كتاب القسامة
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أخبرنا مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله ومحيصة خرجا إلى خيبر فتفرقا في حوائجهما فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في قفير أو عين فأتى يهود فقال: أنتم قتلتموه قالوا: ما قتلناه فقدم على قومه فأخبرهم فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول إلى رسول الله صل الله عليه وسلم فذهب محيصة يتكلم فقال عليه السلام: "كبر كبر "يريد السن فتكلم حويصة ثم محيصة فقال عليه السلام: "إما أن يروا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب عليه السلام إليهم في ذلك فكتبوا إنا والله ما قتلناه فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم "قالوا: لا، قال: فتحلف يهود قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صل الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم مائة ناقة قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء.
قال الشافعي رحمه الله: فإن قيل فقد قال للولي وغيره تحلفون وتستحقون وأنت لا تحلف إلا الأولياء قيل يكون قد قال ذلك لأخي المقتول الوارث ويجوز أن يقول تحلفون لواحد والدليل على ذلك حكم الله عز وجل وحكم رسوله عليه الصلاة والسلام أن اليمين لا تكون إلا فيما يدفع بها المرء عن نفسه أو يأخذ بها مع شاهده ولا يجوز لحالف يمين يأخذ بها غيره ".
قال في الحاوي: أما القسامة فهي مشتقة من القسم وهو اليمين سميت قسامة لتكرار الأيمان فيها، واختلف فيها هل هي اسم للأيمان أو للحالفين بها؟
فقال: بعضهم هي اسم للأيمان، لأنها مصدر من أقسم يقسم قسامة.
وقال آخرون: هي اسم للحالفين بها لتعلقها بهم وتعديها إليهم، والقسامة مختصة بدعوى الدم ما عداها من سائر الدعاوى وأول من قضى بالقسامة على ما حكاه ابن قتيبة في المعارف الوليد بن المغيره في الجاهلية فأقرها رسول الله صل الله عليه وسلم في الإسلام فإن تجردت دعوى الدم عن لوث.
كان القول فيها قول المدعى عليه، على ما سيأتي، وإن اقترن بالدعوى لوث واللوث، أن يقترن بالدعوى ما يدل على صدق المدعي، على ما
الجزء: 14 - الصفحة: 187
سنصفه فيكون القول قول المدعي إذا كانت في نفس فيحلف خمسين يمينًا ويحكم له بعد أيمانه بما أدعى من القتل فإن نكل المدعي ردت الأيمان على المدعى عليه، فيحلف خمسين يمينًا ويبرأ.
وبه قال مالك وأحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار باللوث ولا يحكم بقول المدعي ويكون القول قول المدعى عليه فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا وإن كانوا أهل قرية أحلف من خيارها خمسون رجلاً خمسين يمينًا فإذا حلفوا وجبت الدية بعد أيمانهم قال أبو حنيفة: فإن كان القتيل موجودًا غرم الدية بأني القرية في الموجود والمفقود وإن كان قتيلهم مفقودًا يغرمها سكان القرية.
وقال: أبو يوسف يغرمها سكان القرية في الموجود والمفقود وهكذا لو وجد القتيل في مسجد أو جامع حلف خمسون رجلاً من خيار أهله ووجبت الدية بعد أيمانهم على باقي المسجد إن كان القتيل موجودًا وعلى المصلين فيه إن كان مفقودًا في قول أبي حنيفة.
وعلى قول أبي يوسف تكون على أهل المسجد في الموجود والمفقود فإن نكلوا عن الأيمان حبسوا حتى يحلفوا واستدلوا على إحلاف المدعى عليه دون المدعي برواية ابن عباس أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لو أعطي الناس بدعاويهم لأدعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". وهذا نص.
وروى زياد بن أبي مريم أن رجلاً جاء إلى النبي صل الله عليه وسلم فقال: إن أخي قتل بين قريتين فقال: يحلف منهم خمسون رجلاً قال: ما لي من أخي غير هذا قال: بلى ولك مائة من الإبل.
وهذا نص.
وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عبد الله القرظي أن اليهود قتلوا عبد الله فأتت الأنصار إلى النبي صل الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فكتب إلى اليهود أن احلفوا خمسين يمينًا ثم اعتقلوه فإنه وجد قتيلاً بين أظهركم فألزمهم اليمين والدية معًا.
وروي أن رجلاً وجد قتيلاً بين حيين فاعتبره عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأقرب الحيين واحلفهم خمسين يمينًا وقضى عليهم بالدية فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا فقال عمر: حصنتم بأموالكم دمائكم وهذه قضية منتشرة لم يظهر لعمر فيها مخالف فكانت إجماعًا.
ومن القياس أن يمين المدعي قوله فلم يوجب الحكم له كالدعوى ولأنها دعوى فلم يحكم فيها بيمين المدعي كسائر الدعاوى، ولأن كل دعوى لم يحكم فيها بيمين المدعي عند عدم اللوث، لم يحكم فيها بيمين المدعي مع وجوب اللوث كالأطراف.
الجزء: 14 - الصفحة: 188
ودليلنا: الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار حين أدعوا قتل صاحبهم على اليهود تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا: لا، قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه من عنده وقد رواه عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج حويصة ومحيصة ابنا مسعود وعبد الرحمن وعبد الله ابنا سهل إلى خيبر يمتارون فتفرقوا لحاجتهم فمروا بعبد الله بن سهل قتيلاً فرجعوا إلى النبي صل الله عليه وسلم فأخبروه.
فقال لهم النبي صل الله عليه وسلم: تحلفون خمسين يمينًا قسامة تستحقون به قتيلكم قالوا: نحلف على أمر غبنا عنه قال: فيحلف اليهود خمسين يمينًا فيبرؤون، فقالوا: نقبل أيمان قوم كفار فأتى رسول الله صل الله عليه وسلم بمال من مال الصدقة فوداه من عنده فكان في هذا الحديث دليل من وجهين:
أحدهما: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم ". فبدأ بهم، وجعل الدم مستحقًا بأيمانهم وأبو حنيفة يبدأ بغيرهم ويجعل الدم مستحقًا بأيمان غيرهم.
الثاني: قوله فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا فنقل الأيمان عنهم إلى غيرهم وجعلها مبرئة لهم وأبو حنيفة لا ينقل الأيمان ولا يبرئ بها من الدم، فاعترضوا على حديث سهل بن أبي حثمة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن سهل بن ابي حثمة كان طفلاً لا يضبط ما يرويه.
والجواب عنه: أنه قد كان ضابطًا لحاله، وقد روى أبو بكر النيسابوري في زياداته عن إبراهيم الحبري أنه كان لسهل حين مات رسول الله صل الله عليه وسلم ثمان سنين وقد عمل التابعون بما رواه.
والثاني: أن سفيان بن عيينة روى عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صل الله عليه وسلم بدأ في القسامة بأيمان اليهود والجواب عنه: أنها رواية تفرد بها سفيان وشك فيها هل بدأ بأيمان الأنصار أو اليهود.
وقد قال أبو داود وهم سفيان في هذا الحديث.
والثالث: أن بشير بن يسار روى عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صل الله عليه وسلم قال للأنصار: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قال: محمد بن الحسن قال: تلك لهم على وجه الإنكار عليهم ما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50].
والجواب عنه: أنه لو كان على وجه الإنكار لما قال: وتستحقون دم صاحبكم فيصير بالاستحقاق وبما قال بعده فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا خارجًا عن الإنكار وإنما أدخل الألف ليخرج عن صيغة الأمر لأن قوله: تحلفون شبيه بالأمر المحتوم فأدخل عليه الألف للاستفهام ليصير تفريقًا للحكم واستخبارًا عن الحال.
ومن الدليل عليه ما رواه مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ". ورواه مسلم عن ابن جريج عن عمرو بن
الجزء: 14 - الصفحة: 189
شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صل الله عليه وسلم وهذا نص لأنه لما جعل اليمين على المنكر واستثنى منها القسامة دل على أنها على دون المنكر.
فاعترضوا على هذا الاستدلال من وجهين:
أحدهما: أن قوله: "واليمين على من أنكر "يريد به اختصاصها بالمنكر دون غيره وقوله: "إلا في القسامة "يريد به وجوبها على المنكر وعلى غيره.
والجواب عنه: أن هذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات فلما كان قوله: واليمين على من أنكر إثباتًا ليمينه وجب أن يكون قوله إلا في القسامة نفيًا ليمينه.
والثاني: أن قوله: "واليمين على من أنكر "يريد به أنه يبرأ بيمينه إلا في القسامة أنه لا يبرا بيمينه فيكون الاستثناء نفيًا من الإثبات.
والجواب عنه: أن هذا التأويل أبعد من الأول، لأن الاستثناء إلى ما تضمنه اللفظ من اليمين المذكورة دون البراءة التي لم تذكر فلم يجز أن يعدل به عن المذكور إلى غير مذكور.
والدليل على القياس أن إيمان المدعى عليهم لا يحكم لهم بموجبها، لأنهم لا يرمون عند المستحلف إذا حلفوا واليمين تستحق إما فيما يأخذ بها الحالف لنفسه ما ادعى وإما ليدفع بها عن نفسه ما أنكر فتقول كل يمين لا يحكم للحالف بموجبها لم يجز الاستحلاف بها قياسًا على يمين المدعي في غير الدماء وعلى يمين المدعى عليه بعد اعترافه بالحق فإن قيل: هذا منتقض بإيمان المتبايعين إذا تحالفا في الثمن يستحلفان بها وإن لم يحكم بموجبها قيل قد يحكم بموجبها إذا حلف أحداهما ولا يحكم بموجبها إذا حلفا لتعارضهما كما يحكم بالبينة إذا انفردت ولا يحكم بها إذا تعارضت، فإن قيل: فأنتم لا تحكمون بموجب الأيمان في القسامة لأن موجبها القوم وانتم لا توجبونه قيل: موجبها ثبوت القتل وقد أثبتناه ولنا في القود قول نذكره، ومن الدليل أنها أيمان تكررت في الدعوى شرعًا فوجب أن يبدأ فيها بالمدعي كاللعان فإن أنكروا أن يكون اللعان يمينًا دللنا بقول النبي صل الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".
فأما الجواب عن قوله صل الله عليه وسلم: "واليمين على من أنكر "من وجهين:
أحدهما: قوله: "إلا في القسامة ".
والثاني: أن حديث القسامة أخص منه فوجب أن يقضي بالخاص على العام.
وأما الجواب عن حديث زياد بن أبي مريم فمن وجهين:
أحدهما: انه مجهول الإسناد ولا يعرفه أصحاب الحديث.
والثاني: حمله على دعوى إن لم تقترن بلوث.
وأما الجواب عن حديث القرظي فمن وجهين:
الجزء: 14 - الصفحة: 190
أحدهما: ضعف إسناده وصحة إسنادنا وانفراده وكثرة رواتنا.
والثاني: أن أخبارنا أزيد نقلًا وأشرح حالًا والزيادة من النقصان والشرح أصح من الإجمال.
وأما الجواب عن قضية عمر فمن وجهين.
أحدهما أن عبد الله بن الزبير حالفه فيها فقتل في القسامة ولم يقتل فيها عمر فتنافت قضاياهما فسقط الإجماع.
والثاني: أنها قضية في عين يمكن حملها على أن المدعي ادعى قتل العمد ليستحق القود، فاعترفوا له بقتل الخطأ فأحلفهم على العمد، وأوجب عليهم بدية الخطأ بالاعتراف.
وأما الجواب: عن قياسهم على مجرد الدعوى فهو أنه لا يجوز أن يعتبر يمين المدعى بدعواه- كما لا يجوز أن يعتبر يمين المنكر بإنكاره للفرق فيما بين اليمين ومجرد القول.
أما الجواب عم قياسهم على سائر الدعاوي فهو إجماعنا على اختصاص القسامة بالدماء دون سائر الدعاوي.
وأما قياسهم على الأطراف فلأن القسامة عندهم ى تدخلها وإن دخلت في النفس وكذلك عندنا لأن حرمة النفس أغلظ ولذلك تغلغلت بالنفس دون الأطراف، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه" "فإذا كان مثل السبب الذي قضي فيه عليه الصلاة والسلام بالقسامة حكمت بها وجعلت الدية فيها على المدعى عليهم فإن قيل وما السبب الذي حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل: كانت خبير دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم وكانت العداوة بين الأنصار وبينهم ظاهرة وخرج عبد الله بعد العصر فوجد قتيلصا قبل الليل فيكاد يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا بعض اليهود فإذا كان دار قوم محضة أو قبيلة وكانوا أعداء للمقتول فيهم وفي كتاب الربيع أعداء للمقتول أو قبيلته ووجد القتيل فيهم فأدعى أولياؤه قتله فلهم القسامة".
قال الحاوي: قد ذكرنا أن الحكم بالقسامة في إحلاف المدعى يكون مع اللوث وينتفي من عدمه- واللوث- ما شهد بصدق المدعي ودل صحة الدعوى من الأسباب المقترنة بها ولا يتخالج نفس شك فيها.
وذلك يكون من جهات شتى قد ذكر الشافعي رضي الله عنه بعضها لتكون دليلًا على نظائرها فمنها: مثل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل الأنصار بين اليهود لأن خيبر كانت
الجزء: 14 - الصفحة: 191
دار يهود محضة وكانت العداوة بين الأنصار بينهم ظاهرة بالذب عن الإسلام ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفارق أصحابه فيها بعد العصر، ووجد قتيلًا قبل الليل، فتغلب في النفس أما ما قتله غير اليهود فيكون لوثًا يحكم فيه بقول المدعي.
وقال" مالك لا يكون اللوث المحكوم فيه بالقسامة إلا من أحد الوجهين:
أحدهما: أن يشهد به من لا تكمل به الشهادة.
وهذا موافق عليه.
والثاني: وهو الذي تفرد به أن يقول المقتول قبل فراقه للدنيا.
دمي عند فلان فيكون هذا لوثًا دون ما عداهما.
احتجاجًا لهذا بأن الله تعالى حكم في قصة القتيل من بني إسرائيل بمثله في البقرة من وقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) (البقرة: 73) فضرب بها فحيا.
وقال: قتلني فلان فقتله موسى عليه السلام بهـ قال: ولأن المقتول مع فراق الدنيا أصدق ما يكون قولًا وأكثر ما يكون تحرجًا فلا تتوجه إليه تهمة، وهكذا لا يكون لوثًا عندنا؛ لأن اللوث ما اقترن بالدعوى من غير جهة المدعي كالذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل الأنصار، ولأنه لو قبل قوله إذا مات لقبل إذا اندمل جرحه وعاش ولو قبل في الدم للقبل في المال، ولأنه ربما قاله لعداوة في نفسه بحيث أن لا يعيش عدوه بغد موته أو لفقر قريته فأحب أن يستغنوا بالدية من بعده فأنا قصة البقرة في بني إسرائيل فتلك قصة أحيا الله بها القتيل معجزة لموسى، ولو كان مثلها لجعل لوثًا ولكنه مستحيل وأما انتفاء التهمة عنه فباطل بدعوى الحال ولأن مالكًا يورث المبتوتة في مرض الموت لتهمة الزوج فيلحق به التهمة في حال وينفيها عنه في حال، فتعارضا قولاه فبطلا.
فصل:
فإذا ثبت أن قول القتيل بلوث وأن ما كان في مثل قصة الأنصار لوث فالمعتبر في مثلها شرطان:
أحدهما: أن تكون القرية التي وجد القتيل فيها مختصة بأهلها لا يشكركم فيها غيرهم.
كاختصاص اليهود بخبير، وفي حكم القرية محلة من بلد في جانب منه لا يشترك أهلها فيها غيرهم.
أو حي من أحياء العرب لا يشكرهم في الحي غيرهم فأن اختلط بأهل القرية أو المحلة أو الحي غيرهم من مسافر أو مقيم لم يكن لوثًا مع أهلها.
والثاني: أن يكون بين أهل القرية وبين القتيل عداوة ظاهرة، أما في دين أو نسب أو تره تبعث على الانتقام بالقتل.
فإذا لم يكن بينهم عداوة لم يكن لوثًا فإذا استكمل هذان الشرطان للانفراد عن غيرهم، وظهور العداوة بينهم صار هذا لوثًا وهو نص السنة وما عداه قياسًا عليه، والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 192
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك يدخل نفر بيتًا"
قال في الحاوي: لما ذكر الشافعي اللوث الذي جاءت به السنة ذكر بعده ما في معناه قياسًا عليه فمن ذلك أن تدخل جماعة بيتًا أو دارًا أو بستانًا محظوراً يتفردون فيه.
إما في منافرة أو في موانسة ثم يفترون عن قتل فيهم فيكون ذلك لوثًا سواء كان بينه وبينهم عداوة.
أو لم يكن بخلاف القرية لأن ما انفردوا فيه من الدار أو البستان ممنوع من غيرهم.
إلا بإذنهم وليست القرية ممنوعة من مار وطارق فاعتبر في القرية ظهور العداوة لانتفاء الاحتمال ولم يعتبر في الدار ظهور العداوة لعدم الاحتمال.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أو صحراء وحدهم".
قال في الحاوي: وهذا نوع ثالث من اللوث، وهو أن يوجد قتيل في صحراء الشافعي: وليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مغتصب بدمه في مقامه ومعنى قوله: وليس إلى جنبه عين يريد عين إنسان أو عين حيوان بقتل الإنسان ومعنى قوله: "ولا أثر في الصحراء لهارب" يعني من إنسان أو حيوان قاتل ويكون هذا الحاضر إما وافقًا عليه وإما موليًا لم يبعد عنه وعليه أثار قتله من اختصابه بدمه أو اختصاب سيفه قيصير به لوثًا فيه إن استكملت أربعة شروط.
أحدهما: أن تكون الصحراء خالية من عين إنسان أو سبع.
والثاني: أن لا يكون في الصحراء أثر لهارب.
الثالث: أن يكون القتيل طريًا.
والرابع: أن يكون على الحاضر آثارًا قتله فيصير باجتماعها لوثًا، فإن أخل شرط منها فكان هناك أثر لهارب لم يكن لوثًا لجواز أن يكون القتل من الهارب.
وإن لم يكن القتيل طريًا لم يكن لوثًا لبعده عن شواهد الحال وجواز تغيرها وإن لم يكن على الحاضر آثار قتله لم يكن لوثًا لظهور الاحتمال.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "لو صفين في حرب".
قال الحاوي: وهذا نوع رابع من اللوث، أن يوجد القتيل بين صفى جرب بهذا على ضربين:
الجزء: 14 - الصفحة: 193
أحدهما: أن يكون قتله قبل التحام الحرب واختلاط الصفوف فينظر في مصرعه فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يناله سلاح أصحابه ولا ينال سلاح أضداده فيكون اللوث مع أصحابه به دون أضداده.
والثانية: أن يناله سلاح أضداده ولا يناله سلاح أصحابه فيكون اللوث مع أضداد.
والثالثة: أم يناله سلاح أصحابه وسلاح أضداده ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: وهو قول البغداديين، أن يكون لوثًا مع أضداده لاختصاصهم بعدواته دون أصحابه المختصين بنصرته.
الثاني: وهو قول البصريين أن يكون لوثًا مع الفريقين من أصحابه وأضداده، لأن عداوة أضداده عامة وقد يكون في أصحابه من عداوة خاصة كالمحكي من قتل مروان بن الحكم لطلحة بن عبيد الله في وقعة الجمل.
قيل: إنه رماه بسهم فقتله وكان من أصحابه، ولأنه ربما أراد قتل غيره فأخطأ إليه فصار قتله من الفريقين محتملًا.
والثاني: أن يكون قتله بعد التحام الحرب واختلاط الصفوف فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون أصحابه منهزمين وأضداده طالبين لوثًا مع أضداده دون أصحابه لأن المنهزم يخالف والطالب منتقم.
والثاني: أن يكون أصحابه طالبين وأضداده منهزمين فيكون لوثًا مع أصحابه دون أضداد لما ذكرناه.
والثالث: أن يتماثلوا في الطلب ولا يخلو أحدهما إلى الهرب فيكون على الوجهين المذكورين.
أحدهما: وهو قول البغداديين يكون لوثًا مع أضداده دون أصحابه لاختصاصهم بالعداوة العامة.
والثاني: وهو قول البصريين إنه يكون لوثًا في الفريقين جميعًا من أصحابه وأضداده لاحتمال الخطأ أو عداوة خاصة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أو ازدحام جماعة فلا يفترقون إلا وقتيل من بينهم أو في ناحية ليس إلى جنبه عين ولا أثر إلا رجل واحد مخضب بدمه في مقامه ذلك".
الجزء: 14 - الصفحة: 194
قال [في] الحاوي: وهذا نوع خامس من اللوث في ازدحام جماعة على بئر ماء.
أو في دخول باب، أو لالتقاط فيتفرقون عن قتيل منهم، فيكون لوثًا في الجماعة.
لإحاطة العلم بأن قتله لم يخرج عنهم، سواء اتفقوا في القوة والضعف، أو اختلفوا.
وهكذا ضغطهم الخوف إلى حائط ثم فارقوه عن قتيل منهم كان لوثًا معهم، فأما إذا هربوا من نار أو سبع فوجد أحدهم صريعًا نظر فإن كان طريق هربهم واسعًا فظاهر صرعته أنها من عثرته فلا يكون ذلك لوثًا.
وإن كان الطريق ضيقًا، فظاهر الصرعة أنها من صدمتهم فيكون ذلك لوثًا.
مسالة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أو أتى ببينة متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيها يثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم شهادة بعض فإن لم يكونوا ممن لم يعدلوا".
قال في الحاوي: وهذا نوع سادس من اللوث وهو لوث بالقول، وما تقدم لوث بالفعل، وذلك: أن تأتي جماعة متفرقون من نواحي مختلفة.
يزيدون عدد التواطؤ ولا يبلغون حد الاستفاضة وتقتصر أوصافهم من شروط العدالة، فيشهدون أو يخيرون ولا يسمع بعضهم بعضًا: أن فلانًا قتل فلانًا ولا يختلفون في موضع القتل ولا في صفته، فلا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: إما أن يكونوا ممن تقبل أخبارهم في الدين كالنساء والعبيد.
فهذا يكون لوثًا صدقهم في النفس والعمل على قولهم في الشرع.
والثاني: أن يكونوا ممن لا تقبل أخبارهم في الدين كالصبيان، والكفار، والفساق.
ففي كونه لوث وجهان:
أحدهما: أن يكون لوثًا لوقوع صدقهم في النفس.
والثاني: لا يكون لوثًا لأنه لا يجهل على قولهم في الشرع.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "أو يشهد عدل على رجل أنه قتله لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما أدعى وليه".
قال الحاوي: وهذا نوع سابع من اللوث.
وهو وجود العدالة ونقصان العدد كما كان ما تقدمه، وجود العدد الزائد مع نقصان العدالة، وهو أن يشهد بالقتل عدل واحد فيحكم بيمين المدعي مع شهادته فإن كانت الدعوى في خطأ محض، أو عمد خطأ، فذلك موجب للمال، والمال يحكم فيه بشاهد ويمين فيحلف فيه المدعي يمينًا واحدة،
الجزء: 14 - الصفحة: 195
ويكون الشاهد مع اليمين بنية عادلة، ولا يكون لوثًا.
إذا كانت الدعوى في قتل عمد فالشاهد الواحد لوث، فيحلف معه المدعي خمسين يمينًا، ويحكم له بأيمانه لا بالشهادة، ولو شهد بالقتل ولم يشهد بعمد، ولا خطأ ففي جواز القسامة وجهان:
أحدهما: لا قسامة معه: للجهل بموجبها في قتل عمد وخطأ.
والثاني: يحكم فيه بالقسامة، لأنه لا ينفك القتل من عمد أو خطأ، ولا تمتنع القسامة في واحد منهما ويحكم له بعد القسامة بأخفها حكمًا، وهو الخطأ لكن تكون الدية في ماله لا على عاقلته لجواز أن تكون عمدًا يستحق في ماله.
فصل:
ولو شهد بالقتل من عدول النساء امرأة واحدة، لم تكن بنية إن حلف ولا لوثًا لنقضها عن رتبة الشاهد الواحد.
لو شهد به من عدولهم امرأتان لم تكونا بنية إن حلف معها في الخطأ فتكون لوثًا كالرجل الواحد، لكن يحلف في العمد، والخطأ خمسين يمينًا ليحكم له بأيمانه لكونهما لوثًا.
فصل:
ولو شهد شاهدان: أن أحد هذين الرجلين قتل هذا القتيل، لم تكن هذه بنية بالقتل، لعدم التعين فيها على القاتل، وكانت لوثًا يوجب القسامة، للولي أن يقسم على أيهما شاء، وليس له أن يقسم عليهما، لأن الشهادة في شهاداتهما بينة ولا لوثًا ولا قسامة فيه.
والفرق بينهما: أن لوث القسامة ما تعين فيه المقتول وجهل فيه القاتل، لأن مستحق القسامة معين، ولا يكون لوث القسامة ما تعين فيه القاتل وجهل فيه المقتول لأن مستحق القسامة فيه غير معين، فصحت القسامة في المسألة الأولى لتعيين مستحقها، وبطلت في الثانية للجهل بمستحقيها، وهكذا الحكم لو شهد فيها شاهد واحد كان لوثًا في الأولى دون الثانية، لأن الشاهد الواحد لوث في القسامة كالشاهدين، ويحتمل وجهًا آخر أنه لا يكون لوثًا مع الشاهد الواحد، وإن كان لوثًا مع الشاهدين، لأن الشاهد الواحد، قد جمع بين ضعيفين، نقصان العدو وعدم التعيين، وانفراد الشاهدان بأحد الضعيفين فقوى اللوث معهما وضعف مع الواحد فجازت القسامة مع قوة اللوث، ولم تجز مع ضعفه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وللولي أن يقسم على الواحد والجماعة من أمكن
الجزء: 14 - الصفحة: 196
أن يكون في جملتهم".
قال الحاوي: إذا كان اللوث في جماعة لم تخل دعوى القتل من أن يعم بها جميعهم أو يخص بها أحدهم.
فإن خص الولي أحدهم بالقتل، جاز له أن يقسم عليه، لأنه لما جاز له أن يقسم عليه مع الجماعة لدخوله في جملة اللوث، جاز أن يقسم عليه وحده دون الجماعة لأنهم أحدهم.
وإن عم الولي في الدعوى وأدعى القتل على جميعهم فلهم حالتان:
إحداهما: أن يكون عددًا يجوز أن يشتركوا في قتل، فيجوز للولي أن يقسم على جميعهم.
والثانية: أن زيدوا على عدد الاشتراك ويبلغوا عددًا لا يصح منهم الاشتراك في قتل النفس كمن زاد على عدد المائة وبلغ ألفًا فما زاد كأهل البصرة وبغداد فلا يجوز أن يقسم على جميعهم، لاستحالة اشتراكهم في القتل.
وقيل: للولي عين الدعوى عند عموم اللوث على عدد منهم يصح اشتراكهم في القتل فحينئذ يقسم عليهم.
فصل
فإذا تقرر ما وصفناه وأقسم الولي مع اللوث على واحد، أو جماعة لم يخل حال الولي من أن يكون واحدًا، أو جماعة، فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا في العمد والخطأ، رجلًا كان أو امرأة، وإن كانوا جماعة ففيما يقسمون به قولان:
أحدهما: يقسم كل واحد منهم خمسين يمينًا لأن كل واحد منهم حكم نفسه.
والثاني: أنه يحلف جميعهم خمسين يمينًا تقسط بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن كان ابنين حلف كل ابن خمسة وعشرين يمينًا وإن كان ابنًا وبنتًا حلف الابن أربعة وثلاثين وحلفت البنت سبعة عشر يمينًا، لأن اليمين لما تتبعض جبر كسره.
فصل:
فإذا حلفوا لم يخل القتل من أن يكون موجب للقود أو غير موجب له فإذا كان غير موجب للقود فهم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون خطأ محضًا فتكون الدية بعد أيمان الأولياء مخففة على عواقل القتلة، فإن كان واحدًا انفردت عاقلته بالعقل، وإن كانوا جماعة، قسمت على أعداد رؤوسهم وتحملت عاقلة كل واحد منهم سهمه من الدية.
والثاني: أن يكون القتل عمد الخطأ، فتكون الدية بعد أيمان الأولياء مغلظة على عواقل القتلاء على ما بيننا.
والثالث: أن يكون عمدًا محضًا سقط القود فيه لكمال القاتل ونقص المقتول، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد والوالد مع الولد، وتكن الدية بعد أيمان الأولياء
الجزء: 14 - الصفحة: 197
مغلظة في مال القاتل حالة، لأن سقوط القود فيه لا يخرجه من حكم العبد في الدية.
فصل
وإن كان القتل موجبًا للقود فهل يستحق القود بالقسامة، ويشاط بها الدم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وبه قال في القديم: وهو مذهب مالك، وأحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله الزبير وحكم به في أيامه، أن القود بها ثابت ودليلة حديث يحي بن سعد عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته يعني للقود.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل بالقسامة رجلًا بمن بني نضر بن مالك، ولأن ما ثبت به القتال تعلقت عليه أحكام كالبينة.
