بحر المذهب للرويانيكتاب الاعتكاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال: أحبَرَنَا مالكُ ... وذكر الخبر.
وهذا كما قال الشافعي في "سنن حرملة ": الاعتكاف ولزوم المرء الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو مأئمًا والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: 138]، وقوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]، قال الخليل بن أحمد: الاعتكاف هو: المقام على الشيء يقال: عكف يعكف ويعكِف بكسر الكاف وضمها وهو قول الأزهري، وقيل: الاعتكاف الاحتباس في المسجد يقال: عكفته أي: حبسته، قال الله تعالى: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25]، أي: محبوسًا، وأما المراد بالاعتكاف الشرعي فإنه المكث في بيت الله تعالى وهو المسجد تقربًا به إلى الله تعالى، وهو من الشرائع القديمة، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، قيل طهرا من الكفر، وقيل: من الأصنام، وقال الله تعالى: ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر إلى أن قبضه الله تعالى 1 [353 ب/ 4]، وروي أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا 2، فإذا تقرر هذا فالاعتكاف سنة حسنة وقربة وطاعة مندوب إليها مؤكدة ولا يصح إلا بالنية والكون في المسجد وترك مباشرة النساء ولا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر 3 "فعلق بالإرادة ويستحب في عموم الأوقات خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دوام على ذلك في آخر عمره وذلك أنه روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، أي: كان يتحرى فيه ليلة القدر فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه يريد أنه كان لا ينصرف ليلة الحادي والعشرين، وإن كانت العشر قد تمت له حتى يصبح منها على الصبح قم ينصرف، قال عليه الصلاة والسلام: "يعني في هذه الليلة من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر "، أي: فلا ينصرف حتى يعتكف [345 أ/ 4] العشر الأواخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 314

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: إن ما تطلبه أمامك "يعني ليلة القدر قال: "أي في هذه الليلة واريت هذه الليلة "أي: ليلة القدر "أريتها في المنام أية ليلة هي من هذه العشر ثم أنسيتها "ولم يرد أنه رأى الملائكة والأنوار عيانًا ثم نسى في أية ليلة رأى لأن مثل ذلك قلما ينسى، وروي "فخرجت لأخبركم بها فتلاحي فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير لكم "أي: ولعل نسيانيها حير لكم يعني: لو لم أنسها وأخبرتكم بها لاعتمدتم على تلك الليلة واقتصرتم على التعبد فيها قلما أنسيتها تطلبون الآن فيها كلها فصارت الليلة كلها الواحدة بسبب نسياني عشرًا، وروي أنه قال: أريت هذه الليلة فخرجت لأخبركم به فتلاحى فلان وفلان .. وذكر الخبر ... ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى من علامات هذه الليلة فقال: "ورأيتُني أسجد في صبيحتها في ماء وطين "فأمطرت السماء من تلك الليلة يعني هذه الليلة التي كان يخبر فيها بذلك وهي ليلة الحادي والعشرين وكان المسجد [354 ب/ 4] على عريش أي: لم يكن مطين السطح فوكف المسجد 4 قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف علينا وعلى جبته وأنفه الماء والطين في صبيحة إحدى وعشرين.
قال أصحابنا: فمصادقة حقيقة الرؤيا وعلامتها في هذه الليلة مما يدل على أنها ليلة القدر.
تغليبًا لا يقينًا، وقال الإمام الجويني: هذا الخبر هو دليل على جواز النسيان عليه وجواز النسيان في أصل الوحي إذا كانت المصلحة فيه عند الله تعالى بدليل أن الرؤيا كانت وحيًا له ثم أنساها الله تعالى إياه وهو معنى قوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106] الآية، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: "لا يقولن أحدكن نسيت آية كذا وكذا وليقل أنسيتها 5 "، ثم قال الشافعي: وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، ثم قال: والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى أو ثلاث وعشرين يعني: يشبه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون ليلة القدر في إحدى هاتين الليلتين.
وإنما جعل الشافعي ليلة ثلاث وعشرين عديلًا لليلة الحادي والعشرين [355 أ/ 4] فيه لخبر رواه في "الجامع الكبير "ولم ينقله المزني وكان من حقه أن ينقل ليحسن عطف هذا الكلام عليه وهو أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أية ليلة هي فقال: "كم بقي من الشهر "وكان ذلك يوم الثاني والعشرين، فقال: ثمان يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أو سبع "فقال الرجل بقي ثمان يا رسول الله فقال: "أو سبع "ثم قال: "الشهر هكذا وكذا "وأشار بأصابعه العشر مرتين وقبض واحدة في المرة الثالثة يعني أن هذا الشهر ينقص يومًا ثم قال: "لا آمن أن تكون هذه الليلة 6 "يعني ليلة الثالث والعشرين فلهذا عدل الشافعي ليلة الثالث

الجزء: 3 - الصفحة: 315

والعشرين (بليلة) الحادي والعشرين ثم قال: ولا أحب ترك طلبها فيها كلها، يعني ما من ليلة من هذ العشر إلا وطلبت ليلة القدر فيها خصوصًا في ليلة السابع والعشرين، فإن أكثر الصحابة على أنها هي ليلة القدر، وأعلم أن الشافعي أدخل هذا في هذا الباب وليس من مسائل وجملته أن ليلة القدر ي ليلة شريفة فاضلة ومعناه [355 ب/ 4] أنه قدر فيها ما هو كائن في تلك السنة وقيل معناه: ليلة الشرف والفضيلة لها قدر وشأن من قولهم رجل له قدر.
وأعلن أنها ثابتة غلى يوم القيامة غير منسوخة، وإنما يعتكف طلبًا لها في الغالب، قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، أي: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهو قول قتادة، وقيل: خير من عمل ألف شهر وهو قول الربيع، وقال مجاهد: أراد العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليست فيها ليلة القدر فصيام نهارها وقيام ليلها، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:1]، يعني: القرآن، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل من السماء الدنيا نجومًا الآية والآيتين والثلاثة والسورة على ما علم الله تعالى من المصالح، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: 4]، قيل: أراد به جبريل عليه السلام، وقيل: أراد به العلم كقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]، وقيل: قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِم﴾ [القدر: 4] أي: بأمر ربهم من كل أمر سلام، قال ابن عباس يسلمون [356 أ/ 4] على كل مؤمن ومؤمنة إلا على مدمن خمر أو مصر على الزنا أو ساحر أو كاهن فمن إصابته التسليمة غفر له، وقوله: ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: 5] يريد ليلة القدر من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
وأعلم أنها باقية لم ترفع لما روى عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء قال: بل ي إلى يوم القيامة، قلت: هي في رمضان أو في عيره من جميع السنة؟ قال: "في رمضان "قلت: في العشر الأول أو الثاني أو الأخير؟ قال: "في العشر الأواخر"وقال بعض أصحابنا: الأصح أنها لم تكن إلا لهذه الأمة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس لأمته وقاتل في سبيل الله ألف شهر لا ينزعها فاستعظمت الصحابة ذلك وتمنوا أن يكون لهم مثل هذا العمر وهذه القوة فأنزل الله هذه السورة.
وروي أن الصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر أعمارهم وقالوا: إن الرجل ممن كان قبلنا كان يعمر ألف سنة وأعمارنا قصيرة فلو عمرنا مثل أعمارهم لعبدنا الله تعالى فنزلت هذه السورة، فإذا [356 ب/ 4] تقرر هذا قال الشافعي رحمه الله: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان والمستحب أن يطلب في جميع العشر وطلبها في الوتر منها أكد استحبابًا منه في الشفع وطلبها في الحادي والعشرين والثالث والعشرين أكد استحبابًا من طلبها في سائر الأوقات.

الجزء: 3 - الصفحة: 316

وقال أبو حامد: المذهب أنها ليلة الحادي والعشرين نص عليه في "الإملاء "فلو قال: لامرأته أنت طالق ليلة القدر فإن كان ذلك في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بطلاقها في أول ليلة التاسع والعشرين لأنه اليقين، وإن كانت قد مضت ليلة من ليالي العشر لا تطلق حتى يأتي رمضان آخر من السنة القابلة فإذا مضت تلك الليلة من العشر الأواخر حكم بطلاقها، وحكي عن أبي حنيفة أنها في جميع السنة وهو قول بعض العلماء وأصحاب أبي حنيفة منكرون ذا وهو ... 7 أن مذهبه أنها في جميع شهر رمضان لا يختص بهذا المذهب 8 ... هذا إلى أبي حنيفة من مثله قالها أبو حنيفة لو قال: في أول يوم من رمضان لامرأته أنت [357 أ/ 4] طالق ليلة القدر لم تطلق إلى تمام السنة من ذلك اليوم فظن أن ليلة القدر ممكنة في جميع السنة وغنما قال أبو حنيفة ذلك لاحتمال أن الليلة الأولى من الشهر كانت هي ليلة القدر فالأصل أن الطلاق لا يقع ما لم تمض سنة ثم اختلفوا هل يتبدل وقتها فتكون في عام في ليلة وفي عام في ليلة أخرى فمنهم من قال: يتبدل قال المزني أرى والله أعلم أنها في كل سنة تختلف في العشر ونقل النيسابوري أبو بكر ذلك عن المزني في بعض النسخ، وقال القفال: أكثر العلماء على أنها لا تتبدل بل هي ليلة بعينها واختلفت الصحابة فيها فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أنها ليلة ثلاث وعشرين، وقال أُبي بن كعب: هي ليلة سبع وعشرين وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: هي في العشر الأواخر وليس فيها تعيين، وروي في بعض الأخبار أنها ليلة السابع عشر، وروي عن ابن عباس أنه قال سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرون منها قوله هي، فدل أنها ليلة سبع وعشرين ولا حجة في هذا لأن قوله ليلة القدر هي الكلمة الخامسة وهي أصرح من هي ولا تدل على وجودها في ذلك [357 ب/ 4] العدد كذلك هذا؛ ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اطلبوها في كل وتر لتسع بقين أو لسبع بقين أو لخمس بقين أو لثلاث بقين أو الليلة الأخيرة 9 "، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من يقم الحول يصبها فقال بعض السلف رحم الله ابن مسعود قد علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس.
وقيل: ليلة القدر في الوتر هي ليلة الثاني والعشرين والرابع والعشرين والسادس والعشرين والثامن والعشرين وليلة الثلاثين لأن هذه الليالي هي أوتار بالإضافة غلى ما بقي من الشهر وغن كانت أشفاعًا بالإضافة غلى ما مضى والصحيح خلافه.
وقال الشافعي في "القديم ": استحب أن يكون اجتهاده في العبادة في يومها كاجتهاده في ليلتها، وأما علامة ليلة القدر فقال أبو ذر رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامتها فقال: "إن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها مثل الطست

الجزء: 3 - الصفحة: 317

وتكون ليلة طلقة لا حارة ولا باردة 10 ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أحب من أمر ودين ودنيا وقال رسول الله [358 أ/ 4] صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "إذا رأيت ليلة القدر فاسألي الله العافية في الدنيا والآخرة 11، وروي: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني 12 "، وقال في القديم: ومن شهد العتمة والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها.
مسألة: قال 13: وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالتْ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكَفَ يُدْنيِ إليَّ رَأسِهِ فأُرَجِّلُهُ 14. الفصل وهذا كما قال: عاد الآن إلى ذكر مسائل الاعتكاف وافتتح ببيان أنه ليس للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وأنه إن أخرج بعض البدن فليس بخروج.
وجملته: أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد في الجملة لقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فخص بالمساجد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنه كان صلى الله علي وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان 15، ثم يجوز الاعتكاف في كل مسجد يني للصلاة والجماعة سواء كانوا يصلون فيه أو لا، وبه قال مالك وقال علي رضي الله عنه وبه قال حماد إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وقال حذيفة: لا يجوز إلا في ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد بين المقدس [358 ب/ 4] ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع، وروي عنه لا يصح غلا في مسجد الجماعات، وقال أبو حامد: أومأ الشافعي إلى هذا في القديم، وقال أحمد: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة بناء على أصله أن الجماعة واجبة وهذا كله غلط، لقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، ولم يفصل، وروي ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة "ولأنه موضع مبني للصلاة والجماعة فصح فيه الاعتكاف كالمتفق عليه فإذا تقرر ذا فلا فرق فيه بين الرجل والمرأة ولا يجوز للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد، وبه قال مالك وأحمد.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في القديم: وأكره للمرأة أن تعتكف إلا في مسجد بيتها أي: في موضع صلاتها من بيتها، وذكر القفال عن القديم أنه قال: يجوز لها ذلك ولكن في المسجد أفضل، وقال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في المسجد وفي

الجزء: 3 - الصفحة: 318

بيتها وهي في بيتها أفضل كصلاتها، وهذا غلط، لأن الاعتكاف لا يعتبر بالصلاة بدليل أن صلاة الرجل النافلة في بيته أفضل، ولا [359 أ/ 4] يصح اعتكافه فيه.
وقال القاضي الطبري: لفظ الشافعي في القديم: واكره للمرأة الشابة أن تعتكف في المسجد، وغن كان لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كما اكره لها حضور المسجد الجامع لأداء الجمعة، وإن كان لا يجوز لها أن تصلي الجمعة إلا في الجامع فالمسألة على قول واحد في المرأة وغلط من قال فيه قولان، وقال القفال: إذا قلنا: بالقول القديم إن صح فلو اعتكف الرجل في مسجد بيته وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارًا بأن صلاة نفله في بيته أفضل وأصل الاعتكاف نفل ففي البيت أفضل، والثاني: لا يجوز ويعتبر بفرضه وفرضه في المسجد أفضل بخلاف المرأة.
فرع قال في البويطي: لو اعتكف فوق ظهر المسجد أجزأه لأن كله مبني للجماعة الواحدة ولهذا إن من صلى فوق المسجد لصلاة الإمام في المسجد أجزأه، وإن كان لا يراه، وقال أصحابنا: لو جعل بيتًا من داره مسجدًا فاعتكف فيه وعلى ظهره أجزأه أيضًا.
مسألة: قال 16: ولا بأسَ أنْ يُدْخِلَ المُعتكِفُ رأسَهُ في البيت ليغتَسِلَ.
الفصل وهذا كما قال: يجوز للمعتكف أن يخرج رأسه من المسجد ليرجل أو يغتسل، وكذلك يخرج [359 ب/ 4] رجليه ليدهن ونحو ذلك وهذا لأن إخراج بض بدنه من المسجد ليس كإخراج كله خلافًا لمالك حيث قال: يصير خارجًا من المسجد بإخراج بعض يديه، ولا يصير داخلًا فيه بإدخال بعض بدنهن لأن الخروج من بعض المأمور به خروج من كله وليس الدخول في بعض المأمور به دخولًا في كله وهذا كما أن بعض المعصية معصية، وليس بعض الطاعة طاعة، وهذا غلط لخبر عائشة الذي ذكرناه.
وقالت أيضًا: "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل إليَّ رأسه ففلسته وأنا حائض 17 ". قال أصحابنا: فيه فوائد أحدها: يجوز للمعتكف أن يغسل رأسه، والثانية: يجوز له ترجيل الرأس وتدهينه، والثالثة: يجوز له أن يتزين لأن ذلك في معنى التدهين والترجيل، والرابعة: إخراج بض البدن وإدخاله لا يجري مجرى إخراج كله، والخامسة: الحائض ليست بنجية، والسادسة: يد المرأة ليست بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج غليها رأسه ولم يكن المسجد ينفك من أن يكون فيه بعض الصحابة فإذا غسلت رأسه شاهد يدها ورأها، والسابعة: أنه لا يجوز له الخروج من المسجد لأنه لم يخرج غلى بيته لهذا المهم، والثامنة: [360 أ/ 4] كمسّ المرأة المعتكف بغير شهوة يجوز.

الجزء: 3 - الصفحة: 319

مسألة: قال 18: ويَجُوزُ بغيرِ صَوْم.
وهذا كما قال: يجوز الاعتكاف من غير صوم إلا أن الأفضل أن يصوم معه، وكذلك يصح في الزمان الذي لا يصح كزمان الليل ويومي الفطر والأضحى وأيام التشريق، وروي هذا عن علي وأبي مسعود البدري رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وإسحاق وأحمد في الرواية المشهورة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز غلا بصوم ولا يجوز إفراد الليل بالاعتكاف ولا يجوز في الأيام الخمسة، وبه قالت عائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومالك والثوري والأوزاعي، وذكر القفال أن الشافعي علق الصوم في القديم فقال: ويحتمل أن لا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا بصيام 19 " وهذا غلط، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعل على نفسه 20 "وروى ابن عمر رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه: "أوف بنذرك 21 "وخبرهم محمول على نفي الكمال والفضيلة.
واحتج المزني للشافعي بثلاثة أشياء أحدها: أنه قال: لو كان الاعتكاف يوجب الصيام وغنما هو تطوع أي: وإنما الاعتكاف تطوع ولكنه يوجب الصوم عنده لم يجز صوم [360 ب/ 4] رمضان عن تطوع أي: عن تطوع يوجبه الصوم كما لو تطوع بنذر صيام أيام لم يجز عنها صيام شهر رمضان، وفي اعتكافه صلى الله عليه وسلم في رمضان دليل على أنه لم يصم للاعتكاف فيفهموا، والثاني: لو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنًا بالصوم يخرج الصائم بالليل من الاعتكاف بخروجه فيه من الصوم فلما كان على خلاف هذا دل أنه يجوز منفردًا بغير صوم، والثالث: قال: وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أن يعتكف ليلة وقد ذكرناه، وهذه الاحتجاجات كلها صحيحة.
مسألة: قال 22: ومَنْ أرَادَ أنْ يعتَكِفَ العَشَرَ الأواخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الغُروبِ.
الفصل وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان أو أراد أن يعتكف

الجزء: 3 - الصفحة: 320

ذلك من يرتد ويدخل فيه قبل غروب الشمس من يوم العشرين بلحظة فإذا أهل شوال فقد تم العشر حكمًا, وإن نقص رمضان يومًا حتى يكون اعتكافه تسعة ولم يتمها حسابًا عشرًا وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "شهرا عيد لا ينقصان" أراد لا ينقصان حكمًا وثوابًا لا حسابًا, ثم إذا أهل شوال وإن كنا حكمنا له بتمام العشر فالمستحب أن لا يخرج من معتكفه ليلة العيد حتى [361 أ/ 4] يصبح فيخرج منه إلى العيد الشهر أو تم ذكره في البويطي.
ولو قال في نذره: لله على اعتكاف عشرة أيام فخرج الشهر في هذه المسألة ناقصًا يلزمه أن يكمل عشرة والفرق أن هناك علق بالعشر وهو اسم لما بين العشرين وآخر الشهر تامًا كان أو ناقصًا, وها هنا علق الاعتكاف بعدد فيلزم الإتيان بتمام العدد ويدخل في هذه المسألة قبل طلوع الفجر بلحظة لأن اسم الأيام يقع على بياض النهار, وإنما تدخل الليالي بين النهار تبعًا, وبقولنا قال أبو حنيفة ومالك والثوري, وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: وهو ظاهر كلام أحمد يدخل في أول يوم الحادي والعشرين في المسألة الأولى واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم اعتكف" 23 وهذا غلط, لما روى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان فاعتكف عامًا حتى إذا كانت ليلة الحادي والعشرين وهي التي يخرج فيها من اعتكافه, قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" 24 فوجه الدليل أنه أمرهم باعتكاف العشر [361 ب/ 4] الأواخر ليلة الحادي والعشرين واعتكف معهم فيها فثبت أنها أول العشر, ولأن كل ليلة هي تابعة لليوم الذي يليها في الحكم, ألا ترى أن ليلة رمضان تابعة له, فإذا لزم اعتكاف ذلك اليوم لزم اعتكاف ليلة, وإنما قلنا: يدخل قبل الغروب ليستوعب حكم النذر كما يلزم غسل بعض الرأس ليتوصل إلى غسل تمام الوجه.
مسألة: قال 25: وَلاَ بَأسَ أَن يَشتَرِطَ في الاعتِكَافِ الذي أوجَبَهُ أنه إِن عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجتُ.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام وشرط فيه شرطًا ثبت شرطه قولاً واحدًا وه مثل أن يقول: أُخرج لشهود جنازة أو لمقدم غائب, ويذكر في نذره, فإذا ذكره وخرج لم ينقطع تتابع اعتكافه, وإذا عاد إليه بعد الفراغ يبني على اعتكافه ويجزيه وهذا لأن الاعتكاف يجب بإيجابه فوجب على الصفة المشروطة, ألا ترى أن الوقف لما كان يجب بعقده كان وجوبه على حسب شرطه فإن قال: إن عرض لي عارض فيما ذكرنا قطعت الاعتكاف فإذا عرض عارض وخرج لم يلزمه إتمامه,

الجزء: 3 - الصفحة: 321

والفرق بين هذا وبين المسألة الأولى وهو أن هناك قال خرجت إذا [362 أ/ 4] خرج والخروج يكون مع بقاء حكمه والقطع لا يكون مع بقاء حكمه فافترقا ولو خص عارضًا مثل أن قال: اخرج لزيارة فلان لا يجوز أن يخرج رجل آخر وهكذا لو نذر صومًا أو صلاة وشرط إن عرض عارض خرج يثبت الشرط فيهما كما قلنا في الاعتكاف, ذكره وقال مالك: لا يصح شرط الخروج كما لو شرط الجماع والأكل في الصوم وهذا غلط, لأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان فيجوز ويفارق ما ذكره لأنه شرط أن يأتي بمهني عنه في العبادة فلم يجز, وأما إذا نذر حجًا وشرط مثل هذا الشرط لا يجوز في أحد القولين, والفرق أن الحج يلزم بالدخول فإذا وجد العذر المشروط زال الإيجاب بالنذر ونفي الوجوب بالدخول فلم يكن له الخروج منه والاعتكاف لا يلزم بالدخول وإنما بالنذر فالموضع مستثنى من النذر فإذا خرج من النذر لم يجب لأجل الدخول.
فرع لو شرط المحظور فإن كان ينافي الاعتكاف كالوطء فإن خرج بوطء بطل اعتكافه كالوطء في صومه, وإن كان لا ينافي الاعتكاف كالسرقة وقيل: التعيين المحرمة فشرط أن يخرج لأجله فيه وجهان أحدهما: يبطل اعتكافه لأن أشرط المعصية [362 ب/ 4] كلا شرط فصار بمثابة من خرج بغير شرط, والثاني: لا يبطل وبين لأن نذره إنما ينعقد على ما سوى مدة الشرط فلم تكن تلك المدة مقصودة بالعمل.
مسألة: قال 26: وَلاَ بَأسَ أَن يعَتَكِفَ وَلاَ يَنوِي أَيَامَاً مَتَى شَاءَ خَرَجَ.
وهذا كما قال: إذا أراد أن يعتكف فإن لم يكن نذر يدخل فيه ومتى أراد قطعه قطعة ويكون له اجر ما احتسب منه قليلاً كان أو كثيرًا لأن اسم الاعتكاف يقع على القليل والكثير, وقال ابن سريج: لا نريد بقولنا قليلاً ما يقع عليه اسم الجلوس بل ما يسمى به معتكفًا ... 27 ويقوم عقبيه فلا يجوز, وقال أبو حامد: أجاد ابن سريج في هذا, وروي عن يعلى بن أمية أنه كان يقعد في المسجد ساعة ينوي بها الاعتكاف, ومن أصحابنا من قال: أقله المكوث في المسجد مارًا كان أو جالسًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يكفي ساعة مع النية, والثاني: يحتاج إلى يوم أو قريب منه ليخالف العادة وهذا غير صحيح والاعتماد على ما ذكرنا أولاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "من [363 أ/ 4] اعتكف قدر فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة" 28 وإن نذر فإن أطلق يكفي ما يقع عليه الاسم على ما ذكرنا, وإن قدره في النذر يلزمه فما قدره قليلاً كان أو كثيرًا, ويلزمه في النية تعيين الفرص, وقال في البويطي: يستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة وأكثره لا نهاية له وإنما استحب له ذلك ليخرج من الخلاف, فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 322

أبا حنيفة لا يجيز اقل من يوم وبه قال مالك, وروى محمد عنه أنه قال: يجوز بعض يوم, يعني: معظم الشيء يقوم مقامه كله عنده كما قال في نية صوم رمضان قبل الزوال, وعن أحمد روايتان ولو دخل المسجد ونوى أن يعتكف فيه ثلاثة أيام ولم ينذر فالمستحب أن يتم ما نواه فإن قطعه قبل إتمامه فلا شيء عليه كما لو دخل في صوم التطوع أو صلاة ينوى ركعتين أو أربعًا فقطعهما قبل الإتمام لم يجب شيء.
فرع لو كان يدخل ساعة ويخرج ساعة مرارًا وينوي الاعتكاف كلما دخل صح اعتكافه, ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز لأن عادة الإنسان جرت بها وهذا ضعيف, وقيل: هل يجوز ... 29 القدر على وجه الاعتكاف [363 ب/4] لانتظار الصلاة أو لمذاكرة العلم ويقرب هذا من النية في صوم النفل بعد الزوال هل يجوز أم لا؟ مسألة: قال 30: واعتِكَافُه فِي المَسجِدِ الجَامِع أَحَبُ إلىَ.
وهذا كما قال: قد بينا انه يجوز الاعتكاف في كل مسجد ولكنه في الجامع أفضل منه في سائر المساجد, لأنه تكثر فيه الجماعة في العادة ولا يحتاج أن يخرج منه للجمعة ويخرج من خلاف من قال: لا تصح في غيره وفيه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه اعتكف في الجامع, وقال بعض أصحابنا: لو كانت الجماعة في بعض مساجد العشائر أكثر من جماعة الجامع فالمسجد الذي يكثر فيه جماعة وينتابه الناس هو أحب إلينا من الجامع, ذكره الإمام الجويني رحمه الله.
وإن اعتكف في مسجد آخر فإن كان اعتكافه تطوعًا مطلقًا ولم يشترط التتابع يخرج ويصلي الجمعة ثم يعود ويبني على ما ذكرنا, وإن نذر اعتكافًا متتابعًا عشرة أيام واعتكف في غير الجامع يلزمه الخروج للجمعة ثم إذا خرج يبطل اعتكافه ويجب الاستئناف وبه قال مالك, وفيه وجه آخر أنه لا يبطل بل [364 أ/ 4] يرجع ويبني وهو قول أبي حنيفة لأنه مضطر إله فأشبه إذا خرجت العدة وقيل: ذكره في البويطي ففي المسألة قولان, وهذا صحيح حكاه أبو حامد, والمذهب الأول, لأنه كان يمكنه أن ينذر دون سبعة أيام حتى لا تفوته الجمعة, أو كان يمكنه أن يعتكف في الجامع ولا يمكن الاحتراز من العدة فافترقا, وإن شرط أنه يخرج بعارض فهذا عارض فيخرج له ولا يبطل اعتكافه.
قال في "الأم" 31: الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه, وكذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكلما عظم المسجد وكثر أهله فهو أفضل, وإذا نذر أن يعتكف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في مسجد بيت المقدس هل يتعين ما عين أو يجوز

الجزء: 3 - الصفحة: 323

في مسجد آخر بدل ذلك؟ في قولان أحدهما: لا يتعين لأنه لا يتعلق به وجوب شرعي, والثاني: يتعلق به لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي" 32 , وبه قال أحمد ولو نذر أن يعتكف في سائر المساجد لا يجب ذلك عليه وله أن يعتكف في أي [364 ب/4] مسجد شاء قولاً واحدًا, لأنه نص في البويطي على أنه لو نذر أن يصلي بمكة لم يجز في غيرها, ولو نذر أن يصلي في مسجد المدينة جاز أن يصلي بمكة ولا يجوز أن يصلي في مسجد بيت المقدس وتجزية المدينة من بيت المقدس.
ووجهه: أن الصلاة بمكة هي أفضل من الصلاة في هذين المسجدين والصلاة بالمدينة أفضل من الصلاة ببيت المقدس, فالاعتكاف يجب أن يكون مثله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يتعين سائر المساجد بالتعيين لأنه الشافعي قال في "الأم" 33: إذا أوجب اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد رجع إذا بني المسجد وبني على اعتكافه, فلولا تعين المسجد لأمر بالخروج إلى مسجد آخر حتى يتم هناك لأنه لم يفعل هذا يبطل ما مضى إذا كان متتابعًا, وقال صاحب "التقريب": لا يتعين كما .... 34 هذا المنصوص فرق بين الاعتكاف والصلاة فإن الصلاة قربة في أي موضع كانت ولا يؤثر فيها المسجد فلا يتعين لها المسجد, والاعتكاف غنما يصير قربة بالمسجد فله أثر في الاعتكاف, فإذا عين بالنذر تعين, وهكذا ذكر بن أبي أحمد في "المفتاح", وفرق بين الاعتكاف والصلاة [365 أ/ 4] وقيل: فيه وجهان وهذا كله غير صحيح, والمسألة على قول واحد على ما ذكرنا, ومعنى ما ذكر في "الأم" إذا نذر أن يعتكف أيامًا مطلقة من غير شرط التتابع في مسجد يعنيه يدخل في الاعتكاف في ذلك المسجد فالمستحب له أن لا يخرج من ذلك المسجد إلى مسجد آخر, وإذا أنهدم فإن أمكن أن يعتكف في موضع منه فعل, وإن لم يقدر خرج, ثم إذا بني رجع فيبني لأنه لا يضره التفريق وقصد الشافعي به الاستحباب لأنه عينه بالنذر ولا يجوز الخروج منه إلا للضرورة فإذا انهدم فلم يقدر على اللبث فإنه يخرج, ثم إذا قدر بني في ذلك المسجد وهذا لا باس به إلا أنه يعيد؛ لأن الشافعي قال: "وإذا أوجب على نفسه اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد" فالظاهر أنه أراد العموم.
فرع آخر قال ابن أبي أحمد في "التلخيص" الاعتكاف جائز في المساجد كلها إلا في مسألتين: إحداهما: إذا نذر اعتكافًا في مسجد يعينه لم يجز له في غيره إذا دخل فيه.
والثانية: إذا نذر اعتكافا أكثر من سبعة اياك لا يجوز له أن يعتكف إلا في الجامع

الجزء: 3 - الصفحة: 324

إذا كان ممن تجب عليه الجمعة وهذا صحيح, ومعناه إذا تقرر أن يعتكف [365 ب/4] في مسجد بعينه أيامًا متتابعة لا يجوز له الخروج منه؛ لأن خروجه يقطع التتابع ويبطل الاعتكاف, كذلك إذا نذر أن يعتكف أكثر من سبعة أيام متتابعة لا يجوز أن يعتكف في غير الجامع, لأنه إذا اعتكف في غيره يحتاج أن يخرج للجمعة, فإذا خرج بطل التتابع, وإذا بطل التتابع بطل الاعتكاف.
ولو اعتكف في غيره يجوز ولكن لا يمكنه أداء ذلك إلا بأن يمرض فتسقط عنه الجمعة.
وقال أصحابنا: لو اعتكف في المسجد ثم خرج لقضاء حاجة فعاد إلى مسجد آخر من طريقة جاز ولا يتعين عليه الأول, لو خرج إلى مسجدًا آخر في غير طريقه أو أبعد من الأول لم يجز لأنه يكون تركًا للاعتكاف.
مسألة: قال 35: "ويخرجُ للغائِطِ والبَولِ إلى منزله وإنُ بَعُدَ".
وهذا كما قال, هذا تفريغ على الاعتكاف الواجب المتتابع, لأن الخروج في غير المتتابع لا يؤثر, فإذا نذر اعتكافًا متتابعًا له أن يخرج لحاجة الإنسان وهي الغائط والبول إلى منزله, وله أن يتوضأ هناك؛ وإن جاز في المسجد, لأن الأولى أن لا يتوضأ في المسجد لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: [366 أ/4] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: ينظر فإن كان منزله قريبًا لا بأس به, وإن كان بعيدًا متفاحشًا فالمذهب أنه لا يجوز له ذلك وما نقل المنزني "وإن بعد" لا يعرف للشافعي, وإنما هو من المزني لأنه ربما يبعد منزله من المسجد بعدًا لو رجع إليه لحاجة الإنسان فإلى أن يعود إلى المسجد لعله يحتاج مرة أخرى إلى الرجوع فيبقى من طريق المسجد ذاهبًا وراجعًا ويكون طول نهاره في قطع المسافة.
وقيل: إن صح هذا اللفظ عن الشافعي أراد به التطوع الذي لا متابعة فيه أنه لا يجوز.
فرع لو كانت في المسجد سقاية ومنزله بعيدًا لا يتفاحش له أن يخرج إلى منزله لأنه يحتشم من دخول السقاية من المسجد وتنقص مروءته به فلا يكلف ذلك, وكذلك إذا كانت بقربه دار الصديق فبذل له قضاء الحاجة فيها لا يكلف الدخول إليه, وهذا أولى, لأن الحشمة ها هنا أكثر.
فرع آخر لو كان منزلان أحدهما ابعد من الآخر فالمذهب أنه لا يجوز له المضي إلى الأبعد لأنه لا حاجة به على المضي إلى الأبعد [366 ب/4] وقال الداركي: سئل ابن أبي هريرة عن هذا فقال: له الخروج إلى الأبعد وهذا بعيد.

الجزء: 3 - الصفحة: 325

فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة لقضاء الحاجة ثم عاد لا يلزمه تجديد النية لأنه لم يقطع اعتكافه فكان في حكم المعتكف وقت خروجه وذلك الوقت محسوب له من الزمان الذي أوجبه فيه بنذره, ولو لم يكن الاعتكاف نذرًا فخرج لحاجة الإنسان ثم عاد فإنه يلزمه تجديد النية لأن النية الأولى بطلت وانقطع الاعتكاف.
فرع آخر لو خرج لحاجة الإنسان فرأى غريمًا له فوكل من يطالبه بحقه لا يبطل اعتكافه لأن خروجه كان للحاجة وتوكيله بالمطالبة كلام لا يؤثر فيه نص عليه في "الأم", إلا أن يخرج من المسجد كذلك فيبطل حينئذٍ اعتكافه.
فرع آخر إذا دخل منزله لقضاء الحاجة وهناك مريض له أن يسأل عن المريض في اجتيازه ولا يجلس إليه ولا يعرج عليه وليس له أن يعدل عن ممره إلى المكان الذي فيه المريض وهذا لما روي عن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المنزل لحاجته يمر بالمريض فيمر كما هو ولا يعرج عليه 36؛ بل يسأل ويمضي" وقيل: إن [367 أ/ 4] كان العدول عن ممره قليلاً فيه وجهان, ولو وقف لعيادته قليلاً فوجهان, لأن فيه غرضًا صحيحًا.
فرع آخر المرجع في القليل والكثير إلى العرف, فإن كان المريض في الدار وطريقه في الصحن إلا أن المريض في بيت الدار أو حجرتها فهو قريب, وإن كان في بيت آخر فهو كثير وعلى هذا لو زار قادمًا في طريقه فالحكم هكذا.
فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة ثم أراد الأكل في منزله نقل المزني انه لا شيء عليه وظاهرة يقتضي أن له الخروج ابتداء للأكل, واختلف أصحابنا في هذا, فقال ابن سريج وجماعة: لا يجوز له الخروج للأكل, لأنه يمكنه الأكل, لأنه يمكنه الأكل في المسجد, قال الشافعي: وينصب المعتكف المائدة ويأكل وبه قال أبو حنيفة ومالك, وإنما أمر بالمائدة أو السفرة لأنه أصون للمسجد من التلوث بالمطعوم وأقرب إلى النظافة وما نقله المزني أراد به أنه يأكل اللقمة واللقمتين بحيث لا يطول فإن أطال بطل, ولو قعد في طريقه قعدة خفيفة وأكل هذا القدر فلا بأس به في التتابع, ولو عدل في ممره إلى صفة من المنزل للأكل انقطع اعتكافه طال الزمان في هذا [367 ب/4] أو قصر, وهذا اختيار القفال, وقال أبو إسحاق: له أن يخرج من المسجد إلى بيته للأكل وإذا خرج لقضاء

الجزء: 3 - الصفحة: 326

الحاجة له أن يستوفي تمام الأكل, وبه قال أكثر أصحابنا وهو الصحيح, ونص عليه الشافعي في "الإملاء" وهذا لأن في أكله في المسجد بذلة وسقوط مرؤة وقد يحتشم من أكله المصلون فيدعوهم ذلك على الخروج, ولأنه ربما يكون في طعامه قلة فيستحي من إظهاره أو كان يفسد إن أخرج إلى المسجد.
فرع آخر فأما شرب الماء فإن اشتد عطشه وعدم الماء في مسجده يجوز أن يخرج إلى منزله, وإن كان واجدًا للماء في مسجده فمن أصحابنا من جعله كالأكل فله الخروج ومنهم من منعه بخلاف الكل, لأنه ليست فيه بذلة ولأن استطعام الطعام مكروه والاستسقاء للماء غير مكروه وقد استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ولم يستطعم الطعام.
فرع آخر لو أقام بعد فراغه من قضاء الحاجة أو من الأكل في البيت بطل اعتكافه قليلاً كان أو كثيراً, لأنه لا حاجة به إليه وبه قال جماعة العلماء, وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل [368 أ/4] حتى يكون أكثر من نصف يوم لأنه قليل كما لو خرج لحاجته وتأنى في مشيه وكان يمكنه الإسراع جاز وعفي عنه لقلته وهذا غلط, لأن المشي يختلف بعادة الناس فيجب أن يمشي على سجيه مشيه لأن عليه مشقة في تعيين ذلك, وهاهنا لا حاجة به إلى خروجه.
فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة يكره له أن ينقص عن سجيه مشيه فلو تأني في مشيه عن حد العادة, المذهب أنه يبطل اعتكافه ويكون كما لو قعد ساعة بعد قضاء الحاجة.
فرع آخر لو خرج من المسجد ناسيًا لم يبطل اعتكافه نص عليه في "الأم" خلافًا لأبي حنيفة, وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ولأنه لو أكل في الصوم ناسيًا لم يبطل صومه كذلك ها هنا, ومن أصحابنا من قال: بطل اعتكافه لأن اللبث مأمور به فلا يعذر فيه الناسي كالنية في الصوم والأول أصح, وقال: والدي رحمه الله لو أطال المكث ...... 37 كالوجهين في الأكل الكثير في الصوم والكلام الطويل في الصلاة, وقال أيضًا: هل يحسب له القدر الذي كان هو فيه خارجًا؟ [368 ب/4] يحتمل وجهين: أحدهما: يحسب كما لو كان خرج لحاجة الإنسان المدة التي هو فيها خارج المسجد هي غير محسوبة, والثاني: وهو الظهر أنه لا يحسب بل عليه إعادة ذلك القدر قال: ولو خرج ناسيًا واعتكافه متتابع فدخل مسجدًا آخر ثم تذكر وهو في

الجزء: 3 - الصفحة: 327

المسجد الثاني هل له العود إلى الأول أم يبقى على اعتكافه في المسجد الثاني فالأصح على القياس أنه لا يعود إذا لم يكن في اللبث ويحتمل أن يقال: أن له العود.
مسألة: قال 38: وَلاَ بَأس أَن يَشتَرِي وَيَبِيعَ.
الفصل وهذا كما قال: المستحب لكل من في المسجد أن لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والصلاة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة" 39 , والمستحب لكل من يلبث بعبادة أن يشتغل بها ولا يعرض عنها إلى غيرها فالمعتكف يستحب أن يكون عليه السكينة والوقار ويشتغل بالطاعات من الصلاة وقراءة القرآن والدعاء والنظر في العلم ومذاكرة العلماء, فإنه أفضل من صلاة التطوع نص عليه في البويطي ويتكلم [369 أ/4] المعتكف في العلم وبكتبه فجعل كتابه العلم في المسجد بمنزلة المذاكرة.
وقال أحمد: لا يستحب له قراءة القرآن وتعليمه ويدرس العلم بل يشتغل بذكر الله عز وجل والتسبيح والصلاة, واحتج بأنه عبادة يشرع لها في المسجد فلا يستحب فيها إقراء القرآن وتدريس العلم بالصلاة, وروي عن أحمد مثل قولنا, وقال مالك: تكره له مذاكرة العلماء وهذا غلط, لأن المذاكرة بالعلم قربة وقد قال تعالى: ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] , وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأحكام في اعتكافه ويجبهم عن الأسئلة.
وأما الصلاة فقد شرع فيها أذكار مخصوصة وخشوع واشتغاله بذلك يقطعه, وفي الطواف لا يمكنه إقراء القرآن ودراسة العلم وشرع فيه ذكر مخصوص بخلاف هذا, فافترقا وقيل: لا يكره التعليم في الطواف كما في الاعتكاف, وأما البيع والشراء والخياطة فلا تبطل للاعتكاف لأن ما لا يبطل الصوم لا يبطل الاعتكاف في المسجد كالصوم, وقال في البويطي يكره له البيع والشراء في المسجد فإن [369 ب/4] باع معتكف أو غيره كرهت له ذلك لهما والبيع جائز وهذه الكراهة لأجل المسجد دون الاعتكاف والكراهة هي كراهية تحريم لا تنزيه وإنما كرهنا لما ذكرنا من الخبر, وقال في "الأم" والقديم: لا بأس به, وقال في القديم: ولا يكثر التجارة لئلا يخرج عن حد الاعتكاف فالمسألة على قولين.
أحدهما: يكره لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن البيع والشراء في المسجد" 40. والثاني: لا يكره لأنه كلام مباح كالحديث, والأول اصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 328

وقوله: لا بأس به أي: لا يؤثر في اعتكافه إلا أنه لا يكره, فإن كان محتاجًا إلى شراء قوته أو لقريبه لا يكره, وكذلك عن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه لا يكره, وإن كان كثيرًا فتركه أولى, وحكي عن مسروق أنه رأى رجلين يتساومان في المسجد شيئًا فحضهما وقال: أخرجا إلى سوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة, وقال بعض أصحابنا: إن كان البيع والشراء يسيرًا لا يكره, وإن كان كثيرًا فقولان وقال مالك: من شرط ... 41 ويخالف عادته الاعتكاف فإن لم تكن حرفته [370 أ/ 4] فلا بأس أن يخيط فيه شيئا وهذا غلط, لأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد وقد حصل ذلك مع هذا ولا يخالف العادة حصلت بالانتقال من حانوته إلى المسجد, ولا يقدح في الحج أن تقترن به التجارة الدائمة فلا يقدح في الاعتكاف أن تقارنه الحرفة الدائمة, ثم قال: ويحدث بما أحب فيجوز منه محادثة الإخوان لما روت صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعكفًا فأتيت ليلاً أزوره فحدثته فلما انقلبت قام ليقلبني فإذا رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما إنها صفية بنت حُيي فقالا سبحان الله يا رسول الله, فقال: إن الشيطان يجزي من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شراً" 42؛ ولأن الاعتكاف والحديث لا يتنافيان فظاهر ما ذكره هل هنا أنه لا يكره, والأولى له تركه.
وقيل: يكره ذلك لما ذكرنا من الخبر ثم قال: ما لم يكن مأثمًا, وهذا النهي لا يختص بالاعتكاف لأنه في غير الاعتكاف مثله, وقال في "الأم" و "الجامع الكبير": لا بأس بأن يقص لأن القصص وعظ وتذكير, ويجوز أن يأمر بالأمر [370 ب/4] الخفيف في ماله وضيعته ولا يكثر منه فإنه مكروه, وحكي أن الشافعي قال في القديم: لو فعل ما ذكرنا من البيع والشراء المكروهين رأيت أن يستقبله لأنه صار قعوده للتجارة وهذا مرجوع عنه فلا يجعل قولاً آخر.
فرع لا منع المعتكف من النوم في المسجد والاضطجاع والاستلقاء في غير حالة النوم لما روي عن عباد بن تميم عن عمه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى".
مسألة: قال 43: وَلاَ يُفسِدُهُ وَلاَ جِدالٌ.
كما قال يكره له السباب والخصومة كما قلنا في الصائم ولا يبطل به الاعتكاف لأنه ليس من خصائص محظورات الاعتكاف كما لا يفسد به الصوم لأنه ليس من

الجزء: 3 - الصفحة: 329

محظوراته, ولكن يذهب أجره بذلك ويفوته الفضل كما في الصوم.
مسألة: قال 44: وَلاَ يَعُودُ المَريضَ وَلاَ يَشَهد الجَنَائِز إذا كَانَ اعتكافُه واجباً.
وهذا كما قال في اللفظ إشكال لأنه ذكر الواجب ولم يذكر التتابع ولابد من تقييد المسألة بالتتابع لأن الاعتكاف الواجب إذا لم يكن متتابعاً فخرج إلى جنازة لم يبطل ما مضي [371 أ/4] منه وإذا عاد بني على ما سبق, وإذا كان متتابعًا فخرج للجنازة بطل الاعتكاف ويجب الاستئناف والأولى إذا كان اعتكافه نفلاً أن يخرج إلى الجنازة ويصلي عليها وهو أفضل من الاعتكاف, لأنه فرض على الكفاية والاعتكاف نفل.
وأما عيادة المريض قال بعض أصحابنا: هي والاعتكاف سواء فاجل أيهما شاء لأن كل واحد منهما قربة مندوب إليها, وإذا خرج بطل اعتكافه لأنه لا يضطر إليه, ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يخرج لعيادة المريض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن اعتكافه واجبًا, وإن كان اعتكافه واجبًا متتابعًا لا يجوز له أن يخرج للعيادة ولا للجنازة, ولو خرج لحاجة الإنسان فسأل عن المريض في الطريق فقد ذكرناه ولو اتفقت جنازة في الطريق فوافق تكبير الناس عليها فكبر معهم وصلى قال القفال: قال مشايخنا: لا ينقطع اعتكافه المتتابع بهذا القدر لأن ذلك لا يزيد على الوقفة اليسيرة التي أبحنا له فيها الأكل على طريقة من منزله إذا دخله لقضاء الحاجة [371 ب/ 4] فإن احتاج إلى زمان لانتظار الجنازة أو عدل عن طريق قضاء الحاجة إلى مكان آخر فصلى عليها ينقطع التتابع, وإن أدخلت الجنازة في رحبة المسجد فصلى عليها جاز.
مسألة: قال 45: وَلاَ بَأسَ إِذَا كان مُؤَذَنًا أن يَصعَد المنارَةَ وإن كانت خارجة.
وهذا كما قال: فيه أربع مسائل إحداها: أن تكون المنارة في المسجد فيصعد إليها ويؤذن ويستحب ذلك لأنه ذكر مستحب وطاعة وهو للمعتكف أشد استحبابًا, وقد قال في البويطي: وللرجل أن يعتكف في منارة المسجد.
والثانية: أن تكون المنارة في رحبة المسجد يصعد إليها ويؤذن أيضًا لأن رحبة المسجد هي من المسجد لو اعتكف فيها يصح الاعتكاف.
والثالثة: أن تكون المنارة خارج المسجد متصلة ببناء المسجد ولها باب إليه فله أن يؤذن فيها لاتصالها بالمسجد وكونها من جملته.
والرابعة: أن تكون خارجة من المسجد والرحبة ولا تتصل به وقال عامة أصحابنا: يجوز له أن يصعد غليها ويؤذن فيها ولا يبطل اعتكافه وهو ظاهر قول الشافعي لأنه قال: وإن كانت خارجة ولم يفصل [372 أ/ 4] ولأنه إذا كانت العادة أن يؤذن لهذا المسجد في هذه المنارة فقد صارت من حقوق المسجد فلا فرق بين أن تكون في وجه المسجد أو خارجة منه, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك لأنه يقطع بينهما ما ليس

الجزء: 3 - الصفحة: 330

منهما بخلاف الرحبة وأراد الشافعي وإن كانت خارجة أي: في الرحبة أو خارجة عن مرتفع المسجد, ولكن بابها في المسجد أو رحبة المسجد ولا يختص هذا بالمؤذن, ولكن صورة في المؤذن لأنه هو الذي يحتاج إلى الخروج إلى المنارة للأذان وهو كقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] , ولا يختص جواز الارتهان بالسفر, ولكن ذكره لغالب الاحتياج وهذا اختيار القفال وهو الصحيح, وهذا لأنه خروج لما له منه بد فأشبه الخروج للجنازة ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه, والوجه الثالث: أنه إن كان المؤذن ممن قد ألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لأن الحاجة تدعوا إليه لإعلام الناس بالوقت, وإن لم يألفوا صوته لم يجز ذكره أبو إسحاق المروزي, وقيل: إن كانت عادته فيما سبق الصعود إليها [372 ب/ 4] للأذان أن لا يبطل اعتكافه لأن الخروج المعتاد يصير كالمستثنى, وإن لم يستثن صريحًا كالخروج للحاجة المعتادة وإن لم تكن عادته الأذان لا يجوز ويبطل اعتكافه ذكره الإمام الجويني في "المنهاج", وقال مالك: يكره له صعود المنارة أصلاً وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قال 46: وَأَكرَهُ الأَذَانَ بِالصَلاة للولاَةِ.
وهذا كما قال: اختلفت أصحابنا في تأويل هذا الكلام فمنهم من قال: أراد به أن لا يقول في أذانه حي على الصلاة أيها الأمير أو الوالي لأن ذلك زيادة في الأذان, ولا يختص هذا بالمعتكف, ويكره أن يقول هذا أيضًا بعد الفراغ من الأذان للمعتكف, لكن لو قال بعد الفراغ من الأذان الصلاة أيها الأمير لا يكره لأن هذا ليس هو من ألفاظ الأذان, وكان بلال يفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لأن الأذان هو مشروع لعامة المسلمين فتخصيص بعضهم به هو نوع رياء وإيقاع لشريك في العبادة, وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمؤذنه: حين أتاه يومًا بعد الأذان, وقال: حي على الصلاة أما يكفيني [373 أ/ 4] أذان العامة وعلاه بالدرة, ومن أصحابنا من قال: أراد به الخروج من المسجد ليعلم الوالي بالصلاة فهذا لا يجوز للمعتكف ويختص الحكم به وهذه الكراهة كراهية تحريم, إذا كان الاعتكاف متتابعًا واجبًا.
فرع لو خرج من المسجد للأذان وجوزنا ذلك ثم لما فرغ من الأذان قال هذا إعلامًا للوالي يجوز ذلك لأن خروجه كان للأذان, وإنما أتى به على وجه التبع فلا يضر الاعتكاف.
مسألة: قال 47 وَإِن كَنَت عَلِيهِ شَهَادَةٌ فَعَلَيهِ أَن يُجِيب.
هذا كما قال: إذا طولب المعتكف لأداء الشهادة وكان اعتكافه متتابعًا واجبًا فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 331

كانت الشهادة قد تعينت عليه في الطرفين عند التحمل وعند الأداء يلزمه الخروج لأدائها ولا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا والتعين بأن لا يكون وقت التحمل والداء إلا هو ورجل آخر وهذا لأنه واجب عليه لأنه لم يكتسب سببه باختياره فدعت الحاجة إليه.
وقال القفال وجماعة: يبطل اعتكافه لظاهر لفظ الشافعي فإنه لم يفصل [373 ب/ 4] بين التعيين وعدمه وهذا لأنه ليس من ضرورة أداء الشهادة الخروج من المسجد ويمكن أن يأتيه الحاكم فيسمع منه الشهادة ولزمه الابتداء بفعله.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن لزمته الشهادة باختياره تبطله وإلا فلا, وهذا ضعيف والصحيح الأول والفرق بينه وبين الخروج للجمعة يبطله لأن هناك يمكنه أن يعتكف في الجامع, فإذا اعتكف في غيره فقد دخل فيه مع علمه بأن يحتاج أن يخرج منه لا محالة ويمكنه الاحتراز منه فصار كالخروج باختياره, وها هنا لا يمكنه الاحتراز منه ولا يعلم وقت مطالبة الشهادة إياه بأدائها, ومجيء الحاكم إليه هو أمر مستبعد فلا يبطل اعتكافه به كالخروج لحاجة الإنسان وإن لم يتعين عليه في الطرفين فإن كان وقت التحمل والأداء شهود كثيرة فخرج لأدائها بطل اعتكافه قولاً واحداً كالخروج بغير شهادة, وإن لم يتعين وقت التحميل وتعينت عليه عند الأداء بأن كانت وقت التحمل جماعة من الشهود وعند الأداء لم يبق إلا هو وآخر.
قال الشافعي: عليه أن يخرج وإذا خرج بطل اعتكافه, وقال في المعتكفة [374 أ/4] إذا مات زوجها خرجت للعدة ولا يبطل اعتكافها فإذا انقضت عدتها رجعت فبنت فاختلف أصحابنا فيه فقال ابن سريج: لا فرق بينهما لأن الشهادة تعينت عليه في الأداء دون التحمل, والعدة تعينت في الحال ولم تتعين عند النكاح فكان كل واحد منهما متعينًا في الطرف الثاني دون الأول صحت أن تكون المسألتان على قولين على سبيل نقل القول والتخريج.
وقال أبو إسحاق: الخروج لأداء الشهادة يبطل بخلاف العدة وهو الصحيح والفرق أن المقصود من الشهادة الأداء فإذا تحملها مختارًا ............. 48 وليس المقصود من النكاح الفرقة الموجبة للعدة وإنما يقصد به الإلفة فكان اختيارها للنكاح اختيارًا لوجوب العدة, وفرق آخر أن بالمرأة ضرورة إلى النكاح لتحصين الفرج والدين والنفس والاكتساب ولا ضرورة إلى دخوله في الشهادة عند التحمل فوزانها من العدة أن تضطر إلى الشهادة من حال التحمل لا يبطله ودون الشهادة من أن يجعل إليها طلاقها فاختارت الطلاق ثم خرجت للعدة بطل اعتكافها.
وحكي عن مالك أنه قال: في المعتدة كمل اعتكافها ثم تخرج لقضاء عدتها وهذا غلط, لأن المسجد ليس [374 ب/ 4] بمكان العدة وقد اضطرت إليها, وإن كانت متعينة عليه عند التحمل ولم يتعين وقت الأداء فخرج لأدائها يبطل بلا خلاف.

الجزء: 3 - الصفحة: 332

مسألة: قَالَ 49: وَإِن مَرِضَ أَو أَخرَجَهُ السُلطَانُ وَاعتِكَافه وَاجبٌ فَإِذَا بَرِئ أَو خُلَي عنه بني.
وهذا كما قال: معنى قوله واجب أي: متتابع وجب عليه بنذره وجملته أن ينظر في المرض فإن كان خفيفًا مثل الصداع ووجه السن والحمى الخفيفة ونحو ذلك, لم يجز له أن يخرج من المسجد فإن خرج من المسجد بطل اعتكافه قولاً واحدًا, لأنه خرج من غير ضرورة إلى الخروج, وإن كان المرض شديدًا ينظر فإن كان مما, لا يمكن المقام معه في المسجد كسلس البول والقيام الدائم والقيء يلومه أن يخرج فإذا خرج يبطل اعتكافه قولاً واحدًا ويبني إذا عاد, وإن كان يمكن المقام معه ولكنه تلحقه مشقة شديدة غير محتملة يحتاج إلى فراش وخادم يخدمه وطبيب يداويه له الخروج منه لأن مضطر إليه برأ من علته وأمكنه القعود في المسجد يرجع إليه, ونص في عامة كتبه أنه يبني على ما مضى من اعتكافه لأنه محتاج إليه, ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: أنه يستأنف كما يقول في المظاهر [375 أ/ 4] إذا دخل في صوم الشهرين فمرض فأفطر هل يبطل التتابع؟ فيه قولان, وهذا ضعيف وذكر بعض أصحابنا القيام الدائم في جملة هذه العلة وهو غلط, والصحيح أن في القيام الدائم قولاً واحدًا على ما ذكرنا, وإن مكث بعد برئه شيئًا من غير عذر استأنف بلا خلاف.
فرع لو مرض ذو رحمه وليس له من يقوم بمرضه أو مات وليس هناك من يدفنه فهو مأمور بالخروج, وإذا خرج عاد وبني كما قلنا في العدة وفيه وجه آخر يستأنف, وأما الفصد والحجامة فلا تجوز في المسجد, وإن كانت في الطست كالبول في الطست لا يجوز فيه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز الفصد والحجامة في الطست إذا لم يلوث به المسجد والأولى تركه ويحتمل أن يجري البول في الطست مجرى الفصد ويحتمل الفرق بأن ذلك مما يستخفي به ويستصبح في المسجد بخلاف الفصد, وإن كانت به علة لابد لأجلها من إخراج دم فهو على ما فصلناه من العلة.
فرع آخر إذا احتاج إلى النخامة أخذها بخرقة فإن أراد دفنها في المسجد قيل: يجوز, وقيل: لا يجوز حتى يخرج عن المسجد لأن العلماء [375 ب/4] اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم "كفارة النخامة في المسجد دفنها" فقال بعضهم: أراد دفنها في المسجد فأخرج .... 50 لا يبطل اعتكافه واحدًا لأنه لم يخرج باختياره, ولو أقام في المسجد مرة وهو مغمى عليه لا تحتسب مدة الإغماء من الاعتكاف لأن فعله كلا فعل, وهكذا لو جُنَ المعتكف

الجزء: 3 - الصفحة: 333

ثم أفاق يبني سواء خرج من المسجد أو لا لأن فعله كلا فعل وإن دام سنين نص عليه في "الأم"، بخلاف المريض في قول لأن خروج المريض باختياره, وإن كان مرضه من غير اختياره.
وقال والدي:- رحمه الله- في الإغماء وجه آخر: إن مدته محسوبة كمدة النوم وهو ضعيف, وإن كان اختيار كثير من أصحابنا بخلاف الجنون.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخرجه الولي في حال إغمائه فإن كان لا سبيل إلى مراعاته في المسجد بطل اعتكافه, ولو نام طول يومه يعتد بمدة النوم من الاعتكاف لأن النائم كالمستيقظ في جريان الحكم عليه.
فرع آخر لو أخرج منه محمولاً لا يبطل اعتكافه ولو أكره حتى خرج بنفسه فيه قولان: كالصائم [376 أ/4] إذا أكره على الكل بنفسه ولو أخرجه السلطان لاستيفاء الحق منه فإن كان ظالماً في منعه وهو يمكنه إيفاؤه من غير أن يخرج من المسجد يبطل اعتكافه, وإن كان مظلومًا لأنه ليس عليه دين أو عليه دين إلا أنه لا يجد ما يقضيه لم يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن وجب إخراجه لإقامة الحد عليه مثل حد الزنا أو القذف أو الشراب أو القطع في السرقة فأخرج فإنه لا يبطل اعتكافه لأن إقامة الحد في المسجد لا تجوز فإذا وجب إخراجه له كان مكرهًا عليه.
وقال القفال فيه قولان: بناء على ما لو خرجت للعدة هل تبني؟ قولان وهذا لا يصح لأنه لا منع له أصلاً في الإخراج, ولم يخرجه باختياره بخلاف المعتدة, ومن أصحابنا من قال: إن ثبت الحد عليه بإقراره بطل اعتكافه وإن ثبت بالبينة فيه وجهان؛ لأنه اختار سببه وهو الزنا والشراب ونحو ذلك.
وقال والدي, رحمه الله: إن وجب قبل اعتكافه ثم أخرج لإقامة الحد لا يبطل, وإن وجب في حال اعتكافه فاخرج هل يبطل؟ فيه وجهان أحدهما: يبطل لأن سبب الإخراج كان منه في حال الاعتكاف [376 ب/4] والمذهب الطريقة الأولى.
فرع آخر لو حاضت المرأة في اعتكافها خرجت فإذا طهرت رجعت مقام الحائض في المسجد لا يجوز فهي مضطرة إلى الخروج نص عليه في البويطي, قال أصحابنا: هذا إذا كان اعتكافها مدة لا تخلو عن الحيض غالبًا كالشهر فإن كان اعتكافها مدة قليلة يحتمل صورتها عن الحيض ينقطع اعتكافها بها, وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه ينقطع اعتكافها بالحيض ولا يمكنها أن تؤدي الاعتكاف إلا أن تيأس من الحيض وهذا ليس بشيء.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو إذن لها الزوج في اعتكاف عشرة أيام ثم مات

الجزء: 3 - الصفحة: 334

الزوج هل لها أن تقيم تمام العشرة في المسجد معتكفة أم عليها الخروج إلى البيت للعدة؟ قولان, فإذا قلنا: لها الإقامة هناك فخرجت انقطع التتابع, وإن قلنا: عليها الخروج فخرجت هل تبني؟ قد ذكرنا قولين وفي هذا نظر والمذهب الصحيح أنه يلزمها الخروج وتبني.
فرع لو أحرم المعتكف بالحج وخاف فوته خرج ومضى في حجته ثم استأنف الاعتكاف لأنه لا يسمى [377 أ/ 4] خارجًا حتى يخرج قدميه وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب رضي الله عنه: "والله لا أخرج عن المسجد حتى أخبرك بسورة لم تنزل مثلها في التوراة والإنجيل والقرآن ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد الخروج من المسجد وأخرج إحدى قدميه" فقال أبي بن كعب يمينك يا رسول الله فقال: "ظننتني نسيتها ثم يستفتح الصلاة فقال بالحمد لله رب العالمين فقال: هي هي " فدل على أن الخروج بإخراج القدمين جميعًا.
فرع آخر لو شرع الجنب في الاعتكاف صح شروعه وعليه الاغتسال فإن خرج للاغتسال, قال والدي رحمه الله: فيه وجهان والأشبه أنه ينقطع تتابعه قال: ويحتمل وجهًا آخر: أنه لا يصح شروعه فيه لأن لبثه في المسجد معصية وطريق الاعتكاف القربة فهما متضادان وهذا اصح عندي.
فرع آخر لو احتلم فيه يلزمه الخروج في الوقت فإن أقام مع القدرة فإن امتد مقامه بطل اعتكافه لأن مقامه فيه معصية, وإن لم يمتد فالمذهب أنه لا يبطل لأن الشافعي نص في الردة أنها لا تبطل الاعتكاف, وإن كان [37 ب/ 4] الماء في المسجد وأراد الاغتسال يأخذ الماء ويغتسل خارج المسجد, وإن اغتسل في المسجد فهو كما أقام, وإن لم يقدر على الخروج فإن كان باب المسجد مغلقًا فإن الماء في المسجد اغتسل فيه, وإن لم يكن فيه ماء فإنه يتيمم ويقيم في المسجد ولا يبطل اعتكافه.
فرع آخر قال في "الأم": إذا سكر المعتكف ليلاً أو نهارًا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتدئ إذا كان واجبًا, وقال بعد هذا: ولو جعل لله على نفسه اعتكافًا فارتد ثم اسلم بني على اعتكافه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا فرق بين السكر والردة ولا يبطل واحد منهما الاعتكاف وأراد بما ذكر في السكران إذا أخرج فقامة الحد عليه أو أخرج لأنه لا يجوز إقرار السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج ويغلظ على السكران في الأحكام, وهذا لأن زوال العقل بالسكر من قبل الله تعالى دون فعله فلا يبطل اعتكافه, ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر النصين والفرق أنه لا يجوز إقرار

الجزء: 3 - الصفحة: 335

السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج, وإن لم يخرج لخروجه [378 أ/ 4] من أهل المسجد والكافر يجوز إقراره في المسجد لاستماع القرآن والوعظ فلم يخرج عن كونه من أهل المسجد فلا يبطل اعتكافه لهذا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بهما لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المسجد, والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات وتأويل قوله في المرتد إذا لم يكن الاعتكاف متتابعًا فأسلم فتمم ما بقي وهذا اختيار القفال, قال: وفي السكران لا يبطل ما مضى أيضًا إذا لم يكن متتابعًا بل إذا أفاق يبني وقصد الشافعي به أن الردة لا تبطل الأعمال الماضية خلافًا لأبي حنيفة.
وحكي أن الربيع قال: حين قرئ عليه بهذه المسألة اضربوا عليها لأن الشافعي قال في السكران: يبطل اعتكافه والمرتد أسوأ حالاً منه والصحيح ما تقدم وما ذكره القفال لا يساعده النص الذي ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بالسكر الاعتكاف ويبطل به التتابع وأراد بالردة إذا لم تطل حتى لو طالت استأنف أيضًا وهذا [378 ب/ 4] هو أضعف مما تقدم لن ما يبطله لا فرق بين قليله ولا كثيره كالخروج من المسجد.
فرع آخر لو كان من ظالم فخرج واستتر لا يبطل اعتكافه لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه.
مسألة: قال 51: وَإن نَذَرَ اعتكافًا بِصَومٍ فَأفطَرَ استأنفَ.
وهذا كما قال: إذا نذر اعتكاف أيام يصوم متتابعًا فأفطر يومًا استأنف الاعتكاف بالصوم لأن الاعتكاف مع الصوم أفضل والثواب فيه أكثر, فكان الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف فإذا نذره على هذه الصفة لزمه على صفته كالتتابع ويفارق هذا إذا نذر أن يعتكف مصليًا له أن يفرد الصلاة عن الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل واحد منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف مع الصلاة.
وقال صاحب "الإفصاح": يستأنف الصوم دون الاعتكاف لأن الاعتكاف يصح بغير الصوم يصح بغير الاعتكاف فهما عبادتان مختلفتان, قال القفال: وهذا أقيس وهذا خلاف نص الشافعي في "الأم" حيث قال: استأنف الاعتكاف وعلى هذا النص لا يجوز له في الابتداء أن يفرق بينهما على ما ذكره صاحب [379 أ/ 4] "الإفصاح": يجوز له أن يفرق بينهما وجهان والصحيح أنه لا يلزم الجمع ها هنا وجهًا واحدًا لأن بين الاعتكاف والصوم مناسبة لأن كليهما كف وإمساك بخلاف الصلاة مع الاعتكاف, وهكذا لو نذر أن يعتكف شهرًا محرمًا فيه طريقان.
فرع لو نذر أن يعتكف عشرة أيام هو فيها صائم لا خلاف أنه لا يصح اعتكافه دون

الجزء: 3 - الصفحة: 336

الصوم لأنه التزم العبادة على صفة فلا يجوز إلا بتلك الصفة إلا أنه لا يعتبر أن يكون الصوم للاعتكاف حتى لو اعتكف في رمضان يجوز الوجهان, إذا قال: على أن أعتكف صائمًا ذكره بعض أصحابنا.
فرع آخر إذا نذر أن يعتكف جميع عمره ينعقد فإن فك في بعض الأيام فالحكم في القضاء هو كالحكم فيمن نذر أن يصوم الدهر ثم أفطر, ولو مات وفي ذمته قضاء الاعتكاف لم يلزمه إخراج البدل كما في الصلاة سواء.
مسألة: قَالَ 52 المُزَني: وَقَال فِي بَابِ مَا جمعتُ لَهُ مِن كِتَابِ الصيَامِ وَالسُنَنِ والآثارِ: لاَ يُبَاشر المعتَكِفُ.
الفصل وهذا كما قال: كأن المزني جمع مشكلات كانت له في هذه المواضع فكان يقرأها على الشافعي ويستكشفه فحكي أن الشافعي قال في قراءته [379 ب/ 4] ذلك عليه هذه المسألة وظاهرة يقتضي أن كل مباشرة بشهوة تفسد الاعتكاف إلا ما يوجب الحد من الوطء يعني الجماع الذي لو كان حرامًا يوجب الحد.
وجملته: أن المباشرة هي على ثلاثة أضرب: مباشرة لا تبطل الاعتكاف وتجوز وهي ما كان بغير شهوة مثل أن يقبل زوجته إكرامًا لها, أو ناولها شيئًا فوقعت يده على يدها ونحو ذلك وهذا لما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت "ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتكافه" ولا شك أنه تصيب يدها رأسه.
والثاني: مباشرة تبطله قولاً واحدًا وهي الوطء في الفرج عمدًا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ولأنه عبادة بدنية فيفسدها الوطء كالصوم.
والثالث: مباشرة اختلف قول الشافعي فيها وهي اللمس بشهوة والوطء دون الفرج فيها قولان احدهما: وهو المشهور لا تبطله أنزل أو لم ينزل لأنه عبادة تختص بمكان فلم يفسد بالوطء دون الفرج كالحج, ولأنه لابد من مزية الوطء فلو أبطلنا بها لا يبقى للوطء مزية, والثاني: يبطله أنزل أو لم ينزل نص عليه في "الإملاء" وبه قال مالك لأنها [380 أ/ 4] مباشرة محرمة على المعتكف فتبطله كالوطء في الفرج وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا, وقال بعض أصحابنا بخراسان في تحريمها: قولان أيضًا وهو غلط ظاهر, وقال بعض أصحابنا: القولان إذا لم ينزل فإن فقول واحد أنه يبطل, وقيل: قول واحد لا يبطل بغير الوطء وهو اختيار المزني.
وقول الشافعي "لا يباشر", أي لا يجامع وهو المراد بالآية أيضًا, وهذا كله غير

الجزء: 3 - الصفحة: 337

صحيح, واحتج المزني بالصوم والإحرام فإنهما لا يبطلان بدون الوطء والجواب عن هذا أن الصوم مشترك يبطل إذا أنزل وفي الإحرام لا تعرى المباشرة بالشهوة عن حكم وهو الفدية, فكذلك في الاعتكاف وجب أن لا يعرى عن حكم وليس ذلك إلا الفساد وأيضًا القبلة في الصوم غير محرمة بل هي مكروهة لمن تحرك شهوته, فلما لم تساو القبلة الوطئ فيه في التحريم لم تساوه في الإفساد وها هنا القبلة بالشهوة محرمة بكل حال كالوطئ فجاز أن تساويه في الإفساد ذكره أبو إسحاق.
فرع آخر لو استمنى فيه قال أصحابنا إن قلنا: لا يبطل بالمباشرة دون الفرج فهذا أولى أن لا يبطله وإن قلنا: يبطل بها إذا أنزل ففي هذا وجهان.
فرع آخر كل موضع أبطلنا الاعتكاف به لا يلزم الكفارة يل يجب القضاء فقط فإن مات قبل أن يقضي سقط ولا يجب [380 ب/ 4] الإطعام عنه وبه قال الكافة, وقال الحسن البصري والزهري: يلزم بالوطء فيه الكفارة مثل كفارة الوطء في رمضان وهذا غلط, لأنه عبادة لا يدخل المال في جزائها فلا تجب الكفارة بإفسادها.
فرع آخر لو جامع فيه ناسيًا لا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن كان في الحج قولان وكذلك لو كان جاهلاً بتحريمه, وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يبطله وهذا غلط, لأن هذه مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف كالمباشرة دون الفرج.
فرع آخر لو كان اعتكافه واجبًا ولم يشترط التتابع لا يبطل ما مضي بالوطئ وله أن يتمم ما بقي ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة فشرع فيه ثم خرج وجامع انقطع اعتكافه فإذا عاد لا يلزمه تجديد النية لأن الوقت متعين للاعتكاف وقد نوى الاعتكاف عند الشروع فيه ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر لو قال: لله على أن أعتكف شهرًا بصوم ثم مات قبل لأن يقضيه يطعم عنه مكان كل يوم مدًا, لأنه صوم واجب ولو أوجبه وهو مريض فمات قبل أن يصح من مرضه لم يجب أن يطعم عنه.
فرع آخر لو قال: لله على اعتكاف رجب صائمًا فعليه قضاء شهر بصيام فلو قضى في رمضان لم يجز لأنه يلزمه الصوم [381 أ/ 4] بالنذر وصوم رمضان واجب شرعًا فلا يسقط به فوجب النذر فهل يسقط عنه فرض الاعتكاف أم يبقى فرضه أيضًا؟ اختلف أصحابنا فيه بناء على ما ذكرنا إذا نذر اعتكافًا بصوم هل يجوز إفراد أحدهما عن الآخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 338

فرع آخر لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت أي إن اتفق لي وطئ فعلت لا ينعقد هذا النذر لأنه يخالف مقتضاه ذكره أصحابنا.
مسألة: قال 53: وَإِن جَعَلَ عَلَى نَفسِهِ اعتِكَافَ شَهرٍ وَلَم يَقُل مُتَتَابِعَاً أحببته مُتَتَابِعَاً.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف شهرًا متتابعًا يلزمه ذلك وأي شهر اعتكف فيه أجزأه لأنه نذره بشرط التتابع فيلزمه كما نذر فإنه زيادة عبادة وله أن يعتكف ما بين الهلالية سواء كان الشهر تمامًا أو ناقصًا, وله أن يعتكف شهرًا فالأيام ثلاثين يومًا, لأن اسم الشهر يقع عليهما وإن أفسد بعضها استأنف سواء اعتكف عددًا أو ما بين الهلالين ولو نذر شهرًا متفرقًا أجزأه متفرقًا, فإن اعتكف متتابعًا قال القاضي الطبري: أجزأه عندي لأن التتابع أفضل من التفريق فكان له أن يأتي متتابعًا, وسمعت بعض أصحابنا بخراسان قال: لا يجوز متتابعًا ويلزمه كما نذر ورأيته عن والدي رحمه الله وفرع عليه فقال: إذا نذر اعتكاف عشرة أيام متفرقة الأيام [381 ب/ 4] فاعتكف عشرة أيام متتابعة أصح منها خمسة الأول, والثالث, والخامس, والسابع, والتاسع, لأن التفريق يحصل بيوم واحد وفي هذه الأيام المتحللة صح الاعتكاف فيها وإن لم يقع محسوبًا والأول عندي ولو نذر شهراً مطلقًا: قال الشافعي: أحببته متتابعًا, قال المنزني: لما جعل الشافعي التتابع مستحبًا دل على أن التفريق جائز, وهذا بين في كلام الشافعي فلا فائدة في بيان المنزني, ولا يختلف أهل العراق في هذا.
وقال أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر خرجه ابن سريج أنه يلزمه متتابعًا, وبه قال أبو حنيفة, ومالك وأحمد وفي الصوم عن أحمد روايتان, وقال ابن سريج, وقول الشافعي: أحببته أي أوجبته والفرق بين هذا وبين الصوم أن من ضرورة الصوم التفريق بتخلل الليالي بخلاف الاعتكاف, وهذا غلط لأنه عبادة تصح فلا تفريقها فلا يجب فيها التتابع بمطلق النذر كالصيام وفي الصوم قد يجب التتابع, وإن كان يتفرق بالليل وهو في الكفارات, وإذا قيد نذر الصيام بالتتابع فيستوي عند الإطلاف بينهما, ولأن ظاهر نص الشافعي لا يحتمله مع ما ذكر المزني والاستحباب لا يدل على الوجوب كما يستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب وكل أمر يتوجه على الإنسان [382 أ/ 4] فالأولى المعالجة والمبادرة إليه, وإن سوغت الشريعة التأخير.
فرع لو لم يذكر التتابع لفظًا ونوى بقلبه التتابع هل يلزمه التتابع وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ تحملت كما لو قال: أنت طالق ونوى ثلاثًا وهو الأصح عندي.

الجزء: 3 - الصفحة: 339

والثاني: لا يلزمه, وهو ظاهر ما نقله المنزني, لأنه قال: ولم يقل متتابعًا أحببته متتابعًا, وعلى هذا لو قال: لله على اعتكاف مطلقًا ونوى بقلبه عشرة أيام هل يلزمه العشرة؟ وجهان: ولو نذر شهرًا محدودًا بعينه فقال: شهر رمضان أو شهر شعبان فعليه أن يعتكف ذلك الشهر عن الهلالين تاما كان أو ناقصًا, فإن أفسد يومًا منه نظر, فإن لم يكن شرط متتابعًا بني على ما مضى وقضى يومًا ولا يجب الاستئناف وقال أحمد في رواية: يجب الاستئناف لأن المتابعة واجب كما شرط.
وهذا غلط, لأن هذه المتابعة كانت من حيث الوقت كما في صوم رمضان فلا توجب الاستئناف إذا أفسد يومًا منها كما لو أفطر يومًا من رمضان ولو ترك أيامًا منه يجوز أن يقضي متفرقًا كما يجوز أن يقضي صوم رمضان متفرقًا.
وحكي أبو يعقوب الأبيوردي, عن ابن سريج أنه قال: يقضيه متتابعًا والمستحب أن يصوم معه, ثم قال: ويحتمل أن [382 ب/ 4] يكون معناه فيمن نذر ذلك متتابعًا فيلزم التتابع في قضائه لمكان الشرط, وهكذا إذا قال: إذا اعتكف جزء من وقتي هذا فإن وافق أو شهر الهلال أجزأه ما بين الهلالين فإن أفسد بعضه بني أيضًا, وإن لم يوافق ما بين الهلالين اعتكف ثلاثين يومًا من وقته, فإن أفسد بني أيضًا, وإن شرط التتابع فقال: شهر رمضان متتابعًا فإن أفسد بعضه استأنف متابعة, ويلزم التتابع في القضاء وفيه وجه آخر ذكره أصحابنا بخراسان: أنه لا يلزمه التتابع في قضائه ها هنا أيضًا, لأن ذكر التتابع كان لتعيين الوقت وهذا ضعيف.
فرع آخر إذا جامع في ليالي الاعتكاف المتتابع يبطل كما في الأيام بخلاف ما لو جامع في ليالي صوم شهرين متتابعين, والفرق أن الاعتكاف يدوم ليلاً ونهارًا فمتى صادف جماعة اعتكافه تقطع تتابعه, وأما الصيام فيختص بالأيام دون الليالي فإذا صادف ليلاً لم يصادف جماعة صيامه ولا تتابع صيامه وكيف تصادف التتابع وهو صفة الصوم والصوم بالليل معدوم, فلهذا لا يؤثر في تتابعه.
فرع آخر لا فرق في هذا الجماع بين أن يوجد في المسجد أو في طريق المسجد عند خروجه لقضاء الحاجة لأنه حين خرج لحاجة الإتيان فهو في الاعتكاف حكمًا وخرجه عن المسجد [383 أ/ 4] لا يخرجه ...... 54 العبادة وسمعت وجهًا آخر في النظر أنه إذا جامع في طريقه ولم يثبت له لا يبطل اعتكافه وهو ضعيف.
فرع آخر لو جعل لله على نفسه اعتكاف شهر سماه فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه لأن

الجزء: 3 - الصفحة: 340

الاعتكاف في شهر مضى محال فلا ينعقد نذره، وهكذا لو قال: عليَّ أن اعتكف شهر رمضان سنة مت وكان في سنة سبع.
فرع آخر لو قال: عليَّ أن اعتكف شهرًا بالنهار فله أن يعتكف بالنهار دون الليل نص عليه في" الأم" لأن الشهر ...... 55 فهو كما لو قال: لله عليَّ اعتكاف شهر إلا عشرة أيام، وهكذا لو قال: والله لا أكلم فلانًا شهرًا بالنهار وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أعتكف أيام هذا الشهر.
مسألة: قال 56: وَلَوْ نَوَي يَوْمَاً فَدخَل في نِصْفِ النَّهار اعتكف إلى مثْلهِ مِنَ الغَد.
وهذا كما قال: قال أصحابنا تأويل المسألة أنه قال: في نصف النهار لله عليَّ أن أعتكف يومًا من هذا الوقت فيلزمه أن يعتكف بقية النهار والليل ومن الغد إلى مثل ذلك الوقت، وإنما دخل الليل فيه؛ لأن كل زمان لا ينفك من الليل إذا نذر الاعتكاف فيه دخل الليل دخل فيه على طريق التبع، فأما إذا نذر اعتكاف يوم مطلقًا فإن اليوم هو اسم لبياض النهار من حين طلوع الفجر الثاني إلى [383 ب/4] غروب الشمس فيلزمه أن يدخل في الاعتكاف قبل طلوع الفجر الثاني بلحظة إلى ما بعد غروب الشمس بلحظة فيكون قد استوفي اعتكاف يوم.
وهل يجوز تفريق اليوم الواحد؟ فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو ظاهر المذهب كما يجوز تفريق الأيام والشهور، والثاني: لا يجوز والفرق بينهما أن اسم أيام متفرقة كما يقع على أيام متتابعة ويؤكده أن في الصوم يجوز تفريق الأيام في قضاء رمضان ولا يتصور فيه تفريق اليوم الواحد، وهذا هو ظاهر قوله هاهنا، اعتكف إلى مثله من الغد ولم يفصل، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد الشافعي مما ذكرنا أراد إذا نوى يومًا متتابعًا لا إذا أطلق وهذا الوجه الثاني: هو اختيار أبي إسحاق، فإذا قلنا: يجب التتابع أو قلنا: بالخيار فاختار التتابع فعليه أن يكون كل نهاره في المسجد وإنما يقدر على هذا بما ذكرنا أنه يدخل قبل طلوع الفجر الثاني إلى الغروب، وإن قلنا: يجوز له التفريق ففي أي يوم دخل يلزمه أن يعتكف الليلة التي بينهما المذهب، أنه لا يلزمه ذلك ويكفيه النصفان من يومين، وأراد الشافعي بما ذكر في" المختصرة" إذا نوى اعتكاف يوم وليلة أو إذا قادت من وقتي هذا ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يلزمه وفيه وجه آخر [384 أ/4] وهو غلط لأن الليل إنما يلزم عند وجوب التتابع فإنه لا ينفك عنها إذا دخل في نصف اليوم فأما إذا جوّزنا التفريق فلا حاجة إلى إلزام الاعتكاف في الليل بإطلاق لفظ اليوم وهذا اختيار القفال.
مسألة: قال 57: وَإنْ قَال: يَوْمَيْنِ فَإِلَي غروبِ الشَّمْسِ مِنْ اليَوْمِ الثاني.

الجزء: 3 - الصفحة: 341

وهذا كما قال: قد ذكرنا إذا نذر اعتكاف يوم ماذا حكمه ولا فرق بين أن يعين اليوم أو لا يمن، وأما إذا نذر اعتكاف يومين فلا يخلو إما أن يطلق، ها أن يشترط التتابع فإن شرط التتابع يقال: لله عليَّ اعتكاف يومين متتابعين يلزمه أن يعتكف يومين وليلة بينهما لا يختلف أصحابنا فيه إلا أن يكون له نية النهار دون الليل فلا يلزمه الليلة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يلزمه يومان وليلتان لأن لفظ الإمام على الأيام على طريق الجمع والتثنية يدخل فيه مثله من الليالي، وكذلك لفظ الليالي بدليل قوله تعالى:" قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " [آل عمران:41]، وقال في موضع آخر" ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا " [مريم:10]، وهذا غلط لأن اليوم هو اسم لبياض النهار والتثنية هي تكريرًا لواحد فإذا لم يدخل في الاسم ولا تخلله لم يدخل فيه، وأما ما ذكره قلنا: يجوز دخول [384 ب/4] فيه بالإرادة، فأما باللفظ فلا ومن أصحاب أبى حنيفة من قال: قاله أبو حنيفة استحبابًا والواجب يومان وليلة فعلى هذا ارتفع الخلاف لأن عندنا يستحب ذلك أيضًا.
وإن نوى بلياليهما يلزم ليلتان عندنا أيضًا وإن أطلق وقال: يومين أو عشرة أيام فلا يختلف أصحابنا أن التتابع لا يجب ولكن اختلفوا في وجوب الاعتكاف في الليل فقال عامة أصحابنا: يدخل الليل فيه ويلزمه أن يأتي بيومين وليلة وهذا هو ظاهر المذهب لأن كل زمان لا ينفك من الليل فإذا نذر اعتكافه دخل الليل فيه تبعًا، ومن أصحابنا من قال: لا يدخل الليل فيه لأن اسم اليوم لا يقع إلا على بياض النهار فلا يدخل الليل فيه من غير شرط، وتأويل نص الشافعي أنه أراد به يومين متتابعين وعلى هذا لو قال: لله علي أن أعتكف ليلتين فإنه يلزمه أن يعتكف ليلتين ويومًا ويجوز متتابعًا ومتفرقًا على قول بعض أصحابنا وهو الصحيح، وفيه وجه آخر؛ أنه يلزمه أن يعتكف ليلتين من غير يوم.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان يومين في الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه، وإذ قال ليلتين ففي اليوم الذي بينهما ثلاثة أوجه اثنان: مما ذكرنا، والثالث: أنه إن شرط [385 أ/4] التتابع يلزمه عنه لأنه قد لا ينفك منه اليومان أو الليلتان.
فرع آخر دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه فيه وجهان أحدهما: يبطل لأنه قطع شرط صحته كما لو قطع نية الصلاة، والثاني: لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج والأول أظهر.
فرع لو قال: لله عليَّ أن أعتكف العشر الأواخر يلزمه ذلك مع الليالي لأن العشر اسم الأيام بلياليها بخلاف الأيام، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف آخر شهر في هذه السنة

الجزء: 3 - الصفحة: 342

اعتكف ذا الحجة من أوله إلى آخره تامًا كان أو ناقصًا، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام قال القفال: يدخل فيها الليالي بخلاف ما إذا قال: يومين والفرق أن العرب تطلق الأيام وتريد مع الليالي وفي اليومين لا تريد إلا النهار وهذا أحسن ولكنه خلاف ظاهر المذهب.
مسألة: قال 58: وإن قال: لِلّهِ عَليَّ أَنْ أعْتَكِفَ يَوْمَ يَقْدُمُ فيه فُلانٌ فَقَدِمَ في أولِ النَّهارِ اعتَكَفَ في مَا بَقِيَ.
وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف اليوم الذي تقدم فيه فلان لا يصح نذره في أحد القولين، لأن الصوم لا يصح في بعض النهار، فإذا قدم لا يمكنه أن يصوم فيه والاعتكاف يصح في بعضه ثم ينظر فإن قدم [385 ب/4] ليلًا لم يلزمه الاعتكاف لأن الشرط لم يوجد، وإن قدم نهارًا يلزمه أن يعتكف ما بقي قولًا واحدًا ويجزيه قليلًا كان أو كثيرًا ولا يلزمه قضاء ما مضي منه، وقال المزني: يلزمه قضاء ما مضى من نهاره فقال: يشبه ....... 59، إذا قدم في أول النهار يقضي بمقدار ما مضى من ذلك اليوم من يوم آخر حتى يكون قد أكمل الاعتكاف يومًا ثم أوضح ذلك فقال: وقد يقدم في أول النهار بطلوع الشمس وقد مضي بعض يوم فلا بد من قضائه حتى يتم يومًا، قال المزني: ولو استأنف اعتكاف يوم حتى يكون اعتكافه موصولًا كان أحب إليَّ أي حتى لا ينقطع بدخول الليل، وقال أصحابنا هذا غلط، لأن اعتكاف باقي هذا النهار وإتمامه من يوم آخر أولى من استئناف اعتكاف يوم ليكون البعض في وقته هناك والأفضل أن يعتكف باقي اليوم الذي قدم فيه وقضى الباقي من الغد، وإن أراد غاية الفصل والتمام استأنف يومأ آخر على الكمال.
ومن أصحابنا من قال: إذا قدم وبقي من النهار دون الصف فيه أربعة أوجه أحدها: لا يلزمه شيء وهذا على قول من قال: قعود ساعة لا يكون اعتكافًا، وأنه إذا نذر صوم يوم [386 أ/4] يَقدُم فيه فلان فَقَدِمَ وهو مفطر لا ينعقد نذره، والثاني: يلزمه اعتكاف بقية النهار وهذا على قول من يقول قعود ساعة يكون اعتكافًا، والثالث: عليه اعتكاف يوم كامل فيضيف إليه من الليل ما يتم قدر يوم فإن لم يفعل يقضي يومأ كاملًا، والرابع: يضيف إليه من الليل قدرًا يحتسب بذلك من الزمان اعتكافًا وهذا على قياس قولنا في الصوم يلزم ما هو صوم في الشرع، وهو يوم كامل.
واحتج المزني بأنه لو قال: للَّه عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه وقلنا: يصح نذره فقدم في بعضه يجب ..... (3) وهذا غلط، لأن هذا الزمان ... (4) فصار كما لو أوجب على نفسه اعتكاف زمان ماضٍ لا يلزمه ويفارق الصوم لأنه لا يمكنه أن يأتي بالصوم فيما بقي من النهار ولا يمكنه آن يقضيه متميزًا عما قبله فلزمه قضاء يوم كامل وفي الاعتكاف يمكنه أن يأتي فيما بقي من اليوم اعتكافًا صحيحًا فأجزأه ذلك، ولو قدم

الجزء: 3 - الصفحة: 343

والناذر محبوس أو مريض جاز له ترك الاعتكاف ويلزمه أن يقضي ذلك القدر الذي فاته من ذلك اليوم نص عليه في كتبه.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الحبس بحق وهو مفرط في منع الحق يلزمه القضاء، وإن كان [386 ب/4] يظلم فيه قولان مخرجان ذكره الإمام القاضي الطبري، وقال القاضي أبو حامد في" جامعه"، وصاحب" الإفصاح": فيه وجهان أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه تعذر عليه الاعتكاف حين الوجوب وهذا خلاف نص الشافعي وهو غلط، لأن ما وجب على الصحيح من العبادة إذا تركه لمرض آو غيره من الأعذار يجب قضاؤه كصوم رمضان، وقال المزني: يقضي جميع اليوم، وقال القفال: ينبغي أن يذكر حكم الصوم لو نذره في هذا اليوم ثم يرتب عليه حكم الاعتكاف فاعلم أنه إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم لا يمكنه الصوم في باقي نهاره لأن صوم نصف النهار لا يكون صومًا، وقد فاتت النية من الليل، ولكن هل يجب عليه قضاء صوم يوم آخر؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأنه لم يحصل إمكان الأداء.
والثاني: يجب ثم اختلف أصحابنا على أي معنى يجب منهم من قادت يجب لأن اليوم عبارة عن جميع النهار وقد لزم النذر من أول اليوم الذي قدم فيه فلان في إثنائه، ولكن لم يعلم ومنهم من قال: لم يلزمه إلا ما بعد قدوم فلان ولكنه لا يمكنه أداء صوم يوم فلزمه صوم يوم كامل ليقع [387 أ/4] هذا القدر فيه فإذا قلنا بالأول: هناك لا يلزمه القضاء أصلًا ففي الاعتكاف يلزمه باقي النهار أيضًا لأن اعتكاف نصف يوم صحيح بخلاف الصوم، ماذا قلنا بالثالث: إن في أوله لزمه كل الصوم ولكن لم يعلم فهاهنا يلزمه اعتكاف كل النهار فيعتكف باقي نهاره من يوم آخر ليتم يومأ فحصل قول آخر مخرج قال: وعلى هذا المعنى يخرج لو قال لعبده: أنت حر اليوم الذي يقدم فيه فلان فأصبح يومًا فباع العبد ثم قدم فلان في خلال اليوم، فإن جعلنا ذلك عبارة عن وقت اللزوم أعني ساعة القدوم لم يعتق العبد، وإن قلنا: إنه عبارة عن جملة اليوم فعما طلع الفجر عتق وبعد ذلك باطل، وكذلك لو علق الطلاق مثل هذا فأصبحت يومًا وماتت ثم قدم فلان فإنما ما؟؟؟ مطلقة أو زوجة على هذين الوجهين وعلى هذا إذا قال: يحصل العتق والطلاق في مسألة الصوم وأصبح صائمًا عن نذره وقدم فلان أجزأه صومه عن نذره وليس هذا التخرج عند أهل العراق.
فرع قال في" الجامع الكبير": إذا جعل المعتكف على نفسه اعتكاف أيام نذر لله تعالى إن كلم فلانًا فكلمه فعليه أن يعتكف، قال أصحابنا: أراد إذا أخرجه يخرج نذر ..... 60 والسؤال من الله تعالى [387 ب/4] كأنه قال: إن رزقي الله تعالى

الجزء: 3 - الصفحة: 344

كلام فلان فلله عليَّ أن أعتكف شهرًا فإذا رزقه الله تعالى ذلك يلزمه الوفاء قولًا واحدًا ويحتمل أن يكون هذا أحد القولين في نذر الحاج.
فرع آخر قال فيه أيضًا: لو قال: .... 61 قال المزني: لم يجعل ..... 62 في كتاب الكفارات في مثل هذا إلا كفارة اليمين قال أصحابنا: هذا علق اليمين وذلك أحد القولين فيه، وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: فإن علق به طلاقًا أو عتقًا من قياعه قولًا واحدًا، وإن علق به عبادة كالاعتكاف والصوم والصلاة فهو بالخيار بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وإن علق به الحج فيه قولان أحدهما: يلزمه الوفاء به، والثاني: بالخيار.
مسألة: قال 63: وَلَا بَاسَ الْمُعْتِكف وَالْمُعْتَكِفَة.
الفصل وهذا كما قال: قصد به أن الاعتكاف لا يحرم اللبس والطب وعقد النكاح بخلاف الإحرام بالحج، وقال عطاء وطاوس: المعتكف ممنوع من الطب تشبهًا بالمحرم وهذا غلط، لأن النبي (صلي الله عليه وسلم) " رجَّل شعر رأسه في الاعتكاف" ولا يجوز اعتباره بالإحرام لأنه شرع فيه الكشف والتجريد بخلاف هذا، وقال أحمد: يستحب أن لا يلبس الرفع من الثياب [388 أ/4] ولا يطيب نفسه كما في الإحرام يعتبر تغيير الزينة وهذا غلط، لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:31]، ويقيس على الصوم فإنه لا يكره فيه ذلك ثم قال: وإن هلك زوجها خرجت فاعتدت ثم بنت وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال 64: ولا بأس بِأَنْ تُوْضَع المَائِدَةُ في المَسْجِدِ وَغَسْلُ اليَدينِ في الطَّستِ.
وهذا كما قال: الأكل جائز في المسجد وأكله على المائدة أولى لحماية المسجد من أن يتلوث بما يأكله أو يشربه فتجتمع عليه الهوام، وكذلك يغسل يديه في الطست حتى لا يتلوث المسجد بما يغسل به يديه وبما ينزل منها فإن غسل في غير طست ..... 65 لا بأس كالوضوء في طست ويكره في غير طست .... 66 الطهارة .... 67 كغسل اليدين.
مسألة: قال 68: وَالمَرْأَةُ وَالعَبْدُ والمًسافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا.
وهذا كما قال: أراد حيث شاؤوا من المساجد وهذا لأنه لا جمعة عليهم بخلاف الرجل فإن الجامع له أفضل وللزواج وسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم فإن أذن لهم ثم أراد ..... 69 له قال أصحابنا: هذا إذا كان الاعتكاف مطلقًا لم يشترط فيه التتابع فإن اشترطوا التتابع ودخلوا بإذن الولي أو الزوج لم يكن له منعهم فيه قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 345

الإتمام لأن ذلك يفسد ويوجب [388 ب/4] الاستئناف.
وقال أبو حنيفة: له منع العبد دون الزوجة، وقال مالك: ليس له منعهما وهذا غلط، لأنه بالإذن كالمعير وللمعير الرجوع وليس للسيد أن يمنع المكاتب من الاعتكاف لأنه قد ملك نفسه وكسبه، ومنعه في الكتابة الفاسدة.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجه آخر له أن يمنع المكاتب لأن عليه أن يكتسب ويحصل ...... 70، السيد فليس له أن يقعد في المسجد ويبطل حقه وهذا ليس بشيء لأن السيد لا يجبره على الاكتساب ..... (2)، وقيل: هذا مذهب أبي حنيفة أن له منعه، وأما العبد المعتق ... (3) قال في الجامع الكبير: له أن يعتكف يومًا حتى يتم اعتكافه.
قال أصحابنا: تأويل المسألة أنه كان بينهما مهايأة فأما إذا لم يكن بينهما مهايأة فإن للسيد منعه منه لأن كل جزء من تصرفه بينه وبين سيده، ولو أذن المسجد لعبده بنذر الاعتكاف ولم يأذن له في دخول المسجد فدخل .... (4)، هل لسيده منعه فيه وجهان والصحيح ليس له منعه والفرق آن هذا النذر .... (5)، سواء في الفضل أو ليس له وقت .... (6)، في الشرع ... (7)؛ وقت مخصوص [389 أ/4] وأما الصلاة فإنها في أول وقتها أفضل منها في آخر وقتها فإن قيل هذا منعه من الفضل كما يمنعه من النوافل، وقيل: ليس له منعه من النوافل التي من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في ... المكتوبات وبينها هما يمنعه .. ذكره أصحابنا ... فيه وجه آخر والفرق أن الصلاة وجبت في أول الوقت ولو لم يفعل في أوله احتاج إلى الفعل في آخره فلا يمنعه منه بخلاف ........ باعتكافه عشرة أيام ..... بزمان يعينه وأذن له بالدخول ... فيه وجهان أحدهما: لا لأنه وجب بإذنه ....... لأنه لا يجوز له ........ وإن لم يكن متتابعًا جاز إخراجه لأنه يجوز له الخروج ...... إخراجه والله أعلم.
وهذا آخر الجزء وهو الجزء الرابع من كتاب بحر المذهب [حسب الأصل].

الجزء: 3 - الصفحة: 346

[2/أ] كتاب الحج

بابُ إثبات فرض الحج على من استطاعَ إيه سبيلًا

اعلم أن معنى الحج في اللغةِ: القصد، ومنه يسمّى هذا الحج الشرعي حجًا، لأن فيه قصْدًا إلى بيت الله الحرام ومَشاعره، وقالَ الخليل بن أحمد: الحج كثرة القصد إلى من تعظم، والحج: المسير إلى بيت الله خاصّة، يقال: حَجة وحِجة، والحِج والحِج بالكسر والفتح، والفتح أحسن والحاج: اسم الفاعل، والحجاج من كثر الحج منه، والحجاج والحجيج: جمع الحاج، والمحجة: قَارعة الطريق، وسميت بذلك لكثرة التردد فيها، وقيل: من قصد البيت مرةً واحدةً، قيل: حجّ إليه لأنّ البيت يكثر قصده من كل أحد، فإذا قصده مرةً، قيل: حجّ البيت، فأما غير البيت، فإنما يقال ذلك إذا كثر إتيانه، ومنه قول الشاعر 71: وأشهد من عوفٍ حُلولًا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا وكان الزبرقان سيّد قومهِ، والسبب: العمامة، والمزعفر: منَ الزعفران، فكأنه عبّر بعمامته عَنه لأنها معظمة.
فإذا تقررّ هذا، فالأصل في وجوب الحج الكتاب والسنّة والإجماع.
أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: (196)]، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنّهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: (27)]، يعني: مشاةً ورُكبانًا، وقيل: إن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالحج صعد المقام، فنادى: عبادَ الله أجيبوا داعي اللهِ [2/ب] فأجابوه حتى أجابه من في أصلاب الرّجال وأرحام النساء، فكلّ من حجّ ولّبي فهو الذي أجاب دعوة إبراهيم عليه السلام، وهذا مبني على أن شريعة مَن قبلنا تلزمنا.
وقيل: شريعة إبراهيم عليه السلام خاصّة تلزمنا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:125]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97]، وعلى كلمة إيجاب.
وتكلم الشافعي على قوله:" وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران:97]، فروي عن مجاهدٍ 72 أنه قال: أرادَ به من أدّى الحج، ولم يره براٌ وتركه: ولم يره مأثمًا يكفر بذلك، لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 347

ترك اعتقاد وجُوبه، وأجمع الملمون على وجُوبه فوجب الكفر.
وقال عكرمةُ: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:97]، قالت اليهود نحن المسلمون، فأوحى الله تعالى إلى نبيّه حجهم، يعني: مرهم بالحج فأمرهم بالحج، فقالوا: لم يكتب علينا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ إلي قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:97] يعني من أهل الكتاب 73، وقال ابن عباس: أراد ومن كفر باعتقاد أنه غير واجب.
وأما السنّة، فخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" بني الإسلام على خمسٍ"، الخبرُ وروي أن ضمام بن ثعلبة وردَ على رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وافدًا لقومهِ، فلما دخل المسجد، قال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: ذاك الأبيض المرتفق، وكان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) متكئًا، فأتاه حتى وقف عليه، فقال: أنتَ ابن عبد المطلب؟ فقال: وَجدته، فقال: إني سائلك ومغلظ عليكَ في السؤال، فلا [3/أ] تجد عليّ، فقال: أنشدك الله، الله أرسلك إلينا رسولًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمركَ أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال:" اللهم نعم"، قالَ: أنشدك الله، الله أمركَ أن تآمرنا أن نؤدي زكاة أموالنا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تأمرنا أن نحج البيت إذا استطعنا إليه سبيلًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تآمرنا أن نصوم شهر رمضان؟ قال:" اللهم نعم"، ثم أسلم وحّسن إسلامه.
وروى ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا ذا ت يوم عند رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إذ أقبل رجل لم ير أشد بياضًا من ثيابهِ ولا أشد سودًا من شعره لا نعرفه حتى دنا من رسول الله، فوضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصومَ رمضان وتحج البيت إن استطعت" قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم، قال:" نعم"، قال: صدقت.
وكان الرجل جبريل عليه السلام، وروى أبو أمامة الباهلي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فلم يحج حتى مات فليمت يهوديًا أو نصرانيًا" 74؛ وأخذ بعض أهل العلم بهذا الظاهر، وقال: يكفر بتأخير الحج، وهذا غلط، وتأويله: إذا لم ير الحج واجباً.
وأما الإجماع فلا خلاف فيه بين الأمّة.
وأعلم أن الحج من الشراع المقدمة، وأول من حجّ البيت آدم صلوات الله عليه، وقيل: ما من نبي إلا وقد [3/ب] حجّ هذا البيت، وقال محمد بن إسحاق: ما من نبي هلك قومه إلا انتقل بعد هلاكهم إلى مكة وعبد الله تعالى عند البيت إلى أن أتاه أجله.
وروي أن النبي.
قال:" مر موسى عليه الملام بالرّوحاء في سبعين نبيًا عليهم العبَاء يؤمون البيت وصَفَائح الروحاء تجاوبهم".
وروي:" مر موس عليه السلام بالروحاء على ناقةٍ زمَامها من ليفٍ"؛ وكانَ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) يحج قبل الهجرة كل

الجزء: 3 - الصفحة: 348

سنةٍ، واختلف أصحابنا هل كان واجبًا قبلَ الهجرة؟ منهم من قال: نزل فرضه قبل الهجرة، ومنهم من قال: لا بل بعدَ الهجرة سنة خمسٍ من الهجرة.
مَسْألَةٌ: قال الشافعي 75: فرض الله تعالى: الحج على كل حرّ بالغ.
الفَصلُ الكلام الآن في بيان شرائط وجُوب الحج، والحج لا يجب إلا بوجود سبع شرائط.
والمزني أخلّ بالنقل حيث اقتصرَ على ذكر ثلاث شرائط، والشافعي زاد على هذا فذكَرَ البلوغ، والعقل، والإسلام، والحريّة، ووجودُ الزادِ، والراحلةِ، وتخليه الطريق، وإمكان السير على العرف، والعادة، فإن عدم شرط من هذه الشرائط لا يجبُ الحج، فالصبي لا يلزمه الحج لقوله (صلي الله عليه وسلم):" رفع القلم عن ثلاثة .... " الخبر.
وروي أنه قال:" أيّما صبيّ حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام" 76، فثبت أن الوجوب يتعلق بالبلوغ، لأنه عبادة على البدن فلا يلزم الصبيّ، كالصّوم، والصّلاة، وكذلك المجنون لا حجّ عليه لما ذكرنا.
وأمّا العبد، فلا يلزم لما روى ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم)، قال:" أيّما عبدٍ حجّ ثم أعتق فعليهِ [4/أ] حجة الإسلام" 77، ولأن الحج إنما يجب بوجود الزاد والراحلة، ولا مال للعبي، ولهذا لا يلزمه الجهاد أيضًا.
وأما الكافر هل يخاطب بالحج؟ وجهان، ولا خلاف أنه لا بصحّ منه لقوله (صلي الله عليه وسلم) "أيّما أعرابي حجّ ثم هاجرَ فعليه حجة الإسلام"، ولأن الحج عبادة والكفر ينافيها.
وأمّا الزاد والراحلة فشرط في وجوبه لِما روي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) سُئل عن الاستطاعةِ، وروي أنه سئل عن السبيل، فقال:" الزاد والراحلة" 78؛ ولا تجب إذا لم يكن الطريق مأمونًا لأنه لو دخل في الحج ثم منع منه كان له الخروج، فلأن لا يلزمه الدخول فيه عند اقتران المنع أولى، وفيه ورد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]، ولا يجب إذا ضاق الوقت، ولا يمكنه المسير إليه في تلك السّنة، فإن بقي إلى السّنة الأخرى، وبقيت الشرائط التي ذكرناها وَجَبَ الحج واستقرّ هذا لأن العبادة لا تجب معَ عدم الإمكان.
ثم أعلم أن هذه الشرائط على ثلاثة أضرب: ضربٌ يمنع الوجوب والصحّة، وهو الإسلام والعقل، وضربٌ هو شرط في الوجُوب دون الأجزاء، وهو الاستطاعة وتخليه الطريق، وإمكان المسير، فإنه لو استقرَضَ الزادَ والراحلة ودفع العدو بالقتال أو المال، وسار أسرع من المسير المعتاد حتى حج أجزأه، ووقع واجبًا، ومنها ما هو شرط في الوجوب والأجزاء عن الفرض، وهو البلوغ والحرية.
وقيل: أريع منها شرط في وجوبه، وجوازه عن الفرض، وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية [4/ب] وشرطان منها لا يمنع فقدهما الجواز كما يمنع الوجوب على ما ذكرنا، والباقيان منها لا يمنع فقدهما الجواز والثلاث الأخر شرط في الوجوب دون الجواز.
وقال أحمد: شرائط

الجزء: 3 - الصفحة: 349

الوجوب خمس، فأما تخليه الطريق، وإمكان المسير فهما من شرائط الأداء دون الوجوب حتى لو مات حجّ عنه من ماله، ولو وجدت الشرائط الخمس، وكان الطريق مخوفًا، والوقت ضيقًا ثبت الحج في ذمته لأن إمكان الأداء لا يكون شرطًا في وجوب العبادة كما في الصلاة والزكاة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:97]، وهذا غير مستطيع، ولأنه معنى يتعذر مع عدمه فعل الحج، فكان شرطًا في وجُوبهِ كالزاد، والراحلة.
وأما الصلاة والصوم والزكاة لا نسلم لأن إمكان الأداء شرط في وجوبها، وإن سلّمنا في الزكاة في أحد القولين، فلأنها حقّ في المال، ووجوبها أوسع لأنها تجب على الصبيّ والمجنون.
مَسْألَةٌ: قال 79: ومن حجّ مرةً واحدةً في دهره، فليس عليهِ غيرها.
لا يجب الحج بابتداء الشرع إلاّ مرة واحدةً، وإذا حجّ حجة الإسلام فقد سقط عنه فرض الحج سواء بقي على الإسلام، أو ارتد ثم أسلم.
وقال أبو حنيفة: من ارتد بعدما حج ثم عاد إلى الإسلام يلزمه الحج مرةً أخرى، وهذا على أصلهِ أن مجرد الردة يحبط ما مضى من الأعمال، فإذا عاد إلى الإسلام كان كيوم وَلدته أمه مستأنف الأمر، وعندنا لا تحبط الأعمال إلا باقتران الموت بالردة، واحتج بقولهِ تعالى: [3/ب] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:5]، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217]، وأما الآية التي احتجوا بها، أراد بها إذا مات عليها، بدليل هذه الآية، والأصل فيما ذكرنا ما روي أن الأقرع بن حابس، قال: يا رسول الله أحجتنا بها لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال:" بل للأبد ولو قلت: لعامنا هذا لوجب، ولو وجب لم تطيقوه" 80، وفي رواية ابن عباس أن الأقرع قال: يا رسول الله الحج في كل سنةٍ مرةٍ واحدة؟ فقال:" بل مرةً واحدةً، فمن زاد فتطوعٌ"، وإنما سأل لأن ظاهر قوله تعالي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97]، يوهم التكرار لما ذكرنا أن الحج في اللغة: اسم يقصد فيه تكرار.
فَرْعٌ لو أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام هل يبني على إحرامه أم يستأنف؟ وجهان: أحدهما: يبطل إحرامه كما يبطل بها الصوم والصلاة.
والثاني: لا يبطل لأنه لا يبطل بالجنون، والموت، فكذلك بالردة، فإذا أسلم بنى عليه، والصحيح عندي الأول.

الجزء: 3 - الصفحة: 350

فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يبطل، هل يلزمه المضيّ على حكم البطلان؟ وجهان: أحدهما: يلزمه كما في الوطء.
والثاني: لا يلزمه بخلاف الوطء لأن الواطء إذا قارن ابتداءه لا يمنع انعقاده، فإذا طرأ لا يقطعه بخلاف الردة، فعلى هذا لو عادّ إلى الإسلام ووقت الحج باقٍ له أن يستأنف الإحرام.
مَسْألَةُ: قال 81: والاستطاعة وجهان.
الفَصْلُ لا خلاف بينَ العلماء أن الاستطاعةَ معتبرة في وجوب الحج، ولكن اختلفوا في كيفيتها [4/أ]، فمذهب الشافعي إلى أن الاستطاعة قسمان: أحدهما: أن يكون مستطيعًا ببدنهٍ بحيث يلزمه الحج بنفسه، وهو أن يكون قويًا يمكنه أن يثبت على المركبِ من غير مشقة فادحة، ويكون واجدًا للزاد والراحلة، فإن عدم أحدهما لا يجب عليه أن يحج ينفسه.
وقال في" الأم" 82: وقد صار للنّاس محامل لم يكن، فإن أمكنه في غير محمل ولا يضرّ به ولا يشق عليه لزمه الحج، وإن كان ضعيفًا لا يمكنه الثبوت على القتب أو الزاملة، وثبت علي المحمل أو امرأة، فلا يلزمه إلا أن يجد محملًا.
قال أصحابنا: وإن كان يلحقه مشقة غليظة في ركوب المحمل اعتبر في حقه وجود الكسبة لأن اعتبار الراحلة لما يلحقه من المشقة في الطريق، فإذا كان يلحقه المشقة في الراحلة اعتبر وجود ما يزول به المشقة.
وأما الزاد فإن كان له أهل يلزمه أن ينفق عليهم، فلا يختلف المذهب أن زاده أن يجد نفقة نفسه في الطريق في ذهابه، ورجُوعهِ إلى بلده، ونفقة من تلزمه نفقته في مدة غيبته، وإنما قلنا كذلك لأن نفقتهم اّكد من الحج، فإن نفقتهم في كسبهِ، ولا يجب الحج في كسبه ونفقتهم مضيقة في الحال بخلاف الحج، ونفقتهم متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج إليها، وقد قال (صلي الله عليه وسلم):"كفي بالمرء إثمًا أن يضيعَ من يقوت" 83، وإن لم يكن له أهل، فلا يختلف المذهب أنه يعتبر ما يكفيه لذ هابهِ، وهل تعتبر نفقة رجوعه إلى بلده؟.
اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا تجب حتى يجد ما يكفيه لرجوعه أيضًا، وهو ظاهرُ المذهب نص عليه في" الإملاء"، لأنه لا يكلفّ [6/أ] الانقطاع عن وطنه، فإن فيه بعد، ولهذا يغرب الزاني.
ومن أصحابنا من قالَ: يلزمه الحج لأنه واجد للسبيل، ولا ضرر عليه في الانقطاع عن وطنه لأن الرازق واحد في جميع البلاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في بلده أحد من أقاربه يعتبر نفقة الرجُوع، وإن لم يكن فوجهان.

الجزء: 3 - الصفحة: 351

فَرْعٌ لا فرقّ بين أن يكون واجدًا لهذه النفقة ناضًا أو محلفه، أو غير ذلك أو يكون مال في يده أو دين حال على ملي يقدر على قبضهِ منه لأن الدين الحال على ملي يميز له العين في يده، لأن كان له دين مؤجل على رجل أو حال على غير ملي فوجوده وعدمه سواء وعلى هذا نتصور الحيلة في إسقاط فرض الحج مع اليسار بأن يبيع ماله قبل وقت الحج مؤجلًا إلى وقتٍ إذا أخذه لا يمكنه المسير إلى الحج.
ولو كانت للرجل دار وهو يحتاج إلى تلك الدار للسكنى لا يلزمهُ بيعهُا لأنه يحتاج إليها للسكنى فهي كثياب بدنهِ.
وكذلك إن كان له خادم وهو ممن يخدمه لم يلزمه بيعه، وحكي الشيخ الكشي أيضًأ عن الشافعي أنه قال: لا يباع فيه المسكن، ولا الخادم بخلاف المفلس، قال: وهكذا لأجل زكاة الفطر، وقال أبو حامدٍ: هكذا ذكره أصحابنا قياسًا على من لزمته كفارة لا يلزمه بيع المسكن والخادم الذي يحتاج إلى خدمته لمروةٍ، أو زمانة، ولا نص فيه والمذهب أنه يلزمه بيعُ الدار والخادم، وأداء الحج بثمنه، ويكتري مسكنًا وخادمًا لأهله لأن النبي (صلي الله عيله وسلم) اعتبر الزاد، والراحلة، وهذا واجد وكما قلنا في صدقة الفطر أنه إذا فضلت عن كفاية [6/ب] يومه، وجبت عليه ولأنا لو اعتبرنا الفاضل عن المسكن والخادم لاعتبرنا الفاضل عن كفايته على الدوام، وذلك لا يعتبر كذلك ههنا، وليس كالكفارة لأن لها بدلًا تنتقل إليه فخفّف أمرها بخلاف هذا، ولأنه يلزم بيعها في حق الغرماء كذلك للحج، وزكاة الفطر، والأصحّ الأوّل لأن هذا من حق الله تعالى فلا يضيقُ عليه كل التضييق، بخلاف حق الغرماء، ولهذا يعتبر ههنا نفقة الذهاب والرجوع له، ولعياله، ولا يعتبر ذلك في حق الغرماء عند بيع مَال المفلس لهم.
ومن أصحابنا من سلم الفطرة أنه يلزمه أداؤها من المسكن والخادم، واعتذر بأنها تجب على الفقير وتتحملها الغير عنه بخلاف هذا، والأصحّ عندي ما تقدم.
وأما الكفاية على الدوام من أصحابنا من يعتبرها، وهو القياس، فلا سلم.
فَرْعٌ آخْرُ لو كانت دار كبيرة، يمكنه أن يبيع بعضها ويسكن في باقيها يلزمه بيعها وصرف ثمنها إلى الحج.
قال أصحابنا: ولا يجب عليه بيع كتبه إذا كان فقيهًا يحتاج إليها، فإن كانت له كتب لا يحتاج إليها، أو كانت له نسختان من كتاب واحدٍ يلزمه بيعها وبيع إحدى النسختين، وكذلك إذا كان له خادم كثير الثمن يكفيه خادم بدون ذلك الثمن يلزمه بيعه.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يكن له مسكن ومعه نقد يكفيه لحجّه، هل يجوز له أن يشتري بهِ مسكنًا؟ فإن قلنا: يبيع المسكن له لا يشتري، وإن قلنا: لا يبيعه، فالقياس أنه يجوز له أن يشتري يه المسكن الذي يحتاج إليه [7/أ].
وحُكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيعُ مسكنه ولا يشتري المسكن أيضًأ، بل يصرف النقد إلى الحج، وهذا غلط لأنه إذا لم يلزمه بيعه للحاجة له شراؤه عند الحاجة كثياب بدنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 352

فَرْعٌ آخرُ إذا كانت له بضاعة يكفيه ربحها أو ضيعة يكفيه غلتها، ولو باعها وصرف ثمنها إلى الحج لم يبق له ما يتجر به، ولا ما يستغل منه، وليس له معيشة ولا ضيعة عن التجارة أو الزراعة.
اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا يلزمه صرفها إليه، وبه قال أحمد، وهو اختيار ابن سريج، والقاضي الطبري وجماعة، لأن فيه إلحاق ضرر عظيم به، فإنه يؤدي إلى الفقر، ومسألة الناس وذهاب الحشمة، وهذا ظاهر لا شكّ فيه، ولأنه لم يجب بيع المسكن والخادم وكتب العلم للحَاجة إليها على ما قررنا فلا يجب بيع البضاعة، والضيعة أيضًا.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه صرفها إليه.
وبه قال أبو حنيفة وقال في" الحاوي" 84: وهذا مذهب الشافعي، وجمهور أصحابه لأن الشرط في وجُوبه الزاد والراحلة ونفقة أهله في ذهابه ورجوعه، ولا اعتبار بما بعده.
قال هذا القائل: ويفارق هذا المسكن والخادم، لأن السكنى والخادم يجبان على الغير ولا يجب على الإنسان أن يعطى غيره بضاعة يتجر فيها.
وقال أبو حامد: هذا هو المذهب، ولا أعرف ما حكي عن ابن سريح عنه، ولا أجده في كتبه، وهو خلاف الإجماع أيضًا، قال: والحج كزكاة الفطر تلزمه الفطرة في الفاضل عن قوتِ يومه وليلته، كذلك الحج يلزمه في الفاضل عن قوته، وقوت عياله.
قال: والدليل على صحة هذا أن الرجل لو كان [7/ب] ممن لا يمكنه التجارة إلا بألف دينار، لا يقال: يترك له ذلك، ولا يخاطب بالحج لأن هذا ظاهر الفساد ومن نظر قول ابن سريج، وهو الصحيح عندي، أجاب علي هذا الفرق بأنه كما لا يلزم الغير أن يدفع البضاعةِ إلى الغير لا يلزمه أن يسكنه ملكًا بل يلزمه أن يحصل له منافع السكنى، وكذلك يلزمه أن يكفيه منفعة البضاعة، فلا فرق.
فَرْعٌ آخرُ قال أبو حَامد: حكي عن الشافعي أنه قال: يترك للمفلس بضاعة يتّجر فيها ثم يقسم باقي ماله على غرمائه، وأراد به استحبابًا إذا رضي الغرماء بهِ، فأما إذا لم يرضوا لا يترك له إلا قوت أهله وقوته ما يكفيهم يومهم وليلتهم.
فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه دين لا يفضل عنه ما يكفيه لحجه لم يجب عليه الحج حالًا كان أو مؤجلًا، نصّ عليه في" الإملاء"، وإنما كان كذلك لأن الحال مقدم لأنه على الفور ويتعلق به حق الآدمي ويلحقه ضرر ببقائه في ذمته، وكذلك المؤجل لأن عليه في بقائه إضرارًا عظيمًا، ولهذا لا يلزمه الحج حتّي يفضل عن نفقةِ أهله إلى حين عودهِ، وإن لم تكن واجبة في الحال.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الدين المؤجل يحلّ عليه قبل عرفة لا يلزمه الحج، وإن كان يحلّ عليه بعد عرفة هل يلزمه الحج؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه.

الجزء: 3 - الصفحة: 353

والثاني: يلزمه لأن الدين المؤجل غير مستحق عليهِ قبل حلوله، والظاهر السّلامة والحج وجب في الحال، والدين متأخّر.
فَرْعٌ آخرُ لا يلزمه أن يستقرض ولا أن يسأل الناس لأنه غيرُ واجدٍ للزاد والراحلة، ولو بذل له غيره أن يحمله مع نفس ليحج وينفق عليه [8/أ] لم يلزمه قبول ذلك، لأن عليه منة في ذلك فإن فعل وحج في مؤنة غيره أجزأه.
قال الشافعي: حجّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) بقوم حملهم، فأجزأ ذلك عنهم، ولو قدر أن يؤاجر نفسه لمن يحج به لم يلزمه ذلك، لأن طريقه الاكتساب، ولا يجبر الإنسان على الاكتساب ليحصل الحج، فإن فعل ذلك أجزأه لأنه باشر الأعمال كُلها بنفسه.
وروي أن رجلًا سأل ابن عباسٍ رضي الله عنهما، فقال: إن هؤلاء القوم يستأجروني لأحجّ، أفيجزي عني؟ فقال: نعم 85، وتلا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:202]، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس، وسعيد بن جبير والحسن وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال مالك: لا تعتبر الراحلة في وجوب الحج، فإذا كان الإنسان صحيحًا يمكنه المشي يلزمه الحج، ولا يعتبر وجود الراحلة في حقه.
وأما الزاد فلا يعتبر ملكه بل يعتبر القدرة عليه، فإن كانت له صنعة يكتسب بها في الطريق لزمه ذلك، وإن لم يكن له صنعة، وكان ممن جرت عادته بمسألة الناس لزمه أيضًا، وإن لم يكن ممّن جرت عادته بالسؤال لم يلزمه.
وروي عن عكرمة وابن الزبير والضحّاك أنهم قالوا: الاستطاعة صحة البدن فقط، وهذا غلط لما روينا من الخبر في تفسير الاستطاعة، والسبيل.
فَرْعٌ آخرُ قال في" الأم" 86: ومن قدر أن يحج ماشيًا من رجل أو امرأة ولا يجد الراحلة أحببت له أن يحجّ، والرجل في ذلك أقل عذرًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أن الرجل أكد في الاستحباب من المرأة، لأن المرأة عورة بخلاف الرجل.
فَرْعٌ آخرُ قال في" الأم" 87 و"الإملاء": [8/ب] إن كان مطبقًا للمشي، وله صنعة يكتسبُ بها في طريقه أحببت له أن يحج للخروج من الخلاف، ولأنه يحمل المشقة لأداء العبادة، فأشبه الصوم في السفر، وإن لم يكن كسوبًا، وأراد أن يخرج ويسأل الناس في الطريق أحببت له أن لا يفعل، ويكره له ذلك لأن كرامته المسألة أبلغ من كراهية ترك الحج، ولأن فيه إلقاء نفسه في التهلكة، ولو حجّ معَ هذا أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ لو كان له طريقان في إحداهما خوف ولا خوف في الآخر لكنه أطول، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 354

يجد نفقته، فيه وجهان: أحدهما: يلزمه لأنه قادر على تحصيله من غير مخاطرة بروحهِ ومالهِ.
والثاني: لا يلزَمه لأنه لا يتمكن من أدائه إلا بالتزام زيادة مؤنة، ولو كان يتمكن من الأقرب بزيادة مال ببذلها لها لا يلزمهُ الحج، فههنا أولى.
فَرْعٌ آخرُ لو قصد الحرم لتجارة وحج أجزأه عن حجة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: (198)]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ابتغاء الفضل: التجارة والثوابُ في ذلك على حسب العمل، فثواب من حج بلا تجارة، ولا إجارة أكثر من ثواب غيره.
فَرْعْ آخرُ لو مَلكَ ما يكفيه لنفقة الحج، ولكنه يحتاجُ إلى النكاح، ولو تزوج يبعضه لم يكفهِ الباقي للحج لا يختلف المذهب أن الحج قد وجبَ عليه، وإنما كان كذلك لأن النكاح طريقه الملاذ والشهوات، ولكن له أن يتزوج ويؤخر الحج، لأن وجُوبه على التراخي، وأيهما أفضل؟ نُظر، فإن كان يخاف العنت، فالأفضل له أن يتزوج، وإن كان لا يخاف العنت، فالأفضل له أن يحج لأنه فرض في ذمته، [9/أ] وقالَ أبو حامدٍ: لا نصّ في هذا، وذكره الأوزاعي، وهو قياس مذهبنا.
فَرْعٌ آخرُ لو كان قريبًا من مكة ومن أهلِ مكة فوجد الزاد يلزمهُ الحج، وإن لم يجد الراحلة لأنه يمكنه المسير إلى عرفات ومِنى ماشيًا من غير مشقة شديدة، وإنما تعتبر الراحلة في حق البعيد.
والفَرق الفاصل بين القرب والبعيد مقدارُ المشاقة التي تقصر فيها الصلاة.
وإن كان لا يقدر على المشي، ولكن يمكنه الزحف إلى الموقف لا يلزمه لأن عليهِ مشقة في ذلك، ويعتبر في حقه وجود الراحلة أيضًا.
وإن لم يكن معه زاد، ولكنه مكتسبٌ، فإن كان يكتسبُ في يومه ما يكفيه لمدة يلزمه، وإن كان كسبهُ كل يوم قدر نفقته في ذلكَ اليوم لا يلزمه، لأنه إذا حجَ يعطل كسبهُ، وضاعَ عياله.
فَرْعٌ آخرُ إذا غصب مالًا يحج به أو غصب حمولة فركبها حتى أوصلته أثم بذلك، ووجب عليه أجرة الحمولة وضمان المال، وأجزأ الحج ويجب عليه أداء الحج متى حضر عرفة.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه الحج، لأن الزاد والراحلة من شرائط الحج، فإذا وجد على غير الوجه المأذون به لم يجزه كأفعاله.
وهذا غلط لأن الحج يؤدى بالبدن، والمال يراد للتوصل إليه، فإذا أدّى عمل البدن لا يقدح ما تقدمه من التوصل إليه به كما لو خرج بنفسه خائفًا وحجّ جاز، وإن ارتكب المنهي.
وأما الأفعال، فدليلنا لأنه لو أداها على وجهٍ منهيّ عنه جاز إلا أن يترك ركنًا أو شرطًا.
وههنا الحمولة ليس بركن ولا شرط، ولهذا لا يجب ذلك في حق المكي.
والقسم

الجزء: 3 - الصفحة: 355

الثاني من المستطيع [9/ب] أن يكون مستطيعًا بغيره، ويعتبر فيه شرطان: أحدهما: أن يلحقه مشقة شديدة غير محتملة في الكون على الراحلة والثاني: أن يكون ذلك سببٍ لا يرجى زوَاله كعصبٍ أو ضعف خلقه، فيوصف عند وجود هذين الشرطين بنفسه، بل يستطيع بغيره يعني بأن يحج غيره عن تقسه، ثم لا يخلو حاله من أربع أحوال، إما أن يجد من يحج عنه، ولكن لا يجد مالًا يستأجره به، أو لا يجد من يستأجره، ولكن يجد مالًا، أو يجد مالًا ويجد من يستأجره، أو لا يجد مالًا ويجد من يبذل له الطاعة في الحج عنه بغير مالًا، فإن وجد من يستأجره، ولا يجد مالًا، فلا حج عليه كما لو كان صحيحًا لا يجد زادًا ولا راحلة، وإن وجد مالًا، ولا يجد من يحج عنه لا يلزمه أيضًا، لأنه غير مستطيع كما لو تعذر الخروج على القادر للخوف، أو لضيق الوقت.
فإن وجد مالًا، ووجد من يستأجره بأجرةٍ مثله وجبَ عليه الحج، فإن فعل، وإلا استقر في ذمته يؤدى من تركته، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: لا حج عليه بحال ولا يجوز أن يستأجر عنه في حياته، فإن أوصى به بعد وفاته يجوز.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: لا يلزمه الحج أصلًا، وإن كان موسرًا، وهذا غلط لما روي ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من خثعم أتت النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته أفأحج عنه؟ قال:" نعم"، قالت: أفينفعه ذلك؟ قال:" نعم"، كما لو كان على أبيك دين فقضيتهِ [10/أ] نفعه" 88، ولم ينكر عليها وجوب الحج على أنها في حال الكبر والعجز.
وروي عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الطعن، فقال: "حجّ عن أبيك واعتمر" 89، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لشيخ كبير: إن شئت فجهّز رجلًا عنك، وأما إذا وجد من يطيعه ولا مال يلزمه الحج، وقال أبو حنيفة: لم يلزمه الحجّ، ببذل الطاعة ويتصور الخلاف معَه إذا وجب عليه الحج، ثم صارَ معصوبًا معسرًا، فقال ابنه: أنا أحجّ عنك لا يلزمه الأمر به عنده.
وبه قال أحمد واحتج بأنه عبادة تجب بوجود المال، فلا يجب ببذل الطاعة كالعتق في الكفارة، وهذا غلط لما قال الشافعي 90، ومعرُوف من لسان العرب أنهم يقولون: أنا مستطيع لأن أبني داري وأخيط ثوبي يعني بالإجارة، أو من يطيعني، وأراد به أنه لما وقع عليه اسم الاستطاعة دخل تحت قوله:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" [آل عمران:97].
وأما الكفارة، فالفرق من وجهين: أحدهما: أن عليه منة في قبول الرقبة دون الطاعة، لأن العادة جارية بأن الناس

الجزء: 3 - الصفحة: 356

ينوب بعضهم عن بعضٍ بأبدانهم، وأيضًا الكفارة تجب على من يملك الرقبة، فلو قلنا: يجبرُ على قبولها وتملكها ليعتق أجبرناه على سببٍ يلزمه به العتق، فيكون بمعنى الإجبار على الاكتساب، فلم يجب ذلك وههنا إذا علم الطاعة ممن يطيعه، فألزمنا لم تجبره على سبب يجب به الحج لأن الوجوبَ يتقدم، فلهذا أوجبناه.
نم اعلم أنَّ المعصوب مقرًا بالصاد غير المعجَمة، ومعناه مقطوع العصَب لا يثبت على المركب [10/ب]،ثم تكلم بعد هذا إلى آخر الباب في جواز النيابة في الحجّ في حال الحياة، فاحتج بخبر الخثعمية على ما ذكرنا، فجعل قضاءها الحجّ عنه كقضائها الدّين، فلما جاز قضاء الدين عن الحي جاز محاء الحج أيضًا، ثم احتج على مالك بخبر مرسل، وهو ما روي عن عطاء عن النبي (صلي الله عليه وسلم) أنه سمع رجلًا يقول: لبيك عن فلان وروي أنه يلبي عن شبرمة، فقال: ومن شبرمة؟ فقال: أخٌ لي أو قريب، فقال: "حجّ عن نفسك، ثم حجّ عن شبرمة"، وروي أنه قال: أحججت عن نفسك؟، فقال: لا، فقال: هذا 91، ورواه ابن عباسٍ وعائشة رضي الله عنهما مسندًا.
فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: حكم المعصوب الموسر وحكم الصحيح في أن الحج يلزمهما، فحجّ هذا عن نفسه وينوب هذا سواء لا يفترق حكمهما إلا في مسألتين: أحداهما: أن القارن الصحيح لا يلزمه الحجّ إلا أن يجد نفقة الذهاب والرجوع على ما ذكرنا، ولو وجد المعصُوب من يحج عنه بنفقة الذهاب دون الرجوع وبدون نفقة من تلزمه نفقته إلى أن يذهب هو ويحجّ عنه يلزمه، ونظيره أنه إذا وجد من يحج عنه ماشيًا يلزمهُ أن يستأجر وإن كان هو بنفسه لا يلزمه الحجّ ماشيًا.
وفيه وَجه آخر لا يلزم كما في الابن الفقير إذا قال: أحجّ عنك ماشيًا.
والثانية، لو كان قادرًا لا يمكنه أن يحجّ إلا في المحمل ولا يجد كفاية المحمل ويجد كفاية الراحلة لا يلزمه، ولو كان معصوبًا، ووجد من يحجّ عنه على الراحلة يلزمه، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى وجوب الحج بطاعة الغير، فأعلم أنه لا فرق [11/أ] بين أن يبذل له الطاعة، وبين أن يعلم منه أنه يطيعه إذا أمره به نصّ عليه في" الأم" 92 و"الإملاء"، وغيرهما، فقال: وإذا وجد الزاد والراحلة، أو من إذا أمره امتثل أمره وأطاعه لزمه الحج، فاعتبر العلم بطاعتهِ دون البذل.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ما لم يظهر الطاعة لأن ظن الأدب أن يطيعه إذا أمره، وقد يخطئ، وهذا اختيار القاضي الحسين ثم الكلام في فصلين: أحدهما: في صفة المطاع الذي يلزمه الحج بطاعةِ الغير.
والثاني: في صفة المطيع.
وأما صفة المطاع فهي أن يجتمع ثلاث شرائط: أحدها: أن يكون معصوبًا.
والثانية: أن يكون فقيرًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 357

والثالثة: أن يكون حجّ حجّة الإسلام، وأما صفة المطمع فثلاث أيضًا: أحدها: أن يكون على صفةٍ يلزمه فرضُ الحجّ بنفسهِ، وقد ذكرنا شرائط ذلك لا بالجعل بذله كاستطاعته في نفسهِ، فيحتاج إلى أن يكون على صفة وجوب الحج أيضًا.
والثانية: أن يكون قد حجّ عن نفسهِ حجّة الإسلام لأن من لم يحجّ عن نفسه لا يحجّ من غيره.
والثالثة: أن يكون موثوقًا بطاعته، وأنه إذا آمره به امتثل أمره، فأمّا إذا لم يثق به لا يلزمه، لأنه لا يتيقن قدرته عليه.
فَرْعٌ لو كان هذا المطيع زمنًا موسرًا، وهو يطيعه في تجهيز من يحجّ عنه، قال أصحابنا: يلزمه الحجّ لأنه لما كان مستطيعًا بنفسه وجب أن يستطيع غيره به ذكره أبو حامد والقاضي الطبري وغيرهما.
فَرْعٌ آخرُ إذا كانَ له من يطيعه في الحجّ عنه، وهو لا يعلم بطاعته، أو ورث مالًا ولم يعلم، قال بعضُ [11/ب] أصحابنا: هو بمنزلة أن يكون له مالٌ ولا يعلم به بأن يموت مورثه، فلا يلزمه الحج، وقال بعضهم: هو بمنزلة من نسي الماء في رحله أو لم يعلم بكونه في رحله فتيمم وصلى هل تجوز صلاته؟ فيه قولان: فإذا قلنا: يلزمه يحج عنه بعد موته من تركته الموروثة.
فَرْعٌ آخرُ المعصوب إذا كان من سكان مكة، أو من دون مسافة القصر لا يجوز له أن يستنيب لأنه لا يكثر المشقة عليه في أداء الحجّ ولهذا لو كان قادرَا لا يعتبر في حقه الراحلة، ذكره أصحابنا.
فَرْعٌ آخرُ لا فرق بين أن يكون المطيع ولدًا أو ولد ولدًا وكان غير الولد من العم والأخ والأب والجد والأجنبي.
نصّ عليه في" الأم" ولا "الإملاء"، وقال في" المختصر": من يطيعه ولم يفصل، وهذا لأن المعتبر إمكان تحصيل الحجّ، وهو موجود في بذل الكلّ والمنة لا يعظم بمعونة البدن ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إلّا بطاعة الولد أو ولد الولد، لأن الولد يختصّ مع الوالد بأحكام كثيرة، فإن الوالد لا يقتل بولده، ولا يحد بقذفه، ولو وهبَ منه شيئًا، وأقبضه له الرجوع فيه، وهو كسبه كما قال (صلي الله عليه وسلم): بخلاف الأجنبي، وهذا ليس بشيء، هكذا ذكره أهل العراق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح، لا يلزمه في بذل غير الولد، وهو غلط بخلاف النص.

