبرين؟ قلنا: يحتمل أن النفي جاء في السقاء الكبير دون الأداوة ويحتمل أنه أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت والنهي للعادة، وقيل: أمر به لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء وأما النهي عن الشرب من ثلمه القدم فلأنه إذا شرب منها سال على وجهه ولحيته

الجزء: 13 - الصفحة: 127

ولوثه لأن الثلمة لا يتماسك عليها شفة الشارب كما يتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح، وقيل: إنه مقعد الشيطان والمعنى فيه أن موضع الثلمة لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء فيكون شربه على غير نظافة وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان إياه.
وأما النهي عن الشرب قائمًا: فهو نهي تأديب وتنزيه لأنه أحسن وأرفق بالشارب، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا وتأويله في حال الضرورة الداعية إليه وكان بمكة شرب من ماء زمزم قائمًا لازدحام الناس عليه، وأما النهي عن التنفس والنفخ من أجل ما يخاف أن يبرز من ريقة ورطوبة فمه فيقع في الماء وقد تكون النكهة في بعض من يشرب متغيرة [114/أ] فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فيه ولا حاجة إلى النفخ لأنه لأحد معنيين إن كان لحرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فيه فليمطه بإصبع أو بحلال أو نحو ذلك.
فرع لو طبخ لحمًا بخمر وأكل مرقتها حد، وكذلك لو نثر فيها خبزًا لأن عين الخمر موجودة في المرقة والثريد، ولو أكل اللحم لم يحد لأن عين الخمر غير موجودة في اللحم وإنما فيه طعمه وإن عجن دقيقًا بخمر وخبزه فأكل الخبز لا يحد لأن عين الخمر أكلتها النار وبقي خبز نجس.
فرع آخر لو استعط بالخمر أو احتقن لم يحد لأنه ليس بشرب ولا أكل.
فرع آخر كل شراب مسكر لا يجوز بيعه وهو نجس، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعها جميعًا إلا الخمر، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب ويجوز بيع الباقي منها وبنوا ذلك على إباحتها عندهم، واحتج أبو حنيفة بالتمر ولو كان محرمًا مختلف في إباحته فجاز بيعه ودليلنا أنه شراب محرم أو شراب فيه شدة مطربة فلا يجوز بيعه كالخمر.
فرع آخر إذا عجن الند بالخمر كان نجسًا لا يجوز بيعه ولو تبخر به هل ينجس؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الطبري.
مسألة: قال: ولا يحد إلا بأن يقول: شربت الخمر [114/ب].
الفصل واعلم أنه لا يجب الحد إلا أن يقر فيقول: شربت الخمر أو يقول شربت ما يسكر أو يشهد عليه شاهدان عدلان أو يشرب من إناء مع نفر فيسكر بعضهم فيعلم أن الشراب

الجزء: 13 - الصفحة: 128

مسكر وأنه يجب عليه الحد وليس مراد الشافعي رضي الله عنه، ولكنه أراد أن الشارب إذا شرب وهو عالم بأنه مسكر ونحن لا نعلم فسكر بعض من شرب معه وجب عليه الحد، فإذا لم يعلم الشارب صفة الشراب إلا بعد الشرب فلا حد عليه، فإن قيل: أليس قال الشافعي رضي الله عنه في رواية الربيع: لو شرب شرابًا ولم يعلم أنه مسكر فسكر فعليه الحد؟ قلنا: هذه المسألة أيضًا من مشكلات الربيع وتأويلها عند مشايخنا الذين يرجعون إلى معرفة نصوص الشافعي رضي الله عنه أن يشرب الشراب ولا يعلم أنه مسكر في جنسه، فأما إذا جهل الجنس فلا حد عليه، واختلف أصحابنا في مسألة الكتاب فمنهم من ذهب إلى إطلاق هذا فقال: إذا أقر بشرب الخمر أو المسكر أقيم عليه الحد ولم يستكشف إلا أن يدعي ما يدرأ به الحد فيقبل، ومنهم من قال: لا يجب الحد حتى يقر بأنه شربها مع علمه بها وعلمه بتحريمها مختارًا غير مكره به وقال القاضي أبو حامد، وهكذا لو شهد شاهدان أنه شرب من إناء شرب منه غيره وسكر منه فعلى هذا الاختلاف، والأول أصح [115/ أ] لأن الظاهر من فعله الاختيار والعلم كما لو شهد أنه باع يحمل على الطوع والصحة، فإن قيل: أليس لو قال الشهود: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إن الزنا يعبر به عن الصريح بدواعيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليدان تزنيان، والعينان تزنيان" وهما لا يسمى غير المسكر مسكرًا.
فرع إذا وجده سكران أو شم منه رائحة المسكر أو تقيأ مسكرًا لا يجب الحد، وقال ابن أبي هريرة: أحده بالسكر إلا أن يدعي ما يسقط الحد، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه جلد بالرائحة، وروي أن رجلين شهدا عند عثمان رضي الله عنه على الوليد بن عقبة فقال أحدهما: إنه شرب خمرًا، وقال الآخر: إنه تقيأها فقال عثمان: ما تقيأها حتى شربها، وقال لعلي: أقم عليه الحد، وقال ابن مسعود لرجل شم منه رائحة الخمر: لا أبرح حتى أقيم عليك الحد، والدليل على صحة قولنا؟ إنه يحتمل أنه شرب مكرهًا أو أكل تفاحًا أو شرب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لا يحد وقد روي عن عمر أنه شم من ابنه عبد الله رائحة الشراب فسأله فقال: شربت الطلا فقال: إني سائل عنه فإن كان مسكرًا حددتك ولم يحده بالرائحة، وقال عطاء: إن الريح [115/ب] تكون من الشراب الذي ليس به بأس، ثم احتج الشافعي رضي الله عنه في التسوية بين الخمر والنبيذ بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى بأحد شرب خمرًا أو نبيذًا مسكرًا إلا جلدته الحد.

الجزء: 13 - الصفحة: 129

(باب) عدد حد الخمر ومن يموت من ضرب

قال: أخبرنا الثقة عن معمر بن الزهري عن عبد الرحمن بن الأزهر رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب ثم قال: نكتوه فنكتوه ثم أرسله.
اعلم أن حد الخمر أربعون جلدة فإن رأى الإمام أن يبلغ به ثمانين جلدة جاز وكان ما زاد على الأربعين تعزيزًا، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: حد الخمر ثمانون جلدة واختار ابن المنذر، واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين فلما كان زمن عمر جلد بكل نعل سوطًا، وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فيه فقال له عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعل.
ودليلنا [116/أ] الخبر الذي ذكرنا وفيه أنه لما آل الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه سأل من حضر ذلك الضرب فقومه أربعين فضرب أبو بكر رضي الله عنه في الخمر أربعين حياته، ثم عمر رضي الله عنه ضرب أربعين ثم تتابع الناس في الخمر فاستشار الصحابة رضي الله عنهم قال عبد الرحمن بن عوف: ما ذكرنا فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فجلد عمر ثمانين وهذا نص صريح على أن الزيادة على الأربعين باجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم على وجه التعزيز لا على جهة الحد، وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه أرسل إلى عمر رضي الله عنه وقال: وإن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه فقال عمر: هم هؤلاء عندك وكان هناك عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير فاستشارهم فقالوا ما ذكرناه، وكان عمر إذا أتي بالضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، وإذا أتى بالرجل القوي المنهمك في الشرب حد ثمانين رواه أبو وبرة الكلبي وجلد عثمان رضي الله عنه ثمانين وأربعين، وروى حصين بن أبي ساسان قال: ركب نفر منهم فأتوا عثمان بن عفان فأخبروه بما صنع الوليد بن عقبة من شرب الخمر فقال عثمان لعلي: دونك [116/ب] ابن عمك فاجلده فقال علي للحسن: ثم فاجلده فقال الحسن: فما أنت وهذا ولهذا غيرك فقال: بل عجزت ووهنت وضعفت، يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجعل يجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة، وروي أن الحسن قال لعلي: ولى حارها من تولى قارها قال الاصمعي: معناه ول شديدها من تولى هينها، وقيل: معناه ول العقوبة والضرب من توليه العمل والمنع، والقارة الباردة وكلاهما قريب، وقال علي: وجلد عمر صدرًا من خلافته أربعين ثم أتمها عمر ثمانين وهذا أحب إلى يعني أربعين، وروى قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد سكر فأمر قريبًا من عشرين رجلًا فجلده كل واحد منهما جلدتين بالجريد والنعال،

الجزء: 13 - الصفحة: 130

وروى عمر بن سعيد عن عليّ رضي الله عنهأنه قال: ما من صاحب حد أقيم عليه فيموت فأجد في نفسي منه شيئا الحق إلا شارب الخمر فإنه شئ رأيناه بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم فمن مات منه فديته إما قال: في بيت المال، وإما على عاقلة الإمام الشك من الشافعي، وروى أنه قال: إلا حد شارب الخمر فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسنه زائدا [117/أ] على أربعين أو لم يسنه بالسياط وأما الخبر الذي ذكروا نحمله على أنه ضرب بالنعلين عشرين مرة بدليل ما ذكرنا.
فإن قيل: كيف يجوز أن يبلغ بالتعزيز أربعين سوطا وعندكم لا يبلغ به أدني الحدود؟ قيل: اجتمع هنا أسباب التعزيز من الهذيان وإزالة العقل وغير ذلك فلهذا بلغوا ثمانين.
فإن قيل: لم أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالتبكيت؟ وقد روى أبو هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي بشارب فأمر أصحابه أن يضربوه فمنهم من ضربه بنعله ومنهم بيده ومنهم بثوبه ثم قال: (ارجعوا) ثم قال (بكتوه) فبكتوه فقالوا: ألا تستحي من رسول الله صلي الله عليه وسلم تصنع هذا، وروى أنه قال: (وحثوا عليه التراب) فحثي في وجهه التراب وروى وحثي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب، وروى: فلما أدبر وقع القوم يدعون عليه ويسبونه ويقول القائل: اللهم اخزه اللهم العنه فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (لا تقولوا هذا ولكن قولوا: اللهم ارحمه، وروى أن رجلا كان يلقب بحمار جلده رسول الله صلي الله عليه وسلم في الشراب فلما كان في زمن عمر أتي به فجلده فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به فقال: لا تلعنه أما علمت أنه يحب الله ورسوله.
وقيل: التبكيت وحثو التراب زيادةً في التعزيز وليس بشرط [117/ب] في الحدود وهو إلى الاجتهاد.
مسألة: قال: وإذا ضرب الإمام في خمر أو ما يسكر بتعلين أو طرف ثوب.
الفصل اعلم أنه لا يقام الحد عليه إلا بعد الصحو لأنه للردع ولا يرتدع في حالة السكر، وإذا أقام الإمام حد الشرب بنعلين أو طرف ثوب أو رداء أو نحو ذلك ضرباً يحيط العلم أنه لم يجاوز أربعين فمات من ذلك فالحق قتله لأن هذا المقدار من الحد الذي ضربه رسول الله صلي الله عليه وسلم ولو اقتصر اليوم الإمام على مثل هذا الضرب كان حقا واحدا لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم هكذا ضرب، وإن ضربه بالسياط فمات ذكره صاحب (الإفصاح) عن بعض أصحابنا أنه قال: يحتمل وجهين أحدهما: لا يضمن لأن السياط الأصل في الحدود، والثاني: يضمن كما لو ضرب المقعد بالسياط وعدل عن عثكال النخل كذلك ها هنا، وقال (الحاوى): قال ابن سريج وأبو إسحاق: ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم بالنعال والثياب لعذر في الشارب من مرض أو كان نضو الخلق فعلى هذا يكون حد الصحابة بالسياط في الخمر، وعثمان رضي الله عنه جلد الوليد بالسياط، وقال

الجزء: 13 - الصفحة: 131

الجمهور: حده بالثياب كان شرعا خفف به الخمر كما خففه في العدد فعلى هذا عدل الصحابة بالاجتهاد عنه إلى السياط كما بلغوا ثمانين.
[118/أ] وقال القاضي أبو حامد: الشافعي رضي الله عنه في جراح العمد في باب جناية السلطان: إذا ضربه بالسوط أربعين أو أقل فمات ضمن، وقال في (المختصر) و (الأم) مثل هذا، والقول الآخر لأصحابنا لا عن الشافعي فإذا قلنا بهذا فكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: يضمن كل الدية لأنه عدل من جنس إلى غيره فكان الضمان كله عليه.
والثاني: لا يضمن كله بل يضمن قدر ما زاد على ألم غير السياط هكذا ذكره أبو حامد، وقال ابن المرزبان: يلزم نصف الضمان في هذا الوجه، والثاني.
ثم قال الشافعي ك فإن ضربه أكثر من أربعين فمات ضمن، قال أصحابنا: إنما ضمن لأن ما زاد على الأربعين تعزيز أضافته الصحابة إلى الحد ويجوز للإمام تركه كما يجوز ترك التعزيز، وقد روينا عن علي رضي الله عنه ذلك فإذا تقرر هذا فكم يضمن؟ فيه قولا: أحداهما: نصف ديته لأنه مات من مضمون وغير مضمون فصار كما لو جرحه وآخر جراحة فديته بهما سواء.
والثاني: يضمن بقسط الزائد في الجملة فإذا ضرب أحدا وأربعين فمات يلزمه جزءمن أحد وأربعين جزءا من الدية ويسقط الباقي لأن آثار الجرح غير متقاوتة في الغالب فيجب بالحصه كما لو استأجر [118/ب] دابة تحمل عشرة مكاكيك فحمل أحد عشر فمات يلزم الضمان بالحصة لا نصف القيمة.
ثم هذا الضمان يجب على الإمام دون الجلاد لأنه أمر بالضرب وهل يكون ذلك على عاقلته أو في بيت المال؟ فيه قولان والأصح أنه يجب على عاقلته وقد قطع به هنا أنه على عاقله الإمام دون بيت المال، وإن الجلاد فعل ذلك بأن أمره الإمام بأن يحد في الخمر أربعين أو يحد في القذف ثمانين فزاد على ذلك واحدا فعلى الجلاد الضمان وكم يضمن؟ قولان على ما ذكرنا اللهم إلا أن يكون الجلاد يضرب والإمام يعد فزاد بعد الإمام خطأ فيضمن هو دون الجلاد إذا تقرر هذا وقد قال المزني: وقوله فديته على عاقلة الإمام غلط بليجب بعض ديته لأنه من حق وزيادة فكيف تكون الدية بكمالها على عاقلته والموت حصل من مباح وغير مباح؟ الأول أنه لو ضرب في القذف أحدا وثمانين جزءا من الدية، ألا تري أنه قال: لو جرح رجلا فخيط المجروح في لحم حي فعلى الجارح نصف الدية لأنه مات من جرحه والجرح [119/أ] الذي أحدثه في نفسه؟ فكذلك هنا بهما مات فلا تكون الدية كلها على الإمام قلنا: الشافعي رضي الله عنه قائل في هذه المسألة بالتقسيط به كما قلت به أيها المزني ولكن قصد به بيان محل الدية وهي أنها على العاقلة فلم يهذب عبارته في المقدار فتجوز فيها، فقال: فديته على