والثاني: وهو قوله في الجديد:
وبه قال عمرو بن الخطاب رضي الله عنه وهو مذهب أبي حنيفة أن لا قود في القسامة وتجب بها الدية ودليله ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى يهود خبير في قصة الأنصار، إما أن تدوا صاحبكم أو تؤذوا بحرب"، فدل على وجوب الدية، دون القود فإن قيل: فقد كنب إليهم قبل القسامة وقبل وجوب القود إنما كتب بذلك بيانًا للحكم المستحق بالقسامة وإلا فمعلوم أن الدية لا تجب قبل القسامة كما لم يجب القود، ولأن أيمان المدعي هي غلبة ظن فصار شبهة في القود، والقود يسقط بالشبهة ولأن الحكم بالقسامة للاحتياط في حق الدماء فكان مقتضى هذا المعنى وجوب الدية وسقط القود.
فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل بالأول في إشاطة الدم ووجوب القود فإن كانت القسامة في الدعوى على واحد قتل قودًا، وإن كانت على جماعة فقد اختلف القائلون بهذا القول في عدد من يقتل، فالظاهر من مذهب الشافعي على هذا القول أنه تقتل الجماعة وإن كثروا إذا أمكن أن يشتركوا لأن القسامة في استحقاق القود تجري مجرى البنية.
وقال مالك: لا أقتل به أكثر من اثنين وحكى أبو ثور عن الشافعي في القديم.
وحكي الربيع بن سليمان قولًا لنفسه: أنه لا يقتل به أكثر من واحد، وبه قال أبو العباس بن سريج حقنًا للدماء، ولضعف القسامة عن البينة.
وقال أبو العباس: وأجعل للولي بعد أيمانه الخيار في قتل أي الجماعات شاء فإذا قتل أحدهم أخذ من الباقي أقساطهم من الدية.
وإن قيل بالقول الثاني: وهو الجديد أن القود ساقط في الواحد والجماعة فالدية المستحقة بالقسامة تكون مغلظة، حالة في مال المدعى عليه، إن تفرد بها واحد غرم جميعا وإن كانوا جماعة تسقطت على أعدادهم بالسوية، والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 198
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وسواء كان به جرح أو غيره لأنه قد يقتل بما لا أثر له"
قال في الحاوي: وهو كما قال للولي إنه يقسم في القتل سواء كان به أثر جرح أو لم يكن وقال أبو حنيفة لا يقسم أن يكون به أثر جرح.
فإن لم يكن به أثر جرح وخرج الدم من أذنه أقسم، وأن خرج من أنفه لم يقسم لأن عدم الأثر يحتمل أن يكون من موت ومن قتل وخروج الدم من الأنف يحتمل أن يكون من رعاف أو خنق فضعفت الدعوى وسقطت القسامة وهذا فاسد لأمرين:
أحدهما: أن الأغلب من الموت أن يكون بأسباب حادثة من مرض أو حادث، وموت الفجاءة فإذا لم يعرف مرض صار الأغلب منه أنه بحادث القتل فلم يحمل على نادرة الفجاءة.
والثاني: أن القتل قد يكون تارة بالجرح والأثر، ويكون تارة بالخنق والإمساك للنفس وبعصر الاثنين من غير أثر وإذا كان بهما وجب أن تستوي القسامة فيهما، والله أعلم.
مسألة (2):
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن أنكر المدعى عليه أن يكون فيهم لم يسمع الولي إلا بنية أو إقرار أنه كان فيهم"
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجد لوث القتل في جماعة فادعى أولياؤه القتل على رجل وذكروا أنه من جملة الجماعة وأنكر المدعى عليه أن يكون في الجماعة، فالقول قوله مع يمينه أنه لم يكن فيهم ولا قسامة للأولياء إذا حلف إلا أن تقوم بينة عادلة تشهد بأنه كان فيهم أو يشهد على إقراره أنه كان فيهم فيجوز حينئذ للأولياء أن يقسموا، لأن ظهور اللوث فيهم لا يدل على أنه كان فيهم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أنظر إلى دعوى الميت".
قال الحاوي: وهذا ردًا على مالك حيث جعل قول القتيل دية عند فلان لوثًا وليس بلوث الشافعي لما قدمناه من الدليل.
فأثبت مالك اللوث فيما نفياه ونفى اللوث عما أثبتناه، وحكم بالقسامة ولم يحكم باللوث الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجزء: 14 - الصفحة: 199
بالقسامة فلم ينفذ من مخالفة قضائه مع اعترافه بصحة نقله، وهذا وهم لا يجوز.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولورثه القتيل أن يقسموا وإن كانوا غيبًا عن موضع القتيل لأنه يمكن أن يعلموا ذلك باعتراف القاتل أو ببينة لا يعلمهم الحاكم من أهل الصدق عندهم وغير ذلك من وجوه ما يعلم له الغائب".
قال الحاوي: يجوز لأولياء المقتول أن يقسموا وإن لم يشهدوا القتل إذا علموه من جهة عرفوها بالصدق.
وقال أبو حنيفة: لا يقسموا إذا غابوا عنه لأنهم على غير يقين منه.
ودليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإيمان في قصة الأنصاري على عبد الرحمن بن سهل وكان بالمدينة وقتل أخوه عبد الله بن سهيل بخبير، ولأن الإنسان قد يقسم الأموال على ما علمه يقينًا وعلى ما عرفه بغلبة الظن أن يجد في حساب نفسه بخطه أو في حساب أبيه أن على فلان كذا فيجوز أن يحلف على استحقاقه، وإن كان بغلبة ظن لا بيقين وكذلك في الدماء ولأن حكم الشهادة أغلظ، ثم كان للشهود أن يشهدوا تارة بما علموا قطعًا مما شهدوه من العقود وسمعوه من الإقرار.
وكان لهم تارة أن يشهدوا بغلبة الظن في الأنساب والموت والأملاك المطلقة بخبر الاستفاضة فلما كانت الشهادة تنقسم إلى يقين وغالب ظن كذلك الأيمان تنقسم وغالب ظن، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وينبغي أن يقول اتقوا الله ولا تحلفوا إلا بعد الاستثبات".
قال الحاوي: إنما أجرنا للحاكم أن يعظ الأولياء عند أيمانهم ويحذرهم مأثم اليمين الكاذبة، ويتلو عليهم قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...) آل عمران: 77) الآية.
ويأمرهم بالاستثبات والأناة قبل الإقدام عليها، لأمرين:
أحدهما: اعتبارًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان حين وعظ الزوجين في الخامسة فكانت الأيمان في الدماء بمثابتها وأغلظ.
والثاني: انه قد يستحق بأيمانهم ما لا يمكن استدراكه من القود فقدم الاستظهار بالوعظ والتحذير لأنه يوجب قود يدرأ بالشبهة، وإن كان في قتل خطأ وعظوا وحذروا مآثم أيمانهم الكاذبة.
الجزء: 14 - الصفحة: 200
فأما الأيمان في الأموال المحضة: ففي الوعظ عند الإيمان فيها وجهان:
أحدهما: يعظ الحالف فيها كالدماء.
والثاني: لا يعظ فيها لتغليظ الدماء على غيرها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتقبل أيمانكم متى حلفوا مسلمين كانوا على مشركين أو مشركين على مسلمين لأن كل ولي دمه وارث ديته".
قال في الحاوي: تقبل أيمان المسلمين على المشركين، وأيمان المشركين على المسلمين في القسامة وغيرها من الحقوق، وقال مالك: أقبلها في سائر الحقوق، ولا أقبلها في القسامة من المشركين على المسلمين، وأقبلها من المسلمين على المشركين.
وبناه على أصله في أن القسامة توجب القود، فلما لم يستحق المشترك قبلت أيمانهم في القسامة كالمسلمين، ولأن سقوط القود في حق المشرك لا يوجب سقوط الدية فصار فيها كالمسلم.
مسألة:
قال الشافعي: رضي الله عنه: "ولسيد العبد القسامة في عبده على الأحرار والعبيد".
قال الحاوي: قد قضي الكلام في قتل العبد هل تحمله العاقلة؟ أم لا؟ على قولين: فأما إذا اقترن بقتله لوث فقد أجاز الشافعي هاهنا للسيد القسامة فيه فاختلف أصحابنا فيه فحمله كثير منهم على قولين كالعقل فإن تحمله العاقلة أقسم سيده، وإن قيل: لا تحمله العاقلة لم يقسم لأنه يجري على هذا القول مجرى الأموال التي لا قسامة فيها وذهب أبو العباس بن سريج والمحققون من أصحابنا أن لسيدة أن يقسم على القولين معًا لأن القسامة في النفوس لحفظ حرمتها كما حفظت حرمتها بالقصاص وغلظت بالكفارة وهما معتبران في العبد كاعتبارهما في الحر كذلك في القسامة يجوز أن يكون فيهما كالحر وخالف العقل لأنه موضوع للنصرة والمحاباة التي يقصر العبد عنها ويختص الحر بها فافترق معنى القسامة والعقل فلذلك أقسم في العبد وإن لم يعقل عنه.
وهكذا لو قتل المدبر والمكاتب وأم الولد يجوز للسيد القسامة فيهم لأنهم قتلوا عبيدًا.
فصل:
فأما القسامة على العبد إذا كان قاتلًا فجائزة لأنه قاتل كالحر وإن كان مقتولًا
الجزء: 14 - الصفحة: 201
بخلاف الحر.
فلو ظهر منه اللوث في قتل سيده جاز لورثته أن يقسموا وإن انتقل إلى ملكهم بالميراث ليستفيدوا بالقسامة أن يقتلوه على قوله في القديم وأن يخرج بها من الرهن إن كان مرهونًا وأن تبطل فيها الوصية إن كان موصى به.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويقسم المكاتب في عبده لأنه ماله فإن لم يقسم حتى عجز كان للسيد أن يقسم".
قال الحاوي: وهذا صحيح، لأن المكاتب يملك التصرف فيما بيده، فإن قيل إن العبد يملك علة قوله في القديم كان تصرفه تصرف مالك وإن قيل لا يملك على قوله في الجديد كان تصرفه تصرف مستحق فجاز له على القولين معًا أن يقسم في قتل عبده لأنه أحق به على سيده.
لاستحقاق المكاتب له دون سيده فصار كسائر الأموال التي بيده، فإن أقسم المكاتب ملك قيمة عبده ليستعين بها في كتابته، وإن لم يقسم حتى مات أو عجز صار عبده وجميع أمواله لسيده فيقسم سيده بعد عجزه في كتابه، لأنه قد صار أحمق به من مكاتبه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه" "ولو قتل عبد لأم ولد فلم يقسم سيدها حتى مات وأوصى لها بثمن العبد لم يقسم وأقسم ورثته وكان لها ثمن العبد وإن لم يقسم الورثة لم يكن لهم ولا لها شيء إلا أيمان المدعى عليهم".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يدفع السيد إلى أم ولده عبدًا فيقتل في يدها قتل لوث فللسيد إليها حالتان:
أحدهما: أن يدفعه إليها للخدمة.
والثاني: أن يدفعه إليها للتمليك، فإن أخذها إياه.
ولم يملكها، فالسيد هو الذي يقسم دونها، كما يقسم في سائر عبيده فلو وصى لها بثمنه قبل قسامته فلها قيمته، وإن كان قبل أن يستقر ملكه عليها صحت هذه الوصية قبل استقرار الملك كما تصح وصية بثمن نخله ونتاج ماشيته ولا تمتنع وصيته لأن ولده، وإن لم تصح وصيته لعبده، لأن الوصية تملك بعد موته وأم الولد بعد موته حرة وعبده مملوك فإن مات السيد قبل القسامة أقسم الورثة دونها فإن أقسموا ملكت أم الولد قيمة الوصية إذا خرجت من الثلث فإن عجز الثلث عنها كانت الزيادة موقوفة على إجازة الورثة.
وإن امتنع الورثة من القسامة وأجابت أم الولد إليها ففي استحقاقها للقسامة قولان:
أحدهما: تستحقها ولها القسامة لأن لها بالوصية فصارت مستحقة في حقها.
الجزء: 14 - الصفحة: 202
والثاني: وهو الأصح المنصوص عليه هاهنا لا قسامة لها لأمرين:
أحدهما: أن الأيمان على غيرها فصارت فيها نائبة عنهم النيابة في الأيمان لا تصح لأن المقصود بها البينة التي لا تدخلها النيابة.
والثاني: أنها تملك بالوصية ما استقر ملك الموصى عليها والموصي لا يملك إلا ما هو المقسم عليه أو من قام مقامه من قرابته وأصل هذين القولين اختلاف قوليه في المفلس إذا نكحل عن اليمين في دين له وأجاب غرماؤه إلى اليمين.
فإن كان السيد قد ملك أم ولده العبد حين دفعه إليها كان حكمها فيه حكم العبيد إذا ملكوا، هل يملكوه بالتمليك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم تملك أم الولد وغيرها من العبيد إذا ملكوا.
والثاني: وبه قال في الجديد: إنها لا تملك ولا غيرها من العبيد فإن ملكوا: فإن قلنا بهذا القول إنها لا تملكه وإن ملكت كان حكم العبد إذا قتل كحكمه فيما مضى يكون السيد هو المقسم في قتله دونها، وإن قلنا بالأول إنها تملك إذا ملكت فهل تستحق للقسامة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: إنها هي المقسمة دون السيد لاختصاصها بملكه فعلى هذا تصير مالكه للقيمة بالتمليك الأول.
والثاني: إن السيد هو المقسم دونها ولأن ملكها غير مستقر، لما يستحقه السيد من استرجاعه إذا شاء.
فعلى هذا إذا أقسم السيد لم تملك أم الولد القيمة إلا بتمليك مستجد، لأنه ملك قد استفادة السيد بأيمانه وهكذا حكم سائر العبيد إذا ملكوا وإنما تفارقهم أم الولد في شيء واحد وهو أن السيد إذا مات عن عبده وقد ملكه مالًا كان لوارثه انتزاعه من يده لبقائه على رقه وإذا مات عن أم ولده وقد ملكها مالًا لم يكن لوارثه انتزاعه منها بعتقها وفي حكمها لو أعتق العبد بعد التمليك لم يسترجعه منه وإن كان له استرجاعه ولو باعه لبقائه على الرق إذا بيع واستقرار ملكه بالحرية إذا أعتق، وهذا كله على قوله في القديم إنهم يملكون إذا ملكوا، فأما على الجديد فلا يملكون بحال مع بقاء الرق.
فرع:
إذا ادعى رجل قتلًا على رجل فإنه يؤخذ بصفة القتل فلا يخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يدعي العمد المحض.
والثاني: أن يدعي شبه العمد.
والثالث: أن يدعي الخطأ.
والرابع: أن يدعي القتل ولا يذكر عمدًا ولا خطأ لأنه لا يعرف حاله فإن قال هو عمد يؤخذ بصفته فلا يخلو من أربعة أحوال:
الجزء: 14 - الصفحة: 203
أحدها: أن يصفه بما لا يضمن فلا يقسم.
والثاني: أن يصفه العمد المحض فيقسم عليها المنكر.
والثالث: أن يصفه بشبه العمد فله أن يقسم على الصفة بأن يقول ضربه بعصا فمات، قال: يقسم وعندي أنه يحتمل.
والرابع: أن يصفه بالخطأ المحض ففيه طريقان ومنهم من قال على قولين ومنهم من قال على اختلاف حالين وإذا ادعى شبه العمد فإنه يصفه، فلا يخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يصفه بما لا يضمن فلا يقسم.
والثاني: أنه يصفه بشبه العمد فيقسم.
والثالث: أن يصفه بالخطأ المحض فيقسم على الدعوى وعندي أنه لا يقسم.
والرابع: يصفه بالخطأ المحض فيقسم على الصفة وإذا ادعى محضًا فهل يؤخذ بالصفة أم لا؟ على وجهين: فإذا قلنا: يؤخذ بالصفة فإن وصفة بما لا يضمن، سقط.
وإن وصف بالخطأ المحض يقسم، وإن وصفه بشبه العمد يقسم على الدعوى دون الصفة وإن وصفه بالعمد المحض، فإن لم يرجع عن الدعوى أقسم على الدعوى وإن رجع عن الدعوى إلى الصفقة فلا يقسم وإن جعل صفة القتل ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحلف للجهل بموجبها.
والثاني: هو قول يذكر عن أبي إسحاق المروزي أنه يقسم لأن الجهل بصفة القتل ليس جهلًا بموجبه فإذا أقسم بحبس المجني عليه حتى يبين فإن تطاول زمانه أحلف أنه ما قتله عمدًا ولزم الدية من الخطأ من ماله مؤجله وفي تغليظها بالعمد وجهان.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرح فمات أبطلت القسامة لان ماله فيء ولو كان رجع إلى الإسلام كانت فيه القسامة للوارث".
قال الحاوي: ولو كان رجع إلى الإسلام كانت فيه القسامة للوارث، إذا ارتد المجروح ومعه لوث ثم مات على ردته فلا قسامة لوارثه لأمرين:
أحدهما: أن ماله قد صار فيئًا لا يورث عنه فلم يجز أن يقسم من لا يرث.
والثاني: أن سراية الحرج في الردة لا توجب ضمان النفس وما دون النفس لا قسامة فيه: فأما إذا عاد الإسلام بعد ردته فالحكم في الدية والقود قد ذكرناه وهو أنه لم يكن للجرح سراية في الردة فالدية كاملة وفي سقوط القود قولان وإن كان له سراية في الردة القود وفي كمال الدية قولان:
أحدهما: تجب فيه الدية كاملة.
الجزء: 14 - الصفحة: 204
والثاني: نصفها.
وماله موروث لأنه مسلم عند الموت ولهم أن يقسموا إن لم يكن في الردة سراية وفي مقاسمتهم إذا سرت في الردة وجهان"
أحدهما: لهم القسامة وإن ملكوا بها بعض الدية لأنها دية نفس وإن لم تكتمل.
والثاني: أنه لا قسامة لهم لذهاب الملوث بالسراية في الردة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرح وهو عبد فعتق ثم مات حرًا وحيت فيه القسامة لورثته الأحرار ولسيده المعتق بقدر ما يملك في جراحه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قطعت يد العبد مع لوث ثم اعتق ومات من الجنابة حرًا ففيه دية حر وللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته عبدًا لأن في اليد نصف القيمة أو جميع ديته حرًا لأنها قد سرت إلى نفسه بعد حريته.
فإن كانت الدية أقل من الأمرين استحقها السيد وحده وكان هو المقسم دون الورثة، وإن كانت نصف القيمة أقل الأمرين استحقها السيد وكان باقي الدية لورثة العبد فيشترك السيد والورثة في القسامة، لاشتراكهم في الدية ولا تجزئ قسامة أحدهما دون الآخر، لأن أحد لا يملك بيمين غيره شيئًا فإن كان السيد هو المقسم، لم يحكم له بحقه من الدية، إلا بعد خمسين يمينًا.
فإن قيل: فكيف يقسم وهو يأخذ دية طرف ولا قسامة في الأطراف، قيل قد صار الطرف بالسراية نفسًا فصار مشاركًا في دية النفس، وإن تقدر حقه بأرش الطرف فذلك جاز أن يقسم فإن أجاب الوارث إلى القسامة ففي قدر ما يقسم به من الأيمان قولان:
أحدهما: خمسون يمينًا.
والثاني: يقسم بقدر حقه من الدية فإن كان له نصفها خلف خمسة وعشرين يمينًا وإن كان لها ثلثها حلف سبعة عشرة يمينًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تجب القسامة في دون النفس".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإنما لم تعجب فيما دون النفس قسامة كان فيما دون النفس دية كاملة كاللسان والذكر أو كان دونها لأمرين"
أحدهما: لتغليظ حرمة النفس علة ما دونها ولذلك تغلظت بالكفارة فتغلظت بالقسامة.
والثاني: أن القسامة وجبت للورثة لقصورهم عن معرفة القاتل وتعذر البينة عليهم
الجزء: 14 - الصفحة: 205
فحكم (لهم) بالقسامة مع اللوث احتياطًا للدماء وفيما من دون النفس يعرف المجني عليه من جنى عليه ويقدر على إقامة البينة عليه فلم يحكم له بالقسامة لاستغنائه في الغالب عنها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يقسم حتى ارتد فأقسم وقفت الدية فإن رجع أخذها وإن قتل كانت فيئًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وإذا ارتد الولي في القسامة لم تخل ردته من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تكون ردته قبل موت القتيل فليس له أن يقسم ولا له إن أسلم بعد موته أن يقسم، لأن ردته بعد موته تمنعه من الميراث ولا يصير وارثًا بإسلامه بعد الموت، ولا تصح القسامة إلا من وارث فإن لم يكن للمقتول وارثًا فلا قسامة ويصير دمه هدرًا.
وإن كان له وارث غيره قام مقامه وأقسم.
والثاني: أن يرتد بعد موته القتل وبعد قسامته فقد وجبت الدية بقسامته وتكون موقوفة على ما يكون من حال ردته فإن عاد إلى الإسلام دفعت إليه وإن مات على ردته كانت الدية مع جميع ماله فيئًا في بيت المال.
والثالث: أن تكون ردته بعد موت القتيل وقبل قسامته فيمنعه الحاكم من القسامة في زمانه ردته لأن أيمان القسامة موضعه للزجر، وهو مع ظهور الردة غير منزجر ويكون الأمر موقوفًا على عقبي ردته فإن أسلم منها أقسم وقضى له بدية.
وإن مات مرتدًا سقطت القسامة وصار الدم هدرًا إن لم يكن للقتيل وراث؛ لأن ماله يصير لبيت المال إرثًا لكافة المسلمين وليس فيهم من يتعين في القسامة، ولا يمكن أن يقسم جميعهم ولا يجوز للإمام أن يقسم عنهم فلذلك صار الدم هدرًا.
فلو أقسم في زمان واستوفى الحاكم عليه أيمان قسامته صحت القسامة إذا قيل إن ملك المرتد باق عليه، وإن قيل إن ملكه قد زال عنه بالردة ففي صحة قسامته وجهان:
أحدهما: لا تصح منه القسامة لأنه لا يملك بها الدية.
والثاني: تصح منه القسامة، لأن المرتد لا يمنع من اكتساب المال وهذا من اكتسابه وإن زال ملكه عن أملاكه، فعلى هذا إن قيل بصحة قسامته كانت الدية موقوفة إلى ما ينتهي إليه الحال، فإن أسلم ملكها وإن قتل بالردة كانت فيئًا وإن قيل ببطلان قسامته وقف أمره: فإن أسلم استأنف القسم، وإن قتل بالردة صار الدم هدرًا، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والإيمان في الدماء مخالفة لها في الحقوق وهي
الجزء: 14 - الصفحة: 206
في جميع الحقوق يمين يمين وفي الدماء خمسون يمينًا.
وقال في كتاب العمد ولو ادعى أنه قتل خطأ فالدية عليه في ثلاث سنين بعد أن يحلف ما قتله إلا خطأ فإن نكل حلف المدعى لقتله عمدًا وكان له القود.
قال المزني: هذا القياس على أقاويله في الطلاق، والعتاق وغيرهما في النكول ورد اليمين".
قال في الحاوي: الدعاوي ضربان في دم وغير دم، فأما الدعاوي في غير الدماء فلا تغلظ بغير الزمان والمكان فلا يبدأ فيها بيمين المدعى ولا تكرر فيها الأيمان ولا يستحق فيها إلا يمين واحدة سواء كان مع الدعوى لوث أو لم يكن، لقصور ما سوى الدماء عن تغليظ الدماء.
وأما الدعاوي في الدماء، فضربان: في نفس، وطرف، فأما في النفوس فضربان:
أحدهما: أن يقترن بالدعوى لوث فتغلظ غي حكمين:
أحدهما: تبدئة المدعي وتقديمه على المدعى عليه وهذا يستوفي فيه حكم كل ممن كلمت له دينه أو نقصت.
والثاني: تغليظ الأيمان بخمسين يمينًا وهذا معتبر بحال المقتول فإن كملت فيه الدية بان يكون رجلًا حرًا مسلمًا كمل فيه تغيظ الإيمان بخمسين يمينًا، وإن لم تكمل الدية، بأن كان امرأة وجبت فيها نصف الدية، وكان ذميًا وجب فيه ثلث الدية، ففيه وجهان:
أحدهما: تسقط الأيمان على كمال الدية فتغلظ في قتل المرأة بخمسة وعشرين يمينًا، وفي قتل الذمي بسبعة عشر يمينًا ليقع الفرق في التغليظ بين حكم القليل والكثير اعتبارًا بالدية.
والثاني: وهو أصح أنها تغلظ في كل قتيل بخمسين يمينًا من قلت ديته وكثرت حتى في دية الجنين، لأنه لما استوي التغليظ بالكفارة في قتل جميعهم كذلك في الغليظ بأيمان القسامة فإذا تقرر أن المدعى يحلف خمسين يمينًا لم يخل أن يكون واحدًا أو جماعة فإن كان واحد حلف جميعها ووالي بينهما ولم يفرقها، لأنها في الموالاة أغلظ وأزجر فإن حلف أكثرها ونكل عن أقلها ولو بيمين واجدة ولم يستحق بما تقدم من أيمانه شيئًا من الدية لتعلق الحكم بجميعها، وإن كانوا جماعة ففي أيمانهم قولان:
أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا يستوي فيها من قل سهمه الدية وكثر، لأن تكرار الأيمان موضوع للتغليظ والزجر، وليس يزجر الواحد منهم إلا بأيمان نفسه، فوجب أن يستوفي حقه، فعلى هذا إن أقسموا جميعًا، قضى لهم بجميع الدية واقتسموا على قدر مواريثهم، فإن حلف بعضهم ونكل البعض قضى للحالف بحقه من الدية دون الناكل.
والثاني: وهو الأصح أن الأيمان مقسومة بينهم على قدر مواريثهم بجبر الكسر، فإن كانوا زوجه وابنًا وبنتًا وحلفت الزوجة سبعة أيمان والابن ثلاثين يمينًا والبنت خمس عشرة يمينًا ثم على قياسه لأن التغليظ بعدد الأيمان يختص بالدعوى وهم فيها مشتركون فوجب
الجزء: 14 - الصفحة: 207
أن يكونوا في تغليظ أيمانها مشتركين.
فعلى هذا إن حلفوا قضى لهم بجميع الدية، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم لم يحكم للحالف بحقه من الدية إلا بعد استكمال خمسين يمينًا، فإن طلب طالب الناكل لم يستحق شيئًا بيمين غيره وإن استوفى الحاكم جميع الأيمان، حتى يحلف عدد أيمانه التي تلزمه بقدر حقه.
فإن نكل جميعًا عن الأيمان، ردت على المدعى عليه، فإن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا، لأن الأيمان لما غلظت في جنبة المدعى عليه، فأن كان واحدًا حلف خمسين يمينًا، لأن الأيمان لما غلظت في جنبة المدعي، وجب أن تغلظ في نقلها إلى المدعى عليه، لتتكافأ الجنبتان في الغليظ، فإن المدعى عليهم جماعة ففي إيمانهم قولان:
أحدهما: وهو الناصح هاهنا أن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا والأصح المدعين أن تسقط بينهم، لأن كل واحد من المدعى عليهم كالمنفرد في وجوب القود والتزام الكفارة، فكان كالتفرد في عدد الأيمان، وخالف المدعين لأن الواحد من الجماعة لا يساوي المنفرد فيها فافترق.
والثاني: أن الأيمان مقسطة بينهم على أعدادهم يجبر الكسر يستوي فيه الرجل والمرأة بخلاف أيمان المدعين، لأن المدعين يتفاضلون في ميراث الدية فيفاضلوا في الأيمان والمدعى عليهم يستوون في التزام الدية فيساووا في الأيمان، والله أعلم.
فصل:
فإن حلفوا برئوا من القتل فلم يلزمهم قود ولا دية.
وقال أبو حنيفة: إذا حلفوا غرموا الديةـ احتجاجًا برواية زياد بن أبي مريم أن جده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخي قتل بين قريتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحلف خمسون رجلًا، فقال: ما لي من أخي غير هذا قال: نعم ولم مائة من الإبل فجمع له بين الأيمان والدية.
ولما روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحلفهم خمسين يمينًا ما قتلناه، ولا عرفناه قاتله وأغرمهم الدية.
قال: ولأن حكم القسامة مخالف لأثر الدعوى، فصارت الأيمان في القسامة موضوعه للإيجاب وغيرها من الدعاوي موضوعه للإبراء والإسقاط.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار فيبرئكم يهود بخمسين يمينًا فاقتضى أن يبرؤوا بأيمانهم، ولأن اليمين توجب تحقيق ما حلف عليه وإثبات حكمه، فلما كانت يمينه موضوعه لنفي القتل، وجب أن ينتفي عنه حكم القتل كما كانت يمينه في سائر الدعوى موضوعه لنفي الدعوى فسقط عنه حكمها وفي هذا انفصال عن الاستدلال وقد تقدم الجواب عن الخبر والأثر.
فصل:
وإن نكل المدعى عن الإيمان أغرموا الدية ولم يحسبوا.
