كتاب صلاة العيدين
مسألةُ: قالَ: ومن وجَبَ عليه حضور الجمعة وجب ليه حضور العيدين.
وهذا كما قال العيد في اللغة: لما اعتاد، أو عاد إليك، والأضحى: جمع أضحاة فقولنا: يوم الأضحى، أي: يوم الأضاحي والضحايا.
والأصل في العيد: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرِبِّكَ َواُنْحَرْ﴾ " الكوثر: 2" ولا نحر بعد الصلاة إلا صلاة العيد.
وأما السنة: فما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذا اليومان؟ " فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر".
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه.
وعيد الفطر: هو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وجاء في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه " يوم الحج الأكبر"، وروي أن أول "199 أ/3" عيد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد يوم الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر وسمي عيدا، لأنه يعود كل سنة، وقيل: إن السرور يعود فيه إليهم.
ويستحب لهم أن يقوم ليله كل واحد من العيدين.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من قام ليلتي العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، وهذا هو أعظم الفضائل، كقوله تعالى في الشهادة: ﴿ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ " البقرة: 283" وهذا أشد الوعيد.
فإذا تقرر هذا فالمذهب أن صلاة العيدين نافلة؛ وهي: سنة مؤكدة، وبه قال مالك لأن الشافعي قال: والتطوع وجهان نذكر في جملته صلاة العيدين، وقال في البويطي: صلاة العيد سنة لأهل الآفاق للرجال في المصلى وللنساء والعبيد والإماء في منازلهم، وأراد بما نقل المنزل من وجب عليه حضور الجمعة حتما وجب عليه حضور العيدين اختيارا وقصد الشافعي له أن حكم العيدين إنما يتوجه قصدا على من يخاطب بالجمعة.
فأما النساء والصبيان والعبيد فل يتوجه عليهم "199 ب/3" بل هم تبع.
الجزء: 2 - الصفحة: 454
وقال الإصطخري: صلاة العيد فرض على الكفاية؛ لأن الشافعي قال: وجب عليه حضور العيدين فتقديره من وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيدين كفاية، وبه قال أحمد وهذا غلط لما ذكرنا.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرض الأعرابي الصلوات الخمس قال: هل علي غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تتطوع"، وقيل: ما نقله المزني بهذا اللفظ لا يحفظ للشافعي في كتاب؛ ولأنها صلاة مؤقتة لم يشرع لها الإقامة فلا تجب كصلاة الاستسقاء، وقال أبو حنيفة في رواية: صلاة العيد واجبة وليست فرضا.
فإذا تقرر هذا لو اتفق أهل بلد على تركها يقاتلون على قول الإصطخري، وعلى المذهب فيه وجهان:
أحدهما: لا يقاتلون لأنهم تركوا نافلة كالوتر وركعتي الفجر.
والثاني: يقاتلون لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين وإخفاء الشعار بخلاف الوتر، فإنه لا يحصل بتركه التهاون في الدين وهذا أظهر وأوضح عندي، فإن قيل: فهذا يدل على أنه يأثم بتركها ويقضي، وهو قول الإصطخري، قلنا: يفضي بالتهاون "200 أ/3" بشعار الإسلام، ومثله يقول في ترك الأذان، وإن لم يكن واجبا فإن قيل: ما يقولون لو اتفق أهل بلد بأسرهم على ترك الوتر وركعتي الفجر؟ قلنا: ذاك يصلونه في منازلهم فلا يتوصل إلى اتفاق الكل على تركه، وإن علم ذلك منهم لا يقاتلون أيضا، لأنهم لم يندبوا إلى الجهات، فقلنا: بالإجماع لها فلم يكن في تركه تهاون بالدين.
مسألةْ: قال: وأحب الغسل بعد الفجر للغدو إلى المصلى.
وهذا كما قال.
الغسل للخروج إلى العيد مستحب والمعنى فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث سن الغسل في يوم الجمعة شبهه بالعيد، فقال: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه " كان يغتسل في الفطر والأضحى"، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله عنه ولأنه يوم سن فيه اجتماع الكافة للصلاة فاستحب فيه الغسل كالجمعة، وقد ذكرنا قولين في وقته.
وقال القفال فيه وجهان: والنص هاهنا يدل على أنه بعد الفجر وفي هذه نظر، لأن القولين "200 ب/3" منصوصان على ما تقدم بيانه، والنص يدل على وقت الاستحباب والخلاف في وقت الجواز، وقال أحمد: لا يجوز إلا بعد الفجر.
فرع
إذا قلنا: إنه يجوز قبل الفجر، قال القاضي الطبري: يجوز في جميع الليل كما يقول في أذان الصبح: ولا يجوز قبله، ويحتمل أن يجوز في جميع الليل، ويفرق بينه وبين الأذان بأن النصف الأول وقت مختار لصلاة غيرها، فربما يظن أن الأذان لها وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 455
مسألة: قال: وأحب إظهار التكبير.
الفصل
وهكذا كما قال: وجملته أن التكبير مسنون في عيد الفطر، وبه قال مالك وأحمد وروي عن ابن عمر رضي الله عنه وروي لعلي بن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا، واحتج من نصر القول بما روى سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنه سمع التكبير يوم الفطر فقال "201 أ/3" ما شأن النس؟ فقلت: يكبرون، فقال: أمجانين الناس.
وروي أنه سئل عن رجل كبر يوم الفطر، فقال ابن عباس: كبر إمامه فقيل: لا قال: ذاك رجل أجمق.
وقال النخعي: التكبير يوم العيد عمل الحركة وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "الحج: 37" قال الشافعي في " الأم": سمعت من ارتضى من أهل العلم بالقرآن يقول: ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم، وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير".
وأما قول ابن عباس يعارضه فعل علي وابن عمر، وأبي أمامة رضي الله عنه أنهم "كانوا يكبرون"؛ ولأن ابن عباس كان يقول يكبرون مع إمامهم ولا يكبرون منفردين" وهذا خلاف أصلكم.
وقال داود: التكبير يوم الفطر واجب لظاهر الآية، وهذا غلط لأنه ليس بأمر بل هو إخبار عن إرادة الله تعالى لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ﴾ " البقرة: 185" "201 ب/3" ولأنه تكبير شرع في يوم العيد فلا يجب كالتكبير في عيد الأضحى، واختلف قول الشافعي أي العيدين آكد في التكبير، فقال: في القديم ليلة النحر هي أوكد لإجماع الناس عليها من السلف.
وقال في " الجديد": ليلة الفطر أوكد لورود النص الذي ذكرنا فيها فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في وقته وصفته.
فأما وقته: فأوله بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وزيد بن أسلم، واختلفت ألفاظ الشافعي في هذا، فقال في " الأم": إذا رئي هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، وقال في البويطي: وتظهر الناس التكبير حين مغيب الشمس من ليلة الفطر، وروى المزني: وأحب إظهار التكبير ليلة الفطر ومعناهما واحد وهو ما ذكرنا.
فإن كان في السماء غيم ولم يروا الهلال عدوا رمضان ثلاثين يوما، فإذا غابت
الجزء: 2 - الصفحة: 456
الشمس ليلة الحادي والثلاثين ابتدئوا بالتكبير، وإن كانت السماء مصحية فطلبوا الهلال عشية التاسع والعشرين، فإن رأوا الهلال بعد غروب " 202 أ/3" الشمس كبروا، وإلا لم يكبروا لأن رمضان باق لم ينقص.
وقال علي وابن عمر ومالك والأوزاعي والثوري: لا يكبر ليلة الفطر.
ولكنه يكبر في يومه وروى هذا عن أحمد، وقال إسحاق وأبو ثور: يكبر إذا غدا إلى المصلى وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ " الحج: 37" ولأنه عيد سن في التكبير في يومه فسن التكبير في ليلته أصله عيد الأضحى.
وأما وقت قطع التكبير قال في "الأم": لا يزال وقته قائما حتى يخرج الإمام إلى المصلى، وقال في البويطي: حتى يفتتح الإمام الصلاة.
وقال في "القديم": حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معا هكذا حكاه أبو حامد، وحكى غيره عن "القديم" حتى ينصرف الإمام من الصلاة.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ثلاثة أقوال: إحداها: إلى خروج الإمام لأنه إذا خرج الإمام يستحب الاشتغال بالصلاة والتأهب لها فيقطع التكبير قبل الابتداء بالصلاة حتى يتأهب لها.
والثاني: إلى افتتاح الصلاة وهو اختيار المزني، قال: هذا أقيس، لأن من لم "202 ب/3" يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب، أي ولم يشرع في الخطبة فجائز أن يتكلم يعني فإذا جاز أن يتكلم في هذا الوقت فالأولى به أن يكبر، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا.
والثالث: إلى انصراف الإمام من الصلاة، لأن فيها تكبيرا فإن قيل: فينبغي أن يعتبروا الفراغ من الخطبتين؛ لأن فيهما تكبيرا قلنا؟: تكبير الخطبة هو مسنون للإمام دون السامعين وأما على ما ذكر أبو حامد فوجهان: هذا التكبير هو من شعار الصلاة والخطبة فما دامت الصلاة والخطبة، موجودة لا يقطع التكبير، وهذا القول الثالث إنما يتصور في حق الغائب عن الإما فله التكبير حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين.
فأما من كان حاضرا معه فلا يكبر وهو يخطب، فيكون في حق الحاضر قولان، ومن أصحابنا من قال قول واحد إنه يكبر إلى أن يفتتح الإمام الصلاة وهذ الطريق هي أصح.
والألفاظ هي عبارة عن معنى واحد يقوله حتى يخرج الإمام معناه تفتتح الصلاة؛ لأنه يفتتحها عقيب خروجه إذ ليس قبلها خطبة ولا أذان ولا إقامة.
وقوله في "القديم": أراد "203 أـ/3" جنس التكبير لأن في الصلاة والخطبتين تكبيرا كثيرا، وإنما قال ذلك لأن الإمام إذا افتتح الصلاة يجب عليهم أن يفتتحوا، ولا يجوز لهم أن يشتغلوا بالتكبير فإذا سلم صعد المنبر للخطبة وعليهم الاستماع فلا يكبرون.
وأما الكلام في صفته: فالمستحب أن يجهروا بالتكبير جماعة وفرادى في المسجد
الجزء: 2 - الصفحة: 457
والأسواق، والطرق، والمنازل، ومسافرين ومقيمين، وهذا معنى التكبير المرسل في جميع الأحوال.
وروي ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن رافعا صوته بالتهليل والتكبير" ولأن في ذلك تذكيرا لغيره وإظهار شعار الإسلام.
وروى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى" وأما التكبير المقيد وهو في إدبار الصلوات.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحب ذلك عقيب ثلاث صلوات صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح لأن كل "303 ب/3" عيد سن فيه التكبير المطلق سن فيه المقيد كعيد الأضحى.
ومنهم من قال: لا يستحب ذلك ولكنه يكبر عقيب الصلوات وغير عقيبها على السواء ويكون تكبير الإرسال أبدا، لأنه لم يرو في عيد الفطر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر عقيب الصلوات ولو فعله لنقل كما نقل في عيد الأضحى، وهذا ظاهر المذهب، لأن الشافعي لم يذكر ذلك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يستحب ذلك كما في عيد الأضحى وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ذلك على الخصوص وهذا غريب دائما في أيام التشريق فلا يكبر من حيث السنة إلا خلف الصلوات، فإن كبر فيها تكبيرا مطلقا جاز.
فإذا تقرر هذا بين الشافعي رحمه الله: أن ليلة النحر في ذلك مشبهة بليلة الفطر ومقيس عليها لغير الحاج، فقال: وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا تذكره التلبية، يعني: أن الحاج لا يقطع التلبية في عامة الأوقات ما لم يفتتح رمي الجمرة يوم النحر، فلما كانت التلبية في هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى التكبير، ولا كذلك من لم يكن حاجا فكذلك أمر بالتكبير في "204 أ/3 " هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى الكبير ولا كذلك من لم يكن حاجا، فكذلك أمر بالتكبير في هذه الليلة قياسا على ليلة الفطر لأنها ليلة أحد العيدين.
مسألة: قال ويغدون إذا صلوا.
وهذا كما قال يستحب التبكير إلى المصل من حين يصلي الصبح، لأن المنتظر للصلاة وهو كالمصلي ويكبر هناك، ولأن في ذلك خلو الطريق والمبادرة إلى أدنى المجالس من الإمام ليسمع الخطبة فكان أولى كما قلنا في الجمعة.
الفصل
وهذا كما قال.
أراد به أنه يخرج بهم إلى أوسع مكان من البلد لأنها صلاة يجتمع
الجزء: 2 - الصفحة: 458
لها أهل البلد والقرى فلا يسعهم الجامع بخلاف الجمعة.
وقال في " الأم": إذا كان المسجد يسعهم فصلاة العيد فيه أفضل من الصلاة في الصحراء، وإن كان ضيفا لا يسعهم فالصلاة في الصحراء أفضل، وعلى هذا المعنى، قال الشافعي في التكبير: لا يقام العيد في البلدان في المساجد، بل يخرجونإلى الجبان إلا بمكة فإنهم يصلون في المسجد، ولا أراهم يفعلون ذلك إلا لعظم المسجد، وقال بعض أصحابنا: "204 ب/3" في علته في مسجد مكة أنهم يستقبلون عين الكعبة حقيقة ولا يكون هذا في موضع آخر، وإن كان المسجد كبيرا مسجد مكة وبيت المقدس صلوا فيه، وهذا لأن المسجد هو أشرف البقاع وأفضلها وألطفها.
وجملته: انه يجوز في الصحراء والمسجد بكل حال، والمسجد أفضل عند الاتساع وعند العذر من مطر أو غيره؛ لما روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: أصابنا مطر فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد بالناس في المسجد، ولأن الناس يقلون في يوم المطر فلا يضيق المسجد عنهم، وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى الصحراء عند الصحو لضيق مسجده، فإن خالف في هذه الحالة وخرج إلى الصحراء وصلى الناس، قال: "لم أكره ذلك ولا بأس".
وإن ضاق المسجد عن الناس فالأفضل الخروج إلى الصحراء، فإن خالف صلى في المسجد يكره ذلك، وإنما قال: يكره هاهنا ولم يقل: هناك يكره، لأن في هذا مخالفة السنة ولم يخالف السنة هناك، ثم إن كان الصحار قريبا لا يلحق الضعيف مشقة في حضوره فالأمر على ما ذكرنا، وإن كان الصحراء بعيدا استخلف من يصلي "205 أ/3" بضعفة الناس في المسجد، وفي المطر إذا ضاق المسجد على الناس صلى الإمام في المسجد الأعظم بمن يطيق الحضور معه، واسخلف من يصلي بباقي الناس في موضع آخر يكون أرفق بهم.
ومن أصحابنا من قال: الأفضل الخروج إلى الصحراء عند الإمكان بكل حال، لأن فيه إظهار العيد الذي هو شعار الإسلام والسنة وهذا خلاف النص، ويستحب أن يمشي إلى صلاة العيدين ولا يركب إلا أن يضعف عن المشي سواء كان رجلا أو امرأة، ولو ركب من غير ضعف فلا بأس، ويكون سيره وصفة مشيه على ما ذكرنا في الجمعة.
وأما إذا انصرف فهو بالخيار إن شاء ركب، وإن شاء مشى، لأن انصرافه ليس بطاعة خلاف الخروج إلا أن يتأذى الناس بركوبه فيكره لأجل الأذى بالناس.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يركب في أربعة مواطن: " العيدين والاستسقاء والجنازة وعيادة المريض".
وقال أصحابنا: لو كان البلد ثغرا لأهل الجهاد يقرب من العدو فركوبهم وإظهار سلاحهم وزيهم في العيد أولى لما فيه من إعزاز الدين وتحصين "205 ب/3" المسلمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
مسألة: قال: ويلبس عمامته.
وهذا كما قال المستحب للإمام ولسائر الناس أن يلبسوا للعيد أحسن ما يجدون ويتنظفوا يتطيبوا، كما ذكرنا في الجمعة ويتعمموا وهذا الإمام هو آكد استحبابا.
وقال في " الأم": أحب العمامة في الحر والبرد وفي جميع محافل الناس، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يتخذ لعيده جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته"، وأراد بالثوبين الإزار والرداء، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس برد حبرة ويقيم في كل عيد، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد".
مسألة: قال: وأحب أن يكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة.
وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيدين حين تبرز الشمس، أي تظهر ويزول عنها التغير بأن ترتفع قليلا قيد رمح ولا يزال وقتها قائما ما لم تزل الشس، فإذا زالت خرج وقتها ويكون قد دخل وقت الظهر، فتكون هذه المدة ميقاتها؛ لأنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل "206 أ/3" وقت أخرى.
والمستحب للإمام أن يؤاخي المصلى في هذا القت الذي يستحب فيه أداؤها حتى يحرم بالصلاة حتى يوافيه، فإن شاء قعد في بيته حتى يعلم أنه إذا خرج إلى المصلى وافاه في هذا الوقت، وإن شاء ضربت له خيمة في المصلى ليبكر إليها، ثم إذا كان أول وقت الصلاة خرج إليها، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج بالمدينة يوم العيد إلى المصلى للوقت الذي يبتدئ بالصلاة، ولأن الإمام هو المتبوع فالمستحب أن ينتظره الناس لا أن ينتظرهم هو، وهذا في عيد الأضحى، فأما في عيد الفطر قال الشافعي: يؤخر الخروج إلى الصلاة عن ذلك قليلا، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر، وذكر الناس سريد به الخطبة في العيدين ورأيت خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه: " كان يصلي في عيد الفطر لقيد رمحين، وفي عيد الأضحى لقيد رمح، والمعنى الفارق في ذلك هو أن الاشتغال في عيد الأضحى بالذبح والتصدق والتناول يكون بعد "206 ب/3" الصلاة، وفي عيد الفطر يؤدون زكاة الفطر قبل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: أغنوهم
الجزء: 2 - الصفحة: 460
عن الطلب في هذا اليوم" فيؤخر في الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، ويعجل في الأضحى ليصل إليهم لحم القربان سريعا.
مسألة: قال: ويطعم يوم الفطر قبل الغد.
الفصل
وهذا كما قال.
المستحب أن يأكل الناس قبل الخروج إلى الصلاة يوم الفطر ولا يأكلون في الأضحى إلا بعد الصلاة، ثم إن شاء أكل في بيته، وإن شاء في طريقه، فإن ترك الأكل في الفطر قبل الصلاة وأكل في الأضحى قبل الصلاة يكره له ذلك، وهذا لما ورى الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يطعم يوم الفطر قبل الغدو"، وروي أنه " كان يطعم قبل الخروج إلى الصلاة في يوم الفطر ولا يطعم في عيد الأضحى حتى يعود فيأكل من أضحيته".
وقال ابن المسيب: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر، والمعنى في ذلك أنه يطعم الناس في الفطر قبل الصلاة بأداء زكاة الفطر، فاستحب أن يطعم هو أيضا، وفي الأضحى: يؤخر الإطعام "207 أ/3" إلى ما بعد الصلاة، فيستحب أن لا يطعم هو أيضا، وأيضا فإن الفطر واجب في هذا اليوم وكان الصوم واجب قبلهفاستحب المبادرة إلى الأكل فيه ليتميز عما قبله، وفي يوم النحر: لم يتقدمه صوم واجب، فاستحب له الانتقال في هذا اليوم ليتميز يوم الفطر عنه، ثم المستحب أن يأكل التمر وترا، لما روي أنس رضي الله عنه قال: "قلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر حتى يأكل تميرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا وأقل من ذلك وأكثر"، وهذا يدل على استحباب التمر وأن يكون وترا.
وقال جابر بن سمرة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان يوم الفطر أكل قبل أن يخرج سبع تمرات أو سبع زبيبات، وإذا كان يوم الأضحى لم يطعم شيئا".