الجزء: 13 - الصفحة: 132

عاقلة الإمام ومعناه الواجب من ديته على عاقلة الإمام وقد بين المقدار في غير هذا فوجب أن يحمل مطلق كلامه على ما فسره في موضعه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في هذه الصورة: فإن ضربه أكثر من أربعين بالنعال أو غير ذلك فمات فديته على عاقلة الإمام وأراد بقوله أو غير ذلك بالسياط ويجب فيه كل الضمان في أحد القولين فقوله: فديته يعني كل الدية يرجع إلى هذا قوله: أكثر من أربعين بالنعال وهذا ضعيف.
فرع آخر لو أمر الإمام أن يضرب شارب الخمر ثمانين ضربة فضربه أحدا وثمانين فمات فإن قلنا: يعتبر بعدد الضربات كان أربعين جزءا من أحد وثمانين جزءا من الدية مقدرا، ووجب أربعون جزءا من أحد وأربعين جزءا من الدية على الضارب، وإذا قلنا: يقسم على المضمون وغير المضمون اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: من فعل غير [119/ب] مضمون وفعل منسوب إلى الأمام مضمون وفعل الضارب مضمون فتكون الدية منسوبة أثلاثا فسقط ثلثها ووجب على الإمام ثلثها وعلى الضارب ثلثها، ومنهم من قال: يجب أن يقسم على مضمون وغير مضمون فيسقط نصف الدية ويجب نصفها بين الإمام والضارب نصفين فحصل في هذه المسألة ثلاثة أوجه وهذا الوجه الأخير اختيار صاحب "الإفصاح".
مسألة: قال: ولو ضربت امرأة حدا فأجهضت لم يضمنها وضمن ما في بطنها.
قد ذكرنا أنه لا يجوز إقامة الحد على الحامل، فلو أقام وماتت لم يضمنها لأن الحق قتلها.
ويضمن ما في بطنها فإن كان عالما بأنها حبلي فهذا تعد منه فتكون دية الجنين على عاقلته، وإن لم يعلم أنها حبلي فهو خطأ من جهته فيكون في دية الجنين قولان: هل هي على عاقلته أو في بيت المال؟ وذكر ابن أبي هريرة وجها آخر في ضمان الإمام أنه إن ضمن فيها تعود منفته على كافة المسلمين كتعزيز المتعرض للزنا والأذى فديته على عاقلته، وإن كان غير ذلك ففي بيت المال، وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح": إنما لا يضمنها إذا ماتت من الضرب دون الإجهاض، أما إذا ماتت من الإجهاض ضمن كما يضمن [120/أ] الجنين وكما لو ضربها في شدة حر أو برد مفرط فماتت وقد قال القاضي الطبري: هذا لا يصح لأنها إذا ضربت وأجهضت وماتت فالموت يكون حادثا عن الإجهاض والضرب جميعا، فلو كان التأويل ما ذكروه لوجب أن يضمن نصف الدية لأنه يكون حادثا عن مضمون وغير مضمون، وقال بعض أصحابنا: وهو الصحيح المشروح إن كان موتها للحد لا يضمن، وإن كان من الإجهاض فقط يضمن الدية، وإن كان من الإجهاض والحد معا يضمن نصف

الجزء: 13 - الصفحة: 133

الدية، ومن أصحابنا من قال: إذا ماتت هنا لا يضمنها وقال: إذا أمر السلطان بالختان لا يضمن إلا أن يكون في حر شديد أو برد مفرط ففيه ثلاثة طرق: أحدهما: أراد في الحد إذا كان الغالب السلامة وأراد في الختان إذا كان الغالب الهلاك وقد صرح به في الختان.
والثانية: فيهما قولان أحدهما: لا ضمان لأن كليهما واجب.
والثاني: يضمن لأنه تعدي فيهما.
والثالثة: هما على ظاهرهما لأن الختان جرح فالغالب عنه التلف والحد ضرب في ظاهر البدن والغالب السلامة، وأيضا وجوب الحد مجمع عليه والختان مختلف فيه وأيضا الحد [120/ب] يختص بنظر الإمام واستيفائه، والختان يجب على الإنسان ولا يختص بالإمام فإذا تولاه ضمنه، وأما إذا أقامه في شدة الحر قال في باب جناية السلطان: كرهت ذلك فلو مات من الضرب فلا عقل ولا قود ولا كفارة، وذكر في مواضع أنه لا ينبغي أن يقام الحد في هذه الحالة ولم يتعرض للحكم الذي يكون إذا فعل ذلك ومات، وقال في رجل أغلف أو امرأة لم تخفض: إذا أمر السلطان بهما فعزرا فماتا لم يضمن السلطان إلا أن يعززهما في حر شديد أو برد شديد يكون الأغلب أنه لا يسلم من عزر في مثله فيضمن عاقلته ديتهما ففيه ثلاثة طرق على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو حدة بشهادة عبدين.
الفصل إذا ضرب الإمام حدا بشهادة عبدين ظاهرين الحرية ثم بان أنهما عبدان أو كافران أو فاسقان يلزمه الضمان لأن البحث عن أحوال الشهود إليه، فإذا لم يفعل كان من خطئه فيكون على القولين.
فإذا قيل: هلا قلتم: يجب الضمان على الشاهدين كما لو شهدا بالقتل فقتل ثم قالا: أخطأنا يلزمهما الضمان؟ قيل: الفرق أن التفريط من جهة الإمام هنا حين لم يفحص [121/أ] عن أحوال الشهود وسرائرهم وهناك التفريط كان من الشاهدين فكان الضمان عليهما، ولو شهدا بالقذف فحد المشهود عليه ثم بان رقهما أو فسقهما وقد مات المحدود كان الضمان على الإمام ولا يرجع به على الشهود.
فإذا قيل: فإن حد القذف حق الآدمي عندكم وقد استوفاه فكان ينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو شهدوا له بمال وقبضه ثم بان فسقهما يلزمه الضمان دون الإمام.
قيل: الفرق أن المشهود له قبض المال فإذا لم يطلب البينة بان أن مال المشهود عليه وحصل في يده فكان عليه ضمانه وهنا لم يحصل في يده شيء وكان الفعل بخطأ الإمام وتسليطه فافترقا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان معلن الفسق فالحكم ما ذكرنا، وإن كانا فاسقين وفسقهما مجتهد فيه فلا ضمان بالشك والاجتهاد.
ثم حيث

الجزء: 13 - الصفحة: 134

يغرم فلا رجوع على الشاهدين الفاسقين لأنهما شهدا وعندهما أنه يقبل قولهما ربما أدى الأمر في قبول شهادة الفاسق إلى اجتهاد الحاكم، وأما العبدان والكافران والمرأتان فوجهان: أحدهما: يثبت الرجوع لأن رد شهادتهما يقين.
والثاني: لا يثبت الرجوع لأنهما ما كذبا أنفسهما بالرجوع عن الشهادة وكان من حقه أن يفحص عن حالهما ولا يقبل شهادتهما وهذا أصح.
وقال في جراح العمد: [121/ب] فإن أقر عنده صبي أو معتوه بإقراره بالسرقة ضمن يده وإنما قال ذلك لأن هذا الخطأ منه لأن إقراره لا يصح.
مسألة: قال: ولو قال الإمام للجلاد: أنما أضرب هذا ظلما وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلفف الضمان على الجلاد دون الإمام؛ ضمن الإمام والجلاد معا.
في هذا ثلاث مسائل: إحداهما: أن يأمره بجلد رجل ظلمًا وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلف فالضمان على الجلاد دون الإمام؛ لأنه ما أكرهه عليه بل فعله باختياره ولا يجب عليه طاعته في المعصية.
والثانية: أن لا يعلم ظلمه فجلده فمات فالضمان على الإمام لأنه تلزمه طاعة الإمام ما لم يعلم أنه ظلم فصار كأنه ألزمه.
والثالثة: أن يلزمه على ضربه فضربه يلزم الضمان عليهما نصفين لأن الإمام ضارب بالإكراه والضارب آثم فيما فعله فإنه لا يجوز له ضربه وإن أكرهه عليه، وهذا تأويل قوله: ضمن الإمام والجلاد معا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب كل الضمان على المكره ولا شيء على المكره في أحد القولين وهذا النص يدل على أن هذا الخطأ من القائل، وقال صاحب (الإفصاح): هذا تأويل باطل لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في باب جناية السلطان من باب جراح العمد ولم يذكر مسألة الإكراه فصح التأويل، وقال صاحب (المنهاج): فإن قال قائل: هذا الجلاد إما أن يكون [122/أ] مختارا فيضمن وحده، أو يكون مكرها فيجب على السلطان دون الجلاد كالمكره والمكره قلنا: الجلاد في صوره المكره لأن أمر الإمام بمجرده إكراه فإن أخبره بأنه ظالم والمكره والمكره شريكان في ضمان النفوس قودًا ومالًا وإنما ينفرد المكره بالضمان في الأموال المستهلكة كما ينفرد فيها بالمأثم وفائدة إخباره إياه بالظلم أنه لو لم يخبره ما كان على الجلاد شيء وكان خطأ الحاكم لا يلتزم فيه الجلاد ضمانا ولا عاقلته لأنه حينئذ كالآلة وهو لا يعلم أن الفعل الذي يباشره ظلم منه وقد ذكرنا قبل هذا شرح ما قيل فيه وهذا الذي قاله غريب.
مسألة: قال: ولو قال الجلاد: ضربته وأنا أرى الإمام مخطئا وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء.

الجزء: 13 - الصفحة: 135

الفصل إذا أمر الإمام بضرب رجل فضربه ثم قال: ضربته وعلمت أن الإمام مخطئ في ذلك وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء فترك الإمام مذهبه أو خالف نص السنة بتأويل واجتهاد مثل أن أمره بقتل حر بعبد فرجع إلى قول أبي حنيفة والجلاد يعتقد أنه لا يجوز والجلاد يعتقد ذلك أيضا يلزم الجلاد الضمان، لأنه لا يجوز له قتله ويلزم القود في هذه المسألة وتمام الدية: وقال صاحب (الإفصاح): [122/ب] ويحتمل في الضمان وجهان: أحداهما: يلزمه كل الدية.
والثاني: يلزمه نصف الدية لأنه من الإمام أمرا، ومن المأمور مباشرة فالضمان عليهما وهكذا ذكره ابن أبي هريرة وأشار إليه القاضي أبو حامد.
وقال في (الحاوى): إن لم يكن فيه نص لحد القذف بالتعريض يلزمه الدية، وإن كان فيه كقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر ففيه وجهان قال ابن أبي هريرة: يلزمه القود للنص، والثاني لا قود لشبهة الاختلاف، ومن أصحابنا من قال: المسألة بعكس هذا وهو أن الجلاد يعتقد أن قتله جائز والإمام يعتقد أنه لا يجوز فيجب القود على الجلاد اعتبارا بنية الإمام والاجتهاد ليس إليه، إن كان هو من أهل الاجتهاد وإنما هو إلى الإمام لأن الإمام لم يوله القضاء ولم يستخلفه حتى يجتهد وهو مباشر عالم بالحال فيلزمه الضمان ن ولا يلزم الإمام المسبب المخطئ شيء.
فرع لو اعتقد الإمام والجلاد وجوبه فلا ضمان فيما ذكرنا، وإن كان يعتقد الإمام وجوبه دون الجلاد فإن أكرهه فلا ضمان، وإن لم يكرهه فلا ضمان على الإمام وهل يجب على الجلاد؟ فيه وجهان أحدهما لا ضمان لأنه منفذ لحكم نفذ بالاجتهاد، والثاني يضمن لإقدامه مختارا على إتلاف ما يعتقد وجوب ضمانه، وقيل: هل يجوز له الإقدام عليه؟ [123/أ] فيه وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارا باجتهاد الإمام.
والثاني: لا يجوز لأنه يخالف نص قوله صلي الله عليه وسلم (لا يقتل حر بعبد) وقيل: إن مسألة الكتاب هذا _وأراد الشافعي _ عليه ضمان جميع الدية يعني على الجلاد إن لم يكرهه، وإن كان الإمام يعتقد حظره والجلاد يعتقد وجوبه فإن رده الإمام إلى اجتهاد الجلاد فلا ضمان على أحد وإن أمره الإمام به ولم يرده إلى اجتهاده فلا ضمان على الجلاد لأنه استوفي بإذن مطاع ما يراه مشرعا في الاجتهاد، وأما الإمام إن لم يكرهه فلا ضمان عليه وإن أكرهه ضمن لأنه ألجأه إلى ما لا يسوغ في اجتهاده.
مسألة: قال: ولول قال: أضربه ثمانين فزاد سوطا.