وقال أبو حنيفة:
الجزء: 14 - الصفحة: 208
(يحبسون) حتى يخلفوا ثم يغرمون استدلالًا بأن الأيمان في القسامة هي نفس الحق فوجب أن يحسبوا عليه كما يحسبون على سائر الحقوق وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الأيمان في الشرح موضوعه للتغليظ والزجر، حتى لا يقدم على كذب في دعوى ولا إنكار، فإذا امتنع منها فقد انزجر بها فلم يجز أن يحبس عليها ليكره على أيمان ربما اعتقد كذبه فيها، فيصير محمولًا على الكذب والحنث.
والثاني: أن نكوله في غير القسامة لما لم يوجب حبسه لنفس الأحبار عن الأيمان، فنكوله في القسامة أولى لأن الأيمان أكثر والتغليظ فيها أشد وقوله: "إن الأيمان هي نفس الحق" فليس صحيح لأن الأيمان لقطع الخصومة وإسقاط الدعاوي ولو كانت نفس الحق لما جاز أن يقبل منهم الدية إذا اعترفوا وحكمهم في الاعتراف أغلظ من الجحود.
فصل:
والثاني: أن لا يكون مع الدعوى لوث فتسقط لعدم اللوث البداية بيمين المدعي لضعف سببه القول المدعى عليه مع يمينه، وفي تغليظها بالعدد قولان:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة واختار المزني أنها لا تغلظ بالعدد ويستحق فيها بيمين واحد يخلف بها المدعى على إنكاره؛ لأنه لما سقط لعدم اللوث تغليظ القسامة في الابتداء بيمين المدعى سقط تغليظها بعدد الأيمان جمعًا بينها وبين سائر الدعاوي في الأمرين.
والثاني: أنها تغلظ بالعدد فيحلف خمسين يمينًا، تغليظًا لحرمة النفس، كما تغلظ بالكفارة وإن لم يحكم فيها بالقسامة، فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا حلف خمسين يمينًا، وإن كانوا جماعة فعلى ما قدمناه من القولين:
أحدهما: أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا.
والثاني: أن الخمسين مسقطة بينهم على عدد الرؤوس.
فإن كانوا خمسة حلف كل واحد منهم عشرة أيمان، وإن كانوا عشرة حلف كل واحد منهم خمسة أيمان، فإن حلفوا برئوا وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى وهل تغلظ بالعدد إذا ردت عليه؟ على قولين: كالمدعى عليه:
أحدهما: لا تغلظ ويحلف يمينًا واحدة.
ويستحق دم صاحبه في العهد والخطأ.
والثاني: تغلظ بالعدد فيحلف خمسين يمينًا فإن كان واحدًا حلف جميعها وإن كانوا جماعة فعلى قولين:
أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين ميتًا.
والثاني: أنها تسقط بينهم على قدر مواريثهم يجبر الكسر.
فإذا حلفوا لهم بدم صاحبهم، واستحقوا القود في العمد قولًا واحدًا لأن أيمانهم بعد نكول المدعى عليه تجري مجري إقراره، في أحد القولين ومجرى البينة في القول الثاني.
الجزء: 14 - الصفحة: 209
والقود مستحق بالإقرار ومستحق فإن عن الأيمان عند ردها عليه برئ المدعى عليه بإنكاره المتقدم.
فصل:
وإن كانت دعوى الدم فيما دون النفس لم يعتبر فيها اللوث لما قدمناه، من تغليظ النفس على ما دونها، فسقط الابتداء فيها بيمين المدعى فيكون القول فيها قول المدعى عليه مع يمينه وتغليظها بالعدد مبني على تغليظها في دعوى النفس عند عدم اللوث فإن قيل: لا تغلظ بالعدد في النفس إذا عدم اللوث فأولى ألا تغلظ بالعدد فيما دون النفس؛ لأنه حرمة النفس أغلظ وإن قيل بتغليظها في النفس عند عدم اللوث ففي تغليظها بالعدد فيما دون النفس قولان:
أحدهما: لا تغلظ بالعدد وإن غلظت به في النفس لاختصاص النفس بعظم الحرمة ووجوب الكفارة.
فعلى هذا يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة سواء كانت الدعوى فيما تكمل فيه الدية كاليدين أو فيما يجب فيه بعضها كالموضحة.
والثاني: أنه تغلظ فيما دون النفس بالعدد، كما تغلظ في النفس، لأنه لما استوي حكم النفس وما دونها في وجوب القود وتحمل العقل تغليظًا لحكم الدماء استويا في التغليظ بعدد الأيمان- فعلى هذا لا يخلو حال الدعوى فيما دون النفس من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن تكمل فيها الدية من غير زيادة ولا نقصان كقطع اليدين أو الرجلين أوجب الذكر أو قطع اللسان فتغلظ الأيمان فيه بخمسين يمينًا لأنه لما ساوى النفس في الدية ساواها في عدد الأيمان فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحدًا حلف خمسين يمينًا وإن كانوا جماعة فعلى قولين:
أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا.
والثاني: إنها مقسطة بينهم على أعدادهم.
فإن كانوا خمسة خلف كل واحد منهم عشرة أيمان، فيصير فيما يحلف به كل واحد منهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: خمسون يمينًا.
والثاني: عشرة أيمان.
والثالث: يمين واحدة
فصل
والقسم الثاني: أن يستحق بالعدوى بعض الدية كإحدى اليدين أو كالموضحة ففيما تغلظ من العدد قولان:
أحدهما: تغلظ بخمسين يمينًا فيما قل من الدية وكثر اعتبارًا بحرمة الدم.
والثاني: تقسط الأيمان على الدية وتغلظ فيما دونها بقسطها من كمال الدية، فإن
الجزء: 14 - الصفحة: 210
(أوجبت) نصف الدية، كإحدى اليدين غلظت بخمسة وعشرين يمينًا، وإن أوجبت ثلث الدية كالجائفة غلظت بسبعة عشرة يمينًا.
وإن أوجبت عشر الدية كالإصبع غلظت بخمسة أيمان.
وإن أوجبت نصف عشرها كالموضحة غلظت بثلاثة أيمان:
فعلى هذا إن كان المدعى عليه واحد حلف هذه الأيمان على اختلاف الأقاويل فيها وإن كانوا جماعة فعلى قولين:
أحدهما: يحلف كل واحد منهم جميع هذه الأيمان المختلف في عددها.
والثاني: يقسط عدد الأيمان بينهم على أعداد رؤوسهم فيجيء فيما يحلف به كل واحد منهم إذا كانوا خمسة وكانت الدعوى في قطع أحد اليدين خمسة أقاويل:
أحدها: يحلف خمسين يمينًا.
والثاني: يحفل خمسة وعشرين يمينًا.
والثالث: عشرة أيمان.
والرابع: خمسة أيمان.
والخامس: يمينًا واحدة، فإن نكلوا عن الأيمان ردت على المدعي وكان حكمه في تغليظ الأيمان بالعدد مثل حكمهم على ما رتبناه من الأقاويل وشرحناه من التفصيل، والله أعلم.
فصل:
والثالث: أن يستحق بالدعوى أكثر من الدية مثل قطع اليدين مع الرجلين، أو جدع الأنف مع اللسان، فتشتمل الدعوى على ديتين فإن قيل: إن الأيمان لا تغلظ بالعدد في الدية وما دونها لم تغلظ بالعدد فيما زاد عليها، واقتصر فيها على يمين واحدة وإن اشتملت على ديتين.
وإن قيل إن الأيمان تغلظ بالعدد في الدية وما دونها.
فأولى أن تغلظ بالعدد فيما زاد عليها، وهل تكون الزيادة على الدية موجبة لزيادة العدد في الأيمان أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا توجبها لأن الخمسين غاية العدد في التغليظ فلم يحتج التغليظ إلى تغليظ.
والثاني: أن الخمسين تغليظ مقدر في دية النفس فصار غاية فيها فلم يصير غاية فيما زاد عليها.
فعلى هذا أوجبت الدعوى ديتين تغلظت الأيمان بمائة يمين، وإن أوجبت دية ونصف تغلظت بخمسة وسبعين يمينًا، وإن أوجبت دية وثلث تغلظت بسبعة وستين يمينًا.
وعلى هذا القياس، ثم إن كانت على واحد حلف بجميعها، وإن كانت على جماعة فعلى ما قدمناه من القولين:
أحدهما: يحلف كل واحد منهم جميعها.
الجزء: 14 - الصفحة: 211
والثاني: تقسط بينهم على أعدادهم، فيجيء فيما يحلف كل واحد منهم إذا كانوا خمسة والدعوى فيما يوجب ديتين خمسة أقاويل:
أحدها: مائة يمين.
والثاني: خمسون يمينًا.
والثالث: عشرون يمينًا.
والرابع: عشرة أيمان.
والخامس: يمينًا واحدًا.
فإن نكلوا عن الأيمان وردت على المدعي كان حكمه في تغليظ الأيمان بالعدد مثل حكمهم، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وسواءٌ في النكول المحجور عليه وغير المحجور عليه ويلزمه منها في ماله ما يلزم غير المحجور والجناية خلاف البيع والشراء فإن قال قائلٌ: كيف يحلفون على ما لا يعلمون قيل فأنتم تقولون لو أن ابن عشرين سنة رئي بالمشرق اشترى عبدًا ابن مائة سنةٍ رئي بالمغرب فباعه من ساعته فأصاب به المشتري عيبًا أن البائع يحلف على البت لقد باعه إياه وما به هذا العيب ولا علم له به الذي قلنا قد يصح علمه بما وصفنا".
قال في الحاوي: أما الحجر فضربان:
أحدهما: يكون لارتفاع القلم كالجنون والصغر فيمتنع من سماع الدعوى منه وعليه لأنه لا حكم لقوله مال ولا بدن.
والثاني: أن يكون مع ثبوت القلم عليه بالبلوغ والعقل وقد ثبت الحجر فيه بأحد خمسة أسباب: السفه والفلس والمرض والرق والردة.
وهذه المسألة مقصورة على الحجر بالسفه لأن ما عداه له مواضع قد مضى بعضها ويأتي باقيها وإذا كان كذلك لم يخل حال المحجور عليه بالسفه من أن يكون مدعيًا، أو مدعي عليه فإن كان مدعيًا، سمعت دعواه، وكان فيها الرشيد، وإن توجهت عليه يمين إما ابتداء في القسامة أو انتهاء في الرد بعد النكول حلف فيها، وحكم له بموجبها كالرشيد، لأن في ذلك حفظ لماله والحجز يمنعه من إتلافه، وإن كان مدعي عليه سمعت الدعوى عليه لأنه قد ينكرها فيستحلف عليها أو تشهد بها بينة فيكون لها حكم وإذا كان كذلك لم تخل الدعوى عليه من أن تكون في دم أو مال.
فإن كانت في دم لم تخل من أن تكون موجبة للقسامة، أو غير موجبة لها، فإن أوجبت القسامة لوجود اللوث في قتل نفس، فللمدعي أن يقسم على المحجور عليه، كما يقسم على الرشيد ويقضي عليه بموجب
الجزء: 14 - الصفحة: 212
أيمانه إذا حلف، فإن نكل عن الأيمان ردت على المحجور عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل قضي عليه بالدعوى وكان فيما يجب عليه بنكوله كالرشيد، وإن كانت دعوى الدم غير موجبة للقسامة فهي على ضربين:
أحدهما: أن تكون في عمد يوجب القود فتسمع الدعوى عليه، فإن أقر بها صح إقراره كما يصح إقرار العبد بها لانتفاء التهمة عنه فإن عفا عن القود وجبت الدية في ماله وأخذت منه مع بقاء حجره، وإن نكل عن اليمين ردت على المدعي وحكم له بدعواه إذا حلف وخير بين القود والدية.
والثاني: أن تكون خطأ يوجب المال دون القود فتسمع الدعوى عليه فإن أقر بها ففي صحة إقراره قولان:
أحدهما: وهو الأصح أنه لا يصح كالمال.
والثاني: أنه يصح لتغليظ حرمة الدماء والنفوس، كالعمد فإن أبطل إقراره بها لم يلزمه ولا عاقلته وإن صح إقراره بها لزمته الدية في ماله دون عاقلته إلا أن يصدقوه عليها فيتحملونها عنه.
وإن أنكر الدعوى، أحلف عليها فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين فإن قلنا إن إقراره يصح ردت اليمين على المدعي وحكم له إذا نكل، وهل تجب الدية على عاقلته أم لا؟ على قولين: بناء على اختلاف قوليه في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار فإن قيل إنها تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار فإن قيل إنها تقوم مقام البينة تحملت العاقلة الدية كما نتحملها بالبينة وإن قيل إنها تقوم مقام الإقرار لم تتحملها العاقلة كما لا تتحملها بإقراره وإن قلنا إن إقرار السفيه بها باطل ففي رد اليمين على المدعي بعد نكول السفيه عنها قولان:
أحدهما: ترد عليه إذا قيل إن يمينه كالبينة.
والثاني: لا ترد إذا قيل إن يمينه كالإقرار.
فصل:
وإن كانت الدعوى في مال محض سمعت عليه فإن أنكرها حلف وبرئ وإن نكل عنها كان في رد اليمين على المدعي ما قدمناه من القولين فإن أقر بها لم يلزمه إقراره قولًا واحدًا، لما تضمنه من استهلاك ماله الذي هو متهوم فيه فلا يلزمه في ظاهر الحكم.
وهل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى أم لا؟ معتبرًا بالمال فإن كان عن إتلاف، واستهلاك، إما لنفسٍ أو مال، لزمه فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يلزمه في ظاهر الحكم ما كان حجره باقيًا فإذا فك حجره غرمه، وإن كان عن معاملة ومراضاة لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
كما يلزمه في ظاهر الحكم ولا يلزمه غرمه بعد فك حجره وهو معنى قول الشافعي والجناية خلاف البيع والشراء.
الجزء: 14 - الصفحة: 213
كما يلزمه في ظاهر الحكم ولا يلزمه غرمه بعد فك حجره وهو معنى قول الشافعي والجناية خلاف البيع والشراء.
والفرق بينهما: أن ديون المراضاة كانت باختيار صاحبها فصار هو المستهلك لها بإعطائه إياها وديون الجنايات والاستهلاك عن المراضاة فلم يكن من صاحبها ما يوجب سقوط غرمها فافترقا من هذين الوجهين فيما بينه وبين الله تعالى وفي الرجوع به بعد فك الحجر، فعلى هذا إن استحق الغرم في استهلاك مال عمل غرمه عند فك حجره لأن غرم الأموال المستهلكة معجل وإن استحق في دية خطأ تأجيلها ففي ابتداء الأجل وجهان:
أحدهما: من وقت الإقرار لوجوبها به.
والثاني: من وقت فك حجره لأنه بفك الحجر صار من أهل غرمها والله تعالى أعلم.
باب ما ينبغي للحاكم أن يعلمه من الذي له القسامة وكيف يقسم
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وينبغي أن يقول له من قتل صاحبك؟ فإن قال فلان قال وحده فإن قال نعم قال عمدًا أو خطأ فإن قال عمدًا سأله وما العمد؟ فإن وصف ما في مثله القصاص أحلف على ذلك وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص لم يحلفه عليه والعمد في ماله والخطأ على عاقلته في ثلاث سنين فإن قال قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يُسمى النفر أو عددهم إن لم يعرفهم".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إنما يسمع الحاكم الدعوى للحكم بها وليس يسمعها ليعلم قول المدعي فيها والحكم لا يجوز إلا بمعلوم مقدر لمعين على معين فكذلك لا تسمع الدعوى إلا هكذا ليصح له الحكم فيها، فإذا ادعى رجل عند الحاكم قتل أب له أو أخ سأله الحاكم عن قتله لتتوجه الدعوى على معين سؤاله عنها فإذا قال قتله وحده أو مع غيره، لأن حكم الانفراد في القتل مخالف لحكم الاشتراك فيه.
وله الحالتان:
أحداهما: أن يفرده بالقتل.
والثانية: أن يجعله فيه شريكًا لغيره، فإن أفرده بالقتل فقال: قتله وحده سأله عن القتل هل كان عمدًا أو خطأ؟ لأن حكم العمد مخالف لحكم الخطأ.
وله حالتان:
أحداهما: أن يدعي العمد.
والثانية: أن يدعي الخطأ، فإن قال قتله عمدًا سأله عن العمد، لأنه قد يتصور قتل
الجزء: 14 - الصفحة: 214
العمد فيما ليس بعمد لاختلاف الفقهاء فيما يوجب القود من العمد وله حالتان:
إحداهما: أن يصفه بما يكون عمدًا.
والثانية: أن يصفه بما لا يكون عمدًا فإن وصفه بما يكون عمدًا فقد كملت حينئذٍ الدعوى وجاز للحاكم سؤال المدعي عليه عنها وكمالها بهذه الشروط الأربعة تعين المدعي عليه، ثم ذكر الانفراد والاشتراك، ثم ذكر العمد أو الخطأ، ثم صفته بما يكون عمدًا أو خطأ.
فإذا سأل المدعي عليه وهو منفرد في قتل عمد فله حالتان:
إحداهما: أن يقر بالقتل.
والثانية: أن ينكر، فإن أقر بالقتل وجب عليه القود سواء كان مع الدعوى لوث أو لم يكن.
فإن عفا الولي عن القود وجبت له الدية المغلظة حالة في مال القائل.
وإن أنكر القتل فللدعوي حالتان.
إحداهما: أن يقترن بها لوث فيحكم للمدعي فيها بالقسامة في التبدية بالمدعي وإحلافه خمسين يمينًا، فإذا أقسم بها فهل يشاط بها الدم ويقتص بها من المدعي عليه أم لا؟ على قولين مضيا القديم منها يشاط بها الدم فورًا والجديد منهما: أنه لا قود وتجب الدية المغلظة حالة في مال المدعي عليه.
والثانية: أن لا يكون مع الدعوى لوث فلا قسامة فيها ويكون القول قول المدعي عليه مع يمنيه وهل تغلظ بالعدد؟ على ما قدمناه من القولين.
فإن حلف برئ من القود والدية، وإن نكل ردت اليمين على المدعي، وهل تغلظ بالعدد؟ على ما مضى من القولين.
فإن حلف حكم له بالقود إن شاء وإن عفا فالدية وإن نكل فلا شيء له من قود ولا دية وبرئ المدعي عليه من الدعوى إلا أن تكون بينة.
فصل:
وإذ قد مضت الدعوى على المنفرد فالحالة الثانية أن تكون الدعوى عليه مع جماعة شاركوه فيه فيقول: قتله هذا مع جماعة فيسأل عن عددهم لاختلاف الحكم بقلة الشركاء وكثرتهم ولا يلزم التعين عليهم بأسمائهم، وإن كان تعينهم مع ذكر عددهم أوكد وأحوط.
وله حالتان:
إحداهما: أن يذكر عددهم.
والثانية: أن لا يذكر العدد: فإن ذكر عددهم، فقال هذا واثنان معه سأل هل شاركاه عمدًا أو خطأ لأن شركة الخاطئ تسقط القود عن العامد.
ولفه في الجواب ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: شاركاه عمدًا.
والثاني: أن يقول: شاركاه خطأ.
والثالث: أن لا يعلم صفة شوكتهما له هل كانت عمدًا أو خطأ.
فإن وصف الشركة
الجزء: 14 - الصفحة: 215
بالعمد، سئل لحاضر المدعي عليه، فإن أقر وجب عليه القود.
وإن أنكر ولا لوث حلف وبرئ وإن كان لوثي أحلف المدعي خمسين يمينًا، وإن كان على واحد من ثلاثة لأن الحق في القسامة لا يثبت إلا بها، وهل يحكم له بالقود أم لا؟ على قولين وإن وصف الشركة بالخطأ، لم يحكم له بالقود إذا أقسم قولًا واحدًا، وكذلك إذا لم يعلم صفة الشركة هل كانت عمدًا أو خطأ؟ لجواز أن تكون خطأ فلا يحكم بالقود مع الشك، وحكم له بثلث الدية المغلظة حالة في مال الجاني لأنها مستحقة عن عمد على كل واحد من ثلاثة وإن حضر ثانٍ بعد القسامة على الأول لم يكن الحكم بها على الأول حكمًا على الثاني وسأل الثاني عنها فإن أقر فكان عامدًا اقتص منه وإن كان خاطئ وجب ثلث الدية عليه دون عاقلته، لأن العاقلة لا تتحمل اعتراف الجاني.
وإن أنكر الثاني: نظر فيه هل كان مشاركًا في اللوث أو غير مشارك فيه، فإن كان غير مشارك في اللوث لأن الأول كان في دار المقتول والثاني لم يكن فيها لم يحكم بالقسامة في الثاني وإن حكم بها في الأول لكل واحد منهما حكم نفسه فيبدأ بيمين المدعي في الأول ويمين المدعي عليه في الثاني وإن كان مشاركًا في اللوث لوجوده مع الأول في دار المقتول أقسم المدعي على الثاني وفي عدد ما يقسم به على الثاني وجهان:
أحدهما: خمسون يمينًا كالأول.
والثاني: خمسة وعشرون يمينًا واختاره أبو إسحاق المروزي لأن حصته من الخمسين لو حضر مع الأول خمسة وعشرون يمينًا فإن وصف قتله بالعمد ففي وجوب القود عليه بعد القسامة قولان: وإن وصفه بالخطأ فقسطه من الدية على عاقلته لوجوبها بالقسامة.
وإن جهل المدعي صفة قتله، ففي جواز القسامة عليه وجهان:
أحدهما: لا تجوز القسامة عليه للجهل بموجبها، لأن دية العمد عليه ودية الخطأ على عاقلته.
والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي تجوز القسامة عليه لأن الجهل بصفة القتل لا يكون جهلًا بأصل القتل.
فإذا أقسم الولي المدعي حبس الثاني حتى يبين صفة القتل هل كانت عمدًا أو خطأ فإن تطاول حبسه ولم يبين أحلف ما قتله عمدًا ولزم دية الخطأ في ماله مؤجلة وفي تغليظ هذه اليمين عليه بالعدد وجهان فإن حضر الثالث بعد الثاني كان كحضور الثاني بعد الأول فيكون حكمه على ما ذكرنا في الثاني إلا في شيء واحد وهو أنه إذا أقسم الولي المدعي وقلنا: تقسم الأيمان بالحصة حلف الثالث سبعة عشر يمينًا هي ثلثها بعد جبر كسرها لأنه أحد ثلاثة لو اجتمعوا لكانت حصته من الخمسين ثلثها هذا حكمه إذا ذكر المدعي عدد الشركاء في القتل.
فأما إذا لم يذكر عددهم، لم تخل دعواه من أن تكون في قتل عمد أو خطأ فإن
الجزء: 14 - الصفحة: 216
كانت في خطأ، لم تكن له القسامة لأنه جاهل بقدر ما يستحقه منها، لأنه إن شارك واحدًا استحق عليه نصف الدية، وإن كانوا عشرة استحق عليه عشرها، وإن كان عمدًا يوجب القود فإن قلنا: إنه لا قود في القسامة على قوله في الجديد، فلا قسامة لأن موجبها الدية وقدر استحقاقه منها مجهول كالخطأ.
وإن قلنا بوجوب القود في القسامة على قوله في القديم ففي جواز القسامة وجهان:
أحدهما: تجوز ويقسم بها المدعي لأن القود استحق على الواحد إذا انفرد كاستحقاقه عليه في مشاركة العدد.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة لا يجوز أن يقسم لأنه قد يعفو عن القود إلى الدية فلا يعلم قدر استحقاقه منها والحكم يجب أن يكون قاضيًا بما يفضل به التنازع.
فصل:
وإذ قد مضت الدعوى في قتل العمد فالحالة الثانية في الدعوى في قتل الخطأ، فينبغي للحاكم أن يسأل المدعي عن الخطأ هل كان محضًا أو شبه العمد لاختلافهما في التغليظ والتخفيف، فإن قال شبه العمد، سأله عن صفته كما يسأله عن صفة العمد المحض، لأنه قد يشتبه عليه محض الخطأ بالعمد وشبه العمد، ثم يعمل على صفته دون دعواه.
فإن كان ما وصفه شبه العمد، غلظت فيه الدية بعد القسامة، وإن كان ما وصفه خطأ محضًا خففت فيه الدية بعد القسامة، فلم يمنع مخالفة صفته لدعواه من جواز القسامة ولا يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه لأن الوجوب في الدية في الحالين على العاقلة وإنما اختلفوا في زيادتها في دعواه بالتغليظ ونقصانها في صفتها بالتخفيف فصار في الصفة كالمبدئ في بعض الدعوى.
ولا يمنع ذلك من جواز القسامة، وإن كان قد ادعى قتل خطأ محض فقد اختلف أصحابنا هل يلزم الحاكم أن يسأل عن صفة الخطأ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يلزمه السؤال عن صفة الخطأ لأن الخطأ أقل أحوال القتل وإنما يلزم أن يسل عن العمد وعن شبه العمد لجواز أن يكون خطأ محضًا ولم يلزم ذلك في الخطأ المحض.
والثاني: وهو أصح يلزم الحاكم أن يسأله عن صفة الخطأ لأنه قد يجوز أن يشتبه عليه القتل المضمون بما ليس بمضمون.
ولأنه قد يسقط في بئر حفرها المدعي عليه في ملكه فلا يكون ضامنًا لقتله، فإذا سأله عن صفته لم يخل ما وصفه من أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون خطأ مضمونًا، فتوافق صفته دعواه، فيحكم له بالقسامة.
والثاني: أن يصفه بما لا يكون قتلًا مضمونًا، فلا قسامة له، والمدعي عليه برئ
الجزء: 14 - الصفحة: 217
من الدعوى.
والثالث: أن يصفه بما يكون عمد الخطأ فيقسم على دعواه في الخطأ المحض دون عمد الخطأ لأن الدعوى أقل من الصفة فصار كالمبتدئ بها من زيادة الصفة.
والرابع: أن يصفه بما يكون عمدًا محضًا.
فالصفة من الدعوى في أربعة أحكام:
أحدها: استحقاق القود في العمد وسقوطه في الخطأ.
والثاني: تغليظ الدية في العمد وتخفيفها في الخطأ.
والثالث: تعجيلها في العمد وتأجيلها في الخطأ.
والرابع: استحقاقها على الجاني في العمد وعلى العاقلة في الخطأ فإن لم تكن له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ نظر فإن كان الجاني هو المحتمل لدية الخطأ أقسم على الدعوى دون الصفة ويحكم له بدية الخطأ دون العمد.
فإن كانت له عاقلة تتحمل عنه دية الخطأ.
نظر فإن رجع عن الدعوى إلى الصفة، لم يكن له أن يقسم على الدعوى ولا على الصفة، لأن المطالبة في الدعوى متوجهة إلى العاقلة وفي الصفة متوجهة إلى الجاني فصار في الدعوى أبرأ للجاني وفي صفة أبرأ للعاقلة فلم يكن له أن يقسم على واحد منهما وإن لم يرجع عن الدعوى إلى الصفة أقسم على الدعوى دون الصفة وحكم له بدية الخطأ دون العمد.
فصل:
وإذ قد مضى صفة العمد بما يكون عمدًا فالحالة الثانية أن يصفه بما لا يكون عمدًا، وله في صفة العمد بما ليس يعمد ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصفه بما لا يكون عمدًا ولا خطأ من القتل الذي لا يضمن بقود ولا دية: كمن دخل دار رجل فتعثر بحجر، أو سقط في بئر أو سقط عليه جدار فالصفة قد برأت من الدعوى وسقطت القسامة فيها وبرأ المدعي عليه منها.
والثانية: أن يصفه بعمد الخطأ كرجل ضرب رجلًا بعصا يجوز أن تقتل ويجوز أن لا تقتل فهو عمد الخطأ لأنه عامد في الفعل خاطئ في النفس.
فله أن يقسم على الصفة دون الدعوى، ويحكم له بعمد الخطأ دون العمد المحض ولا يكون ما في الصفة من مخالفة الدعوى مانعًا من القسامة، لأن الاختلاف بين الدعوى والصفة لاشتباه الحكم دون الفعل.
والثالثة: أن يصفه بالخطأ المحض فقد بطل حكم الدعوى بالصفة وسقطت القسامة في العمد، واختلف في سقوطها في الخطأ فنقل المزني أنه لا يقسم ونقل الربيع أن يقسم، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على وجهين:
أحدهما: وهو طريقة البغداديين أن اختلافهما محمول على اختلاف قولين:
الجزء: 14 - الصفحة: 218
أحدهما: وهو ما نقله الربيع أنه يقسم وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، لأن صفته أقل من دعواه فجاز أن يقسم على الأخف بضد دعوى الأغلظ.
والثاني: وهو ما نقله المزني أنه لا يقسم وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة، لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فكان في الدعوى أبرأ للعاقلة وفي الصفة أبرأ للجاني فسقطت القسامة عليهما.