فإذا تقرر هذا، فقد روي في "المختصر": بعد هذا أثرا عن ابن عمر رضي الله عنه في استحباب إظهار التكبير يوم الفطر عند الغدو إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام وقوله: " ويكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير" وأراد بجلوس الإمام فراغه من الصلاة وجلوسه على المنبر للاستراحة، وقيل: أراد بالجلوس "207 ب/3" السكون في مقام الصلاة، وقد مضت المسألة قبل هذا وهناك موضع رواية هذا الأثر، ثم أعاد المزني ها هنا ما ذكرنا
الجزء: 2 - الصفحة: 461
من استئناس الشافعي ببعض فقهاء التابعين.
فقال: وعن عروة وأبي سلمة أنهما كانا يجهران بالتكبير حين يغدوان إلى المصلى، ولا فائدة في إعادة هذا الكلام ها هنا، إلا أنه إنما تكلم هناك في التكبير في ليلة الفطر، وهاهنا يتكلم في العدد يوم الفطر وما يستحب له فيه، ثم قال: وأحب أن يلبس أحسن ما يجد، يعني: من الثياب التي يجوز لبسها للرجال على ما ذكرنا وقد مضى ذلك.
مسألةٌ: قالَ: فإذا بَلَغَ الإمام المصلَّى نُودِي: الصلاة جامعة.
وهذا كما قال: لا يستحب لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فإن أذن وأقام يكره له ولا إعادة عليه.
وقال الزهري: ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم لصلاة العيدين أذان حتى أحدثه معاوية بالشام.
وأحدثه الحجاج حين ولي الإمامة بالمدينة، ثم ترك عليهما.
وقال ابن سيرين: أول من أحدثه بنو أمية والحجاج، وقال أبو قلابة: أول من أحدثه ابن الزبير، وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدثه معاوية وكيف ما هو "208 أ/3" فإنه بدعة، ولأن الإذان والإقامة من شعائر الفرائض المؤقتة في اليوم والليلة، وهذه ليست منها.
فإذا تقرر هذا، فالمستحب أن يقول المؤذن: الصلاة جامعة، أي: عليكم الصلاة التي تجمعكم فقوموا إليها.
قال في "الأم": ويستحب أن يتوقى قوله: حي على الصلاة لأنه من ألفاظ الصلاة، فإن قال: هلم إلى الصلاة لا أكرهه، لأنه ليس من ألفاظ الأذان فكان كقوله: الصلاة جامعة، وهذا لأنه لما كان الأذان مكروها يستحب أن يتوقى عن جميع كلماته، ولو قال: حي على الصلاة فلا بأس به، وإن كان المستحب غيره، وأراد أنه لا يكره ذلك، وإنما استحببنا ما ذكرنا لما روى الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان: "يأمر مناديه يوم العيد بذلك"، ولأن من سننها اجتماع الناس فليس هذا الذكر ليجتمعوا عند سماعه كما يسن الأذان.
مسألةٌ: قالَ: ثُّمَّ يُحرِمُ بالتكبِيرِ فيرفعُ يَديهِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا نودي بالصلاة فأول شيء يعمله الإمام الإحرام بالصلاة بالتكبير لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تحريمها التكبير"، ويرفع يديه حذو منكبيه، ثم يأتي بدعاء الاستفتاح كما في المكتوبة ولا يتعوذ، ثم يكبر سوى تكبيرة الافتتاح "208 ب/3" والركوع سبع مرات يرفع يديه حذو منكبيه كلما كبر، وفي الركعة الثانية فيكون قدر الزيادة على التكبيرات الراتبة اثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأول، وخمسا في الثانية، وبه قال أبو بكر وعمر
الجزء: 2 - الصفحة: 462
وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وعائشة وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعمار بن ياسر والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة والثوري: يكبر في الأولى ثلاثا سوى تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية ثلاثا سوى تكبيرة الركوع، لأن عنده أن يوالي بين القراءتين، ومعنى الموالاة بين القراءتين أنه يكبر التكبيرات في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الركعة الثانية: بعد القراءة وعندنا القراءة بعد التكبيرات في الركعتين جميعا.
وروي هذا عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فتكون التكبيرات الزوائد ستة، ثلاثة في الأولى وثلاثة في الثانية، وروي عن أحمد رواية يوالي بين القراءتين.
وقال مالك: مثل قولنا إلا أنه قال: سبع تكبيرات في الأولى مع تكبيرة الإفتتاح فالتكبيرات الزوائد إحدى عشرة، ستة في الأولى وخمس "209 أ/3" في الثانية، وبه قال أبو ثور والمزني، وروى هذا عن أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: وهذا قول ابن عباس وعلى هذا فعل أهل الأمصار اليوم اتباعا للعباسية، وكان الحسن يكبر في الأولى خمسا وفي الأخرى ثلاثا سوى تكبيرتي الركوع.
واحتج أبو حنيفة: بما روى عن سعيد بن المسيب أنه سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان عن التكبير في صلاة العيد كيف كان يكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربع تكبيرات، تكبيرة على الجنازة، فقال لحذيفة: صدق ثم قال أبو موسى: وهكذا كنت أكبر بالبصرة حين كنت واليا عليها، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات".
وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في العيدين في الأول سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة".
ونحو هذا روى ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمار روى عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذا "209 ب/3"، وهو قول أهل المدينة.
وأما خبرهم قلنا: رواية ضعيف ثم إن خبرنا أولي، لأن روايته أكثر وأفضل وأتقن، وروي ذلك قولا وفعلا وهو زائد والزوائد أولى.
واحتج مالك: بما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكيرات سوى تكبيرة الركوع" قلنا: روينا أنها قالت: سوى تكبيرة الإفتتاح وتكبيرة الدخول في الركوع، وهذا أبين فيرتفع به الإجمال الذي في خبركم، وروي عن الثوري
الجزء: 2 - الصفحة: 463
ومالك وأبي يوسف، ومحمد أنه لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى التي هي الافتتاح، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنه كبر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا.
ويرفع يديه عند كل تكبيرة في حال الانتصاب فيرفع اليد لها كتكبيرة الافتتاح.
فإذا تقرر هذا، وفرغ في الأولى من سبع تكبيرات يتعوذ، ثم يقرأ لتتصل القراءة بالتعوذ وبه قال أحمد ومحمد، وقيل: قال محمد بن الحسن: يأتي بدعاء الاستفتاح بعد التكبيرات مع التعوذ.
وقال أبو يوسف: يتعوذ عقب دعاء الاستفتاح ثم بعد التكبيرات يقرأ الفاتحة، ولا نص فيه لأبي حنيفة، وقد قيل: مذهبه مذهب أبي "210 أ/3" يوسف وهذا غلط لما ورى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يتعوذ قبل القراءة"؛ ولأن التعوذ تابع للقراءة فلا يفصل بينهما كما في سائر الصلوات.
مسألةٌ: قالَ: ويقِفُ بينَ كل ِّ تكبيرتَينِ بقدرِ قراءةِ آيةٍ لا طويلةٍ ولا قصيرةٍ.
وهذا كما قال.
يستحب أن يأتي بهذه التكبيرات فيها مفرقا ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة، يهلل الله ويكبره ويحمده ويمجده.
والتمجيد هو التعظيم مثل قوله: مالك يوم الدين، ولا إله إلا الله.
والمراد به: أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن زاد على هذا جاز، ولا يقول هذا بين تكبيرة الإحرام والتي تليها، لأنه يكفيه فيما بينهما دعاء الافتتاح، ولو اتبع بعض التكبير بعضا، ولم يفصل بينه بذكر.
قال الشافعي: كرهت له ذلك ولا إعادة ولا سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات متواليات، وقال مالك: يقف بين كل تكبيرتين، إلا أنه لا يأتي بذكر بينهما وهذا غلط لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه صلى صلاة العيد وكان يقف بين كل تكبيرتين يهلل ويكبر ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - "210 ب/3" وسأل الوليد بن عقبة عبد الله بن مسعود عن هذا، فقال: يقول: الله أكبر ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن أصحابنا من قال: عادة الناس قولهم: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد وسلم تسليما وهذا حسن، ومنهم من قال: يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، قالوا: لو كان هذا مسنونا لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نقل التكبيرات.
قلنا: الظاهر أن ابن مسعود ذكره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن هذا يخفى ولا يظهر بخلاف التكبيرات، ولأنها تكبيرات متكررة في حال القيام فاستحب أن يتخللها الذكر
الجزء: 2 - الصفحة: 464
كتكبيرات الجنازة، ثم إذا فرع من التكبيرات يقرأ بأم القرآن كما قلنا في سائر الصلوات، ثم يقرأ سورة ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ بعد أم القرآن، وعند أبي حنيفة يكره تعيين سورة لبعض الصلوات وليس بعض السور بأولى من بعض، وقال مالك وأحمد: يقرأ بسبح، وهل أتاك.
واحتجا بما روى النعمان "211 أ/3" بن بشر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل: أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر؟ فقال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بقاف والقرآن المجيد، واقتربت الساعة".
وأما خبرهم: على الجوزا وخبرنا على الاستحباب، لأنه إخبار عن دوام فعله ولأن في هاتين السورتين ذكر الساعة، وصفتها، ويوم العيد يشبه يوم القيامة لاجتماع الناس في صعيد واحد، فاستحب قراءة هاتين السورتين فيها.
قال الشافعي: وأحب أن يقرأ في الاستسقاء: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ "نوح: 1" أحببت ذلك، والسنة الخبر فيها بالقراءة في صلاة العيدين والاستسقاء لأن أبا واقد الليثي وصف قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما عرف ذلك بجهره.
فرع
لو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة ففيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يستحب له العود إلى التكبيرات، لأن محلها القيام وهو في القيام "211 ب/3"، فإذا قلنا بهذا فإن ذكر في خلال القراءة قطعها، وعاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استأنف القراءة؛ لأنه تعمد قطعها بغيرها، وإن ذكرها بعد الفراغ من القراءة عاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استحب أن يعيد القراءة، فإن لم يفعل أجزأه، لأن جميع القيام هو محل للقراءة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يعيد القراءة؟ جهان: وليس بشيء.
والثاني: قاله في " الجديد" إنه لا يعود إلى التكبير، لأن هيئة موضعها قبل القراءة فإذا أخذ في القراءة فاتت، أو ذكر مسنون قبل القراءة فوجب أن يسقط بشروعه في القراءة كدعاء الاستفتاح، فإذا قلنا بهذا فقطع القراءة إلى التكبيرات.
قال الشافعي: لا تبطل صلاته لأن ذكر الله تعالى لا يبطل الصلاة وإن تعمد في غير موضعه وإن ذكرها وقد فرغ من القراءة فعاد وكبر.
الجزء: 2 - الصفحة: 465
قال في " الأم": أحبت له أن يعيد القراءة ثانيا فإن لم يفعل لم يجب وإن لم يقطعها ومضى في القراءة وركع وسجد، فإذا قام إلى الثانية لا يكبر إلا خمسا بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز أن يترك سنة التكبيرات في الركعة الثانية لأجل تركه إياها في الركعة الأولى، فيكون "212 أ/3" قد ترك السنة في الركعتين، وهذا كما لو ترك الرمل في الطواف في الثلاث لم يقض في الأربع.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات، وإن كان قد ركع، وبه قال محمد وهذا غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك المأموم الإمام في صلاة العيد وقد فاته بعض التكبيرات، ففي قوله" القديم" يكبر ما فاته.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وكذلك إذا أدركه وهو يقرأ وعلي قوله الجديد لا يكبر ما فاته، ولو أدركه راكعا يكبر ويركع معه، ولا يقضي التكبير وقلا واحدا، وبه قال أحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: يكبر في الركوع تكبير العيد، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
لو أدرك في الركعة الثانية كبر معه خمس تكبيرات، ثم إذا قام للقضاء كبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات؛ لأن ما أرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته عندنا والإمام يتحمل عنه الزيادة التي عليه من التكبيرات.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو ترك التكبيرات فيها عامدا أو ناسيا لم يكن عليه سجود السهو ولو زاد على ذلك كرهته، ولا إعادة عليه ولا سجود للسهو عليه.
فرع
قال: لو استيقن أنه يكبر في الأولى أنه يكبر في الأولى سبعا أو أكثر أو أقل "212 ب/3" وشك هل نوى بواحدة منهن تكبيرة الافتتاح لم تجزه صلاته؛ لأنه لم يتيقن دخوله في الصلا فيلزمه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ويكون ذلك ابتداء الصلاة ويأتي بما بعدها على الترتيب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو استيقن أنه كبر سبعا أو أكثر أو أقل وتيقن أنه نوى بواحدة منها تكبيرة الافتتاح ولا يدر هلى نوى بالتكبيرة الأولى أم بالأخيرة؟ بالاحتياط أن يجعلها للأخيرة، ويبتدئ بقوله: وجهت وجهي، ثم يأتي بعده على الترتيب.
فرع
قال: لو شك بعد تكبيرة الافتتاح هل كبر واحدة أم أكثر أخذنا بالأقل لأنه اليقين،
الجزء: 2 - الصفحة: 466
وما زاد عليه شك.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كبر لافتتاح الصلاة وترك دعاء الاستفتاح حتى كبر للعيد، ثم ذك لم يكن عليه أن يدعو بدعاء الاستفتاح، فإن فعل أحببت أن يعيد التكبير سبعا حتى تكون كل واحدة منهن بعد دعاء الاستفتاح، فإن لم يفعل فلا إعادة ولا سجود للسهو.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا قنوت في صلاة العيدين والاستسقاء، فإن قنت عند نازلة لم أكرهه وإن قنت لغير نازلة كرهته، وأحببت له أن يسجد للسهو.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: هاهنا فإذا قام إلى الثانية "213 أ/3"كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وهذا يدل على أنه يستحب أن يرفع رأسه من الجود ساكنا ويجلس جلسة الاستراحة، ثم يبتدئ بالتكبير والقيام لأنه قال: تكبيرة القيام من الجلوس، ولم يقل: من السجود، ود ذكرنا شرحه فيما سبق، ثم قال: ولا يقرأ من خلفه قد ذكرنا أنه أحد القولين.
مسألة: قال: ثم يخطب.
الفصل
وهذا كما قال: أراد أنه يخطب بعد الصلاة، ويستحب أن يكون على المنبر.
وجملة الخطب عشر: خطبة الجمعة، وخطبة الفطر، وخطبة الأضحى، وخطبة كسوف الشمس، وخطبة خسوف القمر، وخطبة الاستسقاء، وأربع خطب في الحج: إحداها: اليوم السابع بمكة، واليوم التاسع بعرفة، ويوم النحر بعد الزوال بمنى، ويوم النفر الأول بمنى.
وكل هذه بعد الصلاة إلا خطبتين خطبة الجمعة، وخطبة عرفة فإنهما معا قبل الصلاة، وهذا إجماع المسلمين، وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة، فإن قيل: فما الفرق بين الجمعة والعيد في هذا الباب من طريق المعنى؟ قلنا: "213 ب/3" الجمعة فرض والعيد نفل، فخولف بين خطبتيهما ولا يلزم على هذا خطبة عرفة؛ لأنها ليست للصلاة، بل هي للوقت، وأيضا خطبة الجمعة شرط في الصلاة، فلهذا قدمت لتكمل شرائط الصلاة بخلاف خطبة العيد، ولأن وقت الجمعة يضيق فقدمت الخطبة عليها لتتكامل الناس للصلاة، وخطبة عرفة قدمت ليتعلم الناس مناسكهم وصلاتهم وما يفعلونه في حجهم وعمرتهم، ويشتغلوا عقيب صلاتهم بالدعاء، وهذا المعنى لا يوجد في خطبة العيد، وروي أن الأمر كان على هذا حتى آلى الأمر إلى مروان فقدم الخطبة على الصلاة، إذ الناس كانوا يبغضونه فيتفرقون بعد الصلاة ولا يجلسون لخطبته، فأخذ
الجزء: 2 - الصفحة: 467
أبو سعيد الخدري في بعض الأعياد بردائه حين أراد صعود المنبر وجذبه.
وقال: غيرت السنة يا رجل خل عني فقد ذهب ما تعلم، فقال أبو سعيد: ما أعلم خير مما تعلم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل الخطبة.
فرع
لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، قال في "الأم": رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة ولا كفارة كما لو صلى ولم يخطب.
مسألة: قال: فإذا ظهر على المنبر سلم ويرد الناس "214 أ/3" عليه.
جواب السلام لقوله تعالى: ﴿وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ " النساء: 86" واحتج الشافعي على أبي حنيفة حيث قال: لا تسلم، فإن قال: لأن هذا يروي عاليا، يعني: التسليم يروي عاليا قيل: أراد بإسناد عال.
وقيل أراد به الجهر أي عاليا صوته بالتسليم، وقيل: أراد به سلم عاليا على المنبر في حال علوه، وقيل: أراد أن هذا مروي عن السلف، والعالي هو عبارة عن مقدم السلف، وقيل: أراد أنه يروي عن أعالي الصحابة أي كبارهم، ثم إذا فرغ من السلام هل يجلس قبل الخطبة أم لا؟ قال في "الأم": يجلس جلسة كجلوس الإمام يوم الجمعة للأذان، ثم يقوم ويخطب، وقال أبو إسحاق: لا يجلس ها هنا ويفارق الجمعة؛ لأنه ينتظر الأذان هناك وليس هاهنا أذان، وهذا غلط، لأن الجلوس في الجمعة لمعنيين أذان المؤذن والاستراحة حتى يكون أقدر على الخطبة، وقد وجد هنا أحد المعنيين، وهو الاستراحة فاستحب له الجلوس.
وحكى بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال في "الكبير": يجلس على "214 ب/3" المنبر هاهنا قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة، وهذا غلط، بل هو على ما ذكرنا من العبارة، ثم يقوم ويخطب قائما، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في جميع خطبته إلا أن تكون به علة فخطب جالسا، فإن خطب جالسا عن عذر جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - " خطب على راحلته بعدما انصرف من الصلاة يوم الفطر ويوم النحر"، وذكر الإمام الجويني في "المنهاج": أنه لا يجوز أن يخطب جالسا، وهذا غلط، لأنها نفل كنفس صلاة العيد فيجوز جالسا، ثم إذا قام يخطب كبر قبل الخطبة تسع تكبيرات تسعا تترى لا كلام بينهن، وفي الخطبة الثانية يبتدئ بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهن بكلام، فإن أدخل بين التكبير الحمد والثناء والتهليل كان حسنا، ولا يكون حسنا وتركه مستحبا، وكان عمر بن عبد العزيز يفصل بين التكبيرات بحمد الله تعالى، وذكره وهذا التكبير ليس من الخطبة، والخطبة بعده، لأن الشافعي قال: ويكبر، ثم يخطب ويأتي بالخطبة
الجزء: 2 - الصفحة: 468
كما ذكرنا في الجمعة.
وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى "215 أ/3" لا يفصل بينهما بخطبة، ثم يخطب ثم يجلس ثم يقوم إلى الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهما بكلام ثم يخطب ويعتمد على شيء وينصتون على ما ذكرنا، ثمذكر ما تختص به هذه الخطبة فقال: إذا كان يوم الفطر، ذكر زكاة الفطر، وحث عليها وحث على إخراجها وعرفهم وجوبها ومقداهرا وجنسها ومستحقها.
وإن كان في الأضحى: عرفهم سنة الأضحية ووقتها وصفتها، وأن البقرة والبدنة يجزيان عن سبعة، والعيوب التي تمنع الجواز وعرفهم ما يأكلون وما يطعمون الناس، فإا فرغ من الخطبة، فإن كانت بالناس قلة، وقد سمعوا الخطبة انصرف إلى بيته، وإن كانت بهم كثرة وهناك نساء لم يسمعن الخطبة، قال الشافعي: لم أر بأسا أن يأتيهم فيخطب خطبة خفيفة ولا يجب عليه لأنه لم يرو ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة، وقد خطب خطبا كثيرةولم يفعل ذلك، فدل أنه قد فعله وتركه، وكان الترك أكثر، وهذا ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يوم فطر فصلى ركعتين، ولم يصل "215 ب/3" قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها"، والخرص: الحلقة، والسخاب: القلادة.