الجزء: 3 - الصفحة: 358

فَرْعٌ آخرُ لو بذل له المال دون الفعل وجهان: أحدهما: يلزمه قبوله لأنه قادرٌ على تحصيل الحجّ بالغير فأشبه بذل الطاعة.
والثاني: لا يلزمه قبوله، وهو الأصحّ والمذهب لأنه تملك مالًا لوجوب الحجّ، فلا يحبُ [12/أ] كالاستقراض والإيهاب، ولأنه يعظم المنة في ذلك، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون المبذول له معصوبًا بذل له المال ليأمر من يحجّ عنه وبين أن يكون صحيحًا فقيرًا بذل له المال ليحجّ، بنفسه عن نفسهِ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الباذل للمال أجنبيًا لا يلزمه وجهًا واحدًا، وإن كان ابنًا، فوجهان لقوله (صلي الله عليه وسلم):" أنتَ ومالك لأبيك" 93، وقوله (صلي الله عليه وسلم): أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" 94. فًرْعٌ آخرُ لو كان الولد معسرًا فبذل الطّاعة لأبيه هل يلزمه الحج؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه بخلاف ما لو كان صحيحًا معسرًا لا يلزمه في نفسه لأنه لم يرض بالمخاطرة والتغرير بنفسهِ، وقد طاب نفس الابن بهذه المخاطرة، ولا ضررَ على الأب أن يأمره.
والثاني: لا يلزمه لأنه لا يلزمه في نفسهِ لفقره، فلا يلزمه على أبيه لسببه، وهذا أقيس عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو حجّ المطيع عنه بغير أمره لم يجز، وكان عن نفسه، وحكي عن القاضي أبي حامد أنه يجوز كما عن الميت والصحيح ما ذكرنا، ولو امتنع من الأمر به هل يقوم الحاكم مقامه في الأمر بهِ؟ وجهان: أحدهما: يقوم مقامه كما في الزكاة والدين، قال: بعض أصحابنا بخراسان: وهذا هو الصحيح لأن الحجّ، وإن كان على التراخي إذا كان صحيح البدن، فعند الرمانة يضيق وقته ولا يجوز له التأخير.
والثاني: لا يقوم مقامه، وهو المذهب، والصحيح عند أصحابنا بالعراق، لأن الحجّ يفتقر إلى النية والإذن ممن عليه، ولا يوجد [12/ب] ههنا.
ولا إشكال أنه أثم ويعصي إذا لم يأمره بهِ حَتي مات، كما لو قدر أن يحجّ، فمات قبل الأداء مع الإمكان.
فَرْعٌ آخرُ متى يلزم الباذل الحج ببذله؟ ينظر، فإن كان قد أحرم عنه وجب عليه المضي فيه لأن الإحرام يلزم بالشروع فيه، فإن كان قبل الإحرام عنه، قال جمهور أصحابنا:

الجزء: 3 - الصفحة: 359

المذهب أنه لا يلزمه الرجوع عن البذل، لأنّه متبرع بالبذل، فلا يلزمهُ حكم كما لو بذل له الماء للطهارة له الرجوع قبل الإقباض، وعن أصحابنا عن قال: يلزمه ذلك، وليس له لرجوع لأن بذل الطاعة للحج أوجب عليه فرض الحج عند قبوله، ويفارق بذل الماء لأنه لا يوجب الطهارة بل يغير صفة الفرض، ولأن هناك إذا رجع يرجع إلى بدل، وهو التيمم بخلاف ههنا، قال صاحب" الحاوي" 95: وهذا هو المذهب، وعندي الأصحّ ما سبق، لأنه وإن وجب عليهِ الحجّ بطاعته لا يلزم هذا المطيع أن يحجّ عنه، وقوله: أحجّ عنك وعدًا لرد، فلا يلزم بمجرده.
فَرْعٌ آخرُ من يرجو مباشرة الحجّ بنفسه لا يلزمه الحج ببذل الغير له الطاعة والمجنون لا يحجّ، ولا يحجّ عنه أيضًا لأنه يرجى إفاقته، وأداؤه بنفسهِ، وأمّا المريض الذي لا يستمسك في الحال على الراحلة، ولكنه يرجى زوال مرضه لا يجوزُ له أن يحجّ غيره عن نفسه، وإن كان محرمًا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يستأجر من يحجّ عنه كالمعصُوب، وإن كان يرجو سلامته، ثم إن صحّ لم يجز عن فرضه.
وهذا غلط لأنه غير ميؤوس من أدائه بنفسه كالفقير، [13/أ] وكذلك الخلاف إذا كان مجنونًا لا يرجو خلاصه.
فَرْعٌ آخرُ لو خالف وجهز من يحجّ عنه فإن برا من مرضه تلزمه إعادة الحج قولًا واحدًا، وإن مات من ذلك المرض، أو صار ميئوسًا منه هل يجزئه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجزئه وتلزمه الإعادة، قال الشافعي: وبه أقول، وهو الصحيح لأنه أحج غيره في حال لم يجز له ذلك، فلا يعتدّ به.
والثاني: يجزئه ولا تلزمه الإعادة لأنه لما اتصل به الموت تبينا أنه كان ميئوسًأ منه.
فَرْعٌ آخرُ لو مرض مرضًا لا يرجى زواله وشهد بذلك طبيبان ملمان عدلان جاز له أن يحج غيره عن نفسه، فإن أحج غيره عنه، ثم مات من علته أجزأه، وإن برأ من علته نصّ الشافعي أنه يعيد الحج لأنا جوّزنا له ذلك على ظنّ أنه لا يقدر على الحج، فإذا برأ أيقنا الخطأ فيما ظننا، فيبطل ذلك كالحاكم إذا حكم بخلاف النصّ ينقض حكمه ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إعادة الحج في أحدِ القولين بناء على المسألة قبلها، لأن هناك اعتبرنا في أحد القولين حالة الابتداء، فعلى هذا لا يلزمه الإعادة ههنا وفي القول الثاني، اعتبرنا المال هناك، فيلزم ههنا الإعادة على هذا وهذا لا يصحّ بل ههنا وفي قول واحد لا يجوز وتلزمه الإعادة لأنا وإن اعتبرنا الابتداء، فقد بينا بحدوث البراءة أنه لم يكن في تلك الحالة آيسًا من مباشرة الحج ينسه، فلا يجوز بحال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان مبنيان على أنهم إذا رأوا سوادًا فظنّوه عدوًا، فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان خلافه هل تلزم

الجزء: 3 - الصفحة: 360

إعادة [13/ ب] الصلاة؟ فيه قولان، وهذا غير صحيح أيضًا لأنا لا نتيأس هناك أنه لم يكن الخوف موجودًا وههنا تبينا أن الإياس لم يكن موجودًا.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: تلزم الإعادة هل يستحق الأجرة؟ قولان: أحدهما: يستحق لأن في اعتقاده أنه يعمل له.
والثاني: لا يستحق لأنهه لم يقع للمستأجر، ولو استنيب عن المجنون في حال جنونه، ثم أفاق تلزمه الإعادة قولًا واحدًا، وإن ماتَ على حالته ينبغي أن يكون على القولين.
فَرْعٌ آخرُ هل يجوز للمعصُوب إذا كان قد أدى فرض الحج عن نفسه أن يستنيب في التطوع أو الوصية بحجّة التطوع بعد موته؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأنه لا حاجة به إليه، وإنما جوزت الاستنابة في حال الضرورة، ولهذا لا يجوز للصحيح أن يستنيب، لأن الأصل في عبادات الأبدان أن لا يدخلها النيابة، وقد خرج الحج المفروض منها بالسنّة، فلقي التطوع على الأصل.
والثاني: يجوز وهو الصحيح.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، ومالك، لأنه لما دخلت النيابة في فرضها كذلك في نفلها كالزكاة، وقال أبو حامد: الأول أشبه بالمذهب والثاني، أقيس.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يجوز، فاستأجر كذلك وقع الحج عن الأمر، واستحق المسمّى، وإذا قلنا: لا يجوز فاستأجر رجلًا ليحج عنه حجة التطوع فحج وقع الحج عن الحاج، وهل يستحق الأجرة على الأمر قولان: أحدهما: لا يستحق لأنه وقع عن نفسه، فأشبه الضرورة إذا حجّ عن غيره بالأجرة لا يستحق الأجرة.
والثاني: يستحق الأجرة لأنه أتلف عمله [14/ أ] بإذنه على وجه العوض، وفارق الصرورة لأن السبب هناكَ في انتقال الحج إلى نفسهِ كان من جهته لا من جهة غيره، ولأن عمله هناك لم يتلف لأنه أسقط به فرضًا عليه بخلاف ههنا، وهذا كما لو استأجر رجلًا ليحمل له طعاماً غصبه يستحق الحامل الأجرة على الآمر، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأقيس.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا: بأن من حَمل طعامًا مغصُوبًا بأمر الغاصب لم يقع الفعل عنه، وليس بمفرط لأنه لم يعلم الغصب، والظاهر أنه ملكه، وههنا كان يلزمه أن يعلم حكم الإجازة، وصحتها من فسادها، ووقع الفعل عنه، فلا يرجع على غيره بشيء.
وهذا اختيار جَماعَة من أصحابنا.
فإذا قلنا: يستحق بالأجرة، فلا إشكال أنه لا يستحق المسمّى لأنه إجازة فاسدة، ولكنه يستحق أجرة المثل، ولو استأجر الوصي بذلك يلزمه الضمان لأنه فعل ما لا يجوز له فعله سواء قلنا: له أجرة المثل، أو لا، وقال بعض أصحابنا: لا شيء على الموصي لأنه لم ترجع فائدته إليه، ولا إلى غير فاعل.

الجزء: 3 - الصفحة: 361

فَرْعٌ آخرُ لو استأجر المعصوب بحجة منذورة أو قضاء حج يجوز قولًا واحدًا، لأنها واجبة، وتلزم أيضًا ببذل الطاعة كحجّة الإسلام سواء.
فَرْعٌ آخرُ لو استأجر المعصوب رجلًا ليحج عنه حجة الإسلام، فأحرم الأخير عن المعصوب ثم نوى أن يكون الحج عن نفسه كان الحج عن المعصوب لأن الإحرام انعقد عنه، فلا يجوز صرفه إلى غيره، وهل يستحق الأجرة، قال في «المناسك الكبير» فيه قولان: أحدهما: يستحق، وهو الصّحيح لأنيته [14/ ب] لما لم يكن لها تأثر في صرف الحج عن المعصوب لا يكون لها تأثر في إسقاط أجرته، كما لو استأجر رجلًا ليخيط له قميصًا، أو يبني له حائطًا، فخاط القميص أو بنى الحائط بنية أن يكون له استحق الأجرة كذلك ههنا.
والثاني: لا أجرة له لأنه عمل متبرعاً به من غير أجرة، فسقط حقه، ولا يجوز له أن يطالبه بالأجرة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان في المسألة المقدّمة مبنيان على القَولين في هذه المسألة، فإن قلنا في هذه المسألة: يستحق الأجرة، ففي المسألة الأولى، لا يستحق لأن الحج لم يقع عن الآمر هناك.
وإن قلنا في هذه المسألة: لا يستحق الأجرة فهناك يستحق لأن عنده أنه يعمل الآمر، قالوا: وإذا قلنا: يستحق ههنا هل يلزم أجر المثل أم المسّى؟ وجهان: أحدهما: المسمى لأنه عقد إجارة لم يبطل.
والثاني: أجر المثل لأنه عقد غيره من موضعه، فيستحق فيه عوض المثل، والصحيح عندي الأول، قالوا: وعلى هذين القولين لو جحد الصبّاغ الثوب، ثم صبغ، هل يستحق الأجرة على المالك إذا رد؟ قولان: أحدهما: لا، لأنه عنده أنه يعمل لنفسه.
والثاني: بلى، لأن الصبغ حصل للمالك، ولو كان صبغ قبل الجحود استحق الأجرة على هذا لو استأجر رجلًا ليعمل في معدنهِ على أن ما أخرجه للأجير لم يكن للأجير، وهل يستحق أجرة المثل؟ قولان: بناء على هذين القولين.
فَرْعٌ آخرُ لا يجوز للصّحيح ان يستنيب لا في الفرض ولا في التطوع.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز أن يستنيب في التطوع، لأنها حجّة لا يلزمه أداؤها بنفسه كالفرض في حق المعصوب، وهذا غلط [15/ أ] لأنه غير ميئوس من أداء الحج بنفسه، فأشبه الحج المفروض في حق الصحيح.
فَرْعٌ آخرُ لو كان على المعصوب حجتان: حجة الإسلام، وحجة منذورة، فاستأجر في

الجزء: 3 - الصفحة: 362

سنة واحدة رجلين يحج أحدهما عنه حجة الإسلام، والآخر الحجة المنذورة فيه وجهان: أحدهما: يجزئه حجة الإسلام دون حجة النذر، لأنه لا يحج بنفسه في سنة حجتين.
والثاني: يجزئه الحجتان، وهو الصحيح، وهو المنصوص في «الأم» 96 لأنه لا يؤدي إلى تقديم المنذورة على الشرعية بل يقعان معًا، فأجزأ.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: إذا جوزنا ينبغي أن يكون الإحرام بحجة الإسلام أسبق لأن تقدم النذر لا يجوز، فإن أحرم الآخر بحج النذر أولًا انصرف إحرامه إلى حجة الإسلام في قياس قول أصحابنا، ثم إذا أحرم الآخر بحجة الإسلام انصرف إلى حج النذر.
فَرْعٌ آخرُ إذا وجد الأعمى زادًا وراحلة وقائدًا يقوده ويهديه ويسدّده يلزمه الحج، ويلزمه أن يحج بنفسه، وليس له أن يستنيب غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة في أصح الروايتين عنه: يجوز له أن يتسنيب لأنه لا يمكنه الصعود والنزول بنفسه، فجاز له أن يستنيب كالمعصوب، وهذا غلط، لأنه لا يلحقه مشقة شديدة في الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له أن يستنيب كالأطروش.
فَرْعٌ آخرُ لو كان مقطوع الرجلين أو أحديهما يلزمه أن يحج بنفسه لأنه يستمسك على الراحلة من غير مشقة شديدة كالصحيح، وعند أبي حنيفة هو كالأعمى فيه روايتان.
فَرْعٌ آخرُ قالَ [15/ ب] الشافعي: لو أحرم بالمجنون بقيمه وحج في حال جنونه به، ثم أفاق فعليه حجة أخرى كالصبيّ يبلغ، وقال أيضًا: لو أحرم ولي المجنون به، فلما انتهى إلى الميقات أفاق، فأحرم بنفسه ودامت له الإفاقة حتى فرغ من أركان حجّه، ثم عاوده الجنون، أو لم يعاوده كان على قيمه أن يغرم ما بين نفقة مقام المجنون ونفقة سفره، وأجزأه عن حجّة الإسلام، لأنه خاطر بماله بغير وجوب، ولو كان سبق الوجُوب، وكان لإفاقته وقت معلوم فعرف أنه لو خرج به أدرك الحج في وقت الإفاقة، ففعل لم يغرم لأنه لم يخاطر به.
حكاه الإمام الجويني.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما أعرابي حجج، ول عشر حج ثم هاجر

الجزء: 3 - الصفحة: 363

فعليه حجة الإسلام» (1)، ذكره حين كانت الولاية منقطعة بين المهاجر وغير المهاجر في التوارث والأحكام، فكانت حجة الأعرابي الذي لم يهاجر نفلًا، والأصح أنّه عبر عن المسلم بالمهاجر، وعن الكافر بالأعرابي ذكره القفال.
فَرْعٌ آخرُ النساء صالحات للنيابة من الرجال في الحج بدليل خبر الخثعمية، وفيه دليل على أن المستناب متى حجّ عن المستنيب نفعته نيابته ظاهرًا، وباطنًا وبرئت ذمة المتستنيب كما يبرئ عن الدين إذا قضى عنه وكيله بأمره بماله ويدلّ على جواز القياس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس على الدين ويدل على جواز قياس العبادة البدنية على الأموال، وإن كانتا غير متجانستين من وجوه كثيرة لأن شرط القياس اجتماع الفرع والأصل من حيث جمعهما القياس، وإن افترقا من غير ذلك الوجه.
ومن العلماء من قال: لا يجوز نيابة المرأة عن الرجل في الحج لأنها تخالف الرجل في الستر [16/ أ] والكشف وليس بشيء.

بابُ إمكان الحج وأنه من رأس المال

مَسْألَةٌ: قال 98: وإذا استطاع الرجل فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج.
الفَصْلُ إذا وجدت شرَائط وجوب الحج، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يسير إلى مكة، على عرف الناس وعادتهم في المسير، فلم يسر، ولم يحج حتى مات بعد فراغ الناس من الحج وإن لم يرجعوا فإنه ماتَ وعليه حجة الإسلام، ويجب أن يقضى الحج من تركته كما قلنا: إذا زالت الشمس وأمكنه أن يصلي أربع ركعات، فلم يصل حتى جنّ، ثم رجع إليهِ عقله بعد فوات الوقت لزمه قضاؤها.
وإن مات قبل فراغ الناس من الحج أو سار مع الناس ومات في الطريق ماتَ، ولا حجّ عليه، ولا يجبُ أن يقضي من ماله.
وهكذا لو وجد الاستطاعة ببغداد في يوم عرفة، وماتَ قبل مجيء السنة الثانية، فإنه ماتَ ولا حج عليهِ ولا يجب قضاؤه من ماله.
وهكذا إذا وجد الاستطاعة، وأمكنه أن يسير إلى مكة فلم يسر حتى تلف ماله، وانقطع الطريق بالعدو، فإن كان ذلك بعد إمكان الحج، فالحج في ذمته يلزمه أن يأتي به إذا أمكنه، وإن كان ذلك قبل إمكان الحج، فلا حجّ عليه على ما بيّناهُ، وهذا لأنه وإن وجبَ لا يستقر وجوبه إلا بإمكان الأداء.
ونقل المزني كلامًا ليس على ظاهره، فقال: إذا استطاع الرجل الحج، فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج، فإن مات قضى عنه.
وهذا ليس على ظاهره لأنه إنما يقضى عنه إذا عاش إلى مدة كان يمكنه الحج فيها، وإذا مات قبل مضي تلك المدة لا يقضى عنه.
ولو قدر على المسير فوق العادة بأن يجعل المرحلتين مرحلة واحدة ونحو ذلك لا يلزمه لأنه يلحقه [16/ ب] مشقة غير97

الجزء: 3 - الصفحة: 364

محتملة في ذلك، وهكذا لو أمكنه المسير، ولكن تعذر عليه تحصيل الآلة التي يحتاج إليها في الطريق من الدلو، والقربة، ونحو ذلك، أو كانت تباع بأكثر من ثمن المثل، أو يكري الراحلة بأكثر من كري المثل لم يستقر عليه أيضاً، ولو قدر على المسير وحده لا يلزمه أيضًا حتى يمكنه المسير مع الرفقة، فيخرج في رفقتهم لأنه إذا سافر وحده فقد خاطر بنفسه، وماله.
ولو كانت بينه وبين مكة طريق آهلة يستغني فيها عن الرفقة إلا من يلزمه الخروج لأن القصد من مسير الناس التماس الأمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا تخاف إلا الله والذئب».
قال عدي بن حاتم راويه: لقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة وتطوف بالكعبة بلا جوار 99. وروي أنه قال: «يا عدي بن حاتم لا تقوم الساعة حتى تأتي الظعينة من الحيرة، ولم يكن يؤمئذٍ كوفة حتى تطوف بهذه الكعبة» 100، فأثنى عليها إذا خرجت والطريق آهلة»، وهذا يدل على أن الرجل والمرأة يستويان في وجوب الحجّ من غير انتظار الرفقة إذا كانت الطريق آهلة إن تصور ذلك، ولو أن الناس ساروا، وتقاعد عنهم هذا المستطيع، فأحصر الناس في عامهم ذلك، فانصرفوا خائبين، ثم مات هذا المتسطيع في تلك السنة لقي الله تعالى ولا حج عليه لأنه لو خرج معهم لصدّ كما صدوا، ولم يعش ليتمكن في السنة القابلة من الحج.
فإذا تقرر هذا فكل موضع، قلنا: مات وعليه حجة الإسلام، فإن كان خلف مالًا يلزم قضاء الحج من تركته، وإن لم يخلف مالًا، فإن حجّ وارثه متبرعًا، أو أمر أجنبيًا فحجّ عنه فقد سقط الفرضُ [17/ أ] عن الميت، وقال الشافعي في كتاب «المناسك»: إذا مات الرجل وقد وجبت عليه حجة الإسلام فتطوع متطوع قد حجّ حجّة الإسلام بالحجّ عنه أجزأ عنه، ثم لا يكون لوصية أن يخرج من ماله شيئًا ليحج عنه غيره ولا أن يعطي هذا عنه شيئًا لأنه حج متطوعًا، وهذا نص على أنه يجوز حجّ الأجنبي عنه، ويفارق العتق عنه في الكفارة في أحد الوجهين لأنه يقتضي الولاء وثبوت الولاء يقتضي الملك، فلا يمكن ذلك.
فإن قيل: أليس في حال الحياة لو حج عنه بغير أمره لا يجوز وفي قضاء الدين لا يفرقون بين أن يؤدي عنه الأجنبي في حياته، أو بعد وفاته في الجواز؟ قلنا: الفرق أن في حال الحياة هو من أهل الإذن وبعد الموت خرجَ أن يكون من أهله، ولا يشبه الدين لأنه لا يفتقر قضاء الدين إلى النيّة بخلاف الحج، فلا يجوز أداؤه من غير نيته إذا كان هو من أهل النية، ويجوز إذا لم يكن هو من أهل النية، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا مات سقط عنه الحج، ولا يحج عنه إلا أن يوصي فيحج عنه من يليه، وقيل: إنه قول للشافعي لأنه عبادة بدنية، وهو غيريب وبقولنا المشهور، قال أحمد والثوري وإسحاق: والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أختي نذرت وماتت قبل أن تحج، أفأحجّ عنها؟ فقال: «لو كان على أختك دين أكنت قاضيه»، قال: نعم: قال: «فاقضوا الله تعالى فهو

الجزء: 3 - الصفحة: 365

أحق بالقضاء» 101، وروى بريدة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحجّ عنها؟ قال: «نعم حجّي عنها» 102. مَسْألَةٌ: قالَ 103: وإن كان عام جدبٍ أو عطشٍ.
الفَصْلُ قد ذكرنا أن وجُود الزاد شرط في وجوبه، فإذا كان في الطريق [17/ ب] قحط لا يوجد فيه الزاد والماء، وعلف الراحلة لا يجب الحج ويعتبر وجود الزاد في البلاد التي جرت العادة بحمل الزاد منها مثل بغداد والكوفة، والبصرة ويعتبر وجود الماء في المراحل التي جرت العادة بحمل الماء منها مثل الواقصة والزبالة والثعلبية.
وقيل: وسائر المراحل، فإن كان لا يجد الماء في المنازل، ولكنه يجده في أقرب البلدان إليه لا يلزمه لأن العادة لم تجر بنقل الماء من أقر البلدان إليه لأن الحاجة إليه أكثر ويفارق الزاد والراحلة، لأن العادة جرت في نقله.
وعلف الدواب والماء الذي يشربه حكمه حكم الماء في حق الناس فينبغي أن يوجد ذلك في كل منزل، أو منزلين، فأما إن كان لا يجده في المنازل بحال، فغير واجد، وإن كان يجده في أقرب البلدان إليه لأنه العادة، وهذا إذا كان على مسافة يشق نقل الماء بجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها، فأما إن كانت المسافة على صفة لا يشق نقل لجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها مثل أن يكون بينه وبين مكة عشرون أو ثلاثون فرسخًا يلزمه ذلك، وكذلك إذا وجده في أقرب البلدان إليه فقد وجده، وإن كان لا يجده في شيء من هذه البريّة، فالماء ههنا كالزاد في بعد المسافة، وإن كان الزاد موجودًا، ولكنه لا يباع من الحاج إلا بأكثر من ثمن مثله في ذلك الموضع لا يلزمُهم أن يشتَروهُ، ولا يجبُ عليهم الحج كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، كما في ماء الطهارة والرقبة في الكفارة، وهكذا في حكم الماء إذا وجد بأكثر من ثمن مثله، ولو كان ثمن مثله، ولكن السعر عالٍ يلزمه إذا وجد ثمنه، ولا يجب إذا لم يجد إلا كفاية الرخص والخصب.
وقول الشافعي: أو لم يقدر [18/ أ] على ملا بدّ منه.
أراد به السطيحة والقربة والحبل والمزود التي لا بدّ منها في طريقه فقد ذكرنا حكمه.
وأمّا قوله: أو كان خوف عدوٍّ.
أراد عدوًا يقصد نفسه أو ماله، وإن قل حتى قال الشافعي ما هذا معناه: أنه لو خرج عليه من لا يخليه إلا بدرهم يبذله لم أحب له أن يبذل وله أن ينصرف، ويكره ذلك لما فيه من الصغار، ولا يحرم البذل لأنه كالهدية لهم، وإن كان هذا الطلب من المسلم، فظاهر المذهب لأنه لا يكره له البذل لأنه يكره في المشركين لأنه يضارع الجزية، وهذا غير موجود ههنا، وإن كان قد أحرم كان له أن يحل كالمحصر.
وقال بعض أصحابنا: لو كان في طريقه رصدي يأخذ عن جمله شيئًا، وإن قل كدانق لا يلزمه الحجّ لأنه يتعوّد

الجزء: 3 - الصفحة: 366

الأخذ ويوكله الحرام، ولا يجوز ذلك، وهذا لو وجب حمل اليسير لوجب حمل الكثير أيضًا عند الإمكان، وهو يؤدي إلى ما لا سبيل إليه.
ولو دفع الإمام شيئًا من مال بيت المال إلى قوم ليدفعوا اللص عن الطريق جاز لأنه من المصالح، وكذلك لو دفع واحد من الرعية من ماله خاصة، ولا يكره ذلك وله فيه ثواب كثير.
ولو كان يجن ويفيق فدامت إفاقته، وله مال إلى أن خرج حجاج بلده وفرغوا من الحج حكمنا باستقرار وجوب الحج عليه، فإن جنّ في خلال ذلك حج عليه، ولو كان سفيهًا مبذرًا، وله مال، فالحجّ يلزمه وعلى الولي أن يخرج به إلى الحج أو يستأجر من يحمله إلى الحج ولا يدفع المال إليه، بل ينفق عليه ذلك الأمين المشرف عليه.
مَسْألَةٌ: قالَ 104: ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر للحج.
الفَصْلُ إذا كان بينه وبين مكة بحر [18/ ب]، ولا طريق له في البر، فقد قال الشافعي ههنا: ولا يتبين لي أن أوجبه عليه، وهكذا قال في «الأم» لأن الأغلب من ركوب البحر الهلكة، وقال في «الإملاء»: واجب لمن قدر على المشي أن يمشي، وكذلك إن قدر على ركوب البحر، ولا يجب عليه إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر، ويكون طلب معاشه في البحر فيكون هذا سكن مسكنًا طريقه في البحر كطريق أهل البر في البر».
وقال في موضع آخر: وإذا اتّجر قومٌ في بحر، وكانت تجارتهم ومعاشهم فيه فلا يتبين لي إن أسقط عنهم فرض الحج، فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما: لا يلزمه لأن خوف البحر كخوف العدو أو كثر، وبه وصف الله تعالى أمر البحر في كتابه في مواضع.
والثاني: يلزمه؛ لأن الناس يتعودونه، والغالب منه السلامة، فهو كالبرّ، ولا فرق على هذه الطريقة بين أن يكون بحرًا، أو نهرًا عظيمًا يحتاج فيه إلى ركوب السفينة وبين أن يكون قد تعود ركوب السفينة، أو لم يتعود لأن الخوف موجودٌ كما لو كان في الطريق عدو، لا يلزمه سواء كان الرجل جبانًا، أو شجاعًا، وإن اضطرب البحر في ذلك الوقت وتموّج بخلاف العادة لا يجب عليه ركوبه قولًا واحدًا لأن الغالب الهلاك في هذا الوقت، ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالين، فإن كان الغالب الهلاك مثل البحار الكبار، فلا يجب وإن كان الغالب السلامة مثل الأنهار العظام والبحار في بعض المواضع يجب، وهو ظاهر عليه في الأمر، وهو اختيار أبي إسحاق والاصطخري.
وبه قال أبو حنيفة.
ومن أصحبانا من قال: هذا على اختلاف حالين من وجه آخر، فإن كانت عادته ركوب البحر ومعيشته [17/ ب] فيه يلزمه، وإلَّا فلا وأشار إلى هذا في «الإملاء».
قال في «الحاوي» 105: هذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال على حالين من وجه آخر، فإن كان أهل جزيرة في البحر، وطريقه في البحر كطريق أهل البر في البر لا يخاف الغرق أسلمه بالسباحة وحدته في ذلك، وصار ذلك انتقاله، وعادة تلزمه، وإلا

الجزء: 3 - الصفحة: 367

فلا.
وقيل: إن كان الغالب الهلاك لا يلزمه قولًا واحدًا، وإن كان الغالب السلامة، فقولان، وقيل: قول واحد لا يلزمه ركوب البحر، وتأويل قوله: إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر أنه إن خرج إلى الشطّ الذي يلي مكة، وأدرك الوقت فقد لزمه، ولا يسقط عنه بعد ذلك بعوده إلى وطنه، ذكره القفال: وأراد إذا دنا من الشطّ الذي يلي مكة، فيلزمه أن يجري السفينة إلى ذلك الجانب.
قال هذا القائل: وعلى هذا لو توسط البحر لا للحج بحيث يكون الماء أمامه مثل ما هو خلفه هل يجب عليه الحج؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه يؤدي إلى وجوب ركوب البحر للحج.
والثاني: يجب وهو الأصح؛ لأن قدامه ووراءه والجوانب كلها استوت في الخوف فيجب كما لو استوت الجوانب كلها في الأمن.
والوجهان يبنيان على أنه إذا أحاط به العدو من الجوانب الأربعة، هل له أن يحلل من إحرامه؟ وجهان.
فَرْعٌ قال أبو حامد: إذا قلنا: لا يلزمه يستحب له ركوبه إن كان رجلًا وإن كان امرأة، فهل يستحب لها؟ قولان: أحدهما: يستحب لها كالرجل.
الثاني: لا يستحب لها لأنها عورة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: «يستحب»، وقال في موضع: «لا يستحب لها» فالمسألة على حالين، فإن كانت تحتاج [19/ ب] إلى عبور نهرٍ كجيحون يكون مدةً يسيرة، فيستحب لها، وإن كانت تحتاج إلى ركوب البحر أيامًا لا يستحب لها لأنها لا تخلو عن التكشف في قضاء الحوائج والطهارة والصلاة.
فَرْعٌ آخرُ قال القفالُ: إذا لم نوجب ركوب البحر على الرجال فالنساء أولى، وإذا أوجبنا عليهم فهل يجب على النساء؟ قولان منصوصان: أحدهما: لا يجبُ، وبه قال مالك، لأنهن عورةٌ على ما ذكرنا.
والثاني: يجب كالرجال وهذا غريبٌ لم يذكره أهل العراق.
ولو كان له طريق في البحر وطريق في البرّ يلزمه الحج قولًا واحدًا، وإن كان أطور طريق إذا كان له كفاية ذاك الطريق.
فَصْلٌ المرأة كالرجل في أن الحج يلزمها إذا وجدت الشرائط التي ذكرناها في الرجل، فإذا وجدت الاستطاعة والأمن وجب الحج عليها، ولها أن تحجّ من غير محرم، واشترط الشافعي صحبة النساء الثقات في حقها، فمن أصحابنا من قال: هو استحباب أو أراد إذا لم يحصل الأمن إلا بصحبة النساء الثقات، وهو الأقيس والصحيح، وبه قال الأوزاعي لخبر عدي بن حاتم الذي ذكرنا.
وذكر الكاربيسي عن الشافعي أنه إذا كان الطريق آمنًا جاز لها أن تخرجَ وحدها.
ومن أصحابنا من قال: لا تخرج إلا أن يكون في الصحبة امرأة ثقة لئلا يخلو بها رجل، وهذا أشبه بكلام الشافعي نصّ عليه في «الإملاء».
وقال مالك: لا تجب إلا أن يكون هناك صحبة نسوة ثقات.
وقال أبو حنيفة

الجزء: 3 - الصفحة: 368

وأحمد لا عبرة بالنسوة الثقات ولا يلزمها إلا مع زوج أو ذي رحم محرم، وربما يقولون: يجبُ من غير وجود المحرم، ولا يلزم الخروج إلا مع المحرم [20/ أ]، وكذا عن أحمد في رواية، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ لامرأة مسلمة أن تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها» 106، وبهذا قال النخعي والحسن وأحمد وإسحاق وهو اختيار أبي سليمان الخطابي.
وهذا غلط لظاهر الآية وهي تصير مستطيعَة بما ذكرنا، والخبر محمول على سفر التطوع، أو إذا لم يحصل الأمن إلَّا به، وقال القفالُ: لا بدّ أن يكون لإحداهن محرم حتى إذا استعانت هذه بتلك استعانت تلك بمحرمها، لأنه إذا لم يكن لإحداهن محرم، فكثرة النساء زيادة عورة وضعف، فلا يجوز لهن الخروج.
وهكذا حكم الخلوة، فإن نسوة لو خلون برجل وإحداهن برجل وإحداهن محرم له جاز، وإلا فلا، وكذلك لو خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز، وإلا فلا حتى لو خلا عشرون رجلًا بعشرين امرأة وإحداهن محرم لأحدهم كفي ذلك، وقد نصّ الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء مفردات، فيصلي بهن إلا أن تكون إحداهن محرمًا له، وهذا حسنٌ، ولكنه خلاف النصّ.
والدليل على صحة اعتبار الجمع منهنّ أن أطماع الرّجال ينقطع عنهُن إذا كثرن وصرن جماعة، فيحصل الأمن لهنّ، ولا يؤدي إلى الفساد، وهذا معروف العرف المستقيم الجاري.
فَرْعٌ قال أبو حامدٍ: لا تخرج في السّفر المباح إلا مع محرمها، ولا تخرج مع النسوة الثقات نصّ عليه، وهو المذهب لأن سفر الحج آكد لكونه فرضًا من غيره، ومن أصحابنا وجهًا آخر أنه وسفر الفرض سواء، وليس بشيء، وقال القفال: جميع الأسفار في هذا سواء، ومذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم في شيء منها، وهذا أصحّ، [20/ ب] وأقيس عندي.
فَرْعٌ آخرُ لو كانت المرأة في دار الحرب عليها أن تهاجر إلى دار الإسلام وحدها ومع محرم سواء كانت الطريق مسلوكة أو لا، إن أمكنها ذلك بخلاف الخروج للحج، لا يلزم إذا كانت الطريق، غير مسلوكة؛ لان ذلك انتقال من الخوف لقصد الأمن فلا بأس، وإن كان الخوف في الطريق والسفر إلى الحج انتقال من الأمن فلا يجب إلا أن يكون الأمن موجودًا في الطريق.
مَسْألَةٌ: قالَ 107: وروي عن عطاء وطاوس أنهما قالا: الحجة الواجبة من رأس المال، قال: الحجة الواجبة من الميقات لا من بلده لأن الحج إنما يجب من الميقات، وما وراءه فإنما هو نسب إليه، فبعد الموت يقضي عنه من ذلك الموضع واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء وطاوس رضي الله عنهما، ثم قال: وهو القياس

الجزء: 3 - الصفحة: 369

يريد به أنه دين عليه، والدين يقضى من رأس المال أوصى أم لم يوص كديون الآدميين، وفي هذا الذي ذكره بيان أن الحج والعمرة في الاستئجار سواء عليهما كما أنهما في الأركان وأحكام المحظورات سواء ثم ينبغي أن يستأجر عليه بأقل ما يوجد لأنه تصرف على الظاهر، وظاهر الشافعي بأقل ما يوجد من ميقاته يدلّ على أن عين ميقاته شرط في الحج، وليس المذهب على ما يقتضيه ظاهر اللفظ ومراد الشافعي بهذه العبارة، إما من عين ميقات بلد ذلك الميت، وإما أن يتحرى مقدار تلك المسافة التي بين ميقات الميت وبين مكة، فيحرم متيامنًا لذلك الميقات أو متياسرًا، ولو أحرم قبل محاذاته زاد خيرًا، ولا يجوز مجاوزته، ولو مرّ هذا الأخير على ميقات غير ميقات بلد الميّت [21/ أ] لم يجز له مجاوزته بغير إحرام سواء كان ذلك الميقات مثل ميقات الميت من المسافة أو أطول من ميقات الميت، فأما إذا مرّ على ميقات قريب من مكة، وميقات الميت أبعد منه مثل أن يكون الميت من أهل المدينة، وأحرم أحد من يلملم كان تاركًا لبعض الأمر لأن ما بين ذي الحليفة ومكة أضعاف ما بين يلملم ومكة، وإذا ترك بعض النسك، فماذا يكون حكمه؟ سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا ظاهر المذهب، وقال الشافعي في موضع آخر: قد قيل هذا، وقيل: إنه إن لم يوص به لا يحج عنه، وإن أوصى حجّ عنه من الثلث فحصل قولان، وهذا غير صحيح عندي، وقوله: وقيل كذا حكاية مذهب أبي حنيفة.
فَرْعٌ النذور والكفارات وما وجب عليه باختياره فيه قولان: أحدهما: يخرج من رأس المال كالحج الشرعي، وهو الصحيح.
والثاني: يخرج من الثلث لأنها أضعف حالًا مما وجبَ شرعًا، وهذا يبطل بالدين، فلا يصح القول به.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان هذا الإيجاب في مرضه، فهو من التلف، وإن كان في الصحة، فقولان مشهوران: أحدهما: من الثلث لأنه متهم في التزامه في حق وارثه لأنه مطالب به في الدنيا.
فَرْعٌ آخرُ إذا ضاق المال عن ديون الآدميين، وحجة الإسلام فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: يقدم حجة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: «فدين الله أحقّ أن يقضى».
والثاني: يقدم الدين.
والثالث: يقسم بالحصص.
فَرْعٌ آخرُ إذا أوصى في الحج الواجب أن يؤدي من الميقات من الثلث، [21/ ب] فمعلوم أنه لو لم يرض به لكنا نأمره بذلك من رأس المال، ففائدة قوله: من الثلث أنه يزاحم أهل الوصايا بإدخال النقص عليهم، ثم إذا أصاب الحج قدر لا يكفي للحج من الميقات جبر ذلك بشي من رأس المال حتى يتم المال الذي للحج.

الجزء: 3 - الصفحة: 370

فرع آخر لو قال: يحج عني من بلدي من ثلثي فإنه يزاحم أهل الوصايا مما يصيبه أحج عنه رجل من حيث يبلغ ويفي به المال إلا أن لا يفي من المقيات لقلة ما أصابه بسبب كثرة الوصايا، فحينئذ يكمل من رأس المال.
فرع آخر لو قال: يحج عني من بلدي ولم يقل: من الثلث، وقدر الحج من الميقات من رأس المال، وما من البلد والميقات يزاحم به أهل الوصايا فما يخصه يضم إلى ما أخرج للحج من الميقات ويحج عنه من حيث بلغ.
فرع آخر إذا أوصى بحج التطوع وجوزنا يكون من الثلث، وهل يقدم على سائر الوصايا؟ قولان: كالعتق هل يقدم على الوصايا؟ قولان: أحدهما: يقدم لما فيها من القربة.
والثاني: وهو الأصح لا يقدم فرع آخر إذا قلنا: لا يقدم فإن كان ما يخصه يكفي للحج من الميقات يفعل ذلك، وإن كان لا يكفي بطلت الوصية، وتبقى سائر الوصايا لأن الحج لا يتبعض بخلاف العتق، فإنه يتبعض فيعتق بما يخصه ثلث العبد أو نصفه.
مسألة: قال 108: ولا يحج عنه إلا من أدى الفرض مرة.
الفضل لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ويسمى ضرورة وكانوا يسمون بهذا الاسم في الجاهلية.
قال الشافعي في "الأم": وأكره أن يقال ضرورة، وهذه كراهية تنزيه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صرورة في الإسلام" 109، وروى أنه نهى أن [22/أ] ويسمى المسلم صرورة 110. ومعنى الخبر أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام.
وقيل: معناه أن الصرورة إذا شرع في الحج من غير صار الحج عنه ليحصل معنى التقى فلا تكون صرورة، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عباس.
الصرورة: الرجل الذي انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب الرهبانية والنصارى.
وعن أحمد رواية أنه لا يقع ذلك عنه ولا عن غيره.
وقال أبو حنيفة ومالك نحو ذلك،

الجزء: 3 - الصفحة: 371

ويقع عن غيره، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي.
وقال سفيان الثوري: إن أمكنه أن يحج عن نفسه ليس له أن يحج عن غيره، وإن لم يمكنه ذلك يجوز له أن يحج عن غيره.
وهذا غلط لما ذكرنا من خبر شبرمة، وروي فيه: "اجعل هذا عن نفسك ثم حج عن شبرمة".
وأدعى أصحاب أبي حنيفة بأنه مرسل غير متصل، وأن هذا القصة جرت بين ابن عباس وبين شبرمة لا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين شبرمة، لأن الشافعي روى ههنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا غير صحيح، لأن الشافعي رواه موصولا، وذلك أنه قال: عن ابن عباس أنه سمع رجلاً، والهاء من قوله أنه كناية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن ابن عباس، ولو قال: وروى ابن عباس أنه سمع رجلاً لكان كلاماً مستقيماً، فحسنت هذه الكناية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الظاهر من لفظ "المختصر" أن الشافعي وقفه على ابن عباس، ووجه دفع هذا السؤال أن يقال: قد روى جماعة هذا الخبر عن ابن عباس موقوفاً، ورواه أبو قلابة عن ابن عباس مرفوعاً فثبت مسنداً.
فإن قيل: [22/ب] وهل تتفق قصتان لشبرمتين تتفقان من أولهما إلى آخرهما فهذا نوع يضاد الرواية.
قلنا لا ندعي قصتين لشبرمتين، ولكنا متى وجدنا حديثاً يرسله بعد الرواة ويسنده بعضهم، والحديث حديث واحد، فمتابعة المسند أولى من متابعة المرسل، لأنه إثبات زيادة والزيادات في أسانيد الأخبار ومتونها مقبولة عن الثقات بالإجماع.
فرع قال أصحابنا: ويستحب أن يحج بعد حجة الإسلام حجة ثانية عن نفسه ثم يشتغل بالنيابة عن غيره ليكون قد قدم نفسه في الفرض.
فرع آخر إذا حج عن نفسه حجة الإسلام ولكن عليه حجة أخرى، أما بالنذر أو بالقضاء لا يجوز له أن يحج عن غيره، فإن حج انصرف ذلك إليه ولا أجرة له.
فرع آخر لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة منذورة لم يجز له تقديم الحجة المنذورة على حجة الإسلام، فإن أحرم بالمنذورة أولاً انعقد عن حجة الإسلام، وهكذا إذا مات فاستأجر وليه من يحج عنه الحجة المنذورة قبل حجة الإسلام وقعت عن حجة الإسلام دون المنذورة، وتقدم حجة القضاء على المنذورة على هذا الوجه الذي ذكرنا، وتقدم حجة الإسلام على حجة القضاء أيضا، وإنما يتصور اجتماع حجة الإسلام وحجة القضاء في مسألة واحدة لا نظير لها، وهي أن يحرم العبد البالغ بحج ثم يجامع، فإذا أكمل أفسده وعتق ووجد مالاً تجب حجة الإسلام والقضاء في ذمته قبل ذلك.
فرع آخر إذا قلنا العمرة واجبة فحكمها حكم الجمع فيما ذكرنا، فإذا كانت عليه عمرة الإسلام لا يعتمر عن غيره، فإن اعتمر عن غيره كانت عنه، وإن حج ولم يعتمر له إن يحج عن غيره ولا يعتمر [23/أ] عن غيره، ولو اعتمر ولم يحج، له أن يعتمر عن

الجزء: 3 - الصفحة: 372

غيره، ولا يحج عن غيره.
فرع آخر من حج عن نفسه ولم يرد به فرضاً لا يجوز له أن يحج عن غيره، كالعبد والصبي لأنهما ليسا من أهل الفريضة، وقال أبو حنيفة في العبد: يجوز ذلك.
فرع آخر إذا استأجر عبداً ليحج عنه حجة النذر، فإن قلنا: يسلك به مسلك النفل يجوز وإن قلنا يسلك به مسلك القرض لا يجوز وفي هذا نظر لأن العبد لو نذرها وحج بإذن سيده يجوز، فهو من أهل أداء الحجة المنذورة، فيجب أن يجوز له أداؤها عن الغير.
فرع آخر قال في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لو كان قد حج عن نفسه، ولم يعتمر فحج عن غيره واعتمر أجزأه الحج دون العمرة، قال المزني: هذا غلط، لأنه إذا قرن بينهما فقد تداخلا وصارا كالعبادة الواحدة، فلا يجوز أن يقع بعضها عنه، وبعضها عن غيره، فيقعان عنه.
قال أصحابنا: الأمر على ما ذكره المزني، ولم يرد الشافعي به إذا قرن بينهما، وإنما أراد به إذا أفرد فحج، ثم اعتمر عقيبه، فيكون الحج عن غيره والعمرة عن نفسه.
فأما إذا أقرن بينهما جميعاً، فيقعان عنه لأن القران كالنسك الواحد عند الشافعي.
فرع آخر لو استأجر ضرورة لأداء الحج ولم يعين العام الذي يحج فيه، بل ألزم ذمته ذلك يجوز، فيحج عن نفسه في هذا العام، ثم بالإجارة عاماً آخر فرع آخر ذكره والدي إذا قال: إذا كلمت فلاناً فلله على أن أحج فكلمه، فهو مخير في القول الصحيح بين الوفاء وبين الكفارة باليمين، وكان حج حجة الإسلام له أن يحج عن غيره ههنا قبل اختياره أحد الأمرين أم لا؟ يحتمل أن لا يجوز لأنه لو حج وأطلق النية [23/ب] صح عن المنذور، فإذا كان حجه عند الإطلاق يتصرف لم يكن له أداء حج عن غيره، ويحتمل أن يجوز لأنه لم يتعين عليه، وعندي الأول أقيس.
فرع آخر قال أيضاً: إذا كانت على العبد حجة النذر، فصار معصوباً هل يجوز للحر أن يحج عنه إذا حج حجة الإسلام أم لا؟ يحتمل جوازه، لأن قضاء الدين عن العبد صحيح بصحته عن الحر، ويحتمل أن لا يجوز، ولو مات هذا العبد هل يحج عنه المنذور؟ إن أوصى به جاز، وإن لم يكن أوصى فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز.

الجزء: 3 - الصفحة: 373

والثاني: يجوز كما يجوز لوارث الحر أن يحج عنه حج الفرض، وإن لم يترك مالاً، ولم يوص به والسيد في العبد كالوارث في الحر، فإذا قلنا: يجوز أن يحج عنه، فإن حج السيد عنه صح، وإن حج غيره عنه، فإن كان بإذن السيد صح، وإن كان بغير إذنه فيه وجهان، وأصل هذا أن الحر إذا مات فحج عنه أجنبي بغير إذن الوارث فهل يصح عنه؟ فيه وجهان، وأصل الوجهين في الأصل أن خيار الثلاثة ينتقل من الحر إلى وارثه قولاً واحداً، وهل ينتقل من المكاتب إلى سيده بموته؟ وجهان.
فرع آخر وقال أيضاً: إذا قلنا: العمرة غير واجبة هل يجوز فعلها من الغير، وقبل فعلها عن نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن العمرة على هذا القول كحجة التطوع وتصح النيابة فيها، قبل فعلها عن نفسه بعد أداء الفرض كذلك القول في العمرة.
والثاني: لا تجوز لأن العمرة إحدى نسكي القران، فلا يجوز فعلها عن الغير، قبل فعلها عن نفسه كالحج.
فرع آخر وقال أيضاً: إذا حج حجة الإسلام ثم نذر أن يحج في العام الثالث هل يجوز له في العالم الثاني [24/ أ] أن يحج حجة التطوع أو يحج عن غيره؟ له ذلك، لأن حجة الإسلام سقطت عنه والمنذور لم يتوجه عليه، فكان له التطوع في الحج عن الغير كما لو لم يوجد منه هذا القول، وقيل: يجوز له أن يتطوع بالحج، ولا يجوز له أن يحج عن غيره لأن حجة النذر غير واجبة في العام الثاني ولها حالة الوجوب، في العام الثالث فصح في العام الثاني.
إذ التطوع وإن لم يصح الأداء عن الغير كالصبي يجوز لهما أداء حج التطوع لا فرض عليهما، ولا يجوز لهما أن يحجا عن غيرهما لأن لهما حالة وجوب حجة الإسلام.
فرع آخر وقال أيضاً: إذا قلنا: يلزم الإحرام لدخول مكة، وإذا ترك لا قضاء على قول ابن أبي أحمد حتى يصير خطاباً هل يجوز له أن يحج عن الغير أم يتطوع قبل أن يصير خطاباً؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز لأن الفرض لازم عليه، ولكنه لا يتمكن من تحصيله في الحال ألا ترى أنه إذا صار خطاباً يلزمه القضاء؟ والثاني: يجوز لأنه لو لم يجز عن حجة التطوع وعن الغير وجب أن يصح عن الفرض كما في الفقر الذي حج حجة الإسلام إذا نذر حجاً ثم تطوع أو حج عن الغير ما لم يصح عما نواه لأجل الفرض صح عن الفرض فلما لم يصح ههنا عن القضاء وجب أن لا يكون وجوب القضاء في ذمته مانعاً من التطوع والنيابة عن الغير، وهذا أوضح لأن الأول يؤدي إلى أن لا تصح حجة هذا الرجل ما لم يصر خطاباً لأن إحرامه لا يصح عن القضاء أيضاً، ويبعد أن لا يصح حج العاقل المسلم البالغ ما لم يصر.

الجزء: 3 - الصفحة: 374

خطاباً، فإذا صح هذا فليس على أصلنا مسلم صح التطوع فيها بالحج والنيابة مع وجوب الفرض عليه إلا في هذا الموضع.
فرع آخر [24/ب] إذا نظر حجاً في عام معين، وكان حج حجة الإسلام، فلم يحج في ذلك العام ثم نذر حجاً آخر فهل عليه أن يقدم حجة القضاء أم له الإتيان بالمنذور ثانياً؟ قال والدي رحمه الله: عندي له أن يأتي بحجة القضاء وله الإتيان بالمنذور الثاني، لأن كل واحد منهما واجب عليه بالنذر، فلو منع القضاء من الثاني لمنع الثاني من القضاء، فيؤدي إلى أن لا يمكن تحصيلهما، وهذا محال.
ويفارق هذا حجة الإسلام مع حجة النذر لأن إحديهما وجبت بإيجاب الله تعالى على الانفراد، فيكون أكد وتقدم الأكد واجب وفي هذا الموضع هما واجبان بإيجابه ونذره، فاستويا في القوة، ويحتمل أن يقال: يقدم حجة القضاء لأنها استوت وجوباً، وللسابق في الأصول مزية.
فرع آخر وقال أيضاً: إذا نذر العبد حجاً فشرع فيه ثم اعتق في أثنائه، فإن كان قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، وإن كان بعد الوقوف صح عن النذر اعتباراً بما لو اعتق في أثناء حج التطوع ووجه الجمع أن تقديم حجة التطوع على حجة الإسلام لا يجوز، ولذلك تقديم حج النذر عليها لا يجوز، فلما وجب في أحديهما صرف الإحرام إلى حجة الإسلام إذا كان العتق قبل الوقوف كذلك القول في الآخر مثله.
فرع آخر وقال أيضاً: إذا شرع في حجة النفل، ثم نذر حجاً فإن كان بعد الوقوف لا ينقلب إلى المنذور وإن كان قبل الوقوف فيه وجهان: أحدهما: ينصرف إلى المنذور كما لو شرع العبد في حج التطوع ثم اعتق قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، ولا فرق بين طريان وجوب المنذور وبين طريان وجوب حجة الإسلام، لأن [25/ أ] كل واحد منهما من فعل تطوع الحج.
والثاني: لا ينصرف إليه لأنا لو صرفناه إليه وجب القول بأن الإحرام انعقد عن النذر، وهذا محال لأن إحرام المنذور لا يسبق النذر بحال فيبقى عن التطوع كما كان، ويفارق حجة الإسلام لأن فعلها قبل وجوبها صحيح في الجملة، فأمكن القول بأن الإحرام انعقد عنهما حكماً، وإن لم يكن واجب عليه في تلك الحالة، وهذا واضح.
وقيل: هذا بناء على أن الصبي إذا أحرم، ثم بلغ هل ينقلب فرضاً في الوقت؟ إن تبينا أن إحرامه انعقد فرضاً، فالنذر لا يمكن إفساده، فلا يحتسب به عن النذر ومن قال بالأول كان يفترض على هذا، فيقول: حالة العبودية ينافي حجة الإسلام، كما أن قبل النذر الحالة حالة تنافي المنذور، فإذا جاز في إحداهما أن يجعل كأن الإحرام وقع بحج الإسلام، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء حج الإسلام وجاز في الآخر أن يجعل لأن الإحرام وقع بحج النذر، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء المنذور ولا فصل بينهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 375

فرع آخر قال: لو نذر حجاً بعدما شرع في الحج عن غيره، وكان حج الإسلام لم ينصرف الحج إليه، وإن كان مثل الوقوف لأن الحج إذا انعقد عن شخص لا ينصرف إلى شخص آخر، ويفارق هذا إذا شرع في حج النفل، ثم نذر حجاً حيث صرفنا إلى المنذور في أحد الوجهين، لان جواز ذلك في حق الشخص الواحد لا يدل على جوازه في حق الشخصين ألا ترى أن الصبي إذا بلغ في أثناء الصلاة انصرفت إلى الفرض ويستحيل ذلك في شخصين لامتناع النيابة فيها.
فرع آخر إذا كانت عليه حجة الإسلام، فقال: لله على أن أحج هذا العام [25/ب] إن شفي الله مريضي لم يصح النذر، لأن هذا العام متعين لحجة الإسلام لا يجوز إيقاع غيرها فيه، فلا يصح نذر حج آخر فيه، كما لو نذر صوماً في رمضان لم يصح النذر، ولو نذر، ولو نذر حجاً في عام، ثم نذر حجاً آخر في ذلك العام، وكان حج حجة الإسلام فيه وجهان: أحدهما: عليه حجة واحدة.
والثاني: تلزمه حجتان.
وهما مبنيان على أن العام الذي عينه بالنذر لحجة هل يجوز إيقاع حجة أخرى منذورة فيه؟ وفيه وجهان.
فرع آخر قال: إذا بقيت عليه ركعتا الطواف، وقلنا: هما واجبتان وفرغ من سائر أعمال الحج هل يجوز له أن يحرم عن الغير؟ عندي أنه يجوز، ويجوز أيضاً أن يحرم عن نفسه بحجة التطوع، لأن بقاء الصلاة عليه لا يمنع من النيابة والتطوع، فكذلك واجبة بالشرع، ومنذور الصلاة لا يمنع النيابة، فكذلك واجبه شرعاً بحق الإحرام.
فرع آخر قال: إذا أحرم عن المعصوب بحجة النفل في أصح القولين فنذر المعصوب بالحج قبل وقوف النائب بعرفة، فهل ينصرف ذلك الحج إلى المنذور أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على أن الشارع في التطوع لنفسه إذا نذر الحج هل ينصرف إليه؟ وجهان.
وهذا لأن الإحرام عن المعصوب كإحرام المعصوب بنفسه، ولو كان متمكناً من الحج بنفسه.
فرع آخر إذا بذل الطاعة لأحد أبويه، فلزمه أداء الحج لو أراد أن يحج عن غيره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه الأداء بنفسه لأنه إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء استأجر غيره ليحج عنه، ونظيره أن يموت على حج، ثم أراد الوارث [26/ أ] الحج عن غيره قبل فرض الميت كان له ذلك، فكذلك فيما ذكرناه.
فرع آخر قال: إذا ارتد بعد وجوب الحج عليه واستقراره لم يسقط عنه، فلو مات على الرد يحتمل أن يقال: يقضي عنه كالزكاة، والأقوى أنه لا يقضي عنه لأن الحج عبادة على

الجزء: 3 - الصفحة: 376

البدن فمن شرطها أن يقع قربه، ولا يحصل ههنا، لأن المرتد ليس من أهل القرية، والحج يقع عنه والزكاة حق المال قد يستوفي على طريق الغرامة كما يستوفي قربة.
فرع آخر قال: إذا بذل الطاعة لوالده، وقلنا: ليس له الرجوع، فلو بذل الوالد الطاعة لوالده يجب الحج على الابن في أصح الوجهين، وهل للأب الرجوع؟ وجهان: أحدهما: لا يرجع كالابن فيما ذكرناه.
والثاني: له الرجوع كما يرجع في الهبة بعد إبرامها بالقبض بخلاق الابن.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن للأب حقاً في مال الابن بالنفقة والإعفاف أو الولاية، فصح إثبات الرجوع له في الهبة على الاختصاص، ولا دخل للأب في حج الابن، فلا رجوع له كما يرجع الابن.
مسألة: قال (1): وكذلك لو أحرم تطوعاً وعليه حج.
الفضل من عليه فرض الحج إذا أحرم به ينوي تطوعاً يقع عن فرضه، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يقع تطوعاً، وهذا غلط لأنه لو أطلق الإحرام يقع عن فرضه في رواية الأصول، فكذلك إذا قيد بالنفل لأن إطلاق النية كالمقيد في هذا الباب ألا ترى أنه لو أطلق الإحرام بالصلاة، وعليه فرضها يقع عن النفل كما لو قيد بالنفل؟ وكذلك لا يجوز أن يتطوع بالعمرة، وعليه فرضها، فإن أحرم بها بنية التطوع [26/ب] وقع عن الفرض.

باب تأخير الحج

مسألة: قال 112: أنزلت فريضة الحج.
الفضل وقت الحج عندنا موسع وهو ما بين أن يحيا إلى أن يموت، فإن حج بنفسه فقد أدى الفرض في وقته، وإن مات قبل أن يحج، وكان مستطيعاً للحج، فقد مات عاصياً والمستحب تعجيله بلا أشكال.
وبه قال الثوري والأوزاعي ومحمد، وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: هو على الفور فيجب على من قدر أداءه، فإن أخره أثم وعصى، وهو اختيار المزني، وقال الكرخي: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور، وقيل: لا نص فيه عنه، وأصحابه يقولون: مذهب مثل مذهب أبي يوسف، وهو اختيار المزني إلا أن عند مالك إذا أخره عن السنة التي وجب فيها، ثم حج في غيرها صار قاضياً كمن أخر الصلاة عن وقتها، وعندهم متى حج في عمره يكون مؤدياً لا قاضياً.
وأصل هذه المسألة أن الأمر المطلق هل هو على الفور أم التراخي؟ واحتج الشافعي بأن قال: "أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة" يريد قوله تعالى: ﴿آمِنًا ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، الآية، فإنها مدنية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج يريد سنة ثمان111

الجزء: 3 - الصفحة: 377

من الهجرة، وتخلف النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلفن أيضاً عن الحج مع الإمكان، فلو كان ترك الحج كترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم [27/أ] الفرض ولا ترك المتخلفون عنه من أصحابه وأزواجه.
ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض الحج إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع سنة عشرة، وهي أخر عمرة ودع فيها الناس وعاش بعد ثمانين يوماً، ثم قبض إلى رحمة الله تعالى، ثم أوضح هذا بما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم حج، وقصد الشافعي بهذا إسقاط سؤالين لأبي حنيفة.
أحدهما، يقول: الحجة التي حجها في آخر عمره عساها كانت تطوعاً، وكان قد حج حجة الإسلام بعد الفتح قبل حجة المدينة إذا كانت له أسفار كثيرة إلى مكة.
والثاني يقول: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حججاً كثيرة أجزأته واحدة منها عن حجة الإسلام، قال جابر رضي الله عنه: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة، فأشار، الشافعي إلى إسقاط الثاني، بقوله: إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع، فأخبر أن الحجة إلى سميت حجة التي سميت حجة الوداع لتوديعه فيها الناس هي حجة الإسلام لأنها أول حجة فعلها بعد نزول الفرض، فأما ما فعل بمكة قبل الهجرة، وقبل نزول الفرض فلا يتصور أن ينصرف إلى حجة الإسلام كما يصلي صلاة تطوع قبل دخول وقت المكتوبة، فلا ينوب تطوعه مناب المكتوبة.
وقد قال قتادة: قلتُ لأنس: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: [27/ ب] عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة، إذا قسم غنائم حنين، فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في أول وقت العصيان إذا مات بعد الإمكان، فقال أبو إسحاق: يكون عاصياً من السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة، ومات فقد علمنا أنه لم يكن جاز له تأخيره.
ومن أصحابنا من قال: كان عاصياً من السنة الأولى لأنا إنما أجزنا له التأخير من أول حال الإمكان بشرط أن لا يفوته، فإذا فاته صار عاصياً بتأخيره من أول حال الإمكان.
وقيل: فائدة الوجهين أنه لو شهد عند القاضي، وحكم بشهادته، ثم مات، ولم يحج، فإن قلنا: نحكم بالعصيان من آخر السنة فهذا فسق ظهر بعد الحكم فلا يؤثر فيه، وإن قلنا: نحكم به من أول السنة يصير كما لو بان فيقهم عند الحاكم، ومن أصحابنا من قال: بقول: يعصي بتأخيره إلى الموت في الجملة من غير تعيين وقت، فيقول لمن لزمه الحج وقدر لك أن يؤخره بشرط السلامة، وهو أن يفعله من بعد، فإن لم نفعل عصيت، وهذا كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبيناً أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: إنه كان مفرطاً كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبينا أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: أنه كان مفرطاً كما ينسب تارك الصلاة عن أول وقتها حتى يعجز إلى التفريط دون العصيان، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح" لأنا جوزنا له

الجزء: 3 - الصفحة: 378

التأخير، ولا يعرف هو وقت الموت، فلا ذنب له ثم على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: أنه مفرط من أول وقت إمكانه [28/أ].
والثاني: أنه غير مفرط من آخر وقت إمكانه.
وقال أبو ثور: لا نحكم بعصيانه أصلاً، ومن أصحابنا من قال: إذا غلب ظنه بالإمارات أنه إذا أخرها عن تلك السنة يصير عاجزاً بالكبر والضعف والفقر يصير عاصياً من تلك السنة عند الإمكان، وإن أدركه قضاء الله تعالى فجأة، أو مع رجاء الحياة وبقاء القوة واشتغاله بأمر المعاش لا يصير عاصياً، ولا يمتنع أن يتعلق الحكم بالظن الغالب كما أن الله تعالى كتب الوصية في الابتداء على حضر الموت يعني أمارته الدالة عليه لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وكان الحكم أنه يعصي بتركها عند وجودها، ولا يعصي من دون ذلك.
كذلك ههنا، وهذا أصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان يخشى الزمانة، أو تلف ماله، هل له تأثير الحج؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك كما لو لم يخش الزمانة، فإنها موهومة وأصل وجوبه على الفور، فلا يتعين بالوهم.
والثاني: ليس له ذلك، ويصير عاصياً به لأنه لا يمكنه أداء الحج عند الزمانة.
فرع لو وجب عليه الحج، فلم يحج حتى صار معصوباً، وله مال هل يلزمه أن يستنيب على الفور؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه ذلك بل هو على التراخي لأنه في القادر على التراخي.
والثاني: أنه على الفور، لأن الحج فات، وهذا بدل الحج، فهو كقضاء الصلاة على الفور إذا فاتته الصلاة بغير عذر، فعلى هذا لو امتنع يستأجر الحاكم من ماله من يحج عنه.
فرع آخر قال أبو إسحاق: [28/ب] إذا أخر قضاء الصلوات حتى مات قبل قضائها يصير عاصياً، لأن آخر وقت القضاء غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، وإنما يجوز له أن يؤخرها بشرط أن لا تفوته، ولو أخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخره، فمات قبل أن يصلي لا يصير عاصياً، لأن آخر وقتها معلوم، فلا يراعي فيه شرط السلامة عند الإذن بتأخيرها إليه، وهو كالحد الذي هو مقدر الطرفين إذا أدى إلى التلف لا يوجب الضمان بخلاف التعزيز المؤدي إلى التلف فإنه يوجب الضمان.

باب وقت الحج والعمرة

مسألة 113: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]. قال: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة.
القصد من هذا الباب بيان معرفة وقت جواز أفعال الحج والعمرة من السنة، فلا خوف أن وقت أفعال الحج سوى

الجزء: 3 - الصفحة: 379

الإحرام إنما هو أشهر الحج التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وتفسير هذه الأشهر ما ذكره الشافعي بعد الآنية، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة يعني: والتاسع هو يوم عرفة، وفيه معظم الحج، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" 114 يعني الوقوف بعرفة يوم عرفة، ويكون عشر ليالي من ذي الحجة، فإذا طلع الفجر ليلة النحر خرجت أشهر الحج.
وروي هذا ابن الزبير 115 وابن مسعود 116 رضي الله عنهما، وهو مذهب أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: الحج: شوال [29/ أ] وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخلوا يوم النحر فيه.
وبه قال أحمد، وقال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: نص عليه الشافعي كتاب "الإملاء"، وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما روايتان: أحدهما: مثل قولنا.
والثانية: مثل قول مالك، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: روي نحو قولنا عن أبن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، ولا يتعلق بهذا الاختلاف حكم، والدليل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197]، فلا يخلو، أما إن أراد به الإحرام، أو الأفعال، وكلاهما لا يختص بثلاثة أشهر، ولأن الرفث وهو الجماع، يحل يوم النحر، وفي باقي الأيام من ذي الحجة، فدل أنها ليست من أشهر الحج، ولأن بعد يوم النحر وقت لو اعتمر فيه مضافاً إلى حجة من سنته لا يلزمه دم، فلا يكون من أشهر الحج كشهر رمضان.
واحتج مالك بأن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة، قلنا: قد يعبر عن الاثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع، كما قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وأراد به الأطهار عندنا، وعنده، وهي طهران وبعض الثالث، كذلك ههنا، فإن قيل: ما معنى قوله: وتسع من ذي الحجة؟ أيريد بالتسع تسع ليال أو يريد الأيام؟ فإن أراد الليالي، فهي عشر، وإن أراد الأيام، ففيه خلل من وجهين.
أحدهما: أن العبادة عن الأيام بإثبات الهاء لا بحذفها إذا العرب تقول: تسعة أيام وتسع ليال.
والثاني: أن وقت الحج لا ينقضي بانقضاء اليوم التاسع، بل يبقى، وفيه الليلة العاشرة حتى يطلع فجرها.
قلنا: االمراد [29/ ب] بقوله: وتسع من ذي الحجة إلى تسع ليال، والعرب إذا أطلقت حساب الليالي إنما تريد الليالي بأيامها لقوله تعالى ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142]، أي: بعشر ليال مع أيامها، فدخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع ذي الحجة وبقيت ليلة النحر غير داخلة تحت هذه العبادة، فألحقها

الجزء: 3 - الصفحة: 380

به، فقال: "فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج" ولا فرق بين الاقتصار على ذكر التسع، ثم إلحاق الليلة العاشرة بها، وبين ذكر العشر ثم استثناء اليوم العاشر منها إذ لو قال: وعشر من ذي الحجة لدخل يوم النحر تحت الجملة، ولاحتاج إلى الاستثناء يوم النحر لأنه ليس من وقت الحج، وإنما هو وقت بقايا مناسكه.
فإن قيل: إذا دخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع من ذي الحجة، فما معنى قوله بعده: وهو يوم عرفة، وهل هذا إلا إعادة الكلام المستغني عن إعادته؟ قلنا: مقصوده بإعادة هذه اللفظة تخصيص يوم عرفة بوقوع الحج فيه لأن الأيام التي قبله وقت الإحرام، وليست بوقت الوقوف فإذا دخل يوم عرفة دخل وقت الوقوف، وقيل: إنما أفردها لأن الإحرام يستحب قبلها ليبقى من النهار بعد إحرامه ما يقف فيه، أو أفردها لتعلق الفوات بها.
مسألة: قال 117: ولا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج.
فإن أحرم به قبلها انعقد بالعمرة، ولا ينعقد بالحج كما لو أحرم بالظهر قبل وقتها ينعقد نافلة.
وبه قال ابن عباس 118 وجابر 119 والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: ينعقد بالحج، ولكنه يكره، وبه قال أحمد، واحتجوا بقوله تعالى [3/أ]: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، فجعل جميع السنة للحج، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وتقديره وقت الحج، أو أشهر الحج، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فلو كان جميع السنة، وقتاً له، ما كانت للمعلومات فائدة تظهر.
واحتج الشافعي بعد هذا بقول جابر وذلك أنه سئل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وأستأنس بقول عطاء لمن أحرم بالحج قبل أشهره: أجعلها عمرة 120، أي: ائت بأعمال العمرة، فإن إحرامك انعقد بها، وأما الآنية التي ذكروها دليلنا لأنها تقتضي أن يكون بعض للناس، وبعضها للحج، أو نحملها على هذا بدليل ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد عمرة، لأن الشافعي يتحلل بعمل عمرة فحصل قولان: أحدهما: ينعقد عمرة حتى لو كانت عليه عمرة الإسلام تسقط بهذه العمرة.
والثاني: لا تنعقد عمرة بل هو إحرام لا يصلح لحج، ولا لعمرة لأنه يصح حجاً، ولم ينو العمر فيتحلل بعمل العمرة من الطواف، والسعي والخلاف كمن فاته ولا يحتسب له، ومن أصحابنا من ذكر قولاً ثالثاً أنه انعقد في الجملة، فإن شاء صرفه إلى العمرة، ويصح العمرة عن عمرة الإسلام، وإلا فلا يصح، ومن أصحابنا من قال: لا تجزئ عن عمرة الإسلام قولاً واحداً، وحيث قال: تجزئ صورته أنه أطلق الإحرام، ولم يعين حجاً، ولا عمرة فيصرف إلى ما يصلح الوقت له، وهو العمرة والمشهور الأول، وهو المذهب.

الجزء: 3 - الصفحة: 381

وقال داود: يبطل إحرامه، ولا ينعقد بواحد منها.
فرع لو أحرم [30/ب] بالحج ليلة النحر، ووقف بعرفة، هل يكون مدركاً للحج، وجهان: أحدهما: يكون مدركاً، لأن كل زمان كان صالحاً للوقوف كان صالحاً لإنشاء الإحرام بالحج فيه كيوم عرفة.
والثاني: لا يكون مدركاً، لأن ليلة النحر كالتبع ليوم عرفة في رخصة الإدراك وتوسعة الأمر، فما لم يحصل إحرامه قبل هذه الليلة لم يدرك الحج بالوقوف فيها.
ذكره أصحابنا بخراسان، قالوا: ومعنى الوجهين أن ليلة النحر هل تعد من أشهر الحج أم لا؟ مسألة: وقال 121: ووقت العمرة متى شاء.
وقت العمرة ليس بمحصور كوقت الحج بل هي في جميع السنة جائزة متى شاء اعتمر وتستحب له أن يكثر منها، ولا يكره فعلها في شيء من أوقات السنة.
وبه قال أحمد.
وحكي عن مالك أن يكره العمرة في أشهر الحج، وهي ثلاثة أشهر كوامل، وفائدة قوله: أشهر الخرم ثلاثة أشهر كوامل، هذا وحكي عنه أنه قال: لا يجوز فعل العمرة في السنة إلا مرة واحدة.
وبه قال سعيد بن جبير والنخعي وابن سيرين.
وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يكره في خمسة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، واحتجوا بقول عائشة: السنة كلها وقت العمرة، إلا خمسة أيان: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وهذا غلط لأن كل وقت لا يكره في القرآن بين الحج والعمرة لا يكره فيه إفراد العمرة بالإحرام أًله قبل يوم عرفة، وأما [31/أ] خبر عائشة قلنا: ليس فيشيء من الأصول، وإن صح فحمله على أنه أراد إذا كان متلبساً بإحرام الحج، واحتج الشافعي على مالك فقال: "ومن قال لا يعتمر في السنة إلا مرة خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أعمر عائشة في شهر واحد من سنة واحدة مرتين، وخالف فعل عائشة نفسها، وعلي، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم".
وأما السنة فما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في سنة واحدة عمرتين، أحديهما في شوال والثانية في ذي القعدة.
وكذلك أمر عائشة بالقرآن لما نفست بمكة، ثم لما فرغت من القرآن قال لها: "طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك" فقالت: يا رسول الله، أكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - ومعناه أنهن ينصرفن بعمل نسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم 122.

الجزء: 3 - الصفحة: 382

فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرتين يجمعها في سنة واحدة، إحديهما هي المقرونة بالحج، والثانية هي المفردة عن الحج.
وأما فعل عائشة نفسها فهو ما روي عن سعيد بن المسيب قال: اعتمرت عائشة في سنة واحدة مرتين، مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة 123. وروى صدقة بن يسار، عن القاسم بن محمد، قال: اعتمرت عائشة في شهر واحد مرتين.
قال صدقة: قلت للقاسم: ولم يعب عليها (أحد) فقال: سبحان الله أم المؤمنين 124. أي أم المؤمنين تفعل ما يعاب.
وأما فعل على فهو ما [31/ب] روى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: في كل شهر عمرة 125. ومثله لا يندب إلى خير إلا ويقصد بنفسه فعله إذا تمكن منه.
وأما فعل ابن عمر فهو ما روى موسى بن عقبة، عن نافع قال: اعتمر ابن عمر - رضي الله عنهما - أعواماً في إمارة ابن الزبير في كل سنة مرتين 126. وروى: ابن عمر كان يعتمر في كل يوم من أيام بن الزبير.
ذكره في "الشامل" وذكر أيضاً عن على رضي الله عنه أنه كان يعتمر في كل يوم مرة.
وأما فعل أنس فهو ما روى سفيان، عن ابن أبي حسين، عن بعض أولاد أنس قال: كان أنس رضي الله عنه كلما حمم رأسه اعتمر 127. أي كان لا يحلق إلا في عمرة، ويروى بالجيم من الجمة، ويروي بالحاء من الحمة.
والدليل على أنه لا يكره في شيء من السنة، ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرر ليس له جزاء إلا الجنة" 128. والمبرور: الذي لا يخالفه إثم.
وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة ألا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبر الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر 129. وقوله: "عفا الوبر": أي كثر وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ.

الجزء: 3 - الصفحة: 383

وقالت أم معقل: يا رسول الله، أني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزي عني من حجتي؟ فقال: عمرة [32/أ] في رمضان تجزي حجة" (1). وروي: "تعدل حجة".

باب وجوب العمرة

مسألة 131: قال الله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. اختلف قول الشافعي في وجوب العمرة، قال في "الأم" ونقل المزني أنها واجبة، وهو المشهور والصحيح، فإذا وجد الزاد، والراحلة، فقد لزمه الحج والعمرة لأن الاستطاعة الواحدة تمكن أداء كليهما.
وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب والثوري وأحمد وإسحاق، وقال في "القديم" و"أحكام القرآن من الجديد" ليست بواجبة بل هي سنة لا أخرص في تركها لمن قدر.
وبه قال ابن مسعود والشعبي ومالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روى أبو صالح الحنفي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج جهاد والعمر تطوع" 132، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة: أواجبة؟، قال: لا، وإن تعتمروا فهو أفضل" 133 أورده أبو عيسى.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 134 يعني فرضها ساقط بالحج وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان" 135، وروى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد" 136، واحتج الشافعي على وجوبها بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، فقرن العمرة به، فكانت [32/ب] واجبة للقرآن بينهما في الأمر بهما، ولهذا احتج أبو بكر الصديق رضي الله عنه باقتران الصلاة والزكاة في القرآن على اقترانهما في الافتراض واستحقاق القتال بالامتناع منهما، ثم قال 137: واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، وأراد لو لم تكن واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب.
ثم قال 138: ومع ذلك قول ابن عباس: والذي نفسي بيده، إنها لقرينته في كتاب الله أي أن العمرة لقرينة الحج130

الجزء: 3 - الصفحة: 384

في الأمر بهما في كتاب الله تعالى، وهو فيما ذكرنا من الآية.
ثم استأنس بقول عطاء غيره، فقال (1): وعن عطاء أنه قال: ليس أحد من خلق الله ألا وعليه حج وعمرة واجبتان، ثم قال: وقال غيره من مكيينا أي: من فقهاء المكين غير عطاء، ثم قال (2): وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني شرع وأوجب في قرن العمرة مع الحج هدياً، فلو كانت نافلة لكان الأشبه أن لا تقترن مع الحج كأنه يقول: إنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن هدياً جبراً، ولو كانت العمرة نافلة لكان الأشبه أن لا يدخل النقص بشببها حتى يحتاج إلى جبره بالهدي.
وفي هذا الاحتجاج ضعف لأن الفارغ من عمرة الإسلام لو أراد القرآن بشرط الدم يباح له، وإن كانت العمرة نفلاً في حقه.
ثم قال (3): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، كأنه ذهب إلى أن المراد به دخل وجوب العمرة في وجوب الحج أبداً فهما واجبان.
وقيل: معناه دخلت أعمال حتى يجوز للقارن طواف واحد لهما، وقيل: [33/أ] معناه دخل في وقت الحج وشهوره رداً على أهل الجاهلية، فإنهم كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج.
ثم قال (4): وروى أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: أن العمرة هي الحج الأصغر، وكأن وجه استدلاله منه أنه لما سماها حجاً دخل وجوبها تحت قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [البقرة: 97]، وأما خبرهم الأول رواه أبو صالح الحنفي، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل، ثم أراد أن الحج يشق كالجهاد والعمرة تسهل فتتطوع بها النفس، وأما الخبر الثاني يحتمل أنه أراد به العمرة الثانية، وفي هذا التأويل نظر، ويحتمل أنه كان في الأول، ثم أوجب من بعده.

باب ما يجزئ من العمرة إذا جمعت إلى غيرها

مسألة: قال 143: يجزئه أن يقرن العمرة مع الحج.
إذا أراد الرجل تحصيل النسكين معاً: الحج والعمرة، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: القران، والإفراد والتمتع، فالإفراد أن يقدم الحج، فإذا فرغ منه اعتمر.
وأما التمتع، فهو أن يقدم العمرة، فيأتي بها في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من سنته.
وأما القران فمن وجهين: أحدهما: أن يحرم بالحج والعمرة ويلبي بهما.
والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها حجاً فيصير قارناً، لما روى عن عائشة قالت: كنت ممن أخرم بعمرة، فلما دخلت مكة حضت، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: "ما لك، أنفست"؟ أي حضت، قلت: نعم، قال: "ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فاغتسلي وامتشطي [33/ب] وارفضي عمرتك139140141142

الجزء: 3 - الصفحة: 385

وأهلي بالحج"، ففعلت ذلك، فلما كان يوم النحر قال لي: طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك 144، فصارت مدخلة بالحج على العمرة وصارت قارنة.
وروت عائشة، قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج"، وهذا هو التمتع والقران والإفراد.
فرع يجوز إدخال الحج على العمرة قولاً واحداً لخبر عائشة الذي ذكرنا، فإن قيل: قال لها: "ارفضي عمرتك وأهلي بالحج"، فما معناه، قلنا: أراد به: ارفضي أفعال عمرتك، فإن الحيض يمنعها من الطواف دون الإحرام بذلك أنه قال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمرة يكفيك لحجك وعمرتك.
فرع آخر إذا أحرم أولاً ثم أدخل عليه بالعمرة، هل يجوز؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز قاله في "القديم"، ويصير قارناً.
وبه قال أبو حنيفة لأنه أحد النسكين فجاز إدخال الآخر عليه كالعمرة.
والثاني: قاله في "الأم" و"الإملاء": لا يجوز وبه قال أحمد.
ولا يجوز هذا الإحرام بالعمرة، وهو الأصح لأن الحج أكد من العمرة فيجوز إدخال القوي على الضعيف، ولا يجوز إدخال الضعيف على القوي ذلك اليمين يطرأ على ملك النكاح، فيرفعه وملك النكاح لا يطرأ على ملك اليمين، فيرفعه، ولأنه لا يفيد إدخال العمرة على الحج شيئاً لأن الأفعال قد بقيت عليه بإحرام الحج، فلا يفيد إدخال العمرة إلا إسقاط فرضها خاصة، فلم يجز، وإذا أدخل الحج على العمرة يتعلق به واجبات ليست في العمرة، ويتعلق به إدخال أفعال العمرة [34/أ] في الحج فجاز.
فرع آخر وقت إدخال الحج على العمرة ما لم يطف بالبيت، فإذا ابتدأ الطواف لا يجوز ذلك.
نص عليه الشافعي، واختلف أصحابنا في تقليد ذلك، فمنهم من قال: لا يجوز، لأنه أتى بمعظم العبادة، فإن الطواف معظم العمرة.
ومنهم ن قال: لا يجوز، لأنه شرع في التحلل من العمرة لأن الطواف يتحلل من العمرة، فلا يكون عقدها تاماً.
فرع آخر إذا جوزنا إدخال العمرة على الحج، فأي وقت يجوز؟ مبني على اختلاف التعليلين في المسألة السابقة، فإذا قلنا بالعلة الأولى، يجوز إدخال العمرة على الحج ما لم يقف بعرفة، فإذا وقف لا يجوز لأنه تلبس بمعظم الحج، وإذا قلنا بالعلة الثانية يجوز ذلك ما لم يطف، أو يرم لأن التحلل به يكون.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في

الجزء: 3 - الصفحة: 386

وقت إدخال العمرة ثلاثة أوجه: أحدهما: ما لم يأت بشيء من الأعمال فرضا، أو نقلاً حتى لو أتى بطواف القدم أو بشيء منه لم يجز ذلك.
والثاني: ما لم يأت بفرض حتى إن وقف أو سعي عقيب طواف القدوم لم يجز ذلك، لأن حكم السعي بعد طواف القدوم أن يحتسب به عن فرضه يوم النحر.
والثالث: لم يأخذ في أعمال التحلل والاعتماد على ما سبق.
فرع آخر إذا قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج، فإذا شرع في طواف الحج لا يجوز أن يعتمر، وكذلك ما دام بقى عليه شيء من أفعال الحج لا يجوز أن يعتمر، فأما يوم النحر لا يجوز أن يعتمر لأن عليه طوافاً، وحلقاً وغير ذلك، وفي اليوم الأول من أيام التشريق لا يجوز أيضاً، لأنه فيه رمياً، وفي اليوم الثاني يكون النفر الأول، [34/ب] فإن أراد أن ينفر فيه يرمي في هذا اليوم بعد الزوال ثم ينفر وقد فرغ من أفعال الحج، فيجوز أن يعتمر، ولا يجوز أن يعتمر قبل النفر لأن الاعتبار بفعل النفر لا بنية النفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الثاني يحتاج إلى أن يقيم إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، ثم يرمي بعد الزوال، ثم يعتمر بعده، وإن لم ينفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الأول، فرمى بعد الزوال في ذلك اليوم، ثم لم ينفر وأقام حتى غربت الشمس لم يجز النفر بعد ذلك، بل يحتاج إلى أن يصير إلى أن يرمي في اليوم الثاني ثم ينفر بعد ذلك.
فرع آخر قال صاحب "الإفصاح": إذا أحرم بعمرة، ثم أفسدها بالوطء، ثم أدخل عليها حجاً فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهو الأصح لأن الأصل فيها الإفراد، ثم وردت الرخصة في إدخال الحج على عمرة سليمة وحدها، ولأن هذا الحج لا يجوز أن ينعقد فاسداً، لأنه لم يطرأ عليه ما يفسده، ولا يجوز أن ينعقد صحيحاً ويقارنه عمرة فاسدة، فلا وجه إلا الإبطال.
والثاني: يجوز.
وبه قال ابن الحداد، لأن العمرة الفاسدة كالصحيحة في وجوب الإتمام، فكذلك في جواز القران، فعلى هذا لا يكونان فاسدين، فيلزمه قضاءهما.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه قضاء العمرة وفي قضاء الحج وجهان: أحدهما: لا قضاء عليه لسلامة الحج من الوطء.
والثاني: عليه القضاء لأن الشرع قدر إدخال الحج على العمرة كالإحرام بهما، فصار كالواطئ فيهما.
مسألة: قال 145: ويهريق دماً.

الجزء: 3 - الصفحة: 387

لا يجب الدم على المفرد [35/أ] بالإجماع، ولكن يستحب له.
وقال بعض أصحابنا: يستحب له سوقه مع نفسه إلى مكة، لأن أهل مكة إذا رأوا متمتعاً، أو قارناً، فرحوا به لعلمهم بأنه يذبح الهدى، وإذا رأوا مفرداً لم يفرحوا به، لأنه لا دم عليه، فإذا ساق الهدى مع نفسه أدخل السرور، وأما المتمتع، فيجب عليه الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وأما القارن فيجب عليه الدم، وقال داود: لا يلزمه الدم.
وروي ذلك عن طاوس، وقال الشعبي: يلزم القارن بدنة، وحكام بعض أصحابنا عن مالك، وهو غلط والدليل على بطلان قول داود قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً" 146، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، ولأنه إذا وجب الدم على المتمتع، لأنه جمع بين النكسين في وقت أحدهما، فلأن يجب على القارن، وقد جمع بينهما في الإحرام أولاً.
وحكي ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن: هل يلزمه الدم؟ قال: لا، فجزوا برجله، وهذا لشهرة هذا الأمر بينهم.
وأما قول الشافعي 147: "والقارن أخف حالاً من المتمتع" يحتمل أن يكون مراده تداخل الأعمال، فكأنه قال: إذا قرن بينهما كانت المشقة عليه أقل منها على المتمتع، وقد أوجبنا على المتمتع بالدم بالنص، فلأن يجب على القارن أولى، فيكون دليلاً على داود.
وقيل: بين بهذا الاقتصار على جواز الشاة، وسقوط البدنة عنه، فكأنه قال: إذا لم يلزم البدنة على المتمتع مع استمتاعه بمحظورات النسكين بين العمرة [35/ب] والحج، فالقارن الذي لا يستمتع حتى يفرغ منهما أخف حالاً أولى أن لا يلزمه البدنة، ويكفيه دم شاة، فيكون دليلاً على الشعبي.
وهذا الذي نقله المزني ضرب من الترجيح، وإنما يحسن الترجيح بعد تقدم القياس الجامع، ولا عيب في ذلك على الشافعي، لأنه فرع من القياس، ثم اشتغل بالترجيح (3)، فقال: ويجزئه أن يقرن ويهريق دماً قياساً على قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الآية، والقارن أخف حالاً من المتمتع، ثم بين الشافعي كيفية مشابهتهما، فقال (4): المتمتع وصل الحج بالعمرة، فسقط عنه ميقات أحدهما، فلا يكون القارن أكثر من المتمتع فيما يجب عليه من الهدي، ففي أول المسألة إثبات الدم رداً على أصحاب الظاهر وفي آخر المسألة دليل صفة الدم رداً على من أوجب البدنة.
والدليل على بطلان قولهما أيضاً ما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بقرة، وكن قارنات 148 فدل على وجوب الدم، وأن البدنة لا تجب.
مسألة: قال 149: وإن اعتمر قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة.

الجزء: 3 - الصفحة: 388

الفصل القصد به ذكر صورة التمتع وبيان الميقات الذي يحرم منه المتمتع، فيلزمه الإحرام بالعمرة من ميقات بلده، والقارن يحرم بالحج والعمرة من ميقات بلده، والمفرد يحرم بالحج من ميقات بلده لأن ابن عباس رضي الله عنهما، روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت، ثم قال: هذه المواقيت لأهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها [36/أ] ممن أراد حجاً أو عمرة" 150، فإذا أحرم المتمتع بالعمرة من ميقات بلده ثم دخل مكة وطاف وسعى وحلق وفرغ من عمرته، ثم يحرم بالحج إذا أراد من جوف مكة، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات، ولا إلى الخروج إلى الحل، فإن لم يحرم من جوف مكة، وخرج منها، وأحرم بالحج، فإن رجع إلى مكة محرماً، فلا دم عليه كما إذا جاوز الميقات، وأحرم دونه، ورجع إليه محرماً لم يلزمه الدم، وإذا خرج إلى عرفة، ولم يرجع إلى مكة نظر في موضع إحرامه، فإن كان في الحل أحرم لزمه قولاً واحداً، وإن كان أحرم في الحرم خارج البنيان.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا دم عليه لأن ما لا يتعين موضعه في بنيان مكة يشرك فيه جميع بقاع الحرم أصله ذبح الهدى، ومنهم من قال: عليه الدم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بعد الفراغ من العمرة بالإحرام بالحج من بنيان مكة، وهو كمن ترك عمارة ذي الحليفة أو الجحفة، والأول أفيس.
وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، والصحيح لزوم الدم.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: في موضع استحباب إحرام الحج في المتمتع قولان: أحدهما: الأفضل أن يطوف بالبيت سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم.
والثاني: الأفضل أن يحرم من جوف منزله بمكة، ويخرج فيطوف بالبيت محرماً، ويصلي ركعتين الطواف، ثم يقصد عرفة.
فرع آخر قال في "الإملاء": يستحب للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية مكياً، كان أو غريباً، ويخرج بعد الزوال متوجهاً إلى منى من المسجد.
وحكي عن مالك: يستحب [36/ب] عند إهلال ذي الحجة لقول عمر رضي الله عنه لأهل مكة أهلوا بالحج إذا أخل ذو الحجة.
وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" 151، قال أصحابنا: هذا إذا كان واجداً للهدى، وإن كان عادماً يستحب له الإحرام بالحج في اليوم الخامس، أو السادس من ذي الحجة ليصوم اليوم السادس والسابع والثامن بدلاً من الدم، ويفطر يوم عرفة.

الجزء: 3 - الصفحة: 389

مسألة: قال 152: ولو أفرد الحج وأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أخل من أين شاء.
إذا كان مفرداً، فقدم الحج، وفرغ منه، ثم أراد أن يحرم بالعمرة، فإنه يخرج إلى الحل، ويحرم منه، ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي أحرم بالحج منه لأنه إذا دخل مكة، فقد صار ميقاته ميقات أهلها، وهذا لأن عائشة رضي الله عنها لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم وهو من الحل.
فإذا تقرر هذا، فمتى خرج من الحرم، وانفصل منه، وأحرم في بادئ الحل صح إحرامه، ثم يدخل مكة، ويطوف ويسعى ويحلق، وقد تحلل من العمرة بذلك، ولا يلزمه الخروج إلى مسجد عائشة، ولا إلى غيره من المساجد، إنما ذلك استحباب لا واجب، ولا فرق بين المكي في ذلك وبين الغريب الذي ورد محرماً بحج وبين من يريد العمرة في مكة ابتداء، فإن خالف، وأحرم بها من جوف مكة فإنه ينعقد إحرامه بها، فإن خرج إلى الحل على ما هو عليه قبل الطواف، ثم عاد [37/أ] وأكملها، فلا شيء عليه، وقد زاد خيراً، وإن لم يخرج بل طاف وسعى وحلق.
نص في "الأم" 153 على قولين: أحدهما: عمرته صحيحة، وإنما أخل بالإحرام بها من الميقات، فعليه لتركه دم، وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا تجزئه عمرته لأنه نسك فكان من شرطها الجمع بين الحل والحرم، كما قلنا في الحج.
فعلى هذا لما حلق، حلق فبل وقته، فعليه دم، وإن وطئ بعد الحلق معتقداً أنه قد فرغ منها، فهو وطء من جاهل أنه محرم هل يفسدها؟ قولان، فإذا قلنا: لا يفسدها كان وجود الوطء وعدمه سواء، فيخرج إلى الحل على ما هو عليه، ثم يعود فيكملها.
وإذا قلنا: أفسدها، فعليه المضي في فاسدها، وهو أن يخرج إلى الحل على صورته، ثم يعود فيكملها، وعليه بدنه لأجل الفساد، وعليه القضاء، وإذا قضاها نظر في التي أفسدها فإن كانت عمرة الإسلام جاز هذا القضاء عنها، وإن كانت غيرها أجزأ عن التي أفسدها فإذا تقرر هذا هذا، قال الشافعي 154 ههنا: فسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات أي: وسقط عنه الإحرام من الميقات بإحرامه الأول بالحج منه، فلا يلزمه العود إليه بالعمرة.
وفي بعض النسخ: وسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات، وهو الأصح، وزاد في "الإيضاح"، فقال (4): فأحرم بها أي: بالعمرة بعد الحج من أقرب المواضع من ميقاتها، ولا ميقات لها دون الحل كما يسقط ميقات الحج إذا قدم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر في سفر واحد، فإن قيل: أليس قلتم في المتمتع: يحرم بالحج من جوف مكة، وفي المنفرد قلتم: يحرم بالعمرة من الحل لا من جوف مكة، ما الفرق؟ قلنا: [37/ب] الفرق أنه لابد للحاج من الخروج إلى الحل للوقوف، فإذا أحرم به في الحرم يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك بكل حال، والمعتمر يأتي

الجزء: 3 - الصفحة: 390

بالأفعال كلها في الحرم، فإذا أحرم بها في الحرم لا يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك، فلهذا، لا يجوز لنا إلا أن نخرج إلى الحل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلن فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة ثم أمرهم بعد الفراغ منها أن يحرموا بالحج من جوف مكة.
فرع لو مر بالميقات وهو يريد الحج والعمرة ثم أحرم بالحج، ثم اعتمر من أقرب الحل جاز كما لو لم يرد إلا الحج وحده جاز.
وقال أبو حنيفة: إذا أرادهما، ثم أحرم بالحج وحده، فعليه أن يرجه لإحرام العمرة إلى الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم ترك الميقات فيحتج عليه بضده، وهو أن المريد المتمتع مريد للحج والعمرة، ثم لا يحرم إلا بالعمرة، ولا يلزمه دم إلا شاة، فكذلك ههنا، وهذا لأنه يكفيه قضاء حق الميقات بنسك واحد، وإن كان مزيداً لها.
مسألة: قال (1): وأحب إلى أن يعتمر من الجعرانة.
الفصل القصد بين بيان الموضع الذي يستحب له أن يحرم بالعمرة منه إذا قدم الحج عليها، فكل من أراد العمرة ممن هو من مكة، أو من غيرها ممن دخلها حاجاً، وأراد الاعتمار، فالمستحب أن يحرم بها من الجعرانة، فإنه أبعد الحل من الحرم، ومنها اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فاتته فمن التنعيم، وهو أدنى الحل من الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها على ما ذكرنا قال: وهي أقرب الحل إلى البيت، [38/أ] الحرام، وفيه اليوم مسجد عائشة، ومنه يعتمر الناس اليوم لخفة المسافة، فإن لم يتفق له ذلك، فمن الحديبية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها، وأراد المدخل بعمرته منها، يريد به عام صده المشركون عن مكة، فقد قدم الشافعي في الاستحباب فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما أمره، ثم ما أراد أن يفعله فمنع منه، ولم يعتبر المسافة لأن التنعيم على فرسخ من مكة والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ منها، وهذا مثل ما قال الشافعي في الاستسقاء في تقليب الرداء أحب أن أفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحول الرداء، وما أراد أن يفعله فيقلب عليه من التنكيس، فإن قيل: أليس قلتم في الاستقساء: يقدم ما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما فعل؟ كذلك ههنا وجب أن تقدموا ما يتم من الإحرام بالحديبية على غيره، قلنا: لأن ما يتم به يشتمل على فعل هناك، فإن التنكيس يشتمل على التحويل، والعمرة من الحديبية لا يشتمل على العمرة من الجعرانة، فما فعل أولى مما يتم، والله أعلم.

باب الاختيار في إفراد الحج

مسألة: قال 156: وأحب إلى أن يفرد.
الفضل القصد من هذا الباب أن يبين ما هو المختار من الثلاثة التي يؤدي بها الحج155

الجزء: 3 - الصفحة: 391

والعمرة.
وهي مسألة خلافية فعندنا القران هو المؤخر والإفراد، والتمتع أفضل منه، وأيهما أفضل؟ فيه قولان: أحدهما: الإفراد أفضل، وهو المشهور من مذهبه.
وبه قال مالك.
والثاني: التمتع أفضل.
نص عليه في "القديم"، [38/ب] وفي اختلاف العراقيين و"مختصر الحج الصغير".
وبه قال أحمد وأصحاب الحديث.
وقال أبو حنيفة والثوري: القران أفضل، وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المروزي.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: القرآن أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع.
وقال أبو يوسف ومحمد: التمتع أفضل ثم القران ثم الإفراد.
وعندنا الإفراد الذي هو أفضل أن يحرم بالحج مفرداً، ثم يأتي عقيبة بعمرة في عامة، فأما إن أراد تأخير العمرة عن حجة، فالقران والتمتع أفضل منه لما يحوزه من فضل المبادرة وأن تأخير العمرة عن الحج مكروه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "تابعوا بين الحج والعمر" الخبر، والكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول: أحدها: في أن حج النبي صلى الله عليه وسلم على أي صفة كان.
والثاني: أن الإفراد أفضل، أو القران؟ والثالث: أن دم القران هل هو دم نسك أو دم حبر؟ وقد ذكرنا كلها في الخلاف، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى بيان ما ذكر في "المختصر"، فإذا قال: في "مختصر الحج"، وأراد "المختصر الأوسط" دون "المختصر الصغير" 157، وأحب إلى أن يفرد لأن الثابت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد.
فممن روى عنه الإفراد عائشة وابن عمر وجابر وغيرهم رضي الله عنهم، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حج لم يجب عليه في حجة دم، وهذا أدل الدليل على أنه كان مفرداً لأن القارن والمتمتع يلتزمان الدم، ثم قال 158: في اختلاف الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، [39/أ] قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" 159، وتمام هذا الخير ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج عام حجة الوداع أحرم إحراماً مبهماً لا يحج ولا بعمرة 160، وكان ينتظر القضاء في اختيار ما وضع الله تعالى له من الثلاثة التي ذكرناها، وكان قد ساق مع نفسه هدياً، فنزل عليه القضاء، وهو فيما بين الصفا والمروة، فأمر بالحج، وقال لأصحابه، وكانوا قد أحرموا بالحج: من لم يسق الهدي، فليجعلها عمرة، فقيل: يا رسول الله كيف نحل ولم تحل أنت؟ فقال: "أني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى يحل هديي".
وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها

الجزء: 3 - الصفحة: 392

عمرة" أي: لو علمت من قبل أن التمتع الذي أمرتكم به، أفضل ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، أي للتمتع فهذا دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد لأنه تمنى ذلك، فلولا أنه أفضل من غيره ما تمناه، وقيل: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا لأنه تداخلهم شيء من تحللهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على إحرامه وودوا لو كانوا محرمين زمان إحرامه ومحلين زمان إحلاله، فأراد تطييب قلوبهم بهذا القول.
وأيضاً كانوا في الجاهلية يستنكرون العمرة في شوال وذي القعدة وذي الحجة يستعظمونها ويعدونها من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، فلما أمروا بخلاف عادتهم، وخلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شق عليهم، فقالوا: يا رسول الله أنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر [39/ب] منياً؟ أي: لقرب عهدنا بالجماع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أي: أن سوق الهدى يمنعني عن مساعدتكم على العمرة، ولو عرفت في ابتداء الإحرام لما سقت الهدى ولجعلت إحرامي عمرة كما أمرتكم به، فهذا لم يكن لتمني التمتع، بل لهذا، فلا يدل ذلك على أن التمتع أفضل.
ثم أعلم أن مذهب أبي حنيفة وأحمد أن من ساق الهدي من المتمتعين لا يتحلل من عمرته، بل يطوف ويسعى، ثم يترك الحلق، ويقيم على إحرامه، ثم يحرم بالحج من جوف مكة، ثم يوم النحر من الحج والعمرة معاً، واحتج بهذا الخبر ذكرنا، لأن سوق الهدى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من التحلل، وعندما لا فرق بين أن يكون ساق أو لم يسق في أنه يتحلل بأعمال العمرة، وبه قال مالك.
والقصد من الخبر الذي ذكرنا أن من ساق لا يتمتع بل يحج حتى يبقى هدية متطوعاً به، فإنه لو تمتع احتاج إلى ذبحه عن متعته، ومن لم يسق الهدي لا تفوته فضيلة هدي التطوع، فلهذا فصل بينهما لا لما ذكره، والدليل على ما ذكرنا أن العمرة إحدى نسكي التمتع فسوق الهدى لا يمنع التحلل منه كالحج.
ثم قال الشافعي 161: ومن قال: إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما يعرف أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: من الصحابة أن أحداً لا يكون مقيماً على حج، وإلا وقد ابتدأ إحرامه بحج وأحسب عروة حين حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بحج ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: يفعل في حجه على هذا المعنى، فأول خبر من [40/أ] روى مطلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.
فإن قيل: أليس مال الشافعي إلى الإفراد، وفضله على غيره، فكيف استعمل في هذا الفصل بتضعيف رواية من روى الإفراد؟ وقال: لما كثر سماعه لذكر الحج المفرد استجاز أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مفرداً، قلنا: إنما اشتغل الشافعي بالاعتراض على التمسك بأحاديث الإفراد لأن الذي ثبت عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الإحرام في الابتداء، ثم فسره بحج مفرد في الانتهاء.
وهكذا روى جابر رضي الله عنه، وهو أحسن الصحابة سياقاً لحديث الحج من أوله إلى آخره، فلما رأى الشافعي عروة وغيره رووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم حين أحرم بحج اشتغل بتقديم رواية جابر على رواياتهم لا أنه ناقض هذا الفصل أول الباب في أخبار الإفراد وتفضيله على غيه وأكثر الغلط في الإخبار إنما

الجزء: 3 - الصفحة: 393

يقع عن جهة أن بعض الرواة يسمع حديثاً مفسراً، فيرويه مجملاً، أو محملاً، فيرويه مفسراً مثل أن يقول قائل: مررت نفلاً، وقد زالت الشمس فأذن وأقام وصلى أربع ركعات، فيروي السامع أن فلاناً صلى الظهر، وهذا على ظاهر ظنه يروي، فلعل فلاناً قضي فائتة، أو صلى بفلاة، أو غير ذلك، وكذلك وقع في أمر الزكاة لما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة"، قال الراوي في خمس شاه لأن الظاهر من الأسباب هكذا ذكره أصحابنا والقفال معهم في الاعتذار عن هذا الفصل.
وقال بعض أصحابنا: [40/ب] يحتمل أن يكون له مقصود غير هذا، وذلك أن الشافعي ذكر في أول الباب، اختيار الإفراد، واستدل عليه بالحديث ثم حكى المزني ما قال في اختلاف الأحاديث من تفضيل التمتع على الإفراد، ثم عطف عليه الاعتراض على حديث الإفراد، فكأنه لما اختار التمتع في قوله الثاني اشتغل بالاعتراض على أحاديث الإفراد، وهذا هو النظم المستقيم في الكلام، وإنما يتناقض لو عطف اعتراضه هذا على اختيار الإفراد، وأما إذا عطفه على اختيار التمتع فلا تناقض في ظاهره.
ثم بين الشافعي أن الأخبار وإن اخنتلف في كيفية حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس ذلك مما يضر شيئاً، فقال 162: وقال فيما اختلفت فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه يعني عند خروجه إلى الحج ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحاً من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافاً يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج والقران واسع كله، وأراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع قال لأصحابه: "خذوا عني مناسككم"، فنقلوا عنه مناسكه فاتفقت رواياتهم في بعض المسائل، واختلفت في بعضها.
قال الشافعي: أيسر الاختلاف ما وقع من اختلاف الروايات في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بعض الرواة روى أنه كان قارناً، وروى آخرون أنه كان مفرداً، وروت طائفة أنه كان متمتعاً وإنما هان أمر [41/أ] هذا الاختلاف لأن جميع ذلك مباح بالقران والسنة والإجماع.
وأراد بالكتاب قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الآية، تدل على إباحة الإفراد، وقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، تدل على إباحة القران.
وأراد بالسنة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض أصحابه بالتمتع وهو من لم يسق الهدى، وأمر علياً رضي الله عنه بالإفراد، وكان قد ساق الهدى، وأمر عائشة بالقران على ما رويناه من قبل فثبت بالسنة أن كل ذلك مباح، وأراد بما لا علم فيه خلاف الإجماع، ولا خلاف بين الأمة في إباحة الكل، وكلن هذا الاختلاف قبيح جداً ممن يروي كيفية إحرامه لأنه حج تلك الحجة الواحدة، وكانوا حافين حوله، ثم اختلفت رواياتهم كل هذا الاختلاف ثم قال: وثبت، أي وثبت الحديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء على ما ذكرنا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري" الخبر، وأراد أن من سنة من ساق الهدى أن يذبحه عند محله ومحل المعتمر إنما يكون عند المروة، فكرة النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح في ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 394

الموضع، فيصير مذبحاً يؤدي إلى تنجيس المسجد، فلذلك صرف إحرامه إلى الحج ليكون محله بمنى عند الجمرة، فإنه المذبح المسنون.
ثم أن الشافعي طالب نفسه بإثبات تقديم حديث جابر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم في الإفراد على حديث أنس في القران، [41/ب] فإنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول: "لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً" 163. فإن قال قائل 164: فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر دون حديث من قال: قرن؟ ثم أجاب، فقال: قيل لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره يعني أن جابراً أقدم صحبة من أنس، فإنه كان معتمراً في ذلك الوقت، وأنه استقصى في الرواية على ما ذكرنا بخلاف غيره.
وروي عن جابر، قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً لا يخالطه شيء 165. قال 166: ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى كل حديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه غيرها يرجح روايتها على رواية غيرها خاصة فيما صاحبت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها عنيت بالحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت زيادة توفيق، وقد روى مسلم بن الحجاج: أن عائشة راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لتمام استفهام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم يا موفقة"، قال 167: وقرب ابن عمر منه يريد أن أخته حفصة كانت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: أليس الشافعي فصل قبل ذلك بين حديث جابر وطاوس وبين حديث عائشة وابن عمر لأن جابراً وطاوساً يرويان الإجمال في الإحرام، وعائشة وابن عمر، يرويان الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة، فاختارها دون رواية الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة فاختارها دون رواية من روى القران، [42/أ] واشتغل بالترجيح، فكيف الجمع؟ قلنا: هؤلاء وإن اختلفت رواياتهم في آخر إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اتفقت رواياتهم في آخر إحرامه على أنه كان مفرداً، فحيث ميز الشافعي بعض روايات هؤلاء الأربعة عن بعض، فإنما قصد به أول إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال 168: ولأن من وصف انتظار النبي صلى الله عليه وسلم القضاء إذا لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج طلب الاختيار، أي: كان بانتظاره للقضاء طلباً للاختيار فيما وسع الله تعالى له في الحج والعمرة يشبه أن يكون أحفظ، أي: الذي يرون مثل هذا يكون أحفظ من غيره، لأنه قد أتى بالمتلاعنين فانتظر القضاء كذلك حفظ عنه في الحج انتظار القضاء، وكان انتظار القضاء عادته في كثير من الأحكام، وهذا لأنه لا يعلم انتظاره للقضاء إلا بمراعاة حاله وكثرة مطالعته ومراقبته، فتكون روايته أولى فهذا بيان ترجيح رواية الإفراد.
ثم اختار المزني طريقة في المسألة، فقال 169: "إن ثبت حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن حتى يكون معارضاً للأحاديث سواه فأصل قول الشافعي أن العمرة

الجزء: 3 - الصفحة: 395

فرض وأداء الفرضين في وقت الحج أفضل من أداء فروض واحد لأن ما كثر عمله لله كان أكثر في ثواب الله" يريد أن القياس يدل على تفضيل القران، ولكن إنما يصار إلى القياس بشرط وهو أن يثبت حديث أنس في قران رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعارض أحاديث من يروي الإفراد [42/ب]، ثم إذا تقابل الأحاديث صرنا إلى القياس، ثم كشف قياسه الذي احتج به أن القارن يأتي بالنسكين معاً في الوقت الأفضل، وهو وقت الوقوف، ويوم النحر، ولا يتأتى في ذلك للمفرد والعمل الأكثر في الوقت الأفضل أفضل من الاقتصار على العمل القليل في الوقت الأفضل، وجوابه: أن القارن يقتصر يوم عرفة على الوقوف والمفرد يفعل ذلك، ثم إن القارن يطوف يوم النحر فيباشر سائر مناسك ذلك اليوم، والأيام التي تليه، والمفرد يفعل ذلك أيضاً، ثم يحرم المفرد بعمرة، ويكملها على حدة فكثرة العمل مع المفرد لا مع القارن، وقد قال عليه السلام: "عمرة في رمضان تعدل حجة" 170. وأعلم أن مذهب المزني مثل مذهب الشافعي أن القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً، ولا يكاد يبين ترجيحه مع هذا المذهب.
وقيل: أن المزني توهم أن الشافعي جعل الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة بالعمرة، فاعترض بهذا.
قلنا: ليس على ما توهمت، بل الإفراد الذي هو أفضل خلاف هذا على ما تقدم بيانه، وذلك أكثر عملاً بلا إشكال، لأن أعمال العمرة في القران تدخل في أعمال الحج، وحكى عن ابن سريج أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متمتعاً.
فمن روى أنه أفرد حجه بعدما اعتمر، ومن روى قرن أراد جمع بينهما في عام واحد، وكان جمعهما على التوالي، أو على المقارنة فعلاً عقيب فعل، واحتج من قال: التمتع أفضل [43/أ]، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً بما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده فيحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 171. قلنا: أراد به أنه تمتع مع أصحابه، وهو كما يقول الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا، وهو لا يباشر بنفسه فعل شيء من ذلك، وإنما هو حكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه على معنى أن أفعالهم صادرة عن رأيه.
واحتج من قال: القران أفضل بما روى عن البراء بن عازب، قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: "كيف صنعت"؟ فقال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "فإني سقت الهدي وقرنت" 172، قال الإمام أبو سليمان الخطابي: وهذا صريح البيان بأنه كان قارناً، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بما كان نواه قلنا: يحمله على قران الموالاة والضم دون الجمع.

الجزء: 3 - الصفحة: 396

واعلم أن جماعة من الجهال طعنوا فيما ذكرنا، وقالوا: لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفرداً وقارناً ومتمتعاً، وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة، وأسانيدها كلها عند أهل الحديث جياد صحاح، ثم قد وجد فيها التناقض؟ ويريدون تهوين الإخبار، والجواب عن هذا ذكر الشافعي: أن العرب [43/ب] في لغتهم، يجوزون إضافة الفعل إلى الآمر به كما يجوزون الإضافة إلى الفاعل، كما يقولون: بني فلان داراً إذا أمر ببنائها وضرب الأمير فلاناً إذا مر بضربه، وروي: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً وقطع سارق رداء صفوان ولم يباشره ولا شهده، ولكنه أمر به، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل واحد منهم أخذ أمر نسكه عن تعليمه فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، وكل قال صدقاً، وروى حقاً، ولا ينكره إلا من جهل، أو عاند، والله الموفق.
ويحتمل أن يكون الراوي سمع قوله: لبيك، بحجة وعمرة على سبيل التعليم لغيره وتلقينه ذلك.
فإن قيل: رأي سعيد بن المسيب أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه، ونهى عن العمرة قبل الحج 173، فما معناه؟ قلنا: قد قيل: هذا الخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجة، وجواز هذا إجماع، فلا يترك الأمر الثابت المعلوم بالأمر المظنون، ثم يحتمل أنه نهى اختيار، أو أنه أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت، وقد قدم الله تعالى اسم الحج عليها، [44/أ] فقال: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فإن قيل: أليس قد قال معاوية بن أبي سفيان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور وعن كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذا فلا، فقال: أنها معهن ولكنكم نسيتم 174، فما معناه؟ قلنا: يشبه أن يكون ذلك على معنى الإرشاد ويجري الآخر ليكثر العمل، ويتكرر القصد إلى البيت، كما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: إن أتم الحج والعمرة أن لا يكونا في أشهره فلو أفردتم هذه العمرة حتى تزورا هذا البيت زورتين كان أفضل، وقال عمر رضي الله عنه: أفصلوا بين الحج والعمرة، فإنه أتم لحجتكم وعمرتكم، وقيل: لم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية، ولم يساعدوه عليه، ويشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى تأويل قول حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال فشق عليهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، وكان قارناً عند فحمل معاوية هذا الكلام منه على النهي.

الجزء: 3 - الصفحة: 397

باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج

مسألة: قال 175: قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فإذا أهل بالحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة صار متمتعًا.
أعلم أن التمتع جائز في قول الكافة إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: متمتعان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنهما بل أعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج، والدليل [44/ب] على جواز هذه الآية.
وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من أراد أن يهل بالحج، فليفعل ومن أراد أن يهل بالعمرة، فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة، فليفعل" 176 والأخذ برواية الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الأخذ بقول عمر رضي الله عنه.
وتأول بعض الناس حديث عمر رضي الله عنه أنه أراد ما كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإحرام بالحج، ثم الفسخ بالعمرة، وهذا التأويل ليس بشيء لأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يأتي أحدكم من أفق من الآفاق شعثًا نصبًا فيحرم بالعمرة، ثم يطوف، ويسعى ويحلل، فيذهب شعثه ونصبه، ثم لا يحج لا شعثًا ولا نصبًا، والحج أفضل من العمرة فعمر رضي الله عنه ذهب إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الحاج أشعث أغبر" فاستحب أن يكون ذلك في الحج، فلا يصح هذا التأويل فيحتمل على أنه نهي عن ذلك تنزيهًا واستحبابًا، وهو مع هذا متروك على اجتهاده وحده.
فإذا تقرر هذا فالمتمتع يلزمه الدم لما ذكرنا من الآية وإنما يلزمه الدم بخمس شرائط: أحدهما: أن يعتمر في أشهر الحج.
والثاني: أن يحج من سنته.
والثالثة: أن يقول: الإحرام بالحج من الميقات، فيحرم به من مكة، ولا يرجع إلى الميقات.
والرابعة: أن لا يكون من حاضر المسجد الحرام.
والخامسة: أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة ومروره على الميقات، وذكر أبو حامد شرطًا سادسًا، قال: قال الشافعي في "القديم": إذا مر على الميقات ولم يحرم [45/أ] بالعمرة حتى صار بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فأحرم فإنه لا يجب عليه التمتع لأنه صار كأنها من حاضري المسجد الحرام، ولكنه يجب عليه الدم لتركه الإحرام بالعمرة من الميقات مع إرادتها، وهذا ضعيف.
وذكر القفال شرطًا آخر، وهو أن يشترط أن يكون الحج والعمرة جميعًا من شخص واحد، فإن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه، أو بالضد منه، فلا دم عليه قولًا واحدًا، واختيار الحضري.

الجزء: 3 - الصفحة: 398

وقيل: فيه قولان، هل هو شرط أم لا؟، وقال أبو حامد: نص الشافعي في أخريات المواقيت من "القديم" أنه يلزمه الدم سواء حج عن غيره، واعتمر عن نفسه، أو اعتمر عن غيره وحج عن نفسه.
قال: وقال بعض الناس لا يلزمه الدم إذا فعل هكذا.
واحتج الشافعي بأن فعله للحج والعمرة عن غيره بمنزلة فعل ذلك الغير عن نفسه، وصار فعله في حق نفسه كالمعدوم، فإذا اعتمر بعده من أدنى الحل، فهو مريد للإحرام بالعمرة، مر على الميقات، ولم يحرم، ثم أحرم فعليه دم، وكذلك على العكس، وهذا أصح.
فإذا تقرر هذا، فأما الأول، فإنه أن أحرم بالعمرة وأتى بأفعالها في غير أشهر الحج، ثم أحرم بالحج في أشهر الحج لم يكن مضيعاً، ولم يجب عليه الدم لأنه لم يأت بالعمرة في زمان الحج كالمفرد، فإنه لما أتى بالعمرة بعد أشهر الحج لم يجب عليه الدم بالإجماع.
وأما إذا أحرم بالعمرة في رمضان، ثم أتى بأعمالها في شوال، فيه قولان: قال في "القديم" و"الإملاء": يجب عليه الدم، ويكون متمتعاً، ووجه أنه أتى بأفعال العمرة في [45/ب] أشهر الحج، واستدامة الإحرام بها بمنزلة ابتدائه، فهو كما أحرم بها في أشهر الحج.
وقال في "الأم": لا يجب عليه الدم.
وبه قال أحمد أنه أتى بنسك لا يتم العمر إلا به في غير أشهر الحج، فلا يكون متمتعاً كما لو طاف، وهذا أصح لأنه لو حصل الاستدامة كالابتداء لوجب إذا أحرم بالحج قبل أشهره واستدامته يجوز، وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أعمالها في أشهر الحج يكون متمتعاً، فقوله خارج عن قولنا وحكي عن مالك أنه قال: إذا لم يتحلل من إحرام العمرة حتى دخلت أشهر الحج صار متمتعا، وهذا غلط لأنه أتى بأفعال العمرة في غير أشهر الحج، فلا يجب الدم كما لو تحلل قبلها.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنا إذا جعلناه متمتعاً إذا أتى الإحرام في رمضان لو أتى بأكثر الأعمال في رمضان، ولكن الفراغ منها كان في شوال، فيكون متمتعاً أيضاً حتى إذا قلنا: الخلاف من النسك، ولم يوجد ذلك إلا في شوال يكون متمتعاً، الاعتبار بالفراغ، وهذا غلط قبيح، وإنما هو قول مالك، والشافعي حين جوز الإحرام في رمضان على معنى أنه يستديم للإحرام إلى أشهر الحج، فيكون كابتدائة فيها، وفي الأعمال لا يمكن أن يقال مثله، فلا يصح هذا القول بحال.
وقال ابن سريج: أن أحرم بالعمرة ومر بالميقات بعدما دخل أشهر الحج كان متمتعاً، وأن مر به قبل ذلك لم يكن متمتعاً، لأن ما قبل أشهر الحج لا يقدر على الإحرام بالحج [46/أ]، وفي أشهر الحج يقدر عليه، فإذا أخل به مع القدرة يلزمه دم، وهذا خلاف نص الشافعي.
فإن قيل: أليس المتمتع إذا لم يطف طواف الزيارة إلا بعد أشهر الحج لم يبطل بذلك تمتعه لأنه أتى بأكثر أعمال الحج في أشهره؟ قلنا: فرق بين التقديم والتأخير، ألا ترى أن تقديم إحرام الحج على أشهره لا يجوز عندنا، ويكره عند أبي حنيفة، ولا يكره التأخير؟ فكذلك في حق المتمتع.
وأما الشرط الثاني: لو لم يتوجه بأن أقام بمكة إلى العام الثاني، ولم يحج في ذلك السنة، أو رجع إلى بلده، ثم عاد إلى الحج في السنة الثانية، فلا دم عليه لأنه أبعد حالاً من المفرد، لأن المفرد يأتي بالحق والعمرة في سنة واحدة، وهذا أتى بها في

الجزء: 3 - الصفحة: 399

سنتين، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، وهذا يقتضي الموالاة بينهما.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال ابن خيران: ونص الشافعي عليه في رواية حرملة بشرط أن يكونا في شهر واحد، أما في شوال، وإما في ذي القعدة، وإما في ذي الحجة، فيعتمر في ذلك الشهر ويحرم بالحج فيه، وهذا قول لا يحكي ولين وليس بشيء.
وأما الشرط الثالث فلا خلاف فيه، فإن أحرم بالحج من جوف مكة ومضي إلى عرفات استقر عليه دم المتمتع، ولو عاد إلى الميقات، أو حرم بالحج منه لم يجب الدم، وإن أحرم بالحج من مكة، ثم عاد إلى الميقات محرماً، ثم مر بعرفات، فهل يسقط عنه دم التمتع؟ وجهان: أحدهما: يسقط لأنه كان يلزمه للترفه بترك الإحرام من الميقات، والآن أتى بأكثر من ذلك، ولم يترفه بشيء [46/ب].
والثاني: لا يسقط لأنه لزمه الدم بإحرام الحج من مكة، فلا يسقط بعده، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط حتى يعود إلى بلده.
وهذا غلط لأن بلده لا يجب عليه الإحرام منه ابتداء بالشرع، فلا يتعلق سقوط دم التمتع بالعود إليه كسائر البلاد.
وقال القفال: وهكذا القارن إن دخل مكة، ثم خرج منها إلى عرفة، استقر عليه دم القران.
ولو خرج إلى الميقات محرماً، ثم خرج إلى عرفات، هل يسقط دم القران؟.
وجهان، والأصح هنا أنه لا يسقط، لأن اسم القران لم يزل، وهناك يحتمل أن يقال التمتع اسم لمتعته بترك الميقات في الحج فيزول الاسم بعوده إليه.
فإذا تقرر هذا فإن هذا المتمتع إذا لم يرد العود إلى ميقات بلده صارت مكة ميقاته، ولزمه الإحرام بالحج منها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه المتمتعين بذلك، فإن أحرم بالحج من مكة، فلا كلام، وعليه دم التمتع، وأن خرج من مكة، فأخرم غي الحل خارج الحرم، فقد ترك ميقاته فإن عاد إلى مكة محرماً، فلا شيء عليه، وصار كما لو أحرم من مكة، وإن لم يعد ومضى إلى عرفات.
قال أصحابنا: يلزمه الدم، وقد ذكرنا هذا.
وقيل: يجب عليه هذا الدم، ويكون دماً غير دم التمتع، وهذا لا يصح لأن دم التمتع إذا كان لترك الميقات لا يلزمه دم آخر لذلك أيضاً.
ولا فرق بين أن يترك من مسافة إحرامه [47/أ] قليلاً أو كثيراً في إيجاب دم واحد فقط.
وقال القفال: لو لم يرجع المتمتع لإحرامه بالحج إلى ميقاته الذي مر به، ولكن رجع إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى يكون كما لو رجع إلى الميقات، وخرج عن أن يكون متمتعاً.
وقال أيضاً: يخرج إلى موضع يقصر إليه الصلاة من مكة، فيكون كالرجوع إلى الميقات، ولهذا وجه كأنه اعتبر أن يكون من غير الحاضرين.
وذكر أيضاً أن الشافعي قال: فمن أراد التمتع، فجاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بالعمرة، ثم لما فرغ منها أحرم بالحج، فهو متمتع، وأن رجع إلى الميقات، فليس بمتمتع.
وقال أصحابنا: إذا لم يرجع فعليه دمان: دم التمتع، ودم الإساءة بترك الميقات في العمرة، وهذا صحيح.
وأما الشرط الرابع: فلا خلاف فيه لقوله تعالى: "ذلك لمن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 400

﴿يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] , وهذا شرط عاد إلى إيجاب الدم دون التمتع في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: 196] , لأن الاستثناء يعُود إلى الحكم لا الخبر الذي يقدم, ولأن الدّم إنما يلزم لترك الميقات, وهو لم يترك, وهؤلاء من كان بينهم وبين الحرم مسافة لا تقتصر فيها الصلاة من كل ناحية.
وأما الشرط الخامس: وهو نية التمتع اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يشترط, وهو اختيار القفال لأن وجود الحجّ من في سنتهِ يغني عن هذه السنة.
والثاني: أنها تشترط حتى يلزمه حكم الميقات للإحرام بالحجّ بتلك النيّة, [47/ ب] فيلزمه الدم إذا أحرم بالحجّ من مكة, وهذا لأنه جمع بين العبادتين في وقت أحدهما, فلا بدّ من النيّة كالجمع بين الصلاتين, ومتى تجب هذه النية؟ فيه وجهان: أحدهما: عند الإحرام بالعمرة.
والثاني: قبل التحلل منها, فإذا نوى من حين الإحرام بالعمرة إلى أن يفرغ منها جاز, وأصل الوجهين أن من جمع بين الصلاتين في وقت أحدهما لابدّ من أن ينوي الجمع, ومتى ينوي؟ قولان على ما ذكرنا.
فَرْعٌ في وجوب دم التمتع هل يشترط أن يكون النسكان من واحد؟ وجهان, فإذا قلنا: لا يشترط فاستأجره رجلان ليحجّ عن أحدهما, ويعتمر عن الآخر, وكانا أذنا جميعًا في التمتع.
من أصحابنا من قال: يجب الدم عليهما نصفين لأن التمتع ركنان حجّاً وعمرة, وقد أذنا فيه, فصار موجبة بينهما, والصحيح أن الدم على الأمر بالحجّ؛ لأن عندنا هو دم جبر ولم يقع من مسك العمرة فقصر لأنه أحرم بها في الميقات, وأتى بأفعالها كاملة, وإنما التقصير, وقع في الحجّ لترك الإحرام به من الميقات.
فَرعٌ آخرُ لا يكره للمكي ولا لمن أهله حاضري المسجد الحرام تمتع, ولا قران, ولكن لا دم عليهم.
وقال مالك: وهذا لأن دم القران والتمتع إنما يلزم لذبح سفر, والمكي لا يلزمه السفر, ولا يلزمه أن يحرم من الميقات لأنه يحرم بالقران من جوف مكة لأنه إذا خرج إلى عرفة حصل له الجمع بين الحلّ والحرم, ويحرم في التمتع بالعمرة من أقرب الحل, والحجّ من جوف مكة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: [48/ أ] لا يصحّ منهم تمتع, ولا قران, وإذا أحرم بهما, أو انقضت عمرته, وإن أحرم بالحجّ بعدما فعل شوطًا من الطواف للعمرة, أو نقض حجّه في قول أبي حنيفة, نقضت عمرته في قول أبي يوسف ومحمد, وإن أحرم بعد أكثر فعل الطواف مضى فيهما, ووجب عليه دم جبران, واحتجوا بما روي عن ابن عمر, قال: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران, وهذا غلط لأن كل من لا يكره منه الإفراد لا يكره منه القران.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره له القران والتمتع, فإن فعل يلزمه دم الإساءة بارتكاب فعل منهي عنه, وليس بدم التمتع.

