كتاب النفقات
باب وجوب النفقة للزوجة من كتاب النفقة
قال: قال الله تعالى: ?ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا? [النساء: 3]، أي لا يكثر من تعولون.
الأصل في نفقة الزوجات الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله: ?فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا [النساء: 3] فلولا أن النفقة واجبة عليه لهن ما ندبه إلى واحدة حذراً من المؤنة.
وأيضا قوله تعالى: ?وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، وقوله تعالى: ?لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7]، قُدِرَ [طه: 40] أي ضيق.
وأما السنة فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ق 177 ب] فقال: يا رسول الله معي دينار فقال: أنفقه على نفسك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على ولدك، فقال: معي آخر فقال: أنفقه على أهلك فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك فقال: معي آخر، فقال: أنت أعلم به، وروي: أنفقه في سبيل الله.
وروي أنه قال: «أنت أبصر» وروي أنه قدم الأهل، ثم قال: «أنفقه على ولدك» والرواية الأولى أصح.
وقال سعيد بن أبي سعيد المقبري: كان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يقول: ولدك، يقول: أنفق علي إلى أن تكلني، ويقول زوجك: أنفق علي أو طلقني، ويقول خادمك: أ، فق علي أو بعني، وكان يقول: هذا من كيسي فذكر فيه جميع الجهات التي يستحق بها النفقة وهي الزوجة والقرابة والملك ولكن النفقة تجب في النكاح من جانب واحد فإنه يجب نفقتها على الزوج ولا تجب نفقته عليها وكذلك في الملك تجب للمملوك على المالك ولا تجب للمالك على المملوك وفي القرابة يتصور من الجانبين على البدل فإنها تجب للابن على الأب، وللأب على الابن.
وأيضاً ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت هند أم معاوية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما
الجزء: 11 - الصفحة: 440
أخذت منه سرًا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك من شيء فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فدل هذا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وفي هذا الخبر فوائد:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها لحاجة وتستفتي العلماء فيما يعرض لها.
والثالث: أن صوتها ليس بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع كلامها [ث 178 أ] وأجابها.
والرابع: أن للإنسان أن يذكر ما في غيره من عيب عند الحاجة فإنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ينكر عيبها.
والخامس: أن للحاكم أن يحكم بعلمه فإنه لم يطالبها بالبينة ومن قال: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه قال: هذا ذكر على سبيل الفتوى لا على الحكم.
والسادس: أنه قضى على الغائب وعندما يجوز ذلك خلافًا لأبي حنيفة وقيل: وهو الأشبه هذا لم يكن قصًا بل كان فتوى لأنه لم ينقل أن أبا سفيان كان غائبًا عن البلد ولم يسبق الدعوى وإقامة الحجة.
والسابع: أنه يجوز لمن له حق على غيره فمنعه من أن يأخذ من ماله بغير علمه.
والثامن: انه يجوز أن يأخذ من جنس حقه ومن غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل ذلك عليها.
والتاسع: أن النفقة لها ولولدها تنفق بالمعروف.
والعاشر: أن نفقة الولد على الأب دون الأم.
والحادي عشر: أن الأم الرشيدة قيمة ولدها.
وقد اختلف أصحابنا في هذا وظاهر المذهب أنها لا تلي ذلك من غير تولية ولكن الأصح ما ذكره الإمام الجويني صاحب المنهاج وأنا أفتي به لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هندًا بأن تأخذ من مال أبي سفيان وتنفق على صغار ولدها منه.
فإن قيل: من جعل الأم قيمًا يجعلها فيما بعد موت الأب فكيف يحتج بخبر هند وأبو سفيان، يومئذٍ حي، قيل: إذا أجاز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ عند امتناع أبي سفيان وشحة ماله وتنفق وتقوم بمصلحة الأولاد التي لا يقوم بها أبوهم [ق 178 ب] استنبطنا من ذلك جواز قيامها بعد وفاة الأب.
فإن قيل: إنما جاز لهند القيام بنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها لا بمعنى الأمومة.
قلنا: الظاهر من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قصد الفتوى على ما ذكرنا.
وأيضًا روي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه، قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المبيت فدل على وجوب النفقة والكسوة لها، وفي قوله: ولا تضرب الوجه دليل على
الجزء: 11 - الصفحة: 441
جواز ضربها على غير الوجه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه نهيًا عامًا في الآدمي والبهيمة، وقوله: ولا تقبح معناه لا يسمعها المكروه ولا تشتمها بأن تقول: قبحك الله ونحو ذلك.
وقوله: ولا تهجر إلا في المبيت أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحول إلى دار أخرى.
وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفي بالمرء إنما أن يضيع من يعول".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وفيه ضرب من العبرة وهو أن المرأة محبوسة عن الزوج بمنعها من التصرف والأسباب فلا بد من أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن خبر أي سريره دليل على أن نفقة الرجل على نفسه مقدمة على نفقة زوجته وولده وخادمه، وأن نفقة ولده مقدمة على نفقة زوجته، وأن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الخادم في ظاهر الخبر إشكال [ق 179 أ] وهو أن يوهم أنه إذا أنفق على نفسه دينارًا لزمه أن ينفق بما فضل عن الدينار على زوجته وليس كذلك بل إذا ملك دنانير ونفقته تستغرقها لم يلزمه نفقة ولده، والقص من سؤال القائل وجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم مراتب النفقات لا مقاديرها.
ثم اعلم أن إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي اعترض على الشافعي فقال ما قاله من التفسير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] غلط ومعناه أي لا تجوروا بترك القسم بينهن والميل إلى بعضهن.
والدليل عليه قول الشاعر:
وميزان قسط لا يحيف شعيرة ووزان عدل وزنه غير مائل
يعنى: غير جائز، قلنا: الغلط ما قلت يقال عال يعول إذا فات.
وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" يريد بمن يموت.
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ ذلك: أدنى ألا تعولوا أي لا يكثر من تعولون.
وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: عال يعول.
معناه: كثر عياله وأعال إذا كثر عياله وأعال في كلامهم أكثر.
وروي عن زيد بن أسلم مولى عمر رضي الله عنه أنه فسره بذلك فاتبع الشافعي فيه الأثر، وروي عن ثعلب مثل ما ذكرنا عن الكسائي.
مسألة:
قَالَ: "أَنْ يَقْتَصِرَ الرَّجُلُ عَلَى وَاحِدَةٍ".
الجزء: 11 - الصفحة: 442
الفصل:
إنما استحب الشافعي الاقتصار على امرأة واحدة ليكون أسلم لدينه وأبعد من الغرور فربما يقع فيما لا يمكن القيام بواجبه من النفقة والكسوة والقسم.
وقال ابن داود، وطائفة من أهل الظاهر الأولى [ق 179 ب] أن يستكمل نكاح الأربع إذا قدر على القيام بها ولا يقتصر على واحدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة، وقال صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا" وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصومًا من الميل والجور، وتضييع الحقوق بخلاف الأمة.
وأما قوله: "تناكحوا تكاثروا" إنما ندب على الاستكثار من النسل وذلك لا يتعلق بكثرة النساء، فقد يولد للرجل من المرأة الواحدة عدة أولاد ولا يولد من النسوة مثل ذلك.
وقال صاحب "الحاوي" أولى المذهبين عندي اعتبار حال الزوج، فإن كان ممن لا تقنعه الواحدة لقوة شهوته وكثرة جماعه فالأولى أن ينتهي إلى العدد المقنع من اثنتين أو ثلاثة أو أربع ليكون أغض لطرفه وأعف لفرجه إن كان يقنعه الواحدة فالأولى أن لا يزيد عليها وهذا حسن.
مسألة:
قَالَ: "وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا غِنَى بامْرَأَتِهِ عَنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَخِدْمَةٍ".
الفصل:
جملته أن على الرجل نفقة امرأته وكسوتها على ما يجيء بيانه فيما بعد إن شاء الله.
وأما الخادم فإن كان مثلها مخدومه في العادة لفضلها وجلالتها فعليه إخدامها، وإن كان مثلها لا يخدم لخساسها وضعه نسبها فليس عليه إخدامها بل يخدم نفسها والمرجع في هذا إلى العرف والعادة ولا يعتبر ما ترتب المرأة نفسها به، فإن كانت دنية فكبرت لم يجب عليه إخدامها، وإن كانت جليلة فتواضعت وخدمت نفسها لم يسقط إخدامها متى طلبته، فإن مرضت أو زمنت واحتاجت إلى من يخدمها وجب عليه إخدامها دنية كانت أو جليلة كما إذا كان له ابن صغير يلزمه نفقته، وأن يخدمه خادمًا، وقيل: يعتبر من كون المرأة مخدومة عرف الشرع وعرف البلد [ق 180 أ] فإن عادة أهل مصر الاستخدام وعادة أهل السواد أن يخدموا ولا يستخدموا.
وقال داود: لا يجب إخدامها لما روي أن فاطمة رضي الله عنها طلب من علي رضي الله عنه جارية فقال لها: اطلبي من أبيك صلى الله عليه وسلم فطلبت فلم يعطيها، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وهذا من المعروف، ولأن الخدمة من جملة
الجزء: 11 - الصفحة: 443
كفايتها فأشبه الإدام.
وأما خبر فاطمة رضي الله عنها، قلنا كان زوجها في ذلك الوقت معسرًا وإنما يجب ذلك على الموسر.
واعلم أن الشافعي قبل إيجاب الخدمة ونفقتها وكسوتها بحالة زمانة الزوجة ومرضها، فقال: وخدمة في الحال التي لا تقدر على ما لإصلاح بدنها من زمانة ومرض إلا به، فأوهم أن الزوجة إذا كانت صحيحة البدن ليست بها زمانة ولا مرض فليس على الزوج أن يعطيها نفقة الخادمة.
ثم قال المزني: قال الشافعي في كتاب عشرة النساء أن يكون عليه لخادمها نفقة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، وقال في كتاب العشرة أيضًا: إذا لم يكن لها خادم فلا يتبين أن يعطيها خادمًا ولكن يجبر على من يصنع لها الطعام الذي لا تصنعه هي ويدخل عليها ما لا تخرج لإدخاله من الماء وما يصلحها وما يجاوز به ذلك.
ثم قال: قد أوجب لها في موضع من هذا الكتاب نفقة خادم، وقال في كتاب النكاح: إملاءً على مسائل مالك والمجموعة، وقاله في كتاب النفقة، وهو أولى بقوله لأنه لم يختلف قوله أن عليه أن يزكي عن خادمتها فكذلك ينفق عليها، ومما يؤكد ذلك ولو أراد أن تخرج عنها أكثر من واحدة أخرجهم فتوهم المزني أن للشافعي قولين في وجوب نفقة الخادمة واختار لنفسه الإيجاب على أصل الشافعي.
واحتج بزكاة الفطر كما ترى فقال للمزني بهذا الجواب [ق 180 ب] يزول الإشكال والوهم، وأن نفقة الخادم واجبة إذا كانت مخدومة في عشيرتها ولهذا أوجب زكاة الفطر عنها على الزوج، وقد علمت أنها المزني أن زكاة الفطر تابعة للنفقة فلو اختلف قوله في وجوب نفقتها لاختلف قوله في وجوب زكاة الفطر عنها، وقد ذكرت أن قوله لم يختلف في وجوب زكاة الفطر عنها فكيف توهمت اختلاف قوله في وجوب نفقتها.
وأما تقييد الشافعي في كلامه بالمرض والزمان يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه نص على أظهر الحالين من وجوب نفقة الخادم في حال صحة الزوجة وكثيرًا بنص الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين.
والثاني: أنها إذا كانت مريضة أو زمنة يحتاج إلى زيادة الخدمة ويستغني عن ذلك في زمان الصحة فأراد أن يبين وجوب المونة على الزوج في الخدمة لأنا، إن كنا لا نوجب على الزوج أجر طبيب ولا حجام فإنا نوجب عليه النفقة المعتادة في حالتي المرض والصحة أو قيل بحالة المرض تسوية بين المعسر والموسر، فإن امرأة المعسر في حالة المرض يستحق الخادمة أيضًا.
وأما قوله في كتاب عشرة النساء: "يحتمل أن يكون عليه لخادمها نفقة فليس في ذلك تعليق القول.
وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول وكذلك قال في
الجزء: 11 - الصفحة: 444
مسائل كثيرة: ولا يتبين لي كذا وكذا ولم يقصد به القولين في المسألة، وقيل: أراد ويحتمل الكتاب والسنة أن يكون فيها دليل على وجوبها وإنما قال الشافعي عليه نفقة خادمها، إذا كانت مثلها تخدم والذي قال: لا نفقة عليها لخادمها أراد إذا كانت لا يخدم مثلها وزكاة الفطر على هذا أيضًا ولا فرق بينهما.
فرع:
كل موضع أوجبنا لها الإخدام [ق 181 أ] لا يزاد على خادم واحد لأن فيه كفاية في خدمة نفسها ولا تجب على الزوج إقامة من يحفظ مالها ويقوم بحملها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: إذا كانت ممن يخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر وجب لها لأنها تحتاج إلى ذلك وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف والمعروف خادم واحد، ولأن الزيادة على الواحد ما يحتاج إليه لمالها فلا يلزمه القيام به ولهذا لا يلزمه زكاة مالها ويلزمه زكاة بدنها ولا يفتقر هذا الحكم بفقر الزوج وغنائه إلا إذا كان فقيرًا ينفق نفقة المعسرين عليها وعلى خادمها.
فرع آخر:
قال أبو إسحاق: الزوج بالخيار بين أربعة أشياء: إما أن يشتري لها خادمًا ينفق عليه ويزكي عنه، أو يستأجر لها خادمًا ينفق عليه ولا يزكي عنه، أو يكون لها خادم، وقد رضيت خدمته وهي تريده فيلزم الزوج أن ينفق عليه ويزكي عنه، أو يخدمها بنفسه.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار من ثلاثة أشياء وهي ما ذكرناها أولًا فأما إذا أراد أن يخدمها بنفسه فإن رضيت فله ذلك، وإن كرهت خدمته وجب عليه أن يخدمها بغيره؛ لأن العادة أن المرأة تحتشم استخدام زوجها فتكون ضرر عليها، والأول أصح ولا يلزمه أن يملكها خادمًا بلا خلاف.
وقال القفال إذا قال: أخدمك بنفسي وأقوم بما لا تصنعين من كنس البيت وغسل الثياب واستبقاء البيت وغير ذلك فله ذلك إلا في أمور تحتشم من استخدامه مثل حمل الماء إلى المستحم وصب الماء على اليد للغسيل ونحو ذلك مما يرجع إلى خدمة نفسها فلها الامتناع لأنها تستحي من استخدامه في مثل ذلك، وهذا حسن لم يقله غيره.
فرع آخر:
لو قالت: أنا أخدم نفسي فأعطني أجرة الخادم لم يلزمه ذلك لأنها إذا لم تختر أن تترفه بخدمة غيرها ورضيت بتحمل المشقة سقط حقها [ق 181 ب] ولم تستحق العوض كما تقول في العامل في مال المضاربة له أن يبدل الأجرة للحمال والثقال والمنادي ولا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فإن رضي يتحمل المشقة وعمل ذلك بنفسه لم يجز له أن يأخذ من المال أجرته كذلك ههنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 445
فرع آخر:
ينبغي أن يخدمها في جوف دارها النساء أو محرمها أو صبي لم يحتلم، وأما الشيخ الهم ومملوكها وجهان بناء على الوجهين في عورتها معهما.
فرع آخر:
لو أراد أن يستخدم لها من خالف دينها من اليهود والنصارى فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز لحصول الخدمة بهم ولأنهم ربما كانوا أذل نفوسًا وأسرع في الخدمة، وقال غيره: لا يجوز، لأن النفوس ربما تعاف استخدامهم وربما لم يؤمنوا العداوة الذين، ولو قيل: يجوز أن يقوموا بالخدمة الخارجة دون الداخلة كان وجهًا.
فرع آخر:
لو اختارت امرأة لخدمتها واختار الزوج غيرها فيه وجهان:
أحدهما: الخيار لها، لأن الخدمة حق لها وربما كانت التي تطلبها أقوم بخدمتها.
والثاني: الخيار إلى الزوج لأن عليه الإخدام فلا يتعين عليه الجهة نفقتها ولأنه قد يتهم من تختاره المرأة فكان الاختيار إليه.
فرع آخر:
لو كانت عندهم خادمة حرة أو مملوكة لها فأراد الزوج إخراجها وإبدالها بغيرها فليس له ذلك إذا لم يكن بها عيب أو ظهرت بها خيانة توجب ذلك لأنا لو ملكناه من ذلك فكلما ألفت خادمًا واعتادت خدمتها أبدلها فيلحقها ضرر فيه، ولو كان لها غلام له أن يخرج عنها أكثر من واحدة فيقول: لا أدعهن في بيتي وكذلك لو كان لها مال في بيته له أن يكلفها إخراجه من بيته بغير أمره فله أن يكلفها إخراجه من بيته، ذكره القفال وهو حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَيُنْفِقُ المُكَاتَبُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ".
[ق 182 أ] صورة المسألة أن يشتري لها كانت جارية للتجارة، وقلنا له: أيطأها لأنه ليس له أن يطأ الأمة تملك اليمين أذن السيد أو لم يأذن في أصح القولين فخالف ووطئها وأولدها لا يجب الحدّ عليه لشبهة الملك ويلحق به النسب ويكون الولد مملوكًا له فيلزمه أن ينفق عليه معنيين:
أحدهما: أنه مملوك له ويلزمه أن ينفق على مماليكه الذين اشتراهم كذلك على هذا.
الجزء: 11 - الصفحة: 446
والثاني: أنه ليس له الإنفاق عليه تعزيرها في يده من المال لأنه لا يخلو إما أن يعتق أو يرق، فإن عتق المال الذي في يده له، وقد أنفق منه على ولده، وإن عجز ورق فهو وولده مملوكًا للسيد وما في يده من المال ملك السيد فكأنه أنفق من مال السيد على عبيده فلم يكن فيه تعزي ربه.
فرع:
لو وهب للكاتب أبوه أو ابنه وهما كسوبان فله أن يقبل، فإن كان زمنًا أو غير كسوب أو الولد صغيرًا فليس له أن يقبل فإن اتهب ابنه الكسوب فمرض فعليه أن ينفق من مال الكتابة كما لو مرض المكاتب بنفسه أنفق على نفسه من ذلك.
ذكره القفال.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مُكَاتَبَةٍ وَلَيْسَ كِتَابُهُمَا وَاحِدَةً وَلَا مَوْلَاهُمَا وَاحِدًا وَوَلَدَ لَهُ فِي الكِتَابَةِ أَوْلَادٌ فَنَفَقَتَهُمْ عَلَى الأُمِّ".
الفصل:
جملة هذا أن المكاتب يلزمه أنه ينفق على ولده من أمته على ما ذكرنا، فأما ولده من زوجته فلا يلزمه أن ينفق عليه سواء كان من الحرة أو الأمة أو من المكاتبة وإنما قلنا إنه لا ينفق على ولده من امرأته الحرة، لأن الولد حر فلو أوجبنا عليه الإنفاق كان ذلك نفقة الأقارب وذلك يجب على طريق المواساة وليس المكاتب من أهل المواساة وأيضًا فإنها تجب على المؤسر والمكاتب معسر لأن ما في يده من المال يتعلق به [ق 182 ب] حق السيد حتى يؤدي على ما عليه ويعتق، وأما ولده من امرأته فلا يلزمه أن ينفق عليه لهذين المعنيين، وأيضًا فإن ولده منهما مملوك لغيره إن عجز كان المال للسيد فيكون قد أنفق منه على غير مملوكه والمكاتب ممنوع من التعزير بالمال.
فإن قيل: أليس فيه أن ينفق على زوجته مما في يده فما الفرق قيل: الفرق أن نفقة الزوجة طريقها المعاوضة والمكاتب في المعاوضة كالحر وليس كذلك نفقة الولد لأنها مواساة وليس المكاتب من أهل المواساة مما في يده.
فإذا تقرر أن المكاتب لا ينفق عليه فإن كان ولد حرة وجب على الأم أن تنفق عليه لأن الأب إذا لم يتحملها وجب على الأم تحملها، وإن كانت أمة مملوكة لغير سيده فنفقته على سيد الأمة لأنه مملوك له، وإن كانت أمة مكاتبة لغير السيد فيه قولان:
أحدهما: أنه مملوك للسيد فيلزمه أن ينفق عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 447
والثاني: أنه موقوف على عتق الأم ورقها فعلى هذا هل تجب النفقة على السيد أو المكاتبة قولان:
أحدهما: تجب على السيد لأنه لما لزمه أن ينفق على ولد أم ولده فكذلك يلزمه على ولد مكاتبته.
والثاني: يجب على المكاتبة لأن نفقة نفسها لما وجبت عليها فكذلك نفقة ولدها وليس كذلك أم الولد، قال نفقتها على سيدها فكذلك تنفقه ولدها وهذا أصح، وإن كانت أمة مملوكة لسيده لا يلزمه أن ينفق عليه لما ذكرنا فإن أحب أن ينفق عليه كان له لأنه ليس فيه تعزير بما في يده من المال لأنه إن عجز رق وكان المال لسيده وهو وولده مملوكان له فيكون قد أنفق من ماله [ق 183 أ] على مملوكه، وإن عتق يكون المال له فكأنه أنفق على ولده الحر من مال نفسه ولهذا اشترط الشافعي أن لا يكون مولاهما واحد فإنه لا يجوز الإنفاق عليه هناك كما لا يجب وههنا يجوز، وإن لم يجب.
وأما قوله: وليس كتابتهما واحدة إنما ذكر لأن كتابة عبد ربه في عقدة واحدة فوجب بلأن العقدين، وإذا كانت الكتابة فاسدة فلا يكون الولد تابعًا فيها فأراد أن يعبر عن الكتابة الصحيحة، وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه قال: إذا كانت كتابتهما واحدة ومولاهما واحد ملزم النفقة على الأب، ولم يذكر الشافعي هذا على وجه الشرط على مذهبه، وهذا لأن الولد تبع الأم في الحرية والرق سواء كانت الكتابة واحدة أو لم تكن الكتابة واحدة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى العَبْدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ".
العبد القن أضعف حالًا من المكاتب وقد ثبت أن المكاتب لا يلزمه نفقة ولده من امرأته فالعبد أولى وحكم نفقة الولد على من تجب على ما ذكرنا إذا كانت المرأة حرة أو أمة للغير.
باب قدر النفقة
مسألة:
قَالَ: "النَّفَقَةُ نَفَقَتَانِ نَفَقَةُ المُوسِعِ وَنَفَقَةُ المُقْتِرِ".
الفصل:
نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج، فإن كان موسرًا لزمه نفقة الموسرين سواء كانت المرأة موسرة أو مقترة، وإن كانت مقترًا لزمته نفقة المعسرين سواء كانت المرأة موسرة أو
الجزء: 11 - الصفحة: 448
معسرة لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فاعتبر حال الزوج وخالف بين نفقته موسرًا أو معسرًا.
فإذا تقرر هذا فإن كان الزوج معسرًا فنفقتها مد، وإن كان متوسطًا فنفقتها مد ونصف، وإن كان موسرًا فنفقتها مدان، وإنما قلنا هكذا لأن المد أقل ما يجب في الكفارات والمدان أكثر ما يجب وهو في فدية الأذى وجعلنا المتوسط بينهما فزدنا على ما يجب على المعسر ونقصنا مما يجب على الموسر، وقول الشافعي: والنفقة نفقتان أراد به ما ثبت بالنص وهو نفقة الموسر والمعسر.
فأما نفقة المتوسط ثبتت بالاجتهاد، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تتقدر النفقة هكذا بل يلزم كفايتها وللحاكم أن يزيد على المدين وينقص على المد على حسب زيادتها وزعتها في الأهل وله التسوية بين الغني والفقير.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] والمعروف: الكفاية ولأنه سوّى بين النفقة والكسوة، ثم الكسوة تعتبر بحالها فكذلك النفقة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية.
وأما ما ذكر لا يصح لأن المعروف مجمل وفسره في ......
وأما الكسوة فلا يقع فيها التنازع والتفاوت بخلاف النفقة فيعتذر لقطع التنازع، وقال أحمد: تعتبر بحال الزوجين فعلى الموسر للفقيرة نفقة متوسط.
وأما جنس النفقة فيعتبر بغالب قوت البلد، فإن كان بخراسان أو بالعراق فمن البر وإن كان بطبرستان فمن الأرز، وإن كان بالمدينة وحواليها فمن التمرد وهو كما قلنا في زكاة الفطر والكفارات يعتبر فيها غالب قوت البلد.
ومن أصحابنا من قال: بغير قوته كما يعتبر مقدارها بحاله، وهذا غلط، لن الكفارة وزكاة الفطر [ق 184 أ] تعتبر بحال المكفر والمزكي أصلهما ويعتبر جنسهما بغالب قوت البلد كذلك ههنا، فإذا ثبت هذا فالواجب أن يدفع إليها الحب نفسه، لأن ذلك سيئ على الكفارة في المقدار والجنس فكذلك يبني عليها في وجوب تمليك الحب، فإذا أرادت المرأة قيمة الحب، واجتمع الرجل أو أراد الرجل القيمة وامتنعت المرأة لم يجبر الممتنع منهما عليه، وإن تراضيا جميعًا على قيمة الحب فهل يجوز وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الذي وجب في ذمة الطعام، ومن كان له طعام في ذمة غيره لم يجز له أن يأخذ قيمته لأنه يكون مع الطعام قبل القبض ألا ترى أنه لو كان له في ذمته طعام من سلم فتراضيا على أخذ قيمته لم يجز لما ذكرنا، ولأن النفقة كالكفارة، وقد تقرر في الكفارة أنه لا يجوز إخراج قيمة الحب فكذلك ههنا.
والثاني: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وهو المذهب؛ لأن النفقة إنما وجبت في ذمته على طرق الرفق فجاز أخذ قيمته بالتراضي كما لو كان عليه الطعام من جهة القرض ولأن الطعام إذا وجب مستقرًا في الذمة جاز قيمته مثل القرض والميراث، وإذا لم
الجزء: 11 - الصفحة: 449
يكن مستقرًا لا يجوز مثل البيع والمسلم فيه، فإن البيع يجوز أن يتلف قبل القبض فينفسخ البيع ويجوز أن يتقطع المسلم فيه فينفسخ السلم ويسقط الطعام من الذمة وههنا الطعام مستقر في الذمة والمستحق آدمي معين فجاز أخذ العوض عنه ولا يشبه هذا الكفارة لأن الفقير الذي يستحقه غير معين وهو حق الله تعالى فلا يعمل فيه بالتراضي بينهما.
وأما إذا خلف الدقيق أو الخبز عوضًا عن الواجب لها، قال بعض أصحابنا: لا نص فيه والقياس أنه لا يجوز ذلك [ق 184 ب] لأنه يكون بيع الحنطة بجنسها متفاضلًا، وهذا صحيح عندي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فظاهر المذهب جوازه، وهو غلط.
وأما نفقة الخادم، فإن كان موسرًا فنفقته مد وثلث ثلثا نفقة الزوجة، وإن كان معسرًا أو متوسطًا فنفقته مد وإنما لم يزد على مد عند التوسط لأنه لم يوجد سعة كاملة يوجب للخادم زيادة.
وذكر بعض أصحابنا أنها على المتوسط مد وثلث.
وهو غلط لا تحكى.
فإن قيل: فقد سويتم بين امرأة المعسر وبين خادمتها فأوجبتم لكل واحد منهما مدًا واحدًا قلنا: القياس يقتضي أن يكون للخادمة عند إعساره ثلاثًا مد كما قلنا لامرأة المتوسط مد ونصف وللخادم مد واحد وهو ثلثا ما جعلناه للمرأة إلا أن المد الواحد لا يحتمل التبعيض لأنه أقل ما يقوم به البدن فكلمناه وهذا كما قلنا القياس أن تكون عدة الأمة بقرء ونصف إلا أن القرء الواحد لا يحتمل التنقيص فكملناه قرءين.
فإن قيل: فمن أين أخذتم تقدير نفقة الخادم بمدٍّ وثلث عند يساره ونفقة المرأة بمدين قيل: إنما أخذه الشافعي من الميراث وهو أن للأب على الأم فضل في الميراث كما للزوجة ههنا على الخادم فضل في النفقة، ثم هناك حالتان حالة النقصان وهو إذا كان للميت ابن وحالة التفضيل وهو إذا لم يرثه إلا أبوه ففي حالة النقصان استوى الأبوان فلكل واحد منهما السدس، وفي حالة السعة والزيادة يزيد على هذا السدس مثلًا ما زيد للأم فإنه بلغ نصيب الأب الثلثين ونصب الأم الثلث فكذلك ههنا زيد للمرأة في حال الكمال مد على ما كان في حال النقصان وزيد للخادم وثلث مد وعند [ق 185 أ] الإعسار استويا كما استوى الأبوان هناك في السدس.
ومن أصحابنا من قال: أخذ نفقة الموسر من نفقة المتوسط لأن هناك للمرأة مدًا ونصفًا وللخادم مدًا ففي حالة اليسار يجب أن يكون للخادم أيضًا ثلثا ما للزوجة وذلك مد وثلث.
فرع:
إذا أعطاها الحب على ما ذكرنا، قال القفال: يلزمه أن يعطيها مونة إصلاحه للطحن والحر أو يكفيها إصلاحه.
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة أمثالها أن يتولوا طحن أقواتهم وخبزها بأنفسهم
الجزء: 11 - الصفحة: 450
كأهل السواد كان مباشرة طحنه وخبزه عليها دون الزوج وإن لم يكن كذلك كان الزوج بالخيار بين أن يدفع إليها أجرة الطحن والخبز وبيم أن يقيم لها من يتولي صحنه وخبزه.
مسألة:
قال: " ومَكيلَةٌ منْ آدَمَ بلِاَدِهِا زَيْتاً كَانَ أَوْ سَمْناً".
قد ذكرنا الكلام في القوت والكلام الآن في الإدام، وهو واجب أيضاً لأن الله تعالي أمر برزقهن وكسوتهن بالمعروف، ومن المعروف أن يعطيها مع القوت إدماً، لأنه في الخبز البحث مضرة ومشقة.
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالي: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [الماَئدة: 89] الخبز والزيت.
وقال ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت، والخبز والتمر ثم الاعتبار في الإدام بغالب أدم البلد كما قلنا في القوت، فإن كانت بالشام فمن الزيت، وإن كانت بالعراق فمن الزيت والشيرج لأنهما جميعاً ما يقدم ثم الإدام فير مقدر وإنما هو علي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً وإنما هو عاي حسب كفايتها في العادة والفرق بينه وبين القوت حيث جعلناه مقدراً لأن للقوت أصلاً في التقدير وهو في الكفارات فحملنا وليس كذلك الإدام [ق 185 ب] لأنه لا أصل له، وقول الشافعي لها مكيلة من الإدام لم يرد به التقدير بل أراد لها مقدراً من الإدام باجتهاد القاضي، يلزم القاضي أن يجتهد حتى يضعف ذلك القدر لامرأة الغني، فإن فرض لامرأة الفقير أو فيه من دهن وهي أربعون درهماً فرض لامرأة الموسر وقيتين وفرض لامرأة المتوسط أوقية ونصفاً وقيل: المكيلة تقارب الأوقية.
فرع:
أدم خادمتها من أدم المخدومة وقدرة علي قدر قوتها وهل تساوي المخدومة في الجودة.
اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يساويهما في ذلك كما يجب طعامها من جنس طعام المخدومة، ومنهم من قال: إنها دونه في الجودة، ن فإذا كان للمخدومة زيت جيد فرض للخادم زيت دون لأن هذا هو العرف في الإدام والعرف في الطعام أن يكون من جنس طعامها وهذا هو المنصوص.
قال هذا القائل: وعلي هذا إذا أعطي المخدومة حنطة جيدة كان له أن يعطي الخادم حنطة دونها في الجودة.
الجزء: 11 - الصفحة: 451
مسألة:
قال: " وَيُفرْضُ لهَا فِي دُهْنٍ وَمُشْطٍ أَقَلُّ مَا يَكْفِيهَا".
جملته أن الزوجين بمنزلة المتواجدين لأن الزوج يملك الزوج منفعة المرأة بعوض كما أن المستأجر يملك منفعة الدار بعوض، وقد ثبت أن كل مونة تلزم في حفظ أصل الدار ورقبتها فإنها علي الأجر من بناء ما استهدم وإدخال جذع انكسر وبناء حائط وقع وكل ما يحتاج إليه التنظيف الدار وتزينها فهي علي المستأجر مثل كنس الدار وغسلها، فعلي هذا كل ما يحتاج إليه للتنظيف والزينة فهو علي الزوج مثل المشط والطييب والدهن [ق 186 أ] لرأسها ونحو ذلك.
فرع:
يعتبر الخرف في الدهن للرجل الشعر فمن البلاد ما يدهن أهله بالزيت كالشام فهو المستحق ومنها بالشيرج كالعراق فهو المستحق ومنها المطيب بالورد والبنفسج فهو المستحق ووقته كل أسبوع مرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ادهنوا بذهب البؤس عنكم والدهن في الأسبوع بذهب البؤس.
فرع آخر:
الكحل للزينة كالإثمد علي الزوج إن طلبته وما كان للدواء علي الزوجة، وأما الحناء إن لم يطلبه الزوج لا يلزمه ولا يلزمها، وإن طلبه الزوج وعليها ووجب علي الزوج مؤنته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن السلتا والمرها.