وفي رواية جابر بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل، فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه والنساء يلقين فيه صدقة تلقي المرأة فتحها، والفتح: هي الخواتيم الكبار واحدتها فتحة، ثم ذكر في "الأم" ما يؤمر به بعد الفراغ من الخطبة فقال: ثم ينزل فينصرف أي ينزل من حيث أراد.
فرع
قال: ويستحب للمساكين إذا حضروا أن يكفوا عن المسألة ويستمعوا إلى الخطبة حتى يفرغ الإمام، فإن لم يدعوا المسألة كره لهم، لأنهم تركوا الاستماع ومنعوا غيرهم منه؟.
مسألة: قال: ولا بأس أن يتنفل المأموم قبل صلاة الإمام العيد وبعدها في بيته وفي المسجد.
وهذا كما قال: ذكر الشافعي ما اختلفت فيه الصحابة من التنفل قبل صلاة العيد وبعدها على أربعة أوجه:
فمنهم من شك قبلها وبعدها.
وروي هذا عن أنس وأبي هريرة وسهل بن "216 أ/3" سعد الساعدي ورافع بن خديج والحسن.
الجزء: 2 - الصفحة: 469
ومنهم من لم يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة قالوا: يكره ذلك، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه.
ونهم من يتنفل قبلها، ولم يتنفل بعدها، ومنهم من يتنفل بعدها، ولم يتنفل قبلها، واختار الشافعي القول الأول وهو جواز التنفل قبلها وبعدها في بيته، وفي المسجد وفي طريقه وفي المصلى، وحيث أمكنه إذا حلت صلاة النفل بأن تبرز الشم قال الشافعي: وكثرة الصلاة على كل حال هي أحب إلي فاستحب ذلك، لأن فعلها جزء من تركها، لوم يستحب لأجل صلاة العيد وليس لصلاة العيد نافلة لا قبلها ولا بعدها؛ لأنها نافلة بنفسها وليس للنافلة اتباع من النوافل كما يقول في صلاة الخسوف والاستسقاء، ولا يستحب هذا كما يستحب تحية المسجد وصلاة الضحى، لأن المكان ليس بمكان التحية وهو لا يريد به صلاة الضحى.
وقوله: كما يصلي قبل الجمعة وبعدها، وهو تشبيه في الجواز لا في الاستحباب واختلاف الصحابة يدل على أن الكل مباح، وأما الإمام فلا يستحب له ذلك، لأن "216 ب/3" المستحب له أن يوافي الصلاة حين تفتتح الصلاة، وإذا فرغ منها بدأ بالخطبة، ثم إذا فرغ منها انصرف وهذا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - " لم يتنفل قبلها ولا بعدها"، ولأنه لو تنفل ربما يقتدي به الناس، ويعتقدون أن لهذه الصلاة توابع.
وروي عن مالك في رواية أنه قال: إذا صلى العيد في المسجد يجوز التنفل، وفي الصحراء لا يتنفل.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره قبلها ولا يكره بعدها، لما روي أن عليا رضي الله عنه راى قوما يصلون قبل العيد فقال: ما كان يفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ألا تنهي عن ذلك؟ فقال: "أكره أن ننهي عبدا إذا صلى"، وعن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد" وهذا غلط؛ لأن كل صلاة لا ينهي عن الصلاة بعدها لا ينهي عن الصلاة قبلها كسائر الصلوات، واما آثارهم فمعارضة بما رويناه عن الحابة رضي الله عنهم.
فرع
قال الشافعي: ونأمر المأموم بالنافلة قبل الجمعة وبعدها، ونأمر الإمام أن يبتدأ بالخطبة ثم "217 أ/3" بالجمعة ولا يتنفل وينصرف حتى تكون نافلته في بيته.
فاستحب النافلة قبل الجمعة وبعدها للمأموم دون الإمام.
قال القاضي الطبري: هذا عندي محمول على النوافل التي لا تتعلق بصلاة الجمعة؛ لأنه قال في "الأم": وجميع النوافل في البيت أحب إلى منها ظاهرا إلا في يوم الجمعة وهذا هو المذهب.
مسألة: قال: ويصلي العجمعةيدين المنفردُ في بيتِه والمسافرُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 470
الفصل
وهذا كما قال: كل من وجبت عليه صلاة الجمعة فهو من أهل صلاة العيد، قال: ولا أرخص لأحد في ترك حضور العيدين ممن تلزمه الجمعة، وإذا حضر المسافر والعبد والمرأة مع أهل العيد صلوها معهم تبعا كما في الجمعة، ول صلاها الإمام بأهلها هل يصليها من لم يكن من أهل الجمعة أم لا؟ قال في " الأم":، و "الإملاء" يصليها المنفرد في بيته والمسافر والمرأة، وقال في "الإملاء و"القدي": في الصيد والذبائح: كل موضع وجبت فيه الجمعة صلى فيه العيدان، وكل موضع لم تجب فيه الجمعة لم يصل فيه العيدان، وقيل: إنه قال: ويجب إقامة العيد حيث يجب إقامة الجمعة ويسقط حيث يسقط.
فاختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم "217 ب/3" من قال قول واحد: يجوز ذلك للمنفرد والمسافر، وما قال في القديم، أراد أن هذه الصلاة لا تقام في مساجد المحال كسائر الصلوات، أو أراد كل موضع وجبت فيه الجمعة سن فيه الإجتماع للعيدين والخطبة له، وهذا التأيل لا يساعده اللفظ الظاهر ومنهم من قال: وهو الصحيح فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز إلا أن توجد جميع رائط الجمعة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، لأنها صلاة راتبة يخطب بها كالجمعة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل العيد بمنى كما لم يصل الجمعة، لأنه كان مسافرا.
والثاني: وهو الصحيح يجوز للمنفرد وغيره، لأنها صلاة نافلة كسائر النوافل، وأما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا شتغالة بما هو أهم منها من أمور المناسك، وليس كالجمعة لأنها فرض بخلاف هذا.
وإذا قلنا: بهذا فمن فاته ذلك يصليها منفردا، وإن شاء يصليها في جماعة إلا أنه لا يخطب إذا قام الإمام بالخطبة، ويقيمها أهل القرى وإن كانوا دون الأربعين وكذلك أهل البادية والسفر وخطب لهم أحدهم، وقال في "الأم": لا بأس أن يصلوها في مساجد "218 أ/3" الجماعات في الصر فإذا فعلوا لا أحب أن يخطب لأن فيه افتتانا على الإمام، وإذا قلنا بقوله: لا يصليها المنفرد ولا الجماعة بعدما صلى الإمام، ولا أهل السوق إذا كانوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء.
وقال أبو حامد: ولكن ليس من شرطها الأربعون، ولا أن يكون الأربعون لصفة عدد الجمعة فإن كان بعضهم عبيدا أو مسافرين جاز بخلاف الجمعة، ومن أصحابنا من قال: ظاهر كلام الشافعي أنها بمنزلة الجمعة في العدد وصفتهم على هذا القول، ويجوز أن تصلى المرأة والمسافر تبعا مع العدو إذا تم، وهذا اختيار القفال، لأنه على هذا القول، على قياس الجمعة وقد ناقض الشيخ أبو حامد حيث قال عن القديم: لا تقان في القرى إذا كان فيها أقل من أربعين ثم قال: لا يشترط فيها العدد ولا شك أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 471
ليس من شرطها الوطن لأنها تقام في الصحراء بخلاف الجمعة.
مسألة: قال: وأحب حضور العجائز.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب حضور العجائز من النساء وغيرهن العيد، وقال في "الأم": واحب شهود النساء العجائز، وغير ذوات الهيئة صلاة العيد وغيرها وأنا لشهودهن "218 ب/3" الأعياد أشد استحبابا من شهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات.
وقال أبو حنيفة: لا يشهدن إلا في صلاة الصبح وصلاة العشاء، وإن حضرت امرأة حائض قال في "الأم": لم تصل ودعت ولا أكره لها ذلك، وأكره لها أن يحضرها غير حائض إلا طاهرة للصلاة، لأنها لا تقدر على الطهارة، وأما النساء اللاتي لهن هيئة وجمال يكره لهن حضور هذه المواضع لخوف الفتنة بهن، وإذا حضر غيرهن فإنهن لا يلبسن الشهرة من الثياب مثل المصبغات والبياض الذي له فعقعة وخشخشة من العال، ولكن تلبس البياض النظيف المغسول ولا يتطيبين ولكن يتنظفن بالماء والأصل في ذلك ما ري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج بناته ونساءه إلى العيدين".
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وليشهدن الذكر ودعوة المسلمين وليخرجن تفلات".
قيل يا رسول الله إن إحدانا لا جلباب لها، قال: "فتلبسها صاحبتها جلبابها" أي يدخلان معا في جلباب إحداهما، وقالت أم عطيه رضي الله عنها: "أمرنا رسول الله مسلمين وليخرجن تفلات".
قيل يا رسول الله إن إحدانا "219 أ/3" في العيدين بإخراج العجائز"، وروي العواتق وهذا أصح وذوات الخدور والحيض، قالت أم عطيه رضي الله عنها: أما الحيض فكن يعتزلن المصلى ويشهدن الذكر ودعوة المسلمين، والعواتق: جمع عاتق وهي التي قاربت الإدراك، وقيل: هي المدركة ولأنه موضع ريبة واجتماع فاستحب إخراجهن لتكثير الجمع.
وقال القفال: يكره لهن الخروج إلى مجمع المسلمين، لأن الناس قد تغيروا ويروي مثله عن عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري وقالت عائشة: "لو رأى النبي مسلمين وليخرجن تفلات".
قيل يا رسول الله إن إحدانا النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، وروي أنها كانت تمنع النساء من الخروج إلى المساجد، وقيل لها: أليس كان النبي مسلمين وليخرجن تفلات".
قيل يا رسول الله إن إحدانا يرخص في ذلك؟ فقالت: لو
الجزء: 2 - الصفحة: 472
عاش إلى زماننا هذا لنهي عنه، وروي أن النساء كن يحضرن المجلس على عهد أبي بكر رضي الله عنه للصلاة كما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج عبد الله بن عمرو بن العاص يوما وامرأته بين يديه تمضي إلى المسجد فأراد أن يمتحنها فجر بعض ثيابها فعلمت أن رجلا أخذ ببعض ثيابها فلم تلتفت إليه وانصرفت إلي بيتها، فلما رجع عبد الله إلى بيته قال لها: أحضرت "219 ب/3" المسجد؟ قالت: لا وقد عزمت أن لا أخرج أبدا، قال: وما بالك؟ قالت: أخذ رجل ببعض ثيابس فجره وقد تغير الزمان وتغير الناس، فقال عبد الله: أنا الذي فعلت ذلك، فقالت: الآن وجب علي أن لا أخرج إذا كان لا يتداخلك هذا مني في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا حسن، لكنه خلاف المذهب.
فإذا تقرر هذا فيستحب إخراج الصبيان من الذكور والإناث أيضا.
ويلبس كلهم في يوم العيد أحسن ما يقدر عليه من الثياب ويزينون بالصبغ والحلي، لأن ذلك يوم سرر وإظهار زينة وذا نص من الشافعي على أنه يباح أن يلبس الصبي حلي الذهب والديباج، وهذا لأنه لا يخاف الافتتان بهم ولا تكليف عليهم: قيل هل يجوز للصبيان لبس الحرير؟ قولان.
وقال في "الحاوي": استحب بعض أصحابنا البغداديين حضور النساء الثيبات في العيد لخبر أم عطية وهو غلط، بل خروجهن مكروه لخوف الافتتان وخبر أم عطيه نسخ.
مسألة: قال وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان يغدو من طريق ويرجع من أخرى".
وهذا كما قال، روي الشافعي عن المطلب بن عبد الله بن "220 أ/3" حنطب "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد فلما بلغ مسجد الأعرج الذي عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل القبلة، ثم دعا وانصرف".
قال الشافعي: فاحب أن يصنع الإمام هذا ويقف في موضع يدعو الله وهو مستقبل القبلة، فإن لم يفعل فلا كفارة ولا إعادة.
واختلف أصحابنا في معنى الخروج من طريق والرجوع من طريق أخرى: فمنهم من قال وهو الأصح سلوك: الأبعد ذاهبا والأقرب راجعا، لأنه يمضي في عبادة فيكتب خطاه ويكثر له الثواب ويرجع تاركا للعبادة لا يثاب عليه، وقيل: كان يفعل هذا لتتشرف به البقاع من الجانبين وتعم بركته أهل الطريقيتين، وقيل: كان يفعل هذا لئلا يضيق على الناس، لأنهم كانوا ينتظرون انصرافه في ذلك الطريق ومعه جمع آخر من الناس فتكثر الزحمة.
وقد قال ابن عمر رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يفعل ذلك ليتسع على الناس" وقيل: كان يفعل ذلك لتشهد له البقاع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من مشى في خير أو بر شهدت له البقاع يوم القيامة"، وفيه "220 ب/3" تأويلان:
الجزء: 2 - الصفحة: 473
أحدهما: أن الله تعالى ينطقها فتشهد بذلك، والثاني: أنه تشهد له سكان الأرض والبقاع من الجن والإنس لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾ " الدخان: 29" يعني: سكان الأرض، وقيل: كان يفعل ذلك للتسوية بين السؤال في الدين، فسأله أهل هذا الطريق وأهل ذلك الطريق الآخر، وقيل: كان يفنى ما معه من الصدقة ويكره أن يسأل فلا يعطى فيفر منهم إلى الطريق الآخر؛ وقيل: إنما يفعل ذلك لمغايظة المنافقين إذا رأوا زينته وعلامته في كلا الطريقين، وقيل: كان يفعل ذلك مخافة المنافقين كما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا وي بغيره.
فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: إذا عقلنا معنى ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجوعه من طريق أخرى، وكان ذلك متعودا في زماننا مثل شرف البقاع ومغايظة المنافقين فإنه معدوم في زماننا رجع كيف شاء ولا يسن ذلك، وإن كان المعنى موجود في زماننا فالسنة الاقتداء به والإمام والمأموم في هذا سواء.
وقال ابن أبي هريرة: بل يرجع من بعده من أمته من طريق أخرى بكل حال كما كان يصنع رسول الله "221 أ/3" - صلى الله عليه وسلم - وهو المنصوص، لأنه إذا فعل شيئا صار شرعا وإن زال المعنى كالدمل والاضطجاع.
وقال أبو حنيفة: لا معنى لذلك.
مسألة: قال: وإذا كان العذر من مطر أو غيره أمرته أن يصلي في المساجد.
لم يرد به أن أهل بلد يتفرقون في مساجدهم، بل أراد أن أهل كل بلد يصلون في مسجدهم الأعظم وفيه قول آخر: يجوز أن يتفرقوا في المساجد، ولكن الأولى أن يصلوا جماعة في مسجد واحد، ثم قال: ولا أرى بأسا أن يأمر الإمام من يصلي بضعفة الناس في موضع من المصر، وأراد بالضعفة: الشيوخ والزمناء والمرضى الذين لا يمكنهم قطع المسافة إلى المصلى، وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: ومن جاء والإمام يخطب جلس.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب للناس استماع الخطبة، وإذا جاؤوا والإمام يخطب يوم العيد فإن كان في الصحراء يجلس ويسمع الخطبة، لأنه لا تكون ركعتا التحية في الصحراء فإن قيل: هلا قلتم يشتغل بقضاء صلاة العيد؟ قلنا: لأن صلاة العيد لا يخاف فوتها فإن وقتها واسع وسماع الخطبة يفوت، فكان الاشتغال بسماعها أولى "221 ب/3"، ثم إذا فرغ الإمام من الخطبة إن شاء صلى صلاة العيد في مكانه، وإن شاء صلاها في بيته، فإن الصلاة إذا فاتت مع الإمام فليس لبعض المواضع مزية على بعض وإن الإمام يصلي صلاة العيد في الجامع، فجاء رجل وقد فرغ من الصلاة وهو في الخطبة، فالمستحب أن يصلي ركعتين، ويخالف المسجد المصلى في الصحراء، لأن في
الجزء: 2 - الصفحة: 474
المسجد تحية بخلاف الصحراء.
فإذا ثبت هذا، قال أبو أسحاق: يصلي صلاة العيد لأنها تتضمن تحية المسجد.
فإنه يكون قد أتى بالأمرين، كما لو دخل المسجد وعليه صلاة فائتة يصليها ويجزي ذلك عن تحية المسجد، وكذلك إذا كان الناس في صلاة الفرض يدخل معهم في الفرض ويتضمن ذلك تحية المسجد.
وقال ابن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد ركعتين، ثم يسمع الخطبة، فإذا فرغ منها قام فصلى ركعتي العيد، لأن الإمام ما دام في الخطبة فكأنه في الصلاة، لأن الخطبة من توابعها فلا يستحب له أن ينفرد بقضاء صلاة العيد، والإمام لم يفرغ بعد منها، ولأن التحية ركعتان خفيفتان وصلاة العيد تطول ويمنعه ذلك من الخطبة، وهذا اختيار أبي حامد وهو الأقرب "222 أ/3" عندي والأول أظهر، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري.
وذكر القاضي أبو علي البندنيجي عن البويطي أنه قال: يصلي صلاة العيد قبل أن يدنو إلى المصلى، ويكبر في الأولى سبعا، ثم يوافي ليستمع الخطبة.
فعلى هذا في المسألة قولان وهذا الذي ذكرنا على القول الذي نقول: إنها ليست كالجمعة، وإنها تقضي خلافا لأبي حنيفة.
وقال أبو إسحاق: الأفضل في هذه المسألة الأخيرة أن يصلي في المسجد حيث صلى الإمام، وإن خيرناه في المسألة الأولى بين أن يصلي في بيته أو يصلي في المصلى؛ لأنه ليست الصحراء مزية على بيته والمسجد أفضل البقاع فصلاته فيه أفضل.
وأكمل من صلاته في بيته، فإن قيل: أليست النوافل في البيت أفضل؟ قلنا: هذه الصلاة سنت لها الجماعة، وإن كانت نافلة يفعلها في المسجد أفضل .. فإن قيل: فينبغي أن يفعلها في المصلى في الصحراء أيضا ولا يرجع إلى بيته.
قلنا: إن كان هناك جماعة فالأفضل أن يصلي معهم هناك أيضا، والتخيير بين الانصراف إلى البيت وبين الصلاة هناك إذا بقي وحده.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما تخص "222 ب/3" به خطبة عيد الأضحى فقال: علمهم أن من نحر قبل أن يجب أي: يدخل وقت نحر الإمام أن يعيد، أي إن أراد أن يحصل له سنة الأضحية فإنها غير واجبة إلا أن يوجبها على نفسه، وبيان الوقت وما يجري من الأضاحي وما لا يجوز مذكور في كتاب الضحايا، وذكر أنه يجوز في يوم النحر وثلاثة أيام بعده خلافا لأبي حنيفة فإنه قال: لا يجوز في اليوم الثالث من أيام التشريق واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء والحسن فقال: وكذلك قال: عطاء والحسن.
مسألة: قال: ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة من الظهر يوم النحر.
الفصل
وهذا كما قال: قال في "الأم": ويكبر الحاج خلف صلاة الظهر من يوم النحر
الجزء: 2 - الصفحة: 475
إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطعون التكبير إذا كبروا خلف صلاة الصبح لو ابتدئوا التكبير خلف صلاة المغرب من ليلة النحر قياسا على أمر الله تعالى في ليلة الفطر من شهر رمضان بالتكبير مع إكمال العدد لم أكره ذلك، وقد سمعت من يستحب هذا وإن لم يكبروا وأخروا ذلك حتى يكبروا تكبير أهل منى فلا بأس إن شاء الله.
وقد "233 أ/3" روي عن بعض السلف أنه كان يبتدئ التكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة وأسأل الله التوفيق.
