كتاب الصداق
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "ذَكَرَ اللَّهُ الصَّدَاقَ وَالأَجْرَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ المَهْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] فَدَلَّ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِالكَلَامِ وَأَنَّ تَرْكَ الصَّدَاقِ لَا يُفْسِدُهَا".
الدليل على وجوب الصداق
قال في الحاوي: والأصل وجوب الصداق في النكاح: الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وفيمن توجه إليه هذا الخطاب قولان:
أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج وهو قول الأكثرين.
والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة فأمرهم الله تعالى بدفع صدقاتهن إليهن وهذا قول أبي صالح وفي نحلة ثلاث تأويلات:
أحدها: يعني تدينًا من قولهم: فلان ينتحل كذا أي يتدين به.
والثاني: يطيب نفس كما تطيب النفس بالنحل الموهوب.
والثالث: أنه نحل من الله تعالى لهن بعد ان كان ملكًا لأوليائهن والنحل الهبة وقال الله تعالى فيما حكاه عن شعيب في تزويج موسى بابنته قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] ولم يقل على أن تأجرها فجعل الصداق ملكًا لنفسه دونها ثم قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] يعني الزوجات إن طبن نفسًا عن شيء من صدقاتهن لأزواجهن في قول من جعله خطابًا للأزواج ولأولياهن في قول من جعله خطابًا للاولياء ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] يعني لذيذًا نافعًا وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] أي قد ملكن الصداق وإن استبدلتم بهن غيرهن ﴿قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:20] وإن كان الصداق قنطارًا وفي القنطار سبعة أقاويل:
أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية وهو قول معاذ بن جبل وأبي هريرة.
الجزء: 9 - الصفحة: 377
والثاني: أنه ألف ومائتنا دينار وهو قول الحسن والضحاك.
والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار وهو قول ابن عباس.
والرابع: أنه ثمانون ألف درهم أو مائة رطل وهو قول سعيد بن المسيب وقتادة.
والخامس: أنه سبعون ألفًا وهو قول ابن عمر ومجاهد.
والسادس: أنه ملئ مسك ثور ذهبًا وهو قول أبي نضرة.
والسابع: أنه المال الكثير وهو قول الربيع.
فذكر القنطار على طريق المبالغة لأنه لا يسترجع إذا كان صداقًا وإن كان كثيرًا إذ استبدل بها فكان أولى أن لا يسترجعه إذا لم يستبدل, ثم قال تعالى وعيدًا على تحريم الاسترجاع: ﴿أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:20] ثم قال تعليلًا لتحريم الاسترجاع: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21] وفي الإفضاء هنا تأويلان:
أحدهما: أنه الجماع قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وبه قال الشافعي.
والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وهو قول الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة.
والثالث: ما رواه موسى بن عبيدة عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن ألا يوطئن فراشكم أحد ولا يعصينكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
وقال تعالى: ﴿اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24] يريد الصداق فعبر عنه بالأجر لأنه في مقابلة منفعة.
وفي قوله فريضة تأويلان:
أحدهما: يعني فريضة من الله واجبة وهو قول الأكثرين.
والثاني: أي مقدرة معلومة وهو قول الحسن ومجاهد.
وأما السنة: فما روى عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد الله بن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أدوا العلائق" قالوا: يا رسول الله, وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون"
الجزء: 9 - الصفحة: 378
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من استحل بدرهمين فقد استحل" وروي عن عائشة رضي الله عنهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تزوج أحد من نسائه ولا زوج واحدة من بناته على أكثر من اثني عشر أوقية ونشا.
قالت عائشة رضي الله عنه أتدرون ما النش؟ النش: نصف أوقية عشرون درهمًا يعني خمسمائة درهم لأن الأوقية أربعون درهمًا.
وروى المنذر بن فرقد قال: كنا عند سفيان الثوري فقال: كان صداق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثنتي عشر أوقية وشن فقال له القاسم بن معين: صحفت يا أبا عبد الله إنما هو نش أما سمعت قول الشاعر:
تلك التي جاورها المحتش من نسوة صداقهن النش
فأما أم حبيبة فقد كانت أكثر نساء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صداقًا لأن النجاشي أصدقها عنه أربعة ألف درهم من عنده وبعث بها إليه مع شرحبيل ابن حسنة.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "أول ما يسأل عنه العبد من ذنوبه صداق زوجته" وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من ظلم زوجته صداقها لقي الله وهو زان" قاله على طريقة التغليظ والزجر.
واجتمعت الأمم على أن صداق الزوجات مستحق.
فصل:
والصداق: هو العوض المستحق في عقد النكاح.
وله في الشرع ستة أسماء جاء كتاب الله تعالى منها بثلاثة أسماء:
وهي الصداق والأجر والفريضة وجاءت السنة منها باسمين: المهر والعلائق وجاء الأثر عن عمر رضي الله عنه باسم واحد: وهو العقود وقد مضت شواهد ذلك.
فصل:
فإذا تقرر أن الصداق في عقد النكاح واجب فإن تزوجها على غير صداق سمياه في العقد صح العقد وإن كرهنا التسمية فيه.
وإنما صح العقد لقول الله تعالى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ
الجزء: 9 - الصفحة: 379
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: معناها لا جناح عليكم إن طلقتم النساء وما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة فتكون أو بمعنى لم.
والثاني: أن في الكلام محذوفًا وتقديره: فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا لهن فريضة والمراد بالفريضة هنا الصداق وسماه فريضة لأنه أوجبه لها وأصل الفرض الوجوب كما يقال: فرض السلطان لفلان الفيء أي أوجب ذلك وكما قال الشاعر:
كَانَتْ فَرِيضَة مَا أَتَيْتُ كَمَا كانَ الزِّنَا فَرِيضَةُ الرَّجْمِ
فموضع الدليل من هذه الآية: أن الله تعالى قد أثبت النكاح مع ترك الصداق وجوز فيه الكلام وحكم لها بالمتعة إن طلقت قبل الدخول وبين أن الأولى لمن كره امرأة أن يطلقها قبل الدخول لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ﴾ [البقرة: 236] فكان ذلك أولى طلاقي الكاره.
وروى سعيد عن قتادة عن شهر بن حوشب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إن الله عز وجل لا يجب الذواقات" يعني الفراق بعد الذوق.
ويدل على ذلك أيضًا أن بروع بنت واشق تزوجت بغير مهر فحكم لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمهر نسائها والميراث.
وروي أن أبا طلحة الأنصاري تزوج من أم سليم على مهر فأمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكاحه.
ولأن المقصود من عقد النكاح التواصل والألفة والصداق فيه تبع المقصودة فخالف عقود المعاوضات وجهين:
أحدهما: أن رؤية المنكوحة ليست شرطًا فيه.
والثاني: أن ترك العوض فيه لا يفسده.
فأما كراهتنا لترك الصداق في العقد وإن كان جائزًا فلثلاثة أمور:
الجزء: 9 - الصفحة: 380
أحدها: لئلا يتشبه بالموهوبة التي تختص برسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته.
والثاني: لما فيه من قطع المشاجرة والتنازع إلى الحكام.
والثالث: ليكون ملحقًا بسائر العقود التي تستحق فيها المعاوضات والله أعلم.
القول في النكاح إذا كان بمهر مجهول حرام.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَلَوْ عَقَدَ بِمَجْهُولِ أَوْ بِحَرَامٍ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا عقد النكاح بمهر مجهول أو حرام كان النكاح جائزًا ولها مهر مثلها وهو قول جمهور العلماء.
وقال مالك في أشهر الروايتين عنه: إن النكاح باطل بالمهر الفاسد وإن صح بغير مهر مسمى.
استدلالًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النكاح الشغار لفساد المهر فيه، قال: ولأن عقد نكاح بمهر فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالشغار ولأنه عقد معاوضة ببدل فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالبيع.
قال: ولئن صح النكاح بغير مهر فلا يمتنع أن يبطل بفساد المهر كما يصح البيع بغير أجل وغير خيار ويبطل بفساد الأجل وفساد الخيار.
ودليلنا رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" فتضمن هذا الخبر نفي النكاح بعدم الولي والشاهدين وإثبات النكاح بوجود الولي والشاهدين وهذا نكاح بولي وشاهدين توجب أن يكون صحيحًا.
ولأن فساد المهر لا يوجب فساد العقد كالمهر المغصوب ولأن كل نكاح صح بالمهر الصحيح صح بالمهر الفاسد كما لو أصدقها عبدًا فبان حرًا.
قال الشافعي: ولأنه ليس في فساد المهر أكثر من سقوطه وليس في سقوطه أكثر من فقد ذكره ولو فقد ذكره لم يبطل النكاح فكذلك إذا ذكر فاسدًا.
وتحريره قياسًا: أن كل ما تعلق بالمهر لم يؤثر في صحة النكاح قياسًا على تركه.
فأما الجواب عن نكاح الشغار: فهو أنه لم يبطل بفساد المهر وإنما بطل بالتشريك على ما بيننا.
وأما قياسه على البيع: فالمعنى فيه أنه يبطل يترك الثمن فبطل بفساده والنكاح لا يبطل بترك المهر فلم يبطل بفساده.
وأما استدلاله بأن البيع يبطل بفساد الخيار والأجل ولا يبطل بتركهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 381
فالجواب عنه: أن الخيار والأجل قد فرق بلا جزء من الثمن بدليل أن الثمن في العرف يزيد بدخول الخيار والأجل فإذا بطل أوجب الطلاق ما قابلهما من الثمن فصار الباقي مجهولًا وجهًا له الثمن تبطل البيع وليس فيما أفضى إلى فساد المهر أكثر من سقوطه وسقوطه لا يبطل النكاح.
فصل:
فإذا ثبت صحة النكاح بجهالة المهر وتحريمه فالمهر باطل بالجهالة وكل جهالة منعت من صحة البيع منعت من صحة المهر.
وقال أبو حنيفة: إذا أصدقها عبدًا غير معين ولا موصوف: جاز وكان لها عبد سندي لأن الروحي أعلى والزنجي أدنى والسندي وسط فيحكم لها به لأنه أوسط العبيد.
احتجاجًا بأن المهر أحد عوض النكاح فجاز أن يكون مجهولًا كالبضع قال: ولأن جهالة مهر المثل أكثر من جهالة العبد لأن مهل المثل مجهول الجنس مجهول القدر مجهول الصفة والعبد معلوم الجنس معلوم القدر مجهول الصفة فإذا جاز أن يجب فيه عندكم مهر المثل فلأن يجب العبد المسمى أولى.
ودليلنا أنها جهالة تمنع صحة البيع فوجب أن تمنع صحة الصداق أصله: إذا أصدقها ثوبًا واقفنا أبو حنيفة على فساد الصداق بإطلاقه ولأنه عوض في عقد يبطل بجهالة الثوب فوجب أن يبطل بجهالة العبد كالبيع.
فأما الجوانب عن قياسه على جهالة البضع فهو أن جهالة البضع تمنع من الصحة ألا ترى أنه لو كان له ثلاث بنات: كبرى وصغرى ووسطي، وقال: زوجتك بنتي وأطلق كان باطلًا، ولم يحز أن يحمل على الوسطى، كما لا يجوز أن يحمل على الكبرى والصغرى، وكذلك إذا أصدقها عبدًا وأطلق لم يجز أن يحمل على عبد وسط كما لا يجوز أن يحمل على أعلى وأدنى.
وأما ما استشهد به من جهالة مهر المثل فيفسد بجهالة الثوب ومهر المثل إنما أوجبناه لأن قيمة متلف يجوز مثله في البيع إذا وجيت فيه قيمة متلف وإن جهلت.
فصل:
فإذا تقرر أن النكاح صحيح وإن سقط المهر بالفساد فلها مهر المثل لأن البضع مفوت بالعقد فلم تقدر على استرجاعه فوجب أن تعدل إلى قيمته وهي مهر المثل كمن اشترى عبدًا ثبوت فمات في يده ورده بائعه الثوب بعيب رجع بقيمة العبد حين فات الرجوع بعينه.
الجزء: 9 - الصفحة: 382
مسألة:
قال الشافعي: وفي قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا وَقْتَ لِلْصَّدَاقِ يَحْرُمُ بِهِ لِتَرْكِهِ النَّهْيَ عَنْ التَّكْثِيرِ وَتَرْكِهِ حَدَّ القَلِيلَ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "أَدُّوا العَلَائِقِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا العَلَائِقُ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى بِهِ الأَهْلُونَ" قَالَ: وَلَا يَقَعُ اسْمُ عُلِّقَ إلَّا عَلَى مَالَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ قُلْتَ مِثْلُ الفَلْسِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلِ: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ" فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورةُ كَذَا فقال: "قَدْ زَوَّجْتُهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَن اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمٍ فَقَد اسَتَحَلَّ" وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: فِي ثَلَاثِ قَبْضَاتِ زَبِيبٍ مَهْرٌ.
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ قَالَ دِرْهَمٌ قُلْتُ وَأَقَلُّ؟ قَالَ: وَنِصْفُ دِرْهَم قَالَ: قُلْتُ لَهُ فَأَقَلُّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَحَبَّةُ حِنْطَةٍ أَوْ قَبُضَةُ حِنطَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَمَا جَازَ أَن يَكُونَ ثَمَنًا لِشَيءٍ أَوْ مَبِيعًا بِشَيْءٍ أَوْ أُجْرَةً لِشَيْءٍ جَازَ إِذَا كَانَتْ المَرْأَةُ مَالِكَةً لأَمْرِهَا".
قال في الحاوي: الكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: في أكثر المهر، والثاني: في أقله.
فأما أكثره فلا خلاف بين الفقهاء أنه لا حد له لقوله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20]، وقد ذكرنا في القنطار سبعة أقاويل.
وحكي الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام خطيبًا فقال: لا تغالوا في صدقات النساء فما بلغني أن أحدًا ساق أكثر مما ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جعلت الفضل في بيت المال فاعترضته امرأة من نساء قريش فقالت: يعطينا الله وتمنعنا كتاب الله أحق أن يتبع قال الله تعالى: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]، فرجع عمر وقال: كل أحد يصنع بماله ما شاء فكل الناس أفق من عمر حتى امرأة.
وقد تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم وأصدقها أربعين ألف درهم.
وتزوج طلحة بن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنهم وأصدقها مائة ألف.
وتزود مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة وأصدقها ألف درهم.
وتزوجها بعده عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي وأصدقها مائة دينار وحكي عن عمر بن شبة عن محمد بن يحيى أن مصعب بن الزبير تزوج بالبصرة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما وأصدقها ألف ألف درهم فقال عبد الله بن همام السلولي: أبلغ أمير المؤمنين رسالة من
الجزء: 9 - الصفحة: 383
ناصح لك لا يريد وداعًا.
بِضْع الفَنَاةِ بَأَلفِ أَلفِ كَامِلٍ وَتَبِيت سَادَاتُ الجُنُود جِياعَا
تَوْلَا أَبُو حَفْص أَقُولُ مَقَالَتِي وَأَبِث مَا حَدَّثْتُه لارْتَاعَا
فصل
فأما أقل الصداق فقد اختلف فيه الفقهاء فمذهب الشافعي رحمه الله أنه غير مقدر أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو مبيعًا أو أجره أو مستأجرًا فجاز أن يكون صدقًا قل أو كثر.
وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس حتى قال: عمر في ثلاث قبضات من زبيب مهرًا.
وبه قال من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن المسيب حتى حكي أن سعيدًا زوج بنته على صداق درهمين.
وبه قال مالك أقل الصداق ما تقطع فيه اليد ربع درهم أو ثلاثة دراهم.
وقال ابن شبرمة أقله خمسة دراهم أو نصف دينار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله دينار أو عشرة دراهم فإن عقده بأقل من عشرة صحت التسمية وكملت عشرة ومنعت من مهر المثل إلا زفر وحده فإنه أبطل التسمية وأوجبت مهر المثل.
وقال إبراهيم النخعي: أقله أربعون درهمًا.
وقال سعيد بن جبير: أقله خمسون درهمًا.
واستدل أبو حنيفة بقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] ولا يطلق اسم الأموال على ما قل من الدانق والقيراط فلم يصح أن يكون ذلك ابتغاء بمال.
وروى بشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوج إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم" وهذا نص.
ولأنه مال يستباح به عضو فوجب أن يكون مقدرًا كالنصاب في قطع السرقة.
ولأن أحد يدلي النكاح فوجب أن يكون مقدرا كالبضع ولأن ما كان من حقوق العقد يقدر أقله كالشهود.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. ومن الآية دليلان:
الجزء: 9 - الصفحة: 384
أحدهما: عام وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فكان على عمومه من قليل أو كثير.
والثاني: خاص وهو أنه إذا فرض لها خمسة دراهم وطلقها قبل الدخول اقتضى أن يجب لها درهمان ونصف وعند أبي حنيفة يجب لها الخمسة كلها وهذا خلاف النص.
وروى عبد الرحمن بن البيلماني عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أدوا العلائق قالوا: يا رسول الله وما العلائق قال: "ما ترضى به الأهلون" فكان على عمومه فيما تراضوا به من قليل وكثير.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من استحل بدرهمين فقد استحل" يعنى فقد استحل بالدرهمين.
وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا جناح على امرئ أنه يصدق امرأة قليلًا أو كثيرًا إذا شهد وتراضوا".
وروى عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، أن امرأة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين؟ " فقالت: نعم فأجازه.
وروى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل خطب منه المرأة التي بذلت نفسها له "التمس لو خاتمًا من حديد".
والخاتم من الحديد أقل الجواهر قيمة فدل على جواز القليل من المهر فإن قيل: فقد يجوز أن يكون من حديد صيني يساوي عشرة دراهم ويكون ثمن النعلين عشرة دراهم.
قليل: لو كان ذلك مخالفًا للعرف المعهود لنقل وليس في العرف أن يساوي نعلان في المدينة وخاتم من حديد عشرة دراهم.
على أن قوله: التمس ولو خاتمًا من حديد: على طريق التقليل ولو أراد ما ذكروه من الصفة المتقدرة لكان عدوله إلى العشرة المقدرة أسهل وأفهم فبطل هذا التأويل.
وروى يونس بن بكير عن صالح بن مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعام كانت به حلالًا".
الجزء: 9 - الصفحة: 385
وروى قتادة عن عبد الله بن المؤمل عن جابر قال: إنا كنا لننكح المرأة على الحفنة أو الحفنتين من دقيق!
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب قومت ثلاثة دراهم وهذه كلها نصوص لا يجوز خلافها.
ويدل عليه من طريق القياس: هو أن كل ما صلح أن يكون ثمنًا صلح أن يكون مهرًا كالعشرة ولأنه عند ثبت فيه العشرة عوضًا فصح أن يصبت دونها عوضًا كالبيع ولأنه عوض على على إحدى منفعتيها فلم يتقدر قياسًا على أجرة منافعها ولأن ما يقابل البضع من البدل لا يتقدر في الشرع كالخلع ولأن كل عوض لا يتقدر أكثر لا يتقدر أقله قياسًا على جميع الأعواض ولا يدخل عليه الجزية لأنها ليست عوضًا.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدها: أن ظاهرها متروك بالإجماع لأنه لو نكحها بغير مهر حلت.
والثاني: أن ما دون العشرة مال ألا تراه لو قال: له عليّ مال ثم بيّن درهمًا أو دانقًا قبل منه فدلت الآية على جوازه في المهر.
وأما الجواب عن حديث جابر فمن وجهين:
أحدهما: أنه ضعيف لأنه رواية مبشر بن عبيد وهو ضعيف عن الحجاج بن أرطأة وهو مدلس.
وقد روينا عن جابر من طريق ثابتة قولًا مسندًا وفعلًا منتشرًا ما ينافيه فدل على بطلانه.
والثاني: أنه يستعمل إن صح في امرأة بعينها كان مهر مثلها عشرة فحكم لها فيه بالعشرة.
وأما قياسهم على القطع في السرقة فقولهم: مال يستباح به البضع فاسد من أربعة أوجه:
أحدها: أنه لا يستباح القطع في السرقة بالمال وإنما يستباح بإخراجه.
والثاني: أنه لو استبيح بالمال لما لزم رد المال ورد المال لازم.
والثالث: أنه ليس يستباح به العضو وإنما يقطع به.
والرابع: أن عقد النكاح لا يختص باستباحة عضو بل يستباح به جميع البدن فبطل التعليل بما قالوه.
ثم المعنى في قطع السرقة أنه عن فعل كالجنايات فجاز أن يكون مقدرًا كسائر الجنايات والمهر عوض في عقد مراضاة فلم يتقدر كسائر المعاوضات وأما قياسهم على ما في مقابلته من البضع المقدر: ففاسد بالبدل في الخلع هو غير مقدر وإن كان في مقابلة بضع مقدر ثم المعنى في البضع أنه صار مقدرًا لأنه لا يتجزأ، فصار مقدرًا لا يزيد ولا ينقص والمهر يتجزأ فصح أن يزيد وصح أن ينقص.
الجزء: 9 - الصفحة: 386
وأما قياسهم على الشهادة فالمعنى فيها أنها من شروط العقد فتقدرت كما تقدرت بالزوج والولي وليس كالمهر الذي هو من أعواض المراضاة ولو تقدر لخرج أن يكون عن مراضاة.
فصل:
فإذا ثبت أن أقل المهر وأكثره غير مقدر فهو معتبر بما تراضى عليه الزوجات من قليل وكثير وسواء كان أكثر من مهر المثل أو أقل إذا كانت الزوجة جائزة الأمر.
فإن كانت صغيرة زوجها أبوها لم يجز أن يزوجها بأقل من مهر مثلها لأنه معاوص في غيره فروعي فيه عوض المثل كما يراعى في بيعه لما لها ثمن المثل وإن لم يراع ذلك في بيعها لنفسها.
والأولى أن يعدل الزوجان عن التناهي في الزيادة التي يقصر العمر عنها وعن التناهي في النقصان الذي لا يكون له في النفوس موقع وخير الأمور أوساطها.
وأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في مهور نسائه طلبًا للبركة في موافقته وهو خمسمائة درهم على ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها.
وقد جعل عبد الملك بن مروان مهور الشريفات من نساء قومه أربعة آلاف درهم اقتداء بصداق أم حبيبة.
وقد روى مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرهن أيسرهن صداقًا".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعظم النساء بركة أحسنهن وجهًا وأقلّهن مهرًا".
وروى ابن جريج عن ابن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تياسروا في الصداق فإن الرجل ليعطي المرأة يبقى ذلك في نفسك عليها حسكة" وفي الحسيكة وجهان:
أحدهما: العداوة، والثاني: الحقد.
فصل:
ويجوز الصداق عينًا حاضرة ودينًا في الذمة: حالًا ومؤجلًا ومنجمًا وأن يشترط فيه رهن وضامن كالأثمان والأجور والله أعلم.
باب الجعل والإجارة
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَإِذَا أَنْكَحَ صلى الله عليه وسلم بِالقُرْآنِ فَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا قُرْآنًا".
الجزء: 9 - الصفحة: 387
قال في الحاوي: وهذا كما قال يجوز أن يتزوجها على تعليم القرآن فيكون تعليم القرآن مهرًا لها.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز.
واستدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] وليس تعليم القرآن حالًا فلم يصح ابتغاء النكاح به.
وما روي عن أبي بن كعب أنه قال: لقنت رجلًا من أهل الصفة قرآنًا فأعطاني قوسًا فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار؟ قلت: لا، قال: فاردده" فلو جاز أخذ العوض عليه لما توعده عليه فدل تحريمه أن يأخذ عليه عوضًا على تحريم أن يكون في نفسه عوضًا.
ولأن كل ما لم يكن مالًا ولا في مقابلته قال لم يجز أن يكون مهرًا قياسًا على طلاق ضرتها، وعتق أمته.
قالوا: ولأن تعليم القرآن فرض يجز أخذ العوض عليه كسائر الفروق ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي لك وقامت قيامًا طويلًا فقال رجل فقال يا رسول الله إن لم يكن بك إليها حاجة فزوجنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عندك شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخذته منك عريت وإن تشقه عريت فالتمس شيئًا ولو خاتمًا من حديد فالتمس فلم يجد شيئًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكما بما معك من القرآن" وهذا نص.
وروى عطاء عن أبي هريرة أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه فقال: اجلسي بارك الله فيك ثم دعا رجلًا فقال: إني أريد أزوجكها إن رضيت فقال: ما رضيت لي يا رسول فقد رضيت فقال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا والله فقال: ما تحفظ من القرآن؟ فقال: سورة البقرة والتي تليها فقال: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك".
فإن قيل: وهو تأويل أبو جعفر الطحاوي معنى قوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" أي لأجل فضيلتك بما معك من القرآن قيل عن هذا جوابان:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" ليكون صداقًا فلما لم يجد جعل القرآن بدلًا منه فاقتضى أن يكون صداقًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 388
والثاني: إن هذا التأويل يدفعه حديث أبو هريرة لأنه قال: قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك.
فإن قالوا: وهذا تأويل مكحول أن هذا خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم قيل عنه جوابان:
أحدهما: أنه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المتزوج بها فيصير مخصوصًا بذلك وإنما كان مزوجًا لها فلم يكن مخصوصًا.
والثاني: أن ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى دليل يدل على تخصيصه وإلا كان فيه مشاركًا لأمته.
فإن قيل: فقوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" مجهول وكذلك قوله في حديث أبي هريرة: "قم فعلمها عشرية آية" هي مجهولة ولا يجوز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقًا مجهولًا قيل عنه جوابان:
أحدهما: أنه كان معلومًا لأنه سأل الرجل عما معه من القرآن فذكر سورًا سماها فقال: زوجتكها بما معك من القرآن يعني السور المسماة وقوله في حديث أبي هريرة "عشرين آية" يعني السورة التي ذكرها وذلك يقتضي في الظاهر أن يكون من أولها فصار الصداق معلومًا.
والثاني: أن المقصود بهذا النقل جواز أن يكون تعليم القرآن صداقًا فاقتصر من الرواية على ما دل عليه وأمسك عن نقل ما عرف دليله من غيره.
ويدل عليه من طريق القياس أن كل منفعة صح أن يبذلها الغير عن الغير تبرعًا جاز أن يبذلها مهرًا قياسًا على سائر الأعمال المباحة ولا يدخل عليه عسيب الفحل لأن المقصود منه الماء وهو عين وليست بمنفعة.
فأما الاستدلال بالآية: فنحن نقول بنطقها وهم لا يقولون بدليلها ونحن وإن قلنا بدليل الخطاب فقد نقلنا عنه نطق دليل آخر وأما الخبر فقد روي عن أبي بن كعب تارة وعن عبادة بن الصامت أخرى وحديث عبادة أثبت وأيهما صح ففيه جوابان:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون تعليمه للقرآن قد تعين عليه فرضه فلم يجز أن يعتاض عنه.
والثاني: أنه أخذه من غير شرط فلم يستحقه.
وأما قياسهم على طلاق امرأته وعتق أمته فالمعنى فيه أنه لا ينتفع بتعليم القرآن فجاز أن يكون صداقًا.
فإن قيل: فهي تنفتع بطلاق زوجته أو عتق أمته لأنه ينفرد بها.
قيل ما تستحق من النفقة والكسوة مع الضرة والأمة مثل ما يستحقه منفردة فلم يعد عليها منه نفع.
وأما قياسهم على الصلاة والصيام بعلة أنه قربه فمنتقص بكتب المصاحف وبناء المساجد يجوز أن يكون مهرًا وإن كان قربة.
ثم المعنى في الصلاة والصيام أن النيابة فيهما لا تصح وأن نفعهما لا يعود على
الجزء: 9 - الصفحة: 389
غير ما وعليهما وليس كتعليم القرآن الذي يصح فيه النيابة ويعود نفعه على غيرنا علة.
وأما قولهم أنه فرض فلم يجز أخذ العوض عنه: فهو أنه إن كان فرضًا فهو من فروض الكفايات ويجوز أن تؤخذ الأجرة فيما كان من فروض الكفايات كغسل الموتى وحمل الجنائز وحفر القبور.
فصل:
فإذا تقرر تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقًا فلا بد أن يكون ما أصدقها منه معلومًا تنتفي عنه الجهالة لأن الصداق المجهول لا يصح.
وإن كان كذلك فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصدقها تعليم جميع القرآن.
والثاني: تعليم سورة منه.
والثالث: تعليم آيات منه.
الحالة الأولى: أن يصدقها تعليم جميع القرآن فإن أصدقها تعليم جميع القرآن فجميعه معلوم وعليه أن يذكر بأي قراءة يلقنها فإن حروف القراء مختلفة في الألفاظ والمعاني والسهولة والصعوبة.
فإن ذكر قراءة معينة لم يعدل بها إلى غيرها وإن أطلق ولم يعين ففي الصداق وجهان:
أحدهما: أنه صداق باطل لاختلاف القراءات من الوجوه التي ذكرناها فصار مجهولًا كما لو أصدقها ثوبًا فعلى هذا يكون لها مهر مثلها.
والثاني: أنه صداق جائز لأن كل قراءة تقوم مقام غيرها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" وكما لو أصدقها قفيزًا من صبرة جاز وإن لم يعين مكان من الصبرة لتماثلها فعلى هذا يكون فيما يلقنها به من الحروف وجهان:
أحدهما: وهو قول أصحابنا البصريين: أنه يلقنها بالأغلب من قراءة البلد كما لو أصدقها دراهم كانت من غالب دراهم البلد.
والثاني: وهو قول بعض أصحابنا البغداديين: أنه يلقنها بما شاء من القراءة المفردة أو بالجائز وأن كل قراءة تقوم مقام غيرها.
والحالة الثانية: أن يصدقها تعليم سورة من القرآن وإن أصدقها تعليم سورة من القرآن فلا يصح حتى تكون السورة معلومة لاختلاف السور بالطول والقصر وأن فيها المشتبه وغير المشتبه فإن عين السورة كان الكلام في حروف القراءة على ما مضى.
الجزء: 9 - الصفحة: 390
الحالة الثالثة: أن يصدقها تعليم آيات من القرآن.
وان أصدقها تعليم آيات من القرآن.
فصحة ذلك معتبرًا بأربعة شروط:
أحدهما: أن تكون السورة معلومة فإن كانت مجهولة لم يجز وكان الصداق باطلاً.
والثاني: أن تكون الآيات من السورة معلومة مثل أن يقول: عشر آيات من أول سورة البقرة أو من رأس المائدة أو عشر الطلاق فإن أطلق عشر آيات من سورة البقرة ففيه وجهان:
أحدهما: باطل للجهل بتعيينها.
والثاني: جائز ويتوجه ذلك إلى عشر آيات من أولها اعتبارا بعرف الإطلاق وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: "قم فعلمها عشرين آية" ولم يعين.
والثالث: أن يكون باذلاً أقصر سورة في القرآن وهي الكوثر ثلاث فصاعدًا ليكون قدرًا يختص بالإعجاز فإن كان أقل من ذلك لم يجز لأنه لا يختص بالإعجاز وتعيين القرآن يقتضي وجود الإعجاز.
والرابع: وهو حرف القراءة وذلك يختلف بحب اختلاف الآيات المشروطة فإن كانت حروف القراءة فيها لا تختلف أو كان اختلافها يسيرًا لا يؤثر في زيادة الحروف ونقصانها لم يلزم شرطه وإن كان بخلاف ذلك فهو على ما مضي من الوجهين:
فأما إن أصدقها أن يعلمها القرآن شهرًا جاز وإن لم يعين السور والآيات لأن التعليم قد صار بتقدير المدة معلومًا وان عينه مجهولاً فصار بمنزلة قوله على أن أخدمك شهرًا فيجوز وإن لم يعين الخدمة كما يجوز إذا أطلق المدة وعين الخدمة ثم لها أن تأخذه بتعليم ما شاءت من القرآن لا بما شاء الزوج كمن استؤجر لخدمة شهر كان للمستأجر أن يستخدمه فيما شاء دون المؤجر.
فصل:
فأما صفة التعليم فعليه أن يعلمها السورة آية بعد أية حتى إذا حفظت الآية بها إلى ما بعدها حتى تختم السورة.
وليس عليه إذا حفظت السورة أن يدرسها إياها لأن التدريس من شروط الحفظ لا من شروط التعليم فلو شرطت عليه حفظ القرآن لم يجز لأن حفظه إلى الله تعالى لا إليه.
وإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال:
أحدها: أن يعلمها فتحفظ ما علمها بأيسر تعليم وأسهله فهو المقصود وقد وفي ما عليه.
والثاني: أن يعلمها فتتعلم في الحال ثم تنسى ما تعلمته فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تتعلم جميع السورة ثم تنساها فقد استقر التسليم ووفي ما عليه من التعليم فلا يلزمه أن يعلمها ثانية.
الجزء: 9 - الصفحة: 391
والثاني: أن يلقنها منه يسيرًا لا يختص بالإعجاز كبعض آية فالتسليم لم يستقر وعليه أو يعلمها.
والثالث: أن يعلمها قدر ما يتعلق به الإعجاز ففيه وجهان:
أحدهما: أنه تسليم مستقر لجواز أن يكون هذا القدر بانفراده مهرًا فعلى هذا لا يلزمه تعليمها ثانية.
والثاني: أنه تسليم غير مستقر لأنه بعض جملة غير متميزة فعلى هذا يلزمه تعليمها ثانية.
والحال الثالث: أن يعلمها فتكون بليدة قليلة الذهن لا تتعلم إلا بمشقة وعناء فهذا عيب يكون الزوج فيه مخيرًا بين المقام عليه وبين أن يفسخ فيعدل إلى بدله وفي بدله قولان:
أحدهما: وهو القديم: أجرة مثل التعليم.
والثاني: وهو الجديد: عليه مهر المثل وسنذكر توجيه القولين من بعد.
والحال الرابعة: أن تكون ممن لا تقدر على تعليم القرآن بحال ففي الصداق وجهان:
أحدهما: باطل لتعذره وإعوازه وفيما تستحقه قولان على ما مضى.
والثاني: جائز وتأتي بغيرها حتى يعلمه لأن من له حق إذا عجز عن استيفائه بنفسه استوفاه بغيره ولا خيار لها لأن العيب من جهتها وهل للزوج الخيار أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار له لأنه تعليم قد استحقته لنفسها فجاز أن تستوفيه بغيرها كسائر الحقوق.
والثاني: له الخيار في المقام أو الفسخ لأنه يستلذ من تعليمها ما لا يجوز أن يستلذ من تعليم غيرها فإن فسخ ففيما يلزمه قولان:
أحدهما: أجرة مثل التعليم.
والثاني: مهر المثل.
فلو أرادت وهي قادرة على تعليم القرآن أن تأتيه بغيرها ليعلمه بدلاً منها فإن راضاها الزوج على ذلك جاز وإن امتنع ففي إجباره على ذلك وجهان وتعليلهما ما ذكرنا.
ولو لم يعلمها القرآن حتى تعلمته من غيره فقد فات أن تستوفيه بنفسها فيكون على ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: تأتيه بغيرها حتى يغيرها حتى يعلمها القرآن.
والثاني: قد بطل الصداق وفيما تستحقه قولان:
أحدهما: أجرة مثل التعليم.
الجزء: 9 - الصفحة: 392
والثاني: مهر المثل.
فصل:
وإذا أصدقها تعليم القرآن وهو لا يحفظ القرآن فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يجعل ذلك في ذمته مثل أن يقول: على أن أحصل لك تعليم القرآن فذا صداق جائز وإن كان لا يحسن القرآن وعليه أن يستأجر لها من يعلمها القرآن إما من النسا، أو من ذوي محارمها من الرجال وعلى هذا لو كان يحفظ القرآن كان مخيرًا بين أن يعلمها بنفسه أو يستأجر من يعلمها.
والثاني: أن يكون تعليم القرآن معقودًا عليه في عينه مثل أن يقول: على أن أعلمك القرآن نظر.
فإن كان يحسن الكتابة جاز فإنه يقدر على تعليمها من المصحف وان كان لا يحسن الكتابة ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو أصدقها ألفا درهم لا يملكها جاز لأنه قد يجوز أن يملكها كذلك القرآن وإن كان لا يحفظه فقد يجوز أن يحفظه فيعلمها.
والثاني: لا يجوز ويكون الصداق باطلاً لأنه منفعة من معين ليست في ملكه فلم يجز أن يكون صداقًا كما لو أصدقها صدقة عبد لا يملكه كان باطلاً وإن جاز أن يملك العبد أو يستأجره.
وخالف أن يصدقها ألف درهم لا يملكها لأن الألف غير معينة.
والمنفعة ههنا معينة ألا تراه لو باع سلمًا ثوبًا موصوفًا في ذمته وهو لا يملك جاز لو باع ثوبًا معيبًا لا يملكه لم يجز.
فإذا تقرر: ما ذكرنا من الوجهين:
فإن قيل بالوجه الأول أن الصداق جائز كانت الجنازتين أن تصبر عليه حتى يتعلم القرآن فيعلمها وبين أن تتعجل الفسخ وترجع عليه بأجرة مثل التعليم في أحد القولين وبمهر المثل في القول الثاني فلو قال لها: أنا أستأجر لك من يعلمك لم يلزمها ذلك لأن المنفعة مستحقة منه في عينه كما لو أجره عبدًا فزمن بطلت الإجارة ولم يكن له أن يقيم عبدًا غيره وخالف أن تريد إبطال نفسها بغيرها فيكون لها ذلك في أحد الوجهين.
والفرق بينهما: أنه لا حق لها فجاز أن تكون مخيرة في استيفائه وهو مستحق على الزوج فلم يكن مخيرًا في أدائه.
وإن قيل بالوجه الثاني أن الصداق باطل فلا فرق في بطلانه بين أن يتعلم القرآن من بعد أو لا يتعلمه وفيما ترجع به عليه قولان على ما مضى.
أحدهما: أجرة المثل.
والثاني: مهر المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 393
فصل:
وإذا تزوج مسلم ذمية على تعليمها القرآن نظر: فإن كان قصاها الاهتداء به واعتبار إعجازه ودلائله جاز وعليه تعليمها إياه كالمسلمة.
وإن كان قصاها الاعتراض عليه والقدح فيه لم يجز وكان صداقًا باطلاً لما يلزم هن صيانة القرآن عن القدح والاعتراض.
وإن لم يعرف قصدها فهو جائز في ظاهر الحال لأن القرآن هداية وإرشاد ثم يسير بحث حالها في وقت التعليم فإن عرف منها مبادئ الهداية: أقام على تعليمها وان عرف منها مبادئ الاعتراض والقدح فسخ الصداق وعدل إلى بدله من القولين:
أحدهما: أجرة المثل.
والثاني: مهر المثل.
فصل:
إذا تزوج الذمي على أن يعلمها التوراة والإنجيل كان صداقًا فاسدًا لأنهما قد غيرا وبدلا فإن تحاكما إلينا قبل التعليم أبطلناه وإن تحاكما بعد التعليم أمضيناه كما لو أصدقها خمرًا أو خنزيرًا فتقابضا.
ولو تزوج مسلم ذمية على تعليم التوراة والإنجيل أبطلناه قبل التعليم وبعده.
والفرق بين المسلم والذمي: أن أهل الأمة يرونه جائزًا فأمضى منه ما تقابضاه ونحن نراه باطلاً فأبطلناه وإن تقابضاه.
فصل:
وإذا تزوجها على تعليم الشعر: فإن كان الشعر غير معين لم يجز وكان صداقًا فاسدًا للجهالة به وان كان معينًا نظر: فإن كان هجاء وفحشًا لم يجز وكان لها مهر المثل لم يجز وكان مهر المثل وإن كان زهدًا وحكمًا وأمثالاً وأدبًا جاز أن يكون صداقًا.
حكي أن المزني سئل عن تعليم الشعر أيجوز أن يكون صداقًا فقال: إن كان كقول الشاعر:
يود المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المر، فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل من استفادا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان سحرًا" جاز أن يكون صداقًا والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوْ يَاتِيَهَا بِعَبْدِهَا الآبِقِ فَعَلَّمَهَا أَوْ جَاءَهَا بِالآبِقِ".
الجزء: 9 - الصفحة: 394
قال في الحاوي: يجوز أن تكون منافع العبد والحر صداقًا لزوجته مثل أن يتزوجها على أن يخدمها شهرًا أو يبني لها دارًا أو يخيط لها ثوبًا أو يرعى لها غنمًا.
وقال مالك: لا يجوز أن تكون منافع الحر والعبد صداقًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون منافع العبد صداقًا ولا يجوز أن تكون منافع الحر صداقًا.
استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ﴾ [النساء:24] وليس هذا مال فيصح ابتذال النكاح به ولأن تسليم المنفعة لا يصح إلا بتسليم الرقبة وليست رقبة الحر مالاً فلم يجب بتسليم منفعته تسليم حال فلذلك لم يجز أن يكون صداقًا ورقبة العبد حال موجب بتسليم منفعته تسليم مال فجاز أن لحون صداقًا.
ودليلنا: قول الله تعالى في قصة شعيب حين تزوج موسى بابنته ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:27] يعني عمل ثماني حجج فأسقط ذكر العمل واقتصر على المدة لأنه مفهوم بينهما والعمل رعي الغنم فجعل رعي موسى ثماني سنين صداقًا لبنته وهذا نص.
فإن قيل: فهذا في غير شريعتنا فلم يلزمنا.
قيل: شرائع من تقدم من الأنبياء لازمة لنا على قول كثير من أصحابنا فلم يرد فسخ.
فإن قيل: فهذا مفسوخ لأن شرط صداقها لنفسه وقد فسخ الله تعالى ذلك في شريعتنا بقوله سبحانه: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة﴾ [النساء: 4] قيل عنه جوابان:
أحدهما: أنه أضاف ذلك إلى نغمه مجازًا لقيامه فيه بنفسه وإلا فهو ملك لها دونه.
والثاني: أنه ليس نسخ حكم من أحكامه دليلاً على نسخ جميع أحكامه كما لم يكن نسخ استقبال بيت المقدس دليلاً على نسخ الصلاة التي كانت إلى بيت المقدس.
فإن قيل: فشعيب جعل المنفعة مقدرة بمدتين ومثل هذا لا يجوز في شريعتنا.
قيل: المنفعة مقدرة بمدة واحدة وهى ثمان سنين قال ابن عباس: كانت على نبي الله موسى ثماني حجج واجبة وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرًا.
ومن طريق القياس أنها منفعة تستحق بعقد الإجارة فصح أن تثبت صداقًا كمنافع العبد، ولأنه عقد يصح على منفعة العبد فصح على منفعة الحر كالإجازة ولأن كل ما صح أن يثبت في مقابلة منافع العبد صح أن يثبت في مقابلة منافع الحر كالدراهم.
أما الآية فقد تقدم الجواب عنها.
وأما قولهم إنها منفعة لا تجب بتسليمها تسليم مال فخطأ لأن الرقبة ليست في مقابلة العوض فيراعى أن يكون مالاً وإنما العوض في مقابلة المنفعة فلم يؤثر فيها أن تكون الرقبة مالاً أو غير مال فالإجارة على منافع الحر كالإجارة على منافع العبد وإن لم
الجزء: 9 - الصفحة: 395
تكن رقبة الحر مالاً وكانت رقبة العبد مالاً فكذلك الصداق وعلى أنه لو أصدقها منافع أم ولده أو منافع وقفه جاز وإن لم تكن الرقبة مالأً.
فصل:
فإذا تقرر ما وصغنا فصورة مسألتنا في رجل تزوج امرأة وجعل صداقها أن يأتيها بعبدها الآبق فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون العبد معروف المكان تصح الإجارة على المجيء به فهذا صداق جائز لأن ما جازت عليه الإجارة جاز أن يكون صداقًا كسائر الأعمال.
والثاني: أن يكون غير معروف المكان فهذا لا تصح عليها الإجارة وتصح عليه الجعالة فلا يصح أن يكون صداقًا لأمرين:
أحدهما: أنه مجهول المكان فيصير الصداق به مجهولاً والصداق المجهول باطل.
والثاني: أن المعاوضة عليه جعالة غير لازمة والصداق لازم فتنافيا فبطل.
فصل:
فأما المزني فإنه قال: إذا أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق ما يدل على أنه صداق جائز؛ لأنه قال: فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف أجرة المجيء بالآبق.
فاختلف أصحابنا هل أشار بذلك إلى الضرب الأول إذا كان معروف المكان أو إلى الضرب الثاني إذا كان مجهول المكان؟
فقال بعضهم: أراد به ضرب الأول مع العلم بمكان الآبق فعلى هذا يكون موافقًا للشافعي ولسائر أصحابه.
وقال آخرون: بل أراد به الضرب الثاني إذا كان مجهول المكان وكانت المعاوضة عليه جعالة فعلى هذا يكون مخالفًا للشافعي لأنه قد نص على بطلان الصداق في كتاب الأم ومخالفًا لسائر أصحابنا لما ذكرنا من المعنيين في تعليل بطلانه والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ التَّعْلِيم.
قَالَ المُزَنِيُّ: وَبِنِصْفِ أَجْرِ المَجِيءِ بِالآبِقِ فَإِنْ لَمْ يُعَلَّمْهَا أَوْ لَمْ يَاتِيهَا بِالآبِقِ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَهْرٍ مِثْلِهَا؟ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلُو بِهَا يُعَلِّمُهَا".
قال في الحاوي:- والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: إذا أصدقها تعليم القرآن ثم طلق.
والثاني: إذا أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق ثم طلق.
الجزء: 9 - الصفحة: 396
فأما الفصل الأول وهو أن يصدقها تعليم القرآن ثم طلق فهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يطلقها بعد تعليمها:
أحدها: أن يطلق بعد أن علمها جميع القرآن فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين:
أما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استقر لها بالدخول جميع الصداق وقد وفاها إياه بتعليم جميع القرآن فلا تراجع بينهما بشيء.
وءن كان طلاقه قبل الدخول: فقد استحق أن يرجع عليها بنصف الصداق لقول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] فإن كان عينًا حاضرة رجع بنصفها وإن كانت تالفة ولها مثل رجع بنصف مثلها وان لم يكن لها مثل: رجع بقيمة نصفها وليس تعليم القرآن عينًا حاضرة فيرجع بنصفها ولا هو مما له مثل فيرجع بمثل نصفه فلم يبق إلا أن يرجع بقيمة نصف وذلك نصف أجرة مثل التعليم.
فصل:
القسم الثاني: أن يطلقها قبل أن يعلمها شيئًا من القرآن فينظر: فإن كان التعليم مشروطًا في ذمته استأجر لها من النساء ومن ذوي محارمها من الرجال من يعلمها على ما تستحقه من القرآن على ما سنذكره وإن كان التعليم مستحقًا عليه في عينه فقد اختلف أصحابنا هل يجوز له تعليمها بعد الطلاق أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز من وراء حجاب، كما يحوز سماع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء الأجانب وقد كانت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثن من وراء حجاب.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز لأمرين:
أحدهما: ما في مطاولة كلامها من الافتتان بها.
والثاني: أنهما ربما هلو وهي محرمة عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما".
فإذا قلنا: إن تعليمها لا يجوز نظر حال الطلاق فإن كان بعد الدخول رجعت عليه في قوله القديم بأجرة المثل وفي قوله الجديد بمهر المثل وإن كان قبل الدخول: رجعت عليه في قوله القديم بنصف أجرة المثل وفي قوله الجديد بنصف مهر المثل.
وإن قلنا إنها تعلم القرآن لم يخل الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان بعد الدخول فقد استقر لها جميع الصداق فعلى هذا يعلمها جميع القرآن.
فلو اختلف فقال قد علمتك القرآن وقالت: لم تعلمني فلا يخلو حالها من أن تكون حافظة للقرآن في الحال أو غير حافظة فإن كانت غير حافظة فالقول قولها مع يمينها وعليه تعليمها وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 397
كانت حافظة وقالت حفظت منم غيرك ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قولها أيضًا مع يمينها.
والثاني: أن القول قوله مع يمينه لأنه حفظها شاهد على صدقه وإن طلاقها قبل الدخول فلها نصف الصداق فعلى هذا اختلف أصحابنا في القرآن هل يتجزأ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أن يتجزي في كلماته وحروفه التي جزأها السلف عليها فعلى هذا يلزمه أن يعلمها نصف القرآن.
والثاني: أنه وإن تجزأ في كلماته وحروفه فليس يتماثل لما فيه من المتشابه وإن بعضه أصعب من بعض وسورة أصعب من صورة وعشر أصعب من عشر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شيبتني هود وأخواتها" فعلى هذا لا يلزمه إذا استحقت النصف أن يعلمها شيئًا منه لتعذر تماثله، وتراجع عليه بنصف أجرة التعليم على قوله في القديم وبمثل نصف مهر المثل على قوله في الجديد.
فصل:
والقسم الثالث: أن يطلقها بعد أن علمها بعض القرآن وبقي بعضه فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين: أما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استقر لها جميعه.
فإن قلنا يعلمها بعد الطلاق فعليه تعليمها ما بقي من القرآن حتى تستوفي به جميع الصداق.
وان قلنا: لا يجوز أن يعلمها بعد الطلاق ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تجزئة القرآن.
فإن قلنا: إن متساوي الأجزاء سقط عنه من الصداق بقدر ما علم كأنه علمها النصف فيسقط عنه نصف المهر وترجع ببدل نصف الباقي على القولين:
أحدهما: وهو في القديم: بنصف أجرة التعليم.
والثاني: وهو الجديد: بنصف مهر المثل.
وإن قلنا إنه غير متساوي الأجزاء: ترتب ذلك على اختلاف قوليه فيما ترجع به عليه من بقية صداقها فإن قيل بالقديم: أنها ترجع عليه بالباقي من أجرة مثل التعليم سقط ههنا عنه الصداق بقدر أجرة ما علم وبني لها عليه بقدر أجرة مثل ما بقي على ما سنذكره من
الجزء: 9 - الصفحة: 398
تقسيط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء.
وان قيل بالجديد: إنها ترجع عليه بالباقي من مهر مثلها سقط عنه من النصف نصفه وهو الرابع لأن أجزاء النصف الذي علمها قد لا تماثل أجزاء النصف الباقي لها فلذلك سقط عنه نصف ما علمها وهو الربح لأنه مماثلة لحقها ورجع عليها بأجرة نصف ما عليها وهو الربح ورجعت هي عليه بالباقي لها وهو ثلاثة أرباع مهر المثل.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصف الصداق ولا يخلو ما علمها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد علمها منه النصف.
والثاني: أقل من النصف.
فإن علمها منه النصف: ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تساوي الأجزاء فإن قيل إنها متساوية فقد استوفت بالنصف حقها ولا تراجع بينهما وإن قيل إنها مختلفة ترتيب ذلك على اختلاف قوليه فيما رجح به عند فوات الصداق: فإن قيل في القديم: إنها ترجع بأجرة التعليم تقسط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء.
مثاله: أن يقول كم تساوي أجرة مثل تعليم القرآن؟ فإن قيل: عشرة دنانير.
قيل: فكم تساوي أجرة مثل النصف الذي علمها؟ فإن قيل: ستة دنانير لأنه أصعب النصفين صارت مستوفية لأكثر من حقها فيرجع عليها بالفاضل وهو دينار وإن قيل أجرة النصف الذي علمها أربعة دنانير لأنه أخف النصفين صارت آخذة أقل من حقها فترجع عليه بالباقي وهو دينار.
فأما إذا قيل بالجديد: أنها ترجع بمهر المثل سقط من النصف الذي علمها نصفه وهو الربع ورجع عليها بأجرة تعليم الربع.
ورجعت عليه بربع مهر مثلها.
فإن كان قد علمها أكثر من النصف كأنه علمها الثلثين من القرآن فإن قلنا: أنه متساوي الأجزاء: فقد استوفت بالنصف منه حقها وكان له أن يرجع عليها بأجرة مثل الباقي وهو السدس وإن قلنا أنه غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرناه من القولين:
فإن قيل بالقديم: إن الرجوع يكون بأجرة المثل نظر أجرة مثل التعليم فإذا قيل عشرة دنانير: نظر أجرة مثل الثلثين الذي علمها فإن كانت خمسة دنانير فقد استوفت حقها ولا تراجع بينهما، وإن كانت سبعة رجح عليها بدينارين وإن كانت أربعة ورجعت عليه بدينار وإن قيل بالجديد: إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق الثلث وهو نصف ما علم ورجع عليها بأجرة مثل الثلث الباقي ورجعت عليه بتمام النصف من صداقها وهو سدس مهر المثل.
وإن كان قد علمها أقل من النصف كأنه علمها الثلث.
فإن قلنا: إن القرآن متساوي الأجزاء وأنه يجوز أن يعلمها بعد الطلاق فعليه أن يعلمها تمام النصف وقد استوفت.
وإن قلنا: إنه متساوي الأجزاء وأنه لا يجوز أن يعلمها سقط عنه من الصداق بقسط
الجزء: 9 - الصفحة: 399
ما علم وهو الثلث وبقي لها تمام النصف وهو الدس فترجع عليه في قوله القديم بالسدس من أجرة المثل وعلى قوله في الجديد بالسدس من مهر المثل.
وإن قلنا: إن القرآن غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرنا من القولين.
فإن قيل: إن الرجوع يكون بأجرة المثل قومت أجرة الجميع على ما وصفنا فإذا قيل: عشرة نظرت أجرة الثلث فإن قيل: خمسة فقد استوفت وإن قيل: ثلاثة رد عليها دينارين وإن قيل: ستة ردت عليه دينارًا.
وإذا قيل: إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق نصف الثلث وهو السدس ورجع عليها بأجرة مثل السدس الباقي ورجعت عليه ببقية النصف من الصداق وهو ثلث مهر المثل.
فصل:
وأما الفصل الثاني منهما وهو: أن يصدقها المجيء بعبدها الأبق ثم يطلقها فيترتب ذلك على ما ذكرنا من الضربين في صحة الصداق وفساده.
فإن كان على الضرب الذي يكون فيه الصداق صحيحًا بأن يكون مكان العبد معلومًا فلا يخلو حاله من أحد أمرين:
إما أن يكون قد جاءها بالعبد الآبق أو لم يجيئها به.
فإن كان قد جاءها بعبدها فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين:
إما أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول: فقد استكملته واستوفته فلا تراجع بينهما.
وان كان قبل الدخول فلها نصفه وقد استوفت جميعه فله أن يرجع عليها بنصف أجرة مثل المجيء بالآبق.
وإن لم يكن قد جاءها بالآبق ف يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استكملته وعليه أن يأتيها بالأبق ليوفيها الصداق.
وإن كان الطلاق قبل الدخول لم يلزمه أن يجيئها بالآبق لأنها لا تستحق جميع الصداق ويتبعض فيؤخذ بنصفه وإذا كان كذلك ففيما ترجع به عليه قولان:
أحدهما: هو القديم بنصف أجرة المثل.
والثاني: وهو الجديد نصف مهر المثل.
وإن كان على الضرب الذي يكون الصداق فيه فاسدًا بأن يكون مكان العبد مجهولاً فلا يخلو أن يكون قد جاءها بالعبد أو لم يجيئها به.
فإن كان قد جاءها به فلا يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول كان لها أن ترجع عليه بمهر المثل قولاً واحدًا لفساد الصداق
الجزء: 9 - الصفحة: 400
ويرجع عليها بأجرةً مثل المجيء بالآبق فإن كان من جنس واحد تقاضاه على الصحيح من المذهب وترادًا الفضل إن كان.
وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت عليه بنصف مهر المثل ورجع بأجرة مثل المجيء بالآبق.
وإن لم يكن قد جاءها بالعبد الآبق حتى طلقها لم يخل أن يكون طلاقه بعد الدخول فترجع عليه بمهر المثل ولا يؤخذ بالمجيء بالعبد لفساد الصداق فيه أو يكون طلاقه قبل الدخول فترجع عليه بنصف مهر المثل.
قال المزني ههنا: أن بنصف أجرةً المجيء بالآبق من هذا التخريج قيل بتجويزه هذا الصداق وهو خطأ لما ذكرناه والله أعلم.
مسألة:
قال المزني:" وَكَذَا لَوْ قَالَ نَكَحَتْ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبِ بِعَيْنَه فَهَلَكَ الثَّوْبِ، فَلَهَا مَهْرَ مِثْلُهَا، وَهَذَا أَصَحَّ مِنْ قَوْلِهُ: لَوْ مَاتَ رَجَّعَتْ فِي مَالِهُ بأجر مِثْلُه فِي تَعْلِيمِهُ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل تزوج امرأةً وأصدقها خياطةً ثوب بعينه فهذا يجوز إذا وصفت الخياطةً كما يجوز أن يعقد عليه إجارةً فإن تجدد ما يمنع عن خياطته
فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون بتلف الثوب.
والثاني: أن يكون بعطلةً الزوج بزمانه أو عمى.
فإن تلف الثوب ففي بطلان الصداق وجهان:
أحدهما: وهو الذي نصف عليه المزني ههنا: أن الصداق باطل لأنه معين في تالف فصار كما لو أصدقها حصاد زرع فهلك.
والثاني: أن الصداق جائز لأن الثوب مستوفي به الصداق ليس هو الصداق فصار كمن استأجر دارًا ليسكنها أو دابةً ليركبها فهلك قبل السكنى والركوب لم تبطل الإجارةً لهلاك من تستوفي به المنفعةً كذلك تلف الثوب قبل الخياطةً.
وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن خالع زوجته على رضاع ولده فمات هل يبطل بموته أم لا؟ على قولين لأن الولد يستوفي به الرضاع المستحق.
وإن تعطل الزوج عن الخياطةَ بعمى أو بزمانه مع بقاء الثوب فإن كان الصداق في ذمته لزمه أن يستأجر من يقوم بخياطته ولا يبطل الصداق بزمانته.
وإن كان الصداق معقودًا عليه في به بطل بزمانته وعطلته لأن الصداق (مستوفى) منه
الجزء: 9 - الصفحة: 401
فبطل بتلفه كموت العبد المستأجر وانهدام الدار المكراةً فصار استيفاء الصداق متعلقًا بثلاثةً أشخاص: مستوفي له ومستوفي به ومستوفي منه.
فالمستوفي له: هي الزوجةً وموتها لا يؤثر في فساده.
والمستوفي منه: هو الزوج وموته في فساده.
والمستوفي به: هو الثوب وفي فساد الصداق بتلفه وجهان:
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة فإن قلنا: إن الصداق لا يبطل الثوب فلها أن تأتيه بثوب مثله حتى يخيطه.
وإن قلنا: إن الصداق قد بطل بتلف الثوب ففيما ترجع عليه قولان:
أحدهما: وهو القديم أجرةَ المثل.
والثاني: وهو الجديد مهر المثل.
فلو كان الزوج على سلامته والثوب باقيا فطلقها كان كما لو طلقها وقد أصدقها تعليم القرآن فيكون على ثلاثةَ أقسام:
أحدها: أن يكون قد خاط لها جميع الثوب فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استكملته واستوفته فلا تراجع بينهما.
فإن كان قبل الدخول فقد ملك الزوج نصف الصداق وقد استوفت جميعه فيرجع عليها بنصف أجرةَ الخياطةً.
والثاني: ألا يكون قد خاطه ولا شيئًا منه.
فإن كان الطلاق بعد الدخول أخذ الزوج بخياطة الثوب.
وإن كان قبل الدخول فإن كانت خياطةً الثوب تتجزأ أو تتبعض أخذ الزوج بخياطةً نصفه وإن كانت لا تتجزأ لم يؤخذ بخياطته وكان فيما يلزمه لها قولان:
أحدهما: نصف أجرةَ المثل.
والثاني: نصف مهر المثل.
والثالث: أن يكون قد خاط بعضه وبقى بعضه.
فإن كان الطلاق بعد الدخول أخذ بإتمام خياطته.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصفه فيراعى قدر ما خاطه وحال تجزئته وتبعيضه ويراعي فيه ما روعي في تعليم القرآن من اعتبار أقامةُ الثلاثةَ في أن خياطةَ البعض إما أن يكون النصف أو أقل من الصف أو أكثر من الصف فيحمل على ما تقدم جوابه وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 402
صداق ما يزيد ببدنه وينقص
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وَكُلَّ مَا أَصُدُقُهَا فَمَلَكَتَهُ بِالْعُقَدَةِ ضَمَنَتَهُ بِالدُّفَعِ فَلَهَا زِيادَتَهُ وَعَلَيهَا نُقْصَانَهُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الزوجةَ مالكةً لجميع الصداق بنفس العقد.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: قد ملكت بالعقد نصف وبالدخول باقيةً.
استدلالًا بأنه لو طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه ولو كانت مالكةُ لجمعه ما زال ملكها عن نصفه إلا بعقد فدل على أنها لم تملك منه إلا النصف أو لأنه لو كان ملك الصداق مقابلًا لملك البضع لتساويا في التأجيل والتنجيم حتى يجوز تأجيل البضع وتنجيمه كما يجوز في الصداق.
أو لا يجوز في الصداق كما لا يجوز في البضع فلما اختص الصداق بجواز التأجيل والتنجيم دون البضع اختص بتمليك البعض وإن ملك جميع البضع.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: (4)] في ذك دليلان:
أحدهما: إضافةَ جميع الصداق إليهن فاقتضى أن يكون ملك جميعه لهن.
والثاني: أمره بدفع جميعه إليهن فاقتضى أن يكون جميعه حقًا لهن.
ولأن الزوج قد ملك بالعقد جميع البضع فوجب أن تملك عليه بالعقد جميع المهر كما أن المشتري لما ملك بالعقد جميع المبيع ملك عليه جميع الثمن، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: أنه عقد تضمن بدلًا ومبدلًا فوجب أن يكون ملك البدل في مقابلًا ملك المبدل كالبيع.
والثاني: أنه أحد بدلي العقد فوجب أن يكون مملوكا بالعقد كالبضع ولأنه لما كان لها المطالبةَ بجميعه قبل الدخول وحبس نفسها به إن امتنع وأن تضرب بجميعه مع غرمائه إن أفلس دل على أنها مالكةً لجميعه لأنه لا يجوز أن يثبت لها حقوق الملك مع عدم الملك.
فأما استرجاع الزوج نصفه بالطلاق قبل الدخول فلا يمنع أن تكون مالكةً لما استرجعه كما لو ارتدت قبل الدخول أو فسخت نكاحه بعيب استرجع جميعه ولم يمنع أن تكون مالكةً لما استرجعه وكما يسترجع المشتري الثمن إذا رد بعيب ولا يمنع أن يكون البائع مالكا له.
وأما اختلاف الصداق والبضع في التأجيل والتنجيم فلا يقتضي اختلالها في التمليك كما أن بيوع الأعيان يجوز التأجيل والتنجيم في أثمانها ولا يجوز فيها ولا يمنع
الجزء: 9 - الصفحة: 403
من تساويهما في أنهما قد ملكا بنفس العقد.
فصل:
القول في ضمان الزوج للصداق وقت الضمان ووقوعه.
فإذا ثبت أنها مالكةً لجميع الصداق بنفس العقد فهو مضمون على الزوج حتى تقبضه منه لأنه مملوك عليه بعقد معاوضةً فوجب أن يكون مضمونًا عليه كالمبيع.
وإن كان مضمونًا على الزوج فهو مضمون الأصل ومضمون النقص.