فالسلتا: التي لا تخضب.
والمرها: التي تكتحل فيعل ذلك إذا كرهت زوجها فيفارقها.
فرع آخر:
الطيب إن كان مرسلاً سوله الجسد يستحق علي الزوج لها لأنه مراد للتنظيف وما كان للالتذاذ لا يلزم، وقيل الشافعي من دهن ومشط بفتح الميم وأراد بالمشط آلة المشط آلة المشط من الأفايه والغلسة إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
فرع آخر:
لو كانت عادتها دخول الحمام مجب أجره الحمام عليه لأنه يرد للتنظيف وإن لم تجر عادتها بذلك لا يجب عليه وهو في أهل القرى وذلك في أهل المصر.
وقال في "الحاوي": يجب في المصر في كل شهر مرة ليخرجن به من دنس الحيض الذي يكون في كل شهر مرة في الغالب.
الجزء: 11 - الصفحة: 452
فرع آخر:
لو أردت أن تصرف ما قبضه من النفقة إلي ما يضرها وينقص بدنها هل له الاعتراض عليها فيه وجهان [ق 186 ب] والصحيح، عندي أن له ذلك.
مسألة:
قال: "وَلَيْسَ ذَلَكَ لخَادِمَهَا لأنَّهُ لَيْسَ بِالمعْروفِ لهَا".
أراد ليس لخادمها الدهن والمشط لأن ذلك إنما يراد للزينة والخادمة لا تزين في العادة بل يكون شعثة ولأن لها أن لا تتزين لأنها لا تحل للرجل.
وقال القفال: إنما لا يلزم لها ما يراد به التزيين واستمالة قلب الرجل فأما ما لابد منه بحيث إذا لم يكن تأذن بالوسخ والهوام يلزم الخادم أيضاً، وهذا صحيح والخادم يستحق الدواء لأنه من حقوق الملك، فإن كانت ملكاً له فعله ذلك وغن كانت ملكاً لها فعليها.
مسألة:
قال: وَقِيلَ فِي كُلَّ جُمْعةٍ رَطْلُ لحْمٍ".
جملته علي الزوج أن يطعم زوجته اللحم؛ لأن العادة جارية به ويعطيها في كل أسبوع يوماً إن شاء في كل يوم جمعة، وإن شاء في غيره ولكن الأفضل ما ذكره لأنه عرف عامة الناس.
وقال أصحابنا: وإنما قال رطل لحم علي عادة مصر؛ لأن اللحم يغريها فأمّا في الموضوع الذي يرخص فيه اللحم يفرض لها أكثر من ذلك والمراد بهذا القدر أيضاً امرأة المقتر، فأما امرأة الموسر فلها رطلان في كل جمعة ولا مرأة المتوسط رطل ونصف، لأن الشافعي قال بعد هذا ومن اللحم والأدم ضعف وما وصفت لامرأة المقتر وقيل: الموسر هو الذي يقدر علي نفقة الموسرين في حق نفسه، وفي حق كل من يلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله المقتر هو الذي لا يقدر أن ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته [ق 187 أ] إلا نفقة المعسرين، وإن زادت عليها كانت من أصل ماله لا من مكسبه والمتوسط هو الذي يقرر أ، ينفق من كسبه علي نفسه وعلي من يلزمه نفقته نفقة المتوسطين، فإن زادت عنه كانت من أصل ماله، وإن نقص عنها من كسبه فيكون اليسار والإعسار معتبراً بالكسب في وجوب النفقة ولا يعتبر بأصل المال كما في الكفارات.
[ذكره] في الحاوي.
الجزء: 11 - الصفحة: 453
فرع:
الخادم هل يستحق اللحم، قال أبو حامد: ينبني علي الوجهين في أدامها، فإن قلنا لها منىدم الزوجة فلها اللحم أيضاً، وإن قلنا إنه دونه في الجودة فلا يعطيها اللحم.
وقال بعض أصحابنا خراسان: لأن يستحق الخادمة اللحم وجهاً واحداً ولكن العادة جارية أن المخدومة تغترف خادمتها من مرسها إذا طبخت لحمها وتعطي لإصلاح اللحم ما يحتاج إليه من الحطب وغيره.
مسألة:
قال: "وَفُرِضَ لهَا مِنَ الكُسْوةِ مَا يُكْتَسِي مثْلهَا ببِلَدهَا".
الكسوة واجبة علي الزوج لقوله تعالي: ﴿وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الَبقَرةَ: 233] لأن قوام بدنها بالكسوة كما أن قوامها بالنفقة وكانت واجبة لها، فإذا ثبت هذا فإنها معتبر بكفايتها وليست بمقدرة لأنه ليس إما أجل مقدر في الشرع فاعتبر بالكفاية.
ثم الكلام فيها ثلاثة فصول في عددها وقدرها وجنسها:
أما العدد فعليه في الصيف أربعة قمص وسراويل ومصعة وما تلبسه في الرجل من نعل أو شمشك أو غيره.
وأما الخادمة فتعطي قميصاً ومقنعة وخفاً فجعل الشافعي للخادمة خفاً [187 ب] ولم يجعله للمخدومة وجعل للمخدومة السراويل ولم يجعله للخادمة، وإنما كان كذلك لأن السراويل يراد للزينة أو لستر العودة والخادمة لا تتزين.
وأما ستر العورة فإن ساقها ليس بعورة وما هو عورة منها فإن القميص يستره والخف أيضاً يستر ساقها، وأما الخف فإنها تخرج في الحوائج إلي التسوق فلا بد لها من الخف والمخدومة لا تحتاج إلي الخروج فلا حاجة بها إلي الخف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: المعروف أن يعطي الخامة السراويل أيضاً ولعله أعرض عن ذكره اعتماداً علي العرف والعادة في مثله، وهذا أصح عندي، وقال في " المنهاج".
إنما ألزم الشافعي السراويل للمرأة في البرد ولم يلزمه ذلك في الصيف لأنه قال في المختصر ويفرض لها في الصيف قميص وملحفة ومقنعة ولم يذكر السراويل، وفي كسوة الشتاء للبرد ولذلك ألزمه لها في الشتاء خماراً ومقنعة ولم يلزمه في الصيف سوي المقنعة للمعني الذي ذكرناه من دفع البرد.
الجزء: 11 - الصفحة: 454
وقال في "الحاوي": إن كانت عادة البلد في السراويل فالسراويل، وإن كانت العادة المئزر دون السراويل فالمئزر، وإن كانت السراويل أستر، وإن كانت من سكان القرى لا تلبس السراويل ولا المئزر، ففي تركه هتك عورة يؤخذ بها في حق الله تعالي جميع النساء فيؤمر بذلك، وقال في مدارس الرجل إن كانت في موضع يئزرون ولا يتقمصون كأهل البحر سقط القميص في حقه وكساه مئزراً، وفي الأمة يقتصر علي المئزر [ق 188 أ] وإن ألفوه لأنه يبدي من جسدها ما يغض عنه الأبصار، وإن لم يكن عورة فيعطيها قميصاً وقناعاً، ويحتاج مع ذلك إلي ملحفة إذا خرجت في الشتاء.
قال الشافعي: تعطي في الشتاء القميص والسراويل وجبة مخمرة ومقنعة وما تلبسها في رجلها، فزادها في الشتاء الجبة وهذا فر يختلف فيه أصحابنا وأما القميص والسراويل والمقنعة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إ، ما ذكر الشافعي ذلك إذا كان الذي أعطاها في الصيف قد أخلق فأما إذا كان القميص والسراويل والمقنعة باقياً فلا يعطيها في الشتاء غير الجبة وهو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: يحدد لها في الشتاء ذلك، وأما الخادمة فإنه يعطيها في الشتاء جبة صوف وكساء تلتحفه يد فيها مثله ويختلف ذلك باختلاف البلدان في حرها وبردها.
وأما قدر الكسوة فإنه علي قدر كفايتها ويختلف بطولها في حرها وبردها ويخالف النفقة فإن لها أصلاً في التعزيز وهو في الكفارة بخلاف الكسوة.
وأما جنسها قال الشافعي: يعطيها إذا كان موسراً لبس البصري أو الكوفي أو وسط بغدادي، وإذا كان معسراً يعطيها غليظ البصري أو الكوفي، ويعطي خادمه الموسر غليظ البصري أو الكوفي وخادمه الكرباس وهو المال يلف الغليظ.
قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي هذا في ذلك الوقت قلنا، وفي وقتنا هذا يعتبر ما جرت به عادة مثلها، فإن كان مثلها يكتسي [ق 188 ب] بالخز والديباج والتوري والستري وأعطاها قيل لأبي إسحاق لم لم يفرض الشافعي لها بقصر القصب والشرب وهو عادة البلد وعرهم في الكسوة فقال: لأنه لم بفرض لها إلا قميصاً واحداً، وذلك إذا كام سرياً يصف ما تحته، ويمنع جواز الصلاة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الكاسيات العاريات" فإن كان منه غليظ من مرتفع الكتان الديبقي أعطاها منه وعلي هذا يفرض لها في جبة إبريسم من الديباج والحرير وما يختص ببلدها وفرض امرأة المتوسط الوسط من ذلك ودون ذاك الزوجة المقتر.
وأما ما تتغطي به في الصيف والشتاء، قال الشافعي: تعطي الزوجة في الشتاء قطيفة أو لحافاً وتعطي الخادمة عباءة أو كساء عليها وفي الصيف ملحفة وهي الإزار أو وسادة.
الجزء: 11 - الصفحة: 455
فرع:
يلزمه أن يدفع الكسوة ثياباً دون الثمن وعليه أن يخبط ما تحتاج إلي خياطته.
فرع آخر:
لو باعت الكسوة بعد قبضها من الزوج صح البيع وملكت الثمن، وقال ابن الحداد: لا يجوز لها بيعها ولا يجوز لها الاستبدال، وهذا لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون في ملك الزوج، لأنه لا يسترجعها فثبت أنها ملكها فجاز لها بيعها.
فإن قيل: لا يملك الكسوة كما لا يملك المسكن، وهذا لا يصح لأنه يلزمه تسليم الكسوة إليها ولا يلزمه تسليم المسكن لأنه يسكنها معه فافترقا ولأنه لو أراد أن يكتري لها ثياباً لم يلزمها الإجابة بخلاف المسكن ويحتمل أن لا يعلم أبراه.
فرع آخر:
لو أرادت بيع الكسوة وشري ما هو أدون منها لم يكن لها بخلاف القوت الإدم.
والفرق أن للزوج حق الاستمتاع في زينة ثيابها فمنعت من يعتبرها [ق 189 أ] بخلاف قوتها.
وقال أبو إسحاق لها بيعها وشري ما هو أدون منها كما في القوت، وهذا لا يصح والفرق ظاهر.
فرع آخر:
لو لم يعتادوا في الصيف لنومهم غطاءً غير لباسهم لا يلزمه شيء آخر، وقد ألف الناس في زماننا أن يكون جهاز المنازل علي النساء ولا يصير ذلك عزفاً معتبراً كرشوة النساء والأزواج في بعض البلاد.
فرع آخر:
قال في " الحاوي": من الناس قوم تتساوي كسوتهم وكسوة عبيدهم كفقراء البوادي فيكونوا سواء ولا يزاد.
فرع آخر:
البدوية كالخصين به في النفقة ولكنها ربما يقتات البلوط والأقط وتلبس الشعر فيعتبر ذلك.
فرع آخر:
قال: وإن كانت رغبية لا يجز بها هذا دفع ذلك إليها من ثمن أدم ولحم ما شاءت
الجزء: 11 - الصفحة: 456
في الحب، وإن كانت زهيدة زيدت فيما لا يفوتها من فضل الملكية.
أراد بالرغبية: كثيرة الأكل والزهيدة: قليلة الأكلة أو يعبر بأن الرغبية الأكولة والزهيدة المتنوعة، وجملته أنها إذا كانت كثيرة الأكل لم نوجب علي الزوج المعسر أكثر من المد الواجب ولكن عليها أن تصرف بعض إدامها إلي الخبز إذا لم يشبعها الحب المفروض لها، وإن كانت قليلة الرغبة في الخبز كثيرة الرغبة في الفواكه وأنواع الإدام لم نوجب عليه زيادة في الإدام علي ما ذكرنا ولكن عليها أن تصرف بعض الحب إلي زيادة إدام وقيل: قصد بهذا الفصل أن يبين أمرين:
أحدهما: أن نفقة الزوجة مقدرة ولا يعتبر كفايتها خلاف قول أبي حنيفة.
والثاني: أن النفقة إذا وصلت إليها فلها أن تتصرف فيها [ق 189 ب] بالبيع وغيره ولا تكون محجورة فيها.
فرع:
قال في "الحاوي": إذا نقص المدعي كفايتها كان الزوج بالخيار بين أن يتمم لها قدر شبعها وبين أن يمكنها من اكتسابه، فإن مكنها فلم تقدر عل اكتساب كفايتها صارت من أهل الصدقات تأخذ منها.
مسألة:
قال: " وَيخَشَي إنْ كَانَتْ ببَلَدٍ يحَتْاج أَهْلُهَا إليْه قَطيِفٍة".
أراد به في البلاد الباردة يلزمه أن يخشي الكسوة بالقطن لدفع البرد والواو محذوفة من القطيفة في بعض النسخ، والصحيح إثبات الواو.
ثم قال: ولا أعطيها في القوت دراهم وهذا لأنها تستحق ما تستحق علي جهة النفقة فيلزمه أن يعطيها الحب واللحم والأدم بعينه كما ذكرنا، ثم إن شاءت باعت وتصرفت فيه كما شاءت.
ثم قال: واجعل خادمها حداً وثلثاً، وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة وما أشبهه ولخادمها فروة ووسادة وما أشبهه من عباءة أو كساء غليظ.
واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: أراد به أن يعطيها ما تفرشه للجلوس عليه والوسادة لتتوسدها في النوم ولم ترد بالفراش المضربة، وإنما أراد ما تفرش علي الأرض مثل الحصير أو اللبد.
ومن أصحابنا من قال: أراد به المضربة المحشوة بقطن أو صوف أو غير ذلك فيعطيها الحصير والمضربة، لأن المعروف أن يعطيها للنوم مضربة لتنام عليه، وهو أظهر لأن الشافعي قال: من غليظ متاع البصرة ولم تجر العادة يوشون الخرق بالنهار ويجلسون
الجزء: 11 - الصفحة: 457
عليها، وإنما لفراش الليل ولا يلزم الفراش للخادمة ويكفيها الوسادة والكساء علي ما ذكرنا.
مسألة:
قال: "فَإِذَا بَليَ أخَلفَهُ".
قال أكثر أصحابنا: معناه إذا مضي الزمان الذي يبلي فيه [ق 190 أ] بالاستعمال أخلفه سواء استعمله أولم تستعمله ولو أنها أتلفته بتحريق أو سرقت قبل مجيء الزمان الذي يبلي فيه مثله أو باعث فليس عليه بدلته حتى يمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت ترفق به في الاستعمال فمضي الزمان الذي يبلي فيه مثله، وهو باق لا يلزمه إبداله وحمل كلام الشافع علي ظاهره لأنه قال: فإذا بلي أخلفه وهذا لم يبل، وهذا اختيار القفال، وهذا لا يصح وتأويل كلامه ما ذكرنا ألا تري أنه لو استبقت النفقة ومضي الزمان الذي تنفق فيه مثله لزمه بدله، وغن كان ما أعطاها باقياً فدل أنه لا اعتبار بما ذكره ولو بليت قبل انقضاء مدتها لرداءة الثياب يلزمه إبدالها بلا خلاف واو بقيت بعد مدتها لجودتها لم تستحق بدلها بلا خلاف لأن الجودة زيادة ومن الجبة ما يعتاد لبسها سنتين وأكثر كالديباج فلا يلزمه إبدالها في كل سنة وكذلك الفراش يبقي سنين فيعتبر العرف في إبدالها وجرت العادة بتطريتها في كل سنة والاستبدال بها في سنين فيعتبر ذلك.
فرع:
لو كساها كسوة تبقي خمسة أشهر فماتت بعد شهر أو مات أو طلقها هل يسترجع منها الكسوة اختلف أصحابنا فيه علي وجهين:
أحدهما: لا يسترجع وهو الأصح لأنها تجري مجري قوت يوم فلا تسترجع ولا يتبغض لأنه لا يمكن أن يدفع إليها بعض الكسوة ولا يجوز الرجوع بجميعها فهو كما لو دفع إليها نفقة اليوم في أول اليوم، ثم مات في نصف النهار لا يسترجع منها شيئاً.
والثاني: يسترجع كالنفقة المعجلة بشهر، وهذا اختيار القفال، قال: والكسوة تجب علي طريق الكفاية لا علي طريق التمليك حتى لو سرقت في الحال يلزمه الإبدال بخلاف الطعام وليس لها التصرف فيها إلا باستعمالها ولو لم تطالبه بها حتى [ق 190 ب] مضت مدة لا كسوة لها فيما مضي بخلاف النفقة، قال: ولو استعار كسوة وأعطاها ليس لها أن تطلب غيرها والضمان علي الزوج لو تلفت لأنه المستعير، ثم قال: وفيه وجه آخر يجب تمليك الكسوة في الحال يلزمه قيمتها له ثم عليه بدلها وأصحابنا بالعراق أنكروا هذا، وقالوا المنصوص وجوب تملكيها وهو الأصح علي ما تقدم بيانه.
الجزء: 11 - الصفحة: 458
فرع:
لو زف الرجل إلي دار امرأته وأنفق عليها الطعام والشراب وأقامت عنده سنين هكذا ولم يدفع إليها شيئاً من الحب نظر، فإن كان مطلقاً من غير شرط استقرت نفقتها عليه، وهذا تطوع، وإن كان علي شرط أنه نفقتها فهو عوض فاسد وله عليها بدل ما أنفق عليها ولها عليه جميع ما اجتمع لها من الحب.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة أمةً قال الشافعي: لا خادم لها لأنها تكون خادمة نفسها في العادة فليس من عبادة الإماء أن يخدمن.
وقال أصحابنا هذا قال الشافعي في عرف زمانه فأما في هذا الزمان إن كانت ممن يخدم مثلها يلزم وهذا ليس بشي.
مسألة:
قال: "وَإنمَّا جَعَلْتُ أَقَلَّ الفْرضِ فِي هَذَا بالدَّلاَلةِ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
الفصل:
بين الشافعي ههنا من أين أخذ أقل النفقة وأكثرها وهو مدان قد ذكرنا هذا فيما تقدم، فإن قيل: قد ثبت في الشرع أكثر من مدين وهو صاع في زكاة الفطر قيل: ذلك ليس كفاية واحد بل نفرق ذلك علي أهل الزكاة، ولو أعطي كل واحد منهم كفاً جاز، ثم قال: وإن كانت بدوية مما تأكل أهل البادية، وقد ذكرنا هذا أيضاً وجملته أنه يعتبر في كل موضوع بغالب القوت فيه الكسوة، ثم قال: وليس علي رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجرة طبيب ولا حجام، وجملته أن [ق 191 أ] الأضحية إذا لم تجب عليه عن نفسه ففي زوجته أولي، وإنما قصد الشافعي بهذا أنها غير مسنونة عليه في حقها، وإن كانت مسنونة عليه في حقه ولذلك لو نذرت ذلك لم تجب عليه أن تتحمل عنها لأنه شيء ألتزمته بنفسها فهي لكفارة اليمين كزكاة الفطر التي وجبت عليها ابتداء من جهة الله تعالي ولا يؤدي عنها أجر طبيب لأنه ليس من جملة النفقات علي ما ذكرناه.
فرع:
للنفقة وقتان: وقت الوجوب ووقت وجوب التسليم، فأما وقت الوجوب فهل تجب بالعقد أو بالتمكين من الاستمتاع قولان، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وقد قال في "القديم": لو ضمها الأب عشر سنين يصح وهذا يدل علي أنها تجب بالعقد لأنه لا يجوز ضمان ما لم يجب عند الشافعي ووجهه أنها تجب لأجل النكاح وكان وجوبه بالعقد.
الجزء: 11 - الصفحة: 459
كالمهر والصحيح أنها تجب بالتمكين لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، وأما وقت وجوب التسليم فعلي القولين جميعاً يلزم أن يعطيها بالغداة لأنها تحتاج إلي الطعن والإصلاح، فلو قلنا يعطيها بالعشى لم يلحق وقت الحاجة فلو دفع إليها الغداة، ثم طلقها أو ماتت لا يسترجع شيئاً لأنه دفع ما وجب لها.
وقال صاحب "الحاوي": أختلف أصحابنا في تحرير العبارة عن النفقة فقال البغداديون: تجب بالتمكين المستند إلي عقد فجعلوا الوجوب مطلقاً بالتمكين وتقدم العقد شرطاً.
وقال البصريون: يجب بالعقد والتمكين فجعلوا الوجوب معلقاً بالعقد وحدوث التمكين شرطاً فيه وتأثير هذا الاختلاف يكون في زمان التأهب للتمكين هل تستحق فيه النفقة، فمن جعل التمكين في الوجوب أصلاً وجعل العقد شرطاً لم يوجب لها النفقة في زمان التأهب للتمكين وأوجها بكمال التمكين ومن جعل العقد في الوجوب أصلاً [ق 191 ب] وجعل حدوث التمكين شرطاً أوجب لها النفقة من أول زمان التأهب للتمكين إلي أقصي كمال التمكين.
واعلم أن التمكين بأمرين لا يتم إلا بهما.
أحدهما: تمكنه من الاستمتاع يها.
والثاني: تمكنه من النقلة إلي حيث يشاء إذا كانت السبيل مأمونة، فلو مكنته من نفسها ولم تمكنه من النقلة معه لم تجب النفقة، لأن التمكين لم يكمل إلا أن يستمتع بها في زمان الامتناع من النقلة فيجب لها النفقة ويصير استمتاعه بها عفواً عن النقلة في ذلك، وعلي هذا لو كان الزوج غائباً فبذلت نفسها وعرف الزوج وكمال التمكين بمضي زمان الاجتماع فعلي قول البغداديين تجب نفقتها حينئٍذ ولا تجب بما تقدم من بذل التسليم، وعلي قول البصريين تجب نففقتها من وقت الشروع في التسليم بناءً علي اختلافهم في التمكين هل هو في وجوب النفقة صل أو شرط.
باب الحالة التي تجب فيها النفقة ولا تجب
مسألة:
قال: "وَإِذَا كَانَتْ المَرأةُ يجُامَعُ مثْلهَا فَخَلَّتْ أَوْ جَلاَ أَهْلُهَا بَيَنهُ وَبَيْنَ الدُّخُولُ بِهَا وَجَبَتَ عَلَيْه نَفَقَتُها".
الكلام الآن في بيان الحالة التي تجب فيها النفقة ولا يخلو حال الزوجين من أربع أحوال.
إما أن يكونا كبيرين أو يكون الزوج كبيراً والزوجة صغيرة أو الزوجة كبيرة والزوج صغيراً أو يكونا صغيرين، فإن كان كبيرين فالنفقة في مقابلة التمكين، وإن عدم التمكين فلا نفقة وينبغي أن يكون التمكين مستنداً إلي عقد صحيح، فإن وجد التمكين من
الجزء: 11 - الصفحة: 460
غير عقد أو وجد في عقد فاسد فلا نفقة، وتنبغي أن يكون التمكين كاملاً وهو أن تمكنه نفسها علي الإطلاق ولا يعترض في مكان مقامها وسكناها، فإن اعترضت فقالت: أنا أجلس في بيتي أو بيت أبي أو أنتقل معك إلي محلة طيبة [ق 192 أ] أو لا أسافر معك فلا نفقة، ولو عقد عليها عقد النكاح، ولم يظهر منها تسليم بالقول والامتناع ولا من الزوج مطالبة به فلا نفقة لها لأن الأصل أن لا نفقة لها حتى يحصل التسليم ولا يحصل ذلك إلا أن تقول: سلمت نفسي إليك فاحملني حيث شئت، وإذا أوجبت النفقة يلزمها إعطاءها، فإن أعطاها وإلا ثبتت في ذمة، وإذا مكنته نفسها هكذا، فإن كان حاضراً وجبت النفقة من حيث ما ذكرت، وإن كان غائباً فجاءت المرأة إلي الحاكم، وأظهرت تسليم نفسها، فإن الحاكم يكتب إلي الزوج بأنها قد سلمت نفسها إليك، فإن أخذ في المسير في الحال، وقدم عليها وتسلمها اتفق عليها من حين القدوم، وإن ترك المسير مع الإمكان فالنفقة يجب في ذمته من وقت انقضاء المدة التي يمكن فيها المسافة لأن الامتناع من جهته، وإن كان الزوج كبيراً، وهي لم تبلغ إلا أنها مراهقة يمكن الاستمتاع بها فإن حكمها حكم الكبيرة، فإن سلمت نفسها استحقت النفقة لأن التسليم المستحق قد حصل، وإن سلمها أهلها صح أيضاً واستحقت النفقة لأن التسليم مستحق علي أهلها فأنها ليست بمخاطبة ويخالف الكبيرة في ذلك، فإن الكبيرة لا يصح تسليم أهلها لها وإنما الاعتبار تسليمها نفسها.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال إنها سلمت نفسها لا تجب النفقة إلا بعد أن تسلم ولا تجب ببذلها أنه لا حكم ليبذلها، وإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها وهو كبير.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لا نفقة لها، وقال في موضوع آخر ولو قال قائل لها النفقة [ق 192 ب] كان مذهباً فالمسألة علي قولين:
أحدهما: لا نفقة لها، وهو الصحيح واختاره المزني لأنه لا يصح تسليمها منه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: وهذا إذا لم يكن فيها استمتاع لا يحصل التمكين ويفارق المريضة، لأن الاستمتاع يمكن فيها يمكن ولكنه نقص بالمرض.
والثاني: لها النفقة لا محبوسة عليه من غير تفريط في تسليم نفسها إليه فوجبت النفقة لها كالمريضة التي لا يمكن الاستمتاع بها، وإن كان الزوج صغيراً والمرأة كبيرة فسلمت نفسها.
قال في "الأم" وفي كتاب عشرة النساء: لها النفقة وهو الصحيح، واختيار المزني، وقال في موضوع آخر: ولو قال قائل لا نفقة لها كان مذهباً ففيها قولان:
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أحمد في رواية لأنه لا يمكن الاستمتاع بها كما لو غابت ولا، التسليم إذا تعذر لا فرق بين أن يكون لمعني في المستحق عليه أن يسقط ما يقابله كتسليم المبيع.
الجزء: 11 - الصفحة: 461
والثاني: لها النفقة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في الروية الأخرى وهذا لأنه يمكن الاستمتاع بها، وإنما تعذر بسبب من جهته فلم يسقط نفقتها كما لو غاب عن زوجته ويفارق إذا غاب لأنه التعذر هناك بسبب من جهتها.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كانت عالمة عند العقد أنه صغى، فإن لم تكن عالمة فعليه النفقة قولاً واحداً، وإن كانا صغيرين نص في "الأم" علي قولين والنص الصحيح الظاهر أنه لا نفقة لها لأن التعذر بسبب من جهتها.
وقال القفال في سقوط النفقة بالصغر ثلاثة أقوال:
أحدهما: تسقط بصغر أيهما كان.
والثاني: لا تسقط بصغر واحد منهما.
والثالث: تسقط بصغرها دون صغره، وهذا حسن ومرجعه إلي ما فصلناه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضةً لَزِمَتْهُ نَفَقُتهَا".
الفصل:
إذا تزوجت المرأة فمرضت عنده أو كانت مريضة [ق 193 أ] فسلمت نفسها علي حالتها وأنها تستحق النفقة لأنها تحت يده، وفي قبضته والاستمتاع بغير الوطء حاصل من جهتها، وتعذر الوطء لا يوجب سقوط النفقة كما لو كانت رتقاء أو نقول: المرض عارض ينقص الاستمتاع فأشبه الحيض، فإن قيل: أليس الصحيحة إذا بذلت الاستمتاع فيما دون الفرع لا تجب لها النفقة فينبغي أن تسقط النفقة بالمرض إذا تعذر به الوطء في الفرج.
قلنا: المرض عارض يتكرر ويرجي زواله فلا يمكن إسقاط النفقة بخلاف صغرها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ كَانَ فِي جمِاعِهَا شدَّةُ ضَرَرٍ مُنِعَ مِنْهاَ".
الفصل:
إذا كان الرجل عظيم الخلقة كبير البدن غليظ الذكر وهي نضو الخلق ضعيفة الجسم وعليها مشقة غير محتملة لجماعه ومتى جامعها لم تأمن من أن يجئ عليها بإفضاء أو غيره منع من جماعها كما لو كانت صغيرة وليس له الخيار في فسخ النكاح، بل يقال له أنت بالخيار بين أ، تمسك فعليك النفقة أو تطلق ولها نصف المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها المهر، ثم لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها يلزمه أن ينفق عليها وإن كذبها يري أربع نسوة فينظر إلي فرج زوجها عند الجماع ويجوز ذلك لأنه موضع ضرورة.
الجزء: 11 - الصفحة: 462
قال أبو إسحاق: يقبل ذلك من امرأة واحدة، لأن طريقة طريق الخبر دون الشهادة وهذا لا يصح لأن فيه إسقاط حق الزوج فافتقر إلي العدل كسائر الشهادات وهكذا إذا ادعت بفرجها قرحاً يضرّ بها وطئه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ ارْتقَتْ فَلَم ْيَقْدرْ عَلَي جَمَاعِهَا فَهَذَا عَارِضٌ لاَ مَنْع يه ِمِنْهَا وَقَدْ جوُمِعَتْ فَتَستْحِق نَفَقَتهُا".
إذا كان الرتق قبل النكاح له الخيار قولاً واحداً، وإن حدث بعد النكاح فيه قولان وقد مضي هذا في كتاب النكاح، فإن اختار فسخ النكاح سقطت النفقة، وإن لم يفسخ النكاح فعليه أن ينفق عليها لأنه المختار للمقام عليها، وقول الشافعي، وقد جومعت [ق 193 أ] ليس بشرط ولعله قال هذا ليعلم أن الرتق قد يحصل بعدما جومعت واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أ، ها لو كانت في الأصل رتقاء لا تستحق النفقة والمذهب أنها تستحق كما يستحق القسم لأنها أتت بأقصى ما في وسعها من التمكين ولعل الشافعي أن ينص من المسألة علي أظهر الحالين.
مسألة:
قال: "وَلَوْ أذِنَ لهَا فَأَحْرمَتْ أَو اعْتَكفَتْ أَوْ لَزمهَا نَذْرُ كَفَّارةٍ".
الفصل:
إذا دخلت المرأة في العبادة لا يخلو إما أن تكون العبادة حجاً أو عمرة أو اعتكافاً أو صوم رمضان، فإن كان حجاً لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن تكون أحرمت بغير إذنه فلا نفقة لها قولاً واحداً لأنها ناشزة.
والثانية: أن تكون أحرمت بإذنه وهو معها فلها النفقة قولاً واحداً لأنها ليست بخارجة من قبضته وتحريم الاستمتاع علي الزوج بالشرع وسبب التحريم هو الإحرام وقد حصل بإذنه.
والثالثة: أن تكون أجرمت بإذنه وخرجت بإذنه وليس هو معها، وظاهر ما قاله الشافعي ههنا أن لها النفقة، وقال في كتاب النكاح، لا نفقة لها، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال فيه قولان.
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لأنها غي ممكن من نفسها.
والثاني: لها النفقة لأنها سافرت بإذنه فأشيه إذا كانت في حاجته وقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال لا نفقة لها إذا لم يكن الزوج معها والذي قال لها النفقة إذا
الجزء: 11 - الصفحة: 463
كان معها ولا فرق في هذا بين أن يكون الحج فرضاً أو تطوعاً لأنه وإن كان فرضاً فليس عل الفور وإنما هو علي التراخي، وإن أحرمت بإذنه فما لم تخرج من بيته لا شك أنه يلزمه نفقتها، وإن أحرمت بغير إذنه فهل له أن يحللها قولان، فإذا قلنا: له أن يحللها فلم تفعل فيه وجهان بناء علي ما لو سافرت في حاجتها بإذنه هل تستحق النفقة قولان، والأقيس أنها تستحق لأنه متي شاء حللها ويتوصل إلي حقه منها [ق 194 أ] فإذا لم يفعل فالتقصي منه.
وإن قلنا: لا يحللها قال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: لا نفقة لها لأنها ناشزة.
والثاني: لها النفقة لأنه لا سبيل لها إلي ترك الإحرام ولها سبيل إلي ترك النشوز فالإحرام كالمرض والعذر السماوي والأول أظهر عندي.
وأما العمرة فحكمها حكم الحج وكذلك الاعتكاف لأنه لا يصح إلا في المسجد، فإذا خرجت من المسجد كانت كما لو خرجت للحج، فإن كان زوجها معها في المسجد لها النفقة وإن لم يكن معها، فإن كان بغير إذنه فهي ناشزة فلا نفقة، وإن كان بإذنه ففيه طريقان.
وأما صوم التطوع فلزوجها منعها منه، فإن صامت فإن أمرها بالإفطار فأفطرت لها النفقة، وإن لم تفطر، فقال ابن أبي هريرة: لا نفقة لها لأنها منعت منه نفسها بالصوم.
وقال أبو إسحاق: لها النفقة لأن صوم التطوع لا يلزم بالدخول وله أن يطأها أي وقت شاء، فعلي هذا إن منعته الوطء سقطت نفقتها، وقيل عن الشافعي إنه قال في علته: مدة الصوم قصيرة ولا ضرر عليه في ترك الاستمتاع فيها وهذا غير صحيح عندي.