الجزء: 3 - الصفحة: 401

مسألة: قال 177: وله أن يصوم حين يدخل الحجّ.
الفَصْلُ الكلام الآن في حكم الهدي والصوم الواجب على المتمتع, والكلام في الهدي في فصلين: أحدهما: في وقته, ووجوبه.
والثاني: في وقت جوازه.
فأما وقت وجوبه إذا فرغ من العمرة, وأحرم بالحجّ يلزمه الدم لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] , وإنما يسعى متمتعًا إذا أحرم بالحجّ, وأراد بما استيسر: دم شاه, أو سبع بدنة وبقرة, فإن أهدى بدنة أو بقرة كان أفضل.
وحكي عن عطاء أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يقف بعرفة وحكي عن مالك أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يرمي جمرة العقبة, فاعتبر إكمالها.
وأمّا وقت جواز إخراجه فإن ذبح بعد الوجوب جاز, وهو بعدما أحرم بالحجّ, والمستحب تأخيره إلى يوم النحر.
وهذا غلط لأنه دم يتعلق بالإحرام, وينوب عنه بصوم, فجاز قبل يوم النحر كدم الطمث, ولو ذبح قبل الفراغ من العمرة لا يجوز قولاً واحدًا لأنه لا ينطلق عليه اسم التمتع, وإن ذبح بعد التحلل من العمرة قبل الإحرام بالحجّ قد قيل فيه قولان, وهو الأظهر, وقيل: وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه لم يحرم للحجّ, فأشبه ما إذا لم يفرغ من عمرته, أو الهدي يتعلق به عمل البدن, وهو يفرق لحمه, فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه كالصوم.
والثاني: يجوز, وهو الأصحّ لأنه حق هو مال يجب بأسباب, فجاز تقديمه على بعض أسبابه: كالكفارة والزكاة.
وقال القفال: هل يجوز قبل فراغه من العمرة؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أحد السببين لم يتم بعد.
والثاني: يجوز, لأن السبب هو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ لا الفراغ منها, وهذا خلاف المنصوص, ثم إذا عدم الهدي يجوز الانتقال إلى الصوم وإن واجدًا في بلده, وما دام واجدًا له لا يجوز الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] , وبفارق هذه الكفارة إذا كان واجدًا للرقبة في بلده لا يجوز له الانتقال إلى الصوم في مكانه؛ لأن البدل هناك غير مؤقت, وههنا البدل مؤقت, فاعتبر القدرة والعجز في موضعها كما في الوضوء مع اليتيم.
وفي كفارة الظهار وجهان: أحدهما: يعتبر القدرة على الرقبة في مكان دون [49/ أ] بلده, لأن عليه إضرارًا في تأخيرها لأن إباحة الوطء يتعلق بها.
والثاني: يعتبر عدمها على الإطلاق لما ذكرنا من عدم الوقت.

الجزء: 3 - الصفحة: 402

وإذا عدم المتمتع المال, ولا يرجو وجود المال في أيام الحجّ, فلأولى أن يعجل الصوم لأن المبادرة إلى أداء العبادة أولى, وإن كان لا يجد المال في الوقت, ولكنه بناء على ما لو لم يجد الماء إلا أنه يتحقق الماء في آخر الوقت, ولو كان لا يتحقق وجود الهدي, ولكن يرجو وجُده له أن يصوم, وهل الأفضل له أن يعجل أم يؤخر؟ وجهان: كالحكم فيمن يرجو وجُود الماء بعد دخول وقت الصلاة وهو يرجو وجود الماء في آخر الوقت, قولان.
ثم إذا انتقل إلى الصيام, فهي عشرة أيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع ووقت صيام الثلاثة ما بين الإحرام بالحجّ, ويوم النحر يكون آخره يوم عرفة, لأن الصوم لا يصحّ بعده, فإن أراد صيام الثلاثة قبل إحرامه بالحجّ لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصوم إذا أحرم بالعمرة, وناقض في ذلك حين لا يجوز الهدي في ذلك الوقت مع أنه ماليًا, ويجوز الصوم مع كونه عبادة بدنية, وهو بدل الهدي, أو يقول: كل وقت لا يجوز فيه المبدل [49/ ب] لا يجوز فيه البدل أصله قبل الإحرام بالعمرة, أو صوم ولجب, فلا يجوز تقديمه على وقتِ وجوبه كصوم رمضان.
وعن أحمد روايتان: أحدهما: كقول أبي حنيفة.
والثانية: يجوز بعد التحلل من العمرة, فإذا تقرر هذا, فإن لم يصم الثانية حتى جاء يوم النحر, فالمذهب أنه يصوم بعده, ولا يفوت بفوات يوم عرفة.
وبه قال مالك: لأنه صّوم واجب, فلم يسقط بفواتِ وقتهِ كصوم رمضان.
وقال ابن سريج: يحتمل قولاً مخرجًا أنه يسقط بفواتِ وقته إلى الهدي, ولا يجوز الصوم بحالٍ, ويستقر الهدي في ذمته, ولا يلزمه لتأخير الصوم شيء.
وبه قال أبو حنيفة, إلا أنه يقول: يلزم دم آخر للتأخير, وهذا التخريج من ابن سريج مما قال الشافعي إذا وجب عليه الصوم بالإحرام بالحجّ, فمات عقيبه فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي.
والثاني: لا شيء عليه, فأسقط عنه بالموت, فكذلك بفوات الحجّ, وهذا تخريج بعيد لأن صوم رمضان يسقط بالموت إذا مات قبل التمكن من أدائه, ولا يسقط بفوات وقته, كذلك ههنا.
وحكي عن أحمد أنه قال: إن أخّر الصوم من غير عذر وجب عليه دم آخر للتأخير.
وهذا غلط لأنه صّوم يجب بفواته القضاء, فبم تجب به كفارة كصوم رمضان, ولأنه يستحيل وجوب مثل المبدل معه في الأصول, فإذا قلنا: له الصيام بعده لم يجز أن يصوم يوم [50/ أ] النحر.
وفي أيان التشريق قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يجوز له أن يصومها, وبه قال ابن عمر وعائشة ومالك وأحمد في رواية لما روي عن عائشة رضي الله عنها, قالت: رَخص رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 3 - الصفحة: 403

للمتمتع إذا لم يجد الهدي, ولم يصم الثلاثة من العشرة أن يصوم أيام التشريق 178. والثاني: قاله في "الجديد", وهو الصحيح أنه لا يجوز, وروي ذلك عن علي رضي الله عنه.
وبه قال أبو حنيفة, والقَول الآخر مرجوع عنه لأن الشافعي قال ههنا: وكنت أراه, أي كنت في "القديم" أرى جواز ذلك, وقيل: إن الشافعي رضي الله عنه قال في "الجديد": قال قوم: يصوم أيام منى, وقد كنت أراه, وأما الآن لا أراه.
ثم تأول ما روي عن بعض الصحابة, فقال: وقد يكون من يصوم أيام منى ذهب عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها يعني ما رواه أبو هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام 179 .... الخبر.
وروى أبو هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة السهميى يطوف قي منى أن لا تصوموا هذه الأيام, فإنها أيام أكل وشرب, وذكر الله تعالى 180. وأما خبرهم رواه يحيى بن سلام, وهو ضعيف وربما يروون عن عبد الغفار بن القسم عن الزهري عن عمرو, وعن عائشة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد في صيام أيام التشريق إلا ممتع, أو محصر وعبد الغفار هذا أخطأ في إسناده, وهو ضعيف أيضًا, ثم إن المزي أيّد [50/ ب] هذا القوي, فقال: قوله هذا أقيس, لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى في نهيه عنها وعن يوم النحر, فإذا لم يجز صيام يوم النحر للنهي, فكذلك أيام منى, فإذا قلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق أتى بها بعدها قضاء.
وإذا قلنا: يجوز لها أن يصومها أتى بها في أيام التشريق أداء فإن فاته فيها أتى بها بعدها, وكان قضاء, فكان آخر وقت الأداء قولين, ففي القديم وقت الأداء إلى آخر أيام التشريق.
وفي "الجديد": إلى آخر يوم عرفة.
فَرْعٌ لو وجد المتمتع الهدي بعد العدم, فإن وجَده بعد الفراغ من الصوم لم يلزمه ذبحه, وإن وده وهو في الصوم, فلا فصل له أن ينتقل إلى الهدي, فإن مضى في صومه أجزأه كما يقول في المتيمم إذا رأى الماء في صلاته يمضي فيها, ولا فرق بين أن يجده في أثناء صوم الثلاثة, أو في أثناء صوم السبعة.
وبه قال مالك وأحمد في روايته, وقال المزني: يلزمه العود إلى الهدي بكل حال, وقال أبو حنيفة: إن وجده في صوم الثلاثة يلزمه العّود إلى الهدي, وإن وجده في صوم السبعة لا يلزمه العَود إلى الهدي, لأن صوم الثلاثة بدل عن الهدي دون صوم السبعة, وهذا غلط لأن الله تعالى جعل جميع العشرة بدلاً عن الهدي لأنه أوجبها عند عدم الهدي, فلا يلزمه الخروج منه بوجود الهدي كالسبعة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو وجد الهدي بعد أن صام الثلاثة [51/ أ] قبل يوم النحر يلزمه العود إليه

الجزء: 3 - الصفحة: 404

أيضًا, وإن وجده بعد مضي أيام النحر أجزأه الصوم, وإن لم يتحلّل, لأنه مضى زمان التحلّل وقبل ذلك كان زمان التحلّل, وهذا غلط أيضًا لمل ذكرنا.
فَرعٌ آخرٌ لو أحرم بالحجّ, وهو معسر فكان فرضه الصوم, ثم أيسر قبل دخوله في الصوم, ووجد الهدي فيه قولان بناء على أن الإعسار في الكفارات بحالة الأداء أم بحالة الوجُوب, فإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب لا يلزمه ذبحه, ويجوز الصوم له, وإن قلنا: بحالة الأداء يلزمه ذبحه, ولا يجوز له الصوم, وقيل: في الكفارة قولٌ ثالث, يعتبر بأغلظ الأحوال, فعلى هذا ههنا يعتبر بالأغلظ, ويلزمه الهدي, وكذلك لو أحرمَ به, وهو موسور, ثم أعسر قبل الإتيان بالدم, هل يجزئه الصيام؟ على الاختلاف.
فَرعٌ آخرٌ لو لم يصم المتمتع حتى مات, قال القاضي في كتبه الجديدة: إن كان لم يمكنه أن يصوم لم يجب شيء, وإن أمكنه أن يصوم, فلم يصم تَصَدّق عنه مكان كل يوم مُدّ من حنطةٍ, ثم فيه قولان: أحدهما: يلزمه أن يفرقه على مساكين الحرم لأنه مال وجب بالإحرام كالدم.
والثاني: الأولى أن يفرق فيهم, فإن فرقه في غيرهم جاز لأن الإطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم, وقال في "القديم": يصوم عنه وليه, والمذهب الأول.
فإن مات بعد القدرة على بعضها دون بعض أطعم عن كل يوم قدر ما كان عليه مدّاً, ولا شيء في الباقي, وفال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في "مختصر الحجّ" في هذه المسألة قولين: أحدهما: يتصدق عنه [51/ ب] عن كل يوم بدرهم, فيكون عن العشرة عشرة دراهم, والثاني: يخرج عن يوم ثلث دم وعن يومين ثلثي دم وعن ثلاثة فصاعدًا شاة, وهذا أيضًا غير صحيح.
وإنما ذكر أصحابنا هذه الأقاويل في إتلاف الشعر والظفر, وترك الحصيات لا في هذا الموضع, وقال في "الأم": من لم يجد الهدي, ففرضه الصيام, فإن مات من ساعته فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي, ومعناه يطعم عنه, لأن الهدي لم يجب عليه أصلاً, لأنه لم يجد.
والثاني: لا شيء عليه, وهو الأصحّ لأن الهدي لم يجب عليه, ولم يتمكن من الصوم والإطعام لفوات صوم مقدور, وههنا لم يقدر, ووجه القول الأول أنه لا يمكن أن يصام عنه, ويمكن أن يهدي, فوجب الهدي على ما ذكرنا من التأويل.
وقيل: يقضي عنه الدم بعد موته ببيع عروضه التي لم يلزمه بيعهما في حياته.
وأما وقت صوم السبعة, قال تعالى: ﴿وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] , واختلف فيه قول الشافعي, فقال حرملة ونقلة المزني: يصوم إذا رجع إلى أهله واستقر 181 وهو الصحيح لأن الرجوع إذا أطلق فيمن خرج من أله يقتضي رجوعًا إليهم لأن الرجوع في

الجزء: 3 - الصفحة: 405

الحقيقة رجوع إلى المكان الذي خرج منه.
وقال في "الإملاء": يصوم السبعة إذا رجع من حجّه بعد كمال مناسكه.
ثم اختلف أصحابنا في هذا, فقال جماعة: مذهبه في "الإملاء": أنه يصومها إذا أخذ في الخروج من مكة راجعًا إلى بلده, ولا يجوز له أن يصوم بمكة قبل خروجه, وهو اختيار أصحابنا بالبصرة.
وقيل: إنه قول مالك, وهو اختيار أبي إسحاق, وقال أصحابنا البغداديون: مذهبه في "الإملاء" أنه يصومها إذا رجع إلى مكة بعد فراغه من مناسكه ورميه سواء أقام بمكة, أو خرج منها.
وبهذا قال ابن عباسٍ والحسن وعطاء [52/ أ] ومالك وأبو حنيفة وأحمد, واحتجوا بأن كل من لزمه صوم, وله أن يؤديه إذا رجع إلى وطنه له أن يؤديه قبل ذلك لقضاء رمضان, وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المتمتع: "من كان معه هدي فليهده ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله".
وهذا نص صريح, فإذا قلنا بالقول الصحيح, فالمراد بالوطن موضع العزم على الاستيطان فيه سواء كان البلد الذي خرج منه, أو غيره حتى لو أقام بمكة كانت وطنه وصامها فيها, فعلى هذا وقت جواز فعلها حصوله في موضع الاستيطان, ولو صام قبل ذلك لم يجهزه لأنه لا يجوز أداء العبادة البدنية قبل دخول وقتها ولو أخّر صيامها مع القدرة عن هذا الوقت كان مسيئًا وأجزأته, وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار أبي إسحاق يصومها إذا خرج من مكة, فإن صام قبله لا يجوز, ولو أخّرها حتى رجع إلى أهلهِ كان مسيئًا وأجزأته.
هكذا قال "الحاوي" 182 , وقال سائر أصحابنا: أجزأته, وهل الأفضل له التأخير إلى الرجوع إلى أهله أم التقديم على ذلك؟ قولان: أحدهما: الأفضل له التقديم لأن تعجيل العبادة في أول وقتها أفضل عند القدرة.
والثاني: التأخير أفضل.
وبه قال مالك لأنه مختلف في جوازه قبل ذلك وفعل العبادة على الوجه المجمع أولى.
وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار البغداديين يصومها إذا فرغ من أعمال حجّه, فإن صام قبل فراغه من جميع أعمالهِ لم يجز, وإن صام بعد فراغه من جميع أعمال حجّه, وهو بمكة, أو في طريقه أجزأه, وأما متابعة صيام الأيام الثلاثة في الحجّ, والسبعة الأيام إذا رجع فمستحبة وفي وجوبها وجهان مخرجان [52/ ب] من القَولَين في التتابع في صوم كفارة اليمين ذكره الإمام والدي, وصاحب "الحاوي" 183 وسائر أصحابنا ذكروا: أنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا بلا خلاف لأن الله تعالى أطلق ولم يشترط التتابع, وإن لم يصم الثلاثة في الحجّ, فمتى عاد إلى وطنه يلزمه صَوم العشرة ثلاثة أيام قضاء وسبعة أداء, فهل يلزمه أن يفرق بين الثلاثة أو السبعة؟ المنصوص أنه يلزمه التفريق بينهما, وهو قول الأكثرين من أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه, وله أن يصوم العشرة متابعة, لأن التفريق وجب في الأداء لأجل الوقت, فإذا فات الوقت يسقط كترتيب الصلوات في أوقاتها تسقط بفوات الوقت.

الجزء: 3 - الصفحة: 406

وبه قال أحمد, وهذا غلط لأن التفريق في الأصل من ناحية الفعل دون الوقت لأنه قيل له: صم الثلاثة قبل الفراغ من الحجّ وصُم السبعة بعد العود إلى الوطن وعوده فعل من جهته قد يعود في مدة يسيرة, ومدة كثيرة, وما كان مستحقًا من ناحية الفعل يفوت بفوات الوقت كترتيب أفعال الصلاة.
فإذا قلنا بالقول الأول يصوم كيف شاء, ولو قدم السبعة على الثلاثة يجوز.
وقال والدي: فيه وجهان, والأصحّ ما ذكرت.
وإذا قلنا بالقول الثاني, وهو الصحيح, يجب التفريق بينهما بالمقدار الذي كان يفرق بينهما بالأداء, وذلك مبني على القولين في صوم السبعة, والقولين في صيام أيام التشريق, فإن قلنا بقوله الجديد: إن صيام التشريق لا يجوز وصوم السبعة لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الوطن وجب التفريق بينهما بأربعة أيام ومدّة السفر.
وإن قلنا بقوله القديم: إن صيام أيام التشريق يجوز والرجوع إلى الوطن [53/ أ] وهو المراد وجب التفريق بينهما بقدر المسافة, وإن قلنا: صوم السبعة يجوز بعد الفراغ من الحجّ, وقلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق ففرق بينهما بأربعة أيام, وإن قلنا: يجوز صيام أيام التشريق لا يفرق بينهما بشيء لأنه كان يمكنه في الأداء أن يؤخّر صيام الثلاثة, ويصومها في أيام التشريق, ثم يصوم السبعة عقبها من غير فصلٍ.
وهكذا إن قلنا: الرجوع هو الأخذ في السير, وهذه الأقوال كلها مخرجة.
ونصّ في "الإملاء" أن أقلّ ما يفرق بينهما بيوم.
ثم اختلف أصحابنا في أصل هذا القول, فمنهم من قال: إنما قاله على القول الذي يقول: يجوز للمتمتع صيام أيام التشريق, ويجوز فيها أيضًا, كل صوم له سبب ولصوم السبعة سببٌ ظاهرٌ, فيفصل بينهما بيوم النحر, وهذا خطأ من قائله, لأن صوم السبعة لا يجوز في أيام التشريق بالإجماع, لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحجّ, وفي أيام التشريق ففعل بقية أعمال الحجّ, والصحيح أن يقال: نص على هذا القول, وهو أصل في نفسه, ولم ينبه على غيره, ووجهه أنه إذا أوجب التفريق في الأصل وجب في القضاء وأقل التفريق يوم.
فحصل في المسألة خمسة أقوال: أحدهما: لا يفرق بينهما أصلاً.
والثاني: يفرق بيوم.
والثالث: بأربعة أيام.
والرابع: بأربعة أيام وقدر المسافة.
والخامس: يفرق بقدر المسافة فقط.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان قولاً آخر: يفرق بينهما بخمسة أيام إذا قلنا: أراد الرجوع إلى مكة في قوله تعالى ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ , ولا يجوز صيام أيام التشريق ويوم الرجوع إلى مكة.
وهذا ليس بشيء.
فَرْعٌ إذا قلنا: [53/ ب] التفريق واجب بحسب الترتيب, فلا يجوز السبعة قبل الثلاثة ولو شرع في السبعة, هل يحتسب عن الثلاثة؟ وجهان, كما لو لم يفرق بين السبعة والثلاثة, وقد قلنا يجب التفريق بيوم, هل تحتسب له الأيام الستة؟ وجهان.

الجزء: 3 - الصفحة: 407

فَرْعٌ آخرُ لو صام هذه العشرة متتابعة من غير تفريق صحت الثلاثة, وأمّا السبعة فمبنيّة على الأقوال الخمسة, فكل زمان لزمه أن يجعله فصلًا بين الصومين لم يصحّ صيامه فيه, فإذا قلنا: لا يجب الفصل بينهما أجزأه الكل, فإن قلنا: يفصل بيوم بطل من السبعة يوم, وإن قلنا: بأربعة أيام بطلت منها أربعة.
وإن قلنا: بأربعة أيام, وقدر المسافة, فإن كانت الأربعة, وقدر المسافة سبعة أيام فأكثر لم يصحّ من السبعة شيء, وإن قلنا: بقدر المسافة, فإن كانت المسافة سبع أيام فأكثر لم يصحّ منها شيء, وإن كانت دون السبعة بطل منها بقدر المسافة, وصحّ ما عداه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يجوز السبعة بحال؛ لأن اليوم الرابع لا يجوز لا محالة, فإذا صام اليوم الخامس فعنده أن اليوم الثاني من السبعة فلم يجزه, ولا يجوز ما بعده على هذا القياس, وهذا ليس بشيء.
وقال الإصطخري: إن صام اليوم السابع بعد صيام الثلاثة أجزأته الثلاثة, والكلام في السبعة وإن نوى السابع صيام الثلاثة عند دخوله فيها لم يجز ويكون فساد نيته قادحًا في صومه.
وهذا غلط فاحش لأن طرد الفساد على صوم بعض الأيام لا يقتضي فساد الصوم في غيره.
ثم قال المزني: قال 184: فإن لم يصم حتى مات يصدق ما أمكنه, وقد ذكرنا هذا, وقال في "الحاوي" 185: إذا مات المتمتع قبل [54/ أ] فراغهِ من أركان الحجّ, فإن كان معسرًا لا شيء عليه, وإن مات موسرًا ففي وجوب الدم قولان: أحدهما: لازم لأن الدم إنما وجب للمتعة بالحجّ, فإذا مات قبل إكمال أركانه لم يكمل الحجّ, فلا دم.
والثاني: وهو الأصحّ يجب الدم, لأنه وجب بدخوله في الحجّ, والدم إذا وجب في الحجّ لم يسقط بموته قبل كماله لدم الوطء.
مَسأَلَةٌ: قالَ 186: وحَاضرو المسجد الحرام الذين لا متعة عليهم من كان أهله دون ليلتين.
الفَصلُ القصدُ به بيان حاضري المسجد الحرام من هم؟ وقد قال ههنا: من كان أهله دون ليلتين أي داره من مكة على دون مسافة القصر.
وبه قال أحمد, ثم أوضح ذلك, فقال: وهو حينئذٍ دون أقرب المواقيت, أي: أقرب إلى مكة من أقرب المواقيت, لأن أقرب المواقيت فيما قبل هو ذات عرق, وهي على مسافة ليلتين, ثم زاد في "الإيضاح", فقال: ومن سافر إليه, أي: إلى هذا الموضع الذي جعلناه من حاضري المسجد الحرام صلى صلاة الحضر لا يجوز فيه القصر, ثم زاد أيضًا فقال: ومنه يرجع من لم يكن آخر عهده بالبيت حتى يطوف, وأراد أن على من أراد الخروج من مكة أن يودع البيت بالطواف فمن نفر قبل الداع عليه الرجوع ما لم يبلغ سفره مسافة

الجزء: 3 - الصفحة: 408

القصر، فإن جاوز ذلك لا يلزمه الرجوع، وأجزأه دم.
جملة هذا أن الطواف في الحجّ ثلاثة طواف القدوم، وطواف الزيارة وطواف الوداع، فأمّا طواف القدوم، فهو أن الحجّ أو المقيم، أو غيرهما إذا دخل مكة يستحب له أن يطوف بالبيت عند قدومهِ، وهذا الطواف ليس من مسنونات الحجّ، ولا من أفعاله الراتبة، بل هو تحية المسجد ألا تري [54/ب] أن المكي لا يفعله، فإن تركه لم يلزمه شيء، وذكر القفال في "شرح التلخيص" قولا مخرجًا يلزم دم قياساً علي طواف الوداع، وليس بشيء، وأمّا طواف الزيارة هو أن الحاج إذا فرغ من الوقوف، والمبيت بمزدلفة عاد إلي مكة وطاف طواف الزيارة، وهذا ركن في الحج تركه يبطل الحجّ، ولا يجبر بالدم بحال، وأما طواف الوداع فهو ما ذكرنا.
وهل يجب الدم بتركه؟ قولان: أحدهما: يجب، نصّ عليه في " الأم".
والثاني: لا يجب، نصّ عليه في "الإملاء".
فإذا قلنا: يجب، فإن ذكر قبل أن يجاوز ما لا يقصر إليه الصلاة يلزمه أن يرجع، لأنه بعيد من حاضري المسجد الحرام، فأشبه إذا ذكر، وهو بمكة، وإذا رجع وودعَ لا يلزمه الدم، وإن ذكر، وقد جاوزه استقر عليه الدم، فإن رجع وودع لم يسقط عنه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه يسقط عنه الدم، وإذا قلنا: لا يجب استحببنا له العود، وإن ذكر بعدما جاوز استحببنا له الدم، وقال مالك: حاضر المسجد الحرام من كان أهله في الحرم.
وروي هذا عن ابن عباسٍ ومجاهد والثوري، وحكي عن مالك أنه قال: من كان بمكة وذي طوي.
وقال أبو حنيفة: من كان في المواقيت، أو دونها مما يلي مكة.
وهذا غلط لأن الحضور عند العرب عبارة عن المقاربة، فمن حلّ بالحرم والميقات لزمه أن يعد القرب من الغائبين، وهو إذا كان يسكن التنعيم فإنه حلّ أو يسكن العقيق، فإنما قبل الميقات ويجعل البعيد من الحاضرين، وهو من يسكن ذا الحليفة من الحاضرين عند أبي حنيفة وبينه وبين مكة قريب مائة فرسخ.
وهذا محال، ولأن اعتبارنا أولي لأنه بمنزلة الحاضر فيه [55/أ] في أنه لا يترخّص ترخّص المسافرين إذا قصده.
فَرّعُ يعتبر مسافة القصر في حق حاضري المسجد الحرام من عمارة مكة، أو من الحرم وجهان: أحدهما: من عمران مكة لأن الله تعالي قال: ﴿لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الإسراء:1]، وإنما أسري به من بيت أمّ هانئ.
والثاني: من الحرم لأن الله تعالي قال: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة:28]، وأراد جملة الحرم.
فَرّعُ آخرُ لو كان للإنسان منزلان، منزل في موضع لا تقتصر إليه الصلاة من الحرم، ومنزل تقصر إليه الصلاة منه، فإن كان في مقامه في أحدهما أكثر كان الاعتبار به.
وإن كان مقامه فيهما

الجزء: 3 - الصفحة: 409

سواء نظر الي ماله، فان كان ماله في أحدهما، أو في أحدهما أكثر اعتبرنا به.
وإن كان ماله فيه سواء اعتبرنا عزمه علي إقامته بعد فراغه من التمتع، فإن عزم علي الإقامة في أحدهما، فالاعتبار به.
نصّ عليه في "الإملاء".
وقال أصحابنا: فإن كان عزمه سواء اعتبرنا موضع إحرامه منه، فيكون من أهل ذلك المنزل، وقيل ذكر هذا ايضًا في "الإملاء".
وقال في "الحاوي" 187: قال أصحابنا: غلب حكم المنزل الذي خرج منه، وقال القاضي حسين: الاعتبار بالعبور علي الميقات، فإن كان في مكة وقت أداء النسك، فهو من الحاضرين، وإن كان عابراّ علي الميقات فحكمه حكم الآفاقي.
فَرّعُ آخرُ لو استوطن المكي العراق أو استوطن العراق مكة، فإن الاعتبار بما آل إليه أمره لأن الدم إنما يجب لترك الإحرام من الميقات.
والمكي اذا استوطن العراق صار ميقاته ميقات أهل العراق، فإذا تمتع فقد ترك الإحرام، وكذلك علي الضّد إذا استوطن العراق.
فَرّعُ آخرُ لو تمتع العراقي فدخل مكة معتمرًا، فلما فرغ من العمرة نوي الاستيطان بها، قال في "الإملاء": لا يسقط عنه الدم لأنه لا يصحّ فيه المقام إلا مع وجود اللبث، وهو لا يمكنه اللبث [55/ب] لأن عليه الخروج إلي مني وعرفات، ولأنه لما مرّ بالميقات فقد لزمه حكم الميقات للحجّ والعمرة، فإن أحرم بالحجّ من مكة، أو من مني لزمه الدم لتركه الميقات الذي لزمه حكمه وهكذا لو خرج من بلده ناويًا للمقام بمكة بعد فراغه من التمتع.
فَرّعُ آخرُ لو طال مقام مكي في بلد ولم يزمع أن يتخذه وطنًا لم يكن عليه دم المتعة لأنه لم يخرج عن كونه مكيًا.
فَرّعُ آخرُ اختلف العلماء في فسخ النبي صلي الله عليه وسلم الحجّ علي أصحابه، فالذي أشار إليه الشافعي "الأم" أنه لم يكن فسخاً بل كان أحرم هو وأصحابه إحراما موقوفًا لا بحجّ ولا بعمرة، ثم أمر من لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ومن كان معه هدي أن يجعله حجّاً، وذكر رواية جابر في ذلك.
ومن أصحابنا من قال: فسخ عليهم الحجّ وأمرهم أن يتحلّلوا بعمل العمرة، وعليه يدل ظاهر النقل والأخبار.
قال أبو سعيد الخدري: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم نصرخ بالحجّ صراخا، فلما أتينا أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يطوف، ويسعى ويتحلّل فتحلّلنا، ثم خرجنا يوم التروية نصرخ بالحج صراخا"، فإن كان ذلك علي ما أشار الشافعي، فهو جائز في زماننا، وإن كان علي ما نقل في الخبر، فلا يجوز الآن بل كان خاصاً لهم بدليل ما

الجزء: 3 - الصفحة: 410

روى الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه بلال بن الحارث أنه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لنا ولمن بعدنا، فقال: (لا، بل لكم خاصًا) (1)، وقال أبو ذر: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فسخ ذلك إلي العمرة لأن الجاهلية كانت تكره الاعتمار في أشهر الحج ويعدونه من أفجر الفجور، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالعمرة في زمان الحج ليتركوا سنة الجاهلية.
وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلي العمرة [56/أ] لمن لم يسق الهدي في زماننا هذا، وهذا غلط لما ذكرنا، والله أعلم.

بَابُ مواقيت الحجّ

مسألة: قال 189: ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة.
الفَصْلُ اعلم أن للحج ميقاتين: أحدهما من جهة الزمان والآخر من جهة المكان، فأما ميقاته من جهة الزمان فقد مضي بيانه، وذلك الميقات لئلا يقدم الإحرام عليه.
وأما ميقاته من جهة المكان، فهو ما بينه في هذا الباب.
وهذا الميقات إنما هو لئلا يؤخر الإحرام عنه لا لئلا يقدم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأهل كل ناحية ميقاتا علي ما ذكره الشافعي، فميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو موضع قريب من المدينة، وأهل الشام والمغرب ومصر وغيرها من الجحفة، وأهل نهامة اليمن يلملم، وأهل نجد اليمن ونجد قرن يريد أن تهامة تهامتان، ولكل واحد منهما ميقات علي حدة، والنجد نجدان وميقاتهما واحد، وهو قرن، وذلك أن الحجاز يشتمل علي نجد وغور، فالنجد بلاد فيها ارتفاع، والغور بطونها والنجد أغلب.
وكذلك اليمن يشتمل علي نجد وغور، ويسمي الغور تهامة، فهما تهامتان/ تهامة اليمن، وتهامة الحجاز ومكة من تهماة الحجاز، وجملته أربعة مواقيت منصوصة بلا خلاف.
روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن.
هذه الثلاثة سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرت أنه قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم" 190 [56/ب] لأهل المدينة ذا الحليفة وأهل الشام: الجحفة، وأهل نجد من قرن وأهل اليمن يلملم، وأما ذات عرق، قال الشافعي: وأهل المشرق ذات عرق وهذا الميقات الواحد مما اضطربت فيه الأخبار، واختلفت فيه العلماء وهو ميقات أهل العراق وخرسان ولم يكونو أسلموا علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم علي ما قال الشافعي، وهي علي مسيرة ليلتين من مكة، وروي عن طاوس أنه قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل188

الجزء: 3 - الصفحة: 411

العراق، وإنما وقت بعده ذات عرق 191، وقال الشافعي في موضع: ولا أراه إلا كما قال طاوس.
وروى أبن جريج عن عطاء قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق ذات عرق 192، قال ابن جريج: فراجعت عطاء، فقلت: إن الناس يقولون: لم يوقت ذات عرق، فقال: سمعنا له وقت لأهل المشرق ذات عرق، والعقيق، فكان عطاء يذهب إلي أن ذلك منصوص عليه وطاوس يذهب إلي أن ذلك غير منصوص عليه.
والشافعي اختار في (الأم) هذا، فقال: لم يبنيه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أجمع عليه الناس، ووجه ما روي أنه قيل لعمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت لأهل المشرق، ولو أردنا قرن شق علينا، فقال بعضهم: ذات عرق.
وقال بعضهم: العقيق، فوقت عمر رضي الله عنه لهم ذات عرق.
وهذا كان بعد فتح العراق لأهل العراق 193، ومن أصحابنا من قال بقول عطاء، وقال: قد صح الحديث، ولكنه لم يكن وقع إلي الشافعي [57/أ] ولو وقع لقال به، وهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق 194. أورده أبو داود.
وكذلك رواه الحارث بن عمروا السهمي.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق 195. قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أثبت منه في ذات عرق.
قال الشافعي: (ولو أهلوا من العقيق كان أحب إلي" لرواية ابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه أبعد من ذات عرق، فالإهلال منه أحوط، وذات عرق اسم قرية، والعقيق واد قبل ذات العرق بقريب.
ثم المستحب في كل قرية هي ميقات أن يحرم من طرفها الأقصى ليقطع عمارة تلك القرية محرمًا، فإن أحرم من طرفها الأدني إلي مكة قبل أن يفارق عمارتها جاز.
فإن قيل: كيف تصح الراوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات عرق وأهل العراق كانوا مشركين؟ قيل: إنه وقت ذلك لعلمه بأنهم يسلمون وأنها تصير دار الإسلام كما قال لعدي بن حاتم: (يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جور معها لا تخاف إلا الله) وبهذا قال أحمد وأصحاب أبي حنيفة.
وأعلم أن بعد المواقيت ذو الحليفة علي عشر مراحل من مكة علي ميل من المدينة ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.
مسألة: قال 196: (والمواقيت لأهلها، ولكل من يمر بها ممن أراد حجًا أو عمرة).
من كان مقيماً بالمقيمات إذا أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة فإنه يحرم من الميقات الذي هو به، وكذلك من كان بلده وراء الميقات يحرم منه، وكذلك من مر بالميقات

الجزء: 3 - الصفحة: 412

ولبلده ميقات آخر يلزمه الإحرام من هذا الميقات سواء كان حاجاً أو معتمراً أو فارنًا [57/ب] ولا يحتاج إلي أن يخرج إلي ميقات أهل بلده لما روي في خبر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ذكر في المواقيت لأهلها: "ولكل آتٍ أتي عليها من غير أهلها ممن أراد حجًا أو عمرة" ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون منها، ومن كان أهله دون هذه المواقيت ما بينها وبين مكة فدويرة أهله ميقاته سواء كان في قرية أو حلل بادية حتى يأتي ذلك على أهل مكة فإن ميقاتهم من جوف مكة، ولا يزمهم المضي إلي الميقات للإحرام.
قال في "الأم" 197: "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، وأحب إليّ أن يحرم من أقصى بيوتها".
وحكي عنه أنه قال في "الإملاء": "يحرم من بيته أو من مسجد قريته وهذا فلا بأس به".
وإذا كان في الحلة فلا يفارق البيوت إلا محرماً وتكون الحلة بمنزلة القرية، وإن كان قاطنًا بمكة فلا يخرج من بابها بأعلي عرفة إلا محرمًا، فإن خرج من البنيان في هذه المواضيع غير محرم كان كمن جاوز الميقات غير محرم، والأفضل أن يحرم من الطرف الذي هو من عرفة أبعد، ولو أن مدنياً وافي من المدينة فميقاته ذو الحليفة لا يلملم دون ذي الحليفة، وإن كان اليمني بالمدينة فميقاته ذو الحليفة لا يملم، وإن سلك طريقاً آخر فقد بينا حكم من مر بميقات الغير، وكل ميقات وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل، فإن نقلت تلك القرية إلي مكان آخر فالميقات مكان الأولى دون المحدثة، فإن ذات عرق قد غيرت، فالميقات ذات عرق للأولى.
وروى الشافعي بإسناده أن سعيد بن جبير رأي رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ [58/أ] بيده حتى أخرجه من البيوت، فقطع به الوادي وأتى به إلي المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى.
فإن قيل: قال الشافعي عقيب هذه المسألة 198: وأيهم مر بميقات غيره ولم يأت من بلده، كان ميقاته ميقات ذلك البد الذي مره به، وقد سبق هذا المعني في قوله، والمواقيت لأهلها ولمن عبر عليها ممن أراد حجًا، أو عمرة فما فائدة هذا العطف؟ قلنا: ربما يختلف النسخ، ففي بعضها فأيهم مر بميقات غيره بالفاء، وفي بعضها بالواو، فإن كان بالفاء فهذا السؤال ساقط والإشكاك زائل لأن آخر الكلام يصير تفسيراً لأوله على نوع من البسط وترك الإيجاز، وإن كان بالواو، فلا بد من زيادة فائدة، وتلك الفائدة أن يقال: المجتازون بالميقات ثلاثة: منهم من أقبل من بلده، ولبلده ميقات معلوم، فعليه أن يحرم من ميقاته.
وهذه غير مقصودة بالمسألة الأولى التي ذكر بها المرور ولا بالمسألة الثانية، وإنما هي مقصودة بقوله: والمواقيت لأهلها.
والثاني، قوم ليس لهم ميقات، ولا بقربهم.
فبين بقوله: ولم يمر عليها أن كل ميقات مر عليه هؤلاء فهو ميقاتهم بمرورهم.
والثالث: قوم لبلدهم ميقات معلوم أقبلوا من طريق غير طريق بلدهم فربها يتوهم متوهم أن عليهم التحري بمحاذاة ميقات بلدهم بخلاف قوم ليس لبلدهم ميقات قريب،

الجزء: 3 - الصفحة: 413

فقطع الشافعي بالمسألة الثانية هذا التوهم، وألحقهم بالفريق الثاني وسوى بين من لبلده ميقات وبين من لا ميقات له إذا جاؤوا من طريق سوى طريق البلدتين.
فَرْعّ لو كان مسكنه بين ميقاتين: أحدهما: أمامه، والآخر، وراءه كأهل الأبواء والعرج [58/ب] والروحاء وبدر والصفراء، فمسكنهم بين ذي الحليفة والجحفة وهما ميقاتان فذو الحليفة وراءهم والجحفة أمامهم، فمن كان منهم في جادة المغرب والشام الذين هم علي طريق الجحفة كأهل بدر والصفراء فميقاتهم من الجحفة التي هم أمامهم لأن الجحفة لما كانت ميقاتاً لأهل المغرب والشام الذين أبعد داراً منهم، فأولى أن يكون ميقاتًا لهم، ومن كان منهم في جادة المدينة، وعلى طريق ذي الحليفة كالأبواء والعرج فميقاتهم من موضعهم كان منهم بين الجادتين كأهل بني حرب، فإن كانوا إلي جادة المدينة أقرب أحرموا من موضعهم، وإن كانوا إلى جادة الشام أقرب أحرموا من الجحفة، وليس الاعتبار بالقرب من الميقاتين، وإنما الاعتبار بالقرب من الجادتين، وإن كانوا بين الجادتين علي سواء ولم تكن إحدي الجادتين أقرب.
فيه وجهان: أحدهما: يحرمون من موضعهم لمن هو إلى جادة المدينة أقرب تغليبا لحكم الاحتياط.
والثاني: أنهم بالخيار بين الإحرام من موضعهم وبين الإحرام من الجحفة، لأن تساوي الحالتين يوجب تساوي الحكمين.
مسألة: قال 199: والمواقيت في الحج والعمرة والقران سواء.
أراد به سواء في أنه ليس له المرور إلا محرماً بما قصده من حج أو عمرة أو قران، ولا يختلف ذلك، وإن اختلفت المناسك، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة لأن القران لم يكن مذكورًا في المسألة الأولى كما كان مذكوراً في هذه المسألة.
مسألة: قال 200: ومن سلك برًا، أو بحرًا توخي حتى يهل من حذو المواقيت، أو من ورائها إذا سلك طريقًا [59/أ] لا ميقات فيه من بر أو بحر تجري في طلب محاذاة الميقات لئلا يجاوزه غير محرم، وإحرام من موضع يعلم أنه حذو الميقات، وإنما جوزنا له الإجتهاد لأن البقين متعذر والإجتهاد في ذلك أمارات ودلائل كما جوزنا الاجتهاد في مواقيت الصلاة وجهات القبلة عند الإشكال.
وقوله: من ورائها معناه أنه بالخيار في التحري إن شاء صبر حتى يحاذي ثم أحرم وإن شاء أحرم قبل محاذاة الميقات، والاحتياط في تقديم الإحرام كما أن المجتهد في وقت الصلاة إذا أراد الاحتياط كان احتياطه في تأخير الصلاة يسيرًا عن أول الوقت، فتقديم الإحرام علي ميقات المكان عند التحري نظير تأخير الصلاة عن أول الوقت عند التحري، ولو كان طريقه بين ميقاتين أحدهما أقرب من الآخر، فإنه

الجزء: 3 - الصفحة: 414

يحرم من حيال قرب الميقاتين إليه لأثر عمر رضي الله عنه الذي ذكرنا، فإن تساويا في القرب أحرم من حذوا أيهما شاء، ولو كان بين ميقاتين: أحدهما: عن يمينه وبين الرجل وبينه خمسة أميال، وبين ذلك الميقات وبين مكة مسيرة ثلاثة ليال وبينه وبين الميقات الذي على يساره ثلاثة أميال إذا حاذاه، وبين مكة وبينه مسيرة ليلتين، فإذا انتهى الرجل إلى محاذاة الميقات الذي مر على يمينه لزمه الإحرام.
ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى محاذاة الميقات الثاني، وإن كان بين طريقه وبين الثاني أقل بين طريقه وبين الأول.
مسألة: قال 201: ولو أتى علي ميقات لا يريد حجًا ولا عمرة، فجاوزه، ثم بدا له أن يحرم.
الفضل المجتاز بالميقات علي ثلاثة أضرب: أحدهما: يكون مريدًا النسك، إما الحج أو العمرة، فيلزمه أن يحرم منه، ولا يجوز له أن [59/ب] يتجاوزه إلا محرمًا، فإن جاوزه غير محرم، فإن قدر علي الرجوع لزمه الرجوع إلي الميقات، فإن لم يرجع، قال في "الأم" 202: كان مسيئا يعني يأثم به، وعليه دم، وإن رجع وأحرم من الميقات لم يلزمه الدم قولًا واحدًا، وإن أحرم دونه، ثم رجع إلى الميقات محرماً.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الدم، وهو الصحيح، وظاهر المذهب.
وبه قال الحسن وأبو يوسف ومحمد، فعلة هذا من أراد النسك مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يحرم قبل الميقات وبين أن يحرم من الميقات وبين أن يحرم دونه، ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحدٍ منهما.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم، ولا يخرج عن الإساءة بذلك.
وبه قال مالك وزفر لأنه قد استقر عليه بإحرامه دون الميقات، فلا يسقط عنه بالرجوع إليه كما لو رجع بعد أن تلبس بالوقوف، أو طاف لا يسقط عنه الدم بلا خلاف.
وهذا غلط لأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك، فلا يلزمه الدم كما لو أحرم فيه.
وأما الذي قاسوا عليه لا يصح لأن هناك حصل في الميقات في غير وقت إحرامه.
وههنا حصل في الميقات في وقت إحرامه لأن الإحرام يتقدم أفعال الحج كلها.
وقال أبو حنيفة إن عاد إلي الميقات ولبى، فلا دم عليه، وإن لم يلب يلزمه الدم وإن عاد، وهذا غلط لما ذكرنا، ونقيس علة ما لو عاد ولبى، وإن كان له عذر يمنعه من العود بأن يخاف الانقطاع عن الرفقة، أو كان الطريق مخوفًا، أو خاف فوت الحج لا يلزمه العود، وله الخروج على وجهه ويلزمه مع ذلك دم لأنه ترك قطع مسافة يلزمه قطعها بإحرام.
وروى ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [60/أ] قال: "من ترك نسكاً،

الجزء: 3 - الصفحة: 415

فعليه دم" 203، وقال أبو الشعثاء: رأيت ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم إليه.
وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا: الإحرام من الميقات مستحب، فإن تركه لا شيء عليه، وقال سعيد بن جبير: إذا أحرم قبل الميقات لا ينعقد كإحرام الصلاة، إذا وقع فاسدًا وهذا غلط لانه لو أحرم بالصلاة بعد خروج وقتها لم تبطل كذلك ههنا ولو مر بالميقات مريدًا للنسك فجاوزه ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم فإن قدر علي العود يستحب له العود، فإن لم يعد، وأحرم دونه يلزمه الدم لأنه ترك المأمور، فلا فرق فيه بين السهور وبين العمد.
والثاني: أن يجتاز به ولا يريد حجًا ولا عمرةً، ولا دخول الحرم وإنما يريد قضاء حاجةٍ بين الميقات والحرم لا يلزمه الإحرام، فإن جاوزه، ثم بدا له أن يحرم بنسك أحرم من موضعه لأن حكمه حكم من هو من أهل ذلك الموضع.
وقال أحمد: يلزمه العود إلي ميقات بلده، فإن لم يعد يلزمه دم.
وهذا غلط لأن العود إنما يجب علي من لزمه الإحرام من الميقات، وهذا لم يلزمه.
والثالث: أن يجتاز به ولا يريد النسك، ولكنه يريد دخول الحرم؟ فهل يلزمه الإحرام لدخول الحرم.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب، وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام لدخول الحرم.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب.
وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام فعليه أن يحوم منه، فإن جاوزه غير محرم لزمه دم علي ما ذكرنا، وإذا قلنا: لا يلزمه الإحرام، فلو بدا له بعد المجاوزة الإحرام أحرم من موضعه علي ما ذكرنا، وعلي مثل هذا حمل الشافعي ما روي عن أبن عمر رضي الله عنه، أنه أهل من الفرع 204. قال: تأويله أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع مكة، أو غيرها، ثم بدا له الرجوع إلى مكة.
مسألة: قال 205: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [60/ب] أنه لم يكن يهل حتي يبعث به راحلته 206. المستحب للإنسان أن لا يحرم قبل التوجه إلي البيت ويأخذ في السير، فإن كان راكبًا يحرم إذا انبعثت به راحلته إلي مكة، وإن كان ماشيًا يحرم إذا أخذ في المسير من المسجد الذي صلى فيه ركعتين نص عليه في "المناسك الكبير" لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ركب راحلته فلما ابعتث لبى، وروي خلاف هذا، وهو أنه لما استوت به راحلته علي البيداء لبى حينئذ.
وبه قال مالك، وروي أنه صلى بالميقات ركعتين، ثم أهل عقيبهما، وقد قال الشافعي في "القديم": والمناسك الصغير من "الأم": إذا صلى في موضعه ركعتين احرم في مصلاه، وهو قاعد، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد.
وروي عن ابن عباس أنه جمع بين هذا كله.
وقال: كل ذلك قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل

الجزء: 3 - الصفحة: 416

واحد من الرواة روى ما سمع وحفظ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء وكل ذلك جائز.
وقال سعيد بن جبير: با ابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب، فقال: "أنا أعلم الناس بذلك".
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًا فلما صلى بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتونه أرسالًا ويسمعوه حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علا علي البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام، وايم الله .... الخبر، ومن قال: بالأول، قال: اختلفت الراوية عن ابن عباس، فروى عنه أنه قال: اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لبس [61/أ] ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد علي بعيره، فلما استوي به علي البيداء أحرم بالحج 207، وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: "إذا رحتم متوجهين إلي منى فأهلوا بالحج" 208، ولم تختلف عنه الراوية، وهذا متأخر لأن إحرام أهل مكة كان بعد دخولها يوم السابع، فالأخذ به أولى، فإذا تقرر هذا، وأخذ في السير، فالمذهب أن الأفضل له أن يحرم من دويرة أهله، وإن كان بعيدا من الميقات يكثر.
نص عليه في "الإملاء".
وبه قال أبو حنيفة لأن ذلك أكثر في الطاعة والثوانب.
وفيه قول آخر نصّ عليه في "الجامع الكبير"، والأفضل له أن يحرم من الميقات.
وروى البويطي عن الشافعي أنه قال: إن أهل رجل بالحج قبل الميقات، فهو جائز، والميقات أحب إلي ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم قبل الميقات فالاقتداء به أولى، لأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح، وإذا أحرم قبله لا يأمن مواقعة المحظور فكان الإتيان بالمباح مع الأمن من الغرر أولى، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقد روي أنه سئل أبن عباس عن رجل كثير الطاعات كثير المعاصي وآخر قليل الطاعات قليل المعاصي، فقال: السلامة لا يعدلها شيء.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنه يسحب له قبل الميقات من دويرة أهله، وحيث قال: لا أحب قبل الميقات، أي: لا يتجرد عن ثيابه، ولا يتشبه بالمحرمين قبل إحرامه، والدليل على صحة هذا ان الله تعالي قال: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وروي عن عمر وعلي 209 وأبي هريرة 210 رضي الله عنهم أنهم قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما من جويرة أهلك.
وروت أم سلمة رضي الله عنها، [61/ب] قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهل حجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" 211. رواه أبو داود،

الجزء: 3 - الصفحة: 417

وأما إحرام النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن ميقاته كان قريبًا من المدينة.
وأما التغرير فلا يصح لأنه ينبغي أن يحرم من أدني الحل ويتقدم عليه أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يكره له الإحرام قبل الميقات؟ فولان قال الجديد: يكره.
وقال في "القديم" لا يكره، وقال القفال: قول واحد لا يكره، بل يستحب.
وحيث قال: يكره أراد به التشبه بالمحرمين قبله.
وهذا غلط ظاهر لأن لفظه في "الجديد" وفي "القديم" ما ذكرنا، ولا يحتمل هذا القول بوجه.
وروى الكراهية في ذلك عن عمر بن الخطاب فإنه أنكر علي عمران بن حصين رضي الله عنه إحرامه من البصرة (1). وروى الكراهية عن الحسن وعطاء ومالك.
فَرْعُ الحج راكبًا أفضل علي المشهور من مذهب الشافعي نص عليه في "الإملاء" لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبًا ولأنه يكثر المؤنة في ذلم ويقوى علي الدعاء، والذكر وشهود المشاهد فكان أولى، وهو كالفطر يوم عرفة أولى ليقوى علي الدعاء.
وقيل فيه قول آخر: إن الحج ماشيًا أفضل كالصوم في الصيف لأنه أشق.
ولأن الشافعي قال: لو أوصى أن يحج عنه ماشيًا حج ماشيًا، ولو نذر الحج ماشيًا لزمه ماشيًا.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن نصه في الوصية والنذر لا يدل على أنه ماشيًا أفضل لأن الناذر يلزمه ما نذر، وإن كان غيره أفضل كما لو نذر التصدق بدراهم، أو أوصى بها لا يجوز الإبدال بالدنانير وإن كان الدنانير أولى.

باب الإحرام والتلبية

[63/أ] مسألة: قال 213: وإذا أراد الرجل الإحرام اغتسل من ميقاته.
الفَصْلُ استحب لمن أراد أن يحرم بالحج، أو بالعمرة أن يغتسل من الميقات لإحرامه لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه، واغتسل" 214. وقال الشافعي 215: ما تركت الغسل بالإهلال قط، ولقد كنت أغتسل له مريضًا في السفر وإني أخاف ضرر المرض، وما صحبت أحدًا اقتدى به، فرأيته تركه، وليس ذلك بواجب لأنه غسل لأمر مستقبل.
وقال في " الأم" يستحب ذلك للرجل والمرأة والصبي والحائض والنفساء لأن هذا الغسل يراد للتنظيم فاستوي فيه هؤلاء.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النفساء والحائض إذا أتتا على المواقيت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت".
قال في "الأم" 216: ولو كان الوقت موسعًا علي الحائض والنفساء لم يخافا فوت الحج212

الجزء: 3 - الصفحة: 418

فالأفضل لهما أن لا تحرما حتى يطهرا حتى يجمعها بين التنظيف ورفع الحدث، وتكون كل واحدة منهما على أكمل حالها عند الإحرام.
ويستحب للرجل والمرأة أن يتأهبا لحلق الشعر وتقليم الظفر وتنظيف الجسد لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة ونتف الإبط وقص الشارب والأظفار وغسل الرأس.
ووردت عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشنان وخطمي" 217 فإن لم يجد من أراد الإحرام الماء تيمم لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فناب عن الغسل المسنون، وإن وجد ما يكفيه للوضوء ولا يكفيه للغسل توضأ.
وقال في "الأم" 218 الاغتسال في الحج سبعة للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة [62/ب] وللوقوف بمزدلفة ولري الجمار في أيام منى الثلاثة.
ولا يغتسل لجمرة يوم النحر لأن رمي أيام منى بعد الزوال في وقت اشتداد الحر والعرض وازدحام الناس، ورمي جمرة العقبة من حين منتصف الليل من ليلة النحر إلي آخر النهار، ومن يوم النحر وإنما يسن في أول النهار قبل أن يشتد الحر وتعرق الأبدان، ولا يكاد الناس يجتمعون لها بل يتفرقون، ولا يستحب له الغسل نص عليه.
وقال الشافعي 219: وأستحب الغسل بين هذا عند تغيير البدن بالعرق وغيره تنظيفا للبدن.
وزاد الشافعي في "القديم" ثلاثة اغتسالات لطواف الزيادة وللحلق ولطواف الصدر.
حكاه القاضي الطبري وغيره، ولم يذكر أبو حامد عن "القديم" الغسل للحلق.
مسألة: قال 220: ويتجرد ويلبس إزازًا ورداء أبيضين.
إذا فرغ من الاغتسال تجرد عن الثياب المخيطة، وذاك ما يخاط علي قدر الملبوس عليه مثل القميص والسراويل والجبة، ونحو ذلك، ويلبس ما ليس بمخيط وهو ما لا جيب له ولا كمين كالإزار، والرداء ويجب عليه كشف رأسه، فلا يلبس عليه مخيطًا، ولا غيره، والأصل في ذلك ما روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يجتنب المحرم من الثياب، فقال: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران 221 ويلبس إزازًا ونعلين 222 ولا يلبس الخفين إلا أن لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكمين"، وإذا لبس الإزار، وهو المئزر والرداء يستحب أن يكون الأبيض، [63/أ] لأنه أحب الثياب إلي الله تعالى.
قال: والجديد أحب إليّ من المغسول فإن لم يكن جديدًا ليس مغسولًا، ويلبس نعلين فإن لم يجد مشى حافيًا إلا أن يريد الترخيص فيذكر حكمه.
وقيل: السنة أن يحرم في إزاز ورداء ونعلين لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يلبس إزازًا،

الجزء: 3 - الصفحة: 419

ورداء، ونعلين" ولا يشترط أن يكون الرداء أو الإزار يقطعه، بل لو أخذ حرفًا وخالط بعضها إلى بعض جاز، ولو عدل الثوب المصبوغ فما صبغ غزله قبل النسج كعصب اليمن والأبراد الحبرة يجوز، لأنه بالرجال أشبه.
وما صبغ بعد نسجه لو لبسه كان عادلًا عن الاختيار يجوز أيضًا لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما أحرم في ثوب معصفر 223. وروي أن عبدالله بن جعفر أحرم في ثوبين مضرجين 224. وروي أن عقيل بن أبي طالب أحرم في موردتين 225. مسألة: قال 226: "ويتطيب لإحرامه إن أحب قبل أن يحرم".
قال أصحابنا: يستحب لكل من أراد الإحرام أن يتطيب قبل الإحرام، وكذلك أراد التحلل يستحب له أن يتطيب قبل تحلله.
وبه قال أحمد، وإسحاق.
وروي ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم.
وقال مالك: لا يجوز له ذلك قبل الإحرام، وإن تطيب أمر بغصله، فإن لم يغسل وأحرم فقد فعل محرمًا ولا يلزمه الفدية.
وبهذا قال عمر، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد رضي الله عنهم.
وقيل مثله عن ابن عمر، ولا فرق عندنا بين أن يكون الطيب عينًا قائمة كالمسك والغالية، أو أثرًا كالبخور بالعود والند.
واحتج بما روي عن يعلى بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [63/ب] بالجعرانة فأتاه رجل عليه ثياب وهو متضمخ بالخلوق، وروي: عليه ردغ من زعفران، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذه عليّ فأنزل عليه الوحي، فلما أسرى عنه قال: "أين السائل عن العمرة"؟ وقال له: "اغسل عنك أثر الخلوق - أو قال: أثر الصفرة- واخلع الجبة عنك، واصنع من عمرتك ما صنعت في حجك" 227 وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرمن ولحله قبل أن يطوف بالبيت قبل النحر بطيب ومسك 228. وروي أنه قيل لها: بأي طيب؟ فقالت: بأطيب الطيب، وهو المسك.
وقالت أيضًا كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم 229. ووبيص المسك: بريقه.
ورؤي ابن عباس محرمًا وعلى رأسه مثل الرب من الغالية 230. وقال مسلم بن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته

الجزء: 3 - الصفحة: 420

من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال.
وأما خبرهم قلنا: هذا كان لأن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حال إحرامه وحله، وروى أنس: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل 231. وفي هذا الخبر دليل على أنه إذا أحرم في ثوب مخيط لا يجب عليه تمزيقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا فدية عليه، لأنه روي أن هذا الأعرابي خلع الجبةً من رأسه، وقال النخعي: يشقه، وقال الشعبي: يمزق عليه، وقال صاحب "الحاوي" 232: عندنا لا يكره ذلك وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب اقتداء بفعله والثاني: وهو الأشبه بالمذهب لا يستحب بل يباح، لأنه فعله ولم يأمر به.
فرع لو لبس إزاره أو رداءه وأحرم فيه ثم نزعه ثم لبسه، قال أبو الحسن [64/ أ] الماسرجسي الإمام رحمه الله يلزمه الفدية قولا واحدًا لأنه ابتدأ لبس ثوبه مطيب في حال الإحرام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا فدية عليه، ويجوز له لبسه ثانيًا، لأن ذلك صار مستهلكًا كما لو كان استعمله في بدنه.
وحكي عن الشافعي أنه قال في موضح: ويتجمر رحله وثوبه بالبخور فقد قيل: في المسألة قولان، وذكر بعض أصحابنا وجهاً أنه لا يجوز أن يحرم في ذلك الثوب لأن الطيب يبقى على الثوب ولا يصير مستهلكا، فهو كما لو شد مسكا على ثوب لا يجوز لبسه، وإذا طيب بدنه يصير مستهلكا، وهذا ليس بشيء، وقيل: إذا قلنا: له لبسه فلبسه ثم نزعه ثم لبه ثانياً فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنه يجوز ذلك ولا فدية عليه لأن العادة في الثوب لبسه كل وقت بعد نزعه والثاني: لزمته الفديةً لأنه يشبه ابتداء الطيب.
فرع أخر لو طيب بالغالية موضعًا من بدنه، ثم أحرم ثم أخذ الغالية من موضعها واستعملها في موضع آخر من بدنه لزمته الفدية قولًا واحداً، ولو تطيب قبل الإحرام بالغاليةً، ثم أحرم فعرق بدنه، فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر، فالمذهب أنه لا فديةَ عليه لأنه لما تهرب به صار في حكم المستهلك، وهذا ليس يتطيب من جهته، ومن أصحابنا من خرج فيه وجهاً آخر أنه تلزمه الفدية لأنه كالتطيب الجديد بالانتقال من موضعه،

الجزء: 3 - الصفحة: 421

وحصل ذلك بسبب فعله، وهذا ضعيف.
مسألة: قال 233: ثم يصلي ركعتين ثم يركب، فإذا توجهت به ناقته لبّى.
إذا تطيب، وأراد الإحرام، فالمستحب له أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى ذا الحليفة [64/ب] فصلى ركعتين ثم أحرم، وقد ذكرنا فيما سبق متى يلبّي مسألة: قال 234: ويكفيه أن ينوي حجا أو عمرًة عند دخوله فيه، والإحرام بالحج والعمرةَ يعقد، والدخول فيه وإنما سمى ذلك إحراماً لدخول الناس به فيما حرم عليهم في الحج من قبل الصيد ولبس المخيط ومس الطيب والاستمتاع، وغير ذلك ويسمى الإحرام، إهلالا يقال: أهل فلان بالحج، يعني أحرم وينعقد الإحرام بمجرد النية، قال في " لأم " 235: لما كانت نيةً المصلي كافيةً له من إظهار ما ينوي فكذلك نية المحرم بالحج كافيةً من إظهار ما ينوي ويستحب له التلبية مع النيةَ ولا يجب ذلك سواء ساق الهدي أو لم يسق.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن ساق الهدي لا تجب التلبية وإن لم يسق الهدي لا بد من التلبيةً، ومعنى التلبيةُ عنده أن يذكر الله تعالى، ولكن قال: شرعت في الحج، أو أحمرت بالحج كفي، ففي هذا يخالف إحرام الصلاةً، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" 236، وهذا غلط لأنها عبادةً ليس في آخرها نطق واجب، فلا يكون في أولها نطق واجب كالصوم، وأما الخبر فمحمول على الاستحباب بدليل أن رفع الصوت لا يجب بالإجماع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا بد من التلبيةً مع النيةً، ومعنى قول الشافعي يكفيه أن ينوي حجًا أو عمرةً أي بعدما لبّى لا يحتاج أن يذكر الحج، والعمرةً، فيقول: لبيك بحجةً أو لبيك بعمرةً، وهذا اختيار ابن خيران، وابن أبي هريرة، وهذا غريب.
والدليل على استحباب التلبيةً ما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه [(65) /أ] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الحج أفضل؟، فقال: "الحجّ والثجّ" 237، والعج رفع الصوت بالتلبيةً، والثج نحر البدُن، وقيل: إراقةُ الدم.
وروى سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يلبّي إلا لبّى عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو سدر حتى تقطع الأرض من ههنا وههنا 238 "، ويستحب عندنا أن يقول عند إحرامه: اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي وعظمي ودمي لله رب

الجزء: 3 - الصفحة: 422

العالمين لا شريك له فقد روي ذلك عن السلف.
ثم إن النيةً لا يجوز أن تتقدم على الميقات بل يلزمه ضم النيةً إلى أسباب الإحرام عند الميقات، وهذا معنى قوله عند دخوله فيه ثم روى المزني ههنا يعفي ما روى الشافعي من دليل بعض المسائل السابقة في أول هذا الباب، فقال: وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل وتطيب لإحرامه يعني أنه أمر أسماء بالغسل، وكانت نفساء ولدت محمد بن أبي بكر.
واحتج الشافعي به على أن الاغتسال للإحرام غير واجب، فقال في "الكبير": ولما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - النفساء بالاغتسال، والاغتسال لا يطهرها علم أن من كان مطهرةً للاغتسال فهو به أولى، واعلم أن الاغتسال غير واجب لأنه لا يطهرها، وقوله " وتطيب يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطيب لإحرامه وتطيب ابن عباس وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما.
مسألة: قال 239: فإن لبى بحج وهو يريد عمرةً فهو عمرةً، وإن لبّى بعمرةً وهو يريد حجًا فهو حج.
إذا أراد الحج أو العمرةً ونوى ما يريده ولبّى به أجزأه، وهو الأولى وإن نوى الحج ولبّى بعمرةً أو نوى العمرةً ولبّى بحج انعقد الذي نواه يرد؛ لأن العبرة في عقد العبادةَ بالقلب والنيات [65/ب] كما تحصل بالألسنةُ وعمادها الأفئدة.
مسألة: قال (2): وإن لم ينو حجًا ولا عمرةً فليس بشيء.
ليس على ظاهره، لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرةً ولكن نوى إحرامًا مطلقًا انعقد إحرامه موقوفًا ثم يصرفه بعد ذلك إلى ما شاء فيقول: أراد أنه إذا لم ينو بقلبه شيئًا أصلًا فلا يلزمه شيء لأنه عقده باليةً ولم يوجد ذلك، وحكي الربيع في المسألة قولًا آخر إن ما ذكر بمائه يلزمه وإن كان قلبه ساهيًا، ومن أصحابنا من قال: المسألةَ على حالين فصورة ما قال ههنا أنه نفي بقلبه ما ذكره بلسانه فلا يكون شيئًا وصورة ما ذكره الربيع أنه نوى بقلبه الإحرام ولم يعين حجًا ولا عمرةً فإن إحرامه ينصرف إلى ما ذكر بلسانه، وعندنا لا يكره آن يذكر التلبية ولا ينوي شيئًا، وقال مالك: يكره لأنه شعار الإحرام، فيكره للحلال كرمي الجمار، وهذا غلط لما روى ابن مسعود رضي الله عنه، لقي ركبانًا بسالحين محرمحين فلبوا، فلبّى ابن مسعود، وهو داخل الكوفةَ، ولأنها تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه وحده.
مسألة: قال (3): وإن لبى يريد الإحرام ولم ينو حجًا ولا عمرةً فله الخيار.
الإحرام الموقوف المبهم يجوز وهو على ضربين: أحدهما: أن يحرم لا بحج ولا بعمرةً بل مطلقًا.
والثاني: أن يقول: إهلال كإهلال فلان، فإن أطلق انعقد وله أن يصرفهما إلى أيهما شاء من الحج والعمرةً إن كان الوقت صالحا لهما، وإن كان الوقت ضاق، وخاف فوت الحج أو كان فات وقت الحج صرفه إلى العمرةً، وإن كان هذا غير وقت إحرام الحج انعقد

الجزء: 3 - الصفحة: 423

بعمرةً ولم ينعقد مطلقًا، ولأن هذا الإحرام لا يصلح لغيرها، هما جوّزنا هذا للخبر الذي تقدم، لأن الإحرام بالحج [65/أ] يخالف غيره لأنه لم يخرج منه بالفساد وإذا عقد عن غيره ينقلب إليه إذا لم يكن حج عن نفسه، فجاز أن ينعقد مبهمًا لهذا المعنى.
وأما إذا قال: إهلال كإهلال فلان، فإن علم بحكم إحرامه عمل عليه، ويجوز، وإن لم يعلم كيف أحرم فلان في الحال، ثم علم بعد ذلك عمل عليه أيضًا، بان لم يمكن معرفته بأن يموت آو يجئ، أو غاب انعقد إحرامه نص الشافعي في "القديم" و"الجديد": أنه يلزمه أن ينوي القران، ولا يجوز له التحري لجواز أن يكون زيد قارنًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أنه إذا شكَ في إحرام نفسه هل كان قارنًا أو مفرداً؟ يكون قارنًا قولًا واحدًا لأنه يجوز أن يكون قد قرن كما جاز آن يكون زيد قد قرن، فلا فرق، ومن أصحابنا من قال: ههنا قول واحد، وبه قال أهل البصرةَ، وهناك في أحد القولين يتحرى، والفرق أن الاشتباه إذا وقع في فعل غيره لم يكن له طريق إلى التحري والاجتهاد فيه، وهناك الاشتباه وقع في فعل نفسه، فكان الطريق إلى التحري والاجتهاد فيه، بان علم أن فلانًا لم يكن أحرم، فإن إحرامه ئد صحّ مطلقًا من غير تعين فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران.
فإن قيل: ينبغي أن يكون مثل فلان حلالا، قلنا: هو عقد إحرام نفسهِ، ولم يقل: أنا محرم إن كان فلان محرمًا، هما جعل صفة إحرامه كصفةً إحرام فلان، فإذا لم يكن فلان محرمًا لم يكن إحرامه موصوفًا، وكان موقوفًا فوجب عليه أن يصرفه إلى ما شاء على ما ذكرنا.
والأصل في هذا ما ذكرنا من خبر علي رضي الله عنه حين أهل، فقادت إهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي أنه قال له: ائت على إحرامك، أي- صلى الله عليه وسلم - على الحج، وإذا كان فلان أحرم بإحرام مطلق، فله إحرام مطلق ثم إن صرف فلان إحرامه المطلق إلى حج لا يلزمه، [(86) /ب] صرفه إلى الحج، بل له صرفه إلى العمرةً، وإن كان فلان معتمرًا بنيةً التمني لم يلزمه التمني، بل يكون معتمرًا لا غير، وقال والدي رحمه الله: لو قادت إحرامي كإحرام زيد نم تبين أنه كان ميتًا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد على ما ذكرنا، وفيه وجه آخر لا ينعقد إحرامه، والأول أصح لما ذكرنا إذا كان فلان حلالا.
وقال أيضًا: لو قال: إحرامي كإحرام فلان الكافر، وكان أحرامه بالعمرة أو بالحج، ذلك الكافر وفيه وجهان: احدهما: يلزمه ما أحرمه الكافر.
والثاني: ولا يصح، ويبقى مجرد إحرامه مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء.
قال أصحابنا: قد ذكرنا أنه إذا أحرم مطلقًا له أن يحرفه إلى القران بالإجماع، وعندنا القارن متلبس بإحرام واحدٍ، وعند أبي حنيفةَ رضي الله عنه هو متلبس بإحرامين فنقول لأبي حنيفةَ إذا سلمت أنه يجوز له صرف الإحرام المطلق دل على أن الإحرام واحد.
فرع لو قال: إحرامي كإحرام زيد وعمرو، وكان أحدهما محرمًا بحج، والآخر بعمرةً كان قارنًا، ولو كان أحدهما قارنا، والآخر حاجاً كان قارنًا، ولو كان كل واحد منهما

الجزء: 3 - الصفحة: 424

محرمًا بحج، كان حاجًا لا غير، وكذلك لو كانا معتمرين كان محرمًا بعمرة واحدة.
فرع أخر لو قال: أنا محرم غدا أو رأس الشهر يجوز كما جاز تعليقه بإحرام فلان، وعلى هذا قال أصحابنا: لو قال: أحرمت يومًا أو يومين ينعقد مطلقا كالطلاق، ولو قال: أحرمت بنصف نسك كامل كما لو قال: أنت طالق نصف طلقة.
فرع أخر هل الأفضل له عقده مطلقًا أو معينًا؟ قال في "الأم": وهو المذهب عقده معينًا أفضل، لأن التعيين [76/ أ] مستحق في سائر العبادات، وأشار في "الإملاء" إلى أن الإطلاق أولى، قال القاضي الطبري: هذا لا يعرف.
والمسألةُ على قول واحد، وقال غيره: فيه قولان.
وجه ما قال في " لإملاء": أنه أحوط؛ لأنه إن كان الوقت ضيقًا، وخاف فوت الحج صرفه إلى العمرةَ وإن كان الوقت واسعًا اعتمر دفعات، ثم حج، وإذا عين بالحج يمكنه هذا.
قال طاوس: أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمّ حجًا ولا عمرةً وجه ما قال في " لأم "ما روى جابر وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج وكذلك أصحابه عينوا الإحرام، وخبر طاوس مرسل، وروايةَ جابر أولى والاحتياط ممكن بأن يحرم بالعمرة، ثم إن شاء تمتع وإن شاء قرن، وإن شاء اقتصر عليها ثم حج في وقت آخر.
فرع أخر إذا عين هل يستحب له إظهار ما نواه بلسانه؟ اخلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يستحب إظهاره نطقًا، وهو قول الشافعي في عامةِ كتبه.
قال أحمد لما روى جابر قال: لم يسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجًا في تلبيته ولا عمرةً قط.
وروي أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لبيك بحجّة، فضرب في صدره وقال: يعلم الله ما في نفسك، ولأن التلبيةَ ذكر الله تعالى وتسمية ما نواه ليس بذكر الله تعالى، فالاقتصار على ذكر الله تعالى أولى، ولأنه أبعد من الرياء ومنهم من قال: يستحب إظهاره نطقًا ليكون أبعد من النسيان، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو بالعقيق: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربى وقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل حج وعمرةٍ 240،، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أن يبين أن العمرة دخلت في الحج، [67/ ب] وأما النسيان، فيبطل سائر العبادات التي لا يستحب إظهارها باللسان.
مسألة: قال 241: وإن لبّى بأحدهما فنسيه، فهو قارن.
إذا أحرم بشيء ثم نسي بماذا أحرم فإن ذكر أنه أحرم بشيئين، ولا يعلم عينهما انعقد إحرامه بالقران، وإن لم يعلم هل أحرم بحج أو عمرةً أو بهما؛ فيه قولان، قال في "القديم ": استحب له أن يقرن فإن تحرى رجوت أن يجزئه إن شاء الله فقد أجاز له

الجزء: 3 - الصفحة: 425

الاجتهاد والتحري.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ووجهه أنه يمكنه التوصل إلى عين ما أحرم بالاجتهاد، فجاز له ذلك كما لو شك في عين القبلةِ يجتهد، ويعمل على ما يؤدي اجتهاده إليه، وقال في "الأم" و"الإملاء": عليه أن يأخذ باليقين، وهو أن يقرن، وهو الصحيح لأنه شك في العبادةً بعد التبس بها، فلا يجوز له الاجتهاد فيها كالمصلي إذا شك في عدد ركعات الصلاةَ لا يتحرى، وقال أحمد: يجعل ذلك عمرةً وبناه على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرةِ، فإذا قلنا بالقول الأول تحرى، فإذا غلب على ظنه شيء عمل عليه من إفراد أو تمتع أو قران، ويستحب له أن ينوي القران أيضًا، وإذا قلنا بالمذهب، فعليه أن يحدد نية القران ولا يكفيه أن يقرن من دون هذه النيةَ، وقد نقل المزني: فهو قارن وليس على ظاهره، بل المراد به ما ذكرنا لأنه إذا أقرن أتى القران على ما كان أحرم به، فإذا نوى ذلك بقي الكلام في فصلين: أحدهما: فيما يصح من نسكه (0) والثاني: فيما عليه من الدم، فأما النسك، فالحج يصح بلا إشكال لأنه خرج مما دخل فيه بيقين لأنه إن كان أحرم به [68/ أ] فقد انعقد، وإن كان أحرم بالعمرةَ فقد أدخل عليها الحج، ويجوز إدخاله على إحرام العمرةَ، فإن قلنا: يجوز إدخال العمرةَ على الحج أجزأته، وإن قلنا: لا يجوز ذلك لم تجزيه ثمرته، وعليه أن يقضيها وقال أبو إسحاق: تجوز عمرته ههنا قولًا واحدًا لأنا إنما قلنا لا يجوز إدخال العمرةَ على الحج في غير حال الاشتباه لعدم الحاجةَ، فأما في حال الاشتباه فيجوز للحاجةَ، وهذا ضعيف، وأما الدم فكل موضع قلنا: هو قارن وتجوز عمرته مع الحج، فعليه دم القران، وكل موضع قلنا: صح له الحج دون العمرةَ، فالمذهب أنه لا يلزمه الدم لأنه لم تجز عمرته لا يصير قارنًا، فلا يلزمه دم القران، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم احتياطًا.
قال صاحب "الحاوي" 242: وهذا أصح لأنا أمرناه بإعادة العمرة احتياطًا للفرض أيضًا، وكان المضي فيهما واحدًا، وقد نوى القران بلا إشكال هذا إذا اشتبه قبل التلبس بشيء من أعمال الحج، فأما إذا طرأ هذا الشك بعد وقوفه بعرفه، فعليه أن يمضي في أفعال الحج، فيطوف ويسعى، ويحلق ويرمي، وقد حل إحرامه بيقين لإتيانه بأفعال النسكين كمالاً 243، ولا يسقط عنه فرض الحج ولا العمرةَ بحال لأنه إن كان حاجّاً أدخل العمرةَ عليها بعد الوقوف، فلم تجزه العمرة، وإن كان معتمراً، فقد دخل الحج بعد فوات الوقوف، فلم يجزه الحج، وكذا لو طرأ هذا الشك قبل الوقوف بعد الطواف، فيحتمل أن يكون هذا طواف العمرةَ، ويحتمل أن يكون طواف القدوم، فإذا نوى القران بني ذلك على القران في إدخال العمرة على الحج، فإن قلنا: لا يجوز؛ فلا يحتسب له بحج ولا عمرةً، لأنه يحتمل أن يكون حاجّاً، فالعمرةَ لم تنعقد له ويحتمل أن يكون معتمراً، والمقيم إذا طاف لا يجوز له إدخال الحج على عمرته،

الجزء: 3 - الصفحة: 426

وإذا كان كل واحد من النسكين [68/ ب] يحتمل أن يصحّ، ويحتمل أن لا يصحّ لم يحتسب له بالشك، وإذا قلنا بقوله القديم، وأنه يجوز إدخال العمرةً على الحج احتسب له بالعمرةَ لأنه إن كان معتمرا فقد حصلت له، وإن كان حاجّاً فقد أدخل عليه العمرةَ، ولا يحتسب له الحج، لأنه يجوز أن يكون معتمرا، وإدخال الحج على العمرةَ بعد الطواف لا يجوز فإن أراد هذا الشاكَ أن يحصل لنفسه الحج حلق عقيب الطواف والسّعي وأحرم بالحج فيحصل له بالحج، لأنه إن كان إحرامه لعمرةً فقد تحلل منه وأحرم الحج، وإن كان بالحج فلا يضره هذا التحلل، ويلزمه دم، لأنه إن كان محرمًا بالعمرةَ أولًا، فهو متمتع، وإن كان محرمًا بالحج فقد وجب عليه دم الحلاق، وإن كان قارنًا أو صار قارنًا، فعليه دم القران فقد وجب دم بيقين لأنه لا ينفك عن قران، أو تمني أو حلاق، وهو محرم، وفي الدم الآخر وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه لا يجب إلا بيقين.
والثاني: يجب احتياطًا، وقد مضى نحو هذا فيما تقدم، والصحيح الأول لأن وجوب الدم بالحلق مشكوك فيه، ولا يجب بالشك.
وقال القفال: هكذا ذكر ابن الحداد، ولكن قال أصحابنا: هو غلط؛ لأنه كيف يأمر بالحلق ولا ندري هل يجوز له الحلق أم لا؟ ولكن لو فعل ذلك فالحكم على ما ذكره ولا يجزئه هذه العمرة قولًا واحدًا لأنه لم ينو العمرةَ الآن ولا ثبت أنه كان معتمرًا في الابتداء.
وقال أبو حامد: إن كان هذا الشق بعد الوقوف قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجًا، أو قارناً فقد انعقد إحرامه بالحج، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرةَ قبل طواف العمرةَ، فيصح حجه [69/ أ] ولا تجزيه العمرةْ لأن إدخال العمرةَ على الحج لا يجوز إذا وقف بعرفةً قولًا واحدًا.
وهكذا ذكر صاحب "المهذب"، وهو غلط ظاهر؛ لأن إدخال الحج على العمرةُ قبل طواف العمرةً وإن صح فلا يصح الحج بعد فوات الوقوف، وإن كان مراده مع بقاء زمان الوقوف وقف بعدما نوى القران فلا إشكال فيه.
مسألة: قال 244: "ويرفع صوته بالتلبية".
الكلام الآن في كيفيةَ التلبيةَ وما يستحب فيها والأصل في التلبية ما ذكرنا.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أهل مهل قط إلا بشر، ولا مكبر قط إلا بشر" قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: "نعم" 245. وروى سيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: التلبية زينة الحج.
ويستحب رفع الصوت بها لما ذكرنا من الخبر، ولأن معناه معنى الأذان الذي لا يسمعه شيء إلا شهد له، ولا يزيد في رفع صوته بحيث ينقطع صوته أو ينطبق حلقه يل ينبغي أن يكون صوته بين الصوتين وسطًا لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: آمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برفع الصوت في التلبية فرفعنا أصواتنا، فما بلغنا الروحاء حتى بحت حلوقنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا" 246.

الجزء: 3 - الصفحة: 427

وروى عبد العزيز أبي حزم، عن أبيه قال: ما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية 247 وفي التلبية أقاويل: أحدها: أنها مأخوذةً من قولهم: ألب فلان بالمكان، ومعنى لبيك أنا مقيم على طاعتك وعلى أمرك غير خارج عن ذلك ولا شارد عليك.
وقوله "لبيك" تثنيةُ ليس لها [69/ب] واحد، وإنما ثنوه لأنهم أرادوا به إقامةَ بعد إقامةً، وطاعةً بعد طاعةَ، كما قالوا: "حنانيك ربنا" أي هب لنا رحمةً بعد رحمةً.
الثاني: مأخوذةً من الإجابةَ ومعناها إجابتي لك.
والثالث: مأخوذة من اللب الذي هو خالص الشيء، ومعناها الإخلاص أي أخلصت لك الطاعةَ.
والرابع: مأخوذة من لب العقل، ومعناها: أي منصرف إليك وقلبي مقبل عليك.
والخامس: أنها مأخوذةً من المحبة يقال: امرأة لبةً إذا كان لولدها محبةً ويكون معناها: محبتي لك (0) مسألة 248: قال: "ويلبي المحرم قائمًا أو قاعدًا".

الفصل التلبيةُ مستحبةً في الإحرام في عموم الأحوال لكل من أحرم من الرجال والنساء والصبيان طاهرة كانت المرأة أو حائضًا جنبًا كان أو متطهرًا، وعلى كل حال قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وراكباً ونازلًا بالأرض وسائرًا، لأنه ليس في الخبر ولا عن الصحابةُ تخصيص يعفي هذه الأحوال وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما كان يمنع عن ذكر الله تعالى مع الجنابةَ، وإنما كان يمنع عن تلاوةَ القرآن.
وقوله: "وعلى كل حالٍ" أراد به ما عدا الحالات المعلومةَ الني يكره فيها ذكر الله تعالى، ويختص بها أحوال حدوث أمرٍ ويريدها تكرارًا مثل ركوب ونزول، وظهور على نشزٍ، أو اضطمام رفقةً، أو دخول مسجد، أو فراغ من صلاةً، أو إقبال الليل والنهار ووقت السحر، فقد روي في ذلك عن السلف، قال جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي في حجه إذا لقي راكباً أو علا أكمةً أو هبط وادياً وفي إدبار [69/ أ] المكتوبة، ومن آخر الليل.
وقال نافع: كان ابن عمر يلبي راكبًا ونازلا ومضطجعًا 249، ويستحب رفع صوته بها في ثلاثةً مساجد: المسجد الحرام، ومسجد إبراهيم بعرفة، ومسجد الخيف بمنى، لأن العادةَ جرت برفع الصوت فيها بالتلبيةً، وأنا فيما عدا هذه الثلاثةَ من المساجد، قال في "الجديد" يكره رفع الصوت بها فيها لأنه يؤذي المصلين فيها، وليست مواضع التلبيةَ.
وبه قال مالك: وقال في "الجديد"، يستحب رفع الصوت بها في كل سجد لأنها ذكر الله تعالى، وهكذا نقل المزني، فقال: وفي جميع المساجد، ولأنه موضع

الجزء: 3 - الصفحة: 428

سنت فيه الصلاة، والجماعة فسن فيه رفع الصوت بالتلبيةَ كالمساجد الثلاثة.
وحكي القفال عن مالك أنه قال: لا يرفع صوته بها في المساجد الثلاثةَ أيضًا.
فرع هل يلبّي في أثناء الطواف والسعي؟ قال في "القديم": يلبّي، ولكنه يخفض صوته.
وبه قال ابن عباس وأحمد، وقال في "الجديد": وأحب للمحرم ترك التلبيةَ في الطواف والسعي، لأن في هذا الموضع ذكرا يختص به غير التلبيةَ، فكان الاشتغال به أولى، ولو لبّى لم يكنعليه شيء، ذكره في "الإملاء".
قال الشافعي: وإنما قلت ذلك للأثر، ولما قال سفيان، أما الأثر فقد قال ابن عمر: لا يلبّي الطائف حول البيت.
250 وقال سفيان; ما رأيت أحدًا لبّى حول البيت إلا عطاء بن السائب، فأومأ إلى أنه خالف الإجماع بذلك، وهذا في طواف القدوم، لأنه تلبيةً بعد جمرةَ العقبةً، وطواف الزيارة بعد ذلك.
فرع أخر قل في "الأم" 251: يستحب أن يلبّي ثلاثاً، [70/ أ] فقد قيل: أراد يكرر قوله: لبيك ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر قوله: لبيك اللهم ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر جميع التلبيةَ ثلاث مرات، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا لبّى في دبر الصلاةَ يلني ثلاثًا نسقاً كما يكبر في أيام التشريق بعد التلبية ثلاثا نسقًا.
مسألةَ: قال 252: والتلبيةُ أن يقول: لبيك اللهم لبيك.
الفصل القصد من هذا بيان ألفاظ التلبيةَ، وهي تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبيك اللهم لبيكَ، لبيك لا شريك لكَ لبيك، إن الحمد والنعمةَ لكْ والملك، لا شريك لكَ" 253. وهكذا رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رض الله عنه، وقوله: إن الحمد بكسر إن؛ وقد تصح أن، فعلى الأول يبتدئ هذا اللفظ بعد الوقف، وعلى الثاني: يوصل به ما قبله، والكسر أولى وأجود.
قال أبو العباس وأحمد بن يحيى من قال: إن بكسر الألف، فقد عمّ، ومن قال: أن بفتحها فقد خصّ، وقيل: معنى الفتح لأن الحمد لك، وقال محمد بن الحسن: الكسر أحب إليّ لأنه ثناء، والفتح صفةً، وإذا قال: والملك وقف، ثم قال: لا شريك لك، ثم بين أنه يجوز الزيادة عليها، ولكن المستحب أن لا يزيد، فقال: ولا يفيق أن يزيد عليه، واختار أن يفرد تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[70/ ب] لا يقصر عنها، ولا يجاوزها، وهذا لما ردي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقتصر عليها ولا يزيد، وقد قال: "خذوا عني مناسككم".
وروي أن ابن عباس رضي الله عنه علم رجلًا التلبية، فلما أتم ما ذكرنا قال له ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 429

عباس: انتهِ، يعني أمسك، فإنها تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[71/ أ] لم يزد على ذلك، وقال أحمد وإسحاق وسفيان؛ لا يزيد على تلبيةَ رسول الله، وقال أبو حنيفة: إن زاد عليها، فهو مستحب كما في تكبيرات أيام التشريق، وهذا غلط؛ لأن إعادتها أفضل من الزيادة فيها بخلاف التكبير، وقد روي عن سعيد بن أبي وقاص أنه سمع بعض بني أخيه يلبّي يا ذا المعا رج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 254، وإنما قلنا: لا تضيق الزيادةَ لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزيد فيها، لبيك لبيك لبيك، وسديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك، والعمل 255 والرغباء؛ الرغبةَ والمسألةَ وفيه لغتان، يقال: الرغباء مفتوحةَ الراء ممدودة والرغبى مضمومةَ الراء مقصورةَ، وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في التلبية: "لبيك حقًا حقًا تعبدا ورقًا 256 " ولو قال: لبيك إله الحق 257، قال الشافعي: ليس فيه زيادةً، لأن معناه: لبيك اللهم.
وحكي عن بعض صلحاء السلف أنه كان يقول: لبيك أنت مليك من ملك، ما خاب عبد أملك.
وهذا حسن، ولكنه ليس بمسنون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة، ثم استثنى الشافعي حالةَ الزيادةً لفظةَ مرويةً فيها، فقادت إلا أن يرى شيئًا يعجبه، فيقول: " لبيك إن العيش عيش الآخرة" 258، فإنه لا يروى عنه من وجه يثبت أنه زاد غير هذا، وإنما رويت هذه الزيادةَ عند إفاضته من عرفات لما رأى اجتماع أصحابه عليه، واحترامهم له فكأنه أعجبه ذلك، فروي أنه يقال عند ذلك في نفسه حتى كاد الرحل يواريه، [71/ ب] ثم رفع رأسه، فقال هذا: وقيل: إنه قال هذا في أشد حالةً كان فيها وفي أشد حالةً كان فيها وهو يوم حفر الخندق كان هو وأصحابه في تعب، فقال: "اللهم لبيك لبيك، إن العيش عيش الآخرةً، فارحم الأنصار والمهاجرةً".
وقال أنس: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى ذا الحليفةَ وعلى رحله قطيفةُ ما تساوي درهمين، فلما استوت به راحلته تواضع في رحله، ثم قال هذا.
ويستحب أن لا يتخللها كلام.
وقال في "الإملاء": ولا بأس أن يرن الملبي السلام بين ظهرانى التلبية، ويأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة حتى يقضي التلبية كان أحب إليّ.
فأما السلام فأحب إلي أن يرده ولا يتركه لأنه فرض فلا يترك للسنةَ، ثم ذكر ما يستحب له أن يختم به التلبيةً، فقال 259: وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي- صلى الله عليه وسلم -، وسأل الله رضاه

الجزء: 3 - الصفحة: 430

والجنةَ، واستعاذ برحمته من النار، فإنه يروى ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجري مجرى ذكر الله تعالى، فكل موضع وجب فيه ذكر الله تعالى وجب فيه ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في الصلاة وكل موضع سُنّ فيه ذكر الله تعالى سُنّ فيه ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالأذان والوضوء والإحرام من هذه الجملةً، وروي عن القاسم بن محمد أنه كان يأمر إذا فرغ من التلبيةً أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم 260 -، ولأن رجاء استجابةُ الدعاء مقرون بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -على ما ورد في الخبر فاستحب ذلك، وروي عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعاذ برحمتهِ [72/ أ] من النار 261، قال 262: ولأن هذا أعظم ما يسال، ويسال بعد ذلك ما أحب قال والأعجمي إن أحسن بالعربية لبّى بها وإلا لبّى بلسانه، ومن ترك التلبيةَ متعمدًا فقد أساء ولا فديةَ عليه، ولا قضاء وحجته تامة.
وعند أبي حنيفة يلبّي بأي لسان شاء وإن كان يحسن العربية، وقيل: الأصل في التلبية أنها إجابة دعوة لإبراهيم عليه السلام حين بني البيت أمره ربه عز وجل أن يدعو الناس إلى الحج، فقال: إلهي كيف يسمعون دعوتي، فقال: عليك الدعاء، وعلتي الاستماع، فصعد إبراهيم الحجر الذي فيه اليوم مقام إبراهيم عليه السلام -أعني أثر قدمه-، وقال: أيها الناس إن الله تعالى قد بني لنفسه بيتًا، وأمركم آن تحيوا بيته، فأجيبوه، فأجابه من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات من يحج إلى يوم القيامة، وإنما قال عليه السلام: لبيك لا شريك لك مخالفاً للمشركين، فإنهم كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
مسالة: قال: 263 والمرأة في ذلك كالرجل.
الفصل المرأة كالرجل في الإحرام، والتلبية والأركان والمسنن، ولا يختلفان إلا في ثلاثةً أشياء: أحدها: في رفع الصوت بالتلبية، فإنه يكره لها ذلك كما يكرم لها الجهر بالقراءةً في الصلاةً، فلا تزيد على أن تسمع نفسها، فإن خالفت، فرفعت صوتها لم تحرم لأن صوتها ليس بعورة كما يكره لها كشف وجهها، وإن لم يكن عورةً، وهذا لأن النساء كن يقصدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستفتينه، فلو كان حرامًا لمنعهن منه، والكراهة بخوف الافتتان.
والثاني: في حكم اللباس، فإن لها أن تلبس المحيط من القميص والسراويل [72/ ب] لما روي في خبر ابن عمر حين ذكر ما لا يلبس الرجل المحرم، قال: ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبّى القفازين وما مسه الورس من الثياب 264

الجزء: 3 - الصفحة: 431

وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب" وفي لفظ لا تنتقب المحرمةُ ولا تتبرقع ولا تتقفز"؛ ثم فيها ثلاث مسائل: أحدها: أن الوجه منها كرأس الرجل عليها كشفه بكل حال إلا القدر الذي لا يمكنها تغطية الرأس إلا بستر بعض من الوجه.
وقال في "الأم" 265: ولا تغطي جبهتها، ولا شيئًا من وجهها إلا ما لا يستمسك الخمار إلا عليه مما يلي قصاص شعرها، فإن قيل: هلا قلتم بكشف جميع الوجه، ولا يمكن ذلك إلا بكشف جزء من الرأس، فكشف ذلك القدر أيضًا، ولم قدمتم الستر على الكشف؟ قلنا: لأن الرأس يجب ستره من امرأة، لأنه عورةً، وهذا المعنى موجود في جميعه.
وفي الوجه نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النقاب، وهذا القدر من الستر لا يكون نقابًا، ولا في معناه، ولأن الفرض بذلك إظهار شعار الإحرام، وذلك لا يفوت بفوات هذا الجزء، ولأن الستر أكد فغلب حكمه، ثم لها أن تسدل على وجهها ثوبًا، وتجافيه عنه حتى لا يباشر الوجه، وذلك بأن تربط خشبتين على جاب رأسها، وتدل الثوب عليهما، وهذا لأنه لا يسمى سترًا، ولهذا يجوز للمحرم أن يتظلل بالكنيسة والمحمل، ولا يكون ذلك سترًا لرأسٍ.
وروى مجاهد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كنا نكون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمات فيمر بنا الركبان، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من فوق رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ولا تربط الخشبةَ على صدرها حتى ترفع الجلباب [73/ أ] على رأسها، لأنه ربما ماس وجهها، فإن خمرت وجهها عامدةً افتدت يعنى بشاةً لمساكين الحرم، لأنها هتكت حرمةُ إحرامها بتخمير وجهها، فإن كانت ناسيةً لإحرامها فغطت وجهها فلا فديةَ وإن سدلت ثوبًا وجافت بخشبةٍ، فرفعت الخشبة وأصاب الثوب وجهها فإن تعمدت افتدت وإن كان بغير اختيارها، فلا فدية إن رفعتها في الحال وإن تركت واستدامت افتدت والثانية: لها أن تغطي جميع رأسها لأنها شخص لؤمه حكم الإحرام فلا يلزمه أكثر من كشف عضو واحد كالرجل، والرجل يستر وجهه ولا ستر رأسه لأن حرمته في رأسه وحرمتها في وجهها، وقال مالك وأبو حنيفة: ليس للرجل أن يستر الوجه أيضًا، وهذا غلط لما روي في خبر المحرم الذي وقصت به ناقته فمات.
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرما 266 "، رواه ابن عباس، قالوا: روي " لا تخمروا وجهه ولا رأسها، قلنا: ليس بمشهور ثم نحمله على ما لا بد من محترم من الوجه، وروي عن ابن عمر أنه قال: حرم الرجل في رأسه وحرم المرأة في وجهها، ولها أن تضع وجهها على الوسادةً وللرجل أن يضع رأسه عليها، ولا يكون سترًا حتى لو وضع الرأس على العمامةَ جاز بخلاف ما لو وضع العمامةَ على الرأس.
والثالثة: القفازين وهما غلاف الكفين.
نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" و"القديم" و"مختصر الحج الصغير": لا يجوز أن تلبس القفازين.
وروي عن علي وابن عمر وعائشةُ وعطاء وطاوس ومجاهد والنخعي

الجزء: 3 - الصفحة: 432

ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم.
وقال في" مختصر الحجّ الكبيرة ونقله المزني: لها ذلك.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وروي عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: أنه أمر بناته [73/ ب] أن بلبسن في الإحرام ذلك، وقد روي النهي به عن ابن عمر مرفوعًا على ما ذكرنا، وقيل: النهي عن القفازين من قول ابن عمر؟ إلَّا أن بعض الرواةً أدرجه في متن الحديث.
وروي نحوه عن عمر وعائشة رضي الله عنهما، والمشهور في المذهب القول الأول، ولأن هذا ليس بعورةً منها منعت به حرمةً الإحرام كوجهها، وقال القاضي الطبري: طريق تحريم لبس القفازين عليها مشكل جدًا والذي عندي بعد تأملي كلام الشافعي في كتبه أنه ذهب في "الإملاء" إلى أن تحريم القفازين عليها لأجل أنهما مخيطان على قد الكفين، فحرم ذلك عليها كما حرم على الرجل لبس الخفين واقتفي كلامه في "الأم": أن تحريم لبس القفازين لأجل أن حرمها يتعلق بكفيها كما يتعلق بوجهها، فإذا قلنا بهذا فوجهه ما ذكرنا في القياس، فإن قيل: هذا ينتقص برأس الأمة، فإنه ليس بعورةً منها ولا تتعلق به حرمةَ الإحرام، قلنا: فيه وجهان، فلا نسلم أنه يتعلق به حكم الإحرام، فإن قيل: لو كان حكم الكفين حكم الوجه في تعلق الإحرام بهما لوجب كشفهما كما يجب كشف الوجه، ولكانت إذا غطتهما بكميها أن يلزمها الفديةَ كما يلزمها ذلك إذا غطت وجهها بكمها، قلنا: إنما أبحنا لها أن تغطيهما بالكمين للضرورة، وذلك لأنا إذا أبحنا لها لبس القميص وجعلناها كذلك أفضل لما فيه من الستر يشق عليها التحرر من الكمين، فأبح لها ذلك للضرورة، وليس كذلك الوجه فإنه لا يتعذر كتفه من كل ما يستر، فلم يجز ستره بشيء، وإذا قلنا: إن طريق تحريم القفازين أنهما مخيطان على قدر الكفين كالخفين في حق الرجل فوجهه أن المرأةً لما لزمها كشف عضو ليتعلق الإحرام بها جاز أن يحرم المحيط عليها كالرجل.
فإن قيل: لو كانت المرأة كالرجل في [74/ أ] تحريم المحيط لوجب أن يحرم عليها لبس القميص والجبةُ والسراويل والخفين، قلنا: جمع بدن المرأة عورةً إلا وجهها وكفيها، وقد تعلق بوجهها التحريم، فأما الكفان منها فهما بمنزلةً بدن الرجل في أن كل واحدة منهما ليست بعورةً فاستويا في تحريم المحيط، وكان حكم كفيها بمنزلةَ رجليه وسائر بدنه فإن قيل: لو كانت كذلك لكان للرجل أن يلبى السراويل لأن ما تحت السراويل عورةً، وحكمه حكم سائر بدن المرأةَ.
قلنا: لبس السراويل لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورةً منه، وهو القدمان والساقان والركبتان ففرقنا، فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لوجب أن لا يجوز لها سترهما بالكمين، لأنهما مخيطان على قدر الكفين، ومشتملان عليهما بالخياطة، قلنا: إنما لم يحرم ذلك عليها للضرورةً التي بيناها، ومن أصحابنا من قال: لبس الكمان معمولين على قدر الكفين، وإنما القفازان معمولان على قدر الكفين، فاختصا بالتحريم، ألا ترى أن للرجل ستر الرجلين بالمئزر ولا يجوز له سترهما بالخفين؟ فإن قيل: من أين استخرجت، هذين القولين في جهة تحريم القفازين؟ قلنا: إني وجدت الشافعي قال في

الجزء: 3 - الصفحة: 433

"الأم " وإن اختضبت المحرمةَ ولفت على يدها خرقةً رأيت عليها أن تفتدي، وقال في "الإملاء": لا يتبين لي أن عليها الفديةَ، ونقل أبو حامد إلى "الجامع" ذلك، فلما خرج الشافعي القولين في وجوب الفديةً إذا لفت عليهما خرقةً مع تحريم لبس القفازين عليها علمت أن ذلك لاختلاف قوله في جهةَ تحريم لبس القفازين فحيث جعل الكفين بمنزلةُ الوجه اوجب الفديةَ، وحيث جعل تحريم لبس القفازين لأجل كونهما مخيطين على قدر الكفين لم يوجب عليهما الفديةً، ألا ترى أن مذهب الشافعي أن المحرم [74/ ب] إذا أخضب لحيته ولفها بخرقة أنه لا فدية عليه؟ وقد قال الشافعي: ويداوي المحرم جرحه بما لا طيب فيه ويلصق الدواء على جمح بدنه بالخرقةً، وغيرها ما خلا رأسه وإن كان المسح في الرأس فألصق عليه خرقةً صغيرةً أو كبيرةً افتدى وهكذا لو كان جرح في وجه امرأةً فألصقت عليه خرقةً افتدت، وإن كان في رأسها فألصقت خرقة عليه، فلا شيء عليها، فدل ذلك على ما استنبطته من القولين في جهةُ تحريم القفازين، والثالث: من الفصول أنها تطوف ليلًا ولا رمل عليها في الطواف ولا المشي الشديد بين الصفا والمروةَ؛ وهذا لأن ذلك أستر لها.
وقال في "المختصر": ولكنها تطوف على هيئتها وفي نسخةً على هنتها أي: على سكينتها، ولأن الزحام يقل في الليل ويمكنها أن تقرب من البيت، فإن القرب من البيت أفضل للطائف ثوابًا، فلهذا انسب لها ذلك ليلًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في طواف القدوم، فأما طواف الإفاضةَ لا يكون إلا يوم النحر فلا تؤخره.
وقيل: أراد طواف الإفاضة تصير إلى الليل، فأما طواف القدوم فإنه تحية، فلا تؤخره لأنه يبطل التحيةَ بالتأخير.
مسألة: قال 267: وأحب إلي أن يخضب للإحرام قبل أن يحرم.
ويستحب للمرأةً أن تختضب بالحناء قبل الإحرام خلافًا لأبي حنيفةَ لما روي عن عبد الله بن عبيدة وعبد الله بن دينار أنهما قالا: من السّنة أن تمسح المرأة بيديها شيئًا من حناء ولا تحرم وهي غير مخضبةً 268، ومثله عن ابن عمر رضي الله عنهما وأما إذا أحرمت لا يستحب لها ذلك بل يكره، لأنه يزيل الشعث، فإن اخضبت فلا فدية عليها لأنه ليس بطيب.
وحكي عن آبى حنيفة أنه قال: تلزمها الفدية، ولا فرق بين أن تكون شابة أو شيخه [74/ أ] لأن الخروج إلى الحج واجب بخلاف الجمعةً ولا فرق بين أن تكون ذات زوج أو لم تكن، وقد قال عكرمة: كانت عائشةَ وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تخضبن وهن محرمات 269 وذلك بعلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واحتج بقوله لأم سلمه: "لا تمس الحناء وأنت محرمةٍ فإنه طيب 270 " قلنا: راويه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل هو

الجزء: 3 - الصفحة: 434

طيب؟، قولان، وليس بشيء، ولو اختصت بعد الإحرام ولفت على اليد خرقةً فقد ذكرنا قولين وقال أبو حامد: إن لم تشد الخرقةَ لم تجب الفديةَ، وإن شدت فهي على القولين كالقفازين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن جوزنا لبس القفازين فهذا أولى، وإلا فيه وجهان، وذكروا أيضًا أنه لو خضب لحيته بالحناء، قال الشافعي في موضع: لا شيء عليه وإن لفّ عليها خرقةً أو جعلها في كيس خاطه لها، وقال في موضع: وعليه، ومعنى القولين إن خضاب الشعر بالحناء هل يحصل ترحيلًا له كالترحيل بالدهن، أم لا؟ ذكروا أيضًا أنه يستحب للمرأة أيضًا إذا أرادت الإحرام أن تمسح بوجهها شيئًا من الحناء ليستر حسن بشرتها، فإن قيل: إذا لم يكن الحناء طيبًا فما معنى تقييد الشافعي ذلك بما قبل الإحرام؟، قلنا: قد علم الشافعي اختلاف الماس والأخبار في ذلك، فاحتاط أو علم أن عادتهن لفّ الخرقة عليها، وهو ممنوع لتحريم القفازين، والله أعلم.
وأما إذا لم ترد الإحرام فإن كان لها زوج لا يكره لها الاختضاب، وإن لم يكن لها زوج كره.
وكذا قال أصحابنا بالعراق.
وقال القفال: يستحب لها الخضاب بالحناء بكل حال، فتختضب في يديها إلى الكوعين، وذلك في جملةُ ما أقرت به من الستر؛ لأن ذلك يخفي لون بشرتها ولا تطرف، [75/ب] فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التطريف (1) وهو أن تخضب أطراف الأصابع، وروي أن امرأةً أرادت أن تبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخرجت يدها، فقال: "أريد رجل أم يد امرأة"؟ فقيل: يد امرأةً، فقال: "فأين الحناء (2) " قال: واستحباب ذلك عند الإحرام أكثر ولا يزيد على الكوعين لأن ذلك القدر يجب عليها كشفه في الصلاة في قول.
قال: ولا تتخذ من الحناء نقوشًا بل تلطخ يدها بالحناء لطخًا.
فرع يستحب لها أن تتطيب للإحرام كما قلنا في حق الرجل لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فلا ينهانا" (3) وروي: فلا ينكر علينا، وغلط بعض أصحابنا حيث قالوا: لا يجوز لها ولا للرجال أن يتطيبا قبل الإحرام بطيبٍ له أثر، والكبيرةَ والشابةً في هذا سواء، فإن قيل: أليس قلتم إذا أرادت حضور الجمعةَ تجتنب الطيب وإن استحي للرجل؟ قلنا: إن الفرق أن الحكم هناك أضيق لأنه يكره للشابةً حضور الجمعةَ ولا يكره لها الخروج للإحرام، ولأن هناك يضيق المكان بالازدحام، وفي الحج لا يضيق المكان ويتسع الانفراد فافترقا.

باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب

مسألةً: قال 274: ولا يلبس المحرم قميصا ولا عمامةً.271272273

الجزء: 3 - الصفحة: 435

الفصل المحرم ممنوع من ستر رأسه بالمحيط كالقلنسوة والبرنس أو غير المحيط كالعمامةَ والمنديل، وممنوع من لبس المحيط في بدنه وغير ممنوع من لبس غير المخيط من الرداء والإزار والنعلين، ولا فرق بين أن يكون مخيطًا على قدر بدنه كالقميص والجبةُ [76/ أ] آو مخيطًا على قدر عضو من أعضائه كالسراويل والخفين ونحو ذلك.
ولا فرق بين أن يكون معمولًا بالخياطة أو منسوجًا على هيئته، أو ملزقًا بلزاق.
والدليل على هذا حديث ابن عمر الذي ذكرنا والنص على تحريم القميص ينبه على الجبةَ والدراعةً والنص على تحريم السراويل تنبيه على تحريم الثياب والبرانس، والنص على تحريم البرنس دليل على تحريم القلنسوة، ويريد به اللبس على الوجه الذي يلبس في العادةً فلو اتزر بالقميص، أو ارتدى به، آو اتزر بالسراويل لم يضره ذلك، ولا شيء عليه، لأنه في معنى الرداء والإزار نص عليه في "الأم" 275. فرع لا يلبس القباء ولو لبه بأن أدخل كفيه سواء أخرج يديه من كميه أو لم يخرج يديه من كميه.
نحز عليه في "الأم" 276، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية، كما لو توشح بالقميص، وهذا غلط لأنه مخيط لبسه المحرم على العادةً في لبسه، فيلزمه الفديةَ كما لو لبس القميص، ولا يشبه هذا التوشح بالقميص، لأن ذلك يخالف لبس القميص فهو كما لو توشح بالقباء ولم يدخله في كفيه، لا يلزمه الفدية.
وقال في "الحاوي 277 ": إن كان من أقبيةَ خراسان قصير الذيل ضيق الأكمام يلزمه الفديةَ لأنه يلبس هكذا، وإن كان من أقبية العراق طويل الذيل واسع الأكمام لا فديةَ إذا لم يدخل يديه في الكمين لأنه لم تجر العادةَ بهذا اللبس ولا يتحفظ به.
فرع أخر قال: ولا بأس بأن يعقد إزاره لأن ذلك صلاحه، وبه يثبت.
قال: ولا يعقد رداءه ويجوز له أن يغرز في إزاره، وروي نحو هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولو عقد رداءه من ورائه افتدى لأنه إذا عقده صار كالقميص يحفظ نفسه، وهذا لأن ما لا يحفظ نفسه تبعثه نفسه [(86) /ب] على مراعاته، فيتذكر بذلك على ما هو عليه من إحرامه فيتجنب عن المحظورات، فاختص التحريم بهذا، ولو كان حاجًا له أن يتطلس به غير أنه لا يعقد طرفيه على نفسه ولا يزره ولا يحلله ولا يعلقه بشوكة ولا مخيط؛ فإنه يصير في معنى المحيط، فإن فعل ذلك افتدى، وله أن يشتمل ذلك على نفسه طاقين وثلاثةً وأكثر.
فرع أخر قال أصحابنا: له أن يشد فوق الإزار عمامة أو تكة، ولو أصلح للإزار حجزه

الجزء: 3 - الصفحة: 436

وأدخل فيها تكة واتزر به جاز، وكذلك لو اتزر ثم شذ فوقه تكة جاز.
وقال في "الأم" 278: ولو زره أو خاطه أو شاكه لم يجز لأنه يصير كالمخيط.
فرع آخر قال في "الأم 279 " ولا يجوز أن يأترز ذيلين، ثم يعقد الذيلين من ورائه لأنه يصير كالسراويل، فإن انعقد افتدى، وقال بعض أصحابنا: معناه أن يشق إحدى حاشيتي الإزار ويشذ الحاشية من الطرف الذي لم يشقه في وسطه، فيكون للإزار ذيلان يعقد أحد الذيلين على أحد ساقيه أو فخذيه، ويعقد الآخر على مائه الآخر فيصير بمنزلة البابكتين وهو فارسية بغداد.
وقال بعض أصحابنا: إذا شق إزاره إلى النصف ثم لف كل شق من الإزار على إحدى فخذيه كره ذلك لأنه يشبه السراويل ولا فديةً لأنه لا يقصد عادةً الارتفاق.
فرع أخر لو زر السلاح على نفسه لزمته الفدية، لأنه في معنى القميص، ولهذا اتخذ الناس لبس المزرة.
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى قوما في الحج في هيئة أنكرها، فقال: هؤلاء الداج فأين الحاج، وفي هذا وجهان: احدهما: الحاج إذا أقبلوا، والداج إذا رجعوا.
والثاني: الحاج القاصدون للحج من أصحاب الشأن والداج [77/ أ] الأتباع من تاجر ومكار.
وقال ثعلب: والثالث، الزاج وهم المراؤون.
فرع آخر إذا لم يجد النعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما ويجعلهما مثل النعلين، ولا يجوز أن يلبهما قل القطع، وبه قال جماعةُ العلماء، وقال: يجوز أن يلبسهما غير مقطوعين عند عدم النعلين.
وبه قال عطاء بن رباح وسعيد بن سالم القداح، واحتج بما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "السراويل لمن لم يجد إزارا والخف لمن لم يجد نعلين" 280، ولأنه لا يلزمه فتق السراويل فكذلك قطع الخفين، وهذا غلط لما روي في خبر ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " 281، ومعناه فليقطعهما أولا ثم يلبسهما، لأنه لو لبسهما غير مقطوعين ثم قطع الساقين ونزعهما لزمته الفدية باللبس والعرب تقدم الكلام مؤخرًا، وتؤخر مقدمًا.
قال الله تعالى "إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إلَيَّ" [آل عمران: (55)] معناه إني رافعك إلي ومتوفيك لأن رفع عيسى عليه السلام قد كان، ووفاته ستكون في المستقبل،

الجزء: 3 - الصفحة: 437

لأن ما جاوز الكعبين داخل في حدٌ الخف، ألا ترى أن المسح عليه جائز حينئذ؟ فلهذا قدرنا القطع بهذا التقدير، وأما خبرههم مطلق وخبرنا مقيد، والمقيد أولى، وأما السراويل فلا يمكن لبسه بعد فتقه بخلاف الخفين فافترقا قالوا: فيه تضيع المال، قلنا: هذا من باب المصلحةَ لا من صاحب الشمع، فلا يعن تضييعًا.
فرع أخر لو لم يجد المحرم النعل فلبس المكعب، فلا فديةَ عليه لأنه ما بقي من الخفين المقطوعين أسفل الكعبين مكعب أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبسه [77/ ب] في حال الضرورةً، ولو لبسه مع وجود النعل افتدى، وإنما ورد الخبر بلفظ: الخف المقطوع، ويرد بلفظ المكعب والشمشك، وإن كان هو ذاك في الحقيقة لأنه لم يكن للعرب ذلك، ولا يعرفون إلا بهذا اللفظ.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه أجاز لبس الخفين مع وجود النعلين.
فرع أخر إذا قطع الخفين وجعلهما كالشمشكين ولبسهما ثم وجد النعلين، قال في "الأم" 282: يلزمه نزعهما فإن استدام لبسهما لزمته الفديةَ، ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه لأنهما صارا بمنزلةُ النعلين، ولهذا لا يجوز المسح عليهما، وقال هذا القائل: لو كان له نعلان وشمشك يخير بينهما، وهذا غلط؛ لأن في الخبر شرط فيه عدم النعلين، ولأنه مأذون في لبسه لعدم غيره، فإذا وجد الأصل لم يجز له استدامته ويلزمه نزعه كالسراويل، إذا لبسه لعدم الإزار ثم وجده فاستدم لسه يلزمه الفديةَ، وما قالوا يبطل بالخف المخرق القدم لا يجوز المسح عليه، ولا يجوز للمحرم لبسه.
مسألة: قال 283: فإن لم يجد إزارًا لبس سراويل.
الفصل إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس سراويلًا، ولا فديةَ عليه، ولا يجوز له لبس القميص مع عدم الرداء والإزار، فإن لبسه وجبت الفديةَ، لأنه يمكنه أن يتزر بالقميص، أو يطرحه على كتفه كالرداء ويمكنه فتقه والانتفاع به، فلم يكن بحاجةَ إلى لبه قميصًا بخلاف السراويل.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز له أن يلبس السراويل بحال، فإن لبسه تلزمه الفديةً ويلزمه أن يفتقه ويتزر به.
وقال أبو بكر الرازي؛ لا يلزمه الفتق، ويباح له لبسه بشرط الفدية وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا [78/ أ] ولم يذكر الفتق ولا الفدية، وإنما فرقنا بين السراويل والخف في وجوب القطع هناك دون الفتق ههنا لأن فتق السراويل تمنع ستر العورةً بخلاف قطع الخف.
وقال القفال: لو كان سروال واسعًا يمكن اتخاذ الإزار منه ويجد آلة الخياطة ولا يخاف التخلف عن الرفقة لو اشتغل به يلزمه ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 438

مسألة: قال 284: ولا يلبس ثوبًا منه ورس أو زعفران.
الفصل لا يجوز للمحرم والمحرمة لبس ثوب منه ورس أو زعفران، وقد ورد الخبر بذلك.
قال الشافعي 285 قياسًا عليه؛ ولا شيء من الطيب وإذا حرم ذلك، فإن الثوب الممسك والمعتبر والمكفر والمورد والمبخر بالند أولى بالتحريم لأن هذا كله أطيب ورائحته أذكى وأعجب.
فرع لو صبغ الثوب بما عصر من النبات فإن كان مما يعد طيبًا ويحرم على المحرم شمه لم يجز له لبسه، وإن كان مما لا يعد طيبًا ولا يحرم عليه شمه لم يحرم عليه لبسه، كالعنبر والعصفر، وإن كان مما في تحريم شمه قولان، كالريحان كان في تحريم لبسه قولان، نص عليه في "الأم" 286 فرع أخر لو كان الطيب على بعض الثوب، وان قل حرم عليه لبسه.
فرع أخر لو ذهب ريح الطيب لطول الزمان لا يحرم لبسه وإن بقي لونه لأن القصد من الطيب الريح، فإذا ذهبت ريحه خرج من أن يكون طيبًا وعلامة زوال رائحته أن لا توجد له ريح في حال جفافه، وإذا رشّ عليه الماء، فإن كان بحيث إذا رشّ عليه الماء ظهر ريحه، وإن شيء لم يجز لبسه.
فرع آخر لو صبغ موضع الزعفران أو الورس بالسدر أو السواد فانقطعت رائحته ولم تظهر في حال الجفاف [78/ ب]، والرطوبةً لم يحرم لبسه.
فرع أخر لو نام على ثوب مطيب أو جلس عليه تلزمه الفديةَ، ولو مدّ عليه ثوبًا ونام عليه، فإن كان الثوب صفيقًا لا يشف لا يكره له ولا فديةَ عليه، وإن كان رقيقًا يشف كره لما يصعد من رائحته، ولا فديةَ عليه للحائل الذي بينهما فيكون وجوده لرائحته بالمجاورةَ لا بالمباشرةً، فهو كما لو شمه من حانوت العطار، نص عليه في "الإملاء".
وحكي عن أبي حنيفة: إن كان الطيب رطبًا على بدنه أو يابسًا ينقض تلزمه الفديةَ، وإن كان لا يلي بدنه بل هو على ظاهر ثوبه لم تلزمه الفدية رطبًا كان أو يابسًا، وكذلك إذا بخر نفسه أو ثوبه، لا تلزمه الفديةَ وهذا غلط؛ لأنه محرم استعمل ثوبًا مطيبًا عامدًا فلزمته الفديةَ، كما لو نفض عليه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس ما منه زعفران، ولم يفرق بين ما

الجزء: 3 - الصفحة: 439

ينفض وبين ما لا ينفض فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان؛ لو لبس ثوبًا مخيطًا مطيبًا أو ستر رأسه بثوب مطيب فيه وجهان: أحدهما: تلزمه فديةً واحدةً لأنه فعل واحد.
والثاني: وهو الأصح تلزمه فديتان، وقال أصحابنا بالعراق: المذهب أنه تلزمه فديةَ، وكذلك لم طلي, رأسه هل بطيب ثخين تلزمه فديتان للطيب وستر الرأس، بلا إشكال.
مسألة: قال 287: ولا يغطي الرأس الفصل حرم الرجل في رأسه على ما ذكرنا ولا يعصب رأسه من علةٍ ولا غيرها فإن فعل افتدى هذا لأن كشف جمع الرأس واجب عليه، فلا يجوز له ستر بعضه.
فرع آخر لو حمل المكتل على رأسه هل تلزمه الفدية؟ حكي الشافعي في "الأم" 288 عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن المحرم يجعل [79/ أ] المكتل على رأسه، فقال: لا بأس بذلك، ولم يصوبه الشافعي ولا أنكره، والظاهر من روايته وترك اعتراضه عليه، أنه مذهبه، وحكي ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي أنه قال: عليه الفدية وقال أبو حامد نص في بعض كتبه، أنه تلزمه الفديةً، وحكاه عن أبى حنيفة.
وقال سائر أصحابنا: هذا لا نعرفه في شيء من كتبه، والصحيح أن لا فديةَ عليه، وهو اختيار القاضي الطبري والصحيح عن أبي حنيفة هذا القول أيضًا ووجهه؛ أنه لا يقصد به ستر الرأس، وإنما يقصد حملةً وهو كالمحدث لا يحمل المصحف ولو حمله الحمال في جملةَ الكتب أو المتاع جاز لأنه لم يقصد حمله لذلك؛ هذا ولا لأنه لا يترفه حامل المكتل تغطية رأسه به وقال: القفال: فيه قولان، ووجه القول الآخر أنه تلزمه الفديةَ بستره بالبرنس، وإن كان يقصد به ستر الوجه لا الرأس، وهذا اختيار أبى سليمان الخطابي وجماعة.
وقال في "الحاوي"، 289، إن قصد تغطيةُ رأسي به تلزمه الفدية وإن لم يقصد ذلك فيه وجهان، وهذا أسن عندي، وهكذا الخلاف لو وضع على رأسه طبقًا أو كارة ثياب.
فرغ آخر يجوز للمحرم أن يضع يده على رأسه ويتركها عليه ولا شيء عليه لأن ذلك لا يراد للتغطيةً، ولهذا لا يجوز أن يستر عورته بيده، ولأن المحرم مأمور بمسح الرأس مندوب إلى إمرار يده عليه ثلاث مرات.

الجزء: 3 - الصفحة: 440

فرْعٌ آخرُ لو غطّي رأسه بكف غيرهِ وجهان: أحدهما: لا تلزمه الفدية كما في نفسه.
والثاني: تلزمه الفدية لأن كفه بعض من أبعاضه بخلاف كف غيره وهو كما لو سجد على كفّ نفسه لا يجوز، ولو سجد على كفّ غيره جاز ذكره في "الحاوي" 290. فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خضّب [79/ ب] رأسه افتدى.
وقال أصحابنا: هذا إذا كان الخضاب ثخينًا يمنع النظر إلى الرأس.
قال: فإن كان رقيقًا لا يمنع النظر فلا فدية عليه لأن الشافعي جوز للمحرم أن يغسل رأسه بماء وسدر.
وقد وردت السنة بذلك أيضًا، وكذلك إذا وضع على رأسه دواًء ثخينًا كالمرهم الثخينة، فهو كالحناء، وإن كان المرهم رقيقًا فلا فدية، ولو كان معه قرطاس وجبت الفدية بلا إشكال.
وقال في "الأم" 291: لو طلاه بغسل أو لبن لا تلزمه الفدية لأنه يجري مجرى السّدر، ولا يجري مجرى الحناء لأن الحناء جرم قوي يجف ويكون ساترًا بخلاف الدواء، ولو طلاه بالطين أو النورة، فهو كالحناء.
فَرْعٌ آخرُ لو تعصّب عريضة كما جرت العادة يلزمه الفدية، ولو تعصّب بخيط، فلا بأس لأنه لا يقصد به ستر الرأس، ولا يحصل به الستر.
فَرْعٌ آخرُ تلزمه الفدية بتغطية جزء من الرأس، وإن قلّ، وكذلك لو غطّى البياض الذي حول الأذن، أو لبس أحد الخفّين.
وقال أبو حنيفة لا فدية ما لم يغطِ ربع الرأس ولكن تلزمه الصدقة، وهذا غلط، لأنه لم يرد التوقيف بهذا التقدير ولا يدل عليه القياس، فلا يجوز القول به.
فَرْعٌ آخرُ إذا غطّى الخنثي المشكل رأسه لا فدية لا حتمال أن يكون امرأة، وكذلك لو غطّى وجهه لا فدية لا حتمال أن يكون رجلًا.
فَرْعٌ آخرُ وعلى هذا لو أولج الخنثي ذكره في فرج لم يفسده حجّه ولم تجب الفدية لا حتمال أن يكون امرأة، ولو أولج رجل في قبله لا يفسد حجّه أيضًا [80/ أ] لا حتمال أن يكون رجلًا فإن أولج هو وأولج فيه فسد حجه.
وكذلك إذا غطى رأسه ووجهه تلزمه الفدية.

الجزء: 3 - الصفحة: 441

مسألة: قال 292: "وإن احتاج إلى تغطية رأسه ولُبْسِ ثوبٍ مخيطٍ أو خفين ففعل ذلك من شدة حرِّ او بردٍ".
الفصل إذا احتاج المحرم إلى شيء من محظورات الإحرام من اللباس أو الطيب أو الحلق أو قتل الصيد حل له فعله وتلزمه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] الآية والأذى: القمل، وفي المرض تأويلان، قال ابن عباس: البثور.
وقال عطاء: هو الصداع.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم.
قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احلق ثم اذبح شاة نسكًا، أو صم ثلاثة أيام أو اطعم ثلاثة آصع من تمرٍ على ستة مساكين" أورده أبو داود وروي: "أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة" قال: فحلقت رأسي ثم نسكت 293. والفرق: ستة عشر رطلًا وهو ثلاثة آصع، وهذا نص في الزبيب، وذلك نص في التمر.
وعند أبي حنيفة وسفيان يلزمه إطعام رجل واحد من التمر أو الزبيب صاعًا وهذا خلاف النص الظاهر.
فإن قيل: هلا قلتم في لبس السراويل عند عدم الإزار تلزمه الفدية أيضًا لأنه أبيح بعذر.
قلنا: لأن الرخصة وردت فيه مطلقًا.
بخلاف هذا ولأن هذا يراد للدين فإن ستر العورة واجب بخلاف هذا.
فإن تقرر هذا ففعل شيئًا بعد شيء وتكرر ذلك منه، فإن كان من أجناس مختلفٍة [80/ ب] مثل أن يلبس ويحلق ويقلّم الأظفار ويتطيب ويستمتع ويقتل الصيد فإن عليه لكل فعل فدية ولا يتداخل حكمها قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كانت من جنس واحد يتداخل لأن المكان واحد، وليس بشيء وإن كانت من جنسٍ واحدٍ مثل أن يلبس القميص والجبّة والسراويل والعمامة والخفين أو يحلق رأسه وشعر شاربه وغيره أو يقلم أظفار يديه ورجليه، أو يتطيب بالبخور والغالية والمسك والكافور، وغير ذلك أو يقبّل ويضاجع ويطأ دون الفرج، وفي الفرج أو يقتل صيود كثيرة فإن كان قد قتل الصيود، فعليه لكل صيد جزاء كامل ولا يتداخل سواء كان في وقتٍ متصل، أو في أوقات مختلفة.
وقال داود: لا يجب والثاني جزاء، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم في الضبع كبش 294 ولم يفصل وإن كان غير القتل فإن كان في وقتٍ متصل من غير تقطيع فإنها تتداخل ويلزمه في الجميع فدية واحد، وإن كان في أوقاتٍ مختلفة، فإن كان فعل الثاني بعدما كفر عن الأول فإن عليه للثاني كفارة أخرى قولًا واحدًا، وإن لم يكن كفّر، ففيه قولان: أحدهما: يتداخل ويلزمه للجميع فدية واحدة.
قال في "القديم": ووجهه أنه جنس

الجزء: 3 - الصفحة: 442

استمتاع متكرر منع المحرم منه ولم يتخلله التفكير فيوجب أن يتداخل كما لو توالى في مكانٍ واحدٍ.
والثاني: قاله في "الجديد" أنه لا يتداخل ويلزمه لكل واحدٍ فدية، وهو الصحيح لأنها أفعال تفرقت في أوقاتٍ لو انفرد كل واحدٍ منها لزمته الفدية، فإذا اجتمعت وجبت الفدية لكل واحدٍ كما لو كفّر عن الأول.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت في مجلس واحدٍ وجبت فدية واحدة، [81/ أ] وإن كانت في مجالس وجبت لكل واحدة كفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر إلا أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون لرفض الإحرام، أو لمرض واحد أو لحاجة واحدة حتى قال: لو قتل صيودًا بنية رفض الإحرام يكفيه جزاء واحد وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان سبب الحاجة واحدًا فإن كان أسبابًا مختلفة، فكل موضع، قلنا: في السبب الواحد تلزم فدية واحدة، ففي الأسباب وجهان: أحدهما: تجب فديات لأن اختلاف الأسباب يجري مجرى اختلاف الأجناس والأسباب المتفقة أن يلبس مرات لشدّة حر أو برد والأسباب المختلفة أن يلبس لشدّة حرّ ثم أصابته حمى ورعدة فاحتاج أن يلبس للبرد رأسه جراحة، فاحتاج إلى ستر رأسه للمعالجة ونحو ذلك وهذا غير صحيح.
وليس للشافعي ما يدلّ على هذا.
وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما هو إتلاف يضمن بمثله وهو قتل الصيد فحكمه ما ذكرنا.
والثاني: ما ليس بإتلاف كالاستماع واللبس فحكمها ما ذكرنا.
والثالث: ما هو إتلاف لا يضمن بالمثل كحلق الشعر وتقليم الأظفار، وإن كان في مجالس تجب كفارات قولًا واحدًا سواء كفّر عن الأول أو لم يكفّر ذكره أبو حامد لأن هذا إتلاف، فلا يتداخل حكمه لقتل الصيد ولا يلزمه إذا كان في مجلس واحد لأنه لا يتداخل، ولكنه واحدٌ فيجب فدية واحدة، ولهذا لو حلف فقال: والله، لا حلقت رأسي اليوم إلا مرة فحلق من أول النهار [81/ ب] إلى آخره متواليًا لا يحنث، وأيضًا الحلاق وتقليم الأظفار أخذ شبهًا من قتل الصيد في أنه إتلاف وأخذا شبهًا من الاستمتاع لأن ما يجب به لا يجب عن طريق البدل فألحقنا بهما، فقلنا: إنه إذا كان متواليًا في مجلس لا تجب إلا فدية واحدة، وإذا تفرق يلزم فديات.
فَرْعٌ اللباس والطيب جنسان نص عليه الشافعي، فلا يتداخل حكمهما بحال، وقال ابن أبي هريرة: يتداخل لأنهما من جنس الاستمتاع، وهذا غلط لأنه يقصد بهما أمران مختلفان، ولو جاز أن يقال هذا لجاز أن يقال: الحلق وتقليم الأظفار جنس واحد لأنهما إتلاف، وأجمعنا على أنهما جنسان وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه قولان وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ لو أبيح جنسان لحاجة واحدة مثل أن يمرض، فاحتاج إلى المداواة باللبس والطيب تجب فديتان قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:

الجزء: 3 - الصفحة: 443

أحدهما: تجب فدية واحدة لأن السبب واحد، ذكره الاصطخري، وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ شعر الرأس والبدن جنس واحد قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا غلط لأن القول بأنهما جنسان ذكره الأنماطي وحده، واحتج بأن النسك يتعلق بحلق شعر الرأس دون شعر البدن، وهذا لا يصحّ لأن حكم اللباس في الرأس يخالف حكمه في البدن، ولا يقال: هما جنسان.
فَرْعٌ آخرُ لو جامع مرارًا فبالمرة الأولى فسد حجّه ووجبت فدية، ثم إن كانت المرة الأخرى [82/ أ] في هذا المكان لا يجب شيء آخر وإن كانت في أماكن فحكمه ما ذكرنا في ارتكاب المحظورات من جنسٍ واحدٍ في أماكن، فإن قلنا: تجب الفدية في كل جماع، هل تجب شاة أو بدنة؟ فيه قولان: أحدهما: تجب بدنة واحدة كما في الأول.
والثاني: يكفيه دم شاة لأنه لم يتعلق بالجماع الثاني فساد الحجّ بخلاف الأول وقال القاضي الطبري: إن كان كفر عن الأول تجب للثاني فدية، وإن لم يكفر فالأصحّ أن عليه فدية آخر وقال في اللقديم: يتداخل، ولا فرق بين أن يكون في مكان واحد أو في أماكن، وهذا أصح مما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: تجب فدية واحدة للكل لو نوى بالفداء عن المحظورة الأول أن يفدي عنه وعن محظور آخر من جنسه سيرتكبه مرة أخرى، فحكم هذا حكم ما لو قدم الفدية على ارتكاب المحظور، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن في ذلك تسببًا إلى ارتكاب المحظورات، فصار كتقديم كفارة الجماع في رمضان على الجماع لا يجوز بالإجماع.
والثاني: يجوز هذا في الحجّ والفرق بينه وبين كفّارة الجماع في رمضان، أن الجماع الموجب للكفارة قطّ لا يباح وقد يباح الحلق في الإحرام للأذى واللبس للبرد والحر، فيباح أيضًا تقديم الفدية على الوجوب إذا وجد سبب وجوبه، وهو الإحرام، وهذا غير صحيح، بل المذهب المنصوص أنه لا يجوز ذلك بحال.
مَسْأَلَةٌ: قالَ 295: وإن تطيب ناسيًا فلا شيء عليه.
لا يجوز للمحرم أن يبتدئ استعمال الطيب بحال، فإن استعمله ذاكرًا لإحرامه مع العلم بتحريمه، تلزمه الفدية سواء استعمله [82/ ب] أو مسه بشيء من بدنه، قال في "الأم" 296:فإن سعط به أو حقن تلزمه الفدية، فمنع منع في ظاهر البدن وباطنه، وذلك لأن هذا أكثر من استعماله في ظاهر بدنه ومن أصحابنا من قال: قال في "الأم": إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 444

احتقن به، تلزمه الفدية لأنه أكثر من الأكل ولو استعط تلزمه أيضًا، لا يمكن إلا بأن يمسه، فيلزمه الفدية بالمسّ لا بالأكل، وهذا يقتضي أنه استعط لا فدية، وهذا غير صحيح عندي، لأنه وإن استعط فقد استعمل الطيب باطن بدنه ولا فرق بين أن يطيب كل عضو أو بعضه ولا بين أن يكون عضوًا جرت العادة بتطييبه كالرأس والبدن أو لم تجر العادة به كالرجل والعقب، ولا فرق بين أن تكون مدة قليلة أو كثيرة، وكذلك في حكم اللباس، لا فرق بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا.
وقال أبو حنيفة: إن طيب عضوًا كاملًا تجب فدية كاملة، وإن طيب أقل من ذلك تجب صدقة وأراد بالصدقة إطعام مسكينٍ واحدٍ إما صاعًا من تمرٍ أو نصف صاع من برّ، وقال في اللباس: إن استدام يومًا كاملًا تلزمه الفدية، وإن كان أقل من ذلك تلزمه صدقة، وقال محمد: إن لبس جميع النهار تلزمه فدية كاملة، وإن كان أقل فبحسبانه من اليوم، وكذلك، قال في ستر الرأس وإن تطيب ناسيًا لإحرامه، أو لبس ناسيًا فلا فدية، وكذلك إن كان جاهلًا بتحريمه لا فدية، وبه قال عطاء وسفيان وأحمد وإسحاق، وقال المزني: تلزمه الفدية، إذا كان جاهلًا بالتحريم، وقال مالك وأبو حنيفة: تلزمه الفدية ناسيًا كان أو جاهلًا، وعن أحمد روايتان، وقيل: مذهب [83/ أ] المزني كمذهب أبي حنيفة في الناسي أيضًا.
واحتجوا بالقياس على قتل الصيد والحلق وتقليم الأظافر، وهذا غلط لما قال الشافعي: الفرق بين العامد والجاهل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة وغسل الصفرة ولم يأمره بفدية، وتمام هذا الخبر قد ذكرناه.
وروي فيه زيادات وهو أن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أحب أن أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه، فلما كنا بالجعرانة جاء أعرابي وعليه مقطعات وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله، أحرمت بالعمرة وأنا هكذا فماذا تأمرني؟ فأخذه ما كان يأخذه في حال الوحي فتغطى بكساءٍ.
قال يعلى: فدعاني عمر وقال لي: أتحب أن ترى رسول الله وهو يوحى إليه؟ فقلت: نعم، فرفع لي طرف الكساء فنظرت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أربد وهو يغط غطيط الفحل فلما سري عنه قال: "أين السائل عن عمرته"؟ فقال الأعرابي: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال ما ما قال ولم يأمره بالفدية إذ كان جاهلًا بما صنع.
فكذلك الناسي في حكم الجاهل.
فَرْعٌ قال في "الأم": لو فعله ناسيًا أو جاهلًا ثم علمه فتركه ساعة عليه، وقد أمكنه إزالته عنه نزع أو غسل طيب افتدى، فإن قيل قلتم: إذا تطيب قبل إحرامه ثم أحرم واستدامة لا فدية واستدامة هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: تلزمه الفدية باستدامته واستدامة كابتداء؟ قيل: الطيب قبل الإحرام كان مباحًا فأبحنا الاستدامة أيضًا، وههنا الابتداء لم يكن مباحًا، وكان محرمًا، وإنما أسقطنا الفدية للعذر فإذا زال العذر [83/ ب] وتمكن من إزالته جعل بمنزلة الابتداء به وهو كما لو وطئ امرأة بشبهة لا يلزمه الحد، فإذا علم لزمته مفارقتها والنزول عنها كذلك ههنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 445

فَرعٌ آخرُ لو لم يمكن نزع نوع الثوب لعلة أو مرض أو غصب في يده وانتظر من ينزعه فهذا عذر فمتى أمكن نزعه نزعة وإن لم ينزع مع الإمكان افتدى، وهذا لأنه إذا لم يمكنه نزعه فهو مضطر ولا فدية على المضطر كما لو أكرهه إنسان على لبس المخيط، أو مسّ الطيب لا تلزمه الفدية.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد ما يغسل به الطيب عن بدنه أزاله بما يقطع رائحته لأن المقصود من الطيب الرائحة فبأي شيء قطعها أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ لو وجد ما يكفيه لإزالة الطيب عن جسده أو لوضوئه من حدثه، قال في "الأم" 297: أزال به الطيب لأن للوضوء بديلًا وهو التيمم، فعلى هذا يستحبّ أن يبدأ باستعمال الماء في إزالة الطيب ثم يتيمم ليكون تيممه بعد عدم الماء، فإن قدّم التيمم قبل استعمال الماء في إزالة الطيب جاز لأن ما معه من الماء لا يلزمه استعماله في حدثه كما لو احتاج إلى شربه وإن أمكنه قطع رائحة الطيب بشيء غير الماء فعل ذلك وتوضأ بالماء.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يغسل الطيب في يده أو ثوبه، فالمستحب له أن يستعين بغيره حتى لا يباشر الطيب بنفسه في حال إحرامه، فإن غسله بنفسه وباشر الطيب بيده لم تلزمه الفدية لأنه إنما يباشره ليتركه لا ليتطيب به.
نصّ عليه في "الأم" 298: وهذا كما لو دخل دار رجل بغير إذنه، كان عليه الخروج منها، ولا يقال: يخرج بالخروج، وإن كان يمشي فيها لأن المشي للخروج لا للزيادة فيه وكذلك، لو انتقل في حال غسله من يدٍ إلى يدٍ، وكان ابن المرزبان يقول: في الطيب حيلة لم يذكرها الشافعي [84/ أ] وهي أن يأخذ خرقة فيبلها بريقه ثم يزيله، فإن قال قائل: أليس قلتم في حلق الشعر وتقليم الأظافر بين القليل والكثير ففرقوا بينهما في اللباس والطيب أيضًا، قلنا: التحريم تناول حلق الشعور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] بمعنى شعوركم، وأقلّ الجمع ثلاثة فيتعلق به ما يقع عليه اسم الدم في الطيب واللباس التحريم مطلق غير مقيد فيتعلق وجوب القدر بإطلاق الاسم من غير تقدير.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو داس الطيب بنعله عامدًا فعلق بنعله تلزمه الفدية لأنه صار لابسًا للطيب كما لو كان على بدنه فإن لم يقصد ذلك، لم يلزمه شيء إلا أن يستديم بعد الذكر.