الجزء: 13 - الصفحة: 136

الفصل هذا في حد القذف إذا أمره أن يضربه ثمانين فضربه أحدًا وثمانين لأنه في القول الثاني أوجب سهما من أحد وثمانين سهما وهذا يختص به حد القذف، فاما في حد الشرب فما زاد على الأربعين فمضمون على ما ذكرنا فوجه القولين قد نص وإذا تقرر هذا فهنا إشكال في اللفظ وهو أنه قال: فلا يجوز فيه إلا واحد من القولين: أحدهما: أنه عليهما نصفين فظاهر هذا اللفظ أن نصف الدية على الإمام ونصفها على الجلاد وليس المراد هذا لأن نصف الدية هدر [123/ب] وهو ما على مقابلة الحق والنصف الثاني مضمون وهو ما على مقابلة الظلم فمعني قوله: عليهما أي: على الحق والظلم ألا تراه أنه قال في القول الثاني: أو سهما من أحد وثمانين سهما أي: يسقط سهم من أحد وثمانين سهما لأنه سوط من أد وثمانين سوطا.
ولم يشتغل بإيجاب الضمان في الأجزاء الثمانين، قال الشافعي: ولو قال له: اجلده ما شئت أو ما رأيت أو ما أحببت أو ما لزمه عندك فتعدي عليه ضمن الجالد العدوان دون الإمام وليس كالذي يأمره بضربه إمامه ولا يسم له عددا وهو يحصي عليه على ما ذكرنا.
فرع إذا أمر الإمام رجلا بصعود نخلة أو نزول بئر استحببنا له أن يطيعه فإن فعل فوقع من ذلك فهلك كان الضمان على الإمام لأنه أمره به وهو مندوب إلى طاعة الإمام، ثم ينظر فإن كان ذلك لخاص نفسه كانت الدية على عاقلته، وإن كان لأمر المسلمين ففي محل الدية القولان.
وإن أمره الإمام أن يسعي في حاجة فسعي فيها فتعثر فسقط فمات فلا ضمان على الإمام لأن السعي ليس بسبب الإتلاف ولا العثار بخلاف صعود النخلة ونزول البئر وإن أمره بعض الرعية بذلك فلا ضمان على الآمر لأنه لم يؤمر بطاعته.
مسألة: قال: وإذا خاف نشوز امرأة فضربها.
الفصل إذا ضرب امرأة للنشوز [124/أ] فماتت قد ذكرنا أنه تجب الدية على العاقلة لأنه غير مقدر ويفارق التلف المتولد من دفع الصائل، وإن كان غير مقدر ولا يتعين لأن قتل الصائل مباح إذا كان لا يندفع إلا بالقتل فليس كالتأديب المقصور على الاستصلاح، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال مثله، في معلم الكتاب خالفنا وقال: لا يضمن وقد ذكرنا أن الإمام لو أرسل إلى امرأة في سوء بلغه عنها فأجهضت ذا بطنها فضمن دية جنينها قال أصحابنا: ولو ماتت من الإجهاض ضمن أيضا لأنه متولد عن مضمون.
مسألة: ولو عزر الإمام رجلا فمات فالدية على عاقلته.

الجزء: 13 - الصفحة: 137

الفصل قد ذكرنا فيما تقدم هذه المسألة واعلم أن التعزيز بترتب باختلاف الذنوب واختلاف فاعليها على أربع مراتب فالمرتبة الأولي: التعزير بالكلام وغايته الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا نفي نسب.
والمرتبة الثانية: الحبس فينزلون على منازلهم بحسب ذنوبهم فمنهم من يحبس يوما، ومنهم من يحبس أكثر إلى غاية مقدرة بحسب الاجتهاد في المصلحة، وقال أبو عبد الله الزبيري: تقدر غايته بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم.
والمرتبة الثالثة: النفي والإبعاد فظاهر مذهب الشافعي أنه يتقدر الأكثر بما دون السنة، وظاهر [124/ب] مذهب مالك أنه يجوز أن يزاد فيه على السنة وقد ذكرنا.
والمرتبة الرابعة: الضرب فكل من أتي معصية فإن سرق دون النصاب من حرز، أو سرق نصابا من غير حرز أو وطئ دون الفرج، أو قذف بالتعريض فللإمام أن يعزره بالضرب لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"وإن كان ثمنه دون ثمن المجن فقد غرم مثليه وجلدات نكال" ولا يبلغ به أدني الحدود بل ينقص عن ذلك فلا يزاد في الحر على تسعة وثلاثين سوطا، وفي العبد على تسعة عشر.
وقال القاضي أبو حامد: قد قيل فيه قول آخر: إنه لا يبلغ بالتعزير في الحر عشرين سوطا لأنه حد العبد في الخمر والأصح أنه يبلغ به أدني الحدود الكاملة والعشرون بعض الحدود.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجلد احد فوق عشر جلدات في التعزير لقوله صلي الله عليه وسلم:"لا يجلد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله تعالى" رواه أبو بردة ابن نيار وهذا خبر صحيح لم يقع للشافعي، ولو سمعه لقال به وهكذا قال صاحب "الإفصاح" وصاحب "التقريب".
وحكي عن ابن سريج أنه قال: يجب العمل بهذا الخبر وهذا مذهب الشافعي لأن كل ما قاله وثبت عن الرسول صلي الله عليه وسلم خلافه فهو راجع عنه.
وقال بعض أصحابنا: لا يزاد على العشرة بالسياط ولكن يجوز أن يزاد بالضرب بالأيدي والنعال والثياب [125/أ] ونحوها على ما يراه الإمام كما روي في حديث عبد الرحمن بن الأزهر وذلك أنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم الآن وهو جالس في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر فقال للناس: ألا اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالميتحه بالياء قبل التاء، وقال ابن وهب: هي الجريدة الرطبة، وقيل: هي العصا الصغيرة، وقال أحمد وإسحاق: للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة وعلى المعصية ولا يضرب فوق عشر جلدات، وقال أبو حنيفة: أكثره تسعة وثلاثون سوطا في الحر والعبد، وقال أبو يوسف: التعزير على قدر عظم الذنب وصغره

الجزء: 13 - الصفحة: 138

على قدر ما يري الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين، وحكي عنه أنه قال: أكثر التعزير في جميع الذنوب خمسة وسبعون من غير تفصيل وبه قال ابن أبي ليلي، وقال الشعبي: التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين سوطا، وقال مالك والأوزاعي يجوز أن يريد الإمام فيه على أكثر الحدود إن رأي ذلك، ومن أصحابنا من قال: ينقص في التعزير عن حد تلك الجناية فإن وطئ وطئا حراما لا يوجب الحد فلا يبلغ بالتعزير مائة، ويجوز أن يضرب ثمانين وفي تعزير القذف يبلغ سبعين وخمسة وسبعين [125/ب].
ولو أدار كاس الماء على هيئة إدارة الخمر يعزر دون الأربعين لأنه آثم بهذه الإدارة والتشبيه بشاربي الخمر ذكره القفال وجماعة، وقال الزهري مثل ذلك وزاد فيه فقال: لو وجده ينال منها دون الفرج ضربا بأكثر التعزير وهو خمسة وسبعون لأن حد القذف ثمانون، وإن وجدا عريانين في إزار تضامت أبدانهما من غير حائل ضربا ستين، وإن كانا عريانين غير متضامين ضربا خمسين، وإن وجدا في بيت مبذلين قد كشفا سوأتهما ضربا أربعين فإن كانا مستوري السوأة ضربا ثلاثين، وإن وجدا في طريق يتجاريان ضربا عشرين وإن وجدا يشير كل واحد منهما الآخر بالريبة ضربا عشرة أسواط، وإن وجدا مع صاحبة ضربا خفقات، واحتجوا بأن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به إلى صاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ ذلك عمر رضي اله عنه فضربه مائة وحبسه ثم كلم في أمره فضربه مائة أخري فكلم فيه فضربه مائة أخري ونفاه، وعن علي رضي الله عنه أنه ضرب في التعزير خمسة وسبعين سوطا.
ودليلنا أن العقوبات على قدر الإجرام ومعاصي الله تعالى التي نص على حدودها أعظم إثما من غيرها فلا يجوز أن يسوي بين الأهون والأعظم ويؤدي إلى أن من قبل امرأة حراما يضرب حد الزنا [126/أ] وهذا لا يجوز لأن القطع لا يجوز في سرقة ما دون النصاب على سبيل التعزير فكذلك لا يجوز في سائر الحدود وأما ما روي عن عمر رضي الله عنه قلنا: العلة اجتمع أسباب التعزير من وجوه، وقد روي أنه كتب إلى أبي موسي الأشعري رضي الله عنه أنه لا يبلغ بالتعزير إلى أدني الدود، وحكي عن أبي ثور أنه قال: التعزير على قدر الجناية وإذا كان الجرم عظيما ويجوز أن يزيد على الحد مثل أن يقتل الرجل عبده على ما يري الإمام إذا كان مأمونا عدلا، وحكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إن رأي أن يزيد مع ضربه حبسا فعل، وإن رأي الاقتصار على الحبس لم يضربه، وأما تشهير المعزر فجائز إذا أدي اجتهاد الإمام إليه ليكون زيادة في نكال في التعزير.
وأن يجرد من ثيابه إلا قدر ستر العورة.
وينادي عليه بذنبه إذا تكرر منه ولا يقلع عنه ويجوزه ويجوز أن يحلق شعر رأسه، ولا يجوز أن يحلق شعر لحيته.
واختلف أصحابنا في جواز تسويد وجهه على وجهين: أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
ويجوز أن يصلب حيا وقد صلب رسول الله صلي الله عليه وسلم على جبل يقال له أبو ثاب، ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 139

يمنع إذا صلب من طعام وشراب ولا يمنع من الوضوء ويصلي مومئا ويعيد إذا أرسل ولا يجاوز عليه ثلاثة أيام وكره في (الحاوي).
ثم اعلم إذا كان التعزيز لحق الله تعالى [126/ب] فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأي ذلك صلاحا خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إنه واجب إن علم أنه لا يرتدع إلا به وإن تعلق بالآدمي كالمشاتمة ففيه حق المشتوم وحق الإمام في التقويم والتهذيب فلا يصلح العفو عن التعزيز فيه إلا باجتماعهما عليه فإن عفا الإمام عنه لم يسقط حق المضروب منه وكان المطالبة به، وإن عفا عنه المضروب والمشتوم نظر في عفوه فإن كان بعد الترافع إلى الإمام ففي سقوط حق الإمام منه وجهان أحدهما: قال الزبيري: سقط حقه منه وليس له التعزيز كما لو عفا عن حد القذف.
والثاني وهو الأظهر له أن يسقط لأن التقويم من المصالح العامة ويضمن الإمام عندنا سواء استوفاه في حقوق الله تعالى أو في حقوق العباد خلافا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى.
فإن قيل: ما معني ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يفت في الخمر حدا؟ وقال ابن عباس: شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فلما حاذا دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فضحك وقال: ((أفعلها" ولم يأمر فيه بشيء والفج الطريق وقوله: لم يفت أي لم يوقت.
قيل: في هذا دليل على أن الخمر أخف الحدود وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم قدروا ما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم [127/أ] بأربعين فلا يجوز النقصان عنه بحال ويحتمل أنه لم يتعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار أو بشهادة عدول وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه صلي الله عليه وسلم وتركه على ذلك والله أعلم.
فرع لو تشاتم وتوائب والد مع ولده سقط تعزيز الوالد في حق ولده، ولم يسقط تعزيز الولد في حق والده لأن الوالد لا يحد في قذف ولده ويحد الولد في قذف والده ولا يسقط حق الإمام في تعزيز كل واحد منهما فيكون تعزيز الوالد مختصا بالإمام وتعزيز الولد مشتركا بين الوالد والإمام.
مسألة: قال: وإذا ظهر برجل سلعة.
الفصل إذا كانت برجل سلعة وهي شيء يخرج بالرأس أو غيره من لحم وعصب مجتمع كالعقدة والمعروف بفتح السين، وقيل: هو الغدد تكون بين اللحم والجلد كالجوزة،

الجزء: 13 - الصفحة: 140

وسمعت بعض علمائنا يقول: الصحيح سلعة بكسر السين والسلعة بفتح السين: الشجة الداخلة في الرأس وهكذا ذكر صاحب (الحاوي) فأمر السلطان بقطع ذلك فالمقطوع لا يخلو إن أن يكون جائز الأمر أو لا فإن كان جائز الأمر فلا يجوز للسلطان ولا لغيره قطعها، وكذلك إن احتيج إلى القطع للآكلة فإن قطعها فإن كان بأمره لا يضمن لأن قطعها بإذن من له الإذن في ذلك، وإن كان بغير أمره مكرهًا أو ساكتًا فمات يلزمه القود لأنه تعدى بقطعها.
[127/ ب] وإن لم يكن جائز الأمر مثل أن يكون صغيرًا أو مجنونًا فإن قطعها أبوه أو جده فلا قصاص عليه لأن القصاص لا يجب بقتل ولده ولا ولد ولده وتلزم الدية مغلظة في ماله لأنه جرح لا يؤمن منه الهلاك ولم يجز له قطعها، وإن كان القاطع أجنبيًا يلزمه القود بلا إشكال، وإن كان القاطع أمًا أو حاكمًا أو أمين الحاكم أو وصيًا قال الشافعي: قد قيل: عليه القود، وقيل: لا قود عليه وعليه الدية في ماله فحصل قولان: أحدهما: يلزمه القصاص لأنه قطع منه ما لا يجوز له قطعه وهو مخيف.
وهو الثاني: لا يلزم القصاص أنه قصد مصلحته وله النظر في مصالحه فكان شبهة في سقوط القصاص وتجب الدية مغلظة في ماله.
وقال صاحب "الإفصاح": من أصحابنا من قال: هذا إذا كان للمقطوع أب أو جد فافتات السلطان عليهما في ذلك، فأما إذا لم يكن من أولي السلطان فلا قود عليه قولًا واحدًا لأنه له النظر في طلب مصلحته وتكون الدية في ماله، قال القاضي الطبري: ويحتمل غير هذا لأن الشافعي قال: فأما غير السبطان ففعل يكون منه الموت فعليه القود إلا أن يكون أبا صبي أو معتوه لا يعقل أو وليه فيضمن الدية ويدرأ عنه القصاص للشبهة فدرأ القود عن الأب والولي فإذا كان السلطان وليًا كيف يجب عليه القود؟ وقال بعض أصحابنا: إن فعله الأب والجد فلا ضمان عليه أصلًا قولًا واحدًا لأن للأب معالجته [128/أ] بالفصد والحجامة وغير ذلك فولايته أقوى.
وإن فعله أجنبي يلزمه القود، وإن كان وليًا في ماله وإن فعله السلطان أو قيم من جهته ولاه هذا الأمر ففيه قولان: أحدهما: لا ضمان أصلًا.
والثاني: يضمن وبماذا يضمن؟ قولان: أحدهما: بالقصاص.
والثاني: بالدية في ماله وهذا غلط بخلاف النص الذي ذكرنا، وقال أبو حامد: إذا قلنا لا قود على الإمام فهل يلزم الدية في ماله أو في بيت المال؟ قولان وفي هذا نظر.
وقال صاحب (الحاوي): إن كان قطعها أخوف من تركها يجب القود على السلطان قولان فإن كان إمامًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالسلطان والمراد بالسلطان الأمير والقاضي.
والثاني: أشار إليه أبو إسحاق لا قود عليه لأنه من التهمة أبعد ولأنه أعم فإذا قلنا: يلزم القود فالدية دية عمد مغلظة حالة في ماله، وإذا قلنا: لا قود كانت دية شبه عمد وفيه قولان أحدهما: على عاقلته ولم يذكر في "الشامل" غيره، والثاني في بيت المال لأنه غلط في فعله مخطئ في قصده، وإن