وقيل: لو لم يفطرها ولم يأمرها بالإفطار بل تركها هل تستحق الفقه وجهان.
ذكره القفال وهذا أيضاً ضعيف، وقال صاحب الحاوي [1]: إن لم يدعها إلي الخروج منه فهي علي النفقة، وإن دعاها إليه فامتنعت صارت ناشزة ولكنه إن كان في صدر إليها وسقطت نفقتها، وإن كان في آخره لا تسقط لقربه من زمان التمكين فصار ملحقاً بوقت الأكل ولطهارة، وهذا حسن.
فرع:
لو دخلت في صوم قضاء رمضان قبل شعبان فهل يجوز له إجبارها علي الفطر؟
قولان مخرجان من القولين في تحليلها من الحج إذا شرعت، فإذا قلنا: لا يجبرها علي الفطر ففي سقوط نفقتها [ق 194 ب] وجهان:
أحدهما: يسقط كما في الحج.
الجزء: 11 - الصفحة: 464
والثاني: لا يسقط لقرب زمانه وقدرته علي الاستمتاع بها في ليلة ولمقامها في منزله بخلاف الحج.
هكذا ذكره في الحاوي والمشهور عند أصحابنا بخراسان أنه يمنعها قبل شعبان ولا يمنعها في شعبان لأنه يتضيق في هذا الوقت دون ما قبله.
فرع آخر:
إذا كان صوم الكفارة فهو في الذمة علي التراخي فيكون له منعها منه وحق الزوج علي الفور.
وقال في "الحاوي" [1]:إذا لم يمنعها حتى شرعت هل يجبر علي الخروج؟ وجهان:
فإن قلنا: لا يجبرها، فإن كان التتابع فيه مستحباً بطلت به نفقتها، وإن لم يكن هل تسقط نفقتها وجهان مخرجان من نفقة الأمة إذا مكنها سيدها ليلاً ومنعها نهاراً وأما أداء رمضان فلا يمنعها منه بلا إشكال لأنه مستحق شرعاً علي الفور.
فرع آخر:
إذا كان صوم النذر، فإن كانت نذرت قبل النكاح، فإن كان في ذمة له منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها لأن حق الزوج والصوم قد استويا في التضييق للنذر حق السبق فكأن أولي، وإن نذرت بعد عقد النكاح، فإن كان بإذنه مطر فإن نظر كان في الذمة فله منعها منه، وإن كان متعلقاً بزمان بعينه لم يكن له منعها منه، وإن نذرت بغر إذنه كان له منعها منه سواء كان في الذمة أو متعلقاً بزمان بعينه، لأن الزمان له بعد عقد النكاح، فإذا شغلت بعضه بالنذر بعينه فقد منعته حقاً وجب له فكان له منعها وكل له موضوع قلنا له: منعها فشرعت فيه، ولم يفطر فالحكم علي ما ذكرنا في صوم التطوع.
فرع آخر:
إذا أرادت أن تصلي صلاة الفريضة في أول وقتها، قال الشافعي: ليس لتمنعها منه لأن لها أن تؤدي هنا الفرض في وقت يجوز الفضيلة [ق 195 أ] قال الشافعي: ولأن زمان الصلاة قصير ولا يطول فلا يؤدي إلي الضرر به ولأن الزوج أيضاً مندوب إلي تقديمها في ذلك الوقت فيلزمه إمهالها لذلك أيضاً، فإن قيل: أليس له أن يمنعها من الحج في أول وقت وجوبه، وإن كانت تجوز الفضيلة، قلنا: لا فضيلة الحج متعلقة بالوقت حني إذا أخّره فإنه بفواته فالحج كالصلاة في الذمة وله منعها منها بخلاف الصلاة من (أول) الوقت.
فرع آخر:
لو أرادت الإحرام بقضاء الصلاة وأراد الزوج الاستمتاع بها فيه وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 465
قال أبو حامد: يقدم حقه لثبوته في الذمة، وقال صحاب الحاوي: الأصح عندي تقد حق القضاء، لأن فرض القضاء مستحق في أول زمان المكنة فصار كالوقت شرعاً، وقيل: هما مبنيان علي الوجهين في قضاء الصلاة أنه علي الفور أو علي التراخي.
فرع آخر:
لو كانت الصلاة مما سّنها بالشرع من توابع الفروض المؤقتة، يلزمه تمكينها منه علي العادة المعروفة من غير تقصير ولا إطالة، وإن كانت من السنن المشرعة في الجماعة كالعيدين والمخسوفين له منعها من الخروج وليس له منعها من فعلها في منزلها لمساواتها في الأمر بها والندب إليها، وإنها مختصة بوقت يفوت بالتأخير فأشبهت الفروض، وإن كانت صلاة ندب فهي كالصوم المندوب وإن كانت تطوعاً مبتدأ فله منعها منه.
مسألة:
قال: " وَلَوْ هَرَبَتْ أَو امْتنَعتْ أَوْ كَانَتْ أمَةً فَمَنعَهَا سَيَّدُهَا فَلا َنَفَقَةً لهَا".
إحداهما: إذا هربت إلي موضع يعرفه أو لا يعرفه أو امتنعت من تمكينه في بيته أو خرجت إلي بيت أمها وقالت: لا اجتمع معك أو قالت: لأسلم نفسي إليك إلا هنا فلا نفقة لها، وهذا قول كافة العلماء إلا الحكم بن عيينة فإنه قال: [ق 195 ب] لا تسقط نفقتها بالنشوز كالمهر لأنه يجب بملك الاستمتاع، وهذا غلط لأنها كالأجرة لا تجب إلا بالتمكين، ولهذا لو لم ينفق عليها سقط عنها التمكين ويخالف المهر لأنه يجب بالعقد لمقابلة الملك.
والثانية: إذا زوج أمته لا تجب عليه أن يسلمها إلي الزوج في النهار ويلزمه أن يسلمها بالليل، وقد ذكرنا في كتاب النكاح أنه إن سلمها في الليل والنهار استحقت النفقة ولا فرق بين الحرة والأمة في قدر النفقة ويعتبر بحاله لا بحالها، وإن سلمها في الليل دون النهار، فقد ذكرنا وجهين ولا خيار للزوج في فسخ نكاحها لأنه علم برقها والأظهر أن عليه نفقتها بقسط زمان الاستمتاع وهو أن يكون علي الزوج عشاءها وعلي السيد ما تلبيه نهاراً كالحرة إذا أمكنت يوماً ونشرت يوماً.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلزمه كالنفقة.
والثاني: لا تلزم.
والثالث: يوزع.
الجزء: 11 - الصفحة: 466
فرع آخر:
لو قال لها: آذن لك أن تدخل داري وتستمتع بها ولكن لا آذن لها حتى تخرج إلي دارك هل يستحق النفقة وجهان، ذكره القفال، ولفظ الشافعي بعد هذا يدل علي أنها تجب لأنه قال: وعلي العبد نفقة امرأته الحرة والكتابية والأمة إذا نويت معه بيتاً.
فرع آخر:
لو آجرت المرأة نفسها ولم يعلم الزوج حتى تزوجها فله الخيار بين مقامه علي وبين فسخه لأنه تفويت الاستمتاع في النهار عيب فاستحق به الفسخ، ولو مكنه المستأجر من الاستمتاع بها في النهار لم يسقط حقه من الخيار لأن المستأجر متطوع بالتمكين فلا يسقط خياراً مستحقاً ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: " وَلاَ يُبَرئُهُ ممَّا وَجَبَ لهَا مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِراً مَعَهاَ إلا إِقْرَارَهَا".
الفصل:
نفقة الزوجة تثبت في الذمة مستقراً سواء كان [ق 196 أ] حاضراً أو غائباً فرض القاضي أو لم يفرضه خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تستقر إلا بالفرض وتسقط بمرور الزمان.
فإذا تقرر هذا فلو فقال الزوج: أنفقت عليك فيما مضي ما وجب لك عليّ وأنكرت فالقول قولها، لأن الأصل أنها لم تقبض ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: إن كان الزوج غائباً فالقول لأن المرأة عاجزة بالغيبة عن طلب النفقة، وإن كان حاضراً وهي تعاشره فالظاهر أنها تقبض النفقة منه فالقول قوله.
وهذا غلط لأن الأصل بقاءها فصار كالبائع إذا ادعي تسليم المبيع لا يكون القول قوله، لأن الحاضرة قد تتقاعد عن الطلب أو يمنعها منه مانع فلا يصح ما ذكره ولأنه لو كان عليه دين فمضي سنين وهو يصادفه، ثم ادعي القضاء، وأنكر صاحب الدين القبض فالقول قوله، وإن كان الظاهر قبضه.
فرع:
لو كانت أمة فاختلفت مع زوجها في الإنفاق، قال أصحابنا: القول قولها لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح فكان المرجع فيها إليها فيها كالمطالبة بحق الإيلاء والعنة، ولو اختلفا في النفقة الماضية، وادعي الزوج أنه يعلمها وأنكرت وصدقه السيد، قال أصحابنا: لا تثبت دعواه بتصديق المولي ولكنه يكون شاهداً له بذلك فيشهد له ويحلف
الجزء: 11 - الصفحة: 467
الزوج معه وتسقط نفقتها.
ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن ينفذ إقراره في النفقة الماضية لأنها حق المولي وإنما حقها في النفقة في المستقبل وإذا ثبتت فللسيد قبضها والتصرف فيها كيف شاء، وهذا أصح عندي ولو كلن الاختلاف في قبض صداقتها فالخصومة بين زوجها وسيدها لأن المهر خالص حقه، وقد ذكرنا فيما تقدم.
فرع آخر:
لو اختلفنا في قدر النفقة فقال الزوج: كنت فيما مضي معسراً فتستحق نفقة [ق 196 ب] المعسرين، وقالت المرأة: كان موسراً فإنها تستحق عليه نفقة الموسرين نظر، فإن عرف له يسار، ثم ادعي الإعسار فالقول قولها وعليه البينة علي الإعسار، وإن لم يعرف له يسار فالقول قولها وعليها البينة، لأن الأصل عدمه.
فرع آخر:
لو اختلفنا في التمكين فقالت: مكنت نفسي وانكسر فالقول قوله لأن الأصل عدمه وعليها البينة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان:
فإن قلنا: تحب النفقة بالعقد فالقول قولها، لأن الأصل بقاءها وهذا ليس بشيء ونص الشافعي في أول هذا الباب فقال: لو ادعت المرأة التخيلية فيه غير مخيلة حني يعلم ذلك منها.
مسألة:
قال: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَثَنيةٌ فَأَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي العِدَّة أَوْ بَعْدَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ".
الفصل:
إذا تزوج وثني بوثنية، ثم أسلمت لا يخل إما أن تكون غير مدخول بها أو يكون مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا مهر ولا عدة عليها ولا نفقة لها، وإن كانت مدخولاً بها فلها المهر المسمي وعليها العدة ولها النفقة لأن الزوج يقرر علي رفع هذه العدة، وإصلاح النكاح بالإسلام، وإن أسلم الزوج وتخلفت المرأة في الشرك، فإذا كان قبل الدخول فلها نصف المهر لأن الفسخ جاء من جهته قبل الدخول.
فإن قيل: أليس لو وجد بامرأته عيباً قبل الدخول ففسخ النكاح لا مهر لها، وهذا الفسخ من جهته قيل: هذا بمعني من جهتها فجعل بمنزلة الفسخ من جهتها بخلاف مسألتنا.
فإن قيل: فإذا كان العيب به ففسخت النكاح قبل الدخول أسقطتم المهر ولم تجعلوا
الجزء: 11 - الصفحة: 468
الفسخ من جهة، قيل: يغلّط حبسها في الحالين لأنها هي المستحقة للمهر وليس كذلك إذا أسلم الزوج قبل الدخول لأن هذه الفرقة جاءت من جهته لا صنع له فيها ففرقنا بينهما.
وأما إذا أسلم الزوج بعد الدخول بها فعليه مهرها المسمي ولا نفقة لها لأن الامتناع [ق 197 أ] من جهتها فكانت بمنزلة الناشزة وأسوأ حالاً لأنها نشزت بالكفر، فإن أسلمت نظر، فإن كان بعد انقضاء عدتها لم يكن لها نفقة، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها كلها علي الزوج واستحقت النفقة من أسلمت قولاً واحداً وهل لها النفقة لما مضي من زمان العدة قولان ذكرهما في كتاب النكاح.
فرع:
لو كانا مسلمين فارتد أحدهما فالحكم في المهر والنفقة علي ما ذكرنا في الوثنيين إذا أسلم أحدهما، وإن ارتد معاً كان الحكم كما لو ارتدت المرأة واختار القاضي الطبري، وقد ذكرنا في كتاب النكاح فيه وجهاً آخر.
فإن قيل: ينبغي أن توجبوا لها نصف المهر، لأن الفسخ بهما كما لو خالعها قبل الدخول لها نصف المهر، قيل: المغلب في الخلع جنبه الزوج لأنه الموقع للفرقة مأخذه منها، ولأن الزوج يخالع الأجنبية كما يخالعها وهي لا تقدر علي الخلع إلا معه، فكان تصرفه أقوي، وإذا رجعت المرتدة إلي الإسلام هل تلزم النفقة لزمان الردة قيل: فيه قولان، وقيل: قول واحد لا يستحق لأنها ابتدأت الكفر بعد الإسلام فكانت الجناية أغلظ، ولو أسلم الزوج وتخلفت في الشرك فغار الزوج، ثم أسلمت في عدتها كان لها النفقة من حين أسلمت، وإن لم يعلم بخلاف ما لو نشزت وعاب، ثم عادت إلي الطاعة لا نفقة لها ما لم تعلم، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم وهو أن نفقة الوثنية لم تسقط لخروجها عن قبضته بل سقطت بكفرها، فإذا زال الكفر عادت النفقة حاضراً كان الزوج أو غائباً وسقطت نفقة الناشزة بخروجها عن قبضته ولا تصير إلي قبضته إلا بعد علمه بالطاعة وهكذا الحكم لو ارتدت وغاب الزوج ثم رجعت إلي الإسلام في العدة عادت نفقتها وإن لم يعلم الزوج.
مسألة:
قال: "فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يُسْلِمْ حَتى انْقَضَتْ عدَّتُهَا فَلَا حَقَّ لَهُ لأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا"
صورة المسألة [ق 197 ب] أن يتزوج وثني بوثنية، ثم دفع إليها نفقة شهر، ثم أسلم وتخلقت هي في الشرك ولم تسلم حتى انقضت عدتها هل له أن يسترد منها تلك النفقة، قال أبو حامد: له أن يسترد سواء أطلق التسليم أو قيده لأنه دفعها بشرط أن يستحق في
الجزء: 11 - الصفحة: 469
وقته، فإذا لم تستحقه استرجع منها ويفارق الزكاة حيث قلنا إذا دفعها قبل الحول، ولم يشترط أنها معجلة، ثم خرج عن زكته من أصل الزكاة، لا يسترجع، لأن الظاهر لا يدل علي أنه يدفعها واجباً فاحتاج إلي الشرط ليعلم، وفي النفقة الظاهر أنه يعجل ما وجب لها فلا حاجة إلي الشرط.
وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح أنه إن شرط عليها أنها نفقتها أسلفها إياها رجع بها عليها، وإن لم يشرط فلا يرجع لأنه لا يدري أعطاها للنفقة أو هبة من جهته ولذلك لو أنفق عليها في زمان يخلعها فإن كانت بشرط أن يغطيها للنفقة جاز أن يسلم فلم يسلم له الرجوع وإلا فلا رجوع ولا فرق في الحقيقة بين مسألة الزكاة، وهذه المسألة فيختلف الإطلاق والشرط، وفي دليل علي أن الهبة لا يفتقر فيها إلي لقط الهبة والإيجاب والقبول بخلاف ما قال بعض أصحابنا لأن الشافعي جعله تطوعاً عند الإطلاق، فإن قيل: يحتمل أنه أباحه قلنا: هذا لا يصح، لأنه لو كأم إباحة لشرط أن يكون قد أتلفها حتى يسقط حقه منها.
مسألة:
قال: "وعَلَي العَبْد نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ الحُرَّةِ وَالكِتَابِيَّةِ".
تقدير الكلام الحرة المسلم والكتابية لأن الحرة قد تكون كتابية، وقد تكون مسلمة وحكمها واحد وكان الأولي أن يقول وعلي العبد نفقة لامرأته المسلمة والكتابية ويحتمل أن يقال: أراد بالكتابية المكانية ويجوز أن يسمي المكاتبة كتابية نسبة إلي الكتابة والكتاب، قال الله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:33] يعني الكتابة، وقد ذكرنا في كتاب النكاح [ق 198 أ] أنه يلزم علي العبد أن ينفق علي امرأته حرة كانت أو أمة أو مكاتبة أو ذمية أو مسلمة شرط ذلك عليه في عقد النكاح أولا نفقته نفقة المقتر ولأنه لا يملك شيئاً فهو أسوأ حالاً من الحر المعسر لأنه لا يجوز أن يستفيد ملكاً، وهذا لا يملك، وإن ملك وإن قلنا بالقول القديم انه يملك إذا ملك فلا يلزمه إلا نفقة المقتر لأنه لا يكون كامل الملك.
قال: وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم يشترط في عقد النكاح نفقة لم يجب لأنه إذا لم يشترط يكون وجوبها علي طريق المواساة ولا يجب علي العبد المواساة بدليل أنه لا يلزمه نفقة أقاربه، وهذا غلط، لأن نفقتها تجب في مقابلة التمكين عوضاً كالمهر.
فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما تقدم أنه يجب نفقتها في كسبه، فإن لم يكن له كسب، قال في القديم: تجب في رقبته لأن تضمن الإمكان ولا وجه له إلا الرقبة فعلي هذا يباع منه جزء فجزء إلي إن يباع جميعه.
الجزء: 11 - الصفحة: 470
وقال في الجديد: لا يتعلق برقبته بل يكون في ذمته وتخير المرأة كما لو أعسر الحر بنفقتها.
فرع:
لو طلق العبد زوجته، فإن طلقها واحدة رجعية وجبت عليه نفقتها في عدتها، وإن طلقها بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها، وإن كانت حاملًا.
فإن قلنا: النفقة للحامل وجبت النفقة عليه، وإن قلنا: إنها للحمل فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب النفقة، لأن نفقة الأقارب لا تجب على العبد.
والثاني: تجب لأنها معلق بحق المعتدة ومصلحتها ذكره القاضي الطبري، ثم قال: وإذا احتاج إلى خدمتها فذلك له ولا نفقة لها وظاهره يوهم أن السيد إذا استخدم الجارية المزوجة لا نفقة لها على زوجها [ق 198 ب] وليس كذلك ومراد الشافعي ههنا إذا استخدمها على الدوام فلا نفقة، وإن استخدمها أحيانًا وبعث إليه عند فراغها من خدمته، فقد ذكرنا أن لها النفقة لأن هذا يكون تمكين الإماء.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الحُرِّيَّةُ فَكَالمَمْلُوكِ".
من بصفة حر وبصفة عبد يلزمه نفقة زوجته فيما يخص الرق يكون في كسبه وما يخص الحرية يكون في ذمته ولا شك أنه ينفق بما فيه من الرق نفقة المعسر وهو نصف مد، وأما بما فيه من الحرية نظر، فإن كان معسرًا فعليه نصف مد آخر تمام المد الواحد، وإن كان موسرًا بما فيه من الحرية.
قال الشافعي: نفقته نفقة المعسر أبدًا، وإن كان يملك ألف دينار مثلًا لأنه لما كان حكمه حكم العبد الذي لم يعتق سبًا في النكاح والطلاق والعدة فكذلك في النفقة.
وقال المزني وبعض أصحابنا: عليه نفقة الموسر بما فيه من اليسار فيكون عليه مد ونصف نصف مد بما فيه من الرق ومد بما فيه من الحرية مع اليسار.
واحتج المزني فقال: إذا كان تسعة أعشاره حرًا، قال الشافعي: يجعل أعشار ما يملك ويرثه مولاه الذي أعتق تسعة أعشاره فكيف لا ينفق على قدر سعته.
وقال: قال الشافعي في كتاب الأيمان: إذا كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا كفر بالإطعام كالحر تبعض الحرية هناك ولم يجعله ببعض الحرية ههنا كالحر بل جعله كالعبد والقياس على أصله ما قلنا من أن الحر ينفق بقدر سعته والعبد منه بقدره، وكذا قال في كتاب زكاة الفطر على الحر منه بقدره في زكاة الفطر وعلى سيد العبد قدر الرق منه فالقياس ما قلنا ففهموه كذلك نحوه [ق 199 أ] إن شاء الله تعالى والجواب أن الشخص إذا كان بعضه مملوكًا
الجزء: 11 - الصفحة: 471
وبعضه حرًا كان بالمقدار المملوك ملتحقًا بالمماليك، وهذا نقصان ظاهر بمنعه حكم الملك المطلق ولا يكتسب كسبًا قليلًا ولا كثيرًا إلا وفيه لسيده شركة بسبب ما يملك من رقبته ولهذا لا يستغني عن مهايأة أو مقاسمة سوى المهايأة، وما دام في رقته شيء من أدق فهو مرهون بهذا النقص وما دام موصوفًا بهذا النقص فالأولى أن يستدام فيه آثار نقصان الرق إلى أن يستكمل صفة الحرية.
وأما ما ذكر من الميراث فيه قولان:
أحدهما: لا يرثه أحد، وإن سلمنا أنه يورث بقدر ما فيه من الحرية نقول: إذا مات وبعضه حر، وفي يده مال من حصة حريته، فهذا السيد كامل الملك ومن أهل الميراث وقد انقضى اعتبار نقصان الرق في الرقيق بموته فغلبنا جانب سيده الذي أعتقه ألا ترى أنه موروث هذا الشخص الذي بعضه رقيق وبعضه حر لو مات فلا ميراث له لأنه حين يأخذ الميراث بما فيه من نقصان الرق فكذلك لا يجوز أن يلزمه شيء من نفقة الأحرار وهو حين يلتزمها ناقص ينقص الرق.
وقد قال الشافعي في الجديد: لو أذن السيد لعبده فتمتع بالعمرة إلى الحج فلا يجزيه سوى الصوم ولو ملكه سيده شاة ليذبحها لم تجزه لأنه مملوك.
ثم قال: ولو مات العبد فذبح السيد عنه شاة وقعت موقعها ففاصل بين حياته وموته، وأيضًا الميراث مبني على التبعيض والنفقة لا تتبعض ألا ترى أن الحرة إذا سلمت نفسها بالليل دون النهار أو بالنهار دون الليل لم يستحق من النفقة شيئًا.
وأما ما ألزم المزني من الكفارة كيف يستقيم إلزامه وهو لا يجعله في النفقة كالحر المطلق ولكن يجعل حكمه [ق 199 ب] مبعضًا والشافعي لم يبعض حكمه في الكفارة في إلزامه الإطعام وإنما غلب جانب الحرية في الكفارة؛ لأن الكفارة حيث تجب إنما تجب بعقد اليمين والعبد والحر في عقد اليمين سواء، وهذه النفقة إنما يجب بعقد النكاح، ومن نصفه حرّ ونصفه عبد كالمملوك في عقد النكاح ألا ترى أنه لا يستغني عن الاستئذان فجاز أن يلحقه في مقدار النفقة بالمملوك كما لو ألحقناه في أصل عقد النكاح وعدد المنكوحات، ثم يعارضه بأنه لا يكفر بالعتق فدل أنه بمنزلة العبد، وقيل: إذا قلنا العبد لا يملك بالتمليك ولا يكفر إلا بالصيام، وإنما يكفّر بالإطعام على قوله القديم أنه يملك بالتمليك.
وأما زكاة الفطر فإنها تتبع النفقة وإذا كان بعضه حرًا وبعضه رقيقًا يلزمه من نفقة نفسه مقدار حريته فتتبعها الزكاة بقدرها والتبعيض في زكاة الفطر غير مستنكر فإن العبد قد يكون مشتركًا بين السادات فيلزم كل واحد منهم بمقدار حصته بين نفقته.
فأما التبعيض في النفقات فما وجدنا له أصلًا ولا قائلًا يقول به فأما تغليب الحرية، وأما تغليب الرق ويبعد تغليب الحرية لما ذكرنا من عقد النكاح فوجب تغليب الرق.
فإن قيل: النفقة تتبعض فإنها تلزم على المتوسط مد ونصف قيل: هذا ليس بتبعيض بل هو نفقة
الجزء: 11 - الصفحة: 472
كاملة على المتوسط كالمد على الفقير، وعلى ما ذكرنا لا يلزم نفقة أولاده وقراباته لأنه في حكم المعسرين.
وقال المزني في الجامع الكبير: يلزمه نفقة أقاربه تغليبًا للحرية لأنه يمكن تبعيضها، وهذا غلط لما ذكرنا.
باب الرجل لا يجد النفقة من كتابين
مسألة:
قَالَ: "وَلَما دَلَّ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ حَقَّ المَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ [ق 200 أ] أَنْ يَعُولَهَا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا وَيَمْنَعَ حَقَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج فإذا أعسر بنفقتها لا يخلو إما أن يعسر بجميع نفقتها أو يعسر بما زاد على المد الواحد، فإن أعسر بجمع نفقتها كان لها الخيار بين أن ترضي بالمقام معه ونفقتها تصير دينًا في ذمته وتكتسب لنفسها ما يكفيها وبين أن تفسخ النكاح، فإن اختارت الفسخ رفعت أمرها إلى الحاكم حتى يفسخ الحاكم نكاحها ولا يجوز لها أن تفسخ بنفسها.
وبه قال عمر وعلي وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح، والحسن وحماد وربيعة ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: أنها تفسخ بنفسها بعدما ثبتت العجز عند القاضي.
والثاني: يؤمر الزوج أن يطلقها، فإن امتنع طلق عليه السلطان كما نقول في المولى قال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي وعلى هذا يدل حديث عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم إما أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا، وهذا غريب بعيد لم يذكره أهل العراق.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها بحال ولكن يلزمه رفع يده عنها لتكسب، وبه قال الزهري، وابن أبي ليلى، وعطاء بن يسار، وابن شبرمة، وقال القفال: هو قول آخر للشافعي، ذكره في كتاب تحريم الجمع، وهذا أيضًا غريب، وقال جدي الإمام، وبهذا أفتى رحمه الله واحتجوا بأنها نفقة واجبة فلا تستحق فسخ العقد بها كالنفقة للأيام الماضية ونفقة الخادم، وهذا غلط لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما [ق 200 ب].
وروي: من أعسر بنفقة امرأته فرق بينهما، وروى زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن
الجزء: 11 - الصفحة: 473
أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" قال: ومن أعول يا رسول الله قال: "امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: أطعمني واستعملني، ولدك يقول: إلى متى يتركني" أورده الإمام أحمد والبيهقي.
واحتج الشافعي بما روى أبو الزياد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما قلت: سنة يقال: سنة.
قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال سفيان لوكيع: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم الحسب المال والكرم التقوى فقال: أراد أن الرجل إذا كان له مال عظمة الناس فقال سفيان: ليس كذلك إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد نفقة زوجته فرق بينهما.
واحتج أيضًا بما ذكره في آخر هذا الباب، وهو أن يثبت لها حق الفراق عند العجز عن النفقة والضرر أكثر، وفي فقدها فقد الحياة أولى.
وأما النفقة الماضية فقد صارت دينًا في ذمته ونفقة الخادم لا تقصد بكل نكاح بخلاف هذا.
فرع:
إذا أعسر بما زاد على المد لا خيار لها ولا نصير دينًا في ذمة الزوج وكان الموكل الواجب لها.
فرع آخر:
لو أعسر بكسوتها لها الخيار لأن الكسوة كالقوت ويحتاج إليها لنفي الحر والبرد وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خيار لها لا بنية الخلقة لا تقتضي الكسوة والبدن يقوم بدونها وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بسكناها لها الخيار لأنه يحتاج إليها ليكفها من الحر والبرد.
قال أبو حامد، وجماعة لا نص فيه [ق 201 أ] والقياس أنه لا خيار لها لأنه تابع ولا يعدم موضعًا يسكن فيه وتكن أجرته في ذمته يتبع به إذا وجد ويحتمل أن يثبت الخيار لها، والأصح عندي ثبوت الخيار لها.
فرع آخر:
لو أعسر بأدمها، قال الداركي: لها الخيار عندي لأن الإدم بمنزلة النفقة ووجوب أحدهما لمن له وجوب الآخر.
وقال أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه كالقوت والذي اختاره أنه لا خيار لها لأنه تبع وتقوم النفس بدونه ويكون عوضه في ذمته لأنه لا يسقط بالإعسار
الجزء: 11 - الصفحة: 474
وهو اختيار القفال: وعندي الأول أصح لأنها تستصغر بعدمه ضررًا بينًا.
وقال في "الحاوي": إن كان قوتًا ينساغ للفقراء كله على الدوام بغير أدم لم تفسخ وإلا فسخت، وهذا حسن.
فرع آخر:
لو أعسر بنصف مد وقدر على نصف مد كل يوم أو قدر على مد يومًا وأعسر يومًا فيها الخيار.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا خيار لها لأن البدن يقوم بما وجد وإن لخفتها مشقة، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر:
لو أعسر بنفقة يوم فلم تفسخ ثم وجد نفقتها في اليوم الثاني لا خيار لها لإعساره بنفقة الأمس لأنها تثبت في ذمته دينًا.
فرع آخر:
لو كان لا يجد في أول اليوم إلا نفقة الغداء وفي آخره إلا نفقة العشاء ففي خيارها وجهان:
أحدهما: لا خيار لها لأنها تصل إلى الكفاية في وقتها.
والثاني: لها الخيار لا نفقة اليوم لا تبعيض ولو تبعضت لجاز أن يعطيها لقمة لقمة.
فرع آخر:
إذا كان الرجل موسرًا فامتنع من الإنفاق عليها أجبره السلطان عليه فإن امتنع ولا يعرف له مال ظاهر حبسه أبدًا حتى ينفق، وإن كان له مال ظاهرًا أنفق عليها منه، وإن غاب غيبة معروفة أو غيبة منقطعة فلا خيار لها وإن تعذر استيفاء [ق 201 ب] النفقة من ماله لأنه لا عيب بذمته، وهذا الخيار إنما يثبت الغيب بذمته، وهو معدوم عند الانتفاع، فإن طالت غيبته وخفي خبره صارت امرأة المفقود، وقد مضى حكمه.
قال أبو حامد: وهذا مما يغلط فيه الفقهاء يقولون لها الخيار إذا تعذر استيفاء النفقة بهربه أو غيبته.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان وقول الأكثرين أنها لا تفسخ، وقال القفال: مرة فيه قولان:
أحدهما: لا خيار كما لو امتنع من وطئها مع القدرة.
الجزء: 11 - الصفحة: 475
والثاني: لها الخيار؛ لأن المنع كالعجز كما لو منع المشتري الثمن فالبائع أحق بماله وقال مرة أخرى، إن قلنا في العاجز: لا خيار فههنا الأولى، وإن قلنا لها الخيار هناك فههنا وجهان والمشهور من المذهب ما ذكره أبو حامد والمصلحة في الفتوى على الوجه الآخر لأن عليها في الصبر ضررًا، وهو اختيار القاضي الطبري ذكره في الشامل وقبل كلام الشافعي يدل على هذا لأنه قال: احتمل أن لا يكون له أن يستمتع منها ويمنع حقها، وهذا لا يصح لأنه ذكر بعد هذا ما يدل على أن المراد به المنع بالاعتبار دون الظلم.
مسألة:
قَالَ: "إِذَا وَجَدَ نَفَقَتَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا".
إذا كان الرجل يكتسب في كل يوم قدر ما ينفقه على زوجته في ذلك اليوم لا يثبت لها حق الفسخ لأنهما إنما استحق نفقتها يومًا فيومًا وهو قادر عليها ولا تجب نفقتها للزمان القابل، وقال في "الحاوي": حال من أحوز به النفقة على ثمانية أقسام:
أحدها: أن يكون لشروعه في عمل لم يستكمله بعد ويقدر بعد استكماله على النفقة كالنساج الذي ينسج في كل أسبوع ثوبًا، فإذا نسجه كانت أجرته نفقة أسبوعه فلا خيار لزوجته، لأنه في حكم الواحد، وإن تأخرت وينفق من الاستدانة [ق 202 أ] لإمكان القضاء، ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والثاني: أن يكون لتعذر الحمل كالبناء والنجار فلم يستعمله أحد، فإن كان تعذره نادرًا لا خيار، وإن كان غالبًا فلها الخيار.
والثالث: أن يكون لعجز عن التصرف كالصانع إذا مرض، فإن كان مرجو الزوال بعد يوم أو يومين لا خيار، وإن كان بعيد الزوال لها الخيار.
والرابع: أن يكون لدين له غريم لا يملك سواه ومطلة، فإن كان معسرًا فالدين عليه بأنه فلها الخيار، وإن كان على موسر حاضر فمالك الدين موسر به فلا خيار ويحبس الغريم حتى يؤدى والزوجة في حكم من زوجها موسر، وقد منعها النفقة يحبس على نفقتها، وإن كان الدين على موسر غائب ففي خيارها وجهان كالوجهين في زوجة الموسر الغائب.
والخامس: أن يكون المال غائبًا عنه ينتظر قدومه لينفق منه، فإن كان على مسافة قريبة لا تقصر في مثله الصلاة لا خيار لها لأن ماله في حكم الحاضر ويؤخذ بتعجيل نقله، وإن كان بعيدًا فهو في حكم النيابة ومالكه كالمعدوم فلها الخيار.