الجزء: 3 - الصفحة: 446

فَرعٌ آخرُ قال أصحابنا: إذا أراد الرجل الإحرام يجوز له أن يحلق شعر رأسه، والأولى أن يلبده ويعقصه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّه.
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهلّ ملبدًا، وتلبيد الشعر قد يكون بالصمغ وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب فإن حلق قبل إحرامه، ولم يلبد كان له إذا حل أن يحلق أو يقصر، وإن لبده وعقصه فيه قولان: أحدهما: قاله في (القديم": عليه أن يحلقه ولا يقصره، وذلك فائدة التلبيد والإطالة.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلق" 299. والثاني: قاله في "الجديد" وهو الأصح إن شاء حلق وإن شاء قصر لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27].
مَسْألَةٌ: قالَ 300: وما شم من نبات الأرض مما لا يتخذ طيبًا.
الفَصْلُ أصناف الطيب معروفة والمسك طيب [84/ ب] وما عداه فأكثره نبات الأرض، وكل نبات له رائحة طيبة فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والخيري ونحو ذلك فلا يجوز للمحرم شمه، فإن شمه تلزمه الفدية، ومن جملته الورس والزعفران والعنبر والكافور فإنه يخرج من الشجر مثل الصمغ.
والنصّ في الخبر على الورس والزعفران تنبيه على غيرهما، والثاني، يقصد شمّه ولا يتخذ منه الطيب كالريحان والمرزنجوش قال الشافعي في كتبه الجديدة له لا يجوز شمه وعليه الفدية كالضرب الأول، وقال في "القديم": اختلف أصحابنا في الريحان، فقال بعضُهم: هو طيب، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنهما، وفيه احتياط.
وبه أخذ، وقال بعضهم: ليس بطيب، وهو قول عطاء ففي المسألة طريقان: أحدهما: المسألة على قول واحد، أنه تلزمه الفدية، لأنه قال: وبه آخذ واعترض على قول عطاء، فقال من قال بهذا: إذا دهن الشقاق كالزئبق لا فدية عليه ولا خلاف في وجوبها به عند الشافعي.
والثاني: في المسألة قولان، لأن أحدهما ليس بطيب، ولا فدية.
وبه قال عثمان وابن عباس رضي الله عنهما.
أبان بن عثمان عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان؟ فقال؟ نعم ويشمّ الريحان، وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، والثاني: أنه طيب، وفيه الفدية.
وبه قال جابر، وهو الصحيح لأنه يعدّ طيبًا في

الجزء: 3 - الصفحة: 447

العادة وينبت للطيب، وأما ما رووا عن عثمان روى الشافعي بإسناده عن ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه سئل يشمّ المحرم الريحان؟، فقال: لا، فتعارضا.
والثالث: ما لا يقصد شمه، ولا يتخذ منه الطيب، فهو على ضربين [85/ أ]: أحدهما: ما ينبته الآدميون كالدارصيني والقرنفل، وفي معنى ذلك التفاح والسفرجل والخوخ والأترج، والنارنج ونحو ذلك.
والثاني: ما ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم والعليق، ونحو ذلك.
ولا يحرم على المحرم شمّها، ولا فدية عليه بها، وكذلك ورد هذا كله لأنه لا يتطيب بشمه في العادة، ولا يتخذ لأجله وليس كذلك الضرب الأول والثاني فإنه ينبت ويتخذ للطيب دون غيره، فافترقا.
فَرْعٌ قال في "الأم" 301: وليس البنفسج بطيب وإنما يربب للمنفعة لا للطيب، وأراد به البنفسج، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة مذاهب، فمنهم من حمل كلام الشافعي على ظاهره، فقال: لا يحرم عليه شمّه، ولا فدية فيه قولًا واحدًا لأن المقصود من شمّه المنفعة للتداوي دون التطيب.
وبه قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، ومنهم من قال: هو بمنزلة الورد قولًا واحدًا، لأنه يتخذ طيباً ويتخذ منه الطيب، وتأول قول الشافعي على أنه أراد البنفسج إذا جفّ فإنه يكون دواء، أو أراد به المربب بالسكر الذي ذهبت رائحته، وهذا اختيار القفال، وقيل: أراد به أن دهنه ليس بطيب، وهذا ليس بشيء لأنه إن كان طيبًا، فدهنه مثله، وقيل: ذكره الشافعي على عادة أهل الحجاز لأنهم لا يقصدون به الطيب، فلو جرت عادة أهل بلدٍة بالتطيب به كان طيبًا يلزم به الفدية، وهذا غير الصحيح أيضًا، ومنهم من قال: فيه قولان، كالريحان، وهذا والذي قبل خلاف مذهب الشافعي، والصحيح الأول.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا النيلوفر في معنى الورد، وقال بعضهم هو كالريحان، وهذا أظهر عندي، وقال بعضهم: فيه ثلاثة أوجه [85/ ب] كالبنفسج سواء.
فَرْعٌ آخرُ الجلنجبين المربى بالورد إن كانت رائحة الورد فيه ظاهرة يمنع منه المحرم وتلزمه الفدية، وإن كانت الرائحة استهلكت فيه، لا يمنع منه ولا فدية.
مَسْألَةٌ: قالَ 302: وإن دهن رأسه ولحيته بدهن غير طيب، فعليه الفدية.
قال في "الأم" 303: الادهان على ضربين: دهن هو طيب، فإذا ادهن به من جسده شيئًا قل أو كثر تلزمه الفدية، وهو مثل ألبان المنشوش بالطيب والزنبق ودهن الورد وغيره،

الجزء: 3 - الصفحة: 448

ودهن ليس بطيب مثل البان غير المنشوش والزيت والشيرج والسمن والزبد، فإن دهن به جسده غير رأسه ولحيته أو أكله أو شربه، فلا فدية عليه، وإن دهن به رأسه أو لحيته افتدى لأنهما موضع الدهن وهما يترجلان فيذهب شعثهما، وقال أبو حنيفة ومالك: تلزمه به الفدية، وإن استعمله في جسده إلا أن يداوي به جرحه، أو شقوق رجليه لأنه استعمله للتداوي لا للطيب، ويفارق الطيب إذا استعمله في جرحه لأنه طيب في نفسه، وبالدهن تجب الفدية لأنه استعمله استعمال الطيب لا أنه طيب في نفسه، وعن أحمد روايتان: إحداهما: مثل قول أبي حنيفة.
والثانية: أنه لا تجب الفدية، وإن استعمله في رأسه ولحيته.
وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحاجّ أشعث أغبر" 304، وتدهين الرأس يزيل ذلك، وروى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدهن في إحرامه بزيت غير مقتت"، قال أبو عبيد أراد غير مطيب، وهذا محمول على التدهين في الجسد، ولأن هذا الدهن لا يستطاب، ولهذا [86/ أ] لو حلف لا يستعمل طيبًا، فاستعمل هذا الدهن لم يحنث، فإذا استعمله في غير شعره لم تجب الفدية كالسمن في الرأس واللحية المعنى ما ذكرنا في وجوب الفدية لا أنه طيب.
فَرْعٌ آخرُ لو دهن رأسه بالدهن الذي ليس بطيب وهو أقرع أو أصلح لا تلزمه فدية، لأن هذا الموضوع منه كسائر بدنه، وليس فيه ترجيل الشعر، وكذلك الأمر إذا لم يكن على وجهه شعر لا شيء عليه لأنه لم يلق الشعر، ولا أصوله، وكذلك إذا دهن وجنتيه به لا فدية.
فَرْعٌ آخرُ قال المزني: يدهن المحرم الشجاج في الرأس بالزيت، ولا فدية.
قال أصحابنا: أراد به إذا ادهن داخل الشجّة.
فَرْعٌ آخرُ لو حلق رأسه ودهن وجبت الفدية، ويخالف الأقرع والأصلع، لأن هذا يوجب تحسين شعره وترجيله، فإنه ينبت مرجلًا، وإن لم يكن في الحال شعر بخلاف ذاك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق، لأن الرأس محل استعمال الدهن سواء كان عليه شعر أو كان الشعر منحسرًا عنه بالصلع والقرع، والمفرق مذهب المزني اختياره لنفسه.
وقال بعضهم في المحلوق: لا شيء عليه في أصحّ الوجهين أيضًا، وهو اختيار المزني، وهذا ليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ الشحم والشمع إذا أذينا كالدهن يمنع المحرم من ترجيل الشعر بهما ذكره

الجزء: 3 - الصفحة: 449

في "الحاوي" 305. فَرْعٌ آخرُ دهن البنفسج والريحان على اختلاف المذهب في منع المحرم من أصله.
فَرْعٌ آخرُ في دهن الأترج وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن الأترج ليس بطيب، بل هو مأكول.
والثاني: هو طيب، وإن كان أصله مأكولًا لأن قشره يربي به الدهن كالورد.
مَسْألَةٌ: قالَ 306: وما أكل من خبيص فيه زعفران فصبغ اللسان، فعليه الفدية.
الفَضلُ إذا جعل الطيب [86/ ب] في مأكول أو مشروب نظر فإن كانت أوصافه بحالها لونه وريحه وطعمه، فهو طيب كما لو لم يطبخ وتجب به الفدية بأكله أو شربه، وإن ذهبت أوصافه كلها لونه وريحه وطعمه فلا شيء فيه وإن ذهب بعضها وبقي البعض نظر فإن بقي ريحه فهو طيب قولًا واحدًا وإن لم يبق إلا لونه، قال في "الأوسط" من الحجّ هو طيب، وكذلك رواه المزني، وقال في "المناسك الكبير": ليس اللون معنى، وإنما الفدية من قبل الريح والطعم، وكذلك قال في "الإملاء" و "القديم"، فقال أبو العباس: المسألة على قولين: أحدهما: لا تلزمه الفدية لأن المقصود من الطيب الرائحة، وإذا جعل في الطبيخ صار الطعم مع الرائحة مقصودًا واللون المجرد، فليس بمقصود، وقال الشافعي: إذا لبس ثوبًا مسّه الطيب وذهبت رائحته حتى إذا رشّ الماء عليه لم تظهر لا تلزمه الفدية للطيب كذلك ههنا، وحكي القاضي الطبري أن الشافعي قال: لو لبس ثوبًا مصبوغًا بزعفران ذهب ريحه لا فدية عليه لأجل الزعفران، والثاني: تلزمه الفدية، لأن اللون إذا بقى، فالظاهر بقاء الرائحة ولا يخلو من الرائحة وإن قلت، ولم تظهر، ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحاق، لا فدية فيه قولًا واحدًا وتأول ما رواه المزني على بقاء اللون مع الرائحة.
وهذا هو الصحيح لما ذكرنا، وهو اختيار القفال.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق إلا الطعم، قال القاضي الطبري: تلزمه الفدية قولًا واحدًا لما ذكرنا من العلة، وقال سائر أصحابنا: فيه ثلاثة طرق: أحدهما: هذا، والثاني: لا تلزم الفدية قولًا واحدًا، والثالث: فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو أكل طيبًا من المسك، [87/ أ] أو غيره تلزمه الفدية وقال أبو حنيفة: لا فدية فيه، ولكنه يكره لبقاء ريحه، وهكذا قال في الخبيص إذا أكله وفيه زعفران لأنه استحال بالطبخ من أن يكون طيبًا، وهذا غلط لأن الاستمتاع به حصل في يده مباشرة فتلزمه الفدية.

الجزء: 3 - الصفحة: 450

فرع آخر لو أكل العود لا تلزمه القديمة لأنه لا يكون متطيباً به إلا بأن يتبخر به بخلاف المسك ذكه في "الحاوي" 307. مسألة: قالَ 308: والعصف ليس من الطَّيب.
قد ذكنا أن العصف ليس بطيب ويجوز للمحرم لبس العصف, ولا فدية, وإن كان المستحب البياض, ويه قال احمد, وقد وروى في خبر ابن عم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من العصف أو الخز", وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تلبس الأحمرين وهى محرمة: الذهب والمعصفر، وقال أبو حنيفة: إذا لبس ثوباً معصفراً، فإن كان مفض لزمته الفدية, وإلا فلا فدية, وهذا غلط لأنه كونه لم يفض، فلا تلزمه الفدية, فكذلك إذا نفض كالنيل فإذا تقرر هذا, قال الشافعي: يكره لبسه في إحرامه, لأنه ربما يغتر به الجاهل, ولا يرى الفرق بينه وبين الزعفران, وروى عن عمر رضي الله عنه أنه رأى على طلحة ثوبين مصبوغين, وهو محرم, فقال: أيها الرهط أنتم أئمة يقتدي بكم, ولو أن رجلاً رأى عليك ثوبك لقال: قد كان يلبس الثياب المصبغة وهو محرم, فلا يلبس أحدكم هذه الثياب المصبغة في أحلام شيئا.
مسألة: قال 309: وإن مسّ طيباً يابساً لا يبقى له أثر.
الفصل المحرم إذا مس طيباً يابساً مثل المسك والكافور, ونحو ذلك فإن لم يعلق بيده ريحه, ولا أثره, فلا فديه, وان علق به أثره وريحه تلزمه الفدية, لأن الطيب يستعمل هكذا, وإن علق [87/ب] بيده ريحه ولم يعلق أثره, فظاهر ما نقله المزني أنه لا فدية.
وقال في كتاب "المناسك الكبير": وإن مس منه شيئاً يابساً لا يبقى له أثر في يده, ولا ريح كرهته ولم أر عليه الفدية, ظاهر هذا أنه بقى ريحه وجبت الفدية, فالمسألة على قولين: احدهما: تلزمه الفدية, وهو الصحيح لأن الاعتبار بالرائحة, وهى المقصود من الطيب ألا ترى أن ماء الورد والدهن إذا انقطعت رائحتهما جاز استعمالهما وههنا علقت به الرائحة.
والثاني: لا تلزمه الفدية لأن الرائحة إنما تعلق بالمجاورة, فهو كما لو شم الطيب من دكان العطار, وهذا لا يصح لأن هناك لم يباشر الطيب, وههنا باشر الطيب وحصل مقصوده من الرائحة في بدنه فافترقا, وقال أبو بكر المحمودى من أصحابنا: صحف المزني, وإنما هو مس طيبا ناسيا, فلا شئ عليه, فأما إذا كان عامداً وعلق بيده ريحه تلزمه الفدية قولاً واحداً.
فرع آخر قال في "الأم" 310: لو عقد طيباً فحمله في خرقة أو غيرها وله رائحة تظهر منها لم

الجزء: 3 - الصفحة: 451

يكن عليه فدية وكرهت له ذلك.
قال بعض أصحابنا: أراد إذا لم يقصد شمه, فأما إذا قصد شمه تلزمه الفدية لأنه يكون بمنزلة الورد والريحان.
ومن أصحابنا من قال: وان شمه لا فدية أيضاً, لا بالمجاورة ولا بالمباشرة, والصحيح عندي الأول, ولو شمه من غير حائل تلزمه الفدية بلا إشكال, ومن أصحابنا من قال: لا فدية فيه أيضا لأنه لا يستعمل هكذا إرادة التطيب به, ويخالف التبخر بالعود لأنه هكذا يتطيب به, وهذا غلط عندي, ولو شم عوداً, قيل: فيه وجهان, والأصح أنه تلزمه الفدية.
مسألة: قال 311: وله أن يجلس عند العطار, لا بأس أن يجلس المحرم والمحرمة عند العطارين ويدخلا [88/أ] حانوته ويشتريا الطيب ما لم يمساه نشئ من أجسادها، ولا يكره ولهما أن يجلسا عند الكعبة وهى تجمر أي: تبخر بالعود لأنه لا يمكن الاحتراز من هذه الأشياء فعفا عنه وهل يستحب له الاجتناب عن هذه الأشياء؟ قال: ههنا له أن يجلس عند العطارين وقال في موضع من " الأم" 312، وأحب أن يجتنب العطارين, وكل موضع فيه طيب إلا في موضع من الكعبة والطواف ويجتنب أن يستنشقه, فإن فعل فلا شئ عليه فحصل من هذا أنه يستحب له التوقي في غير موضع البر, ولا يستحب له ترك موضع البر كذلك لأنه مباح وقال بعض أصحابنا: إن جلس عند العطار لغير شم الطيب لا يكره قولا واحداً, وإن كان يشم الطيب فيه قولان, قال في "مختصر الحج": لا يكره، وقال في "الأم": يكره ذلك.
ذكره أبو حامد لأنه يوصل إلى تحصيل المقصود من محظور عبادته.
وقال القاضي الحسين: إذا قصد القعود للرائحة يكره, والخلاف في وجوب الفدية, ونظيره لو غربل الدقيق في الصوم وفتح فاه عمدا حتى وصل غبار الدقيق الى جوفه, هل يفطره؟ قلنا: وكذلك لو جلس جماعة من المحرمين ووضع المجمر فيما بينهم من غير أن يتخذ أحدهم تحت ثوبه متطيباً به، فلا شئ عليهم, فإن قيل: قلتم المحرم لا يعقد النكاح ويشرى الطيب, فما الفرق قلنا: الفرق أن المقصود من النكاح الاستمتاع, فإذا حرم المقصود به حرم في نفسه, ولا يقصد بشراء الطيب التطيب, فإنه يقصد به التجارة كما يشترى الثياب المخيطة والجواري, وإن كان الاستمتاع بها محرماً, فإن قيل: أليس لا يجوز له شرى الصيد وليس المقصود به الأكل؟ قلنا: لم يحرم أكل الصيد وحده, وإنما ورد الشرع بتحريم الاصطياد, وهو [88/ب] يملك الصيد, والشراء ضرب من تملكه, فلم يجز بخلاف هذا.
فرع آخر لو مسّ الطيب لا للتطيب لكن لحمله أو نقله لم يضرّه, قاله أكثر أصحابنا, وقال بعضهم: إذا مسّ شئ من بشرته عين الطيب تلزمه القديمة, وإنما تلزمه إذا تلزمه إذا مسّه بطرفه.
فرع آخر لو حمل نافحة فيها المسك, قال أبو حامد: على قياس ما ذكرنا في "الأم" من أنه لا فدية عليه لأن بينه وبين الطيب حائلاً, وكذلك لو ترك طيباً في قارورة وشد رأسها

الجزء: 3 - الصفحة: 452

وحملها لا فدية.
وقال القفال: تلزمه الفدية لأنه يطيب به, والأول أقيس عندي.
مسألة: قال 313: وإن مسها, وهو لا يعلم أنها رطبة.
الفصل إذا مس طيباً رطباً فعلق بيده منه شيء, فإن كان عالما برطوبته ذاكراً لإحرامه فعليه الفدية, وإن كان ناسياً لإحرامه, فلا شيء عليه, وكذلك إذا لم يعلم أن الكعبة مطيبة فمسها فعلق بيده منها طيب غسله ولا شيء عليه, وإن كان عالماً بأنها مطيبة, ولم يعلم أن الطيب رطب فمسَه, فكان رطباً, فيه قولان: احدهما: لا فدية عليه.
رواه المزني ونص عليه في "مختصر الحج": أنه علق من غير اختياره, فهو كما لو ترشش عليه الطيب, وقال في "القديم": تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب ومباشرته, فإذا علق به تلزمه الفدية, ومثل هذه المسألة إذا تمضمض الصائم, فسبق الماء إلى جوفه هل يفطره؟ قولان, ثم قال الشافعي 314 في "المختصر": وإن حلق وتطيب عامداً, فعليه فديتان, وقد ذكرنا هذه المسألة, وقوله: عامداً راجع إلى الطيب لا إلى الحِلاق, فإن في الحلاق يستوي العمد والخطأ.
مَسْألَةٌ: قال 315: وإن حلق شعره فعليه مُد.
الفصل لا يجوز للمحرم أن يأخذ من شعر جسده شيئاً, ولا من أظفاره لغير حاجة, فإن دعته الحاجة إليه مثل إن كثرت هوام رأسه, أو كان به مرض [89/أ] أو جراحة أحوجه إلى حلقه كان له حلقه بشرطي الفدية على ما ذكرنا والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] الآية, فإذا تقرر هذا لو حلق شعر رأسه تلزمه الفدية, وكذلك لو حلق شعر بدنه تلزمه الفدية أيضاً، وقال داود: وهو رواية عن مالك: لا شيء في شعر البدن, ولا فيما عدا شعر الرأس لأن الله تعالى خص الرأس بقوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا لا يصح لأنه يحصل له التنظيف والترفه بحلق شعر البدن فأشبه شعر الرأس, ولو جمع بين حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن في وقت واحد تلزمه الفدية الواحدة, وقال الأنماطى: تلزمه فديتان، وهذا غلط لأن الكل في اسم الشعر والحلق سواء فإذا تقرر هذا فأقل ما يجب فيه فدية كاملة ثلاث شعرات لأنها أقل حد الكثرة فيتعلق بها تمام الفدية, وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الدم إلا في حلق النصف, وقال مالك: إذا حلق قدراً أماط به الأذى عن نفسه وجب الدم قل أو كثر, وعن أحمد روايتان: إحداهما, مثل قولنا, والثانية, يتعلق الدم بأربع شعرات, واحتج مالك بأن بثلاث شعرات لا تحصل إماطة الأذى فأشبهت الشعرة والشعرتين, واحتج أبو حنيفة بأن الربع يقوم مقام الكل, ولهذا إذا رأى رجلاً يقول: رأيت فلاناً, وإنما رأى إحدى جهاته الأربع, وهذا غلط لأن بحلق الربع والثلث لا يحصل إماطة الأذى على التمام أيضاً, ولا يكون الأذى مربعاً حتى يكون كما قال أبو حنيفة, وإنما يقول: رأيت رجلاً

الجزء: 3 - الصفحة: 453

إذا رأى رجلاً ما عرفه به لأنه يقول ذلك, وإن رأى صفحة وجهه, فلا يصح ما ذكروا, وأما إذا حلق أقلّ من ثلاث شعرات يلزمه الضمان, وإن لم يلزمه الدم [89/ب].
وقال مجاهد: لا شيء عليه, وحكاه ابن المنذر عن عطاء, وحكي عن عطاء مثل مذهبنا لأن كل جملة كانت مضمونة فأبعاضها مضمونة فأبعاضها مضمونة كالعبد, فإذا تقرر أنه مضمون اختلف قول الشافعي في تضمينه, فقال: ههنا في شعرة مد وفي شعرتين مدان, وفي ثلاث شعرات دم, وحكي الحميدى عن الشافعي أنه قال: إذا ترك حصاة يلزمه ثلث دم, وفي حصاتين ثلثا دم, وفي ثلاث حصيات دم.
وقال الشافعي في موضع أخر: إذا ترك ليلة من ليالي منى يلزمه درهم, وان ترك ليلتين فدرهمان وان ترك ثلاث ليال فدم, ولا فرق بين الحلق وترك الحصاة وترك ليالي منى, فإذا حلق شعرة واحدة أو قلم ظفراً واحداً, أو ترك ليلة أو ترك حصاة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه مد من طعام, وهو المذهب المشهور لأن في إيجاب ثلث الدم مشقة, والأصل ذلك فعدلنا إلى ما هو أقرب إليه, وهو الطعام والمد أقل ما يجب فدية, والثاني: يلزمه ثلث دم, وهو الأقيس, لأن كل جملة ضمنت بجنس فأبعاضها تضمن بذلك الجنس كسائر المتلفات, والثالث: وهو قول عطاء: يلزمه درهم لأنه إذا عدل عن الأصل, فالأصل في التقويم الدراهم.
فرع آخر لو قطع نصف شعرة فيه وجهان: أحدهما: عليه نصف مدّ بالقسط, وهذا أصحّ, وهو المذهب, وعليه عامة أصحابنا.
والثاني: يلزمه مد كامل, لأن الإخلال يقع بتقصير بعض الشعر, وإن لم يستأصله, ذكره في "الحاوي" 316. فرع آخر إذا قلنا: لو حلق شعره يلزمه ثلث شاة في أحد الأقوال مقتضى المذهب أنه يتخير بين ثلث شاة وبين التصدق بصاع وبين يوم كامل, كما لو حلق ثلاث شعرات تخير بين شاة وثلاثة آصع وبين صيام ثلاثة أيام إلا أن من جهة المذهب في هذا القول إشكال لأنه نص فيمن جرح ظبيه فانتقص عشر قيمتها عليه ثمن عشر شاة, وما أوجب عليه مثله, فالقياس [90/أ] أن يلزمه صاع أو صوم يوم.
فرع آخر لو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات في مجلس نص الشافعي أن لكل شعرة حكم نفسها لا يتدخل ولا ينقلب داماً, وقال صاحب "الإفصاح": يمكن أن يقال يبنى على قولين في اللباس إذا فرق فإن قلنا بقوله القديم: إنه بتداخل, ويكون المفرق من اللباس بمنزلة المجتمع ينقلب ههنا دماً.
وإن قلنا: هناك ينفرد كل بحكمة, فكذلك ههنا تنفرد

الجزء: 3 - الصفحة: 454

كل شعرة بحكمها وهذا أصح وعلى هذا إذا حلق ثلاث شعرات ثم ثلاث شعرات يبنى القولين, وقد ذكرنا ما قال أبو حامد والمذهب هذا وإن أتلف شعرة وفدى ثم أتلف أخرى, وفدى لا يتداخل بحال, كما قلنا في اللباس, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلق شعرات من ثلاثة مواضع, فيه وجهان, لأن المواضع كالأماكن, وليس نشئ.
فرع آخر قال: لو قطع المحرم عضواً عليه شعر أو قشط جلدة عليها شعر لم يلزمه للشعر شيء ويكون تابعاً للعضو, ولا يلزمه للعضو فدية, فكذلك للتابع, ولو افتدى كان أحب إلى.
قال القاضي الطبري, ولهذا قال أصحابنا: إذا لبس ثوبا مطيباً لا يلزمه للطيب فدية ويصير تابعا للثوب, ولم يذكر خلافاً.
وقد ذكر أصحابنا بخراسان في هذه المسألة, ولم يذكروا هذه العلة, وظاهر المذهب هذا.
فرع آخر لو نبت في عينه شعرة فقلعها أو أسبلت علينه بمعنى طرته أو عزر حاجبيه, فقصه لم يلزمه شيء, وكذلك لو انكسر ظفره, فقلم للتكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه من جهة الشعر, فأشبه إذا قتل الصيد دفاعاً عن نفسه, وبفارق هذا إذا حلق شعر رأسه للهوام لأنه حلقه لمعنى في غيره, وهو الهوام, فتلزمه الفدية كما لو قتل صيداً للأكل عند المجاعة تلزمه الفدية, لأن الضرورة من جهة الجوع دون الصيد, فإن قتل فقد يمثر الشعر فيؤذيه ويحميه, فينبغي أن لا [90/ب] تلزمه الفدية بحلقه, قبل ما يحصل بذلك من الحمى مضاف إلى الزمان دون الشعر وإن كان الشعر سبباً, ألا ترى أنه في زمان الشتاء لا يؤذيه ذلك.
فرع آخر فدية الحلق على التخيير وإن لم يكن معذوراً, وقال أبو حنيفة: هي على الترتيب في حق غير المعذور, لأن النص بالتخير ورد في المعذور, وهذا غلط لأن كل كفارة ثبت فيها التخير عند العذر كذا عن عدم العذر كجزاء الصيد وكفارة اليمين.
مَسْألَةٌ: قالَ 317: وكذلك الأظفار.
حكم الأظفار حكم الشعر, لأنه قطع جزء من البدن يترفه به كالشعر فإن قلك ظفراً, ففيه الأقوال التي ذكرناها في الشعر, وإن قلّم ثلاثة أظفار في مجلس واحدٍ يلزمه دمّ.
وقال أبو حنيفة: الاستحسان هذا ثم رجع فقال: إن قلّم خمسة أظافر من يد واحدة, يلزمه دمّ, وإن قلّم دون خمسة من يد واحدة, أو أكثر من خمسة من يديه يلزمه صدقة, ويه قال أبو يوسف, وقال محمد: إذا قلّم خمسة أظافر يلزمه دمّ سواء كانت من يد واحدة أو من يدين, واحتجّ أبو حنيفة بأنه لا يستكمل الترفه ومنفعة اليد بدون ذلك, وهذا غلط لأن بحلق ربع الرأس لا يملك الترفه ويجب به دم عنده.

الجزء: 3 - الصفحة: 455

فرع آخر لو قلم بعض الظفر تجب بقسطه الفدية, ولو انكسر ظفره, فقلّم المنكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه بمعنى من جهة الظفر, ولو قلّم المنكسر مع قطعه من الصحيح تلزمه بذلك صدقة, نصّ عليه في "الأم" 318 و"الإملاء", لأن قلم الصحيح لو انفرد تجب به صدقة, فكذلك إذا قلّمه مع غيره, وذكر في "الشامل": أن الشافعي قال: لو قلّم بعض ظفره بأن لم يستوفه بل خففه أو أخذ بعضه تلزمه القديمة, لأن هذا بعض عن جملة مضمونة, وضمنه بالمدّ لأن المدّ لا ينتقص في الشرع.
وقال أبو حامد: إذا أخذ بعض شعره ينبغي أن يكون حكمه حكم الظفر.
فرع آخر لو [91/أ] قلم جانباً من جوانبه تلزمه الفدية, فإن قلنا فيه ثلث شاة تجب شاة بقدر ما قلم, وإن قلنا يجب مد, قال أصحابنا: يجب في بعض الظفر مد, لأن طريق إيجابه المد أنه أقل ما وجب لمسكين واحد فلا يمكن تبعيضه, والفدية في الحج معناها على التغلب فغلبنا الإيجاب.
مسألة: قال 319: "والعمد والخطأ فيهما سواء".
الصحيح المشهور من المذهب الشافعي أن في حلق الشعر وتقليم الأظافر وقتل الصيد يستوي العند والخطأ والذكر والنسيان, لأنه لم يحرم منه جهة الترفه وإنما حرم من جهة الإتلاف, وفي الإتلاف يستوي العمد والخطأ كالأكل في الصوم.
وقال ابن أبى هريرة: في الكل قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يفرق فيها بين السهو والعمد أيضاً وقال أبو حامد, قال الشافعي: لو زال عقله بجنون أو إغماء, فحلق أو قتل الصيد, فيه قولان, فعلى هذا في مسألتنا, طريقان: أحدهما: فيها قولان أيضاً, لأن النسيان كالجنون في عد العضد الثاني: ههنا قول واحد تلزمه الفدية، ويفارق الجنون لأنه لو حلف لا يدخل داراً, فدخلها ناسياً فيه قولان, ولو دخلها مجنوناً لا يحنث قولا واحداً, وهذا لأن الجنون يزيل التكليف بخلاف النسيان.
مسألة: قالَ 320: ويحلق المحرم شعر المحلّ.
المحرم غير ممنوع من حلق شعر المحل، وإذا حلق لا شيء عليه, ويه قال مالك وأحمد, وروى ذلك عن مجاهد, وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يحلقه, فإن حلقه تلزمه صدقة, ولا يلزمه فدية كاملة, وهذا غلط لأنه لم يتعلق بمنبته حرمة الإحرام, فجاز للمحرم حلقه كشعر البهيمة.
فرع آخر لو حلق حلال رأس محرم ميت لا فدية, وفيه وجه أخر تلزمه الفدية.

الجزء: 3 - الصفحة: 456

مسألة: قالَ 321: وليس للمحلّ أن يحلق [91/ب] شعر المحرم.
الفصل لا يجوز للمحرم أن يحلق شعر المحرم ولا للمحلّ أن يحلق شعر المحرم لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:196] , والمراد منه أن لا يحلق بنفسه ولا بغيره وانصراف هذا إلى حلقه بغيره أظهر, ولأن العرف جرى بذلك, فإن الإنسان لا يمكنه أن يحلق رأس نفسه إلا نادراً, ولأن حرمة الإحرام تعلقت بهذا الشعر, فلا يجوز حلقه لا لمحرم ولا لمحلّ لا بإذنه ولا بغير إذنه فإن حلقه الحلال نظر فإن كان بأجرة فالفدية على المحلوق رأسه, ولا شيء على الحالق لأنهما, وإن اشتركا في المحظور فقد انفرد المحرم بالترفيه به فليزمه الفدية وحده وقال أبو حنيفة يجب على الحالق أيضاً صدقة, وإن حلقه بغير أمره إلا أنه علم به فسكت ولم يمنعه منه اختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: فيه قولان كما حلقه وهو نائم أو مكره لأن ما طريقه الإتلاف لا فرق بين أن يتلفه بغير علم صاحبه وبين أن يتلفه بعمله, ولكن لم يأذن فيه كما لو أتلف على رجل ثوبه بغير علمه يلزمه الضمان كما لو أتلفه وهو ساكت يلزمه الضمان, ومنهم من قال: يلزم الضمان على المحلوق قولاً واحداً، ويكون سكوته اختياراً منه, وهذا هو الصحيح, لأن شعره لا يخلو إما أن يكون بمنزلة الوديعة عنده أو بمنزلة العارية, وأيهما كان فإذا أتلفه متلف, وهو قادر على منعه, ولم يمنع ضمن.
فإن قيل: أليس لو أمر غيره بقتل الصيد فقتله لم يضمن الأمر, وكذلك لو قتله مع عمله, وهو ساكت لا يضمن الساكت, وان قدر على منعه؟ قلنا: لأن الصيد ليس في يده, والشعر في يده, ولو كان الصيد في يده يضمن أيضاً بهذا, وأما إذا حلقه نائماً أو مكرهاً, فالفدية تجب على الحالق دون المحلوق رأسه, قال أصحابنا: ولكن له أن يطالب الحالق بإخراج الفدية لأنه كان في حفظه, ولأنه يتعلق بمصلحة نفسه, وفدية رأسه فكانت [92/أ] له المطالبة به وإن لم يصل إليه فلا شيء عليه, لأنه وجد بغير اختياره كما لو تمعط شعره وهذا هو الصحيح ويه قال أحمد ومالك.
وقال بعض أصحابنا: هذا صحيح إلا قوله: للمحلوق مطالبة الحالق بإخراجها" لأن هذا الوجوب على الحالق لحق الله تعالى دون حق المحلوق, فكيف نطالبه بإخراجها؟ قال المزني: فيه قول أخر: تلزم الفدية على المحلوق رأسه, قال المزني: أصبت ذلك في سماعي عليه ثم حط, وهذا أشبه بمعناه عندي.
وقال القاضي الطبري رأيت الشافعي ذكره في المناسك الأوسط 322 في أخر الباب الذي ترجمه ب: "باب ما ليس للمحرم فعله" فقال: افتدى المحرم ورجع بالفدية على الحالق.
ولم يخط عليه.
وذكره في "البويطى" غير مخطوط عليه, فالمسألة على قولين, قال أبو حامد: وأصل القول أن المحرم مأمور بحفظ شعره وهل يجرى ذلك مجرى حفظ الوديعة, أو مجرى حفظ العارية؟ قولان فإن قلنا: يجرى مجرى حفظ الوديعة, فالفدية

الجزء: 3 - الصفحة: 457

على الحالق وحده كما لو أتلف الوديعة في يد المودع, وإذا قلنا: يجرى مجرى حفظ العارية يلزمه الضمان على أيّ وجه أتلف, فإن قيل: فينبغي على هذا إذا أتلف شعره بنار أو تمعط شعره ضمن أيضا كالعارية قلنا: العارية مضمونة على المستعير بكل حال إلا إذا كان التلف من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, إلا ترى أن صاحبها لو أتلفها, لا ضمان على المستعير لأن الإتلاف حصل من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, وههنا ضمان شعر المحرم ينصرف إلى الله تعالى, فإذا حصل الإتلاف من جهته بإحراق شعره وإتلافه لم يجب الضمان, وقال القاضي الطبري: هذا خطأ عندي, وينبغي أن يكون شعره كالوديعة عنده, لأن العارية ما أمسكه لمنفعة نفسه, وههنا منفعته في إزالته.
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب, فقال أبو إسحاق في أصل وجوب الفدية قولين [92/ب]: أحدهما: تجب على الحالق دون المحلوق.
والثاني: تجب على المحرم ويجع بها على المحل الحالق.
وقال ابن أبى هريرة: لا يختلف المذهب أن الوجوب في الأصل على المحل الحالق, فإن كان حاضراً عاد عليه أمره بإخراجها, وإن غاب أو عجز فهل يجب على المحرم إخراجها, قولان وهذا لأنه حصل له الترفيه بحلقة والصحيح ما قال أبو إسحاق, وقال أبو حنيفة تجب على المحلوق وهل يرجع بها على الحالق, قال أكثر أصحابه: لا يرجع, وقال أو حازم: من أصحابه يرجع فإذا قلنا: يرجع على الحالق فقط, فهو كما لو حلق شعر نفسه تلزمه القديمة, فإن عجز فحتى يقدر ولا يعترض عليه إلا أن يكون ممتنعاً من الإخراج مع القدرة فيطالبه على ما ذكرنا, فإن أراد المحرم المحلوق إخراج الفدية عنه لم يجز إلا بإذنه, وإذا أذن فيه جاز له أن يفدى بشاة, أو بطعام, ولا يجوز بالصيام, وإذا قلنا: تجب على المحرم المحلوق، فظاهر المذهب أن له أن يطالب الحالق بإخراجها لأنه السبب في وجوبها عليه, قال أبو حامد: فإن كان قادراً على الفدية بالمال افتدى, ولا يجوز له أن يصوم لأن يؤدى ذلك على وجه التحمل في الصوم, فإن لم يصل إليه لزمه إخراجها, ثم إذا وصل إليه يرجع بها عليه إلا انه يرجع بأقل الشاة أو الإطعام لأنه إذا اختار أكثرهما قيمة كان هو بالزيادة متبرعاً, ولا يرجع بها على غيره وإن صام اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: لا يرجع عليه شيء لأنه لا قيمة للصوم في حق الآدمي, ومنهم من قال: يرجع عليه ببدله لأنه افتدى بأحد أنواع الفدية, فيرجع على من أوقعه فيها كما لو ذبح أو أطعم فمن قال بهذا, قال: فيه وجهان: أحدهما: يرجع بأقلّهما قيمة من الإطعام والذبح والثاني: يرجع كل يوم بمدّ من طعام, لأن هذا بدل الصوم في الشرع [93/أ] , والصحيح أنه لا يرجع نشئ.
ومن أصحابنا من قال: سواء كان الحالق حاضراً أو غائباً على المحرم إخراجها, ثم يرجع على الحالق على ما ذكرنا والأول أصح.
ولو حلق المحرم شعر المحرم فالحكم كما لو حلقه على ما ذكرنا, وقال المزني: الذي خط عليه أشبه يمعناه عندي, لأنه المنتفع

الجزء: 3 - الصفحة: 458

بحلقه, فعليه الفدية عن نفسه, ثم يرجع على من أوقعه إن وصل إليه.
فرع لو أمر حلال حلالاً أن يحلق شعر محرم كانت الفدية على الأمر دون الحالق لأن الحلق منسوب إلى الأمر, والحالق كالآلة ألا ترى أنه لو كان المحرم هو الأمر كانت الفدية عليه دون الحالق, فكذلك إذا كان الأمر أجنبيا, ذكره في "الحاوي" 323. وعندي هذا إذا كان المحلوق نائماً والحالق لا يعرف الحال.
فرع آخر إذا وجبت عليه فدية الأذى, فمات قبل الأداء, فقالت الورثة: إن شئت أديت بدل الصيام ثلاثة أمداد لأكون مخيراً بين ثلاثة أشياء, كما كان المورث مخيراً بين ثلاثة أشياء ليس له ذلك, وعليه أن يذبح شاة, أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, لأن المورث كان مخيراً بين ما ذكرنا, وصوم ثلاثة أيام فإذا عجز أحدهما تعين أحد الشيئين الأخريين كما لو عجز من عليه كفارة اليمين عن الإطعام تعين عليه الإعتاق والكسوة ذكره والدي.
فرع آخر لو طارت شرره إلى رأسه فأحرقت شعره, فإن لم يمكنه تطفئة النار فلا شيء عليه كحلال حلق رأسه قهراً، وإن قدر على التطفئة, فهو كما لو حلق رجل رأسه, وهو ساكت مسألة: قالَ 324: ولا بأس بالكحل ما لم يكن فيه طيب.
الكحل ضربان: ضرب فيه طيب, فيحرم على المحرم استعماله, فإن استعمله تلزمه الفدية للطيب لا للكحل, وضرب لا طيب فيه, فإن كانت بالمحرم حاجة إليه كان له أن يكتحل به [93/ب].
وان لم يكن له حاجة, فالأفضل له تركه.
قال في "الأم": " والاستحباب للمرأة أشد" هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال غيره: إن كان ما يحسن العين, وهو الإثمد, نقل المزني: لا بأس به ونص في الإملاء على أنه يكره, وهو ظاهر قوله في "الأم" 325، قال الشافعي: والكحل في المرأة أشد يعنى في الكراهية فإن صح ما نقله المزني, فالمسألة على قولين, وإلا فالمعروف في كتبه أنه مكروه ولا فدية بحال, لأن أكثر ما فيه حصول الزينة, فهو كلبس اللباس الحسن, والاغتسال وليس كالمفسدة, ينهى عن الكحل كما ينهى عن الثياب المشتهرة من المصبوغ وغيره, وروى عن عطاء أنه سئل: أنكتحل فقال: لا نكتحل لأنه زينة, وقال الشافعي في "الأم" 326: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن إنساناً سأله عن كحل الإثمد للمرأة المحرمة, فقال: أكرهه لأنه زينة, وإنما هي أيام تخشع وعبادة, وقال الثوري وأحمد وإسحاق: يكره الإثمد للمحرمة, ولا بأس به للرجل.
وروى عن ابن عمر أنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل شاء ما لم يكتحل طيباً, وإن كان كحلا

الجزء: 3 - الصفحة: 459

لا يحسن العين, وهو التوتيا ونحوه لا يكره, فإن اشتكت عينه كان له علاجها بالصبر ونحوه لأنه ليس بطيب, وإن احتاج إلى مداواتها بطيب فعل, وافتدى, وروى عن نبيه بن وهب قال: اشتكت عين عمر بن عبد الله بن معمر وهو محرم, فسأل أبان بن عثمان عن ذلك, فقال: أضمدها بالصبر, فإني سمعت عثمان رضي الله عنه يحدث ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 327، أورده أبو داود, وروى: فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان رضي الله عنه, وقال 328: هذا أورده مسلم.
مسألة: قال 329: ولا بأس بالاغتسال ودخول الحمام.
للمحرم أن يغتسل من غير جنابة, ولا ضرورة, ولا فرق إن يصب على رأسه أو بغوص في الماء حتى يغمر رأسه لما روى أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفنا بالأبواء, فقال ابن عباس: [94/أ] يغسل المحرم رأسه, وقال المسور: لا يغسل, قال عبد الله بن حنين راوي الحديث فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبى أيوب الأنصاري أسأله فوجدته يغتسل بين القرنين, وهو يستتر بثوب قال: فسلمت عليه.
فقال: من هذا؟ فقلت: أبا عبد الله أرسلني إليك ابن عباس ليسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه، وهو محرم قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطا حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصبّ عليه الماء: أصيب"، قال: فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه, فأقبل يهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم 330، وأراد بالقرنين العمودين اللذين تشد فيهما الخشية التي تعلق عليها البكرة.
وروى الشافعي بإسناده: أن النبي صلى الله عليه وسلم " اغتسل وهو محرم" 331. وروى عن يعلى بن أمية أن عمر رضي الله عنه أغتسل إلى بعير وهو محرم، وقال: ما يزيد الماء الشعر إلا شعثاً 332، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل حمام الجحفة, وهو محرم, وقال ما يعبأ الله تعالى بأوساخكم شيئاً 333، أي: لا بأس بإزالته, وروى أن قوماً من المحرمين كانوا يتماقلون في الماء وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر إليهم 334، وقال مالك: إن أزال الوسخ عن نفسه في الحمام تلزمه الفدية, وروى عنه: تلزمه صدقة, واحتج عليه الشافعي, فقال: وليس في الوسخ نسك ولا أمرٌ ولا نهي عنه.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلكم قال: "المؤمن نظيف", وروى عن الزبير رضي الله عنه أنه كان

الجزء: 3 - الصفحة: 460

على صلبه وسخ وهو محرم، فاغتسل وأمر بقلع الوسخ عنه 335، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي رضي الله عنه في "الأم" 336: إن كان يريد الاغتسال لتبرد أو تنظيف لم يحرك شعره بيده ويدلّك جسده بالماء [94/ب] لينقيه ويذهب بغيره لأن شعر بدنه لا ينتف بالدلك، وإذا غسل رأسه أفرغ الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيف وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيق وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء أصول شعره ولا يحكه بأظفاره، ويتوفي أن يقطع منه شيئًا فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا، فخرج في يده من الشعر شيء، فالاحتياط أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه بفعله لأن الشعر قد ينتف ويتعلق بين الشعر فإن غسل وحك خرج المنتف، وكذلك هذا في لحيته، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه تلزمه الفدية، لأنه وجد منه سبب في الظاهر والأصل بقاء الشعر في منبته وإن زال بسبب غسله.
وحكي عن مالك أنه كره تغييب الرأس في الماء لأنه يشبه تغطيته بالثياب، وهو غلط لما ذكرنا.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: تعال حتى أباقيك في الماء أيّنا أطول نفسًا وهما محرمان 337. فرع يجوز أن يغسل رأسه بالسدر والخطمي وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ولو غسله بالخطمي يلزمه الفدية، واحتج بأن الخطمي تستلذّ رائحته، ويزيل الشعث ويقتل الهوام فتجب به الفدية كالحناء، وهذا غلط لأنه ليس بطيب، ولا يحصل به ترجيل الشعر، فلا يمنع منه المحرم كالاغتسال بالماء.
وقولهم: يستلذّ رائحته يبطل بالفواكه ولا تستلذّ رائحته غالبًا، وقولهم: يزيل الشعث باطل بالماء وقتل الهوام به لا يعلم، والأصل غير مسلم.
فرع آخر قال في "الأم" 338: ولا يغسل رأسه بسدر ولا خطمي لأن ذلك يرجله، فإن فعل أحببت أن يفتدي، ولا أوجبه عليهِ وظاهر هذا أنه يكره له ذلك.
فرع آخر قال الشافعي 339 رضي الله عنه: [95/أ] لا أكره له دخول الحمام لأنه غسل، والغسل مباح للطهارة والتنظيف، وقال في "القديم": أكره له دخول الحمام لأنه يذهب القشف، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر لا بأس للمحرم والمحرمة أن ينظرا في المرآة.
وقال في سنن حرملة: يكره لها

الجزء: 3 - الصفحة: 461

ذلك، وقال عطاء الخراساني: يكره ذلك بكل حال، وقال مالك: يكره إلا لحاجة، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة وهو محرم 340. مسألة: قالَ 341: ولا بأس أن يقطع العرق ويحتجم ما لم يقطع شعرًا أراد بقطع عرق الافتصاد، وهو مباح كالحجامة.
وقال مالك: يمنع المحرم من الحجامة لأنه يقطع شعرًا، وبه قال ابن عمر والحسن، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بلحى جمل وهو محرم في وسط رأسه 342، وهذا تنبيه على الفصد وبسط الجرح وقطع السلم من جسده والإحسان، ونحو ذلك، فإن حجّ أقلف أجزأه نصّ عليه، ولو قطع فيما ذكرنا شعرًا يلزمه، وقال محمد: لا شيء عليه إذا حلق موضع الحجامة، وهذا غلط لظاهر الآية التي ذكرناها له أن يغسل ثيابه وثياب غيره.
مسألة: قالَ 343: ولا يُنكح المحرم ولا يَنكح.
الفصل الإحرام يمنع النكاح، فلا يجوز للمحرم أن ينكح، ولا للمحرمة أن تتزوج، ولا يجوز للمحرم أن يزوج الغير لا بالولاية ولا بالوكالة، فإن نكح أو أنكح كان باطلًا، وفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول بها، فلا شيء عليه، وإن كان بعد الدخول بها، فلها مهر مثلها، وعليها العدة، فإن تحلل من إحرامه قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: كرهت له أن يتزوج بها في هذه العدة لأنها عدة من وطء محرم، فإن تزوج بها كان النكاح صحيحًا لأنها معتدة [95/ب] من مائه.
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري والحكم: الإحرام لا يمنع النكاح بحال، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحكي عن مالك أنه يحرم عليه النكاح، ولكن لو نكح انعقد، فيجبر على المفارقة، ولا يحلّ بذلك للزوج الأول، وهذا غلط لما روي أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان بن عفان، وأبان يومئذٍ أمير الحاجّ وهما محرمان إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر بن شيبة بن جبير وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: سمعتُ عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح" 344، وروى الدارقطني بإسناده عن

الجزء: 3 - الصفحة: 462

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج" 345، ولأن ما قاله مالك محال، لأنه إن كان النكاح صحيحًا وجب أن تحلّ للزوج الأول، وإن كان فاسدًا، فلا معنى للإخبار على المفارقة والطلاق، واحتج أبو حنيفة بما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو محرم، قلنا: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس في تزوج ميمونة، وهو محرم 346، وروي يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف" 347، وروت ونحن حلالان بما يقال له سرف وروت: ونحن حلالان بعدما رجعنا، قال الحضرمي: يعني رجعنا من مكة، وميمونة أعلم بشأنها من غيرها وأخبر بحالها، فكان أولى، وقال يزيد بن الأصم: تزوجها، وهو حلال وبني بنها وهو حلال وخطبها وهو حلال بسرف [96/أ] وماتت بسرف، ودفناها في الظلّة التي بنى بها فيها، ويزيد هذا ابن أخت ميمونة وقالت صفية بنت شيبة مثل ذلك، ثم يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بذلك.
فرع قال الشافعي: يجوز له أن يشهد النكاح وينعقد النكاح بشهادته لأن الشاهد لا صنع له في العقد، وإنما الصنع للولي، والقائل، وقال الإصطخري: لا ينعقد بشهادته النكاح لما رُوي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المرحم ولا ينكح ولا يخطب ولا يشهد"، ولأنه ركن في النكاح كالزوج، وهذا غلط لما ذكرناه وهذه من الزيادة في الخبر غير مشهورة، وليس كالزوج، لأنه يتعين فيه فيؤكد حكمه، وله صنع في العقد بخلاف الشاهد.
فرع آخر هل يجوز للمحرم الخطبة؟ قال الشافعي: لو توقى المحل أن يخطب محرمة كان أحبّ إلى، فإن خطبها في الإحرام وتزوجها بعد الإحرام صحّ النكاح، وظاهر هذا يدلّ على الكراهة، وكذلك يحرم للمحرم أن يخطب لنفسه ولغيره أيضًا، ولفظ الشافعي: يستحبّ له أن لا يخطب لغيره كما لا يزوج غيره، فإن فعل وعقد الغير بتلك الخطبة، وهو حلال انعقد النكاح وخطبة المحرمة ليست بمحرمة، وإن كرهنا بخلاف خطبة المعتدة، فإنها محرمة والفرق أنها مؤتمنة على قضاء عدّتها، فإذا خطبها لم يأمن أن يكذب في انقضاء عدّتها استعجالًا للنكاح، وليست كذلك المحرمة، فإن قضاء الإحرام بأفعال ظاهرة لا يحتمل فيها الكذب، والاستعجال، فلهذا لا تحرم خطبتها فيه.
وقال صاحب "التقريب": فيه وجه آخر تحرم خطبتها في الإحرام حتى لو خطب المحرم امرأة حلالًا له، فرضيت به، يجوز [96/ب] كحلال آخر خطبها، لأن الخطبة

الجزء: 3 - الصفحة: 463

الأولى لم تقع الموقع، وقد ورد في الخبر، ولا يخطب ولا يخطب عليه، وهذا غلط والخبر محمول على الكراهة.
فرع آخر الإحرام الفاسد كالصحيح في تحريم النكاح سواء لأن الفاسد منعقد كالصحيح، وإنما الفساد يمنع من جوازه عن حجّة الإسلام.
فرع آخر الأمام إذا أحرم لا يجوز أن يزوّج أحدًا بالولاية الخاصة، وهي الولاية بالنسب أو الولاء أو الملك، وهل له أن يزوج بالولاية العامة فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لظاهر الخبر، وقياسًا على الولاية الخاصة.
والثاني: يجوز للضرورة، ولأن الولاية العامة أوسع تصرفًا بدليل أنه تزوج بها المشركات دون الولاية الخاصة.
فرع آخر الحاكم إذا أحرم من أصحابنا من قال: حكمه حكم الإمام ومن أصحابنا من فرق بينه وبين الإمام بأنا لو منعنا الإمام منها لوجب منع خلفائه فيؤدي إلى الضرر بالمسلمين، وفي الحاكم لا يوجد هذا المعنى، وهذا غلط، لأن الإمام إذا منع لا يجب منع خلفائه، لأنهم ليسوا بمنصوبين من قبله وإنما نصبهم لمصالح المسلمين، ولهذا لو مات لا ينعزل الحاكم بموته.
فرع آخر لو وكّل محلّ وكيلًا ليزوجه محله فأحرم الموكل ثم قبل له الوكيل النكاح كان باطلًا سواء كان حاضرًا أو غائبًا علم به الوكيل، أولم يعلم لأن المحرم لا يجوز أن يعقد النكاح له، وهذا إذا قامت البيّنة له بذلك، أو تصادق الزوجان على ذلك.
فرع آخر لو اختلفا، ولم تكن بينة، فقال الزوج: كان العقد قبل أن أحرمت فالنكاح صحيح، وقالت المرأة: كان بعد الإحرام، فهو باطل، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن [97/أ] الظاهر من العقود الصحّة، وإن قال الزوج: عقد النكاح بعد أن أحرمت، قالت المرأة: قبله، فالنكاح صحيح، فإن قول الزوج مقبول في تحريمها وعدم العقد بينهما، ولكن عليها نصف مهرها المسمّى، لأن الظاهر صحّة النكاح، فلم تقبل دعواه في إسقاط ما عليه في الظاهر.
فرع آخر لو قال الزوج: لا أدري عقد النكاح قبل الإحرام أم بعده، كان النكاح صحيحًا لأن العقد قد ظهر، والإحرام طار يجوز أن يكون حدث بعده ويجوز أن يكون قبله، فلا يرجع ما صحّ في الظاهر بالشكّ، ويستحبّ أن لا يقيم على هذا النكاح مخافة أن يكون بعد الإحرام ويبينها بطلقة حتى إن كان العقد فاسدًا لم يضر الطلاق وإن كان صحيحًا تبين فتحلّ للغير.

الجزء: 3 - الصفحة: 464

فرع آخر لو اختلف الزوجان، فقال الزوج: تزوجت بك وأنت حلالٌ، وأنا كذلك، وقالت المرأة: تزوجت بي، وأنا محرمة، فالقول قول الزوج نص عليه كما لو قالت: أنا أختك من الرضاعة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك إذا تزوج بأمٍة، فقالت الأمة: ومولاها تزوجت بها، وهي محرمة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، لأن النكاح قد صحّ في الظاهر.
فرع آخر قال في "الأم": لو وكّل المحرم حلالًا في تزويجه، فالوكالة فاسدة، لأنه لا يجوز له ذلك في حال إحرامه، فإن زوجه الوكيل بعد تحلله من الإحرام صحّ النكاح، لأن الاعتبار بحال العقد لا بحال التوكل، ولأن إذنه قد حصل، فإذا عقد عقدًا بإذنه، يصحّ، فإن قيل: أليس قلتم: لو وكل صبيًا في النكاح، فبلغ وزوج لا يصحّ حين كانت الوكالة فاسدة، فما الفرق، قيل: الفرق أن الصّبي ليس من أهل الإذن والعقد في الجملة بخلاف المحرم [97/ب].
مسألة: قالَ 348: ولا بأس أن يراجع امرأته إذا طلّقها تطليقة.
للمحرم أن يرق زوجته ويراجعها سواء طلقها، ثم أحرم، أو أحرم ثم طلّقها.
وبه قال جماعة العلماء، وقال إسحاق وأحمد في رواية: لا تجوز رجعته، وهذا غلط، لأن الرجعة تجري مجرى استدامة النكاح، والإحرام لا يمنع من استدامته، ألا ترى أن المولى كما لا يمنع عبده من استدامة النكاح لا يمنعه الرجعة، لأنها عقد لا تفتقر صحّته إلى الشهود، فلا يمنع منه المحرم كالبيع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا ليس بشيء، فإن قيل: ما الفائدة في تقييده بالطلقة الواحدة عند قوله: ولا بأس أن يراجع، قيل: أراد تعميم الحرّ والعبد في ذلك إذ العبد كالحرّ في الرّجعة بعد الطلقة الواحدة، ولا يشبهه بعد الطلقتين، وكذلك ذكر العدة ليستقيم حدّ الرجعة في الأحرار والعبيد.
مسألة: قالَ 349: ويلبس المحرم المنطقة للنفقة.
المحرم يلبس المنطقة ويشدّ الهميان في وسطه احتاج إليه للنفقة أو لم يحتج إليه، ولو جعل في طرفي المنطقة سيورًا، فعقد بعضها إلى بعض لم يضره، نصّ عليه في "الأم" 350، وقال بعض أصحابنا: الأولى، تركها لما فيها من الإحاطة بالبدن، وقال مالك: إذا عقدها بشرائحها فهي كالمخيط يلزمه الفدية، وحكي أصحابنا عنه مطلقًا أنه لا يجوز له ذلك، وحكي بعض أصحابه عنه: أنه يجوز نحو مذهبنا، ويجوز أن يشدّ في وسطه حبلًا، أو يحتزم بعمامة.
وقال مالك: لا يجوز ذلك من حاجةٍ ماسةٍ، وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يحتزم لإحرامه 351، والدليل على ما

الجزء: 3 - الصفحة: 465

ذكرنا في المنطقة ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [98/أ] رخّص للمحرم أن يشدّ المنطقة في وسطه، وإطلاق الرخصة يقتضي رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفرق، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن المحرم يشدّ الهميان على وسطه، قالت: نعم، ويستوثق من النفقة 352 ومثله عن ابن عباس 353، ولأنه محتاج إلى ذلك، ولا يستمسك إلا بعقد فجاز له عقده كالمئزر، قال: ويتقلّد السيف ويتكتف بالمصحف لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "صالح مع الكفار عام الحديبية أن يعود إليهم في السنة الثانية معتمرًا ويقيم بمكة ثلاثًا، وأن يدخل، وهو ومن معه إلا وعليهم جلبان السلاح، قال البراء بن عازب راوي الخبر: الجلبان: القراب بما فيه، وإنما سُمي جلبانًا لخفائه، وهذا الشرط، لأنهم لم يأمنوا أن يخفروا الأمان.
مسألة: قالَ 354: ويستظلّ المحرم في المحمل.
له أن يستظّل بما لا يباشر رأسه كالخيمة والمحمل والعمارية، ولو أمسك شاشًا فوق رأسه بحيث لا يمارس رأسه، يجوز ولا فدية عليه مثل الخبرن وحكي عن مالك أنه يجوز أن يستظل نازلًا، ولا يجوز أن يستظلّ سائرًا، لأن ذلك الظل منسوب إليه كالعمامة، وتلزمه الفدية بذلك، وعن أحمد روايتان، واحتج بأن محرم ستر رأسه بما يقصد به الترفه كما لو غطّاه، وهذا لما روت أم الحصين، قالت: حججت مع النبي صلى لله عليه وسلم حجّة الوادع، فرأيت أسامة وبلالًا، أحدهما آخذًا بخطام ناقته، والآخر، رافعًا عليه ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة 355، وروي أن الآخذ بالخطام كان بلالًا والرافع للثوب أسامة، ولأنه تظلّل بما لا يماس رأسه، فأشبه إذا تظلّل بالسقف، وروي جابر في خبر [98/ب] حجّة الوداع "أن النبي صلى الله أمر بقبة من شعر فضربت له فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة وقد ضربت له بنمرة فنزل بها".
فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجل البروز للشمس، وإن كانت امرأة فالسراويل أولى وروي أحمد بن حنبل عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلًا قد جعل على محمله عمودًا له شعبتان وجعل عليه ثوبًا يستظلّ به، وهو محرم، فقال له ابن عمر: أضح للذي أحرمت له 356 أي: أبرز للشمس، وقال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحرّ، وقد ضحى الشمس، فقلت له: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة فأنشد يقول: ضَحيتُ لهُ كي أستَظلّ بظلّهِ إذا الظلّ أمسى في القيمة قالصا

الجزء: 3 - الصفحة: 466

فوا أسفا إن كان سعيك باطلًا ويا حسرتا إن كان حجّك ناقصا وأحمد هذا بصري، مالكي المذهب بعدّ من زهّاد البصرة وعلمائها.

بَابُ دُخول مكّة

مسألة: قالَ 357: وأحب للمحرم أن يغتسل.
يستحبّ للمحرم إذا أراد دخول مكة أن يغتسل بذي طوى، وهو من سواد مكة قريب منها، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة أحرم من ذي الحليفة، ثم أتى طوى فبات بها، فلما أصبح اغتسل ثم دخل من كداء من أعلى مكّة وخرج من كداء من أسفل" مكة 358 [99/أ]، وروي نافع عن ابن عمر: أنه إذا كان خرج حاجًّا أو معتمرًا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكّة نهارًا، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم 359 فعله وقال في "الأوسط" 360: أحبُّ للمحرم إذا أراد دُخول مكة أن يغتسل في طرفها وأراد ما ذكرنا، وهذا لأنه موضع جمع وزينةٍ، فالمستحبّ أن يكون على أكمل أحواله من التنظيف والغسل، ولا يجب ذلك لأنه غسل لأمرٍ مستقبلٍ، وهو دخول مكة فأشبه غسل العيدين، ويستحبُّ ذلك للحائض، والنفساء كما يستحب للطاهرة والصغير والكبير لحديث أسماء وعائشة رضي الله عنهما حين حاضت، وقال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، ويختار للغسل ذو طوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل مسألة: قالَ 361: ويدخل من ثنية كداء.
المستحبّ أن يدخل مكة من ثنية كداء من أعلى مكّة ويخرج من ثنية كداء من أسفل مكة والأعلى عند طريق منى، والأسفل عند طريق العمرة "لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها" 362، وروي عنها أنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء أعلى مكّة ودخل في العمرة من كداء 363. وكداء ممدود وكداء ثنيتان، ثم النزول بذي طوى والدخول من ثنية كداء لمن جاء من طريق المدينة، فأمّا من سائر الأقطار يحتاج إلى أن يدور حول مكة حتى يدخل من هذا الطريق ويشقّ عليه ذلك، فلا يستحب ذلك وبمثله [99/ب] يستحبّ لجميعهم الدخول في المسجد من باب بني شيبة، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ذلك القدر لا يشقّ، وهو أن يدور حول بعض المسجد إلى أن يصل إلى باب بني شيبة وهناك يشقّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 467

والثاني: أن ثنية كداء كان على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخوله منه كان اتفاقًا لا قصدًا، وباب بني شيبة لم يكن على سمت دخوله فإن الداخل من طريق المدينة أول ما يصل يصل إلى باب إبراهيم، فدل أن الفصل في باب بني شيبة أشد حيث تكلّف النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الفقال.
فرع لا فرق بين الليل والنهر، فإن شاء دخل ليلًا، وإن شاء دخل نهارًا، ولا فرق لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلًا حين اعتمر من الجعرانة ودخلها في عمرة القضاء، وعام الفتح نهارًا، وقال جابر: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حين ارتفعت الضحى، وقال أبو إسحاق: دخولها نهارًا أولى.
وبه قال ابن عمر والنخعي وإسحاق، وقالت عائشة وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير: دخولها ليلًا أولى.
فرع آخر لا فرق بين أن يدخلها راكبًا أو ماشيًا أو حافيًا في الإباحة والمشي أفضل، وقال بعض العلماء: المستحبّ أن يَدخلها راكبًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا.
وقال بعضهم: المستحبّ أن يدخلها ماشيًا حافيًا لقوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد حجّ هذا البيت سبعون نبيًا كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى تعظيمًا للحرم" 364، قال أصحابنا: ويستحبّ أن يدخلها بخشوع قلب وخضوع جسد داعيًا بالمعونة والتيسير [100/أ]، ومكّة وبكّة واحدة، وقيل مكّة الحرم كله وبكّة اسم البيت، وقيل: مكة الحرم وبكة المسجد كله.
مسألة: قالّ 365 وإذا رأى البيت.
الفصل إذا دخل مكة يبدأ بالقصد نحو البيت لا يشتغل بشيء آخر.
وقال إذ رأى البيت: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وزد في شرفه وعظمة ممن حجّة أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت قال ذلك 366، ونقل المزني: لمن عظم البيت تكريمًا ومهابةً كما ذكر البيت، وهو غلط، ولفظ الشافعي في "الأم": وبرًا على ما ذكرنا، وهذا لفظ الخبر، وهو الأليق لأن المهابة للبيت لا لمن عظمه والبر به أليق، وقيل: ما ذكر المزني مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلًا، رواه ابن جريج، وهذا الدعاء لما روي أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلمين عند رؤية الكعبة".
قال الشافعي 367: ونقول بعد هذا الدعاء: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا

الجزء: 3 - الصفحة: 468

بالسلام، وهذا لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول ذلك 368، وروي مثله عن سعيد بن المسيب 369 ويليق بهذا المكان، وقوله: أنت السلام اسم من أسماء الله تعالى، ومنك السلام يعني من الآفات، فحينا ربنا بالسلام، يعني أجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلام من الآفات.
وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر يقول كلمة ما سمعها منه غيري، سمعته يقول هذا حين رأى البيت، وروي ابن جريج [100/ب] عن بعض السلف أنه كان إذا رأى البيت يقول: اللهم إنا نحلّ عقدة ونشدّ أخرى ونهبط واديًا ونعلو آخر حتى آتيناك غير محجوب أنت أعنا إليك خرجنا - وقيل حججنا - فارحم ملقى رحلنا بفناء بيتك، قال الشافعي: وأحبّ أن يقول هذا ذكره القفال ويستحب أن يرفع يديه إذا رأى البيت، ثم يقول هذا الدعاء، نصّ عليه في "الجامع الكبير"، وذكره القاضي أبو حامد في "جامعه".
وقال في "الإملاء": ليس في رفع اليدين شيء أكرهه ولا أستحبه ولكنه حسن للخبر في ذلك، والمراد بالخبر ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين" 370. وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ترفع الأيدي في استقبال البيت" 371. وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليد عند رؤية البيت، ومثله عن مالك أنه كان لا يرى ذلك، واحتجّ بما روي عن المهاجر المكّي قال: سئل جابر رضي الله عنه عن الرجل يرى البيت يرفع يديه، فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعله" 372، وهذا غلط لما ذكرنا، لأنه زائد ومثبت وهو أولى، وقد قيل المهاجر المكي مجهول، وأما التكبير عند رؤية البيت لا يعرف للشافعي أصلًا، وقال بعض أصحابنا: إذا رآه كبّر وليس بشيء.
مسألة: قالَ 373: ويبتدئ الطواف باستلام الحجر.
إذا دخل مكة يدخل المسجد ولا يعرج على شيء غير الطواف بالبيت، ويؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزل [101/أ] ينزلهُ حتى يفرغ من الطواف لأنه تحية البيت فيبدأ به كما يبدأ إذا دخل المسجد بركعتين تحية، وهذا لأن البيت أفضل من سائر المساجد، فكانت تحيته أفضل من تحية سائر المساجد، والطواف أفضل من الصلاة،

الجزء: 3 - الصفحة: 469

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله تعالى على هذا البيت عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطائفتين وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" 374. وروى أبو هريرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكرم سكان أهل السماء الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته" وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبته" 375. وقال أيضًا: "لا يرفع قدمًا، ولا يضع أخرى إلا حطّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة"، وروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" 376. وروي جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم طاف" ويسمى هذا الطواف طواف القدوم، وطواف الورود، وطواف التحية.
فإن قيل: فهلا قلتم: إنه يركع ركعتين تحية لدخول المسجد؟ قلنا: لأن المقصود من دخول هذا المسجد الكعبة، فأمرنا بالطواف الذي هو تحية الكعبة، فإن قيل: إذا طاف ينبغي أن يركع ركعتين تحية المسجد؟ قلنا: إذا فرغ من الطواف ركع خلف المقام ركعتين وتسقط تحية المسجد بها ألا ترى أنه إذا دخل المسجد والإمام في المكتوبة يصلى المكتوبة معه وتسقط تحية المسجد؟ ولأن المقصود من تحية المسجد ألا يدخل المسجد لاهيًا، [101/ب] فإذا طاف فقد زال هذا المعنى، فإذا تقررّ هذا، فاعلم أنه لا يختص هذا الحكم بالحاج بل هول يستحب لكلّ من دخل مكّة، وإن كان تاجرًا، ويستحبّ أن يدخل من باب بني شيبة لما روى عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من باب بني شيبة، وخرج من باب نبي مخزوم 377، ولو دخل والإمام في الفريضة.
قال الشافعي 378: يبدأ بالصلاة لأن الجماعة في المكتوبة سنة مؤكدة وفي بدايته بالطواف فوات الجماعة، وليس في بدايته بالجماعة فوات الطواف، فكان الأولى البداية بالصلاة، قال 379: وإن دخل، وقد تقاربت إقامة الصلاة، بدأ بالصلاة، فإن بدأ بالطواف ثم أقيمت الصلاة، قطع الطواف وصلى ثم بني على طوافه وأتمه ويختار أن يقطعه على وتر فإن قطعه على شفع جاز ويخرج من الطوفة عند الحجر الأسود ليكون قد أكملها.
وروي عن ابن عمر أنه كان يطوف، فإذا أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بني على طوافه، وإن دخل، وقد ضاق وقت المكتوبة بدأ بها لأن إخراج المكتوبة عن وقتها لا يجوز وهكذا إذا خاف فوت الوتر بطلوع الفجر بدأ بالوتر، وكذلك إذا خاف فوت ركعتي الفجر بدأ بهما لأنهما نافلتان مؤكدتان، وقد قال الشافعي: ومن تركها كان

الجزء: 3 - الصفحة: 470

أسوأ حالًا ممن ترك جميع النوافل فيبدأ بهما لقوتهما، وفضّل تأكدهما وكل موضع، قلنا: يبدأ بالصلاة، فإذا فرع منها طاف، فإن قيل: هلا أسقطتم الطواف كما إذا دخل المسجد، والإمام في المكتوبة فصلاها معه سقطت ركعتا التحية؟ قيل: لأن الصلاة والطواف جنسان مختلفان، فلم يتداخلا وركعتي التحية والصلاة المكتوبة جنس واحد فيتداخلان، ثم قال في "الأم" 380: ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك إلا امرأة لها [102/أ] شباب ومنظر، فأحبّ لها أن تؤخر الطواف حتى الليل ليستر الليل منها وهذا الطواف غير واجب، فإن تركه لا شيء عليه.
وقال أبو ثور هو نسك ويجب بتركه دم، وقال مالك: إن تركه مرهقًا مستعجلًا فلا شيء عليه وإن تركه مطيقًا يلزمه دم، وهذا غلط، لأنه لا يلزمه إعادته، فلا يكون نسكًا وإنما هو تحية على ما ذكرنا، فلا يجب الدم بتركه.
فرع إذا أراد الطواف يستحبّ أن يبتدئ من الركن الذي فيه الحجر الأسود ثم يصنع خمسة أشياء أن يحاذيه ببدنه، والثاني أن يستلمه بيده، والثالث أن يقبّل بفيه، والرابع، أن يسجد عليه إن أمكنه، والخامس، أن يقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر إيمانًا بك، أي: أطوف إيمانًا بك وأراد بالتصديق بكتابه قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، وأراد بالعهد قوله تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]، فإتباع ملّة إبراهيم من عهد الله تعالى إلينا ويريد بإتباع سنّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد ثبت عنه أنه طاف بالبيت، كما بينا، وإنّما يستحبّ ذلك لما روى عبد الله بن السائب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كلها هيئة لا محاذاة الحجر الأسود.
ورُوي أن عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود، فقبّله، ثم سجد عليه، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ما فعلته 381. فرع آخر البداية بالحجر عند الطواف لشرفه.
وروي جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عينه من البكاء 382. وروي نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما 383. وروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [102/ب] قال: "الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" 384. روي عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس

الجزء: 3 - الصفحة: 471

نورهما لأضاءتا بين المشرق والمغرب" 385. وروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق" 386، واعلم أن متابعة السنّة واجبة ولو لم يوقف على علّتها، وقد فضل الله تعالى بعض الأحجار على بعض كما فضّل بعض البقاع والبلدان والأيام على بعض.
فرع آخر الاستلام افتعال في التقدير مأخوذ من السلام، وهي الحجر، فالسلام الحجارة السود والبصرة الحجارة البيض وبها سميت البصرة لما في أرضها من عروق الحجارة البيض، فقوله: استلم، أي: مسّ السلم، وقيل: إنه مأخوذ من السّلم أي إنه يحي نفسه عن الحجر، فإن الحجر لا يحييه كما يقال: اختدم إذا لم يكن له خادم فخدم بنفسه، وقيل: مأخوذ من السلم كأنه يسلّم عليه ويحييه به، والكمال في الاستحباب أن يستقبل الحجر فيضمه إلى الصدر مع تقبيله، وقد روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده" 387، والمعنى أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته، وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به.
فرع آخر قال الشافعي: يقبل الحجر بلا تصويت ولا تطنين.
هكذا السّنة فيه، وقال مالك: يكره [103/أ] ذلك، بل يستلمه ثم يقبل يده وهذا غلط لما روى ابن عباس أن عمر رضي الله عنه مال على الحجر، قال: أما أني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبّلتك.
وقرأ: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:21].
وروي أنه لما قال هذا قال له أبي بن كعب: أما سمعت رسول الله يقول: "إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة، وله لسان ذلق يشهد لمن قبَله واستلمه"، قال: نعم، قال: وبهذا منفعته.
فرع آخر قال: لو لم يتمكن من التقبيل استلم، وقبل اليد، فإن لم يتمكن من الاستلام والتقبيل.
قال الشافعي: أشار ولا يشير إلى القبلة بالفم لما روي عن طارق، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف حول البيت، فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجن بيده"، وقال في الحاوي 388: إذا ازدحم الناس أومأ بيده، ثم يقبلها.

الجزء: 3 - الصفحة: 472

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجّة الوداع يستلم الركن بمحجن" 389 المحجن: عود معقف الرأس يكون مع الراكب يحرّك به راحلته، ومعنى طوافه على البعير ليراه الناس، ويشاهدوه فيسألونه عن أمر دينهم، ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلى أن يشرف عليهم.
وقد روي هذا المعنى عن جابر 390، أدرجه في الخبر، وروي: أشار إليه بشيء في يده وكبّر وقبّله.
فرع آخر الزحام عليه مكروه، وقالت طائفة من العلماء الزحام عليه أفضل لأن سالم بن عبد الله، قال: كنا نزاحم عبد الله بن عمر على الركن، وكان عبد الله لو زاحم الإبل لزحمها، وقال طلحة بن يحيي بن طلحة: سألت القاسم بن محمد عن استلام الركن، فقال: استلمه يا ابن أخي وزاحم عليه، فإني رأيت ابن عمر [103/ب] يزاحم عليه حتى يُلقى، وقيل لابن عمر: إنك تزاحم على الركنين زحامًا، فقال: لأني سمعتُ رسوله الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مسحهما كفّارة للخطايا" 391 وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خاليًا، فاستلمه وإلا فاستقبله وكّبر" 392، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تزاحم على الحجر لا تؤذي ولا تؤذي لودَدت أن الذي يزاحم على الحجر نجا منه كفافًا.
فرع آخر إذا أرادت المرأة تقبيل الحجر، فعلت ذلك في الليل عند خلو الطواف وليس لها ذلك عند زحمة الناس.
فرع آخر الكمال أن يستقبل الحجر بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل الحجر عن يمين نفسه، ثم يمرّ به مستقبلًا له، فإذا جاوزه صار البيت عن يساره، فأما الإجزأ فأن يحاذي بكل بدنه كل الحجر، أو بكلّ بدنه بعض الحجر إن أمكن كما لو استقبل بجميع بدنه بعض البيت في الصلاة يجوز ولو حاذى ببعض بدنه كل الحجر، أو بعض الحجر فيه قولان.
قال في "القديم": يجزئه لأن محاذاته بجميع بدنه، ومعرفة ذلك مما يشقّ فسومح له فيه، ولأنه حكم يتعلق بالبدن، فاستوي فيه حكم جميع البدن وبعضه كالحد، وقال في

الجزء: 3 - الصفحة: 473

"الأم" 393: لا يجزئه، لأن الطواف بجميع البدن، فإذا حاذاه ببعض بدنه، فلم يبدأ بالطواف من عند الحجر بجميع بدنه، فعلى هذا إذا طاف سبعًا لم يحتسب بالسبع الأول، واحتسب بما بعده لأنه إذا دار فقد حاذي الحجر بجميع بدنه من غير شكّ، وهذا أصحّ لأن ما لزمه استقباله لزمه بجميع بدنه كالقبلة.
فرع آخر يستحبّ له أن يكبّر عند محاذاة الحجر كل مرة، لما روي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم [104/أ] طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبّر 394، وقال في "الأم" 395: أحب أن يقول كلّما حاذى الركن: الله أكبر، ولا إله إلا الله.
فرع آخر قال أصحابنا: يستحبّ أن يقبّله ويسجد عليه، ثم يقبّله ويسجد عليه ثلاثًا ويمسح وجهه بيديه، وقد قال الشافعي في "الأم" 396: جاء ابن عباس يوم التروية مسبدًا رأسه، فقبّل الركن، ثم سجد عليه ثلاث مرات 397، وأنا أحب إذا أمكنني ما صنع ابن عباس من السجود على الركن لأنه يقبّله، وزيادة سجود لله تعالى، قال أبو عبيد: التسبيد ترك التدهين والغسل.
مسألة: قالَ 398: ويستلم اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله.
أراد باليماني الركن الأسفل عن يمين البيت، فإن الحجر في الركن الأعلى عن يمين البيت نحو اليمين فيستحب استلامه بيده، ويقبل يده ولا يقبله بخلاف الركن الأسود، لأنه أشرف لأن ابتداء الطواف منه والحجر الأسود فيه، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه أصلًا، وقال مالك: يستلمه ويضع يده على فيه، ولا يقبل يده، وهذا غلط لما روي عن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني بمحجنه ثم يقبّله 399. قال أصحابنا: لما استلمه بمحجنه قبّل المحجن، فمن استلمه بيده قبّل يده.
وروي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة، ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر 400، وقال ابن عمر: ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يبنَ على قواعد إبراهيم عليه السلام 401، وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهم كانوا يستلمون الركن اليماني ويقبلون أيديهم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [104/ب] فيه وجهان: أحدهما: يقبّل يده أولًا ثم يضعها على الركن، فكأنه ينقل القُبلة إليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 474

والثاني: يضعها على الركن ثم يقبّلها كأنه ينقل بركته إلى نفسه، وهذا غريب.
وقال الشافعي 402: لم أعلم.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل الحجر الأسود، وروي الخرقي 403 عن أحمد أنه يقبّله، وهو غلط لما ذكرنا، وقال أبو حامد: إن كانت للبيت أربعة أركان، الركن الأسود ويسمى أسود لأن الحجر الأسود فيه، والركن الثاني والثالث يليان الحرج، والميزاب بينهما نصب إلى الحجر، وهما الشاميان، والرابع اليماني، ومن الناس من قال: الثاني العراقي، والثالث الشامي، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وقبلة المدينة إلى الميزاب، والمدينة بين مكة والشام، وباب البيت بين الأسود والثاني، وهو إلى الأسود أقرب والملتزم بين الحجر والباب فالأول قبلة خراسان، وباب البيت قبلة العراق، واللذان يليان الحجر قبلة الشام، واليماني قبلة اليمن.
فرع لا يستلم الركن العراقي ولا الشامي، أو الشاميين، وهما الركنان اللذان بينهما الحجر.
وبه قال جماعة العلماء لما ذكرنا من خبر ابن عمر، وقال أبو الطفيل كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال له ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلّا الحجر الأسود، والركن اليماني، فقال معاوية: ليس في البيت شيء مهجور 404. وأجاب الشافعي 405 بأن من طاف بالبيت فما هجره لأن ما بين الركنين لا يستلم، وليس بهجران، وروي عن جابر أنه كان يستلم الأركان كلها.
وقد قال ابن عباس: لم يستلم [105/أ] رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الركنين اليمانيين 406، فالصحيح هذا، والفرق ما قال ابن عمر رضي الله عنهما: أن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الركنين الآخرين، فكانت لهما فضيلة على غيرهما.
فرع آخر يستحب أن يكبَر عند الركن اليماني، ويدعو.
وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على الركن اليماني ملكان موكلان يؤمنان على دعاء من يمرّ به وعلى الأسود ما لا يحصي" 407. ويختار أن يكون من دعائه ما روى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرّ بالركن اليماني يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذلّ وفي مواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فقال رجل: يا رسول الله أقول هذا وإن كنت مسرعًا؟ قال: "نعم"،

الجزء: 3 - الصفحة: 475

وإن كنت أسرع من برق الخلب" 408. فرع آخر يستحب أن يدعو بين الحجر والركن اليماني، وروي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة"، ويكون من دعائه ما روى عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين الحجر والركن، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" 409. وقال ابن عباس عند الركن اليماني ملك قائم يقول: آمين، آمين، فإذا مررتم به، فقولوا: ربنا آتنا ...... إلى آخره.
فرع آخر كل ركن، قلنا: يستلمه، فالمستحبّ في كل طوفة لما ذكرنا من خبر ابن عمر، فإن لم يمكنه، ففي كل وترٍ، قال في "الأم" 410: وأحب الاستلام في كل وترٍ أكثر مما أستحبّه في كل شفع، وروي عن مجاهد أنه كان [105/ب] لا يكاد يدع استلام الركن والحجر في كل وتر.
فرع آخر قال 411: وأحب استلامه ما لم يؤذ غيره بالزحام أو يؤذه غيره إلا في ابتداء الطواف، فاستحبّ له الاستلام وإن كان بالزحام، ثم اعلم أن الشافعي قال بعد هذا: وأنه أي وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرج على شيء دون الطواف، أي: لم يشتغل إلا بالطواف.
ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال 412: ولا يبتدئ بشيء غير الطواف إلا أن يجد الإمام في مكتوبة وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ويقول عند ابتداء الطواف والاستلام: بسم الله، والله أكبر.
وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قالّ 413 ويضطبع للطواف.
الفصل المستحب أن يضطبع للطواف قبل أن يبتدئ الطواف حتى يكون في جميع طوافه مضطبعًا.
والاضطباع: هيئة فيه، وهو أن يشتمل بردائه على منكبه الأيمن، ويكون منكبه الأيمن بارزًا مكشوفًا.
قال الشافعي: حتى يكمل سعيه، وفي بعض النسخ "حتى يكمل سبعة"، فمعنى الأول أن يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ بعد الطواف من السعي بين الصفا والمروة، ومعنى الثاني، أنه يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ من أشواط الطواف، وهي سبعة.

الجزء: 3 - الصفحة: 476

والأول أصح، وهو المراد، فعلى هذا إذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، وغطى منكبيه حتى يصلي ركعتي الطواف، فإنه يكره أن يكون في الصلاة مضطبعًا، فإذا استلم كشف منكبه الأيمن، واضبطع للسعي، ففي اللفظ إضمار، وهو إلاّ في حالة ركعتي الطواف ويستديم ذلك إلى أن يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، واشتقّ الاضطباع من الضبع، وهو عضد الإنسان، وأصله: اضتبع، [106/أ] افتعل من، فقلبت التاء طاء، فقيل: اضطبع.
وقال مالك: لا يسنّ الاضطباع وهذا غلط لما روي عن يعلي بن أميّة، قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت مضطبعًا، وعليه برد أخضر" 414. وروي ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطوف جلست قريش في الحجر لينظروا إليه، فاضطبع وطاف، وقد قال في "المختصر" 415 لأن النبي صلى الله عليه وسلم اضطبع حين طاف، ثم عمر ولم يرد الشافعي بتخصيصه عمر رضي الله عنه الذكر أن غيره من الخلفاء لم يضطبع، ولكنه بين سبب الاضطباع حين اضطبع وذلك أن عمر رضي الله عنه لما حجّ اضطبع للطواف، ثم قال: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أضاء الإسلام ونفي الشرك، ولكني لا أدع شيئًا.
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله 416 هكذا ذكره أصحابنا، وقد أضاء الله الإسلام وهذا مُصحّف، وإنما هو وقد أطأ الله الإسلام، وهذا في الأصل وطأ الله، أي: أثبته وأرساه، ولكن الواو قد تبدل الفاء، ويريد بالرملان، الرمل في الطواف والسعي ويريد بالكشف عن المناكب للاضطباع.
وروي ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نفعل ذلك، نرائي المشركين، فاليوم من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين بالاضطباع والرمل هو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر سنة سبع عمرة القضاء.
كان المشركون قد خلوا له مكة وصعدوا حراء ينظرون إلى المسلمين.
وكان المسلمون إذ ذاك قد أصابتهم سنة قد ضعفوا فيها واصفرّت ألوانهم وأنهكت أجسادهم، فلما رآهم على تلك الهيئة توامروا فيما بينهم، فقالوا: [106/ب] قد وهنتم حمى يثرب فبنا أن نحمل عليهم فنستأصلهم، فنزل جبريل عليه السلام في الحال، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما توامر به المشركون على الجبل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بلاضطباع والرمل، فلما رأي المشركون ذلك، قالوا: إن فيهم بعد بقية أو قوة، فنقضوا ما توامروا به.
وروي أنهم قالوا: هم أجلد منّا 417. وحكي عن أحمد قال: لا يضطبع للسعي بين الصفا والمروة لأنه لم ينقل، وهذا غلط لأنه في معنى الطواف.
بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليرى المشركين قوته.
ثم قال الشافعي 418 في "المختصر" والاستلام في كل وتر أحب إلى منه في كل

الجزء: 3 - الصفحة: 477

شفع، وقد ذكرنا هذا، وهذا لأن الوتر في السبعة أكثر من الشفع، ولأن الوتر يمتاز بالفضل في كثير من المواضع عن الشفع.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب كل وتر" 419، واعلم أن ههنا إشكالًا وهو أن ظاهر هذا اللفظ يدلّ على أن الاستلام يفعل في بعض الأشواط دون بعض، وليس كذلك، بل يستحبّ ذلك في كل شوط مع القدرة، والمزني ذكر هذا في حال العجز، وأعرض عن بيان حال القدرة، فإن استلم في وتر، ثم تمكن في الشفع، فيستحبّ أن يستلم كما استلم في الوتر.
مسألة: قالَ 420: ويرمل ثلاثًا.
الرمل: هيئة في الطواف كالاضطباع، وهو سرعة المشي مع تقارب الخطى.
قال الشافعي 421: الرمل، هو الخبب لا شدة السعي، ولا أحب أن يثب من الأرض وثوبًا، ويرمل في ثلاثة أطواف ويمشي في الأربعة الباقية، وإذا رمل في الثلاثة لا يفصل بنيها بوقوف [107/أ]، إلَّا أن يقف عند استلام الركنين ثم يمضي خببًا، والرمل في الثلاثة، الأولى والمشي في الأربعة الأخيرة.
هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال 422: ويتبدئ الطواف من الحجر الأسود فيرمل ثلاثًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه، قلنا: أي رمل ثلاثًا من الحجر إلى الحجر، على ما روي جابر 423 خلاف ما حكي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمل فيما الركن اليماني والحجر الأسود إذ البيت كان يسترهم عن رؤية المشركين على الجبل إياهم.
والمروي أنه إنما مشى في الأربع الأخيرة، وترك فيها الرمل إبقاء على أصحابه.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: ما قال ابن عباس، وذهب إليه، وهو غير صحيح، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في عمرته كلها، وفي حجّة، وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن بعدهم.
وروي عنه أنه قال: ليس بسنة اليوم 424، أورده أبو داود، فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا، فكيف رمل، قلنا: إنما طاف راكبًا طواف الزيارة دون طواف القدوم، ثم الراكب يطوف ثلاثًا خببًا، فإن قيل: الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، وقد زالت علة الرمل.
قلنا: قد يذهب السبب، ويبقى الحكم كما في استحباب غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم الرسول صلى الله عليه وسلم اضطبع ورمل في عمرة الجعرانة، وذلك بعد فتح مكة، وكذلك في حجّته، وكانت بعد الفتح فثبت أنه سنّة ثانية.
مسألة: قالَ 425: والدنو من البيت أحبّ إليّ.
أراد أنه وإن كان في التباعد من البيت زيادة الخطى، فالدنو من البيت أحبّ إلى لأنه أقرب إلى المقصود [107/ب]، وهو البيت، وأسهل عليه، ثم قال 426: فإن لم يمكنه

الجزء: 3 - الصفحة: 478

الرَمل، فكان إن وقف وجد فرجة وقف ثم رمل، أي: وقف لينفرج ما بين يديه، ثم رمل في تلك الفرجة، وإن لم يمكنه الوقوف ليجد الفرجة، قال: أحببت أن يصير في حاشية الطواف، وقيل: هذه العبارة غلط من المزني إذ الطواف لا يكون له حاشية، وإنما قال الشافعي 427: أحببت أن يصير حاشية في الطواف، أي يصير حاشية الناس في حال الطواف، ثم استثني، فقال 428: إلا أن يمنعه كثرة النساء، فيتحرك حكرة مشية متقاربًا يريد به أن النساء في الطواف يكن على حاشية، فربما لا يمكن هذا العاجز عن الرمل أن يخالط النساء، فحينئذٍ يتشبه بمن يرمل قدر ما يمكنه كما فسر الشافعي من تحركه في مشيه متقاربًا، ومعناه أن يرى أنني لو أمكنني الرّمل رملت، فإن قيل: أليس قال: والدنو من البيت أولى، فلم ترك ههنا لأجل الرمل، وهما هيئتان؟ قلنا: إذا لم يكن الجمع بينهما فمحافظة الرمل أولى لأن السنّة فيه ثابتة، وليست في المقاربة سنّة مأثورة إن شاء الله، ولا شك أن الصحابة حين طافوا تقارب بعضُهم وتباعد البعض، واستووا في محافظة الرّمل، ثم قال 429: ولا أحب أن يثب من الأرض، أي: يقفز لعجزه من الرّمل.
وقال في "الأم" 430: وإذا كاف راكبًا، فلم يؤذِ أحدًا أحببت أن [تخبب] 431 دابته في موضع الرمل.
فرع قال 432: إذا طاف الرجل بالصبي أحببت أن يرمل به، وإن طاف النفر بالرجل في محفة أحببت إن قدروا على الرمل أن يرملوا به، لأنهم ينوبون عنه، ويتحرك هو بحركتهم.
وقال في القديم": لا يرملون به، لأن فعل الحاملين [108/أ] لا يثبت إليه، فحصل قولان فيهما، والأول أصحّ.
فرع آخر قال في "الأم" 433: سواء في هذا طواف نسكه قبل عرفة، وبعدها، وفي كل حجّة وعمرة إذا كان الطواف الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة.
قال: فإن قدم حاجّا أو قارنًا، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم زار يوم النحر، أو بعده لم يرمل، لأنه قد طاف [الطواف] 434 الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة، وإن قدم حاجّا، فلم يطف حتى يأتي منى رمل في طوافه بالبيت بعد عرفة.
فرع آخر إذا طاف طواف القدوم، ورمل فيه، واضطبع وأخر السعي بين الصفا والمروة إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 479

طواف الزيارة رمل واضطبع في طواف الزيارة.
ذكره أصحابنا من غير خلاف لأنه يحتاج إلى الرمل والاضطباع في السعي، والسعي تابع للطواف، فلا يكون التابع أكمل، فيفعل في الطواف أيضًا.
فرع آخر إذا طاف للقدوم وسعى خلفه وترك الرّمل والاضطباع فيهما، فإنه إذا طاف طواف الزيارة لا يسعى عقيبه بل يكفي ما تقدم، وهل يرمل في هذا الطواف ويضطبع قال أبو حامد: يرمل فيه ويضطبع لأنه لم يأتِ به في موضعهِ فيقضيهِ الآن، ولو لم يفعل ذلك فاتته سنة الرمل والاضطباع.
وقال القاضي الطبري: هذا عندي غير صحيح لأن كلام الشافعي في "الأم": يقتضي أنه إنما يستحبّ له الرمل والاضطباع في الطواف الذي يسعى بعده على ما ذكرنا وههنا لا يسعى بعد هذا الطواف لأن هذا القائل، قال: إذا لم يأتِ به في موضعه قضاه، والرّمل لا يقضي لأنه هيئة، ولو كان يقضي لكان الأولى أن يقضي في الأربعة من ذلك الطواف، فإن قيل: [108/ب] فأنت تقول: إذا لم يسع بعد طواف القدوم رمل في طواف الزيارة، وهذا قضاء، قلت: هذا ليس بقضاء وإنما السنّة أن يرمل في الطواف الذي يسعى بعده سواء كان في طواف القدوم أو طواف الزيارة، وقد ذكرت فيه نص الشافعي، فبطل ما قاله هذا القائل، وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر ليس 435 على النساء رمل ولا اضطباع لأن معناه لا يوجد فيهن، ولأن ذلك يقدح في سترهن.
مسألة: قالَ 436: وإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضِ في الأربع.
أراد به أن المشي في الأربع الأخيرة سنّة، كما أن الرمل في الثلاث الأولى سنّة، فليس له قضاء ما فاته من سنة الثلاث الأولى بترك السنّة في الأربع الأخيرة، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يقضي.
فرع لو ترك الرمل في الأول أتى به في الثاني، ولو ترك في الثاني، أتى به في الثالث، ولو ترك الاضطباع في بعض السبع اضطبع في باقيه، ولو كان مرتديًا بقميص أو سراويل اضطبع به، وإن كان مؤتزرًا بادي المنكبين، ولا ثوب غيره اضطبع بأي أمكن.
فرع آخر روى الشافعي عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط ودور، ولكن ليقل طوف أو طواف، وطوافان، وأطواف.
قال الشافعي 437: وأكره من ذلك ما كره مجاهد لأنّ الله

الجزء: 3 - الصفحة: 480

تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
فرع آخر يكره أن يضع يده على فيه في حال الطواف، وهذا لأنه يكره ذلك في الصلاة.
وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلّمن إلاّ بخير" 438. فرع آخر قال الشافعي: كره قوم أن يعد [109/أ] في الطواف، وعندي لا يكره ذلك.
وروي الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد الرحمن، وهو معه في الطواف: "لم تعد"، ثم قال: "تدري لما سألتك إنما سألتك لتحفظه".
مسألة: قالّ 439: وإن ترك الاضطباع والرمل والاستلام فقد أساء، ولا شيء عليه".
هذه الأشياء إذا تركها عامدًا، أو ساهيًا بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه ولا جبر، وهكذا لو ترك التقبيل والدعاء لأنها هيئات كهيئات الصلاة سواء، ولكنه أساء بذلك إذا تعمد تركه من غير عذر والحجّ ينقسم ثلاثة أقسام أركان وأبعاض وهيئات، فالأركان أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي.
وإذا قلنا: الحلاق من النسك في أحد القولين، فهو ركن أيضًا، لأنه لا يقوم غيره بمقامه، فإذا ترك أحدًا واحدًا منها لم يجزِ حجّه والأبعاض: الرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى.
ليالي منى، فيجب الدم بتركها، وما سوى ذلك هيئات لا شيء في تركها، وحكي عن الحسن والثوري، وعبد الملك الماجشون أن عليه الدم في ترك الرمل والاضبطاع لأنه نسك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من ترك نسكًا فعليه دم"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس، قال: ليس على من ترك الرمل شيء، ولا يقول مثل هذا إلا توفيقًا، ثم قال 440: وكلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقد ذكرنا هذا ويقول مع التكبير ما ذكرنا من الدّعاء.
مسألة: قالّ 441: وقال في رمله: اللهم اجعله حجًا مبرورًا أي: متقبلًا وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، أي: مثابًا عليه، ويقول في سعيه في الأربعة الأشواط: ربّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعزّ الأكرم ربنا آتنا في [109/ب] الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك، وذكر الشافعي في موضع بدل قوله، وتجاوز عما تعلم واعف عما تعلم ومعناهما واحد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: معنى قوله ويقول في سعيه، أي: بعد الطواف في سعيه بين الصفا والمروة.
وقيل: أراد

الجزء: 3 - الصفحة: 481

في سعيه فيهما وهذا أقرب عندي وذاك غلط.
فرع قال في "الأم" 442: وقوله: ربنا آتنا .... إلى آخره.
أحب ما يقال في الطواف إلّي وأحبّ أن يقال في كله.
فرع آخر قال: ويدعو فيما بين ذلك، بما أحبّ من أمر دين ودنيا، وأراد أن ما ذكرناه من الدعوات مسنون، فلا يضيق عليه أن يزيد عليه ما أحبّ ما لم يكن مأثمًا ولا تقدير في شيء من الدعوات.
وروي القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى" 443. فرع آخر قال في "الأم" 444: واستحبّ قراءة القرآن في الطواف، والقرآن أفضل ما تكلم به المرء، وهذا يدل على أن قراءة القرآن أفضل في الطواف من الدعاء.
قال: ويكفيني أن مجاهد كان يقرأ عليه القرآن في الطواف.
وقال مالك: يكره قراءة القرآن في الطواف.
وبه قال الحسن وعروة بن الزبير، واحتجّوا بما روي أن ابن عمر سمع رجلًا يقرأ في الطواف، فصك في صدره، وهذا غلط لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وأفضل الذكر في الصلاة القرآن، ولأنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وسلم يقول في طوافه: "ربّنا آتنا .... " إلى آخره.
ووافقنا فيه مالك.
وهذا بعض آية من القرآن.
فرع آخر [110/أ] قال في "الحاوي" 445: قال أصحابنا: أراد الشافعي، أن قراءة القرآن أفضل من الدعاء الذي لم يسن فيه، فأما الدعاء المسنون فيه، فهو أفضل من قراءة القرآن فيه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء 446 ولأن في الركوع الذكر أفضل من القراءة كذلك ههنا وهذا حسن.
فرع آخر يباح فيه الكلام، ولكنه يستحبّ إقلال الكلام.
قال الشافعي 447 لأني أستحبّ إقلال الكلام في الصحراء والمنازل إلا بذكر الله تعالى لتعود منفعة الذكر إلى الذاكر، أو

الجزء: 3 - الصفحة: 482

يكون الكلام في شيء من صلاح أمره، فكيف قرب بيت الله تعالى مع عظيم رجاء الثواب فيه من الله تعالى.
قال ابن عمر: أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة 448، قال أصحابنا: والأفضل أن لا يتكلم أصلًا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من طاف سبعًا لم يتكلم فيه، إلا سبحان والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" 449. فرع آخر قال: إنشاد الشعر والرجز في الطواف يجوز إذا كان مباحًا، وروي محمد بن السائب عن أمه، قالت: طفت مع عائشة رضي الله عنها، فذكروا حسان في الطواف فسبوه، فقالت عائشة: لا تقولوا: أليس هو الذي يقول: هجَوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذلك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء فقيل لها: أليس هو الذي قال ما قال في الإفك؟ فقالت: أليس قد تاب؟ ثم قالت [110/ب] عائشة: إني لأرجو له ما قال، ولكنه يستحبّ ترك إنشاد الشعر وإن كان مباحًا أيضًا والكلام أيسر منه.
وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت وهو متكيئ على أبي أحمد بن جحش وأبو أحمد يقول: حبّذا مكّة من وادي بها أهلي وعوادي بها أمشي بلا هاد قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعجب من قوله: بها أمشي بلا هادي والأولى تركه لما روي إبراهيم بن أبي أوفي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يطوف بالبيت ويرتجز بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل الله أكبر، الله أكبر".
فرع آخر قال: الأكل والشرب فيه مكروه والشرب أخف حالًا، قال ابن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب ماء في الطواف 450، وكان ابن عباس يشرب الماء فيه.
وقال في "الإملاء": لا بأس بشرب الماء فيه والأحسن في الأدب أن يتركه.
فرع آخر يكره أن يبصق في الطواف أو يتنخم أو يغتاب ولا تفتد به.

الجزء: 3 - الصفحة: 483

فرع آخر الكمال في الطواف أن يطوف خارج البيت وراء الحجر دون زمزم والخطيم، وإن طاف في المسجد وراء زمزم وسقاية العباس دون الجدار يجوز، ولكن الأول أكمل هيئة لأنه ليس بينه وبين البيت حائل، وإن كان بينه وبين الكعبة حائل يجوز إذا لم يخرج من المسجد كما لو صلى في المسجد بصلاة الإمام، وبينهما حائل يجوز وإن خرج عن المسجد وطاف لم يجز لأنه لو جاز ذلك لجاز إذا خرج من مكّة وطاف حولها.
فرع آخر لو طافَ على سطح المسجد الحرام يجوز لأنه معلوم أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة، فكان طائفًا بالبيت حتى لو علا سقف المسجد لا يجوز بخلاف الصلاة لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليه لم يكن طائفًا ضمن بنائها فلم يجز.
فرع آخر يكره أن يقال: حجّة الوداع لأن الحجّ طاعة فيكره أن يعتقد أن يودعها ولا يعود إليه ويكره أن يسمى المحرم صفر لأن العرب كانت في الجاهلية تحرم القتال سنةً في المحرم وسنة في صفر، في السنة التي لا يحرمونه في المحرم يسمون المحرم صفر.
مسألة: قالَ 451: ولا يجزاء الطواف إلا بما يجزاء به الصلاة من الطهارة.
الفصل الطهارة من الحدث والتنجس شرط في جواز الطواف حتى قال في "الأم" 452: ولو طاف وفي نعله نجاسة لم يعتد بما طاف، وكذلك ستر العورة وطهارة المكان شرط فيه.
وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: إنها ليست بشرط، واختلف أصحابه في وجوبها فكحي عن ابن شجاع أنها سنّة.
وقال غيره: إنها واجبة، فإذا طاف بغير طهارة تلزمه إعادته ما دام بمكة، فإن خرج منها وكان محدثًا تلزمه شاة، وإن كان جنبًا تلزمه بدنة، وحكي عن أحمد أنه قال: إن أقام بمكة أعاد فإن رجع إلى أهله جبره بدم، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأنه عبادة متعلقة بالبيت، وكانت من شرطها الطهارة، كالصلاة، فإذا تقرّر هذا، فإن كان بمكّة تطهّر وطاف، وإن عاد إلى بلده لم يحل حتى يعود ويطوف، ولا يفتقر الطواف إلى نية جديدة في ظاهر المذهب لأن نية الحجّ تأتي عليه كما يأتي على الوقوف وقيل: فيه وجهان، لأنه عبادة تفتقر إلى النية.
مسألة: قالَ 453: وإن أحدث فيه توضأ وابتدأ.

الجزء: 3 - الصفحة: 484

الفصل إذا رعف أو قاء في أثناء الطواف.
قال في "الأم" 454: انصرف فغسل الدم عنه، ثم رجع وبنى، وكذلك إن غلبة الحدث انصرف، فتوضأ ورجع وبنى، وأحبّ إلّي [111/ب] في هذا كله لو استأنف فأجاز البناء، واستحبّ الاستئناف.
وقال أصحابنا وإن تعمد الحدث، فكذلك، لأن مذهبه في الجديد إن سبق الحدث وعمده سواء في بطلان الصلاة، فذلك حكمهما سواء ههنا.
وقال القاضي أبو حامد في "الجامع": قال الشافعي في "القديم": إذا قطع الطواف لغير عذر فزايل موضعه، وهو في المسجد استأنف قياسًا على الصلاة، فإذا أمره بالاستئناف إذا قصد قطعه وزايل المطاف، وهو في المسجد قياسًا على الصلاة، فلأن يبطله الحدث العمد بذلك أولى فعلى هذا يجب أن يكون في الحدث العمد قولان.
أحدهما: يبطله ويلزمه استئنافه على قياس قوله في "القديم".
والثاني: لا يبطله، والمستحبّ أن يستأنفه فإن بني عليه أجزأه، ولا فرق بين أن يتطاول الفصل أو لم يتطاول، ومن أصحابنا من قال في حدث العمد: يستأنف قولًا واحدًا، وفي السبق قولان، والقول الجديد في الكلّ إنه لا يبطل به الطواف، وإن طال الفصل.
وقال أبو حامد: إن سبقه الحدث، وقلنا: لا تبطل الصلاة به.
لا يبطل الطواف به، وإن طال الفصل، وإن تعمد، فإن لم يطل الفصل بني وإن طال الفصل هل يبطل الطواف؟ قولان، قال في "القديم" يبطل ووجهه أنه يتعلق بالبيت، فيبطله التفريق الكثير كالصلاة.
وقال في "الحديد": لا يبطل لأنه لا يبطله التفريق اليسير، فلا يبطله التفريق الكثير بخلاف الصلاة، وقيل: إذا طال الفصل لا فرق بين أن يتعمد الحدث أو يسبقه.
فرع قال في "الأم" 455: واختار إن قطع الطائف الطواف فتطاول رجوعه أن يستأنف، ذلك احتياط ولو طاف اليوم وغدًا أجزأ عنه وظاهر ما قال في "القديم": أنه يلزمه الاستئناف، فالمسالة على قولين: وقال أحمد: الموالاة فيه شرط [112/أ] فإن فرق وطال الفصل استأنف.
فرع آخر إذا أحدث في الطواف وقلنا: يبنى على أحد القولين لو كان ذلك في بعض طوفته قبل انتهائه إلى الحجر الأسود فيه وجهان: أحدهما: يستأنفها ولا يبني لأن لكلّ طوفة حكم نفسها، والطوفة الواحدة يجوز تبعيضها.
والثاني: وهو الأصح.
يبني على ما مضى لأنه لا فرق بين الطوفة والأطواف.

