كتاب قتال أهل البغي
باب من يجب قتاله من أهل البغي والسيرة فيهم
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات:9] ".
قال في الحاوي: هذه الآية هي أصل ما ورد في قتال أهل البغي، واختلف في سبب نزولها على قولين:
أحدهما: ما حكاه السدي: أن رجلًا من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد أرادت زيارة أهلها فمنعها زوجها، فاقتتل أهله وأهلها، حتى نزلت هذه الآية فمنعهم.
والثاني: ما حكاه الكلبي ومقاتل: أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي ابن سلول من الخزرج، ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس.
وسببه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على عبد الله بن أبي ابن سلول راكبًا على حمار له، فراث الحمار، فأمسك عبد الله بن أبي ابن سلول أنفه، وقال: إليك حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة وقال: لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك ومن أبيك، وتنافروا وأعان كل واحد منهما قومه، فاقتتلوا بالنعال والأيدي، فنزلت هذه الآية فيهم، وأصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.
فقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:9] يعني: جمعين من المسلمين أخرجهم التنافر إلى القتال فأصلحوا بينهما، وهذا خطاب ندب إليه كل من قدر على الإصلاح بينهم من الولاة وغير الولاة، وإن كان بالولاة أخص ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ [الحجرات:9] والبغي: التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:9] فيه وجهان:
أحدهما: تبغي بالتعدي في القتال.
والثاني: تبغي بالعدول عن الصلح.
الجزء: 12 - الصفحة: 379
وهذا الأمر بالقتال مخاطب به الولاة دون غيرهم: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] أي ترجع، وفيه وجهان:
أحدهما: حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به.
قال سعيد بن جبير.
والثاني: حتى ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال قتادة: ﴿فَإِن فَاءتْ﴾ [الحجرات: 9] يعني: رجعت عن البغي.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:9] فيه وجهان: أحدهما: بالحق.
والثاني: بكتاب الله.
﴿وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:9] يعني: اعدلوا، ويحتمل وجهين:
أحدهما: اعدلوا في ترك الهوى والممايلة.
والثاني: في ترك العقوبة والمؤاخذة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ [الحجرات:9] يعني العادلين.
قال أبو مالك: في القول والفعل فدلت هذه الآية علي بقاء البغاة على إيمانهم.
ودلت على الابتداء بالصلح قبل قتالهم.
ودلت على وجوب قتالهم إن أقاموا على بغيهم.
ودلت على الكف عن القتال بعد رجوعهم.
ودلت على أن لا تباعة عليهم فيما كان بينهم فهذه خمسة أحكام دلت عليها هذه الآية فيهم.
قال الشافعي: وفيها دلالة على أن كل من وجب عليه حق فمنع منه، وجب قتاله حتى يؤديه.
فروى سلمة بن الأكوع وأبو هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه".
وأما الإجماع الدال على إباحة قتالهم: فهو منعقد عن فعل إمامين:
أحدهما: أبو بكر في قتال مانعي الزكاة.
والثاني: علي بن أبي طالب في قتال من خلع طاعته.
فأما أبو بكر رضي الله عنه فإنه قاتل طائفتين:
طائفة: ارتدت عن الإسلام مع مسيلمة وطليحة والعنسي فلم يختلف عليه من الصحابة في قتالهم أحد.
وطائفة: أقاموا على الإسلام ومنعوا الزكاة بتأويل اشتبه، فخالفه أكثر الصحابة في
الجزء: 12 - الصفحة: 380
الابتداء، ثم رجعوا إلى رأيه ووافقوه عليه في الانتهاء حين وضح لهم الصواب وزالت عنهم الشبهة.
ونحن نذكر شرحه من بعد مفصلًا، فكان انعقاد الإجماع معه بعد تقدم المخالفة له أوكد.
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه شهد بنفسه قتال من بغى عليه، فأول من قاتل منهم أهل الجمل بالبصرة مع عائشة.
وثنى بقتال أهل الشام بصفين مع معاوية.
وثلث بقتال أهل النهروان من الخوارج فسار في قتالهم سيرة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة.
فصل:
فإذا ثبت بما ذكرنا من الكتاب والسنة والإجماع إباحة قتالهم على بغيهم، فقتالهم معتبر بثلاثة شروط متفق عليها، ورابع مختلف فيه.
أحدهما: أن يكونوا في منعة، بكثرة عددهم، لا يمكن تفريق جمعهم إلا بقتالهم، فإن كانوا آحادًا لا يمتنعون استوفت منهم الحقوق ولم يقاتلوا.
قال الشافعي: قتل عبد الرحمن بن ملجم عليًا رضوان الله عليه متأولًا، فأقيد به.
يعني: أنه لما انفرد ولم يمتنع بعدد لم يؤثر تأويله في أخذ القود منه.
والثاني: أن يعتزلوا عن دار أهل العدل بدار ينحازون إليها ويتميزون بها كأهل الجمل وصفين.
فإن كانوا على اختلاطهم بأهل العدل، ولم ينفردوا عنهم: لم يقاتلوا.
روي أن عليًا رضي الله عنه كان يخطب، فسمع رجلًا يقول: لا حكم إلا لله تعريضًا بالرد عليه فيما كان من تحكيمه فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال.
والثالث: أن يخالفوه بتأويل محتمل كالذي تأوله أهل الجمل وصفين من المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه.
فإذا باينوا من غير تأويل، أجرى عليهم حكم الحرابة وقطاع الطريق.
وأما الرابع المختلف فيه: فهو نصب إمام لهم يجتمعون على طاعته، ويتفادون لأمره، ففيه وجهان:
أحدهما: هو قول طائفة: إنه شرط يستحق به قتالهم، ليستقر به تميزهم ومباينتهم.
والثاني: وهو قول الأكثرين من أصحاب الشافعي: أنه ليس بشرط في قتالهم لأن عليًا عليه السلام قاتل أهل الجمل ولم يكن لهم إمام، وقاتل أهل صفين قبل أن ينصبوا إمامًا لهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 381
فصل:
فإذا تكاملت الشروط المعتبرة في قتالهم، لم يبدأ به الإمام حتى يسألهم عن سبب انفرادهم ومباينتهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها وناظرهم عليها، حتى يظهر لهم أنه على الحق فيها، لأن الله تعالى أمر بالإصلاح أولًا وبالقتال أخيرًا، ولأن علي بن أبي طالب أنفذ ابن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج بالنهروان، يسألهم عن سبب مباينتهم ويحل شبهة تأويلهم، لتظاهرهم بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم، فقال لهم ابن عباس: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته، وقد عرفتم فضله فما تنقمون منه؟ قالوا: ننقم منه ثلاثًا: حكم في دين الله، وقد أغنى كتاب الله وسنة رسوله عن التحكيم وقتل ولم يسبِ: وكان ينبغي له إما أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي، لأنه إذا حرمت أموالهم فقد حرمت دماؤهم، ومحا اسمه من الخلافة، فإن كان على حق فلم خلع، وإن كان على غير حق فلم دخل؟ فقال ابن عباس: أما قولكم: أنه حكم في دين الله، فقد حكم الله تعالى في الدين فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:35].
وقال تعال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95].
فحكم في أرنب قيمته درهم، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى.
فرجعوا عن هذا.
فقال: وأما قولكم: كيف قتل ولم يسبِ، فلو حصلت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في سهم أحدكم، كيف يصنع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53].
قالوا: رجعنا عن هذه.
قال: وأما قولكم: إنه محا اسمه من الخلافة حين كتب كتاب التحكيم بينه وبين معاوية، فقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه من النبوة حين قاضى سهيل بن عمرو عام الحديبية، وقد كتب كتاب القضية بينه وبين قريش علي بن أبي طالب، فكتب هذا ما قاضى محمد رسول الله سهيل بن عمرو.
فقال سهيل: لا كتب رسول الله، فلو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك، فاكتب محمد بن عبدالله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: امحه.
فقال: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة.
فقال له: أرنيه، فأراه، فمحاه بإصبعه.
فرجع بعضهم وبقى منهم نحو أربعة آلاف لم يرجعوا، فعاد إلى علي بن أبي طالب، فأخبره، فقال لأصحابه: سيروا على اسم الله تعالى إليهم، فلن يفلت منهم عشرة، ولن يقتل منكم عشرة، فساروا معه إليهم فقتلهم، وأفلت منهم ثمانية، وقتل من أصحاب علي تسعة.
وقال: اطلبوا لي ذا الثدية.
فرأوه قتيلًا بينهم، فكبر علي وقال: الحمد لله الذي صدق وعد رسوله إذ قال لي: تقاتلك الفئة الباغية فيهم ذو الثدية.
فهذه سيرة علي بن أبي طالب فيهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 382
وقد حكي عن الشافعي أن قال: أخذ المسمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخذوا السيرة في قتال المرتدين من أبي بكر رضي الله عنه.
وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فصل:
فإذا ثبت أنه يقدم قبل قتالهم سؤالهم عن سبب بغيهم واعتزالهم عن الجماعة، ثم مناظرتهم في حل ما اشتبه عليهم، فمتى أمل رجوعهم إلى الطاعة ودخولهم في الجماعة بالقول والمناظرة لم يتجاوزه إلى القتال، وإن يئس من رجوعهم بعد كشف ما اشتبه عليهم، جاز لإمام أهل العدل حينئذٍ قتالهم ومحاربتهم، وانقسمت أحوالهم في قتالهم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان قتالهم عليه واجبًا.
والثاني: ما كان قتالهم عليه مباحًا.
والثالث: ما اختلف القول في وجوبه وإباحته.
فأما ما وجب قتالهم عليه: فهو بواحدٍ من خمسة أمور:
أحدها: أن يتعرضوا لحريم أهل العدل بإفساد سبيلهم.
والثاني: أن يتعطل جهاد المشركين بهم.
والثالث: أن يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم.
والرابع: أن يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم.
والخامس: أن يتظاهروا على خلع الإمام الذي قد انعقدت بيعته ولزمت طاعته.
روى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خلع يده من طاعة الإمام جاء يوم القيامة لا حجة له عند الله، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
وأما ما أبيح قتالهم عليه، وإن لم يجب: فهو أن ينفردوا عن الجماعة ولا يمتنعوا من حق، ولا يتعدوا إلى ما ليس لهم بحق، فيجوز للإمام قتالهم لتفريق الجماعة ولا يجب عليه قتالهم لتظاهرهم بالطاعة.
وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية".
وأما ما اختلف القول في وجوب قتالهم وإباحته: فهو إذا امتنعوا مع انفرادهم من دفع زكاة أموالهم الظاهرة وقاموا بتفرقتها في أهل السهمان منهم ففيه قولان:
أحدهما: وهو قياس قول الشافعي في القديم: إن قتالهم عليها واجب، إذا قيل فيها بوجوب دفعها إلى الإمام.
والثاني: وهو قياس قوله في الجديد: إن قتالهم عليها مباح وليس بواجب إذا قيل فيه: إن دفعها إلى الإمام مستحب وليس بواجب، والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 383
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فأمر الله تعالى جده أن يصلح بينهم بالعدل ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، وإنما ذكر الصلح آخرًا كما ذكر الإصلاح بينهم أولًا قبل الإذن بقتالهم فأشبه هذا أن تكون التبعات في الدماء والجراح وما تلف من الأموال ساقطة بينهم وكما قال ابن شهاب عندنا قد كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأُتلفت فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالًا أتلفه.
قال الشافعي رحمه الله: وما علمت الناس اختلفوا في أن ما حووا في البغي من مال فوجد بعينه أن صاحبه أحق".
قال في الحاوي: أما المستهلك بين أهل العدل وأهل البغي في غير ثائرة الحرب والتحام القتال من دماء وأموال فهمي مضمونة على مستهلكها سواء كان استهلاكها قبل القتال أو بعده، فيضمن أهل البغي ما استهلكوه لأهل العدل من دماء وأموال ويضمن أهل العدل ما استهلكوه على أهل البغي من دماء وأموال وهذا متفق عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم من المسلم ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا".
وأما المستهلك في ثائرة الحرب والتحام القتال فلا ضمان على أهل العدل فيما استهلكوه من دماء أهل البغي وأموالهم لأمرين:
أحدهما: أن ما وجب على أهل العدل من قتالهم يمنع من ضمان ما تلف بالقتال من دمائهم وأموالهم لتنافي اجتماع وجوب القتال ووجوب الضمان.
والثاني: أن مقصود القتال دفعهم عن بغيهم، فصاروا في هدرها كالطالب إذا قتله المطلوب دفعًا عن نفسه.
وهل يضمن أهل البغي لأهل العدل ما استهلكوه من دمائهم وأموالهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: قاله في القديم، ويشبه أن يكون مذهب مالك: أنهم يضمنونه لهم لأمرين:
أحدهما: أنهم لما ضمنوه إذا لم يمتنعوا ضمنوه وإن امتنعوا كأهل الحرابة.
والثاني: أنه لما كان القتال محظورًا عليهم كان ما حدث عنه مضمونًا كالجنايات، كما أن القتال لما وجب على أهل العدل كان ما حدث عنه غير مضمون كالحدود، لفرق ما بين الواجب والمحظور.
والثاني: قاله في الجديد، وهو قول أبي حنيفة: إنه لا ضمان عليهم وهو الصحيح
الجزء: 12 - الصفحة: 384
لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:9].
فأمر بالإصلاح بينهم، ولم يذكر تبعة في دم ولا مال، فدل على سقوطه عنهم ولما روي أن أبا بكر رضوان الله عليه قاله لم تاب من أهل الردة: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال له عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، لأنهم عملوا لله وأجورهم على الله، فسكت أبو بكر سكوت راجع إلى قوله ولما روي أن طليحة قتل ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن، وهرب إلى الشام، ثم أسلم، وقدم على أبي بكر، فقبل توبته ولم يقتص منه وهكذا فعل علي رضي الله عنه يوم الجمل لم يأخذ أحدًا بما استهلكه من دم ولا مال مع معرفة القاتل والمقتول والتالف والمتلوف وهكذا حكي ابن المسيب والزهري فدل على الإجماع في سقوط الضمان ولأنهما طائفتان ممتنعان اقتتلتا تدينًا، فلم يضمن بعضهم بعضًا كالمسلمين.
ولأن تضمين أهل البغي ما أتلفوه منفر لهم ومانع من رجوعهم، فوجب أن يكون مطرحًا كما أطرح في أهل الحرب.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قيل بالأول: أن الضمان واجب، ضمنت الأموال بالغرم، فأما النفوس فإن كانت خطأ أو عمد الخطأ ضمنت عائلة القاتل الدية دون القاتل وإن كانت عمدًا محضًا ففي ضمانها بالقود وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: تضمن بالقود، لأنها تضمن في الحرب كما تضمن في غيره.
والثاني: أنها تضمن بالدية دون القود، لأنها حال شبهة تدرأ بها الحدود، وتكون الدية في مال القاتل.
وإن قيل بالقول الثاني: في سقوط الضمان، سقط ضمان ما تلف من الأموال ووجب رد ما بقي منها، فأما إن أتلف عليهم بغير قتال، نظر حال متلفه.
فإن قصد بما أتلفه منها إضعافهم وهزيمتهم لم يضمنها.
وإن قصد به التشفي والانتقام: ضمنها، وصارت كالمستهلك عليهم في غير القتال.
وأما النفوس: فمن قتل في القتال لم يضمن في عمد ولا خطأ بقود ولا دية، وفي ضمانه بالكفارة وجهان محتملان:
أحدهما: وهو الأصح: أنه غير مضمون بالكفارة، كما كان غير مضمون بقود ولا دية.
والثاني: أنه يضمن بالكفارة، لأنها من حقوق الله تعالى فتأكدت على حقوق الآدميين، وكما يضمن نفس المسلم في دار الحرب بالكفارة دون الدية.
ومن قتل منهم وهو معتزل عن صفوف الحرب: فإن كان ردءًا لهم وعونًا: سقط
الجزء: 12 - الصفحة: 385
ضمان نفسه كالمقاتلة.
وإن لم يكن ردءًا ولا عونًا: خرج عن حكم المقاتلة وضمنت نفسه بالدية، وفي ضمانها بالقود وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأهل الردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ضربان: فمنهم قوم كفروا بعد إسلامهم مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات ولهم لسان عربي والردة ارتداد عما كانوا عليه بالكفر وارتداد، يمنع حق كانوا عليه وقول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"؟ وقول أبي بكر هذا من حقها لو منعوني عناقًا مما أعطوه النبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها معرفة منهما معًا أن ممن قاتلوا من تمسك بالإسلام ولولا ذلك لما شك عمر في قتالهم ولقال أبو بكر قد تركونا لا إله إلا الله فصاروا مشركين وذلك بين في مخاطبتهم جيوش أبي بكر وأشعار من قال الشعر منهم فقال شاعرهم:
ألا أصبحينا قبل ثائرة الفجر لعل منايانا قريب وما ندري
أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبًا ما بال ملك أبي بكر
فإن الذي سألوكم فمنعتم لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر
سنمنعهم ما كان فينا بقية كرام على العزاء في ساعة العسر
وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه بعد الإسار ما كفرنا بعد إيماننا ولكنا شححنا على أموالنا فسار إليهم أبو بكر بنفسه حتى لقي أخا بني بدر الفزاري فقاتله ومعه عمر وعامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمضى أبو بكر رضي الله عنه خالدًا في قتال من ارتد ومنع الزكاة فقاتلهم بعوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رحمه الله ففي هذا دلالة على أن من منع حقًا مما فرض الله عليه فلم يقدر الإمام على أخذه بامتناعه قاتله وإن أتى القتال على نفسه وفي هذا المعنى كل حق لرجل على رجل فمنعه بجماعة وقال: لا أؤذي ولا أبدؤكم بقتال قوتل وكذا قال من منع الصدقة ممن نسب إلى الردة فإذا لم يختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتالهم بمنع الزكاة فالباغي الذي يقاتل الإمام العادل في مثل معناهم في أنه لا يعطي الإمام العادل حقًا يجب عليه ويمتنع من حكمه ويزيد على مانع الصدقة أن يريد أن يحكم هو على الإمام العادل".
قال في الحاوي: قصد الشافعي بهذه الجملة أمرين:
أحدهما: الرد على طائفة نسبت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى الخطأ في
الجزء: 12 - الصفحة: 386
قتال أهل الجمل وصفين، وهم من أهل القبلة، وقالوا: هلا فعل مثل ما فعله عثمان أغلق بابه وكف أصحابه عن القتال، وكالذي فعل ابنه الحسن حين رأى الثائرة قد هاجت والدماء قد طاحت، سلم الأمر تسليم تقرب إلى معاوية.
فرد الشافعي عليهم: بأنه ما ابتدع ذلك، ولا ارتكب فيه محظورًا، فقد فعل أبو بكر رضي الله عنه في قتال أهل القبلة من المسلمين مثل ما فعله، وإن اختلف السببان فيه، فإن أهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربان:
منهم من ارتد عن دينه وكفر بعد إسلامه مثل مسيلمة تنبأ باليمامة فارتد معه من أطاعه من بني حنيفة، ومثل طليحة تنبأ باليمن فارتد من أطاعه من أهلها.
ومثل العنسي تنبأ في قومه فارتد معه من أطاعه منهم فجهز الجيوش إليهم، وكان أول جيش سيره إليهم جيش أسامة، وكان مبرزًا يظاهر المدينة حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيرهم أبو بكر رضي الله عنه إلى ابني من أرض الشام، فعاد ظافرًا، ثم سير إلى مسيلمة جيشًا وأمدهم بالجيوش حتى قتل من أهل الردة من قتل، وأسلم منهم من أسلم.
فهذا ضرب منهم انطلق عليهم اسم الردة لغة وشرعًا.
والضرب الثاني منهم من كان مقيمًا على إسلامه ومنه من الزكاة بتأويل ذهب إليه، وشبهة دخلت عليه في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة:103]. وكان دخول الشبهة عليهم فيها من وجهين:
أحدهما: أنه خاطب به رسوله: فلم يتوجه بالخطاب إلى غيره.
والثاني: قوله إن صلاتك سكن لهم وليست صلوات ابن أبي قحافة سكن لنا فاشتبه تأويلهم على قوم من الصحابة وصح فساده لأبي بكر فأذعن على قتالهم فأشار عليه جماعة بالكف عنهم منهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: لأن أخر من السماء فتتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أهون عليّ مما سمعت منكم يا أصحاب محمد، والله لا فرقت بين ما جمع الله يعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:43].
والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا كانوا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، أرأيتم لو سألوا ترك الصلاة، أرأيتم لو سألوا ترك الصيام، أرأيتم لو سألوا ترك الحج، أرأيتم لو سألوا شرب الخمر، أرأيتم لو سألوا الزنا، فإذا لا تبقى عروة من عرى الإسلام إلا انحلت.
فقال له عمر رضي الله عنه: علام نقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
فركز أبو بكر في صدر عمر وقال: إليك عني شديدًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، وهل هذا إلا من حقها؟
الجزء: 12 - الصفحة: 387
قال عمر: فشرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر فحينئذٍ أجمعوا معه على قتالهم مع بقائهم على إسلامهم ولم يكن الإسلام مانعًا من قتالهم، لأنهم منعوا حقًا عليهم.
وكذلك حال علي عليه السلام في قتال من قاتل من المسلمين.
ولا يكون كف عثمان وتسليم الحسن رضي الله عنهما حجة عليه، لأن لكل وقت حكمًا، ولكل مجتهد رأيًا.