والسادس: أن يكون مالكًا لمال حاضرًا استحق عليه في ديونه لا خيار لها قبل
الجزء: 11 - الصفحة: 476
قضاء الدين لأن له أن ينفق منها قبل القضاء والمستحق في قضائه ما فضل عن قرب يومه وليلته، فإذا قضى دينه صار بعد يومه معسرًا فلها الخيار.
والسابع: أن يعجز عن حلال الكسب ويقدر على محظوره فهو على ضربين، فإن كانت أعيانًا محرمة كالسرقة وأثمان الخمور فالواحد لها كالعادم، والثاني: أن يكون الفعل الموصل إليه محظورًا كصناع الملاهي المحظورة لأنه مستعمل في محظور لا يستحق به ما سمي له من الأجرة ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا فيصير به موسرًا [ق 202 ب] ولا يكون لزوجته خيار وكذلك كسب النجم والكاهن يوصل إليه بسبب محظور لكنه قد أعطى عنه عن طيب نفس المعطى فأجرى مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب فساغ له إنفاقه وخرج به من حكم المعسرين وسقط به خيارها.
والثامن: أن يكون عجزه لعدم الملك والكسب فهو المقتر على الإطلاق فلها الخيار وهذا كله حسن صحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يُؤَجَّلْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ".
الإعسار على ضربين: إعسار تأخير، وإعسار عجز، فأما إعسار التأخير فما ذكرنا في النساج والصانع فلا يثبت الخيار لأنه تأخير لا يستضر به كبير ضرر، وأما إعسار العجز والعدم فيثبت الخيار على ما ذكرنا ولكن هل يؤجل ثلاثًا.
قال في القديم: خيارها على الفور ولا يؤجل، وقال: ههنا يؤجل ثلاثًا ولا يؤجل أكثر، وقال في الإملاء: يؤجل يومًا وليس هذا قولًا آخر وأراد إذا أجل يومًا جاز ولم يرد أنه لا يؤجل أكثر من ذلك.
واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما قلنا في الثاني بالمرتد والمولى إذا قال: أجلوني للجماع هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان:
أحدهما: لا يؤجل لأن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد.
والثاني: يؤجل ليتيقن الإعسار، لأن الكسب ربما يقف، ثم يظهر.
ومن أصحابنا من قال: يؤجل ثلاثًا قولًا واحدًا، وهذا اختيار القفال.
فرع:
إذا أمهلناه ثلاثة أيام فمضى يومان، ثم وجد نفقة اليوم الثالث ثم أعسر لا يستأنف له مدة الثلاث بل اليوم الرابع يتمم ثلاثة أيام فيخير لأنا لو قلنا: لا يثبت الخيار إلا بثلاثة أيام متوالية أدى إلى الإضرار بها وعلى هذا إذا لم ينفق عليها يومًا وأنفق يومًا، ثم لم ينفق يومًا كذلك [ق 203 أ] حتى كملت بالتلفيق ثلاثة أيام فلها أن تفسخ النكاح وكذلك لو
الجزء: 11 - الصفحة: 477
لم ينفق ثلاثة أيام، ثم أنفق في اليوم الرابع، ثم أعسر خير في الحال لأن التأجيل قد حصل، ذكره القفال وجماعة، ومن أصحابنا من قال: إنه يؤجل دفعة أخرى، فإن تكرر وصارت عادة تخير، وهذا حسن والصحيح ما سبق.
فرع آخر:
قال الشافعي: ولا تمنع المرأة في الثلاث أن تخرج فتعمل، وأراد به أنه إذا أمهل الزوج ثلاثة أيام ليس له أن يحجر عليها في طلب ما يقوتها ويسد رمقها من اكتساب ومسألة فإن وجد النفقة بعد الثلاث أنفق عليها وإلا كان لها الخيار.
فرع آخر:
لو كان لها مال ليس له منعها من الخروج من الدار أيضًا للكسب ولو قدرت على الاكتساب في منزلها بغزل أو خياطة وأرادت الخروج للكسب يعمل في غير منزلها كان لها ولا يستحق الحجر عليها في أنواع الكسب ويلزمها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج لأنه زمان الإيواء لا العمل.
فرع آخر:
إذا رجعت بالليل فأراد الاستمتاع بها لا يمنع لأن الليل زمان الدعة ولا يستحق ذلك في النهار، ولو امتنعت في الليل صارت ناشزة لا نفقة لها وهكذا إذا رضيت بالمقام معه على إعساره مكنها من الاكتساب نهارًا واستمتع بها ليلًا ونفقتها تصير دينًا عليه بالتمام يؤخذ بعد يساره وليس كالأمة تسقط نفقتها إذا بالليل دون النهار لأن منع الأمة من جهتها ومنع المعسر من جهته فلا تسقط به نفقتها، ذكره في "الحاوي".
ثم قال الشافعي: "فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خُيِّرَتْ كَمَا وَضَعَتْ فِي هَذَا القَوْلِ" وهذا منه إشارة إلى قول آخر، وقد ذكرنا ما قاله القفال والمشهور المسألة على قول واحد.
[ق 203 ب].
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَتَهَا وَلَمْ يَجِدْ نَفَقَةَ جَارِيَتِهَا لَمْ تُخَبَّرْ".
إذا أعسر بنفقة خادمة زوجته لا خيار لها لأنه لا ضرر عليها في نفسها تفقد نفقة خادمتها وهي بتماسك نفقة نفسها، ولأن نفقة خادمتها ليست بعوض من تسليم نفسها بخلاف نفقتها فإنها عوض من تسليم نفسها فافترقا، وقيل له إسقاط نفقة خادمتها بأن يخدمها بنفسه، وما كان له إسقاطها لا يثبت الخيار لها بالعجز عنها، فإذا ثبت هذا، فإن
الجزء: 11 - الصفحة: 478
نفقة خادمتها تكون دينًا في ذمته تطالبه بها إذا أيسر وإنما كان كذلك لأنه اعتبر في وجوبه حالها بخلاف المد الزائد، فإنه لا يثبت في ذمته لأنه اعتبر في وجوبه حاله.
واعلم أن حق المطالبة بنفقة الخادمة للزوجة لا للخادمة لأنها من كمال نفقة الزوجة، وقال بعض أصحابنا بخراسان في نفقة الخادمة وجه آخر لها الخيار بالعجز عنها لأنها مستحقة بالنكاح كنفقة الزوجة، وهذا ليس بشيء.
فرع:
لو خدمها الزوج في مدة إعساره بنفقة خادمها ففي رجوعها عليه بنفقة الخادم وجهان مخرجان من الوجهين هل يجوز للزوج أن يسقط بخدمته لها نفقة خادمها أم لا.
مسألة:
قَالَ: "وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي إِذَا لَمْ يَجِدْ صَدَاقَهَا أَنْ يُخَيِّرَهَا".
الفصل:
إذا أعسر بالصداق اختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدها: إن كان قبل الدخول فيه قولان:
أحدهما: لا خيار لها لأن نفسها تقوم بدون الصداق بخلاف النفقة، وأيضًا النفقة بإزاء الاستمتاع بدليل أنها تسقط بالنشوز، فإذا لم ينفق كان لها أن تمنع الاستمتاع على وجه تنتفع هي به وهو بالفسخ والمهر إنما وجب بالعقد وهي قد صارت حكمًا فلا خيار لها بالعجز عنه، ومن قال هذا [ق 204 أ] قال: تأويل كلام الشافعي في الإملاء لها الخيار يعود إلى النفقة لا إلى المهر.
والثاني: لها الخيار لأنه بدل من البضع كثمن المبيع والأجرة، وهذا أقيس، وإن كان بعد الدخول فلا خيار لها قولًا واحدًا لأنه صار دينًا في ذمته ويلف ما في مقابلة فهو بمنزلة النفقة الماضية، وأيضًا فإنها لما سلمت نفسها كان ذلك رضا منها بكونه في ذمته فلم يكن لها الفسخ، وهذه الطريقة ذكرها ابن أبي هريرة واختارها صاحب الإفصاح.
والثانية: لا فرق بين أن يكون قبل الدخول أو بعده فيه قولان لأنها سلمت بعض المعقود عليه والمهر في مقابلة جميع الوطيات الماضية والمستقبلة فلها الفسخ للمستقبل كما لو وجد بعض المبيع في يد المفلس له الخيار.
والثالثة: إن كان قبل الدخول يثبت لها الخيار قولًا واحدًا ويحمل على اختلاف الحالين، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال القفال: وعلى هذا إذا حصل الدخول على أي
الجزء: 11 - الصفحة: 479
وجه كان طوعًا أو كرهًا أو غلطًا سقط حق الفسخ لأن تقرير المهر قد حصل فلو فسخت انتفعت هي به دون الزوج وينبغي أن ينتفع هو بالفسخ أيضًا لسقوط الصداق عنه.
والرابعة: إن كان قبل الدخول لها الخيار، وإن كان بعد الدخول فقولان والأصح ثبوته، وهذا اختيار أبي حامد، وهذه الطريقة أحسن وأصح عندي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على النفقة واختلف أصحابنا في كيفية البناء فمنهم من قال إن قلنا: هناك يثبت الخيار فههنا أولى، وإن قلنا: هناك لا يثبت فههنا قولان، والفرق أن النفقة بإزاء الاستمتاع، فإذا أعسر بها يمنع ما بإزائها وهو أن لا تمكن نفسها والمهر بإزاء طلب البضع، فإذا أعسر به يمنع الملك، ومنهم من قال: إن قلنا هناك لا يثبت الخيار [ق 204 ب] فههنا أولى وإن قلنا: هناك يثبت فههنا قولان والفرق ما تقدم فحصل خمسة طرق وهذه الطريقة الأخيرة أضعفها.
فرع:
لو كانت منقوصة فأعسر بصداقها لا خيار لها لأنه لا مهر لها بالعقد على الصحيح من المذهب ولكن لها المطالبة بفرض المهر، فإذا فرض التحق بالمسمى في العقد.
فرع آخر:
لو كانت امرأته أمة فأعسر بصداقها ونفقتها ففي المهر الخيار للسيد دونها لأنه حقه، وفي النفقة الخيار لها على ما ذكرنا من قبل ولو قال السيد لها أن أنفق عليه عن الزوج لا خيار لها، ولو كانت معتوهة لا خيار لها، لأنه لا قول لها ويلزم المولى أن ينفق عليها ولو كانت عاقلة فلم تختر الفسخ فقول السيد إن أردت النفقة فافسخي النكاح وإلا فلا نفقة لك لأنها تقدر على طلب الفسخ.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة صغيرة ليس للولي طلب الفسخ بل ينفق من مالها عليها، فإن لم يكن لها مال فنفقتها على قريبها الذي يلزمه لو لم تكن زوجته ثم إذا أيسر الزوج بعده يؤخذ من نفقتها الماضية.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ اخْتَارَتْ المَقَامَ مَعَهُ فَمَتَى شَاءَتْ أجِّل أَيْضًا".
إذا أعسر بنفقة امرأته فخيرناها فاختارت المقام معه، ثم بدا لها، فاختارت الفسخ كان لها الفسخ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم ولا يصح الرضاء بإعسار ما لم يجب فكان لها المطالبة وكان عفوها عن الماضي لا عن المستقبل ولا فرق في هذا بين أن
الجزء: 11 - الصفحة: 480
يكون علمت عسرته حين عفت وبين أن لا تكون عالمة بعسرته لأنها ربما تعفو عن ماضي حقها رجاء أن يؤسر في المستقبل أو يتطوع عنه إنسان بالعزم وكذلك لو تزوجت به مع علمها بفقرة لها الخيار به.
فرع:
لو علمت بعسرته عند العقد هل لها الخيار لأجل الصداق وجهان:
أحدهما: لا خيار لها؛ لأنها لو رضيت به [ق 205 أ] في النكاح لا يبقى لها الخيار فكذلك إذا دخلت في العقد مع الرضاء لا خيار ولأنه تجب بالعقد، وقد رضيت بتأخيره؛ لنه كان معسرًا به والنفقة تجب بعد العقد ويرجى التحصيل بالتكسب والاجتهاد غالبًا بخلاف الصداق.
والثاني: لها الخيار لأنها لا يتحقق دوامه لجواز أن يوسر أو يتطوع به متطوع ولهذا لو باع شيئًا من رجل فعل إفلاسه له فسخ البيع لتعذر استيفاء الثمن وكما نقول في النفقة.
فرع آخر:
إذا عادت إلى المطالبة بعد الرضاء بإعساره، قال القفال: يستأنف الإمهال ثلاثة أيام وهو ظاهر ما ذكر ههنا لأنه قال: فمتى شاءت أجل أيضًا بخلاف امرأة المولى إذا رضيت، ثم عادت إلى المطالبة بوقت في الحال لأن تلك مدة مضروبة بنص الكتاب وههنا ضربنا له المدة رفقًا له، فإذا رضيت سقط حكم تلك المدة وعندي يتحمل أن يقال لا تستأنف له المدة، وقول الشافعي أجل لا ينتفي التأجيل ثلاثة أيام.
فرع آخر:
إذا أعسر بالصداق وقلنا: لها الخيار فخيارها على الفور بعد التنازع فيه إلى الحاكم، لأن الفسخ به لا يثبت إلا عند الحاكم، فإذا أمسكت عن محاكمة بعد العلم بإعساره نظر، فإن كان إمساكها قبل المطالبة بالصداق كانت على الخيار عند محاكمته لأنه قد يجوز أن يوسر به عند مطالبته، وإن كان إمساكها بعد المطالبة سقط خيارها وكان الإمساك عن محاكمته رضاء بإعساره ولو حاكمته وعرض عليها الحاكم الفسخ فاختارت المقام سقط خيارها، فإن عادت محاكمة له فطلب الفسخ لا خيار لها إن كانت المحاكمة الأولى بعد الدخول لاستواء إعساره في الحالين، وإن كانت المحاكمة الأولى والرضا [ق 205 ب] فيها بالمقام قبل الدخول، والمحاكمة الثانية بعد الدخول ففي استحقاقها للخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول ففي استحقاقها وللخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار كما لو كانت المحاكمتان بعد الدخول.
الجزء: 11 - الصفحة: 481
والثاني: لها الخيار، لأن ملكها قبل الدخول كان مستقرًا على نصفه وبعد الدخول على جميعه فصار إعساره بعد الدخول بحق لم يكن مستقرًا قبل الدخول فجاز أن تستجد به خيارًا لم يكن، ذكره في الحاوي وسائر أصحابنا قطعوا بأنه لا يتحدد لها الخيار به إذا رضيت مرة.
فرع آخر:
لا تسقط النفقة عندها بمضي الزمان سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: تسقط إلا أن يفرضها الحاكم فلا تسقط بعد فرضها، وهذا غلط لأنها تجب في حالتي اليسار والإعسار كالمهر والديون.
مسألة:
وَقَالَ: "وَلَهَا أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِ إِذَا أَعْسَرَ بِصَدَقِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ".
معناه إذا رضيت بالمقام معه ولم تفسخ النكاح للإعسار بالصداق فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تأخذ الصداق، لأن الصداق في مقابلة البضع، فإن أصحابها مرة مطاوعةً قد ذكرنا أنه يسقط حق حبسها، وإن أصابها مكرهة قد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: لها الحبس كالمشتري إذا قبض المبيع كرهًا قبل دفع الثمن فللبائع الاسترجاع للحبس.
والثاني: ليس لها الحبس لأن المهر قد تقرر عليه، وإذا استرد البائع المبيع يرتفع تقرير الثمن على المشتري وههنا بامتناعها لا يرتفع تقرير المهر عليه فافترقا، وإن كان موسرًا بالصداق فقال: لا أدفع حتى تسلمي نفسك وقالت [ق 206 أ] لا أسلم نفسي حتى تدفع الصداق ذكرنا في كتاب النكاح، والله أعلم.
باب نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها
مسألة:
قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:6].
وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فَلَمَّا أَوْجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا النَفَقَةِ بِالحَمْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا بِخِلَافِ الحَمْلِ.
وقد ذكرنا فيما مضى أن لكل مطلقة السكنى سواء كانت حاملًا أو حائلًا رجعية كانت أو بائنة.
وأما النفقة فإن كانت رجعية فلها النفقة لأنها في معاني الأزواج، وإن كانت بائنًا فإن كانت حائلًا فلا نفقة لها خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى
الجزء: 11 - الصفحة: 482
للمطلقة على الإطلاق وقيد النفقة بالحمل فقال: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ولم يرد به الرجعية فدل أنه أراد به البائنة وبذلك جاءت السنة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها صلى الله عليه وسلم: ليس لك نفقة وكانت بائنة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لها: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حائلًا" وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "نفقة المطلقات ما لم يحرم" يعني ما لم تكن بائنة، وقال عطاء: ليست المبتونة الحبلى منه في شيء إلى أنه ينفق عليها من أجل الحبل، فإن كانت حبلى فلا نفقة لها، وقد ذكرنا أنها للحمل أو الحامل قولان منصوصان، والأصح أنها تستحق في الحال فالأمارات لأن الأحكام تتعلق بها.
مسألة:
قَالَ: "وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ سُكْنَى فَلَيْسَتْ إِلَّا فِي نِكَاحٍ فَلَا نَفَقَةَ حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ [ق 206 ب].
قال أصحابنا: أراد بالنكاح المنسوخ إذا فسخ أحدهما النكاح لوجود عيب بصاحبه فلا تجب النفقة ولا السكنى لأن ذلك بمنزلة النكاح الذي وقع فاسدًا في الأصل، وقد بيناه في كتاب النكاح.
فأما قول الشافعي حائلًا أو غير حامل إنما ذكر على القول الذي يقول النفقة للحامل، فأما إذا قلنا النفقة للحمل فلها النفقة وكذلك المنكوحة نكاحًا فاسدًا مثل نكاح المتعة والنكاح بلا ولي ولا شهود، إذا كانت حائلًا هل تستحق النفقة فيه قولان لأن النسب ثابت منه في الحالين:
واعلم أن الشافعي أوجب ههنا للمبتوتة الحال النفقة بسبب الحمل، ثم ذكر النكاح الفاسد ولم يجعل للحامل النفقة وعطف إحدى المسلمين على الأخرى وفرق بينهما والقياس يقتضي التسوية بين المسلمين في بنائهما على القولين، وهذا موضع الإشكال ولكن يحتمل أن يقال إذا كانت معتدة عن نكاح صحيح فإنها بحق العقد الصحيح تستحق حقوق الحضانة في تربية الولد وهي مشتغلة بما هو أبلغ من الحضانة لأنها تربية في بطنها فاستحقت عليه النفقة لحق العقد السابق ما دامت في العدة عن ذاك العقد وإذا كان الوطء شبهة لم يثبت ما فيه مثل هذا الحق، وقال صاحب الحاوي: إذا فسخ نكاحها بالعيب المتقدم على العقد وهي حامل هل تستحق نفقتها في زمان الحمل ويجعل كالمنسوخ من أصله؟ قولان بدليل استحقاق مهر المثل، هكذا قال أصحابنا والصحيح عندي أن لها النفقة قولًا واحدًا إلحاقًا بالفسخ الطارئ الرافع لاستدامة العقد في هذا الحكم لأنه وجد موجبي الاستحقاق قبل الفسخ من استحقاق التمكين وحرمة العقد.
الجزء: 11 - الصفحة: 483
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ ادَّعَتِ الحَمْلِ [ق 207 أ] فَفِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِيَقِينِ حَمْلِهَا حَتَّى تَلِدَ فَتُعْطَى نَفَقَةَ مَا مَضَى".
الفصل:
قد ذكرنا أن النفقة للحمل أو للحامل قولان والصحيح أنها للحامل وقوله ههنا حتى تلد فيعطى نفقة ما مضى دليل على أن النفقة للحامل لأن نفقة الأقارب يسقط لمضي الزمان.
وحكي ابن الحداد، عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: لو أن مسلمة ارتدت فلا نفقة لها على زوجها، وإن كانت حاملًا وكذلك لو أسلم الزوج وتخلفت عن الإسلام وهي حامل فلا نفقة لها على زوجها ما لم يسلم كما لا نفقة لها إذا لم يكن حائلًا، وهذا يوضح أن نفقة الحامل لها في نفسها لا للولد.
والثاني: أنها للحمل وقد ذكرنا أنها هل تستحق قبل الوضع قولان.
فإذا قلنا: يستحق وهو اختيار المزني فقولها لا يقبل في وجوب النفقة حتى تشهد أربع نسوة عدول أن بها حملًا أو يشهد رجلان أو رجل وامرأتان بذلك، فإذا أقامته البينة أنفق عليها من وقت تقام البينة يومًا بيوم ودفع إليها نفقة ما مضى من حين الطلاق إن قامت البينة بالحمل، وإذا أنفق عليها، ثم بان أنه كان ريحًا ولم يكن حملا.
قال أبو إسحاق إذا قلنا: يلزمه أن ينفق عليها في حال الحمل رجع عليها بما أنفق سواء حكم عليه الحاكم أولم يحكم بذلك وسواء شرط عليها الرجوع أو لم يشرط لأنه أنفق ما لزمه أن ينفق، فإذا تبين أنه لم يكن لازمًا رجع عليه.
وإذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها حتى تضع فتبرع وأنفق، فإن كان بحكم الحاكم رجع، وإن كان من غير حكمه، فإن كان الدفع بشرط الحمل رجع، وإن كان مطلقًا لا يرجع لأن ظاهرة تطوع.
فإن قيل: إذا أنفق الرجل على امرأته ثم تبين أن النكاح كان فاسدًا ففرق الحاكم بينهما لا يرجع الزوج عليها بما أنفق فما الفرق [ق 207 ب] قيل: الفرق أن الزوج أنفق عليها في مقابلة ما أتلف عليها من منافعها وهو الاستمتاع الذي استمتع بها فلم يجز أن يرجع عليها بما أنفق خلاف مسألتنا.
فإن قيل: لو كان ذلك على طريق المعاوضة لوجب إذا مكنته من الاستمتاع إلا أنه لم يستمتع بها ولم يسلمها أن يكون لها المطالبة بنفقة ما مضى قبل العوض في النكاح الفاسد لا يجب إلا بالإتلاف.
فأما بالتمكين فلا يجب ألا ترى أن المشتري لا يلزمه تسليم الثمن في البيع الفاسد بالتمكين من المبيع ما لم تبلغه فإذا أتلفه يلزمه ذلك ههنا
الجزء: 11 - الصفحة: 484
وقال في "الحاوي" إن لم يشترط فيها التعجيل لم يرجع لأنه متطوع، وإن شرط فيها التعجيل، فإن ضمنها الرجوع بها إن أنعش حملتها فله الرجوع اعتبارًا بالشرط، وإن لم يضمنها الرجوع بها فيه وجهان:
أحدهما: يرجع، وهو الأصح تغليبًا لحكم ما أشرطه من التعجيل كما في تعجيل الزكاة.
والثاني: لا يرجع بها إذا شرط التعجيل حتى يشترط التضمين معه لاحتمال التعجيل واختلاله بالتضمين الذي هو أقوى.
قال القفال: وعلى ما ذكرنا أقول في دلالة باع شيئًا من رجل فأجرته على البائع الذي أمره بذلك، فإن أخذ من المشتري شيئًا، وقال: وهبت هذا لي فقال: نعم إن عرف أنه لا شيء له، وأنه متبرع بالهبة صحت الهبة، وإن ظن أنه واجب عليه يهب فله الرجوع لأنه لم يتبرع، وهذا لأن الأصل أن من أعطى شيئًا على أنه واجب فبان أنه غير واجب فله الرجوع.
فرع:
إذا قلنا: لا يلزمه أن ينفق عليها في زمان الحمل فوضعت يلزمه نفقة ما مضى لها من حين الطلاق إلى أن وضعت سواء قلنا إنها للحمل أو لا، ولا يسقط بمضي المدة، وإن قلنا: إنها للحمل ويخالف نفقة الأقارب لأن المستوفي ههنا الزوجة [ق 208 أ] فلحقت بنفقة الزوجات ولم تسقط بمضي الوقت.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَنَفَاهُ وَقّذَفَهَا وَلَاعَنَهَا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا".
قال أصحابنا: يحتمل أن يكون المراد به أنه إذا قذف زوجته فلاعنها وانتفي من حملها لا نفقة لها ولا سكنى.
وأما النفقة فلا تستحق؛ لأن الحمل ليس منه، وإذا لم يكن الحمل منه لا نفقة سواء قلنا: النفقة للحامل بسبب الحمل أو قلنا إنها للحمل.
وأما السكنى قال أبو حامد: لها السكنى لأنهما افترقا عن نكاح صحيح، وقال غيره فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب لما روي في خبر المتلاعنين قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نفقة لها ولا يثبت لأنهما يفترقان من غير طلاق.
والثاني: لها السكنى لأن الله تعالى أوجب للمعتدة السكنى وهذه الفرقة يختلف فيها فمنهم من يقول طلاق ومنهم من يقول فسخ فلم تسقط السكنى إلا بيقين وقيل:
الجزء: 11 - الصفحة: 485
الفسخ الطارئ يجعل بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ وإيجاب السكنى فيه مناقضة ولكنه يتعلق بقول الزوج فيجري مجرى قطع النكاح بالطلاق كمل قلنا في الخلع مع قولنا إنه فسخ قالوا: ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المطلقة دون الزوجة، فينظر، إن كانت رجعية حكمها حكم الزوجة، وإن كانت بائنًا هل يجوز اللعان على نفي حملها، قد ذكرنا في كتاب اللعان قولين:
فإذا قلنا له: إنه لاعن فلاعن فالحكم على ما ذكرنا في السكنى والنفقة، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا هناك لا سكنى فههنا يحتمل وجهين:
أحدهما: لها السكنى لأنها اعتدت عن الطلاق.
والثاني: لا سكنى لأن نفقتها سقطت لأجل اللعان فلذلك السكنى، وإن أكذب نفسه بعد اللعان رجعت المرأة بنفقتها في زمان الحمل سواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل بسببه لما ذكرنا أنها وإن كانت للحمل [ق 208 ب] فإنها تتعلق بحقها وتنصرف إلى مصالحها فلم تسقط بمضي الزمان، وقد قال في "الأم" لو كانت أرضعته ثم أكذب نفسه يلزمه أجرة الرضاعة لأنها أرضعته على أن لا أب له إلا أنها تطوعت به.
وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن النفقة قبل الوضع تجب لها وبعد الوضع تجب للحمل فإنه لم يوجب النفقة لها بعد الوضع بل أوجب أجرة الحضانة وأجراها مجرى الأجرة.
وقال القفال: إذا كذب نفسه بعد الوضع يلزمه الأجرة والنفقة أيضًا قال: ولو استدانت لغيبة الأب أو عند امتناعه من الإنفاق لها الرجوع عليه، وهذه ولاية للأم في ولدها ولا تجعل متبرعة بذلك، وهو أصح عندي ويحتمل أنه أراد أجرة الرضاع نفقتها على التمام فإن قال قائل: لو لم ينف ولدها فأعتقت هي عليه قلتم: لا يرجع عليه فما الفرق قلنا: الفرق أن هناك تبرعت بالإنفاق عليه وههنا لم تتبرع بل أنفقت بحكم الحاكم أن الولد منفي ونظير هذا أنه لو قضى دينًا على ظن أنه عليه، ثم بان خلافه له الرجوع، ولو ملك إنسانًا شيئًا ابتداءً ليس له الرجوع وكذلك لو زكى عن ماله على ظن سلامته فبان أنه كان تالفًا وشرط ذلك له الرجوع ولو تصدق عليه به تطوعًا لا رجوع وكذلك لو كان الأب موسرًا فظن أنه معسر فأنفق عليه، ثم ظهر ذلك له الرجوع ولو علم يساره فتبرع فلا رجوع وكذلك لو كان الأب معسرًا فظن أن ابنه معسرًا أيضًا فاستقرض وأنفق على نفسه، ثم بان له يسار ابنه يرجع في ماله بما استقرض ولو علم يساره فاستقرض ولم يطالبه لم يرجع وكذلك لو غاب الابن الموسر فاستقرض أبوه المعسر وأنفق على نفسه يرجع [ق 209 أ] ولو سأل الناس وتكدي وأنفق على نفسه لا يرجع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهَا بِقَوْلِ القَوَابِلِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا
الجزء: 11 - الصفحة: 486
حَمْلٌ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَجَاوَزَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ".
قوله: أو أنفق عليها أي بغير قول القوابل على ظن وجود الحمل، وقد ذكرنا هذه المسألة وإنما رجع عليها إذا جاوزت أربع سنين، لأنا علمنا أنها وإن كانت حبلى فليس ذلك الحمل منه، وإن أنفق عليها على توهم وجوب النفقة لا على جهة التبرع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَلَمْ تَقِرّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ أَوْ كَانَ حَيْضُهَا يَخْتَلِفُ فَيَطُولُ وَيَقْصُرُ لَمْ أَجْعَلَ لَهَا إِلَّا الأَقْصَرَ".
الفصل:
صورته رجل طلق امرأته طلقة رجعية فلم تقر بانقضاء ثلاثة أقراء حتى ظهرت بها أمارات الحمل فأنفق عليها، ثم علم أنه لم يكن حملًا وإنما كان ريحًا أو جاوز أربع سنين، وقلنا: إن ولد الرجعية إذا أتت به لأكثر من أربع سنين لا يلحق به كولد المبتوتة، فقد علمنا أن عدتها منه بثلاثة أقراء، فإن كان قد بان أنه لم يكن حملًا بل كان ريحًا فإنا نرجع إلى إقرارها فيما مضى، فإن كان حيضها مثقفًا لا يختلف جعلنا لها النفقة في مدة ثلاثة أقراء، لأنها اعتدت بها وهي رجعية فكانت لها فيها النفقة، وإن كان حيضها مختلفًا فكانت ترى ثلاثة أقراء في ثلاثة أشهر، وفي ستة أشهر، وفي أكثر من ذلك أو أقل جعلنا لها النفقة في أقل ما يكون من عادتها في ثلاثة أقراء أنها تكون في ثلاثة أشهر فيكون لها النفقة في ثلاثة أشهر ورجع الباقي نص عليها الشافعي.
وقال أبو حامد: نظرنا أقل زمان يمكن أن نحصل فيه ثلاثة أقراء فنوجب لها نفقة ذلك القدر [ق 209 ب] لأن اليقين وهذا أقيس ولكنه خلاف النص ذكره القاضي الطبري وإن لم يكن ريحًا ولكنه كان حملًا إلا أنه جاوز أربع سنين فإنا علمنا أنها وطئت بعد الطلاق فنرجع إليها فنقول لها: بين لنا الحال، فإن قالت: تزوجت بغيره ووطئني وهذا الحمل منه قلنا لها: أتزوجت بعد مضي ثلاثة أقراء أو قبلها، فإن قالت بعدها جعلنا لها النفقة لثلاثة أقراء على ما بيناه وإن قالت: تزوجت بعد مضي قرين قلنا: قد أفسدت قرءًا واحدًا فعليك أن تأتي بقرء آخر بعد وضع الحمل وذلك النفقة في هذا القرء وفيما مضى لقرءين والكلام في مقدار القرءين على ما بيناه.
ثم إن المزني اعترض على الشافعي فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فكذلك النفقة في القياس لها بالعدة قائمة، ولو جاز قطع النفقة بالشك في انقضاء العدة جاز انقطاع الردة بالشك في انقضاء العدة فلما لم تزل الرجعة بالشك في انقضاء العدة الذي لم يجز أن يزول النفقة بالشك في انقضاء العدة قيل: نحن إذا حكمنا بسقوط النفقة حكمنا بانقطاع
الجزء: 11 - الصفحة: 487
الرجعة وكيف ظننت بالشافعي هذا الظن المحال وهو إسقاط النفقة مع استبقاء الرجعة ولكنها ممنوعة عن نكاح زوج آخر ما دامت تزعم أنها في العدة.
وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة التي ذكرها الشافعي غير هذه الصورة وإنما أراد إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فادعت أنه قد تباعد حيضها وامتد طهرها.
وقد ذكرنا حكم تباعد الحيض فقال الشافعي: يكون القول قولها في بقاء العدة عليها وفي ثبوت الرجعة عليها ولا يقبل قولها في وجوب النفقة إلا في مقدار مدة العدة.
واعترض المزني على هذا فقال: إذا حكم بأن العدة قائمة فلذلك النفقة في القياس، والجواب أنه لا تعتبر الرجعة بالنفقة [ق 210 أ] لأن الرجعة عليها والنفقة حق لها فيقبل قولها فيما عليها ولم يقبل فيما لها، وهذا لا يصح لأن الشافعي قال: قبل هذه المسألة إذا طلقها بائنًا وظهر بها أمارات الحمل فأنفق عليها ثم تبين أنها كانت ريحًا ثم عطف عليها هذه المسألة فدل أن الشافعي لم يرد ما ذكره هذا القائل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً بِأَنْ لَا يَنْفِقَ عَلَى الأَمَةِ الحَامِلِ".
الفصل:
أراد به إذا طلق امرأته الأمة بائنًا وكانت حاملًا فعلى الزوج أن ينفق عليها ولا حجة لمن يقول لا ينفق عليها وهذه نصرة من القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل، فإن على ذلك القول هو رفيق لسيدها فالنفقة على سيدها دون زوجها.