واختلف أصحابنا في هذا منهم من قال: المسألة على قول واحد، وهو الذي نص عليه في أكثر كتبه أنه يكبر من أول الظهر يوم النحر، والباقي حكاية مذهب الغير لا أنه مذهبه، أو الذي قال: يبتدئ من صلاة المغرب أراد تكبير الإرسال.
ومنهم من قال: في المسألة ثلاثة أقاويل لظاهر ما ذكر في "الأم"
أحدها: يبدأ به بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق فيكون التكبير بعد خمس عشرة صلاة، وهو المروي عن عثمان وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن عمر في رواية، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وبه قال مالك رحمه الله، ووجه هذا هو أن صلاة الظهر هي أول صلاة يستقبل الحاج بمنى، لأنهم يرمون الجمرة في هذا اليوم ويلبون في أول حصاة من الجمرة، ثم يتركون التلبية.
ويأخذون في التكبير مع صلاة الظهر وآخر صلاة يصلونها بمنى هي الصبح من آخر أيام التشريق؛ لأنهم إذا رموا الجمرة بعد الزوال "223 ب/3" من هذا اليوم نفروا قبل أن يصلوا الظهر بمنى، وهذا هو السنة أن يصلوا الظهر في الطريق، فكان قطعهم التكبير خلف صلاة الصبح بمنى والناس بعد لهم تبع أو قياس عليهم.
والثاني: يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير بعد ثماني عشرة صلاها، وهذا لما أمر الله به من التكبير بعد إكمال عدة شهور رمضان وهو وقت المغرب ليلة الفطر.
والثالث: يبتدئ به من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال عمر وعلي، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهماوهو مذهب الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، وهو اختيار ابن سريج والمزني وعليه يحمل الناس بالببلدان واختاره ابن المنذر، وبه أقول.
ووجه هذا: ما روي جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال: الله "أكبر ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق"، ونحو هذا رواه عمر رضي الله عنه وعمار أيضا، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - "224 أ/3" قال في أيام التشريق "إلى آخر النهار"، ولأن يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر والناس في هذا اليوم تبع للحاج، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه قال: ليس ذلك باختلاف الأقاويل، ولا يختلف المذهب أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 476
يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وإنما ذكر الشافعي في ثبوت التكبير ثلاثة أسباب: فذكر في ثبوته إلى صلاة العصر عن آخر أيام التشريق قول بعض السلف، وذكر في ليلة النحر القياس على ليلة الفطر، وذكر بعد زوال الشمس من يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق الاقتداء بأهل منى، وهذا أضعف الطرق، وقيل في الابتداء ثلاثة أقوال: وفي وقت القطع قولان.
فإذا قلنا: يبتدئ عقيب الصبح يوم عرفة يقطع مع العصر في آخر أيام التشريق والقول الآخر في القطع قول ابن سريج ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وهذا كله تخطيط، والذي يدل عليه كلام الشافعي في "الأم" ما حكيناه من المذهبين، والباقي كله ضعيف.
وقال الأوزاعي: يكبر من الظهر من يوم النحر إلى "224 ب/3" العصر من آخر أيام التشريق وقال أبو حنيفة: يكبر عقب الصبح من يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، وذلك في ثمان صلوات، ويروي هذا عن ابن مسعود وهو رواية عن علي رضي الله عنه، وأما قول الشافعي والناس لهم تبع أراد أن الأصل في الذكر والتكبير الحاج، فإن الخطاب في حقهم أكثر قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ " البقرة: 198" وقال تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ " البقرة: 200". فغير الحاج في الخطاب تبعا للحاج.
فرع
ليلة النحر، هي آكد من ليلة الفطر في التكبير، أو على العكس قولان:
باب التكبير
قال: التكبير كما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الفصل
وذا كما قال، المستحب أن يكبر خلف الصلوات التي بيناها ثلاثا نسقا فيقول: الله أكبر، الله أكبر، وقوله: نسقا، أي: متتابعا وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: المستحب مرتان فيقول: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وروي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وهذا "225 أ/3 غلط، لما روي عن سعيد بن أبي هند قال: "صليت خلف جابر بن عبد الله رضي الله عنه في أيام التشريق فلما فرغ من صلاته قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثا" وهذا لا يقوله إلا توفيقا ومثله عن ابن عباس رضي الله عنه.
وقال عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا، وعن الحسن مثله.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي في "القديم":يكبر عقيب الصلوات ثلاثا، وظاهره أنه يقتصر عليها.
الجزء: 2 - الصفحة: 477
وقال في البويطي: يكبر ثلاثا ويقول بعدها: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وقال في "الأم": استحب أن يبتدئ بثلاث تكبيرات لا يقدم عليها ذكرا ولا ينقص من ثلاث تكبيرات شيئا، وإذا بدأ بذلك، ثم زاد على الثلاث من جنس التكبيرات او من غير جنسها من الذكر وهو أن يوقل: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا الله أكبر ولا نعبد إلا أياه مخلصين له الدين لو كره الكافرون لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر، أحببته وكان حسنا، والعمل على ما قال في البويطي، والأصل في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "225 ب/3" قال: "هذا على الصفا في حجة الوداع"، وقال في موضع آخر: أنه يقول: "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا".
ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره في "الأم" يدل على أن الشافعي استحب أن يحدد التكبيرات ولا يزيد عليها من الذكر شيئا، ذكره أبو حامد وقال: السنة أن يكبر ثلاثا من غير أن يتخلل شيء آخر، فإن زاد من دعاء أو ذكر لم يكره ذلك ليس هو التكبير المسنون في العيد، وهو قول مالك وهذا غلط لأنه لا يفهم هذا من كلام الشافعي في "الأم" على ما شرحناه، فإن قيل: أليست السنة في التلبية أن لا يزيد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وهاهنا قلتم إن زاد فحسن، قلنا: العرف أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها وهاهنا يكبر دفعة واحدة فالزيادة عليها أولى من السكوت، ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما في الخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع صوته بالتكبير والتهليل؛ ولأنه إذا رفع صوته سمع من لا يكبر فيكبر.
مسألة: قال: ومن فاته شيء من صلاة الإمام قضى، ثم كبر.
وهذا كما قال: "226 أ/3" إذا سبقه الإمام ببعض الصلاة فإن الإمام إذا سلم كبر والمأموم لا يكبر، ولكنه لا يكبر ولكنه يقوم ويقضي ما عليه من تمام الصلاة ويسلم ثم يكبر، وقال ابن أبي ليلى: يكبر معه ثم يقضي ما عليه كما يسجد معه للسهو، ثم يقضي.
وحكى هذا عن مالك ولا يصح عنه عندي، والفرق بين سجود السهو وهذا، أن سجود السهو قبل السلام فما دام الإمام في الصلاة يلزمه اتباعه فيها والتكبير بعد السلام، فإذا سلم الإمام من الصلاة، فقد خرج من إمامته وسقط أتباعه عنه فلم يستحب له التكبير لمتابعته، ولهذا يقول الإمام: لو سلم ولم يسجد للسهو ولم يسجد معه بل يسجد في آخر صلاته.
مسألة: قال: ويكبر خلف الفرائض وخلف النوافل.
وهذا كما قال: المنصوص هاهنا أنه يكبر خلف الفرائض والنوافل، وقال المزني: الذي قيل: هذا أولى أنه لا يكبر إلا خلف الفرائض، وأراد به ما قال الشافعي قبيل
الجزء: 2 - الصفحة: 478
هذا الباب، ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة بمفهومه أنه لا يكبر خلف النوافل، فمن أصحابنا من أنكر هذا القول وترك ذلك المفهوم لهذا المنظوم، ولأن تخصيص الشافعي "226 ب/3" الفريضة بالذكر ليس لنفي التكبير خلف النوافل، بل لأنه أراد أن يبين الصلاة الفريضة التي يكبر بعدها ابتداء ويقطع عقبيها فقال: من ظهر كذا إلى صبح كذا، والذي يدل أنه نص في " الأم"، فقال: يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار وهذا يدل على أنه يستحب خلف الفرائض والنوافل وفي سائر الأحوال، وأن من ليس من أهل الصلاة من الجنب والحائض والمحدث يستحب لهم التكبير أيضا.
وهذا هو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: وبه قال أكثر الفقهاء: يكبر خلف الفرائض لا غير، وبه قال أبو حنيفة حتى روى اللؤلؤي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يكبر خلف العيد، لأنها نافلة، وهو قول مالك وأحمد.
والثاني: وبه قال أبو يوسف ومحمد: إنه يكبر خلف الفرائض والنوافل لقوله تعالى: ﴿ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "البقرة: 185" ولم يفصل، ولأأنها صلاة مغفولة في يوم النحر فيستحب التكبير عقبها كالفرائض ويؤكده أنه من شعار العيد فالأولى أن يكون عقيب صلاة العيد.
وقال بعض أصحابنا: إن كانت مما سن منفردا لا يكبر خلفها، وإن كانت مما تسن جماعة كالاستسقاء "221 أ/3" والخسوفين فيكبر خلفهما، ومن قال بهذا قال: هل يكبر خلف صلاة الجنازة؟ وجهان: أحدهما: يكبر لفعلها في جماعة.
والثاني: لا يكبر لأنها ليست بصلاة معهودة ذات ركوع وسجود.
فرع
لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق لا يكبر بعدها، لأن التكبير لأجل الوقت، قد فات الوقت ولهذا قلنا: يكبر من لا صلاة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق فكبر عقبيها، وهل يكون أداء أو قضاء؟.
قال القفال: فيه قولان: مبنيان على أنه هل يكبر خلف النوافل؟ فإن قلنا: يكبر خلف النوافل ففي الفائتة أولى وتكون أداء، وإن قلنا: لا يكبر خلف النوافل يكون قضاء، ومن أصحابنا من قال: هل يكبر خلف الفوائت التي فاتت في غير هذه الأيام؟ قولان: لأن منزلة الفوائت في هذا منزلة النوافل.
الجزء: 2 - الصفحة: 479
فرع
لو نسي صلاة في أيام التشريق، ثم قضاها في أيام التشريق، هل يكبر خلفها؟ فيه وجهان: أحدهما: يكبر لأن وقت التكبير باق، والثاني: لا يكبر، لأن التكبير خلف هذه الصلاة يختص بوقتها، وقد فات الوقت، وقال القفال: يكبر وجها واحدا، وهل هو قضاء "227 ب/3" أم أداء؟ وجهان أحدهما: قضاء لأن الصلاة قضاء، والثاني: أداء لما ذكرنا.
فرع
لو نسي التكبير كبر حيث ذكره نص عليه ولفظه رحمه الله أنه قال: لو سلم وانتقل إلى مكان آخر كبر فيه ولا يعود إلى مصلاه بخلاف ما لو سلم عن ركعتين من الظهر ساهيا وانتقل إلى مكان آخر ولم يطل الفصل، فالمستحب أن يعود إلى مكان صلاته ويبني.
وقال أبو حنيفة: إذا تكلم أو خرج من المسجد سقط، لأنه تابع للصلاة فسقط بتركه كسجود السهو وهذا غلط؛ لأن التكبير هو من هيئة أيام التشريق، فإذا كان الوقت باقيا أتى بها ويفارق سجود السهو؛ لانه من تمامها فلا يأتي به إذا طال الفصل.
وقال القفال: هذا مببني على الوجهين أنه يكون قضاء أو أداء، فإن قلنا: يكبرقضاء كبر وإن قلنا: أداء لا قضاء عليه ولا يكبر هاهنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي الإمام التكبير أو تركه عامدا كبر المأموم، ومن صلى وحده كبر، وبه قال مالك والأوزاعي وقتادة والشعبي، وقال أبو حنيفة: لا يكبر المنفرد، واحتج بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى وحده أيام التشريق لم يكبر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس على الواحد والاثنين تكبيرا أيام التشريق، وهذا غلط لأن كل ذكر يستحب للمسبوق يستحب للمنفرد كالتسليمة الثانية، ولأن المنفرد يؤذن ويقيم كالجماعة كذلك في هذا يستوي المنفرد والجماعة، وأما ما ذكروه مقدم عندنا وأنتم لا تقولون: بقول ابن مسعود لأن الاثنين جماعة ويكبران.
فَرْعٌ آخرُ
لو اقتدى من لا يرى الإتيان به أو هو يرى ولا يرى ذلك خرج ابن سريج فيه وجهين: أحدهما: لا يتابع إمامه بل يعمل برأيه، والثاني: يتابعه والأول أصح لأنه بالسلام خرج من متابعته فلا يلزمه حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو وقع مثل هذا في الصلاة تابعه في زيادة التكبيرات إن قال بذلك قائل وإلا فلا يتابعه.
مسألة: قال: ولو شهد عدلان في الفطر بأن الهلال كان بالأمس.
الجزء: 2 - الصفحة: 480
الفصل
وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس إلى أن تزول، فإذا طلعت فقد دخل وقتها، فإن صلوا عقيب الطلوع أجزاتهم الصلاة نص عليه، وقال: ولكن المستحب أن يتوقفوا حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وتحل النوافل التي لا أسباب لها، وهذا كما يقول في العصر: إنه يفوت آخر وقتها بغروب الشمس، ولكنا نستحب له أن "228 ب/3" لا يؤخرها إلى اصفرار الشمس.
ذكره القاضي الطبري وسئر أصحابنا أطلقوا بأن أول وقتها حين تبرز الشمس على ما ذكرنا، وليس هذا النص عند أصحابنا بخراسان، والصحيح ذاك، ولا اعتبار بالوقت المنهي عن الصلاة، لأن هذه نافلة لها سبب ظاهر.
فإذا تقرر هذا فلو شهد شاهدان بأن الهلال كان بالأمس أي رأينا الهلال الأمس وهذا اليوم يوم عيد، فإن كان قبل زوال الشمس صلى بالناس وكان ذلك أداء وإن كان بعد زوال الشمس.
قال الشافعي في كتاب العيدين: لم يصلوا لأنه عمل في وقت، فإذا جاوزه لم يعمل في غيره كعرفة، وقال في كتاب الصيام: وأحب إذا ذكر فيه شيء، وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغدو وأراد به إذا روي فيه خبر، وهو أن ركبا قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الثلاثين من رمضان فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس بالفطر في هذا اليوم، وأن يصلوا صلاة العيد من الغد، إلا أن هذا ليس بثابت، فكذلك قال: وأحب إذا ذكر فيه شيء وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغد فحصل قولان:
أحدهما: لا يقضي وبه "229 أ/3" قال مالك وأبو نور وداود، واختاره المزني وحكى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن أبي حنيفة أنها لا تقضي، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي صلاة عيد الفطر في اليوم الثاني، ويقضي صلاة عيد الأضحى في اليوم الثاني والثالث.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: مذهبه أنها تقضى، ووجه هذا القول: أن هذه صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا يقضي بعد فوات وقتها كصلاة الجمعة والخسوف، وقال المزني: لو قضيت في عدد قومها لقضيت في يومها وكان أولى فإن قلتم: إن ضحى غد يشبه ضحى اليوم وما بعد الزوال لا يشبه الضحى، قلنا: فيجب أن يقولوا: يقضي هذا في ضحى غد بعد شهر.
والقول الثاني: يقضي، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أصح والخبر فيه صحيح أورده أبو داود والسنة أولى بالاتباع، ولأنها صلاة أصل مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كالفريضة ولا يلزم الجمعة، لأنها مقصورة من الظهر وليست كالجمعة لأنها معدولة بها عن الظهر بشرائط، فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 481
فاتت واحد منها رجع إلى الأصل وليست كالخسوف " 229 ب/3" لأنها تتعلق بعارض فإذا زال سقطت، واما قول المزني لا يلزمنا لأن الشافعي قال: يقضي، من الغد إذا لم يمكن اجتماع الناس في بقية اليوم.
وقد قال أصحابنا: إن كان البلد صغيرا يجتمع الناس في بقية اليوم من غير مشقة جمع الناس وصلى بهم، وكذلك إن كانوا في قرية أو حصن، وذكر القفال أن الشافعي نص عليه في كتاب الصيام وأنه قال: هذا أولى من تأخيرها إلى الغد، وإن لم يمكن جمعهم لتفرقهم في حوائجهم، فإن صلى بمن أمكنه جاز ولكنه أساء إلى ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن لا يبدأ دون سائر المسلمين؛ لأن القصد منه الاجتماع وإظهار السرور لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحب تأخير الظهر لاجتماع الناس إلى الصلاة فهاهنا أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يقضي في مثل وقته من الغد كالوقوف بعرفة؟ يقضي في الجملة ولكن في مثل وقته من القابل يوم النحر، وبه قال أحمد وأبو حنيفة في رواية وهذا ضعيف، والأصل ما ذكرنا.
وأما القضاء بعد الغد فاعلم أن الشافعي قال: يقضون من الغد وبعد الغد، وذكر الداركي عن "330 أ/3" بعض أصحابنا أنه يقضي أبدا ولا يكون القضاء مؤقتا، ويتصور ذلك عند اشتغال الإمام بالحرب حتى يتأخر إلى شهر وشهرين، وهذا خلاف ظاهر المذهب، والمعنى في الغد أن ذلك الوقت قد يكون وقت العيد إذا خرج شهر رمضان ثلاثين يوما، وهذا لا يوجد فيما بعده والقياس ما حكاه الداركي.
فرع
لو شهدا برؤية الهلال يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، أو ليلة الحادي أنهم رأوه ليلة الثلاثين.
قال أبو إسحاق: يصلي الإمام بالناس يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، ويكون أداء قولا واحدا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون"، وهم لم يفطروا بالأمس وإنما يفطرون من الغد، فوجب أن يكون ذلك يوم فطرهم.
قال القفال: ولا يسمع هذه الشهادة، لأنه لا فائدة فيها.
فرع
لو شهد شاهدان بالنهار وعدلا باليل: قال أصحابنا: الصلاة من الغد تكون فرضا وهل يقضي؟ قولان: على ما ذكرنا، وهذا لأن الاعتبار وقت الشهادرة دون التعديل "330 ب/3" ألا ترى أنه لو مات الشاهدان قبل أن يعدلا، ثم عدلا حكم الحاكم بشهادتهما وكذلك لو شهدا قبل الزوال وعدلا بعده، او عدلا في اليوم الحادي والثلاثين فإنها تفعل بعد ذلك قضاء على القولين.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا عدلا من الغد بعد طلوع الشمس وهو اليوم الحادي والثلاثون يصلي الإمام بهم بلا خلاف وهو غير صحيح.
فَرْعٌ آخرُ
إذا اجتمع عيد وجمعة، قال في "الأم": صلى الإمام صلاة العيد حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضر من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى أهليهم ولا يعودون للجمعة والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا فإن لم يفعلوا فلا حرج عليهم إن شاء الله، ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر، واحتج بما روى عثمان بن عفان رضي الله عنه خطب فقال: "قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أديت له" ولم ينكر عليه منكر، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لا يجب على أهل السواد في هذا اليوم صلاة الجمعة بكل حال، بدليل ها "231 أ/3" الأثر عن عثمان رضي الله عنه، والمعنى فيه أنهم لو قعدوا في البلد لم يتهنوا بالعيد، وإن خرجوا ورجعوا كان عليهم في ذلك مشقة ظاهرة، والجمعة تسقط بالمشقة دون هذا من الأعذار مثل المطر ونحوه، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمه الله.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي بما ذكر أهل السواد الذين هم في موضع يبلغهم النداء من البلد، فإنه تجب عليهم الجمعة، لأن كل من لزمهم الجمعة في غير يوم العيد لزمه في يوم العيد كأهل البلد، وهذا ضعيف وقد ذكرنا فيما قبل أن مذهب ابن الزبير وابن عباس وعطاء رضي الله عنهم أنهم قالوا: تسقط صلاة الجمعة في هذا اليوم عن الكل.
وحكى عن ابن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة، فعابه بعض بني أمية، فقال ابن الزبير: هكذا كان عمر بن الخطار يصنع.