ولا يمنه الإسلام مانعي الزكاة في عهد أبي بكر من إطلاق اسم الردة عليهم لغة، وإن لم ينطلق عليهم شرعًا؛ لأنه لسان عربي، والردة في لسان العرب الرجوع، كما قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:64] أي رجعا، فانطلق اسم الردة على من رجع عن الزكاة كانطلاقه على من رجع عن الدين.
فهذا أحد الأمرين في مراد الشافعي بهذه المسألة.
وأما الأمر الثاني من مراده بها: فالكلام مع أبي حنيفة في مانعي الزكاة، وهم ضربان: ضرب: منعوها في عهد أبي بكر، وضرب: منعوها من بعد.
فأما مانعوها على عهد أبي بكر: فهم من قدمنا ذكرهم بما اشتبه عليهم من تأويل الآية، فلا يكونوا مرتدين وهم باقون على إسلامهم.
وقال أبو حنيفة: قد ارتدوا بامتناعهم عنها، لاستحلالهم من نص الله تعالى على خلافه، كما لو استحلوا الآن منعها وهذا غير صحيح؛ لأن الصحابة عارضوا أبا بكر رضى الله عنهم في الأمر بقتالهم لبقائهم على الإسلام فوافقهم أبو بكر على إسلامهم، وبين السبب الموجب لقتالهم، ولو ارتدوا لما عارضوه، ولما احتج عليهم بما احتج، فدل على إجماعهم أنهم باقون على إسلامهم ولأن القوم حين تابوا وقدموا على أبي بكر قالوا: والله ما كفرنا بعد إيماننا ولكن شححنا على أموالنا.
وقد بان هذا القول منهم في قول شاعرهم:
ألا أصبحينا قبل ثائرة الفجر لعل منايانا قريب وما ندري
أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبًا ما بال ملك أبي بكر
فإن الذي سألوكم فمنعتم لكالتمر أو أحلى إليهم من التمر
سنمنعهم ما كان فينا بقية كرام على العزاء في ساعة العسر
فلم يرد عليهم أبو بكر ولا أحد من الصحابة ما قالوه من بقائهم على إيمانهم فدل على ثبوته إجماعًا.
فصل:
فأما مانعوا الزكاة من بعد فضربان:
أحدهما: من منعها مستحلًا لمنعها، فيكون باستحلال المنع مرتدًا، وإن لم يكن
الجزء: 12 - الصفحة: 388
المانع منها في عهد أبي بكر مرتدًا.
والفرق بينهما: أن المنع الأول كان قبل الإجماع على إبطال ما اشتبه عليهم من حكم الآية، فكان لتأويل الشبهة مساغًا، والمنع الحادث بعده، قد انعقد الإجماع على إبطال الشبهة فيه، فلم يكن للتأويل مساغ، فافترقا في حكم الردة لافتراقهما في حال الإجماع.
ومثاله: شارب الخمر في عصر الصحابة لما استحل شربها بشبهة تعلق بها في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة:93] لم يكفر لاحتمال شبهته فلما أجمع الصحابة على بطلان هذا التأويل صار مستحلها كافرًا.
والثاني: أن يمنعوا منها غير مستحلين لمنعها، فيجوز قتالهم على أخذها منهم.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز قتالهم على منعها مع إقرارهم بوجوبها أمرين:
أحدهما: لتعلقها بأموالهم دون أبدانهم، فكان المال هو المطلوب دونهم.
والثاني: أن الله تعالى قد ائتمنهم على أدائها فكانت كالأموال الباطنة.
ودليلنا: قول أبي بكر للصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة: والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.
فوافقوه عليه بعد مخالفتهم له، فدل على انعقاد الإجماع به.
ولأنهم لما قوتلوا لامتناعهم من حق الإمام في الطاعة، كان قتالهم في امتناعهم من حق الله تعالى في الزكاة أولى.
ولأن العبادات نوعان: على أبدان، وفي أموال، فلما قوتلوا في عبادات الأبدان قوتلوا في عبادات الأموال.
وقولهم: إن المال هو المطلوب فصحيح لكن لما لم يوصل إليه إلا بقتالهم، صار قتالهم موصلًا إلى أخذ الحق منهم، وما أوصل إلى الحق كان حقًا وأما الأموال الباطنة ففيها جوابان:
أحدهما: أنه لا نظر للإمام فيها، فلم يحاربهم عليها، وخالفت الأموال الظاهرة.
والثاني: أنه لا يمتنع أن يقاتلوا على إخراجها إلى مستحقها، وإن لم يقاتلوا على دفعها إلى الإمام.
فصل:
فإذا ثبت جواز قتالهم على منعها، فإن قدر الإمام على أموالها وأخذ زكاتها منها بغير قتال نظر.
فإن قدر عليها لرفع أيديهم عنها، مع القدرة على الدفع عنها لم يقاتلهم لأن هذا تمكين من الزكاة.
وإن كان لعجزهم عن الدفع عنها، كان على قتالهم، حتى يظهروا الطاعة بأدائها طوعًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 389
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أن نفرًا يسيرًا قليلي العدد يعرف أن مثلهم لا يمتنع إذا أُريدوا فأظهروا آراءهم ونابذوا الإمام العادل.
وقالوا نمتنع من الحكم فأصابوا أموالًا ودماءً وحددوا في هذه الحال متأولين ثم ظهر عليهم أقيمت عليهم الحدود وأخذت منهم الحقوق كما تؤخذ من المتأولين".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قل أهل البغي ولم ينفردوا بدار ونالتهم القدرة، ولم يمنعوا عن أنفسهم بكثرة وقوة لم يؤثر ما تأولوه في سقوط الحقوق عنهم، وإقامة الحدود عليهم.
فقد كان عبد الرحمن بن ملجم من أسوأ البغاة معتقدًا وأعظمهم إجرامًا، قال -وعلي- كرم الله وجهه- يخطب على المنبر بالكوفة: والله لأريحنهم منك، فأخذه الناس وحملوه إليه، وقالوا: اقتله قبل أن يقتلك، فقال: كيف أقتله قبل أن يقتلني، وخلى سبيله، فبات له في المسجد، فخرج علي عليه السلام لصلاة الفجر مغلسًا وقيل: إنه أنشد بالاتفاق قول الشاعر:
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
وأحرم بركعتي الفجر، فأمسك ابن ملجم عنه في الركعة الأولى حتى قدر ركوعه وسجوده، ورأى سجوده أطول من ركوعه، وكذا السنة.
فلما قام إلى الثانية ضربه في سجوده ضربه فلق بها هامته.
فقال علي: فزت ورب الكعبة وأخذ ابن ملجم فحمل إليه، وقيل له: اقتله قبل أن يقتلك فقال: كيف أقتله قبل أن يقتلني، إن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استفدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا وإن تعفو أقرب للتقوى وكان في شهر رمضان، فلما جاء وقت الإفطار، قال: أطعموه وأحسنوا إساره، وكان أول من قدم إليه الطعام في داره ابن ملجم فلما مات قتله الحسن بن علي قودًا.
قال الشافعي: وفي الناس بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أنكر قتله ولا عابه أحد.
فدل على فرق ما بين الامتناع والقدرة.
ولأن سقوط القود في الامتناع والكثرة إنما هو للحاجة إلى تألفهم في الرجوع إلى الطاعة، والمنفرد مقهور لا يحتاج إلى تألفه فلذلك وقع الفرق بين الممتنع وغير الممتنع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا كانت لأهل البغي جماعة تكبر ويمتنع مثلها بموضعها الذي هي بها بعض الامتناع حتى يعرف أن مثلها لا ينال إلا حتى تكبر نكايته واعتقدت ونصبت إمامًا وأظهرت حكمًا وامتنعت من حكم الإمام العادل فهذه الفئة
الجزء: 12 - الصفحة: 390
الباغية التي تفارق حكم من ذكرنا قبلها فإن فعلوا مثل هذا ينبغي أن يسألوا ما نقموا فإن ذكروا مظلمة بينة ردت وإن لم يذكروها بينة قيل عودوا لما فارقتم من طاعة الإمام العادل وأن تكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة وأن لا تمتنعوا من الحكم فإن فعلوا قبل منهم وإن امتنعوا قيل إنا مؤذنوكم بحرب فإن لم يجيبوا قوتلوا ولا يقاتلوا حتى يدعوا ويناظروا إلا أن يمتنعوا من المناظرة فيقاتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله".
قال في الحاوي: وجملة أهل البغي أنهم ضربان:
ضرب خرجوا عن القدرة بالامتناع والكثرة، ولا يوصل إليهم إلا بالجيوش والمقاتلة فهم من قدمناه ذكره في إباحة قتالهم، وأن أهل العدل لا يضمنون، ما استهلكوه عليهم في ثائرة الحرب من دماء وأموال، وفي تضمين أهل البغي ما استهلكوه عن أهل العدل في ثائرة الحرب من دماء وأموال قولان.
والثاني: من كان تحت القدرة، وهم ضربان:
أحدهما: أن يختلطوا بأهل العدل كابن ملجم وأشياعه، فأحكامنا عليهم جارية في الحقوق والحدود، وهم مؤاخذون بضمان ما استهلكوه من دماء وأموال، سواء استهلكوها على أهل العدل، أو استهلكوها بعضهم على بعض، ويؤخذ أهل العدل بضمان ما استهلكوه عليهم من دماء وأموال.
والثاني: أن ينفردوا لكثرتهم وقوتهم غير أنهم لم يتظاهروا يخلع الطاعة، ولا امتنعوا من أداء الحقوق، فهؤلاء يجب الكف عنهم، ولا يجوز قتالهم ما أقاموا على حالهم، وإن خالفوا أهل العدل معتقدهم.
فقد اعتزل أهل النهروان علياً وخالفوه في رأيه، فولى عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت عاملاً، فأطاعوه، فكف عنهم، ثم قتلوه، فأرسل إليهم على أن سلموا إلى قاتله أقيد منه، قالوا: كلنا قتله.
فسار إليهم حتى قتلهم مع كثرة عددهم فدل على أن ما فعلوه قبل التظاهر بخلع الطاعة هم به مؤاخذون وله ضامنون.
كذلك من كان مثلهم، ويصير مخالفا لحكم من تظاهر بخلع الطاعة من وجهين:
أحدهما: في قتالهم إذا تظاهروا بخلع الطاعة، والكف عنهم إذا لم يتظاهروا.
والثاني: في سقوط الضمان عنهم إذا تظاهروا في أصح القولين، ووجوب الضمان عليهم قولاً واحداً إذا لم يتظاهروا وانه أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: " والفيئة الرجوع عن القتال بالهزيمة أو الترك للقتال أي
الجزء: 12 - الصفحة: 391
حال تركوا فيها القتال فقد فاؤوا وحرم قتالهم لأنه أمر أن يقاتل وإنما يقاتل من يقاتل فإذا لم يقاتل حرم الإسلام أن يقاتل فأما من لم يقاتل فإنما يقال اقتلوه لا قاتلوه نادي منادي على رضي الله عنه يوم الجمل ألا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح وآتى على رضي الله عنه يوم صفين بأسير فقال له على لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين فخلى سبيله والحرب يوم صفين قائمة ومعاوية يقاتل جادا في أيامه كلها منتصفا أو مستعلياً فبهذا كله أقول وأما إذا لم يكن جماعة ممتنعة وحكمة القصاص قتل ابن ملجم عليا متأولا فأمر بجيشه وقال لولده إن قتلتم فلا تمثلوا ورأى عليه القتل وقتله الحسن بن علي رضي الله عنه وفي الناس بقية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما أنكر قتله ولا عابه أحد ولم يقد على وقد ولى قتال المتأولين ولا أبو بكر من قتله الجماعة الممتنع مثلها على التأويل على ما وصفنا ولا على الكفر وإن كان بارتداد إذا تابوا قد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم ولم يضمن عقلا ولا قوداً فأما جماعة ممتنعة غير متأولين قتلت وأخذت المال فحكمهم حكم قطاع الطريق.
قال المزني رحمه الله: هذا خلاف قوله في قتال أهل الردة لأنه أكرمهم هناك ما وضع ههنا عنهم وهذا أشبه عندي بالقياس".
قال في الحاوي: أصل هذا: قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] ﴿فَقَاتِلُوا﴾ [النساء: 76] يتضمن الأمر بقتالهم لا بقتلهم.
وقوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الجرات: 9] هو الغاية في إباحة قتالهم.
والفيئة في كلامهم: الرجوع، وهو على ثلاثة أضرب تتفق أحكامها وإن اختلفت أنواعها:
أحدها: أن يرجعوا إلى طاعة الإمام والانقياد لأمره، فهو غاية ما أريد منهم، وقد خرجوا به من البغي اسماً وحكماً، وصاروا داخلين في أحكام أهل العدل.
والثاني: أن يلقوا سلاحهم مستسلمين فالواجب الكف عنهم، لأن الله تعالى أمر الحرب متوجه إلى قتلهم، وفي أهل البغي إلى قتالهم.
والثالث: أن يولوا منهزمين فيجب الكف عنهم، ولا يتبعوا بعد هزيمتهم (0) فقد نادي منادى على يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عليهم السلام، قال: دخل علي مروان فقال لي: ما رأيت أكرم غلبة من أبيك، ما كان إلا إن ولينا يوم الجمل حتى نادى مناديهن: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
ولما ولى الزبير عن القتال وخرج عن الصف، قال علي: أفرجوا للشيخ فانه محرم، فمضى وأتبعه عمرو بن جرموز حتى ظفر باغتياله فقتله بوادي السباع وأتى علياً برأسه،
الجزء: 12 - الصفحة: 392
فقال (علي): سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فقال عمرو: أف لكم إن كنا معكم أو عليكم في النار، فقام وهو يقول:
أتيت علياً برأس الزبير وكنت أظن بها زلفتى
فبشر بالنار قبل الوعيد وبئس بشارة ذي التحفة
وولي طلحة بن عبيد الله، فلم يعرض له أحد من أصحاب علي حتى رماه مروان بن الحكم بسهم في أكحله فقتله، وكان في عسكر طلحة والزبير، فلما كان في الليل سار علي عليه السلام ومعه قنبر مولاه بمشعلة يتصفح القتلى، فمر بطلحة قتيلاً، فوقف عليه وبكى وقال: أعزز على أبا محمد أن أراك مجدلاً تحت نجوم السماء، إنا لله وإنا إليه راجعون، شفيت غيظي وقتلت معشري إلى الله أشكو عجري ويجري، ثم أنشأ يقول:
فتى كان يعطي السيف في الروع حقه إذا ثوب الداعي ويشقى به الجسور
فتى كان يدينه الغنى من صديقه إذ ما هو استغنى ويبعده الفقير
فصل:
فإذا تقرر أنهم لا يتبعون بعد انهزامهم فلا فرق بين المنهزم إلى غير دار يرجع إليها، وإلى غير إمام يعود إلى طاعته، وبين المنهزم إلى دار وإمام.
وقال أبو حنيفة: لا يتبع المنهزم إلى غير دار وإمام، ويتبع المنهزم إلى دار وإمام ويقتل إن ظفر به احتجاجاً: بأن علياً لم يقع من انهزم من أهل الجمل، لأنهم انهزموا إلى غير دار وإمام، واتبع من انهزم يوم صفين لأنهم رجعوا إلى دار وإمام.
حتى روى أنه اتبع مدبرا ليقتله فكشف عن سوءته فكف على طرفه ورجع عنه.
قال: ولأن الانهزام مع بقاء الدار والإمام لا يكون رجوعاً عن البغي، ولا مانعاً من العود.
ودليلنا: ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه أتي بأسير يوم صفين، فقال له الأسير: أتقتلني صبراً.
فقال: لا إني أخاف الله رب العالمين وخلى سبيله.
قال الشافعي: والحرب يومئذ قائمة، ومعاوية يقاتل جادل في أيامه كلها مستعلياً أو منتصفاً، يعني: مستعلياً بكثرة جيشه، أو منتصفاً بمساواة الجيش.
وأتى معاوية بأسير يوم صفين فأمر بقتله، فقال الأسير: والله ما تقتلني لله ولا فيه ولكن لحطام هذه الدنيا، فإن عفوت فصنع الله بك ما هو أهله، وإن قتلت فصنع الله بك ما أنت أهله فقال لهم عاوية: لقد سببت فأحسنت وخلى سبيل.
ولأن الإمام مأمور بالقتال لا بالقتل، والمولى غير مقاتل فلم يجز أن يقتل ولأن المراد بالقتال الكف والمولى كاف فلم يجز أن يتبع.
فأما احتجاجه بندائه يوم الجمل دون صفين فعنه جوابان:
الجزء: 12 - الصفحة: 393
أحدهما: أنه أمر بالنداء في اليومين معاً أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح.
والثاني: أنه وإن فرق بين اليومين في النداء فلأن الحرب انجلت يوم الجمل.
فتفرغ النداء، وكانت يوم صفين باقية فتشاغل بتدبير الحرب عن النداء.
وأما طلبه للأسير، فقد كان ذلك عند اختلاط الصفوف وبقاء القتال.
واحتجاجهم بجواز عوده فلا معنى لتعليق الحكم بعلة لم تكن، ويجوز أن لا تكون والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: "ولو أن قوماً أظهروا رأى الخوارج وتجنبوا الجماعات وأكفرهم لم يحل بذلك قتالهم بلغنا أن عليا رضي الله عنه سمع رجلا يقول لا حكم إلا لله في ناحية المسجد فقال علي رضي الله عنه كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا تمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا تمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال".
قال في الحاوي: أما الخوارج، فهم الخارجون عن الجماعة بمذهب ابتدعوه ورأي اعتقدوه، يرون أن من ارتكب إحدى الكبائر كفر وحبط عملهم واستحق الخلود في النار، وأن دار الإسلام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، وأن من تولاهم وجرى على حكمهم فكذلك.
فاعتزلوا الجماعة وأكفروهم، وامتنعوا من الصلاة خلف أحد منهم، وسموا شراة، واختلف في تسميتهم على وجهين:
أحدهما: أنه تسمية ذم، ساهم به أهل العدل، لأنهم شروا على المسلمين وحاربوا جماعتهم.
والثاني: أنه تسمية حمد، سموا بها أنفسهم لأنهم شروا الدنيا بالآخرة أي باعوها.
فإذا اعتقد قوم رأي الخوارج وظهر معتقدهم على ألسنتهم وهم بين أهل العدل غير منابذين لهم ولا متجرئين عليهم تركوا على حالهم ولم يجز قتلهم ولا قتالهم، ولم يؤخذوا جبراً بالانتقال عن مذهبهم والرجوع عن تأويلهم وعدل إلى مناظرتهم وإبطال شبهتهم بالحجج والبراهين وإن كانوا عليها مقرين، فقد أقرهم علي بن أبي طالب عليه السلام قبل أن يعتزلوه وسمع قائلهم يقول: لا حكم إلا لله تعريضا به في تحكيمه يوم صفين.
فقال على: كلمة حق أريد بها باطل.
وهذا أحسن جوابا لمن عرضي بمثل هذا القول.
ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله إن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال.
فجعل هذه الأحكام فيهم كهي في أهل العدل، واقتضى في ذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين في كفه عنهم مع علمه بمعتقدهم لتظاهرهم بطاعته مع استيطان معصيته فإن
الجزء: 12 - الصفحة: 394
صرح الخوارج بسبب الإمام وسب أهل العدل: عزروا للأذى وذباً عن منصب الإمامة وإن عرضوا به من غير تصريح ففي تعزيتهم وجهان:
أحدهما: لا يعزرون، لأن علياً لم يعزر من عرض، لفرق ما بين التعريض والتصريح.
والثاني: أنهم يعزرون؛ لأن الإقرار على التعريض مفض إلى التصريح، فكان التعزير حاسما لما بعده من التصريح.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: " ولو قتلوا واليهم أو غيره قبل أن ينصبوا إماما أو يظهروا حكما مخالفا لحكم الإمام كان عليهم في ذلك القصاص قد سلموا وأطاعوا والياً عليهم من قبل على ثم قتلوه فأرسل إليهم رضي الله عنه أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به قالوا كلنا قتله قال فاستسلموا نحكم عليكم قالوا لا فسار إليهم فقاتلهم فأصاب أكثرهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا اجتمع الخوارج في موضع تميزوا به عن أهل العدل، ولم يخرجوا عن طاعة الإمام، وقصدوا بالاعتزال أن ينفردوا عن مخالفهم ويتساعدوا على معتقدهم، كانت دارهم من جملة دار أهل العدل تقام عليهم الحدود وتستوفي منهم الحقوق ولا يدقوا بحرب ولا قتال ما لم يبدؤوا بالمنابذة والقتال.
فإن قتلوا عاملهم الوالي عليهم من قبل الإمام أو غيره من أعوان الإمام، ثم أظهروا خلع الإمام ونابذوه أجرى الإمام عليهم القصاص ولم يسقط عنهم بما أظهروا بعد القتل من الخلع والمنابذة، وكذلك ما استهلكوه من الأموال كانوا مأخوذين بضمانه فقد ولى علي بن أبي طالب عليه السلام على النهروان عامله عبد الله ين خباب بن الأرت وقد اعتزلوه فكان ناظراً فيهم كنظره في أهل العدل، إلى أن وثبوا عليه وقالوا: ما تقول في الشيخين أبي وعمر؟ فقال: ما أقول في خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمامي المسلمين قالوا: ما نقول في عثمان؟ فقال: في الست الأوائل خيراً.