واختار المزني القول الصحيح ووجهه ما ذكر ههنا أنها لو كانت للحمل لما تقدرت بكفايتها ولكفي أدنى شيء ولوجب أن يجب على الحدّ نفقة نفقة هذا الحمل عند عدم الأب أو إعساره كما لو كان منفصلًا ولوجب أن تسقط بيسار الولد وهو إذا ورث أو أوصى له بشيء وقبله أبوه، ووجه القول الآخر إنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه فدل أن النفقة له ولأن النفقة لما كانت له إذا كان منفصلًا فكذلك إذا كان متصلًا بها.
قال هذا القائل: وإنما أوجبنا بقدر كفايتها لأنه لا يصل النفع إليه من جهتها فوجب تمام كفايتها كما قلنا في زمان الرضاع لا تلزم الأجرة بقدر قيمة اللبن بل تلزم قدر ما يكون في مثله كفايتها، ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأنه مستمتع بها لكون ولده في بطنها كما كان مستمتعًا بها في زمان النكاح والعدة التي فيها الرجعة، وإذا وضعت زال الاستمتاع فلهذا وجب بوجوده وسقط بعدمه.
وأما قول المزني الأول أحق ضدي لأنه شهد أنه حكم الله تعالى فقال ولكنه حكم الله تعالى يعني إيجاب النفقة لها وحكم الله تعالى أولى [ق 210 ب] مما خالفه وأراد به
الجزء: 11 - الصفحة: 488
قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وهذا الخطاب متوجه على الأزواج فدل على أنها تلزم على زوج الأمة الحامل لا على سيدها.
ثم قال: فأما كل نكاح كان منسوخًا فلا نفقة لها ولا سكنى حاملًا أو غير حامل.
وقد قال بعض مشايخنا: إنها تستحق النفقة إذا قلنا النفقة للحمل، وقد ذكرنا حكم النكاح الفاسد من أصله والذي كان صحيحًا، ثم فسخ فلا معنى للإعادة.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا أردت المسلمة سقطت نفقتها، وإن كانت حاملًا، وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين.
فإن قلنا: النفقة للحامل فالحكم على ما ذكره.
وإن قلنا للحمل لم تسقط بردتها، ووجه ما قاله ابن الحداد أن النفقة وإن كانت للحمل فهي المستحقة لها وتتعلق بها ألا ترى أنها لا تسقط بمضي الزمان قولًا واحدًا فجاز أن تسقط بردتها.
فرع آخر:
قال ابن الحداد: إذا وضعت الزوجة حملها فقال: كنت طلقتك قبل وضعك طلقة، وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك ولا سكنى وكذبته فالقول قولها لأنه يريد إسقاطها حقها من النفقة والسكنى وعليها اليمين على نفي العلم أنها لا تعلم أنها طلقها لأنها يمين على فعل الغير وله أن يتزوج بأختها وأربع سواها ولا رجعة له عليها لأن قوله مقبول في إسقاط حق الرجعة وفي نكاح أختها لا يتعلق حقها وذلك إلى علمه، فإن كان يعلم أنها مباحة له جاز نكاحها ولا اعتراض عليه فيه.
باب نفقة الأقارب من كتاب النفقة
مسألة:
قَالَ: قَالَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّة رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بَيَانُ أَنَّ عَلَى الأَبِ أَنْ يَقُومَ بِالمُؤْنَةِ فِي إِصْلَاحِ صَغِيرِ وَلَدِهِ" [ق 211 أ].
الفصل:
القصد به بيان نفقة الأٌقارب بعضهم على بعض، وبدأ بنفقة الولد لأنها ثابتة بالنص في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] وهذه نفقة الولد دون الأم لأن هذه الآية في المطلقات البوائن بدليل أن الزوجات يستحقن النفقة أرضعن أو لم
الجزء: 11 - الصفحة: 489
يرضعن ولأن الله تعالى سماه أجرًا ولا تسمى نفقة الزوجة أجرًا ولأن الابن بعضه فكما يلزمه نفقة نفسه يلزمه نفقة ولده.
فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين في صفة من تجب عليه وصفة من تجب له فأما صفة من تجب عليه فمن ملك فضلًا عن قوت يوم وليلة، أو كان قادرًا على اكتساب ذلك، وأما صفة من تجب له، فأن يكون ناقص الأحكام أو الخلقة أو فيها جميعًا فنقصان الأحكام بالصغر وزوال نقصان الخلقة بالزمانة والمرض ونقصان الأمرين أن يجتمع فيه الصفتان، فإذا وجدت هذه الصفة نظر، فإن كان موسرًا فنفقته من ماله، وإن كان معسرًا فنفقته على والده.
وبه قال جماعة العلماء من غير خلاف، وحكي عن أبي ثور أنه قال: نفقة الولد الصغير على أبيه، وإن كان له مال، وهذا غلط لأن نفقة القرابة تجب على طريق المواساة، وإذا كان له مال لا يحتاج إلى المواساة، وقيل: نفقة الولد تجب بثلاث شرائط: أن يكون فقيرًا، وأن يكون ناقص الأحكام والخلقة، وأن يكون الأب قادرًا على الإنفاق عليه، وهذا يرجع إلى ما ذكرنا، وإن كان كامل الإحكام والخلقة، وكان معسرًا لا كسب له فيه طريقان.
أحدهما: لا نفقة له قولًا واحدًا.
والثانية: فيه قولان، أحدهما: له النفقة لأن المراهق يستحق النفقة، وإن كان يمكن الاكتساب فلذلك بعد البلوغ، وبه قال أحمد.
والثاني: وهو الذي نص عليه ههنا، وبه قال أبو حنيفة: لا نفقة له لأن القدرة [ق 211 ب] على الكسب يمنع استحقاق الزكاة فكذلك النفقة وعلى كلا القولين لا فرق بين الأب والابنة.
وقال أبو حنيفة: الزمان شرط في الابن دون الابنة فلا تلزم نفقة الابن إذا بلغ صحيحًا ويلزم نفقة الابنة حتى تتزوج لأنه لا يمكنها الاكتساب فهي كالصغيرة.
وقال مالك: هكذا إلا أنه قال: إن طلقت قبل الدخول لا تعود عند أبي حنيفة لا تعود بحال، وهذا غلط لأن كل معنى يسقط نفقة الابن يسقط نفقة الابنة كاليسار وأما ما قاله لا يصح لأنه يكفيهما الغزل والخدمة ويحصل النفقة به، وإن لم يكن له أب أو كان ولكنه معسر وله جد غني فنفقته على الجد.
وبه وقال أبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: لا تجب النفقة على الجد لأنه يدلي بغيره كالأخ، وهذا غلط، لأن بينهما قرابة توجب العتق بالملك ورد الشهادة فتوجب النفقة كالأبوة، وإن لم يكن له جد فيلزم على أب الجد، وجد الجد، وإن علا فإن لم يكن أو كان ولكنه فقر، وله أم غنية فنفقته على أمه ولا ترجع بها على أبيه إذا أيسر، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا تجب النفقة على الأم، وقال أبو يوسف، ومحمد: تنفق عليه الأم، فإذا أيسر الأب رجعت عليه، واحتج مالك بأن لا ولاية لها على الولد فلا يلزمها الإنفاق عليها، وهذا غلط لأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة أو توجب العتق فأشبه الأب مع الابن، واحتج على أبي يوسف، ومحمد بأن من وجب عليه
الجزء: 11 - الصفحة: 490
الإنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب.
واعلم أن جملة مذهبنا أن النفقة تجب على الأب، وإن علا والأم، وإن علت، وتجب على الجدات من قبل الأب والأم والأولاد، إن سلفوا ولا تجب نفقة غيرهم من ذي رحم مرحوم [ق 212 أ].
وقال أبو حنيفة: تجب كل نفقة كل ذي رحم مرحوم بالنسب مثل الإخوة والأعمام والعمات والخالات والأخوال ولا تجب بني الأعمام.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] وبقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وهذا غلط لأن رجلًا قال: يا رسول الله معي دينار، قال: أنفقه على نفسك فقال معي آخر فقال: أنفقه على ولدك الخبر إلى أن قال معي آخر قال: أنت أعلم به ولم يذكر نفقة الأخ والعم، فإن قيل: ولم يذكر الوالد والجد أيضًا.
قلنا: اكتفي بالتنبيه في ذلك لأن الوالد أكد حرمة من الولد، فإذا وجب نفقة الولد فنفقة الوالد أولى ولأنه لا يجب النفقة من كسبه ولا مع اختلاف الدين بخلاف الوالدين والأولاد، وأما الآية الأولى محمولة على الميراث ولهذا قال في كتاب الله.
وأما الآية الثانية قلنا: قال ابن عباس: أراد به وعلى الوارث مثل ذلك أن لا تضار والدة بولدها إلا أن عليها النفقة، وقال الأوزاعي: تجب النفقة على جميع العصبات دون ذوي الأرحام من عدا الوالدين والمولودين، وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال مالك: لا تجب إلا نفقة الأب والولد دون الأمهات وأولاد الأولاد، وقال أبو ثور: يجب لكل موروث ولا تجب نفقة من ليس بمورث، وبه قال أحمد لأن الله تعالى علق بمعنى الميراث، فقال: وعلى الوارث مثل ذلك، وهذا غلط لأنها لو كانت على الميراث للزمت على الأم مع وجوب الأب قدر ما يستحق من ميراثه، وأجمعنا على خلافه ومعنى الآية ما ذكرنا أو يحمله على الأولاد بدليل ما ذكرنا.
وقال أبو الخطاب: وإن شذّ عن الفقهاء: تجب النفقة على كل ذي قربى ورحم من قريب وبعيد وينسب هذا [ق 212 ب] إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو غلط عليه، والدليل على بطلانه ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ترتيب من تجب عليه النفقة وتقديم بعضهم على بعض، واختلف أصحابنا فيه على طرق:
أحدهما: وهو الأصح أن يقول إذا اجتمع اثنان منهم مثل أب وأم وهما غنيان فالأب أولى بالإنفاق من الأم لأنهما قد اشتركا في الولادة والبعضية وانفرد الأب بالتعصيب والاعتبار بهذه العلة، وإن كان جد وأم فالجد أولى من الأم وإن علا لما ذكرنا من العلة، وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يجب على الجد ثلثا النفقة وعلى الأم الثلث اعتبارًا بالميراث وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما الميراث يبطل بالأب مع الأم، فإن الميراث لها والنفقة على الأب خاصة وإن اجتمع جد من قبل الأم وجد من قبل الأب، فالجد من قبل الأب، وإن علا أولى لأنه
الجزء: 11 - الصفحة: 491
ينفرد بالتعصيب، ولأن الأب يقدم على الأم فلذلك يقدم أبوه على أبيها، ولأن الجد يقدم على الأم والأم تقدم على أبيها، فإنه لو اجتمع الأم وأبو الأم تقدم الأم فيقدم الجد على أي الأم، وإن اجتمعت جدة من قبل الأم وجدة من قبل الأب من درجة واحدة فيه وجهان أنهما سواء فيجب على كل واحد منهما نصف النفقة لأنهما قد استويا في القرابة والإرث وعدم التعصيب فلم يكن لأحديهما مزية على الأخرى.
والثاني: الجدة من قبل الأب أولى لأنها تدلى بالأب وتلك تدلى بالأم، ومن تدلى بالأب أكد ممن تدلى بالأم لكون الأب عصبة دون الأم، وإن كانت الأقرب أولى وجهًا واحدًا سواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم، وهذا يدل على أن الاعتبار بالإدلاء، وأن الصحيح مما تقدم الوجه الثاني وإن كان جد من قبل الأم وجدة من قبل الأب [ق 213 أ] مثل أب الأم، وأم الأب.
قال القاضي أبو حامد: تجب النفقة على الجد من قبل الأم لأنه ذكر، وقد قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: 34] قال: وإن كان الجد من قبل الأم أبعد من الجدة من قبل الأب فيه وجهان:
أحدهما: تجب على الجدة لما ذكرنا من العلة.
والثاني: تجب على الجدة من قبل الأب لأنها أقرب.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا استويا في الدرجة فيه وجهان:
أحدهما: هما سواء ولا فرق بين الذكر والأنثى.
والثاني: المدلى بالعصبية والأقوى في الميراث أولى وهي أم الأب، والوجه الأول أقيس، وهذه الطريقة أولى مما ذكر القاضي أبو حامد، وقال في الحاوي: إذا اجتمع أقارب الأب، وأقارب الأم يقدم الأقرب، فإن استووا في الدرج فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترك الفريقان في تحملها، وهذا على قول من اعتبر الدرج.
والثاني: يختص بتحملها أقارب الأب دون أقارب الأم، وهذا على قول من اعتبر الإدلاء بالعصبية.
والثالث: يختص بتحملها الورثة دون من لم يرث، فإن من لم يرث منه أحد اختص بها من كان أقرب إذا لا توارث، وهذا أصح عندي لقوة الوارث على من لا يرث، كما تقدم العصبية على من ليس بعصبة لقوته بالتعصيب، فعلى هذا لو اجتمع ثلاثة أبو أم أب وأم أبي أب، وأم أم أم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يشتركون.
والثاني: تختص أم أب الأب لأنها أقرب إدلاء بعصبية.
والثالث: يشترك أم أب الأب، وأم أم الأم لاشتراكهما في الميراث دون أب أم الأب لأنها غير وارث.
والطريقة الثانية: قال القفال: ما وجدت للشافعي نصًا في الترتيب والذي اعتمده
الجزء: 11 - الصفحة: 492
وأفتى به أنه إذا كان له ولد صغير فقر وله أم فنفقته على الأب بلا خلاف ويلزمه ختانه ومداواته، فإذا بلغ وجاوز حد الصغر فنفقته [ق 213 ب] على الأب والأم نصفين.
ومن أصحابنا من قال: الأب أولى، ومن أصحابنا من قال: يجب عليهما أثلاثًا اعتبارًا بالميراث والأول أصح، ولا يصح اعتبار الميراث، لأن النفقة تجب على الجد أب الأم، ولا ميراث له أصلًا، وإن كان أم وجد فالنفقة عليهما نصفين، وكذلك أب الأب، وأب الأم فالنفقة عليهما نصفان، قال: وجملته أنه إذا وجد الأقرب فههنا سواء في النفقة هذا إذا اختلفت الجهتان، فإذا كانت الجهة واحدة فالنفقة على الأقرب، فالأقرب مثل إن كان له أب وجد فالنفقة على الأب، وإن كان ابن وابن ابن فالنفقة على الابن، وإن كان ابن وابنة فالنفقة عليهما سواء.
ومن أصحابنا من قال: يلزمهما للذكر مثل حظ الأنثيين قال: وهذا غير صحيح.
والطريقة الثالثة: الاعتبار بالولاية في المال، فإن كان أحدهما وليًا في المال بنفسه من غير تولية أحد فهو أولى، وإن كانا وليين أو لم يكونا وليين فمن يدلي بالولي أولى، فإن استويا في الأداء يعتبر حينئذٍ القرب، وهذا اختيار الشيخ المسعودي من أصحابنا قال: ولا يدخل على هذا جانب المولودين، لأن الولاية لا تتصور في جانبهم ولا يدخل على هذا الأب الكافر لا ولاية له، وهو أولى لأن فيه معنى الولاية ولا يعتبر كونه وليًا في الحال ولا يدخل عليه إذا كان الابن بالغًا لا ولاية للأب عليه وهو أولى من الأم، لأن فيه معنى الولاية.
ومن أصحابنا من قال: هما سواء، فالأول أصح، قال القفال: اعتبار القرب أولى من اعتبار الولاية، لأن الإجماع يلزم النفقة على أب الأم وليس هو أهل الولاية [ق 214 أ].
الطريقة الرابعة: قال صاحب التلخيص: الأولى بالإنفاق ولده، ثم ولد ولده، وإن تنقلوا ذكورهم وإناثهم سواء، ثم أبوه، ثم أمه، ثم جده أبو أبيه، ثم جده أبو أمه، ثم أم الأب، ثم أم الأم قلبه تخريجًا تقدم الولد على الأب والأم على الجد، وهذا تناقض.
الطريقة الخامسة: يعتبر الإرث، فإن كانا وارثين فهما سواء في الإنفاق وكذلك إن كانا غير وارثين فهما سواء، وإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر، وفي القرب واحد فالوارث أولى، وإن اختلف ميراثهما فالنفقة على قدر الإرث.
الطريقة السادسة: تعتبر الذكورة، فإن كان أحدهما ذكرًا، فهو أولى، وإن كانا ذكرين فهما سواء، وإن كانا أنثيين فالمدلى للذكر أولى، وإن استويا في الإدلاء بالذكر فالأقرب أولى، وهذا أضعف الطرق، والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
وقال في "الحاوي": تحيض بحمل النفقة من فيه بعصبة من الآباء والأمهات فلا
الجزء: 11 - الصفحة: 493
يخلو حال من وجد منهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونا جميعًا من قبل الأب لا يشركهم أحد من قبل الأم.
والثاني: أن يكونوا جميعًا من قبل الأم لا يشركهم أحد من قبل الأب.
والثالث: أقارب الأب وأقارب الأم.
فأما القسم الأول إذا كانوا كلهم من قبل الأب فنفقته بعد الأب على الجد على ما ذكرنا ثم ينتقل إلى الجد ثم جد الجد فإذا عدم جميع الأجداد يلزم أم الأب لقيامها في الحضانة والميراث مقام الأب ولا يشاركها في درجتها بعد الجد أحد فإذا صعدت بعدها درجة اجتمع فيها بعد أب الحد ثلاثة أم أم أب، وأبو أم أب، وأم أب أب فيه [ق 214 ب] ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم سواء لاستوائهم في الدرجة والبعضية وعدم التعصيب فيتحملونها أثلاثًا.
والثاني: يتحملها أم أب الأب لأنها مع مساواتها في الدرجة أقرب إدلاء بعصبة.
والثالث: وهو الأصح عندي إذا استووا في الدرج فالوارث أولى، فإن اشتركوا في الميراث تحملها منهم من كان أقرب إدلاء بعصبة، وإن اختلفت درجتهم تحملها الأقرب فالأقرب وارثًا كان أو غير وارث، فعلى هذا أن كان مع هؤلاء الثلاثة أم أب كانت أحق بتحملها على الوجوه الثلاثة، وإن لم يكن غيرهن اشتركوا في تحملها أم أب الأب، وأم أم الأب لاشتراكهما في الميراث ويسقط عن أب أم الأب لأنها لا ترث وعلى هذه القاعدة وما قدمته من هذه الوجوه الثلاثة يكون التفريغ في جميع من يتحملها، فإذا صعدت إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها بعد جد الجد الذي لا يتقدمه من تحملها منهم أحد سبعة أم أب أب الأب، وأم أم الأب، وأم أم أم أب وهؤلاء الثلاث وارثات وأب أم أبي أب وأب أم أم أب، وأب أب أم أب وأم أب أم أب، وليس في هؤلاء الأربعة وارث ففيه وجهان:
أحدهما: يتحملونه بالسوية لاستوائهم في الدرجة، فإن عدم واحد منهم يحملها من بقي، وهذا على قول من اعتبر فيها قرب الدرجة.
والثاني: يتحملها منهم من أدلى بعصبة وهو لا محالة وارث وهو أول الذكورين أم أب أب الأب ويسقط عن من سواها لاختصاصها بقوى الميراث والإدلاء بعصبة، فإذا عدمت كانت على الثانية وهي أم أب الأب لاختصاصها بعد الأولى بالقوتين: الإرث وقوة الإدلاء بالعصبة، فإن عدمت الثانية كانت على الثالثة لتفردها بالقوتين، فإن عدمت الثالثة [ق 215 أ] الوارثات كانت على الرابع، وهو أب الأب لأنه أقرب إدلاء بعصبة وأٌقرب إدلاء بوارث، فإن عدم الربع، فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول من راعى قرب الإدلاء بالعصبة يلون على الثلاثة الباقين بالسوية لاستواء درجتهن في الإدلاء بالعصبة.
الجزء: 11 - الصفحة: 494
والثاني: وهو الوجه الذي خرجه في تقديم الوارث على من ليس بوارث يجب على من كان أقرب إدلاء بوارث وهو الخامس أب أم أم الأب لأنه يدلي بعد درجة بوارث فإن عدم الخامس استوى السادس والسابق لاستوائهما في الإدلاء بالتعصيب على قول من اعتبره ولاستوائهما في الإدلاء بوارث على الوجه الذي اخترته لكن السادس منهما ذكر، والسابع أنثى، وإذا اجتمع من تحمل النفقة ذكر وأنثى وهما يدليان بشخص واحد كان الذكر أحق بتحملها من الأنثى كالأبوين، ولو أدليا بشخص تساويا ويراعى قوة الأنساب، فإن استوت اشتركا في التحمل والسادس والسابع ههنا يدليان بشخص واحد وهو أب أم أم الأب، فالسادس منهما أبوه، والسابع أمه فاختص بتحملها السادس الذي هو أب أب أم الأب دون السابعة التي هي أم الأب، فإن عدم السادس تحملها السابع حينئذٍ على هذا القياس.
وأما القسم الثاني: وهو أن ينفرد له أقارب الأم فمعلوم أنه لا يكون فيهم عصبة وتختص بمن فيهم أولاده وهم في أول درجة بعد الأم أبو أمها وهما أب الأم وأم الأم، فالنفقة على من اعتبر الدرج بينهما لاستوائهما في الدرجة، وعلى الوجه الذي اختاره في الترجيح بقوة الميراث تجب على أم الأم دون أب الأم لأنها الوارثة دونه وإن اختصت بالذكورة فالترجيح بالميراث أقوى، فإذا صعدت بعدهما [ق 215 ب] إلى درجة ثالثة اجتمع لك فيها أربعة منهم من جهة أب الأم أبواها، ومن جهة أم الأم أبواها فيكون أحدهم أم أم الأم، والثاني أب أم الأم، والثالث: أب أب الأب، والرابع: أم أب الأم، فهي على قول من اعتبر الدرج بينهم بالسوية لاستوائهم في الدرجة وهي على الوجه الذي اعتبر به في الترجيح بقوة الميراث واجبة على أم أم الأم لأنها الوارثة من كلهم، فإن عدمت وجبت بعدها على أب الأم، لأنه أقرب إدلاء بوارث فإن عدمت استوى الاثنان الباقيان فيهما وهما أب أب الأم، وأم أب الأم، وقد أدليا بشخص واحد أحدهما ذكر فكان أحق بتحملها ووجبت على أب أب الأم دون أم أب الأم، فإن صعدت بعدهم إلى درجة رابعة اجتمع لك فيها ثمانية، أحدها: أم أم أم الأم، وأب أم أم الأم، وأم أب أم الأم، وأب أب أب الأم، وأم أب أب الأم، وأب أم أب الأم، وأم أم أب الأم، فعلى قول من اعتبر الدرج يجب على جميعهم لاستوائهم في الدرجة وعلى الوجه الذي اعتبرته في الترجيح بقوة الميراث يجب على الأولى وهي أم أم أم الأم لأنها الوارثة من جميعهم، فإن عدمت فهي على الثاني وهو أب أم أم الأم لأنهم أقربهم إذ لا توارث، فإن عدم فهي على الثالث، وهو أب أب أم الأم لأنه مع الرابعة يدليان إلى أم الأم المولى بوارث فقد ما على ما بعدهما لبعد إدلائهم بوارث، وقدم الثالث لذكوريته على الرابعة لأنوثيتها مع اشتراكهما في الإدلاء بشخص واحد، فإن عدم الثالث فهي على الرابعة وهي أم أب أم الأم، فإن عدمت فهي على الخامس وهو أب أب أب الأب، لأنه مع السادس يدليان بأب أب الأم فقدم الخامس لذكوريته وإدلائهما بشخص واحد، فإن عدم كانت بعده على السادسة وهي أم أب أب الأم، فإن عدمت فهي بعدها على السابع وهو أب أم
الجزء: 11 - الصفحة: 495
أب الأم، لأنه يدلى مع الثامنة [ق 216 أ] بأم أب الأم فاختص بها لذكوريته فإن عدم فهي بعده على الثامنة وهي أم أم أب الأم.
وأما القسم الثالث: أن يشترك فيها أقارب الأب وأقارب الأم، فإن كان أقارب الأب أقرب منهم المختصون بتحملها لقربهم، وإن استووا، فقد ذكرنا ثلاثة أوجه وذكرنا تفريعان فلا معنى للإعادة.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضِيعَ أَب الوَلَد شَيْئًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ هُوَ مِن ابْنِهِ إِذَا كَانَ الوَالِدُ زَمِنًا لا يُغْنِي نَفْسَهُ".
الفصل:
قد ذكرنا نفقة الولد على الوالد، وإن نفقة الوالد واجبة على والده بالتنبيه لأن حق الأب آكد فإذا وجبت نفقة الولد لئلا يؤدي إلى تضييعه فنفقة الأب أولى.
ثم الكلام في فصلين:
أحدهما: فيمن يجب عليه.
والثاني: فيمن يجب له فأما من تجب عليه، فأن يفصل عن قوت يوم وليلة كفايته.
وأما من تجب له، فإن كان معسرًا ناقص الإحكام أو أتخلقه، أو هما يلزمه وإن كان كامل الأحكام وهو فقير هل تجب نفقته ظاهر ما قاله ههنا أنها لا تجب.
وقال في القديم: تجب فالمسألة على قولين:
أحدهما: تجب كالزمن، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
والثاني: لا تجب، لأنه قادر على الاكتساب، فأشبه المكتسب وإذا وجبت عليه نفقة أبيه يلزمه أن ينفق على زوجته أيضًا؛ لأن عليه أن يعف أباه على ما بيناه، وإذا قلنا: لا تجب عليه نفقته عند كمال أحكامه وخلقته وهل معسر هل يجب إعفافه فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق، وأبي سعيد الاصطخري تجب لأنه إذا منعه النفقة كان له إليها طريقًا من بيت المال، ولا طريق له إلى الإعفاف من وجه آخر، وبه حاجة إليه فيلزمه إعفافه.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجب إعفافه لأن النفقة آكد [ق 216 ب] وحاجة الأب إليها أشد، فإذا لم تلزم النفقة فالإعفاف أولى، وهذا أقيس، وإن كان لوالده طفل لم يلزمه نفقة الطفل، لأن نفقته لا تجب على أبيه المعسر ولا تجب على أخيه، وإن كان غنيًا، وأما إذا كان للابن زوجة وأولاد فلا يلزم للأب نفقة زوجته بخلاف الأب، ولهذا ذكر الشافعي العيال عند ذكر نفقة الوالد، ولم يذكر العيال عند ذكر نفقة الوالد، وإنما افترقا لأن الولد
الجزء: 11 - الصفحة: 496
إذا احتاج إلى تحصين فرجه لم يجب على الأب إعفافه وفرض على الابن إعفاف الأب، إذا احتاج إليه، وهذا لأن حق الولد أعظم من حق الولد ولهذا قتلنا الولد بالوالد قصاصًا ولا نقتل الوالد به.
وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولادكم هبة من الله لكم يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء ذكورًا وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها".
وروى جابر رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي مالًا وعيالًا ولأبي مال وعيال ويريد أن يأخذ مال فقال: "وأنت ومالك لأبيك".
وقال بعض أصحابنا: تجب نفقة زوجته لأنها تجري مجرى نفقته.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب: أنه لا يلزمه إعفافه ولكن يلزمه نفقة زوجته وزوجة كل قريب تلزمه نفقة لأن ذلك من تمام الكفاية ولم يذكر وجهًا آخر، وهو غريب.
وذكر جدي الإمام رحمه الله فيها وجهين بناء على وجوب إعفافه وحكاه عن صاحب التلخيص، وهو بعيد ضعيف.
وأما نفقة أولاد ابنه فواجبة عليه لأنه جدهم والنفقة على الجد واجبة عند إعسار الأب.
فرع:
لو كان له أب وابن موسرين فيه ثلاثة أوجه:
إحداهما: تجب النفقة على الابن، ذكره أبو حامد في الجامع لأنهما إذا اجتمعا كان التعصيب للابن [ق 217 أ] ولأن حق الأب على ابنه أعظم.
والثاني: يجب على الأب لأن إنفاق الأب على ولده نص وإنفاق الولد على الوالد اجتهاد، وهو اختيار أبي عبد الله ولأن النفقة عليه كانت قبل بلوغه فليستصحب ذلك الحكم.
والثالث: يجب عليهما نصفين لأنهما سواء في الدرجة والتعصيب والأول أصح، وفيه وجه آخر.
ذكره القفال يلزمهما على قدر الميراث، وهذا ضعيف.
فرع آخر:
لو كان له ابن، وأم موسران وهو فقير زمن فنفقته على الابن دون الأم، لأن التعصيب له، وقيل: فيه وجه آخر هما سواء، وقيل: إنهما على قدر الإرث وكلاهما ضعيف.
فرع آخر:
لو كانت له أم وابنة موسرتان.
قال أبو حامد في الجامع: تجب نفقته على البنت دون الأم لأن للبنت التعصيب من بعض الأحوال إذا كان معها أخوها ولا تكون الأم عصبة بحال، ولأنه حقه على ابنته آكد.
الجزء: 11 - الصفحة: 497
وقال القفال: فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ما ذكرنا.
والثاني: على الأم.
والثالث: هما سواء.
قال أبو حنيفة، وأحمد: على الأم ربع النفقة، والباقي على الابنة إذا اجتمعتا ورثتا كذلك بالفرض والرد وهذا غلط لما ذكرنا وأبطلنا اعتبارها بالميراث.
فرع آخر:
لو كان أبواه معسرين زمنين، وهو غني لزمه أن ينفق عليهما جميعًا، فإن لم يفضل عن كفايته إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ينفق على الأم لما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أين يا رسول الله؟ فقال: وأمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أمك، فقال: ثم من؟ فقال: أباك"
وقال صلى الله عليه وسلم: "حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم" ولأنها تفردت بحمله ورضاعه وقامت بكفالته فكانت حرمتها آكد.
والثاني: الأب أولى، لأن الابن لو كان معسرًا زمنًا، وهما موسران كانت نفقته على أبيه دون أمه فكذلك هو أيضًا ينفق على أبيه دون أمه، وهذا أقيس والأول أظهر.
والثالث: هما سواء لاستوائهما في الدرجة والولادة.
فرع آخر:
لو كان لهما مع الولد ولدين موسر يحمل باقي نفقتهما حتى يكفيا، فإن أنفق الولد وولد الولد على أن ينفق أحدهما على الأبوين، والآخر على الآخر صح، وإن اتفقا على الاشتراك في نفقتهما صح، وإن اختلفا رجع إلى خيار الأبوين إذا استوت نفقتهما، وإن اختلفت النفقتان اختص أيسرهما بأكثر الأبوين نفقة.
فرع آخر:
لو كان له أب وابن فقيران محتاجان إلى النفقة وهو لا يجد إلا نفقة أحدهما فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: الابن أولى، لأن نفقته نص.
والثاني: الأب أولى لأنه حقه أعظم.
والثالث: هما سواء، وهو اختيار القفال، وقال أبو حامد: هذا إذا لم يكن الابن
الجزء: 11 - الصفحة: 498
طفلًا لا يقدر على شيء فهو أولى وجهًا واحدًا وسائر أصحابنا لم يفصلوا وما ذكره أصح.
فرع آخر:
إذا كان هناك أب وابنة فقيران ففيه ثلاثة أوجه أيضًا.
فرع آخر:
لو كان ابن وجد فقيران قيل: حكمه كما ذكرنا في الأب والابن، وقيل: وجه واحد الابن أولى لأنه أقرب وهكذا لو كان له ابن وجد وهما موسران وهو فقير يحتاج فنفقته على من يكون على هذا الخلاف.
فرع آخر:
لو كان معهما زوجة يلزمه أن ينفق على زوجته لأن نفقتهما تجب على طريق العوض فكانت آكد، وقدمت على نفقة الأقارب.
فرع آخر:
لو كان موسرًا، وله أم وابن فقيران يحتاجان ولا يفصل إلا نفقة أحدهما أن يكون فيه ثلاثة أوجه كما قلنا في الأب والابن.
فرع آخر:
لو كانت له أم وأب أم غنيان فهما سواء لأنهما يستويان في القرب [ق 218 أ] وعدم التعصيب، ذكره في المهذب ويحتمل أن يقال: تقدم الأم لأنها أقرب.
فرع آخر:
لو كان هو غنيًا، والأم والابنة فقيرتان وليس معه إلا نفقة إحداهما يجب أن يكون فيه الأوجه الثلاثة، والظاهر أن تكون البنت أولى ههنا.
فرع آخر:
لو كان له ابن وابنة موسران فنفقته على الابن دون البنت، قال أبو حامد في الجامع، وذكرنا وجهًا عن القفال، وهو غير مشهور.
وقال أبو حنيفة: عليهما بالسوية، وقال أحمد: ثلثاها على الابن، وثلثاها على البنت كما اختاره القفال، وهذا غلط لأن الابن عصبة بنفسه والاعتبار به دون الميراث.
فرع آخر:
لو كان له ابن ابن وابنة موسران فابن الابن أولى بالإنفاق عليه لما ذكرنا، وقال أبو
الجزء: 11 - الصفحة: 499
حنيفة: النفقة على البنت لأنها أقرب، وقال أحمد: على البنت الثلث وعلى الابن الثلثان، لأن ما اجتمع فيه الذكر والأنثى كان الذكر فيه بالثلثين كالميراث، وهذا وجه لبعض أصحابنا، وهذا غلط لأنه لو اعتبر الميراث لكان على البنت النصف، فإن لها نصف الإرث في هذا الموضع.