فأما ضمان الأصل: فقد اختلف قول الشافعي فيه؛ هل يضمن بما في مقابلته أو به في نفسه على قولين:
أحدهما: وهو في قوله في الجديد: أنه يضمن بما في مقابلته وهو البضع وليس للبضع مثل فضمن بقيمته وقيمته مهر المثل فيكون الصداق على هذا القول مضمونًا على الزوج إن تلف بمهر المثل،
والثاني: وهو قوله في القديم أنه يكون مضمونًا في نفسه لا بما في مقابلته كسائر الأعيان المضمونةَ فعلى هذا إن كان الصداق مما له مثل كالدراهم والدنانير والبر والشعير ضمنه بمثله في جنسه ونوعه وصفته وقدره وإن كان مما لا مثل له كالثياب والعبيد والمواشي ضمنه بقيمته وفي كيفيةَ ضمان قولان:
أحدهما: ضمان عقد فعلى هذا يلزمه قيمته يوم أصدق.
والثاني: ضمان غصب فعلى هذا يلزمه قيمته أكثر ما كانت من حين أصدق إلى أن تلف.
وأما ضمان القص فهو معتبر باختلاف حاليةُ في تمييزه واتصاله.
فإن كان النقصان متميزًا كتلف أحد الثوبين، وموت أحد العبدين ضمنه ضمان الأصل على ما ذكرنا من القولين.
وإن كان غير متميز: كمرض العبد وإطلاق الثوب ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يضمن بأرش النقص وهذا على القديم الذي جعل تلف الأصل موجبًا لضمان قيمته.
والثاني: أنه ضمانه له موجب لخيار الزوجةً بين أن تقيم عليه بنقص أو تفسخ وترجع إلى مهر المثل؛ وهذا على القول الجديد الذي يجعل تلف الأصل موجبًا لمهر المثل.
فصل:
فإذا استقر أن الأصل مضمون على الزوج بما ذكرنا فليس للزوجة أن تعاوض عليه قبل قبضه كما لا تعاوض على ما ابتاعته قبل القبض وإن حدث من الصداق في يد الزوج
الجزء: 9 - الصفحة: 404
نماء كالنتاج والثمرةً كان جميعه ملكًا للزوجةً لأنها مالكةً لجميع الأصل.
وعند مالك: أنها مالكةً لنصفه لأنها عنده مالكةً لنصف الأصل وإذا كانت الزوجةَ مالكةً لجميع النماء الحادث في يد الزوج فهل يكون مضمونًا على الزوج أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يكون مضمونًا عليه تبعًا لأصله.
والثاني: لا يكون مضمونًا عليه ويكون أمانةً في يده لأن العقد تناول الأصل دون النماء فأوجب فان الأصل دون النماء.
وإذا قبضت الزوجةَ الصداق صار جميعه من ضمانها وكان لها جميع ما حدث فيه من نماء.
وقال مالك: تضمن نصف الذي ملكته والنصف الآخر يكون في يدها أمانةً للزوج ولا يلزمها ضمانه وله نصفا النماء.
وبناء ذلك على أصله الذي قدمناه وقد مضى الكلام فيه.
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملةَ جئنا إلى شرح كلام الشافعي.
قال: "وكل ما أصدقها مملكته بالعقد وضمنته بالدفع فلها زيادةً وعليها نقصانه" وهذه جملةً اختصرها المزني من كلام الشافعي في كتاب "الأم" فإن الشافعي بسطه فأحسن المزني اختصاره.
فقوله: وكل ما أصدقها فملكته بالعقد أبان عن مذهبه أن الزوجةَ مالكةً لجميع الصداق بالعقد ورد به قول مالك أنها تملك نصفه بالعقد.
وأما قوله: وضمنته بالدفع فصحيح لأنه قبل دفعه إليها مضمون على الزوج دونها فإذا دفع إليها سقط ضمانه عن الزوج وصار مضمونًا عليها.
وأما قوله: فلها زيادته وعليها نقصانه: فنقصانه لا يكون عليها إلا إذا دفع إليها.
وإلا فهو على الزوج دونها وأما زيادته فهي لها قبل الدفع وبعده.
فإن قيل: فكيف جمع بين زيادته ونقصانه في أن جعل ضمانها بالدفع موجبًا وهذا الشرط يصح في النقصان؛ لأنه لا يكون عليها إلا إذا ضمنته الدفع أما الزيادة فلا يصح هذا الشرط فيها لأنها لها قبل دفعه إليها وبعده فعن هذا ثلاثة أجوبةً:
أحدها: أن جعل ذلك لها بعد الدفع لا يمنع أن يكون لها قبل الدفع.
والثاني: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا وتقديره: وكل ما أصدقها مملكته بالعقد فلها زيادته فإذا ضمنته بالدفع فعليها نقصانه ومثل هذا يجوز إذا دل عليه وضع الخطاب أو شواهد الأصول.
والثالث: أن الكلام على نسقه صحيح والشرط في حكمه معتبر لأن الزيادةَ الحادثةً بعد الدفع تملكها ملكا مستقرًا وقبل الدفع تملكها غير مستقر لأنه قد يجوز أن يتلف
الجزء: 9 - الصفحة: 405
الصداق في يد الزوج فيزول ملكها عن الزيادةً إن قيل: إنها ترجع بمهر المثل على ما سنذكره فصار الدفع شرطا في استقرار الملك فصح، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: فإن أصدقها أمة أو عبدا صغيرين فكبرا، أو أعميين فأبصرا ثم طلقها قبل الدخول، فعليها نصف قيمتهما يوم قبضهما إلا أن تشاء دفعهما زائدين، فلا يكون له إلا ذلك، إلا أن تكون الزيادةً غيرتهما بأن يكونا كبرًا كبرًا بعيدًا، فالصغير يصلح لما لا يصلح له الكبير، فيكون له نصف قيمتهما وإن كانا ناقصين فله نصف قيمتهما إلا أن يشاء أن يأخذهما ناقصين، فليس لها منعه إلا أن يكونا يصلحان لما لا يصلح له الصغير في نحو ذلك "
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا سمى لزوجته صداقا ثم طلقها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد سلم الصداق إليها.
والثاني: أن لا يكون قد سلمه إليها.
فإن لم يكن قد سلمه إليها حين طلقها فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون موصوفا في الذمة كمسمى من دراهم أو دنانير أو موصوفًا من بر أو شعير فلا يخلو طلاقه من أن يكون قل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استحقت جميعه واستقر ملكها عليه وليس له أن يرجع بشيء منه.
قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: (21)].
وإن كان الطلاق قبل الدخول أبراء من نصف الصداق لقول اله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرةً: 237] وفيه تأويلان:
أحدهما: معناه فنصف ما فرضتم لكن يرجع إليكم بالطلاق وهذا تأويل من قاله: إنها قد ملكت جميع الصداق بالعقد.
والثاني: معناه فنصف ما فرضتم للزوجات لا يملكن أكثر منه هذا تأويل من قال إنها لا تملك بالعقد إلا نصفه وإذا كان كذلك لم يخل حال الصداق من أن يكون حالًا أو مؤجلًا أو منجمًا فإن كان حالًا ساق إليها نصفه وقد بريء من جميعه.
وإن كان مؤجلًا: فعليه إذا حل الأجل أن يسوق إليها النصف وقد بريء من الكل ولا يحل قبل أجله إلا بموته.
وإن كان منجما: بريء من نصفه على التنجيم وكان النصف باقيًا لها إلى نجومه.
الجزء: 9 - الصفحة: 406
فلو كان إلى نجمين فحل أحدهما وقت الطلاق لم يكن لها أن تتعجل النصف في الحال فيتسضر ولا أن يؤخر به إلى النصف المؤجل فتستضر الزوجة ويبرأ الزوج من نصف الحال والنصف المؤجل وتأخذ الزوجةَ نصف الحال وتصبر بنصف المؤجل حتى يحل.
فصل:
والضرب الثاني: أن يكون الصداق عينًا معلومةً كالإماء والعبيد والمواشي والشجر فلا يخلو حاله وقت الطلاق من أحد خمسةً أقسام:
أحدها: أن يكون باقيًا بحاله.
والثاني: آن يكون قد تلف.
والثالث: أن يكون قد زاد.
والرابع: أن يكون قد نقص.
والخامس: أن يكون قد زاد من وجه ونقص محن وجه.
فأما القسم الأول وهو أن يكون باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان بعد الدخول فقد استقر لها جميعه وعليه تسليمه إليها كاملا، وإن كان قبل الدخول ملك الزوج نصفه، وبماذا يصير مالكًا؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو الأظهر أنه ملك بالطلاق نصف الصداق سواء اختار تملك ذلك أو لم يختره كما أن المشتري إذا رد بالعيب ملك بالرد جميع الثمن.
والثاني: إليه ذهب أبو إسحاق المروزي: أنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كالشفيع الذي ملك بالشفعةَ أن يتملك فإذا اختار الزوج أن يتملك نصف الصداق صار بالاختيار لا بالطلاق.
فإذا صار الزوج ملكاً للنصف إما بالطلاق على القول الأول أو بالاختيار على القول الثاني صارا شريكين فيه فإذا كان مما لا يقسم كانا فيه على الخلطةً وإن كان مما يقسم جبرًا فأيهما طلبها أجيب إليها وإن كان مما لا يقسم إلا صلحًا فأيهما امتنع منها أقر عليها.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الصداق قد تلف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتلف قبل أن يحدث منه نماء كعبد مات آو دابةً نفقت فيما تستحق الزوجة قولان:
أحدهما: وهو الجديد: مهر المثل فعلى هذا يكون الصداق تالفًا على ملك الزوج سواء تلف بحادث سماء أو جنايةً آدمي ثم ينظر في الطلاق فإن كان قبل الدخول فلها نصف مهر المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 407
وإن كان بعد الدخول فلها جميعه ويعتبر به مهر مثلها وقت العقد لا وقت الطلاق ولا وقت تلف الصداق لأن تلف الصداق يدل على وجوب مهر المثل بالعقد دون الطلاق.
والثاني: وهو في القديم: أنها ترجع عليه بقيمةَ الصداق فعلى هذا يكون الصداق تالفا ملكها.
ولا يخلو حال تلف من ثلاثةً أقسام: إما أن يكون بحادث سماء أو بجنايةً منه أو بجنايةً من أجنبي.
فإن كان بحادث سماء: ففي كيفيةُ ضمانه قولان:
أحدهما: يضمنه ضمان عقد فعلى هذا عليه قيمته يوم أصدق.
والثاني: ضمان غصب هذا عليه قيمته أكثر ما كان قيمته من وقت العقد أو وقت التلف.
وإن كان تلفه بجناية منه: فإن قيل إن ضمانه غصب ضمنه بأكثر قيمته في الأحوال كلها
وإن قيل ضمانه ضمان عقد فعليه أكثر القيمتين من وقت العقد أو وقت التلف واحدًا إن كانت قيمته وقت العقد أكثر فهي مضمونةً عليه بالعقد وإن كانت وقت التلف أكثر فهي مضمونةً عليه بالجنايةً ولا يضمن زيادتهُ فيما بين العقد والجنايةً.
وإن كان تلفه بجناية أجنبي؛ فلا تخلو قيمته وقت العقد ووقت الجنايةَ من ثلاثةَ أقسام:
أحدها: أن يكونا سواء.
والثاني: أن يكون وقت العقد أكثر.
والثالث: أن يكون وقت الجناية أكثر.
فإن استوت قيمته في الحالين كعبد كانت قيمته ألف درهم وقت العقد ووقت الجنايةً فالزوج ضامن لها في حق الزوجيةَ بالعقد والجاني ضامن لها في حق الزوج والزوجةً بالجنايةً وللزوجةً الخيار في طالبةً الزوج بها أو الجاني.
فإن طلبت الزوج بها وكان الطلاق بعد الدخول دفع إليها جميع القيمةَ ورجع على الجاني بجميع القيمةً.
وإذا أرادت الزوجةَ في الابتداء أن تطالب بها الجاني دون الزوج كان لها ذلك.
فإن كان طلاقها بعد الدخول رجعت عليه بجميع القيمةَ وبرئا من حقها وبريء الجاني من حقهما.
وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت عليه بنصف القيمة وبريء الزوج والجاني من حقها ورجع الزوج على الجاني بباقي القيمة وص النصف الذي ملكه الزوج بطلاقه.
وإن كانت قيمةُ الصداق وقت العقد أكثر منها وقت الجنايةً كأنه عبد قيمته وقت العقد ألف ووقت الجناية خمسمائةَ فالجاني ضامن بخمسمائةَ لأنها قيمته وقت جنايته
الجزء: 9 - الصفحة: 408
والزوج ضامن لجميع الألف لأنها قيمته وقت عقده، فإن كان طلاقها بعد الدخول كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج فترجع عليه بجمع الألف وقد استحقته ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائةً وبين أن ترجع على الجاني بخمسمائةً وعلى الزوج بخمسمائةً وليس للزوج أن يرجه بها على الجاني بشيء.
وإن كان طلاقها قبل الدخول: كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج الألف وهي خمسمائةً ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائةَ وتكون الخمسمائةً التي هي فاضل القيمةَ المضمونةً على الزوج في مقابلةً ما استحق من نصف الصداق وبين أن ترجع على الجاني بالخمسمائةَ كلها وقد استحقت بها نصف قيمةَ صداقها وقت العقد ويكون ما ضمنه من فانحل القيمةُ في مقابلةَ ما استحقه بطلاقه.
وإن كانت قيمة الصداق وقت الجناية أكثر كأنه عبد قيمته وقت العقد خمسمائةَ ووقت الجنايةً ألف فالجاني ضامن لك ألف وفيما يضمنه الزوج قولان:
أحدهما: خمسمائة إذا قيل إنه يضمنه ضمان عقد.
والثاني: ألف إذا قيل: إنه يضمنه ضمان غصب.
فإذا قيل: إن الزوج يضمن جميع الألف ضمان الغصب كانت مخيرةً إن كان طلاقها بعد الدخول في رجوعها بالألف على من شاءت من الزوج أو الجاني تم الكلام في التراجع على ما مضى.
وإن كان طلاقها قبل الدخول رجعت بنصف الألف على من شاءت منهما فإن رجعت بها على الزوج رجع الزوج على الجاني بالألف كلها وإن رجعت بها على الجابي رجع الزوج على الجاني بخمسمائة بقية الألف.
فإن قيل: إن الزوج يضمن خمسمائةً ضمان العقد نظر.
فإن كان طلاقها بعد الدخول فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه بجميع الآلف وقد بريء وإن شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بخمسمائةً لأنه لم يضمن أكثر منها ورجعت على الجاني بخمسمائةً بقيمةً الآلف ورجع الزوج على الجاني بالخمسمائةً الباقيةً من الألف.
وإن كان طلاقها قبل الدخول فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه الألف ورجع الزوج عليه بخمسمائةً بقيمةُ الألف وان شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بنصف الخمسمائةً ورجعت على الجاني بمائتين وخمسين بقيةً نصف الألف ورجع الزوج على الجاني بسبعمائةً وخمسين بقيةَ الألف.
والضرب الثاني: في الأصل: أن يكون قد حدث من الصداق قبل تلفه نماء كولد أمة ونتاج ماشيةً فهو معتبر بما ترجع به الزوجةً من بدل الصداق.
فإن قيل: إنها ترجع على الزوج بقيمته فالنماء لها لحدوثه في ملكها، وإن (قيل): إنها
الجزء: 9 - الصفحة: 409
ترجع على الزوج بمهر مثلها ففي النماء وجهان:
أحدهما: أنه للزوج لأن الرجوع عند تلفه إلى بدل ما في مقابلته فوجب لرفعه من أصله فكأنها لا تملكه فلم تملك نماءه.
والثاني: أنه للزوجةً لأنه حدث عن أصل كان في ملكها إلى وقت التلف ولا يصح أن يستحدث الزوج ملكه بعد التلف.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الصداق قد زاد فهذا على ضربين:
أن تكون الزيادةً منفصلةً لولد الأمةً ونتاج الماشيةً فلها إن طلقت بعد الدخول أن تأخذ جميع الصداق وجميع الماء وإن طلقت قبل الدخول أن تأخذ نصف الصداق وجميع النماء لحدوثه عن أصل كانت مالكة لجميعه.
وعند مالك تأخذ نصف الأصل ونصف النماء.
والثاني: أن تكون الزيادةً متصلة كمن المهزول وبرء المريض وتعلم القرآن فإن كان الطلاق بعد الدخول فلها أن تأخذ جميع الصداق زائدا.
وإن كان قبل الدخول فهي بالخيار بين أن تعطي الزوج نصفه زائدًا أو تأخذ نصفه بين أن تعدل به إلى نصف القيمةَ يوم أصدق فيكون جميع الصداق لها لأن فيه زيادةً تختص بملكها دون الزوج لا تتميز عن الأمل.
وقال مالك: للزوج أن يأخذ نصفه بزيادته لأنه الزيادةً التي لا تتميز تكون تبعًا للأصل كالمفلس إذا زاد المبيع في يده غير متميزة كان للبائع أن يرجع مع زيادته.
قيل: قد اخلف أصحابنا في التسويةً بينهما والجمع ين حكميهما على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق: أنه لا فرق بينهما في الحكم إذا استويا في معناه.
وذلك أن المفلس إنما رجع البائع معه بعين ماله زائدًا لأنه تعذر عليه أن يرجع ببدله وهو الثمن لأجل الفلس فجاز أن يرجع بالعين زائدة.
ولو لم يتعذر عليه البدل لما رجع بالعين وفي الصداق ليس يتعذر على الزوج الرجوع بالبدل فلم يرجع بالعين زائدةً ولو تعذر عليه الرجوع بالبدل لفلس الزوجة لرجع بالعين زائدةً.
والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا: أنهما يفترقان في الحكم فيكون للبائع إذا أفلس المشترى أن يرجع بمن ماله زائدًا ولا يكون للزوج إذا طلق قبل الدخول أن يرجع بنصف الصداق زائدا سواء كانت الزوجةً مفلسةً آو موسرةً.
والفرق محنهما من وجهين:
أحدهما: أن البائع في الفلس يرجع بفسخ قد رفع العقد من أصله فجاز أن يرجع
الجزء: 9 - الصفحة: 410
بالزيادةً لحدوثها بعد العقد المرفوع والزوج إنما يرجع بطلاق حدث بعد الزيادةً لم يرفع الصداق من أصله فلم يرجع بالزيادةً لتقدمها قبل الطلاق الحادث.
والثاني: أن الزوج متهوم لو جعلت له الزيادةً أن يكون قد طلقها رغبةً فيما حدث من زيادةً صداقها فمنع منها وليس البائع متهومًا في فلس المشتري فلم يمنع من الزيادةً، والله أعلم.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الصداق قد نقص فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون النقصان متميزًا كعبدين مات أحدهما أو صبرةً طعام تلف بعضها فلا يخلو حال الطلاق من أن يكون بعد الدخول أو قبله.
فإن كان بعد الدخول فقد استكلمت به جميع الصداق وقد تلف بعضه فينبني جوابه على ما نقوله في الرجوع ببدل التالف وفيه قولان:
أحدهما: وهو القديم: أنها ترجع بقيمةً ما تلف فعلى هذا لا يبطل الصداق في التالف ولا في الباقي وترجع بعين ما بقي وبقيمةً التالف إن لم يكن له مثل وبمثلهِ إن كان له مثل ولا خيار لها في مقام ولا فسخ.
والثاني: وهو الجديد: أن الرجوع عند التلف يكون بمهر المثل فعلى هذا قد بطل الصداق فيما تلف وصح على الصحيح من مذهب الشافعي فيما سلم فلا وجه لمن خرج فيه من أصحابنا قولًا ثانيًا من تفريق الصفقةً أنه باطل في السلم لبطلانه في التالف لأن الصفقةً لم تفرق في الحال العقد وإنما تفرقت بعد صحةَ العقد.
وإذا كان كذلك فالزوجةً بالخيار لأجل ما تلف بين أن تقيم على الباقي أو تفسخ فإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل وعاد الباقي من الصداق إلى ملك الزوج.
وإن أقامت فمذهب الشافعي أنها تقيم عليه بحسابه من الصداق وقد وترجع بقط ما بقي من مهر المثل.
فإن كان التالف النصف رجعت بنصف مهر المثل وإن كان الثلث رجعت بثلثيهِ ولا وجه لمن خرج فيه أصحابنا قولًا ثانيًا أنها تقيم على الباقي بجميع الصداق اعتبارًا بتفريق الصفقةً في حال العقد لما ذكرنا من الفرق بين ما اقترن بالعقد وبين ما حدث بعد صحة العقد.
وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصف الصداق وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون متماثل الأجزاء كالحنطةً فلها أن تأخذ من الباقي نصف الجميع ولا خيار لها.
والثاني: أن يكون مختلف الأجزاء كعبدين مات أحدهما ففيه قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 411
أحدهما: أنها تأخذ نصف جميع العبد الباقي إذا تساوت قيمتها فعلى هذا لا خيار لها
والثاني: أنها تأخذ نصف الباقي وفيما ترجع ببدله من نصف التالف قولان:
أحدهما: ترجع بقيمةَ نصف التالف وهو القديم فعلى ها لا خيار لها.
والثاني: ترجع بقسط ذلك من مهر المثل فعلى ذا يكون لها الخيارين هذا وبين أن تفسخ وترجع بنصف مهر المثل وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاةً فهذا حكم النقصان إذا كان متميزًا.
والضرب الثاني: أن يكون المقصان غير متميز كالعبد إذا كان سمينًا فهزل وصحيحًا فمرض أو بصيرًا فعمي فلها الخيار سواء قل العيب أو كثر.
وقال أبو حنيفة: لا خيار لها إلا أن يتفاحش العيب.
احتجاجًا: بأنها إذا ردت الصداق بالعيب اليسير رجعت بقيمته سليمًا وقد يخطئ المقومان فيقومانه صحيحًا بقيمته مع يسير العيب لأن بسير العيب لا يأخذ من القيمة إلا يسيرًا فعفي عن يسير العيب لأنه لا يتحقق استدراكه ولم يعف عن كثيرةُ لأنه يتحقق استدراكه ولم يعف في البيع عن يسيره ولا كثيرةُ ولأنه قد تحقق استدراكه في الرجوع بالثمن دون القيمةً.
ودليلنا هو أن ما جاز رده بكثير العيب جاز رده بيسيرةُ كالثمن ولأنه عيب يجوز به الرد في البيع فجاز به الرد في الصداق كالكثير.
فأما الجواب عما ذكره فهو أننا نوجب مع الرد مهر المثل في أصح القولين دون القيمةً.
ثم لو وجب الرجوع بالقيمةً لاقتضى أن يحمل التقويم على الصواب دون الخطأ وعلى فرق المقوم بين السليم والمعيب.
فإذا تقرر ما ذكرنا فلا يخلو ذلك عن ثلاثةَ أقسام:
أحدهما: أن يكون ذلك بحادث سماء.
والثاني: أن يكون بجناية الزوج.
والثالث: أن يكون بجناية أجنبي.
فإن كان بحادث سماء كهزال السمين وحرض الصحيح فإن سمحت بنقصه أخذته ناقصًا إن طلقت بعد الدخول ونصفه إن طلقت قبله ولا خيار للزوج فيما حصل له من نصف الناقص لأنه مضمون عليه، وإن لم تسمح بنقصه كان خيارها في الفسخ معتبرًا بما ترجع به لو فسخت؛ فإن قيل: إنها ترجع بقيمته فلا خيار لها في الفسخ وتأخذه ناقصًا مع أرش نقصه إن طلقت بعد الدخول ونصفه ونصف أرشه إن طلقت قبله وإنما سقط خيارها في الفسخ لأن أخذه ناقصًا مع الآرش أخص بحقها من العدول عنه إلى قيمته.
وإن قيل: لو فسخت رجعت بمهر المثل فلها الخيار في الفسخ أو المقام فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 412
فسخت رجعت بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت قبله وإن أقامت أخذته ناقصًا ولا أرش لها كالبائع إذا رضي أن يتمسك بالمعيب وإن طلقت قبل الدخول رجعت بنصفه ناقصًا من غير أرش ويكون نصفه معيبًا للزوج ولا خيار له فيه لأنه مضمون عليه.
وإن كان النقصان بجنايةً الزوج: كأنه قطع إحدى يديه أو قلع إحدى عينيه فهو يضمنه الجاني بنصف القيمةً ويضمنه غير الجاني بما نقص فيكون الزوج ها هنا ضامنًا له بأكثر الأمرين من نقصه أو نصف قيمته وإن كان نصف القيمة أكثر لؤمه ذلك لأنه قد يلتزمه بالجناية من غير يد ضامنة فلأن يلزمه مع اليد الضامنةً أولى وإن كان نقصه أكثر من نصف القيمةً لزمه ذلك لأنه قد يلتزمه باليد الضامنةَ من غير جناية فلان يلتزمه مع الجنايةً أولى وإذا لزمه ضمان أكثر الأمرين ترتب جوابه على ما يوجبه في الرجوع مع التلف.
فإن قيل: إن تلف الصداق موجب للرجوع بقيمته على قوله في القديم فلها أن تأخذ العبد ناقصًا وما أوجبناه من ضمان نقصه أو يقدر بجنايته إن طلقت بعد الدخول أو نصف ذلك إن طلقت قبله ولا خيار بها.
وإن قيل: إن تلف الصداق موجب للرجوع بمهر المثل فهي ها هنا بالخيار بين المقام أو الفسخ فإن فسخت رجعت بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول أو بنصفه إن طلقت قبله وإن أقامت أخذت العبد ناقصًا وما أوجبه ضمان الجنايةً وهو نصف القيمةً ولا اعتبار بما زاد عليه من ضمان النقص باليد الضامنةً على هذا القول.
ألا تراه لو نقصت قيمتهُ من غير جنايةً لم يضمنها على هذا القول إذا أقامت ولم يفسخ هذا إن كان الطلاق بعد الدخول فإن كان قبله أخذت نصفه وربع القيمة بالجنايةً.
وإن كان النقصان بجناية أجنبي؛ كأنه قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه فعلى الجاني نصف القيمةً أرش الجنايةً ويضمن الزوج نقصان القيمةً قل أو كثر ضمان اليد ثم يترتب حقها فيما ترجع به على ما مضى من القولين.
إن قلنا: أنها ترجع مع التلف بالقيمة رجعت عليه إن طلقت بعد الدخول بالعبد الناقص ورجعت معه بأكثر الأمرين من ضمان الجنايةً وهو نصف القيمةً أو ضمان اليد وهو نقصان القيمةً وهي بالخيار في الرجوع على من شاءت منهما فإن رجعت على الجاني رجعت عليه بنصف القيمةً فإن كان هو الأكثر فقد استوفت ولم يرجع على الزوج بشيء ولا يرجع الزوج على الجاني بشيء وإن كان هو الأقل رجعت بالباقي من نقصان القيمة على الزوج ولم يرجع به الزوج على الجاني وإن رجعت على الزوج رجعت عليه بنقصان القيمةً فإن كان هو الأكثر فقد استوفت ورجع على الجاني بنصف القيمةَ وإن كان هو الأقل رجعت على الجاني بالباقي من نصف القيمةً ورجع الزوج عليه بما غرم من نقصان بالقيمةَ.
فإن طلقت قبل الدخول رجعت بنصف ذلك.
وإن قلنا: إنها ترجع مع التلف بمهر المثل على قوله في الجديد فهي بالخيار بين
الجزء: 9 - الصفحة: 413
المقام أو الفسخ فإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل إن طلقت بعد الدخول وبنصفه إن طلقت قبله ورجع الزوج على الجاني بنصف القيمةً أرش الجنايةً وإن أقامت كان لها إن طلقت بعد الدخول أخذ العبد ونصف القيمةً التي هي أرش الجنايةً سواء كانت أقل الأمرين أو أكثرهما فإن كان هو الأقل كان لها الخيار في الرجوع به على من شاءت منهما فإن رجعت به على الزوج رجع به الزوج على الجاني لأن رجعت به على الجاني لم يرجع به الجاني على أحد وإن كان نصف القيمةً هو الأكثر لم يكن لها أن ترجع على الزوج إلا بنقصان القيمةً وترجع بالباقي من النصف على الجاني ويرجع عليه الزوج بما غرم من نقصان القيمةَ وإن رجعت على الجاني رجعت عليه ينصف القيمةَ وقد استوفت وإن كان الطلاق قبل الدخول رجعت بالنصف من ذلك ورجع الزوج بالنصف الآخر.
فصل:
وأما القسم الخامس وهو أن يكون الصداق قد زاد من وجه ونقص من وجه فلا تخلو حال الزيادةً والنقصان من أربعةَ أقسام:
أحدهما: أن يكونا متميزين.
والثاني: أن يكونا غير متميزين.
والثالث: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان غير متميز.
والرابع: أن تكون الزيادةً غير متميزةً والنقصان متميزًا.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان متميزًا: فمثاله: أن يكون قد أصدقها أمتين فماتت واحدةً وولدت لأخرى فموت إحداهما نقصان متميز وولادةً أخرى زيادةً متميزةً فيكون الكلام في موت إحداهما كالكلام في النقصان المتميز إذا انفرد عن الزيادةً.
فأما الولد فإن قيل: ترجع في التالف بقيمته فالولد لها وإن قيل: ترجع في التالف بمهر المثل نظر فإن لم تفسخ ولم ترجع بمهر المثل فالولد لها سواء كان الولد من الباقيةً أو من الميتةُ وإن فسخت ورجعت بمهر المثل نظر في الولد؛ فإن كان من الباقيةً دون الميتةً فهو لها لأن الباقيةً خرجت من الصداق بالفسخ الذي هو قطع إلا بالموت الذي هو رفع وإن كان الولد من الميتةَ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه للزوجة أيضًا لحدوثه على ملكها.
والثاني: أنه يكون للزوج لأن موت أمه قد رفح العقد من أصله.
وأما القسم الثاني: وهو أن تكون الزيادةً غير متميزةً والنقصان غير متميز.
فمثاله: أن يصدقها أمتين إحداهما مريضةً والأخرى صحيحةً فتبرأ المريضة وتمرض الصحيحةً.
فإن كان الطلاق بعد الدخول وقلنا بقوله في القديم: أنها ترجع مع التلف بالقيمةً أخذت الأمتين ورجعت بنقصان قيمةً الصحيحة التي مرضت ولا يجبر ذلك بالزيادةً
الجزء: 9 - الصفحة: 414
الحادثةُ في برء المريضةً لأنها زيادةً لا يملكها، وإن قلنا بقوله في الجديد: أنها ترجع مع التلف بمهر المثل نهى ها هنا بالخيار بين أن تأخذ الأمتين بالزيادةَ والنقصان من غير أرش وبين أن تفسخ وترجع بمهر المثل.
وإن كان الطلاق قبل الدخول ترتب على القولين إذا تلفت إحداهما وبقيت الأخرى هل لها إذا تساوت قيمتها أن تأخذ الباقيةً منهما بالنصف أم لا؟ فإن قيل بأحد القولين أنها تأخذ الباقية بالنصف فلا خيار لها ها هنا وتأخذ بالصف الذي لها الأمةً التي زادت وترد للزوج الأمةُ التي نقصت.
وإن قيل بالقول الثاني: أنها تأخذ النصف من كل واحدةً من الأمتين: ترتب على إليه مع التلف.
فإن قيل بالقديم آن الرجوع يكون بالقيمةً رجعت بنصف الأمتين وينصف الأرش ومن نقصان التي نقصت ولا يجبر ذلك بزيادةَ التي زادت.
وإن قيل بالجديد: أن الرجوع مع التلف يكون بمهر المثل كان بالخيار بين أن ترجع بنصف الأمتين من غير أرش وبين أن تفسخ وترجع بنصف مهر المثل.
وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الزيادةً متميزة والنقصان غير متميز، فمثاله: أن يصدقها أمتين فتلد إحداهما وتمرض الأخرى فالكلام في مرض إحداهما كالكلام في النقصان الذي لا يتميز إذا لم يكن معه زيادةً متميزةً على ما مضى.
فأما الولد فيكون للزوجةً بكل حال سواء، أقامت على الصداق أو فسخت ورجعت بمهر المثل مواء كان الولد من الناقصةً أو من الأخرى لأن بقاء أمه إن فسخ الصداق فيها موجب لقطعه لا لرفعه.
فأما القسم الرابع: وهو أن تكون الزيادةَ غير متميزةً والنقصان متميزا فمثاله: أن يصدقها أمتين مريضتين فتموت إحداهما وتبرأ الأخرى فيكون الكلام فيه كالكلام في النقصان المتميز إذا لم يكن معه زيادةً فيكون على ما مضى وليس للزيادةً هاهنا تأثير يتغير به الحكم.
فصل:
فأما القسم الثاني من أصل المسألة وهو أن يكون الزوج قد ساق الصداق بكماله إليها ثم طلقها فلا يخلو طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان بعد الدخول فلا حق له في الصداق وقد استوفته.
وإن كان قبل الدخول فله نصفه، وإذا كان كذلك: لم يخل الصداق من أحد أمرين: إما أن يكون موصوفًا في الذمةَ أو يكون عينًا معلومةً.
فإن كان موصوفًا في الذمةَ كالدراهم والدنانير فلا يخلو أن يخون ذلك باقيًا في يدها أو مستهلكاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 415
فإن كان مستهلكًا رجع عليها بالنصف من مثل ذلك الصداق، وإن كان باقيًا في يدها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه للزوج أن يرجع بالنصف من الصداق الذي أقبضها لأنه عين ماله وليس لها أن تعدل به إلى مثله.
والثاني: أنها بالخيار بين أن تعطيه النصف من ذلك الصداق وبين أن تعدل به إلى نصف مثله لأنه لم يكن متعينًا بالعقد بل كان مضمونًا في الذمةَ فاستقر فيه حكم الخيار في مثله.
والأول أظهر لأنه قد تعين بالقبض فصار كالمتعين بالعقد، فلو كانت قد اشترت بالصداق جهازًا أو غيره ورجع عليها بمثل نصف الصداق ولم يلزمه أن يأخذ نصف الجهاز.
وقال مالك: إذا تجهزت بالصداق لزمه أن يأخذ نصف الجهاز وبني ذلك على أصله في أن على المرأةً أن تجهز لزوجها.
وعندنا: لا يجب على المرأةَ أن تتجهز للزوج لأن المهر في مقابلةَ البضع دون الجهاز فلم يلزمها إلا تسليم البضع وحده.
ولأن ما اشترته من الجهاز كالذي اشترته بغير الصداق ولأن ما اشترته بالصداق من الجهاز كالذي اشترته من غير الصداق، وأما إن كان الصداق في الأصل معينًا بالعقد فلا تخلو حاله مما ذكرناه من الأقسام الخمسة:
أحدهما: أن يكون باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فله أن يرجع بنصفه فيكون شريكًا فيه وهل يكون شريكًا فيه بنفس الطلاق أو باختياره أن يتملك بالطلاق نصف الصداق؟ على ما ذكرنا من القولين.
والقسم الثاني: أن يكون الصداق قد تلف في يدها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتلف في يدها قبل طلاق الزوج.
والثاني: أن يتلف بعد طلاقه.
فإن تلف قبل طلاق الزوج فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمته قولًا واحدًا أقل ما كان قيمته من وقت العقد إلى وقت التسليم لأن قيمته إن نقصت فهي مضمونةً عليها فلا يرجع بها لأن زادت فالزيادةَ لغيره فلم يجز أن بملكها.
وقال مالك: لا يرجع عليها بشيء لأن عنده الصداق أمانة في يدها وقد مضى الكلام عليه.
وأما إن تلف الصداق في يدها بعد آن ملك الزوج نصفه بطلاقه فلم يتسلمه حتى تلف فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يتلف في يدها قيل بذله له وتمكين منه فله أن يرجع عليها بنصف قيمته على ما مضى.
الجزء: 9 - الصفحة: 416
والثاني: أن يتلف في يدها بعد بذله له وتمكينه منه فلم يتسلمه حتى تلف ففي ضمانه وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا فيما يستحقه الزوج من الصداق.
فأحدهما: أن الذي يستحقه عليها التمكين من الصداق فعلى هذا لا ضمان علها لوجود التمكين.
والثاني: أن الذي يستحقه عليها تسليم الصداق فعلى هذا عليها ضمانه لعدم التسليم.
ثم يتفرع على هذين الوجهين إذا تلف في يدها بجنايةُ آدمي فعلى الوجه الأول أن المستحق هو التمكين يرجع الزوج إلى الجاني.
وعلى الوجه الثاني: أن المستحق هو التسليم بكون الزوج بالخيار بين أن يرجع على الزوجةَ أو على الجاني.
ويتفرع على هذين الوجهين أيضًا إذا حدث بالصداق بعد أن تملك الزوج نصفه نقصان لا يتميز فلا خيار له في فسخ الصداق به والرجوع إلى قيمتهُ لاستقرار ملكه عليه وهل يكون نقصه به مضمونًا عليها أم لا؟ على وجهين: معتبر بحالها في التسليم والتمكين ولها فيه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن لا تسلم ولا تمكن الزوج منه فا لقصان مضمون عليها لأنه مقبوض في يدها عن معاوضةً فلزمها ضمانه كالمقبوض سومًا.
والثانية: آن تسلمه إليه فيرد عليها فهو أمانةً كالوديعةً لا يلزمها ضمانه.
والثالثة: أن تمكنه منه فلم يتسلمه حتى نقص نفي ضمانها لنقصانه وجهان:
والقسم الثالث: أن يكون الصداق قد زاد فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الزيادةً متميزةً كالولد فالزيادةً لها ويرجع الزوج بنصف الأصل من غير زيادة.
وعند مالك: يرجع بنصف الأصل ونصف الزيادةً.
وعند أبو حنيفة: لا يرجع بنصف الأصل ولا بنصف الزيادة، ويرجع بنصف القيمةً
بناء على أصله في أن زيادة المبيع تمنع من الرد بالعيب.
والضرب الثاني: أن تكون غير متميزةً كالبرء والسمن فهي بالخيار بين أو تعطيه نصف القيمةَ أو نصف العين.
وعند مالك: تجبر على دفع نصف العين زائدةً.
وليس كذلك لما بيناه من أن الزيادةً ملك لها وهي متصلةً بالأصل فلم تجبر على بذلها فإن بذلت له نصف القيمةَ أجبرها على قبولها وإن بذلت له نصف الصداق زائدا ففي إجبارها على قبولها وجهان:
أصحهما: يجبر عليه وليس له نصف القيمةَ لأن منعه العين إنما كان لحق الزوجةً من الزيادةً.
الجزء: 9 - الصفحة: 417
والوجه الثاني: وهو أضعفهما أنه لا يجبر وله أن يعدل إلى نصف القيمةً لأن حدوث الزيادةً قد يقل حق إلى القيمةً.
ولأنه لما لم يجبر على قبول الزيادةَ إذا انفصلت لم يجبر على قبولها إذا اتصلت فلو حدثت زيادةً الصداق بعد الطلاق وقبل رجوع الزوج به فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحدث بعد الطلاق وبعد اختيار التمليك فيكون الزوج شريكًا في الزيادةً فإن كانت متميزةً كالولد رجع بنصفه مع نصف الأم وإن كانت متصلةً كالسمن يملك نصفه زائدًا ولم يكن للزوجةً بهذه الزيادةً المتميزةً أن تمنعه من نصف الأصل.
والثاني: أن تكون الزيادةً حادثةً بعد الطلاق وقبل اختيار الملك؛ ففيها قولان:
أحدهما: أنها للزوجةً إذا قيل: إن الزوج لا يملك الصداق إلا باختيار التمليك بعد الطلاق فعلى هذا إن كانت الزيادةً متميزةً فجميعها للزوجةَ وله نصف الأصل لا غير، وإن كانت متصلةً كان لها الزيادةً أن تمنع الزوج من نصف الأصل وتعدل به إلى نصف القيمةَ.
والثاني: أن الزيادةَ للزوج إذا قيل إنه قد ملك بنفس الطلاق نصف الصداق فإن كانت متميزةً كالولد فله نصفه ونصف الأصل وهل تكون حصته من الولد مضمونةً على الزوجةَ أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في الولد إذا حدث في يد الزوج هل يكون مضمونًا عليه في حق الزوجة أم لا؟ على قولين:
وإن كانت الزيادةَ غير متميزةً كالسمن فهل تكون مضمونةً على الزوجةَ أم لا؟ على هذين الوجهين:
أحدهما: أنها مضمونةً عليها فإن تلف الصداق ضمنت نصف قيمته بزيادةً، وإن تلفت الزيادةَ بأن ذهب السمن ضمنت قدر نقصه.
والثاني: أنها غير مضمونةً على الزوجةَ فإن تلف الصداق ضمنت نصف قيمته قبل الزيادة، وإن زال السمن لم تضمنه قدر نقصه.
والقسم الرابع: أن يكون الصداق قد نقص فهذا على ضرين:
أحدهما: له ذلك وقد استوي بها جميعه حقه.
والثاني: له أن يأخذ نصفها ويرجع بنصف قيمتهُ التالفة.
ولو كانتا متفاضلتي القيمة: لم يتملك من الباقيةً إلا نصفها وكان له نصف قيمةُ التالفةً.
وهل يتعين في نصف الباقيةَ حتى يأخذه بالتقويم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: قد تعين فيه إذا قيل: إنه لو تساوى أخذ الجمع.
والثاني: وهو الأصح لا يتمن فيه وهو ملكها ولها أن تعطيه قيمةً نصف التالفةً من آي أموالها شاءت إذا قيل لو تساوى لم يأخذ من الباقيةً إلا النصف.
والثاني: أن يكون النقصان غير متميز كالعمى والهزال فيكون حقه في نصف القيمةَ
الجزء: 9 - الصفحة: 418
ولا يلزمه أن يأخذ نصف الصداق ناقصا كما لو يلزمها أن تعطيه نصفه زائدًا.
فإن رضي أن يأخذ نصفه ناقصًا فهل يجبر على ذلك أم لا؟ على وجهين كما مضى في الزيادةً المتصلةً إذا بذلتها الزوجةً.
فإن قيل: فهلا أسقطتم خيار الزوج إذا وجد الصداق ناقصًا وجعلتم له أن يأخذ الصداق بنقصه ويأخذ معه أرش نقصه، كما جعلتم للزوجة إذا وجدته ناقصا في يده أن تأخذه ناقصًا وأرش نقصه.
قلنا: الفرق بينهما هو أن الصداق في يد الزوج ملك للزوجةً فضمن نقصانه لها فلذلك غرم أرش نقصه وليس كذلك الزوجةً لأن الصداق في يدها ملك لنفسها فلم تضمن نقصانه للزوج فلذلك لم تغرم له أرش نقصه واستحق به مجرد الخيار بي الرضا النقص أو الفسخ.
والقسم الخامس: أن يكون الصداق قد زاد من وجه ونقص من وجه فهذا على أربعةَ أضرب:
أحدها: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان متميزًا كأمتين ماتت أحدهما وولدت الأخرى فالولد لها لا حق فيه للزوج ويكون الحكم فيه كما لو نقص نقصانًا متميزًا.
والثاني: أن تكون الزيادةُ غير متميزةُ والنقصان غير متميز كأمة بصيرةً مريضةً فبرأت وعميت فبرؤها زيادةً لا تتميز وعماها نقصان لا يتميز فلا يلزم الزوج أن يأخذ نصفها لأجل النقصان ولا يلزم الزوجةً أن تبذل نصفها لأجل الزيادةً وأيهما دعا إلى نصف القيمةَ كان القول قوله وجهًا واحداً فإن تراضيا على أخذ النصف بالزيادة والنقص جاز.
والثالث: أن تكون الزيادةً متميزةً والنقصان غير متميز: كأمةً ولدت ومرضت فلا حق له في الولد ويكون كالكلام في النقصان المنفرد إذا لم يتميز فيكون حق الزوج في نصف القيمة.
فإن رضي بنصفها ناقصةً ففي إجبار الزوج عليه وجهان.
والضرب الرابع: أن تكون الزيادةَ غير متميزةً والنقصان متميزًا كأمتين مريضتين برأت إحداهما وماتت الأخرى فحقه في نصف القيمةً فإن بذلت له الباقيةً بزيادتها لم يجبر على قبول نصفها لأنه عوض من قيمةُ التالفةً ولا يلزمه المعاوضةً إلا عن مراضاة وهل يجبر على قبول النصف الآخر في حقه منه أم على الوجهين.
فهذا جميع ما اشتملت عليه أقسام المسألةً.
فصل:
فأما قول الشافعي: لو أصدقها أمةً وعبدًا أعميين فأبصرا فهذا زيادةً لا تتميز فيكون على ما تقدم من حكمهما.
وأما قوله: ولو كانا صغيرين فكبرا فإن الكبر معتبر فإن كان مقارنًا بحال الصغر ومنافع الصغر فيه موجودةً فهذه زيادةً لا تتميز فيكون على ما مضى وإن كان كبرا بعيدًا
الجزء: 9 - الصفحة: 419
يزول عنه منافع الصغير في الحركةَ والسرعةً وقلةُ الحسن ففيه زياد ونقص لا يتميزان فيكون على ما مضى.
وجميع المسائل الواردةً فليس يخرج عما ذكرناه من الأقسام، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَهَذَا كُلَّه مَا لَمْ يُقَضْ لَهُ الْقَاضِي بِنُصْفِهُ فَتَكَوُّنَ هِي حينئذ ضَامِنَةً لَمَّا أَصَابَهُ فِي يَدِيِهَا".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي بقوله: "هذا كله ما لم يقض القاضي له بنصفه" على وجهين:
أحدهما: وهو قول آبي العباس بن سريج: أن مراد الشافعي بذلك ما تقدم من نماء الصداق قبل الطلاق أنه للزوجةً بأسره ما لم يترافعا إلى قاضي مالكي فيقضي للزوج بنصف النماء فيصير الزوج مالكًا لنصفه بقضاء القاضي المالكي لأنه حكم نفذ باجتهاد سائغ.
ويكون معنى قوله: "فتكون حينئذٍ ضامنةً لنصفه" يعنى لنصف النماء إذا طلبه منها فمنعته فتصير بالمنع ضامنةً فأما أصل الصداق فلا يفتقر تملك الزوج لنصفه بالطلاق إلى قضاء قاض لا عند الشافعي ولا عند مالك سواء قيل إنه يملك بنفس الطلاق أو باختيار التملك بعد الطلاق.
والثاني: قول أبي إسحاق المروري وجمهور أصحابنا: أن كلام الشافعي راجع إلى أصل الصداق إذا حدث فيه زيادةً أو نقصان فاختلفا في نصف القيمةً أو في نصف العين فإن اختلافهما فيه على ما مضى بيانه إلا أن يقضي القاضي له بنصف العين فينقطع الخلاف بينهما يحكمه ويصير له نصف الصداق لأن الصداق إذا كان باقيًا بحاله لم يزد ولم ينقص فليس بينهما اختلاف مؤثر ولا لحكم الحاكم في تملك الزوج لنصفه تأثير.
فإذا حدث فيه زيادةً أو نقصان صار الخلاف بينهما في نصف العين آو نصف القيمة مؤثرًا وصار لحكم الحاكم تأثير في تملك الزوج لنقصه يكون معنى قول الشافعي: تكون حينئذ ضامنة كما أصابه في يدها يعنى: لنقصان الصداق بعد أن نقضى له القاضي بنصفه.
لأنه قبل القضاء لم يملكه الزوج فلم تضمن الزوجةً نقصه وبعد القضاء قد ملكه ضمنت نقصه ما لم يكن منها تسليم ولا تمكين لأنه في يدها عن معاوضةً كالمقبوض سومًا فإن سلمته وعاد إليها أمانةً لم تضمنه وإن لم تسلمه ولكن مكنته منه ففي وجوب ضمانها لنقصه وجهان مضيا.
فلو اختلفا في النقص فقال الزوج: هو حادث في يدك فعليك ضمانه وقالت
الجزء: 9 - الصفحة: 420
الزوجة: بل هو متقدم فليس على ضمانه فالقول قولها مع يمينها لأنها منكرة والأصل براءة ذمتها مع احتمال الأمرين: فأما الزيادة فما تقدمت ملك الزوج لنصف الصداق فجميعها للزوجة وما حدث بعده فهو بينهما وهل تكون الزوجة ضامنة له أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فلو اختلفنا فيها فقال الزوج: هي حادثة بعد أن ملكت نصف الصداق فنصفها لي وقالت الزوجة بل هي متقدمة قبل ذلك فجميعها لي فالقول قول الزوجة بل هي متقدمة قبل ذلك فجميعها لي فالقول قول الزوجة مع يمينها لأن الزيادة في يدها.
والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "فَإِنْ طَلَّقَهَا وَالنَّخْلُ مُطَلِعَةٌ فَأَرَادَ أَخْذَ نِصْفِهَا بِالطَّلْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَتْ كَالْجَارِيَةِ الحُبْلَى والشَّاة المَاخِضِ وَمُخَالِفَةٌ لَهُمَا فِي أَنَّ الاطِّلاَعِ لاَ يَكُونُ مُغَيِّرَا للِنَّخْلِ عَنْ حَالهَا فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ ذَلِكَ ".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أصدق امرأة نخلاً وطلقها قبل الدخول وقد أثمرت فالثمرة زيادة اختلف أصحابنا فيها هل تجري في الصداق مجرى الزيادة المتميزة أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها زيادة متميزة كالود سواء كانت مؤبرة أو غير مؤبرة لإمكان قطعها عن الأصل وجواز إقرارها بالعقد.
والثاني: أنها زيادة غير متميزة في حكم الصداق سواء كانت مؤبرة أو غير مؤبرة لاتصالها بالأصل فجرت مجرى الحمل.
والثالث: أنها إن كانت مؤبرة فهي متميزة كالولد لأنها لا تتبع الأصل في البيع وإن كانت في طلعها غير مؤبرة فهي غير متميزة كالحمل لأنها تتبع الأصل في البيع.
فإذا تقررت هذه الوجوه الثلاثة فالثمرة للزوجة على جميع أحوالها بحدوثها في ملكها ولها استيفاء النخل على ملكها لاستطلاع ثمرتها وتكاملها ويصير حق الزوج في قيمة النخل فيدفع إليه نصف قيمتها أقل ما كانت النخل فيمة من حين أصدق إلى أن أسلم.
أحوال بذل المرأة نصف النخل المثمر لزوجها فإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال:
الأولى: أن تبذل له نصف النخل مع نصف الثمرة.
فإن قبلها جاز ثم ينظر فإن جعلنا الثمرة زائدة غير متميزة كان بذل الزوجة لها عفوًا عنها فلا يراعي فيه لفظ الهبة ولا القبض.
وإن جعلناها زيادة متميزة فهل يجري عليها حكم العفو أو حكم الهبة على وجهين:
الجزء: 9 - الصفحة: 421
أحدهما: حكم الهبة ولا تتم إلا بالقبض لأنها بالتمييز كالولد الذي لو بذلت نصفه للزوج مع نصف أمه كانت هبة لا تتم إلا بالقبض.
والثاني: أنه يجري عليها حكم العفو وتتم بغير قبض بخلاف الولد لأن المقصود ببذلها إيصال الزوج إلى قه من النخل الذي لا يقدر عليه إلا بها وخالف الولد لأنه يقدر على الرجوع بالأم دونه.
وإن امتنع الزوج من قبول الثمرة ففي إجباره على القبول ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يجبر على القبول سواء قيل إن الثمرة متميزة أو غير متميزة لأنه منع من النخل من حق الزوجية لدفع الضرر عنها في الثمرة فإذا صارت إليه فلا ضرر عليها.
والثاني: أنه لا يجبر على القبول سواء قيل إن الثمرة زائدة متميزة أو غير متميزة لأن حقه صار في القيمة فلم يكن لها أن تعدل به إلى العين.
والثالث: وهو الأصح أن إجباره معتبر بحكم الثمرة.
فإن قيل: إنها زيادة متميزة لم يجبر على القول كالولد وله أن يعدل إلى نصف قيمة النخل.
وإن قيل: إنها زيادة غير متميزة كالسمن أجبر على القبول ولم يكن له أن يعدل إلى نصف القيمة.
فصل:
والحالة الثانية: أن تبذل له نصف النخل دون الثمرة فإن قيل ذلك منها جاز وعليه ترك الثمرة على النخل إلى تكامل صلاحها وإن امتنع من القبول: لم يجبر عليه تعليلاً لأمرين:
أحدهما: دخول الضرر عليه باستيفاء الثمرة على نخله.
والثاني: أن حقه قد صار في القيمة فلم يعدل به إلى غيره.
وقال المزني: حق في نصف النخل يرجع بها وعليه ترك الثمرة إلى أوان جذاذها كالمشتري.
وهذا الجمع غير صحيح لوضوح الفرق بينهما وهو أن الشراء عقد مراضاة فلذلك أقر على ما تراضيا ب من استيفاء الثمرة على نخل المشتري لرضاه بدخول الضرر عليه وملك الصداق عن طلاق لا مرضاة فيه فاقتضى المنع من دخول الضرر على كل واحد منهما.
وجمع بينهما في نفي الضرر عنهما فلو طلب الزوج أن يرجع بنصف النخل في الحال على أن يترك الثمرة عليها إلى تكامل الصلاح ففي إجبارها على ذلك وجهان:
أحدهما: لا تجبر عليه تعليلاً بأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: تجبر عليه تعليلاَ بزوال الضرر عنها ولحوقه بالزوج الراضي به.
الجزء: 9 - الصفحة: 422
فصل:
والحالة الثالثة: أن تبذل له قطع الثمرة وتسليم نصف النخل:
فإن كان تعجيل قطعها مضرًا بالنحل: لم يجبر على القبول.
وإن كان غير مضر: فما لم تبادر إلى القطع لم يجبر على القبول وإن بادرت إلى القطع ففي إجباره وجهان:
أحدهما: لا يجبر تعليلاً بأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: يجبر تعليلاً بزوال الضرر عنه في الأصل.
ولو طلب الزوج منها أن تقطع الثمرة وتعطيه نصف النخل لم تجبر الزوجة عليها وجهًا واحدًا لما فيه من دخول الضرر عليها.
فصل:
والحالة الرابعة: أن تدعوه إلى الصبر عليها إلى أن تتكامل صلاح الثمرة ثم تعطيه بعد جذاذها نصف النخل فلا يلزمه ذلك ولا يجبر عليه تعليلاً بأمرين:
أحدهما: أن حقه في القيمة فلم يلزمه العدول عنها.
والثاني: دخول الضرر عليه في تأخير ما استحق تعجيله.
ولو كان هو الداعي لها إلى الإنظار بالنخل إلى أوان الجذاذ ثم الرجوع بها لم يلزمها ذلك ولا تجبر عليه تعليلاً بأمرين:
أحدهما: أن حقه قد صار في القيمة فلم يلزمها العدول عنها.
والثاني: دخول الضرر عليها ببقاء الحق في ذمتها وأيهما دعا إلى القيمة أجيب غليها.
فصل:
فأما ما جعله الشافعي رحمه الله مثالاً للنخل إذا أثمرت من الجارية الحاصل والشاة الماخص وجمعه بينهما من وجه وتفريق بينهما من آخر فتوضح من حكمها ما بين به موضع الجمع وموضع الفرق.
أما الجارية إذا كانت صداقًا فحملت في يد الزوج فالحمل فيها زيادة من وج ونقصان من وجه.
أما زيادتها فالولد وأما نقصانها فبالخوف عليها عند الولادة فإن بذلتها الزوجة لم يلزم الزوج قبولها لأجل النقص وإن طلبها الزوج لم يلزم الزوجة بذلها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى القيمة أجيب فتكون موافقة للثمرة في الزيادة ومخالفة لها في النقصان.
وأما الشاة إذا كانت صداقًا فحملت بالحمل فيها زيادة من وجه واختلف أصحابنا هل يكون نقصُا فيها من وجه آخر أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يكون نقصًا في البهائم ويكون زيادة محضة وإن كانت في الآدميات
الجزء: 9 - الصفحة: 423
نقصًا وزيادة لأن حال الولادة مخوف في الآدميات وغير مخوف في البهائم.
فذلك كان نقصاف في الآدميات ولم يكن نقصًا في البهائم.
فعلى هذا: إذا بذلتها الزوجة أجبر الزوج على قبولها في أصح الوجهين فتكون موافقة للثمرة في الزيادة وغير مخالفة لها في النقصان.
والثاني: أن الحمل في البهائم نقص أيضًا وإن أمن عليها عند الولادة لأن الحمل قد أحدث نقصًا في اللحم فصار نقص اللحم نقصًا فيها وإن لم يخف عليها في ولادتها.
فعلى هذا إن بذلتها الزوجة لم يجبر الزوج على قبولها لأجل النقص فإن طلبها الزوج لم تجبر الزوجة على قبولها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
فتكون على هذا موافقة للثمرة في الزيادة ومخالفة لها في النقصان.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَكَذَلِكَ كُلَّ شَجَر إِلاَّ أَنْ يَرْقُلَ الشَّجَرُ فَيَصسرُ قَحَامَا فَلاَ يَلْزَمَهُ وَلَيْسَ بَهَا تَرْكُ الثَّمَرَةِ عَلَى أَنْ تَسْتَجْنِيهَا ثُمَّ تَدْفَعَ إِلَيْهِ نِصْفَ الشَّجَرِ لاَ يَكُونُ حَقُّهُ مُعَجَّلاً فَتُؤَخّرَهُ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى أَنْ تَجِدَ الثَّمَرَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَذَبِكَ أَنْ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ يَزيدَانِ إِلَى الجدَادِ وَأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَهَا وَفيهَا الزِّيَادَةُ كَانَ مُحَوَّلاً دُونَهَا وَكَانَتْ هِيَ المَالِكَةَ دُونَهُ وَحَقُّهُ فِي قِمَتِهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: لَيْسَ هَذَا عِنْدِيِ بِشْئٍ؛ لأّنَّهُ يُجِيزُ بَيْعَ النَّخْلِ قَدْ أبَّرَتْ فَيَكُونُ ثَمَرُهَا للِبَائِع حَتَّى يَسْتَجْنِيهَا مُعَجَّلةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَجَّرَةٌ مَا جَازَ بَيْعُ عَيْنُ مُؤَخَّرَةٌ فَلَمَّا جَازَتْ مُعَجَّلةَّ وَالثَّمَرُ فِيهَا جَازَ رَدُّ نِصْفِهَا لِلزَّوْج مُعَجِّلاً وَالثَّمَرُ فِيهَا وَكَانَ رَدُّ النِّصْفِ فِي ذَلِكَ أَحَقَّ بِالجَوَازِ مِنَ الشِّرَاءِ فَإِذَا جَازَ فِي الشِّرَاءِ جَازَ فِي الرَّدِّ ".
قال في الحاوي: إذا أصدقها شجرًا غير مثمر فطلقها وقد أثمر فالكلام في ثمر الشجر كالكلام في ثمر النخل في كونه مؤبرًا أو غير مؤبر على ما مضى.
أما الشجر فهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون غراسًا مثمر فيصير شجرًا مثمرًا فهذه زيادة محضة فيكون حكمها حكم الزيادة التي لا تتميز فلا تجبر على بذلها وإن بذلتها ففي إجباره على قبولها وجهان:
والثاني: أن يكون شجرًا مثمرًا متكاملاً فيرقل حتى يصير قحامًا.
والإرقال: التناهي في الطول.
والقحام: التناهي في العمر حتى قد ييأس سعفه ويخر جذعه فهذا نقصان محض لا يتميز ولا يجبر الزوج على قبوله وإن رضي به ففي إجباره الزوجة على بدل وجهان.
والثالث: أن يكون غراسًا غير مثمر فيصير قحامًا غير مثمر فهذه زيادة من وجه
الجزء: 9 - الصفحة: 424
ونقصان من وجه فأيهما دعا إلى نصف القيمة أجيب.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَكَذَلِكَ الأَرْضُ تَزْرَعُهَا أَوْ تَغْرِسُهَا أو تَحْرِثُهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: الزَّرْعُ مُضِرِّ بالأَرْضِ مُنْقِصٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ لِحَصَادِهِ غَابَةٌ فَلٌهُ الخِيَارُ في قَبُولِ نِصْفِ الأرْضِ مُنْتَقِصَةً أَوْ القِيمَةِ وَالزَّرْعُ لَهَا وَلَيْسَ ثَمْرُ النَّخُلِ مَضِرًا بِهَا فَلَهُ نِصْفُ النَّخْلِ وَالثَّمَرُ لَهَا وَأَمَّا الغِرَاسُ فَلَيْسَ بِشَبِيهٍ لَهُمَا؛ لأنَّ لَهُمَا غَايَةُ يُفَارِقَانِ فيهَا مَكَانَهُمَا مِنْ جِدَادٍ وَحَصَادٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الغِرَاسُ؛ لأَنُّهُ ثَابِتٌ فِي الأَرْضِ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا، وَأَمَّا الحَرْثُ فَزيَادَةٌ لَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِطيَهُ نِصْفض مَا زَادَ فِي مِلْكِهَا إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ وَهَذَا عِنْدِيِ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ ".
قال في الحاوي: عطف الشافعي بزرع الأرض وغرسها وحرثها على ما قدمه من عقد الباب وبيان أحكام الزيادة والنقصان فتوهم المزني أنه عطف به على أطلاع النخل.
ففرق بين الزرع والغرس وبين أطلاع النخل فأخطأ في توهمه وقارب الصحة في فرق.
وحكم الأرض تختلف في زرعها وغرسها ورثها.
أما حرثها: فهو فيها زيادة محضة غير متميزة فلا يلزم الزوجة بذلها فإن بذلتها أجبر الزوج على قبولها في أصح الوجهين.
وأما الغرس في الأرض فهو زيادة من وج ونقصان من وج لأن عين الغرس زيادة وضرر في الأرض نقصان.
فأما النقصان: فغير متميز وأما الزيادة: ففيها وجهان:
أحدهما: أنها متميزة لأنها مستودعة في الأرض.
والثاني: أنها كالمتصلة لأنها صارت تبعًا فإن بذلتها الزوجة بغرسها لم يجبر الزوج على القبول لأجل النقص وإن رضي الزوج بها لم تجبر الزوجة على بذلها لأجل الزيادة وأيهما دعا إلى نصف القيمة أجسي.
وأما الزرع في الأرض فهو زيادة متميزة واختلف أصحابنا هل يكون نقصًا في الأرض أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يكون نقصًا فيها الغراس ومخالف لأطلاع النخل لأن أطلاع النخل من ذاته ولا يمكن أن ينتفع بالنخل قبل وقت أطلاعه وزرع الأرض من فعل الآدميين وقد كان يمكن أن ينتفع بها من غير الزرع وفي غير ذلك من الزرع فافترقا.
والثاني: وهو قول المزني أنه ليس بنقص في الأرض لأن وقت الزرع إذا انقضى
الجزء: 9 - الصفحة: 425
فليس يمكن أن يستأنف زرعها والأغلب من أرض الزرع أن لا منفعة فيا إلا بزرعها فصارت بأطلاعها أشبه فإذا تقرر هذان الوجهان.
فإن جعلنا الزرع زيادة ولم نجعله نقصًا فحكم الأرض إذا زرعت مثل حكم النخل إذ أطلعت وقلنا: إن الثمرة زيادة متميزة لأن الزرع زيادة متميزة فيكون على ما مضى من الأقسام والأحكام.
وإن جعلنا الزرع زيادة ونقصًا كان في حكم الغرس لا يجبر واحد منهما على الأرض وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
وإن جعلنا الزرع زيادة ونقصًا كان في حكم الغرس لا يجبر واحد منهما على الأرض وأيهما دعا إلى القيمة أجيب.