وبلغ ابن عباس فقال: أصاب السنة وروى أبو عبد الرحمن السلمي أنه اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وصلى صلاة العيد وخطب وقال: أيها الناس إنه اجتمع عيدان في يوم "231 ب/3" فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ومن أراد أن ينصرف فلينصرف"، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ "الجمعة: 9" ولم يفصل ولأن الجمعة هي من فرائض الأعيان فلا يسقط بصلاة العيد التي هي نفل في قول، وفي قول هي فرض على الكفاية.
وأما خبر أبي هريرة فمحمول على أهل السواد ولهذا قال: من أراد أن يشهد الجمع لأن أهل المصر يشهدونها، وقد بينه عثمان بن عفان رضي الله عنه فخص أهل العالية بالذكر، وقيل أهل العوالي: هم على ثلاثة أضرب:
منهم من يلزمهم الجمعة بأنفسهم وهو أن يكونوا أربعين في قرية فحكمهم في هذه
الجزء: 2 - الصفحة: 483
المسألة حكم أهل المصر.
ومنهم من لا يلزم الجمعة لا بأنفسهم ولا بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء، فإذا حضروا العيد كان لهم الانصراف من غير جمعة، ولا يكره لهم ذلك ولكن إن دخلوا البلد يوم الجمعة بغير صلاة العيد يكره لهم أن ينصرفوا قبل صلاة الجمعة، فإن قال قائل: هلا قلتم: يلزمهم الجمعة كالمريض إذا حضر فإنها تلزمه؟ قلنا: لأن سقوطها عن المريض للمشقة، وإذا حضر زالت المشقة، وسقوطها عن أهل هذه البرية في أوطانهم لصفته فيهم هناك "232 أ/3" وإذا حضروا وكانوا مسافرين غير مستوطنين فلا يلزمهم.
ومنهم من تلزمهم الجمعة بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ويسمعون النداء من البلد فحكمهم ما ذكرنا من المنصوص والتخريج.
باب صلاة الكسوف
مسألة: قال: في أي وقت خسفت الشمس في نصف الهار أو بعد العصر فسواء.
وهذا كما قال: اعلم أنه يقال: كسفت الشمس تكسف وخسفت تخسف، وذلك يقال في القمر أيضا ولأهل اللغة في معنى ذلك قولان.
أحدهما: قال الفراء: وغيره كسفت معناه: نقص ضوئها وقوله تعالى: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ " القيامة: 8".
يعني نقص ضوءه ويقال: عين خاسفة إذا ذهب ضوءها أو نقص ورجل خاسف إذا كان مهزولا جائعا، وخسف بالرجل إذا ساخ في الأرض، وقال آخرون: معناه التغطية يعني حال دون ضوءها حائل ومنه قول جرير:
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وأراد ليست بمتغطية، فإذا تقرر هذا فلاأصل في صلاة الكسوف الكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ومِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ "232 ب/3" والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ "فصلت: 37" الآية.
وأراد صلاة الكسوف صلوا لكسوفها لان الله تعالى ذكر آيات كثيرة ولم يذكر عندها السجود، وخص هاتين الأثنتين بالسجود عند ذكرهما، فدل أنه أراد به الصلاة فيها، وقيل: يحتمل انه أراد به الصلاة للكسوف، ويحتمل أنه أراد عبادة الله دون عبادتهما، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عند كسوفهما، فكان كذلك منه بيانا لما تناولته الآية.
وأما السنة: فما ورى ابن عباس رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى والناس معه ثم قال: "أيها الناس إن الشمس
الجزء: 2 - الصفحة: 484
والقمر آيتان من آيات الله سبحانه لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى"
وروى ابن مسعود البدري رضي الله عنه قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف بهما عبادة لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم "233 أ/3" ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة"، والعم أنه لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكسوف القمر ولكنه نبه بما ذكر في كسوف الشمس عليه حيث قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف .... " الخبر.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فوقت هذه الصلاة، أي: وقت وجد سببها من ليل أو نهار سواء كان ذلك الوقت المنهي عن الصلاة فيه، أو في غيره لأن لها سببا ويخاف فوتها لو أخرها خلافا لأبي حنيفة ومالك على ما مضى بيانه، فإن قيل: قلتم: صلاتا العيد والاستسقاء لا يؤديان في الوقت المنهي؟ قلنا: لأن وقتهما واسع فجرى ذلك مجرى النوافل التي لا سبب لها، وهذا وقته يضيق فإنه ربما يزول بزوال العارض.
واعلم أن هذه الصلاة سنة مؤكدة وليست بفريضة بلا خلاف، وكل من وجبت عليه الصلوات الخمسة سنت له صلاة الكسوف، الرجل والمرأة والحر والعبد والمسافر والمقيم والحضري والبدوي فيها سواء، وسواء صلى الإمام أو تركها، وسواء صلاها منفردا أو في جماعة، فإن خرج الإمام صلوا معه، وإن لم يخرج طلبوا من يصلي بهم، فإن لم يجدوا وخافوا إنكار الإمام "233 ب/3" صلوا فرادى.
مسألة: قال: ويتوجه الإمام إلى حيث يصلي الجمعة.
وهذا كما قال: المستحب أن يصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع دون الصحراء؛ لأن صلاة العيد إنما تستحب في الصحراء إذا كان المسجد لا يسعهم؛ لأن الناس من الصغار والكبار من أهل المصر والسودان ندبوا إلى حضور صلاة العيدين، فكان الأرفق بهم أن يصلي بهم في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف فإنه لا يسن لها من الاجتماع ما يسن لصلاة العيدين، وأيضا وقت صلاة الخسوف يضيق فربما تجلت الشمس قبل بلوغهم المصلى فتفوت الصلاة فاستحب فعلها في المسجد، بخلاف صلاة العيد فإن وقتها موسع لا يخاف فوتها، ولهذا لم يصلها قط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في المسجد بخلاف صلاة العيد.
مسألة: قال: ويأمر بالصلاة جامعة ثم يكبر.
الجزء: 2 - الصفحة: 485
وهذا كما قال.
الكلام الآن في كيفية صلاة الخسوف، فأولا يأمر من ينادي الصلاة جامعة، ولا يؤذن لها، قالت عائشة رضي الله عنها: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رجلا فنادى الصلاة جامعة"، ثم إذا افتتح الإمام صلاة جماعة يكبر تكبيرة الإحرام ويأتي بدعاء الاستفتاح والتعوذ "234 أ/3" بعده، ويقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ سورة البقرة إن كان يحفظها أو بقدرها من القرآن إن كان لا يحفظها، ثم يركع بقدر مائة آية من سورة البقرة ولا يقرأ فيه القرآن بل يسبح في الركوع، ولكن التسبيح فيه يكون بقدر قراءة مائة آية من البقرة ثم يرفع رأسه من الركوع، ويقرأ بأم القرآن أيضا وقدر مائتي آية من البقرة، ثم يركع بقدر ما يلي ركوعه الأول من ثمانين إلى تسعين آية، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد فيطيل السجود فيها ثم يقوم من سجوده قائما إلى الركعة الثانية فيقرأ بأم القرآن وقدر مائة وخمسين آية من البقرة، ثم يركع فيسبح قدر سبعين آية من البقرة، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد سجدتين بقدر طول الركعتين فيحصل له ركعتان في كل ركعة ركوعان.
وجملته أنه يقوم فيها ست قراءات يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها، وفي الثاني مائتي آية من البقرة أو قدرها، وفي الثالثة لا يقرأ شيئا بل يعتدل ويسجد وهما في القيام الرابع وهو القيام الأول من الركعة الثانية مائة وخمسين آية من البقرة أو بقدرها، وفي القيام الثاني من هذه الثانية مائة "234 ب/3" آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث من هذه الثانية مائة آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث عن هذه الثانية شيئا بل يرفع ثم يسجد ويرجع فيها أربع مرات يسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الركوع الثاني قريبا منها وفي الركوع الثالث قدر سبعين آية وفي الركوع الرابع قدر خمسين آية، وفي بعض نسخ المزني يركع في الثانية بقدر ثلثي ركوعه الأول، وهكذا قال في " الأم"، وهذا غلط لان مبنى هذه الصلاة على أن كل ركوع يكون أقصر مما قبله كالقومة الثانية هي أقصر من الأولى وقد قال في الركوع الثالث: يسبح بقدر سبعين آية، وعلى هذه الرواية يكون الثالث أطول من الثاني؛ لأن ثلثي المائة يكون ستة وستين آية، وقيل: إن المزني لم يروا هذا، وإنما رواه الربيع وهو غلط لما ذكرنا، والمشهور أن الغلط هو في نقل المزني، والشافعي لم يقل ذلك وقد صحف الكاتب وأسقط كلمة ما.
وقال في البويطي: يقرأ في القيام الأول سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران، وفي الثالثة سورة النساء، وفي الرابعة المائدة وليس هذا باختلاف القول؛ بل "235 أ/3" هو قريب مما ذكرناه وقال: في الركعة الأولى يسجد سجدتين طويلتين ويسبح في كل سجدة بنحو ما سبح في ركوعه، فالسجود الأول قدر الركوع الأول، والثاني كالركوع الثاني، وفي الركعة الثانية يسجد سجدتين تامتين طويلتين يسبح في كل سجدة نحو ما
الجزء: 2 - الصفحة: 486
يسبح في ركوعه.
وحكى عن مالك أنه قال: لم يسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف وهذا غلط لما روى ابن عمر أنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف فلم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد، وهذا يدل على أنه طول السجود كما طول الركوع.
ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يسجد كما يسجد في غيرها لأن الشافعي لم يذكر وقال ابن سريج: يطيل السجود وليس بشيء وهذا ضعيف عندي، وقال فيه أيضا: في الركوع الأول يركع طويلا نحوا من قراءته وكذلك في الركوع الثاني والثالث والرابع وهذا يدل على أنه قدر الركوع بقدر القيام الذي قبله بخلاف ما قال في الأم فحصل قولان "235 ب/3"، وجه ما قال في البويطي إن الركوع موضع التضرع والدعاء والخشوع فإن لم يزد على القيام يجب أن لا ينقص منه.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يسبح في الركوع بقدر نصف القيام، وهذا ليس بشيء، ووجه ما قال في " الأم": أن القيام في سائر الصلوات هو أطول من الركوع لأن أقل ما يجزئ منه مقدار فاتحة الكتاب، وأقل ما يجزئ من الركوع مقدار الطمأنينية، وذلك القراءة المسنونة في أطول من التسبيح المسنون، فوجب أن يكن الركوع أقل من القيام الذي قبله، وبقولنا قال عثمان بن عفان وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم.
وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة الصبح.
وحكى عن أحمد وإسحاق أنه يصلي ركعتين في كل ركعة ثلاث قومات وثلاثة ركوعات، وهذا غلط لما احتج الشافعي بما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج وصلى والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا ثم قام قياما طويلا، وهو بعض "236 أ/3" القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الذي قبله، ثم قام قياما طويلا، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم سجد فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات ثم انصرف" يعني: سلم من صلاته، وقد تجلت الشمس أي في حال انصرافه كانت الشمس قد تجلت، فقال: يعني: خطب وفي خطبته قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" الخبر، وإنما قال هذا لأن إبرايهم ابنه كان قد مات في ذلك اليوم، ولم يكن الوقت وقت الخسوف إذ الشمس في الغالب إنما تنخسف في اليوم الثامن والعشرين من الشهر أو التاسع والعشرين.
فقالوا: إنما خسفت لموت إبراهيم، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إشكالهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 487
واحتج أيضا بأثرين: أحدهما: عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى في كسوف القمر ركعتين في كل ركعة ركعتين، ثم ركب يعني ركب البعير فخطب إذ لم يكن هناك منبر فقال: أي قال في خطبته إنما صليت بكم "236 ب/3" كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، يعني صليت بكم في خسوف القمر كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في خسوف الشمس؛ لأنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في خسوف القمر.
والثاني: ما حكاه بلاغا فقال: وبلغنا أن عثمان رضي الله عنه صلى في كل ركعة ركعتين يعني ركوعين وقيامين، فغن قيل: فقد روى جابر أنه قام ثلاث قيامات، وروى خمس قيامات، وروى ثمانية قيامات، وروى أنه ركع ركعتين في عشر ركعات، وأربع سجدات.
قلنا: أجمعنا على ترك هذه الروايات ولم يحصل الإجماع في ترك ما رويناه، أو يقول، قال بعض أصحابنا: شبه أنه صلاها مرات وكرات فكانت إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته وزاد في عدد الركوع وإذا قصرت نقص من ذلك، فيصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة.
ومن أصحابنا من قال: لا يزيد على ما ذكرنا وهو الظاهر، وبه قال ابن عباس ولم يصح ما رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن صح فقد نسخ"، واحتجوا بما روى النعمان بن بشير قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين، وروى "237 أ/3" أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة"، قلنا: نحمله على الجواز أو نحمله على أنه صلى ركعتين عددا، وإن كان في كل ركعة قيامان وركوعان.
وقال أبو إسحاق: قال بعض أصحابنا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع ركوعا واحدا ليدل على الجواز، فالسنة والأولى أن يركع ركوعين في طويل الخسوف وقصره وقال بعض أصحابنا: ركع ركوعا واحدا لقصر الخسوف، فالسنة في طويل الخسوف ركوعان وفي قصره ركوع واحد.
وقال ابن سريج: كل ذلك من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من بعض.
واعلم أن هذا التطويل غير واجب، فإن زاد على هذا أو نقص منه واقتصر على الفاتحة أجزأه والمستحب أن يطول على حسب امتداد الخسوف حتى إن قصر الخسوف قصر الصلاة أيضا.
فرع
قال: لو ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الخسوف لم يعيد تلك الركعة، بل يصلي ركعة أخرى ويسجد للسهو كما يقول في سائر الصلوات.
فَرْعٌ آخرُ
لو أدرك الإمام في هذه الصلاة، وقد رفع رأسه من الركوع الأول، فإنه يكبر خلفه
الجزء: 2 - الصفحة: 488
"237 ب/3" ولا يكون مدركا لهذه الركعة، فإذا سلم الإمام أي بالركعة الأخرى على التمام بقيامين وركوعين نص عليه في البويطي، ولفظه: فإذا سلم الإمام فإن بقى الكسوف قام وصلى ركعة بقيامين وركوعين على طولهما، وإن كانت قد تجلت خفف فيهما.
وقال صاحب التقريب: يقضي قياما واحدا وركوعا واحدا وهذا غلط، لأن الركوع الثاني هو تبع للأول، فهو كالسجدتين لا يحصل له بإدراكهما ولا بإدراك واحدة منهما شيء، ولو كان يحصل له بذلك الإدراك لما لزمه قضاء شيء من تلك الركعة لمن أدرك جزءا من الركوع كفاه، وقيل فيه: إنه يصير مدركا للركعة، لأنه أدرك ركوعا صحيحا معتدا به.
فَرْعٌ آخرُ
هل يتعوذ في القومة الثانية؟ وجهان.
فرع
قال في "الأم": لو فرغ من صلاة الخسوف والخسوف باق لم يزد في الصلاة واشتغل بالخطبة لأنه لم ينقل عن النبي أنه صلى في الخسوف إلا ركعتين فلا يزيد على ذلك.
قال القفال: هل يعود إلى الصلاة؟ وجهان: بناء على أنه هل يزيد على ركوعين عند طول الخسف، فإن قلنا: يزيد هاهنا يعود إلى الصلاة، وإن قلنا لا يزيد فلا يعود إلى الصلاة "238 أ/3" وهذا لا معنى له مع النص الذي ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو تجلت الشمس وهو في القيام الأول، فإنه يتمها ويخفف نص عليه، وقال القفال: فيه وجهان، فإن قلنا: يزيد إذا امتد فهاهنا يقتصر على ركوع واحد، وإن قلنا: لا يزيد فهاهنا لا يقتصر وفيه نظر أيضا والله أعلم.
مسألة: قال: ويسر في خسوف الشمس.
وهذا كما قال: المستحب أن يسر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس، لأنها من صلاة النهار لها نظر بالليل.
وهو الصلاة لخسوف القمر فلا يجهر فيها كالظهر والعصر وبه فارق صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء.
وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: يجهر فيها بالقراءة، وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى وجهر في صلاته بالقراءة"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "قال كنت إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما سمعت منه
الجزء: 2 - الصفحة: 489
حرفا".
قال الشافعي: لأنه أسر أي أن ابن عباس لم يسمع القراءة لإسراره، ثم أيد ذلك، فإن قال: ولو سمعه ما قدر قراءته أي "238 ب/3" ما احتاج إلى أن يقول: قرأ نحوا من كذا، بل كان يقول: قرأ كذا وكذا، وقال سمرة بن جندب: "قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة خسوف الشمس أطول قيامه في صلاة قط ولم أسمع له حسا"، وروى ولم أسمع له صوتا.
وأما خبر عائشة قلنا: اختلفت الرواية عنها، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: تحرزت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فرأيت أنه قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران"، وهذه الرواية هي أولى لانها تعاضد ما رويناه.
فإذا تقرر هذا فإنه يخطب في الخسوف بعد الصلاة على المنبر ليلا كان أو نهارا، ويجلس بين الخطبتين ويأتي بأركان الخطبة ويحضر الناس على الخير ويأمرهم بالتوبة، والتقرب إلى الله تعالى، فإن كان في الموقف بعرفة خطب راكعا ويصلي بين الخطبتين بسكتة قدر الجلسة لو كان على المنبر، ولو تركها أو خطب على غير ما أمر به كرهت ولا إعادة ويستمع الناس لها فإن انصرفوا كرهته، ولا إعادة.
وقال في "الأم" وأحب "239 أ/3" للقوم بالبادية والسفر أن يخطب بهم أحدهم ويذكرهم إذا صلوا هذه الصلاة، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا تسن الخطبة في الكسوف واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو خطب لنقل نقلا ظاهرا كما نقلت خطبة العيد.
وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخسوف انصرف وخطب الناس، وذكر الله تعالى فأثنى عليه، وقال " يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وانصرفوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما أحدا أعز من الله تعالى أن يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا"
قال ابن المنذر: ما خالف هذا الخبر أحد من أصحابنا إلا مالك وهذه غفلة منه؛ لأنه روى الحديث ثم تركه، لانه لم يشتهر وعدم الاشتهار لا يمنع صحة الخبر لأن النقل يكون على حسب الدواعي، ألا ترى أن الأذان لما توفرت الدواعي عليه نقل نقلا ظاهرا حتى لا يختلف "239 ب/3" أحد أنه شفع، واختلفوا في الإقامة هل هي شفع أو وتر، ولم ينقل مثل ذلك النقل، وإن صلى منفردا لم يخطب لأن الخطبة هي للوعظ والتذكير للغير.
الجزء: 2 - الصفحة: 490
مسألة: قال: وإذا اجتمع خسوف وعد واستسقاء.
الفصل
وهذا كما قال: جملته أنه إذا اجتمع في يوم واحد صلوات بدأ بالأهم، فإذا اجتمع خسوف وعيد واستسقاء وجنازة بدأ بالأهم وهو صلاة الجنازة، لانها من فرائض الكفايات، وتتعلق بحرمة الميت مع حق الله تعالى، ثم نقل المزني أن الشافعي قال: فإن لم يكن حضر الإمام أمر من يقوم بها وبدأ بالخسوف وتداخل المزني بالنقل والشافعي لم يقل هكذا، بل قال في "الأم": فإن لم يكن حضرت: يعني: الجنازة ولكنها تنتظر فالإمام يأمر جماعة لينتظروها ويقوموا بها إذا حضرت ويبدأ الإمام مع الآخرين بصلاة الخسوف، وإن كانت صلاة العيد آكد منها، لأنه يخاف فوتها بالتجلي، ولا يخاف فوت العيد، ثم إذا فرغ من صلاة الخسوف، وقد صلى أولئك على الجنازة بذلك وإلا هو صلى عليها إن كانت حضرت ثم "240 أ/3" قال الشافعي: وتركها، أي: لا يتبعها حتى تدفن ويشتغل بصلاة العيد وقيل: ما نقل المزني صحيح أيضا، ومعناه: فإن لم يرد الإمام أن يصلي على الجنازة أولا يريد حضورها بل من يصلي عليها وبدأ الخسوف، وقيل: معناه فإن لم يكن حضر الإمام يعني إمام الجنازة وهو الولي، لأنه أولى فتترك جماعة ليصلوا مع الولي إذا حضر، وهذا ضعيف بعيد.