الجزء: 3 - الصفحة: 485

وهكذا الحكم لو قطع الطواف لحاجة في بعض الشوطة لا للحدث.
فرع آخر إذا لم يجز التفريق الكثير فيه، فاحتاج إلى قطع الطواف لصلاة الجماعة هل يبني إذا عاد أم يستأنف؟ وجهان ذكره القفال، وهذا غير صحيح لأن النصّ أنه يبني فلا معنى للوجهين.
فرع آخر قال في "الأم" 456: إذا كان في طواف الفرض، فأقيمت الصلاة يخرج ويصلي ويعود إلى طوافه، لأن الطواف لا يفوت بخلاف الصلاة، وأما إذا أراد الخروج لصلاة الجنازة أو للوتر أو لركعتي الفجر يكره لأنه نفل أو فرض على الكفاية والطواف فرض على الأعيان، فلا يترك بذلك.
فرع آخر قال: وأحبّ أن لا يدخل في سعيه وطوافه صلاة جنازة إلا أن يكون في المسعى فتتقدم جنازة في سمته، فصلى عليها من غير أن ينحرف ليكون ذلك أخفّ حالًا.
فرع آخر لو طاف بالكعبة واضعًا يده على الكعبة.
قال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز ذلك؟، قولان، كما لو حاذى الكعبة ببعض بدنه في الصلاة أو الحجر في الطواف، وهذا لأنه إذا وضع يده يكون بعض بدنه في البيت.
فرع آخر قال في "الأم" 457: لو أغمى عليه في الطواف ثم أفاق ابتداء الوضوء والطواف قريبًا كان أو بعيدًا، فجعل الإغماء قطعًا للطواف، وفرق بينه وبين الحدث، وهذا صحيح، وعلى ظاهره محمول.
والفرق أن [112/ب] تكليفه يزول بالإغماء فزال به حكم البناء بخلاف الحدث.
فرع آخر لو أحرم بالعمرة من الميقات، وفرغ من أعمالها وتحلّل ثم أحرم بالحجّ وفرغ من أعماله وتحلّل منه، ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين بلا طهارة، وأشكل عليه فعليه أن يطوف ويسعى، وعليه دم شاة وأجزاه عن الحجّ والعمرة، لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ، فإن كان محدثًا في طواف العمرة لم يعتد بطوافه ولا بسعيه، وعليه دم الحلاقة، وقد صار قارنًا لإدخال الحجّ على العمرة تحلله منه، وعليه دم للقران وطوافه في الحجّ يجزئه عنهما لأن القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد فعلى هذا التنزيل يلزمه دمان للحلاق والقران، ولا يلزمه طواف ولا سعي وأجزأه الحجّ والعمرة، وإن كان محدثًا في طواف الحجّ فقد أكمل العمرة، ثم أحرم بعدها بالحجّ فصار

الجزء: 3 - الصفحة: 486

متمتعًا، فعليه دم التمتع، وقد طاف وسعى على غير طهارة، فلا يعدّ طوافه وسعيه وعليه أن يطوف ويسعى، فعلى هذا التنزيل يلزمه دم لتمتعه وطواف وسعي ويجزئه الحجّ والعمرة، فعلى هذين التنزيلين يلزمه طواف وسعي ليصح أداؤه لفرض النسكين يقينًا أجزأه الحجّ والعمرة معًا وعليه دم واحد يقينًا لأنه لا يخلو من أن يكون قارنًا أو متمتعًا، وأمّا دم الحلاق، فلا يلزمه لأنه مشكوك في وجوبه.
فإن قيل: أوجبتم عليه الطواف والسعي مع الشكّ في وجوبها، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنها من أركان الحجّ، فإذا شكّ الإتيان كما لو شكّ في الصلاة في بعض أركانها ودم الحلاق من النسك ومن شكّ فيه كان كمن شك في صلاته هل تكلم أم لا؟ فلا سجود عليه.
فرع آخر لو أحرم بالعمرة وتحلّل منها ووطئ بعدها، ثم أحرم بالحجّ وتحلّل منه ثم تيقن أنه كان محدثًا، إما في العمرة أو في الحجّ، فإن [113/أ] قلنا: وطء الجاهل لا يفسده، فكأنه لم يطأ وحكم هذه المسألة ما سبق، وإذا قلنا: يفسده فعليه طواف وسعي، وهل يجب عليه دم معهما؟ فيه وجهان، وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف العمرة: فلم يعتد بطوافه وسعيه فيها، ولزمه دم لحلقه لأنه حلق لم يتحلل به، ثم وطئ وهو باقٍ على إحرامه بالعمرة وأفسد عمرته ولزمه قضاؤها وبدنة لإفسادها ثم أحرم بعده بالحجّ وطاف وسعى فيه، وقد اختلف أصحابنا فيمن أدخل حجًا على عمرة فاسدة هل يصير قارنًا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصير قارنًا ويكون إحرامه بالحجّ باطلًا لكن طوافه وسعيه في الحجّ نائبًا عن طوافه وسعيه في العمرة، وقد تحلّل منها.
والثاني: يصير قارنًا، فعلى هذا طوافه وسعيه في الحجّ يجزئه عن العمرة والحجّ، ويلزمه قضاء العمرة، وهل يلزمه قضاء الحج؟ فعلى هذا التنزيل قد لزمه قضاء العمرة وقضاء الحجّ على أحد الوجهين وبدنة للوطء ودم للحلق ودم القران في أحد الوجهين، فهذا حكمه إن كان محدثًا في طواف العمرة، وقد يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ فعلى هذا قد سلمت العمرة ووطئ قبل إحرامه بالحجّ، ثم طاف في الحجّ محدثًا فلم يعتدّ بطوافه وسعيه، فعلى هذا يصير متمتعًا، فعليه أن يطوف ويسعى وعليه دم لتمتعه، فعلى هذين التنزيلين يجب عليه طواف وسعي ليكون متحلّلًا من إحرامه بيقين وهل عليه دم أم لا؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يصير قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فعليه دم لأنه يتردد بين أن يكون قارنًا، فيلزمه دم، وبين أن [113/ب] يكون متمتعًا، فيلزمه دم، فكان وجوب الدم عليه يقينًا من هذا الوجه، وإن قلنا: لا يكون قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فلا دم عليه لأنه تردد بين أن يكون متمتعًا، فيلزمه دم، وبين أن يكون معتمرًا فلا يلزمه دم الدم لا يجب بالنسك.
وقيل: وجه واحد يلزمه دم شاة، لأن وجوبه بيقين لأن الطهارة إن كانت متروكة من العمرة فدم الحلق واجب وإن كانت متروكة من الحجّ فدم المتعة واجب، فأمّا قضاء

الجزء: 3 - الصفحة: 487

الحجّ والعمرة ووجوب كفارة الوطء فلا تجب بحال، لأنه قد تردد بين أن لا يجب وبين أن يجب وبالشك لا تجب وأما إجزاء الحج والعمرة عن فرض الإسلام، فالعمرة لا تجزئ ويجب قضاؤها لأنها تردد بين أن يكون عارية عن الفساد وبين أن تكون فاسدة، فلا يسقط فرضها بالشكّ، وإن لم تكن العمرة واجبة عليها.
قال بعض أصحابنا: لا يلزمه قضاؤها للشكّ في سبب القضاء، وقال أكثرهم: يجب قضاؤها للشكّ في إحرامها، وأما الحجّ، فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين هل يكون قارنًا أم لا؟ ثم على اختلاف الوجهين فإذا صار قارنًا هل يلزمه قضاء الحجّ أم لا؟، فإن قلنا: لا يكون قارنًا لم يجزه فرض الحجّ لأنه يتردد بين أن يكون قد أحرم بالحجّ أم لا، وإن قلنا: يكون قارنًا، فإن قلنا: إن من أدخل الحج على عمرة فاسدة يلزمه قضاء الحجّ والعمرة لم تصحّ حجّة الإسلام لأنه تردد بين أن يكون حجّ حجًا صحيحًا وبين أن يكون قد حجّ حجًا فاسدًا، فلذلك لم يجز، وإن قلنا: إن من أدخل الحجّ على عمرة فاسدة لم يلزمه قضاء الحجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام، لأنه تردد بين أن يكون قارنًا فيصحْ حجّه وبين أن يكون متمتعًا فيصحّ حجّه أيضًا، فيكون فرض الحجّ على هذا الوجه ساقطًا بيقين.
مسألة: قالَ 458: وإن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة وفي نسخه أو على شذروان الكعبة لم يعتد به.
أراد بالحجر موضعًا شبه الخطيرة على يسار البيت [114/أ] الحرام مما يلي الشام بين الركنين الشاميي والعراقي حظر حوله بجدار قصير، وقيل: إنه قدر ستة أذرع من الحجر كان من جملة البيت، فأخرج منها لقصر البقعة بهم.
قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع.
وقال عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع.
وقال أبو حامد: ست أذرع أو سبع أذرع.
والصحيح ما ذكرنا بلا إشكال، وأما جدار الحجر هو الجدار القصير الذي حظر به حوله، وأما شذروان الكعبة.
قال المزني هو تأزير البيت.
قال أبو حامد: لا يفهم معناه بل هو أساس البيت العالي عن وجه الأرض لأنه وضع على قواعد إبراهيم عليه السلام، فلما علا عن وجه الأرض بقدر شبر اقتصر بحائط الكعبة عن كل الأساس، وترك بعض الأساس خارجًا عن الحائط على عادة الأبنية فهو الذي يسمى شاذروان الكعبة ولا يعجز الرجل عن أن يصعده، فيمشي عليه، والدليل على هذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم"، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لرددتها على ما كانت عليه، وروي: "ولبنيتها على قواعد إبراهيم وألصقها بالأرض ولجعلت له بابين بابًا شرقيًا يدخل الناس منه وبابًا غربيًا يخرج الناس منه".
وروت أنها قالت: يا رسول الله وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحجر؟ فقال: قصرت بهم النفقة، قالت: فلم رفعوا الكعبة عن الأرض؟ قال: ليأذنوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم:

الجزء: 3 - الصفحة: 488

"قصرت بهم النفقة" ليس أن مال قريش لم يسع لبناء البيت أو يخلو به، ولكن كانت للكعبة أموال من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق في البيت [114/ب] من أموالنا التي جرى فيها الربا، وإنمّا ننفق من مال البيت، فلهذا قصر المال عن ذلك وقيل: ما فضل من حجارة البناء وضعوه في جوف الكعبة، فلذلك ارتفعت عن وجه الأرض.
وروي أن البيت هدم قبل البعث بعشر سنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة فلما بنوه تنازع بنو عبد مناف بن هاشم بن عبد المطلب وعبد شمس ونوفل في وضع الحجر الأسود في موضعه، وقال كل واحد منهم: نحن نضعه وكاد يقع بينهما قتال فتواضعوا على أن يرضوا بحكم أول من يدخل من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمونه في الجاهلية محمد الأمين فلما رأوه قالوا: محمد الأمين أتاكم من لا يميل فحكموه فحكم بأن يبسط رداء ويوضع الحجر عليه، ثم يأخذ كبير كل رهط بطرف منه حتى يحملوه إلى موضعه، فبسط رداءه ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر بيده عليه، فأخذوا بأطراف الثوب، فوضعه في موضعه بيده وكان بناؤهم على الصورة التي هو عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقًا بالأرض ذا بابين شرقي وغربي، فلما خرج ابن الزبير بمكة هدم البيت وبناه كما كان قديمًا، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "لولا حدثناهم بالكفر لفعلت ذلك"، فلما ظهر عليه الحجاج وقتله هدم البيت بالمنجنيق، وبني هذه البينة التي هو عليها اليوم، فلما ولّى هارون الرشيد هم بأن يهدمه ويبنيه كما بناه ابن الزبير، فقال له مالك بن أنس: لا تفعل هذا، فإن الملوك يتنافسون بعدك بناءه، فلا يزال بيت الله مهدومًا، فتركه فهو اليوم على بناء الحجاج وقدر شبرًا أو شبرين شاذروان البيت فإذا ثبت هذا، قال الشافعي في "الأم" 459: كمال الطواف أن يطوف [115 أ/] من وراء الحجر، فإن طاف وسلك الحجر أو على جداره، أو على شاذروان الكعبة كان في حكم من لم يطف، وهذا لأنه طاف في البيت لا بالبيت.
وقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: 29] الآية.
وقال أصحابنا: إذا سلك الحجر فإن طوافه من الحجر إلى الحجر معتد به وما سلكه في الحجر وباقي الطواف إلى أن جاء إلى الحجر الأسود لم يعتّد به لأنه إذا لم يعتدّ بما قبله لا يجوز أن يعتدّ به لأن الترتيب مستحقّ فيه.
وقوله: فسلك الحجر وهو تعميم الحجر بهذا الحكم، وليس كذلك لأن ما وراء ست أذرع ليس من الكعبة، فلو تسلق الطائف جدار الحجر في الذراع السابعة أو الثامنة، وخرج من الجانب الثاني كذلك، ولم تدخل الذراع السادسة يصحّ طوافه بالبيت، ولو سلك الحجر من أحد بابيه إلى الآخر تحت الميزاب لم يجز لأن ذلك الموضع من البيت، وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأدخلني الحجر.
وقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت 460، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت، وكذلك لو كان يمشي

الجزء: 3 - الصفحة: 489

وبعض بدنه فوق الشاذروان لم يجز وهذا المرتفع عن وجه الأرض شبه الدكان عند الحجر الأسود غير ظاهر، فيحتمل أن هناك من الأساس خارج البيت ما في موضع آخرن ولكن رفع لئلا يشقّ على الناس استلام الركن.
قال القفال: فيدع قدر الشاذروان، فلا يمشي فيه.
وقال: شيخنا ناصر رحمه الله أنا شاهدته ويشبه أنه ليس قرب الحجر من الشاذروان وعليه دم، وهذا على أصله شيء لأن الشاذروان ظاهر عند الركن اليماني، ثم يقل ويتداخل تحت الجدار حتى إذا كان بقرب الحجر لا يبقي منه شيء [115/ب] وجعل الشاذروان هناك تحت الجدار والركن فيه الحجر جعل أكثر خروجًا ليكثر الناس من الاستلام، وهكذا شاهدته أيضًا.
وقال أبو حنيفة: يحسب طوافه إذا سلك الحجر أو مشى على الشاذروان، وعليه دم، وهذا على أصله أن أكثر الطواف يقوم مقام الكل ويجبر بدم وعندنا لا يعفو عن خطوة، وأقل من ذلك وبقولنا: قال مالك وأحمد، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف حول البيت سبعًا، وقال: "خذوا عني مناسككم".
مسألة: قالَ 461: وإن نكس الطواف لم يجزه بحال.
إذا طاف فترك البيت عن يمينه فقد نكس الطواف، ولا يعتدّ بما طاف بالبيت منكوسًا والترتيب فيه شرط، وهو أن يجعل البيت عن يساره ويطوف عن يمين نفسه.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إذا طاف منكوسًا فقد أساء وإن كان بمكة يلزمه الإعادة، وإن فارقها يجزئه، وعليه دم واحتج بانه أتى بالطواف، وإنما ترك هيئة من هيئاته، فأشبه إذا ترك الرّمل، وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك البيت في طوافه عن جانب اليسار، وقال: "خذوا عني مناسككم"، ولأن هذه عبادة بالبيت فكان الترتيب فيها شرط كالصلاة.
فرع لو طاف وجعل ظهره إلى البيت لا نص فيه ولكن قال أصحابنا: يجزئه، لأنه حصل الطواف بالبيت والترتيب.
فرع آخر لو مشي في الطواف متقهقرًا إلى خلف بأن جعل يمينه نحو البيت ومشى إلى خلف من جانب الركنين الشاميين، فقد أساء ويجزئه لأن دورانه موافق لما ورد به الشرع، ولكن مشيه بخلاف العادة.
فرع آخر قال في "الأم" 462: وأكثر ما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم [116/أ] ماشيًا بالبيت وبالصفا والمروة فأحبّ ذلك إلا من علّة وإن طاف راكبًا من غير علة فلا إعادة عليه ولا فدية، ولأنه إذا طاف راكبًا ربما لوّث المركوب المسجد ويؤذي الناس، فكان المشي أولى، وقال مالك وأبو

الجزء: 3 - الصفحة: 490

حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر يكره رجلًا كان أو امرأة وعليه دم، وحكي ذلك عن أحمد، وهذا غلط لما روى جابر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس كانوا غشوة وصحف في المسائل، وقال: فإن الناس كانوا عشرة آلاف، وما ذكرته في صحيح مسلم رحمه الله 463، فإن قيل: روى ابن عباس أن الني صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا لشكاية به 464. قلنا: في خبرنا ما يدلّ على خلافه.
وقيل: ما روى ابن عباس كان في طواف القدوم.
وما روى جابر كان في طواف الإفاضة، وهذا لا يصحّ لأنه لم يكن راكبًا في طواف القدوم على ما بينا وأما عند العذر.
رأت أم سلمة أنها قدمت مكة مريضة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوفي وراء الناس وأنت راكبة» 465. فَرْعٌ آخرُ لو طاف وشكّ في عدد ما طاف بنى على اليقين كما في الصلاة وفرع عليه في «الإملاء»، فقال: إذا اعتقد أنه طاف سبعًا، فأخبره شاهدان أنه طاف خمسًا أو ستًا أحب أن يرجع إلى قولهما، ويكمل الطواف لأن الزيادة في الطواف لا تبطله، ويفارق الصلاة لأن الزيادة فيها تبطلها، فإن لم يفعل وبنى على يقين نفسه جاز لأن الطواف فعله، فالمرجع فيه إلى اعتقاده دون اختيار غيره.
فَرْعٌ آخرُ المكّي إذا أراد أن يطوف يلزمه، ولا يحتاج إلى الإحرام، فلو أراد أن يطوف عن الغير، فإن كان نذر في وقت بعينه لا يجوز في ذلك الوقت [116/ أ] أن يطوف عن الغير لأن الزمان مستحقّ لفرضه، وإن أراد أن يطوف وقت آخر أو كان زمان النذر غير متعين فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن الطواف لا يختصّ بزمان مخصوص وإن لم يكن الزمان متعينًا لم يكن فيه حجر فجاز أن ينوب عن الغير، وإن كان عليه فرض والثاني: لا يجوز، وهو الأصحّ، لأن العمرة لا تختصّ بوقت، ومن عليه العمرة لا يعتمر عن الغير فكذا الطواف.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو طاف، وهو لابس لبسًا محرمًا أو مخيطًا أو مطيبًا أجزأه الطواف لأن تحريم ذلك لا يختص بالطواف إلا أنه يلزمه بذلك فدية.
فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه طواف الزيارة فطاف بنيّة التطوع انصرف إلى الفرض كالقول في أصل الحجّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 491

فَرْعٌ آخرُ لو كان الرجل محرمًا، فطاف بصبي محرم أو كبير محرم فحمله ينوي بذلك أن يقضي عن الكبير أو الصغير طوافًا وعن نفسه لم يجزِ عنهما بخلاف الخبر.
وقال في «الأم» 466: الطواف طواف المحمول لا طواف الحامل، وعليه الإعادة عن نفسه لأن الحامل كالراحلة، وقال في «الإملاء»: الطواف للحامل دون المحمول لأنا إنما نبدأ أبدًا في الحجّ بالواجب عن العامل، والعمل لم يوجد من المحمول بل وجد من الحامل، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأصحّ.
وقال أبو حنيفة: يحصل للحامل الطواف والمحمول كالطائف راكبًا لأنهما حصلا طائفين بالبيت، وهذا غلط لأن الفعل الواحد لا يقع عن اثنين ولا يلزم على هذا إذا حمل غيره في الوقوف لأن هناك لا يعتبر الفعل بل يعتبر الكون في مكان الوقوف، وهما كائنان فيه.
وفي الطواف يعتبر الفعل، فإن كان للحامل لا يقع عن غيره، وإن كان للمحمول فالحامل مركوبة، كالبهيمة فلا يقع عن غيره.
مَسْألَةٌ: قالَ 467: فإذا فرغ صلى ركعتين خلف المقام.
إذا فرغ من الطواف [117/ أ] صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما روى جابر، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكّة دخل المسجد فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ثم أتى المقام، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فصلّى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين، فاستلم ثم خرج إلى الصفا 468، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]. فَرْعٌ السنّة أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما روي جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
فَرْعٌ آخرُ السنّة أن يصلّيها خلف المقام، وفي هذا المقام يقف الإمام في جميع الصلوات، فإن لم يكن ففي الحجر تحت الميزاب، فإن لم يكن ففي الحرم، وحيثما صلّى جاز.
وقال الثور: لا يجوز فعلهما إلّا خلف المقام لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، وهذا غلط لأنهما صلاة فلم تختصّ بمكان دون مكان كسائر الصلوات.
وروي أن عمر كان يطوف بالبيت ويصلّي ركعتين في البيت.
وروي أنه طاف بعد الصبح ثم ركب لأن الشمس لم تطلع، فلما أتى ذا طوى أناخ فصلّى ركعتين 469،

الجزء: 3 - الصفحة: 492

والآية محمولة على الاستحباب.
فَرْعٌ آخرُ هاتان الركعتان هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ فيه.
قولان: أحدهما: هما مسنونتان وبه قال مالك وأحمد: لأنهما صلاة ذات الركوع وليس لها وقت راتب، فلا تكون واجبة شرعًا كتحية المسجد، وهذا أظهر، والثاني: هما واجبتان.
وبه قال أبو حنيفة: لأنهما ركن من أركان الحجّ فوجب أن يكونا من توابعه ما هو واجب كالوقوف.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: هما واجبتان، ففاتتا يلزمه قضاؤهما ويجوز في الحرم وغيره [117/ ب].
وقد قال الشافعي في موضع: يصلّيهما حيث ذكرهما من حلّ أو حرم، وقول سفيان: إن قضاهما من غير الحرم لم يجزئه، وقال مالك: إن قضاهما في غير موضعهما يلزمه دم، وهذا غلط لأنهما ليستا بأوكد من سائر الصلوات المفروضات، وقضاؤهما يجوز في كل مكان، كذلك هذه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: إن لم يصلّ ركعتي الطواف ورجع إلى بيته صلاهما أو أراق دمًا.
وقال أصحابنا: الدم مستحبّ لا واجب، وهذا إذا قلنا: إنهما واجبتان، وهو غريب.
فَرْعٌ آخرُ القولان إذا كان الطواف فرضًا فإن كان الطواف نفلًا فالركعتان نفل قولًا واحدًا، وهذا كالتشهد إذا كان واجبًا، فالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعده واجبة، وإن كان نفلًا فالصلاة عليه مسنونة، وقال ابن الحداد: في الركعتين قولان، هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ وإن كان الطواف نفلًا وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ لو أتى بصلاة فريضة عقيب الطواف قامت مقام ركعتي الطواف.
روى الشافعي هذا عن ابن عمر في كتابه «القديم»، ولم يذكر مخالفًا، وهذا دليل على أنهما لا يجبان إذ الواجبان لا يتداخلان.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: إنهما مسنونتان، هل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا، ثم نزل وصلى خلف المقام، فلو جاز قاعدًا جاز راكبًا.
والثاني: يجوز لأنهما تابعتان للطواف، ويجوز أن يطوف راكبًا مع القدرة، فهذا أولى وهذا عندي أصحّ، والأول ضعيف ذكره في «الحاوي» 470، وقيل: إذا قلنا: إنهما واجبتان، هل يجوز قاعدًا؟ وجهان، وليس بشيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 493

فَرْعٌ آخرُ يختار أن يدعو عقيبهما [118/ أ] لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثم قال: «اللهم هذا بلدك ومسجدك الحرام وبيتك الحرام، أنا عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمّة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت طالبًا رحمتك مبتغيًا مرضاتك وأنت مننت عليّ بذلك فاغفر لي وارحمني، إنك على كلّ شيء قدير».
مَسْألَةٌ: قالَ 471: ثم يعود إلى الركن، فيستلمه.
الفَصْلُ إذا فرغ الطائف من الركعتين يعود إلى الركن فيستلمه يعني الحجر الأسود حتى يودّع بالاستلام، ثم يخرج، وهذا أن ممن خرج مكّة أمر بأن يجعل آخر عهده بالبيت، ولا يستلم اليماني الآن والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر.
فَرْعٌ قال في «الحاوي» 472: ويستحبّ أن يأتي الملتزم فيدعو عنده.
روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين الركن والمقام ملتزم من دعا من ذي حاجة أو ذي كربة أو ذي غمّ فرّج عنه بإذن الله» 473 ويختار أن يلصق صدره ووجهه بالملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب في وجه الكعبة وليكن من دعائه ما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي، فأعطني سؤالي وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي أسألك إيمانًا يباشره قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته عليّ وأرضني بقضائك لي» 474. وكان سعيد بن جبير يستحبّ أن يدعو في الملتزم بين الحجر والباب: رب اغفر لي ذنوبي وقنّعني بما رزقتني وبارك لي واخلف على كل عاقبة بخير.
فَرْعٌ آخرُ وقال أيضًا 475: يختار أن يدخل [118/ ب] الحجر ويدعو تحت الميزاب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدعو عن الميزاب إلا استجيب له» 476. وقال الحسن: أقبل عثمان رضي الله عنه ذات يوم، فقال: لأصحابه ألا تسألوني من أين جئت.
قالوا: ومن أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائمًا على باب الجنة، وكان قائمًا تحت الميزاب يدعو الله عنده.
وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا حاذى ميزاب الكعبة، وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 494

في الطواف: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب» 477. مَسْألَةٌ: قالَ 478: ثم يخرج من باب الصفا فيرقى عليه.
الفَصْلُ جملته أن السعي بين الصفا والمروة واجب وهو ركن من أركان الحجّ والعمرة ولا ينوب عنه الدم.
وبه قال مالك وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والثوري وابن سيرين: هو واجب إلا أنه ليس بركن فينوب عنه الدم.
وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهم، وروي عنهم لا يجب أصلًا بل هو سنّة، وهو قول أحمد في رواية، وفي رواية أخرى عنه مثل قولنا، وهذا غلط لما روي عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين، فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور بساقه من شدة سعيه وروي عدوه حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» 479، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، وكلمة لا جناح لا تستعمل في [119/ أ] الأركان، قلنا: رفع الجناح لا ينصرف إلى نفس الفعل، ولكن إلى محلّ الفعل، وذلك أنهم كانوا يعبدون في تلك البقعة الأصنام، فتحرجوا أن يتخذوها متعبدًا لله تعالى قال عروة: قلت لعائشة رضي الله عنها: أرأيت قول الله عز وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فما أرى على أحد شيء ألا يطوّف بهما، قالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول: كانت، فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما أنزلت الآية، لأنن مناة كانت حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية 480، ومذهب عائشة أنه فرض كمذهبنا، فإذا تقرر هذا فمن شرط السعي تقدم الطواف عليه ثم فيه وجهان: أحدهما: وبه قال البغداديون: يجوز التراخي بينهما فإن سعى بعد طوافه بشهر أجزأه لأن الموالاة بين أركان الحجّ لا يجب كالوقوف والطواف، وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: وبه قال البصريون من أصحابنا: لا يجوز التراخي البعيد بينهما، ويجب فعل السعي على الفور، ولو بعد لا يجوز لأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله افتقر إلى فعله على الفور ليقع به الامتياز عما لغير الله، لأنه لا يحصل بفعله على التراخي، فإذا تقرّر هذا، فمتى خرج إلى الصفا يستحبّ أن يرقى على الصفا قدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت منه ثم يستقبل البيت، فيكبّر فيقول: الله

الجزء: 3 - الصفحة: 495

أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وروي أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، [119/ ب] وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعده ويلبي إن كان حاجًّا ثم يقول ذلك ثانيًا، ويدعو بعده بما له من أمر دين ودنيا، ثم يقول ذلك ثالثًا، ويدعو بعده حتى يقوله ثلاثًا ويدعو في أثنائه بما سنح له من أمر دين ودنيا، ويختار أن يكون من دعائه ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يدعو: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم اجعلني ممن يحبّك ويحبّ ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم آتني من خير ما تؤتني عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة، اللهم يسّرني لليسرى وجنّبني العسرى واغفر لي في الآخرة.
والأولى، اللهم أوزعني أن أوفي بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين 481. ثم ينزل، وإذا نزل من الصفا يمشي حتى إذا كان دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد بنحو من ستة أذرع سعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس ثم يمشي حتى يرقى على المروة يريد قدر قامة الرجل كما قلنا على الصفا حتى يبدو له البيت، ثم يصنع عليها كما صنع على الصفا حتى يكمل سبعًا يبدأ بالصفا، ثم يختم بالمروة ويستحبّ فيه شدّة السعي لما ذكرنا من خبر حبيبة [120/ أ] بنت أبي تجراة، وأقلّ ما عليه في ذلك أن يستوفي ما بينهما مشيًا وسعيًا، وإن لم يظهر عليهما، ولا على واحد منهما، ولم يكبّر، ولم يدع ولم يسعَ في المسعى فقد ترك فصلًا ولا إعادة عليه، ولا فدية، ولا بدّ من أن يلصق عقبه بالصفا أصابعه بالمروة، ثم عقبه بالمروة وأصابعه بالصفا.
وقال القفال: غير أن درجة واحدة إنما بنيت بين حدي الجبل، فالاحتياط أن يصعد كي يتصل بالجبل، وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يصح سعيه بين الصفا والمروة، حتى يصعد على الصفا والمروة بقدر ما يستوفي السعي بينهما، لأنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بذلك كما لا يمكنه استيفاء غسل الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، وهذا ليس بشيء لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سعى فوقف في حوض في أسفل الصفا، ولم يظهر عليه، والمهاجرون والأنصار متوازرون ولم ينكر منهم منكر 482، ولأنه يمكن استفاء ذلك بما ذكرنا من إلصاق العقب وأطراف الأصابع.
قال الشافعي: والموضع الذي مشى فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم والموضوع الذي رمل فيه معروف،

الجزء: 3 - الصفحة: 496

ولم يكن الموضع على هذه الصفة التي هو عليها اليوم، بل كان ضيقًا فوسع وجعل الأميال علامة على موضع الرمل وموضع المشي، وإنما رمل في هذا الموضع لأنه كان يشرف على الناس بحذاء السور فكان يرمل ليظهر الجلادة، فإذا غاب عنه مشى على سحية مشيه، وليست هناك اليوم دار تعرف بدار العباس بل تغير الاسم، وقيل: الأصل في السعي هو أن إبراهيم عليه السلام حمل هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام إلى مكة.
وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] الآية.
ثم انصرف ففني [120/ ب] زادها وماؤها، فقامت هاجر تطلب الماء لإسماعيل، فسمعت صيحة عند الصفا فابتدرت نحوها وصعدته، فسمعت مثل ذلك من المروة، فنزلت فلما كانت ببطن الطريق سعت سعيًا شديدًا كراهة أن ترى ولدها في الحال الشديد من العطش، فصعدت المروة، ثم سمعت صوتًا من الصفا، فنزلت نحو الصفا، فلما أكملت السعي سبعًا رأت الطير تنقض على الموضع الذي فيه إسماعيل، فابتدرت نحوه فرأت الماء قد انفجر من موضع عقبه وهو ماء زمزم.
فأحاطت عليه بالتراب قال رسول الله صلى الله عليه سولم: «فصار بئرًا ول لم تفعل ذلك لكان عينًا معينًا»، وروى كثير بن جمهان أنه قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنه يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي 483. فَرْعٌ الترتيب فيه شرط، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعد بما قبل الصفا، ولو طاف سبعًا ههنا لم يجزئه السعي الأول لأنه بدأ بالمروة، ويجوز الثاني فيحصل سبعة، ويبقى السابع، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة أنه يجوز ذلك من غير ترتيب، وروي عنه أنه إذا طاف هكذا لا يحصل له ستة، وإذا أكمل سبعة وبدأ بالصفا وختم بالمروة لا يجوز، وهذا غريب لأنه زال التنكيس وحصل الترتيب والعجب من هذا أنه قال: السعي ليس بركن ولو نكس لا يجوز، والطواف ركن ولو نكس جاز، والأصل فيما ذكرنا مما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الصفا، قال: «نبدأ بما بدأ الله به» 484، فبدأ بالصفا [121/ أ] وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، الآية.
وروى أنه قال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» 485، وهذا أمر، والأمر على الوجوب.
فَرْعٌ آخرُ لو نسي السعي السادس وسعى السابع احتسب بخمسة ولم يحتسب بالسابع، لأن الترتيب في السعي، واجب، فلم يحتسب بالسبع الذي يبدأ فيه بالصفا، ويختم

الجزء: 3 - الصفحة: 497

بالمروة، إلا أن يتقدمه السادس الذي يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، فلما نسي السعي لم يحصل الترتيب في السابع، ولزمه أن يسعى السادس يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، ويسعى السابع يختم فيه بالمروة ويبدأ فيه بالصفا، ولو نسي الخامس لم يعتدّ بالسادس وجعل السابع خامسًا وأكمل ذلك سبعًا.
فَرْعٌ آخرُ قال: إذا بدأ بالصفا ووصل إلى المروة، جعل له شوط من السعي، فإذا أكمل سبعة كمل سعيه، فيأتي من الصفا إلى المروة أربع مرات ويرجع من المروة إلى الصفا ثلاث مرات، وقال الزيادي من أصحابنا: لو أتى من الصفا إلى المروة سبع مرات، والرجوع من المروة إلى الصفا ليس بمقصود وإنما هو للحصول بالصفا حتى لو كان يدخل مكّة بقرب المروة، ويخرج من مكّة إلى الصفا، ولم يقطع السعي برجوعه إلى الصفا جاز، وهذا غريب بعيد.
وحكي أن ابن جرير سئل عن هذه المسألة، فأجاب: بأنه إذا عاد إلى الصفا حصل له سعي واحد واستفتى أبو بكر الصيرفي عن ذلك، فأجاب مثل جواب ابن جرير، فعرض ذلك على أبي إسحاق، فضرب على فتواه، وقال: هذا غلط في المذهب، وإنما اتبع هوى ابن جرير يعني قلّده، فبلغ ذلك أبا بكر الصيرفي، فأقام على تلك الفتوى، وقال: الصحيح هذا فقاسه على الطواف، أنه إنما يحصل له شوط إذا عاد إلى الموضع الذي بدأ منه.
كذلك ههنا، وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا، أما المذهب، فإن الشافعي قال: ويبدأ بالصفا ويختم بالمروة [121/ ب]، وعلى ما ذكر الصيرفي: يبدأ بالصفا ويختم بالصفا.
وأما الطواف حجّة عليه، وذلك أن الطائف يبتدئ من الحجر الأسود بالطواف، فإذا استوفي المشي في محلّ الطواف اعتدّ له بطوفة، ولا يلزمه أن يمشي في الموضع الذي قد مشى فيه كذلك، في السعي إذا استوفي السعي في محلّ السعي وجب أن يعتدّ له بسعي واحدٍ، ولا يلزمه أن يسعى ثانيًا في الموضع الذي كان قد سعى فيه.
فَرْعٌ آخرُ لو فرّق سعيه فسعى سبعًا في سبعة أوقات، فإن كان الفصل قريبًا أجزأه، وإن كان بعيدًا، قال بعض أصحابنا: إن كان لعذر بنى وإن كان لغير عذر فيه قولان: كما ذكرنا في الطواف والمذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال: لو ترك منه شيء حتى عاد إلى وطنه عاد وأتمّه ولم يستأنف لأنه لا يبطل بالتفريق.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا في الطواف يجوز ذلك، فههنا أولى وإن قلنا: هناك لا يجوز، فههنا وجهان، لأن السعي أخفّ لجوازه بغير طهارة.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يقول في سعيه: ربّ اغفر وارحم واعف عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم، وهذا لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 498

فَرْعٌ آخرُ لو ترك شيئًا من السعي، وإن كان ذراعًا، قال الشافعي: لم تحلّ له النساء حتى يكمله، وإن عاد إلى بلده، وإن كان قد سعى مع طواف القدوم أجزأه، وحصل التحلّل بالطواف، وحلّ النساء.
وقال أصحابنا: إن ترك ذراعًا من آخره من ناحية المروة عاد وأتى، وإن كان من أوله يأتي بالسعي كله لأنه لا يحتسب بآخره إلا بعد حصول أوله، وإن كان ما تركه من وسط المسعى احتسب [122/ أ] بما ترك عليه، وأعاد ما بعده، ولو ترك ذراعًا من السعي السادس لم يحتسب بالسابع لأنه فعله قبل إكمال السادس، وكان الحكم في السادس على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ قال 486: وأحبّ إليّ أن يكون طاهرًا في السعي بينهما، وإن كان غير طاهر جنبًا أو على غير وضوء لم يضره وأجزأه، وهذا لأنه نسك لا يتعلق بالبيت، فلا تجب فيه الطهارة كالوقوف.
فَرْعٌ آخرُ قال في «القديم»: لو التوى بشيء يسير أجزأه، وإن عدل حتى يفارق الوادي اليوم في زقاق العطارين لم يجزِ.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي 487: وإذا كانت المرأة مشهورة بالجمال، فالمستحبّ لها أن تطوف وتسعى ليلًا، فإن طافت نهارًا، سدلت على وجهها سترًا متجافيًا ومشت في موضع السعي.
فَرْعٌ آخرُ إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى يقطع السعي ويصلّي، لأن الصلاة تفوت، فإذا فرغ منها، قال الشافعي 488: بنى عليه من حيث قطع، وهذا لأن الموالاة لا تجب، لما روي أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ، وأتمّ على ما مضى.
مَسْألَةٌ: قالَ 489: وإن كان معتمرًا، أو كان معه هدي نحر وحلق، أو قصر.
الفَصْلُ إذا كان معتمرًا عمرة مفردة أو عمرة التمتع، فإذا سعى هل يحلّ بأعمال سعيه؟ قولان، بناء على أن الحلاق، هل هو نسك أم إطلاق محظور؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه نسك يثاب عليه بمنزلة الرمي ومناسك الحج.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهذا أظهر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله المحلقين»، قيل:

الجزء: 3 - الصفحة: 499

يا رسول الله والمقصرين؟، فقال: «رحم الله المحلقين»، قيل: يا رسول الله والمقصرين؟ إلى أن قال في الثالثة، أو الرابعة: «والمقصرين» 490. وهذا التفصيل يدلّ على أنه نسك.
والثاني: أنه إطلاق محظور كاستباحة اللباس والطيب لأن كل ما كان محرمًا في [122/ ب] الإحرام أبيح له كان إطلاق محظور كاللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، فأعمال العمرة أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلاق، ولا ينوب عن الحلاق شيء يوجد فإذا أكمل هذا فقد حلَّ من عمرته، وإذا قلنا: إطلاق محظور فأعمال العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي.
فَرْعٌ آخرُ إذا أكمل العمرة وحلّ منها، فإن كان متمتعًا واجدًا للهدي فالوجوب إذا أحرم بالحجّ، هل له إخراجه بعد الفراغ من العمرة قبل الإحرام؟ قد ذكرنا قولين ونص ههنا على جوازه.
فَرْعٌ آخرُ يستحبّ له أن يذبحه أو ينحره عند المروة لأنها موضع تحلّله وأي موضع نحر فيه من مكّة أجزأه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل فجاج مكّة طريق ومنحر» 491، وهذا الذبح ينبغي أن يكون قبل الحلق أو التقصير.
فَرْعٌ آخرُ.
إذا فرغ من الهدي حلق رأسه أو قصر وهو مخير بينهما على كلا القولين لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] الآية.
قد ذكرنا ما قيل فيه إذا لبّد رأسه وعقصه.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل للرجل حلق جميع الرأس من التقصير لأن الله تعالى بدأ بالحلاق قبل التقصير، ومن شأن العرب البداية بالأهم، ولما ذكرنا من الخبر، ولأن الحلق يستوفي في جميع النسك، والتقصير يأخذ بعض النسك فكان الحلق أولى.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يحلق يستحبّ أن يبدأ بشقّه الأيمن، وإن كان على يسار الحالق فيحلقه ثم يحلق ما على الأيسر، وقال أبو حنيفة يبدأ بشقّه الأيسر لأنه على يمين الحالق، فاعتبر يمين الحالق.
والشافعي اعتبر يمين المحلوق.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شقّه الأيمن،

الجزء: 3 - الصفحة: 500

فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثم ناوله شقّه الآخر فحلقه ثم قال: "اقسمه بين الناس".
فرْعٌ آخرُ [123/أ] قال أصحابنا: في الحلق أربع سنن أن يستقبل القبلة, وأن يبدأ بشقّه الأيمن, وأن يكبّر عند فراغه, وأن يدفن شعره.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي 492: واستيفاء الحلاق أن يحلق من مقدمة رأسه إلى العظمين المشرفين على القفا, لأن هذا جميع الرأس, فاستحبّ استيفاء ذلك, قال: وسواء حلقه بالحديد, أو نتفه أو قرضًا أو طلاه بالنورة يجزئه لأن القصد إتلاف الشعر فعلى أي وجه حصل ذلك أجزأه.
فرْعٌ آخرُ أقل ما يجزئ من الحلق أو التقصير ثلاث شعرات.
وقال أبو حنيفة لا يجزئه إلا قدر ربع الرأس, وقال مالك: يجب الكل, أو الأكثر, وهذا خلاف مبنى على قدر مسح الرأس في الوضوء فرْعٌ آخرُ إذا أراد التقصير أخذ من شعره مما علا المشط وكيف ما أخذه بمقراض أو قطعه بيده أو قرضه بسنه أجزأه.
فرْعٌ آخرُ لو كان الشعر مسترسلًا عن حد الرأس أجزأه التقصير من أطرافه, وإن لم يحاذ بشرة الرأس.
ولا يجزئه أن يمسح عليه في الوضوء نص عليه لأنه قال 493: ويأخذ من شعره قدر أنملة, وذلك لا يكون إلا مسترسلًا عن بشرة الرأس, والفرق بينه وبين مسح الرأس في أنه لا يجوز على المسترسل, أنه مأمور بالمسح على الرأس, وهو اسم لما ترأس وعلا, فلا يقع هذا الاسم على المسترسل من الشعر, وههنا مأمور بحلق شعر الرأس, وهذا المسترسل من جملة الشعر.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يجوز إلا التقصير في حدّ الرأس, وهو غلط.
فرْعٌ آخرُ قال 494: وإن كان الرجل أصلع لا شعر على رأسه أو محلوقًا أمرّ الموسى على رأسه استحبابًا, ولا يلزمه ذلك, وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك, وهذا غلط لأنه لو كان إمرار الموسى على الرأس حلقًا, لوجب إذا فعله قبل تحلّله يلزمه الفدية, وإذا لم يكن حلقًا لا يلزمه ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 501

فرْعٌ آخرُ 495 [123/ب] وأحبّ إليّ لو أخذ من لجيته وشاربه حتى يضع من شعره شيئًا لله تعالى, فإن لم يفعل فلا شيء عليه, لأن النسك إنما هو في الرأس لا في اللحية.
قال أصحابنا: وهذا كما لو كان أقطع اليد من فوق المرفق يغسل العضد استحبابًا لئلا يخلو الوضوء من غسل اليد.
فرْعٌ آخرُ ليس على النساء حلاق, قال الشافعي 496 فتأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة وتعم جوانب رأسها كليًا, وهذا لما روى علي وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن أن تحلق المرأة رأسها.
وقال أيضًا: "ليس على النساء حلاق, ولكن يقصرن" 497 , ولا تقطع ذوائبها لأن ذلك يشينها ولكن تشيل الذوائب وتأخذ من تحتها من قصاصها ومن الموضع الذي لا يتبين قبحه.
فإن أخذت أقل من ذلك.
أو من ناحية من نواحي الرأس ما كان ثلاث شعرات فصاعدًا أجزأ عنهن وعن الرجل.
وروى أن بعض أصحابه أمر أن تأخذ المرأة من شعرها قدر أصبع, فأنكرت عائشة.
وقالت: هلا أمرهن بالحلق؟! كنا لا نزيد في عهد رسول الله صَلَى الله عليه وسلم على قدر أنملة, وقيل: الأصل في ذلك أن النبي صَلَى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بالتحلّل عام الحديبية ثقل ذلك عليهم فتاونوا في التحلّل والحلاق فأمرهم ثانيًا وثالثًا, فلم يفعلوا, فدخل على أم سلمة, وقال: ألم ترى إلى قومك: آمرهم بالتحلّل فلا يفعلون؟ فقالت له: اخرج ولا تحدث أمرًا حتى تدعو بحالقك, فتحلق شعرك وبجازرك فينحر هديك, فخرج وفعل فابتدر الناس إلى الحلاق وإلى النحر, حتى كادوا يقتتلون فكان منهم من حلق ومنهم من قصّر, فقال: رحم الله المحلقين, الخبر.
وقيل: ما أشارت امرأة بالصواب إلا أم سلمة في هذا الأمر رضي الله عنها.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر فقال: لله عليّ أن أحلق إذا أدت التحلّل لم يجزئه التقصير لأن الحلق قربة, فيلزم بالنذر ثم بيّن الشافعي أنه لم يبقَ عليه بعد ذلك من [124/أ] العمرة شيء, فقال: وقد فرغ من العمرة يعني بعد الحلق أو التقصير.
مَسْألَةٌ: قالَ 498: ولا يقطع المعتمر التلبية حتى يفتتح الطواف مستلمًا, أو غير مستلم.
إذا ابتدأ المقيم بالطواف قطع التلبية لأنه لا يتحلّل به, فإذا شرع في التحلّل قطع التلبية لأنها إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة, وقد بينا معناها والأخذ في التحلّل ينافيها, وحكي أصحابنا عن مالك, أنه إذا أحرم بها من الميقات قطع التلبية حين يرى البيت, وهذا غلط لما روى ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 502

عباس أن النبي صَلَى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث ولم يزل يلبّي في كلها حتى استلم الحجر 499 , وروى نحو هذا عن ابن عباس وقوله: مستلمًا, أو غير مستلم, أي: ليس الاستلام شرط في حصول الشروع من الطواف, ولعل بعض أهل العلم يشترطه, فلذلك جمع الشافعي بينهما, ثم قال الشافعي: وليس على النساء حلق, وقد ذكرناه.
مَسْألَةٌ: قالَ 500: وإن كان حاجّاً أو قارنًا أجزأه طواف واحد لحجّته وعمرته.
الفَصْلُ أراد بالحاجّ المفرد وبالقارن الجامع بين الحجّ والعمرة, وقد ذكرنا أعمال العمرة, وأعمال الحجّ من الأركان أربعة: الإحرام والوقوف والطواف والسعي, وما عداها ليس بأركان فمن أفرد الحجّ والعمرة يأتي بأفعال كل واحد منهما على الكمال, ولا يجوز الإخلال بشيء منها, وإن قرن بينهما يسقط ترتيب العمرة, ويدخل في ترتيب الحجّ فيأتي من الأفعال مثل ما يأتي به المفرد إحرام واحد ويجزئه عن الحجّ والعمرة معًا ويعنى به طواف الفرض يكفيه واحد وموضعه بعد الوقوف, فإن طاف قبله فذلك طواف القدوم, وبه قال ابن عباس [124/ب] وابن عمر وجابر والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وربيعة ومالك وإسحاق وأحمد في رواية رضي الله عنهم, وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا تدخل أعمال العمرة في أعمال الحجّ فيلزمه أن يأتى بطوافين وسعيين, فيطوف ويسعى بعد الوقوف للحجّ.
وبه قال ابن مسعود والشعبي والثوري, ثم قال أبو حنيفة: فإن لم يطف حتى وقف بعرفة صار رافضاً لعمرته, وليه شاة وقضاء العمرة, وهكذا قال في القارنة تحيض قبل الطواف, وقد دنا وقت الوقوف, تقف وتصير رافضة للعمرة, وعليه اقضاء والشاة, وعندنا رفض العمرة لا يكون بحال, واحتجّوا بما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه أنه جمع بين الحجّ والعمرة, وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين, وقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يفعل 501. واحتجّ في الرفض بما روي أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال لعائشة: "ارفضي عمرتك وانفضي رأسك, وامتشطي وأهلّي بالحجّ", وهذا لأنها كانت حاضت فلم يمكنها الطواف وهذا غلط, لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "من أحرم بحجّ وعمرة أجزأه لهما طواف واحد وسعي واحد, لا يحلّ من واحد منهما حتى يحلّ منهما" 502. وأمّا خبر على رواه جعفر بن أبي داود وهو ضعيف ثم نحمله على الاستحباب,

الجزء: 3 - الصفحة: 503

وأما الرفض فلا يصحّ لأن هذه العبادة لا ترتفض بفعل محظوراتها ولا بقوله: رفضتها فكيف ترفض بفعل عبادة أخرى فيها, وامّا خبر عائشة, قلنا: أراد لا تشتغلي بأفعالها, لا أنها تخرج من إحرامها بدليل أنه ليس لها لخروج مها بقولها, والخبر يقتضي الرفض قبل الوقوف, ثم بيّن الشافعي ما يختصّ به القارن من المفرد, فقال: غير أن على القارن [125/أ] الهدى لقرانه أي: يجب عليه ذلك, بخلاف المفرد, وقد ذكرنا ذلك, ثم قال: ويقيم على إحرامه حتى يتمم حجّه مع إمامه يريد به الفرق بين المتمتع الذي يتحلّل من العمرة فيحلّ له كل شيء ما لم يحرم بالحجّ, وبين القارن الذي يقيم على إحرامه حتى يحلّ يوم النحر ولا يتحلّل من العمرة حتى يتحلّل من الحجّ الذي قرنه بها لخبر ابن عمر ولا يحلّ من واحدٍ منهما حتى يحلّ منهما, وأما قوله: حتى يتمّ حجّه مع إمامه ذكره على وجه الاستحباب, لأنه يستحبّ للمحرم أن لا يسبق إمامه في الأفعال بل يكون فراغه معه فإن تقدم عليه جاز.
مَسْألَةٌ: قالَ 503 ويخطب الإمام يوم السابع من ذي الحجّة بعد الظهر بمكّة.
الفَصْلُ اعلم أن في الحجّ أربع خطب يخطبها إمام الحاجّ, ذكرها الشافعي واحدة بعد واحدة على الترتيب ووصل بكل واحدة منها ما يترتب عليها من المناسك, فأولها ما ذكرها هنا وقد ذكرنا أن من دخل مكّة مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا يطوف طواف القدوم ويسعى ثم إن كان مفردًا أقام على إحرامه إلى أن يقف, وكذلك إن كان متمتعًا يأتى بأفعال العمرة ثم يتحلّل ويقيم بمكّة إلى وقت خروجه إلى عرفة ثم يحرم من جوف مكّة بالحج ويخرج إلى عرفة, فيخطب الإمام اليوم السابع بمكّة بعد الظهر خطبة واحدة في المسجد الحراج, فإنه أولى المواضع, وذلك قبل يوم التروية بيوم ويأمرهم في الخطبة بالغدو من الغد إلى منى ليوافوا الظهر, ويعلمهم ما يفعلون إلى عرفات.
لما روى موسى بن عقبة عن أبيه أنه قال: خطب رسول الله صَلَى الله عليه وسلم اليوم السابع بمكّة بعد الظهر وعلمهم المناسك, ويستحبّ إن كان الإمام من أهل مكّة أن يحرم [125/ب] اليوم السابع, ويخطب محرمًا قال الشافعي: فإن كان عالمًا فقيهًا لا يتعرض لذلك لأنه ربما سئل فلا يعرف, فيكون فيه شين وقباحة, ولا ينبغي للإمام أن يكون إلا بمنزلة من إذا سئل أجاب ثم إذا خطب هكذا يقيمون بمكّة اليوم السابع ويبيتون بها ليلة الثامن ويصلّون الصلاة بها, فإذا كان اليوم الثامن, وهو يوم التروية, قال الشافعي: غدوا إلى منى, وقال في موضع آخر: راحوا إلى منى والكل قريب, وعلى كل حال يصلّون بمنى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء من يوم التروية ويبيت بها ويصلّي الصبح بها من يوم عرفة ويقيم بها حتى تطلع الشمس والسنّة الرواح لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالرواح إلى منى.

الجزء: 3 - الصفحة: 504

وروى جابر أن رسول الله صَلَى الله عليه وسلم أتى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح, ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس, ثم سار, وقال في "الحاوى" 504: الإمام في غد يوم التروية, يطوف بالبيت توديعًا له ويصلّي ركعتين فإذا زالت الشمس خرج إلى منى ولم يصلّ الظهر بمكّة, فإذا حصل بمنى صلّى بها الظهر وغيرها, واستحبّ أن يكون صلاته بمنى بمسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة, فإنها مصلّى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم, ويقال له: مسجد العيشومة وذلك أن فيه عيشومة خضراء في الجدب والخصب بين حجرتين من لقبلة وتلك العيشومة قديمة لم تزل هناك ويختار له ان ينزل الخيف الأيمن من منى بين الأخشبين, وهذا كله هيئة فإن تركه فلا شيء عليه.
قال أصحابنا: المبيت بمنى في هذه الليلة للاستراحة ويجري مجرى الهيئة دون النسك المقصود.
وقال الشافعي 505: لو ترك المرور بمنى, فلا شيء عليه, وكذلك [126/أ] إن مرّ بها, وترك المبيت, فإذا طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير وذلك أول بزوغها سار إلى نمرة, وهى وادي عرفة فنزل بها إلى زوال الشمس, فإذا زالت الشمس صار إلى المسجد للصلاة وليس وادي عرفة ولا نمرة, ولا المسجد وتلك الأسواق من عرفة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: صدر هذا المسجد من عرنة لا يجوز الوقوف فيه ومؤخرة من عرفات, فإن وقف في قاصية المسجد أجزأه حجّه, وقيل: موضع المحراب والصف الأول من عرنة, والباقي من عرفة.
وقد قال الشافعى في "القديم": وعرفة ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال القابلة يمينًا وشمالً, وقال في "المختصر الأوسط" 506: وعرفة ما جاوز وادي عرنة وليس وادي عرنة, ولا المسجد من عرفة, فإذا أجزت بطن عرنة، فهو من عفة إلى الجبال العالية على عرفة كلها مما يلي حوائط بنى عامر وطريق الحصن, وما جاوز ذلك فليس من عرفة والحدّ الأول أصحّ.
وهذا لما روى جابر رضي الله عنه قال: صلّى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم الصبح بمنى ثم لما طلعت الشمس أمر بقبة له حمراء من شعر حتى ضربت له بنمرة وسار في أول بزوغ الشمس, فلم تشكُّ قريش أنه يقف على المشعر الحرام كما كانت الجاهلية تفعله في أيامها حتى رأوا قبته بنمرة, فلما أتى نمرة أقام بها إلى أن زالت الشمس، ثم سار منها إلى المسجد الذي بعرنة قرب الموقف وصلّى الظهر والعصر هناك بأذان وإقامتين, ولهذا قلنا: إذا اجتاز بالمشعر الحرام لا يقف عليه, ولا يدعو بخلاف ما يفعل عند رجوعه من الموقف, فإذا تقرّر هذا وأتى المسجد بعد زوال الشمس ابتدأ فخطب خطبة يعلم الناس الوقوف ووقته ووقت الدفع من مزدلفة, وما يصنع فيها [126/ب] , فإذا فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خفيفة قدر قراءة, ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم يأخذ في الخطبة الثانية, وابتدأ المؤذنون بالأذان, ويكون فراغهم من الأذان مع فراغ الإمام من الخطبة والنزول ثم أقام المؤذن, فيصلّي الظهر ثم يقيم للعصر فيصلّي العصر

الجزء: 3 - الصفحة: 505

فتكون صلاة الظهر بأذان وإقامة والعصر بإقامة من غير أذان, ولا يقتصر في الخطبة بعرفة على خطبة واحدة كما في اليوم السابع, بل يخطب خطبتين كما في الجمعة.
وقال أبو حنيفة: يؤذن المؤذنون, قبل الخطبتين لتكون خطبتاه بعد الأذان كخطبة الجمعة.
وحكي عنه أنه قال: لا يقيم للعصر, وقال مالك: يؤذن لكل واحدةٍ منهما, ويقيم, وقال أحمد: يقيم لهما ولا يؤذن, وهذا كله غلط لما ذكرنا من خبر جابر, وقال ابن عمر رضي الله عنه جمع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين.
وقال بعض أصحابنا: في كلام الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع دلالة على أن الخطيب إذا فرغ من الخطبة الثانية ينبغى أن ينزل من المنبر، ثم يكون افتتاح الإقامة بعد نزوله على خلاف ما جرت به العادة اليوم في المساجد, فلعل هذه الحادثة إنما استحدثت لارتفاع درجات المنابر المستحدثة فإنها أعلى وأرفع, وأكثر درجات من درجات منبر رسول لله صَلَى الله عليه وسلم, وذكر الشافعي رضي الله عنه إذا جلس الإمام أخذ المؤذنون في الأذان, ثم قال في الإقامة, ويقيم المؤذن, ولم يقل ويقيم المؤذنون, وفي هذا دلالتان اثنتان: إحداهما: أن الإقامة لمؤذن واحد والأذان يجوز أن يكون بعدد بين المؤذنين.
والثانية: أن المؤذنين إذا ضاق بهم الوقت [127/أ] , جاز لهم المراسلة بالأذان, وإذا كان الوقت واسعًا, ولم يكن لهم عذر المبادرة إلى دعاء يوم عرفة, فالمستحبّ أن يؤذنوا واحداً بعد واحد متعاقبين غير متراسلين.
فرْعُ ينبغي أن يخطب قائمًا ولا يقعد إلّا بعذر, وينبغي أن يخطب بعرفة على منبر أو على مكان عالٍ ليكون أبلغ في الأسماع, وإذا صعد المنبر جلس قبل أن يبتدئ بالخطبة, وليس مع هذه الجلسة أذان كما في الجمع.
وقال بعض أصحابنا: جلس بقدر أذان, وروى هذا الجلوس في خبر جابر ويخفف الخطبة الأولى ولا يطولها.
قال سالم بن عبد الله للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل من الخطب لا يتولاها غيره إلا أن يعرض له عذر, فيستخلف كما في الصلاة لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم باشر هذا بنفسه.
وقال بعض أصحابنا: ويضرب للإمام الآن خباء أو قبة اقتداء برسول الله صَلَى الله عيه وسلم.
فرْعٌ آخرُ اعلم أنه روى عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صَلَى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين في حجّة الوداع 507. وروى عن عبد الرحمن بن يزيد رضي الله عنه, قال: صلّى بنا عثمان رضي الله عنه بمنى أربعاً, فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صليت مع النبيّ صَلَى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر ومع

الجزء: 3 - الصفحة: 506

عمر ركعتين ومع عثمان رضي الله عنهم صدرًا من إمارتين ركعتين, ثم أتمها ثم تفرقت بكم الطرق 508. وروى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلّى أربعًا, فقال: الخلاف شرّ.
قال الشافعي رضي الله عنه: إذا كان الإمام مكّيًا [127/ب] ,لا يجوز له القصر فيتم, ومن خلفه من المسافرين والمقيمين يتمّون أيضًا, وإن كان الإمام مسافرًا قصر, ومن خلفه من المسافرين وأما من خلفه من المقيمين يتمّونها أربعا, وبهذا قال عطاء ومجاهد الزهري والثوري وأبو حنيفة وأحمد, وقال مالك والاوزعي وإسحاق وسيفان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي رضي الله عنهم: لا بأس لأهل مكّة أن يقصروا الصلاة بمنى.
وروى عنهم رضي الله عنهم أنهم قالوا: إذا قصر الإمام قصر جميع الناس معه سواء كانوا من أهل مكّة أو غيرهم, واحتجوا بالخبر الذي ذكرنا.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "يا أهل مكّة لا تقصروا في اقلّ من أربعة برد" 509 ولأنها مسافة لا يلحقها المشقّة في قطعها غالبًا فلا يستبيح بها القصر كما لو خرج لمكّي إلى منى.
وأما الخبر لا حجّة فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسافرًا بمنى فصلّى صلاة المسافر, ولم يقل لأهل مكّة: "لا تقتصروا" اقتصارًا على ما تقدّم من البيان السابق.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلّى بهم فقصر ثم لما سلّم التفت فقال: يا أهل مكة أتمّوا فإنا قوم سفر 510 , وإما عثمان فقد قيل: إنه كان مسافرًا وأتمّ ليدل على جواز الإتمام خلاف قول أبي حنيفة, وإن كان الاختيار القصر ولهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أتمّ الصلاة بعد ذلك واعتذر بقوله: الخلاف شرّ, فلو كان الإتمام لا يجوز لكان الخلاف له خيرًا لا شرًا.
وقال إبراهيم النخعى: إنّما صلّى عثمان أربعًا لأنه اتخذها وطنًا, وقال الزبيري: إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها, وكان ابن عباس يقول: المسافر [128/أ] إذا قدم على أهل أو ما شبه أتمّ الصلاة, وبه قال أحمد.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتمّ الصلاة وقصر بمنى وتأويله عندنا أنه كان في مكّة على نية الإقامة, فأتمّ الصلاة فلما خرج من مكّة نوى السفر, فخرج إلى عرفة نيته السفر ليقضى نسكه وينصرف وإذا كان بهذه الصفة, له القصر عندنا.
وقال الوليد بن مسلم: وافيت مكّة وعليها محمد بن إبراهيم, فكتبت إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة يقصر, فقام سفيان الثورى وأعاد الصلاة, وقام ابن جريج فأتمّها, ثم دخلت المدينة, فلقيت مالك بن انس, فذكرت ذلك له, فقال: أصاب الأمير وأصاب مالك, ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي رضي الله عنه فقال: أخطا الأمير ومالك

الجزء: 3 - الصفحة: 507

وأصاب سفيان وابن جريج, فابن جريج أتمّها لأن عنده يجوز أن يصّلي الفرض خلف من يصلّي النفل وأعاد سفيان لأنه لا يجوز ذلك.
فرْعٌ آخرُ قد ذكرنا في كتاب الصلاة ما قيل في كتاب الجمع بين الصلاتين بعرفة, وأن المقيمين بعرفة لا يجوز لهم الجمع أصلًا, وهو ظاهر المذهب, ومن أصحابنا من قال: يجوز الجمع هناك ليتصل له الدعاء بالوقوف بخلاف القصر وعملهم على هذا اليوم.
وذكر هذا في "الحاوي" 511 ولم يذكر الخلاف عن أحد.
فرْعٌ آخرُ قال في "لحاوى" 512: يجب على الإمام نية الجمع عند افتتاح الأولى, وفي مأمومين وجهان: أحدهما: عليهم النية أيضًا, وهو الأصح, ويوصي الناس بعضهم بعضًا بها حتى يعرف من يجهل [128/ب].
والثاني: يجوز ذلك لهم بلا نية لاختصاص الموضع بجواز الجمع ولحوق المشقّة في إعلام الكل والرسول صَلَى الله عليه وسلم لم ينادِ فيهم بالجمع, وجمع.
فرْعٌ آخرُ وقال: فيه أيضًا 513 من جاء وقد فاتته الصلاة مع الإمام يجوز له أن يجمع إذا كان مسافرًا, وهل يجوز إن كان مقيمًا بمكّة؟ قولان بناء على جواز الجمع في السفر القصير, ولا يجوز هذا الجمع إلا بالنية.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام كالجمعة, لأن لكل واحدة من هاتين الصلاتين وقتًا مؤقتًا, وإنما ردد الشرع بالجمع مع الإمام فقط, وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفردًا.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها لأنها ليست بجمعة.
وقال أبو حنيفة: يجهر فيها بالقراءة كالجمعة لتقدم الخطبة, وهذا غلط لأن من نقل حجّ الرسول صَلَى الله عليه وسلم روى أنه أسّر بالقراءة, وقال النبيّ صَلَى الله عليه وسلم: "صلاة النهار عجماء إلّا الجمعة والعيدين" 514 فرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو اتفق يوم الجمعه يوم التروية فرْالت الشمس, فعليهم الإهلال

الجزء: 3 - الصفحة: 508

والخروج منها إلى منى ليوافق الظهر بها, ولا نأمرهم بالتقاعد للجمعة, وهكذا ذكره الإمام أبو محمد الجوينى في "المنهاج".
وقال بعض أصحابنا بالعراق: آمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر لأن الفجر إذا طلع لم يجز الخروج إلى السفر وترك الجمعة في أحد القولين.
فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يصلّون الجمعة بمنى لا بعرفات إلا أن يحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلًا.
وقال مالك: وافق يوم عرفة في حجّ رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يوم الجمعة فلم يصلّ صلاة الجمعة في عرفة, فإن قيل: وما يدريك أنه صَلَى الله عليه وسلم لم يصلّ [129/أ] الجمعة أليس خطب خطبتين, ثم ركع ركعتين؟ قلنا: لو كانت صلاة جمعة لجهر فيها بالقراءة فإنه سنة الجمعة.
مَسْألَةٌ: قال 515: ثم يركب, فيروح إلى الموقف عند الصخرات.
الفَصْلُ إذا فرغ من صلاة العصر توجه إلى المسجد, وهو مسجد إبراهيم عليه السلام إلى عرفة ويقصد الموقف الذي وقف به النبيّ صَلَى الله عليه وسلم وذلك عند الصخرات اتباعًا للنبيّ صَلَى الله عليه وسلم, وهو موضع معروف هناك, والأفضل أن يقف على جبال الرحمة أو بالقرب منها, وإنما ينتقل من موضع الصلاة والمسجد, لما ذكرنا أنه ليس من عرفة, واعلم أن الوقوف ركن من أركان الحجّ لا يدرك الحجّ إلا به, فمن فاته الوقوف في وقته في موضعه فقد فاته الحجّ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم, قال: "الحجّ عرفة, فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ ومن فاتته عرفة فقد فاته الحجّ" 516 وروي في خبر جابر أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم لما صلّى الظهر والعصر ركب ناقته القصواء, وسار إلى عرفة, وسميت ناقته قصوى لما قطع من أذنها, يقال: قصوت الناقة إذا قطعت أذنها, فإذا تقرر هذا, فالكلام في فصلين في مكانه وزمانه.
فأما مكانه فقد ذكرنا: ولو وقف في عرفة ساهيًا أو جاهلًا لم يجزه.
وقال مالك يجزئه وعليه دم, وحكي انه قال: بطن عرنة كله عرفة, وإذا وقف فيها جاز, وأصحابه ينكرون هذا, وهذا غلط لما روى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه, أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال يوم عرفة "كل عرفة موقف وارتفعوا عن عرنة وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن مسحر, وكل أيام التشريق ذبح, وكل فجاج مكّة منحر" 517 , وأراد بفجاج مكّة الحرم كله.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "من

الجزء: 3 - الصفحة: 509

أفاض من عرفة قبل الصبح فقد تم حجه, ومن فاته فلا حجّ له" 518 , وحكي [129/ب] سفيان أن قريشًا كانت تسمى الحمس وكانوا لا يخرجون يوم عرفة, من الحرم, ويقفون بنمرة دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس, نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله.
وكان النبي صَلَى الله عليه وسلم لا يقف مع قريش في الحرم ويخرج مع سائر الناس إلى عرفة, وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] , وفي الناس قولان: أحدهما: أنه أراد إبراهيم عليه السلام, لأنه كان يقف بعرفة.
والثاني: أنه رسول الله صَلَى الله عليه وسلم حيث وقف بها وفي تسمية قريش الحمس قولان: أحدهما: لأنهم تحمسوا في دينهم, أي: تشدّدوا.
والثاني: أنهم سمّوا الحمس بالكعبة لأنها خمسًا حجرها أبيض يضرب إلى السواد, وأفضل موضع الوقوف ما ذكرنا وحيث ما وقف الناس من عرفة أجزأهم.
وقال عليه السلام: " هذه عرفه كلها موقف إلّا وادي عرنة " 519. وقال الشافعي: والأفضل أن يقف من الإمام في الموضع الذي يقف فيه.
وروى عن يزيد بن شيبان أنه قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة بعيد عن الإمام, فقال: إني رسول رسول الله صَلَى الله عليه وسلم فقال: يقول لكم: قفوا على مشاعركم, فإنكم على إرث من إرث إبراهيم 520 والمشاعر المعالم, وأراد: قفوا بعرفة خارج الحرم, فإن إبراهيم عليه السلام هو الذي جعلها مشعرًا وموقفًا للحاج خلاف قول قريش, حيث قالوا: لا نخرج من الحرم, وسمّوا أنفسهم الحمس فبين صَلَى الله عليه وسلم أن ذلك من قبلهم أحدثوه وأن الذي أورثة إبراهيم من سنته, هو الوقوف بعرفة.
فرْعٌ قال في "القديم" و"الإملاء": الأفضل أن يقف راكبًا ويجوز راكبًا ونازلًا.
وبه قال أحمد, وقال في "الأوسط" 521: الوقوف راكبًا ونازلًا سواء.
[130/أ] قال أصحابنا: قوله القديم أصحّ, لأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم وقف راكبًا, ولأن الراكب أقوى على الدعاء, ولهذا أمر الحاجّ ترك الصوم يوم عرفة وقيل تأويل ما قال في "الأوسط": أنه أراد القوي الذي لا يعيى إذا وقف على قدميه ولا يقطعه ذلك عن استكثار الدعاء والاجتهاد فيه.
فرْعٌ آخرُ يستحبّ أن يستقبل القبلة في وقوفه ويدعو حتى الليل, ويصنع ذلك الناس مع الإمام, وروي: "أنه صَلَى الله عليه وسلم وقف واستقبل القبلة وجعل بطن ناقته إلى الصخرات" 522 وهي

الجزء: 3 - الصفحة: 510

جبل الرحة ويجتهد في الدعاء والتضرّع والإكثار منه بقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" 523، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين" 524. وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فيما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع: "اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرّي وعلانيتي، ولا يخفي عليك شيء من أمري، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذلّ لك جسده ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين".
وروي: كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" 525. وسئل سفيان بن عيينة عن دعائه يوم عرفة، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت [124/أ] أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له"، فقيل له: إن هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: إذا أثنى عليك المرء خيرًا كفاه ما يعوّضه الثناء يريد به أن الثناء قائم مقام الدعاء، وأنه يعوّض ما يعوّض الدعاء.
فَرْعٌ آخرُ ليس معنى الوقوف أن يقف على رجليه بل القاعد والراكب والمضطجع فيه سواء، والمراد به الحصول بعرفة.
فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك، ذكره في "الحاوي" 526. فَرْعٌ آخرُ لو اجتاز بعرفة، وهو لا يعلم أنها عرفة أحزأه نصّ عليه، لأنه وقف، وهو من أهل الوقوف.
وقد تقدمت نيّة الحجّ، فأجزاه.
وقال أبو حفص بن الوليد وأبو الحسين القطان في "مختصره": فيه وجهان، وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ قال في "المناسك الأوسط" 527 ومن لم يدخل عرفة إلا مغمى عليه لم يعقل ساعة

الجزء: 3 - الصفحة: 511

ولا طرفة عين، وهو بعرفة، فقد فاته الحجّ، ولو عقل بعرفة ساعة لم يضره.
وقال أصحابنا: لو حصل بعرفة نائمًا صحّ وقوفه بأن سار به الجمل، وهو في محمله نائم، أو نام بعرفة قبل الزوال، ومرّ عليه الوقت وهو نائم.
والفرق أن النائم بمنزلة اليقظان، ألا ترى أنه لو نام في جميع نهار الصوم صحّ صومه بخلاف ما لو أغمي عليه في الصوم تمام اليوم، وحكى ابن القطان في النائم وجهًا آخر أنه لا يجوز وقوفه لأنه لم يوجد القصد إلى العبادة [131/أ] وأصل هذا أن كل ركن من أركان الحجّ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان: أحدهما: لا يحتاج إليها كأركان الصلاة.
والثاني: يحتاج لأن أركانها تنفصل بعضها عن بعض، وهو ضعيف، ولو حصل بالموقف مجنونًا حتى خرج الوقت فقد فاته الحجّ بلا خلاف.
وقال ابن القطان: فيه وجه آخر، وكذلك في المغمى عليه، وليس بشيء وأما زمان الوقوف، فالأفضل أن يقف من الوقت الذي ذكرنا إلى الليل، وهو أن تغرب الشمس حتى يجمع بين النهار وجزء من الليل في الوقوف، وأقل ما يكفيه حتى يكون مدركًا للحجّ أن يدخلها وإن لم يقف، ووقته من وقت زوال الشمس إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، فأي وقت ما بين هذين الوقتين أجزأه، وذلك نصف يوم وليلة كاملة.
وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: الأولى أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار فإن اقتصر على أحدهما، فالاعتماد على الليل حتى إن وقف بالنهار، لم يجز.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، واحتجّ مالك بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك ومن فاتته عرفات بليل فقد فاته الحجّ ومن فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحجّ من قابل".
واحتجّ أحمد بما روي عن عروة بن المضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى ثفته" 528 والحبل هو التلّ من التراب، والتلّ إذا كان من حجارة فهو جبل، ومعنى قضى ثفته أي: نسكه وقيل: التفث الأخذ [131/ب] من الشارب وتقليم الظفر والخروج من الإحرام إلى الإحلال.
وقال ابن الأعرابي في قوله: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29] أراد قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف.
وقوله: "فقد تمّ حجّه"، أي: معظم الحجّ، ولم يفصل بين أن يكون قبل الزوال أو بعده، وهذا غلط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الموقف نهارًا بعد الزوال، وشرع هكذا إذا انصرف منه ليلًا، فجعل النهار وقتًا للوقوف وجعل الليل وقتًا لترك الوقوف، فعلم أن النهار مقصود، والليل يسع.
وأما الخبر الذي احتجّ به مالك، لا يصحّ لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 512

إنما خصّ الليل لأن الفوات يتعلق به، ثم يعارض بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار فقد تمّ حجّه".
وأما ما احتجّ به أحمد نحمله على ما بعد الزوال بدليل ما ذكرنا ولأنه وقف بعرفة قبل الزوال فلم يجزئه كما لو وقف قبل طلوع الفجر.
فَرْعٌ لو اقتصر في الوقوف على الليل دون النهار، فلا دم عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن أشهر الحجّ تسع من ذي الحجّة، وقد مضت حين غربت الشمس، وهذا ليس بشيء، ولو اقتصر على النهار دون الليل فيه قولان.
قال في "الإملاء": لا دم عليه ويستحبّ لأنه جزء يتعلق به الإدراك، فلا يلزمه دمّ كما لو وقف جزءًا من الليل.
وقال في "القديم" و "الأم": يلزمه دم.
وبه قال أبو حنيفة وعطاء والثوري وأحمد لأنه نسك لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال: "خذوا عنّي مناسككم".
وقال عليه السلام: "من ترك نسكًا فعليه دم"، ولأنه أخلّ ببعض النسك، ولم يأت به على الوجه المشروع، فيلزمه [132/أ] دمٌ كما لو أحرم دون الميقات، فإن قيل: هلاّ قلتم: إذا وقف ليلًا دون النهار، يلزم الدم أيضًا لهذا المعنى.
قلنا: الفرق أن من أدركه نهارًا يمكنه الوقوف نهارًا، فلم يلزمه ذلك، ولم يجب عليه الدم بتركه.
وقال الحسن: يلزمه هدي من الإبل ويصحّ حجّه، وهو غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يلزمه الدم، فلو عاد فوقف ليلًا فلا شيء عليه.
نصّ عليه، وقيل: فيه وجهان، وليس بشيء.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه الدم.
وبه قال أحمد، لأن النسك أن تغيب الشمس، وهو واقف فيجمع بين الليل والنهار، فإذا دفع قبل الغروب وجب الدم، فلا يسقط بعده حتى لو رجع نهارًا، وأقام حتى غربت الشمس لا شيء عليه، وهذا غلط، لأنه جمع بين الليل والنهار في الوقوف، فلا دم عليه، كما لو وقف حتى غربت الشمس.
فَرْعٌ آخرُ لو غمّ الهلال ليلة ثلاثين من ذي القعدة ووقف الناس اليوم التاسع من ذي الحجّة ثم قامت البينة أنه اليوم العاشر أجزأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حجّكم يوم تحجّون" 529، ولأنا لو قلنا بخلافه أدى إلى لحوق المشقّة بالخلق الكثير والجمع الغفير لا نؤمن مثله في القضاء، ولو وقفوا يوم التروية نسيانًا لا يجوز لأنه لا يقع فيه الخطأ غالبًا، ولا يتصور نسيان العدد في

الجزء: 3 - الصفحة: 513

الخلق الكثير والعدد القليل لا يعذرون بذلك للتفريط ويؤمن مثله في القضاء.
فَرْعٌ آخرُ لو كان في الموقف عدد فيهم قلة خلاف المعهود وتغلطوا ووقفوا يوم العاشر فيه وجهان: أحدهما: تلزم الإعادة لأنه نادر وليس في إيجاب القضاء عليهم مشقة عامة.
والثاني: لا يلزم الإعادة لأنهم [132/ب] لا يأمنون الغلط في الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ قد ذكرنا أنهم لو وقفوا اليوم الثامن بالغلط لا يجوز.
وفيه وجه آخر مخرج من الأسير إذا تحرّى فصام قبل رمضان يجوزانه يجوز ههنا أيضًا، وهذا لأنا جعلنا ذلك الصوم أداء إذا كان بعض رمضان والوقوف اليوم العاشر أداء لأنه لا يدخل القضاء فيه، وإذا جعل الزمان بعد الفوات زمان الأداء للعذر جاز أن يجعل الزمان قبل الفوات زمان الأداء للعذر، وهذا المذهب أقرب إلى القياس وصورة الغلط أن يشهد الشهود ليلة الثلاثين من ذي القعدة برؤية الهلال، فاعتقدوا دخول الشهر ثم بين أن الشهود كانوا كفارًا بعد فوات اليوم التاسع.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فالفرق بين الغلط في العاشر أو في الثامن من وجهين: أحدهما: إن غلط التأخير لا يمكن الاحتراز منه، لأن وقوعه بوجود الغيم في أول الشهر، وانكشافه بأن يخرج الشهر ناقصًا فيرى الهلال الثمانية وعشرين من حين حسبوا الشهر، فيعلم قطعًا أنهم تركوا يومًا من أول الشهر في الحساب، ووقفوا في اليوم العاشر.
وأما خطأ الوقوف اليوم الثامن، وهو يوم التروية، وإما لغلط في الحساب أو الخلل في الشهود والاحتراز منهما ممكن.
والثاني: أن العبادة يجوز قضاؤها بعد فوات.
وفيها في الجملة يجوز في الحجّ أيضًا قضاء الوقوف على قرب الزمان بنوع عدد، ولا تصحّ العبادة البدنية قبل وقتها، والوقوف يوم التروية قبل الوقت، فلم تحتسب به.
فَرْعٌ آخرُ لو شهد شاهدان عشية عرفة برؤية الهلال ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الجمع الغفير إتيان عرفة، وقفوا من الغد كما قال الشافعي: إذا شهد [133/أ] شاهدان برؤية الهلال ليلة العيد أو بعد الزوال في زمان لا يمكن اجتماع الناس لصلاة العيد يصلون صلاة العيد من الغد، ويكون أداء لا قضاء.
فَرْعٌ آخرُ إذا شهد واحد برؤية هلال ذي الحجّة أو اثنان ورد الحاكم شهادتهما، فإنهما يقفان بعرفة اليوم التاسع على يقين رؤيتهم، وإن وقف الناس اليوم العاشر، وهو كما قلنا: إذا رأى هلال شوال وحده، وردّت شهادته له أن يفطر.
وقال محمد: لا يجزئه حتى يقف مع الناس اليوم العاشر، لأن الوقوع لا يكون في يومين.
قلنا: لا يمتنع ذلك في حق

الجزء: 3 - الصفحة: 514

شخصين لاختلاف سبب الوجوب في حقّهما كما قلنا في صوم شهر رمضان، وفطر شوال إذا رأى الهلال وحده.
فَرْعٌ آخرُ قال والدي الإمام رحمه الله: إذا أحرم الناس بالحجّ في أشهر الحجّ ثمّ بان الخطأ بالاجتهاد في الهلال، وكان خطأ عامًا، هل ينعقد الإحرام بالحجّ؟ فيه وجهان: أحدهما: ينعقد كما لو وقف بعرفة اليوم العاشر جاز، وإن بان الخطأ بالاجتهاد، لأن كل واحد منهما ركن يفوت الحجّ بقواته.
والثاني: ينعقد بالعمرة، والفرق أنا إذا فات الوقوف لم يبق حكمه، وقد وجب إسقاطه رأسًا، وههنا لا يؤدي إلى إسقاطه رأسًا، فإنه يصّح عن العمرة فصّح القول ببطلان الإحرام عما قصده لظهور الخطأ في الاجتهاد ثم قال الشافعي: وأحّب للحاجّ ترك صوم يوم عرفة، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
مَسْألَةٌ: قالَ 530: وإذا غربت الشَّمس دفع الإمام وعليه السكينة والوقار.
الفَضلُ قال في "القديم": إذا غابت الشمس وتبين مغيبها وسقط شعاعها دفع.
والسنة أن يسير وعليه السكينة والوقار ما دام الزحام موجود لئلا يضرّ بالناس [133/ب] فإن زال الزحام وخفّ الناس أو وجد فرجه أسرع حتى يأتي المزدلفة، وحدها ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر، وليس المأزمان وراء محسر من المزدلفة وقرن محسر، وعن يمينك، وشمالك من تلك البواطن والقوابل، والظواهر والشعاب كلها من مزدلفة نصّ عليه في "الأوسط" 531. وقال بعض أصحابنا: قرن محسر ليس منها، وهذا غلط بخلاف النصّ والمستحبّ أن يسلك طريق المأزمين، فإن ترك السكينة، أو سلك غير هذا الطريق فلا شيء عليه، وأول من يدفع من عرفة هو الإمام، والناس له تبع، ولا يستحبّ لأحدٍ أن يسبق الإمام ويعاجله في الإفاضة وفي تسمية مزدلفة تأويلان 532: أحدهما: أنهم يقربون فيها من منى والازدلاف: التقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90]، أي: قربت.
والثاني: أن الناس يجتمعون بها، والازدلاف: الاجتماع.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64]، أي: جمعناهم، ولذلك قيل: لمزدلفة جمع، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، وعليه السكينة، ثم أردف الفضل بن العباس، وقال: يا أيها الناس ليس البر بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" 533. وقوله: أفاض، أي: صدر راجعًا إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 515

منى، وأصل الفيض: السيلان، والإيجاف: الإسراع في السير.
وقال عروة رضي الله عنه: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العّنّق، فإذا وجد فجوة نص 534. العنق السير الوسيع، والنصّ: أرفع السير، وفي هذا بيان أن السكينة الأمور بها إنما هي من أجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا، فإذا لم يكن زحام، وكانت في الموضع سعة سار كيف شاء والإسراع أفضل [134/أ] ليكون أسرع وصولًا إلى المزدلفة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال: "هذا عرفة وهو الموقف وعرفة كلها موقف"، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد خلفه، وجعل يشير بيده على هينته، ويقول: أيها الناس عليكم بالسكينة ثم أتى جمعًا، فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قزج، ووقف عليه، وقال هذا قزج، وهو الموقف وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر، فقرع ناقته فحنت حتى جاز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير، قد أدركته فريضة الله تعالى في الحجّ، أفيجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: حجّي عن أبي.
قال: ولوى عنق الفضل.
فقال العباس: يا رسول الله لو لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما، وأتاه رجل فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق، قال: "احلق أو قصر ولا حرج"، قال جاء آخر فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال: يا بني عبد المطلب لولا أن تغلبكم الناس لنزعت وروي أنه عليه السلام دفع منها، ولم يكن بين يديه ضربه ولا طرد ولا إليك إليك.
مَسْألَةٌ: قالَ 535: فإذا أتى المزدلفة جمع مع الإمام المغرب والعشاء بإقامتين.
الفَصْلُ السنة أن لا يصلّي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة ثم يصلّيهما، فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وهذا لأن سن لصلاة الوقت وصلاة المغرب لم تصل في وقتها، فلا يؤذن لها كما لا يؤذن للعصر بعرفة.
وبه قال أبو إسحاق، [134/ب] وفيه قول ثانٍ.
قاله في "القديم": يجمع بينهما بأذان وإقامتين وهو اختيار أبي حامد.
وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهذا لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فأمر بلالًا، فأذن وأقام وصلّى الصلاة الأولى، ثم أمره، فأقام وصلّى الصلاة الثانية".
وهذا الخبر أولى لأنه زائد.
وقال سفيان الثوري: يجمعان بإقامة واحدة، لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال:

الجزء: 3 - الصفحة: 516

صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامة واحدة 536، وهذا غلط لما ذكرنا.
وروي عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالمشعب نزل فبال وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ، وأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاهما، ولم يصلّ بينهما شيئًا" 537، وظاهره أنه أعيدت الإقامة للعشاء.
وأما خبرهم، قلنا: روينا عن ابن عمر أنه جمع بينهما بإقامةٍ لكل صلاة، ولم ينادِ في الأولى، ولم يسبح على أثر واحدةٍ منهما 538. فَرْعٌ المستحبّ أن يصلّيهما بالمزدلفة على ما ذكرنا، وقال في "الإملاء" لو خاف فوت النصف الأول من الأولى قبل أن يوافي المزدلفة نزل وصلى أي موضع كان فإنهما قال ذلك لأنه يفوت وقتها المختار.
قال: فإذا وافي المزدلفة صلّى قبل حط رجلهِ فينيخ الجمال ويعقلها لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعلوا.
فَرْعٌ آخرُ لو صلّوا المغرب في الطريق والعشاء الآخرة بالمزدلفة أو جمعوا بينهما في الطريق في وقت المغرب فقد تركوا السنة وأجزأتهم الصلاة، لأن الجمع بينهما إنما جاز لأجل السفر.
وبه قال مالك وأحمد [135/أ] وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز أن يصلّي المغرب في وقتها، فإن صلّاها في وقتها أعاد في وقت العشاء، والجمع بينهما واجب لا يجوز تركه لخبر أسامة بن زيد، وهذا غلط لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز فعل كل واحدة منهما في وقتها كالظهر والعصر، وأمّا الخبر فمحمول على الاستحباب لئلا ينقطع سيره.
فَرْعٌ آخرُ الأفضل أن يجمع مع الإمام، وله أن يجمع بينهما في رحله، وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام، فإن قال قائل: قال الشافعي: جمع مع الإمام، وهذا يدلّ على أن الشرط أن يجمع مع الإمام، قلنا: قصد الشافعي به بيان الأفضل.
فَرْعٌ آخرُ إذا جمع بينهما، قال الشافعي: ولا يسبّح بينهما، أي: لا يتنفل بالصلاة بين المغرب والعشاء، ولا على إثر واحدة منهما ومعناه إذا فرغ منهما فليس على أثرهما نافلة، وقوله: ولا على إثر واحدة منهما نوع تأكيد في المغرب وابتداء بيان في العشاء الآخرة لأن حكم المغرب في النافلة دخل تحت قوله: ولا يسبح بينهما، وهكذا ورد

الجزء: 3 - الصفحة: 517

الخبر على ما ذكرنا.
مَسْألَةٌ: قالَ 539: ويبيت بها، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
الفَضلُ إذا فرغ من الصلاة، فالسنة أن يبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الصلاتين بات حتى أصبح، فإن خرج منها قبل نصف الليل افتدى بشاة.
وقال في "الإملاء" أحب أن يريق شاة، فحصل قولان، وهذه أربع مسائل فيها قولان من ترك طواف الوداع، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن دفع من عرفة قبل غروب الشمس، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمزدلفة هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمنى هل يلزمه الدمّ أو لا؟ [135/ب] ولذلك لو ترك المزدلفة أصلًا، فلم ينزلها ولم يدخلها، هل يلزمه الدم؟ قولان: أحدهما: يلزمه دم.
وبه قال مالك وأحمد في رواية لقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك نسكًا فعليه دم.
والثاني: لا يلزمه شيء لأنه ترك مبيت بمكان، فلا يلزمه به دم كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وقال علقمة والشعبي والنخعي والأسود الوقوف بمزدلفة ركن لا يتمّ الحجّ إلا به، فمن فاته ذلك، فقد فاته الحجّ وصار إحرامه عمرة 540. وبه قال أبو عبد الرحمن الشافعي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ويحكى عن ابن جرير واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، والأمر على الوجوب ولخبر عروة بن مضرس الطائي وبقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك المبيت بمزدلفة فلا حجّ له" 541. وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ".
وأما ما ذكروا فمحمول على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
ولو خرج من مزدلفة في النصف الثاني من الليل، فلا دم عليه لأن المقصود الكون بالمزدلفة في النصف الثاني من الليل، ولهذا نقول إنه إذا جاء من عرفات بعد نصف الليل، وحصل بالمزدلفة ساعة في النصف الأخير لم يلزمه الدم، وآخر وقتها ما دون طلوع الشمس نصّ عليه في "القديم" و "الإملاء" هكذا ذكر في البندنيجي، وقال في "الحاوي" 542: لو دفع من عرفة ليلًا وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل يلزمه دم لأنه لم يبت بها إلا أقلّ الليل.
وهذا غريب، وقال أبو حنيفة: إن دفع منها بعد النصف الأول من غير عذر عامدًا يلزمه دم، وإن غلط في الوقت أو كان له عذر فدفع، فلا شيء عليه.
قال: والمأخوذ عليه أن يكون فيها بعد طلوع الفجر، قبل طلوع الشمس، [136/أ] وهذا غلط لما روى هشام بن عروة عن أبيه، قال: دار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمّ

الجزء: 3 - الصفحة: 518

سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكّة فصلّى بهذا الصبح، وكان يومها فأحب أن توافيه 543 ومعقول أنها لو صبرت بمزدلفة حتى يطلع الفجر، ثم قصدت منى ورمت جمرة العقبة، ثم قصدت مكّة لم تدرك صلاة الصبح في المسجد الحرام كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا أن إفاضتها من مزدلفة كانت ليلًا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من المزدلفة في النصف الأخير من الليل، وكانت امرأة ثبطة، فأذن لها وليتني كنت استأذنته 544، وكان عائشة لا تفيض إلّا مع الإمام.
فَرْعٌ السنّة تقديم الضعفة من النساء والولدان من مزدلفة إلى منى 545، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم من ضعفة أهله من المزدلفة إلى منى، وروي عنه، أنه قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات وجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: يا بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس 546، وهذا لئلا يصيبهم الحطمة واللطخ: الضرب الخفيف باليد.
فَرْعٌ آخرُ لو دفع منها قبل نصف الليل، ثم عاد إليها بعد نصف الليل ووقف لحظة أجزأه ولا دم عليه قولًا واحدًا.
مَسْألَةٌ: قالَ 547: ويأخذ منها الحصى للرمي.
المستحبّ أن يأخذ من مزدلفة بالحصى الذي يرمى به جمرة العقبة يوم النحر وهو سبع حصيات.
والمزني أطلق ذلك، وظاهره أنه يأخذ منه جميع الحصى وهو سبعون حصاة [136/ب]، وقد ذكر ابن أبي أحمد في "المفتاح"، وليس على ما أطلق بل بلفظ سبعًا، والشافعي نصّ عليه وإن ل يأخذ من المزدلفة، وأخذ من غيرها أجزاه وكره ذلك، وهذا لأن المنقول أن يبادر إلى الرمي إذا وصل إلى منى، ولا يعرج على أمر آخر إذا جاء وقت الرمي، وقال قوم: يأخذها من المأزمين.
وهذا لا يصحّ لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من المزدلفة، قال: ويلقط الحصى، ولا يكسر لئلا يؤذي الكسر غيره، وقال قوم الاختيار أن يكسرها، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "التقطوا ولا تنهبوا النوام"، وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يأخذها من موضع بين عرفة والمزدلفة قريب من مزدلفة، فإن هناك جبالًا في أحجارها رخاوة، فيسهل كسرها، فإن أخذ الكل كيلا يحتاج في

الجزء: 3 - الصفحة: 519

الأيام الأخر إلى تحصيل الحصى جاز، وهذا خلاف النصّ، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: "التقط لي سبع حصيات من حصى الخذف"، قال: فلقطتها فلما وضعتها في يده، قال: بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" 548 وروس نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال: كانوا يتزودون بالحصى كراهية النزول.
فَرْعٌ قال الشافعي 549: ويكون قدر حصى الحذف، وأراد تكون الحصيان بقدر ما يمكن رميها برؤوس الأصابع، والخذف: ما حخذف به الرجل، وقدر ذلك أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا قدر الباقلاء، وبضعها على ظفر سبابته، ويضع بطن إبهامه عليها، ثم يخذف خذفًا، والخذف يكون بالسيف أو بالعصا إذا ضرب به، وقيل: قدر النوى، وهو قريب من الأول.
فَرْعٌ آخرُ [137/أ] قال 550: ولو رمى بحجر أصغر من ذلك، أو أكبر كرهت ذلك له، ولا إعادة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين"، يعني الزيادة، ولأنه إذا كان كبيرًا ربما يخرج من نصيبه، وإنما قلنا: الإعادة لما روي أن عمر رضي الله عنه رمى الجمار بمثل البعر.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي 551: وفي أيام منى كلها من حيث أخذه أجزأه إلا أني أكرهه من مواضع، أكرهه من المسجد لئلا يخرج حصى المسجد، وأكرهه من الحش لنجاسته ومن كل موضع نجس، وأكرهه من الجمرة لأنه حصى غير متقبل، وأنه قد رمى به مرة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عن الحصى ليسبح في المسجد".
مَسْألّةٌ: قالً 552: ومن حيث أخذه أجزأه إذا وقع عليه اسم حجر مرمرٍ أو برام أو كذان أو فهر.
هذا بيان أن محسر أو فجاج مكة أو من منى فلا حرج بعد أن يتوقى ما ذكرنا.
وأما قوله: إذا وقع عليه اسم حجر قصد به الردّ على أهل العراق حيث قالوا: لو رمي بغير الحجر من مدرٍ أو خرق أو كحل يجوز، ولا يجوز بما ليس من جنس الأرض كالذهب والفضة والخشب، ونحو ذلك.
وقال داود: يجوز الرمي بكل شيء حتى لو رمى بعصفور ميت أجزأه وعندنا لا يجوز إلا بالأحجار من أي نوع كان على ما ذكر، وبه قال مالك وأحمد، والمرمر: الرخام، وكل حجر أملس لين يقال له: مرمر والبرام: جمع برمة.
وهي القدر يعني يتخذ منه ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 520

والكذان: الحجارة الرخوة التي تتفتت ومنه حجارة الرخا.
قال في "الأم" 553: وصوان.
والصوان: حجر صلب إذا وقع على بعضه تقعقع, والصفوان: الأملس, وكذلك الجواهر التي بين حجر كالياقوت والعقيق والفيروزج والزبرجد والبلور يجوز لأنها أحجار, ولا يجوز باللؤلؤ, ولا بقطعة صدف, وهذا [137/ ب] غلط, لما روي في خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بمثل هذا فارموا ومثل الحجر الحجر", ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الأحجار, وقال: "خذوا عني مناسككم وهذا إرث من إرث إبراهيم عليه السلام", والمعنى في الجمار غير معقول حتى يسوغ فيه القياس إذ لو كان المعنى الكراهة لقامت الجواهر والدنانير مقام الأحجار, ولو كان للمهانة لكان رمي النجاسات ينوب عن رمي الحجر, ولو كان للنكاية لكان رمي السهام أولى.
فلما لم يكن معقول المعنى لم يجز سوى ما ورد به الشرع؟ فإن قيل: روي أن سكينة بنت الحسن رمت بست حصيات فأعوزتها السابعة, فرمت بخاتمها, قلنا: لا حجة في فعلها, ثم محتمل أنه كان فصه عقيقًا أو فيروزجًا, فيجوز ذلك عندنا, والمقصود: الفص والفضة تبع.
وقيل: ألقت خاتمها إلى سائل كان هناك.
مسألةٌ: قال 554: وإن رمى بما قد رمى به, مرة كرهته وأجزأ عنه.
يكره للإنسان أن يرمي بحجر قد رمى به مرة على ما نصّ عليه.
وهذا لما روي أن ما يقبل من الحصيات المرمية ترفعها الملائكة من ذلك الموضع, فلا يبقى هناك إلا ما هو غير متقبل, وأثر ذلك بيّن هناك لأنه لا يرى في ذلك الموضع من الحصيات المرمية إلا القليل, فلولا حقيقة ما ذكرنا لصار في ذلك الموضع أمثال الجبال من كثرة الرمي على مر الدهور.
وقال أبو سعيد الخدري: قلنا: أما إنه ما يتقبل منها يرفع وما لا يتقبل يترك, ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال 555. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [138/ أ] الرمي قربان فما يقبل يرفع وما لا يقبل يترك 556، فإن خالف ورمى به فإن كان قد رمى به غيره أجزأه, وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه.
وبه قال طاوس: وإن كان قد رمى هو به, فالمذهب أنه يجوز أيضًا, وقال المزني: لا يجزئه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان, وهو غلط, وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أخذ الحصى من المرمى, ورمى ولم يفصل, ولأن كل حجر لو رمى به, جاز.
فإذا رمى هو به جاز كسائر الأحجار, فإن قيل: أليس لو توضأ بماء لا يجزئه

الجزء: 3 - الصفحة: 521

أن يتوضأ به ثانيًا؟ كذلك هاهنا قلنا: الفرق أن الوضوء إنما يجوز بماء طاهر مطهر والمستعمل غير مطهر لأن الاستعمال يسلب التطهير, فلم يجرِ التطهير به.
والرمي ينبغي أن يكون بحجر, وقد حصل به ذلك ثانيًا, فجاز ذلك.
وقال القفال: ظاهر لفظ "المختصر" يوهم أن لا فصل بين ما رماه هو بنفسه وبين ما رماه غيره.
وليس كذلك, وتفصيل المذهب فيه أن يقال: لا بدّ من أن يبتدل فيه الشخص, أو اليوم أو المكان, فإن لم يبتدل من هذه الثلاثة شيء لم يحتسب للرامي, رمي ذلك الحجر, وتفسير ذلك كأن رجلاً رمى النفر بحصاةً إلى الجمرة, ثم أحدها بعينها هذا الرامي بعينه فرماها إلى تلك الجمرة بعينها لم تحتسب له الرمية الثانية, لأن المكان والشخص والحجر واحد, فلو أن هذا الرجل أخذ تلك الحصاة ورماها إلى الجمرة الثانية أجزأه مع الكراهية لأنه أدى واجب رميه به.
هذا تبدل المكان ولو أ، رجلاً آخر أخذها, فرماها إلى الجمرة الأولى التي رماها الأول إليها حسب الثاني أيضًا.
هذا تبدل الشخص ولو أن الرامي الأول أخذها ورماها في يوم النفر الأول في تلك الجمرة بعينها أجزأه.
هذا تبدل اليوم غير تبدل الشخص ولا تبدل المكان.
مَسأَلةٌ: قال 557 ولو رمى فوقعت حصاة على محمل ثم استنت [138/ ب].
الفَصلُ إذا رمى بحصاة فأصابت إنسانًا أو محملاً أو عنق ثم استنت, أي: رجعت إلى سنن القصد, والسنن: الطريق, فوقعت في موقع الجصى أجزأه بها لما صكت المحمل صكت بعل الرامي, ثم لما ظفرت من المحمل واستنت ووقعت في الجمرة, كان ذلك بفعل الرامي إذ لا ينسب إلى المحمل فعل فجاز, ويفارق هذا إذا أصاب السهم في السبق حجرًا, ثم ازدلف, فأصاب العرض لا يحتسب على أحد القولين, لأن القصد من ذلك, صدق الرامي ولم يصب ذلك بحذفه إذا أصاب الحجر, ثم أصاب العرض, بل يحتمل أنه بإصابة الحجر ذلك, فلا يعتدّ به, وههنا لا يعتبر الحذف, بل يعتبر الحصى في المرمى بفعله, وقد وجد ذلك.
فَرْعٌ لو وقعت في ثوب رجل فنفضها, فوقعت في المرمى لم يجز لأنها حصلت في المرمى بفعل الثاني دون الأول, كما لو رمى بسهم إلى صيد, فأخذها مجوسي في الطريق, ورمى به إلى صيد لا يؤكل لأن قتله لم يفعله.
وقال أحمد: يجزئه لأن ابتداء الرمي كان من فعله, كما لو أصابت موضعًا صلبًا, ثم وقعت في المرمى.
وهذا غلط لما ذكرنا وبفارق ما قاسوا عليه الفعل كله له, فأجزأه بخلاف ههنا.
فَرْعٌ آخرْ لو وقعت على عنق بعير فنفضها البعير لم يجز, نضّ عليه في "الأوسط" 558.

الجزء: 3 - الصفحة: 522

وقال أحمد: يجوز.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى بها, فأصابت عنق بعير, فتحرك ثم وقعت الجمرة, ولم يعلم, هل وقعت في المرمى بالرمي, أو بتحرك البعير فيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه لأن الرمي إلى المرمى واجب عليه, فإذا شكّ هل حصل فيه بفعله, أو فعل غيره فالأصل بقاء وجوبه.
والثاني: لا يجوز لأن الفعل الأول متحقق وحدوث الفعل الثاني, بتحريك البعير مشكوك فيه, فلا يسقط المتحقق بالمشكوك.
والأول أشبه بما قال في "الأوسط", لأنه أطلق, ولم يفرق [139/ أ].
فَرْعٌ آخرْ لو رمى بحصاة فغابت عنه, ولم يدرِ أين وقعت أعادها حتى يعلم أنها وقعت موقع الحصى.
وقال في "القديم": يعتدّ بها, لأن حصولها في الموضع.
وقال أبو حامد: فيه قولان, والصحيح أن المسألة على قول واحد لا يجوز, لأن الأصل أن لا رمي, ولعل ما ذكر في "القديم": حكاه عن غيره, وقيل القولان إذا غلب على ظنّه وقوعها في المرمى, ولكنه لم ينتقص.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى, فوقعت فوق المرمى على موضع عالِ, ثم تدحرجت إليه, فيه وجهان: أحدهما: يجزئه وهو المذهب لأنه لم يحدث فعل عن فعله.
الثاني: لا يجزئه, لأنه تدحرجَ لانحدار الموضع وتصويبه دون فعله, وهذا غلط, لأن التدحرج منسوب إلى فعله السابق, وهذا الخلاف لو وقعت دون الجمرة, ثم تدحرجت بنفسها, وانحدرت حتى وقعت في الجمرة.
فَرْعٌ آخرْ لو رمى حصاة ثم حصاة, فوقعنا في حالة واحدة فيه وجهان: أحدهما: تحسب حصايان, لأنه لا فرق في الرمي.
والثاني: تحسب واحدة, لأن الاحتساب الحصول في المرمى وحصولها في المرمى دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخر لو رمى, فوقعت حصاته على حصاة أخرى فظفرت الأخرى إلى المرمى من دون التي رماها لم يجز عنه لأنه لم يقصد إلى رميها كما لو رمى بحصاة في الجو, فوقعت في المرمى لم تجز عنه, ويخالف هذا رمي الصيد, فإنه لو رمى إلى الصيد بسهم, فوقع على سهم وظفر السهم الثاني, فأصاب صيدًا حلّ أكله, وكذلك لو رمى في الجو, فأصاب صيدًا حلّ لأن القصد لا يعتبر فيه, ذكره أصحابنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 523

فَرْعٌ آخر لو رمى, فوقعت في المرمى ثم استنت منه, فوقعت موضعًا آخر أجزأه, وكذلك لو [139/ ب] ازدلفت بجمرتها وسقطت وراء الجمرة أجزأه, لأن المقصود وقوعها فيه دون استقرارها كما لو أطرأته الريح, وفيه وجه آخر لا يجوز لأنها استقرت بانتهاء الرمي خارج الجمرة.
فَرْعٌ آخر لو دفع الحصى برجله وحصل في موضعه لم يجز لأن عليه رمي الحصى فيه, وكذلك لو رماه عن قوس لم يجزئه, وكذلك لو أخذ الحصى ووضعه لم يجز لأنه ما رمى فيه من يده يجوز لأنه رمى.
فَرْعٌ آخر الاختيار أن يغسل الحصيات, وكره قوم غسلها, وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسل جمار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فَرْعٌ آخر يلزمه أن يقصد الرمي إلى المرمى, فإن رمى حصاة في الهواء, فوقعت في المرمى لم يجزئه لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى.
فَرْعٌ آخر لو رمى سبع حصيات دفعة واحدة أجزأته واحدة منها, وقال الأصم: يجزئه ذلك عن الشفع, ويحكى عن أبي حنيفة: هذا إذا نفرت في المرمى, وهذا غلط لأن عدد المرمى معتبر, ولم يحصل ذلك.
وقال عطاء: المقصود أعداد التكبير والحصى, فإن رمى دفعة واحدة يجوز إذا كبّر سبعًا, وإلا فلا يجوز.
فَرْعٌ آخر لو أخذ من المسجد الحصى, ورمى به جاز مع الكراهة, ولو أخذ حجرًا نجسًا وغسله ورمى به.
جاز ولا يكره, ولو شكّ في نجاسته يستحبّ أن يغسله ليكون على يقين من طهارته, وإن رمى به مع علمه بنجاسته جاز مع الكراهة ويفارق الاستحباب حيث لم يجز بحجر نجس مخصوص, وقد حصل ذلك فجاز.
مسألة: قال 559: فإذا أصبح صلّى الصبح في أول وقتها.
اعلم أن الشافعي رضي الله عنه كان في بيان أحكام المزدلفة والمبيت بها, [140/ أ] وأخذ الحصى منها, فلما انتهى إلى حكم الحصى, خاض في مسائل الرمي, فذكر منها

الجزء: 3 - الصفحة: 524

جملة, ثم عاد إلى نظم كلامه في أحكام المزدلفة, فقال هذا, واعلم أن المستحبّ تعجيل صلاة الصبح في أول وقتها كل يوم والسنة أن يبالغ في التغليس بصلاة الصبح لما روي عن ابن مسعود.
قال: ما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قبل وقتها إلا الصبح بجمع 560، وأراد صلّاها قبل وقتها المعتاد.
وذلك أن في سائر الأيام يصليها إذا استبان الفجر بجميع الناس.
وفي هذا اليوم صلّاها حين استبان الفجر له دون العامة, وروي أنه صلّاها, وقائل يقول: طلع الفجر, وقائل يقول: لم يطلع الفجر.
مسألة: قال: 561 ثم يقف على قزح.
الفَصلُ المستحبّ إذا صلى الصبح أن يقف على قزح وهو جبل المزدلفة, وهو المشعر الحرام, ويسمى هذا الموضع جمعًا, وقزح ومشعرًا, وهذا لقوله تعالى: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] , ولخبر علي رضي الله عنه, وقد ذكرناه.
وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما بلب منى فيرقى فوقه إن أمكنه, أو وقف عنده, أو بالقرب منه إن لم يمكنه, ويحمد الله تعالى ويهلله ويكبره ويوحده, ولا يزال كذلك, حتى يسفر جدًا, ثم يدفع قيل طلوع الشمس, وهذا الوقوف مسنون.
وقال مال: هذا واجب, ويكفي المرور كما في عرفة, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان أهل الشرك والأوثان يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ولا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس وتقيم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم, وإنَّا ندفع قبل أن نطلع, وهدينا يخالف هدي الشرك والأوثان".
ويقول قائلهم: أشرق ثبير كيما نغير 562، أي: فلتطلع الشمس عليك يا ثبير كيما يدفع, [140/ ب] وأخَّر الله تعالى الخروج من عرفة إلى غروب الشمس, وقدم الخروج من المزدلفة.
فَرْعٌ قال: لو وقفت في مزدلفة في موضع آخر أجزأه وإن استأخر في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس كرهت له ولا فدية عليه.
مسألة: قال 563: فإذا صار في بطن محسر حرّك دابنه قدر رمية حجر.
المستحبّ أن يدفع من المزدلفة, وعليه السكينة والوقار, فإذا وجد فرجة أسرع, كما قلنا في الدفع من عرفات, ثم إذا بلغ وادي محسر أسرع ماشيًا, وإن كان راكبًا حرّك دابته قدر رميهِ بحجر هكذا.
ذكر الشافعي رضي الله عنه.
وقال بعض أصحابنا: قدر رميه بسهم, وإن لم يفعل, فلا شيء عليه.
وهذا لما

الجزء: 3 - الصفحة: 525

روى أسامة بن زيد, قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي محسر حرك دابته.
وقال العباس رضي الله عنه لما بلغ وادي محسر أوضع, والإيضاع: الإسراع.
وهذا بخلاف أهل الجاهلية, فإنهم كانوا يقفون هناك.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتى محسرًا أسرع, وقال: تشكو إليك قلقًا وضينها مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها 564 مسألة: قال 565: فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات.
الفَصلُ القصد به بيان ما يلزمه أن يفعل إذا بلغ منى, ومنى ما بين العقبة وبطن محسر سهل ذلك وجبله مما أقبل على منى فأما ما أجبر من الجبال فليس من منى وليس بطن محسر, ولا العقبة من منى, فإذا وافى منى يستحبّ أن لا يعرج على شيء دون الرمي لأنه تحية منى كتحية المسجد, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فعل, [141/ أ] وهذا الرمي من واجبات الحج, والمستحبّ أن يرمي راكبًا, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل يومئذٍ حتى رمى راكبًا ولأنه راكبًا أمكن, وروى قدامة بن عبد الله الكلابي, قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على ناقة طرود ليس ضرب, ولا طرد, ولا إليك إليك 566. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر راكبًا, فإن قيل: أليس روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمار مشى إليه ذهابًا وراجعًا 567،قيل: هذا خبر صحيح, ووجه الجمع أنه مشى في الأيام التي بعد يوم النحر أو ركب مرة ومشى مرة ليتبين جوازهما, ولا يرمي في يوم النحر سوى جمرة العقبة, وهي الجمرة القصوى, وإنما سميت بهذين الاسمين، لأن من فارق حضيض منها انتهى إلى الجمرة الأولى أولاً, فإذا تخطاها سيرًا, انتهى إلى الجمرة الثانية, فإذا صعد يسيرًا, انتهى إلى الجمرة الثالثة, وهي لأقصاها وأعلاها بقرب العقبة في أقصى منى مما يلي مكة على سنن الطريق, وهي أول الجمرات مما يلي مكة وآخرها مما يلي منى, ولا يرمي في هذا اليوم غيرها, وسميت جمرة لاجتماع الناس بها, ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التجمير يعني اجتماع النساء في الغزوات.
وقيل: سميت بها لأن إبراهيم عليه السلام لما عرض له إبليس هناك فحصبه أجمر من بين يديه, أي أسرع, والإجمار: الإسراع.
وقيل: سميت بها لأنها نجمر بالحصى, والعرب تسمي الحصى الصغار جمارًا, وإذا أراد الرمي إلى جمرة العقبة,

الجزء: 3 - الصفحة: 526

فينبغي أن يرمي من بطن الوادي, ويستحبّ أن يستدبر الكعبة [141/ ب] عند الرمي, ويستقبل الجمرة ومنى, فإن لم يرم من الوادي وجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه, جاز لما روى أن ابن مسعود رضي الله عنه رمى والكعبة عن يساره ومنى عن يمينه, فقالوا له: إن الناس يرمون من فوق, فقال: والله الذي لا إله إلا هو, إن هذا المقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة 568: وذكر القاضي أبو حامد أنه يستقبل القبلة عند الجمار, وهذا غريب, والنصّ المشهور ما ذكرنا, وعدد الحصيات في هذا الرمي سبعة, والمستحبّ أن يرفع يديه كلما رمى, ويدعو الله تعالى, لأنه يكون أقوى لرميه.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في سبعة أماكن, منها في رمي الجمار, ويبالغ في رفعها حتى يرى بياض ما تحت منكبيه, فإن ذلك أبلغ في المسألة والاستنجاح ويكبر مع كل حصاة, وهذا وقت ترك التلبية, وتبديلها بالتكبير, والنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبي إلى هذا الوقت في عرفة ومزدلفة, وهذا لأنه أخذ في التحلّل, فيترك التلبية.
وقالت أم سلمة: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي, وهو راكب يكبّر مع كل حصاة 569. وقال الفضل بن عباس لبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رمى جمرة العقبة.
وقال أحمد وإسحاق يلبي حتى يرمي تمام الجمرة ثم يقطعها, وقال مالك: يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة, فإذا راح إلى المسجد قطعها, وروي عنه يقطعها عند دخوله منى قبل التوجه إلى عرفة.
وقال الحسن: يلبي حتى يصلي الغداة أمسك عنها, وقيل: السبب في [142/ أ] هذا الرمي ما روي في قصة إبراهيم عليه السلام حيث أري في المنام ذبح الابن, وقصد تصديق الرؤيا اعترض إبليس لعنة الله في الطريق, فرماه, والقصة معروفة, فجعل ذلك سنة.
فَرْعٌ قال في "الإملاء": أحب لمن كان محرمًا أو محللا أن يكون كلامه ذكر الله تعالى, فإن تكلم بما لا إثم عليه جاز, والشعر كلام حسنه وقبيحه كقبيحه.
وروي عن القاسم الزرقي, قال: رأيت عمر رضي الله عنه على ناقته, وهو محرم يقدم يدًا ويؤخر أخرى, ويقول: كأن راكبها غصن مروحة تدلت به أو شارب ثمل الله أكبر, الله أكبر, فدل على جواز غير المستقبح من الشعر.
مسألة: قال 570: وإن رمى قبل الفجر بعد نصف الليل أجزأ عنه.
الكلام الآن في وقت رمي جمرة العقبة يزم النحر, والكلام فيه فصلين في وقت الاستحباب, ووقت الجواز, فأما وقت الاستحباب, فبعد طلوع الشمس من يوم

الجزء: 3 - الصفحة: 527

النحر لأن جابرًا رضي الله عنه قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى يوم النحر, ورمى في سائر الأيام بعد زوال الشمس.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" 571، وأراد جمرة العقبة, لأنها التي ترمى وحدها يوم العيد.
وأما وقت الجواز, قال الشافعي من بعد نصف الليل من ليلة النحر إلى غروب الشمس من يوم النحر.
وبه قال عطاء وعكرمة وأحمد.
وقال أبو حنيفة زمالك وإسحاق: لا يجوز الرمي إلا بعد طلوع الفجر الثاني.
وقال مجاهد وطاوس والنخعي والثوري: [142/ ب] لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس, واحتجوا لخبر ابن عباس, وهذا غلط لما روينا من خبر أم سلمة, ولا يمكنها موافاة طلوع الشمس الصبح بمكة إلا أن تكون رمت قبل الفجر.
وقوله في الخبر, وكان يومها فيه معنيان: أحدهما: أراد, وكان يوم نوبتها من النبي صلى الله عليه وسلم, فأحب عليه السلام أن يوافي التحلّل, وهي قد فرغت.
والثاني: أراد, وكان يوم حيضها, فأحب صلى الله عليه وسلم أن توافي أم سلمة التحلّل قبل أن تحيض, فمن قرأ بالأول, قرأ يوافي بالياء, ومن قال: قرأ بالثاني بالتاء وأما الخبر فمحمول على الاستحباب.
مسألة: قال 572: ثم ينحر الهدي إن كان معه ثم يحلق أو يقصر.
إذا فرغ من الرمي يوم النحر, نحر الهدي, ثم حلق لما روى أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر, ثم رجع إلى منزله بمنى, فدعا بذبح فذبح, ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه, فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين, ثم أخذ نسق رأسه الأيسر, فحلقه, ثم قال: ههنا أبو طلحة, فدفعه إليه" 573، والذبح: مكسور الذال ما يذبح من الغنم, والذبح: الفعل, والنسك بالتسكين العبادة وبالتنقيل الذبيحة.
وروي في خبر جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة التي عند الشجرة, فرمى سبع حصيات ثم انصرف إلى المنحر, فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده, ثم أعطى عليًا رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه.
فَرْعٌ قال الشافعي: ويتولى ذبح نسكه لهذا الخبر, فإن كان لا يحسن يستحبّ له أن يحضر ويسمي الله تعالى, ويقول: اللهم تقبل مني, فإن سمى الذي يتولى ذبحها, فلا بأس, وجميع ما [143/ أ] يفعل يوم النحر أربعة أشياء: الرمي والنحر والحلق

الجزء: 3 - الصفحة: 528

والطواف.
ويفعل ثلاثة منها بمنى, ويستحبّ الترتيب فيها هكذا, فإن تقدم النحر على الرمي أجزأه, ولا دم عليه, وكذلك إن قدم الحلق على النحر, لا شيء, وإن قدم الحلق على الرمي, فإن قلنا: الحلق نسك, فلا شيء عليه, وإن قلنا: إطلاق محظور, فعليه دم لأنه أتى بمحظور الإحرام قبل التحلّل.
وقال أبو حنيفة: إذا قدم الحلاق على الذبح يلزمه دم إن كان قارنًا, أو ممتعًا, وإن كان مفردًا, فلا شيء عليه, وإذا قدمه على الرمي وجب دم.
وقال مالك" إذا قدم الحلاق على الذبح, فلا شيء عليه, وإذا قدمه على الرمي وجب دم.
وقال أحمد: هذا الترتيب على ما ذكرنا واجب, فإن قدم الحلاق على الرمي, أو الذبح, فإن كان ساهيًا أو جاهلاً, فلا شيء عليه, وإن كان عامدًا, ففي وجوب الدم روايتان, واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بهذه الأشياء على الترتيب.
وقال: "خذوا عني مناسككم", وهذا غلط لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عام حجة الوداع بمنى ليسأله الناس, فقال رجل: يا رسول الله لم أشعر نحرت قبل أن رميت, فقال: "افعل ولا حرج" 574. قال عبد الله بن عمرو ابن العاص, فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ عن شيء قدم ولا أر إلا قال: "افعل ولا حرج", وأما فعله فمحمول على الاستحباب بدليل هذا الخبر.
مسألة: قال 575: ويأكل من لحم هديه.
لا يجوز أن يأكل من الهدي الواجب عليه في الإحرام, وهو هدي القران والتمتع وجزاء الصيد وغير ذلك من محظورات الإحرام.
وقال أبو حنيفة: يجوز [143/ ب] أن يأكل من دم القران والتمتع دون غيرهما, وقال مالك: يجوز أن يأكل من كلها إلا من جزاء الصيد, وفدية الأذى لأنهما وجبا بالإتلاف, ويجوز أن يأكل عندنا من التطوع من الهدي, والأضحية, ولكن لا يجوز أن يأكل جميعها, ولا بد أن يتصدق بشيء منهما, وإن قل والهدي المطلق المتطوع به.
ويسمى هديًا, وهديه اشتقاقًا من الإهداء.
وقال ابن سريج: يجوز أن يأكل كلها, وليس هـ 1 ابمذهب الشافعي, ولا يجب الأكل منها.
وقال أبو حفص بن الوكيل: يجب أكله, فلو أطعم كله الفقراء لم يجز لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28] , وهذا غلط لأن المقصود به: القربة, ولذلك سمي قربانًا, والقربة في إطعام الفقير لا في أكله, وأما الآية فهي أمر إباحة, لأنه بعد حظر فلا يكون واجبًا.
وأما في القدر المستحبّ قولان: أحدهما: المستحبّ أن يأكل النصف, ويتصدق بالنصف, لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] , وظاهر هذا أن يكون نصفين.

الجزء: 3 - الصفحة: 529

والثاني: المستحبّ أن يأكل الثلث, ويتصدق بالثلث, ويهدي الثلث إلى المتحملين من جيرانه.
وهو الصحيح وعليه نص في "الأوسط" 576 لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] والقانع الذي يقنع بالقليل ولا يسأل, وقيل: القانع: السائل, يقال: قنع الرجل إذا سأل, والمعتر: هو الذي يعترض بالسؤال ولا يسأل.
فَرْعٌ هل يجوز الأكل من الهدي المنذور؟ قال أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز الأكل منه, لأنه واجبٌ.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق وكثير من أصحابنا: يجوز أن يأكل منه, لأنه متطوع [144/ أ] بإيجابه على نفسه, فكأن إلحاقه بالتطوع أولى.
وقال القاضي الطبري: نصّ في "الأوسط": أنه لا يجوز له الأكل منه, فقال 577: ما كان واجبًا من الهدي ليس له حبسه ولا أكل شيء منه كهدي الفساد وجزاء الصيد والنذور والمتعة.
ومن أصحابنا من قال: يجوز, وهو خلاف النص, وهذا أصوب.
مسألة: قال 578: وقد حل من كل شيء إلا النساء فقط.
في الحج تحللان, فإن قلنا: الحلاق ليس من المنسك, وإنما هو إطلاق محظور يحصل التحلّل الأول برمي جمرة العقبة يوم النحر, والتحلّل الثاني بالطواف والسعي إن لم يكن سعى, وإن قلنا: إن الحلاق من النسك, وأنه من أعمال التحلّل, كأن أعمال التحلّل ثلاثة: الرمي والحلق والطواف.
وأكثر أصحابنا على أن التحلّل الأول يحصل على هذا القول باثنين من الثلاثة, إما بالرمي والحلق, أو الرمي والطواف, أو الحلق والطواف.
وقال القاضي أبو حامد: قال القاضي في "المختصرين الكبير" و "الصغير": التحلّل الأول يحصل بالرمي وحده, وهو يذهب في هذين الكتابين إلى أن الحلق من النسك, فمن أصحابنا من جعل هذا قولاً آخر على هذا القول, وأما العمرة فلها تحلل واحد, وهو الفراغ, فغن قلنا: الحلاق من النسك تحلل بأربعة أفعال, وإن قلنا: الآخر تحلل بثلاثة أفعال, فإذا تقرر هذا, فالكلام الآن فيما يحل بالتحلّل الأول والثاني.
فاعلم أن محظورات الإحرام عشر, خمسة من الزينة, وهي اللباس والطيب, وترجيل شعر الرأس واللحية بالدهن, وحلق الشعر وتقليم الأظافر, وثلاثة في الزوجية: الوطء والاستمتاع بدون الوطء من اللمس بالشهوة والقبلة, والوطء دون [144/ ب] الفرج, وعقد النكاح واثنان في الصيد, فيدخل فيه الاصطياد.
وقيل: تسعة, فجعل الاستمتاع بشهوة الوطء وما دونه.
والصواب عندي إحدى عشر فنضم ستر الرأس إلى ما ذكرنا أولاً, فإذا تقرر هذا, فمنها ما يحل بالتحلّل الأول, ومنها ما يحل بالتحلّل

الجزء: 3 - الصفحة: 530

الثاني.
ومنها ما اختلف فيه، فإما ما يحلّ بالتحلّل الأول، فاللباس والترجيل والحلق والتقليم.
وأما مايحل بالتحلّل الثاني، فالوطء في الفرج قولًا واحدًا.
وأما المختلف فيه فعقد النكاح والاستمتاع دون الوطء.
وقتل الصيد.
قال في ((الجديد)): تحلّ كلها بالتحلّل الأول لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إذا رميتم جمرة العقبة وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء)) 579، ولأن كل ما فعله في ملكه لم يلزمه به غرم يحلّ بالتحلّل الأول كاللباس.
وهذا أصحّ.
وبه قال أبو حنيفة، ووجه الثاني فوله صلي الله عليه وسلم ((لا يَنكح، ولا يُنكح)).
وهذا محرم، ولأن الاستمتاع دون الفرج من دواعي الوطء، فهو في حكم الوطء.
وأما الطيب، من أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا، لأنه قال في ((القديم)): لا يحلّ بالتحلّل الأول، وهذا لأنه من دواعي الوطء كالقبلة.
وقال صاحب ((الإفصاح)): ذاك حكاية عن الغير، وهو مالك، وهو قول واحد إنه كاللباس يحلّ بالتحلّل الأول.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها ((طّيبت رسول الله صلي الله عليه وسلم لإحرامه [145/ أ] ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت)) 580. فَرْعٌ إذا دخل وقت الرمي لا يحصل التحلّل الأول به، ما لم يرم.
وقال الاصطخري: يحصل له التحلّل الأول لأنه يتحلّل بفوات وقته، وإن لم يرمِ، وهذا لا يعرف للشافعي، وهو غلط لقوله صلي الله عليه وسلم: ((إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم كل شيء إلا النساء))، فعلق ذلك بالرمي دون وقته، ولأن ما يقع به التحلّل لا يحصل التحلّل بدخول وقته كالطواف.
وأمّا خروج وقته، فيسقط به فعل الرمي.
وههنا فرض الرمي باقٍ فلم يحصل التحلّل بوقته، ولأنه يتحلّل من صوم رمضان بفوات وقته، ولا يتحلّل منه بدخول وقته.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك الرمي يوم النحر حتى فات وقته وجبه الهدي في ذمته بدلًا عنه.
قال أصحابنا: ولو ترك حصاة من جمرة العقبة يلزمه دم، لأن رمي جمرة العقبة من أسباب التحلّل.
ولا يحصل التحلّل إلا بتمام السبع، فإذا فات يحتاج أن يوجب بدلها ليحصل التحلّل، ولا يحصل التحلّل إلا بهدي كامل.
وحكي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه إذا ترك الأقلّ من السبع بأن رمي الأربعة وترك الثلاث لا يلزمه شيء، وهل ثبوت الهدي في ذمته بمنزلة فعل الرمي؟.
قال ابن سريج: فيه وجهان، بناء علي ((المختصر)) إذا عدم الهدي وجب الصوم في ذمته، هل يحلّ قبل أداء الصوم؟ قولان.
وقال أبو حامد: عندي أنه لا يكون بمنزلة فعل الرمي قولًا واحدًا، فعلي هذا الحكم كما لو لم

الجزء: 3 - الصفحة: 531

يرمِ جمرة العقبة، ثم تبين أن قطع التلبية يتعلق بإول أسباب التحلّل، فقال: ولا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة بأول خصّاة.
وقد ذكرنا ذلك، وروي عن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد أنهم [145/ ب] لم يزالوا يلبّون حتى رمي الجمرة، أي: حتى ابتدؤوا رمي الجمرة ثم بينّ أن له التطيب بعد التحلّل الأول، فقال: ويتطيب إن شاء لحله، أي بعد حلّه الأول.
وهذا هو المشهور من المذهب، وقد ذكرنا هذا فيما مضي.
مَسألَةٌ: قالَ 581: ويخطب الإمام بعد الظهر يوم النحر.
هذه هي الخطبة الثالثة في الحجّ، فيخطب بمني بعد الزوال إذا صلي الظهر، خطبة واحدة يعلمهم النحر والرمي والطواف والمبيت بمني، والرخصة لأهل السقاية، والتعجيل لمن أراد في يومين بعد النحر.
قال الله تعالي: (واذكروا الله في إيام معدودات) [البقرة: 203]،يريد أيام التشريق بعد يوم النحر، وهي ثلاثة أيام، ثم قال: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) [البقرة: 203]،أي: نفر من مني في اليوم الثاني من إيام التشريق فلا إثم عليه، فالمستحبّ للإمام أن يعلمهم كل ذلك لأن الناس يحتاجون إلي معرفة ذلك، فلابّد من الخطبة.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا تستحبّ الخطبة يوم النحر.
وهذا غلط لما روي الهرماس بن زياد الباهلي.
قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب علي ناقته العضباء بمني يوم الأضحي 582 وراه أبو أمامه 583 وعبد الله بن عمرو 584 رضي الله عنهما أيضًا، ثم بيّن أن فيما كان من أسباب التحلّل يوم النحر لا يجب الترتيب، فقال: ومن حلق يوم النحر قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي، فلا فدية، وقد ذكرنا ذلك.
مَسألَةٌ: قالَ 585: ويطوف بالبيت طواف الفرض.
الفَصلُ القصد بهبيان ما يقع به التحلّل الثاني، فإذا فرغ من رمي جمرة العقبة ينصرف إلي مكّة، فيطوف طواف الزيارة.
وهذا الطواف يسمي طواف الفرض، لأنه لا فرض غيره فيه، ويسمّي طواف الصدر، [146/ أ] لأنهم يصدرون عن مني ويسمّي طواف الإفاضة، لأنهم يفيضون من مني إلي مكّة، ولا يسمّي طواف الزيارة، لأنهم يأتون من مني فيزورون البيت، ثم يرجعون إلي مني، وقيل: لإنه يزور البيت بعد غيبته عنه، وقيل: تسميته طواف الصدر غير مشهورة، وإنما طواف الصدر طواف الوداع، لأنه يصدر عنه بعد الطواف، ويسمّي طواف الوداع، لأنه يودعه، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 532

الطواف ركن من أركان الحجّ، لا يتم الحجّ إلا به، ولا ينوب عنه الدم بلا خلاف، لقوله تعالي: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: 29]،وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما طاف رسول الله صلي الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حييّ، فقالوا: إنها حاضت، فقال: ((عقري حلقي، أحابستنا هي))،فقلنا: إنها قد أفاضت، فقال: ((فلا إذن)) 586،فدلّ علي إنه لابدّ من هذا الطواف، وأنه حابس لمن لم يأت به.
فإذا ثبت هذا.
قال الشافعي رضي الله عنه: وقد حلّ من كل شيء إلا النساء وغيرهن وأراد خرج من إحرامه تمام الخروج، ولم يبق عليه من الحجّ إلا ما هو التوابع وهي البيتوتة بمني في ليالي أيام التشريق والرمي في أيامها، وهذا إذا كان قد سعى عقيب طواف القدوم، ورمي جمرة العقبة، وحلق أو لم يحلق.
وقلنا: الحلاق ليس بنسك، وهذا الطواف من الأعمال الأربعة التي تفعل يوم النحر، فأن طاف أولًا ثم أتي بالأفعال الثلاثة فلا حرج ولا دم علي ما ذكرنا أن الترتيب غير واجب، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان وقت استحباب الطواف.
وفي بيان وقت الجواز فإما وقت الاستحباب، فيستحبّ فعله يوم النحر، قبل: الزوال لما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم لما رمي جمرة العقبة ذبح وحلق ثم أفاض وطاف، ثم رجع لصلة الظهر [146/ ب] إلي مني، وأما وقت الجواز، فإذا ذهب النصف الأول من ليلة النحر، وليس آخر وقته بموقت، فأي وقت طاف أجزأه ولا دم عليه، لأجل التأخير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أول وقته من حين طلوع الفجر الثاني من يوم النحر وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخّره إلي اليوم الثالث يلزمه دم، وهذا غلط، لأنه إذا طاف اليوم الثالث، وقد طاف طوافًا صحيحًا، فلا يجب به دم كما لو طاف في اليوم الثاني، ولو رجع إلي موضعه، ولم يطف نظر، فإن كان طاف طواف الوداع أجزأه عن الفرض لأن طواف الوداع، نفل في أحد القولين، ولا يجوز النفل منه وعليه وفي القول الثاني هو فرض، لكن طواف الزيارة آكد لكونه ركنا ويقدّم الأقوى كما يقدّم حجّة الإسلام علي الحجّة المنذورة، وإن لم يكن طاف طواف الوداع لم يحلّ الإحلال الثاني إلا بأن يرجع ويطوف، وإن طال الزمان وخرج الوقت.
فَرْعٌ لو نوي النفل به يقع عن الفرض.
وقال أحمد: لا يقع عن الفرض ويفتقر إلي تعيين النية، وهذا غلط لأنه ركن من أركان الحجّ، فلا يفتقر إلي تعيين النية كالإحرام والوقوف.
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رضي الله عنه في ((الإملاء)):, وأحب دخول البيت لما روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((من دخل البيت فقد دخله في حسنة ومن خرج منه خرج عن سيئة

الجزء: 3 - الصفحة: 533

وخرج مغفورا له)) 587، وقالت عائشة رضي الله عنها: خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، فرجع إليّ وهو حزين، فقلت له، فقال: ((أني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي)) 588، قال وأحّب أن يصلي فيه ركعتين لما روي بلال أن [147/ أ] النبي صلي الله عليه وسلم دخل البيت، فصلي ركعتين في جوف الكعبة.
مَسألَةٌ: قالَ 589: ثم يرمي أيام مني الثلاثة.
الفَصلُ إذا فرغ من الطواف عاد إلي مني قبل الظهر للمبيت، ويصلّي الظهر بمني نصّ عليه في ((الإملاء))، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم هكذا فعل علي ما ذكرنا يبيت بها ثلاث ليال أيام التشريق، ويرمي كل يوم بعد الزوال.
واعلم أن الأيام أصناف، العشر الأول من ذي الحجّة معلومات وثلاث بعدها معدودات وهي أيام التشريق، وأيام مني وأيام الذبح وأيام الذكر وأيام الرمي وسمّيت أيام التشريق لإشراقها نهارًا بنور الشمس وليلًا بنور القمر.
وقيل: لأن الناس يشرقون اللحم فيها في الشمس واليوم الثامن من العشر يوم التروية، واليوم التاسع منها يوم عرفة، واليوم العاشر يوم النحر، وهو يوم الحجّ الأكبر وأول أيام التشريق يوم العاشر والثاني منها يوم النفر الأول والثالث منها يوم النفر الثاني، وليلة الرابع عشر ليلة المحصب، وإنما يرمي الجمرات الثلاث في أيام مني في كل يوم إذا زالت الشمس بإحدى وعشرين حصاة في كل جمرة سبع حصيات.
وقال في ((الإملاء)) يرمي عقيب الزوال قبل الزوال، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: رمي رسول الله صلي الله عليه وسلم حين زالت الشمس، وجملة ما يرمي من عدد الحصى هي سبعون حصاة سبع يوم النحر في جمرة العقبة وثلاثة وستون في أيام مني يبتدئ بالتي هي إلي مني أقرب ويختم بالتي هي إلي مكّة أقرب، وهي العقبة، قال: فيبدأ بالجمرة الأولي فيعلوها علوًا وكذلك في الثانية ثم يأتي في الثالثة فيرميها في بطن الوادي، وهي جمرة العقبة، ولا يعلوها كما علا الجمرتين قبلها، لأنها علي أكمة لا يمكنه غير ذلك.
وقال مالك: يرمي الجمرات كلها من أسفلها [147/ ب]، وما قلناه أولي، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم فعله، ثم السلف بعده، وإذا رمي الجمرة الأولي يجعلها علي يساره، ويستقبل القبلة، ويكبّر مع كلّ حصاة، ثم يتجاوزها إلي التي تليها بحيث لا تناله حصى الأولي، فيدعو ويتضرّع إلي الله تعالي بسورة البقرة، ثم يتقدّم إلي الثانية، فيرميها بسبع حصيات، ثم يتجاوزها، فيقف بحيث لا تناله الحصى الثانية يدعو ويتضرّع

الجزء: 3 - الصفحة: 534

ويذكر بقدر سورة البقرة ويوليّ ظهره إلي التي رماها في الوقوف الأول والثاني، ثم يتقدّم إلي الثالثة، فيرميها سبع حصيات ولا يقف عندها.
والأصل في ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أفاض رسول الله صلي الله عليه وسلم من مني ثم رجع إلي مني، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع ويكبّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولي والثانية، فيطيل القيام ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندهما، ولأن الجمرة الأولي والثانية واسعتان، لا يضيق الوقوف بقربهما للدعاء والذكر، والثالثة ضيقة يستضر الناس بوقوفهم، فيستحبّ له أن لا يقف، وينصرف، وإذا ترك الوقوف للدعاء، فلا إعادة، ولا فدية، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الواجب الذي لا بدّ منه في جواز الرمي الوقت والعدد وترتيب الجمرات، فأما الوقت فبعد زوال الشمس علي ما ذكرنا، فإن رمي قبل الزوال لم يعتدّ به.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز في اليوم الثالث أن يرمي قبل الزوال استحباباّ.
وروي الحاكم في المنتقي: أنه يجوز ذلك في اليوم الأول والثاني أيضاّ، والأول أشهر، [148/ أ] وعلته أنه إذا طلع الفجر في اليوم الثالث لم يجز له أن ينفر، فدلّ علي أن وقت الرمي هذا، وهذا غلط، لأنه رمي في يوم من أيام التشريق، فكان بعد الزوال كاليوم الأول.
وأما وجوب الإقامة بمني لا يكون بطلوع الفجر، بل بغروب الشمس اليوم الثاني، لأن وقت التعجيل فات به.
وقال طاووس وعكرمة: يجوز أن يرمي قبل الزوال في كلها كما في يوم النحر، وهذا غلط لما روي جابر، قال: رمي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي ما ذكرنا.
وأما الترتيب، فمستحقّ أيضًا هذا بالجمرة الأولي ثم بالثانية، ثم بالثالثة، فإن ترك الترتيب فبدأ بجمرة العقبة ثم بالوسطي، ثم بالأولي اعتدّ بالأولي، ثم يعتد بالوسطي، ثم يعيد جمرة العقبة حتى يأتي بها علي الترتيب، وكذلك إن رمي حصاة من الأولي، ورمي الثانية والثالثة لم يعتد بذلك حتى يكمل الأولي ثم يرمي الثانية والثالثة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم رمي علي هذا الترتيب، وقال: ((خدوا عني مناسككم))، وقال عطاء والحسن: ترتيب الجمرات ليس بواجب وبأيتها بدأ أجزأ.
وبه قال أبو حنيفة، ولكنه قال: إذا نسك يلزمه أن يعيد، فإن لم يعد فلا شيء عليه، وأما العدد، فشرط أيضًا، فإن رمي أقل من سبع حصيات في كل جمرة لم يصحّ ما بعدها من الرمي حتى يعود فيكمل.
فَرْعٌ لو رمي جمرة بستّ حصيات، ولم يدرِ أي جمرة رماها بست رمي الجمرة الأولي بواحدة حتى يصير علي يقين من إكمال رميها، ثم يعيد الرمي فيما بعد من الجمرتين، لأنه يجوز أن تكون المتروكة من الجمرة الأولي، فلا تحتسب بما بعدها قبل إكمالها، فكان الاحتياط بما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك ثلاث حصيات من [148/ ب] جملة الأيام، ولا يدري كيف تركها يأخذ

الجزء: 3 - الصفحة: 535

بأسوأ الأحوال، فيجعل كأنه ترك حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وحصاة من الجمرة الأولي يوم النفر وحصار من الجمرة الثانية يوم النفر الأول، وإيش الذي يحسب له؟ إن قلنا: الترتيب شرط، وما يرميه بنية، وظيفة الوقت لا يحتسب بها، وعليه من الدماء، ما يلزم من ترك الرمي في الأيام كلها، وقد ذكرنا، وإن قلنا: الترتيب شرط، ولكن ما يرميه بنية وظيفة الوقت يحسب من الفائت يحتسب حصاة مما رماه يوم القرّ من جمرة العقبة، فيتم له ذلك.
وباقي الريات تلغو، فلما رمي في النفر الثاني احتسب له الجمرة الأولي وست حصسات من الثانية من فرض يوم القرّ، ولم يحتسب له مايرمي إلي الجمرة الأخيرة، فلما رمي في اليوم الثالث، تم له رمي يوم القرّ وبقي عليه رمي يومين.
وقد بيّنا حكم من ترك رمي يومين، وإن قلنا: الترتيب لا يجب إلا أن ما يرميه بنيه وظيفة الوقت لا يحتسب من الفائت، فالحكم علي ما سبق ذكره في التقدير الأول، فلا يحصل له إلا ست حصيات من وظيفة يوم النحر، فلما رمي في يوم القرّ احتسب في الجمرة الأولي ست حصيات، ولم يصحّ له ما يرميه إلي الجمرة الثانية والثالثة، لوجوب الترتيب بين الجمات، إلّا حصاة واحدة يقع عما بقي عليه من رمي جمرة العقبة يوم النحر، وبقيت عليه حصاة من وظيفة يوم القرّ في الجمرة الأولي، وفرض جمرتين، فلما رمي في اليوم الثالث من أيام التشريق [149/ أ] احتسب له ما بقي علي من فرض يوم القرّ في الجمرة الأولي، واحتسب له ست حصيات إلي الجمرة الثانية، فلما رمي في اليوم الثالث ما ترك شيئًا، فيسقط ما بقي عليه من فرض يوم القرّ، وبقي عليه من رمي يومين.
فَرْعٌ آخرُ لو ترك حصاة من الجمرة الوسطي في اليوم الأخير يلزه دم كامل، لأنه صار تاركًا ثماني حصيات، فإن الترتيب بين الجمرات واجب، فلا تصحّ الجمرة الأخيرة، وقد بقي من التي قبلها شيء.
فَرْعٌ آخرُ قال في ((الإملاء)): أيام الرمي أربعة: يرمي في الأول راكبًا وفي الأخير راكبًا، وفيما بينهما ماشيًا لاتصال ركوبه به من المزدلفة، ويوم النفر الثاني لاتصال ركوبه بالصدر، لأنه لا يخرج من منزله، فيرجع إليه كفعله في اليومين، بل ويخرج إلي مكّة.
وهذا مستحبّ في جيعها فلا شيء عليه.
قال: ويستحبّ أن يكون توجهًا إلي القبلة.
وكذلك في الوقوف بعرفة والمزدلفة وغير ذلك.
وهذا يوافق ما قال القاضي أبو حامد، وفيه نظر.
مَسألَةٌ: قالَ 590: وإن رمي بحصاتين أو ثلاث في مرة واحدة، فهن كواحدة.
قد ذكرنا هذا، فإن قيل: أليس لو جع الأشواط في الحدّ وضربه بها ضربة واحدة، جاز، فقولوا مثله.
ههنا قلنا: الفرق أن المقصود منه إيصال الألم بالضرب، ويحصل

الجزء: 3 - الصفحة: 536

به ذلك عند الجمع، وههنا لا يعقل معني هذا الرمي، فلا يعدل به عما ورد به الشرع.
مَسألَةٌ: قالَ 591: وإن نسي من اليوم الأول شيء من الرمي رماه في اليوم الثاني.
الفَصلُ لا خلاف أن لو رمي الجمار وقتًا يفوت، وهو إذا مضت أيام التشريق، وهذا لأنه تابع للوقوف وقت يفوت، فكذلك للرمي وقت يفوت، وإن نسي الرمي في اليوم الأول.
نصّ في ((الأم)) 592: [149/ ب] ونقله المزني: أنه يرميه في اليوم الثاني، وما بقي في اليوم الثاني يرميه في اليوم الثالث.
وقال في ((الإملاء)): رمي كل يوم محدود الأول والآخر، وأن أوله إذا زالت الشمس وآخره إلي يوم فيه رمي فجاز أن يأتي به كالرعاء إذا تركوا الرمي في اليوم الأول من أيام التشريق يرمون في اليوم الثاني.
والثاني: يقضي الرمي ويريق دمًا للتأخير.
وبه قال أبو حنيفة، لأن الرمي عبادة، فجاز أن يجب بتأخيرها كفّارة كقضاء رمضان، والثالث: يريق دما ولا يقضي، وهذا أصحّ لأنه رمي مرتين في وقته، فإذا أخّره عن ذلك اليوم يسقط إلي دم، كالرمي في اليوم الثالث، وهذا القول وما خرج عليه من أداء الأقاويل منصف.
والصحيح أنه لا يدخلفيه القضاء فيرميه في اليوم الثاني والثالث أداء ولا يفوت ذلك، لأن الثلاثة كلها كاليوم الواحد كما في الرعاء، ولا فرق بين المعذور وغير المعذور في مثل هذا.
وأما رمي يوم النحر، فالمذهب المنصوص أنه بمنزلة الرمي في سائر الأيام، وأنه علي قولين كما ذكرنا في رمي كل يوم من أيام التشريق.
ولفظ الشافعي أنه إذا أخّر جمرة العقبة حتى غربت الشمس كان له أن يرميه في أيام التشريق.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن مانسي في اليوم الأول يرمي في اليوم الثاني والثالث ففي رمي يوم النحر وجهان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه لا يرميه أصلًا، لأن هذا الرمي مخالف لرمي سائر الأيام في المقدار والوقت، فهما كجنسين، ففيه قول واحد [150/ أ] إنه يفوت بفوات وقته، وهذا تخريج بخلاف النصّ.
فَرْعٌ إذا قلنا: يسقط حكم الرمي بدخول الرمي بعده، فإذا تذكره بالليل، فيه وجهان: أحدهما: لا يأتي به، لأن وقته إلي الغروب بدليل اليوم الأخير، فيسقط حكمه بالغروب.

الجزء: 3 - الصفحة: 537

والثاني: يأتي به, لأن الرمي تابع للوقوف الليلة المستقبلية, وهي ليلة العيد يجعل في حكم النهار الماضي حتى يجوز فيها الوقوف, وبعد طلوع الفجر لا يجوز.
فَرْعٌ آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو عجّل رمي يوم النفر إلى يوم القرّ, هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا: من فاته رمي يوم لا يجوز تعجيله, وإن قلنا: يقضي, هل له التعجيل؟ وجهان بناء على أنه إذا رمى الفائت من الغد, هل يكون قضاء أم أداء؟ فإن قلنا: أداء يجوز, وكان رمي الأيام كلها عبادة فيكون كالرمي في أول الوقت, وإن قلنا: قضاء, فلا يجوز, لأن الرمي بعد لم يجب حتى يجوز قضائه, وعلى هذا رمي كل يوم عبادة منفردة.
والصحيح أنه لا يجوز تعجيله قولًا واحدًا.
مسألة: قال 593: ولا بأس إذا رمى الرعاء الجمرة يوم النحر إن يصدروا ويدعو المبيت بمنى.
الفَصلُ قد ذكرنا أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق من جملة النسك للخبر, ولكن يجوز للرعاء وأهل السقاية التي هي سقاية العباس دون غيرهما من السقايات إذا رموا يوم النحر أن يصدروا من شاء إلى مكة, ويدعوا المبيت بمنى, ويتركوا الرمي في أول يوم من أيام التشريق, وهو النفر الأول, فرموا عن اليوم الأول والثاني على الترتيب ثم ينفرون مع الناس إن شاؤو في النفر الأول.
وبه قال مالك, وقال بعض العلماء إن شاؤو قدّموا الرمي, وإن شاؤو أخروه.
وهذا غلط, لأنه لا يقضي حتى يجب, وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [150/ ب] أرخص لرعاة الإبل, وأهل سقاية العباس ذلك)).
وروى أنه أرخص للرعاة أن يرموا يومًا, ويدعوا يومًا 594. وقال عاصم بن عدي رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر, ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر, فيرمونه في أحدهما 595. وقال مالك: ظننت أنه قال في الأولى منهما, ثم يرمون يوم النفر, وقال ابن عمر رضي الله عنهما استأذن العباس رضي الله عنه: رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت بمنى في لياليها لأجل سقايته, فأذن له 596.