وأمسك على الست الأواخر فقالوا: ما تقول في علي بن أبي طالب.
فقال: أمير المؤمنين وسيد المتقين فعمدوا إليه فذبحوه، فراسلهم علي أن سلموا إلى قاتله أحكم فيه يحكم الله قالوا: كلنا قتله.
قال فاستسلموا لحكم الله، وسار إليهم، فقتل أكثرهم فدل هذا من فعله على أمرين:
أحدهما: جواز إقرارهم وإن اعتزلوا ما كانوا متظاهرين بالطاعة.
والثاني: وجوب القصاص عليهم، وأنه لا يسقط عنهم بخلع الطاعة.
فأما من قتلوه بعد خلع الطاعة وإظهار المنابذة ففي ضمانه عليهم قولان كغيرهم من أهل البغي.
الجزء: 12 - الصفحة: 395
فصل:
فإذا ثبت وجوب القصاص عليهم، اختص بالقاتل منهم، فإن سلموه لم يقتل غيره من معين ولا مشير وفي انحتام القصاص وجهان:
أحدهما: أنه منحتم كالقتل في الحرابة لا يجوز العفو عنه، لأنهم في إشهار السلاح كالمحاربين من قطاع الطريق.
فعلى هذا: يجوز أن ينفرد الإمام بقتله من غير حضور وليه وطلبه.
والثاني: أنه غير منحتم، يجري عليه حكم القصاص في غيرهم كجريان حكم أهل العدل في ذلك عليهم.
فعلى هذا: لا يجوز للإمام أن ينفرد بقتله حتى يحضر وليه مطالباً، فيكون مخيراً بين القصاص أو الدية أو للعفو عنهما.
فإن لم يسلموا القاتل، جاز قتال جميعهم وحل قتلهم، ولم يختص به القاتل منهم فإن انجلت الحرب عن بقية منهم كف عن قتلهم إلا أن يكون القاتل فيهم، فيقتل قوداً على ما قدمناه من الوجهين من انحتامه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإذا قاتلت امرأة منهم أو عبد أو غلام مراهق قوتلوا مقبلين وتركوا مولين لأنهم منهم".
قال في الحاوي: هذا كما قال إذا قاتل مع أهل البغي نساؤهم وصبيانهم وعبيدهم كانوا في حكمهم يقاتلون مقبلين ويكف عنهم مدبرين، وإن لم يكونوا من أهل البيعة والجهاد، لأنهم قد صاروا في وجوب كفهم عن القتال كالرجال من أهل البيعة والجهاد.
ولأن الإمام في دفعهم عن المسلمين جار مجرى الدافع عن نفسه، وله دفع الطالب ولو بالقتل، ولو كانت امرأة أو صبيا، كذلك المقاتل من البغاة يدفع ولو بالقتل ولو كان امرأة أو صبيا.
ولا يضمنون وإن أتى القتال على نفوسهم، كما لا يضمن الرجل البالغ، ولا تضمن البهيمة إذا صالت.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " ويختلفون في الإسار ولو أسر بالغ من الرجال الأحرار فحبس لبيايع رجوت أن يسع ولا يسع أن يحبس مملوك ولا غير بالغ من الأحرار ولا امرأة لتبايع وإنما يبايع النساء على الإسلام فأما على الطاعة فهن لا جهاد عليهن".
الجزء: 12 - الصفحة: 396
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أسر أهل البغي والحرب قائمة لم بجز قتل أسراهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يقتلوا كأهل الحرب.
والدليل عليه: ما رواه عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم" وهذا إن ثبت نص ولأن سيرة علي عليه السلام فيهم كانت هكذا، وعليها عمل المسلمون بعده، ولان المقصود بقتالهم كفهم عن القتال وليس المقصود قتلهم.
ولأنهم في دفعهم عن البغي في حكم الطالب نفس المطلوب الذي لا يجوز قتله بعد كفه، كذلك البغاة، وهم بخلاف أهل الحرب، لأن المقصود قتلهم بقتالهم فافترقوا، فعلى هذا: لو قتل أسير منهم ضمنه القاتل بالدية، وفي ضمانه بالقود وجهان:
أحدهما: يقاد منه، لأن قتل محظور النفس.
والثاني: لا يقاد منه، لأنها شبهة تدرأ بالحدود.
فصل:
فإذا ثبت أن قتلهم بعد الإسار محظور، فهم ضربان:
أحدهما: أن يكونوا من أهل الجهاد أحراراً بالغين، فيدعوا إلى البيعة على الطاعة، فإن أجابوا إليها وبايعوا الإمام عليها أطلقوا ولم يجز حبسهم، ولم يلزم أخذ رهائنهم ولا إقامة كفلائهم، وركلوا إلى ما تظاهروا به من الطاعة، ولم يستكشفوا عن ضمائرهم، وإن امتنعوا من بيعة الإمام على طاعته حبسوا إلى انجلاء الحرب، واختلف أصحابنا في علة حبسهم على وجهين:
أحدهما: أن العلة في حبسهم امتناعهم من وجوب البيعة عليهم، ومن امتنع من واجب عليه حبس به والديون وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
فعلى هذا: يكون حبسهم واجباً إلى الإمام، وهو مقتضى قول الشافعي في القدس لأنه قال فيهن يحبسون.
والثاني: أن العلة في حبسهم أن تضعف مقاتلة البغاة يهم وهذا أصح التعليلين.
لأنهم حبسوا لوجوب البيعة لما جاز إطلاقهم بعد انجلاء الحرب إلا بها.
فعلى هذا: يكون حبسهم موكولاً إلى رأي الإمام واجتهاده، وهو مقتضى قول الشافعي في الجديد، لأنه قال فيه: رجوت أن يسع.
والثاني: أن يكون الأسرى من غير أهل الجهاد كالنساء والعبيد والصبيان فلا يجوز حبسهم على البيعة، لأنه لا بيعة على النساء والعبيد إلا في الإسلام دون الجهاد لوجوب الإسلام عليهم وسقوط الجهاد عنهم، والصبيان لا بيعة عليهم في الإسلام ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 397
في الجهاد، وهذا معنى قول الشافعين ويختلفوا في الإسار.
فإذا لم يجز حبسهم على البيعة، فقد اختلف أصحابنا في جواز حبسهم لإضعاف البغاة على وجهين، بناء على اختلاف العلتين في حبس أهل الجهاد منهم:
أحدهما: لا يحبسون إذا قيل: إن علة حبسهم وجوب البيعة عليهم.
والثاني: يحبسون إذا قيلت إن علة حبسهم إضعاف البغاة بهم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: "فأما إذا انقضت الحرب فلا يحبس أسيرهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن انقضاء الحرب تكون بأحد ثلاثة أضرب:
أحدها: بالرجوع إلى الطاعة والدخول في البيعة، فيطلق أسراهم كما خليت سبيلهم، لأنه المقصود منهم.
والثاني: أن تنقضي بالاستسلام وللقاء السلاح، فلا يجوز بعد استسلامهم ودخولهم تحت القدرة أن يقتلوا، وتجري عليهم أحكام من اعتقد رأيهم موادعا فيخلى سبيلهم وسبيل أسراهم.
فإن اختلطوا بأهل العدل، كانوا على حكمهم وإن تميزوا بدار قلد الإمام عليهم واليا ليستوفي منهم الحقوق ويقيم عليهم الحدود، وكانت دارهم دار عدل وإن كانوا على رأي أهل البغي، اعتباراً بنفوذ الأمر عليهم.
والثالث: أن تنقضي الحرب بهزيمتها فمذهب الشافعي: أنهم لا يتبعون سواء كانت لهم فيئة ينضمون إليها أو لم تكن.
وأبو حنيفة يرى إتباعهم إن كانت لهم فينة ينضمون إليها وقد دللنا عليه.
فأما أسراهم: فإن لم يكن للمنهزمين دار فينة ينضمون إليها: أطلق أسراهم، وإن كان لهم دار وفيئة: ففي إطلاق أسراهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: ومقتضى التعليل الأول في حبسهم، أنهم يستبقون ني حبسهم ولا يطلقون إلا أن يبايعوا ولا تبقى لهم دار وفيئة.
والثاني: وهو مقتضى التعليل الثاني في حبسهم، أنهم يطلقون لما قد تم من ضعفهم بالهزيمة.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن سألوا أن ينظروا لم أر بأسا على ما يرجو الإمام منهم وإن خاف على الفيئة العادلة الضعف عنهم رأيت تأخيرهم إلى تمكنه القوة عليهم".
الجزء: 12 - الصفحة: 398
قال في الحاوي: إذا سأل أهل البغي إنظارهم والحرب قائمة، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ما سألوه من الإنظار قريباً كاليوم إلى ثلاثة أيام، لا تتفرق فيها العساكر ولا يتباعد فيه معسكره، فيجابون إليه، وينظرهم هذه المدة وعسكره مقيم عليهم، ويتحرز في هذه المدة منهم، لأن قتالهم لا يدون اتصاله ليلا ونهارا، ولا بد فيه من استراحة عسكره ودوابه، فيجعلها إجابة لسؤالهم إعذاراً وإنذاراً.
والثاني: أن يسألوه الإنظار مدة طويلة كالشهر وما قاربه يبعد فيها المعسكر ويتفرق فيها العساكر فينبغي للإمام أن يجتهد رأيه في الإصلاح.
بالكشف عن سرائرهم وعن أحوال عسكرهم.
فإن علم من مسألتهم الإنظار ليستوضحوا الحق من الباطل أو ليجمعوا كلمة جماعتهم على الطاعة أنظرهم، سواء كان في عسكره قوة عليهم أو ضعف عنهم، لأن المقصود منهم عودهم إلى الطاعة دون الاصطلام، وإن علم أنهم سألوه الإنظار ليجمعوا فيها ما يتقوون به عليه، إما من عساكر أو أموال أو سألوه الإنظار ليطلبوا له المكايد أو ليتفرق عنه العسكر فيثقا عليه العود.
نظر حينئذ إلى حال عساكره ز فان وجد فيهم قوة على قتالهم وصبراً على مطاولتهم لم ينظرهم وأقام على حربهم حتى يذعنوا أو ينهزموا، وإن وجد في عسكره ضعفا عنهم وعجزة عن طاولتهم أنظرهم ليلتمس القوة عليهم إما بعساكر أو بأموال، وجعل طاهر الإنظار إجابة لسؤالهم ليقيموا على الكف والموادعة، وباطن إنظارهم التماس القوة عليهم حتى لا يغفل عنهم
فصل:
فإن سألوا الإنظار مدة لا يجوز إنظارهم إليها على مال بذلوه، لم يجز إنظارهم به لأمرين:
أحدهما: أن بذل المال على الموادعة صغار وذلة، فلم يجز أخذه من المسلمين كالجزية.
والثاني: أنهم ربما أخرجوه إلى إضعافه بما يتجدد لهم من القوة.
فإن أخذ منهم المال على الإنظار بطل حكم الإنظار، ونظر فيما دفعوه من المال.
فإن كان من خالص أموالهم رد عليهم وإن كان من الفيء والصدقات لم يرد، وصرف في مستحقيه.
فصل:
فإن خيف المكر بإنظارهم فبذلوا رهائن من أولادهم على الوفاء بعهدهم.
فإن كان الإنظار مما لا تجوز الإجابة إليه مع أخذ الرهائن لم يجابوا إليه يبذل الرهائن.
وإن جازت الإجابة إليه بغير الرهائن كانت الإجابة إليه مع أخذ الرهائن أولى.
فإن عادت الحرب ورهائنهم في أيدينا، لم نقتل رهائنهم، لأن التعدي من غيرهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 399
ولو كان في أيديهم أسارى من أهل العدل فقتلوهم، وفي أيدينا لهم أسارى منهم أو رهائن لهم لم يجز قتلهم بمن قتلوه، لأن القاتل غيرهم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب على قتال أهل العدل قتل أهل الحرب وسبوا ولا يكون هذا أمانا إلا على الكف فأما على قتال أهل العدل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا استعان أهل البغي على قتالنا بأهل الحرب بأمان أعطوهم، نظر حال الآمان، فانه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مطلقا أو مشروطا بقتالنا.
فإن كان مطلقا: صح الأمان لهم، وكان عقد أهل البغي لهم كعقد أهل العدل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم".
ويصيرون بهذا الأمان أمنيين من أهل البغي وأهل العدل، لعمومه وصحته، ما لم يقاتلونا، فإن قاتلونا صاروا كأهل العهد المتقدم، إذا قاتلوا على ما سنذكره.
وإن كان عقد الأمان لهم مشروطة بقتالهم معهم، كان هذا الأمان باطلاً لأمرين:
أحدهما: أنه لما بطل عقد الأمان لهم بقتالنا لم يجز أن ينعقد على قتالنا.
والثاني: أن عقد الأمان يقتضي أن نؤمنهم ونأمنهم فلم يجز أن نؤمنهم ولا نأمنهم، وإذا بطل الأمان بما ذكرنا سقط حكمه في أهل العدل ولزم حكمه في أهل البغي اعتبارا بالشرط في حقهم، وإن بطل في حق غيرهم، وجاز لأهل العدل قتلهم واسترقاقهم وسبيهم وقتلهم مقبلين ومدبرين كما يقتلون ويقاتلون في جهادهم وهم مقبلين ومدبرين.
ولم يجز لأهل البغي قتلهم ولا استرقاقهم وإن حكمنا ببطلان أمانهم للزومه في الخصوص وإن بطل في العموم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " فلو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل كان نقضاً لأمانهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا كان لطائفة من المشركين عهداً بأمان متقدم، فاستعان بهم أهل البغي على قتالنا، كان ذلك نقضاً لأمانهم إذا قاتلونا لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58].
الجزء: 12 - الصفحة: 400
فلما جاز أن ينبذ إليهم عهدهم بنقضه إذا خفناهم كان أولى أن ينقض بقتالهم.
ولأن إعطاء للعهد لهم إنما كان لمصلحتنا لا لمصلحتهم، وكذلك إذا سألوا العهد لما يلزم إجابتهم إليه إلا إذا رأى الإمام في ذلك خطأ للمسلمين، فيجوز أن يعاهدهم، فإذا قاتلوا زالت المصلحة فبطل العهد عموماً، وإن كان من أهل البغي خصوصًا.
وجاز لنا قتلهم وسبيهم، وقتالهم مقبلين ومدبرين فإن أسلموا: لم يؤخذوا بما استهلكوا من دم ولا مال كغيرهم من أهل الحرب، بخلاف أهل البغي.
فإن قالوا: لم نعلم أن قتالنا معهم مبطل لعهدنا معكم.
لم يقبل منهم في بقاء العهد معهم، لأن الأمان هو الكف والموادعة، فضعف ما ادعوه من الجهالة.
فإن ادعوا الإكراه: كلفوا البينة، فإن أقاموا على إكراه أهل البغي لهم على قتالنا بينة، كانوا على عهدهم.
وإن لم يقيموها، لم تقبل دعواهم، وانتقض عهدهم، لأن أصل الفعل حدوثه عن اختيار فاعله.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كانوا أهل ذمة فقد قيل ليس هذا نقضاً للعهد قال ورأى كانوا مكرهين أو ذكروا جهالة فقالوا كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن دمها يحل كقطاع الطريق أو لم نعلم أن من حملونا على قتاله مسلم لم يكن هذا نقضاً للعهد وأخذوا بكل ما أصابوا من دم ومال وذلك أنهم ليسوا بمؤمنين الذين أمر الله بالإصلاح بينهم.
قال في الحاوي: إذا استعان أهل البغي على قتالنا بأهل الذمة وأصحاب الجزية.
فإن كانوا مكرهين: لم تنتقض ذمتهم.
وإن كانوا مختارين: فإن ادعوا جهالة وقالوا: ظننا أن معونتنا لبعضكم على بعض جائزة كما نعينكم على قطاع الطريق، قبل منهم دعوى الجهالة، ولم تنقض ذمتهم وإن لم يقبل من أهل العهد والنقض به عهدهم.
والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن عقد الذمة حق لهم علينا، وعهد الأمان حق لنا عليهم، لأن من سأل الأمان لم يلزم إجابته، ومن بذل الجزية لزمت إجابته.
والثاني: أن لنا مع خوف الخيانة أن ننقض أمان أهل العهد، وليس لنا مع خوفها أن ننقض أمام أهل الذمة حتى نتيقنها فافترقا.
وإن لم يدعوا الجهالة لم يخلو عقل ذمتهم من أحد أمرين:
أحدهما: أن يشترط فيه عليهم أن لا يعينوا على مسلم بقتل ولا قتال، فيكون ما خالف هذا الشرط من قتالهم لأهل العدل نقضاً لأمانهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 401
والثاني: أن يكون عقد ذمتهم مطلقًا، لم يشترط ذلك في، ففي انتقاض ذمتهم قولان:
أحدهما: قد انتقضت بالقتال ذمتهم كما انتقض به أمان أهل العهد.
فعلى هذا: يجوز قتلهم وقتالهم مقبلين ومديرين كما ذكرنا في أهل العهد.
والثاني: لا تنتقص به ذمتهم وإن انتقص به أمان أهل العهد، لقوة الذمة على العهد من وجهين:
أحدهما: أن الذمة مؤبدة والعهد مقدر بمدة.
والثاني: أن الذمة توجب أن نكف عنهم أنفسنا وغيرنا، والعهد لا يوجب أن تكف عنهم غيرنا، مع ما قدمناه من الفرق بينهما من الوجهين المتقدمين.
فعلى هذا: يجب علينا أن نقاتلهم مقبلين ونكف عنهم مدبرين كأهل البغي، ولكن ما أصابوه من دم أو مال يؤخذون بغرمه قولاً واحداً، وإن لم يؤخذ أهل البغي بغرمه في أحد القولين، لأن قتال أهل البغي بتأويل، وقتال أهل الذمة بخير تأويل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأن أتى أحدهم تائباً لم يقص منه لأنه مسلم محرم الدم".
قال في الحاوي: اختلف أصحاب الشافعي في مراده بهذه المسألة على وجهين:
أحدهما: أنه أراد بها من استعان البغاة به من المشركين إذا أتلفوا في حربنا دماء وأموالًا ثم تابوا من الشرك وأسلموا لم يؤخذوا بغرمه إن كانوا من أهل الحرب أو من أهل العهد وكذلك إن كانوا من أهل الذمة.
وجعل القتال نقضًا لذمتهم، فإن لم يجعل نقضًا لم يسقط الغرم، ولا يكون محمولاً على البغاة، لأنه علل في سقوط الغرم يما ليس بعلة في سقوطه عن أهل البغي وهو التوبة، لان علة سقوطه عن أهل البغي هو التأويل.
والثاني: أنه أراد بها أهل البغي، لأن الشافعي قد أفصح بذلك في كتاب الأم، وتكون التوبة محمولة على إظهار الطاعة ووجود القدرة فلا يجيب عليهم غرم ما استهلكوه من دم ومال على أصح القولين، وإن وجب على للقول الآخر.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وقال لي قائل ما تقول فيمن أراد دم رجل أو ماله أو حريمه؟ قلت يقاتله وإن أتى القتل على نفسه إذ لم يقدر على دفعه إلا بذلك وروى
الجزء: 12 - الصفحة: 402
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" قلت هو كلام عربي ومعناه إذا أتى واحدة من الثلاث حل دمه فمعناه كان رجلاً زنى محصناً ثم ترك الزنى وتاب منه وهرب فقدر عليه قتل رجما أو قتل عمدا وترك القتل وتاب منه وهرب ثم قدر عليه قتل قوداً وإذا كفر ثم تاب فارقة اسم الكفر وهذان لا يفارقهما اسم الزى والقتل ولو تابا وهربا".
قال في الحاوي: هذا سؤال اعترض به على الشافعي من منع من قتال أهل البغي، لأن قتالهم مقضي إلى قتلهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس".
وليس الباغي واحداً من هؤلاء الثلاثة، وجعل هذا السؤال مقصوراً فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه كيف يجوز له قتل من أراده بذلك.
فاقتضى السؤال دليلاً على الحكم وانفصالاً عن الخبر، فأما الدليل على أن من أريد دمه أو ماله أو حريمه يجوز له دفع من أراده إن أتى الدفع عن نفسه على ما سنذكره من نعد من ترتيب الدفع بحال بعد حال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون مال، فهو شهيد".
والشهيد مظلوم، وللمظلوم دفع الظلم عن نفسه بالقتال، وما أبيح من القتال لم يجب به ضمان، وأما الانفصال عن الخبر فمن وجهين:
أحدهما: أنه أباح القتل بثلاثة شروط اختلفت معانيها واتفقت أحكامها:
أحدها: بالكفر بعد الإيمان فلا يجوز العفو عنه، ويسقط بالتوبة منه، ويزول عنه اسم الكفر بعد التوبة.
والثاني: بالزنى يعد الإحصان، لا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة منه بعد القدرة، وفي سقوطه قبل القدرة خلاف ولا يزول عنه اسم الزنى بعد التوبة.
والثالث: بقتل نفس بغير نفس، وهذا يجوز العفو عنه، ولا يسقط بالتوبة، ولا يزول عنه اسم للقتل بالتوبة.
فلما اختلفت المعاني والأسماء، صارت معاني القتل هي المعتبرة دون العدد المحصور.
والثاني: أنه لسان عربي لا يمنع أن ينضم إلى العدد المحصور ما في معناه، ولا تكون الزيادة عليه رافعة لحكمه كما قال الله تعالى: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142].