الجزء: 13 - الصفحة: 141

كان الولي أبًا أو جدًا فإن كان تركها أخوف من قطعها فلا ضمان بخلاف السلطان لأنه من التهمة أبعد، وإن كان قطعها أخوف من تركها فهل يضمن الدية؟ وجهان وهل تكون دية عمد بتعجل من ماله أو دية شبه عمد تؤجل على عاقلته؟ [128/ب] فيه وجهان، وإن كان الولي مستنابًا كوصي الأب وأمين الحاكم فوجهان أحدهما: يلزمه القود لاختصاص ولايتهما بماله دون بدنه.
والثاني: يجري عليها حكم من استنابهما لقيامهما بالاستنابة مقامه فإن كان وصي الأب أجري مجرى الأب، وإن كان أمين الحاكم أجري عليه حكم الحاكم إذا قطعها وهذا حسن والصحيح عندي ما ذكرت أولًا أنه عمد محض فلا معنى لوجوب ضمانه على العاقلة.
مسألة: قال: ولو كان رجلًا أغلف أو امرأة لم تخفض.
الفصل الختان واجب في الرجال والنساء، وقال أبو حنيفة: لا يجب وإنما هو سنة، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: واجب لا فرض الكوتر واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" ودليلنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل 123] وهذا كان واجبًا في ملة إبراهيم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "عشرة من الفطرة" وذكر منها الختان وقوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة 124] الآية.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اختتن إبراهيم حين بلغ ثمانين سنة، وروى موسى بن علي عن أبيه أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم [129/أ] أمر أن يختتن وهو ابن ثمانين سنة فجعل فاختتن بقدوم فاشتد عليه الوجع فدعا ربه فأوحى إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بالآلة قال: يا رب كرهت إن أؤخر أمرك.
قال: وختن إسماعيل صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وختن إسحاق صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبعة أيام، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل "ألق عنك شعر الكفر واختتن".
وأما خبرهم فلم يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن صح أراد به سنة واجبة والواجب يسمى سنة وحد السنة ما رسم لتحتذى، وقد روى ابن عباس أنه قال: "لا تقبل صلاة رجل لم يختتن" وقيل: أراد به إظهاره سنة في الرجال وإخفاؤه مكرمة في النساء وهذا تأويل بديع.

الجزء: 13 - الصفحة: 142

فرع الختان في الرجل يسمى أعذارًا، وفي النساء يسمى خفضًا ويسمى غير المختون أغلف وأقلف.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" يا أم عطية إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى وأحظى عند الزوج" وروي "اخفضي ولا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل" معنى لا تنهكي لا تبالغي في الخفض والنهك: المبالغة في الضرب والقطع والشتم وقوله: "أسرى للوجه" قيل: أي: أصفى للونه وأحظى أراد به ما يحصل لها في نفس الزوج من الحظوة بها.
وقال الشافعي [129/ب] رضي الله عنه: فعلى الرجل والمرأة أن يفعلا ذلك بأنفسهما وأولادهما يعني يجب ذلك عليهما بعد البلوغ، فإن فعل وإلا كان للسلطان أن يجبره عليه كسائر الواجبات، ومن أصحابنا من قال في وجوبه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجب أصلًا.
والثاني: يجب عليهما.
والثالث: يجب على الرجال دون النساء وهذا ليس بشيء.
فرع السنة أن يختتن في اليوم السابع، إن لم يكن ضعيفًا لا يحتمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين رضي الله عنهما اليوم السابع من الولادة .. فرع آخر هل يحتسب فيهما يوم الولادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتسب وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنه لا يحتسب، وقد روي أن ختان الحسن والحسين رضي الله عنهما كان في اليوم السابع بعد يوم الولادة.
فرع آخر لو ختن قبل السابع كره لضعف المولود عن احتماله ولا فرق بين الغلام والجارية فإن أخر عن اليوم السابع فالمستحب ان يختن في الأربعين يومًا، فإن أخرها فالمستحب بعده أن يختن في السنة السابعة لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة.
فرع آخر لو بلغ نضو الخلق وعلم من حاله إن ختن تلف سقط فرض الختان عنه.
[130/أ] فرع آخر الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها فإذا قطعت يقال له: مختون، ويقال لهذه الجلدة الحوق، ويقال: معذور، وللمرأة عذرتان

الجزء: 13 - الصفحة: 143

أحداهما: البكارة، والثانية: هي التي يجب قطعها وهي عرف في أعلى الفرج بين الشفرتين فإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة ويقال لها إذا قطعت هي مخفوضة.
فرع آخر قال ذكرنا أنه إذا بلغ يلزمه الختان إلا أن يكون شدة حر أو برد فإن ختنه السلطان عند الامتناع لا يضمن إذا لم يكن في شدة حر أو برد، وإن كان في شدة حر أو برد قد ذكرنا فيه وفيما لو أقام الحد في شدة حر أو برد ثلاثة طرق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: وإن لم يكن ممتنعًا فختنه السلطان كان الحكم هكذا.
فإن قلنا: يضمن فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يضمن كل الدية لأنها جناية، وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا: أنه يضمن نصف الدية لأنه تلف عن واجب ومحظور وإذا ختنه السلطان فهل يكون على عاقلته أو في بيت المال.
فيه قولان.

باب صفة السوط

مسألة: قال: ويضرب المحدود بسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق.
قد ذكرنا أن حد الزنا وحد القذف [130/ب] يقام بالسياط، وذكرنا الخلاف في حد الشرب والمنصوص أنه بالأيدي وأطراف الثياب على طريق التنكيل للسنة وإذا كان بالسياط فالسوط بين سوطين لا جديد ولا خلق لأن الجديد يبضع اللحم وينمي الدم والخلق لا يوعه فيكون بين هذين لما روى زيد ابن أسلم مرسًلا أن رجلًا اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا فدعا بسوط فأتى بسوط مكسور فقال: "فوق هذا" فأتى بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال: دون هذا، وروي بين هذين فأتى بسوط قد لان فأمر فحد به، ورواه أبو هريرة أيضًا مرفوعًا ولأن الغرض الإيلام لا الجرح.
وأما الضرب فإنه يكون ضربًا بين ضربين لا شديدًا فيقتل ولا ضعيفًا فلا يردع، ولا يرفع باعه كل الرفع ولا يحط بحيث لا يؤلم لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب بين ضربين، وسوطًا بين سوطين" وقيل: لا يرفع باعه فيقع من عل ولا يخفض باعه فيقع من سفل بل يمده عضده ويرفع ذراعه ليقع الضرب معتدلًا قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يرفع يده في الضرب فيرى بياضه إبطه.
[131/أ] فرع قال أصحابنا: إذا أراد أن يعزر بالضرب بالسياط، فإن لم يكن بالسوط دون سوط الجلاد فلا يجوز أن يكون فوقه، وقال الزبيري: يجوز أن يضرب في التعزير بسوط لم

الجزء: 13 - الصفحة: 144

تكسر ثمرته فوق سوط الحد وتكون صفة الضرب فيه أعلى من صفته في الحد لأن ذنوب التعزير مختلفة فجاز أن يضرب مختلفًا وهذا خطأ لأن الحدود أغلظ فلا يجوز أن يزيد التعزير عليها.
مسألة: قال: ويضرب الرجل في الحد والتعزير قائمًا ويترك يده.
الفصل يضرب الرجل قائمًا لأنه أمكن لتفريق الضرب على أعضائه، والسنة أن يجعل لكل عضو قسطًا من الضرب لأنه إن والى على موضع واحد يجرحه ولا يجرد من الثياب ولكن يترك عليه قميصًا واحدًا، فإن القميص الواحد لا يمنع من وصول الضرب إلى الجسم وينزع عنه الجبة والفرو، وقيل: يجوز أن يترك عليه قميصان وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجرد إلا في حد القذف لأن سببه غير متحقق.
ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد ولم ينقل أنه جرد من أقامه عليه، ولو كان فعل ذلك لنقل، [131/ب] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا غل ولا صفد وقال أيضًا: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا غل ولا تجريد، وأما ما ذكره فلا يصح لأن حد القذف آكد لتعلقه بحق الآدمي وهتك عرضه والظاهر كذبه، ويترك له يده ليتقي بها ولا يمد ولا يربط لأن ذلك تعذيب زائد على الحد.
وتحد المرأة جالسة لأنها عورة، فإذا كانت قائمة ربما تنكشف ويضم عليها ثيابها وتربط لئلا تنكشف وذلك أستر لها قال: ويلي ذلك منها امرأة يعني تشد الثياب دون إقامة الحد فإن ذلك إلى الرجال لأنهم به أبصر ولا يكاد يقوى عليه النساء مع ضعفهن وعجزهن، وقال علي رضي الله عنه: تضرب المرأة جالسة والرجل قائما قال في (الحاوي): وقد أحدث المتقدمون من ولاة العراق ضرب النساء في قفة من خوص، أو غرارة من شعر يسترها وذلك حسن والغرارة أوجب إلينا من الخوض لأن القفة يدفع ألم الضرب بخلاف الغرارة قال: ولا يبلغ في الجلد أن ينهر الدم لأن انهيار الدم سبب التلف وإنما يراد بالحد النكال أو الكفارة فإن [132/أ] أنهر دمه فلم يتلف فلا ضمان وإن أنهر دمه ثم لم يضربه تمام الحد بعده لا ضمان لأنه قد يكون ذلك من رقة لحمه، وإن ضربه بعد انهيار دمه إتمامًا لحده فإن ضربه في غير موضع انهاره هل يضمن؟ فيه وجهان أحدهما: لا يضمن، والثاني: يضمن لتعديه بإعادة الضرب فيه ثم في قدر ضمانه وجهان أحدهما: يلزمه كل الدية، والثاني: يلزمه نصف الدية بناءً على ما تقدم من الوجهين في ضمان المختون قال المزني: ويتقي الجلاد الوجه الفرج وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد روى أبو هريرة رضي الله

الجزء: 13 - الصفحة: 145

عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلد أحدكم فليتق الوجه والفرج".
قال أبو إسحاق وفيه تنبيه على كل مقتل كالأذنين والخاصرة.
وقد ذكرنا هل يضرب على الرأس أو لا؟ وقد ذكر في (الحاوي) ويجتنب المواضع القاتلة كالرأس وما يشينه الضرب كالوجه، وقال الماسرجسي: يتقي وجهه وما علاه، قال: وغلط بعض أصحابنا فقال: يضرب على الرأس لأن المزني خص الوجه بالذكر وهذا خطأ لأن الوجه عبارة عن ما علاه.
وقال القاضي الطبري: نص الشافعي رضي الله عنه في "البويطي" [132/ب] في باب إملاء الشافعي قال: ويعطى كل عضو حقه ما خلا الوجه والرأس والمذاكير والبطن ولا يبقى الإشكال مع هذا النص وهذا أصح، وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال للجلاد: اتق وجهه ومذاكيره ودع له يديه يتقي بهما، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أتى برجل في حد فأتى بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، ثم أتى بسوط فيه لين فقال: أريد أشد من هذا فأتى بسوط بين السوطين: اضرب ولا تري إبطك وأعط كل عضو حقه.
مسألة: قال: ولا يبلغ بعقوبة أربعين.
وقد ذكرنا هذه المسألة وجملته أن كل معصية لم يقدر فيها حد فللإمام أن يعزره فيها وضرب الابن ابنه، والزوج زوجته يسمى تأديبًا لا تعزيرًا وضرب التعزير يكون ضربًا بين الضربين.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ضرب التعزير أشد من حد الزنا ثم حد الشرب ثم حد القذف، قال سفيان الثوري: ضرب حد القذف أشد من حد الشرب وهذا لا يصح لأن التعزير أخف من الحد في عدده فلا يجوز أن يزاد عليه في إيلامه ووجعه، وقال عبد الملك بن عمير: سئل علي رضي الله عنه عن قول الرجل للرجل يا فاسق يا خبيث فقال: هن فواحش فيها تعزير [133/أ] وليس فيهن حد.
وروي أن ابن عباس لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الدؤلي فأتى بلص نقبل على قوم فأخذوه في النقب فقال: مسكين أراد أن يسرق فأعجلتموه فضربه خمسة وعشرين سوطًا وخلى عنه، وقد ذكرنها أنه لا يبلغ به الحد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بلغ ما ليس بحد حدًا فهو من المعتدين" وروي عن عمر رضي الله عنه أنه من كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، وروي عنه ثلاثين