فإن بادرت الزوجة إلى قلع الزرع ففي إجبار الزوج على قبول الأرض إذا لم يضر بها قلع الزرع وجهان كما لو بادرت إلى قطع الثمرة عن النخل ولكن لو طلقها بعد حصاد الزرع أجبر على القبول وأجبرت على الدفع وأيهما دعا إلى نصف الأرض أجيب لتعين الحق فيها وقت الطلاق، وهكذا لو كان الزرع وقت الطلاق وقد استحصد ولم يحصد فليس له إلا نصف الأرض ما لم تنقص الأرض بالزرع وقت الطلاق وقد استحصد ولم يحصد فليس له إلا نصف الأرض ما لم تنقص الأرض بالزرع وتجبر الزوجة على الحصاد وهكذا الثمرة إذا استجدت على رؤوس نخلا أخذت الزوجة بجذاذها ورجع الزوج بنصفها.
والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيّ: "وَلَوْ وَلَدَتِ الأَمَةُ فِي يَدَيْهِ أَوْ نَتَجَتِ المَاشيَةُ فَنَقَصَتْ عَنْ حَالِهَا كَانَ الْوَلَدُ لَهَا دُونَهُ؛ لأَنَّهُ حَدَثَ في ملْكِهَا فَإِنْ شَاءَتْ أّخذَتْ أَنْصَافِهَا نَاقِصَةً، وَإنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ أَنْصَافَ قيِمَتهَا يَوْمَ أَصْدَقَهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا قيَاسَ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا جَاءَ فِي الضَّدَاقِ فِي كِتَابِ الأُمّ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَهَذَا خَطَأً عَلَى أصْلِهِ ".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أصدق امرأته جارية أو ماشية فزادت في يده بحمل أو ولد ثم طلق قبل الدخول فقد دخل جكمه في أقسام ما قدمناه ونحن نشير إليه ونذكر ما تعلق ب من زيادة ونقتصر على ذكر الجارية فإن فيها بيان الماشية.
وأحوال الجارية ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون وقت الصداق حابلاً فتحمل في يده بمملوك وتلد ثم تطلق.
والثاني: أن تكون حاملاً فتحبل ثم تطلق قبل أن تضع.
والثالث: أن تكون حاملاً ثم تلد ثم تطلق.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون حاملاً فتحبل وتلد ثم تطلق فلا يخلو حالها وحال ولدها من أربعة أقسام:
الجزء: 9 - الصفحة: 426
أحدها: أن يكونا باقيين:
والثاني: تالفين.
والثالث: أن تكون الأم باقية والولد تالفًا.
والرابع: أن تكون الأم تالفة والولد باقيًا.
فأما الأول: إذا كانا باقيين فالولد للزوجة لحدوثه في ملكها وتكون ولادته قبل القبض كولادته بعد القبض في أن لا حق فيه للزوج وكذلك الكسب.
وقال مالك: يكون للزوج نصف الولد ونصف الكسب قبل القبض وبعده.
وقال أبو حنيفة: لا حق للزوج فيما حدث بعد القبض ومن ولد وله فيما حدث في يده قبل القبض نصف الولد دون الكسب.
استدلالاً بأنه قبل القبض مستحق التسليم بالعقد كالأم فوجب أن يرجع بنصفه كرجوعه بنصف الأم.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فلم يوجب الرجوع إلا بنصف المفروض وليس الولد مفروضًا.
ولأنه نماء حدث في ملكها فلم يستحق الزوج بطلاقه شيئًا من كالحادث بعد القبض ولأن ما لم يملكه بالطلاق إذا حدث بعد القبض لم يملكه بالطلاق إذا حدث قبل القبض كالكسب.
وبالكسب ينتقص قياسهم مع أننا لا نقول إنه تسليم يستحق بالعقد ولكن بالملك فإذا ثبت أن لا حق له في الولد فللأم ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن تكون بحالها لم تزد ولم تنقص فيكون للزوج نصفها بالطلاق قبل الدخول ولها النصف ولا خيار لواحد منهما.
والثانية: أن تكون قد زادت فلها منع الزوج منها لحدوث الزيادة على ملكها وتعدل به إلى نصف القيمة فإن بذلت ل نصفها زائدة أجبر على القبول في أصح الوجهين:
والثالثة: أن تكون ناقصة فلها الخيار بين المقام والفسخ فإن أقامت أخذت النصف ناقصًا وأخذ الزوج نصفها ناقصًا ولم يكن له خيار لحدوث النقصان في يده ودخوله في ضمانه.
وإن فسخت فالولد لها لأن الفسخ في الأصل مع بقائه قطع للعقد فيه وليس يرفع له من أصله.
وبماذا ترجع عليه على قولين:
أحدهما: بالجارية وأرش النقص فيكون الفسخ مفيدًا استحقاق الأرش وهذا على القول الذي يوجب قيمة الصداق عند تلفه.
والثاني: أنها ترجع بمهر المثل وهذا على القول الذي يوجب مهر المثل عند تلف الصداق.
الجزء: 9 - الصفحة: 427
وأما القسم الثاني: وهو أن تتلف الأم والولد معًا في يد الزوج.
فالأم مضمونة علي وبماذا يضمنها فيه قولان:
أحدهما: وهو قوله في الجديد أن يضمنها بمهر المثل فعلى هذا يكون جميعه عليه إن طلق بعد الدخول ونصفه إن طلق قبله.
والثاني: وهو قوله في القديم يضمنها بقيمتها وفي اعتبار القيمة قولان:
أحدهما: يوم أصدق تغليبًا لضمان العقد.
والثاني: يلزمه قيمتها أكثر ما كانت قيمة من وقت الصداق إلى وقت التلف اعتبارًا بضمان الغضب.
فأما الولد: فحكمه بعد التلف معتبر بحكمه لو كان حيًا على ما سنذكره فإن لم نجعله لها لو كان حيًا لم يلزم الزوج له عزم بتلفه.
وإن جعلناه لها لو كان حيًا ففي ضمانه على الزوج قولان:
أحدهما: أنه مضمون عليه لأنه ولد أم مضمونة فصار مضمونًا كولد المغصوبة.
والثاني: لا يضمنه لأن العقد لم يتضمنه وخالف ولد المغصوبة لأنه غير معقد فيه.
وأما القسم الثالث: وهو أن تكون الأم باقية والولد تالفًا فلها جميع الأم إن طلقت بعد الدخول ونصفها إن طلقت قبله.
والكلام فيما حدث فيها من زيادة أو نقصان على ما مضى.
وأما الولد فجميعه لها: وهل يضمنه الزوج بالتلف أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يضمنه فيلزمه قيمته أكثر ما كان قيمة من وقت ولادته إلى وقت تلفه.
والثاني لا ضمان عليه لأنه كالأمانة في يده إلا أن تطلبه منه فيمنعها فيضمنه كالودائع.
وأما القسم الرابع: وهو أن تكون الأم تالفة والود باقيًا ففيما ترجع عليه في بدل الأم قولان:
أحدهما: قيمتها وفي اعتبار قيمتها قولان:
أحدهما: قيمته وقت العقد.
والثاني: أكثر ما كان قيمة من وقت العقد إلى وقت التلف فعلى هذا يكون الولد لها.
والقول الثاني: ترجع عليه بمهر مثلها فعلى هذا في الولد وجهان:
أحدهما: أنه يكون للزوجة أيضًا لحدوثه في ملكها.
والثاني: يكون للزوج لأنه رفع للعقد من أصل فصارت غير مالكة لأمه.
فصل:
وأما القسم الثاني من أقسام الأصل وهو أن تكون الجارية حاملاً وقت الطلاق فالحمل فيها زيادة من وجه ونقصان من وجه.
الجزء: 9 - الصفحة: 428
فإن كان الطلاق بعد الدخول كانت مخيرة بين أمرين:
إما أن تسمح فتأخذها بزيادتها ونقصها.
وإما أن تفسخ وبماذا ترجع؟ على قولين:
أحدهما: بالجارية حاملاً وأرش ما نقصتها الولادة ولا تجبر نقصان الولادة بزيادة الحمل وهذا على قوله في القديم.
والثاني: ترجع بمهر المثل.
وإن كان الطلاق قيل الدخول: كانت مخيرة بين ثلاثة أمور: إما أن تأخذ الكل وتعطي نصف القيمة أقل ما كانت من وقت العقد إلى وقت القبض لأن لها زيادة تستحق بملكها.
وإما أن تأخذ نصفها وتعطيه نصفها زائدة ناقصة فيلزمه قبولها.
وإن النقصان مضمون عليه والزيادة مبذولة له.
وإما أن تفسخ في الكل وبماذا ترجع على قولين:
أحدهما: وهو القديم ترجع بنصفها ونصف أرش النقصان.
والثاني: وهو الجديد بنصف مهر المثل.
فصل:
وأما القسم الثالث: من أقسام الأصل وهو أن تكون حاملاً وقت الصداق وقد وضعت حملها وقت الطلاق فحكمه مبني على اختلاف قول الشافعي في الحمل هل له حكم يتميز به أن يكون تبعًا؟ فيه فولان:
أحدهما: أن يكون تبعًا لا يتميز بحكم فعلى هذا إذا طلقها قبل الدخول كان لها جميع الولد وهل يصير مستهلكًا في حق الزوج أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يصير مستهلكًا في حقه وإن كانت الأم زائدة به وقت حمله ويكون كالسمن إذا زال بالهزال ويصير الولد كاالنماء الحادث على ملكها ابتداء وانتهاء.
والثاني: أنه لا يستهلك على الزوج حق من الزيادة بحملها بخلاف ذهاب السمن بالهزال لأن السمن هلك في يده فصار مستهلكًا عليه وليس الولد كذلك لأن زيادته حملاً قد تمت وتكاملت فلم يجز أن يستهلك على الزوج وقد صارت متكاملة للزوجة.
وإذا كان هذا وجب أن يعتبر ما بين قيمتها وقت العقد حاملاً وحابلاً فما كان بينهما من فصل رجع الزوج بنصفه على الزوجة مع نصف الأم وصار جميع الولد مع نصف الأم للزوجة فإن بذلت له نصف الولد عما استحقه من نصف ما بين القيمتين فرض جاز وضارت الأم بينهما والولد بينهما وإن لم يرض به لم يجبر عليه وجهًا واحدًا لأنه عدول عن حقه إلى معاوضة لا يلزم إلا عن مراضاة.
الجزء: 9 - الصفحة: 429
وإن كان كذلك نظر:
فإن أخذ الزوج نصف الولد مع نصف الأم أقرّ على ملكه الإجماع ملك الولد مع ملك الأم.
وإن أخذ الزوج نصف الأم ولم يأخذ نصف الولد لم يجز أن يقر على ملك نصف الأم لأن فيه تفريقًا بين الأم وولدها في الملك.
وهل تجبر الزوجة على إعطائه نصف قيمة الأم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: تجبر على ذلك لما يلزمها من القيام بحضانة الولد.
والثاني: أنها لا تجبر على ذلك ويقال لها: إن دفعت إلى الزوج نصف قيمة الأم أقر الولد والأم على ملكك وإن امتنعت: لم تجبري وبيعًا جميعًا عليك ودفع غلى الزوج من الثمن النصف فما قابل ثمن الأم وكان الباقي لك فهذا إذا قيل: إن الحمل تبع لا يتميز بحكم.
والقول الثاني: في الحمل أن له حكمًا يتميز فعلى هذا تكون الأم والحمل صداقًا لكن الحمل قد زاد بالولادة على ملك الزوجة فلم يلزمها بدل الولد لدوث الزيادة فيه.
فإن بذلك له نصف الولد مع نصف الأم أجبر على القبول في أصح الوجهين وإن امتنعت من بذل نصفه رجع بنصف الأم وفي كيفية ما يرجع به من قيمة نصف الحمل وجهان:
أحدهما: يرجع بنصف ما بين قيمة أمه حاملاً وحابلاً ولا يقوم وقت الولادة لأنه قد زاد إلى وقت الولادة زيادة لا يملكها الزوج فدعت الضرورة إلى اعتبار ما بين القيمتين:
والثاني: أنه يقوم الولد وقت الولادة ويرجع الزوج بنصف قيمته لأنه في وقت كونه حملاً لا يوصل إلى معرفة قيمته.
فدعت الضرورة إلى اعتبار قيمته بعد الولادة وإن حدثت فيه زيادة لا يملكها كما يقوم على من تزوج أمه على أنها حرة فأولدها ولقد صار بالعلوق حرًا فيقوم بعد الولادة وإن كان قد صار بالعلوق حرًا وعند الولادة زائدًا لتعذر تقويمه حال العلوق كذلك هاهنا.
فعلى هذا يمنع من الولد إلى نصف قيمته لأجل زيادت فإن بذلت له نصف الولد ففي إجباره وعلى قبوله وجهان:
أحدهما: يجبر على قبوله ويقر الزوج على ملكه لاجتماعه مع الأم في الملك.
والثاني: لا يجبر عليه ويطالب بتنصيف القيمة فإذا أخذ نصف قيمة الولد فله نصف الأم ما لم تزد ولم تنقص ولا يجوز التفرقة بين الولد وبين أمه في الملك.
وهل تجبر الزوجة على دفع نصف قيمة الأم أو يباعان معًا؟ على ما مضى من الوجهين- والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 430
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصْدَقَهَا عَرَضًا بِعَيُنِهِ أَوْ عَبْدَا فَهَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ فَلَهَا قِمَتُهُ يَوْمَ وَقَعَ النّكَاحُ فَإِنْ طَلَبَتْهُ فَمَنَعَهَا فَهُوَ غَاضِبٌ وَعَلَيْه أَكْثَرُ مَا كَانَ قَيمَةٌ.
قَالَ المُزَنِيُّ: قَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الخُلْع: لَوْ أًصْدَقَهَا دَارًا فَاحْتَرقَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَرْجِعَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ تَكُونَ لَهَا العَرَصَةُ بِحِضَّنِهَا مِنَ المَهْرِ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: لّوْ خَلَعَهَا عضلَي عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا يَرْجِعُ لَوْ اشْتَرَاهُ فِيهَا فَمَاتَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي قَبْضَتْ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَشْبَهُ بَأَصْلِهِ؛ لأَنَُّ يَجْعَلُ بَدَلَ النّكَاح وَبَدَلَ الخُلْعِ فِي مَعْنَى بَدَلَ البَيْع المُسْتَهْلكِ، فَإِذَا بَطُلَ البَيْعُ قَبْلَ أَنْ يَقْيضَ وَقَدْ قَبَضَ البَدَلَ وَاسْتَهَلَكَ رَجَعَ بِقِيِمَةِ المُسْتَّهْلَكِ وَكَذَلِكَ النْكَاحُ وَالخُلْعِ إِذَا بَطُلَ بَدَلُهَا رَجَعَ بِقِيِمََتْهَا وَهُوَ مَهْرُ المَثْلِ كَالبَيْعِ المُسْتَّهْلَكِ ".
قال في الحاوي: إذا كان الصداق معينًا من عروض أو حبوب كعبد أو بعير أو حنطة أو شعير فتلف في يد الزوج قبل قبضه ففي بطلان الصداق بتلفه وفيما يستحق الرجوع ب قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة: أن الصداق لا يبطل من العقد بتلفه في يد الزوج وأن لها أن ترجع علي بقيمت.
ودليله شيئان:
أحدهما: أن كل ما وجب تسليمه مع بقائه إذا هلك مضمونًا مع بقاء سبب استحقاقه يوجب ضمان قيمته كالمعصوب والعوادي.
والثاني: أنه لما كان الصداق في مقابلة البضع وكان ملك الزوج على البضع مستقرًا قبل القبض ولا يفسد العقد عليه لو تلف وجب أن يكون ملك الزوجة للصداق مستقرًا قبل القبض ولا يفسد العقد عليه إن تلف.
والقول الثاني: قاله في الجديد واختاره المزني: أن الصداق قد بطل من العقد بتلف قبل القبض ولها مهر المثل دون قيمته.
ودليله شيئان:
أحدهما: أن الصداق عوض تعين في عقد معاوضة فوجب أن يبطل بتلفه قبل القبض ويستحق الرجوع بالمعوض دون العوض كالبيع وهو أن يبيع الرجل عبدًا بثوب يسلمه ويتلف الثوب قبل أن يتسلمه فيكون له الرجوع بعبده لا بقيمة الثوب الذي في مقابلته كذلك تلك الصداق كان يقتضي تلفه الرجوع بالضبع الذي في مقابلته لكن لما تعذر الرجوع به للزوم العقد من وجب الرجوع ببدل وليس له مثل فوجب الرجوع بقيمته وقيمته مهر المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 431
والثاني: أنه لما كان بطلان الصداق بجهالته أو تحريمه يوجب الرجوع بمهر المثل دون القيمة وجب أن يكون بطلانه بالتلف بمثابته في الرجوع المثل دون قيمته.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين: انتقل الكلام إلى التفريغ عليهما.
فإذا قلنا بالقديم: إن الرجوع بالقيمة دون المهر: فله حالان:
أحدهما: أن يمنعها منه بغير عذر حتى يتلف في يده فيكون علي قيمته أكثر ما كان قيمة من وقت المنع إلى وقت التلف إن لم يكن قيمته قبل ذلك أكثر لأنه بالمنع قد صار غاضبًا فوجب أن يضمنه ضمان الغضب.
والثانية: أن لا يكون منه منع ولا منها طلب ففي كيفية ضمانه قولان:
أحدهما: أنه يضمنه ضمان عقد.
والثاني: ضمان غصب.
فإذا قيل ضمان عقد: فعليه قيمته يوم أصدق.
وقال أبو حامد الإسفراييني: عليه قيمته يوم تلف.
وهذا خطأ؛ لأن نقصانه بعد العقد مضمون عليه فوجب أن تلزمه قيمته وقت العقد وإذا قيل: يضمنه ضمان العيب فعليه قيمته أكثر ما كانت من وقت العقد إلى وقت التلف في يديه.
وهل يلزمه أكثر ما كانت قيمته في سوقه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يضمنها كالمغصوب فعلى هذا يضمن زيادة البدن وزيادة السوق.
والثاني: لا يضمنها لأنه غير متعد بالإمساك فكانت حالة أخف من الغاصب المتعدي فعلى هذا يضمن زيادة البدن ولا يضمن زيادة السوق.
وإذا قلنا بقوله في الجديد: أن الرجوع يكون بمهر المثل فلتلفه أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون بحادث سماء فيبطل فيه الصداق ويستحق فيه مهر المثل.
والثانية: أن تستهلكه الزوجة في يد الزوج فيكون ذلك قبضًا منها ولا نهرك كمن اشترى سلعة واستهلكها في يد بائعها كان استهلاك قبضًا.
والثانية: أن يستهلكه أجنبي ففي بطلان الصداق فيه قولان مبنيان على اختلاف قوليه فيمن ابتاه عبدًا فقتله أجنبي في يد بائعه ففي بطلان البيع قولان:
أحدهما: قد بطل.
والثاني: أنه صحيح ومشتريه بالخيار.
كذلك هاهنا لأنه مضمون على متلفه فيكون في بطلانه قولان:
أحدهما: قد بطل ولها على الزوج مهر مثلا ويرجع الزوج على متلفه بالقيمة.
الجزء: 9 - الصفحة: 432
والقول الثاني: أنه لا يبطل وتكون الزوجة بحدوث النقص بتلفه مخيرة بين المقام والفسخ.
فإن أقامت كانت لها قيمة الصداق ترجع به على من شاءت من الزوج أو المستهلك وإن فسخت رجعت على الزوج بمهر المثل ورجع الزوج على المستهلك بالقيمة.
والحال الرابعة: أن يستهلكه الزوج فقد اختلف أصحابنا في استهلاكه هل يجري مجرى حادث سماء أو مجرى استهلاك أجنبي على وجهين:
أحدهما: أنه يجري مجرى تلفه بحادث سماء فعلى هذا يبطل فيه الصداق ويلزمه مهر المثل.
والثاني: أنه يجري مجرى استهلاك أجنبي فعلى هذا يبطل فيه الصداق أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين:
فصل:
فأما المزني فإنه اختار قوله في الجديد أن تلف الصداق يوجب الرجوع بمهر المثل وهو اختيار أكثر أصحابنا.
غير أنه استدل من مذهب الشافعي بما لا دليل فيه وهو أنه حكي عن الشافعي في كتاب الخلع أنه أصدقها دارًا فاحترقت قبل قبضها كان لها الخيار في أن ترجع بمهر مثلها أو تكون لا العرصة بحصتها من المهر.
وهذا لا دليل فيه لن أحد قوليه وهو في القول الثاني ترجع بالقيمة.
قال المزني: وقال فيه لو خالعها على عبد بعينه فمات قبل قبضه رجع عليها بمهر مثلها كما يرجع لو اشتراه منها فمات بالثمن الذي قبضت.
وهذا أيضًا لا دليل في لأنه أحد قوليه ويرجع في القول الثاني بقيمته وليس تفريعه على أحد القولين إبطال للآخر.
والشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية إلا الصداق فإنه لم يغيره في الجديد ولا أعاد تصنيفه وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ جَعَلَ ثَمَرَ النَّخْلِ فِي قَوَاريرَ وَجَعَلَ عَلَيْهَا صَفْرًا مِنْ صَقْرِ نَخْلِهَا كَانَ لَهَا أَخْذُهُ وَنَزْعُهُ مِنَ القَوَارِيرِ فَإِنْ كَانَ إِذَا نَزَعَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ فِيِهِ مِنْهُ شَيء يُنْتَفَعُ يِهِ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَأَخُذَهُ أَوْ تأَخُذَ مِنْهُ مِثْلَهُ صَفْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قَيمَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَلَوْ رَبَّهُ بِرَبَّ مِنْ عِنْدِهِ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فِي أَنْ تَأَخُذَهُ وَتَنْزَعَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الرَّبُّ أَوْ تَأَخُذَ مِثْلَ إِذَا كَانَ خَرَجَ مِنَ الرَّبِّ لاَ يَبْقَى يَابِسًا بَقَاءَ الثَّمْرِ الَّذِي لَمْ (يُصبه)
الجزء: 9 - الصفحة: 433
الرَّبُّ أَوْ تَغَيَّرْ طَعْمُهُ ".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل أصدق امرأة نخلاً فأخذ ثمرة النخل فجذها وجعلها في قوارير وطرح عليها صقرًا.
والصقر: وهو ما سال من دبس الرطب ما لم تمسه النار.
والرطب هو: الدبس المطبوخ بالنار.
فلا يخلو حال الثمرة من أحد أمرين:
وإما أن تكون حادثة من النخل بعد الصداق أو متقدمة.
فإن كانت حادثة بعد الصداق.
فقد ملكتها لأنها نماء ملكها لأن عقد الصداق تضمنها فيكون تصرف الزوج فيها تصرقًا في غير الصداق من أموالها.
وإذا كان كذلك فالصقر على ضربين:
أحدهما: أن يكون من جملة الثمرة.
والثاني: أن يكون للزوج.
فإن كان الصقر من جملة الثمرة فلا يخلو الصقر والثمرة من أربعة:
إحداهن: أن لا ينقص الصقر ولا الثمرة بالإختلاط.
الثانية: أن ينقصا معًا بالإختلاط.
الثالثة: أن ينقص الصقر دون الثمرة.
الرابعة: أن تنقص الثمرة دون الصقر.
فإن لم ينقص الصقر بطرحه على الثمرة ولا نقصت الثمرة بطرحها في الصقر فلا ضمان على الزوج فيهما، لأنه وإن تعدى فليس لعدوانه أرش يضمن كما لو كان غاصبًا وليس بزوج.
فإن زادت قيمتها بالعمل فالزيادة للزوجة دون الزوج ولا أجرة للزوج في عمله لأنه تبرع به وتعدى فيه.
وإن نقص الصقر بطرحه على الثمرة ونقصت الثمرة بطرحها في الصقر فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد تناي نقصهما واستقر فللزوجة أن تأخذهما وترجع على الزوج بأرش نقصانهما ولا خيار لها في الصقر والثمرة لأنه نقص في مغصوب قد جبر بالأرش.
والثاني: أن يكون نقصهما لم يثناه ولم يستقر كلما مر عليهما وقت بعد وقت حدث فيهما نقص بعد نقص ففيه قولان كالغاصب للطعام إذا بله وكان نقصه لا يتناهى فهو على قولين كذلك هذا.
الجزء: 9 - الصفحة: 434
أحدهما: وهو الظاهر من منصوص الشافعي: أنه يصير كالمستهلك فيكون للزوجة أن تطالبه بمثل الثمرة إن كانت ثمرًا له مثل وبمثل الصقر إن كان سيلانًا لم تمسه النار ولا خالطه الماء وإن لم يكن لهما مثل لأن الثمرة كانت رطبًا والصقر قد مسته النار أو خالطه الماء فلها الرجوع بقيمة الصقر وقيمة الثمر.
وإن كان لأحدهما مثل وليس للآخر مثل رجعت بمثل ذي المثل وقيمة غير ذي المثل فلو رضيت الزوجة بنقصان ثمرتها وصقرها أقرت عليها ولم ترجع ببدلهما.
والثاني: وهو تخريج الربيع وهو أصح القولين عندي:
إنهما لا يصيران مع بقاء العين مستهلكين وما يحدث من النقصان فيما بعد فمظنون يجوز وربما أرادت الزوجة أكل ذلك واستهلاكه قبل نقصانه.
وإذا كان كذلك رجعت بأرش نقصها في الحال ثم كلما حدث فيهما نقص رجعت بأرشه وقتًا بعد وقت.
فإن أخذت منه أرش نقصهما في الحال وأبرأته في أرش نقصهما في ثاني حال ففي صحة براءته منه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأنه أبرأ مما لم يجب.
والثاني: يصح ويكون الإبراء كالإذن.
وهذان الوجهان من اختلاف وجهي أصحابنا فيمن حفر بئرًا في أرض لا يملكها فأبرأه المالك من ضمان ما يقع فيها.
فهذا حكم نقص الثمرة والصقر.
فأما إن نقص الصقر دون الثمرة: فلا أخذ الثمرة ويضمن نقص الصقر على ما مضى.
وأما إن نقصت الثمرة دون الصقر فلا ضمان عليه في الصقر ويضمن نقص الثمرة على ما مضى.
فصل:
فأما الصرب الثاني: وهو أن يكون الصقر للزوج فيطرحه على ثمرة الزوجة فلا اعتبار بنقص الصقر لأنه ماله ويفعله نقص.
فأما الثمرة فلها أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون تركها في الصقر غير مضر وإخراجها منه غير مضر: فلا ضمان عليه في الثمرة وعليه إخراج صقره منها ومؤونه إخراجه عليه دونها.
والثانية: أن يكون قد تركها فيه مضرًا وإخراجها منه مضرًا فهو ضامن ويعتبر حال النقصان: فإن كان قد تناهى واستقر رد الثمرة وضمن أرش النقص وإن لم يتناه ولم يستقر، فعلى ما ذكرنا من القولين:
الجزء: 9 - الصفحة: 435
أحدهما: يصير كالمستهلك فيضمنها بالمثل إن كان لها مثل وبالقيمة إن لم يكن لها مثل.
والقول الثاني: يضمن أرش كل نقص يحدث في وقت بعد وقت.
والثالثة: أن يكون تركها فيه مضرًا وإخراجها من غير مضر فيؤخذ جبرًا بإخراجها منه ولا أرش عليه.
والرابعة: أن يكون تركها فيه غير مضر وإخراجها منه مضرًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الثمرة إذا أخرجت من الصقر صلحت لما لا تصلح له الثمرة إذا كانت في الصقر فأيهما دعا إلى إخراجها منه أجيب فإن أراد الزوج أخذ صقره كان عليه نقص الثمرة على ما ذكرنا من اعتبار النقصان في التناهي وإن أرادت الزوجة إخراج ثمرتها من الصقر أخذ الزوج بإخراجها وضمن نقصانها على ما مضى.
والثاني: أن تكون الثمرة في الصقر تصلح لما لا تصلح له الثمرة إذا كانت خارجة من الصقر.
فإن أراد الزوج صقره لم يجبر على تركه وعليه إخراجه وعلي نقص الثمرة على ما مضى وإن ترك صقره عليها ففي إجبار الزوجة على قبول وجهان:
أحدهما: لا تجبر على القبول لأنها هبة غير متميزة ولها أن تأخذ الزوج بإخراج الثمرة وضمان نقصها.
والثاني: تجبر على القبول لأنه جبران نقص ودفع ضرر وليس بهبة محضة فهذا أحد شطري المسألة.
فصل:
وأما الشطر الثاني من المسألة: وهو أن تكون الثمرة موجودة على رؤوس نخلها وقت الصداق ويجعلها جميعًا صداقًا ثم يجذ الثمرة ويجعلها في الصقر على ما ذكرنا.
فهذا على ضربين أيضًا.
أحدهما: أن يكون الصقر من الثمرة.
والثاني: أن يكون للزوج.
فإن كان من الثمرة نظر فإن لم ينقص الصقر ولا الثمرة فلا غرم على الزوج ولا خيار للزوجة وإن نقص أو أحدهما: ترتب الحكم على اختلاف قولي في تلف الصداق هل يوجب غرم القيمة أو مهر المثل؟ فإن قيل بالقديم: إنه موجب للقيمة فلا خيار للزوجة لأنه نقص مضمون بجنابة وإنما يجب الخيار لهما فيما لا يضمن بالجنابة ليكون مضمونًا بالفسخ فتأخذ الصقر والثمرة وترجع بأرش نقصها إن تناهي.
وإن لم يكن قد تناهى فعلى ما مضى من القولين.
وإن قيل في الجديد: إن تلف الصداق موجب لمهر المثل فهي بالنقص الحادث في
الجزء: 9 - الصفحة: 436
الثمرة بالخيار بين المقام والفسخ.
وهل يكون لها الخيار بالنقص الحادث في الصقر أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لها فيه الخيار أيضًا لأنه نقص فيما هو من جملة الصداق.
والثاني: لا خيار لها لأنه وقت الصداق لم يكن صقرًا فينفسخ بنقصانه وإنما كان ثمرة صارت صقرًا زائدًا فإذا نقصت الزيادة التي لم يتضمنها الصداق لم يثبت لها خيار في الصداق اعتبارًا بنقصان الولد الحادث فإذا ثبت لها الخيار بما ذكرنا في بالخيار بين أمرين:
إما أن تقيم على الكل، وأما أن تفسخ في الكل.
فإن أقامت على الكل أخذت النخل والثمرة والصقر ولا أرش لها سواء كان النقص متناهيًا أم لا.
وإن فسخت في الكل ردت النخل والثمرة والصقر ورجعت بمهر المثل زائدًا كان أو ناقصًا.
فأما إن أرادت الفسخ في الثمرة والصقر لنقصهما والمقام على النخل فإن راضاها الزوج على ذلك جاز وإن أبي ففيه قولان من تفريق الصفقة:
أحدهما: ليس لها ذلك إذا قيل إن تفريق الصفقة لا يجوز ويقال لها: إما أن تقيمي على الكل أو تفسخي في الكل.
والثاني: يجوز لها ذلك إذا قيل إن تفريق الصفقة يجوز فتقيم على النخيل بحسابه من الصداق وقسطه وترجع بقسط ما بقي في مقابلة الثمرة من مهر المثل.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو أن يكون الصقر للزوج فإن لم تنقص الثمرة بتركها فيه ولا بإخراجها منه فلا خيار لها ولا غرم عليه.
فإن نقصت كان على القديم ضامنًا لأرش نقصها ولا خيار لها وعلى الجديد لا أرش لها.
وتكون بالخيار بين الفسخ في جميع الصداق والرجوع بمهر المثل أو المقام عليه من غير أرش.
فإن أرادت الفسخ في الثمرة لنقصها والمقام على النخل فعلى ما ذكرنا من القولين في تفريق الصفقة.
فإن طالبت بمثل الثمرة الناقصة لم يكن لها ذلك سواء قبل إن تلف الصداق موجب لقيمته أو قيل إنه موجب لمهر المثل لأنه إن قيل بوجوب مهر المثل فلا وجه للمثل ولا للقيمة وإن قيل بوجوب القيمة أو مثل ذي المثل فذاك إنما يكون مع التلف كالمستهلك بالغصب.
فأما في نقصانه مع بقائه فلا حق في الرجوع بمثله كالمغصوب إذا نقص في يد غاصبه.
الجزء: 9 - الصفحة: 437
فإن قيل: فقد نقل المزني عند الشافعي في سواد هذه المسألة كان لها الخيار في أن تأخذه أو تأخذ مثل صقرة.
قيل: قد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى السهو في نقله.
وأنه خطأ منه في الحكم لأن أصول الشافعي تدفعه على ما ذكرنا.
والذي أراه: أن نقل المزني صحيح ولم يكن منه سهو فيه ولكنه محمول على النقص الذي لا يتناهي على أحد قولي الشافعي إذا كان في الثمرة الحادثة بعد العقد أو في المتقدمة إذا قيل بالقديم إن تلفه موجب بمثل ذي المثل وقيمة غير ذي المثل فيكون عدم التناهي في نقصانه موجبًا للرجوع بمثله في أحد قولي الشافعي لأنه يجعله بعد تناهي نقصانه كالمستهلك، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكُلُّ مَا أُصِيبَ فِي يَدَيْهِ بِفِعْلِهِ أَوْ غَيْرِه فَهّوَ كَالغَاصِبِ فِيهِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَيَطَأَهَا فَتَلدُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخَولِ وَيَقُولُ كُنْتُ أَرَاهَا لاَ تُمْلَكُ إلاَّ نِصْفَهَا حِتَّى أَدْخَلَ فَيَقُومُ الوَلَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ سَقَطَ وَيُلُحَقُ بِهِ وَلَهَا مَهْرُهَا وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَسْتَرقَّهَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِمَتَهَا مِنْهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَةٌ وَلاَ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَإِنَّمَا جَعَلْتُ لَهَا الخِيَارَ؛ لأَنَّ الوِلاَدَةَ تُغَيِّرُهَا عَنْ حَالِهَا يَوْمَ أَصْدَقَهَا.
قَالَ المُزَنِيٌّ: وَقَدْ قَالَ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَأَصَابَتْ بهِ عَيْبًا فَرَدَّتْهُ أَنَّ لَهَا مَهْرِ مِثْلِهَا وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى.
قَالَ المُزَنِيُّ: وَإِذّا لَمْ يَخْتَلِفُ أَنَّ لَهَا الرَّدَّ في البَيْعِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذَ قِيمَةَ مَا رَدَّتُ فِي البّيْعِ، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ إِلَى مَا دَفَعَتْ فَإِنْ كَانَ فَائِنًا فَقيمَتُهُ.
وَكَذَلِكَ البُضْعُ عِنْدَهُ كَالمَبِيعِ الفَائِتِ وَمَمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي الخُلْع: لَوْ خَلَعَهَا بِعَبْدٍ فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا أَنَّهُ يَرُدُّهُ.
وَيَرْجِعُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَسًوَّى في َّلِكَ بَيْنُهُ وَبَيْنَهَا، وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى ".
قال في الحاوي: أما الصداق فقد ذكرنا أنه مضمون على الزوج فإن طلبته فمنعها فضمانه عليه ضمان غصب أكثر ما كان قيمة وإن لم تطلبه ففي كيفية ضمانه قولان:
أحدهما: ضمان عقد.
والثاني: ضمان غصب.
وأما النماء فإن منعها منه فهو مضمون عليه وإن لم يمنعها منه ففي ضمانه عليه قولان إلا أن يكون هو المتلف له فيلزمه ضمانه قولاً واحدًا.
فأما إذا أصدقها أمة ولم يدخل بها حتى وطئ الأمة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون عالمًا بالتحريم فالحد عليه واجب فإن أكرهها فعليه مهر مثلها وإن طاوعته ففي وجوب المهر قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 438
أصحهما: أنه لا مهر عليه لأنها قد صارت بالمطاوعة بغيًا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي.
والثاني: وهو اختيار ابن سريج: أن المهر واجب عليه لأنه ملك لسيدها فلا يسقط ببذلها لها ومطاوعتها كما لو بذلت قطع يدها لم يسقط غرم ديتها فإن أولدها فالولد مملوك لا يلحق به لأنه ولد زنى.
فإن نقصتها الولادة والأمة في يده فنقصها مضمون عليه وفي ضمانه قولان:
أحدهما: أنه مضمون عليه بأرشه وليس له الفسخ مع بقاء العين وهذا قوله في القديم: إن تلف الصداق موجب لقيمته.
والقول الثاني: أنه مضمون عليه بخيارها في المقام أو الفسخ.
فإن أقامت أخذتها ناقصة ولا أرش لها.
وإن فسخت رجعت بمهر المثل.
وهذا على قوله في الجديد إن تلفه موجب لمهر المثل.
فإن ملك الولد لم يعتق عليه لأن نسبه غير لاحق به وإن ملك الأم لم تصر له أم ولد لأنه لم يلحق به ولدها.
والثاني: أن يكون جاهلاً بالتحريم لإسلامه حديثًا أو قدمه من بادية نائية أو يدعى شبهة أنه مالكي يعتقد أنها لم تنملك بالعقد إلا نصفها وإن نصفا باق على ملكه فهذا والجهل بالتحريم سواء في كونها شبه يدرأ بها الحد وتجب بها المهر في المطاوعة والإكراه ويلحق به الولد ويكون حرًا لأنه وطئ في شبهة ملك وعليه قيمته يوم وضعته لأنه أول أحوال تقويمه وإن كان بالعلوق قد صار حرًاز
فأما الأم: فهي على ملك الزوجة والكلام في خيارها إن حدث بها نقص على ما مضى ولا تصير له أم ولد قبل أن يملكها فإن ملكها ففي كونها أم ولد بذلك الإيلاد قولان ذكرناهما في مواضع كثيرة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَصْدَقَهَا شِقْصًا مِنْ دَاٍر فَفِيهِ الشُّفْعَةُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا؛ لأَنَّ التَّزْوِيجَ فِي عَامَّةِ حُكْمِهِ كَالبَيْعِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أصدقها شقصًا من دار ففيه الشفعة للشريك وكذلك لو خالعها على شقط من دار وجبت في الشفعة للشريك.
وقال أبو حنيفة: لا شفعة في الصداق ولا في الخلع ولا في الإجارة ولا في الصلح
الجزء: 9 - الصفحة: 439
وقد مضت هذه المسألة معه في كتاب الشفعة مستوفاة فأغنى ما تقدم عن الإعادة وإذا كانت الشفعة فيه واجبه فهي مستحقة للشريك بمهر المثل.
وقال مالك: بقيمة الشقص وبه قال ابن أبي ليلى وحكي نحوه عن ابي يوسف ومحمد.
والدليل على أنه مستحق بمهر المثل: أن الشقص في مقابلة البضع وليس له مثل وإذا كان الشقص مملوكًا ببدل ليس له مثل كان مأخوذًا بقيمة البدل لا بقيمة الشقص كما لو اشترى شقصًا بعبد كان مأخوذًا بقيمة العبد لا بقيمة الشقص وإذا كان كذلك فقيمة البضع هو مهر المثل فلذلك أخذه الشفيع بمهر المثل زائدًا كان أو ناقصًا، فلو أصدقها شقصًا من دار ودينارًا أخذه الشفيع بمهر المثل إلا دينارًا لأن بضعها في مقابلة شقص ودينار ولو أصدقها شقصًا وأخذ منها دينارًا أخذه بمهر المثل وبدينار لأن الشقص في مقابلة بضع ودينار.
فصل:
فلو طلقها الزوج قبل الدخول واستحق أن يرجع بنصف الصداق لم يخل حال الشقص من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون الشفيع قد أخذ بالشفعة فللزوج أن يرجع عليها بنصف قيمة الشقص كما لو باعته فعلى هذا لو كانت الزوجة قد اشترته من الشفيع أو ورثته عنه ثم طلقا الزوج كان له الرجوع بنصفه.
فإن قيل: أفليس لو وهب الأب لابنه دارًا فباعها الابن ثم اشتراها لم يكن للأب أن يرجع بها في أحد الوجهين فهلا كان الزوج هكذا؟
قلنا: الفرق بينهما أن خروج الهبة عن ملك الابن قد أسقط حق الأب في الرجوع بها لأنه لا يرجع في الهبة ولا ببدلها فلم يكن له بعد سقوط حقه من الرجوع أن يرجع با وليس كذلك الصداق لأن زوال ملك الزوجة عنه ما أسقط حق الزوج من لأنه إن لم يرجع به رجع ببلده فلذلك إذا عاد إلى ملكها رجع بنصفه.
والقسم الثاني: أن يكون الشفيع قد عفا عن الشفعة فللزوج أن يرجع بنصفه لأنه عين ما أصدق وهكذا لو كان الشفيع قد أخذه بالشفعة ثم رده عليها بعيب كان للزوج أن يرجع بنصفه.
والقسم الثالث: أن يكون الشفيع غائبًا لم يعلم بالشفعة ولا عفا عنها حتى طلق الزوج ففي أحقهما بالتقديم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أن الزوج أحق لحضوره بالمطالبة وأن استحقاقه بنص الكتاب والإجماع فعلى هذا ترجع في نصفه ويكون للشفيع إذا قدم أن يأخذ نصفه بنصف مر المثل وليس له أن يأخذ من الزوج نصف الذي ملكه بالطلاق الذي
الجزء: 9 - الصفحة: 440
ملكه بالطلاق لأنه ملكه بغير عوض.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن الشفيع أحق لأنه حقه أسبق فعلى هذا يرجع الزوج عليها بنصف قيمة الشقص.
فإن قال الزوج: أنا أصبر حتى يحضر الشفيع فإن عفا أخذت نصف الشقص لم يكن ذلك لأمرين:
أحدهما: لأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: لأن لا تبقى ذمة الزوجة مرتهنة به.
فلو لم يأخذ القيمة حتى حضور الشفيع فعفا عن الشفعة ففي استحقاق الزوج لنصفه وجهان:
أحدهما: لا حق له فيه لأن حقه قد صار في القيمة.
والثاني: له أخذ نصفه تعليلًا بأن ذمتها تبرأ به ولكن لو أخذ الزوج القيمة ثم عفا الشفيع لم يكن للزوج فيه حق لاستيفائه لحقه والله أعلم.
مسألة:
قَالَ المُزَنِيُّ: "وَاخْتَلَفَ قَولُهُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُهَا بِعَبْدٍ يُسَاوِي أَلِفًا عَلَى أنْ زَادَتْهُ أَلْفًا وَمَهْر مِثْلِهَا يَبْلُغُ أَلْفًا فَأَبْطَلَهُ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ وَأَجَازَهُ فِي الآخِرِ وَجَعَلَ مَا أَصَابَ قَدْرَ الأَلْفِ مِنَ العَبْدِ مَبيعًا.
قَالَ المُزَنِيُّ: أَشْبَهُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يُجِيزَهُ؛ لأَنَّهُ لَا يُجِيزُ البَيْعَ إِذَا كَانَ فِي عَقْدِهِ كِرَاءٌ وَلَا الكِتَابَةَ إِذَا كَانَ فِي عَقْدِهَا بَيْعٌ".
قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن العقد الواحد إذا جمع عقدين يختلف حكم كل واحد منهما على انفراده كعقد جمع بيعًا وإجارة أو بيعًا وصرفًا أو بيعًا وكتابة أو بيعًا ونكاحًا ففيه للشافعي قولان ذكرناهما في كتاب البيوع:
أحدهما: أنه صحيح فيهما لأمرين:
أحدهما: أنه لما صح إفرادهما صح الجمع بينهما كالبيعتين والإجارتين.
والثاني: أنه اختلاف حكمهما لا يمنع من الجمع بينهما في عقد واحد كما لو ابتاع في عقد شقصًا يجب فيه الشفعة وعرضًا لا تجب فيه الشفعة وكما لو ابتاع عبدين أحدهما أبوه يعتق عليه الشراء والآخر أجنبي لا يعتق عليه بالشراء.
والقول الثاني: أن العقد باطل فيهما لأمرين:
أحدهما: أن العقد الواحد له حكم واحد فإذا جمع ما يختلف حكمه تنافي فيبطل كما لو قال: بعتك عبدي واشتريته منك.
والثاني: أن مقابلة العوض لهما مفض إلى جهالة العوض فيما يقابل كل واحد
الجزء: 9 - الصفحة: 441
منهما وإذا كان عوض العقد مجهولًا بطل.
فصل:
فإذا تقرر هذان القولان جئنا إلى تفصيل ما جمعه العقد الواحد من العقدين المختلفين فنقول:
أما إذا جمع بيعًا وإجارة فهو أن يقول بعتك عبدي هذا أو أجرتك داري هذه سنة بألف فالبيع يثبت فيه خيار المجلس بالعقد وخيار الثلاث بالشرط والإجارة لا يثبت فيها خيار الشرط واختلف أصحابنا في ثبوت خيار العقد.
والثاني: أنهما جائزان فعلى هذا ينظر قيمة العبد فإذا قيل خمسمائة نظر أجرة مثل الدار سنة فإن قيل مائة علم أن أجرة الدار من الألف سدسها وثمن العبد من الألف خمسة أسداسها.
وأما إذا جمع العقد بيعًا وصرفًا فهو أن يبيعه ثوبًا ودينارًا بمائة درهم فما قابل الثوب بيع وما قابل الدينار منها صرف والبيع لا يلزم إلا بالتفريق والصرف يبطل إن لم يتقابضا قبل التفريق.
فأحد القولين: أنه باطل فيهما ويتراجعان.
والثاني: أنه جائز فيهما ويسقط المائة على قيمتها.
وأما إذا جمع بيعًا وكتابة فهو أن يقول: بعتك عبدي هذا وكاتبتك على نجمين بألف.
فإن قيل بأن اختلاف الحكمين يبطل العقد في البيع والكتابة باطل.
وإذا قيل بأن اختلاف الحكمين لا يبطل العقد فالعقد في البيع باطل لأنه باع عبده على عبده.
وهل تبطل الكتابة أو لا؟ على قولين من تفريق الصفقة.
وأما إذا جمع بيعًا ونكاحًا فهو أن يقول قد تزوجتك واشتريت عبدك بألف فما قابل العقد بيع وما قابل البضع صداق.
فأحد القولين: أنه باطل فيهما فعلى هذا يبطل البيع من العقد ويبطل الصداق في النكاح ولا يبطل النكاح لأن فساد الصداق لا يوجب فساد النكاح ويكون لها مهر مثلها.
والثاني: أنه جائز فيهما فعلى هذا يقوم العبد.
فإذا قيل ألف: نظر مهر مثلها فإذا قيل خمسمائة على أن ثلثي الألف ثمن للعبد وثلثها صداق للزوجة فلو وجد الزوج بالعبد عيبًا فرده استرجع ثلثي الألف ولو طلقها قبل الدخول استرجع ثلثي الألف ولو طلقها قبل الدخول استرجع سدس الألف.
ولو تزوجها وأصدقها عبدًا على أن أخذ منها ألفًا فما قابل الألف من العبد مبيع وما قابل البضع منها صداق.
فأحد القولين أنهما باطلان فترد العبد وتسترجع الألف ويحكم لها بمهر المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 442
والثاني: أنهما جائزان فعلى هذا ينظر مهر المثل فإن كان ألفًا صار العبد في مقابلة ألفين:
أحدهما: صداق والأخرى ثمن فيكون نصف العبد صداقًا ونصفه مبيعًا.
فإن طلقها قبل الدخول استرجع ربعه ولو كان مهر مثلها ألفين صار العبد في مقابلة ثلاثة ألف درهم فيكون ثلثه صداقًا إن طلقها قبل الدخول استرجع ثلثه ويكون ثلث العبد مبيعًا ولم كان مهر مثلها خمسمائة صار ثلث العبد صداقًا وثلثاه مبيعًا.
فلو وجدت بالعبد عيبًا فإن رضت بعيبه في البيع والصداق أمسكته وإن أرادت الفسخ فيهما كان لها ورجعت بالثمن وهو ألف وفيما ترجع به من بدل الصداق قولان:
أحدهما: مثل المثل على قوله الجديد.
والثاني: قيمة صداقها منه من نصف أو ثلثين أو ثلث ولا يلزمها أن تأخذ ذلك القدر وأرشه في الصداق لما فيه من تفريق صفقة في معيب.
ولو أرادت حين ظهرت على عيب العبد أن ترد منه المبيع دون الصداق أو ترد منه الصداق دون المبيع ففيه قولان من تفريق الصفة الأول: يجوز.
والثاني: لا يجوز إذ تفريق الصفقة لا يجوز.
فلو تلف العبد في يدها قبل علمها بعيبه رجعت بأرش المبيع من ثمنه ومن ماذا ترجع بأرش الصداق؟ على قولين:
أحدهما: من قيمته.
والثاني: من مهر المثل.
فأما المزني فإن جعل الأولى بقولي الشافعي أن يكون العقد باطلًا فيهما واستشهد بالبيع والإجارة وبالبيع والكتابة ولا شاهد فيهما لأن كل ذلك على قولين.
وحكي عن المزني أنه ذهب إلى جواز العقد فيهما وأن جعل الأولى على قول الشافعي أن يكون باطلًا فيهما ولكلا القولين وجه قد مضى والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ: "وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَدَبَّرَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ فِي نِصْفِهِ؛ لأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بإخْرَاجِهَا إِيَّاهُ مِنْ مِلْكِهَا.
قَالَ المُزَنِيُّ: قَدْ أَجَازَ الرُّجُوعَ فِي كِتَابِ التَّدبِيرِ بِغّيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ أَوْلَى.
قَالَ المُزَنِيُّ: إِذَا كَانَ التَّدبِيرُ وَصِيَّةً لَهُ بِرقَبَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أوْصَى لِغَيْرِهِ بِرَقَبَتِهِ مَعَ أَنَّ رَدَّ نِصْفِهِ إِلَيْهِ إِخْرَاجٌ مِنَ المِلْكِ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يصدقها عبدًا فتدبره بأن تقول له: إذا مت فأنت حر
الجزء: 9 - الصفحة: 443
وتقول: أنت مدبر تريد به أنها إذا ماتت فهو حر فقد صار مدبرًا وللرجوع فيه قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم وأحد قوليه في الجديد: إن التدبير كالوصايا.
ولها الرجوع فيه بالقول مع بقائه على ملكها بأن تقول: قد رجعت في تدبيرك أو أبطلته فيبطل التدبير مع بقائه على الملك كما تبطل الوصايا بالرجوع.
والثاني: وهو قوله الثاني في الجديد: إن التدبير يجري مجرى العتق بالصفات وليس لها الرجوع فيه بالقول ولها إبطاله بالفعل وهو أن تخرجه عن ملكها ببيع أو هبة فيبطل.
فإذا تقرر هذان القولان وطلقها الزوج بعد تدبيره فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون قد أبطلت تدبيره إما بالقول على القول الأول أو بالفعل على القول الثاني فللزوج أن يرجع بنصفه وهل له فيه الخيار أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار له لأنه قد صار بإبطال التدبير عبدًا قنًا.
والثاني: له الخيار لأن المدبر ربما حاكم مولاته بعد إبطالها لتدبيره إلى حنفي لا يرى إبطال التدبير فيحكم عليها بالتزامه فعلى هذا يكون الزوج لأجل ذلك مخيرًا بين أخذ نصفه وبين أن تفسخ ويرجع عليها بنصف قيمته.
والثاني: أن يكون على تدبيره عند طلاق الزوج لم تبطله الزوجة بالقول ولا بالفعل ففي رجوع الزوج بنصفه ثلاثة أقاويل:
أحدها: له الرجوع بنصفه سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيه بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات التي لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لبقاء المدبر على ملكها وإن لها وإزالة ملكها عنه مختارة بالبيع فلأن يجوز إزالة ملكها عنه جبرًا برجوع الزوج أولى.
والثاني: ليس له الرجوع بنصفه ويعدل عنه إلى بدله سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيها بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لأن الرجوع في التدبير إنما يصح إذا كان من جهة السيد المدبر لا من غيره ورجوع الزوج فيه يكون إبطالًا للتدبير من غير السيد فلم يجز.
والثالث: أنه يجوز للزوج أن يرجع بنصفه إذا قيل: إن التدبير وصية يجوز الرجوع فيها بالقول ولا يجوز له الرجوع بنصفه إذا قيل: إن التدبير عتق بصفة لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل فيكون حكم الزوج في إبطاله معتبرًا بالزوجة.
فإذا تقررت هذه الأقاويل الثلاثة فإن قلنا: ليس لها الرجوع بنصفه كان له الرجوع عليها بنصف قيمته وإذا قلنا: له الرجوع بنصفه فله الخيار دونها بين المقام والفسخ لعلتين:
إحداهما: أن بقاء نصفه على التدبير نقص في قيمته.
والثاني: أنه ربما حاكم مولاته إلى حنفي يرى لزوم تدبيره.
فإن أقام فهو حقه وإن فسخ رجع عليها بنصف قيمته.
الجزء: 9 - الصفحة: 444
فصل:
فإما إذا كاتبته فليس للزوج الرجوع بنصفه وله الرجوع بنصف قيمته لأن الكتابة لازمة للسيد لا يجوز له إبطالها إلا بالعجز.
فعلى هذا لو لم يرجع الزوج بنصف قيمته حتى عجز المكاتب وعاد عبدًا فهل يرجع الزوج بنصفه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع به لوجوده في ملكها.
والثاني: لا يرجع لأن حقه وقت الطلاق قد كان في قيمته.
ولكن لو لم يطلقها إلا بعد عجزه وعوده إلى الرق كان له الرجوع بنصفه وجهًا واحدًا.
ولو كانت الزوجة قد وهبته ورهنته ثم طلقها فإن لم تكن قد أقبضته في الرهن والهبة فالعقد فيه لم يلزم في الرهن ولا في الهبة فللزوج أن يرجع بنصفه ولها إقباض النصف الآخر في الرهن والهبة وإن كانت قد أقبضته في الرهن والهبة فقد خرج بالقبض في الهبة من ملكها فيرجع الزوج بنصف قيمته وقد صار وثيقة في حق المرتهن فلم يجز إبطال وثيقته فيرجع الزوج بنصف قيمته.
فلو لم يرجع بها حتى أفكته من رهنه ففي رجوعه بنصفه وجهان.
وهكذا لو باعته ثم ابتاعته أو وهبته ثم استوهبته كان في رجوع الزوج بنصفه وجهان.
ولو كان قد أجرته لم تمنع إجارته من رجوع الزوج بنصفه لأن عقد الإجارة على منفعته ورقبته باقية على ملكها فيكون الزوج لنقص الإجارة بالخيار بين الرجوع بنصفه والتزام الإجارة إلى انقضاء مدتها.
وبين العدول عنه إلى الرجوع بنصف قيمته.
ولو باعته بخيار ثلاثة أيام لهما أولها دونه ثم طلقها الزوج ففي رجوعه بنصفه وجهان:
أحدهما: يرجع به لأن بيعه لم يلزم فصار كالهبة إذا لم تقبض.
والثاني: لا رجوع له به لأن فسخه في مدة الخيار لا يستحقه غير المالك المختار، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَوَجَدَه حُرًّا فَعَلَيْهِ قَيمَتُهُ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ وَهُوَ يَقُولُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِشَيءٍ فَاسْتَحَقَّ رَجَعَتْ إِلَى إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَمْ تَكُنْ لَهَا قِيمَتُهُ لأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكُهُ فَهِيَ مِنْ مِلْكِ قِيمَةِ الحُرَّ أَبْعَدُ".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يصدقها عبدًا فيبين العبد حرًا أو مستحقًا فهو
الجزء: 9 - الصفحة: 445
صداق باطل لا يتعلق لها برقبة الحر ولا بذمته حق.
وحكي عن الشعبي والنخعي أن الحر رهن في يدها على صداقها حتى يفك نفسه أو يفكه الزوج.
وهذا خطأ قبيح لأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
وإذا كان كذلك ففيما ترجع به الزوجة قولان:
أحدهما: بقيمته لو كان عبدًا مملوكًا.
والثاني: بمهر مثلها واختار المزني واستشهد له بالمستحق ولا دليل فيه لأن كلاهما على قولين:
ولكن لو قالت لها وقت العقد قد أصدقتك هذا الحر كان لها مهر مثلها قولًا واحدًا لأن علمها بحريته يمنع من استحقاقه أو الرجوع إلى قيمته أن لو كان عبدًا.
ولو أصدقها خلًا فبان خمرًا، قال أصحابنا: ترجع عليه بمهر المثل قولًا واحدًا لأن الخمر ليس في الخل مثل فيرجع إلى قيمته أن لو كان خلًا وليس كالحر لأن له في العبيد مثل فجاز أن يرجع إلى قيمته أنه لو كان عبدًا.
ولو أصدقها عبدًا موصوفًا في الذمة جاز كالسلم ولزمه تسليم عبد على تلك الصفة.
ولو أصدقها عبدًا غير موصوف كان صداقًا باطلًا لجهالته ورجعت بمهر مثلها قولًا واحدًا لأنه لم يتعين لها عبد ترجع بقيمته.
وحكي في القديم جوازه عن مالك وأن لها عبدًا وسطًا فمن أصحابنا من خرجه قولًا ثانيًا وأنكره سائرهم وقالوا: قد تكلم الشافعي على إبطاله بالجهالة.
ولو تزوجها على صداق مؤجل صح إن ذكر مدة الأجل وإن لم يذكرها كان باطلًا وقال أبو عبيد: يصح ويكون حالًا.
وقال الشعبي: يصح ويكون أجله إلى وقت الطلاق.
وقال الأوزاعي: يصح ويكون أجله إلى سنة وهذا فاسد لأن جهالة الأجل كجهالة المقدار فيكون لها مهر مثلها قولًا واحدًا كما يكون لها مهر المثل في جهالة المقدار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّإِذَا شَاهَدَ الزَّوْجُ الوَليَّ وَالمَرْأَةَ أَنَّ المَهْرَ كّذَا وَتُعْلِنُ أَكُثَرَ مِنْهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ فِي مَوْضَعِ السِّرِّ.
وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: العَلَانِيَةُ: وَهَذَا أَوْلَى عِنْدِي لأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العُقُودِ وَمَا قَبْلَهَا وَعْد".
قال في الحاوي: وصورتها: أن ينكح امرأة في السر على صداق قليل ثم ينكحها في العلانية على صداق كثير.
الجزء: 9 - الصفحة: 446
فقد (حكى) المزني عن الشافعي أنه قال في موضع: "إن الصداق صداق السر".
وقال في موضع آخر: "إن الصداق صداق العلانية" فكان المزني وطائفة من أصحابنا يخرجون اختلاف نصه في الموضعين على اختلاف قولين:
أحدهما: أن الصداق صداق السر لتقدمه.
والثاني: وهو اختيار المزني أن الصداق صداق العلانية لتعلق الحكم بظاهره.
وامتنع سائر أصحابنا من تخريج ذلك على قولين وجعلوه محمولًا على اختلاف حالين.
فالموضع الذي جعل الصداق فيه صداق السر دون العلانية إذا عقداه سرًا بولي وشاهدين ثم أعلناه تجملًا بالزيادة وإشاعة للعقد لأن النكاح هو الأول المعقود سرًا والثاني لا حكم له.
والموضوع الذي جعل الصداق فيه صداق العلانية إذا تواعدا سرًا وأتماه سرًا بغير ولي وشاهدين ثم عقداه علانية بولي وشاهدين لأن الأول موعد والثاني هو العقد فلزم ما تضمنه العقد دون الوعد.
وهذا أصح من تخريج ذلك على قولين:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ عٌقِدَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ بِعِشْرِينَ يَوْم الخَمِيسِ ثُمَّ عُقِدَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِثَلَاثِينَ وَطَلَبَهُمَا مَعًا فَهُمَا لَهَا؛ لأَنَّهُمَا نِكَاحَان.
قَالَ المُزَنًِّي رَحِمَهُ اللهُ: لِزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ: كَانَ الفِرَاقُ فِي النَّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ الدُّخُول فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَهْرٌ وَنِصْفٌ فِي قِيَاشِ قَوْلِهِ".
قال في الحاوي: إذا ادعت المرأة على زوجها أنه نكحها يوم الخميس على صداق عشرين، وشهد لها شاهدان، وادعت عليه أنه نكحها يوم الجمعة على صداق ثلاثين، وشهد لها شاهدان، فلا فرق بين أن يكون شاهدا الأول هما شاهدا الثاني، أو يكون غيرهما ولا فرق بين أن يختلف الصداقان أو يتساويا فإننا نحكم بالشهادتين ويثبت بهما النكاحين ويلزم بهما الصداقين لأن لهما في الصحة وجهًا ممكنًا وهو أن يتزوجها في يوم الخميس ثم يخالعها بعد الدخول أو يطلقها قبله ثم يتزوجها يوم الجمعة.
فلو طالبته بالصداقين فادعى الزوج أنهما نكاح واحد أسراه في يوم الخميس بالشاهدين الأولين وأعلناه في يوم الجمعة بالشاهدين الآخرين فهذا محتمل.
فإن كان عند الشاهدين من ذلك علم شهدا به عمل عليه وجعل ذلك نكاحًا واحدًا وحكم فيه بصداق واحد.
وإن لم يكن عند الشهود من ذلك علم وأنكرته الزوجة فالقول قولها مع يمينها لأن الظاهر معها ودفعنا ما احتمله قول الزوج بيمينها.
الجزء: 9 - الصفحة: 447
فأما المزني فإنه قال: للزوج أن يقول طلقتها في النكاح الأول قبل الدخول فلا يلزمه إلا مهر ونصف.
وهذا صحيح غير أنه لا ينبغي للحاكم أن ينبه عليه.
فإن ابتدأ به وقاله قيل قوله مع يمينه لأن قول الزوج في إنكار الدخول مقبول وسواء ادعى عدم الدخول في النكاح الأول أو في النكاح الثاني.
وهكذا لو ادعى أنه لم يدخل بها في النكاحين معًا كان قوله مقبولًا مع يمنيه ولا يلزمه من كل واحد من المهر إلا نصفه.
ولو ادعى الزوج أنها ارتدت في النكاح الأول قبل الدخول فسقط جميع مهرها وأنكرته فالقول قولها مع يمينها ولها المهر لأن الأصل أنها على دينها لم ترتد عنه.
وعلى قياس ما ذكرنا في النكاح من البيوع أن يقول الرجل: بعتك عبدي يوم الخميس بمائة ويشهد له شاهدان ثم يقول: وبعتكه في يوم الجمعة بمائتين ويشهد له شاهدان فيحكم له بالثمنين ثلاثمائة درهم فإن ادعى المشتري أنهما بيع واحد أحلفنا له البائع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَصْدقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ أَلْفًا قُسِّمَتْ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ فِي صَفْقَةٍ فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: نَظِيرُهُنَّ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ أَرْبَع نِسْوَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَبْدًا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَتَجْهَلُ كُلُّ وَاحِدةٍ مِنْهُنَّ عَبْدِهَا كَمَا جَهِلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَهْرَ نَفْسِهَا وَفَسَادُ المَهْرِ بِقَوْلِهِ أَوْلَى".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل تزوج أربع زوجات في عقد وأصدقهن ألفًا فإن بين منها مهر كل واحدة منهن صح النكاح والمهر وإن لم يبين فالنكاح صحيح وفي المهر قولان.
وهكذا لو خالع أربع زوجات في عقد بألف صح الخلع وفي صحة البدل قولان.