الجزء: 12 - الصفحة: 403
وعلى أن للخبر تأويلين يغنيان عن هذين الجوابين:
أحدهما: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل صبراً، وإنما ينتهي حاله إلى القتل دفعًا.
والثاني: لا يحل قتله بسبب متقدم إلا بإحدى ثلاث، وهذا لا يقتل بسبب متقدم، وإنما يقتل بسبب حادث في الحال.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يستعان عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين".
قال في الحاوي: أما الاستعانة بأهل العهد والذمة في قتال أهل البغي فلا يجوز بحال، لقول الله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى".
ولأنهم غير مأمونين على نفوسهم وحريمهم لما يعتقدونه دينا من إباحة دمائهم وأموالهم التي أوجب الله تعالى حظرها وأمر بالمنع منها.
فأما الاستعانة عليهم بمن يرى قتالهم من المسلمين مقبلين ومديرين فقد منع الشافعي منه لما يلزم من الكف عنهم إذا انهزموا.
فإن قيل: فهلا جاز أن يستعين عليهم بمن يخالف رأيه فيه، ويعمل على اجتهاد نفسه، كما يجوز للحاكم أن يستخلف من يحكم باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد مستخلفه، فيجوز للشافعي أن يستخلف حنيفا، وللحنفي أن يستخلف شافعيًا.
قيل: الفرق بينهما: أن قتال أهل البغي مدبرين باجتهاد الإمام والمعين فيه مأمور ممنوع من الاجتهاد، والمستخلف على الحكم مفوض إليه النظر فساغ له الاجتهاد.
فإذا ثبت أنه ممنوع الاستعانة فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه منع تحريم وحظر.
والثاني: أنه منع ندب واستحباب.
فإذا دعته الضرورة إلى الاستعانة بهم لحجز أهل العدل عن مقاومتهم جاز أن يستعين بهم على ثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يجد عونًا غيرهم، فإن وجد لم يجز.
والثاني: أن يقدر على ردهم إن خالفوا، فإن لم يقدر على ردهم لم يجز.
والثالث: أن يثق بما شرطه عليهم أن لا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح، فإن لم يثق بوفائهم لم يجز.
الجزء: 12 - الصفحة: 404
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين وذلك أنه تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين".
قال في الحاوي: وهو كما قال يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم استعان في بعض حروبه بيهود بني قينقاع، واستعار من صفوان بن أمية عام الفتح سبعين درعاً.
وشهد معه حنينًا وهو على شركه، وسمع أبا سفيان يقول: غلبت هوازن وقتل محمد.
فقال له: يفيك الحجر، والله لرب من قريش أحب إلينا من رب هوازن.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك"
قيل: إنما برئ من معونة المسلم لمشرك ولم يبرأ من معونة المشرك لمسلم.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تستضيئوا بنار أهل الشرك" ومعناه: لا ترجعوا إلى آرائهم.
فإذا ثبت جواز الاستعانة بهم على المشركين وإن لم يجز الاستعانة بهم على أهل البغي فهي معتبرة بثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون نياتهم في المسلمين جميلة.
والثاني: أن يعلم من حالهم أنهم إن انضموا إلى المشركين لم يضعف المسلمون عن جميعهم.
والثالث: أن يؤمن غدرهم وتخزيلهم.
فإذا استكملت فيهم هذه للشروط استعان بهم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا يعين العادل إحدى طائفتين الباغيتين وإن استعانته على الأخرى حتى نرجع إليه".
قال في الحاوي: إذا افترق أهل البغي طائفتين وقاتلت إحدى الطائفتين الأخرى.
فإن قوي الإمام على قتالهما لم يكن له معونة إحدى الطائفتين على الأخرى لأمرين:
أحدهما: أن كلا الطائفتين على خطأ، والمعونة على الخطأ من غير ضرورة خطأ.
الجزء: 12 - الصفحة: 405
والثاني: أن معونة إحداهما أمان لها، وعقد الأمان لها غير جائز.
وإن ضعف عن قتالهما قاتل إحدى الطائفتين مع الأخرى، ويعتقد أنه ستعين بهم، ولا يعتقد انه معين لهم، وليضم إليه أقربهما إلى معتقده، وأرغبهما في طاعته.
فإن استويا ضم إليه أقلهما جمعًا فإن استويا ضم إليه أقربها داراً، فإن استويا اجتهد رأيه في إحداهما، فإن أطاعته الطائفة التي قاتلها أو انهزمت عنه، عدل إلى الأخرى، ولم يبدأ بقتالها إلا بعد استدعائها ثانية إلى طاعته، لأن انضمامها إليه كالأمان الذي يقطع حكم ما تقدمه من الاستدعاء والحياة.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا يرمون بالمنجنيق ولا نار إلا أن تكون ضرورة بأن يحاط بهم فيخافوا الاصطلام أو يرمون بالمنجنيق فيسعهم ذلك دفعاً عن أنفسهم".
قال في الحاوي: اعلم أن المقصود بقتال أهل البغي كفهم عن البغي والمقصود بقتال أهل الحرب قتلهم على الشرك، فاختلف قتالهما لاختلاف مقصودهما من وجهين:
أحدهما: في صفة الحرب.
والثاني: في حكمها.
فأما اختلافهما في صفة الحرب فمن تسعة أوجه:
أحدها: أنه يجوز أن يكبس أهل الحرب في دارهم غرة وبياتاً، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والثاني: يجوز أن يحاصر أهل الحرب ويمنعهم الطعام والشراب ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والثالث: يجوز أن يقطع على أهل الحرب نخيلهم وأشجارهم وزروعهم، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والرابع: يجوز أن يفجر على أهل الحرب المياه ليغرقوا، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والخامس: يجوز أن يحرق عليهم منازلهم، ويلقى عليهم النار ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والسادس: يجوز أن يلقى على أهل الحرب الحيات والحسك، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والسابع: يجوز أن بنصب على أهل الحرب العرادات ويرميهم بالمنجنيقات، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
الجزء: 12 - الصفحة: 406
والثامن: يجوز أن يعقر على أهل الحرب خيلهم إذا قاتلوا عليها، ولا يجوز أن يفعل ذلك بأهل البغي.
والتاسع: يجوز أن يقاتل أمل الحرب مقبلين ومدبرين، ولا يقاتل أهل البغي إلا مقبلين ويكف عنهم مدبرين.
وأما اختلافهما في حكم الحرب فمن ستة أوجه:
أحدها: يجوز أن يقتل أسرى أهل الحرب، ولا يجوز أن يقتل أسرى أهل البغي.
والثاني: يجوز أن تسبى ذراري أهل الحرب، وتغنم أموالهم ولا يجوز مثله في أهل البغي.
والثالث: أنه يجوز أن يعهد لأهل الحرب عهدًا وهدنة، ولا يجوز أن يعهد لأهل البغي.
والرابع: يجوز أن يصالح أهل الحرب على مال، ولا يجوز ذلك مع أهل البغي.
والخامس: يجوز أن يسترق أهل الحرب، ولا يجوز أن يسترق أهل البغي.
والسادس: يجوز أن يفادي أهل الحرب على مال وأسرى، ولا تجوز مفاداة أهل البغي.
فصل
فإذا تقرر ما ذكرنا من اختلافهما في صفة الحرب وحكمها، وأنه لا يجوز أن يرموا بالمنجنيق، فذلك في حال الاختيار.
فإن دعت ضرورة في إحدى حالتين جاز أن يرموا به، وتلقى عليهم النار:
إحداهما: أن يقاتلوا أهل العدل بذلك، فيجوز أن يقاتلوا عليه بمثله، قصداً لكفهم عنه لا لمقاتلتهم عليه، فإن للظلم لا يبيح الظلم، لكن يستدفع الظلم بما أمكن.
والثانية: أن يحبطوا بأهل العدل ويخافوا اصطلامهم، فلا باس أن يرموهم بالمنجنيق ويلقوا عليهم النار طلباً للخلاص منهم لا قصداً لاصطلامهم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن غلبوا على بلاد فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم."
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تخلب أهل البغي على بلد فأخذوا صدقاتها وجبوا خراجها وأقاموا الحدود على أهلها، وأمضى الإمام ما فعلوه إذا ظهر على بلادهم ولم يطالب بما أوجبوه من الحقوق ولم يعد ما أقاموا من الحدودي لأن عليا رضوان الله
الجزء: 12 - الصفحة: 407
عليه أمضى ذلك ولم يطالب به، ولأنهم متأولون في جبايته وإقامته.
ولأنه لا يلزم أن يؤدي زكاة عام مرتين، ولا يقام على زان حدين.
فإن ادعى أصحاب الحدود إقامتها عليهم: قبل قولهم فيها، ولم يحلقوا عليها، لأنها حدود تدراً بالشبهات.
فإن ادعى من عليه الحقوق دفعها إليهم.
فإن كانت زكاة: قبل قولهم في دفعها ولم يكلفوا البينة عليها لأنهم فيها أمناء، فإن اتهموا: أحلفوا، وفي يمينهم بعد اعترافهم بوجوبها وجهان:
أحدهما: أنها مستحبة، إن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم.
والثاني: أنها واجبة، إن نكلوا عنها أخذت منهم بالاعتراف المتقدم دون النكول.
وإن كان الحق الذي ادعوا أداءه جزية أو خراجا، فإن كان على كافر: كلف البينة ولم تقبل دعواه، لأن الجزية أجرة، والخراج إما أن يكون ثمة أو أجرة ولا يقبل قول المستأجر في دفع الأجرة، ولا قول المشتري في دفع الثمن إلا ببينة، فإن أقاموا البينة على دفعها برئوا.
وإن لم يقيموها أخذت منهم الجزية والخراج.
وإن كان الخراج على مسلم: ففي قبوله قوله في دفعه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله فيه ويحلف إن اتهم عليه كالزكاة.
والثاني: وهو أصح أن قوله فيه غير مقبول حتى يقيم البينة على الأداء، فإن لم يقصها أخذت منه.
فان أحضروا خطوطًا بقبضها فان كانت محتملة للشبهة: لم يعمل بها في الأحكام ولا في حقوق الأموال.
وإن كانت سليمة من الاحتمال طاهرة الصحة لم يعمل عليها في الأحكام ولا في حقوق المعاملات.
وفي جواز العمل بها في حقوق بيت المال وجهان:
أحدهما: يجوز العمل بها اعتباراً بالعرف فيها.
والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز بها على العموم في جموع الأحكام والحقوق، لدخول الاحتمال فيها وإمكان التزوير عليها.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم وقال في موضع أخر: إذا كان غير مأمون برأيه على استحلال دم ومال لم ينفذ حكمة ولم يقبل كتابه".
قال في الحاوي: وقال في موضع آخر: إن كان غير مأمون برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه إذا قلد أهل البغي قاضية على البلاد التي غلبوا
الجزء: 12 - الصفحة: 408
عليها، نظرت حاله:
فإن كان يرى استحلال دماء أهل العدل وأموالهم: كان تقليده باطلاً، وقضاياه مردودة، سواء وافقت الحق أو خالفته، لأنه بهذا الاعتقاد فاسق، وولاية الفاسق باطلة، وبطلان ولايته توجب رد أحكامه.
وإن كان لا يرى استباحة ذلك: جاز تقليده القضاء إذا كان من أهل الاجتهاد سواء كان عادلاً أو باغيًا.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد ولايته إذا كان من أهل البغي، ولا تنفذ أحكامه.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه متأول بشبهة خرج بها من الفسق.
والثاني: أنه لما صح من الباغي أن يقلد القضاء، صح منه أن ينفذ القضاء، وصار في الحكم كالعادل، كما كان في التقليد كالعادل.
فإذا حكم نفذت أحكامه على أهل البغي وأهل العدل، ولم يرد منها إلا ما يرد من أحكام قضاة أهل العدل إن خالف نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس غير محتمل.
فعلى هذان لو حكم بوجوب الضمان على أهل البغي فيما أتلفوه على أهل العدل نفذ حكمه، لأنه متفق عليه.
ولو حكم بسقوط الضمان عنهم فيما أتلفوه على أهل العدل، نظر: فإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب أو بعدها: لم ينفذ حكمه، لأنه مخالف للإجماع.
وإن كان فيما أتلفوه في حال القتل نفذ حكمه لاحتماله في الاجتهاد.
وسقط عنهم الضمان.
فصل:
وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتابة في حكم فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطف في رده استهانة به وزجراً له عن بغيه فإن قبله وحكم به جاز.
فصل:
وإذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي العدل كتاباً في حكم، فالأولى أن لا يتظاهر بقبوله، ويتلطق في رده استهانة به وزجراً له عن بغيه، فان قبله وحكم به جاز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقبله ولا ينفذ حكمه به بناء على أصله في بطلان ولايته ورد أحكامه.
وهكذا يجوز لقاضي أهل العدل أن يكتب إلى قاضي أهل البغي كتابة يحكم وإن كره له ذلك.
ولعل أبا حنيفة يمنع منه.
فقد روي أن محمد بن أبي بكر سأل عليا رضوان الله عليه أن يكتب له كتابا يعمل عليه في أحكامه، فكتب إليه بذلك كتابا وأخذه معاوية في الطريق، وكان يعمل به في الأحكام، فبلغ ذلك علياً، فقال: غلطت غلطة لا أعذر أكيس بعدها واستمر.
الجزء: 12 - الصفحة: 409
فأما ما حكاه المزني من قوله في موضع آخر: إن كان غير مأمون فليس بقول مختلف وإنما وهم به المزني.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهد منهم عدل قبلت شهادته ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقته بتصديقه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
شهادة أهل البغي إذا كانوا عدولاً مقبولة، ولا يكونوا بما تأولوه من البغي فساقاً، لحدوثه منهم عن تأويل سائغ.
وقال أبو حنيفة: هم فساق، ولكن تقبل شهادتهم، لأنه نسق من تدين واعتقاد، ولذلك قبلت شهادة أهل الذمة إذا كانوا عدولا في دينهم.
وقال مالك: هم فساق لا نقبل شهادتهم.
والدليل عليهما في صحة العدالة منهم وأن لا يصيروا بالتأويل المسوغ فساقا أن الانفصال من مذهب إلى غيره إذا كان له في الاجتهاد مساغ لا يقتضي التنسيق، كالمنتقل في فروع الدين من مذهب الشافعي إلى مذهب مالك أو أبي حنيفة لا يضق بالانتقال، لأنه عدل إلى مذهب بتأويل سائغ.
فصل:
فإذا ثبت أنه يجوز أن يكون عدلاً إذا اجتنب ما يجتنبه عدول أهل العدل، لم يمنع من قبول شهادته إلا في حالتين:
أحدهما: أن يرى من خالفه مباح الدم والمال، فيكون بهذه الاستباحة فاسقاً.
والثانية: أن يعتقد رأي الخطابية.
وهم قوم يرون الشهادة لموافقتهم على مخالفهم فيما ادعاه عليه، فيصدقه، ثم يشهد له بذلك عند الحاكم.
وبنوه على أصولهم في أن الكذب في القول والإيمان باله موجب للكفر وإحباط الطاعات.
فشهادة هؤلاء مردودة، وفي علة ردها وجهان:
أحدهما: الفسق، لأنه اعتقاد يرده الإجماع.
والثاني: التهمة مع ثبوت العدالة، لأنه متهم في مماثلة موافقه، فصار كشهادة الأب لابنه وإن كان على عدالة.
فعلى هذا: ترد شهادته إذا شهد بالحق مطلقاً، وإن شهد على إقرار من عليه الحق، ففي رد شهادته وجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 410
أحدهما: ترد شهادته في المقيد كردها في المطلق إذا قيل: إن العلة في ردها الفسق.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي تقبل شهادته ولا ترد إذا قيل: إن العلة في ردها التهمة؛ لأنه يتهم في المطلق أنه لتصديق موافقه, ولا يهتم في العقيد بالإقرار أن يقول: أقر عندي ولم يقر لأنه كذب يوجب عندهم الكفر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن قتل باغ في المعترك غسل وصلى عليه ودفن وإن كان من أهل العدل ففيها قولان أحدهما أنه كالشهيد والآخر أنه كالموتى إلا من قتله المشركون".
قال في الحاوي: أما إذا كان المقتول في معركة الحرب من أهل البغي فإنه يغسل ويصلى عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وعقوبة له, لمخالفته في الدين كأهل الحرب.
ودليلنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها".
ولأنه مسلم مقتول بحق فلم يمنع قتله من غسله والصلاة عليه كالزاني والمقتص منه, بل هذا أحق بالصلاة منهما, لأن الزاني فاسق, وهذا متردد الحال بين فسق وعدالة.
فأما استهانته فغير صحيح, لأنه لا يجوز أن يستهان بمخلوق في إضاعة حقوق الخالق.
وإما جعل ذلك عقوبة, فالعقوبة إنما تتوجه إلي من يألم بها, ولأن العقوبات تسقط بالموت كالحدود.
فإن قيل: يعاقب بها الحي منهم.
قيل: لا يجوز أن يعاقب أحد بذنب غيره, على أنهم يرون ترك الصلاة عليهم قربة لهم.
فصل:
فإن كان المقتول في معركتهم من أهل العدل ففي غسله والصلاة عليه قولان:
أحدهما: لا يغسل ولا يصلى عليه, لأنه مقتول في المعركة على حق كالقتيل في معركة المشركين.
والثاني: يغسل ويصلى عليه, لأن عمر وعثمان وعليًا رضوان الله عليهم قتلوا شهداء فغسلوا وصلي عليهم, لأنهم لم يقتلوا في معركة المشركين.
الجزء: 12 - الصفحة: 411
وقتل عمار بن ياسر بصفين فغسله علي وصلى عليه.
ولأنه مسلم قتله مسلم, فلم يمنه قتله من الصلاة عليه كالمقتول في غير المعركة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله: "وأكره للعدل أن يعمد قتل ذي رحم من أهل البغي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وأبا بكر رضي الله عنه يوم أحد عن قتل ابنه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يكره للعادل قتل ذي رحم من أهل البغي وقتاله, ويعدل عنه إلي غيره لقول الله تعالى: ﴿وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ﴾ [لقمان 15] , ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة عن قتل أبيه يوم بدر, وكف أبا بكر عن قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد, ولأن فيه اعتيادًا للعقوق واستهانة بالحقوق.
ولأن له فسخة في أن يعدى عن ذي رحمه ويكل قتله أو قتله إلي غيره.
فإن قتل ذا رحم له جاز, ولم يخرج وإن كره له.
روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه مشركًا, وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه, فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه حتى ظهر في وجهه وقال: ما حملك على ذلك؟ قال: سمعته يسبك, ثم ولى منكسًا إلي أن نزل الله تعالى فيه عذره: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة 22].
فصل:
فأما قول الشافعي: وأكره أن يعمد قتل ذي رحمه.
عمد القتل في قتال أهل البغي ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون رميه عميًا يرمى إلي صفه سهمًا, لا يقصد به أحدًا بعينه, فيقتل به من أصابه فلا حرج عليه.
وهذا أولى ما فعله العادل في قتاله, فيكون عامدًا في القتل غير متعمد للمقتول.
والثاني: أن يعمد قتل رجل بعينه, يقاتل أهل العدل وينكى فيهم هذا مباح لا حرج فيه عليه, لأنه قتل دفع.
والثالث: أن يعمد قتل رجل بعينه قد كف عن القتال, وهو واقف مع صفهم, ففي عمد قتله وجهان محتملان:
أحدهما: محظور, لأن القصد بقتالهم الكف, وهذا كاف فصار كالأسير الذي يحرم اعتماد قتله.
الجزء: 12 - الصفحة: 412
والثاني: لا يحرم, لأنه ردء لهم وعون, فأجرى عليه حكم مقاتلتهم فقد شهد حرب الجمل محمد بن طلحة بن عبيد الله.
وكان ناسكًا عابدًا ورعًا يدعى السجاد.
فرآه علي عليه السلام واقفًا فنهى عن قتله, وقال: إياكم وصاحب البرنس, فقتله رجل وأنشأ يقول:
وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترة العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم
يناشدني حم والرمح مشرع فهلا تلاحم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لا يتبع الحق يظلم
قال الشافعي: فما أخذه علي بدمه, ولا زجره على قتله.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأيهما قتل أباه أو ابنه فقال بعض الناس إن قتل العادل أباه ورثه وإن قتله الباغي لم يرثه وخالفه بعض أصحابه فقال: يتوارثان لأنهما متأولان وخالفه آخر فقال لا يتوارثان لأنهما قاتلان.
قال الشافعي رحمه الله: وهذا أشبه بمعنى الحديث فيرثهما غيرهما من ورثتهما".
قال في الحاوي: هذه المسألة في ميراث القاتل قد مضت في كتاب الفرائض.
فإذا اقتتل الورثة في قتال أهل البغي, فقد اختلف الناس في توارثهم على أربعة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل، لأن قتل العادل ظلم، وقتل الباغي حق.
والثاني: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد أنهما يتوارثان فيورث العادل من الباغي ولا يورث الباغي من العادل لأنهما متأولان.
والثالث: وهو مذهب مالك أنه إن قتله في عميا توارثًا, لأن العمياء خطأ, وهو يورث الخاطيء وإن قتله عمدًا لم يتوارثا.
والرابع: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يتوارثان بحال في عمد ولا خطأ لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ميراث لقاتل.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن أريد دمه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتل وإن أتى ذلك على نفس من أراده.