الجزء: 13 - الصفحة: 146

سوطًا، (وروي) عنه مابين الثلاثين إلى الأربعين سوطًا.
فرع ضرب التعزير يفرق على جميع الجسد كالحد، وقال الزبيري: يجوز أن يجمعه في موضع واحد من الجسد، والفرق أنه لما لم يجز العفو عن الحد لم يجز العفو عن بعض الجسد، ولما جاز العفو عن التعزير جاز العفو عن ضرب بعض الجسد وهذا لا يصح لأن جميع الضرب يفضي إلى التف فالمنع في التعزير أولى.
فرع آخر تجوز الشفاعة في التعزير دون الحد لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تجافوا لذوي الهيئات عثراتهم".
وفي ذوي الهيئات وجهان أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر يردون الكبائر، والثاني: أنهم الذين إذا أتوا بالذنب ندموا عليه وتابوا منه وفي عثراتهم وجهان [133/ب] أحدهما: صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود، والثاني أنها أول معصية زل فيها مطيع وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين" وإن من الإجهار أن يعمل الرجل في الليل عملًا ثم يصبح وقد ستره ربه يبيت في ستر ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خبر طويل "ومن ستر على مسلم ستره الله يوم القيامة" وروى ابن عمر أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدودا الله تعالى فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله" وروي "اجتنبوا القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله" وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما أمرا بالاستتار، وروي عن أبي الهيثم كاتب عقبة قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانًا يشربون بالخمر وأنا داعي لهم بشرط فقال: ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيى موءودة من قبرها" وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له عن رجل: هل لك في فلان تقطر لحيته خمرًا؟ قال: إن الله قد نهانا أن نتجسس فإن يظهر لنا نأخذه وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ [134/أ] والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [الشورى: 37] قيل:

الجزء: 13 - الصفحة: 147

الكبائر الشرك بالله، وقيل: ما زجر الله عنه بالحد والفواحش الزنا خاصة، وقيل: إنها جميع المعاصي، واللمم قيل: ما هم به ولم يفعله، وقيل: ما تاب منه ول يعاوده، وقيل: الصغائر من الذنوب التي لا توجب حدًا ولا وعيدًا، وقيل: هي النظر الأولى دون الثانية.
مسألة: قال: ولا تقام الحدود في المساجد.
يكره إقامة الحدود في المساجد وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وكان ابن أبي ليلى يرى إقامة الحد في المسجد، وروي عن الشعبي أنه ضرب يهوديًا في المسجد ودليلنا ما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المساجد وأن ينشد فيها الأشعار وأن تقام فيها الحدود وأراد بالأشعار ما كان هجاء أو غزلًا أو مدحًا كذبًا فأما غيرها فلا يكره، فإن حسان بن ثابت وكعب بن زهير أنشد قصيدة مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشرائكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وضرب حدودك وجمروها في جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهركم".
وحكم التعزير حكم الحد في أنه لا يقام في المسجد إلا التعزير بالكلام [134/ب] فلا بأس به يكون في أي موضع كان.
فرع قال في (الحاوي): المحدود إن كان متهافتًا في ارتكاب المعاصي يظهر حده في مجامع الناس يزاد نكالًا، وإن كان من ذوي الهيئات حد في الخلوات حفظًا لصيانته.

باب قتال أهل الردة

مسألة: قال: وإذا أسلم القوم ثم ارتدوا عن الإسلام إلى أي كفر كان في دار الإسلام أو في دار الحرب.
الفصل قد ذكرنا معظم هذا الباب والمقصود بهذا الفصل أنه يبدأ الإمام بجهاد المرتدين قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط لأن فتنتهم أعظم على المسلمين كما قال الله تعالى: ﴿وقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهَارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران 72] ولأنهم أشد عداوة للمسلمين في الغالب وقد قال

الجزء: 13 - الصفحة: 148

الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ [التوبة 123]. فإن قال قائل: فما بال أبي بكر الصديق رضي الله عنه جهز جيش أسامة بن زيد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله المرتدون قلنا: إنما فعل ذلك لمصلحة فوق المصلحة التي راعيناها وهي تنفيذ عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فيها إدراك الخيرات والمصالح، [135/أ] ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم استنكروا رأيه وخافواممن ارتدوا حواليهم من العرب فحلف أبو بكر رضي الله عنه: لا أوفر تجهيز جيش هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو اتفق للإمام مصلحة مثل ذلك وعلم أن الأهم البداية بجهاد أهل الحروب بدأ بجهادهم، ولا فرق بين أن يكونوا قاهرين أو مقهورين في موضعهم الذي هم فيه، ثم ذكر أنهم يستتابون وأنهم إذا قتلوا وأتلفوا على المسلمين كيف يكون الحكم.
وقد شرحنا ذلك.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه ألزم نفسه سؤالًا على وجهه الاستكشاف فقال: فإن قيل: ما فعل أبو بكر في أهل الردة؟ قيل: القوم جاؤوا تائبين تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، فإن قيل: ما معنى تدون قتلانا؟ قيل: معناه إن كانوا يصيبون غير معتمدين وهذا خلاف حكم أهل الحرب عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإن قيل: فلا نعلم أحدًا منهم أقيد بأحد.
قيل: ولا يعلمون القتل ثبت على أحد بشهادة ولو ثبت [135/ب] لا نعلم أحدًا أبطل لولي دمًا طلبه والردة لا تدفع عنهم قودًا ولا عقلًا ولا تردهم خيرًا لم يرد شرًا وذكرنا أن الحكم عليهم كالحكم على المسلمين في القود والعقل ثم قال المزني: هذا بخلاف قوله في كتاب" قتال أهل البغي" وهذا عندي أقيس من قوله في كتاب "قتال أهل البغي" يطرح ذلك كله لأن حكم أهل الردة أن يردهم إلى حكم أهل الإسلام لا يرقون ولا يغنمون كأهل الحرب فلذلك يقاد منهم ويغنمون.
مسألة: وإذا قامت لمرتد بينة أنه أظهر القول بالإيمان ثم قتله رجل.
الفصل قد ذكرنا أنه إذا قتل من عنده أنه مرتد ثم بان أنه قد أسلم هل يلزمه القود؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه القود وهو المنصوص هنا لأنه قال: يعلم توبته أو لا يعلمها.
والثاني: لا يجب القود وتجب الدية والكفارة ولأنه قتل من يعتقد إباحة دمه لكفره فصار شبهة في سقوط القصاص.
وقال ابن أبي هريرة: نص على قولين وهما على حالين إن كانت آثار الردة باقية من حبس أو قيد أو اختفاء لا يلزم القصاص، وإن كانت آثارها غير باقية يلزم القصاص لأن له عذرًا عند ظهور العلامة والأثر، وقال صاحب

الجزء: 13 - الصفحة: 149

(الحاوي): [136/أ] قال بعض أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن كان في منعة فلا قود، وإن لم يكن في منعة يلزم القود لأنه ممنوع من قتل غير الممتنع، وغير ممنوع من قتل الممتنع وأن يعرف منه ردة سابقة في دار الإسلام يلزمه القود قولًا واحدًا لأنه لا معنى لظنه أنه مرتد إذا لم يعرف ردته بحال فصار كما لو قتل رجلًا ظنه قاتل أبيه يلزمه القود قولًا واحدًا، ولو كان في دار الشرك ظنه مرتدًا أو حربيًا وكان قد أسلم فلا قود قولًا واحدًا لأنها دار إباحة ودار الإسلام دار حقن ولأن كل أحد مأمور بقتل الحربي فمن أخطأ في قتله عذر في درء القود عنه، ولأن الكافر الأصلي إذًا مأمور بتغيير زيه الذي يتميز به عن زي المشركين، فإذا أسلم وبقي عليه زيه كان التفريط من جهته فلا يجب القود على قاتله وتلزم الدية والكفارة لأنهما يثبتان مع الشبهة، وقيل: هل تلزم الدية؟ فيه قولان وقد ذكرنا أنه إذا قتل عبدًا ثم بان أنه كان حرًا، أو قتل ذميًا ثم بان أنه قد أسلم يلزمه القصاص قولًا واحدًا لأنه لا يحل قتلهما لأحد، وقال أبو حامد: فيه قولان أيضًا، وقال في (الحاوي): وجهان، وقال أبو القاسم بن كج [136/ب] في مسألة المرتد ثلاثة طرق أحدها: في العبد والذمي قولان، وفي المرتد قول واحد أنه لا يلزمه القصاص.
والثانية: فيهما قولان.
والثالثة: الفرق بين ظهور الآثار وبين عدمها ولو أكره على كلمة الكفر فقد ذكرنا أنه لا يحكم بكفره.
وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا: لا يصير كافرًا ولكن تبين منه امرأته استحسانًا وهذا غلط لأن الله تعالى أسقط عنه وزر الكفر عند الإكراه.
ولو أكره على كلمة الإسلام فأسلم فإن كان حربيًا أو مرتدًا حكم بإسلامه لأنه أكره بحق لأنه لا يترك على كفره، ولو أكره الذمي على الإسلام لا يحكم بإسلامه لأنه إكراه بظلم وقد ذكرنا إنه إذا تكرر منه الردة والإسلام يقبل منه الإسلام أيضًا، ولكنه يعزر في كل ردة ولا يحبس، وقال أبو حنيفة: لا أعزره في الثانية، وأحبسه في الثالثة وما بعدها وعنده الحبس تعزير وهذا لا يصح لأن الحبس لا يكفه عن الردة فلم يكن له تأثير وهو في .... الثانية متهاون بالدين كهو في الثالثة فاقتضى [137/أ] أن يعزر فيها كما يعزر في الثالثة.

باب صول الفحل

مسألة: قال: وإذا طلب رجل دم رجل أو ماله أو حريمه بغير حق كان له دفعة عنه.
من قصد دم رجل أو ماله أو حريمه فله أن يدفعه بأيسر ما يمكن دفعه به سواء كان

الجزء: 13 - الصفحة: 150

القاصد حرًا أو عبدًا عاقلًا أو مجنونًا بالغًا أو غير بالغ.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب جراح العمد إذا قصده في مصر فيه غوث أو صحراء لا غوث فيها فالاختيار له أن يكلم من يريده وسده بالنهي والوعيد ويستغيث فإن امتنع أو منع لم يكن له قتاله، وإن أبى أن يمتنع فله أن يدفعه فإن لم يقدر على دفعه إلا بضربة بيد أو عصا أو سلاح حديد أو غير حديد فله ضربه وليس له عمد قتله، فإن أتى الضرب على نفسه فلا عقل عليه ولا قود ويدفع بالأيسر فالأيسر فإن ضربه ضربة فتولى تاركًا له لم يكن له أن يعود عليه بالضرب، فإن أراده وهو في الطريق وبينهما نهر أو خندق أو جدار أو ما لا يصل عليه بالضرب، فإن أراده وهو في الطريق وبينهما نهر أو خندق أو جدا أو ما لا يصل معه إليه لم يكن له ضربه حتى يكون بارزًا له مريدًا فحينئذ له ضربه إذا رأى أنه لا يدفع عنه إلا بالضرب فإن كان له [137/ب] مريدًا فانكسرت يده أو رجله حتى يصير ممن لا يقدر عليه لم يكن له ضربه لأن الإرادة لا تبيح الضرب إلا أن يكون مثله يطيق الضرب، وإذا أقبل الرجل بالسيف أو غيره من السلاح إلى الرجل فوقع في نفسه أنه يريد ضربه فله أن يضربه، وإن لم يضربه المقبل إليه وإن لم يقع في نفسه لم يكن له ضربه، ولو عرض له فضربه.
ولو انضرب ضربة ثم ولى أو جرحه فسقط ثم عاد فضربه ضربة أخرى فمات منهما ضمن نصف الدية في ماله والكفاءة لأنه مات منهما فلورثته نصف الدية ولو جرحه أولًا وهو مباح جراحات ثم ولى فجرحه جراحات كانت جنايتين مات منهما سواء كثير الجراحة في الحالة الأولى وقليلها فعليه نصف الدية، فإن عاد فأقبل فجرحه جراحة قليلة كانت أو كثيرة فمات عليه ثلث الدية قال: وما أصاب المريد في هذه المواضع في أي حال كان فسواء لأنه ظالم بذلك كله فعليه القود فيما فيه القود والعقل فيما فيه العقل، وإن كان المريد معتوهًا كان فيما أصاب العقل، وإن كان المريد بهيمة في نهار فلا شيء على مالكها إذا لم يكن معها [138/ أ] ولو أراد منه قتل غيره أو أراد من حريمه الزنا يجب الدفع إن قدر ويأثم ... بترك الدفع لأن إباحة ذلك محظورة ولو أراد قتله فإن كان الطالب ممن ليسه له زاجر من نفسه كالبهيمة والمجنون يلزمه دفعه ويكون في ذلك الكف كالإذن في قتل نفسه، وإن كان الطالب ممن يزجره عن القتل عقل ودين فهل يلزمه الدفع؟ ذكرنا وجهين والأصح أنه لا يلزمه لقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ [المائدة 28] الآية وعن النبي صلى الله عليه وسلم "كن خير ابني آدم" يعني هابيل استسلم حتى قتله هابيل، وقال في حديث حذيفة: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل".