ولو كاتب أربعة عبيد له في عقد بألف إلى نجمين ففي أصل الكتابة قولان.
فيكون القولان في بدل النكاح والخلع مع صحة النكاح والخلع والقولان في الكتابة في أصلها لأن فساد البدل في الكتابة مبطل لها وليس فساد البدل في النكاح والخلع مبطلًا لهما.
أحد القولين في ذلك صحيح ووجهه شيئان:
أحدهما: أن تزويجه بأربع في عقد على صداق ألف كابتياعه أربعة أعبد في عقد بألف وذلك يجوز إجماعًا فكذلك يجوز هذا حجاجًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 448
والثاني: أنه معقود بما يعلم به مهر كل واحدة منهن في ثاني حال بأن يقسط الألف على مهور أمثالهن وإن كان مجهولًا في الحال قلم يمنع ذلك من الصحة كما لو اشترى صبرة طعام كل قفيز بدرهم صح البيع وإن جهل الثمن في الحال لأنه معقود بما يصير معلومًا في ثاني حال.
والقول الثاني: وهو الأصح اختاره المزني كل ذلك باطل ووجهه شيئان:
أحدهما: ذكره أصحابنا وهو مهر كل واحدة منهن من الألف مجهول في حال العقد فلم يصح وإن أمكن العلم به من بعد العقد كما لو تزوج كل واحدة منهن على انفرادها بقسط مهر مثلها من الألف لم يجز على الانفراد فكذلك مع الاجتماع.
والثاني: ذكره المزني أن تزوجه لهن بالألف كابتياعه أربعة أعبد منهن بألف وهو في البيع باطل.
فكذلك في الصداق باطل لأن ما بطل به أحدهما من الجهالة بطل به الآخر فاختلف أصحابنا فيما ذكره المزني.
فكان أبو العباس بن سريج يخرج هذا البيع على قولين كالصداق والخلع والكتابة ويسوي بين الجميع فعلى هذا لا يكون فيه دليل.
وقال أبو إسحاق المروزي وأبو سعيد الإصطخري وهو قول الأكثرين من أصحابنا أنه باطل قولًا واحدًا وإن كان الصداق على قولين ومزقوا بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه لما لم يبطل النكاح بفساد الصداق لم يبطل الصداق بالجهالة به وقت العقد.
والثاني: أن المقصود من البيع الثمن فجاز أن يبطل بالجهالة به وقت العقد وليس المقصود من النكاح الصداق فجاز أن يصح وإن كان مجهولًا وقت العقد إذا انتفت عنه الجهالة من بعد.
فأما توجيه القول الأول بأن تزويجهن على صداق ألف كابتياع أربعة أعبد من رجل بألف فغير صحيح لأن العقد إذا كان في كل واحد من جهتيه عاقدًا واحدًا كان عقدًا واحدًا وإذا كان في أحد جهتيه عاقدان كان عقدين.
ألا ترى لو اشترى رجل من رجلين عبدًا ووجد بالعبد عيبًا كان له رد نصف العبد على أحدهما دون الآخر ولو اشتراه من واحد لم يكن له لأن شراءه من اثنين يكون عقدين ومن الواحد يكون عقدًا واحدًا كذلك إذا تزوج أربعًا بألف كانت أربعة عقود فبطل البدل للجهالة ببدل كل عقد ولو اشترى أربعة أعبد من رجل بألف كان عقدًا واحدًا فلم يبطل لأن الثمن فيه واحد معلوم.
وأما اعتبار ذلك بالصبرة من الطعام فالفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن ثمن أجزاء الصبرة معلوم فصار جميع الثمن به معلومًا وليس كذلك مهور الأربع.
والثاني: أن ما ينتهي إليه العلم بثمن الصبرة تحقق فصار الثمن به معلومًا وما ينتهي
الجزء: 9 - الصفحة: 449
إليه العلم بمهر مثل كل واحدة منهن تقريب لأنه عن اجتهاد يختلف فيه المجتهدون فصار المهر مجهولًا.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من توجيه القولين:
فإذا قلنا ببطلان الصداق كان لكل واحدة منهن مهر مثلها.
وإذا قلنا بصحته قسمت الألف على مهور أمثالهن وكان لكل واحدة منهن قسطًا من الألف.
مثاله: أن يكون مهر مثل واحدة ألفًا ومهر الثانية ألفين ومهر الثالثة ثلاثة آلاف ومهر الرابعة أربعة آلاف: فنجعل الألف المسماة مقسطة على عشرة آلاف لأنها في مقابلتها فتكون التي مهر مثلها ألف عشر الألف وذلك مائة درهم وللتي مهر مثلها ألفان خمس الألف وذلك مائتا درهم وللتي مهر مثلها ثلاثة آلاف ثلاثة أعشار الألف وذلك ثلاثمائة درهم وللتي مهر مثلها أربعة آلاف خمسا الألف وذلك أربعمائة درهم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أَصْدَقَ عَنِ ابْنِهِ وَدَفَعَ الصَّدَاقَ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ طَلَّقَ فَلِلابْنِ النَّصْفُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَقَبَضَهُ".
قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن الأب إذا زوج ابنه الصغير لم يحل ما أصدق زوجته عنه من أن يكون معينًا أو في الذمة.
فإن كان معينًا كعبد جعله صداقًا لزوجته فهو صداق جائز سواء كان العبد للابن أو للأب إلا أنه إن كان للأب كان ذلك هبة للابن وإن كان في الذمة: فلا يخلو الابن من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا وجب الصداق في ذمته ولا يتعلق بذمة الأب إلا أن يصرح بضمانه وإن كان الأب معسرًا ففي الصداق قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه لازم للأب لأن قبوله النكاح ولده مع علمه بإعساره التزام منه لموجبه.
والثاني: وهو قوله في الجديد: أنه لازم للابن دون الأب لأن الابن هو المالك للبضع فوجب أن يكون هو الملتزم بما في مقابلته من الصداق.
فعلى هذا إذا قلنا بقوله في الجديد: إن الصداق لازم للابن فهو المأخوذ به في الصغر والكبر دون الأب.
وإذا قلنا في القديم: إنه لازم للأب فقد اختلف أصحابنا هل يلتزمه الأب التزام
الجزء: 9 - الصفحة: 450
تحمل أو التزام ضمان؟ على وجهين:
أحدهما: التزام تحمل فعلي هذا يكون الابن بريئًا منه ولو أبراء الابن منه لم يبرأ الأب.
والثاني: التزام ضمان فعلي هذا يكون ثابتًا في ذمة الابن وإن أبراء منه برئ الأب.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا وطلق الابن زوجته قبل الدخول فقد ملك بالطلاق نصف الصداق وإذا كان كذلك فلا يخلو الصداق من أحد أمرين:
إما أن يكون من مال الابن أو مال الأب.
فإذا كان من مال الابن فحكمه فيه كحكمه لو تزوج بالغًا ثم طلق قبل الدخول على ما مضى.
وإن كان من مال الأب: فلا يخلو ماله من أحد أمرين:
وإما أن يكون قد سلمه إلى الزوجة قبل طلاقها أو لم يسلمه إليها فإن كان قد سلمه إليها: فقد ملك الابن نصفه دون الأب, لأنه مملوك بالطلاق فأقتضى أن يكون ملك المطلق دون غيره.
فعلى هذا: إذا استرجع الابن نصف الصداق فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يسترجعه بعينه أو يسترجع بدله.
فإن استرجع بدله لتلفه في يدها فليس للأب أن يرجع به على الابن لأنه غير العين التي وهبها.
وإن استرجع الابن ما دفعه الأب بعينه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الصداق معينًا وقت العقد كعبد أو ثوب جعله صداقًا عن الابن ففي رجوع الأب به على الابن وجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في الأب إذا وهب لابنه مالاً فخرج عن ملكه ثم عاد إليه هل للأب أن يرجع به أم لا؟ على وجهين: كذلك هاهنا لأنها هبة للأب صارت إلى الزوجة ثم عادت إلى الابن.
والثاني: أن يكون الصداق في الذمة فدفعه الأب إلى الزوجة فرجع الأب به على الابن إذا عاد إليه بطلانه مبني على اختلاف قوليه هل كان لازمًا للأب أم لا؟
فإن قلنا: كان لازمًا للأب لم يكن له الرجوع به سواء قبل: إنه يلزمه تحملاً أو ضامنًا لأنه دفع واجبًا عليه فخرج عن حكم الهبات.
وإن قلنا: إنه كان لازمًا للابن صار كالصداق المعين فيكون للأب به وجهان: وإن كان الأب سلم الصداق إلى الزوجة حتى طلقت فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الصداق معينًا فللزوجة نصفه والنصف الآخر يعود إلى الأب دون الابن لأنها هبة من الأب لم يقبضها فلذلك لم يملكها الابن عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 451
والثاني: أن يكون في الذمة.
فإن قيل: إنه لازم للأب لزوم ضمان فقد برئ الأب من نصف لأن الابن قد برئ منه بطلاقه وبراءة المضمون عنه توجب براءة الضامن.
وإن قيل: إنه لازم للأب لزوم تحمل ففي براءته منه وجهان من اختلاف الوجهين في المعين هل للأب أن يرجع به على الابن أم لا؟ فإن ثيل: إنه لو كان معينًا رجع به على الابن برئ الأب منه إذا كان في الذمة.
وإن قيل: لو كان معينًا لم يرجع به لم يبرأ منه إذا كان في الذمة وكان للأب مطالبته به.
فصل:
وإذا تزوج الابن بعد كبره وقضي الأب عنه صداق زوجته وطلق الابن قبل الدخول رجع بنصف الصداق الذي قضاه الأب عنه من ماله ثم ينظر في قضاء الأب للصداق.
فإن كان بإذن ابنه فهو في الحكم الهبة وهل للأب أن يرجع به على الابن إذا وجده بعينه أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين:
وإن كان الأب دفع ذلك دفع بغير إذن الابن فهو خارج عن حكم الهبة إلى حكم الإبراء
والإسقاط لأن الابن بالغ لا يصح أن ينوب الأب عنه في قبول هبة ولا قبضها.
فعلى هذا ليس للأب أن يرجع بها وجدها بعينها وجهًا واحدًا.
مسألة:
قَاَلَ الشَّافعِيُّ: "وَإِذَا تَزَوُّجَ المُوَلَّى عَلَيْهِ بِغِيْرِ أَمْرِ وَلِيِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ النَّكَاحَ وإِنْ أَصَاَبَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا ولَا شَيْء تَسْتَحِلِّ بِهِ إِذَا كُنْتُ لَا أَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي سِلْعةٍ يَشْتَرِيهَا فَيُتْلِفُهَا شَيْئًا لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ بَالإِصَابَةِ شَيْئًا".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المولى بالسفه لا يجوز أن يتزوج بغير إذن وليه لأن وقوع الحجر عليه قد منعه من التصرف في العقود فإن تزوج فالنكاح باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا أرش عليه وإن دخل بها فلا حدّ علية لمكان الشبهة فإن جاءت بولد لحق به.
فأما المهر فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد أكرهها على نفسها فعليه مهر مثلها لأن إكراهه لها كالجناية منه يضمن بها.
والثاني: أن تطاوعه من غير إكراه ففي وجوب المهر عليه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع أنه لا مهر عليه لأن الحجر قد أبطل ذمته في الحقوق كما لو اشترى سلعة واستهلكها لم يضمن قيمتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 452
والثاني: قاله في القديم: أن عليه مهر مثلها لأن البضع لا ينتهك إلا بمهر في الشبهة أو حد في الزنا فلما سقط الحد وجب المهر وخالف السلع في البيوع لأنها تملك بالإباحة ولا يملك البضع بالإباحة فإذا تقرر هذان القولان:
فقد اختلف أصحابنا في موضوع القولين:
فذهب البصريون منهم إلى أنهما مع جهلهما بسفهه وثبوت حجره فإن وجوب مهرها عليه يكون علي قولين فأما إذا كانت عالمة بسفهه وحجره فلا مهر لها عليه قولاً واحدًا لأن في تمكينها مع العلم بحاله إبراء له.
وقال البغداديون منهم بل القولان مع العلم بحاله مع الجهل بها في أن مهرها على قولين لأنه غرم يعتبر بفعله فعلى هذا إن أوجبنا عليه المهر أخذ من ماله في الحال ولم ينظر به فكاك الحجر إلا أن يكون معسرًا فينظر به إلى وقت يساره وإن أسقطنا عليه المهر فلا شيء عليه في الحال ولا بعد فكاك حجره في الحكم.
وهل عليه فيما بينه وبين الله تعالى بعد فكاك حجره أن يدفع إليها ما يصير البضع مستباحًا به أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا شيء عليه لأنه فعل ظاهر فإذا لم يلزمه به حق في الظاهر ولم يلزمه في الباطن.
والثاني: عليه فيما بينه وبين الله تعالى ما يستحل به البضع لأن لا يكون مستبيحًا لبضعها بغير بذل فعلى هذا فيما يلزمه وجهان:
أحدهما: مهر مثلها لأنه قيمة مستهلك عليها.
والثاني: أن يستطيب نفسها بما يصير البضع مستباحًا به من غير تقدير مهر المثل ما لم يزد على مهر المثل لقوله صَلًّى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها" ولأن لا يشارك رسول الله صَلًّى الله عليه وسلم فيما خص به من استباحة الموهوبة بغير مهر, والله أعلم.
باب التفويض
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "التَّفْوِيضُ الَّذِي مَنْ تَزَوَّجَ بِهِ عُرٍفَ أَنَّهُ تَفْوِيضُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ الثَّيِّبَ المَالكَةَ لأَمْرِهَا بِرِضَاهَا وَيَقُولَ أَتَزَوَّجُكِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَالنَّكَاحُ فِي هّذَا ثَابِتُ".
قال في الحاوي: أما التفويض في اللغة: فهو التسليم يقال: فوضت أمري إلى فلان أي سلمت أمري إليه ووكلته إلى تدبيره ومنه قوله تعالي: ﴿وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ﴾ [غَافر:44] أي أستسلم إليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 453
وقال الشاعر:
لَاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ولَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
أي: لا يصلحون إذا كان أمرهم مقوضًا لا مدبر لهم.
والتفويض في النكاح: أن تنكح المرأة نفسها بغير مهر فمن منع النكاح بغير ولي قال: امرأة مفوضة بفتح الواو ومن أجازه بغير ولي قال: مفوضة بكسر الواو.
والتفويض ضربان:
أحدهما: تفويض البضع.
والثاني: تفويض المهر.
فالتفويض البضع: فهو أن يتزوج الرجل المرأة الثيب من وليها بإذنها ورضاها على أن لا مهر لها فهذا نكاح التفويض لأنها سلمت نفسها بغير مهر وهو نكاح صحيح ثابت لما دللنا عليه من قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: 236] ومعناه ولم تفرضوا لهن فريضة فأقام "أو" مقام "لم" على وجه البدل مجازًا.
وقال بعض أهل العربية: في هذا الكلام حذف وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة.
والفريضة: المهر المسمى سمي فريضة لأنه فرضه لها بمعنى أوجبه لها كما يقال: فرض الحاكم النفقة إذا أوجبها فلما رفع عنه الجناح وأثبت فيه الطلاق دل على صحته.
ولأن المقصود من النكاح التواصل بين المتناكحين والمهر تبع بخلاف البيع الذي مقصوده ملك الثمن والمثمن فبطل النكاح بالجهل بالمتناكحين لأنه مقصود ولم يبطل بالجهل بالمتابعين لأنه غير مقصود وإذا صح نكاح التفويض بما ذكرنا لم يجب للمفوضة بالعقد مهر لاشتراط سقوطه دلالها أن تطالب بمهر لأنه لم يجب لها بالعقد مهر ولكن لها أن تطالب بأن يفرض لها مهرًا إما بمراضاة الزوجين أو بحكم الحاكم فيصير المهر بعد الفرض كالمسمى في العقد أو أن يدخل الزوج بها فيجب لها بالدخول مهر.
فإن مات عنها قبل الدخول ففي وجوب المهر قولان على ما سنذكره فيصير المهر مستحقًا بأحد أربعة أمور:
إما بأن يفرضاه عن مراضاة وإما بأن يفرضه الحاكم بينهما وإما بالدخول بها وإما بالموت على أحد القولين:
فإن قيل: فلم فرضتم لها مهرًا وقد شرط أن ليس لها مهر؟
الجزء: 9 - الصفحة: 454
قيل: لتخرج عن حكم الموهوبة بغير مهر, التي خص بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم, ويكون الشرط محمولًا على أن لا مهر لها بالعقد.
فإن قيل: فلو نكحها على أن لا مهر لها بحال؟
قيل: في النكاح حينئذٍ وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إن النكاح باطل لأن التزام هذا الشرط يجعلها كالموهوبة التي جعل النبي صلى الله عليه وسلم بها مخصوصًا.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن النكاح صحيح والشرط باطل لأن شروط المهر لا تؤثر في عقود المناكح.
فصل:
فأما إذا فوض مهرها فتزوجها ولم يسم لها في العقد مهرًا ولا شرط فيه أن ليس لها مهر فقد اختلف أصحابنا هل يكون نكاح تفويض أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول إسحاق المروزي: إنه ليس بنكاح تفويض لعدم الشرط في سقوط المهر ويكون مهر المثل مستحقًا بالعقد.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إنه نكاح تفويض لأن إسقاط ذكره في العقد كاشتراط سقوطه في العقد فعلى هذا لا مهر لها بالعقد إلا أن تتعقبه أحد ما ذكرناه من الأمور الأربعة.
فهذا حكم التفويض إذا كان عن إذنها.
فصل:
فأما إذا فوض الولي بغير إذنها, فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الولي ممن لا ينكح إلا بإذن كسائر الأولياء مع الثيب وغير الأب مع البكر فإن لم يستأذنها في النكاح ولا في التفويض كان النكاح باطلا فإن استأذنها في النكاح ولم يستأذنها في التفويض صح النكاح وبطل التفويض وكان لها بالعقد مهر المثل.
والثاني: أن يكون الولي ممن يصح أن ينكح بغير إذن كالأب مع البكر فالنكاح صحيح بغير إذنها فأما صحة التفويض بغير إذنها فمعتبر باختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
فإن قيل: إنه الزوج دون الأب بطل تفويض الأب.
وإن قيل: إنه الأب ففي صحة تفويضه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إنه باطل ولها بالعقد مهر المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنه صحيح كالعقود وليس لها بالعقد مهر.
الجزء: 9 - الصفحة: 455
فصل:
فأما السيد إذا فوض نكاح أمته صح وإن لم يأذن في التفويض لأن المهر له دونها فلو فرض لها المهر قبل الدخول وبعد أن باعها أو أعتقها ففي مستحق المهر وجهان:
أحدهما: هي إن أعتقت ومشتريها إن بيعت لأن مهرها لم يجب بالعقد وإنما وجب بالفرض بعد زوال الملك.
والثاني: أنه للسيد المنكح لأن سبب استحقاقه كان في ملكه.
فأما تفويض المهر فسيأتي والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْر مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح المفوضة لنكاحها إذا وطئها الزوج فلها مهر المثل لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" فلها المهر بما استحل من فرجها" ولتخرج بالتزام المهر مما خص به نبي الله من نكاح الموهوبة بغير مهر ومن حكم الزنا الذي لا يستحق فيه مهر فإن قيل: فهلا كان التفويض إبراء من المهر فلا يجب لها بالدخول مهر؟
قيل: الإبراء إنما يصح مما وجب وهذا مهر وجب بالدخول فلم يصح الإبراء منه بالعقد.
فإن قيل: أفليس لو بذلت له يدها فقطعها لم يلزمه ديتها وهو إبراء قبل الوجوب فهلا إذا بذلت له بضعها صح أن يكون إبراء قبل الوجوب؟
قيل: الفرق بينهما أن إذنها يقطع اليد نيابة عنها لأنه يصح منها أن تتولى قطع يدها بنفسها فصارت كالقاطعة ليدها بنفسها فلذلك سقط عنه الغرم وليس البضع كذلك لأنه لا يصح منها الاستمتاع ببضع نفسها فصار الزوج مستمتعًا به في حق نفسه لا في حقها فلذلك لم يبرأ بالإذن من مهرها.
فإن قيل: فهلا وجب بهذا التعليل مهر الزانية على الزاني؟
قيل: لأن الزنا مغلظ بالحد ليكون زاجرًا عنه فغلظ بسقوط المهر ولو وجب لها المهر بالزنا لدعاها ذلك لفعل الزنا فحسمت هذه الذريعة بسقوط المهر كما حسمت بوجوب الحد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَلَهَا المُتْعَةُ.
وَقَالَ فِي القَدِيمِ: بَدَلًا مِنَ العُقْدَةِ".
الجزء: 9 - الصفحة: 456
قال في الحاوي: وهذا كما قال: المفوضة لبضعها إذا طلقها الزوج قبل الدخول فلا مهر لك لسقوطه بالعقد وهو اتفاق ولها المتعة عندنا.
وبه قال الاوزاعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وصاحباه.
وقال مالك: لا متعة لها وبه قال شريح والليث بن سعد وابن أبي ليلى والحكم استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] فلما جعله بالمعروف على المتقين وقال في موضع آخر: ﴿عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] دل على استحبابه دون وجوبه.
ولأن ما وقعت به الفرقة لم يجب به المتعة كالموت ولأن الطلاق مؤثر في سقوط المال دون إلزامه كالمسمى لها إذا طلقت قبل الدخول بها ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236].
إحداهن: قوله:"ومتعهن" وهذا أمر يقتضي الوجوب.
والثانية: قوله: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
[البقرة: 236] وذلك في الواجبات دون التطوع.
والثالثة: قوله: "حقًا" والحقوق ما وجبت.
والرابعة: قوله: "على المحسنين" وعلى من حروف الإلزام وقال تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:241] فجعل ذلك لهن بلام التمليك فدل على استحقاقهن له ثم قال: "بالمعروف" فقدره.
وما لا يجب فليس بمقدر ثم جعله "حقًا على المتقين" فدل على أن من منع فليس بمتقٍ.
فإن قيل: فلم خص المتقين بالذكر وهو على المتقين وعلى غيرهم.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفًا وإن كان عام الوجوب كما قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2].
والثاني: ما حكاه ابن زيد أن لنزول هذه الآية سببًا وهو أنه لما قال:" حقًا على المحسنين" قال رجل فإن أحسنت فعلت وإن لم أرد أن أحسن لم أفعل فأنزل الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] ولأن بوجوب المتعة قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف فصار إجماعًا، ولأن وقوع الفرقة بالطلاق يمنع خلو النكاح من بدل كذات المهر فأما قياسهم على الموت: فالمعنى في الميتة إنه لم يخل نكاحها من بدل فلذلك خلا من متعة وليس كذلك المطلقة.
وأما قولهم إن تأثير الطلاق سقوط المال فذاك في ذات المهر فأما في غيرها فتأثيره ثبوت المال.
الجزء: 9 - الصفحة: 457
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلَا وَقْتَ فِيهَا وَاسْتَحْسَنَ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَماً أَوْ ما رَأى الوَالِي بِقَدْرِ الزَّوْجَيْن".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ثبت وجوب المتعة للمفوضة فالكلام فيها يشتمل على فصلين:
أحدهما: في مفوضة لم يفرض لها مهر.
والثاني: في مفوضة قد فرض لها مهر.
فأما التي لم يفرض لها مهر فهي مستحقة المتعة والكلام في استحقاقها يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدهما: فيما تجب به المتعة.
والثاني: في قدر المتعة.
والثالث: فيمن تعتبر به المتعة.
فأما الفصل الأول: وهو ما تجب به المتعة ففيه قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم: إنها تجب بالعقد لأن متعة المفوضة بدل من مهر غير المفوضة والمهر يجب بالعقد فكذلك المتعة.
والثاني: وهو قوله في الجديد: إنها تجب بالطلاق لا بالعقد وهذا أصح لأن حالها قبل الطلاق مترددة بين وجوب المهر أو المتعة فدل على أن بالطلاق وجبت المتعة ولأن الله تعالى قرن المتعة بالطلاق فدل على وجوبها بالطلاق.
قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:28] ويكون على هذا القول في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن.
على القول الأول الكلام على نسقه ليس فيه تقديم ولا تأخير.
فصل:
وما قدر المتعة فهي إلى رأى الحاكم واجتهاده غير أن الشافعي استحسن في موضع من القديم أن يكون بقدر خادم وحكاه عن ابن عباس واستحسن فيما نقله المزني في هذا الموضع أن يكون بقدر ثلاثين درهماً.
وحكاه عن ابن عمر وليس فيما ذكره تقدير لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه لاختلافه باختلاف العادات في أجناس وبلدانهم كالمهر الذي لا ينحصر بقدر ما وجب ولم ينحصر بمقدار شرعي كان تقديره معتبراً باجتهاد الحاكم.
وقال أبو حنيفة: هي مقدرة بنصف مهر المثل ولا يجوز أن يكون أقل من خمسة
الجزء: 9 - الصفحة: 458
دراهم لأنه نصف أقل ما يكون مهرًا عنده وهذا فاسد لأنه التحديد بنصف المهر إن لم يوجد شرعًا فليس في الاجتهاد ما يقتضيه ولا نجعله بالنصف أخص منه بالثلث أو الربع فإن قيل: لأن غير المدخول بها تستحق نصف الصداق.
قلنا: فقد أوجبت الصداق أو أسقط المتعة.
وفي إجماعنا على إيجاب المتعة وإسقاط الصداق دليل على الفرق بين المتعة والصداق
وليس ما استحسنه الشافعي من قدر ثلاثين درهمًا قولًا بالاستحسان الذي ذهب إليه أبو حنيفة ومنع منه الشافعي لأنه قرنه بدليل وهو يمنع من استحسان بغير دليل.
فصل:
وأما من تعتبر به المتعة ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: تعتبر بحال الزوج وحده في يساره وإعساره كالنفقة لقوله تعالى: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] كما قال في النفقة ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
فعلى هذا يكون تأويل قول الشافعي:" وما رأى الولي بقدر الزوجين" يعني: الزوج الموسر والزوج المعسر.
والثاني: تعتبر بها حال الزوجين على ظاهر كلامه فتعتبر حال الزوج في يساره وإعساره وتعتبر بها حال الزوجة واختلف أصحابنا فيما نعتبره من حال الزوجة على وجهين:
أحدهما: أنه يعتبر سنها ونسبها وجمالها كما يعتبر في مهر المثل.
والثاني: أنه يعتبرها حال قماشها وجهازها في قلته وكثرته لأنها عوض من أخلاقه ومؤنة نقله.
وهذا وجه مردود لأنه ليس الجهاز مقصودًا فيعتبر ولو اعتبر في المتعة لكان اعتبره في المهر أحق ولوجب أن لا يكون متعة لمن لا جهاز لها.
فصل:
وأما المفوضة التي فرض لها مهر وذلك قد يكون بأحد وجهين:
إما بأن يتراضى الزوجان بفرضه وتقديره على ما سنذكره وإما بأن يفرضه الحاكم فيصير بالفرض بعد التفويض كالمسمى في العقد فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف المفروض دون المتعة.
وقال أبو حنيفة: يبطل المفروض قبل الدخول ويثبت حكم في وجوب المتعة التي لم يفرض لها مهر بناء على أصله في أن المفوضة وجب لها بالعقد مهر وسقط بالطلاق واستدلالًا: بأنه نكاح خلا عن ذكر مهر فوجب أن يستحق فيه بالطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 459
قبل الدخول المتعة قياسًا على غير المفروض لها مهر.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237]. فكان قوله: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] على عموم الحالين فيما فرض في العقد أو بعد العقد وإن كان بالمفروض بعد العقد أشبه فجعل الله تعالى له استرجاع نصفه.
وأبو حنيفة يوجب استرجاع جميعه فكان قوله مدفوعًا بالنصف.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أدوا العلائق" قيل: وما العلائق؟ قال:" ما ترادي به الأهلون" فكان على عموم التراضي في حال العقد وبعده.
ومن طريق القياس: أنه فرض يستقر بالدخول فوجب أن لا يسقط بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد ولأن هذا المفروض بمنزلة المسمى في استقراره بالموت فوجب أن يكون بمنزلته في الطلاق قبل الدخول.
فأما بناء أبي حنيفة ذلك على أصله فمخالف فيه.
وأما قياسه: فالمعنى في المفوضة أنه لا يجب بالموت مفروض وتستحق المطالبة بفرض المهر وهذه يجب لها المفروض بالموت ولا تستحق المطالبة بالفرض فصار كالمسمى، والله أعلم
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى مَهْرًا أَوْ مَاتَتْ فَسَواءٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم: بَأَبِي هُوَ وَأُمَّي أَنَّهُ قَضَى فِي بُرُوع بِنْتِ وَأشِقٍ وَنُكِحَتْ بِغَيْر مَهْرٍ فَمَاتَ زَوْجُهَا فَقَضَى لَهَا بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَبِالمِيراثِ، فَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ مَرَّة عَنْ مِعْقَلِ بْنِ يَسَارِ وَمَرَّةً عَنْ مِعْقَلِ بْنِ سَنَانَ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ بَنِي أَشْجَعَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا مَهْرَ وَلَهَا المِيرَاثُ وَهُوَ قَوْلُ عَليًّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ".
قال في الحاوي: أما المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول أو ماتت فإنهما يتوارثان بالإجماع لقول الله تعالى: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:12] وهما زوجان لصحة النكاح بينهما.
فأما مهر مثلها: فقد اختلف قول الشافعي في استحقاقه بالموت قبل الدخول على قولين:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أن لها مهر المثل وهو في الصحابة قول عبد الله بن مسعود وفي التابعين: قول علقمة والشعبي وفي الفقهاء: قول ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 460
والثاني: وهو مذهب مالك لا مهر لها.
وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
وفي التابعين: قول جابر بن زيد والزهري وعطاء ومن الفقهاء: قول ربيعة والاوزاعي.
ودليل القول الأول: وهو مذهب أبي حنيفة: حديث بروع بنت واشق: روى قتادة عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن رجلًا تزوج امرأة فلم يسم لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فأتى عبد الله بن مسعود وكان قاضيًا فاختلفوا إليه مراوًا، وقال شهرًا.
فقال: إن كان ولابد فإني أفرض لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة إن يكن صوابًا فمن الله وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، فقال ناس من أشجع: فيهم الجراح أبو سنان نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاها فينا في بروع بنت واشق وكان زوجها هلال بن مرة الأشجعي بما قضيت.
وهذا حديث إن صح في بروع لم يجز خلافه.
ومن طريق القياس: أنه ما استقر به كمال المسمى استحق به مهر المثل في المفوضة كالدخول ولأن ما أوجبه عقد النكاح بالدخول أوجبه بالوفاة كالمسمى ولأنه أحد موجبي الدخول فوجب أن يستحق بالوفاة كالعدة.
ودليل القول الثاني: وهو الأصح.
إن لم يثبت حديث بروع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أدوا العلائق "قيل: وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون" فدل على أن المستحق بالعقد ما تراضى به الأهلون دون غيره.
ومن طريق القياس: أنه فراق مفوضة قبل فرض وإصابة فلم يستحق به مهر كالطلاق ولأن الموت سبب يقع به الفرقة فلم يجب به المهر كالرضاع والردة ولأن من لم ينتصف صداقها بالطلاق لم يستفد بالموت جميع الصداق كالمبرئة لزوجها من صداقها ولأن كل ما لم ينتصف بالطلاق لم يتكمل بالموت كالزيادة على مهر المثل.
فأما حديث بروع فقد اختلف في ثبوته فذهب قوله إلى ضعفه وأنه مضطرب غير ثابت من ثلاثة أوجه:
أحدهما: اضطراب طرقه؛ لأنه روى تارة عن ناس من أشجع وهم مجاهيل، وتارة عن معقل بن يسار، وتارة عن معقل بن سنان، وتارة عن الجراح بن سنان.
فدل اضطراب طرقه على وهائه.
الجزء: 9 - الصفحة: 461
والثاني: أن عليًا بن أبي طالب رضي الله عنه: أنكره وقال: حديث أعرابي يبول على عقبيه ولا أقبل شهادة الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثالث: أن الواقدي طعن فيه وقال: هذا الحديث ورد إلى المدينة من أهل الكوفة فما عرفه أحد من علماء المدينة.
وذهب آخرون إلى صحة الحديث لاشتهاره، وقبول ابن مسعود له ووروده عن ثلاثة طرق صحيحة:
أحدها: منصور بن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود.
والثاني: داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة.
والثالث: عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة.
وليس اختلاف أسماء الراوي قدحا لأن معمل بن يسار بن سنان مشهور في الصحابة وهو المنسوب إليه نهر معقل بالبصرة تبركا باسمه حين اختفره زياد لأنه كان من بقايا الصحابة.
ومن كان بهذه المنزلة في بقايا الصحابة وجمهور التابعين لم يدفع حديثه.
وأما الجراح أبو سنان فقد شهد بذلك مع قومه عند عبد الله بن مسعود في قصة مشهورة فما رد ولا ردوا.
وأما إنكار علي رضوان الله عليه فقد كان له في قبول الحديث رأي أن يستحلف المحدث ولا يقبل حديثه إلا بعد يمينه وقال: ما حدثني أحد عن رسول الله لا استحلفته إلا أبو بكر وصدق أبو بكر.
وهذا مذهب لا يقول به الفقهاء.
وأما الواقدي فلم يقدح فيه إلا بأنه ورد من الكوفة فلم يعرفه علماء المدينة وهذا ليس بقدح لأنها من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبائل التي انتشر أهلها فصاروا إلى الكوفة فرووه بها ثم نقل إلى المدينة ومثل هذا كثير في الحديث فإن كان هذا الحديث غير صحيح فالمهر على قولين.
وان صح فقد اختلف أصحابنا.
فذهب أبو حامد المروزي وجمهور البصريين إلى وجوب المهر قولا واحدا وهو الظاهر من كلام الشافعي.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور البغداديين إلى أن وجوب المهر مع صحته على قولين لأنه قضية في عين يجوز أن يكون وليها فوض نكاحها فلم يصح التفويض أو تكون مفوضة المهر دون البضع فإن فرض لها مهر مجهول فلاحتماله مع الصحة كان على قولين:
وأما اعتبار الموت بالدخول: ففي الدخول إتلاف يجب به الغرم بخلاف الموت.
وأما اعتبار التفويض المسمى: فالمسمى يجب بالطلاق نصفه فكمل بالموت والمفوضة لم يجب لها بالطلاق نصفه فلم يكمل لها بالموت جميعه.
الجزء: 9 - الصفحة: 462
وأما اعتبار المهر بالعدة: فقد تجب العدة بإصابة السفيه وان لم يجب عليه مهر فكذلك الموت في المفوضة.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا فلا فرت بين أن تكون الزوجة مسلمة أو ذمية في أن المهر إن وجب للمسلمة وجب للذمية وإن سقط للمسلمة سقط للذمية.
وقال أبو حنيفة: أوجب المهر للمسلمة وأسقطه للذمية وجعل ذلك مبنيًا على أصله في أن ثبوت المهر في النكاح حق الله تعالى وأهل الذمة لا يؤاخذون بحقوق الله ويؤخذ بها المسلمون فلذلك سقط مهر الذمية لسقوطه من العقد ووجب مهر المسلمة لوجوبه في العقد.
وهذا فاسد بل المهر من حقوق الآدميين المحضة كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة لاستحقاقه بالطلب وسقوطه بالعفو.
ولأنه لما كان استدامة ثبوته من حقوق الآدميين وجب أن يكون ابتداء ثبوته من حقوق الآدميين كسائر حقوق الآدميين طردًا وكسائر حقوق الله عكسًا ولأنه لو كان المهر من حقوق الله تعالى في النكاح كالولي والشاهدين لبطل النكاح بترك المهر كما بطل بترك الولي والشاهدين، والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي: "ومتى طلبت المهر فلا يلزمه إلا أن يفرضه السلطان لها أو يفرضه هو لها بعد علمها بصداق مثلها".
قال في الحاوي: هذا كما قال المفوضة لبضعها لا تملك المهر بعقد النكاح.
وقال أبو حنيفة: تملكه بالعقد استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن الزوج قد ملك بضعها بالعقد فوجب أن تملك بدله من المهر بالعقد كالثمن والمثمن لا يملك عليها مبدلًا لم تملك في مقابلته بدلا.
والثاني: أن للمفوضة المطالبة بالمهر والامتناع من تسليم نفسها إلا بعد قبضه ولا يجوز أن تطالبه بما لم يجب ولا أن تمتنع من تسليم ما وجب على تسليم ما لم يجب.
والدليل على أن المهر لم يجد بالعقد أن ما وجب بالعقد تنصف بالطلاق كالمسمى وما لم يتنصف بالطلاق لم يجب بالعقد كالزيادة على مهر المثل وكالمهر الفاسد.
فأما ملك البضع بالعقد فلأنه مقصود لا يجوز الإخلال بذكره في العقد فلذلك ملك بالعقد والمهر ليس بمقصود لأنه يجوز الإخلال به في العقد فلم يملك بالعقد مع ترك ذكره فيه فافترق حكم البضع والمهر وأوجب ذلك افتراض حكم المسمى والتفويض وأما المطالبة فليس لها المطالبة عندنا بالمهر وإنما لها المطالبة بأن يفرض لها المهر فتكون قد ملكت بالتفويض أن تملك بالفوض مهرًا كالشفيع ملك بالبيع أو يتملك بالشفعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 463
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا ففي قار ما ملكت أن تتملك من المهر قولان:
أحدهما: وهو قوله في الجديد أنه مهر المثل لأنه في مقابلة مستهلك بالعقد فتقدر بمهر المثل كالمستهلك بالوطء.
والثاني: وهو قوله في القديم أنه مهر مطلق لا يتقدر بمهر المثل لأنه بدله من المسمى في العقد وذلك غير مقدر بمهر المثل فكذلك ما استحق بالفرض.
وإذا كذلك فالمفوضة تملك المهر بأحد أربعة أشياء ذكرناها مجملة ونحن نشرحها:
أحدها: أن يترافعا إلى الحاكم فيفرض لها الحاكم مهر المثل فلا يصح حكمه به إلا بعد علمه بقدره كما لا يصح أن يحكم بقيمة متلف إلا بعد علمه بقدر القيمة ولا يجوز له أن يزيد على مهر المثل فيظلم الزوج إلا أن يبذل الزوج الزيادة ولا أن ينتقص من مهر المثل فيظلم الزوجة إلا أن ترضى الزوجة بالنقصان وهل يعتبر مهر المثل وقت العقد أو وقت الفرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه يعتبر مهر مثلها وقت العقد لأن البضع مستهلك بالعقد.
والثاني: وهو قول ابن علي بن خيران أنه يعتبر مهر مثلها وقت الفرض لأنها ملكته بالفرض دون العقد.
فإذا فرضه الحاكم صار كالمسمى بالعقد إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصفه وهذا مما وافق عليه أبو حنيفة لأن الحكم إذا نفذ بجائز لم ينقص.
الفصل
وأما الثاني: يجب به مهر المفوضة فهو أن يجتمع الزوجان بعد العقد على فرض مهر عن تراضٍ فيصير ما فرضاه لازمًا كالمسمى إن طلقها قبل الدخول وجب لها نصفه.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم المهر إلا بعقد أو حكم ولا يصير لازمًا باجتماعهما على فرضه فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة احتجاجا بعموم قول الله تعالى:} وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿[البقرة: 241] ولأنهما ملكا التسمية في العقد لأنها تصير واجبة بوجوب العقد ولم يملكاها بعد العقد لأنه لا يصير لها موجبًا إلا الحاكم.
ودليلنا قول الله تعالى:﴾ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴿[البقرة: 237] ولم يفرق بين ما فرض لها في العقد وبعده فوجب حمله على الأمرين وان كان بما بعد العقد أشبه ولأن المهر من أعواض العقود فكان ثبوته بالمراضاة أولى من ثبوته بالحكم كالأثمان والأجور ولأن كل مهر كمل بالدخول ينصف بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد.
فأما الآية فمحمولة على التي لم يفرض لها مهر بدليل قوله:﴾ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
الجزء: 9 - الصفحة: 464
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ {[البقرة: 236]
وأما الاستدلال بالحكم فاجتماعهما على الفرض أبلغ في الالتزام من الحكم كما لو اجتمعا على قيمة متلف أو أرش معيب.
فإذا تقرر أن المهر يلزم بفرضهما كما يلزم بفرض الحاكم فإن فرضاه مع علمهما بقدر المثل صح وجاز أن يفرضا مهر المثل وأكثر منه وأقل وأن يعدلا إلى عوض من ثوب أو عبد بخلاف الحاكم الذي لا يجوز أن يعدل عن جنس المهر ومقداره لأن فرض الزوجين كالتسمية في العقد وان فرضاه مع جهلهما بمهر المثل ففي جوازه قولان:
أحدهما: وهو قوله في الجديد: أنه لا يجوز الفرض ويكون باطلا كالتي لم يفرض لها كما لو فرضه الحاكم وهو غير عالم ولأنه يتضمن معنى الإبراء من مجهول.
والثاني: وهو قوله في القديم: أنه يجوز ويصح الفرض لأنه معتبر بالمسمى في العقد وان جهلا مهر المثل كذلك ما فرضاه بعد العقد.
وهذان القولان يترتبان على اختلاف قوليه في الذي يجب لها هل هو مهر المثل أو مهر مطلق؟
فإن قيل: مهر المثل لم يصح فرضهما إلا بعد علمهما به.
وان كان مهر مطلق صح فرضهما مع الجهل به.
الفصل:
وأما الثالث: مما يجب به مهر المفوضة فهو الدخول لأن المهر لما وجب بوطء الشبهة فأولى أن يجب بالوطء في نكاح صحيح والواجب بهذا الدخول هو مهر المثل قولًا واحدًا سواء تعقبه موت أو طلاق.
وإذا وجب بالدخول فتقايره يكون لحكم الحاكم وان تقام وجوبه على حكمه فيكون حكمه مقصورًا على تقديره دون إيجابه وحكمه فيما تقام مشتمل على التقدير والإيجاب.
فإن قدره الزوجان لم يصح تقديرهما إلا مع علمهما به قولًا واحدًا؛ لأن المهر ها هنا قيمة مستهلك فإن جهلاه أو أحدهما لم يصح تقديره وكان على إرساله بعد وجوبه.
قال الشافعي: واستحب أن لا يدخل بها إلا بعد فرض المهر ليكون مستمتعًا بمهر معلوم وليخالف حال الموهوبة التي خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل:
وأما الرابع: فهو الموت وفي وجوب مهر المفوضة به قولان مضيا ثم إن وأجبناه فهو مهر المثل ولا يقدره إلا الحاكم وحده فإن قدره مع الباقي من الزوجين أجنبي علم قدره فإن فعل ذلك ليؤديه من ماله جاز، كما لو قضى دينًا عن ميت أو قضاه عن حي لورثه ميت وان فعل ذلك ليؤخذ من مال الزوج ففي جوازه إذا تراضى به الباقي وورثه الميت قولان من اختلاف قوليه في حكم غير الحاكم وهو يلزم بالتراضي أم لا؟ على قولين، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 465
مسألة:
قال الشافعي: "فإن فرضه فلم ترضه حتى فارقها لم يكن إلا ما اجتمعا عليه فيكون كما لو كان في العقدة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شرع الزوجان في فرض المهر في نكاح التفويض فلم يتفقا على قدره حتى يطلقها كأنه بذل لها ألفًا فلم ترض إلا بألفين فحكم التفويض باق وبذل الألف من الزوج كعدمها ولها المتعة إذا طلقها قبل الدخول لأن الفرض لا يتم من الزوجين إلا بالرضا.
فإن قيل: فهلا كان هذا كالصداق المختلف في تسميته وقت العقد فلا يلزم ويجب لها بالطلاق قبل الدخول نصف مهر المثل.
قلنا: ما اختلف في تسميته وقت العقد قد زال عنه حكم التفويض فلذلك وجب لها نصف مهر المثل وهذا لم يزل عنه حكم التفويض فلذلك وجبت لها المتعة.
وقول الشافعي: لم يكن لها إلا ما اجتمعا عليه يعني أنه لم يكن لها مهر مفرد إلا ما اجتمعا على فرضه ولم يود به الألف الذي بذله الزوج لاجتماعهما عليه حتى طلبت الزوجة زيادة عليها لأن هذا افتراق وليس باجتماع.
مسألة:
قال الشافعي: "وقد يدخل في التفويض وليس بالتفويض المعروف وهو مخالف لما قبله وهو أن تقول لا أتزوجك على أن تفرض لي ما شئت أنت أو شئت أنا فهذا كالصداق الفاسد فلها مهر مثلها.
قال المزني رحمه الله: هذا بالتفويض أشبه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن التفويض في النكاح ضربان: تفويض البضع وتفويض المهر.
فأما تفويض البضع فهو أن يتزوجها على غير مهر لها وقد مضى الكلام فيه وأما تفويض المهر فضربان:
أحدهما: ترك ذكره في العقا وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيه.
والثاني: أن يتزوجها على مهر لا يصح إما لجهالته وأما لتحريمه فالمجهول كقوله: قد تزوجتك على ما شئنا أو شاء أحدنا أو شاء فلان.
والحرام أن يتزوجها على خمر أو خنزير فيكون هذا تفويضًا للمهر لبطلانه وليس بتفويض للبضع لذكره فيخرج عن حكم نكاح التفويض وان كان مشابهًا له في سقوط المهر فيجب لها بالعقد مهر المثل وان طلقت قبل الدخول وجب نصفه دون المتعة وان مات عنها زوجها وجب لها المهر قولًا واحدًا فيكون مخالفًا لنكاح التفويض من أربعة أوجه:
الجزء: 9 - الصفحة: 466
(أحدها): أن مهر هذه وجب بالعقد ومهر المفوضة وجب بالفرض بعد العقد.
الثاني: أنه موجب المهر بالمثل قولا واحدا وفيما وجب للمفوضة قولان:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: مهر مطلق.
والثالث: أنها إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصف مهر المثل وللمفوضة متعة.
والرابع: أنه يجب لها المهر بالموت قبل الدخول وفي المفوضة قولان.
وقال أبو حنيفة: تفويض المهر كتفويض البضع وليس لها إذا طلقت قبل الدخول إلا المتعة احتجاجًا بأن العقد خلا عن مهر لازم فكان تفويضًا كما لو خلا من ذكر مهر.
ودليلنا: هو أنه عقد تضمن مهرًا فخرج عن حكم التفويض كالمهر الصحيح ولأن التفويض تسليم بضع بغير بدل وهذا تسليمه ببدل وان فسد.
وفرق في الأصول بين التسليم بغير بدل وبين التسليم ببدل فاسد في وجوب الغرم ألا ترى أنه لو قال ملكتك عبدي هذا ولم يذكر بدلًا جعلنا ذلك هبة لا توجب البدل.
ولو قال: قد ملكتك عبدي بثمن فاسد صار بيعًا فاسدًا يوجب البدل فال على افتراض الأمرين.
فإذا ثبت ما ذكرنا: فأحوال من لا يستقر لها بعقد النكاح مهر ينقسم ثلاثة أقسام.
قسم تكون مفوضة وقسم لا تكون مفوضة وقسم اختلف أصحابنا في كونها مفوضة.
فأما التي تكون مفوضة فهي التي يشترط في عقد نكاحها مع إذنها وجواز أمرها أن لا مهر لها.
وأما التي لا تكون مفوضة: فهي المنكوحة على مهر مجهول أو حرام أو فوضها وليها بغير إذنها.
وأما التي اختلف أصحابنا في كونها مفوضة: فهي التي ترك ذكر الصداق في نكاحها من غير شرط.
فعلى قول أبي إسحاق المروزي: ليست مفوضة.
وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: إنها مفوضة، والله أعلم.
تفسير مهر مثلها
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وحتى قلت لها مهر نسائها فإنما أعني نساء عصبتها وليس أمها من نسائها وأعني (نساء) بلدها".
الجزء: 9 - الصفحة: 467
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا استحقت المرأة مهر مثلها في الموضع الذي يجب لها مهر المثل وقد مضى في مواضعه وجب أن يعتبر مهر مثلها في حالتين:
إحداهما: في منصبها.
والثانية: في صفات ذاتها.
فأما المنصب فمعتبر بنظيرها في النسب.
وقال مالك: فمعتبر بنظيرها في البلد فغلب اعتبار البلد على اعتبار النسب وهذا فساد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمهر نسائها والميراث.
ولأن الأنساب معقودة في المناكح دون البلدان ولأنها من صفات الذات اللازمة ولأن أهل البلد قد تختلف مهورهم باختلاف الأنساب وإذا وجب اعتبار النظير في النسب وجب اعتبار نظيرها من النساء العصبات من قبل الأب ولا اعتبار بنساء الأم ولا بنساء ذوي الأرحام.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى هما سواء فيعتبر بناء أهلها من قبل الأب والأم من العصبات وذوي الأرحام.
وهذا فاسل لأن النسب معتبر بالأب دون الأم وكذلك كان ولد العربي من النبطية عربيا وولد النبطي من العربية نبطيا فاقتضى إذا كان منصب النسب معتبرا أن يكون من قبل الأب الذي ثبت به النسب دون الأم التي لا يلحق بها نسب.
الفصل:
فإذا ثبت اعتبارها بناء عصبتها فأقربهن الأخوات فيعتبر الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب ولا اعتبار بالأخوات من الأم لأنهن مشاركات في الرحم دون النسب.
فلو اجتمع أخوات لأب وأم وأخوات لأب ففيهن وجهان:
أحدهما: أنهن سواء.
والثاني: أن اعتبار الأخوات من الأب والأم لاجتماع السببين فهن مقدمات على الأخوات من الأب.
ولا اعتبار ببنات الأخوات ثم بنات الإخوة وبنيهم ثم العمات دون بناتهن ثم بنات الأعمام وبنيهم ثم عمات الأب دون بناتهن ثم أعمام الأب وبنيهم ثم كذلك أبدًا في نساء العصبات فإذا عدم العصبات ففي اعتبار ناء المولى المعتق وجهان:
أحدهما: يعتبرون لأن المولى عصبة.
والثاني: لا يعتبرون لأنه لا يلحق بالمولى نسب وان جرى في التعصيب مجرى النسب.
الجزء: 9 - الصفحة: 468
الفصل:
فإذا ثبت أن الاعتبار بالصعبات دون الأمهات فقد قال الشافعي: "أعني نساء بلدها" فيكون الاعتبار من كان من عصباتها في بلدها دون من كان في غيره لأن للبلدان في المهور عادات مختلفة فتكون عادلت بعض البلدان تخفيف المهور وعادلت بعضها تثقيل المهور فاقتضى أن يكون ذلك معتبرًا كما تعتبر قيمة المتلف في موضع إتلافه لأن القيم تختلف باختلاف الأمكنة فلذلك وجب اعتبار البلد مع نساء العصبات، فهذا حكم المنصب.
مسألة:
قال الشافعي: "ومهر من في مثل سنها وعقلها وحمقها وجمالها وقبحها ويسرها وعسرها وأدبها وصراحتها وبكرا كانت أو ثيبًا؛ لأن المهور بذلك تختلف".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وصفات الذات المعتبرة في المهور شرط في الحكم بمهر المثل كما تعتبر صفات ما يقوم والصفات المعتبرة في مهر المثل عشرة:
أحدهما: السن لاختلاف المهر باختلافه، لأن الصغيرة أرجى للولد وألذ في الاستمتاع من الكبيرة.
والثاني: عقلها وحمقها فإن للعاقلة مهرًا وللرعناء والحمقاء دونه لكثرة الرغبة في العاقلة وقلة الرغبة في الحمقاء، وحكي عن قتادة في قول الله تعالى:} لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:7] أي أيكم أتم عقلا.
وروى كليب بن وائل عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا:﴾ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:7] ثم قال: "أيكم أحسن عقلا وأردع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله تعالى.
والثالث: جمالها وقبحها فإن مهر الجميلة أكثر من مهر القبيحة وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فعليك بذات الدين تربت يداك".
والرابع: يسارها وإعسارها أن ذا المال مطلوب ومخطوب فيكثر مهر الموسرة بكثرة طالبها ويقل مهر الموسرة لقلة خاطبها.
وقد قال ابن عباس وقتادة في قول الله تعالى:﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ {[العاديات: 8] يعني المال.
الجزء: 9 - الصفحة: 469
وروى مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تزوج ذات جمال ومال فقد أصاب سدادا من عوز".
والخامس: إسلامها وكفرها لقوله تعالى:} وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿[البقرة: 221]
والسادس: عفتها وفجورها؛ لأن الرغبة في العفة أكثر ومهرها لكثرة الراغب فيها أكثر.
وقد قال الله تعالى:﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ {[النور: 3].
والسابع: حريتها ورقها لنقصان الأمة عن أحكام الحرة وان كان نكاحها لا يحل لكل حر.
والثامن: بكارتها وثيوبتها لأن الرغبة في البكر أكثر منها في الثيب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأعز غرة، وأرضى باليسير".
ومعنى قوله: "أنتق أرحامًا" أي أكثر أولادًا، وفي قوله: "وأعز غرة" روايتان:
أحداهما: غرة بكر الغين يريد أنهن أبعد من معرفة الشر وأقل فطنة له.
والرواية الثانية: وأغر غرة: بضم الغين وفيه تأويلان:
أحداهما: أنه أراد غرة البياض لأن الأغير وطول التعبيس يحيلان اللون ويبليان الجسد.
والثاني: أنه أراد حسن الخلق وحسن العشرة.
وقال معاذ بن جبل: "عليكم بالأبكار فإنهن أكثر حبًا وأقل خبًا".
والتاسع: أدبها وبذاؤها، لأن الأديبة مرغوب فيها والبذيئة مهروب منها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "البذاء لؤم ومحبة الأحمق شؤم".
والعاشر: قول الشافعي: وصراحتها فاختلف أصحابنا في معناه فقال بعضهم: يريد فصاحتها لأن لفصاحة المنطقة حظًا من الاستمتاع.
وقال الأكثرون: بل أواد به صراحة النسب المقصود في المناكح والصريح النسب الذي أبواه عربيان.
الجزء: 9 - الصفحة: 470
والهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة.
والمزرع: فيه تأويلان:
أحدهما: الذي أمه عربية وأبوه عبد.
والثاني: أنه الذي أمه أشرف نسبًا من أبيه.
قال الشاعر:
إِنَّ المذَرَّع لَا تُغْنِي خُؤولَتُه كَالبَغْل يَعْجَز عَنْ شَوْطِ المَحَاضِرِ
والفلنقس فيه تأويلان:
أحدهما: أنه الذي أبوه مولى وأمه عربية.
والثاني: أنه الذي أبواه عربيان وجدناه من قبل أبويه أمتان.
فهذه عشرة أوصاف تعتبر في مهر مثلها لاختلاف المهر بها وقد ذكر الشافعي منها سبعة وأعقل ثلاثة وهي: الدين والعفة والحرية اكتفاء بما ذكره منها في اعتبار الكفاءة.
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على بعضها ونبه على باقيها بقوله عليه السلام: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها ومبسمها" وروي: وسامتها، فعليك بذات للدين تربت يداك".
وفيها ثلاثة تأويلات:
أحدها: معناه افتقرت يداك إن لم تظفر بذات الدين يقال: ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا استغنى.
والثاني: أن معناه استغنت يداك إن ظفرت بذات الدين ويكون تربت من أسماء الأضداد بمعنى الغنى والفقر رأيه في قدر تلك الصفة وقسطها من تلك المهور فزادها إن كانت الصفة زائدة أو نقصها إن كانت الصفة ناقصة لأنه قل ما يتساوى صفاتها وصفات جميع نساء عصبتها فلم يجد بدًا من اعتبار ما اختلفن فيه بما ذكرنا، والله أعلم.
والثالث: أنها كلمة فقال على ألسنة العرب لا يراد بها حمد ولا ذم كما يقال ما أشجعه قاتله الله وكالذي حكاه الله تعالى عن سارة زوجة إبراهيم حين بشرت بالولد: ﴿قَالَتْ يَا ويْلَتَى أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72] وهي لا تدعو بالويل عند البشرى ولكن كلمة مألوفة للنساء عند سماع ما يعجل من فرح أو حزن، فإذا وجدت أوصافها التي يختلف بها المهر من يسار عصبتها وكانت مهورهن مقدرة صار مهر مثلها ذلك القدر فإن خالفتهن في إحدى الصفات أشهد الحاكم.
الجزء: 9 - الصفحة: 471
مسألة:
قال الشافعي: "واجعله نقدًا كله لأن الحكم بالقيمة لا يكون بدين".
قال في الحاوي: وهذا كما قال في الحكم بمهر المثل مع اعتبار تلك الأوصاف شرطان:
أحدهما: أن يكون من نقود الأثمان والقيم وهي الدراهم والدنانير لأن قيم المتلفات لا تكون إلا منها ومهر المثل قيمة متلف فعلى هذا لو كان مهر نساء عصينها إبلًا أو عبيدًا أو ثيابًا قومها بالدراهم أو الدنانير وحكم لها بقيمة الإبل أو العبيد أو الثياب من أغلب النقدين من الدراهم أو الدنانير في أثمان الإبل والعبيد دون المهور.
والثاني: أن لا يحكم به إلا حالًا وإن كان نساء عصبتها ينكحن بمهور مؤجلة لأن قيمة المتلف لا تتأجل.
فإن قيل: أفليس دية الخطأ مؤجلة وهي قيمة متلف؟
قيل: ليست الدية قيمة لكونها مقدرة والقيمة لا تتقدر ولو كانت قيمة لجاز أن تخالف أحكام القيمة في التأجيل كما خالفتها ني وجوبها على غير المتلف من العاقلة.
وإن كانت قيم المتلفات لا تجب إلا على المتلف.
وإذا وجب أن يحكم بها نقدًا حالًا وكانت مهورهن مؤجلة نظر:
فإن كان وقت حكمه بمهر المثل هو وقت المؤجل ساوى بين القدرين ولم ينقص منه بالتعجيل شيئًا.
وإن كان وقت حكمه بمهر المثل قبل حلول آجال تلك المهور نقص من مهر المثل بالتعجيل بقدر ما يكون بين الحال والمؤجل في العرف والعادة.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن لم يكن لها نسب فمهر أقرب الناس منها شبهًا فيما وصفت".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن مهر مثلها معتبر بنساء عصبتها فإذا وجدن ولم يجز العدول عنهن إلى نساء الأم.
فإن عدم نساء العصبات اعتبر بعدهن للضرورة نساء الأم لأنهن أقرب إليها بعد العصبات من الأجانب.
فنبدأ باعتبار الأم ثم بناتها وهن الأخوات من الأم ثم بأمها وهي الجدة من الأم.
فإن اجتمع جدتان أم أب وأم أم ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن اعتبارها بأم الأب أولى به لأنها من جهة التعصيب.
الجزء: 9 - الصفحة: 472
والثاني: أن أم الأم أولى لأن العصبة فيها محققة.
والثالث: أنهما سواء.
ثم بعد الجدات الخالات ثم بنات الأخوات ثم بنات الأخوال ثم على هذا فإذا عدم جمع القرابات فنساء بلدها لاشتراكهن في العادة فإذا عدمن فأقرب البلاد ببلدها.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن كان نساؤها إذا نكحن في عشائرهن خففن خففت في عشيرتها".
قال في الحاوي: اعلم أن العادات في مهر المثل معتبرة فربما جرت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن خففن المهور وإذا نكحن في غير عشائرهن ثقلن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة التي تشرف على غيرها.
فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها خفف مهر مثلها وإن كان من غير عشيرتها ثقل مهر مثلها.
وربما كانت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن ثقلن المهور وإذا أنكحن في غير عشائرهن خففن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة الدنيئة التي غيرها أشرف منها فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها ثقل مهرها.
فإن قيل: فإذا كنتم تعتبرون مهر المثل بقيم المتلفات فالمعتبر في القيم حال التالف لا حال المتلف فكيف اعتبرتم هاهنا حال المتلف وحال التالف؟
قيل: لأن كل واحد من الزوجين مقصود بالعقد في النكاح فجاز أن يعتبر بالتالف والمتلف وليس كسائر المتلفات التي لا يعتبر فيها إلا أثمانها بالعقود وقيمها بالاستهلاك.
وعلى هذا: إذا كان عادة قبيلتها أن يخففن المهور في نكاح الشباب ويثقلن المهور في نكاح الشيوخ.
روعي ذلك، والله أعلم.
باب الاختلاف في المهور
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اختلف الزوجان في المهر قبل الدخول أو بعده تحالفا ولها مهر مثلها وبدأت بالرجل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا اختلف الزوجان في قدر المهر أو جنسه أو في صفته فقال الزوج: تزوجتك على
الجزء: 9 - الصفحة: 473
صداق ألف وقالت الزوجة: بل على صداق ألفين أو قال: تزوجتك على دراهم وقالت: بل على دنانير أو قال على صداق مؤجل فقالت: بل حال فكل ذلك سواء ويتحالف الزوجان عليه عند عدم البينة وقال النخعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف: القول فيه قول الزوج.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إن كان الاختلاف بعد الطلاق فالقول قول الزوج وإن كان قبل الطلاق فالقول قول الزوجة إلا أن تدعي أكثر من مهر المثل.
فيكون القول في الزيادة على مهر المثل قول الزوج.
وقال مالك: إن كان الاختلاف بعد الدخول فالقول قول الزوج لأنه غارم وإن كان قبل الدخول تحالفًا.
وأصل هذه المسألة: اختلاف المتبايعين في قدر الثمن أو المثمن فيبني كل واحد من الفقهاء اختلاف الزوجين في الصداق على مذهبه في اختلاف المتبايعين في البيع وقد مضى الكلام معه في كتاب البيوع.
ثم من الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من تحالفهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وكل واحد من للزوجين مدعِ ومدعى عليه.
فإن الزوج يقول: تزوجتك بألف وما تزوجتك بألفين.
والزوجة تقول: تزوجتني بألفين وما تزوجتني بألف.
فلم يتراجح أحدهما على صاحبه وتساويا في الدعوى والإنكار فتحالفا ولأنهما لو تداعيا دارًا هي في أيديهما وتساويا فيها ولم يترجح أحدهما على صاحبه بشيء تحالفا كذلك اختلاف للزوجين عند تساويهما يوجب تحالفهما.
فصل:
فإذا ثبت تحالف للزوجين فإنهما يتحالفان عند الحاكم لآن الأيمان في الحقوق لا يستوفيها إلا الحاكم فإذا حضراه قال الشافعي هاهنا: بدأ بإحلاف الزوج.
وقال في اختلاف المتيايعين: إنه يبدأ بإحلاف البائع وهو يتنزل منزلة الزوجة في النكاح والزوج يتنزل منزلة المشتري في البيع.
وقال في كتاب "الدعوى والبينات" في اختلاف المتبايعين ما يدل على أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أيهما شاء.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة طرق:
أحدها: أن المسألتين في اختلاف الزوجين والمتبايعين على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه يبدأ بإحلاف البائع والزوجة على ما يقتضيه في البيوع.
الجزء: 9 - الصفحة: 474
والقول الثاني: أنه يبدأ بإحلاف الزوج والمشتري على ما يقتضيه نصه في الصداق.
والقول الثالث: أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أي الزوجين شاء على ما يقتضيه كلامه في الدعوى والبينات.