قال الشافعي رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
الجزء: 12 - الصفحة: 413
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة فيمن أريد دمه أو ماله أو حريمه أن له أن يقاتل من أراده وإن أتى القتال على نفسه, ويكون دم الطالب هدرًا ما لم يكن للمطلوب ملجأ يلجأ إليه من حصن يغلقه عليه أو مهرب لا يمكن لحوقه فيه لرواية الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد, ومن قتل دون حريمه فهو شهيد ومن قتل دون جاره فهو شهيد".
فإن وجد المطلوب ملجأ يلجأ إليه فقد قال الشافعي في موضع: له أن يقاتل.
وقال في موضع آخر.
ليس له أن يقاتل.
فاختلف أصحابنا فخجره بعضهم على قولين.
وقال آخرون: بل هو على اختلاف حالين, فالموضع الذي أباح قتاله: إذا لم يأمن رجعته, والموضع الذي منع من قتاله: إذا أمن رجعته.
فصل:
فإذا ثبت جواز القتال فوجوبه معتبر بما أراده الطالب, وذلك ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يريد مال المطلوب دون دمه وحريمه, فهذا القتال مباح والمطلوب مخير بين قتال الطالب وبين استسلام وتسليم ماله ولا يجب عليه أن يمنع منه.
والثاني: أن يريد الطالب حريم المطلوب, لإتيان الفاحشة فواج على المطلوب أن يقاتل عنها ويمنع.
والثالث: أن يريد الطالب نفس المطلوب, ففي وجوب قتاله دفعه عن نفسه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يقاتل عنها ويدفع لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء 29].
وقوله: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة 195]. كما يجب على المضطر من الجوع إحياء نفسه بأكل ما وجده من الطعام.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يجب عليه القتال والدفع, ويكون مخيرًا بينه وبين الاستسلام, طلبًا لثواب الشهادة.
لقوله تعالى: ﴿لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة 28].
ولأن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين أريدت نفسه منع عنه عبيده, فكفهم وقال لهم: من أغمد سيفه فهو حر.
وأتى رجل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلًا انغمس في العدو حتى قتل صابرًا محتسبًا أيحجزه عن الجنة شيء فقال: لا, إلا الدين, فانغمس في العدو حتى قتل, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراه ولا يمنعه.
فأما المضطر جوعًا إذا وجد طعامًا وهو يخاف التلف.
فإن كان مالكًا للطعام أو لم يكن مالكًا له, وكان قادرًا على ثمنه فواجب عليه إحياء نفسه بأكله وجهًا واحدًا, بخلاف من أريد دمه في أحد الوجهين؛ لأن في القتل شهادة يرجو بها الثواب, وليس في ترك الأكل شهادة يثاب
الجزء: 12 - الصفحة: 414
عليها.
وإن كان الطعام لغيره وهو غير قادر لي ثمنه ففي وجوب إحياء نفسه بأكله وجهان: وهكذا لو وجد ميتة كان في وجوب أكلها وجهان:
أحدهما: يجب تغليبًا لإحياء النفس.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي-كون مخيرًا فيه ولا يجب عليه لتنزيه نفسه عن نجاسة الميتة وإبرا ذمته من التزام ذنب لا يعذر عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على جواز أمان كل مسلم من حر وامرأة وعبد قاتل أو لما يقاتل لأهل بغي أو حرب".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
وأصل هذا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهو يد على من سواهم, ويسعى بذمتهم أدناهم".
قيل: إنه أراد عبيدهم فإذا ثبت هذا فالأمان ضربان، عام وخاص.
فأما العام: فهو الهدنة مع أهل الحرب, فلا يجوز أن يتولاها إلا الإمام جون غيره, لعموم ولايته, فإن تولاها غيره, لم يلزم.
وإذا اختصت بالإمام, كان إمام أهل الهدل أحق بعقدها من إمام أهل البغي, فإن عقدها إمام أهل البغي بطلبت, كما تبطل بعقد غير الإمام, لأن إمامة الباغي لا تنعقد.
وأما الأمان الخص: فيصح من كل مسلم لكل مشرك, سواء كان الأمان من رجل أو امرأة, من حر كان أو من عبد, من عادل أو باغ فيكون أمان البغي لازمًا لأهل البغي وأهل العدل, وأمان العادل لازمًا لأهل العدل وأهل البغي.
فإن أمن أهل البغي قومًا من المشركين, لم يعلم بهم أهل العدل حتى سبوهم وغنموهم لم يملكوا سبيهم وغنائمهم, ولزمه رد السبي والغنائم عليهم, وكذلك لو أمنهم أل العدل وسباهم وغنمهم أهل البغي, حرم عليهم أن يتملكوهم, وحرم على أهل العدل أن يبتاعوهم.
وعلى إمام أهل العدل إذا قدر عليهم أن يسترجعه منهم ويرده على أهله من المشركين.
وهكذا لو أمن أهل البغي قومًا من المشركين ثم غدروا بهم فسبوهم وغنموهم, لم يحل ابتياع السبي والغنائم منهم, ولزم أهل العدل رد ما قدروا عليه.
فصل:
فإذا اجتمع أهل العدل وأهل البغي على قتال المشركين, قسم سبيهم وغنائمهم بين أهل العدل وأهل البغي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم, ولأن الإسلام يجمعهم وإن جرى الاختلاف بينهم.
الجزء: 12 - الصفحة: 415
وينفرد إمام أهل العدل بقسمة الغنائم بينهم, ويختص بإجازة الخمس إليه لينفرد بوضعه في مستحقيه لصحة إمامته, وبطلان إمامة غيره وبالله التوفيق.
باب الخلاف في قتال أهل البغي
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: "قال بعض الناس إذا كانت الحرب قائمة استمتع بدوابهم وسلاحهم وإذا انقضت الحرب فذلك رد قلت أرأيت إن عارضك وإياما معارض يستحل مال من يستحل دمه فقال: الدم أعظم فإذا حل الدم حل المال هل لك من حجة إلا أن هذا في أهل الحرب الذين ترق أحرارهم وتسبى نساؤهم وذراريهم والحكم في أهل القبلة خلافهم وقد يحل دم الزاني المحصن والقاتل ولا تحل أموالهما بجنايتهما والباغي أخف حالا منهما ويقال لهما مباحا الدم مطلقا ولا يقال للباغي مباح الدم وإنما يقال يمنع من البغي إن قدر على منعه بالكلام أو كان غير ممتنع لا يقاتل لم يحل قتاله.
قال: إني إنما آخذ سلاحهم لأنه أقوى لي وأوهن لهم ما كانوا مقاتلين فقلت له فإذا أخذت ماله وقتل فقد صار ملكه كطفل أو كبير لم يقاتلك قط أفنقوى بمال غائب غير باغ؟ فقلت له أرأيت لو وجدت لهم دنانير أو دراهم تقويك عليهم أتأخذهما؟ قال: لا قلت فقد تركت ما هو أقوى لك عليهم من السلاح في بعض الحالات.
قال: فإن صاحبنا يزعم أنه لا يصلي على قتلى أهل البغي قلت ولم وهو يصلي على من قتله في حد يحب عليه قتله ولا يحل له تركه؟ والباغي محرم قتله موليًا وراجعًا عن البغي ولو ترك الصلاة على أحدهما دون الآخر كان من لا يحل إلا قتله بترك الصلاة اولى.
قال: كأنه ذهب إلي أن ذلك عقوبة لينكل بها غيره قلت وإن كان ذلك جائزًا فًلبه أو حرقه أو حز رأسه وابعث به فهو أشد في العقوبة.
قال: لا أفعل به شيئًا من هذا.
قلت له: هل تبالي من يقاتلك على أنك كافر لا يصلى عليك وصلاتك لا تقربه إلي ربه؟ وقلت له: أيمنع الباغي أن تجوز شهادته أو يناكح أو شيئاً مما يجري لأهل الإسلام؟ قال: لا قلت فكيف منعته الصلاة وحدها"؟
قال في الحاوي: إذا ظفر أهل العدل بدواب أهل البغي وسلاحهم لم يجز أن يملك عليهم, ولا أن يستعان بها في قتالهم, وتحبس عنهم مدة الحرب كما تحبس فيه أسراهم, فإذا انقضت الحرب رد عليهم.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يستعان على حربهم بدوابهم وسلاحهم, لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات 9].
فكان الأمر بقتالهم على عمومه, المشتمل على دوابهم وسلاحهم, ولأن كل طائفة جاز قتالها بغير سلاحها, ودوابها جاز قتالها بسلاحها ودوابها كأهل الحرب.
الجزء: 12 - الصفحة: 416
ولأنه لما جاز حبسه عنهم إضعافًا لهم جاز قتالهم به, معونة عليهم, لأن كلا الأمرين كاف لهم.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرؤء مسلم إلا بطيب نفس منه.
فكان على عمومه, ولأن كل من لا يجوز أن ينتفع من ماله بغير الكراع والسلاح كأهل العدل.
ولأن كل ما لم يجز أن ينتفع به من مال أهل البغي كسائر الأموال, ولأن أهل البغي يملكون رقابها ومنافعها, فلما لم تستبح بالبغي أن تملك عليهم رقابها لم يستبح أن تملك به منافعها فأما الآية: فلا دليل فيها, لأنه تضمنت الأمر بالقتال, ولم تتضمن صفة القتال.
وأما قياسهم على أهل الحرب: فلأنه لما جاز أن يتملك عليهم, رقابها جاز أن يتملك عليهم منافعها, وأهل البغي بخلافهم.
وأما الجواب عن حبسها: فليس جواز حبسها مبيحًا للانتفاع بها, كما جاز حبس أهل البغي, وإن لم يجز استخدامهم والانتفاع بهم.
فصل:
فإذا تقرر أنه لا يجوز الانتفاع بدوابهم وسلاحهم, فإن استمتع بها أهل العدل لزمهم أجرة مثلها كالغاصب, فإن تلفت في أيدي أهل العدل بعد استعمالها ضمنوا رقابها, وإن تلفت من غير استعمال لم يضمنوها, لأنهم حبسوها عنهم بحق.
ولو حبسوها بعد انقضاء الحرب مع إمكان ردها عليهم: ضمنوها, لتلفها بعد وجوب ردها.
فأما إن اضطر أهل العدل إلي الانتفاع بدوابهم وسلاحهم عند خوف الاصطلام لينجوا على جوابهم هربًا منهم, ويقاتلوهم بسلاحهم دفعًا لهم: جاز ولم يحرم, لأن حال الضرورة يخالف حال الاختيار, كما يجوز للمضطر أن يأكل طعام غيره وإن لم يجز أن يأكله في حال الاختيار.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويجوز أمان الرجل والمرأة المسلمين لأهل الحرب والبغي فأما العبد المسلم فإن كان يقاتل جاز أمانه وإلا لم يجز قلت فما الفرق بينه يقاتل أو لا يقاتل؟ قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" قلت: فإن قلت ذلك على الأحرار فقد أجزت أمان عبد وإن كان على الإسلام فقد رددت أمان عبد مسلم لا يقاتل.
قال: فإن القتل يدل على هذا؟ قلت: ويلزمك في أصل مذهبك أن لا تحيز أمانهما.
قال: فأذهب إلي الدية فأقول دية العبد لا تكافيء دية الحر.
قلت: فهذا أبعد لك من الصواب.
قال: ومن أين؟ قلت: دية المرأة نصف دية الحر وأنت تجيز أمانها
الجزء: 12 - الصفحة: 417
ودية بعض العبيد أكثر من دية المرأة ولا تجيز أمانه وقد تكون دية عبد لا يقاتل أكثر من دية عبد يقاتل فلا تجيز أمانه فقد تركت أصل مذهبك.
قال: فإن قلت إنما عني مكافأة الدماء في القود قلت: فأنت تقيد بالعبد الذي لا يسوى عشرة دنانير الحر الذي ديته ألف دينار كان العبد يحسن قتالًا أو لا يحسنه.
قال: إني لأفعل وما هو على القود قلت: ولا على الدية ولا على القتال.
قال: فعلا هو؟ قلت: على اسم الإسلام".
قال في الحاوي: وهذا ما حكاه الشافعي عنه وأجابه عليه.
وهذه مسألة تأتي في كتاب السير, وتسوفي فيه.
فأما قول الشافعي: "لأهل البغي والحرب" فجمع بين الأمان لأهل البغي وأهل الحرب.
يصح الامان لأهل الحرب, فأما الأمان لأهل البغي فإسلامهم أمان لهم يمنع من قتالهم إذا كفوا, ومن قتلهم إذا أسروا.
فإن أمن رجل من أهل العدل رجلًا من أهل البغي لم يؤثر أمانه إلا في حالة واحدة, وهو أن يؤمنه بعد كفه عن القتال وقبل أسره, فيمنع أمانه من أسره, ولا يؤثر أمانه بعد الأسر, ولا يؤثر أمانه وهو على قتاله, وعلى هذا الموضع يحمل كلام الشافعي في الجمع بينه وبين الحربي.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وقال بعض الناس إذا امتنع أهل البغي بدارهم من أن يجري الحكم عليهم فما أصابه المسلمون من التجار والأسرى في دارهم من حدود الناس بينهم أو لله لو تؤخذ منهم ولا الحقوق بالحكم وعليهم فيما بينهم وبين الله تعالى تأديتها إلي أهلها قلت: فلم قتلتله؟ قال: قياسًا على دار المحاربين يقتل بعضهم بعضًا ثم أسلموا أندع السابي يتخول المسبى مرموقًا له.
قال: نعم قلت أفتحيز هذا في التجار والأسرى في دار أهل البغي؟ قال: لا.
قلت: فلو غزانا أهل الحرب فقتلوا منا ثم رجعوا مسلمين أيكون على أحد منهم قود؟ قال: لا.
قلت: فلو فعل ذلك التجار والأسرى ببلاد الحرب غير مكرهين ولا شبه عليهم؟ قال: يقتلون قلت أيسع قصد قتل التجار والأسرى ببلاد
الجزء: 12 - الصفحة: 418
الحرب فيقتلون؛ قال: بل يحرم.
قلت: أرأيت التجار والأسرى لو تركوا الصلاة والزكاة في دار الحرب ثم خرجوا إلي دار الإسلام أيكون عليهم قضاء ذلك؟ قال: نعم.
قلت: ولا يحل لهم في دار الحرب إلا ما يحل لهم في دار الإسلام؟ قال: لا.
قلت: فإذا كانت الدار لا تغير لما أحل لهم وحرم عليهم فكيف أسقطت عنهم حق الله وحق الآدميين الذي أوجبه الله عليهم؟ ثم أنت لا تحل حبس حق قبلهم في دم ولا غيره وما كان لا يحل لهم حبسه فإن على الإمام استخراجه عندك في غير هذا الموضع؛ قال: فأقيسهم بأهل الردة الذين أبطل ما أجابوا.
قلت: فأنت تزعم أن أهل البغي يقاد منهم ما لم ينصبوا إمامًا ويظهروا حكمًا والتجار والأسارى لا إمام لهم ولا امتناع ونزعم لو قتل أهل البغي بعضهم بعضًا بلا شبهة أقدت منهم.
قال: ولكن الدار ممنوعة من أن يجري عليهم الحكم قلت: أرأيت لو أن جماعة من أهل القبلة محاربين امتنعوا في مدينة حتى لا يجرب عليهم حكم فقطعوا الطريق وسفكوا الدماء وأخذوا الأموال وآتوا الحدود؟ قال: يقام هذا كله عليهم قلت: فهذا ترك معناك وقلت له: أيكون على المدنيين قولهم لا يرث قاتل عمد ويرث قاتل خطأ إلا من الدية؟ فقلت: لا يرث القاتل في الوجهين لأنه يلزمه اسم قاتل فكيف لم تقل بهذا في القاتل من أهل البغي والعدل لأن كلا يلزمه اسمم قاتل وأنت تسوي بينهما فلا تقيد أحدًا بصاحبه"؟
قال في الحاوي: وهذه ما أراد به أبا حنيفة, فإنه قل: إذا فعل أهل البغي في دارهم ما يوجب حدودًا أو حقوقًا, ثم ظهر الإمام عليهم, لم تقم عليهم الحدود ولو تستوف منهم الحقوق, وكذلك يقول في أهل العدل إذا فعلوا ذلك في دار أهل البغي لم يؤاخذهم بما استهلكوه من حقوق وارتكبوه من حدود.
وبناه على أصله, أن المسلمين إذا فعلوه في دار الحرب كان هدرًا, فجمع بين الدارين لخروجها عن يد الإمام وتدبيره.
ومذهب الشافعي: أن دار الحرب يسقط جريان حكم الإسلام فيها على أهلها, فلا يقام عليهم بعد القدرة حد, ولا يستو منهم حق, ولا يسقط جريان حكم الإسلام على من المسلمين في استيفاء الحقوق منهم وإقامة الحدود عليهم ودار البغي لا تمنع من جريان حكم الإسلام فيها على أهلها وغير أهلها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت بينهما في الإباحة, ولأن حكم الإسلام جار على أهله أين كانوا, كما أن حكم الشرك جار على أهله حيث وجدوا.
ولأنه لو جاز أن تغير الدار أحكام المسلمين في الحقوق والحدود لتغيرت في العبادات من الصلاة والصيام فيلتزمونها في دار الإسلام ولا يلتزمونها في دار الحرب.
فلما بطل هذا, واستوي إلزامهم لها في دار الإسلام ودار الحرب وجب أن يستويا في الحدود والحقوق.
فأما ما احتج به أبو حنيفة من أن يد الإمام قد زالت عن دار البغي فسقط عنه إقامة الحدود عليهم كأهل الحرب
الجزء: 12 - الصفحة: 419
فالجواب عنه: أن الحدود وجبت عليهم لمخاطبتهم بها وارتكابهم لموجبها, والإمام مستوف لها, فإن عجز عنها كف, وإن قدر عليها أقامها والله أعلم.
باب حكم المرتد
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ومن ارتد عن الإسلام إلي أي كفر كان مولودًا على الإسلام أو أسلم ثم ارتد قتل".
قال في الحاوي: أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلي غيره, قال الله تعالى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة 21].
وأما الردة في الشرع: فهي الرجوع عن الإسلام إلي الكفر.
وهو محظور لا يجوز الإقرار عليه.
قال الله تعالى: ﴿بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة 5].
وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [البقرة 217].
وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء 137].
وفيها ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أنهم اليهود, آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل, ثم آمنوا بموسى بعد عوده, ثم كفروا بعيسى, ثم ازدادوا كفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا قول قتادة.
والثاني: أنهم المنافقون, آمنوا ثم ارتدوا, ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على كفرهم.
وهذا قول مجاهد.
والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين, فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر مرة بعد الأخرى ثم ازدادوا كفرًا بثبوتهم عليه.
وهذا قول الحسن.
فإذا ثبت حظر الردة بكتاب الله تعالى فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابته رضي الله عنهم.
روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
وروى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
الجزء: 12 - الصفحة: 420
كفر بعد إيمان, أو زنًا بعد إحصان, أو قتل نفس بغير نفس".
وقال أبو بكر الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا.
وروى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية قتل مثلة, شد رجليها بفرسين, ثم صاح بهما فشقاها.
وهذا التناهي منه في نكال القتل, وإن لم يكن متبوعًا فيه فلانتشار الردة في أيامه, وتسرع الناس إليها, لتكون هذه المثلة أشد زجرًا لهم عن الردة, وأبعث لهم على التوبة.
ومثله ما روي أن قومًا غلوا في علي عليه السلام وقالوا له: أنت إله, فأجج لهم نارًا, وحرقهم فيها.
فقال ابن عباس: لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف, سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعذبوا بعذاب الله من بدل دينه فاقتلوه" فقال علي رضوان الله عليه:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت نارًا ودعوت قنبرا
وروى عبد الملك بن عمير قال: شهدت عليًا عليه السلام وقد أتى بالمستور بن قبيصة العجلي وقد تنصر بعد إسلامه.
فقال له علي: حدثت عنك أنك تنصرت, فقال المستورد: أنا على دين المسيح فقال له علي: وأنا أيضًا على دين الميسح.
ثم قال له: ما تقول فيه فتكلم بكلام خفي علي, فقال علي رضوان الله عليه: طؤه, فوطاء حتى مات فقلت للذي يليني: ما قال؟ قال: إن المسيح ربه.
وروي أن معاذ بن جبل قدم اليمن وبها أبو موسى الأشعري, فقيل له: إن يهوديًا أسلم ثم ارتد منذ شهرين.
فقال: والله لا أجلس حتى يقتل, فضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فقتل.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القتل بردة المسلم إلي الكفر, فسواء كان المسلم مولودًا على الإسلام او كان كافرًا فأسلم أو صار مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما.
قال أبو حنيفة: إن صار مسلمًا بإسلام أحد أبويه, لم يقتل بالردة لضعف إسلامه وهذا خطأ.
لأنه لما جرى عليه أحكام الإسلام في العبادات وأحكام المسلمين في المواريث
الجزء: 12 - الصفحة: 421
والشهادات, وجب أن يجري عليه حكم الإسلام في الردة كغيره من المسلمين, كما كان في غير الردة كسائر المسلمين.
ولأن الإسلام لا تبعض فيه, فلم تبعض فيه أحكام الإسلام.
وبه يفسد ما ذكره من ضعفه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة ثم تاب لم يقتل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لا يخلو حال الكفر إذا ارتد المسلم من أحد أمرين:
إما أن يتظاهر به أهله كاليهودية والنصرانية.
أو يسرونه كالزندقة والنفاق.
فإن كان مما يتظاهر به أهله قبلت توبته منه إذا ارتد إليه سواء ولد على الإسلام أو كان كافرًا وأسلم.
وحكي الشافعي, عن بعض أهل المدينة وأحبسه مالكًا أن المولود على الإسلام لا تقبل توبته إذا ارتد؛ لأنه لم يجز عليه حكم الكفر بحال, فكان أغلظ حكمًا ممن جرى عليه حكم الكفر في بعض الأحوال وهذا فاسد.
ولكنه لو وقع بينهما فرق أولى, لأن توبة المولود على الإسلام أقوى, لأنه قد ألف الإسلام, وتوبة المولود على الكفر أضعف, لأنه قد ألف الكفر, فلما فسد هذا كان عكسه أفسد, ودلائل هذا تأتي فيما يليه.
وإن كان الكفر مما يسره أهله الكزندقة: قبلت توبته أيضًا عند الشافعي, تسوية بين ردة كل مسلم, وبين الردة إلي كل كفر.
وقال مالك: لا تقبل التوبة من الزنديق, إلا أن يتوب قبل العلم به, والقدرة عليه.
ففرق بين بعض الكفر وبعضه في الردة, كما فرق في الأول, إن كان قائلًا به بين بعض المسلمين وبعضهم في الردة.
والزنديق عنده: من أظهر الإسلام وأسر الكفر.
ولأبي حنيفة فيه روايتان:
إحداهما: كقولنا, والأخرى: كقول مالك.
احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران 90].
ولأن الزنديق يتظاهر بالإسلام ويسر الكفر, وهو بعد التوبة هكذا, فصار كما قبلها
الجزء: 12 - الصفحة: 422
فلم تؤثر فيه التوبة مما لم يكن, فوجب أن يكون الحكم فيهما على سواء.
قال: ولأن الزندقة أعظم فسادًا في الأرض من الحرابة لجمعها بين فساد الدين والدنيا, فلما لم تقبل توبة المحاربين بعد القدرة فأولى أن لا تقبل توبة الزنديق بعد القدرة.
قال: ولأن الظاهر من توبة الزنديق أن يستدفع بها القتل, كما كان الظاهر من توبة المحارب استدفاع القتل بهما, فوجب أن تحمل توبته على الظاهر من حالها في دفع القتل بها, كما حملت توبة المحارب على الظاهر من حالها.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء 94].
وقرأ أبو جعفر: لست مؤمنًا-بفتح الميم-من الأمان.
وقراءة الجمهور بالكسر من الإيمان.
وفيها على كلا القرائتين دليل لما حكاه السدي عن سبب نزولها:
"أن رجلًا يقال له: مرداس بن عمر الفدكي كانت له غنيمات لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبدر إليه أسامة بن زيد فقتله, فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لم قتله وقد أسلم؟ قال: إنما قالها متعوذًا قال: هلا شققت عن قلبه.
ثم حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلي أهله, ورد عليهم غنمه".
وروى عطاء بن زيد الليثي, عن عبيد الله بن عدي بن الخيار "أن رجلًا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدر ما ساره, حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله.
قال: بلى, ولا شهادة له.
قال: أليس يصلي.
قال: بلى, ولا صلاة له.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك الذين نهاني الله عنهم".
وروى عبيد الله بن عدي بن الخيار أن المقداد بن عمرو الكندي قال: "يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكافر فقاتلني, فضرب إحدى يدي فقطعها, ثم لاذ مني لشجرة, فقال: أسلمة لله أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
قال: لا تقتله, فإن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته وهو بمنزلتك قبل أن تقتله, فدلت الآية والخبر على الأخذ بالظاهر دون السرائر, ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر".
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل من المنافقين ظاهر إسلامهم, وإن تحقق باطن كفرهم, بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم في قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون 1 - 2].
وقرئ: إيمانهم - بكسر الهمزة من الإيمان, والأول من اليمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 423
وقال تعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ ولَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة 56].
فلم يؤاخذهم بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم التي تحقق بما كفرهم, اعتبر ما تظاهروا به من الإسلام وإن تحقق فيه كذبهم, فوجب أن يكون أمثالهم من الزنيدقة ملحقين بهم وداخلين في حكمهم.
فإن قيل: إنما كف عنهم لنه لم يعرفهم بأعيانهم, ولو عرفهم لما كف عنهم.
قيل: قد كانوا أشهر من أن يخفوا, هذا عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين, قد تظاهر بالنفاق وأبدى معتقده في مواضع منها:
قوله تعالى: ﴿وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب 12].
وقوله في غزوة تبوك: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون 8].
فأخبر الله تعالى بذلك عنه, فلما رجع إليها من الغزاة جرد ابنه عليه سيفه, وقال والله لئن لم تقل إنك الأذل ورسول الله الأعز, لأضربنك بسيفي هذا, فقالها, ولأن إقراره بالزندقة أقوى من قيام البينة بها عليه, فلما قبلت توبته إذا أقر بها كان أولى أن تقبل في قيام البينة بها.
ولأنه لو جاز أن يختلف حكم التوبة في جهر الكفر وسره, لكان قبول توبة المساتر أولى من قبول توبة المجاهر, لأن الجهر به يدل على قوة معتقده, والاستسرار به يدل على ضعف معتقده, فلما بطل هذا كان علته أبطل, ولأنها توبة من كفر, فوجب أن تقبل كالجهر.
فأما الجواب عن قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران 90] فهو أنه قد تعارض فيها ما يتنافي اجتماعهما, لأن من ازداد كفرًا لم يتب, ومن تاب لم يزدد كفرًا, وإذا تنافي ظاهرهما صار تأويلها محمولًا على تقدم التوبة على ما حدث بعدها من زيادة الكفر, فيحبط حادث الكفر سابق التوبة.
وأما الجواب عن قوله: إنه بالتوبة مظهر للإسلام مستبطن للكفر, وهكذا هو قبلها.
فهو أننا ما كلفنا منه إلا الظاهر من حاله, وهو في الباطن موكول إلي ربه, ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسبوا العبد حساب الرب".
وقد يجوز أن تؤثر التوبة في باطنه كتأثيرها في ظاهره.
وأنا الجميع بينه وبين المحارب فلا يصح, لافتراقهما غي معنى الحكم, لأن الحرابة يقتل فيها بظاهر قوله الدال على معتقده, فجاز أن يرفعها ما جانسها من القول في توبته, ويحمل ذلك على زوال معتقده.
فأما الجواب عن قوله: إن الظاهر منها استدفاع القتل.
فهو أن هذا الظاهر لا يمنع من قبول التوب في الممرتد كما لا يمنع إسلام الحربي إذا قدم للقتل من قبول إسلامه والكف عن قتله والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 424
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن لم يتب قتل امرأة كانت أو رجلًا عبدًا كان أو حرًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال يستوي في القتل بالردة الحر والعبد والرجل والمرأة, وتقتل المرتدة, كما يقتل المرتد.
وبه قال من الصحابة: أبو بكر وعلي.
ومن التابعين: الحسن, والزهري ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي, والليث بن سعد, وأحمد, وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: تحبس المرتدة ولا تقتل, إلا أن تكون أمة فلا تحبس عن سيدها.
استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن قتل النساء والوالدان".
فكان على عمومه وبما روى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين, عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وأسلم قال: "لا تقتل المرأة إذا ارتدت" وهذا نص.
ولأن من لم يقتل بالكفر الأصلي لم يقتل بالردة كالصبي.
ولأن كل حر لم يكن من أهل الجزية لم يقتل بالردة كالأطفال والمجانين.
ولأنها كافرة لا تقاتل فلم تقتل كالكافرة الأصلية.
ولأن المرأة محقونة الدم قبل الإسلام فلم يستبح دمها بالردة عن الإسلام, لعودها بعده إلي ما كانت عليه قبله, وبعكسها الرجل.
ودليلنا: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فإن قيل: المراد به الرجل لقوله: من بدل دينه ولو أراد المرأة لذكره بلفظ التأنيث فقال: من بدلت دينها.
قيل: لفظة من للعموم تستغرق الجمس, فاشتملت على الرجال والنساء, كما قال تعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء 124]. ولأن رجلًا لو قال: من دخل الدار فله درهم, استحقه من دخلها من ذكر أو أنثى.
وروى الزهري, عن عروة, عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت".
وروى الزهري, عن عروة, عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت".
وروى الزهري عن محمد بن المنكدر, عن جابر: "أن امرأة من أهل المدينة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام, فإن رجعت وإلا قتلت".
ورواه هشام بن الغاز, عن محمد بن المنكدر, عن جابر قال:"فعرض عليها
الجزء: 12 - الصفحة: 425
الإسلام فأبت أن تسلم, فقتلت" وهذا نص.
ولأنه كفر بعد إيمان فوجب أن يستحق به القتل كالرجل, وهذه علة ورد النص بها في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امراء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان .. " فكانت أوكد من العائلة المستنبطة, هكذا استنبط من هذا النص علة أخرى, فنقول: كل من قتل بزنًا بعد إحصان قتل بكفر بعد إيمان كالرجل, ومنه علة ثالثة: أن كل من قتل بالنفس قودًا قتل بالردة حدًا كالرجل, فيكون تعليل النص في الثلاثة مستمرًا.
ولأنه حد يستباح به قتل الرجل فجاز أن يستباح به قتل المرأة كالزنى.
فأما الجواب عن نهيه عن قتل النساء والوالدان.
فهو أن خروجه على سبب, روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته, فقال: "لم قتلت وهي لا تقاتل" ونهى عن قتل النساء والوالدان.
فعلم أنه أراد به الحربيات.
فإن قيل: النهي عام فلم اقتصر به على سببه.
قيل: لما عارضه قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر, وجب تخصيص الوارد على سببه, وحمل الآخر على عموم, لأن السبب إمارات التخصيص.
وأما الجواب عن حديث ابن عباس: فهو أنه رواية عبد الله بن عيسى عن عفان عن شعبة بن عاصم بن أبي النجود.
قال الدارقطني: وعبد الله بن عيسى هذا كذاب يضع الأحاديث على الثقات.
وقد رواه سفيان, عن أبي حنيفة, عن عاصم موقوفًا على ابن عباس وأنكره أبو بكر بن عياش على أبي حنيفة فسكت وتغير.
وأنكره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل.
وما كان بهذا الضعف لم يجز أن يجعل في الدين أصلًا.
وأما الجواب عن قياسهم على الصبي: فهو انتفاضه بالشيخ الهرم والأعمى والزمن فإنهم يقتلون بالردة, ولا يقتلون بالكفر الأصلي, والأصل غير مسلم, لأن الصبي لا تصح منه الردة.
وأما الجواب عن قياسهم على الكافرة الحربية: فمنكسر بالأعمى والزمن لا يقتلون بالكفر الأصلي ويقتلون بالردة, ثم المعنى في الحربية أنها مال مغنوم وليست المرتدة مالًا.
وأما الجواب عن استدلالهم بحقن دمها قبل الإسلام فكذلك بالردة بعد الإسلام.
فباطل الأعمى والزمن والرهبان وأصحاب الصوامع, دماؤهم محقونة قبل الإسلام ويقتلون بالردة عن الإسلام, على أن الحربية لما جاز إقرارها على كفرها لم تقتل, ولما لم يجز إقرار المرتدة على كفرها قتلت, لأن وقوع الفرق بينهما في الإقرار على الكفر
الجزء: 12 - الصفحة: 426
يمنع من تساويهما في الحكم والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وقال في الثاني في استتابته ثلاثًا قولان: أحدهما حديث عمر يتأنى به ثلاثًا والآخر لا يؤخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأناة وهو لو تؤني به بعد ثلاث كهيئته قبلها.
وهذا ظاهر الخبر.
قال لامزني: وأصله الظاهر وهو أقيس على أصله".
قال في الحاوي: يستناب المرتد قبل قتله, فإن تاب حقن دمه.
وقال الحسن البصري: يقتل من غير استتابة.
وقال عطاء: إن ولد في الإسلام قتل من غير استتابة وإن ولد في الكفر ثم أسلم لم يقتل إلا بعد الاستتابة.
استدلالًا: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فلم يأمر فيه إلا بالقتل دون الاستتابة.
ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى, فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد.
ولأن قتل الردة حد كالرجم في الزنى, فلما لم يلزم استتابة الزاني لم يلزم استتابة المرتد.
ودليلنا: ما رواه عروة, عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستتاب, فإن تابت وإلا قتلت" وهذا نص.
وروي أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قبل أبي موسى الأشعري, فقال له عمر بن الخطاب: هل كان فيكم من مغربة خبر؟
فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه, فقتلناه.
فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا, وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا, واستتبتموه لعله يتوب, اللهم لم أحضر ولم أمر ... ولم أرض إذ بلغني, اللهم إني أبرأ إليك من دمه.
وروي: أن ابن مسعود كتب إلي عثمان رضي الله عنهما في قوم ارتدوا فكتب إليه عثمان: ادعهم إلي دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله, فإن أجابوا فخل سبيلهم وإن امتنعوا فاقتلهم, فأجاب بعضهم فخلا سبيله وامتنع بعضهم فقتله.
ولأن الأغلب من حدوث الردة أنه لاعتراض شبهة, فلم يجز الإقدام على القتل قبل كشفها والاستتابة منها كأهل الحرب, لا يجوز قتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة, وإظهار المعجزة.
فأما الخبر فلا يمنع من الاستتابة وأم الزنى فالتوبة لا تزيله, وهي تزيل الردة, فلذلك استتيب من الردة ولم يستتب من الزنى.
فصل:
فإذا ثبت الأمر باستتابته قبل قتله, ففيها قولان:
الجزء: 12 - الصفحة: 427
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة واختيار أبي علي بن أبي هريرة أنها مستحبة وليست بواجبة, لأن وجوب الاستتابة يوجب حظر دمه قبلها, وهو غير مضمون الدم لو قتل قبلها, فدل على استحبابها.
والثاني: وهو أصح أن الاستتابة واجبة لما قدمناه من الخبر والأثر, ولأن الاستتابة في حق المرتد في حكم إبلاغ الدعوة لأهل الحرب, وإبلاغ الدعوة واجبة, فكذلك الاستتابة.
ولأن المقصود بقتل المرتد إقلاعه عن ردته, والاستتابة أخص بالإقلاع عنها من القتل, فاقتضى أن تكون أوجب منه.
فصل:
فإذا تقرر حكم الاستتابة في الوجوب والاستحباب, فهل يعجل قتله عند الامتناع من التوبة أو يؤجل ثلاثة أيام؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني أنه يعجل قتله ولا يؤجل, وبه قال أبو حنيفة, إلا أن يسأل الإنظار فيؤجل ثلاثًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" ولأنه حد فلم يؤجل فيه كسائر الحدود.
والثاني: يؤجل ثلاثة أيام, وبه قال أحمد بن حنبل, وإسحاق بن راهويه.
وقال سفيان الثوري: ينظر ماكان يرجو التوبة.
ودليل تأجيله ثلاثًا: قول عمر رضي الله عنه حين أخبر بقتل المرتد: هلا حبستموه ثلاثًا, اللهم لم أحضر ولم أمر .. الخبر.
ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم ثلاثًا فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود 65].
ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلي الحق, وذلك مما يحتاج فيه إلي الارتياء والفكر, فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير, وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام:
فعلى هذا: في تأجيله بهذه الثلاث قولان:
أحدهما: أنها مستحبة إن قيل: إن الاستتابة مستحبة.
والثاني: أنها واجبة إن قيل: إن الاستتابة واجبة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويوفق ماله".
قال في الحاوي: حكم الردة مشتمل على فصلين:
أحدهما: في نفس المرتد, وهو القتل وقد مضى.
الجزء: 12 - الصفحة: 428
والثاني: حكمها في مال المرتد, وهو مشتمل على فصلين:
أحدهما: بقاء ماله على ملكه.
والثاني: جواز تصرفه فيه.
فأما بقاؤه على ملكه, فقد ذكر الشافعي فيه قولين, وثالثًا اختلف أصحابنا في تخريجه:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع-أن ملكه موقوف مراعى فإن عاد إلي الإسلام بان أن ماله كان باقيًا على ملكه, إن قتل بالردة بان أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة, فيصير ماله معتبرًا بنفسه.
والثاني: نص عليه في زكاة المواشي-أن ماله باقي على ملكه, إلي أن يقتل بالردة, فيزول ملكه عنه بالقتل أو بالموت, لأن المال لا ينفك عن مالك, فلما لم ينتقل إلي ملك غيره إلا بالموت, على بقاؤه على ملكه إلي وقت الموت.
والثالث: المختلف في تخريجه: ذكره في كتاب المدبر - أن تدبير المرتد باطل في أحد أقاويله الثلاثة' لأن ملكه خارج عنه.
فاختلف أصحابنا في معنى تعليله بأن ملكه خارج عنه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وطائفة-أن أراد به خروج ماله عن تصرفه مع بقائه على ملكه, لأنه لو خرج عن ملكه بالردة ما عاد إليه إلا بتمليك مستجد, ومنعوا من تخريجه قولًا ثالثًا.
والثاني: وهو قول كثير منهم أنه أراد به زوال ملكه عن ماله, فإن عاد إلي الإسلام عاد المال إلي ملكه كالخل إذا انقلبت بنفسها خمرًا زال عن ملك صاحبه, فإن صار الخمر خلًا عاد إلي ملكه.
وخرج قائل هذا الوجه في ماله ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن ماله باق على ملكه حتى يقتل أو يموت-وهو الأصح-وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أن ماله قد زال عن ملكه قتل أو لم يقتل, فإن عاد إلي الإسلام عاد إلي ملكه بإسلامه وبه قال مالك بن أنس.
والثالث: أن ماله موقوف مراعى, فإن عاد إلي الإسلام فماله لم يزل باقيًا على ملكه, وإن قتل أو مات علم أن ماله زال عن ملكه بنفس الردة.
وعلى هذه الأقاويل يكون حكم ما استفاد ملكه في ردته بهبة أو صدقة أو وصية أو اصطياد أو احتشاش.
فإن قيل بالأول: إن ملكه المتقدم باق على ملكه, ملك ما استفاده في ردته, وصار مضافًا إلي قديم ملكه.
وإن قيل بالثاني: إن ماله خرج بالردة عن ملكه, لم يملك ما استفاده في ردته, لأنه
الجزء: 12 - الصفحة: 429
لما لم يملك ما استقر عليه ملكه, فأولى أن لا يملك ما لم يستقر له عليه ملك.
وإن قيل بالثالث: إنه موقوف مراعى, كان ما استفاده في الردة موقوفًا مراعى: فإذا عاد إلي الإسلام ملكه مع قديم ملكه.
وإن قتل بالردة لم يملكه فإن كان هبة أو وصية: بطلت, وعاد إلي الواهب والموصى.
وإن كان اصطيادًا أو احتشاشًا: كان على أصل الإباحة.
فصل:
فأما الفصل الثاني: في جواز تصرف في ماله.
فظهور الردة منه موجبة لوقوع الحجر عليه لعتلين:
أحدهما: أن تظاهره بها مع ما يفضي إليه من إباحة دمه دليل على سفه رأيه وضعف تمييزه.
والثاني: أن انتقال ماله عنه إلي من باينه في الدين يوجب حفظه عليه, لتوجه التهمة إليه, حتى لا يسرع إلي استهلاكه عليهم.
فإن حجر الحاكم عليه, صح الحجر, وفي معنى حجره وجهان:
أحدهما: أنه كحجر السفه وفي معناه إذا قيل: إن علة حجرة سفه رأيه, وضعف تميزه.
والثاني: أنه كحجر المرض وفي معناه إذا قيل: إن على حجرة توجه التهمة إليه في حقوق المسلمين في ماله.
ويكون بعد الحجر عليه ممنوعًا من التصرف في ماله, فإن تصرف فيه فضربان:
أحدهما: أن يكون في تصرفه استهلاك لما له كالعطايا والهبات والوصايا والصدقات والوقف والعتق فكل ذلك باطل مردود, سواء قيل: إن حجره حجر سفه أو حجر مرض.
فإن قيل: فهلا جازت وصاياه إذا قيل: إن حجره حجر مرضه, كما تجوز وصايا المريض.
قيل: لأن للمريض في ماله الثلث, فأمضيت وصاياه من ثلثه وليس للمرتد ثلث تجعل وصاياه منه.
والثاني من تصرفه: ما لم يكن فيه استهلاك كالبيوع والإجارات بأعواض مثلها فيكون في صحتها وجهان بناء على معنى حجره:
أحدهما: أن جميعها باطلة إذا قيل: إن حجره سفه لأن عقود السفيه باطلة.
والثاني: أن جميعها جائزة إذا قيل: إن حجره حجر مرض؛ لأن عقود المريض جائزة.
وعلى هذين الوجهين, يكون حكم إقراره بالديون والحقوق أحد الوجهين بطلان إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر سفه.
الجزء: 12 - الصفحة: 430
والثاني: صحة إقراره بجميعها إذا قيل: إنه حجر مرض.
فصل:
فإن لم يحجر الحاكم عليه, ففي صحة تصرفه وجوازه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن تصرفه جائز ممضي سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام, لأن الكفر لا يمنع من جواز التصرف.
والثاني: أن تصرفه باطل مردود سواء قتل بالردة أو عاد إلي الإسلام لما قدمناه من العلتين في سفه رأيه وظهور تهمته.