الجزء: 13 - الصفحة: 151

مسألة: قال: وإن طلب الفحل رجلًا فلم يقدر عليه إلا بقتله لم يكن عليه غرم.
وإذا صال عليه فحل لغيره فقتله دفعًا عن نفسه لم يجب عليه ضمانه، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: يجوز له قتله دفعًا عن نفسه ويجب عليه ضمانه، وكذلك إذا كان الصائل صبيًا أو مجنونًا فقتلهما دفعًا يلزمه الضمان عنده وهذا لا يصح لأنه قتله بدفع جائز فلا يجب ضمانه كما لو قتل الآدمي الصائل وهو بالغ عاقل، فإن قيل: أليس لو قتله بضرورة الجوع يلزمه الضمان؟ فكذلك هنا قلنا: الفرق أنه لم يلجئه الطعام إلى إتلافه وهنا الفحل بصوله ألجأه إلى إتلافها لفرق بينهما الأولى لو قتل المحرم صيدًا للجماعة يلزمه الجزاء، [138/ب] ولو قتله صائلًا بصوله لا يلزمه الجزاء بالإجماع.
مسألة: قال: ولو عض يده رجل فانتزع يده.
الفصل إذا عض رجل يد رجل فانتزع يده من فيه فندرت سن العاض كان هدرًا، وروي عن مالك وابن أبي ليلى أنهما قالا: يلزمه ضمان السن وهذا غلط لما روي عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة العسرة وكانت أوثق أعمالي في نفسي وكان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته وقال "أيدع يده في فيك فتقضمهما قضم الفجل" وروي "أيدع يده في فيك تعضها كأنها في في فحل"، وروي مثله عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولأن صونه جميع البدن أعظم، ولو قتل بالدفع لا ضمان فإذا أتلف جزءًا منه بالدفع أولى أن لا يضمن ويقال للعض بالأسنان: القضم والعض بالأضراس: الخضم، وقال الحسن البصري في وعظه: تخضمون وتقضمون والحساب عند البيدر.
قال الشافعي: فإن مات منها فلا عقل ولا قود ولا كفارة، سواء كان العاض ظلم أو بدئ بظلم لأن نفس العض ليس له وللمعضوض منعه من العض فإن اختلفا في إمكان العض بدون ذلك فالقول قول المعضوض مع يمينه.
مسألة: قال: ولو عضه كان له فك لحييه بيده الأخرى [139/أ] إن كان عض إحدى يديه وبيديه معًا إن كان عض رجله، قال: فإن عض قفاه فلم تنله يداه كان له نتر رأسه من فيه، فإن لم يقدر فله التحيل عليه برأسه إلى ورائه مصعدًا أو منحدرًا ويضرب فاه بيده أو بيديه حتى يرسله فإن ترك شيئًا مما وصفت له وبعج بطنه بسكين أو فقأ عينه

الجزء: 13 - الصفحة: 152

بيده أو ضربه في بعض جسده ضمن هذا كله لأن هذا ليس إليه.
فإن قيل: هلا جاز له أن يضرب بعض جسده مثل ما يضرب فمه؟ قلنا: الفم موضع الجناية وضربه أقرب إلى التخلص منه فلا يجوز أن يعدل عنه.
ثم اعلم إن المزني رحمه لله ظن أن الشافعي رضي الله عنه أوجب عليه الضمان حيث لا يقدر على التخلص منه إلا ببعج بطنه فأعرض في آخر الباب عن هذه المسألة وذلك غلط منه، والتأويل إذا قدر على دفعه بما ذكرنا، وأما إذا لم يقدر على التخلص منه إلا ببعج بطنه كان له ذلك وهذا ظاهر في كلامه، وقيل: مذهب المزني أنه لو قدر على تخليصه بلطمة فبعج لم يضمن وعندي لا تصح هذه الرواية عنه.
ثم احتج الشافعي على نفي الضمان عن الدافع إذا راعى درجات فعاله، ورفع إلى عمر رضي الله عنه جارية كانت تحتطب فأتبعها رجل فراودها عن نفسها فرمته بفهر أو بحجر فقتلته فقال عمر: هذا قتيل الله وقتيل الله لا يؤدي أبدًا.
فإن قال قائل: قال الشافعي في أول هذا الفصل إن عض قفاه فلم تنله يداه كان له نتر رأسه من فيه [139/ ب] فكيف قال في آخر المسألة: كان له ضرب فمه حتى يرسله؟ قلنا: أراد بأول المسألة إذا أمسك يديه، وأراد بالثاني: إذا كانت يداه مرسلتين وعلم منه أنه لم يتخلص إلا بالضرب.
مسألة: قال: ولو قتل رجل رجلًا فقال: وجدته على امرأتي.
إذا وجد مع امرأته رجلًا يفجر بها وهما محصنان كان له قتلهما، وكذلك لو وجده يتلوط بابنه أو بغلامه أو يزني بجاريته، نص عليه وأراد له قتل الزاني دون الجارية، وقد روى سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصيب دون ماله فهو شهيد، ومن أصيب دون أهله فهو شهيد، ومن أصيب دون دينه فهو شهيد" وروي "من قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد" وإن وجده ينال منها فيما دون الفرج فله منعه ودفعه وإن أتى الدفع على نفسه ولا ينتهي إلى القتل إلا أن لا يقدر على دفعه إلا بالقتل وعلى هذا يجوز للأجانب أن يدفعوا كذلك حسبة وعليه ذلك وكلن لا يلزمه الدفع بالقتل متعينًا بخلاف ما لو كان من أهله من ابنته وأخته فإن الفرض في أهله متعين عليه وفي غير أهله الفرض على الكفاية.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم "لعن الركالة" وهو الذي لا يغار على أهله [140/أ] ولو كانت مكرهة يمنعه دونها، وإن كانت مطاوعة يمنعها لأنه يلزمه صيانة محارم الله تعالى وحفظ حقوقه، وإذا رآه أوقع أو أولج جاز أن يبدأ في دفعه بالقتل وله أن يتعجل لأنه في كل لحظة تمر عليه يواقع للزنا لا يستدرك

الجزء: 13 - الصفحة: 153

بالأناة فجاز من أجلها أن يعجل بالقتل، وروي أن رجلًا قال لعلي رضي الله عنه: إني وجدت مع امرأتي رجلًا فلم أقتله فقال: أما أنه لو كان أبو عبد الله لقتله يعني الزبير بن العوام.
قال صاحب (الحاوي): وفي هذا القتل وجهان: أحدهما: أنه قتل دفع فعلى هذا يختص بالرجل دون المرأة ويستوي فيه البكر والثيب.
والثاني: أنه قتل حد يجوز أن ينفرد به دون السلطان لتفرده بالمشاهدة التي لا تتعداه ولاختصاصه فيه بحق نفسه في إفساد فراشه عليه في الزنا بزوجته فعلى هذا يجوز أن يجمع فيه بين المرأة والرجل إن كانت مطاوعة إلا أن يفرق بين البكر والثيب فتقتل إن كانت ثيبًا وتجلد، إن كانت بكرًا وفي الرجل وجهان: أحدهما: يفرق فيه بين البكر والثيب أيضًا لأنه حد زنا كالمرأة.
والثاني: وهو الأظهر لا يفرق ويقتل في الحالين لأمرين: أحدهما: أن قتله حدًا أغلظ من قتله دفعًا ويجوز لتغليظ حاله أن يقتل دفعًا فجاز أن يقتل حدًا.
والثاني: أن السنة لم تفر في إباحته بين البكر والثيب لتغليظ حكمه في حق المستوفى.
وأما في الحكم إن أقام البينة على ذلك فلا شيء عليه [140/ب] من الضمان ولكنه يعزر لتفويت القتل المفوض إلى الإمام هكذا ذكر أصحابنا، وعندي لا يعزر لأنه كان يلزمه دفعه عن ذلك على ما ذكرت فلا معنى للتعزير بعد التحقيق، وإن لم يكن لبينة فالقول قول ولي المقتول فيحلف أنه لا يعلم ذلك وله القود وهذا لما روي أن سعدًا قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء أأقتله؟ فقال: لا حتى تأتي بأربعة شهداء كفى بالسيف شاهدًا يعني شاهدًا عليك فترك الكلام على نصفه، وقال: لولا أن يحتج به الغيران والسكران فقال سعد: أيصبر حتى آتي بأربعة والله لأقتلنه قتلتموني أو تركتموني وولى سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من غيرة سعد والله إني لأغير من سعد، والله تعالى أغير مني ولغيرته حرم الفواحش" ومعنى هذا السؤال أنه سأله عن سقوط القود عنه.
وروى سعيد بن المسيب أن رجلًا من أهل خيبر وجد مع امرأته رجلًا فقتله أو قتلهما فأشكل على معاوية القضاء فكتب معاوية إلى أبي موسى الأشعري يسأل له عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كتب إلى في ذلك معاوية فقال علي رضي الله عنه أنا أبو الحسن إن لم تأت بأربعة شهداء [141/ أ] فليعط برمته.
فإن قيل: روي أن رجلًا خرج إلى الجهاد فتأخر فيه وكان له جار يهودي فمر ببابه مسلم فسمع اليهودي يقول مرتجزًا:

الجزء: 13 - الصفحة: 154

وأشعث غرة الإسلام من يخلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها وتمسي على جرداء لاحقه الخزام كأن مواقع الريلات منها فئام ينهضون إلى فئام فدخل المسلم فقتله فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأهدر دمه ولم يطالبه بالبينة.
قيل: يحتمل أن ثبت ذلك عنده بإقرار الولي فلهذا أهدره.
قال الشافعي رضي الله عنه: ولو كان الرجل ثيبًا والمرأة غير ثيب، أو كانت المرأة ثيبًا والرجل غير ثيب كان عليه في غير الثيب القود ولا شيء عليه في الثيب.
فرع قال: ولو كان للمقتول وليان فادعى الرجل عليهما العلم بوجوب القتل عليه فحلف أحدهما ما علم ونكل الآخر عن اليمين حلف القاتل أنه زنا بامرأته ووصف الزنا الذي يوجب الحد وكان ثيبًا وعليه نصف الدية حالًا في ماله الذي حلف أنه ما علم.
فرع آخر لو كان له وليان صغير وكبير فحلف الكبير ما علم لم يقتل حتى يبلغ الصغير فيحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه، وإن شاء الكبير أخذ نصف الدية، فإذا أخذها أخذ الصغير ولم ينتظر به أن يحلف فإذا بلغ حلف [141/ب] فإن لم يحلف وحلف القاتل رد عليه ما أخذ منه.
فرع آخر لو أقر له أولياء المقتول فيهما أنه كان معها في الثوب يتحرك حركة المجامع وأنزل ولم يقر وإنما يوجب الحد لم يسقط عنه القود، ولو أقروا بما يوجب الحد وادعوا أنه كان بكرًا وادعى القاتل أنه كان ثيبًا فالقول قول أوليائه وعلى القاتل البينة، فإن جاء القاتل بالبينة أنه كان ثيبًا سقط عنه القود والعقل خلافًا لأبي حنيفة حيث اعتبر حكم الحاكم فيه على ما ذكرنا.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان تفريعًا على هذا: لو أخذ رجل متاعه من حرز وطرحه خارج الحرز وهرب ليس له أن يتبعه فيضربه، فلو تبعه فقطع يده وعلم أن قطع السرقة كان واجبًا عليه لم يضمن لأن تلك اليد بعينها مستحقة الإتلاف، وكذلك لو وجب عليه القطع في قطع الطريق فقطعه رجل بغير إذن الإمام وقع الموقع بخلاف ما لو وجب حد الزنا جلدًا على رجل فجلده رجل من عرض الناس ضمن لأن الجلد مجتهد فيه إقامة ومحلًا فلا يكون من غير القاضي حدًا بحال.

الجزء: 13 - الصفحة: 155

مسألة: قال: ولو تطلع إليه رجل من ثقب فطعنه بعود.
الفصل إذا كان في بيت الرجل شق أو نقب أو ثقبه فاطلع عليها بنهار رجل أو امرأة يحل له أن يحذف عينه بحصاة أو يطعنها بخشبة [142/أ] أو حديدة، وإذا فعل ذلك ففقأ عينه فلا ضمان، وروي ذلك عن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة: ليس له أن يفعل ذلك فإن فعل ضمن لأنه يمكنه أن يدفعه عن النظر والاطلاع عليه بالاحتجاب عنه وسد النقب والتقدم إليه بالكلام ونحوه، فإذا لم يفعل ذلك وعمد إلى فقء عينه ضمن وليس النظر أكثر من الدخول عليه بنفسه ولو دخل هو داره ليس له فقؤ عينه وهذا لا يصح لما روى أنس رضي الله عنه أن رجلًا اطلع في بعض حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو مشاقص قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختله يطعنه.
والمشقص نصل عريض وقوله يختله يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر، وروى سهل بن الساعدي رضي الله عنه قال: تطلع رجل من حجر في حجرة من حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به عينك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر، وقالت عائشة رضي الله عنها: لولا أن الرجل انصرف لما بالى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن امرءًا اطلع عليك [142/ب] بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" وروي هدرت عينه، وروي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصاب عينه فلا دية له ولا قصاص" وروي "من اطلع في بيت قوم" وروي في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص، وروي "فقد هدرت عينه".
فرع آخر قال أصحابنا: المستحب له أن لا يبادر بالرمي ويسأله بكلامه وينذره فإن امتنع وإلا رماه ولو رماه من غير سؤال لم يكن جناح وهذا اختيار الماسرجسي، وقال القاضي الطبري: وهو ظاهر كلام الشافعي وظاهر الخبر وأكثر البغداديين على هذا فعلى هذا يكون مخالفًا للأصول في الصول وموافقًا لنزع اليد المعضوضة إذا سقط بها أسنان العاض ابتداءً وقال القاضي أبو حامد وجمهور البصريين: لا يستبيح ذلك حتى يزجره