والثانية: وهي طريقة أبي حامد المروزي: أن المسألتين على قول واحد وأن الحاكم فيهما بالخيار في البداية يإحلاف أي الزوجين شاء وأي المتبايعين شاء.
والثالثة: وهي طريقة أبي إسحاق المروزي: أن حكم المسألتين مختلف وأنه يبدأ في اختلاف للزوجين بإحلاف الزوج قبل الزوجة.
وفي اختلاف المتبايعين بإحلاف البائع قبل المشتري.
والفرق بينهما: أن جنبة البائع أقوى لعود السلعة إليه بعد التحالف فبدأ بإحلافه وجنبة الزوج أقوى لأنه قد ملك البضع ولا يزول ملكه عنه بعد التحالف فبدأ بإحلافه، والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت تحالفهما ومن بدأ الحاكم بإحلافه متهما فقد اختلف أصحابنا: هل يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدة أو يمينين؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول كثير من أصحابنا ن أنه يحلف كل واحد عنهما يمينًا واحدة تجمع النفي والإثبات لأنه أسرع إلى فصل القضاء فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان:
أحدهما: يصرح فيها بالابتداء بالنفي ثم بالإثبات فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين ولقد تزوجتك على صداق ألف.
ثم تحلف الزوجة فتقول: والله ما تزوجتني على صداق ألف ولقد تزوجتني على صداق ألفين.
والثاني: أنه لا يصرح بالنفي ويصرح بالإثبات الدال على النفي فيقول والله ما تزوجتك إلا على صداق ألف.
وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني إلا على صداق ألفين لأن اليمين على هذا الوجه أوجز واللفظ فيه أخص.
فهذا إذا قيل يحلفهما يمينًا واحدة.
والوجه الثاني: أنه يحلف كل واحد منهما يمينين.
يمينًا للنفي ثم يمينًا للإثبات.
وهذا قول أبي العباس بن سريج فيبدأ بيمين النفي.
فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني على صداق ألف.
ثم يحلفهما بعد ذلك يمين الإثبات فيقول الزوج ن والله لقد تزوجتك على صداق ألف.
ونقول الزوجة: والله لقد تزوجتني على صداق ألفين.
فصل:
فإذا تحالف الزوجان على ما وصفنا بطل الصداق لأنه تردد بين أن يكون ألفًا بيمين
الجزء: 9 - الصفحة: 475
الزوج وبين أن يكون ألفين بيمين الزوجة فصار كما لو تزوجها على صداق ألف أو ألفين فيكون باطلًا للجهل به كذلك إذا تحالفا.
وهل يبطل الصداق بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم؟ على رجلين مضيا في البيوع ثم إذا بطل الصداق لم يبطل النكاح.
وقال مالك: إذا تحالفا بطل النكاح بناء على أصله في أن فساد الصداق موجب فإن فساد الصداق إذا سقط من النكاح صار نكاحًا بغير صداق ولو نكحها على غير صداق صح النكاح فكذلك إذا نكحها على صداق فاسد وكان هذا بخلاف تحالف المتبايعين في بطلان البيع بعد التحالف لأن البيع لا يصح إلا بثمن فبطل ببطلان والنكاح يصح بغير صداق فلم يبطل ببطلان الصداق.
فصل:
فإذا ثبت أن النكاح لا يبطل بتحالفها حكم لها بمهر المثل لأنه قد صار بالعقد مستهلكًا لبضعها فلزمه غرم قيمته وهو مهر المثل كما يلزم البائع بعد التحالف إذا تلفت السلعة غرم قيمتها ويحكم لها بمهر المثل سواء كان أقل مما دعته أو أكثر.
وقال أبو علي بن خيران: يحكم لها بمهر المثل وإن كان مثل ما ادعته أو أقل ولا يحكم لها إذا كان أكثر مما ادعت إلا يقدر ما ادعت لأنها غير مدعية للزيادة فلم يحكم لها بما لا تدعيه وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن دعواها كانت لمسمي في عقد وقد بطل بالتحالف وهذا قيمة متلف فلم يؤثر فيه حكم الدعوى في غيره.
والثاني: أنه لما كان لو نقص مهر المثل عما أقر به الزوج لم يلزمه إلا مهر المثل وإن كان مقرًا بالزيادة وجب إذا كان مهر المثل أكثر مما ادعت أن يحكم لها به وإن كانت غير مدعية للزيادة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وهكذا الزوج وأبو الصبية البكر وورثه الزوجين أو حدهما".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي هاهنا مسألتين:
إحداهما: اختلاف الزوج والولي.
والثانية: في اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر.
فأما المسألة الأولى: وهي اختلاف الزوج والولي فهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 476
أحدهما: أن تكون الزوجة وقت العقد جائزة الأمر بالبلد والعقل فلا اعتبار يقول الولي في تصديق أو تكذيب سواء كان الولي أبًا أو عصبة وسواء كانت الزوجة بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت الزوجة مصدقة لزوجها على قدر الصداق لم يؤثر فيه مخالفة الولي وإن كانت الزوجة مخالفة لزوجها في قدر الصداق لم يؤثر فيه تصديق الولي وكان للزوجين أن يتحالفا على ما مضى ولم يجز أن يكون الولي شاهدًا للزوج قيما ادعاه من الصداق لأنه يشهد على فعل نفسه.
والثاني: أن تكون الزوجة وقت العقد صغيرة فليس يصبح أن يزوجها إلا أبوها أو جدها.
فإذا اختلف الأب والزوج في قدر صداقها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ما ادعاه الأب هو قدر مهر المثل وما يقر به الزوج أقل فلا تحالف بينهما والقول فيه قول الأب بغير يمين لأنه لا يجوز للأب أن يزوج الصغيرة بأقل من مهر المثل ولو زوجها به لكان لها مهر المثل.
والثاني: أن يكون ما ادعاه الأب أكثر من مهر المثل وما أقر به الزوج قدر مهر المثل فهاهنا يكون التحالف وإذا وجب التحالف فلا يخلو حال الزوجة وقت الاختلاف والتحالف من أحد أمرين:
إما أن نكون على حال الصخر أو قد بلغت.
فإن كانت صغيرة حلف الزوج وهل يحالفه الأب أو تكون اليمين موقوفة على بلوغ الزوجة؟ على وجهين:
أحدهما: أن الزوج إذا حلف لم يجز للأب أن يحلف معه ووقفت اليمين بلوغ الزوجة لأمرين:
أحدهما: أن النيابة في الإيمان لا تصح.
والثاني: أن اليمين إنما وضعت لإثبات حق الحالين أو رفع مطالبه عنه وليس الأب بهذه المنزلة فلم يجز أن يحلف وتأول قائل هذا الوجه قول الشافعي: "وكذلك الزوج وأبو الصبية" يعني في أنهما إذا اختلفا قدم الحاكم الزوج في إحلافه.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي.
والظاهر من نص الشافعي: أنه يجوز للأب أن يحلف مع الزوج لأمرين:
أحدهما: أنه مباشر للعقد فجاز أن يحلف على فعل نفسه وإن كان في حق غيره كالوكيل.
والثاني: وأشار إليه ابن سريج: أنه لما قبل إقراره فيه وإن كان في حق غيره جاز إحلافه فيه عند إنكاره.
فعلى هذا إن حالف الأب الزوج حكم للزوجة بمهر المثل وإن نكل الأب عن اليمين ففيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 477
أحدهما: يحكم بنكوله ويقضى بالمهر الذي اعترف به الزوج إذا كان بقدر مهر المثل لأن من حكم يمينه إذا حلف حكم بنكوله إذا نكل.
والثاني: أنه لا يحكم بنكوله لما فيه من إسقاط حق الزوجة وتوقف اليمين على بلوغها لجواز أن يثبت بيمينها ما لا يثبته الولي فيحكم لها به.
وإن كانت الزوجة وقت التحالف بالغة؟
فإن قيل: إن الأب لا يجوز أن يحالف الزوج في حال صغرها فأولى أن لا يحالفها في حال كبرها.
وإذا قيل: له مخالفة الزوج في حال صغرها فأيهما أحق بمخالفة الزوج؟ فيه وجهان: من اختلاف المعنيين في تعليل هذا الوجه:
أحدهما: أن الأب المباشر للعقد هو المحالف للزوج لفضل مباشرته وتعليلًا بقبول اعترافه.
والثاني: أن الزوجة المالكة هي المحالفة للزوج دون الأب لاختصاصها بالملك وتعليلًا بأن الأب نائب.
وعلى الوجهين معًا: لو امتنع الأب من اليمين جاز لها مخالفة الزوج وإنما الوجهان: هل يجوز مع بلوغها أن يحلف الأب؟
فصل:
وأما المسالة الثانية: وهي اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر فقد حكي عن أبي حنيفة أنه إذا طالت صحبة الزوجين وحسنت عشرتهما وذهبت عشيرتهما ثم ماتت الزوجة لم يكن لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وحكاه عند أبي الحسن الكرخي من أصحابه وعلى مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وإن طالت صحبتهما لأمرين:
أحدهما: أنه لما جازت مطالبته مع قرب المدة جازت مع بعدها كالدين.
والثاني: أنه لما جاز للزوجة مطالبته جاز لوارثها مطالبته كالمدة القصيرة فلذا ثبت أن الصداق باق وأن للوارث مطالبة الزوج به فاختلفا في قدره جاز أن يتحالفا عليه لأن الوارث يقوم مقام موروثه في الاستحقاق فقام مقامه في لتحالف فعلى هذا إن تحالف وارثا الزوجين حلفا كتحالف الزوجين إلا في شيء واحد وهو أن يمين الزوجين على البت والقطع في النفي والإثبات جميعًا ويمين الوارثين على نفي العلم في النفي وعلى القطع في الإثبات لأن من حلف على فعل نفسه كانت يمينه على القطع في نفيه وإثباته، ومن حلف على فعل غيره كانت يمينه على العلم في نفيه وعلى القطع في إثباته.
فعلى هذا يحلف وارث الزوج فيقول: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألفين ولقد تزوجها على صداق ألف.
الجزء: 9 - الصفحة: 478
ويقول وارث الزوجة: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألف ولقد تزوجها على صداق ألفين.
فإن كان الورثة جماعة حلف كل واحد منهم يمينًا على ما وصفنا ولم ينب أحدهم عن غيره فيها فإن حلف بعضهم ونكل بعضهم أجرى على الحان حكمه وعلى الناكل حكمه.
ولو مات أحد الزوجين وكان الآخر باقيًا تحالف الباقي منهما ووارث الميت وكانت يمين الباقي على القطع في نفيه وإثباته ويمين الوارث على للعلم في نفيه وعلى القطع في إثباته.
فصل:
فأما إذا كان الاختلاف في المهر بين أبوي الزوجين الصغيرين فان حكم بالصداق في مال الزوج إما ليساره وإما على أحد القولين في إعساره فلا تحالف بينهما لأن الأب لا يجوز أن يزوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل ولا يجوز لأب الزوجة الصغيرة أن يزوجها بأقل من مهر المثل فبطل التحالف ووجب مهر المثل لأن أبا الزوج لا يجوز أن يزيد عليه وأبا الزوجة لا يجوز أن ينقص منه.
وإن حكم بالصداق على أبي الزوج جاز التحالف لأنه يجوز أن يبذل الأب من ماله عن ابنه أكثر من مهر المثل.
فعلى هذا لأبي الزوج أن يحلف مع صغر ابنه ومع كبره وهل يجوز لأبي الزوجة أن يحلف مع صغرها أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فصل:
وإذا اختلف زوج الأمة وسيدها في قدر صداقها تحالف عليه الزوج والسيد دون الزوجة لأنه حق للسيد دونها وكذلك لو كانت الزوجة مدبرة أم أم ولد ولو كانت مكاتبة كانت هي المحالفة دون السيد لأن مهر المكاتبة لها ومهر المدبرة وأم الولد لسيدها.
مسألة:
قال الشافعي: "والقول قول المرأة ما قبضت مهرها؛ لأنه حق من الحقوق لا يزول إلا بإقرار الذي له الحق ومن إليه الحق".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اختلف الزوجان في قبض المهر مع اتفاقهما على قدره فقال الزوج: قد أقبضتك مهرك وقالت الزوجة لم أقبضه.
فالقول قول الزوجة مع يمينها أنها لم تقبضه وسواء كان قبل للدخول أو بعده أو قبل الزفاف أو بعده.
الجزء: 9 - الصفحة: 479
وحكي عن بعض الفقهاء السبعة بالمدينة أنه إذا كان قبل الزفاف فالقول قولها وإن كان بعد الزفاف فالقول قوله.
وقال مالك: إن كان قبل للدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله استدلالًا بالفرق أنها لا تسلم نفسها غالبًا إلا بعد قبض المهر فكان الظاهر بعد الدخول والزفاف مع الزوج فقبل قوله وقبل الدخول والزفاف مع الزوجة فلم يقبل قوله.
وهذا فاسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" والزوج مدع فكلف البينة والزوجة منكره فكلفت اليمين ولأن من ثبت في ذمته حق لغيره لم يقبل قوله في دفعه والديون فأما الاعتبار بالعادة فغير صحيح لأن عادات الناس فيه مختلفة ثم لو اتفقت لما تعلق بها حكم ألا ترى أن مشتري السلعة إذا ادعى دفع ثمنها بعد قبضها لم يقبل قوله.
وإن جرت العادة بأن السلعة لا تسلم إليه إلا بعد قبض الثمن منه.
ولو ادعى للراهن قضاء الدين رد الرهن عليه لم يقيل قوله وإن جرت العادة أن الراهن لا يرد إلا بعد قبض الدين كذلك الزوجة.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن قالت المرأة: الذي قبضت هدية وقال: بل هو مهر فقد أقرت بمال وادعت ملكه فالقول قوله".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا دفع الزوج إليها مالًا ثم اختلفا فيه فقالت الزوجة: أخذته هبة وصداقي باقٍ وقال الزوج: بل دفعته صداقًا.
فالقول قول الزوج سواء كانت من جنس الصداق أو من غيره وسواء كان مما جرت العادة بمهاداة الزوج بمثله أم لا.
وقال مالك: إن كان مما جرت العادة أن يهديه الزوج للزوجة كالثوب والمقنعة والطيب والحلي فالقول قولها مع يمينها اعتبارًا بالعرف ولها المطالبة بمهرها.
وهذا خطأ؛ لأن الأموال لا تتملك على أربابها بالدعاوى ولأنها لو ادعت هبة ذلك وقد قبضت مهرها لم يقبل قولها فكذلك قبل قبضه.
وقد مضي الجواب عما استدل به من الصرف.
فصل:
فإذا ثبت أن القول قول الزوج دونها فإن ادعت أنه صرح لها بالهبة كان لها إحلافه فيكون القول قوله مع يمينه فإن نكل عن اليمين ردت عليها وحكم لها إن خلفت.
الجزء: 9 - الصفحة: 480
وإن لم تدع أنه صرح لها بالهبة بل قالت: نواها وأرادها ولم يتلفظ بها فلا يمين عليه لأن الهبة لا تصح فلم يلزمه يمين في دعوى هبة فاسدة.
فإذا جعلنا القول قوله: لم يخل حال ما أقبضها من حالين: إما أن يكون من جنس صداقها لأنه دراهم وقد دفع إليها دنانير له والصداق عليه لا يقبل قوله في أنها أخذت الدنانير بدلًا من صداقها فإن ادعى ذلك عليها أحلفها.
مسألة:
قال الشافعي: "ويبرأ بدفع المهر إلى أبي البكر صغيرة كانت أو كبيرة التي على أبوها بضعها ومالها".
قال في الحاوي: اعلم أن الأب إذا قبض مهر ابنته لم بخل حالها من أحد أمرين:
إما أن يكون المولي عليها أو رشيدة.
فإن كان مولي عليها لصغر أو جنون أو سفه: جاز له قبض مهرها لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ الزوج حينئذٍ منه وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون ثيبًا لا تجبر على النكاح فليس للأب قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذنها لم يبر الزوج منه كما لو قبض لها دينًا أو ثمنًا.
والثاني: أن تكون بكرًا يجبرها أبوها على النكاح فالصحيح أنه لا يملك قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذن لم يبرأ الزوج منه وجعل له بعض أصحابنا قبض مهرها لأنه يملك إجبارها على النكاح كالصغيرة.
وقال أبو حنيفة: له قبض مهرها بكرًا كانت أو ثيبًا ما لم تنهه عنه وكلا المذهبين عنه غير صحيح لأن صداقها دين فلم يجز أن ينفرد الأب يقبضه مع رشدها كسائر الديون ولأن ما لم يملك قبض دينها لم يكن له قبض مهرها كغير الأب من الأولياء ولأنه لو ملك القبض بخير إذن لما أثر فيه النهي كحاله مع الصغيرة وإذا أثر فيه النهي لم يملكه بغير إذن كالوكيل، والله أعلم.
الشرط في المهر
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالي: "وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفا المهر فاسد لأن الألف ليس بمهر لها بحق له باشتراطه إياه".
الجزء: 9 - الصفحة: 481
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا تزوجها على صداق ألف على أن لأبيها ألذ لم يصح الشرط ولم يلزمه دفع الألف إلى الأب ويبطل به الصداق.
وقال قتادة: الصداق صحيح على ألف والشرط لازم للأب وعلى الزوج له ألف بالشرط.
وقال مالك: الشرط باطل في حق الأب ويصير الألفان معًا صداقًا للزوجة والدليل على مالك في بطلان الشرط أن شروط العقود ما كانت في حق المعقود أو المعقود عليه وليس الأب واحدًا منهما فلم يصح الشرط له كما لو شرطه أجنبي.
والدليل على قتادة في أن ما شرطه الأب لا يصير صداقًا للزوجة: هو أن ما لم يجعل صداقًا مسمى لم يجز أن يصير صداقًا مسمى كالمشروط لغير الأب ولأنه لو جاز أن يكون ما شرطه للأب زيادة في الصداق لكان ما شرط على الأب نقصانا من الصداق وهذا باطل في الشرط عليه فبطل في الشرط له.
فصل:
فإذا ثبت أن الشرط باطل في حق الأب بخلاف ما قاله قتادة وباطل في حق الزوجة بخلاف ما قاله مالك كان الصداق باطلًا لأن للشرط تأثرًا في النقصان منه وقدره مجهول فأفضى إلى جهالة جميع الصداق وإذا صار الصداق مجهولًا بطل ولم يبطل النكاح وكان لها مهر المثل فإن طلقت قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل لأنه قد سمى لها صداقًا فاسدًا.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفًا كان جائزًا ولها منعه وأخذها منه لأنها هبة لم تقبض أو وكالة".
قال في الحاوي: ذكر المزني هذه المسألة على صورة التي قبلها وخالف بينهما في الجواب فقال: لو نكحها على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزًا.
وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فالمهر فاسد وهما في الصورة سواء وفي الجواب مختلفان.
فذهب أكثر أصحابنا إلى المزني أخطأ في نقل هذه المسألة وأن هذا الجواب مسطور للشافعي في الأم في غير هذه المسألة وهو أن يزوجها على ألفين على أن يعطي
الجزء: 9 - الصفحة: 482
أباها ألفًا منها أو تعطى أباها ألفًا منها فإن كانت هي المعطية للألف فهي هبة للأب وإن كان هو المعطى للألف احتمل أن تكون هبة للأب واحتمل أن نكون وكالة يتولى قبضها الأب فيكون الصداق جائزًا لأن جميع الألفين صداق ولم يؤثر فيه هذا الشرط لأنه لم يشترط لنفسه عليها ولا اشتراط لها على نفسه.
وإذا لم يكن الشرط على أحد هذين الوجهين لم يؤثر قي زيادة الصداق ولا نقصانه فسلم من الجهالة فلذلك صح.
فأما ما نقله المزنى فخطأ وجوابه كجواب المسألة الأولى لنماثلهما في الصورة والذي عندي أن نقل المزني صحيح وأنه متأول على ما ذكروه ومحمول الجواب علي ما صوروه لأن في لفظ المسألة دليل على هذا التأويل وهو المفرق بينها وبين المسألة الأولى لأنه قال في هذه ولو تزوجها على ألف وعلى أن يعطي أباها ألفًا وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فجعل لأبيها في هذه المسألة قبض الألف وجعل لأبيها في المسألة الأولى ملك الألف فدل عل أن الألفين في هذه المسألة صداق للزوجة فلذلك صح وفي الأولى إحداهما صداق لها والأخرى للأب فلذلك بطل.
ثم يوضح أن نقل المزني صحيح وأنه محمول على هذا التأويل ما ذكره في الحكم وبينه من التعليل لأنه قال: ولها منعه وأخذها منه وليس لها أن تمتع الزوج من دفع ماله ولا لها أن تأخذ غير صداقها فدل على أن الألفين كانت صداقًا لها ثم لين في التعليل فقال: لأنها هبة لم تقبض أو كالة لم تتم فدل على أن الشرط كان معقودًا على أن تهب هي من الألفين ألفًا لأبيها أو توكله في قبضها فكانت على خيارها في أن تتمم الهبة بالقبض أو ترجع فيها أو تتمم الوكالة أو تبطلها.
وقد ذكر الشافعي مثل هذه المسالة في كتاب الأم يريد بها ما ذكرنا من التأويل فقال: ولو أصدقها ألفين على أن يعطي أباها ألفًا وأمها ألفًا كان الكل للزوجة وإنما يكون الكل لها إذا كان الكل صداقًا تكون لها بالتسمية لا بالشرط بخلاف ما قاله مالك.
فصل:
في الشروط التي تدخل النكاح.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أصدقها ألفًا على أن لها أن تخرج أو على أن لا يخرجها من بلدا أو على أن لا ينكح عليها أو يتسرى أو شرطت عليه منع ماله أن يفعله فلها مهر مثلها في ذلك كله فإن كان قد زادها على مهر مثلها وزادها الشرط أبطلت الشرط ولم أجعل لها الزيادة لفساد عقد المهر بالشرط ألا ترى لو اشترى عبدًا بمائة دينار (ورق)
الجزء: 9 - الصفحة: 483
خمر فمات العبد في يد المشترى ورضي البائع أن يأخذ المائة ويبطل الرق الخمر لم يكن ذلك لأن الثمن انعقد بما لا يجوز فطل وكانت له قيمة العبد".
قال في الحاوي: اعلم أن الشرط في النكاح ضربان: جائز ومحظور فأما الجائز:
فما وافق حكم الشرع في مطلق العقد مثل أن يشترط عليها أن له أن يتسرى عليها أو يتزوج عليها أو يسافر بها أو أن يطلقها إذا شاء أو أن تشترط هي عليه أو يوليها صداقها أو أن ينفق عليها نفقة مثلها أو يقسم لها مع نسائه بالسوية.
فكل هذه الشروط جائزة والنكاح معها صحيح والمسمى فيه من الصداق لازم لأن ما شرطة الزوج منها لنفسه يجوز له فعله بغير شرط فكان أولي بأن يجوز مع الشرط.
وما شرطته الزوجة عليه يلزمه بغير شرط فكان أولى أن يلزمه الشرط وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج".
وأما المحظور منها: فمردود لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط شرط الله أحق وعقده أوثق".
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمنون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا".
والشروط المحظورة تنقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما يبطل به النكاح.
والثاني: ما يبطل به الصداق.
والثالث: ما يختلف حكمه لاختلاف مشترطه.
والرابع: ما اختلف أصحابنا فيه.
فصل:
فأما القسم الأول: وهو ما يبطل النكاح فهو كل شرط رفع مقصود العقد مثل أن يتزوجها على أنها طالق رأس الشهر إذا قدم زيد أو على أن الطلاق بيدها تطلق نفسها متى شاءت.
فالنكاح بهذه للشروط باطل سواء كانت هذه الشروط من جهته أو من جهتها لأنها رافعة لمقصود العقد من البقاء والاستدامة قصار النكاح بها مقدر المدة فجرى مجرى
الجزء: 9 - الصفحة: 484
نكاح المتعة لكان باطلًا.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو ما يبطل الصداق دون النكاح: فهو كل شرط خالف حكم العقد وهو على ضربين:
أحدهما: ما كان من جهة الزوج.
والثاني: ما كان من جهة الزوجة.
فأما ما كان من جهة الزوج: فمثل أن يتزوجها على أن لا يقسم لها مع نسائه أو على أن تخفف عنه نفقتها وكسوتها أو تنظره بهما.
وفي حكم ذلك: أن يشترط عليها أن لا تكلم أباها ولا أخاها فهذه كلها شروط باطلة لأنها من للشروط التي تحلل حرامًا أو تحرم حلالًا واختصت بالصداق دون النكاح لأن مقصود النكاح موجود معها فوجب أن يبطل الصداق بها لأنها قابلت منه جزءًا إذ كأنه زادها فيه لأجلها وإذا أوجب بطلانها يطل ما قابلها منه وهو مجهول صار الباقي بها مجهولًا فبطل وكان لها مهر المثل سواء كان أكثر مما سمى أو أقل.
وقال أبو حنيفة: إن كان مهر المثل أكثر من المسمى لم أوجب لها إلا المسمى وهو قول أبي علي بن خيران من أصحابنا لأنها رضيت به مع اشتراطه عليها فلأن ترضى به مع عدم الشروط أولى.
وهذا فاسد لأن سقوط المسمى بالفساد إذا أوجب الرجوع إلى القيمة استحقت وإن كانت أكثر من المسمى كمن قبض عبدًا اشتراه بألف على شروط فاسدة شرطها على بائعه ثم تلف العبد في يده وقيمته أكثر من ثمنه استحقت عليه القيمة دون المسمى وإن كانت القيمة أكثر كذلك هاهنا.
وأما ما كان من جهة الزوجة.
فمثل أن تشترط عليه أن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى بالإماء وأن لا يسافر بها فهذه شروط فاسدة لأنها منعته مما له فعله وتوجهت إلى الصداق دون وجود مقصود النكاح معها.
وإذا كان كذلك فللصداق المسمى حالان:
أحدهما: أن يكون أقل من مهر المثل فيبطل المسمى لبطلان الشروط التي قابلها جزء منه فصار به مجهولًا ويجب لها مهر المثل.
والثانية: أن يكون المسمى من الصداق أكثر من مهر المثل ففيما تستحقه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح أنها تستحق مهر المثل تعليلًا بما ذكرنا من بطلان المسمى بما قابله من الشروط التي صار بها مجهولًا.
والثاني: وهو قول المزني إنها تستحق المسمى لأن لا يجتمع عليها بخسان:
بخس بإسقاط الشروط، وبخس بنقصان المهر.
الجزء: 9 - الصفحة: 485
ولأنها لم ترض مع ما شرطت إلا بزيادة ما سمت فإذا منعت الشروط لم تمنع المسمى.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو ما يختلف حكمه باختلاف مشترطه فهو ما منع مقصود العقد في إحدى الجهتين دون الأخرى فمثل أن يتزوجها على أن لا يطأها فان كان الشرط من جهتها فتزوجته على أن لا يطأها فالنكاح باطل لأنها منعته ما استحقه عليها من مقصود العقد.
وإن كان الشرط من جهته فتزوجها على أن لا يطأها فالنكاح على مذهب الشافعي صحيح لأن له الامتناع من وطئها بغير شرط فلم يكن في الشرط مع من موجب العقد.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: على الزوج أن يطأها في النكاح مرة واحدة على قوله إذا شرط عليها أن لا يطأها يبطل النكاح كما لو شرطت عليه أن لا يطأها.
وليس هذا بصحيح لما ذكره في باب العنين.
فأما إذا كان الشرط أن يطأها ليلًا دون النهار، فقد حكي أبو الطيب بن سلمة عن أبى القاسم الأنماطى أنه إذا شرط الزوج عليها ذلك صح الشرط لأنه له أن يفعل ذلك من غير شرط وإن شرطت الزوجة ذلك بطل النكاح لأنه يمنع مقصود العقد وهنا صحيح ولا يخالف فيه أبو علي بن أبي هريرة.
فأما إن كان الشرط أن لا يقسم لها:
فإن كان من جهتها صح النكاح لأن لها العفو عن القسم.
وإن كان من جهته بطل النكاح إن كان معها غيرها وصح إن انفرد بنفسها لأنها تستحق القسم مع غيرها ولا تستحقه بانفرادها.
وأما إن كان الشرط أن لا يدخل عليها سفه: فقد قال الربيع: إن كان الشرط من جهته صح النكاح لأن له أن يمنع من الدخول بغير شرط وإن كان من جهتها بطل النكاح لأنه ليس لها أن تمنعه من غير شرط فصار الشرط مانعًا من مقصود العقد.
وعلى هذا التقدير لو تزوجها على أن يطلقها بعد شهر فإن كان الشرط من جهة الزوج صح العقد لأن له أن يطلقها من غير شرط وإن كان من جهة الزوجة بطل العقد لأنه منع من استدامة العقد.
ولو تزوجها على أن يخالعها بعد شهر.
فإن كان الشرط من جهتها يطل العقد وإن كان من جهته ففي بطلانه وجهان:
أحدهما: أن العقد باطل لأنه قد أوجب عليها بالخلع بذل ما لا يلزمها.
والثاني: أن العقد صحيح لأنه شرط لم يمنع من مقصود العقد فصار عائدًا إلى الصداق فبطل به الصداق وكان لها مهر المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 486
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو ما اختلف أصحابنا فيه فهو ما رفع يدل المقصود بالعقد وذلك شأن الصداق والنفقة.
فإذا تزوجها على أن لا نفقة لها أبدًا.
فإن كان الشرط من جهتها توجه إلى الصداق دون النكاح لأنه حق لها إن تركته جاز فلذلك توجه إلى الصداق دون النكاح فيبطل الصداق ببطلان الشرط في النفقة وهو باطل باشتراط سقوطه والنكاح جائز ولها مهر المثل والنفقة.
وإن كان الشرط من جهة الزوج فهل يقدح في صحة النكاح أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه قادح في صحة النكاح فيكون باطلًا لأن ذلك مقصود العقد من جهة الزوجة فصار كالولي الذي هو مقصود العقد من جهة الزوج.
والثاني: أنه غير قادح في صحة النكاح لجواز خلو النكاح من صداق ونفقة فعلى هذا يختص هذا للشرط بفساد الصداق دون النكاح ويحكم لها بمهر المثل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أصدقها دارًا واشترط له أو لهما الخيار فيها كان المهر فاسدًا".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد النكاح لا يدخله خيار المجلس ولا خيار الثلاث لأنه ينعقد ناجزًا لا تقصد فيه المغابنة والخيار موضوع الاستدراك المغابنة.
فإن شرط فيه أحد الخيارين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يشترطاه أو أحدهما في عقد النكاح فالنكاح بعطل باشتراطه فيه لمنافاته له في اللزوم.
والثاني: أن يكون مشروطًا في الصداق دون النكاح فقد قال الشافعي في الأم ونقله المزني هاهنا: أن الصداق باطل والنكاح جائز.
وقال في الإملاء: النكاح باطل.
فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه في هذين الموضعين: فخرجه أبو علي بن أبي هريرة على قولين:
أحدهما: أن الصداق باطل والنكاح جائز، لأن بطلان الصداق لا يقدح في صحة النكاح.
والثاني: أن النكاح باطل لبطلان الصداق ولم يحك عن الشافعي أنه أبطل النكاح لبطلان الصداق إلا في هذا الموقع لأن دخول الخيار في البدل كدخوله في المبدل.
الجزء: 9 - الصفحة: 487
وقال سائر أصحابنا: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين.
فالموضع الذي أبطل فيه النكاح إذا كان الخيار مشروطًا في النكاح.
والموضع الذي أبطل فيه الصداق وأجاز النكاح إذا كان للخيار مشروطًا في الصداق دون النكاح لأن الصداق عقد يصح إفراده عن النكاح كما يصح إفراد النكاح عنه فلم يوجب بطلان الصداق بطلان النكاح.
فإذا قيل ببطلان النكاح فلا مهر فإن أصابها فعليه مهر مثلها وإذا قيل بصحة النكاح، فقد حكي أبو حامد الإسفراييني في الصداق والخيار لأصحابنا ثلاثة أوجه: ولم أر غيره يحكيه لأن نص الشافعي لا يقتضيه:
أحدهما: وهو أن الخيار باطل والصداق باطل ولها مهر مثلها لأنه لما امتنع دخول الخيار في النكاح امتنع دخوله في بدله والخيار إذا دخل فيما ينافيه أبطله.
والثاني: وهو خلاف نصه: أن الصداق جائز والخيار ثابت لأن الصداق عقد معاوضة يصح إفراده فجرى حكمه حكم الخيار فيه مجراه في عقود المعارضات.
والثالث: أن الخيار باطل والصداق جائز لأن الصداق تبع للنكاح فيثبت ثبوته ولم يقدح فيه بطلان الشرط.
فصل:
فأما إذا تزوجها على صداق ألف على أنه إن جاءها بالألف في يوم كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل وصداق باطل وشرط باطل.
وحكي عن طاوس وسفيان الثوري: أن الشرط باطل والنكاح جائز.
وحكي عن ابن عباس والاوزاعي: أن النكاح جائز والشرط ثابت وهذا قول فاسد بما قدمناه في كتاب البيوع.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو ضمن نفقتها أبو الزوج عشر سنين في كل سنة كذا لم يجز ضمان ما لم وأنه مرة أقل ومرة أكثر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا كان الزوج ملكًا بنفقة زوجته وضمنها عنه أبوه أو غير أبيه من جميع الناس فسواء.
وهو على ضربين:
أحدهما: أن يضمن نفقة ما مضى من الزمان فهذا ضمان مال قد وجب واستقر فيصح ضمانه إذا كان معلوم القدر ومن جنس يستقر ثبوته في الذمة.
والثاني: أن يضمن نفقة المستقبل فهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 488
أحدهما: أن يكون مجهول المدة مثل أن يضمن لها نفقتها أبدًا فهذا ضمان باطل لأن ضمان المجهول باطل.
والثاني: أن يكون معلوم المدة مثل أن يضمن لها نفقتها عشر سنين ففي الضمان قولان بناء على اختلاف قولي الشافعي في نفقة الزوجة بماذا وجبت.
فأحد قوليه وهو في القديم وهو قول مالك: أنها وجبت بالعقد وحده وتستحق قبضها بالتمكين الحادث بعده كالصداق الواجب بالعقد والمستحق بالتمكين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: أنها تجب بالتمكين الحادث بعد العقد وبه قال أبو حنيفة بخلاف الصداق لأن الصداق في مقابلة العقد فصار واجبًا بالعقد والنفقة في مقابلة الاستمتاع فصارت واجبة الاستمتاع.
فإذا تقرر هذان القولان في وجوب النفقة كان ضمانها مبنيًا عليهما.
فإن قلنا: إنها لا تجب إلا بالتمكين يومًا بيوم فضمانها باطل لأنه ضمان ما لم يجب وقد يجب بالتمكين وقد لا يجب بعده.
وإذا قلنا: إنها قد وجبت بالعقد جملة وتستحق قبضها بالتمكين يومًا بيوم صح ضمانها بشرطين:
أحدهما: أن يكون ضمانه للقوت الذي هو الحب والحنطة أو الشعير بحسب قوت بلدهم دون الأدم والكسوة لأنهما لا يضبطانه بصفة ولا يتقدران بقيمة فإن قدرهما الحاكم بقيمة جعلهما دراهم معلومة لم يصح ضمانها أيضًا لأنه وإن قومها فهي مقومة لوقتها دون المستقبل وقد تزيد القيمة في المستقبل فيكون للزوجة المطالبة بفضل القيمة وقد ينقص فيكون للزوج أن ينقصها من القيمة.
والثاني: أن يكون ضمانه لنفقة المعسر التي لا تسقط عن الزوج باختلاف أحواله وهي مدّ واحد من كل يوم فإن ضمن لها نفقة موسر وهي مدان أو نفقة متوسط وهي مد ونصف فالزيادة على نفقة المعسر قد تجب إن أيسر وقد لا تجب إن أعسر فصار ضمانها ضمان ما لم يجب فعلى هذا يكون الضمان فيما زاد عن المدّ في نفقة المعسر باطلًا وهل يبطل في المدّ الذي هو نفقة المعمر أم لا؟ على قولين من تفريق الصفة، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وكذلك لو قال ضمنت لك ما داينت به فلانًا أو ما وجب لك عليه لأنه ضمن ما لم يكن وما يجهل".
قال في الحاوي: وهذه مسألة من الضمان أوردها المزني هاهنا لأنه أصل يبني عليه ضمان النفقة.
الجزء: 9 - الصفحة: 489
وضمان الأموال على ضربين:
أحدهما: ضمان ما وجب.
والثاني: ضمان ما لم يجب.
فأما ضمان ما وجب فضربان: معلوم ومجهول.
فإن كان معلومًا صح وإن كان مجهولًا بطل.
وأما ضمان ما لم يجب كقوله: من عامل فلانًا وادينه فعلى ضمان دينه.
فمذهب الشافعي: أنه ضمان باطل سواء عين المداين أو لم يعينه وسواء ذكر للدين قدرًا أو لم يذكره لأن الضمان لازم إن صح وما لم يجب فليس بلازم فلم يصح ضمانه.
فإن قيل: أفليس ضمان الدرك صحيح وهو ضمان ما لم يجب؟
قيل: الدرك إذا استحق فوجوبه قبل الضمان وهو معلوم القدر فصار ضمانه ضمانًا واجبًا معلومًا.
فهذا مذهب الشافعي في ضمان ما لم يجب وليس بواجب في الحال أنه باطل.
وقال أبو إسحاق المروزي: يصح ضمان ما لم يجب بشرطين:
أحدهما: أن يكون لإنسان معين فإن كان لغير معين لم يصح.
والثاني: أن يكون في معلوم مقدر فإن كان في مقدر لم يصح اعتبارًا بضمان الدرك.
وليس لهذا الجمع وجه والفرق بينهما: أن استحقاق الدرك يقتضي وجوبه قبل الضمان فصح وما تعامل به مستحق بعد الضمان فلم يصح، والله أعلم.
باب عفو المهر وغير ذلك
قال الشافعي رحمه الله تعالي: قال الله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] قال: والذي بيده عقدة النكاح الزوج وذلك أنه إنما يعفو من ملك فجعل لها مما وجب لها من نصف المهر أن تعفو وجعل له أن يعفو بأن يتم لهم الصداق وبلغنا عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أن الذي بيده عقده النكاح الزوج وهو قول شريح وسعيد بن جبير وروى عن ابن المسيب وهو قول مجاهد.
قال الشافعي رحمه الله تعالي: فأما أبو البكر وأبو المحجور عليه فلا يجوز عقدهما كما لا تجوز لهما هبة أموالها".
قال في الحاوي: وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] وهذا خطاب للأزواج في طلاق النساء قبل الدخول وهو أولى الطلاقين لمن كان قبل للدخول كارهًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 490
ثم قال: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] يعني: سميتم لهن صديقًا: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فيه تأويلان:
أحدهما: فنصف ما فرضتم لكم تسترجعون منهن.
والثاني: فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن.
ثم قال: ﴿إلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] وهذا خطاب للزوجات عدل به بعد ذكر الأزواج إليهن وندبهن فيه إلى العفو عن حقهن من نصف الصداق ليكون عفو الزوجة أدعى إلى خطبتها وترغيب الأزواج فيها.
ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وفيه قولان للشافعي:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي أبو البكر الصغيرة أو جدها لأنه لما ندب الكبيرة إلى للعفو ندب ولي الصغيرة إلى مثله ليتساويا في ترغيب الأزواج فيهما.
وهو في الصحابة قول ابن عباس وفي التابعين قول الحسن ومجاهد وعكرمة وطاوس وفي الفقهاء قول ربيعة ومالك وأحمد بن حنبل.
والثاني: وهو قول في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج ندبه الله تعالى إلى العفو كما ندبها ليكون عفوه ترغيبًا للنساء فيه كما كان عفوها ترغيبًا للرجال فيها.
وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم.
ومن التابعين: شريح وسعيد بن جبير وسعيد بن المسبب والشعبي.
ومن الفقهاء: قول سفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة.
ثم قال: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وفي المقصود بهذا الخطاب قولان لأهل التأويل:
أحدهما: أنه خطاب للزوج والزوجة وهو قول ابن عباس.
فيكون العفو الأول خطابًا للزوجة والعفو الثاني خطابًا للزوج والعفو الثالث خطابًا لهما.
والثاني: أنه خطاب للزوج وحده وهذا قول الشعبي فيكون العفو الأول خطابًا للكبيرة والعفو الثاني خطابًا الولي الصغيرة والعفو الثالث خطابًا للزوج وحده.
وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] تأويلان:
أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظلم صاحبه.
والثاني: أقرب إلى اتقاء أوامر الله تعالى في ندبه.
ثم قال: ﴿ولا تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] أي تفضل كل واحد من الزوجين على صاحبه، بما ندب إليه من العفو ونبه على استعمال مثله في كل حق بين متخاصمين.
فهذا تأويل الآية.
الجزء: 9 - الصفحة: 491
فصل:
فأما توجيه القولين في الذي بيده عقدة النكاح: فاستدل من نص قوله في للقديم أنه ولي الصغيرة وهو ذهب مالك من الآية بأربعة دلائل:
أحدها: أنه افتتحها بخطاب الأزواج مواجهة ثم عدل بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] خطابًا المكنى عنه غير مواجه والخطاب إذا عدل به عن المواجهة إلى الكناية اقتضى ظاهرة أن يتوجه إلى غير المواجه والزوج مواجه فلم تعد إليه الكناية والزوجة قد تقدم حكمها ولفظ الكناية مذكر فلم يجز أن نعود إليها فلم يبق من يتوجه الخطاب إليه غير الولي.
والدليل الثاني: من الآية قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وليس أحد بعد الطلاق بيده عقدة النكاح إلا الولي لأنه يملك أن يزوجها فاقتضى أن يتوجه الخطاب إليه ولا يتوجه إلى الزوج الذي ليس العقد إليه ليكون للخطاب محمولًا على الحقيقة من غير إضمار ولا يحمل على مجاز وإضمار.
والدليل الثالث من الآية: أن الذي يختص به الولي من النكاح أن يملك عقده والذي يختص به الزوج أن يملك الاستمتاع بعده فكان حمل الذي بيده عقدة النكاح على الولي الذي يملك عقده أولى من حمله على الزوج الذي يملك الاستمتاع بعده.
والدليل الرابع من الآية: أن الزوج غارم للباقي من نصف الصداق في حق الزوجة تقبضه الكبيرة وولي الصغيرة فكان توجه العفو إلى مستحق الغرم أولى من توجهه إلى ملتزم الغرم ولأن الله تعالى إنما ندب الزوجة إلى العفو لما تحظى به رغبة الأزواج فيها فاقتضى أن يكون ولي الصغيرة مندوبة إلى مثل ما ندبت إليه الكبيرة ليتساويا في عود الحظ إليهما بترغيب الأزواج فيهما.
فصل:
والدليل على صحة قوله في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج دون الولي الآية ومنها خمسة أدلة:
أحدهما: قوله تعالى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] والعقدة عبارة عن الأمر المنعقد ومنه حبل معقود وعهد معقود لما قد استقر عقده ونجز والنكاح بعد العقد يكون بيد الزوج دون الولي.
والثاني: أنه أمر بالعفو قال الشافعي: وإنما يعفو من ملك والزوج هو المالك دون الولي فاقتضى أن يتوجه الخطاب بالعفو إليه لا إلى الولي.
والثالث: أن حقيقة العفو هو الترك وذلك لا يصح إلا من الزوج لأنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق فإذا ترك أن يتملك لم يملك فأما الولي فعفوه إما أن يكون هبة إن كان عينًا أو إبراءًا إن كان في الذمة فصار حقيقة العفو أخمر بالزوج من حمله على المجاز في الولي.
الجزء: 9 - الصفحة: 492
والرابع: أنه إذا توجه بالعفو إلى الزوج كان محمولًا على عمومه في كل زوج مطلق وإذا توجه إلى الولي كان محمولًا على بعض الأولياء في بعض الزوجات هو الأب والجد من بين سائر الأولياء مع الصغيرة البكر التي لم يدخل بها دون سائر الزوجات فكان حمل الخطاب على ما يوجب العموم أولى من حمله على ما يوجب الخصوص.
والخامس: قوله: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وهذا الخطاب غير متوجه إلى الولي لأن قربه من التقوى أن يحفظ مال من يلي عليه لا أن يعفو عنه ويبرأ منه فدل على أنه الزوج دون الولي وهو راجع على ما تقدمه فاقتضى أن يكون المتقدم قبله الذي بيده عقده النكاح هو الزوج ويدل عليه من طريق السنة: ما رواه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولي عقد النكاح الزوج".
وهذا نص.
ولأنه إجماع الصحابة روى شريح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج.
وروى أبو سلمة عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني فهر فطلقها قبل الدخول بها وأرسل إليها صداقها كاملًا وقال: أنا أحق بالعفو منها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]
وهذا قول صحابيين فإن قيل: خالفهما ابن عباس.
قيل: قد اختلفت عنه الرواية فتعارضتا وثبت خلافه فصار الإجماع بغيره منعقدًا.
ومن طريق الاستدلال أن الزوجين متكافئان فيما أمرا به وندبا إليه فلما ندبت الزوجة إلى العفو ترغيبًا للرجال فيها اقتضى أن يكون الزوج مندوبًا إلى مثله ترغيبًا للنساء فيه ولأنه لو ملك الأب العفو لملكه غيره من الأولياء ولو ملكه في البكر لملكه في الثيب ولو ملكه قبل الدخول لملكه يعد الطلاق لملكه قبله ولو ملكه في المهر لملكه في الدين.
وتحريره قياسًا: أن من لم يملك العفو عن مهرها إذا كانت ثيبًا لم يملكه إذا كانت بكرًا كالإخوة والأعمام طردًا وكالسيد في أمته عكسًا فإن قيل: فإنما اختص به الأب في البكر لاختصاصه بإجبارها على النكاح قيل: قد يملك إجبار المجنونة والبكر ولا يملك العفو عن صداقها ولأن من لم يملك العفو عن المهر بعد الدخول لم يملكه قبله كالصغيرة طردًا والكبيرة عكسًا.
فإن قيل: إنما لم يملكه بعد للدخول لاستهلاك بعضها بالدخول.
قيل: لا فرق في رد عفوه بين ما كان في مقابلة رد بدل كالثمن وبين ما كان بغير بدل كالميراث.
الجزء: 9 - الصفحة: 493
ولأنه مال للمولى عليه فلم يكن لوليه العفو عنه كالثمن.
فإن قيل: إنما عفا عن المهر لأنه أفادها إياه.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين.
فإن قلنا بالقديم: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي صح عفوه باجتماع خمسة شرائط:
أحدها: أن يكون الولي أبا أو جدًا ممن يلي على بضعها ومالها فإن عفا غيرهما من العصبات لم يصح.
والثاني: أن تكون المرأة بكرًا يصح إجبار الأب لها على النكاح فإن كانت ثيبًا لم يصح.
والثالث: أن تكون صغيرة ثبتت الولاية على مالها فإن كانت كبيرة تملك النظر في مالها لم يصح.
والرابع: أن يكون عفوه بعد الطلاق الذي تملك به نفسها فإن عفا قبله لم يصح.
والخامس: أن يكون الطلاق قبل الدخول لأن لا يستهلك عليها بضعها فإن كان بعد الدخول لم يصح.
فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة صح حينئٍذ عفوه.
وإذا قلنا: إن الزوج إن صح عفوه لجواز أمره بالبلد والعقل والحرية والرشد.
فأما الصغير: فلا تبين زوجته منه بالطلاق ولأن طلاقه لا يقع وتبين منه بالردة أو بالرضاع فإن كان ذلك قبل الدخول عاد جميع صداقها إليه لوقوع الفرقة من جهتها قبل الدخول.
وإن كان مجنونًا وقعت الفرقة بردتها لا غير فإن كان ذلك قبل الدخول فلا صداق لها.
وإن كان عبدًا وقعت الفرقة بطلاقه فيكون في وقوعه كالحر وتقع الفرقة بردتها.
وإن كان محجورًا عليه بسفه وقعت الفرقة بطلاقه وبردتها فلا يصح عفو واحد من هؤلاء.
ويصح عفو سيد العبد فأما عفو ولي الصغير والمجنون والسفيه فلا يصح قولًا واحدًا وإن كان عفو ولي الزوجة على قولين:
والفرق بينهما من وجهين:
أحدها: أن ولي الزوجة هو الذي أكسبها الصداق يعقده فصح منه إسقاطه بعقده وولي الزوج ما أكسبه ما عاد من الصداق إليه فلم يصح عفوه عنه.
والثاني: أن ما عاد من الزوج قد كان ماله فلم يجز أن يعفو عنه بعد عوده وصداق الزوجة ملك مستفاد فصح عفوه بعد استحقاقه والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 494
مسألة:
قال الشافعي: "وأي الزوجين عفا عما في يدبه قلة الرجوع قبل الدفع أو الرد والتمام أفضل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال:
إذا طلق الرجل الرشيد زوجته الرشيدة قبل الدخول تنصف الصداق بينهما فكان لها نصفه بالعقد وصار للزوج نصفه وفيما يصير به مالكًا لنصفه قولان مضيا:
أحدهما: أنه يصير مالكًا لنصفه بنفس الطلاق.
والثاني: أنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق.
فإن لم يعف واحد منهما عن حقه تقاسماه عينًا كان أو في الذمة وإن عفا واحد منهما فلا يخلو حال الصداق من أن يكون عينًا أو في الذمة.
فإن كان الصداق في الذمة فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون في ذمة الزوج وذلك من أحد وجهين:
- إما أن يكون قد أصدقها مالًا في الذمة.
- أو أصدقها عينًا تلفت في يده فصار غرمها في الذمة.
فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة. - فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها يكون إيراءًا محضًا ويصح بأحد ستة ألفاظ:
إما أن تقول: قد عفوت، أو قد أبرأت، أو قد تركت، أو قد سقطت، أو قد ملكت أو قد وهبت.
فبأي هذه الألفاظ الستة أبرأته صح ولم تفتقر إلى قبوله على مذهب الشافعي وأكثر أصحابنا.
وقال بعض أصحابه منهم أبو العباس بن رجاء البصري: الإبراء لا يتم إلا بالقبول كالهبة وهذا قول أبي حنيفة.
وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه إسقاط ملك فأشبه العنق.
والثاني: أنه عفو فأشبه العفو عن القصاص والشفعة.
وإن كان العافي هو الزوج: فعفوه هبة محضة لا يصح من الألفاظ الستة إلا بإحدى لفظين: إما الهبة وإما التمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: ببذل الزوج وقبول الزوجة وقبض من الزوج أو وكيله فيه إلى الزوجة أو وكيلها فيه.
فإن لم تقبض فله الرجوع وهو معنى قول الشافعي: فله الرجوع قبل الدفع.
الجزء: 9 - الصفحة: 495
فصل:
والضرب الثاني: أن يكون الصداق في ذمة الزوجة وذلك بأن تستهلكه بعد قبضه فيصير نصفه المستحق: بالطلاق في أحد الوجهين أو باختيار تملكه بعد الطلاق في الوجه الثاني ملكًا للزوج فلا يخلو أن يكون العاني منهما هو الزوج أو الزوجة:
فإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف القولين فيما ملك بالطلاق.
فإن قيل: إنه ملك بالطلاق نصف الصداق كان عفوه إبراء محضًا يصح بأحد الألفاظ الستة:
إما بالعفو أو بالإبراء أو بالترك أو الإسقاط أو التمليك أو الهبة وفي اعتبار قبولها وجهان على ما مضى.
وإن قيل: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إبطالًا لتملك الصداق فيصح بالألفاظ الستة التي يصح بها الإبراء أو يصح بزيادة لفظتين وهما: الإحلال والإباحة فيصير عفوه بأحد ثمانية ألفاظ ولا يفتقر إلى القبول وجها واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه كما لا يفتقر العفو عن الشفعة والقصاص إلى قبول.
وإن كان العافي منهما هي الزوجة فعفوها هبة محضة تصح بإحدى لفظتين: إما الهبة أو التمليك ولا تنم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض فإن عفا الزوجان جميعًا نظر.
- فإن كان في ذمة الزوج غلب عفو الزوجة على عفو الزوج لأن عفو الزوجة إبراء وعفو الزوج هبة.
- وإن كان في ذمة الزوجة غلب عفو الزوج على عفو الزوجة لأن عضو الزوج إبراء وعفو الزوجة هبة.
فصل: وإن كان الصداق عينًا قائمة فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في يد الزوج فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة. - فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها هبة محضة لنصف عين مشتركة في يد الموهوب له فلا تصح إلا بإحدى لفظتين: الهبة أو التمليك ولا تتم إلا بثلاثة أشياء ورابع مختلف فيه: وهو البذل والقبول والقبض وأن يمضي عليهما بعده زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن الزوجة له بالقبض أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يفتقر إلى إذن بالقبض لأنه في قبضه.
والثاني: لا بد من إذن بالقبض لأنه كان في يده مالكًا لها فلم يزل حكم يده إلا بإذنها. - وإن كان العافي هو الزوج: ترتب عفوه على اختلاف قوليه فيما ملكه بطلاقه فإن قلنا: إنه ملك به نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يده فيصح بإحدى لفظتين
الجزء: 9 - الصفحة: 496
إما بالهبة أو بالتمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض.
وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق وكان عفوه إسقاطًا لحقه فيه فيصبح بإحدى ثمانية ألفاظ مضت ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا.
فصل:
والضرب الثاني: أن يكون الصداق في يد الزوجة فلا يخلو حال العافي من أن يكون هو الزوج أو الزوجة.
فإن كان العافي هي الزوجة: فعفوها هبة محضة لمشاع في يدها فلا يتم إلا بالبذل والقبول والقبض ولها قبل القبض الرجوع.
وإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف توليه فيما ملكه بطلاقه على ما ذكرنا.
فإن قلنا: إنه ملك نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يد الموهوبة له فلا تتم إلا بالبذل والقبول وأن يمضي زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن بالقبض أم لا؟
على ما ذكرنا من القولين وله الرجوع قبل أن يمضي زمان القبض وهل يرجع بعده وقبل الإذن؟ على القولين.
وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إسقاطًا يصح بأحد الألفاظ الثمانية ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا.
- فإن عفا الزوجان معًا لم يصح عفو الزوجة بحال لأن عفوها هبة لا تتم إلا بالقبول ولا يصح عفو الزوج إن جعلناه واهبًا لافتقاره إلى القبول ويصح عفوه إن جعلناه مسقطًا لأن عفوه لا يفتقر إلى قبول.
مسألة: قال الشافعي: "قال ولو وهبت له صداقها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان أحدهما يرجع عليها بنصفه والآخر لا يرجع عليها بشيء ملكه.
قال المزني رحمه الله: وقال في كتاب القديم لا يرجع إذا قبضته فوهبته له أو لم تقبضه؛ لأن هبتها له إبراء ليس كاستهلاكها إياه لو وهبته لغيره فبأي شيء يرجع عليها فيما صار إليه؟ " قال في الحاوي: اعلم أن المرأة إذا وهبت لزوجها صداقها ثم طلقها قبل الدخول طلاقًا يملك به نصف الصداق لم يخل الصداق الموهوب من أحد أمرين إما أن يكون عينًا أودينًا.
فإن كان عينًا: فسواء وهبته قبل قبضه أو بعد قبضه هل له الرجوع عليها بنصف
الجزء: 9 - الصفحة: 497
بدله؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم وأحد قوليه ني الجديد واختاره المزني أنه لا يرجع عليها بشيء.
والثاني: وهو قوله في الجديد أنه يرجع عليها بنصفه وقال أبو حنيفة: إن وهبته قبل قبضه لم يرجع عليها وإن وهبته بعده رجع وكلا الأمرين في الأعيان سواء لأن التصرف فيهما قبض.
- فإذا قلنا بالقول الأول أنه لا ير.
عليها بشيء فوجهه شيئان: أحدهما: أنه قد تعجل الصداق قبل استحقاقه فلم يكن له الرجوع بعد استحقاقه كما لو تعجل دينًا مؤجلًا.
والثاني: أن هبتها للصداق يجعلها كالمنكوحة بغير صداق فلم يستحق عليها رجوعًا بالطلاق. - إذا قلنا بالقول الثاني: إنه يرجع عليها بنصفه فوجهه شيئان:
أحدهما: أنه عاد الصداق إليه بغير السبب الذي استحق الرجوع به فلم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كما لو ابتاعه.
والثاني: أنها لو وهبت له غير الصداق لم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كذلك إذا وهبت له الصداق لأن جمع ذلك مال لها.
فصل: فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل: له الرجوع فسواء كافأها على الهبة أم لا فلا يرجع عليها بنصف قيمة الصداق إن لم يكن له مثل وبنصف مثله إن كان له مثل.
وإن قيل: لا رجوع وكان قد كافأها على هبته ففي رجوعه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في وجوب المكافأة: أحدهما: لا يرجع إذا قيل.
إن المكافأة لا تجب.
والثاني: يرجع إذا قيل: إن المكافأة تجب.
فصل: وإن كان الصداق دينًا فعلى ضربين: أحدهما: أن تهبه للزوج بعد قبضه منه فيكون في حكم الصداق إذا كان عينًا فوهبتها له في أن رجوعه يكون على قولين.
والثاني: أن تبرئه منه قبل قبضه فإذا قيل: لا يرجع في الهبة فأولى أن لا يرجع مع الإبراء وإذا قيل: يرجع مع الهبة ففي رجوعه مع الإبراء قولان.
ومن أصحابنا من خرج في رجوعه عليها مع الهبة والإبراء ثلاثة أقاويل:
الجزء: 9 - الصفحة: 498
أحدهما: يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت.
والثاني: لا يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت.
والثالث: يرجع عليها إن وهبت ولا يرجع عليها إن أبرأت.
والفرق بين الهبة والإبراء: أن الهبة تصرف الإثراء إسقاط وهذه للطريقة أولى.
فعلى هذا لو كان بعض صداقها عينًا وبعضه دينًا فوهبت له العين وأبرأته من الدين أجرى على العين حكم الهبة في جواز الرجوع وعلى الدين حكم الإبراء في عدم الرجوع.
وعلى هذا: لو وهبت له الصداق إن كان عينًا أو أبرأته منه إن كان دينًا ثم ارتدت قبل الدخول فملك الرجوع عليها بجمع صداقها.
كان في رجوعه عليها بجميعه ثلاثة أقاويل كما يرجع عليها في الطلاق بنصفه:
أحدها: لا يرجع بشيء في الهبة والإبراء.
والثاني: يرجع عليها بجميعه في الهبة والإبراء.
والثالث: يرجع عليها بجميعه في الهبة ولا يرجع بشيء في الإبراء.
فصل:
ويتفرع على ما ذكرنا: أن يبتاع الرجلان سلعة ويهب البائع للمشتري ثمنها ثم تستحق السلعة من مشتريها ففي رجوعه على البائع بثمنها وجهان مخرجان من القولين في رجوع الزوج.
وهكذا لو وجد المشتري بالسلعة عيبًا ففي رجوعه بأرشه وجهان:
أحدهما: لا رد ولا أرش.
والثاني: له الرد والرجوع بالثمن فإن تعذر الرد رجع بالأرش.
ولكن لو أن مشتري السلعة وهبها لبائعها ثم فلس هذا المشتري فللبائع أن يضرب بالثمن مع غرماء المشتري قولًا واحدًا بخلاف ما تقدم لأنه استحق غير ما وهب له.
ويتفرع على ما ذكرنا: أن يكاتب السيد عبده على مال ثم يبرئه فقد عتقه بالإبراء كما يعتق بالأداء فهل يلزم السيد أن يؤتيه بعد الإبراء ما كان يلزمه أن يرده عليه بعد الأداء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه لأنه ما استأدى منه شيئًا.
والثاني: يلزمه لأن الإبراء يقوم مقام الأداء، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وكذلك إن أعطاها نصفه ثم وهبت له النصف الآخر ثم طلقها لم
الجزء: 9 - الصفحة: 499
يرجع بشيء ولا أعلم قولا غير هذا إلا أن يقول قائل هبتها له كهبتها لغيره والأول عندنا أحسن والله أعلم ولكل وجه قال المزني: والأحسن أولى به من الذي ليس بأحسن.
والقياس عندي على قوله ما قال في كتاب الإملاء إذا وهبت له النصف أن يرجع عليها بنصف ما بقي".
قال في الحاوي: وصورتها: أن تهب له نصف صداقها ثم يطلقها قبل للدخول ففي رجوعه عليها أربعة أقاويل:
أحدهما: لا يرجع عليها بشيء ويكون ما وهبته من نصفه هو المستحق بطلاقه.
والثاني: أنه يرجع عليها بجميع النصف الباقي ويكون النصف المملوك بالهبة كالمملوك بالابتياع.
والثالث: أن يرجع عليها ينصف الموجود وهو الربع وبنصف قيمة الموهوب وهو الربع.
الرابع: أنه يرجع عليها بنصف الباقي وهو الربع ولا شيء له سواه وكأن الموهوب لم يكن صداقًا بعوده إليه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن خالفته بشيء مما عليه من المهر فما بقي فعليه نصفه.
قال المزني: هذا أشبه بقوله لأن النصف مشاع فيما قبضت وبقي".
قال في الحاوي: وهذه المسألة من الخلع أوردها المزني في هذا الموضع من الصداق لأمرين:
أحدهما: أنه خلع على الصداق فأوردها فيه.
والثاني: ليفرق بها بين ما عاد من الصداق إلى الزوج بالهبة وبين ما عاد إليه بالخلع.
والخلع: عقد تملك به الزوجة نفسها ويملك به الزوج مال خلعها كالنكاح الذي يملك به الزوج يضعها وتملك الزوجة به صداقها إلا أن الزوجة في الخلع تقوم مقام الزوج في النكاح لأنها تملك بالخلع بضع نفسها كما ملك الزوج بالنكاح يضعها والزوج في الخلع يقوم مقام الزوجة في النكاح لأنه يملك بالخلع البدل كما ملكت الزوجة بالنكاح المهر.
فإذا خالع الرجل زوجته على صداقها فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون بعد الدخول فالخلع جائز سواء خالعها بجميع الصداق أو
الجزء: 9 - الصفحة: 500
ببعضه لأنه استقر لها جميعه بالدخول فخالعته على ما قد استقر ملكها عليها.
والثاني: أن يخالعها فإن الزوج يملك من الصداق بطلاقه في غير الخلع نصفه ويبقى عليه نصفه لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول من جهة الزوج سقط عنه نصف الصداق ولو وقعت من جهة الزوجة سقط عنه جميع الصداق.
والفرقة في الخلع وإن تمت بهما فالمغلب فيها الزوج دونها لأنه قد يجوز أن يخالعها مع غيرها ولا يجوز أن تخالعه مع غيره وإن كان كذلك فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يخالعها على جميع الصداق وهذا يأتي في كتاب الخلع.
والثاني: أن يخالعها على بعضه وهو المسطور هاهنا فإن أصدقها ألفًا وخالعها قبل الدخول على نصفها وهو خمسمائة.
قال الشافعي: فما بقي فعليه نصفه وهو مئتان وخمسون ونصفها يملكه بطلاقه والنصف الباقي من الصداق وهو خمسمائة يملك نصفه بطلاقه وهو مئتان وخمسون ويبقى عليه نصفه وهو مئتان وخمسون يسوقه إليها.