وقال الشافعي في كتاب العيدين: إذا انكسفت الشمس يوم الجمعة ووافق ذلك يوم الفطر بدأ بصلاة العيد، ثم بصلاة الخسوف إن لم تنجل قبل الدخول في صلاة الكسوف، قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين: بل هي على اختلاف الحالين، فالذي قال في العيدين: إنه إذا خاف صلاة العيد فيبدأ بصلاة العيد، لأن فواته متحقق وفوات الكسوف غير متحقق والذي قال هاهنا: إذا كان في وقت صلاة العيد سعة لا يخاف فوتها، ثم إذا فرغ منها بدأ بصلاة العيد وقدمها على صلاة الاستسقاء، لأنه لا يخاف فوتها ومجئ المطر ليس مما يسرع، وإذا جاء المطر لا يفوت الصلاة لأنا "240 ب/3" نقول: يستحب الصلاة بعد للشكر ولهذا قال الشافعي: يؤمر الناس قبل الاستسقاء يصوم ثلاثة أيام، ثم إذا فرغ منها فإن أمكنه أن يصلي صلاة الاستسقاء في ذلك اليوم، ولم تشق على الناس صلاها، وإن شق على الناس أخرها إلى الغد ثم صلاها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اجتمع عيد وخسوف صلى أيهما شاء، وهذا ليس بشيء، واعترض ابن داود قوم ممن يتعاطون علم النجوم فقالوا: إنه يستحيل اجتماع الخسوف والعيد، لأن خسوف الشمس لا يكون في العادة إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من الشهر، وخسوف القمر لا يكون إلا في ليلة الرابع
الجزء: 2 - الصفحة: 491
عشر والخامس عشر، فكيف يجتمع ذلك مع العيد.
قلنا: الشافعي بينه على أنه لو كان، كيف يكون حكمه على طريق التوسع في التفريط والتبسط في العلم، وهذا كما قال أهل الفائض: إذا خلف مائة حبة وأكثر كيف يكون تنزيلها وحكمها وذلك لا يكون في العادة القائمة، ولكنهم ذكروها على المعنى الذي ذكرنا، وعلى هذا قال أبو حنيفة: لو ضرب رأس رجل بأبي قبيس فقتله فلا قصاص، والثاني: هذا "241 أ/3" عندنا أنه من الآيات يخوف الله تعالى بها عباده وبما أظهرها في غير هذا الوقت إذا علم المصلحة فيه بدليل ما روي عن الزبير بن بكار أنه قال في كتاب النسب: إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول، وكسفت الشمس في ذلك اليوم.
وروي أنه مات يوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة عشر، فإذا تقرر هذا، ذكرنا أنه إذا خاف فوت العيد بدأ بها ويخفف، ثم يصلي الخسوف وإذا فعل كذلك يخطب لهما جميعا خطبة واحدة يذكر فيها ذكر العيد والخسوف جميعا ولا يضر تأخير صلاة العيد إلى ما بعد الزوال، لأن الخطبة هي غير مؤقتة وإنما هي تابعة لصلاة العيد في وقتها فلا يضر تأخيرها.
فرع
لو اجتمع صلاة الخسوف وصلاة الجمعة يبدأ بصلاة الخسوف، لما ذكرنا أن بقاءه غير متحقق ويقرأ في كل قيام بأم القرآن وقل هو الله أحد، فإذا فرغ من الصلاة خطب للجمعة وذكر فيها الخسوف، ثم يصلي الجمعة ولم يقل هاهنا يخطب لهما كما "241 ب/3" قال هناك؛ لأنه لو خطب لهما هاهنا لم يجز إذ الخطبة للجمعة فرض فلا يجوز أن يجعلها مشتركة بين الفرض والنفل.
وذكر أصحابنا أنه ينوي بالخطبة للجمعة، وإن خاف فوت الجمعة بدأ بها لأنها آكد من غير إشكال، ثم إذا فرغ منها فإن كانت الشمس كاسفة بعد صلاة الكسوف وإلا فقد فاتت ولا تقضى.
قال الشافعي: وهكذا يضع في كل مكتوبة ويخطب بعد المكتوبة، لأنه لا وقت للخطبة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خسفت الشمس بعد العصر وهو في الموقف صلى الخسوف؟، ثم خطب على بعيره ودعا، وإن كان بعرفة قبل المضي إلى الموقف صلاها ولم يدعها للوقوف وخفف الصلاة والخطبة، وإن خسف القمر بالمزدلفة بعد طلوع الفجر صلى للخسوف وإن حبسه ذلك إلى طلوع الشمس ويخفف لئلا يحبسه إلى طلوع الشمس، وإن كان الخسوف بمكة عند رواح الإمام للصلاة بمعنى صلى الخسوف، وإن خاف أن تفوته صلاة الظهر بمنى صلاها بمكة.
الجزء: 2 - الصفحة: 492
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو خسفت الشمس، ثم حدث خوف صلى الإمام صلاة الخسوف صلاة خوف، كما يصلي المكتوبة صلاة "242 أ/3" خوف وكذلك يصلي صلاة شدة الخوف إيماء حيث يوجد راكبا ماشيا فإن أمكنه الخطبة مع الصلاة خطب وإلا ترك الخطبة.
مسألة: قال: وإن خسف القمر صلى كذلك.
الفصل
وهذا كما قال السنة أن يصلوا في خسوف القمر جماعة مثل ما ذكرنا في خسوف الشمس إلا أنه يجهر فيها بالقراءة.
وقال أبو حنيفة فرادى في بيوتهم، لأن خروجهم ليلا مع الانكساف مشقة.
وقال مالك: لا يصلي أصلا، وهذا غلط لما روينا عن ابن عباس فيما تقدم وما قالوا: ينتقض بصلاة التراويح ثم فرع الشافعي على هذا مثل ما فرع على خسوف الشمس من اجتماع هذه الصلاة مع غيرها في وقت واحد، فقال: وإن خسف به القمر في وقت قنوت أي في وقت قيام الليل من تراويح أو غيرها بدأ بالخسوف قبل الوتر وقبل ركعتي الفجر وإن فاتتا، أي: وإن أدى البداية بصلاة الخسوف إلى فوات هاتين الصلاتين وهما الوتر وركعتا الفجر وعلل، فقال: لأنها صلاتا انفراد، وأراد أن التطوع الذي سن له الجماعة هو آكد من صلاة الانفراد وإن كانت "242 ب/3" مؤكدة وقيل: العلة أن الوتر وركعتي الفجر .... بعد .... بخلاف هذه وهذا ينتقض بصلاة العيد فالعلة الصحيحة ما ذكرها الشافعي قبل هذه العلة، ثم بين أن خطبة خسوف القمر يجوز أن تقع في النهار بعدما كانت الصلاة في الليل، فقال: يخطب بعد صلاة الخسوف ليلا ونهارا.
وأما النساء: فيستحب لهن أن يحضرن إذا كن عجائز أو غير ذوات الهيئة، وقالت أسماء بنت أبي بكر فزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم كشفت الشمس فقام قياما طويلا، فرأيت المرأة التي هي أكبر مني والمرأة التي هي أصغر منهي قائمة، فقلت: أنا أحرى بالصبر على طول القيام.
وقال في "الأم": لا أكره لمن لا هيئة له شهود هذه الصلاة ويكره للشباب وذوات الهيئة ويصلي هؤلاء في بيوتهن إما فرادى أو جماعة، وإذا فرغن لم يخطبن لأن الخطبة ليست من رتبة النساء.
وقال في "الأم": وإن قامت إمامتهن فذكرتهن ووعظتهن كان حسنا، ولو حصل
الجزء: 2 - الصفحة: 493
رجل معهن، ولا رجل هناك سواه، فإن كن ذوات محارم له صلى بهن وإلا يكره له ذلك، فإن خالف وصلى "243 أ/3" بهن صحت صلاتهن، ثم بين أين تصلي هذه الصلاة وقد مضى بيانه في خسوف الشمس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تصلى صلاة الخسوف في كل مسجد أم لا تصلى إلى في جماعة واحدة؟ وجهان مخرجان بناء على القولين في صلاة العيد، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: فإن لم يصل حتى تغيب كاسفة.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا غفل عن صلاة الخسوف حتى تجلت كلها لم يصل وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في رواية جابر رضي الله عنه: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي" فجعل الانجلاء غاية الصلاة ولأن الصلاة إنما شرعت ليدعو الناس الله تعالى حين يرد إليها الضوء للانتفاع به، فإذا تجلت زال هذا المعنى فإن قيل: قد قلتم: الاستسقاء إذا مطروا صلوا الاستسقاء، فلم لا تقولون هاهنا إنه يصلي بعد التجلي، قلنا: لانهم يصلون هناك لاستزادة المطر وإتمام المنفعة.
وهاهنا لا معنى للصلاة لاستزادة الضوء فلهذا لم يصلوا.
فرع
لو تجلى بعضها صلى ليرد الله تعالى "243 ب/3" ضوء ما انكسفت منها ولهذا لو انكسف بعضها في الابتداء فإنه يصلي كذلك.
مسألة: قال: فإن غاب خاسفا صلى صلاة الخسوف بعد الصبح ما لم تطلع الشمس.
وهذا كما قال: إذا انخسفت الشمس وغابت خاسفة قبل أن يحرموا بالصلاة لا يصلون؛ لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب سلطانها وذهب الوقت الذي دخل فيه ضوئها منفعة للناس فلم يكن للصلاة معنى، ولو خسف القمر ففيه ست مسائل:
أحدها: أن ينجلي ليلا قبل الصلاة فلا يصلي مما ذكرنا في الشمس.
والثانية: أن ينجلي بعضه فإنه يصلي.
والثالثة: أن يغطيه السحاب منخسفا فإنه يصلي.
والرابعة: أن يغيب القمر منخسفا في بعض الليل قبل أن يصلوا صلاة قولا واحدا ويخالف غروب الشمس كاسفة؛ لأن زمان الليل هو وقت لسلطان القمر وبقاء ضوئه في بعض الليالي فإن غاب في بعضها، وغيبوبة الشمس لا يختلف زمانها وليس لها في
الجزء: 2 - الصفحة: 494
الليل سلطنة بوجه، وقيل في القمر: إن القمر قد يكون باقيا بعد طلوع الشمس فلا يكون لطلوعه وبقائه حكم مضئ الليل فكذلك "244 أ/3" إذا غاب مع بقاء الليل وجب أن لا يكون لغيبوبته حكم مع بقاء الليل وليس كذلك الشمس؛ لأنه لا يسقط حكمها مع بقائها فكذلك لا يبقى حكمها مع غيبوبتها.
والخامسة: أن تطلع الشمس وهو منكسف فإنه لا يصلي، لأن وقته قد فات وسلطانه قد ذهب فهو بمنزلة غيبوبة الشمس.
والسادسة: أن يطلع الفجر وهو منكسف ففيه قولان: قال في "القديم": لا يصلي لأن القمر من آية الليل والشمس من آية النهار، فكما لا يصلى لخسوف الشمس بالليل لا يصلى لخسوف القمر بالنهار، وقبل الفجر حاجب الشمس.
وقال في "الجديد": يصلي وهو الصحيح، لأن قبل طلوع الشمس سلطان باق لقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الإسراء: 12" فما لم تطلع الشمس فالسلطنة له وقد يقع لضوئه في هذا الوقت.
فرع
لو خسف القمر بعد طلوع الشمس، هل يبتدئ الصلاة؟ فيه قولان بناء على هذين القولين ولو ابتدأ خسوف القمر بعد طلوع الشمس لا يصلي قولا واحدا.
مسألة: قال: فإذا طلعت أو أحرم فتجلت أتموها.
وهذا كما قال أراد به إذا طلعت الشمس في خلال صلاة خسوف القمر إذا أحرم بصلاة خسوف الشمس، ثم تجلت الشمس "244 ب/3" أتموها، وهذا لأن القصد بهذه الصلاة إعظام الله تعالى ما رأوا من الآيات التي يخوفهم بها، ومسألة تجليها وإعادة ضوءها إليها، فإذا افتتحوا الصلاة ثم حصل المقصود لم يجز إبطال الصلاة بل إتمامها أحسن لعبادته.
وأتم لشكر نعمته.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه أراد يتجوز فيها ويطرح الزوائد التي خصت بها، وقد ذكرنا وجهين، والنص الظاهر أنه يتمها كما شرع فيها إلا أنه يخفف.
فرع
لو كسفت الشمس، ثم تغيبت السماء، وتغيبت الشمس في السحاب يصلون صلاة الخسوف؛ لأن الخسوف يقين وتجليها مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، ولو طلعت الشمس في غمام أو غيابة فتوهمها خاسفة فلا صلاة حتى يستيقن ذلك، ثم ذكر في "المختصر": مسألتين مضى بيانهما:
إحداهما: قال: فإذا اجتمع أمران فخاف فوات إحداهما بدأ بالذي يخاف فوته.
والثانية: قال: فإن لم يقرأ بأم القرآن أجزأه، وهذا لأن الفريضة تجزئ بأم القرآن فالنافلة أولى، ثم بين أن الجماعة وإن كانت مسنونة لهذه الصلاة فليست بواجبة بخلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 495
الجمعة، فقال: ولا يجوز عندي تركها لمسافر على "245 أ/3" ما ذكرنا وأراد أنه لا يجوز من طريق السنة.
وحكى عن الثوري، ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز هذه الصلاة منفردا، وهو غلط لأنه روى أن ابن عباس صلى صلاة الخسوف على ظهر زمزم وذلك الموضع لا يتسع للجماعة ولأنه ليس من شرطها الوطن فكذلك الجماعة.
مسألة: قال: ولا آمر بصلاة جماعة في آية سواهما.
وهذا كما قال: لا تسن في غير آية الخسوف من الزلازل والريح الشديدة والظلمة ونحو ذلك؛ لأن هذه الآيات كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تنقل الصلاة لها.
قال الشافعي: ويستحب التكبير والدعاء، فإن صلى للناس منفردين لئلا يكونوا على غفلة جاز، وحكى عن الشافعي هاهنا أنه قال: وآمر بالصلاة منفردين، وقال بعض أصحابنا: لم يستحب الشافعي هذا بل أمر لئلا يكون على غفلة وحدث حادث فيكون على أفضل القرب وهي الصلاة، لأن الصلاة هي خير موضوع ولم يذكر في " الحاوي" غيره، ويحتمل أنه استحب ذلك لها منفردا اعتمادا على ظاهر قوله/ ولا إشكال أن هذه الصلاة هي كسائر الصلوات.
وقد روى عن النبي "245 ب/3" - صلى الله عليه وسلم - أنه كان: "إذا سمع صوت رعد أو صاعقة يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"، وروى أنه كان إذا هبت ريح شديدة يستقبلها جاثيا على ركبتيه ويقول: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت فيها"، وهذا لأن في كل موضع ذكر الله تعالى الريح فهو للعذاب وهو موضع ذكر الرياح فهو للرحمة، هذا ذكره ابن عباس قال الله تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ " الحجر: 22" وقال: ﴿وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ "الأعراف: 57" الآية وقال ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ "الحاقة: 6" وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "القمر: 19" وقال ابن مسعود رضي الله عنه يصلي في جماعة كل آية، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال أهل العراق: يصلون فرادى الزلازل والرياح سنة.
وحكى عن الشافعي أنه قال في كتاب اختلاف العراقيين: صلى علي رضي الله عنه جماعة في زلزلة ثم قال: فإن صح قلت به، فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: به وإلى وقتنا هذا لم يصح، ومنهم من قال: إن صح عن علي قلنا به فمن "246 أ/3" قال بهذا اختلفوا على
الجزء: 2 - الصفحة: 496
وجهين: أحدهما: أراد إن صح قلنا: في الزلزلة وحدها.
والثاني: أراد إن صح قلنا به في سائر الآات مثله
باب صلاة الاستسقاء
مسألة: قال: ويستسقى الإمام حيث يصلي العيد.
وهذا كما قال.
اعلم أن معنى الاتسقاء مسألة الله تعالى سقيا عبارة عن حاجتهم إليه وذلك هو سنة لا خلاف فيها، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ﴾ "البقرة: 60" الآية وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ "نوح: 10 و 11".
وأما السنة: فما روي ابن عباس رضي الله عنه أنه خرج في الاستسقاء متبدلا متذللا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فدعا على المنبر ولم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما صلى في العيدين.
وروى أنس رضي الله عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط فقام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب فقال: "هلك الكراع والشاء فاسأل الله أن يسقينا فمد يده ودعا "246 ب/3" فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع فأرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، والعزالى: هي جمع العزلا، وهم فم المزادة وروى أنه لما قال الأعرابي هذا وهو في خطبة الجمعة كانت السماء كمثل الزجاجة فمد يده ودعا فلم تزل السماء تمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره؟ فقال يار سول الله: تهدمت البيوت فادع الله لنا أن يحبسه فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب ينصدع حول المدينة كأنه إكليل، وهذا الخبر يدل على أنه يستحب الاستسقاء عند الجدب والدعاء على صرفه إذا خيف ضرره.
وأما الإجماع: روى أن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى، وروي أن عمررضي الله عنه استسقى بالناس عام الرمادة فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما وأرمى به نحو الشمال.
وقال: "اللهم إنا جئناك نستسقيك ونستشفع إليك بعم نبيك" فما انقضى قوله والناس ينظرون إليها وإلى السحاب حتى نشأت سحابة فلم تلبث أن طبقت الأفق، ثم أرسلت السماء "247 أ/3" عزاليها فما رجعوا إلى حالهم حتى بلغهم الغيث، فأفرغ الله به الجنان، وأخصب به البلاد وذلك أبلغ المعجزات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم
الجزء: 2 - الصفحة: 497
ما يكون من الآيات، ولا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فقد قال في " الأم": إذا انقطعت الأمطار وقت الحاجة إليها وغارت العيون والأنهار أو جفت الآبار أو ملحت في بعض المواضع مياه الأنهار لا أحب للإمام أن يتأخر عن الاستسقاء، فإن تخلف عنه فقد أساء بترك السنة ولا قضاء عليه ولا كفارة، وإن لم يفعلها الإمام فعلها الرعية والمستحب أن يستسقي الإمام مع الناس في الصحراء؛ لأن المستحب أن يخرج له الرجال والنساء والصبيان، فالصحراء هي أوسع وأرفق وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس إلى المصلى يستسقي، ولأن في الصحراء يوقف على سحابة إن نشأت أو نقط من المطر فيستبشرون به، ولأن المطر يصيبهم في الصحراء والبروز للمطر مستحب.
مسألة: قال: ويخرج متنظفا بالماء وما يقطع الروائح.
الفصل
وهذا كما قال في السنة: "247 ب/3" أن يخرج متنظفا بالماء، فإنه يغتسل ويستاك على ما سبق بيانه ويلبس ثيابا نظيفة غير جديدة ولا مطيبة، وهذا لئلا يتأذى بروائحه الكريهة، وقال في " الأم": ولا يتطيب ويكون مشيه وجلوسه وكلامه كلام تواضع واستكانة، وكذلك سائر الناس، وهذا لأنه موضع مسألة وطلب بخلاف يوم العيد، فإنه يوم سرور وزينة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزين للعيد وخرج للاستسقاء متذللا متواضعا متضرعا.
مسألة: قال: وأحب أن يخرج الصبيان ويتنظفوا للاستسقاء.
الفصل
وهذا كما قال: ويستحب أن يخرج الصبيان والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة له من غير العجائز ليكثر الجمع، والاستحباب في خروج الشيوخ والصبيان أشد لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لولا رجال ركع"، وروي "شيوخ ركع" وروي "صبيان رضع وبهائم رته لصب عليكم العذاب صبا" وروي ثم يرص رصا؛ ولأن الصبيان لا ذنب لهم وفي الشيوخ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وروي أن عمر رضي الله عنه "استسقى بالعباس" على ما ذكرنا.
قال "248 أ/3" ويستحب لسيد العبد أن يخرجه ويخرج الأمة العجوز ليكثر التضرع والدعاء، ولا يجب ذلك على السيد؛ لأن الرقيق مستحق الخدمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 498
قال: ولا آمر بإخراج البهائم وأراد لا يستحب ذلك ولا أكرهه؛ لأن بحضورها أثرا في الرحمة، وروي أن قوم يونس - صلى الله عليه وسلم - لما أظلهم العذاب وطلبوا يونس - صلى الله عليه وسلم - ليسلموا هرب منهم فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء وأولادهن وبين البهائم وأولادها، فضجت الأمهات وضج الأولاد وكثر الدعاء فرفع الله تععالى عنهم العذاب، وإنما قلنا: لا يستحب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجها في الاستسقاء.
وقال أبو إسحاق: يستحب إخراج البهائم لعل الله تعالى أن يرحمها ولا يؤاخذها بذنوب بني ءادم، لأنها تستضر بالجدب أيضا كبني ءادم، ومن قال بهذا قال: تأويل ما قال في "الأم"، " ولا آمر بأخراج البهائم كما آمر بإخراج الصبيان والشيوخ" فجعل حضورهم آكد وأفضل.
وحكى القفال عن الشافعي أنه قال: أحب إخراج البهائم وإيقافها في جانب بين الناس للخبر الذي ذكرنا وهذا غريب.
وقال في "الحاوي" "248 ب/3" قال ابن أبي هريرة: إخراج البهائم أولى من تركها.
وقال سائر أصحابنا: إخراجها مكروه لما فيه من تعذيبها واشتغال الناس بأصواتها، وإنها من غير أهل التكليف، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، وحكى أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام خرج يستسقي فرأى نملة قد استقلت على ظهرها تستسقي فقال: ارجعوا فقد سقيتم بعيركم.
مسألة: قال: وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء في موضع مستسقى المسلمسن وأمنعهم من ذلك.
وهذا كما قال: لا يجوز للإمام أن يخرج أهل الذمة وسائر الكفار للاستسقاء؛ لأن اللعنة تنزل عليهم.
قال أصحابنا: وربما كانوا هم سبب القحط لقوله تعالى: ﴿وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ "الجن: 16" فإن خرجوا متميزين عنهم، قال الشافعي: لا أمنعهم لأنهم مسترزقة والله تعالى يضمن رزق العباد المؤمنين والكفار فقوله تعالى: ﴿وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ " البقرة: 126" الآية.
وهذا إذا أرادوا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، فأما إن أرادوا الخروج في يوم المسلمين إلى موضع آخر متميزين عن المسليمن فيه "249 أ/3" وجهان:
أحدهما: يمنعون لأن الشافعي قال في " الأم": وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء مع المسلمين في موضع مستسقى المسلمين وغيره، وأراد به في ذلك اليوم لأن في غيره لا يمنعون، ولأنا لا نأمن إذا استجيبت دعوة المسلمين أن يدعوها لأنفسهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 499
والثاني: وهو الأصح لا يمنعون لأن الشافعي، قال: وإن خرجوا متميزين لم أمنعهم، والذي قال في " الأم": إنما أكره إخراج من خالف الإسلام وهاهنا لا يخرجهم، بل هم خرجوا بانفسهم.
وقال الشافعي: لا أكره إخراج صبيان أهل الذمة ما أكره من رجالهم، لأن غير البالغ لم يعاند ولم يعتقد، بل هو تابع.
وأما خروج نساء أهل الذمة كخروج رجالهم إن خالطن المسلمين منعن وإلا فلا كما قلنا في الرجال.
وقال مكحول: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين، وقال إسحاق: لا نأمرهم بالخروج ولا ننهاهم، وقال الأوزاعي: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله بإخراج أهل الذمة للاستسقاء فلم يعب عليهم أحد في زمانه.
واحتجوا بأن الله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المؤمنين وهذا غلط؛ لأن الكفار أعداء "249 ب/3" الله تعالى فلا يحتاج إلى دعائهم وشفاعتهم فلا يخرجهم ولا يمنعهم.
مسألة: قال: ويأمر الإمام الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء يستحب له أن يتقدم إلى الناس، بان يصوموا قبله ثلاثة أيام متتابعة، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بأداء ما يلزمهم من المظالم من دم أو مال أو عرض؛ لأن القحط عقوبة المظالم.
قال عبد الله بن مسعود: "إذا بخس المكيال، حبس القطر" ويأمر بالصلح مع المتشاحن والمهاجر وبالتطوع وبالتصدق والصلاة والذكر وغيرها من البر، والأصل فيها ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصدقة تطفئ غضب الرب والدعاء يرد البلاء"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم والمريض والمظلوم"، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياما نص عليه في "الأك"؛ لأنا إذا استحببنا لهم أن يقدموا الصيام فالأولى يوم المسألى والدعاء.
فإن قيل: أليس يستحب الفطر يوم عرفة ليتوفروا على الدعاء فقولوا: مثله هاهنا قلنا: هناك الغالب هناك "250 أ/3" السفر الطويل وأقلهم سفرا من يخرج من مكة، فإذا كان صائما ضعف عن الدعاء وهاهنا لا يوجد هذا المعنى.
قال: ويخرج بهم إلى أوسع ما يجد يعني من الصحراء، وينادي الصلاة جامعة ثم يصلي بهم ركعتين كما يصلي في العيدين، ويقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين في الركعة
الجزء: 2 - الصفحة: 500
الأولى بسورة ق وفي الركعة الثانية بسورة اقتربت، ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الثانية سورة نوح لأنها بالحال أشبه كما في صلاة الجمعة الأول أولى لما روى ابن عباس رضي الله عنه عنه قال: "صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الاستسقاء ما صنع في صلاة عيد الفطر والأضحى"، ويجهر فيها بالقراءة ويصلون قبل الخطبة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وهي أشهر الروايتين عن أحمد، وروى ذلك عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب، ومكحول رضي الله عنهم.
وقال الزهري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا يصلي الاستسقاء والصلاة فيه بدعة، وربما يقول أبو حنيفة وأصحابه: إنها لا تكون بدعة ولا سنة، وحكي عن مالك أنه يصلي ركعتين بلا [250 ب/3] تكبير زائد وهي رواية عن أحمد.
وقال الليث بن سعد: يخطب قبل الصلاة، ويروى هذا عن ابن الزبير وكذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهذا غلط لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمساً.
وروي أنهم كانوا يخطبون بعد الصلاة ويقيس على صلاة العيد ووقت هذه الصلاة وقت صلاة العيدين ولا يزال وقتها قائماً ما لم يصل العصر، فإذا صليت العصر، ظاهر كلامه في "الأم" أنها لا تفعل لأنه قال فيه: لو صلاها بغير طهارة أعاد في يومه بعد الظهر وقبل العصر، وليست كصلاة العيد التي يفوت وقتها بزوال الشمس، وهذا لأن وقتها موسع لا يخاف فوتها فلا يجوز أن يقصدها في الأوقات المنهية.
مسألة قال: ثم يخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يقوم فيخطب يقصر الخطبة الأخرى.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الخطبة، وجملته أنه يستحب أن يخرج المنبر إلى الصحراء ليخطب عليه، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [251 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - أخرج المنبر للاستسقاء ولم يرو عنه أنه أخرج المنبر في العيد ولكنه خطب على بعيره، وقيل: لا يستحب ذلك في العيد، وقال الشافعي: فإن لم يخرج المنبر ولكنه خطب على حائط أو ربوة جاز؛ لأن الغرض أن يكون عالياً ليبلغ خطبته، فإذا صعد سلم وجلس كما قلنا في خطبة العيد، ولا تختلف هذه الخطبة وخطبة العيد، إلا أنه يستحب أن يدعو في هذه الخطبة الأولى لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجللاً عاماً ماسحاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من
الجزء: 2 - الصفحة: 501
اللأواء والجهد والضنك ما لا يشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علنا مدراراً" فإذا دعا بهذا الدعاء [251 ب/3] ويصل بن الخطبتين بجلوس، فإنه يبتدئ بالخطبة الثانية"، وذكر ابن قتيبه في حديث أنس أنه قال:" اسقنا غيثاُ مغيثاً وحياً رتيعاً وحداً طبقاً غدقاً موقعاً عاماً هنيئاً مرياً مريعاً مونقاً وابلاً سائلاً مسيلاً مجللاً ديماً دراراً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث غيثاً.
اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علمنا زينتها، وأنزل علينا في أرضها سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً فأحيي به بلدة ميتاً واسقه مما خلقت لنا أنعاماً وأناسى كثيراً".
وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند كثره المطر: "اللهم اسقنا رحمة ولا سقياً عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا" والغيث: المطر، مغيثاً أي: يغيث الخلق عن الشدة هنيئاً مريئاً، أي: ذا هناء ومراء مريعاً، أي: مخصباً ذا مراعة، مربعاً، أي: منبتاً للربيع وهو الكلأ، وهل: هو من ربعت بمكان كذا إذا أقمت به، مجللاً أي: مغطياً، سحاً: أي صباً والغدق هل: غذقاً وغَدَقاً ومغدقاً وهو الكثير المطر والحياء هو الذي تجيء به [252 أ/3] الأرض والجد المطر العام، ومنه أخذ جد العطية والجدوى مقصور والمونق: المعجب والسائل من السيل فقال: سئل سائل كما يقال: مطر ماطر والرايث: البطيء وسكنها فوتها، وإنما قيل: له سكن لأن الأرض سكن به والظراب: هى التلال الصغار.
قال الشافعي: وأحب أن مكون أكثر كلامه الاستغفار ومفصل به كلامه ويختتمه به هكذا روي عن عمر رضي الله عنه ويكثر من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)﴾ [نوح: 10 و 11] ويستحب أن يدعو بدعاء الأنبياء، فإنه أسرع إلى الإجابة.
وروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى ميمون بن مهران: إني كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء وأمرتهم بالصدقة والصلاة فإن الله تعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾ [الأعلى: 14 و 15] وأمرتهم أن يقولوا: كما هال أبوهم أدم - صلى الله عليه وسلم - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (23)﴾ [الأعراف: 63] وأن يقولوا: كما قال موسى عليه السلام: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)﴾ [القصص:16] وأن يقولوا: كما قال يونس [252 ب/31] ﴿أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن قصر من هذا أو
الجزء: 2 - الصفحة: 502
زاد على هذا فلا بأس، ويستحب أن يأتي بهذا الاستغفار في الخطبة الثانية ثم إذا بلغ إلى هذا المكان في الخطبة الثانية حول وجهه إلى القبلة، وهو على المنبر وظهره إلى الناس، فإن كان عليه طيلسان مقور وهو الذي نسخ مقوراً حوله ولم يقلبه؛ لأن تقليبه لا يمكن، وتحويله هو أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على عانقه الأيسر علي الأيمن.
وقيل: ويجعل باطنه ظاهراً وظاهره باطناً ولو كان رداء مربعاً فإنه يحول قولاً واحداً، وهل ينكسه فيجعل الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى؟.
قال في "القديم": لا ينكسه؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكس، وقال في "الجديد": ينكسه وهو الصحيح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد التنكيس فثقلت عليه فترك، فإذا أمكن ما أراد يكون مستحباً فإن ثقل عليه حوله، ولم ينكسه كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفعل المأموم مثل هذا وهو جالس والفائدة في قلب الرداء وتنكسه التفاؤل، وهو أن ينتفل من جدب إلى [253 أ/3] خصب.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب التحويل، لأنه دعاء فلا يستحب فيه تغيير الثياب.
وحكي الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يحول الإمام رداءه دون المأمومين، وروي مثله عن محمد وعروة وسعيد بن المسيب والثوري وهذا غلط، لما روي في خبر عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "استقبل القبلة وحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله".
وأصل العطاف الرداء وانما أضاف الانعطاف إلى الرداء، لأنه أراد أحد شقي العطاف الذي عن يمينه وعن شماله.
وقال أحمد: يجعل اليمين على الشمال والمال على اليمين، وعن مالك قريب منه، ثم إذا فعل ذلك يدعو لهم مستقبل القبلة سراً فيقول: "اللهم أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم إن كنت أوجبت إجابتك لأهل طاعتك وكنا قد فارقنا، أي أذنبنا وأجرمنا ما خالفنا فيه الذين محضوا طاعتك، فامنن علينا بمغفرتك وإجابتك في سقياك، أو يقول: اللهم فامنن [253 ب/3] علينا بمغفرة ما فارقنا وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا ويدعو بعد هذا بما شاء من أمر الدنيا والآخرة" ويدعو الناس معه سراً أيضاً في هذه الحالة، ثم يقبل على الناس بوجهه ويحضهم على طاعته ويأمرهم بالخير ويملي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويقرأ آية أو أكثر ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل.
فإن قيل: قلتم في الخطبة الثانية: إنه يدعو سراً.
ويدعو الناس معه سراً، وفي الخطبة الأولى: لا يأمرون الناس بالدعاء، قلنا: لأن في الخطبة الأولى يجهر بالدعاء فيؤمنون هم وفي الثانية يسر هو بالدعاء فلا يسمعون دعاءه فلا بأس أن يوافقوه في الدعاء سراً، وإنما أمرناه أن يسر لهذا الدعاء ليجمع بين الإسرار والجهر في الدعاء، ويكون أقرب إلى الإجابة قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام ﴿ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا (9)﴾ [نوح:5] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 255].
الجزء: 2 - الصفحة: 503
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي"
فرع
لو استقبل في الخطبة الأولى لم يكن عليه أن يعود لذلك في الخطبة [254 أ/7] الثانية نص عليه في "الأم".
فرع
قال: لو ترك عنهم تارك التحويل والتنكيس والإمام أوكلهم كرهت تركه لمن تركه ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه.
فرع
إذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوها على العادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو اقتصر رجل على تحويل ردائه ولم ينكسه أجزأه إن شاء الله وكذلك إذا اقتصر على تنكيسه رجوت أن يجزيه.
فَرْعٌ آخرُ
يرفع يديه في حال الدعاء لما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان لا يرف يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه".
وروى جابر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهم اسقنا غيثاً" الخبر وقوله: يواكئ معناه: التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اقتصر على خطبة واحدة يجوز لأنها سنة غير واجبة.
فَرْعٌ آخرُ
المنصوص أنه يبدأ بالخطبة بالتكبير كما في العيد، وقال بعمى [54 ب/31] أصحابنا بخراسان: يبدأ بالاستغفار بدل التكبير في العيد، وعندي أن هذا القائل غلط من قوله هاهنا ويبدؤون ويبدأ الإمام بالاستغفار ويفصل به كلامه بالاستغفار.
الجزء: 2 - الصفحة: 504
فَرْعٌ آخرُ
يستحب أن يستسقى بمن يعرف أن له منزلة عند الله تعالى في الظاهر كما فعل عمر رضي الله عنه فإنه استسقى بالعباس رضي الله عنه، وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك العباس"، وروي أنه قال: "اللهم إن هذا عم نبيك فاحفظنا وعم نبيك لأنك تقول وقولك الحق: ﴿وأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82] فحفظتهما بصلاح أبيهما فاحفظنا بعم نبيك".
وروي أن معاوية رضي الله عنه "استسقى بيزيد بن الأسود وكان رجلاً صالحاً فقال: "اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا.
اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى" فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كان الناس [255 أ/ 3] أن لا يبلغوا منازلهم".
وقال القفال: قال الشافعي: يذكر كل واحد في نفسه ما فعل من خير فيعرضه على ربه سراً، ثم يسأل الحاجة كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ذكر ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا لحاجة فآواهم المطر إلى غار، ثم انحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: ما ينجينا من هذا الغار إلا الله تعالى، فقام أحدهم، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت أحب الناس إلي، فدعوتها إلى نفسي فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فاكتسبت مائة دينار وجئتها بها، فلما قعدت بين شعبها الأربع قالت لي: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت الدنانير، اللهم إن كنت تعلم أني لم أفعل ذلك إلا خوفاً منك فنجنا من هذا الغار فانحدرت الصخرة حتى رأوا شعاع الشمس، ولم يروا السماء.
فقام الآخر، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان وكانت لي غنم أرعاها فكنت لا أطعم ولا أشرب ما لم أشبعهما، فأبطأت عليهما ذات ليلة فوجدتهما قد ناما، فحلبت اللبن وقمت به على رأسهما وصبياني [255 ب/ 3] حولي جياعاً فلم أشرب، ولم أسقهم ولم أوقظهما حتى استيقظا فشربا ثم شربت وسقيت أهلي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا فانحدرت الصخرة حتى رأوا السماء، فقام الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراء كل واحد منهم بصاع من أرز، فأبطأ أحدهم ذات يوم فجاء عند ارتفاع الضحى فدفعت إليه مثل ما لأصحابه فقال واحد منهم: لا أرضّ أن تسوي بيني وبينه، فإنه جاء بعدي فقلت له: هل نقصتك من أجرتك شيئاً.
قال لا، قلت: هو مالي أعطيه من أشاء فغضب وترك لي أجوه، وذهب فزرعت ذلك ثم حصدت، ثم زرعت ثم حصدت حتى اجتمع منه مال كثير، واشتريت به عبيداً أكرة له فأصابته خصاصة فعاد، وقال: أتعرفني؟ قلت من أنت؟، فقال: أنا الذي راجعتك في أجري ذلك اليوم، وقد مستني الحاجة إليه فأعطني حقي فأمبته تلك الليلة، فلما أصبحت طفت به على تلك الأموال، وقلت: هذه لك، فقال: لي يا عبد الله لا تسخر بي وأعطني حقي، فأخبرته بما فعلت وسلمت إليه الأموال.
اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا.
فانفتح [256 أ/3]
الجزء: 2 - الصفحة: 505
باب الغار وخرجوا".
فيستحب مثل هذا في الشدائد ورفح الحوائج إلى الله تعالى.
مسألة: قال: فإن سقاهم الله تعالى وإلا عادوا من الغد للصلاة والاستسقاء.
وهذا كما قال: إذا خرجوا للاستسقاء فلم تستجب دعوتهم يستحب أن يعودوا.
وقال في "الأم": أحببت أن يعودوا ثم يعودوا حتى تمطر، وليس استحبابهم بعودة الثانية بعد الأولى لا الثالثة بعد الثانية كاستحباب الأولى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستسق إلا مرة واحدة، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سأل أحدكم ربه فليعزم المسألة ولا يقل إن شئت فإن الله لا يكره له" وقال في "البويطي": يخرج ثلاثاً نسقاً وقال "في القديم": وأحب كلما أرادوا العود إلى الاستسقاء أن يأمر الناس أن يصوموا قبل عوده ثلاثاً، فإذا استسقى موالياً أجزأه إن شاء الله.
واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن القطان: في المسألة قولان: وليس في الاستسقاء مسألة على قولين إلا هذه، وقال بعض أصحابنا: تقديم صوم [256 ب/3] الثلاثة على كل مرة مستحب، ولكنه في المرة الأولى آكد ويجوز متوالياً وهذا أصح، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين، فالذي قال: يخرج من الغد هو إذا كان لا شغل لهم ولا ينقطعون عن معاشهم كأهل الرساتيق وإلا كره، والذي قال: يخرج بعد ثلاث هو إذا كان لهم أشغال ينقطعون عنها بذلك فيتركون حتى يتوفر قضاء أشغالهم، ثم يخرجون في اليوم الرابع.
مسألة: قال: وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبةً.
الفصل
هو كما قال.
يستحب أن يستسقي أهل الناحية الخصبة لأهل الناحية الجدبة ولجماعة المسلمين، ويسألوا الله تعالى الزيادة لأنفسهم، ويكتب الإمام إلى من يقوم بأمر المجدبين في الاستسقاء لهم، فإن لم يفعل أحببت أن يستسقي رجل من بين أظهرهم، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرجى الدعاء دعاء الأخ عن ظهر الغيب"، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ [الحشر:10].