الجزء: 3 - الصفحة: 538

فَرْعٌ كل معذور بمنزلة أهل السقاية والرعاء في هذه الرخصة بأن يكون عنده مريض منزول به يحتاج إلى القيام عليه, ويعهده أو كان به مرض يشق عليه البيتوتة بمنى أو له بمكة مال يخاف ضياعه إن بات بمنى ونحو ذلك.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا, وهو القياس لأن كلهم في العذر سواء, وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما.
والثاني: ليس له ذلك, والرخصة خاصة للرعاة وأهل السقاية, فلا يتعداهم.
وروي أن عبد الرحمن بن فروخ قال لابن عمر: إنا نتبايع بأموال الناس, فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال, فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بات بمنى وظل 597. فَرْعٌ لو عمل أهل العباس أو غيرهم في غير سقايته, هل يجوز لهم ترك المبيت والرمي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
والثاني: بلى, قياسًا عليهم, هكذا ذكر أبو حامد, وقد نص في ((الأوسط)) على أنه يشاركه سائر السقايات على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخر في سقاية العباس لا فرق بين أن يكون الذي يتولى أمرها من ولد العباس أو غيرهم من الناس, وكانوا [151/ أ] يعدون السويق والنبيذ النقيع للحاج.
ومن أصحابنا من قال: هذه الرخصة للرعاء وأهل السقاية إذا كانوا من أهل النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا غير صحيح, وقال مالك وأبو حنيفة: الرخصة لآل العباس دون غيرهم, وهذا غلط, لأنه لا رخصة لآل العباس إذا لم يكونوا من أهل السقاية, فدل أن الاعتبار بالعمل الشاغل لا بالنسب, وهو معنى قول الشافعي بعد هذا, ولا رخصة فيها إلا لمن ولّي القيام عليها منهم, وسواء كان من استعملوا عليها ن=منهم, أو من غيرهم في ثبوت الرخصة له.
فَرْعٌ آخر لا تلزمهم الفدية بترك المبيت هناك, لنه أبيح لهم تركه بظاهر عذرهم وعموم منفعتهم العائدة إلى الوقفة, وذلك أن الإبل لو أضحت ضاقت بها منازلهم وثقلت عليها مؤنتها, واختلطت البهائم بالناس عند المشاعر والمناسك.
فَرْعٌ آخر لا رخصة للرعاة في ترك الرمي يوم النحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في ذلك لأحد,

الجزء: 3 - الصفحة: 539

ولأن أرباب الإبل إنما يمشي إلى الرعي بعدما نزلوا, واطمأنت بهم الدار بمنى, وذلك لا يكون في بكرة النهار, ولذلك لا يرخّصون في تأخير الطواف الواجب, لأنه مؤقت بذلك اليوم يكره تأخيره عنه.
فَرْعٌ آخر لو لم يصدروا حتى غربت الشمس يوم النحر, قال أصحابنا: كان لأهل السقاية أن يصدروا, وليس للرعاء أن يصدروا.
والفرق أن عذر السقاية بالليل والنهار واحد, والرعي إنما يكون بالنهار دون الليل.
فَرْعٌ آخر من لا عذر له إذا لم يبت ليلة اليوم الأول من أيام التشريق, وليلة اليوم الثاني, وجاء في اليوم الثاني, وهو النفر الأول, فأراد أن يرمي وينفر مع الناس.
قال أصحابنا: ليس له [151/ ب] ذلك, لأنه لا عذر له, وإنما جوّز للرعاء وأهل السقاية للعذر وجوّز لسائر الناس أن ينفروا لأنهم قد أتوا بمعظم الرمي والمبيت, وهذا فلا عذر له, ولم يأت بالمعظم, فلا يجوز له أن ينفر.
مسألة: قال 598: ويخطب الإمام بعد الظهر اليوم الثالث من يوم النحر, وهو النفر الأول, فيودع الحاج ويعلمهم أن من أراد التعجيل, فذلك له.
هذه هي الخطبة الرابعة, وهي خطبة واحدة يستحب للإمام ذلك يوم النفر الأول بعد الظهر, فيودع الحاج لأنها آخر خطب الحج ويعلمهم أن من أراد التعجيل, ف لك له يأمرهم أن يختموا حجتهم بتقوى اللع وطاعته واتباع أمره, لأن الأمور بخواتيمها.
وقال أبو حنيفة: لا تستحب هذه الخطبة وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في أوسط يوم من أيام التشريق أورده أبو داود, ولأن بالناس حاجة بمعرفة ما ذكرنا, فلا بدّ من الخطبة.
مسألة: قال 599: ومن لم يتعجل حتى يمسي رمى من الغد.
الفَصلُ قد بينا أنه يجوز أن يرمي يومين من أيام التشريق وينفر في اليوم الثاني بعد الرمي قبل غروب الشمس, ولا يرمي في اليوم الثالث, فإن لم يتعجل حتى غربت الشمس يلزمه أن يبيت بها, ويرمي من الغد.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] , فقيد التعجيل باليوم, فدل أنه إذا انقضى اليوم, انقضى وقت التعجيل, فإن قبل: في التعجيل يجوز أن يقال: لا إثم عليه, فما معنى قوله تعالى: ﴿ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ , وإذا تأخر ورمى في اليوم الثالث, فلم يترك شيئًا من الرمي بل أتى بكماله, وهذا التأخير فضيلة, فلماذا قال: ((فلا إثم عليه)) [152/ أ].

الجزء: 3 - الصفحة: 540

قلنا: قال ابن مسعود رضي الله عنه: من تعجل فلا إثم عليه، أي: كفرت سيئاته، وذلك من تأخر ورمى كفرت سيئاته، وقيل: فلا إثم عليه بالتعجيل، وقوله: ﴿ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ من المواجهة في الكلام، وقيل: ورد علي سبب، وهو أن قومًا قالوا: لا يجوز التعجيل، وقومًا قالوا: لا يجوز التأخير، فوردت الآية علي ذلك.
وقيل: أراد، لا إثم عليه لترك الرخصة بالخروج يوم النفر الأول.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: إذا دخل عليه وقت العصر في اليوم الثاني لا يجوز له أن ينفر.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد، وهذا غلط لقوله تعالي: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]، واليوم اسم للنهار، وإذا غربت الشمس فقد خرج اليومان.
وقال عمر رضي الله عنه: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلي الغد حتي ينفر مع الناس 600، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزمه الرمي من الغد إلا أن يمكث حتى تزول الشمس من الغد، فيلزمه الرمي حينئذ، وفيه نظر.
فَرْعُ لو خرج منها، قيل أن تغرب الشمس نافرًا، ثم عاد إليها مارًا أو زائرًا لم يكن عليه أن بيت، ولا يلزمه لو بات أن يرمي من الغد، نص عليه في "الأوسط" 601، لأنه ترخص بالتعجيل، فلا يتغير حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه المبيت هذه الليلة والرمي من الغد؟ وجهان.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: لو رحل من منى فغربت الشمس، وهو راحل قبل انفصاله من منى لم يلزمه المقام، لأن عليه مشقة في الحط بعد الترحال، وإن كان مشغولًا بالتأهب، وحمل رحله، فغربت الشمس قبل أن يرحل فيه وجهان: أحدهما: ليس له [152/ب] أن يتعجل، لأنه أدركه الليل قبل الرحيل، وهو المذهب.
والثاني: له أن يتعجل، لأنه أخذ في التعجيل، ولعله شد متاعه، وعليه في حله مشقة.
فَرْعُ آخرُ إذا نفر وتعجل بطرح الحصى الذي معه لليوم الثالث، أو يدفعه إلي من لم يتعجل، فأما ما يفعله الناس اليوم من دفنه، لا يعرف فيه أثر.
فَرْعُ آخرُ السنة في اليوم الذي يريد النفر.
إما النفر الأول، أو الثاني أن يرمي عقيب زوال

الجزء: 3 - الصفحة: 541

الشمس، ويخرج فيصلي الظهر خارجًا من منى كما قال الشافعي، والصبح آخر صلاة بمنى.
مسألة: قال 602: وإن تدارك عليه رميان في أيام منى أبتدأ الأول حتى يكمل.
الفصْلُ إذا ترك الرعاة وأهل السقاية الرمي في اليوم الأول، وأرادوا الرمي عن الأول في اليوم الثاني، أو نسي رجل شيئًا من رمي الأول، وأراد أن يرميه في اليوم الثاني، أو تركه عامدًا.
وقلنا: يرمي في اليوم الثاني، فالحكم في الكل واحد، فقد اجتمع ههنا رميان عن يومين، فالمستحب أن يأتي به علي الترتيب فيبدأ برمي اليوم الأول، ثم بالثاني، وهل يستحق هذا الترتيب؟ قولان بناءً على أن الرمي محدود الأول والآخر، أو محدود الأول دون الآخر، فإن قلنا بهذا القول، وهو المذهب علي ما ذكرنا، فما يأتي به في أيام التشريق يكون أداء يلزمه الترتيب فيه، ولا يجوز إلا مرتبًا، وإذا قلنا بالقول الآخر، لا يلزمه الترتيب، لأن ترتيب الجمار من ناحية الوقت، وهو تابع الأيام، فإذا فات الوقت سقط الترتيب كالترتيب في الصلوات.
وقيل: إذا قلنا: لا ترتيب علي غير المعذور، فعلى المعذور وجهان بناء علة أن من أخر الظهر إلي [153/أ] العصر في السفر، هل عليه الترتيب وجهان، فإذا قلنا: لا ترتيب، فهو بالخيار إن شاء بدأ بالثاني، ثم بالأول، وإن شاء رمى أربع عشرة حصاة في جمرة وأربع عشرة في جمرة أخرى.
وإذا قلنا: يلزمه الترتيب فعليه أن يبدأ بالأول، ثم بالثاني، ولا يجوز أن يرمي بأربع عشرة حصاة في مقام واحد يعني عن اليومين كما نص عليه ههنا.
فَرْعُ لو بدأ بالرمي عن اليوم الثاني، ونوى ذلك، هل يقع عن اليوم الأول؟ وجهان: أحدهما: يقع عن اليوم الأول، وهو الصحيح كما لو طاف عن غيره، وعليه طواف الفرض، أو طواف الوداع، وعليه طواف الزيارة، أو رمى عن المريض قبل أن يرمي عن نفسه كان عن نفسه.
والثاني: لا يجوز أصلًا، لأنه رمى عن الثاني قبل الأول، والترتيب واجب فلا يقع عن الثاني، ولا يقع عن الأول، لأنه يم ينوه، وهو كما لو بدأ بالعصر قبل الظهر في يوم عرفة لم يجز عن العصر، ولا عن الظهر.
فَرْعُ آخرُ لو رمى عن اليوم الأول في ليلة اليوم الثاني يجوز، لأن وقته سابق، ولا يجوز أن رمي عن اليوم الثاني إلا بالنهار بعد زوال الشمس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان

الجزء: 3 - الصفحة: 542

أحدهما: هذا ويجعل الليلة تبعًا لليوم الذي مضى كما يجعل ليلة النحر تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف.
والثاني: لا يجوز حتى يأتي الغد، فإن وقت الرمي بعد الزوال نهارًا وكل ليلة لليوم المستقبل، قالوا: وهذا أصح، وليس كذلك، بل الصحيح ما ذكرنا.
فَرْعُ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: ولو رمى عند الجمرات سبعًا سبعًا مرتين، ولكنه نوى في الدفعة الأولى أن يكون رمى يومه.
وفي الثانية أن تكون عن اليوم الأول.
وقلنا: يلزم [153/ب] الترتيب، هل تجزئه السبع الأول الذي نواه عن اليوم الثاني؟ لا يقع عن اليوم الثاني لأن عليه رمي اليوم الأول، وهل يقع عن اليوم الأول علي ما ذكرنا من الوجهين؟، فإن قلنا: يقع عن اليوم الأول، فالسبع الثاني يسقط لأن الفرض في هذه سقط.
وإن قلنا: يقع عن اليوم الأول، فالسبع الثاني يسقط لأن الفرض في هذه الجمرة سقط.
وإن قلنا: لا يقع كان السبع الذي نواه عن اليوم الأول تحريه عنه، لأن الأول صار كالمعدوم.
فَرْعُ آخرُ يوالي الحصيات، فإن فرق، فإن لم يطل الفَصْلُ أجزأه، وإن طال الفصل فيه قولان، كما قلنا: في تفريق الوضوء، وكذلك يوالي بين الجمرات، ولا يفصل بينها إلا بقدر وقفة الدعاء، فإن طول فيه قولان.
مسألة: قال 603: إن أخر ذلك حتى تنقضي أيام الرمي.
الفَصْلُ إذا انقضت أيام التشريق، وعليه شيء من الرمي، فإن عليه في حصاة واحدة مدًا من طعام في أشهر أقاويله.
وقد ذكرنا قولين آخرين، وإذا بقيت عليه حصاتان، فمدان، وإن بقيت عليه ثلاث حصيات، فدم والغافل والناسي في ذلك سواء، ولا يجوز أن يكون المد من غير القوت هذا معنى قوله حيث قال: فعليه مد من طعام، وأراد به الحب، والأفضل أن يكون حنطة، ولا يجوز سوى ذلك إذا كانت أقواتهم في ذلك الموضع حنطة، والاعتبار في ذلك بمد الرسول صلى الله عليه وسلم كما قلنا في زكاة الفطر، وهذا المد مصروف في مسكين واحد، ولا يجوز دفعه إلي مسكينين، والمدان في ترك حصاتين يلزنه دفعهما إلي مسكينين، ولا يجوز دفعهما إلي مسكين واحدٍ.
هكذا [154/أ] ذكره بعض أصحابنا، وفيه نظر عندي لأنهما في حكم كفارتين كالمدين لصومين في حق الشيخ الهرم.
فإذا تقرر هذا، ففي لفظ "المختصر" إشكال، وذلك أن ظاهره يقتضي بأنه لا فرق بين أن يترك حصاة واحدة من اليوم الأخير، أو يتركها من اليوم قبله، وليس مذهبه علة هذا الإطلاق، لأنه أوجب الترتيب في هذا الباب مرتين، وعلى هذا لو ترك حصاة واحدة من الجمرة الأولى يوم القر لم تحتسب له في ذلك اليوم الجمرة الثانية، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 543

الثالثة، فإذا رمى في يوم النفر الأول إلي الجمرة الأولي بسبع حسب له ههنا واحدة ويكمل بها رمي أمسه إلي الجمرة الأولى وألغينا الحصيات الست، فلما رمى إلي الجمرة الثانية والثالثة، وعنده أنه يرمي رمي يوم النفر الأول، رجع ذلك كله إلي يوم القر، وبقي عليه رمي يوم النفر الأول بكماله، فإذا رمى يوم النفر الثاني إلي الجمرات الثلاث ظانًا أنه يعمل نسك يومه انصرف ذلك كله إلي أمسه، فتغرب الشمس عليه آخر أيام التشريق، وعليه إحدي وعشرون حساة بسبب حصاة واحدة تركها من يوم القر، فلا يتصور ترك حصاة واحدة على هذا إلا أن يتركها في اليوم الأخير من الجمرة الأخيرة، فيلزمه لها مد، وإذا لم يوجب الترتيب في الأيام خرج الجواب سهلًا، فيتصور ذلك سواء تركها من الأولى أو الثانية.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر لا دم إلا في جمرة كاملة، ويلزم في حصاة واحدة من جمرة واحدة سبع دم أو درهم، أو مد [154/ب] علي اختلاف الأقوال، وهذا ليس بشيء.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في موضع من "الإملاء": إذا ترك رمي يوم فعليه مد، وإن ترك رمي يومين فعليه مدان، وإن ترك رمي الثلاثة فعليه دم.
قال أبو إسحاق: فعلى هذا يجب في الحصاة، والحصاتين وأكثر، أي: تمام كل يوم مد، فإذا ترك رمي الثلاثة وجب الدم، ويكون رمى كل يوم من أيام منى بمنزلة مبيت ليلة من لياليه، ويجب على هذا أن يقول في كل يوم درهم وفي يومين درهمان، وفي الثلاثة دم أو في يوم ثلث دم، وفي يومين ثلثا دم، وفي الثلاثة دم علي اختلاف الأقوال.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك أكثر الجمرات، وهو أربع حصيات يلزمه دم، وفي واحدة نصف صاع، وفي اثنين صاع، وفي ثلاث صاع ونصف.
فَرْعُ لو ترك الرمي في الأيام الثلاة، فإن قلنا بالقول المشهور إن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، يلزمه دم واحد، وإن قلنا بقوله في "الإملاء" إن رمى كل يوم مؤقت بيومه، يلزمه ثلاثة دماء.
فَرْعُ آخرُ لو ترك الرمي في يوم النحر وأيام التشريق، فإن قلنا بالقول المشهور يكفيه دم واحد، وإن قلنا: إنه ينفرد رمى يوم النحر عن أيام التشريق، وهما جنسان يلزمه دمان: دم لرمي يوم النحر، ودم آخر لرمي أيام التشريق، وإن قلنا: رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء.
فَرْعُ آخرُ المريض الذي لا يستطيع الرمي، فإن المستحب له أن يناول الحصاة غيره حتى يرمي عنه.
وقال في "الأوسط" 604: ويرمي المريض في يد [155/أ] الذي يرمي عنه، ويكبر،

الجزء: 3 - الصفحة: 544

وإن لم يناوله، ورمى عنه بأمره جاز، وهذا لأنه لو عجز عن أصل الحج جازت النيابة، فكذلك لو عجز عن بعض أفعاله، فإن قيل: أليس لا تجوز الاستنابة في الحج إلا بعد اليأس؟ وههنا تجوزن قبل اليأس، قلنا: الفرق أنه لا يتعين عليه الدخول في الحج، فلا تجوز الاستنابة فيه مع الرجاء، وههنا تعين عليه الرمين ويفوت وقته بالتأخير، فجازت الاستنابه فيه للعجز في الحال، وإن لم يوجد اليأس، ولا يجوز أن يرمي عنه إلا بإذن لأنه رمى يمكن استئذانه.
فَرعَ آخرُ لو رمى عن المريض من لم يرم عنه نفس؟ ثم عن نفسه أجزأه رميه عن نفسه، ثم أي الرميتين تجوز عن نفسه، هل هو الرمي الأول الذي رماه عن المريض، أو الثاني الذي رماه عن نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: الثاني لوجود القص فيه.
والثاني: الأول، لأن من كان عليه نسك، ففعله عن غير وقع عن نفسه كالطواف، وأما رميه عن المريض، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنا إن جعلنا الرمي الأول عنه، فالثاني لم يقصد به المريض، وإن جعلنا الثاني عنه فقد وجد الأول قبل رميه عن نفسه، فلم يجزه عن المريض.
والثاني: يجوز لأن الرمي يفارق سائر أركان الحج، فجاز أن يفعله عن المريض قبل فعله عن نفسه.
فَرْعُ آخرُ لو رمى عنه غيره ثم برأ من مرضه في أيام التشريق.
قال في "القديم": أحببت له أن يعيد الرمي عن نفسه، وإنما قلنا ذلك لبقاء وقت الرمي، فإن لم يعد أجزأه لأن الفرض سقط عنه [155/ب] بفعل غيره.
قال والدي رحمه الله: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: تلزمه الإعادة كالمغضوب إذا حج عن نفسه رجلًا، ثم برأ تلزمه الإعادة.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: والمحبوس عن الرمي بحق أو بغير حق إذا كان لا يقدر علة التخلص منه، ومباشرة الرمي بمنزله العاجر المريض، ولا يجوز للمحبوس أن يجهز من يحج عنه، لأنه لا يخاف فوت الحج ويخاف فوت الرمي، ولهذا جاز عن المريض بخلاف الحج.
فَرْعُ آخرُ لو أغمي عليه قبل الرمي، فإن لم يكن أذن في الرمي لغيره في الرمي عنه، لم يجز أن يرمي عنه غيره، وإن كان أذن لغيره في أن يرمي عنه، ثم أغمي عليه جاز أن يرمي عنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 545

قال أصحابنا: هذا إذا عجز عن الرمي بهجوم المرض، فأذن به قبل تمكن الإغماء فيجوز أن يرمي عنه، لأنه فعل عن إذن من يصح إذنه، وإن كان مطيقا للرمي فأذن قبل إغمائه لا يجوز، لأنه لا يصح الإذن في هذه الحالة، فإن قيل: هلا قلتم إن هذا الإذن يبطل بالإغماء؟ قلنا: إنما يبطل بالإغماء الإذن الذي لا يتعلق بالنسك فلا لأنه يلزمه كالمعصوب إذا أذن لغيره بالحج عنه، ثم أغمي عليه بعده لم يبطل الإذن.
فَرْعُ آخرُ إذا رمي الرجل ريما عن نفسه ورميا عن غيره أكمل الرمي عن نفسه، ثم عاد فرمى عن غيره كما يفعل ذلك إذا تدارك عليه رميان.
فَرْعُ آخرُ قال أصحابنا: وإذا نفر النفر الأول، ثم ذكر أنه نسي شيء من الحصى، قال في "مختصر الحج" 605: أحب أن يأتي به، وعليه دم، لأنه إنما يجوز الرمي في اليوم الثالث ما دام هو في الحج، فإذا تقرر النفر الأول، فقد خرج من الحج بدليل [156/أ] أنه يصح إحرامه بالعمرة الآن فلم يعتد بالرمي بعده، فعلى هذا يفوت الرمي أمرين: خروج وقته والخروج من الحج قبل خروج وقته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: إن عاد بعد غروب الشمس لم ينفعه وتقرر الدم، وإن عاد قبل الغروب ذلك اليوم ورمى سقط الدم، كما لو ترك في يوم النحر، أو يوم القر، وعاد قبل الغروب ذلك اليوم ورمى لا يلزمه شيء، وهذا خلاف النص الذي ذكرناه والفرق ظاهر.
مسألة: قال 606: وإن ترك المبيت ليلة من ليالي منى، فعليه مد.
قد ذكرنا ما قيل فيه، وعند أبي حنيفة، لا يلزمه شيء والمنصوص ههنا المد، وفي الثلاثة الدم، ثم فسر الشافعي الدم، فقال: والدم شاة يذبحها لمساكين الحرم، وهو صحيح، وهكذا كل دم يلزمه في النسك، فإنما هو لمساكين الحرم.
ولفظه يدل علي أنه لا يجوز شوي اللحم والتصدق به بل يجب إراقة الدم، ولا يجوز أن ينقل اللحم عن مساكين الحرم إلي غيرهم خلافًا لأبي حنيفة، ثم بين من رخص له ترك المبيت بمنى، فقال: ولا رخصة في ترك المبيت بمنى إلا لرعاء الإبل وأهل سقاية العباس.
وقد ذكرنا ذلك والكمال أن يبيت ليالي أيام التشريق كلها، فإن بات ليلتين وتعجل وترك الثالثة كان له ما لم تغرب الشمس على ما ذكرنا في الرمي، فإن قال قائل: أليس له تعجيل يوم النفر الأول، فإذا ترك ثلاث ليالٍ وجب أن لا يلزم الأخير أن ليلتين، لأنه يجوز له ترك الليلة الثالثة ولبى له هذه الرخصة بشرط أن يبيت الليلتين، فأما إذا ترك ذلك صار تاركًا للكل، فعليه الدم [156/ب].

الجزء: 3 - الصفحة: 546

فَرْعُ كل من رمى اليوم الثالث راكبًا بعد الزوال سار علي وجهه إلى منى، فإذا انصرف الليلة الرابعة عشر وأتى المحصب، وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة وحده من الحجون وما عن الجبل الذي إليه المقبرة إلي الجبل الذي يقابله وسمي المحصب لأن حصى جمرة العقبة يسيل إليه، وقيل: سمي به لأنه موضع كثير الحصى نزل هناك استحبابًا.
هكذا ذكره أبو حامد، وظاهر كلام الشافعي، أنه لا استحباب فيه، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، إن اختار ذلك، ثم أفاض في جوف الليل إلي مكة.
هكذا فعل عمر رضي الله عنه، قال الشافعي: وليس المحصب بنسك، وإنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع بها هجعة، ثم دخل مكة 607، قالت عائشة رضي الله عنها: إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب ليون أسمح لخروجه وليس بسنة من شاء نزله ومن شاء لم ينزله 608. وقال أبو رافع وكان علي ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ضربت له قبة بالمحصب، ولم يأمرني بذلك، ثم نزل فيها 609. وروي عن عم أنه قال: هو نسك.
ويروى أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مسألة: قال 610: ويفعل بالصبي في كل أمره ما يفعل الكبير.
عندنا للصبي حج شرعي صحيح، وكذلك العمرة، فإن بلغ حد التمييز فأحرم بحج، أو عمرة صح إحرامه، وانعقد [157/أ] وإن كان غير مميز فأحرم عنه وليه، انعقد الإحرام وصار الصبي محرمًا به، ويتجنب ما يتجنبه المحرم، فإن فعل شيئًا من محظورات الإحرام تلزمه الفدية، وإن بلغ الوقوف أجزأه عن حجة الإسلام، ولا يحتاج إلي استئناف الإحرام.
وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: ليس له حج شرعي، ولا ينعقد إحرامه به.
ولا يصير محرمًا بإحرام الولي عنه، ولكنه لو أحرم الولي عنه يتجنب ما يتجنبه المحرم امترانًا واعتيادًا، ولا تلزمه الفدية بارتكاب محظوراته، وهذا غلط لما روى ابن عباس، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بركبه في الروحباء، فقالوا: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فمن القوم؟ فقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت إليه امرأة صبيًا لها من محفتها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ فقال: "نعم، ولك أجر" 611، وقال السائب بن يزيد: حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأنا ابن تسع سنين 612. وقال عقبة بن

الجزء: 3 - الصفحة: 547

عامر: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أحج بابني وهو مرضع أو صغير، قال: "نعم"، فإذا تقرر هذا، فالكلام في حج الصبي في ثلاثة فصول: في الإحرام منه أو عنه، وما يفعله بنفسه أو بغيره، والحكم في محظورات إحرامه، وقيل: في أربعة فصول، والرابع في النفقة عليه في حجه، فأما الإحرام عنه.
قال الشافعي: أحرم عنه وليه، والولي: الأبوان.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: ينعقد بالأبوين فقط والعلة في الولاية البعضية.
وبه قال أكثر أصحابنا البصريين وأشار إليه أبو إسحاق، [157/ب] وعلي هذت يصح من الجد والجدة من قبل الأب أو الأم، ولا يصح من الإخوة والأعمام.
وقال بعضهم: يعقد الأب والجد من قبل الأب، فإن لم يكونا، وله أم فعلى مذهب الاصطخري تنتقل ولايته المال إلي الأم إذا لم يكن له أب ولا جد فيجوز لها عقد الإحرام عنه أيضًا، وعلي قول سائر أصحابنا لا تلي الأم المال، فعلى هذا لا تحرم عنه كالأخ، وهو المذهب والعلة الولاية في المال، وعلى هذا لا يصح من الجدة أصلًا، ومن قال بهذا أحاب عن الخبر، فإن يحتمل انه أحرم عنه وليه، والأم وحملته لإتمام حجه.
ومن أصحابنا من قال: العلة، التعصيب، فلا يصح إحرام من ليس بعصبة عنه، وهو قول كثير من أصحابنا البغداديين، فعلى هذا لا يصح من الأم والجدة والجد أب الأم، ويجوز من الأخ والعم، ومن أصحابنا من قال: كل من له ولاية في ماله يحرم عنه سواء كانت الولاية بالتولية أو شرعًا، وهو مثل الأب والجد والوصي وأمين الحاكم، وأما الأخ والعم إن نصبه الحاكم وليًا عليه في المال، أو كان وصيًا من قبل الأب يحرم عنه، وإن لم يكن، كذلك فيه وجهان: أحدهما: له الإحرام عنه لأن له تأديبه والتصرف فيه بما يردي إلى مصلحته من حمله إلي الكتاب والحرفة وسماع الأحبار، وهذا أضرب من الولاية، فكذلك عقد الإحرام عليه.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه يتعلق بالحج إنفاق المال والمسافرة به، فلا يجوز ذلك إلا لمن له ولاية تامة.
وقال القفال: لا خلاف في الأم أنه يجوز لها ذلك للخبر، ولا يجوز ذلك للأجنبي، وإن كان يلي المال بالوصاية [158/أ] والتولية من الحاكم قولًا واحدًا.
وقال في "الحاوي" 613: لا يجوز من أمين الحاكم بحال قولًا واحدًا، وفي وصي الأب وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه ينوب عن الأب.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح لأنه لا يلي بنفسه ويختص ولايته بالمال كأمين الحاكم.
فَرْعُ إذا أحرم عنه وليه يجوز سواء كان الولي محلًا أو محرمًا، وسواء كان حج حجة الإسلام أو لم يحج ويفارق الأجير لا يحرم عن الغير، وعليه فرضه لأنه يصير الأجير حاجًا دون المستأجر وههنا الولي لا يصير حاجًا، بل يعقد النكاح والبيع له.
ومن

الجزء: 3 - الصفحة: 548

أصحابنا من قال: إذا أحرم وهو محرم، فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز منه ذلك لأن من كان في نسك لم يجز أن يفعله عن غيره ذكره في "الحاوي" 614. فَرْعُ آخرُ في كيفية إحرامه عنه وجهان.
قال البصريون: يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت عن ابني، وعلى هذا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام ولا مشاهد له إذا كان الصبي حاضرًا بالميقات.
والثاني، قاله البغداديون يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت بابني، وعلى هذا لا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام.
وأما حكم الأفعال فجملته أن كل ما يمكنه فعله بنفسه لا يجوز أن يفعل عنه، ولا يمكنه فعله بنفسه يفعل عنه.
أما الإحرام، فإن كان مميزًا أحرم بنفسه، ثم إن كان بإذن وليه، فلا إشكال في جوازه، وإن كان بغير إذنه اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ينعقد إحرامه كما ينعقد صومه وصلاته.
وقال أكثر أصحابنا، [158/ب] وهو اختيار القفال، وأبي حامد لا ينعقد لأن هذا العقد يؤدي إلي لزوم ماله فيه، أو عند التحلل عن الإحصار، ولفظ الصبي لا يصلح للزوم.
وهذا الأذن إنما يصح من الولي الذي يصح إحرامه عنه إذا لم يكن مميزًا، وقد ذكرنا ذلك، وإن لم يكن مميزًا فقد ذكرنا أنه يحرم عنه وليه، وقد قيل: فيه وجه يحرم عنه وليه وإن كان مميزًا ولا يحرم هو وأما الوقوف والمبيت بمزدلفة ومنى، فلا يفعل عنه، لأنه ليس في أكثر من الحضور والوقوف، فكان المميز ومن لا تمييز له فيه سواء.
وأما الرمي، فإن كان يطبقه رمى بنفسه، وإن لم يطقه رمى عنه وليه علي ما بيناه في المميز المريض.
وقد روى جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهللنا عن الولدان ولبينا عنهم ووقفنا ثم رمينا عنهم الجمار" 615. فَرْعُ آخرُ لو كان الولي محرمًا فرمى عنه، فإن كان هو رمى عن نفسه صح رميه عن الطفل، وإن لم يكن رمى عن نفسه صح ما رماه عن نفسه ثم يلزمه الرمي عن الصبي.
وفيه وجه آخر.
قد ذكرنا من قبل في نظير هذه المسألة.
وأما الطواف فإن كان مطيقا طاف بنفسه وإن لم يطقه طاف به الولى، فإن كان قد طاف عن نفسه، أو كان حلالًا أجزأه عنه، وإن كان محرمًا، ولم يطف عن نفسه فقد ذكرنا قولين.
وقال القفال: أصل [159/أ] القولين إن الطواف هل يفتقر إلى النية وجهان: أحدهما: لا يفتقر إلى النية حتى لو حصل طائفًا، وهو يطلب غيره بماله جاز، فعلى هذا يقع عنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 549

فَرْعُ لو أركبه الولي دابته فطافت به لم يجز حتى يكون الولي معه سائقًا أو قائدًا، لأن الصبي غير مميز، ولا تصح العبادة من الدابة.
فَرْعُ آخرُ إذا طاف به فإن كانا محدثين لم يجز، وإن كان الولي محدثًا، والصبي متطهرًا لم يجز أيضًا، لأن الطواف بمعونة الولي يصح ولا يصح إلا بطهارة، وإن كان الولي متطهرًا والصبي محدثًا، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الطواف بالصبي أخص منه بالولي، فإذا لم يجز أن يكون الولي محدثًا، فالصبي أولى.
والثاني: يجوز، لأن الصبي لو لم يكن مميزًا لا يصح منه فعل الطهارة تنوب عنه طهارة الولي كما في الإحرام، فيجوز أن لا يكون هو متطهرًا.
فَرْعُ آخرُ لو كان مميزًا يصلي خلف المقام ركعتين، وإن لم يكن مميزًا يلزم علي وليه أن يصلي عنه ركعتي الطواف، لأن ذلك مخصوصًا بجواز النيابة فيها تبعًا لأركان الحج.
فَرْعُ آخرُ لو طاف الولي به، وهو محرم، ونوى عن طواف نفسه وطوافه يجزئه عن طوافه وهل يجوز عن الصبي؟ فيه وجهان تخريجًا من القولين فيما لو كان عليه طواف فطاف، ونواه عن الصبي ذكره في "الحاوي" 616. وأما المحظورات وأحكامها، فإن تطيب أو لبس ناسيًا، أو جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عامدًان فإن قلنا: عمد الصبي خطأ، فلا شيء عليه أيضًا، وإن قلنا: عمده عمد ففيه الفدية.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه في [159/ب] "التقديم": لو ذهب ذاهب إلي أن الطيب واللباس لا يلزمه الفدية على الصبي كما لا يلزم علي الكبير عند الجهالة والنسيان، كان مذهبًا.
وأما إذا قتل صيدًا أو حلق شعرًا، فهل يستوي الخطأ والعمد فيه؟ ذكرنا قولين، فإن قلنا: يستوي، تلزمه الفدية به، وإن قلنا: لا يستوي، فالحكم مثل ما ذكرنا في الطيب واللباس.
وأما الوطء واللمس بالشهوة، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا، كان كالبالغ الناسي والجاهل، وفيه قولان، قال في "القديم" يفسد حجة ويلزمه بدنة، وقال في "الجديد": لا شيء عليه، وإن كان عامدًا، فإن قلنا: عمده عمدًا، وهو الأصح فسد حجة ووجبت البدنة قولًا واحدًا، وإن قلنا: عمده خطأ، فعلى القولين على ما ذكرنا.
فَرْعُ إذا أفسدنا حجه بالوطء، هل يلزمه قضاؤه؟ فيه قولان منصوصان: أحدهما: يلزمه القضاء لأنا إذا جعلناه مفسداً لزمه المضي في الفاسد، ومن أفسد

الجزء: 3 - الصفحة: 550

الحج ولزمه أن يمضي في فاسدةً يلزمه القضاء.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه لا يجوز أن يتوجه عليه ابتداء فرض الحج لعدم التكليف، هكذا ذكر في "الحاوي" 617. والمسألة معروفة بالوجهين.
فرع آخر إذا أوجبنا القضاء هل يجوز في حال صغره؟ اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: يجوز وهو المذهب.
وقيل إن الشافعي رضي الله عنه نص عليه لأنه لما جاز أن يتعلق فرض القضاء بذمته قبل بلوغه جاز أن يصحّ منه فعله قبل بلوغه، ومنهم من قال: لا يجوز.
وبه قال مالك وأسد، وقيل؛ نص عليه في "الإملاء"، لأنه لا يجوز أن يؤدي الفرض قبل البلوغ.
وقال القاضي الطبري: فيه قولان: وهذا أظهر، وهذا [160/ أ] ينتقض المضي في فاسدةً، فإنه يلزمه في صغره.
فرع أخر إذا قلنا: يجوز أن يقضي في صغره فلم يقض حتى بلغ، أو قلنا: لا يجوز أن يقضي في صغره، فقضى بعد بلوغه يجزئه عن حجةَ الإسلام، نظر في التي أفدها، فإن كانت لو سلمت عن الفساد أجزأته عن حجةُ الإسلام مثل إن بلغ قبل فوات وقت الوقوف، فوقف فالقضاء.
يجزئه عن حجةَ الإسلام وإن كانت لو سلمت لم تجزئه عن حجة الإسلام مثل إن بلغ بعد فوات وقت الوقوف لا يجزئه القضاء عن حجةَ الإسلام، ولكنه إذا أحرم به انعقد عن حجةَ الإسلام، فيقع عن حية الإسلام، ويكون القضاء في ذمته.
فرع أخر إذا قلنا: على الصبي، كانت الفديةَ على التخيير، فإن أراد أن يصوم في صغره؛ هل يجوز؟ وجهان بناء على قضاء الحج في الصغير.
وأما حكم النفقةَ، فالقدر الذي كان يلزمه في الحضر في مال الصبيّ، وأما ما زاد عليه بسبب السفر نص في "الإملاء" أنه في مال الولي، لأنه الذي أدخله فيه، والحج لم يكن واجبًا عليه، ويفارق الإنفاق للتأديب من ماله، لأن بالصبي حاجةً إلى تعليم ذلك في صغره للاعتياد والامتران، فجاز أن ينفق من ماله في ذلك، وليس به حاجةً إلى تعليمه الحج في الصغر، لأن العادةَ أن من كبر يدعوه طبعه إلى مصاحبة [160/ أ] الرفقة والخروج إلى الحج، وتعلم المناسك، فلا حاجةً به إلى تعلم، ذلك في الصغر، فلا يجوز إنفاق المال عليه في ذك، وأيضًا الصبي إذا بلغ تلزمه الصلاةً على الفور، ولا يمكنه أن يؤديها إلا أن يكون قد تعلم ذلك بلوغه في الصغر، فجاز الاتفاق عليه لتعلمه ولا يستحق عليه أداء الحج عقيب البلوغ، لأنه على التراخي فيمكنه تعلمه بعد البلوغ، ولا يفوت ذلك، فلا يجوز الإنفاق عليه من ماله لتعلمه.
وبه قال مالك وأحمد ومن أصحابنا من قال: إنه من مال الصبي كأجرةُ تعليم القرآن، لأنه من مصلحته، وهذا ضعيف.
والفرق ظاهر، وقال القاضي الطبري: فيه قولان، وهذا

الجزء: 3 - الصفحة: 551

غريب، ولو أحرم بغير إذن الولي.
وقلنا: يصح.
وقلنا: إذا أحرم بإذن الولي كانتا الزيادةَ على نفقةُ المقام في مال الولي، فهنا إذا لم يرد الولي أن يحلله ينفق عليه قدر نفقةَ الإقامةً، فإن أمكنه آن يحج به يحج وإلا يتحلل، وعلى هذا لو أراد الولي أن يفتدي عنه بالمال، فالمذهب أنه لا يجوز، لأن المال فيه غير متعين، فلا يصرف ماله فها.
رفع حكم المجنون في هذا الباب حكم الصبي غير المميز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز الإحرام عن المجنون بحال، وهذا كما أنه يزوج ابنه الصغير ولا يزوج ابنه المجنون إلا لحاجة ذكره والدي رحمه الله.
فرغ أخر لو أحرم مفيقًا، ثم جُن وجامع، فيه قولان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصح ههنا أنه لا يفسد إحرامه به، ولا تجب البدايةَ عليه بجماعةً الأنه لا أثر لأفعال المجنون في العبادات.

فرع آخر العبد المحرم [161/ أ] إذا وطاء عامدًا فسد حجّه المنصوص أنه يلزمه القضاء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه القضاء، لأنه لا يلزمه الحج شرعًا، وهذا غلط، لأنه يلزمه الحج نذرًا، ويلزمه المضي فيه للتكليف.
فرع أخر إذا قلنا: يلزمه القضاء، هل يصح منه في حال رقّه المنصوص أنه يصحّ، وهو بالخيار بين القديم والتأخير.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح منه في حال رقّه.
فرع أخر إذا قلنا يصح منه في حال رقه وهل للسيد منعه منه؟ لم يكن أذن السيد في الأصل كان له منعه منه، وإن كان أحرم في الأصل بإذنه، فيه وجهان، والأشبه أنه لا يقضي بغير إذنه، لأنه أذن بالإحرام الصحيح دون الفاسد الذي يوجب القضاء، وفيه وجه آخر القضاء على التراض، فعلى السيد منعه منه وجهًا واحدًا.
فرع آخر إذا قلنا: لا يقضي في حال رقه، أو قلنا: يقضي في حال رقه، فلم يفعل حتى أعتق قضاه بعد العتق، ولكنه لا يقضي قبل حجّة الإسلام، لأنه ممن يصح منه حجّة الإسلام، فلا ينعقد له غيرها، فإن أعتق قبل التحلل منها، فإنه يمضي في فاسدةً ويكمله، ثم لا فرق بين أن يكون أفسد قبل العتق أو بعده في إذ عليه القضاء فإذا قفاه نظر، فإن كان الذي أفسده يجزئه عن حجّة الإسلام لو سلم عن الفساد مثل أن أعتق قبل فوات وقت الوقوف وقف قبل طلوع الفجر من يوم النحر بعد العتق يجزئه القضاء عن حجّة الإسلام فرع أخر لو أغمي على واحد من الرفقاء لا يجوز لرفقائه أن يحرموا عنه قولًا واحدًا، لأن

الجزء: 3 - الصفحة: 552

للمغمى عليه حالًا أحسن منا هو عليه، وإنما دخل [161/ب] عليه ذلك لعارض فكان بمنزلة النائم.
وفارق الصبي لأنه لا حال له أحسن مما هو عليه فجاز لوليه أن يعقد عليه الإحرام.
وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز للرفيق أن يحرم عنه، ويصير مُحرمًا بإحرامه عنه استحسانًا، لأنه علم منه الرضي بذلك عند المرافقة، وهذا غلط، لأنه لو أذن في ذلك صريحًا لا يجوز فكيف يجوز بدلالة الحال؟!.
فرع أخر قال والدي رحمه الله: لو أذن الأب لرجل أن يحرم عن ولد، الصغير، هل يجوز للمأذون له الإحرام عنه؟ وجهان: أحدهما: يجوز، وهذا إذا قلنا: لا يختص الآباء والأجداد وبالإحرام عنه.
والثاني: لا يجوز، وهذا إذا قلنا: الآباء والأجداد يختصون بهذه الولايةَ، وهو كما لو وكّل رجلًا أن يبيع ماله من ابنه الصغير يفعله كما يفعله الأب لا يجوز ذلك، لأن هذا يختص بكامل الشفقةً بأم الولاية.
فرع أخر قال أيضا: لو اعتقد صبي الكفر، فلم يحكم بكفره لكونه تابعًا لأبويه في الإسلام فحج، أو اعتمر معتقدًا الكفر، هل يصح حجّه أم عمرته؟ الأصح عندي أنه يجوز لأن اعتقاده لم يجعله كافرًا، وحكمه حكم المسلم يرث عن المسلم ويورث عنه، وليس الحج فيما يبطل بنيةَ الإبطال، فيجعل اعتقاده الكفر لنيةُ إبطاله، ويخالف الصلاةَ في هذا المعنى، وعندي أنه لا يصح ذلك لأن اعتقاده هذا أيضًا بنيةَ القربةً، فصار كما لو زى الإحرام نافيًا له إن قال في نيته: أحج ولا أحج ونحو ذلك.
مسالة 618: قال: وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت.
الفصل إذا فرغ من رمي أيام منى، فإن [162/أ] كان مليًا أو غير مليّ، ولكنه يريد المقام بمكةً، فليس عليه طواف الوداع، لأنه يحثه لوداع البيت، فإذا كان مقيمًا لا يحتاج إلى الوداع، بان كان من غير أهل مكة ونوى الانصراف إلى بلده، فليس له أن ينفر حتى بوداع البيت بسبعةَ أطواف، ويصلي ركعتين لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا ينصرفون من كل جهةً، فقال: - صلى الله عليه وسلم - "لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهد، بالبيت" 619. وقال الحارث بن عبداه بن أوس، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج هذا البيت أو اعتمر، فليكن آخر عهده بالبيت" 620، ولأنه يجب أن يكون آخر أعمال الحج بمكة وداع البيت عند الانصراف كما كان أول أعماله عند دخوله مكة تحيةَ البيت، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 553

شك أن هذا ليس بركن في صحة الحج، وإذا نفر بلا وداع فقد بينا حكمه فيما سبق، وقد قال في "الأم" 621، و"القديم": يلزم الدم يتركه.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال في "الإملاء" لا يجب بتركه الدم، وهو القياس لأنه كطواف القدوم.
فرع لو ودع البيت بالطواف وصلى ركعتين وخرج من غير لبث فقد حصل الوداع، ولو أقام بعد ذلك على زيارةَ صديق أو شري متاع أو عيادةَ مريض فيها لبث بعد الوداع فلا يجزئه الأول.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفةَ: لا يعيد الوداع، وإن أقام شهرًا، وهذا غلط لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وهذا لا يوجد فيما قلتم.
فرع آخر قال في "الإملاء": ولو أقيمت الصلاةً صلاها، ولم يعد وعلى هذا قال أصحابنا: إذا ودع، ثم أخرج رجله من منزله، وشدةً واشترى في طريقه خبزًا، فأكله في الطريق يجب أن لا يكون [126/ ب] قطعًا للوداع، لأن ذلك أخذ في الانصراف وتأهب للخروج.
فرع أخر قال: وأحبّ أن يشرب من نبيذ السقايةَ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما فرغ من حجّه أتى السقاية، واستسقى نبيذًا، فقال العباس: إنه نبيذ قد خاضت فيه الأيدي، ووقع فيه الذباب، ولنا في البيت نبيذ صاف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هاته، فأخذه وشربه"، وروى ابن طاوس عن أبيه طاوس آن قال: من تمام الحج شرب النبيذ، وروي أن رجلًا قال لا بن عباس: ما بال أهل هذا البيت يسقون النبيذ وبنو عمهم يسقون اللبن والعسل والسويق؟ أبخل بهم أم حاجه؟ فقال: ما بنا من بخل ولا حاجةَ، ولكن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فدعا بشراب، فأتي بنبيذ، فشرب منه ورفع فضله إلى أسامةَ، فشرب، ثم قال: وأحسنتم وأجملتم كذلك فافعلوا، فنحن لا نريد أن نغير ما قال رسول الله، واعلم أن النبيذ الذي يستحب شربه هو النبيذ الذي كان ينبذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشربه هو وغيره، وهو الحلو الذي يشتد به بأن يكون قد نبذ بالغداةً، فيشربه بالعشي أو بالعشي، فيشربه بالغداةً، فإن جاوز ذلك، وزالت الحلاوةَ منه كره شربه خوفًا من أن يكون مسكرًا، ولا يعلم هو به، وإن حدثت فيه الشدةً المطربةَ صار نجسًا محرمًا.
فرع قال أصحابنا: ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما روى ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "للمتضلع من ماء زمزم براءةً من النفاق ". وقال أيضًا: "ماء زمزم لما شرب لها" 622، وروى عطاء أن النبي [163/أ] لما أفاض نزع هو لنفسه دلوًا، ولم ينزع

الجزء: 3 - الصفحة: 554

معه أحد، فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر، وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتقي شمسه ماء زمزم ويشرب منه، ثم يفرغ باقيةُ في البئر، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: منذ كم أنت ههنا؟ فقال: منذ ثلاثين يومًا وليلةً، قال: فما كان طعامك؟ فقال: ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، ولقد سمنت حتى تكسرت علي بطني، فقال: إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم، أورده مسلم في صحيحه - وقال علي رضي الله عنه: خير بئر الأرض بئر زمزم وشر بئر في الأرض برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن فيها أرواح الكافرين.
مسالة 623: قال: وليس على الحائض وداع.
لا يلزم الخائض طواف الوداع، ولها أن تنفر بلا وداع ولا دم عليها قولًا واحدًا لما روي في خبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إلا أنه رخص للمرأةً الحائض وذكر في "المختصر" أنه رخص لها أن تنفر بلا وداع وأراد به ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خبر صفية حين حاضت، وقيل: إنها قد أفاضت بلا إذن "فلتنفر بلا وداع".
وروي أن ابن عباس كان يفتي بذلك، فأنكره زيد بن ثابت، فقال له ابن عباس: سل فلانة الأنصاريةَ هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وهي أم مليم بنت ملحان كانت حاضت بعدما أفاضت يوم النحر، فأذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت، فرجع، فضحك وقال: ما أراك إلا قد صدقت، ولأنها كيف تطوف في المسجد والحيض يمنع دخول المسجد.
فرع لو طهرت في سوق مكة كان عليها الوداع وإن خرجت من [163/ب] بيوت مكة كلها، ثم طهرت لم يكن عليها الوداع، ولا يلزمها أن تعود فإن قيل: هلا قلتم تعود ما لم تبلغ مسافةَ القصر كما قلتم فيمن ترك طواف الوداع، وخرج؟ قلنا: الفرق بينهما أن من ترك طواف الوداع فقد ترك واجبًا عليه، فلا يسقط بمفارقته البنيان حتى يشق عليه الانصراف بالبعد عنها سفرًا تامًا.
وههنا يجب عليها الطواف، فلا يجب العود إذا فارقت البيان كإتمام الصلاةً لا تجب على المسافر إذا فارق البنيان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص ههنا أنها لا ترجع بعد مفارقةَ البنيان، ونص في غيرها أنها ترجع، فمن أصحابنا من قال فيهما قولان: أحدهما: لا يرجعان، ولكن لا شيء على الحائض، ويلزم غيرها الدم، ولا ينفعه الرجوع، وهذا لا يصح عندي، والفرق ظاهر على ما ذكرنا.
فرع لو طهرت في البيوت ولم تجد ماء تغتسل به كان عليها الوداع كما يكون عليها الصلاة فتتيمم وتطوف.

الجزء: 3 - الصفحة: 555

فرع آخر لو كانت مستحاضةً طاقت في الأيام التي تصلي عليها، وإن خرجت في يوم حيضها، فلا شيء عليها، ولو بدت بها الاستحاضةً، فنظرت فإن كان اليوم الذي نفرت فيه يوم الطهر وجب عليها الدم، وإن كان يوم الحيض، فلا دم عليها - نص عليه في " المناسك الكبير " 624، ولو رأت الدم بمكةً يومًا وليلةً، ثم خرجت، فإن انقطع دمها دول؛ خمسةَ عشر يومًا علمنا أنه لا شيء عليها، وإن استمر بها الدم، فإن قلنا: تحيض يومًا وليلةً، فعليها الدم متى أوجبنا الدم في تركه.
فرع أخر الحاج إذا قدم مكة فلما فئ من أفعال الحج نوى الإقامة بمكةً، فلا وداع عله.
وبه قال [164/ أ] أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: إذا نوى ذلك بعد أن حل له النفر الأول لم يسقط عند طواف الوداع، وهذا غلط، لأنه غير مفارق للبيت، فلا يلزمه الوداع كما لو نوى ذلك في الأول.
فرع آخر قال في "المختصر الصغير" 625:وأحب إذا طاف طواف الوداع أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، ويقول: اللهم، البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتي في بلادك، وبلغتني بنعمتك، وأعنتني على قضاء نسكك، فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضيّ، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير متبدل بك، ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافيةً في بدني والعصمةَ في بدني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني 626، وما زاد فحسن، وقد روي هذا عن السلف، ولأنه دعاء يليق بالحال، ثم يصلي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وينصرف، وزاد أبو حامد في " جامعه": واجمع لي خير الدنيا والآخرةً إنك على كل شيء قدير.
وقال الزهري في كتابه: ويخرج وبصره يتبع البيت حتى يكون آخر عهده به وقال بعض أصحابنا: يلتزم الملتزم ويفع خده عليه ويدعو.
مسألةً: قال 627: وإذا أصاب المحرم امرأتهِ المحرمةَ، فغيب الحشفة ما بين أن يحرم إلى آن يرمي جمرةَ العقبةَ فقد أفسد حجه.
ذكر بعد الفراغ من أفعال الحج حكم الجنايات، واعلم أن الوطء في الفرج محرم على المحرم لقوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: (197)].
قال ابن عباس: الرفت: الجماع، والفسوق: المنابذة بالألقاب [164/ب] بأن تقول لأخيك: يا ظالم، يا فاسق، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه فإن وطيء لا يخلو إما أن يكون قبل الوقوف أو بعده، فإن كان قبل الوقوف فسد حجّه

الجزء: 3 - الصفحة: 556

بالإجماع لظاهر الآية، والنص يقتضي الفساد، ولأن كل عبادةً حرمت الوطء وغيره كان الوطء فيها مزيةً ولا مزيةً ههنا إلا الفساد، لأن البدنةً قد تجب بغير الوطء، وهو بقتل النعامةً وتجب الكفارة به لما روي عن علي وابن عمر وابن عباس وعبداه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة، وقالوا: يقضي من قابل فلأنه، إذا وجبت الكسارة في الحلق، فلان تجب في الوطء أولى، وعندنا هذه الكفارةَ بدنةً، وقال أبو حنيفة: يلزمه، لأن القضاء والبدنةَ تغليظان، فلا يجتمعان، وهذا غلط؛ لأنه وطء عمد صادف إحرامًا تامًا، فيلزم به بدنةَ كما لو كان بعد الوقوف، وإن كان بعد الوقوف قبل التحلل الأول فد حيه أيضًا، ويلزمه القضاء والبد نة، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه، ويلزمه بدنةً، وهذا غلط؛ لأنه وطء عمد صادف إحرامًا تامًا فأفسده كما لو كان قبل الوقوف، ولو أحرم مجامعًا.
قال بعض أصحابنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينعقد.
والثاني: ينعقد فاسدًا، ويلزمه المضي فيه.
والثالث: ينعقد صحيحًا ثم فسد عند الاستدامة، فإذا تقرر هذا لا يخرج عنه الإفساد، ل يكون عبد الإحرام باقيًا، وعليه أن يمضي فيه على الوجه الذي كان يمضي لو كان صحيحًا، ولكنه لا يجزئه عن فرضه، وعليه أن يقضيه، وقال داود: يخرج منه بالفساد، ولا يلزمه المضي فيه، وهذا غلط لما [(165) /أ] روي عن عمر وعلي وابن تماس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا: من أفسد حجّه مضي في فاسدةُ، ويقضي من قابل، ولا مخالف لهم، ولأنه معنى يتعلق به وجوب قضاء الحج، فلا يخرج منه كالفوات، فإن قيل: إذا أوجبتم المضي فيه، فلم أوجبتم القضاء؟ قلنا: لأنه لم يأت, به على الوجه الذي لزمه بإحرامه، وهو كما لو ضاق عليه وقت الصلاةً، ولم يجد ماء يتطير به يأتي بها على الإمكان ثم يعيدها.
فرع هذا القضاء هل يجب على الفور أم على التراخي؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم عن قال: يجب على الفور في أول حال الإمكان، وهو آن يقضيه من العام القابل وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لآن الذي أفسده كان قد يضيق عليه بالدخول فيه، فيلزمه قضاؤه مضيقًا، ولما ذكرنا من الأثر من الصحابةَ، ومنهم من قال: هو على التراخي لأن أداءه كان على التراخي، فكذلك قضاؤه كما في الصوم المنذور، وهذا ضعيف، لأن الصوم المدور على التراخي قبل الشروع، وههنا شرع فيه وتعين والخفاء بدله، وعلى هذا الوجهين إذا أرادت قضاء الحجّ، هل للزوج منعها؟.
فرع أخر لو وطاء بعد التحلل الأول لا يفسد حجّه.
وقال مالك وأحمد: يفسد ما بقي من حجّه، ولا يفسد ما مضى، فيلزمه قضاء عمرةً من التنعيم، لأن الباقي من حجّه طواف وسعي وحلاق، وذلك عمرةً، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال مثل قولنا.
وآما ما ذكروا لا يصح، لأنه لو جاز ذلك لجاز آن يقال: إذا وطء قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 557

الوقوف يفسد باقي الحج دون ماضيه، ولأنه وطاء بعد التحلل الثاني.
فرع آخر تلزمه الكفارةَ وإن لم يفسد به حجّه، لأنه وطء ممنوع منه لحرمةُ الإحرام، فتجب به الكفارة [165/ب] كما لو وطاء قبل التحلل.، واختلف قول الشافعي في قدر الكفارةً، قال في أحد القولين: تجب بدنةً وبه قال مالك وأحمد، وروي ذلك عن ابن عباس، ولأنه وطء ممنوع منه لحرمةَ الإحرام، فيوجب بدنةَ كما لو كان قبل التحلل، والقول الثاني تجب شاةً، لأنه استمتاع لا يفسد الحج فلا تجب به بدنةً كالاستمتاع دون الفرج.
وقيل: إن هذا قول مخرج، وليس بمنصوص.
مسألة 628: قال: وسواء وطاء مرةً أو مرتين، لأنه فساد واحد.
أراد بهذا أن الفاسد لا يفسد والفساد لا يتكرر، وهذا لا يختلف القول فيه إن كانتا وطئاته في مكان واحد حالةً واحدةً، فإن كانت في أماكن فئد ذكرنا حكمه، فيما سبق.
وقال مالك: لا يجب بالوطء الثاني شيء، وقال أحمد: إن كفر عن الأول يجب بالثاني بدنةً، والدليل على مالك أنه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه شيء، وجب الكفارةً كما لو كان الإحرام صحيحًا.
مسألةً: قال: ويحج من قابلٍ بامرأته ويجزئ عنهما هدي واحد.
قد ذكرنا حكم الوطء فيه قبل التحلل الأول، ولا فرق بين أن يكون حجه واجبًا أو تطوعًا، لأنه إن كان واجبا، فالفاسد لا يجوز عن الواجب، وإن لم يكن واجبًا، فقد لؤمه بالدخول فيه وصار واجبًا عليه، فإذا أفسده أفد واجبًا بخلاف ما لو أفسد سائر العبادات المطيع به لا يلزمه قضاؤه، لأنه لا يلزم بالدخول فيه ولفظه ههنا يقتضي وجوب القضاء على الفور، ولو أخره يأثم ثم إن كان وطاء زوجته، وهي محرمةً يلزمها القضاء أيضًا، وهل يلزمه أن ينفق عليها في الحجّة التي يقضيها؟ أعني ما بين نفقةً مقامها وفرط ظاهر المذهب أنه [(66) ا/أ] لا يلزمه ذلك، لأنه لما لم يلزمه الإنفاق عليها في حجّةَ الإسلام كذلك في القضاء، ولأنها تقضي بذلك نسكها، فكانت النفقة عليها، ومن أصحابنا من قال: يلزمه ذلك لأن القضاء أوجبه الوطء، ولا بد فيه من إنفاق المال، وكل حق هو دال وجب بالوطء يتحمله الزوج عن الزوجة ككفارةَ رمضان.
قال في "الحاوي 629 ": وهذا ظاهر المذهب، وهو كالوجهين في ثمن ماء الاغتسال، وقد قال الشافعي: ويحج بامرأته من قال فأمره بذلك.
والأول أصح، ومعنى هذا اللفظ أنه لا يجوز للزوج منعها من القضاء، أو أراد به استحبابًا أنه يوافقها يصح في صحبته، وهل تجب بدنةً واحدة أم بدنتان؟ وهل يتحلل عنها؟ على ما ذكرنا في كفارةَ الجماع في صوم رمضان؟ ومن أصحابنا من قال: يلزمها بدنةً بالوطء قولًا واحدًا، لما روى مجاهد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "على كل واحدٍ منهما بدنةً"، ويفارق كقارةَ الجماع في الصوم لأن فساد صومها لا يختص بالجماع، لأن الإيلاج يتضمن

الجزء: 3 - الصفحة: 558

وصول الواصل إلى باطن الفرج، وهو مبطل للصوم من دون الجماع وفطر الرجل يختص بالجماع، لأنه لو أدخل ماء فرجها بشيء آخر لا يفطر، فاختص الرجل بالكفارةَ وفساد حجها يخص بالجماع كفساد حج الرجل سواء وما بينهما في الكفارةً.
فرع إذا حج بها وكانا في محمل واحدٍ، فوصلا إلى الموضع الذي وطئها، قال الشافعي: افترقا، فلا يلتقيان حتى يفرغا من حجّهما، وهل هو واجب أم مستحب؟ فيه أحدهما: واجب، وبه قال مالك وأحمد إلا أن مالكًا يقول: يفترقان من حيث يحرمان.
وهذا لما روي عن عثمان وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا وطاء الرجل زوجته وقضي من [166/ب] قابل eم بلغا الموضع الذي وطئها فيه، فرق بينهما، ولأنهما إذا بلغا ذلك الموضع يتذاكران ما كان منهما في ذلك الموضع فربما دعته نفسه إلى معاودة مثله، فيفسد حجّه، فيفرق ينهما لئلا يؤدي إلى الإفساد ثانيًا.
والثاني: يستحب له ذلك، ولا يجب وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة: ويستحب عندنا أن يفترقا من وقت الإحرام وإن لم يجب، وروي عنه أنه قال: لا يستحب، ولا معنى لهذا التفريق، وهذا غلط لما ذكرنا من الأثر، وهو نوع تأديب وسياسةً ولا يصح ما ذكر مالك لا يشق التفريق من مكان الإحرام.
فرع آخر لو وطاء ناسيا أو جاهلًا، في "القديم": يفسد حجّه، وعليه بدنةً.
وبه قال مالك وأبو حنيفةَ إلا أنه لا يوجب البدنةَ مع الإفساد، وقال في "الجديد": لا يفسد حجه، ولا يلزمه شيء، وهو القياس والأصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان .... "، الخبر، ولأنه عبادةً تتعلق الكفارةَ بإفسادهما، فيفرق فيها حكم العامد والناسي كالصوم، ولو وطاء امرأته ناسيةً أو مكرهةً، ففي فساد حجّها وجهان بناء على القولين في الناسي.
فرع آخر إذا جامع في قضاء الحج تلزمه بدنةً، ولا يلزمه إلا قضاء حجة واحدةٍ، لأن المقضي واحد، فلا يلزمه أكثر من واحدٍ، وإذا أفسده لم يصح له القضاء، فيأتي بالأصل الذي عليه، وليس في موضع يفسد الحج ولا قضاء إلا في هذا الموضع.
فرع أخر المقيم إذا وطئء قبل تحلله فسدت عمرته، ويلزمه القضاء وبدنة وقال أبو حنيفة: لو وطاء بعدما طاف أربعة أشواط لا تفسد عمرته، ويلزمه شاةً، وإن وطاء قبل ذلك فسدت عمرته ويلزمه القضاء وشاةً، واحتج بأنها عبادةً لا تتضمن [167/ أ] الوقوف فلا يجب بالوطاء فيها بدنةً، وهذا غلط، لأنها عبادةً تشتمل على طواف وسعي، فوجب بالوطاء فيها بدنةً كالحج، ولأن في محظورات الإحرام مثل الطيب، واللباس.
وقتل

الجزء: 3 - الصفحة: 559

الصيد يستوي الإتيان بأكثر الطواف وأقله كذلك في الوطء، وقال أحمد يجب بالوطاء فيها القضاء وشاةً، وهذا غلط لأنها قياس الحج بالعلةَ الني ذكرناها.
فرع أخر القارن إذا فسد حجّه يمضي في فاسدةُ، وعليه بدنةَ واحدة وشاةً لقرانه، وعليه القضاء، فإن قضى قارنًا أجزأه، وعليه شاةً أخرى لقرانه، وبه قال أحمد، ولو قضى حجًا مفردًا أو عمرةً مفردةً أجزأه، لأنه إذا جاز أن يقضي قارنًا فالإفراد أولى بالجواز.
قال أصحابنا: إلا أن عليه شاةً أخرى لأن القضاء إنما وجب قارناً على حسب ما أفرده، فإذا قضاه مفرداً لم يسقط عنه دم القران، وحكي عن الشافعي أنه قال: إذا قضاه مفردًا لم يكن له ذلك.
قال أصحابنا: معناه لم يكن له ذلك من غير دم، وقال أحمد: لا يلزمه دم، لأنه أتي بالأفضل، وهذا غلط لأنه وجب في القضاء مثلما وجب في الأداء، فإذا أتى على وجه آخر لا يسقط عنه الدم كما لو نذر آن يحج قارنًا فأتي بهما مفردًا لا يسقط عنه الدم.
وقال أبو حنيفة: إن وطاء قبل طواف العمرةً أفسد الحج والعمرةَ معًا، وعليه قضاؤهما، ويلزمه شاةَ لإفساد الحج وشاة لإفساد العمرةً، لأن عنده إذا فسد النسك لا يجب إلا شاةً، لأن وطاء بعدما طاف للعمرةً أفسد حجّه وعليه قضاؤه وشاةً لأجل الحج، وآما الحج؛ فلا يجب لها القضاء ويجب شاةً، لأنه وطاء بعدما أش بمعظم الركن والخلاف معه في قولين: احدهما: هل تلزمه كفارة أو كفارتان؟ وهذا بناء على أن أعمالها تتداخل عندنا خلافًا لهم [167/ب].
والثاني: أن دم القران لا يسقط عندنا بالإفساد.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: وجهين في هذا، وهذا ليس بشيء، والمنصوص أن دم القران لا يسقط به على ما ذكرنا.
فرع أخر لو باشر امرأته فلزمته شاة ثم وطئها، فلزمته الفدية، هل تسقط الشاةً وجهان بناء على المحدث إذا أجب، هل تسقط جنابته حدثه؟ وجهان ذكره في "الحاوي" 630 وقيل: إن كان قصده بالمباشرة الوطء يكفيه بدنةً، وإن باشر ثم عزم الوطء يلزمه شاةً وبدنةً، وقيل: إن طال الفصل يلزمه شاةً وبدنةً، وإن كان كالمتصل يكفيه بدنةً ولا يعتبر القصد.
مسألةً: قال 631: وما تلذذ منها دون الجماع فشاة تجزئه.
الوطء الذي يفسد الحج هو الوطء الذي يجب به الحد بحال، وهو الوطء في الفرج.
وأما الوطء دون الفرج والمباشرةً بشهوةً لا يفسدان الحج أنزل أو لم ينزل.
وقال مالك: إن أنزل فسد حجّه كالصوم، وهذا غلط؛ لأنه استمتاع لا يجب به الحدُ، فلا يفسده كما لو لم ينزل، وأما الصوم، فحكمه أخف وحكم الإحرام أكد لأنه لو جامع في الإحرام لا

الجزء: 3 - الصفحة: 560

يخرج عنه به، حتى لو قتل صيدا بعده يلزمه الجزاء بخلاف الصوم، والصوم يبطل بالأكل بخلاف الإحرام، فإذا تقرر هذا، يلزمه به شاة أنزل، أو لم ينزل، وهذا إذا بها وحقيقةً ذلك التقاء البشرتين من غير التقاء البشرتين لا تلزم الفديةَ للحائل بينهما.
فرع لو قتل المحرم زوجته عند قدومه من سفر فإن قصد بها تحيةَ القادم لغير شهوةً، فلا شيء، وإن قصد الشهوةَ تلزمه الفديةَ، فإن كان ناسيًا لا فديةَ قولًا واحدًا، لأنه لا إتلاف [168/ أ] فيه بخلاف الجماع في أحد القولين، وإن لم يكن قصد شيئا، هل ينصرف إلى قبلة التحيةً أو الشهوةً؟ وجهان: أحدهما: إلى التحية، اعتبار بظاهر الحال.
والثاني: ينصرف إلى الشهوة اعتباراً بموضوع القبلةَ، ذكره في "الحاوي" 632:وفي هذا نظر، والصحيح ما ذكرت أنه يعتبر أن يتلذذ بها.
فرع لو وطاء امرأته في دبرها أو تلوّط بغلام أو أتى بهيمةً فحكمه حكم الوطء في الفرج.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجّه بشيء من ذلك، وهذا غلط، لأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فيفسد الحج بالإيلاج فيه كفرج المرأةً.
وقال مالك: لا يفسد بإتيان البهيمة، ويفسد باللواط.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
فرع الاستمناء كالمباشرةَ دون الفرج في هذا الحكم، لأنه بمنزلتها في التحريم والتعزيز، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يلزم به شيء لأنه لم يشاركه في الاستمتاع غيره، فأشبه الإنزال بالنظر، والأول ظاهر المذهب.
مسألة: قال 633: فإن لم يجد المفسد بدنةً فبقرةً.
الفصل قد ذكرنا أنه يلزم على المفسد بدنةً، فإن لم يجد بقرةً يلزمه سبع من الغنم، لم يجد قومت البدنةَ بالدراهم عليه، وبالدراهم طعامًا يتصدق به، لم يجد صام عن كل مد يومًا.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: هو على الترتيب، وهو قول الشافعي الذي لا يجوز أن يقال غيره.
وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا لأنها كفارة لإفساد عبادةً، فكانت على الترتيب ككفارة الجماع في رمضان.
ومن أصحابنا من [168/ ب] قال: فيه قول آخر إنها على التخيير البدنةَ أو البقرةً أو

الجزء: 3 - الصفحة: 561

السبع [من] الغنم أو الطعام عند التعديل والصوم.
وبه قال أحمد في رواية، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما - وهذا لأنه سبب تجب به الفديةَ، فكان فيها التخيير كقتل النعامةً.
وهذا لا يصح لأن في قتل النعامةَ تجب الفديةً على طريق البدل، ولا يتعلق بها إفساد العبادةً بخلاف هذا.
وقال القفال: القولان مبنيان على أن الوطء إتلاف أم لا؟ فإن قلنا: إتلاف، فالحكم التخيير في فدية الحلق، وإن قلنا: استمتاع، فلا ترتيب كما في فدية الطيب، وهذا ليس بشيء، وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أنه لا يجوز أن ينتقل عن الثلاث البدنة، والبقرة، والأغنام إلى الصيام والإطعام مع وجودها، وإذا لم يقدر على هذه الثلاث ينتقل إلى الإطعام والصيام، وهل يجب الترتيب في الثلاث؟ نص الشافعي على أنه يجب، وهو الصحيح، لأنه قال في "الأوسط" 634: وإذا كان معتمرًا عن هذا كله قومت البدنةُ بمكة دراهم، والدراهم طعامًا، ثم أطعم، فإن كان معسرًا عن الطعام صام عن كل مد يومًا، وفيه قول آخر لا يجب بل يتخير.
وذكر في "الحاوي" 635 أنه قول ابن عباس.
فرع إذا قلنا: أنه على التخيير، فعند العدم قوم أي الثلاث شاء وإذا قلنا: على الترتيب فقد بّينا انه يقوم البدنة نص عليه، وقال ابن سريج يقوم السبع من الغنم، لأنها أقرب الواجبات المذكورةً وهذا لا يصح لأن الغنم في البدنةً عند وجودها، فإذا عدما كان اعتبار الأصل أولى [169/ أ].
فرع أخر هل ينتقل عن الإطعام إلى الصيام على الترتيب أم التخيير؟ وجهان، هذا ذكره صاحب "الحاوي" 636 والمنصوص ما ذكرنا أنه على الترتيب.
فرع أخر تقوم بمكة أو منى في الموضع الذي ينحرها فيه لو وجدها ويراعى غالب الأسفار في أهم الأحوال.
مسألة: قال 637: وهكذا م واجب عليه يعسر به ما لم يأت فيه نصّ خبر.
الفصل هكذا وجوب الترتيب بين الهدي والإطعام والصيام.
وقوله: ما لم يأت فيه نص خبر أراد في فدية الأذى ورد عن الخبر بالتخيير، وفي جزاء الصيد ورد نص القران بمثله فثبت الفرق في بين المبلغات وغيرها من التخيير والترتيب وجملته أن الدماء الواجبةُ في الحج كثيرة بعضها ثبت بالنص، وبعضها ثبت بالاجتهاد، فأما الذي ثبت بالنص، فأربعهَ دماء: دم التمتع وراء الصيد ودم الحلق ودم الإحصار، فأما دم التمتع

الجزء: 3 - الصفحة: 562

فهو شاةً، فإن لم يجد شاةً، فصيام عشرةَ أيام على ما بينا، والترتيب فيه واجب.
وأما جزاء الصيد، فإنه على التخيير إن شاء أخرج المثل من النعم، وإن شاء قوم المثل دراهم، والدراهم طعامًا يتصدق به.
وإن شاء صام عن كل مد يومًا، وأما دم الحلق فهو على التخيير بين أن ينسك شاةً أو يصوم ثلاثةَ أيام أو يطعم على ما ذكرنا.
وأما دم الإحصار فسيأتي حكمه، وأما المجتهد فيه فديةَ الطيب واللباس فسيأتي حكمه وأما دم الحلق لأنه وجبت للترفه.
وقال أبو إسحاق: هذا أيضًا منصوص عليه، لأن الله تعالى، قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 169]، وأراد، فحلق أو لبس أو تطيب ففديةً، والأول أولى.
وهكذا دم القبلة والوطء [169/ ب].
دون الفرج ودم ترجيل الشعر وستر الرأس، لأن طريق ذلك الترفه.
وهذا هو الصحيح نص عليه في كتبه الجديدةُ والقديمةَ.
وفيه قول آخر إنه يجب فيه الترتيب والتعديل، فإن قدر على الشاةَ ذبحها، وإن لم يقدر عليها قوم الشاةَ دراهم، والدراهم طعاما، وتصدق به، وإن لم يجد صام عن كل مد يومًا نص عليه في "الأوسط" 638، وذلك أنه قال: بعدما ذكر الترتيب والتعديل في المفسد هكذا كله وجب عليه دم، فاعتبر به ما لم يأت فيه نصّ خبر منع له؛ هذا وما جاء فيه نص خبر، فهو على ما جاء فيه.
ونقل المزني إلى المختصر هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل هو على التخيير أو الترتيب؟ قولان، ولكن إذا قلنا إنه على التخيير يفارق صورةَ فديةً الأذى ويراعى فيه التعديل في جزاء الصيد، وإذا قلنا: إنه على الترتيب يلحق بدم التمتع لأنه استمتاع.
وهذا خلاف النص الذي حكينا عنه، وأما دم القران والدماء الواجبةَ ترك نسك من الميقات والوقوف والمبيت بمنى والحصاةً، فهو بمنزلةُ دم التمتع على الترتيب، لأنه دم وجب درك نسك كذلك، فيلزم دم، فإن لم يجد فصيام عشرةً أيام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هو على الترتيب الدم ثم الإطعام، ثم الصيام يعني صيام التعديل، وهذا محتمل.
فرع قال في "الحاوي" 639: دم الاستمتاع الذي لا يفسده دمان.
أحدهما: أنه يجب بدون الفرج، فيلزمه شاةً وهل بجري ذلك مجرى الرقبةَ أم مجرى الإتلاف؟ وجهان: أحدهما، ترفيه، [170/أ] فيكون لفدية الأذى على التخيير- والثاني: أنه إتلاف فيكون كجزاء الصيد في التعديل والتخيير، والثاني: أنه يجب بالوطء في الفرج بعد التحلل الأول، فإن قلنا: يلزم بدنةً كان حكمها حكم البدنة في الإفساد، بان قلنا: يلزم شاةً كان حكمها حكم الشاةَ في الاستمتاع، ذكره (في) "الحاوي" 640

الجزء: 3 - الصفحة: 563

فرع أخر الدم الذي بجب فيما يجوز استباحةَ موجبه كالطيب واللباس، هل يجوز تقديمه قبل وجوبه؟ وجهان: أحدهم: وهو ظاهر قوله في "الأم" و"الإملاء": يجوز، لأنه مال يتعلق وجوبه بسببين، وهما، الإحرام والفعل فجاز بعد وجود أحد السببين.
والثاني: لا يجوز لأن الإحرام لا يراد لوجوب الدم به، بل يراد لغيره، وهو إذا نسكه، فلم يكن وجوده مبيحًا لتقديم الدم قبل وجوبه كالإسلام في الزكاة قبل وجود النصاب.
فرع أخر إذا بلغ أمدادا أو كسر مد لزومه أن يصوم عن كسر المد يومًا كاملًا، والواجب على الحقيقة مقابلة بعض المد ببعض الصوم، ولكن صوم اليوم الواحد لما لم يقبل التبعيض كمل الواجب يومًا بكماله.
فرع أخر في قدر ما يعطى الطعام م فقير وجهان: أحدهما: لا يتقدر، فيجوز أقل من مد وأكثر كاللحم.
والثاني: بمد فإن أعطى زيادةً لم يحتسب بالزيادة وإن أعطاه أقل لم يحتسب بشيء منه إلا أن يتمه.
فرع أخر الإطعام في كفارة التعديل، هل تنحصر أعداد مستحقيه؟ وجهان بيان على أنه هل يتعذر ما يدفع إلى كل مسكين، [170/ب] قلنا: لكل مسكين مد مقدر، وينحصر عددهم بعدد الأمداد، فإن كانت عشرةً فلعشرةً.
والثاني: لا يتقدر فعلى هذا عدد المساكن غير محصور، ولكن إن كان ثلاثةً أمداد فصاعداً لم يجز دفعها إلى أقل من ثلاثةَ مساكين، لأنهم أقل الجمع المطلق، وإن كان مدين لم يجز دفعهما إلى أقل من مسكينين ويجوز دفعهما إلى مسكينين؛ لأن أقل يؤاسي به كل مسكين مد، دفع إلى ثلاثةَ أجزأه وإن كان مدًا واحدًا صرفه إلى مسكين، فإن صرفه إلى أكثر أجزأه، ويستحب على هذا الوجه أن لا ينقص المسكين من مد، لأنه أقل ما يؤاسي به، ولا.
زد على ض، لأنهما أكثر ما يؤاسى به، ذكره في "الحاوي" 641، وقد ذكرنا فيما تقدم عن أصحابنا بخراسان خلاف هذا مسألة: قال 642: ولا يكون الطعام والهدي إلا بمكة أو منى.
الفصل كل دم وجب بسبب الإحرام سوى دم الإحصار يجب ذبحه في الحرم ويجب تفرقةُ

الجزء: 3 - الصفحة: 564

لحمه على مساكين الحرم، ولا يختص بمنى، بل كل احرم فيه سواء فإن ذبحه في الحرم وفرقه في الحرم، فقد أدى الأكمل، وإن ذبحه في الحل، وفرق اللحم في الحرم، فإن كان اللحم قد تغير لم يجزئه، لأنه ناقص، وإن لم يتغير نص الشافعي لا يجوز لأن الذبح مستحق في الحرم، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر يجوز لأن المقصود هو اللحم هذا، ولا يعرف لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فاختص بالحرم كتفرقةُ اللحم، وإن ذبحه في الحرم، ثم سرق منه يجب عليه أن يذبح آخر، ولا الواجب حتى يذبح في الحرم ويفرقه على مساكين الحرم.
وقال أبو حنيفة: يجب الذبح في الحرم، وأما تفرقة اللحم تجوز في الحل، وكذلك تفرقة الطعام تجوز على [171/أ] مساكين الحل، وهذا غلط لأن تفرقة اللحم أعظم المقاصد، فاختصاصه بالحرم أولى.
وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم": إذا اضطر إلى قتل الصيد أو الطيب أو اللباس في الحل، ففعل، كان الهدي في الحل، وبه قال أحمد، لأن سببه كان في الحل، فأشبه دم الإحصار، وهذا غلط، لأنه تعلق بالإحرام، فأشبه إذا أوجب في الحرم، ويفارق دم الإحصار، فإنه يتعذر عليه الإيصال إلى الحرم، ويتحلل به من الإحرام بخلاف هذا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا ذبح في الحرم، ثم سرق منه يجزئه ولا إعادةً عليه، وهذا غلط، لأنه أتلف الهدي قبل وصوله إلى مستحقه فلا يجزئه عما في ذمته كما لو أكله، وأما الصوم، فيجوز في الحرم والحل.
وقال عطاء: لا يجوز إلا في الحرم.
ويحكى عن أحمد، وهذا غلط لما ذكر الشافعي أنه لا منفعةَ لأهل الحرم في الصوم بخلاف هذا.
فرع يستحب أن يخص بتفريق اللحم من كان قاطنا في الحرم دون من كان طارئاً، لأن القاطن أوكد حرمه.
فرع أخر إذا ارتكب في الحل ما يوجب دماً أو دفع من عرفة ثل الغروب هل يخض الهدي بالحرم؟ المذهب أنه يختص.
وقال في "القديم": قولًا آخر انه لا يختص حتى لو ذبح في الحل وفرق اللحم في الحال جاز، لأن ذبحها لا يخض بزمان النسك حتى يجوز قبل يوم عرفة، فلا يختص بمكان النسك بخلاف دم التمتع، والصحيح الأول، لأن سبب وجوبه النسك، فاختصت النسيكةُ بأهل الحرم.
مسألة: قال: 643 ومن وطاء أهله بعد رمي الجمار فعليه بدنةً.
قد ذكرنا هذه المسألة، واختيار المزني أنه يلزمه شاةً، قال: قرأت عليه [171/ب] هذه المسألة، لأنه يلزمه بدنةً، ولكن إن لم تكن البدنة إجماعاً أو أصلًا، فالقياس شاةً، وأراد بالإجماع إجماع الصحابةَ، وبالأصل الكتاب والسنةً وبالقياس أنه استمتاع لا

الجزء: 3 - الصفحة: 565

يفسد الإحرام كما دون الفرج، وفي ضمن هذا اللفظ الذي ذكره الشافعي في التحلل الأول، يصحل برمي الجمار، وهذا على قول الذي يقول: الحلاق ليس بنسك.
مسألة: قال 644: ومن أفسد العمرةً فعليه القضاء من الميقات الذي ابتدأها منه.
إذا أحرم بالحج ثم أفسده يلزمه القضاء ويلزمه الإحرام من أغلظ الآخرين مما يلزمه في الشرع.
وهو الميقات المعروف، أو مما ألزمه على نفسه، فإن كان أحرم من الميقات، ثم أفسده يلزمه في القضاء الإحرام من الميقات، وإن كان أحرم قبل الميقات فقد ألزم نفسه الإحرام من ذك الموضع، فإذا أفسده يلزمه القضاء من ذلك الموضع، فإن أحرم دونه يلزمه دم، وكذلك إذا أحرم بالعمرةً، ثم أفسدها يلزمه الإحرام في القضاء من الموضع الذي أحرم، وإن بعد من الحرم بكثير.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك، أما في الحج يلزمه القضاء من الميقات، وفي العمرة يلزمه القضاء من أدنى الحل، وهذا غلط، لأن في كل مسافة وجبا عليه قطعهما محرماً في الأداء وجب عليه ذك في القضاء كما لو كان أحرم من الميقات.
فرع المتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم أفسده، ففي القضاء يحرم من مكة لأنها ميقاته فرع أخر الطريق الذي سلكه في [172/أ] الأداء لا يتعين عليه في القضاء، وإما يتعلق عليه قدر مسافته، فلو سلك طريقًا آخر جاز ألا ترى أن من عليه الحج لا يلزمه أن يحرم بميقاته؟! بل يلزمه أن يحرم منه، أومن محاذاته كللك ههنا.
فرع آخر عندنا لا يلزمه قضاء العمرةَ مع الحج، وعند أبي حنيفة: يلزمه ذلك، وهذا غلط قياسًا على ما لو فات لا يلزمه ذلك، فإذا تقرر هذا، ففي لفظ "المختصر" إشكال.
وذلك أنه قال: من الميقات الذي ابتدأها منه، وهذا توهم أن الميقات الذي ابتدأها منه يتعين عليه حتى لا يجوز له غيره، وليس مراد الشافعي هذا، ولكن مراده تعيين المسافة وتقديرها حتى لو أحرم بعمرةً من ذات عرق أجزأه على ما ذكرنا، ثم أفسدها فرجع إلى مكان غير ذات عرق، وبين ذك المكان وبين مكة ما بين مكة وبين ذات عرق، أجزأه ذلك على ما ذكرنا، ثم ألزم الشافعي سؤالا على نفسه، فقال: فإن قيل: فقد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم - عائشةً رضي الله عنها أن تقضي العمرةً من التنعيم، فليس كما قال: إنها كانت قارنة وكذلك عمرتها شيئا استحسنته، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها لا أن عمرتها كانت قضاء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" واعلم أن أهل البراق حملوا حديث عائشةُ رضي الله عنها على وجه بعيد، وحمله أهل المدينةً على وجه آخر وبين كل

الجزء: 3 - الصفحة: 566

فريق فروع مذهبه على وجه تأويله، ونبين ذلك ليظهر الإشكال وتمام هذا الحديث، أولًا ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة بمكة عام حجه، [(172) /ب] فرآها تبكي، فقال لها مالك: أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: "ذاك شيء كتبه الله على بنات ادم، فاغتسلي وامتشطي وارفضي عمرتك وأهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" فروى في الخبر أن عائشة طافت يوم النحر طواف الإفاضةَ، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -"طوافك بالبيت يكفيك بحجك وعمرتك".
فقالت عائشَة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكل نسائك يصرفن بنسكين، وآنا أنصرف بنسك واحد، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها فأعمرها من التنعيم، قالت عائشة: فكانت عمرتي التي رفضتها.
هذا هو الحديث على وجه فأما أهل العراق قالوا: عائشةً كانت محرمة بالعمرةَ؛ فلما حاضت قبل الطواف والسعي أمرت برفض العمرةَ، فرضت إحرام عمرتها وأعمال عمرتها، ثم لما راهقت وقف الإحرام بالحج أهلت بالحج المفرد وأكملته، ثم لما فرغت من حجها رغبت في العمرةَ، فأمرها رسول الله بالعمرةَ، فخرجت إلى التنعيم وقضت تلك العمرة التي كانت رفضتها لنا حاضت فزعموا أن الحيض يوجب رفض إحرام العمرةَ بهذا الخبر، وأن من خرج من عمرته يرفض، أو أفسدها، فأراد قضائها لم يلزمه العود إلى ميقاتها بل يلزمه الخروج إلى الحل أينما كان الحل.
وأما أصل الشافعي في هذا الخبر أن عائشَة كانت محرمة بالعمرة؛، فلما حاضت عجزت عن طواف عمرتها بسبب حيضتها، فرفضت أعمال عمرتها بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -دون إحرامها، واغتسلت، وامتشطت إذ يجوز للمحرمة ذلك، وإن منعها الإحرام من الترجيل والتطيب، وهذا معنى قولها: [(17) 3/أ] عمرتي التي رفضتها، أي: رفضت، أعمالها دون إحرامها، فلما أهلت بالحج صارت قارنةً بإدخال الحج على العمرةَ؛، ألا ترى أنها لما طافت يوم النحر، قال - صلى الله عليه وسلم - "طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك" ولو لم تكن قارنة لما كان لهذا معنى، ثم إن عائشة لما شاهدت سائر أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، وقد حصل لهن طواف في الحج وطواف في العمرةً ولم يحص ذلك رغبت في كثرةَ الخطوات وثواب الأعمال الكثيرةَ، فقالت: أكل نسائك ينصرفن بنسكين، وأنا أنصرف بنسك واحد، فأمرها العمرة حينئذ.
وهذا معنى قول الشافعي، فكانت عمرتها شيئًا استحسنته، فعلى هذا التأويل قلنا: من أفسد العمرة لزمه قضائها من ميقات إحرامها، والحيض لا يقتضي رفض الإحرام، وإن لم يرتفض إحرام بحالٍ، وإنما يباح التحلل عند الإحصار بالعذر.
مسألة: قال 645: ومن أدرك عرفة قبل الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحجَ.
الفصل فوات الحج فوات الوقوف بعرفة، وقد ذكرنا وقت الوقوف ومتى فاته الوقوف يلزمه أن يتحلل بعمل عمرةً، ولا ينقلب إحرامه عمرة، فيطوف ويسعى ويحلق، إن قلنا

الجزء: 3 - الصفحة: 567

الحلاق من (النسك)، وقد حل؛ وعليه الهدي والقضاء من قابل، وإن قلنا: ليس من النسك، قد حل بالسعي وسقط عنه توابع الوقوف من المبيت، بمزدلفة، ورمي الجمار والمبيت بمنى.
وبه قال مالك، وروي ذلك عن صر وابن عمر رضي الله عنهما.
وقال القفال في "القديم": يتحلل بالطواف والحلاق، ولم يذكر السعي، فقد قيل قولان: أحدهما: لا يلزم السعي لأنه تابع للطواف فقط كما سقط الرمي، وهذا لا يصح، [(17) 3/ب] لأن الشافعي رضي الله عنه أراد في "القديم": إذا كان سعى عقيب طواف القدوم، فيحتسب بذلك، وهو إذا كان تابعا للطواف، فالطواف لم يسقط، فيستحيل سقوطه وقال أبو حنيفة وسعد مثل ذلك إلا أنهما قالا: لا هدي عليه.
وقال أبو يوسف وأحمد: ينقلب إحرامه عمرة ويتحلل بها، ويروى هذا عن أبى حنيفةَ، وهذا غلط؛ لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين، فلا ينقلب إلى الآخر كالعمرة لآ تنقلب حجاً قال الشافعي: وإن حل هذا بعمل عمرة، فليس أن حجه صار عمرةً، وكيف يصير عمرة، وقد ابتدأه حجا؟ وأراد آن الإحرام المنعقد عن الحج لا ينقلب إلى العمرة كما قبل الفوات، ثم إن المزني أخذ هذا الاحتجاج من الشافعي، وجعله مقتضيا للإتيان بأعمال الحج، فقال: قلت: إذا [كان] عمله عنده، أي: إذا كان عمل من مرة الحج عندد الشافعي عمل حج لم يخرج منه إلى عمرة، فقياس قوله: أن يأتي بباقي أعمال الحج مع التوابع من الرمي والمبيت بمزدلفة ومنى، وهذا مذهبه.
وبه قال أحمد، ثم أوضح ذلك تأول الشافعي من قول ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: وتأول قول عمر رضي الله عنه افعل ما يفعل المعتمر إنما أراد الطواف والسعي من عمل الحج لا أنها عمرة، فكان المزني بقول: لما ثبت أن الطواف والسعي من عمل الحج، فكذلك يلزمه أن يأتي بما بعدهما من أعمال الحج، وأجابه أصحابنا بأن بقية أعمال الحج من المبيت والرمي تابعةُ للوقوف فإذا سقط المبتدع سقط التابع ولهذا لم يشرع ذك في العمرةَ لأنه لا وقوف فيها بخلاف الطواف والسعي، لأنهما ليسا بتابعين، بل هما من أسباب التحلل من الإحرام، فيلزم الإتيان بهما.
وأما الدليل على وجوب الهدي عليه ما روي أن هبار بن [174/أ] الأسود أتى عمر بن الخطاب رض الله يوم النحر، فقال: أخطأت أو نسيت العدد، فما تأمرني، فقال: افعل ما يفعل المعتمر، وعليك القضاء من قابل، وما استيسر من الهدي.
وروي أن ابن عمر وابن عباس وزيد ين ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا: من فاته الحج تحلل بطواف وسعى وعليه القضاء من قابل، وما استيسر عن الهدي، ولا مخالف لهم، وعن مالك ثلاث روايات إحداها: مثل قولنا.
بالثانية: لا قضاء عليه، وبه قال عطاء.
والثالثة،: يبقى محرمًا إلى العام القابل ثم يأتي بالوقوف وأعمال الحج، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع هل يجب القضاء على الفور؟ وجهان، والظاهر أنه على الفور لما ذكرنا من الأثر.

الجزء: 3 - الصفحة: 568

فرع (آخر) الهدي الواجب عليه به شاة، فإن لم يجد فحكمه حكم دم إذا لم يجد، ومنى يجب هذا الهدي؟ فيه وجهان: احدهما: يجب بالتحلل عن الفائت كما يجب على المحصر بالتحليل والأولى أن يأتي به في عام القضاء، فإن أخرجه في عام الفوات جاز، ولأن جبران النسك، فيكون في سنة النسك كالبدنةَ الواجبةً بالإفساد.
والثاني: يجب إذا أحرم بالقضاء في السنةَ الثانية، وهو اختيار أبي إسحاق، وظاهر قول الصحابةُ، لأنه في الشرع كالمتمتع، لأن النسك الثاني، مضموم إلى الأول، لأنه قضاؤه، ويسقط الفرض الأول بهما، والهدي الواجب على المتمتع يلزم بالإحرام الثاني، كذلك ههنا فعلى هذا لا يجوز إخراجه قبله.
وقال أبو حامد: في وقت الإخراج قولان، فإذا قلنا: يخرجه في سنةَ القضاء، فهل وجب فيها أم في سنةُ الفوات؟ وجهان.
وقال القفال: هل يجوز قبله؟ قولان [174/ب]: أحدهما: يجوز لوجود سببها.
والثاني: لا يجوز لأنها تبع القضاء، ولا يصح القضاء في عام الفوات، وإذا جوزنا، فهل يجوز قبل الفراغ من الفائت؟ وجهان، وعلى هذا لا يحوز الصوم إلا في القضاء، ومن أصحابنا من قال: يخرجه في السنة الثانيةَ، ولكن هل يتعلق وجوبه السنةَ الثانيةً أم الأولى؟ وجهان: أحدهما: يتعلق بالأولى الوجوب، لكن يخرجه في الثانية، كالقضاء.
والثاني: يجب في الثانية، لأنه لو وجب في الأولى أوجب إخراج فيها.
فرع آخر إذا كان محرما بالعمرةَ وحدها، فالعمرةَ لا يلحقها الفوات، وإن كان محرماً بالحج وحده فالحج يلحقه الفوات، والحكم على ما مضى، وإن كان متمتعا، فالعمرة لا تفوت، وأما بالحج بعدها، فالفوات يلحقه، وإذا فات فعليه دم التمتع، ودم الفوات معاً، ويقضي الحج دون العمرةَ، لأن العمرةَ ما فاتت فإذا قضى الحج أحرم به من جوف مكة، لأن هذا ميقاته، ولا يلزم في القضاء شيء أخر وإن كان قارناً، فالفوات يلحق النسكين معا، لأن العمرةَ صارت تبعًا للحج ففاتت بفواته، فإذا فاته القران، فوجب عليه الهدي والقضاء قارنًا، وهدي القران الثابت في ذلك، فيكون عليه ثلاثة دماء: دم القران، ودم الفوات، ودم القران الثابت في ذمته.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يلزمه قضاء العمرةَ ويجزئه عن عمرةَ الإسلام، لأنها لا تفوت، وقد أكمل أعمالها بالطواف والسعي والحلق.

الجزء: 3 - الصفحة: 569

ذكره القفال وصاحب " الحاوي" 646، ولأن العمرة لا تختص بوقت وأصل المسألة أن العمرة يسقط اعتبارها في حق القارن أو يقع العمل عنهما، فيه وجهان: فإن قلنا: يسقط اعتبارها من [(175) /أ] بفواته، والصحيح ما ذكره، وهو المذهب المنصوص فعلى هذا، إذا قضى لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يقضي قارناً، أو مفردًا، أو متمتعًا، فإن قضى قارناً، فقد قضى على الوجه الذي فاته، وعليه الدماء الثلاثة، وإن قضى مفردًا حجه مفردةً وعمرة مفردةً أجزأه ولكنه لا يسقط عنه دم القران الذي يجب في القضاء.
وحكي ابن المرزبان هذا عن "الإملاء": فعليه الدماء الثلاثة.
وقال أحمد: لا دم عليه، وإذا قضى مفردًا آو آتى بالعمرة بعد الحج، قال في "الإملاء": لا يحرم بها من الميقات، لأنه كان قد أحرم بها منه، فإن لم يفعل، وأحرم بها من أدنى الحل لم يجب عليه أكثر من الدماء الثلاثة، لأنه وإن ترك الإحرام بالعمرةً من الميقات كان الدم الواجب لأجل الميقات ودم القران لأجل الميقات فتداخلا، وإن قضى متمتعا أجزأه إلا أنه يحرم بالحج من الميقات، فإن أحرم به من جوف مكة وجب دم التمتع ودخل دم القران فيه.
فرع أخر المكي وغير المكي في وجوب الهدي بالفوات سواء بخلاف دم التمتع والفرق أن الفوات يحصل من المكي كما يحصل من غيره ودم التمتع يجب بترك الميقات والمكي لم يترك الميقات، لأن ميقاته بلده.
فرع أخر قال ابن المرزبان: الفائت حجه بمنزله من تحلل التحلل الأول، لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه الرمي فيصير بمنزلة من رمى، فإن وطاء لم يفسد إحرامه، وإن تطيب أو لبس لم تلزمه الفديةَ، وهذا على القول الذي يقول: الحلاق إطلاق محظور، فأما إذا قلنا: إنه نسك يحتاج أن يحلق أو يطوف حتى يقع التحلل الأول.
فرع أخر قد ذكرنا أن العمرة تابعة للحج في الفوات، فعلى هذا [175/ب] هي تابعة للحج في الإدراك أيضًا، حتى أن القارن لو رمى وحلق، ثم جامع لم تفسد عمرته كما لم يفسد حجّه، وإن لم يأت بأعمال العمرة أصلًا.
مسألة: قال 647: ولا يدخل مكةَ إلا بإحرام في حج آو عمرةً.
الفصل الداخل في الحرم على أربعة أضرب لنسك أو قتال آو حاجة لا تتكرر، كان دخوله لنسك حج آو عمرةً لم يجز إلا بالإحرام وقد مضى وإن كان لقتال لا بد منه

الجزء: 3 - الصفحة: 570

مثل إن لجأ إلى الحرم قطاع الطريق أو قوم ارتدوا أو بغوا على الإمام جاز أن يدخلوها محلّين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلها يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، ولو كان محرمًا لم يغط رأسه وجاز له الدخول من غير إحرام.
فإن قيل: أليس عندمك دخلها صلحًا؟ فكيف تقولون: دخلها للقتال؟ قلنا: كان الصلح واقعًا مع أبي سفيان، ولم يكن آمنًا من غدرهم، فلأجل خوفه من ذلك احتاط.
وفي الخبر: ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح وهو السيف والتراس ونحوهما، وقيل: هو شبه جراب من أدم يضع فيه الراكب سيفه بقرابه وسوطه يعلقه في وسط رحله أو في آخره، فإن قيل: كان هذا خاصّاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: "إن الله تعالى حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض، لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلّ لأحدٍ بعدي، وإنما أحلّت لي ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السماوات".
قلنا: يحتمل أن يكون معناه: أحلّت لي ولمن هو في مثل حالي، ولا يثبت بذلك التخصيص، وإذا كان المعنى الذي لأجله جاز تركه موجود في حق غيره.
قال الشافعي في "المناسك الكبير": ويجوز عندي لمن دخلها خائفًا من سلطان أو من أمر لا يقدر على دفعه ترك الإحرام [76/أ] إذا خافه في الطواف والسعي، وإن لم يخافه فيهما لم يجز له.
وجملة هذا أن يخاف من غريم يلازمه ويحبسه، ولا يتمكن هو من أداء حقّه، وإن كان دخولها لحاجةٍ لا تتكرر مثل إن دخل لرسالة أو لتجارة أو لزيارة أو للمقام بها مجاوراً أو غير مجاور، ففيه قولان.
قال في مواضع: يجب الإحرام، وهو الأشهر.
وبه قال ابن عمر رضي الله عنه، لأن مكّة مباينة لسائر البلدان في الفضل والحرم'.
ولهذا لو نذر أن يدخل مكّة لزمه الإحرام، وأومأ في بعض كتبه إلى أن الإحرام استحباب.
قال أبو إسحاق: وهذا هو الصواب لأنه تحية المكان، فلا يجب كتحية المسجد.
وقال أبو حامد قال في عامة كتبه لا يجب الإحرام وله كلام في "الأم" يدلّ على الوجوب فقد قيل: قول واحدٌ لا يجب، وكلام القفال يدلّ على هذا، وما تقدم أصحّ، ولا فرق عندنا في هذا بين أن يكون أهله دون الميقات أو وراء الميقات.
وقال أبو حنيفة إن كانت داره وراء الميقات لا يجوز له دخولها إلا بالإحرام سواء كان للقتال أو غيره وإن كانت داره دون الميقات يجوز له دخولها من غير إحرام، وهذا غلط لأن الحرمة في ذلك للمحرم لا للميقات ألا ترى أن من مرّ من بالميقات ولا يريد الحرم لا يشرع له الإحرام، فلا معنى لما قالوه، وروي عن ابن عباس انه قال: لا يدخل أحد مكّة إلا محرماً، ورخّص في ذلك للحطابي، وإن كان دولها لحاجةٍ تتكرر مثل الرعاة والحطابين.
ويقال: الميرة وكل من تكرر دخوله من أهل السواد لمنافع أهلها.
قال في "الإفصاح": هل يجب عليهم الإحرام؟ مرتبًا على القولين في غيرهم، فإن قلنا: إن غيرهم لا يجب عليهم الإحرام، ففي هؤلاء وجهان: أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب، لأنا لو كلفناهم لأدى إلى الحرج [176/ب] والمشقة لتكرر

الجزء: 3 - الصفحة: 571

دخولهم في كل يوم.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحدٍ، إنه لا يلزمهم الإحرام.
وبعض أصحابنا خرج قولاً آخر لأن الشافعي علّق القول فيه في (المناسك الكبير).
وقد قال الشافعي: أحبّ لهم أن يحرموا في كل سنةٍ مرة.
وهذا هو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: قول واحد لا يرخّص للحطابين، وأول قول الشافعي بخلافه، فقال: ولعل حطّابيهم عبيد، والعبيد لا يلزمهم الإحرام لدخول مكّة لأنهم لا يلزمهم الإحرام شرعاً، فبالدخول أولى أن لا يلزم، وهذا أضعف الطرق.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في "الإملاء": يحرمون في كل سنة مرّة لئلا يستهان بالحرم.
وحكاه أبو حامد أن عليه ذلك.
وهذا ليس بمشهور، ولا وجه له لأنه يستحيل أن يجب في وقت دون وقت، ومراده بما ذكر في "الإملاء" الاستحباب على ما نقلناه صريحاً.
فَزعٌ البريد يتكرر دخوله فمن أصحابنا من قال: هو كالحطابين، ومنهم من قال: إذا قلنا: لا يجب على الحطابين، ففي البريد وجهان، ذكره القاضي الطبري.
مَسْألَةٌ: قالَ 648: ومن دخلها بغير إحرام، فلا قضاء عليه.
إذا أوجبنا عليه الإحرام، فدخل بغير إحرام لا يلزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، فعليه أن يأتي بحجّة أو عمرة، فإن أتى في سنة بحجّة للإسلام، أو حجّة منذورة، أو عمرة منذورة أجزأه ذلك عن عمرة الدخول استحساناً، وهذا غلط لأن هذا مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأتِ به سقط كتحية المسجد، فإن قيل: تحية المسجد لا تجب، قلنا: النوافل المترتبات لا تجب وتقضى، [177/أ] وإنما سقطت لما ذكرنا لا للوجوب، ومن أصحابنا من علّل، وقال: لا يجب القضاء، لأنه يؤدي إلى أن يتسلسل القضاء، لأنه كلمّا أراد دخولها يجب عليه أن يحرم لذلك الدخول فلا يمكنه دخولها بإحرام القضاء، وهو كم نذر صوم الدهر، فأفطر لا يمكنه القضاء، وكذلك إذا فرّ مسلم من كافرين لا يمكنه القضاء لأنه كلما يلقى كافرين يلزمه الثبات لهما، فلا يمكنه أن يقضي ما تركه من الثبات.
قال صاحب "التلخيص": وعلى هذا لا يقضى إلّا في مسالة واحدة، وهو أن يصير حطاباً من بعد، فيلزمه القضاء، لأنه لا يلزمه الإحرام بالدخول في ظاهر المذهب.
وقال القفال: ليس المعنى هذا، بل المعنى ما ذكرنا، وأيضًا الفرض الذي يلزمه لشهود مشهود، فتركه لا يوجب القضاء كالثبات لكافرين، وعلى هذا لا قضاء عليه، وإن صار حطّابًا أيضًا، وأيضًا الدخول إذا كان بإحرام يكفي سواء كان لأجله أو لأجل غيره كالصوم في الاعتكاف وبمثل هذا قلنا إذا فسد القضاء لا يجب عليه قضاءان ويكفيه قضاء واحد.
ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس نأمره بالقضاء على قولنا: إنه واجبٌ، ويدخل حقّ الدخول الجديد في القضاء كمن دخل مسجدًا فقضى فائته حصلت به تحية المسجد، كما قال أبو حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: تحقيق المذهب أن الإحرام إنما يجب على أحد القولين على من أراد الدخول فيقال له: إن أردت الدخول فأحرم كما

الجزء: 3 - الصفحة: 572

يقال لمن أراد صلاة التطوع: إن أردت الصلاة فتطهّر، فإذا ترك ذلك فلا قضاء.

بَابُ فوات الحجّ بلا إحصار

اعلم أن القصد من هذا الباب شيء واحدٌ، وهو الكلام في أنّ [177/ب] من فاته الحجّ لا ينقلب إحرامه عمرة، كما قال أبو حنيفة، فذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "من لم يدرك عرفة قبل الفجر فقد فاته الحجّ، فليأت البيت، فليطف به وليسع بين الصفا والمروة، ثم ليحلق أو ليقصّر إن شاء وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق ورجع إلى أهله، فإذا أدرك الحجّ قابلًا، فليحجّ وليهد".
وقال عمر رضي الله عنه لأبي أيوب الأنصاري، وقد فاته الحجّ: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركت الحجّ قابلًا فاحجج واهدِ ما استيسر من الهدي.
وقال أيضًا: لها مثل معنى ذلك، وزاد "فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله"، ثم قال: وفي حديث عمر دلالة أنه استعمل أبا أيوب عمل المعتمر لا إن إحرامه صار عمرة يريد أنه لما قال لأبي أيوب: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت دلّ على أنه إنما أمره بان يعمل عمل المعتمر وهو الطواف والسعي لأن إحرامه صار عمرة، ولو كان معه هدي ساقه للتطوع، فعليه أن ينحره قبل الحلق كما يفعل من لم يفته الحجّ.
وقد ذكرنا سائر ما يتعلق بهذا الفصل.
تم الجزء الثالث حسب تقسيم المحقق ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله:

باب حج الصبي يبلغ والمملوك يعتق والذمي يسلم

الجزء: 3 - الصفحة: 573

الجزء: 3 - الصفحة: 575

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي

تأليف القاضي العلّامة فخرُ الإسلاَم شيخ الشافعيّة الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ

تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية: تتمة الحجّ - الصّيد والذّبائح - الضّحايا - الأطعمة السّبق والرمي - البيُوع

دار الكتاب العلمية Dar Al-Kotob Al-ilmiayh DKI أسسها محمد حلمي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان Est.
by Mohammad Ali Baydoun 1971 Befaut- Lebanon Etablic par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - liban

الجزء: 4 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

بَابُ حج الصبيّ يبلغ والمملوك يعتق والذميّ يسلم

مسألة: قال وإذا بلغ غلام أو أعتق عبد أو أسلم ذميّ.
وقد أحرموا.
الفصل إذا أتى الكافر الميقات مريدًا للنسك، فأحرم منه لم ينعقد إحرامه.
وذكر في "الشامل"، هل ينعقد إحرامه؟ قولان، وهو غلط عندي ولم يذكر غيره، فإن أسلم بعد هذا لا يخلو إما أن يُسلم قبل فوات وقت الوقوف أو بعده، فإن أسلم بعده، فالحجّ لا يلزمه في هذه السنة، لأن وقته قد [178/ أ] فات، ولا يمكنه فعله، فتلزمه العمرة، لأنه قادر على فعلها، ولكنها على التراخي، فإن شاء اعتمر في هذه السنة، وإن شاء أخّرها إلى وقت آخر وإن أسلم قبل فوات وقت الوقوف، فعليه الحجّ والعمرة معًا، إلا أنهما يجبان على التراخي، فهو بالخيار بين أن يأتي بهما في هذه السنة وبين أن يؤخّرهما لأن فرض الحجّ والعمرة على التراخي، فإن أخّرهما فلا دم عليه، لأن من جاوز الميقات يريد الحجّ، فلم يحرم، ولم يحجّ من سنة فلا دم عليه، وإن أحرم بالحجّ أو العمرة، فإن عاد إلى الميقات محرمًا، أو حلالًا، ثم أحرم، فلا دم عليه، وإن أحرم من موضعه، ومضى على وجهه، ولم يعد إلى الميقات، فعليه دم، لأنه جاوز الميقات، وهو يقدر على الإحرام منه، فلم يحرم وأحرم دونه.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا دم عليه، وعن أحمد روايتان، واحتجوا عليه بأنه مر على الميقات، وليس من أهل النسك، فإذا أحرم دونه لم يلزمه الدم، وهذا غلط، لأنه جاوز الميقات مريداً للنسك وأحرم دونه ولم يعد إليه، فيلزمه الدم كالمسلم والكافر، وان لم يكن من أهل النسك، ولكنه أراد النسك، ويمكنه الإتيان به صحيحا، بأن يلم، ثم يحرم.
وأما الصبي والمملوك إذا أحرما فإحرامهما منعقد صحيح، فإن بلغ الصبي، وأعتق العبا نظر، فإن كان بعد الوقوف لم يجز لهما عن حجة الإسلام، وكذلك إن كان بعد الفراغ من الحج، وان كان قبل فوات وقت الوقوف قبل الوقوف وقفا بعرفة بعد الكمال أجزأهما عن حجة الإسلام.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة في العبد: يكون حجه تطوعاً وبناؤه على أصله يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 3

التطوع بالحج قبل الفرض، (178/ ب) وأما الصبي لم ينعقا إحرامه، فعليه استئناف الإحرام والوقوف بعده.
وقال مالك: يكون حجهما تطوعاً لأن من أصله أن إحرام العبد والصبي صحيح، ولكن التطوع يسبق الفرض في الحج وان كان بعد الوقوف قبل فوات وقت الوقوف بأن رجعا إلى مزدلفة، ثم كملا، فإن رجعا ووقفا أجزأهما عن حجة الإسلام، وان لم يرجعا فمذهب الشافعي أنه لا يجزئهما.
وقال ابن سريج: يجزئهما عن حجة الإسلام، لأنه إذا أحرم في حال الرق أو الصغر، ثم أعتق أو بلغ في وقت يجوز ابتداء الإحرام فيه أجزأهما عن حجة الإسلام، وكان بمنزلة الإحرام المستأنف في هذا الوقت، فكذلك الوقوف.
وهذا غلط والفرق بينهما أنه مستديم الإحرام، فكانت استدامته بمنزلة ابتدائه، وليس كذلك الوقوف، فإنه في حال الحرية عن مقيم عليه، ألا ترى أنا لا نقول إنه واقف كما يقول إنه محرم، فلهذا لا يحتسب له.
وأما إذا سعى عقيب طواف القدوم، ثم بلغ أو أعتق في يوم عرفة يلزمهما إعادة السعي.
وقال ابن سريج: لا يلزمهما إعادته.
وهذا غلط لما ذكرنا أنه لم يأت به في وقت الفرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، بنا، على الوجهين في تقدير إحرامه، فإن قلنا: إحرامه وقع موقوفاً ولا يتبين أنه انعقد فرضاً لا يلزمه إعادة السعي، وان قلنا: إحرامه انعقد فعلاً، ثم انقلب فرضاً بعد بلوغه يلزمه إعادة السعي، ولا معنى لهذا مع النص، فإذا تقرر هذا، فكل موضع، قلنا: حجهما تطوع لا يجوز عن حجة الإسلام، فلا دم عليه، لأنه أحرم بحجة (179 / أ) التطوع، ومضى على ذلك الإحرام، فلا يلزمه الدم، وكل موضع قلنا: يجزئهما عن حجة الإسلام، فهل عليهما دم؟.
اختلف أصحابنا فيه على طريقين، فقال أبو إسحاق وغيره فيهما قولان: أحدهما: عليهما الدم لأنهما ما أحرما بالغرض من الميقات.
والثاني: لا دم لأنهما أكملا حجة الإسلام بالإحرام من الميقات، وهو اختيار القاضي أبي حامد، وهو الصحيح.
وقال الإصطخري وأبو الطيب بن سلمة: لا يلزمهما الدم قولاً واحداً، وقول الشافعي: يجب الدم، أراد إذا جاوزا الميقات مريدين النسك، ثم أحرما دونه ويفارق الكافر لأن إحرامهما من الميقات صحيح، وان لم يكونا من أهل الفرض، وهو البلوغ والعتق ليس إليهما فهما فيه معذوران.
وإحرام الكافر غير صحيح، وكان يمكنه أن يحقق مقصوده بالإسلام، فهو غير معذور في ذلك، فإذا أسلم بعد ذلك وحقق إحرامه بالاستئناف يلزمه الدم، لتأخيره عن الميقات من غير عذر واحتج المزني بما ذكر الشافعي في الصبي على مسألة الكافر، فقال: إذا لم يبن عنده أن على العبد والصبي دماً وهما مسلمان، فالكافر أحق أن لا يكون عليه دم، لأن إحرامه مع الكفر ليس بإحرام، والإسلام يجب ما كان قبله، وإنما وجب عليه مع الإسلام بعرفات، فكأنها منزله، قلنا: لا إحرام له، ولكن له إرادة صحيحة للحج والإسلام يجب ما قبله، ولكن نحن لا نوجب عليه الدم بشي، كان قبل الإسلام بل توجب لحج في الإسلام ترك

الجزء: 4 - الصفحة: 4

الإحرام له من الميقات، فلا يصح ما ذكره.
مسألة: قال: ولو أفسد العبد حجه قبل عرفة، ثم أعتق، والمراهق بوطءٍ عرفة، ثم احتلم (179 / ب).
الفصل إذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه.
وقال أهل الظاهر: لا ينعقد إحرامه.
وهذا غلط لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما عبد حج ثم أعتق فعليه حج الإسلام"، فأضاف الحج إليه، وأثبته له، ولم يفرق بين أن يكون بإذن السيد أو بغير إذنه، ولأنه عبادة على البدن، فصح منه بغير إذن سيده كالصوم واحتج بأنه لا يجوز نكاحه وعقوده إلا بإذن (180 / أ) السيد كذلك هذا.
قلنا: الفرق أن الإحرام قد ينعقد موقوفاً، ويقف على البيان في الثاني، فجاز أن ينعقد إحرامه، ويقف على فسخ السيد، وإجازته بخلاف النكاح، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: أحببت له أن يدعه ليمضي في نسكه ويتمه، لأنه طاعة وقربة، فإن لم يفعل ولم تطب نفسه بذلك، فله منعه ويفسخ عليه الإحرام، لأن منفعته مستحقة له في جميع الأوقات إلا في الأوقات التي يستحق العبادة فيها شرعاً، والحج لا يلزمه شرعاً، فلا يجبر السيد على تعطيل منفعته فيه، ثم إذا حلله، فهو كالمحصر، فإن ملكه السيد الهدي.
وقلنا: العبد يملك بالتمليك في أحد القولين لم يكن له أن يتحلل حتى يذبح كالحر.
وإن قلنا: لا يملك على القول الصحيح، أو لم يملكه اليد فالحز المحصر إذا لم يجد الهدي، فيه قولان: أحدهما: أنه لا بدل لهدي الإحصار، فيكون الهدي في ذمته، وعلى هذا هل يتحلل أم يبقى على إحرامه حتى يجد الهدي، ويذبح قولان.
والثاني: له بدل، وهو الصوم، وهل يبقى محرماً حتى يفرغ من الصوم أم يتحلل، ثم يصوم؟ قولان.
قال أبو إسحاق والعبد في ذلك مخالف للحز، فالعبد يتحلل في الحال.
وان قلنا: الحر لا يتحلل حتى يجد الهدي ويذبح، أو حتى يصوم لأن في تقييده العبد على الإحرام إلى ذلك الوقت ضرراً بالسيد، فلا يجوز ذلك، وكذلك في الصبر إلى أن يعتق ضرر بالعبد والحر يمكنه أن يحتال، فيكتسب ويستوهب ويتكدى ويحصل الهدي فيذبح، فلا يلحقه (180 / ب) كثرة مشقة، فافترقا.
ومن أصحابنا من قال: العبد والحز في هذا سواء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصوم في حق الحز مرتب على الهدي، فإن قلنا: يحل ثم يهدي، فأولى ذلك في الصوم.
وان قلنا: يصير إلى أن يهدي، فهل يلزمه الصبر في الصوم؟ حتى يفرغ منه، قولان.
والفرق أن الصوم تطول مدته بخلاف الهدي، ثم العبد مرتب على هذا، فإن قلنا: في الحر لا يلزم الصبر، ففي العبد أولى، وإلا فوجهان.

الجزء: 4 - الصفحة: 5

فرع من نصفه حز ونصفه عبد إذا كان بينهما مهايأة، فأحرم في يوم نفه ليس للسيد منعة.
ذكر أصحابنا، وفيه نظر عندي.
وأما إذا كان أذن السيد لعبده بالإحرام، فأحرم لم يكن للسيد منعه، وتحليله.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: له أن يحلله، وهذا غلط، لأنه عقد لازم عقده بإذن سيده، فلم يكن لسيده منعه منه كالنكاح.
فرع آخر لو أذن لعبده بالحج، ثم رجع عن إذنه نظر، فإن رجع قبل أن يحرم العبد وعلم به العبد، بطل الإذن، ولو أحرم العبد بعد ذلك كان له أن يحلله وان أحرم العبد قبل أن يعلم برجوعه، فهل له أن يحلله؟ وجهان بناء على الموكل إذا عزل الوكيل وتصرف الوكيل قبل أن يعلم بعزله، هل ينفذ تصرفه؟ قولان.
فرع آخر لو باعه بعدما أحرم بإذنه صح بيعه، لأن الإحرام لا يمنع التسليم ويفارق بيع المستأجر لا يصخ في أحد القولين، لأن الإجارة تمنع التسليم، ولهذا عقد النكاح لا يمنع البيع لهذا المعنى، فإذا صح هذا، فإن كان عالماً بإحرامه، فلا خيار له، وان لم يكن عالماً ثبت له الخيار، لأن بقاءه على الإحرام يضر بالمشتري [181 / أ].
وقال أبو حنيفة: لا خيار له، لأن عنده له أن يحلله كما كان لبائعه وقد دللنا عليه.
فرع آخر لو كان أحرم بغير إذن سيده وباعه لم يكن للمشتري الخيار سواء علم بإحرامه، أو لم يعلم، لأن له أن يحلله، لأن البائع كان له أن يحلله، فقام المشتري مقامه في ذلك، ولا يسقط ذلك بعلمه به.
والمشتري بالخيار بين تمكينه ومنعه وان لم يكن بالإحرام في ملكه لما فيه من تفويت منفعة ملكه، ولم يكن إحرامه مستقر.
فرع آخر لو أذن له بالإحرام، ثم باعه ولم يعلم بإحرامه حتى حل منه، ففي خياره وجهان: أحدهما: الاختيار له اعتباراً بالحال.
والثاني: له الخيار اعتباراً بما وجب.
ذكره في "الحاوي"، وعندي الوجه الثاني هو المذهب، لأن الخيار للضرر، وقد ارتفع الضرر.
فرع آخر لو أذن له بالإحرام بالحج مفرداً، فقرن كان قراناً صحيحاً، وليس للسيد منعه، لأن عمل القارن كعمل المفرد، ولو أذن له بالإحرام في ذي الحجة، فأحرم في ذي القعدة له منعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 6

فرع آخر ليس للسيد أن يجبر عبده على الإحرام.
وقال بعض أصحابنا: للسيد أن يجبر عبده على الإحرام بالحج، وعلى العبد امتثال أمره فيه، لأن ثوابه راجع إلى السيد ذكره في "الحاوي"، وهذا غلط، لأنه لا يجبره على الصلاة والصيام، كذلك على هذا.
فرع آخر إذا قال السيد: حللتك تحلل، فإن ألبسه مخيطاً أو ضمخه بطيب، فليس ذلك بتحليل خلافاً لأبي حنيفة.
مسألة: قال: ولو أذن له أن يتمتع، فأعطاه دماً لتمتعه لم يجز عنه، وعليه الصوم.
الدماء التي تجب على العبد في الحج تنظر، فإن (181 / ب) لم تكن مما اقتضاه الإذن مثل دم الفساد والفوات وجزاء الصيد واللباس، فلا يلزم السيد، فإن قلنا: العبد إذا ملك، ملك يجوز للسيد أن يتطوع بالهدي عن العبد، ويسقط عنه الفرض، وإن قلنا: لا يملك إذا ملك، وهو الذي أجاب به ههنا، أو قلنا: يملك ولكن السيد لم يملكه، ولا أهدى عنه ففرضه الصوم، وللسيد منعه من هذا الصوم، لأنه لم يتضمنه إذنه وان كان مما يتضمنه إذن السيد مثل دم التمتع والقران، إذا أذن له في ذلك، فإن قلنا: لا بملك إذا ملك ففرضه الصوم، ولا يجوز الهدي، فإن مات العبد قبل أن يصوم، قال الشافعي ههنا: ويجزى، أن يعطي عنه ميتاً، وأراد أنه يجوز أن يهدي عنه، أو يطعم، وهذا لأنه قد أيس صومه.
وقال المزني: لا يجوز ذلك، كما لا يجوز له ذلك عنه حياً، لأنه لا يملك.
قلنا: الفرق ما ذكرنا، وأيضاً الإعطاء عن الميت لا يقتضي تمليكه، بل هو إسقاط الفرض عنه، فجاز بخلاف الحي وهي كالفرق بين الحج عن الميت، يجوز من غير إذنه ولا يجوز عن الحي من دون الإذن وأيد الشافعي هذا بالخبر، فقال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر سعداً أن يتصدق عن أمه بعد موتها، وأراد به ما روي أن سعداً قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت، أي: ماتت فجأة، ولو قدرت لأوجبت، فهل ترى أن أتصدق عنها؟ فقال: "نعم"، وإن قلنا: العبد يملك نمق الشافعي في "القديم" على قولين: أحدهما: أن هذا الدم يكون في مال السيد، لأنه لما أذن له في التمتع كان تحملاً للهدي كالإذن في النكاح باكتساب المهر والنفقة (182 / أ).
والثاني: لا يجب في ماله بل يكون فرضه الصوم، لأنه ينفك ذلك عن وجوب المال، بأن يكون الفرض الصوم، فافترقا، وله أن يصوم من غير إذن السيد، لأنه لزمه بسبب تضمنه إذنه ولو عتق هذا العبد قبل أن يصوم عن متعته، فأراد أن يريق دماً، له

الجزء: 4 - الصفحة: 7

ذلك على الأقوال كلها، وهو معنى قوله ما دام مملوكاً، ولكنه جواب على القول الذي يقول: الاعتبار في الكفارات بوقت الأداء إلا بوقت الوجوب، والله أعلم.

باب من أهل بحجتين أو بعمرتين

مسألة: قال: ومن أهل بحجتين أو عمرتين معاً أو بحج، ثم أدخل عليه حجاً آخر.
الفصل إذا أحرم بحجتين أو بعمرتين آو بواحدة منهما، ثم أدخل الأخرى عليها، فلا ينعقد إحرامه إلا لواحدة، ولا تنعقد الأخرى، ولا يجب قضاؤها، ولا دم عليه.
وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد بهما إلا أنه لا يمضي فيهما، بل يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى ثم يقضي الثانية بعد ذلك، واختلفوا في وقت الرفض، فقال أبو يوسف: ترفض الثانية عقيب الإحرام.
وقال أبو حنيفة ومحمد: ترفض إذا أخذ في العمل حتى لو ارتكب محظوراً قبل ذلك يلزمه جزءان، والحجة ما ذكره المزني وتحريره أنهما عبادتان لا يصح المضي في عملهما، فلا يصخ الإحرام بهما كالصلاتين، ويفارق الحج والعمرة ينعقد الإحرام بهما، لأنه يمكنه المضي فيهما، وههنا لا يصح المضي فيهما، فلا ينعقد بهما.
وقد ذكرنا قبل هذا أن إدخال العمرة (182 / ب) على الحج لا يجوز قولا واحداً على أحد الطريقين.
والصحيح عند الشافعي أن إدخال أحدهما على الآخر قبل التلبس بشيء من أعماله يجوز سواء كان إدخال الحج على العمرة أو العمرة على الحج.
وإذا قلنا: لا يجوز لو رمى يوم النفر الأول له الانصراف، ثم أحرم بالعمرة، فإن كان قبل أن ينصرف لم تنعقد عمرته، وقد ذكرنا ذلك.

باب الإجارة على الحج والوصية به

مسألة: قال: ولا يجوز أن يستأجر الرجل من يحج عنه إذا لم يقدر على مركب لضعفه أو كبره إلا بأن يقول: يحرم عنه من موضع كذا وكذا.
الفصل يجوز لمن عجز عن الحج بنفسه عجزاً ميئوساً منه أن يجهز من يحج عنه، فإن تطوع عنه بلا رزق ولا أجرة جاز، وإن حج عنه بنفقة، وهو أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك جاز، وان استأجره إجارة صحيحة، بأجرة معلومة جاز وتكون الإجارة لازمة مستقرة، ويقع الحج عن المحجوج عنه، ويسقط فرضه ويستحق الأجير الأجرة المسماة.
وقال أبو حنيفة: الأجرة عليه لا تجوز، ولكن يجوز أن يعطيه نفقة ليحج عنه، فإذا

الجزء: 4 - الصفحة: 8

حج كان الحج عن الفاعل، وثوابه له، ويحصل للمستأجر ثواب النفقة.
وبه قال أحمد ومالك قال مالك: والدليل عليه أن هذا عمل يدخله النيابة، فجاز أخذ الأجرة عليه كتفريق الزكاة.
فرع هل من شرطها أن يبين موضع الإحرام في العقد؟ اختلف أصحابنا فيه على طرق.
وقال أبو إسحاق وغيره: فيه قولان [183 / أ]: أحدهما: لا يصخ إلا بأن يبين موضع الإحرام، لأن الإحرام يجوز من كل موضع، فتكون الإجارة مجهولة، فلا بد من البيان، وهو الذي نص عليه ها هنا.
والثاني: قاله في "الإملاء": يصح مطلقاً، لأنه مبين بالشرع، وهو الميقات، فيحمل عليه كموضع الوقوف، والطواف والسعي وكالثمن في البيع والسير في الإجازة يحمل على العرف ويصح العقد مطلقاً به.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال يحتاج أن يبين أراد إذا كان منزله بين ميقاتين يصلح أن يكون كل واحد منهما ميقاته، والموضع الذي قال: لا يحتاج إلى بيانه إذا كان ميقات بلاه معروفاً، وهذا لا يحتمل كلام الشافعي، لأنه لما قال: لا يجوز حتى يبين من العلة التي ذكرناها.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف حالين من وجه آخر، فإن كان المحجوج عنه ميتاً لا يشترط ثباته، لأنه لا اختيار له، ولا يتوصل إلى عرضه، وان كان المحجوج عنه حياً شرط لاختلاف عرضه.
وله اختيار يتوصل إليه، فإذا قلنا: لا يشترط ذلك، فإن عين موضعاً، إما الميقات أو قبله صحت الإجارة، وتعين ذلك، وان أطلق يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أحرم قبلها استحق المسمى، ولا يستحق شيئاً أخر للزيادة، وإذا قلنا: يشترط، فإن عين موضعاً صحت الإجازة، ويلزمه الإحرام، وان لم يعين بطلت الإجازة إلا أن الأجير إن حج عن المستأجر أجزأ ذلك الحج عنه، لأنه قد أذن له فيه، وان كان العقد فاسداً كما لو وكل في بيع شيء وكالة فاسدة، فباع صح، [183 / ب] ولا يستحق الأجير الأجرة المسماة لأن المنى يستحق بالعقد الصحيح دون الفاسد، فيلزم أجر المثل.
مسألة: قال: وان وقت (له) وقتاً فأحرم قبله، فقد زاده خيراً.
الفصل إذا عين الأجير موضعاً يحرم منه، فأحرم قبله، فقد زاده خيراً، وان أحرم من ذلك الموضع فقد وفى بموجب العقد، وأجزأه وان جاوزه وأحرم دونه، فإن رجع إليه محرماً ومضى في حجه فقد زاده خيراً، وان مضى على وجهه، ولم يرجع إلى الموضع الذي

الجزء: 4 - الصفحة: 9

عينه، فلا يختلف المذهب أن عليه دماً، لأنه ترك الإحرام من الموضع الذي يلزمه الإحرام منه، فهو كما لو ترك الإحرام من الميقات الشرعي، فإذا ثبت هذا، فهل عليه أن يرد من الأجرة بقسط ما ترك.
قال في " الأم": يلزمه ذلك، وعليه دم.
وقال في "القديم": عليه دم وسكت عن رد الأجرة.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال قولاً واحداً، إنه يرد بقدره من الإحرام، وما قاله في "القديم" محمول على ما فسره في "الأم"، فيقال: كم تسوي الحجة من بلده على أنه يحرم من الموضع الذي عينه؟ فيقال ثلاثمائة، فيقال: وكم تسوي الحجة من بلده على أن يحرم من الموضع الذي أحرم منه؟ فيقال: مائتان، فيرد مائة درهم، وهذا لأنه استؤجر على سفر وعمل، فلم يفعل ذلك على التمام نص عليه في "الإملاء"، وفيه قول آخر نص عليه في الجديد يعتبر بقسط للأجرة من الموضع الذي نص عليه دون البلد الذي خرج منه لتكون الأجرة مقسطة على أفعال الحج دون السفر الموصل إليه، ذكره في "الحاوي".
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان [184 / أ].
أحدهما: لا يرد من الأجرة شيئاً، لأنه جبر نقصه بدم.
وهذا ضعيف.
والثاني: يلزمه ذلك على ما ذكرنا، لأنه لم يوفه جميع العمل، فلم يستحق كمال الأجرة كما لو استأجره ليبني له عشرة أذرع فبنى تسعة أذرع لا يستحق كمال الأجرة.
وهذه الطريقة أصح، لأن الشافعي قال في "القديم": يهريق دماً وحجه تام، وتمام الحج يدل على أنه لا نقصان فيه والأجرة إنما ترد عند النقصان، فإذا لم يكن نقصان لا يلزمه رد شيء.
فرع لو ترك الرمي هل يرد من الأجرة؟ يسقط ذلك على هذين الطريقين.
فرع آخر لو تطيب ولبس المخيط وقتل الصيد لزمته الفدية في ماله، ولا يرد من الأجرة شيء، لأن ذلك ينقص الثواب دون العمل، فلا يمكن تقسيط الأجرة عليه، وههنا ينقص الثواب والعمل معاً، فيلزمه الدم جبراً لنقص الثواب، ويلزمه رد الأجرة جبراً لنقص العمل.
فرع آخر لو ترك طواف القدوم ونحوه الذي لا يوجب الدم، فعليه أن يرد بقسطه من الأجرة قولا واحداً، لأنه عمل في مقابله عوض لم يأت به ولا ببدله، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو ترك المبيت بمزدلفة ونحوه، فإن قلنا: عليه دم، فهل يرد بقسطه من الأجرة؟ على

الجزء: 4 - الصفحة: 10

الخلاف الذي ذكرناه، وإن قلنا: لا دم عليه يلزمه رد قسطه قولاً واحداً.
وقال ابن سريج محل القولين فيما ذكرنا إذا كان النقص الداخل في الإحرام أكثر من قيمة الشاة التي ذبحها، فأما إذا كان عليه أقل، فعليه رد الزيادة قولا واحداً.
وقال غيره: سواء كان مثل قيمة الشاة، أو أقل (184 / ب) أو أكثر، فيه قولان: لأنا لا نتحقق أن دم الشاة قد جبر النقص وتحققنا وجود النقص، لأن دم الشاة حق الله تعالى.
وهذا يرد حق الآدمي.
فرع آخر قال في "الأم": لو استأجره ليحج عنه من الميقات، فلما بلغ الميقات أحرم بالعمرة عن نفسه واعتمر ثم أحرم بالحج عن المستأجر من جوف مكة، فإنه يجزى، عن المستأجر، وعلى الأجير دم ويرد بقدره من الأجرة على المذهب الصحيح، وكيفيته على الخلاف الذي ذكرنا، ففي أحد القولين، يقال: حجة من الميقات كم تسوي وحجة من مكة كم تسوي فيرد ما بين ذلك.
وقال في "الإملاء": يرد ما بين بلده إلى مكة لأنه يصير بسيره من بلده إلى مكة لنفسه دون المستأجر إذا بدأ بالعمرة لنفسه، فوجب أن يرد من الأجرة بقدر ما بين حجه من بلده وبين حجه من مكة، والمذهب الأول، لأن الإجارة عقدت على الحج وأفعاله، وهو الإحرام من الميقات، وما قبل ذلك من قطع المسافة إلى الميقات تسبب إلى الحج والأجرة إنما تسقط على العمل الذي وقع العقد عليه دون المسبب إليه ألا ترى أنه لو استأجر أجيراً ليخبز له خبزاً، فالأجرة تكون في مقابلة الخبز دون التسبب إليه من إحضار الماء وإصلاح النار، وغيرهما، فكذلك ههنا.
وقال أبو حامد: المذهب أنه يقال: حجة من بلده أحرم بها من الميقات كم تسوي؟ فيقال: مائة وحجة من بلده أحرم بها من مكة كم تسوي، فقال: تسعين فيسقط عشر للأجرة المسماة.
وقول هذا القائل.
الثاني، أن سيره لنفسه لا يعلم فربما يعبر عرفة في الميقات.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يرد جميع النفقة لأنه أدى بالسفر غير المأمور به وفعل الحج من غير مشقة، وهذا غلط، [185 / أ] لأنه أتى عنه بحج صحيح، وإنما أخل بما يجزئه الدم، فلا تسقط نفقته.
فرع آخر لو رجع إلى الميقات في هذه المسألة التي ذكرناها، وأحرم بالحج عن المستأجر، فعلى قوله في "الأم": لا يلزمه رد شيء من الأجرة، وعلى قوله في "الإملاء" يرد من الأجرة بقدر ما بين بلده إلى الميقات.
وقيل: قول واحد لا يلزمه رد شيء.
وبه يظهر أن سفره لم يكن لنفسه.