وقد كان الظاهر يقتضي أن يملك جميع النصف بالخلع ويملك النصف الآخر بالطلاق قبل الدخول فلا يبقى عليه من الصداق شيء.
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي علي بن خيران أن المسألة مصورة أنه خالعها على نصف الألف وهو خمسمائة وهما يعلمان أن يسقط بالطلاق نصفها ويبقى الخلع نصفها فصار كأنه خالعها من الخمسمائة على ما يملكه ممنها بعد الطلاق وهو مئتان وخمسون مملك تلك الخمسمائة بخلعه أو طلاقه ويبقى لها عليه خمسماءة ملك الزوج نصفها بطلاقه وذلك مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فصار ثلاثة أرباع الصداق وهو سبعماءة وخمسون ساقطًا عن الزوج النصف بالطلاق والربع بالخلع وبقي عليه: الربع للزوجة وهو مئتان وخمسون فقيل لابن خيران: فعلى هذا ما تقول فيمن باع عبده وعبد غيره بألف وهما يعلمان أن أحد العبدين مغصوب؟
قال: يصح البيع في العبد المملوك بجميع الألف ويكون ذكر المغصوب في العقد لغوًا كما قال في الخلع.
والثاني: أن المسألة مصورة على أنها خالعته على ما يسلم لها بعد الطلاق من خمسمائة وصرحت به لفظًا في العقد ولو لم تصرح به لم يكن عليهما به مقنع فيسقط عنه جميع الخمسمائة بالخلع والطلاق ويسقط عنه نصف الخمسمائة الأخرى بالطلاق ويبقى عليه نصفها وهو مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فيكون الجواب موافقًا لجواب ابن خيران إذا صرحا بما علماه ومخالفًا له إن لم يصرحا به وإن علماه.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد المروروزي:
الجزء: 9 - الصفحة: 501
أن المسألة مصورة على إطلاقها لذلك في خالعها هي نصف الألف وقد كانت وقعت العقد مالكة لجميع فصح الخلع في نصفها ثم سقط نصف الخمسمائة التي خالعها بها بالطلاق فصار كم خالعها على مال تلف نصفه بعد العقد وقبل القبض فيأخذ النصف الباقي.
وفيما يرجع به بدل النصف التالف قولان:
أحدهما: وهو قول القديم يرجع بمثل التالف إذا كان ذا مثل أو بقيمته إن لم يكن له مثل.
وعلى قوله في الجديد: يرجع عليها بنصف مهر المثل فعلى هذا يكون الخلع قد صح على نصف الخمسمائة وهو مائتان وخمسون وبطل في نصفها وهو مائتان وخمسون واستحق بدله على قوله في القديم مثله وهو مائتان وخمسون, وعلى قوله في الجديد نصف مهر المثل.
ثم بقي عليه الصداق وهو خمسمائة وقد سقط عنه نصفه بالطلاق وهو مائتان وخمسون وبقي عليه نصفه مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: وما بقي فعليه نصفه فيصير الباقي عليه مئتان وخمسون وفي الباقي قولان:
أحدهما: وهو القديم مئتان وخمسون.
والثاني: وهو الجديد: نصف مهر المثل.
فيكون الشافعي قد ذكر الباقي عليه ولم يذكر الباقي له.
وهل يكون الباقي عليه قصاصًا من الباقي له أم لا؟ على اختلاف أقاويله فيمن له حال وعليه مثله فإن جعل ذلك قصاصًا: برئا وإن لم يجعله قصاصًا تقابضا.
فإن قيل: هلا قلتم إذا خالعها على نصف الألف أنه يصح الخلع في جميع الصنف لأنه يسلم لها بعد الطلاق النصف كما لو خالعته على نصف ألف بينهما وبين شريك لها أنه يصح في جميع الألف.
قيل: الفرق بينهما: أنها في الصداق قد خالعت على نصفه وهي مالكة بجميعه فإذا سقط بعد الخلع نصفه بالطلاق ولم يتعين حقها من النصف الذي خالعت به دون الباقي فلذلك صار مشتركًا فيها وليس كذلك حالها في الألف المشتركة لأنها لم تملك منها وقت الخلع إلا النصف فانصرف العقد إلى النصف الذي لها ولم يتوجه إلى النصف الذي يشاركها فافترقا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فقد ذكر أصحابنا في صحة الخلع على النصف الصداق وسقوط باقيه بالطلاق ثلاثة طرق يصح بكل واحد منها:
أحدها: أن يخالعها بمثل نصفه في ذمتها فإذا كان صداقها ألفًا في ذمته خالعها على
الجزء: 9 - الصفحة: 502
خمسمائة في ذمتها فإذا طلقها في خلعه بريء من نصف صداقها بطلاقه وبقي عليه نصفه وهو خمسمائة ووجب له عليها ما خالعها به وهو خمسمائة فصار له مثل ما بقي لها فيتقضان أو يتقابضان أو يتباريان.
والثانية: أن يخالعها على ما يسلم لها من صداقها والذي يسلم لها بالطلاق قبل الدخول نصف الصداق ويكون هو المعقود عليه الخلع فيبرأ من جميع نصفه بما يملكه من الطلاق ونصفه بما ملكه من الخلع.
الثالثة: ذكرها أبو العباس بن سريج: أنا يخالعها على أن لا تبعة لها عليه في مهرها فيبرأ من جميعه بما ملكه بطلاقه وبخلعه ويضير كأنه قد خالعها على ما يسلم لها من صداقها, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأمَّا في الصَّدَاقِ غَيرَ المُسَمَّى أوِ الفَاسِدِ فَالبَراءَةِ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ لأنَهَا أَبرَأتهُ مِمَّا لا تَعلَمُ.
قَالَ: وَلَو قَبَضَتِ الفَاسِدَ ثُمَ رَدَّتهُ عَلَيهِ كَانَت كَالبرَاءَةُ بَاطِلَةٌ ولَهَا مَهرُ مِثلَهَا إلا أن يَكُونَ بَعدَ مَعرِفَةِ المَرأَةِ أو يُعطِيهَا مَا تَستَيقِنُ أنَهُ أقَلُّ وَتحَلِّلَهُ مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا أو يُعطِيهَا أكثَرَ وَيُحَلِّلُهَا مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا".
قال في الحاوي: اهلم أن إبراء المرأة لزوجها من الصداق معتبر بشرطي الإبراء.
أحدهما: أن يكون بعد وجوب الحق فإن كان قبل وجوبه لم يصح كمن عفي عن الشفعة قبل الشراء لم يصح العفو.
والثاني: أن يكون من معلوم القدر فإن كان الإبراء من مجهول لم يصح وكذلك الضمان لا يصح إلا بهذين الشرطين:
أن يكون بعد وجوب الحق وأن يكون معلوم القدر.
وأسقط أبو حنيفة اعتبار هذين الشرطين في الضمان وجوز الإبراء من المجهول.
وللكلام عليه موضع غير هذا وإذا كان كذلك فالنكاح ضربان:
أحدهما: أن يكون بعد أن فرض لها فيه مهر فالإبراء صحيح لأنها أبرأته من واجب معلوم.
والثاني: أن يكون قبل أن فرض لها فيه مهر فهذا على ضربين:
الجزء: 9 - الصفحة: 503
أحدهما: أن تبرئة قبل الدخول بها فالإبراء باطل لأنها أبرأته مما لم يجب لأن مهر المفوضة لا يجب بالعقد وإنما يجب بالفرض أو الدخول.
والثاني: أن يكون بعد الدخول بها فقد وجب لها مهر المثل فإن علمت قدره صح الإبراء ولم تفتقر إلى القبول على مذهب الشافعي وجمهور أصحابه.
وقال بعضهم: لا يتم إلا بقبول الزوج وهو مذهب أبي حنيفة وإن لم تعلم قدره فالإبراء باطل لأن البراءة من المجهول باطلة.
فصل:
وأما نكاح غير التفويض: وهو أن يسمى فيه مهر فهو على ضربين صحيح وفاسد.
- فأما الصحيح: فالإبراء منه صحيح لأنه إبراء من واجب معلوم.
- وأما الفاسد: فالإبراء منه فاسد لأنه الفاسد لا يجب فصار إبراء من غير واجب والواجب لها في الفاسد مهر المثل فلو سلم الصداق الفاسد إليها فردته عليه هبة له لم تصح الهبة لأنه مال ردته عليه وهي على حقها من مهر المثل فلو أبرأته من مهر المثل روعي علمها بقدره فإن جهلت قدره فالإبراء باطل سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم وإن علمت قدره صح الإبراء سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم لأن قبوله غير معتبر فكان علمه بقدره غير معتبر.
وعلى قول من زعم من أصحابنا أن قبول الزوج معتبر فعلمه بقدره معتبر.
فصل: فلو علما أن مهر مثلها لا ينقص عن عشرة دنانير وجهلت الزيادة عليها فأبرأته من جميعه لم يبرأ من الزيادة على العشرة لأنها مجهولة وفي براءته من العشرة المعلومة وجهان: أحدهما: أنه يبرأ منها لكونها معلومة القدر.
والثاني: لا يبرأ منها لأنها بعض جملة مجهولة فجرى على جميعها حكم الجهالة كما لو ضمن ما يعلم بعضه ويجهل جميعه كان ضمان الجميع باطلًا.
فإن كان مهر مثلها مجهول القدر معلوم الطرفين مثل أن تعلم أنه لا ينقص عن عشرة دنانير ولا يزيد عن عشرين دينارًا فللبراءة منه حالان: حال بالإبراء, وحال بالأداء.
فأما الإبراء: فالطريق إلى صحته أن تقول: قد أبرأتك من دينار إلى عشرين دينارًا فيبرأ لأن العلم بالطرفين يجعل الوسط ماحقًا بهما فلو أبرأته من الزيادة على العشرة إلى العشرين صح وصار ما تستحقه عليه من المهر عشرة دنانير.
فلو قالت: قد أبرأتك من عشرة إلى عشرين برئ من الجميع لأن الحدين يدخلان من المحدود إذا جانساه فالحد الأول: هو المبتدأ منه والحد الثاني: هو المنتهى إليه.
وقال أبو حنيفة: يدخل فيه الحد الأول المبتدأ منه ولا يدخل فيه الحد الثاني
الجزء: 9 - الصفحة: 504
المنتهى إليه فيبرأ من تسعة عشر دينارًا.
وقال زفر بن الهذيل: لا يدخل فيه واحد من الحدين لا المبتدأ منه ولا المنتهى إليه فيبرأ من تسعة دنانير.
والدليل على دخول الحدين فيه وهو قول أبي يوسف: أن "من" حرف لابتداء غاية الشيء و "إلى" حرف الانتهاء غاية الشيء وابتداء الشيء وانتهاؤه طرفاه وطرفا الشيء من جملته فلذلك وجب دخول الحد في المحدود.
وأما الإبراء بالأداء فضربان:
أحدهما: أن يدفع إليها عشرين دينارًا فقد دخل فيها جميع مهرها فبرئ منه عشرة منها متحققة والعشرة الأخرى مشكوكة فتحتاج أن يبرئها من دينار إلى عشرة فيبرئان جميعًا.
والثاني: أن يدفع إليها عشرة فيحتاج أن تكون هي المبرئة له من دينا إلى عشرة فيبرأ حيتئذٍ من جميع مهرها بالأداء والإبراء,
وإذا كان مهرها معلومًا في الذمة فقالت: قد أبرأتك منه إن شئت فقال: قد شئت لم يصح الإبراء.
ولو كانت عينًا قائمة فقالت: قد وهبته لك إن شئت فقال: قد قبلت وشئت, صحت الهبة.
والفرق بينهما: أن الإبراء إسقاط لا يراعى فيه المشتبه كما لا يراعى فيه القبول والهبة تمليك يراعى فيه المشيئة كما يراعى فيه القبول فافترقا.
فصل:
وإذا اعتقدت قبض مهرها منه فقالت: قد أبرأتك من مهري ثم بان أن مهرها كان باقيًا عليه ففي برأته من وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري يبرأ منه لأنهل صادفت حقًا معلومًا.
والثاني: وهو قول الأكثرين: أن لا يبرأ لأنها لم تقصد تصحيح الإبراء بل أوردته لغوًا.
وأصل هذين الوجهين: من باع عبد أبيه ثم بان لأنه كلن وارثًا له وقت بيعه ففي صحة بيعه وجهان.
باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب وإرخاء الستر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "وَلَيسَ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا حَتَّى تُعطِيهَا المَالَ فَإن كَانَ كُلُّهُ دَينًا فَلَهُ الدُّخُولُ بِهَا".
الجزء: 9 - الصفحة: 505
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا امتنعت المرأة من تسليم نفسها لقبض صداقها لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون جميعه حالاً.
والثاني: أن يكون جميعه مؤجلاً.
والثالث: أن يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً.
فأما الأول: وهو أن يكون جميعه حالاً إما بإطلاق العقد أو بالشرط فيكون حالاً بالعقد والشرط تأكيد فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على القبض صداقها كما كان لبائع السلعة أن يمتنع من تسليمها على قبض ثمنها فإن تطوعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق ثم أرادت بعد التسليم أن تمتنع عليه لقبض الصداق فهذا على ضربين:
الأول: أن لا يكون قد وطئها فلها أن تمتنع عليه وإن سلمت نفسها إليه إذا لم يكن قد وطئها لأن القبض في النكاح يكون بالوطء الذي يستقر به كمال المهر دون التسليم وهذا متفق عليه.
والثاني: أن يكون قد وطئها بعد التسليم فليس لها عندنا أن تمتنع عليه.
وقال أبو حنيفة: لها الامتناع بعد الوطء كما كان لها الامتناع قبله احتجاجًا بأن الصداق في مقابلة كل وطء في النكاح لأمرين:
أحدهما: أنه لو كان في مقابلة الأول لوجب للثاني مهر آخر.
والثاني: أنه لو كان في مقابلة الأول لجاز لها أن تمنعه نفسها بعد الول لاستيفاء حقه به.
وإذا ثبت بهذين أنه في مقابلة كل وطء لم يكن لتسليمها لبعض الحق مسقطًا لحقها في منع ما بقي كمن باع عشرة أثواب فسلم أحدها قبل قبض الثمن كان له حبس باقيها كذلك هاهنا.
قال: ولأنها لم تستوف مهرها مع استحقاق المطالبة فجاز لها أن تمتنع من تسليم نفسها قياسًا على ما قبل الوطء.
ودليلنا هو أنه تسليم رضا استقر به العوض فوجب أن يسقط به حق الإمساك قياسًا على تسليم المبيع ولأن أحكام العقد بالوطء اختصت بالوطء الأول وكان ما بعده تبعًا وقد رفع الوطء الأول حكم الإمساك في حقه فوجب أن يرفعه في حق تبعه كالإحلال.
فأما استدلالهم بأن المهر في مقابلة كل وطء: فتقول: قد استبيح به كل وطء لكنه قد استقر بالوطء الأول فقام فيه مقام كل وطء ألا تراها لو ارتدت بعد الوطء الأول لم يؤثر في سقوط المهر وإن لم يستوف كل وطء في النكاح ولو عادت إلى الإسلام حل له وطؤها بالمهر المتقدم.
وأما قياسهم على ما قبل الوطء الأول: فالمعنى في الأصل أنها لم تسلم ما استقر
الجزء: 9 - الصفحة: 506
به المهر فجرى البيع قبل التسليم وليس كذلك بعد الوطء لأنها قد سلمت ما استقر به المهر فجرى مجرى المبيع بعد التسليم.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون صداقها مؤجلاً فيجوز إذا كان الأجل معلومًا لأن كل عقد صح بعين وبدين صح أن] كون معجلاً أو مؤجلاً كالبيع وإذا كان الصداق مؤجلاً فعليها تسليم نفسها وليس لها الامتناع القبض الصداق بعد حلول الأجل لأنها قد رضيت بتأخير حقها وتعجيل حقه فصار كالبيع بالثمن المؤجل يجب على البائع تسليم المبيع قبل قبض الثمن فعلى هذا لو تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل فأرادت الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض الصداق لم يكن لها وإن حلّ لأنها لم تستحق الامتناع عليه بالعقد.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بعض صداقها خالاً وبعضه مؤجلاً فيصح إذا كان قدر الحال منه معلومًا وأجل المؤجل معلومًا ولها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض الحال وليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض المؤجل فيكون حكم الحال منه كلمة لو كان جميعه حالاَ وحكم المؤجل منه كحكمه لو كان جميعه مؤجلاً فلو تراخى التسليم حتى حلّ المؤجل كان لها منع نفسها على قبض المعجل دون ما حلّ من المؤجل.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَتُؤَخَّرُ يَومًا وَنَحوَهُ لِتُصلِحَ أمرَهَا وَلَا يُجَاوزُ بِهَا ثَلاثًا إلَّا أَن تَكُونَ صَغِيرَةٌ لا تحَتَمِلُ الجِمَاعَ فَيَمنَعَهُ أهلَهَا حَتَّى تَحتَمِلَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دفع الزوج صداق زوجته وسألها تسليم نفسها لم يخل حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون صغيرة أو كبيرة.
فإن كانت كبيرة لزمها تسليم نفسها كما يلزم البائع تسليم المبيع بعد قبض ثمنه والمؤجر ما أجر بعد قبض أجرته.
فإن استنظرته لبناء دار أو استكمال جهاز لم يلزمه إنظارها وإن استنظرته لمراعاة نفسها وتعاهد جسدها لزمه انتظارها يومًا ويومين وأكثر ثلاثة أيام, لأن المرأة لا تستفتى مع بعد عهدها بالزوج عن التأهب له بمراعاة جسدها وتفقد بدنها, لو أنها ربما كانت على صفة تنفر نفس الزوج منها.
الجزء: 9 - الصفحة: 507
وقد روى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى إذا أطال الرجل الغيبة أن يطرق أهله ليلاً.
فلما نهى الزوج الذي قد ألفها وألفته على أن يطرقها ليلاً ولم تتأهب له, لأن لا يصادفها على حال تنفر منها نفسه فالزوج الذي لم يألفها ولم تألفه ولم يعرفها ولم تعرفه أولى بالنهي.
وأكثر مدة إنظارها ثلاثة أيام؛ لن لها في الشرع أصلاً وأنها أكثر القليل وأقل الكثير وهذا منصوص الشافعي هاهنا وفي كتاب "الأم" وقال في "الإملاء": "لا تمهل" وليس هذا مخالفًا لما قاله هاهنا, وفي الأم, وإما أراد أنها لا تمهل أكثر من ثلاثة أيام ردًا على مالك في جواز إمهالها السنة.
فصل:
وإن كانت صغيرة فعلى ضربين:
أحدهما: أن يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة تسع أو عشر قد قاربت البلوغ وأمكن استمتاع الزوج بها فهي كالكبيرة لها أن يطالبه وليها بمهرها وعليها تسليم نفسها.
والثاني: أن لا يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة ست أو سبع بحسب حالها فرب صغيرة السن يمكن الاستمتاع بها ورب كبيرة السن لا يمكن الاستمتاع بها فلذلك لم يجده سن مقدرة وإذا كان الاستمتاع بها غير ممكن لم يلزم تسليمها إليه ولم يلزمه تسليم الصداق إليها.
فإن طلب تسليمها إليه ليقوم بحضانتها لم يلزم إليه أيضًا لأنه لا حق له في حضنتها وإنما حقه في الاستمتاع الذي لم يخلق فيها فيستحقه الزوج منها ولأن لا يؤمن أن تغلبه الشهوة على مواقعتها فربما أفضى إلى تلفها ونكايتها.
فلو سأله وليخا وهي صغيرة أن يتسلمها لم يلزمه لأن ما استحقه من الاستمتاع بها لم يخلق فيها ولأنها تحتاج إلى تربية وحضانة لا يلزمه القيام بها ولأنه يلتزم لها نفقة لا يقابلها الاستمتاع والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافَعَيُّ: "وَالصَّدَاقُ كَالدَّينِ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأنه مال ثبت في الذمة بعقد فكان دينًا كالأثمان ومراد الشافعي بأنه كالدين في لزوم الدين وأنه قد يكون حالاً تارة
الجزء: 9 - الصفحة: 508
ومؤجلاً تارة ومنجمًا أخرى وأنه قد يجوز أن يستوثق فيه بالرهن والضمان والشهادة وأن الحوالة به جائزة وأن أخذ العوض عنه سائغ وأنه قد يجوز أن يبتاع فيه العقار وأن الزوج يحبس به إذا امتنع من أدائه وأن الزوجة تضرب به مع الغرماء عند فلسه وتتقدم به على الورثو بعد موته إلى غير ذلك من أحكام الديون المستحقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيسَ عَلَيهِ دَفعُ صَدَاقِهَا وَلَا نَفَقَتِهَا حَتَّى تَكُونَ في الحَالِ الَّتي يُجَامِعُ مِثلهَا ويُخَلَّى بَينَهَا وَبَينَهُ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة من النفقات ذكرها لاتصالها بالصداق وليس يخلو حال الزوجين في استحقاق النفقة والصداق من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يكونا كبيرين.
والثاني: أن يكونا صغيرين.
والثالث: أن يكون الزوج كبيرًا والزوجة صغيرة.
والرابع: أن يكون الزوج صغيرًا والزوجة كبيرة.
فأما القسم الأول وهو: أن يكونا كبيرين: فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم الصداق لتسليم نفسها فأيهما سلم ما في ذمته حكمه أجبر الآخر على التسليم ما في مقابلته وإن أقاما على التمانع فسنذكر حكمه من بعد.
وأما النفقة فلها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تمكنه من نفسها فلا يستمتع بها فلها النفقة.
والثاني: أن يدعوها إلى نفسه فتمتنع بغير حق فلا نفقة لها لأنها ناشز.
والثالث: أن لا يكون منها تسليم ولا منه طلب ففي وجوب النفقة قولان:
أحدهما: لها النفقة.
والثاني: لا نفقة لها.
بناء على اختلاف قوليه في نفقة الزوجة بم تجب؟
قاله في القديم: تجب العقد وتستحق قبضها بالتمكين فعل هذا تجب لها النفقة ما لم يكن منها نشوز.
وقال في الجديد: تجب بالعقد والتمكين معًا فعلى هذا لا نفقة لها لعدم التمكين.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكونا صغيرين: فالتسليم لا يجب على وليها ولو
الجزء: 9 - الصفحة: 509
سلمت لم يجب على ولي الزوج أن يقبلها.
وإن كان التسليم لا يجب فالصحيح أن دفع الصداق لا يجب ومن أصحابنا من أجراه مجرى الثقة في الاستحقاق وفي استحقاق النفقة بين هذين الصغيرين قولان:
أحدهما: وهو القديم: تجب لوجوبها بالعقد.
والثاني: وهو الجديد: لا تجب لوجوبها بالعقد والتمكين فكذلك وجوب تسليم الصداق يكون على هذين القولين:
وهذا الجمع غير صحيح والفرق بينهما أن وجوب الصداق لا يقتضي وجوب دفعه ووجوب النفقة يقتضي وجوب دفعها لأن الصداق في مقابلة عين باقية والنفقة في مقابلة زمان ماض.
فكان له حبس الصداق لبقاء موجبه حتى يصل إليه ولم يكن له حبس النفقة لذهاب موجبها.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كبيرًا وهي صغيرة فليس عليه تسليم صداقها لما ذكرنا من أن تسليمها لا يجب ولو طلبها ولا يستحق عليه لو بذلت له.
فأما النفقة فعلى قوله في الجديد: لا نفقة لهنا لأنها تجب في الجديد بالعقد والتمكين وأما على قوله في القديم: ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنها تجب عليه لوجوبها على القديم بالعقد وحده.
والثاني: لا تجب عليه وإن وجبت بالعقد لأن الاستمتاع متعذر منها بصغرها فجرى مجرى نشوزها.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الزوج صغيرًا وهي كبيرة فهاهنا إن سلمت نفسها وجب على ولي الزوج أن يتسلمها له لتكون معه وإن كان صغيرًا بخلاف الصغيرة التي لا يجب على وليها أن يسلمها إلى الزوج إذا كان كبيرًا لأمور:
أحدهما: أن الاستمتاع المعقود عليه موجود في الكبيرة مفقود في الصغيرة.
والثاني: أن الصغيرة لا يؤمن عليها إذا كان كبيرًا والكبيرة تؤمن على الزوج إذا كان صغيرًا.
والثالث: أن الكبيرة إذا سلمت إلى الصغير أقامت بتربيته فكان عونًا والصغيرة إذا سلمت إلى الكبير احتاج إلى تربيتها فكانت كلا فصار الفرق بينهما من هذه الأوجه الثلاثة.
وإذا لزم بها تسليم الكبيرة إلى الصغير وإن لم يلزم تسليم الصغيرة إلى الكبير فلها المطالبة بصداقها كالكبيرة مع الكبير.
الجزء: 9 - الصفحة: 510
فأما النفقة فعلى قوله في القديم وأنها تجب بالعقد وحده فلها النفقة لوجود العقد وارتفاع النشوز.
وعلى قوله في الجديد: أن النفقة تجب بالعقد والتمكين ففي وجوب النفقة لها وجهان:
أحدهما: لا نفقة لها لعدم التمكين.
والثاني: لها النفقة لأن التمكين منها موجود من الزوج مفقود فصار المنع من جهته لا من جهتها.
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن كَانَت بَالِغَةً فَقَالَ لا أدفَعُ حَتَّى تَدخُلُوهَا وقَالُوا لا تُدخِلُهَا حَتَّى تَدفَعَ فَأيُّهُمَا تَطَوَّعَ أَجبَرتُ الآخَرَ فَإن امتَنَعُوا مَعًا مِما أٌجبَرتُ أَهلَهَا عَلَى وَقتِ يُدخِلونَهَا فِيهِ وَأخَذَت الصَّدَاقِ مِن زَوجِهَا فَإذَا دَفَعتُهُ إليهَا وَجَعلَت لَهَا النَفَقَةَ إذا قَالوا نَدفعَهَا إلَيهِ إذا دَفَعَ الصَّدَاقَ إليَنَا".
قال في الحاوي: اعلم أن للزوجين ثلاثة أحوال:
إحداهن: أن تبدأ المرأة بتسليم نفسها وتمكين الزوج منها فيجوز للزوج إصابتها قبل قبض شيء من صداقها وعلى الزوج تسليم صداقها إليها.
وقال مالك: لا يجوز له إصابتها إلا أن يدفع إليها صداقها أو شيء منه.
وبه قال ابن عباس وقتادة.
قال مالك: وأقل ما يدفعه إليها ليستبيح به إصابتها أقل ما يجوز أن يكون صداقًا وهو ربع دينار.
وهذا فاسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة من الله" وكما لو كان صداقًا مؤجلاً.
والثانية: أن يبدأ الزوج بتسليم الصداق إليها فعليها تسليم نفسها إليه فإن امتنعت صارت ناشزًا ولا نفقة لها.
والثالثة: أن يتمانعا فتقول الزوجة: لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي ويقول الزوج: لا أدفع الصداق حتى تسلمي نفسك ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجبر واحد منهما على التسليم بل تقطع الخصومة بينهما ويتركان فأيهما تطوع بتسليم ما عليه أجر الآخر على تسليم ما في مقابلته وإنما لم يبدأ بإجبار واحد منهما لأن لكل واحد منهما حقًا وعليه حق فلم يكن الحق الذي عليه في البداية باستيفائه منه أولى من الحق الذي له في البداية باستيفائه له فتاوى الأمران فوجب تركهما وقطع التخاصم بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 511
والثاني: أن الحاكم ينصب لهما أمينًا ويأمر الزوج بتسليم الصداق إليه فإذا تسلمه أمر الزوجة بتسليم نفسها إلى الزوج فإذا سلمت نفسها سلم الأمين الصداق إليها لأن الحاكم موضوع لقطع التنازع وفعل الأحوط في استيفاء الحقوق وهذا أحوط الأمور فيها وأقطع للتنازع بينهما.
وهذان القولان في تنازع المتبايعين في التسليم وفي البيع قول ثالث: أنه يجبر البائع على تسليم السلعة ويجبر المشتري على تسليم الثمن.
ولا يجيء تخريج هذا القول الثالث في تنازع الزوجين لأن المشتري يمكن أن يحجر عليه في السلعة حتى يسترجع منه إن امتنع من التسليم الثمن ولا يمكن إذا سلمت الزوجة نفسها أن يمنع منها وربما استهلك بضعها بالدخول قبل تسليم صداقها.
فصل:
فإذا تقرر القولان في تنازع الزوجين فإذا قيل بالقول الأول أنه لا يجبر واحد منهما فلا نفقة للزوجة في مدة امتناعها من تمكين الزوج لأن الزوج على هذا القول لا يلزمه تعجيل الصداق.
فصارت ممتنعة بما لا يستحق تعجيله فجرى عليها حكم النشوز في سقوط النفقة.
وإذا قيل بالقول الثاني: أن الحاكم يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى أمين ينصبه لهما فلها النفقة في مدة امتناعها من تمكينه إلى أن يدفع الصداق إلى الأمين لأنها ممتنعة بحق يجب لها تعجيله فإذا صار الصداق مع الأمين كان امتناعها بعد ذلك سقطًا لنفقتها لأنها ممتنعة بغير حق.
مسألة:
قَالَ الشَّافعيُّ: "وَإن كَانَت نِضوًا أُجبِرَت عَلَى الدُّخُولِ إلَّا أن يَكونَ مِن مَرَضٍ لا يُجَامِعُ فِيهِ مِثلُهَا فَتُمهَلُ".
قال في الحاوي: أما النضوة الخلق فهي الدقيقة العظم القليلة اللحم فإذا كانت المرأة نضوة الخلق فلها حالتان:
إحداهما: أن يكون ذلك خلقة لا يرجى زواله فعليها تسليم نفسها كغيرها من النساء وللزوج أن يستمتع بها بحسب طاقتها ولا ينكأها في نفسها ويؤذيها في بدنها.
وقد كانت عائشة رضي الله عنها خفيفة اللحم ولخفة لحمها رفع هودجها في غزوة المريسيع وقد خرجت منه للحاجة فلم يعلم خروجها منه حتى أدركها صفوان بن المعطل فحملها.
وكان من شلن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه من القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها
الجزء: 9 - الصفحة: 512
وخفة لحمها من شأن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها وخفة لحمها من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فلو كانت النضوة على حد إن وطئها الزوج أتلفها منع من وطئها ولا خيار له قي فسخ نكاحها بخلاف الرتقاء التي يستحق الزوج فيها خيار الفسخ لتعذر وطئها.
والفرق بينهما: أن الرتقاء لا يقدر كل زوج على وطئها فصار المنع مختصًا بها فكان له الخيار والنضوة الخلق يمكن غير هذا الزوج إذا كان مثلها نضوًا أن يطأها فصار المنع منها فلم يكن له الخيار.
والثانية: أن يكون ذلك بحادث من مرض يرجى زواله فلا يلزمها تسليم نفسها زتمهل حتى تصح من مرضها.
والفرق بين أن يكون بحادث مرض وبين أن يكون خلقة وجهين:
أحدهما: أن ما يرجى زواله فالاستمتاع مستحق فيه بعد الصحة فلم يلزمها تسليم نفسها قبل الصحة وما لا يرجى زواله فالاستمتاع فيه مستحق في الحال لأنها حال الصحة فلزمها تسليم نفسها.
والثاني: أن العادة الجارية بتأخير زفاف المريضة إلى حال الصحة فلم يلزمها التسليم قبل الصحة والعادة جارية بتسليم النضوة الخلقة عاجلاً فلزمها التسليم في الحال اعتبارًا بالعادة فيهما.
فعلى هذا إذا منعته من نفسها بالمرض فلا نفقة لها لفوات الاستمتاع بها ولو سلمت نفسها لزمته النفقة كما لو مرضت بعد التسليم وكان لها النفقة لأن المرض الحادث بعد التسليم لا يسقط النفقة وإن منع من الوطء كالحيض.
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن أفضَاهَا فَلَم تَلتَئِم فَعَليهِ دِيتُهَا وَلهَا المَهرُ كَامِلاً وَلَها مَنعُهُ أَن يُصِيبَهَا حَتَّى تَبرأَ البرءَ الذَّي إنِ عَادَ لَم يَنكأَهَا وَلَم يُزِد في جُرحِهَا والقَولُ في ذَلِكَ قَولُها".
قال في الحاوي: وصورتها: في رجل وطأ زوجنه فأفضاها بشدة المبالغة في الإيلاج والإفضاء: وهو أن يتخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول لأن مدخل الذكر في مخرج الحيض والمني فأما البول فخرجه من غيره وبينهما حاجز فإذا بالغ الواطئ في إيلاجه خرق الحاجز بين المخرجين فهذا هو الإفضاء.
ووهم بعض أصحابنا فجعل الإفضاء خرق الحاجز بين السبيلين القبل والدبر حتى يصير السبيلان واحدًا وهذا وهم من قائله.
الجزء: 9 - الصفحة: 513
فإذا أفضى زوجته بوطئه فعليه المهر بالوطء والدية بالإضاء سواء كان البول مستمسكًا أو مسترسلاً وكذلك لو وطأ أجنبية بشبهة أو استكرهها على نفسها فأفضاها كان عليه الدية ومهر المثل ولو طاوعته على الزنا كان دية الإفضاء دون المهر.
وقال أبو حنيفة: إن أفضى زوجته فلا شيء عليه في الإفضاء وعليه المهر بالعقد وإن أفضى أجنبية بوطء شبهة فإن كان البول مسترسلاً فعليه الدية في الإفضاء ولا مهر في الوطء وإن كان البول مستمسكًا فعليه المهر بالوطء وثلث الدية بالإفضاء كالجائفة وإن أفضى أجنبية بوطء إكراه فعليه الدية دون المهر.
وقال مالك: في الإفضاء حكومة.
والكلام مع أبي حنيفة على أن إفضاء الزوجة هدر لا يضمن بأن السراية عن مستحق غير مضمونة كالقطع في السرقة إذا سرى إلى النفس لم يضمن لحدوثه عن مستحق كذلك الإفضاء سرى عن وطء مستحق فوجب أن لا يضمن.
ودليلنا هو أنها جناية تفتك عن الوطء فوجب أن لا يسقط أرشها باستحقاق الوطء كما لو وطئها وقطع يدها وذلك أن المهر يجب بغير ما تجب به الدية لأن النهر عندهم بالخلوة وعندنا بتغيب الحشفة والإفضاء يكون بما زاد على ذلك من المبالغة في الإيلاج فصار الوطء الذي تجب به دية الإفضاء زائدًا على الوطء الذي يجب به المهر فوجب أن يكون لكل واحد منهما حكمه.
وأما استدلالهم: بأنه حادث عن وطء مستحق فوطء الإفضاء غير مستحق لأن الوطء المستحق ما لم يفض إلى التلف فإذا أفضى إلى التلف صار غير مباح فضمن كذلك وطء الإفضاء غير مباح فضمن.
فصل:
وأما مالك فاستدل على أن في الإفضاء حكومة بأن الحاجز بين المخرجين كالحاجز في الأنف بين المنخرين وقد ثبت في الحاجز بين المنخرين إذا قطع حكومة كذلك في خرق الحاجز بين المخرجين حكومة.
ودليلنا: هو أن الحاجز بين المخرجين أعظم منفعة من الشفرين لأن خرق الحاجز يفضي إلى استرسال البول وقطع الشفرين لا يقتضيه ثم ثبت أن في الشفرين الدية فكان في خرق الحاجز أولى أن تجب فيه الدية.
فأما الحاجز بين المنخرين فمخالف للحاجز بين المخرجين لأن هذا عضو بكماله فجاز أن تكمل فيه الدية وذاك بعض عضو فلم تكمل فيه الدية.
الجزء: 9 - الصفحة: 514
فصل:
فإذا تقرر أن في الإفضاء الدية مع المهر فإنما يجب فيه الدية إذا لم يلتحم الحاجز على حاله منخرقًا فأما إن التحم وعاد إلى حاله حاجزًا بين المخرجين فلا دية فيه وفيه حكومة لأنه جانٍ عليه وليس بمستهلك له ولهذا قال الشافعي: ولو أفضاها فلم تلتئم فعليه ديتها فدل على أن التئامه يمنع وجوب ديتها وإذا كان كذلك فالدية إذا وجبت فيه فهي إن عمد ففي حالة وإن أخطأ فعلى عاقلته ثم هو ممنوع من وطئها حتى يندمل جرحها ويبرأ الفرج الذي لا يضرها جماعة فيمكن حينئذٍ جماعها فلو ادعى برأها واندمالها ليطأها وقالت: بل أنا على مرضي لم أبرأ منه ولم يندمل وأنكر ما قالت فالقول قولها مع يمينها ويمنع من وطئها لأمرين:
أحدهما: أن مرضها متيقن وبرئها مظنون.
والثاني: أنه مغيب يمكن صدقها فيه فجرى مجرى الحيض ثم لها النفقة وإن كان ممنوعًا منها كالمريضة, والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَافِعِيُّ: "فَإن دَخَلَت عَلَيهِ فَلم يَمسَّهَا حَتَّى طَلَقَهَا فَلَهَا نِصفُ المَهرِ لِقَول الله تَعَالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فَإنِ احتَجَ مُحتَجٍ بِالأثَرُ عَن عُمَر رضي الله عنه في إغلَاقُ البَابِ وَإرخَاءِ السَّترِ أَنَهُ يُوجِبُ المَهرَ فَمِن قَولِ عُمَرَ مَا ذَنبُهُنَ لو جَاءَ بِالعَجزِ مِن قِبَلُكم؟ فَأخبَرَ أنَّهُ يَجِبُ إذا حَلَّت بَينَهُ وبَينَ نَفسِهَا كَوُجُوبِ الثَّمَنِ بِالقَبضِ وَإن لم يُغلِق بَابًا ولم يرُخِ سِترًا".
قال في الحاوي: وصورتها أن يطلق الرجل زوجته المسمى لها صدقًا معلومًا فلا يخلو حال طلاقه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قبل الدخول بها وقبل الخلوة وليس لها من المهر إلا نصفه وملك الزوج نصفه لقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237].
والثاني: أن يطلقها بعد الدخول يوطء تام تغيب به الحشفة فقد استقر لها جميع المهر الذي كانت مالكة له بالعقد لقوله تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21].
وهذا القسمان متفق عليهما.
والثالث: أن يطلقها بعد الخلوة بها وقبل الإصابة لها فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة مذاهب:
الجزء: 9 - الصفحة: 515
أحدها: وهو قول الشافعي في الجديد والمعمول عليه من مذهبه: أنه ليس لها من المهر إلا نصفه ولا تأثيرة للخلوة في كمال المهر ولا إيجاب عدة.
وبه قال الصحابة: ابن عباس وابن مسعود.
ومن التابعين: الشعبي وابن سيرين ومن الفقهاء: أبو ثور.
والثاني: أن الخلوة كالدخول في كمال المهر ووجوب العدة وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
ومن التابعين: الزهري ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وبه قال الشافعي في القديم.
إلا أن أبي حنيفة يعتبر الخلوة القاممة في الكمال المهر ووجوب العدة بأن لا يكونا محرمين ولا صائمين.
والثالث: أن الخلوة يد لمدعي الإصابة منهما في كمال المهر أو وجوب العدة فإن لم يدعياها لم يكمل بالخلوة مهر ولا يجب بها عدة وهذا مذهب مالك وبه قال الشافعي في الإملاء.
واستدل من نصر قول أبي حنيفة في أن الخلوة تقتضي كمال المهر ووجوب العدة بقوله تعالى: ﴿وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا (20) وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 20 - 21] ولهم من الآية دليلان:
أحدهما: عموم قوله: ﴿فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] إلا ما خصه دليل.
والثاني: قوله: ﴿وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] قال الفراء: معناه وقد خلا بعضكم ببعض لأن الفضاء هو الموضع الواسع الخالي وقول الفراء فيما تعلق باللغة حجة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كشف قناع امرأة فقد وجب لها هذا المهر كاملاً" وهذا نص.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ماذا بهن إن جاء العجز من قبلكم".
وروي عن زرارة بن أوفي أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد دخل بها أو لم يدخل وقد قال النبي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضو عليها بالنواجذ".
الجزء: 9 - الصفحة: 516
ومن القياس: أن النكاح عقد على منفعة فوجب أن بكون التمكين من الن=منفعة بمنزلة استيفائها في استقرار بدلها كالإجازة ولأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد من جهتها فوجب أن يستقر العوض لها أصله: إذا وطئها.
ولأن المهر في مقابلة الإصابة كما أن النفقة في مقابلة الاستمتاع ثم ثبت أن التمكين من الاستمتاع في استقرار النفقة فوجب أن يكون التمكين من الإصابة بمنزلة الإصابة في استقرار المهر.
والدليل على أن الخلوة لا تتعلق بها حكم في كمال المهر ولا وجوب عدة ولا بدء في دعوى قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] والمسيس عبارة عن الوطء الثلاثة معانٍ:
أحدها: أنه المروي في التفسير عن ابن عباس وابن مسعود.
والثاني: أن المسيس كتابة لما يستقبح صريحه وليست الخلوة مستقبحة التصريح فينكى عنها والوطء مستقبح فكني بالمسيس عنه.
والثالث: أن المسيس لا يتعلق به عن المذهبين كمال المهر لأنه خلا بها من غير مسيس كمل عندهم المهر ولو وطئها من غير خلوة كمل عليه المهر ولو مسها من غير خلوة ولا وطء يكمل المهر فكان حمل المسيس على الوطء الذي يتعلق به.
الحكم أولى من حمله على غيره وإذا كان كذلك فقد جعل الطلاق قبل المسيس الذي هو الوطء موجبًا لاستحقاق نصف المهر.
ومن طريق القياس: أنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به المهر كالطلاق قبل الخلوة ولأنها خلوة خلت عن الإصابة فوجب أن لا يكمل بها المهر كالخلوة إذا كان أحدهما محرمًا أو صائمًا فرضًا ولأن ما يوجب الغسل لا يوجب كمال المهر كالقبلة من غير خلوة ولأن الخلوة لما لم يقم في حقها مقام الإصابة لم يقم في حقه مقام الإصابة كالنظر وبيان ذلك أنه لو خلا بها لم يسقط بها حق الإيلاء والعنة ولأن ما لا يثبت به حق التسليم في أحد جنبي العقد لم يثبت به حق التسليم في الجنبة الأخرى قياسًا على تسليم المبيع والمجر إذا كان دون قبضهما حائل ولأن للوطء أحكامًا تختص به من وجوب الحد والغسل وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وسقوط العنة وحكم الإيلاء وإفساد العبادة ووجوب الكفارة واستحقاق المهر في النكاح الفاسد وكماله في الصحيح ووجوب العدة فيهما.
فلما انتفي عن الخلوة جميع هذه الأحكام سوى تكميل المهر والعدة انتفي عنها هذان اعتبارًا بسائر الأحكام.
وتحريره قياسًا: أنه حكم من أحكام الوطء فوجب أن ينتفي عن الخلوة قياسًا على ما ذكرنا.
الجزء: 9 - الصفحة: 517
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أن الفراء قد خولف في تفسير الفضاء فقال الزجاج في "معانيه": أنه الغشيان وقال ابن قتيبة في "غريب القرآن" هو الجماع فكان قول الفراء محجوجًا بغيره.
والثاني: أن الآية التي استدللنا بها مفسرة تقضي على هذا المجمل.
وأما الجواب عن الخبر: فهو أن كشف القناع لا يتعلق به كمال المهر عندنا ولا عندهم فإن جعلوه كناية في الخلوة كان جعله كناية في الوطء أولى.
وأما الجواب عن الأثر عن عمر رضي الله عنه في قوله "ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم" فهو أن يقتضي أن يكون لها المهر مع العجز سواء كانت خلوة أو لم تكن فيكون معناه استحقاق دفعه قبل الطلاق وكذلك الجواب عن حديث زرارة بن أوفي.
وأما الجواب عن قياسهم على الإجازة فمنتقض ممن سلمت نفسها في صوم أو إحرام أو حيض.
فإن قيل: الصوم والإحرام مانع فلم يتم التسليم.
قبل الجب والعنة أبلغ في المنع ولا يمنع من التسليم الموجب لكمال المهر عندهم بالخلوة على أنه وطء في الصيام أو الإحرام لكمل المهر واستقر فجاز أن تكون الخلوة لو أوجبت كمال المهر في غير الإحرام موجبة لكمال الإحرام كالوطء.
على أن صوم التطوع يصير عندهم واجبًا بالدخول فيه ولا يمنع الخلوة فيه من كمال المهر عندهم فكذلك غيره من صوم الفرض.
على أن الإجازة مقدرة بالزمان فجاز أن تستقر الأجرة بالتمكين فيه لتقضيه وليس النكاح مقدرًا بالزمان فلم يستقر المهر فيه بالتمكين إلا بانقضاء زمانه بالموت أو بالوطء في حال الحياة لأنه مقصود بالعقد, وأما قياسهم على الوطء فالمعنى في الأصل استيفاء حقه بالوطء وليس كذلك الخلوة.
وأما استدلالهم بالنفقة: فالجواب عنه أن النفقة مقابلة بالتمكين دزن الوطء ولذلك وجب لها النفقة مع التمكين في الصيام والإحرام وليس كذلك المهر لأنه في مقابلة الوطء لأنهم لا يكملون المهر بالخلوة في حال الإحرام والصيام.
فصل:
واستدل من نصر قول مالك: أن الخلوة يد لمدعي الإصبة من الزوجين بأن الحخلوة في دعوى الإصابة تجري مجرى اللوث في القسامة وذلك موجب لتصديق المدعي فكذلك الخلوة ولأن الإصابة مما يستره الناس ولا يفعلونه فتعذرت إقامة البينة عليها فجاز أن يعمل فيها على ظاهر الخلوة الدالة عليها في قبول قول مدعيها كما يقبل قول المولى في دعوى الإصابة والدليل عليه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى
الجزء: 9 - الصفحة: 518
عليه" فكان على عمومه.
ولأن اختلاف الزوجين في الإصابة لا يوجب ترجح من يدعيها بالخلوة كما لو خلا بها ليلة في بيتها.
فأما استدلاله في ذلك باللوث فغير معتبر في ترجيح الدعوى في الأموال وإن كان معتبرًا في ترجيح الدعوى في الدماء.
وأما قبول المولى في دعوى الإصابة فلأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلم تصدق الزوجة في استحقاق فسخه والأصل هاهنا براءة الذمة وعدم العدة فلم يصدق مدعي استحقاقهما.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَسَوَاءَ طَالَ مَقَامُهُ أو قَصُرَ لَا يَجِبُ المَهرُ والعِدَّةُ إلَّا بِالمَسيسِ.
قَالَ المُزنِيُّ رَحِمَهُ الله: قَد جَاءَ عَن ابنِ مَسعُودٍ وابنَ عَبَاسٍ مَعنَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهوَ ظَاهِرُ القُرآن".
قال في الحاوي: وهذا إنما قال الشافعي ردًا على مالك فإنه زعم أن الخلوة إن كانت في بيت الزوج فالقول معها قول المدعي الإصابة.
وإن كانت في بيت الزوجة فإن طالت حتى زالت الشمة بينهما فالقول قول مدعي الإصابة منهما.
وإن قصرت ولم تزل الحشمة بينهما فالقول قول منكرها استدلالاً بأنه عرف الحكام بالمدينة.
وهذا فاسد لأن الخلوة إن أوجبت كمال المهر استوي حكم طويلها وقصيرها إن تكون في بيته أو بيتها كالإصابة.
وإن لم توجب كمال المهر كانت في جميع أحوالها كذلك وقد تكون الإصابة في قليل الخلوة ولا تكون في كبيرها وقد تكون الإصابة في خلوة بيتها ولا تكون في خلوة بيته.
فلم يكن لهذا التفصيل معنى يوجبه ولا تعليل يقتضيه ولا أصل يرجع إليه وفعل حكام المدينة ليس بحجة إذا لم يقترن بدليل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الزوجين إذا خلوة من أربعة أحوال:
إحداهن: أن يتفقا على الإصابة فيكمل المهر وتجب العدة وتستحق الرجعة إجماعًا على الأقاويل كلها.
والثانية: أن يتفقا على عدم الإصابة.
الجزء: 9 - الصفحة: 519
فعلى قول الشافعي في الجديد والإملاء لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة.
فعلى هذا: لو جاءت بولد لستة أشهر فصاعدًا من وقت العقد وقد اتفقا على أن الإصابة بينهما لحق به الولد لأنها فراس.
وفي استكمال المهر على الجديد والإملاء وجهان:
أحدهما: يستكمل المهر لأن حدوث الولد دليل على تقدم الإصابة.
والثاني: أنه لا يستكمل المهر ولا يكون لها إلا نصفه لجواز أن يكون قد استدخلت فيه فعلقت منه غير إصابة.
فأما على قوله في القديم ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أن المهر كامل والعدة واجبة والرجعة مستحقة اعتبارًا بحكم الخلوة.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة اعتبارًا بعدم الإصابة.
والثالثة: أن تدعي الزوجة الإصابة وينكرها الزوج فقد وجبت عليها العدة بإقرارها على الأقاويل كلها إلا على أحد وجهي قوله في القديم فإما استكمال المهر فعلى قوله في القديم قد استكملته بيمين وعلى قول في الإملاء لا تستكمله إلا بيمين لأنه يجعل الخلوة بدًا.
وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوج مع يمينه وليس لها من المهر إلا نصفه فإن أقامت الزوجة البينة على إقرار الزوج بالإصابة سمعت البينة بشاهد وامرأتين وشاهد يمين لأنها بينة لإثبات مال.
والرابعة: أن يدعي الزوج الإصابة وتنكرها الزوجة فهذه الدعوى منه إنما هي لوجوب العدة واستحقاق الرجعة.
فعلى قوله في القديم: القول قول الزوج بلا يمين.
وعلى قوله في الإملاء: القول قوله مع يمينه ويحكم بوجوب العدة عليها وباستحقاق الرجعة له.
وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوجة مع يمينها ولا عدة عليها ولا رجعة له فأما المهر فقد استكمله على قوله في القديم.
فأما في الجديد والإملاء فليس لها إلا نصفه لكن إن كان في المهر في يدها فليس للزوج استرجاع نصفه لأنه لا يدعيه وإن كان في يد الزوج فليس لها أن تطالبه إلا بنصفه لأنها تنكر استحقاق جميعه.
فلو أقام الزوج البينة على إقرارها بالإصابة لتثبت له الرجعة والعدة سمعت بشاهدين عدلين ولم تسمع بشاهد وامرأتين لأنها على غير مال.
الجزء: 9 - الصفحة: 520
فصل:
وإذا خالع الرجل زوجته المدخول بها على طلقة واحدة بعوض ثم تزوجها في عدتها وطلقها في النكاح الثاني قبل دخوله بها كان لها نصف المهر المسمى في النكاح الثاني:
وقال أبو حنيفة: لها فيه جميع المهر وإن لم يدخل بها استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أنه نكاح قد وجب عليها فيه العدة فوجب أن يكمل لها فيه جميع المهر كالمدخول بها.
والثاني: أن حكم الوطء موجود فيه للحوق ولدها فوجب أن يثبت حكمه في كمال المهر.
ودليلنا في قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وهذا نكاح لم يمسها فيه فوجب أن لا يستحق من المفروض لها إلا نصفه وأنها مطلقة من نكاح لم يصبها فيه فوجب أن ينتصف صداقها كما لو طلقها بعد انقضاء عدتها.
فأما استدلاله بأنها تعتد منه فليس بصحيح لأنها تعتد من الأول دون الثاني لأنها تأتي بباقي العدة دون جميعها.
وأما استدلاله بأن حكم الوطء يلحق ولدها به موجود فيه ففاسد لأن لحوقه بالنكاح الأول دون الثاني لأمرين:
أحدهما: أنها لو وضعته لأقل من ستة أشهر من النكاح الثاني لحق به.
والثاني: أنه إن لم يتزوجها بالعقد الثاني وجاءت بولد لأقل من أربع سنين من فراق النكاح الأولى لحق به.
والله اعلم.
باب المتعة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "جَعَلَ اللهُ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ المَهْرِ".
قال في الحاوي: أما النفقة فما قدمناه من المال المستحق بالفرقة في النكاح مأخوذ من المتاع وهو كل ما استمتع به من المنافع ومنه قول الشاعر:
وَكُلُّ عِمَارَةٍ مِنْ حَبِيبٍ لَهَا بِكَ لَوْ لَهَوْتَ بِهِ مَتَاعُ
والكلام في هذه المسألة يشتمل على الطلاق الذي يستحق به المتعة والطلاق ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم يوجب المتعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 521
وقسم لا يوجبها.
وقسم مختلف فيه.
فأما القسم الذي يوجب المتعة فهو طلاق المفوضة التي لم يسلم لها صداق ولا فرض بها بعد العقد صداق إذا طلقت قبل الدخول فلا ينصف لها صداق وليس لها إلا متعة على ما قدمنا بيانها قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] فجعل لها المتعة إذا لم يكن لها مهر ولم يدخل بها وهذه المتعة واجبة واستحبها مالك ولم يوجبها لقول الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] وقد مضى عليه من الكلام ما أقنع مع ظاهر ما تضمنته الآية من الأمر لها المتعة لخلا بضعها من بدل فصارت كالموهوبة التي خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته ولأنها قد ابتذلت بالعقد الذي لم تملك له بدلًا فاقتضى أن تكون المتعة فيه بدلًا لأنه لا تصير مبتذلة بغير بدل.
وأما القسم الذي لا يوجب المتعة فهو الطلاق قبل الدخول لمن سمى لها مهر بالعقد أو فرض لها مهر قبل الطلاق وبعد العقد فلها نصف المهر المسمى أو المفروض ولا متعة لها لقول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] فلم يجعل لها إلا نصف المهر ولأنها قد ملكت نصف المهر بما ابتذلت به من العقد فلم يجعل بها غيره لئلا يجمع بين بدلين ولأن طلاقها قبل الدخول قد أسقط شعر مهرها فلا معنى لأن تستحق به متعة فوق مهرها.
والقسم المختلف فيه هو الطلاق بعد الدخول لمن سمي لها مهرًا أو لم يسم فلها المهر المسمى أو مهر المثل إن لم يكن مسمى وفي وجوب المتعة قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة: لا متعة لها لأن الله تعالى أوجب المتعة بشرطين هما: عدم المهر وعدم الدخول فلم يجزأن يجب لفقدهما ولأنه نكاح لم يخل من عوض فلم يجب فيه متعة كالمطلقة قبل الدخول إذا كان لها مهر سمي ولأنه لما لم يجب لها متعة إذا استحقت نصف المهر فأولى أن لا يجب لها متعة إذا استحقت جميع المهر ولأن استحقاق المتعة لأن لا تصير مبتذلة بغير عوض وقد صارت إلى عوض فلم يجمع لها بين عوضين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: لها المتعة لقوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] فكان على عمومه إلا ما خصه الدليل في المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى.
فإن قيل: فهذه الآية مجملة فسرها قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236].
قيل: حمل الآيتين على عموم وخصوص أولى من حملها على مجمل ومفسر لأن العموم يمكن استعماله بنفسه والمجمل لا يمكن استعماله بنفسه ولقوله تعالى في أزواج
الجزء: 9 - الصفحة: 522
النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] وفيه تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن وقد كن كلهن مدخولًا بهن فدل على وجوب المتعة للمدخول بها ولأنه إجماع الصحابة أن المتعة لكل مطلقة إلا التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر.
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف ولأنه طلاق لم يسقط به شيء من المهر فجاز أن تجب لها المتعة كالمطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.
ولأن استكمال المهر في مقابلة الدخول بدليل استحقاقه بوطئ الشبهة فاقتضى أن يستحق في مقابلة العقد الذي ابتذلت به بدل وهو المتعة.
ولأن النكاح الصحيح أغلظ من النكاح الفاسد في استحقاق العوض بدليل أنها في النكاح الصحيح تستحق بالطلاق فيه قبل الدخول من العوض ما لا يستحقه في النكاح الفاسد فوجب أن تستحق بالطلاق فيه بعد الدخول من المتعة مع مهر ما لا يستحقه في النكاح الفاسد.
ولو سقطت المتعة وقد استويا في المهر لم يتغلظ في العوض فإذا تقرر توجيه القولين فعلى القديم منهما لا متعة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى.
وعلى الجديد المتعة واجبة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول ولها مهر مسمى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَالمُتْعَةُ عَلىَ كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ إِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ يَتِمُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُخَالِعَ أَوْ يَمْلِكَ أَوْ يُفَارِقَ وَإِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلا مَهْرَ أَيْضًا لأَنَّها لَيْسَتْ بِمُطَلَّقَةٍ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا سِيِّدُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهُوَ أَفْسَدَ النِّكَاحَ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا مِنْهُ فَأَمَّا المُلَاعَنَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْهَا وَلأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَهِيَ كَالمُطَلَّقَةِ وَأَمَّا امْرَأَةُ العِنِّينِ فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعْهُ وَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: عِنْدِي غَلَظٌ عَلَيْهِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ لَا حَقَّ لَهَا لأَنَّ الفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا دُونَهُ".
قال في الحاوي: أعلم أن المتعة لا يختلف وجوبها باختلاف الأزواج والزوجات فهي على كل زوج من حر وعبد مسلم وكافر ولكل زوجة من حرة أو أمة مسلمة أو كافرة.
وقال الأوزاعي: إذا كان الزوجان مملوكين أو أحدهما فلا متعة بينهما: وهذا فاسد لعموم قوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] ولأن المتعة وجبت لتكون المطلقة مفارقة للموهوبة فاقتضى أن يستوي فيها الأحرار والعبيد كما يستوي في حظر الموهوبة
الجزء: 9 - الصفحة: 523
حال الأحرار والعبيد فإذا ثبت أنه يستوي فيها كل زوج مع كل زوجة انتقل الكلام إلى تفصيل الفرقة التي تستحق به المتعة والفرقة الواقعة بين الزوجين تنقسم إلى خمسة أقسام:
أحدها: أن تكون بالموت.
والثاني: أن تكون من الزوج.
والثالث: أن تكون من الزوجة.
والرابع: أن تكون منهما.
والخامس: أن تكون من أجنبي غيرهما.
فأما القسم الأول: وهو أن تكون الفرقة بالموت فلا متعة فيها سواء كانت بموت الزوج أو بموت الزوجة سواء توارثا أم لا؟ لأن الله تعالى أوجبهما للمطلقة لأن قطع عصمتها وهذا المعنى معدوم في الوفاة وهكذا لو وقعت الفرقة بميراث عن وفاة بأن تكون الزوجة أمة فيرثها الزوج أو يكون الزوج عبدًا فترثه الزوجة فقد وقعت الفرقة بينهما لأن أحد الزوجين لا يصح أن يملك صاحبه وإذا وقعت الفرقة بينهما بالتوارث فلا متعة لأنها عن الموت حدثت ولأنه إن كان الزوج هو الوارث لها فهي أمته والأمة لا تملك في ذمة سيدها مالًا فلم يجب لها عليه متعة وإن كانت الزوجة هي الوارثة له فقد صار عبدًا لها والسيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلم يجب لها عليه متعة.
وأما القسم الثاني: وهو أن تكون الفرقة من الزوج دونها فخمس فرق:
أحدها: الطلاق وهو موجب للمتعة على ما مضى.
والثاني: باللعان لأنه وإن تم بهما فالفرقة واقعة بلعان الزوج وحده فهو كالطلاق في استحقاق المتعة به، ولأن الفرقة به أغلظ من الفرقة بالطلاق لتأييدها فكانت بوجوب المتعة أحق.
والثالث: الردة وهو أن يرتد عن الإسلام فتقع الفرقة بردته فتكون كالفرقة بالطلاق في استحقاق المتعة لأنها لما وجبت بالطلاق المباح كان وجوبها بالردة المحرمة الأولى.
والرابع: الإسلام هو أن يسلم الزوج دونها فتبين بإسلامه فلها المتعة كالطلاق لأنها لما وجبت عليه بفرقة كفره كان وجوبها بفرقة إسلامه أولى.
والخامس: الفسخ بالعيوب فإن كان ذلك رفعًا للعقد لتقدمه عليه فلا متعة فيه لأنه لما أسقط المهر كان بإسقاطه المتعة أولى وإن كان ذلك قطعًا للعقد بحدوثه بعدة فهو وجوب المتعة كالطلاق لأنه لما لم يسقط به المهر لم تسقط به المتعة.
وأما القسم الثالث أن تكون الفرقة من جهتها دونه فلا متعة فيها وإن تنوعت لأنه لما كان فسخها مسقطًا لصداقها فأولى أن يسقط متعتها وهذه الفرقة قد تكون من ستة أوجه:
أحدها: بردتها.
الثاني: بإسلامها.
الجزء: 9 - الصفحة: 524
والثالث: بأن تجد فيه عيبًا فتفسخ نكاحه.
والرابع: أن تعتق زوجها عبد فتختار فسخ نكاحه.
والخامس: بأن يعسر الزوج بنفقتها فتختار فسخ نكاحه.
والسادس: بأن تظهر فيه عنة فيؤجل لها ثم تختار فسخ نكاحه بها ألا أن المزني حكي عن الشافعي في هذا الموضع أنه قال: وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه ولها عندي متعة قال المزني: وهذا عندي غلط عليه وقياس قوله لا حق لها أن الفرقة من قبلها دونه.
وهذا وهم من المزني في النقل واستدراك منه في الحكم لأن الشافعي قد قال في كتاب الأم وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه فليس لها عندي متعة فسها الكاتب في نقله فأسقط قوله: "فليس" ونقل ما بعده فقال: فلها عندي متعة وتعليل الشافعي يدل على السهو في النقل لأنه قال: فلو شاءت أقامت معه فقد بين أن الفرقة من جهتها والفرقة إذا كانت منها أسقطت متعتها.
وأما القسم الرابع: وهو أن تكون الفرقة من جهتها فهو على ضربين:
أحدهما: أن يغلب فيه جهة الزوج.
والثاني: أن يغلب فيه جهة الزوجة.
فأما ما يغلب فيه جهة الزوج فشيئان:
أحدهما: الخلع لأنه تم بهما إلا أن المغلب فيه الزوج لأن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد يصل إلى الخلع عنها مع غيرها.
والثاني: أن يملكها طلاق نفسها أو يجعل ذلك إلى مشيئتها فتطلق نفسها وتشاء طلاق نفسها فتقع الفرقة بهما إلا أن جهة الزوج أغلب للأمرين المتقدمين وهو أن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد كان يقدر أن يجعل طلاقها إلى غيرها أو أن تعلقه بمشيئة غيرها فيكون في حكم الطلاق إذا انفرد الزوج بإيقاعه في وجوب المتعة به على ما فصلنا.
وأما ما يغلب فيه جهة الزوجة فهو أن تكون أمة فيبتاعها الزوج من سيدها فقد وقعت الفرقة من جهتها لأنها تمت ببيع السيد وابتياع الزوج والسيد من جهتها فظاهر نص هذا الموضع أنه لا متعة لها وقد نص عليه في القديم وقال في الإملاء: لها المتعة فاختلف أصحابنا فذهب أكثرهم إلى تخريج ذلك على قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في القديم والمشار إليه في هذا الموضع أنه لا متعة لها لأن السيد في هذا الموضع بمنزلة الزوج في الخلع فاقتضى أن يغلب جهة السيد هاهنا في سقوط المتعة كما يغلب في الخلع جهة الزوج في وجوب المتعة ولأن السيد قد كان يصل إلى بيعها من غيره فصار اختياره للزوج اختيار للفرقة.