والثالث: أن تصرفه موقوف مراعى:
فإن قتل بالردة: كان جميع تصرفه باطلًا مردودًا لتحقق العلتين فيه.
وإن عاد إلي الإسلام: كان جميع تصرف جائزًا ممضيًا, لانتفاء العلتين عنه.
فعلى هذه الأقاويل تنقسم عقوده في ردته ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالعتق والتدبير, فيكون في صحته منه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يكون جائزًا.
والثاني: باطلًا.
والثالث: يكون موقوفًا.
والثاني: ما لا يصح أن يكون موقوفًا أو معلقًا بشرط كالبيع والإجارة, ففيه قولان:
أحدها: باطل.
والثاني: جائز.
والثالث: ما اشتمل على أمرين يصح الوقف والشرط في أحدهما, ولا يصح في الآخر كالخلع والكتابة, لأنهما يشتملان على طلاق وعتق, ويصح فيهما الوقف والشرط, وعلى معاوضة لا يصح فيها الوقف والشرط.
فقد اختلف أصحابنا في المغلب منهما على وجهين:
أحدهما: يغلب منهما حكم العوض, فيكون على قولين كالبيع والإجارة.
أحدهما: جائز.
والثاني: باطل.
والثاني: أنه يغلب منهما حكم الطلاق والعتق, فيكون على ثلاثة أقاويل:
أحدها: جائز.
والثاني: باطل.
والثالث: موقوف, والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 431
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قتل فماله بعد قضاء دينه وجنايته ونفقة من تلزمه نفقته فيء لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وكما لا يرث مسلمًا لا يرثه مسلم".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في حكم ماله في حياته.
فأما حكم ماله بعد قتله أو موته مرتدًا, فالكلام فيه مشتمل على فصلين:
أحدهما: فيما يتعلق به من الحقوق.
والثاني: في استحقاق باقيه.
فأما الفصل الأول: في الحقوق المتعلقة به فثلاثة:
ديون, وجنايات, ونفقات فأما الديون: فما وجب منها قبل الردة فمستحق, ما وجب منها بعد الردة فإن كان عن تصرف جائز ممضي استحق, وما كان منها عن تصرف باطل مردود لم يستحق.
وأما الجنايات على النفوس والأموال: فمستحقة سواء كانت قبل الردة أو بعدها, لأن المرتد ضامن لما أتلف.
وأما النفقات: فما وجب منها قبل الردة فمستحق إذا كان مما لا يسقط بالتأخير كنفقة الزوجات أو نفقات الأقارب, إذا حكم حاكم بالافتراض عليها وإن سقطت بالتأخير كان سقوطها مع الردة أحق.
وأما ما وجب منها في زمن الردة.
فإن قيل ببقاء ماله على ملكه: وجبت.
وإن قيل بزوال ملكه عن ماله, ففي وجوبها وجهان:
أحدهما: لا تجب لعدم محلها كالإعسار بها.
والثاني: تجب ويزول ملكه عما لا يستحق عليه, ولا يزول عما يستحق عليه كالموت يزول به ملك الميت إلا عما لا يستغنى عنه من كفنه ومؤونة دفنه.
وأما الثاني: وهو الموروث من باقي ماله, فقد اختلف الفقهاء في مستحقه على ستة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي أنه ينتقل إلي بيت المال فيئًا, ولا يرثه مسلم ولا كافر.
وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت, وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
ومن التابعين: الحسن البصري.
ومن الفقهاء: ربيعة, وابن أبي ليلى, وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أن ما كسبه قبل ردته يكون لورثته من المسلمين, وما كسبه في ردته يكون فيئًا لبيت مال المسلمين إلا أن يكون المرتد امرأة فيكون جميع ما كسبته قبل الردة وبعدها لورثتها المسلمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 432
والثالث: وهو مذهب أبي يوسف ومحمد, أن جميع ما كسبه قبل الردة وبعدها يكون لورثته من المسلمين رجلًا كان أو امرأة.
والرابع: وهو مذهب مالك أنه إن اتهم بردته أنه أراد بها إزواء ورثته, كان ماله لورثته المسلمين, وإن لم يتهم كان فيئًا لبيت المسلمين.
والخامس: وهو مذهب داود-أنه يكون موروثًا لمن ارتد إلي دينه من ورثته الكفار دون المسلمين.
والسادس: وهو مذهب علقمة وقتادة, وسعيد بن أبي عروبة-أن ماله فينتقل إلي جميع أهل دينه الذين ارتد إليهم.
والدليل على جميعهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
ولأنه لما لم يرث مسلمًا لم يرثه مسلم كالحربي.
وهذه مسألة قد مضى حجاجها في كتاب الفرائض.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويقتل الساحر إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة, وذكرنا اختلاف الفقهاء في حكم الساحر على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-أن الساحر كافر يجب قتله, ولا تقبل توبته.
والثاني: وهو مذهب أحمد بن حنبل, وإسحاق بن راهويه أن الساحر يجب قتله, ولم يقطعا بكفره.
الثالث: وهو مذهب الشافعي-أن الساحر لا يكون كافرًا بالسحر, ولا يجب به قتله إلا أن يكون ما يسحر به كفرًا, فيصير باعتقاد الكفر كافرًا يجب قتله بالكفر لا بالسحر-وقد دللنا لهم وعليهم بما أجزأ.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويقال لمن ترك الصلاة وقال أنا أطيقها ولا أصليها لا يعملها غيرك فإن فعلت وإلا قتلناك كما تترك الإيمان ولا يعمله غيرك فإن آمنت وإلا قتلناك".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الصلاة, وذكرنا أن تارك الصلاة ضربان: جاحد ومعترف.
الجزء: 12 - الصفحة: 433
فأما الجاحد لوجوبها: فهو مرد تجري عليه أحكام الردة, وهو إجماع.
وأما المعترف بوجوبها التارك لفعلها: قد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب أحمد بن حنبل-أنه يكفر بتركها كما يكفر بجحودها.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: بين الكفر والإيمان ترك الصلاة, فمن تركها فقد كفر.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك أنه لا يكفر بتركها ولا يقتل, ويجبس حتى يصلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها".
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه يقتل بتركها لا بكفره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إني نهيت عن قتل المصلين".
فدل على أن غير المصلي مباح للدم.
وقد مضى من الدلائل والمعاني ما أقنع.
فصل:
وإذا كان قتله بتركها واجبًا, فليجوز قتله حتى يسأل عن تركها, واختلف أصحابنا في وقت سؤاله على وجهين:
أحدهما: يسأل عن تركها في آخر وقتها إذا لم يبق منه إلا قدر فعلها.
والثاني: لا يسأل عنها إلا بعد خروج وقتها, فإذا سئل عنها وأجاب بأنه نسي، قيل له: صل فقد ذكرت.
فإن قال: أنا مريض قيل: صل كيف أضفت.
وإن قال: لست أصلي كسلًا واستثقالًا.
قيل له: تب وصل, فإنه لا يصليها غيرك.
فإن تاب وصلى عاد إلي حاله, وإن لم يتب ولم يصل فهو الذي اختلف الفقهاء في حكمه على ما بيناه.
ومذهبنا فيه: وجوب قتله حدًا مع بقائه على إسلامه, ويكون ماله لورثته المسلمين, ويصلى عليه, ويدفن في مقابر المسلمين.
واختلف أصحابنا في صفة قتله على وجهين:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه يقتل ضربًا بالسيف.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج.
وطائفة-أنه يضرب بما لا يوجى من الخشب, ويستدام ضربه حتى يموت.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن قتل مرتدًا قبل أن يستتاب أو جرحه فأسلم ثم
الجزء: 12 - الصفحة: 434
مات من الجرح فلا قود ولا دية ويعزر القاتل لأن المتولي لقتله بعد استتابته الحاكم".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الجنايات, أن المرتد يختص الإمام بقتله دون غيره, لأن قتله حق من حقوق الله تعالى التي ينفرد الأئمة بإقامتها كالحدود.
فإن قتله غير الإمام لم يضمنه القاتل وعزر.
لأن الردة قد أباحت دمه, فصار قتله هدرًا كالحربي إذا قتله مسلم لم يضمنه لإباحة دمه, لكن يعذر قاتل المرتد ولا يعزر قاتل الحربي.
والفرق بينهما: إن قتل المرتد حد يتولاه الإمام فعزر المفتات علي.
وقتل الحربي جهاد يستوي الكافة فيه, فلم يعزر المنفرد بقتله.
فأما إذا جرح مرتدًا ثم أسلم المجروح وسرى الجرح إلي نفسه في الإسلام فمات منه, فمذهب الشافعي: أن دمه هدر لا يضمن, لأنها عن جناية في الردة غير مضمونة, فكان ما حدث بعدها غير مضمون, كالقطع السرقة.
قال الربيع: وفيها ثول آخر: إنه ضامن لنصف ديته.
لأنه مرتد في حال الجناية, ومسلم في حال السراية, فسقط نصف الدية بردته, ووجب نصفها بإسلامه.
وهذا القول من تخريج الربيع من نفسه وليس بمحكي عن الشافعي, ولا تقتضيه أصول مذهبه.
فإن كان المرتد هو القاتل فقد مضى في الجنايات.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يسبى للمرتدين ذرية وإن لحقوا بدار الحرب لأن حرمة الإسلام قد ثبتت لهم ولا ذنب لهم في تبديل آبائهم".
قال في الحاوي: أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولو يلحقوا بدار الحرب فلا خلاف نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم تغليبًا لما تقدم من حرمة إسلامهم ولا يجوز أن تؤكل ذبائحهم, ولا ينكحوا تغليبًا لحكم شركهم, ولا تقبل جزيتهم, ولا يهادنوا, لأن قبول الجزية وعقد الهدنة موضوعان للإقرار على الكفر, والمرتد لا يقر على كفره.
فأما إذا لحق المرتدون بدار الحرب أو انفردوا بدار صارت لهم كدار أهل الحرب فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في جواز سبيهم واسترقاقهم.
فذهب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلي جواز سبيهم واسترقاقهم كأهل الحرب اعتبارًا بحكم الكفر وبه قال شاذ من الفقهاء.
وذهب أبو بكر رضي الله عنه إلي تحريم سبيهم واسترقاقهم تغليبًا لحرمة ما تقدم من إسلامهم, كما يحرم سبيهم واسترقاقهم في دار الإسلام.
وبه أخذ الشافعي وأكثر الفقهاء.
فإن قيل: فقد سبى أبو بكر رضي الله عنه بني حنيفة حين ارتدوا مع مسيلمة قيل: إنما سباهم سبي قهر وإذلال لتضعف بهم قوتهم, ولم يكن سبي غنيمة واسترقاق.
وسواء في ذلك الرجال والنساء.
الجزء: 12 - الصفحة: 435
وقال أبو حنيفة: يجوز استرقاق المرتدة, إذا لحقت بدار الحرب, ولا يجوز استرقاق المرتد.
واستدل على ذلك: بأن علي بن أبي طالب عليه السلام استرق من سبي بني حنيفة أم ابنه محمد وأولادها.
وبناه أبو حنيفة على أصله في أن المرتدة لا تقتل كالحربية فجاز استرقاقها لاستوائهما في حظر القتل عنده وهذا قد تقدم الكلام معه فيه.
ثم من الدليل عليه: أن كل دين منع من استرقاق الرجل منع من استرقاق المرأة كالإسلام طردًا والكفر الأصلي عكسًا.
فأما ما حكاه من استرقاق على أم ولده محمد ابن الحنفية ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه كان مذهبًا له, وقد خالفه في غيره, فصار خلافًا لا يقع الاحتجاج به.
والثاني: وهو قول الواقدي إنها كانت أمة سوداء سندية لبني حنيفة, وكان خالد بن الوليد قد صالحهم على إمائهم.
والثالث: وهو الأظهر أنها كانت حرة تزوجها علي عليه السلام برضاها, فأولدها بالزوجية دون ملك يمين, وهو الأشبه بأفعاله رضوان الله عليه وسلامه.
فصل:
فأما ذرية المرتد: وهم صغار أولاده من ذكور, وإناث, فهم على حكم الإسلام الجاري عليهم بإسلام آبائهم, ولا يزول عنهم بردة آبائهم, لأن رده آبائهم جناية منهم فاختصوا بها دونهم, لأنه لا يؤاخذ أحد بمعصية غيره.
فإذا قيل: فإذا تعدي إليهم إسلام آبائهم فصاروا مسلمين بإسلامهم فهلا تعدى إليهم رده آبائهم فصاروا مرتدين بردتهم؟
قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإسلام يعلو ولا يعلى" فجاز أن يرفع الإسلام من حكم الكفر, ولم يجز أن يرفع الكفر من حكم الإسلام, ولذلك إذا كان أحد الأبوين مسلمًا والآخر كافرًا كان الولد مسلمًا ولو يكن كافرًا, تغليبًا للإسلام على الكفر.
فإذا ثبت إسلام أولادهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم, وتجب نفقاتهم في أموال آبائهم المرتدين, لأن النفقة لا تختلف بالإسلام والكفر, فإن ماتوا: غسلوا وصلى عليه ودفنوا في مقابر المسلمين.
فصل:
وإذا لحق المرتد بدار الحرب كانت أحكام الحياة جارية عليه ما لم يمت رجلًا كان أو امرأة.
وقال أبو حنيفة: تجري على المرأة أحكام الحياة, وعلى الرجل أحكام الموت,
الجزء: 12 - الصفحة: 436
فيقسم (ماله) بين ورثته, ويعتق عليه مدبروه وأمهات أولاده, وتحل عليه ديونه المؤجلة, فإن رجع إلي الإسلام رجع بما بقي في أيدي ورثته من تركته الباقية ولم يرجع بما استهلكوه وقد نفذ عتق أمهات أولاده ومدبريه, ولا يتأجل ما حكم بحلوله من ديونه احتجاجًا بأن الردة توجب زوال الملك, فصارت كالموت.
ودليلنا: أنه حي فلم يجز أن يورث كسائر الأحياء, ولأن من جاز إسلامه من إجراء حكم الموت عليه, منعت دار الحرب من إجراء حكم الموت عليه كالمرتدة.
وقياسه منقض بالردة في دار الإسلام.
فصل:
فإذا ثبت هذا كان ما خلفه في دار الإسلام باقيًا على ملكه, فإن عاد من دار الحرب وأخذ ماله سرًا أو كان قد حمله حين لحق بدار الحرب, ثم ظهر المسلمون عليه لم يجز أن يغنم ماله وكان في أمان منا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يغنم ماله اعتبارًا بحكم الدار.
واعتباره عندنا بالمالك أولى كالمسلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن بلغ منهم إن لم يتب قتل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا بلغ أولاد المرتدين بعد الحكم بإسلامهم فلهم حالتان:
إحداهما: أن يقوموا بعبادات الإسلام من الصلاة والصيام وسائل حقوقه, فيحكم لهم بالإسلام فيما لهم وعليهم, ولا يكلفون التوبة, لأنه لم يجز عليهم فيما تقدم حكم الردة, ولا حرجوا فيما بعده من حكم الإسلام.
والثانية: أن يمتنعوا بعد البلوغ من عبادات الإسلام, فيسألوا عن امتناعهم, فإن اعترفوا بالإسلام, وامتنعوا من فعل عباداته كانوا على إسلامهم وأخذوا بما تركوه من العبادات بما يؤخذ به غيرهم من المسلمين.
فإن تركوا الصلاة قتلوا بها, وإن تركوا الزكاة أخذت منهم, وإن تركوا الصيام أدبوا وحبسوا.
وإن أنكروا الإسلام وجحدوه: صاروا حينئذ مرتدين تجري عليهم أحكام الردة بعد البلوغ, فيستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا بالردة كآبائهم.
وحكي ابن سريج قولًا آخر: إنهم يقرون على كفرهم كغيرهم من الكفار المقرين على الكفر, لأنهم لم يعترفوا بالإسلام.
الجزء: 12 - الصفحة: 437
وهذا القول سهو من ابن سريج في تخريجه, إلا أن يكون مذهبًا لنفسه فيفسد بما ذكرناه.
فصل:
فإذا ارتدوا قبل بلوغهم لم يكن لردتهم حكم, وكذلك لو أسلم أولاد أهل دار الحرب قبل البلوغ لم يكن لإسلامهم حكم, ولم يصح من الصبي إسلام ولا ردة.
وقال أبو حنيفة: يصح إسلام الصبي وردته ولا يقتل بها.
احتجاجًا: بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" كل مولود يولد على الفكرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن لسانه, فإما شاكرًا وإما كفورا".
فاقتضى أن يكون ما أعرب لسانه عنه من الإسلام أو الردة صحيحًا, ولأنه ممن يصح منه فعل العبادة, فصح منه الإسلام والردة كالبالغ.
ودليلنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم ... ". ورفعه عنه يمنع من أن يجري على اعتقاده حكم.
لأنه غير مكلف, فلم يصح منه الاعتقاد لإسلام ولا ردة كالمجنون, ولأن ما لا يستحق به قتل الردة لم يثبت به حكم الردة كسائر الأقوال والأفعال لا تكون ردة.
فأما الجواب عن الخبر: فهو أن إعراب لسانه عنه يكون ببلوغه إن صحت هذه الزيادة.
وإما قياسه على البالغ: فلا يصح لوقوع الفرق بينهما في القتل بالردة, فوقع الفرق بينهما في أصل الردة, كما يقع الفرق بينهما في العقود والأحكام.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن ولد للمرتدين في الردة لم يسب لأن آباءهم لم يسبوا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أولاد المرتدين قبل الردة.
فأما أولادهم بعد الردة: وهم المولودون لهم بعد ستة أشهر فصاعدًا من ردتهم.
فإن كان أحد أبويهم مسلمًا: فهم مسلمون لا تجري عليهم أحكام الردة, وكانوا كالمولودين قبل الإسلام على ما قدمناه.
وإن كان أبواهم مرتدين لم يجر عليهم حكم الإسلام بأنفسهم ولا بغيرهم, ففيها قولان:
أحدهما: وهو الأصح المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجرب عليهم حكم الردة, إلحاقًا بآبائهم فلا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم كآبائهم.
لكن لا يقتلون إلا بعد بلوغهم وامتناعهم من التوبة فإن ماتوا قبل البلوغ لم يصل عليهم, ولو يورثوا, وكان مالهم فيئًا.
فيكونوا على هذا القول موافقين للمولودين قبل
الجزء: 12 - الصفحة: 438
الردة من وجه: وهو أنهم لا يسبون ولا يسترقون, ومخالفين لهم من وجه: وهو أنه يجري عليهم حكم الردة قبل بلوغهم, ويجري على المولودين حكم الإسلام قبل بلوغهم.
والثاني: أنهم مخالفون لآبائهم, فيكونوا كفارًا لم يثبت لهم حرمة الإسلام لأن آباءهم وصفوا الإسلام فثبتت فيهم حرمته, وهؤلاء لم يولدوا في إسلام آبائهم ولا وصفوه بأنفسهم, فانتفت عنهم حرمة الإسلام بهم وبآبائهم فعلى هذا: يجوز سبيهم واسترقاقهم كأولاد أهل الحرب, لكن لا يجوز أن يقروا بعد الاسترقاق على كفرهم, لدخولهم في الكفر بعد نزول القرآن.
ومن أسر منهم بعد البلوغ كان الإمام على خياره فيهم كأهل الحرب بين أربعة أشياء:
قتل أو استرقاق أو فدا أو من.
فيكونوا مخالفين للمولودين قبل الردة من وجهين:
أحدهما: أنه لا يجري عليهم حكم الإسلام قبل بلوغهم, وإن جرى حكمه على المولود قبل الردة.
والثاني: أنه يجوز سبيهم واسترقاقهم وإن لم يجز ذلك في المولود قبل الردة.
فصل:
ولا فرق في القولين معًا بين أن يولدوا في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وفرق أبو حنيفة بينهما فقال: إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز سبيهم ولا استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز سبيهم واسترقاقهم احتجاجًا: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها".
قال: ولأن الذمي إذا نقض عهده لم يجز أن يسترق في دار الإسلام, وجاز أن يسترق في دار الحرب كذلك ولو المرتد.
ودليلنا في التسوية بين الدارين في حكم الردة: قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
ولم يفرق فيهم من الدارين.
ولأن حكم الدار معتبر بأهلها فهي تابعة وليست متبوعة, ولأن من لم يجز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم إذا ولد في دار الحرب كالذي أحد أبويه مسلم, ومن جاز استرقاقه إذا ولد في دار الحرب جاز استرقاقه إذا ولد في دار الإسلام كولد الحربيين.
فأما الخبر فمحمول على تغليب حكم العموم دون الخصوص.
وأما ناقض الذمة فلم نعتبر نحن ولا هم فيه حكم الولادة, وجاز استرقاقه وسبيه في دار الحرب ولم يجز في دار الإسلام, لأن علينا أن بلغه مأمنه إذا نقض عهده فلذلك ما افترق حكمه في دار الإسلام ودار الحرب وخالف المرتد, لأنه لا يزمنا أن نبلغه مأمنه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ارتد معاهدون ولحقوا بدار الحرب وعندنا لهم
الجزء: 12 - الصفحة: 439
ذراري لم نسبهم وقلنا إذا بلغوا لكم العهد إن شئتم وإلا نبذنا إليكم ثم أنتم حرب".