الجزء: 13 - الصفحة: 156

بالكلام فلا ينزجر فإن ابتدأ ففقأ عينه ضمن فعلى هذا يكون موافقًا للأصول في صول الفحل والآدمي وبه قال مالك، وقال أبو بكر الرازي: هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقال الطحاوي: مذهب الطحاوي: مذهب أبي حنيفة ما ذكرنا أولًا وارتفع الخلاف.
فرع آخر قال في "الأم": لو طعنه عند أول اطلاعه بحديدة [143/أ] تجرح الجرح الذي يقتل أو رماه بحجر ثقيل يقتل مثله فكان عليه القود فيما فيه القود، لأنه إنما أذن له أن يناله الشيء الخفيف الذي يردع بصره لا يقتل نفسه بالمدرى والعود الصغير ونحو ذلك، وفيه وجه آخر لأصحابنا أنه لا يضمن ذلك وهو غريب بعيد.
فرع آخر لو ثبت متطلعًا لا يمتنع عن الرجوع بعد رميه بالشيء الخفيف استغاث عليه، فإن لم يكن في موضع أحببت أن ينشده، فإن لم يمتنع عن الاطلاع فله أن يضربه بالسلاح وأن يناله بما يردعه فإن أتى ذلك على نفسه أو جرحه فلا عقل ولا قود، وقال: ولو لم ينل هذا منه كان للسلطان أن يعاقبه.
فرع آخر لو أخطأ في الاطلاع لم يكن للرجل أن يناله بشيء، ولو رآه متطلعًا فناله قبل أن ينزع بشيء فقال: ما عمدت ولا رأيت لم يكن شيء لأن الاطلاع ظاهر ولا يعلم ما في قلبه.
فرع آخر لو كان الواقف أعمى فناله بشيء ضمنه لأن الأعمى لا يبصر بالاطلاع شيئًا.
فرع آخر لو كان المطلع ذا محرم من نساء المطلع عليه لم يكن له أن يناله بشيء بحال ولم يكن له أن يطلع لأنه لا يدري لأن يرى منهم عورة ليست له رؤيتها، وإن ناله بشيء في الاطلاع هنا ضمنه عقلًا وقودًا [143/ب] إلا أن يطلع على امرأة منهم مجردة فله حينئذ ما يكون له في الأجنبي إذا تطلع، وقال في (الحاوي): هذا الحظر عام والمري خاص فيحرم التطلع على المناسبين من الآباء والأبناء، كما يحرم على الأجانب لأنه ربما كان مكشوف العورة أو كان على حاله والرمي خاص فإن كان الناظر والدية الذين لا قصاص عليهما ولا حد قذف لا يجوز له رميهما لأنه نوع حد فإن رماهما وفقأهم ضمن وهل يكون شبهة في سقوط القود عنه؟ فإن كان عند التطلع مستور العورة عنه لا شبهة له يلزمه القود، وإن مكشوف العورة فهو شبهة له في سقوط القود ويضمن الدية.
وإن كان الناظر أجنبيًا أو من ليس بمحرم كبني الأعمام جاز العفو، ولا فرق بين أن

الجزء: 13 - الصفحة: 157

يكون الناظر رجلًا أو امرأة وفي الدار رجل أو امرأة، وإن كان يطلع الرجل على الرجل والمرأة على المرأة أخف حظرًا، وإن كان الناظر من ذوي المحارم الذي يجري القصاص بينهما سواء كالإماء والبنات والخالات ففيه وجهان ظاهرانك أحدهما: وهو ظاهر قول أبي حامد أنه يجوز فيهم، وروى عطاء بن يسار [144/ أ] أن رجلًا قال: يا رسول الله أستأذن على أمي؟ قال: نعم قال: إني أخدمها قال: استأذن عليها فعاوده ثلاثًا فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة لا يجوز لهم رميهم كالآباء لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور 31] الآية.
فشرك بين جميعهم في إباحة النظر إلى الزينة الباطنة لأن الزينة الظاهرة لا تحرم على الأجانب.
فرع آخر ولو كان الباب مفتوحًا أو كانت كوة واسعة فإن نظر ما رأى الإنكار عليه ولو غض بصره كان أولى، وإن وقف ناظرًا قال أبو حامد: له رميه وفقء عينه للتعدي.
وقال أبو القسم الصيمري: ليسه له ويضمن إن فعل لأنه أباح النظر له بفتح بابه ويقال له: رد بابك بخلاف الكورة فإن فيها مرافق من الضوء وغيره فلم تجر العادة بسدها بحال.
فرع آخر إذا قلنا بالوجه الثاني: فإن وقف في حريم الدار كان لصاحبها منعه من الوقوف عليه، وإن وقف في باحة الطريق لم يكن له منعه من الوقوف ويمنعه من النظر، وباحة الطريق وسطه.
وروى أبو هريرة [144/ب] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس للنساء باحة الطريق ولكن لهن حجزتاه" أي جانباه.
فرع آخر لو كان التطلع على دار لا ساكن فيها لم يجز أن يوماء سواء كان فيها مال أو لم يكن لارتفاع العورة.
فرع آخر لو كان في الدار وحده ولا حرمة له فيها له رمي عينه ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: يقتضي مذهب الشافعي رضي الله عنه أن له رمي عينه إذا كان مكشوف العورة، فإن لم يكن مكشوف العورة فالنظر إليه مباح فلا يجوز له رميه كما قال الشافعي: إذا كانت حرمه محرمًا للناظر لم يجز رمي عينه إلا أن تكون مجردة فله رمي عينه، وقال القفال: فيه وجهان، وإن كانت مستورة العورة وكذلك إن كان فيه حرم مستورات وهذا خلاف المشهور من النص.

الجزء: 13 - الصفحة: 158

فرع آخر قال ابن المرزبان: إذا دخل رجل المسجد فكشف عورته وأغلق الباب على نفسه أو لم يغلق فجاء ناظر فنظر إليه ففقأ عينه يلزمه الضمان لأنه ليس بموضع مختص بقوم دون قوم.
فرع آخر قال الماسرجسي: لو قعد الرجل على الطريق فكشف العورة [145/أ] فنظر ناظر إلى عورته لم يكن له رمي عينه لأنه هو الهاتك لحرمة نفسه وهو كالحرز في السرقة إذا ضيع الرجل ماله وتركه في غير حرزه فلا قطع على سارقه فكذلك هنا.
فرع آخر قال في "الأم": لا فرق بين أن يكون الموضع الذي يطلع منه واسعًا أو ضيقًا وبين أن يطلع من ملكه إلى ملك غيره أو من غير ملكه من الطريق أو غيره لأنه يطلع إلى ما لا يحل الاطلاع عليه.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو رماه بشيء فأصاب غير العين فإن كان بعيدًا بحيث لا يخطئ من العين إليه ضمن، وإن كان قريبًا فأخطأ من العين إليه لم يضمن.
مسألة: قال: ولو دخل بيته فأمره بالخروج فلم يخرج فله ضربه حتى يخرج.
اعلم أنه إذا دخل منزل رجل ليلًا أو نهارًا بسلاح فأمره بأن يخرج لم يخرج فله ضربه، وإن أتى الضرب على نفسه.
قال أصحابنا: ليسه لو ضربه ما لم يأمره بالخروج فقوله يخالف هذا الذي تطلع عليه من بيت فإن له رمي عينه قبل أن يأمره بالانصراف لأن رمي عينه عند الاطلاع منصوص عليه مثل قطع اليد إذا سرق، فإن أراد رمي عينه لم يكن له ذلك لأنه إذا دخل بكل بدنه يسقط الحكم في تفصيل الأعضاء [145/ب] وذكر ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وجهًا آخر أن له ذلك لأن له قتله فضرب عينه أولى ولأنه أغلظ حالًا من التطلع لأنه جني بكل بدنه وهذا ضعيف وهذا إذا لم يرجع فأنا إذا ولى راجعًا لم يكن له ضربه.
فرع آخر لا يجوز لأحد أن يدخل دار أحد إلا بإذن صريح وإن كان الباب مفتوحًا لقوله تعالى: ﴿تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وتُسَلِّمُوا﴾ [النور 27] وقرأ ابن عباس "حتى تستأذنوا".
فرع آخر وكذلك إذا دخل فسطاطه في ناديه وفيه حرمته أو لا حرمة له فيه وفيه خزانته له دفعه وإن أتى ذلك على نفسه.

الجزء: 13 - الصفحة: 159

فرع آخر قال: وهكذا إذا أراد دخول منزله وكابره عليه فله ضربه وإن أتى ذلك على نفسه.
فرع آخر لو علم بخمر في بيت أو طنبور وعلم بشربه وضربه له أن يهجم على صاحب البيت ببيته فيريق الخمر ويفصل الطنبور ويمنعهم عن الشرب والضرب، وإن لم ينتهوا فله قتالهم، وإن أتى القتال عليهم وهو مثاب عليه.
وكذلك لو كان بيده طنبور فأراد رجل أخذه وكسره فمنعه له أن يدفعه وإن أدى إلى قتله وشق ثيابه.
فرع آخر قال: ولو قتل رجل رجلًا وادعى القاتل أنه أراد دخول منزله مكابرة فدفعه بالضرب وأتى عليه لم يصدق القاتل عليه سواء كان معروفًا بذلك أو لا إلا ببينة يقيمها، فإن لم يقم ببينة أعطى [146/أ] منه القود.
فرع آخر قال: ولو جاء ببينة يشهدون أنهم رأوا هذا مقبلًا إلى هذا بالسلاح شاهرًا ولم يزيدوا على هذا فضربه هذا فقتله أهدرته، لأن الظاهر أنه قصده وأن القاتل دفعه، وقال صاحب (الحاوي): هكذا قال أبو حامد وعندي أن هذه الشهادة تسقط القود للشبهة ولا توجب سقوط الدية لاحتمال دخوله على هذه الحالة أن يكون هرب من طلب وإن أكملت الشهادة بأن قالوا دخل عليه بسيف مشهور وأره فلا قود ولا دية ولا إشكال.
فرع آخر قال: ولو أنهم رأوه داخلًا في داره ولم يذكروا معه سلاحًا أو ذكروا سلاحًا غير شاهر فقتله أقدت منه لا أطرح عنه القود إلا بمكابرته على دخول الدار وأن يشهر السلاح عليه وتقوم بذلك بينة.
فرع آخر ولو شهدوا أنه أقبل عليه في صحراء بسلاح فضربه فقطع يد الذي أريد ثم ولى عنه فأدركه فذبحه أقدته منه وضمنت المقتول به يد القاتل وهذه من فروع حمل الرجل على الرجل الذي ذكرنا في أول الباب.
فرع آخر قال: ولو التقى نفسان فتقاتلا ظلمًا على عصبيته وطلب كل واحد منهما نفس الآخر أو ماله فكل قاتل منهما ظالم، وكل مقتول مظلوم يقاد من قاتله ويكونان متساويين في الظلم قبل القتل لاشتراكهما في التعدي بالقتال ومختلفين بعد القتل فيصير القاتل ظالمًا

الجزء: 13 - الصفحة: 160

والمقتول مظلومًا لأن التعدي بالقتل صار متعينًا [146/ب] في القاتل دون المقتول وعلى هذا حمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" يعني: لظلمهما بالقتال وقصده صاحبه فله دفعه الآن وإن أتى على نفسه على ما ذكرنا.
فرع آخر لو كانت دار يسكنها ذو محرم له مع مالكها فأراد دخول الدار لا يلزمه الاستئذان ولكنه متى أراد الدخول عليه يشعر بدخوله بالنحنحة وشدة الوطء ليستتر العريان، وإن لم يكن المحرم ساكنًا فيها فإن كان الباب مغلقًا لم يجز الدخول إلا بإذن، وإن كان مفتوحًا فهل يجب الاستئذان وانتظار الإذن؟ وفيه وجهان أحدهما: يجب لجواز أن يكون رب الدار على عورة.
والثاني: لا يجب ويلزم الإشعار بالدخول التنحنح والحركة لقوله تعالى: ﴿ولا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور 61] الآية.
ففرق الله تعالى من ذوي المحارم وغيرهم في الإباحة.

باب الضمان على أرباب البهائم

قال الشافعي رضي الله عنه: أخبرنا مالك عن الزهري عن حرام بن سعد محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل هذه الأموال حفظها [147/أ] بالنهار وما أفسدت بالليل فهو ضامن على أهلها.
اعلم أنه إذا أفسدت الماشية زرع قوم فلا يخلو إما أن يكون صاحبها عليها أو لا يكون، فإن كانت يده عليها يلزمه الضمان فإن كان نهارًا فلا ضمان على مالكها لأن لصاحب الماشية أن يسيب ماشيته بالنهار في العراء من غير حافظ وحفظ الزرع على صاحبها فإذا لم يحفظه فهو المضيع لماله وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "العجماء جرحها جبار" والعجماء: البهيمة سميت عجماء لعدم نطقها والجبار: الهدر.
وقال بعض أصحابنا: عادة الناس هذا وذلك في الموات فإن أرسلت المواشي نهارًا في طرف ضياع للناس أو حريم الأنهار يضمن أربابها ما أفسدت، وكذلك في القرى والمدن العامرة يتقارب العقار فيها وبينها علف وكلأ ترعى بالعادة أن رب الدابة يرعاها فيه ويحفظها ولا يحفظ رب الزرع زرعه، فإذا أفسدت زرعًا يلزمه الضمان لأن التفريط كان منه، وإن كان هذا الإفساد ليلًا قال الشافعي: يلزم الضمان على مالكها لأن حفظها بالليل عليه وليس على صاحب الزرع حفظه بالليل فكان صاحب الماشية متعديًا