والثاني: وهو المنصوص عليه في الإملاء لها المتعة لأن البائع والمشتري يتساويان في وقوع العقد بهما وقد اختص الزوج بمبائرة العقد دونها فاقتضى أن يترجح حاله في
الجزء: 9 - الصفحة: 525
وجوب المتعة عليها وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنصه في القديم وفي هذا الموضع على أنه لا متعة لها محمول على أن المستدعى للبيع هو السيد فغلبت جهته في سقوط المتعة ونصه في الإملاء أن لها المتعة محمول على أن المستدعى للبيع هو الزوج فغلبت جهته في وجوب المتعة.
وأما القسم الخامس: وهو أن تكون الفرقة من غيرهما وهو أن تكون زوجته صغيرة فترضعها أمه أو بنته فتحرم عليه فتكون هذه الفرقة كالطلاق لأنها تملك بها نصف مسمى فوجب أن تستحق المتعة عند عدم المسمى وترجع بالمتعة على التي حرمتها كما ترجع عليها بصداقها والله أعلم.
فرع
وإذا تزوج امرأة وأصدقها أن تعتق عبده سالمًا عنها صح الصداق وعليه عتقه عنها لأن المعاوضة على هذا العق جائزة فلو أعتقه ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمته ولو طلقها قبل الدخول وقبل عتقه عنها فقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين:
أحدهما: أنه يعتق عنها نصفه ويقوم عليها نصفه الباقي إن كانت موسرة لأن عتق نصفه كان باختيارها فلذلك وجب تقديم باقيه عليها.
والثاني: أنه لا يعتق عنها شيء منه لما فيه من إدخال الضرر عليها في التقويم وإدخاله على العبد وعلى السيد في التبعيض وترجع الزوجة عليه ببدله وفيه قولان:
أحدهما: قيمة نصف العبد.
والثاني: نصف مهر مثلها ليرفع ذلك الضرر عن الجميع.
فرع
وإذا أصدق الذمي الذمية الخمر في يد الزوج خلًا بغير علاج وأسلم الزوجين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يصير الخمر خلًا قبل إسلامهما فعليه أن يدفعه إليها بعد مصيره خلًا.
والثاني: أن يصير خلًا بعد إسلامها فلا يلزمه دفعه خلًا إليها ويدفع إليها مهر مثلها.
والفرق بينهما أنه قبل الإسلام يجوز دفعه خمرًا فلذلك وجب دفعه بعد مصيره خلًا لبقاء حكم الصداق عليه وبعد الإسلام لا يجوز دفعه خمرًا فلم يجب دفعه بعد مصيره خلًا لانتفاء حكم الصداق عنه فلو دفع الخمر إليها في الشرك ثم أسلما وطلقها الزوج قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف الخمر لأن الخمر لا يستحقه ولا بقيمته لأننا لا نحكم له بقيمته ولا ببدله لأن ما لا قيمة له لا بدل له فلو كان الخمر قد صار خلًا قبل طلاقه ففي رجوع الزوج بنصفه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 526
أحدهما: يرجع بنصف الخل لأن عين الصداق موجودة على صفة يجوز أن يملك معها.
والثاني: أنه لا يجوز أن يرجع بنصفه لزيادته على حال ما أصدق ولا يرجع بقيمة الخمر لأنها لا تجوز فلا يرجع بشيء في هذا الطلاق ولا فرق هاهنا بين أن يصير خلًا قبل إسلامها أو بعده لاستقرار ملكها عليه بالقبض ولكن لو صار خلًا بعد الطلاق لم يرجع عليه بنصفه وجهًا واحدًا لكونه وقت طلاقها غير مستحق ولو صار قبل طلاقها فاستهلكه ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف قيمة الخل وجهًا واحدًا ولا يكون له عليها شيء لأن ما يرجع الزوج به من قيمة الصداق معتبر بأقل أحواله من وقت العقد إلى وقت القبض ولو كان في هذه الأحوال مما لا قيمة له.
فرع
وإذا زوج الرجل عبده بامرأة وجعل رقبته صداقها فإن كانت الزوجة حرة فالنكاح باطل لأن تصحيح النكاح يجعلها مالكة لزوجها وإذا ملكت المرأة زوجها بطل النكاح.
فإذا قيل: فهلا صح النكاح وبطل الصداق.
قيل: لأن هذا العقد أوجب أن يكون الزوج مالكًا لبضعها بالنكاح وأن تكون الزوجة مالكة لرقبته بالصداق وليس إثبات أحدهما بأولى من النكاح الآخر فبطلا جميعًا وإن كانت الزوجة أمة صح النكاح والصداق جميعًا لأنه يصير بهذا العقد ملكًا لسيد زوجته وليس يمتنع أن يكون الزوجان في ملك سيد واحد فلو أن العبد والمسألة بحالها طلق زوجته الأمة قبل الدخول ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع سيده المزوج له بنصفه.
والثاني: لا يرجع بشيء وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا فيمن أصدق عن عبده مالًا ثم طلق العبد قبل الدخول وقد باعه سيده فهل يكون نصف الصداق ملكًا لسيده الأول الذي بذله عنه أو لسيده الثاني الذي طلق وهو في ملكه على وجهين ذكرناهما في كتاب النكاح وبالله التوفيق.
باب الوليمة والنثر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "الوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ العُرْسِ وَكُلُّ دَعْوَةٍ عَلَى إِمْلَاكٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ حَادِثِ سُرُورٍ فَدُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ فَاسْمُ الوَلِيمَةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا وَمَنْ تَرَكها لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ لأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الوَلِيمَةَ عَلَى عُرْسٍ وَلَا أَعْلَمُهُ، أَوْلمَ عَلَى غَيْرِهِ وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيِّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي سَفَرٍ بِسَويقٍ وَتَمْرٍ.
وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
الجزء: 9 - الصفحة: 527
قال في الحاوي: وأما الوليمة فهي إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله والولائم ست:
وليمة العرس: وهي الوليمة على اجتماع الزوجين.
ووليمة الخرس: وهي الوليمة على ولادة الولد.
ووليمة الإعذار: وهي الوليمة على الختان.
ووليمة الوكيرة: وهي الوليمة على بناء الدار قال الشاعر:
كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَه الخُرْسُ وَالإِعْذَارُ وَالوَكِيرَه
ووليمة النقيعة: وهي وليمة القادم من سفره وربما سموا الناقة التي تنحر للقادم نقيعة، قال الشاعر:
إِنَّا لًَنَضْرِب بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَهُمْ ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ
ووليمة المأدبة: هي الوليمة لغير سبب.
فإن خص بالوليمة جميع الناس سميت جفلى وإن خص بها بعض الناس سميت نقلى قال الشاعر:
نَحْنُ فِي المَشْنَاةِ نَدْعُو الجَفْلَى لَا تَرَى الأدب فِينَا يَنْتَقِر
فهذه الستة ينطلق اسم الولائم عليها، وإطلاق اسم الوليمة يختص بوليمة العرس ويتناول غيرها من الولائم بقرينه؛ لأن اسم الوليمة مشتق من الولم وهو الاجتماع، ولذلك سمي القيد الولم، لأنه يجمع الرجلين فتناولت وليمة العرس لاجتماع الزوجين فيها، ثم أطلقت على غيرها من الولائم تشبيهًا بها، فإذا أطلقت الوليمة تناولت وليمة العرس، فإن أريد غيرها قيل: وليمة الخرس أو وليمة الإعذار، وقد أفصح الشافعي بهذا ثم لا اختلاف بين الفقهاء أو وليمة غير العرس لا تجب.
فأما وليمة العرس فقد علق الشافعي الكلام في وجوبها لأنه قال: "ومن تركها لم يبن لي أنه عاص كما يبين لي في وليمة العرس".
الجزء: 9 - الصفحة: 528
فاختلف أصحابنا في وجوبها على وجهين ومنهم من خرجه على قولين:
أحدهما: أنها واجبة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر الخلوق فقال له: "مهيم" أي ما الخبر- فقال: أعرست، فقال له: "أولمت" قال: لا قال: "أولم بشاة".
وهذا أمر يدل على الوجوب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكح قط إلا أولم في ضيق أو سعة وأولم على صفية في سفره بسويق وتمر، ولأن في الوليمة إعلان للنكاح فرقًا بينه وبين السفاح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف" ولأنه لما كانت إجابة الداعي إليها واجبة دل على أن فعل الوليمة واجب لأن وجو المسبب دليل على وجوب السبب ألا ترى أن وجوب قبول الإنذار دليل على وجوب الإنذار.
والثاني: وهو الأصح أنها غير واجبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنه طعام لحادث سرور فأشبه سائر الولائم، ولأن سبب هذه الوليمة عقد النكاح وهذا غير واجب ففرعه أولى أن يكون غير واجب.
ولأنها وجبت لتقدرت كالزكاة والكفارات ولكان لها بدل عند الإعسار كما يعدل المكفر في إعساره إلى الصيام فدل على عدم تقديرها وبدلها على سقوط وجوبها.
ولأنها لو وجبت لكان مأخوذًا بفعلها حيًا ومأخوذة من تركته ميتًا كسائر الحقوق، وكأن بعض أصحابنا يتوسط في وجوبها مذهبًا معلولًا ويقول: هي من فروض الكفايات إذا أظهرها الواحد في عشيرته أو قبيلته ظهورًا منتشرًا سقط فرضها عمن سواه وإلا خرجوا بتركها أجمعين وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ما وجب من حقوق النكاح تعين كالولي والشاهدين.
والثاني: أن ما تعلق بحقوق الأموال الخاصة عم وجوبه كالزكوات أو عم استحبابه كالصدقات.
والثالث: أن فروض الكفاية مختص بما عم سنته كالجهاد أو ما تساوى فيه الناس كغسل الموتى وهذا خاص معين فلم يكن له في فروض الكفاية مدخل.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من وجوبها أو استحبابها انتقل الكلام إلى ما يلزم المدعو إليها من الإجابة فالظاهر من مذهب الشافعي أن الإجابة إليها واجبة قال بعض أصحابنا: إن الإجابة إليها مستحبة وليست بواجبة لأنها تقتضي أكل الطعام وتملك مال ولا يلزم أحد أن يتملك مالًا بغير اختياره ولأن الزكوات مع وجوبها على الأعيان لا يلزم المدفوعة إليه أن يتملكها فكان غيرها أولى.
الجزء: 9 - الصفحة: 529
والدليل على ما ذهب إليه الشافعي من وجوب الإجابة ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دعي إلى وليمة فلم يجب فلقد عصى الله ورسوله ومن جاءها بغير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أجيبوا الداع فإنه ملهوف".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أهدي إليَّ ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت".
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شر الطعام الولائم يدعى إليه الأغنياء ويحرمه الفقراء والمساكين".
ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
ولأن في الإجابة تآلفًا وفي تركها ضررًا وتقاطعًا.
فصل:
فإذا ثبت أنها واجبة فسواء قيل إن فعلها واجب أو مستحب في وجوب الإجابة إليها لأن رد السلام واجب وإن كان ابتداء السلام غير واجب وهل يكون وجوبها من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية على وجهين:
أحدهما: أنها فرض على كل من دعي إليها أنه يجيب ما لم يكن معذورًا بالتأخير لما قدمناه من الدليل.
والثاني: أنها فروض الكفاية فإن أجاب من دعي من تقع به الكفاية سقط وجوبها عن الباقين وإلا خرجوا أجمعين لأن المقصود من الوليمة ظهورها وانتشارها ليقع الفرق فيها بين النكاح والسفاح فإن وجد مقصودها بمن خص سقط وجوبها عمن تأخر.
فصل:
وإذا كانت الإجابة واجبة على ما وصفنا فلوجوبها شروط تعبير من الداعي والمدعو فأما الشروط المعتبرة في الداعي فستة شروط:
أحدها: أن يكون بالغًا يصح منه الإذن والتصرف في ماله فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته ولم يجز أيضًا لبطلان إذنه ورد تصرفه.
والثاني: أن يكون عاقلًا لأن المجنون لفقد تمييزه أسوأ حالًا من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 530
والثالث: أن يكون رشيدا يجوز تصرفه في ماله فإن كان محجوراً عليه لم تلزم إجابته فلو أذن له وليه لم تلزم إجابته أيضًا لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا لإتلافه.
والرابع: أن يكون حوا لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته.
والخامس: أن يكون مسلما تلزم موالاته في الدين فإن كان الداعي ذمياً لمسلم ففي لزوم إجابته وجهان:
أحدهما: يجب لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحيبوا الداعي فإنه ملهوف".
والثاني: لا تلزم إجابته لأنه ربما كان مستخبث الطعام محرماً.
ولأن نفس المسلم تعاف كل طعامه وأن مقصود الطعام التواصل به واختلاف الدين يمنع من تواصلهما فإن دعا مسلم ذميا لم تلزمه الإجابة وجهاً واحداً لأنه لا يلتزم أحكام شرعناً إلا عن تراض.
والسادس: أن يصرح بالدعاء إما بقول أو مكاتبة أو مراسلة لأن العرف بجميع ذلك جار وصريح الدعاء أن يقول: أسألك الحضور أو يقول: أحب أن تحضر أو إن رأيت أن تجملني بالحضور فتلزمه إجابته بهذا القول كله.
فأما إن قال إن شئت أن تحضر فافعل لم تلزمه إجابته قال الشافعي: "وما أحب أن يجيب".
فإن كاتبه رفعة يسأله الحضور بأحد ما ذكرنا من الألفاظ لزمه الإجابة فإن نقصه في الخطاب لم يكن ذلك عذراً في التأخير وكذلك لو كان بينهما عداوة أو كان في الوليمة عدو لم يكن معذورا في التأخير وأن وأسله برسول وقع في نفسه وصدقه لزمته الإجابة سواء كان حراً أو عبداً فإن كان غير بالغ نظر فيه فإن كان مميزاً لزمته الإجابة بوروده في الرسالة وإن كان غير مميز لم يلزم لأنه لا يحصل ما يقول ولا العادة جاوية أن يكون مثله رسولاً فإن قال الداعي لرسوله: ادع من رأيت من غير أن يعين له على أحد لم يلزم من دعاه الرسول أن يجيب لأنه قد يرى أن يدعو من غيره أحب إلى صاحب الطعام.
فصل:
وأما الشروط التي في المدعو فخمسة شروط:
أحدهما: البلوغ.
والثاني: العقل ليكون بالبلوغ والعقل ممن يتوجه عليه حكم الالتزام.
والثالث: الحرية لأن العبد ممنوع من التصرف بحق السيد فإن أذن له سيده لزمته الإجابة حينئذ وان كان مكاتباً نظر فإن لم يكن حضوره مضراً بكسبه لزمته الإجابة وان كان مضرا لم تلزمه الإجابة إن لم يأذن له السيد وفي لزومها بإذنه وجهان فأما المحجور عليه بالسفه فتلزمه الإجابة كالرشيد.
والرابع: أن يكون مسلما فإن كان ذميا والداعي مسلم فقد ذكرنا أن الإجابة لا تلزمه
الجزء: 9 - الصفحة: 531
وإن كانا ذميين ورضيا بحكمنا أخبرناهم بلزوم الإجابة في ديننا وهل يجبر عليه المدعو أم لا؟ على قولين.
والخامس: أن لا يكون له عذر مانع من مرض أو تشاغل بمرض أو إقامة على حفظ مال أو خوف من عدو على نفس أو مال فإن كل هذه وما شاكلها أعذار تسقط لزوم الإجابة فإن إعتذر بشاة حر أو برد نظر فإن كان ذلك مانعاً من تصرف غيره كان عذراً في التأخير وإن لم يمتنع من تصرف غيره لم يكن عذراً.
وإن إعتذر، بمطر يبل الثوب كان عذراً ولأنه عذر في التأخير عن فرض الجمعة وإن إعتذر بزحام الناس في الوليمة لم يكن ذلك عذراً في التأخير عن الإجابة وقيل: احضر فإن وجدت سعة وإلا عذرت في الرجوح.
فصل:
فإن كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعي في الأيام الثلاثة لزمت الإجابة في اليوم الأول واستحبت في اليوم الثاني ولم تجب وكرهت في اليوم الثالث لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوليمة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف وفي اليوم الثالث رياء وسمعه".
وإذا دعاه اثنان في يوم فإن قدر على الحضور إليهما لزمته إجابتهما وان لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما فإن استويا أجاب أقربهما جوارا فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما وحما، فإن استويا في القرابة أقرع بينهما وأجاب من قرع منهما.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دعاك اثنان فأجب أقربهما باباً فإن أقربهما باباً أقربهما جوارا فإن جاءا معا فأجب اسبقهما".
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ كَانَ المَدْعُوُّ صَاِئماً أَجَابَ الدَّعْوَةَ وَبَرَّكَ وَانْصَرَفَ وَلَيْسَ بِحَتْم أَنْ يَاكُلَ وَأُحِبُّ لَوْ فَعَلَ وَقَدْ دُعِيَ ابْنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا فَجَلَسَ وَوَضَعَ الطَّعَامَ فَمَدُّ يَدَهُ وَقَالَ: "خُذُوا بِسْمِ اللهِ ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ: إِنَّي صَائِمٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان المدعو صائما لزمه الحضور ولم يكن صومه عذرا في التأخير, لرواية عبد الله بن عمر عن نافح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الجزء: 9 - الصفحة: 532
"إذا دعي (أحدكم) إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم".
ولأن المقصود بحضوره التجمل أو التكثر أو التواصل والصوم لا يمنع من ذلك فإذا حضر الصائم لم يخل صومه من أن يكون فرضًا أو تطوعا وان كان صومه فرضا أو تطوعا وإن كان صومه فرضاً لم يفطر ودعا للقوم بالبركة.
وقال: إني صائم وكان بالخيار بين المقام أو الانصراف لما قدمناه من رواية ابن عمر وفعله وان كان صومه تطوعاً فالمستحب له أن يأكل ويفطر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فإن كان تطوعا فليفطر ولا فليصل" أي فليدع ولا يجب عليه الفطر لأنه في عبادة فلم تلزمه مفارقتها ولأن من الفقهاء من يحظر عليه الخروج من صوم التطوع ويوجب عليه القضاء.
فصل:
فأما المفطر إذا حضر ففي وجوب الأكل عليه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يجب عليه الأكل لأنه مقصود بالحضور ولرواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم".
والثاني: أنه لا يجب عليه الأكل وهو فيه مخير لرواية سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحاكم إلى طعام فإن شاء طعم وان شاء ترك ولأن في الأكل تملك قال: فلم يلزمه كالهبة.
والثالث: أن الأكل في الوليمة من فروض الكفايات فإن أكل غيره سقط عنه فرض الأكل وإلا خرج جميع الحاضرين لما في امتناع جميعهم من عدم مقصود وانكسار نفسه وإفساد طعامه.
فصل:
وينبغي لمن حضر الطعام أن يأكل إلى حد شبعه وله أن يقصر عن الشبع ويحرم عليه الزيادة على الشبع لما فيه من المضرة ومخالفة العادة فإن أكل أكثر من شبعه لم يضمن الزيادة وليس له أن يأخذ ما يأكل ليحمله إلى منزله ولا أن يعطيه لغيره ولا أن يبيعه لأن الأكل هو المأذون فيه دون غيره وليس كل من أبيح له الأكل جاز له البيع كالمضحي ولا يجوز إذا جلس على الطعام أن يطعم غيره منه فإن فعل وكان الذي أطعمه من المدعوين لم يضمن وان كان غير مدعو ضمن.
وهكذا ليس له أن يستصحب إلى الطعام من لم يدعه صاحب الوليمة فإن أحضر معه
الجزء: 9 - الصفحة: 533
أحداً فقد أساء والضمان على الآكل دون المحضر والعرب تسمي المدعو ضيفا والتابع ضيفين قال الشاعر:
إِذَا جَاءَ ضَيْفٌ جَاءَ لِلضَّيْفِيْن فأوْدَي بمَا نُقْرِي الضُّيُوفِ الضَّيَافِنُ
فصل:
ويختار له إذا أكل أن يستعمل آداب أكله المسنونة.
فمنها غسل يديه قبل الطعام وبعده ولو توضأ في الحالين كان أفضل.
وروى أبو هاشم عن زاذان عن سلمان قال: قرأت في التوراة: الوضوء قبل الطعام بركة الطعام فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "الوضوء قبل الطعام وبعد الطعام بركة الطعام.
ومنها التسمية على الطعام قبل مد يده والحمد لله بعد رفعها فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأمر به.
ومنها: أن يأكل مما يليه ولا يمد يده إلى ما بعد عنه ولا يأكل من ذروة الطعام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البركة في ذروة الطعام فكلوا من حواليها" وإذا وضع استباح الحاضرون أكله وان لم يؤذن لهم قولا بالعرف وأن ما تقام من الدعاء إذن فيما تأخر من الطعام واختلف أصحابنا متى يستحق الحاضر ما يأكله حتى يصير أملك به من ربه، على ثلاثة أوجه:
أحدهما: إذا أخذ اللقمة من الطعام بيده مار بها أحق وأملك لها لأن حصولها في اليد قبض فلا يجوز أن تسترجع منه.
والثاني: أنه لا يصير أحق بها وأملك لها إلا إذا وضعها في فمه فأما وهي بيده فمالك الطعام أحق بها لأن الإذن في الأكل لا يكون ذلك إلا بعد الحصول في الفم.
والثالث: أن لا يصير أحق بها وأملك إلا بعد مضغها وبلعها لأن الإذن يضمن استهلاكه بالأكل ولا يجلس بعد فراغه من الأكل إلا عن إذن لقول الله تعالى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: (53)].
وروى واصل بن السائب عن أبي سورة وعن عطاء بن أبي رباح قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا حبذا المتخللون من أمتي، قالوا: وما المتخللون؟ قال: المتخللون من الطعام والمتخللون بالماء في الوضوء".
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ فِيهَا المَعْصِيَةُ مِنَ المُسْكِر أَوْ الخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ
الجزء: 9 - الصفحة: 534
المَعَاصِي الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوا ذلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا دعي إلى وليمة وفيها خمور أو ملاهي أو ما أشبه ذلك من المعاصي فلا يخلو أن يكون عالما به قبل حضوره أو غير عالم فإن علم به قبل حضوره فله حالتان:
أحدهما: أن يقدر على إنكاره وإزالته فواجب عليه أن يحضر لأمرين:
أحدهما: لإجابة الداعي.
والثاني: لإزالة المنكر.
والحالة الثانية: أن لا يقدر على إزالته ففرض الإجابة قد سقط وأولى أن لا يحضر وفي جواز حضوره وجهان:
أحدهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز لما في حضوره من مشاهدة المنكر والريبة الداخلة عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
والثاني: يجب له الحضور وان كره له لأنه ربما أحشمهم حضوره فكفوا واقصروا وقد حكي أن الحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي دعيا إلى وليمة فسمعا منكراً فقام محمد لينصرف فجذبه الحسن وقال: اجلس ولا يمنعك معصيتهم من طاعتك.
وإن لم يعلم بما في الوليمة من المعاصي فعليه الإجابة ولا يكون خوفه منها غدرًا في التأخير عنها لجواز أن لا يكون فإذا حضر وكانت بحيث لا يشاهدها ولا يسمعها أقام على حضوره ولم ينصرف وان سمعها ولم يشاهدها لم يتعمد السماع وأقام على الحضور لأن الإنسان لو سمع في منزله معاص من دار غيره لم يلزمه الانتقال عن منزله كذلك هذا وان شاهد ها جاز له الانصراف ولم يلزمه الحضور إن لم ترفع وفي جواز إقامته مع حضورها إذا صرف طرفه عنها مما ذكرنا من الوجهين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فإن رأى صوراً ذات أَرْوَاح لم يدْخل إِن كَانَت مَنْصُوبَة وَإِن كَانَت تُوطأ فَلَا بَاس وَإِن كَانَ صور الشّجر فَلَا بَاس أحب أن يجيب أخاه وبلغنا أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أهدى إلى ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا كان في الوليمة صور فهي ضربان:
أحدهما: أن يكون صور شجر ونبات وما ليس بذي روح فلا تحرم لأنها كالنقوش التي تراد للزينة سواء كانت على مسدل من بط ووسائل أو كانت على مصان من ستر أو جرار ولا يعتذر بها المدعو في التأخير.
الجزء: 9 - الصفحة: 535
والثاني: أن تكون صور ذات أرواح من آدمي أو بهيمة، فهي محرمة وصانعها عاص لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المصور وقال: يؤتى به يوم القيامة فيقال له: انفخ فيه الروح وليس بنافخ فيه أبدا".
وقد حكي عن عكرمة في تأويل قول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: (57)] أنهم أصحاب التصاوير وإذا عملها محرم على صانعها فالكلام في تحريم استعمالها وإباحته معتبر بحال الاستعمال فإن كانت مستعملة في منصوب مصان عن الاستبدال كالحيطان فهي محرمة يسقط معها فرض الإجابة لما روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى أنه قال: منعت طعاما ودعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل البيت وجع فقلت: يا رسول الله ما رجعك؟ قال: "رأيت صورة وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب".
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح أمر عمر أن يمحو كل صورة في الكعبة فلما محيت دخلها, ولأن الصور كانت السبب في عبادات الأصنام حكي أن آدم لما مات افترق أولاده فريقين: فريق تمسكوا بالدين والصلاح.
وفريق مالوا إلى المعاصي والفساد ثم اعتزل أهل الصلاح فصعدوا جبلا وأخذوا معهم تابوت آدم ومكث أهل المعاصي والفساد في الأرض فكانوا يستغوون من نزل إليهم من أهل الجبل فاستولوا على تابوت آدم فصور لهم إبليس صورة آدم ليتخذوها بالا من التابوت فعظموها ثم حدث بعدهم من رأى تعظيمها فعبدها فصارت أصناما معبودة فلذلك حرم استعمال الصور فيما كان مصانا معظما وقال أبو سعيد الإصطخري: إنما كان التحريم على عها النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم بعبادتها ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها وهذا المعنى قد زال في وقتنا لما استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها وقد كان في الجاهلية من يعبد كل ما استحسن من حجر أو شجر فلو كان الحظر باقيا لكان استعمال كل ما استحسن حراماً وهذا الذي قاله خطأ لأن النص يدفعه وان ما جانس المحرمات تعلق به حكمهما ولو ساغ هذا في صور غير مجسمة لساغ في الصور المجسمة وما أحد يقول هذا ففسد به التعليل.
فصل:
فأما إن استعملت الصور في مكان مهان مستبذل كالبسط والمخال جاز ولم يسقط به فرض الإجابة.
روي أن عائشة علقت سترا عليه صورة فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم فرآه رجع وقال: يا عائشة اقطعيه وسادتين فقطعته مخدتين".
الجزء: 9 - الصفحة: 536
ولأنها إذا كانت في مستبذل مهان زال تعظيمها من النفوس فلم تحرم قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلقاء صنمين على الصفا والمروة فكانت تداس على باب المسجد وهو يقرها ولا يمنع من استبقائها لأنه عدل بتعظيمها إلى الاستهانة بها والإذلال بها.
فصل:
فأما الدستور المعلقة على الأبواب والجدران فضربان:
أحدهما: أن تكون صور ذات أرواح فاستعمالها محرم سوا، استعملت لزينة أو منفعة وقال أبو حامد الإسفراييني: إن كانت مستعملة للزينة حرمت وان كانت مستعملة للمنفعة لتستر بابا أو تقي من حر أو برد جاز ولم يحرم لأن العدول بها عن الزينة إلى المنفعة يخرجها عن حكم الصيانة إلى البذلة وهذا ليس بصحيح لأن الانتفاع بالشيء لا يخرجه من أن يكون مصانا عظيما فحرم استعمالها في الحالين وسقط بها فوض الإجابة إلى الوليمة.
والثاني: أن تكون الستور بغير صور ذات أرواح فهذا على ضرين:
أحدهما: أن يستعمل لحاجة أو منفعة لأنها تستر باباً أو تقي من حر أو برد فلا بأس باستعمالها.
والثاني: أن تكون زينة للجدران من غير حاجة إليها ولا منفعة بها فهي سرف مكروه.
ووت عائشة رضي انه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن انه لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الجدران والطين" لكن لا يسقط بهذه الستور فرض الإجابة للوليمة لأن حظرها للمسرف في الاستعمال لا للمعصية في المشاهدة.
فصل:
ولا فرق في تحريم صور ذوات الأزواج من صور الآدميين والبهائم ولا فرق بين ما كان مستحسنا منها أو مستحسنا أو ما كان منها عظيما أو مستصغرا إذا كانت صور حيوان مشاهد.
فأما صورة حيوان لم يشاهد مثله محل صورة طائر له وجه إنسان أو صورة إنسان له جناح طير ففي تحريمه وجهان:
أحدهما: يحرم بل يكون أشد تحريما لأنه قد أباع في خلق الله تعالى ولتول النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤمر بالنضح فيه وليس بنافخ فيه أبداً".
والثاني: وهو قول أبي حامد المروزي: لا تحرم لأنه يكون بالتزاويق الكاذبة أشبه منه بالصور الحيوانية فعلى الوجه الأول يحرم عليه أن يصور وجه إنسان بلا بدن وعلى الوجه الثاني لا يحرم.
الجزء: 9 - الصفحة: 537
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فِي نَثْرِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ فِي الْعُرْسِ: لَوْ تُرِكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِخِلْسَةٍ وَنُهْبَةٍ، وَلَا يَبِينُ أَنَّهُ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَاخُذُ مِنْ غَيْرِهِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهِ".
قال في الحاوي: أما نثر السكر واللوز في العرس أو غير ذلك من طيب أو دراهم فمباح إجماعاً اعتباراً بالعرف الجاري فيه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج عليا بفاطمة رضي الله عنها نثر عليهما لكن اختلف الفقهاء في استحبابه وكراهيته فمذهب أبي حنيفة إلى أنه مستحب وفعله أولى من تركه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عن النثر فقال: هبة مباركة.
وقال بعض أصحابنا هو مباح ليس بمستحب ولا مكروه وفعله وتركه سواء وقال سائر أصحابنا وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه مكروه وتركه أفضل من فعله لأمور:
أحدها: أنه قد يوقع بين الناس تناهبا وتنافرا وما أدى إلى ذلك فهو مكروه.
والثاني: أنه قد لا يتساوى الناس فيه وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى آخرين شيء منه فتنافسوا.
والثالث: أنه قد يلجأ الناس فيه إلى إسقاط المروءات إن أخذوا أو يتسلط محليهم السفهاء إن أمسكوا وقد كانت الصحابة ومن عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أحفظ للمروءات وأبعد للتنازع والتنافي فلذلك كره النثار بعدهم وان لم يكره في زمانهم وعادة أهل المروءات في وقتنا أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا أو يحملوا إلى منازلهم فيخرج عن حكم النثر إلى الهدايا.
فصل:
فإن تقرر ما وصفنا في النثر فمن أخذ منه شيئا وقع على الأرض فقد ملكه وكان مخيرا بين أكله أو حمله إلى منزله أو بيعه بخلاف طعام الوليمة الذي لا يملك إلا أكله في موضعه اعتبارا بالعرف في الحالين والقصد المفرق بين الأمرين فأما ما وقع من النثر في حجر بعض الحاضرين فإنه لا يملكه حتى يأخذه بيده لكنه يكون أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه الأخذ وان أساء كما يقول في الصيد إذا دخل دار رجل كان أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه أخذه فأما زوال ملك ربه عنه فغيه وجهان:
أحدهما: أن يكون نثره بين الناس ويصير ذلك ملكاً لجماعتهم ولا يتعين ملكه لواحد منهم إلا بالأخذ.
والثاني: أنه باق على ملك صاحبه حتى يلتقطه الناس فيملك كل واحد منهم ما
الجزء: 9 - الصفحة: 538
التقطه فيزول عنه ملك صاحبه.
فصل:
فأما التقاط النثر فقد اختلف أصحابنا في كراهيته مع إجماعهم على جوازه فلهم فيه وجهان:
أحدهما: أنه مكروه، قال الشافعي: لأنه قد يأخذ من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يلزمهم التقاط لأن فعل المكروه لا يلزم.
والثاني: أنه ليس بمكروه إذا كان الملتقط مدعوا كما لا يكره أكل طعام الوليمة للمدعو وان جاز أن يأكل من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يجب الالتقاط على أعيان الحاضرين لأنه تملك محض يجري مجرى الهبة في وجوبه على الكافة وجهان:
أحدهما: لا يجب تعليلا بالهبة فإن تركوه جميعا جاز.
الثاني: أنه من فروض الكفاية لما في ترك جميعهم له من ظهور المقاطعة وانكسار نفس المالك فعلى إذا التقطه بعضهم سقط فرضه عن الباقين وكذلك ولو التقط بعض الحاضرين بعض المنثور وبقي بعض الحاضرين وبعض المنثور سقط عنهم فرض التقاطه وان كان جميعه باقيا خرجوا بتركه أجمعين ثم النثر مختص في العرف بالنكاح وان كان مستعملا في غيره كالوليمة في اختصامها بعرس النكاح وإن استعملت في غيره كما أن الأغلب فيه نثو اللوز والسكر وان نثر قوم غير ذلك.
حكي أن أعرابيا تزوج فنثر على نفسه الزبيب لإعواز السكر وأنشأ يقول:
وَلَمَّا رَأَيْتُ السُّكَّر العَامَ قَدْ غَلَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّى لَا مَحَالَة نَاكِح
صَبَبْتُ عَلَى رَاسِي الزَّبِيب لِصُحْبتَي وَقُلتُ كُلُوا أَكْل الحَلَاوَةِ صَالِح
مختصر القسم ونشوز الرجل على المرأة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ، لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ، فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ "
قال في الحاوي: أعلم أن الله تعالى أوجب للزوجة على زوجها حقا حظر عليه النشوز عنه كما أوجب له عليها من ذلك حقا حظر عليها النشوز عنه قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: (50)] إشارة إلى ما أوجبه لها من كسوة ونفقة وقسم قال تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] فكان من عشرتها بالمعروف
الجزء: 9 - الصفحة: 539
تأدية حقها والتعديل بينهما وبين غيرها في قسمها قال تعالى: ﴿ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ [النساء: (129)] وقال تعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: (228)] فبين الله تعالى أن لهن حقا وأن عليهن حقا ولم يرد بقوله: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: (228)] في تجانس الحقين وتماثلهما وإنما أراد في وجوبهما ولزومهما فكان من حقها عليه وجوب السكنى والنفقة والكوة ثم فسر الشافعي قوله بالمعروف فقال:
"وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ"
وهذا صحيح لأنه ليس نعل المكروه من المعروف المأمور به ين الزوجين ولا إلزام المؤنة ني اسيفاء الحق معروف.
ثم قال: "لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ"
وهذا صحيح لأن تأدية الحق بالكراهية وعبوس الوجه وغليظ الكلام ليس من المعروف.
ثم قال: "فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْم"
وهذا صحيح لأن القادر على أداء الحق ظالم بتأخيره قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم" ثم يدل على ما ذكرناه من طريق السنة ما روى موسى بن عقبة عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس إذ النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن بكلمة الله فراشكم أحدا ولا يعميكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" فكان القسم من جملة المعروف الذي لهن.
وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فالرجل راعٍ لأهله وهو مسؤول عنهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 540
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني قلبه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض طيف به على نسائه محمولاً فلما ثقل أشفقن عليه فحللنه من القسم ليقم عند عائشة رضي الله عنها لميله إليها فتوفي عندها صلى الله عليه وسلم فلذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي يومي ولم أظلم فيه أحداً فدل هذا على وجوب القسم وتغليظ حكمه.
فصل:
فإذا ثبت وجوب القسم فلوجوبه شرطان:
أحدهما: أن يكون له زوجتان فأكثر ليصح وجوب التسوية بينهما بالقسم فإن كان له زوجة واحدة فلا قسم عليه وهو بالخيار بين أن يقيم معها فهو أولى به لأنه أحصن لها وأغض لطرفها وبين أن يعتزلها فلا مطالبة لها.
والثاني: أن يريا المقام عند إحداهما فيلزمه بذلك أن يقيم عند الأخرى مثل ما أقام عندها تسوية بينهما فيلزمه حينئذٍ القسم بينهما فأما إن اعتزلهما سقط القسم بينهما لأنه قد سوى بينهما في الاعتزال كما سوى بينهما في القسم لهما فلم يجز الميل إلى إحداهما (0) والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَهَبَتْ سَوْدَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنهن.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وبهذا نقول".
قال في الحاوي: اعلم أن القسم من حقوق الآدميين يجب بالمطالبة ويسقط بالعفو ولا يجوز المعارضة على تركه كالشفعة ويجوز هبته لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات عن تسع زوجات وكان يقسم لثمان منهن لأن سودة بنت زمعة أراد طلاقها لعلو منها واستثقال القسم لها فلما علمت ذلك أتته فقالت: يا وسول الله قد أحببت أن أحشر في جملة نسائك فامسكني فقد وهبت يومي منك لعائشة.
رضي الله عنها تريد بذلك التقرب إليه لعلمها بشدة ميله إلى عائشة رضي الله عنها- فصار يقسم لعائشة رضي الله عنها يومين ويوم سودة ويقسم لغيرها من نسائه يوماً يوماً.
قال ابن عباس فنزل عليه في ذلك قوله تعالى: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" [النساء: 128] فدل هذا الخبر على وجوب القسم ودل على جواز هبته.
الجزء: 9 - الصفحة: 541
واختلف أصحابنا في وجوب القسم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إجماعهم على وجوب القسم على أمته على وجهين:
أحدهما: كان واجباً عليه لهذا الخبر ولما رويناه أنه كان يقم بينهن ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك يعني قلبه، وطيف به في مرضه على نسائه محمولاً حتى حللته من القسم فدل على وجوب القسم عليه وعلى جميع أمته.
والثاني: أنه غير واجب عليه وان كان واجباً على أمته وهذا قول أبي سعيد الإصطخري لقول الله تعالي" ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] ولأن وجوب القسم عليه يقطعه عن التشاغل بتبليغ الرسالة وتوقع الوحي وبهذا المعنى فارق جميع أمته.
فصل:
فإذا استقر بما ذكرنا أن هبة القسم جائزة فإنما تجوز برضا الزوج لأن له حق الاستمتاع بها فلم يكن لها أن تنفرد بإسقاط حقه منها إلا برضاه فإذا رضي بهبتها صار مسقطاً لحقه في الاستمتاع بها فتعتبر حينئذٍ حال هبتها فإنها لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تهب ذلك لامرأة بعينها من نسائه.
والثاني: أن تهب ذلك لجميعهن.
والثالث: أن تهب ذلك للزوج فإن وهبت قسمها لامرأة بعينها كما وهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها جاز ولم يعتبر فيه رضي الموهوب لها في تمكين الزوج من الاستمتاع بها كما لا يراعى ذلك في زمان نفسها فيصير لها يوم نفسها ويوم الواهبة وهل يجمع الزوج لها بين اليومين أو تكون على ما كان عليه من الافتراق على وجهين:
أحدهما: يجمع لها بينهما ولا يفرقهما كما لا يفرق عليها يومها.
والثاني: أن يكون اليومان على تفريقهما يختص بيوم نفسها فإذا جاء يوم الواهبة على ترتيبه جعله لها ولم يجمع بينهما إذا كان في الترتيب مفترقين لأنها قد أقيمت فيه مقام الواهبة فلم يعدل به عن زمانه كما لا يعدل به عن مقداره وهذا أشبه وأما إن وهبت يومها لجميع نسائه من غير أن تخص به واحدة منهن بعينها فيسقط حقها من القسم ولا يتعين به قسم غيرها ويكون في حال القسم بعد هبتها كحاله لو عدمت فيصير مؤثراً في إسقاط حقها ولا يؤثر في زيادة حق غيرها وإنما يختص تأثيره إذا كن مع الواهبة أربعاً إن كان يعود يوم كل واحدة بعد ثلاثة أيام فصار يعود بعد يومين وأما إن وهبت يومها لزوجها فله أن يجعل يومها لمن أراد من نسائه فإذا جعله لواحدة منهن بعينها اختصت باليومين دون غيرها وفي جمعه وتفرقته ما ذكرنا من الوجهين فلو أواد الزوج أن ينقل يوم الهبة في كل نوبة إلى أخرى جاز فيجعل يوم الهبة في هذه النوبة لعمرة وفي النوبة الأخرى لحفصة وفي النوبة الثالثة لهند فيكون ذلك محمولاً على خياره لأنها هبة فجاز أن يختص بها من شاء.
الجزء: 9 - الصفحة: 542
فصل:
فإذا رجعت الواهبة في هبتها وطالبت الزوج بالقسم لها سقط حقها فيما مضى لأنه مقبوض وقسم.
لها في المستقبل لأنها رجعت في هبة لم تقص فلو رجعت في تضاعيف يومها وقد مضى بعضه كانت أحق بباقية من التي صار لها وعلى الزوج أن ينتقل فيه إليها فلو رجعت الواهبة في يومها ولم يعلم الزوج برجوعها حتى مضى عليه زمان ثم علم قَالَ الشَّافِعِيُّ: "م يقضيها ما فات قبل علمه واستحقت عليه القسم من وقت علمه" وهذا صحيح لأنه لم يقصد الممايلة لغيرها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "ويجبر على القسم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجوب القسم معتبر بشرطين:
أحدهما: أن يكون له زوجتان فصاعداً.
والثاني: أن يريد المقام عند بعضهن فإذا وجب القسم لهن أجبر عليه إن امتنع منه ظ ذا أراد أن يقسم وله زوجتان أقرع بينهما في التي يبدأ بالقسم لها فيزول عنه الميل.
فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسافر بواحدة من نسائه أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها سافر بها فلذلك أمرناه بالقرعة لتزول عنه التهمة بالممايلة.
فإذا خرجت قرعة إحداهما بدأ بالقسم لها ثم قسم بعدها للثانية من غير قرعة ولا كن ثلاثا اقرع بعد الأولى بين الثانية والثالثة فإذا خرجت قرعة الثانية قسم بعدها للثالثة من غير قرعة ولو كن أربعا اقرع بعد الثانية بين الثالثة والرابعة فإذا خرجت قرعة الثالثة قسم بعدها للرابعة من غير قرعة فإذا استقر القسم لهن بالقرعة في النوبة الأولى سقطت القرعة فيما بعدها من النوب وترتبن في القسم في كن نوبة تأتي على مرتين بالقرعة في النوبة الأولى.
فلو رتبهن في النوبة الأولى على خياره من غير قرعة لم يستقر حكم ذلك الترتيب فيما بعدها من النوب إلا بقرعة يستأنفها نزول التهمة بما في الممايلة ولو أراد أن يستأنف القرعة بينهن في كل نوبة جاز وان لم يجب لما فيه من انتفاء التهمة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَيْه قال الله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
الجزء: 9 - الصفحة: 543
كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء:129] قال بعض أهل التفسير لن تستطيعوا أن تعدلوا بما في القلوب لأن الله تعالى يجاوزه " فَلَا تَمِيلُوا" [النساء:129] لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم فإذا كان الفعل والقول مع الهواء فذلك كل الميل.
وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك" يعني والله أعلم فيما لا أملك: قلبه.
قال: وبلغنا أنأ كان يطاف به محمولاً في مرضه على نسائه حتى حللنه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يلزمه القسم لهن للتسوية بينهن ولا يلزمه جماعهن إذا استقر دخوله بهن وله أن يجامع من شاء منهن ولا يلزمه جماع غيرها لأن الجماع إنما هو من دواعي الشهوة وخلوص المحبة التي لا يقدر على تكلفها بالتصنع لها قال الله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:129] قَالَ الشَّافِعِيُّ: معناه: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء بما في القلوب من المحبة فلا تميلوا كل الميل في أن تتبعوا أهواءكم وأفعالكم فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] وهي التي ليست بزوجة ولا مفارقة قالت هذه الآية على أن عليه التسوية بينهن فيما يقدر عليه من أفعاله في القسم والإيواء وليس عليه التسوية بينهن فيما لا يقدر عليه من المحبة والشهوة فكذلك الجماع.
وقال مالك: يؤخذ الزوج بجماع امرأته في كل مدة ليحصنها ويقطع شهوتها فإن أطال ترك جماعها وحاكمته إلى القافي فخ النكاح بينهما إن لم يجامع وأوجب عليه قوم أن يجامعها في كل أربح ليال مرة لأنه قد أبيح له نكاح أربع فصارت تستحق كل أربعة أيام يوماً وبهذا حكم كعب ب سور بحضرة عمر رضي الله تعالى عنه فاستحسن ذلك منه وولاه قضاء البصرة فكان أول قافي قضى بها.
وكلا المذهبين عندنا غير صحيح لما ذكرناه ويجوز أن يكون كعب توسط فيما حكم به بين الزوجين عن صلح ومراضاة وكما لا يجبر على جماعها فكذلك لا يجبر على مضاجعتها ولا على تقبيلها ومحادثتها ولا على النوم معها في فراش واحد؛ لأن كله من دواعي الشهوة والمحبة التي لا يقدر على تكلفها، وإنما يختص زمان القسم بالاجتماع والألفة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُ"عِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ؛ لِأَنَّهُ سَكَن فقال: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:21].
قال في الحاوي: وهذا كما قال على الزوج في زمان القسم أن يأوي إليها ليلاً وينصرف لنفسه نهاراً؛ لأن الليل زمان الدعة والإيواء والنهار زمان المعاش والتصرف قال
الجزء: 9 - الصفحة: 544
الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (12)﴾ [النبأ: 10 - 11] وفي اللباس تأويلان:
أحدهما: الإيواء في المساكن وإلى سكنه فصار كاللابس لمسكنه ولزوجته.
والثاني: أنه يتغطى بظلمة الليل كما يتغطى باللباس.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: (21)] والسكن يكون في الليل ولأن الليل زمان الدعة والإيواء فوجب أن يكون عمدة القسم ولأن السيد لو زوج أمته لزمه تمكين الزوج منها ليلاً وكان له استخدامها نهاراً فعلم أن الليل عماد القسم فلا يجوز له في الليل أن يخرج فيه من عند التي قسم لها إلا من ضرورة فأما النهار فله أن يتصرف فيه بما شاء ويدخل فيه إلى غيرها من نسائه من غير أن يتعرض فيه لوطئها.
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قل يوم إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها.
فإن كان في الناس من ينصرف في معاشه ليلاً ويأوي إلى مسكنه نهاراً كالحراس وصناع البزر ومن جرى مجراهم فعماد هؤلاء في قسمهم النهار دون الليل لأنه زمان سكنهم والليل زمان معاشهم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُ:" إِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ حَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ وَذِمِّيَّاتٌ فَهُنَّ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح تستوي المسلمة والذمية في القسم لها لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] ولأن حقوق الزوجية تستوي فيها المسلمة والذمية كالسكنى والنفقة ويترع بينهما في القسم ولا تقدم المسلمة بغير قرعة تعديلاً بينهما كما يعدل في قدر الزمان.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: ﴿يُقْسَمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ إِذَا خَلى المَوْلَى بَيْنُه وَبَيْنَهَا فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا﴾.
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان تحته حرة وأمة زوجتان وذلك من أحد وجهين إما أن يكون الزوج عبداً فنكح أمة وحرة ويكون حراً تزوج الأمة عند عدم الطول
الجزء: 9 - الصفحة: 545
ثم نكح بعدها حرة وذلك أن يقسم لهما ويكون قسم الأمة على النصف من قسم الحرة وذلك بأن يقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة أو للحرة أربع ليال وللأمة ليلتين.
وقال مالك: عليه التسوية بينهما في القسم استدلالاً برواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
ولأنهما يستويان في قسم الابتداء إذا نكحها حضها بسبع إن كانت بكراً وبثلاث إن كانت ثيباً وجب أن يستويا في قسم الانتهاء.
ودليلنا رواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تنكح أمة على حرة وللحرة الثلثان وللأمة الثلث ".
فإن قيل: فهذا مرسل وليست المراسيل عندكم حجة.
قيل: قد عضد هذا المرسل قول صحابي وهو ما روى المنهال عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا تزوجت الحرة على الأمة قسم لها يومين وللأمة يوماً.
وإذا عضد المرسل قول صحابي صار المرسل حجة.
وعلى أنه ليس لعلي رضي الله تعالى عنه في هذا القول مخالف فكان إجماعاً، ولأن ما كان ذا عدد تبعضت الأمة فيه من الحرة كالحدود والعدة والطلاق.
ولأن وجوب القسم لها في مقابلة وجوب الاستمتاع بها فلما تبعض الاستمتاع بها من الحرة لاستحقاق الاستمتاع بها في الليل ووجوب الاستمتاع بالحرة في الليل والنهار وجب أن يتبعض ما في مقابلته من القسم.
فأما الخبر فلا دليل فيه لأن العمل بما أوجبه الشرع لا يكون ميلاً محظوراً وأما استدلالهم بقسم الابتداء فقد اختلف أصحابنا هل يستويان فيه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنهما لا يتساويان فيه بل يتفاضلان كقسم الانتهاء فسقط الدليل.
الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما متساويان في قسم الابتداء وإن تفاضلا في قسم الانتهاء.
والفرق بينهما أن قسم الابتداء مرفوع للأنسية فاستوى فيه الحرة والأمة وقسم الانتهاء موضوع للاستمتاع بالأمة ناقص عن الاستمتاع بالحرة.
فصل:
فإذا ثبت أن قسم الأمة على النصف من قسم الحرة فكذلك المدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن فيها جزء من الرق وان قل فإن أعتقت الأمة في وقت قسمها كمل لها قسم حرة ولو أعتقت بعد زمان قسمها استأنف لها فيما يستقبله من النوب قسم حرة لكنه يقسم
الجزء: 9 - الصفحة: 546
للحرة مثل ما كان للأمة من القسم كأنه كان يقم للأمة ليلة وللحرة ليلتين فاستكملت الأمة ليلتها وهي على الرق وأقام مع الحرة ليلة واحدة ثم أعتقت الأمة فليس له أن يزيد الحرة على تلك الليلة الواحدة لأن الأمة قد صارت مثلها فلم يجز أن يفصل بينهما قَالَ الشَّافِعِيُّ نصاً في القديم.
وفيه عندي نظر لأن عتق الأمة يوجب تكميل حقها ولا يوجب نقصان حق غيرها فوجب أن تكون الحرة على حقها ويستقبل زيادة الأمة بعد عتقها فلو أعتقت الأمة ولم يعلم بعتقها حتى مضى لها نوب في القسم ثم علم لم يقض ما مضى وكمل قسمها في المستقبل بعد العلم بالعتق، والله أعلم
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلِلأَمَةِ أَنْ تُحَللَهُ مِنْ قَسْمِهَا دوُنَ المَوْلَى ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن القسم حق لها دون سيدها لأنه إلف لها وسكن فإن حللت زوجها من القسم صح.
وإن لم يرض اليد ولو حلله اليد منه لم يصح وخالف ذلك المهر الذي إن عفا عنه السيد صح وان عفت عنه الأمة لم يصح لأن المهر للسيل دونها والقسم لها دون السيد فصح عفوها عنه دون السيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ بِاللَّيْلِ عَلَى الَّتِي لَا قَسْمَ لَهَا وَلَا بَاسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ لِحَاجَةٍ وَيَعُودَهَا فِي مَرَضِهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا فَإِنْ ثَقُلَ مَرَضُهَا فَلَا بَاسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفي أَوْ تَمُوتَ ثُمَّ يُوفِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسَائِهِ مِثْلَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن عماد القسم الليل دون النهار لكن النهار داخل في القسم تبعاً لليل والأولى أن يكون أول زمان القسم الليل لسعة اليوم الذي بعده لأن اليوم تبع لما تقدمه من الليل دون ما تأخر ولذلك كان أول الشهر دخول الليل فإن جعل أول زمان القسم النهار مع الليلة التي بعده جاز ويصير مقدماً للتابع على المتبوع فإن قسم لها يوماً وليلة فعليه أن يقسم عندها ليلاً لا يخرج فيه إلا من ضرورة ويجوز له الخروج نهاراً للتصوف في أشغاله فإذا أراد أن يدخل على غيرها من نسائه فإن كان في النهار جاز أن يدخل على من شاء من نسائه دخول غير مستوطن عندها ولا مقيم بل ليسأل عنها ويتعرف خبرها وينظر في مصالحها أو مصالح نفسه عندها ويجوز له في دخوله عليها أن يقبلها ويمسها من غير وطئ لما روينا عن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "قل يوم إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من
الجزء: 9 - الصفحة: 547
غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها ولأن المقصود من القسم الليل دون النهار فإذا دخل النهار على واحدة لم يفوت على صاحبة القسم حقها منه وكان دخوله على غيرها من نسائه كدخوله على غير نسائه فأما وطؤه لغيرها من النهار فلا يجوز لأن الوطء مقصود القسم فلم يجز أن يفعله في زمان غيرها.
وقد روى الحسن وقتادة أن النبي شر دخل على زوجته حفصة في يومها فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها فاستدعى مارية فخلا بها فلما علمت حفصة عتبت على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت في بيتي وفي يومي يا رسول الله فأرضاها بتحريم مارية على نفسه وأمرها أن لا تحبر بذلك أحداً من نسائه فأخبرت به عائشة رضي الله تعالى عنها لمصافاة كانت بينهما فتظاهرتا عليه وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: (1)] فإن أطال المقام عند غيرها في نهار قسمها أو وطئ فيه غيرها لم يقض مدة مقامه وان شاء لأنه أحق بالنهار منها لأنه زمان التصرف دون الإيواء فلم يقضه.
فأما الليل فليس له أن يخرج من عندها فيه إلا من ضرورة سواء أراد الخروج إلى زوجته أو غير زوجته لأنه مقصود القسم فلم يجز أن يفوته عليها فإن دعته ضرورة إلى الخروج من عندها ليلاً فخرج لم يأثم ونظر في مدة الخروج فإن كان يسيراً لا يقضي مثله كان عفواً وان كان كثيراً يقضي مثله كأن خروج نصف الليل أو ثلثه قضاها زمان خروجه ليوفيها حقها من القسم ثم ينظر في مدة الخروج الذي يلزمه قضاؤه فإن كان لضرورة عرضت له عند غير زوجة قضاها ذلك الزمان لا من زمان واحدة من نسائه وان كان قد خرج فيه إلى غيرها من نسائه لمرض خاف عليها منه فإن ماتت سقط قسمها وقضى صاحبة القسم ما فوته عليها من ليلتها وان لم تمت قضى صاحبة القسم من ليلة المريضة ما فوته عليها من ليلتها فأما ما نقله المزني عن الشافعي يعودها في مرضها ليلة غيرها فقد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى الخطأ في هذا النقل ويقول: إن الشافعي إنما قال: يعودها في مرضها في نهار غيرها.
وهذا الاعتراض فاسد ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في مرضها في نهار غيرها وهذا الاعتراض فاسدا ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في ليلة غيرها إن كان مرضها مخوفاً لأنه وبما تعجل موتها قبل النهار ففاته حضورها وهو المراد بما نقله المزني فأما إن كان مرضها مأموناً لم يكن له عيادتها في الليل حتى يصبح فيعودها نهاراً وإنما قضاء زمان الخروج وان كان فيه معذوراً لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالإعذار فلو خرج في ليلتها إلى غيرها فوطئها ثم عاد إليها في الحال فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يلزمه قضاؤه لقصوره عن زمان القضاء.
والثاني: يلزمه قضاء ليلة بكمالها لأن مقصود القسم في الليل هو الوطئ فإن وطئ فيه غيرها فكأنه فوت عليها جميع الليلة فلذلك لزمه قضاء جميعها من ليلة الموطوءة.
والثالث: أن عليه في ليلة الموطوءة أن يخرج من عندها إلى هذه فيطأها ثم يعود
الجزء: 9 - الصفحة: 548
إلى تلك ليسوى بينهما في فعله وهذا في القضاء صحيح وفي الوطء فاسد لاستحقاق الزمان دون الوطء والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثَلَاثاً كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثلَاثِ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح الأولى بالزوج في القسم بين نسائه أن يقسم لكل واحدة منهن ليلة ليلة أتباعاً لرسول صلى الله عليه وسلم في القسم بين نسائه ولأنه أقرب إلى استيفاء حقوقهن فإن جعل القسم ليلتين لكل واحدة جاز وكذلك لو جعله ثلاث ليال لأن أخر حل القلة وأول حد الكثرة ولا اعتراض لهن عليه في ذلك بل هو إلى خياره دونهن فأما إن أراد الزيادة على ثلاث بأن يقسم لكل واحدة أسبوعا أو شهراً فقد قَالَ الشَّافِعِيُّ في الإملاء يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة.
وهذا إنما يجوز له مع رضاهن بذلك فإذ لم يرضين فليس له أن يجاوز بهن ثلاثاً ولأن ما زاد على الثلاث دخل في الكثرة التي لا يؤمن تفويت حقوقهن فيها بالموت فإن قسم لواحدة منهن شهراً فقد أساء وعليه أن يقم للباقيات شهراً شهراً فإذا استوفين الشهر فلهن أن يلزمنه تقليل القسم إلى ثلاث.
فصل:
فإن طلق واحدة من نسائه في مدة قسمها وقد بقيت منها بقية فإن كان الطلاق ثلاثاً سقط باقية سواء نكحها بعد زوج أم لا، وان كان الطلاق رجعياً فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها ثم نكحها لم يقضها بقية قسمها ولا ما مضى من نوب القسم بعد طلاقها وقبل نكاحها موان راجعها في العدة لم يلزمه أن يقضيها ما تجدد من نوب القسم بعد طلاقه وأما بقية النوبة التي كان الطلاق فيها فإنك تنظر فإن كانت آخر النساء قسماً في النوبة قضاها بقية أيامها في تلك النوبة لأنها قد استحقتها بالقسم لمن تقدمها موان كانت أول النساء قسماً في النوبة لم يقضيها بقية أيامها لأنه ابتداء قم لم يستحق استكماله وعليه أن يقسم لمن سواها مثله ألا ترى أنه لو أراد أن يقتصر بها على هذا القدر ليقسم للباقيات مثله جاز إذا جاز إذا كانت أوله ولم يجز إذا كانت آخره.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ فِي مَبِيتِهِ سُكْنَى وَإِلْفًا".
الجزء: 9 - الصفحة: 549
قال في الحاوي: وهذا كما قال والقسم للإلف والسكنى ولا للجماع فلذلك لزمه أن يقسم لمن قدر على جماعها أو لم يقدر من المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي آلى منها أو ظاهر.
قَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم: ويقسم للمحرمة فأما المجنونة فإن أمنها على نفسه قسم لها وإن لم يأمنها لم يقسم ويقم لذوات العيوب من الجذام والبرص فإن عافته نفسه فسخ.
وإذا وجب عليه القسم لمن ذكرناه فله أن يستمتع بالمريضة فيما سوى الوطء إذا كان يضرها.
وأما الرتقاء فيستمتع بما أمكن منها.
وأما الحائض والنفساء فيستمع بها د ون الفرج.
وأما التي آلي منها فله وطها ويكفر عن يمينه.
وأما التي ظاهر منها فليس له وطئها.
وفي إباحة التلذذ فيما سوى الوطء وجهان وأما المحرمة فلا يجوز له الاستمتاع بشيء منها وعلى المحبوب والعنين أن يقسم لنسائه وان لم يقدر على جماعهن لما ذكرنا من مقصود القسم وكذلك لو كان الزوج مريضاً لزمه القسم لهن كالصحيح ولو كان عبداً لزمه القسم كالحر.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَإِنْ أَحَب أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلاً يَاتِيَنهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِن فَأَيتُهُن امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُهَا ".
قال في الحاوي: اعلم أن للزوج الخيار في القسم بين أن يطوف محليهن في مساكنهن فيقيم عند كل واحدة منهن في زمان قسمها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه وبين أن يقيم في منزل ويأمرهن بإتيانه فيه كل واحدة منهن إلى منزله فتقيم عناه مدة قسمها والأول أولاهما به اقتداء برسول صلى الله عليه وسلم في قسمه ولأن ذلك أصون لهن وأجمل في عشرتهن فلو أمرهن بإتيانه فامتنعت واحدة منهن أن تأتيه فإن كان لمرض عذرت وكانت على حقها من القسم والنفقة وان كان بغير مرض ولا محذر صارت بامتناعها ناشزاً وسقط حقها من القسم والنفقة لأن عليها قصده وليس عليه قصدها ألا ترى أنه لو أراد أن يسافر بها لزمها أتباعه ولو أرادت أن تسافر به لم يلزمه أتباعها فإن كانت هذه المرأة من ذوات الأقدار والخفر واللاتي لم تجز عادتهن بالبروز صينت عن الخروج إليه ولم يلزمها أتباعه ووجب عليه أن يقسم لها في منزلها.
الجزء: 9 - الصفحة: 550
فصل:
وإذا حبس الزوج أمكن نساؤه أن يأوين معه في حبسه فهن على حقوقهن من القسم لأن حاله في الحبس كحاله في منزله ولو لم يمكنهن ذلك من معه في الحبس من الرجال أو لأنه ممنوع من الناس سقط القسم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَذَلِكَ المُمْتَنِعَةُ بِالجُنُونِ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا بأن المجنونة إذا خاف على نفسه منها سقط قسمها فأما الذي لا يخاف على نفسه من جنونها فالقسم لها واجب لأن فيه إلفًا لها وسكنًا فإن امتنعت عليه بالجنون جرى عليها حكم النشوز وإن لم تأثم وسقط بذلك قسمها ونفقتها لأنها في مقابلة استمتاع قد فات عليه بامتناعها وإن عذرت لأن حقوق الآدميين تستوي في الوجوب مع العذر والاختيار ألا ترى أن المؤجر إذا امتنع من تسليم ما أجر لعذر أو غير عذر سقط حقه من الأجرة ثم إذا سقط قسمها بالامتناع قسم بين الباقيات من نسائه وكذلك لو نشزت عليه وهي عاقلة سقط حقها وكان القسم لمن سواها فلو أقلعت عن النشوز عاد قسمها معهن كالذي كان.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ سَافَرَتْ بِإذْنِهِ فَلَا قَسَمٌ لَهَا وَلَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَشْخَصَهَا فَيَلْزَمُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهَا».
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال سفرها من أحد أمرين: إما أن تكون مع الزوج أو منفردة عنه فإن سافرت مع الزوج كانت على حقها من النفقة والقسم ثم ينظر فإن سافر بها بالقرعة لم يقض باقي نسائه ما أقام معها وإن كان بغير قرعة قضاهن مدة سفرها معه وإن سافرت منفردة فعلى ضربين:
أحدهما: بإذنه.
والثاني: بغير إذنه.
فإن سافرت بغير إذنه فلا قسم لها ولا نفقة وهي في سفرها آثمة وصارت أسوأ حالًا من المقيمة الناشزة وإن سافرت بإذنه فقد قال الشافعي ها هنا: لها القسم والنفقة.
وقال في كتاب النفقات: لا نفقة لها ولا قسم.
فاختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين:
أحدهما: وهي طريق أبي حامد الإسفراييني أن ذلك على اختلاف قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع لها القسم والنفقة لأنها لما خرجت بإذنه من المأثم خرجت من حكم النشوز.
الجزء: 9 - الصفحة: 551
والقول الثاني: وهو المنصوص عليه في النفقات لا قسم لها ولا نفقة لأنهما في مقابلة الاستمتاع قد فات عليه وإن عذرت.