الجزء: 4 - الصفحة: 11

فرع آخر لو أحرم الأجير موقوفاً ثم عزاه إلى مستأجره قبل شروعه في العمل، فيه وجهان: أحدهما: أنه يقع عنه، ولا يجوز صرفه إلى المستأجر.
والثاني: يقع عن المستأجر.
فرع آخر لو استأجره على فعل القران أو التمتع يلزم الدم في مال المستأجر دون مال الأجير، لأن هذا الدم موجب النسك، فإذا أذن له فيه لزمه في ماله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر يلزم النائب، لأن هذا الدم دم جبر ودم الجبر على الأجير في ماله كدم الطيب، وهذا غريب ضعيف.
فرع آخر لو استأجره ليقرن عنه أو يتمتع على أن يكون الدم على الأجير لم تصخ الإجارة لأن ذلك يكون في معنى بيع، وإجارة وفي ذلك قولان: إلا أن ههنا تفسده قولاً واحداً، لأن المبيع فيها غير مضبوط بالصفة، ولا بالعيان.
فرع آخر لو استأجره على أن يحرم عنه من بستان بني عامر.
قال ابن المرزبان: لا يصخ عقد الإجارة لأن مجاوزة الميقات لا تجوز من غير إحرام.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير": لو استأجر رجلاً ليحج عنه من ميقات ذكره، فلك المستأجر غير الطريق الذي ذكره وأحرم من ميقات آخر وقع عن المستأجر، ولا يلزمه رد شي، من الأجرة، وان كان الميقات [185 / ب] الذي أحرم منه أقرب إلى الحرم من الميقات الذي عينه، لأن الشرع جعل هذه المواقيت يقوم بعضها مقام بعض بالشرع من غير نقص، وان كان بعضها أقصر من بعض.
وقيل: لا أجرة له لأنه خالف.
فرع آخر قال: لو استأجر بنفقته لم تصخ الإجارة، لأن الأجرة مجهولة، وكذلك لو كان النسك مجهولاً مثل أن يقول: استأجرتك لتحج عني أو تعتمر، فالإجارة باطلة، ولكن لو حج عنه وقع عنه بمجرد إذنه، ويستحق أجرة المثل، لأنه فعل ذلك على سبيل المعاوضة.
فرع آخر لو قال: أول من يحج عني فله مائة، فحج عنه رجل.
قال الشافعي: استحق المائة، وقال المزني في "المنثور"، هذا غلط، ينبغي أن يستحق أجرة المثل، لأن هذه إجارة،

الجزء: 4 - الصفحة: 12

والإجارة تفتقر إلى تعيين الأجير، والأجير غير معين ههنا.
وقال أبو إسحاق: غلط المزني في هذا.
والصحيح أنه يستحق المائة، وأخطأ المزني حيث ظن أنه إجارة وهي جعالة، وليست بإجارة، والجعالة تفتقر إلى تعيين المجعول، ألا ترى أنه لو قال: من جاء بعبدي الآبق من البلد الفلاني فله مائة درهم، فبادر واحد، وجاء به استحق المائة؟ وان لم يكن المجعول له معينا كذلك ههنا.
فرع آخر تعيين وقت الإحرام لا يشترط في الإجارة، لأن الشرع بين وقته، فلو قال: استأجرتك لتحج عني هذه السنة على أن تحرم من أول يوم من شوال جاز ويلزمه كما لو نذر لأن فيه زيادة قربة، وعلى هذا إذا أفسده يلزمه في القضاء أن يحرم من أول يوم من شوال، ذكره القاضي الحسين.
فرع آخر لا يحتاج إلى بيان الأعمال إذا كانا عالمين [186 / أ] بتفصيل أعمال الحج، وإن كانا جاهلين، أو أحدهما لا يجوز، لأنه مجهول.
فرع آخر لو قال: من حج عني أو اعتمر فله مائة درهم فحج عنه رجل أو اعتمر استحق المائة، لأن في الجعالة يجوز أن يكون العمل مجهولاً، نص عليه ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر أي وقت يجوز الاستئجار؟ وعليه فهو مبني على عقد الإجارة في غير هذا الموضع والإجارة ضربان معينة، وفي الذمة فالمعينة أن يقول: أجرتك داري هذه شهراً بعشرة من وقتي هذا، فمتى مضى شيء من المدة قبل القبض انفسخ منها بقدر ما مضى منها، وإن مضى كلها زالت الإجارة.
وأما التي في الذمة، فأن يقول: استأجرتك لتخيط لي كذا وكذا، أو تحمل لي كذا وكذا، فهذه تقتضي أن يكون العمل معجلاً، فإن تأخر العمل لم يقدح في الإجارة، ويصح أن يسلم في المنافع أيضاً، فيقول: أسلمت إليك هذا في ظهر تحملني عليه إلى مكة بكذا، فإذا ثبت هذا، فالإجارة المعينة في الحج أن يقول: استأجرتك لتحج عني بنفسك أو لم يقل: بنفسك، فإن قوله: لتحج عني يقتضي فعله دون فعل غيره، فهذه إجارة متعلقة بفعله بعينه فيجب تعجيل تسليمه في السنة الأولى، وان شرط أن يحج في سنته كان تأكيداً كما لو اشترى شيئاً بعينه وجب تعجيل تسليمه، فإن شرط أن يعجل تسليمه في الحال كان تأكيداً لما تضمنه العقد، وجاز، ولا يجوز أن يشترط فيه التأجيل، وهو أن يقول: استأجرتك لتحج عني في السنة الثانية، كما لا يجوز شرط تأخير التسليم في بيع العين، ولا يجوز هذا العقد إلا في وقت يمكن تعجيل العمل، أو يحتاج [186 / ب] فيه إلى التسبب ليحصل العمل، فإن كان

الجزء: 4 - الصفحة: 13

ذلك بمكة، فلا يجوز قبل أشهر الحج، لأنه لا يمكن فيه تحصيل العمل إذ الإحرام بالحج قبل أشهره لا يجوز، ولا يحتاج فيه إلى التسبب، وهو السير، وإن كان في غير مكة من البلاد، فإن كان يحتاج فيه إلى تقديم السير على أشهر الحج مثل بلاد خراسان، فإنه يجوز تقديم العقد على أشهر الحج حسب الحاجة، ولو استأجره ليحج عنه ماشياً، وكان المشاة يخرجون قبلها يجوز للحاجة.
وأما عقده في أشهر الحج، فيجوز في كل موضح لإمكان تسليم العمل عقيبه، وهو الإحرام، وفي هذا العقا إذا لم يحج من سنته بطل العقد، وليس في موضع تأخير تسليم المعقود عليه يبطل العقا إلا في العقا على المنافع، لأنها يتلف بمضي الزمان.
وقال القفال: لا كون من شرطه الخروج عقيب العقد بل له أن ينتظر أيام خروج الحاج، أو يشتغل بتحصيل عدة السفر والاشتغال بأسبابه اشتغال به.
ولو أحرم عنه، ثم أفسده فقد وقع الحج عن الأجير، وعليه قضاؤه وفسد عقد الإجارة وعليه رد الأجرة على المستأجر، وإن كانت الإجارة في الذمة وهي أن يقول: استأجرتك على حجة في ذمتك، أو لتحصل لي حجة أو توافيني حجة أو تسقط عني حجة الإسلام، فإن هذه الإجارة لا تتعلق بفعله، فإذ شاء حج بنفسه وإن شاء حج عنه غيره كما لو أسلم إليه في طعام في ذمته إن شاء أعطاه من طعام نفسه، وان شاء أعطاه من طعام غيره، ويشترط فيه قبض الأجرة في المجلس لأنه سلم، وقيل: إذا أطلق فيه قولان: أحدهما: يبطل.
والثاني: يصح ويكون كالمتعين بالحلول، والشرط في انعقاده أن يكون بقي من الزمان مقدار ما يقطع فيه المسافة [187 / أ] من غير مشقة، وإن شرط فيه التأجيل ثبت وصح العقد، وهو أن يقول: تحصل في السنة الثانية، أو الثالثة، كما يقول: إن العلم الحال يجوز، والسلم إلى أجل يجوز، وهذا بمنزلة السلم، فعلى هذا إذا كان مطلقاً، كانت له مطالبته في السنة الأولى كما يقول في السلم المطلق أنه يقتضي تعجيل التسليم في الحال، وله مطالبته في السنة الأولى به، فإن أخر عن السنة الأولى لم تبطل الإجارة، ولكن قال أبو إسحاق: إن كان المستأجر حياً أو كان ميتاً، ولم يكن أوصى به أن يحج عنه، وإنما تبرع الوارث بأن دفع إليه مالاً يحج عن الميت، فإن للمستأجر الوارث فخ العقد واسترجاع الأجرة، لأن لهما غرضاً في ذلك، وهو أن ينتفعا بذلك المال ويتصرفا فيه إلى السنة الأخرى، وهذا كما قال الشافعي: إذا أسلم في الرطب، فانقطع الرطب في ذلك البلد كان بالخيار إن شاء أخره إلى القابل، وإن شاء فسخ واسترجع رأس المال، وفيه قول آخر: ينفسخ كما قلنا في المسلم فيه إذا انقطع في قول، وان كان الحج عن الميت بوصية منه لم يجز له فسخه واسترجاع الأجرة منه، لأن الأجرة لا يجوز للوصي أو الوارث التصرف فيها والانتفاع بها، بل يجب صرفها في هذه الجهة، فلم يكن لفخ العقد واسترجاع الأجرة فائدة، ولا غيره، وقيل: يفعل ما فيه النظر للميت فإن رأى أن غيره من الأجراء أصلح له يفسخ ويستأجر غيره، فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 14

قيل: إذا كانت الحجة في الذمة لم جاز له فسخ العقد بتأخره عن السنة الأولى؟ قلنا: لأنها وان كانت في الذمة، فإن تعجيلها في السنة الأولى واجب، فإذا أحرم لم يفسخ العقد وثبت له خيار الفخ كما نقول في اللم في الرطب إذا انقطع على أحد القولين.
فرع آخر لو كانت المدة طويلة، فعجل [187 / ب] الحج جاز لأنه لا غرض في التأخير كما لو كان عليه دين مؤجل، فعجله يلزمه قبوله في ظاهر المذهب.
فرع آخر لو أحرم به في السنة الأولى في هذه المسألة وأفسده فقد وقع ذلك عن الأجير، ولم يصح تسليمه إليه، لأن الإجارة تقتضي حجة صحيحة فيصير في معنى ما لو أخر تسليمها عن السنة الأولى.
وقال أصحابنا: ههنا له فسخ الإجارة واسترجاع الأجرة سواء كان الحج عن الحي أو الميت بوصية، أو تطوع من الوارث، لأن لهم فيه غرضاً صحيحاً، وذلك أن هذا الأجير يحتاج إلى القابل أن يقضي عن نفه هذه الحجة ثم يحج عن المستأجر في الثالثة، فيؤدي إلى تأخير الحجة إلى السنة الثالثة، وإذا استرجعوا الأجرة منه استأجروا من يحج في العام القابل، فاستفادوا به تعجيل الحج.
وقال القاضي الطبري: لا نمق فيه، ويجب أن يكون بمنزلة التأخير من غير إفساد على ما بيناه، لأن الحجة إذا كانت في الذمة، فله أن يحج غيره عنه، فإذا كان القابل حج عن نفسه القضاء، واستأجر من يحج عن الميت، فبطل ما قال: هذا القابل، فإذا ثبت هذا، فلم تنفسخ الإجارة وصبر عليه، فإنه في القابل يحج عن نفسه قضاء عما أفسده فإن حج عن المستأجر كان عما عليه من القضاء، نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه يقع القضاء عن المحجوج عنه، ويجعل الفاسد كأن لم يكن، ولا يجب رد الأجرة، وهذا غريب بعيد.
فرع آخر لو استأجره رجلان ليحج كل واحد منهما، فأحرم عنهما جميعاً في سنة واحدة انعقد الإحرام عن نفه، لأن الجمع بين إحرامي في الحج لا يجوز دفعة واحدة، فلم يجز أن ينعقد بهما، فانعقد بأحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان الأولى أن ينعقد عن الأجير، وكذلك لو أحرم الولد للأبوين انعقد عن نفسه [188 / أ].
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا أحرم عن أبويه صح، وكان له أن يجعله عن أيهما شاء استحساناً، واحتج بأن المقصود بذلك جهة واحدة، وهي جهة الثواب والجهالة لا تؤثر في حق الله تعالى، وهذا غلط، لأنه قصد الإحرام الواحد عن اثنين، فأشبه إذا أحرم عن أجنبيين.
فأما ما قالوه، فلا يصخ، لأن الحج يقع عن الأب كما يقع عن الأجنبي والقصد من الكل الثواب، وحصول القربة، فلا فرق.
وهذا لو استأجره رجل

الجزء: 4 - الصفحة: 15

واحد يصح، فأحرم الأجير عنه وعن نفسه، انعقد إحرامه دون المستأجر.
فرع آخر لو أمره بالحج عنهما، فأحرم عن أحدهما لا يعينه، انعقد إحرامه عن نفسه دون المستأجر، وكان له صرفه إلى أيهما شاء قبل أن يتلبس بشيء من أفعال الحج.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يقع عن نفسه، وهذا غلط قياساً على ما أطلق للإحرام عن نفسه، ثم عينه بالحج أو بالعمرة يجوز.
مسألة: قال: فإن أفسد حجه أفسد إجارته.
الفصل إذا استأجره ليحج عنه، فأحرم عنه، وأفسده يتعلق بالإفساد أربعة أحكام: أحدها: أن الحج ينقلب إلى الأجير.
والثاني: يلزمه فيه عن نفسه.
والثالث: يلزمه القضاء عن نفسه.
والرابع: يلزمه بدنه لأجل الإفساد.
وقال المزني: لا يجب قضاؤه على الأجير ويمضي في حجه على الفساد عن المستأجر، لأن الحج عن المحجوج عنه، وهو لم يفسده، فكيف يجب قضاؤه عليه.
وأما الأجير، فليس الحج عنه، فلا يقضيه أيضاً، وهذا غلط لأن الحج عن الغير إنما يجوز بالإذن، وهو استأجر ولم يحج عنه حجة شرعية سليمة من الفساد، فإذا أفسدها خرج الحج عن أن يكون مأذوناً فيه، فلم يقع عنه وينصرف إليه، لأنه لو أحرم بهذه الحجة عن نفسه ابتداء صح، فإذا أحرم به عن الغير، [188 / ب] ولم يقع عن ذلك الغير، انصرف إليه كما لو وكله بأن يشتري عبداً، فاشترى جارية، فالشراء ينصرف كذلك ههنا.
وقال الشافعي ههنا: أفسد إجارته، وأراد إذا كانت الأجارة معينة على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو لم يفسد، فمات قبل أن يتم الحجء فله بقدر عمله.
الفصل إذا استأجر رجلاً ليحج عنه، ثم مات الأجير لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يموت قبل الإحرام، أو بعد الفراغ من أركان الحج كلها، أو بعدما أتى ببعض الأركان، وبقي البعض، فإن مات قبل الإحرام مثل إن بلغ إلى أقرب الميقات، ولم يحرم بالحج، ثم مات، فلا يختلف قول الشافعي إنه لا يستحق من الأجرة شيئاً، لأن السفر تسبب إلى الحج والأجرة مقابل أعمال الحج دون التسبب.
وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: لما وقع من القرامطة ما وقع

الجزء: 4 - الصفحة: 16

اجتمعت أنا والمحاملي والإصطخري، واتفقنا على أن نفتي أن كل من كان حاجاً عن الغير لا يستحق الأجرة، إلا أنه يرضخ له بشيء.
هكذا حكاه القاضي الطبري، وذكر الشيخ أبو حامد: أنهم أفتوا بأن له الأجرة بقدر ما قطع من المسافة، وهذا يخرج على ما ذكره الشافعي في "الإملاء" إذا أحرم بالعمرة عن نفسه، ثم أحرم بالحج عن المستأجر من مكة أنه يلزمه أن يرد من الأجرة بقار المسافة، وما ترك هن الإحرام، فيكون في المسألة قولان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو الصحيح.
والثاني: يستحق بقدر، فتسقط الأجرة عليها.
ثم في مسألة "الإملاء" من أصحابنا من يعتبر الفراسخ ويقتصر عليه.
ومنهم من يعتبر مع الفراسخ سهولة الطريق وحزونتها، فربما يجعل أجرة فرسخ خمسة دراهم، وأجرة فرسخ درهماً، وهذا أصح، وإن مات بعد الفراغ من الأركان [189 / أ]، وبقي الرمي والمبيت، فإن ورثته يريقون دماً عما تركه، وهل يردون بقدر ذلك من الأجرة؟ على اختلاف أصحابنا في تخريجه قولين، أو قول واحد على ما بيناه في مجاوزة الموضع الذي عينه للإحرام، وان مات في خلال الأركان مثل إن أتى بالإحرام والوقوف، وبقي عليه الطواف والسعي، فهل يستحق الأجرة) نص في "الإملاء" على قولين: أحدهما: يستحق بقدر، وهو الصحيح.
ونقله المزني إلى "المختصر"، لأنه أوفاه بعض المقصود بعقد الإجارة، فأشبه من قال: من رد أبقى مكة كذا، فرده في بعض الطريق، ثم انفلت لا يستحق الأجرة، لأن المقصود لم يحصل كذلك ههنا.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن في مسألة الأبق لم يحصل شي، من المقصود، وههنا حصل، لأن في أحد القولين، يبني الغير عليه.
وفي القول الثاني: يحصل الثواب له في قدر ما فعل، فإذا قلنا بالمذهب الأول، قال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: يسقط على العمل والمسير، وان كان لو انفرد المسير لم يسقط عليه، لأن ههنا تابع للأفعال، ويجوز أن يتناول العقد شيئاً على وجه البيع، ولا ينفرد به كأساس الحيطان وطي الآبار، يصخ بيعهما مع الدار تبعاً، ولا يفردان بالبيع.
والثاني: يسقط على الأعمال، فيقال: كم تسوي الحجة من الميقات) فيقال: مائة، ثم يقال: وكم قدر ما عمله من الحج؟ فيقال: نصفه، فتجب نصف الأجرة، وهذا لأنه لو قابله عوض لكان له عوض بانفراده والمقصود الأعمال لا غير.
وذكر القفال: أن الأول هو المنصوص.
والثاني، قول مخرج.
وقال ابن سريج: ليست على قولين، بل هما على اختلاف حالين، فإن قال: استأجرتك لتحج عني فالتوزيع من يوم الإحرام.
وان قال: لتخرج حاجاً عني، فمن يوم [189 / ب] الخروج هذا في مقدار ما يستحقه من الأجرة.
وأما في جواز الثناء في الحج على فعل الغير قولان:

الجزء: 4 - الصفحة: 17

أحدهما: يجوز للمحل أن يبني عليه ذكره في ((القديم اا، لأن فعل الحج يجوز من اثنين، ألا ترى أن الولي إذا أحرم عن الصغير، ثم صار الصبي مميزاً في وقت الحج، وأمكنه الطواف بالوقوف والرمي بنفسه لزمه أن يتولى ذلك بنفسه؟ فيكون الإحرام من الولي وسائر الأعمال من الصبي.
وقال في "الجديد": لا يجوز، وهو الصحيح، لأنه عبادة على البدن، فلا يجوز للغير أن يبني فيها على فعل الغير كالصوم والصلاة، ولأنه لو جاز هذا، جاز أن يستأجر في الابتداء اثنين يفعلان الحج عنه، فإن قيل: أليس لو وضاه نفسان أو توضأ بعض الوضوء، ثم أكمله غيره يجوز؟ قلنا: هذا لا يكون بنا، على فعل الغير، لأنه هو المتطهر دون الموضئ، وإنما هو معين له عليه، فلم يكن ذلك بناء وليس كذلك الأجير، فإنه إذا أحرم عن غيره، فهو المحرم، فإذا جاء حلال ليبني عليه احتاج إلى إحرام مستأنف، فيصير محرماً به، فيكون قد بنى فعل غيره، فإذا قلنا بقوله الجديد نظر في الإجارة، فإن كانت معينه بفعله بطلت الإجارة ورد الأجرة على ما ذكرنا، وان كانت في الذمة، فإن كان وقت الحج باقياً كأن مات قبل فوات وقت الوقوف استأجر ورثته من يحج في هذه السنة عن المستأجر، فإن أحرم هذا الثاني من حيث بلغ المورث وجب الدم لترك الميقات، وهل يرد من الأجرة بقدره؟ قد بينا، وان رجع إلى الميقات سقط الدم، وان كان قد فات وقت الوقوفء فمان الحج يتأخر إلى السنة الثانية، فإن اختار المستأجر فخ الإجارة لتأخرها عنه جاز.
وان اختار إقرارها استأجر عنه في السنة الثانية من يحج من مال المورث [190 / أ] جاز، وهذا إذا كان الحج عن حي، فإن كان الحج عن ميت لا يجوز للوصي أن يفسخ الإجارة على ما بينا.
وإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت الإجارة معينة بطلت الإجارة، فإن كان قبل فوات الوقوف يستأجر الآمر من يحرم عنه، ويبني على ما مضى من أعماله، وهذا الثاني يحرم مكانه، ويقف، ولا يجب الدم بترك الميقات، لأنه بنى على إحرام أتى به من الميقات، وسقوط الدم مهنا هو الفرق من القولين، فإن في القول الأول، يجب الدم على ما ذكرنا، وان مات بعد الوقوف، فالمستأجر يستأجر من يكمل الحج على ما يأتي بيانه، وان كانت الإجارة في الذمة، فإن ورثة الأجير يتمون النسك، فإن كان مات قبل الوقوف استأجروا من يحرم، ويقف ويتم الحج، أو يفعله الوارث بنفسه، وان كان بعد الوقوف، فكذلك إن كان وقت الوقوف باقياً، إلا أنه يحرم عنه بالحج، ولا يقف ويأتي بالباقي.
وقال أبو إسحاق: يحرم الثاني بالعمرة، ويأتي بالطواف والسعي، ولا يأتي بالرمي، لأنه ليس في العمرة رمي ويريق عن الرمي والمبيت دماً، لأن الدم ينوب عنهما، وهذا لأنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
وقال الشيخ أبو حامد: والوجه الأول الذي ذكره أصحابنا ضعيف من هذا الوجه، وهو أن إحرام الحج لا يجوز في غير أشهره.
وما قاله أبو إسحاق أفسد، لأنه يأتي بطواف العمرة، ويقع عن الحج.

الجزء: 4 - الصفحة: 18

وقال سائر أصحابنا: الصحيح الوجه الأول، وهذا الإحرام مبني على إحرام ابتدئ، في أشهر الحج، وإنما لا يجوز ابتداء الإحرام في غير أشهر الحج، ولأن هذا الإحرام تابع للأفعال، وهذه الأفعال الباقية تجوز في غير أشهر الحج، وما قاله أبو إسحاق لا يصح لما ذكره ومن وجه آخر، أنه لو صح ما قاله لوجب إذا أحرم الثاني بالحج (190 / أ) عند بقاء وقت الوقوف، وكان الأجير الأول، قد وقف أن يلزمه الوقوف، لأن الإحرام بالحج يوجب بذلك، ولا يقول هذا قليل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي على أن البناء على الحج جائز حتى لو وقف الأجير، ثم مات استؤجر عنه من يحرم إحراما ًناقصاً، ولا يحرم عليه في إحرامه إلا النساء، فيطوف بالبيت، ويتم الحج.
وهذا قول غريب خلاف ما ذكر أبو إسحاق.
وقيل: جملة ما ذكرناه ثلاثة أقوال: أحدهما: الوارث يبني على فعل الأجير، ويستحق تمام الأجرة.
والثاني: لا يبني ولا يستحق شيئاً من الأجرة.
والثالث: لا يبني ويستحق بقدر ما فعله الأجرة، وهكذا القولان، فيمن حج عن نفسه، ومات في خلاله هل يبني عليه أم لا؟ ولا يختص ذلك بموت الأجير.
فرع لو استأجره للحج فأحصر بعد وفاته يتحلل، ولا قضاء عليه كالمستأجر لو كان أحرم فأحصر.
فرع آخر هل يستحق من الأجرة بقدر ما أتى به إلى وقت الإحصار؟ قولان، كما لو مات.
فرع آخر لو لم يتحلل حتى فاته الحج، ثم دخل مكة فطاف وسعى وحلق، فما فعله بعد الفوات لا أجرة له لأنه للتحلل لا عن المحجوج عنه، وفيما فعله قبل ذلك إلى أن أحصر هل يستحق الأجرة؟ على ما مضى من القولين.
فرع آخر لو فاته الحج بخطأ العدد يلزمه دم الفوات، والقضاء عند الفوات.
وقال أبو حامد: يجيء على قياس ما ذكرنا في الأجير إذا أفد الحج أن لا يستحق الأجير ههنا شيئاً من الأجرة، لأن القضاء يلزمه كما في الإفساد.
وقال القاضي الطبري: نص على هذا في "المناسك الكبير".
ويفارق إذا أحصر يستحق الأجرة إلى أن أحصر، لأن الحبس من جهة غيره والفوات [191 / أ] حصل بمعنى من جهته فافترقا.

الجزء: 4 - الصفحة: 19

فرع آخر قال أبو حامد: قال في "الأم": إذا أحصر الأجير بعد الإحرام يتحلل على ما ذكرنا وما أتى به عن المستأجر، ويفارق الإفساد، لأنه أتى فيه بما يوجب القضاء، فوقع عليه بخلاف ذاك، فعلى هذا ينبغي أن يكون دم الإحصار على المستأجر.
وقال القاضي الطبري: يقع عن الأجير المحصر، والدم عليه وهو ا~قيس المشهور، وهل يكون له الأجرة إلى أن أحصر: على ما ذكرنا.
الفصل قال الشافعي في "المناسك الكبير": لو استأجره على أن يتمتع عنه، فأفرد أجزأت الحجة عنه، وقد زاده خيراً، بأن أحرم بالحج من الميقات، فإن التمتع يحرم بالحج من جوف مكة، وجملة هذا أنه إذا عين له الإحرام بنسك، فأحرم بغيره، فهو على أربعة أقسام: أحدها: أن يعين الحج فيحرم بغيره.
والثاني: أن يعين العمرة، فيحرم بغيرها.
والثالث: أن يعين القران فيحرم بغيره.
والرابع: أن يعين التمتع فيحرم بغيره.
فأما لأول، وهو إذا عين الحج، فأحرم بغيره ففيه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحرم بعمرة.
والثاني: أن يحرم بالقران.
والثالث: أن يحرم بالتمتع، فإن اعتمر فهذه العمرة لا تسقط ما لزمه من الحج، ثم لا يخلو حال المحجوج عنه، إما أن يكون حياً، أو ميتاً، فإن كان حياً كانت العمرة عن الأجير، لأنه لم يأذن، وإن كان ميتاً، فإن كانت عمرة الإسلام واجبة عليه، كانت واقعة عن الميت، لأن الأجير نواها عنه، ويجوز ذلك من غير إذن، والأجرة له، وعليه أن يحج عنه بعقد الإجارة، وان كانت عمرة الإسلام غير واجبة عليه، فيه قولان بناء على القولين في جواز النيابة في حج التطوع، فإن قلنا: لا يجوز يقع عن الأجير.
وان قلنا: يجوز يقع عن الميت دون الأجير، وهو مقطوع لا أجرة له [191 / ب].
والثاني، من القسم أن يقرن.
قال في "المناسك الكبير": جاز واستحق الأجرة المسماة.
وقد زاد عمرته على المستأجر دم القران، وهو كرجل استؤجر على أن يعمل عملاً فعمله وزاد آخر معه، ولا شيء له في زيادة العمرة، لأنه متطوع بها.
قال أصحابنا: تأويل هذه المسألة، أن المحجوج عنه ميت والعمرة واجبة عليه، فيجوز لكل أحد أن يعتمر عنه، وان لم يأذن الوارث فيقع كلاهما عنه، ويستحق الأجرة المسماة، ويجب دم القران في مال الأجير، لأنه تطوع به، ولو كان هذا عن حي يقع

الجزء: 4 - الصفحة: 20

عن الأجير، لأنه لم يأذن في العمرة، فوقعت عن الأجير، وإذا وقعت عن الأجير كان الحج تبعاً لها، فتقع عن الأجير أيضاً، لأنه لا يتبعض، ولو كان عن ميت، ولم تكن العمرة واجبة عليه، فهو على ما ذكرنا من القولين في جواز التطوع به عن الميت، أحدهما: يكونان عن الميت.
والثاني: كلاهما عن الأجير لما ذكرنا أن العمرة لم تصح عن الميت، فيقع عن الأجير والحج يتبعها أيضاً.
وقال بعض أصحابنا: تأويل المسألة أنه استأجره الحي ليحج عنه، وكان في كلامه الإذن بالقران مثل أن يقول: أقرن عني بمائة دينار، فقال: لا.
فقال: الحج بمائة دينار فرضي به، فإذا أقرن عنه كان بإذنه ورضاه، فيجوز الحج والعمرة عنه، قال هذا القائل: والدم على المستأجر، وان لم يكن في كلامه ما يدل على هذا الإذن، فحكمه ما ذكرنا.
وهذا التأويل أمخ، لأنه إذا كان المحجوج عنه ميتاً، والعمرة واجبة عليه يكون الدم على الأجير على ما ذكرنا، وقد نص أن الدم على المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: تأويل المسألة في الحي، وان لم يوجد منه ما يدل على الإذن، لأنه لا يجوز أن يعتمر عن الحي من غير أشهره عمرة مفردة، فأما إذا أقرن بالحج المأذون عمرة تقع العمرة عنه [192 / أ] كالنسك الواحد.
وهذا أيضاً غير صحيح، لأنه يفيد وجوب الدم على الأجير، وقد نمق على وجوب الدم على المستأجر، فخرج من هذه الجملة أنه إذا كان المحجوج عنه ميتاً وقعا معاً عن المستأجر والدم على الأجير، وان كان حيا وجرى في كلامه ما يدل على الإذن فيه وقعا معاً عنه، والدم عليه كما لو صرح به، وإن كان حياً، وليس في كلامه ما يدل على الإذن، فعلى وجهين: أحدهما: النسكان عن الأجير، ولا شيء له.
والثاني: النسكان عن المستأجر، والدم على الأجير، وذكر الشيخ أبو الحسن المحاملي رحمه الله: إذا وجد منه ما يدل على الإذن به يجوز عن المستأجر كلاهما، ولكن الدم على الأجير، لأن المستأجر لم يأذن في إحرام يتضمن الدم، وهو غلط بخلاف النص، ولأنه إذا لم يؤذن وجب أن لا يقع عنه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يوجد منه دلالة للإذن، فالعمرة عن الأجير.
وفي الحج قولان: وهذا أيضاً غلط، وقيل: أصل الوجهين مما قال الشافعي في الوكالة: إذا دفع إليه ألفاً ليشتري له به عبداً، فاشترى عبدين يصخ العقد فيهما للعقد، وزاده خيراً في أحد القولين.
والثالث، من القسم أن يتمتع، فالكلام في العمرة على ما مضى في القسم الأول، لأنها مفردة، والحج واقع عن الأمر حياً كان أو ميتاً لإفراده لأنه استؤجر ليحرم به من الميقات، فأحرم به من مكة فعليه دم لمجاوزة الميقات وهل يرده من الأجرة بقسط ذلك؟ وجهان، ولا دم على الأجير في تمتعه لأن دم التمتع إنما يجب إذا وقع النسكان

الجزء: 4 - الصفحة: 21

معاً عن شخص واحد وههنا وقعا عن شخصين إلا أن يقع عن المحجوج عنه العمرة أيضاً، لكونه ميتاً، فيجب دم التمتع على الأجير، فيكون عليه دمان: دم المتعة ودم مجاوزة الميقات [192 / ب] ومن أصحابنا من قال: إن كان في كلامه ما يدل على الإذن به، فقال: أفرد فإن تمتعت فقد أحسنت.
وقع النسكان عنه، وان لم يكن في كلامه ذلك فعلى ما ذكرنا.
وأما القسم الثاني من الأصل أن يأذن له بالإحرام بعمرة، فأحرم بغيرها فيه ثلاثة أقسام: أحدها: يحرم بحج.
والثاني: يقرن عنه.
والثالث: أن يتمتع عنه، فأما الأول، فإن كان عن حي يقع عن الأجير، وان كان عن ميت فحكمه على ما مضى من اعتبار حال الميت في بقا، فرض الحج عليه أو سقوطه عنه.
وأما الثاني، فحكمه كما لو استؤجر بحجة مفردة فأحرم قارناً على ما ذكرنا، فان قيل: العمرة لا تفوت فيمكنه أن يعتمر بعد حجه.
قلنا: عين له الزمان، وقد فات ذلك الزمان فبطلت الإجارة، فإذا فعل ذلك لا يستحق الأجرة، نص عليه في "المناسك الكبير"، وقال: رد الأجرة، ومعناه هذا وقيل معناه لا أجرة له بما فعل، ولم يتعرض لحكم آخر لو اعتمر بعده.
وأما الثالث، فإذا تمتع، فالعمرة عن الآمر حياً وميتاً لانفرادها وله الأجرة، والحج يختلف بين أن يكون حياً أو ميتاً، وبين أن يكون عليه فرضه أو لا، وبين أن يوجد ما يدل على الإذن أو لا، فإن أوقفنا الحج عن الأجير لم يجب دم التمتع، وإن أوقعنا عن الميت يلزمه دم التمتع لوقوعهما عن شخص واحد.
وأما القسم الثالث من الأمل أن يعين له القران، فأحرم بغيره ففيه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحرم بحجة مفردة، فيقع الحج عن الآمر، وبقي الثاني، وهو العمرة فبعث غيره ليعتمر عنه، وإن كانت العمرة واجبة عليه ورجع عليه يخصة العمرة من الإجارة، فإن اعتمر هذا الأجير عنه بعد ذلك يجوز عن الآمر، وزاده من وجه بإفراد كل واحدٍ منهما [193 / أ] ونقصه من وجه وهو أنه أحرم بالعمرة من أدنى الحل دون الميقات فيلزمه الدم، وهل يرد من الأجرة بقدر ما ترك من عمل العمرة وهو ما بين الميقاتين؟ على قولين.
وإن عاد إلى الميقات وأحرم بها فلا دم عليه واستحق كل الأجرة؛ لأنه أتى بالنسكين من الميقات مع زيادة العمل في الإفراد.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يرد من الأجرة بقسط العمرة بكل حال؛ لأنه عين له وقت العمرة، بأن يأتي بها في أشهر الحج وقد فات ذلك الوقت، وهو ظاهر ما قال في "المناسك الكبير".

الجزء: 4 - الصفحة: 22

والثاني: أن يحرم بعمرة مفردة فيقع عن الأمر، ثم بأن لم يأت بالحج فرداً يلزمه رد ما قابله من الأجرة، وان أتى به سقط النسكان ثم يعتبر موضع إحرامه بالحج على ما ذكرنا وذلك على قولين ويلزم دم آخر لتمتعه.
فإن قيل: فدم المتعة وجب لترك الإحرام بالحج من الميقات فمعنى وجوبها مختلف؛ لأن أحدهما وجب بالعقد والثاني بالشرع، فإذا ثبت وجوب الدمين فدم وجوب المجاوزة واجب على الأجير.
وأما دم المتعة قال أكثر أصحابنا: يلزم المستأجر بدلاً من دم القران؟ لأنه أذن له في نسكين موجبهما دم وقد فعل، فهو كما لو قرن.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا.
والثاني: لزم الأجير لأنه لم يأذن في التمتع فلا يلزمه موجبه.
ذكره في "الحاوي" ولو عاد إلى الميقات وأحرم منه بالحج فلا دم على أحد؛ لأن دم التمتع كتركه الإحرام بالحج من الميقات ولم يترك.
وأما القسم الرابع من الأصل: أن يأمره بالتمتع فأحرم بغير ففيه ثلاث أقسام: أحدهما: أن يحرم بحجة مفردة على ما ذكرنا عن الآمر، وبقى النسك الثاني فإن أتى به سقط عنه أيضاً ثم ينظر فإن أحرم به من الميقات فقد أكمل وان أحرم به من أدنى [193 / ب] الحل فقد كان يلزمه بالإجارة أن يحرم به من الميقات فترك، وكان يجوز له أن يحرم من جوف مكة فأحرم به من الميقات فتطوع بالزيادة فيلزمه دم العمرة وهل يرد بقسطه من الأجرة؟ على ما مضى.
وإن لم يأت بالعمرة يرد بقطها من الأجرة فيسقط الأجرة على الحج، والعمرة على الحج الذي أتى به، فيقال: عمرة من الميقات وحجة من نسكه بكم؟ فيقال: بمائة، ويقال: حجة بمكة بكم؟ فيقال: بخمسين فيستحق نصف الأجرة ولا تسقط الأجرة على حجة من الميقات لأنه متطوع بزيادة الإحرام من الميقات بالحج إلى مكة فلا تستحق لأجله الأجرة.
فإن قيل: أفيلزمه أن يحرم بالعمرة؟ قيل: يلزمه ذلك لأنه استؤجر على عملين فعمل أحدهما، إلا أنه كان عن ميت فلا خيار لمستأجره، وان كان عن حي كان مستأجره بالخيار على ما سبق نظيره.
والثاني: أن يأمره بالتمتع فأحرم بعمرة مفردة فالعمرة عن الآمر وبقي الآخر، فإن أتى أو لم يأت كان على ما مضى.
والثالث: أن يستأجره ليتمتع فقرن فيقع كلاهما عن الآمر ولكن يلزمه دم لأجل ما ترك من العمل في إفرادهما ولو أنه طاف لهما طوافين وسعى سعيين لا يسقط ادم عنه أيضاً؛ لأنه قد كان يجزئه أحدهما فصار متطوعاً بالثاني، على أنه قد ترفه بسقوط أحد الإحرامين فكان عليه أن يجبر ذلك بدم، وهل يرد من الأجرة بقسطه؟ على الخلاف وعليه دم القران، فيجب بقرانه دمان: أحدهما: بترك العمل في إفرادهما، وهو واجب على الأجير.

الجزء: 4 - الصفحة: 23

والثاني: بالقران وفيه وجهان: أحدهما: على الأمر بدلاً من دم التمتع على ما ذكرنا.
والثاني: يلزم الأجير لتركه ما أذن فيه وتطوع بفعل ما لم [194 / أ] ويؤذن فيه.
ذكره في "الحاوي".
وسائر أصحابنا ذكروا قولاً واحداً إنه يسقط عنه فرفهما، ويستحق جميع الأجرة ويلزم دم القران في مال المستأجر، لأنه زاده خيراً من وجه، وهو أنه أحرم بالحج من الميقات ونقصه من وجه ولم يؤثر ذلك في إسقاط فرض النسكين عنه.
وقد رضي هو بإسقاط النسكين على وجه يقتضي وجوب الدم، ودم القران متعلق بالإحرام كدم التمتع سواء.
نص عليه في "المناسك الكبير"، وقال: لا يلزمه أن يرد شيئاً من الأجرة لما خف عنه من العمل بتداخل النسكين، لأن الشرع جوز ذلك القدر من العمل على العبادتين معاً.
وقال أبو حنيفة: إذا أمره بالمأمور وزاد أن يحج عن ميت أو يعتمر، فقرن يضمن الذي أخذه، لأنه فعل ما لم يؤمر، وهذا لا يصح لما ذكرنا أنه أتى بالمأمور وزاد.
فرع لو استأجر رجلاً ليحج عنه، فأحرم بالعمرة عن نفسه، وبالحج عن المستأجر نص في "المناسك الكبير": إن كليهما عن الأجير، وقد ذكرنا من قبل.
وقال أبو حامد: أشار الشافعي في "القديم" إلى أنهما يقعان على ما نوى العمرة عنه، والحج عن المستأجر.
قال القفال: وعلى هذا يجوز أن يحرم عن زيد بالحج وعن عمرو بالعمرة في أحد القولين.
ومن أصحابنا من قال: يقعان عن الأمر، لأن العمرة تبع الحج، والصحيح الأول، لأن الإحرام واحد، فلا يجوز أن يقع عن اثنين، ولا يتبع الحج، لأنه يؤدي إلى أن ينوي نسكاً عن نفسه، ثم يقع عن غيره.
وهذا محال.
فرع آخر لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة منذورة، فاستأجر من يحج عنه وأمره أن ينوي الحجة المنذورة، فنواها وقعت عن حجة الإسلام، لأنه لو أحرم عن نفه [194 / ب] بالمنذورة وقعت عن حجة الإسلام كذلك النائب عنه.
فرع آخر الإجارة على زيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز، لأنه عمل غير مضبوط بوصف ولا مقدر بشرع.
وأما الجعالة على زيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقعت بالجعالة على نفس الوقوف

الجزء: 4 - الصفحة: 24

هناك عند القبر ومشاهدته لا تجوز، لأنه لا يجوز فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت الجعالة على الدعاء عند زيارة قبره تجوز، لأن الجهل بالدعاء لا يبطله، والدعاء مما تصح فيه النيابة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وذكر منها: "ولد صالح يدعو له".
فرع آخر لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة النذر فاستأجر رجلين في عام واحد، وأحرما عنه في حالة واحدة من غير أن يسبق أحدهما الآخر يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتبر أسبقهما إجارة، وإذناً فينعقد إحرامه بحجة الإسلام، وما بعده بالنذر.
والثاني: يحتسب الله له بأحدهما عن حجة الإسلام لا بعينها والأخرى عن حجة النذر.
فرع آخر إذا وجب عليه الحج، فمات قد ذكرنا أنه يلزم أداء الحج عنه من الميقات، وقد نص على هذا في "المناسك الكبير"، وصرح أنه لا يلزمه أن يستأجر رجلاً من بلده ونص في كتاب الوصايا أنه يحج عنه من بلده، ونص في "الأم" ما يدل على هذا فحصل قولان: أحدهما: يجب من الميقات، لأن ما قبله نسب إلى الإحرام من الميقات، فإن الحي لا يمكنه أن يحرم من الميقات حتى يسير من بلده، فإذا مات سقط ذلك، وهو الصحيح.
والثاني: يستأجر من بلده من رأس المال، لأن الذي وجب عليه أن يسير من بلاه ويحرم من الميقات، [195 / أ] فإذا مات وجب أن يفعل عنه على الحد الذي وجب عليه في حياته.
وقال ابن المرزبان: فيه وجهان، ولا معنى للوجهين على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولا يحرم عن رجل إلا من قد حج مرة وقد ذكرنا هذه المسألة.
فرع ذكره والدي رحمه الله إذا أذن المعصوب للأخر بالإحرام عنه يوم الجمعة، فأحرم عنه يوم الخميس جاز قياساً على ما قال الشافعي، لو عين مكاناً للأجير ليحرم عنه فيه، فأحرم قبله جاز، وقد زاده خيراً.
ويحتمل أن يقال: لا يجوز، لأن الميقات الشرعي من جهة الزمان يجوز تقديم الإحرام عليه كالإحرام بالحج قبل أشهره فالميقات الذي عينه الأمر مثله، وهذا أصح الفعل بين الزمان والمكان.
فرع آخر وقال أيضاً: لو أحرم إحراماً موقوفاً في أشهر الحج، وكان حج حجة الإسلام

الجزء: 4 - الصفحة: 25

وعمرة الإسلام، فمات قبل التعيين وترك مالأ وكان الموت بعد أشهر الحج، ولم يعمل أعمال واحدٍ منهما، فالوارث ما الذي يقضي الحج أم العمرة أم القران؟ فإن الميت كان شرع في الإحرام، وأمكنه الأداء، ولم يؤده حتى مات يحتمل وجهين: أحدهما: يقوم الوارث مقامه في التعيين كما يقوم مقامه في جميع أموره، فإن عينه في الحج لزمه قضا، الحج، وان عينه في العمرة لزمه قضاء العمرة.
وهل يبني الوارث على إحرام المورث أم يحتاج إلى إحرام جديد؟ قولان، والأصح أنه يلزمه تحديا الإحرام والثاني: لا يقوم مقامه في التعيين بل يكون عليه القران عنه للاحتياط في إسقاط الفرض وأصل هذا إذا طلق إحدى امرأتيه لا يعينها، [195 / ب] فمات قبل التعيين، هل يقوم الوارث مقامه في التعيين؟ قولان.
مسألة: قال: ولو أوصى أن يحج عنه وارث لم يسم شيئاً أحج عنه بأقل ما يوجد أحد يحج به.
الفصل إذا أوصى أن يحج عنهء وأطلق ولم يعين من يحج عنه ولا الأجرة، فإنه يستأجر من يحج عنه من الميقات بأقل ما يوجد من الحج عنه إذا كان ثقة أميناً، لأن الواجب هو أقل ما يمكن كما لو قال: أعتقوا عني عبداً كان الواجب أن يعتق عنه ما يقع عليه اسم العبد بأقل ما يوجد من الثمن، ولا فرق بين أن يحج عنه وارث أو أجنبي، لأنه يحج بعوض لا مسامحة فيه، فكان الوارث والأجنبي في ذلك سواء كما إذا باع في مرضه شيئاً بثمن مثله جاز البيع سواء كان من الوارث، أومن الأجنبي، وكذلك إذا أوصى بأن يباع من وارثه بثمن مثله صح، وقال الماسرجي: الأولى أن يستأجر الوارث، لأنه أشفق على مورثه وأحوط على تأدية فرضه، ولو أوصى بأن يحج عنه رجل بعينه، ولم يم له أجرة.
قال الشافعي: يحج عنه بأقل ما يوجد أحد يحج به.
وقال بعده: ولو أوصى لرجل بمائة دينار يحج بها عنه، فما زاد على أجر مثله، فهو وصية، فجعل ما زاد على أجرة مثله وصية، ولم يقل: ما زاد على أقل ما يوجد.
واختلف أصحابنا، فمنهم من قال: يعطى أجرة المثل من المسألتين جميعاً، وقول الشافعي: أحج محنه بأقل ما يوجا أحد يحج به، يريد من كان في مثل حاله ودينه وأمانته وعلمه، فلو كان المعين أفقه من غيره، فطلب مائة وغيره يحج بأقل أعطى المائة، لأن العالم أحسن قياماً بها ممن يجهلها في المسألة الأولى لو كان المعين أفقه، فطلب ألفين، وغيره يحج بألف أعطى الألفين.
وهذا اختيار القاضي الطبري، [196 / أ] وهو الأقيس، ومنهم من فرق بين المسألتين، فقال في المسألة الأولى: وكل الأجرة إلى الوصي، فلم يجز أن يدفع إلا لأقل الذي يحج به.

الجزء: 4 - الصفحة: 26

وفي الثانية: قطع الأجرة بنفسه، ولم يكلها إلى الاجتهاد، فكان ما زاد على أجرة المثل وصية، وهذا كما لو أوصى أن يباع عبده الفلاني من فلان، ويتصدق بثمنه يباع منه بأكثر ما يوجد له ثمناً، ولو أوصى بأن يباع منه بقدر بيع منه، فإن نقص ثمن المثل احتسب من ثلاثة، وإذا لم يحج عنه بأقل ما يوجد أو أجرة المثل على ما بيناه أحج عنه غيره بأقل ما يوجد أحد يحج عنه به، لأنه صار موكولا إلى اجتهاد الوصي، وبطل ما أوصى به الميت من تعيين من يحج عنه.
ولو قال: أحجوا عني فلاناً بمائة دينار فعين من يحج عنه، ومدار الأجرة، فلا يختلف المذهب أنه يعطي أجرة مثله، فإن كان ما سفاه أجرة مثله لا يزيد عليها أعطي ذلك من رأس المال سواء كان وارثاً أو أجنبياً، لأنه معاوضة بعوض المثل، وان كانت أجرة مثله خمسين ديناراً كان ما زاد عليها وصية، فإن كان وارثاً كان إلى إجازة باقي الورثة، فإن أجازوه جاز وان ردوه بطل، وإن كان أجنبياً نظر، فإن كانت الزيادة تخرج من الثلث.
جاز وان لم تخرج من الثلث كان ما زاد على ثلاثة إلى إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل، فإذا أراد الموصى له أن يحج بالكل عند الإجازة أو بالبعض عند الرد أحج عنه وان امتنع أحج غيره بأقل ما يوجد أحد يحج عنه.
فرع لو قال: أعطوني ما أوصى له به، وهو ما زاد على أجرة مثلي لم يدفع إليه، لأنه إنما أعطاه إذا حج عنه، فأما إذا لم يحج عنه، فلا يستحق شيئاً، وهذا كما لو قال: بيعوا عبدي من فلان بمائة وتصدقوا بثمنه، [196 / ب] والعبد يسوي مائتين، فامتنع من شرائه بيع العبد من غيره بالمائتين، ويتصدق بثمنه، ولا يجوز أن يقول: أعطوني المائة التي كانت وصية لي، لأنه إنما جعلها له إذا اشترى العبد.
فرع آخر لو قال: أحجوا عني من يرضاه فلان، فرضي فلان إنساناً كان كما لو عينه الموصي، فإن كان في حج واجب، كان كالمعين في حج واجب، وان كان في حج تطوع كان كالمعين في حج التطوع.
فرع آخر لو أوصى بحج التطوع، وقلنا: يصخ في أحد القولين ويكون جميع الأجرة معتبرة من الثلث سواء أمر بأن يحج عنه مطلقاً، فاستؤجر بأقل ما يوجد من يحج به عنه، أو عين الأجرة والحاج، أو عين الحاج ولم يعين الأجرة، ولو قال: أحجوا عني فلانا بمائة، فإن رضي فلان أن يحج بها عنه أحج عنه، وان امتنع من الحج، وكان حج التطوع، فهل تبطل الوصية؟ وجهان: أحدهما: تبطل، ولا يحج عنه، لأنه قصد الإرفاق بهذا الموصى له، فإذا ردها بطلت كما لو أوصى بثلث ماله لرجل فرد الوصية رجع المال إلى الورثة.

الجزء: 4 - الصفحة: 27

والثاني: لا تبطل ويحج بأقل ما يوجد كما بيناه، لأنه قصد به القربة لنفسه ومنفعة من عينه، فإذا أراد الموصى له حملت القربة بغيره كما لو قال: بيعوا هذا العبد من فلان بمائة درهم، وهو يساوي مائتي درهم، وتصدقوا به، فإن امتنع الفلان من شرائه بيع العبد من غيره بما يسوي وتصدق بثمنه، وهذا أصح.
فرع آخر لو قال: أول من يحج عني، فله مائة دينار فحج عنه غير وارث، فله أقل ما يوجد به من يحج عنه، وما زاد مردود، لأنه وصية لوارث نص عليه في "الأم".
قال أصحابنا: إن حج عنه أجنبي أولاً، والزيادة على أجرة المثل [197 / أ] إلى تمام المائة يزيد على الثلث تتوقف هذه الزيادة على إجازة الورثة.
والثاني، أن له أجرة المثل فقط لا أقل ما يوجد به من يحج عنه.
وأراد الشافعي هذا ثم اعترض المزني، فقال: يجب أجر المثل لمن حج، ولا زيادة على ذلك، وان خرجت من الثلث، لأن من شرط الإجارة أن يكون الأجير معيناً، وإذا لم يعين كانت الإجارة فاسدة ويصير المسمى فاسداً، فتجب أجرة المثل.
وقال أبو إسحاق: هذا غلط من المزني، لأن هذه ليست بإجارة بل هي جعالة، ويجوز في الجعالة مثل هذا على ما ذكرنا من قبل.
وعند المزني الجعالة على الحج لا تجوز، وهذا غلط، أن كل عمل تجوز الإجارة عليه تجوز الجعالة عليه.
فرع آخر لو استأجره ليحج عنه ماشياً فحج راكباً، فإن قلنا: الحج راكباً أفضل، فقد زاد، وإن قلنا: الحج ماشياً أفضل فقد أساء وعليه دم، وهل يلزمه أن يرد التفاوت بين أجرة الراكب والماشي؟ وجهان.
فرع آخر لو قال: أحجوا عني من شاء زيد، فعين زيد شخصاً، فامتنع، ثم أراد زيد أن يعين شخصاً أخر فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، لأنه لم يحصل المقصود بتعينه.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه فوض إليه التعيين، وقد عين، والتعدد حصل من جهة أخرى، فليس له أن يعين أخر، بل الولي يستأجر من يريد.
فرع آخر لو قال: أحجوا محني فلاناً، فمات أحج غيره، لأن القصد من ذلك إيقاع العبادة كما لو قال: أعتقوا عني رقبة، فاشتريت رقبة، فماتت يشتري أخرى، ويعتق.
فإن قيل: أليس لو أوصى بعتق عبد بعينه، فمات سقطت الوصية؟ قلنا: العتق حقاً للموصى

الجزء: 4 - الصفحة: 28

بعتقه، فإذا عين له، فإذا مات سقط، لأن المغلب حقه.
وههنا المغلب حكم العبادة فافترقا [197 / ب].
فرع آخر لو أوصى بثلثه للحجيج.
قال الشافعي: أمرت أن يعطي فقراء الحاج، ولا أعلمه يحرم أن يعطاه غني منهم، وهذا لأن اسم الحاج ينطلق على كلهم.
فرع آخر قال في "الإملاء": لو حج وفرغ، أو اعتمر وفرغ منها، ثم شك، هل طاف على طهارة أم لا؟ أحببت أن يعيد، ولم يوجب الإعادة، لأن الشك الطارئ بعد الفراغ من العبادة لا يقدح في العبادة، لأنها قد صحت في الظاهر، ولهذا يقول: لو فرغ من الصلاة ثم شك، هل ركع أم لا؟ لم تلزمه الإعادة، ولو شك قبل الفراغ منها يلزمه البناء على اليقين.
فرع آخر إذا أوصى، وقال: أحجوا عني مطلقاً.
قال أبو إسحاق: يحج عنه من بلده، وان قلنا: الحج عنه يجب من الميقات إذا لم يوص به، لأنه لما أوصى علمنا أنه قصد خلاف ما عليه الأصل.
وقال غيره يحج عنه من الميقات كما لو لم يوص به، وهو المذهب.
فرع آخر إذا قلنا: يجب أن يحج عن الميت من بلده، أو قلنا: من الميقات، فأوصى به مطلقاً، قال أكثر أصحابنا: يحج عنه من رأس المال، والوصية أفادت التذكار فقط، لأن المطلق يجب حمله على ما ثبت بالشرع، ومن أصحابنا من قال: يحج عنه من الثلث ما لم يعجز ثلاثة عن الميقات نص عليه المزني في كتاب الوصايا، فقال: لو أوصى أن يحج عنه، ولم يحج حجة الإسلام، فإن بلغ ثلاثة حجاً من بلده حج عنه من بلده، وان لم يبلغ أحج عنه من حيث بلغ، ولأن الظاهر من الوصية أنه جعله في ثلاثة رفقاً بالورثة، ولو قال: أحجوا عني ثلثي أجج عنه من الثلث، ويجب أن يحج عنه من بلده من الثلث، فإن [198 / أ] لم يبلغ، فمن حيث بلغ، فإن الظاهر أنه أمر بصرف ثلثه في الحج، وان قال: أحجوا عني من بلدي، فإن قلنا: يجب الحج من البلد أحج عنه من رأس المال.
ومن قال من أصحابنا: إن الظاهر من الوصية الثلث يجب أن نقول: يحج من ثلثه، فإن كفى وإلا أتم من الثلثين، وإذا قلنا: الواجب من رأس المال، فإنه يحج من البلد ذكره صاحب الإفصاح.
وقد قيل: يحج من الميقات من رأس المال، ومن البلد إلى الميقات من الثلث.

الجزء: 4 - الصفحة: 29

قال القاضي الطبري: وهذه المسائل قد تعبت في طلبها من كلام الشافعي، والذي تحصل من كلامه من الحج وفي الوصايا ما ذكرته.
فرع آخر هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن مع الحج في الوصية غيره، فأما إذا كان معه غيره، فأوصى بأن يحج محنه من بلده وتصدق بصدقات، فمن أصحابنا من قال: إذا أوصى به من الثلث كان اعتبار الجميع من الثلث واحداً، فإذا قسم الثلث على الجميع، فإن وفى ما يخضه من الثلث وإلا تمم من رأس المال.
ولو قال: أحجوا عني، ولم يقل من ثلثي وتصدقوا بكذا وكذا فقد بينا أن المطلق من قوله: أحجوا عني يحمل على رأس المال دون الثلث في قول أكثر أصحابنا.
وفي قول بعضهم: يحمل على الثلث.
فمن قال بالأول: وأنه يحمل على رأس المال اختلفوا في هذا الموضع، فقال ابن أبي هريرة: ههنا يحمل على الثلث، لأنه لما جمع بينه وبين الصدقة أن تخرج من الثلث دل على أنه قصد بالوصية بالحج من الثلث وقصد به الترفيه على الورثة، وقال غيره: وهو الأصح يخرج من رأس المال، ويجعل الصدقة في الثلث.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال: أحجوا عني رجلاً بألف وأجر المثل [198 / ب] أقل ولم يعين الرجل، فيه وجهان: أحدهما: لا يحج إلا بقدر أجر المثل، لأنه لم يتعين ذلك الشخص حتى يكون الباقي وصية به، بل الباقي وصية للوارث.
والثاني: أنه وصية لشخص موصوف بصفة، وهو أن يحج عنه، فمن حج عنه دفع إليه كل الألف إذا أخرجت الزيادة عن أجر المثل من الثلث.
فرع آخر قال القفال: وقعت مسألة بمرو هي نظير ما تقدم.
وتلك أن رجلاً أوصى أن يشتري عشرة أقفزة حنطة بمائتي درهم، فيتصدق بها، فوجدوا من أجود الحنطة عشرة أقفزة بمائة درهم، فمنهم من قال: ترد الزيادة إلى الورثة، ومنهم من قال: هو وصية لبائع الحنطة، ومنهم من قال: نشتري بالزيادة زيادة الحنطة بهذا السعر، فيتصدق بها، وهذا الوجه الثالث، لا يتصور في الحج.
فرع آخر قال القفال: قال الشافعي في "الكبير": لو استأجره على أن يحج في هذا العام، فحج من عام آخر، فقد أساء ويجزئه.
قال أصحابنا: هذا إذا ثبت الحج في ذمته، فأما

الجزء: 4 - الصفحة: 30

إذا كان عين الزمان بطلت الإجارة بانقضائه، ولا يكون الحج عن الآمر، وقد بينا هذا من قبل.
فرع آخر إذا قلنا: لا وداع على الحائض، فالمستحب لها أن تقف على باب المسجد، وتدعو بذلك الدعاء الذي يدعى به عند الملتزم على ما سبق بيانه.
قال في "الإملاء": وأحب للحائض أن تقول هذا، وأكثر منه على باب المسجد.
فرع آخر قال والدي رحمه الله: لو حج رجل وعنده أنه صبي لم يبلغ أو أنه عبد فتبين أنه كان حراً بالغاً مخ حجه عن حجة الإسلام، ولو تيمم العادم للماء ظناً منه أن وقت الغرض لم يدخل، وكان قد دخل الوقت، فيه وجهان: أحدهما: يصخ كالحج.
والثاني: لا يصخ، والفرق أن الحج يلزم بالدخول، [199 / أ] ولا يجوز أن تسبق حجة النفل حجة الإسلام في وقت تصح منه، فيه حجة الإسلام فجوزنا هذه الحجة عن الفرض، لأن إبطالها لا يمكن تصحيحها عن غير الفرض والتيمم لا يلزم بالدخول، فجاز إبطاله عن الفرض في وقته لوقوع الاشتباه فيه حين الفعل، ويؤكده أن إحرام الصبي والعبد قد يؤدي به حجة الإسلام، وهو إذا بلغ أو أعتق قبل الوقوف، ولهذا لم يمنع اعتقاد حالة الصغر والرق من جواز الإحرام عن الفرض، والتيمم الواقع قبل الوقت لا يؤدي به فرض الوقت بحال، فلهذا منع اعتقاده وبقي دخول الوقت من جواز التيمم عن الغرض، وإن صادفت الحقيقة خلاف ما يقتضيه اعتقاده.
فرع آخر قال: إذا ارتد الرجل بعل ما وجد الزاد والراحلة وقبل إمكان الأداء، ومضى وقت الحج في حال ارتداده، هل يلزمه الحج، حتى إذا أسلم ومات في الحال يقضى عنه أم لا؟ فيه قولان بنا، على أن الردة تزيل الملك أم لا؟ فإن قلنا: تزيل الملك لا يلزمه الحج، لأنه ملكه زال عن الزاد والراحلة قبل استقرار الحج عليه، وهما شرطان في وجوب الحج، فصار كزوال الملك بالتلف، وإن قلنا: لا يزيل الملك يلزمه الملك لأن الردة لا تسقط الفرائض، ولهذا الأصل اختلف القول في زكاة مال المرتد.
فرع آخر قال: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم دخل أشهر الحج، ولم يطف بعد، فما أدخل عليها حجاً، هل يصخ هذا الإدخال؟ وجهان: أحدهما: لا يصخ، لأنه لو كان أحرم بهما في الابتداء لم يجز لأن الزمان ليس بزمان إحرام الحج، فلو جوزنا هذا الإدخال وجب أن نجعله كأنه أحرم بهما في الابتداء.
وهذا محال في هذا الموضع.

الجزء: 4 - الصفحة: 31

والثاني: يجوز، لأنه لو أحرم بهما، الآن صح، [199 / ب] فلذلك يصح الإدخال في هذا الزمان كما لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج صح له إدخال الحج عليها لهذا المعنى.
فرع آخر قال: إذا أحرم بالحج، ثم شك وهو في أشهر الحج، هل أحرم في أشهر الحج، أو قبل أشهره، هل يلزمه الحج أو العمرة أو هما؟ فيه وجهان: أحدهما: يتحرى ويبني على غالب ظنه.
والثاني: يأتي بالحج ليتيقن سقوط الفرض وأصل هذين الوجهين إذا أحرم في وقته، ثم بنى بماذا أحرم ما الذي يلزمه؟ قولان، هذا إذا لم يعرف وقت الإحرام، ووقت دخول الأشهر، فإن عرف وقت دخول الأشهر وشك في وقت الإحرام وجب الحج، لأن الأصل أن الإحرام، وذلك يقتضي و_ع الإحرام في الأشهر، وان عرف وقت الإحرام وشك في وقت دخول الأشهر لزمته العمرة، لأن الأصل أن الأشهر لم تدخل، وذلك يقتضي هذا الذي نقلناه.
فرع آخر قال: إذا أحرم مطلقاً في غير أشهر الحج، فقبل أن يعينه عن العمرة دخل أشهر الحج، فأراد أن يصرفه إلى الحج لم يكن له، لأن إحرامه مخ عن العمرة ولا يقع موقوفاً في الابتداء، لأن الزمان لا يقبل إلا إحرام أحد النسكين، وإنما يقبل الوقوف إذا قبل الزمان كل واحد منهما، فإن كان يريد إدخال الحج على هذه العمرة فقد ذكرنا وجهين.
فرع آخر إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ولم يعمل شيئاً من أعمالها حتى دخل أشهر الحج في العام الثاني، ثم أراد إدخال الحج عليها، هل يجوز؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز لأنه حديث حالة، لا يصخ فيها الإدخال كما لو طاف للعمرة لم يصح للإدخال في حالة الطواف، ولا بعده.
والثاني: يجوز كما لو أحرم بهما في العام الثاني كان صحيحاً، وهذا كما قلنا فيمن أحرم [200 / أ] بالعمرة في غير الأشهر، ثم أراد إدخال الحج عليها في الأشهر، فيه وجهان، فإن جوزنا هناك، فههنا أجوز.
وان قلنا: لا يجوز هناك، فههنا وجهان: أحدهما: لا يجوز اعتباراً بذاك.
والثاني: يجوز لأنه لو أحرم بهما في الابتداء هناك لم يصخ إحرام الحج وههنا لو كان أحرم بهما في الابتداء صح إحرامه بهما، وهذا أوضح.
فرع آخر إذا طاف في الحج وعنده أنه في العمرة، ونوى فعله عن العمرة يصح عن الحج،

الجزء: 4 - الصفحة: 32

لأنه لو طاف بنية الغير يقع عن فرضه، وإن تعمد ذلك فهذا أولى.
فرع آخر إذا كان محرماً بالحج فأحرم بالحج ثانياً قبل الإتيان بشيء من أركانها، هل ينقلب إحرامه الثاني إلى العمرة على القول الذي يجوز إدخال العمرة على الحج، فيه وجهان محتملان: أحدهما: يجوز عن العمرة، لأن هذه الحالة صالحة للعمرة دون الحج.
والثاني: لا يجوز، وهو الذي يقتضيه كلام أصحابنا، لأن الوقت قابل للحج في الجملة، فإذا لم يصخ الإحرام به عنه لم ينصرف إلى غيره، كالصلاة في وقتها إذا لم تصخ عن الفرض لم تصخ أيضاً عن التطوع، وبهذا فارق إذا أحرم بالحج قبل أشهره: لأن الوقت غير قابل للحج ينعقد عمرة، وهذا غير صحيح لأن حالة كونه في الحج حالة لا تصلح للحج في حقه ولا اعتبار بحال غيره في معرفة حكمه، فصار كالزمان قبل أشهر الحج في حق الجماعة ويؤكده أن الإحرام بالصلاة في الوقت قد تصخ عن التطوع إذا لم تصخ عن الفرض، وهو إذا أدرك الإمام راكعاً، فأحرم خلفه وهو يهوي راكعاً، صح عن النفل، لأن حالته هذه غير قابلة للفرض ويقبل النفل، فكذلك ههنا.
فرع آخر إذا أحرم بحجتين، هل ينعقد بحج وعمرة) يحتمل وجهين [200 / ب] أحدهما: لا ينعقد كما لو أحرم بصلاتين لا ينعقد بفريضة ونافلة.
وهذا هو الأشبه بكلام أصحابنا.
والثاني: ينعقد لأن إحرامه بالحج الثاني ينصرف إلى العمرة، كما لو أحرم بالحج قبل أشهره، لأن الحالة لا تقبل حجة أخرى وتقبل العمرة، ويفارق الصلاة، لأن الجمع بين فرضها ونفلها بإحرام واحد غير صحيح، ويصخ الجمع بين الحج والعمرة بإحرام واحد، فبان الفرق، ولهذا إذا أحرم بصلاتي فرض لم ينعقد بأحد الفرضين بخلاف ههنا.
فرع آخر إذا أحرم بالحج، ثم أحرم ثانياً مطلقاً صح الثاني بالعمرة على القول الذي يجوز إدخال العمرة على الحج، وهو أصخ القولين، وهكذا إذا أحرم بالعمرة، ثم أحرم ثانياً إحراماً موقوفاً، صح الثاني عن الحج، لأن الحالة لا تقبل إلا نسكاً واحداً، إما الحج أو العمرة، فانصرف الإحرام المطلق إلى ذلك الواحد الذي يصخ في هذه الحالة، وفيه وجه آخر، أن إحرامه المطلق بعد إحرامه بالعمرة لا ينصرف إلى الحج، ولكن يقال له: عين، فإن عينه في العمرة كان الإحرام الثاني باطلاً، وان عينه في الحج مخ، وكان قارناً، كما لو قال لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق، لا يقع الطلاق على الزوجة، بل يقال له: عين، فإن عينه في الأجنبية لا حكم له، وكذلك في المسألة الأولى، إذا أحرم

الجزء: 4 - الصفحة: 33

بالحج، ثم أحرم مطلقاً، يقال له: عينء فإن عين في الحج لم يصح عنه، ولم ينصرف إلى العمرة، وان عينه في العمرة صح عنها، وصار قارناً، فحصل في هذا أن في الإحرام المطلق بعد إحرام العمرة وجهين: أحدهما: ينصرف إلى الحج والثاني: يوجع إليه في التعيين وأما الإحرام المطلق بعد إحرام الحج، فإن قلنا: إن الإحرام الثاني لو كان الحج انصرف إلى العمرة، فههنا ينصرف إلى العمرة أيضاً وجهاً واحداً.
وإن قلنا: إنه لو وقع بالحج بطل، فعند الإطلاق وجهان [201 / أ]: أحدهما: ينصرف إلى العمرة.
والثاني: يرجع إليه في التعيين على ما ذكرنا.
فرع آخر لو أحرم بالحج عن رجلين: أحدهما: أذن له في الإحرام، والآخر لم يأذن، فيه وجهان: أحدهما: يقع عن نفسه كما لو أذن له به، فأحرم عنهما.
والثاني: يقع عمن أذن له بالحج دون الآخر.
فرع آخر إذا أذن لعبد بالحج عنه فحج عنه، ثم تبين أنه كان حراً وكان حج عن نفسه، وكان حراً في ذلك الوقت تصح هذه الحجة عن الإذن واعتقاده أنه عبد لا يمنع صحتها، وعلى هذا لو أحرم بالحج وعنده أن أشهر الحج لم تدخل، ثم بان أنه كان قد دخل انعقا إحرامه بالحج، ولا تأثر لاعتقاده.
فرع آخر المستحاضة التي لا تعرف وقت حيضها من طهرها بوجه تطوف طواف الوداع إذا أرادت الخروج، فإن لم تفعل لا دم عليها، لأن الأصل أنه غير واجب، فلا يلزمها إلا بتعيين، ويحتمل أن يقال: يلزمها الدم، لأن الاحتياط في إراقة الدم كما يوجب الصوم عليها احتياطاً.
فرع آخر حجة فيها قتل صيد أو عمرة ليس فيها قتل صيد، أيتها أفضل؟ فيه وجهان: أحدهما: الحج أفضل، لأن أعماله أكثر.
والثاني: العمرة أفضل، لأن العمر المستغنية عن الجبران أفضل من العبادة المحتاجة إليه، ولهذا صار الإفراد أفضل من القران والأول أصح.
فرع آخر إذا نذر العبد حجا، هل له فعله قبل الإعتاق؟ وجهان.
فرع آخر إذا عدمت الحائض الماء بعد انقطاع الدم فتيممت وطافت، ثم وجدت الماء، هل

الجزء: 4 - الصفحة: 34

يلزمها إعادة الطواف؟ وجهان [201 / ب]: أحدهما: يلزم، لأن الطواف كالصلاة، ولو ملى المقيم بالتيمم لعدم الماء وجبت الإعادة عند وجوده، فكذلك الطواف.
والثاني: لا يلزم الإعادة، لأن الحائض لو طافت للوداع بعد انقطاع دمها بالتيمم لعدم الماء، ثم فارقت مكة لم يلزمها الدم.
وإذ قلنا: يلزم الدم بترك طواف الوداع في أظهر القولين، فلو كان ذلك الطواف غير محسوب لوجب الدم على هذا القول، وهكذا إذا طاف الرجل بالتيمم لعدم الماء، ثم وجد الماء، هل تلزمه إعادة على هذا الخلاف والله أعلم.

باب قتل المحرم الصيد

مسألة: وعلى من قتل الصيد الجزاء عمداً كان أو خطاً.
الأصل في تحريم قتل الصيد على المحرم ووجوب الجزاء بقتله الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال مجاهد: يريد بما تناله الأيدي: من البيض والصغار وبما تناله الرماح: الكبار.
وأما السنة: فما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضبع، فقال: "هو صيد وفيه كبش إذا أصابه المحرم"، وروي عن ابن أبي عمار، قال: قلت لجابر رضي الله عنه: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها، قال: نعم، فإن قلت: أقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه، فإذا تقرر هذا فالجزاء [202 / أ] يجب بقتله سواء كان عامداً، أو مخطئاً، أو عائداً.
وبه قال عامة الفقهاء، وقال مجاهد: لا يجب الجزاء على العامد في قتله الذاكر لإحرامه، أو المخطئ في قتله الناسي لإحرامه.
وقال داود: لا جزاء على المخطئ أصلاً، وإنما يجب على العامد.
وبه قال أحمد في روايته وأبو ثور وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهما، واحتجوا بأن الله تعالى نص على العمد في قوله: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا

الجزء: 4 - الصفحة: 35

قَتَلَ} [المائدة: 95] الآية، فدل من طريق دليل الخطاب على أنه إذا كان مخطئاً لا جزاء عليه، وهذا غلط، لما ذكرنا من الخبر، ولم يفصل، ولأنه حيوان يجب بقتله الكفارة أو المخطئ في قتله الناسي لإحرامه.
وقال داود: لا جزاء على المخطئ أصلاً، في قتل الآدمي خطأ ونبه به على وجوب الجزاء في الصيد عند الخطأ.
وقيل: إنما شرط العمد، لأنه عقبة بالعقوبة في العود لا للمخالفة بين الخطأ والعمد، وأما ما قاله، فهو خلاف ظاهر نص الكتاب.
وحكي عن ابن عباس ومجاهد وسريج والحسن وقتادة والنخعي: أنه لا جزاء على العامد.
وبه قال داود: والعائد أن يقتل صيداً فيفديه أولاً بفدية، ثم يقتل صيداً ثانياً، فعليه جزا، آخر وعندهم لا جزاء، ولو عاد مائة مرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] فجعلوا الانتقام جزاؤه، وهذا غلط، لأنه كفارة تجب بقتل حيوان محترم، فأشبهت كفارة قتل الآدمي.
وأما الآية قلنا: قال عطاء وغيره: أراد ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه بالجزاء [202 / ب].
وحكي عن أحمد في رواية أنه إن كفر عن الأول، وجب للثاني الجزاء، وإلا تداخل، ثم اعلم أن الشافعي قال: ولا يعاقبه الإمام فيه، لأن هذا ذنباً جعلت عقوبته فديته إلا أن (يفعل ذلك) مستخفاً، ثم قال المزني: وقاس ما اختلفوا فيه من كفارة قتل المؤمن عمداً على ما أجمعوا عليه من كفارة قتل الصيد عمداً، وقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة حيث قال: تلزم الكفارة في قتل الآدمي خطأ، ولا تلزم إذا قتله عمداً ووافقنا في الصيد أنه يلزم الجزاء بقتله عمداً، أو خطأ والمعنى الجامع بينهما أنه حيوان ذو حرمة تعلقت بقتله الكفارة في حاله، فوجب أن يستوي فيه عمد القتل، وخطأه كقتل الصيد، ثم أيد الشافعي ذلك، فقال: والعامد أولى بالكفارة في القياس من المخطئ يريد به أن العامد أعظم ذنباً، وأكبر جريمة، فهو بالكفارة الموضوعة لتغطية الإثم أولى.
فرع آخر لو دخل الذمي الحرم، فقتل صيداً في الحرم يلزمه الجزاء، لأنه ضمان يتعلق بالإتلاف، فيلزمه ضمان الأموال، ويفارق هذا إذا أحرم ثم قتل الصيد لا جزاء عليه، لأنه لم ينعقد إحرامه، فلا يوجد هتك حرمة الإحرام، وحرمة الحرم موجودة، وقد هتكها بقتله.
ومن أصحابنا المتأخرين من قال: لا جزاء عليه هناك أيضاً، لأنه غير ملتزم بحرمة الحرم، فلا يضمن صيده.

الجزء: 4 - الصفحة: 36

باب جزاء الصيد

مسألة: قال: قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، قال: والنعم: الإبل والبقر والغنم.
الفصل الصيد على ضربين ضرب له مثلء وضرب لا مثل له، فما له مثل من النعم يضمن بمثله وذلك مثل النعامة مثلها [203 / أ] بدنة وحمار الوحش بقرة والضبع مثلها شاة ونحو ذلك.
وما لا مثل له كالعصافير ونحوها يضمن بالقيمة فيجري ضمان الصيد مجرى ضمان الآدميين ما له مثل يضمن بالمثل، وما لا مثل له يضمن بالقيمة، فإذا قتل صيداً له مثل، فإنه مخير بين ثلاثة أشياء إن شاء أخرج المثل، وان شاء قوم المثل دراهم يشتري بالدراهم طعاماً، ويتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يوماً، وان كان مما لا مثل له يخير بين شيئين بين أن يقوم الصيد بدراهم في الموضع الذي أصيب فيه، والدراهم طعاماً بمكة، ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوماً، ولا يجوز إخراج القيمة، ووافقنا مالك في جميع ذلك إلا: في فصل واحد، وهو أن عندنا إذا أراد إخراج الطعام، يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاماً وعنده يقوم الصيد، ويقوم تلك القيمة طعاماً.
وقال أحمد في رواية مثل قولنا.
وقال في الرواية الثانية: هو على الترتيب، فإن عدم المثل أخرج القيمة.
وقال أبو حنيفة: الصيد مضمون بقيمته بكل حال، إلا أنه إذا قومه يتخير بين أن يشتري بقيمته النعم ويخرجه، ولا يجوز منه إلا ما يجوز في الأضحية، وبين أن يشتري بالقيمة طعاماً، ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل نصف صاع يوماً.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يشتري بالقيمة من النعم ما يجوز في الأضحية، وما لا يجوز، واحتج الشافعي عليه بإجماع الصحابة، فقال: وقد حكم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة وهي لا تستوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة وهو لا يسوي بقرة، وفي الضبع بكبش وهو لا يسوي كبشاً، [203 / ب] وفي الغزال بعنز [وقد يكون أكثر من ثمنها أضعافاً ودونها ومثلها] وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة [وهما لا يساويان عناقاً ولا جفرة]، فدل ذلك على أنهم نظروا إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهاً بالبدن من النعم لا بالقيمة، ولو حكموا بالقيمة لاختلف لاختلاف الأسعار وتباينها في الأزمان.
وهذا واضح واحتج مالك بأن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف قومه المتلف كما لا مثل له.
وهذا غلط، لأن كل

الجزء: 4 - الصفحة: 37

متلف وجب مثله، فإذا قوم لزمت قيمة المثل في المثليات في حق الآدمي.
وأما ما ذكره يبطل الصيام يعدل بالإطعام، ولا يعدل بالقيمة.
مسألة: قال: وكل دابة من الصيد لم يسمها ففداؤها قياساً على ما سميا فداءه الصيد الذي له مثل على ضربين، فما حكمت فيه الصحابة بالمثل لا يعدل عنه إلى غيره، لأن حكم الصحابة والرجوع إلى قولهم أولى من غيرهم، لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل، فهم أعلم من غيرهم، وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى أقرب الثلاثة للأجناس من النعم شبهاً بالصيد المقتول فأوجبناه.
وقال مالك: يجب التحكم فيما حكمت فيه الصحابةء وفيما لم تحكم، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]، وقد حكم به ذوا عدل، ولأن الحكم بخلاف ما حكموا به يؤدي إلى تخطئتهم في المثلية، فلم يجز ذلك، وقال قبيصة بن جابر الأسدي: أصبت ظبياً وأنا محرم، فأتيت عمر رضي الله عنه، ومعي صاحب لي، فذكرت له، فأقبل على رجل إلى جنبه فشاوره، فقال لي: اذبح شاة، فلما انصرفنا، قلت لصاحبي: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول [204 / أ]، فسمعني عمر، فأقبل علي ضرباً بالدرة، فنقال: أتقتل الصيد وأنت محرم، وتغمض الفتيا؟ قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] الآية.
ها أنا ذا عمر وهذا ابن عوف.
فرع قال الشافعي: وأحب أن يكونا فقيمين، ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين، وإنما يكون القاتل عدلاً إذا أخطأ فيه، فأما إذا تعمد فسق، فلا يقبل قوله فيه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك كما لا يجوز في تقويم المتلفات.
وبه قال مالك: وهذا غلطء لأن الجزاء يتعلق بحق الله تعالى، فكان مخالفاً لحقوق الآدميين من تقويم المتلفات، وهو كما يقبل قوله في الزكاة لهذا المعنى، وعلى هذا قال أصحابنا: يجوز أن يكونا قاتلين.
فرع آخر لو اختلف فيه اجتهاد عدلين من الفقهاء ولم يؤخذ بقول واحد حتى ينضم إليه قول غيره فيصير اثنين.
فرع آخر لو حكم عدلان بمثل وحكم آخران بمثل آخر، فيه وجهان:

الجزء: 4 - الصفحة: 38

أحدهما: يتخير في الأخذ بأيهما شاء.
والثاني: يأخذ بأغلظهما كالوجهين في فتوى الفقيهين.
فرع آخر لو حكم عدلان بالمثل، وآخران بأنه لا مثل له، فالمثل أولى، لأن النفي لا يعارض الإثبات.
فرع آخر قد ذكرنا أن الصحابة حكموا في بعض الصيود بما ذكرنا.
أما في النعامة روى عن سبعة منهم: عمر وعثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، قالوا: فيها بدنة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في حمار الوحش بقرة.
قال الشافعي: وفي بقر الوحش بقرة، لأنها في معنى الحمار [204 / ب].
وقال عمر وعلي وابن عباس وجابر رضي انأ عنهم: في الضبع كبش، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة والظبي الغزال الكبير الذكر والغزال للأنثى من الظبي، واليربوع الفار الكبير يكون في الصحراء أو الجفرة من أولاد المعزى إذا فصلت من أمها.
وقيل: هي التي طعمت والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعزى إذا قويت قبل تمام الحول.
وقيل: الجفرة: ولد الضأن، وفيه نظر، وروي عن ابن عباس أنه قال: في الظبي تيس أعفر أو شاة مسنة.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ والتيس من أولاد المعزى الذي أتت عليه سنة، وقوي على الضراب.
وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه حكم في أم حبين بحلان من الغنم وأم حبين دابة من حشرات الأرض تشبه الضب وسميت أم حبين لعظم بطنها وانتفاخها، وهو تصغير أحبن، وهو الذي استسقى وانتفخ بطنه.
ومن العرب من يعاف أكلها.
قال رجل في البادية لأعرابي: ما تأكلون؟ فقال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين فقال: لتمتع أم حبين العافية، قال الشافعي في "المناسك الكبير": وهو الحمل، فإن كانت العرب تأكلها، ففيها حلان، وقال الأزهري: قد قيل: هو الذكر من أولاد المعز إذا قوي (وهو) بمنزلة الجدي، وهذا هو الصحيح.
وأما الضب، قال الشافعي: فيه جدي جمع الماء والشجر، وروي بإسناده عن طارق بن شهاب.
قال: خرجنا حجاجا فوطأ رجل منا، يقال له: أربد ضباً فقدمنا على عمر رضي الله عنه، فسأله أربد، فقال عمر: احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا

الجزء: 4 - الصفحة: 39

أمير المؤمنين، وأعلم، فقال له عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك [205 / أ] أن تزكيني، فقال اربد: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذاك فيه.
وقال عطاء: في الضب شاة، فإن أراد شاة صغيرة فبذلك نقول، وإن أراد مسنة خالفناه، وقلنا بقول عمر رضي الله عنه.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير": إن كانت العرب تأكل الوبر، ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر منها بدناً، قال ابن الأعرابي: الوبر: الذكر والأنثى وبرة، وهو في عظم الجرد إلا أنه أنبل وأكبر منه، وهي طحلاء، وجمعها وبار، وهو في جنس بنات عرس، والجرذ: الضخم من الفار، تكون في الفلوات يأكله بعض أهل البادية.
وذكر الشافعي عن عطاء ومجاهد أنهما حكما فيه بشاة.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير"، وفي الثعلب شاة ورواه عن عطاء أنه حكم بها فيه.
وقال سريج: لو كان معي حاكم لحكمت في الثعلب بجدي.
فرع آخر قال في "الأم": والأروي دون البقرة المسنة، وفوق الكبش، ففيه عضب ذكراً كان أو أنثى، قال الأزهري: العضب ما بلغ أن يقبض على قرنه من البقر، وهو دون الجذع منه، فإنه يجاع لسنتين وإنما وجب العضب، لأنه مثله، قال وفي الثيتل والوعل بقرة، ولم يروه عن أحد.
فرع آخر قد ذكرنا أن جزاء الصيد على التغيير نمق عليه في كتبه، وروى أبو ثور عنه أنه على الترتيب، فقيه قولان، وقيل: لا يعرف هذا عن الشافعي في شي، من كتبه، فالمسألة على قول واحد، وهو الأصح.
مسألة: قال: "ولا يفدي إلا من النعم، وفي صغار أولادها صغار أولاد هذه".
أراد به لا يفدي فداء إلا بمثله من النعم، ولم يرد أنه لا يجوز إخراج الفداء إلا من

الجزء: 4 - الصفحة: 40

النعم، [205 / ب] لأنه قد ذكر التخيير بعد هذا وأراد في صغار أولاد ذوات الصيد إذا قتلها صغار أولاد المثل من النعم، وقال مالك: يجب في الصغار كبار النعم.
وقال أبو حنيفة: تجب قيمة ذلك بقدره، واحتج مالك بقوله تعال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، والصغير لا يسمى هدياً، ولأنه جبر نقص من نقائص الإحرام، فلا يجوز إلا بالكبير كدم الحلق، ولأن كفارة قتل الآدمي لا تختلف بصغر المقتول، وكبره كذلك هذه الكفارة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ومثل الصغير صغير، ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر كالعبد والبهيمة.
وأما الآية التي ذكروها، قلنا: هذا إذا أطلق، وههنا قياس بالمثل فاقتضى مثله، كما لو نذر أن يهدي صغيراً يلقى الصعر، ولأن الصعر يسمى هديا، لأنه مما يهدى، وأما دم الحلق يجب بالجناية على الإحرام، فيجب على الكمال، وهذا يجب على طريق المقابلة والتعديل يختلف باختلاف المقتول، وأما كفارة قتل الآدمي يفارق هذا، لأنها لا تتبعض، ولا يلزم في أبعاضه بخلاف هذا.
مسألة: قال: وإذا أصاب صيدا أعوراً أو مكسوراً فداه بمثله.
الفصل يفدي الصحيح بالصحيح والمعيب بالمعيب.
قال الشافعي ههنا: والصحيح أحب إلي، قال أصحابنا: وعلى قياس هذا في المسألة الأولى الكبير أولى من الصغير.
وقال الشافعي: فإن قال بعض الناس يفديه بصحيح، وعنى به مالكاً، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال [206 / أ]: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ومثل الأعور أعور.
فرع لو كان الصيد أعور اليمنى، فداه بأعور اليمنى، فإن فداه بأعور اليسرى، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن اعتبار ذلك يشق، ولأن اختلاف العور لا ينقض حق الفقراء، لأن قدر اللحم في الكل واحداً وهو اختيار ابن المرزبان وجماعة.
والثاني: لا يجوز، ويكون متطوعاُ به، لأن اختلاف المعيب يجري مجرى اختلاف الجنس، ولو كان الصيد أعور ففداه بأعرج لا يجوز حتى يكون من جنس ذلك العيب.
فرع آخر قال الشافعي: ولو أصاب بقرة رقوباً، فعليه بقرة رقوب يعني الحامل التي قربت ولادتها، فصارت شرفية.
قال أصحابنا: أراد به يقومها حاملاً إذا كانت الحامل الشرفية

الجزء: 4 - الصفحة: 41

من الحايل، ويشتري بقيمتها طعاماً، ويتصدق به.
قال الشافعي: لأني لو قلت: يذبح شاة ماخضة كانت شراً من شاة غير ماخض للمساكين، ولكن الشاة الماخض أزيد ثمناً.
مسألة: قال: ويفدي الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى.
الفصل إذا قتل صيداً أنثى يفدي بالأنثى من النعم، وإذا قتل ذكراً يفدي بالذكر منه هذا هو الواجب، فإن فدى الذكر بالأنثى.
قال الشافعي: كان أجب إلي.
واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حاما في "الجامع" أراد به إذا لم يرد ذبح الجزاء، وإنما أراد تقويمه، لأن الأنثى أكثر ثمناً وأزيد في الطعام أمداداً وأزيد في الصيام أياماً، فأما إذا أراد ذبحه، فالذكر أولى، لأنه أطيب لحماً من الأنثى.
وقال بعض أصحابنا: إذا أراد ذبح الأنثى، هل يكون؟ أفضل قولان: أحدهما: أنها أفضل، لأنها أرطب لحماً.
وبه قال ابن أبي هريرة [206 / ب].
والثاني: لا يكبرن أفضل وان جازت، لأن لحمهما قد يتقاربان.
وبه قال أبو إسحاق، وظاهر هذا أنهما متساويان.
وقال القفال: والقول الثاني الذكر أفضل، لأنه أطيب لحماً.
وقال أبو حامد: هل يجوز الذكر مكان الأنثى؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن لحم الأنثى أرطب.
والثاني: يجوز، لأن لحم الذكر أوفر، والمنصوص جوازه، ولا معنى للوجهين عند أصحابنا.
وقال القفال: أراد الشافعي إذا لم تلد الأنثى، ولم تكبر سنها، فأما إذا ولدت، فلا يكون أفضل، لأن لحم الذكر حينئذ أطيب من لحمها، ففي معناها الكبش الذي قد نزا تكون الأنثى أطيب لحماً منه والمقصود من الهدايا لحامها لا نسكها، ولو فدى الأنثى بالذكر، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الأنثى أطيب لحماً وأطيب.
والثاني: يجوز، لأنهما في قدر اللحم سواء وربما يكون الذكر أكثر لحماً، والصحيح الأول، لأن الحنذ القليل خير من الكثير الذي هو دونه، وقيل: الوجه الثاني ظاهر المذهب.
مسألة: قال: وان جرح ظبيا فنقص من قيمته العشر، فعليه عشر من ثمن شاة.
إذا جرح ظبياً أو قطع طرفاً من أطرافه ضمنه بالجزاء.
وقال داود: لا يضمن، وإنما يضمن القتل فحسب، وهذا غلط، لأن ما حرم إتلافه من الصيد كان مضموناً لنفسه، ولأنه حيوان مضمون، فيضمن بالجناية عليه كالآدمي واحتج بأن الله تعالى قيد الجزاء بالقتل، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95]، فدل أنه لا يلزم الجزاء بغيره، ولأن الكفارة لا تجب بقطع طرف الآدمي، فكذلك ههنا قلنا دليل خطاب الآية يقتضي أن لا

الجزء: 4 - الصفحة: 42

يجب المثل بغير القتل، وكذا نقول.
وأما الكفارة، فالجزاء يفارقها، لأنه يجري مجرى الغرامات، [207 / أ] به يى أنه يلزم باليد بخلاف الكفارة، فإذا تقرر هذا، فإذا جرح صيداً يقوم وهو صحيح، ثم يقوم وهو مجروح، فينظر كم نقص من قيمته، فإذا نقص عشر قيمته، قال الشافعي: عليه عشر ثمن شاة.
وقال المزني: عليه عثر شاة، فيدفع إلى المساكين ذلك مشاعاً واختلف أصحابنا في هذا، من قال: الأمر على ما قال الشافعي، لأنه نقص مضمون فكان بالقيمة كما لو غصب طعاماً فتلف أو سوس في يده، ولأن مراعاة الخلقة في الأبعاض متعددة، ولو اعتبرنا ذلك يلزمنا مقابلة الرجل بالرجل، إذا كانت الجناية على الرجل ومقابلة اليد باليد، وهذا محال، وهذا كالعدول في زكاة خمس من الإبل عن الجنس إلى الشاة للمشقة، فعلى هذا يتخير بين أربعة أشياء بين أن يشتري عشر الشاة، كما قال المزني، وبين أن يشتري به طعاماً، ويتصدق بهء وبين أن يصوم عن كل مد يوماً.
وقال صاحب "التقريب": هذا لا يصح، لأنه لو كان كذلك لأوجب عشر ثمن الظبي لا عشر ثمن الشاة.
والصحيح ما قال المزني، لأنه إذا أوجب المثل في تمامه وجب المثل في أبعاضه غير أن جزاء الصيد على التخيير.
قال الشافعي: ذكر الأسهل، وهو القيمة إذ في إخراج جز، من الحيوان مشقة، ولعله لا يجد شريكاً يساعده فيه.
والمزني بين ما هو الأمل، فلا اختلاف بينهما، وعلى هذا لا يؤدي القيمة، بل يصرف إلى الطعام، فيتصدق به، وإن وجد عشر شاة، فله أن يتصدق به.
ومن أصحابنا من قال: المذهب ما ذكر الشافعي، ولكنه بالخيار بين شيئين بين أن يخرج بعشر ثمنه طعاماً، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوماً، ولو أخرج عشر شاة أو عشر قيمة الشاة، لا يجوز، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة، فإذا تقرر هذا لا يخلو إذا جرح صيداً من ثلاث أحوال: إما [207 / ب] أن يري إلى نفسه فيموت، أو يندمل، أو يعيب الصيد، ولا يدري، هل سرت الجراحة إلى نفه أم لا؟ فإن سرت إلى نفسه، فعليه جزاؤه بلا إشكال كما لو قتله وان اندمل نظر، فإن كان غير متنح برجله كالغزال، أو يجناحيه كالحمام أو بهما كالتذرح والدراج فكسر ساقه وجناحيه، فعليه جزاء كامل، لأنه قد عطله أو جعله في حكم التالف، نص عليه في "الجامع الكبير"، وبه قال أبو حنيفة.
وفيه قول آخر يلزمه ما نقص فقط، لأنه لا يضمن الموجود، وإنما يضمن الغائب، ولو جاء محرم آخر وأبلغه يلزمه الجزاء على الجارح، وان اندمل ممتنعاً، فعليه ما بين قيمته صحيحاً، وبين قيمته مندملاً.
وأما الذي يجب على ما ذكرنا من الخلاف وان اندمل ولم يبق بعض بوجه، هل عليه أرش الجرح؟ وجهان، كما لو جرح آدمياً، فاندمل، ولم يبق شيء، ففي الحكومة وجهان.

الجزء: 4 - الصفحة: 43

وقال القفال: عليه شيء بمقدار ما يجتهد القاضي كذلك الوجع الذي أصابه، وإن غاب قبل الاندمال، لم يضمن جملته وعليه ما نقص، ولكن يقوم ههنا صحيحاً، وجريحاً غير مندمل هلا اعتبرتم الاندمال ههنا؟ غير معلوم، فقومناه مجروحاً قبل الاندمال.
وقال مالك: يلزمه كمال قيمته حكاه الشيخ أبو حامد وأصحابه ينكرونه، لأن الظاهر يكفيه بها، وهذا غلط، لأنه يجوز أن يكون قد اندمل، ويجوز أن يكون قد سري، ولا يلزم الضمان بالشك.
قال الشافعي: والاحتياط أن يفديه كامله، ولكن لا يلزم إلا اليقين، وقيل: مذهب مالك، إذا وجد ميتاً بعد ذلك، [208 / أ] ولا يدري هل مات من سراية الجراحة أم من سبب آخر؟ وإذا لم يعلم موته لا يلزم التمام.
فرع لو رمى إلى صيد فجرحه، ثم قتله آخر قبل الاندمال، فإن كان القاتل محلاً، فالحكم فيه كما لو انفرد المحرم يجرحه، وقد ذكرنا حكمه، وان كان محرماً، فعلى الجارح ضمان ما نقص، وعلى المحرم مثله جريحاً من النعم، وإن لم يجد جريحاً من النعم عدل إلى القيمة.
فرع آخر لو رمى سهماً إلى صيد فأصابه ونغذ منه إلى صيد أخر فقتلهما كان عليه جزاؤهما، نص عليه في "القديم"، لأن لأول عمد، والثاني خطأ، وهما سواء.
فرع آخر قال في "القديم" أيضاً: لو رمى إلى صيد، فوقع على ولد له أو بيض، فتلفا، يضمن الصيد والولد والبيض، لأنه تلف لسبب فعله، ولو وقع على صيد آخر، فماتا يلزم ضمانهما أيضاً.
قال أصحابنا: ينظر فإن تحامل المجروح فمشى بعد الإصابة قليلاً، ثم سقط على صيد آخر يلزمه جزا، الصيد الذي رماه دون الآخر، لأنه مات من فعل الصيد، وكذلك لو عدا الصيد، وصدم الصيد الثاني لا شيء عليه في الثاني، وان لم يتحامل، بل سقط من حد الجراحة ففي الحال على صيد أخر يلزمه جزأهما، لأن سقوط الصيد المرمي من فعله.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير": لو ضرب بطن بقرة رقوب، فألقت جنيناً نظر، فإن ألقت جنيناً ثم ماتت يفدي أمها ببقرة وولدها ببقرة مولودة أصغر ما يمكن من ولد مثله، وإن مات أحدهما دون الأخر، فعليه مثل ما مات منهما، وإن ألقت جنيناً ميتاً وسلمت

الجزء: 4 - الصفحة: 44

الأم، فلا شيء عليه في الأم، لأنها لم تتلف، وآما الجنين فلا يمكن إيجاب المثل فيه، لأنه خرج ميتاً، ولكن يلزمه ما نقصت الآم بالإسقاط، فيقال: [208 / ب] كم قيمتها ماخضاً؟ فيقال: مائة، ويقال: كم قيمتها، وقد أسقطت؟ فيقال: تسعون، فيلزمه عشر قيمتها.
وحكي عن آبي ثور أنه قال: يلزم في ولدها عشر قيمته للآم كما في جنين الأم.
وهذا غلط.
والفرق بينهما أن الحمل زيادة في البهائم، فأمكننا أن نوجب ما نقصت الأم بالوضع، والحمل نقص في بنات آدم والوضع زيادة، فلا يمكننا آن نلزم النقص، فأوجبنا فيه بالشرع شيئاً، مقدراً وان سقطت ميتاً، ثم ماتت الأم أوجبنا عليه ما نقصت في الأم لأجل الإسقاط، ثم أوجبنا في الأم مثلها من النعم.
فرع آخر قال في "الأم": لو كان المحرم راكباً على دابة فأتلفت صيداً بفيها آو رمحته بيدها أو رفسته برجلها يلزمه الضمان، لأن يده عليها فيضمن جنايتها.
فرع آخر قال ابن المرزبان: لو قتل نعامة وأراد أن يخرج من الجزاء بقرة أو سبعاً من الغنم، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنها تقوم مقام البدنة.
والثاني: لا يجوز مع وجود البدنة كما يقول في المفسد حجته، وهذا أظهر عندي.
فرع آخر لو حلب من صيد لبناً، فأتلفه، قال أصحابنا: لا جزاء عليه، والفرق بينه وبين البيض أن يكون من البيض الصيد واللبن بمنزلة ريقه وبوله وبعره وورق الشجر، وذكر في "الشامل" أنه يضمنه، لأنه أتلف شيئاً من الصيد كالريش، وحكي عن أبي حنيفة أنه إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا.
فرع آخر لو رمى محل سهماً إلى صيد، فقبل وقوعه عليه أحرم، ثم أصابه السهم.
قال أصحابنا: لا جزاء عليه، لأنه كان حلالاً وقت الرمي وأبيح له ذلك.
وقال والدي رحمه الله: ويحتمل أن يقال: ويلزمه الجزاء، لأن الاعتبار بحالة الإصابة، كما لو رمى [209 / أ] إلى مرتد فأسلم، ثم أصابه ومات يلزمه الدية، وهذا أمح.
ن تمكنه آن يحرم بعد الإصابة.
فرع آخر لو رمى، وهو محرم، ثم تحلل، فإن قصر شعره، ثم أصابه، وهو حلال، فيه وجهان: اعتباراً بالإصابة أو بوقت الرمي.

الجزء: 4 - الصفحة: 45

فرع آخر لو نفر صيداً من الحرم حتى خرج إلى الحل فصاده آخر، فقتله، فإن كان القاتل محرماً، فالجزاء على القاتل دون المنفر، وان كان القاتل حلالاً، فلا جزا، عليه.
وأما المنفر، قال أصحابنا: إن كان حين نفره ألجأه إلى الحل ومنعه من الخرم يلزمه الجزاء وان كان حين نفره لم يلجئه إلى الخروج إلى الحل، ولا منعه من العود إلى الحرم، فلا ضمان على المنفر، لأن الصيد غير ملجأ وفعل المباشرة أقوى، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصيد لمن صاده لا لمن أثاره".
فرع آخر لو حفر المحرم بئراً في ملكه، فوقع فيها صيد لا نص فيه.
وقال أصحابنا: ظاهر المذهب أنه لا يضمن سواء حفرها قبل إحرامه أو بعد إحرامه.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يضمن بخلاف الآدمي إذا وقع فيه.
ذكره ابن أبي أحمد، والغرق أن الآدمي مفرط في دخول ملكه بغير حق، فكان ضمانه هدراً بخلاف الصيد، لأنه غير منسوب إلى التفريط في دخول ملك غيره، فكان الضمان على الحافر.
فرع آخر لو حفر في الحرم فتلف فيه الصيد.
قال القفال: نص الشافعي أن يضمن لحرمة البقعة، ولأن الحرم مأمن الصيد فلا يجوز أن يحدث ما يفوت به أمنه.
وقال سائر أصحابنا: فيه وجهان: والقياس أن لا يضمن كما لو معد صيد إلى سطحه، وتردى إلى داره لم يضمنه، وقال في "الحاوي": [209 / ب] إن حفرها لأجل الصيد يضمن كما لو نصب شبكة وإن حفرها في ملكه لا للصيد، فيه وجهان.
فرع آخر لو كان راكباً على دابة فبالت في الطريق فزلق به صيد فتلف يلزمه الجزاء، نص عليه، وكذلك لو حفر بئراً في غير، فمات فيها صيد.
فرع آخر لو نصب شبكة أو أحبولة، وهو محرم فوقع فيها صيد، فتلف يلزمه الجزاء، ولو نصبها، وهو حلال، فوقع فيها صيد، وهو محرم، فظاهر المذهب أنه لا يضمن، لأن الشافعي قال: ولو جعل المحل في رأسه زاووقا أي: زيقا فقتل الدواب في رأسه، فلا فدية عليه، لأنه جعله في وقت كان له قتلها فيه.
وقال القفال: ما يحتمل في نصب الشبكة أن يغرق بين أن يكون في الحرم أو للإحرام كحفر البئر سواء ولم يصرح بهذا.
مسألة: قال: وإذا قتل الصيد فإن شاء جزاه بمثله.

الجزء: 4 - الصفحة: 46

الفصل قد (ذكرنا) أن جزاء الصيد على التخيير، وبه قال كافة الفقهاء، وروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين وزفر وأحمد في رواية أنه على الترتيب، لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا أكد منه لأنه يجب بفعل محظور، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: 95]، ولفظه أو إذا دخلت في الأمر كان للتخيير كما في فدية الأدنى، وأما ما ذكره يبطل فدية الحلاق، وروي عن أحمد أنه قال.
لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطعام لأجل الصيام، وهذا غلط، لأن الله تعالى سمى الإطعام كفارة، ولا يصير كفارة إلا بإخراجه، وإذا أراد تقويم المثل فيقومه حال ما يريا الاشتغال عنه إلى القيمة، فينظر كم قيمته في تلك الحالة) فيشتري بها [210 / أ] الطعام، ولا يعتبر قيمته حال إتلاف الصيد بلا خلاف، لأنه لما قتل الصيد وجب المثل في ذمته، فإذا أراد العدول عنه يعتبر القيمة حالة العدول لأنها في التقدير حالة وجوب القيمة ويقوم بسعر مكة سواء قتل الصيد بمكة أو في الحل، لأنه يجب إخراج الجزاء فيه وإن لم يكن له مثل هل يعتبر قيمته حالة الوجوب أم حالة الإخراج للطعام؟ قال في موضع: يعتبر حالة الإتلاف، وقال في موضع: يعتبر حالة الإخراج، فمن أصحابنا من قال: يعتبر حالة الإتلاف قولاً واحداً، والموضع الذي قال: يعتبر حالة الإخراج، أواد في الصيد الذي مثل.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: الاعتبار بحالة الإخراج، لأنها حالة إسقاط الفرض.
والثاني: تعتبر بحالة الإتلاف، لأنها حالة الوجوب، وهو الصحيح.
والفرق بينه وبين الصيد الذي له مثل أن الواجب ههنا القيمة، وحالة وجوب القيمة حالة الإتلاف، فاعتبرنا القيمة في تلك الحالة وهناك الواجب المثل، واستقر في ذمته عند الإتلاف، فإذا أراد الانتقال إلى القيمة يعتبر في تلك الحالة على ما بيناه، ويعتبر القيمة ههنا في موضع الإتلاف نص عليه في "الأم" في باب جزاء الطائر وذكره في "القديم" وفي موضع من "الإملاء"، وهو الصحيح، لأنه لما وجب اعتبار قيمته وقت القتل دون وقت التكفير كذلك تعتبر قيمته في موضع القتل دون موضع التكفير.
وقال في "الإملاء": عليه قيمته بمكة لأنها وجبت لمساكين الحرم، وهو ضعيف.
مسألة: قال: لا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة.
قد ذكرنا أن كل دم تعلق بالإحرام يجب تفريق لحمه على مساكين الحرم، وأن قوله: مكة ومنى، [210 / ب] ولم يذكو سائر الحرم ليس لتخصيص هذين الموضعين بهذا الحكم من جملة بقاع الحرم، وإنما خرج كلامه على العادة الجارية في تفريق اللحم، فإن عادة السلف تفرقته بمنى إذا كان الذبح بمنى وبمكة إذا كان الذبح بالمروة،

الجزء: 4 - الصفحة: 47

ولم ينقل عنهم نقل اللحم من منى ومكة إلى سائر بقاع الحرم إذ المساكين يزدحمون في أيام النحر على هذين البقعتين اللتين هما محل النحر في العادة، فالمستحب الاقتداء في ذلك بالسلف، وإذا أراد التكفير بالمثل لا يعطيهم إياه إلا بعد الذبح، وهكذا سائر الهدايا، فإن دفع إليهم حياً لم يجز حتى ينحره في الحرم سواء أصاب الصيد في حل أو حرم، ثم ينظر بعدما دفع حياً فإن أعلمهم أنه هدي له استرجاعه، وإن استرجع ونحره يتخير بين دفعه إليهم أو إلى غيرهم ولا يتعينون بالدفع الأول إليهم، لأنه لم يتح موقع الأجزاء، وان لم يعلمهم ليس له الاسترجاع إلا أن يصدقوه، والقول قولهم مع اليمين.
قال القاضي الطبري: وسمعت بعض شيوخنا يقول: إن شاء فرق لحمه وإن شاء سلم المذبوح إلى ثلاثة منهم وملكهم إياه، وهكذا عملت أنا بمنى لأني رأيته أخفت وأقرب إلى التسوية بينهم فيها.
فرع أقل ما يجزئه أن يفرقه عليهم ثلاثة نفر إن كان قادراً إن دفع إلى اثنين مع قدرته على الثالث كان ضامناً لذلك، لأنه دفع واجباً عليه إلى غير مستحقه، وفي قدر ضمانه وجهان: أحدهما: يضمن الثلث مساواة بين جميعهم فيه.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ أن يعطي أحدهم من غير تقدير بالثلث، لأن المساواة بينهم والتفرقة لا تلزم.
فرع آخر قال في "المناسك": يجزئه من فوره، فإن صدر من الحرم قبل أن يجزئه [211 / أ] وجه من يجزئه في الحرم.
فرع آخر إذا أراد أن يفرق الطعام.
حكى ابن المرزبان عن ابن أبي هريرة أنه يطعم مداً كداً كما في سائر الكفارات، ويحتاج أن ينوي عند تفرقتة ذلك كما ينوي في الكفارة.
وقد ذكرنا قبل هذا أنه لا يتعذر بمد ويجوز أقل منه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر ذكرنا في كيفية الصيام في جزا، الصيد.
وقال طاوس والقاشاني: الاعتبار في الصوم بقدر ما يشبع الناس من الصيد، فإن كان الصيد مما يشبع منه واحد وجب على قاتله أن يصوم عنه يوماً، وان كان يشبع منه عشرة وجب على قاتله صوم عشرة أيام، وهذا غلط لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: 95] ما يقتضي ما ذكرنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 48

مسألة: قال: وإن أكل من لحمه فلا جزاء عليه.
أعلم أنه إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لا يجوز لهذا المحرم أكله وحل لغيره من المحلين والمحرمين سواء علم هو أو لم يعلم أمره أو لم يأمره أشار إليه آو لم يشر، وبه قال مالك وأحمد، وهكذا لو أعطاه سلاحاً حتى قتله.
وقال أبو حنيفة: إن كان الصيد ظاهراً لا يحتاج إلى دلالة لا يحرم عليه بدلالته، وكذلك إن دفع إليه سلاحاً، وهو يستغني عنه لا يحرم به، وان اصطاد له الحلال لا يحرم أيضاً ما لم يكن له فيه معونة أو أمر به واحتج بما روي أن أبا قتادة رأى حمار وحش، وهو محل وأصحابه محرمون، فركب فرسه.
وقال لأصحابه: ناولوني السوط، فلم يفعلوا، فقال: ناولوني الرمح، فلم يناولوه فأخذ الرمح وثمل على الحمار، فقتله.
وقال لأصحابه: كلوا فامتنعوا، فلما لحقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه بالك [211 / ب]، فقال لهم: "هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ "، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي"، فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والإعانة، وهذا غلط لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لحم الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
وروى "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم "، لأنه صيد للمحرم، فكان محرماً عليه كما لو أمر أو أعان.
وأما خبر أبي قتادة، فلا حجة، لأنه لم يصطد لم، فلهذا أباح لهم، وإن لم يصطد له، ولا كان من جهته تأثير فيه كان له أن يأكل منه، وبهذا قال جماعة الفقهاء والصحابة.
وروي عن علي وابن عباس وطاوس رضي الله عنهم أنهم قالوا: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وكرهه سفيان والثوري واسحاف واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بالصعب بن جثامة بالأبواء أو بودان، فأهدى له حماراً وحشياً فرده عليه، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجهه الكراهية، قال: "ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
وروي: أهدى إليه رجل حمار وحش، والأول أصح.
وروي آن الحارث كان خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاماً فيه الحجل واليعاقيب واليعاقيب ذكر الحجل ولحوم الوحش، فبعث إلى علي رضي الله عنه فجاء، فقالوا له: كل، فقال: أطعموه قوماً حلالاً، فأنا حرم، ثم قال علي: أنشد الله من كان هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أهدى إليه رجل حمار وحش أبى أن يأكله، قالوا: نعم، وهذا غلط

الجزء: 4 - الصفحة: 49

لما روي من خبر أبي قتادة، وروي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله [204 / ب].
وروي أنه قال: " هل معكم من لحمه شيء".
وأيضاً خبر جابر الذي ذكرنا.
وأما ما ذكروا إنما رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه ظن أنه صيد من أجله وتركه على التنزه، أو كان حياً، لأنه قال: "حمار وحش"، فإذا تقرر هذا فلو أكل من هذا الصيد الذي حرمنا عليه أكله، هل يلزمه الجزاء بأكله؟ فيه قولان، قال في "القديم": يلزمه الجزاء بقدر ما أكله.
وبه قال مالك وأحمد، وقال في "الجديد": لا جزاء عليه.
وهذا أصخ، لأنه أكل من لحم صيد، فلا يلزمه الجزاء به، كما لو قتله وأكله لم يلزم الجزاء بالقتل دون الأكل واحتج مالك بأنه محظور إحرامه كما لو قتله.
قلنا: لأنه بالقتل أتلف صيداً نامياً بخلاف هذا.
فرع إذا قلنا: يلزمه الجزاء، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يكون ضامناً مثله لحماً من لحوم النعم يتصدق به على مساكين الحرم.
وبه قال أحمد.
والثاني: يضمن بمثله من النعم، فإن أكل عشر لحم الظبي يلزمه عشر شاة.
والثالث: يضمن بقيمة ما أكل دراهم يتصدق بها إن شاء، أو يصرفها في طعام ويتصدق به، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر إذا باشر المحرم قتل الصيد لم يحل له أكله، وهل يحل لغيره من المحرمين والمحلين؟ قولان.
قال في "القديم": يحل، وذكاته مبيحة له.
وقال في "الجديد": لا يحل، وتكون ميتة.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد.
وقال أصحابنا: قول "القديم" أصح في هذه المسألة لأن كل من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالمحل، فإذا قلنا بالأول يلزمه الجزاء في حق الله تعالى، وما نقص الذبح للآدمي.
وإذا قلنا بالثاني يلزمه تمام القيمة في حق المالك [212 / ب].
فرع آخر إذا قلنا بالقول الأول، أو الثاني: لو أكل منه لا يلزمه الجزاء ويفارق المسألة قبلها في أحد القولين، وذلك أن هناك لم يجب بالقتل شيء، فجاز أن يلزمه الجزاء بالأكل.
وههنا وجب بالقتل الجزاء، فلا يجب بالأكل شي، آخر.
وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.

الجزء: 4 - الصفحة: 50

وقال أبو حنيفة: يلزمه قيمة ما أكل، وهذا غلقالأنه صيد ضمنه بالقتل، فلا يضمنه بالأكل كصيد الحرم أو يقيس على ما لو جاء محرم أخر وأكله لا جزاء، وكذلك لو شوى بيضة وأكلها لا يلزمه بالأكل شيء، ولأن عنده ذبيحة الحرم ميتة، فكيف يلزم الضمان بإتلاف الميتة؟.
فرع آخر إذا حلّ من إحرامه لا يحل له أكله أيضًا قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه يحل له أكله على القول الأول.
فرع آخر لو قتل الحلال صيدًا في الحرم، فيه طريقان: إحداهما: فيه قولان.
والثاني: يصير ميتة قولا واحدًا، والغرق أن صيد الحرم ممنوع على سائر الناس، فصار كالحيوان الذي لا يؤكل بخلاف صيد الحل فإنه حلال لقوم دون قوم، وقيل: أن الشافعي نص في "الإملاء" على هذا الفرق، وهو ضعيف، لأن هذا الصيد في حق المحرم كصيد الحرم في حق الكافر وكما يزول هذا التحريم عند التحلل يزول تحريم ذاك عند مفارقة الحرم.
مسألة: قال: لو دل على صيد كان مسيئًا ولا جزاء عليه.
الفصل عندنا الصيد لا يضمن بالدلالة، إنما يضمن بالجناية، أو اليد فإذا دلّ المحرم محرمًا على صيد في الحلّ فقتله وجب الجزاء على القاتل دون الدال، وكذلك لو دلّ الحلال محرمًا، فقتله، ولو دل المحرم حلالًا على [213/ أ] صيد، فقتله لا جزاء على واحدًا منهما، وهو مسيء في ذلك، لأن عقد الإحرام أوجب عليه احترام الصيد فإذا دلّ عليه ناقض أصل موضوعه.
وبه قال مالك وأبو ثور.
وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال مجاهد وعطاء وحماد: أن دلّ محرم محرمًا يلزم الجزاء عليهما، نصفين، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب تمام الجزاء على المدلول، وإن دلّ محرم حلالًا وجب تمام على الدّال.
وقال أبو حنيفة والثوري: يلزم على كل واحٍد منهما جزاء كامل إذا كانا محرمين وإن دل محرم حلالًا وجب الجزاء على الدال وحده، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب الجزاء على المحرم دون الدال.
واحتج الشافعي عليهم بقوله: "كما لو أمر بقتل مسلم لم يقتص منه، كان مسيئًا"، كذلك ههنا وتحريره أن ما ضمن بالجناية، لا يضمن بالدلالة كالآدمي وصيد الحرم.

الجزء: 4 - الصفحة: 51

فرع لو أمسك المحرم صيدًا ثم جاء حلال فذبحه، قال أصحابنا: الجزاء على الممسك دون القاتل، لأن المحرم ضمن بالإمساك، فإذا تلف في يده بذبح الحل استقرّ عليه الضمان كما لو مات حتف أنفه، وهذا المحل القاتل أتلف صيدًا ليس بمملوك، لأحد لأن المحرم لم يملكه بإمساكه، فلا ضمان عليه ولو كان القاتل محرمًا، فيه وجهان: أحدهما: يجب الجزاء على القاتل دون الممسك، لأن الإمساك سبب غير ملجئ اجتمع مع المباشرة، فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب كما لو أمسك أدصيٍد، ثم جاء آخر قتله.
والثاني: يجب عليهما نصفين، لأن الإمساك لو انفرد تعلق به الضمان، وكذلك القتل لو انفرد، فإذا اجتمعا تعلق الضمان بهما كما لو جرحا صيدًا، ويفارق إمسال الآدمي، لأنه لو انفرد لا يتعلق به الضمان.
[213/ ب] وهكذا الحكم في المحل إذا أمسك صيدًا في الحرم ثم جاء آخر فقتله يجب الجزاء وعلى من يجب، فيه وجهان.
وقال القاضي الطبري: لم يرد أصحابنا على هذا، ولا أعرف كلتا المسألتين للشافعي الذي يجب عناي على أصل الشافعي، أن يجب الجزاء على المحرم في المسألة الأولى، لأنه ضمنه باليد، ولكن إذا أحرمه رجع به على الحلال، لأنه هو المتلف له، وهو السبب في وجوب الضمان عليه، والحكم في كيفية الرجوع كما بيناه في الحلال إذا حلق رأس المحرم بغير أمره مكرهًا، أو نائمًا.
وفي المسألة الثانية، كل واحد منهما صار ضامنًا له، أمّا الممسك فقد ضمنه باليد.
وأمّا القاتل فقد ضمنه بالإتلاف، فكل واحد منهما مخاطب بالغرامة، والضمان، فإن أخرج الممسك رجع على المتلف لأنه هو المباشر لإتلافه وإن أخرج القاتل لم يرجع به على الممسك كما نقول فيمن غصب مالًا فجاء آخر وأتلفه في يد الغاصب لصاحبه أن يغرم أيهما شاء فإن غرم الغاصب رجع على المتلف وإن غرم المتلف لم يرجع على الغاصب، وقيل: ما قاله القاضي في المسألة الثانية، أقيس.
وما قاله سائر أصحابنا في المسألة الأولى، أقيس.
فرع آخر صيد الحرم محرم مضمون على كل أحد كصيد الحل مضمون على المحرم، فيلزمه الجزاء ويتخير بين الأنواع الثلاثة.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يدخل الصوم في جزائه، وهذا غلط، لأن ما ضمن به الصيد في حق المحرم ضمن صيدًا يحرم كالهدي والإطعام.
وقال داود: لا جزاء في صيد الحرم، وهذا غلط، لأن هذا الصيد ممنوع من قتله لحق الله تعالى فأشبه الصيد [214/ أ] في حق المحرم.

الجزء: 4 - الصفحة: 52

فرع آخر لو ملك الحلال صيدًا في الحل ثم أدخله الحرم حل له ذبحه وأكله والتصرف فيه بالبيع والهبة.
وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له التصرف فيه، ويلزمه الجزاء بقتله، وهذا غلط، لأنه ملكه أدخله الحرم كما لو قلع شجرة من الحلّ وأددخلها الحرم.
مسألة: قال: ومن قطع من شجر الحرم شيئًا جزاه.
الفصل لا يجوز قطع شجر الحرم والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهمء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشٍد"، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر، إلا الإذخر"، فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، وقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اكتبوا لأبي شاه"، يعني هذه الخطبة.
وقوله: "لا يعضد"، أراد: لا يقطع.
والعضد: القطع.
وقوله: لا ينفر، يعني: لا يتعرض له بالاصطياد.
وقال سفإن بن عيينة: معناه أن يكون الصيد أيضًا في ظل الشجرة، فلا ينفره الرجل ليقعد، فيستظل مكانه، والمنشد: المعرف.
وروى ابن عباس في هذا الخبر: لا يختلى خلاؤها، والخلا: الحشيش، فإذا تقرر هذا، فهو مضمون على المحرم والمحل [214/ ب].
وقال مالك وداود وأهل الظاهر وأبو ثور: هو ممنوع منه، ولكن لا يلزم الجزاء بقطعه.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن الشافعي قال في "القديم ": لا جزاء إلا في ذي روح، وهذا غلطء لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة والجزلة: الصغيرة.
وقال ابن الزبير في "الكبيرة ": بقرة وفي "الصغيرة ": شاة، ولا مخالف لهما.
فرع الشجر الذي أنبته الله تعالى في الموات في الحرم حكمه ما ذكرنا، وكذلك لو أنبته الله تعالى في الأملاك، ويريد ههنا: ضمان القيمة للآدمي، ولو غرسه الآدمي في موات

الجزء: 4 - الصفحة: 53

الحرم ظاهر المذهب، أنه يلزم فيه الجزاء، ومن أصحابنا من قال: لا جزاء فيه، لأن ما كان من غرس الآدمي نهو كالحيوان الأهلي.
وأشار الشافعي إلى هذا في "الإملاء"، لأنه قال: ومن قطع من شجر الحرم فعليه الجزاء لأنه لا مالك له، وقيل: هذا لا يدل على ما ذكره هذا القائل، وإنما علل بهذا في وجوب الجزاء خاصة، لأن في الجر المملوك يجب مع الجزاء القيمة.
وقال أبو حنيفة: ما نبته الآدميون يجوز تطعه وما لا نبته الآدميون ينظر فيه، فإن أنبته أدمي جاز قطعه، وإن نبت بنفسه لم يجز قطعه لظاهر الخبر الذي ذكرنا، ولم يفرق، ولأنه شجرة نابتة غير مؤذية نبت أصلها في الحرم، نوجب أن يحرم قطعها أصله ما نبت بنفسه مما لا ينبته الآدميون.
فرع آخر الجزاء إنما يجب في الشجر الذي يكون غضًا لا شوك فيه كالبلوط وشجر الجبال، فأما إذا قطع شجرة يابسة، فلا جزاء فيه، لأنها بمنزلة الصيد الميت، وكذلك [215/ أ] لو قطع الشوك والعوسج، فلا جزاء أيضًا، لأنه يؤذي كالسبع والبهائم المؤذية.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: لو كانت الشجرة قد انتشرت أغصانها ومنعت الناس الطريق وآذتهم، يجوز أن يقطع منها ما يؤذي.
فرع آخر قال الماسرجسي: الأشجار الثابتة في الحرم ضربان: ضرب أنبته الآدميون مثل الكمثرى والتفاح، ونحوهما مما يتولى بنو آدم زراعته وغرسه لا جزاء فيه.
هكذا ذكره الداركي من أصحابنا، وأهل خراسان.
وهذا خلاف مذهب الشافعي، لأنه أطلقه من غير تفصيل وعليه أكثر أصحابنا، ونص عليه في "القديم" فقال: ويقطع السواك من فرع الشجرة ويأخذ الثمر والورق فيه للدواء إذا كان لا يميته، فدّل هذا على أنه يلزم الجزاء في الثمرة.
وقال أبو حامد: فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان.
والثاني: يلزم فيه الجزاء قولا واحدًا.
فرع آخر لو حمل من الحل شجرة وأنبتها في الحرم لا جزاء فيها لأن ذلك، ليس من شجر الحرم وإنما شجر الحرم ما نبت أصله فيه، وهو كما لو أدخل صيدًا في الحرم لا يحرم ذبحه.
فرع آخر لو قلع شجرًا من الحرم وغرسه في الحلّ، فإن مات يلزمه الجزاء، وان نبت وجب

الجزء: 4 - الصفحة: 54

عليه قلعه ونقله إلى الحرم وغرسه فيه، فإن نقله وغرسه ونبت، فلا شيء عليه، وإن مات فعليه الجزاء، فإن جاء غيره فقلعه من الحل، فمات يضمنه القالع بإلجزاء، فإن قيل: أليس قلتم لو نفر صيدًا من الحرم حتى رجع إلى الحلّ فاصطاده صائد في الحل لا يضمن؟ فقولوا: في الشجر مثله!! قلنا: الاعتبار في الشجر بمنبته وقد ثبت له حكم الحرم، ولهذا يجب ردّه إليه، [215/ أ] لأن الشجر لا ينتقل من محل إلى محل، وليس كذلك الصيد، فإن الاعتبار فيه بنفسه، لأنه تارة يكون في الحل وتارة يكون في الحرم، فإذا فارق الحرم لم يثبت له حكمه، ولهذا لا يجب ردّ الصيد إلى الحرم، لأنه يقدر على الرجوع بنفسه إلى الحرم.
فرع آخر لو قلع شجرة من الحرم وغرسها في موضع آخر من الحرم، فإن نبت في الموضع الذي حولها إليه، فلا شيء عليه، وإن لم ينبت فعليه الجزاء، ولأن عليه نقلها إلى موضعها لأن حرمة جميع الحرم واحدة.
فرع آخر لو نبتت شجرة بعض أصلها في الحلّ.
والثاني في الحرم فالحكم فيه كما لو كان كل أصلها في الحرم تغليبًا للتحريم.
فرع آخر لو كان أصلها في الحرم وأغصانها في الحلّ فقطع غصنًا منها يلزم الجزاء اعتبارًا بأصلها، ولو كان على هذا الغصن صيدًا يعتبر مكان الصيد في وجوب الجزاء، فإن كان في الحرم يلزم الجزاء، وإن كان في الحل لا جزاء.
فرع آخر في كيفية الجزاء، قال الشافعي في "الإملاء": القياس أن يلزم فيها القيمة، ولكنا تركناها لما روينا عن الصحابة، ففي الصغير شاة، وفي الكبير بقرة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الكبير بقرة، وفي أصغر منها شاة، وفي أصغر منها قيمته.
وقال أبو حنيفة: لا يتعذر الجزاء فيها ويضمن بقيمتها.
فرع آخر لو قطع غصنًا منها، قال الشافعي في موضع: فيه درهم وليس هذا بمذهبه، بل حكاه عن قوم ومذهبه فيه، أنه يلزمه ما نقص من قيمته أن لم يستخلف كما لو جرح صيدًا، وإن استحلف، فيه قولان: أحدهما: لا شيء عليه، لأنه عاد إليه كالذي كان وقد قال الشافعي في "القديم": ويقطع السواك من فرعها، وأراد إذا كان مما يستخلف.
والثاني: يلزمه ضمانه، لأن الذي عاد غير الذي أتلفه [216/ أ].