والثاني: وهو طريقة البصريين أنه ليس اختلاف النقل على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنقل المزني أنه لا يقسم محمول على أنه أقسام على الدعوى، ولم يرجع عنها إلى الصفة فلا يقسم على الدعوى لإبطالها بالصفة ونقل الربيع أنه يقسم محمول على أنه رجع عن الدعوى إلى الصفة فيقسم على الصفة لرجوعه بها عن الدعوى التي هي أغلظ من الصفة، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أحلفه قبل أن يسأله عن هذا ولم يقل له عمدًا ولا خطأ أعاد عليه الأيمان".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا عجل الحاكم فأحلف المدعي عليه قبل سؤال المدعي عن شرط الدعوى في قتل العمد والخطأ في الجماعة والانفراد فقد أخطأ في استحلافه، لأمرين:
أحدهما: أن الدعوى لم تكمل.
والثاني: أنه لا يقدر على الحكم بما أحلف عليه للجهالة به، فتكون اليمين فيها ملغاة لا يحكم بها، سواء كانت اليمين من جهة المدعي في القسامة أو من جهة المدعي عليه في غير القسامة.
لأن اليمين قبل استقرار الدعوى جارية مجرى اليمين قبل الدعوى، وهي قبل الدعوى غير معتد بها، لأن ركانة بن عبد العزيز قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طلقت امرأتي البتة، والله ما أردت بها إلا واحدة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والله ما أردت بها إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة فأعاد عليه اليمين ولم يعتد بيمينه قبل الاستحلاف فكذلك في جميع الدعاوي، وإذا كان كذلك فعلى الحاكم أن يعود إلى سؤال المدعي عن صفة القتل وما قدمناه من شروط الدعوى فإذا استكمل شروطها أعاد الاستحلاف عليها معلق ما يحكم باليمين الثانية دون الأولى وبالله التوفيق.
باب عدد الأيمان
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "يحلف وارث القتيل على قدر مواريثهم ذكرًا كان أو
الجزء: 14 - الصفحة: 219
أنثى زوجًا أو زوجةً".
قال في الحاوي: أما تغليظ الأيمان في القسامة بالعدد لضعف السبب الموجب لها وهو اللوث فقويت الدعوى لضعف سببها بتغليظ الأيمان فيها.
وأما تقدير الأيمان فيها بخمسين يمينًا فلسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة بها، وقوله للأنصار: "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم! قالوا: لا.
قال: فيبرئكم يهود بخمسين يمينًا".
وإذا تغلظت بهذا العدد لم يقسم بها من أهل المقتول إلا الورثة منهم، لأن اليمين موضوعة لاستحقاق الدية فلم يحلف بها إلا مستحقها، وهم الورثة، وورثة الدية، هم ورثة الأموال من العصبات وذوي الفروض من الرجال، والنساء، والأزواج، والزوجات، وقد خلف بعض الفقهاء في ورثة الدية خلافًا ذكرناه في كتاب الفرائض.
ولا فرق عند الشافعي وأكثر الفقهاء، بين ميراث الدية وميراث المال وإن كل من ورث المال ورثة الدية والقود وإذا كان كذلك لم يخل حال الوارث من أن يكون واحدًا، أو عددًا، فإن كان واحدًا، حلف خمسين يمينًا وإن كانوا عددًا ففيما يقسم به كل واحد منهم قولان ذكرناهما من قبل.
أحدهما: يقسم كل واحد خمسين يمينًا، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غير القسامة فلما تساووا في غير القسامة وجب أن يتساووا في القسامة، فعلى هذا يحلف كل واحد من ذكورهم وإناثهم، ومن قل سهمه وكثر خمسين يمينًا.
والثاني: وهو الأصح - إن الأيمان تقسط بينهم على قدر مواريثم بجبر كسرها ليحلف جميعهم خمسين يمينًا، لأن أيمانهم في القسامة حجة لهم، كالبينة فجاز أن يشتركوا فيها، كاشتراكهم في البينة، فعلى هذا إن لم تكن فرائض الورثة عائلة قسمت على فرائضهم، فإن كانوا بنين وبنتًا، حلف كل واحد من الابنين عشرين يمينًا، وحلفت البنت عشرة أيمان، وعلى قياس هذا فيما اختلف فرائضهم فيه فإن كانت فريضة مواريثهم عائلة كزوج، وأم، وأختين لأب وأم، وأختين لأم - فللزوج النصف، وللأم السدس - والأختين من الأب والأم الثلثان، ولأختين من الأم الثلث، أصلها من ستة وتعول بثلثيها إلى عشرة.
فقد اختلف أصحابنا في قسمة أيمان القسامة بينهم على أصل الفريضة أو على عولها على وجهين:
أحدهما: أن تقسم بينهم على أصل الفريضة من ستة أسهم فيحلف الزوج نصف الخمسين - وهو خمسة وعشرون يمينًا لأن فرضه النصف، وتحلف الأم سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر، لأن فرضها السدس، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ثلث الخمسين، وهو سبعة عشر يمينًا بعد جبر الكسر لأن فرضها الثلث وتحلف كل واحدة من الأختين لأم، سدس الخمسين وهو تسعة أيمان بعد جبر الكسر
الجزء: 14 - الصفحة: 220
لأن فرضها السدس.
والثاني: وهو الأصح أنها تقسم على أصل الفريضة وعولها من عشرة أسهم، فيحلف الزوج وسهمه ثلاثة أسهم من عشرة ثلاثة أعشار والخمسين وهو خمسة عشر يمينًا.
وتحلف الأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأب والأم ولها سهمان من عشرة عشري الخمسين وهو عشرة أيمان، وتحلف كل واحدة من الأختين للأم ولها سهم من عشرة عشر الخمسين وهو خمسة أيمان، ثم على هذا القياس.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن ترك ابنين كبيرًا وصغيرًا أو غائبًا وحاضرًا أكذب وأراد الآخر اليمين قيل له لا تستوجب شيئًا من الدية إلا بخمسين يمينًا فإن شئت فاحلف خمسين يمينًا وخذ من الدية مورتك وإن امتنعت فدع حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه فيحلفان خمسين يمينًا فإن ترك ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينًا يجبر عليهم كسر اليمين فإن ترك أكثر من خمسين ابنًا حلف كل واحدٍ منهم يمينًا يجبر الكسر من الأيمان".
قال في الحاوي: وهذه مسألة وما يليها تتفرع على القول الذي يقسم فيه أيمان القسامة على قدر المواريث، فإذا خلف المقتول ابنين، أحدهما صغير والآخر كبير، أو أحدهما حاضر والآخر غائب، أو أحدهما مدع قتل أبيه والآخر مكذب له، فإن للكبير أن يقسم قبل بلوغ الصغير، وللحاضر أن يقسم قبل قدوم الغائب - فأما المكذب فهل تقسط قسامته بتكذيب أخيه أم لا؟ على قولين: نذكرهما في الباب الآتي فإن أراد البالغ الحاضر أن يقسم، أو المكذب في أحد القولين، قيل له: لا يحكم لك بحقك من الدية إلا أن تستوفي في أيمان القسامة كلها.
وإن كان يلزمك في الاجتماع بعضها، لأن عدد الأيمان حجة لك في قبول دعواك، كالبينة فلم يجز أن يحكم بها إلا بعد استيفائها كما لا يحكم بالبينة، إلا بعد كمالها، فإذا حلف خمسين يمينًا حكم له بحقه من الدية، فإذا بلغ الصغير، أو قدم الغائب لم يحكم له بحقه من الدية حتى يحلف على دمه، فإن قيل: فالأيمان في القسامة حجة كالبينة فهلا كان وجودها من بعضهم حجة لجميعهم كالبينة؟
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن النيابة في إقامة البينة تصح وفي الأيمان لا تصح.
الثاني: أن البينة حجة عامة والأيمان حجة خاصة، فلهذين الفرقين لم يثبت حقه
الجزء: 14 - الصفحة: 221
فيها بأيمان أخيه، وإن ثبت حقه ببينته.
فإن أراد أن يحلف حلف خمسة وعشرين يمينًا، لأنه واحد من اثنين فصارا بعد أيمان الأخ كالمجتمعين، فلو كان معهما ثالث غائب، حلف إذا حضر سبعة عشر يمينًا، لأنه واحد من ثلاثة، فإن كان معهم رابع، حلف إذا حضر ثلاثة عشر يمينًا، لأنه واحد من أربعة مثال هذا الشفعة إذا استحقها أربعة وحضر أحدهم كان له أخذ جميعها ولم ينفرد بحقه منها، لأنه قد يجوز أن يعفو عنها شركاؤها فصار فيها كالمنفرد بها، فإذا قدم الثاني أخذ النصف لأنه واحد من اثنين - فإذا قدم الثاني أخذ الثلث، لأنه واحد من ثلاثة، فإذا قدم الرابع، أخذ الربع لأنه واحد من أربعة.
قال الشافعي: "فإن ترك أكثر من خمسين ابنًا حلف كل واحد منهم يمينًا يجبر عليه كسر اليمين"، وهذا صحيح، لأن اليمين لا تتبعض، فلذلك جبرنا كسرها، كما يجبر كسر الطلاق، والإقرار، الله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن مات من الورثة قبل أن يقسم قام ورثته مقامه بقدر مواريثهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا مات واحد من مستحقي القسامة مثل أن يموت واحد من اثنين، ويخلف بعد موته ابنين فله قبل موته ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يموت بعد قسامته فقد ملك حقه من الدية بأيمانه، فينقل ذلك إلى ورثته من غير قسامة فإن قيل: إذا لم تجعلوا لبعض الورثة أن يملك حقه من الدية بيمين غيره فلم جعلتم لأولاد هذا الميت أن يملكوا ذلك بأيمان أبيهم؟ قيل لأنهم ملكوه عن أبيهم فجاز أن ينتقل إليهم بأيمانه، وليس يملك الأخ عن أخيه، فلم يجز أن يملك بأيمان أخيه.
والثانية: أن يموت بعد نكوله عن الأيمان، فليس لورثته أن يقسموا لأن حقه في الأيمان قد سقط بنكوله عنها، فصار مستهلكًا لها في حقوق ورثته.
وإذا سقط حقهم من القسامة كان لهم إحلاف المدعي عليه بأيمان القسامة، لأن نكول المدعي عن أيمان القسامة يوجب نقلها إلى المدعي عليه في حق المدعي، فوجب أن تنتقل عنه بموته إلى ورثته وإن سقطت حقوقهم من أيمان قسامته.
والثالثة: أن يموت قبل الأيمان من غير نكول عنها، فينقل الحق فيها إلى ورثته، لقيامهم مقامه في حقه بعد موته، فعلى هذا إذا مات وحصته من أيمان القسامة خمسة وعشرون يمينًا لأنه واحد من اثنين وقد مات عن ابنين، وجب أن يقسم أيمانه بينهما، فيقسم كل واحد منهما نصفها ثلاثة عشر يمينًا، بعد جبر كسرها ثم على هذا القياس، إن
الجزء: 14 - الصفحة: 222
مات وارث المقتول وترك وارثًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يتم القسامة حتى مات ابتدأ وارثه القسامة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف الوارث بعض أيمان قسامته فلم يكملها حتى مات؟ لم يجز لوارثه أن يبني عليها، واستأنف أيمان القسامة بعد موته، ولم يكن لما تقدم من الأيمان تأثير، لأن الباقي منها وإن قل يمنع من استحقاق الدية حتى يستوفي فلو بني الوارث عليها، لصار الموروث نائبًا فيها، وذك ذكرنا أنه لها نيابة في الأيمان، ولكن لو أقام الوارث قبل موته من البينة شاهدًا واحدًا جاز لوارثه أن يبني على بينته، فيقم شاهدًا آخر، وتكمل البينة، لما ذكرنا من الفرق بين الأيمان والبينة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو غلب على عقله ثم أفاق بني لأنه حلف لجميعها".
قال في الحاوي: الأولى في أيمان القسامة أن توالي ولا تفرق، لأنها موضوعة للزجر والتغليظ، وهي في الموالاة أغلظ وأزجر، فإن فرقت كده تفريقها، وأجزأت سواء طال التفريق أو قصر، وسواء قل التفريق أو كثر لأنه قد صار حالفًا بجميعها، فعلى هذا لو جن أو أغمي عليه في تضاعيف أيمانه أمسك عن الأيمان في زمان جنونه وإغمائه، لأنه لا حكم لقوله، فلم يتعلق بيمينه حكم، فإذا أفاق من جنونه أو إغمائه بني على ما تقدم من أيمانه قبل الجنون والإغماء، لما ذكرنا من أن تفرقة الأيمان لها تمنع من إجزائها ولا يبطل ما تقدم منها لحدوف الجنون وإن بطلت به العقود الجائزة من الشرك والوكلات لأن الأيمان لا يتوجه إليها فسخ وإن توجه إلى العقود فسخ، والله أعلم.
باب ما يسقط القسامة من الاختلاف أو لا يسقطها
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى أحد الابنين على رجلٍ من أهل هذه المحلة أنه قتل أباه وحده وقال الآخر وهو عدل ما قتله بأنه كان في الوقت الذي قتل فيه ببلدٍ لا يمكن أن يصل إليه في ذلك الوقت ففيها قولان: أحدهما أن للمدعي أن يقسم خمسين يمينًا ويستحق نصف الدية، والثاني: أن ليس له أن يقسم على رجلٍ يبرئه وارثه قال المزني: قياس قوله أن من أثبت السبب الذي به القسامة حلف ولم يمنعه من
الجزء: 14 - الصفحة: 223
ذلك إنكار الآخر كما لو أقام أحدهما شاهدًا لأبيهما بدينٍ وأنكر الآخر ما ادعاه أخوه وأكذبه أن للمدعي مع الشاهد اليمين ويستحق كذلك للمدعي مع السبب القسامة ويستحق فالسبب والشاهد بمعنى واحدٍ في قوله لأنه يوجب مع كل واحدٍ اليمين والاستحقاق إلا أن في الدم خمسين يمينًا في غيره يمينٌ".
قال في الحاوي: وصورتها: في قتيل وجد في قبيلة عن لوث ظهر في قتله فادعى أحد بينة قتله على رجل من أهل القبيلة فله ذلك، لأن وجود اللوث فيها يجوز دعوى قتله على جميعهم، إذا أمكن اشتراكهم فيه وعلى أحدهم فإذا خص بالدعوى أحدهم سمعت، وكان اللوث متوجهًا إليه، إذا خص بالدعوى وحده ثم إن أخاه المشارك له في دم أبيه أكذبه في دعواه، وقال ما قتل هذا أبانا، ولا حضر قتله، وكان غائبًا وقت قتله في بلد آخر، فيكون هذا تكذيبًا، سواء كان المكذب عدلًا أو غير عدل.
وإنما شرط الشافعي رحمه الله فيه العدالة ليصح أن يشهد مع غيره يمينه المدعي عليه فيبرأ من الدعوى ولم يجعل عدالته شرطًا في صحة التكذيب، فأما إن لم يقل وكان في بلد آخر فقد اختلف أصحابنا هل يكون ذلك تكذيبًا صحيحًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي يكون تكذيبًا صحيحًا، وإنما ذكره الشافعي تأكيدًا في التكذيب ولم يجعله شرطًا فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه شرط في التكذيب لا يصح إلا به، فإن لم يقل وكان غائبًا، ولم يكن تكذيبًا صحيحًا، لأنه نفى ما أثبته أخوه، والنفي لا يعارض الإثبات.
فإذا أصبح التكذيب على ما ذكرنا، فهل يكون التكذيب مبطلًا للوث ومانعًا من القسامة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: اختيار المزني أنه لا يبطل اللوث من القسامة، لأن ما استحقه أحدهما بيمينه لا يبطل بتكذيب الآخر كالحكم بيمينه مع الشاهد.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي أنه يبطل اللوث ويمنع القسامة، لأن اللوث سبب ضعيف يقتضي غلبة الظن، فإذا تعارض فيه التكذيب أوهاه، وإذا أوها بطل وخالف اليمين مع الشاهد، لأنها نص، واللوث استدلال، يجوز أن يبطل بالتكذيب ولا يبطل به النص.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين: فإن قيل بالأول إن اللوث لا يبطل، جاز للمدعي أن يقسم خمسين يمينًا قولًا واحدًا، ويأخذ الدية، لأنه لا يستحق غيره ولم يكن للأخ المكذب أن يقسم، فإن ادعى قتله على آخر، أقسم عليه ويأخذ منه نصف الدية، لأن التكذيب إذا لم يبطل اللوث في حق أحدهما لم يبطله في حقهما.
وإن قيل: بالقول الثاني
الجزء: 14 - الصفحة: 224
إن اللوث قد بطل، سقطت القسامة وانتقلت الأيمان إلى المدعي عليه وفي قدر ما يحلف به قولان كالدعوى في غير لوث، فإذا حلف برئ وإن نكل ردت اليمين على المدعي، فإذا حلف فلا قود له، وإن كان القتل عمدًا فله نصف الدية، في تكذيب أخيه أبرأ منه، ولو ادعى المكذب قتله على آخر، منع من القسامة لأن التكذيب إذا أبطل اللوث في حق أحدهما أبطله في حقهما.
فصل:
ويتفرق على ما قدمناه من حكم التكذيب: أن يدعي أحد الابنين مع اللوث قتله على واحد بعينه، ويدعي الآخر قتله عليه وعلي آخر معه فيكون الأخ الثاني مكذبًا للأخ الأول في نصف دعواه على القاتل الثاني ويصير الأخ الأول مكذبًا للأخ الثاني في جميع دعواه على القاتل الأول وعلى القاتل الثاني فإن قيل: إن اللوث لا يبطل بالتكذيب أقسم الأخ الأول على القاتل الأول دون الثاني واستحق عليه نصف الدية، وأقسم الأخ الثاني على القاتل الأول وعلى القاتل الثاني واستحق على كل واحد منهما ربع الدية.
وإن قيل: إن اللوث يبطل بالتكاذب، أقسم الأخ الأول على القاتل الأول، وأخذ منه ربع الدية؛ لأنه مكذب في نصف الدعوى ومصدق في نصفها وأقسم الأخ الثاني على القاتل الأول وأخذ منه ربع الدية، ولم يكن لهذا الأخ الثاني أن يقسم على القاتل الثاني؛ لأنه مكذب في جميع الدعوى عليه، وما بطلت فيه القسامة ردت فيه اليمين على المدعي عليه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولكن لو قال أحدهما قتل أبي عبد الله بن خالد ورجل لا أعرفه وقال الآخر قتل أبي زيد بن عامرٍ ورجلٌ لا أعرفه فهذا خلافٌ لما مضى لأنه قد يجوز أن يكون الذي جهله أحدهما هو الذي عرفه الآخر فلا يسقط حق واحدٍ منهما في القسامة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا اتفق الأخوان في دعوى القتل على اثنين، فقال: أحدهما قتله عبد الله بن خالد ورجل آخر لا أعرفه، وقال الآخر قتله زيد بن عامر ورجل آخر لا أعرفه، فليس في هذه الدعوى تكاذب، ولا يبطل اللوث بهذا الاختلاف ولا يمنع من القسامة، لأن من عرف عبد الله بن خالد، قد يجوز أن لا يعرف زيد بن عامر ولا من عرف زيد بن عامر قد يجوز أن لا يعرف عبد الله بن خالد فلم يكن في جهل كل واحد منهما بمن عرفه الآخر تكذيب للآخر، فيجوز أن يقسم كل واحد منهما على من عرفه، ويأخذ منه ربع الدية، لأن ما على كل واحد من القاتلين مستحق للأخوين، فكان
الجزء: 14 - الصفحة: 225
ما نكل واحد من الأخوين على كل واحد من القاتلين ربع الدية، ويحلف كل واحد من الأخوين خمسين يمينًا قولًا واحدًا، لأنهما قد افترقا في الدعوى، فلم يجتمعا على الأيمان والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال الأول قد عرفت زيدًا وليس بالذي قتل مع عبد الله وقال الآخر قد عرفت عبد الله وليس بالذي قتل مع زيدٍ ففيها قولان أحدهما أن يكون لكل واحدٍ القسامة على الذي ادعى عليه ويأخذ حصته مع الدية، والقول الثاني أنه ليس لواحدٍ منهما أن يقسم حتى تجتمع دعواهما على واحدٍ.
قال المزني: قد قطع بالقول الأول في الباب الذي قبل هذا وهو أقيس على أصله لأن الشريكين عنده في الدم يحلفان مع السبب كالشريكين عنده في المال يحلفان مع الشاهد فإذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الحق حلف صاحبه مع الشاهد واستحق وكذلك إذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الدم حلف صاحبه مع السبب واستحق".
قال في الحاوي: وهذا القول منهما تكاذب، لأن كل واحد منهما قد نفى ما أثبته الآخر وإذا كان كذلك لم يخل حال هذا التكاذب من أن يكون قبل القسامة أو بعدها، فإن كان قبل القسامة، ففي إبطال اللوث به قولان: على ما مضى، وإن كان بعد القسامة والحكم بالدية لم يقدح في اللوث ولم ينقض به ما تقدم الحكم، ويعكس هذا، لو قال كل واحد منهما قد عرفت الآخر وهو الذي قد عرفه أخي لجهلي به من قبل ومعرفتي له من بعد صار ذلك اتفاقًا منهما على القاتلين، لأنه قد تعرف من جهل فجاز لهما أن يشتركا في القسامة عليها ويأخذا من كل واحد منهما نص الدية بينهما.
مسالة:
قال الشافعي رحمه الله: "ومتى قامت البينة بما يمنع إمكان السبب أو بإقرارٍ وقد أخذت الدية بالقسامة ردت الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقسم الولي مع ظهور اللوث على رجل بعينه وقضى عليه بالدية بعد القسامة ثم ظهر بعدها ما يمنع من الحكم بها فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون من شهود عدول فيشهد شاهدان أن هذا المدعي عليه القتل كان في وقت القتل غائبًا في بلد آخر، أو كان محبوسًا لا يصل إلى قتله، أو صريعًا من مرض لا ينهض مع إلى حركة أو يشهدان أن القتيل الموجود في محلته نقل إليها بعد القتل من محلة إلى محلة أخرى، فهذا كله مبطل للوث وموجب لنقض الحكم بالقسامة.
الجزء: 14 - الصفحة: 226
وهكذا: لو شهدا أن المنفرد بالقتل كان رجلًا آخرًا، بطلت القسامة ولم يحكم بالقتل على الثاني لشهادتهما قبل الدعوى عليه، فإن أعادا الشهادة بعد الدعوى لم تسمع لأن المدعي مكذب لهما بدعواه على الأول، وإذ بطلت القسامة بهذه الشهادة انقسمت في إبطال الدعوى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يبطل به الدعوى كما بطلت به القسامة وهو الشهادة بأنه كان غائبًا، أو محبوسًا، لاستحالتها مع صحة الشهادة.
والثاني: ما لا يبطل به الدعوى، وإن بطلت به القسامة، وهو الشهادة بأنه نقل من محلة إلى أخرى، لاحتمال أن يقتله في غير محلته.
والثالث: ما يبطل به نصف الدعوى وإن بطل به جميع القسامة، وهو الشهادة بأن المنفرد بقتله رجل آخر، لأن إثبات القتل على الثاني بالشهادة مانع من أن يكون الأول منفردًا بقتله، ولا يمنع من أن يكون شريكًا فيه لأنه يجوز أن يكون جرحه من قبل الثاني، فلم يره الشهود، فلم يمتنع أن يكون شريكًا، وإن امتنع أن يكون منفردًا لذلك بطل نصف الدعوى، ولم يبطل نصفها، فهذا حكم الشهادة في إبطال اللوث وإبطال الدعوى والله أعلم.
فصل:
والثاني: أن يخبر بإبطال اللوث بالأسباب المتقدمة من لا يقبل شهادته، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أخبار آخاد يحتمل التواطئ، فلا تبطل بها القسامة والحكم فيها على نفوذه لأنه لما لم يثبت بهذا الخبر ابتداء اللوث، لم يبطل ما ثبت من اللوث.
والثاني: أن تكون أخبارًا منتشرة ينتفي عنها حد التواطئ ولا تبلغ حد الاستفاضة، فيبطل بها اللوث، وينقضي الحكم بالقسامة، لأنه لما ثبت بها ابتداء اللوث جاز أن يبطل بها ما تقدم من اللوث، ولم تبطل بها الدعوى في جميع الأسباب بخلاف الشهادة، لأن الشهادة توجب الحكم في الابتداء فجاز أن يبطل بها الدعوى، وهذا الخبر لا يوجب الحكم في الابتداء فلم تبطل به الدعوى، وصارت الدعوى متجردة عن لوث فكان القول فيهما قول المدعي عليه مع يمينه، وفي أيمانه قولان: على ما مضى:
أحدهما: خمسين يمينًا.
والثاني: يمينًا واحدة، فإن حلف برئ وإن نكل ردت على المدعي، ولا يجزئه ما تقدم من أيمانه في القسامة لتقدمها على استحقاقها، فإما إن أقر رجل أنه هو القاتل دون هذا المدعي عليه لم تبطل به القسامة، لأنه ليس بشاهد، ولا يحكم عليه بالقتل لأنه أقر لغير مطالب، وفي سماع الدعوى عليه قولان:
أحدهما: لا تسمع الدعوى عليه لإكذابهما بالدعوى على الأول، لكن يصير تجديد
الجزء: 14 - الصفحة: 227
الدعوى عليه مبطلًا للقسامة مع الأول.
والثاني: تسمع الدعوى على الثاني، لأن الدعوى في القسامة على الأول كانت بغلبة الظن، وإقرار الثاني يقين، فلم يسقط حكم اليقين بغلبة الظن، ولو أقر بالقتل وقامت البينة أنه كان وقت القتل غائبًا لم تسمع البينة، لأنه أكذبها بإقراره والله أعلم.
فصل:
والثالث: أن يقر المدعي بعد قسامته بما يمنع منها وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يبطل به قسامته ودعواه وهو أن يقر بأنه كذب في دعواه، أو يقول قتل أبي غيره، أو يقر أنه كان غائبًا عند القتل في بلد آخر، كان محبوسًا، فيكون هذا وما أشبهه مبطلًا لقسامته ودعواه، فإن عاد فادعى قتل أبيه على غيره لم تسمع دعواه لتكذيبها بالدعوى الأولى.
والثاني: ما يبطل قسامته ولا يبطل دعواه - وهو أن يقر بأن المقتول نقل إلى محلته بعد القتل، فتبطل به قسامته لاعترافه ببطلان اللوث، ولا تبطل به الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، فتصير الدعوى متجردة عن لوث، فيكون القول فيها قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ، وإن نكل ردت اليمين على المدعي واستأنف اليمين ولم يجزه بما تقدم من أيمان القسامة.
والثالث: ما يرجع فيه إلى إرادته، لاحتماله ويعمل فيه على بيانه، وهو أن يقر بأن ما أخذه بالقسامة ظلم أو حرام وهذا محتمل أن يريد به أن الحكم بالقسامة على رأي أهل العراق، ويحتمل أن يريد به أن الحكم بالدية القود ظلم على مذهب مالك حين أوجب القود بالقسامة ويحتمل أن يريد به أن دعوى اللوث كاذبة، ويحتمل أن يريد به أن دعوى القتل دعوى كاذبة، فلهذه الاحتمالات المتعارضة ما وجب أن يرجع إلى إرادته ويعمل فيه على بيانه وينقسم بيانه ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما لا تبطل به القسامة ولا الدعوى، وهو أن يريد أن الحكم بها ظلم على رأي أبي حنيفة، أو يقصد على مذهب مالك، فلا تبطل قسامته، ولا يسترد ما أخذه، لأن نفوذ الحكم يكون باجتهاد الحاكم لا باجتهاد المدعي لكن فيما بينه وبين الله تعالى أنه لا تحل له الدية، إذا اعتقد أنه لا يستحقها وإن لم تسترجع منه.
والثاني: ما تبطل به القسامة وتبطل به الدعوى، وهو أن يقر بالكذب فيها أو أن المدعي عليه كان غائبًا عن بلد القتيل، أو يدعي أن المنفرد بقتل أبيه غيره فتبطل قسامته ودعواه في هذا كله، ويصير المدعي عليه بريئًًا من الدعوى، وعليه رد ما أخذ منه بالقسامة، ولا تسمع دعواه على غيره لإكذابها بالدعوى الأولى، فتصير باطلة في عموم الناس كلهم ولا تسمع بينة فيه ويصير دم أبيه هدرًا.
والثالث: ما تبطل به القسامة ولا تبطل به الدعوى، وهو أن يقر أن قتيله قتل في
الجزء: 14 - الصفحة: 228
غير (محلة) هذا المدعي عليه فتبطل القسامة لبطلان اللوث فيها بإقراره ولا تبطل الدعوى لاحتمال أن يكون قد قتله في غير محلته، والقول فيما بينه بإرادته مما لا تبطل به القسامة، أو لا تبطل به الدعوى قوله مع يمينه وهي يمين واحدة، لأنها ليست في دم وإنما هي في شأن كلام محتمل والله أعلم.
باب كيف يمين مدعي الدم والمدعي عليه
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا وجبت لرجلٍ قسامةٌ حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور لقد قتل فلانٌ فلانًا منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره وإن ادعى على آخر معه حلف لقتل فلانٍ وآخر معه فلانًا منفردًا بقتله ما شاركهما فيه غيرهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا كان من شرط الدعوى أن تكون مفسرة، ينتفي عنها الاحتمال وجب أن يكون اليمين عليها مطابقة لها في استيفاء شروطها ونفي الاحتمال.
وذلك بخمسة أشياء وهي شروط في كمال يمينه ووجوب الحكم بها، ذكر المزني منها أربعة وأغفل الخامس، وقد ذكره الشافعي، في كتاب الأم.
أحدها: صفة اليمين.
والثاني: تعيين القاتل.
والثالث: تعيين المقتول.
والرابع: ذكر الانفراد بقتل، أو الاشتراك فيه.
والخامس: وهو الذي أغفله المزني صفة القتل من عمد وخطأ.
فأما اليمين فلا تصح إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بالله تعالى أو باسم من أسمائه وإما بصفة من صفات ذاته، ولا تصح بصفات أفعاله لأنها مخلوقة، وصفات ذاته قديمة، واليمين بالمخلوقات لا تصح، وإن كانت معظمة فيمينه بالله تعالى أن يقول والله أو بالله، أو تالله فيضم إليه حرف القسم به وهو أحد ثلاثة حروف الواو - والباء - والتاء - ودخول حرف القسم عليه يقتضي أن يكون إعرابه مجرورًا فيقول: والله بالكسر فإن جعله مرفوعًا فقال: والله بالضم، أو جعله منصوبًا فقال: والله بالفتح.
قال الشافعي في كتاب "الأم": أجزأه لأنه لحن لا يزيل المعنى ولم يفرق، وفرق بعض أصحابه بين من كان من أهل العربية والإعراب في كلامه وبين من لم يكن منهم فجعلها ممن ليس من أهل العربية يمينًا، لأنهم لا يفرقون بين اللحن والإعراب،
الجزء: 14 - الصفحة: 229
ويتكلمون بهما على السواء.
ولم يجعلها فيمن كان من أهل العربية يمينًا لأنهم يفرقون بين اللحن والإعراب، ولا يتلفظون بالكلمة إلا على موضعها في اللغة، فلا يجعلون ما خرج عن إعراب القسم قسمًا.
فأما إن حذف حرف القسم من ذكر الله لم يكن على الظاهر من مذهب الشافعي يمينًا في عموم الناس كلهم سواء ذكر الاسم مرفوعًا أو مجرورًا أو منصوبًا وعلى قول من فرق بين أهل العربية وغيرهم من أصحابه فجعلها بالنصب في أهل العربية يمينًا لأنهم إذا حذفوا حرف الجر نصبوا فصار النصب عوضًا من حرف القسم فصارت فيهم يمينًا دون غيرهم فأما غير ذلك من أسماء الله تعالى فينقسم قسمين:
أحدهما: ما كان على اختصاصه بأسماء الله التي لا يشاركه المخلوقون فيها كالرحمن فيمينه به كيمينه بالله.
والثاني: ما كان مشتركًا بين الله تعالى وعباده كالرحيم: فلا يصح يمينه بانفراده حتى يضاف إلى صفة لا يشاركه المخلوقون فيها.
وأما يمينه بصفات ذاته فكقوله وقدرة الله وعظمة الله وعزة الله فيكون يمينًا لأنها قديمة مع قدمه فأما صفات أفعاله فكقوله: وخلق الله، ورزق الله فلا يكون يمينًا لحدوثها فصار كيمينه بالمخلوقات التي لا يلزم القسم بها فإذا صح ما يقسم به من ذكر الله وأسمائه المختصة به وصفات ذاته دون صفات أفعاله، فالأولى بالحاكم أن يضم إلى اسمه في اليمين من صفاته ما يكون أغلظ لليمين وأرهب للحالف.
وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى فقال: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وهو أولى من قول لا إله غيره لأن في الأول إثبات لإلهيته ونفيًا لإلهية غيره.
والثاني: مقصور على نفي إلهية غيره ثم أكد بعد ذلك بقوله، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذه صفة تختص بالله تعالى دون غيره، فإن ذكر الحالف ذلك في اليمين التي أحلف بها كان تأكيدًا لها وإن اقتصر في اليمين على اسمه فأحلفه: والله ولم يذكر من صفات التأكيد شيئًا، أجزأت اليمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر في إحلاف ركانة بن عبد يزيد على اسم الله ولم يغلظها بالصفات، والله أعلم.
فصل:
وأما الشرط الثاني: وهو تعيين القاتل، فلأن الحق متعلق به والحكم متوجه عليه، فإن كان حاضرًا، بالاسم والإشارة فقال: بالله لقد قتل فلان ابن فلان هذا الحاضر ويشير إليه بيده فلانًا، فإن اقتصر على الإشارة دون الاسم مع الإشارة تأكيد وإن اقتصر على الاسم دون الإشارة أجزأ ذلك في الغائب إذا رفع نسبه بما يتميز به عن جميع الناس كلهم، لأنه لا يقدر على تعيين الغائب إلا بالاسم، وفي إجزائه في الحاضر وجهان محتملان:
الجزء: 14 - الصفحة: 230
أحدهما: يجوز أن يقتصر فيه على الاسم دون الإشارة.
والثاني: لا يجزئه الاقتصار على الاسم حتى يضم إليه الإشارة لأن الإشارة أنفى للاحتمال وأبلغ من الأسماء التي تنتقل ويقع فيها الاشتراك، وإن جاز الاقتصار عليها مع الغيبة وترك الإشارة مع إمكانها يحدث من الشبهة المحتملة ما لا تحدث مع الغيبة.
فصل:
وأما الشرط الثالث: وهو تعيين المقتول، فلأن الدعوى فيه واستحقاق المطالبة عنه فإن كان باقيًا حاضرًا عين بالاسم والإشارة، فيقول: والله لقد قتل فلان هذا الحاضر، فلان ابن فلان هذا المقتول فإن اقتصر على تعيين المقتول بالإشارة دون الاسم أجزأ وإن اقتصر على تعيينه بالاسم دون الإشارة كان على ما قدمناه من الوجهين المحتملين.
وإن كان المقتول غير موجود، جاز أن يقتصر على تعيينه بالاسم وحده لكن عليه مع هذا أن يرفع في نسبه ما لا يرفع فيه مع الإشارة حتى يستوفي نسبه وصفته وصناعته ما يتميز به ويمنع من مشاركة غيره.
فصل:
وأما الشرط الرابع: وهو ذكر انفراده بقتله أو مشاركة غيره فلأن قتل المنفرد مخالف لقتل المشارك في الدية، وإن كان مساويًا له في القود وإن قال: قتله وحده حلف بالله لقد قتله وحده منفردًا بقتله ما شاركه في قتله غيره واختلف أصحابنا في قول ما شاركه فيه غيره بعد قوله منفردًا بقتله هل هو تأكيد أو شرط واجب؟ على وجهين:
أحدهما: أنه تأكيد فإن تركه في اليمين أجزأ، لأن انفراده به يمنع من مشاركة غيره فيه.
والثاني: أنه شرط واجب لأنه قد ينفرد بقتله ويكون من غيره إكراه يلزمه به حكم القتل.
فيصير منفردًا في الفعل ومشاركًا في الحكم، فلم يكف منه أن يقول منفردًا بقتله حتى يقول: ما شاركه فيه غيره لينفي بذلك أن يتعلق حكم القتل على مكره غير قاتل، وإن ادعى أنه شاركه غيره في القتل ذكر عدد الشركاء، فإن قال قتله هذا آخر فإن حضر الآخر أقسم عليهما وقال: والله لقد قتله فلان هذان منفردين بقتله وشركهما في قتله غيرهما وإن غاب الآخر عين الحاضر وجاز أن يسمى الغائب ولا يسميه، وأقسم عليه، فقال: لقد قتله هذا آخر معه منفردين بقتله.
فصل:
وأما الشرط الخامس: وهو صفة القتل من عمد أو خطأ، فلما بين العمد والخطأ من اختلاف الديتين وحكم القود، فإن كان عمد قال: لقد قتله عمدًا، وإن كان خطأ،
الجزء: 14 - الصفحة: 231
قال: لقد قتله خطأ فيذكر الخطأ كما يذكر العمد إن كان أضعفهما حكمًا لأن دية العمد في ماله ودية الخطأ على عاقلته، فوجب أن يذكر كل واحد منهما، لاختلاف محلهما ولا يلزمه أن يصف في يمينه العمد ولا الخطأ، إذا كان وصفهما في الدعوى لأن يمين الحالف على مذهب الشافعي محمول على نية المستحلف دون الحالف فصارت متوجهة إلى الصفة التي أحلفه الحاكم عليها.
فإن قيل: فإذا كان محمولًا في صفة القتل على ما تضمنته الدعوى اعتبارًا بينة الحاكم المستحلف، فهلًا كان فيما عداها من الشروط المذكورة في هذه، اليمين لا يلزم ذكرها ويحمل على نية المستحلف قيل: لأن صفة القتل مراد لزوال الاشتباه وما عداها مراد الاستحقاق بها والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ادعى الجاني أنه برأ من الجراح زاد وما برأ من جراحة فلانٍ حتى مات منها".
قال في الحاوي: وصورتها في مجروح مات مع لوث في جراحته، فأراد الولي أن يقسم، فذكر المدعي عليه أن المجروح مات من غير الجراحة التي كانت به فينظر، فإن مات عقيب الجراحة، فالظاهر أنه مات منها فلا يؤثر ما ذكره المدعي عليه، فإن لم يبرأ حتى زمان موته بعد الجراحة فهذا على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن تكون الجراحة قد اندملت فيسقط حكم القسامة فيها لاستقرار حكمها بالاندمال وبطلت سرايتها إلى النفس وليس فيما دون النفس قسامة.
والثاني: أن يكون دمها جاريًا لم تندمل فهذا محتمل أن يكون الموت ومحتمل أن يكون من غيرها فيزيد الحالف من أيمان قسامته أنه مات من جراحته فإن أقسم على اثنين قال: في يمينه، وأنه ما مات من غير جراحتها ولم يقل: أنه مات من جرحهما لأنه قد يجوز أن يموت من جرح أحدهما وإن أجرى الشرع حكم القتل عليهما.
والثالث: أن يختلفا في الاندمال فيدعيه الجاني وينكره المدعي فلو كان في غير القسامة لكان القول في قول الجاني فأما في القسامة، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي أن القول قول الجاني مع يمينه، كما يكون القول قوله في غير القسامة حتي يقيم المدعي البينة ببقاء الجرح سائل الدم غير مندمل ثم يقسم.
والثاني: وهو الظاهر من قول أبي علي بن أبي هريرة أن القول فيه قول المدعي بخلافه في غير القسامة، لأنه لما خالفت القسامة غيرها في قبول قول المدعي في القتل
الجزء: 14 - الصفحة: 232
خالفته في قبول قوله به في سراية الجراح فيقسم على ذلك ويزيد في يمينه أنه مات من جراحته، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا حلف المُدعي عليه حلف كذلك ما قتل فُلانًا ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيءٌ جرحه ولا وصل إلى شيءٍ من بدنه لأنه قد يرمي فيُصيب شيئًا فيطير الذي أصابه فيقتله ولا أحدث شيئًا مات منه فلانٌ لأنه قد يحفر البئر ويضع الحجر فيموت منه".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي رضي الله عنه بعد يمين المدعي في القسامة يمين المدعي في القسامة يمين المدعي عليه في القسامة وغير فذكر في يمينه ستة شروط:
أحدها: ما قتل فلان لأنه أصل الدعوى ويشتمل قوله ما قتل على التوجيه بالذبح وعلى سراية الجرح فلم يحتج إلى الجمع بينهما ولو جمع كان أحوط.
والثاني: أن يقول ولا أعان على قتله يريد بذلك الشركة في القتل والإكراه عليه - وقال ابن أبي هريرة إنما أرادبه الممسك في القتل هو قاتل على مذهب مالك، وإن لم يكن قاتلًا على مذهب الشافعي فذكره في يمينه احتياطًا فيكون هذا الشرط على قول ابن أبي هريرة مستحب وعلى قوله غيره واجبًا.
والثالث: أن يقول: ولا ناله من فعله واختلف أصحابنا في مراده لهذا على وجهين:
أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سراية الجرح.
والثاني: وهو قول البغداديين أن المراد به وصول السهم عن القوس وهو على كلا الوجهين شرط واجب وتكون في قتل العمد.
والرابع: أن يقول ولا ناله بسبب فعله شيء- اختلف أصحابنا في مراده بهذا على وجهين:
أحدهما: وهو قول البصريين - أن المراد به سقي السم، فعلى هذا يكون شرطًا رابعًا في قتل العمد.
والثاني: وهو قول البغداديين - أن المراد به أن يرمي حائطًا بسهم أو حجر فيعود السهم أو الحجر على رجل فيقتله، فعلى هذا يكون شرطًا في قتل الخطأ دون العمد.
والخامس: أن يقول ولا وصل إليه شيء من بدنه وقد فسر الشافعي ما معناه: أن يرمي حجرًا فيصيب حجرًا فينقطع الثاني فيقع على ذلك فيقتله وهذا شرط في الخطأ دون العمد.
الجزء: 14 - الصفحة: 233
السادس: أن يقول ولا أحدث شيئًا مات منه وقد فسره الشافعي بحفر البئر ووضع الحجر في غيره ملكه فيلزمه ضمان من مات منه وهذا شرط في قتل الخطأ دون العمد، فتكون هذه الشروط الستة، يلزم منها في قتل العمد ما اختص به وفي قتل الخطأ ما اختص به وهي غاية الشروط التي يحتاط بها في الأيمان، فإن قيل يجب أن تكون يمين المدعي عليه إذا أنكر موافقة لدعوى المدعي إذا فسر فلم يحتج في يمين إنكاره إلى زيادة على ما ذكره المدعي في تفسيره وإنما يحتاج إلى ذلك في الدعوى المطلقة دون المفسرة وهو لا يرى سماعها إلا مفسرة فاختلف أصحابنا في الجواب عن هذا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا من قوله دليل على جواز السماع للدعوى مطلقة غير مفسرة وجعلوا ذلك قولًا ثانيًا للشافعي فخرجوا سماع الدعوى مطلقة في الدم على قولين بعد اتفاقهم أنها لا تسمع في القسامة إلا مفسرة لاحتياج المدعي إلى الحلف عليها وإنما أخرجوه فيما عدا القسامة ولو فسرت الدعوى لما تجاوز المدعي بيمينه ما تضمنته الدعوى.
والثاني: أن الشافعي شرط ذلك في الدعوى المفسرة في الدماء خاصة، لأن دعوى الدم حق المقتول فإن انتقل إلى دليل استظهر الزائد على ما ادعاه وليه.
وهو لا يرى سماعها مطلقة وشرط في اليمين الزيادة على ما تضمنته الدعوى على ما ادعاه وليه.
والثالث: أنه شرط ذلك في حق طفل أو غائب إذا ادعى له القتل ولي أو وكيل فيلزم الحاكم أن يستظهر في اليمين له على ما ادعاه وليه أو وكيله، ولو كانت الدعوى لحاضر جائز الأمر لم يستظهر له الحاكم بذلك بالبينة إذا قامت بدين على طفل أو غائب.
واستظهر الحاكم بإحلاف صاحب الدين أنه ما قبضه ولا شيئًا منه، ولو قامت على حاصر جائز الأمر لم يحلف صاحب الدين على ذلك إلى أن يدعيه الحاضر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يزده السلطان على حلفه بالله أجزأه لأن الله تعالى جعل بين المتلاعنين الأيمان بالله".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن تغليظ اليمين بما يضاف إلي اسم الله تعالى من صفاته التي ينفرد بها وتعظم في النفوس التلفظ بها مأمور به، ومندوب إليه لأمرين:
أحدهما: لتباين ما قد ألفه الإنسان من أيمانه بالله في أثناء كلامه فيكون أزجر وأردع.
والثاني: لينتقي بها تأويل ذوي الشبهات، فإن حذفها الحاكم واقتصر على إحلافه بالله أجزأه وحذفها في أهل الديانة أيسر من حذفها في ذوي الشبهات وإن كان جواز حذفها في الفريقين على سواء لقول الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]، وقوله:
الجزء: 14 - الصفحة: 234
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:6] وأحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود في قتله لأبي جهل بالله أنك قتلته وأحلف ركانة في طلاق امرأته وبالله التوفيق.
باب دعوى الدم في الموضع الذي فيه قسامة
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا وجد قتيلٌ في محلة قومٍ يُخالطهم غيرهم أو في صحراء أو مسجدٍ أو سوقٍ فلا قسامة".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجود القتيل في محلة لا يوجب القسامة على أهلها أو بعضهم إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكن مختصة بأهلها مثل خيبر لا يختلط بهم غيرهم ولا يشركهم فيها سواهم، فيجوز أن يقسم على من ادعى عليه قتله منهم سواء قلوا أو كثروا إذا أمكن أن يشتركوا في قتل الواحد، فإن لم يكن أن يشتركوا فيه منع من القسامة على جميعهم.
وقيل له: خص بالدعوى من شئت منهم، ثم أقسم، فأما إن كانت المحلة مشتركة بين أهلها وغيرهم تطرقها المارة وتدخلها السابلة فلا قسامة فيها على أحد من أهلها ولا من غير أهلها.
فلو كانت قرية يدخلها غير أهلها عند ورود القوافل ولا يدخلها غيرهم إذا انقطعت القوافل عنهم جازت القسامة عليهم عند انقطاع القوافل، ولم تجب القسامة مع ورود القوافل فهذا شرط.
والثاني: ظهور العداوة بين القتيل وأهل المحلة أو القرية أو ظهور العداوة بين أهل القتيل وأهل القرية، فتجوز القسامة مع ظهور العداوة، ولا تجوز مع ارتفاع العداوة فإن اصطلحوا بعد العداوة ثم وجد القتيل فيهم نظر حال الصلح فإن تظاهروا بالحسنى بعد الصلح فلا قسامة وإن لم يتظاهروا بالصلح أقسمن كالشاهد إذا صالح عدوه ثم شهد عليه قبلت شهادته بعد الصلح إذا رأى ما بينهما حسنًا ولا تقبل إن لم ير ما بينهما حسنًا.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ادعى وليه على أهل المحلة لم يحلف إلا من أثبتوه وإن كانوا ألفًا فيحلفون يمينًا يمينًا لأنهم يزيدون على خمسين فإن لم يبق منهم إلا واحدٌ حلف خمسين يمينًا وبرئ فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين يمينًا واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمدًا وعلى عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأً قال فوي ديات العمد على قدر حصصهم".
الجزء: 14 - الصفحة: 235
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في شروط القسامة:
فأما دعوى الدماء في غير القسامة فمعتبرة بشرطين:
أحدهما: أن تكون على معين، فإن لم يعين القاتل وادعى قتله على قوم من أهل المحلة لم يسمع.
والثاني: أن تعين على عدد يمكن اشتراكهم في القتل فإن عين على عدد لا يمكن اشتراكهم لم يسمع فإذا عينها على من يمكن اشتراكهم فيه حلفوا وبرئوا.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بهذه الشروط، ويجوز أن يدعي قتله على غير معينين وعلى من لا يمكن اشتراكهم فيه فإذا ادعى قتله على قوم من أهل محلة أو قرية اختار منهم خمسين رجلًا وأحلفهم، فإذا حلفوا أوجب الدية على عواقلهم، فخالف أصول الشرع في خمسة أحكام:
أحدها: سماع الدعوى على غير معين.
والثاني: سماعها على من لا يصح منهم الاشتراك فيه.
والثالث: أن جعل للمدعي اختيار خمسين ممن شاء منهم، وإن علم أنهم غير قتلة.
والرابع: إحلافهم وإن علم صدقهم.
والخامس: إلزامهم الدية بعد أيمانهم وكفى بمخالفة الأصول فيها دفعًا لقوله.
وقد ذكرنا من الدليل على فساد كل أصل منها ما أقنع.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا وسمعت الدعوى على ما وصفنا، وكانت على جماعة ففي قدر ما يلزمهم من الأيمان ثلاثة أقاويل ذكرناها:
أحدها: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا ولو كانوا ألفًا.
والثاني: يحلف جميعهم خمسين يمينًا تقسط على أعدادهم.
والثالث: يحلف كل واحد منهم يمينًا واحدة ولو كان واحدًا وقد مضى توجيه هذه الأقاويل فإن قيل: فإذا جعل الشافعي إمكان اشتراكهم في القتل شرط سماع الدعوى عليهم، فكيف قال: يحلفون ولو كانوا ألفًا لا يصح اشتراك الألف في قتل الواحدة، قيل: لأن العدد الذي يمكن اشتراكه في القتل يختلف حسب اختلاف القتل، فإن كان ذبحًا أو قطعًا أو بضرب العتق لم يمكن أن يشترط فيه ألف ولا مائة ولا خمسون.
وإن كان بجراح أمكن أن يشترك فيه مائة ومائتان وإن كان بالعصا أمكن أن يشترك فيه ألف فيضربه كل واحد منهم عصا، وكذلك لو رموه بالبذق أمكن أن يشترك فيه ألف فيرميه كل واحد منهم ببذقة فإن حمل كلام الشافعي على هذا كان ممكنًا وإن حمل على غيره كان مبالغة.
الجزء: 14 - الصفحة: 236
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والمحجور عليه وغيره سواءٌ لأن إقراره بالجناية يلزمه في ماله والجناية خلاف الشراء والبيع".
قال في الحاوي: يريد المحجور عليه بالسفه وقد تقدم الكلام فيه والحكم فيه يشتمل على أربعة فصول:
أحدهما: في الدعوى تسمع منه الدعوى في القتل كما تسمع من الرشيد لأن الحجر عليه موضوع لحفظ ماله ودعواه لما له سواء ادعى قتل عمد أو خطأ في قسامة وغير قسامة.
والثاني: سماع الدعوى عليه فيسمعها في العمد وفي سماعها في الخطأ قولان:
والثالث: إقراره بالقتل فإن كان بعمد صح إقراره فيه ووجبت الدية في ماله إن عفا عن القود فيه كان بخطأ محض ففي صحة إقراره به قولان على ما مضى.
والرابع: إحلافه فتصبح أيمانه سواء حلف مدعيًا في القسامة، أو حلف منكر في غير القسامة، لما يتعلق بقوله من الأحكام بخلاف الصبي والمجنون.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك العبد إلا في إقراره بجنايةٍ لا قصاص فيها فإنه لا يُباع فيها لأن ذلك في مال غيره فمتى عتق لزمه.
قال المزني: فكما لم يضر سيده إقراره بما يُوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله بما يُوجب عليهم المال".
قال في الحاوي: إذا كانت دعوى القتل على عبد، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون في عمد يوجب القود.
والثاني: أن تكون في خطأ يوجب المال، فإن كانت في عمد يوجب القود، فهي مسموعة على العمد دون سيده، لأن إقرار العبد بها على نفسه مقبول، لارتفاع التهمة عنه وإقرار السيد على عبده غير مقبول.
فإن اعترف العبد بها اقتص منه، فإن عفي عن القصاص بيع في جنايته، إلا أن يفديه سيده.
وإن كانت دعوى القتل في خطأ يوجب المال، فيجوز سماعها على العبد وعلى سيده، أما العبد فلتعلقها إن أقر بذمته وأدائه لها بعد عتقه، وأما السيد فلأنها إن أقر مستحقه في رقبة عبده، وإذا كان كذلك، فإن سمعت على العبد، فأنكرها حلف وبرئ، وجاز أن يستأنف الدعوى على سيده بعد إنكار عبده ويمينه، فإن اعترف بها تعلقت برقبة عبده وإن أنكرها حلف برئ.
وإن أقر بعدها تعلقت بذمته دون رقبته إلا أن يصدقه السيد عليها فتتعلق برقبته، إلا أن يفديه السيد منها ولو قدمت الدعوى على السيد.
فإن اعترف
الجزء: 14 - الصفحة: 237
تعلقت برقبة عبده، إلا أن يفديه السيد منها.
وسواء كان العبد فيها مقرًا أو منكرًا، وإن أنكرها السيد حلف وبرئ وجاز أن يستأنف الدعوى على العبد فإن أنكرها حلف وبرئ وإن اعترف بها تعلقت بذمته، يؤديها بعد عتقه ويساره فلو أنكرها العبد ونكل عن اليمين فيها فردت على المدعي وحلف ثبتت له الجناية بيمينه بعد النكول.
وهل تتعلق برقبته أو بذمته؟ على قولين مبنين على اختلاف قوليه في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل تقوم مقام البينة أو مقام الإقرار؟ فإن قيل أنها تقوم مقام البينة تعلقت برقبته وإن قيل إنها تقوم مقام الإقرار تعلقت بذمته.
فأما المزني فإنه قال: كما لا يضر سيده إقراره بما يوجب المال فكذلك لا يضر عاقلة الحر قوله هذا صحيح لأن العاقلة لا تتحمل الجاني كما لا يلزم السيد إقرار عبده، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن كان منهم سكران لم يحلف حتى يصحو.
قال المزني: هذا يدل على إبطال السكران الذي لا يعقل ولا يُميز".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا توجهت اليمين على سكران لم يحلف في حال سكره حتى يصحو، لأمرين:
أحدهما: أنه ربما اشتبه عليه بالسكر ما لا يستحقه.
والثاني: أن اليمين موضوعة للزجر، والسكران يقدم في سكره على ما يمتنع منه عند إفاقته.
واختلف أصحابنا في هذا الامتناع من استحلافه هل هو مستحب أو واجب؟ على وجهين:
أحدهما: أنه مستحب فإن أحلف في حال سكره أجزأ، لأننا نجري عليه في السكر أحكام المفيق.
والثاني: أنه واجب وأن الاستحلاف في حال سكره لم يجزه، لما قدمناه من وضع اليمين للزجر وسكره يصد عن الانزجار.
وأما المزني فإنه جعل منع الشافعي من استحلافه في السكر دليلًا على أن طلاق السكران لا يقع، فلم يلزمه حكم الشافعي بوقوع الطلاق وصحة ظهاره وثبوت ردته، ومنع من إحلافه واستتابته من ردته حتى يفيق، فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين:
أحدهما: أنه يجري عليه في جميعها أحكام الصاحي فيما له وفيما عليه مما ضره أو نفعه، وهو الظاهر قول أبي إسحاق المروزي، ويحمل منعه من إحلافه واستتابته على
الجزء: 14 - الصفحة: 238
الاستحباب دون الوجوب، وأنه إن حلف وتاب صحت أيمانه وتوبته كالمفيق فعلى هذا لا دليل للمزني فيه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه أحكام الصاحي فيما عليه مما يضره ولا يجري عليه أحكام الصاحي فيما له مما ينفعه، لأن السكر معصية توجب التغليظ فاختص بلزوم أغلظ الحكمين وسقوط أخفهما فعلى هذا لا دليل للمزني فيه لأن وقوع الطلاق تغليظ وصحة الأيمان تخفيف، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وقد قيل لا يبرأ المدعي عليهم إلا بخمسين يمينًا كل واحدٍ منهم ولا يُحتسب لهم يمينٌ غيره وهكذا الدعوى فيما دون النفس وقيل يلزمه من الأيمان على قدر الدية في اليد خمسٌ وعشرون وفي الموضحة ثلاثة أيمانٍ.
قال المزني رحمه الله: وقد قال في أول بابٍ من القسامة: ولا تجب القسامة في دون النفس وهذا عندي أولى بقول العلماء".
قال في الحاوي: قد مضى تغليظ الأيمان في القسامة فأما تغليظها في غير القسامة من الدماء، فيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: تغليظ في النفس وفيما دون النفس وإن لم يحكم فيها بالقسامة تغليظًا لحكم الدماء وفي كيفية تغليظها ما قدمناه من الأقاويل.
والثاني: لا تغليظ في النفس ولا فيما دون النفس إذا سقطت القسامة اعتبارًا بسائر الدعاوي، والمستحق فيما يمين واحدة.
والثالث: أنها مغلظة في النفس ولا تغلظ فيما دون النفس لاختصاص النفس بتغليظ الكفارة وسقوطها فيما دون النفس.
فأما المزني فإنه لما رأى الشافعي قال في أول الكتاب: لا قسامة فيما دون النفس وقال هاهنا: تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهم وظن أن قوله اختلف في القسامة فيما دون النفس، وهذا ذلل ذميم فيه، لأن قوله لم يختلف أنه لا قسامة فيما دون النفس وإنما اختلف قوله في تغليظ الأيمان فيما دون النفس وهما مسألتان لم يختلف قوله في إحداهما واختلف في الأخرى، والله أعلم.
باب كفارة القتل
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأًً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92].
الجزء: 14 - الصفحة: 239
قال في الحاوي: هذه الآية هي الأصل في وجوب الدية في قتل الخطأ للمقتول ووجوب الكفارة فيه على القاتل، وجملة القتل تنقسم أربعة أقسام: واجب، مباح، ومحظور يأثم به، ومحظور لا يأثم به.
فأما الواجب: فالقتل بالردة والزنى والحرابة ولا يتعلق به وجوب دية ولا كفارة.
وأما المباح فالقصاص، ودفع الطالب لنفس أو مال وهو في حكم الواجب في سقوط الدين والكفارة.
وأما المحظور الذي يأثم به، فهو قتل العمد بغير حق ويتعلق به أربعة أحكام القصاص مع التكافؤ والدية عند العفو، والكفارة عن القتل، والوعيد في المأثم.
وأما المحظور الذي لا يأثم به: فهو قتل الخطأ ويتعلق به حكمان الدية والكفارة وقد تضمنتهما الآية ويسقط عنه القصاص والمأثم فيصير موافقًا للعمد في حكمين، ومخالفًا له في حكمين وإذا كانت أقسام القتل على ما ذكرنا فالكفارة فيه واجبة عن كل قتل لمضمون في كل قتيل مضمون على كل قاتل ضامن.
فصل:
فأما القتل المضمون فعمد وخطأ - فالعمد يأتي في خلاف نذكره والخطأ متفق على وجوب الكفارة فيه بنص الكتاب وإجماع الأمة وسواء كان قتل الخطأ بمباشرة أو بسبب، والمباشرة: أن يرمي هدفًا فيصيب إنسانًا فيقتله، والسبب: أن يحفر بئرًا في أرض لا يملكها فيقع فيها إنسان فيموت أو يضع حجرًا في طريق سائر فيعثر به إنسان فيموت أو يرش ماء في الطريق فيزلق به فيموت إلى امتثال ذلك مما قدمنا ذكره في ضمان النفس التالفة فيجب فيه الدية والكفارة.
وقال أبو حنيفة: تجب في قتل المباشرة الدية مع الكفارة وتجب في قتل السبب الدية دون الكفارة استدلالًا بأن كل من ضمن نفسًا من غير مباشرة لم تجب عليه الكفارة كالعاقلة، ولأن كل ما لم يجب في جنسه قود لم يجب في جنيه كفارة كالإمساك.
ودليلنا: هو أنه قتل يضمن بالدية فوجب أن يضمن بالكفارة، كالمباشرة.
فإن منعوا أن يكون مقتولًا، احتج عليهم بوجوب الدية، لأنه لا يجوز أن يلزم دية النفس ولا يكون متلفًا للنفس إذا لا يلزم دية إلا في قتل عن مقتول ولأنها كفارة تلزم بمباشرة القتل فوجب أن تلزم بسبب القتل كجزاء الصيد ولأن الكفارة أوكد من الدية فلما وجبت الدية كان أولى أن تجب الكفارة، وأما قياسهم على العاقلة فالجواب عنه أن العاقلة تلتزم الدية تحملًا ونيابة والكفارة لا يدخلها التحمل ولا النيابة ولذلك تحملت العاقلة دية الخطأ ولم تتحمل كفارته - وإن لزمته وأما قياسهم على الإمساك فالمعنى فيه أن الإمساك لما لم يوجب ضمان الدية لم يوجب ضمان الكفارة ولما أوجب السبب ضمان الدية أوجب ضمان الكفارة.
الجزء: 14 - الصفحة: 240
فصل:
فأما المقتول المضمون: فكل ما ضمنت نفسه بالقصاص من صغير وكبير، وذكر وأنثي، ومسلم وكافر، وحر وعبد، وجبت الكفارة بقتله وقال مالك: لا تجب الكفارة إلا بقتل الحر المسلم ولا تجب بقتل عبد ولا كافر، وقال أبو حنيفة: تجب بقتل العبد ولا تجب بقتل الكافر احتجاجا بقول الله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فجعل الإيمان شرطا في وجوب الكفارة، فلم تجب مع الشرط، ولأن الكفارة مختصة بأغلظ الحرمات ولذلك وجبت في النفس دون الأطراف المسلم أغلظ من نفس الكافر فكانت أولي بسقوط الكفارة.
ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92 فأوجب الله تعالي الدية مع الكفارة في قتل المعاهد كما أوجبها في قتل المؤمن فكان أول الآية في المسلم وآخرها في الكافر، ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب أن تضمن بالكفارة كالمسلم وما ادعاه من ضعف حرمته فراجع عليه في التسوية بينه وبين المسلم في وجوب القصاص ثم يقال: قد اثبت الذمة له حرمة فلا يسوى بينه وبين من عدمها في سقوط الكفارة كما لم يسو بينهما في سقوط الدية.
فصل:
وأما القاتل الضامن: فكل قاتل ضمن نفس مقتول فعليه الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا مسلما أو كافرا حرا أو عبدا، وقال أبو حنيفة: لا كفارة علي الصبي والمجنون احتجاجا بقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتي يحتلم، وعن المجنون حتي يفيق، وعن النائم حتي ينتبه)) ولأنها عبادة شرعية لا يدخلها التحمل قلم تجب علي الصبي والمجنون كالصلاة والصيام، ولأنها كفارة فلم تجب علي الصبي والمجنون قياسا علي كفارة الظهار والإيمان.
ولأنه حكم يتعلق بالقاتل لا يتحمله غير القاتل، فلم يجب علي الصبي والمجنون كالقصاص.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فكان علي عمومه والصبي والمجنون وإن لم يتوجه إليهما الخطاب مواجهة كقوله تعالي: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: 20] توجه إليهم خطاب الالتزام والكفارة خطاب التزام فتوجه إلي الصبي والمجنون كالدية ولأنه قاتل ضامن فوجب أن تلزمه الكفارة كالبالغ العاقل ولأنه حق مال يجب بالقتل فوجب أن يستوى فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون كالدية، ولأن الكفارة أوكد من الدية، لأنها تجب علي قاتل نفسه وعلي السيد في قتل عبده، وإن لم تجب عليهما الدية فلما وجبت الدية علي الصبي والمجنون كان أولي أن تجب عليهما الكفارة: فأما الجواب عن قوله ((رفع القلم عن ثلاث)) فهو أن رفع
الجزء: 14 - الصفحة: 241
القلم عنهم لا يمنع من وجوب حكم القتل في أموالهم كما لم يمنع من وجوب الدية، وكما لا يمنع النائم إذا انقلب علي إنسان فقتله من وجوب الدية مع الكفارة.
وأما قياسهم علي الصلاة والصيام فمنتقض بوجوب الغرم وجزاء الصيد ثم المعني في الصلاة والصيام أنهما عبادتان علي البدن والكفارة حق في المال فافترقا كما افترق القصاص والدية وأما قياسهم علي كفارة الأيمان مع انتفاضه بجزاء الصيد فالمعني فيه أنه لما لم تصح مهما الأيمان لم يلزمهما كفارتهما ولما صح منهم القتل لزمتهما كفارته.
وأما قياسهم علي القصاص، فالمعني في القصاص أنه حق علي بدن فسقط عنهما كالحدود والكفارة، حق في مال فلم تسقط عنهما كذكاة الفطر وجزاء الصيد، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وقال تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يعني في قوم في دار حرب خاصة ولم يجعل له قودا ولا دية إذا قتله وهو لا يعرفه مسلما وذلك أن يغير أو يقتله في سرية أو يلقاه منفردا بهيئة المشركين وفي دارهم أو نحو ذلك)).
قال في الحاوى: وهذا صحيح، ذكر الله تعالي في هذه الآية أحكام القتل في ثلاثة أوجب فيهم ديتين وثلاث كفارات:
أحدهما: وهو المقدم فيها قتل المؤمن في دار الإسلام فأوجب فيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] وقد استوفيناه.
والثاني: قتل المؤمن في دار فأوجب فيه الكفارة ولم يوجب فيه الدية بقوله تعالي: ﴿فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ومعناه فإن كان من قوم من أعدائكم مؤمن قتلتموه بينهم فتحرير رقبة تلزمكم في قتله.
ولا يخلو حال قتله فيهم من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يعلم قاتله أنه مسلم وتعمد قتله فعليه القود.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه لقوم النبي صلي الله عليه وسلم: ((منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها)) ولأنه مقتول في دار الحرب فلم يستحق فيه قود كأهل الحرب.
ودليلنا قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إن الله حرم من المسلم ماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيرا)) ولأنه عامد لقتل مسلم محقون الدم فوجب أن يلزمه القود كما لو قتله في دار الإسلام.
الجزء: 14 - الصفحة: 242
والجواب عن الخبر والقياس أن دار الشرك لم تبح دمه وأباحت دم المشرك.
فصل:
والقسم الثاني: أن لا يعلم قاتله أنه مسلم، ولا يعمد قتله ولكن يرمي إلي دار الحرب سهما مرسلا فيقع عليه فيقتله فهو المراد بالآية، وفي قتله الكفارة.
واختلفوا في وجوب الدية: فذهب الشافعي إلي أنه لا تجب فيه الدية، فقال مالك: تجب فيه الدية.
وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الإسلام أو هاجر إليها وجبت فيه الدية وإن لم يسلم فيها ولا هاجر إليها، لم تجب فيه الدية، لثبوت حرمة الدار علي المهاجر وعدمها في غير المهاجر واستدلا في الجملة بقوله تعالي: ﴿ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فكان علي عمومه ولأنه مقتول مسلم فوجب أن يكون مضمونا بالدية كالمقتول في دار الأسلام.
ودليلنا: قوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فكان الدليل فيها من وجهين:
أحدهما: اقتصاره علي الكفارة ولو وجبت فيه الدية لذكرها.
والثاني: أنه غاير بين قتله في دار الإسلام ودار الشرك، ولو تساويا لأطلق ولم يغاير بينهما، ولأنها دار إباحة لم يعمد فيها قتل مسلم، فوجب أن لا يضمن بالقتل دية كما لو قتل غير مسلم، ولأن من لم يضمن ديته إذا لم يهاجر لم يضمن، وإن هاجر، كالمشرك وعموم الآية مخصص بما تعقبها وقياسه معارض لقياسنا، ولأن دار الإسلام حاظرة ودار المشرك مبيحة.
فصل:
والقسم الثالث: أن يعمد قتله ولا يعلم أنه مسلم فلا قود فيه وفيه الدية وقال أبو حنيفة: لا دية فيه، إن لم يهاجر.
ودليلنا: أن اليمان أبا حذيفة بن اليمان قتله المسلمون ولم يعلموا بإسلامه فقضي رسول الله صلي الله عليه وسلم بديته فقال حذيفة يغفر الله لهم.
فإنهم لم يعملوا، ولأن جهل القاتل بأحوال المقتول لا يوجب سقوط ضمانه عن القاتل كالصبي والمجنون.
فصل:
والقسم الرابع أنه يعلم أنه مسلم ولا يعمد قتله ويرمي أهل الدار بسهم فاعترض المسلم السهم حتى أصابه فقتله، فلا قود وفيه الكفارة وفي وجوب الدية قولان:
أحدهما: لا دية فيه استدلالا، واعتبارا بالقسم الثاني.
والثاني: فيه الدية استدلالا بحيث اليمان.
واعتبارا بالقسم الثالث.
والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 243
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
قال في الحاوي: وهذا هو الثالث مما بينه الله تعالي في هذه الآية وجمع في قتله بين الدية والكفارة وهو الكافر ذو الميثاق بذمة أو عهد او قتل في دار الإسلام ففيه الدية والكفارة بقوله تعالي: ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فجمع في قتله بين الدية والكفارة كما جمع في قتل المسلم في دار الإسلام بين الدية والكفارة.
وقدم في قتل المسلم الكفارة علي الدية وفي قتل الكافر الدية علي الكفارة لأن المسلم يري تقديم حق الله علي حق نفسه والكافر يري تقديم حق نفسه علي حق الله تعالي، وقال ابن أبي هريرة: بل خالف بينهما، ولم يجعلها علي نسق واحد، لأن لم لا يلحق بهما، ما بينهم من قتل المؤمن في دار الحرب في قوله ﴿وإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فيضم إليه الدية إلحاقا بأحد الطرفين فأزال هذا الاحتمال بأحد اللفظين.
وسواء كان صاحب هذا الميثاق من الكفار من أهل الذمة، أو من أصحاب العهد، وسواء كان من أهل الكتاب، أو من غير أهل الكتاب في وجوب الدية والكفارة إذا قتل في دار الإسلام.
فأما إذا قتل في دار الحرب، فحكمه حكم المسلم إذا قتل فيها في ضمانه بالكفارة والدية إلا أن يعمد قتله غالطا بميثاقه الذي هو مقيم علي التزامه فتجب فيه الدية مع الكفارة، والكفارة الواجبة في قتل الكافر، كالكفارة الواجبة في قتل المسلم في أيمان الرقبة وسلامتها من العيوب المضرة، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا وجبت عليه كفارة القتل في الخطأ وفي قتل المؤمن في دار الحرب كانت الكفارة في العمد أولي.
قال المزني رحمه الله: واحتج بأن الكفارة في قتل الصيد فهي الإحرام والحرم عمدا أو خطأ إلا في المأثم فكذلك كفارة القتل أو خطأ سواء إلا في المأثم)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الكفارة تجب في قتل العمد والخطأ.
وأوجبها أبو حنيفة ومالك في قتل الخطأ وأسقطاها في قتل العمد سواء وجب في القود أو لم يجب استدلالا بقوله تعالي: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فجعل الخطأ شرطا في وجوب الكفارة، فوجبت أن ينتقي عن العمد لعدم
الجزء: 14 - الصفحة: 244
الشرط، وبما (روي) عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((العمد قود)) فجعل موجب العمد استحقاق القود، فدل علي أنه لا يجب في غير القود، ولأنه سبب يوجب القتل فلم يوجب الكفارة كالزني والردة، ولأنه قتل عمد فلم تجب فيه الكفارة، كالقصاص ولأن القصاص عقوبة علي بدن، والكفارة حق في مال فلم يجتمعا في القتل الواحد كالقصاص مع الدية.
ودليلنا ما رواه واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلي الله عيله وسلم في صاحب لنا استوجب النار بقتل، فقال: ((اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار)) وهو لا يستوجب النار إلا في العمد.
فإن قيل: فقد أمر بها غير القاتل فدل علي أنها غير واجبة علي القاتل قلنا الخطاب وإن توجه إلي السائل فالمراد به القاتل لأنه أوجبها بالقتل، وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله إني وأدت في الجاهلية.
فقال أعتق عن كل موؤودة رقبة وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفيرة يسقط فيها ولدها إذا وضعته، فإذا كان ذكرا أخرجوه منها وإن كان أنثي تركت في حفرتها وطمر التراب حتى تموت، وهذا قتل عمد، وقد أوجبت به الكفارة.
ومن القياس: أنه قتل آدمي مضمون فوجب أن تستحق فيه الكفارة كالخطأ ولأن كل كفارة وجبت بقتل الخطأ وجبت بقتل العمد كجزاء الصيد، ولأن الكفارة إذا وجبت علي الخاطئ مع عدم المأثم كان وجوبها علي العامد مع المأثم حق كما قال تعالي: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فلم أوجب القضاء علي المفطر معذورا بمرض أو سفر كان وجبه علي من فطر عمدا بغير عذر أحق ولقول النبي صلي الله عيله وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).
وقد روي عن النبي صلي الله عيله وسلم أنه قال: القتل كفارة.
والثاني: وهو الصحيح أن الكفارة علي وجوبها لا تسقط بالقود لأنها حق الله تعالي فلم تسقط بتأدية حق الآدمي كما لم تسقط بأداء الدية.
فصل:
فأما إذا اشتركت الجماعة في قتل عمدا أو خطأ فإنهم يشتركون في الدية، فلا يلزمهم إلا دية واحدة، ولا يشتركون في الكفارة ويلزم كل واحد منهم كفارة كاملة فإن قيل فهلا اشتركوا في الكفارة كما اشتركوا في الدية كما ذهب إليه عثمان البتي وحكاه بعض أصحابكم عن الشافعي.
قيل: الحاكي له عن الشافعي غالطا، ولم يعرف في شيء من كتبه ولا نقله عنه أحد
الجزء: 14 - الصفحة: 245
من أصحابه ونصوصه في جميع كتبه بخلافه.
والفرق بين الدية والكفارة من وجهين:
أحدهما: أن الدية تتبعض فجاز أن يشتركوا فيها، والكفارة لا تتبعض، فلم يصح اشتراكهم فيها.
والثاني: أن الدية بدل من النفس، وهي واحدة فلم يلزم فيها إلا دية واحدة، والكفارة لتكفير القتل وكل واحد منهم قاتل فلزم كل واحد منهم كفارة وهذان الوجهان دليل علي عثمان.
فصل:
فإذا ثبت وجود الكفارة علي كل قاتل بغير حق من عمد أو خطأ في كل مقتول من مسلم أو كافر، أو عبد فقد رضي الله تعالي فيها علي العتق والصيام.
فقال: ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92] فقدم عتق الرقبة، وشرط فيها الإيمان فلا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مؤمنا أو كافرا، لأنه شرط إيمانها في عتقها عن قتل الكفار فكان إيمانها في عتقها عن قتل المؤمن أولي.
فإن لم يجد الرقبة فاضلة عن كفايته علي الأبد سقط عنه التكفير بالعتق، وكفر بصيام شهرين متتابعين وهو نص القرآن فإن عجز عن الصيام ففيه قولان:
أحدهما: يعدل إلي الإطعام فيطعم ستين مسكينا، لأن الله تعالي نص عليه من كفارة الظهار وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل إطلاقه في كفارة القتل علي تقيده في كفارة الظهار، لأن المطلق محمول علي المقيد من جنسه.
والثاني: أنه لا إطعام فيها وتكون الكفارة بأحد الأمرين باقية في ذمته إلي أن يقدر عليها، لأن الإبدال في الكفارات موقوفة علي النص دون القياس، ولا يجوز حمل مطلقها علي المقيد إلا في الوصف دون الأصل، كما حمل إطلاق اليد في التيمم علي تقيدها بالمرافق في الوضوء لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال ذكر الرأس والرجلين في التيمم علي ما قيد من ذكرهما في الوضوء، لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل.
كذلك في الكفارة حملنا إطلاق العتق في كفارة الظهار علي تقيده بالإيمان من كفارة القتل، لأنه حمل مطلق علي مقيد في وصف، ولم يحمل إغفال الإطعام في كفارة القتل علي ذكره الظهار لأنه حمل مطلق علي مقيد في أصل، والله أعلم بالصواب.
باب لا يرث القاتل
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: ((قال أبو حنيفة لا يرث قاتل خطأ ولا عمدا إلا أن
الجزء: 14 - الصفحة: 246
يكون مجنونا أو صبيا فلا يحرم الميراث لأن القلم عنهما مرفوع وقال أهل المدينة لا يرث قاتل عمد ولا يرث قاتل خطأ من الدية ويرث من سائر ماله, قال محمد بن الحسن هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا قال الشافعي رحمه الله يدخل علي محمد بن الحسن أنه يسوي بين المجنون والصبي وبين البالغ الخاطئ في قتل الخطأ ويجعل علي عواقلهم الدية ويرفع عنهم المأثم فكيف ورث بعضهم دون بعض وهم سواء في المعني قال: ويدخل علي أصحابنا ما دخل علي محمد بن الحسن وليس في الفرق بين قاتل خطأ لا يرث وقاتل عمد خبر يلزم ولو كان ثابتا كانت فيه أشبه.
قال المزني رحمه الله: المعني تأويله إذا لم يثبت فرق أنهما سواء في أنهما لا يرثان وقد قطع بهذا المعني في كتاب قتال أهل البغي فقال: إذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال وهذا أشبه بمعني الحديث)).
قال في الحاوي: وهذا قد مضي قد كتاب الفرائض وذكرنا اختلاف الفقهاء في ميراث القاتل فذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يرث قاتل عمد ولا خطأ سواء جري عليه القلم بالبلوغ والعقل أو رفع عنه القلم بالصغر والجنون.
وقال أبو حنيفة: لا يرث قاتل عمد ولا خطأ إن جري عليه القلم ويرث إن رفع عنه القلم وقال مالك: لا يرث قاتل العمد وإن رفع عنه القلم ويرث الخطأ من المال دون الدية وإن جري عليه القلم, فرد محمد بن الحسن علي مالك هذا القول وقال: هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض؟ إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا, هذا رد صحيح من محمد بن الحسن علي مالك حيث ورث الخاطئ من المال دون الدية, وكلاهما مال للمقتول يقضي منهما ديونه وتنفذ منهما وصاياه فإن انتفت التهمة عن الخاطئ ورث الكل وإن تحققت التهمة منع الكل, ولم يجز تبعيض المال في ميراث فيرث بعض ويمنع بعض كما أن المبتوتة بالطلاق في المرض لما لحق الزوج التهمة في منعها من ثلث ماله لأنه الثلث غير متهوم في منها منه, لأن له أن يمنع منه كل وارث فلم يلحق الزوج تهمة في منعها وقد كان يقتضي علي قياس قوله أن يورثها ثلث ماله ولا يورثها من الثلث لاختصاص التهمة بالثلثين دون الثلث وقد اجتمعت الأمة علي إبطال هذا التبيض, وكانوا في توريثها علي قولين: فمن ورثها منهم ورثها جميع المال, وإن كان غير متهوم في بعضه ومن لم يورثها منعها جميع المال وإن الشافعي رد علي محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أبو حنيفة من توريث مع دفع عنه القلم دون من جري عليه القلم لأن الصبي والمجنون قد شاركا الخاطئ في وجوب الدية, وشاركهما الخاطئ, في ارتفاع المأثم فصاروا جميعا سواء في الحكم والعلة, فهلا صاروا سواء في الميراث في أن يرثوا أو لا يرثوا؟ وكيف فرق بينهم في الميراث وقد تساووا في سببه وهذا التكافؤ في الاعتراض
الجزء: 14 - الصفحة: 247
دليل (على) فساد المذهبين ويصح ما ذهب إليه الشافعي من منع كل قاتل من الميراث لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: القاتل لا يرث, وقال ليس لقاتل شيء.
فصل:
فإذا تقرر أن لا ميراث لكل قاتل تعليق عليه حكم القتل في ضمان دية أو كفارة لأنه قاتل بحق, فهو علي ضربين:
أحدهما: أن يكون مخيرا فيه, وإن كان محقا كالمقتضي منه قودا فلا ميراث له لتوجه التهمه إليه في عدوله عن العفو إلي القصاص رغبة في الميراث فوجب أن يمتنع منه.
والثاني: أن يجب عليه قتله ولا يكون مخيرا كالحاكم إذا قتل في زنا أو في قصاص استوفاه لخصم فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يقتلهم بالبينة فلا يرث لأنه متهوم في تزكية الشهود فمنعته التهمة في الميراث.
والثاني: أن يقتلهم بإقرارهم ففي ميراثه لهم وجهان لأصحابنا:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يرثهم لانتقاد التهمة عنه في إقرارهم.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة والأكثرين والظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يرث لإطلاق اسم القتل عليه وإن انتفت التهمة عنه كالصبي والمجنون, والله أعلم بالصواب.
باب الشهادة علي الجناية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((ولا يقبل في القتل وجراح العمد والحدود سوي الزني إلا عدلان)).
قال في الحاوي: أما الشهادة فتنقسم علي أقسام: موضوع استيفائها كتاب الشهادات ونحن نذكر في هذا الموضع ما اختص به من الشهادة في الجنايات.
والجنايات ضربان: عمد يوجب القصاص, وخطأ يوجب المال, فأما العمد الموجب للقصاص فلا تثبت البينة فيه إلا بشاهدين ولا يثبت بشاهد وامرأتان, كالحدود وسواء كان في نفس وفيما دون النفس.
وقال الحسن البصري: لا يقبل في النفس إلا أربعة شهود: كالزني لأنها إماتة نفس, ويقبل فيما دونها شاهدان كالحدود وقال مالك: يقبل فيما قل من الجراح شاهد
الجزء: 14 - الصفحة: 248
وامرأتان ولا يقبل فيما كثر إلا شاهدان لخفة القليل وتغليظ الكثير وكلا القولين خطأ, والدليل عليهما أن الله تعالي نص في كتابه علي ثلاث شهادات خالف بين أحكامها وجعلها أصولا لما أغفله ليكون المغفل فرعا ملحقا بأصله فيها فنص علي أربعة شهود في الزني ونص علي شاهدين في الطلاق والرجعة ونص علي شاهد وامرأتين في الأموال وأغفل الشهادة في الجنايات فصارت فرعا لأحدها فلم يجز أن تحمل علي الزني لأنه لما لم تحمل عليه فيما دون النفس, لم تحمل عليه في النفس, لوجوب تساويهما كما استوي حكم الزني في ما أوجب الرحم وما أوجب الجلد فبطل به قول الحسن ولم يجز أن يحمل علي الأموال لأنه لما لم يحمل عليها فيما كثر لم تحمل عليها فيما قل, لاستواء حكم الأموال فيما قل وكثر فبطل هذا قول مالك فلم يبق إلا الأصل الثالث وهو الشاهد في الطلاق والرجعة فيما كثر وقل, والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ويقبل شاهد وامرأتان ويبين وشاهد فيما لا قصاص فيه مثل الجائفة وجناية من لا قود عليه من معتوه وصبي ومسلم علي كافر وحر علي عبد وأب علي ابن لأن ذلك مال)).
قال في الحاوي: وهذا صحيح كل جناية سقط القصاص فيها وأوجبت الدية قبل فيها شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, كالأموال لأن كل ذلك مال والذي لا قصاص فيه من الجنايات علي ثلاثة أضرب:
أحدها: الخطأ المحض ممن كان وعلي من كان.
والثاني: عمد الخطأ, لأنه في حكم الخطأ إلا في تقسيط الدية فيه وتخفيفها.
والثالث: العمد الذي يسقط فيه القصاص وهو ثلاثة أضرب:
أحدهما: ما سقط لمعني في الجاني, كجناية الصبي والمجنون, وجناية الأب علي الابن.
والثاني: ما سقط لمعني في المجني عليه كجناية المسلم علي كافر, وجناية الحر علي عبد.
والثالث: ما سقط لمعني في الجناية كالجائفة فيقبل في جميع هذا كله شاهد وامرأتان وشاهد يمين وسواء كانت في نفس أو طرف أو جرح, فإن صارت الجائفة نفسا لم يقبل فيها شاهدان, لأنها صارت موجبة للقصاص في النفس.
فصل:
فإذا كانت الجناية عمدا فقال ولي القصاص: لست أقتص فاسمعوا مني شاهدا
الجزء: 14 - الصفحة: 249
وامرأتين, ولم يقبل, لأن قوله: لسن أقتص موعد بالعفو وليس بعفو وإن قال: قد عفوت عن القصاص فاسمعوا شاهدا وامرأتين, فالصحيح أنه يقبل منه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لو قام شاهدين بعد عفوة, قبل الشهادة لم يحكم له بالقصاص.
وقال: بعض أصحابنا وهو مذهب أبي علي بن أبي هريرة لا أقبل منه وإن صرح بالعفو إلا شاهدين لأمرين:
أحدهما: أن ما أوجب القصاص نوع لا يقبل فيه أقل من شاهدين.
والثاني: أنه عفو منه قبل استحقاقه للقصاص وكلا التعليلين خطأ, لأن العفو يخرجه من نوعه القصاص, فبطل التعليل الأول, والعفو قبل البينة عفو بعد استحقاق القصاص, لأنه يستحق بالجناية لا بالبينة فبطل التعليل الثاني.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((فإن كان الجرح هاشمة أو مأمومة لم أقبل أقل من شاهدين لأن الذي شج إن أراد أن آخذ له القصاص من موضحة فعلت لأنها موضحة وزيادة)).
قال في الحاوي: أما دون الموضحة من شجاج الرأس فيقبل فيه عمدا كان أو خطأ شاهد وامرأتان, وشاهد ويمين, لأنه لا قصاص في عمده وأما الموضحة فلا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأنها موجبة للقصاص فإن قيل: إذا أقام في عمدها شاهدا وامرأتين, أو شاهدا ويمينا, هلا حكمتم له بالدية وأسقطتم القود؟ كالسرقة إذا شهد بها شاهدان حكم فيها بالقطع والغرم وإن شهد بها شاهد وامرأتان أسقط القطع وحكم الغرم, [قيل لا] لفرق منع من الجمع بينهما وهو أن الغرم والقطع في السرقة حقان يجمع بينهما الاختلاف مستحقها وليس أحدهما بدلا من الآخر, فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكمه والقصاص والأرش في الموضحة حق وجب بسبب واحد لمستحق واحد أحدهما بدلا من الآخر فشاركه في حكمه, فلم يجز أن يثبت أحدهما مع انتفاء الآخر فافترقا.
وأما ما فوق الموضحة في الهامشة والمنقلة والمأمومة فقد جمعت هذه الشجاج بين فيه قصاص وهو الإيضاح وبين ما ليس فيه قصاص, وهو الهشم والتنقيل ففيها للشافعي قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع, لأنه لا يقبل فيها إذا كانت عمدا إلا شاهدان, لأن فيها إيضاحا يستحق فيه القصاص لمن طلب.