فرع آخر:
لو كان له بنت، وابن بنت، قال أبو حامد في الجامع: فيه قولان:
أحدهما: البنت أولى، لأنها أقرب إليها مع تساويهما في عدم التعصيب.
والثاني: ابن البنت أولى لأنه ذكر.
فرع آخر:
لو كان ابن بنت، وبنت ابن موسران فيه ثلاثة أوجه:
إحداها: ابن البنت أولى، لأنه ذكر، وهو الصحيح.
والثاني: بنت الابن أولى، لأنها تدلى بعصبة، وقد تكون عصبة مع أختها.
والثالث: ما سواهما لاستوائهما في الدرجة وسقوط التعصيب فيهما.
فرع آخر:
لو كان له ابن صغير وابن ابن صغير ولا يفصل إلا نفقة أحدهما منه وجهان:
أحدهما: الابن أولى، وهو الصحيح عندي، لأنه أقرب.
والثاني: هما سواء لأنهما متساويان في أصل قرابة الولادة ولا اعتبار بقوة التعصيب [ق 218 ب] ولو كان بالعكس من هذا وكانا غنيين وهو فقير كان الابن أولى بالإنفاق على أبيه من ابن الابن.
فرع آخر:
لو كانا ولدين أيسر الأب بنفقة أحدهما وأعسر بنفقة الآخر، فإن كان مع الأب جد موسر كان الأب والجد بالخيار بين اشتراكهما في نفقة الولدين وبين أن يتحمل الأب نفقة أحدهما ويتحمل الجد نفقة الآخر، فإن اختلفا يحمل على قول من دعا إلى الاشتراك في نفقتهما، وإن لم يكن مع الأب غيره ساوى بين ولديه في النفقة، ويحمل نفقة كل واحد منهما.
فرع آخر:
نفقة المكاتب هل تجب على ولده، قال في الحاوي تحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجب، لأن أحكام الرق عليه جارية.
والثاني: تجب نفقته على ولده لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده.
الجزء: 11 - الصفحة: 500
فرع آخر:
لو اختلف أحوال الوالدين فكان أحدهما رضيعا لا يقوم بنفسه، والآخر مراهقا يقوم بنفسه فالرضيع أولى ولا يشرك بينهما لأن الرضيع بالعجز مضاع والمراهق بالحركة متسبب وكذلك إن كان أحدهما مريضا فالمريض أولى.
فرع آخر
لو كان أحد الوالدين بنتاً فيه وجهان:
أحدهما: البنت أولى لظهور النقص من حركتهما.
والثاني: هما سواء لأن لكل واحد منهما من التصرف والتسبب نوعاً بعض الآخر عنه.
فرع آخر
لو كان ابن بنت، وبنت ابن وأيسر بنفقته أحدهما كانت ابنة الابن أولى لتقصها بالأنوثة، وقوة سببها بتعصيب أبيها.
فرع آخر
لو كان أب وجد معسران وليس معه إلا نفقة أحدهما فيه وجهان كما قلنا في الابن وابن الابن أحدهما مما سواء لأن لكل واحد مهما ولادة ولو اتسع المال وجبت نفقتهما معا.
والثاني: وهو الصحيح الأب أولى لأنه أقرب ويقدم في التعصيب.
فرع آخر
لو اجتمع جد وجدة في درجة واحدة والذكر أبعد والأنثى أقرب، قد ذكرنا حكمه، وقال القاضي أبو حامد: إن كان الذكر عصبة وهو أن يكون بين الذكر وبين من له النفقة أم [ق 219 أ] فالجد أولى لأنه ذكر، والثاني الجدة أولى لأنها أقرب.
فرع آخر
لو اجتمعت جدتان لأحديهما ولادتان، فإن كانتا في درجة واحدة، فالجدة التي لها ولادتان أولى، وإن كانت التي لها ولادتها أبعد والتي لها ولادة واحدة أقرب كانت الأقرب أولى، ذكره أبو حامد في الجامع.
فرع آخر
لو كانت بنت بنت بنت أبوها ابن ابن بنته وابنته بنت ليس أبوها من أولاده، فإن كانتا في درجة واحدة فالتي جمعت القرابتين أولى، وإن كانت التي جمعت القرابتين
الجزء: 11 - الصفحة: 501
أسفل فالقريبة أولى قاله القاضي أبو حامد.
فرع آخر
لو كان له ابن وبنت موسران، قد ذكرنا أن النفقة على الابن، فإن لم يفضل عن كفاية الابن إلا نصف نفقة الأب كان الباقي على البنت، وقد ذكرنا نظيره.
فرع آخر
لو كان له ابن وولد خنثى مشكل فيه وجهان:
أحدهما: يجب على الابن أن ينفق عليه ولكنه يجب أن ينفق بحكم الحاكم، فإذا أنفق، ثم بان أنه ذكر رجع عليه بنصف ما أنفق، وإن بان أنثى أو مات مشكلاً لم يرجع وعلم أنه أنفق ما كان واجباً عليه.
والثاني: يجب على الابن نصف النفقة، وأما النصف الآخر فإن الحاكم يأمر من ينفق عليه إن وجده ويحكم بالرجوع على ما ينكشف أنه يجب عليه كما نقول إذا كان له ابنان حاضر وغائب أخذ الحاضر بنصف النفقة، وأما الغائب فإن كان له مال حاضر أخذ من ماله، وإن كان ماله غائباً أمر من ينفق عليه وكتب إلى حاكم البلد الذي هو فيه يأخذه بما يلزمه من نفقته، فإن لم يجد الحاكم من ينفق عليه أخذ الحاضر بالإنفاق عليه لأن نفقته عليه لو انفرد، وحكم له بالرجوع على الغائب إذا قدم أو ظهر له مال، والصحيح الوجه الأول، والفرق بين الخنثى وبين الغائب أن الابن ههنا يجوز أن يكون جميع النفقة عليه فهو أولى [ق 219 ب] بالمطالبة بها من غيره وليس كذلك إذا كان أخوه غائباً فإنا نتيقن أن الحاضر لا يلزمه أكثر من نصف النفقة فلم يجز أن يؤخذ بالباقي.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان:
أحدهما: تجب كلها على الابن.
والثاني: تجب عليهما نصفين، فإن بان الخنثى رجلا لم يرجع، وإن بان امرأة يرجع بما أنفق على الابن، هذا غريب.
فرع آخر
لو كان له بنت ولد خنثى مشكل فيه وجهان:
أحدهما: يؤخذ الخنثى بجميع نفقته لأنه يجوز أن يكون ابنا فيلزمه جميع نفقته، فإن بان أنه ابن فقد أنفق ما وجب عليه، وإن بان أنه أنثى رجعت بنصفها على أخيها.
والثاني: أنهما جميعاً ينفقان، فإن بان الخنثى أنثى فقد أنفقا ما وجب عليهما، وإن بان ذكراً رجعت أخته عليه بما أنفقت، وهذا أقيس وهذه التفريعات كلها على الطريقة الأولى.
وأما على سائر الطرق يتأمل فيها ويقاس على ما قدمناه.
الجزء: 11 - الصفحة: 502
فرع آخر
قد ذكرنا إذا كان أحد الابنين عائباً كيف يكون حكم النفقة، ولو كان الأقرب غائباً ولا يقدر الحاكم على ماله ولا على الاستعراض عليه أمر الأبعد بالإنفاق عليه حتى يرجع على الأقرب إذا رجع لأنه لو انفرد يلزمه الإنفاق عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا رجع الأقرب لا يرجع الأبعد عليه وهو غلط ظاهر.
فرع آخر
لو كان للصغيرة مال غائب فعلى الأب أن ينفق عليه فرضاً موقوفاً فإن قدم ماله رجه بما أنفق، وإن لم يكن بأمر الحاكم إذا قصد بالنفقة الرجوع لأن أمر الأب في ولده أنفذ من حكم الحاكم، وإن ملك المال قبل قدومه بعد مضي زمان بعض النفقة سقط من ذمة الولد ما أنفقه بعد تلف ماله ولو يسقط ما أنفقه قبل تلفه وكان ذلك ديناً له [ق 220 أ] على ولده يرجع به عليه إذا أيسر أو بلغ لأنه بتلف ماله صار فقيراً من أهل المواساة.
فرع آخر
لو كانت أمة ذات زوج قد أعسر بنفقتها لو تجب نفقتها على ولدها ما لم يفسخ نكاحه، وإن احتاجت لوجوبها على الزوج، وإن تأخر الاستحقاق بالإعسار ليلاً يجمع بين نفقة بزوجيه ونسب ولو خطبها الأزواج وهي خلته لم تجر على النكاح وأخذ الولد بنفقتها، فإن تزوجت سقطت نفقتها عن ولدها لعقد لوجوبها على الزوج.
فرع آخر
قد ذكرنا أن نفقة الأقارب لا تتقدر بل هي على الكفاية، فإن احتاج إلى من يخدمه يلزمه نفقة خادمه وتسقط بمضي الزمان ولا تصير ديناً عليه لأنها تجب لترجيه الوقت ودفع الحاجة.
قال ابن أبي حامد: إلا أن يأمره القاضي، وقال جدي الإمام: هل تتقدر وجهان وهو بعيد.
مسألة:
قال: "ومن أجبرنا على نفقة بعنا فيه عليه العقار".
الجزء: 11 - الصفحة: 503
إذا امتنع من نفقة امرأته المستقرة في ذمته أو نفقتها الراتبة، أو مهرها الواجب في ذمته أو نفقة والديه أو مولوديه، فإن وجدنا مالاً من جنس ما عليه أخذنا منه مقدار الواجب، وإن لم نجد من جنسه ووجدنا من غير جنسه من البياض والثياب والعقار، فإن الحاكم يبيع من ماله بقدر النفقة والمهر الواجب في ذمته ولا يبيع العقار مع القدرة على بيع غيره ولها أخذه من ماله سراً وعلانية، وكذلك نفقة أولادها الصغار، فإن كان جنس النفقة: فذاك وإن كان [ق 220 ب] من غير جنسها فهل لها أن تأخذ قولان:
فإن قلنا: تأخذ لا تتملكه قولاً واحداً بل تبيعه وتصرف إلى حقها ثمنه، وقال أبو حنيفة: تصرف دراهمه ودنانيره إلى النفقة ولا يباع عقاره وعروضه فيها ولكنه يحبس حتى ينفق أو يبيعها كما قال في سائر الديون وربما يسلم في نفقة الأب أنه يباع العقار فيها استحساناً.
فرع
لو كان للزوج في ذمتها طعام من جنس ما يلزمه لها من النفقة فطالبها الزوج بأن تقاضه بمالها عليه من النفقة لا يخلو إما أن تكون موسرة أو معسرة، فإن كانت موسرة كان له أن تطالبها بالمعارضة لأن أن تطالبها بقضائه وهذا على القول الذي يقول لا تقع المقاصة إلا بالتراضي، فأما إذا قلنا: يتقاصان بوجوبها يسقط أحدهما بالآخر، ذكره القاضي الطبري.
مسألة:
قال: "ولا تجبر امرأة على رضاع ولدها شريفة كانت أو دنيئة".
إذا كان له امرأة له منها ولد مرضع فامتنعت من إرضاعه لا يملك إجبارها عليه على أي صفة كانت المرأة زوجة أو مطلقة شريفة أو دنية موسرة أو معسرة، وقال مالك: إن كانت موسرة نسبية رفيعة الحال لم يكن الحال لم يكن له إجبارها، وإن كانت دنية له إجبارها، وقيل عنه روايتان:
إحداهما: يجب عليه إرضاعه بكل حال وتجبر على ذلك، وبه قال أبو ثور.
والثانية: وهو المشهور إذا كانت ممن ترضع في العادة يلزمها لقوله تعالى: ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] وهذا خبر والمراد به الأمر، وهذا غلط لان الله تعالى قال: ﴿أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
وقال: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى، وإذا امتنعت فقد تعاسر ولأنه لو كان لحق الولد لأجبرها بعد الفرقة، وإن كان لحق نفسه لأجبرها على خدمة نفسه، فإذا لم يجبرها على خدمة نفسه فلان لا [ق 221 أ] تجبر على خدمة ولده أولى
الجزء: 11 - الصفحة: 504
وأما الآية التي ذكر محمولة على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
فرع:
لو اختارت أن تتطوع بإرضاعه كانت أولى من غيرها ولم يجز للزوج أن ينتزع الولد من يدها بوجه من الوجوه لأنها أحنى على الولد وأشفق من الأجنبية.
وقال بعض أصحابنا: إذا أراد منعها من الإرضاع وتسليمه على امرأة لترضعه فقياس المذهب أن له ذلك لأنه يستحق عليها الاستمتاع في عموم الأوقات فإذا استعملت بإرضاع الصبي فوتت عليه حقه وليس لها ذلك، وهو اختيار أبي حامد، والأول اختيار القاضي الطبري.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان والصحيح عندي أن ينظر في سبب المنع، فإن كان الاستماع في أوقاته كان له، وإن كان لغير ذلك لم يكن له لأنه يقصد الضرر، وهذا أولى عندي.
فرع آخر
إذا تطوعت بالإرضاع هل يستحق لإرضاعه زيادة في نفقتها وجهان:
أحدهما: قال أبو إسحاق، والاصطخري للحاكم أن يجتهد فيها ويزيد على قدر نفقتها لأن مؤنتها تزيد في هذه الحالة وتحتاج إلى زيادة غذاءه.
والثاني: لا يزاد، لأن النفقة عندنا مقدرة ولا تزيد بكبره مؤنتها فلم يجز أن تزيد على المقدار المعهود، ولهذا لا يزاد إذا كانت رغيبة سمينة أكولة وهذا أصح.
فرع آخر
لو أرادت إرضاعه بأجرة مقدرة لم تكن من ذلك ولا يجوز أن يستأجرها زوجها علة ما ذكرنا في كتاب الإجارة، فإن أجرت لم تصح الإجارة وكذلك إن أجرت نفسها من زوجها للخدمة لم يجز لأنها مستحقة الاستمتاع في جميع الزمان إلا في مقدار العبادات المفروضة وما لابد لها من الأكل والشرب فلم يجز أن تعقد على نفسها إجارة تمنع الاستمتاع، وهذا كما لو أجر نفسه لتخدمه شهراً لم يجز أن يؤاجر ثانياً ليخيط له ثوباً أو يعمل له عملاً غير الخدمة في ذلك الشهر، وقال القفال [ق 221 ب] وعامة أهل خراسان يجوز استئجار زوجته لإرضاع ولدها منه ولخدمة البيت، وعند أبي حنيفة لا يجوز عند بقاء النكاح وبعد البينونة روايتان وجعل هذا مسألة ولم يذكر وجهاً بخلافها، وهذا أقيس وأجمع أهل العراق على خلاف هذا، وقد ذكرناه في كتاب الإجارة بالشرح والبيان.
وقال بعض المتأخرين من أهل العراق فيه وجهان.
فرع آخر
لو أجرت نفسها من غير للإرضاع أو الخدمة لا يجوز، وقال القاضي أبو حامد في
الجزء: 11 - الصفحة: 505
جامعه يكون للزوج فسخه فأجاز العقد وجعله موقوفاً على فسخه والصحيح ما تقدم لأنها عقدت الإجارة على ما لا يقدر على تسليمه لما ذكرنا أو يطأها بالاستمتاع بها.
فرع آخر
إذا ثبت أن الإجارة باطلة فأرضعت على ذلك هل لها أن تطالبه بأجرة المثل.
قال أبو إسحاق وغره من أصحابنا: ليس لها ذلك لأن هذا الزمان قد استحقه الزوج على ما ذكرنا، والنفقة التي أخذتها عوض عن جميع ما يعمله في ذلك الزمان فلم يجز لها أن تطالبه بعوض آخر ولأنها لو استحقت ذلك لجاز عقد الإجارة معها.
وقال ابن خيران لها أن تطالبه بأجرة المثل لأنه أتلف عملاً لها لم يملكه الزوج بعوض لم يسلم لها فترجع إلى أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة، قال: ولا يدخل على هذا إذا أجر الإنسان نفسه شهراً بعوض معلوم، ثم أجره في ذلك الشهر إجارة أخرى لأن العقد الثاني وقع على ما لا يملكه، وههنا عقدت على ما يملكه لأن الزوج لم يملك ذلك عنها بعقد النكاح.
وأما النفقة التي أخذتها في مقابلة الاستمتاع دون سائر أعمالها ولم يتابعه أحد من أصحابنا، هكذا ذكره أبو إسحاق والقاضي الطبري والأول أصح [ق 222 أ].
فرع آخر
قال القفال: لو امتنعت من الإرضاع تجبر على إرضاع اللبأ لأن الولد لا يعيش دونه ولها طلب الأجرة عليه كإحياء المضطر بطام يجب ولكن بالقيمة وكذلك بعد اللبأ إن لم يجد مرضعة أخرى أجبرت على الإرضاع بالأجرة وكذلك لو فقدت الأم ووجدنا مرضعة لا يجد سواها أجبرناها بالإحياء الولد بلا رضاع ويلزم الأجرة على الأب.
وقال بعض أصحابنا: لا أجرة لها لأنه حق تغير عليها وعجز الأب عنه فيجري مجرى نفقته إذا أعسر الأب وأيسر ذكره في الحاوي.
مسألة:
قال: "وإن طلبت رضاع ولدها، وقد فارقها زوجها فهي أحق".
قد ذكرنا حكم الزوجة فأما إذا كانت مطلقة بائناً فكذلك لا يجوز له إجبارها على إرضاعه فإن لم يوجد لبن من غيرها أخذت جراً إرضاع اللبأ حفطاً لحياة الولد، وهل تستحق أجرة المثل على ما ذكرنا، وإن اختارت إرضاعه نظر، فإن تبرعت به كانت أحق به، وإن لنم تتبرع به وطلبت الأجرة نظر أكثر من أجرة مثلها كان الأب أحق به تسترضعه امرأة أخرى، وإن طلبت أجرة مثلها نظر، فإن لم يكن مع الأب امرأة ترضع إلا بأجرة.
الجزء: 11 - الصفحة: 506
مثلها كانت الأم أحق به، وإن كانت معه من ترضعه بغير أجرة أو برضعه أقل من أجرة مثلها، نقل المزني أن الشافعي قال: القول قوله مع يمينه أن يجد متطوعة أو من يرضي بأقل من أجرة المثل، فإذا حلف كان له أن ينتزعه من يدها ويسلم إلى غيرها، وإنما جعلنا القول قوله مع يمينه لأنه يتعذر عليه إقامة البنية بذلك والأصل براءة ذمته عن الأجرة، ثم لا يمنع أمه من زيارته لقوله صلى الله عليه وسلم لا قوله: " والدة على ولدها" ثم قال: وقال في موضع آخر: الأم أولى وهو اختيار المزني [ق 228 ب] واختلف أصحابنا فيه فقال الاصطخري وأبو إسحاق.
وأكثر أصحابنا قول واحد لا أجرة لها وما قاله المزني ليس بقول آخر، بل قال الشافعي: إن أرضعت أعطاها أجرة مثلها وليس الزوج فإن نجد من يتطوع به من غير أجرة أو بأقل من أجره المثل فلا يجوز أن يجعل هذا قولاً آخر.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، وبه قال الإفصاح.
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لها الأجرة لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] ولأنها أشفق من غيرها ولأنها رشيدة لا زوج لها طلبت رضاع ولدها بأجرة مثلها فكانت أحق به حال الإقامة كما لو لم يجد من يتبرع بها.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط حق الأم من الحضانة ولا أجرة عليه ويأتي المرضعة مرضعة عندها لأن حقها من الحضانة باق.
باب أي الوالدين أحق بالولد
مسألة:
قال: "أخبرنا سفيان بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه إلى أن قال: وإن كان أحدهما غير مأمون فهو عند المأمون منهما حتى يبلغ".
إذا طلق امرأته وله منها ولد لا يخلو الولد من ثلاثة أحوال:
أن يكون طفلاً لا يميز فتكون الأم أولى بحضانته وتربيته لأنها أعرف بذلك وأصبر عليه من الأب والنفقة على والده.
وأما أن يكون بالغاً عاقلاً فيكون الولد أولى بنفسه إن شاء انفرد بموضع يسكنه وإن شاء كان مع أحد الأبوين.
وأما أن يكون غير بالغ إلا أنه بلغ سناً يميز مثل أن يكون له سبع سنين أو ثمان سنين فهذا يخير عندنا بين الأبوين، فإن اختار أن يكون مع الأم كان معها وإن اختار أن يكون [ق 223 أ] مع الأب كان معه، وهذا التخيير طريقة الشهوة ولا يلزم، فإن اختار
الجزء: 11 - الصفحة: 507
أحدهما، ثم بدا له وأراد الآخر كان له ذلك ونقل إليه.
قال القفال: إلا أن يكثر منه ذلك فيستدل منه على قلة عقله فتكون الأم حينئذ أولى به، وبه قال أبي إسحاق، وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يجبر الولد قط، فإن كانت بنتاً تكون معها حتى نبلغ، ثم تكون أحق بنفسها، وإن كان ابناً فإنه يكون مع أبيه حتى يبلغ حداً يأكل بنفسه ويشرب بنفسه، ويلبس، ثم تسلمه إلى أبيه حتى يؤدبه.
وقيل عن أبي حنيفة أنه قال في الابنة: يجب عليها أن تقيم مع الأم حتى تزوج فإن طلقت قبل الدخول أو بعده لم تعد الكفالة.
وقال مالك: إن كان ذكراً فالأم أحق به ما لم يثغر.
وروي عنه: إلى البلوغ أيضاً، وإن كانت أنثى فالأم أحق بها ما لم تتزوج ويدخل بها الزوج، فإن طلقت قبل الدخول عادت الكفالة للأم، واحتج بأن الصغير لا قول له ولا يعرف حظه.
وقال أحمد: إن كان ذكراً خير، وإن كانت أنثى لم تخير والأم أحق بها لأن الحظ للأنثى لا يكون عند أمها والغرض بالحضانة حظها، فلم تجبر وهذا كله غلط للخبر الذي ذكره الشافعي، وأراد بالغلام الصغير لأنه ظاهر الاسم ولأنه لو كان بالغاً لا يخير بين أحدهما وبين الانفراد عنهما.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلقها زوجها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أستهما فيه فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للابن: "اختر أيهما شئت" فاختار أمه فذهبت به.
وروي عن أبي ميمونة قال: كنت عند أبي هريرة فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن [ق 233 ب] يذهب الولد، وقد طلقني فقال: آستهما عليه فجاء زوجها فقال: هو ولدي، فقال أبو هريرة: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بولدي وقد نفعني وشفاني من .. عتبة فقال: أستهما فجاء زوجها فقال: من يحاقني في ولدي فقال: يا غلام هذا أبوك، وهذه أمك، خذ بيد أيهما شئت قال: فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه.
وروي عن عمارة الجرسي أنه قال: خيرني علي رضي الله عنه بين عمر وأمي ثم قال للأخ لي أصغر مني وهذا أيضاً لو قد بلغ خيرته.
وفي هذا الخبر أنه قال: وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين، وقال في أخيه وهذا أيضاً لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته ويقول على أحمد كل سن خير فيه الذكر خيرت فيه
الجزء: 11 - الصفحة: 508
الأنثى كسن البلوغ.
وأما ما ذكروه لا يصح لأن الأب كالأم في مصالحها، وهذا التخيير غير لازم بل هو اختياره وشهوته كما يكون فيما لو [....]، وقيل: للولد أربع أحوال: حالة رضاع، وحالة حضانة، وحالة كفالة، وحالة كفاية، وقد ذكرنا حكم الرضاع وقدرة الشرع بحولين.
وأما الحضانة تربيته ومراعاة مصلحته في وقت يعجز عنها ولا تمييز بين ضرها ونفعها وذلك دون سبع سنين فتختص الأم لأنها أحنى عليها وأصبر على مصالحها وشفقتها أكثر، والدليل على هذا ما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني كان بطني له وعاء وثدي له سقاء وحجري له حواء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال لهال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق ما لم تنكحي" والحق اسم المكان الذي عول الشئ أو معنى هذا الكلام الإدلاء بزيادة الحرمة التي لها.
وأما الكفالة بحفظه ومعونته عند تمييزه قبل كمال قوته [ق 224 أ] وذلك بعد سبع سنين.
وأما الحالة الرابعة بعد بلوغها لا كفايتهما بأنفسهما لكمال التمييز والقوة، ولكل واحد منهما أن ينفرد بنفسه ويعتزل أبوه إلا أن يكره للجارية مفارقتهما.
واعلم أن الشافعي قال: ههنا سن التخيير إذا بلغ سبعاً، وقال في موضع آخر: إذا بلغ سبعاً أو ثمان سنين وليس على قولين بل على اختلاف حالين، فإن ظهر التمييز فيه لسبع لفرط ذكائه خير، وإن تأخر لبعد فطنته خير في الثامنة عند ظهور ذلك، ويكون ذلك موكولاً إلى رأي الحاكم واجتهاده عند الترافع إليه.
فإذا تقرر هذا، فإنما يخير بينهما إذا استوت حالهما وهو أن يوجد فيهما أربع شرائط: الحرية، والإسلام، والأمانة، وأن يكون بلدهما واحداً فأما إذا كان أحدهما حراً، والآخر مملوكاً فإن كان الأب هو المملوك فنفقته على أمه وهي أولى بحضانته، وإن كانت الأم مملوكة، فإن الولد عبداً لسيدها وهو أولى بحضانته وتربيته إن شاء استرضع أمه، وإن شاء انتزعه منها وتركه إلى أخرى لترضعه والأولى تركه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن ينتزعه منها لأنه تفريق بين الأم وولدها فلا يجوز كما لا يجوز في البيع، وإن كانت الأم مملوكة والأب حراً بأن يكون الأب مغروراً، فإن الأب أولى منه، وإن كانا مملوكين والولد حر بأن يتزوج بعد بامرأة على أنها حرة وأولدها، ثم تبين أنها كانت مملوكة فالولد حر.
قال أبو إسحاق: تجب نفقته وحضانته على المسلمين كاللقيط فيجيب على الحاكم أن يستأجر امرأة تحضنه وتنفق عليه من بيت المال.
الجزء: 11 - الصفحة: 509
وقال في "الحاوي": إذا كانت الأم مملوكة لم يجز أن يفرق بينهما في زمان الحضانة، وفي جواز التفرقة بينهما في زمان الكفالة ما بعد سبع سنين والبلوغ قولان، وإن كان أبوه ملكاً لسيده ففي [ق 224 ب] إجراء حكم الأم عليه في المنع من التفرقة بينهما وجهان.
واختار الشيخ أبو حامد أن أم الولد أولى بالولد من السيد إلى سبع سنين فإذا بلغ سبعاً فالأب أولى إلا أن يعتق الأم فيخيروا المذهب الصحيح ما ذكرناه أولاً والفتوى على ما ذكره أبو حامد للمصلحة، وإن كان أحدهما كافراً والآخر مسلماً فإن المسلم منهما أولى لا يختلف المذهب فيه.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: يخير بينهما، واحتج بما روي أن رافع بن أبان اسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم.
وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع: اقعد ناحية، وقال لامرأته: اقعدي ناحية، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ادعوها فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها.
وروي عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، قال اسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا غلام اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت إلى أبيك، وإن شئت إلى أمك" فتوجهت إلى أمي فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: "اللهم أهده" فملت إلى أبي وقعدت في حجره.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: الذمية أولى بالحضانة إلى سبع سنين، فإذا بلغ سبعاً فالأب أولى وهذا غلط، لأن الحضانة جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد المسلم في حضانة الكافر لأنه يفتنه عن دينه، وذلك أعظم الضرر، والخبر الذي ذكره منسوخ، لأن الأمة اجتمعت أنه لا يسلم الصبي إلى الكافر، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أنه يختار المسلم فلهذا خيره وكان هذا حكماً خاصاً له ولأنه لا خلاف أن أحدهما إذا كان فاسقاً والآخر عدلاً، فالعدل أولى، فإذا كان العدل أولى من الفاسق فالمسلم أولى من الكافر.
وحكي ابن أبي هريرة، وغيره عن أبي حنيفة [ق 225 أ] أنه قال: لا تبطل كفالته [كفره، وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان أحدهما مأموناً والآخر غير مأمون فالمأمون أولى لأنه يستضر بغير المأمون في تربيته على خلقه، وسوء صنيعه، ونريد به العدل والفاسق، وإن اختلف بلدهما، فإن كان يريد سفراً لحاجة، ثم يعود فالمقيم أولى لأن في المسافرة به إضرار به والمقام أودع والسفر خطر، وإن أراد سفر الانتقال، فإن كان الأب منتقلاً كان أحق به من الأم، وإن انتقلت الأم إلى بلد آخر، فالأب أحق به، وهذا لأن حفظ
الجزء: 11 - الصفحة: 510
النسب إلى الأب, وهو أهم من الحضانة التي يحصل له بالأم فقدمنا الأب عليها وقد ذكر بعض أصحابنا: أن اختلاف البلدين بأن تكون المسافة بينهما قدر ما تقتصر فيه الصلاة, فإن كانت المسافة أقل من ذلك فالأم أحق كما في البلد الواحد لأن مراعاة الأب له ممكنة في هذا القدر من المسافة, وهذا اختيار أبي حامد والقاضي الماوردي وجماعة.
وقال بعض أصحابنا: لا اعتبار بهذه المسافة لأن إذا انتقل عن بلده لا يمكنه تأديبه وتعليه ذكره في الشامل, وهو الأصح عندي, وبه قال مالك, وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأم مقيمة والأب منتقلاً فالأم أحق, وإن كانت الأم متنقلة, فإن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق, لأن في البلد يمكن تأديبه بخلاف القرية, وهذا غلط لأنهما أبوان استوت حالهما واختلف بهما الدار فكان الأب أولى بالبلد كما لو انتقلت من بلد إلى قرية.
فرع:
لو كان بعض الولد حرًا وبعضه موقوفًا خير بين الأبوين بما فيه من الحرية إذا كانا حرين, فإذا اختار أحدهما اجتمع مع سيده المالك لدقة على ما يتفقان عليه في كفالته من اشتراك فيها أو مهايأة عليها أو استنابة فيها, فإن تنازعا اختار الحاكم لها أمينًا ينوب عليها في كفالته.
فرع آخر:
من يجن زمانًا ويفيق زمانًا [ق 225 ب] لا كفالة له, لأنه في زمان الجنون زائل الولاية وربما يطرأ جنونه على عقله فلا يؤمن معه على الولد إلا أن يقل جنونه في الأحيان النادرة ولا يؤثر في التمييز بعد زواله فلا يمنع من الكفالة.
فرع آخر:
لو كان أحدهما مريضًا, فإن كان طارئًا يرجى زواله فلا يمنع, وإن كان ملازمًا كالقالج والسل, فإن أثر أو تشاغل بشدة ألمه لا كفالة له, وإن أثر في قصور حركته مع صحة عقله وقلة ألمه روعيت حاله, فإن كان ممن يباشر كفالته بنفسه سقط حقه منها لما يدخل على الولد من التقصير فيها, وإن كان ممن يراعى بنفسه التدبير ويستنيب فيما تقتضيه المباشرة كان على حقه من الكفالة سواء, كان أبًا, أو أمًا، وإذا برأ العاجز عاد إلى حقه.
فرع آخر:
لو وجد في كل واحد من الأبوين شروط الكفالة ويفصل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو زيادة في المال أو زيادة في المحبة فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا شرط معتبر يسقط به التخيير وتكون الكفالة لا فضلهما لظهور
الجزء: 11 - الصفحة: 511
الحظ فيه للولد.
والثاني: لا يرجع بهذا إذا خلا من نقص لأن الحق في الكفالة مشترك بين الكافل والمكفول فلم يسقط حق الكافل بالزيادة في حق المكفول.
فرع آخر:
قال في "الحاوي": التخيير يحتاج إلى شروط ثلاثة في الولد, الحرية والتمييز والسن, ويحتاج إلى خمسة شروط في الأبوين يشتركان فيه وإلى شرط سادس في الأم, وإلى شرط سابع يختلف فيه, أحدهما: الحرية, والثانية: العقل, والثالث: الإسلام, والرابع: الأمانة, فلو ادعى أحدهما علي الآخر فسقه لينفرد بالكفالة من غير تخيير لا يقبل وله إحلافه, والخامس: اجتماعهما في وطن واحد.
والسادس: أن تكون خلية من زوج على ما سنذكره، والسابع: المختلف فيه أن يفضل أحدهما على الآخر بزيادة في الدين أو المحبة, وقد ذكرنا شرحها.
فرع آخر:
لو خير الولد عن الأبوين [ق 266 أ] عند وجود الشرائط فاختارهما يقرع بينهما لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة.
فرع:
لو خير بينهما فلم يختر واحدًا منهما فيه وجهان:
أحدهما: يقرع لأنه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجبت القرعة.
والثاني: الأم أحق لاستحقاقها لحضانته, وإن لم يختر غيرها لكفالته, وهذا أشبه.
فرع آخر:
لو تدافعا كفالته وامتنعا منها, فإن كان بعدهما من يستحق كالجد بعد الأب والجدة بعد الأم فتنقلت الكفالة إلى من بعدهما وبخير الولد بيهما إذا تكافأت أحوالهما, وإن لم يكن بعدهما من استحق كفالته فيه وجهان:
أحدهما: يكون الولد على خياره ويجبر من اختاره على كفالته, لأن في الكفالة حقًا لهما, وحقًا عليهما فلا يسقط تمانعهما حق الولد عليهما, وإن سقط حقهما.
والثاني: يجبر عليهما من وجبت عليه النفقة منهما لوجوبها عليه لقوه سببه.