الجزء: 4 - الصفحة: 55

فرع آخر لو أراد أن يأخذ الورق للدواء والعلف والأغصان الرطبة لا لعطبة التي تحل محل الورق.
نص في "القديم": أن له ذلك.
وقال في "الإملاء": لا يخبط ورق الشجر للدواب، لأن عمر رضي الله عنه رأى رجلًا يخبط شجرًا في الحرم، فنهاه عنه، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف حالين، فالذي قال: له ذلك إذا أخرط أوراقها، ولا يفسد الأغصان الكبار، والذي قال: ليس له ذلك أراد إذا خبط أغصانها فخدش به الأغصان، والشجر ويضر بها وربما يكسرها.
وهذا لأن الورق مما يستخلف، فهو بمنزلة لبن الصيد لا يمنع منه المحرم كنتف ريش الطائر، لأنه يضر به ويمنعه الطيران بخلاف أخذ الأوراق.
وقال في "الحاوي": أن كان الورق جافًا يجوز أخذه وإن كان رطبًا لا يجوز، لأن فيه إضرارًا بالشجر، فإن فعل، ولم يمت الشجر فقد أساء ولا شيء لأنه استخلف مع بقاء الشجر، وكذلك أن أخذ مسواكًا من أراك.
فرع آخر حشيش الحرم، ممنوح من أخذه وبيعه إلا الإذخر، فإنه يجوز أخذه لما ذكرنا، فإن أخذ من غير الإذخر شيئًا فقد آساء، ونظر فإن كان مما استخلف، فلا جزاء عليه، وإن كان مما لا يستخلف، فعليه الجزاء، وهو ما نقصه بالقطع، وكذلك إذا قلعه من أصله، وإن استخلف ناقصًا ففيه ما نقص، وقيل: يتصدق عنه بشيء، ويفارق هذا النقص إذا عاد بعد القطع هل يلزم الجزاء؟ فيه قولان: وههنا قول واحد أنه لا جزاء لأن الأغصان لا تستخلف في غالب العادة بخلاف الحشيش، وهو كما قلنا في سن من لم يتغير إذا نبتت لا دية قولًا واحدًا.
وفي سن من قد تعد إذا نبتت قولان لهذا المعنى.
فرع آخر يجوز رعي حشيش الحرم، فيرسل [216 / ب] عليه الأغنام.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، لأنه لا يجوز إتلاف فلا يجوز أن يرسل عليه من يتلفه، وهذا غلط، لأن، الهدايا كانت تحمل إلى الحرم، وتكثر فيه، ولم ينقل: أنه كان يد أفواهها لئلا ترعى، ولأن بهم حاجة إلى ذلك فجاز كما قلنا في قطع الإذخر والعوسج، ولآن الناس كانوا يرعون بهائمهم فيه من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، ولم ينكر منكر.
وقد روى في خبر أبي هريرة رضي الله عنه إلا علف الدواب.
فرع آخر قال في "القديم" فأما ما، زمزم، فلا أكره الخروج به.
وقد روي أن سهيل بن عمرو

الجزء: 4 - الصفحة: 56

أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - راوية منه.
وروي أن عائشة رضي الله عنه كانت تنقل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحمله، وهذا لأن الماء يستخلف مكانه.
فرع آخر قال في "الجامع الكبير": ولا جبر في أن يخرج من حجارة الحرم ولا من ترابه شيء إلى الحل، لأن له حرمة.
وقال في "القديم ": وأكره أن يخرج من حجارة الحرم، أو ترابه شيء إلى غيره.
وقال: ورخص ذلك بعض الناس، واحتج بشراء البرام من مكة، والبرام في الحل على يومين وثلاثة من الحرم يريد به أن البرام ليست من حجارة الحرم، وهذا يدل على أنه يجوز ذلك ويكره.
وذكر بعض أصحابنا: ما يدل على أنه حرام، ولكنه لا يضمن، وهو خلاف المذهب.
وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما كانا يكرهان أن يخرج من تراب الحرم إلى الحل أو يدخل من تراب الحل إلى الحرم.
وروي عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: قدمت مع أمي ومع جدي مكة فأتينا صفية بنت شيبة، فأهدت لنا حجرًا من أحجار الدار [217/ أ] إكرامًا لنا، فأخرجناه من الحرم فمرضنا كلنا، فقالت أمي وجدي: ما أرانا أصبنا هذا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم وكنت أمثل القوم، فقالت لي: ردها إلى الحرم، وقل لصفية: أن الله وضع في حرمه شيئًا، فلا ينبغي أن يخرج منه، فرددته إليها، فلما رجعت إلى أصحابي فكأننا نشطنا من عقال.
مسألة: قال: وسواء ما قتل في الحرم أو الإحرام.
مفردًا كان أو قارنًا، فعليه جزاء واحد القصد به أن الحرمات الموجبات للفدية إذا اجتمعت تداخلت وصارت كالحرمة الواحدة، فإذا قتل صيدًا في الحرم والإحرام في الإفراد أو القران، يلزم جزاء واحد، وكذلك القارن إذا تطيب أو ليس يلزمه جزاء واحد.
وبه قال أحمد في أشهر الروايتين عنه.
وقال أبو حنيفة: يلزم القارن جزءان، وهذا غلط، لأن المقتول واحد، فلا يجب بقتله إلا جزاء واحد.
مسألة: قال: ولو اشتركوا في قتل صيد لم يكن عليهم إلا جزاء واحد.
إذا اشترك جماعة من المحرمين في قتل لا يلزمهم إلا جزاء واحد.
وبه قال عمر وابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وعطاء وحماد والزهري وأحمد واسحاق وأبو ثور.
وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم على كل واحد منهم جزاء كامل.
وبه قال الحسن والشعبي والثوري،

الجزء: 4 - الصفحة: 57

واحتجوا بأن هذه كفارة يدخلها الصوم ككفارة قتل الآدمي، وهذا غلط، لأن المقتول واحد، فيلزم بقتله جزاء واحد كما لو اشتركوا في قتل صيد الحرم يلزمهم جزاء واحد بالاتفاق.
وروي أن موالي لابن الزبير أحرموا فمرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم، فأصابوها، فأتوا ابن عمر رضي الله عنه، فذكروا ذلك له، فقال: عليكم كبش، فقالوا: على كل واحد منا كبش [217/ ب]، فقال: إنكم لمعزرتكم، أي: مشدد عليكم أن ألزم كل واحد منكم كبشًا عليكم جميعًا كبش، وأما كفارة قتل الآدمي.
قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي في كتاب "الشاهد واليمين": يلزمه كفارة واحدة والمشهور أنه يلزم على كل واحد منهم كفارة كاملة.
والفرق أن ذلك كفارة لا يختلف باختلاف المقتول من الصغير والكبير ولا ينقص، وهذا يشبه الغرامة من جهة البعض والاختلاف بالصغر والكبر، فيلزمهم واحد وعلى هذا المحل والمحرم إذا اشتركا في قتل صيد في الحل يلزم على المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المحل وعند أبي حنيفة يلزمه كل الجزاء.
مسألة: قال: وما قتل من الصيد لإنسان، فعليه جزاؤه للمساكين وقيمته لصاحبه.
قصد به الرد على مالك حيث قال: إذا قتل صيدًا مملوكا تلزمه القيمة لصاحبه ولا جزاء فيه بحال لأنه بملكه، خرج عن الصيد الوحشي إلى حكم الإنسي.
وبه قال المزني في "المنثور" وأصحاب مالك الآن ينكرون هذا من مذهبه، والدليل على ما ذكرنا أنه كفارة تجب بقتل الحيوان الذي ليس بمملوك، فجاز أن يجب بالمملوك ككفارة قتل للآدمي، ولأن الجزاء والقيمة حقان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، واحتج الشافعي بأن قال: لو جاز إذا تحولت حال الصيد عن التوحش إلى الاستئناس أن يصير حكمه حكم الأنفس جاز أن يضحي به ويجزي به ما قتل من الصيد، أي: يجعله جزاء إذا قتل وحشيًا مثله، ويجوز أن يقال: إذا توحش الإنسي من البقر والإبل أن يكون صيدًا في الحكم يجزئه المحرم، ولا يضحي به، وكل على أصله، أي: لا يتغير [218 /أ] حكم الوحشي بالاستئناسء ولا حكم الإنسي بالتوحش.
مسألة: قال: وما أصاب من الصيد فداه إلى أن يخرج من إحرامه.
قصد به بيان الإحلال الذي يبيح له قتل الصيد بلا جزاء وفسر خروجه من العمرة على القول المشهور أن الحِلاق من النسك، وكذلك الخروج من الحج ذكر على القول المشهور، وأفتى على ظاهر مذهبه أن قتل الصيد يحل بالخروج الأول من الحج وقد شرحنا ذلك وههنا إشكال وذلك أنه أجاب على أن الحلاق من النسك، ثم ذكر أن للعمرة خروجًا واحدًا، وللحج خروجين، وعلى هذا القول للعمرة خروجان أيضًا، فالأول، بالطواف والسعي.
والثاني، بالحلاق، فلو وطئ قبل الحلاق لا تفسد عمرته،

الجزء: 4 - الصفحة: 58

ولكن يلزمه بدنة كما لو وطئ بعد الوقوف في الحج لأنه أتى بمعظم أفعالها، وكان الأولى أن يذكر للعمرة خروجين أيضًا، ذكره الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج".
فرع لو رمى مُحِلّ في الحل إلى صيد في الحرم، فقتله يلزمه الجزاء، وكذلك إذا كان في الحرم والصيد في الحل فرماه، فقتله وجب عليه الجزاء لأن من كان في الحرم لا يجوز له قتل الصيد في الحرم ولا في الحل.
فرع آخر لو كان الحلال في الحل فرمى إللى صيد في الحل، فدخل السهم الحرم ونفذ إلى الحل وأصاب الصيد.
قال الشافعي: لا جزاء عليه لأن الرامي في الحلّ والصيد في الحلّ.
ومن أصحابنا من قال: عليه الجزاء، لأن السهم عبر على الحرم، فصار كأنه ابتدأ منه.
فرع آخر قال في "الإملاء": لو حس الحلال في الحل صيدًا له فرخ في الحرم، فمات الصيد والفرخ في الحرم، فمات الفرخ من الجوع يلزمه الجزاء في الفرخ دون [218/ ب] الأم، لأن الأم قتلها في الحل، فلم يضمنها، والفرخ مات بسبب من جهته في الحرم، فلزمه ضمانه.
فرع آخر قال: وإن كان الحلال في الحرم فحس طيرًا في الحرم، وله فرخ في الحلّ، فماتت الأم والفرخ وجب الجزاء فيهما، لأنه قتل الطير في الحرم، ومات الفرخ في الحل بسبب كان من جهته، وهو في الحرم، وقد قلنا: أنه لا يجوز أن يقتل صيدًا في الحل، وهو في الحرم، وحكي عن أبي ثور أنه قال: العبرة بكون الصيد في الحرم.
فرع آخر لو أرسل المحرم كلبه على صيد وهما في الحل فقتله كلبه وجب عليه الجزاء لأن الكلب بمنزلة الآلة له فإن قتل: إذا حرش كلبه على إنسان، فقتله، قلتم: لا شيء عليه، فما الفرق؟ قلنا: لأن الكلب يعلم الاصطياد، فهو آلة فيه وليس كذلك في قتل الإنسان فوزانه أن الحرس كان كلبًا غير معلم على الصيد، فلا جزاء عليه، لأنه لا يكون آلة له ولا فعله منسوبًا إليه.
فرع آخر لو كان حلالًا في الحرم، فأرسل كلبه على صيٍد في الحلّ، فقتله، فعليه الجزاء، وإن كان حلالًا، فأرسل كلبه على صيد في الحلّ، فدخل الصيد الحرم، فتبعه الكلب ودخل فيه، فقتله في الحرم.
قال الشافعي: لا جزاء عليه، لأنه إنما أرسله على صيٍد في الحل وعدوله إلى الحرم كان باختيار الكلب لا باختيار صاحبه ويفارق هذا الحلال

الجزء: 4 - الصفحة: 59

إذا رمى إلى صيد في الحل، وهو في الحلّ، فجاز السهم إلى الحرم، وقتل فيه صيدًا آخر يلزمه الجزاء، لأن السهم لا اختيار له.
فرع آخر لو وقف صيد بعضه في الحل وبعضه في الحرم فرمى من الحل، فقتله يلزمه الجزاء.
وهكذا لو كان جميع قوائمه [219 / أ] في الحرم ورأسه في الحل، فرماه فأصاب رأسه فقتله، يلزمه الجزاء.
وقال أصحاب أبي حنيفة: أن كان بعض قوائمه في الحرم ضمن، وإن كان جميع قوائمه في الحل لم يضمن.
فرع آخر لو كان طائر يطير في هواء الحرم كان كالواقف في الحرم يلزمه الجزاء.
فرع آخر لو نَفّر صيدًا في الحل وهو محرم، فأصابته آفة فمات بأن انتهشته حيّة أو جارحة غيرها، فعليه الجزاء نص عليه.
وكذلك المحل إذا نفر صيدًا من الحرم، فصدم حائطًا، أو شجرًا يلزمه الجزاء، وإن لم يصدمه مما لم يألف موضعًا من حل أو حرم حتى تلف ضمنه أيضًا، وإن ألف موضعًا خرج من ضمانه.
فرع آخر لا جزاء في صيد البحر بحال سواء كان البحر في حل أو حرم وسواء كان البحر كبيرًا، أو صغيرًا، سوا، كان الماء عذبًا أو أجاجًا.
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] الآية.
وصيد البحر ما لا يعيش إلا فيه، ومأواه فيه والسلحفاة من صيد البحر.
قال في "الأم": وطعامه عندنا ما ألقاه وطفا عليه، والله أعلم.
والآية لا تحتمل إلا هذا المعنى أو كون طعامه دواب تعيش فيه فتؤخذ بالأيدي بغير تكلف كتكلف صيده، وحكي عن الصيمري أنه قال: صيد الحرم حرام على الحلال، والمحرم وإن كان البحر في الحرم وصيد البحر في الحل لا يحرم على المحرم.
فرع آخر قال الشافعي: ولا يحرم قتل الصيد إلا صيد الحرم، وأكره قتل صيد المدينة.
قال أصحابنا: هذه الكراهية كراهية تحريم.
وبه قال مالك وأحمد: فيحرم صيدها، وقطع شجرها ولم يذكروا خلافًا.
وقيل: ظاهر كلام الشافعي كراهية التنزيه، لأنه قال: لا يحرم إلا صيد [219 / ب] الحرم.
وحكى عن أبي حنيفة هذا، واحتج بأنه لو كان محرمًا لنقل تحريمه نقلًا عامًا مستفيضًا، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه

الجزء: 4 - الصفحة: 60

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حرم إبراهيم مكة وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاؤها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد".
وروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، وهما جبلان لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاؤها إلا رجل يعلف بعيره ". وأمّا ما ذكروه لا يصح، لأنه يجوز أن ينقل نقلًا خاصًا، وإن كان شرعًا ظاهرًا كالأذان والإقامة.
فرع آخر لو خالف وقتل فيها صيدًا، قال في "الجديد": لا جزاء عليه.
وبه قال مالك، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلا يضمن صيده كالعرج، وهو وادٍ بالطائف، وقرب اليمن.
وقال في "القديم ": يلزمه الجزاء فيه.
وبه قال أحمد وابن أبي ذئب.
فرع آخر إذا قلنا بقوله "القديم "، فالجزاء أن يسلب القاتل لما روي أن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى رجلًا يصيد بالمدينة، فأخذ سلبه، وروي: فسلبه ثيابه، فجاءه مواليه فكلموه فيه، فقال: لا أرد طعمة أطعمنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: "من وجدتموه يقتل صيدًا في الحرم، فاسلبوه، فإن أردتم ثمنه، فخذوه".
وروي أنه قال: هذا شيء طيّبه لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا أعطيه لأحد، ولكن خذوا من مالي ما شئتم.
وروي أنه قال: واته لا أردها.
ومن قال بقوله الجديد أجاب عن هذا بأن هذا كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات بأخذ المال، [220/ أ] ثم نسخ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه جزاؤه مثل جزاء صيد مكة.
فرع آخر إذا أخذنا سلبه، قال ابن المرزبان: يحتمل أن يقال: يكون للسالب للخبر الذي ذكرنا، وهو اختيار القاضي الطبري، ويحتمل أن يكون لفقراء المدينة كجزاء صيد الحرم في مكة لأهلها من الفقراء.
فرع آخر إذا قلنا بالسلب، ففي حليته وزينته كالخاتم والطوق والسوار وجهان.
وأمّا ثيابه وأفراسه للسالب وجهًا واحدًا حكمه حكم سلب الكافر إذا قتل مقتلًا في الحرب، ولو كانت عليه ثياب مغصوبة لا تؤخذ.

الجزء: 4 - الصفحة: 61

فرع آخر قال بعض أصحابنا: لو كان على القاتل سراويل أخذ منه، وقيل له: احتل فيما تستتر به.
وذكر في "الحاوي": أنه يترك عليه ما يستر عورته، وهذا أقرب عندي.
فرع آخر قال في "الإملاء": أكره صيد وج وقال أصحابنا: يكره ذلك كراهية تحريم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن صيد وج حرام محرم" لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا نص فيه أنه يلزم الجزاء بقتل صيده، وظاهر المذهب أنه لا يلزم أصلًا.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون تحريمه على سبيل الحمى كنوع من منافع المسلمين، ويحتمل أن يكون إلى وقت معلوم، ثم نسخ، لأنه روى أنه قال ذلك قبل نزوله الطائف، وذلك أن عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزلوا بالطائف وحصلوا أملها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيٍد.
قال الإمام أبو سليمان: ولا وجه إلا هذا.
فرع آخر البقيع موضع حماة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجوز الاصطياد فيه، ولا يجوز للأغنياء أن يحتشوا من حشيشه، فمن احتّش، فعليه غرمه، ذكره أصحابنا [220/ ب].
فرع آخر مكة أفضل عند الشافعي من جميع البقاع.
وقال مالك: المدينة أفضل.
وبه قال أهل المدينة، وهذا غلط، لأن مكة حرم الله تعالى، والمدينة حوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي أفضل، ولأن الصلاة فيها أفضل من غيرها.

باب جزاء الطائر

مسألة: قال: والطائر صنفان: حمام وغير حمام.
الفصل الطائر ضربان: مأكول وغير مأكول.
فأمّا غير المأكول فلا جزاء فيه سواء كان مما يصطاد، كالبازي والصقر ونحوهما، أو لا يصطاد كالحدأة والغراب، وعند أبي حنيفة: يلزم الجزاء في غير المأكول.
وأمّا المأكول، ففيه الجزاء إذا كان وحشيًا، أو يتولد من وحشي وأهلي، وهو على ثلاثة أضرب حمام، ودونه وفوقه، فأمّا الحمام، فالواجب فيه شاة سواء كان حمام مكة أو حمام غير مكة إذا قتله محرم.
قال الشافعي: والقياس أن تجب فيه القيمة، ولكن أوجبت فيه شاة إتباعًا لأقاويل الصحابة.
وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ونافع بن عبد الحارث

الجزء: 4 - الصفحة: 62

وعاصم بن عمر وسعيد بن المثيب رضي الله عنهم، وهو قول أحمد، وقال أبو حنيفة: تجب فيه قيمته.
وقال مالك: يلزم في حمام الحرم شاة وفي حمام الحل القيمة، واحتج بقول ابن عباس رضي الله عنهما في كل شي، ثمنه إلا حمام مكة، وهذا غلط، لأنه حمام مضمون بالجزاء، فتجب فيه شاة كحمام الحرم.
وأما قول ابن عباس روينا عنه أنه قال: فيه شاة مطلقًا، ثم القياس مقدم على قوله [221/ أ].
وروي عنه أنه قال: في حمامة الحل شاة.
وروي عن نافع بن عبد الحارث، قال: دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة يوم الجمعة، فدخل دار الندوة يستقرب [منها] الرواح، فوضع رداءه على واقف في البيت، فوقعت عليه حمامة فنفرها مخافة أن تنجسه، فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة، فماتت، فدخلت عليه أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: إني قد فعلت اليوم شيئًا، فاحكموا فيه.
قلنا: وما هو قال: دخلت دار الندوة لأستقرب [منها] الرواح، فطرحت ردائي على واقٍف في البيت، وروى: فعلق رداءه على وتد، فوقعت عليه حمامة فنفوتها فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة وأوى أن علي جزاؤها، لأني نفرتها من موضعها الذي كانت فيه إلى موضع كان فيه حتفها، فقال نافع: ترى أن نحكم على أمير المؤمنين بعنز ثنية عفراء، فقال: نعم، فحكمنا عليه بذلك، فرضي به عمر رضي الله عنه.
وروى: فحكموا عليه بشاة وروي أن رجلًا قال لابن عمر رضي الله عنهما: إني أغلقت بابًا على حمامة وفرخها في الموسم، فرجعت وقد متن، فقال: عليك بثلاث شياه.
فرع قال الشافعي: والحمام كل ما عبّ وهدر، والهدير: تغريده وترخية صوته نسقًا متتابعًا، والعبّ: عبّ الماء إذا شربه، فإن الحمام يشرب الماء جرعًا وسائر الطيور تشرب قطرة قطرة كشرب الدجاج، فليس بحمام.
وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، واليمام ما كان أهليًا يألف البيت.
قال الشافعي: والقماوي والدباسي والفواخت والسقاس حمام، [221/ ب] وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، فدخل تحت هذا ما ذكرنا والقطا والورشان مثله.
وقد كان من العرب يقول: حمام الطير ناس الطير، أي يعقل عقل الناس، وذكر

الجزء: 4 - الصفحة: 63

العرب الحمام في أشعارهم تشبيهًا بالناس، وكان الحمام عند العرب أشرف الطائر وأعلاه ثمنًا، وكانت تألف منازلهم، ويقولون: أعقل الطائر وأجمعه للهداية، وكانوا يستمتعون بأصواتها، وهدايتها، وكانت مع ذلك موكولة، فقالوا: فيها شاة لهذا المعنى.
فرع آخر الشاة الواجبة في الحمام، هل وجبت توقيفًا أم من جهة المماثلة والشبه؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المنصوص وجبت إتباعًا للأثر.
والثاني: وجبت من حيث الشبهة والمماثلة، لأن فيهما إنسا وألفًا ويعبّان في الماء عبًّا.
فرع آخر في فرخ الحمام شاة صغيرة، هكذا ذكر أكثر أصحابنا، وهو المذهب.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: فيه شاة كما في أمه.
والثاني: فيه ولد شاة صغير راضع أو فطيم، يكون قدر بدنة من الشاة بقدر بدن الفرخ من أمه وهذان الوجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في الشاة الواجبة فيه، هل وجبت توقيفًا أم من طريق الشبه؟.
وأما ما دون الحمام، كالقنابر والعصافير، ففيها قيمتها، ولا يتصدق بالقيمة بل يشتري بها طعامًا على ما ذكرنا وكذلك البلابل ونحوها.
وقال داود: لا يجب ضمانها، أن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فدل على أن ما لا مثل له لا يضمن، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وهذا صيد.
وروي عن عمر رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه [222/ أ]، أنهما أوجبا الجزاء في الجراد.
وروي أن مروان سأل ابن عباس عن الصيد يصيده المحرم ولا مثل له من النعم، فقال: عليه ثمنه يهدى إلى مكة، وأما الآية فلا حجة فيها، لأنا نقول في وجوب الجزاء بما له مثل، وليس فيها حكم بالأمثل له وعرفنا حكمه بدليل آخر.
فرع قال في "الأم": والصرد طائر دون الحمام، ففيه قيمته.
وروي أنه سأل عطاء عن ذلك، فقال: لا أدري هو أصغر من الحمام أو أكبر، فإن كان أكبر، ففيه شاة.
قال الشافعي: وأنا رأيته، فهو أصغر من الحمام، وفيه قيمته، وقيل: الصرد من جوارح الطير يصطاد العصافير ذكره البندنيجي.

الجزء: 4 - الصفحة: 64

فرع آخر ظاهر قوله في "الأم" أنه يؤكل الهدهد وفيه قيمته، لأنه ليس بذي مخلب وإنما له منقار.
فرع آخر قال في "الأم": الوطواط فوق العصفور ودون الهدهد، ففيه أن كان مأكولًا قيمته.
وذكر عن عطاء أنه قال: فيه ثلاثة دراهم، وأمّا ما هو أكبر من الحمام كالحبارى والكركي والكروان والبطوط ونحو ذلك.
قال الشافعي في موضع من "الجديد" ما لا يقع عليه اسم حمامة، فما دونها أو فوقها، ففيه قيمته في الموضع الذي يصاب فيه.
وقال في "القديم": فيها شاة، لأن الشاة إذا وجبت في الحمام كان وجوبها فيما هو أكبر منها أولى تحصل قولان، ووجه الأول أن القياس في الحمام القيمة أيضًا، ولكنا تركناها للآثار، ففي الثاني على موجب القياس، فإن قيل: البّط من صيد البحر، وقد قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] قيل: هو من صيد البر، ويأوي إلى البر ويرعى في البحر تعيشًا بالسمك [222 /ب].
فرع الإوز كالبط سواء، وذكر في "الحاوي": أنه ينظر فيه، وفي البط فإن كان نهض طائرًا بجناحيه، فلا يكون صيدًا، وهو كالدجاج.
وهذا هو القياس، وقول الشافعي متأول عندي.
فرع آخر قال في "القديم ": الفنج كالحمامء وقال أصحابنا: أن كان يشرب الماء عبًا، فهو كما قال، وإن كان يأخذ قطرة قطرة، فهو على القولين على ما ذكرنا.
فرع آخر يلزم الجزاء في الدجاج الحبشي لأنه وإن تأنس فهو وحشي الأصل بغير أصله ويسمى بعداد الدجاج السندية، ويشبه الدجاج.
وحكي عن أحمل أنه قال: لا جزاء فيه، وهكذا التذرح والدراج وطير الماء الذي يؤنس وفي قدر الجزاء قولان، لأنها أكبر من الحمام.
فرع آخر ما تولد من وحشي وأهلي كالمتولد من بين القبج والدجاج والدراج والدجاج يلزم فيه الجزاء سواء كان الأب وحشيًا أم الأم.

الجزء: 4 - الصفحة: 65

فرع آخر الحمام الأهلي الذي يسمى [الزاعبي]، وهو ما يكون في المنازل مستأنسًا، ولا ينهض طائرًا فيه وجهان: أحدهما: أنه من جملة الحمام للاسم.
والثاني: لا جزاء فيه، لأنه أنيس كالدجاج وهو اختيار ابن أبي صريرة ذكره في "الحاوي".
فرع آخر إذا قتل المحرم جاموسًا لا جزاء عليه، لأنه من النعم، ولهذا لا تجب الزكاة فيه.
مسألة: قال: وما أصيب من الطير، ففيه قيمته في المكان الذي أصيب فيه.
قد ذكرنا أن الصحيح فيما لا مثل له أن يقوم في موضع الاتلاف.
وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في بعض أماليه: يقوم بمكة.
مسألة: قال: وقال عمر لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك، قال: درهمين، [223 / أ] قال: بخ بخ، درهمان خير من مائة جرادة.
الجراد مضمون بالجزاء، ويلزم قيمته.
وبه قال عمر وابن عباس وكافة العلماء.
وقال أبو سعيد الخدري: لا جزاء فيه.
وبه قال عروة وابن الزبير وداود، واحتجوا بأنه من صيد البحر لأنه أول ما خلق خرج من منخر حوت، فهو بحري.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسياطنا، وعصينا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلوه فإنه من صيد البحر"، وهذا غلط، لأن الجراد من صيد البر مشاهدة، فصار ممنوعًا بحرمة الحرم يلزم الجزاء بقتله.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لكعب في جرادتين ما ذكرنا، وقال له: أفعل ما جعلت في نفسك، يريد به تأويل قوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95].
وقال عمر رضي الله عنه: في جرادة تمرة.
وقال ابن عباس: في جرادة تصدّق بقبضة طعام وليأخذن بقبضة جرادات.
وفي هذا إيهام الإباحة، وليس هذا مراده، ولكنه أراد أن يبين حكم القبضة كما بين حكم الجرادة.
قال الشافعي: فدل ذلك على أنهما رأيا في ذلك القيمة وأمر بالاحتياط إلى

الجزء: 4 - الصفحة: 66

إخراج ما يعلم أنه أكثر قيمة من المتلف، وأمّا ما ذكروا من ابتداء خلقه، قلنا: لا اعتبار بهذا، بل الاعتبار يكون جنسه بريًا أو بحريًا، وقيل: الخيل كانت متوحشة.
فأنسها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولا يجب الجزاء بقتلهما.
وأما خبر أبي هريرة رواه أبو المهزم، وقد تكلم فيه سبعة ثم نحمله على ما لو سد عليه طريقه في قول، وهكذا الجواب أن رووا مطلقًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المحرم يقتل الجراد، [623 / ب] فقال: "هو من صيد البحر"، وهذا تأويل بعيد، والخبر مذكور في صحيح أبي عيسى فيلزم القول به.
فرع لو افترس الجراد في الطريق حتى لا يمكنه سلوكه إلا بوطئه وقتله، وأما في "الأم" إلى قولين: أحدهما: لا جزاء.
وبه قال عطاء لأنه ألجأه إلى قتله كالصيد إذا صال.
والثاني: يلزمه الجزاء إلا أنه قتله لمنفعة نفسه كما لو اضطر إليه فقتله، ويمكنه المشي في طريق آخر.
فرع آخر قال في "الأم": والدباء جراد صغار، ففي الدباءة منه أقل من تمرة أو لقيمة صغيرة إن شاء وما فديت به، فهو خير منها.
وقال في موضع: في الدباءة نصف ثمرة وكل ما فداها به فهو خير.
فرع آخر جراد الحرم حرام على المحرم والمحل، وتلزم الفدية محليهما بقتله، وحكي أن رجلًا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك، فقال: مضمون، فقال: أن قومك يأخذونه وهم محتبون في المسجد، فقال: أن قومي لا يعلمون.
فرع آخر قال في "المناسك الكبير": وإذا كسر بيض الجراد فداه وما فداه به كل بيضة منه من طعام، فهو خير منها وإن أصاب بيضًا كثيرًا احتاط حتى يعلم أنه أدى قيمته أو أكثر من قيمته قياسًا على بيض كل صيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 67

فرع آخر قال أبو حامد في "الجامع": والذي للمحرم حمل للبازي وكل صائد فإن حمله فأرسله على طير فقتله يلزمه الجزاء وإن أرسله فلم يقتله، فلا جزاء، وإن انفلت من غير إرساله فقتله لا جزاء فرط أو لم يفرط.
فرع آخر قد ذكرنا أن المحرم ممنوع من الاصطياد، فإذا اصطاد صيدًا لم يملك لأنه حصل في يده بسبب محرم وعليه إرساله، لأنه تعدى بأخذه ولو تلف في يده يلزمه ضمانه، لأن يده يد تعدي كيد الغصب، ولو أرسله حتى لحق الوحش زال عنه الضمان كما لو ردّ [224/ أ] المغصوب إلى المغصوب منه، ولو أحرم وفي ملكه صيٍد، فيه قولان، نص عليهما في "الإملاء": أحدهما: لا يزول ملكه.
وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة، لأنه ملكه فلا يزول بإحرامه كاستمتاع زوجته أو لأن الحج عبادة فلا تزيل ملك الصيد كالصوم.
والثاني: يزول ملكه، وهو الأظهر، لأنه معنى لا يراد للاستدامة والبقاء منع الإحرام أم من ابتدائه فمنع من استدامته كاللباس، ويفارق النكاح، لأنه يراد للبقاء والدوام، وكذلك الطيب.
فرع آخر إذا قلنا بالأول: يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحي، فإن مكه إرساله، فلم يرسله فمه حتى إذ مات حتف أنفه أو أتلفه متلف لزمه ضمانه، وإن أرسله أخر من يده لم يلزمه الضمان، وعند أبي حنيفة، أنه يلزمه الضمان.
وهذا مبني على أمله، أنه لم يزل ملكه عنه، وإن أتلفه من كان في ملكه ضمه سواء أمكنه إرساله أو لا.
فرع آخر إذا حل من إحرامه المنصوص في "الإملاء": أنه لا يعود ملكه ويلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة، لأنه كان متعديًا بإمساكه فلا يزول التعدي إلا بإرساله وعلى هذا لو لم يخله وقتله أو مات، يلزمه الجزاء، ولأنه لا خلاف أنه إذا اصطاد في الإحرام، ثم حل من إحرامه يلزمه تخليته حتى يصير ممتنعا بنفسه، كذلك ههنا.
وقال أبو إسحاق: عاد ملكه بإحلاله ولا يلزمه إرساله كالعصير إذا صار خمرًا، ثم إذا عادت خلّا عاد ملكه، وهذا لأنه زال ملكه بسبب إحرامه، وقد زال إحرامه، فوجب عود ملكه.
فرع آخر إذا قلنا بالقول الآخر: يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة ولا تزال يداه عنه لا يد الحكم ولا يد المشاهدة إلا أنه [224 /ب] لا يجوز له ذبحه، فإن ذبحه يلزمه الجزاء،

الجزء: 4 - الصفحة: 68

وإن أرسله غيره كان هو أحق به، فإن ضاع وجب في المرسل قيمته، وإن حلّ من إحرامه حلّ له ذبحه ولم يجب جزاؤه عليه، لأنه ملكه فلا تزال يده عنه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزم إزالة يد المشاهدة عنه دون الحكمية، فلو سلمه إلى الغير ليحفظه له جاز، وكذلك لو أرسله في داره أو في بيته كفاه، لأن إمساكه بيده فعل منه في الصيد، وهو محرم، فلا يجوز كالذبح، وهذا غلط، لأنه إذا لم يلزم إزالة يد الحكمي لا يلزم، إزالة يد المشاهدة كسائر أملاكه ويخالف القتل لأنه إتلاف له ممتنع كما يمنع من استعمال الطيب دون إمساكه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه إرساله؟ قولان، فإذا قلنا: يلزمه إرساله، هل يزول ملكه؟ قولان.
فرع آخر لو وهب للمحرم صيد، لا يجوز له أن يقبله، فإن قبله لم يملكه وعليه إرساله، وإن لم يرسله حتى مات يلزمه الجزاء، نص عليه في "الإملاء".
وقال أصحابنا: معنى قوله: يلزمه إرساله أي: ردّه لصاحبه، وكذلك إن اشتراه لم يملكه وإن قبضه ضمنه بالجزاء أو القيمة إلى صاحبه، لن البيع يقتضي الضمان دون الهبة.
ومن أصحابنا من قال: قول الشافعي: عليه إرساله يدلّ على أنه ملكه بالهبة، ولهذا أمره بإرساله، وهذا غلط، لأنه ما أراد ما ذكرنا وهو صريح في لفظه، ثم قال أصحابنا: إذا ردّه إلى بائعه أو واهبه سقط عنه الضمان للآدمي في البيع، ولكن لا يزول عنه حكم الجزاء لله تعالى حتى يرسله، فيمنع ويتوحّش ويلزمه ذلك، فإن قيل: إذا لم يزل ملك مالكه عنه بالبيع والهبة كيف يجوز له إرساله ليتوحش؟ قلنا: سقط حق البائع والواهب في ذلك، لأنه كان في السبب في ثبوت يد المحرم عليه [225/ أ]، وإيجاب إرساله عليه، ويحصل للبائع بدله إذا أرسله هو، فيكون جامعاً إبقاء حق الله تعالى وإبقاء حق الآدمي، فهو كالمضطر يأكل مال غيره بالبدل ذكره في "الشامل"، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يملك بالشراء والإيهاب؟ قولان، كما لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، هل يصحّ الشراء؟ قولان، وعلى كلا القولين، يلزمه إرساله ولو باعه من الغير وصحّحنا شراءه صحّحنا بيعه، ولكنه في ضمانه إلى أن يرسله المشتري، فحينئٍ يخرج من ضمانه وما تقدم أصحّ لما ذكرنا من خبر الصعب بن جثامة، وإن قبول البيع والهبة سبب يملك به الصيد، فيمنه منه المحرم كالاصطياد.
فرع آخر لو مات مورثه وله صيد، وهو محرم، هل يرث الصيد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرثه لأن الإرث جهة من جهات التملك، فلا يملك بها المحرم الصيد كالبيع والهبة.
والثاني: يرثه ويملك، لأنه يحصل هذا الملك بغير اختياره وهو كما يملك الكافر

الجزء: 4 - الصفحة: 69

العبد المسلم بالإرث دون الشراء وكذلك المجنون يملك بالإرث دون الشراء.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه غلظ حكم المحرم في باب الصيد، ما لم يغلظ في غيره، فجعل المحرم في الصيد كالابن القاتل في الميراث، وعلى هذا يكون الصيد لباقي الورثة.
وقال القافي الطبري: هذا على الوجه الذي يقول: ملكه لا يزول عن الصيد، فأما إذا قلنا: يزول ملكه، فلا يرثه لأنه إذا منع استدامة الملك منع الإرث.
ومن أصحابنا من قال: هل يملكه في الحال؟ وجهان: أحدهما: بلى.
والثاني: يكون موقوفًا على ملك الميت حتى يحل، فإذا حل ملكه.
فرع آخر [225/ ب] إذا اشترى صيدًا وهو حلال من حلال، ثم أحرم البائع ثم وجد به عيبًا، فأراد رده عليه جيء ذلك على مسألة الإرث، فإن قلنا: يرثه رده عليه، لأنه يرده إلى ملكه بغير اختياره، موان قلنا: لا يرثه، فيه وجهان: أحدهما: يرده لأنه حق المشتري، فلا يسقط بإحرامه.
والثاني: لا يرده.
ثم قال القافي الطبري ههنا: يرد عليه الثمن ويوقف الصيد حتى يتحلل ثم يرد عليه.
وقال غيره: هذا بعيد، لأنه إذا ملك المشتري الثمن بالاسترداد، وزال ملكه عن الصيد ينبغي أن يعود إلى البائع، وينبغي أن يقال: المشتري بالخيار بين أن يقف حتى يتحلل ثم يرده أو يرجع بأرش العيب لتعذر الرد في الحال.
فرع آخر لو باع الحلال صيدًا من حلال بثمن ثم أفلس المشتري والبائع أحرم والصيد باقٍ بحاله لا يجوز له الرجوع فيه، لأنه ممنوع من تملك الصيد ابتداء باختياره.
فرع آخر لو استعار المحرم صيدًا من محل فتلف في يده فعليه الجزاء والقيمة، ولو استعار المحل صيدًا من المحرم، فتلف في يد المستعير، فإن قلنا: زال ملكه، فعلى المحرم المعير الجزاء، ولا قيمة على المستعير المحل، لأنه خرج من ملك المستعير، وإن قلنا: لم يزل ملكه فلا جزاء على المحرم المعير، لأنه لا يضمنه إلا بالجناية وعلى المستعير المحل القيمة، لأنه عارية مملوكة، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو كان لرجل على آخر صيد فوكل محرمًا بقبضه فقبضه، هل يصحّ القبض؟ نظر، فإن كان الصيد معينا في يد المقبوض منه، ففي جوازه على معنى سقوط المطالبة عمن كان في يده، ويحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز كما لا يجوز شراءه لنفسه أو بوكالة.

الجزء: 4 - الصفحة: 70

والثاني: يجوز، لأنه من أهل ملك [226/ أ] الصيد فصح منه قبضه كالحلال، وهذا خارج على القول الذي يقول: لا يزول ملكه عن الصيد بالإحرام، وإن كان الصيد في الذمة فعينه من عليه يدفعه إلى الوكيل المحرم هل يبرأ وجهان، ذكره والدي رحمه الله.
فرع آخر قال الشافعي: لو خلصت حمامة من فم هرة أو سبع أو شقّ حائط لحجت فيه، أي: تعسرت أو أصابها لدغة فسقاها ترياقًا أو غيره ليداويها به، فماتت لم يضمن لأنه أراد إصلاحها ومداواتها، ولو قال رجل: هو ضامن لها، لأنه وإن كان أراد إصلاحها فقد تلفت في يده فضمنها باليد كان وجهًا محتملاً.
قال أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: لا ضمان.
وبه قال عطاء، وهو الصحيح.
والثاني: يلزمه الضمان.
وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر قال: روي عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: بيضة حمامة وجدتها على فراشي، فقال: أمطها عن فراشك.
قال الشافعي: وهذا وجه يحتمل [من] أن له أن يزيله عن فراشه إذا لم يكسرها، ولو فسدت بإزالته ونقل الحمام عنها لم يكن عليه فدية، ويحتمل أنها أن فسدت بإزالته تلزم الفدية، ومن قال بهذا، قال: لو وقع الحمام على فراشه فأزاله عن فراشه، تلزمه فيه الفدية كما زال عمر بن الخطاب رضي أنه عنه الحمام عن ردائه، فتلف بإزالته ففداه فحصل قولان، وإن كان في رواية بيته معتزلًا عنه، فأزاله ضمنه.
مسألة: قال: وما كان من بيض طير يؤكل، ففي بيضه قيمتها.
كل صيد يجب بقتله الجزاء فبيضه مضمون بالجزاء أيضًا، فإذا كسره المحرم يضمن قمته.
وقال المزني: لا جزاء في البيض لأنه كاللحم.
وبه قال داود وأهل الظاهر، وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وفي بيض النعامة ثمنها إذا أصابها المحرم"، ولأن البيض صيد، لأنه يكون منه مثل أصله [226 / ب].
فرع قيمته معتبرة باجتهاد فقيهين عدلين.
وقال مالك: يلزم فيها عشر قيمة الصيد كجنين الاصطرام فيه عشر قيمة الأم، وهذا غلط، لأن للجنين حرمة ما ليس لغيره، ولهذا

الجزء: 4 - الصفحة: 71

يضمن المملوك بقيمة مقدرة باليقين بخلاف طرف البهيمة.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أتلف بيض صيد، فعليه أن يلقح على نوق بعدد البيض فما نتج من شيء تصدّق به، ولعله أراد في بيض النعامة.
فرع آخر قال الشافعي: في بيض النعامة أن كان فيه فرخ كان عليه قيمة بيضة فيها فرخ، وهي أكثر من قيمة بيضة لا فرخ فيها.
قال أصحابنا: هذا إذا كان الفرخ ضعيفًا ليست فيه حياة مستقرّة، فأما إذا كان الفرخ حيًا قويًا يعيش مثله كان عليه فصيل صغير ولو خرج وطار وسلم لا شيء عليه وقد أساء.
فرع آخر قال: ولو كانت البيضة مدرة فاسدة يقوّمها فاسدة أن كانت لها قيمة كبيض النعامة، فإن لم يكن لها قيمة لا شيء عليه فيها.
فرع آخر قال: لو أخذ بيض صيد وتركه تحت الدجاجة، فإن أنقضه وخرج الفرخ سليمًا، وطار فقد أساء بفعله ولا شيء عليه، وإن أفسدته يلزمه الجزاء، لأنه تلف بجنايته وسببه وإن أخذ بيض الدجاجة وتركه تحت الصيد، فذعر الصيد منه ونفره وترك بيض نفسه ضمنه، لأنه تلف بجنايته، وإن لم ينفر وحصن الجميع إلا أنه لم يتمكن من قلبه وإدارته ففسر ضمن أيضًا.
فرع آخر قال: ولا يأكلها محرم، لأنها من الصيد، وقد يكون منه الصيد.
قال أصحابنا: إذا كسر بيض صيد فحكم البيض حكم الصيد إذا ذبحه، وهو أنه يحرم عليه قولًا واحدًا، وهل يحرم على غيره؟ قولان، [227/ أ] وإذا كسر في الحرم لم يحل على ما ذكرنا.
قال: وأهل الحرم لا يأكلون من بيض طير في الحرم، وإنما يدخلون البيض من الحل إلى الحرم، وعلى هذا قال أصحابنا.
وكذلك إذا قتل المحرم الجراد، فحكمه هكذا.
وقال بعض أصحابنا يحل لغيره قولًا واحدًا، ويفارق ذبيحة المؤمن، لأن في أحد القولين صارت بذبحه ميتة وإباحتها تقف على الذكاة بخلاف البيض، ولهذا لو بلعه رجل قبل كسره لا يحرم، وهذا اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح وذاك ذكره الشيخ أبو حامد.

الجزء: 4 - الصفحة: 72

فرع آخر لو صال الصيد عليه، فقتله دفعًا عن نفسه لا جزاء عليه، وحكي عن أبي حنيفة الله قال: يلزمه الجزاء أن كان مأكولًا، وهذا لا يصح عنه، بل الصحيح عنه مثل مذهبنا وعند زفر يضمن عند الصول جميعه.
فرع آخر لو أكره على قتل صيد، قال ابن المرزبان: حكمه حكم ما لو أكره على قتل المؤمن.
فرع آخر لو ركب صيدًا، ثم صال على محرم، فقتل المحرم الصيد يلزمه الجزاء، لأن الصول لم يكن من الصيد.
مسألة: قال: وإن نتف طيرًا، فعليه بقدر ما نقص من النتف.
إذا نتف ريش صيد أو جرحه أو كسر رجله أو عضوًا من أعضائه، فلا يخلو إما أن يكون باقيًا على امتناعه كما كان قبل الجناية أو صيره غير ممتنع، فإن كان باقيًا على امتناعه، وطار وغاب عنه، ولم يعلم هل مات منه أم لا؟ يضمن ما نقص على ما سبق بيانه، وإن طار وغاب عنه، ثم وجده ميتًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجزئه جزاء كاملًا، لأنه يجوز أن يكون مات من جنايته، والقياس أن لا يلزمه، لأن موته من جنايته [227/ ب] مشكوك فيه، ولهذا قال الشافعي: لا يؤكل، لأنه يجوز أن يكون موته من غيره.
وقال أصحابنا: الظاهر أنه إذا طار، وكان ممتنعًا أن الموت لم يحصل من فعله، فلهذا قال: القياس أن لا يلزمه إلا ما نقص.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، كما في حل أكله قولان.
وقال أبو إسحاق: يلزم على هذا إذا غاب، وهو غير ممتنع، ولم يدر أنه مات أم لا أن يلزمه تمام الجزاء، لأنه لما كان غير ممتنع، فالظاهر أنه باقٍ على ذلك، ولم يسلم، وهذا غلط، لأن الشافعي نص ههنا أنه لا يلزمه إلا ضمان النتف، لأن الزيادة شكّ، وإن طار ثم وقع من شدّة ما حمل على نفسه يلزمه الجزاء، وإن صيره غير ممتنع فقد ذكرنا أنه يلزمه كمال الجزاء، وإن قتله محرم آخر بعد ذلك، فالأول، جارح.
والثاني، قاتل فعلى الأول ما نقص لجرحه وعلى الثاني جزاؤه نص عليه.
وقال في موضع آخر: على الأول جزاؤه كاملًا، وعلى الثاني جزاؤه مجروحًا واختلف أصحابنا فيه على طرق، فقال بعضهم: فيه قولان: أحدهما: يجب على الجارح تمام الجزاء، وعلى الثاني جزاء ناقص كما لو قطع يدي عبد ثم جاء آخر وقتله، يلزم الأول تمام قيمته، ويلزم الثاني قيمة ناقصة.
والثاني: يجب على الجارح ما نقص، وعلى الثاني جزاء ناقص.
وهذا أصح، لأن

الجزء: 4 - الصفحة: 73

الأول لم يتلفه، فيلزمه جزاؤه كاملًا، بل نقص منفعته ويخالف هذا قطع يدي العبد يجب به تمام القيمة، لأن ذلك لحرمة الآدمي.
ومن أصحابنا من قال: القول الثاني أنه يلزم على الأول ما نقص، وعلى الثاني جزاء كامل، وهو ضعيف.
ومن أصحابنا من قال: القول الثاني يلزم على الأول تمام الجزاء [228/ أ]، وعلى الثاني تمام الجزاء، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو أنه يلزم على الأول ما نقص وعلى الثاني جزاء ناقص، والقول الآخر احتياط.
فرع قال: وإن كان جبر أعرج لا يمتنع فداه كاملًا، لأنه صيره غير ممتنع، ثم قال: وهذا احتياط، وهو أحب إليّ.
فرع آخر لو نتف ريشه، ثم حبسه وأطعمه وسقاه حتى نبت وعاد كما كان، هل يسقط الضمان؟ قولان، وقيل: وجهان بناء على السن إذا عاد بعد القلع، هل يلزم ردّ الأرش؟ قولان، فإذا قلنا: لا يسقط، فالمذهب أنه يلزم ما بين قيمته صحيحًا ومنتوفًا قد نبت ريشه.
ومن أصحابنا من غلط، وقال: تلزمه قيمته صحيحًا ومنتوفًا، والدم سائل، وهذا غلط، لأنه لو جنى على عبد يضمن ما نقص بعد الاندمال كذلك ههنا.
فرع آخر إذا اضطر ومعه ميتة وصيد وهو محرم، فأيهما يأكل هنا؟ على القولين في الحرم إذا ذبح الصيد، هل يصير ميتة أم لا؟، فإن قلنا: يصير ميتة لا يذبح الصيد، لأنه لا فائدة في ذلك، لأنه قادر على ميتة أخرى، فإن قلنا: لا يصير ميتة لا يأكل الصيد، ولا يأكل الميتة.
وقال أبو يوسف رضي الله عنه: يذبح الصيد ويأكله مع قوله أنه يصير ميتة، واحتج بأن الميتة مجمع على تحريمها، والصيد مختلف في إباحته كان أخف حكما، وهذا غلط، لأن أخذ الصيد وذبحه وأكله محرم عليه، فإذا فعل ذلك، فقد ارتكب ثلاثة أشياء محرمة، وإذا ذبحه صار ميتة، فلا وجه لارتكاب هذه المحرمات مع استغنائه بالميتة الموجودة.
فرع آخر لو وجد ميتة وصيدًا قد [228/ ب] ذبحه محرم، فإن قلنا: لا يكون ميتة يأكله دون الميتة، وإن قلنا: يكون ميتة.
قال بعض أصحابنا: يأكل لحم الصيد، لأنه مختلف في كونه ميتة، ويحتمل أن يقال: يأكل الميتة، لأنه ممنوع من أكل لحم الصيد لحرمة الإحرام إذا صيد له، ولكونه ميتة، فكان التحريم لسببين بخلاف الميتة، والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 74

بَابُ ما للمحرم قتله

مسألة: قال: وللمحرم أن يقتل الحية.
الفصل الحيوان ضربان: مأكول وغير مأكول، فالمأكول ضربان: إنسي ووحشي، فالإنسي أكله لا جزاء فيه بهيمة كان أو طائرًا، وفي الوحشي الجزاء بهيمة كان أو طائرًا، وأما لا يؤكل لحمه فعلى ثلاثة أضرب: منها ما فيه الجزاء قولًا واحدًا، وهو السمع، ومنها ما لا جزاء فيه قولًا واحدًا وهو ما وردت به السنة: الحية والعقرب والفويسقة والغراب والحدأة والكلب العقور.
ومنها ما هو مختلف فيه، وهو سباع البهائم كلها وجوارح الطير بأسرها لا جزاء غر شيء منها.
وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: يجب الجزاء في كلها إلا الذئب، فإنه لا جزاء فيه، ثم جزاؤه أقل الأمرين من قيمته أو شاة.
وقال مالك: ما لا يبتدئ منه بالأذى كالبازي والصقر والكلب وصفار السباع يضمن بالجزاء، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقتل المحرم السبع العادي"، قال أصحابنا: والأسد والنمر من جملته، فإذا تقرر هذا، فالحيوان ضربان: أنسي وحشي، فالإنسي لا تأثر فيه للإحرام ولا للمحرم، فإن كان مأكول اللحم كالنعم والدجاج ونحوهما، فالمحل والمحرم.
ومن في الحرم ومن في الحل [229/ أ] في ذبحه سواء وإن كان مما لا يؤكل لحمه لم يحل ذبحه ولا قتله، كالبغال والحمير.
وأمّا الوحشي، فعلى ضربين: ما فيه الجزاء وما لا جزاء فيه، فما فيه الجزاء يحرم قتله بحرمة الإحرام، وحرمة الحرم سواء كان مأكولًا كظباء أو غيره مأكول كالسمع ونحوه.
وأمّا ما لا جزاء فيه، فعلى ثلاثة أضرب: منها: ما يستحبّ قتله ويثاب عليه.
ومنها: ما يكره قتله.
ومنها: ما هو مباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ.
فأما ما يستحبّ قتله، فهو كل ما يضر ولا ينفع كالحية والعقرب والفأرة والحية والكلب العقور والنمر والذئب والدب والخنزير.
وفي هذا المعنى: الزنبور والبق والبعوض والبراغيث والقراد، ونحو ذلك.
قالت عائشة رضي الله عنها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور"، وهذا تنبيه على ما هو شر منها.
وقال سويد بن غفلة: كان عمر رضي الله عنه يأمر بقتل الزنبور ونحن محرمون.
وروى أبو سعيد الخدوي في الخبر: ويرمى الغراب ولا يقتله، فقيل: أراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وحكى عن النخعي: أنه لا يقتل الفأرة، وهو خلاف نصّ الخبر.

الجزء: 4 - الصفحة: 75

وأمّا ما يكره قتله، فهو كل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والديدان والجعلان.
والقطا والحسكاء.
قال الشافعي رضي انأ عنه في "الأم ": لا أحبّ قتلها، فإن قتل: فلا شيء فيه.
وفي هذا المعنى الذباب والنحل والبغاث والرخمة، وإن كان في النحل منفعة العسل، فيكره قتلها، ولا يحرم.
وأما ما يباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ، فكل ما فيه نفع من وجه وضرر من وجه، وهو جوارح الطير كالعقاب والبازي والصقر والشاهين [229/ ب] والباشق يغدو على أموال الناس، وفيه منفعة الاصطياد.
وقال أبو إسحاق: يحرم قتل ما لم يكن مؤذيًا منها، وإن لم يلزم الجزاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كل ذات كبد حرى أجر" وهذا خلاف النص.
فرع آخر لو قتل قملة ظاهرة على جسده، أو ألقاها أو قتل قمل حلال، فلا فدية عليه، والقملة ليست بصيد نص عليه في "المناسك الكبير".
قال: ولو أخرجها من رأسه، فقتلها أو طرحها يفتدي، لأنها كإماطة الأذى فكرهناه كراهية قطع الظفر والشعر.
وقال: افتدى بلقمة وكل ما افتدى به، فهو أكثر منها.
قال: والصبئان كالقمل فيما أكره من قتله وأجيز، وهو صغار القمل وبيضه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع لا فدية فيه.
وقال في "الأم ": فيه الفدية لإماطة الأذى بها كحلق الشعر، فقيل: قولان.
وقيل: قولا واحدًا لا تجب الفدية، وأراد بما ذكر من الفدية الاستحباب، وهذا أصحّ.
وقيل: أن الشافعي قال: وإن كان القمل على ظاهر بدنه، أوثوبه أماطه عنه، وإن كان في رأسه أو لحيته أكره أن يتوقى ذلك.
وقال بعض أصحابنا: وكذلك البق والبعوض والقردان، ولا فرق هذا بين الرجل والمرأة.
وقال مالك: لا يقرد المحرم بغيره.
وروي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، وهذا غلط، لأنه يتأذى به، فأشبه الحية، وأما ما روي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، روينا عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرد بغيره بالسقيا بالطين.
فرع آخر لو نزا حمار وحش أتانا أهلية أو حمار أهلي أتانا وحشية فولدت يلزمه الجزاء في الولد، وإن لم يحل أكله، تغليبًا للتحريم [230/ أ]، ووجوب الجزاء.
قال الشافعي رضي الله عنه: فإن أشكل شيء من هذا على قاتله، فلم يدر أخالطه وحشي مأكول أم لا؟ فداه احتياطًا، ولا يجب فداؤه حتى يعلم أنه قد قتل وحشيًا، أو ما خالطه وحشي، لأن الأصل براءة الذمة.

باب الإحصار

مسألة: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] الآية

الجزء: 4 - الصفحة: 76

الفصل اعلم أن الحصر والإحصار في هذا الباب هو أن يمنع المحرم من المضي في نسكه، فإذا أحرم الناس بحج أو عمرة أو بهما، ثم أحصرهم العدو، فصدهم عن البيت ومنعهم من الوصول إليه كان لهم التحلل عنه سوا، كان العدو مسلمًا آو مشتركًا، والأصل فيه هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾.
وهذه الآية نزلت في حصر المشركين، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج سنة ست إلى مكة معتمرًا، فحصره المشركون بالحديبية وصدّوه عن البيت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فتحلل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من العمرة وصالحوا قريشًا على أن يعودوا في العام القابل معتمرين ويدخلوا مكة ويقيموا بها ثلاثة أيام.
وقال جابر: أحصرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وروي أن ابن عمر خرج إلى مكة للعمرة في زمان الفتنة.
وقال: أن أحصرنا صنعنا ما صنعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآية وإن وردت في المشركين، فحصر المسلمين قياسه، ولأنا لو قلنا: لا يجوز التحلل به لأدى إلى مشقّة عظيمة [230/ ب].
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فإذا تقرر هذا، فإنه ينظر فإن لم يكن لهم طريق سوى هذا تحللوا أو انصرفوا، ولا قضاء عليهم، وإن كان لهم طريق سوى هذا لا يحلو، إمّا أن يكون برًا أو بحرًا، فإن كان بحرًا فهو مشي على ركوب البحر للحج، فإن قلنا: يلزمه ركوبه للحج يلزمه سلوكه، ولا يجوز لهم التحلل.
وإن قلنا: لا يلزمه ركوبه لم يلزمه سلوكه.
قال في "الأم ": وأحبّ لو سلكه، ولو كان برًا نظر، فإن كانوا يخافون على أبدانهم وأموالهم فيه كان لهم التحلل ولا قضاء كما لو لم يكن لهم طريق بحال، وإن كان هذا الطريق آمنًا، فإن كان كالذي صدوا عنه في السهولة، والقرب فهؤلاء ليسوا بمحصرين، وإن كان أبعد فإن لم يكن لهم نفقة هذا الطريق، فإنه يتحلل ولا قضاء أيضًا، فإن كان لهم نفقة هذا الطريق لا يجوز لهم أن يتحللوا أصلًا سواء علموا انهم إذا سلكوه أدركوا الحج، أو لم يدركوه نصّ عليه في "مختصر الحجّ"، فإذا سلكوا نظروا، فإن كان إحرامهم العمرة أقاموا على الإحرام حتى يتحللوا منها آمنوا الفوات وليسوا بمحصرين.
وإن كان إحرامهم بالحج نظروا، فإن ألحقوه فقد تم حجهم، وإن فاتهم الحج تحللوا بعمل العمرة، وهل يلزم القضاء أن كان تطوعًا؟ فيه قولان: أحدهما: يلزم.
وبه قال أبو حنيفة كما لو أخطأ العدد آو ضل الطريق.
والثاني: لا يلزم.
وبه قال مالك وأحمد، لأن الفوات لم يكن بتفريط منه بخلاف ما قاسوا عليه، وهو الصحيح.
هذا في الحصر العام وآما الحصر الخاص، كأنه أحرم بالحج فحبسه السلطان وحده، فان كان بحق، فلا يجوز له التحلل، لأن الامتناع من جهته، وان بقي في الحبس حتى [231/ أ] فاته الحجّ تحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء، وإن كان الحبس بغير حق مثل أن كان عليه دين لا يقدر على قضائه ونحو

الجزء: 4 - الصفحة: 77

ذلك.
قال في "الأم ": نظر فإن كان لحبسه غاية وأن يدرك معها الحجّ، وكانت طريقه آمنة [بمكة] لم يتحللّ، فإن [أرسل] مضى، وإن كانت مدة حبسه مغيبة عنه لا يدري غايتها، أو كانت غايتها بحيث لا يدرك معها الحجّ متى أطلق كان له التحلّل كما في الحصر العام.
وقال جماعة من أصحابنا: لا فرق بين الحصر العام والحصر الخاص في التحلل، ولكن يفترقان في لزوم القضاء، فهل يلزم القضاء في الحصر الخاص؟ قولان: أحدهما: يلزم القضاء، لأنه لا يعم المشقّة والضرورة.
والثاني: لا يلزم، وفي الحصر العام لا يلزم قولا واحدًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يتحلل في الحصر الخاص؟ قولان، وهذان القولان مبنيان على أنه إذا حبس أهل بلده عن الحج في أول ما يجب عليهم لا يستقر الحج في ذممهم، ولو حبس واحد منهم دون الجماعة هل يستقر؟ قولان.
والأصح أنه لا يستقر وهذا لأنه عذر نادر كالخطأ في العدد والاعتماد على ما سبق، فإذا تقرر هذا، لا يجوز له التحلل ما لم يهد.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: يتحلّل ولا دم عليه، لأنه غير مفرط، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، والأخبار التي ذكرناها، ولأنه خرج من نسكه قبل تمامه، فيلزمه الدم كالفائت حجّه.
فرع قد ذكرنا أنه يجوز التحلل بالإحصار عن العمرة، وحكي عن مالك، أنه قال: لا يجوز له أن يتحلّل منها، لأنه لا يخاف فواته، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 156]، [231/ ب] وهذا يرجع إلى الحج والعمرة لقوله تعالى في الابتداء: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان محرمًا عام الحديبية وتحلل، لأن التحلل جاز للمشقة بالمقام على الإحرام وهذا موجود في العمرة.
فرع آخر لو أحاط بهم العدو من جميع الجوانب، فهل يتحلل؟ وجهان: أحدهما: لا يتحلل لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئًا.
والثاني: يتحللّ لأنه يأمن بذلك من العدو ومن أحد الجوانب.
فرع آخر لو أحصر في الحرم كأنه أحرم بمكة ثم أحصر، فإن مكن من البيت ومنع ما عداه من الوقوف وغيره كان له التحلل، فإن أقام على إحرامه حتى فاته الحج.
قال أصحابنا: يتحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء وشاة إن تحلل قبل الفوات، قال في "الأم": تحلل بطواف وسعي وحلاق وذبح، ويلزمه دم التحلل، وهل يلزمه القضاء؟

الجزء: 4 - الصفحة: 78

نص في "الأم" على القولين: أحدهما: لا يلزمه القضاء.
والثاني: يلزمه، لأن القضاء إنما يسقط عن الذي صد عن البيت، وهذا متمكن من البيت، وهذا ضعيف، والأول أصحّ، لأنه محصر كالمحصر في الحل.
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له التحلل كما لو أحصر عن البيت ولا فرق بين أن يكون المحصر غريبًا أو مكّيًا أو مقيمًا بها أحرم بالحج ثم صد عن أعماله، فالكل على قولين.
فرع آخر لو أحصر بعد الوقوف نظر، فأن منع من بقية أفعال الحج كلها كان له التحلل، وهو بالخيار بين التحلل وبين تركه، فإن أراد التحلل، فعليه الهدي ولا قضاء ولا يجزئه عن حجه، لأنه ما أكمله، فإن أمكنه أن يستأجر من يكملها، فعلى قولين على ما ذكرنا في جواز البناء على الحجّ [232/ أ].
فرع آخر لو أقام على إحرامه في هذه المسألة حتى فاته المبيت بمزدلفة ومنى وفاته الرمي، فهل عليه دم بترك المبيت بمزدلفة ومنى؟ فعلى القولين.
وأمّا الرمي، فعل يلزمه بترك الكل أربعة دماء أم دون ذلك؟ فعلى ما ذكرنا فما سبق، وهل يجعل فوات الرمي في حكم فعل الرمي في باب التحلل الأول؟ مبني على القولين في أن الحلق، هل هو نسك أم لا؟ فإن قلنا: نسك لم يحل التحلل الأول حتى يحلق، وإن قلنا: ليس بنسك فقد حل التحلل الأول، وبقي عليه الطواف، فإن أقام على ما هو عليه حتى يطوف أجزأه عن حجة الإسلام، وإن كان الحصر قائمًا، فأراد أن يتحلل، فالذي يجيء على المذهب أن له ذلك، لأن النساء لا يحللن له إلا بالتحلل.
فرع آخر لو أحصره بعد خروجه الأول له التحلل، فإن انكشف العدو أحرم إحرامًا ناقصًا، وأتى بما عليه من الرمي والطواف قولًا واحدًا.
فرع آخر لو أحصر بعد الوقوف عن بعض أفعاله نظر، فإن مكن من البيت، ومنع ما سواه لم يكن له التحلل لأنه يحصل له التحللان معًا بالطواف والحلق وفوات الرمي بمنزلة فعل الرمي ويجزئه عن حجة الإسلام، وإن مكن من كل شيء ومنع من البيت كان له التحلل، لأنه لا يقدر على التحللين معًا مع المنع من البيت، فإذا تحلل، فلا قضاء ولا يجزئه عن حجة الإسلام.
وقال أبو حنيفة: إذا أحصر بعد الوقوف لم يجز له التحلل، وإنما التحلل لمن أحصر عن الوقوف والبيت جميعًا، وهذا غلط، لأنه مصدود عن المضي.
وفي إحرامه

الجزء: 4 - الصفحة: 79

بغير حق فجاز له التحلل كما لو كان قبل الوقوف.
فرع آخر قال [232/ ب]: والمحصر إن كان يرجو زوال العدو وكان الوقت واسعًا، لا يخاف فوات الحج، فالمستحب له أن لا يتحلل ويؤخر التحلل حتى يأتي بها على الكمال، وإن كان الوقت قد ضاق وخاف فوات الحج وإن لم ينكشف العدو، فالمستحب له أن يتحلل لئلا يفوته الحج، فإن لم يتحلل حتى فاته الحج نظر، فإن كان الحصر باقيًا تحلل منه، وعليه هدي للفوات وهدي الإحصار، وعليه القضاء، وإن كان قد زال الحصر، فلا يجوز أن يتحلل إلا بعمل العمرة وعليه القضاء وهدي الفوات فقط.
فرع آخر يجوز للمحرمين ترك قتال العدو، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقاتلهم وإن أرادوا قتالهم، فإن كان الحط للمسلمين في قتالهم، فهو الأفضل، وإن كان الحط للمسلمين في ترك قتالهم، فالترك أفضل.
فرع آخر لو كان العدو من المسلمين، فالمستحب ترك قتالهم سواء كانوا أكثر منهم أو أقل، لأن التحلل من النسك أخف من قتال المسلمين.
فرع آخر إذا أفسد حجة ثم أحصر تحلل من فاسدة وعليه شاة للتحلل وبدنه الإفساد والقضاء من سنته إذا تحلل قبل الوقوف، وليس في الشريعة موضع يمكن المفسد قضاء الحج من سنته إلا في هذه المسألة، وهكذا إذا فاته الحج، ثم أحصر تحلل، وعليه هديان والقضاء.
فرع آخر قال وإذا أحصرهم العدو ثم أعطوهم الأمان وأذنوا لهم في الميسر، فإن كانوا يأمنون غدرهم لم يجز لهم أن يتحللوا، وإن لم يأمنوا غدرهم لقلة وفائهم، وسوء معاملاتهم جاز لهم التحلل.
فرع آخر إذا أراد التحلل فعليه هدي يتحلل به بقيمة مقام [233/ أ] ما بقي من أفعال الحج، فإن كان واجدًا له، تعين عليه إخراجه، ولا يملك التحلل حتى يذبحه قولًا واحدًا، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ومعناه، فإن أحصرتم وأردتم التحلل فما استيسر من الهدي.
وقال أيضاً ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، ولأن هذا الهدي قائم مقام الأفعال، لأنه وجب عليه لتعذر آدائها ولو قدر عليها لم يتحلل إلا بها، فكذلك عند تعذّرها لا يتحلل إلا بأداء ما يقوم مقامها.

الجزء: 4 - الصفحة: 80

وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: له أن يتحلل ثم يذبح، لأنه جوز له ترك المضي في الحج، فجوز هذا أيضًا، وهذا ضعيف.
فَزعٌ أخرُ إذا ذبح الهدي فهل يملك التحلّل بعده؟ قولان بنا، على الحلق، فإن قلنا: إنه نسك لم يملك أن يحلّ حتى يحلّق، وإن قلنا: ليس بنسك ملك أن يحلّ قبل الحلق.
فَزعٌ أخرُ متى ملك أن يحلّ قبل أن يحلّق أو بعده لا يصير حلالاً حتى ينوي الخروج من النسك وما لم ينو هذا كان إحرامه باقياً، وإن نوى ذلك يصير حلالاً يحلّ له جميع ما كان محظوراً عليه لحرمة الإحرام، فإذا قلنا: الحلق نسك يحتاج إلى ثلاثة أشياء ذبح الهدي، ونية التحلّل والحلق، وإذا قلنا: ليس بنسك يحتاج إلى شيئين، فإن قيل: أليس لو رمى وحلق في غير حالة الإحصار يصير خارجاً من الإحرام، وإن لم ينو الخروج من الإحرام؟، وههنا قلتم: يلزمه نية الخروج بالذبح والحلق، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن غير المحصر أكمل للأفعال فلا يحتاج إلى نية الخروج بخلاف المحصر، وأيضًا الذبح والحلق قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلم يختص بالتحلّل إلا بالقصد، [233/ب] والإرادة بخلاف الرمي والأفعال، فإنها لا تراد إلا للنسك، فلم يحتج إلى النية فيه.
فَزعٌ أخرُ إذا كان مصدوداً عن جملة الحرم، وأراد الذبح جاز له أن يذبح في الحلّ.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: نحر هدياً لإحصاره حيث أحصر في حلّ أو حرم، وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا يجوز للمحصر الذبح إلا في الحرم فيبعث هدياً على يدي رجل إلى الحرم ولو أعده يوماً يذبح عنه، فيه الهدي، فإن كان عند هذا المحصر أن ذلك الرجل قد ذبح الهدي في الحرم يحلّ له حينئذِ التحلّل من إحرامه، ولو ارتكب شيئاً من المحظورات على اعتقاد أنه ذبح الهدي عنه في الحرم، ثم بان أنه لم يكن ذبح يلزمه الجزاء، وهذا غلط، لأن الهدي تابع للمهدي، فإذا كان يتحلل المهدي في الحرم كان محل هديه الحرم، وإذا كان تحلله في الحل كان محل هديه الحل.
فَزعٌ أخرُ يجوز ذبح هذا الهدي في غير يوم النحر.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بجوز إلا في يوم النحر، وهذا غلط، لأنه وقت تحلله، فكان وقت هديه.
فَزعٌ أخرُ لو كان قادراً على إبلاغه الحرم، بأن كان في قربه لا يلزمه إبلاغه الحرم، والأولى له إبلاغه.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه إبلاغه لأنه يقدر عليه من غير مشقة، وهذا ضعيف.

الجزء: 4 - الصفحة: 81

فرعٌ أخرُ لو كان معه هدي، ساقه تطوعا، أو واجباً كان له ذبحه في هذا الموضع وكذلك كل هدي لزمه قبل الإحصار، أو بعده قبل التحلّل، فله ذبحه في موضعه نصّ عليه في المناسك قياساً على هدي الإحصار.
فَزعٌ أخرُ قال الشافعي - رضي الله عنه -: ولا قضاء [234/أ] عليه إلا أن يكون واجباً، فيقضي، وقد ذكرنا الخلاف في حج التطوع، فأما حجة الإسلام، فإن كان وجوبه في تلك السنة، فلا قضاء قبله أن كان قد وجب قبل هذه السنة، فهو باق في ذمته على ما كان.
وفي الحقيقة إذا أداها بعد ذلك لا يكون قضاء ما فات عند الإحصار.
فَزعٌ أخرُ إذا أحصر في الحج أو العمرة، فلم يتحلل وجامع يلزمه الكفارة، ويفارق هذا المسافر إذا جامع في صوم رمضان، لا كفارة، لأن بالجماع في الصوم، يحصل التحلّل المباح له بحق السفر، لأنه يخرج بهذا الجماع من الصوم كما يخرج بالأكل.
وفي الحج لا يخرج عنه بالإفساد، فلا يحصل التحلّل المباح بوجه آخر، ذكره والدي رحمه الله.
مَسْأَلٌة: قال: وإذا لم يجد هدياً يشتريه أو كان معسراً.
الفصل قد ذكرنا أنه إذا كان واجداً للهدي لا يتحلل قبل ذبحه، فإن كان عادماً له هل له بدل ينقل إليه؟ نص في "الأم" على قولين: أحدهما: ليس له بدل، ويكون في ذمته أبداً.
وبه قال أبو حنيفة، لأنه لو كان له بدل لذكره الله تعالى في القرآن كما ذكر بدل هدي التمتع.
والثاني: له بدل ينتقل إليه.
وبه قال أحمد، لأنه دم واجب بسبب الإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع والطيب واللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، هل له في الحال أو يقيم على إحرامه حتى يجده؟ قولان: أحدهما: يقيم على إحرامه حتى يجده.
وبه قال أبو حنيفة؟ لأن الله تعالى قال ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. والثاني: له أن يتحلل لأن المقام على الإحرام يؤدي إلى المشقة، وهو الأصح، فعلى هذا يتحلل بالنية والحلق أن قلنا: الحلق نسك [234/ب] وإذا قلنا: الحلق إطلاق محظور، يتحلل بمجرد النية، وإذا قلنا بالقول الثاني، فما ذلك البدل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بدله الصيام، نص عليه في "مختصر الحج".
وبه قال أحمد، لأن هذا الدم يجب لترك الإحرام، فكان بدله الصيام كهدي المتعة.

الجزء: 4 - الصفحة: 82

والثاني: قاله في "الأوسط " بدله الإطعام، لأنه أقرب إلى الهدي.
والثالث: خرجه أصحابنا: أنه مخير بين الإطعام وبين الصيام، كما في فدية الأذى، فإذا قلنا: بدله الصيام، فما ذلك الصيام؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: صيام التمتع عشرة أيام.
وبه قال أحمد لما ذكرنا من العلة.
والثاني: صيام التعديل، لأن ذلك يستوفي قيمته.
والثالث: صيام فدية الأذى، لأنه وجب لدفع الأذى، وإذا قلنا: ينتقل إلى الإطعام، ففي ذلك الإطعام وجهان: أحدهما: إطعام التعديل يقوم ذلك دراهم، والدراهم طعاماً، ويتصدق به لكل مسكين مد.
والثاني: إطعام فدية الأذى ثلاثة أصوع لستة مساكين، لكل مسكين مدان، وإذا قلنا: يتخير فهو مخير بين صيام ثلاثة أيام وبين إطعام ستة مساكين كما في فدية الأذى والأصح من الأقوال، أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيؤديه أن أمكنه وإن لم يمكنه صام عن كل مد يوماً قياساً على جزاء الصيد في التعديل دون التخيير وعلى دم التمتع في الترتيب.
فَزعٌ أخرُ إذا أوجبنا الإطعام، فإن كان قادرا أخرجه وتحلل به، وإن كان عادماً له، هل يتحللّ أم يقيم على إحرامه حتى يجده؟ كما قلنا في الهدي، فإذا أوجبنا الصيام، هل يتحلل ثم يصوم أو يصوم ثم يتحلل؟ قولان، وقيل: وجهان [235/أ]: أحدهما: يصوم ويتحلل، لأنه قادر عليه كالهدي.
والثاني: يتحلل، ثم يصوم، لأنه لا يمكن فعل الصوم في الحال، فيشق عليه الصبر على الإحرام إلى أن يأتي به بخلاف الهدي والإطعام.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أن قلنا له: التحلّل قبل الذبح، فقبل: الصوم أولى وإلا فههنا قولان، وهذا غير صحيح.
مَسْأَلٌة: قال: وروي عن ابن عباس رضي أنه عنهما أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
المحصر بغير العدو مثل الكسر والعرج أو المرض لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه حتى يفوته الحج، ثم يتحلل بعمل العمرة.
وبه قال مالك وأحمد وإسحق.
وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومروان.
وقال أبو حنيفة: له التحلّل.
وبه قال الثوري وعطاء وعروة والنخعي كالمحصر بالعدو، واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"، وهذا غلط، لأنه لا يستفيد بإحلاله الانتقال من حاله، فلا يجوز له التحلّل كما لو أخطأ الطريق.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الفرق بينه وبين المحصر بالعدو أنه خائف من القتل إن أقام، فهو مضطر إلى التحلّل والرجوع لهذا الخوف، ولهذا رخص لمن لقي

الجزء: 4 - الصفحة: 83

المشركين أن ينحرف لقتال أو يتخير إلى فيئه، فينتقل بالرجوع من خوف قتل إلى أمن والمريض حاله واحدة في التقدّم والرجوع، ولا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمناً من مرضه كما يستفيده المحصر بالعدو، ثم استشهد باستصحاب الحال، وما عليه موضوع الإحرام من اللزوم فزال: والإحلال رخصة، فلا يعدى بها موضعها [235/ب]، أي: هو مخصوص بمعنى يمنع من أن يقاس علينه عيره.
وشبه ذلك المسح على الخفين، فقال: كما أن المسح على الخفين رخصة فلم نقس عليه مسح عمامة ولا يفارق لاختصاص الخفين بمعنى لا يشاركهما فيه غيرهما من عموم الابتلاء بهما، فكذلك الإحلال بسبب العدو مخصوص بما ذكرنا من المعنى، وهو استفادة الأمن به من الخوف، فلا يجوز أن يقاس عليه إحصار المريض ثم أوضح الشافعي - رضي الله عنه - إبطال هذا القياس فقال: لو جاز أن يقاس حل المريض على حصر العدو، وجاز أن يقاس حلّ مخطئ الطريق ومخطئ العدو حتى يفوته الحج على حصر العدو، فلنا لم يجز ذلك، لأنه لا يستفيد بتحلله الأمن، فما عرض له، فكذلك المحصر بالمرض مثله.
وقيل: المخصوص بالذكر على ضربين: ضرب لا يعقل معناه كالصلوات وأعدادها تعبداً لله تعالى بها، واستأثر بعلم معانيها، فلا يجوز قياس غيرها عليها، وضرب يعقل معناه، فهو على ضربين: ضرب، لا يوجد معناه في غيره، وضرب يوجد معناه في غيره، فأما الذي لا يوجد معناه في غيره كالمسح على الخفين، لا يوجد معناه في العمامة والقفازين، فلا يجوز أن يقاس عليه، وأما الذي يوجد معناه في غيره كالأشياء المنصوص في الربا يقاس عليها غيرها والحصر بالعدو، عند الشافعي - رضي الله عنه - من القسم الأوسط الذي هو معقول المعنى، ولكن لا يوجد معناه في غيره.
وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: هو متروك الظاهر، لأن بمجرد الكسر والعرج لا يحلّ، وان حملتموه على استباحة التحلّل فنحن نحمله على [236/أ] ما لو شرط التحلّل به، فإذا تقرر هذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: فيقيم على حرمه، أي: على إحرامه، فإن أدرك الحج وإلا تحلل من إحرامه بالطواف والسعي، إذا فاته الحجّ، وعليه الحجّ من قابل وما استيسر من الهدي، أي: مثل هدي التمتع، لأنه تمتع فيما بين النسكين لأحدهما تعلق بالآخر فهو في معنى التمتع ولو كان هذا في العمرة، فلا تفوت العمرة، فيجزئه الطواف والسعي متى أتى بهما في جميع عمره عن عمرته إذ العمرة غير مؤقتة بوقت يفوته إذا جاوزه بخلاف الحج.
فرع قال في "المناسك الكبير": لو كان [ممن] يذهب إلى أن المريض يحلّ بهدي [يبعث به] فبعث بهدي، فذبح هناك لم يحلّ، وكان على إحرامه وإذا رجع إلى بلده كان حراماً كما كان.
قال القاضي الطبري: وهذا يدلّ من مذهب الشافعي على أن من اعتقد مذهباً وعمل

الجزء: 4 - الصفحة: 84

عليه لم يحكم بصحة فعله عنده، لأن هذا اعتقد جواز التحلّل.
وتحلل فلم يجعله حلالاً بذلك ولم يصححه في حقه.
فَزعٌ أخرُ إذا أحرم واشترط في إحرامه أن يتحلل متى عرض له عارض من مرض أو خطأ الطريق أو خطأ التعدد أو ذهاب النفقة اختلف قول الشافعي - رضي الله عنه - فيه قال في "القديم " يجوز ذلك وقطع به.
وقال في "الجديد": إن صح حديث ضباعة قلت به، فعلق القول فيه، فمن أصحابه من قال: أجمع أصحاب الحديث على صحة حديث ضباعة، وذلك أن الشافعي - رضي الله عنه - رواه مرسلاً عن عروة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رواه أبو داود مسنداً عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [236/ب] فقالت: إني أريد الحج أفأشترط، قال: "نعم"، قالت: فكيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني".
وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وإني شاكية، فقال: "أحرمي واشترطي أن محلي حيث حبستني"، فعلى هذا قولاً واحدًا، أنه ثبت الشرط، وفي الخبر دليل على أن المرض لا يجوز التحلّل، لأنه لو كان يجوز لما احتاجت إلى هذا الشرط، وفيه دليل على أن يحلّ في الموضع الذي يحبس وينحر هديه هناك، وما كان له حلاً وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يصح هذا الشرط.
وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة، وهذا لأنها عبادة لا يجوز التحلّل منها بغير عذر، فلا يجوز التحلّل منها بالشرط كالصلاة، وهذا يبطل بالصوم المنذور، وإذا شرط الخروج منه بعذر جاز بالإجماع ومن قال بهذا القول، قال: ضباعة مخصوصة بذلك كفسخ الحجّ كان مخصوصاً بمن خصه - صلى الله عليه وسلم - وحكي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: هذا الشرط في المريض يعتد سقوط الهدي إذا تحلّل.
فَزعٌ أخرُ لو قال: إذا مرضت أتحلل من إحرامي لا يخرج من الإحرام إذا وجد الشرط إلا بالتحلّل، وهو أن ينوي الخروج منه، لأن الشرط يضمن إزالته أو إبطاله فكذلك لو قال: "محلي من الأرض حيث حبستني" مرض فأنا حلال، ففيه وجهان: أحدهما: يصير حلالاً [237/أ] لوجود الشرط اعتباراً بموجب اللفظ فيه.
وقيل: هذا نص الشافعي، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كسر أو عرج فقد حل"، ولا يمكن حمل الخبر إلا على هذا.

الجزء: 4 - الصفحة: 85

والثاني: لا يصير حلالاً حتى يتحلل لأن الأصل هو الحصر بالعدو، وهناك لابد من إنشاء التحلّل كذلك ههنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: يجوز الشرط، فهل يجوز على هذا الوجه؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز، والفرق أن للمتحلل مدخلاً في الحج فيجوز شرطه، وليس لمصيره حلالاً بالعذر أصل في الشرع، فلا يصح شرطه أصلاً.
فَزعٌ أخرُ إذا قلنا: يتحلل من غير فعله فلا إشكال أنه لا يلزمه الهدي، وإذا قلنا: يتحلل بفعله نص الشافعي - رضي الله عنه - أن لا هدي عليه ومن أصحابنا من قال: عليه الهدي، لأنه إذا افتقر إلى التحلّل كان بمنزلة الإحصار بالعدو، وهذا غلط، والفرق بين الإحصار بالعدو وبين هذ أن الإحرام المطلق يقتضي تمامه، فإذا أحصر قبل التمام وجب الهدي بدلاً مما ترك من الأعمال، وأما إذا اشترط الخروج منه لم يتضمن إحرامه بإتمامه مع العارض، وصار إحرامه منتهياً إلى حين وجود الشرط، فلم يحتج إلى هدي يقوم مقامه.
فَزعٌ أخرُ لو كان الشرط معلقاً على غير تحلل مثل أن قال: أحرمت بحج على أني إذا شئت خرجت منه لم يثبت هذا الشرط بلا خلاف، لأنه ليس فيه غرض صحيح.
فَزعٌ أخرُ لو قال: أن مرضت وفاتني الحج كان عمرة كان على ما شرط.

باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده

[237/ب] مَسْأَلٌة: قال: وإذا أحرم العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها.
الفضل قد ذكرنا حكم إحرام العبد فيما تقدم أنه ينعقد وأن للسيد أن يحلّله منه، وهكذا حكم العبد المعتق بعضه، والمدبر وأم الولد.
وأما المكاتب، فله منعه أيضًا منه، وهل له أن يسافر للتجارة؟ قولان.
والفرق بين السفرين أن سفر الحج يتضمن إتلاف المال، وسفر التجارة لا يتضمن إتلاف المال.
ومن أصحابنا من قال: في سفر الحج وجهان بناء على القولين في سفر التجارة.
وأما إذا أرادت المرأة أن تحج حجة الإسلام، فهل لزوجها أن يمنعها منه؟ فيه قولان: أحدهما: أن له منعها، وهو الصحيح المشهور لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها زوجها في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجه"، ولأن الحج على التراخي على ما ذكرنا، وحق الزوج على الفور فكان مقدماً عليه.
والثاني: ليس له منعها.
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لأنها عبادة واجبة

الجزء: 4 - الصفحة: 86

عليها، فلا يكون لزوجها منعها منها كالصلاة والصوم، وهذا غلط.
والفرق بين هذا وبين الصوم والصلاة أن مدّتها تقصر فلا تؤدي إلى الضرر بالزوج بخلاف الحج، فإذا قلنا: له منعها، فإن أحرمت بإذنه صح، وليس له أن يحلّلها، وإن أحرمت بغير إذنه، هل له أن يحلّلها؟ قال في "المناسك الكبير": فيه قولان: أحدهما: له أن يحلّلها كما كان له منعها في الابتداء.
والثاني: ليس له تحليلها، لأن الفرض قد ضيق عليها الشروع فيها، وفي الابتداء لم يكن مضيقاً، وحق الزوج مضيق، فقدمناه كما لو كان عليها صوم القضاء والكفار، كان للزوج منعها منه [638 /أ].
قال القاضي الطبري: وعندي أنه لا يجوز له أن يمنعها من قضا، الصوم في آخر السنة، لأنه لا يجوز له إخراجه إلى السنة الثانية، ولهذا أوجبنا الفدية فيه وجعلناها مشرطة به.
فَزعٌ أخرُ إذا أرادت حج التطوع له منعها منه قبل الإحرام، فإن أحرمت به، قال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا أحرمت بالغرض، فمن قال: لا يحلّلها منه لزمه عندي أن يقول: إذا أحرمت بحج النفل بغير إذنه ليس له أن يحلّلها منه.
فمن أصحابنا من قال: هذا قول آخر في النفل أنه ليس له تحليلها، ففي النفل قولان أيضًا، لأن التطوع يلزم بالدخول فيكون كالفرض، ومن أصحابنا من قال وهو الصحيح.
ذكر هذا على طريق التشنيع، لأنه ذكر مع حجة التطوع صوم التطوع والاعتكاف، فعلى هذا له تحليلها منه قولاً واحداً، وهذا لأن في الفرض غرضاً صحيحاً، وهو إسقاط الفرض عن ذمتها بخلاف التطوع.
فَزعٌ أخرُ الأمة إذا أحرمت بالتطوع يحلّلها سيدها قولاً واحدًا لأن الأمة ليست من أهل فرض الحج بحال، فإذا أحرمت لم يلتحق نفلها بالفرض بخلاف الحرة.
قال القفال: فعلى هذا يجب إذا كانت زوجته أمة، فأحرمت، فللزوج أن يحلّلها قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من فرق بين السيد والزوج بأن أوقات الأمة وأكسابها لسيدها بخلاف الزوجة، فعلى هذا الزوجة الحرة والزوجة الأمة سواء إذا أحرمتا بالتطوع.
فَزعٌ أخرُ الأمة المزوجة إذا أرادت الحج تحتاج إلى إذن سيدها وزوجها، فإن أذن أحدهما كان للأخر منعها منه.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه إذا أذن السيد جاز لها ذلك، وإن لم يأذن الزوج لأن السفر حق للسيد، [238/ب] ولهذا يجوز له أن يسافر بها، وهذا غلط، لأن فيه تعطيل منفعتها على الزوج لا لمنفعة السيد، فلم يكن لها ذلك،

الجزء: 4 - الصفحة: 87

ويفارق مسافرة السيد بها، لأن به حاجة إلى ذلك.
فَزعٌ أخرُ إذا أذن السيد لعبده في الحج، ثم باعه بعد الإحرام لم يكن للمشتري أن يحلّله.
وقال أبو يوسف له أن يحلّله مع قوله: لا يحلّله السيد إذا أذن له.
وقال محمد: لا يكره مع قوله: يكره للسيد أن يحلّل عبده، وهذا لأن المشتري لم يأذن في إحرامه، وهذا غلط، لأن عقد الإحرام بإذن من له الإذن، فلم يكن لمن يجدد ملكه الاعتراض عليه، كما لو أذن له في النكاح، فنكح لا يبطله عليه.
فَزعٌ أخرُ إذا دخل وقت الصلاة على الزوجة ليس لزوجها منعها منها في الحال.
وفرق الشافعي - رضي الله عنه - بأن أمر الصلاة خفيف، لأنها تصلي أربع ركعات وترجع إليه والحجّ يطول ويمتد، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بالزوج.
وقيل: لا غرض للزوج في منعها من الصلاة في أول الوقت، لأنه مندوب إلى تقديم الصلاة كما ندبت هي إليه، وليس كذلك الحج، لأنه لا حج عليه في حال هي تحج بغير إذنه، وهذا ضعيف، والفرق الأول أصخ.
فَزعٌ أخرُ المعتدة الرجعية لو أحرمت بالحج فللزوج منعها من الخروج وليس له أن يحلّلها، فإن راجعها، فهل له أن يحلّلها؟ فيه قولان، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فإن فات الوقت تحللّت بعمل عمرة، وإن كانت عدتها عن وفاة منعت من مضي العدة، فإن انقضت العدة، وقد فات الوقت لزمها الدم والقضاء [239/أ].
فَزعٌ أخرُ لو أحرمت المرأة بحجة التطوع ومعها محرم، فمات المحرم كان لها إتمام التطوع مع فقد المحرم.
فَزعٌ أخرُ إذا أحصرت المرأة في حجية التطوع فطلقها زوجها، فاعتدت ففاتها الحج، هل يلزمها القضا،؟ قولان: أحدهما: يلزم كمن أخطأ في عدد الأيام.
والثاني: لا يلزم، لأنه لا تقصير منها بخلاف الغالط، لأنه لا يخلو عن تقصير.
فَزعٌ أخرُ إذا أراد الرجل أن يحجّ، فهل لأبويه أو لأحدهما منعه؟ ينظر فيه، فإن أراد أن يحرم بحجة الفرض، فليس لهما منعه، لأن المقام عند الأبوين مستحب مندوب إليه، فتقديم الفرض أولى، وإن أراد أن يحج حجة التطوع فلهما منعه، فإن أحرم، فهل لهما تحليله منه؟ فيه قولان:

الجزء: 4 - الصفحة: 88

أحدهما: لهما ذلك أشار إليه في "الإملاء"، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يجاهد، فقال: "لك أبوان"؟، فقال: نعم، فقال: "ارجع ففيهما فجاهد" فلما منع من الجهاد مع أنه فرض على الكفاية فلان يمنع من حجة التطوع أولى.
والقول الثاني: نص عليه في "الأم" ليس لهما المنع، لأنه صار لازماً بالشرع، في شبه حج الفرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: حكم الولد مع الأبوين في الفرض كحكم الزوج مع الزوجة، وهذا غلط، لأن حق الزوج مستحق مضيق بخلاف حق الأبوين.
فَزعٌ أخرُ لو أذن له أحدهما، فإن كان الأب الآذن والمانع الأم مضى في حجه، وإن كان المانع الأب له منعه ذكره في "الحاوي"،وهذا مشكل عندي، فإذا تقرر هذا، فكل موضع قلنا: للزوج أو للسيد أو للأب المنع والتحلّل فحكمه حكم المحصر بالعدو، وقد ذكرنا حكمه، ثم اعلم أنه قال في "المختصر": وللسيد [239/ب] والزوج منعهما بالتحليل، وهما في معنى العدو في الإحصار، وفي أكثر من معناه لهما منعهما وليس ذلك للعدو ومخالفون للعدو في أنهما غير خائفين خوفه أي غير خائفين من الزوج والسيد كخوف العدو، فكأنه أشار بهذا إلى القول الآخر في أنه ليس لهما التحلّل، لأن حصرهما خاص.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان: وقيل: هذا بيان بعد الجمع والترجيح لنوع من المخالفة بين الحصرين، فقال: العبد والزوجة غير خائفين خوف المحصر بالعدو، وكذلك القياس، فإن الفرع والأمل لا يجتمعان في جميع معانيهما وأنهما يجتمعان مرة ويفترقان أخرى.

باب الأيام المعلومات والمعدودات

مَسْأَلٌة: قال: والأيام المعلومات العشر.
اعلم أن القصد بهذا الباب أن الله تبارك وتعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعلومات، والأيام المعدودات، فقال في سورة البقرة: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:203] الآية.
فقصد الشافعي - رضي الله عنه - أن يبين المعلومات من المعدودات، فالمعلومات العشر آخرها يوم النحر، وهي العشر الأول من ذي الحجة.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس في رواية.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة في رواية مثل قولنا، وفي الرواية الثانية، عنه: المعلومات ثلاثة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده ويوم الفطر.
وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما: أنها أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده، وأما المعدودات، [240/أ] فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وعندنا تجوز التضحية فيها، وعند أبي حنيفة: لا يجوز التضحية في اليوم

الجزء: 4 - الصفحة: 89

الثالث، واحتج الشافعي - رضي الله عنه - بأن الله تعالى سمى المعدودات والمعلومات باسمين مختلفين، فلا يقعان على أيام واحدة، لأنه لا خلاف أن يوم النحر من المعلومات، واليوم الثالث من أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات، فوجب أن تكون كل أيام منها غير الأخرى، ولا يدخل بعض إحداهما من الأخرى كما أن اسم كل أيام غير الأخر، ثم ألزم نفه سؤالا فقال: فإن قيل: لو كانت المعلومات العشر لكان النحر في جميعها جائز، وأراد به أن الله تعالى حيث ذكر الأيام المعلومات جعلها وقتاً لذبح الأضحية والذبح، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:28]، أي: يذبحوها، يقال: فلان ذكر اسم الله تعالى على شاته، أي: ذبحها، فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات فيها، ثم أجاب، فقال: يقال لهذا المعرض.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا (16)﴾ [نوح: 15 - 16] وليس القمر في جميعها، وإنما هو في واحدها أفيبطل أن يكون القمر فيهن نوراً كما قال الله تعالى؟ ولا يبطل ذلك، لأن القمر وإن كان في سماء واحدة، فهذه السماء من جملة السماوات السبع، فلذلك صح إضافة القمر إليهن أنه فيهن كذلك ذبح الأضحية، وإن كان في يوم واحد من المعلومات.
وهذا اخرها صح أن يضاف ذلك إليها كلها.
وروي عن مالك أنه قال: المعلومات: ثلاثة أيام، أولها يوم النحر.
[240/ب] والمعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهذا السؤال سؤال مالك في الحقيقة.
وقال العنصري من أصحابنا: الذكر يقع في كلها في يوم النحر عند الذبح وقبلها عند سوق الهدي.
وقال بعض: أضاف إليها شهود المنافع والذكر معاً، فقال ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:28]، فشهود المنافع التجارات قبل النحر والذكر يوم النحر، وقال أبو حامد: معناه الذبح في كلها يوم النحر الأضحية وقيل ذلك دماء الحج غير التطوح، والله أعلم.

باب نذر الهدي

مَسْأَلٌة: قالَ: والهدي من الإبل والبقر والغنم.
الفضل اعلم أن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم تقرباً من النعم وغيرها من الأموال، إلا أنه عند الإطلاق اسم للنعم فمن نذر لله هدياً، وسمى شيئاً سوى النعم يلزمه أن يهدي ما سمي، وإن أطلقه في نذره، ففيه قولان: أحدهما: قاله في "الجديد": يجب عليه أقل ما يجوز في الأضحية من النعم، وهو الثنية من الإبل والبقر والمعز أو الجذعة من الضأن، وهو الصحيح.
وبه قال أحمد

الجزء: 4 - الصفحة: 90

ويحكيه أصحابنا عن أبي حنيفة ووجه هذا أن مطلق النذر يحمل على معهود ا~ع والهدي في الشرع من النعم كما قلنا في الصلاة والصوم.
والثاني: قاله في "القديم"، و"كتاب المنذور": يجوز ما يقع عليه الاسم، وإن كانت زبيبة أو تمرة، لأن اسم الهدي يقع على ذلك كله شرعاً ولغةً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبر الجمعة "ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة"، فإذا قلنا بالقول الأول يجزئه الذكر والأنثى، لأن المقصود منه اللحم، ولهذا يجب ذبحه، ولا يجوز إيصاله إلى الفقراء قبل الذبح " [24/أ].
وعلى هذا القول لا يجوز ذبحه وتفريقه إلا في الحرم.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يكره الذكر من الإبل فيه، ويرى أن يهدي الأنثى منها.
وهذا لا يصح لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى عام الحديبية مائة بدنة فيها جمل كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين.
والجمل: الذكر والبرة: حلقة يجعل في أنف البعير ومغايظة المشركين أنه كان ذلك الجمل معروفاً بأبي جهل، فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سلبه، فكان يغيظهم أن يروه في يده وصاحبه قتيل سليب، وإذا قلنا بالقول الثاني، فالأصح أنه لا يجوز إلا في الجرم لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:95]، فجعل الشرط في الهدي إبلاغه الحرم، ومن أصحابنا من قال: يجوز في غير الحرم، كما لو نذر أن يتصدق بشيء جاز في كل موضع، ولأنه لما لم يحمل على معهود الشرع في المقدار لم يحمل عليه في المكان والمصرف.
ثم اعلم أن النذر على ضربين نذر لجاج وغضب ونذر تبرر، فأمّا نذر اللجاج والغضب، فهو ما قصد به الإلزام أو المنع مثل أن يقول: أن كلمت فلاناً، فعلي كذا أو أن لم أكلم فلاناً، فعلي كذا، فإذا وجد الخلاف فهو مخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بذلك على ظاهر المذهب.
وأما نذر التبرر فضربان: فرب علقه بجزاء مثل إسداء نعمه أو دفع نقمة، فإذا وجد شرطه لزمه الوفاء به.
وضرب، يكون مطلقاً مثل أن يقول ابتدأ: لله علي أن أهدي وأتصدق، فالمذهب أنه يلزمه الوفاء.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الوفاء به.
وقيل: وجهان.
والصحيح ما ذكرنا فإذا قلنا: يلزم الوفاء يلزم [24/ ب] ما عين، وإن أطلق، وقال: فلله علي هدي، فالحكم ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فالهدي بأعلى وأدنى، فالأعلى البدنة والبقرة والأدنى شاة أو سُبعُ بدَنَه أو سبع بقرة، فمن وجب عليه هدي، فهو مخير بين أن يهدي الأعلى وبين أن يهدي الأدنى، فإن أهدى الأدنى فكله واجب، لا يجوز أكل شيء منه، وإن أخرج الأعلى فهل يكون كله واجباً، أو سبعه واجباً؟ وجهان: أحدهما: الكل واجب ولا يجوز أكل شيء منه كما قلنا في كفّارة اليمين، يتخّير بين العتق والإطعام وأيهما أخرج كان كله واجباً.
والثاني: سبعه واجب والباقي تطوع لأنه أقيم مقام سبع من الغنم، ويفارق العتق في

الجزء: 4 - الصفحة: 91

الكفارة، لأنه لا يتبعّض ولا يجوز الاختصار فيها، على بعض الرقبة بخلاف هذا.
وهذا أظهر فعلى هذا يجوز أكل الزيادة، ثم قال: وليس له أن ينحر دون الحرم.
وقد ذكرنا موضع نحر الهدي، وتفرقة اللحم، ولو عين بكذا في النذر يذبح ويفرق في تلك البلدة.
مَسْأَلٌة: قال: وإن كان الهدي بدنة أو بقرة قلّدها نعلين.
الفصل إذا نذر هدياً لا يخلو إما أن يكون إبلاً أو بقراً أو غنماً، فإن كان إبلاً أو بقراً، فالسنة أن يقلدها ويشعرها والتقليد: أن يقلدها ويعلق في عنقها والإشعار: أن يضرب شقها الأيمن من موضع السنام بحديده حتى يدميها، وهي مستقبلة القبلة، فيرى على جانبها، فيعلم أنه هدي وإن قرن بين اثنين أشعر أحدهما من الأيمن والآخر من الأيسر ليشاهد كل واحد منهما.
وبه قال أحمد ومحمد وقال مالك وأبو يوسف وابن أبي ليلى: يشعرها من الجانب الأيسر.
وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[242/أ] وقال مالك في البقر: أن كان لها سنام يستحبّ الإشعار وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة وحده: الإشعار بدعة والتقليد منة.
واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تعذيب الحيوان"، وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم أتى براحلته، فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج".
وهذا نص صريح.
وقوله: سلت الدم أي: أماطه وأصل السلت القطع، وقيل: ذلله على الموضع الذي خرج منه وقوله: استوت على البيداء، أي: علت فوق البيداء وأما الخبر الذي ذكر قلنا: التعذيب ما كان يفعلونه من قطع أسنمة الإبل واليات الشاءة، وسبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكيّ والتوديج والتبريغ والميسم.
وفي هذا فوائد، منها: أنها إذا تغيرت أو اختلطت بغيرها أو ضلت استدل بها عليها، وميزت من غيره.
ومنها: أنه ربما يقصدها سارق، فإذا رأى عليها علامة الهدي ربما يرتدع فيتركها.
ومنها: أنها ربما تعطب، فتنحر وتترك في موضعها، فإذا رأى المساكين تلك العلامة يعرفونها.
ومنها: أنه إذا رآها المساكين اقتفوا أثرها إلى المنحر، واحتجّ مالك بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يشعر بدنه في جانب سنامها الأيسر.
قلنا: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى منه.
ثم روي عنه أنه كان يقرن بين هديين، ويشعر الجانب الذي ظهر من كل واحد منهما، وهو مذهبنا، وإن كانت غنماً، فالتقليد فيها مسنون [242/ب].
قال الشافعي - رضي الله عنه -: قلدها خرب القرب ولا يشعرها، وأراد بخرب القرب أطرافها وعراها، وإنما قلنا: لا يشعرها لأن على موضع الإشعار منها صوفاً يمنع من ظهور الإشعار عليها، ولأنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار.

الجزء: 4 - الصفحة: 92

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسن تقليدها، وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى محنهما مقلدة".
وقال جابر: "كان في هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنم مقلدة"، ولأن التقليد سن في الإبل حتى أن ضلت تعرف بذلك.
وهذا في الغنم أولى، لأنها أقرب إلى النفور من الإبل، لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مجللة، ثم قال: وإن ترك التقليد والإشعار أجزأه لأنها هيئة مسنونة شرع لتمييز الهدي من غيره.
فرع لا تأثير للتقليد في الإحرام، فإذا قلد الهدي لم يصر محرماً حتى ينوي الحج أو العمرة.
وبه قال عطاء، وروي عن ابن عباس أيضًا.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: إذا أراد الحج وقلد فقد وجب عليه، وهذا غلط، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهدي وأنا فتلت قلائدها بيدي من عهن كان عنانا ثم أصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الرجل من أهله"، ولأن هذا تجرد عن نية الإحرام، فلا يصير محرماً، كما لو اغتسل ولبس إزاراً أو رداء.
مَسْأَلٌة: قال: ويجوز أن يشترك [لسبعة] في البدنة الواحدة.
الفضل يجوز أن يشترك السبعة في البدنة الواحدة والبقرة الواحدة سواء أرادوا قوبة واحدة أو قرباً مختلفة، أو أراد بعضهم الفدية، وبعضهم اللحم وسواء كانوا متطوعين أو مؤدين للواجب.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين [243/أ] يجوز الاشتراك فيهما أن كانوا من بيتٍ واحدٍ، وإن كانوا من بيوت متفرقة لم يجز، وإن كانوا مؤدين للواجب لا يصحّ منهم الاشتراك.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا متفرقين يصحّ الاشتراك اتفقت جهة قربهم أو اختلفت متطوعين أو مؤدين واجباً، وإن كان بعضهم يريد اللحم لا يصح الاشتراك، وهذا غلط لما روى أبو هريرة وعائشة رضي الله عنهما: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن".
وكان واجباً لأنهن كن متمتعات.
وقال جابر: "كنا نتمتع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يشرك السبعة في البدنة"، ولأن كل بدنة جاز أن ينفرد الواحد بإخراجها على جهة جاز أن يشترك السبعة في إخراجها على تلك الجهة كما لو كانوا متطوعين، واحتج مالك بما روي عن ابن رضي الله عنهما، قال: ما كنت أرى دماً يقضى عن أكثر من واحد.
قلنا: خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى من ذلك.
واحتج أبو حنيفة بأن الدم الواحد لا يتبعض فإذا لم يكن بعضه قربة لا يكون شيء منه قربة.
قلنا: إذا جاز أن تجتمع فيه القربى المختلفة جاز أن تجتمع فيه القربة وغير القربة في السبح من الغنم.
وحكى أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يجوز اشتراك العشرة في البدنة الواحدة، ولا يجوز في البقرة إلا اشتراك السبعة، وهذا غلط، لما ذكرنا من

الجزء: 4 - الصفحة: 93

خبر جابر - رضي الله عنه - في حصر الحديبية، فإذا تقرر هذا فإن أرادوا القربة ذبحوها وسلموا إليهم مذبوحاً ليتصرفوا فيه.
ثم أن قلنا: القسمة إفراز حقّ لهم أن يقتسموها بينهم، فإن قلنا يبيع لم يجز ذلك فيبيع بعضهم من بعض بالدراهم مشاعاً، وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم [24/ ب]، فإن المتقرب يسلم نصيبه إليهم، وأقلهم ثلاثة أنفى، فيقول لهم: فيها السبع وقد سلمته إليكم مشاعاً، ويقبضونه منهم، فإذا قبضوه سقط الغرض عنه، ثم أن أرادوا أن يقتسموا ويفرق كل واحد منهم نصيبه، فالحكم على ما ذكرنا.
قال صاحب "التلخيص ": إذا قلنا: القسمة بيع لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب واللحم الرطب إلا في موضع واحد، وهو إذا اشتركوا في بدنة أو بقرة في هدي أو أضحية أو جزاء أو أي دم كان لله تعالى واجباً كان أو غير واجب يجوز أن يقتسموا للضرورة، لأنه لا مدخل للبيع فيها إذ لا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية.
قال: وكذلك إذا أواد بعضهم اللحم، وهذا لا يصح، لأنه يمكنهم بيعه ممن يريد اللحم ويقتسمون ثمنه.
وقال أبو حامد: الحيلة فيه أن يجزأ سبعة أجزاء ويقول كل واحد من الشركاء: اتبعت حقكم من السبع بدرهم وبعتكم حقي بدرهم، فيحصل لكل واحد منهم السبع، ويكون ذلك بيع لحم وابتياعه بدرهم لا أنه بيع لحم بلحم.
وهذا بعد تسليم نصيبهم مشاعاً إلى المساكين ليكونوا شركا، لأصحاب اللحم، فيصح البيع حينئذٍ، فإن قبل ذلك، لا يصح البيع.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان الهدي ناقة فنتجت سيق معها فصيلها.
الهدايا على ثلاثة أضرب: هدي يسوق المحرم مع نفسه ولا يعين النذر فيه ولا نوى به التطوع، بل ساقه على أنه أن لزمه هدي أخرجها، وإن لم يلزمه أن شاء أخرجها تطوعاً، وإن شاء تركها، فهذه ملكه وله التصرف فيها كيف شاء بالبيع وغيره، وإن نتجت كان النتاج له كالأم، لأنها لم تصر بالسوق هدياً، وإن تلف تلف من ماله، ولا شيء عليه، وهدي عينه نذراً [244/أ].
فقال: لله علي أن أهدي هذه الشاة بعينها فقد زال ملكه بذلك، وصارت ملكاً لمساكين الحرم، ويجوز له التصرف فيها بوجه، وإن تلفت كان تلفها من مال المساكين، وان ولدت ولداً ساق معها ولدها، قال: فإن كان لا يقدر على المشي حمله على أمه، وإن حمل عليها من غير ضرورة، فأعجفها غرم قيمة ما نقصها، وهدي كان في ذمته واجباً بعينه في شاة بعينها، فتعين ذلك فيه، لأن ما كان ثابتأ في الذمة إذا عين في شي، تعين.
ألا ترى أنه لو كان في ذمته عتق فعينه في عبد تعين فيه؟ وليس له النظر فيه بوجه.
ثم ينظر فيه، فإن سلم دفعه إلى المساكين، وإن عاب عاد إلى ملكة، وعليه أن يذبح هدياً سليماً من العيب، لأنه إذا لم يجز عما في ذمته وجب أن يعود إلى ملكه.

الجزء: 4 - الصفحة: 94

وكذلك إذا تلف يجب عليه البدل.
والفصل بين هذا والذي قبله أن هناك لم يكن في ذقته شيء نقله إلى العين، بل نذر هدي شيء بعينه، فيتعلق به حق المساكين وحده، ولا يلزمه الضمان إذا تلف، وههنا في ذمته سليم، فإذا نقله إلى عين كان بشرط السلامة.
ومن أصحابنا من قال: لا يعود بالعيب إلى ملكه كما لو ضل فيخرج هذا المعيب والذي في ذمته أيضًا، وهذا ضعيف.
وبه قال أحمد، فإذا تقرر هذا فإن نتجت هذه، وعاد الأصل إلى ملكه بالعيب، هل يعود الفصيل إلى ملكه.
قال القاضي الطبري: يجب أن يعود الفصيل أيضًا إلى ملكه، ولا يلزمه ذبحه.
ومن أصحابنا من قال: ظاهر المذهب أنه يلزمه ذبحه ويكون للفقراء كما يقول في ولد [244/ب] المبيعة إذا ماتت أمها في يد البائع يبطل البيع فيها، ويبقى الولد للمشتري.
وكذلك لا يبطل التدبير في ولد المدبرة يتلف الأم، ومن أصحابنا من قال هل يتبعها الولد ههنا؟ وجهان: أحدهما: يتبعها.
والثاني: لا يتبعها لأنه حدث في ملك المساكين ويكون للمهدي، لأن ملك المساكين لم يستقر عليها، ولهذا لو تلف أو غاب كان عليه البدل.
فَزعٌ أخرُ إذا قلنا: يعود إلى ملكه بعدما غابت لا يجوز له التصرف فيها بالأكل والبيع والهبة وغيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل منها، وهل له أن يبيعها؟ وجهان: أحدهما: له ذلك.
والثاني: لا يجوز البيع، لأنه كان قد تقرب به.
فَزعٌ أخرُ لو غاب بعدما وصل إلى الحرم.
قال ابن الحداد في فروعه: أجزأه لأنه بلغ محله.
وقال سائر أصحابنا: لا يجزئه، وهو الصحيح، لأنه عاب قبل وموله إلى مستحقه كما لو غاب قبل ذلك، وما ذكره لا يصحّ، لأنه لم يسقط عنه الفرض بوصوله إلى الحرم، وعلى قول ابن الحداد لو مات أو سرق بعد وصوله إلى الحرم أجزأه أيضًا.
فَزعٌ أخرُ لو ضل هذا الهدي وجب عليه إخراج ما في ذمته.
قال الشافعي: ويصير إلى أخر أيام التشريق، فإن لم يجد ذبح أخر مكانه، فإن وجده بعد ذلك ذبحه أيضًا، فمن أصحابنا من قال: يجب ذبحه، وبان بالوجود أن الواجب هذا، ويفارق هذا إذا غاب حيث قلنا: يعود إلى ملكه [245/أ]، لأن بالعيب خرج عن صفة الإجزاء وبالضلال لم يخرج عن حدّ الإجزاء، فلم يزل ملك الفقراء عنه، ولا يعود إلى ملكه، وعلى هذا قال

الجزء: 4 - الصفحة: 95

(القاضي) الطبري: لو وجده قبل تفرقة لحم البدل، لم يلزمه تفرقته، ويحتمل أن يقال: يجب تفرقته كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى ثم وجد الطهور يتطهر ويصلي أيضًا، وكلاهما واجبان.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذبحه بعدما ذبح البدل، وإنما ذكر الشافعي ذلك استحباباً.
والمذهب الأول لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها حجت فأهدت بدنتين فضلتا، فبعث ابن الزبير بهديتين إليها فنحرتهما.
ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، وروي: فاشترت مكانهما هديين فقلدتهما، ثم وجدت الأوليين، فنحرت أربعتهن، فكانت كلما حجت بعد ذلك أهدت أربعاً من البدن، وعلى هذا قال في "الحاوي": لو ضل الهدي سائقه المحرم ابتداء حتى خرجت أيام التشريق [فهل عليه مثله بدلاً أم لا؟ على قولين: أحدهما].
قال في "القديم ": عليه بدله، لأن ضلاله بتفريط من سائقه.
والثاني: لا يكون عليه بدله كما لو مات، وعلى هذا لو أبدله ثم وجده نحره.
فَزعٌ أخرُ لو عين أفضل مما عليه مثل أن يعّين عن الشاة بدنة أو بقرة، ثم غاب، فعادت إلى ملكه، هل يجب عليه ما كان في ذمته أو مثل ما عين؟ وجهان: أحدهما: مثل ما عين في ذمته أوجب الفضل بتعيينه.
والثاني: يجب ما كان في ذمته، وهو الصحيح، لأن التعيين بطل، فرجع إلى ما في ذمته.
ومن أصحابنا من قال: إن فرط يلزمه مثل الذي عين، لأن الفضل لزمه بالتعيين، وإن لم يفرط، ففيه وجهان على ما ذكرنا [245/ب].
وقال بعض أصحابنا: قال الشافعي في "الجدد": يجب ما كان في ذمته.
وقال في "القديم": أخرج وتصدق بالفضل وليس بشيء.
فَزعٌ أخرُ هل له أن يشرب من لبن الهدي؟.
قال في "الأوسط ": ليس له أن يشرب من لبن الهدي إلا بعد ري فصيلها، وكذلك ليس له أن يسقي أحداً.
وقال في مواضع آخر: إن كان لبنها وفق حاجة الفصيل لم يشرب شيئاً، وإن فضل عنه، أو لم يكن لها فصيل أحببت أن يتصدق به على المساكين، فإن شربه جاز.
وقال القفال: هذا في التطوع، وفي الواجب هل يجوز شرب لبنها؟ وجهان، وهذا خلاف المنصوص، فإن قيل: إذا لم يجز له أن يأكل النتاج وجب أن لا يجوز له شرب اللبن، لأن كليهما بمائه.
قيل: الفرق أن اللبن يتخلف بخلاف الولد، ولأن تبقية اللبن في الضرع يضر بالهدي وحمله وحلبه إلى مكة لا يمكن، فأبيح له شربه.
وقد روي أن علي بن أبي طالب - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر، فاذبحها وولدها.

الجزء: 4 - الصفحة: 96

فرعٌ أخرُ لو شرب منه والولد يحتاج إليه، فهزل الولد فعليه ما نقصه الهزل.
فَزعٌ أخرُ هل له أن يركبها؟ قال في "لأوسط": إذا ساق الهدي ليس له أن يركبه إلا من ضرورة، وإذا اضطر إليه ركبه ركوباً غير قادح، وله أن يحمل الرجل المعيي والمضطر على هديه، فإن استدام الركوب مع الاستغناء عنه، فعليه ما نقص الركوب.
والدليل على جواز الركوب [246/أ] قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِع إِلَى أَجَل مُسَمًّى﴾ [الحج: 33]، وسئل جابر - رضي الله عنه - عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً".
وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنه، فقال: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية والثالثة.
وقال أحمل وإسحاق: له أن يركبها ولم يشرط الحاجة.
وقال مالك: لا بأس أن يركبها ركوباً غير قادح.
وقال أبو حنيفة: لا يركبها.
وبه قال الثوري، وهذا غلط، لأن المنافع تتلف، فكان له استيفاء ذلك، وإنما شرطنا الحاجة، لأنه ربما يبعضها، ولأن ملكه زال عنها إلى المساكين، ولا يجوز أن ينتفع بملك غيره إلا لضرورة.
وقال القفال: هل يجوز الركوب؟ فيه وجهان: أصحهما: أن له الركوب قدر ما لا يضر سواء كانت ضرورة أو لا وهذا خلاف النص الذي ذكرنا.
فَزعٌ أخرُ لا يجوز بيع الهدي المعين نذراً.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويشتري بثمنه غيره، ويهدي به، ويجوز له إبداله أيضًا، واحتج بأنه لم يزل ملكه عنه، لأنه لو زال ملكه عنه لما جاز نحره، لأنه لا ينحر ما لا يملكه، وهذا غلط لما روى ابن عمر عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أتي النبي - رضي الله عنه -: يا رسول الله أهديت بختياً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأبتاع بثمنها بدناً فأنحرها؟ فقال: "لا" لكن انحرها إياها"، ولأن هذا حق يتعلق بالرقبة يسري إلى الولد، فوجب أن يمنع [246/ب] البيع كالاستيلاد، وأما ما ذكره لا يصحّ، لأنه لا نسلم ما عينه بالذبح ويجب عليه ذلك.
فَزعٌ أخرُ لو عاب هذا المعين بعد أن وصل إلى مكة فقد بلغ محله، وليس عليه غيره فيذبحه ويجزئه لما روى ابن الزبير - رضي الله عنه - أتى في هداياه بناقة عوراء، فقال: أن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها وإن كان أصابها قبل أن تشتروها، فأبدلوها، ولأنه لو هلك جميعه لم يضمنه، فإذا نقص بعضه لم يضمنه، وهذا لأنه أماته عنده.

الجزء: 4 - الصفحة: 97

وقال في "الحاوي": هل عليه باله له إذا أعطب في الطريق؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين 0 هل يجوز الأكل منه؟ فإن قلنا: يجوز كان كالتطوع، فلا بدل عليه 0 وهذا أصحّ.
فَزعٌ أخرُ لو عينه معيباً، فقال: لله علي أن أهدي بهذا.
قال ابن الحداد: يجب عليه ذبحه، ويفارق هذا إذا عينه عن الواجب في ذمته، ثم عاب لأنه لم يقصد التقرب بالمعيب.
فَزعٌ أخرُ لو ساق هدياً تطوعاً فضل فلا شيء عليه وإن وجده بعد أيام ذهاب الحر فذبح لا يكون هدياً بل يكون شاة لحم، نصّ عليه.
مَسْأَلٌة: قال: تنحر الإبل قياماً معقولة وغير معقولة.
السنة في الإبل النحر لما روي في خبر جابر - رضي الله عنه -: فنحر البدنة عن سبعة.
والسنة في البقر والغنم الذبح لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح عمن اعتمر من نسائه بقوة، فإذ خالف السنة فنحر البقرة والغنم جاز ويكره وتفسير النحر قطع الحلقوم في أسفل العنق عند اللثة فيطعن حربة أو سكيناً في نقرة الحر، وهي الحفرة التي بين أمل العنق والصدر.
[247/أ] والذبح قطع الحلقوم أسفل مجامع اللحيين.
وهذا لأن النحر في الإبل أسرع لخروج روحه من الذبح لطول عنقه بخلاف البقرة والغنم، فإذا تقرر هذا، فالسنة أن ينحر الإبل قياماً معقولة يده اليسرى، فيقوم على رجليها وإحدى يديها.
وقال في "الأوسط": ينحرها غير معقولة، فإن أحب أن يعقل إحدى قوائمها فعل ما ذكرنا، وإن نحرها باركة أو مضطجعة جاز، وقال عطاء: السنة أن ينحرها باركة لئلا يترشش الدم على الناحر، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] وقرأ الحسن: "صوافي" يعني قياماً على ثلاث قوائم، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:36] أي: سقطت من الحر فدل أنها تذبح قياماً حتى تسقط.
وروى جابر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر بدنه قياماً معقولة يدها اليسرى"، وإن لم يمكنه النحر قياماً لصعوبتها وامتناعها نحرها باركةً، وروى أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلاً ينحر بدنته باركة، فقال: انحرها قياماً سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -. وروى أنس - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر سبع بدنات بيده قياماً.
وقال زياد: رأيت ابن عمر ينحر بدنته قائمة، ويقول: سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -. فَزعٌ أخرُ لوكان عليها موف ينظر، فإن كان الصلاح في تركه بأن يكون في الشتاء يحتاج إليه للتدفئة لم يجزه، لأنه ينتفع به الحيوان في دفع البرد وينتفع به المساكين عند الذبح، وإن كان الصلاح في جزه بأن يكون في الصيف، وقد بقي لوقت النحر مدة طويلة جزه، لأنه يترفه به الهدي، وينتفع به المساكين عند سمنه به [247/ب]

الجزء: 4 - الصفحة: 98

فرعٌ أخرُ يستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحرها، ويفرق لحمها لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أهدى مائة بدنة" ويستحبّ أن يكون ما يهديه سميناً حسناً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 31]، قال ابن عباس في تفسيرها هو: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
فَزعٌ أخرُ قال الشافعي - رضي الله عنه -: وأحب إلي أن يذبح النسيكة صاحبها أو يحضر الذبح، فإنه يرجى عند سفوح الدم المغفرة، ويستحب أن يلي تفرقة اللحم بنفسه، فإن وكل فيه جاز سواء وليها بنفسه أو استناب فيها، فعلى من ولي ذلك أن يفرقها وله أن يخلي بينها وبين المساكين.
وهذا لما روي عن عبد الله بن قرظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر وقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، قال: لما وجبت جنوبها تكلم بكلمة خفية لم أفهمها.
قال: قلت ما قال؟ قال: من شاء اقتطع " فدل أنه خلى بينهم وبينها.
وقوله: يزدلفن أي: يقربن، يقال: زلف الشيء إذا قرب.
وقوله: وجبت جنوبها، أي: زهقت أنفسها، فسقطت على جنوبها.
وقوله: من شاء اقتطع يدلّ على جواز هبة المشاع، وقيل: يدلّ على جواز أخذ النثار في العرس، وأنه ليس من باب النهي بل هو من باب الإباحة، فإن قيل: عندكم النثار مكروه، فما الفرق؟ [248/أ] قلنا: النثار لا يزيلّ ملك صاحبه فربما يأخذه من لا يحبه مصاحبه وههنا صار ملكاً للفقراء.
فَزعٌ أخرُ إذا كان واجباً يلزمه أن يفرق لحمه وجلده.
وقال في "القديم": وجلالها ونعالها يعني الذي قلد بها البعير ويستحب هذا، لأنه من توابعها، ولا يعطي الجازر أجرته من لحمها، ولا من جلدها، لأن الأجرة على المهدي الموفي، فإن كان فقيراً أعطاه منه سوى الأجرة.
وهذا لما روي عن علي - رضي الله عنه -، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: "نعطيه من عندنا".
وقال الحسن: لا بأس أن يعطي الجازر الجلد.
فَزعٌ أخرُ لو ترك تفرقة اللحم حتى أنتن، قال في "مختصر الحج" أعاد يعني يضمنه بمثله، فيذبح هدياً آخر.
وقال في "القديم": عليه قيمته.
وقال أصحابنا: هذا هو المذهب، وقوله: أعاد، أراد إخراج القيمة، لأنه إتلاف لحم وبالذبح حصل المقصود، وهو كما

الجزء: 4 - الصفحة: 99

لو ضحى شاة، ثم أتلف رجل اللحم غرم القيمة، ولا يلزم المضحي أن يشتري بتلك القيمة شاة أخرى.
وقيل: يشتري بالقيمة لحماً ويتصدق به.
وقال أبو حنيفة: يسقط الفرض بالذبح ولا شيء عليه، وهذا غلط، لأن الذبح إنما يصير قربة بتفريق اللحم، وهو المقصود، فإذا لم يكن قربة يعيد.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان معتمراً نحره بعدما يطوف بالبيت.
الفضل المعتمر أن لم يرد الحج بعدها لم يكن متمتعاً، ولا يلزمه الدم، ولكنه يستحب فينحر عند المروة، ولو ذبح في غيرها جاز، وإذا كان متمتعاً نحر بمنى، وقد تقام الكلام فيه.
مَسْأَلٌة: قال: وما كان منها تطوعاً أكل منها [248/ب].
الفضل الهدايا على ثلاثة أضرب: واجب يتعلق بالإحرام وواجب يتعلق بالنذر وتطوع.
وهل يجوز الأكل منها؟ قد ذكرنا فيما قبل، وقيل ما وجب النذر أن كان على سبيل المجازاة لا يجوز الأكل منها، وإن كان مطلقاً غير معلق يجزئ.
وقلنا: ينعقد نذره، ففي جواز الأكل وجهان، وظاهر المذهب أنه يجوز الأكل والقياس لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل من الأضحية الواجبة، لأن لفظ الأضحية دليل على جواز الأكل ولا أصل لوجوبها شرعاً بخلاف الهدي ولو عين هدياً، هل يجوز الأكل؟ ينظر، فإن قال: جعلت هذا هدياً له أن يأكل ولو نذر مطلقاً، ثم عين هذا هل يأكل؟ وجهان: أحدهما: لا يأكل، لأنه أفرغ ذمته بهذه العين.
والثاني: يأكل، ولو قال: لله علي أن أهدي شاة، هل له أكلها؟ وجهان: أحدهما: لا لأنه لزمه بهذا النذر إراقة دم.
والثاني: له ذلك لأنه لم يجب في الأصل، ولو قال: لله علي أن أهدي بهذه الشاة بعينها، فيه طريقان: أحدهما وجهان كما لو قال: لله علي أن أهدي شاة.
والثاني: هو كما لو قال: جعلت هذا هدياً، ولم يقل: لله علي فيجوز أكله، وكل موضع لا يجوز الأكل، فخالف وأكل ضمن، وما الذي يضمن فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يضمن قيمة اللحم الذي أكله كما لو أتلف أجنبي، لأنه أتلف على المساكين مالا مثل له [249 /أ].
والثاني: يجب عليه لحم مثله، لأنه أقرب وجميعه مضمون عليه بمثله حيواناً، فلذلك بعضه.
والثالث: يعتبر كم هو من الهدي، فإن كان نصفاً يلزمه النصف من الهدي الحي،

الجزء: 4 - الصفحة: 100

وهذا لأن ما لم يصل من اللحم إلى المساكين يبطل حكم إراقة الدم فيه كما لو ذبحه وأتلف كله يجب عليه أن يذبح أخرى هكذا.
ذكر أصحابنا: وقد تقدم خلافه، وان كان الهدي تطوعاً قد ذكرنا أنه يستحبّ له الأكل منه، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أهدى مائة بدنة فتولى نحر نيف وستين منها.
وولي علياً الباقي ثم أمر فقطع من كل واحدةٍ قطعة من لحم فطبخ ذلك، فأكل من لحمها وتحسى من مرقها"، ولو أكل الكل كم يضمن؟ وجهان: أحدهما: القدر الذي لو تصدّق به أجزأه.
والثاني: يضمن القدر الذي يستحب له أن يفرقه.
وذلك النصف أو الثلث على اختلاف القولين.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا التفريع من أصحابنا على هدي التطوع بعيد، فإن من المحال أن يضمن ما يتطوع به، ولكن هذا التفريع يعود إلى النذر المطلق، فإن المنصوص جواز الأكل منه، فكل ما قالوا في التطوع، فهو في هذا النذر المطلق وأصل هذا الاختلاف من أنه يجب تفريق الزكاة على ثلاثة من كل صنفٍ، فإن أعطى اثنين، ولم يعط الثالث يضمن وكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: قدر ما يجزى، دفعه إليه.
والثاني: قدر ما يستحبّ دفعه إليه وهو الثلث.
مَسْألَةٌ: قال: وما عطب منها نحرها وخلّى بينها وبين المساكين.
إذا ساق الهدي، فعطب منه [249/ب] شيء، أي: زمن ولم يقدر على سوقه، فإن كان تطوعاً، فله ذبحه وأكله وإطعام الأغنياء والفقراء، وان كان واجباً لا يخلو إما أن يكون معيناً بالنذر، أو معيناً عن هدي في ذمته، فإن كان معيناً في الأصل، فقد زال ملكه إلى المساكين على ما ذكرنا، فينحره ويغمس نعليه في دمه ويضرب بهما صفحة سنامه، ويخلّي بينها وبين المساكين والنعلان هما اللذان علقا على رقبته.
والأصل في هذا ما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث فلاناً الأسلمي، وهو ناجية وبعث معه بثماني عشرة بدنة، فقال: "أرأيت أن أرجف علي منها شيء، قال: تنحرها ثم تصبغ نعلك في دمها ثم اضربها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك.
أو قال: "أهل رفقتك" ومعنى إرجف أعني أو كل، وإنما أمر بهذه العلامة ليعلم من رآه أنه هدي، ولأن هذا الهدي صار مصدوداً عن البيت فيجب ذبحه في موضعه كدم المحصر، فإذا تقرر هذا فلا خلاف أنه لا يجوز له أن يأكل منه، ولا أغنياء أهل الرفقة، فأما فقراء أهل الرفقة، هل يأكلون؟ المنصوص أنه لا يحلّ لهم أيضاً.
وهذا ظاهر نص السنة والمعنى في ذلك أنا لو أبحنا لهم ذلك، ربما يتسببون إلى إزمانه وإعطابه طمعاً، في أكل لحمه، فحرم عليهم حتى يصونوا هذا الهدي ويحفظوه عن التلف والعطب.

الجزء: 4 - الصفحة: 101

ومن أصحابنا من قال: يحلّ لهم كما لغيرهم، لأن بحصولهم في هذا الموضع صاروا من أهله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يريد بالرفقة الذين معه على السفرة أو النهد دون أهل القافلة كلهم، [250/أ] وهذا حسن، وقيل: يحرم على سائقه أن يأكل ولا يحرم على غيره أن يأكل منه إن احتاج إليه لما روي من خبر أخر أنه قال: "انحره ثم خلّ بينه وبين الناس".
ذكوه أبو سليمان الخطابي رحمه الله.
وإنما يحلّ أكل هذا إذا خلّى بينه وبين المساكين لفظاً، بأن يقول: أبحته لهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نحر البدن، قال: "ليقطع من شاء منكم"، وهذا لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء، فإذا تقرر هذا فمن سمع الإذن حلّ له أن يأخذ، ومن لم يسمع وجهل، هل تلفظ به صاحبها، هل يحل له الأكل منها؟ فيه قولان: أحدهما: يحل نص عليه في "الأم"، لأن الظاهر أنه أباح لفظاً.
وقال في "الإملاء": لا يحلّ حتى يتحقق ذلك، فإن نحره، ولم يبحه لفظاً للمساكين ضمنه، وكذلك إن ترك نحره حتى مات ضمنه، وإن أكل منه ضمنه.
وبه قال مالك، نص عليه في "الأم".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يحتاج إلى اللفظ ويباح للفقراء بهذه الإمارة كمن وضع ماء على الطريق وجعل عليه إمارة الإباحة، فللناس الشرب منه، ومن قال بالأول فرق بأن أصل الماء على الإباحة بخلاف الهدي.
وإذا قلنا: يضمن ما أكله، قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي عليه بدله لمساكين الحرم وعندي القياس أن يجعله لمساكين الموضع، وهذا غلط، لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم، ولا يمكن حمل الذبيحة إليهم، وهو كما يجب حمل الولد إليهم دون اللبن.
فَرْعٌ آخرُ لو أتلف الأجنبيّ هذا الهدي يلزمه القيمة، فإن كانت القيمة مثل [250 /ب] ثمن مثلها اشترى بها مثلها، وإن كانت أكثر ولم يبلغ ثمن المثلين اشترى المثل.
وفي الفاضل الأوجه الثلاثة، وإن كانت أقل من ثمن المثل، ففيه الأوجه الثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ لو كان الهدي الذي نذره اشتراه ووجد به عيباً، بعد النذر لا يمكنه الردّ بالعيب ويرجع بالأرش ويكون الأرش للمساكين، وماذا يفعل به؟ الحكم على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يهدي حيواناً غير النعم لا يذبحه بل يتصدّق به حيّاً على فقرا، مكّة، لأن الذبح فيه لا يكون قربة، وإذا لم يكن قربة كان نقصاً، وكذلك إذا أهدى تصدّق به على فقراء مكّة.

الجزء: 4 - الصفحة: 102

فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يهدي شيئاّ من العقار باع وأوصل ثمنه إليهم، ولو نذر أن يهدي شيئاً لحمله مؤنة، هل تلزمه مؤنته؟ نظر فإن قال: جعلت في هذا هدياً، لم يلزمه مؤنته بل مؤنة حمله منها، فيباع بعضها وينفق على الباقي ليصل، وإن قال: لله عليّ أن أهدي بهذا، فالمؤنة عليه.
ذكره أصحابنا بخراسان.
فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا فرع من حجّه أن يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي".
وروي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من زار قبري وجبت له الجنة".
وروي: "وجبت له شفاعتي"، ويستحب أن يصلي في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا تعال ألف صلاة في غيره من المساجد" ذكره أصحابنا، وحكى العيني في هذا حكاية حسنة [251/أ]، قال: كنت عنه قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي وقال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64] وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خَيرَ من دُفِنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال: ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فنمت، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال: يا عيني الحق الرجل، وأخبره أن الله عزّ وجلّ قد غفر له.
وهذا آخر ربع العبادات والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.
يتلوه في الذي يليه كتاب الصيد والذبائح [251/ب].

الجزء: 4 - الصفحة: 103

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل