كتاب العدد
باب عدة المدخول بها
مسألة:
قال: "قال الله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] قال: فالأقراء عندنا الأطمار.
الفصل:
الأصل في العدة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] ومعناه تربصها.
وأما السنة قوله صلى الله عليه وسلم "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء".
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيها.
ثم اعلم أن العدة بالكسر مصدر الإحصاء للعدد والعدة بالضم الشيء المستعد لشيء والعدة بالفتح (ق 41 أ) الجملة المعدودة وعدة النساء تربصهن عن الأزواج بعد فرقة أزواجهن.
ثم اعلم أن المعتدات على ثلاثة أضرب معتدة بالالأقراء، ومعتدة بالحمل، ومعتدة بالشهور، فالمعتدة بالأقراء تعتد بثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. والمعتدة بالخمل تعتد بوضع الحمل سواء كانت معتدة عن وفاة أو طلاق أو فسخ، لقوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4].
والمعتدة بالشهور على ضربين؛ معتدة عن وفاة، ومعتدة عن غير وفاة.
فالمعتدة عن وفاة تعتد بأربعة أشهر وعشر.
قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] والمعتدة من غير وفاة وهي المعتدة عن الطلاق أو فسخ تعتد ستة أشهر.
قال الله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:4] واللائي لم يحضن ومعنى قوله: إن ارتبتم: أي
الجزء: 11 - الصفحة: 251
شككتم، فإذا ثبت أنواع المعتدات فالكلام الآن في عدة كل واحدة منهم، فبدأ الشافعي رحمة الله عليه بهذه المطلقة المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء، وإنما شرط المدخول بها لأنها إذا لم تكن مدخولاً بها لا عدة عليها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49].
ثم ذكر أن عدتها ثلاثة أقراء الآية التي ذكرها، ثم قال: الأقراء: الإظهار، ولا خلاف أن اسم القروء يقع على الطهر والحيض معاً كاللون الأبيض والأسود وغيرهما، وقال أبو عبيد: الأقراء من الأضداد من كلام العرب.
وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء: الوقت (ق 41 ب) وهو يصلح للطهر والحيض، وقد ورد الشرع بتسميته طهراً وحيضاً أيضاً، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنه حين طلق امرأته وهي حائض: "إنما السنة أن تستقبل بها الطهر، ثم تطلقها في كل قرء طلقة" يعني في كل طهر، وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" أي أيام حيضك.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: ينطلق هذا الاسم على الحيض حقيقة وفي الطهر مجازاً.
ومنهم من قال: هو في الطهر حقيقة ويستعمل في الحيض مجازاً، ومنهم من قال: ينطلق هذا الاسم عليهما حقيقة، وبه قال أكثر أهل اللغة كالشفق اسم للحمرة والبياض والدلوك اسم للزوال والغروب، والجون اسم لجميع الألوان.
وقيل: هو اسم ينطلق على الانتقال من ميعاد إلى ميعاد، فيتناول الانتقال من الحيض إلى الطهر ومن الطهر إلى الحيض، كما يقال: أقر النجم إذا طلع وأقر إذا غاب.
واحتج من قال إنه حقيقة في الطهر بأن القرء مشتق من الجمع، يقال: قرأت الماء في الحوض، وقرأت الطعام في الشدق وسمي القرآن قرآناً للجمع.
وقال الشاعر:
ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي لم يجمع وحالة الجمع هي حالة الطهر، وإنما سمي الحيض قرء لمجاورة الطهر.
واحتج من قال إنه حقيقة المحيض بأن طهر الصغيرة لا يسمى قرء فلو كان هو اسم الطهر لكان كل طهر قرءاً.
واحتج من قال إنه حقيقة فيهما بأن في حالة الحيض يجمع الدم أيضاً، وإن كانت تخرج من الأوقات كما في حالة الطهر.
الجزء: 11 - الصفحة: 252
واحتج من قال إنه اسم (ق 42 أ) للوقت بأن العرب تسمي كل زمان أقبل قرء قال الشاعر:
كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح
أي لوقتها، وقال ابن الهيثم: القرء والعدة والأجل عند العرب واحد.
وقال الأصمعي: يقال أقرأت المرأة إذا دنا حيضها وأقرأت إذا دنا طهرها، وقال أبو عبيد: أصل الأقراء إنما هو وقت الشيء إذا حضر، قال الأعشى يمدح رجلاً يغزو غزاها:
مورثة مالاً وفي الحي زمعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وأراد ههنا الأطهار؛ لأن النساء لا يؤتين إلا فيها.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الله تعالى أمر المطلقة أن تعتد ثلاثة أقراء، فالظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت ثلاثة أقراء من أحد الجنسين، إما من الحيض أو من الطهر كفى، إلا أن أهل العلم أجمعوا أنه لا يكفي، ولا يجوز ذلك بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، إما من الحيض، وإما من الطهر، ثم اختلفوا في الأقراء المذكورة في الكتاب، فذهبت طائفة إلى أنها الأطهار.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة والفقهاء السبعة بالمدينة والزهري، وابن أبي ذئب، وربيعة، ومالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية رضي الله عنهم.
وقال الزهري، قال أبو بكر بن عمرو بن حزم: ما أجد أحداً من المدينة قال في الأقراء خلافاً لما قالته عائشة، وقال أحمد: أنا أعمل فيها بقول زيد بن ثابت الأقراء الأطهار، ثم قال: أنا لا أحسن أفتي بشيء فتوقف.
وروت عمرة عن عائشة (ق 42 ب) رضي الله عنها أنها قالت: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه.
وروى سليمان بن يسار أن معاوية كتب إلى زيد بن ثابت في ذلك فكتب زيد: إذا طلقت المطلقة في الحيض الثالثة فقد برئت منه، وكان ابن عمر يقول: إذا طلق امرأته فدخلت من الدم في الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها،
الجزء: 11 - الصفحة: 253
وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الحيض، وبه قال عمر وعلي، وابن مسعود وابن عباس، وأبو موسى، وأبي بن كعب، وأهل البصرة، والحسن والبصري وعبيد الله العنبري، والأوزاعي وأهل الكوفة، والثوري، وابن أبي ليل، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق رضي الله عنهم.
وروى عن علقمة أنه قال: جاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه فقالت: إن زوجي طلقني ثم تركني حتى رددته أبي وخلعت ثيابي فقال: قد راجعتك قد راجعتك، فقال عمر لابن مسعود رضي الله عنهما ما تقول فيها؟ قال: أرى أنه أحقبها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة، فقال عمر: وأنا أرى ذلك.
وحكي أن الشافعي وأبا عبيد القاسم بن سلام: تناظرا وكان الشافعي يقول: إنها الحيض، وأبو عبيد يقول: إنها الأطهار، فلم يزل الشافعي يقرر عليه أن القرء الحيض من حيث الفقه، وأبو عبيد يقرر عليه مذهبه من حيث اللغة حتى قاما وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، إلا أنه لم يوجد في كتب الشافعي أن الأقراء الحيض ولا في كتب أبي عبيد أن الأقراء الأطهار.
وفائدة الخلاف أن عندنا إذا طلقها وهي طاهرة تحتسب ببقية الطهر قرأ ثم تعتد بطهرين آخرين، وعندهم لا تحتسب (ق 43 أ) بهذا الطهر بل تعتد الحيض التي أيامها ثم بحيضتين، وإن طلقها في حال حيضها لا تحتسب ببقية الحيض بالاتفاق فعندنا تعتد بثلاثة حيض كوامل، فإذا طهرت من الحيضة الرابعة انقضت عدتها.
فعلى قولنا تسبق انقضاء العدة بكل حال سواء طلقها في الطهر أو في الحيض، فاستدل الشافعي على أنها الأطهار لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق:1] ومعناه: طلقوهن في زمان عدتهن، وإنما عبر عن "في" اللام، لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، قال الله تعالى: ﴿ونَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:47] أي في يوم القيامة ولم يذكر الزمان فيه؛ لأن العدة مصدر والمصادر يعبر بها عن الزمان.
فإذا ثبت هذا كان تقديره في زمان عدتهن، وقد أجمع المسلمون على أن الطلاق محرم في حال الحيض، فدل على أن زمان العدة هو زمان الطهر، وهذا لاشك فيه لمن تأمل، والذي دل على أن المراد به ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: "فطلقوهن لقبل عدتهن".
وشك الشافعي أنه قرأ لقبل عدتهن وقبل الشيء ما أقبل منه فأمر بالطلاق في إقبال زمان العدة، وقد أجمعوا على أن إقبال زمان الطلاق هو إقبال الطهر فيجب أن يكون هو زمان العدة، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "مر ابنك فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء إشارة (ق 43 ب) إلى قوله تعالى.
الجزء: 11 - الصفحة: 254
ثم ذكر الشافعي قول عائشة رضي الله عنها هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار، ثم قال: "والنساء بهذا أعلم".
لأن هذا مما يبتلى به النساء، وذكر الشافعي: "أن القراء: الحبس، تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه، وفي سقائه، ويقري الطعام في شدقه".
وأوجز الشافعي هذا الفصل على عادة الفصحاء ومراده أن الحيض لما كان دماً يوجبه الرحم فيخرج، والطهر دم محتبس فلا يخرج وجب حمل القرء على الطهر لأن القرء: الحبس.
ثم قال الشافعي: "ولا يمكن أن يطلقها طاهراً إلا وقد مضى بعض الطهر، وقد قال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فكان شوال، وذو القعدة كاملين وبعض ذي الحجة".
وأراد به أن طلاق الشخص لا يكون في الطهر إلا وقد مضى بعض الطهر، فإنه إذا ارتقب خاتمة حيضها، وقال لها في أول طهرها: أنت طالق فقد ..... من طهرها، ولا يتصور وقوع الطلاق من غير كسر الطهر إلا على جهة التعليق، ومقصود الشافعي بهذا الكلام أن الله تعالى لما قال: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] بين الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لقبل عدتهن عرفنا أن الطلاق إذا وقع من خلال الطهر ولا يمكن إيقاعه إلا مع إنكار الطهر كان الكسر الباقي محسوباً لها قرءاً ومقصوده بذكر الحج أن يجيب عن سؤال، وذلك أن أهل العراق ألزمونا، فقالوا: قال الله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] (ق 44 أ) فيجب أن تكون الثلاثة فاصلة وأنتم توجبون طهرين، وبعض طهر، ونحن حملناها على ثلاث حيض كوامل فأجاب الشافعي، فقال: وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197] والأشهر: اسم جمع وأقله ثلاثة فحملها الآية على شهرين وبعض شهر، فلذلك جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين، وبعض طهر، وهذا نص من الشافعي على أن أصل الجمع ثلاثة وهو مشهور مذهب أصحابنا.
ثم قال: "وليس في الكتاب ولا في السنة الغسل بعد الحيضة الثالثة" فهي باقية في العدة ما لم تغتسل إذا انقطعت حيضتها لدون عشرة أيام، فقال الشافعي: فهذا غسل ليس له في الكتاب ذكر ولا في السنة وكيف يقول هذا، وعند أبس حنيفة الزيادة على النص نسخ ولا يجوز النسخ بالاجتهاد.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو اغتسلت إلا مقدار إصبع انقضت العدة وبطلت الرجعة، وإن لم يستبح الصلاة، ولو اغتسلت إلا مقدار كف من جسدها فكأنها لم تغتسل.
وهذا مناقضة، قال: وإن اغتسلت بسؤر الحمار فهي في العدة حتى تتيمم فإذا
الجزء: 11 - الصفحة: 255
تيممت خرجت من العدة، وإن لم تدخل في الصلاة ولكن لا يحل لها التصرف في نفسها بدخول في الصلاة.
وقال في الذمية: تنقضي عدتها، وإن لم تغتسل ولم يمر عليه وقت وصلاة.
وهذه مناقضات ظاهرة، وقال شريك بن عبد الله: لا تنقضي عدتها ما لم تغتسل بعد انقضاء الحيضة الثلاثة كملت أو انتقصت، وبه قال (ق 44 ب) أحمد في رواية.
مسألة:
قال: "ولو طلقها طاهراً قبل جماع أو بعده، ثم حاضت بعده بطرفة عين فذلك قرء".
قد ذكرنا أنه إذا طلقها وهي حائض فهو طلاق محرم ولا يحتسب ببقية الحيضة من العدة، ثم إذا طعنت الحيضة الثالثة بعد هذه البقية.
قال الشافعي ههنا: "انقضت عدتها" وقال في البويطي: إذا رأت الدم يوماً وليلة انقضت عدتها، قال الداركي في المسألة قولان:
أحدهما: ما ذكره في البويطي لأن هذا الدم في الأول يحتمل أن يكون دم فساد فلا تحل للأزواج حتى تتحقق أنه حيض.
والثاني: ما ذكره ههنا وهو الصحيح؛ لأنا نحكم بأنه حيض ونأمرها بالإمساك عن الصلاة ونأمر زوجها بترك غشيانها.
ومن أصحابنا من قال: هما على حالين فالموضع الذي قال تنقضي العدة برؤية الدم إذا حاضت على العادة، والذي قال حت تصل يوماً وليلة إذا انتقلت عادتها مثل إن كانت العادة خمساً وعشرين طهراً، فلما كان في هذا الوقت طهرت أقل الطهر خمسة عشر يوماً وحاضت، وسواء قلنا تنقضي العدة بالرؤية أو حين يتصل يوماً وليلة، هل يكون هذا الدم من العدة؟ وجهان:
أحدهما: أنها من العدة لأنها دم تكتمل به العدة.
والثاني: لا يكون من العدة لأن الله تعالى أمر أن تعتد بثلاثة أقراء، فلو قلنا ذلك من العدة لكانت زيادة على المأمور وهذا أصح.
وفائدة الوجهين أنا إذا قلنا إنها من العدة كان زماناً للرجعة، وإن ماتت فيه ورثها، وإن نكحت بم يصح نكاحها، وإذا قلنا إنها ليست من العدة لا تصح الرجعة فيها، وإن ماتت فيه لم يرثها (ق 45 أ)، وإن نكحت يصح نكاحها.
وأما إذا طلقها في الطهر، فقد ذكرنا أنه يحتسب ببقية الطهر قرءاً قل ذلك أو كثر.
وحد أبو حامد هذا القليل بثلاثة أزمنة، زمان بلفظ الطلاق، وزمان لوقوعه، وزمان
الجزء: 11 - الصفحة: 256
للاعتداد به، وهذا الذي اعتبره من زمان وقوع الطلاق بعد التلفظ به لا يتميز في التصور، لأنه واقع باستيفاء لفظه لم يحتج بعده إلى زمان تحيض به، وصار محدوداً بزمانين زمان التلفظ بالطلاق وزمان الاعتداد، ولا فرق بين أن يكون هذا الطهر جامعاً فيه أو لا، وإن كان الطلاق محرماً إذا جامعها فيه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إذا كان جامعها في هذا الطهر لا يحتسب به، لأنه زمان حرم فيه الطلاق فلا يحتسب ببقيته من العدة كزمان الحيض، وهذا غلط لأنا لو قلنا هكذا لأدى إلى أن يصير الطهر أربعاً وتطول عدتها به فلا يجوز، ولأنه طهر يجب الطلاق فيحتسب به كما لو لم يجامعها فيه.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تحريم الطلاق في الحيض إنما كان لأنه لا يحتسب ببقيتها فلا يجوز أن تحصل العلة في عدم احتساب العدة تحريم الطلاق، والطلاق يحرم في الطهر الذي جامعها فيه؛ لأنها تكون مرتابة لا تعلم بأي شيء تعتد به فافترقا، ولو فرغ من حروف الطلاق واتصل بها الحيض أو قال: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك، فالطلاق محرم ويلزمها أن تعتد بعدة بثلاثة أقراء كوامل.
نص عليه في "الأم" وهو ظاهر ما ذكر ههنا؛ لأنه شرط أن يكون حيضها بعدة طرفة عين.
وحكي عن ابن سريج أنه خرج فيه بوجهين:
أحدهما: ما ذكرنا (ق 45 ب).
والثاني: أنه طلاق مباح ويحتسب بذلك الجزء قرءاً، فيكون وقع الطلاق وحصول القرء في زمان واحد، كما لو قال: أعتق عبدك عني فاعتقه يقع العتق والملك في زمان واحد، والمذهب الأول؛ لأنه يستحيل أن تكون معتدة قبل وقوع الطلاق.
فأما ما ذكره لا يصح لأنه يقع الملك عندنا أولاً، ثم يعتق عقبه.
وقال القفال، قال الشافعي في كتاب الرسالة: القرء اسم للانتقال من الطهر إلى الحيض إلى الطهر.
فإذا قلنا: القرء الانتقال حصل لها قرء في هذه المسألة للانتقال ويكون طلاقاً سنياً، كما قال ابن سريج في أحد الوجهين، وهذا غير صحيح لأنه ذكر في كتاب الرسالة عن أهل اللغة ولم يرد به أن المراد بالقرء المذكور في الآية الانتقال، ولو قال: أنت طالق في آخر جزء من أجزاء حيضك فيه وجهان:
أحدهما: أنه محظور لأنه واقع في زمان الحيض وهذا هو الصحيح.
والثاني: أنه مباح لأنه طلاق يتعقبه طهر معتد به.
قال هذا القائل: إذا كان الطلاق في المسألة السابقة محصوراً؛ لأنه يتعقبه حيض ففي هذه المسألة وجب أن يكون مباحاً؛ لأنه يتعقبه طهر، ومن نصر الوجه الأول أجاب عن هذا بأن الطلاق المجرد في حال الحيض لا يكون إلا محصوراً، فلم يجز أن يحكم بإباحة هذا الطلاق، وقد يكون الطلاق في الطهر محصوراً وهو في الطهر المجامع فيه فجاز أن يحكم بحظر هذا الطلاق، ولو اختلفا فقال الزوج: انقضت حروف الطلاق مع
الجزء: 11 - الصفحة: 257
انقضاء الطهر ووقع الطلاق في زمان الحيض، وقالت: بل انقضت حروف الطلاق وقد بقى بقية من الطهر فالقول قولها (ق 46 أ) لأن قولها مقبول في الحيض، وفي انقضاء العدة.
مسألة:
قال: "وتصدق على ثلاثة قروء في أقل ما يمكن".
الفصل:
قد ذكرنا فيما تقدم أنها تصدق في انقضاء عدتها إذا ادعت انقضاءها في اثنين وثلاثين يوماً وساعتين في القول المشهور.
فأما على القول الذي حكاه البويطي أنه يعتبر مضي يوم وليلة تصدق في ثلاثة وثلاثين يوماً وساعتين؛ لأن التصديق يقع بعد مضي اليوم والليلة من الحيض في الساعة الأولى من اليوم الثاني من الحيض.
وحكي الداركي عن الاصطخراي أنه قال: إذا كان لها عادة في الحيض أكثر من يوم وليلة لم يقبل قولها في أقل من ذلك، كما لو ادعت ابنة عشرين سنة أنها قد آيست من الحيض لم تصدق، وهذا لأن العادة صارت أصلاً متيقناً.
قال القفال: وهذا مفهوم قول الشافعي لأنه قال في الكبير: "لو كان لها عادات مختلفة فادعت انقضاء عدتها بأقل عدتها قبل" فدل على أنها لو ادعت بخلاف العادة لا يقبل وظاهر المذهب أنه لا فرق؛ لأن الشافعي أطلق ههنا أنها تصدق ولم يفصل بين أن تكون معلومة العادة أو مجهولة العادة، وهذا لأن تعيين العادة ممكن ولا طريق إلى معرفتها، وليس كذلك ابنة عشرين سنة لأنها لا تعلم من نفسها أنها قد آيست، وإنما تعلم تباعد الحيض عند أيام عادتها وقد تتباعد ثم تعود، نظير هذا أن العادة في الحمل تسعة أشهر فلو ادعت الولادة في ستة أشهر من يوم النكاح قلنا كذلك ههنا.
ولو ادعت انقضاء عدتها بأقل ما ذكرناه فلم يقبل قولها، ثم ادعت انقضائها بعد مضي زمان الإمكان نظر، فإن رجعت عن دعواها بالأولى قبل قولها، وإن كانت مصرة (ق 46 ب) على دعواها الأولى، وقالت: انقضت عدتي بأقل من هذا الزمان، وإنما فقدت المقدار الذي قلتموه بقولكم لم يقبل ولم يحكم بانقضاء عدتها.
وحكي أبو حامد أنه إذا مضى زمان الإمكان انقضت العدة، قال: ونص الشافعي على أن عدتها تنقضي بهذا القدر، وإن كانت تدعي ما ادعت أولاً؛ لأن العدة مضي الزمان، فإذا انقضت العدة والأول أصح، وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأنا حكمنا في الأول ببطلان إقرارها فلا نحكم بعد ذلك بصحته إلا بخبر منها مجدد.
وقال الداركي: إذا قعدت ثلاثة أشهر انقضت عدتها؛ لأن الغالب من أمر النساء
الجزء: 11 - الصفحة: 258
أنهن يختص في كل شيء، ولو قال لها: إذا ولدت فأنت طالق فولدت ولدا، ثم ادعت انقضاء العدة بعده فإنك ما تصدق.
قال الداركي: سبعة وأربعون يوماً وساعتين بساعة النفاس بعد الولادة، وخمسة عشر طهر ويوم وليلة حيض، وخمسة عشر طهر وهو القرء الثاني ويوم وليلة حيض وخمسة عشر طهر، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد انقضت العدة.
ووافقه سائر أصحابنا، وقال القاضي الطبري: يجب أن تكون سبعة وأربعين يوماً وساعة لايجوز عندنا أن تلد ولا ترى النفاس.
وقال القفال: فيه وجه آخر أن الدم إذا عاد في ستين يوماً فهو نفاس، وبه قال أبو حنيفة ويريد ستون، وهذا غريب بعيد، وإذا ادعت انقضاء عدتها بالسقط، نقل المزني: ولذلك صدق على السقط، وقد ذكرنا ما قيل في كتاب الرجعة.
مسألة:
قال: "وأقل ما علمناه من الحيض يوم".
الفصل:
قد ذكرنا هذا في كتاب الحيض، وقيل: كان الشافعي يرى أقل الحيض (ق 47 أ) يوم وليلة حتى صح عنده ما قال الأوزاعي: كانت عندنا امرأة تحيض بالغداة وتطهر بالعشي.
وكتب إليه عبد الرحمن بن مهدي بمثل ذلك فصار إليه.
واختار المزني من القولين لنفسه: أن أقل الحيض يوم وليلة، واحتج فقال: لأنه زيادة في الخبر والعلم، وهذا الذي اختاره أصح القولين، ولكن يمكن أ، يجاب عن دليله بأن يقال: الزيادة في الخبر أن يكون أقل الحيض يوماً؛ لأن المرجع فيها إلى الوجود من نوادر عادات النساء، فإذا وجدنا امرأة حيضتها يوم وليلة ووجدنا امرأة أخرى حيضتها يوم، فزيادة العلم مع التي حيضتها يوم، ولو اعتبر الزيادة في المدة لكان ما ذهب إليه أبو حنيفة أولى، وهو أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وقيل: إنه اختار ما قال في هذا الموضع أنه يوم لا ما حكى عنه من موضع آخر، فقال: هذا أولى، يعني قوله يوم؛ لأنه زيادة في الخبر والعلم، ثم مثل القول فقال: وقد يحتمل أنه أراد يوماً بليلته فيكون المفسر من قوله يقضي على المجمل.
مسألة:
قال: "وإن علمنا أن طهر امرأة أقل من خمسة عشر جعلنا القول فيه قولها".
أقل الطهر عندنا خمسة عشر يوماً للوجود المعتاد في خواص النساء، فلو وجدنا
الجزء: 11 - الصفحة: 259
أقل منها لجعلناه طهراً ولكن لم يوجد وجوداً معتاداً، والعادة أن تتكرر مراراً ومن جماعة النساء مرة واحدة، وقال الداركي: سمعت أبا إسحاق يقول: إذا تكرر مرتين فقد صار معتاداً، وقال مرة أخرى: إذا تكرر ثلاث مرات ولا يختلف المذهب أنه لا يثبت ذلك بمرة واحدة.
وقال الداركي: (ق 47 ب) اعتبار الثلاث أولى وأصح، فإذا وجد متكرراً ثلاث مرات في امرأة واحدة من غير مرض ولا عارض، أو وجد مرة واحدة من نساء أقلهن ثلاث نسوة تثبت العادة، وإن ادعت امرأة بعد ذلك أنها رأت أقل من خمسة عشر يوماً صدقناها وجعلناه طهراً صحيحاً، ولكن لم يثبت بعد فلا يقبل فيه قول معتدة بحال، فإن تفرق ذلك في امرأة واحدة ولم يتوال لا تصير عادة، وإذا وجدة مرة واحدة من ثلاث نسوة هل يراعى أن يكون ذلك في فصل واحد من عام واحد؟ وجهان:
أحدهما: يراعى وجود ذلك منهن في فصل واحد في عام واحد، فإن اتفق عليه فصلين في عام واحد أ, فصل واحد في عامين لم تصر عادة معتبرة، ليكون اختلاف طباعهن مع اتفاق زمانهن شاهداً على صحة العادة احتياطاً لها.
والثاني: لا يعتبر ذلك وإن اختلفت في الفصول والأعوام جاز وصار عادة، ليكون أنفي للتواطؤ وأبعد من التهمة، ولا يقبل ذلك إلا من نساء ثقات تقبل شهادتهن لما فيه من إثبات حكم مرعى، ولا يقبل خبر المعتدة معهن في حق نفسها لتوجه التهمة إليها وفي قبوله في حق غيرها وجهان:
أحدهما: لا تقبل لرده بالتهمة.
والثاني: تقبل لأنها ثقة.
فإن قيل: قلتم في الحيض تثبت عادة المرأة في الحيض بمرة أو مرتين، وههنا تعتبرون ثلاث مرات فما الفرق؟ قيل: الفرق أن تلك عادة المرأة التي تعتبرها في تمييز حيضها من استحاضتها، واعتبار حكمها في نفسها دون غيرها، فقلنا: رد إلى مقدار الدم الذي رأته مرة أولى من اعتبار أقل الحيض، أو اعتبار غالب عادة نساء بلدهم، وههنا نريد أن نعرف عادتها ليثبت به (ق 48 أ) حكمها وحكم سائر النساء في مقدار أكثر الحيض وأقله فكان حكمه آكد وأغلظ، فاعتبرنا التكرار فيه.
وقال القفال: هذا الذي ذكره الشافعي ههنا من أقل الطهر لفظ في غاية الإطلاق، ولا يدل على أن الشافعي لم يحكم بأقل الطهر وأحال على ما سيوجد، بل أراد أنا لو كنا وجدنا فيما مضى عادة جارية في بعض النساء وجدنا فيه قول متقدم لقلنا به، ولكنا لم نجد ذلك والإجماع إذا انعقد على شيء لم يجز الاعتراض عليه، وقد استقرت العادة فيه على خمسة عشر إلى يومنا هذا والله تعالى ما أجرى العادة بتبديلها وتغييرها فاستقر الإجماع والأحكام عليها، ولو جاز أن يقال بهذا القول في الطهر جاز أن يقال في أكثر الحيض وأقله مثل هذا.
وكان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يقول: إذا استقرت عادة
الجزء: 11 - الصفحة: 260
امرأة على أربعة عشر أو ثلاثة عشر في الطهر جعل ذلك لها أقل الطهر, وأخبر أن امرأة كانت بهذه الصفة مستقرة العادة فأتاها بهذا الفتوى ومات وهو على هذا المذهب, وظاهر كلام الشافعي معه كما ترى.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ رَأَتِ الدَّمَ فِي الثَالثَةِ دَفْعَةٌ ثُمَّ ارْتَفَعَ يَوْمْيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكثَرَ, فَإِنْ كَانَ الوَقْتُ الَّذِي رَأَتْ فِهِ الدَّفْعَةَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا وَرَأَتْ صُفْرَةٌ أَوْ كَدْرَةٌ أَوْ لَمْ تَرَ طُهْرًا حَتَّى يَكْمُلَ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ فَهُوَ حَيْضٌ, وإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّام الحَيْض فَكَذَلِكَ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ وَالحَيْضَ قَبْلَهُ قَدْرُ طُهْر وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ لَمْ يَكُنْ حيْضًا".
[ق 48 ب] قوله: "دفعة" أي لحظة.
وقوله: "في الثالثة" أي في الحيضة الثالثة وقوله "ولم طهرًا" أي أقل الطهر, وأراد به أنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة فرأت دمًا, ثم انقطع يومين أو ثلاثة أيام, فإن كان الدم الذي رأته حيضًا فقد انقضت به العدة, وإنما يكون حيضًا بوجود ثلاث شرائط, اثنان متفق عليها.
أحدهما: أن يكون بينه وبين الحيض الذي كان قبله أقل الطهر وهو خمسة عشر يومًا.
والثاني: أن يكون مقدار الدم يومًا وليلة أو يومًا على ما ذكرنا, وقد صرح ههنا باعتبار يوم وليلة.
والثالث: أن يكون أسود ثخينًا, فإن كان أصفر رقيقًا أو مكدرًا, فإن كان في أيام العادة كان حيضًا, وإن كان في أيام الإمكان فالمنصوص ههنا أن يكون حيضًا, وقد ذكرنا عن الاصطرخي أنه قال: لا يكون حيضًا لأنه ليس معها أمارة تدل على أنه حيض من وقت وصفه إلا أن يتقدمها دم أسود فيكون حيضًا؛ لأن علامة دم الحيض قد تقدمت ولا يبقى الدم على حالة واحدة بل يتغير إلى الصفرة أو الكدرة فلا يخرج بذلك عن أن يكون حيضًا.
قال: هذا القائل وقد شرط الشافعي ههنا يقدم الدم الأسود أو الأحمر, لأنه قال: "ورأت صفرة أو كدرة بعد الدفعة" فعرفنا أن الدفعة غير الصفرة والكدرة, وهو السواد وما يقارب السواد من الأحمر القاني الثخين, وهذا غلط؛ لأن الشافعي نص في "الأم" على هذه المسألة, وقال: "أو رأت صفرة أو كدرة" فسقط الألف من المزني ومعناه: أو كان مكان هذا الدم صفرة أو كدرة, وقال بعده: [ق 49 أ] "وإن كان في أيام الحيض فكذلك" أي إن كان في غير أيام العادة فهو كما لو كان في أيام العادة, إذا كان بينه وبين
الجزء: 11 - الصفحة: 261
الحيض قدر طهر يعني خمسة عشر يومًا فصاعدًا, فقول الأصطخري مخالف نص الشافعي بكل حالٍ, وإن رأت الدم في الثالثة لحظة ثم ارتفع يومًا أو يومين ولم يبلغ أقل الطهر, ثم عاودها الدم وكان الزمان يبلغان يومًا وليلة كان الكل حيضًا وانقضت به العدة, وهذا على القولين في التلفيق, وقد شرحناه في كتاب الحيض.
وجملة الكلام ههنا أنَّا إذا جعلنا الدم حيضًا حكمنا بانقضاء عدتها برؤيته, وإذا لم نجعله حيضًا لم نحكم.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَبَقَ عَلَيْهَا الدَّم, فَإِنْ كَانَ دَمًا يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامِ أَحْمَرَ قَانِيًا مُحْتَدِمًا كَثِيرًا وَفِي أَيَّامِ بَعْدَهُ رَقِيقًا".
الفصل:
أراد به أنها إن كانت مميزة ردت إلى التمييز.
والاحتدام: أن يخرج بخرقة, وإن لم تكن مميزة وكانت لها عادة ردت إلى عادتها, وإن لم تكن لها عادة وكانت مبتدأة فيه قولان:
أحدهما: حيضها في كل شهر يوم وليلة.
والثاني: ست أو سبع.
ونص ههنا أنه حيضها يوم وليلة من أول كل شهر وسوى بين الناسية والمبتدأة في ذلك, وإنما جعل الحيض يومًا وليلة من أول كل شهر؛ لأن الغالب أن الحيض يكون في أول كل شهر.
فإن قيل: ليس من الضرورة أن يوافيها حيضها مع الهلاك, بل ربما يوافيها حيضها في وسط الشهر أو في آخر الشهر, فكيف اعتبر الشافعي الأهلة في هذا الحكم؟ قيل: الأمر على ما ذكرتم ولكننا إذا لم نعرف ههنا أول دورها ولآخر دورها, وعرفنا أن أغلب عادات النساء في كل شهر طهر وحيضة [ق 49 ب] لم نجد أصلًا نرجع إليه أولى من الأهلة التي جعلها الله تعالى علمًا لمعرفة الحساب في مثل هذا الموضع, ثم قال الشافعي ههنا: "َإِذا أَهَلَّ الهِلاَلُ الرَّابعُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا".
وروى الربيع: "فإذا أهل الهلال الثالث فقد انقضت عدتها" واختلف أصحابنا في هذا, فمنهم من قال: لا فرق بين الروايتين, وصورة المسألة أن يطلقها في بعض المحرم, فنحسب به قرْءًا وصفر قرءًا ثانيًا وربيع الأول قرءًا ثالثًا, فإذا أهل هلال ربيع الآخر فقد انقضت العدة, فعد الشافعي على رواية المزني هلال المحرم في العدة, لأنه محسوب من العدة وهو الأول, ولم يعده في رواية الربيع في العدد ولكن حسبه من العدة؛ لأن الهلال قد سبق الطلاق وإنما حسبنا ما بقي من الشهر بعد إهلال الهلال قرءًا
الجزء: 11 - الصفحة: 262
فلم نعد ذلك الهلال في عدد الأولة فالروايتان هما واحد, ومنهم من قال: معنى رواية المزني إذا طلقها في أول المحرم فحسب ما بقي منه قرءًا, وحسب هلال المحرم في العدد؛ لأنَّا إذا حسبناه قرءًا من أوله يجب أن يحتسب في عدد الأهلة, فإذا أهل هلال ربيع الآخر وهو الرابع من هلال المحرم فقد انقضت العدة.
وعنى رواية الربيع أنه طلقها في آخر المحرم, وقد بقي منه يسير فحسب ما بقي قرءًا؛ لأنها طاهرة في الجملة على ما بيَّناه, فإنَّا إذا جعلنا حيضتها في أول كل شهر تكون في آخره طاهرًا ولكنه لم يحتسب هلال المحرم في عدد الأهلة؛ لأن اليسير منه محسوب من العدة والمعظم قبل وقوع الطلاق ووجوب العدة [ق 50 أ] فلم نعده في عدد الأهلة وحسب من أوله هلال يأتي عليها وهو هلال صفر وهلال ربيع أول, فإذا أهل هلال ربيع الآخر, فقد انقضت عدتها وهو الثالث من هلال صفر.
ومن أصحابنا من قال: معنى ما رواه المزني إذا طلقها في النصف الأخير من الشهر فلا تعتد بما بقي من الشهر من العدة؛ لأنه لا يجوز أن يكون جميع ما بقي حيضًا, فإذا أهل صفر دخلت في العدة, فإذا أهلّ جمادي الأولى وهو الهلال الرابع من هلال صفر, فقد انقضت العدة.
ومعنى ما رواه الربيع إذا طلقها في النصف الأول من الشهر حتى يسع ما بقي حيضًا وطهرًا فيحتسب به قرءًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون جميع ما بقي من الشهر حيضًا, ولكنه لا يحتسب هلال المحرم في العدد لأنه أهل قبل وقوع الطلاق, وإنما يحسب من هلال صفر, فإذا أهلّ ربيع الآخر فقد انقضت العدة وهو الثالث من هلال صفر.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن يطلقها في النصف الآخر من الشهر وفيه قولان:
أحدهما: لا يحتسب به قرءًا وهو رواية المزني لما ذكرنا أنه يجوز أن يكون كل ما بقي حيضًا.
والثاني: يحتسب قرءًا لأنَّا حكمنا بأنها طاهرة في آخر الشهر فيحتسب به قرءًا, فإذا أهلّ الهلال الثالث بعد الطلاق فقد انقضت العدة في رواية الربيع, وفي رواية المزني, فإذا أهل الهلال الرابع تنقضي العدة.
ومن أصحابنا من قال, وهو اختيار صاحب المنهاج: قوله: "فإذا أهلّ الهلال الرابع" أي انقضى الشهر الثالث فالهلال مضاف إلى الشهر الرابع [ق 50 ب] كما إذا انقضى شعبان فاستهل الهلال يضاف ذلك الهلال إلى رمضان, وقوله: "فإذا أهل الهلال الثالث" أي انقضى الشهر الثالث ولكنه عبر عن انقضائه استهلال الهلال على نوع من التجوز في العبارة, فرجع الروايتان إلى معنى واحد وهو في المبتدأة والناسية إذا مضى عليهما ثلاثة أشهر بالأهلة حكمنا بانقضاء عدتها, وكذلك إن مضى شهران وأكثر الشهر الأول فحصل خمسة طرق.
الجزء: 11 - الصفحة: 263
وذكر القفال وجهًا آخر أن الناسية إذا لم تعرف متى استمرّ بها الدم بأن أفاقت والدم سائل بها يجعل ذلك الشهر أول شهرها ويحسب كل شهر ثلاثين يومًا, فإذا تم ثلاثون يومًا فقد أهل هلالها ولا تعمل بالأهلة.
وفي المبتدأة تحتسب من أول ما رأت الدم المستمر كل ثلاثين يومًا شهرًا فنقضت شهور الأهلة أو كملت وهذا غريب بعيد.
وقال بعض أصحابنا: أحد القولين في الناسية المتحيرة أنها لا تحيض شيئًا, بل تكون كل دهرها مشكوكًا فيه, وتأخذ بالاحتياط في العبارات على ما ذكرنا في "كتاب الحيض" فعلى هذا ينبغي أن تتربص في العدة حتى تصير من الآيات فتعتد حينئذٍ بثلاثة أشهر تغليظًا كما في العبادات, لأنه ما من زمان يأتي عليها إلا ويمكن فيه الحيض والطهر معًا, ولا نعلم قدر ما بين الحيضتين من الطهر فيعتذر الحكم لها بعدة صحيحة.
وهذا أيضًا غريب ضعيف.
وقال القفال: في الناسية طريقان:
أحدهما: فيها قولان أنها كالمبتدأة أو لا حيض لها.
والثانية: قول واحد لأنه لا حيض لها إلا في العدة فإنَّا نجعل كل شهر لتنقضي عدتها بثلاثة أشهر [ق 51 أ] والمنصوص التسوية بين المبتدأ والناسية ههنا وهو الصحيح.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ جُعِلَتْ عِدَّتُهَا تَنْقَضي بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ".
الفصل
معناه إذا لم يكن لها تمييز ولا عادة فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر, وليست هذه من ذوات الشهور وإنما هي من ذوات الأقراء وبها تنقضي عدتها, ولكن الغالب أنه ثلاثة أقراء تنقضي من ثلاثة أشهر, فأمرها بالعقود ثلاثة أشهر ولتحصل لها بمضيها ثلاثة أقراءٍ, وسواء قلنا إنها تلفق أو لا تلفق فالحكم واحد لا يختلف في باب العدة.
فأما إذا كانت مميزة أو كانت معتادة فإن حيضها مقدار التمييز أو مقدار العادة إن لم يكن لها تمييز, وما زاد على ذلك طهر وتعتد بثلاثة أطهار على ذلك, سواء كانت في أقل من ثلاثة أشهر أو في أكثر من ثلاثة أشهر.
فإن قيل: إذا جعلتم أيام نقاءئها طهرًا فهلا تنقضي عدتها لستة أشهر؟ قلنا: أجاب الشافعي بأن الله تعالى حكم بأن العدة تنقضي بثلاثة أطهار كوامل وهذه أطهار ناقصة, وفسره أصحابنا بأن هذا طهر واحد تفرق وحيضة واحدة تفرقت؛ لأن لها في شهر واحد خمسة عشر يومًا حيضًا وخمسة عشر طهرًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 264
وقال سعيد بن المسيب في المستحاضة التي استمرّ بها الدم إما دائمًا, وإما يومًا دمًا ويومًا طهرًا: تتربص تسعة أشهر ثم ثلاثة أشهر فذلك سنة, ثم تنكح؛ لأنه يحتمل أن جميع دمها دم فساد فتصير كامرأة تراخى حيضها وقد حكم رضي الله عنه في التي تراخى حيضها بهذا فقاس سعيد بن المسيب على هذه, فنقول: حديث عمر رضي الله عنه متأول على ما سنذكره, وأما هذه فإنها لا تزال [ق 51 ب] ترى الدم فلا تجعل آيةً من الحيض.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا فَهِيَ مِنْ أَهْلِ الحَيْضِ حَتَّى تَبْلُغَ الِّسِّنَّ الَّتِي مَنْ بَلَغَها لَمْ يَحِضْ".
المرأة التي لم تحض قط فعدتها تكون بثلاثة أشهر بلا خلافٍ, ولا فرق بين أن تكون قد بلغت سن المحيض, وإن كانت آيسة ثلاثين سنة أو خمسين أو لم تبلغ.
وبه قال جماعة الفقهاء.
وقال أحمد في رواية: إن بلغت سن المحيض فعدتها سنة اعتبارًا بغالب مدة الحمل وثلاثة أشهر بعدها.
واحتج بأن هذه في سن المحيض, فإذا لم تر الدم اعتدت سنة كما لو كانت ذات الحيض, ثم انقطع.
وهذا غلط لقوله تعالى ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[الطلاق:4] ولم يفصل ولا نسلم قياسًا عليه, وإن سلمنا على قوله القديم فالعرف أنها من ذوات الأقراء بخلاف هذه فافترقا, وإن كانت قد حاضت مدة أو أكثر, ثم تباعد حيضها نُظر فيه, فإن كان لعارض مثل رضاع أو مرض أو غيره عليها أن تقعد إلى أن يزول العارض وتحيض أو تيأس ثم تعتد بثلاثة أشهر, وهذا إجماع, والدليل عليه ما روى الشافعي بإسناده أن حيان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع, فأقامت تسعة عشر شهرًا لا تحيض, ثم مرض حيان فسئل عن ذلك عثمان بن عفان, وعنده على بن أبي طالب, وزيد بن ثابت رضي الله عنهم, فقال عثمان لعلي وزيد: ما تريد فقالا: نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت فإنها ليست من القواعد التي يئسن من المحيض, وليست من الأبكار اللائي لم يبلغن المحيض ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل وكثير, فرفع [ق 52 أ] حيان إلى أهله فأخذ ابنته, فلما فقدت الرضاع حاضت حيضتين, ثم توفي حيان قبل الثالثة فاعتدت عدة المتوفي عنها زوجها وورثته.
وروى عن محمد بن يحيى بن حيان أنه قال: كانت عند جدي حيان امرأتان له: هاشمية وأنصارية, فطلق الأنصارية وهي ترضع فمرت بها سنة, ثم هلك عنها, ولم تحض, فقالت: أنا أرثه لم أحض, فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى لهما عثمان
الجزء: 11 - الصفحة: 265
رضي الله عنه بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال عثمان: هو أشار إلينا بهذا ابن عمك, يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وروى عن علقمة أنه كانت له امرأة فطلقها تطليقة أو تطليقتين ثم حاضت حيضة أو حيضتين, ثم ارتفع حيضها سبعة أو ثمانية عشر شهرًا, ثم ماتت فقال ابن مسعود رضي الله عنه حبس الله عليك ميراثها فورثه منها.
وإن كان لغير عارض, قال في "الجديد": تقعد إلى أن ترى الحيض أو تيأس فتعتد بثلاثة أشهر, وبه قال أبو حنيفة وجماعة, ووجهه أن الله تعالى لم يجود الأشهر إلا للآيسات, أو اللاتي لم تحض, وهذه ليست يائسة ولا ممن لا تحيض.
وروى أن أبا الأحوص طلق امرأته وكانت ذات أقراءٍ فارتفعت حيضتها فسأل عبد الله بن مسعود فقال: أبقي بينكما لا تنقضي عدتها حتى تحيض أو تيأس.
وروى عن ابن سيرين, عن ابن مسعود أنه قال: عدة المطلقة الحيض, وإن طالت.
وقال في "القديم": تقعد حتى يمر بها ما يدل على براءة رحمها ثم فيه قولان:
أحدهما: يعتبر العلم ببراءة رحمها قطعًا وهو أربع سنين.
والثاني: يعتبر العلم ببراءة رحمها ظاهرًا وهو تسعة أشهر, وبه قال مالك, وأحمد, وعلى كلا القولين [ق 52 ب] لابد من ثلاثة أشهر بعدها؛ لأنَّا اعتبرنا هذه المدة لتصير بها من أهل الشهور, فإذا صارت من أهله اعتدت بها, فإن قيل: إذا اعتبرتم العلم ببراءة رحمها قطعًا بأربع سنين على القول الأول فلم اعتبرتم مضي ثلاثة أشهر ولا معنى له؟
قلنا: الاعتداد إنما يكون بالأقراء أو بالأشهر, وقد تجب العدة مع تحقق براءة الرحم, ألا ترى أنه لو علق الطلاق بوضع الحمل فوضعت اعتدت مع حصول براءة الرحم يقينًا كذلك ههنا, ومن قال بالقول الثاني احتج بان بهذا القدر تُعلم براءة الرحم ظاهرًا ويكفي الظاهر في انقضاء العدة, ألا ترى أنها تنقضي بثلاثة أقراء, وإن جاز أن تكون حاملًا.
وروى الشافعي في "القديم" عن ابن المسيب, عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في المرأة التي يطلقها زوجها تطليقة ثم تحيض حيضة أو حيضتين ثم ترفع حيضها أنها تتربص تسعة أشهر, فإن استبان بها حمل فهي حامل وإلا اعتدت بعد ذلك ثلاثة أشهر, ثم قد خلت بالخاء، هكذا أورده الإمام البيهقي رحمه الله ثم عاب على من خالفه, وقال: أمير المؤمنين يقضي به بين المهاجرين والأنصار ولا ينكر منكر فكيف يجوز مخالفته, ولأنَّا لو كلفنا بالجلوس حتى تبلغ سن اليأس أدى إلى ضرر عظيم بها,
الجزء: 11 - الصفحة: 266
حيث تبقى في العدة إلى أن تبلغ ستين سنة أو سبعين, ثم لا يرغب فيها أحد, وعلى زوجها ضرر أيضًا حيث يلزمه سكناها ونفقتها إن كانت رجعية وفي أقل هذا الضرر أزلنا النكاح في العنة ونحوها, فههنا أولى أن يزول, وقيل: إن الشافعي رجع عن قوله القديم صريحًا, وقال: يحتمل قول عمر أن يكون في المرأة التي قد بلغت السن [ق 53 أ] التي من بلغها من نسائها آيس من المحيض, وفي رواية أن عمر قال في التي رفعتها حيضها ومعناه ارتفعت حيضها.
وأما فصل الضرر يبطل بما لو ارتفعت حيضتها لعارض مرض, ولأنه قد يغيب زوجها وتقعد فلا تحل إلا بعد طول عمرها, ولا يباح لها النكاح للضرر كذلك ههنا.
وإذا قلنا بقوله القديم فإن تعاودها الدم فلا كلام, وإن عاودها بعد انقضاء العدّة وعند النكاح فلا تعود إلى الأقراء ولا يبطل نكاحها؛ لأنه تعلق حق الزوج الثاني بها فلا يبطل بعود الدم, وإن عاودها في العدة أو في حال المكث كانت عادتها الأقراء, وإن عاودها بعد انقضاء العدة قبل النكاح هل تعود إلى النكاح وجهان:
أحدهما: تعود إليها لأنها رأت الدم قبل أن يتعلق بها حق زوج آخر.
الثاني: وهو الصحيح أنها لا تعود؛ لأَّنا حكمنا بانقضاء عدتها فأشبه إذا عاودها بعد النكاح.
وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة.
وإذا قلنا بقوله الجديد اختلف قول الشافعي فيما تصير به آيسة فقال في موضع: إذا بلغت السن التي من بلغها من نائها آيست من المحيض اعتدن بالأشهر، فجعل الاعتبار في الإياس بنسائها دون سائر الناس, ولا فرق في هذا بين نساء العصبات وغيرهن من عشيرتها, وهذا هو المذهب بخلاف اعتبار مهر المثل؛ لأن النسب في ذاك معتبر بخلاف هذا, ولأن الظاهره أن نساؤنا كنائسهم وطبعها كطبعهم.
وقال في موضع آخر: إنها لا تصير من الأنساب حتى تبلغ السن التي من بلغها من نسائها وغيرهن من نساء زمانها لم تحض يقينًا احتياطًا كما تعتبر عادة نساء العالم [ق 53 ب] في أقل الحيض وأكثره.
قال أبو إسحاق ولعله أصح القولين, وقيل: فيه وجه آخر ذكره صاحب "الإفصاح" تنتظر السن التي من بلغها لا تحيض في غالب النسوان كما اعتبر الشافعي هذا في عادة الحيض.
وقال القفال: مرجع القولين إلى أن المرأة تأخذ في أمر عدتها بالظاهر أو باليقين وفيه قولان, قال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بنساء بلدها خاصة, وفي وجه يعتبر بنساء عصباتها كمهر المثل, وهو غلط طاهر.
وقيل: لم تحض امرأة لخمسين سنة إلا أن تكون عربية ولم تحض لستين إلا أن تكون قرشية, وهذا قول غريب.
وقال صاحب "الحاوي: هذا لا يصح لأني كنت في جامع البصرة فحضرتني
الجزء: 11 - الصفحة: 267
امرأة ذات خشوع وصلاح, وقالت: عاودني الدم بعد الإياس فهل يكون حيضًا فقلت: كيف؟ قالت: أراه في كل شهر دمًا أسود كعادتي في زمان الشباب.
قلت: ومذ كم رأيته؟ قالت: مذ نحو من سنةٍ قلت: كم سنك؟ قالت: نحو من سبعين سنةٌ.
قلت: من أي الناس أنت؟ قالت: من بني تميم.
قلت: أين منزلك؟ قالت: في بني حصين فأفتيتها أنه حيض لتلتزم أحكامه.
فإذا قلنا بهذا القول فبلغت سن الآيسات واعتدت بثلاثة أشهر, ثم رأت الدم قبل النكاح أو بعده فالحكم على ما ذكرنا في القول الأول هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القفال: فيه قولان, والأظهر أنه يبطل النكاح لأَّنا جوزني ذلك بحكم الإياس وبالحيض يتبين أن لا إياس.
والثاني: لا يبطل.
قال القفال: وكنت أنكر هذا القول [ق 54 أ] حتى وجدت للشافعي أصلين يدلان عليه.
أحدهما: أن المعضوب المأيوس إذا حج عن نفسه, ثم زالت زمانته هل يلزمه إعادة الحج؟ قولان؛ ففي قول اعتبر حقيقة تعذر برؤه في المستقبل, وفي قول اعتبر ظاهر الإياس عنه, والأصل الآخر أنهم إذا رأوا سوادًا وابلًا فظنوهم عدوًا فصلوا صلاة شدة الخوف, ثم بان الأمر هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان؛ ففي قول اعتبر وجود العدو حقيقة.
وفي قول اعتبر الخوف من العدو فكذلك ههنا ظاهر أمرها الإياس فلا يبطل بأن تحيض بعده على أحد القولين.
ولو وجدنا امرأة تحيض وتطهر على الاستقامة وقد بلغ سنها مائة مثلًا فإنها من ذوات الأقراء بلا خلاف, وإن لم نجد لها نظيرًا في النساء يحيض.
فرع:
لو رأت الدم قبل الفراغ من الشهور فإنها تحسب ما مضى قرءًا ويبطل اعتبار الشهور, ويخالف الصغيرة إذا حاضت قبل الفراغ من الشهر لا تحتسب بما مضى قرءًا على ظاهر المذهب؛ لأن ذلك ليس بطهر بين حيضتين, وههنا طهر بين حيضتين فيحسب قرءًا لا محالة.
فرع آخر:
قال القفال: لو اعتدت بشهر من الثلاثة بعدما بلغت سن الإياس ثم رأت الدم مرة احتسِبت قرءًا, ثم فقدت بعد ذلك اعتدت الآن بثلاثة أشهر؛ لان أقل من هذا لا يدل على براءة رحمها, وكذلك لو رأت قرءًا آخر حصل قرءان, ثم انقطع دمها وآيست يلزمها أن تستأنف ثلاثة أشهر, وهذا بخلاف ما لو عملت بقوله القديم فتربصت [ق 54 ب] شهرًا من الثلاثة ثم ...................
[ق 55 أ] كما لو طهر بعد موته, واحتج بقوله تعالى: {وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
الجزء: 11 - الصفحة: 268
حَمْلَهُنَّ} [الطّلَاق:4] قلنا: هذه الآية إما أن تكون واردة في المطلقات فلا حجة له فيها, وإن كانت عامة لا يدعى عدمها إلا فيما يجوز أن يكون مقصودًا بها وهو الحمل الذي يكون من الزوج, وهذا الحمل ليس من هذا الزوج بالإجماع فكيف يجوز دعوى عمومها في مثل هذا المحل.
فإذا تقرر هذا فإن كان الحمل مجهولًا يحمل على أنه من زنى فلا حكم له, فإن مضت أربعة أشهر وعشر قبل الولادة, فقد انقضت عدتها.
فإن قيل: لو تزوجت المطلقة في عدتها فوطئها الثاني فحملت منه لا تُحتسب أقراءها من الأول وتكون العدة من الثاني, فإذا وضعت وانقضت أيام النفاس رجعت فأتمت عدة الأول, وقلتم ههنا تحتسب بالأشهر في عدة الزوج في حال الحمل من غيره فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا في الجواب عنه, فمنهم من قال: المغلب في عدة المطلقة الاستبراء من ماء الأول في حال اشتغال رحمها بماء غيره بخلاف عدة الوفاة, فإن المغلب فيها التعبد فلم يمنع الحمل من زنى الاحتساب بالأشهر التي تمر بها من عدتها, وعلى هذا إذا وجبت عليها عدة الوفاة فتزوجت في العدة ووطئها الثاني وحملت منه تكون العدة من الثاني بالحمل وتحتسب بالأشهر من الأول.
وبه قال أبو إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: تأويل المسألة أن الحمل كان من زنى فلم يمنع انقضاء العدة من الصبي بالأشهر, وعلى هذا لو زنت في عدة الطلاق فحبلت لم يمنع ذلك انقضاء العدة [ق 55 ب] بالأقراء, ولو تزوجت في حال عدتها من موت الصبي أو وطئت بالشبهة فحبلت لم يتداخلا ويلزمها أن تعتد من الواطئ, ثم ترجع إلى عدة الأول فتلك أربعة أشهر وعشر كما قلنا في عدة الطلاق, ولا فرق بينهما, وهو اختيار أبي حامد.
فإن قيل: إذا ولدت الملاعنة انقضت عدتها, وإن كان الولد متفيًا عن الزوج فيجب أن تنقضي عدتها بوطئة من الصبي, وإن كان الولد منفيًا عنه.
قيل: ولد الملاعنة غير منفي عنه قطعًا؛ لأنه لو أقرّ به لحقه وهذا الولد منفي عنه قطعًا ويقينًا فافترقا في حكم العدة.
واعلم أن في لفظ الشافعي إشكالًا وذلك أنه قال: "وَلَوْ مَاتَ صَبِيٌ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ".
وهذا يوهم أن الاعتبار بفعل الجماع والتمكين منه وليس كذلك؛ لأن الصبي ربما يقوى على الإيلاج وهو ابن ثمان بلا إنزال المني فلا يلحق به النسب ولا تعتد امرأته بالحمل ومراد الشافعي هذا.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَ حَيْضًا أَوْ مَجْنُونًا بَقِيَ لَهُ شَيْء يَغِيبُ فِي الفَرْجِ".
الجزء: 11 - الصفحة: 269
الفصل:
اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فقال الاصطخري وأبو بكر الصيرفي, وأبو عبيد ابن حربويه: امرأة الخصي بمنزلة امرأة الفحل, وإن كان ممسوحًا لأن عدم مائه غير متطوع به, وماء الرجل في أصله فيجوز أن يساحقها وينزل الماء.
وحكي أن أبا عبيد بن خربويه قُلد قضاء مصر فحكم في مثل هذا بلحوق الولد فحمل الصبي على كتفه وطاف به في الأسواق.
وقال: انظروا هذا القاضي ألحق أولاد الزني بالخدم, وقد ذكرنا ما قيل فيه من كتاب اللعان, وقيل: إذا لم يكن له أنثيان لا يلحق [ق 56 أ] به الولد؛ لأنه لا ينزل إلا من الأنثيين, واختاره جماعة من أصحابنا وقالوا: هذا ظاهره المذهب وهو أولى عندي.
وحكي الداركي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كان ذكره باقيًا وخصيته اليمنى منزوعة لم يلحق به الولد وكان بمنزلة الصبي الذي لا ينزل الماء؛ لأن الماء من البيضة اليمنى والشعر من اليسرى.
وحكي أن أبا بكر بن الحداد لم يكن له بيضته اليمنى وكان طويل اللحية ولم يكن ينزل, وهذا لا يصح بل يلحق به الولد وجهًا واحدًا إذا بقيت إحداهما سواء كانت يمنى أو يسرى؛ لأنه لا طريق إلى العلم بكيفية ذلك, وهذا قول بعض الأطباء ولا نعول عليه, وقد وجد في القيان ذو خصية واحدة له لحية وأولاد فإن كانت يمنى فقد ولد له وإن كانت يسرى فقد بقيت لحيته فعلم فساد هذا القول.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ أَرَادَتِ الخُرُوجَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا حَيَّا وَلوَرَثَتِهِ مَيِّتًا حَتَّى تَنْقَضِي مُدَّتُهَا".
قال أصحابنا: المعتدات أربعة؛ معتدة من طلاق رجعي فلها السكنى والنفقة قولًا واحدًا حاملًا كانت أو حائلًا, ومعتدة من طلاق بائن وهي المختلفة ونحوها فلها السكنى قولًا واحدًا حاملًا كانت أو حائلًا.
وأما النفقة إن كانت حاملًا لا تجب قولًا واحدًا, وغن كانت حاملًا فلها النفقة قولًا واحدًا ولمن تكون النفقة؟ فيه قولان:
أحدهما: للحمل.
والثاني: للحامل.
ومطلقة عن طلاق ثلاث وهي المبتوتة فحكمها حكم المعتدة عن طلاق بائن, ومعتدة عن وفاة فلا نفقة لها بحالٍ, وهل لها السكنى قولان: فإذا قلنا لها السكنى فأسكنوها [ق 56 ب] أو قلنا لا سكنى لها فتبرعت الورثة فأسكنوها لزمها أن تقعد حيث
الجزء: 11 - الصفحة: 270
أسكنوها ولا يجوز لها أن تنتقل لقوله تعالي: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة وليس لهما أن يتراضيا على ترك هذا السكن؛ لأنه حق الله تعالى بخلاف السكنى في حال النكاح؛ لأن تلك حقّ المرأة فيجوز الرضا بإسقاطه والخصي والفحل في هذا سواء.
ويحتمل أن الشافعي عطف هذا على مسألة الخصي, ويحتمل أنه استأنف المسألة في الأزواج عامة, ومن قال: لا سكنى للمتوفي عنها أّوَّلَ قول الشافعي "وَلِوَرَثَتِهِ مَيِّتًا".
على أنه أراد إذا أباتها, ثم مات, فههنا لا تتبدل العدة إلى عدة الوفاة فلا يسقط حق السكنى قولَا واحدَا.
وعلى هذا إذا لم تتبرع الورثة بالسكنى لم يكن لهم منعها وكان لها أن تسكن حيث شاءت, وإن تبرع الإمام من بيت المال, قال الشافعي: يلزمها أن تسكن, وإذا أوجبنا عليها أن تسكن الموضع الذي أسكنوها فيه لا يجوز لها أن تخرج على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
مسألة:
قال: "وَلَوْ طَلَّقَ مَنْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ".
الفصل:
كل من اعتدت بالشهور لصغر أو كبر أو عدة الوفاة, فإن كان أول الهلال ولا يكاد يتصور ذلك نجيز الطلاق, وإنما يتصور في تعليق الطلاق بأن يعلقه في آخر جزء من آخر الشهر فحينئذٍ يكفيها الاعتداد بثلاثة أشهر ما بين الأهلة ناقصَا كان أو كاملَا, وإن كان في أثناء الهلال اعتدت بشهرين بالأهلة تامَا كان أو ناقصَا ويكمل الشهر المنكسر ثلاثين يومًا.
وقال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي: يلزمها أن تعتد ثلاثة أشهر بالعدد [ق 57 أ] لأنه إذا حسب الشهر الأول بالعدد كان ابتداء الثاني من بعض الشهر وكان أيضًا بالعدد.
وهذا غلط؛ لأن اعتبار الهلال قد تعذر في الشهر الأول ولم يتعذر في الشهر الثاني والثالث, وإذا أمكن ذلك يوجب اعتباره؛ لأن الأصل في العدد الهلال, قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقرَة: 189] وأيضًا فإِنَّا إذا رأينا الهلال اعتبرناه وإذا غُم علينا اعتبرنا العدد فكذلك ههنا, وقال أبو حنيفة: تعتد بشهرين بالهلال وتحتسب بقية الأول وتعتد من الرابع تمام الأول ناقصًا كان أو تامًا, كأنه بقي عشرة أيام وأهل الهلال بتسع وعشرين يكفيه تسعة عشر يومًا من الشهر الرابع, وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا.
وقال مالك, والأوزاعي: لا تحتسب بالساعات وإنما تحتسب بأول النهار أو الليل, فإذا طلقها في النهار احتسب أول عدتها من أول عدتها من أول الليل, وإذا طلقها في
الجزء: 11 - الصفحة: 271
الليل احتسب من أول النهار لأن اعتبار الساعات يشق فسقط اعتباره, وهذا غلط لأ يمكن اعتبار الساعة التي طلق فيها إما يقينًا أو استظهارًا فلا وجه لما قاله.
وأما قول الشافعي ههنا: "حَتَى يَاتِي عَلَيْهًا تِلْكَ الّسَاعَةُ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا مِنَ الشَّهْرِ" أي حتى يمضي عليها, كما يقال: أتت عليه خمسون سنة, أي انقضت عليه.
ولم يرد الشافعي بهذا الدخول من تلك الساعة لأنها لو طعنت من تلك اللحظة اللطيفة لم يحكم بانقضائها حتى تمضي تلك اللحظة اللطيفة ولا يكمل العدد إلا بمضيها.
فرع:
لو ولدت ولم تر حيضًا قبله ولا نفاسًا بعده, ثم طلقت ففي عدتها وجهان [ق 57 ب] قال أبو حامد: تعتد بالشهور لأنها لم تحض وولادتها كالبلوغ بالسن.
الثاني: يكون كالتي ارتفع حيضها قبل الإياس بغير علة ففيما تعتد به ثلاثة أقاويل قد ذكرناها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَلاَثَةِ أَشْهُرِ".
الفصل:
الصغيرة إذا شرعت في العدة بالشهور, ثم رأت الدم, فإن رأته بعد انقضاء الأشهر الثلاثة لا يؤثر؛ لأنه قد حكم بانقضاء عدتها بالشهور وسقط خطاب العدة عنها, وإن رأته قبل انقضاء الشهور تنتقل إلى الاعتداد بالأقراء, وإن كانت قبل انقضائها بلحظة؛ لأنها صارت قبل تمام عدتها من ذوات الأقراء فدخلت تحت قوله تعالى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة:228] وهل تعتد بما مضى قرءًا؟
قال ابن سريج: تعتد به قرءًا؛ لأن القرء هو الانتقال من طهر إلى حيض, وقد وجد ذلك.
قال: ومعنى قول الشافعي: "وَاسْتَقْبَلَتِ الأَقْرَءِ" أي تنتقل إلى عدة الأقراء, وقال سائر أصحابنا: تستأنف ثلاثة أقراء لظاهر كلام الشافعي "وَاسْتَقْبَلَتِ الأَقْرَءِ" ولم يقل واستقبلت القرءين فألزمها ثلاثة أقراءٍ, ولا تحتسب بما مضى قرءًا؛ لأن القرء اسم للطهر بين الحيضتين لا الطهر المجرد, وكان أبو إسحاق يطلق في المسألة قولين فيحتمل أن يكون عبر عن هذين الوجهين القولين ويحتمل أنه عرف منصوصًا آخر للشافعي, والأول اختيار أبي حامد والقاضي الطبري وجماعة.
فرع:
لو اعتدت بقرء أو قرءين, ثم صارت آيسة تستأنف ثلاثة أشهر ولا تحتسب بما
الجزء: 11 - الصفحة: 272
مضى شهرًا لا يختلف أصحابنا فيه, ومن نص قول ابن سريج في المسألة السابقة فرق بينهما بأنه إذا مضى شهر قبل الإياس [ق 58 أ] لو حسبناه من العدة شهرًا آذن إلى سقوط العدة؛ لأنه إذا مضت ثلاثة أشهر لزمنا نحكم بانقضاء عدتها وذلك لا يجوز، فأمرناها أن تستقبل ثلاثة أشهر, وههنا إذا حسبنا بما مضى قرءًا لم يؤد إلى إسقاط العدة عنها, فإنه انتقال واحد لا يزيد عليه فلا يؤدي إلى الحكم بانقضاء عدتها, وهذا أصح الفروق.
وقال الماسرجسي: الفرق أن على صاحبة الأقراء قد مضت شهور ولا حكم لها في العدة, فلما لم يجعل لها حكمًا قبل الإياس, فإذا أيست لم يجعل لها حكمًا أيضًا لأنه يؤدي إلى نقض ما حكمنا به.
أما الصغيرة فمما مضى عليها من الشهور كان له حكم وكان محسوبًا من عدتها لولا ما عرض لها من الحيض, وإذا كان لها حكم قبل ذلك لم نبطله برؤية الدم وجعلناه قرءًا صحيحًا.
وقال ابن أبي هريرة: الفرق أن الأقراء لا تستغني عن الشهور والشهور تستغني عن الأقراء؛ لأنه بمضي بها شهور بها شهور لا ترى فيها دمًا, فإذا كان كذلك تثبتت الأقراء على الشهور, ولم تبن الشهور على الأقراء
مسألة:
قَالَ: "وَأَعْجَبُ مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ يَحِضْنَ نِسَاءُ تُهًامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ".
قد ذكرنا هذا في "كتاب الحيض" ومقصوده ههنا أنها إذا ادعت أنها رأت دم الحيض قبل أن تبلغ تسع سنين لم يقبل منها, وإن لم يكن حيضًا وكانت عدتها بالأشهر, وهذا لأنه لم يوجد حيض مستقيم من النساء لأقل من ذلك.
قال الشافعي: "وَأُحِبُّ أّنْ تَاتَي هَهُنَا ثَلَاثُ حِيَضٍ" أي بأقصى الأمرين احتياطًا وإلا فالواجب الشهور, وإن ادعت الحيض [ق 58 ب] لتسع سنين قُبل منها وكانت عدتها بالأقراء, ثم قال الشافعي: "وَلَوْ بَلَغَتْ عِشْرِينَ سَنَةٌ وَلَمْ تَحِضْ قَطُّ اعْتَدَّتُ بِالشُهُورِ" وقد ذكرنا هذا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَرَحَتْ مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدُ مُضْغَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَلَّتْ".
قرئ: خلت بالخاء والتخفيف ومعناه خلت من عدتها وقرئ: حلت وهو المشهور ومعناه: حلت للأزواج, والكلام فيه في أربعة فصول؛ في انقضاء العدة, وحرمة الولادة التي تصير الأمة أم ولدٍ, والغُرّةُ, والكفارة, فإذا طرحت شيئًا ففيه أربع مسائل:
إحداها: أن نبين فيه خلق الآدمي من التخطيط والتصوير فتنقضي به العدة وتصير أم
الجزء: 11 - الصفحة: 273
ولد, وتجب الغرة على الحافي بإسقاطه ويلزمها الكفارة أيضًا.
والثانية: أن لا يتبين فيه التصوير ولكن قالت القوابل: إن في ذلك خلقة الآدمي من الخطوط والتصوير للدقيقة التي يعرفها أهل البصر فيعمل على قولهن والأحكام تتعلق به على ما ذكرنا.
وقيل: هذه المسألة حدثت على عهد الاصطرخي فقال: لهن ما أراه إلا مخططًا فدعت القوابل الماء الحار وغسلنه فظهر تصويره.
وقال المزني: قال في كتابين: لا يكون به أم ولدٍ حتى يتبين فيه خلق الإنسان شيء, وهذا أقيس عندي.
فأوهم أن المسألة على قولين, والصحيح أنها ليست على قولين, وإذا شهدت أن الخلقة خلقة ولد ثبتت هذه الأحكام والعلم لهن يحصل من جهتين:
إحداهما: أن يشاهدن تخطيط حاجب أو تحديق عين أو خلقة ظفر.
والثانية: أن يشاهدن [ق 59 أ] في تلك الخلقة شيئًا من العروق والأعصاب الدالة على أنه لحم ولد.
وفي "كتاب أمهات الأولاد" نص على أظهر الحالتين ولم يرد أن خلقة العين والظفر شرط, ألا ترى أنه قال في سياق كلامه, وإن لم يتبين فيه خلق آدمي سألنا عدولًا من النساء, فإن زعمن أن هذا لا يكون إلا من خلق آدمي لا تكون به أم ولد, وإن شككن لم تكن به أم ولد, فعرفنا أنه اعتبر العلم لا الصورة.
والثالثة: أن تقول القوابل: لا ندري هل هو ابتداء خلقة بشر أو غيره, ويجوز أن يكون ابتداء خلقة بشر فلا يتعلق به شيء من الأحكام.
والرابعة: أن لا يتبين فيه الخلقة أصلًا ولكن قال النساء العدول: هذا لا يكون إلا لخلقة الآدمي.
نص الشافعي على أن العدة تنقضي به في القديم والجديد.
وقال في "عتق أمهات الأولاد": إذا طرحت ما فيه تصوير عين أو إصبع أو ظفر فهي أم ولدٍ.
وقال في موضع: لا تصير أم ولدٍ حتى يتبين فيه من خلق الآدمي.
وقال في "الجنايات": لا تجب فيه الغرة إذا لم تتبين فيه الخلقة.
واختلف أصحابنا في المسألة على ثلاثة طرق:
إحداهما: المسألة على قول واحد إنه يتعلق به جميع الأحكام, والذي قال في "أمهات الأولاد" في الوقت الذي كان لا يعلم أنه مبتدأ خلق الآدمي, فلما علمه قال: "تصير أم ولده" وهو كما توقف في أخذ الجزية من الصائبة والسامرة حين لم يعرف أصل دينهم, فلما عرف قطع بأخذ الجزية منهم.
والثانية: المسائل كلها على قولين على سبيل النقل والتخريج.
والثالثة: المسائل على طاهر فالعدة تنقضي به [ق 59 ب] لأنها تنقضي بالدم الجاري
الجزء: 11 - الصفحة: 274
فلأن تنقضي بهذا أولى, ولا تصير أم ولده لأنها إنما تصير أم ولده بثبوت الحرية في الولد ولم تثبت الحرية ههنا والغرة تجب للإنسان واسم الإنسان لا يقع عليه.
ومن أصحابنا من زاد طريقة رابعة, وقال قول واحد: إنه لا يتعلق به شيء من الأحكام.
وأراد بما نص في العدة إذا كانت فيها تصوير دقيقة.
واعلم أن الشافعي قال ههنا: "مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدُ مُضْغَةِ أَو غَيْرِهَا"، وهذا يوهم أن ما دون المضغة كالمضغة في العلم بكونه ولدًا وليس كذلك لأن ما دون المضغة نطفة أو علقة, وإذا طرحت ذلك لا يتعلق به الحكم, وأراد الشافعي بقوله أو غيرها ما كان فوق المضغة لا ما دونها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيْضُ عَلَى الحَمْلِ تَرَكَتِ الَّصلاَةَ وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا".
الفصل:
اختلف قول الشافعي في الحامل هل تحيض أم لا؟ فقال في الجديد: تحيض وهو الأصح, وبه قال مالك, والدليل عليه ما روى أن رجلين تنازعا مولودًا فترافعا إلى عمر رضي الله عنه فدعا القافلة فألحقوه بهما فدعا نسوة من قريش فسألهن عن ذلك فقلن: إنها حملت من الأول, ثم حاضت على الحمل فاستحشف الولد ثم أصابها الثاني فانتعش الولد من ماء الثاني, فأخذ الشبهة منهما, فقال عمر: الله أكبر وألحق الولد بالأول ولم ينكر عليهن قولهن حاضت على الحمل, وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت قاعدة أغزل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخصف نعله, فنظرت إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورًا فبهت, فنظر إليَّ رسول الله [ق 60 أ] صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لك يا عائشة" فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورًا، ولو رآك أبو كثير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره, قال: "وما يقول أبو كبير" قلت: يقول:
وَمُبَرَّأ مِنْ كُلِّ غَيَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُعَضَّلِ
وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّة وَجْهِهِ بَرِقَتْ كَبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ
فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إليَّ وقبل عيني, ثم قال: "يا عائشة ما سررت مني كثير" وروي "منك" وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الحائل
الجزء: 11 - الصفحة: 275
ترى الدم فقالت: "لا تصلي".
ومثله عن أنس بن مالك, فإن قيل: روي عن عطاء أنها قالت: الحبلى لا تحيض, فإذا رأت الدم صلت.
قيل: أنكر يحيى القطان هذه الرواية وضعفها.
وقال إسحاق الحنظلي قال لي أحمد بن حنبل: ما نقول في الحائل ترى الدم فقلت: تصلي, واحتججت بخبر عطاء عن عائشة رضي الله عنها, فقال أحمد أين أنت من خبر المدنيين عن عائشة رضي الله عنها, فإنه أصح.
وهو ما ذكرنا عنها رواية أم علقمة مولاة عائشة عنها.
قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد ويحتمل أن عائشة كانت ترى أن لا تحيض في الأول, ثم رجعت عن ذلك على ما روينا.
وقال في القديم: إنها لا تحيض فإذا رأت الدم كان دم فساد, وبه قال أبو حنيفة: واحتج بأن الحيض جعلت دليلًا على براءة الرحم, فلو كانت تحيض على الحمل بطلت الدلالة على ذلك قلنا: إنما جعلت دليلَا ظاهرًا على الغالب, ويجوز أن تحيض مع هذا كما أن الغالب في مدة الرضاع عدم الحيض, ثم إذا وجد حكم بكونه حيضًا.
فرع:
إذا قلنا إنها لا تحيض ففي أول زمانه وجهان:
أحدهما: من وقت العلوق [ق 60 ب] فإن تركت الصلاة عند رؤية الدم لخفاء أمارة الحمل قضت.
والثاني: من وقت حركة الحمل التي تحتاج فيها إلى الاعتداد بدم الحيض فما كان ثخينًا محتدمًا فهو حيض, وإن كان رقيقًا أصفر فيه وجهان, لأن الحيض في الحمل غير معتاد والصفرة والكدرة في غير أيام العادة هل يكون حيضًا أم لا فيه وجهان:
فرع آخر:
لو انقطع دم حيضها ثم وضعت نُظر, فإن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل من أول
الجزء: 11 - الصفحة: 276
الطهر فيه وجهان:
أحدهما: دم فساد ولا يكون حيضًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا طهرًا.
والثاني: وهو الأصح أنه حيض صحيح؛ لأنَّا نعتبر أقل الطهر بين الحيضتين: فأما بين حيض ووضع ونفاس عقيبه فلا يمنع أن يكون بينهما أقل الطهر, وغن كان بين انقطاعه وبين الوضع أقل الطهر فصاعدًا كان حيضًا بلا إشكال.
فرع آخر:
قال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا تحيض فدمها دم استحاضة, وهل تغتسل لكل صلاة احتياطًا أو تتوضأ؟ فيه وجهان, وهذا غريب بعيد.
مسألة:
قَالَ: "وَلاَ تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ وَإِنْ أَوْفَتْ عِدَّتَهَا لأَنَّهَا لَا تَدْرِب مَا عِدِّتُهَا, فَإِنْ نُكِحَتْ لَمْ أَفْسَخُ".
إذا عتدت المرأة بالأقراء, ثم ارتابت والريبة أن يظهر بها [ق 61 أ] أمارات الحمل وهو كبر البطن والثقل والحركة, فإنها تتوقف عن النكاح, فإن خالفت ونكحت قال الشافعي ههنا: "لَمْ أَفْسَخُ نِكَاحِهَا" فإن بانت حائلًا فالنكاح لحاله, وغن بانت حاملًا فالنكاح باطل.
وكذا في "الأم", وقالت في موضع آخر: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولا يختلف أصحابنا أنها ليس على قولين, وإنما هي على اختلاف حالين واختلفوا في ذلك على ثلاثة طرق:
أحدهما: قال ابن خيران, والأصطخري, وأبو إسحاق: معنى ما نقله المزني إذا عرضت الريبة بعد انقضاء عدتها فيستحب لها أن لا تتزوج, فإن تزوجت فقد أساءت والنكاح صحيح, وتستحب لزوجها أن يترك وطئها ولا يجب عليها ذلك ونظر فيه، فإن وضعت لدون الأقراء, فغن مضت ستة أشهر ولم تضع ثبت النكاح وما تلده بعد ذلك من الأولاد يكون ملحقًا بالثاني, والذي قال النكاح باطل أراد إذا عرضت الريبة في حال العدة فلا يحكم بانقضاء عدتها؛ لأنها لا تدري هل عدتها بالحمل أو بالأقراء, فإذا نكحت كان باطلًا.
والفرق أن الريبة إذا حدثت بعد انقضاء العدة فقد حكم بانقضائها فلا يؤثر ما يطرأ من الشك في النكاح المعقود, وإذا حدثت في العدة فلم نحكم بانقضاء العدة فأثر ومنع النكاح, وهذا كما لو تغير حال الشهود بعد الحكم لا يضر الحكم على الريبة, فإذا
الجزء: 11 - الصفحة: 277
نكحت على الريبة فالنكاح باطل؛ لأنها لا تدري إن عدتها كانت بالأقراء فتكون قد حلت للأزواج, أو بالحمل فلم تحل وهي محرمة بيقين فلا تحل إلا بيقين.
قال: ولا يجوز [ق 61 ب] أن يكون العقد في الابتداء موقوفًا ويجوز أن يطرأ ما يوقف به, ألا ترى أنه لو تزوج معتدة أو محرمة فإنه لا يجوز ولو تزوج ثم طرات العدة أو الإحرام جاز النكاح.
قال الماسرجسي: وهذا أصح فاحفظوه, فإن في سواد المزني خللًا, وقال غيره: هذا ضعيف؛ لأنه مخالف النص ههنا حيث قال: "وَلَا تُنْكَحُ المُرْتَابَةُ, فَإِنْ نُكَحَتْ لَمْ أَفْسَخْ".
فدل على أنها مرتابة عند عقد النكاح.
وقال أيضًا: "فَإِنْ بَرِثَت مَنَ الحَمْلِ, فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ, وَقَدْ أَسَاءَتْ" فلو كان النكاح قبل الريبة لم تكن مسيئة.
وقال بعض أصحابنا وهي الطريقة الثالثة: الذي قال: النكاح باطل إذا وضعت حملًا لدون ستة أشهر من حين عقد النكاح, والذي لا أفسخ إذا انقضت العدة من غير ريبة ثم ارتابت وتزوجت ووضعت لستة أشهر فأكثر من حين النكاح؛ لأنَّا لا نتحقق أنها كانت حاملًا حال عقد النكاح, وهذا أيضًا ضعيف لأنه قال: "فإن نكحت فالنكاح باطل" ولم يوقف على وضع الحمل, فإذا ثبت ما ذكرنا حصل ههنا ثلاث مسائل:
إحداهما: إذا ارتابت قبل انقضاء العدة, ثم انقضت ونكحت فالنكاح باطل بلا خلاف.
والثانية: إذا انقضت العدة من غير ريبة, ثم ارتابت، ثم تزوجت, قال ابن سريج: النكاح باطل, لأنَّا لو صححنا لوقع النكاح موقوفًا, ولا يجوز ذلك عند الشافعي والمذهب أنه صحيح؛ لأن العدة انقضت من غير ريبة وحكم بانقضائها حتى أبحنا النكاح وأسقطنا النفقة والسكنى فلا يبطل هذا الحكم بالشك, وقيل: فيه قولان, قال القفال: وهما كالقولين فيمن شك في وفاة أبيه الغائب فباع ماله, ثم بان أنه كان مات وورثه هو [ق 62 أ] هل يجوز البيع؟ قولان.
وكالقولين فيمن فرغ من صلاته, ثم اعترض الشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ قال في "الإملاء": "صلاته تامة", وقال في موضع آخر: "إن كان الوقت قريبًا بني على صلاتِه وسجد للسهو, وإن كان بعيدًا استأنف".
ثم قال المزني: جعل الشافعي الحامل تحيض ولم يجعل لحيضها معنى تعتد به, كما تكون التي لم تحيض تعتد بالشهور, فإذا حدث الحيض كانت العدة بالحيض والشهور, كما كانت تمر عليها وليست بعدة كذلك الحيض يمر عليها وليست بعدة, وليس كل حيض عدة كما ليس كل شهور عدة, وقصد المزني بهذا الكلام نصرة قول الشافعي أن الحامل تحيض وجواب سؤال لأبي حنيفة وهو أنه قال: لو كانت حيضًا لانقضت عدتها بثلاثة منها فأجابهم بأن العدة إنما تنقضي بما وصفها الله عز وجل, فعدة الحامل بالحمل والدماء تمرّ عليها ولا تحسب كالشهور تمرّ عليها ولا تحسب, وعدة الوفاة بالشهور
الجزء: 11 - الصفحة: 278
والدماء تمر عليها ولا تحسب كذلك ههنا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَنَتْ حَامِلًا بِوَلَدَيْن فَوَضَعَتْ الأَوَّلَ فَلَهُ الرَّجْعَةُ".
إذا كانت حاملًا فطلقها زوجها فعدتها أن تضع حملها, فإن كانت حاملًا بولدين توأمين لا تنقضي عدتها حتى تضعهما معًا, فإن وضعت أحدهما فهي في عدتها وله مراجعتها, فإن وضعت الثاني بانت وانقطعت الرجعة, وبه قال كافة العلماء, وقال عكرمة: تنقضي عدتها بوضع الولد الأول, وهذا غلط لقوله تعالى ﴿وَأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] وهذه لم تضع جميع حملها ولان العدة تراد لبراءة الرحم [ق 62 ب] وهي لا تحصل إلا بوضع جميع الحمل.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها.
وروى عن علي, وابن العباس رضي الله عنهم أنهما قالا في التي في بطنها ولدان تضع واحدًا ويبقى الآخر: هو أحق برجعتها ما لم تضع الآخر, وبه قال عطاء, والشعبي أورده الإمام البيهقي رحمه الله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ارْتَجَعَهَا وَقَدْ خَرَجَ بَعْضُ وَبَقِيَ بَعْضُ وَلَدِهَا كَانَتْ رَجْعََةٌ", إذا كان الحمل واحدًا فانقضاء العدة بانفصال جميعه, فإن خرج بعضه وبقي البعض وإن كان إصبعًا فهي في العدة وله مراجعتها.
وقال عكرمة: تنقضي عدتها بخروج البعض ولا رجعة.
وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أّن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلاق:4] ووضع الحمل بانفصال جميعه, ولأنه لو أعتقت الأمة وخرج بعض ولدها عتق الولد بعتقها, ولو ضرب ضارب بطن امرأة حامل وكان قد خرج بعض الولد فخرج الباقي ميتًا تلزم الغرة, فدل أنه لا حكم له ما لم ينفصل كله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أّوْقَعَ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَدْرِ وِلَادَتُهًا بَعْدَهُ فَقَالَ: وَقَعَ بَعْدَمَا وَلَدَتْ".
الفصل:
إذا طلق امرأته ووضعت ولدًا, ثم اختلفا لا يخلو من ثمانية أحوالٍ:
الجزء: 11 - الصفحة: 279
أحدها: أن يتفقا على وقت الولادة أنه في يوم الجمعة, واختلفا في وقت الطلاق فقال الزوج: طلقت يوم السبت, وقال الزوجة: بل طلقت يوم الخميس فالقول قوله مع يمينه, وعليها الاعتداد بالأقراء, وله الرجعة؛ لأن الطلاق من جهته, فكان القول فيه قوله [ق 63 أ]
والثاني: أن يتفقا على أن الطلاق كان في يوم الجمعة واختلفا في وقت الولادة, فقالت: ولدت يوم السبت, وقال الزوج: بل ولدت يوم الخميس فالقول قولها, وقد انقضت عدتها لأنها أعرف بما حدث منها من الولادة.
والثالث: أن يختلفا في وقت الطلاق, وفي وقت الولادة, فقال الزوج: ولدت يوم الجمعة وطلقت يوم السبت, وقالت الزوجة: بل طلقت يوم الجمعة وولدت يوم السبت يتخالفان والبادئ باليمين أسبقهما بالدعوى, وفي كيفية اليمين وجهان:
أحدهما: يحلف بالله ما طلقها إلا بعد ولادتها وتحلف الزوجة بالله ما ولدت إلا بعد طلاقه لأن هذا أوجز.
والثاني: يحلفان على صفة الدعوى فتتضمن يمين كل واحد منهما إثبات ما ادعاه ونفي ما ادعى عليه, فيقول: بالله لقد ولدت يوم الجمعة وما طلقتها إلا يوم السبت, وتقول بالله لقد طلقني في يوم الجمعة ولقد ولدت يوم السبت, ولا يحتاج أن يقول: ما ولدت إلا في يوم السبت, وإن احتيج ذلك في الطلاق؛ لأن الولادة لا تتكرر والطلاق قد يتكرر, فإن نكلا يحكم عند نكولهما بقول أسبقهما بالدعوى, فإن كان الزوج حكم له بالرجعة وعليها العدة, وغن كانت الزوجة أسبق بالدعوى حكم لها بانقضاء عدتها, وإن حلف أحدهما دون الآخر حكم للحالف, وإن حلفا فالتحالف وقع على حكمين الرجعة والعدة فأنفهما الزوج لنفسه بيمينه وتنفيها الزوجة عن نفسها بيمينها, فوجب أن يلزم كل واحد منهما أغلظ الأمرين عليه [ق 63 ب] وأنفي للتهمة عنه وتجب العدة على الزوجة بيمين الزوج لأنه أغلظ الأمرين عليها وأنفي للتهمة عنها.
والرابع: أن يتفقا على وقت الولادة ويشكا في وقت الطلاق هل تقدمها أو تأخر عنها فيحكم عليها بالعدة وللزوج بالرجعة, لأنَّا على يقين من حدوث الطلاق وفي شك من تقدمه والورع له أن لا يرتجع.
والخامس: أن يتفقا على وقت الطلاق ويُشكا في الولادة هل تقدمت أو تأخرت يحكم لها بانقضاء العدة وسقوط الرجعة, لأنَّا على يقين من حدوث الولادة وفي شك من تقدمها والورع لها أن تعتد.
والسادس: أن يقول: علمت أني طلقتك بعد ولادتك, وقالت الزوجة: لا أعلم, قلنا لها: هذا ليس بجواب, فإن أصرت جعلناها ناكلة والقول قول الزوج بعلمه بما جهلته وعليها العدة وله الرجعة, ولها إحلافه على الرجعة دون العدة فإن لم يرتجعها لا يمين عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 280
والسابع: أن تقول: علمت أني ولدك بعد طلاقك، وقال الزوج: لا أعلم قلنا له: هذا ليس بجواب، فإن أصر جعلناه ناكلاً والقول قولها ولا عدة ولا رجعة، وله إحلافها في سقوط العدة دون الرجعة انه لا يستبيح الرجعة مع الجهل باستحقاقها.
والثامن: أن يجهلا وقت الطلاق والولادة معًا، قال الشافعي: ولم لم يدر واحد منهما كانت العدة عليها لأنها وجبت فلا يزيلها إلا بيقين، والورع أن لا يرتجعها، وهذا لأن الأصل ثبوت الرجعة فله أن يرتجعها في ظاهر الحكم والورع أن لا يفعل ذلك لجواز أن يكون الطلاق قبل الولادة، ولا يجئ في هذا القسم الإحلاف [ق 64 أ] لأن الدعوى لا تسمع هكذا، وإن تداعيا مطلقًا، فقال الزوج: لم تنقض عدتك بوضع الحمل فعليك الاعتداد بالأقراء، وقالت: انقضت عدتي بالولادة، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء العدة.
مسألة:
قَالَ: "وَلًَوْ طَلَّقَهَا فَلَمْ يَحْدِثْ لَهَا رَجْعَةً وَلاَ نِكَاحًا حَتَّى وَلَدَتْ لأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَع سِنِينٍ وأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ بِاللَّعَانِ لأَنَّهَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ الطَّلاَقِ لَمَّا لاَ يَلِدُ لَهَ النَّسَاءُ".
جملة هذه المسألة أن المطلقة إذا ولدت ولدًا فإن كان لأربع سنين فما دونها فهو لاحق بالمطلقة ما لم تتزوج، سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا، وسواء اعترفت بانقضاء عدتها أو لم تعرف؛ لأنه يمكن أن يكون بينة منه؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، وإن كان الظاهر يخالفه وهذا كما لو أتت امرأته بولد لستة أشهر من يوم النكاح لحقه للإمكان وإن كان الظاهر يخالفه.
وقد ذكرنا ما قيل في أكثر مدة الحمل.
وقال الزهري، وربيعة، والليث: أكثر مدة الحمل سبع سنين، وعن مالك ثلاث روايات:
إحداها: أربع سنين، والثانية: خمس سنين، والثالثة: سبع سنين، فإذا ثبت ما ذكرنا فإنها تكون معتدة به حتى تضعه ويثبت للزوج عليها الرجعة، وغن كان الطلاق رجعيًا وتستحق السكنى والنفقة حتى تضع، وإن كان لأربع سنين نظر، فإن كان الطلاق بائنَا لم يلحقه الولد وكان منفيًا عنه بلا لعان.
ونقل المزني: فهو منفي عنه باللعان، ثم اعترض عليه قال: إذا كان الولد عنده لا يمكن أن تلده منه فلا معنى للعان.
ويشبه أن يكون هذا غلطًا [ق 64 ب] من غير الشافعي، ثم قال الشافعي في موضع آخر: لو قال لها: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ولدين بينهما سنة طلقت بالأول وحلت للأزواج بالآخر، ولم يلحق به الآخر لأن الطلاق وقع
الجزء: 11 - الصفحة: 281
بولادتها ثم لم يحدث لها نكاحًا ولا رجعة، ولم تقر به فيلزمه إقراره فكان الولد منفيًا عنه بلا لعان، وغير ممكن أن يكون في الظاهر منه.
قال المزني: فوضعها لما لا تلد له النساء من ذلك أبعد، وبأن لا يحتاج إلى لعان به أحق.
والجواب: أن الشافعي ذكر هذه المسألة في الأم وقال: إذا ولدته لأكثر من أربع سنين فهو منفي عنه بلا لعان.
فهذا غلط إما أن يكون من الكاتب أو من المزني في نسخته، وتعليل الشافعي يدل على هذا لأنه قال: لأنها وارثة لما لا تلد له النساء.
فتأمل هذا ويحتمل أنه التزق اللام من لا بلام اللعان، فقدر أنه باللعان.
وأما مسألة الولدين فعلى ما ذكره ونقله، وقد ذكرنا فيما قبل أن في مسألة الولدين لا يلجق به الثاني وإن كان لأقل من أربع سنين؛ لأنهما ليس بحمل واحد، ولم تكن بعد ولادة الأول فراشًا حتى يتوهم العلوق بالولد الثاني منه فنفيناها عنه، كما لو جاءت به لأكثر من أربع سنين في غير هذا الموضع، وإن كان الطلاق رجعيًا فهل يلحق به الولد الثاني وهو إذا أتت به لدون سنة أشهر من ولادة الأول، إذا قلنا لا يلحقه، وهو فيما نقله المزني تنقضي عدتها بوضع هذا الولد الثاني؛ لأن هذا الولد يمكن أن يكون منه بوجه أشبهه أو تجريد نكاح [ق 65 أ] فانقضت به العدة، وإن نفينا عنه في الظاهر، ألا ترى أنه لو اعترف بما ذكرنا لحق به الولد، وهو كما نقول في الملاعنة تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن كان منفيًا عنه باللعان لإمكان أن يكون منه، فإنه لو اعترف به يلحقه، وكذلك في المسألة السابقة إذا أتت به لأكثر من أربع سنين وكانت اعتدت بالشهور أو الأقراء، وقلنا: يلحقه تنقضي عدتها بهذه الولادة.
ومن أصحابنا من اعتبر دعواها سببًا يلحق به الولد، فإن لم تدع ذلك لا تنقضي عدتها؛ لأن المشاهدة توجب خلاف ذلك، وما انتفي عنه لعدم الإمكان لا تنقضي به العدة، كزوجة الصغير إذا ولدت لا تنقضي عدتها به، وفي ولد الملاعنة لم يحكم بانقضاء عدتها بغيره فجاز أن تنقضي عدتها به، وههنا بخلافه؛ لأن ذلك يمكن أن يكون منه بالنسب المتقدم بخلاف هذا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا، وإن تزوجت في عدتها بزوج آخر فحبلت منه ووضعته لا تنقضي عدتها بوضعه من الأول، وإن أمكن أن يكون منه؛ لأن هذا الولد ألحقناه بالثاني وجعلنا العدة من الثاني، ولا يجوز أن تداخل العدتين عندنا وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الولد غير ملحق بغيره ولا يتعلق به انقضاء العدة من غيره فافترقا، وإن كان الطلاق رجعيًا في مسألة الكتاب فيه قولان:
أحدهما: أنها بمنزلة الثانية؛ لأن الرجعية محرمة عندنا تحريم المبتوتة.
والثاني: أن ولدها يلحقه وإن ولدت لأكثر من أربع سنين وأصل هذا أن الرجعية هل هي فراش أم لا؟ قولان:
الجزء: 11 - الصفحة: 282
أحدهما: أنها فراش لبقاء النكاح بدليل صحة ظهاره وإيلائه منها.
والثاني: أنها لا تكون فراشًا [ق 65 ب].
فإذا قلنا: إنها فراش فإلى متى يلحقه الولد؟ قال أبو إسحاق: يلحقه أبدا، وقال الماسرجسي: سئل أبو إسحاق عن ولد الرجعية إلى متى يلحقه قال: إلى ثلاثة ألاف سنة، وهذا مبالغة في التأكيد.
ومن أصحابنا من قال: يلحقه إلى أربع سنين من وقت انقضاء عدتها بالأشهر أو بالأقراء؛ لأنها في زمان العدة كالزوجة في الأحكام، وإذا أقرت بانقضاء عدتها انقطع أحكام الزوجية وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، واستدل أبو إسحاق على ما قاله بأنها وإن رأت الأقراء يمكن أن تكون في الباطن حائلاً، وقد حاضت على الحمل فيلحقه الولد أبداً، وهذا غلط لأنها تبين بانقضاء عدتها، وبينونة الرجعية بانقضاء العدة لبينونتها بالطلاق الثلاث، فإذا أتت به بعد مضي العدة يعلم أنه يحصل بعد البينونة؛ لأنه لا يمكن حصوله في هذه العدة إذا تحمل لا ينفي حملاً لأكثر من أربع سنين، فعلم أن هذا سهو منه، وإن لم تقر هي بانقضاء العدة فولدها يلحقه، وإن طال الزمان؛ لأن عدة المرأة قد تمتد سنين كثيرة.
قال القفال: ومن أصحابنا من قال: إذا مضت ثلاثة أشهر من يوم الطلاق ثم أتت به لأكثر من أربع سنين لم يلحقه؛ لأن الغالب أن العدة تنقضي في مثل هذا، وهذا ضعيف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ادَّعَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَي العِدَّةِ أَوْ نَكَحَهَا إِنْ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ أَصَابَهَا وَهِيَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الوَلَدُ وَكَانَتْ اليَمِينُ عَلَيْهِ".
أجاب في هذه المسألة على قوله: أن الرجعية كالبائن في أنها ليست بفراش؛ لأنها على القول الآخر لا تحتاج إلى دعوى الرجعة، بل هي فراش له يلحقه ولدها إلا أن يلاعن، وسورة المسألة [ق 66 أ] أن تلد بعد الطاق لوقت لا يلحقه وهو أربع سنين، وتدعي أنه كان قد تزوج بها أو راجعها إن كانت رجعية، فالولد لاحق، ولا يخلو إما إن كانت الدعوى على الزوج أو على غيره، فإن كانت على الزوج لا يخلو إما أن يصدقها أو يكذبها، فإن صدقها فقد أقر بوجوب المهر عليه إن كان الطلاق بائنًا واستحقاق النفقة والسكنى، وإن كان ذميًا فقد أقر استحقاق النفقة والسكني وتضمن إقراره هذا ثبوت الفراش، فإن صدقها أنها ولدت ذلك الولد لحقه بالفراش، وإن أنكر وقال: ما ولدتيه بل استعرتيه فعليها البينة على الولادة، ويقبل رجلان، أو رجل وإمرأتان، أو أربع نسوة، فإن
الجزء: 11 - الصفحة: 283
لم تقم البينة فالقول قوله، فإن حلف سقطت دعوى الزوجة ولم يلحقه النسب، وإن لم يحلف رددنا اليمين على المرأة فتحلف وتثبت الولادة، ثم النسب يثبت بحكم الفراش، وإن كذبها لا يخلو إما أن يكون معها بينة أو لا بينة معها، فإن كان معها بينة لم تقبل على الرجعة والنكاح إلا ذكرين، فإذا أقامت هذه البينة تثبت الرجعة والنكاح والحكم على ما ذكرنا، وإن لم يكن معها بينة فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكلت رددنا اليمين عليها، فإن حلفت ثبت جميع ما ادعت، وإن لم يحلف هل تؤخر اليمين للولد حتى إذا بلغ حلف، اختلف أصحابنا فيه على ما ذكرنا فيما تقدم، وإن كانت الدعوى على الورثة بعد موت الزوج لا يخلو إما أن يكون وارثًا يسقط بالحجب أو لا يسقط بالحجب، فإن كان لا يسقط بالحجب كالابن نظر، فإن كان ابنًا واحدًا فادعت الزوجة عليه ما ادعت على الزوج، فالحكم فيه كما لو كانت الدعوى على الزوج حرفًا بحرف إلا في فصلين: [ق 66 ب]
أحدهما: أن يمين الابن على العلم ويمين الزوج على البنت؛ لأنه يحلف على فعل نفسه والابن يحلف على نفي فعل الغير.
والثاني: أنه إذا ثبت ههنا النسب لم يكن للابن نفيه باللعان وكان لأبيه نفيه باللعان، وإن كان اثنان أو أكثر فادعت عليها كأن اعترفا معًا، أو أنكرا وحلفا، أو أنكر، أو نكل عن اليمين فحلفت، أو اعترف أحدهما وأنكر الآخر ونكل عن اليمين فحلفت، فالحكم في كلها كما لو كان ابنًا واحدًا، وإن أنكر أحدهما وحلف واعترف الآخر فالذي أنكر وحلف قد أسقط دعواها في حقه.
وأما الذي اعترف نظر فإن اعترف بالرجعة تثتب الرجعة ولها النفقة بالحصة من حقه، وإن اعترف بالنكاح ثبت ويثبت المهر بالحصة من حقه، ولم يثبت نسب الولد؛ لأنه لا يثبت باعتراف بعض الورثة وهل يثبت ميراث الزوجة بالحصة من حقه؟ وجهان ذكرناهما في كتاب الإقرار، ولو كان الوارث يسقط بالحجب كالأخ يسقط بالابن فادعت عليه ذلك، فإن اعترف لها بذلك ثبت كل ما ذكرنا لها.
وأما الولد فإنه يثبت نسبه ولا يرث، وقد ذكرناه من قبل، وقال القفال: قال الشافعي في كتاب اللعان: "ولو قال لامرأته استعرت هذا الولد ولم تكون يحلف، فإن نكل حلفت" ولم ههنا إن نكل حلفت.
واختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من سوى بينهما، ومنهم من قال: لا تحلف المرأة ههنا.
والفرق أن هناك فراشًا ثابتًا فيحلف على محض فعلها وهو ولادتها إياه، ثم إذا ثبتت الولادة لحقه الولد بالفراش الثابت، كما لو شهد أربع نسوة بالولادة ثبت النسب تبعًا لما شهدت به وإن كانت بشهادتين لا يقبل في النسب فكذلك يمين الرد من هذه، وههنا هي تريد إثبات الفراش الجديد [ق 67 أ] لأن الأول مرتفع فلا يثبت ذلك بيمينها.
فإن قيل: إذا لم تقبلوا يمين الرد فلم حلفتموه بدعواها؟ قيل: لأنها قيمة ولدها ولها
الجزء: 11 - الصفحة: 284
أن تدعي حقه كما تدعي بنفقته على الزوج وكما يدعي الأب ما لا لابنه الصغير ويحلف الخصم، ولو نكل لا يحلف الأب.
وقال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق: إذا نكل بعض الورثة عن اليمين وحلف البعض لا ترد اليمين؛ لأنه لا يجوز أن تبطل بيمينها يمين من حلف من الورثة، والصحيح ما تقدم.
مسألة:
قَال: "وَلَوْ نَكَحَتْ فِي العِدَّةِ فَأُصِيبَتْ".
الفصل:
جملة هذا أنه إذا طلق زوجه بعد الدخول فعليها العدة ولا يحل لها أن تتزوج قبل انقضاء عدتها، فإن خالفت ونكحت فالنكاح باطل ولا تنقطع عدة الأول ولا تصير قراشًا للثاني، ولا نفقة لها على الأول ولا سكنى إن كان الطلاق رجعيًا، ولا سكنى إن كان الطلاقي بائنًا؛ لأنها قد نشزت، فإن دخل بها الثاني نظر، فإن كان عالمًا بالتحريم وهي عالمة أيضًا فهما زانيان ويلزمهما الحد، ولا تنقطع عدتها بهذا الوطء ولا تصير فراشًا به للثاني؛ لأنه لا حرمة لماء الزاني فوجود هذا الوطء وعدمه في الحكم سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحد بناء على أصله أن نفس العقد شبهة في إسقاط الحد، وإن كان جاهلاً بالتحريم قطع هذا الوطء عدة الأول وصارت فراشًا للثاني؛ لأنه وطء شبهة ودعواه الجهل بأنها معتدة يقبل بكل حال، فأما دعواه الجهل بأن النكاح في العدة حرام لا يقبل إلا ممن هو قريب العهد بالإسلام، ولا يجوز أن تعتد عن الأول وهي فراش عن الثاني فهي غير معتدة عن واحد منهما [ق 67 ب].
وقال أبو حنيفة، وأحمد: لا تنقطع به عدة الأول؛ لأن كونها فراشًا لغير من له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة فإنها تعتد وإن كانت فراشًا للزوج.
وهذا غلط؛ لأن العدة تراد للاستبراء وكونها فراشًا ينافي ذلك فوجب أن يقطعها، وأما النكاح لا يمنعها لأنها طرأت عليه، فإذا ثبت هذا يلزم التفريق بينهما، فإذا فرق بينهما أكملت العدة عن الأول واستأنفت العدة من الثاني، فإذا كان قد مضي لها قرء من الأول أكملت قرءين، وإن كان قد مضى قرءان أكملت قرءًا آخر، ثم استأنفت العدة عن الثاني ثلاثة أقراء؛ لأن العدتين لا يتداخلان عندنا خلافًا لأبي حنيفة، هذا إذا كانت حائلاً، فإن كانت حاملاً لا يخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يمكن أن يكون من الأول دون الثاني، بأن أتت به لأقل من سنة أشهر من وطء الثاني وإتمام أربع سنين فما دونها من طلاق الأول، فهو من الأول دون الثاني،
الجزء: 11 - الصفحة: 285
فتعتد بوضعه من الأول، ثم تعتد من الثاني عدة ثانية بالأقراء أو بالشهور، ولو كانت الولادة مع خاتمة أربع سنين من الأول كان كما لو ولدت قبل تمام أربع سنين وقوله: وتمام أربع سنين إشارة إلى هذا.
والثاني: أن يمكن أن يكون من الثاني دون الأول، بأن أتت به لستة أشهر فصاعدًا إلى أربع سنين من وطء الثاني ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فإن كان الطلاق بائنًا انتفي عن الأول بلا لعان وكان ملحقًا بالثاني تنقضي عدتها به عنه، فإذا ولدت أكملت عدتها من الأول، وإن كان الطلاق رجعيًا فهل يلحق بالأول؟ قولان: فإن قلنا [ق 68 أ] لا يلحق فحكمه حكم الطلاق البائن إلا في فصلين:
أحدهما: أنها إذا انقضت عدة الثاني بوضعه وشرعت في إكمال العدة من الأول فللأول أن يراجعها في حال عدتها منه قولاً واحدًا فإنها في عدة خالصة منه، وإن كانت في زمان النفاس، وهل يلزمه نفقتها مدة النفاس كما يلزمه في القرءين بعده؟ وجهان.
والثاني: أنه إذا أراد أن يراجعها في حال عدتها من الثاني وهو قبل الوضع هل تصح الرجعة؟ وجهان:
أحدهما: لا تصح لأنها محرمة عليه كالمرتدة.
والثاني: وهو الأصح لأنها محرمة لعارض فهو كما لو أحرمت، ويفارق المرتدة لأنها جارية إلى بينونة بخلاف هذه.
وإذا قلنا: يلحقه فقد أمكن أن يكون من كل واحد منهما، وحكمه حكم القسم الثالث، أن تأتي به لستة أشهر فصاعدًا من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، فيعرض على القائف فأيهما ألحقه لحق، فإن ألحقه بالأول انقضت عدتها به عنه وتستأنف عدة الثاني ثلاثة أقراء بعد النفاس، فإن أراد الثاني أن ينكحها الآن فله ذلك لأنها عدة خالصة منه، والمستحب أن لا ينكحها في هذه العدة حتى تنقضي؛ لأنها تعتد عن ماء فاسد، وكذا لو لم يكن حبل وفرغت من عدة الأول وشرعت في العدة من الثاني فله أن ينكحها، والمستحب أن لا يفعل ذلك.
نص عليه في الأم، وإن ألحقه بالثاني انقضت عدتها عنه، ثم أكملت العدة من الأول، وإن لم تكن قافة أو أشكل الأمر على القافة ترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه منهما، فإذا ألحقناه بأحدهما بالانتساب ثبت عن الآخر، فإذا وضعت في هذا الموضع خرجت من عدة الحمل [ق 68 ب] وعليها أن تستأنف العدة بالأقراء فتأتي بثلاثة أقراء عقيب وضعه؛ لأنه إن كان من الثاني فقد احتاطت، وإن كانت من الأول فقد أوقف عدتها.
والرابع: أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما بأن أتت لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، والطلاق بائن أو رجعي، وقلنا إن
الجزء: 11 - الصفحة: 286
المدة هناك من يوم الطلاق فهو منفي بلا لعان، ولا تنقضي عدتها به عن واحد منهما، فإذا وضعت أكملت عدة الأول واستأنفت عدة الثاني هكذا.
ذكره جماعة، وقال بعض أصحابنا: هذا يخالف فيما تقدم إذا علق طلاقها بالولادة فولدت ولدين بينهما ستة أشهر ينتفي الثاني عنه وتنقضي به العدة، فينبغي أن تنقضي به العدة ههنا أيضًا.
قال المزني: قد نفاه بلا لعان وهذا والذي قبله سواء، يعني المسألة التي وقع فيها خلل النقل، وقد ذكرنا ذلك الخلل ليس من جهة الشافعي والجواب واحد.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ لَمْ يَنْفِ الوَلَدَ إِذَا أَقَرَّتْ أَمَةُ بِانْقِضَاءِ العِدَّةِ، ثُمَّ وَلَدتْهُ لأَكْثَرَ مِنْ سِِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ إِقْرَارِهَا".
الفصل
صورة المسألة أن يطلق زوجته فأقرب بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد لدون أربع سنين من وقت الطلاق يلحق نسبه بالزوج، وبه قال مالك، وإنما قلنا كذلك لما ذكر الشافعي في جواب السؤال، وهو أنه يمكن أن تحيض وهي حامل فيقر بانقضاء العدة على ظاهر الأمارات بين الدماء والحمل قائم فلا يقطع حكم نسب الولد بإقرارها [ق 65 أ] بانقضاء عدتها.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الإقرار بانقضاء العدة لم يلحقه، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من ذلك الوقت لحقه.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: دخلت على ابن سريج فقال: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أصح عندي.
قال أبو إسحاق: والعجب من أبي حنيفة حيث قال ههنا: ينتفي عنه الولد مع الإمكان الظاهر ههنا وألحق من غير الإمكان في المشرقي إذا تزوج بمغربية وطلقها في مجلس الحكم، وهذا خطأ ظاهر.
واحتج ابن سريج بأن الأمة تصير فراشًا بالوطء كالحرة تصير فراشًا بالعقد، ثم ثبت أنه لو وطء أمته، ثم استبرأها، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر أو أكثر لا يلحقه، نص عليه الشافعي فكذلك ههنا لا يلحقه نسبه بعد إقرارها بانقضاء العدة إذا أتت به لستة أشهر فأكثر، قيل: في كلا المسألتين قولان على سبيل النقل والتخريج وهو ضعيف، وقيل: في مسألة الأمة قولان، وفي الحرة قول واحد حكاه صاحب "الإفصاح" وقيل: وهو قول الجمهور: المسألتان على قول واحد والفرق أن ولد الأمة في الابتداء لا يلحق بالإمكان، وإنما يلحق بالإقرار بالوطء، فإن استبرأها زال حكم الوطء في الظاهر وبقي
الجزء: 11 - الصفحة: 287
الإمكان فلا يلحق به، وليس كذلك ولد الحرة لأنه يلحق بالإمكان من غير إقرار بالوطء في الابتداء فكذلك يلحق بعد انقضاء الإقراء، فإن نكحت زوجًا آخر بعد إقرارها ب انقضاء العدة، ثم أتت بولدٍ لستة أشهر فالولد يلحق بالثاني بلا إشكال؛ لأنه أقوى سببًا [ق 69 ب] من الأول.
ثم اعلم أن الشافعي قال ههنا عقيب هذه المسألة: "وَكَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَلاَ يَمْلِكُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاعءٌ لأَنَّ كِلْتَيْهِمَا تَحِلاَّنِ بِانْقِضَاءِ العُدَّةَ لِلأَزْوَاجِ" ومعناه أنهما سواء في مسألة الخلاف لأن العلة التي ذكرناها موجودة فيهما جميعًا.
ثم قال المزني: فقال الشافعي في باب اجتماع العدتين "وَالقَافَةِ" إِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا الأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ دَعَا لَهُ القَافَةَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ الثَّانِي" فجمع بين من لا رجعة له عليها ومن بين من له الرجعة في باب الدخول بها، يعني في هذا الباب الذي نحن فيه، وفرق بينهما في اجتماع العدتين، ومراد المزني بهذا الكلام بيان كيفية احتساب السنين الأربع، فإذا كانت بائنة فأول السنين الأربع محسوب من وقت الطلاق لا من وقت انقضاء العدة؛ لأنه لو تعمد وطئها في العدة فجاءت بولد كان منفيًا عنه وكان زانيًا بذلك الوطء وعليه الحد.
فإن قال قائل: أرأيت لو وطئها غالطًا ألسنا نلحق به الولد؟ قلنا: بلى، وكذلك لو وطئها بعد العدة غالطً فلا اختصص لزمان العدة بالغلط.
فأما إذا كانت رجعية فمن أي وقت يحتسب أول السنين الأربع قولان على ما ذكرنا، والقول الثاني إنها محسوبة من آخر عدتها بالأقراء؛ لأنه لو تعمد وطئها في العدة فأحبلها كان الولد ملحقًا به ولا حد، وعلى هذا القول أجاب الشافعي في باب اجتماع العدتين والقافة.
واعلم أن في عبارته لإطلاقه وإيجازه إشكالاً ومعنى قوله: "إن جاءت بولد لأكثر [ق 70 أ] من أربع سنين من وقت الطلاق الرجعي وأقل من أربع سنين من وقت انقضاء عدتها ولستة أشهر فصاعدًا من وقت وطء الثاني دعا له القافة، وإن كان الأول لا يملك الرجعة فولدته لأكثر من أربع سنين من وقت طلاقه ولستة أشهر من وقت وطء الثاني فهو للثاني ولا يحتمل أن يكون للأول هذا معنى كلامه فتأمله.
واعلم أن المزني لما فرغ من حكاية قوله: "وَكَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَلاَ يَمْلِكُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ" عطف عليه فقال: "وَقَالَ فِي اجْتِمَاعِ العِدَّتَيْنِ" لا يستوي من يملك الرجعة ومن لا يملك الرجعة، فأشار إلى القولين، فقال المزني: إن كنت ظننت أن القول الثاني وهو قول التسوية هو قوله: "وكان الذي يملك الرجعة ولا يملكها في ذلك سواء" فقد أخطأ ظنك؛ لأن قصد الشافعي من هذه التسوية مسألة الخلاف التي مضت بيننا وبين أإبي حنيفة، وهي أنها لو أقرت بثلاثة أقراء ثم ولدت بعد الإقرار ولدًا لأكثر من ستة أشهر ألحقناه، والذي لا يملك الرجعة ويملك في ذلك سواء، وإن كنت تريد أن
الجزء: 11 - الصفحة: 288
الشافعي رحمة الله تعالى عليه في هذا الباب الذي نحن فيه يحض على التسوية في اعتبار السنين الأربع من وقت الطلاق في الرجعية والبائنة فقد أصبت، وموضع نصه في أثناء الباب لا في موضع عطفك وهو قوله: وإن طلقها فلم يحدث لها رجعة ولا نكاحًا حتى ولدت لأكثر من أربع سنين فأنكر الزوج فهو منفي عنه والله أعلم.
[ق 70 ب] باب لا عدة على التي لم يدخل بها زوجها
مسألة:
قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49] قَالَ: وَالمَسِيسُ: الإِصَابَةٌ.
إذا طلقها قبل الخلوة بها فلا عدة عليها، وإن كان قبل الوطء وبعد الخلوة فقال في الجديد: لا عدة عليها لهذه الآية التي ذكرناها.
قال الشافعي: والمسيس الإصابة، والله تعالى يكني بالمسيس والمماسة عن الوطء في مواضع.
قال ابن عباس رضي الله عنهما وشريح وغيرهما: لا عدة عليها إلا بالإصابة بعينها لأن الله تعالى قال هكذا، وقال في القديم: فيه قولان:
أحدهما: أن الخلوة توجب العدة وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: أن الخلوة دلالة على الوطء وبه قال مالك.
فعلى هذا لو اختلفا في الوطء فالقول قول من يدعي الوطء، فعلى هذا إذا خلا بها، ثم تقارا على أن الوطء لم يكن فليس لها إلا نصف المهر، وهل تجب العدة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب كما لا يجب إلا نصف المهر.
والثاني: يجب؛ لأن العدة تتعلق لحق الله تعالى، فإذا تقارا على إسقاطها مع وجود الدلالة على وجوبها لم يسقط، ولو جاءت بشاهد واحد يشهد على إقراره بالوطء وحلفت مع الشاهد أعطيناها الصداق.
مسألة:
قَالَ: "فَإِن وَلَدَتِ الَّتِي قَالَ لَهَا زَ! وْجُهَا لَمْ أَدْخُلَ بِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا تَلِدُ لَهُ النِّسَاءُ مِنْ يَوْمِ عَقَدَ نِكَاحَهَ لَحِقَ نَسَبُهُ وَعَلَيْهِ المَهْرُ".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة في آخر "كتاب الصداق" وإنما يلحق نسبه به [ق 71 أ] لإمكان
الجزء: 11 - الصفحة: 289
أن يكون الولد منه وإن لم يكن دخل بها، فإن وطئها دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها وقد تحبل البكر على هذا الوجه، أو استدخلت ماؤه فحملت ولا يؤثر ما تقدم من يمينه على انه لم يدخل بها في هذا الحكم.
وأما المهر هل تكون ولادتها دليلاً على صدقها في الدخول لتكميله لا يخلو إما أن تقر على نسبه أو ينفي اللعان، فإن أقر على نسبه، نقل المزني والربيع أنه يحكم لها بالإصابة وكمال المهر، وقال الربيع: وفيه قول آخر: لا يلزم إلا نصف المهر؛ لأنه يجوز أن تكون علقت من استدخال مائة، فقيل: هذا قاله تخريجًا ولا وجه له؛ لأن ظاهر الحكم محمول على غالب العدة، والغالب من علوق الولد أنه يكون من الوطء دون الاستدخال وقيل: قاله نقلاً؛ لأنه راوي أقاويله ففيه قولان:
وقال أبو إسحاق: هما على حالين، فإن كانت الولادة بعد إنكار الزوج الإصابة قبل اليمين يكمل المهر؛ لأن الحكم لم يتبرم حتى لو مات أو خرس ولا يحسن الإشارة حكم بقولها بالإصابة، وإن كان بعد اليمين وانبرام الحكم فلا يكمل المهر، وإن كان نفاه الأب باللعان.
قال أبو حامد: وجماعة: نفيه باللعان كمحوه لولادته فتصير كأنها لم تأت بولد فلا يكون لها من المهر إلا نصفه، وقال صاحب "الحاوي": هذا لا يصح عندي بل حكم نسبه قد ثبت فثبتت الولادة، وإنما استأنف نفيه بعد لحوقه فلم يجز أن يكون مساويًا لمن لم يلحق نسبه فاقتضى أن يستكمل به فهو على ما ذكرنا.
فإذا قلنا بالمشهور من المذهب لو ادعت الإصابة ولم تحلفه قبل اللعان حلفناه على أنه لم يصبها [ق 71 ب] فإن قيل: يجب أن لا تحلفوه لأنكم حكمتم بعدم الوطء؛ لأنه قد يطأها ولا يحبلها فلا بد من اليمين.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ خَلاَ بِهَا فَقَالَ: لَمْ أُصِبْهَا وَقَالَتْ: قَدْ أَصابَنِي وَلاَ وَلَدَ فَهِيَ مُدَّعِيَةٌ وَالقَوْلُ قَوْلُهُ".
الفصل
هذا فرعه على القول الجديد أنه لا تأثير للخلوة، فإن جاءت بشاهد على إقراره بالوطء قد ذكرنا أنها تحلف مع شاهدها ولا يلزم لها كل المهر؛ لأن المقصود منه المال فقبل فيه شاهد ويمين، وكذلك إن أتت بشاهد على نفس الوطء يحلف معه وأصحابنا قالوا: يجوز النظر إلى ذلك لإقامة الشهادة ولو كان طلقها، ثم ادعى أنه كان أصابها
الجزء: 11 - الصفحة: 290
وأقام شاهدًا واحدًا لم يحلف معه؛ لأنه تثبت به الرجعة لنفسه وليس بماله.
فإن قيل: أليس المرأة إذا ادعت على الزوج وأقامت شاهدًا واحدًا لم يحلف معه، وإن كانت تثبت لنفسها.
قلنا: إذا ادعت النكاح فإنها تثبت العقد دون المال، ثم يثبت في العقد المال ونفس العقد ليس بمال ولا يقصد منه المال بل يقصد الوصلة والمصاهرة بخلاف ما لو ادعت المهر والنفقة صريحًا.
باب العدة من الموت والطلاق والزوج الغائب
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا عَلِمَتِ المَرْأَةُ يَقِينَ مَوْتِ زَوْجِهَا أَوْ طَلاَقَهُ".
الفصل:
متى علمت الزوجة الفرقة بطلاق أو موت فالعدة من حين وقوع الفرقة سواء كان غائبًا أو حاضرًا، وسواء ثبت ذلك بالبينة أو بالخبر، فإن لم تعلم حتى مضى زمان العدة [ق 72 أ] فقد قضت ما عليها، وغن لم تمض تمام العدة فعليها إتمام العدة؛ لأن العدة ليس من شرطها القصد والنية؛ ألا ترى أن المجنونة تعتد عن الطلاق والموت، وإن لم تشعر بها، وأيضًا فإنها لو تركت في عدتها الإحداد فلبست المصبوغات وتطيبت انقضت عدتها وهي عاصية، فإن لم تعلم ذلك وفعلت ذلك على غير وجه العصيان؛ لأن تنقضي عدتها بذلك أولى وأجرى.
وقول الشافعي ههنا: "فَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ حَتَّى تَمْضِي العِدَّةُ" أي لم تقصد الاعتداد لأنها في حالة الجهالة معتدة عن طريق الاحتساب وإن لم تكن معتدة بطريق القصد، وبقولنا قال ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وابن المسيب، وعطاء، والزهري، وعامة الفقهاء رضي الله عنهم.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال "العدة من حين العلم" وبه قال الحسن، وداود، وقال الإمام البيهقي رحمه الله اختلفت الرواية في ذلك عن علي رضي الله عنه.
وقال عمر بن عبد العزيز والشعبي رضي الله عنهما: إن ثبت ذلك بالبينة فمن حيثن مات، وإن كان ذلك بخبر مخبر فمن حين بلغها، واحتجوا بان العدة عبادة فاحتاجت إلى القصد، قلنا: لا نسلم أنها عبادة وبينا أن القصد منها غير معتبر، وقد قال تعالى: ﴿وأُوْلتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فإذا وضعت الحمل قبل العلم يجب أن تكون عدتها منقضية لهذا النص.
وأما في النكاح الفاسد إذا وجد الوطء فالعدة من حين التفريق، إما بتفريق الحكم أو بافتراقهما بالاختيار أو بموت أو بطلاق وهو لا يعلم بفساد النكاح.
الجزء: 11 - الصفحة: 291
وأما في الوطء بشبهة الظن [ق 72 ب] فوقت العدة من حين الفراغ من الوطء.
باب عدة الأمة
مسألة:
قَالَ: "فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنتَ الأحْرَارَ أَوْ العَبِيدِ فِي حَدِّ الزِّنَى".
الفصل:
الأمة المزوجة إذا طلقها زوجها، فإن كانت حاملاً فعدتها تنقضي بوضع الحمل، ولا فرق في ذلك بين الحر والأمة، وإن كانت حائًلا، فإن كانت من ذوات الأقراء، فعدتها بقرءين، وبه قال عمر وعلي، وابن عمر رضي الله عنهم، وقال داود: عدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] ولم يفصل، وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال بحضرة الصحابة: "ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهرًا ونصفًا" والمراد بقوله حيضين أي طهرين ولكن الأطهار لا تتعدد إلا الحيض يعبر بالحيض عنه.
وروى أصحابنا عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تطليق العبد بطلقتين، وتعتد الأمة حيضتين" والمشهور أنه لا يصح مرفوعًا.
واعلم أن الشافعي احتج في أول هذا الباب فذكر بعض ما افترق فيه الحر والعبد وبعض ما استويا فيه، فقال: "قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الأَحْرَارِ وَالعَبِيدِ فِي حَدَّ الزَّنَى" ثُمَّ قَالَ: "وَذَكَرَ المَوَارِيثَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ لَقِيتُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَحْرَارِ دُونَ العَبِيدِ وَفَرَضَ اللَّهُ العُدَّةَ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي المَوْتِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشَرًا" ثُمَّ قَالَ: "وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا [مِمَّنْ حَفِظْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ] فِي أَنَّ عِدَّةَ الأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ فِيهَا لَهُ نِصْفُ مَعْدُودٍ" الفصل إلى آخره.
قال أصحابنا: جملة الأحكام [ق 73 أ] على ثلاثة أضرب:
ضرب يستوي فيها بين الأحرار والعبيد، مثل تحريم الظهار، ومدة الإيلاء، ومدة العنة، والقصاص، والقطع في السرقة؛ لأن شيئًا منها لا يحتمل التبعيض، ولا بدل له يقوم مقامه فسوى بين الأحرار والعبيد فيه، ومن ذلك فرائض الصلوات والصيام.
وضرب خص به الأحرار مثل الرجم بالزنى فإنه لا يحتمل التبعيض إلا أن له بدلاً
الجزء: 11 - الصفحة: 292
وهو الجلد، فاقتصر في العبيد على بدله وكذلك ما بني على الفضيلة والجمال كالجمعة، والشهادة، والولاية، والميراث لا مدخل للعبيد فيها.
وضرب جعل العبد فيه على النصف من الحر، وهو حد الزنى، والقذف، والشرب، والطلاق، والعدة، إلا أن الطلقة الواحدة والحيضة الواحدة لا يتبعضان فكملتا، وقو الشافعي: " وَأَمَّا الحَيْضَةُ فَلاَ يُعْرَفُ لَهَا نِصْفٌ" معناه جعلنا عليها شيء ما على الحرة من الأقراء؛ لأنها لا تنتصف الحيضة ولو تنصفت لألزمناها حيضة ونصفًا، وأقرب الأشياء من الصنف إذا لم يسقط من النصف شيء حيضتان، وهذا لأن أقرب القرءين من نصف الثلاثة بزيادة نصف قرء، وقرب القرء الواحد من نصف الثلاثة بنقصان نصف قرء، فالواحد والاثنان سواء في القرب من نصف الثلاثة، ولكن لو صرنا إلى الواحد نقصًا من نصف الثلاثة شيئًا، فكذلك صرنا إلى الاثنين، وقلنا: الإثنان أقرب الأشياء من النصف إذا لم يسقط من النصف شيء، وإن كانت من ذوات الأشهر فيه ثلاثة أقوال: [ق 73 ب]
أحدها: تعتد بشهر ونصف لأنه ذو عدد مبني على الفاضل، ويمكن تنصيفه فينصف كالحد وهو المشهور، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تعتد بشهرين كما تعتد بقرءين، لأنه بدل كل قرء شهر كما في الصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء.
والثالث: تعتد بثلاثة أشهر وأشار إليه في "أم الولد" إذا لم يكن ذوات الأقراء، وهذا لأن المقصود العلم ببراءة الرحم وهي أقل مدة يظهر في مثلها الحمل، فما لم يمض ذلك لا تعرف براءة رحمها، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، وعن أحمد ثلاث روايات مثل أقوالنا سواء.
وأما قول عمر رضي الله عنه: "فإن لم تحض بشهرين أو شهرًا ونصفًا" قيل: هو شك من الراوي.
وقيل: هو تعليق القول، وهو دليل على جواز تعليق القولين في المسألة وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يبعد أن يقع الشك للراوي بين شهرين أو شهر أو نصف شهر.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أُعْتِقَتْ الأَمَةُ قَبْلَ مُضِيَّ العِدَّةِ أَكْمَلَتْ عِدَّةَ حُرَّة".
الفصل:
إذا تزوج بأمة، ثم دخل بها، ثم اجتمع لها العتق والطلاق نظر، فإن عتقت قبل طلاقه فعدتها عدة الحرة الأصلية؛ لأن العتق وجد وجوب العدة، وإن عتقت بعد أن اعتدت بقرءين لم تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن الحرية طرأت بعد انقضاء العدة وإن أعتقت في
الجزء: 11 - الصفحة: 293
أثناء العدة، اختلف قول الشافعي فيه، فقال في "القديم" إن كانت بائنًا أكملت عدة أمة، وإن كانت رجعية فيه قولان هل تكمل عدة حرة أو أمة؟
وقال في الجديد: إن كانت رجعية أكملت عدة حرة، وإن كانت بائنًا، قال أصحابنا: يحصل من ذلك ثلاثة أقاويل:
أحدها: تكمل عدة أمة رجعية [ق 74 أ] كانت أو بائنة، قال مالك: لأن الحرية طرأت بعد وجوب العدة عليها فلا يتغير حكمها، كما لو طرات الحرية بعد وجوب الاستبراء.
والثاني: أنها إن كانت رجعية تكمل عدة حرة، وإن كانت بائنًا أكملت عدة أمة.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الرجعية تعتد عدة الوفاة لو مات، فوجب أن تعتد عدة حرة بخلاف الثاني والثالث أنها تكمل عدة حرة بكل حالٍ رجعية كانت أو بائنًا.
وهو اختيار المزني؛ لأن سبب العدة الكاملة إذا وجد في أثناء العدة انتقلت إليه وإن كانت بائنًا، كما لو اعتدت بالشهور فرأت الدم قبل إتمامها ويفارق الاستبراء؛ لأن الحرية لو قارنت وقت الوجوب لم تكمل، وهو إذا مات السيد فعتقت أم الولد بموته يكفيها استبراء واحد، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلاَقٍ وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ الطَّلاَقِ الأَوَّلِ".
صورة المسألة أن يطبق العبد زوجته الامة، ثم أعتقها سيدها وهي في العدة فلها اختيار الفراق في الحال، ولها أن تؤخر الفسخ على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن عجلت الفسخ قال أبو إسحاق: تبني على عدتها قولاً واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: تبقى.
والثاني: تستأنف العدة وهذا ضعيف.
فإذا قلنا: تستأنف استأنفت عدة حرة لأنها وجبت في حال الحرية.
وإذا قلنا: نبني فهل تكمل عدة أمة أو عدة حرة؟ فيه طريقتان:
إحداهما: تكمل عدة حرة قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ سبب لابتداء العدة، فإذا وجد في حال الحرية أوجب إكمال عدة الحرة، وهو اختيار أبي إسحاق [ق 74 ب].
والثانية: فيه قولان؛ لأنها مستديمة العدة والفسخ بمنزلة الطلاق البائن.
وإن راجعها كان لها أن تختار الفسخ، وإذا اختارت الفسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق، ولو طلق بعد الرجعة هل تستأنف العدة أو تكمل العدة؟
الجزء: 11 - الصفحة: 294
قولان كذلك ههنا.
والثانية: أنها تستأنف قولاً واحدًا؛ لأنها فسخت النكاح وهي زوجته ومتى استأنفت أكملت العدة، وإذا أكملت فيه طريقان على ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": إذا فسخت بالعتق هل يكون فسخها قاطعًا لرجعة الزوج وجهان:
أحدهما: لا تقطع رجعته؛ لأنها من أحكام طلاقه.
فعلى هذا إن راجع الزوج وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق، فيكون ابتداء عدتها من وقت الفسخ وتعتد عدة حرة؛ لأنها بدأت بالعدة وهي حرة، وإن لم يراجع فالفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ فيكون أول عدتها من وقت الطلاق، وقد بدأت وهي امة، ثم صارت حرة فهل تعتد عدة أمة أو حرة؟ قولان:
والثاني: الفسخ قطع رجعة الزوج عنها لأنها غير مؤثرة في الإباحة، فمنع كما منع من رجعة المرتدة.
فعلى هذا هل يغلب في الفرقة حكم الطلاق أو حكم الفسخ وجهان:
أحدهما: يغلب حكم الطلاق لتقدمه [فعلى هذا هل تعتد عدة أمة أو عدة حرة؟ على ما مضى من القولين.
والثاني: يغلب حكم الفسخ لقوته] فعلى هذا تعتد عدة حرة قولاً واحدًا لأن الفسخ ما وقع إلا بعد الحرية، ولكنها تبني على ما مضى من وقت الطلاق ولا تبتدئها من وقت الفسخ؛ لأن الفسخ قد أبطل الرجعة فلم يجز أن يطول به العدة.
وهذه طريقة حسنة ولو طلقها زوجها، ثم أعتقت في العدة، ثم طلقها ثانيًا بعد الحرية هل تبنى على عدتها أم تستأنف؟ طريقان على ما ذكرنا؛ لأن وقوع الطلاق في حال الحرية بمنزلة وقبوع الفسخ في حال الحرية لا فرق بينهما.
[ق 75 أ] مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَحْدَثَ لَهَا رُجْعَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُصِبْهَا بَنَتْ عَلَى العِدَِّةِ الأُولَى".
صورة المسألة أنه طلق امرأته الحرة فمضى لها قرء مثلاً، ثم راجعها زوجها ولم يصبها حتى طلقها، نقل المزني أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنها مطلقة لم تمس هكذا علل الشافعي، ومعناه لم تمسس بعد استحداث التمليك، وهذا قوله القديم، وبه قال مالك.
قال المزني: هذا غلط بل عدتها من الطلاق الثاني؛ لأنه لما راجعها بطلت عدتها وصارت في معناها المتقدم بالعقد الأول لا بنكاح مستقبل، فهي في معنى من ابتدأ
الجزء: 11 - الصفحة: 295
طلاقها مدخولاً، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقد ذكره الشافعي في باب إفراد الشافعي لهذه المسألة ونص فيه على قولين، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح لما ذكر المزني من الدليل.
وقال داود: سقطت العدة وحلت للأزواج؛ لأن الطلاق الأول ارتفع بالرجعة فسقطت بقية العدة، ثم طلقها ثانيًا من غير إصابة، وهذا خلاف الإجماع ويؤدي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب، وإن نكح المرأة في يوم واحد عشرين زوجًا ولو راجعها، ثم وطئها، ثم طلقها لا يختلف المذهب أنها تستأنف العدة من الطلاق الثاني، ولو خالفها، ثم نكحها، ثم طلقها قبل الدخول بها بنت على عدتها الأولى قولاً واحدًا، وبه قال محمد.
وقال أبو حنيفة: تستأنف العدة وتكمل مهرها، وقد مضى هذا فيما قبل وهو غلط ظاهر لأن الخلع يوقع البينونة فلا يمكن ضم الحالة الثانية إلى الأولى لتحلل البينونة بينهما ولا يمكن إيجاب عدة مستأنفة لأنه طلاق قبل الدخول فلم يبق إلا البناء على العدة الأولى [ق 75 ب] وحكي عن المزني أنه قال: لا يجوز المخالع نكاح المختلعة قبل انقضاء عدتها منه كما لا يجوز لغيره، وهذا خطأ لأنه لا يصان ماءه ولو طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها، ثم خالعها، فإن قلنا: الخلع طلاق هل تستأنف العدة أو تبنى قولان على ما ذكرنا.
وإن قلنا الخلع فسخ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كالطلاق أيضًا.
والثانية: أن الفسخ جنس يخالف جنس الطلاق فاقتضى اختلافهما أن لا تبنى عدة أحدهما على الآخر بل تستأنف العدة بعد الخلع قولاً واحدًا ولو طلقها طلقة أخرى قبل أن يراجعها فالمذهب أنها تأتي ببقية عدتها ولا تستأنف من الطلاق الثاني قولاً واحدًا.
ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا.
أحدهما: تستأنف لأن الشافعي لما ذكر الاستئناف في أحد قوليه إذا راجعها، ثم طلقها قال: فمن قال بهذا لزمته أن يقول ارتجع ولم يرتجع سواء، وهذا غلط وليس هذا بتفريع على هذا القول بل تشنيع على من قال بهذا القول، وهو اختيار أبي إسحاق وقال القفال: الصحيح أن في هذه المسألة قولين أيضًا لأن الشافعي قال: فيمن قال لامرأته: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة تطلق ثنتين بالأول وتنقضي عدتها بالثالث.
وقال في الإملاء: طلقت ثلاثًا واستأنفت العدة بالأقراء وهنا لا يخرج إلا على هذا القول وهو انه متى لحقها طلقة استانفت العدة فتقع الطلقة الثالثة بين العدتين، وإن لم يكن بينهما زمان يشار غليه كما لو قال: أنت طالق بين الليل والنهار فإذا غربت الشمس أو طلع الفجر طلقت ولا زمان بينهما ليس من أحدهما وهذا اختيار الأصطخري، وابن خيران ولو مات عنها [ق 76 أ] في خلال عدتها وهي رجعية تستأنف عدة الوفاة قولاً
الجزء: 11 - الصفحة: 296
واحدًا وتسقط باقي العدة ولا يجب الإتيان به في عدة الوفاة بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ طَلاَقًا لاَ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ أُعتِقَتْ".
الفصل:
ذكر ههنا حكم البائنة في عدتها هل تبني على عدة أمة أو تكمل عدة حرة؟ فيه قولان، وقد ذكرنا ذلك واختار أنها تعتد عدة حرة، واحتج الشافعي به لهذا القول، وهو أن المرأة إذا كانت تعتد بالشهور فرأت الأقراء انتقلت إلى الأقراء، وأنت المسافر إذا أقام في أثناء صلاته يصلي صلاة مقيم، وهذا الذي ذكره صحيح فلا يحتاج إلى جوابه.
ثمَّ قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزَ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ ظِهَارٍ، ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً أَنْ يَصُومَ [وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ وَيُكَفُرُ بِالصِّيَامِ] وَلاَ لِمَنْ دَخَلَ فِي الَصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّم ثُمَّ يَجِدُ المْاءَ أَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم كَمَا قَالَ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّتِهَا مِمَّنْ تَحِيضُ وَتَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ" وقد سوى الشافعي في ذلك بين ما دخل فيه المرء وبين ما لم يدخل فيه، فجعل المستقبل فيه كالمستدبر، يعني أنه جعله كالمسافر الذي نوى المقام في خلال صلاته أن يجعله كمن وجد الماء قبل الشروع في صلاته، ويلزمه أن يقول فيمن صام بعض الأيام عن الظهار، ثم وجد الرقبة أن ينتقل على الرقبة كمن وجد الرقبة قبل الشروع في الصيام.
والجواب أن المسافر إذا نوى المقام في خلال صلاته فأمرناه بالإتمام لم تبطل عليه ما مضى من صلاته، ولو كلفنا المقيم الماء والظاهر العتق أبطلنا على كل واحد منهما ما مضى من العبادتين، فلا تصح هذه الموازنة والجمع.
ومثل هذا الجواب في مسألة [ق 76 ب] الحيض، والشهور لا تستمر مع المزني إلا على مذهب من يقول: تعتد بها بما مضى قرءًا إذا حاضت قبل إكمال الشهور، فلا يبطل عليها فيما مضى من شهورها.
ثُمَّ قَالَ: "وَالطَّلاَقُ إِلَى الرَّجَالِ وَالعِدَّةُ بِالنَّسَاءِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى القُرْآنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأَثَرِ، زَمَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فِيمَا سِوَى هَذَا مِنْ أَنَّ الأَحْكَامَ تُقَامُ عَلَيْهِمَا" وهذه المسألة مضت في كتاب الرجعة، ومقصوده الرد على أبي حنيفة حيث اعتبر الطلاق بالنساء، ولا شك أن العدة بالنساء، فعدة الحرة ثلاثة أقراء سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وعدة الأمة قرءان سواء كان زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بمعنى القرآن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] ولم يفصل بين أن
الجزء: 11 - الصفحة: 297
يكون زوجها حرًا أو عبدًا، وأراد بالأثر ما ذكرنا عن عمرو رضي الله عنه: يطلق العبد تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين.
ثم احتج بالقياس في قوله الأحكام تقام عليها كما نقول في الحدود، فإن الحر يزني بأمة فيعتبر حد كل منهما لمحاله دون حال صاحبه؛ كذا ههنا يعتبر كمال الطلاق بكمال حاله ونقصانه بنقصان حاله؛ لأنه الفاعل وتعتبر العدة بها؛ لأنها الفاعلة لها.
فأما الجلاد يباشر ضرب الحد ولا يعتبر به لأنه نائب عنه ليس أن الحكم ثبت له أو عليه ولا اعتبار بالنائب.
باب عدة الوفاة من كتابين
مسألة:
قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 240] الآيَةَ فَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرُ ذَاتَ الحَمْلِ".
الفصل:
الأصل في عدة الوفاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 240] [ق 77 أ] ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].
واعلم أن العدة كانت في أول الإسلام على المتوفي عنها زوجها حولاً كاملاً بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] الآية، ثم نسخ ذلك واختلف أصحابنا في كيفية النسخ، فمنهم من قال: وهو اختيار الأصطخري: نسخت جميع الحول، ثم ثبت أربعة أشهر وعشر فيكون جميع آية الحول منسوخة وآية الشهور هو الموجبة لأربعة أشهر وعشر.
وروي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: المتاع منسوخ بآية المواريث والحول منسوخ بأربعة أشهر وعشر.
ومن أصحابنا من قال: آية الشهور نسخت من آية الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشر، وبقي من الحول أربعة أشهر وليس في هذا الاختلاف تأثير في الحكم، وهذا ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه.
فإن قيل: هذه متقدمة على آية الحول والناسخ لا يتقدم المنسوخ.
قلنا: هذه الآية متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل وهذا كثير في القرآن.
قال الله تعالى: {سَيَقُولُ
الجزء: 11 - الصفحة: 298
السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] متقدمة على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:144] وقيل: في تقديم الناسخة فائدة، وهو أن لا يعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها.
فإن قيل: فليس بين الآيتين تعارض فكيف تنسخ إحداهما الأخرى؟ قلنا: المراد بهذه الآية جميع العدة بالإجماع ولهذا جعل فيها الكسر فوجد التعارض.
وأما السنة ما روى حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة رضي الله عنها [ق 77 ب] تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عيناها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول "لا" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول "قال حميد: فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها قطنت حفشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة الحمار أو شاة، فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات يعني لطول أظفارها ثم تخرج فتعطي بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره.
وسئل مالك: ما تفتض؟ فقال: تمسح به جلدها، وقال القتيبي: معناه تكسر ما يبنى فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش، وهو من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ومنه فض خاتم الكتاب.
والحفش البيت الدليل الصغير من الشعر والبناء وغيره.
وقال الأزهري: الحفش البيت الصغير القصير السمك، ومنه الخبر: ألا جلس في حفيشة أمه.
الخبر ومعنى رمتها بالبعرة، أي وكأنها تقول: جلوسي في البيت وحبسي نفسي سنة كالرمية بالبعرة في حب ما كان يجب من حق الزوج أو ما لاقته في الحول من الشدة هين في عظم حقك علي كهوان هذه البعرة.
وقيل: معناه اديت حقك وألقيته عني كما تلقاه هذه البعرة على قبر الزوج.
وروى الشافعي: فتقبض بالقاف والباء والصاد.
قال الشافعي: [ق 78 أ] والقبض أن تؤخذ من الدابة موضعًا بأطراف أصابعها، والقبض: الأخذ بالكف كلها.
وقيل في رواية الشافعي فتقبض بالضاد، وهو القبض بالكف، وإنما روي يقبض لأن القبض بالكف يؤول إلى القبض الذي هو الكسر فعبر عنه عما يؤول إليه.
ذكره في "الحاوي".
وروي: "قد كانت إحداهن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمته ببعرة وإن لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر".
الجزء: 11 - الصفحة: 299
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا فعدة الوفاة بشيئين بالحمل والشهور.
فإن كان حاملاً اعتدت به فإذا وضعته حلت، وظاهر الآية يوجب عليها العدة بالأشهر، وإن كانت حاملاً، ولكن عرفنا ذلك بالسنة وهي أن سبيعة الأسلمية خرج زوجها في طلب عبيد له فكروا عليه فقتلوه، فوضعت بعد وفاته بنصف شهر، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت عليه، فاجتاز بها يومًا وقد تصنعت للأزواج فقال لها: تصنعت للأزواج لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، وإنما قال ذلك طمعًا أن تتربص حتى يرجع وليها من غيبته فيحثها على الإجابة لأبي السنابل فأتت سبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قال أبو السنابل فقال صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل قد حللت فأنكحي من شئت"، وإنما قال: "كذب" ولم يقل أخطأ لأنه صلى الله عليه وسلم عرف قصده، وأنه قال ذلك عن عمد، وإنما قال الشافعي: عرفنا هذا بالسنة ولم يقل بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ [ق 78 ب] حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] لأن الآية وإن كانت عامة في نفسها فهي على أثر ذكر المطلقات فربما يقول قائل هي فيه الملقة لا في المتوفي عنها.
وروى أبو داود بإسناد خبر سبيعة على وجه آخر وهو الأصح وهو أن سبيعة تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعالت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليه أبو السنابل ابن بعكك رجل من بني عبد الدار، فقال: مالي أراكي متجملة لعلكي ترجين النكاح أنكي والله ما أنتي بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال ذلك جمعت على ثيابي حتى لبست فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي وقوله: تعالت من نفاسها أي طهرت من دمها.
وروي عن علي ابن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: تعتد المتوفي عنها بآخر الأجلين.
ومعناه أن تمكث حتى تضع حملها، فإن كانت مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، فقد حلت، وإن وضعته قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة.
وقال القفال: لم يصح هذا المذهب إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وترك هذا المذهب عليهن وفيه نظر: وبقولنا قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبو هريرة رضي الله عنهم ومالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة.
والدليل على هذا ما ذكرنا من الخبر، وروي عن أبي سلمى بن عبد الرحمن أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة [ق 79 أ]
الجزء: 11 - الصفحة: 300
وابن عباس رضي الله عنهما، فذكروا المرأة المتوفي عنها زوجها وهي حامل، قال أبو سلمة: فقلت: إذا وضعت حملها فقد حلت، فقال ابن عباس: أجلها آخر الأجلين، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي - يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت أم سلمة: إن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فخطبها رجل من بني عبد الدار يدعى أبا السنابل وأخبرها أنها قد حلت فأراد أن تتزوج بغيره، فقال أبو السنابل: إنك لم تحلي فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج.
وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشرٌ، يعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق، يريد أن نزول هذه السورة إنما كان بعد نزول سورة البقرة، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل فقال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وفي البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وظاهر هذا الكلام منه يدل على أنه حمله على النسخ وليس كذلك، بل إحدى الآيتين مرتبة على الأخرى فالآية في سورة البقرة في عدد الحوامل، والآية التي في سورة الطلاق في عدد الحوائل، والله أعلم.
وإن كانت حاملًا اعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيام، وبه قال: كافة العلماء، وقال الأوزاعي: وعشر ليال فتنقضي العدة بطلوع الفجر من اليوم العاشر، وهذا غلط؛ لأن الليالي إذا أطلقت يقتضي دخول الأيام معها فحمل الظاهر عليها [ق 79 ب].
فإن قيل: لما حذف الباء في قوله وعشر دل على أنه أراد وعشر ليال لأن عدد المؤنث في الآحاد محذوف الهاء، قيل: العرب تحذف الهاء في عدد المؤنث والذكور فتقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشرة أيام كما نقول: سرنا عشرًا وهو يريد عشر ليال.
فإذا تقرر هذا لا فرق بين أن يموت عنها قبل الدخول أو بعده، ولا فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لا عدة عن المتوفي عنها قبل الدخول.
قياسًا على الطلاق، وقد تفرد بهذا القول، وهذا غلط لأن الآية عامة في الكل، وإنما خصصنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] بالمدخول بها بحكم آية أخرى منصوصة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، ولم يرد ههنا مثل هذا ولا يمكن تخصيصها بالقياس على المطلقة؛ لأن يمكن للزوج تكذيبها ونفي الولد عن نفسه باللعان إن أتت به بخلاف المتوفي عنها، فاحتاط الشرع فيها، وأيضًا المقصود من عدة الطلاق الاستبراء والمقصود من عدة الوفاة التعبد وإظهار الحزن لانقطاع الوصلة
الجزء: 11 - الصفحة: 301
بالوفاة من غير اختيار، ولهذا لزم فيها الإحداد واعتبر في عدة الطلاق الأقراء وههنا الشهور فافترقا.
فإن قيل: أليس لو دخل بها ثم جئت ذكره وأنثياه، ثم طلقت بعد ذلك بعشرين سنة يلزمها العدة والاستبراء ههنا، قيل: المغلب في عدة الطلاق والاستبراء، وإن جاز أن يجب تعبدًا في هذا الموضع فصح ما ذكرناه.
مسألة:
قَالَ: "فَتَحِلُّ إِذَا وَضَعَتْ قَبْلَ أَنْ تَظْهُرَ [ق 80 أ] مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ".
إذا وضعت الحمل انقضت عدتها في الحال وإن لم تطهر من نفاسها؛ لأن النفاس لا يمكن النكاح كما لا يمنعه الحيض.
وقال حماد، والأوزاعي: لا تحل ما لم تطهر من النفاس، كما يعتبر في عدة الأقراء بطهارتها من الحيض عندهما.
وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ولم يعتبر الطهارة من النفاس.
وأما قوله: "مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مَفْسُوخٍ": ولم يرد به أنها تعتد بالشهور عن الوفاة؛ لأن العدة في النكاح الفاسد لا تجب إلا بالدخول، وإذا دخل وحملت كانت العدة بوضع الحمل كما في الصحيح، وهذا لأن عدة الوفاة لحرمة الوصلة ولا حرمة في النكاح الفاسد.
واعلم أن الشافعي لما ذكر الآية في الأول قال: "فَدَلَّتْ سُنَّة رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا عَلَى الحُرَّةِ غَيْرِ ذَاتِ الحَمْلِ" ثم ذكر حديث سبيعة، ومعلوم أنه حديث سبيعة لا يدل على أن الآية وردت في الحرة دون الأمة، فكيف ادَّعى الشافعي هذا من خبرها؟ وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: ما أراد الشافعي استفادة الحرية من حديث سبيعة، بل استفاد من حديثها حكم الحامل، فأما الحرية فإنها مستفادة عند من ظاهر الآية؛ لأن الشافعي يحمل الخطاب بظاهرة على الحرائر خاصة، وعلى هذا نص في "كتاب اليسر" حيث حمل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، على الأحرار دون العبيد.
فمعنى قوله ههنا: "فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم" بظاهر القرآن على أنها على الحرة، وتصريح سنته على أنها على الحرة ذات الحمل؛ لأنه قضى في سبيعة الأسلمية بما قضى [ق 80 ب].
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ لِلْحَامِلِ المُتَوَفي عَنْهَا نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا".
لا يختلف المذهب أنه لا نفقة بحالٍ حائلًا كانت أو حاملًا، وسواء قلنا النفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّا إن
الجزء: 11 - الصفحة: 302
جعلناها للحامل فلا سلطان له عليها؛ وإن جعلناها للحمل فلا يلزم الميت نفقة الأقارب.
وروي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: "لا نفقة لها حسبها الميراث".
قال بعض العلماء: لها النفقة إذا كانت حاملًا، ويروى هذا عن علي وابن عمر، ذكره صاحب "الحاوي".
وهذا غلط لما ذكرنا، ولأنها معتدة عن وفاةٍ فلا نفقة لها كالحائل.
قال المزني: "هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي البَابِ الثَّانِي وَهَذَا أَصَحُّ، وَفِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ".
أراد به أن الشافعي لم يثبت لها النفقة في هذا الباب، وروي عن جابر ما ذكرنا وقال: "لأَنَّ مَالِكَهُ قَد انْقَطَعَ بِالمَوْتِ".
وقال في الباب الذي بعده: "لَهَا السُّكْنَى".
وهذا يخالف؛ لأن تعليل الشافعي ههنا واحتجاجه بقول جابر يدل على أنه لا سكنى لها، وإن لم يصرح به ههنا؛ لأنه لا سكنى لها.
فاختار المزني أنه لا سكنى لها، وفي المسألة قولان.
قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يصح؛ لأن الشافعي قال في هذا الباب: "لا نفقة لها" وهذا لا يختلف مذهبه فيه، وليس في الباب الثاني ما يخالفه، وإنها أثبت في الباب الثاني السكنى على أحد قوليه والسكنى تخالف النفقة فلم يصح ما قاله.
وقوله: "وَهُوَ فِي البَابِ الثَّالِثِ مَشْرُوحٌ" غلط في النقل، وإنما هو "في الباب الثاني مشروح"؛ لأن المزني ذكر في الباب الذي بعد هذا الباب أنه لا سكنى، واختار هذا القول ونصره.
وأما [ق 81 أ] الباب الثالث فهو باب الإحداد وليس منه لوجوب السكنى وسقوطه ذكر، ولأنه أوهم أن في النفقة قولين وليس كذلك بل قولٌ واحدٌ أنه لا نفقة لها.
وقول جابر: "حسبها الميراث" لم يذكره الشافعي لإسقاط السكنى، أو نقول: لعل الشافعي نص في هذا الباب على أنه لا سكنى لها، وأجاب في باب آخر على القول الثاني فلا يجب عليه على ما ذكره المزني.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَكَأَنَّهُ مَاتَ نِصْفُ النَّهَارِ وَقَدْ مَضَى مِنَ الهِلَالِ عَشْرُ لَيَالٍ أَحْصَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الهِلَالِ".
الفصل:
قد ذكرنا فيما مضى نظير هذه المسألة، وجملته أنه إذا مات في نصف النهار مثلًا
الجزء: 11 - الصفحة: 303
وقد مضى من الهلال عشر ليالٍ، أحصت ما بقي من الهلال، فإن كان عشرين حفظتها ثم اعتدت بثلاثة أشهرٍ بالأهلة، ثم استقبلت الشهر الرابع فأحصت عدد أيامه، فإذا كمل لها ثلاثون يومًا بلياليها فقد أوفت أربعة أشهر واستقبلت عشرًا بلياليها، فإذا أوفت إلى الساعة التي مات فيها فقد انقضت عدتها، ويتصور أن يوافق الموت أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر هلالية، ثم بعشرة أيام من الشهر الخامس.
ويتصور أن يموت في بعض الشهر ويحصل لها أربعة أشهر بالهلال، وهو أن يكون بقي من الشهر الأول عشرة أيامٍ فما دونها.
مسألة:
قَالَ: "وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَاتِي فِيهَا بِحَيْضٍ".
الفصل:
المتوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر حاضت فيها أم لم تحض.
وقال مالك: إن كانت من ذوات الأقراء ولم تجر عدتها [ق 81 ب] بتأخير الحيض فلم تحض لا تنقضي عدتها حتى تحيض حيضةً؛ لأن ذلك يثبت ريبةً.
وإذا كانت مرتابةً لم يحكم بانقضاء عدتها.
وروي عن مالك أنه إن كانت عدتها أن تحيض في كل شهرٍ مرةً فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة يكفيها الشهور.
وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن تأخير الحيض لا يكون ريبةً إلا أن يكون معه أمارة الحمل من انتفاخ البطن والثقل فلا يعتبر ما ذكره.
قال الشافعي: "إِلَّا أَنَّهَا إِنْ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَابَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنَ الرِّيبَةَ".
وقد ذكرنا حكم المرتابة بالحمل في العدة.
وقوله: "كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي الشُّهُورِ حَيْضَتَيْنِ" لفظ مشكل؛ لأنه إن أراد أن يقيس المتوفي عنها زوجها على ذات الشهور، فذات الشهور هي التي تفقد الحيض فكيف تحيض في الشهور حيضتين؟ وإن أراد أن يقيسها على ذات الأقراء فالشهور غير معتبرة فيها، ولا تنقص عدة الأقراء قط ما لم تر الحيضة، ثم ربنا ترتاب بعد الثالثة، فلعل الشافعي قال: كما لو حاضت في القرء حيضتين ثم ارتابت، فنقل المزني: أو غير الشهور بدل القرء.
الجزء: 11 - الصفحة: 304
فإن قال قائل: كيف يستقيم وضع القرء في هذا الموضع موضع الشهور وقد قلت: لا تنقضي عدة ذات القرء إلا برؤية ثلاث حيض والشافعي ذكر حيضتين؟ قلنا: ذات القرء إذا طلقت في آخر طهرها فرأت حيضةً ثم طهرًا ثم حيضة انقضت عدتها بالطعن في الحيضة الثالثة، فليس في خلال عدتها إلا حيضتان، فأما الحيضة الثالثة فبعد العدة فربما ترتاب وهي في خلال [ق 82 أ] الحيضة الثالثة فنأمرها باستبراء نفسها من الريبة، ومن المحتمل أن يقال: استعمل الشافعي لفظ الشهور في ذوات القرء على معنى أن القرء يمضي عليها في ثلاثة أشهر على غالب عادات النساء فاستغنى عن التغليظ.
فإن قيل: أفلا يحتمل أن يكون مراد الشافعي بذكر هذه الشهور شهور الوفاة على قصد تصوير المسألة في المتوفي عنها، وتقدير كلامه: "إلا أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة" كأنها حاضت في الشهور الأربعة حيضتين ثم ارتابت.
قلنا: قوله: "كما لو حاضت" كلمة قياس وتشبيه لا كلمة تصوير فلا يصح هذا.
وأيضًا المتوفي عنها زوجها سواء رأت في الشهور الأربعة حيضتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإذا ارتابت بعد العدة كان عليها الاستبراء فلا فائدة لذكر الحيضتين على هذا التأويل.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا ثَلَاثًا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ".
الفصل:
قد ذكرنا ميراث المبتوتة في المرض، واختار المزني أنها لا ترث، وبسط الكلام ههنا فقال: "قَدْ قِيلَ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةً وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِهِ" قَالَ المُزَني: "فَالاسْتِخَارَةُ شَكٌ وَقَوْلُهُ يَصِحُّ إِبْطَال الشَّكِّ" فقال المزني: الاستخارة ليس بشكٍّ كما أطلقت، ولكن يريد بالاستخارة تفويض العلم إلى الله تعالى، ومسألة الخيرة منه.
ثُمَّ قَالَ: "وَهَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ وَبِمَعْنَى ظَاهِرِ القُرْآنِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَرَّثَ الزَّوْجَةَ مِن زَوْجٍ يَرِثُها إِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَلَمَّا كَانَتْ إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثُهَا وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَعْتَدَّ مِنْهُ عِدَّةُ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَا تَرِثَ هِيَ مِنْهُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مَنْ حَيْثُ يُورَثُونَ".
ثم قال: واحتج الشافعي على أبي حنيفة [ق 82 ب] في باب القافة حيث ورث أبو حنيفة أبوين من ابنٍ واحدٍ ملحق بهما جميع ماله على الشركة بينهما نصفين، وورث الابن جميع مال كل أبٍ على الخلوص إذا لم يكن له وارث غيره، فقال الشافعي: "إِنَّمَا يَرِثُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ يُورَثُونَ، فَإِنْ كَانَا يَرِثَانِهِ نِصْفَيْنِ بِالبُنُوَّةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهُمَا نِصْفَيْنِ بِالأَبُوَّةِ" فأخذ المزني هذا الاحتجاج من الشافعي واحتج به في هذه المسألة فقال: إِنَّمَا تَرِثُ
الجزء: 11 - الصفحة: 305
المَرْأَةُ الزَّوْجَ مِنْ حَيْثُ يَرِثُ الزَّوْجُ [المَرْأَةَ] بِمَعْنَى النِّكَاحِ، فَإِذا ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بَإِجْمَاعِ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وَالمُوَارَثَةُ [بِهِ]، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ كَانَ كَذَلِكَ [أَيْضًا] لَا تَرِثُهُ لَأنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ".
فإن قيل: فقد ورثها عثمان رضي الله عنه؟ قيل: وقد أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف في حياته إن مات أن يورثها منه، ولم يرد أنه قال: لا يورثوها مني، وإنما روي أنه لما طلق امرأته تماضر، دخل عليه عثمان فقال: أفررت من كتاب الله تعالى؟ فقال عبد الرحمن: ما فررت من كتاب الله تعالى ولا من سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالمزني [أراد] أن يستنبط من هذا الكلام أنه أنكر عليه التوريث؛ لأن العلة فيه هي الفرار، ومن أنكر عليه الحكم فقد أنكر الحكم.
ويمكن أن يُجاب عن كل ما ذكره بأنه يجوز أن تورث منه ولا يرث هو، كالعمة لا ترث من ابن الأخ، وابن الأخ يرث منها.
وقول عبد الرحمن ليس بصريح في الإنكار فيحتمل أنه أراد: أني لم أفر فإن الإرث لها مني باقٍ.
وقول ابن الزبير: "لو كنت أنا [لم] أر أن ترث مبتوتة" يحتمل أني ما كنت أهتدي إلى ما اهتدى إليه عثمان رضي الله عنه.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ طَلَّقَ [ق 83 أ] إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ".
الفصل:
صورة المسألة أن يطلق إحدى امرأتيه بعينها ومات قبل أن يبينها، ولم يكن مضى من الأقراءِ شيءٌ وكانتا جميعًا مدخولًا بهما، وكانتا من ذوات الأقراء، وكان الطلاق بائنًا، يلزم على كل واحدة منهما أن تأتي بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر، ومن ثلاثة أقراء؛ لأن على البائن ثلاثة أقراء وعلى المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، ولا يعلم ههنا عين المتوفي عنها من البائن، فأوجبنا الأقصى منهما احتياطًا وإن كان قد مضى فيما يجب أربعة أشهر وعشر وقرءان، وإن كان قد مضى قرءان يجب أربعة أشهر وعشر وقرء، فإذا أتت بذلك فقد حلت بيقين.
هكذا ذكره جميع أصحابنا.
وقال صاحب "المنهاج": إذا أسلم المشرك عن عشرة نسوةٍ وأسلمت معه ومات قبل اختيار أربع، أوجبنا على كل واحدةٍ منهن أربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاثة قروءٍ، فالأشهر للوفاة والقرء للفسخ الواقع بالإسلام.
ثم اختلف أصحابنا في تأريخ أول القروء الثلاثة، فمنهم من قال: يحسب القرء من وقت إسلام متقدم الإسلام من الزوج والزوجة، لأن الفسخ يقع من ذلك الوقت، فعلى هذا في مسألتنا يحسب القروء الثلاثة من وقت الطلاق
الجزء: 11 - الصفحة: 306
على ما ذكرنا.
والثاني: أن القروء الثلاثة هناك محسوبة من وقت الموت؛ لأنهما كانا يشبهان الزوجين إلى وقت موته.
وللشافعي في هذا الموضع نص يدل على أن القروء الثلاثة يجب أن تحسب في مسألة المشرك من وقت الموت؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ ثَلَاثًا فَمَاتَ وَلَا تُعْرَفُ اعْتَدَّنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا تُكَمِّلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِيهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [ق 83 ب] فقوله: "فيها": دليل على أن جميع القرء ينبغي أن يكون بعد الموت في الأربعة الأشهر، وإن وجدت فيها، وإن طال أقراءها اعتدت بأقصى الأجلين، ومثل هذا إذا فرق في النكاح الفاسد بينهما بعد الوطء هل يحسب القرء من وقت التفريق أو من آخر وطئة كانت؟ فيه وجهان.
وإن كانت إحداهما مدخولًا بها والأخرى غير مدخول بها وجبت على غير المدخول بها أربعة أشهر وعشرٌ فقط، وعلى المدخول بها أربعة أشهر وعشر وثلاثة أقراء على ما بيَّناه.
وإن كانتا غير مدخول بهما وجبت على كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشر فقط؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، فإذا أتت بالشهور فقد حلت بيقين، وإن كان الطلاق رجعيًا وجب على كل واحدةٍ أربعة أشهر وعشرٌ؛ لأن الرجية تنتقل إلى عدة الوفاة فكانتا سواء، وإن لم يكونا من ذوات الأقراء، فإن كانتا من ذوات الشهور وجب على كل واحدة أربعة أشهرٍ وعشر؛ لأن المطلقة لم يجب عليها إلا ثلاثة أشهر، فإذا أتت بأربعة أشهر فقد حلت بيقين.
وإن كانتا حاملتين حلتا بالوضع، هذا إذا كان الطلاق معينًا ولم يتبين في إحداهما حتى مات.
فأما إذا كان الطلاق مرسلًا في إحداهما بعينها فقد ذكرنا فيما تقدم أن المذهب الصحيح أنه يقع الطلاق من حين اللفظ.
ومن أصحابنا من قال: يقع من حين التعين.
فإن قلنا: من حين اللفظ كان حكم العلة على ما بيَّناه في المعينة.
وإن قلنا: من حين التبين، فإذا مات قبل التعين فكأنه مات قبل أن يطلق، فيجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرٌ.
وهكذا ذكر بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: يلزم ههنا أقصى الأجلين أيضًا [ق 84 أ] ولكن ابتداء الأقراء من حين الموت؛ لأن الموت الإياس من بيانه ولا يمكن إسقاط حكم الطلاق الموجود بموته.
وهذا هو المشهور على هذا الوجه.
باب مقام المطلقة في بيتها
مسألة: قَالَ: قال الله تعالى في المطلقات: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]
الجزء: 11 - الصفحة: 307
إلى قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفريعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قتل وأنه لم يتركها في مسكن يملكه: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
المطلقة مطلقتان؛ رجعية، وبائن.
فالرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ لأنها في معاني الزوجات إلى أن النفقة حق لها إن اتفقا على إسقاطه سقطت، والسُّكنى حق الله تعالى إن اتفقا على إسقاطه لم يسقط.
وأما البائن فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ويلزم السكنى لها.
وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والفقهاء السبعة، ومالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد رضي الله عنهم.
وروي عن ابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، والزهري، وأحمد، وإسحاق: أنه لا نفقة لها ولا سكنى.
وروى أبو سليمان الخطابي عن أحمد مثل قولنا، واحتجوا بما روت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى.
وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى.
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وشريح رضي الله عنهم، واحتجوا بأنها مطلقة تستحق السكنى فاستحقت النفقة كالرجعية.
وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [ق 84 ب] ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، وقال أيضًا: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] إلى قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فأوجب السكنى على الإطلاق، وخصَّ بالنفقة الحوامل، فكان ذلك حجة على الفريقين وأما خبر فاطمة بنت قيس: قلنا: لا حجة فيه؛ لأنه روى أنه أوجب لها السكنى فبذت على أحمائها فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتومٍ، وتمام الخبر ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بينت قيس: أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حالت فأذنيني".
قالت: فلما حللت ذكرتُ له أن معاوية وأبا جهم خطباني ... الخبر إلى آخره.
ومعنى البتة ههنا: الثلاث.
وروى أنها تطليقةٍ
الجزء: 11 - الصفحة: 308
بقيت لها من ثلاث.
واعلم أن نقل النبي صلى الله عليه وسلم إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم ليس بإبطال السكنى، بل فيه إثبات السكنى وإنما هو إخبار لموضع السكنى.
وقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة رضي الله عنها: كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها، فرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتقال.
وقال سعيد بن المسيب: إنها انتقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها.
وروي عن عمرو بن ميمون، عن أبيه أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ قال: تعتد في بيتها.
قلت: أليس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [ق 85 أ] أن تعتد [فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم، قال: تلك المرأة التي فتنت الناس، إنها استطالت على أحمائها بلسانها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد] في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجُلًا مكفوف البصر.
وهو معنى قوله: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
وقال ابن عباسٍ: الفاحشة أن تبذو على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها.
وقال ابن مسعود والحسن البصري: الفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها.
والأول أصح؛ لأن ظاهرة إخراج لا تُرد بعده إلى ذلك البيت، وإنما تخرج للحد ساعة من نهارٍ، ولها أن تخرج بالنهار لبعض الحوائج من غير فاحشةٍ مبينة.
وروي أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فقالت: اتق الله ورد المرأة إلى بيتها.
فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: فإن [كان] بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر، يعني إن كنت تزعمين أن فاطمة أخرجت من بيت زوجها مخافة الشر من البذاء فحسبك ما بين هذا الزوج المطلق وهذه الزوجة من البذاء.
فثبت بالسنة.
وتفسير ابن عباس، وقصة عائشة ومروان أن المطلقة لا تخرج من منزل الطلاق إلا للبذاءة.
وكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت السبب الذي أمرها صلى الله عليه وسلم أن تعتد في غير بيت زوجها خوفًا أن يسمع ذلك سامع فيرى للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت.
وقد قال الشافعي: "فَلَمْ يَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ، بَلْ خَصَّهَا إِذْ كَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا"
الجزء: 11 - الصفحة: 309
وهذا يدل على أن البذيئة إذا خرجت من بيت زوجها للبذاءة [ق 85 ب] لا يجوز أن تكون بسببه تعتد حيث تشاء ولكن الحاكم يحضها بالاجتهاد وعند من يرى، كما حصَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس.
ثم اعلم أن الشافعي ذكر أولًا هذه الآية وهي واردة في المطلقات، ثم ذكر خبر فريعة في المتوفي عنها زوجها، ثم قال: "فدلت الآية على سكنى الطلاق، ودلت السنة على سكنى الوفاة".
وتمام خبر فريعة ما روي عن زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك -أخت أبي سعيد الخدري- قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له أبقوا، فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أتاني نعي زوجي وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالًا، وليس له مسكن لي، فلو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق لي في بعض شأني، فقال: "تحول"، فلما خرجت إلى المسجد -أو الحجرة- دعاني -أو أمرني- فدعيت له فقال: "امكثي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فأرسل إليَّ عثمان بن عفان فأتيته فحدثته، فأخذ به.
فمن أصحابنا من قال: نسخ قوله الآخر قوله الأول فحكم لها أولًا بالرجوع إلى بيت أهلها، ثم نسخه بإيجاب السكنى لها في قوله: "امكثي في بيتك" يعني في البيت الذي كنت فيه عند الموت، فأوجب لها السكنى.
وهذا دليل على جواز نسخ الشيء قبل أن يُفعل.
ومن أصحابنا من قال: اختار القول الآخر أنه لا سُكنى للمتوفي عنها، وقال: هذا ليس بنسخ، بل صرح أولًا بالحكم أن لا سكنى لها، ثم ندب إلى أن تمكث في بيتها الأول، وندب أهل الميت أن يتركوها في للاعتداد.
فإذا تقرر هذا لا فرق [ق 86 أ] بين أن تكون مسلمة أو ذمية؛ لأن حقوقه الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، وأما الأمة فحكمها في العدة حكمها في النكاح لا يلزم سيدها أن يسلمها نهارًا وله حق الاستخدام عليها، فإن رفع السيد استخدامها لم يمنع نهارًا في زمان الاستخدام، ولا سكنى لها؛ لأنه لما لم يمنع مع بقاء النكاح منها فلأن لا يمنع زواله أولى.
ثم للزوج أن يحضها ليلًا إن شاء، وهل يؤخذ به جبرًا؟ وجهان.
فإن قيل: فإذا كان له ذلك فقد صارت السكنى واجبة، والسكنى الواجبة في العدة لا تسقط بتراضيهما.
قلنا: ليست بواجبة على الزوج وإنما له حق متعلق باستبرائها وحفظها، فلهذا كان له إسكانها ليلًا والسكنى الواجبة لا تسقط بالإسقاط وههنا لم تجب أصلًا فلا يقال سقط.
واعلم أن في بعض نسخ المزني: "ولأهل الذمة أن ينقلوها من مسكن زوجها" وهذا
الجزء: 11 - الصفحة: 310
تصحيف من الأمة إلى الذمة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا".
يحب على المعتدة أن تسكن في الموضع الذي كانت تسكنه قبل الطلاق لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، والمراد بإضافة البيوت إليهن السُّكنى دون الملك، بدليل أنه خص المطلقة بذلك، وإذا كان البيت لها لم تختص المطلقة بتحريم إخراجها، وبدليل أنه قال: ﴿إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] ولو أراد ملكها لم تخرج بالفاحشة.
فإذا ثبت هذا لا يجوز له أن ينقلها عنه ولا يجوز أن تنتقل منه لظاهر الآية؛ لأن هذه السكنى تجب للعدة، والعدة [ق 86 ب] حق الله تعالى فلم يجز لهما التراضي على إبطال حق الله تعالى، ويجوز النقل والانتقال في ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون المنزل عارية فيرجع المعير في العارية، أو كان بكراء فانقضت مدة الإجارة وطالب صاحبه بالانتقال.
والثانية: أن يكون المنزل للزوج ولكنه انهدم أو خيف انهدامه وهو غير حصين، أو جيرانها فسقة فيخاف عليها.
والثالثة: أن تأتي بفاحشةٍ مبينةٍ، وذلك عند الشافعي ما ذكره ابن عباس من البذاءة، على أهل زوجها.
فإن قيل: حقيقة الفاحشة الزنى لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾ [النساء: 25]، وأراد به الزنى قيل: الفاحشة اسم الزنى وللأقوال الفاحشة، ولهذا يقال: أفحش فلان في مقالته.
فإذا تقرر هذا وأراد نقلها عند البذاءة على أهل زوجها ينقلها إلى أقرب المنزل إلى منزله الذي طلقها فيه، كما إذا عدم الفقراء في بلد المالي ينقل الصدقة إلى أقرب المواضع من البلد، وإنما يتصور هذا في دارٍ تجمعهم، فإن كانت دارًا لا تسعهم يلزمهم أن ينتقلوا دونها، فإن انتقلوا عنها فبذأت بلسانها عليهم لم تنقل؛ لأن ذلك يمكنها في كل موضع تنتقل إليه، وتُنهى عن ذلك وتعزر، فإن بذت أحماؤها عليها ولم يكن من جهة شرٍّ نقلوا ولم تنتقل هي؛ لأن سكناها مستحقة لها، ولم يكن منها ما يفتح نقلها منه، وإن كانت في منزل أبويها فبذت عليها أو بذا أبويها عليها، ولم ينقل واحدٌ منهم؛ لأن الشر يطول منهم كما يطول منها ومن أحمائها، وإن كانت معها في بيت أبويها أحماءها فبذت
الجزء: 11 - الصفحة: 311
عليهم أبو بذوا عليها نقلوا ولم تنقل هي؛ لأنها أحق بسكنى منزل [ق 87 أ] أبويها من أحمائها، وإن كانت في دارٍ أخرى لم تنقل إذا بذت عليهم، وإنما ذلك إذا كانوا في دارٍ واحدة على ما ذكرنا وإن كانت في دارٍ تملكها، فإن أقامت فيها بإجارة منه أو إعارةٍ جاز، وإن طلبت أن يسكنها في غيرها لزمه؛ لأنه ليس عليها أن يؤجر ملكها.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ بِكَرَاءٍ فَهُوَ عَلَى المُطَلَّقَ وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ".
السكنى إذا وجبت على المطلق وكانت في منزل بكراءٍ، يجب الكراء على المطلق بلا إشكالٍ.
وقوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ" قال بعض أصحابنا: أجاب بقوله للمتوفي عنها زوجها السكنى، وحمله المزني على هذا ثم اعترض عليه فقال: هذا خلاف قوله في "باب عدة الوفاة" فإن كلامه هناك يدل على أنه لا سكنى لها على ما ذكر، والعجب من المزني حيث قال: في باب عدة الوفاء: "هذا خلاف قوله في الباب الثاني" ثم لما جاء إلى الباب الثاني كرر الكلام فقال: "هذا خلاف قوله في باب عدة الوفاة، ولا فائدة في هذا، فإن له في المسألة قولين مشهورين.
ومن أصحابنا من قال: معنى قوله: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيَّتِ" غير ما اعتقده المزني وإنما معناه أن الزوج المطلق إذا مات قبل انقضاء عدة الطلاق الثلاث فمكنا بالتمام عدتها في مال الزوج الميت، فنقول للمزني: الشافعي لم يتعرض في باب عدة الوفاة لذكر السكنى عند الوفاة ولا في هذا الفصل، وقد نسبه إلى اختلاف القول وتناقضه في هذين البابين، وإنما ذكر الشافعي القولين في سكنى الوفاة بعد هذا حيث قال: "وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان" [ق 87 ب] وهذا يدل على أن ما قبله في المطلقة، وهذا ضعيف لأنه قال هناك: ففيها قولان، أحدهما: ما وصفت، فدل أنه أوجب السكنى للمتوفي عنها فلا يحسن أن يحمل على المطلقة.
مسألة:
قَالَ: "وَلِزَوْجِهَا إِذَا تَرَكَهَا فِيمَا يَسَعُهَا مِنَ المَسْكَنِ وَسَتَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى مَا يَسَعُهَا".
إذا أوجبنا السكنى فإنما تجب سكنى مثلها في العرف، فإن كانت من أهل الأقدار رفيعة الحال كثيرة المال والخدام، أسكنها دارًا واسعة حسناء وإن كانت من أوساط الناس متوسطة الحال في المال والخدام، أسكنها دارًا متوسطةٍ.
وإن كانت من أراذل الناس دنيئة دميمة، أسكنها دارًا ضيقة في طرف البلد أو في الخان، وهذا لأن الله تعالى
الجزء: 11 - الصفحة: 312
أوجب السكنى مطلقًا، ولا حَدَّ له في اللغة ولا في الشريعة، فيرجع فيه إلى العرف والعادة كالأحراز والقبوض.
وإنما ينظر إلى سكنى مثلها حين الطلاق ولا ينظر إلى سَكنها حال الزوجية؛ لأن الزوج قد يتطوع بأكثر من سكنى مثلها، فإن كانت ساكنةً في سكنى مثلها أقرب فيه، وإن كانت في أدون منها فإن رضيت بالمقام فيه جاز؛ وإن طلبت سكنى مثلها لزم أن يسكنها إلى أقرب المواضع إليه مما هو سكنى مثلها، أو يزيد فيه من بيتٍ آخر بجنبها.
وإن كانت في أرفع فإن رضي الزوج به جاز، وإن لم يرض لا يجوز نقلها منه بلا سبب، وإن اتفقنا على النقلةُ لم يجز أيضًا لما ذكرنا.
وهل يجوز أن يسكن معها أو يلزمه أن ينتقل منها؟ يُنظر فإن كانت الدار كبيرة يمكنه أن يقطعها حجرتين يغلق كل واحدة بغلق منفرد، فتكون في إحداها وهو يكون [ق 77 أ] في الأخرى، وإذا فعل ذلك وسعتها وتنفرد بمرافقها من البئر والمطبخ والرقي إلى السطح، ومثلها يسكنها في العادة جاز ذلك، وإلا فلا يجوز ويلزمه أن ينتقل منها حتى تنقضي عدتها.
وإن كان في الدار بيتان ولا يمكن قطعها حجرتين، فأراد أن يسكن هو في بيتٍ وهي في بيت آخر لم يجز، وإن كان على كل واحدٍ من البيتين باب يُغلق؛ لأن في المدخل والمخرج من باب الدار يحصل بينهما خلوة.
قال الشافعي: "إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ بَالِغٌ مِنَ الرِّجَالِ".
وقال بعض أصحابنا: "أو نساء ثقات".
وقال أبو حامدٍ: اعتبر الشافعي بلوغ المحرم، وعندي إذا كان صبيًا مراهقًا جلدًا يتحفظ به جاز أيضًا؛ لأن الغرض أن لا يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية.
وقيل: شرط الشافعي أن يكون من الرجال، وبالنساء لا يقع الحاجز عن قصد الفجور فلا يكتفي بالنساء.
وقال القاضي الطبري: الأمر على ما قال الشافعي، ولا يجوز إلا أن يكون بالغًا؛ لأن غير البالغ ليس بمكلف فلا يلزمه الإنكار للفاحشة.
قال الشافعي: "ويكره ذلك مع هذا"؛ لأنه لا يمكن التحرز من النظر إلى الأجنبية وإن جاز على ما ذكرنا.
وقيل: إن الشافعي قال: "محرم ونساء ثقات" ولا شك أن هذا للاستحباب.
ولو كانا في بيتين من الخان فطلقها فانتقل الزوج إلى بيت بجنبها جاز، ويخالف بيتين في الدار؛ لأن الخلوة لا تحصل بينهما في بيتين من خان وتحصل في بيتين من دارٍ.
وكل موضع أجزنى للمطلق أن يسكن مع المطلقة أجزنى للأجنبي أن يسكن [ق 88 ب] معها، وما لا يجوز للمطلق لا يجوز للأجنبي.
ثم اعلم أن المزني قدم ههنا مسألة وجوب سكنى الوفاة وأردفها بالكلام في كيفية
الجزء: 11 - الصفحة: 313
المسكن.
ثم اعترض على مسألة وجوب السكنى على مسألة كيفية المكسن، فصار سواد الكتاب مشكلًا ملتبسًا، وكان ينبغي أن يعطف على قوله: "أَنْ يَسْكُنَ فِي سِوَى [مَا] يَسَعُهَا" حكايته عن كتاب "النكاح والطلاق": "لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا حُجْرَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
الفصل:
ويعطف اعتراضه في مسألة السكنى حيث قال الشافعي: "وَفِي مَالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ".
حتى يظهر المقصود ويرتفع الإشكال.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عَدَّتُهَا".
الفصل:
إذا أراد الحاكم بيع هذه الدار بالدَّين، أو أراد الزوج بيعها وعليه دَين قبل الحجر، أو لا دَين عليه فأراد بيعها نُظر، فإن كانت عدتها بالحمل أو بالأٌقراء لم يصح البيع قولًا واحدًا.
ولو باع الدار المؤجرة هل يصح البيع؟ قولان.
والفرق بينهما أن زمان العدة مجهول فلم يصح البيع، وليس كذلك المنفعة المستحقة في مدة الإجارة؛ لأنها معلومة فلم يضر استحقاقها، وإن كانت عدتها بالشهور من أصحابنا من قال: فيه قولان كبيع الدار المؤجرة، لأن المدة معلومة، وهو اختيار الماسرجسي.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ههنا قولًا واحدًا، وهو اختيار صاحب "الإفصاح".
والفرق أن المرأة لو ماتت في العدة رجعت المنفعة إلى زوجها؛ لأنها لم تدخل في البيع فيصير كأنه باعها واستثنى لنفسه تلك المنفعة ولا يجوز ذلك، وليس كذلك بيع المستأجر، فإن المستأجر إذا مات [ق 89 أ] رجعت المنفعة إلى ورثته ولم ترجع إلى المؤاجر الذي باعها، وإن كان الذي باعها وارثًا رجعت المنفعة إليه إرثًا ولم ينفسخ عقد الإجارة، وفي المعتدة ترجع المنفعة إلى الزوج ويبطل استحقاقها، فلهذا فرقنا.
أو نقول: هذه المنفعة بملكٍ للمرأة وإنما تبلغها على ملك الزوج؛ لأنها تملك استيفائها بنفسها خاصةً.
ويجوز أن يسكنها في دارٍ مستعارة وإن كانت لا تملك منافعها، فلا يجوز أن تملك رقبة الدار من جهته، ويكون مستثنيًا لمنفعة يملكها.
وقال ابن أبي هريرة: إنما اختلف أصحابنا إذا كانت عدتها بالشهور وهي صغيرة لا يحيض مثلها، أو آيسة.
فأما إذا كان لها تسع سنين فأكثر ومثلها يحيض إلا أنها لم تحض فلا يجوز بيع الدار التي استحق سُكناها قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن أن تحيض قبل
الجزء: 11 - الصفحة: 314
انقضاء الشهور، فتحتاج أن تنتقل إلى العدة بالأقراء فتصير المدة مجهولة، وليس هذا التفصيل لغير.
ويلزمه على هذا أن يقول: إذا طلقها طلقةً وهي صغيرة لا يحيض مثلها أو آيسة لا يجوز بيع الدار قولًا واحدًا؛ لأنَّا لا نأمن من أن يموت زوجها فتحتاج أن تنتقل إلى عدة الوفاة فتزيد المدة.
هذا كله إذا طلقها قبل أن يحجر الحاكم عليه.
فأما إذا حجر الحاكم عليه ثم طلقها، فإن حقوق الغرماء قد تعلقت بعين ماله، فإذا طلقها تعلق حق سكناها بالدار فيباع ماله مع الدار، ثم يسقط ما يحصل من ثمنه على قدر ديونهم، وقدر أجرة السكنى والتي يستحقها ويكتري لها به في أقرب المواضع إليه موضعًا يسكنه حتى تنقضي عدتها.
فإن نقص عن حقها كان ما بقي في ذمته تتبعه إذا أيسر.
[ق 89 ب] فإذا قيل: إذا تعلقت حقوق الغرماء بماله ثم استدان لم يشاركهم الغريم الثاني، فذلك أن لا تشاركهم المرأة.
[قلنا:] لأن حقهم أسبق قبل الدين ثبت للثاني بمعنى بعد الحجر فلم يشاركهم فيه، وليس كذلك المعتدة، فأنها استحقته بمعنى سبق الحجر وهو النكاح فافترقا.
وأيضًا المجني عليه يشارك الغرماء وإن كان متأخرًا؛ لأنه ثبت حقه بغير رضاه، فكذلك حق السكنى ثبت بالطلاق من غير رضاها فوجب أن تشاركهم.
فإن قيل: السكنى تجب يومًا فيومًا فكيف ضربتم لها بأجرة جميعها؟ قيل: لأنَّا نقول: بل السكنى كلها واجبة بالطلاق بخلاف السكنى في النكاح في أصل القولين؛ لأنه يقدر على إسقاط السكنى بالطلاق ولا يقدر على إسقاط هذه السكنى بحالٍ.
فرع:
قال القاضي الطبري: قال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي: على أن قسمة الدار التي فيها السكنى لا تجوز كما لا يجوز البيع.
وصورته في امرأة وجب لها السكنى ثم مات الزوج وخلف ابنتين فالدار لهما والسكنى لها حتى تنقضي العدة، فأراد قسمة الدار قبل انقضاء العدة، وهذا إذا قلنا القسمة بيع، فأما إذا قلنا القسمة إفراز النصيبين هل تصح القسمة؟ وجهان:
أحدهما: لا تصح كما لا تصح قسمة الدار المؤاجرة.
والثاني: تصح لأن المرأة لا ضرر عليها في قسمة الدار، فإنها إذا تلفت بعد القسمة طالبت بدينها سائر الورثة كما يكون لها قبل القسمة.
وليس كذلك الدار المؤاجرة، فإنها إذا قسمت ثم انهدمت لم يكن للمستأجر أن يطالب كل واحدٍ منهما إلا بحصته، وربما انهدم نصيب أحدهما وكان مفلسًا، فيؤدي إلى الإضرار به، فلهذا لم تصح قسمة الدر المؤاجرة على القولين معًا.
واختار أبو إسحاق [ق 90 أ] أنه لا يجوز قسمتها على القولين، وعلل بأنها قد استحقت السكنى فيها على صفة فلا يمكن تغيرها، كما لو آجر دارًا من رجلين ثم أراد قسمتها لم يجز، ولكن لو أراد القسمة من غير تمييز بحاجزٍ جاز؛ لأنه لا ضرر عليها بذلك.
واعلم أن في سواد المختصر إشكالًا، وذلك أنه قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى زَوْجِهَا دَيْنٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 315
لَمْ يَبعْ مَسْكَنَهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَلَكَتْ عَلَيْهِ سُكْنَى مَا يَكْفِيهَا حِينَ طَلَّقَهَا كَمَا يَمْلِكُ مَنْ يَكْتَرِي".
فقاس هذه الدار التي فيها المعتدة على الدار المكتراة، فأوهم أن المسألتين على سواءٍ وليستا على سواءٍ في جميع الحالات، وإنما يستويان في بعض الحالات إذا كانت عدتها بالشهور على ما ذكرنا.
فأما إذا كانت عدتها بالأقراء فلا يجوز بيعها قولًا واحدًا على ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون الشافعي قصد حالتي العدة حيث يعلم المدة وحيث لا يعلم، ولكن أجاب في الإجارة على قول المنع، فقاس العدة على الإجارة على قصد الترجيح مع القياس، ووجه الترجيح ما أشرنا إليه أن البيع إذا كان باطلًا والمدة معلومة فهو بالبطلان أولى إذا كانت المدة مجهولة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلٍ لَا يَمْلِكُهُ وَلَمْ يَكْتَرِهْ فَلأَهْلِهِ إِخْرَاجُهَا وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَتَضْرِبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بِأَقَلِّ قيمَةِ سُكْنَاهَا وَتَتْبَعُهُ بِفَضْلِهِ مَتَّى أَيْسَرَ".
أراد به أنها إذا كانت في دارٍ استعارها زوجها كان للمعير إخراجها منها؛ لأن العارية ليست بلازمةٍ.
قال الشافعي: "وعليه جبره" يعني إذا أخرجت من الدار المستعارة فعلى الزوج منزل غيره؛ لأنها تستحق السكنى عليه، فعليه أن يسكنها في أقرب المواضع إلى الدار التي كانت تسكنها [ق 90 ب].
فإن قال قائل: الدار التي كانت فريعة بنت مالك تسكنها لم تكن لزوجها، فَلِمَ أَمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعتداد في تلك الدار؟ قلنا: إنما أمرها بذلك لعلمه بعادة أهل المدينة، فإنهم كانوا لا يعرفون يومئذٍ كراء الدار، بل كانوا يسمحون بسكنى منازلهم، وبفضول أموالهم.
وهذا الجواب الذي ذكرنا جواب الشافعي، غير أنه ذكره في هذا الباب حيث قال: "لا نعلم أحدًا ممكن مضى بالمدينة أكرى منزلًا".
ومن قرأ كلامه هذا في آخر الباب ظن أن ذلك الكلام غير مقيد، ولم يعلم أنه راجعٌ إلى هذه المسألة المذكورة في وسط الكلام.
فإن قيل: أليس إذا أعار بُقعة للبناء عليها أو جدارًا لوضع الجذع كانت تلك العارية لازمة، فهلا جعلتم هذه العارية لازمة كيلا تحتاج المعتدة إلى الخروج عن منزلها؟ قلنا: لا مشقة ولا ضرر في انتقال المعتدة، وفي نقل البناء والجذوع فساد وهدم وضررٌ،
الجزء: 11 - الصفحة: 316
وإنما قوله: "إِلَّا أَنْ يُفْلِسَ فَيَضْرِبَ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": قال أصحابنا: معناه أن عدتها إن كانت بالأقراء وكانت لها عادة في الحيض والطهر حملت على عادتها، وضربت مع الغرماء بأجرة السكنى في زمان عادتها على مقدار ما تقتضيه عادتها، وإن لم تكن لها عادة ضربت بأقل ما يكون من الحيض والطهر، وهو أن يُحسب الحيض يومًا واحدًا والطهر خمسة عشر يومًا، فيكون اثنان وثلاثون يومًا وساعة، وإن كانت عادتها بالحمل فإن كانت عادتها في الولادة حملت على عادتها.
[ق 91 أ] وإن لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الأقل، وذلك ستة أشهر.
وإن كانت عادتها بالأشهر فهي معلومة ضربت أجرة ثلاثة أشهر لا تنقص منها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يكن لها عادة في الولادة حملت على الغالب وهو تسعة أشهر، وهو اختيار صاحب "الحاوي".
قال: وكذلك في الأقراء تضارب في الغالب من مدة الأقراء وهي ثلاثة أشهر لا بأقل ما يكون.
والدليل على صحة هذا أنها لو كانت معتادة حملت على عادتها مع جواز النقصان، ولم تحمل على اليقين في الأقل، ففي غير المعتادة تحمل على الغالب من عادة غيرها ولا تحمل على اليقين في النقصان.
قال أصحابنا: فإذا ضربت بذلك ثم نقصت عدتها عما أخذته ردت الفضل وقسم بينهم على قدر حقوقهم.
وإن زادت ذلك قال القاضي الطبري: نص الشافعي أنها تتبعه بالزيادة، وإذا أيسر بخلاف الغريم إذا أحدث؛ لأنها ضربت بهذا القدر مع العلم بجواز الزيادة عليه فيخالف الغريم الذي لم يعلم به.
وأيضًا حق الغريم لم يتحدد بعد القسمة والزيادة ههنا تحددت بعد القسمة فلم يشارك الغرماء المتقدمين.
ومن أصحابنا من خرَّج فيه وجهًا آخر أنها تدخل على الغرماء فتأخذ من كل منهم بحصته كما ظهر غريم آخر.
وهذا أقيس؛ لأنَّا نبين استحقاقها في الأول حين طالت العدة فصار كظهور الدين.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا وهو إن كانت الزيادة في الحمل رجعت بها على الغرماء، وإن كانت في مدة الأقراء لم ترجع بها عليهم؛ لأن وضع الحمل مشاهد يمكن أن تقوم به بينة، وهذه الأقراء مضنونة لا تقوم بها بينة، ويرجع إلى قولها في حق الزوج دون غيره [ق 81 ب] وهذا ضعيف.
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: لا حق لها أصلًا في الزيادة؛ لأنَّا دفعنا إليه ذلك القدر مع علمنا قد يستحق زيادة عليه.
وهذا لا يصح عنه، والصحيح أنه اختار ما نص الشافعي عليه.
وأما قول الشافعي: "تَضْرَبُ مَعَ الغُرَمَاءِ بَأَقَلِّ قِيمَةِ سُكْنَاهَا": أراد بذكر الأقل اختلاف أجرة المساكن لا مدة العدة، وذلك أنها لا تجد مسكنًا واسعًا كل شهر بدينارٍ في
الجزء: 11 - الصفحة: 317
محلةٍ عزيزة المساكن، وتجد بنصف دينار أو سدس دينار مسكنًا يكفيها في محلةٍ أخرى حصينة، فلا تضرب إلا بالأٌقل.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المَسَائِلُ فِي مَوْتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ".
الفصل:
أراد به أن في وجوب السكنى للمتوفي عنها قولان:
أحدهما: لها السكنى.
وبه قال عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأم سلمة، ومالك، والثوري، وأحمد رضي الله عنهم وهو الأظهر.
والدليل عليه الخبر الذي ذكرنا.
وروي عن القاسم بن محمد أن عائشة رضي الله عنها، كانت تخرج المرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها.
[قال:] فأبي ذلك الناس إلا خلافها فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس.
والقول الثاني: أن لا سكنى لها.
وهو اختيار المزني، وبه قال علي، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وأبو حنيفة، والحسن، وجابر بن زيد رضي الله عنهم، وروي أن عليًا نقل أم كلثوم بعد موت عمر رضي الله عنهم بسبع ليالٍ.
وقيل: النقل لأنها كانت في دار الإمارة.
واحتجوا بأن لا نفقة لها؛ لأن الملك انقطع بالموت فكذلك السكنى [ق 92 أ] قال المزني: وقد أجمعوا أن من وجبت له نفقة وسكنى من والدٍ وولدٍ على رجل فمات انقطعت النفقة لهم والسكنى؛ لأن ماله صار ميراثًا لهم، فكذلك امرأته وولده وسائر ورثته يرثون جميع ماله.
والجواب عن هذا: لأن هذا لا يشبه النفقة؛ لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حالٍ ولا تستحق النفقة لنفسها، فإن كانت حاملًا وجبت النفقة للحمل، فكيف يجوز المزني أن يستشهد بالنفقة على السكنى؟ ولأن النفقة بمقابلة التمكين من الاستماع ولا تمكين ههنا، والسكنى لتحصين الماء وهذا موجود ههنا فافترقا.
وأما الوالد والولد فنفقتهما وسكناهما لا تصيران قط دينًا في الذمة، ونفقة النكاح وسكناه مما يصير دينًا في الذمة فكانت آكد.
فإذا قلنا لها السكنى، فإذا كان المنزل ملكًا للزوج سكنه مدة العدة، وإن لم يكن ملكًا ولكنه كان مستعارًا، فإن رضي صاحبه بإقرارها فيه أقرت، وإن لم يرض صاحبه فعلى الورثة أن يكنزوا من مال الميت لها مسكنًا في
الجزء: 11 - الصفحة: 318
أقرب المواضع، فإن لم يكن له وارث فعلى السلطان أن يفعل ذلك من ماله، وإن لم يخلف مالًا فتبرع الورثة بإسكانها لزمه ذلك كما ذكرنا، ولا يلزم السلطان أن يكتري لها من سهم المصالح، إلا أن يرى ريبة فيلزمه إسكانها.
وإذا قلنا: لا سكنى لها، قال الشافعي: "فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يُسْكِنُوهَا حَيْثُ شَاؤُوا إِذَا كَانَ مَوْضِعُهَا حِرِزًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخُصَّها حَيْثُ تَرضي لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ مَنْ لَيْسَ لَهُ"، يعني إذا لم يكن له ورثة، فإن لم يفعلوا ذلك فلها أن تسكن حيث شاءت.
فرع:
لو تطوع أجنبي بسكناها فيسبر حاله، فإن كان متهومًا ذا ريبةٍ لم نتعرض لها، [ق 92 ب] وإن كان سليمًا ذا دين قام بذله لسكناها مقام بذل الوارث، ولزمها أن تسكن حيث يسكنها إذا كان مسكن مثلها وأمنت على نفسها، فيعتبر هذين الشرطين في وجوب السكنى عليها فإن رضيت بدون مسكن مثلها جاز، وإن رضيت بما لا تأمنه على نفسها لم يجز.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ فَنَقَلَتْ مَتَاعَهَا وَخَدَمَهَا وَلَمْ تَنْتَقِلُ بِبَدَنِهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ طَلَّقَ اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ".
كلما أوجبنا لها السكنى فأذن لها في النقلة من دارٍ إلى دارٍ في جوف البلد فالاعتبار بالبدن دون الرحل والمال، فإن مات أو طلقها فإن كانت في الدار الأولى اعتدت فيها دون الثانية سواء نقلت الرحل والمال أو لم تنتقل.
وقال أبو حنيفة بالرحل والمال فتعتد في الدار التي نقلت إليها المال والرحل.
وهذا غلط؛ لأن المعتدة لو انتقلت ببدنها إلى دارٍ أخرى وتركت قماشها في الدار التي طلقها فيها عصت، ولو نقلت قماشها ولم تنتقل ببدنها لم تعص، فدل على ما قلناه.
وعلى هذا إن انتقلت ببدنها ثم رجعت إلى الدار التي انتقلت عنها لنقل قماشها فطلقها أو مات عنها اعتدت في الدار التي انتقلت إليها، ومجيئها إلى الدار الأولى لنقل قماشها بمنزلة دخولها إلى دار بعض جيرانها اعتبارًا به.
فرع:
قال في "الأم": لو انتقلت بغير إذن زوجها ثم طلقها أو مات عنها لزمها أن ترجع فتعتد في بيتها الذي كانت تسكن معه فيه.
الجزء: 11 - الصفحة: 319
فرع آخر:
قال في "الآم" لو انتقلت بغير إذنه لها في المقام في ذلك المنزل ثم طلقها أو مات عنها اعتدت فيه كما لو انتقلت بإذنه، (ق 93 ا) وسواء أذن لها في منزل بعينه أو قال لها: انتقلي حيث شئت ثم طلقها أو مات كان لها أن تعتد حيث انتقلت إليه.
فرع آخر:
لو أذن لها بالانتقال من دارٍ إلى دارٍ ثم طلقها بعد خروجها من الدار الأول وقبل وصولها إلى الدار الثانية فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: قال أبو إسحاق عليها أن تعتد في الدار الثانية؛ لأنها صارت المسكن بقصدها وقصد استيطانها فيها، وخرجت الأولى عن كونها مسكنها بمفارقتها بهذه النية.
وقيل: نصَّ على هذا في "الأم".
والثاني: إنها بالخيار بين أن يرجع إلى الدار الأولى وبين أن تنتقل إلى الثانية؛ لأنه بينهما فتختار ما شاءت.
والثالث: يعتبر القرب، فإن كانت إلى الدار الأولى أقرب اعتدت فيها، وإن كانت إلى الثانية أقرب اعتدت فيها.
فرع آخر:
لو كان أذن لها في النقلة إلى بلدٍ والاستيطان فيه، ثم طلقها أو مات عنها، فإن كان ذلك بعد وصولها إلى ذلك البلد لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه.
قال في "الأم": فإن كان له وكيل حاضر أو وارث كان له أن ينزلها حيث ترضي من المصر حتى تنقضي عدتها، وإن لم يكن وكيل ولا وارث كان على السلطان أن يحصنها حيث ترضي لئلا يلحق بالميت أو المطلق ولدٌ ليس منه، وإن كان ذلك وهي في الطريق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز لها أن ترجع إلى البلد الذي انتقلت منه، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني بالخيار، إن شاءت رجعت وإن شاءت مضت على وجهها، ويجيء ثمَّ الوجه الثالث الذي ذكرنا في الفرع قبله.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الحَجِّ [ق 93 ب] فَزَايَلَتْ مَنزِلَهُ فَمَاتَ أَوْطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَسَواءٌ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَمْضِي به لِسَفَرِهَا ذَاهِبَةً أَوْ جَائِيَةً".
الجزء: 11 - الصفحة: 320
الفصل:
جملته أنه إذا طلقها أو مات عنها قبل خروجها من بيتها لزمها أن تعتد فيه، ولم يجز لها أن تخرج لسفرها، وإن كانت قد شدت رحلها أو اكترت لا تخرج أيضًا لا يختلف المذهب فيه - وإن كانت قد خرجت ولم تفارق بنيان البلد اختلف أصحابنا فيه، قال الاصطخري: لا يلزمها الرجوع وهو ظاهر منصوص الشافعي؛ لأنه قادت "فزايلت منزله 0 ولم يعتبر شرطًا آخر، وقد صرح في "الأم" أبهذا فقال؛ "ولو كان أذن لها أن تخرج إلى الحج فلم تخرج حتى طلقها أو مات لم يكن لها أن تخرج إلى الحج، ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج للحج ثم مات أو طلق كان لها أن تمضي في وجهها، وهذا نص لا يحتمل إلا ما قاله الاصطخري، وهذا لأن مزايلتها منزله بإذنه فقط عنها حكمه.
وقال أبو إسحاق؛ يلزمها أن ترجع فتعتد في منزله إلا أن يكون قد فارقت بنيان البلد؛ لأنها ما دامت في البلد فهي على حكم المقام فيلزمها أن تعتد فيه، كما لو لم تخرج من منزلها، ولهذا لو أرادت أن تقضي الصلاةً يس لها ذلك ما لم تفارق آخر بنيان البلد.
وهذا اختيار القفال، قال؛ ومعنى قوله: "فزايلت منزله" أي عمارةً بلده أو منزل مقامه، ومنزل مقامه بلده.
وقال ابن أبي هريرةً: من أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أنه لا يستقر حكم دخولها في ألسفر حتى تنتهي إلى مسافةً يوم وليلةً اعتبارًا بالسفر الذي يستباح فيه الرخص ما لم تبلغ إليها يلزمها أن تعود وتعتد في منزلها.
واحتج هذا القائل بما قال الشافعي في "الأم": "ولو آذن لها (ق 94 أ) إلى صفر يكون مسيرةً يوم وليلةً غير حجةً الإسلام لم يكن لها أن تخرج إلا مع ذي رحم محرم، فإن خرجت من تنزله ولم تبلغ السفر حتى طلقها أو مات كان عليها أن ترجع فتعتد في منزله، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي أمرها بالرجوع في هذه المسألة لعدم المحرم لا لقرب السفر، ألا ترى أنه استثنى حجةً الإسلام فقال: "غير حجة الإسلام"؛ لأن في حجةً الإسلام لا يعتبر المحرم، وقصد به الرد على أبي حنيفةً حيث قال: لها أن تسافر سفر التطوع أقل من ثلاثةً أيام بلا محرم، ولأن الشافعي ذكر هذه المسألة عقب المسألة التي حكاها عن "الأم"، ولا يذكر قولين في مسألتين متواليتين.
وقال ابن أبي هريرة: الصحيح ما قاله الاصطخري أن الاعتبار بمفارقةً المنزل دون مفارقةً المصر واعتبار اليوم والليلةً، ولا معنى لترك المنصوص إلى الاجتهاد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن أذن لها في الحج فخرجت عن منزلها ثم طلقها قبل أن تفارق عمران بلدها لها أن تمضي إلى الحج، ولو كان سفرا آخر يلزمها الرجوع إلى منزلها؛ لأن الشافعي غاير في العبارة ههنا فقال: "ولو خرج بها مسافرًا،، يعني فارق العمارةً، ثم قال: "أو أذن لها في الحج فزايلت منزله فمات"، فذكر مزايلةً المنزل في
الجزء: 11 - الصفحة: 321
الحج، وهذا لا يصح.
ولا فرق بين سفر الحج وغيره، ولو جاز أن يحمل هذا اللفظ في الحج على مسكنه لا على بلده لجاز أن يدعي مثل هذا في لفظ الخروج حيث قال: "ولو خرج بها مسافرًا" لأنه إذا خرج عن داره سمي خارجًا كما يسمى بمفارقة العمران خارجًا، وإذا حمل الخروج على الخروج من الدار وجب أن يحمل مزايلةً المنزل على الخروج من الدار، ويحمل كلاهما على الخروج من عمارةً البلد (ق 94 ب) ولا وجه للفرق.
وقال أبو حنيفة: إذا طلقها أو مات، فإن كان بينها وبين منزلها دون مسيرةً ثلاثةً أيام يجب عليها الرجوع وإن كان مسيرةً ثلاثةً أيام فإن كان بينهما وبين الموضع الذي قصدته ثلاثةً أيام، فإن كان الموضع الذي هي فيه موضع إقامةً أقامت فيه، بأن يكون قريةً آهلة، وإن لم يكن موضع إقامةٍ كان لها أن تمضي إلى مقصدها.
واحتج بأن إنشاء السفر الصحيح محرم عليها في منزلها فكان محرمًا عليها في سفرها.
وهذا غلط؛ لأن العدةً وجبت عليها وهي مسافرةً فلم يلزمها الرجوع عن سفرها، كما لو كان بينها وبين مسكنها مسيرةً ثلاثةً أيام، ويفارق هذا إذا كانت في منزلها؛ لأنها لا تنشئ سفرًا وإن قل بخلاف ما لو كانت مسافرةً.
وحكي عن أبي حنيفةً أنه قال: إن كانت إلى البلد الذي خرجت منه أقرب يلزمها الرجوع، وإن كانت إلى البلد المقصود أقرب يلزمها المضي إليه، وإن بعدت من هذا البلد ولم تقرب من ذلك البلد تخيرت من الرجوع والمضي.
فإذا تقرر ما ذكرنا أنه لا يلزمها العود فهي بالخيار بين الرجوع والعود، فإن خرجت قال الشافعي: "ولا تقيم في المصر الذي أذن لها في السفر إليه إلا أن يكون أذن لها [في المقام] فيه أو النقلةً إليه فيكون ذلك عليها إذا بلغت ذلك المصر"
وجملته أن ينظر فيه، فإن كان أذن لها في السفر إلى الممر الذي قصدته لزيارة لا يخلو إما أن يكون جعل لها مدةً أو لم يجعل لها في ذلك مدةً، فإن لم يجعل لها مدةً قال الشافعي: "لم تقم فيه أكثر من مقام مسافرةً وهو ثلاثةً أيام".
وإن جعل لها مدةً فيه قولان:
أحدهما: لا تقيم فيه أكثر من مقام صام وهو ثلاثةً أيام؛ لأنه لم يأذن لها في الإقامة (ق 95 أ) المطلقةً، فصار كما لو أطلق الإذن.
والثاني: وهو الأصح أنها تقيم حتى تستوفي المدةً، وهو اختيار المزني؛ لأنها مدةً مأذون فيها فكان لها استيفاؤه، ألا ترى أن الشافعي أباح لها أن تخرج في سفرها إلى الغايةً التي تريدها؛ لأن هذه المدةً مأذون فيها فكذلك مدةً المقام.
ومن قال بالأول فصل بينهما بأن عليها مشقةً في الرجوع من الطريق ولا مشقةً عليها في ترك مدة المقام.
الجزء: 11 - الصفحة: 322
وإن أذن لها في الخروج إلى المصر الذي قصدته لقضاء الحج والعمرةً أو قضاء لدين، آو استحلال من مظلمةٍ، أو إيصال كتاب أو حاجةٍ يمكن قضائها عاجلًا لا يجوز لها أن تقيم فيه أكثر من مدة قضاء الحاجةً، ويتيها أن تخرج عقيب قضاء الحاجةً.
ومن أصحابنا من قال ههنا: لها أن تقيم مقام مسافر وهو ثلاثة أيام، وهذا غلط، بل هذا في سفر النزهةً والزيارةً.
قلنا في هذا الموضع نهاية سفرها قضاء حاجةٍ لا غير، وإذا ألزمنا الخروج لا فرق بين أن تكون قد بقي من عدتها ما تنقضي في الطريق ويبقى عليها بقيةً تقضيها في بيت زوجها.
نص عليه في "الأم"، لأنها لو أقامت كانت هذه الإقامةً غير مأذون فيها فلا يجوز لها ذلك، وأيضًا المكان الذي تعود فيه أقرب إلى منزله من الموضح الذي تقيم فيه فكان أولى.
وقال أبو إسحاق: إن بقي من عدتها ما لا ينقضي في الطريق ترجع، وإن بقي من عدتها قدر ينقضي في الطريق كان لها أن تكملها في البلد الذي هي فيه ولا يجب عليها الرجوع؛ لأن إتمام العدةً في ذلك البلد خير من إتمامها في الطريق.
وهذا اختيار القفال، وهذا كله إذا وجدت رفقة (ق 95 ب) مأمونةً في الرجوع إلى بلدها، فإن لم تجد كان لها أن تقيم فيه إلى أن تجد رفقة مأمونةً وكان ذلك عذرًا في المقام.
وأما قوله في السواد: "إلا أن يكون أذن لها في المقام فيه أو النقلة إليه" فحذف المزني "المقام" ولا بد منه، ثم قال: "فيكون ذلك عليها"، وفي بعض نسخ المزري؛ "فيكون ذلك لها" فمن قرأ "لها" قال: هذا راجع إلى مسألة النقل.
فأما إذا أذن لها بالمقام مدةً لا يلزمها أن تقيم بل لها أن ترجع، والقولان فيه؛ "هل لها أن تقيم" ومن قرأ
"لها" فهو جواب في المسألتين جميعًا، فإن لم يكن قضاء حاجتها في ثلاثةً أيام فقول: أخرج اليوم، أخرج غدا فلها ذلك إلى أن تنقضي حاجتها.
مسألة:
قال: "وإن كان أخرجها مسافرة أقامت ما يقيم المسافر مثلها ثم رجعت فأكملت عدتها".
أراد به أنه إذا كان الزوج أخرجها مع نفسه في السفر ثم مات في بعض البلاد لزمها أن ترجع إلى بيتها وتقعد فيه، ولا يجوز لها أن تقيم إلا مقام مسافر إلا أن لا تجد رفقةً على ما قدمناه.
مسألة:
قال: "ولو أذن لها في زيارة أو نزهة فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً ليست مقامًا"
الجزء: 11 - الصفحة: 323
هذه المسألة تخالف ما قبلها فتحتاج إلى تأويل، فقال أبو إسحاق: أراد به الزيارةً والنزهةً في جوف البلد، فعليها العود؛ لأن الطلاق صادفها وهي مقيمةً في البلد، والمسألة المتقدمةً في السفر فلا يلزمها العود هناك.
ومن أصحابنا من قال: أراد به أنه إذا أذن لها في السفر لزيارةً أو نزهةً فأقامت ثلاثًا نم طلقها فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارةً والنزهةً (ق 96 أ) ليست مقامًا، وقد فسره الشافعي في "الآم"، فقال: "إن كان أذن لها في زيارةً أهلها أو النزهةً إلى موضع في المصر أو خارجًا منه فخرجت إلى ذلك الموضع الذي أذن لها فيه ثم مات عنها أو طلقها طلاقًا لا يملك فيه الرجعةً، فعليها أن ترجع إلى منزله فتعتد فيه؛ لأن الزيارةً ليت مقامًا، ومعناه أنه لم يأذن لها في المقام في موضع آخر فيكون ذلك بمنزلةً ما لو أذن لها في دخول السوق لحاجة ثم مات لزمها العود إلى بيت زوجها.
فرع:
قال في "الأم": ولو قال لها في المصر: اسكني هذا البيت شهرًا أو هذه الدار سنةً كان هذا مثل قوله لها في السفر: أقيمي في بلد كذا وكذا شهرًا أو سه وقد خرج من السفر قولين، ثم عطف هذه المسألة عليها وسوى بينهما فجعل في المسألتين جميعًا قولين وقد بيناه.
والفرق بين هذه المسألة وبين الإذن في الزيارةً والنزهةً حيث أوجب عليها الرجوع قولًا واحدًا، أن الإذن في الزيارةً والنزهةً ليس بإذن في المقام فيلزمها الرجوع، بخلاف هذا فإنه أذن في المقام فلم يلزمها أن ترجع في أحد القولين، كما لو أذن لها في النقلةً.
قال القفال: فإن قلنا لها قدر المدة المضروبةً لو لحقها في الطريق مضت على وجهها إن شاءت، وإذا قلنا بالقول الآخر فعليها أن ترجع ولا تمضي على وجهها إذا لم يكن قصد إلا النزهةً ولم يكن عليها في الرجوع مشقةً، فأما الزيارةً فهي أمر مقصود، فتمضي وتزور وترجع في الحال، وهذا حسن ولكنه خلاف ظاهر المنصوص.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو أذن لها في زيارةُ أهلها، ثم قال قبل الطلاق والموت: إنما نقلتها إليه (ق 97 ب) ولم تعلم هي كان عليها أن تقيم حيث أم أنه أمرها أن تنتقل؛ لأن النقلةً إليه وهي منتقلةً فلم يكن لها الرجوع.
فرع آخر:
قال أيضًا: لو أذن لها بعد الطلاق الذي لا يملك فيه الرجعةً أو يملكها قبل أن
الجزء: 11 - الصفحة: 324
يرتجعها، أو قال لها في مرضه: إذا مت فانتقلي حيث شئت فمات لم يكن لها أن تعتد في غيره.
فرع آخر:
لو قال: إنما انتقلت ولم ينو هو النقلةً، قادت إنما أرسلنك زائرةً ثم مات أو طلقها، كان عليها أن ترجع فتعتد في بيته؛ لأن النقلةً ليست لها إلا بإذنه.
فرع آخر:
لو طلقها وهي في مكن مستعار فأراد الزوج نقلها منه إلى مكن يكتريه، فإن كان في بلي عرف أهله العاريةً لم يكن له نقلها ما لم يرجع أهله في العاريةً، وإن كان في بلدٍ عرف أهله الكراء ففي جواز نقله منه وجهان:
أحدهما: ليس له نقلها ما لم يرجع في الإعارةً كالبلد المعهود إعارته.
والثاني: له نقلها منه لئلا يلحقه من المنةٍ فيه ما لا يلحقه في البلد المعهود إعارته.
فرع آخر:
لو كانت في بيت بعاريةٍ في العدةً فنقلها مالكها فعادت إلى بيت آخر، ثم بذل المالك الدار الأولى، فإن بذل بالعاريةً لم يلزمه ردها إليه، وإن بذل بالإجارةً فإن كان المنزل الثاني بالعاريةً يلزم ردها إلى الأولى، وإن كان المنزل الثاني بالإجارةً فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم الانتقال تغليبًا لحكم الاستقرار فيه.
والثاني: يلزم الانتقال إلى الأول تغليبًا للمنزل الذي كان الطلاق فيه.
مسألة:
قال: "ولا تخرج إلى الحج بعد انقضاء العدة ولا إلى مسيرة يوم إلا مع ذي محرم إلا أن يكون حجة الإسلام (ق 97 ا) وتكون مع نساء ثقات".
ذكر الشافعي في "الأم" ثلاث مسائل؛ مسالتان في "باب حكم العدة" والثالثة في "باب الحج" فترك المزني مسألتي العدة ونقل مسألة الحج، وإنما تركهما لأنه قد نقل قبل هذا من الإذن في السفر ما يدل على حكم المسألتين.
إحداهما قال: "ولو خرجت من منزله ففارقت المصر أو لم تفارقه إلا أنها قد فارقت منزله بإذنه للخروج إلى الحج، ثم مات أو طلقها كان لها أن تمضي في وجهها وتقيم فيه مقام الحج لا تزيد فيه وتعود مع الحاج فتكمل بقية عدتها في منزله إلا أن يكون أذن لها أن تقيم بمكة أو في بلتي غيرها إذا قضت الم، فيكون هذا كالنقلة وتقيم في ذلك البلد".
ثم ذكر هذه المسألة الثالثةً وليست
الجزء: 11 - الصفحة: 325
عن مسائل العدةً وإنما هي عن مسائل الحج.
وجملته أنه شرط في الفر الذي ليس بواجب صحبةً محرم ولم يشترطه في حجةُ الإسلام، بل شرط فيها صحبةُ نساء ثقات، وصرح ههنا بالفرق وعند أبي حنيفةً يشترط المحرم في حجةً الإسلام على ما ذكرنا في ((كتاب الحج)).
واختلف أصحابنا في أقل النساء الثقات على ثلاثة أوجه:
أحدها: تكفي واحدةً.
والثاني: تكفي ثنتان.
والثالث: لا بد من ثلاث نسوة.
ومن أصحابنا من قال: لا يشترط المحرم في سفر التطوع أيضًا ويكفي صحبةً النساء الثقات.
وهو اختيار القفال، قال: لأن الشافعي لم يفرق بين سفر الواجب وغيره في الجواز، وإنما فرق في الكراهةً فكره في غير الواجب الخروج مع النساء الثقات دون المحرم ولم يكن في الواجب ذلك، وهذا خلاف النص الظاهر ههنا.
وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: إن كانت الطريق (ق 97 ب) آهلة آمنة لها أن تخرج وحدها، فقيل له: يلزمك أن تجوز مثل هذا في السفر المباح، فقال: اختلفنا في الأمرين جميعًا، فلم يجعل لها أن تخرج في السفر المباح إلا مع ذي رحم محرم؛ لأنه لا ضرورة ًبها إلى ذلك، وجعلنا لها أن تخرج وحدها في حجةً الإسلام؛ لأن ذلك فرض عليها احتياطًا للفرض.
فرع:
قال في "الأم": لو أحرمت بإذن زوجها بالحج أو العمرةً ثم طلقها أو مات فإن كانت لا تخاف من العدةً فواته كان كما لو لم تحرم، وقد بيناه.
وإن خافت فوات الحج لزمها أن تخرج؛ لأن الحج والعدةً إذا اجتمعا وتضيقًا ولم يمكن الجمع بينهما فدمنا الحج لسبق إحرامه على العدةً؛ ولأنها إذا خرجت للحج أتت بالعبادتين جميعًا وتركتا صفةً العدةً، وإذا اعتدت تركت الحج حتى يفوتها فكان الجمع بين العبادتين مع الإخلال بصفةً أحدهما أولى - وقال أبو حنيفةً: مليها أن تقيم وتعتد ولا يجوز لها الخروج سواء كان الوقت ضيقًا أو واسعًا، خاف الفوات أو لم يخف.
ولو طلقها أو لا ثم أحرمت فعليها العدةً في منزلها، فإن فاتها الحج تحللت بعمل عمرة وعليها قضاء الحج؛ لأن العدةً أسبق.
وكذلك إذا أذن لها في الحج ثم طلقها ثم أحرمت؛ لأن الإحرام لم يتعين عليها بإذنه، ويتعين أن تكن في منزلها، وإن سبقه الإذن بالإحرام فالاعتبار بما تعين [أولاً]
الجزء: 11 - الصفحة: 326
مسألة:
قال: "ولو صارت إلى بلد أو منزل بإذنه ولم يقل لها أقيمي ثم طلقها فقال: لم أنقلك، وقالت: نقلتني القول إلا أن نقر هي أنه كان للزيارة أو مدة تقيمها يكون [عليها أن ترجع وتعتد في بيته] وفي مقامها قولان".
فصل:
في بعض نسخ المزني: (ق 98 أ) ((ولم يقل لها أقيمي أو لا تقيمي)) والأول أصح.
واختلف أصحابنا في صورة المسألة، فقال أبو إسحاق: صورة المسألة أن يأذن لها في الخروج من بيته إلى موضع ثم مات وقع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها، فقالت هي: أذن لي في الخريج وقصد بالإذن النقلةً إليه، فلا يجوز لي الرجوع.
وقال الورثةً: لم يقصد بذلك فعليك الرجوع، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن ضميره معيب عنها والمرأة صاحبةً فجعل القول قولها.
وآما إذا كان الاختلاف بينها وبين زوجها فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بضميره عنها.
قال أبو إسحاق: وإنما جعل الشافعي في "الأم" القول قولها: إذا كان الخلاف مع الورثةً، إلا أن المزني ظن أن يكون عنده حكم في المالئين سواء، فأطلق الجواب، وهذا لو ادعت أصل الإذن كان القول قوله، فلذلك إذا ادعت وصفًا في الإذن كان القول
ومن أصحابنا من قال: القول قولها مع الزن ومع الورثة؛ لأنه إذا أذن لها فالظاهر من إطلاق القلة فكان القول قولها، ونص الشافعي على هذا التعليل، فقال أصحابنا: هو بمنزلة شيء في يدها ويدعي الزوج عليها ذلك فيكون القول قولها مع يمينها، فكذلك ههنا.
وأيضًا سفر النقلةً واحد وسفر العود اثنان، فكان القول في الثاني قول مكره.
وهذا اختيار جماعةً من أصحابنا.
وقال القاضي الطبري: ظاهر كلامه في "الأم" هذا دون ما نكرم أبو إسحاق؛ لأنه ذكر اختلافهما مع الورثةً وقال: "القول قولها"، ثم قال: أولو قال لها اخرجي إلى موضع كذا أو مصر كذا، فخرجت إليه (ق 98 ب) فلم يقل لها حجي، ولا أقيمي، ولا ارجعي منه، ولا ترجعي إلا أن تشائي ولا زوري فيه أهلك أو بعض معارفك، كانت هذه نقلةً وعليها أن تعتد في ذلك الموضع من طلاقه أو وفاته إلا أن تقر هي أن ذلك الإذن إنما كان لزيارةً أو مدةً تقيمها فيكون عليها أن ترجع إذا بلغتها الوفاةً فتعتد في بيته، وفي مئامها قولان"، فأطلق الكلام وجعل ظاهر الإذن النقلة، وجعل القول قولها، وهذا مثل ما نقله المزني دون ما (حكاه) أبو إسحاق.
الجزء: 11 - الصفحة: 327
ومن أصحابنا من حكي عن أبي إسحاق أنه قال: صورة ما نقله المزني أنه قال لها: انتقلي إلى موضع كذا فلما حصلت فيه طلقها، فقال لها: ما نقلتك وإنما أذنت في غير النقلةً، فعليك الرجوع، وقالت: بل أذنت لي في النقلةً والمقام فالقول قولها؛ لأن قوله: "انتقلي" حقيقته النقلةً، فأما إذا قال لها: اذهبي، أو اخرجي إلى موضع كذا، ثم اختلفا، فالقول قوله؛ لأن الظاهر معه.
ثم تعجب هذا الحاكي من أبي إسحاق فقال: كيف يصورها فيما لو قال لها انتقلي، والشافعي قال: "ولم يقل لها أقيمي ولا لا تقيمي)) بإذنه بالنقلةً هو المقام، وهذا غير صحح عن أبي إسحاق.
ومن أصحابنا عن قال: صورة المسألة أنه قال لها: اخرجي أو اذهبي ثم طلقها، ثم اختلفا فالقول قوله، وقول المزني: "القول قولها" غلط، أراد أن يقول القول قوله وأخطأ في الكتبةً، وهذا أيضًا غير صحيح لما ذكرنا.
وقال أبو حامد: نفل المزني هذه الصالة في "جامعه الكبير" فقال: "ولو سارت إلى منزل" بأمره ثم طلقها ثم اختلفا - هكذا - فالقول قوله، ثم فئ عليه فقال: "فإن مات ثم اختلفت هي وورثته فالقول قول الورثة" وأراد أنه لما كان القول قول الزوج فوارثه يقوم مقامه - (ق 99 أ) وغلط هذا في التفرع، فإن القول قولها ههنا لما ذكرنا عن الفرق بين الزوج والورثة.
وقال القفال: قال الشافعي: ((إذا حولها من بيتٍ إلى بيتٍ، ثم طلقها ثم اختلفا فالقول قولها)).
وقال في موضع آخر: ((إذا ويع الاختلاف بينها وبين ورثة زوجها فالقول قول الورثة)) وليست على قولين بل هي على حالين، فصورة مسألة الوارث أن يقول: إن أبانا قد قال لك: إني أخرجتك مسافرة.
ولو كان هذا الاختلاف مع الزوج نفسه كان القول قوله أيضًا؛ لأن الأصل أن لا نقلة.
وصورة المسألة الأولى أنه حق لها ولم يقل شيئًا، بل أطلق فالظاهر بيدها سواء كان الاختلاف مع الزوج أو مع الورثة فالقول قولها
وقال القفال مرة أخرى: قال الشافعي ((إن كان هذا الاختلاف مع الزوج فالقول قوله، وإن كان مع الورثة فالقول قولها)) فالمسألتان على قولين نقلا وتخريجًا.
قال: ومن أصحابنا من قال: إن اختلفا في اللفظ فقالت; قلت لي انتقلي، وقال: ما قلت لكن قلت اخرجي للنزهةً ونحوها فالقول قوله؛ لأن الأصل أنه لم يقل ذلك.
وإن اتفقا على اللفظ فقالت: قلت اخرجي وأردت به النقلةً، وقال: ما أردت فالقول قولها؛ لأن الظاهر ما ادعت.
قال: وقال ابن سريج، وهو قول أبي حنيفةً: إن كان الاختلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان مع الزوج فهل يكون القول قوله أو قولها قولان 0 وكل هذا تخليط والاعتماد على ما سبق.
وقال في "الحاوي": هذه المسألة تشتمل على فصول اختلط فيها كلام أصحابنا، ونبوا المزني إلى السهو في نقله والخطأ في جوابه لشبهةً دخلت عليهم في [تقرير]
الجزء: 11 - الصفحة: 328
أصولها (ق 99 ب) ونوضحها بما تزول به الشبهة ويصح فيه نقل المزني وجوابه، وذلك مبني على تقدير الجواب [في] خمسة فصول:
أحدها: إذا أذن لها في عفر النقلةً فانتقلت ثم وجبت [عليها] العدةً اعتدت في بلد النقلة.
والثاني: [إذا] أذن لها في سفر العودةً ثم وجبت العدةً عند وصولها لزمها العود ولا يجوز لها أن تقيم.
والثالث: [إذا] أذن لها في الفر مطلقًا [لم بمرح فيه بنقلة ولا عود] حمل على سفر آخر تحتاج فيه إلى إذن آخر.
والرابع: [إذا] أذن لها في السفر إليه لنزهةً [أو زيارةً] كان سفر عود لا سفر مقام.
والخامس: [إذا] أذن لها في السفر لتقيم شهرًا ثم تعود هل لها أن تقيم تلك المدةً؟ قولان.
فإن اخلفا فاختلافهما على [ستةً] أقسام:
أحدها: أن تدعي [الزوجةً] سفر النقلة ويدعي الزوج سفر العود، فالقول قولها [مع الزوج] في حياته، ومع الورثةً بعد موته على ما ذكرنا.
والثاني: أن تدعي المرأةً سفر العود ويدعي عليها سفر النقلةً، فالقول قول الزوج وورثته بعده؛ لأنها تدعى سفرًا ثانيًا.
والثالث: أن تدعي في السفر المطلق أن المراد به النقلةً ويدعى عليها أن المراد به العود فالقول قولها مع الزوج وورثته؛ لأن الظاهر معها.
والرابع: أن تدعي في [الفر] المطلق أنه أراد العود ويدعي عليها أن المراد النقلة فالقول قول الزوج وورثته بعده.
والخامس: أن تدعي الزوجة سفرًا لمدةً، ويدعي عليها [أنه] سفرًا لنزهةً فإن قلنا: هي ممنوعةً من مقام تلك المدةً لم يكن لهذا الاختلاف تأثير لوجوب العودة فيهما للوقت.
وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً، فإن كان الخلاف مع الورثةً فالقول قولها، وإن كان [مع] الزوج فالقول قوله.
والفرق أن الإذن اجتمع عليه الزوجان، فإذا كان الاختلاف بينهما رجع إلى الزوج الآذن في صفة إذنه (ق 100 أ) كما يرجع إليه في أصل إذنه، وإذا كان مع الورثة رجع فيه إلى من شافهه بالإذن وهي الزوجةً دون الورثةً.
والسادس: أن تدعي الزوجة سفر النزهةً ويدعي عليها أنه سفر المدةً.
فإن قلنا: لا تقيم تلك المدة لا تأثير لاختلافهما لوجود العود.
وإن قلنا: لها المقام تلك المدةً فالقول قول الزوجة [إن كان حيًا] والقول قولها مع الورثةً إن كان ميتًا لما ذكرنا من الفرق.
فهذان قسمان يختلف فيهما حكم الزوج والورثة وإن اتفق حكمهما في الأقسام الأربعةً، ليسلم المزني من خطأ النقل لحمل مراده على ما وافقه من تلك الأقسام الأربعةً
الجزء: 11 - الصفحة: 329
في التسويةً بين الزوج وورثته، وسلم أصحابنا من الوهم في الشبهةً الداخلةً عليهم في تخطئته لحمل جوابهم على ما وافقه من القسمين المتأخرين في الفرق بين الزوج وورثته وهذا كله حسن.
مسألة:
قال: ((وتنتوي البدوية حيث ينتوي أهلها)).
الفصل:
معناه ترحل البدوية حيث يرحل أهلها، وجملته أنه إذا طلق البدوي زوجته كان اعتدادها في المسكن الذي هو مسكنها حال الطلاق كالحاضرةً، ولكنها تخالف في صفةً المسكن؛ لأن مسكنها من صوف وشعر ونحوه، ومسكن الحاضرةً من طين وآجر وحجر، ولذلك بناء الحضر يراد للاستيطان والبقاء، وبيوت الباديةً للإقامةً والظعن على الغبطةً فما داموا مغتبطين بالمقام أقاموا، وإذا كان غبطتهم في الظعن ظعنوا، فإذا تقرر هذا فيه أربع مسائل:
أحدها: [إذا] انتقل أهل الباديةً كلهم من مكان إلى مكان فإنها تنتقل بانتقالهم، كأهل البلد لو انتقلوا بأسرهم انتقلت هي معهم أيضًا، وكامرأةً صاحب السفينةً معه إذا لم يكن له مكن سوى السفينةً.
والثانية: أن ينتقل قوم من أهل الباديةً (ق 100 ب) وبقي قوم فيهم منعة، وأهلها فيهم فعليها أن تقيم مع أهلها وتعتد في مسكنها؛ لأنه لا حاجة بها، كما لو انتقل بعض أهل البلد وبقي قوم فيهم منعةً تعتد فيمن بقي.
والثالثة: انتقل قوم من أهل البادية وأهلها فيمن انتقل وبقي قوم لم ينتقلوا وفيهم منعةً فهي بالخيار بين أن تنتقل مع أهلها طلب الأنس بهم وحذر الوحشةً لهم إن لم تنتقل، وبين أن لا تنتقل وتقيم هناك؛ لأن هذا المكان مكان مسكنها حال الطلاق ولا ضرورةً إلى المفارقةً.
والرابعة: فر أهلها وهربوا خوفًا عن أم من الأمور وما انتقلوا انتقالًا ينظر، فإن كانت تخاف مما خاف أهلها كان لها أن تهرب معهم وإن كان الخوف على الرجال دون النساء، أو على أهلها دون غيرهم لم يكن لها أن تنتقل معهم؟ لأنه لا حاجة بها إلى ترك مسكنها حين الطلاق، كما لو هرب أهلها من البلد سواء، وهذا لأنهم إذا هربوا فالمسكن باق لم ينتقل.
وقال الماسرجسي: من أهل الباديةً من لا ينتجع ولا ينتقل ويكون حولهم من الرعي ما يقيم بها، فهذه كالحاضرةً.
ومنهم من ينتجع في كل سنةٍ مرتين؛ إحداهما في الصيف،
الجزء: 11 - الصفحة: 330
والأخرى في الشتاء، فإذا انتقلوا في أول الصيف ولم نقص عدةُ المطلقةً انتقلت معهم، ومنهم من لا موضع له بل يتبع مواقع القطر والكلأ فالمعتدةً منهم تنتقل معهم؛ لأنها إذا خرجت معهم كانت أحصن وأحفظ للنسب.
مسألة:
قال: "وإذا دلت السنةً [على] أن المرأة تخرج من البذاء على أهل زوجها كان العذر في ذلك المعنى أو أكثر".
يحتمل أن يكون هذا الكلام من الشافعي مسألة مستأنفةً في كل معذورةٍ ويحتمل أن يكون قصده للاحتجاج في مسألة البدويةً والمقصود واحدٍ، وهو أنها إذا خرجت من بيت العدةً لعذر ظاهر لم تأثم لمعنيين:
أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أن النبي- صلى الله عليه وسلم - نقل فاطمة بنت قيس للبذاءةً على ما ذكرنا وهي معنى في غيرها، فلأن تنتقل لمعنى في نفسها من خوف الهدم، أو الغرق أو الحرق أو اللصوص أولى؛ لأن هذا العذر أشد وأقوى.
والثاني: أن السكنى تراد للتحصين والاحتياط، وهذا أوجد عند الانتقال بهذه الأعذار.
مسألة:
قال: "ويخرجها السلطان فيما يلزمها فإذا فرغت ردها".
نقل المزني هذا القدر، وقال في "الأم": "وللحاكم أن يخرج المرأةً في العدة في كل ما لزمها من حد أو قصاص أو خصومة".
وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كانت برزةً، فأما إذا كانت مخدرة وجه إليها من يقيم الحد عليها، ولهذا رجم الغامديةً ظاهرًا مكشوفًا، ورجم المرأة في خبر العسيف في بيتها، فقال لأنيس: "اغد على امرأةً هذا، فإن اعترفت فارجمها"؛ لأن الغامديةً كانت برزةً وجاءت إليه فاعترفت بالزنا، وكانت المرأة في خبر العسيف مخدرةً فإنها لم تأته فبعث إليها من رجمها، وأما المال فإن كانت معترفةً به وأمكن أخذ، منها في بيتها لم يخرجها أيضًا وإنما قال الشافعي: "يخرجها إذا لم يمكن أخذه منها في بيتها وكانت برزة فيخرجها للخصومةً، فإذا فرغت ردها إلى بيت زوجها حتى تكمل العدةً".
فرع:
قال أبو إسحاق: لو زنت في حال عدتها وهي بكر وقد مات زوجها كان على
الجزء: 11 - الصفحة: 331
السلطان يبينها وهذا أحب الأشياء التي يحوز له من أجلها إخراجها.
فإن قال قائل: ينبغي أن تؤخروا إلى انقضاء عدتها كما تؤخر لشدةً الحر والبرد.
قلنا: الفرق أن العدةً لا تؤثر في الحد فلا يصح من استيفائه، وشدةُ الحر والبرد (ق 101 ب) تؤثر فيه فيعينان على تلف المحدود، والقصد منه التأديب دون الإتلاف، فأخرنا إلى أن يزولا.
وقال في "الحاوي": حُدت بلا خلاف، وهل تغرب قل انقضاء العدةً؟ وجهان:
أحدهما: لا تغرب [إلا بعد انقضاء العدة] تغليبًا لحق الزوج في تحصين مائه.
والثاني: تغرب حولًا إلى أحصن المواضع ويراعي تحصينها في التغريب في بقيةً العدةً، فإن استكملت حد التغريب قبل انقضاء العدةً وجب ردها إلى منزلها لتقضي فيه بقية العدةً.
مسألة:
قال: "ويكتري عليه إذا غاب".
إذا طلقها ولا مسكنٍ له حين الطلاق، فإن كان الزوج حاضرًا أمر، أن يكتري لها مسكنًا تعتد فيه، فإن امتنع أجبره عليه؛ لأنه حق لها فإن امتنع اكترى الحاكم من ماله عليه، كما قلنا في الدين إذا امتنع من أدائه.
وإن كان غائبًا فإن وجد له مالًا اكترى من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر اقترض عليه واكترى لها وحصنها فيه حتى تنقضي عدتها، فإذا عاد رجع عليه بما استقرض له، وإذا كان بها مال يمكنها أن تكتري منه فأذن لها في ذلك جاز ورجعت عليه إذا عاد؛ لأنها إذا اكترت لنفسها اكترت حيث ترى، لأنا اكترى لها السلطان اكترى حيث يرى هو، فإن اكترت هي من غير إذن الحاكم وأمكنها أن تستأذن الحاكم فلم تفعل، كانت متبرعًا لا ترجع به، وإن لم [يكن] حاكم فاستقرضت أو أدت الكرى من مال نفسها وأشهدت بذلك فهل ترجع على زوجها؟ وجهان.
وأصل هذه المسألة مسألة الجمال إذا هرب، وقد ذكرناها في "كتاب الإجارةً".
مسألة:
قال: "ولا نعلم أحدًا بالمدينةً فيما مضى أكري منزلًا، إنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم وبأموالهم مع منازلهم".
معنى هذا أن الحاكم (ق 102 أ) لا يكتري إذا كان بالمدينةً فإنه يجد السكنى بغير عوض، وإنما يكتري في البلد الذي لا يجد لها سكنى بغير عوض.
ونظيره ما قال في رزق المؤذن إن وجد متطوعًا لم يرزق أحدًا على الأذان، وإن لم يجد جاز له أن يرزق.
وقيل: لما قال: "ويكتري عيه إذا غاب" ألزم نفسه سؤالًا فقال: "لم يثبت عن رسول
الجزء: 11 - الصفحة: 332
الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابةً أنهم اكتروا على غائب منزلا)) فكيف تأمر بالاكتراء؟ وأجاب عن هذا بأنه إنما لم يفعل؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بها على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: قصد به الرد على أبي حنيفةً ومالك، حيث قالا: لا يجوز بيع رباع مكةً ولا إجارتها؛ لأنا لا نعلم أحدًا بمكةً اكترى منزلًا.
فقال الشافعي: باطل المدينة، فإن رباعها مملوكةً ولا نعلم أحدًا بالمدينةً اكترى منزلًا.
ثم بين العلةً فقال: كان أهل مكةً وأهل المدينة عربًا يأبون إكراء المنازل، فلا يدل هذا على كون رباعها غير مملوكةً وهذا بعيد.
ومن أصحابنا من قال: عطف هذا على قصةُ فاطمةً بنت قيس وقد ذكرناها، فما اكترى لها على زوجها؛ لأن أهل المدينةً كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم، فكأنه ألزم نفسه قصة فاطمةً حيث قال: ((لم يكتر لها)) ثم انفصل عنه بهذا فقال: إنما لم يكتر لأن عادتهم التطوع لا لأنه ما وجب، ولا لأنه لا يجوز أن يكتري عليه لها.
ومن أصحابنا من قال: ذكر الشافعي هذا على القول الذي يقول: لا سكنى للمتوفى عنها- ثم قال: ((إن تطوع الورثةً بالإسكان لزمها أن تسكن،، ثم قال: ((إن كانت بالمدينةً فعليها أن تسكن يكل حالٍ؛ لأنها تجد المسكن بغير أجرة)) وهذا أيضًا بعيد.
مسألة:
قال: "وإن تكارت فطلبت الكراء كان لها من يوم يطلبه وما مضى حق تركته" معناه أنها إذا اكترت لنفسها موضعًا (ق 102 ب) وسكنت ولم تطالب الزوج بالسكنى ثم جاءت تطالب بها.
قال الشافعي: ((كان لها من حين تطالب به)).
وقال في ((النفقة)): ((إذا أسلمت نفسها ولم تطالب بالنفقةً كان لها أن تطالب بما مضى من نفقتها ولا تسقط بترك المطالبةً، وكذلك المبتوتةً الحامل إذا جعلنا لها النفقةً فلم تطالب بها كان لها أن تطالب بما مضى)).
فمن أصحابنا من قال: في كلا المسألتين قولان على سبيل النقل والتخريج، ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر الصين فقال: النفقةً حق عليه لها في مقابلة الاستمتاع، فإذا أمكنه فقد وجب لها، فإن شاءت طالبته به وإن شاءت أخرته، كما يكون ذلك في الثمن في البياعات والأجرة في الإجارات، وليس كذلك السكنى فإنها حق عليه في مقابلةً حق له وهو حفظ مائه وتحصينه، فإذا قعدت باختيارها من غير إذن الزوج ولم تكن محصنةً له ماءه، فإذا لم يحمل له حقه لم يجب ما عليه.
وأيضًا النفقةً تجب على وجه البدل فلم تسقط بترك المطالبة، والسكنى تجب لحق الله تعالى لا على سبيل البدل فسقطت يترك المطالبةً.
فإن قل: نفقةً الحامل في العدةً لا تجب على طريق البدل ولا تسقط بمضي الزمان على ما ذكرتم.
قيل: قد قيل: إنّا إذا قلنا هي للحمل تسقط بمضي الزمان؛ لأنهما نفقةً القرب ونفقةً القريب تسقط بمضي الزمان، والصحيح أنها لا تسقط.
لأن قلنا للحمل؛
الجزء: 11 - الصفحة: 333
لأن مصرفها إلى الحامل ومنها تصل نفقتها إلى الولد، فلم تجر مجرى نفقةُ الأقارب وأجريناها مجرى النفقة الواجبةً على طريق البدل.
وقال القفال: الفرق بين السكنى والنفقة آن السكنى لغايةً الوقت، وقد مضى الوقت إذ لا يملك المكن عليه هما يملك المالح ومنعه السكنى.
وأما النفقةً فعين مال ويحوز ثبوته (ق 103 أ) في ذمته فثبتت في ذمته.
قال: وحكم الكسوةٍ على هذا حكم السكنى؛ لأنه لا يلزمه أن يملكها الثوب هما لها حق المنفعةً فيه.
مسألة:
قال: ((فأما امرأة صاحب السفينة إذا كانت مسافرة معه فكالمرأة المسافرة)).
الفصل:
إذا خرجت مع زوجها الملاح مسافرةً فطلقها في الطريق، فإن شاءت مضت في وجهها إلى الغايةً التي سافرت إليها معه، لأن شاءت رجعت إلى بيتها على ما بيناه في المسافرةً، فأما إذا كان الملاح لا بيت له غير سفينته ولامرأته فيها موضع.
قال بعض أصحابنا؛ ظاهر المذهب أنها إن شاءت اعتدت فيه، وإن شاءت خرجت واعتدت في أقرب القرى إلى الشط، وهذا اختيار الماسرجسي وجماعةً.
وقال أبو إسحاق: اعتدت حيث شاءت في أي بلدٍ شاءت؛ لأنه ليس لهم بلد ولا مسكن يرجعون إليه، فإن اختارت أن تعتد في الفينة، فإن كانت كبيرةً فيها بيوت يمكنها أن تسكن في موضع لا يشاهدها ولا يراها اعتدت في السفينةً، كما لو كان نازلًا في خان له بيوت فطلقها فإنها تعتد في يبيت منه ويكون هو في بيت آخر، وإن كانت السفينةً صغيرةً فإن كان معها ذو محرم مقيم فعليه أن ينتقل لتسكن هي في السفينةً، وإن لم يكن محرم أو كان ولكن لا يقيم في السفينةً خرجت واعتدت في أقرب المواضع لهذا المكان على ظاهر المذهب، ولا فرق بين الفينة والدار المغيرة إلا في شيء واحد، وص أن المرأة يمكنها أن تقيم في الدار الصغيرةً ولا يمكنها أن تقيم في السفينةً وحدها؛ لأنها لا تسير إلا بملاح.
فصل:
قال في ((القديم)): وليس للمبتوتةً المعتدةً أن تخرج من البيت ليلًا ولا نهارًا إلا من عذر، والمتوفى عنها زوجها تخرج في حوائجها نهارًا ولا تخرج ليلًا.
وقال في ((الجديد)): (ق 103 ب) وليس للمعتدةً أن تخرج نهارًا، والمبتوتةً والمتوفى عنها سواء واستحب ذلك لها، ولا وجه عليها.
فاستحب في الجديد أن لا تخرج نهارًا
الجزء: 11 - الصفحة: 334
ولم يحرمه عليها ومنعها في ((القديم)).
وجملته أن المعتدةً ليس لها أن تخرج من الموضع الذي تعتد فيه ليلًا ونهارًا من غير حاجةً للآيةً التي ذكرناها، فإن اضطرت إلى الخروج فلها الخروج على ما ذكرنا.
وإذا احتاجت إلى الخروج من غير ضرورةً كشراء القطن أو بيع الغزل ونحو ذلك لا يجوز لها الخروج ليلا؛ لأن الليل وقت الخلوةً فيخاف فيه الفساد.
ولا فرق بين أن تكون مطلقةً أو متوفى عنها زوجها، والدليل عليه ما روى مجاهد أن ناسًا استشهدوا بأحدٍ فأيم نساءهم، فجئن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلن: إنا نستوحش بالليل في بيوتنا أفنيت عند إحدانا حتى إذا أصبحتا بادرنا إلى بيوتنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((بل اجتمعن وتحدثن ما بدا لكن، حتى إذا أردتن النوم فلتأوي كل واحدة إلى بيتها)).
وأما الخروج نهارًا، فإن كانت متوفى عنها كانت لها ذلك بلا خلاف على المذهب وإذا كانت مطلقةً فهل لها أن تخرج؟ قولان:
قال في ((القديم)): ليس لها ذلك لظاهر الآيةً، وهي قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [الطلاق:1]، وبه قال أبو حنيفةً؛ لأن عنده عليه كفايتها.
وقال في ((الجديد)): لها ذلك ويستحب أن لا تخرج وهو الأصح، لما روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: طلقت خالتي ثلاثًا فخرجت تجد نخلًا لها، فلقيها رجل فنهاها، فآتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ((اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرًا)).
وإنما قال ذلك لأن النخل لا يجد في غالب العرف إلا نهارًا، ونخل الأنصار قريبًا من دورهم (ق 104 أ) حتى إذا خرجت بكرة للجداد أمكنها أن تمسي في بيتها، ولأن عدةَ المتوفى عنها أغلظ، فإذا جاز لها الخروج فالمطلقةً أولى، وهذا إذا كانت بائنةً، فإن كانت رجعيةً فليس لها أن تخرج إلا بإذن زوجها لحاجةً لها ليلًا أو نهارًا؛ لأنها زوجته كغير المطلقةً.
باب الإحداد
مسألة: قال: ((ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا)) وكانت هي المطلقة التي لا يملك زوجها رجعتها معا في عدة وكانتا غير ذواتي زوجين أشبه أن يكون على
الجزء: 11 - الصفحة: 335
المطلقة إحداد كهو على المتوفى عنها والله أعلم فأحب ذلك لها ولا يتبين أن أوجبه لأنهما قد يختلفان في حال وإنما اجتمعا في غيره)).
الإحداد: زيادة صفةً في الاعتداد وهو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلى الجماع عن المزينةً والثياب المزينةً والطيب، وقال في ((الأم)): هو أن تجتنب في عدتها عما يدعو إلي شهرتها مما ذكرنا - يقال: أحدت تحد حدادًا وسمي به لما فيه من الامتناع، وسمي الحديد حديدًا لأنه يمنع به، وجملته أن المعتدات على ثلاثةً أضرب: معتدةً من وفاة، ومعتدةً رجعيةً، ومعتدةً بائن.
فأما المعتدةً عن الوفاة يلزمها الإحداد، وبه قال كافةُ العلماء، وروي عن الحسن والشعبي أنهما قالا: لا إحداد عليها واجبًا، وروي عنهما أنهما قالا: لا يلزمها الإحداد في طول عدتها وإنما يلزمها في بعضها، واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماء بنت عميس لما أتاها نعي زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ((وتسلبي ثلاثًا)) وهذا غلط (ق 104 ب) لما رواء الشافعي وظاهره أن الإحداد جائز لا واجب؛ لأنه قال: ((لا تحد إلا على زوجها)) ولكن أجمعوا أن المراد به الوجوب وأنه استثناء الواجب من الحرام ولم يعتبر الأكثر.
وروى أبو داود بإسناد عن أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد ... أربعةً أشهر وعشرًا، ولا تلبى ثوبا مصبوغًا إلا ثوب عصب.
وروي: ((إلا مغسولًا ولا تكتحل ولا تمس طيبًا إلا أدنى طهرتها إذا طهرت من حيضها بنبذة من قط أو أظفار)، وروي: ((ولا ثوب عصب)) وهو وهم لا يصح.
وروت أم سلمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((للمتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقةً ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل)) والعصب من الثياب ما عصب غزله فصبغ قبل أن ينسج وذلك كالبرد والحبر ونحوهما.
والممشق ما صبغ بالمشق وهو شبه المغرة، وقوله: ينبذه من قسط يريد بها اليسر والنبذ: القليل من الشيء، والنبذةً تصغيره وطهرت الهاء فيه لأنه نوى به القطعة منه.
وروت بنت حكيم بن أسد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها فتكتحل بكحل الجلا فأرسلت مولى لها إلى أم سلمه رضي الله عنها، فسألها عن كحل الجلا فقالت: لا تكتحل به إلا من أمر لا بد منه تشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار،
الجزء: 11 - الصفحة: 336
ثم قالت عند ذلك أم سلمه دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبو سلمه وقد جعلت علتي صبرًا فقال: ((ما هذا يا أم سلمه))؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال: ((إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، (ق 110 أ) ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب)) قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: ((بالسدر تغلفين به رأسك)) وكحل الجلا هو الإثمد، وسمي جلاء لأنه يجلو البصر.
وقوله: يشب الوجه أي يوقد اللون، وأصله عن فعلك شببت النار إذا أوقدتها.
وروي عن زينب بنت أبي سلمه أنها قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرةً خلوقٍ أو غيره ومست بعارضيها، ثم قالت; والله مالي إلى الطيب من حاجةً غير أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقول: ((لا تحل لامرأةً تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعةً أشهر وعشرًا، قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت؛ والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر)) ... الخبر.
وأما قوله: ((تسلبي ثلاثًا)) قيل: أراد به لبس الود وهي تسمى السلاب ومنه قول الشاعر:
يخمشن حر أوجه صحاح في السلب السود وفي الأمساح
والأمساح: جمع مسح.
وأما المعتدةً المطلقةً عن طلاق رجعى فلا يلزمها الإحداد قولًا واحدًا، وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: ((أستحب لها الإحداد وهذا النظير أسفها عليه فيرغب في مراجعتها.
وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يستحب ذلك بل يندب إلى التصنع له بالزينةً ليميل إليها فيرغب في مراجعتها.
وأما المطلقة البائن هل يلزمها الإحداد؟ فيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم يلزمها، وبه قال أبو حنيفةً، وأحمد (ق 105 ب) في روايةً
الجزء: 11 - الصفحة: 337
وروي ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأن هذه بائن معتدةً عن نكاح فيلزمها الإحداد كالمتوفى عنها.
والثاني: قاله في الجديد: لا يلزمها الإحداد، وبه قال ربيعةً، ومالك، وعطاء.
وهو الرواية الثانيةً عن أحمد ويستحب لها؛ لأن الشافعي قال: "أسحب لها ذلك ولا يتبين أن أوجبه عليها 0 وهذا لأنها معتدةً عن طلاق فأشبهت الرجعيةً، وتفارق المتوفى عنها؛ لأن عدتها.
عدة الحرمة والتفجيع، وعدةً الطلاق عدةً الغبط وقلما تكون إلا ذات حقد عليه فافترقا.
ثم إن المزني اختار إلحاق البائنةً بالمتوفى عنها، واعترض على كلام الشافعي لأنهما قد يختلفان في حال، وإن اجتمعا في حال ووجه اختلافهما ما ذكرنا فقال: كل بائن على أصل فهو يشبه له من وجه وإن خالف غيره، ولو لم يلزم القياس إلا باجتماع الوجوه بطل القياس.
والجواب أن الفرع والأصل كما قلت يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه، ولكن إذا كان افتراقهما راجعًا إلى معنى مختص وجب الفرق بينهما في الحكم والمعنى المختص في إحداد عدةً الوفاةً ما ذكرنا من إظهار المفجع على الزوج الميت، وهذا المعنى مفقود في عدة الطلاق، أو يقول: هذا الذي ذكره ينقلب عليه وذلك أنه لو كان يكفي في القياس شبه ما بطل القياس قط.
آو نقول: هذا قياس شبه وليس بقياس عليه، وقياس الشبه إذا كان مترددًا بين أصلين يشبه كل واحد منهما لم يقس على أحدهما إلا أن يغلب شبهة به، وهذه المطلقةً بالرجعيةً أشبه.
مسألة:
قال: "ولا تجتنب المعتدةً في النكاح الفاسد [وأم الولد] ما تجتنب المعتدةً ويسكن حيث شئن"
لا يجب الإحداد على المحتدةً من نكاح فاسد؛ لأن الإحداد إظهار الحزن على الزوج وعلى ما فاتها من عصمة (ق 106 أ) النكاح، وهذه يس لها زوج ولا عصمة نكاح، فكذلك لا يلزم أم الولد؛ لأنه لا يجب عليها عدةً الوفاةً، وإنما يجب عليها الاستبراء والإحداد من حقوق النكاح فلا يجب في الاستبراء.
وأما مفسوخةً النكاح لا إحداد عليها؛ لأن فسخ النكاح رفع العقد من أصله، ألا ترى أن الزوج لو كان وطئها قبل الفسخ لزمه مهر مثلها، ولأنها لو فسخت بمعنى فيه فهي المختارة للفسخ، فلم يشبه الإحداد حالها، وإن كان هو المختار بسبب بها فإن الفسخ مضاف إليها حتى كأنها هي المختارةً للفسخ، وكذلك الموطوءة بالشبهةً لا إحداد عليها
الجزء: 11 - الصفحة: 338
في عدتها [كما] ذكرنا.
وأما قول الشافعي: " ويكن حيث شئن"، أراد به أن المعتدةً من نكاح فاسد لا سكنى لها، لأنه لا سكنى في حال العقد قبل أن يفرق بينهما، فلان لا سكنى لها في حال العدة أولى فتسكن حيث شاءت.
قال أصحابنا: وإن تبرع الواطئ وأمكنها موضعًا لزمها أن تسكنه، وكذلك ورثه اليد إذا أسكنوا أم الولد لزمها ذلك كما قال الشافعي في ورثة المتوفى عنها.
مسألة:
قال: ((وإنما الإحداد في البدن وتترك زينة البدن)).
قصد بهذا الكلام أنها لا تؤمر بالإحداد في بيتها بأن لا تسكنه، ولا في أمر فرشها بأن لا تفرش ثيابًا حسنه، كما كان أهل الجاهليةً يفعلون، تقعد إحداهن في شر أحلامها في شر بيتها، وإنما ذلك في البدن والثوب، وهو أن لا تدخل زينة ولا طيبًا من ألوان الصبغ المزينةً ولا تلبى ثياب الحرير وكل ما تشتهيه الأنفس من هذا الجنس، وقد ذكر الشافعي تفصيله.
فقال: ((ولا تدهن رأسها بدهن طيب (ق 106 ب) ولا غير طيب.
قال في ((الأم)): بزيت ولا شيرق ولا غيرهما؛ لأن الأدهان كلها تقوم مقام واحد في ترجيل الشعر وإذهاب الشعر وذلك هو الزينة إلا أن يكون صلعًا فيكون لها أن تدس رأسها بدهن غير مطيب.
وهكذا المحرم يفتدي بأن يدهن رأسه ولحيته بزيت لما وصفت.
وأما بدنها فلا بأس بدهنها إلا الطيب كما لا بأس به للمحرم، وقال أبو حنيفة: لا تدهن بدنها كما لا تدهن رأسها وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما قول الشافعي: ((فإن خالفت المحرم من بعض أمرها 0 أراد به أن المحرم ممنوع عن لبس الثياب المخيطةً وهذه غير ممنوعةً، والمحرم غير ممنوع من لبس الثوب المعصفر وهذه ممنوعةً.
قال أصحابنا: وجملته أن المحرمة والمعتدةً يشتركان في بعض المحرمات ويختلفان في البعض، فيحرم على المعتدةً ويحل للمحرمةً ويحرم على المحرمة ليحل للمعتدةً.
فأما ما يشتركان في تحريمه عليهما فهو الوطء، والاستمتاع، وعقد النكاح، واستعمال الطيب والدهن في موضع الترجيل، وأما ما يحرم على المحرمة ويحل للمعتدةً، فما ذكرنا وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد وأكله.
وأما ما يحرم على المعتدةً ويحل للمحرمة فما ذكرنا والخضاب، ولبس الحلي، والكحل الأسود.
الجزء: 11 - الصفحة: 339
فرع:
قال أصحابنا: لو كان للمرأةً لحيةً لا يجوز لها أن تدهنها لأنه ترجلها فتكون زينةً، واللحيةً، وإن كانت قبيحةً للنساء فهي مع ترك الدهن أقبح.
مسألة:
قال: ((وكل كحل كان زينة فلا خير فيه)).
الفصل:
أراد به الكحل الأسود الذي يقال له الأسود وهو الأصفهاني، لا يحل لها ذلك لأنه يسود الحدقة والأجفان ولا فرق بين آن تكون المرأةً بيضاء أو سوداء؛ لأنه زينةً وملاحةً لهما فإنه يسود حدقةً السوداء ويفتحها، والدليل عليه خبر أم سلمه الذي ذكرنا (ق 107 أ).
وحكي الماسرجسي عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كانت سوداء جاز لها الاكتحال به، وهذا غير صحيح لما ذكرنا.
قال: فأما الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه فلا بأس به؛ لأنه ليس بزينةً بل يزيد العين مرهًا وقبحًا، وأراد بالفارس التوتيا والبرود الأبيض، فإن ذلك ليس بزينةً بل يزيد العين قبحًا والمرء أن لا تقبل العين الكحل فينتشر حواليها تقبح العين.
وقيل: معناه تسترخي العين إذا اكتحلت به.
قال أصحابنا: ويجوز ذلك أيضًا من غير ضرورة حاجته ليلًا ونهارًا، وقال بعض أصحابنا، هو زينة لبعض النساء كنساء مكةً فيمنع منه البيض والسود، وهذا لأن الاعتبار بلونه لا يكون مستعمله.
وقال القفال: الإثمد: زينة لنساء العجم دون العرب؛ لأن أعينهن سود والإثمد: سود، والكحل الأبيض والأصفر زينةً لنساء العرب دون العجم فيفرق بينهن في ذلك.
وهذا غير صحيح أيضًا لما ذكرنا، ولو استعملت كحل الزينةً في غير عينها جاز لأنها يزيد تشويها إلا الأصفر منه الذي له لون إذا طلي به الجسد كالصبر فتمنع منه فيما ظهر من الجسد، كالوجه ولا تمنع فيما بطن ذكره في الحاوي.
ثم قال الشافعي: ((وما اضطرت إليه مما فيه زينةً من الكحل اكتحلت به ليلًا وتمسحه نهارًا)) قال: وكذلك الإمام يعني الصبر، قال الأزهري: يقال المرأةً إذا طلي حول عينيها بصبر أو زعفران قد دمت عينها، وكذلك إذا طلت غير موضح العين، وقيل: كل طلي تحسن به الوجه من اسفيذاج العرائس والكلكون ونحوه فهو الدمام، وقيل: هو ما تحمر به المرأةً وجهها.
وقيل: هو ما يلطخ به حول العين مثل الحضض (ق 107 ب) وغيره مما يبرد ويزيل حكةً العين وحرقتها ونحو ذلك، فكل هذا نيةً تمنع منه.
الجزء: 11 - الصفحة: 340
قال الشافعي: "وَالصَّبْر زِنَيةً يَصْفَرَّ وَلَيْسَ بِطِيبٍ فَأَذِنَ لَهاَ باللَّيْل حَيْثُ لاَ تَرَي وَتمَسحُهُ بالنَّهَار حَيْثُ يُري وكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ".
وقال في "الأم": "وكذلك ما أرادت به الدواء.
يريد به أنه إذا كان علي وجهها شيء يحتاج أن يدع عليه الصبر لتداوي به وضعته عليه بالليل وتمسحه بالنهار، وإذا كانت تحت ثيابها قال في "الأم": وضعته عليه بالليل والنهار والأصل فيه خبر أم سلمه في الصبر علي ما ذكرنا.
وأما الطيب فإنه يحرم عليها لأنه يدعو إلي الجماع، وقد ذكرنا فيه الخير.
وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا يجب الإحداد علي المبتوت هل يحرم عليها الطيب وجهان:
أحدهما: لا يحرم.
والثاني: يحرم لاختصاصه من بين محظورات الإحداد بتحريك شهوة الرجال وشهوة الرجال لها.
وأما الغالية التي لا ريح لها لا يجوز لها استعمالها في وجهها لأنه زينة، ويجوز لها استعمالها تحت ثيابها لأنه ليس بطيب.
وأما الخضاب تمنع منه المعتد للخبر، وقال أصحابنا: وتمنع منه وإن غر السواد لأنهكا معاً زينة وتحسين.
قالوا: وإنما يمنع من ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه، فإن استعملت ذلك في غوامض بدنها حيث لا تري فلا بأس به.
قال أصحابنا: ولا تحت جبينها لأن زينة لوجهها، وأما الاغتسال والتنظيف فلا شك في إباحته.
مسألة:
قال: "وَفي الثَّياب زِينَتَان إحْدَاهُمَا جمَالُ الثَّيابِ عَلَي اللاَّبِسِينَ وتَسُتُر العوْرَةَ".
الفصل:
أرد به أن الثوب زينتان:
أحدهما: (ق 108 أ) تحصل بنفس الثوب وهي ستر العورة والبدن ويوجد ذلك في كل ثوب، قال تعالي: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:31] وأراد به ستر العورة.
والثاني: يحصل بإدخال صبغ عليه وإطلاق الزينة ينصرف إلي هذه الزينة دون غيره، قال الشافعي: ونهي الحاد عن الزينة التي تدخل على الثياب دون الزينة التي تحصل تحت الثياب، فلا بأس أن تلبس الحاد كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر.
الجزء: 11 - الصفحة: 341
قال [في] "الأم": والشعر وكل ما نسج علي وجهه لم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره، وإنما كام كذلك لأن البياض زينة للأصل في الخلقة، وذلك لا يحرم علي الحاد قياساً علي زينة خلقها وجمالها، فإنه لا يلزمها تغييرها بما يشوهها ويقبح وجهها وعلي هذا يجوز لها لبسه، وإن كان فاخر كالمروري المرتفع والمروري والنيسابوري والد يبقي والعصب.
وأما الإبر يسم لا نص فيه قال أصحابنا: هو كغيره، إذا نسج علي جهتهِ من غير صنع، وإن كان أعلي ما في الباب من جنسه هكذا ذكره أهل العراق.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لما قال الشافعي "لاَ بَاسَ أَنْ تَلْبَسَ الحَادُّ كُلَّ ثَوبٍ من البَيَاضِ [لأَنَّ البَيَاضَ] لَيْسَ بمُزيَّنٍ".
يدل علي أنها يجوز لها لبس ثوب الإبر يسم إذا كان أبيض اللون.
وقال القفال: لا يجوز لها لبس الإبرسيم بحالٍ.
وهذا غلط، لأن جنسه من أصل الخلقة لا زينة أدخلت عليه فلا تمنع منه.
وأما الخز فلها لبسه؛ لأن الصوف فيه يسير الإبريسم وللرجل لبس الخز، وما راد الشافعي بالخز ههنا خز لم يصنع بل تدل علي لونه.
وقال القفال: وأما ألعتابي فإنها لا تلبسه لأن الإبر يسم فيه ظاهر (ق 108 ب) فإن لحمته إبري سم ويغلب ذلك علي سداه والاعتبار بما يظهر.
وقال سائر أصحابنا: هذا إذا دخل فيه الصبغ، فإن لم يصبغ فعلي ما ذكرنا لا يحرم، ثم قال الشافعي: " وَكَذَلكَ كُلُّ صَبْغٍ لمْ تُرَدْ بِهِ تَزيْين الثَّوبِ مثل السَّوَادِ وَمَا صُبغَ ليُقبَّحَ لحُزْنٍ أَوْ لِنَفْي الوَسَخِ".
وهذا الكلام غيره المزني للاختصار فأفسدنه، لأنه يقتضي أن يكون ما صبغ للحزن غير السواد، والصواب ما قال في "الأم" وكذلك كل ما صبغ لم يرد به تزييني الثوب مثل السواد وما أشبه، فإن من صبغة بالسواد إنما صبغة لتقبيحه للحزن أو لنفي الوسخ عنه، وجمله الثوب الذي أدخل عليه الصبغ علي ثلاثة أضرب:
أحدهما: ما قصد به دفع الوسخ أو إظهار الحزن كالكحل يتعاطاه من كثرة وسخة طباعة الإدامة ونحوهم، والسواد كله أعلاه وأدناه من خز أو عيره يلبس في العادة عند الغم والمصائب فلأتمنع منه الحاد.
قال في الحاوي: وهل يجب لبس السواد في الإحداد؟ وجهان:
أحدهما: يجب لاختصاصه بشعار الحزن في المصائب.
الجزء: 11 - الصفحة: 342
والثاني: يستحب ولا يحب لاختصاص الوجوب بما يجتنبه دون ما يستعمله، وهذان الوجهان من اختلاف التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس: "تصلبي" فأحد التأويلين أنه [أراد به] لبس السواد فيكون واجباً لأمره وعلي التأويل الآخر لا يجب.
والثاني: ما يقصد به الزينة وهو الأحمر والأصفر والخلوتي وأوردي ونحو ذلك فيمنع منه الحاد.
وقال في "الأم": "لو كان في الثوب وشئ وتلميع مثل العصب ولحبره فلا تلبسه الحاد غليظاً كان أو رقيقاً، والمذهب أنه لا فصل بين ما صبغ من هذا بعد نسجه وبين ما صبغ غزله ثم نسج، وقال أبو إسحاق: إن كان صبغ بعد نسجه منعت منه (ق 109 أ) وإن كان صبغ ثم نسج لم تمنع منه؛ لأنه إذا كان غزله مصبوغاً كان بمنزلة الثياب التي ذاتها زينة ونسجت علي وجهها من غير صبغ.
وروي هذا عن عمرو رضي الله عنه، وقد روي في خبر أم عطية: " إلا ثوب عصب" وفسرتاه بهذا، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا خلاف نص الشافعي ههنا، وفي الأم لأنه قال ههنا، وصباغ الغزل بالخضرة الصافية محرمة والعصب والخبرة يصبغ غزله قبل النسج ونص عليه فيا الأم.
وقد روي في خبر أم سلمه:" لا تلبس المعصفر ولا الممشوق" ولم يفصل بين ما نسج بعد صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ الغزل وبين ما نسج، ثم صبغ ولأن ما صبغ غزله، ثم نسج يكون أرفع وأحسن مما صبغ بعد النسج، ويحتمل أن يكون المراد بما قال في خبر أم عطية ما لا زينة فيه كالأسود والكحل.
وقد قال مالك: لا تلبس ثوباً مصبوغاً بشيء من الصبغ إلا بالسواد، وقال سفيان الثوري: تنفي الزينة والثوب المصبوغ.
والثالث: ما يختلف حكمه باختلاف صبغة بالأخضر والأزرق ينظر فيه، فإن كان مشبع الخضرة كان إلي السواد أقرب، وإن كان صافي الخضرة كان إلي الأحمر أقرب فما كان منه مشبعاً لم تمنع منه كالكحل، وما كان منه صافي اللون منعت لأنه زينة.
قال الشافعي: "وَصِباغُ الغَزلُ بالخُضْرةِ يُقَاربُ السَّوادَ لاَ الخُضْرةَ الصَّافيةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ".
قال أصحابنا: يريد به أن الأزرق إذا كان مشبعاً فهو بمنزلة السواد، وإن كان صافياً نقياً فهو زينة وهو أحسن الألوان فيحرم عليها، وهذا قريب مما تقدم وجمله هذا الفصل أنها مأمورة بهيئة لا تبتدرها الأبصار ولا يستحنها الناظر إظهارا لتفجع (على) فراقه (ق 109 ب).
الجزء: 11 - الصفحة: 343
فرع:
يمنع من لبس الحلي سواء كان من الذهب أو الفضة، وقال في "البويطي": ولا تلبس شيئاً من الحلي خاتماً ولا غيره؛ لأن في ذلك زينة، وحكي ابن المنذر، عن عطاء أنه قال: يحرم عليها حلي الذهب دون الفضة، وهذا غلط لخبر أم سلمه" ولا الحلي" ولم يفصل ولأنه يزيد في حسنها، ولهذا الشاعر:
وَمَا الحُليَّ إِلا زِينةٌ لِنَقيصةٌ يُتمْ منْ حُسْن إذَا الحُسْنُ قَصَّرَا
فَأَمَّا إِذَا كاَنَ الجَمَالُ مُوَفَّراً كَحُسْنِك لَمْ يَحتْجْ إلَي أَنْ يُزوّرَا
فرع آخر:
لو تحلت بالصفر والنحاس والرصاص، فإن كان مموهاً بالذهب أو الفضة أو كان مشابهاً لهما يخفي علي الناظر إلا بعد شدة التأمل تمنع، ونلم يشبه يهما روعي فيه حال المعتد، فإن كانت من قوم جرت عادتهم بالتحلي بها منعت لأنه زينة لهم، وإن كانت من قوم لا يتحلون به وإنما يستعملونه لما يتصورن فيه من الحرز والنفع جاز لها لبسه لأنه ليس بزينة.
فرع آخر:
قال بعض أصحابنا: لو أرادت تلبس حلياً ليلا وتنزعه نهاراً جاز، لكن إن فعلت ذلك لإحرازه لم يكره، وإن فعلت لغير حاجة كره ولم يحرم.
فرع آخر:
لا يحرم عليها أن تنام علي فراش أو تضع رأسها علي وسادة وإن كانت مستحسنة، ولا تمنع من أكل الحلو أو اللحم.
فأما أكل ما فيه طيب من الحلو أو الطبخ يحرم لأنه يحرك شهوتها للرجال، وإن لم تتحرك لها شهوة الرجال.
ذكره في الحاوي (11/ 283) وتمنع من لبس الوقايات.
فرع آخر:
لو كان علي بياض الثياب طرز فإن كانت إعلاماً كباراً لم يجز لأنها زينة ظاهرة علي الثوب، وإن كانت صغاراً خفية فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه زينة كالخاتم (ق 110 أ) فتمنع.
والثاني: أنه عفو لا يمنع كخضابها.
والثالث: إن ركبت بعد النسج كان زينة محضة، وإن نسيجه معها لم يمنع لأنها غير مزيد في الثوب، وتمنع من لبس القرمزي والمقانع بطراز الذهب.
فرع آخر:
قال في "الأم": لو تركت الإحداد في عدتها حتى انقضت وفي بعضها كانت
الجزء: 11 - الصفحة: 344
مسيئة ولم يكن عليها أن تستأنف العدة.
فرع آخر:
قال أيضاً: إن بلغها يقين وفاته أو طلاقه ولم تعرف اليوم الذي طلقها أو مات فيه أعتدت من يوم استيقنت بطلاقه ووفاته حتي تكمل عدتها كأنه شهد عندها قوم أنه مات في رجب وقالوا: لا ندري في أي رجب مات فتعتد من آخر ساعات النهار من رجب واستقبلت بالعدة شعبان.
مسألة:
قال: "وَكَذَلكَ كُل ُّحرة وَأَمَةٍ كَبيرةٍ أِوْ صَغيرةٍ، مُسْلمَةٍ أَوْ ذِمَّيةٍ".
أراد أن الإحداد واجب علي هؤلاء في عدة الوفاة؛ لأن كل من وجبت عليها عدة الوفاة وجب عليها الإحداد.
فأما الصغيرة فإن وليها يجنبها جميع ما يجب علي الحاد أن يتجنبه، وهو قول الزهري علي ما حكاه محمد بن إسماعيل البخاري عنه.
وأ/االذمية فلا فرق بين أن يكون زوجها مسلماً أو ذمياً؛ لأن عدة الوفاة واجبة لها فكذلك الإحداد.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد علي الصغيرة لأنها غير مكلفة بالعبادات، وهذا غلط لأنَّا ألحقناها في أصل العدة بالمكلفة فكذلك في أصل العدةز
وقال أبو حنيفة أيضاً: لا يلزم الإحداد علي الذمية في عدة المسلم، وإن لزمت العدة.
ولا تلزم العدة ولا الإحداد علي الزوج الكافر، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد علي ميت" الخبر فقيد بالمؤمنة، وهذا غلط لأنها معتدة فيلزمها الإحداد كالمسلمة.
وأما الخبر (ق 110 ب) فهو احتجاج بدليل الخطاب وهم لا يقولون به، وقد بينَّا أنه يتعلق به حق الزوج الكل سواء.
مسألة:
قال: "وَلَوْ تَزَوَّجَتْ نَصْرانَّيةٌ نَصْرانيَّا فَأَصَابَهَا أَحَلَّها لِزَوْجِهَا المُسْلمِ ويحُصَّنُهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب النكاح، وقصد بقوله: "يحصنها" الرد علي أبي حنبفة حيث قال: لا رجم علي المشرك أصلاً ولا رجم علي المسلم إذا أصاب النصرانية بالنكاح ثم (زنى).
الجزء: 11 - الصفحة: 345
باب اجتماع العدتين
مسألة:
قال: "وَإذَا تَزَوَّجَتْ فِي العِدَّةِ وَدَخَلَ بهَا الثَّاني فإَنَّهَا تَعْتدُّ بَقيَّةِ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قد بيَّنا أنه لا يجوز للمعتد أن تنكح إلا بعدة انقضاء العدة لقوله تعالي: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرةَ: 235] والنهي يدل علي الفساد، فإن نكحت بطل النكاح، ولا يتعلق بهذا العقد شيء من أحكام النكاح بحالٍ، فإن كانا عالمين بالتحريم عزرا لأجل النكاح، ولكن لأنهما ارتكبا أمراً محظوراً وإن أحدهما عالماً ولآخر جاهلاً عزر الجاهل وعزر العالم.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا انقضت العدة لا تجوز لمن تزوجها في العدة فلاق بينهما أن يتزوجها ثانياً وهي محرمة عليه ما لم تنكح غيره، وهذا مذهب غريب وعندنا لا تنقطع عدتها بنفس النكاح بحالٍ.
نص عليه الشافعي في موضعين.
وقال أبو بكر القفال ألشاشي: تنقطع عدتها بنفس النكاح وتصير به فراشاً للثاني أيضاً، حتى لو أتت بولدٍ لستة أشهر فصاعداً من وقت عقد النكاح فهو كما لو أتت به لستة أشهر من وقت العقد الصحيح، فجعلها بالعقد الفاسد فراشاً كما بالعقد الصحيح.
واحتج بأن، العقد الفاسد يسلك به (ق 111 أ) مسلك الصحيح، وخالفه سائر أصحابنا، وقالوا: هذا وجه لا يحكي ولا وجه له لأنه فاسد فيلغي ولا حكم.
فإن قيل: أليس قلتم لو راجع زوجته في العدة انقطعت العدة فقولوا: إذا نكحت انقطعت العدة.
قيل: الفرق أن الرجعة صحيحة مبيحة فتصير به فراشاً وتنقطع بخلاف هذا العقد.
فإن قيل: أليس الرجعية إذا تزوج في عدتها انقطعت نفقتها وسكناها بهذا النكاح، فهلا قلتم تنقطع عدتها به أيضاً، قيل: الفرق أنها إذا تزوجت فقد نشرت والنشوز يقطع النفقة والسكني كما في حالة النكاح، بخلاف العدة فإنها لا تنقطع بالنشوز بدليل أ، ها لو تركت الإحداد والسكون في البيت لا تنقطع العدة فلهذا لا تنقطع بنفس النكاح ما لم يوجد حقيقة الوطء.
فإن قيل: لو خالعها، ثم تزوج بها في عدتها، تنقطع العدة بنفس النكاحٍ فكذلك ههنا.
قلنا: سَلمهُ أكثر أصحابنا، والفرق صحيح فتصير المرأة فراشاً تنقطع العدة بخلاف هذا العقد.
الجزء: 11 - الصفحة: 346
وحكي عن ابن سريج أنه قال: عدتها لا تنقطع إلا يوطئه كما لو تزوجها غيره في العدة لم تنقطع إلا يوطئه، وهذا غلط، وألف ق ظاهر.
فإذا تقرر هذا فإنَّا نفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول تكمل مدة الأول ولا كلام، وإن كان بعد الدخول، فإن كانا عالمين بالتحريم غلوطء زني؛ لأن النكاح في العدة مجمع علي تحريمه ولا تنقطع به عدتها؛ لأنها لم تصر فراشاً للواطئ.
وكذلك إن كان الزوج عالماً بالتحريم دونها، وإن كانا جاهلين بالتحريم لقرب عهدهما بالإسلام، أو نشأ في بادية نائية، أو كان الزوج جاهلاً دونها انقطعت تلك العدة؛ لأنها صارت فراشا للثاني.
ومتى تعود إلي العدة فقد ذكرنا أن الصحيح أنها تعود عقب التفريق.
وقال بعض أهل خراسان: تعود عند آخر وطئ الثاني، ثم يلزمها أن (ق 111 ب) تعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني، ولا تتداخل العدتان من رجلين علي ما ذكرنا، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، وعن مالك روايتان، واحتج الشافعي في ذلك بقول عمر، وعلي رضي الله عنهما، واستأنس بقول عمر بن عبد العزيز، والمزني ذكر قول عمر بن عبد العزيز في عزلته الاحتجاج ولا حجة في قوله، وإنما الحجة في قول الصحابة فلعل الشافعي أراد الاحتجاج بقول عمر، وعلي ثم أبعهما عمرين عبد العزيز لا علي جهة الاحتجاج، ثم احتج الشافعي بالقياس، فقال: فقال " لأن عليها حقين بسبب الزوجين وكذلك كل حقين لزممها من وجهين" يعني لو لزممها دينان لرجلين لم يتداخلا فالغدتان يجريان مجري دينين وتحريره أنهما حقان مقصودان لرجلين فلا يتداخلان كالدينين لرجلين، أو حقان لآدميين يتعلقان بالواطئ فلا يتداخلان كالمهرين لا مرآتين، وتمام ما روي عن عمر رضي الله عنه ما روي أن طلحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ألبته.
فنكحت في آخر عدتها فضربها عمر رضي الله عنه وضرب زوجها بالمخففة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول [وكان خاطباً من الخطاب، فإن كان دخل بها فرق بينهما] ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبداً وروي أبي عمر أن عليا رضي الله عنه قضي في التي تزوج في عدنها أنه يفرق بينهما ولها الصداق بما استحل من فرجها وتكمل ما أفسدت من العدة للأول وتعتد من الآخر.
وقال الشعبي: أتي عمر بامرأة تزوجت في عدتها فأخذ مهرها فجعله في بيت المال، وفرق بينهما [وقال: لا يجتمعان وعاقبهما، فقل علي: ليس هكذا، ولكن هذه
الجزء: 11 - الصفحة: 347
الحالة من الناس، ولكن يفرق بينهما ثم تستكمل بقية العدة من الأول، ثم تستقبل عدةً أخري ولها المهر بما استحل من فرجها فحمد الله عمر وأثني عليه.
وروي مسروق أن عمر رضي الله عنه (ق 112 أ) رجع عن ذلك وجعل مهرها وجعلهما يجتمعان.
مسألة:
قال: "وَلَوْ اعْتِدَّتْ بحَيْضَةٍ، ثُمَّ أَصَابَها الثاَّنِي فَحَمَلَتْ وَفَرَّقَ بَينْهُمَا اعْتَدَّتْ بالحَمْل، فَإِذَا وَضَعَتْهُ لأَقَلَّ منْ سَّتةِ أَشْهُرٍ منْ يوْمِ نَكَحَهَا الآَخرُ فَهُوَ مِنَ الأَوَّلِ".
الفصل:
قوله: "مِنْ يَومْ نَكَحَهَا لآخَرُ" أي من يوم وطئها الآخر، لأن بالنكاح الفاسد لا تصير فراشاً علي ما ذكرنا والاعتبار بالوطء، وإنما يخبر عن الوطء بالنكاح؛ لأن الوطء في اللغة يسمي نكاحاً، أو لعله صور المسألة في رجل عقد عليها النكاح الفاسد وأصابها تعقيب العقد من غير أن يطاول الزمان بين العقد والوطء، فذلك ذكر العقد.
وهذا كما قال في كتاب " العيدين" لا يزال الناس يكبرون في المصلي حتى يفتتح الإمام الصلاة.
وقال في موضع حتى يخرج الإمام، وأراد حتى يفتتح الإمام الصلاة ولكن خروج الإمام إلي المصلي وافتتاحه في زمان واحد، فإن السنة أن لا يشتغل إذا انتهي إلي لبصلي بشيء سوى الافتتاح، فلما تقارب الخروج والافتتاح استخار الشافعي في أن يعبر في موضع بالخروج، وفي موضع آخر بالافتتاح لا علي قصد القولين، فكذلك ههنا صور في الزمان المقارب.
وجملته أنه إذا وطئها الثاني فإنها تصير فراشاً للثاني بهذا الوطء وهي فراش بالنكاح، ولا يخلو بعد التفرق بينها وبين الثاني من أن تكونن حاملاً أو حائلاً، فإن كانت حاملاً فعدتها لإقراء أو بالشهور فتكمل عدة الأول، ثم تعتد من الثاني، وإنما قدمنا عدة الأول لأنها سابقة، وأنها وجبيت عن وطء متاح ثم للأول أن يراجعها في بقية عدتها منه، وإذا راجع سقطت عنها عدتها منه وشرعت في عدة الوطء بالشبهة ويجتنبها الزوج حتى تفرغ، وإن كانت بائناً.
قال أب حامد (ق 112 ب) وجماعة: لا يجوز له إن ينكحها بخلاف الرجعة؛ لأن النكاح إنما يجوز فيمن تحل منها تعقيب العقد شئ ولا تحل هذه لزوجها تعقيب العقد لمكان عدة الثاني وهي كالمحرمة لا يحل نكاحها.
قال: فإن قيل: لو كانت البقية بقية عدته ينفرد بها كان له العقد عليها فيها.
قيل: إنما يجوز ذلك إذا لم يكن عليها فير عدته.
قال: ورأيت كثيراً من شيوخ المذهب يقول
الجزء: 11 - الصفحة: 348
في تلك البقية معتدة عن الأول والثاني معاً، ثم تستأنف للثاني عدة وهذا بعيد لا يحكي.
وقال القفال: ظاهر المذهب أن له أن ينكحها، ومن صحابنا من قال: لا ينكحها بخلاف الرجعة لما ذكرنا، وهذا غلط علي ما ذكرنا، وإن لم يراجعها الأول حتي انقضت عدتها منه فالثاني أن ينكحها في عدتها منه، فإن كانت حاملاً فالكلام في ثلاثة أحكام في حكم النسب والعدة والرجعة، فإن أتت بولد لوقت يمكن أن يكون من الأول ولا يمكن أن يكون من الثاني علي ما تقدم بيانه يلحق بالأول وعدتها منه، فإذا وضعت استأنفت للثاني ثلاثة أقراء، فإن كان الطلاق بائناً فلا رجعة له عليها، وإن رجعياً فله الرجعة مالم تضع؛ لأنها في عدته، فإذا وضعت انقطعت رجعته وليس له مراجعتها وليس في مدة اجتماعها مع الأول لأنها خارجة فيها من عدةٍ وفراش لغيره، فإن راجع فيها كانت الرجعة باطلة.
وقال في "الحاوي": له حين الرجعة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم وقت [الرجعة] بتقدم حملها علي الوطء الثاني فرجعته صحيحة علي ما ذكرنا لعلمه بأنها في عدته.
والثانية: أن يعلم يحملها وقت رجعته ولا يعلم تقدمه علي وطء الثاني ففي صحة رجعته وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب يصح لأنها صادفت مدة عدته.
والثاني: لا يصح، لأن الحمل قبل وضعه مشتبه الحال متردد بين أن يكون (ق 113 أ) منه فيمللك فيه الرجعة، وبين أن يكون من غيره فلا يملكها فصار شاكاً استحقاقها فيه فبطلت.
والثالثة: أن يراجعها وهو غير عالم بحملها، فإن كان قبل أن يمضي عليها بقية عدته صحت، وإن كان بعد مضيها لم يصح اعتباراً بالظاهر من انقضائها، وإن كانت في الباطن باقية فيها وصارت رجعية مع اعتقاده انقضاء العدة عبثاً منه، إن وافقت زمان العدة، وإن أتت به لوقت لا يمكن أن يكون من الأول ويمكن أ، يكون من الثاني يلحق بالثاني وتنقضي عدتها به عن الثاني، ثم تكمل بعد الوضع بقية عدة الأول، فإن كان الطلاق رجعياً، وقلنا إنه كالطلاق البائن من أن مدة أكثر الحمل في حقها تكون من وقت الطلاق لا من وقت انقضاء العدة، فله الرجعة في يبقيه عدتها منه بعد الوضع وجها واحداً، وإن كانت في مدة النفاس؛ لأنها وإن كانت لا تعتد بمدة النفاس من العدة فهي من جهة العدة كالحيض الذي وقع فيه الطلاق.
وهل له أن يراجعها قبل الوضع؟ قد ذكرنا وجهين.
قال صاحب "الحاوي" الصحيح أنه لا يجوز لأنها معتدة من غير وذكر وجهاً عن بعض أصحابنا أنه لا يجوز في مدة النفاس لأنها غير معتدة في هذه الحالة منه، قال: والصحيح عندي ههنا أنه يجوز، وهذا غريب، وإن أتت به لوقتٍ لا يمكن أن يكون
الجزء: 11 - الصفحة: 349
لواحد منهما فهو منتفٍ عنهما ولا تنقضي به عدة واحد منهما فتكمل بعد الوضع عدتها من الأول ثم تستأنف للثاني عدة كاملة,
وقال أبو حامد: عندي أنها تعتد به عن أحدهما لا بعينه؛ لأنه يمكن أن يكون منه بدليل أنه لو أقر به لحقه.
فعلي هذا إذا وضعت اعتدت بثلاثة أقرأ احتياطا، وإن رأت علي الحمل دماً، وقلنا: أنه حيض، فإن قلنا بقول أبي حامد لم يعتد بإقرائها لئلا (ق 113 ب) تتداخل عدتان في حق شخصين.
وإن قلنا بقول الجمهور فهل تحتسب بإقرائها من العدة؟ وجهان:
أحدهما: لا تحتسب، لأنها لم تعتد بالحمل فبالإقراء التي علي الحمل أولي.
والثاني: تحتسب، لأنه إذا سقط حكم الحمل في العدة ثبت فيها حكم الإقراء، كما تعتد بها مع الحمل إذا كانت العدتان معاً من صاحب الحمل علي ما تذكر، فعلي هذا إن مضت لها في مدة الحمل خمسة أقراء انقضت عدتها إذا كان بقي من الأول قرءان.
وأما الرجعة فهي للأول من طلاقه الرجعي واستحقاقها معتبر بالحمل في سقوط أحدي العدتين به، فإن قلنا تسقط به أحدي العدتين فلا رجعة للأول في زمان الحمل، ولا في زمان الإقراء بعد وضع الحمل؛ لأن كل واحد من الزمنين قد يجوز أن يكون من عدة الأول، فصار كل واحد منهما مشكوكاً في استحقاق الرجعة فيه فلم يجز أن يستحقها بالشك، ولو جمع بين رجعتها في الحمل ورجعتها في القرءين بعد الحمل إتمام صحة رجعته وجهين:
أحدهما: يصح لمصادفة إحداهما زمان العدة.
والثاني: ليصح، لأنه لما لم يتعين في إحداهما لم يصح مع إبهامها، ذكره في الحاوي.
وإن قلنا بالحمل لا تسقط أحدي العدتين وأنها بالإقراء فعدة الأول مقدمة علي عدة الثاني سواء اعتدت بإقرائها علي الحمل أو لا، ويجوز له أن يراجعها في الباقي من أقراء عدته، وفي جواز رجعتها في الحمل وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها غير معتدة به منه.
والثاني: يجوز، وإن لم تعتد به كالحيض ولا يجوز للثاني أن يتزوجها في عدة الحمل ولا [في عدة] الأول ويجوز له أن يتزوجها في عدته.
وإن أتت به لوقت يمكن أن يكون من كل واحد منهما أريناه القافة علي ما ذكرنا، فإن لم يكن قافة أو أشكل علي القافة.
قال الشافعي: ههنا "لا تكون بائن واحد منهما" ومعناه لا تكون بائن واحد منهما
الجزء: 11 - الصفحة: 350
بعينه [ق 114 أ] وإلا فهو ابن أحدهما بغير عينه.
واعلم أن قول الشافعي: " فإن لم يكن قافه" يريد به في موضوع الولد المتنازع فيه وما قاربه إلي مسافة قل من يوم وليلة، ولم يرد أن لا يكونوا في الدنيا لأنهم لا يخلون من الحجاز.
ولا يلزم إذا بعدوا أن يحمل الوالد إليهم ولا أن يحملوا إليه كالشهود والولي الغائب فيجري مجري العدم، فإن تكلفوا إحضارهم بجوز.
وقال أيضاً: لو مات قبل أن يري القافة أو ألقته ميتاً فلا يكون ابن واحد منهما وأجري حكمه إذا مات قبل أن تراه القافة حكم ما لو لم تكن قافة، وظاهره أنه لا يري القائف بعد الموت.
وأختلف أصحابنا في هذا، فقال عامة أصحابنا: الولد الميت لا يري القائف وهو ظاهر النص؛ لأنه الشبه الخفي والدلائل الغامضة والحلية بطلت بالموت.
وقال أبو إسحاق: يري لقائف ما لم يتغير؛ لأن الشبه قائم بعد الوفاة، قال ومعني الشافعي لم يذكر الدفن، وإنما ذكر الموت فقط.
وقال بعض أصحابنا: إذا خرج ميتاً نُظر، فإن كان موته قبل أن تستكمل أوصافه لم يحكم فيه بالقافة، وإن كان بعدتنا هي صورته فيه وجهان علي ما ذكرنا إذا مات بعد خروجه، وإن كان حكم القافه في المولود ميتاً أضعف، ولو مات المتناوعان في الولد وكان القائف يعرف الميت في حياته بحكم شبه منه.
وقال القفال: يجوز هذا الإلحاق إن كان هناك ولد، وهذا غريب.
فإذا تقرر هذا يترك الإشكال في موضوع حتي يبلغ فينتسب إلي أيهما شاء [ق 114 ب].
وأما العدة فالاحتياط أن تأي بعد النفاس بثلاثة أقراء علي ما ذكرنا، وأما الرجعة، قال أصحابنا: لا رجعة للأول في الأقراء الثلاثة فإنه لا يعلم أنها في عدة منه أو في عدة من الثاني ولا تصح الرجعة بالشك، ولو أراد أن ينكحها لا يجوز للأول ما لم تنقص عدتاهما.
وأما الثاني فلا يجوز له أن يتزوجها في مدة الحمل لحق به أولا، لأنه إن لحق به فبعده عدة لغيره، وإن تزوجها في الأقراء بعد الحمل فما كان في القرءين فباطل لأنه متردد بين أن يكون من عدته، وبين أ، يكون من عدة الأول، والنكاح لا يستباح بالشك بخلاف الرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفاً خلوها العدة، والرجعة في أحد الوجهين؛ لأن النكاح عقد لا يجوز أن يكون موقوفاً خلوها العدة، والرجعة يجوز أن تكون موقوفة علي بقاء العدة، وإن تزوجها في القرء الثالث يجوز لأنه متردد بين أن تكون معتدة منه أو خالية من العدة، ول أراد الأول مراجعتها قبل الحمل فقد قلنا: إنه إن كان من الثاني هل للأول أن يراجعها في حال حملها من
الجزء: 11 - الصفحة: 351
الثاني؟ وجهان.
فإن قلنا: له ذلك كان له مراجعتها ههنا؛ لأنه إن كان من الثاني صح، وإن كان منه فأولي بأن يصح.
وإن قلنا: ليس له ذلك وإن كان منه فقد تردد بين أن يجوز ولا يجوز فمعناه للشك، فإن خالف وراجع ينظر، فإن ألحق الولد بالثاني فارجعة باطلة وجهاً واحداً، وإن لحق بالأول هل تصح الرجعة؟ وجهان:
أحدهما: تصح، لأنا تبينَّاأنه فعل ما كان له فعله.
والثاني: لا تصح، لأنه راجعها معتقداً أنه لا يجوز كما لو باع مال والده الغائب، ثم بان أن كان قد مات، وقد ورثه منه هل يصح البيع قولان؟ وكذلك إن راجع بعد وضع الحمل وقلنا: ليس له ذلك راعينا الحمل، فإن كان ملحقاً بالأول فالرجعة باطلة، وإن كان ملحقاً بالثاني هل تصح الرجعة؟ [ق 115 أ] فيه وجهان، وإن كان ذلك في القرء الثالث بعد الوضع فالرجعة باطلة بكل حالٍ؛ لأنه إن كان الولد ملجقاً بالأول فهي في عدة الثاني، وإن كان ملحقاً بالثاني فالذي عليها أن تكمل عن الأول بقرءين فهذا الثالث ليس بعدة منه.
وقال القفال: إن أراد أن تصح رجعته يلزمه أن يراجعها مرتين مرة بعد وضع الحمل في القرءين ومرة قبله، وإن كانت بائناً فنكحها مرتين علي هذه الصورة هل يصح النكاح؟ وجهان، إذا جوزني له أن ينكحها وعدة الأجنبي أمامها أحدهما يجوز كالرجعة.
والثاني: لا يجوز لأنه عقد النكاح علي الشك ولا يعرف متى يجوز له نكاحها، وهذا يشبهن القولين في توقف العقد علي التبيين.
قال القفال: وهذا العرض علي القافة إذا دعياه أو أنكراه أو سكتا عن الإنكار وعن الدعوي، وإنما عرضنا عند سكوتهما لحق الولد في النسب، ولو ادعاه أحدهما وأنكر الآخر فيه وجهان:
أحدهما: هو للمدعي كالمال.
والثاني: يري القائف؛ لأن النسب حق الولد، وحق الله تعالي فلا يسقط بالإنكار ةترك اعوي.
وهذا هو المشهور عند أصحابنا، والوجه الأول غريب.
فرع:
حكي يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي رحمة الله تعالي عليه، أنه قال: اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في ثلاثة مسائل: القياس فيها مع علي رضي الله عنه وبقوله: أقول.
إحداها: أنها إذا تزوجت في عدتها ودخل بها الثاني تحرم هي علي الثاني أبداً عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه وبه قال مالك، وعن أحمد روايتان وكان يقوله في
الجزء: 11 - الصفحة: 352
القديم.
وعند علي رضي الله عنه وسائر الفقهاء لا تحرم عليه التأبيد وهو قوله الجديد وهكذا الخلاف [ق 115 ب] في كل وطء أفسد النسب حرمت به علي المفسد علي التأبيد مثل وطء زوجة غيره بشبهة، أو أمة غيره بشبهة في قوله القديم.
ووجه هذا أنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه الله تعالي في وقته، كلميراث إذا قتل مورثه لم يرثه، ولأنه سبب يفسد النسب فيحرم به علي التأييد كاللعان ووجه قوله الجديد أن الله تعالي ذكر أعيان المحرمات، ثم قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، ولأنه لو كان مباحاً لم يحرم به علي التأبيد فكذلك إذا كان حراماً بالزني، ولأنهم قالوا: لو كان عالماً بالتحريم لا يحرم علي التأبيد لعلمه أنه مزجور بالحد فاستغني عن الزجر بتأبد التحريم بخلاف الحامل، فإ، الجاهل مفسد النسب فزجر عن إفساده بتأييد التحريم بخلاف العالم وهذا لا يصح، لأن العالم أشد جرماً وبالزني يفسد النسب أيضاً، وإن لم يكن له حكم الإلحاق لزانٍ فهو بالزجر والتغليط أولي، وايضاً الوطء لا يقتضي تحريم الموطوءة علي الواطئ بل يقتضي تحريم غيرها علي الواطئ وتحريمها علي غير الواطئ فما قالوا خلاف الأصول.
وأما قولهم إنه استعجل بالحق باطل كما لو طلق امرأته ثلاثاً لا تحل له حتي تنكح زوجاً غيره، فن نكحها بعد ذلك ودخل بها لم يحرم عليه أبداً وإن استعجل.
وأما قياسه علي اللعان لا يصح؛ لأن الوصف لا يوجد في الأصل، فإن اللعان لا يفسد النسب، ولأن الجاهل غير مفسد للنسب؛ لأنه إذا علم نسبه إلي نفسه والعالم هو المفسد لأنه أضاف ولده إلي غيره.
وقال أهل البصرة من أصحابنا: ذكر الشافعي في القديم ما ذكر حكاية ولم بعتقده مذهباً، ومن قال: أنه ذكره مذهباً لنفسه [ق 116 أ] اختلفوا هل يكون تفريق الحاكم بينهما شرطاً في هذا التحريم المؤبد أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: لا يكون شرطاً وحرمت أبداً سواء افترقا بأنفسهما أو فرق الحاكم بينهما كما في الرضاع.
والثاني: يكون شرطاً كاللعان مؤبد التحريم ولا يتم إلا بالحاكم.
والمسألة الثانية: امرأة المفقودة فيها قولان.
قال في القديم: تأتي الحاكم حتى تضرب أكثر من الحمل أربع سنين، ثم ثانية ليفرق بينها وتعقد عدة الوفاة، ثم تحل، وبه قال عمر رضي الله عنه وقال في" الجديد": لا تصبر أبداً، وبه قال علي رضي الله عنه، ولفظه: إنها ابتليت فلتصبر.
والثالثة: إذا تزوجت الرجعية بعد انقضاء العدة وكان زوجها المطلق غائباً ودخل بها الثاني، ثم عاد المطلق وأقام بينه انه راجعها قبل انقضاء عدتها، قال عمر رضي الله عنه: الثاني أحق بها، وقال علي رضي الله عنه هي للأول وهو قولنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 353
فرع آخر:
قال ابن أبي هريرة: المشترك إذا تزوج بمشركة في العدة ثم أصابها وأسلم يكون عليها عدة واحدة؛ لأنه لم يؤخذ علينا حفظ نسائهم، وإنما أخذ علينا حفظ نسائنا، ولهذا المعني لا نتزوج بهن في حال العدة لئلا تختلط أنسابهم بأنسابنا.
قال: وهذا إذا لم يكونوا أهل عهد، فأما إذا كانوا أهل عهد فقد وجب علينا بالعهد حفظ أنسابهم فعليها أن تأتي بالعدتين جميعاً، ونقل صاحب الإفصاح: هذه المسألة واختصرها، وقال: وكذلك المشركة تزوج في عدتها بمشرك فيسلم زوجها كان عليها ثلاثة أقراء؛ لأن الماء [ق 116 ب] الأول لا حرمة له، وإنما يستبرئها بالأجل حرمة الإسلام، وقال القاضي الطبري: رأيت أصحابنا المتأخرين ببغداد يذكرون في هذه المسألة وجهاً آخر أن علينا عدتين، ويقولون: لا نعلم للشافعي أن عليها عدة واحدة بل القياس علي أصله يقتضي عدتين، وقد طلبت هذ المسألة في الأم فلم أجدها، وذكر القاضي أبو علي البنديجي أن هذه المسألة مذكورة في الجامع الكبير والجواب: أنهما يتداخلان لأنه لا حرمة لماء الكافر فيجوز إبطال حقه، وهو ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا يتداخلان وهو الأقيس؛ لأنه لو لم يكن لمائه حرمة لم تجب العدة أصلاً، وهذا أصح عندي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان، وقيل: نص الشافعي في هذه المسألة أنهما يتداخلان فقيل: المسلمة والحربية سواء ففيهما قولان نقلاً وتخريجاً ونسبوا إلي أبي حامد وهو غريب بعيد.
فرع آخر:
لو وطء رجل زوجة رجل بشبهة فدخلت في عدة الوطء، ثم طلقها زوجها قبل انقضاء عدة الوطء فيه وجهان.
أحدهما: تأتي بما بقي من عدة الوطء لتقدمها، ثم تستأنف عدة الطلاق وتسقط بها الباقي من عدة الوطء، ولا نقول: تدخل بعينها في عدة الطلاق، وهذا لأن هذه العدة طرأ علي نكاح فجاز أن يسقط حكمها لضعفها بعد النكاح لقوة النكاح، ولأن هذه العدة وجبت عن وطء محظور، والعدة الثانية وجبت عن وطء مباح فكانت الثانية أقوي فزاحمتها، وقيل: هذا اختيار أبي إسحاق، ومثل هذا ذكره صاحب الحاوي، وقال القاضي الطبري، قال أبو إسحاق: تقدم عدة الزوج فاعتدت بثلاثة أقراء، ثم أكملت عدة الواطئ بالشبهة وكذا ذكره.
[ق 117 أ] أبو حامد من أحد الوجهين وهذا أقيس.
فرع آخر:
إذا زوج أمته من رجل فطلقها بعد الدخول بها وجبت عليها العدة، فإن باعها في زمان عدتها من رجل صح البيع لأنه ليس فيها أكثر من تحريم الاستمتاع، ويجوز شراء
الجزء: 11 - الصفحة: 354
أمة لا تحل له كالأخت من الرضاعة ولا يصح أن يتزوجها؛ لأن المقصود من النكاح الاستمتاع فلا يجوز علي محرمةٍ الاستمتاع، والمقصود من البيع الثمن وهذه مباحةً الثمن فافترقا، فإذا ثبت أن البيع صحيح فإن البيع كان المشتري عالماً بحالها لم يكن له الخيار، وإن لم يعلم ثم علم بعد العقد فله الخيار إن شاء رد البيع وإن شاء أجازه، كما لو وجدها مزوجة كان له الخيار، فإن أجاز البيع فعليه أن يستبرئها بعد انقضاء العدة.
نص عليه في الإملاء لأنهما وجبا لسببين مختلفين، فإن العدة تجب الوطء، والاستبراء باستحداث الملك دون الوطء فلم يجز أن يتداخلا، ولو زوج أم ولده فوطئها زوجها، ثم طلقها فانقضت عدتها جاز لسيدها وطئها من غير الاستبراء نص عليه؛ لأن السيد لم يزل ملكه عنها وإنما حرم عليه وطئها لعارض، فإذا زال حلت، كما لو رهنها قبل انفكاكها من الرهن لم يجب عليه أن يستبرئها.
فرع آخر:
لو اشتري رجل من رجل جارية لم يطلقها فعليه أن يستبرئها بقرء لحدوث ملكه، فإن باعها قبل أن يستبرئها يلزم الثاني أن يشتريها بقرء لحدوث ملكه عليها فإن قيل: فقد تداخل الاستبراءان من رجلين قلنا: هذا الاستبراء يجب لحدوث الملك ويسقط بزوال الملك، فلما زال الأول ملكه قيل: الاستبراء سقط ولزم الثاني أن يستبرئها بقرٍ واحدٍ.
ولهذا قال أصحابنا: إذا اشتري جارية لم يطأها مولاها ثم أعتقها قبل أن يستبرئها سقط الاستبراء [ق 117 ب].
فرع آخر:
لو وطء الشريكان جارية مشتركة بينهما كان عليها أن تستبرئ نفسها من كل واحد منهما بقرءٍ ولا يتداخلان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يكفي قرء واحد عنهما.
والفرق أن العدة لوطء قد مضي والاستبراء لوطء في المستقبل، بدليل أنه لو اشتري أنته من امرأة يلزم الاستبراء، وهذا ضعيف لأن أصل الاستبراء، وإن كان للوطء في المستقبل، ولكن من هذه الصورة للوطء الماضي فلا فرق.
فرع آخر:
إذا وجبت العدتان لرجل واحد مثل إن طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم وطئها يلزمها استئناف العدة، ثم لا يخلو إما أن تكون حائلاً، ففإن كانت حائلاً لا يخلو إما أن يحلبها بهذا الوطء أو لا يحبلها به، فإن لم يحبلها فعليها عدة الوطء ثلاثة أقراء وإكمال عدة الطلاق تمام ثلاثة أقراء، وتدخل إحدى العدتين في الأخرى لأنهما عدتان لرجل من جنس واحد فيتداخلا، وإن كان قد اختلفا فقد وجبت عليها عدتان: عدة الوطء بالوضع
الجزء: 11 - الصفحة: 355
وعدة الطلاق بالأقراء، فهل تتداخل العدتان؟ وجهان:
أحدهما: لا يتداخلان لأنهما جنسان مختلفان كحد الزني وحدّ الشرب.
والثاني: يتداخلان لأنهما عدتان من رجل واحد كما لو كانتا من جنس واحد، فعلي هذا تنقضي كلا العدتين بوضع الحمل وتدخل الأقراء كلها في زمان الحمل؛ لأناَّ
نتيقين بوضعة براءة الرحم وله أن يراجعها في زمان الجمل، وعلي هذا قال اصحابنا: لو زني بطراً ثم زني ثيباً هل يتداخل الحدان؟ وجهان:
فإذا قلنا: لا يتداخلان فإذا وضعت ولم نرقي زمان الحمل دماً فإنها تأتي ببقية عدتها بعد وضع الحمل وانقضاء نفاسها فله الرجعة في الباقي من أقراء الطلاق بعد وضع الحمل وعليه النفقة، وفي مراجعتها ووجوب نفقتها قبل وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لا تجوز الرجعة [ق 118 أ] ولا تحب النفقة لأنها عدة من وطء شبهة، فعلي هذا إن وطئها في الحمل حُدَّ.
والثاني: تجوز الرجعة وعليه النفقة؛ لأنه لما تعقب الحمل عدة الطلاق جرى علي مدة الحمل أحكام عدة الطلاق، فعلي هذا إن وطئها في الحمل لم يُحدّ.
وإن رأت الدم قبل الحمل.
فإن قلنا: لا يكون حيضاً فالحكم علي عدتها إذا لم تر الدم أصلاً.
فإذا قلنا: يكون حيضاً اعتدت بالأقراء علي الحمل من عدة الطلاق وبوضع الحمل من عدة الوضع، فإن سبق وضع الحمل أفضت به عدة الوطء وأتت بالباقي من أقراء الطلاق وحكم الرجعة والنفقة علي ما مضي، وإن سبقت الأقراء علي وضع الحمل انقضت بها عدة الطلاق وانقضت بوضع الحمل عدة الوطء، وفيه آخر أنها تحتاج أن تأتي بالباقي بعد وضع الحمل والنفاس بكل حالٍ؛ لأن زمان الأقراء علي الحمل لا يحتسب من العدة، وهذا ضعيف والمذهب الأول، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما لو طلقتها وهي حامل فحاضت عل الحمل لا تعتد بالأقراء، وإن كان الحيض صحيحاً؟ قلنا: الفرق أن هناك لا عدة عليها إلا عدة واحدة فلم تعتد إلا بالحمل الذي هو أقوي في البراءة، وههنا عليه عدتان أحدهما: بالحيل فجاز أن تكون الأخري بالأقراء التي هي علي الحمل.
وإن كانت حاملاً عند الطلاق، ثم وطئها يجب عليها به ثلاثة أقراءٍ، وهل دخل في عدة الحمل؟ وجهان علي ما ذكرنا.
فإذا قلنا: تدخل فإذا وضعت انقضت العدتان وله أن يراجعها في زمان الحمل.
وإذا قلنا: لا تدخل فإن كانت تري الدم علي الحمل، وقلنا: إنها تحيض تكون عدتها من الطلاق بوضع الحمل، وعدتها من الوطء تكون بالأقراء التي علي الحمل وحكم الرجعة (على) ما ذكرنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 356
[ق 118 ب] فرع آخر
إذا راجع الرجعية تنقطع عدتها بنفس الرجعة، وقال مالك: لا تنقطع عدتها حتى يطأها، وهذا خطأ لأن العدة حظر والرجعة إباحة فهما ضدان لا يجتمعان.
فرع آخر:
لو مات علي الرجعة وكانت تزوجت في العدة وهي حامل، وحملها يجوز أن يكون من الأول ويجوز أن يكون من الثاني ففي التوارث بينهما في عدة القرءين بعد وضع الحمل وجهان:
أحدهما: لها الميراث، لأن الأصل بقاء العدة.
والثاني: لا ميراث لها لأن الميراث لا يستحق بالشك.
فرع آخر:
لو تزوج بأمٍة علي أنها حرة فوطئها علي أنه يطأ امرأته الحرة، ثم بان أنها كانت أمة تعتد بقرءين، والاعتبار بحالها لا باعتقاده؛ لأن عدة الزوجية معتبرة بحال الموطوءة دون الواطئ.
وكذلك لو تزوجها علي أنها أمة فوطئها علي ذلك، ثم بان أنها حرة تعتد بثلاثة أقراء.
وكذلك لو وطئت الحرة بشبهة ملم فعليها عدة مثلها ولا تنقلب عدتها إلي الاستبراء بالظن، ولو وطئت الأمة بشبهة ملك فعليها استبراء مثلها؛ لأن الوطء بشبهة الملك كالوطء بالملك الصحيح في حكم الاستبراء، والوطء بشبهة النكاح كوطئها بالنكاح الصحيح في العدة.
وعلي هذا لو وطء أمة غيره ظنها زوجته يكفيها استبراء أمةٍ بحيضةٍ اعتباراً بالموظوءة.
ومن أصحابنا من قال: إذا وطء حرة واعتقد أنها أمة يلزمها عدة حرة بلا إشكال، ولو وطء أمة بنكاح واعتقد أنها حرة فيه وجهان:
أحدهما: تعتد عدة أمة.
والثاني: تعتد عدة حرة؛ لأن اعتقاد الواطئ لما غير حكم الولد حتى حكمنا بحريته كأنه ولد حرة، وكذلك يجب أن يغير حكم العدة أيضاً.
وعلي هذا لو وطء أمة [ق 119 أ] ظنها زوجته يلزمها عدة الزوجية.
ذكره ابن سريج، وهذا غلط لأن نسب الولد وحريته بحقه فاعتبر علمه وجهله، والعدة حق عليها فكان الاعتبار بها دونه.
فرع آخر:
إذا تزوج امرأة بنكاح فاسد وخلا بها ولم يطأها هل تصير بهذه الخلوة مع النكاح الفاسد فراشاً كما نجعلها بالوطء فراشاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح لا تصير فراشاً ما لم يطأها؛ لأن العقد في الأصل فاسد.
والثاني: تصير فراشاً؛ لأن الخلوة تسليط علي الإصابة، فصارت كالإصابة.
ذكره
الجزء: 11 - الصفحة: 357
بعض أصحابنا بخراسان.
مسألة:
قال: "وَإِنْ كَانَ أَوْصَي لَهُ بِشَيء وَقِفَ حَتَّى يَصْطَلحَا فِيْهِ".
أراد به إذا كان الحمل مشكلاً وأمكن أن يكون من ألأول، ومن الثاني فأوصي رجل له بمال فالوصية صحيحة، لأن الوصية لما في البطن تصح.
فإذا ثبت هذا لا يخلو من أن تلده حياً ثم يموت أو تلده ميتاً، فإن ولدته فالوصية باطلة، لأنه لم يثبت له حكم الحياة، وإن ولدته حيا ثم مات لا يخلو موته من أحد أمرين؛ إما أن يكون قبل قبول الواطئين لهذه الوصية، أو بعد قبولها، فإن قبلها الواطئان فقد استقرت الوصية وملكها الطفل في حياته؛ لأن أحدهما أب فإذا قبلاها تيقنا أن الأب قد قبل الوصية للطفل، فكذلك لو ترك حتى يبلغ فينتسب فبلغ وقبل، ثم ما قبل أن ينتسب ملك ذلك، ثم ينظر فإن لم يحف مع الواطئين أمه وقف جميع ماله بين الواطئين حتى يتبين الأب منهما أو يصطلحان، وإن حلفت معهما فإن الأم لها ثلاثة أحوال ههنا:
أحدها: تستحق فيه الثلث بيقين، وهو إذا لم يكن لها ولد ولا للواطئين ولد، فيدفع إليها بالثلث ويجعل الباقي [ق 119 ب] موقوفاً بين الواطئين.
والثاني: تستحق السدس بيقين، وهو أن يكون للأم ولدان أو لكل واحد من الواطئين ولد فيكون لها السدس ويجعل الباقي موقوفا.
والثالث: يكون ما تستحقه مشكوكاً فيه وهو أن يكون للأم ولد واحد، ولأحد الواطئين ولد آخر؛ لأنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولد فيكون للأم السدس لأنه خلف أبوين وأخوين، ويحتمل أن يكون أبوه الذي لا ولد له فيكون له أخ واحد فلا تحجب الأم من الثلث.
والثاني: كان لأحد الواطئين ولدان ليس للآخر ولا للأم ولد، فإنه يحتمل أن يكون أبوه الذي له ولدان فيكون للأم السدس ويحتمل الآخر فيكون للأم الثلث، فإذا أمكن ذلك.
قال أبو إسحاق، وابن هريرة: يحتمل وجهين أحدهما: يكون لها الثلث ويوقف الباقي ولا يحجبها من الثلث إلي السدس إلا بيقين الحجب وليس ههنا يقين.
والثاني: لها السدس لأنه يتعين وما زاد عليه مشكوكاً فلا يثبت بالشك.
وإن مات الطفل قبل أن يقبل الواطئان فالورثة يقومون مقامه في القبول فيجب أن يقبل الأم والواطئان، فإن قبلوا صحت الوصية واقتسموها علي ما بيناه وإن ردوها بطلت الوصية ورجعت إلي ورثة الموصي هذا إذا قال: أوصيت لهذا الحمل هكذا.
فأما إذا قال: أوصيت
الجزء: 11 - الصفحة: 358
لهذا الحمل الذي هو ولد فلان هكذا فسمي أحد الواطئين، فإن ألحق به صحت الوصية وكان المال للطفل، وإن ألحق بالآخر بطلت الوصية؛ لأن الصفة وهو قوله ولد فلان بمنزلة الشرط لم يستحق مع عدمه.
وإن ألحق بالذي سماه إلا أنه نفاه باللعان، قال أبو إسحاق: تصح الوصية لأن نفي اللعان لا يعتدي من الزوج إلي غيره، وهو اختيار أبي حامد [ق 120 أ] ومن أصحابنا من قال: تبطل لأنه لما نفاه باللعان حكمنا بأنه ليس بابن له
في الظاهر فلم يوجد الشرط، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوصايا.
مسألة:
قال [1] " " وَالنَّفَقَةُ عَلَي الزَّوْج الصَّحِيح النَّكَاح".
الفصل:
أراد به أن اقلنا: إذا نكحت في عدتها وظهر بها حمل يمكن أن يكون من كل واحدٍ منهما فلا يؤخذ الزوج بنفقتها حتى تضع؛ لأنه يمكن أن يكون من الزوج فيلزمه نفقتها ويمكن أن يكون من الواطئ فلا يلزمه نفقته، ولا يلزم الزوج المطلق أيضاً لأن الحمل إذا كان من غيره لم يلزمه أن ينفق عليها، وإنما أجاب الشافعي به علي القول الذي يقول إن النفقة للحامل دون الحمل فيختص بوجوب النفقة علي هذا القول الزوج المطلق دون الواطئ بالشبهة.
فأما إذا قلنا: إن النفقة للحمل وجب علي كل واحد منهما أن ينفق علي الحمل، فإذا ثبت هذا وولدته فإن ألحق الزوج أخذت منه نفقتها من يوم طلقها وإن ألحق بالثاني
لم يجب لها عليه شئ ويلزمه أن ينفق علي الولد بعد الولادة.
وقال: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ لَمْ آخُذُهُ بنفَقَتِه حَتَّى يَنتْسَبَ إلَيْهِ".
قال أصحابنا: معناه إذا لم يكن قافة أو كانت قافة وأشكل عليها وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، قالوا: ويجب علي كل واحد منهما أن ينفق عليه نصف النفقة؛ لأنه يجوز أن يكون من كل واحد منهما بدلا من آخر، ومعني قول الشافعي: " وَإِنْ أَشْكَل أَمْرُهُ لم آخُذْهُ بنَفَقَته حَتَّى ينَتْسِبَ إِلَيهِ".
أي لا آخذه بنفقته تامة، وإنما أخذه بنصف نفقته.
ومن أصحابنا من حم هذا الكلام علي ظاهرة وقال: " لا تحب عليها النفقة، لأنه إيجاب النفقة بالشك [ق 120 ب] فأشبه الزوج في حال الحمل لا يجب عليه أن ينفق عليها إذا قلنا: إن النفقة للحامل لأنه لا يجوز أن يكون الحمل لغيره، فكذلك ههنا والمذهب الأول والتأويل ما ذكرنا.
والفرق بين الزوج في حال الجمل وبينه بعده الولادة أنها إذا
الجزء: 11 - الصفحة: 359
ولدت فنفقة الولد واجبة علي أحدهما لا محالة، فإذا أشكل أوجبنا عليها نصفين.
وليس كذلك في حال الحمل إذا قلنا إن النفقة للحامل؛ لأنه لا يجوز أن لا يكون علي واحدٍ منهما نفقتها في حال فدل علي الفرق.
هذا تفسير كلام المزني.
فأما شرح هذه المسألة فإن لها تفصيلاً طويلاً، وجملته أن الرجل إذا طلق امرأته فإن كانت رجعية فلها النفقة حائلاً كانت أو حاملاً، فإن كانت حائلاً فلا نفقة وإن كانت حاملاً فلها النفقة قولاً واحداً، فهل النفقة للحمل أو للحامل؟ قولان: فإذا قلنا: للحامل أنفق عليها في حال الحمل.
وإذا قلنا: للحمل فهل ينفق عليها في حال الحمل يوماً بيوم، وإذا وضعت؟ قولان:
أحدهما: ينفق عليها في حال الحمل، والثاني إذا وضعت إليها جميع النفقة للأيام الماضية.
وهذا إذا لم تتزوج، فإن تزوجت [في] عدنها فإن كانت رجعية أسقطت نفقتها من يوم زوجت لأنها صارت ناشزة، ثم إذا فرق الحاكم بينهما فإن لم يظهر بها حمل أكملت عدة الأول ولزمه أن ينفق عليها من هذا الوقت إلي تنقضي العدة وإن ظهر بها حمل يحتمل أن يكون من كل واحد منهما.
فإن قلنا: إن النفقة في حال الحمل للحامل دون الحمل فلا نفقة علي واحد منهما؛ لأن الثاني ليس بزوج حتى يجب أ، ينفق عليها في عدتها، وأما الأول وهو الزوج المطلق فإن النفقة إنما تلزمه إذا كان الحمل منه، وإذا كان من غيره لا يجب [ق 121 أ] فإذا أمكن أن يكون منه ومن غيره لم نوجب عليه النفقة بالشك، فإذا وضعت فإن كان هناك قائف أريناه، فإن ألحقه بالمطلق دفع ما مضي من النفقة وعليها أن تأتي بثلاثة أقراء للثاني ولا نفقة فيها لها عليه؛ لأنه ليس بزوج.
وإن ألحق الولد بالواطئ، فإن عليه أن ينفق علي الولد من حين ألحق به، وقد انقضت عدتها منه ولا يلزمه نفقة مدة الحمل، وعليها أن تتم بقية عدتها من المطلق، وعليه أن ينفق عليها بقية العدة.
وهل يلزمه أن ينق عليها في مدة النفاس؟ وجهان:
أحدهما: يلزمه أن ينفقه عليها كما إذا راجعها في مدة النفاس صحت الرجعة، ولأنها خرجت من عدة الثاني ودخلت في بقية عدتها منه فعليه النفقة، وليس إذا لم تحتسب به من العدة ما يدل علي أنه لا نفقة لها، كما لو طلقها في حال الحيض لا تحتسب بزمان الحيض من العدة ولها النفقة فيه لأنها من العدة، والثاني: لا نفقة لها لأن النفاس لا تعتد به من بقية العدة، وإنما هو تابع لزمان الحمل ويستولد منه ولم نوجب طلاقة فلم يجب عليه النفقة فيه وإن لم يكن هناك قائفاً أو كان أشكل عليه وقف الولد حتى يبلغ فينتسب إلي أحدهما، فأما هذه فإنها ترجع علي المطلق بنفقة أقل المدتين من حين فرق بينهما إلي أن وضعته، ومن بقية عدتها بالأقراء من المطلق، فأيهما كان أقل رجعت علي المطلق بنفقته؛ لأن ذلك واجب عليه بيقين، فإن الحمل إن كان من الأول فنفقتها في زمان الحمل عليه، وإن كان في الثاني فنفقتها في بقية العدة عليه.
وأما نفقة
الجزء: 11 - الصفحة: 360
الولد فإنها تجب علي المطلق والواطئ بالشبهة نصفين حتى يبلغ فينتسب.
والفرق بين زمان الحمل وبين هذه الحالة قدمناه، وهذا كله في الرجعية.
فأما إذا كانت بأنا فالحكم علي ما بيناه [ق 121 ب] في الرجعة إلا في رجوعها علي المطلق، فإنها إذا وضعت وقلنا: إن النفقة للحامل وكان الأمر مشكلاً، وقفنا الولد حتى يبلغ فينتسب ولا ترجع هي علي المطلق بنفقة أقل المدتين؛ لأن الحمل إن كان من الثاني فلا نفقة لها في بقية عدتها من الأول، لأنها تكون فيها بائن حائل فلا نتقيهن وجوب النفقة لها عليه ويجب عليهما أن يتفقا علي الولد حتى يبلغ فينتسب، فإذا بلغ وانتسب نظر، فإن انتسب إلي المطلق فإن المرأة ترجع عليه بنفقة زمان حملها، وأما رجوع الواطئ بالشبهة عليه فيما أنفق علي الولد إلي أن انتسب إليه لا يخلو إنفاقه من أحد أمرين:
إما أن يكون بأمر الحاكم أو بغيره أمره، فإن كان بغيره أمره فهو متطوع بالإنفاق فلا يرجع عليه، وإن كان بأمره لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مدعيين، أو منكرين، أو أحدهما مدعيا للولد والآخر مكراً، فإن كانا مدعيين لم يرجع الواطئ بالشبهة علي المطلق؛ لأن الواطئ بالشبهة يقول: إنه ولدي وقد أنفقت عليه ولا أستحق به الرجوع علي أحد، وإنما غلط الصبي بالانتساب أو القافة بالإلحاق، وإن كانا منكرين فإنه يرجع عليه لأنه أنفق بأمر الحاكم علي ولد المطلق، وإن كان أحدهما منكراً والآخر مدعياً، فإن كان المنكر الواطئ بالشبهة رجع عليه، وإن كان مدعياً لم يرجع، وإن انتسب إلية الواطئ بالشبهة، فإن رجع المطلق عليه علي ما بيَّناه، وإن مات هذا الصبي قبل أن ينتسب فعليهما تكفينه؛ لأنه لما لزممهما الإنفاق عليه في حياته لزممهما تكفينه بعد موته، فإذا انكشف الأمر كان حكم التراجع علي ما بينَّاه.
قال المزني: خالف في إلحاق الولد في أكثر من أربع سنين بأن له الرجعة، وأراد به الشافعي قال فيما مضي: فإن كانت وضعته لأكثر من أربه سنين [ق 122 أ] من يوم فارقها الأول وكان طلاقه لا يملك فيه الرجعة فهو للآخر، فإن كان يملك فيه الرجعة وتداعي أو لم يتداع له ولم ينكراه ولا واحد منهما أريه القافة فإن ألحقه بالأول، فقد انقضت عدتها منه فألحق الولد بالزوج من الرجعية لأكثر من أربع سنين، وقد بيَّنا ذلك فيما مضي وقلنا إن المسألة علي قولين فأغني عن الإعادة.
باب عدة المطلقة يملك زوجها رجعتها ثم يموت أو يطلق
مسألة:
قال: "وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً يمَلكُ رَجعْتَهَا، ثُمَّ مَاتَ اعْتَدَّتْ عدَّةَ الوَفَاةِ".
هذه المسألة ذكرناها قبل هذا، وهي أن الرجعية إذا مات زوجها وهي في عدتها تعتد تعقيب الوفاة أربعة أشهر وعشراً، ونورثها زوجها لأنها في معني الزوجات، ولأنها
الجزء: 11 - الصفحة: 361
ما بانت بالطلاق لأنه يستبيحها من غير عقد جديد، فإذا مات فالموت أبانها فوجبت عدة ما أبانها وهي عدة الوفاة، ولأن عدة الوفاة أكد لأنها تلزم قبل الدخول وقد بيناها.
مسألة:
قال: "وَلَوْ رَاجَعَهَا، ثُم َّطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وبينا اختيار المزني أنها تستأنف العدة، قال أبو إسحاق: وهذا أقيس.
وقيل: إنه قول ابن جريج وعبد الكريم، وطاووس، والحسن بن مسلم.
واحتج المزني بأن عدتها سقطت بجرعته ونحن لا نسلم علي القول الآخر ما ذكره، بل نقول: هو موقوف.
ثم قال الشافعي: "وَمَنْ قاَلَ بِهَذَا انْبغَي أَن ْيقَوُلَ رَجْعتُهُ مُخَالفَةٌ لَنِكَاحِهِ إيِّاهَا ثُمَّ يُطلَّقَها قَبْلَ أَنْ يمَسهَّا".
يعني أن المطلقة لو كانت بائنة يخلع وهي في العدة فجدد الخالع نكاحها، ثم طلقها قبل أن يمسها لزممها [ق 122 ب] البناء علي ما سبق من العدة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمها أن تستأنف العدة عن النكاح.
وظاهر اللفظ يوهم أنه أراد نكاح الرجعية في العدة، ولم يرد ذلك فلا يظن عليه، وإنما لم يستقل الشافعي بتمام تصوير المسألة بأن ذلك لا يكاد يشكل عل العالم بمذهبه.
ثم قال مفرعاً علي قول الاستئناف: " وَيُشْبهُ أَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: ارْتجَعَ أَوْ لمْ يَرْتَجعْ سَواَءٌ" يعني من قال إذا رجعها، ثم طلقها قبل أن يمسها يلزمه استئناف العدة لذمه أن يقول: لو اتبعها طلاقاً من غير أن يرتجعها لزممها الاستئناف ويحتج " بِأَنَّ زَوْجَهَا لَوْ مَاتَ اعْتدَّتْ منْهُ عدَّة الوَفاَة وَوَرثتْ كَمَنْ لم تُطَلقْ".
وقال بعض أصحابنا: لم يقصد الشافعي تعليق القول في مسألة الإتباع إذا اتبع طلاق طلاقاً، بل لا يختلف قوله هناك أنه يكفيها البناء علي العدة السابقة ولا يلزمها الاستئناف، وإنما قصد الشافعي بهذا الكلام تضعيف أحد القولين في المسألة السابقة وهي إذا راجعها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان:
أحدهما: لا يلزمها استئناف العدة والشافعي قد يفعل مثل هذا التضعيف أحد القولين ألا تري أنه قال في " كتابا لبيوع" في اللحمان هل هي صنف أو أصناف؟ فيه قولان، ثم قال: ومن قال إنه صنف واحد لزمه أن يقول: الثمار صنف.
فذكر أن القول به يفضي إلي ما نقول به أحد فكان باطلاً كذلك ههنا.
وهذا اختيار أبي إسحاق، والمزني، فإذا طلق الرجعية ثانياً لا تستأنف العدة بل تبني علي ما بقي؛ لأن جملة الطلاق
الجزء: 11 - الصفحة: 362
الثلاث لما أوجبت ثلاثة أقراء إذا أوقعها مجتمعاً [ق 123 أ] فكذلك إذا وقعها متفرقاً فلا نوجب أكثر منها، ويفارق هذا إذا راجعها، ثم طلقها لأنه لما راجعها سد الثلمة التي أوقعها الطلاق، فإذا طلقها بعد ذلك كان كابتداء طلاق في نكاح، قد دخل بها فيه فاستأنفت، بخلاف ما لو لم يراجعها.
وعبارة المزني ههنا أنه قال: " وإنما طلق امرأته مدخولاً بها في غيره عدة فهي في معني من ابتدأ نكاحها" وقوله: في غيره عدة: احتراز عن مسألة الإتباع؛ لأن هناك الطلاق الثاني صادف العدة، وإذا راجعها ثم طلقها فالطلاق الثاني كأن لم يكن في العدة لانقطاعها بالرجعة.
وقال الإصطخري: هذا تفريع والكل علي قولين، واحتج للقول الآخر بما لو مات تستأنف العدة، والجواب أن عدة الوفاة جنس آخر لأنها تتنوع نوعين، وعدة الطلاق تتنوع ثلاثة أنواع، وعدة الوفاة أقوي فإنها تجب من غير دخول وهنا الغدتان واحدة وليست إحداهما أقوي من الأخرى، فلم يراجعها.
وقيل إن قلنا إذا راجعها تبني فإذا اتبع أولي وإن قلنا: هناك تستأنف ففي الإتباع قولان.
فرع:
قال القفال: إذا قلنا في الرجعية يراجعها زوجها، ثم يطلقها تبني علي عدتها لو مضي قرء، ثم راجعها في الطهر الثاني لا يحتسب لها أول هذا الطهر الذي راجعها قرء؛ لأن جزءا من أول الطهر لا يدل علي براءة الرحم بخلاف جزء من أجزاء الطهر، فإن ذلك يدل علي براءة الرحم لإيصاله بأول الحيض، فإن طلقها بعد الرجعة في هذا الطهر بعينه احتسب بباقية قرءاً ثانياً [ق 123 ب] وإن لم يطلقها حتى حاضت فلا تحتسب بهذا الطهر ألبته، وكذلك لو راجعها في الطهر الأول أمسكها حتى حاضت، قلنا: لم يحصل لق شأ فعليك ثلاثة أقراء، ولو احتسب ببعض الطهر من أوله قرء يحصل لها قرءان في طهر واحد، بأن يراجعها في خلال طهر، ثم يطلقها فيه وذلك محال.
فرع آخر:
قال: "ولو كانت حاملاً فراجعها فوضعت الحمل، ثم طلقها، وإن قلنا تستأنف العدة هناك فهنا أولي بأن تستأنف ولا كلام، وإن قلنا: تبني هناك فهنا وجهان:
أحدهما: تستأنف ثلاثة أقراء إذ محال أن تنقضي العدة منه وهي تحته في صلب نكاحه ووضع الحمل حصل وهي تحته فيجعل كأن الحمل لم يكن.
والثاني: لا عدة عليها ألبته بعد الطلاق، بل يحكم بأن عدتها قد انقضت بوضع الحمل، وإن كانت تحت الزوج ويجوز أن تنقض العدة بالحمل في حال لا تنقضي فيها بالإقراء، والأشهر كما لو نكحت في العدة وهي حامل فوضعت تحت الزوج الثاني انقضت عدتها من الأول، وفي هذه الحالة لا تنقضي عدتها بالإقراء والأشهر، أعني بعدما وطئها الثاني وقبل أن يفرق بينهما، وكذا إذا حبلت من الثاني فبوضع الحمل تنقضي
الجزء: 11 - الصفحة: 363
عدتها منه إذا وضعت بعدما فرق بينهما، ولولا الحبل لكانت تبدأ ببقية عدة الأول، وهذا الفصل لم يذكره أصحابنا بالعراف.
باب عدة امرأة المفقود إذا نكحت غيره
مسألة:
قال: "فِي امْرَأَةِ الغَاِئبِ أَي غَيْبةً كَانَتَ لاَ تعَتْدَّ وَلاَ تَنْكحُ أَبَداً".
الفصل:
الغائب غائبان؛ غائب غاب شخصه ولم يغب خبره كالأسير يختص خبره، وكالتاجر خرج إلي بلد [ق 124 أ] فأقام طويلاً، فهذا لا يزول ملكه عن ماله، ولا عن زوجته، فإن كان له مال ينفق عليها نفقة الحاكم، وإن لم يكن كتب إلي الحاكم الذي هو في بلده ليطالبه بحقوقها، وغائب غاب شخصه وانقطع خبره وهو المفقود، فإذا فقد لا فصل بين أن يفقد في جوف البلد، أو في السفر، أو بين الصفين في الحرب، أو كان في مركب فانكسر ولا يعلم حاله فلا خلاف أنه لا يزال ملكه عن أمواله وتكون باقية بحالها لا تورث ولا يتصرف فيها.
وأ/ االحكم في زوجته، قال القديم: تأتي الحاكم حتى يأذن لها أن تتربص أربع سنين، ثم يحكم بوفاته وتعتد عدة الوفاة، ثم تحل ويكون ابتداء التربص من حين أمرها الحاكم لا من حيث فقد.
وروي ذلك عن عمرٍ، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق رضي الله عنهم.
وحكي عن مالك أنه فرق فقال: إن خرج نهاراً لا يكون حكمه حكم المفقود، وإن خرج ليلاً يكون مفقوداً.
وقال في الجديد: تكون علي الزوجية أبداً حتى يأتيها يقين وفاته، وبه قال علي رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز، وهو قال أهل الكوفة ابن أبي ليلي، وأين برمة، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.
وقيل: رجع عن قوله القديم.
وذكر القفال أنه قال في الجديد: من حكم بهذا نقضت حكمه لأن هذا يخالف القياس الجلي.
وقال صاحب الحاوي: لو حكم حاكم بقوله القديم هل ينقض حكمه؟ وجهان:
أحدهما: ينقض، لأن القياس قوي، وقد رجع عمر رضي الله عنه.
والثاني: لا ينقض لأن الخلاف منتشر ظاهر، وهذا أظهر.
وفيما حكاه القفال نظر، [ق 124 ب] واحتجوا بما روي عبد الرحمن بن أبي ليلي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: إن زوجي خرج إلي مسجد مكة
الجزء: 11 - الصفحة: 364
ففقد فأمرها عمر أن تتربص أربع سنين فتربصت، ثم عادت فقال لها: اعتدي بأربعة أشهر وعشراً فلما انقضت أتت إليه فقال لها: قد حللت للأزواج فتزوجت فعاد زوجها فأتي عمر رضي الله عنه فقال له: تزوجت امرأتي فقال: ومع ذالك؟ قال: غبت أربع سنين عنها فزوجتها، فقال عمر: يغيب أحدكم أربع سنين في غير غزو ولا تجارة، ثم يأتيني فيقول: تزوجت امرأتي [فقال له: إن عذراً يا أمير المؤمنين، قال: وما عذرك] فقال: خرجت إلي مسجد أهلي فاستلبني الجن فمكثت معهم فغزاهم جن من المسلكين فوجدوني معهم في الأسر فقالوا: ما دينك؟ فقلت: الإسلام فخيروني بين أن أكون معهم وبين الرجوع إلي أهلي، فاخترت الرجوع إلي أهلي فسلموني إلي قوم، فكنت أسمع بالليل كلام الرجال وبالنهار أري مثل الغبار فأسير في أثره حتى أهبطت عندكم، فخيره عمر بين أن يأخذ زوجته، وبين أن يأخذ مهرها.
وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قضي به مثل ذلك، وروي عنهما: ثم يطلقها ولي زوجها بعد أربع سنين، ثم تتربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشراً ثم تتزوج.
وقال مسروق: لولا أن عمر خير المفقود بين امرأته وبين الصداق لرأيت أنه أحق بها إذا جاء.
وأيضاً إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته كان لها الخيار لما عليها من الضرر بفقد الاستمتاع فهنا ولا مال ولا استمتاع ودخل الضرران جميعاً أولي أن يثبت حق الفراق، وهذا غلط لما روي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: [ق 125 أ] امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" وروي: "حتى يأتيها بيقين موته أو طلاقه" ولأن الأصل بقاء الزوجية فلا تزال بالشك، ولأنه لم يحكم بموته في الميراث ولهذا لا يقسم ماله بين ورثته فلا يحم بموته في إبانة زوجته، وهذا معني قول الشافعي: " لا يجوز أن تعتد من وفاته ومثلها يرث إلا ورثت زوجها، وقوله: " ومثلها يرث" أي ليست بقاتلة ولا مملوكة ولا كافرة.
وقصد الشافعي بهذا الكلام الرد علي أبي حنيفة حيث قال: إذا مضي مائة وعشرون سنة من وقت ميلاد الزوج فلم يرجع ولم يظهر له خبر جاز لها أن تعتد وتنكح زوجاً آخر، لأن هذه المدة أطول ما يعهد من العمر في هذه الإعصار، ثم قال: إنها لا تأخذ ميراثه، فاحتج عليه بما ذكر.
الجزء: 11 - الصفحة: 365
وأما خبر عمر قلنا: روينا عن علي خلافه وهو أ، هـ قال الذي قال عمر ليس بشي هي امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أو طلاقها ولها الصداق من هذا بما استحل من فرجها ونكاحه باطل.
وقال الشعبي: قال علي: هي امرأة للأول إن شاء طلق، وإن شاء أمسك ولا تخير [2].
وروي عن علي مثل قول عمر والمشهور ما ذكرنا، وأما فصل الضرر باطل بما لو كان معروف الغيبة، وأما الاعتبار بالنفقة والعنة عيبان ظاهران للفسخ فثبت الفسخ يهما، وهنا سبب الفسخ الموت، وهو غير معلوم يقيناً علم الحكم به.
فرع:
إذا قلنا بقوله القديم، قد ذكرنا أن ابتداء التربص من حين يأمرها الحاكم به، وبه قال الأوزاعي وهو اختيار أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
قال بعض أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: ابتداءه من حيث انقطع خبره، وفقد أثره، وبه قال أحمد [ق 125 ب] وهو اختيار القفال، ووجهه، أن هذا التربص للحكم بمموته فكان من حين انقطاع خبره وهذا غلط؛ لأن عمر رضي الله عنه أمرها بالتربص وقت قضائه، ولأنن هذه المدة تثبت علي الاجتهاد فافتقرت إلي ضرب الحاكم كمدة المعدة.
فرع آخر:
إذا انقضت المدة هل يكون ذلك حكماً بوفاته أو يحتاج إلي استئناف حكم به؟ فيه وجهان محتملان:
أحدهما: ما تقدم من الحكم بتقدير المدة حكم بالموت بعد انقضاء تلك المدة لأنه مقصود التقدير فتدخل في العدة بعد انقضائها ولا يلزمها معاودة الحاكم.
والثاني: وهو الأظهر أنه بعد انقضائها تحتاج إلي أن يحكم لها الحاكم بموته، لأن عمر رضي الله عنه استأنف حكمه بعد انقضاء المدة، ولأن الحكم بأصل العنة لا يكون حكماً بالفرقة حتى يحكم بها الحاكم، فكذلك الحكم بأجل العنة، فعلي هذا لا تدخل في العدة بعد انقضاء المدة إلا أن يحكم لها الحاكم بموته فتقع الفرقة بما حكم به من الموت، ثم تدخل بعده في العدة وتحل حينئٍذ بانقضاء العدة.
فرع آخر:
إذا حكم الحاكم بالفرقة، هل يقع ظاهراً وباطناً أيوقع في الظاهر دون الباطن؟
الجزء: 11 - الصفحة: 366
وجهان، وقيل قولان:
أحدهما: يقع ظاهراً وباطناً؛ لأن هذا الفسخ مختلف فيه، فإذا أدي اجتهاد الحاكم إليه نفذ ظاهراً وباطنا كالفسخ بالعنة والإعسار.
والثاني: يقع ظاهراً لا باطناً، لأن عمر رضي الله عنه خير المفقود حين قدم بين زوجته أو مهر مثلها فاختارها فردها إليه.
مسألة:
قال: "وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ خَفِيّ الغَيْبَة أَوْ إلي منْهَا أَوْ تَظَاهر أَوْ قَذَفَهَا لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ [الزَّوْجَ] الحَاضِرَ".
إذا طلق المفقود امرأته التي فُقد عنها أو إلي منها أو تظاهر أو قذفها، فإن كان هذا قبل أن يرفع أمرها [ق 126 أ] إلي الحاكم أو بعد المرافعة قبل الحكم بالفرقة صح هذا كله، كما لو كان حاضراً، وإن كان هذا منه بعد أن حكم الحاكم بالفرقة فعلي قوله الجديد: الحكم فيه كما لو لم يحكم بينهما؛ لأن وجود الحكم وعدمه سواء.
وأما علي قوله القديم، فإن قلنا: الغرفة تقع ظاهراً وباطناً لا تثبت هذه الأحكام وهو كالأجنبي معها، وإن قلنا: تقع ظاهراً فقط يثبت هذا الحكم.
وقال القاضي الطبري: قال ابن أبي هريرة، وصاحب الإفصاح: هذا علي قوله الجديد والقديم؛ لأن الزوج إذا رجع وأخبر بهذه الأحكام تيقنا خلاف ما حكم، فكان حكمه باطلاً، كما إذا ظهر نص بخلاف حكمه، وإذا كان حكمه باطلاً كان نكاح الأول بحالة وهذه الأحكام ثابتة كما لو كان حاضراً.
قال القاضي الطبري: ولا يحتما علي المذهب غير هذا: والحكم في هذا الموضوع بخلاف الأصول؛ لأن كل مسألة اجتهاد إذا حكم الحاكم فيها وجب إمضاءه.
وقد قال أصحابنا ههنا: إن النكاح الثاني فاسد وإن حكم به الحاكم؛ لأن قوله القديم مخالفٌ لقياس لا يحتمل إلا معني واحد، وفي هذا الذي قاله نظر عندي.
مسألة:
قال: "وَلَوْ اعْتَدَّتْ بأَمْر الحَاكِم أَرْبَعَ سِنِين، ثمُ أَرْبعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَنَكَحَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْج ُكَانَ حُكْمُ الزَّوجيَّةُ بَينْهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الأَوَّلِ بحَالِه".
قال أين هريرة، وصاحب الإفصاح: هذا علي القولين جميعاً؛ لأن الزوج إذا رجع تبينا أن حكمه بوفاته كان خطأ فوجب ردها علي الأول، وهذا كما لو غضب عبداً فأبق منه فغرمه الحاكم قيمته، ثم رجع العبد وجب رده علي المغصوب منه واسترجع قيمته منه فكذلك ههنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 367
وقال أبو إسحاق: هذا مبني علي أن الفرقة تقع ظاهراً وباطناً أو تقع في الظاهر دون الباطن؟ فإن قلنا: تقع [ق 126 ب] ظاهراً وباطناً أو تقع في الظاهر دون الباطن؟ فإن قلنا: تقع [ق 126 ب] ظاهراً وباطناً لا ترد إليه، كما لو فرق بينهما بعيب العنة، وإن قلنا يقع ظاهراً ترد وهذه الطريقة اختيار جماعة أصحابنا.
وقال الداركي: سمعت أبا إسحاق يقول مرة أخري: إذا غاب الزوج الأول وقد تزوجت فإنها للثاني ولا ترد إلي الأول، وإن لم تكن تزوجت فإنها ترد إلي الأول وقد تزوجت فإنها للثاني ولا ترد إلي الأول، وإن لم تكن تزوجت فإنها ترد إلي الأول، وإن كان الحاكم فرق بينهما؛ لأن المقصود من هذه الفرقة إزالة الضرر، فإن لم تكن تزوجت لم يحص المقصود فكان الأول أولي، وهذا كالمتيمم إذا رأي الماء بعد الدخول في الصلاة لا يلزمه الخروج منها لاتصال التيمم المقصود، بخلاف ما لو رأي الماء قبل الدخول في الصلاة.
وقال بعض أصحابنا: لا ترد إلي الأول قولاً واحداً ونكاحه لأطل بكل حالة؛ لأن علة الفسخ انقطاع غيره وعدم العلم بأثره، وهذه العلة موجودة، وإن بان حياً من يعد ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا خلاف في قوله القديم أن الشريعة فسخت نكاح المفقود، ولكنه إذا ظهر نكاح الثاني بحضوره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يفسخ بظهوره.
والثاني: وهو الأصح لا ينفسخ ولكن يثبت للزوج الأول الخيار، فإن أجازه نكاحه وأخذ منه مهر امثل جاز، وإن فسخ كان له ذلك، وهذا غريب بعيد.
فحصلت خمس طرق في هذه المسألة، واختار القاضي الطبري الأولي، وقال: لا يحتمل المذهب غير هذا القول.
فرع:
إذا قلنا: نكاح الثاني باطل ففي زمان بطلانه وجهان:
أحدهما: أنن يعود الزوج الأول تبيناً أنه وقع باطلاً حين العقد.
والثاني: أنه صحيح عند ويبطل عند العلم بحياة الأول، كالغاصب إذا غرم قيمة ألآبق، ثم رجع ردت القيمة بعد صحة الملك، وفائدة هذا الخلاف [ق 127 أ] أنَّا إذا قلنا بالرجعة للأول يلزمه مهر المثل إن كان قد دخل بها؛ لأن النكاح لا ينعقد موقوفاً ولا شأ إن لم يكن، وإذا قلنا بالوجه الثاني يلزمه نصف المهر المسمي إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها يلزمه تمام المهر المسمي.
فرع آخر:
إذا عاد الزوج الأول قال مالك، وأحمد: هو بالخيار بين أن ينتزعها من الثاني وبين أن يقرها عليه ويأخذ منه مهر مثلها.
الجزء: 11 - الصفحة: 368
(وحكى) الكرابيسي، عند الشافعي مثل هذا، وأنكره سائر أصحابنا، واحتجوا بخير عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خير المفقود حين قدم بين زوجته أو مهر مثلها.
وهذا غلط لأنها لا تخلو إما أن تكون زوجة للأول أو زوجة للثاني وأيهما كان فالتخيير محال.
وأما خبر رضي الله عنه محمول علي المصالحة والتبرع ليستأنف العقد الثاني.
فرع آخر:
لو حكم الحاكم بالفرقة، وفرق بينهما وتزوجت، ثم بان بعد ذلك أنه كان ميتاً حين الحكم بوفاته وانقضت عدتها، فعلي قوله القديم حكم وكان له الحكم، وفرق وكان له التفريق، فصادف في الباطن ما فعله في الظاهر وصح نكاح الثاني ظاهراً وباطناً.
وأما علي القول الجديد قيه وجهان:
أحدهما: أن نكاح الثاني صحيح، لأنه صادفها ولا زوج لها ولا هي في عدة من زوج فكان صحيحاً.
والثاني: نكاحه باطل، لأنه لم يكن له الإقدام عليه قبل العلم بالحال.
وأصل هذه المسألة إذا باع مال والده علي ظن أنه حي، ثم بان أنه كان ميتاً وأنه ورثه هل يصحّ البيع؟ قولان.
وأما قول الشافعي: " غَيْرَ أَنَّهُ ممنْوعٌ مِنْ فَرْجِهَا بِوَطِء شُبْهَة" معناه أَنَّاة إذا رددناه إلي الزوج الأول معناه من وطئها حتى تعتد من الواطئ في النكاح الفاسد.
مسألة:
قال: " وَلاَ نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حِينَ نكَحَتْ".
الكلام الآن في نفقتها علي الزوج بالمفقود، وفي نفقتها علي الزوج الموجود، [ق 127 ب] فأما المفقود لا يخلو إما أن ترفع أمرها إلي الحاكم أو اختارت المقام عليه، فإن اختارت المقام حتى يتبين أمره فالنفقة لها أيداً عليه؛ لأن النفقة إذا وجبت بتسليم إلي الزوج لم تسقط إلا بأحد أمرين، إما بينونة أو نشوز ولم يوجد واحد مننهما، وإن رفعت أمرها إلي الحاكم فيضرب لها المدة فلها النفقة مدة التربص وهي أربع ما لم يفرق بينهما، فإذا انقضت مدة التربص وعادت إليه فحم بالفرقة هل تنقطع نفقتها؟
قال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أن لها النفقة في حال العدة أيضاً، لأنها محبوسة عليه.
وقال أبو حامد، وجماعة: ومبني علي القولين، فإن قلنا القديم انقطعت
الجزء: 11 - الصفحة: 369
النفقة من حين فرق، سواء قلنا الفرقة وقعت في الظاهر أو في الظاهر والباطن معاً؛ لأنَّا حكمنا بالفرقة بينهما والبينونة تقطع النفقة.
وأما السكني في مدة العدة هل لها ذلك؟ قولان؛ لأنها معتدة عن وفاة والمتوقي عنها هل لها السكني؟ قولان، فإذا انقضت العدة فلا نفقة ولا سكني، فإن رجع الزوج نظر، فإن لم ترد إليه فلا كلام وإن ردت إليه عادت نفقتها من حين الرد، وأما على قوله الجديد لا تسقط نفقتها بعد حكمه لا في حال العدة ولا بعد انقضائها ما لم تزوج، فإذا تزوجت سقطت نفقتها منحين النكاح؛ لأنها بالنكاح خرجت من يده وصارت ناشز ولا نفقة للناشز، فإن فرق بينهما فلا نفقة لها أيضاً ما دامت في العدة.
قال الشافعي: " لأنه ممنوع منها بفعل من جهتها لخروجها من قبضته" فإذا انقضت عدتها نظر، فإن الأول قد رجع وتسلمها عادت نفقتها ولا كلام، وإن لم يكن الأول قد عاد ولكن عادت إلي منزله هل تعود نفقتها؟ ظاهر ما قال ههنا أنها تعود؛ لأنه [ق 128 أ] قال: " النفقة لها من حين نكحت ولأمن حين عدتها من الواطئ الفاسد"
وقال في "الأم": " النفقة لها وهي تحت الزوج الثاني ولا في عدتها ولا بعد انقضاء عدتها".
واختلف أصحابنا فيه علي طريقتين؛ فمنهم من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: تعود تفقنها، لأن نفقتها إنما سقطت بتسليمها نفسها إلي غير الزوج واشتغال رحمها بمائة، فإذا فرق بينهما واستبرأت نفسها عادت إلي حالها الأول يجب أن تكون النفقة لها واجبة، سواء أظهرت التسليم أو لم تظهر كان الزوج حاضراً أو غائباً.
والثاني: لا نفقة لها حتى تظهر تسليم نفسها إليه؛ لأن النفقة إذا بطلت لم تعد إلا بتسليم حادث لنفسها إلي الزوج، منزله هذا من تعدي في وديعة بإخراجها إلي سفر، ثم يرد الوديعة إلي موضعها لا يبرأ من الضمان حتى يسلم الشيء إلي المودع، وهذا أصح عندي، قال هذا القائل: وهكذا أقول فيمن نشزت عن زوجها وهو حاضر، فغاب قبل أن تعود إليه، ثم عادت إلي منزله هل لها النفقة؟ وجهان بناء علي القولين، وعندي أنه لا تعود نفقتها بعد النشوز حتى يعلم الزوج طاعتها وجهاً واحداً، ولا يحتمل المذهب غيره، ولم يذكر القفال سوي هذا، والدليل عليه أنه لو تزوج امرأة، ثم غاب قبل أن تسلم نفسها إليه، ثم سلمت نفسها ودخلت بيته لا يلزمه نفقتها، وإن طالت الغيبة إنما لم يكن حاضراً بتسليمها كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: هما علي حالين فالذي نقل المزني إذا لم يحكم لها حاكم بالتزويج فتزوجت بنفسها والذي قالي "الأم" إذا تزوجت بحكم الحاكم؛ لأن النكاح الأول قد زال بحكم الحاكم وهي غير مقيمة علي الزوج الأول فلا تعود النفقة بفعلها حتى
الجزء: 11 - الصفحة: 370
يقدم زوجها وتحدث تسليمًا بعلمه [ق 128 ب] وفي المسألة الأولى زالت النفقة بفعلها فعادت بفعلها.
وقال بعض أصحابنا في تعليله: إنها إذا تزوجت بنفسها فهي ناشزة ولم يزل يده عنها في حال نشوزه، فإذا زال النشوز كان كما كانت في يده، وفي هذا نظر عندي وأما نفقتها على الزوج الثاني قال الشافعي: "ولم ألزم الواطئ بنفقتها لأنه ليس بينهما شيء من أحكام الزوجين إلا لحوق الولد فإنه فراش بالشبهة.
وهو لأن النفقة بإزاء التمكين من الاستمتاع وهو لا يستحق عليها ذلك، فإن قيل: إذا استأجر دارًا إجارة فاسدة وتسلم الدار حتى انقضت مدة الإجارة يلزمه أجرة المثل وإن لم ينتفع بها، فيجب إذا تزوجت نكاحًا فاسدًا وتسلمها أن تجب النفقة بالتمكين والمهر أيضًا من دون الوطء؟ قلنا: الفرق أن المنافع مقدرة بالزمان في جواز العقد عليه، فلم يكن مضي الزمان، كإتلافه وإنما يتحقق الإتلاف بالاستمتاع فافترقا، ومن أصحابنا من فرق بأن الحرة لا تثبت عليها اليد، ولا على منفعتها فيكون تلف الاستمتاع في يدها بخلاف الدار، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لو استأجر حرًا شهرًا ومكنه من الانتفاع به فلم ينتفع حتى مضي الشهر لزمته الأجرة.
ولو تزوج بأمةٍ لرجل نكاحًا فاسدًا وتسلمها منه لم يلزمه المهر إلا بالوطء فلا يصح هذا الفرق طردًا وعكسًا، وهذا على القول الجديد، فإن أنفق الزوج الثاني عليها في مدة مقامها معه لم يكن له الرجوع عليها؛ لأنه متطوع بالإنفاق فلا رجوع له، وإن كان الإنفاق عليها بحكم الحاكم رجع عليها لأنه يقول أوجب على الحاكم ما لم يكن واجبًا فلي الرجوع.
ورأيت لبعض أصحابنا أنه يرتجع على الزوج الأول إذا عاد وردت غليه إذا كان الإنفاق بإذن الحاكم، وهذا غلط عندي [ق 129 أ] وهذا قبل التفريق، فإن فرق بينهما وشرعت في العدة من الثاني فلا سكنى عليه؛ لأن السكنى لما لم تجب لها حال الزوجية فلأن لا تجب بعد التفريق بينهما أولى.
وأما النفقة نظر، فإن كانت حائلًا فلا نفقة، لأن البائن عن نكاح صحيح لا نفقة لها فهذه أولى، وإن كانت حائلًا، فإن قلنا: النفقة للحمل تلزم، وإن قلنا للحامل لا تلزم، وأما على القول القديم تلزم نفقتها عليه بعد نكاحه لأنه صحيح فوجبت النفقة كما في سائر الأنكحة الصحيحة.
مسألة:
قَالَ: "وَإٍذَا وَضَعَتْ فَلِزَوْجِهَا الأَوَّل أَنْ يَمْنَعَها مِنْ رِضَاعِ وَلَدِهَا".
الفصل:
إذا فرقنا بينها وبين الزوج الثاني وهي قد حملت من الزوج الثاني وولدت، هل
الجزء: 11 - الصفحة: 371
يجوز للزوج الأول منعها من رضاع ذلك الولد، أما اللبا فالولد لا يعيش إلا به فلم يكن له منها منه.
وأما الرضاع ينظر فيه، فإن لم يكن هناك من ترضعه وتحضنه لم يكن له منعها لوجوبه عليها، وإن كان هناك غيرها كان له منعها منه؛ لأنه لا يجب عليها فكان لزوجها منعها من التبرع بالصوم والصلاة وغير ذلك.
وأيضًا فإنه مالك لبعضها فله منعها من الاشتغال بغير، فإن أرضعته فلها الأجرة.
قال الشافعي: ولا ينفق عليها في رضاعها لولد غيره، وقال الداركي، قال أبو إسحاق: ينظر، فإن أرضعته في منزل الزوج ولم تخرج منها، فإن عليه نفقتها لأنها في قبضته، وإن خرجت إلى منزل الزوج الثاني لترضعه فلا نفقة لها سواء كان بإذنه أو غير إذنه.
ومن أصحابنا من قال: إذا خرجت بإذن الزوج إلى منزل الزوج الثاني هل يلزم نفقتها على الأول؟ وجهان بناء على القولين إذا حجت بإذن زوجها هل تسقط نفقتها؟ قولان.
[ق 129 ب] وقال القفال: إن كانت ترضعه في بيته ويمنعه ذلك عن الاستمتاع بها فلا نفقة لها أيضًا، وفي هذا نظر لأنها إذا كانت في بيته تكون في قبضته ولا تمنعه من الاستمتاع إلا في زمان يسير ولا اعتبار به.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ ادَّعَاهُ [الأَوَّلُ] أَرَيْتُهُ القَافَة".
قال أصحابنا: إذا تربصت أربع سنين، وفرق الحكم بينهما وتزوجت بزوج آخر ثم أتت بولد، ثم جاء المفقود، فإن لم يدع الولد كان الولد للثاني؛ لأن بمضي أربع سنين تحققنا براءة رحمها من ماء الأول، وإن ادعاه وادعا الواطئ في النكاح الفاسد قلنا للزوج: من أي وجه تدعيه؟ فإن قال: لأنه ولد على فراشي في حال غيبتي.
قلنا: هذه الدعوة باطلة، لأن رحمها قد برئت من مائك، فإن النطفة لا تمكث في الرحم أكثر من أربع سنين، وألحقنا بالولد الثاني، وإن قال: قدمت أنا في الخفية من خلال هذه المدة ووطئتها وأمكن ما قاله أريناه القافة، فإن ألحقه بأحدهما لحقه، وإن أشكل عليه وقف حتى يبلغ فينتسب إلى أحدهما.
ومن أصحابنا من قال: إذا ادعى مطلقًا تقبل دعواه ويرى القافة، قال هذا القائل: وهذا لأن أصحابنا اختلفوا في لحوق ولدها به إذا لم تكن تزوجت على وجهين:
أحدهما: يلحق لأنها لم تصر فراشًا لغيره فعلى هذا تسمع دعواه مطلقًا.
والثاني: لا يلحق لأن المفقود من عدمت أخباره وانقطعت آثاره، وقد مضت مدة لا يجوز بقاء مائه معها فعلى هذا لا تسمع دعواه حتى يستفسر على ما ذكرنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 372
وقال أبو حنيفة: لو أتت بعشرين ولدًا، ثم عاد الأول ألحق الأول به ادعاهم أو لا [ق 130 أ] بناء على أصله أنه يلحق الولد بالفراش المجرد من دون الإمكان.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ الأَوَّلُ وَالآخَرُ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا".
الفصل:
إذا فرق الحاكم بين المفقود وامرأته، ثم تزوجت، فإن قلنا: الفرقة وقعت ظاهرًا وباطنًا فالنكاح الثاني صحيح قطعًا، ويلزمها أن تعتد عن الثاني عدة الوفاة إذا مات ولا شيء عليها بوفاة الزوج الأول.
وإن قلنا: الفرقة تقع ظاهرًا دون الباطن وكان الأول حيًا يومئذٍ بينا بطلان النكاح وكان وطء الثاني في وطء شبهة، فإذا مات الأول يلزمها عدة منه بكل حالٍ، غير أنها لا تشرع فيها عقيب وفاته لأنها فراش للثاني ما لم يفرق بينهما فإذا فرق بينهما شرعت في عدة الوفاة من الأول وعليها أن تعتد بثلاثة أقراء من الثاني، وإن كانت زوجة للأول عند الإصابة، ولا تشرع في عدتها من الثاني أيضًا حتى يفرق بينهما.
فإذا تقرر هذا وماتا معًا وجبت عليها عدتان؛ عدة الوفاة وعدة الوطء بالشبهة، ولا تتداخل العدتان بل تعتد أربعة أشهر وعشرًا وثلاثة أقراء؛ لأنهما عدتان لرجلين.
ويفارق هذا إذا طلق إحدى امرأتيه ثلاثًا ومات قبل البيان، فعلى كل واحدة منهما أن تعتد أقصى الأجلين من ثلاثة أقراء وأربعة أشهر وعشرًا؛ لأنها عدة واحدة من واحد ولكنها لا تعلم أنها بالأشهر أو بالأقراء وههنا عدتان لرجلين فلم يتداخلا.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى تفصيل المسألة فنقول: إذا ماتا لا يخلو [ق 130 ب] من ثلاثة أحوال:
إما أن يعرف السابق منهما بعينه.
أو يعرف وقت موت أحدهما ولا يعرف موت الآخر فيجوز أن يكون قبله ويجوز أن يكون بعده.
أو يعرف أن أحدهما سابق للآخر ولا يعرف عين السابق من المتأخر، فإن عرف السابق منهما مثل أن يعلم أن زوجها المفقود مات في أول المحرم، وزوجها الحاضر مات في أول صفر فههنا بين موت الأول والثاني شهر، فعليها أن تعتد أولًا عدة الوفاة من الزوج [الأول] وهي أربعة أشهر وعشر، فإذا انقضت اعتدت من وطء الثاني ثلاثة أقراء ولا تجب عليها من الثاني عدة الوفاة، وتبتدئ بها من حين موت الثاني لأنها في الشهر [الذي] تبين موتهما كانت فراشًا للثاني يطأها فكيف يجوز أن تكون معتدة فيه، ولأن الوطء يقطع دوام العدة، فلأن يمنع ابتدائها أولى؛ لأن الدوام آكد من الابتداء، وإن كان السابق بالموت هو الواطئ في النكاح الفاسد فإن مات في أول المحرم، ومات
الجزء: 11 - الصفحة: 373
الغائب في أول صفر، فهذه مات زوجها وهي جارية في عدة الوطء فتقطع عدتها ويلزمها أن ترجع إلى عدة زوجها فتعتد أربعة أشهر وعشرًا، فإذا فرغت منها أكملت ما بقي من عدة الواطئ لأن عدة [الزوج] أولى وأعظم حرمة، وقد سبق نظير هذه المسألة.
وأما إذا عرف موت أحدهما مثل أن يعلم أن الواطئ في النكاح الفاسد مات في أول صفر، ولم يعلم موت الزوج هل هو متقدم أو متأخر؟ فإنَّا ننظر في الوقت الذي ورد فيه موت زوجها، فإن كان في آخر صفر تنظر في أقل مدة يجيء الخبر من الموضع الذي مات فيه وتقابل بها المدة من حين مات الواطئ، فإن سبق موت الواطئ كان الحكم على ما بيناه إذا سبق موت الزوج [ق 131 أ] وإن لم يسبق موت الواطئ، فإن موت الزوج متأخر، وقد بينا حكمه.
وأما إذا علم أن أحدهما مات قبل الآخر ولا يعلم السابق منهما فالاحتياط أن يكون السابق الزوج حين يكون ابتدأ عدتها من حين مات المتأخر منهما موتًا فتأتي بأربعة أشهر وعشر، فإذا انقضت اعتدت بثلاثة أقراء من الواطئ إذا كانت حائلًا، فأما إذا حملت وولدت وألحقناه بالثاني، فإذا ولدته انقضت عدتها منه بوضعها، ثم تستأنف أربعة أشهر وعشرًا.
وهل تحتسب بزمان النفاس؟ وجهان:
أحدهما: لا تحتسب لأن زمان النفاس تابع لزمان الحمل، فإن النفاس متولد منه.
والثاني: وهو الصحيح يحتسب به لأن عدة الوطء قد انقضت فما بعدها من الأيام محسوب من هذه الأشهر.
ويخالف هذا إذا كانت مطلقة فإنها لا تحتسب بزمان النفاس من عدة الأول؛ لأن الأقراء هي الأطهار فلا يحتسب منها زمان الدم كما لا يحتسب بما م ر في خلال الأقراء من الحيض، وإذا ظهر منها أمارات الحمل من الثاني فإنها تعتد منه فلو اعتدت، ثم تبين أنه كان ريحًا، ولم يكن حملًا، وقد مضت أربعة أشهر وعشر وثلاثة أقراء بعدها، فإن عدتها قد انقضت منهما جميعًا؛ لأن جهلها بأن عدتها بالأشهر أو بالأقراء لا يمنع من مضي عدتها.
فرع:
قال في "الأم": وامرأة المفقود إذا ماتت عند الآخر، ثم قدم المفقود أخذ إرثه منها، فإن لم تدع شيئًا لم تأخذ من المهر شيئًا إذا لم يجد زوجته بعينها فلا حق له من ميراثها، وهذا صحيح ونقل المزني هذه المسألة إلى جامِعِه الكبير هكذا ونقلها في بعض النسخ في آخر هذا الباب إلى المختصر.
واعترض على قوله [ق 131 ب] إذا لم يجد زوجته بعينها فلا حق له في ميراثها فقال: كيف لا يكون له حق ميراثها، وقد ماتت وهي زوجته، ثم قال يوقف نصيب المفقود وينظر أحي هو فيأخذ حقه أو ميت فيرد على ورثتها؟ ونحن نتكلم على فقه
الجزء: 11 - الصفحة: 374
المسألة ثم نعود إلى تأويل الكلام واعتراض المزني وجملته: أن امرأة المفقود إذا تربصت وتزوجت وماتت، ثم قدم الأول.
فإن قلنا بقوله القديم إن الفرقة تقع ظاهرًا وباطنًا فالنكاح الثاني صحيح والثاني يرثها دون الأول ولا كلام.
وإن قلنا بقوله الجديد أو بقوله الآخر إن الفرقة تقع في الظاهر دون الباطن فقد بان في الباطن أن الفرقة باطلة، فإن المفقود كان حيًا ونكاح الثاني باطل، فإذا قدم، وقد ماتت كان له ميراثها النصف أو الربع منع الولد ومهر مثلها على الثاني من تركتها وله ميراثها منه.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى تأويل الكلام، قال ابن سريج: قوله فإن لم تدع شيئًا لم يأخذ من المهر شيئًا لم يرد به ما وجب لها من المهر على الثاني وإنما أراد المهر الذي روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا قدم المفقود وهي تحت الثاني كان الخيار بين أن يأخذها وبين أن أخذ مهر مثلها، وبه قال مالك فالشافعي قال: لا آخذ للزوج هذا المهر على معنى أنه لما فوتها الثاني عليه كان له مطالبته بمهر مثلها لأنها قد ماتت فما فوق الثاني عليه شيئًا، وقوله: إذا لم يجد زوجته بعينها فلا حق له في ميراثها يعني لا نقول إنها ماتت أخذت مهر المثل من ميراثها والدليل على أنه أراد هذا قوله في أول الكلام فإذا قدم أخذ ميراثه منها.
فأما المزني قلنا له: الفقه كما قلت هي زوجة الأول، وله ميراثها منها ويوقف له ميراثه كما قلت، فإن كان حيًا وإلا كان [ق 132 أ] لورثتها، ولكن الإنكار عليك حيث سمعت كلامه أولًا أن له ميراثه منها كيف لم تتأول كلامه أولًا فإنه ما كان يناقص آخر كلامه أوله.
والله أعلم.
باب استبراء أم الولد
مسألة:
قَالَ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّه قَالَ فِي أُمِّ الوَلَدِ يُتَوَفي عَنْهَا سَيِّدُهَا تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ".
إذا مات السيد عن أم ولده أو أعتقها استبرأت بقرءٍ واحدٍ.
وكذلك إذا مات مدبرةٍ وكان يطأها، وكذلك الأمة المشتراة والمسببة تستبرأ بقرءٍ واحدٍ، وبه قال ابن عمر، وعائشة، والشعبي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد، والفقهاء السبعة والزهري رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة: إذا مات السيد عن أم ولده أو أعتقها اعتدت بثلاثة أقرا ولا تعتد عدة الوفاة.
الجزء: 11 - الصفحة: 375
وروي هذا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال عطاء، والنخعي، والثوري، وقال في المدبرة لا استبراء عليها أصلًا.
واحتجوا بأنها عدة وجبت على حرة فكانت بثلاثة أقراء، وهذا غلط لأنه استبراء وجب لزوال ملك اليمين فأشبه استبراء الأمة المشتراة.
وأما ما ذكروه لا يصح؛ لأن هذا الاستبراء، وإن وجب على حرة وجب بسبب ملك اليمين فصار كالاستبراء الذي ذكرنا.
وقال عمرو بن العاص: إذا مات سيد أم الولد تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا.
وروي هذا عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا، وهذا غلط؛ لأن عدة الوفاة إنما تجب عند زوال الفراش عن زوجية صحيحة، ألا ترى أنها لا تجب على الموطوءة بشبهة [ق 132 ب] ولا على المنكوحة نكاحًا فاسدًا وليس لأم الولد زوجية.
فإن قيل: روى خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله عنه أنه قال: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر، قلنا: فدل رواية خلاس من الصحيحة.
قال وكيع: معناه إذا مات زوجها بعد سيدها فإن قيل: قال عمرو بن العاص: لا تلبسوا علينا بسنة نبينا عدة المتوفي أربعة أشهر وعشر، يعني أم الولد، فدل أنه يروي أيضًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا: أراد اجتهادًا على معنى السنة في الحرائر، ولو كان عنده نص لأظهره ولا يقع التلبيس في النصوص وقيل تأويلها أعتق أم ولده ثم تزوجها، ثم مات.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا تَحِلُّ أَمُّ الوَلَدِ لِلأَزْوَاجِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرِ مِنَ الحَيْضَةِ".
ظاهر ما قاله ههنا أن الاستبراء يكون بالحيض، وقال في الإملاء على مسائل مالك: إذا استبرأ جارية لا يجوز له أن يطأها حتى تحيض حيضة يتقدمها طهر فالمسألة على قولين:
أحدهما: أنه بالحيض، وهو الصحيح لأنها أدل على براءة الرحم واقتصر على قرءٍ واحدٍ فكان الحيض بخلاف العدة، وعلى هذا يدل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا توطأ الحامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض، فاعتبر الحيض.
والثاني: أنه بالطهر كالعدة، فإذا قلنا: أنه بالطهر نظر إذا مات المولى، فإن كانت حائضًا، فإذا طهرت، ثم حاضت حلت للأزواج لأنه قد مرّ بها طهر كامل، وإن كانت
الجزء: 11 - الصفحة: 376
طاهرًا.
قال أصحابنا: تحتسب ببقية هذا الطهر، إلا أنه لابد من حيضة كاملة، بعده، فإذا حاضت، ثم طهرت فقد حلت، ويكون الاعتبار بالطهر الذي قبل الحيضة، إلا أن الطهر لمالم يكمل اعتبرنا أن تكمل الحيضة بعده ليدل على براءة الرحم.
وقال بعض مشايخ خرسان: تحتسب ببقية الطهر، وإن كان ساعة [ق 133 أ] فلا تحتاج إلى الحيضة بعده، فإن كانت جارية لا يحل الاستمتاع بها لأجل الحيض، وإن كانت معتقة يحل لها النكاح؛ لأن الحيض لا يمنع النكاح، وهذا اختيار القفال وهو القياس، وظاهر مذهب الشافعي ما تقدم.
وإذا قلنا إنه بالحيض، فإذا كانت طاهرًا فحاضت، ثم طهرت، فقد حلت، وإن كانت حائضًا لا تحتسب ببقية الحيض، فإذا طهرت، ثم حاضت، ثم طهرت، فقد حلت وهذا لأن الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا حائل حتى تحيض" أن تبتدئ الحيض فإن قيل: هلا قلتم إن بقية الحيض قرء على هذا القول كما قلتم على القول الآخر إن بقية الطهر قرء؟ قلنا: لأن بقية الحيض يتعقبها طهر والطهر لا يدل على براءة الرحم وهي الحيضة فجعلنا بقية الطهر قرءًا، وظهر الفرق.
وقال صاحب "الحاوي": عندنا يلزمها قرء بلا خلاف وفي هذا القرء هل يكون المقصود الطهر والحيض فيه تبع كما في العدة أو المقصود الحيض والطهر فيه تبع بخلاف العدة أوجه، لأن كلام الشافعي محتمل للكل أحدها أن المقصود فيه الطهر والحيض، فإن كانت حائضًا فطهرت، ودخلت في قرئها، فإذا رأت الحيضة الثانية حلت، وإن كانت ظاهرًا ففي بقية هذا الطهر وجهان.
قال أصحابنا البغداديون: يكون قرءًا كما في العدة ولكن يضم إليه حيضة كاملة ليعرف بها براءة الرحم ببقية الطهر.
وقال البصريون من أصحابنا: لا تعتد بهذا البقية، وإن كانت في العدة قرءًا لأنه لو كان قرءًا لاقتصر عليه ولا يقول به أحد ولا في العدة قرء لكونه تبعًا لأٌقراء كاملة بخلاف الاستبراء فعلى هذا يحتج أن تحيض بعدها، ثم تطهر، ثم ترى الحيضة الثانية.
والوجه الثاني: المقصود في هذا القرء الحيض والطهر فيه تبع [ق 133 ب] بخلاف العدة، والفرق أن في أقراء العدة حيضًا كاملًا يقوى طهرها في الاستبراء فكان الطهر فيها مقصودًا وطهر الاستبراء ضعيف بانفراده من براءة الرحم فصار الحيض مقصودًا فيه، لأن الطهر لا ينافي الحمل وإنما ينافيه الحيض فعلى هذا إذا كانت حائضًا لم تعتد ببقيتها بالإجماع، وهذا حجة البصريين في بقية الطهر وفرق البغداديون بينهما بما ذكرنا، قال: هذا الفرق تدقيق وليس بتحقيق ولو عكس لكان أشبه.
وقال مالك: إن مات سيدها في أول حيضها اعتدت بتلك الحيضة، وإن جاءت في
الجزء: 11 - الصفحة: 377
آخرها لم تعتد بها لأن قوة أولها يمنع علوق الولد فبرئ الرحم وضعف آخره لا يمنع من علوق الولد فلم يبرأ به الرحم، وهذا فاسد لأنه لو برئ به الرحم في الاستبراء لبرئ به الرحم في العدة ولأنه لو برئ الرحم بأوله لم يحتج فيه استكمال آخره.
والوجه الثالث: تفرد به البصريون الطهر والحيض مقصودان معًا في قرء الاستبراء وإن لم يقصدا معًا في أقراء العدة، والفرق أنهما في أقراء العدة.
يجتمعان فجاز أن يكون أحدهما مقصودًا فعلى هذا إن كانت حائضًا فإذا انقطع دمها دخلت في العدة، فإذا تمّ طهرها، ثم رأت حيضة كاملة ودخلت في الطهر الثاني حلت، وإن كانت طاهرًا هل تعتد البقية وجهان:
أحدهما: لا تعتد كما لا يعتد بقول البصريين إذا كان الطهر وحده مقصودًا فعلى هذا إذا رأت الدم بعد بقية هذا الطهر دخلت في قرئها، فإذا كملت حيضها، ثم طهرًا كاملًا، ثم رأت الحيضة الثانية حلت.
والثاني: تعتد ببقية هذا الطهر إذا كانا مقصودين ولا تعتد به إذا كان أحدهما مقصودًا [ق 134 أ] لقوته إذا قرن بغيره وضعفه إذا انفرد بذاته فعلى هذا تدخل في قرئها في نية طهرها، فإذا حاضت حيضة كاملة ودخلت في الطهر حلف وهذا كله حسن، وهذا كله إذا كانت من ذوات الأقراء، فإن كانت آيسة تستبرئ بشهر نص عليه في كتاب النكاح والطلاق، لأن كل شهر بمنزلة قرءٍ وهذا أصح، وفيه قول آخر نص عليه في كتاب عتق أمهات الأولاد أنها تستبرئ بثلاثة أشهر؛ لأن براءة الرحم بالشهور لا تحصل بأقل من ثلاثة أشهر، فإن الولد لا يتحرك في البطن وراء ثلاثة أشهر.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِأَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا"، وهذا صحيح لأنه براءة الرحم لا تحصل إلا بالرضع فاستوى فيه الحرة والأمة والمطلقة والمتوفي عنها.
ثُمَّ قَالَ:"وَإِنْ اسْتَبْرَأَتْ فَهِيَ كَالحُرَّةِ المُسْتَرِيبَةِ" وقد بينا حكم الحرة إذا ارتابت وحكم أم الولد حكمها فيما ذكرنا ولا فرق بين أن تكون الريبة قبل وضع الولد أو بعده وضعه لأنها ربما تلد ولدًا، وفي بطنها ولد آخر ينفصل بعد شهر أو شهرين أو أربعة أشهر، ولهذا عطف الشافعي مسألة المستبرأة على الحامل إذا وضعت حتى يعلم أن هذا الشك غير مختص بالحائل، وأنه ربما يشك الحامل كما تشك الحائل والحكم أنها تتربص حتى تستيقن زوال الريبة.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ أَوْ فِي عِدَّةِ مِنْ زَوْج فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا".
الجزء: 11 - الصفحة: 378
أجاب الشافعي على القول الذي يقول: تزويج أم الولد جائز، وقد ذكرنا ما قيل فيه في كتاب النكاح، فإذا زوجها، ثم ماتت المولى بعد تزويجها وعتقت فلا يجب عليها الاستبراء؛ لأنه لما زوجها صارت فراشًا لزوجه، وحرمت على مولاها ومحل المولى منها محل الأجنبي، فلم يجب عليها بموته الاستبراء، وكذلك [ق 134 ب] إذا طلقها أو مات عنها، ثم مات المولى وهي في عدة من زوجها لم يجب عليها الاستبراء لما ذكرنا، فإذا انقضت عدة الزوج والمولى حتى عادت فراشًا له؛ لأن الفراش قد زال بالتحريم الذي طرأ عليها النكاح، فإذا زال التحريم عادت فراشًا كما كانت وقد نص الشافعي على أن المولى يطأها قبل أن يستبرئها لأن المنع لأجل ماء الزوج، وقد حكمنا ببراءة رحمها من ماء الزوج فلم يجب على المولى استبراء آخر.
وذكر ابن خيران قولًا آخر عن الشافعي في القديم أنه يجب استبرائها ولا يحل له وطئها قبل ذلك لأنها استباحة تجددت في ملك، ولأن الاستبراء والعدة حقان فلا يتداخلان وعلى هذا لا تصير فراشًا للسيد بانقضاء العدة، فإن استبرأها السيد ووطئها صارت بهذا الوطء فراشًا، فإن مات السيد بعد ذلك لزمه الاستبراء بموته، وإن لم يطأها حتى مات قبل الاستبراء أو بعده، فقد مات وهي غير فراش له فلا يلزمها الاستبراء منه.
وقال في الحاوي في وجوب الاستبراء ههنا على قول ابن خيران وجهان بناء على الوجهين في استبراء أم الولد هل وجب لحرمة الولد أو لرفع الفراش.
قال الاصطخري: يجب لحرمة الولد فعلى هذا يلزمها الاستبراء، وقال غيره: يجب لرفع الفراش فعلى هذا لا يلزمها الاستبراء لأن الفراش لم يعد وعلى هذا لو زوج أمته بعد الاستبراء، ثم طلقها واعتدت من طلاقه هل يستبيحها السيد قبل استبرائها وجهان:
أحدهما: لا استبراء لأن براءة الرحم حصلت.
والثاني: يلزمها الاستبراء لأن العدة للزوج والاستبراء يحل استمتاع السيد.
وقال البندنيجي نص الشافعي عليه وعلى كلا الوجهين لا تصير فراشًا إلا بالوطء لأن فراش أم الولد أثبت لأن ولدها بعد ستة أشهر [ق 135 أ] من استبرائها يلحق بالسيد ولا يلحق به ولد الأمة، فإذا مات على الأمة لم يلزمها الاستبراء بموته ويلزم أم الولد فافترقا.
وإذا قلنا بالمذهب المشهور أنه لا استبراء عليها بعد انقضاء عدتها، وصارت فراشًا للسيد فمات السيد في الحال يلزمها الاستبراء عن السيد لزوال ملكه عنها وهي فراش نص عليه الشافعي:
وقال القفال: إنما يجب الاستبراء على أم الولد عند موت السيد أو إعتاقها إذا لم
الجزء: 11 - الصفحة: 379
يكن السيد استبرأ هل قبل الموت أو الإعتاق، فإن كان قد استبرأها أو أعتق فهل يلزمها الاستبراء وجهان، وأصل الوجهين ما ذكرنا من قبل أن أم الولد هل يزول عن كونها فراشًا بالاستبراء أو ولادة يحصل، وهل تعود فراشًا بعد زوج من غير وطء جديد.
فإن قلنا: هي فراش بكل حال فلا بد من استبراء بعد زوال الملك، وإن قلنا بالآخر فالذي قبل الإعتاق محسوب، فإذا قلنا: لو استبرأها، ثم أعتقها لا يلزمها الاستبراء لا يعتد هذا التفريغ لأن استبرأها قبل أن زوجها لا محالة إذ يجوز أن يطأها، ثم يزوجها من غير استبراء فلا يحصل للعقد أو العدة منه تأثير في هذا الحكم.
وإذا قلنا إنه لا يحتسب بالاستبراء قبل الإعتاق يفيد الكلام من هذا الفرع، وهذا حسن ولكنه غير مشهور.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ مَاتَا فَعُلِمَ أَنْ أحدهما مَاتَ قَبْلَ الآخَرِ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا أَوَّلًا اعْتَدَّتْ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الآخَرُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الفصل:
وهذا تفريع على القول الصحيح أنها تعود فراشًا له من غير استبراء جديد، وجملة هذا أنه لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون بين موتهما شهران وخمس ليال فما دونهما أو أكثر من شهرين وخمس ليال إذا شكل الأمر فلا يدري كم كان بينهما [ق 135 ب] فإن علم أن بينهما شهرين وخمس ليال أو أقل من ذلك، فإن عليها أربعة أشهر وعشرًا من غير حيضة من أخرهما موتًا، وإنما لا تجب الحيضة لأنه لا يخلو من أن يكون الزوج هو الذي مات أولًا أو السيد وأيهما تقدم موته فلا استبراء عليها من السيد؛ لأن السيد إن كان قد تقدم موته فهي تحت زوج، وإذا مات السيد عن ام ولد وهي تحت زوج لا تجب عليها الاستبراء وإن كان قد تقدم موت الزوج، ثم مات السيد صادف حال عدتها من زوجها، وقد بينا أنها إذا كانت في عدة من زوجها لا يجب عليها الاستبراء من سيدها، وأما أربعة أشهر وعشر فإنما أوجبنا عليها احتياطًا فإنه يجوز أن يكون السيد مات أولًا فعتقت هي، ثم مات الزوج عنها وهي حرة فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا وإن كان بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال، ثم مات السيد فيلزمها أن تستبرئ نفسها بحيضة وإنما أوجبنا عليها أربعة أشهر وعشرًا احتياطًا بجواز أن يكون السيد مات أولًا، ثم مات الزوج وهي حرة فوجبت عليها عدة الحرائر.
وأما قول الشافعي ههنا: "وهو أكمل ما وجب عليها" لم يرد بذكر الكمال أن الجمع بين الأشهر والحيضة من المستجاب بل يلزمها ذلك، وكذلك قال
الجزء: 11 - الصفحة: 380
عليها وهي كلمة إيجاب وإلزام.
وحكي عن أبي إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: يجب أن تكون الحيضة في الأربعة الأشهر بعد شهرين وخمس ليال لأن الشهرين وخمس ليال عدة من الزوج فالاستبراء بحيضة يجب أن يكون بعدها، قال: وهذا غلط لأنا لا نحتسب بما بين الموتتين من العدة، وإنما نوجب عليها أربعة أشهر وعشرًا من عند آخرهما موتًا فعلى هذا في أي زمان حصلت الحيضة في أربعة أشهر وعشرًا [ق 136 أ] في أولها أو في آخرها فقد صح الاستبراء، وإن لم يعلم مقدار ما بين فالاحتياط أن يكون بين موتيهما أكثر من شهرين وخمس ليال فيلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة على ما بيناه.
ثم إن المزني قَال: هَذَا عِنْدِي غَلَطٌ لَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَوْتَيْهِمَا إِلَّا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ فَلَا مَعْنَى لِلْحَيْضِةِ" قلنا له: صدقت ومثل هذا لا تخفي على الشافعي ولما نقله تأويلان:
أحدهما: أن الشافعي جمع بين مسألتين:
إحداهما: أن يكون بين موتيهما أقل من شهرين وخمس ليال أو أكثر ثم أجاب عن الثاني: منهما وترك الجواب عن الأولى اكتفاء بما قد بينه في المسألة قبلها.
والثاني: أنه صور المسألة فيما سكت فلم يدل على أن بين موتيهما قدر عدة الإماء أو أقل أو أكثر فكأنهما شكت من وجهين في أولهما موتًا، وفي قدر المدة بين الموتين فالحكم يكون بالاحتياط على ما ذكرنا.
وإن علم أنه مات الزوج والسيد فعليها أربعة أشهر وعشر بلا خلاف.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا يَقْرَبُ زَوْجِهَا حَتَّى تَسْتَيْقِن أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ قَبْلَ زَوْجِهَا".
أراد به إذا ماتا جميعًا ولم يعلم أيهما مات أولًا، فلا ميراث لها من زوجها، لأن الأًصل أنها رقيقة ليست من أهل الميراث، وقد شككنا هل يغير حكمها فصارت من أهل الميراث من زوجها أم لا فلا يجوز أن نزيل اليقين بالشك".
فإن قيل: لم يوقفوا الميراث حتى ينكشف الحال كما قلتم في الرجل إذا كانت له امرأتان مسلمة وكتابية، فطلق إحداهما لا بعينها ومات قبل البيان يوقف ميراث زوجه إلى أن تنكشف [ق 136 ب] المطلقة هل هي الذمية فترثه المسلمة أو المسلمة فلا ترث الذمية ولا المسلمة، قلنا: الفرق أن الأصل أن المسلمة وارثته وقد شككنا هل حكمها وبطل استحقاقها أم لا، والأصل أنها مستحقة للميراث فلا يزيل اليقين بالشك وههنا الأصل أن أم الولد غير مستحقة للميراث، وقد شككنا هل صارت مستحقة فلا يزيل اليقين بالشك،
الجزء: 11 - الصفحة: 381
فإن ادعت علم الورثة أنه عتقها، كان قبل موت قريبه فعليهم أن يحلفوا أنهم لا يعلمون ذلك.
ثم قال الشافعي: "وتعتد عدة الوفاة كاملة للاحتياط حتى تحل بيقين، وعلى هذا إذا طلق العبد امرأته الأمة طلقة رجعية فأعتقت في عدتها، ثم أعتق العبد، ثم مات فإن كانت الأمة لما أعتقت اختارت الفسخ فلا ترثه لأنها صارت بالفسخ بائنًا وإن كانت لم تختر الفسخ فهي رجعية جارية في العدة فيلزمها عدة الوفاة ورثته.
مسألة:
قَالَ: "وَالأَمَةِ يَطَأَهَا سَيِّدَهَا تُسْتَبْرأَ الحَيْضَةِ، فَإِنْ نَكَحَتْ فَفَسْق".
أراد به إذا كانت جارية فوطئها ولم يستبرئها لم يجز له تزويجها قبل الاستبراء، فإن زوّجها كان النكاح فاسدًا، وإن باعها قبل الاستبراء صح البيع لأن المقصود من البيع هو الملك دون الوطء بخلاف النكاح ولا يجوز للمشتري وطئها حتى تستبرئها وكذلك لا يجوز للمشتري قبل الاستبراء كان التزويج فاسدًا.
وقال أبو حنيفة: له تزويجها قبل الاستبراء، وهذا على اصله أنها لا تصير فراشًا بالوطء ولا يلزمه الولد بذلك ما لم تقر بعين الولد فهو كما لو لم يطأها فيقول: كل وطء لو أتت منه بولدٍ وأٌرت به ثبت النسب فذلك الوطء يوجب تربصًا كالوطء بالشبهة [ق 137 أ] وزاد أبو حنيفة على هذا فقال: لو وطء أمته، ثم زوجها في الحال ووطئها الزوج في الحال جاز فيجتمع من ساعتين وطئان من رجلين وهذا بيع في الشرع.
وأما إذا وطئها ثم استبرأها له تزويجها، وجاز له بيعها، فإن باعها وجب على المشتري أن يستبرئها استبراء آخر لحدوث ملكه عليها ألا ترى أنه لو اشترى جارية من خصي أو امرأة كان عليه أن يستبرئها وإن كانت رحمها بريئة ولكن يجوز للمشتري تزويجها قبل الاستبراء، لأن الاستبراء لحدوث الملك لا يمنع التزويج، وإنما يمنع من التزويج الاستبراء يجب لأجل وجود الوطء، وإنما قلنا كذلك؛ لأن رحمها برئ في الظاهر فجاز له تزويجها وليس لذلك الوطء لأنه وإن كان رحمها برئ في الظاهر ربما أنه يتولد بعد وطئه فعلم أنه ليس منه فلا يمكن نفيه بأن يدعي الاستبراء، فإذا لم يستبرئها لا يمكن أن يدعيها وأيضًا الاستبراء للنكاح مقدم النكاح فاكتفي بالاستبراء المتقدم والاستبراء للوطء لا يتقدم الملك فلم يكتف بالاستبراء المتقدم من البائع، والفرق بين هذه يجوز تزويجها وبين مسألة الخلاف أن في تلك المسألة رحمها مشغول غير بريء في الظاهر وههنا رحمها بريء في الظاهر فافترقا، وإن كانت له جارية فوطئها، ثم أعتقها لم يجز لها أن تتزوج حتى تستبريء بحيضة وكذلك إذا وطئها ثم باعها، ثم أعتقها المشتري قبل
الجزء: 11 - الصفحة: 382
الاستبراء لا يجوز لها أن تتجوز إلا بعد الاستبراء، وكذلك أم ولده إذا أراد تزويجها.
وقلنا: يجوز ذلك [ق 137 ب] كان عليه أن يستبرئها بحيضة، فإن زوجها قبل الاستبراء فالتزويج فاسد، ولو كانت له جارية فأعتقها ولم يكن وطئها لم يجب عليها الاستبراء، وكان لها أن تتزوج في الحال وكذلك إذا وطئها واستبرأها ثم أعتقها لم يجب عليه استبراء آخر لأن عليه وجوب الاستبراء، أما وجود الوطء أو حدوث الملك على الاستمتاع بعد التحريم وليس ههنا واحد منهما، وبه قال أحمد، وعلى ما ذكرنا لو اشترى أمةً من صبي أو خصي أو امرأة يجوز له أن يزوجها قبل الاستبراء ويحل للزوج وطئها عقيبه ولا يجوز للمشتري وطئها حتى يستبرئها.
وقال القفال: نص الشافعي هكذا أنه لو اشترى أمةً ولم يطأها حتى أعتقها فلا استبراء عليها، ولكن قال أصحابنا: صورته أن البائع كان قد استبرأها قبل أن باعها، أو لم يكن وطئها أو المشتري استبرأها، ثم أعتقها.
ومن أصحابنا من قال: وإن استبرأها البائع، ثم أعتقها لابد من استبراء جديد بعد التزويج، قال: وعلى هذا أكثر أصحابنا، وعندي يجوز له تزويجها، وهذا غريب بعيد ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق والله أعلم.
وقال أبو حنيفة: إذا أعتقها سقط الاستبراء بكل حالٍ.
وحكي أن هارون الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه إلى جماعها قبل أن يستبرئها فقال لأبي يوسف: هل تجد لي حيلة في ذلك؟ فقال: نعم أعتقها وتزوج بها وقد حلت في الحال، ففعل ذلك وأجزل العطاء لأبي يوسف.
وقيل: هذا ليس بمذهب أبي حنيفة بل هو اختيار أبي يوسف.
واحتجوا [ق 138 أ] بأن له أن بيبعها فله أن يزوجها كما لو كان استبرأها، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسق بماء له زرع غيرك، والبائع قد زرع فلا يجوز للزوج أن يسقيه ولأن هذا وطء له حرمة فلا يجوز تزويجها من غير الواطئ قبل الاستبراء كالموطوءة بشبهة، ويخالف البيع لأنه يصح في المعتدة والمحرمة بخلاف النكاح.
فإذا تقرر هذا فإذا زوجها، ثم طلقها زوجها قبل الدخول بها فعليه استبراء جديد؛ لأن الحيلولة التي وقعت بينه وبين بضعها بالتزويج كزوال الملك؛ لأنه يزيل ملك الاستمتاع وإن طلقها بعد الدخول تعتد بحيضتين وهل يدخل الاستبراء في تلك العدة أو يجب الاستبراء؟ من وجهين.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ وَطِئَ المُكَاتِبُ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ".
الجزء: 11 - الصفحة: 383
الفصل:
المكاتب لا يتسرى على قوله الجديد، وأما على قوله القديم ليس له ذلك دون إذن السيد، وبإذنه هل يجوز؟ قولان كما نقول في تبرعاته، ثم سواء قلنا يتسرى أم لا وطء فجاءت منه فالولد مكاتب عليه ولا نعني به أنه يصير مكاتبًا مثله أو يلزمه من النجوم وإنما نعني به أنه لا يجوز له بيعه وإزالة الملك عنه ويكون موقوفًا على حكمه، فإن عتق عتق، وإن رق رق.
وأما الجارية فيها قولان:
أحدهما: تصير أم ولد له ولا يبعها بحال وهو الأصح لأنه ثبت لولدها حرمة حرية منتظرة فثبتت للأم أيضًا؛ لأن حكم الأم حكم الولد ولا نريد به أنها تصير أم ولده في الحال؛ بل تريد به أنه في الحال لا يبيعها، فعلى هذا إن رق المكاتب رقًا جميعًا؛ لأنه يجوز حينئذٍ بيع الولد وحرمتها بالولد فيجوز بيعها أيضًا وإن عتق كانت أم ولده وتعتق بموته [ق 138 ب].
والثاني: يبيعها ولا تصير أم ولدٍ به خاف العجز أو لا لأنها علقت بمملوك فلم تصر أم ولد، كما لو أولدها في النكاح ثم استبرأها لا تصير أم ولدٍ له، والأول اختيار المزني وهذا على أصله صحيح؛ لأن عنده الحر إذا استولد جارية بالنكاح قم ملكها صارت أم ولد أيضًا وههنا أولى.
وقال مالك: إن خاف العجز باع هذه الجارية، وإن لم يخف العجز لا يبيعها، وقال أبو حنيفة: إن مات الولد حل له بيعها، وإن كان حيًا لا يبيعها، وهذا غلط لأنها لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون أم ولدٍ فلا يجوز بيعها بحالٍ كسائر أمهات الأولاد.
وإما أن لا تكون أم ولد فيجوز بيعها على كل حال كالأمة القن لا وجه للفرق الذي ذكره مالك ولا للذي ذكره أبي حنيفة.
وحكي عن الاصطخري أنه قال: لو خاف العجز إن لم يبع الولد له بيعه لأن عجزه يفضي إلى رقهما معًا فكان بيعه في عتق الأب أولى من استرقاقه مع الأب، وهذا خلاف مذهب الشافعي؛ لأن العتق بيعه مظنون، ويجوز أن يتلف ثمنه قبل أدائه في مال الكتابة فلا يجوز أن يسقط به ما استحقه على أبيه من العتق بعتقه، ويقابل هذا التجويز أنه يجوز أن يكتسب مالًا قبل تعجيزه من لقطةٍ أو هبةٍ فيعتقان معًا.
باب الاستبراء من كتاب الاستبراء
مسألة: قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ سَبْيِ أَوْطَاسٍ أَنْ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَلَا يَشُكُّ أَنَّ فِيهِنَّ أَبْكَارًا أَوْ حَرَائِرَ كُنَّ قَبْلَ أَنْ يُسْتَأمَيْنَ وَإِمَّا
الجزء: 11 - الصفحة: 384
وَضِيعَاتٍ وَشَرِيفَاتٍ فَكَانَ الأَمْرُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِنَّ وَاحِدًا" [ق 139 أ].
إذا ملك الرجل جارية بشراء أو هبة أو ميراث أو غنيمة أو وصية لا يجوز له أن يطأها حتى يستبريها سواء كانت الجارية بكرًا أو ثيبًا صغيرة لا يمكن وطئها أو كبيرة يمكن وطئها وسواء كانت ممن تحبل، أولا تحبل شريفةٍ كانت أو دينة للعلة التي ذكرها الشافعي ههنا وهي حدوث الملك على جارية محرمة عليه.
واعتبر الشافعي حدوث الملك وكون الفرج محرمًا عليه قبل الملك؛ لأن الرجل إذا تزوج ثم استبرأها لا تجب عليه أن يستبرئها، لأن الفرج كان مباحًا له قبل الملك.
وبه قال عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، والحسن، وعطاء، وابن سيرين، وعكرمة، وجماعة الفقهاء رضي الله عنهم، وقال داود: إن كانت بكرًا فلا استبراء عليه، وإن كانت ثيبًا يلزمه الاستبراء.
وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه، وقال مالك: إن كانت عمن لا تجامع مثلًا فلا استبراء، وإن كانت ممن تجامع مثلًا يلزمه الاستبراء.
وحكي صاحب المفتاح عنه أنه قال: تستبرأ الشريفة ولا تستبرأ الدنية، وقال الليث بن سعد: إن كانت ممن يحبل مثلها فعليها الاستبراء، وإن كانت ممن لا تحبل مثلها فلا استبراء عليها، وقال المزني من مختصر: المختصر عندي أنه لا يلزم الاستبراء بحالٍ إلا أن تكون موطأة أو كانت حائلًا وأنا أميل إلى هذا.
واحتجوا بأن الغرض بالاستبراء معرفة براءة الرحم، فإذا كانت بكرًا أو لا تحبل لا حاجة إليه، وهذا غلط لما ذكر الشافعي من الدليل وأشار على لفظ الخبر ولولا ذلك لكان الأول أن يقول نهى عام سبي أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض وكان الأولى بعدما قصد إلى اللفظ أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ق 139 ب] ويذكر الخبر، وقوله قبل أن يستأمنن أي قبل أن يصون بالاسترقاق إماءً.
وروى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة رأى امرأة محجمًا.
فقال: لعل صاحبها ألم بها قالوا: نعم، فقالت: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستخدمه وهو لا يحل له" والحج الحامل المقرب وفيه بيان أن الواطئ الحامل من السبايا لا يحل حتى تضع الحمل وقوله كيف يورثه وهو لا يحل له يريد به أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشترك فلا يحل له استلحاقه وبورثته، وقد يكون منه إذا وطئها بأن ينعس ما كان في الظاهر حملًا وتعلق من وطئه فلا يجوز له نفيه واستخدامه، وفي هذا دليل على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء.
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحيضة، وروى رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: "لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر سقي مائه زرع غيره" يعني إتيان الحبالى.
الجزء: 11 - الصفحة: 385
فرع:
قال القفال: قال في الأم ورواية الربيع إذا اشترى أمة معتدة من زوج فانقضت عدتها لا يلزم الاستبراء، ولو زوج أمته فأصابها الزوج، ثم طلقها فاعتدت يلزم الاستبراء.
وقال في الإملاء في المسألة الأولى: يلزم الاستبراء وفي المسألة الثانية لا يلزم الاستبراء فاختلف جوابه هكذا في الكتابين على التضاد، وقد سألت كثيرًا من أصحابنا فلم يزد أحد منهم على أن قال للشافعي في المسألتين قولان:
أحدهما: يدخل الاستبراء في العدة.
والثاني: لا يدخل وهذا وإن كان كذلك [ق 140 أ] فلابد من أن يكون لفصل الشافعي بينهما واختلاف جوابه معنى فالمعنى الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك الذي اعتبره الشافعي في الأم أن الاستبراء تجب عند حدوث الملك على الفرج فمتى كان الفرج مشغولًا بحث الغير لم يجب فعلى هذا في المسألة الأولى لا تجب وفي الثاني: يجب لأن ملكه على الفرج إنما حدث عند فراغها من العدة، وإذ ذاك لم يكن للغير حق فوجب الاستبراء كما لو كانت أمة فعجزت أو زوج أمته فطلقها زوجها قبل الدخول، واعتد في الإملاء على معنى آخر وهو أن العدة إذا حصل كلها في ملكه حصل الاستبراء له، وإذا حصل بعضه في غير ملكه لم يعتد به، وهذا حسن لم يقله غيره.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ وَقَبَضَتْهَا وَتَفَرَّقَا بَعْدَ البَيْعِ، ثُمَّ اسْتَقَالَهَا فَأَقَالَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئُهَا".
الفصل:
قصد الشافعي بهذا التصوير التنبيه على أن الاستبراء حيث يجب إنما يجب بسبب حدوث الملك سواء كان الوطء من البائع موهومًا أو غير موهوم، فلو كنا نأمر بالاستبراء لتوهم الوطء لما أوجبناه في هذه المسألة لأنا تيقنا أنها بين البيع والإقامة كانت مصونة عن الوطء وجملته أنه إذا باع أمته من امرأة أو خصي أو رجل عدل، ثم استقال في الحال فأقاله انتقل الملك إليه قبل أن يطأها المشتري ولا يحل له وطئها حتى يستبرئها سواء كان بعد قبض المشتري أو قبل قبضه.
وقال أبو يوسف: إن كانت الإقالة بعد القبض يلزم الاستبراء، وإن كانت قبل القبض فالقياس أن يستبرئها ولكنه لا يجب استحبابًا.
وروي هذا عن أبي حنيفة، وهذا لأن قبل القبض باقية على حكم ملكه، وهذا غلط، لأنها حرمت عليه بعقد معاوضة وحلت له بفسخه فيجب الاستبراء كما لو كان بعد
الجزء: 11 - الصفحة: 386
القبض.
وأما ما ذكره لا يصح لأنها [ق 140 ب] ملك المشتري يلزمه نفقتها، وعلى ما ذكرنا قال القاضي الطبري: لو فسخ البائع البيع في المجلس قبل التفريق، وقلنا: الملك للمشتري لا يجب الاستبراء عليه لأنه استحدث عليها ملكًا بعد التحريم.
فإن قيل: أليس يجوز للبائع وطئها في مدة الخيار فيل نعم ويكون وطئه فسخًا، فأما الوطء مع انتقال الملك فمحرم.
مسألة:
قَالَ: "والاسْتِبْرَاءُ أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي طَاهِرًا بَعْدَمَا مَلِكَهَا".
الفصل:
أراد به أن الاستبراء واجب على المشتري دون البائع، فإن استبريء البائع وباعها لم يسقط عن المشتري والمستحب أن يستبرئها البائع أيضًا إن كان قد وطئها، وإن لم يكن وطئها فلا مانع له، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وقد ذكرنا في كتاب البيع عن النخعي وجماعة أنه يجب على البائع والمشتري معًا؛ لأن البائع يلزمه حفظ مائه وكذلك المشتري يستبرئها لحفظ مائه، وهذا غلط؛ لأن الاستبراء في حق الحرة آكد لأنه ثلاثة أقراء، ثم لا يجب قبل النكاح وبعده فههنا أولى وما ذكره يبطل بالحرة.
وقال عثمان البني: يجب الاستبراء قبله كالنكاح، وهذا غلط لأنه ملك استمتاع جارية بملك اليمين بعد تحريمها عليه فكان عليه الاستبراء كالمسبية.
وأما ما ذكره لا يصح في المحرمة بخلاف النكاح، والاستبراء يكون في يد المشتري، وإن كانت جميلة ففي يدي عدل، وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع وهذا غلط لأنه استبراء لاستحداث ملك فأشبه إذا كانت قبيحة.
واعلم أن أبا حامد قال: لو استبرأها قبل القبض بعد لزوم البيع لم يعتد به ويلزمها استبراء آخر بعد القبض؛ لأن الشافعي قال: "والاستبراء أن تمكث عند المشتري طاهرًا" ولأن الملك لم يستقر بعد فأشبه إذا كان قبل التفرق، قال: وهكذا إذا أوصى له بجارية ومات [ق 141 أ] فقبل الوصية ملكها، وإن لم تقبض ولا تعتد بالاستبراء قال: ولو ورث جارية فاستبرأها قبل القبض وقع الاستبراء موقعه والفرق أن بالميراث تصير كالمقبوضة بدليل أنه يجوز له بيعها في الحال، فلها يعتد بالاستبراء هناك بخلاف مسألتنا والمسألة خلاف هذا على ما ذكرنا في كتاب البيع؛ لأن الشافعي قال: بعد هذا ولو لم يتفرقا حتى وضعت حملًا لم تحل له حتى تطهر من نفاسها ويحيض حيضة ولم يشترط القبض، لأن الملك قد تمّ ولزم فأشبه إذا كان بعد القبض.
وأما قول الشافعي: "الاسْتِبْرَاء أَنْ تَمْكُثَ عِنْدَ المُشْتَرِي" قصد به الرد على مالك
الجزء: 11 - الصفحة: 387
حيث قال: إذا كانت حسنة تكون في يد عدل على ما ذكرنا، وأما قوله: تمكث طاهرًا بعدما ملكها ثم تحيض حيضة معروفة، فإذا طهرت منها فهو الاستبراء يريد به أن الاستبراء بالحيض ولكن يكون حيضة معروفة أي صحيحة، وهو أن يكون أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ولا بد من أن تمكث طاهرًا، ثم تحيض حيضة لأنها كانت حين ملكها طاهرًا فلا بد من أن تحيض حيضة، فإذا طهرت حلت، وإن كانت حائضًا فلا تحتسب بنفسها، فإذا طهرت، ثم حاضت حيضة كاملة، ثم طهرت ثانيًا حلت، وقد ذكرنا ما قيل فيه، وإن كانت لا تحيض فاستبرؤها بشهر.
وقال عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وابن سيرين: ثلاثة أشهر وهو قول آخر لنا، وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، ثم قال: فإن استبرأت أمسك حتى يعلم أن تلك الريبة لم تكن حملًا وأراد إذا استبرأت نفسها بحيضة ثم استبرأت فعلى السيد أن يمسك عنها، ولفظ الشافعي يدل على هذا أنه قال: ولا أعلم مخالفًا في المطلقة لو حاضت ثلاث حيض وهي ترى [ق 141 ب] أنها حامل لم تحل للأزواج إلا بوضع الحمل والبراءة من أن يكون حملًا.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الاسْتِبْرَاءِ التَّلَذُّذُ بِمُبَاشَرَتِهَا".
الفصل:
إذا ثبت أن الاستبراء على المشتري فلا يحل له وطئها حتى يستبرئها، وأما دواعي الجماع من القبلة واللمس والنظر بشهوة فلا يحل له أيضًا في زمان الاستبراء المعنيين بأحدهما أنه استبراء لصيانة الماء فأشبه المعتدة من زود.
والثاني: وهو الأظهر أنها قد يكون من سيدها أو وطء شبهة فتكون أم ولد غيره فيؤدي إلى مباشرة أم ولد غيره ولا يجوز ذلك هذا إذا ملكها بغير السبي، فإن ملكها بالسبي والاغتنام فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز شيء من هذا قياسًا على المملوكة بغير السبي.
والثاني: يجوز ذلك، وهو ظاهر المذهب لأن هذا لا تخلو إما أن تكون حائلًا أو حاملًا فإن كانت حائلًا فهي مملوكة له، وإن كانت حاملًا لا تكون أم ولد للمشترك وتكون هي وولدها مملوكين له، فإن قيل فقولوا: يجوز وطئها أيضًا لهذا المعنى قلنا: إنما حرمنا وطئها لئلا يختلط ماءه بماء المشترك، وكان الاستبراء واجبًا لحرمة ماء المسلم دون المشرك، ولأنه روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أنه قال: وقع في سهمي جارية من سبي حلولًا فنظرت إيها، فإذا عتقها مثل الإبريق فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون ولم ينكر عليه أحد.
الجزء: 11 - الصفحة: 388
فرع:
لو وجبت العدة على زوجة الغير بوطء شبهة لا يحل للزوج وطئها ما دامت في عدتها وهل تحل التلذذ بما دون الوطء وجهان لأن المقصود نفي اختلاط البائن وهي بعد العدة حلال للزوج كالمسبية، وهكذا لو زوج أمته، ثم طلقها بعد الدخول وانقضت عدتها، ثم عادت إلى السيد يلزمها [ق 142 أ] الاستبراء بعد العدة تعتد في أحد الوجهين وهل يحرم في هذا التلذذ وجهان:
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبِلَةً".
الفصل:
إذا اشترى جارية حائلًا فاستبرأها يكون بوضع الحمل، وإنما يصح ذلك إذا كان حملها مملوكًا، فإذا وضعت نظر، فإن وضعت بعد لزوم البيع وانبرامه وهو بعد التفرق وقع الاستبراء موقعه، وإن وضعت قبل لزوم البيع مثل أن وضعت في مدة خيار المجلس له وخيار الشرط.
فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع لم يعتد به عن الاستبراء، فإذا تفرقا وطهرت من النفاس، ثم حاضت حيضة حصل الاستبراء ولا يحتسب بالنفاس من الاستبراء لأنه تابع للولادة التي قبله.
وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد إلى المشتري أو قلنا إنه مراعى فهل يعتد بهذا الوضع عن الاستبراء وجهان ذكرهما أبو إسحاق:
أحدهما: يعتد به لأنه استبراء بعد حدوث الملك.
والثاني: لا يعتد به لا الملك لم يستقر بدليل أن للبائع انتزاعها من ملكه.
وقال صاحب الحاوي: إن كان وضع الحمل حصل الاستبراء وجهًا واحدًا على هذا القول ولو كان بدل الحمل قرء فيه وجهان خرجهما أبو إسحاق لأن الاستبراء بالحمل أقوى من الاستبراء بالقرء، وهذا لا يصح لأنه يحصل الاستبراء بهما كما أعرف فرقًا بين الحمل والوضع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً مُكَاتِبَةً فَعَجَزَتْ لَمْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئْهَا".
الجزء: 11 - الصفحة: 389
إذا كانت السيد أمته فعجزت عن الأداء ورقت أو زوجها فطلقها زوجها قبل الدخول [ق 142 ب] فارتد أحدهما أي الجارية أو سيدها ثم عاد إلى الإسلام لم يكن له وطئها حتى يستبرئها.
وقال أبو حنيفة: له وطئها من غير استبراء في هذه المواضع؛ لأن ملكه لم يزل عنها، وإنما حرمت بعارضٍ كما لو رهنها، ثم فكها من الرهن، وهذا غلط لما ذكره الشافعي أنها ممنوعة منه، ثم أبيح بالعجز ولا يشبه صومها الواجب عليها وحيضها، ثم يخرج من ذلك؛ لأنه يحل له في ذلك أن يلمسها ويقبلها ويحرم ذلك في الكتابة كما يحرم إذا تزوجها، وتحرير هذا أن كل من ملك الاستمتاع بجارية بعد تحريمها عليه لم يحل له وطئها قبل الاستبراء، ولا يدخل على هذا الصائمة إذا خرجت من صومها، والحائض إذا طهرت من الحيض لأنهما لم يكونا محرمتي الاستمتاع، وكذلك الأمة إذا رهنها، ثم فكها من الرهن لا يلزمه أن يستبرئها؛ لأن الرهن لا يحرم الاستمتاع بها، فإن له أن يقبلها وله أن يطأها إن كانت صغير لا تحبل مثلها، ولا يدخل على هذه الأمة إذا أحرمت بحج أو عمرة، ثم حلت؛ لأن مولاها لم يزل ملكه من الاستمتاع بها فلا يقال إنها لما حلت من الإحرام ملك الاستمتاع بها، وإذا عجزت ملك المولى ذلك فدل على الفرق بينهما.
قال الفقال: وعلى هذا الخلاف إذا وطء إحدى الأختين، ثم كاتبها حلت له الأخرى في الحال عندنا، وقال أبو حنيفة: لا تحل، ثم قال الشافعي: وإنما قلت طهر، ثم حيضة حتى تغتسل منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دل على أن الأقراء الأطهار بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنه يطلقها طاهرًا من غير جماع فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء، وأمر صلى الله عليه وسلم من الإماء أن يستبرئن بحيضة فكانت الحيضة الأولى أيامها طهرًا كما كان الطهر.
أما من الحيض فكان قصد النبي صلى الله عليه وسلم [ق 143 أ] في الاستبراء إلى الحيض، وفي العدة إلى الأطهار كان قائلًا قال له: لم يفرق بين عدة الطلاق بالنكاح تكون بالطهر وبين الاستبراء بالحيض؟ فقال: لأن الشرع فرق بينهما كما ذكر.
واعلم أن اللفظ إشكالًا وذلك أنه قال: وإنما قلت طهر، ثم حيضة فأوهم بظاهره أن الاستبراء يقع بالطهر، فذهب بعض أصحابنا إلى هذا الظاهر فقال: إذا استبرأها طاهرًا فحاضت حلت من الاستبراء وجاز في حيضها ما يجوز من الاستمتاع بالحائض ولكن آخر كلام الشافعي في هذا الفصل يمنع صحة هذا القول؛ لأنه قال: فكان قصد النبي صلى الله عليه وسلم في الاستبراء إلى الحيض؛ وفي العدة إلى الأطهار وإزالة الإشكال عن أول هذا الفصل بأن يقال: معنى قوله: وإنما قلت: طهر ثم حيضة أنه لو استبرأها حائضًا لا تحتسب بقية الحيضة والاستبراء لا يقع إلا بحيضة أولها وآخرها في ملك المشتري، ولم يرد أن الاستبراء بالأطهار وكيف يريد ذلك.
وقد روى حديث ابن عمر، وحديث أوطاس وفرق بينهما بهذا، وأما قول الشافعي
الجزء: 11 - الصفحة: 390
وكانت الحيضة الأولى أمامها طهرًا كما كان الطهر أمامه الحيض لفظ مشكل فظاهره أن الطهر في العدة أمامه حيض كما أن الحيض المحسوب في الاستبراء حيض أمامه طهرًا وإزالة الإشكال أن يقال يحتمل أن يكون الشافعي أراد بهذا الطهر الثاني من العدة فإنه يتبع الحيضة، أو أراد الصغيرة التي لم تحض قط فطلقها زوجها فحاضت بعد الطلاق قبل تمام الأشهر الثلاثة، فلا يتصور أن يحتسب لها في العدة قرء حتى تكون أمامه حيض، فأما إذا حملنا لفظه على غير هذين الموضعين فلا يمكن؛ لأن بقية الطهر بعد الطلاق قرء محسوب، وإن لم تكن أمامها حيض بعد طلقها [ق 143 ب].
فرع:
لو اشترى أمة مجوسية فاستبرأها، ثم أسلمت لا يجوز له أن يطأها بعد الإسلام حتى يستبرئها، ولا تعتد بالاستبراء الذي حصل في حال الكفر؛ لأنه لا يفيد الإباحة الاستبراء المعتد به إنما هو إذا تعلقت به الاستباحة وقيل: فيه وجه آخر أنه يعتد بذلك الاستبراء وعلى هذا عن أبي حامد ولا يوجد في تعاليقه ذلك، قال أصحابنا: وهكذا إذا اشترى أمة مجوسية فكاتبها، ثم أسلمت واستبرأها بعد إسلامها ثم عجزت لم تحل لمولاها إلا بأن يستبرئها، وهذه المسألة ليست من جنس ما قبلها لأن ههنا وجب بالعجز استبراء جديد، فإنه استحدث الملك على الاستمتاع.
فرع آخر:
لو كان لرجل عبد مأذون له في التجارة فاشترى العبد أمة واستبرأها بالحيضة، فحجز المولى عليه ومنعه من التصرف ينظر، فإن لم يكن على العبد دين فقد حلت الجارية للمولى بالاستبراء السابق، وإن كان على العبد دين لم يصح الاستبراء؛ لأن الجارية محرمة على المولى لتعلق ديون الغرماء بها، فلا يصح الاستبراء في حال التحريم، وكان عليه أن يستبرئها في حال ينفعه الاستباحة هكذا ذكر جميع أصحابنا.
وقال صاحب الحاوي: عندي أنه لا يلزم الاستبراء وتحل له الاستبراء المتقدم لوجوده بعد استقرار الملك والرهن لا يوجب الاستبراء كذلك ههنا ذكر في الشامل أنه لا يحتسب الاستبراء في حال الرهن وهو غلط ظاهر.
فرع آخر:
لو اشترى أمةً من ذوات الأقراء فتباعد حيضها فهي كالمعتدة إذا تباعد حيضها وفي الجملة كل جنس تعتد به الحرة تعتد به الأمة إلا أنهما يختلفان في مقدارها وفي أنه بالحيض دون الطهر في أصح القولين على ما ذكرنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 391
فرع آخر:
[ق 144 أ] قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا اشترى زوجته الأمة لم يجب عليه أن يستبرئها؛ لأنها كانت حلالًا له فانقلبت من الإباحة بالنكاح إلى الإباحة بملك اليمين.
قال الشافعي: واستحب له أن يستبرئها؛ لأن الولد من الماء الذي كان في النكاح رقيق ولا تصير به أم ولدٍ له، والولد المخلوق من الماء الذي يحصل في ملكه حر وتصير الجارية أم ولدٍ له فالمستحب أن يستبرئها حتى يتميز أحد الماءين عن الآخر، وقيل فيه وجه آخر إنه يجب الاستبراء، وهذا غلط لا يحكى.
فرع آخر:
لو اشترى لأمة فظهر بها حمل فولدت فقال البائع: هو مني كنت وطئتها قبل البيع، نظر في المشتري، فإن صدقه كانت الجارية للبائع والولد حر والبيع باطل، وعليه أن يرد ثمنها على المشتري، وإن كذبه المشتري نظر، فإن كان البائع لم يقر بالوطء إلا بعد البيع فلا يصرف؛ لأنه متهم في حق المشتري فلا يقبل قوله فيه كما لو باعها، ثم قال: كنت أعتقتها أو غصبتها من فلانٍ فلا يصدق في حق المشتري، فعلى هذا تكون الجارية مملوكة للمشتري والولد مملوك له، وقال أبو حنيفة وحده، إن أتت به لدون ستة أشهر يصدق ويبطل البيع، وهذا غلط لما ذكرنا وهل يثبت نسبه من البائع؟ قولان.
قال في "الأم و"الإملاء": يثبت أنه لا يمتنع أن يكون ابنًا للبائع مملوكًا للمشتري والثاني: قاله في "البويطي": لا يثبت لأن إقراره بالوطء تضمن ثلاثة أحكام:
أحدهما: أنها أم ولد.
والثاني: أن الولد حر.
الثالث: أنه ابنه فإذا لم يثبت إقراره حكمان كذلك الحكم الثالث.
وهذا لأنه لا يستضر به المشتري لو أعتقه ومات فإنه تقدم عليه في الميراث، وإن كان قد أقر به قبل عقد البيع نظر، فإن البائع قد استبرأها، ثم باعها لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون ولدت [ق 144 ب] لأقل من ستة أشهر فقد بينا أن الاستبراء لم يكن صحيحًا وأنها أم ولد له ويكون الحكم فيه على ما بيناه، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا فلا يقبل إقراره فيه ويكون الولد منفيًا عن البائع وينظر، فإن لم يكن المشتري وطئها كانت الجارية والولد مملوكين، وإن كان وطئها المشتري وأتت به لستة أشهر من وقت وطئه وأقل من أربع سنين من وطء البائع فالولد يحتمل أن يكون من كل واحدٍ منهما فيرى القافة على ما بيناه.
واعلم أن أبا حامد ذكر في تعليقه ولو باع جارية قد أقرّ بوطئها ثم ولدت عند المشتري وأمكن أن يكون من كل واحد منهما، وذكر الحكم ووهم في (تخريجه)؛ لأن
الجزء: 11 - الصفحة: 392
ظاهر مذهب الشافعي أنه منتف عنه بعد ستة أشهر من الاستبراء فهي إن ولدت لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من استبراء البائع فهو لأقل من ستة أشهر من وطء المشتري لأن وطئه بعد وطئ البائع فيكون لاحقًا بالبائع دون المشتري، وإن ولدته لستة أشهر من وطء المشتري فهو لأكثر من ستة أشهر من استبراء البائع؛ لأن استبراءه قبل وطء المشتري فيكون لاحقًا بالمشتري دون البائع، ويصح هذا التخريج على قول ابن سريج لأنه سوى بينها وبين الحرة فيقول ولد الأمة يلحق إلى أربع سنين كالحرة.
فرع آخر:
لو اشترى أمة فظهر بها حمل فقال المشتري للبائع: هذا الحمل كان موجودًا في حال عقد البيع فلي أن أردها بالعيب، وقال البائع: هل حدث عندك بعد البيع؟ نظر فإن كان لأقل من ستة أشهر فهو كان موجودًا في حال البيع أن يردها بالعيب، لأن الحمل عيب في بنات آدم لجواز تلفها، وإن كان لستة أشهر [ق 145 أ] فصاعدًا فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنهما إذا اختلفا في العيب ومثله يحدث في يد المشتري فالقول قول البائع مع يمينه، إن أنكر البائع الحمل فأن يريها القوابل، فإن قلن إنها حامل حكمنا به لأن للحمل أمارات من انتفاخ الجوف وكبره وحركة الولد، ونزول اللبن وسواد الثديين وهن أعرف بذلك.
نرجع إلى قولهن لأنهن لم يخبرن بذلك عن علم بل يخبرن عن غالب ظن بالدليل.
فرع آخر:
أقل الحمل ستة أشهر ومعناه أقل ما تضع المرأة حملًا يعيش ستة أشهر فأما السقط وما تصور وتحلق ولا يعيش يكون بعد ثمانين يومًا وفي مدّة ثلاثة أشهر.
وهذا إجماع ودليله قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] فذكر المدتين معًا، وأراد به أكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل لأنه لا يجوز أن يريد أطول المدتين لأنه يزيد على ثلاثين شهرًا ولا يجوز أن يريد أنقص المدتين لأنه لا يبلغ ثلاثين شهرًا، ولا يجوز أن يريد أكثر مدة الحمل وأٌقل مدة الرضاع لأنه يزيد أيضًا فلم يبق إلا ما قلنا.
وروى أبو الأسود الديلي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفعت إليه امرأة ولدت لستة وأمر برجمها فأتى علي رضي الله عنه في ذلك فقال: لا رجم عليها فبلغ عمر فأرسل إلى علي فسأله عن ذلك فقال: لا رجم عليها لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] ستة أشهر وحولين كاملين تمامه لا رجم عليها فخلى عنها عمر هكذا رواه الإمام أحمد البيهقي [ق 145 ب].
وروى أصحابنا أن امرأة أتت بولدٍ لستة أشهر فهم عثمان رضي الله عنه برجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله تعالى فقال عثمان: وما ذاك فقال: ما قال علي فرجع إلى قوله.
واستحسن الناس استخراجه وصارت المسألة إجماعًا.
وذكر العقيبي
الجزء: 11 - الصفحة: 393
أن عبد الملك بن مروان: حملته أمه ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل فعندنا أربع سنين وهو أصح الروايات عن مالك وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وعثمان: البتي أكثر سنتان، وروي ذلك عن أحمد وروت جميلة بنت سعد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين بقدر فلكة مغزل.
وقال الزهري، وربيعة، والليث: أكثره سبع سنين، وهو رواية أخرى عن مالك وروي عن مالك رواية ثالثة خمس سنين.
وقال أبو عبيد: لا حد لأكثره وهذا كله غلط؛ لأن الله تعالى ذكر الحمل مطلقًا ولا حد له في اللغة، ولا في الشرع فرجع فيه إلى العرف والعادة.
وقد وجد هذا عادة في نادر من النساء.
قال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين، وزاد الزبير بن بكار: حتى خرجت أضراسه.
وقال الوليد بن مسلم: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله من يقول هذا لا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة تحمل كل بطن أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل [ق 146 أ].
وروي عن مالك بن دينار أنه أتى في الدعاء لامرأة حبلى منذ أربع سنين فدعا لها فولدت غلامًا جعدًا ابن أربع سنين قد استوت أسنانه، وروي عن علي بن يزيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلًا فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، ثم قدم فوضعت هذا وله ثنايا.
وقال القتيبي في المعارف: إن هرم بن حبان حملته أمه أربع سنين، وروي أن منظور بن ريان وضعته أمه لأربع سنين، وكذلك محمد بن عبد الله بن جبير، وكذلك إبراهيم بن نجيح العقيلي، وهذا إذا وجد في الأعيان ففي العامة أكثر فوجب الحكم به.
فإن قيل: روى أبو داود، عن الحسن بن علي الحلواني، عن سليمان بن عباد ابن العوام أنه قال: كان عندنا امرأة بواسط بقي الحمل في بطنها خمس سنين فولدت ولدًا وكان شعره إلى منكبيه فمرّ به طير فقال: بئس، فقالوا: وهذا زايد فكان أولى.
وروي عن الزهري أنه قال: رجل حمل سبع سنين، قلنا: الأخذ بالزائد أولى إذا ثبت وعندنا لم يثبت هذا ولا يتميز إليه، ثم مثل هذا الحكم لا يثبت بوجوده مرة بل يعتبر التكرار في جماعة من النساء، ولم يثبت ذلك، والله أعلم.
الجزء: 11 - الصفحة: 394