والطريقة الثانية: وهي طريق أبي حامد المروزي أنه ليس على اختلاف قولين وإنما على اختلاف حالين فالذي قاله ها هنا في وجوب القسم لها محمول على أنها سافرت بإذنه فيما يخصه من أشغاله لأن له أن يستوفي حقه منها بالاستمتاع وغيره والذي قاله في كتاب النفقات أنه لا قسم لها إذا سافرت بإذنه فيما يخصها من أشغالها لأنه تصرف قد انصرف إليها دونه وإن عذرت ويكون تأثير إذنه في رفع المأثم لا في وجوب القسم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى وَلِيِّ المَجْنُون أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى نِساَئِهِ أَوْ أَنْ يَاتِيهِ بِهِنَّ وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يَجُوزَ بِهِ أَثِمَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان للمجنون أربع نسوة وذلك بأن يتزوجهن في حال صحته ثم يطرأ عليه الجنون لأنه لو كان وقت العقد مجنونًا لم يجز أن يزوج بأكثر من واحدة وإن احتاج إليها فالقسم لنسائه واجب وإن كان غير مكلف لأنه من حقوق الآدميين فأشبه النفقة وإذا كان كذلك فعلى وليه أن يستوفي منه حقوق نسائه من القسم لأن فيه سكنًا له ولهن ويفعل الولي أصح الأمرين من إفراده بمسكن يأمرهن بإتيانه فيه وبين أن يطيف عليهن في مساكنهن فإن كان الزوج قد رتبهن في القسم وقدر زمان كل واحدة منهن أجراه الولي على ما تقدم من قسمه في الترتيب والتقدير وإن لم يتقدم الزوج لهن استأنف الولي بالقرعة من يقدمها منهن وقدر لها من مدة القسم ما يراه أصح له ولهن ولا يزيد على ثلاث فإن عمد الولي أن يجوز في القسم أثم في حقه وحقوقهن ولا عوض لهن على ما فوت من قسمهن لأن المعارضة عليه لا تجوز فإن أفاق الزوج وقد جار به الولي نظر في جوره فإن كان يمنع الزوج من جميعهن فلا قضاء على الزوج بعد إفاقته لتساويهن في سقوط القسم ويستأنف الزوج لهن القسم وإن كان جور الولي به أن أقامه عند بعضهن ومنعه من باقيهن فعلى الزوج بعد إفاقته قضاء الباقيات بما فوته الولي عليهن من القسم.
فصل:
وإذا خفن على أنفسهن من جنون الزوج سقط بذلك حقه من القسم ولم تسقط حقوقهن فإن طلبن القسم من الخوف وجب على الولي أن يقسم لهن من الزوج إلا أن يرى من الأصلح له أن لا يقيم عند واحدة منهن فسقط قسمهن.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدَةٍ فِي اللَّيْلِ أَوْ أَخْرَجَهُ سُلْطَانٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ
الجزء: 9 - الصفحة: 552
يُوفِّيَهَا مَا بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الزوج عند إحدى نسائه في زمان قسمها فخرج من عندها أو أخرجه السلطان.
فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك نهارًا فلا قضاء لها عليه لأن النهار زمان التصرف وإنما يدخل في القسم تبعًا لليل وأنه لا حق فيه لغيرها من نسائه.
والثاني: أن يكون ذلك ليلًا فإن خرج لغير ضرورة أثم وقضى وإن خرج لضرورة لم يأثم وعليه القضاء إن لم يظلم بالخروج وإن كان مظلومًا بإخراجه لأن السلطان أكرهه على الخروج ظلمًا ففي وجوب القضاء وجهان:
أحدهما: عليه القضاء؛ لأن إكراه السلطان عذر والأعذار لا تسقط قضاء القسم.
والثاني: لا قضاء عليه ويكون السلطان قد استهلك عليهما حقهما في زمان الإكراه فلا يصير الزوج مختصًا بذلك دونها.
فصل:
فإذا أراد قضاء ما وجب من زمان خرجه في الليل نظر فإن كان قد خرج النصف الثاني من الليل لم يجز أن يقضيها في النصف الأول وإن كان قد خرج في النصف الأول لم يجز أن يقضيها في النصف الثاني وقضى كل واحد من النصفين في مثله فإذا أراد قضاء النصف الأول أقام عندها النصف الأول من الليل ثم خرج من عندها فأقام لا عند واحدة من نسائه حتى يستأنف لهن ليال كوامل وإذا أراد قضاء النصف الثاني أقام في النصف الأول لا عند واحدة من نسائه فإذا دخل النصف الثاني أقام فيه عند صاحبه القصاء ولا يأوي في تلك الليلة عند زوجة إلا نصف القضاء وحده حتى يتبعض الليل في قسمهن فذلك ممنوع منه لأنه لا يكمل به إلف ولا سكنى.
وأقل زمان القسم ليلة بكاملها ويكون اليوم تبعًا لها فلو أراد أن يقسم لإحدى نسائه ليلة بلا يوم والأخرى يومًا بلا ليلة لم يجز لأن ليل القسم مقصود ونهاره تبع.
والله أعلم.
مسألة:
قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَيْسَ لِلإِمَاءِ قَسْمٌ وَلَا يُعْطَلْن».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا قسم للإماء في بعضهن مع بعض ولا مع الحرائر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقسم لمارية ولا لرياحانة مع نسائه ولأن القسم من أحكام الزوجية فاختص بالزوجات دون الإماء كالظهار والإيلاء ولأن مقصود القسم الاستمتاع ولا حق للإماء في الاستمتاع بدليل أنه لو كان السيد مجنونًا أو غنيًا لم يكن لهن خيار فلذلك لم يكن لهن قسم.
الجزء: 9 - الصفحة: 553
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُعْطِلْن فيه تأويلان:
أحدهما: أنه لا يعطلن من القسم يعني في السراري.
والثاني: لا يعطلن من الجماع لأنه أحصن لهن وأغض لطرفهن وأبعد للريبة منهن فعلى هذا لو كان إماء سراري وزوجات فأقام عند الإماء واعتزل الحرائر أو أقام عند واحدة من إمائه واعتزل باقيهن وجميع الحرائر جاز ولا قضاء عليه للحرائر لأن القضاء إنما يجب في القسم المستحق وليس مقامه عند الأمة قسمًا مستحقًا فلم يقضه وجرى مجرى مقامه معتزلًا عن إمائه ونسائه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا ظَهَرَ الإِضْرَارُ مِنْهُ بِامْرَأَتِهِ أَسْكَنَّاهَا إِلَى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ بِهِ.
قال في الحاوي: وأما إذا ظهر منه إضرار لم يشتبه فيه حاله كف عنه وأمر بإزالته لقول الله تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: 19] فأما إذا أشبهت حاله فيه فإن ادعت إسقاط حقها من القسم والنفقة أو تعديه عليها بالضرب وسوء العشرة وهو منكر ذاك وغير معترف به فعلى الحاكم إذا شكت ذلك إليه أن يسكنها إلى جنب من يثق به من أمنائه ليراعي حالها ويأخذه بحقها ويكف أذاه عنها فإن الحاكم لتشاغله بعموم الخصوم لا يقدر على مراعاتها بنفسه.
فإن قيل: فليس للزوج أن يسكن زوجته حيث يشاء فلم يجب عليه ها هنا أن يسكنها حيث لا تشاء.
قيل: إنما جاز له ذلك مع زوال الاشتباه وارتفاع الضرر ولا يجوز له ذلك مع خوف الضرر وهكذا لو شكي الزوج منها الإضرار وأنها لا تؤدي حقه ولا تلزم منزله ولا تطيعه إلى الفراش وأنكرت ذلك أسكنها الحاكم إلى جنب من يراعيها من أمنائه ليستوفي منها حق الزوج كما استوفي لها حقها من الزوج.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ امْرَأَتَيْنِ فِي بَيْتٍ إِلَّا أَنْ تَشَاآ.
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
قال: على الزوج أن يفرد لكل واحدة من نسائه مسكنًا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في نسائه وكما لا يشتركن في النفقة فكذلك لا يشتركن في المسكن ولأن بين الضرائر تنافسًا وتباغضًا إن اجتمعن خرجن إلى الافتراء والقبح ولأنهن إذا اجتمعن شاهدت كل واحدة منهن خلوة الزوج بضرتها وذلك مكروه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوجس وهو أن يطأ بحيث يسمع حسه فلذلك لزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا فإن أسكنهن في دار واحدة وأفرد لكل واحدة منهن بيتًا منها وكانت
الجزء: 9 - الصفحة: 554
إذا دخلت توارت عن ضرائرها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك ولم يكن لواحدة منهن أن تطالبه بإفراد مسكن وإن كان مثلهن مثل ذلك فأسكنهن في دار واحدة وأفرد كل واحدة منهن بحجرة منها تواريها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك.
وإن كان مثلهن لا يسكن مثل ذلك لجلالة قدرهن ويسار زوجهن أفرد كل واحدة منهن بدار فسيحة ذات بيوت ومنازل اعتبارًا بالعرف كما يعتبر العرف في كسوتهن ونفقاتهن فلو تراضى جميع نسائه بسكنى منزل واحد يجتمعن فيه جاز كما لو تراضين بالاشتراك في النفقة ولم يكن له أن يخلو بواحدة منهن حذاء ضرائرها فإن غاب أبصارهن جاز وإن علمن بخلوته ولو أراد أن يجمع بين واحدة منهن وبين أمه له سرية لم يجز لأن حفصة رضي الله تعالى عنها أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلوته بمارية في بيتها فاعتذر إليها.
فإذا جمع بين إمائه في مسكن واحد جاز ولم يلزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا لأنه لا قسم لهن ولا يلزمه الخلوة بهن ولأن ما يجب لهن من النفقة والكسوة والسكنى مواساة بخلاف الزوجات المستحقات لذلك معارضة ألا تراه يملك فاضل نفقات إملائه ولا يملك فاضل نفقات نسائه.
فصل:
ولو كان له زوجتان في بلدين فأقام في بلد إحداهما فإن اعتزلها في بلدها ولم يقم معها في منزلها لم يلزمه المقام في بلد الأخرى لأنه ليس مقامه في بلد الزوجة قسمًا يقضي ولو كان قد أقام معها في منزلها لزمه أن يقضي الأخرى فيقيم ببلدها في منزلها مثل تلك المدة؛ لأن القسم لا يسقط باختلاف البلدان كما لا يسقط باختلاف المحال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُهُودِ جَنَازَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَوَلَدِها وَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح وللزوج منع امرأته من الخروج من منزله؛ لأن دوام استحقاقه للاستمتاع به يمنعها من تفويت ذلك عليه بخروجها ولأن له تحصين مائة بالمنع من الخروج فلو مرض أبوها أو أمها كان له منعها من عيادتهما ولو ماتا كان له منعها من حضور جنازتهما للمعنى الذي ذكرناه وكمن استأجر أجيرًا ليعمل مقدارًا بمدة كان له منعه من الخروج لذلك وقد روى ثابت عن أنس أن رجلًا سافر عن زوجته ونهاها عن الخروج فمرض أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» ثم مات أبوها فاستأذنته في حضور جنازته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» فأوحى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها ولأن في إتباع النساء للجنائز هتكة ينهين عنها.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع جنازة إلى البقيع فرأى فاطمة فقال من أين؟ قالت:
الجزء: 9 - الصفحة: 555
عدت مريضًا لبني فلان.
قال: إني ظننتك مع الجنازة ولو كان ذلك ما كلمتك أبدًا.
قال الشافعي: إلا أنني لا أحب له أن يمنعها من عيادة أبيها ثقل ومن حضور مواراته إذا مات لما فيه من نفورها عنه وإغرائها بالعقوق.
فصل:
وله أن يمنعها من حضور المساجد لصلاة وغير صلاة.
فإن قيل: فلم يمنعها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تافلات» فعن ذلك أربعة أجوبة:
أحدها: أنه أراد الخليات من الأزواج اللاتي يملكن تصرف أنفسهن.
والثاني: أنه محمول على المساجد الحج الذي ليس للزوج منعها من فرضه في أحد القولين.
والثالث: أنه مخصوص في زمانه لما وجب من تبليغ الرسالة إليهن ثم زال المعنى فزال التمكين.
والرابع: أنه منسوخ بما وكد من لزوم الحجاب.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لنسائه حين حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر» وقالت عائشة: لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن أشد المنع، والله أعلم.
باب الحال التي يختلف فيها حال النساء
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدِكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ عَنْدَهَا سَبْعًا وَالثَّيِّب ثَلَاثًا وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِهَا نِسَاؤُهُ اللَّاتِي عَنْدَهُ قَبْلَهَا.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيَّبِ ثَلَاثٌ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا استجد الرجل نكاح امرأة وكان له زوجات يقسم بينهن وجب عليه أن يخص المستجدة إن كانت بكرًا بسبع ليال وإن كانت ثيبًا بثلاث ليال يقيم فيهن عندها لا يقضي باقي نسائه ولا تحسب به من قسمها فإذا انقضت شاركتهن حينئذٍ في القسم.
وقال أبو حنيفة: يقيم مع البكر سبعًا ومع الثيب ثلاثًا ويقضي نساءه مدة مقامه معها استدلالًا برواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
قال: وهذا منه ميل إن لم يقض.
الجزء: 9 - الصفحة: 556
وقال: لأن القسم حق من حقوق النكاح فوجب أن تساوي المستجدة فيه من تقدمها كالنفقة.
قال: ولأنه خص بعض نسائه بمدة فوجب أن يلزمه قضاء مثلها للبواقي قياسًا عليه إذا قام معها بعد مدة الزفاف.
ودليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة دخل بها قال: يا رسول الله أقم عندي سبعًا.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بك من هوان على أهلك إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة» ثم يعود إلى نسائه.
فدل على استحقاق هذه المدة من غير قضاء من وجهين:
أحدهما: فرقه فيه بين البكر والثيب.
والثاني: حصره بعدد وما يقضي لا يفترقان فيه ولا ينحصر جريان العادة فيما تختص به المستجدة عرفًا وشرعًا تجعله حكمًا مستحقًا ولأنه لما خصت المستجدة بوليمة العرس إكرامًا وإيناسًا ولم يكن ذلك ميلًا خصت بهذه المدة لهذا المعنى ولأن للمستجدة حشمة لا ترتفع إلا بمكاثرة الاجتماع ومطاولة الإيناس ولذلك وقع الفرق في أن خصت البكر بسبع والثيب بثلاث لأن الثيب لاختيار الرجال أسرع أنسة من البكر التي هي أكثر انقباضًا وأقل اختبارًا.
فأما الجواب عن الخبر فهو أن ذلك ليس بميل لأنه يفعله مع كل زوجة.
وأما قياسًا على النفقة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قياس يرفع النصف فكان مطروحًا.
والثاني: أن التساوي في النفقة لا يوجب التساوي في القسم لأن الحرة والأمة يستويان في النفقة ويختلفان في القسم.
والثالث: أن النفقة لما لم تختلف بالحرية والرق لم تختلف في الابتداء والانتهاء ولما اختلف القسم بالحرية والرق اختلف في الابتداء والانتهاء.
وأما قياسه على قسم الانتهاء فمنتقض بالتي سافر بها على أنه لما جاز قطع النوبة في قسم الابتداء ولم يجز في قسم الانتهاء دل على الفصل في الاستحقاق بين قسم الابتداء والانتهاء.
فصل:
فإذا ثبت أن البكر مخصوصة بسبع والثيب بثلاث فليس له النقصان منها إلا (برضى)
الجزء: 9 - الصفحة: 557
المستجدة ولا له الزيادة عليها إلا برضي المتقدمات فإن أقام عند الثيب سبعًا كالبكر ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقضي ما زاد على الثلاث ولا يقضي الثلاث لأنها مستحقة لها.
والثاني: ذكره أبو حامد الإسفراييني أنه تقضي السبع كلها لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إن شئت سبعت عندك وعندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
فصل:
وإذا استجد نكاح امرأتين لم يجمع بينهما في الدخول كما لا يجمع بين زوجتين في قسم ويبدأ بأسبقهما زفافًا إليه.
فإن زف إليه في وقت واحد بدأ بأسبقهما نكاحًا فإن نكحهما في وقت واحد قرع بينهما وبدأ بالقارعة منهما فإن قدم إحداهما من غير قرعة كرهنا ذلك له وأجزأه ثم يدخل بالثانية ويوالي بين الزفافين وليس للمتقدمات من نسائه أن تمنعه من الموالاة بينهما فلو أقام عند هذه يومًا وعند هذه يومًا حتى وفاهما وهما بكران أربعة عشر يومًا فقد أساء وأجزأ لأن الموالاة مستحقة وإن سقطت بالتفرقة كقضاء الديون.
فصل:
وإذا كان له زوجتان وقسم لكل واحدة منهما ليلتين فأقام عند إحداهما بعض زمانها استجد نكاح ثالثة زفت إليه فإن كان ذلك بعد أن انقضت الليلة بكمالها كأنه أقام عند المتقدمة إحدى الليلتين بكمالها وبقيت لها الليلة الأخرى فاستجد نكاح الثالثة قدم قسم المستجدة وقطع قسم المتقدمة لمعنيين:
أحدهما: أن قسم المستجدة مستحق بالعقد وقسم المتقدمة مستحق بالفعل والمستحق بالعقد أوكد.
والثاني: أن قسم المستجدة لا يقضي وقسم المتقدمة يقضي وما لا يلزم قضاؤه أوكد فإذا وفي المستجدة قسمها وفي المتقدمة باقي قسمها وهي ليلة ثم استأنف القسم بين الثلاث وإن كان قد استجدها في تضاعيف الليلة الأولى من قسم المتقدمة ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع الليلة عليها ويقسم للمستجدة لما ذكرنا مع المعنيين ثم يقضي للمتقدمة بقية ليلتها الأولى وجميع الليلة الثانية.
الثاني: يكمل تلك الليلة لأنه قد تعين استحقاق المتقدمة بها بالدخول فيها وإن في تبعيض الليلة عليها مباينة لها وانكسارًا لنفسها والفرق بين الليل والنهار أنه لما جاز في النهار أن يخرج من عندها جاز أن يقسم لمن استجد نكاحها ولم لم يجز في الليل أن يخرج من عندها لم يجز أن يقسم فيه لغيرها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا شُهُودِ جَنَازَةٍ وَلَا بَرٍّ
الجزء: 9 - الصفحة: 558
كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَا إِجَابَةِ دَعْوَةٍ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان مع المستجدة في قسم الابتداء لم يجز أن يخرج من عندها لئلا يقسم في المتقدمات في الانتهاء وجاز أن يخرج من عندها نهارًا في أشغاله ومتصرفاته لأن حكم القسمين سواء لكن العادة جارية بأن تكون ملازمته للمستجدة في نهار قسمتها أكثر من المتقدمة ليتعجل بذلك أنسها ويقوى به ميلها لكننا لا نحب له أن يتخلف بها عن حضور صلاة الجمعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ولا عن بر كان يفعله وإن دعي إلى وليمة أجاب ويختار له في هذا القسم إن كان معتادًا الصيام والتطوع أن يفطر فيه لأنها أيام بعال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق: «ألا إنها أيام أكل وشرب وبعال فلا تصوموا»، والله أعلم.
باب القسم للنساء إذا حضر سفر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلَيِّ بْنِ شَافِعٍ أَحْسَبُهُ عَنْ الزُّهْرِي شّكَّ المُزَنِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان للرجل أربع زوجات وأراد سفرًا فهو بالخيار بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يسافر بجميعهن فله ذاك إذا كان سفره مأمونًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر بجميع نسائه في حجة الوداع، ولأنه يستحق الاستمتاع بهن في السفر كما يستحق في الحضر، فإذا سافر بهن كن على قسمهن في السفر كما كن عليه في الحضر فإذا امتنعت واحدة منهن أن تسافر معه صارت ناشزًا وسقط قسمها ونفقتها؛ إلا أن تكون معذورة بمرض لعجزها عن السفر فلا تعصى، ولها النفقة ولا يلزمه قضاء قسمها؛ لأنه قد بذل ذلك لها فكان الامتناع من جهتها، وإن عذرت فيه بأن كان سفره في معصية وامتنعن من السفر لأجل المعصية لم يكن ذلك عذرًا لهن عن التأخير إذا أمن؛ لأنه ليس يدعوهن إلى معصية وإنما يدعوهن إلى استيفاء حق لا يسقط بالمعصية، فإن أقمن بذلك على امتناعهن نشزن وسقط قسمهن ونفقتهن.
فصل:
والثانية: أن يتركهن في أوطانهن ولا يريد السفر بواحدة منهن فله ذلك؛ لأنه لو اعتزلهن وهو مقيم جاز فإذا اعتزلهن بالسفر كان أولى بالجواز إذا قام بما يجب لهن من الكسوة والنفقة والسكنى فإذا خفن على أنفسهن إذا سافر عنهن لزمه أن يسكنهن في موضع يأمن فيه فإن وجد ذلك في وطنه وإلا نقلهن إلى غيره من المواطن المأمونة فإن أمرهن بعد سفره عنهن أن يخرجن إليه لزمهن الخروج إذا كان السفر مأمونًا ووجدن ذا محرم فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 559
امتنعن نشزن وسقطت نفقاتهن.
فصل:
والثالثة: أنه يريد السفر ببعضهن دون بعض فله ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذاك في أكثر أسفاره ولأنه لما جاز أن يسافر بجميعهن فأولى أن يسافر ببعضهن.
ولما جاز أن يترك جميعهن فأولى أن يترك بعضهن وإذا كان كذلك فليس له أن يتخذ بعضهن للسفر إلا بالقرعة التي تزول بها عنه التهمة لما روته عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ولأنهن قد تساوين في استحقاق القسم فلم يجز أن يميزهن فيه من غير قرعة كابتداء القسم فإذا أقرع بينهن ليسافر بواحدة منهن فأيتهن قرعت سافر بها على ما سنذكر من صفة القرعة في بابها ولو راضاهن على السفر بواحدة منهن بغير قرعة جاز فإن امتنعن بعد الرضا من تسليم الخروج لتلك إلا بالقرعة كان ذلك لهن إذا لم يشرع في الخروج فإن شرع فيه وسافر حتى جاز له القصر لم يكن لهن ذلك واستقر حتى المتراضي سفرها وتعين ذلك لها ولو أراد الزوج بعض خروجها على المراضاة أن يردها بعد شروعه في السفر جاز لأن له أن يعتزلها في السفر فجاز له ردها من السفر وكذلك الخارجة معه بالقرعة ولو أقرع بينهن فقرعت واحدة منهن فقال الزوج لست أريدها فإن قال ذلك لأنه لا يريد السفر بواحدة منهن جاز وإن قاله مريدًا للسفر بغيرها لم يجز لأنه قسم قد تعين حقها بالقرعة.
فصل:
وإذا سافر بواحدة منهن عن قرعة أو تراضٍ لم يقض للمقيمات مدة سفره مع الخارجة سواء كان في السفر مخالطًا لها أو معتزلًا عنها، لأن عائشة رضي الله عنها لما حكت قرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يسافر بها لم تحك بأنه قضى باقي نسائه مثل مدتها ولو فعل لحكته.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين نسائه لبعض أسفاره فخرجت القرعة لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما فسافر بهما ولم يقض للباقيات.
ولأن المسافرة معه وإن حظيت به فقد عانت من لأواء السفر ومشاقه ما صار في مقابلته كما أن المقيمات وإن أوحشهن فراقه فقد حصل لهن من رفاهة المقام ما في مقابلته فلا يجمع لهن بين القسم والرفاهة التي حرمتها المسافرة.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ باثْنَتَيْن أَوْ أَكْثَرَ أَقْرَعَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح يجوز للزوج أن يسافر بواحدة من أربع وباثنين منهن وبثلاث ويخلف واحدة كما جاز له أن يسافر بواحدة ويخلف ثلاثًا لكنه يستعمل القرعة في إخراج الواحدة فإذا قرع اثنان منهن وسافر بهما قسم بينهما في سفره كما كان يقسم بينهما في حضره إلا أن يعتزلهما فيسقط القسم لهما ولا يقضي المقيمين مده سفره بالخارجتين وإن قسم لهما كما لا يقضي مدة سفره بالوحدة فلو سافر بواحدة منهن بالقرعة ثم أراد في
الجزء: 9 - الصفحة: 560
سفره إخراج واحدة من المقيمات أقرع بينهن ولم يكن لهن أن ينفردن بالقرع لأن فيها حقًا للزوج فلا يبطل حقه من القرعة بانفرادهن بها وأقرع الحاكم بينهن وأخرج من قرعت منهن فإذا وصلت إليه استأنف القسم بينهما وبين المتقدمة معه ولم يقضها مدة سفرها إليه.
فلو تراضى المقيمات بإخراج واحدة منهن بغير قرعة لم يجز لحق الزوج في القرعة فلو حصل معه في السفر اثنتان بالقرعة فأراد رد إحداهنَّ لم يكن له ردها إلا بالقرعة.
والله أعلم.
فصل:
وإذا كان له زوجتان فاستجد نكاح زوجتين فصرنا أربعًا وأراد أن يسافر بواحدة منهن وجب عليه أن يقرع بين الأربع فأيتهن قرعت سافر بها ولا يجوز أن تختص بإخراج إحدى الجديدتين وإن كان قسم العقد لها معجلاً فإن خرجت قرعة السفر على إحدى المتقدمين فسافر بها بالقرعة ثم الثانية بعدها، فإذا أوفاها حق العقد استأنف قسم المماثلة بين جماعتين ولو خرجت قرعة السفر على إحدى المستجدتين فسافر بها سقط حقها من قسم العقد؛ لأن مقصود التفرد بها للألفة والاستمتاع وقد حصل لها ذلك بالسفر معه من غير تقدير مدة.
فعلى هذا لو قدم قبل سبع وهي بكر لم يلزمه لها تمام السبع لأنه لو لزمه إتمام سبع إذا عاد قبلها لمنعت الزيادة إذا طال سفرها ثم إذا قدم فهل يسقط حق المستجدة المقيمة من قسم العقد أم لا على وجهين:
أحدهما: قد سقط حقها من ذلك ويقسم لها مع الجماعة قسم المماثلة لأن المنكوحة معها قد سقط حقها من قسم العقد بالسفر فلم يجز أن يخصها بقسم العقد لما فيه من التفضيل.
والثاني: وهو أصح لها عليه قسمه العقد فتقدمها به قبل قسم المماثلة لأنه حق لها توفاه وقد صار إلى المسافرة من قسم السفر ما يقوم مقام قسم العقد، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ خَرَجَ بِوَاحِدَةٍ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ بَقِيَ بِقَدْرِ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَوْفي البَوَاقِي مِثْلَ مُقَامِهِ مَعَهَا مَغِيبِهِ مَعَ الَّتِي خَرَجَ بِهَا وَلَوْ أَرَادَ السَّفَرَ لِنَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقِلَ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا أراد السفر بواحدة منهن أن عليه أن يقرع بينهن فمن قرعت سافر بها لم يقض المقيمات مدة سفره معها فأما إن سافر بواحدة من غير قرعة فعليه أن يقضي المقيمات مدة غيبته معها وقال أبو حنيفة: لا يقضي استدلالاً بأن القسم
الجزء: 9 - الصفحة: 561
يسقط عن المسافر ولو وجب عليه القضاء إذا لم يقرع لوجب عليه إذا أقرع كالحضر.
ودليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين نسائه فلو سقط القضاء في الحالين لم يكن للقرعة معنى ولنه افترق وجود القرعة وعدمها في الإباحة افتراقا في القضاء ولأنه خص إحدى نسائه بمدة يلحقه فيها التهمة فوجب به القضاء كالمقيمة وليس لما ادعاه من سقوط القسم عن المسافر ولأنه لو سافر باثنتين لزمه القسم لهما ولو سقط عنه بالسفر لم يلزمه فإذا ثبت وجوب القضاء عليه فوجوبه يكون بمخالطته للمسافرة وحلولها معه في سفره حيث يحل.
فأما إذا اعتزلها في سفره وأفردها بخيمة غير خيمته وفي مسكن إذا دخل بلدًا غير سكنه فلا قضاء عليه ولا يكون قربه منها في السفر قسمًا يقضي كما لا يكون قربها في الحضر قسمًا مؤدى فلو خالطها شهرًا قضى مخالطتها ولم يقض شهر اعتزالها فإن اختلفوا في المقام والاعتزال فالقول قول الزوج مع يمينه.
فصل:
ولو سافر بإحدى نسائه بالقرعة إلى بلد قريب ثم سافر منه إلى بلد هو أبعد منه أو على أن مدة سفره شهر فصار أكثر منه جاز ولا قضاء عليه لأنه سفر واحد قد أقرع فيه وليس ينحصر السفر بمدة ومسافة لأنه عوارض السفر.
فصل:
ولو تزوج على التي سافر بها زوجة أخرى في سفره خصها بقسم العقد لأن معها غيرها ثم استأنف لها قسم المماثلة بينها وبين المسافرة ولا يقضي الباقيات كان سفره بالواحدة بقرعة، ويقضيهن إن سافر بها بغير قرعة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَزْمَعَ المُقَامَ لِنَقْلَةٍ احْتُسِبَ عَلَيْهَا مُقَامُهُ بَعْدَ الإِزْمَاعِ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا سافر بواحدة منهن بالقرعة سفر حاجة ثم صار إلى بلد فنوى المقام فيه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن ينوي المقام فيه مستوطنًا له فعليه أن يقضي الباقيات مدة مقامه معها بعد نيته إلا أن يعتزلها لأنه بالاستيطان قد خرج من حكم السفر.
والثاني: أن ينوي المقام مدة مقدرة يلزمه لها إتمام الصلاة ثم يعود من غير استيطان كأنه نوى مقام أربعة أيام فما زاد إلى مدة قدرها ثم يعود إلى وطنه ففي وجوب قضائه لتلك المدة وجهان:
أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه وإن كان مقيمًا فهو غير مستوطن.
الجزء: 9 - الصفحة: 562
والثاني: يلزمه القضاء لأنه مقيم فأشبه المستوطن وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا هل ينعقد به الجمعة أم لا؟ فأحد الوجهين: أن الجمعة لا تنعقد به وإن وجبت عليه فعلى هذا لا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمسافر أخص.
والثاني: أن الجمعة تنعقد به كما تجب عليه، فعلى هذا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمقيم أخص فإذا قيل: لا قضاء عليه، فلا مقال.
وإذا قيل: عليه القضاء فعليه أن يقضي مدة المقام وفي قضاء مدة المقام وفي قضاء مدة العود وجهان:
أحدهما: يقضيه إلحاقًا بما تقدمه.
والثاني: لا يقضيه لمعاناة السفر فيه كالسفر في التوجه، والله أعلم.
باب نشوز المرأة على الرجل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ الله تَبَارَكً وَتَعالَى ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] قّالَ فِي ذَلكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ المَرْأَةِ فِيمَا تُعَاتَب فِيهِ وَتُعَاقَب عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَى مِنْهَا دَلَالَةً عَلَى الخَوْفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَعَظَهَا فَإِنْ أَبْدَتْ نُشُزًا هَجَرَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَهَا وَقَدْ يُحْتَمَلُ ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] إِذَا نَشَزْنَ فَخِفْتُمْ لَجَاجَتَهُنَّ فِي النُّشُوزِ يَكُونُ لَكُمْ جَمْعُ العِظَةِ وَالهَجْرِ وَالضَّربِ.
وَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: «لَا تَضْرِبُوا إمَاءَ اللهِ» قَالَ: فَأَتَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا رَسُلَ اللهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَىِ أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذَنَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَاف بآلِ مُحَمدٍ نِسَاءٌ كَثِرٌ، كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَة كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ نُزُولُ الآيةِ بِضَرْبِهِنَّ ثُمَّ أَذِنَ فَجَعَلَ لَهُمُ الضَّرْبَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الاخْتِيَارَ تَرْكُ الضَّرْبِ».
قال الحاوي: أما نشوز المرأة على زوجها فهو امتناعها عليه إذا دعاها إلى فراشه مأخوذ من الارتفاع ولذلك قيل للمكان المرتفع نشز فسميت الممتنعة على زوجها ناشزًا لارتفاعها عنه وامتناعها منه ولا يخلو حال النشوز بين الزوجين من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون النشوز من الزوج على الزوجة والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128].
وقد مضى الكلام فيما يلزمه بنشوزه عنه وما لا يلزمه فإن الذي يؤخذ به جبرًا في نشوزه النفقة والكسوة والسكنى والقسم الذي يندب إليه استحبابًا أن لا يهجر مباشرتها ولا يظهر كراهيتها ولا يسيء عشرتها.
والثاني: أن يكون النشوز من الزوجة على الزوج والأصل في بيان حكمه قول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ
الجزء: 9 - الصفحة: 563
أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] يعني أن الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن فما يجب لله تعالى وللرجال عليهن وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34] يعني بما فضل الله تعالى له الرجال على النساء من العقل والرأي وبما أنفقوا من أموالهم من المهور والقيام بالكفاية ثم قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34] يعني فالصالحات المستقيمات الدين العاملات بالخير ويعني بالقانتات المطيعات لله تعالى ولأزواجهن وحافظات للغيب أي لأنفسهن عند غيبة أزواجهن ولما أوجبه من حقوقهم عليهن وفي قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34] تأويلان:
أحدهما: يعني بحفظ الله تعالى لهن حتى صرن كذلك وهو قول عطاء.
والثاني: بما أوجبه الله تعالى على أزواجهن من مهورهن ونفقاتهن حتى صرن بها محفوظات وهو قول الزجاج.
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:» خير النساء امرأة نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] إلى آخر الآية.
ثم قال تعالى: ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 34] فأباح الله تعالى معاقبتها على النشوز بثلاث أشياء بالعظة والضرب والهجر ثم قال: ﴿فَإنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 34] يعني في الإقلاع عن النشوز ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 34] فيه تأويلان:
أحدهما: فلا تقابلوهن بالنشوز عنهن.
والثاني: أن لا تكلفها مع الطاعة أن تحبك.
وأما القسم الثالث: من النشوز فهو أن يشكل حال الزوجين فيه فلا يعلم أيهما هو الناشز على صاحبه فهو الذي ذكرنا فيه أن الحاكم يسكنها في جوار أمينه ليراعيهما ويعلم الناشز منهما فيستوفي منه حق صاحبه أو ينهيه إلى الحاكم حتى يستوفيه.
والقسم الرابع: أن يكون النشوز في كل واحد من الزوجين على الآخر فهو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] وسيأتي في الباب الآتي.
فإذا تقررت هذه الجملة فهذا الباب مقصور على نشوز الزوجة ولا يخلو حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يخاف نشوزها بأمارات دالة عليه من غير إظهار له مثل أن يكون عادتها أن تلبي دعوته وتسرع إجابته وتظهر كرامته فتعدل عن ذلك فلا تلبي له دعوة ولا تسرع له إجابة ولا تظهر له كرامة ولا تلقاه إلا محبة ولا تجيبه إلا متبرمة لكنها مطيعة له في
الجزء: 9 - الصفحة: 564
الفراش فهذا من أسباب النشوز وإن لم يكن نشوزًا.
والثاني: أن يظهر منها ابتداء النشوز الصريح من غير إضرار عليه ولا مداومة له.
والثالث: أن تصر على النشوز الصريح وتداومه وإذا كان لها في النشوز ثلاثة أحوال فقد جعل الله تعالى عقوبتها عليه بثلاثة أحكام: وقد اختلف قول الشافعي في العقوبات الثلاث هل ترتب على الأحوال الثلاثة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في الجديد أن العقوبات مترتبات على أحوالها الثلاث ويكون الترتيب مضمنًا في الآية ويكون معناها إن خاف نشوزها وعظها فإن أبدت النشوز هجرها فإن أقامت على النشوز ضربها ويكون هذا الإضمار في ترتيبها كالمضمر في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ [المَائدة: 33] وإن معناها المضمر فيها: أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلال إن أخذوا المال ولم يقتلوا كذلك آية النشوز، لأن العقوبات المختلفة يجب أن تكون في ذنوب مختلفة ولا تكون كبائر العقوبات لصغائر الذنوب ولا صغائر العقوبات لكبائر الذنوب فأوجب اختلاف العقوبات أن تكون على اختلاف الذنوب.
والثاني: قاله في القديم وذكر احتماله في هذا الموضع أن العقوبات الثلاث مستحقة في حالين اختلف أصحابنا في كيفيتها على وجهين:
أحدهما: وهو قول البصريين أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها فإذا أبدت النشوز ضربها وكذلك إذا أقامت عليه.
والثاني: وهو قول البغداديين أنه إذا خاف نشوزها وعظها فإذا أبدت النشوز هجرها وضربها وكذلك إذا أقامت عليه ووجه هذا القول أن العقوبة هي الضرب وما تقدمه من العظة والهجر إنذار والعقوبة تكون بالإقدام على الذنوب لا بمداومته ألا ترى أن سائر الحدود تجب بالإقدام على الذنوب لا بمداومتها فكذلك ضرب النشوز مستحق على إبدائه دون ملازمته فصار تحريم المذهب في ذلك أن له عند خوف النشوز أن يعظها وهل له أن يهجرها أم لا؟ على وجهين وله عند إبداء النشوز أن يعظها ويهجرها وهل له أن يضربها أم لا؟ على قولين: وله عند مقامها على النشوز أن يعظها ويهجرها ويضربها.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا انتقل الكلام إلى صفة العظة والهجر والضرب أما العظة فهو أن يخوفها بالله تعالى وبنفسه فتخويفها بالله أن يقول لها: اتق الله وخافيه وأخشي سخطه واحذري عقابه فإن التخويف بالله تعالى من أبلغ الزواجر في ذوي الدين وتخويفها من نفسه أن يقول لها: إن الله تعالى قد أوجب لي عليك حقًا إن منعتيه أباحني ضربك وأسقط عني حقك فلا تضري نفسك بما أقابلك على نشوزك إن نشزت بالضرب المؤلم وقطع النفقة الدارة فإن تعجيل الوعيد أزجر لمن قلت مراقبته.
وهذه العظة وإن كانت على خوف
الجزء: 9 - الصفحة: 565
نشوز لم يتحقق فليس يضاره لأنه إن كانت الأمارات التي ظهرت منها لنشوز تبديه كفها عنه ومنعها منه وإن كان لغيره من هم طرأ عليها أو لفترة حدثت منها لسهو لحقها لم يضرها أن تعلم ما حكم الله تعالى به في النشوز وأما الهجر نوعان:
أحدهما: في الفعل.
والثاني: في الكلام.
فأما الهجر في الفعل فهو المراد بالآية وهو الإعراض عنها وأن لا يضاجعها في فراش أو يوليها ظهره فيه أو يعتزلها في بيت غيره.
أما هجر الكلام فهو الامتناع من كلامها.
قال الشافعي: لا أرى به أساسًا فكأنه يرى أن الآية وإن لم يضمنه فهو من إحدى الزواجر إلا هجر الفعل يجوز أن يستدعيه الزوج بحسب ما يراه صلاحًا.
فأما هجر الكلام فلا يجوز أن يستديمه أكثر من ثلاثة ايام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق أسبقهما إلى الجنة».
وأما الضرب فهو ضرب التأديب والاستصلاح وهو كضرب التعزير لا يجوز أن يبلغ به أدنى الحدود ويتوقى بالضرب أربعة أشياء: أن يقتل أو يزمن أو يدمي أو يشين.
قال الشافعي: «ولا يضربها ضربًا مبرحًا ولا مدميًا ولا مزمنًا ويقي الوجه» فالمبرح القاتل، والمدمي إنهار الدم، والمزمن تعطيل إحدى أعضائها وضرب الوجه يشينها ويقبح صورها.
وقد روى ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما تأتي منهن وما نذر قال: حرثك، فأت حرثك أن شئت غير أن تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا أطعمت واكس إذا اكتسيت كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض.
وروى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرح وإذا كان كذلك توقى شدة الضرب وتوقى ضرب الوجه وتوقى المواضع القاتلة من البدن كالفؤاد والخاصرة وتوقى أن توالي الضرب موضعًا فينهمر الدم فإن ضربها فماتت من الضرب نظر فإن كان مثله قاتلًا فهو قاتل عمد وعليه القود وإن كان مثله يقتل فهو خطأ شبه العمد فعليه الدية مغلظة يتحملها عند العاقلة وعليه الكفارة في الحالين وبان بإفضاء الضرب إلى القتل أنه كان غير مباح كما تقوله في التعزيز وضرب المعلم الصبيان.
فصل:
فأما ما ورد من السنة في إباحة الضرب وحظره فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا
الجزء: 9 - الصفحة: 566
تضربوا إماء الله» فنهى عن ضربهن وهذا مخالف للآية في إباحة الضرب.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «كنا معاشر قريش يغلب رجالنا نساءنا وكان الرجل منا بمكة معه هراوة إذا ترمرمت عليه امرأته هراها بها فقدمنا هذين الحيين: الأوس والخزرج فوجدنا رجالًا مغانم لنسائهم يغلب نساؤها رجالهم فاختلط نساؤنا بنسائهم فذئرن فقلت: يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن فأذن في ضربهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فاضربوهن» قال: فضرب الناس نساءهم تلك الليلة قال: فأتى نساء كثير يشتكين الضرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أطاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم» وفي قول عمر ذئر النساء على أزواجهن تأويلان:
أحدهما: أنه البطر والأشرة.
والثاني: أنه البذاء والاستطابة.
قال الشاعر:
ولمَّا أَتانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ذَئِروا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَغَضَّبوا
وهذا الخبر مخالف للخبر المتقدم وإن كان موافقًا للآية.
فإن قيل: فكيف يترتب هذان الخبران مع الآية وليس بصحيح على مذهب الشافعي أن يفسخ القرآن السنة فلأصحابنا في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ما جاءت به الآية والخبر من إباحة الضرب فوارد في النشوز وما ورد به الخبر الآخر من النهي عن الضرب ففي غير النشوز فأباح الضرب مع وجود سببه ونهى عنه مع ارتفاع سببه وهذا متفق لا يعارض بعضه بعضًا.
والثاني: أنه أباح الضرب جوازًا ونهى عنه اختيارًا فيكون الضرب وإن كان مباحًا بالإذن فيه فتركه أولى للنهي عنه ولا يكون ذلك متنافيًا ولا ناسخًا ومنسوخًا.
والثالث: أن خبر النهي عن الضرب منسوخ بخبر عمر الوارد بإباحته ثم جاءت الآية مبينة لسبب الإباحة فكانت السنة فكانت السنة ناسخة للسنة والكتاب مبينًا ولم ينسخ الكتاب السنة، والله أعلم.
باب الحكم في الشقاق بين الزوجين
قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا خِفْنَا الشِّقَاقَ بَيْنَهْمَا
الجزء: 9 - الصفحة: 567
بِالحَكَمَينِ دلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ الأّزْوَاج فَإِذَا اشْتَبَهَ حَالَاهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الرَّجُلُ الصُّلْحَ وَلا الفُرْقَةَ وَلَا المَرْأَةُ تَادِيَةَ الحَقِّ وَلَا الفِدْيَةَ وَصَارَا مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَلَا يَحْسُنُ وَتَمَادَيَا بَعَثَ الإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا مَامُونَيْنِ بِرِضَا الرَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلِهِمَا إِيَّاهُمَا بِأَنْ يَجْمَعَا أَوْ يُفَرِّقَا إَذَا رَأَيَا ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا أَنْ تَجْمَعَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا وَأَنْ تُفَرِّقَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا.
فَقَالَتِ المَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ ولِي، فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَليٌّ: كَذَبْتَ وَاللهِ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ.
فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ إِلَّا بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبَعَثَ بِغَيْرِ رِضَاهِمَا».
قال في الحاوي: وهذا الباب يشتمل على الحكم في نشوز الزوجين وهو الشقاق وفي تسميته شقاقًا تأويلات:
أحدهما: لأن كل واحد منهما قد فعل ما شق على صاحبه.
والثاني: لأن كل واحد منهما قد صار في شق بالعداوة والمباينة.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسَاء: 35] فإذا شاق الزوجان وشقاقهما يكون من جهة الزوجة بنشوزها عنه وترك لزومها لحقه ويكون من جهة الزوج بعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكونا قد خرجا في المشاقة إلى قبح من فعل كالضرب ولا إلى قبيح من قول كالنسب فإن الحاكم ينصب لهما أمينًا بأجرة بالإصلاح بينهما وأن يستطيب نفس كل واحد منهما لصاحبه من عفو أو هبة فإن سودة لما همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها استعطفته بأن وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها لعلمها بشدة ميله إليها فعطف لها وأمسكها فنزل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: 128].
والثاني: أن يكون الشقاق قد أخرجهما إلى قبيح الفعل فتضاربا وإلى قبيح القول فتشاتما، وهو معنى قول الشافعي وصارا من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن فهي الحال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسِاء: 35] فيجب على الحاكم إذا ترافعا إليه فيها أن يختار من أهل الزوج حكمًا مرضيًا ومن أهلها حكمًا مرضيًا فإن جعل الحاكم إلى الحكمين الإصلاح بين الزوجين دون الفرقة جاز بل لو فعله الحاكم مبتدئًا قبل ترافع الزوجين إليه أو فعله الحكماء من قبل أنفسهما من غير إذن الحاكم لهما جاز قال الله تعالى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النِّساء: 114] وإن أراد الحاكم أن يرد إلى الحكمين الإصلاح إن رأياه أولى والفرقة إن رأياها أصلح أو الخلع إن رأياه أنجح فهل يصح ذلك من الحكمين بإذن
الجزء: 9 - الصفحة: 568
الحاكم من غير توكيل الزوجين أم لا يصح إلا بتوكيلهما على قولين:
أحدهما: يصح ذلك من الحكمين بإذن الحاكم من غير توكيل الزوجين نص عليه الشافعي في كتاب الطلاق من أحكام القرآن وبه قال مالك ودليله قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: 35] فكان الدليل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه خطاب توجه إلى الحاكم فاقتضى أن يكون ما يضمنه من إنفاذ الحكمين من جهة الحاكم دون الزوجين.
والثاني: قوله: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا﴾ [النّسَاء: 35] راجع إلى الحكمين فدل على أن الإدارة لهما دون الزوجين.
والثالث: أن إطلاق اسم الحكمين عليهما لنفوذ الحكم جبرًا منهما كالحاكم فلم يفتقر ذلك إلى توكيل الزوجين.
وروي أنه شجر بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة خصومة تنافرا فيها وكان سببها أن فاطمة كانت ذات مال تدل بمالها على عقيل وتكثر إذكاره بمن قتل يوم بدر من أهلها فتقول له: ما فعل عتبة ما فعل الوليد وما فعل شيبة وعقيل يعرض عنها إلى أن دخل ذات يوم ضجرًا فقالت له: ما فعل عتبة والوليد وشيبة؟ فقال لها: إن دخلت النار فعلى يسارك فجمعت رحلها وبلغ ذلك عثمان فقرأ قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: 35] فاختار من أهل عقيل: عبد الله بن عباس ومن أهل فاطمة: معاوية بن أبي سفيان وقال: عليكما أن تجمعا إن رأيتما أو تفرقا إن رأيتما.
فقال عبد الله بن عباس والله لأحرص على الفرقة بينهما.
فقال معاوية: والله لا فرقت بين شيخين من قريش فمضيا إليهما وقد اصطلحا.
فدل هذا القول منهما على أن الحكمين يملكان الفرقة إن رأياها وذلك بمشهد من عثمان رضي الله تعالى عنه وقد حضره من الصحابة من حضر فلم ينكره ولأن للحاكم مدخلًا في إيقاع الفرقة بين الزوجين بالعيون والعنة وفي الإيلاء فجاز أن يملك بها تفويض ذلك إلى الحكمين.
والثاني: أنه لا يصح من الحكمين إيقاع الفرقة والخلع إلا بتوكيل الزوجين ولا يملك الحاكم الإذن لهما فيه نص عليه الشافعي في كتاب الأم والإملاء وبه قال أبو حنيفة لقول الله تعالى: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: 35] فدل على أن المردود إلى الحكمين الإصلاح دون الفرقة.
ولما روى ابن عون عن ابن سيرين عن عبيد الله السلماني قال: جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه مع كل واحد منهما قيام من الناس يعني جمعًا فتلا الآية.
وبعث إلى الحكمين وقال: رويدكما حتى أعلمكما ماذا عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتكما وإن رأيتما
الجزء: 9 - الصفحة: 569
أن تفرقا فرقتكما ثم أقبل على المرأة وقال: أقد رضيت بما حكما؟ قالت: نعم رضيت بكتاب الله عليَّ، ثم أقبل على الرجل فقال: قد رضيت بما حكما فقال: لا، ولكن أرضى أن تجمعا ولا أرضى أن تفرقا، فقال له علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بمثل الذي رضيت.
فموضع الدليل من هذا الخبر أنه لو ملك الحكمان ذلك بغير توكيل الزوجين لم يكن لرجوع علي عنه إلى رضي الزوج وجه ولكان بإذن الحكمين فيه وإن امتنع.
فإن قيل: فما معنى قوله كذبت والله حتى ترضى بمثل الذي رضيت وكيف يكون امتناعه من الرضى كذبًا فعنه جوابان:
أحدهما: يجوز أن يكون تقدم من الرضى ثم أنكره فصار كذبًا وزال بالإنكار ما تقدم من التوكيل.
والثاني: أن قوله كذبت بمعنى أخطأت وقد يعبر عن الخطأ بالكذب لأنه بخلاف الحق ومنه قول الشاعر:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا
يعني أخطأتك عينك ويدل على ما ذكرنا أن الله تعالى لم يجعل الطلاق إلا إلى الأزواج فلم يجز أن يملكه غيرهم ولأن الحاكم لا يملك إيقاع الطلاق والخلع بين الزوجين إلا عن رضاهما فلأن لا يملكه الحكمان من قبله أولى.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين كان الحكمان على القول الأول حاكمين وعلى القول الثاني وكيلين ولا بد من اعتبار شروط صحته تحكيمهما وهي تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجب اعتباره فيهما.
وقسم يستحب اعتباره فيهما.
وقسم يختلف باختلاف القول فيهما.
فأما ما يجب اعتباره فيهما من الشروط فثلاثة:
أحدهما: أن يكونا رجلين فإن كانا أو أحدهما امرأة لم يجز.
والثاني: أن يكونا حرين فإن كانا أو أحدهما عبدًا لم يجز.
والثالث: أن يكون عدلين فإن كانا أو أحدهما غير عدل لم يجز.
الجزء: 9 - الصفحة: 570
وإنما اعتبرنا هذه الشروط الثلاثة على القولين معًا لأنهما إن كانا حاكمين فلا بد من اعتبار هذه الشروط في الحاكم وإن كانا وكيلين فقد اقترن بوكلتهما ولاية اختيار الحاكم لهما ولا يصح فيمن رد الحكم إليه نظر إلا أن يكون بهذه الصفات ألا ترى أن الحاكم لو أراد أن يرد النظر في مال يتيم إلى عبد أو فاسق لم يجز وإن جاز أن يكون وكيلًا.
وأما ما يستحب اعتباره فهو أن يكون الحكمان من أهل الزوجين لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّساء: 35] ولأن الأول أخص بطلب الحظ من الأجانب ولأن الأنس بالأهل والاستجابة لهم وشرح الحال معهم أكثر من الأجانب فلهذه الأمور اخترنا أن يكون الحكمان من أهل الزوجين فإن كانا أجنبيين جاز لأنه إن جرى التحكيم مجرى الحاكم فحكم الأجنبي نافذ وإن جرى مجرى الوكالة فوكالة الأجنبي جائزة ولأنه قد لا يكون لواحد من الزوجين أهل ولا أنه كانوا حضروا ولا إن حضروا كانوا عدولاً فدعت الضرورة إلى جواز تحكيم غير الأهل.
وأما ما يختلف باختلاف القول فيهما فهو أن يكونا فقيهين من أهل الاجتهاد في الأحكام.
فإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الحاكمين فلا بد أن يكونا من أهل الاجتهاد فإن لم يكونا من أهله لم يجز؛ لأنه حكم فلم ينفذ إلا من مجتهد.
وإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الوكيلين جاز أن يكونا من أهل الاجتهاد؛ لأن وكالة العامة جائزة فإن عدل الحاكم عن أهلها إلى أجنبيين اختار لكل واحد منهما حكمًا يثق به ويأنس إليه ولا يجوز أن يحكم عليهما عدويين للتهمة اللاحقة بهما.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ فَوَّضَا مَعَ الخُلْعِ وَالفُرْقَةِ إِلَى الحَكَمَيْنِ الأَخْذَ لِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ عَلى الحَكَمَيْنِ الاجْتِهَادُ فِيمَا يَرَيَانِهِ أَنَّهُ صَلَاحٌ لَهُمَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِهِمَا».
قال في الحاوي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: على ما يتم به ولاية الحكمين.
والثاني: ما يجوز أن يفعله الحكمان وما لا يجوز لهما فعله.
فأما الأول فيما يتم به ولاية الحكمين فهو معتبر باختلاف القولين فيهما.
فإن قلنا: إنهما حكمان تمت ولايتهما بتقليد الحاكم لهما ولا يعتبر فيهما إذن الزوجين ولا رضاهما لكان لا بد للحاكم أن يعين كل واحد من الحكمين أن يكون مختصًا بأحد الزوجين فإن لم يعينه لم يجز لأن كل واحد منهما ينوب عن أحد الزوجين في استيفاء حقه من الآخر والنظر في مصلحته، ثم يرد إليهما ما رأياه صلاحًا من إصلاح أو طلاق أو خلع، فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 571
أراد بعد تحكيمها أن يستبدل بهما غيرها، فإن كان لتغير حالهما أو لوجود من هو أولى منهما جاز، وإن لم يكن لتغير حال ولا لوجود من هو أولى لم يجز ولو اعتزل الحكمان جاز وما يستحب ذلك لهما إلا أن يكون لعجز منهما أو لاشتباه الأصلح عليهما، وليس لهما بعد عزل أو اعتزلا أن يحكما عليهما بشيء، فإن حكما لم ينفذ حكمهما وإن قلت إن الحكمين وكيلان لم يتم ولايتهما إلا بتوكيل الزوجين إلى إذن الحاكم، وإنما افتقرا مع توكيل الزوجين إلى إذن الحاكم لهما، لأن له مع الوكالة ولاية لا تصح إلا بالحاكم وإذا كان كذلك احتاج كل واحد من الزوجين أن ينفرد بتوكيل الحكم الذي ينوب عنه فيأذن الزوج لحكمه في الطلاق وعدده وفي الخلع ومقداره ولا يكتفي في الإذن بالطلاق عن الإذن في الخلع لأن الخلع يسقط الرجعة فلا يفعل ذلك إلا بإذن مستحقيها وتأذن الزوجة لحكمها أن يخالع عنها من مالها بما تقدره له أو تعينه ثم يأذن الحاكم للحكمين بعد توكيل الزوجين في فعل ما وكلا فيه وإمضائه فيكون التوكيل من الزوجين والولاية من الحاكم.
فصل:
وأما ما يستحق على الحكمين فعله فهو الاجتماع على فعل الأصلح للزوجين فإن كان الأصلح لهما الإصلاح بينهما فليس لهما أن يعدلا عن الإصلاح إلى طلاق أو خلع فإن طلقا أو خالعا لم يجز وكان مردودًا وإن كان الأصلح لهما الطلاق من غير خلع اتفقا عليه تفرد حكم الزوج بإيقاعه ولم يجز أن يخالعا وإن كان الأصلح لهما الخلع اجتمعا على عقد الخلع بعد اتفاقهما على عدد الطلاق وقدر العوض وتفرد حكم الزوجة بالبذل وحكم الزوج بالقبول وإيقاع الطلاق.
فلو أراد الحكمان فسخ النكاح بغير طلاق لم يجز لأنه غير مأذون فيه فإن أذن لهما الحاكم في الفسخ جاز إن قيل: إن التحكيم حكم لأن الحاكم بالفسخ أخص منه بالطلاق وإن قيل: إن التحكيم وكالة لم يجز؛ لأن الموكل لم يرد الفسخ إليهما فلو رد الزوجان إليهما لم يجز.
وإن قيل: إن التحكيم وكالة لأن الزوجين لا يملكان الفسخ إلا بالعيب.
فأما إن ظهر لأحد الزوجين على صاحبه مال لم يكن للحكمين أن يستوفياه إلا عن إذن مستحقه من الزوجين دون الحاكم لأنه رشيد لا يولى عليه فإن أخذه الحاكم لم يبرأ منه الدافع فإن جعل كل واحد من الزوجين إلى حكمه أن يستوفي ما وجب له من حق على صاحبه لم يحتج إلى إذن الحاكم فيه وجاز له استيفاؤه ولو جعل الحاكم ذلك إليه لم يجز على القولين معًا سواء قيل: إن الحاكم أو وكيل لأن الحاكم لا مدخل له في استيفاء حقوق أهل الرشد وإن كان له مدخل في إيقاع الفرق بينهم وهكذا لا يجوز للحكمين الإبراء من حق وجب لأحد الزوجين من نفقة أو دين لأن الإبراء لا يصح إلا من مالك أو بإذن مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 572
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ غَابَ أَحَدُ الزُّوْجَيْنِ وَلَمْ يَفْسَخِ الوَكَالَة أَمْضَى الحَكَمَانِ رَايَهُمَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا استقرت ولاية الحكمين في شقاق الزوجين فعاف الزوجان أو أحدهما وأراد الحكمان تنفيذ ما إليهما فهو مبني على اختلاف القولين فيهما فإن قلنا: إن التحكيم وكالة جاز لهما مع غيبة الزوجين أن يفعلا ما رأياه صلاحًا لأن للوكيل أن يستوفي حق موكله ويوفي ما عليه من حق وإن كان غائبًا هذا إذا كان مفترقين في الغيبة فأما إذا كان في غيبتهما مجتمعين، لم يكن للحكمين إيقاع طلاق ولا خلع لجواز أن يصطلحا في الغيبة وإن قيل: إن التحكيم حكم لم يجز للحكمين أن يحكما مع غيبتهما سواء كانا فيهما مجتمعين أو مفترقين لأنه وإن جاز الحكم عندنا على الغائب فالحكم له لا يجوز حتى يحضر فإن رجع الزوجان عن التحكيم فإن كان مع اصطلاحهما بطلت ولاية الحكمين سواء قيل: إن التحكيم حكم أو وكالة لأن الشقاق قد زال وإن كان مع مقامها على الشقاق بطل التحكيم إن قيل: إنه وكالة ولم يبطل إن قيل: إنه حكم.
ولو رجع أحد الزوجين دون الأخر كان كرجوعهما معًا يبطل به التحكيم إن قيل إنه وكالة ولم يبطل به إن قيل: إنه حكم لأن التحكيم لا يصح إلا بحكمين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَمْضِ الحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا شَيْئًا حَتَّى يَفِيقَ ثُمَّ يُحْدِثَ الوَكَالَةَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا جن أحد الزوجين بعد تحكيم الحكمين أو أغمي عليه لم يجز للحكمين أن ينفذا حكم الشقاق بين الزوجين على القولين معًا، لأنه إن قيل: إن التحكيم وكالة فقد بطلت بجنون الموكل.
وإن قيل: إنه وكالة حتى يستأنفها المفيق منهما دون الآخر ولا يحتاج إلى استئناف إذن من الحاكم ولم يبطل التحكيم إن قيل: إنه حكم وجاز للمحكمين بالإذن الأول إمضاء حكمهما على الزوجين ولم يؤثر الجنون في إبطال تحكيمهما وإنما أثر التوقف إلى إفاقتهما ليعلم حالهما بعد الإفاقة في مقامها على الشقاق أو إقلاعهما عنه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى السُّلْطَانِ إِنْ لَمْ يَرْضَيَا حَكَمَيْنِ أَنْ يَاخُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَلْزَمُ وَيُؤَدِّبَ أَيُّهُمَا رَأَى أَدَبَهُ إِن امْتَنَعَ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَام القُرْآنِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: نَجْبُرُهُمَا عَلَى الحَكَمَيْن كَانَ مَذْهَبًا.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَاّ ظَاهِرُ الآيَةِ وَالقِيَاسُ مَا عَلَيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الطَّلَاقَ
الجزء: 9 - الصفحة: 573
لِلأَزْوَاجِ فَلاَ يَكُونُ إِلَّا لَهُمْ».
قال في الحاوي: وصورتهم أن يمتنع الزوجان من الرضى بالحكمين مع مقامهما على الشقاق.
فإن قيل: إن التحكيم حكم لم يؤثر فيه امتناع الزوجين وأمضى الحاكم رأيه عن اختيار الحكمين.
وإن قيل: إنه وكالة لم يصح مع امتناع الزوجين ولا يجوز إجبارهما عليه لأن الوكالة لا تصح مع الإجبار وكذلك لو امتنع أحدهما كان كامتناعهما وإذا لم يصح التحكيم على هذا القول إلا عن رضى الزوجين فعلى الحاكم أن ينظر بينهما ويستوفي الحق لمن وجب له على من وجب عليه غير أنه لا يوقع بينهما طلاقًا ولا خلعًا؛ لأن الحاكم مندوب إلى استيفاء الحقوق وإنصاف المظلوم، فإن علم من أحدهم عدونًا على صاحبه منعه منه، فإن لم يمتنع أدبه عليه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلوَ اسْتَكْرَهَهَا عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا عَلَى أَنْ طَلَّقّهّا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيَّنَةً رَدَّ مَا أَخَذَهُ وَلَزِمَهُ مَا طَلَّقَ وَكَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ».
قال في الحاوي: وهذه مسألة من الخلع وكثيرًا ما يختم المزني بمسألة من الكتاب الذي يليه.
وصورتها في رجل أكره زوجته على الخلع بضرب أو حبس أو أحد أنواع الإكراه حتى بذلت له مالًا على طلاقها فالخلع باطل؛ لأن عقود المعارضات لا تصح مع الإكراه، وعليه رد المال عليها وطلاقه واقع لأنه أوقعه باختياره، وله الرجعة إن كان الطلاق دون ثلاث؛ لأن البذل لم يحصل له، فإن ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا فذكر أنه خالعها مختارة فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها تنكر استحقاق البذل وهو يدعيه وطلاقه قد وقع بائنًا ولا رجعة له مقر بطلاق لا يستحق فيه الرجعة والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمها في الرجعة أنه في المسألة الأولى مقر بفساد الخلع فثبت له الرجعة وفي هذه المسألة مقر بصحة الخلع فللم يثبت له الرجعة فلو ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا لها فأنكرها الخلع كان القول قول يمينه ولا طلاق عليه لأن في هذه المسألة منكر للطلاق فلم يلزمه وفي التي تقدمها مقر بالطلاق فلزمه، وبالله التوفيق.
تم الجزء التاسع
ويليه إن شاء الله الجزء العاشر
وأوله: كتاب الطلاق
الجزء: 9 - الصفحة: 574
الجزء: 9 - الصفحة: 575
الجزء: 9 - الصفحة: 576
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفي 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد
الجزء العاشر يحتوي على الكتب التالية: الطلاق - الرجعة - الإيلاء - الظهار - اللعان - الأيمان
الجزء: 10 - الصفحة: 1
بسم الله الرحمن الرحيم