فأثنى عليهم بدعائهم للغير.
الجزء: 2 - الصفحة: 506
مسألة: قال: ويستسقي حيث لا يجمع من بادية وقرية.
وهذا كما قال.
صلاة [257 أ/ 3] الاستسقاء مسنونة لكل مكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، مقيماً كان أو مسافراً، حضرياً كان أو بدوياً، وأهل القرى والأمصار فيه سواء، لأن كلهم مشتركون في الاستضرار بالقحط والجدب، وقول الشافعي: لأنه سنة وليس بإحالة فرض أي: ليس كالجمعة التي أحيلت من الظهر إليها بشرائط، ويفعل هؤلاء ما يفعل أهل الأمصار عن الخطبة والصلاة، ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: إنها لا تقام إلا في موضع تصلى فيه الجمعة وليس بشيء.
مسألة: قال: ويجزئ أن يستسقي الإمام بغير صلاة وخلف صلاة.
وهذا كما قال: الاستسقاء هو على ثلاثة أضرب:
ضرب: هو الكامل وهو ما ذكرنا أن يخرج إلى الصحراء ويصلي ويخطب.
والثاني: أن يستسقي قبل الصلاة وبعدها، وهذا دون الأول وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله.
والثالث: أن يستسقي بغير صلاة ولا خطبة.
وهذا دون الكل ويجوز ذلك، لأن المقصود من الاستسقاء الدعاء لله تعالى في إزالة القحط وقد حصل ذلك، وروى الشعبي أن عمر رضي الله عنه "خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ [نوح:10 - 11] استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر".
باب الدعاء في الاستسقاء
قال الشافعي: اخبرنا إبراهيم.
. . الخبر.
وهذا كما قال.
هذا الباب يشتمل على نوعين من الدعاء:
أحدهما: عند كثرة المطر واتصاله ومخافة تهدم البنيان، فيدعوه بما رواه المطلب بن حنطب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقول: اللهم سقيا رحمة" إلى آخره.
والنوع الثاني: هو ما ذكرنا في الخطبة الأولى فلا حاجة إلى الإعادة.
فرع
قال في "الأم": لو تهيأ الإمام للخروج فمطر الناس مطراً قليلاً أو كثيراً أحببت أن يمضي هو والناس فيشكرون الله تعالى على سقياه ويسألون الزيادة وعموم خلقه بالغيث، فإن كانوا ليمطرون في الوقت الذي يريد الخروج بهم فيه استسقى بهم في
الجزء: 2 - الصفحة: 507
المسجد أو أخر ذلك إلى أن يقع المطر.
فرع
قال: ولو نذر الإمام أن يستسقي ثم سقي الناس يجب عليه أن يخرج ويفي بنذره وإن [258/ 3] لم يفعل فعليه قضاؤه، وليس عليه أن يخرج بالناس، لأنه لا يمكنهم ولا له أن يكرههم على أن يستسقوا في غير جدب، وكذلك لو نذر رجل أن يخرج يستسقي عليه أن يخرج، وهذا لأن الاستسقاء طاعة فيلزم بالقدر كعيادة المريض.
فرع
لو نذر الإمام أن يستسقي بالناس.
قال في "الأم": عليه أن يستسقي ويخرج بالناس ويصلي ويخطب بهم بأن سقوا قبل أن يخرج خرجوا وكان قضاء، كما إذا نذر أن يصوم يوماً ففاته بصومه قضاء.
قال القفال: هذا في الجدب فإن كان في الخصب يحتمل أن لا يلزم شيء، لأنه لا حاجة إليها ويحتمل أن يلزم ويطلب زيادة السعة والخصب.
فرع
لو نذر غير الإمام أن يستسقي مع الناس كان عليه أن يخرج بنفسه ولم يكن عليه أن يخرج بالناس؛ لأنه لا يملكهم والواجب عليه إخراج من يطيعه من أهله وولده وغيرهم، وهذا استحباب وإن عبر بالواجب وقد قال في بعض الروايات: وأحب أن يخرج بمن أطاعه منهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: فإن كان في نذره أن يخطب فيخطب ويذكر الله تعالى ويدعوه جالساً إن شاء؛ لأنه ليس في قيامه إذا لم يكن [258 ب/3] والياً ولا معه جماعة طاعة، وإن نذر أن يخطب على المنبر يجوز أن يخطب جالساً وليس عليه أن يخطب على المنبر، لأنه لا طاعة في ركوب المنبر إلا ليستمع الناس، فإن كان إماماً معه ناس لزمه ذلك إلا أن يخطب على منبر أو جدار أو قائماً ويجزيه، ولا يتعين المنبر والطاعة إذا كان معه ناس أن يخطب قائماً.
فرع
ولو نذر أن يخرج إلى الصحراء يجوز أن يستسقي في المسجد، وكذلك في بيته، لأنه لا يقيد في الصلاة في الصحراء فلا يلزم بالنذر.
فرع
لو نذر أن يستسقي في مسجد المدينة أو في بيت المقدس، هل يتعين ذلك؟ قولان: كما يقول في نذر الصلاة فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 508
فَرْعٌ آخرُ
لو خاف قوم من غرت لأجل سيل أو نهر دعوا الله تعالى لصرف الضرر عنهم، كما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلتمس من الله تعالى أنه يجعل حيث ينفع ولا يضر كالجبال والصحارى، قال: ولا أمر بصلاة جماعة في ذلك، وأمرت الإمام والعامة يدعون بذلك في خطبة الجمعة وبعد الصلوات وكذلك في سائر النوازل لغلاء الأسعار وضيق المعاش ونحو [259 أ/ 3] ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
الاستمطار مسنون، وهو أن يتجرد لأول مطر ليصيبه منه، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمطر لأول مطر حتى يصيب جسده، ويقول: "هذا قريب عهد بربه" ويستحب أن يقول: "اللهم صيباً هنياً"، وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك إذا رأي المطر، وروي أن الماء مطرت فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال: أما تقرأ كتاب الله تعالى: ﴿ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق:9] فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، وروي أن سعيا بن المسبب رضي الله عنه كان جالساً في المسجد فمطرت السماء فخرج إلى وحبة المسجد وكشف عن ظهره للمطر حتى أصابه ثم رجع إلى مجلسه.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ منه، لما روي أنه حرا الوادي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخرجوا بنا هذا الذي سماه الله طهوراً حتى نتوضأ منه ونحمد الله [259/ 3] تعالى عليه"، وروى الشافعي فيتمطر منه، وروي حتى ينظر فيه ويحمد الله تعالى.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يطلب استجابة الدعوة في ثلاثة مواطن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها فيه وهي عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث.
قال: ويستحب أن يكثر الدعاء عند نزول الغيث، وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة".
الجزء: 2 - الصفحة: 509
فَرْعٌ آخرُ
روى الشافعي في "الأم " عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا [260 أ/ 3] وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
قال الشافعي: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معان وإنما قال هذا؛ لأنهم مطروا بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون، وكان هذا في غزوة الحديبية، ومعناه أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله تعالى، ولأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله تعالى، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك، يعتقد من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النوء هو وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومن قال: مطرنا بنوء كذا أي وقت نوء كذا فإنما ذلك لقولهم: مطرنا في شهر كذا فلا يكون كفراً وغيره من الكلام أحب إليّ منه وأحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا.
وقيل الأنواء: هي منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً تطلع كل ثلاثة عشر يوماً، فتنزل بالمشرف فإذا طلح غاب رقيبه من المغرب فسميت أنواء لهذا المعنى يقال: ناء إذا طلح وناء إذا غرب [260 ب/3] فهو من الأضداد، وقد أجرى الله تعالى العادة بالمطر عند طلوع كل نجم منها، كما أجرى العادة بالحر في الصيف والبرد في الشتاء، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "يوم الجمعة على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس رضي الله عنه لم يبق منه شيء إلا العراء فدعا الناس حتى نزل عن المنبر فمطرت مطراً أحيا الناس منه فاستجازوا، هذا القول والعراء في أحد المنازل فدل أنه لا بأس به على معنى ما ذكرنا، قال: وبلغني عن بعض أصحاب رسول الله رضي الله عنه أنه كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال: مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:2].
فرع
اعلم أن الرياح المعروفة هي أربع: الشمال، والجنوب، والقبول، والدبور،
الجزء: 2 - الصفحة: 510
فالجنوب أن تأتي عن يمين المتوجه إلى القبلة والشمال عكسها، والدبور هي من المغرب، والقبول عكسها والتي تدل على المطر هي الجنوب منها روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما هبت جنوب قط إلا أسالت واديًا".
وقال ابن مسعود [261 أ/3] رضي الله عنه: إن الله تعالى أرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم يمر به السحاب حتى يدر كما تدر اللقحة، ثم يمطر، ويستحب إذا هبت الرياح أن يصنع كما كان رسول الل - صلى الله عليه وسلم - يصنع، وهو أن يجثو على ركبتيه على ما قدمناه، ويقول ما قاله.
ولا يجوز أن يسب الريح، لأنها من خلق الله تعالى وهي جند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء، وقد شكى رجل إلى وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفقر فقال: "لعلك تسب الريح " وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله خيرها وعودوا إذا أتت بحرية، ثم استحالت شامية، فهي أمطر لها"، وروي "فهي غير غدقة" يعني كثيرة.
ومعناه إذا نشأت من ناحية البحر وأخذت نواحي الشام دلت على المطر.
فرع
إذا نشأت السحاب فالمستحب أن يصنع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أبصر شيئاً من السماء" يعني من السحاب "ترك عمله واستقبله، وقال: "اللهم إني [261 ب/3] أعوذ بك من شر ما فيه فإن كشفه حمد الله تعالى" وإن مطرت قال: "اللهم سقياً نافعاً.
فَرْعٌ آخرُ
إذا شاهد البرق أو الودق لا يشير إليه قال الشافعي: لم أزل أسمع عدداً من العرب يكره الإشارة إليه، فإذا رأي البرق فينبغي أن يفزع منه وكذلك الرعد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رعدت السماء أو برقت عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سُرَّيَ عنه، فسأل عن ذلك فقال: إني لا أدري بم أرسلت بعذاب أو برحمة".
قال الشافعي: وقال مجاهد: الرعد ملك والبرق أجنحة الملك تشقق السحاب.
قال: ما أشبه ما قال بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: {ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ
الجزء: 2 - الصفحة: 511
بحمده والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد:13]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تعالى بعث الحاب فنطقت أحسن المنطق وضحكت أحسن الضحك" فالرعد نطقها والبرق ضحكها.
والمستحب: إذا سمع حنين الرعد أن يقول: سبحان من يسبح له الرعد بحمده.
قال الشافعي: قال ابن عيينة: قلت لابن طاوس ما كان أبوك يقول: إذا سمح الرعد فقال: كان يقول: سبحان من سبحت له [262 أ/ 3]، قال الشافعي: ذهب إلى قول الله تعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:13] فثبت أن الرعد ملك يسبح به، فأما الصواعق فنستعيذ بالله منها، فإنها ربما أهلكت وأحرقت وقتلت قاله مجاهد، وقال: هي غير هذا يعني غير البرق والرعد، وروي عن ابن عباس قال: كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين سمع الرعد: سبحان من سبح الرعد بحماه والملائكة من خيفته ثلاثاً.
عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعرقنا.
باب تارك الصلاة
مسألة: قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بغير عذر.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فقال له: لم تركتها فإن قال: لأنها غير واجبة، وأنا لا أعتقد وجوبها فهو مرتد يقتل ويكون ماله فيأ، ويدفن في مقابر المشركين، وإن قال: ما علمت أنها واجبة وكان قريب عهد بالإسلام، فقال له: فاعلم أنها واجبة فقتل تاركها وإن اعتقد بعد هذا وجوبها وصلاها تركناه، وإن لم يعتقد [262 ب/ 3] وجوبها فهو مرتد أيضاً؛ لأن الصلاة تشبه الإيمان، لأنها قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ولا يختص هذا الحكم بالصلاة في الحقيقة؛ لأن كل من جحد وجوب فرض من طريق الضرورة كالزكاة والحج والوضوء، فإنه يكفر بذلك قال: قال: الصلاة واجبة عليّ ولكني لا أمليها فهو في معنى الكافر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلاة عماد الدين" فمن تركها متعمداً فقد كفر، وإذا قتل فهو مسلم مقتول بحق، كالمقتول بالزنا يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ورثته من المسلمين ويرجى له العفو، وليس أحد يقتل بترك عبادة مع صحة الاعتقاد إلا تارك الصلاة لما
الجزء: 2 - الصفحة: 512
ذكرنا من تشبيه الصلاة بالإيمان، وأشار الشافعي إلى المعنى فقال: يقال له: هذا العمل لا يعمله غيرك أي: لا تجري فيه النيابة ولا يمكن استخراجه منك إلا بك كالإيمان وهكذا لو قال: أعتقد وجوبها، ولكني أقبل عنها لما فيها من المشقة ولا أشط فيها، ولو قال: نسيتها [263 أ/ 3] أو تركتها لشغل عارض أمرناه بقضائها متى زال العذر وتذكر والقضاء موسع، وإن قال: أنا مريض قلنا له: صل كيف أطقت.
وبهذا قال مالك وجماعة من السلف.
وقال أحمد وإسحاق: يكفر بتركها عمداً ويخرج عن الملة، فإذا قيل: لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وتوبته أن يصلي، ويروى هذا عن عمر وعلي رضي الله عنهما وقيل: هذا قول بعض أصحابنا ذكره في "المهذب"، وقال صاحب "التلخيص": يسوي عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبراً عقوبة له.
وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض أصحابنا أنه لا يصلى عليه واحتجوا بظاهر الذي ذكرنا وهذا غلط لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى على عباده في اليوم والليلة فمن جا، بهن لم يضع منهن شيئاً كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"، ولأنها من فروع الإيمان فلا يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالصوم.
وأما خبرهم: أراد به [263 ب/3] فحكمه حكم الكافر كما قال - صلى الله عليه وسلم - "قتال: المسلم كفر"، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقتل تاركها ويحبس حتى يصلي وقال بعضهم: لا يتعرض له لأنها أمانة فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال بعضهم: يضرب حتى يصلي وبه قال المزني، واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق".
وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فمن ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة" رواه مكحول فدل على إباحة قتله.
فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في وقت وجوب القتل، فقال الإصطخري: إذا ترك ثلاث صلوات وضاق وقت الرابعة قتل، ولا يقتل بترك صلاة واحدة وصلاتين، لأنه يجوز أن يكون قد تركها لعارض عذر، فإذا تكرر منه الترك علمنا أنه تركها تهاوناً بها واستخفافاً.
وقال أبو إسحاق: إذا ترك صلاة واحدة وتضيق وقت الثانية وامتنع من أدائها يقتل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [264 أ/ 3] إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها من غير عذر أمر بقضائها، فإن لم يفعل قتل، ولا يقتل ما لم يخرج وقت العذر والضرورة، مثل
الجزء: 2 - الصفحة: 513
أن يترك الظهر فلا يقتل حتى تغيب الشمس، وفي ترك صلاة المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر، ويجب قتله إذا لم يقض، وإن كان يصلي الصلاة الأخرى في وقتها، لأنه تركها عمداً بلا عذر بخلاف من تركها ناسياً، أو عذر، ويصلي بعد ذلك ولا يقضي تلك فلا يقتل لأنه قضاء في ذمته، ولم يحصل منه قصد في ترك الأداء وهو اختيار القفال.
وهذا كله هو خلاف النص؛ لأن الشافعي قال، يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها ولم يعتبر التكرار ولا خروج وقت العذر والضرورة لا يضيق وقت الصلاة الثانية، فمذهب الشافعي أنه إذا تضيق وقتها لما بيناه بفعلها، فإن فعل وإلا قلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك فيستوجب القتل بإخراجها عن وقتها كما يستوجب القتل بالخروج من الإيمان، وفعل القتل والزنا لا يعتبر تضيق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو اختيار صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة [264 ب/ 3].
فإن قيل: إذا قتلتموه قبل أن يتضيق وقت الصلاة الثانية لا يخلو إما أن يكون قتله للأولى أو للثانية لا يجوز أن يكون للأولى، لأنها صارت فائتة وصارت في ذمته ولا يجوز قتله لترك الفائتة، ولا يجوز أن يكون للثانية، لأنه قد وسع له في تأخيرها إلى أخر الوقت، قلنا: نحن نقتله لامتناعه عن فعلها في وقتها فإذا خرج وقتها استوجبه القتل كما يستوجب بالكفر، فإن قيل: هذا خلاف قول الشافعي؛ لأنه قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر وأنتم تقولون ذلك إذا تضيق وقتها ولم يقل حتى خرج وقتها، فدل أنه أراد إذا تركها حتى يضيق وقتها فقال له: هذا عمل لم يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك فإن تبت وإلا قتلناك، وقد غلط بعض أصحابنا، فقال ظاهر "المختصر": إنه يقتل بالفائتة ولا خلاف أن لا يقتل بالفائتة، وإنما قال: يقتل بالصلاة الواحدة إذا تضيق وقتها على ما ذكرنا أو بالصلاة الرابعة عند [265 أ/3] تضيق وقتها عند الاصطخري أو بالصلاة الثانية إذا تضيق وقتها عند أبي إسحاق، لأنه يعلم به تحقيق عزمه على الترك.
فإذا تقرر هذا، فإنه يستتاب قبل القتل، لأنه ليس بأشد من الردة، وهناك يستتاب، وهل يتأتى به ثلاثة أيام؟ قولان:
أحدهما: يتأنى به ثلاثة أيام نص عليه في البويطي، فقال: وان استنيب ثلاثا كان حسناً ولم يستحسن ذلك في "الأم" فحصل قولان وكذا القولان في استتابة المرتد ثلاثاً واختار المزني للشافعي أنه لا يتأنى به ثلاثاً؛ لأن مذهبه أنه لا يقتل تارك الصلاة على ما ذكرنا، واحتج بالمرتد، وفي المرتد نص على قولين أيضاً فلا معنى لهذا.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يمهل المرتد فهذا أولى، وإن قلنا: إنه لا يمهل المرتد فهل يمهل تارك الصلاة؟ قولان تغليظاً للردة، ثم إذا أردنا قتله المنصوص في "البويطي" أنه تضرب رقبته؛ لأنه شبهه بالمرتد.
وقال ابن سريج: لا يزال يضرب وينخس بشيء فيه حديد حتى يصلي، أو يأتي الضرب عليه، كما إذا قصد دم غيره أو ماله فإن المقصود أن يدفعه عن نفسه ولا يقصد قتله فإن لم [265 ب/ 3] يمتنع حتى إذا أتى الدفع إليه لم يلزمه ضمانة كذلك هاهنا وهذا خلاف النص.
الجزء: 2 - الصفحة: 514
فرع
من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها، والمستحب أن يقضيها على الفور، فإن أخر قضاءها جاز، لما روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي"، وقال أبو إسحاق: إن تركها بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور، لأنه مفرط في تأخيرها وهذا عندي حسن.
فَرْعٌ آخرُ
إذا امتنع من الوضوء هل يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يقتل لأنه غير مقصود في نفسه، والصحيح عندي أنه يقتل لأنه لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا به وفي الامتناع منه امتناع من الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أخر الصلاة المنذورة عن وقتها المعين لها عمدا لا نص فيه ويحتمل أن يقال: يقتل لأنها كالشرعية.
فرع
لو ترك التشهد والاعتدال قال بعض أصحابنا: إن رأي الإمام أن يقتل تارك الصلاة يجوز قتله وإلا فلا، كما شرب المطبوخ له أن يحد، ومن أصحابنا من قال: لا يقتله، لأن هذا غير ممتنع من الصلاة أصلاً [266 أ/ 3].
الجزء: 2 - الصفحة: 515