فرع آخر:
إذا قلنا بالوجه الأول وكان التمانع في وقت الحضانة أقرع بينهما وأجبر عليها من فر منها لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عِمرَان: 44] الآية.
فقيل:
الجزء: 11 - الصفحة: 512
اختصموا تنازعًا لكفالتها, وقيل: اختصموا تدافعًا لكفالتها فاستهموا فدل على دخول القرعة في الحالين عند التنازع والتدافع.
فرع آخر:
لو سلم أحدهما كفالته إلى الآخر فهو أحق وكلام للولد, فإن عاد إلى الطب عاد إلى حقه وجملة ما ذكرنا أنه إذا وجدت الشرائط لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتنازعا في الكفالة.
والثاني: أن يتدافعها عنها.
والثالث: أن يسلمها أحدهما إلى الآخر, فإن تنازعا يخير وللولد في التخيير ثلاثة أحوال: أن يختار أحدهما, أو أن يختارهما, أو لا يختار واحدًا منهما, وقد ذكرنا شرحها.
مسألة:
قال: "وِإِذَا افْتَرَقَ الأَبَوَانِ [ق 266 ب] وهُمَا فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَالأُمُّ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تتَزَوَّجْ".
الفصل:
الأم إنما يكون لها حق حضانة الصبي إذا كانت خالية عن زوج, فإن تزوجت سقط حقها في الحضانة.
وقال الحسن البصري: لا تسقط حضانتها, وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: للأم أنت أحق به ما لم تنكحي.
وروى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأم أحق بولدها ما لم تتزوج" ولأن النكاح يمنع مقصود الكفالة لاشتغالها بحق الزوج, واحتج بما روي أن عليًا رضي الله عنه, وزيد بن حارثة, وجعفر بن أبي طالب تنازعوا في حضانة ابنه حمزة فقال: عليّ بنت عمر, وعند بنت رسول الله صلى عليه وسلم وقال زيد أخي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخى بين حمزة وزيد, وقال جعفر بنت عمي وعندي خالتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخالة بمنزلة الأم" وسلمها إلى جعفر لها الحضانة وهي متزوجة قلنا: لا صحة فيه لأنه لم يكن هناك من هو أحق منها لأن زيدًا لا حضانة له, وعلي وجعفر سيان في القرابة.
فإذا تقرر هذا وتزوجت الأم, فإن لم يكن لها أم ولا إحدى أمهاتها فالأب أولى بحضانته, وإن كان لها أم ولم يكن لأمها زوج كانت أحق بحضانته, وإن كان لها زوج
الجزء: 11 - الصفحة: 513
نظر, فإن كان زوجها جد الصبي الذي هو أب أمه فهو أولى بحضانته من الأب, وإن كان زوجها غريبًا فالأب أولى منها، ولو كان زوج المرأة عم الصبي, قال القفال: لا تسقط حضانتها قياسًا على الجد.
ومن أصحابنا من قال: لا يقاس العم على الجد, لأن حق آكد ألا ترى أنه أولى من الأخت وهي أولى من العم.
وقال صاحب الحاوي: إذا كان زوج الأم عصبة للولد, فإن منعها من الكفالة سقط حقها, وإن أذن لها في الكفالة ومكنها من القيام بها فيه وجهان:
أحدهما: تستحق الكفالة [ق 277 أ] لزوال السبب المانع بالتمكين واتقاء العار بامتزاج النسب.
والثاني: لا تستحق الكفالة لعموم الخبر الذي ذكرنا ولأن الطبع يجذبها إلى التوفر على الزوج ومراعاة أولادها منه إن كانوا تسقط حضانتها لهذا.
فإذا تقرر هذا وخيرنا الولد بين الأبوين, فإن اختار الأم فإن كان ذكرًا كان بالنهار مع الأب يعلمه القرآن والأدب أو الصنعة يأوي بالليل إلى أمه ويبيت عندها.
وإن كانت أنثى كانت عند أمها ليلًا ونهارًا لأن كل ما يحتاج إليه مما تتعلمه من الخبز والطبخ والغزل, فإنها تتعلم من أمها وإن اختارت الأب تكون عنده ليلًا ونهارًا وسواء كان ذكرًا أو أنثى إلا أن الأب يوجه الابن إلى أمه ليزورها في كل وقت ولا يستدعيها إليه لأن الأم عورة, وإن كانت أنثى فالأم تجيء إليها وتزورها لأنهما عورتان, والأم أولى بالخروج لأنها أكثر تجربة وأكمل عقلًا وتمييزًا من البنت فتكون الأم بالخروج أولى, وإذا جاءت إليها تعدت عندها قعود الزائرين, ولا تطيل الجلوس أول النهار إلى آخره إلا أن تمرض البنت فإنها تعقد وتطيل, وإن ماتت قعدت إلى أن تدفن ثم ترجع ولا ينبغي أن تخلو بالزوج, فإن لم يكن معها ثالث خرج الزوج حتى تدخل, وإن مرضت الأم خرجت البنت إليها ومرضتها, إن كانت تحسن ذلك, وإن لم تحسن ذلك لصغرها نظرت إليها وسألتها عن حالها, وقعدت عنها وقتًا, ثم رجعت, وإن ماتت قعدت حتى تدفن, ثم ترجع وليس للأب أن يمنعها من البكاء, وله أن يمنعها من النياحة واللطم ويمنعها من الخروج مع الجنازة وزيارة قبرها لأنها عورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله زائرات القبور ولا يمنع الابن من ذلك لأن الرجال لا يمنعون من زيارة القبور.
فرع:
لو أراد الغلام زيارة الأم كل يوم أو أرادت الأم ذلك فله المنع لأن عادة الزيارة معلومة [ق 277 ب] وإنما تكون من الأيام يومًا,
وأما قوله ههنا فإن ماتت الابنة لم تمنع الأم من أن يأتيها حتى تدفن يحتمل
الجزء: 11 - الصفحة: 514
تفسيرين كل واحد منهما مسألة على حدة:
أحدهما: أن الابنة إذا ماتت فليس لأبيها منع أمها من دخول داره لتجهيزها ودفنها.
والثاني: أن الابنة إذا ماتت فليس لزوج الأم إذا كانت ناكحة أن يمنعها عن حضور دفن ابنتها وتجهيزها.
وهذا كله من مكارم الأخلاق وقوله: ولا يمنعها معناه: إن ماتت الأم فلا ينبغي للأب أن يمنع الابنة عن حضورها, وقوله ولا تمنع من مرضها من أن تلي تمريضها من منزل أبيها تحتمل تفسيرين كما ذكرنا في موت الابنة.
مسألة:
قال: " وإِنْ كَانَ الوَلَدُ مَجْنُوتًا فَهُوكَالصًّغِيرِ".
أراد بالمخبول: لأنه في معنى الطفل الصغير الذي لا تمييز له وتكون الأم أحق به ولا يخير أبدًا لأنه لا يهتدي إلى مصلحة نفسه في موضع حظه وإن خيرناه فاختار الأب, ثم جن كانت الأم أحق به, وبطل اختياره لنفسه لأنه بطل السبب الذي له به الاختيار
مسألة:
قًالَ: " وإِنْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ أَحَدَ الأَبَوَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الآخَرَ حُوِّلَ".
قد ذكرنا أن هذا الاختيار اختيار شهوة وليس بلازم, ولو كان لازمًا لا تنظر فيه بلوغه فلما صح في صغره دل على ما قلناه ومعناه ظاهر, وهو أنه بما يختار أحدهما فإذا اختبره وعاشره نكد جانبه وكره مساكنته ومعاشرته فيميل باختياره إلى الآخر.
مسألة:
قَالَ: " وإِذَا مُنِعَتْ مِنْهُ بِالَّزوجِ فَطَلَّقَهَا طَلاَقًا يَمْلِكُ فِيهِ الَّرَّجْعَةَ أَولا يَمْلِكُهَا رَجَعَتْ عَلَى حَقّها".
إذا سقط حقها من الحضانة بالنكاح فطلقها زوجها عاد حقها وكانت أولى بحضانته من غيرها سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا وكذلك إذا كانت الأم كافرة فأسلمت أو أمة فأعتقت أو مسافرة فرجعت رجع حق الحضانة إليها [ق 28 أ] في الحال.
وقال مالك: لا يعود حقها بالطلاق بحال, وقال أبو حنيفة: لا يعود حقها ما دامت في عدة الرجعة, وهذا على أصله أن الرجعية مباحة لزوجها وهو قول المزني لكنه يقول: الرجعية في حكم الأزواج ولا يقول إنها مباحة لزوجها, وهذا غلط لأنه إنما بطل حقها من الحضانة لمعنى اشتغالها بالزوج عن الولد, فإذا زال هذا المعنى عادت الحضانة.
الجزء: 11 - الصفحة: 515
ثم ألزم الشافعي نفسه سؤالًا، فقال: فإن قيل كيف يعود إلى ما بطل النكاح وأراد به مالكًا، قيل: لم يبطل حقها بل تراخى لمعنى فيزول بزوال ذلك المعنى ولو كان بطل ما كان لأمها يعني الجدة، وكان ينبغي إذا بطل عن الأم أن يبطل عن الجدة التي إنما حقها بحق الأم.
وقد قضى أبو بكر الصديق على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، بأن جدة ابنه أحق به منه، ثم ابتدأ سؤالًا ليكشف حق الأم من الولد قيل: لحق الأب هما والدان يحدان بالولد، فلما كان الولد لا يعقل كانت الأم أولى به على أن ذلك حق للولد لا للأبوين، لأن الأم أحنى عليه وأرق من الأب.
قال القفال: وإنما تعود لها حق الحضانة في العدة إذا رضي المطلق بأن يدخل ولدها بيته لأنها تعتد في بيته إذ للمعتدة السكنى بائنًا كانت أو رجعية، فإن لم ترض لم يكن لها هذا الحق.
فرع:
لو كانت خالية من زوج فتركت حضانتها مع القدرة، ولها أم خالية من زوج فلمن تكون الحضانة، قال الاصطخري في أدب القضاء يحتمل وجهين:
أحدهما: تكون لأمها كما لو تزوجت، وهذا اختيار أبي حامد وجماعة.
والثاني: تكون للأب، لأن حضانتها لم تبطل بالترك، وصارت كالفاصل في النكاح ولا تنتقل ولايته إلى من دونه، وهو اختيار ابن الحداد ومشايخ خراسان.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا بَلَغَ الغُلاَمُ وَلي نَفْسَهُ".
الفصل:
[ق 288 ب] إذا بلغ الصبي رشيدًا له أن يفارق أبويه، وينفرد بنفسه ولا يجوز إجباره على أن تكون معهما إلا أن الأفضل برهما وترك فراقهما، لأن الله تعالى أوصى بالإحسان إليهما مسلمين أو كافرين، ونطق القرآن بذلك من مواضع، وإن كانت أنثى فبلغت فإنا نكره لها فراق الأبوين إلى أن تضم إلى زوجها فإنها عورة ولا يؤمن عليها من انفرادها، وإن اختارت لم تمنع منه، وإذا زفت إلى زوجها، ثم طلقها، فإنا نستحب إليها أن لا تفارق أبويها كالابن ولا يكره له فراقها كما لا يكره للابن لأمها قد خيرت الرجال وعرفت الأمور فهي تحفظ نفسها من الرجال.
وقوله: فإن أمن كانت مأمونة سكنت حيث شاءت أي ثابت وتأيمت بأن طلقها
الجزء: 11 - الصفحة: 516
زوجها بعدما أصابها، وقول الشافعي ما لم تر ريبة.
اختلف أصحابنا منهم من قال: معناه إذا رأت ريبة أجبرت على أن تسكن مع أبويها أو مع أحدهما إن كانا متفرقين وليس لها أن تسكن حيث شاءت، وهذا هو الصحيح، ومنهم من قال معناه: إذا رأت ريبة كره لها أن تنفرد وتكون بمنزلها قبل الزفاف.
قال أصحابنا: وكذلك إذا كانت بكرًا طهر منها ريبة تجبر على السكون في موضع تخص فيه والأولى على كل حال أن لا تفارق الأبوين زيادة في تحصينها وسببه نفي الريبة عنها وإنزاع للتهمة.
مسألة:
قَالَ:" وَإِذَا اجْتَمَعَ القَرَابَةُ مِنَ النَّسَاءِ فَتَنَازعْنَ المَوْلُودَ".
الفصل:
الكلام الآية فيما يستحق الحضانة وترتيب الأقارب بعضهم على بعض، وذكر الشافعي في ذلك مسألتين:
إحداهما: إذا اجتمع نساء الأقارب ولا رجال معهن.
والثانية: إذا اجتمع الرجال والنساء، فأما المسألة الأولى فاختلف قول الشافعي في ترتيب الحضانة بينهن، فقال في الجديد: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأب, ثم أمه [ق 229 أ] ثم أمهاتها, ثم أم الجد، ثم أمهاتها، ثم أم أبي الجد، وأن يكون وقوله: ههنا، ثم الجدة أم الجد، يعنى أم الجد من جانب الأب فلا ترتقي إلى أم جد الأب بحال، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأم ثم الخالة، ثم العمة.
وجملته أن الاعتبار بالولادة الظاهرة، ثم بقوة الميراث، ثم بقوة الإدلاء.
وقال في القديم: الأم أولى، ثم أمهاتها، ثم الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة، ثم أم الأب وأمهاتها، ثم أم الجد، ثم العمة ووجه هذا أن الأخت رضعت معها في رحم واحد فهي أقرب من أم الأب، والخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب والأم تقدم على الأب فكذلك من يدلي بالأم تقدم على من يدلي بالأب، وهذا غلط، والصحيح قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة لأنها جدة وارثة فوجب أن تقدم على الأخت كأم الأم، ولأن لها ولادة فتعتق على الوالد بها ويثبت ميراثها مع الابن بخلاف الأخت والخالة.
وأما ما ذكر القائل يقول: القديم يبطل بأم الأم فإنها أولى بلا خلاف.
فإذا تقرر هذا فأعلم أنه لا خلاف أن الأم أحق بدليل قول صلى الله عليه وسلم:" أنت أحق به ما لم
الجزء: 11 - الصفحة: 517
تنكحي" وأيضًا فإنها ساوت سائر الأقارب في الحضانة، واللبن وانفردت بقرب الدرجة والشفقة والحنو على الولد، فكانت أولى من غيرها ثم إذا عدمت الأم فأمهاتها فيقمن مقامها، وإن علون على الترتيب الأقرب فالأقرب لأن لهن ولادة وشفقة مثلها وهن، وإن بعدن يتقدمن على أمهات الأب، وإن قربن لأن الولادة فيهن مستحقة، وفي أمهات الأب لأجل الأب مظنونة وأنهن أقوى ميراثًا منهن لأنهن لا يسقطن بالأب، ثم بعدهن ننتقل إلى أمهات الأب.
نص عليه في الجديد فأحق أمهات الأب أمه، ثم أمهاتها، وإن علون فقد مات على أم الجد لتقديم الأب على الجد [ق 299 ب] فإذا عدمن قام الجد, ثم أمهاتها، وإن علون ثم أم أب الجد ثم أمهاتها ثم ينتقل إلى الأخوات وترتيب الأخوات على ما ذكرنا, وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة الأخت من الأم أولى من الأخت للأب، وبه قال المزني، وابن سريج، قال في المنهاج، وكان القياس الذي مهده في الجد أب تقدم الأخت للأم على الأخت للأب، وقد فعل ذلك في القديم ولكنه نظر في هذا الموضوع مع القرابة إلى ترجيح الميراث والعصوبة من جانب الأب فقدم الأخت للأب، ووجه أن الأخت من الأم تدلي بالأم فتقدم على الأخت من الأب كما تقدم الأم على الأب وعلى هذا قال ابن سريج: الخالة تقدم على الأخت من الأب أيضًا لهذه العلة.
وعن أبي حنيفة روايتان في هذا، وهذا غلط لأنهما أختان من أهل الحضانة فكان أقواهما في الميراث أقواهما في الحضانة كالأخت من الأب والأم مع الأخت من الأب.
وأما ما ذكره لا يصح لأن الأخت تدلي بنفسها لأنهما خلقا من ماء واحد ولها تعصيب وليس للأخرى ذلك فكانت أولى ثم ينتقل إلى الخالات فيقدم الخالة للأب والأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم وخالفه المزني، وابن سريج فقالا: تقدم الخالة من الأم على الخالة من الأب.
ومن أصحابنا من يسقط حضانة الخالة للأب لإدلائها بأب الأم والأنثى إذا أدلت بذكر لا ترث لا يكون لها حضانة، هذا لا يصح لمساواتها للأم في درجتها فصارت مدلية بنفسها وخالفت أم الأب الأم المدلية بغيرها وإنما قدمنا الخالات على العمة لأنها تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فغلب جانب الأم على جانب الأب ثم بعدهن العمات فتقدم العمة من الأب والأم، ثم العمة من الأب، ثم العمة من الأم، وقال المزني، وابن سريج تقدم العمة من الأم على العمة من الأب ثم اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: ينتقل بعد العمات إلى بنات الإخوة [ق 230 أ] والأخوات، ثم إلى بنات العصبات قربًا فقربًا، ثم بنات الخالات والعمات، ثم إلى خالات الأبوين على ترتيب العصبات اعتبارًا بالميراث.
والثاني: أنها تنتقل بعد الخالات والعمات إلى خالات الأبوين عملًا على تدريج الأبوة فإذا قلنا بالوجه الأول تقدم بنات الأخوات على بنات الأخوة لتقدم الأخوات فيها على الأخوة فتقدم بنت الأخت للأب والأم، ثم بنت الأخت للأب ثم بنت الأخت
الجزء: 11 - الصفحة: 518
للأب، ثم بنت الأخت للأم، ثم ينتقل إلى بنات الأخوة فتقدم بنت الأخ للأب والأم، ثم بنت الأخ للأب، ثم بنت الأخ للأم، ثم ينتقل إلى بنات بني الأخوات لأن بني الأخوة عصبة يرثون وبنو الأخوات لا يرثون فتقدم الحضانة لبنت ابن الأخ للأب والأم، ثم لبنت ابن الأخ للأب ولا حضانة لبنت ابن الأخ للأم لأنها تدلي بذكر لا يرث، ثم تنتقل بعد بنات العصبات إلى بنات الخالات، ثم بنات العمات.
وإذا قلنا بالوجه الثاني انتقلت بعد الخالات والعمات إلى جدات الأم يترتبن فيها ترتيب الخالات المرتفقات ولا حضانة لعمات الأم لإدلائهن بأب الأم وهو ذكر لا يرث، ثم ينتقل بعد خالات الأم إلى خالات الأب، ثم إلى عماته، ثم ينتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم، دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم تنتقل بعد خالات الأب وعماته إلى خالات أم الأم دون عماتها، ثم تنتقل بعدهن إلى خالات الجد، ثم إلى عماته، ثم يستعلي ذلك إلى درجةٍ بعد درجٍة ولا تستوعب عمود الأمهات، لأن البعدى من أمهات الأم وراثة كالقربى فلم يعتبر في حضانتهن قرب الدرج والخالات والعمات بخلافهن لأنهن لا يرثن [ق 230 ب] فاعتبر فيهن قرب الدرج فإذا عدم خالات الأمهات وخالات الآباء وعماتهن انتقلت الحضانة بعدهن إلى بنات الأخوات، ثم إلى بنات الأخوة، ثم إلى بنات العصبة، ثم إلى بنات الخالات، ثم إلى بنات العمات على ما بيناه في الوجه الأول.
وقال بعد أصحابنا بخراسان: إذا قلنا الخالة أولى فهي أولى من بنت الأخت ثم بنت الأخت أولى من العمة، وإن استويا في حرمان الميراث والمحرمة لأنها من قرابة الأم، والصحيح ما ذكرنا، وأما المسألة الثانية فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قَالَ:" وَلاَ وِلاَيَة لأُمَّ أَبي الأُم لأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبِ الأُمَّ".
جملته أن كل أب يدلي بأم فلا حق له ولا لمن يدلي به من الأمهات، من أم أب الأم وغيرها وعلل ههنا فقال: لأن قرابتها بأب الأم، وهذا التعليل فيه نوع اختصار لأنك تعلم أن أم الأب وأم أب الأب تدلى بقرابة أم فلا يكتفي في التعليل بأن يقال بأن قرابتها بأن لا بأم ومعناه لأن قرابتها بأب أم وذلك الأب لا حق له في هذه الولاية وغيره من الولايات فالمدلية به تشابهه وتحاكيه فكان قرابة الصبي من سائر النساء اللاتي رتبناهن أدلى من هذه التي هي أم أم الجد أب الأب وكذلك لا حق لأم أم أم ولا لأم أب أم أب وعلى هذا لا حق لابنة الخال ولا لابنة ابن الأخت لأنها تدلي بذكر لا يرث.
فرع:
هل لهن الحضانة مع عدم مستحقها وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 519
أحدهما: لهن ذلك لاختصاصهن بالقربى، وإن ضعفت لأن ضعفها يسقط جهتها مع من هو أقوى منها ولا يسقط مع من عدم قرابتها فعلى هذا لا يجوز العدول عنها إلى الأجانب.
والثاني: لا يستحقن الحضانة بحالٍ لأنه لم يوجد فيهن سبب الاستحقاق ولكن يجوز أن يقدم بذلك على الأجانب من طريق الأولى [ق 231 أ] دون الاستحقاق كما تقدم المرضعة والجارة، هذا لأن حضانتهن أصلح للصبي من حضانة الأجانب فعلى هذا إن أدى اجتهاد الحاكم إلى العدول منها إلى غيرها من الأجانب جاز.
وهذا اختيار أبى إسحاق، لأن الحاكم أحق نيابة عن المسلمين كما في الميراث فإذا قلنا بالأول ففي أحقهم بها إذا اجتمع الذكور والإناث وجهان:
أحدهما: الذكور أحق بها لقربهم ممن أدلى بهم فيكون أب الأم أحق بالحضانة من أب، والخال أحق بها من ابنته.
والثاني: الإناث مع بعدهن أحق بها ممن أدلى به من الذكور مع قربهم لاختصاصهن بالأنوثة التي هي آلة التربية ومقصود الحضانة فتكون أم أب الأم أحق من أبيها وبنت الخال أحق بها من الخال، وإن انفرد الذكور وتنازعوا فإن كان لأحدهما ولادة دون الآخر كأب الأم والخالة كانت الحضانة لأب الأم لبعضيته ولا قصاص عليه به وعتقه عليه، وإن لم يكن فيها ولادة كالخال والعم من الأم فيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء بينهما ولا اعتبار بمن أدليا به لتساويهما في سقوط الحضانة مع وجود مستحقها.
والثاني: وهو الأشبه يستحقها من قوي سبب إدلائه فيكون الخال لإدلائه بالأم أحق بها من العم للأم لإدلائه بالأب الذي تقدم عليه الأم، ولو كان ابن أخ لأم وعم لأم كان العم للأم أولى لإدلائه بأم الأب التي هى أحق بالحضانة من الأخ للأم.
مسألة:
قَالَ: " وَلاَ حَقَّ لأَحَدٍ مَعَ الأَبِ غَيْرَ الأُمَّ وَأُمَّهَاتِهَا".
الفصل:
قد مضى الكلام إذا اجتمع نساء القرابات ولا رجل معهن وهذه المسألة إذا اجتمع الرجال والنساء والحكم فيها بأن الأم وأمهاتها أولى من جميع الأقارب لما ذكرنا أن لهن ولادة وهن من أهل الحضانة بأنفسهن [ق 231 ب] فإن عدمن الأقارب اللاتي تدلين بالأب كالأمهات للأب والأخوات للأب والعمات لا حق لهن مع الأب بل يقدم الأب عليهن لأنهن يدلين به فكان المدلى به أحق من المدلى.
الجزء: 11 - الصفحة: 520
وأما النساء اللاتي ............. بالأم كالأخت من الأم والخالة فالمذهب المنصوص أنه يقدم الأب عنهن لأن في الأب من الولادة والاختصاص من النسب ما لا يكون في غيره.
وقال الإصطخري، وابن سريج، وأبو إسحاق، وبه قال أبو حنيفة: يقدمن على الأب والأم عليه أيضاً، وهذا اختيار أبي حامد لأنها ذات حضانة تدلى بالأم فسقط الأب كالجدة أم.
قال هذا القائل ومعنى قوله: ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها أي لا حق لأحد مع الأب ممن يدلى به دون من يدلى بالأم بدليل أنه قال بعده فأما أخواته وغيرهن فإنما حقوقهن بالأب فلا يكون لهن حق معه وهن يدلين به فدل على أن من لا يدلى به فلها حق معه، وهذا لا يصح لأنه لو قدم الأخت مع الأم والخالة على الأب لظاهر هذا الكلام لوجب أن يقدم كلاهما على أمهات الأب لأنهن يدلين به فلما لم يدل هذا على تقديمهما على أمهاته فلذلك لا يدل على تقديمهما عليه، ولأن الشافعي صرح بأنه لا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها، وذلك يقتضي أن يكون الأب أولى من الأخت والخالة فلا يجوز تركه بدليل الخطاب الذي بعده، وهذا اختيار صاحب الإفصاح والقاضي الطبري، وفي رواية الربيع فأما أخواتها وغيرهن فلا يكون لهن حق معه، وهذا نص صريح على أن الأب يقدم على الخالة، وعلى هذا إذا اجتمع أب وأم أب وأخت لأم فعلى القول القديم الأخت من الأم والخالة مقدمة على الأب، ومن يدلى به فالأخت للأم أولى [ق 232 أ] وههنا لا تفريغ عليه وأما على قوله الجديد أن أمهات الأب مقدمة على الأخوات يتفرع هذا، فإن قلنا بظاهر مذهب الشافعي أن الأب يقدم عليهما فالحصانة له، وإن قلنا الأصحاب وأنه لا يسقطهما ففي هذه المسألة وجهان:
أحدهما: أن الحضانة للأب ههنا وهو اختيار لاصطخري لأن الخالة والأخت من يسقطان بأم الأب، ثم يسقط أم الأب بالأب، قال: ولا يمتنع أن يسقط أم الأب الخالة والأخت للأم، ثم لا يثبت لها الحق بل يثبت للأب كالأخوين مع الأبوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل ذلك السدس لها بل يحصل للأب.
والثاني: وهو قول عامة أصحابنا أن الحضانة للأخت من الأم والخالة لأن أم الأب تسقط بالأب والأب يسقط بالخالة والأخت للأم، وإن اجتمع أب وأخت لأم فيه وجهان أيضاً لأن مذهب الشافعي في الجديد أن الأخت للأب مقدمة على الأخت للأم.
وقال في "الحاوي": إذا قلنا بالمذهب الصحيح ينتقل بعد الأب إلى أمه، ومن علا مقدمين على أبيه، فإن عدم أمهات الأب انتقلت إلى أب الأب، وهو الجد، ثم إلى أب الجد، ثم إلى أمهاته، ثم إذا عدم الآباء والأمهات فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 11 - الصفحة: 521
أحدهما: أن جميع النساء من الأقارب أحق بالحضانة من جميع العصبات فتقدم الأخوات والخالات والعمات ومن أدلى بهن من البنات على جميع من الأخوة وبينهم والأعمام وبينهم لما فيهم من الأنوثة التي هي بالحضانة أخص مع الاشتراك في القرابة، وإن تفاضلوا فيها.
والثاني: جميع العصبات أحق من جميع النساء من الأخوات والعمات والخالات، ومن يدلى بهن عن بناتهن لاختصاص العصبات بالنسب واستحقاقهم للقيام بتأديب المولود والميراث.
والثالث: وهو الأصح لا يترجح أحد الفريقين [ق 232 ب] على العموم ويعتبر تفاضل الدرج ويترتبون ترتيب العصبات في استحقاق فالأقرب من الرجال والنساء في الدرج قدم النساء فيها على الرجال لاختصاصهن بالأنوثة فعلى هذا ينتقل بعد الآباء والأمهات إلى الأخوة والأخوات فتقدم الأخوات لأنوثتهن، ثم ينتقل بعدهن إلى الأخوة، فإذا عدموا انتقلت إلى بنات الأخوات، ثم إلى بني الأخوة، فإن اجتمع ابن أخت، وابنة أخ كانت بنت الأخ أحق من بنت الأخت، وإن كان مدلياً بمن هو أحق اعتباراً بالأنثوية المستحق، ثم بعد الأخوة والأخوات انتقلت إلى الدرجة التي تليهم، وهو من ساوى الأبوين في درجته فالمساوئ للأم في درجتها الخالات والمساؤي للأب في درجته الأعمام والعمات، فتكون الخالات أحق بها من الأعمام والعمات لإدلائهن بالأم التي حي أحق بالحضانة من الأب، ثم ينتقل بعدهن إلي العمات يتقدمون فيها علي الأعمام، ثم ينتقل بعدهن إلي الأعمام، فإذا عدم الأعمام انتقلت إلي بنات الخالات، ثم إلي بنات العمات، ثم إلي بنات العم، ثم إلي بني العم، فإذا عدمت هذه الدرجة انتقلت إلي الدرجة التي تليها وهي الدرجة التي تساوي درجة الجد، والجدة فتساوي درجة الجدة حالات الأم وتساوي درجة الجد أعمام الأب وعماته فتنتقل الحضانة إلى خالات الأم، ثم إلى خالات الأب، ثم إلى عمات الأب، ثم إلى أعمام الأب، ثم إلى أولادهم فتكون بعدهم لبنات خالات الأم، ثم لبنات خالات الأب، ثم لبنات عمات الأم، ثم لبنات عمات الأب، ثم لبنات أعمام الأب، وعلى هذا أبداً.
وحكي بعض أصحابنا عن القفال أنه قال: لا يختلف أصحابنا أن أم الأب، وأم الجد، وإن بعدن أولى من الأب لأن لهم الحق الولادة، وإن كان أولاهن به ولا حق للأخت من الأب مع الأب، لأن [ق 223 أ] إدلائهما به وليس لهما قوة الولادة، وكذلك لا حق للأخت من الأم والأخت للأم اللتين حجبتا بالأب.
قال: وحكي عن الإصطخري أنه قال: تقدم الأخت من الأبوين والأخت من الأم والخالة على الأب، فأما الأخت للأب يحتمل وجهتين:
أحدهما: تقدم كأم الأم.
الجزء: 11 - الصفحة: 522
والثاني: تؤخر، لأن إدلائهما به وليس لها حق الولادة، قال: وتأويل قوله فأما أخواته أراد أخوات الأب لا أخوات الصبي، وهذا تخليط، ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق في هذا والصحيح ما ذكرنا.
فرع:
إذا انفرد الذكور فأحقهم الأب، ثم أباه، ثم بعد الأجداد الإخوة فيقدم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، وعلى قياس قول ابن سريج يقدم الأخ من الأم على الأخ من الأب، ثم بعد الإخوة فيه وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الإخوة ويتقدمون على الأعمام لقوة تعصيبهم فيقدم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب ولا حق فيها لابن الأخ للأم لأنه غير وارث، ثم ينتقل بعدهما إلى أولادهما، وإن سفلوا ثم إلى الأعمام على هذا الترتيب.
والثاني: ينتقل بعد الإخوة إلى الأعمام دون بني الإخوة لقوتهم في الدرجة على بني الإخوة، ثم بعدهم إلى بني الإخوة دون بني الأعمام لاختصاص بني الإخوة بالمحرمة دون بني الأعمام، ثم بعد بني الإخوة والأعمام وجهان:
أحدهما: ينتقل إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على أعمام الأب إذا قلنا يتقدم بها بنو الإخوة وإن سلفوا على العم، ثم تنتقل بعدهم إلى عم الأب.
والثاني: ينتقل إلى عم الأب يتقدم بها على بني العم إذا قلنا العم يتقدم بها على بني الإخوة، فإذا عدم الأب انتقلت بعده إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على بني عم الأب، وإن قربوا لاختصاصهم بالقرب تساويهم في عدم المحرمية، ثم على هذا الترتيب [ق 233 ب] في بني أب بعد أب، ثم إذا عدم جميع العصبات لم يكن للمولى المعتق حق فيها لأنه أسقط بالعتق حق نفسه عن المعتق، فسقطت حضانته.
فرع آخر:
لو كان للمولى المعتق نسب هو أبعد من نسب من حضر فهل يترجح بولاية مع بعده على من هو أقرب منه كعم وعم أب معتق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتقدم به، وإن بعد لجمعه بين شيئين يجري على كل واحد منهما حكم التعصيب فتكون الحضانة لعم الأب لولاية دون العم.
والثاني: لا يتقدم لأنه سبب لا يستحق به الحضانة فلم تترجح به الحضانة إلا مع التكافؤ فيكون العم أحق بالحضانة لقربه من عم الأب مع ولاية.
وذكر صاحب "الحاوي" في الحضانة ترتيباً حسناً فقال: إذا اجتمع في الحضانة قرابات المولود فتكون على ثلاثة أقسام:
الجزء: 11 - الصفحة: 523
أحدها: أن يكونوا نساءً لا رجل فيهم.
والثاني: أن يكونوا رجالاً كلهم.
والثالث: أن يكونوا رجالاً ونساءً، فأما الأول فيخرج منهن من لا حضانة لها وهي نوعان:
أحدهما: من سقطت حضانتها لنقص.
والثاني: من سقطت حضانتها لضعف قرابتها وهي كل مدلية بذكر لا يرث.
ثم من عدا هذين الصنفين متقدمين فيها بقوة السبب وذلك بشيئين دنوا القرابة كالأم مع أمها وقوة القرابة وقوتها تكون بخمسة أسباب مباشرة؛ الولادة، ووجود البعضية، والتعصب، والميراث، والمحرمية، والإدلاء بمستحق الحضانة ويقسم الإدلاء ثلاثة أقسام:
الإدلاء بالولادة كالإدلاء أم الأم بولادة الأم، وأم الأب بولادة الأب وهو أقوي أقسام الإدلاء.
والإدلاء بالانتساب كإدلاء الأخوات بالأبوين وإدلاء بناتهن بهن، وهذا يتلو الأول في القوة.
والثالث: الإدلاء بالقربى كإدلاء الخالة بالأم والعمة بالأب، وقد ذكرنا شرح الكل فلا نعيده.
فرع آخر:
لو اجتمع مع الرجال والنساء في الحضانة خنثي مشكل نظر [ق 234 أ] في مستحقها، فإن كان رجلاً لم تساوه الخنث فيها لجواز أن يكون امرأة، وهل يتقدم بذلك علي المرأة عند عدم الرجال؟ وجهان، وإن كان مستحقها امرأة لم تساوها الخنثى وهل يتقدم بذلك في الرجل؟ وجهان:
أحدهما: يتقدم عليه إذا تقدمت عليه المرأة لجواز أن يكون امرأة.
والثاني: لا يتقدم عليه لعدم الحكم بأنه امرأة.
فرع آخر:
لو أجبر الخنثى علي اختياره لنفسه أنه رجل أو امرأة عمل علي قوله في سقوط الحضانة، وهل علي قوله في استحقاقها وجهان:
أحدهما: يعمل عليه لأنه أعرف بنفسه.
والثاني: لا يعمل عليه للتهمة.
فرع آخر:
لو وقع التنازع في كفالة المولود وله زوجة كبيرة نظر، فإن أمكن استمتاعه بها أو استمتاعها فهي أحق بكفالته، وإن كانت أجنبية من جميع ثواباته لما جعل الله (تعالى) بين
الجزء: 11 - الصفحة: 524
الزوجين من المودة والرحمة فكان أسكن لها وأعطف عليه، وإن لم يكن استمتاعه بها ولا استمتاعها به لا حق لها في كفالته وأقربائه من الرجال والنساء أحق به منها.
فرع آخر:
لو كانت الزوجة من أقاربه هل يترجح بعقد النكاح علي غيرها من الأقارب وجهان:
أحدهما: يتراجع لجمعها بين سببين.
والثاني: لا يتجرع وتقف علي درجتها من القرابة التي هي أخص بالكفالة.
فرع آخر:
لو كان المولود جارية ولها زوج كبير، فإن أمكنه الاستمتاع بها كان أحق بكفالتها، وإن لم يمكنه فالأقارب أحق بكفالتها منه، فإنه شاركهم في القرابة فهل يتجرع بعقد النكاح عليهم؟ وجهان.
مسألة:
قال: " وَالجَدُّ أَبُو الأَبِ يقُومُ مَقَامَ الأَبَ إِذَا لمَ يَكُنْ أَباً أَوْ كَانَ غَائِباً أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ".
قال أصحابنا: ليس هذا الكلام علي ظاهره، فإن أم الأب أحق من الجد وكذلك أمهاتها يقدمن علي الجد أب الأب [ق 234 ب] لاختصاصهن بالحضانة، وتأويل هذا الكلام أن الجد أحق إذا لم يكن أب من أمهاته كما يكون الأب أحق من أمهاته، وإن اجتمع معه خالة أو أخت لأم، وقلنا: إن الأب يقدم عليها فههنا وجهان:
أحدهما: الجد أولي أيضاً، لأنه يقوم مقام الأب.
والثاني: وهوا لأقرب الأخت أولي، لأنها مساوية للجد في الدرجة وتختص الأخت بالحضانة بخلاف الجد، وهكذا إذا كان الأب غائباً أو غير رشيد بأن يكون فاسقاً أو مجنوناً، فالجد مقامه إذا لم يكن أمهات الأب.
فإن قيل: أبطلتم حق الحضانة بالغيبة ولم تبطلوا حق الولاية في النكاح بالغيبة فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المطلوب بالحضانة خط الصبي، والخط له بأن ينتقل إلي الجد دون الحاكم وليس كذلك ولاية النكاح فإنها حق المولي فلا تبطل بغيبته، فقام الحاكم مقامه في استيفاء حق المرأة منه، ولأن الغيبة لا تمنع حق النكاح؛ لأنه لو زوجها من موضعه يصح بخلاف الكفالة، وعلي هذا قال القفال: لو ترك الأقرب الحضانة فالحق
الجزء: 11 - الصفحة: 525
الأبعد بخلاف ولاية النكاح، فإنها تنتقل إلي السلطان؛ لأن تزويج السلطان يحصل لها ما يحصل من تزويج القريب ولا يحصل بحضانة السلطان ما يحصل بحضانة الأقارب فيراعي فيه حظ الصبي.
مسألة:
قال: "وكَذلِكَ العصْبَةُ يَقُومُونَ مَقَامَ الأَبِ إِذَا لمَ يَكُنْ أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَع الأُمَّ وَغَيْرُهَا".
الفصل:
اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام، فمنهم من قال: معناه أن العصبة يقومون مقام الأب في حفظ نسبه وتأديبه وإسلامه إلي الصنعة دون الحضانة، فإن الإخوة والأعمام لا مدخل لهم في الحضانة، وإنما الحضانة من الرجال للأب، والجد فقط، وبه قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: أراد به في الحضانة [ق 235 أ] وهو الظاهر من مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الشافعي روي خبر عمارة الجرمي أن علي بن أبي طالب خيره بين أمه وعمه علي أن العم له مدخل في الحضانة.
فإذا قلنا بهذا م يكن حد من الأبوين والجد والجدات، فإن كان الولد ذكراً بدفع إلي الأقرب فالأقرب من العصبات وأولادهم، سواء كان الأقرب ذكراً أو أنثي، وإن كان الولد أنثي نظر في العصبة، فإن كان محرماً لها لم تسلم إليه وإنما تسلم إلي من يدلي به من الإناث، مثل أن يكون ابن عم وله بنت فتسلم إلي بنت ابن العم، فإذا اجتمع ذكر وأنثي مثل ابن العم، وابنة العم، فإن الولد يسلم إلي ابنة العم دون ابن العم؛ لأنهما إذا استويا في الدرجة قدمت الأنثى علي الذكر لكمال حضانتها علي ما ذكرنا فيما تقدم، وعلي ما ذكرنا إذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبيات؟ وجهان، وأما يدلي بالأب فلا يخير بينهن وبين الأب، وإن أدلين بالأم كالخالات ففي تخييره بين الأب وبينهن وجهان، وفي تخييره بين سائر العصبات، وبين سائر النساء سوي الأمهات ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تخير والعصبات أحق.
والثاني: لا تخير ونساء القرابات أحق.
والثالث: تخير بين عصابته ونساء قراباته إذا تساوي درجتهم فإن استوي اثنان من عصبته كأخوين أو اثنتان من قراباته كالأختين فيه وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 526
أحدهما: يخير بينهما.
والثاني: يقرع بينهما ولا يخير.
وقيل: إن كانت العصبة ابن العم لا تخير الجارية بينه وبين الأم إذ لا يحل له الخلوة بها، قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا تشتهي مثلها فحينئٍذ هو كالغلام يخير بين أمه وبينه أيضاً وهذا غريب.
مسألة:
قال: " وإِذَا أَرادَ الأَب ُأَنْ يَنتْقَل عَنِ الَبلَد الَّذي نَكَحَ بِهِ المَرأَةَ كاَنَ بَلَدهُ أَوْ بَلَدَها فَسَوَاءٌ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضي أن الأب إذا أراد أن يتقبل إلي بلد آخر، فإن الأب أحق بالولد [ق 235 ب] من الأم.
قال الشافعي: " موضعاً كان أو كبيراً" وأراد به سواء كان طفلاً أو قد بلغ الحد الذي يخير بين الأبوين، فإن الأب يكون أحق به، إلا أن يريد أن ينتقل إلي بلدٍ غير مأمون من النهب والغارة فتكون الأم أحق به، وهذا لما ذكرنا أن الأنساب لا تبقي ولا تجئ بالأمهات، وإنما يجئ بالإباء، وربما يتطاول الزمان بعد نقله فيندس نسب الولد ويخفي، والنسب إذا اندرس أضر بالولد والوالد جميعاً، ولا فرق بين أن تكون البلدة التي نكحها بها بلدة مقامها أو غير ذلك خلافاً لأبي حنيفة، حيث فصل بين أن ينكحها في بلدها وبين أن ينكحها في غير بلدها، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكراً كان أو أنثي؛ لأنها في الحاجة إلي النسب سواء، وقد ذكرن أنه لو أراد الخروج للتجارة أو النزهة فالأم أحق وليس له أن يحمل الولد معه؛ لأنه لا يندرس به النسب، وإن اختلفا فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: تريد التجارة فالقول قول الأب؛ لأن المرجع في ذلك إلي عزيمته وقصده، وهو أعلم بذلك، ويلزمه اليمين لتعلقه بسقوط حقها من الحضانة.
وقال القفال: القول قوله بلا يمين؛ لأنه أمر في المستقبل، والصحيح ما ذكرنا.
وكل موضع قلنا: الأب أحق ويبطل حق الأم/ من الحضانة، فلو قالت الأم: أنا أنتقل إلي ذلك البلد أو عاد الأب إلي بلدها كانت علي الحضانة.
ثم قال الشافعي: "وكَذلِكَ العَصْبةُ".
ومعناه إذا لم يكن للوالدات كان له عصبة من جانب الأب وأراد العصبة النقلة
الجزء: 11 - الصفحة: 527
واستيطان بلدة أخري، فالعصبة أولي بالولد من الأم؛ لأن الأنساب مع العصبات أبقي وأحب، وهذا يدل علي أن الشافعي رحمة الله جعل للعصبات حظاً في الحضانة بخلاف ما حكيناه عن أبي إسحاق.
[ف 236 أ] مسألة:
قال: "وَلاَ حَقَّ لِمَنْ لمَ تَكْمُلْ فِيِه الحُريَّةُ فِي وَلَدِ الحُرَّ".
من لم يكمل حريته بأن يكون بعضه حراً وبعضه مملوكاً حكمه حكم العبد القن؛ فإنه إن كان مملوكاً فالأب الحر لا حق له فيه أيضاً، وقد ذكرنا أنه إذا كان الولد حراً والأم مملوكة دون الأب فحضانته لأبيه الحر، وإذا كان الولد مملوكاً فحضانته لسيده، والأولي لسيده أن يسلمه إلي أمه، وهل يجوز أن يسلمه إلي غيرها وجهان:
أحدهما: له ذلك لأنه ملكه يفعل به ما يشاء.
والثاني: ليس له لأنه تفرقة بين الأم وولدها.
وقال في "الحاوي": إذا كان الولد مملوكاً وأبواه حرين لا كفالة لهما بعد السبع لرق الولد، وفي استحقاق الأم لحضانته في السبع رضيعاً أو فطيماً وجهان:
أحدهما: تستحقها لفضل حنوها وعجز السيد عنها.
والثاني: لا تستحقها لأن المملوك لا تثبت عليه ولاية لغير سيده.
وإن كان الولد وأمه مملوكين، فلو كانت الأم مملوكة لغير سيده لا حق لها في حضانته، وإن كانت لسيده لم يجز أن يفرق بينهما في حال صغره، وهل تصير بالمنع من التفرقة بينهما مستحقة لحضانته؟ وجهان:
أحدهما: يستحق، لأن المنع من التفرقة بينهما، قد جعلها أحق به من غيرها.
والثاني: لا تستحقها لأن ثبوت الرق عليها مانع من ولايتها.
باب نفقة المماليك
مسألة:
قال": أَخْبَرَنَا سُفْيَان ُبْنُ عيُيْنَة عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَجْلانَ وَذَكَرَ الخبَرَ".
الفصل:
الكلام ههنا في نفقة العبيد والإماء فتجب نفقة المملوك علي سيده وكذلك كسوته بالمعروف، والأصل ما ذكرنا من الخبر، وهو ما روي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء: 11 - الصفحة: 528
قال: " للمملوك طعامه وكسوته [ق 236 ب] بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
قال الشافعي: ومعني قوله لا يكلف من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه.
وروي عن أبي المعرور سويد أنه قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه ثوب حلة وعلي غلامه مثله فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت هذا الثوب من غلامك فلبسته وكسوت غلامك ثوباً آخر، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما سيلبس ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه".
وروي أنه قال له رجل: أ: سوت غلامك مما تلبس فقال أبو ذر: إني سأبيت غلاماً لي فرفعت يدي لأضربه فلم يفجأني إلا رجل أخذ بيدي فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: هذا وقال: "لا تكلفه من العمل ما لا يطيق".
فإذا تقرر هذا لا يخلو إما أن يكون مكتسباً أو غير مكتسب، فإن لم يكن مكتسباً بأن كان زمناً أو أعمي أو طفلاً لا كسب له لزمه أن ينفق عليه من سائر أمواله أو يبيعه، أو يعتقه، فإنه إذا أعتقه حلّ له أن يأخذ الصدقات فيستغني بها، وإن كان مكتسباً، فإن كان في كسبه وفاءً بنفقته، فقد فعل الواجب، وإن لم يكن وفاء وجب علي السيد إتمامه من سائر ماله، وإن كان أكثر من نفقته لزم العبد أن يدفع ما زاد عليها إلي السيد.
وأما مقدار النفقة فهو ما يكفي مثله في ذلك البلد غالباً من القوت والأدم، ولا يعتبر حاله في نفسه فإنه ربما يكون كبيراً كون اعتاد كثرة الأم: ل وإنما تعتبر عادة مثله.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان لا يكفيه قدر الغال واعترف السيد به يلزمه قدر كفايته، كما إذا كان يكفيه أقل من ذلك لا يلزمه الزيادة؛ لأنه لا طريق للعبد إلي تحصيل شيء إلا من جهة كسبه وكسبه لسيده.
قال في "الحاوي" [ق 237 أ] إن كانت الزيادة تؤثر في قوته وبدنه يلزمه الزيادة، وإلا فلا يلزم ويعتبر جنس القوت بغالب عرف البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه، ويلزمه مثله أيضاً، فإن كان ببغداد فالخبز الخشكار، وإن كان بالمدينة فالثمر، وإن كان بخراسان فالبر، وإن كان بطبرستان فالأرز، وإن كانوا في موضوع يقتاتون الشعير فمنه.
ثم تكلم الشافعي علي الخبر في تفسيره المعروف فقال: فعلي مالك المملوك الذكر
الجزء: 11 - الصفحة: 529
(والأثنى) البالغين إذ شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما ويكسوهما بالمعروف وذلك نفقة رقيق بلدهما الشبع لأوساط الناس تقوم به أبدانهم من أي طعام كان، وفي هذا اللفظ إشكال، وذلك أنه قيد نفقتها بالعمل فقال: " إذا شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما" ومعلوم أن النفقة تجب بالملك ولا يتوقف وجوبها علي الاستخدام.
وكذلك الكسوة، فيحتمل أن يكون مقصود الشافعي بهذا التقييد التعليل لا الشرط، فكأنه قال: لما كان السيد بسلطان الملك مسلطاً علي الاستخدام وتكليف العمل كان عليه النفقة والكسوة في مقابلة الملك الذي به ولاية الاستخدام، سواء استخدام أو لم يستخدم ويحتمل معني آخر وهو أنه أراد به الزيادة في النفقة بسبب العمل، وكذلك الكسوة.
وبيان هذا أن الرجل إذا كان له مملوك فربما يكلفه عملاً يحتاج ذلك المملوك بسبب ذلك العمل الذي العمل يتكلفه إلي زيادة طعام، وإذا كلفه عملاً في الأسواق ومشاهد الناس، فالعادة أن تكون الكسوة بخلاف كسوته التي يلبسها في داره، فعله أراد بهذا التقييد هذا المعني، وإلي هذا المعني يرجع التقييد بالبلوغ لأن الصغير في العرف والعادة قد يستغني عن بعض ما لا يستغني عنه البالع من كسوة وطعام.
مسألة:
قال: "وَكُسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ".
الفصل:
[ق 237 ب] إلي أن قال: " وَالجَوارِي إِذَا كَانَتْ لهَنَّ فَرَاهَةٌ وَجمَاَلٌ فَالَمعْروفُ أَنَّهُنًّ يُكْسَيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كُسْوَةِ اللَّائِي دُونَهُنَّ".
يلزم السيد أن يكسوهم ما يكتسي العبيد في ذلك البلد، والأولي أن يستوي بين عبيده ولا بفضل كثير الثمن علي قليله فيها، ولا تعتبر كسوة السيد فقد يكون بخيلاً يلبس ثياباً أدون مما تلبسه العبيد، وقد يكون سخياً يلبس أحسن الثياب فلا يعتبر ذلك.
وأما الجواري، فإن كن للخدمة يسوي بينهن كالعبيد، وإن كان بعضهن للتسري اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يسوي بينهن أيضاً كالعبيد، ومنهم من قال: وهو الصحيح المنصوص أنها إذا كانت جمال وفراهة يكسوها أحسن ما يكسو الخادمة، لأن العرف جري بذلك، ولأن للرجل أغراضاً في أن تكون جاريته لفراشه أحسن زياً وثياباً من الخادمة لاستمتاعه.
وأعلم أنه يختلف نفقة المملوك والمملوكة وكسوتهما باختلاف في حال السادات في عاداتهم وعسرهم ويسرهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "للملوك طعامه وشرابه بالمعروف".
الجزء: 11 - الصفحة: 530
فإن قيل: أليس قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في المماليك: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" قلنا: بلى قد قاله ابن عباس.
وقد روي هذا اللفظ مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر وتفسير هذا الكلام ما فسر الشافعي فقال: هذا الكلام بعمل يجوز أن يكون على الجواب فقيل السائل عن مماليكه، وإنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو يلبس صوفًا فقال: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" السائلون عرب ولباس عامتهم وطعامهم خشن أي خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من خالف معاش السلف والعرب فيأكل رقيق الطعام ويلبس جيد الثياب فلو ساوى رقيقه كان أحسن، وإن لم يفعل فله [ق 238 أ] ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقته وكسوته بالمعروف، فأما من لبس الوشي أو الخز والمروي وأكل النقي وألوان لحوم الدجاج فهذا بالمعروف للمماليك، وهذا الذي ذكره وجه الجمع بين خبر أبي ذر، وخبر أبي هريرة رضي الله عنهما.
ثم ذكر خبرًا آخر فقال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كفي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه فليجلسه معه، فإن أبى فليروغ له لقمة، فيناوله إياها أو يعطيه إياها أو كلمة هذا معناها".
وروى أبو هريرة مثله، وفيه فليناوله أكلة أو أكلتين، وروي: "فإن كان الطعام قليلًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين".
ثم تكلم الشافعي على هذا الخبر وعلى احتمالاته فقال: لما قال فليروغ له لقمة كان هذا عندنا والله أعلم على وجهين:
أولاهما: بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب إذا قال صلى الله عليه وسلم: "وإلا فليروغ له لقمة" ولو كان إجلاسه واجبًا لم يجعل له أن يروغ له لقمة دون أن يجلسه معه، أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمر اختيار غير الحتم.
وظاهر هذا الكلام في التنويع مشكل وحقيقة معناه أن الشافعي رحمه الله ذكر ثلاثة أنواع من الاحتمال:
أحدها: أن الترويغ واجب، ولو أجلسه معه كان أفضل.
والثاني: أن أحدهما واجب لا بعينه وهو قوله: أو يكون الخيار بين أيدينا وله أن يجلسه.
والثالث: أن الأمر في الإجلاس أو في الترويغ أمر اختيار غير الختم، هكذا ذكره القفال وجماعة، وقال أصحابنا بالعراق: لا خلاف أنه لا يجب واحد منهما وفي المسألة قولان:
أحدهما: وهو المذهب الإجلاس مع نفسه أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به، ولأنه إذا أجلسه معه أكمل كفايته وكان ذلك تواضعًا من سيده.
الجزء: 11 - الصفحة: 531
والثاني: هو مخير [ق 238 ب] بين الإجلاس وبين أن يروغ له اللقمة واللقمتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بينهما، وقال الزهري: الترويغ أن يرويها له بالدسم والدهن، ويحتمل أن يريد بالترويغ الاختزال فقط.
وقال بعض أصحابنا: هذا الحكم فيمن باشر ذلك؛ لأنه نفس من باشره يتوق إليه أكثر مما تتوق نفس من لم يباشرها.
وقال بعضهم: هذا فيمن يتولى ذلك وفيمن لم يتول ذلك سواء، إلا أن هذا في الذي قولي ذلك أشد استحبابًا، وهذا أجود عندي، والأكلة مضمومة الألف اللقمة والأكلة بفتح الألف المدة الواحدة من الأكل.
وروي في الخبر: "فإن كان الطعام مشفوعًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين" والمشفوه القليل، سمي بذلك لكثره الشفاه التي تجتمع على أكله.
ثم قال الشافعي رحمه الله: وهذا يدل على ما وصفنا من بيان طعام المملوك وطعام سيده بترويغ لقمة المملوك عرفنا أنه ليس من المعروف أن يكون طعام العبد مثل طعام السيد في جميع الحالات، ولكن يختلف باختلاف العادات، وكان الإمام القفال يقرأ من بيان طعام المملوك بكسر الباء ويذهب إلى مصدر المباينة، وهذا حسن لولا الواو في العطف حيث قال من بيان طعام المملوك وطعام سيده، ولو كانت من المباينة لكانت الواو محذوفة لأنك تقول هذا الشيء يباين هذا الشيء أو تقول مباينة الشيء الشيء.
ثم قال الشافعي رحمه الله: والمملوك الذي يلي طعام الرجل مخالف عندي المملوك الذي لا يلي طعامه، وينبغي أن يناوله منهما تقر إليه ولو لقمة، فإن المعروف أن لا يأكل طعامًا قد ولي العمل فيه، ثم يناوله منه شيئًا يرد به شهوة، وأقل ما يرد به شهوته لقمة وغيره من المماليك لم يله ولم يره والسنة خصت هذا من المماليك دون غيره.
ثم أورد الشافعي من القرآن العظيم مثالًا [ق 239 أ] بتخصيص هذا المملوك دون غيره.
فقال: وفي القرآن ما يدل على ما يوافق بعض معاني هذا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8] ولم يقل يرزق مثلهم ممن لم يحضر، وقيل: ذلك في المواريث وغيرها من الغنائم وهذا أحب إليّ، ويعطون ما طابت به نفس المعطي بلا توقيت، ولا يحرمون، فحصل من هذا المثال أن المساكين أو القربى أو اليتامى إذا حضروا مجلس القسمة، والورثة يقتسمون المواريث، أو كان الغانمون يقتسمون الغنائم، فالمستحب أن يعطي من حضر وذلك المقدار غير مقدر.
ثم رجع الشافعي إلى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يكلف من العمل ما لا يطيق والذي رويناه في خبر أبي ذر رضي الله عنه فقال: ومعنى ذلك والله أعلم ما يطيق الدوام عليه لا
الجزء: 11 - الصفحة: 532
ما لا يطيق يومًا أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك ثم يعجز، وجملة ذلك ما لا يضر ببدنه الضرر البين، وهذا لأنه إن كان يمشي يومًا أو يومين في كل خمسين ميلًا ففي اليوم الثالث يعجز فلا يقدر على ذلك فيكلفه ما يطيق الدوام عليه، فإن كان سفرًا ركب عقبه ومشى عقبه، فإن كان لا ينام راكبًا تركه حتى ينام في المنزل، وإن كان الليل طويلًا أمره بالعمل في طرفي الليل، وإن كان قصيرًا أمكن من القيلولة في النهار.
ثم قال: "فإن عمي أو زمن أنفق عليه" وقد ذكرنا ذلك، وهذا لأن سبب النفقة الملك والحاجة، وقد وجدا.
فرع:
إذا دفع إلى عبده طعامًا، ثم أراد السيد أن يبدله بغيره في وقت أكله لم يجز، وإن كان قبله جاز لتعيين حقه فيه عند الأكل،
فرع آخر:
لو قال الحاكم لعبد رجل غائب استدان [ق 239 ب] وأنفق على نفسك فذلك دين على السيد ونحو ذلك.
مسألة:
"وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الأَمَةَ غَيْرَ وَلَدِهَا".
الفصل:
إن كان لأمته ولد من زوج أو زنى فإنه مملوك له، فإن أراد السيد أن يسترضعها ولدًا آخر نظر، فإن كان لا يفضل عن ري ولدها لبن لم يكن ذلك؛ لأنه ليس له أن يعطي مملوكه بعض الكفاية، فإذا استرضعها ولدًا آخر حصل لولدها من اللبن بما لا يكفيه، وإن كان لها لبن يفضل عن ريه، لاستغناء ولدها ببعض الطعام عن شرب لبن كثيرًا ولقلة شربه وغزارة لبنها فله ذلك بأجرة وغير أجرة لأنه لا ضرر على ولدها فيه.
قال أصحابنا: وحكم الأمة في الرضاع مخالف حكم الزوجة لأن أحد الزوجين إذا أراد الفطام قبل الحولين فللآخران لا يرضي، وإذا بلغ الولد الحولين فلكل واحد الفطام.
وأما في الأمة فالحكم للسيد، فإن قال لها: أرضعي الولد بعد الحولين يلزمها إذا لم يكن عليها ضرر، وإن قال: أفطمي قبل الحولين فعليها ذلك إذا لم يكن على الولد ضرر.
الجزء: 11 - الصفحة: 533
مسألة:
قَالَ: "وَيَمْنَعُهُ الإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى أَمَتِهِ خَرَاجًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلٍ وَاجِبٍ".
معنى الخراج أن يقول لعبده أو أمته: اكتسب لنفسك وأعطني كل يوم شيئًا معلومًا وأنفق الباقي على نفسك فهذا ينظر فيه، فإن طلب العبد أو الأمة ذلك لم يجب على السيد أن يجيبه إلى ذلك، وإن طلب السيد لم يجب على العبد أن يجيبه إلى ذلك؛ لأن منفعته لسيده فلا يلزمه أن يشتري ماله منه بماله، فإن تراضينا على الخراج نظر، فإن كان كسبه يفي بنفقته وخراجه جميعًا جاز، وإن كان يزيد عليهما كانت الزيادة للعبد؛ لأن السيد رضي بمقدر الخراج وجعل الباقي له، فكانت الزيادة برًا من جهة السيد للعبد، وله أن يدفع إليه أكثر من حاجته لنفقته وإن كان كسبه يعجز عنهما [ق 240 أ].
قال الشافعي للإمام أن يمنعه من ذلك؛ لأنه إذا كان كسبه يعجز عنه يسرق العبد وتزني الأمة.
وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في خطبته: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة بالكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب فإنه إن لم يجد سرق، وعفوا إذا عفكم الله وعليكم من المطاعم بما طاب منها.
وقوله: إلا أن يكون في عمل وأصيب: يعني دائم من الخياطة ونحوها فيقدر حينئذٍ على أداء ذلك الخراج وأما الولد في ذلك كالأمة.
باب نفقة الدواب وصفته
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّة فِي المِصْرِ أَوْ شَاةً أَوْ بَعِيرًا أَعْلَفَهُ بِمَا يُقِيمَهُ".
الفصل:
إذا كان له حيوان غير الآدمي من البهائم والطيور ونحوها فعليه نفقتها؛ لأنه حيوان مملوك كالعبد، ولا فرق بين أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة، فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يكون في البلد أو في الصحراء، فإن كانت في البلدة فإن العرف فيه أنها تعلف ولا ترعى، فإن كانت مما يؤكل لحمها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين أن يعلفها أو يذبحها أو يبيعها، وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهو مخير بين أن يبيعها وبين أن يعلفها، وإذا امتنع
الجزء: 11 - الصفحة: 534
من ذلك كله فإن كان له مال ظاهر أنفق الحاكم عليها من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر باع من البهيمة جزءًا وأنفق على الباقي، وهذا لأن للحيوان حرمة مثل ما للعبد.
قال أصحابنا: لو كان بدابته جرح ولا يجد خيطًا يخيط به في ملكه له أن يغضب خيطًا بالقيمة، ولو لم يجد علفه إلا مع رجل لا يبيعه وقد فضل عن حاجته والدابة مشرفة على الهلال له أن يغصب علفها بالقيمة كما في الآدمي سواء، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجبر على ذلك ولا يباع [ق 248 ب] من ماله شيء لنفقتها ولكنه يأمره بذلك كما يأمره بالمعروف، وهذا غلط لأنها نفقة واجبة عليه فكان للسلطان إجباره كنفقة العبيد، وإن كانت في الصحراء، فإن العرف فيها الرعي دون العلف فلا يكلف صاحبها العلف ولكنه يخير بين أن يخليها للرعي وبين ما ذكرنا، فإن جذبت الأرض فلم يكن فيها متعلق أو أنبتت ولكنه لا يكفيها فحكمها حكمها إذا كانت في البلد على ما بيناه.
وقد قال الشافعي ببعض البهائم لا تستوفي كفايتها بالرعي مثل البغل والحمار فيلزمه أن يعلفها كفايتها.
قال أصحابنا: إنما قال ذلك على عادة مصر لأن المرعى بها ضعيف لقلة الأمطار.
وقيل: غن مصر لا يقع فيها مطر، وإذا رأى أهلها سحابة استغاثوا ودعوا الله تعالى في إزالتها عنهم، وخافوا الهدم، فإنه ليس لهم المزاريب التي يكون في بلادنا، وإذا كان كذلك نقل النبات في صحاريها فلا يكفي الدواب رعيه ولا تستقل، فأما في الموضع الذي يكثر فيه الرعي والكلأ، فإن الدواب يكتفي بالرعي فيه.
وأما إذا كان للبهيمة ولد فأراد صاحبها أن يحلب لبنها، فالحكم فيه كما ذكرنا في الأمة إلا أنه يحلب ههنا الفصل عن ري الولد وتعني بالري ما يقيمه حق لا يموت وهناك يسترضع ولدًا آخر.
وأما الأملاك التي لا روح فيها كالعقار والأشجار، فلا يجب عليه عمارتها لأن ذلك تنمية للمال ولا يتعلق لحق ذي زوج، والأصل في جميع ما ذكرنا ما روي عن ضرار ابن الأزور.
قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقحة فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال: "دع داعي اللبن".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلعت على النار فرأيت فيها امرأة تعذب في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض" [ق 241 أ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مومسة من بني إسرائيل مرّت بكلب على رأس بئر يلهث عطشًا فشدت برطها
الجزء: 11 - الصفحة: 535
في خفها فسقته فشكرها الله تعالى فغفر لها" فقيل: يا رسول الله إن لنا في سقي الكلاب أجرًا، فقال: "في كل كبد حرى أجر".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيه فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى ارتقى فسقى الكلب فشكر الله فغفر له" فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرًا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حق إليه وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفرته فسكن فقال: "من رب هذا الجمل"؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، قال: فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنها تشكو إليَّ أنك تجيعه وتدنيه".
فرع آخر:
لو ولي على ابنه المجنون له أن ينفق على نفسه من مال المجنون ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وقيل: هذا يلزمه أن يستأذن الحاكم كالأم والجدة أو يأخذ بنفسه وجهان:
فرع آخر:
قال ابن الحداد: لو تزوج حرّ بأمة فولدت منه فنفقة الولد على سيده، فإن أعتق الولد، واختلف الوالد والسيد في وقت عتق الولد فالقول قول الوالد مع يمينه.
قال أصحابنا: لا معنى لهذا الفرع لأن نفقة الولد تسقط بمضي الزمان فلا يصح اختلافهما فيه [ق 241 ب].
فرع آخر:
لو تزوج مملوك بحرة موسرة فأولدها كانت نفقة الولد على أمه، فإن أعتق الأب، قال ابن الحداد: عادت النفقة إليه قال أصحابنا: هذا غلط وإنما تعود النفقة إذا اكتسب ما يفضل عن نفقته ونفقة امرأته، فأما بنفس العتق فلا تنتقل إليه.
فرع آخر:
قال ابن أبي أحمد في التلخيص: لو كان لرجل امرأة فلم يقدر على الكسب إلا قدر
الجزء: 11 - الصفحة: 536
ما ينفق على نفسه وله أب موسر أخذ الابن بنفقة امرأته وأخذ الأب بنفقته قلته تخريجًا، وهذا لأنه لو لم يفعل هكذا لخيرت امرأة هذا الابن.
وقال القفال: يحتمل غير ذلك وهو أنه لما اكتسب ما يكفيه خرج بذلك من حدّ الفقر فلا يلزم إياه نفقته وليس لامرأته أن تطالبه بذلك لأنه محتاج إليه فلا يجبر على بذله لها، فإن قالت: أختار نفسي فلها ذلك.
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع وإليه المآب.
تم ربع النكاح بحمد الله وحسن توفيقه، يتلوه ربع الخراج إن شاء الله تعالى وحده.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كبيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الجزء الحادي عشر ويليه
إن شاء الله الجزء الثاني عشر
وأوله: كتاب القتل
الجزء: 11 - الصفحة: 537
فهرس المحتويات
الجزء: 11 - الصفحة: 539
الجزء: 11 - الصفحة: 541
الجزء: 11 - الصفحة: 542
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد
الجزء الثاني عشر المحتوى: كتاب القتل - كتاب الديات - كتاب قتال أهل البغي
الجزء: 12 - الصفحة: 1
بسم الله الرحمن الرحيم