والثاني: قاله في كتاب الشاهد واليمين أنه يقبل فيها شاهد وامرأتان وشاهد ويمين, لأنه لما قبل ذلك فيه إذا انفرد عن الإيضاح لم يمتنع قوله فيه إذا اقترن بالإيضاح وصار
الجزء: 14 - الصفحة: 250
الإيضاح ملحقًا به في سقوط القصاص لمشاركته له.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهد أنه ضربه بسيٍف وقفتهما فإن قالا فأنهر دمه ومات مكانه قلبتهما وجعلته قاتلًا وإن قالا لا ندري أنهر دمه أم لا بل رأيناه سائلًا لم أجعله جارحًا حتى يقولا أوضحه هذه الموضحة بعينها".
قال في الحاوي: فقد مضى الكلام في الشهود, فأما صفة الشهادة: فيجب أن تكون مفسرة لا احتمال فيها, لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف 86] فإذا قال الشاهدان: رأيناه قد طلبه بسيبف وغابا عنا ثم رأيناه قتيلًا, أو جريًحا, لم تقبل هذه الشهادة لجواز أن تكون قد قتله أو جرحه غيره وهكذا لو قالا: قد رأيناه وقد ضربه بسيف ثم غابا ووجدناه قتيلًا أو جريحًا لم تقبل لجواز ما ذكرنا من قتل غيره أو جراحة غيره فإن قالا رأيناه وقد ضربه بسيف فأنهر دمه ومات مكانه قبلت هذه الشهادة, لأن ظاهر موته أنه من إنهار دمه فإن ادعى الجارح أنه مات من غير جراحته لم تقبل منه مع الشهادة عليه بموته نظر في موته فإن بعد زمان لا يجوز أن يندمل فيه الجراحة حكم على الجارح بالقتل لأن ظاهر موته قبل اندمال الجراحة أنه منها فإن ادعى الجارح أنه مات من غيرها فهو محتمل وإن كان بخلاف الظاهر فيحلف الولي أنه مات من الجراحة, وإن كان موته بعدها بزمان يجوز أن تندمل فيه الجراحة حكم عليه بالجراحة, ولم يحكم بالقتل حتى يقيم وليه البينة أنه لم يزل ضمنًا مريضًا حتى مات فيحكم عليه حينئٍذ بالقتل.
فإن ادعى موته من غيره أحلف وليه لقد مات من جراحته ولكن لو شهد الشاهدان أنه ضربه بسيفه ولم يشهد أنه أنهر دمه لم يكن جارحًا, لأنه ليس كل مضروب بسيف ينجرح به وهكذا لو قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربني بسيفه فسال دمه لم تقبل شهادتهما لجواز أن يسيل من فتح عرق أو رعاف ولا قالا: ضربه بسيفه فأسال دمه, قبلت شهادتهما, لأنها أضافا سيلان الدم إليه بخلاف ما تقدم فإن شهدا أنه أوضحه في رأسه, فإن عينا الموضحة حكم فيها بالقصاص أو الدية, وإن لم يعيناها نظر فإن لم يكن في رأسه غير موضحة واحدة, كانت هي المشهودة بها, وإن لم يعين حكم فيها بالقصاص, لأن الدية تجب في كل موضحة على كل موضع من الرأس فلم يفتقر إلي التعيين والقصاص لا يجب إلا بعد تعيين الموضع من الرأس وقدرها في الطول والعرض.
وهكذا لو شهد أنه قطع إحدى يديه, ولم يعيناها فإن كانت إحدى يديه باقية وجب القصاص في الدامية أو الدية وإن لم يعين, لأنها صارت ببقاء الأخرى معينة في الدامية وإن كان مقطع اليدين لم يحكم له
الجزء: 14 - الصفحة: 251
بالقصاص, لأنه لا يدري مستحقة في يمنى أو يسرى وحكم له بالدية لاستوائها في اليمنى واليسرى ثم على هذا القياس فيما سواه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه وشهدا لآخران على الشاهدين الأولين أنهما قتلاه وكانت شهادتهما في مقاٍم واحٍد فإن صدقهما ولي الدم معًا أبطلت الشهادة وإن صدق اللذين شهدا أولا قبلت شهادتهما وجعلت الآخرين دافعين بشهادتهما وإن صدق اللذين شهدا أخرا أبطلت شهادتهما لأنهما يدفعان بشهادتهما ما شهد به عليهما".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في سماع الشهادة على القتل قبل دعوى الولي, وقد اختلف أصحابنا في كيفية سماعها قبل الدعوى على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا كان الولي طفلًا, أو غائبًا, ولا يجوز سماعها إذا كان بالغًا, حاضرًا.
والثاني: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا لم يعرف الولي شهوده ولا تسمع إذا عرفهم بعد الدعوى.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة والجمهور أنها تسمع قبل الدعوى في الدماء خاصة, ولا تسمع في غير الدماء, إلا بعد الدعوى والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: لتغليظ الدماء على غيرها من الحقوق.
والثاني: أنها من حقوق المقتول يقضي منها ديونه, وتنفذ منها وصاياه فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه ويجيء على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت, ولا يسمعها في ديون الحي, وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي, ولا ميت وعلى هذا الترتيب يتأول, اختلاف الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد",إنها محمولة على ما يشهد فيه قبل سماع الدعوى.
وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"شر الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" محمول على ما لا يشهد فيه إلا بعد سماع الدعوى.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا فصورة مسألتنا في شاهدين شهدا على رجلين أنهما قتلا زيدًا, وشهد الرجلان المشهود عليهما أن الشاهدين الأولين هما اللذان قتلا زيدًا, فللولي حالتان:
الجزء: 14 - الصفحة: 252
أحدهما: أن تصح منه الدعوى.
والثاني: أن لا تصح منه, فإن صحت منه الدعوى لبلوغه وعقله, سأله الحاكم عما يدعيعه من القتل على من يعينه من الأربعة وهو في ذلك على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدعيه على الآخرين الذين شهد عليهما الأولان فتكون شهادة الأولين عليهما ماضية ويحكم للولي على الآخرين بالقتل لسلامة الأولين عند شهادتهما وتهمة الآخرين في الشهادة بالرفع عن أنفسهما وهل يلزم الحاكم أن يستعيد الشهادة بعد الدعوى أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يستعيدها, ويحكم بما تقدم من شهادتهما, لأنه لا يستعيد بها زيادة علم.
والثاني: يلزمه استعادتهما, ولا يجوز له أن يحكم بما تقدم منها لأنه لا يجوز أن يكون الحكم سابقًا للدعوى.
والقسم الثاني: أن يدعو الولي قتله على الأولين دون الآخرين, فشهادتهما على الأولين باطلة, لأنهما قد صارا عدوين لهما, ومتهمين في شهادتهما.
والقسم الثالث: أن يدعه قتله على جماعتهم فتبطل الشهادتان لإكذابه لهما, وإقراره بفسقهما, وإن كان الولي ممن لا تصح منه الدعوى لصغره, أو جنونه, فقد اختلف أصحابنا هل يقضي الحاكم بموجب الشهادة أو يوقفها على بلوغ الولي وعقله؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي يقضي بموجب الشهادة ويقضي على الآخرين بالقتل بشهادة الأولين.
والثاني: أنه يقف الشهادة, ولا يبت الحكم فيها حتى يبلغ, ويفيق المجنون, ثم يرجع إليه ويعمل على ما بينه وادعاه من الأقسام الثلاثة, لتردد الشهادة بين إيجاب وإسقاطه فلم يحكم بأحدهما مع احتمالهما فأما إذا اتفقت شهادة بعض ولم يتقدم إحداهما على الأخرى فكلتا الشهادتين باطلة لا يحكم بواحدة منهما ولا يرجع فيهما إلي دعوى الولي, لتعارض الشهادتين في التدافع بهما, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه:"ولو شهدا أحدهما على إقراره أنه قتله عمدًا والآخر على إقراره ولم يقل خطأ ولا عمدًا جعلته قاتلًا والقول قوله فإن قال عمدًا فعليه القصاص وإن قال خطأ أحلف ما قتله عمدًا وكانت الدية في ماله في مضى ثلاث سنين".
الجزء: 14 - الصفحة: 253
قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على إقرار رجل بالقتل, فقال أحدهما: أقر عندي أنه قتل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي أنه قتله ولم يقل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي ولم يقل عمدًا ولا خطأ فقد تمت الشهادة على إقراره بالقتل ولم تتم الشهادة على إقراره بصفة القتل, فيسأل المقر عن صفة القتل, فإنه لا يخلو فيها من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول قتله عمدًا فيقتص منه بإقراره الآنف لا بالشهادة المتقدمة فإن عفا عنه إلي الدية, كانت حالة مغلظة في ماله.
والثانية: أن يقول: قتلته خطأ فلا يحكم عليه بالقود لأنه لم يتم الشهادة بالعمد, ولكن يكون هذا لوثًا في قتل العمد لأنه إذا ثبت اللوث بشهادة واحد فأولى أن يثبت بشاهدين فإن أقسم حكم له بالقود على قوله في القديم, وبالدية المغلظة حالة على قوله في الجديد, وإن لم يقسم, أحلف المقر بالله أنه ما قتله عمدًا ولزمته دية والخطأ مخففة يؤديها من ماله, في ثلاث سنين, ولا تحملها عنه العاقلة, لأنها دية اعتراف.
والثالثة: أن يمسك عن البيان, فيصير كالناكل فترد اليمين على الولي فإن حلف حكم له بالقود بيمينه لا بالشهادة، وإن نكل حكم له بدية الخطأ دون العمد بالشهادة.
فصل:
ولو كانت الشهادة على فعل القتل، فشهد أحدهما أنه قتله عمدًا وشهد الآخر أنه قتله خطأ، سئل كل واحد منهما عن صفة القتل الذي شاهده، فإن اتفقا عليها واختلفا في الحكم عندهما لم تكن في هذه الشهادة تعارض ووجب على الحاكم أن يعتبر بما شهدا به من صفة القتل، فإن كان عمدًا حكم فيه القود، وإن كان خطأ حكم فيه بدية الخطأ على العاقلة وإن اختلفا في صفة القتل فهو تعارض لا يحكم فيه بعمد ولا خطأ على ما سنذكره من بعد، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال أحدهما قتله غدوًة وقال الآخر عشيًة أو قال أحدهما بسيف والآخر بعصًا فكل واحٍد منهما مكذب لصاحبه فمثل هذا يوجب القسامة".
قال في الحاوي: إذا تعارض الشاهدان فأثبت كل واحد منهما ما نفاه الآخر فلذلك ضربان:
أحدهما: أن تكون شهادتهما على فعل القتل.
والثاني: أن تكون على الإقرار بالقتل، فإن كانت على فعل القتل فقال أحدهما: قتله غدوة أو في يوم السبت وقال الآخر: قتله عشية أو في يوم الأحد، أو قال أحدهما:
الجزء: 14 - الصفحة: 254
قتله بسيف، وقال الآخر: بعضا.
أو قال أحدهما: قتله بالبصرة، وقال الآخر بالكوفة، فهما وإن اتفقا على الشهادة بالقتل فقد تعارضا في صفته فصارا متكاذبين، لأنه قتله غدوة، غير قتله عشية، وقتله بسيف غير قتله بعصا، فلم يحكم بشهادتهما ولا بشهادة واحد منهما مع يمين المدعي في عمد ولا خطأ.
وقال ابن أبي ليلى أعذر الشاهدين وأحكم بفسقهما لاجتماعهما على كذب مستحيل.
وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا تعزير عليهما ولا تفسيق لأحد أمرين:
أحدهما: لجواز الاشتباه عليهما، فيخرجان بالشبهة عن الفسق، والكذب.
والثاني: أن كذب أحدهما لا يمنع صدق الآخر، وقد اشتبه الصادق من الكاذب فإذا ثبت أن شهادتهما مردودة، فقد نقب المزني هاهنا، "ومثل هذا يوجب القسامة"، ونقل الربيع في كتاب الأم فمثل هذا لا يوجب القسامة، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن الصحيح ما نقله المزني هاهنا، أنه يوجب القسامة ويكون الربيع ساهيًا في زيادة لا؛ لأنهما قد اتفقا على الشهادة بالقتل.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أن الصحيح، ما نقله الربيع أنه لا يوجب القسامة ويكون المزني ساهيًا في حذف لا لأن تكاذبهما يسقط شهادتهما.
والثالث: أن كلا النقلين صحيح وأنه على قولين مثل تكاذب الوليين:
أحدهما: يوجب القسامة.
والثاني: لا يوجبها.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو أن تكون شهادتهما على إقراره بالقتل فيقول:
أحدهما: أقر عندي أنه قتله غدوة.
ويقول الآخر: أنه قتله عشية أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بسيف، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بعصا، أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بالبصرة، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بالكوفة، فهذه شهادة صحيحة على إقراره بالقتل لا تعارض فيها وإنما التعارض من المقر بالقتل في صفة القتل فلم يؤثر ذلك في شهادة على إقراره بالقتل فإن كان كل واحد من الفعلين عمدًا يوجب القود أقدناه، وإن كان كل واحد منهما خطأ لا وجب القود سقط عنه القود، ولزمته دية الخطأ مؤجلة في ماله، وإن كان أحدهما عمدًا موجبًا للقود والآخر على إقراره بقتل الخطأ، فيكون على ما مضى في الرجوع إلي قوله، فإن أقر بالعمد أقدناه، وإن أقر بالخطأ أخلفناه، وإن امتنع من البيان جعلناه ناكلًا، وأحلفنا ولي الدم على ما ادعاه من العمد فإن نكل حكمنا له بدية الخطأ في ماله دون عاقلته.
الجزء: 14 - الصفحة: 255
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أحدهما أنه قتله والآخر أنه أقر بقتله لم تجز شهادتهما لأن الإقرار مخالٌف للفعل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام ولي الدم شاهدان، شهد أحدهما على فعل القتل، فقال: رأيته قتله، وشهد الآخر على الإقرار بالقتل، قال: أقر عندي أنه قتله لم تتعارض شهادتهما، لأنها غير متنافية ولم تتم الشهادة منهما، لأنها غير متماثلة، لأن فعل القتل، غير الإقرار بالقتل، ولم تكن تكمل الشهادة على الفعل ولا على الإقرار، فلم يجز أن يحكم عليه بواحد منها، لكن يكون هذا لوثًا يوجب القسامة قولًا واحدًا، لأن كل واحدة من الشهادتين مقوبة للأخرى غير منافية لها، وإذا كان كذلك لم يخل حال القتل من أن يكون عمدًا أو خطأ، فإن كان خطأ لم يحتج فيه إلي القسامة، لأنه قد تتم البينة فيه بشاهد ويمين فيقال لولي الدم أحلف مع أي الشاهدين شئت يمينًا واحدة تكمل بها ببينتك ويقضي لك فيها بدية الخطأ.
وينظر فإن حلف مع الشاهد على فعل القتل كانت الدية على عاقلته وإن حلف مع الشاهد على إقراره بالقتل كانت الدية في ماله وإن كان عمدًا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون غير موجب للقود كقتل الأب لابنه والمسلم لكافر فهو مختص بوجوب الدية ويصير كالخطأ في أن لا يحكم فيه القسامة لوجود البينة مع يمين الولي مع أي الشاهدين يمينًا واحدة ويحكم له بدية العمد في ماله، سواء حلف مع شاهد الفعل أو مع شاهد الإقرار.
والثاني: من العمد أن يكون موجبًا للقود فيجب الحكم فيه بالقسامة دون الشهادة لأن الشهادة تصير لوثًا فيحلف الولي أيمان القسامة خمسين يمينًا ويحكم له بالقود على قوله في القديم وبدية العمد حالة على قوله في الجديد والله تعالى أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أنه ضربه ملففًا فقطعه باثنين ولم يبينا انه كان حيًأ لم أجعله قاتلًا وأحلفته ما ضربه حيًا".
قال في الحاوي: أما شهادة الشاهدان بالقتل فغير مفتقرة إلي ثبات الحياة عند القتل، لأن القتل هو إماتة الحياة فدلت على وجود الحياة عند القتل فأما إذا شهد أنه قطع ملفوفًا في ثوب باثنين فهذه شهادة محتملة لأنه قد يجوز أن يكون عند القطع حيًا، ويجوز أن يكون ميتًا، فيسأل الشاهدان لأجل هذا الاحتمال عن حال الملفوف، ولهما فيه ثلاثة أحوال:
الجزء: 14 - الصفحة: 256
أحدها: أن يشهدا بحياته عند قطعه، أو بمشاهده وحركته أو بختلاجه بعد قطعه، فهذا كله شهادة بالحياة، لأنه لا يختلج بعد القطع إلا حي.
فأما الشهادة بسيلان دمه عند قطعه فلا تكون شهادة بحياته وإن كان دم الميت جامدًا، لأن جمود دمه بعد فتور حرارته، وقد يحتمل أن يكون قد مات لوقته قبل فتور حرارته وجمود دمه فلذلك لم تثبت فيه الحياة.
والثانية: أن يشهدا موته عند قطعه، فيصير شاهدين بنفي الحياة، وإثبات الموت فلا تسمع شهادة غيرهما بحياته، وينتفي عنه حكم القتل، ويعزر أدبًا على قطع ميت لانتهاك حرمته.
والثالثة: أن يجهلا حاله عند قطعه، فلا يشهدا بحياته ولا موته، فإن تصادق المدعي والدعي عليه على حياة أو موت عمل على تصادقهما، وإن تنازعا فقال المدعي كان حيًا، وقال المدعى عليه: كان ميتًا كلف كل واحد منهما إقامة البينة على ما ادعاه، فإن أقام المدعي بينة بحياته عند قطعه حكم بها، وأجرى على المدعى عليه حكم القتل، وإن أقام المدعى عليه بينة بموته عند قطعة حكم بها وبرئ المدعى عليه من القتل.
وإن أقام المدعي بينة بالحياة، وأقام المدعى عليه بينة الموت ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم ببينة الموت، لأنها أزيد علمًا.
والثاني: أنهما متعارضان؛ لأن واحدة منهما تقطع بإثبات ما نفته الأخرى ولم يكن في إحداهما مع القطع بالشهادة زيادة علم، فأما إن أقام على الدعوى وعدما البينة، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الذي نقله المزني هاهنا ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه وبه قال أبو حنيفة إن القول قول الجاني مع يمينه إنه كان ميتًا عند قطعه وهو بريء من قتله إلي حلف لأن الأصل براءة ذمته فصار كما لو ادعى الولي أنه مات من سراية جراحته وادعى أنه مات من غير جراحته، كان القول قول الجاني دون الولي اعتبارًا ببراءة ذمته.
والثاني: وتفرد الربيع بنقله.
وقال بعد رواية الأول وفيه قول آخر: أن القول قول الولي مع يمينه أنه كان حيًا عند قطعه ويؤخذ القاطع بحكم قطعه لأنه الأصل بقاء الحياة حتى يعلم زوالها عند القطع، واليقين، والشك إذا تعارضا سقط حكم الشك باليقين، كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث والفرق بين دعوى الموت ودعوى السراية أن الولي مستأنف لدعوى السراية فلم يقبل قوله فيها، والجانب هاهنا مستأنف لدعوى الموت، فلم يقبل قوله فيها، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أحد الورثة أن أحدهم عفا القود والمال
الجزء: 14 - الصفحة: 257
فلا سبيل (إلى) القود وإن لم تجز شهادته وأحلف المشهود عليه ما عفا المال ويأخذ حصته من الدية وإن كان ممن تجوز شهادته حلف القاتل مع شهادته لقد عفا عنه القصاص والمال وبرئ من حصته من الدية".
قال في الحاوي: وصورتها من قتل عمد ترك ابنين شهدا أحدهما على أخيه بالعفو فلا تخلو شهادته عليه، من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشهد عليه بعفوه عن القود وحده، فيسقط القود بهذه الشهادة في حق الشاهد والمشهود عليه بحكم الإقرار، لا بحكم الشهادة، ويستوفي فيها من تجوز شهادته ومن لا تجوز، لأن الشاهد على أخيه بالعفو مقر لسقوط القود في حق نفسه، لأنه القود لا يتبعض، وعوف أحد الأولياء عنه موجب لسقوطه في حقوق جميعهم، وإذا سقط في حق الشاهد، سقط في حق المشهود عليه، ولا يمين على القاتل في إثبات العفو ولا على المشهود عليه في نفيه لسقوط القود بمجرد الإقرار وقضى لهما بدية العمد على سواه.
والقسم الثاني: أن يشهد عليه بعفوه عن الدية دون القود فينظر حال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته بجرحه رد قوله، ولم يحكم به في شهادة ولا إقرار؛ لأن المجروح لا يشهد والإقرار لا يؤثر، وكان المشهود عليه على حقه من القود والدية.
وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته لعدالته لم تؤثر بشهادته في القود، لأنه ما شهد بالعفو عنه، وكان أخوه على حقه منه وهل تكون شهادته مؤثر في العفو عن الدية أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في قتل العمد والذي يجب به على قولين:
أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، فعلى هذا تؤثر شهادة الأخ في العفو عن الدية، إذا حلف معه القاتل لقد عفا عن الدية لأن الإبراء من الدية قبل استحقاقها، ويكون الأخ المشهود عليه مخيرًا بين القود والعفو عنه لا اختيار الدية.
والقسم الثالث: أن يشهد عليه بعفوه عن القود والدية معًا، فالقود قد سقط بكل حال، سواء كان الشاهد ممن تجوز شهادته أو لا تجوز لما بيناه من قبل، فأما الدية فهي معتبرة بحال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته كانت شهادته مردودة، وحلف المشهود عليه ما عفا عن الدية ولا يحتاج أن يذكر في يمينه وما عفا عن القود، ولا يختلف أصحابنا فيه، لأن يمينه موضوعة لإثبات ما يستحقه وهو يستحق الدية دون القود، وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته أبرأت شهادته قولًا واحدًا، إذا حلف معها القاتل على العفو، وكانت بينة تامة في الإبراء.
وفي صفة يمين القاتل هاهنا مع شاهده وجهان:
أحدهما: ذكره الشافعي رضي الله عنه في كتاب الأم، وقاله أبو إسحاق المروزي
الجزء: 14 - الصفحة: 258
يحلف لقد عفا عن الدية ولا يذكر أنه عفا عن القود، لسقوط القود بإقرار الأخ دون شهادته، وكما يحلف الأخ إذا ردت شهادة أخيه أنه ما عفا عن الدية ولا يذكر القود.
والثاني: ذكره الشافعي في هذا الموضع وقاله أبو علي بن أبي هريرة أنه يحلف القاتل مع شاهده لقد عفا عن القود والدية، لأن هذه يمين تقوم مقام شاهد فكانت على لفظ الشهادة وخالفت يمين الأخ، لاختصاصها بإثبات المستحق، والله اعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد وارٌث أنه جرحه عمدًا أو خطًأ لم أقبل لأن الجرح قد يكون نفسًا فيستوجب بشهادته الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن كل شاهٍد جر بشهادته إلي نفسه نفعًا أو دف بها ضررًا، كانت شهادته مردودة، فإذا شهد وارقا المجروح وهما أخواه، أو عماه على رجل أنه جرحه لم تخل حال الشهادة من أحد أمرين:
أحدهما: إما أن يكون بعد اندمال الجرح، فشهادتهما مقبولة، لأنهما لا يجدان بها نفعًا ولا يدفعان بها ضررًا، سواء أوجبت القصاص أو الدية.
والثاني: أن تكون الشهادة قبل اندمال الجرح فهي مردودة فلا تقبل لأمرين:
أحدهما: أنها قد تسري إلي نفسه فيموت منها ويصيرا المستحقين لها، فيصيرا شاهدين لأنفسهما.
والثاني: أن المجروح مع بقاء الجراح متهم.
ولورثة المريض الاعتراض عليه في مال ومنعه من التصرف فيما زاد على ثلثه كاعتراضهم عليه بعد موته ولا تجوز شهادتهم له بعد الموت، كذلك في المرض، فعلى هذا إن كان الجرح مام يسري مثله إلي النفس جازت شهادتهما لع على التعليل الأول، ولم تجز شهادتهما له لى التعليل الثاني، وكذلك لو شهد له وارثاه في مرضه بدين له في قبول شهادتهما له وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما في الدين كما لا تقبل في الجرح، وهو مقتضي التعليل الثاني.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنها تقبل في الدين وإن لم تقبل في الجراح والفرق بينهما أن الدين يملكه الموروث ثم ثنتقل عنه إلي الوارث والدية يملكها الوارث عن الجاني فصار في الجناية شاهدًا لنفسه فردت شهادته وفي الدين شاهدًا لغيره فأمضيت شهادته وهذا مقتضى التعليل الأول، والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 259
فصل:
فإذا تقرر أنه لا تقبل شهادتهما له قبل اندمال الجرح الساري، لم يخل حال الجرح من أن يسري إلي النفس أو يندمل، فإن سرى إلي النفس استقر الحكم في رد شهادتهما، وإن اندمل لم يحكم بالشهادة المتقدمة، وفي الحكم بها إن استأنفاها بعد الاندمال وجهان:
أحدهما: تقبل شهادتهما في المستأنف لزوال ما منع من ردها:
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما للحكم بردها في شهادة الأول كالفاسق إذا ردت شهادته لم تقبل إذا ادعاها بعد عدالته، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن شهد له من يحجبه قبلته فإن لم أحكم حتى صار وارثًا طرحته ولو كنت حكمت ثم مات من يحجبه ورثته لأنها مضت في حين لا يجر بها إلي نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ردت شهادة الوارثين في الجراح اعتبرت بكونهما وارثين عند تنفيذ الحكم بشهادتهما لأنهما بحال التهمة الموجبة للرد، وإذا كان كذلك واختلف حالهما قبل الشهادة وبعدها فلهما حالتان:
أحداهما: أن يكونا غير وارثين عند الشهادة ثم يموت من يحجبهما فيصيرا وارثين بعد الشهادة، وقبل الحكم بها، فبشهادتهما مردودة لحدوث ما يمنع من قبولها عند الحكم بها فصار كما لو شهد عدلان، فلم يحكم بشهادتهما حتى فسقا ردت شهادتهما في العدالة، لحدوث الفسق عند الحكم بها.
والثاني: يصيرا وارثين بعد الحكم بهشادتهما فهي ماضية لا تنقضي بحدوث ما تجدد بعد نفوذ الحكم بها، كما لو حكم بشهادة العدلين ثم فسقا لم ينقص الحكم بحدوث فسقهما، والله أعلم.
فصل:
والثانية أن يكونا وارثين عند الشهادة ويحدث من يحجبهما فيصيرا غير وارثين بعدها، فلا يكون الحكم بما تقدم من شهادتهما لاقتران التهمة فإن استأنفهما بعد أن صارا غير وارثين ففي جواز قبولها على ما مضى من الوجهين في إعادة شهادتهما بعد اندمال الجرح، والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 260
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد من عاقلته بالجرح لم أقبل وإن كان فقيرًا لأنه قد يكون له ماٌل في وقت العقل فيكون دافعًا عن نفسه بشهادته ما يلزمه.
قال المزني رحمه الله: وأجازه في موضع آخر إذا كان من عاقلته في قرب النسب من يحمل العقل حتى لا يخلص إليه الغرم إلا بعد موت الذي هو أقرب".
قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على رجل بالقتل، وشهد شاهدان من عاقلة القاتل بجرحهما، فالقتل المشهود به ضربان: عمد، وخطأ، فإن كان عمدًا قبلت شهادة العاقلة بجرح الشاهدين على القتل، لأن القتل العمد لا يتوجه على العاقلة منه حكم فلم يهتموا في الشهادة بالجرح، لأنهم لا يدفعون بها ضررًا ولا يجرون بها نفعًا، وإن كان القتل خطأ فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون الشهادة على إقراره به فتقبل شهادة العاقلة في جرح الشهود لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف فلم يتهموا في شهادة الجرح.
والثاني: أن تكون الشهادة على فعل القتل فلا تقبل شهادة العاقلة في الجرح لأن دية الخطأ تجب عليهم، فإذا شهدوا بجرح شاهدي الأصل، دفعوا بها تحمل الدية عن أنفسهم، فصار كشهادة القاتل بجرحهم في قتل العمد وهي مردودة لدفعة بها عن نفسه، كذلك شهادة العاقلة في قتل الخطأ.
فصل:
فإذا ثبت رد شهادتهم بالجرح فهم ضربان:
أحدهما: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من يتحمل الدية لوجود شرطين: قرب النسب، ووجود الغنى فهؤلاء هم المردود شهادتهم بالجرح.
والثاني: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من لا يتحمل الدية وهم صنفان:
أحدهما: من لا يتحملها لفقر.
والثاني: من لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب نسبًا، فإن كان ممن لا يتحملها لفقره.
قال الشافعي: لم تقبل شهادته بالجرح وإن كان ممن لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب منه، قال الشافعي: قبلت شهادته بالجرح فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه فيها على وجهين:
أحدهما: وهو قول المزني وطائفة من متقدمي أصحابنا أن حملوا ذلك فيها على اختلاف قولين:
الجزء: 14 - الصفحة: 261
أحدهما: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لقرب نسبه وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ما نص عليه في بعد النسب، لأنهما جميعًا عند شهادتهما بوصف من لا يتحمل العقل فلم يتوجه إليهما عند الشهادة بالجرح تهمة يجدان بها نفعًا، أو يدفعان بها ضررًا.
والثاني: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه ولفقره ولا شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه، لأنهما قد يجوز أن يصيرا عند الحول ممن يتحملها لاستغناء الفقير وموت من هو أقرب من ذي النسب البعيد فيصيرا دافعين عن أنفسهما تحمل العقل بشهادتهما فهذا أحد الوجهين:
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة وكثير من متأخري أصحابنا أنه ليس ذلك على اختلاف قولين والجواب على ظاهره في الموضعين فلا تقبل شهادة من لا يتحملها لفقره، وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ظاهر نصه، والفرق بينهما أن الفقير معدود من العاقلة في الحال، لقرب نسبه وإن جاز أن لا يتحمل العقل عند الحول لبقاء فقره والبعيد النسب غير معدود من العاقلة في الحال، وإن جاز أن يتحمل العقل عند الحول، بموت من هو أقرب فافترق معناهما فكذلك ما اقترفنا في الشهادة وجمع المزني بين معناهما ولذلك ما جمع بينهما في الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتجوز الوكالة في تثبيت البينة على القتل عمدًا أو خطأ فإذا كان القود لم يدفع إليه حتى يحضر الولي أو يوكله بقتله فيكون له قتله".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الوكالة، وأعادها المزني في أول كتاب الجنايات، ثم تكررها في هذا الموضع من كتاب القسامة، ونحن نشير إليها مع تقدم استيفائها الوكالة ضربان:
أحدهما: في تثبيت القصاص فتصح في قول الجمهور، ولأنها وكالة في إثبات حق ومنع منها أبو سيف، لأنه حد يدرأ بالشبهة فإذا ثبت القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه في قول الجمهور لقصور تصرفه على ما تضمنته الوكالة في تثبيت القصاص دون استيفائه وجوز له ابن أبي ليلى الاستيفاء لمطلق الوكالة كما يجوز له بمطلقها في المبيع قبض الثمن، وقد ذكرنا الفرق بينهما فإن اقتص الوكيل وجب عليه القود.
والثاني: أن يكون له استيفاء فظاهر ما نص عليه في هذا الموضع جواز الوكالة وظاهر ما نص عليه في كتاب الوكالة بطلانها فاختلف أصحابنا فمنهم من خربه على اختلاف قولين، وقد شرحنا كلا الطريقتين، فإن قيل بأن الوكالة في الاستفتاء لا
الجزء: 14 - الصفحة: 262
تصح منع الوكيل من القصاص فقد أساء ولا ضمان عليه، لأنه مأذون له في فساد عقده، وإن قيل بجواز الوكالة في الاستيفاء، فإن عقدت الوكالة بعد ثبوت القصاص صحت وإن عقدت قبل ثبوت القصاص ففي صحتها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا تصح الوكالة لعقدها قبل ثبوت الاستحقاق.
والثاني: تصح الوكالة لأن القصاص مستحق بالقتل فصارت الوكالة معقودة بعد الاستحقاق وهكذا لو جمع له في عقد الوكالة بين تثبيت القصاص، وبين استيفائه، صحت الوكالة في إثباته، وفي صحتها في استيفائه وجهان:
فإذا صحت الوكالة في الاستيفاء فهل يلزم إحضار المولى حيث يعلم الوكيل أو الحاكم بطلبه وعفوه؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي المروزي، يلزم حضوره إلي حيث لا يخفى على الوكيل أو الحاكم حاله في بقائه على الطلب أو حدوث العفو، لأنه قود يفوت استدراكه، والظاهر من أحوال أهل الدين الذين وصفهم الله تعالى بالرأفة والرحمة أن يعفو بعد ظهور القدرة.
والثاني: لا يلزم أن يقرب كما لم يلزم أن يحضر، لأن ظاهر حاله بقاؤه على استيفاء ما وكل فيه ولا يمنع من ذلك فوات استدراكه كما لم يمنع من التوكيل في عقد النكاح، وفي الطلاق الثلاث، مع فوات استدراكه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا أمر السلطان بقتل رجٍل أو قطعه اقتص من السلطان لأنه هكذا يفعل ويعزر المأمور".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة في أول كتاب الجنايات وهو أن يأمر السلطان رجلًا بقتل رجل مظلمًا فقتله المأمور لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعتقد أن السلطان محق في قتله، وأنه لا يرى قتل أحد ظلمًا فعلى السلطان الآمر القود، دون المأمور القاتل، لأن المأمور كالآلة لالتزامه طاعة سلطانه، والسلطان هو القتل لنفوذ أمره، ولا تعزير على المأمور، لأنه أطاع فيما ظاهره حق.
والثاني: أن يكون القتل مختلفًا في استحقاقه، كقتل مسلم بالكافر، والحر بالعبد، فيعقد السلطان الآمر وجوبه، لما أداه اجتهاده إليه، ويعتقد المأمور سقوطه لما يعتقده من مذهبه، فلا قصاص على واحد منهما لكن يعزر المأمور لإقدامه على قتل يعتقد حظره، وإن سقط القود باجتهاده كالآمر.
الجزء: 14 - الصفحة: 263
والثالث: أن يكون القتل محظورًا ودم المقتول محقونًا والمأمور عالم بظلمه إن قتل، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون من الآمر إكراه للمأمور، فالقود واجب على المأمور دون الآمر لمباشرته لقتل مظلوم باختياره ويعزر الآمر تعزير مثله لأمره بقتل هو مأمور يمنعه.
والثاني: أن يكون من الآمر إكراه للمأمور صار به الآمر قاهرًا والمأمور مقهورًا فالقود على الآمر القاهر واجب، ولا تمنع ولايته من استحقاق القود عليه، بخلاف ما ذهب إليه بعض من يدعي العلم من إعفاء الولاة من القصاص، لئلا يستوي الشريف والمشروف، والوالي والمعزول، وقد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص من نفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ولأن أولى الناس بإعطاء الحق من نفسه من يتولى أخذ الحقوق لغيره لقول الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة 44] ويكون القهر من هذا الآمر فسقًا وهل ينعزل به عن إمامته أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: ينعزل، لأن العدالة شرطًا في عقد إمامته.
والثاني: لا ينعزل به حتى يعزله أهل العقد والحل، إن أقام على حاله ولم يتب عند استتابته، لأن ولايته انعقدت بهم فلم ينعزل عنها إلا بهم، فأما المأمور المقهور ففي وجوب القود عليه، قولان:
أحدهما: يجب عليه القود، لأن لا يستحق إحياء نفسه بقتل غيره.
والثاني: لا قود عليه، واختلف أصحابنا في علته، فذهب البغداديون إلي أن العلة في سقوط القود عنه أن الإكراه شبهة يدرأ بها الحدود، فعلى هذا يسقط القود عنه وتجب الدية عليه ويلزمه نصفها، لأنه أحد قاتلين، لأن الشبهة تدرأ بها الحدود ولا تدفع بها الحقوق، وذهب البصريون إلي أن العلة في سقوط القود عنه، أن الإكراه إلجاء وضرورة، ينقل حكم الفعل عن المباشرة إلي الآمر فعلى هذا لا قود عليه ولا دية، والله أعلم بالصواب.
باب الحكم في الساحر إذا قتل بسحره
أصل ما جاء في السحر قول الله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ومَارُوتَ﴾ [البقرة: 102] الآية.
ونحن ذكر ما قاله المفسرون فيها وما احتمله تأويل معانيها ليكون حكم السحر محولًا عليها.
أما قوله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدها: ما تدعي.
والثاني: ما تقرأ وفيها تتلوه وجهان:
أحدهما: السحر.
والثاني: الكذب على سليمان وفي الشياطين هاهنا وجهان:
الجزء: 14 - الصفحة: 264
أحدهما: أنهم شياطين الجن وهو المطلق من هذا الاسم.
والثاني: أنهم شياطين الإنس المتمردون في الضلال، ومنه قول جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهونني إذا كنت شيطانا
وفي قوله تعالى على ملك سليمان وجهان:
أحدهما: يعني في ملك سليمان لما كان حيًا وتكون على بمعنى في.
والثاني: على كرسي سليمان، بعد وفاته، لأنه كان من آلات ملكه ويكون على مستعملًا على حقيقته وفي قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة 102] وجهان:
أحدهما: يعني وما سحر سليمان ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر، لأنه يؤول إليه.
والثاني: أنه مستعمل على حقيقة الكفر، لأن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا.
فإن قيل: إن المراد به السحر، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر فأطلع الله سليمان عليه فأخذه منهم دفنه تحت كرسيه فلما مات سليمان دلوا عليه الإنس ونسبوه إليه.
وإن قيل: إنه محمول على حقيقة الكفر، ففيما أريد قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: 102] وجهان:
أحدهما: ما كفر بالسحر.
والثاني: ما كفر بما حكاه عن الله تعالى من تسخير الرياح والشياطين له، وفي المراد بقوله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102] وجهان:
أحدهما: كفروا بما استخرجوه من السحر.
والثاني: كفروا بما نسبوه إلة سليمان من السحر ثم قال" ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] وفيه وجهان:
أحدهما: معناه أعلموهم ولم يعلموهم فيكون من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلامهم تعلم بمعنى أعلم، كما قال الشاعر:
تعلم أن بعد الغي رشدا ... وإن لذلك الغي انقشاعا
والثاني: أنه التعليم المستعمل على حقيقته، وفي تعليمهم للناس السحر وجهان:
أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه.
والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه، وفي قوله: ﴿ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: 102] وجهان:
أحدهما: أنهما ملكان من ملائكة السماء قوله من قرأ بالفتح.
الجزء: 14 - الصفحة: 265
والثاني: أنهما ملكان من ملوك الأرض قاله من قرأ بالكسر في ما هاهنا وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى الذي، وتقديره الذي أنزل على الملكين.
والثاني: أنهما بمعنى النفي، وتقديره ولم ينزل على الملكين، ببابل وفيه وجهان:
أحدهما: أنها أرض الكوفة وسوادها سميت بذلك حين تبلبلت الألسن بها.
والثاني: أنها من نصيبين إلي رأي العين، وهاروت وماروت فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما اسمان للملكين.
والثاني: أنهما اسمان لشخصين غير الملكين وفيهما وجهان:
أحدهما: أنهما من الملائكة اسم أحدهما هاروت، والآخر ماروت.
قاله من زعم أن الملكين المذكورين من قبلهما من ملوك الأرض.
والثاني: أنهما من ناس الأرض، اسم أحدهما هاروت والآخر ماروت من أهل الجبل، قاله من زعم أن الملكين المذكورين هما من ملائكة السماء، فإن قيل إنهما من الملائكة، ففي سبب هبوطهما وجهان:
أحدهما: اختيار الملائكة لأنهم عجبوا من عصاة الأرض فأهبط منهم هاروت وماروت في صورة الإنس فأقدما على المعاصي وتعليم النصيحة وهذا يستبعد في الملائكة المعصومين من المعاصي لكن قاله كثر من المفسدين فذكرته.
والثاني: أن الله تعالى أهبطهما لينهيا الناس عن السحر، وإن قيل: إنهما من ناس الأرض ففيهما وجهان-أنهما كانا مؤمنين، وقيل كانا نبيين من أنبياء الله تعالى ولذلك نهيا عن الكفر.
والثاني: أنهما كانا كافرين ولذلك علما السحر، ثم قال: ﴿ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدهما: أنه على وجه النفي.
وتقديره: لا يعلمان أحد السحر فيقولان-إنما نحن فتنة فعلى هذا يكون راجعًا إلي من انتفت عنه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت.
والثاني: أنه إثبات لتعليم السحر على شرط أن يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: أنه راجع إلي من أضيفت إليه المعصية من الملكين ومن هاروت وماروت ويكون تأويل قوله على هذا الوجه ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 102] أي شيء عجيب مستظرف الحسن كما يقال للمرأة الحسناء فتنة وهذا تأويل قوله فلا تكفر بما جئناك به وتطرحه بل صدق به وأعمل عليه.
والثاني: أنه راجع إلي من انتفت منه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت فعلى هذا هل لملائكة الله وأوليائه تعليم الناس السحر أم لا؟ فيه وجهان:
الجزء: 14 - الصفحة: 266
أحدهما: لهم تعليم الناس السحر لينهوا عنه بعد علمهم به لأنهم إذا جهلوا لم يقدروا على الاجتناب منه كالذي لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه.
والثاني: ليس لهم تعليم السحر ولا إظهاره للناس لما في تعليمه من الإغراء بفعله، وقد كان السحر فاشيًا تعلموه من الشياطين فاختص الملكان بالنهي عنه ويكون تأويل قوله على كلا الوجهين إنما نحن فتنة أي اختبار وابتلاء وفي قوله: فلا تكفر وجهان:
أحدهما: فلا تكفر بالسحر.
والثاني: فلا تكفر بتكذيبك لنهي الله عن السحر ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدهما: من هاروت وماروت.
والثاني: من السحر والكفرة ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدهما: يفرقون بنيهما بالسحر الذي تعلمون.
والثاني: يفرقون بينهما بالكفر لأن اختلاف الدين بالإيمان والكفر مفرق بين الزوجين كالردة ثم قال تعالى: ﴿ومَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ﴾ [البقرة: 102] من يعني بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدهما: بأمر الله.
والثاني: بعلم الله ثم قال: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102] يعني يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم في الدنيا ثم قال: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] يعني السحر بما يبذله للساحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: 102] فيه وجهان:
أحدهما: من نصيب.
والثاني: من دين.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من تفسير الآية التي هي أصل يستنبط منه أحكام السحر فقد اختلف أهل العربية في معنى السحر في اللغة على وجهين:
أحدهما: أنها إخفاء الخداع وتدليش الأباطيل ومنه قول امرئ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسخر بالطعام وبالشراب
أي نخدع.
والثاني: قاله ابن مسعود كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة شهادة البهت وتمويه الكذب، وأنشد الخليل:
أعوذ بربي من النفاثات ... ومن عضة العاضة المعضة
والكلام في السحر يشتمل على ثلاثة فصول:
الجزء: 14 - الصفحة: 267
أحدهما: في حقيقة السحر.
والثاني: في تأثير السحر.
والثالث: في حكم السحر.
فأما الفصل الأول: في حقيقة السحر، فقد اختلف الناس فيها، فالذي عليه الفقهاء والشافعي وأبو حنيفة ومالك وكثير من المتكلمين أنه له حقيقة وتأثيرًا وذهب معتزلة المتكلمين والمغربي من أهل الظاهر، وأبو جعفر الاستراباذي من أصحاب الشافعي، إلي أن لا حقيقة للسحر ولا تأثير وإنما هو تخييل وتمويه كالشعبذة لا تحدث في المسحور إلا التوهم وللاستشعار استدلالًا بقوله تعالى: في قصة فرعون وموسى ﴿فإذَا حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: 66 - 67] فأخبر أنه تخييل لا حقيقة له، وذلك أنهم جعلوا فيما مثلوه بالحيات من الحبال والعصي زئبقًا واستقبلوا بها مطلع الشمس فلما حمى بها ساح وسرى فسرت تلك الحبال كالحيات السارية ومعلوم من هذا أنه تخييل باطل، ولأنه لو كان للسحر حقيقة لخرق العاجات، وبطل به المعجزات وزالت دلائل النبوات ولما وقع الفرق بين النبي والساحر، وبين الحق والباطل وفي هذا دفع الأصول الشرائع وإبطال الحقائق وما أدى إلي هذا فهو مدفوع عقلًا وشرعًا، والدليل على أن السحر حقيقة وتأثيرًا ما قدمناه من الآية على ما بيناه من التفسير مع اختلاف مع تضمنها من التأويل ولو لم تكن له حقيقة لأبان فساده ولذكر بطلانه، ولما كان للنهي عنه موقعًا وفي هذا ردًا لما نطق به التنزيل فكان مدفوعًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ [الفلق: 4].
والنفاثات السواحر، في قول الجميع ينفش في عقد الخيط للسحر.
روى الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئًا وكل إلي فلو لم يكن للسحر تأثير لما أمر بالاستعاذة من شره ولكان السحر كغيره.
ويدل عليه ما روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى شكوى شديدة فبينما هو كالنائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما: ما شكواه فقال: مطبوب أي مسحور والطب السحر قال: ومن طبه قال: لبيد بن أعصم اليهودي، وطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فاستخرج منها وترًا فيه إحدى عشرة عقدة'فأمر بحل العقد فكان كما حل عقدة وجد راحة حتى حلت العقد كلها فكأنما نشط من عقال.
فنزلت عليه المعوذتان وهما إحدى عشر آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما وقد روي هذا الخبر من طرق شتى تختلف ألفاظه وتتفق معانيه ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث أيامًا يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن فاستيقظ ذات ليلة وقال: يا عائشة قد أفتاني ربي فيما استفتيته فيه
الجزء: 14 - الصفحة: 268
أتاني رجلان في المنام وذكرت مثله حديث ابن عباس على اختلاف في الألفاظ.
وإذا أثر في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل، وأثر فيه حين نشط لما عصمه الله تعالى من بين خلقه كان أولى أن يؤثر في غيره فإن قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من السحر لما في استمراره من خلل العقل وقد أنكر الله تعالى على من قال في رسوله: ﴿وقَالَ الظَّالِمُونَ إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8] قبل عصمة الرسول مختصة بعقله ودينه وهو في المرض كغيره من الناس وقد سم يهود ذراعًا مشوية وقدمت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها ومرض في آخر عمره فكان يقول: ما زالت أكلت خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري فكان في ذلك كغيره، ولما أجرى الشيطان على لسانه حين قرأ في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (19) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم 19 - 20] تلك الغرانيق العلي وإن شفاعتهم لترتجي أزل الله تعالى ذلك عنه وعصمه منه، ويدل عليه ما روى نافع عن ابن عمر قال: أرسلني عمر بن الخطاب إلي خيبر لأقسم ثمارها بينهم وبين المسلمين فسحروني فتكوعت بيدي فأجلاهم عمر عن الحجاز، فلولا أن للسحر حقيقة وتأثرًا لما أجمع عليه الصحابة وانتشر في الكافة، لما أجلاهم عمر من ديارهم ولراجعته الصحابة فيهم كما راجعوه في غيره من الأمور العظيمة المحتملة.
وقد روى بجالة قال: كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقلنا: ثلاث سواحر ويدل عليه أن الله تعالى جعل معجزة موسى في العصا لكثرة السحر في زمانه ومعجزة عيسى بإحياء الموتى لكثرة الطب في زمانه ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لكثرة الفصحاء في زمانه.
فلو لم يكن للسحر حقيقة، كما للطب والفصاحة حقيقة، لضعف معجزة موسى في علوه على السحرة لأنه دفع ما لا تأثير له وليس لدفع ما لا تأثير له تأثير، وإنما التأثير في دفع ماله تأثير كما كان لإحياء الموتى تأثير على الطب ولفصاحة القرآن على فصاحة الكلام تأثير.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية، فهو أن حقيقة السحر آثاره وإن لم تكن لأفعال السحر حقيقة وقد أثر سحرهم في موسى ما أوجسه من الخوف في نفسه.
وأما الجواب عن استدلالهم بما فيه خرق العادات وإبطال المعجزات، فهو خرق العادات في غير السحرة وليس بخرق العادات في السحرة كما أن الشعبذة خرق العادات في غير المتشعبذة وليس بخرق العادات في المتشعبذة وليس فيه إبطال المعجزات، لأن الشعبذة في خرق العادات كالسحر وليس فيها إبطال المعجزات، فكذلك السحر، لأن خرق العادات بالمعجزات مخالف لخرقها بالسحر والشعبذة، لأن أفعال المعجزات حقيقة وأفعال السحرة مستحيلة لأن موسى لما فلق البحر ظهرت أرضه حتى سار فيه موسى وقومه على اليابس، ولما ألقى السحرة حبالهم حتى ظنها الناظر حيات ظهر استحالتها وعادت إلي حالها، والله ولي العصمة.
وأما الفصل الثاني وهو تأثير السحر.
الجزء: 14 - الصفحة: 269
فقد ذهب قوم ممن ضعفت في العلم مخابرهم، وقلت فيه معرفتهم إلي أن الساحر قد يقلب بسحره الأعيان، ويحدث به الأجسام، ويجعل الإنسان حمارًا بحسب ما هو عليه من قوة السحر وضعفه، وهذا واضح الاستحالة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لو ثبت على هذا لصار خالقًا وهو مخلوق ورازقًا وهو مرزوق وربًا وهو مربوب، وشارك الله تعالى في قدرته وعارضه في حكمته.
والثاني: أنه لو قرر على هذا في غيره لقدر عليه في نفسه فيردها إلي الشباب بعد الهرم، وإلي الوجود بعد العدم يدفع الموت عن نفسه فصار من المخلدين وباين جميع المخلوقين.
والثالث: أنه يؤدي إلي إبطال جميع الحقائق، وأن لا يقع فرق بين الحق والباطل ولجاز أن تكون جميع الأجسام مما قيلت السحرة أعيانها، فيكون الحمار إنسانًا والإنسان حمارًا فإذا وضحت استحالة هذا القول بما ذكرنا، فالذي يؤثره السحر عند الشافعي وجماعة الفقهاء أن يوسوس ويمرض وربما قتل، لأن السحر تخييل، كما قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه 66] والتخييل بدوا الوسوسة بدو المرض والمرض بدو التلف، فإذا قوي التخييل حدث عنه الوسوسة، وإذا قويت الوسوسة، حدث عنها المرض، وإذا قوي المرض حدث عنه التلف، فيكون أول مبادئه التخييل ثم الوسوسة ثم التلف وهو غايته فهذه آثار السحر.
وأما الفصل الثالث، وهو أحكام السحر فيشتمل على قسمين:
أحدهما: حكم السحر.
والثاني: حكم تعلم السحر، فأما القسم الأول في حكم الساحر فقد اختلف فيه الفقهاء، فذهب أبو حنيفة ومالك إلي أنه كافر يجب قتله ولم يقطعا بكفره ومذهب الشافعي أنه لا يكفر بالسحر ولا يجب به قتله ويسأل عنه، فإن اعترف معه، بما يوجب كفره وإباحة دمه كان كافرًا بمعتقده لا بسحرة وكذلك لو اعتقد إبانة السحر صار كافرًا باعتقاد إباحته لا بفعل فيقتل حينئٍذ بما انضم إلي السحر لا بالسحر بعد أن تعرض عليه التوبة فلا يتوب.
واحتج من أوجب به القتل برواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حد الساحر ضربة بالسيف يعني به القتل، وبرواية عمرو بن دينار عن بجالة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساخر فقتلنا ثلاث سواحر ولم يكن من الصحابة خلاف فثبت أنه إجماع وبما روي أن جارية لحفصة سحرت حفصة فبعثت بها إلي عبد الرحمن بن زيد فقتلها ولأن الساحر يضاهي بسحره أفعال الخالق ومثل هذا يوجب القتل.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها فكان على عمومه في كل من قالها من ساحر وغير ساحر، ولأن لبيد بن أعصم اليهودي حليف بني زريق قد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم
الجزء: 14 - الصفحة: 270
يقتله وهو تحت قدرته، وقد كان على عهده كثير من السحرة فما قتل واحدًا منهم ولو وجب قتلهم ما أضاع حدود الله تعالى فيهم.
وروي أن عائشة رضي الله عنها مرضت فسأل بعض بني أخيها طبيبًا من الزط عن مرضها فقال: هذه امرأة سحرتها أمتها فسألت عائشة أمتها وكانت مدبرة لها فاعترفت بالسحر وقالت: سألتك العتق فلم تعتقيني فباعتها عائشة واشترت بثمنها أمة أعتقتها، ولو كان قتلها مستحقًا ما استجارت بيعها واستهلاك ثمنها على مشتريها، وكانت الصحابة تنكر عليها بيعها، ولأن السحر تخييل كالشعبذة، وهي لا توجب الكفر والقتل فكذلك السحر.
فأما الجواب عن الخبر، فرواه الحسن وهو مرسل، وضربة بالسيف، قد لا يكون قتلًا فلم يكن صريحًا فيه: وأما حديث عمر فراوية بجالة لم يلق عمر فكان أيضًا مرسلًا ولو صح لكان مذهبًا له، وأما حفصة فقد أنكر عثمان بن عفان رضي الله عنه عليها قتلها ولو كان مستحقًا لم ينكره، وأما قولهم إنه مضاه لأفعال الخالق عليه وفيه، لأن غاية سحره أن يؤذي وليس كل مؤٍذ ومضر مضاهيًا لأفعال خالقه كالضارب والقاتل.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو حكم تعلم السحر: وتعلمه محرم محظور؛ لأنه تعلمه داع إلي فعله والعمر به وما دعا إلي المحظور كان محظورًا وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس منا من سحر له وليس منا من تكهن له وليس منا من تطير أو تطير له: فإن تعلمه لم يكفر به.
وقال أبو حنيفة: يكفر بتعلمه لقول الله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] وهذا مذهب، يفسد من وجهين:
أحدهما: أن الإيمان والكفر مختص بالاعتقاد وتعلم السحر ليس باعتقاد فلم يطلق عليه الكفر.
والثاني: أن تعلم الكفر أغلط من تعلم السحر وهو لا يكفر بتعلم الكفر فأولى أن لا يكفر بتعلم السحر، فأما الدية فهي واردة في معلم السحر دون متعلمه وفوق ما بين المعلم والمتعلم لأن المعلم مثبت والمتعلم متخير كما وقع الفرق بين معلم الكفر ومتعلمه وعلى أن الشياطين كانوا كفرة بغير السحر، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا سحر رجلًا فمات سئل عن سحره فإن قال أنا أعمل هذا لأقتل فأخطئ القتل وأصيب وقد مات من عملي ففيه الدية وإن قال مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه لمات من ذلك العمل وكانت الدية وإن قال عملي يقتل
الجزء: 14 - الصفحة: 271
المعمول به وقد عمدت قتله به قتل به قودًا".
قال في الحاوي: وأنا السحر فهو ما يخفى فعله من الساحر ويخفى فعله من المسحور فلا يمكن أن يوصف في الدعوى على الساحر ولا تقوم به بينة في المسحور، فإذا ادعى رجل على ساحر أنه سحر وليًا له، فقتله بسحره، لم يستوصف عن السحر لخفائه عليه ولا يكلف البينة لامتناعها فإذا امتنعا رجع إلي سؤال الساحر على سحر أو لم يسحر، فإن أنكر أن يكون ساحرًا أو اعترف بالسرح وأنكر أن يكون قد سحره فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه وإن اعترف أنه سحره سئل عن سحره، لأن آثار السحر مختلفة وليس يمكن العمل فيها إلا على قول الساحر ولا يخلو حال بيانه من أربعة أقسام:
أحدها: أن يقول: عمدت سحره وسحري يقتل في الأغلب وإن جاز أن لا يثتل فهذا قاتل عمد محض وعليه القود.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه بناء على أصله في أن قود إلا بالمحدد، ودليلنا أنه قتله بما قتل مثله في الأغلب، فوجب أن يستحق في عمده القود كالمحدد.
والثاني: أن يقول: سحري لا يقتل في الأغلب وإن جاز أن يقتل وقد مات من سحري، فهذا قاتل عمد شبه الخطأ عليه الدية مغلظة دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا دية عليه احتجاجًا بأن القتل إنما يضمن بالمباشرة أو بالأسباب الحادثة عن المباشرة وليس في السحر واحد منها فلم توجب ضمان النفس كالشتم والبهت.
ودليلنا: هو أن القتل حدث عن سبب قاتل فجاز أن يتعلق به ضمان النفس كالسم وحفر بئر ولأنه ليس يمتنع أن ينفصل من الساحر ما يتصل بالمسحور، كما ينفصل من المتثاوب ما يتصل بالمقابل له فيثاوب وكما ينفصل من نظر الذي يعين ما استحسن فيتصل بالمعين والمستحسن.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: العين حق كما أنا حق وفي هذا الدليل انفصال.
والثالث: أن يقول: سحري يمرض ولا يقتل وقد أمرضه سحري ومات بغيره فهذا يعتبر فيه حال المسحور فإذا لم يزل ضمنًا مريضًا من وقت السحر إلي وقت الموت فالظاهر منه حدوث موته من مرض سحره، فيكون القول قول ولي المسحور مع يمينه، وإن كان قد انقطع عنه المرض وصار داخلًا خارجًا فالظاهر من موته أنه بسبب حادث غير سحره، فيحلف الساحر: لقد مات من غير سحره كالجراحة إذا حدث بعدها موت المجروح، واختلف الولي والجارح فإن لم يندمل الجرح، وكان على ألمه، فالقول قول الولي مع يمينه، وإن اندمل وزال الألم فالقول قوم الجارح مع يمينه.
والرابع: أن يقول سحري قد يمرض ولا يمرض وما أمرضه سحري فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه ويعزر أدبًا وزجرًا ويستتاب، فإن لم يتب عزر إذا سحر ولا يعزر بعد امتناعه من التوبة إذا لم يسحر، وبالله التوفيق.
الجزء: 14 - الصفحة: 272