قال في الحاوي: وصورتها: في قوم من أهل العهد أقاموا في دار الإسلام بأمان عقده الإمام لهم على نفوسهم وذراريهم وأموالهم, ثم نقضوا العهد, ولحقوا بدار الحرب, وخلفوا أموالهم وذراريهم في دار الإسلام, زال الأمان عنهم, وصاروا حربًا يقتلون إذا قدر عليهم, كان الأمان باقيًا في ذراريهم وأموالهم, لا يجوز أن تسبى الذراري ولا تغنم الأموال, وإن كانوا في عقد الأمان تبعًا.
لأن الأمان قد يجوز أن يعقده الحربي لماله دون نفسه, بأن يكون في دار الحرب فيأخذ أمانًا لمال يحمله إلي دار الإسلام لتجارة أو وديعة فيكون المالك حربًا يجوز أن يقتل, ويكون ماله سلمًا لا يجوز أن يغنم.
ويجوز أن يأخذ الأمان لنفسه دون ماله, فيكون المالك سلمًا لا يجوز أن يقتل, ويكون المال سبيًا يجوز أن يغنم.
وكذلك حكمه مع ذريته يجوز أن يأخذ الأمان له دونهم ولهم دونه, فإذا اشتمل عقد أمانه على نفسه وذريته وماله, ثم نقض أمانه ولحق بدار الحرب زال أمان نفسه وبقي أمان ذريته وماله لا تسبي الذرية ولا يغنم المال.
ولو أخرج معه حين لحق بدار الحرب ذريته وماله, انتقض أمان له وذريته, وجاز غنيمته ماله واسترقاق ذريته, لأن إخراجهما معه نقض لأمانهما وأمانه.
ولو خلفها لقي أمانهما مع زوال أمانه.
فصل:
فإذا تقرر أن نقض أمانه لا يكون نقضًا لأمان ما خلفه من ذريته وماله, فسواء حاربنا بعد لحوقه بدار الحرب أو كف عنا يجب علينا حفظ ذريته وماله, وتقر الذرية إلي أن يبلغوا, سواء كان المعاهد حيًا أو ميتًا.
فإذا بلغوا: خيرهم الإمام بين المقام في دار الإسلام وبين العود إلي دار الحرب, فإن اختاروا العود إلي دار الحرب لزمه أن يبلغهم مأمنهم, ثم يكونوا بعد بلوغهم حربًا وإن اختاروا المقام في دار الإسلام أقرهم فيها على إحدى حالتين: إما بجزية يبذلونها أو بعهد يستأنفونه, لأن أمانهم بالعهد مقدر بعد البلوغ, وغير مقدر قبل البلوغ فيجوز أمانهم قبل البلوغ بسنين كثيرة, ولا يجوز أن يبلغ أمانهم بعد البلوغ سنة, لأنهم قبل البلوغ من غير أهل الجزية, وهم بعد البلوغ من أهلها.
وأما ماله: فمقر على ملكه ما بقي حيًا على حريته, وله إن تغيرت حاله حالتان:
إحداهما: أن يموت.
والثانية: أن يسترق.
فإن مات أو قتل: ففي ماله قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال, لاختصاصه بالأمان على ماله دون ورثته.
والثاني: يكون موروثًا عنه لورثته من أهلي الحرب دون أهل الذمة, لأن أهل الذمة
الجزء: 12 - الصفحة: 440
وأهل الحرب لا يتوارثون لارتفاع الموالاة بينهم, وإنما كان ماله باقيًا على ورثته, لأنهم يقومون فيه مقامه, فانتقل إليهم بحقوقه والأمان من حقوق المال فصار موروثًا كالمال, فإن مات الوارث انتقل إلي وارثه كذلك أبدًا.
وإن استرق مالك المال: فالاسترقاق يزيل الملك الكموت, ففي المال قولان:
أحدهما: يغنم فيئًا لبيت المال.
والثاني: يكون موقوفًا لا ينتقل إلي وارقه, لأنه حي, ولا إلي مسترقه لأنه مال له أمان, وروعيت حاله بعد الاسترقاق.
فإن عتق: دفع المال إليه بقديم ملكه.
وإن مات عبدًا: ففي ماله قولان: حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يكون مغنومًا لبيت المال فيئًا, ولا يكون موروثًا, لأن العبد لا يورث.
والثاني: يكون لورثته, لأنه ملكه في حريته, فانتقل إلي ورثته بحكم الحرية حتى جرى على بقاء ملكه حكم الحرية والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ارتد سكران فمات كان ماله فيئًا ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقًا, قال المزني: قلت: إن هذا دليل على طلاق السكران الذي لا يميزن أنه لا يجوز".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عتقه وطلاقه.
وقال أبو حنيفة: لا تصح ردته ولا إسلامه, وإن صح عتقه وطلاقه.
احتجاجًا: بأن الإسلام والكفر يتعلقان بالاعتقاد المختص بالقلب, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل 106].
وليس يصح من السكران اعتقاد يتعلق به كفر وإيمان, فاقتضى أن يكون باطلًا.
قال: ولأنه لا عقل له, فوجب أن لا تصح ردته ولا إسلامه كالمجنون.
ودليلنا: ما انعقد عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم, من تكليف السكران بما روي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الصحابة في حد الخمر, وقال: أرى الناس قد تهافتوا واستهانوا بحده فماذا ترون؟
فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أرى أن يحد ثمانين, لأنه إذا شرب سكر, وإذا سكر هذي, وإذا هذب افترى, فيحد حد المفري.
فوافقه عمر والصحابة رضي الله عنهم, على هذا, وحدوه حد المفتري ثمانين.
الجزء: 12 - الصفحة: 441
وجعلوا ما تلفظ به في السكر افتراء ما يتعلق به حد وتعزيز, وذلك من أحكام التكليف.
ولو كان غير مكلف لكان كلامه لغوًا وافتراؤه مطرحًا, وإذا صح تكليفه صح إسلامه وردته.
ولأن من صح عتقه وطلاقه, صحت ردته وإسلام كالصاحي, ولأن الردة والإسلام لفظ يتعلق به الفرقة فوجب ان يصح من السكران كالطلاق.
فأما الجواب عن استدلاله بأنه لا اعتقاد له: فهو أن يجري في أحكام التكليف مجرى من له اعتقاد وتمييز, ولذلك وقع طلاقه وظهاره, ولو عدم التميز ما وقعا كالمجنون.
وهو الجواب عن القياس.
فصل:
وإذا ثبت أن السكران في الردة والإسلام كالصاحي, كما هو في العتق والطلاق كالصاحي فكذلك في جميع الأحكام فيما له, وما عليه وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلي أنه تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه من الحقوق تغليظًا, ولا تجري عليه أحكام الصاحي فيما له من الحقوق, لأنه يصير تخفيفًا, والسكران مغلظ عليه غير مخفف عنه.
فعلى هذا تصلح منه الردة لأنها تغليظ, فأما الإسلام فإن كان بعد ردة لم يصح منه, لأنه تخفيف, وإن كان عن كفر يقر عليه كالذمي يصح منه؛ لأنه تغليظ.
وهذا خطأ, لأن السكران سلبه حكم التميز وجب أن يعم كالمجنون, وإن لم يسلبه حكم التميز وجب أن يعم كالصاحي, ولا يصح أن يكون مميزًا في بعض الأحكام وغير مميز في بعضها لتناقضه في المعقول, وفساده على الأصول.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا وارتد سكران, جرت عليه أحكام الردة من وجوب قتله وسقوط القود عن قاتله, وتحريم زوجاته, والحجر على أمواله, وإن مات كان ماله فيئًا غير موروث.
فأما استتابته من ردته فقد أمر الشافهي بتأخيرها إلي حال صحوه, فاختلف أصحابنا في تأخيرها هل هو على الإيجاب أو الاستحباب.
على وجهين بناء على اختلافهم هلى تجري عليه أحكام الصاحي فيما له كما تجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه؟
أحد الوجهين: وهو قول أبي إسحاق المروزي والظاهر من مذهب الشافعي أن تأخيرها استحباب, فإن استتابه في حال سكره صحت توبته, وإن قتله قاتل أقيد به, وإن مات كان ماله لورثته.
والثاني: أن تأخيرها إلي صحوه واجب, لأنه ربما اعترضه في الردة شبهة يستوضحها بعد إفاقته, فإن استتابه في سكره لم تصح توبته, وكان على أحكام الردة في سقوط القود عن قاتله وانتقال ماله إلي بيت المال فيئًا دون ورثته.
فأما المزني فإنه جعل تأخير توبته دليلًا على إبطال طلاقه, وغفل أن ثبوت ردته دليلًا على صحة طلاقه.
الجزء: 12 - الصفحة: 442
فصل:
وإذا ارتد عاقل ثم جن لم يستتب في جنونه, لأن المجنون لا يصح من استلام ولا ردة, ولم يقتل حتى يفيق من جنونه.
ولو جن بعد وجوب القصاص عليه: قتل قبل إفاقته.
والفرق بينهما حيث منع الجنون من قتل الردة ولم يمنع من قتل القود: أن له إسقاط قتل الردة عن نفس توبته بعد إفاقته فأخر إليها, وليس له إسقاط قتل القود عن نفسه بحال فلم يؤخر إلي إفاقته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد عليه شاهدان بالردة فأنكره قيل إن أقررت بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام يكشف عن غيره".
قال في الحاوي: إذا شهد شاهدان على رجل بالردة لم تسمع شهادتهما عليه مطلقة, حتى يصفا ما سمعاه من قوله الذي يصير به مرتدًا, وسواء كانا من أهل العلم أو لو يكونا من أهله, لاختلاف الناس فيه, كما لا تسمع شهادتهما بالجرح حتى يصفا ما يكون به مجروحًا.
فإذا ثبتت الشهادة سألناه ولم يعرض لقتله قيل سؤاله, لجاوز أن يكون قد تاب منها أو سيتوب فلو قتله قاتل قبل سؤاله عزر ولا قود عليه ولا دية, لثبوت ردته إلا أن يقيم وليه البينة أنه تاب من ردته فيحكم بإسلامخ, ويسأل القاتل, فإن علم بإسلامه, وجب عليه القود.
وإن لم يعلم بإسلامه, ففي وجوب القود وجهان:
أحدهما: لا قود عليه, وعليه الدية, لأن تقدم ردته شبهة.
والثاني: عليه القود, لأنه عمد قتل نفس محظورة.
وإذا كان باقيًا بعد الشهادة عليه بالردة وسئل عنها لم يخلو جوابه من اعتراف بها أو إنكار لها.
فإن اعترف بها استتبناه, فإن تاب وإلا قتلناه وإن أنكرها قيل له: إنكارك لها مع قيام البيئة بها تكذيب لشهود عدول, لا ترد شهادتهم بالتكذيب, وليس يلزمك الإقرار بها, ولك المخرج من شهادتهم بإظهار الإسلام.
فإذا أزهره: زالت عنه الردة وجرى عليه حكم الإسلام.
فقد شهد شهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول من المنافقين بكلمة الكفر, فأحضرهم وسألهم, فمنهم من اعترف وتاب, ومنهم من أنكر وأظهر الإسلام, فكف عن الفريقين, وأجرى على جميعهم حكم الإسلام.
فإذا أظهر المشهود عليه الإسلام على ما سنذكره قال الشافعي: لم يكشف عن
الجزء: 12 - الصفحة: 443
غيره, ويحتمل ذلك منه تأويلين:
أحدهما: لم يكشف عما شهد به الشهود من ردته.
والثاني: لم يكشف عن باطن معتقده, لأن ضمائر القلوب لا يؤاخذ بها إلا علام الغيوب.
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ارتاب برجل في الردة, فأظهر الإسلام, فقال له عمر: أظنك متعوذ به.
فقال يا أمير المؤمنين أما لي في الإسلام معاذ.
فقال له عمر: بلى إن لك في الإسلام لمعاذ.
فصل:
فأما توبة المرتد: فتتضمن ما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الردة قد رفعت عنه حكم الإسلام, فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال الشافعي: ويبرأ من كل دين خالف الإسلام, فذكر مع الشهادتين البراءة من كل دين خالف الإسلام, فأما الشهادتان: فواجبتان لا يصح إسلامه إلا بهما.
وأما التبري من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه شرط في إسلام كل كافر ومرتد كالشهادتين.
والثاني: أنه استحباب في إسلام كل كافر ومرتد كالاعتراف بالبعث والجزاء.
والثالث: وقد أفصح به الشافعي في كتاب الأم, أنه إن كان من عبدة الأوثان ومنكري النوبات كالأميين من العرب كان التبري من كل دين خالف الإسلام مستحبًا.
وإن كان من أهل كتاب يعترفون بالنبوات, أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث إلي قومه كان التبري من كل دين خالف الإسلام واجبًا لا يصح إسلامه لا بذكره.
فإذا ثبت ما ذكرنا من شروط الإسلام المعتبرة في توبة المرتد, نظر في ردته, فإن كانت بجحود الإسلام, صحت توبته بما ذكرنا من شروطه.
وإن كانت ردته بجحود عبادة من عباداته كالصلاة والصيام والزكاة والحج مع اعترافه بالشهادتين وصحة الإسلام, اعتبر في صحة توبته بعد شروط الإسلام الاعتراف بما جحده من الصلاة والصيام والزكاة, لأنه قد صار مرتدًا مع اعترافه بالشهادتين فلم تزل عنه الردة بهما حتى يعترف بما صار مرتدًا بجحوده, ولا يجزيه الاقتصار على الاعتراف بما جحده عن إعادة الشهادتين.
لأنه قد جرى عليه حكم الكفر بالردة, فلزمه إعادة الشهادتين ليزول بهما حكم الكفر, ولزمه الاعتراف بما جحده ليزول به حكم الردة.
وهكذا لو صار مرتدًا باستحلال الزنى واستباحة الخمر, كان من صحة توبته الاعتراف بتحريم الزنى وحظر الخمر.
ولكن لو صار مرتدًا بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان الاعتراف بنوبته في الشهادتين مقنًعا في
الجزء: 12 - الصفحة: 444
صحة توبته, ولا يفتقر إلي الاعتراف بحظر سبه, لأن في الاعتراف بنوبته اعترفًا بحظر سبه.
فصل:
فأما المكره على الكفر والردة بالقتل, فموسع له بين الإمساك عن كلمة الكفر والصبر على القتل وبين التلفظ بكلمة الكفر استدفاعًا للقتل.
فقد أكرهت قريش بمكة عمار بن ياسر وأبويه على الكفر, فامتنع منه أبواه فقتلا, وتلفظ عمار بالكفر فأطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذر عمارًا وترحم على أبويه.
وقيل: إنه نزل فيه: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل 106].
فإن قيل: فأي الأمرين أولى به؟
قيل: يختلف باختلاف حال المكره.
فإن كان ممن يرجى منه النكاية في العدو أو القيام بأحكام الشرع, فالأولى به أن يستدفع القتل بإظهار كلمة الكفر, وإن كان ممن يعتريه من ضعف بصيرته في الدين, أو يمتنع به من أراد الإسلام من المشركين, فالأولى به الصبر على القتل والامتناع من إظهار كلمة الكفر, وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن في الجنة لقصرًا لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو محكم في نفسه".
فقيل: إن المحكم هو الذي يخير بين الكفر والقتل, فيختار القتل على الكفر, فإن تلفظ بكلمة الكفر, فله في التلفظ بها ثلاثة أحوال:
إحداهن: أن يتلفظ بلسانه وهو معتقد للإيمان بقلبه, فهو على إسلامه, وليس لتلفظه حكم إلا استدفاع القتل, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [النحل 106] أي يسقط حكم الإكراه بالاعتقاد.
والثالثة: أن يتلفظ بلسانه مطلقًا من غير أن يقترن به اعتقاد إيمان ولا كفر, ففيه وجهان:
أحدهما: يكون على إسلامه, لأن ما حدث من الإكراه معفو عنه.
والثاني: أن يكون مرتدًا حتى يدفع حكم لفظه بمعتقده, لأنه لا عذر له في تركه.
وهكذا المكره على الطلاق, تعتبر فيه هذه الأحوال الثلاث في لفظه ومتعقده.
فصل:
وإذا تلفظ مسلم بكلمة الكفر, فإن كان في دار الإسلام حكم بردته, إلا أن يعلم أنه قالها مكرهًا, وإن كان في دار الحرب لم يحكم بردته إلا أن يعلم أنه قالها مختارًا؛ لأن الظاهر منها في دار الإسلام وهو يخاف الكفر ويأمن الإسلام, أنه قالها عياذًا واعتقادًا.
والظاهر منها في دار الحرب وهو يخاف الإسلام ويأمن الكفر أنه قالها تقية واستدفاعًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 445
وعلى هذا: لو أظهرها ومات فادعى ورثته أنه كان مكرهًا عليها فلهم ميراثه.
فإن كان في دار الحرب القول قولهم مع إيمانهم, أنه كان مكرهًا عليها لأنه الظاهر من حاله ولهم ميراثه.
وإن كان في دار الإسلام لم تقبل دعواهم وحكم وكان ماله فيئًا, لأنه الظاهر من حاله.
فصل:
وإذا شرب الخمر وأكل الخنزير لم يصر بذلك مرتدًا, سواء كان ذلك منه في دار الإسلام أو في دار الحرب.
لأنه لا يصير مرتدًا إلا باستحلاله دون أكله, فيسأل عنه إذا أكله في دار الحرب, ولا يسأل عنه إذا أكله في دار الإسلام لنه أكله في دار الحرب أقرب إلي استحلاله من أكله في دار الإسلام.
فلو مات قبل سؤاله, فقال بعض ورثته: أكله مستحلًا, فهو كافر.
وقال بعضهم: أكله غير مستحل, فهو مسلم, فلمن أقر بأنه أكله غير مستحل ميراثه من استصحابًا لإسلامه فأما ميراث من أقر بأنه أكل مستحلًا ففيه قولان:
أحدهما: نص عليه في كتاب الأم, أنه يكون موقوفًا حتى يكشف عن حاله, لا يقط ميراثه منه, لأنه مقر على غيره.
والثاني: حكاه الربيع وختاره المزني أنه يسقط ميراثه منه, ولو يوقف على الكشف, لأنه مقر على غيره بالكفر, وعلى نفسه بسقوط الإرث, فنفذ إقراره على نفسه وإن لم ينفذ على غيره.
فصل:
فإذا صلى المرتد قبل ظهور توبته: قال الشافعي في كتاب الأم: إن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه, وإن صار في دار الحرب حكم بإسلامه وفرق أصحابنا بينهم من وجهين:
أحدهما: إن الظاهر من فعلها في دار الإسلام التقية, وفي دار الحرب الاعتقاد.
والثاني: أنه يقدر في دار الإسلام على الشهادتين, فلم يصر ملسمًا بالصلاة, ولا يقدر في دار الحرب على الشهادتين فصار مسلمًا بالصلاة وفي هذا نظر لأنه لو صارت الصلاة إسلامًا للمرتد, لصارت إسلامًا للحربي.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وما جرح أو أفسد في ردته أخذ به".
الجزء: 12 - الصفحة: 446
قال في الحاوي: لا يخلو ما أتلفه المرتد على المسلمين في حال ردته من أن يكون منفردًا أو في جماعة.
فإن كان مفردًا أو في جماعة لا يمتنع بهم فحكمه حكم المنفرد, عليه أحكامه وضمان ما أتلفه عليهم من نفس ومال لأن إسلامه قد أوجب عليه التزام أحكامه, وهو يضمنها قبل الردة, فلم يسقط عنه ضمانها بالردة, لأنها زادته تغليظًا لا تخفيفًا.
وإن كان في جماعة ممتنعة عن الإمام ولم يصل إليهم إلا بالقتال, فما أتلفوه في غير القتال ضمنوه, وما أتلفوه في القتل ففي ضمان أهلي البغي قولان:
فأما أهل الردة فقد اختلف أصحابنا فيهم:
فذهب أبو حامد الإسفراييني وأكثر البغداديين إلي أن في وجوب ضمانهم قولان كأهل البغي:
أحدهما: يضمنون كما يضمن المحاربون في قطع الطريق.
والثاني: لا يضمنون كما لا يضمن المشركون.
وذهب أبو حامد المروزي وأكثر البصريين إلي أنهم يضمنون قولًا واحدًا, وإن كان في ضمان أهلى البغي قولان, للفرق بينهما: بأن لأهل البغي إمامًا تنفذ أحكامه, وليس لأهل الردة إمام ينفذ له حكم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن جرح مرتدًا ثم جرح مسلمًا فمات فعلى من جرحه مسلمًا نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذه مسألة مضت في كتاب الجنايات.
وذكرنا أنه إذا جرحه مسلم في حال ردته ثم أسلم فجرحه آخر بعد إسلامه ومات فجرحه في الردة هدر لا يضمنه الجارح بقود ولا دية.
وجرحه في حال إسلامه مضمون بالدية دون القود, فيجب على الجارح نصف الدية, لأنه قد صار أحد القاتلين.
فلو عاد الأول فجرحه مع الثاني جرحًا ثانيًا, وجب على الثاني نصف الدية, وعلى الأول ربعها, لأن نصف فعله هدر والله أعلم.
تم الجزء الثاني عشر
ويليه إن شاء الله الجزء الثالث عشر
وأوله: كتاب الحدود
الجزء: 12 - الصفحة: 447
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف العلامة القاضي فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثالث عشر
يحتوي على الكتب التالية: الحدود - السّرقة - قُطّاع الطريّق - الأشربة - السير - الجزية دار الكتب العلمية DKI
الجزء: 13 - الصفحة: 1