الجزء: 13 - الصفحة: 161

بتسييبها بالليل بلا حافظ، ولا فرق بين أن يطلقها ابتداءً ليلًا أو أرسلها بالنهار وواصله بالليل، وقال أبو حنيفة: لا ضمان على صاحبها بكل حال ليلًا كان أو نهارًا [147/ب] لأنها أفسدت وليس يده عليها فلا يلزمه الضمان كما لو كان بالنهار، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة بخراسان: سوى أبو حنيفة بين الليل والنهار في وجوب الضمان لا في سقوطه والأول أصح عنه.
ودليلنا الخبر الذي رواه الشافعي، وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: كانت له ناقة ضاريه فدخلت حائطًا فأفسدت فيه فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
ففرق بين الليل والنهار فلا يجوز التسوية بينهما وهذا لأن الحفظ لا يشق بالليل ويشق بالنهار.
وقال الصيمري: إن جرت عادة أهل أن يرعوا مواشيهم ليلًا دون النهار كان الضمان عليهم نهارًا دون الليل.
فرع قال القفال: لو كانت العادة أن من له عمر في الحوائط فأرسل ليلًا فوجد بابها مفتوحًا أو اقتحمت ثلمة حائط فلا ضمنان على صاحبها لأنه لم يفرط في إرسالها، وإنما يضمن ذلك في المزارع التي لا حائط عليها في عادة أهل البلد.
فرع آخر لو تكاثرت المواشي بالنهار حتى عجز أصحاب الزرع عن حفظها هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن لأنه لم يكن من أرباب الزرق تقصير في الحفظ.
والثاني: لا يضمن لأنه لم يكن من أرباب المواشي تفريط في الحفظ.
[148/أ] فرع آخر لو رد الماشية إلى البيت فخرجت بغير علمه واختياره غلبة ونفرة فأفسدت يحتمل وجهين: أحدهما: يلزمه الضمان لأنه مفرط في حفظها والاستيثاق منها.
والثاني: لا يلزمه الضمان لأنه إذا آواها إلى مكانها بالليل على حسب العادة والعرف فيه فخرجت وأفسدت بالليل لم يكن متعديًا ذكره ابن أبي هريرة، وقال القاضي الطبري: والأول أصح لأنه إذا رد الماشية إلى المراح فخرجت بالليل فهو مفرط في حفظها لأنه كان يجب أن يستوثق منها بما لا تتمكن مع من الخروج من إغلاق باب المراح وإحكامه، فإذا نسي ذلك أو لم يفعله عمدًا أو أغلقه غلامًا فيمكن الماشية من فتحه فهو مقصر فيه فيلزمه الضمان.
فرع آخر لو انفلتت من يده مع شدة مراعاته لها قال أصحابنا: لا ضمان عليه بحال، وقال

الجزء: 13 - الصفحة: 162

في (الحاوي): في وجهان: أحدهما: يضمن لأنه قلما يكون ذلك إلا من تفريط خفي.
والثاني: وهو الأصح لا يضمن.
وهذان الوجهان مخرجات من القولين في إصدام السفينتين بغلبه الريح.
فرع آخر قال أصحابنا: لو أرسل الطيور مثل الحمام ونحوها فكسرت على الجيران شيئًا أو التقطت حبًا فلا ضمان على صاحبها لأن العادة إرسالها أبدًا.
فرع آخر لو أطلق السنور فأفسدت في بيوت الجيران قال صاحب "الإفصاح": إن كان معروفًا [148/ب] بالإفساد ضمن سواء كان بالليل أو بالنهار لأن العرف في مثله في الزمانين إطلاقه وكذلك الكلاب التي تقتني للصيد ينظر فيها فإن كان عقورًا ضمن في الزمانين، وإن لم يكن عقورًا فلا ضمان على أهلها فيما كان من جنايتها في الليل والنهار لأن العرف إطلاقها في الزمانين إلا أن يكون العرف في مثلها أنها ترد في الليل إلى البيوت فيجب على صاحبها الضمان، وقال بعض مشايخنا بخراسان: في السنانير القاتلة، وإن كان ليلًا فلا ضمان لأن العادة إيواء الطيور بالليل وإرسال السنانير، في البيوت وليس بشيء.
مسألة: قال: والوجه الثاني إذا كان الرجل راكبًا فما أصابت بيدها أو رجلها.
الفصل: إذا كان راكبًا دابة فعليه ضمان ما تتلف بيدها أو رجلها أو ذنبها أو فيها، وكذلك لو كان قائدًا أو سائقًا أو رديفًا وسواء فيه الوطء بالقدم والرفس باليد والركض بالرجل، وقال أبو حنيفة: إن كان قائدها أو راكبها ضمن ما تتلفه بيدها وفمها دون ما تتلفه برجلها وذنبها لأنه يملك تصرفها من قدامها ولا يملك ذلك فيما ورائها قال: [149/أ] وإن كان سائقها ضمن ما تتلف بالأطراف كلها، وإن وطئ شيئًا يضمن بكل أطرافها.
وقال فيمن تجري دابته فسقط منها شيء فتلف به مال الغير: فإن كان ريقها أو بولها أو روثها فلا ضمان، وإن كان شيئًا من المعاليق التي علقها عليها ضمن واحتج بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرجل جبار".
وما ذكره لا يصح لأنا لا نعارف فارسًا يضبط يدها دون رجلها، وأما الخبر قال أصحاب الحديث: هذا غير محفوظ ولم يروه من أصحاب الزهري سوى سفيان بن الحسين وهو معروف بسوء الحفظ وإنما هو "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار والبثر جبار، وفي الركاز

الجزء: 13 - الصفحة: 163

الخمس" وأراد بالعجماء إذا كانت مطلقة ليس لها قائد ولا سائق، وأراد بالبئر أن يحفر الرجل بئرًا في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان فهو هدر لا ضمان فيه، وأراد بالمعدن ما يستخرجه الإنسان من معادن الذهب والفضة ونحوها فيستأجر قومًا يعملون فربما انهار على بعضهم فمات فدماؤهم هدر لأنهم أعانوا على أنفسهم، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النار جبار"، وقيل: إن صح الخبر أراد به إذا أوقد الرجل النار في ملكه لحاجته فتطير بها [149/ب] الريح فتشعلها في مال أو متاع لغيره من حيث لا يملك ردها فيكون هدرًا.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه: وكذلك الإبل المقطرة بالبعير الذي هو عليه في حكم الضمان لأنه قائد لجميعها وعلى هذا لو كان مع قطار من الإبل يسوقها أو يقودها فابتلع جمل منها جوهرة لإنسان وجب الضمان على الحافظ لا يختلف أصحابنا فيه.
فرع آخر لو كانت غنم بين يديه يسوقها فابتلعت شاة جوهرة لإنسان اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: عليه الضمان كسائق الإبل، ومنهم من قال: لا ضمان عليه، والفرق أنه ليس العرف أن يكون مع كل واحد منها حافظ ومقطور في الإبل قد يكون مع كل واحد منها حافظ ويمكن أن يحفظه بالقطار أو يشد فمه.
فرع آخر لو لم يكن مع الشاة صاحبها فابتلعت جوهرة لإنسان قد ذكرنا هذه المسألة، وقد قال ابن أبي هريرة: إن كان نهارًا فلا شيء عليه، وإن كان بالليل ضمن قال أصحابنا: وكذلك الإبل والبقر وإذا أوجبنا الضمان قال ابن أبي هريرة: يحتمل أن يضمن الجوهرة ولا يذبح الشاة ويحتمل أن يؤمر بذبحها ويسلم الجوهرة إلى صاحبها.
قال صاحب (الحاوي): عندي أنه يضمن ليلًا بذبحها ويسلم الجوهرة إلى صاحبها.
قال صاحب (الحاوي): عندي أنه يضمن ليلًا كان أو نهاراً بخلاف الزرع، والفرق أن رعي الزرع مألوف فلزم حفظ الزرع منها وابتلاع الجوهرة غير مألوف فلم يلزم حفظ الجوهرة.
[150/أ] فرع آخر لو كان رجل راكب دابة فجاء إنسان فنخسها فرمحت فأتلفت شيئًا فالضمان على الناخس دون الراكل، لأنه حملها على ذلك فهو كما لو حملها راكبها على الإتلاف، وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كانت الدابة لا تتلف شيئًا إلا بالنخس فإن كانت تتلفه

الجزء: 13 - الصفحة: 164

بطبعها واتصل التلف هنا بالنخس فهل يضمن الراكب أو الناخس؟ فيه وجهان.
وهكذا لو كانت الدابة تمر فنخسها رجل فأتلف شيئًا فالحكم هكذا هل يضمن الناخس إذا اتصل التلف بالنخس وطبعها الإتلاف؟ فيه وجهان.
فرع آخر لو كان مع الدابة سائق وقائد فجنت الدابة وجب الضمان عليهما نصفين، ولو كان راكب وقائد وسائق ففيه وجهان: أحدهما: يضمنان نصفين لأن كل واحد لو انفرد يضمن فإذًا يضمنان كالسائق والقائد.
والثاني: يضمن الراكب لأنه هو المباشر ويده أقوى من يد السائق والقائد ويمكن بناء هذا على الوجهين في راكب وقائد اختلفا في دابة وتداعيا ملكها في وجهان: أحدهما: هما سواء.
والثاني: الراكب أولى.
فرع قال صاحب (الحاوي) في مسألة ابتلاع البهيمة الجوهرة: إن لم تكن البهيمة مأكولة اللحم غرم صاحبها قيمة الجوهرة فإن دفع القيمة ثم ماتت البهيمة وأخرجت الجوهرة من جوفها ففيه وجهان: أحدهما: ملكها صاحب البهيمة بدفع القيمة ولا يلزمه ردها.
[150/ ب] والثاني: ترد إلى صاحبها ويسترجع منه قيمتها لأنها غير مأكولة فإن نقصت قيمتها ضمن صاحب البهيمة قدر نقصها.
فرع آخر لو ركب صبي أو مجنون دابة بغير أمر الولي فأتلفت شيئًا ضمن في ماله وإن ركب بأمر الأجنبي فالضمان على الأجنبي، وإن ركب بإذن الولي فإن كان مثل ملك الدابة لا يجوز للولي أن يركبها صغيرًا فالضمان على الولي، وإن كن مثله يركب مثلها وأركبه لمصالحه فالضمان على الصبي في ماله وفيه وجه آخر أنه على الولي بكل حال.
فرع آخر لو ركب دابة فعضت على اللجام وغلبت على الراكب فأتلفت شيئاً قال أصحابنا بخراسان: هل يضمن الراكب؟ فيه قولان: أحدهما: لا يضمن كما لو لم يكن راكبًا لها فأتلفت شيئًا لا ضمان.
والثاني: يضمن لأن الراكب في الغالب يدفعه بالسوط واللجام فإذا لم يقدر نسب على التفريط حيت لم يرضها للركوب وهذان القولان غريبان ولعله أراد وجهين وهو يحتمل.
ثم رجع الشافعي رضي الله عنه إلى المناظرة في ضمان الرجل فقال: ولا يجوزن إلا ضمان ما أتلفت البهيمة تحت الرجل أو لا يضمن إلا ما حملها عليه فوطئته، فأما من ضمن عن يدها لو يضمن عن رجلها فهذا يحكم وليس هذا ما تقول منه ولا تعليق قول وإنما هو رد على أبي حنيفة رحمه الله.
مسألة: قال: ولو أوقفها في موضع [151/ أ] ليس له أن يقفها فيها ضمن.

الجزء: 13 - الصفحة: 165

وقد ذكرنا أنه إذا وقف دابة في طريق المسلمين سواء كان الطريق ضيقًا أو واسًعا، أو ربطها في باب داره فجنت ضمن لأن الوقف في مثل هذا الموضع لا يجوز إلا بشرط السلامة كإخراج الروشن إلى الطريق وإن وقفها في ملكه أو في أرض الموات لم يضمن لأن له أن يقفها فيه والمفرد من لم يتحرز منه وهذا إذا وقفها وغاب عنها، أما إذا كان معها يلزم الضمان بكل حال، وقال الصيمري: لو وقفها في طريق واسع في ناحية أو بفناء داره فأتلفت هل يضمن؟ قولان، وقال في (الحاوي): إن كانت الدابة مشغبة ضمن، وإن كانت غير مشغبة فوجهان بناءًا على القولينفي حفر البئر بفناء داره.
مسألة: قال: ولو جعل في داره كلبًا عقورًا.
الفصل إذا دخل دار غيره بغير إذنه فعقره الكلب فلا ضمان، وإن أذن له المالك بالدخول فإن أعلمه أنه عقور فلا ضمان وإن لم يعلمه فهل يضمن؟ قولان: سواء أشلاه أو لم يشله أحدهما: يضمن لأنه لما أذن له في الدخول صارت الدار المأذون فيها في حكم ملكه أو صارت في حقه بمنزلة الموات، ولو وقف عقورًا أو دابة عضوضًا في موضع يشترك فيه الناس فعضت ضمن كذلك هنا.
والثاني: لا يضمن لأنه دخل باختياره وهذان القولان [151/ب] مخرجان من مسألة السم إذا سم الطعام وقدمه إليه فأكله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه القود؟ فيه قولان فإن قلنا: لا قود فهل تجب الدية؟ فيه وجهان واختار المزني أنه لا ضمان أصلًا وهكذا إذا حفر بئرًا في داره وغطى رأسها وأذن لرجل في الدخول فسقط فيها ففي الضمان قولان، وهكذا إذًا لم يغطها ولكن الداخل أعمى وكذلك إذا نصب في داره حباله وأذن لإنسان في الدخول فأحبلته كان على القولين.
فرع إذا كان مع الدابة التي هو راكبها ولدها يضمن جناية الولد لأن يده عليهما، وكذلك لو كان معها أخرى مشددة إليها ضمن جنايتها لأن يده عليهما.
فرع آخر لو أحرق حشيشًا في أرضه فتعدت النار إلى زرع غيره فإن كان زرعه غير متصل بحشيشه فلا ضمان، وإن كان متصلًا فإن كانت الريح مصرفة عن جهة الزرع فهل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن لأن هبوب الريح ليس من فعله.
والثاني: يضمن لأن طبع النار أن تسري إلى جهة الريح هكذا ذكره في (الحاوي) وقد ذكرنا ما قيل في موضع آخر.

الجزء: 13 - الصفحة: 166

فرع آخر لو أرسل الماء في [152/أ] أرضه فخرج إلى غير أرضه قد ذكرنا أنه إن كان بقدر الحاجة فلا ضمان، وإن كان أكثر فإن عجز عن حبس الريادة لطغيان الماء فلا ضمان وإن قدر على حبسه ففيه وجهان: أحدهما: يجب الضمان لأن من طبع الماء الجريان، والثاني: لا يجب لأن الجار يقدر على الاحتزاز منه بحفيرة تصد عنه ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو أكره رجلًا على دخول داره وفيها كلب عقور فدخل فجرحه فإن اتصل التلف بالإكراه ضمن الدية، وإن لم يتصل ففي استصحاب حكمه وجهان: أحدهما: أن يستصحب الحكم إلى التف فيضمن.
والثاني: زوال حكمه بانقطاعه ويكون في حكم غير المكره.

الجزء: 13 - الصفحة: 167

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل