كتاب الشهادات الثاني
باب من تجوز شهادته ومن لا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلًا يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصيٍة ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته".
قال في الحاوي: وإنما فصل المزني الشهادات كتابين، أولًا وثانيًا، لأن الأول متصل بالحكم، فأضافه إلي أدب القاضي.
والثاني: في صفة الشاهد في القبول والرد أفرده عن الأول.
والمقبول الشهادة، وهو العدل، والمردود الشهادة هو الفاسق فأما قبول شهادة من العدل، فلقوله تعالى ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ﴾ [البقرة: 282] والرضا متوجه إلي العدل منتصف عن الفاسق.
وأما التوقف عن شهادة الفاسق فلقوله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] والنبأ: الخبر.
وكل شهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة.
ولقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18].
فالمنع من المساواة إذا أوجب قبول العدل أوجب رد الفاسق وقيل إن هاتين الآيتين في الفاسق نزلتا في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وسبب نزول الآية الأولى فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذه إلي قبيلة مصدقًا فأخذ من صدقتها، وكان بينه وبين القوم إحن، فتوجه إليهم وعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم منعوه الصدقة ولم يمنعوه، فهو بغزوهم حتى أنزل الله تعالى فيه ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فكفى عنهم وعلى بحالهم.
وأما الآية الثانية فبسبب نزلها: أنه استطال على علي بن أبي طالب عليه السلام
الجزء: 14 - الصفحة: 273
ذات يوم وقال: أنا أثبت منك جنانًا، أفصح منك لسانًا، وأهد منك سنانًا فنزل فيه ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ يعني بالمؤمن علي ابن أبي طالب وبالفاسق الوليد بن عقبة ﴿يَسْتَوُونَ﴾ يعني في أحكام الدنيا ومنازل الآخرة.
وأما اسم العدل فهو العديل، لأنه معادل لما جازاه والمعادلة المساواة، وهو في الشرع حقيقة فيما كان مرضي الدين والمروءة لاعتداله.
وأما اسم الفاسق فهو في اللغة: مأخوذ من الخروج عن الشيء يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فسمي الغراب فاسقًا لخروجه من مألفه وسميت الفأرة قويسقة لخروجها من جحرها.
وهو في الشرع حقيقة فمن كان مسخوط الدين والطريقة لخروجه عن الاعتدال.
فصل:
فإذا تقرر فرق ما بين العدل والفاسق، وجب العدول إلي صفة العدل وإلي صفة الفاسق، ليكون من وجدت فيه العدالة مقبولًا، ومن وجد فيه الفسق مردودًا.
فالعدل في الشهادة من تكاملت فيه ثلاثة خصال:
إحداهن: أن يكون من أهلها، وذلك بثلاثة أمور: أن يكون مكلفًا، حرًا، مسلمًا.
وليس عدم التكليف والحرية موجبًا لفسقه وإن كان وجودهما شرطًا في عدالته.
والثانية: كمال دينه، وذلك بثلاثة أمور:
أن يكون محافظًا على طاعة الله تعالى في أوامره مجانبًا لكبائر المعاصي غير مصر على صغائرها.
والكبائر: ما وجبت فيها الحدود وتوجه إليها الوعيد.
والصغائر: ما قيل فيها الإثم.
قال الله تعالى: ﴿إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32].
وفي هذه الكبائر لأهل التأويل أربعة أقاويل:
أحدها: ما زجر عنه بالحد.
والثاني: ما لا يكفر إلا بالتوبة.
والثالث: ما رواه شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر.
فقال: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، وأن تزاني بحليلة جارك".
الجزء: 14 - الصفحة: 274
والرابع: ما روى سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: هي إلي سبعمائة أقرب منها إلي سبع، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار.
فكان يرى كبائر الإثم ما لم يستغفر الله عنه إلا بالتوبة.
وأما الفواحش ففيها قولان:
أحدهما: أنها الزنا.
والثاني: أنها جميع المعاصي.
وأما اللم ففيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن يعزم على المعصية ثم يرجع عنها قد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أني النبي صلى الله عليه وسلم قالك"إن تغفر اللهم تغفر جمًا وأي عبد لك إلا ألمًا".
والثاني: أن يلم بالمعصية يفعلها ثم يتوب عنها، قاله الحسن ومجاهد.
والثالث: أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا، ولم يستحق عليه في الآخرة عقاب.
قاله مجاهد.
والرابع: أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة، والنظرة والمضاجعة.
قاله ابن مسعود.
وروى طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم من قول أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كتب الله على كل نفس حظها من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، واللسان النطق، هي النفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
والثالثة: ظهور المروءة.
وهي على ثلاثة أضرب:
ضرب يكون شرطًا في العدالة.
وضرب لا يكون شرطًا فيها.
وضرب مختلف فيه.
وأما ما يكون شرطًا فيها فهو: مجانبة ما سخف من الكلام المؤذي أو المضحك وترك ما قبح من الضحك الذي يلهو به.
أو يستقبح لمعرفته أو أدائه، فمجانبة ذلك من المروءة التي هي شرط في العدالة وارتكابها مفض إلي الفسق.
ولذلك نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة، وكذلك خضاب اللحية من السفه التي ترد به الشهادة، لما فيها من تغيير خلق الله تعالى.
فأما ما لا يكون شرطًا فيها فهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه، فهذا من المروءة وليش بشرط في العدالة.
فأما المختلف فيه فضربان: عادات، وصنائع.
فأما العادات فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دون أهل البذلة، في ملبسه ومأكله وتصرفه.
الجزء: 14 - الصفحة: 275
فلا يتعرى عن ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم.
ولا ينزع سراويله في بلد يلبس في أهل الصيانة سراويلهم، ولا كشف رأسه في بلد يغطي فيه أهل الصيانة فيه رؤوسهم.
وإن كان في بلد لا يجافي في أهل الصيانة ذلك فيه، كان عفوًا، كالحجاز والبحر الذي يقتصر أهله فيه على لبس المئزر.
وأما المأكل فلا يأكل على قوارع الطرق ولا في مشبه، ولا يخرج عن العرف في مضغه، ولا يعاني بكثرة أكله.
وأما التصرف فلا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد يتجافاه أهل الصيانة إلي نظائر هذا مما فيه بذلة وترك تصون.
وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شروط العدالة أربعة أوجه:
أحدها: أنه غير معتبر فيها لإباحته.
قد باع رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فيمن يزيد واشترى سراويل بأربعة دراهم.
وقال: "يا وزان زن وأرجح".
وقال الروي: فأخذته لأحمله.
فقال: "دعه فصاحب المتاع أحق بحمله".
وقيل لعائشة: ما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله إذا خلا؟ قالت: كان يخصف النعل ويرقع الدلو.
وكان أبو بكر رضي الله عنه يسلك الطريق في خلافته وهو متخلل بعباءة ربطها بشوكة.
وكان عمر رضي الله عنه يلبس المرقعة، ويهنأ بعيره بيده ويقوده.
وقد اشترى علي رضي الله عنه قميصًا وأتى تجارًا فوضع كمه وقال: اقطع ما فضل عن الأصابع، فقطعه بفأس فقيل له: لو كففته؟ قال: دعه يتسلل مع الزمان.
وعمل بالأجر في حائط وأجر نفسه من يهودية ليسقي كل دابة بتمرة.
وما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجاز، لا يجوز أن يكون قادحًا في العدالة، لأن المروءة مشتقة من المرء وهو الإنسان فصارت الإشارة بها إلي الإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن المروءة من دواعي الحياة.
والثاني: أن هذا الضرب من المروءة شرط معتبر في العدالة، ولأن المروءة مشتقة من المروءة وهو الإنسان، فصارت الإشارة بها للإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن حفظ المروءة من دواعي الحياء.
وإن كان لا يفسق به، لأن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة.
قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء 41].
الجزء: 14 - الصفحة: 276
وقال الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة 143].
وقال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج 33 - 35].
وما كان بهذه المنزلة من الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة، وليس ما فعله عن الصدر الأول بذلة، لأنه لم يخرج من عرف أهله في الزهادة والانحراف عن الدنيا إلي الآخرة.
وقد روى أبو مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
ولأن إقدامه على البذلة والعدول عن الصيانة دليل على اطراح الصيانة والتحفظ في حق نفسه فكان أولى أن يقل تحفظه في حق غيره.
والثالث: أنه إن كان قد نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته وإن استحدثها في كبيرة قدحت في عدالته؛ لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها وبالاستحداث مختارًا لها.
والرابع: إن اختصت بالدين قدحت في عدالته كالبول قائمًا وفي الماء الراكد، وكشف العورة إذا خلا، وإن يتحدث بمساوئ الناس، وإن اختصت بالدنيا لم تقدح في عدالته.
كالأكل في الطريق وكشف الرأس "بين الناس"والمشي حافيًا، لأن مروءة الدين مشروعة ومروءة الدنيا مستحسنة.
فصل:
وأما الصنائع فضربان: مسترذل وغير مسترذل.
فأما غير المسترذل كالزراعة والصناعة، فغير قادح في العدالة، لأنها مما لا يستغني الناس عن الاكتساب بصنائعهم ومتاجرهم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وإن من الذنوب ما لا يكفر صوم ولا صلاة ويكفره عرق الجبين في طلب الحرفة".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله".
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكذب الناس الصباغون والصواغون"قيل: هذا موقوف على أبي هريرة وليس بمسند، لأنه سمع قومًا يرجفون بشيء فقال: كذبة قالها الصباغون والصواغون.
الجزء: 14 - الصفحة: 277
وإن ثبت مسندًا فقد اختلف أهل العلم في تأويله.
فقال بعضهم: لأنهم يعدون ويخلفون.
وإخلافه الوعد كاذب.
وقال آخرون: لأن الصباغين يسمون الألوان بما أشبهها فيقولون: هذا لون الشقائق ولون الشفق ولون النارنج.
والصواغون يسمون الأشكال بما يماثلها، فيقولون: هذا زرع وهذا شجر، وتسمية الشيء بغير اسمه كذب.
وقال آخرون: يريدون بالصباغين الذي يصبغون الكلام فيغيرون الصدق بالكذب، لأن الصبغ تغيير اللون بغيره.
ويريد بالصواغين الذين يصوغون الكلام ومنهم الشعراء.
لأنهم يكذبون في التشبيه والتشيب.
فإن كانوا على التأويل الأول ردت به شهادتهم، لأن مخالفة الوعد كذب.
وإن كانوا على التأويل الثاني، لم ترد به الشهادة، لأنه مخالفة الاسم استعارة، وإن كانوا على التأويل الثالث، ردت الشهادة في الصباغين ولم ترد في الصواغين إذا سلموا من الكذب.
وأما المسترذل من الصنائع فضربان:
أحدهما: ما كان مسترذلًا في الدين كالمباشرين للأنجاس من الكناسين والزبالين، والحجامين، أو المشاهدين للعورات كالقيم والمزين.
والثاني: ما كان مسترذلًا في الدنيا كالنسيج والحياكة، وما يدنس برائحته كالقصاب والسماك.
فإن لم يحافظ هؤلاء على إزالة الأنجاس من أيديهم وثيابهم في أوقات صلواتهم وقصروا في حقوق الله تعالى عليهم، كان ذلك جرحًا في عدالتهم وقدحًا في ديانتهم.
وإن حافظوا على إزالة النجاسة، والقيام بحقوق العدالة، ففي قدح في عدالتهم ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يقدح فيها، لأن الرضا بها في الاسترذال قدج.
والثاني: أنه لا يقدح في العدالة لأنه لا يجد الناس منها بدًا.
ولأنها مستباحة شرعًا.
والثالث: أنه يقدح في العدالة منها ما استرذل في الدين.
ولا يقدج فيها ما استرذل في الدنيا، لا سيما الحياكة لكثرة الخير في أهلها.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط العدالة، وأنها فعل الطاعات واجتناب المعاصي، ولزوم المروءة على التفصيل الذي ذكرنا.
فقد قال الشافعي: "ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلًا بمحض الطاعة والمروءة.
حتى لا يخلطهما بمعصية ولا بمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما
الجزء: 14 - الصفحة: 278
بشيء من الطاعة والمروءة".
وهذا صحيح لأن في غرائز أنفسهم دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فلم يتمحض وجود أحدهما مع اجتماع سببهما وقد قال الشاعر:
من لك بالمحض وليس محض ... يحيق بعض ويطيب بعض
ولأن أفضل الناس الأنبياء وقد قال الله تعالى: ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121].
وقال الله تعالى: ﴿وظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: 24] وقال: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] وقال تعالى في يونس: ﴿لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منا معاشر الأنبياء إلا من عصى الله أو هم بمعصية إلا أخي يحي بن زكريا".
وقيل: إنه اختبر يحيى في كوز ماء رآه مملوءًا وفرغ وهو لا يعلم.
وقيل له: ما في الموز فقال: كان فيه ماء، ولم يقل فيه ماء فيكون كذبًا فتحفظ حتى سلم.
ولأن أعصى خلق الله إبليس وقد كانت منه طاعة في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص 82 - 83].
وإذا لم يسلم أحد من الطاعة والمعصية، لم يجز أن تكون العدالة مقصورة على خلوص الطاعات.
ولا الفسق مقصورًا على خلوص المعاصي لامتناع خلوص كل واحد منهما.
ولا اعتبار بالممتنع فوجب أن يعتبر الأغلب من أحوال الإنسان.
فإن كان الأغلب عليه الطاعة والمروءة، حكم بعدالته وقبول شهادته، وإن عصى ببعض الصغائر، وإن كان الأغلب عليه المعصية وترك المروءة، حكم بفسقه ورد شهادته وإن أطاع في بعض أحواله.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (102) ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102 - 103].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
فغلب حكم الأغلب كما غلب في الإباحة والحظر حكم الأغلب وفي استعمال الماء إذا اختلط بمائع.
وفي نكاح النساء إذا اختلطت بأخت إن كانت في عدد محصور، حرمن عليه حتى تتعين له من ليست بأخت فتحل، وإن كانت في جم غفير حللن له حتى تتعين له من هي أخت فتحرم.
الجزء: 14 - الصفحة: 279
فوجب أن يكون حكم الأغلب أصلًا معتبرًا في العدالة والفسق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبٍر منه أو بينٍة أنه حر".
قال في الحاوي: وقد تقرر بما ذكرنا أن العدالة في الشهادة معتبرة بثلاثة أشياء: بدينه، ومروءته، وان يكون من أهلها.
فأما اعتبارها بدينة، فيكون بثلاثة أشياء:
أحدهما: أن يواظب على فعل الطاعات في العبادات والمعاملات.
والثاني: أن يجتنب كبائر الإثم والمعاصي من الزنا واللواط والقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر.
والثالث: أن لا يصر على صغائر المعاصي، وإصراره عليها الإكثار منها وقلة الانقباض عنها.
وهذا معتبر فيه باطنًا وظاهرًا، وثبوته عند الحاكم قد يكون من وجهين:
أحدهما: أن يعلمه من حاله، فيجوز أن يعمل فيه بعلمه سواء قيل للحاكم أن يحكم بعلمه أم لا؛ لأنها صفة إخبار تتقدم على الحكم.
والثاني: أن يجهل حاله فتثبت عدالته بالبينة العادلة على ما وصفنا في أدب القاضي.
من أهلي المعرفة الباطنة به.
ولا يجوز أن يحكم بعدالته بقوله: إنني عدل، ويجوز أن يحكم فسقه بقوله: إني فاسق، لأنه متهوم في التعديل وغير متهوم في الجرح، لأن العدالة توجب له حقًا والفسق يوجب عليه حقًا.
فصل:
وأما المروءة فقد ذكرنا ما يعتبر فيها من المروءة في العدالة وما لا يعتبر وليس لما لا يعتبر منها تأثير.
وأما المعتبر منها، فهو ظاهر في أفعال العدل، فإن عرفه الحاكم عمل فيها بمعرفته.
وإن خفيت عليه سأل عنها.
وهل تثبت عنده بخبر أو شهادة؟ على وجهين:
أحدهما: لا تثبت عنده إلا بشهادة، كالعدالة في الدين، ولا تثبت إلا بشاهدي عدل قد جرياه على قديم الوقت وحديثه.
والثاني: أنها خبر تثبت بقول من يوثق به وإن كان واحدًا، لأن العدالة في الدين باعثة عليها، فقوي الخبر بها فأقنع.
الجزء: 14 - الصفحة: 280
وأما كونه من أهل العدالة في الدين فتكون بأربعة أشياء: ببلوغه، وعقله، وإسلامه، وحريته.
فأما البلوغ، فإن لم يشتبه حاله فيه لكونه رجلًا مشتدًا فهو مقطوع به وإن اشتبهت حاله فيه، لكونه رجلًا، أمرد، فحكم بحكم الحاكم ببلوغه يكون من أحد أربعة أوجه:
أحدها: أن يظهر عليه شواهد البلوغ بالإثبات، إذا جعل الإثبات في المسلم بلوغًا.
والثاني: أن يعرف الحاكم سنه فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ.
والثالث: أن يشهد ببلوغه شاهدا عدل فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ فتكون شهادة لا خبرًا.
والرابع: أن يقول الغلام: قد بلغت فيحكم ببلوغه فتكون شهادة بقوله، لأنه قد يبلغ بالاحتلام الذي لا يعلم إلا من جهته، لأنه قد تتغلظ أحكامه بتوجه التكليف إليه فكان غير متهم فيه.
وأما العقل فيعلم مشاهدة بظهور نتائجه، ولا يحتاج إلى بينة إن خفي لإمكان اختباره مع الاشتباه.
حكي أن امرأة حضرت عند شريح في محاكمة، فقيل له: إنها مجنونة، فقال لها مختبرًا: أي رجليك أطول؟
فمدتها لتقدرهما، فصرفها وحكم بعقلها.
فصل:
فأما الإسلام فيعلم بأربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم إسلام أحد أبويه أو كليهما قبل بلوغه فيحكم بإسلامه.
والثاني: أن يتلفظ بالشهادتين فيحكم بإسلامه.
والثالث: أن يرى مصليًا في مساجدنا على قديم الوقت وحديثه فيحكم بإسلامه بظاهر الحال لا بالصلاة لأننا لا نحكم بإسلام الكافر إذا صلى.
والرابع: أن يقول إنني مسلم فيحكم بإسلامه.
وهل يحتاج إلى اختباره بالشهادتين مع الجهل بحاله أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يختبر بهما لأنه أحوط.
والثاني: لا يلزم اختياره بعد إقراره لجريان أحكام الإسلام عليه إن أنكر فإن علم الحاكم إسلامه من أحد هذه الوجوه حكم به، وإن جهله وقامت البينة بإسلامه حكم به ولم يسأل الشهود عن سبب إسلامه.
فأما إذا شوهد في دار الإسلام على قديم الوقت وحديثه، حكم بإسلامه في الظاهر.
ما لم يعلم كفره، لأن ميتًا لو وجد في دار الإسلام، مجهول الحال، وجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين اعتبارًا بظاهر الدار.
الجزء: 14 - الصفحة: 281
وهل يكون الحكم بإسلامه في الظاهر موجبًا للحكم بإسلامه في الباطن؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بإسلامه في الباطن تبعًا، فيرث ويورث من غير استكشاف عن إسلامه اكتفاء بظاهرة.
والثاني: لا يحكم بإسلامه في الباطن وإن حكم به في الظاهر لأنه لو أقر بالكفر قبل منه وأجرى عليه حكمه، ولو حكم بإسلامه في الباطن لم يقبل إقراره بالكفر.
وأجرى عليه حكم الردة، وهذا أظهر الوجهين.
وإن حكم بإسلامه في الظاهر والباطن لم يسأل عن إسلامه إن شهد وسأل عن عدالته، وإن حكم به في الظاهر دون الباطن سأل عن إسلامه ثم عن عدالته.
والله أعلم.
فصل:
فأما الحرية وهي مسألة الكتاب: فقد ذكرنا أنها شرط في قبول الشهادة، وليست شرطًا في صحة العدالة، لأن قوله مقبول في الفتيا والأخبار وإن لم يقبل في الشهادة.
وحريته تعلم من وجهين متفق عليهما وثالث مختلف فيه:
أحدهما: أن تلده حرة فيكون حر الأصل.
والثاني: أن يعتقه مالك فيصير حرًا بعد الرق.
والثالث: المختلف فيه: أن يقول: أنا حر، ففي ثبوت حريته بقوله وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه، في هذا الموضع: لا تقبل شهادته حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة أنه حر، فكان ظاهر كلامه أن خبره في حريته مقبول، لأنه لما كان قوله في إسلامه مقبولًا، لأن الظاهر من الدار إسلام أهلها، كان قوله في حريته مقبولًا؛ لأن الظاهر من دار الإسلام حرية أهلها.
والثاني: أن قوله في حريته غير مقبول، وإن كان قوله في إسلامه مقبولًا.
وهذا أظهر الوجهين.
والفرق بين الإسلام والحرية، أنه يملك الإسلام إذا كان كافرًا فملك الإقرار به.
ولم يملك الحرية إذا كان عبدًا فلم يملك الإقرار بها.
ويكون معنى قول الشافعي رضي الله عنه، إلا بخبر منه: يعني من الحاكم؛ لأن يجوز للحاكم أن يعمل بعلمه في أسباب الجرح والتعديل على القولين معًا.
وكان بعض أصحابه يحمل الجميع على القولين في الجرح والتعديل، هل الحكم يعمل فيهما بعلمه أم لا؟ على قولين:
والفرق بينهما أولى لما ذكرناه من المعنى.
فأما قول الشافعي: ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة تشهد أنه حر، فقد اختلف أصحابنا في مراده بنفي القبول على وجهين:
الجزء: 14 - الصفحة: 282
أحدهما: لا تسمع الشهادة حتى يعلم حرية الشاهد وإسلامه فيسمعها ثم يسأل عن عدالته بظهور الحرية والإسلام، وخفاء العدالة.
والثاني: لا يحكم بها حتى يعلم حريته وإسلامه ويجوز أن يسمعها قبل العلم بحريته وإسلامه كالعدالة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تجوز شهادة جاٍر إلى نفسه ولا دافع عنها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن من شروط قبول الشهادة أن يخلو من التهم لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] والتهمة ريبة.
وروى القاسم بن محمد عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة" فالخصم المنازع والظنين: المتهم.
وذي الإحنة: العدو فمن المتهومين في الشهادة وإن كانوا عدولًا، من يجر بشهادته إلى نفسه نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا، فلا تقبل شهادته.
فمن جر النفع، أن يشهد السيد لعبده، أو مكاتبه، لأنه مالك لمال عبده، ومستحق أخذ المال من مكاتبه لجواز عوده إلى رقه.
ومنها أن يشهد الوكيل لموكله فيما هو وكيل فيه، لجواز تصرفه فيه إذا ثبت، فكان نفعًا.
وفي جواز شهادته له في غير ما هو وكيل فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لعدم تصرفه فيه.
والثاني: لا يجوز، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهومًا ومنها شهادة الولي للمولى عليه، لأنه قد قام مقامه في النيابة عنه.
ومنها شهادة الوصي للموصي بعد موته أو لأبيه على ما شهد به، وتجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته.
ومنها شهادة "الموصى له بحق" للموصي "بعد موته" إذا كان له تعلق بحق وصيته.
ويجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته، فإن شهد له بما لا حق له فيه قبلت شهادته وجهًا واحدًا، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين لأن الوكيل قد يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله.
والموصى له لا يتقرب بها إلى الموصي بعد موته، فصار الوكيل متهومًا والموصى له غير متهوم.
ومنها أن يكون للشاهد على المشهود له دين، فيشهد له بدين على غيره فللمشهود له
الجزء: 14 - الصفحة: 283
حالتان: موسر، ومعسر.
فإن كان موسرًا قبلت شهادته له، لأنه لا يجر بها نفعًا لوصوله إلى دينه من يساره.
وإن كان معسرًا فله حالتان:
إحداهما: أن يحكم بفلسه، فلا تقبل شهادته له.
لأن ما شهد به من الدين صائر إليه، فصار نفعًا يترحم به.
والثانية: أن لا يحكم بفلسه، ففي قبول شهادته له وجهان:
أحدهما: وهو الأظهر أنها لا تقبل، لأنه يستحق بها مطالبة المعسر بدينه كالمحكوم بفلسه.
والثاني: قاله أبو حامد الإسفراييني: تقبل شهادته له وإن لم تقبل إذا حكم بفلسه.
وفرقا بين المعسر والمحكوم بفلسه بأنه قد حكم له بمال التفليس ولم يحكم له بمال المعسر، وهذا الفرق لا يمنع من تساويهما في غيره، وهو وصوله إلى حقه بعد تعذره.
ومنها شهادة الشريك لشريكه فيما هو يشركه فيه، لأنه يصير شاهدًا لنفسه، فإن شهد له بما ليس بشريك، جاز بخلاف الوكيل؛ لأن للوكيل نيابة وليس للشريك نيابة.
ولهذا نظائر تجري على حكمها.
فصل:
فأما دفعه بشهادته ضررًا، فهي الشهادة بضد ما ذكرنا في ضده فمنها شهادة السيد بجرح من شهد على عبده أو مكاتبه، لأنه يدفع به نقصًا في حقه.
وكذلك شهادة الوكيل بجرح شهود شهدوا على موكله.
ومنها شهادة الوصي بالإبراء من دين كان على الموصي، لأنه يدفع بها المطالبة عن نفسه.
ومنها أن يشهد الموصى له بعزل مشارك له في الوصية؛ لأنه يدفع بها مزاحمته في الوصية.
ومنها أن يشهد غرماء المفلس بالإبراء من دين كان على المفلس؛ لأنهم يدفعون بها مزاحمة صاحب الدين لهم.
ومنها أن تشهد القافلة بجرح شهود شهدوا بالقتل الخطأ، لأنهم يدفعون بها تحمل الدية عن أنفسهم، إلى نظائر هذا، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا على خصٍم لأن الخصومة موضع عداوةٍ".
الجزء: 14 - الصفحة: 284
قال في الحاوي: وأما شهادة العدو على عدوه فمردودة لا تقبل.
وأجازها أبو حنيفة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فكان على عمومه، ولأن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور.
ولأن العداوة إن كانت في الدين لم تمنع من قبول الشهادة، كما تقبل شهادة المسلم على الكافر مع ظهور العداوة، وإن كانت في الدنيا فهي أسهل من عداوة الدين فكانت أولى أن تقبل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282 [. والعداوة من أقوى الريب.
وروى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا زاٍن ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه".
والغمر: العداوة، وهذا نص.
ولأنها شهادة تقترن بتهمة؛ فلم تقبل كشهادة الوالد للولد.
وأما الجواب عن عموم الآية فمن وجهين:
أحدهما: تخصيصها بأدلتنا.
والثاني: حملها على التحمل دون الأداء.
فأما الجواب عن قولهم إن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور وهو أن هذا المعنى لما لم يبعث على قبول شهادة الوالد للولد لم يوجب قبول شهادة العدو على عدوه.
وأما الجواب عن قولهم: إن العداوة في الدنيا أسهل: فهو أن العداوة في الدين يبعث على العمل بموجبه فزالت التهمة فيه.
والعداوة في الدنيا أغلظ للعدول بها عن أحكام الدين.
وإذا كان ذلك لم تقبل الشهادة المقذوف على القاذف ولا المغصوب منه على الغاصب ولا المسروق منه على السارق وولي المقتول على القاتل والزوج على امرأته إذا زنت في فراشه، إلى نظائر هذا.
وإذا منعت العداوة من الشهادة على العدو، لم تمنع من الشهادة له، لأنه متهوم في الشهادة عليه وغير متهوم في الشهادة له؛ لأن ما بعث على العداوة لا يكون جرحًا تسقط به الشهادة.
فصل:
وأما شهادة الخصم على خصمه فترد فيما هو خصم فيه لرواية القاسم بن محمد عن
الجزء: 14 - الصفحة: 285
ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة".
ولأن الخصومة تؤول إلى العداوة، والعداوة تمنع من قبول الشهادة، ويجوز أن يشهد لخصمه وإن لم يشهد عليه.
فلو شهد عليه ولا خصومة بينهما ثم قذف المشهود فلو عليه الشاهد فصار بالقذف خصمًا قبل الحكم بشهادته.
لم ترد وجاز الحكم بها مع حدوث الخصومة على العداوة بخلاف حدوث الفسق قبل الحكم بالشهود، ولأن حدوث الخصومة والعداوة ليس بجرح يوجب رد الشهادة، ولو منع حدوث ذلك من الحكم بها لما صحت شهادة على أحد، لأنه يقدر على إسقاطها بحدوث نزاع وخصومة وما أدى إلى هذا بطل اعتباره.
فصل:
وتقبل شهادة الصديق لصديقه، وإن كان ملاطفًا، والملاطف، والمهادي، وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لصديقه، وتقبل شهادة غير الملاطف، لتوجه التهمة إليه بأن يشهد له بمال يصير إليه بالملاطفة بعضه فصار جارًا بها نفعًا.
ودليلنا: هو أن المودة مأمور بها، والهدية مندوب إليها.
فلم يجز أن يكون ورود الشرع بها موجبًا لرد الشهادة، وبهذا المعنى فارق العدو لورود الشرع بالنهي عن العداوة.
ولأن ذوي الأنساب من الإخوة والأعمام قد يجوز أن ينتقل إليهم بالميراث فاشهدوا به وسائر أمواله، ثم لا يمنع ذلك من قبول الشهادة.
والصديق الملاطف لا يستحق الميراث فكان أولى أن يكون مقبول الشهادة.
ولا وجه لما ذكر من جواز عوده إلى الصديق بالهدية، لأنه قد يجوز أن يهاديه ولا يهاديه، ويجوز أن يموت قبل مهاداته ويجوز إذا هاداه أن يعدل إلى غيره من أمواله فلم يكن لتعليل المنع بهذا الوجه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا لولد بنيه ولا لولد بناته وإن سفلوا ولا لآبائه وأمهاته وإن يعدوا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا تقبل شهادة الوالد لمولديه به، وإن سفلوا، ولا شهادة الولد لوالديه وإن بعدوا.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال أبو إبراهيم المزني وداود بن علي: شهادة الوالد لولده والولد لوالده جائزة.
الجزء: 14 - الصفحة: 286
وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] ولا يؤمر بالقسط في هذه الشهادة إلا وهي مقبولة ولأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حاكم يهوديًا إلى شريح في درع ادعاه في يده فأنكرها.
فشهد له ابنه الحسن عليه السلام فرد شهادته.
وقال: يا أمير المؤمنين، كيف أقبل شهادة ابنك لك؟
فقال علي عليه السلام في أي كتاب وجدت هذا؟ أو في أي سنة.
وعزله ونفاه إلى قرية يقال لها بالصفا، نيفًا وعشرين يومًا، ثم أعاده إلى القضاء، ولأن الدين والعدالة يحجزان عن الشهادة بالزور والكذب.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] والريبة متوجهة إلى شهادة بعضهم بعضًا لما جبلوا عليه من الميل والمحبة.
ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد محزنة مجبنة مبخلة مجهلة".
وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها: "يا عائشة فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" فدل على أن الولد بعض أبيه.
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: 15] أي ولدًا فصارت الشهادة له كالشهادة لنفسه.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأبي معشر الدرامي: "أنت ومالك لأبيك" فصارت الشهادة بمال أبيه كالشهادة بمال نفسه.
وذكر الشافعي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود حدًا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب في شهادة زور ولا ظنين في قرابة ولا ولاء ولا شهادة القانع لأهل البيت" ووصل بذلك "ولا شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده" ثم قال وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت هذا فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: "ولا ظنين في قرابة" دليل على الوالد والولد.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وهو لا يجوز أن يشهد لكسبه.
ولأن ورود النص بالمنع من شهادة الظنين وهو المتهم يوجب المنع من شهادة الوالد للولد لأنه متهم.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
الجزء: 14 - الصفحة: 287
أحدهما: أنها دالة على الشهادة عليهم لا لهم.
والثاني: أنه لما قرنها لنفسه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: 135] دل على خروجها مخرج الزجر، أن يخبر على نفسه، أو ولده بغير الحق.
ولا يمنع الدين والعدالة من رد الشهادة، كشهادة السيد لعبده ومكاتبه.
وأما إنكار علي عليه السلام على شريح، فلأن شريحًا وهم في الدعوى؛ لأن عليًا عليه السلام ادعى الدرع للمسلمين في بيت المال، ولذلك استشهد بابنه الحسن، ولم يدعها لنفسه، وإنما كان في الدعوى نائبًا عن كافة المسلمين كالوكيل، فوهم شريح وظن أن الدعوى لنفسه.
ولذلك أنكر علي عليه السلام وعزله، لأنه لم يثبت في الفحص عن حقيقة الحال، فيعلم بها جواز الشهادة، فصارت دليلًا على المنع من شهادة الولد لوالده.
فصل:
وأما شهادة الوالد على ولده فمقبولة على العموم في جميع الحقوق، لأنه ولايتهم في الشهادة عليه.
وإن كان متهمًا في الشهادة له.
وأما شهادة الولد على والده فتقبل في كل ما يجوز أن يستحقه الولد على والده من جميع الحقوق وفي قبولها فيما لا يجوز أن يستحقه الولد على والده من حد قذف أو قصاص فيه قولان:
أحدهما: لا تقبل، لأنه لما لم يقتل بقتله لم يقتل بقوله: كالعبد في الشهادة على الحر.
والثاني: وهو الأصح تقبل شهادته عليه كما تقبل في غيره كالحر تقبل شهادته على العبد وإن لم يقتل بالعبد.
وأما الولد من الرضاع والوالد من الرضاع فشهادة بعضهم لبعض عليه فمقبولة له بخلاف النسب، لاختصاص الرضاع بتحريم النكاح، وبفارق النسب فيما عداه من أحكامه من التوارث ووجوب النفقة والعتق بالملك، وليس تحريم النكاح بمانع من قبول الشهادة.
وأما ما عدا عموم الآباء والأبناء من المناسبين كالإخوة والأخوات وبنيهما، والأعمام والعمات وبنيهما والأخوال والخالات وبنيهما، فتقبل شهادة بعضهم البعض، وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال الأوزاعي: لا أقبلها من ذي محرم كالوالد والولد.
وقال مالك: أقبلها في كل حق إلا في النسب لأنه منهم باجتذابه والتكثر.
وكلا المذهبين فاسد، لأن عمر وابن الزبير أجازاه وليس لهما مخالف فصار إجماعًا، لأنه نسب لا يوجب العتق والنفقة فلا يمنع من قبول الشهادة كغير المحرم من ذوي الأنساب.
وأما شهادة المعتق لمعتقه من أعلى وأسفل فمقبولة في قول الجمهور.
الجزء: 14 - الصفحة: 288
ومنع شريح من قبولها كالولادة، وهذا خطا، وقد أنكره علي عليه السلام عليه لأن الولاء لا يمنع من وجوب النفقة، وهذا أبعد من ذوي الأنساب البعيدة لتعديهم عليه في الميراث، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا من يعرف بكثرة الغلط أو الغفلة".
قال في الحاوي: أما الضبط والتيقظ، فهما شرطان في قبول الشهادة، ليقع السكون إلى صحتها، فإن حدث من الشاهد سهو أو غلط، فإن كان فيما يشهد به، ردت شهادته وإن كان سهوه وغلطه في غير تلك الشهادة نظر: فإن كان الأغلب عليه السهو والغلط ردت شهادته، وإن لم يكن ذلك جرحًا في عدالته، لأن النفس غير ساكنة إليه إلى شهادته لحملها في الأغلب على السهو والغلط.
وإن كان الغالب عليه التيقظ والضبط، قبلت شهادته وإن غلط في بعض أخباره وسها، لأن ما من أحد يخلو من سهو أو غلط.
وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد سها وقال: "إنما أسهو لأسن" وإذا كان لا يخلو ضابط من غلط ولا غافل من ضبط وجب أن يكون المعتبر الأغلب، كما يعتبر في الطاعات والمعاصي أغلبها فيكون العدل والفسق معتبرًا بما يغلب من طاعة أو معصية، وكذلك الضبط والغفلة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كنت لا أجيز شهادة الرجل لامرأته لأنه يرثها ما أجزت لأخيه إذا كان يرثه".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه.
فذهب الشافعي رحمه الله إلى جوازها وقبول شهادة الزوج لزوجته.
وقبول الزوجة لزوجها.
وقال النخعي وابن أبي ليلى لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأنه إذا أيسر وجب لها عليه نفقة الموسرين، وتقبل شهادة الزوج لزوجته، لأنه لا يجز بها نفعًا.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ويشبه أن يكون قول مالك، على قياس قوله في الصديق الملاطف، احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21 [. وذلك من موجبات الارتياب والتهمة.
الجزء: 14 - الصفحة: 289
وقالوا: ولأنه سبب لا يحجب من الإرث، فوجب أن يمنع من الشهادة كالأبوة والبنوة.
قالوا: ولأن الميراث يستحق بنسب وسبب فلما كان في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة، وجب أن يكون في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة.
وتحريره: أنه أحد نوعي ما يورث به فوجب أن يكون منه ما ترد به الشهادة كالنسب.
قالوا: ولأن اجتماعهما في المقام والظعن وامتزاجهما في الضيق والسعة، واختصاصهما بالميل والمحبة، وقد جمع من أسباب الارتياب المانعة من قبول الشهادة، فوجب أن ترد به الشهادة.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فوجب أن يكون على عمومه.
وروى مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن يهوديًا كان يسوق امرأة على حمار فنسخها فرمى بها، فوقع عليها، فشهد عليه زوجها وأخوها عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبل شهادتهما، وقتله وصلبه.
وقال سويد بن غفلة: إنه لأول مصلوب صلب بالشام.
وليس لعمر مخالف في الصحابة مع انتشار القصة فثبت أنه إجماع لا مخالف له ولأن بينهما صلة لا توجب العتق فلم يمنع من قبول الشهادة، فآباء الزوجين وأبنائهما ولأنه عقد على منفعة فلم يوجب رد الشهادة كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلم يمنع من قبول الشهادة كالبيع.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] فهو أن المودة لا توجب رد الشهادة كالآخرين وعلى أنه قد يحدث بينما تباغض وعداوة تزيد على الأجانب، فلو جاز أن يكون هذا المعنى علة أن المنع لفرق بين المتحابين والمتباغضين، ولا فرق بينهما فبطل التعليل.
فأما الجواب عن تعليلهم بعدم الحجب عن الميراث، قياسًا على الآباء والأبناء فليس عدم الحجب عن الميراث علة في رد الشهادة، لأننا نرد شهادة من لا يرث من الأجداد والجدات، وغنما العلة، البعضية الموجبة للعتق التي تجري على العموم فيمن ترد شهادته بالنسب، فصار هو علة الحكم وهو معدوم في الزوجية فزال عنها حكمه.
وأما الجواب عن قياسهم على النسب، بأنه أحد نوعي الميراث، فهو فاسد بالولاء.
ثم ليس الميراث علة لما ذكرنا من أن في الوالدين من لا يرث وشهادته مردودة، والإخوة والأخوات والعصبات يرثن وشهادتهم مقبولة.
وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع أسباب التهمة في رد الشهادة فهو أن انفراد كل واحد من هذه الأسباب لما لم توجب التهمة في رد الشهادة، لم يضر اجتماعهما
الجزء: 14 - الصفحة: 290
موجبًا للتهمة في رد الشهادة، لأن الاجتماع في المقام والظعن لا يوجب رد الشهادة كالأصحاب؛ لأن الاجتماع في المودة والرحمة لا توجبها كالأصدقاء، والامتزاج في الضيق والسعة لا توجبها كالخلع.
وأما ابن أبي ليلى فيقال له: ينتفع الزوج بيسار زوجته في وجوب نفقة ابنه عليها إذا أعسر بها ولا يوجب بذلك رد شهادته لها، كذلك انتفاعها بيساره فيما يجب لها من نفقة الموسرين لا يوجب رد شهادتها له والله أعلم
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه، وقبول يمينه، وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وكل من تأول حراما عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لم نرد بذلك شهادته، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين وجعل علما في البلدان منهم من يستحل المتعة والدينار بالدينارين نقدا، وهذا عندنا وغيرنا حرام، وأن منهم من استحل سفك الدماء، ولا شيء أعظم منه بعد الشرك، ومنهم من تأول، فاستحل كل مسكر غير الخمر، وعاب على من حرمه، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله.
قال في الحاوي: وهذا فصل قد اختلط كلام أصحابنا فيه ممن تفرد بالفقه دون أصوله، فوجب أن تقرر قاعدته ليعلم بها قول المختلفين، وما يوجبه اختلافهم فيه من تعديل وتفسيق وتكفير.
فنقول: من تدين بمعتقد من جميع الناس - صنفان:
صنف ينطلق عليهم اسم الإسلام.
وصنف لا ينطلق عليهم اسمه.
فأما من لا ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من كذب الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ولم يتبعه.
فخرج بالتكذيب وبترك الإتباع من ملته، فهؤلاء كلهم ينطلق عليهم اسم الكفر، وسواء من رجع منهم إلى ملة كاليهود، والنصارى أو لم يرجع إلى ملة كعبدة الأوثان وما عظم من شمس ونار، وجميعهم في التكفير في رد الشهادة سواء.
وإن فرق أبو حنيفة بين أهل الملل وغيرهم، فأجاز شهادة أهل الملل بعضهم لبعض ورد شهادة غيرهم.
وأما من ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من صدق الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ واتبعه، فصار بتصديقه على النبوة من جملة أمته وبصلاته إلى القبلة داخلًا في ملته، فخرجوا بانطلاق
الجزء: 14 - الصفحة: 291
اسم الإسلام عليهم أن يجري عليهم أحكام من لم يجر عليه اسم الإسلام من الكفار، فهذا أصل.
ثم ينقسم من ينطلق اسم الإسلام عليه ثلاثة أقسام: موافق، ومتبع، ومخالف.
وأما الموافق: فهو من اعتقد الحق وعمل به، فكان باعتقاد الحق متدينا وبالعمل به مؤديا، فهذا مجمع على عدالته في معتقده وقوله، مقبول القول في خبره وشهادته.
فصل:
فأما المتبع: فهو من عمل بالحق ولم يخالف في المعتقد، كالمقلد من العامة للعلماء، فإن كان التقليد في الفروع، فهو فرضه، وهو عدل في معتقده وعمله.
وإن كان تقليده في أصول التوحيد، فمن جوز تقليده فيها جعله عدلا في معتقده وعمله، ومن منع التقليد فيها، جعله مقصرا في معتقده ومؤديا في عمله، وعدالته معتبرةً بسكون نفسه ونفورها، فإن كان ساكن النفس إلى صحة التقليد لم يخرج عن العدالة، وإن كان نافر النفس منه، خرج من العدالة.
فصل:
وأما المخالف، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يخالف في العمل.
والثاني: في المعتقد.
فأما المخالف في العمل حكم شهادته، فهو أن يعتقد ما لا يعمل به، فإن كان في مباح، فهو على عدالته، وإن كان في واجب، فسق به وخرج عن عدالته، لأنه تعمد المعصية بترك ما اعتقد وجوبه، ويكون كالعمل بما اعتقد تحريمه.
وأما المخالف في المعتقد حكم شهادته، فمختلف الحكم بخلافه فيما انعقد عليه الدين، والدين منعقد على فروع وأصول.
فالأصول، ما اختص بالتوحيد والنبوة، والفروع ما اختص بالتكليف والتعبد، وللأصول فروع، وللفروع أصول.
فأما أصول الأصول، فما اختص بإثبات التوحيد وإثبات النبوةً.
وفروعه ما اختص بالصفات وأعلام النبوة.
وأصول الفروع ما علم قطعا من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، وفروعه ما عرف بغير مقطوع، فأما المخالف في أصول التوحيد والنبوة لا تقبل شهادته، فمقطوع بكفره، ويخرج من انطلاق اسم الإسلام عليه، وإن تظاهر به، فلا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولاية، ولا تقبل له شهادة.
وأما المخالف في فروع الأصول من الصفات وأعلام النبوة فهل تقبل شهادته، فإن رده خبر مقطوع بصدقه من قرآن أو سنة وأثر، كان مخالفه كافرا، لا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً، كذلك ما ردته العقول واستحال جوازه فيها وما لم يرده خبر مقطوع
الجزء: 14 - الصفحة: 292
بصدقه، ولا عقل يستحيل به - نظر، فإن اتفق أهل الحق على تكفيره به، سقطت عدالته، ولم تصح ولايته، ولم تقبل شهادته، وإن اختلف أهل الحق في تكفيره به، فهو على العدالة وصحة الولايةً وقبول الشهادة فهذا أصل مقرر في الأصول يغني عن ضرب مثل وتعيين مذهب.
فصل:
وأما الفروع: فأصولها كالأصول، فما علم قطعًا من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بإجماع الخاصةً والعامةً عليه، كوجوب الصلاة وأعدادها، واستقبال الكعبة بها.
ووجوب الزكاة بعد حولها، وفرض الصيام والحج وزمانهما، وتحريم الزنى والربا والقتل والسرقة.
فإن جحد وجوب أحدها، أو اعتقد في الصلاة نقصانا منها، أو زيادة عليها، أو غير الصيام والحج عن زمانهما من تقديم أو تأخير، أو زاد في القرآن أو نقص منه بعد انعقاد الإجماع عليه، فهو كافر.
لأنه جحد بهذا الخلاف ما هو مقطوع به من دين الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، فصار كالجاحد لصدق الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، فلا تثبت له عدالة ولا تصح له ولايةً، ولا تقبل له شهادةً.
فصل:
وأما الفروع التي ليست بأصول فالخلاف فيها على ضربين:
أحدهما: في الأداء.
والثاني: في الأحكام.
فأما الخلاف في الأداء المنتحلة، فهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما اعتقد به تكفير مخالفه واستباحة ماله ودمه، كمن يرى من الخوارج بموالاتهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما تكفير جميع الأمة، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي بن أبي طالب عليه السلام، تكفير جميع الأمة.
يرى الفريقان بهذا المعتقد أن دار الإسلام دار إباحة في قتل رجالها وسبي ذراريها، وغنيمة أموالها، فيحكم بكفر من هذا اعتقاده من الفريقين لأمرين:
أحدهما: لتكفيرهم السواد الأعظم المفضي إلى تعطيل الإسلام ودروسه، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، قيل: وما هي؟ قال: السواد الأعظم".
والثاني: استباحتهم لدار حرم الشرع نفوس أهلها وأموالهم، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "منعت دار الإسلام وما فيها وأباحت دار الشرك وما فيها".
وقال يوم النحر كلامًا شهده الجم الغفير: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم
الجزء: 14 - الصفحة: 293
حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في سفركم هذا في بلدكم هذا".
فكانوا أبعد الناس من العدالة وأولاهم برد الشهادة.
الثاني: من يعتقد تكفير مخالفه ولا يرى استباحة دمه، فينظر فإن تعرض بعرض برأيه لتكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكم بكفره، لرده على الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:].
ورده على رسوله في قوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"وقوله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بكفرهم.
وإن لم يتعرضوا لتكفير الصدر الأول، واعتقدوا فيهم الإيمان، وتفردوا بتكفير أهل عصرهم، فهم أهل ضلال يحكم بفسقهم دون كفرهم، فتسقط عدالتهم وترد شهادتهم بالفسق دون الكفر.
الثالث: أن يبتدع رأيًا ولا يعتقد به تكفير مخالفه، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يرتكب فيه الهوى ولا يتمسك فيه بتأويل: فهو ضال يحكم بفسقه ورد شهادته، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: 40 - 41]. وسنة عمر - رضي الله عنه - في صبيغ، وكان من أهل المدينة يطوف بها، ويسأل عن الشبهات، ويميل إلى المخالفة، فأمر به وضرب بالجريد، وشهر بالمدينة، ونفي عنها.
وقال الشافعي - رحمه الله - في بعض أهل الأهواء: سنتي فيه سنة عمر في صبيغ، ولأن من ارتكب الهوى ولم يتبع الدليل، فقد ضل وأضل، إذ لا يفرق بين حق وباطل، ولا بين صحيح وفاسد، ولأن الهوى أسرع إلى الباطل من الحق، لخفة الباطل وثقل الحق.
الثاني: أن يتمسك فيما ابتدعه بتأويل حكم شهادته فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخالف به الإجماع من أحد الوجهين: إما أن يدفع ما اعتقده الإجماع، وإما أن يدفع بمعتقده الإجماع.
فإن دفع بمعتقده الإجماع، فلا يخلو أن يكون إجماع الصحابة أو إجماع غيرهم.
فإن خالف به إجماع الصحابة فهل تقبل شهادته، ضل به، وحكم بفسقه ورد شهادته لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوًا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
الجزء: 14 - الصفحة: 294
وإن خالف به إجماع غير الصحابة حكم شهادته، فإن كان ممن يقول إن الإجماع هو إجماع الصحابة دون غيرهم، ويعتقد استحالة إجماع غيرهم لتباعد أعصارهم كان على عدالته وقبول شهادته.
وإن كان ممن يقول بإجماع كل عصر فسق بمخالفة الإجماع، وردت شهادته
الثاني: وأن لا يخالف بمعتقده الإجماع فيمن تقبل شهادته، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى القدح في بعض الصحابة، فهو على ضربين: سب وجرح.
فإن كان القدح سبًا، فسق به، وعزر من أجله.
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "من سب نبيًا، فقد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق".
وليس من عاصر الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ وشاهده كان من الصحابةً، وإنما يشتمل اسم الصحابةً على من اجتمع فيه شرطان:
أحدهما: أن يتخصص بالرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾.
والثاني: أن يتخصص به الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾.
فأما اختصاصه بالرسول، فيكون من أمرين:
أحدهما: مكاثرته في حضره وسفره.
والثاني: متابعته في الدين والدنيا.
وليس من قدم عليه من الوفود، ولا من غزا معه من الأعراب من الصحابة لعدم هذين الشرطين فيهم.
وأما اختصاص الرسول به، فيكون به بأمرين:
أحدهما: أن يثق بسرائرهم.
والثاني: أن يقضي بأوامره ونواهيه إليهم.
ولذلك لم يكن المنافقون من الصحابة لعدم هذين الأمرين فيهم، فصار الصحابي من تكامل فيه ما ذكرناه، ومن أخل بها خرج منهم.
وإن كان القدح في الصحابة جرحا ينسب بعضهم إلى فسق وضلال نظر: فإن كان من أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بالجنة، صار باعتقاده لفسقه فاسقًا مردود الشهادةً.
وإن لم يكن من العشرة نظر: فإن كان من أهل بيعة الرضوان، صار بتفسيق أحدهم فاسقًا؛ لأن الله تعالى أخبر بالرضا عنهم.
وإن لم يكن من أهل بيعة الرضوان نظر؛ فإن كان قبل تنازع الصحابة رضي الله عنهم في قتال الجمل وصفين، صار بتفسيقه للصحابة فاسقًا، مردود الشهادة.
وإن كان قد دخل في تنازع أهل الجمل وصفين، فقد اختلف أهل العلم من أصحابنا وغيرهم في تنازعهم
الجزء: 14 - الصفحة: 295
هل نقلهم عن الحكم المتقدم فيهم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أكثرهم، أنهم على استدامة حكم الرسول فيهم من القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن.
ولا يكشف عن سرائرهم في رواية خبر ولا في ثبوت شهادة، استدامة لحكم الصحبة فيهم، ومن فسق أحدهم كان بتفسيقه فاسقًا، لأنهم في التنازع متأولون.
والثاني: أنهم صاروا بعد التنازع كغيرهم من أهل الأعصار عدولًا في الظاهر دون الباطن، وزال عنهم القطع بعدالتهم في الظاهر والباطن، فلا تقبل شهادة أحدهم إلا بعد الكشف عن عدالة باطنه.
ومن فسق أحدهم لم يفسق بتفسيقه، وكان على عدالته في قبول شهادته، لأنهم انتقلوا بالتنازع عن الألفة إلى التقاطع، وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا".
وقد أحدث التنازع فيهم ما نهاهم عنه.
الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى القدح في الصحابة في قبول الشهادة، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى البغي على إمامه بمشاقته وخلع طاعته بشبهة تأول بها فساد إمامته، فله حالتان:
إحداهما: أن يكف عن القتال، فيكون على عدالته وقبول شهادته.
والثانية: أن يقاتل أهل العدل، فله في قتاله حالتان:
إحداهما: أن يبتدئ بقتال أهل العدل، فيفسق بما ابتدأه من قتالهم، فترد شهادته لتعديه بالقتال مع خطئه في الاعتقاد.
والثانية: أن يبدأ أهل العدل بالقتال، فيدفع عن نفسه قتالهم، فله في قتاله حالتان:
إحداهما: أن يدعى إلى الطاعة ليكف عنه، فيمتنع منها، فيفسق بقتاله، لأنه قد كان يجد منه بدا بإظهار الطاعة.
الثانية: أن يبدأ بالقتال من غير استدعاء إلى الطاعة، فلا يفسق بقتاله لأنه دافع بها عن نفسه، فتقبل شهادته، وقد أمضى علي بن أبي طالب، عليه السلام عنه أحكام من بغى عليه في قتال الجمل وصفين.
والثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى البغي في مشاقة أهل العدل في قبول الشهادة فهو على ضربين:
أحدهما: أن تفضي به المخالفة إلى منابذة مخالفيه بالتحزب والتعصب في قبول الشهادة، فله حالتان: إحداهما: أن يبدأ بها ليستطيل على مخالفيه، فيكون ذلك فسقًا ترد به شهادته، لأنه قد جمع بين اعتقاد الخطأ وأفعال السفهاء، فيفسق بفسقه لا بمعتقده.
والثانية: أن يستدفع بها منابذة خصومه، فإن وجد إلى دفعهم بغير المنابذة سبيلًا، صار بالمنابذةً سفيها مردود الشهادة، وإن لم يجد إلى دفعهم بغيرها سبيلًا، فله حالتان:
الجزء: 14 - الصفحة: 296
إحداهما: أن لا يستضر باحتمالها والصبر عليها، فيكون بفعلها سفيها ترد شبهاته.
والثانية: أن يستضر بها، فيكون في دفعها بالمقابلة على عدالته وقبول شهادته، ولأن دفع الضرر عذر مستباح لقوله النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا ضرر ولا ضرار".
الثاني: أن لا تفضي به المخالفة إلى المنابذة فهل تقبل شهادته، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يعتقد بتصديق موافقيه في دعاويهم، ويشهد لهم بها على خصومهم كالخطابية.
يعتقدون أن من كان على رأيهم لم يكذب، فيصدقوه على ما ادعاه، وشهدوا له على خصمه إن أنكر، فمنهم من يستظهر بإحلافه قبل الشهادة له، ومنهم من لا يستظهر، ويشهد له بمجرد قوله، وهي في الحالتين شهادة زور، تسقط بها عدالته، وترد بها شهادته، لأنه شهد بما لم يعلم، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]
الثاني: أن لا يعتقد بتصديق موافقيه على مخالفيه، ويتحفظ في الشهادةً لهم وعليهم شهادة المخالف، حتى يعلمها من الوجه الذي يجوز أن يشهد بها، فهم أسلم أهل الأهواء طريقا، وهم صنفان:
صنف يرون تغليظ المعاصي، فيجعلها بعضهم شركًا، ويجعلها أهل الوعيد خلودًا.
وصنف يرون تخفيف المعاصي في إرجائها وتفويضها.
وكلا الصنفين في العدالة وقبول الشهادة سواء.
وقال الشافعي رضي الله عنه: وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله، ومعصية تجب بها النار - أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم، ولم يرد أنها أولى من شهادة أهل الحق فيها، يعني أن شهادة من يغلظ المعاصي من هذين الصنفين - أولى أن تطيب النفس بها من شهادة من يخففها.
فصار هذا التفصيل مفضيًا إلى قبول شهادة أهل الأهواء والبدع لستة شروط:
أحدها: أن يكون ما انتحلوه بتأويل سائغ.
والثاني: أن لا يدفعه إجماع منعقد.
والثالث: أن لا يفضي إلى القدح في الصحابة.
والرابع: أن لا يقاتل عليه ولا ينابذ فيه.
والخامس: أن لا يرى تصديق موافقة على مخالفه.
والسادس: أن تكون أفعالهم مرضيةً، وتحفظهم في الشهادة ظاهر، فهذا حكم ما تعلق بالآراء والنحل
فصل:
وأما الاختلاف في أحكام الفروع من الشاهد فعلى ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ضل به.
الجزء: 14 - الصفحة: 297
والثاني: ما أخطأ فيه.
والثالث: ما ساغ له.
وأما الأول: وهو ما ضل به، فهو أن يخالف فيه إجماع الخاصة دون العامة كالإجماع على أن لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث، وأن لا تنكح المرأةً على عمتها ولا على خالتها، فالمخالف فيه ضال يحكم بفسقه ورد شهادته.
وأما الثاني: وهو ما أخطأ فيه: فهو ما شذ الخلاف فيه وعدل المتأخرون عنه، كاستباحة المتعة، وبيع الدينار بالدينارين نقدًا، ومسح الرجلين في الوضوء، وقطع يد السارق من المنكب، فهذا خلاف شذ قائله، وظهر فيه خطئه، ولأنه يتردد بين منسوخ كالمتعة، وبين ما توالى فيه النقل الصحيح كالربا في النقد والنساء.
وبين ما ضعف فيه التأويل وظهر عليه الدليل كمسح الرجلين وقطع السارق من المنكب، فحكم بخطئه لظهور الدليل على فساده، ولم يبلغ به حد الضلال للشبهة المعترضة في احتماله، فيكون المخالف فيه على عدالته وقبوله شهادته.
وأما الثالث: وهو ما ساغ الخلاف فيه على عدالته وقبول شهادته، فهو مسائل الاجتهاد في العبادات، والمعاملات، والمناكح الذي لم يرد فيه حد، وكان للاختلاف فيه وجه محتمل، فلا يتباين فيه المختلفون، ولا يتنابذ فيه المتنازعون، ولكل واحد من أقاويلهم وجه، فمن قال: إن كل مجتهد مصيب جعل جميع أقاويلهم حقًا، ولم يجعل قول واحد منهم خطأ.
ومن قال: إن الحق في واحد منهم، فكل واحد منهم جاز أن يكون محقًا، وإن لم يكن في جميع أقاويلهم محقًا.
وهو أسهل الاختلاف في الدين وجميعهم على العدالة وقبول الشهادة.
فهذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه في عدالة المختلفين في الأصول والفروع، أنه لم يقبل شهادة جميعهم، ولا رد شهادة جميعهم، حتى فصلناه على ما اقتضاه مذهبه، وأوجبته أصوله.
فأوضحنا بها من كان مقبول الشهادة ومردودها، وخالفه فيها أبو حنيفة ومالك.
فأما أبو حنيفة، فخفف الأمر فيها، وأجاز شهادة كل من أطلق اسم الإسلام عليه، واعتبر العدالةً بالأفعال دون الاعتقاد.
وأما مالك فشدد الأمر فيها فرد شهادة جميعهم واقتصر بالعدالة على أهل الحق، وكل واحد من قوليهما مدفوع بما أوضحنا من دلائل القبول والرد.
والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "واللاعب بالشطرنج والحمام بغير قمار، وإن كرهنا
الجزء: 14 - الصفحة: 298
ذلك أخف حالًا.
قال المزني: رحمه الله فكيف يحد من شرب قليلًا من نبيذ شديد ويجيز شهادته".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: في لعب الشطرنج.
والثاني: في اللعب بالحمام.
فأما اللعب بالشطرنج فالكلام فيه يشتمل على فصلين:
أحدهما: في إباحتها وحظرها.
والثاني: في عدالة اللاعب بها وجرحه.
فأما إباحتها وحظرها فقد اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب مالك، أنها حرام.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنها مكروهة كراهة تغليظ يوجب المنع، وإن لم يبلغ مبلغ التحريم
والثالث: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنها ليست محرمةً كما قال مالك رضي الله عنه، ولا بمغلظةً الكراهة، كما قال أبو حنيفة، ثم قال: وإن كرهنا ذلك، وأراد به كراهة تنزيه.
واختلف أصحابه فيما تعود كراهته إليه على وجهين:
أحدهما: تعود كراهته إليها لأنه ضرب من اللعب.
والثاني: تعود كراهته إلى ما يحدث عنها من الخلاعة.
واستدل من حظرها وحرمها بما رواه الحسن البصري: "أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ نهى عن اللعب بالشطرنج حكمه".
وبما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "كل اللعب حرام إلا لعب الرجل بقوسه، ولعبه بفرسه، ولعبه مع زوجته"فعم تحريم اللعب إلا ما استثناه".
فكان الشطرنج داخلًا في عموم التحريم وخارجًا من استثناء الإباحة.
وبما روي عن علي، عليه السلام مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] وألقى فيها كفا من تراب فدل تشبيهه لها بالأصنام على تحريمها كالأصنام.
وسئل مالك عنها، فقال: أحق هي؟ قيل: لا، قال: فما بعد الحق إلا الضلالة فأنى تصرفون.
الجزء: 14 - الصفحة: 299
واستدل من أباحها وحللها: بانتشارها بين الصحابة والتابعين إقرارًا عليها، وعملًا بها، فروى الخطيب مولى سليمان بن يسار قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج، فيسلم علينا ولا ينهانا.
وروى الضحاك بن مزاحم قال: رأيت الحسن بن علي، عليه السلام مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ادفع ذا ودع ذا.
وروى أبو راشد قال: رأيت أبا هريرة يدعو غلامًا، فيلاعبه بالشطرنج.
وروى عبد الله بن عباس: أنه كان يجيز الشطرنج ويلعب بها.
وروى عبد الله بن الزبير أنه كان يلعب بالشطرنج.
فهؤلاء خمسةً من الصحابة أقروا عليها ولعبوا بها.
وأما التابعون: فروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يلعب بها.
وروى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه كان يلعب بها استدبارًا.
قال المزني: فقلت للشافعي: فكيف كان يلعب بها استدبارا؟ فقال: كان يوليها ظهره ويقول للغلام: بماذا دفع؟ فيقول: بكذا.
فيقول: ائت بكذا.
وروى الزهري عن علي بن الحسين أنه كان يلاعب أهله بالشطرنج.
وروى أبو لؤلؤة قال: رأيت الشعبي يلعب بالشطرنج مع الغرماء.
وروى راشد بن كريب قال: رأيت عكرمة مولى ابن عباس أقيم قائما في لعب الشطرنج.
وروي أن محمد بن سيرين كان يلعب بالشطرنج وقال: هي لب الرجال.
وإذا اشتهر هذا عمن ذكرنا من الصحابة والتابعين وقد عمل به معهم من لا يحصى عددهم من علماء الأمصار وفضلائهم، من حذفنا ذكرهم إيجازًا، خرج من حكم الحظر، وكان بالإجماع أشبه.
وليس إنكار علي، عليه السلام لها لأجل حظرها.
وقيل: لأنهم سمعوا الأذان وهم متشاغلون عنها.
وقيل: لأنهم كانوا يستخفون في الكلام عليها.
وما رواه الحسن مرسل وليس بصحيح، ولا يمنع أن يكون قياسًا على ما استثناه الرسول من اللعب: لأن فيها تنبيهًا على مكائد الحرب ووجوه الحزم وتدبير الجيوش.
وما بعث على هذا، إن لم يكن ندبًا مستحبًا فأحرى أن لا يكون حظرًا محرمًا.
فصل:
وأما عن عدالة اللاعب بها الشطرنج، فعند مالك وأبي حنيفة أن عدالته ساقطة وشهادته مردودة على أي وجه لعب بها.
وإن اختلفا في موجب ردها، فردها مالك لحظرها، وردها أبو حنيفة لتغليظ كراهتها وعند الشافعي أن عدالته وجرحه معتبر بصفة لعبه بها، فإن خرج بها إلى خلاعة أهلها أو قامر عليها أو تشاغل عن الصلاة بها خرج عن العدالة بما فعله من أحد هذه الثلاثةً، فردت
الجزء: 14 - الصفحة: 300
شهادته بها لا بنفس اللعب، وأما الخلاعة فهو أن يستخف عليها بلغو الكلام، وأن يلعب بها على الطريق، وأن ينقطع إليها ليله ونهاره حتى يلهو بها عما سواها.
وأما القمار حكم لاعبه من حيث قبول شهادته فهو ما يأخذه من العوض عليها إن غلب، أو يدفعه من العوض عنها إن غلب لتحريم الله تعالى القمار نصا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:].
والميسر هو القمار، والقمار ما لم يحل أن يكون كل واحد منهما آخذًا أو معطيًا، فيأخذ إن كان غالبا، ويعطي إن كان مغلوبًا.
فأما إن عدلا عنه إلى حكم السبق والرمي الخروج من القمار، بأن ينفرد أحد المتلاعبين بإخراج العوض دون صاحبه ليؤخذ منهإن كان مغلوبًا وليسترجعه إن كان غالبًا، ويكون الآخر آخذًا إن كان غالبًا وغير معط إن كان مغلوبا، فقد اختلف أصحابنا في جوازه في الشطرنج مع اتفاقهم على جوازه في السبق والرمي بناء على اختلاف قولهم في قوله: ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل".
هل هو أصل بذاته أو استثناء من جملة محظور على وجهين:
أحدهما: أنه أصل في نفسه يجوز القياس عليه، فعلى هذا يجوز مثله في الشطرنج قياسًا على السبق والرمي، لجواز القياس على أصل النص، ولا يكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا، فلا يكون به مجروحا.
والثاني: أن السبق والرمي مستثنى من جملة محظورةً، فعلى هذا لا يجوز مثله في الشطرنج، لأن القياس يكون على الأصل دون الاستثناء، ويكون إخراج هذا العوض في الشطرنج محظورًا ويصير بإخراجه مجروحا.
وأما تشاغله بها عن الصلاةً، فهو أن يدخل عليه وقتها، فينقطع بها عن الصلاة حتى يفوت، فإن ذكرها وعلم بفوات الوقت.
فقد فسق، ولو كان في دفعة واحدةً، وإن نسي الصلاة ولم يعلم بدخول الوقت حتى فات، فإن كان في دفعة واحدةً، لم يفسق به.
وإن تكرر منه ذلك وكثر فسق به ولو تكرر منه لكثرة الفكر حتى تكرر منه نسيان الصلاة في وقتها حتى فات، لم يفسق.
والفرق بينهما: أنه لا يقدر على دفع الفكر عن نفسه إذا طرأ، فلم يفسق إذا كثر به نسيان الصلاةً، ولعب الشطرنج من فعله واختياره، فيفسق إذا كثر به نسيان الصلاة.
وأما إذا تجرد لعب الشطرنج عما يفسق به من هذه الأحوال الثلاثة، واستروح به في أوقات خلواته، مستخفيًا به عن المحتشمين، فكان لعبه به على أحد وجهين: إما (ليشفى)
الجزء: 14 - الصفحة: 301
به هما ويستحدث به راحةً، وإما ليرتاض به في تدبيره وجزالة رأيه وصحة حزمه، فهو على عدالته وقبول شهادته.
وهل يكون عفوًا أو مباحًا.
على ما قدمنا من الوجهين في معنى كراهة الشافعي رضي الله عنه لها.
هل كان عائدًا إليها أو إلى ما يحدث فيها؟
فإن قيل: إنه عائد إليها كان اللعب بها معفوًا عنه.
وإن قيل: إنه عائد إلى ما يحدث عنها، كان اللعب بها مباحًا.
وهو على الوجهين غير مانع من قبول الشهادة.
وأما الثاني في اللعب بالحمام: فمذهب مالك ترد به الشهادة من غير تفصيل وعلى مذهب الشافعي ينقسم على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ترد به شهادته، وهو ما يخرج به إلى السفاهة، إما بالبذلة في أفعاله، وإما بالخنا في كلامه، والسفاهة خروج عن العدالة، ترد بها الشهادة، وقد روي أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ رأى رجلًا يسعى بحمامة، فقال: " شيطان يتبع شيطانة ".
والثاني: ما لا ترد به الشهادة، وهو ما كان به محفوظ المروءة لاتخاذها إما للاستفراخ، وإما لحمل الكتب إلى البلاد، وإما للأنسة بأصواتها، فيكون على عدالته وقبول شهادته.
وروى عبادة بن الصامت أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ الوحدة، فقال: " اتخذ زوجا من حمام ".
ولأنها تسمد كما تسمد المواشي.
والثالث: ما اختلف في رد الشهادة به.
وهو أن يتخذه للمسابقة به، وفيه وجهان، بناء على ما قدمناه من اختلاف الوجهين في قوله: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل".
فإن جعل في أحد الوجهين أصلًا، قيس عليه إباحة السبق بالحمام، فلم يخرج به من العدالة ولم ترد به الشهادة.
وإن جعل في الوجه الثاني استثناء من جملةً محظور لم يقس عليه السبق بالحمام، فخرج به من العدالة وردت به الشهادة.
الجزء: 14 - الصفحة: 302
فإن اقترن به بعوض كان حرامًا، وإن تجرد عن العوض كان سفهًا.
وأما قول الشافعي: واللاعب بالشطرنج والحمام أخف حالًا.
ولم يذكر ما صار به أخف حالًا منه.
فقد ذكره الشافعي في الأم، وحذفه المزني اختصارًا.
فقال: أخف حالًا من الاختلاف في فروع الدين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ومن شرب عصير العنب الذي عتق حتى سكر، وهو يعرفها خمرًا، ردت شهادته، لأن تحريمها نص ".
قال في الحاوي: وأما الخمر مما يتخذ، فهو عصير العنب إذا أسكر ولم تمسه نار، ولم يخالطه ماء، ولا يكون خمرًا إن مسته نار أو خالطه ماء.
وشربه محرم بنص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:].
فدلت الآية على تحريمه من وجهين:
أحدهما: قوله رجس من عمل الشيطان والرجس المضاف إلى الشيطان يكون رجسًا بإضافته إلى الشيطان تغليظًا.
وفي "الرجس" معناه أربعة تأويلات:
أحدها: سخط.
والثاني: شر.
والثالث: إثم.
والرابع: حرام.
وقوله من ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به.
والثاني: قوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وما ورد الأمر باجتنابه حرم الإقدام عليه وفيما أراد بقوله "فاجتنبوه " تأويلان محتملان:
أحدهما: الرجس أن تفعلوه.
والثاني: الشيطان أن تطيعوه.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:].
فيه تأويلان
أحدهما: أنها الزنى خاصةً، وما ظهر منها المناكح الفاسدةً، وما بطن السفاح الصريح.
والثاني: أن "الفواحش" جميع المعاصي، ما ظهر منها "أفعال الجوارح وما بطن" اعتقاد القلوب.
وفي الإثم والبغي معناهما تأويلان:
أحدهما: أن " الإثم " الخيانة في الأمور، والبغي التعدي على النفوس.
الجزء: 14 - الصفحة: 303
والثاني: وهو أشهر: أن الإثم الخمر، والبغي السكر، وشاهده قول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
واختلف بأي هاتين الآيتين حرمت الخمر.
فالذي عليه الجمهور أنها حرمت بالآية الأولى للتصريح باسم الخمر.
وقال قوم: بل حرمت بالآية الثانية، لأنها آخر آية نزلت فيه.
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "شارب الخمر كعابد وثن" فجعله مقرونا بالشرك لتغليظ تحريمه.
فإن شرب الخمر مستحلًا كفر به.
وإن قيل: فقد استباح قدامة بن مظعون شرب الخمر بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا﴾ [المائدة: 93].
وقد قال: قد أيقنا وآمنًا، فلا جناح علينا فيما شربنا، فلم ينكره أحد من الصحابة قيل: قد أنكروا عليه ما تأوله وأبطلوه، فرجع عنه، وانعقد الإجماع على فساد شبهته، وصار من المحرمات بالنصوص المقطوع بها.
وإن شرب الخمر غير مستحل لها حكم شهادته، كان فاسقًا مردود الشهادة قليلًا شرب منها أو كثيرًا، سكر منها أو لم يسكر، لقول النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "حرمت الخمرة لعينها والسكر من كل شراب" في رواية العراقيين والمسكر من كل شراب: في رواية الحجازيين.
ولا فرق بين أن يشربها صرفاً أو ممزوجةً.
وشذ قوم بأن قالوا: إذا مزجها بما غلب عليها، لم تحرم، لقوله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: " حرمت الخمرة لعينها ".
وهذا تأويل فاسد، لأن العين موجودةً في الممزوج بها، لكن لو مزجت بالماء قبل أن تشتد ثم صارت بعد المزج مسكرًا، كانت في حكم النبيذ دون الخمر، وكذلك لو غليت بالنار بعد إسكارها كانت خمرًا، لو غليت بالنار قبل إسكارها ثم أسكرت بعد غليها، كانت نبيذا ولم تكن خمرًا
فصل:
وأما بيع الخمر فحرام، وبائعها فاسق، والعقد عليها باطل، وثمنها محرم.
روى ابن عمر أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "لعن الله الخمر ولعن بائعها"، ولأن بيعها من أكل المال بالباطل.
الجزء: 14 - الصفحة: 304
والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وأما اتخاذ الخمر وإمساكها فمعتبر بمقصوده، فإن قصد به أن ينقلب ويصير خلا جاز.
ولم يفسق به لأنها تحل بالانقلاب.
وإن قصد ادخارها على حالها، كان محظورًا، يفسق به، لأن إمساكها داع إلى شربها.
وما دعا إلى الحرام محظور والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ومن شرب سواها من المنصف أو الخليطين، فهو آثم ولا ترد شهادته إلا أن يسكر لأنه عند جميعهم حرام ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن كل شراب أسكر فهو حرام، كالخمر عندنا في تحريم ما أسكر منه وما لم يسكر، وجعل مخالفنا تحريمه مقصورًا على السكر، فأحل قليله إذا لم يسكر، وحرم فيه الكثير إذا أسكر، وقد تقدم الكلام عليه.
فجميع الأنبذة المسكرة عندنا محرمةً من أي الأنواع كانت، من زبيب، أو تمر، أو رطب، أو بسر، أو عسل مطبوخة ونية.
وحرم أبو حنيفة نيها وأباح مطبوخها.
فإذا شرب نبيذا مسكرًا حكم شهادته، فإن شرب منه ما أسكر، فقد شرب حرامًا في الجميع، وصار به فاسقًا مردود الشهادة، وإن شرب منه ما لم يسكره فإن عاقر عليه أو تكلم بالخنا والهجر ردت شهادته.
وقال محمد بن الحسن: لو عاقر على الماء كان حرامًا.
وإن لم يعاقر وشرب منه ما لم يسكر، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعتقد تحريمه إما باجتهاد أو تقليد فيفسق بشربه ويحد ولا تقبل شهادته، لإقدامه على ما يعتقده معصية، فصار بإقدامه عاصيًا
والثانية: أن يعتقد إباحته، إما باجتهاد أو تقليد، فمذهب الشافعي يكون على عدالته، ويحد ولا ترد شهادته.
وقال مالك: قد فسق، فيحد وترد شهادته.
وقال المزني: لا ترد شهادته ولا يحد.
ومنها جميعًا من اجتماع الحد وقبول الشهادة، فجعل مالك وجوب الحد مسقطا للشهادة، وجعل المزني قبول الشهادة مسقطًا للحد، وفرق الشافعي بينهما، فأوجب الحد ولم يرد الشهادةً، لأن الحد من حكم الشرب للردع عنه، ورد الشهادة بالفسق، بالتفسيق في حكم المعصية، والمعصيةً في تأويل ما اختلف أهل العلم فيه مرتفعةً، فلم يمتنع اجتماع
الجزء: 14 - الصفحة: 305
الحد وقبول الشهادة كالقاذف إذا تاب قبل الحد تقبل شهادته.
والثالثة: إن شرب غير معتقد الإباحةً ولا حظر، مع علمه باختلاف أهل العلم في إباحتها وحظرها، ففي فسقه ورد شهادته بعد وجوب الحد عليه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: وهو مذهب البصريين أنه فاسق مردود الشهادة، لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون في الدين فصار فسقًا.
والثاني: وهو مذهب البغداديين أنه على عدالته وقبول شهادته، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من الشرب، لأن من اعتقد إباحة الخمر كفر، ومنشربها ولم يعتقد إباحتها لم يكفر، فلما لم يفسق من اعتقد إباحة النبيذ وشربه، فأولى أن لا يفسق من شربه ولا يعتقد إباحته.
فصل:
وأما ما لا يسكر من الأنبذة والأشربة كالفقاع والقارص، فمباح لا ترد به الشهادة.
وحكي عن جعفر بن محمد وطائفة من الشيعة وربما عزي إلى أبي حنيفة أن شرب الفقاع والقارص حرام.
لما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "كل مخمر خمر".
وروي أن عليًا عليه السلام مر على بائع فقاع، فقال: من خمار ما أوقحك.
وهذا تأويل انعقد الإجماع على خلافه ووردت السنة برده.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كنا ننبذ لرسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ على غذائه، فيشربه على عشائه، ونبذ له على عشائه، فيشربه على غذائه".
وقال عمر رضي الله عنه: إنا لنأكل من هذه الأطعمة الغليظةً، ونشرب عليها من هذه الأنبذة الشديدةً، فنقطعها في أجوافنا.
يعني قبل أن يسكر.
ولأن علة التحريم السكر، فما لم يسكر لم يحرم كسائر الأشربة.
والاستدلال بالخبر محمول عليه.
ولو كان الفقاع حرامًا عند علي عليه السلام لأظهر من الإنكار والمنع، ما يجب بإظهار المنكر، ولما اقتصر على هذا القول مع الإقرار عليه.
وأما ما ذكره من المنصف والخليطان، فقد اختلف في صفتها على قولين:
أحدهما: أن المنصف ما طبخ حتى ذهب نصفه، والخليطان خليط البسر بالرطب.
والثاني: أن المنصف ما ينصف من تمر وزبيب، والخليطان خليط البسر بالرطب، وإن كان هذا مسكرًا فهو حرام، وإن لم يسكر، ففي كراهته وجهان:
الجزء: 14 - الصفحة: 306
أحدهما: لا يكره كما لا تكره سائر الأشربة التي لا تسكر.
والثاني: أنه يكره وإن لم يكره غيرها.
لورود الشرع بالنهي عنها.
والفرق بينهما وبين غيرها من وجهين:
أحدهما: إسراع الإدراك إليها قبل غيرها.
والثاني: إسكارها مع بقاء حلاوتها، وإسكار غيرها مع حدوث مرارتها.
ولا ترد شهادة شاربها كرهت أم لم تكره.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وأكره اللعب بالنرد للخبر".
قال في الحاوي: اختلف أهل العلم في النرد، فحرمها مالك، وفسق اللاعب بها حكم شهادته، وأحلها الحسن البصري، ولم يفسق اللاعب بها إذا حافظ على عبادته ومروءته.
ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج، وصرح فيها بالكراهةً، واختلف أصحابه، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه؟
فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم.
وذهب أكثرهم وهو الصحيح إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ورد شهادته.
وروى مالك بن أنس، عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ".
وروي عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما يغمس يده في لحم الخنزير ودمه".
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: " لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما يأتي به إلا عصى الله ورسوله ".
فصار فرق ما بين النرد والشطرنج في الحكم، أن الشطرنج لا يحرم، وفي كراهته وجهان والنرد مكروهةً وفي تحريمها وجهان، والشطرنج لا ترد به الشهادة إذا خلصت وترد بالنرد وإن خلص.
والفرق بينهما في المعنى: أن الشطرنج فائدته موضوعةً لصحة الفكر وصواب التدبير ونظام السياسة، فهي صادرة إن ظهر فيها عن حذقة.
الجزء: 14 - الصفحة: 307
والنرد موضوعةً إلى ما يأتي به من كعابها وفصوصها، فهو كالأزلام.
وقيل: إنها موضوعة على البروج الاثني عشر.
والكواكب السبعة، لأن بيوتها اثنا عشر كالبروج ويقطعها من جانبي الفص سبعةً، كالكواكب السبعة.
فعدل بها عن حكم الشرع إلى تدبير الكواكب والبروج.
وهكذا اللعب بالأربعة عشر، المفوضة إلى الكعاب، وما ضاهاها، في حكم النرد في التحريم.
وأما اللعب بالخاتم حكمه وهل تقبل شهادة لاعبه فهو حدسي لا ترد به الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا، فهذا سفه ترد به شهادته، وإن كان ذلك يقل لم ترد".
قال الماوردي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: في الغناء.
والثاني: في أصوات الملاهي.
وأما الغناء: فمن الصوت ممدود، ومن المال مقصور، كالهواء وهو من الجو ممدود، ومن هوى النفس مقصور.
كتب إلي أخي من البصرة وقد اشتد شوقه للقائي ببغداد شعرًا قال فيه:
طيب الهواء ببغداد يشوقني قدمًا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت طيب الهواءين ممدود ومقصور
اختلف أهل العلم في إباحة الغناء وحظره، فأباحه أكثر أهل الحجاز وحظره أكثر أهل العراق.
وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك في أصح ما نقل عنهم، فلم يبيحوه على الإطلاق ولم يحظروه على الإطلاق، فتوسطوا فيه بالكراهة بين الحظر والإباحة.
واستدل من أباحه، بما روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، أنه مر بجارية لحسان بن ثابت تغني وهي تقول:
هل علي ويحكما إن لهوت من حرج
فقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا حرج إن شاء الله"
وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عندي جاريتان
الجزء: 14 - الصفحة: 308
تغنيان فدخل أبو بكر، فقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ فقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "دعهما فإنها أيام عيد".
وقال عمر رضي الله عنه: "الغناء زاد المسافر".
وكان لعثمان جاريتان تغنيان في الليل فإذا جاء وقت السحر قال: أمسكا فهذا وقت الاستغفار وقام إلى صلاته.
ولأنه لم يزل أهل الحجاز يترخصون فيه ويكثرون منه، وهم في عصر الصحابة وجلة الفقهاء، فلا ينكرونه عليهم ولا يمنعونهم منه إلا في إحدى حالتين:
إما في الانقطاع إليه، أو الإكثار منه، كالذي حكي أن عبد الله بن جعفر كان منقطعًا إليه، ومكثرًا منه، حتى بدد فيه أمواله، فبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو بن العاص: قم بنا إليه، فقد غلب هواه على شرفه ومروءته، فلما استأذنا عليه وعنده جواريه، يغنين فأمرهن بالسكوت، وأذن لهما في الدخول، فلما استقر بهما الجلوس، قال معاوية: يا عبد الله، مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن يغنين، فطرب معاوية حتى حرك رجليه على السرير، فقال عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالًا منك، فقال معاوية: إليك عني يا عمرو، فإن الكريم طروب.
وأما أن يكون في الغناء ما يكره كالذي روي عن سفيان بن عيينة، وقد عاد ابن جامع إلى مكة بأموال جمة حملها من العراق، فقال لأصحابه: علام لعطاء ابن جامع هذه الأموال؟ فقالوا: على الغناء، قال: "ابن جامع ماذا يقول فيه"؟ قالوا: يقول:
أطوف بالبيت في من يطوف وأرفع من مئزري المسبل
قال: هي السنة، ثم ماذا يقول؟ قالوا:
وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل
قال: أحسن وأصلح، ثم ماذا؟ قالوا:
عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل
قال: أفسد الخبيث ما أصلح لا سخر الله له.
واستدل من حظره بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72].
وفيه أربعة تأويلات: أحدها: الغناء، قاله مجاهد.
والثاني: أعياد أهل الذمة، قاله ابن سيرين.
والثالث: الكذب، قاله ابن جريج.
والرابع: الشرك، قاله الضحاك رحمه الله.
الجزء: 14 - الصفحة: 309
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: إذا ذكروا الفروج والنكاح كنوا عنها.
والثاني: إذا مروا بالمعاصي أنكروها، قاله الحسن.
والثالث: إذا مروا بأهل المشركين أنكروه، قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] الآية، وفي لهو الكلام أربعة تأويلات:
أحدها: أنه الغناء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة.
والثاني: أنه شراء المغنيات.
وروى القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، قال: "لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن ولا التجارات فيهن وأثمانهن حرام وفيهن أنزل الله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث".
والثالث: أنه شراء الطبل والمزمار، قاله عبد الكريم.
والرابع: أنه ما ألهى عن الله تعالى، قاله الحسن.
وفي قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6].
تأويلان:
أحدهما: ليمنع من قراءة القرآن، قاله ابن عباس.
والثاني: ليصد عن سبيل الله.
حكاه الطبري.
وفي قوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: تأويلان.
أحدهما: بغير حجة.
والثاني: بغير رواية.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ تأويلان:
أحدهما: تكذيبًا.
: استهزاء بها.
ومن السنة ما رواه ابن مسعود، عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل".
وروي عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "الغناء نهيق الشيطان".
وقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "أنهاكم عن صوتين فاجرين الغناء والنياحة.
وقال بعض السلف: الغناء رقيةً الزنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 310
وإذا تقابل بما ذكرنا، دلائل الحظر والإباحةً، يخرج منها حكم الكراهة.
فلم يحكم بإباحته، لما قابله من دلائل الحظر والإباحة، ولم نحكم بحظره لما قابله من دلائل الإباحة فصار يتردده بينهما مكروها غير مباح ولا محظور.
وروي أن رجلًا سأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو؟ قال: لا، قال: أحرام هو؟ قال: لا، يريد أنه مكروه لتوسطه بين الحلال والحرام.
والله أعلم.
فصل:
وأما الملاهي فعلى ثلاثة أضرب: حرام، ومكروه، وحلال.
فأما الحرام من الملاهي: فالعود، والطنبور، والمعزفة، والطبل، والمزمار، وما ألهى بصوت مطرب إذا انفرد.
وروى عبد الله بن عمر، أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، قال: "إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والمزامير، والقنين".
فالميسر: القمار، والمزر: نبيذ الذرة، والكوبةً: الطبل، والقنين: البربط، ولأنها تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة كالشراب.
وكان بعض أصحابنا يخص العود من بينها ولا يحرمه، لأنه موضوع على حركات نفسانية تنفي الهم، وتقوي الهمة وتزيد في النشاط.
وهذا لا وجه له، لأنه أكثر الملاهي طربًا، وأشغلها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاةً، وإن تميز به الأماثل عن الأراذل.
وأما المكروه من الملاهي: فما زاد به الغناء طربًا، ولم يكن بانفراده مطربًا، كالفسح، والقضيب، فيكره مع الغناء لزيادة إطرابه، ولا يكره إذا انفرد لعدم إطرابه.
وأما المباح من الملاهي: فما خرج عن آلة الإطراب، إما إلى إنذار كالبوق، وطبل الحرب.
أو لمجمع وإعلان كالدف في النكاح، كما قال صلوات الله عليه وسلامه: " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف".
واختلف أصحابنا هل ضرب الدف على النكاح عام في كل البلدان والأزمان؟ فعم بعضهم لإطلاقه، وخص بعضهم في البلدان التي لا يتناكر أهلها في المناكح، كالقرى والبوادي، ويكره في غيرها، في مثل زماننا، لأنه قد عدل به إلى السخف والسفاهة.
فأما الشبابة: فهي في الأمصار مكروهةً، لأنها مستعملةً فيها للسخف والسفاهة، وهي في الأسفار والرعاة مباحةً، لأنها تحث على السير وتجمع البهائم إذا سرحت.
فصل:
فإذا تقرر أحكام الأغاني والملاهي، فإن قيل بتحريمها فهي من الصغائر دون
الجزء: 14 - الصفحة: 311
الكبائر، يفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار.
وإن قيل بكراهتها، فهي من الخلاعة لا يفتقر إلى الاستغفار ولا ترد بها الشهادةً إلا مع الإصرار، وإن كان كذلك فالكلام فيها يشتمل على ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن باشرها بنفسه.
والثاني: فيمن يستعملها للهوه.
والثالث: فيمن يغشى أهلها.
فأما المباشر لها بنفسه فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير منسوبا إليها ومسمى بها، يقال إنه مغني يأخذ على غنائه أجرًا، يدعوه الناس إلى دورهم أو يغشونه لذلك في داره، فهذا سفيه مردود الشهادة المغني، لأنه قد تعرض لأخبث المكاسب ونسب إلى أقبح الأسماء.
والثانية: أن يغني لنفسه إذا خلا في داره باليسير استرواحًا فهذا مقبول الشهادةً، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا خلا في داره يترنم بالبيت والبيتين: واستؤذن عليه ذات يوم لعبد الرحمن بن عوف وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن؟ فقال: نعم.
قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس.
وروي عن أبي الدرداء، وكان من زهاد الصحابةً، أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق.
فإن قرن يسير غنائه بشيء من الملاهي مما حظرناه، نظر.
فإن خرج صوته عن داره حتى يسمع منها، كان سفها ترد به الشهادةً.
وإن خافت به ولم يسمع، كان عفوًا إذا قل ولا ترد به الشهادةً.
والثالثة: أن يغني إذا اجتمع مع إخوته ليستروحوا بصوته وليس بمنقطع عليه.
ولا يأخذ عليه أجرًا، نظر:
فإن كان مشهورًا به، يدعوه الناس لأجله، كان سفها ترد به الشهادة، وإن لم يشتهر به، ولا دعا الناس لأجله، نظر.
فإن كان متظاهرًا به معلنا له، ردت شهادته، وإن كان مستترًا به، لم ترد شهادته والله أعلم.
فصل:
وأما مستمع الغناء.
فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصير منقطعًا إليه، يدفع عليه حذرًا ويتبع فيه أهل الخدور، فهذا سفيه مردود الشهادة.
والثانية: أن يقل استماعه، ويسمعه أحيانا في خلوته استرواحا به، فهو على عدالته وقبول شهادته، إذا لم يقصد الاستماع غناء امرأةً غير ذات محرم.
الجزء: 14 - الصفحة: 312
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: " روحوا القلوب تعي الذكر ".
والثالثة: أن يتوسط بين المكثر والمقل نظر.
فإن اشتهر به وانقطع به عن أشغاله، صار سفيها مردود الشهادة، وإن لم يشتهر به ولا قطعه عن أشغاله، فهو على عدالته وقبول شهادته.
فصل:
وأما مقتني المغنيين والمغنيات، من الغلمان والجواري حكم شهادته، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون جليسا لهم، ومقصودًا لأجلهم، فهذا سفيه مردود الشهادة وحاله في الجواري أغلظ من حاله في الغلمان.
قال الشافعي: "لأنه قد جمع سفها ودناءة".
والثانية: أن يقتني ذلك لنفسه ليستمع غناءهم إذا خلا، مقبلصا مستترًا، غير مكاثر ولا مجاهر.
فهو على عدالته وقبول شهادته.
والثالثة: أن يدعو من يشاركه في سماعهم فينظر:
فإن كان يدعوهم من أجل السماع، ردت شهادته.
وإن دعاهم لغير الغناء، نظر.
فإن كثر حتى اشتهر، ردت شهادته، وإن قل ولم يشتهر، فإن كان الغناء من غلام، لم ترد شهادته، وإن كان الغناء من جاريةً نظر، فإن كانت حرةً ردت شهادته وشهادة مستمعها إذا اعتمد المستمع سماعها، وإن لم يعتمد لم ترد شهادته وإن كانت أمة، فسماعها أخف من سماع الحرةً، لنقصها في العورة، وأغلظ من سماع الغلام لزيادتها في العورةً، فيحتمل أن يغلب نقصها عن الحرة وإجرائها مجرى الغلام، فلا ترد بها الشهادة، ويحتمل أن يغلب زيادتها على الغلام وإجرائها مجرى الحرةً، فترد بها الشهادة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "فأما الاستماع للحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به قال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ للشريد: "أمعك من شعر أمية شيء؟ " قال: نعم، قال: "هيه" فأنشده بيتًا فقال "هيه" حتى بلغت مائة بيت وسمع رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ الحداء والرجز وقال لابن رواحة "حرك بالقوم"، فاندفع يرجز قال المزني رحمه الله: سمعت الشافعي يقول: كان سعيد بن جبير يلعب بالشطرنج استدبارًا، فقلت له: كيف يلعب بها استدبارًا، قال: يوليها ظهره ثم يقول: "بأي شيء وقع"، فيقول: بكذا فيقول: أوقع عليه بكذا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لا بأس بالحداء ونشيد الأعراب، والشعر، والرجز، وهو مباح لا كراهةً فيه.
الجزء: 14 - الصفحة: 313
وروى ابن مسعود قال: كان مع رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ليلة نام بالوادي حاديان.
وروى أنس بن مالك، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا في سفر رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء، فكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ لعبد الله بن رواحة: " حرك بالقوم "، فاندفع يرتجز، وتبعه أنجشة، فأعنقت الإبل في السير، فقال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ "رويدك يا أنجشة رفقًا بالقوارير" يعني النساء.
وروى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ثم قال: "أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم.
قال: فأنشدته بيتا فقال: هيه.
فأنشدته بيتا آخر.
فقال: هيه.
فأنشدته إلى أن بلغ مائة بيت".
وهيه: موضوعةً في الكلام للحث والاستزادة، وإنما استحسن شعر أمية لأن أكثره عبر وأمثال، وأذكار بالبعث والنشور، ووعد ووعيد بالجنة والنار النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أنه ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال فيه: "إن كاد ليسلم".
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه لقي في سفر ركبا من بني تميم معهم حاد، فأمرهم أن يحدوا، فقالوا: إن حادينا حدا ونام من آخر الليل، ثم قالوا: يا رسول الله، إنا أول العرب حداء بالإبل، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن العرب كانت تغير بعضها على بعض، فأغار رجل منا على إبل فاستاقها فتبددت، فضرب غلامه على يده، فكان الغلام كلما ضربه صاح وايداه! وايداه! والإبل تجتمع لحسن صوته، وهو يقول: هكذا أفعل.
والنبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ يضحك، فقال: وممن أنتم؟ قالوا: من مضر، فقال: "ونحن من مضر وكيف كنتم أول العرب حداء؟ ".
فدل هذا الخبر على إنشاد الرجز وإباحة الحداء، وجواز الضحك عند التعجب ولأن الحداء غير مقصود به اللهو كالغناء، وإنما يقصد به حث المطي وإعناق السير، فلم تتوجه إليه كراهيةً.
ولأن الحداء الحسن الرجز، فيباح بالصوت الشجي، فيخفف كلال السفر، ويحدث نشاط النفس، فلم يكن له في الكراهةً وجه، وسواء فيه الحادي والمستمع، وهكذا التغني بالركانية مباح، لأنه ضرب من الحداء، يعدل فيه عن ألحان الغناء.
وروي أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ لما هاجر إلى المدينةً، استقبله الأنصار وخرج إليه الفتيان بالدفوف وهم ينشدون:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
الجزء: 14 - الصفحة: 314
وجب الشكر علينا ما دعا لله داعٍ
ومر رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ببعض أزقة المدينة، فسمع جواري لبني النجار ينشدون:
نحن جوار لبني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال: "يا حبذا أنتن".
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا كان هكذا كان تحسين الصوت بذكر الله والقرآن أولى محبوبًا قال الشافعي رحمه الله: وقد روي عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن، وسمع النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ عبد الله بن قيس يقرأ، فقال " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود " قال الشافعي رحمه الله: لا بأس بالقراءةً بالألحان، وتحسين الصوت بأي وجه ما كان، وأحب ما يقرأ إلي حدرًا وتحزينًا.
قال المزني رحمه الله: سمعت الشافعي يقول: لو كان معنى "يتغنى بالقرآن" على الاستغناء، لكان يتغانى وتحسين الصوت هو يتغنى، ولكنه يراد به تحسين الصوت.
قال في الحاوي: أما تحسين الصوت بالقرآن حدرًا وتحزينًا فمستحب، لما رواه الشافعي رضي الله عنه عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن" وروي: حسن الصوت بالقرآن زينة القرآن".
ومعنى قوله "أذن الله" أي: ما استمع الله.
ومنه قوله تعالى: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ [الانشقاق: 2].
أي: سمعت له وحق لها أن تسمع.
وروى البراء بن عازب عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، أنه قال: "حسنوا القرآن بأصواتكم".
وروى الزهري عن عمرة عن عائشةً، أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ سمع قراءة أبي موسى فقال: " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود ".
وروي عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك، فقلت: يا رسول الله لو علمت أنك تسمعني لحبرته تحبيرًا".
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال: "من أراد أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأ بقراءةً
الجزء: 14 - الصفحة: 315
ابن أم عبد " يعني عبد الله بن مسعود، لحسن أدائه، وصحة ترتيله، وتحقيق ألفاظه.
وكان أبي بن كعب ذا صوت حسن، وأداء صحيح فقال له النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لقد أمرت أن أقرأ عليك، فقرأ عليه".
واختلف أهل العلم في قراءته عليه.
فقال بعضهم: ليستن به الناس بعده، فلا يستنكف شريف أن يقرأ على مشروف، ولا كبير على صغير.
وقال آخرون: ليسمع الناس قراءته وأداءه، فيأخذون عنه.
وقال آخرون: أراد به تفضيل أبي بذلك، ولأن في تحسين الصوت بالقرآن تحريك القلوب بالحزن والخشوع، وإنذار النفوس بالحزن والخضوع، فيكون أبعث على الطاعةً وأمنع من المعصيةً.
وروي أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قرأ ذات ليلة في تهجده سورة النساء حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41].
فبكى حتى علا نحيبه، ولم يزل يرددها حتى تحزن صوته.
ومر بعض أهل البطالةً، وقد هم بمعصية وقتل نفس بصالح المري وهو يقرأ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
فانزجر بها وألقى السكين من يده وخر مغشيًا على وجهه، وتاب، وصار ناسكًا.
فصل:
فأما القراءةً بالألحان الموضوعة للأغاني، فقد اختلف الناس فيها، فرخصها قوم وأباحوها، لرواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
وشددها آخرون وحظروها، لخروجها عن الزجر والعظةً إلى اللهو والطرب.
ولأنها خارجة عن عرف الرسول ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ وصحابته رضوان الله عليهم، إلى ما استحدث من بعده.
وقد قال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
وأما الشافعي، فإنه عدل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإذا أخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته، بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى، فهذا محظور، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه قد عدل به
الجزء: 14 - الصفحة: 316
عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28].
وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحًا، لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النفس إلى سماعه.
أما قوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه من لم يستغن بالقرآن، وهذا قول الأصمعي، ومال إليه الشافعي.
وحكي زهير بن أبي هند، عن إياس بن معاوية المزني، أنه نظر إلى رجل يتغنى بالقرآن، فقال: يا هذا إن كنت لا بد متغنيًا فبالشعر، فقال الرجل: أليس النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فقال له إياس: إنما أراد النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "ليس منا من لم يستغن بالقرآن، ألم تسمع حديثه الآخر" من حفظ القرآن فظن أن أحدًا أغنى منه".
أما سمعت قول الشاعر:
غنينا بذكر الله عما نراه في يد المتمولينا
والثاني: أنه محمول على غناء الصوت في تحسينه وتحزينه دون ألحانه.
وهذا قول أبي عبيد، وأنكر على من حمله على الاستغناء، وقال: لو أراد هذا لقال: " من لم يتغانى بالقرآن ".
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه والعصبية المحضة أن يبغض الرجل لأنه من بني فلان فإذا أظهرها ودعا إليها وتألف عليها فمردود وقد جمع الله تبارك وتعالى المسلمين بالإسلام وهو أشرف أنسابهم فقال جل ثناؤه: "إنما المؤمنون إخوة" وقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: كونوا عباد الله إخوانًا فمن خالف أمر الله عز وجل وأمر رسوله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ردت شهادته ".
قال في الحاوي: وقد أمر الله تعالى المسلمين بالألفةً والتناصر، ونهاهم عن التقاطع والتدابر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].
وقال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ " أمتي كالبنيان يشد بعضه بعضًا " وقال فيما نهاهم عنه من التقاطع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، والسابق أسبقهما إلى الجنة"
الجزء: 14 - الصفحة: 317
فكان هذا أصلًا في الدين، ليكونوا يدا على من خالفهم فيه، ولذلك قال النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم".
ويشتمل الكلام في هذا الفصل على أربعة فصول:
أحدها: في المحبة.
والثاني: فيما يفضي إليه من المعصية.
والثالث: في البغض.
والرابع: فيما يفضي إليه من العداوة.
فأما الفصل الأول: في المحبة.
ونتحدث عن أسباب يكون بعضها مستحبًا وبعضها مباحًا وبعضها مكروها.
فأما المستحب: فهو المحبةً في الدين، وظهور الخير، وما قرب من طاعة الله تعالى وباعد من معاصيه.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
ولذلك آخى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار.
فأما المباح: فهو المحبةً على النسب وعلى التجانس في علم أو أدب، وعلى ما أبيح من صناعةً أو مكسب، فهذا مباح تقوى به العدالةً ولا تضعف به، ولهذا النوع أراد الشافعي بقوله: وليس من العصبيةً أن يحب الرجل قومه".
هذا رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ وهو أعد لخلق الله، وقد أحب قريشا لنسبه فيهم حتى خصهم بخلافته فقال: "الأئمة من قريش".
وقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ "قدموا قريشًا ولا تتقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعالموها".
وحمى لهم لما عادوا إلى المدينة من بدر ومعه من الأنصار سلامةً بن وقش وقد سأله بعض أهل المدينة عمن لقيهم من المشركين ببدر، فقال سلامةً: وهل لقينا إلا عجائز صلعًا، فبلغ ذلك رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ فقال: "أولئك الملأ من قريش" فنفى عنهم العار مع كفرهم ومحاربتهم له.
وسمع شاعرًا من حمير ينشده:
فإني امرؤ حميري حين تنسبني لا من ربيعةً آبائي ولا مضر
فقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "ذاك أهون لقدرك وأبعد لك من الله".
وأما المكروه: فهو المحبةً على الموافقةً في المعاصي، فقال ﴿صلى الله عليه وسلم﴾: "المرء مع من أحب" فصار محب العاصي كالعاصي.
فأما المحبةً لاستحسان الصور، فإن كانت لهوى يفضي إلى ريبةً، كرهت وإن كانت
الجزء: 14 - الصفحة: 318
لاستحسان صنع الله تعالى وبديع خلقه، لم تكره وكانت بالمستحبةً أشبه.
وأما الثاني في العصبيةً: فهي شدة الممايلةً لقوم على قوم، وهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون عصبيته لهم عامة في كل حق وباطل، وعلى كل محق ومبطل، فهذا فسق ترد به الشهادة.
وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: 67].
والثاني: أن تكون عصبيته لهم مقصورةً على أخذ الحق لهم، ودفع الظلم عنهم، فيكون بها على عدالته، وقبول شهادته، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وروي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال لرجل: "أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال الرجل: يا رسول الله: أعينه مظلومًا فكيف أعينه ظالمًا، فقال: ترده عن ظلمه".
ثم تعتبر هذه العصبيةً، فإن كانت لمحبة القوم فهي مباحةً وإن كانت لنصرة الحق فهي مستحبة.
وأما الفصل الثالث: في البغض في الشهادة: فهو على ثلاثة أضرب: مستحب، ومباح ومكروه.
فأما المستحب: فهو بغضه لأهل المعاصي، فيكون بغضه لهم طاعة يؤجر عليها لاختصاصه بحق الله تعالى.
وأما المباح: فهو بغضه لمن لوى حقه وتظاهر بعداوته، فيكون السبب الباعث عليه من أمور الدنيا مباحا، ولا يؤجر عليه ولا يؤثم به، وهو فيه على عدالته وقبول شهادته، ما لم يتجاوز البغض إلى غيره.
وأما المكروه: فهو بغضه لمن خالفه في نسب، أو علم، أو صناعة، فيكون البغض لهذا السبب مكروهًا لما فيه من التقاطع.
فإن ألب عليه وتعصب فيه كان جرحًا ترد به الشهادةً، وإن لم يتجاوز البغض إلى ما سواه كان على عدالته وقبول شهادته؛ لأنه قد حمى نفسه من نتائج البغض.
فأما إن كان بغضه لغير سبب، فإن كان خاصا في واحد بعينه، لم ترد به شهادته، لأنه لا يملك قلبه، وإن كان عامًا لكل أحد، فقد روي عن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ أنه قال "شر الناس من يبغض الناس ويبغضونه" فيكون ذلك جرحًا فيه، فترد به شهادته لخروجه عن المأمور به من الألفة، إلى المنهي عنه من التقاطع.
وأما الفصل الرابع: في العداوة: والفرق بين البغض والعداوةً، أن البغض بالقلب، والعداوةً بالعمل، ومع كل عداوةً بغض وليس مع كل بغض عداوةً، فصارت العداوة أغلظ
الجزء: 14 - الصفحة: 319
من البغض، فهي على ثلاثة أضرب: مستحبة، ومباحة، ومكروهة.
فأما المستحبة: فهي في الدين، لمن خرج عن طاعة الله أو تعرض لمعاصيه.
وهذا غضب لله تعالى في حقوق أوامره ونواهيه، فخرج عن حكم العداوة إلى نصرة الدين، فكان أبلغ في عدالته، وأولى بقبول شهادته، لأن من غضب لله في معصية غيره، كان بدفع المعصيةً عن نفسه أولى.
وأما المباحة: فهي في حق نفسه، إذا بدء بالعداوة، فقابل عليها بما لم يتجاوز فيه حكم الشرع، فهو مستوف لحقه منه، غير قادح في عدالته، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126].
وشهادته مقبولةً على غيره، فأما قبولها على عدوه فمعتبرة بحاله بعد المقابلةً فإن سكن بعد نفوره، قبلت شهادته، وإن كان على نفوره، ردت.
وأما المكروهةً: فهو أن يبتدئ بها من غير سبب بوجوبها، فيكون بها متجوزًا، فإن قرنها بفحش في قول أو فعل، صار بها مجروحًا في حق الكافة، لا تقبل شهادته لأحد ولا عليه، وإن تجردت عن فحش من قول أو فعل، فهو على عدالته مقبول الشهادةً، على غيره ومردود الشهادةً على عدوه، ومقبول الشهادة لعدوه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "والشعر حكمه كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه، وفضله على الكلام أنه سائر وإذا كان الشاعر لا يعرف بشتم وأذاهم ولا يمتدح فيكثر الكذب المحض ولا يتشبب بامرأة بعينها ولا يشهرها بما يشينها فجائز الشهادة وإن كان على خلاف ذلك لم تجز".
قال في الحاوي: واختلف الناس في شهادة الشاعر إذا صار بالشعر مشهورًا وإليه منسوبًا، فمنع قوم من قبولها، وجعلوا توفره على الشعر جرحًا، تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224 - 226]
ولحديث أبي هريرة أن النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا ".
والذي عليه جمهور أهل العلم أن قرض الشعر وإنشاده إذا كان سليمًا ليس بجرح، وشهادة من انتسب إليه مقبولةً، على ما سنوضحه من شرح وتفصيل لرواية عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾:
الجزء: 14 - الصفحة: 320
"الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحة كقبيح الكلام".
وروي عن عصمة بن عبد الله عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: " إن من الشعر حكمة وإن من البيان سحراً وإن أصدق بيت قالته العرب:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وفد عليه الشعراء فأنشدوه ومدحوه وأثاب غلبيه ولم ينه عنه، فمنهم أعشى بني جرما وفد عليه وأنشده ما امتدحه به فقال:
يا مالك الأرض وديان العرب إليك أشكو حقبة من الحقب
إلى أن انتهى إلى شكوى امرأته:
وهن شر غالب لمن غلب
ومنهم كعب بن زهير وكان قد هدر رسول الله دمه، فورد إلى المدينة مستخفياً فقام إليه بعد صلاة الصبح ممتدحا فقال:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
إلى أن انتهى إلى قوله:
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله هذا كعب بن زهير فاضرب عنقه، فقال: " لا دعه فإنه قد أسلم" وأعطاه بردة كانت عليه فابتاعها منه معاوية بن أبي سفيان بعشرة آلاف درهم، وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم.
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم شعراء منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحه، وكانوا ينشدون الشعر تارة ابتداء ويأمرهم به أخرى ليردوا على من هجاه، كما قال حسان بن ثابت:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم بقاء
واستنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريد من شعر أمية بن أبي الصلت وأنشده منه مائة بيت.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد قس بن ساعده بعكاظ على جمل أشهب وهو يقول: أيها الناس من عاش، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت مالي أري الناس يذهبون فلا
الجزء: 14 - الصفحة: 321
يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا.
إن في السماء لخبراً وأن في السماء لخبراً وإن في الأرض لعبراً سقف مرفوع وسهال موضوع.
وبحار بحور، وتخوم تخور ثم تغور، أقسم قس بالله قسماً: إن لله لدينا هو أرض من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر ما أدري ما هي أبو بكر رضي الله عنه: قد كنت شاهداً ذاك والأبيات عندي: فقال: أنشدني ها، فأنشدوه أبو بكر رضي الله عنه:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين عابر
أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائرا
وقد أنشد صلى الله عليه وسلم شعر طرفة:
ستبدي لك لأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده الأخبار
فقال أبو بكر أنه قال:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقال صلى الله عليه وسلم: " مالي وللشعر ولي" يريد ما قاله فيه عز وجل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم:
تفاءل بما ترجوه فلقلم
فقال علي عليه السلام:
بما ترجوه ألا تكونا
فصار بما تممه علي شعراً منتظماً
واستوقفته قتيلة بنت النضر بن الحارث عام الفتح بعد قتل أبيها صبراً فأنشدته:
أمحمد ها أنت خير نجيبة من قومها والفحل فحل معرق
النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم إن كان عتقاً يعتق
ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنك
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو سمعت شعرها ما قتلته".
وقد كان كثير من الصحابة يقولون الشعر ويتمثلون بأشعار العرب فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد استشهد عبد الله بن عباس فيما سأله نافع بن الأزرق في معاني القرآن بأشعار العرب، ودل به على معانيه وقال: الشعر ديوان العرب فما أنكره أحد منهم من الصحابة والتابعين.
الجزء: 14 - الصفحة: 322
وسئل ابن عباس عن أول الناس إسلاماً فقال: أبو بكر أنا سمعت قول حسان بن ثابت.
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني اثنان والمحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسل
وحبس عمر رضي الله عنه الخطيئة الشاعر فأرسل إليه من الحبس شعراً يقول فيه
ماذا تقول لأفراخ بذي مزح ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فأغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ألقت عليك مقاليد النهي البشر
ما يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
فلما وصل إليه هذا الشعر أطلقه وقال: إن الشعر ليستنزل الكريم.
فإذا كان الشعر في الصحابة بهذه المثابة وكان الشعراء منهم بهذه المنزلة لم يجز أن يكون جرحاً في قائله ولا منشده لأنهم لا يأتون منكراً ولا يقرون عليه.
وقد مر الزبير بن العوام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسان بن ثابت وهو ينشد شعره أحداثاً من الأنصار وهم معرضون عنه، فقال: أتعرضون عنه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عليه إذا أنشده فنهض حسان وقبل يد الزبير.
وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً يكرهون إنشاد الشعر في المسجد فقال: هؤلاء ينسكون نسكاً أعجمياً.
وروى أبو بكر بن سيف في مختصر المزني عنه، وقال: سألته أيجوز للرجل أن يتزوج المرأة ويصدقها شعرا؟ فقال: إن كان كقول الشاعر:
يود المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما أفادا
جاز فدل ما وصفنا وإن مع الإطالة بيسير إن يشاء الشعر وإنشاده مباح وإنشاد الشعر ما كان من قوله وإنشاده ما كان من قول غيره.
فأما قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فقد قال أهل التأويل: يريد بالشعراء إذا قالوا كذبوا وإذا غضبوا سبوا.
وفي قوله تعالى: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أربعة تأويلات:
أحدها: الشياطين قاله مجاهدا
والثاني: المشركون، قاله عبد الرحمن بن زيد
والثالث: السفهاء قاله الضحاك.
الجزء: 14 - الصفحة: 323
والرابع: الرواة قاله ابن عباس.
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات:
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ثلاث تأويلات:
أحدها: في كل فن من الكلام يأخذون.
قال ابن عباس.
والثاني: في كل لغو يخوضون قاله فطرب.
والثالث: أن يمدح قوماً بباطل ويذم قوماً بباطل.
قال قتادة: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ يعني من كذب في مدح أو هجاء.
فلما نزل هذه الآية حضر عبد الله بن رواحه وكعب بن مالك وحسان بن ثابت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكوا وقالوا: هلكنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقرأها عليهم وقال: هم أنتم ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ فيها وجهان:
أحدهما: في شعرهم
والثاني: في كلامهم.
﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي ردوا على المشركين ما هجوا به المسلمين فدلت الآية على أن المذموم من الشعر ما فيه من هجوا: والهجوا في الكلام مذموم فكيف في الشعر، ولأن الشعر يحفظه فينشر ويبقى على الإعصار والدهور.
وأما قوله صلى الله عليه سلم: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً" ففيه وجهان:
أحدهما: ما كان من الشعر كذبا وفحشاً وهجاء
والثاني: أن ينقطع إليه ويتشاغل عن القرآن وعلوم الدين.
فصل
فإذا تقرر أن الشعر في حكم الكلام لا يخرجه نظمه عن إباحته وحظره فهو على ثلاثة أضرب مستحي ومباح ومحظور.
فأما المستحب فنوعان:
أحدهما: ما حذر من الآخرة أنشده فيه بعض أهل العلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
فلو كنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شي
وأنشد للحسين بن علي رضي الله عنهما:
الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار
الجزء: 14 - الصفحة: 324
والله ما هذا وهذا جاري
والثاني: ما حث على مكارم الأخلاق كالمحكي عن مالك بن أنس أنه مر بباب قوم فسمع رجلا ينشد:
أنت أختي وحرمة جاري وحقيق علي حفظ الجوار
إن للجار إن نصيب لنا ... حافظاً للنصيب في الإسرار
ما أبالي أن كان بالباب سترة مسبل، أو يبقى بغير ستار
فدق الباب وقال: علموا فتيانكم مثل هذا الشعر.
فهذان النوعان مستحبان وهما أحفظ للعدالة وأبعث على قبول الشهادة.
وأما المباح: فما سلم من فحش أو كذب وهو نوعان:
أحدهما: ما جلب نفعا
والثاني: ما لم يعد بضرر.
فلا تقدح في الشهادة ولا يمنع من قبول الشهادة.
وأما المحظور فنوعان: كذب وفحش.
وهما جرح في قائله، فأما في منشده فإن حكاه إنكاراً لم يكن جرحاً وإن حكاه اختيارً كان جرحاً.
فإن تشيب في شعره ووصف امرأة فإن لم يعينها لم يقدح في عدالته وإن عينها قدح في عدالته.
فأما المكتسب بالشعر، فإن كان يقتضي إذا مدح ويذم إذا منع، فهو قدح في عدالته فترد شهادته
وإن كان لا يقتضي إذا مدح ولا يذم إذا منع وتقبل ما وصله إليه عفواً فهو على عدالته وقبول شهادته.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " ويجوز شهادة ولد الزنا في الزنا"
قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأنساب ليست من شروط العدالة فتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً في الزنا وغير الزنا.
وقال مالك رضي الله عنه: لا أقبل شهادته في الزنا وأقبلها في غير الزنا وقال غيره من فقهاء المدينة: لا أقبل شهادته بحال.
استدلالاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" وبما روي عن
الجزء: 14 - الصفحة: 325
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة ولد زانية"
وإذا كان ن شراً من الزنا ومدفوعا من الجنة كان من أهل الكبائر فلم تقبل شهادته وهذا قول فاسد، لأن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذ 1 نب غيره وهو تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلم يجز أن يؤاخذ ولد الزنا بذنب أبويه، لأنه ظلم والله تعالى منزه عن الظلم، وهو تعالى يقول: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ولأن عار النسب ربما منعه من ارتكاب العار، لئلا يصير جامعا بين عاري فصار مزجوراً بمعرة نسبه عن معرة كذبه فلم يمنع من قبول الشهادة مع ظهور عدالته.
وأما الخبر الأول وهو " ولد الزنا شر الثلاثة" فهو من مناقير الأخبار وما رواه إلا مضعف غير مقبول الحديث، نص القرآن يمنع منه ولو سلمت الرواية لكان لاستعماله وجوهاً:
أحدها: أنه شرا الثلاثة نسباً
والثاني: شر الثلاثة إذا كان زانياً
والثالث: إنه كان واحداً من ثلاثة فأشير إليه أنه شرهم فكان ذلك للزنا تعريفاً لا تعليلاً
والرابع: ما ذكر أن أبا عزة العجمي كان يهجوا رسوا الله صلى الله عليه وسلم ويقدح فيه بالعظائم فذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوله وقيل له: إنه ولد زنيه.
فقال عليه السلام: " ولد الزنا شر الثلاثة" يعني به أبا عزة.
وأما الخبر الثاني: فهو أوهي من الأول وأضعف وأبعد أن يكون له في الاحتمال وجه، لأنه لا يجوز أن يحبط طاعته معصية غيره.
والكفر أعظم من الزنا ولا يحبط عمل المؤمن بكفر أبويه، فكان أولى أن لا يحبط عمله بزنا والديه والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضيا الله عنه: " والمحدود فيما حد فيه"
قال في الحاوي: وهذا أراد به مالكاً فإنه يقول: من حد في معصية لم تقبل شهادته فيما حد فيه وقبلت في غيره، فلا تقبل شهادة المحدود في الزنا إذا شهد بالزنا ولا المحدود في الخمر إذا شهد في الخمر ولا المقطوع في السرقة إذا شهد بالسرقة.
استدلالاً بأنها استرابة يقتضي الدفع عن الشهادة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾.
وبقول عمر رضي الله عنه في عهده لأبي موسى الأشعري: المسلمون عدول بعضهم
الجزء: 14 - الصفحة: 326
على بعض إلا مجلودا في حد أو مجرماً عليه شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو نسب وتعلقاً بما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: ود السارق أن يكون الناس سارقا وود الزاني أن يكون الناس زناة، وإنما كان كذلك لينفي المعرة عن نفسه بمشاركة غيره.
وهذا قول فاسد.
وشهادته إذا تاب مقبولة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وقد وافق مالك على أن شهادة القاذف إذا تاب بعد حده، أن شهادته مقبولة في القذف وغيره وكذلك حكم من حد في غيره.
وتحرير هذا الاستدلال قياساً أن من قبلت شهادته في غير ما حد فيه، قبلت فيما حد فيه كالقاذف.
وليس للتعليل بالارتياب وجه، لأنه لو صح لهم ولم يخض.
ولا دليل فيما روي عن عمر وعثمان، لتوجهه إلى ما قبل التوبة، فلم يحمل على ما بعدها والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضيا الله عنه: " والقروي على البدوي والبدوي على القروي إذا كانوا عدولاً"
قال في الحاوي: إذا كان البدوي عدلا قبلت شهادته على القروي كما تقبل شهادة القروي على البدوي.
وقال مالك: أقبل شهادة القروي على البدوي ولا أقبل شهادة البدوي على القروي إلا في الجراح.
استدلالاً برواية عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا أقبل شهادة البدوي على صاحب قرية"
ولأن ما خرج عن العرف ريبة في الشهادة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾.
والعرف جار بأن البدوي يشهد للقروي ولم يجر العرف بإشهاد القروي للبدوي فصار بخروجه عن العرف متهما.
ودليلنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابي في هلال رمضان وصام، وأمر الناس بالصيام.
ولأن اختلاف الأوطان لا تؤثر في قبول الشهادة كأهل الأمصار والقرى.
الجزء: 14 - الصفحة: 327
ولأن الشهادة في الجراح أغلظ منها في الأموال فلما قبلت شهادة البدوي على القروي في الجراح كان أولى أن تقبل في غير الجراح.
وتحريره قياساً أن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غير الجراح كالقروي.
ولأن أهل البادية أسلم فطرة وأقل حياء، فكان الصدق فيهم أغلب فاقتضى أن يكونوا بقبول الشهادة أجدر.
وأما الجواب عن الخبر فرواية علي بن مسهر، وهو ضعيف وإن صح فهو محمول على أحد وجهين:
وإما على الجهل بعدالته إخفاء أحوال أهل البادية، وإما علي بدوي بعينه علم جرحه.
وأما الجواب عن اعتبار العرف في الإشهاد فهو فاسد بأهل الأمصار والقرى فإن العرف جار بأن أهل القرى يشهدون أهل الأمصار ولا يشهد أهل الأمصار أهل القرى وهذا العرف غير معتبر وكذلك في البادية والحاضرة والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا شهد صبي أو عبد أو نصراني بشهادة فلا يسمعها واستماعه لها تكلف وإن بلغ الصبي وأعتق العبد وأسلم النصراني ثم شهدوا بها بعينها قبلتها فأما البالغ المسلم أرد شهادته في الشيء ثم يحسن حاله فيشهد بها فلا أقبلها لأنا حكمنا بإبطالنا وجرحه فيه لأنه من الشرط أن لا يختبر عمله"
قال في الحاوي: وهذا المسألة تشتمل على فصلين: مشتبهين في الصورة مختلفين في الحكم.
فأحدهما: أن يشهد صبي قبل بلوغه، أو عبد قبل عتقه أو نصراني قبل إسلامه بشهادة فيردهم الحاكم فيها ثم يبلغ الصبي ويعتق العبد ويسلم النصراني، فيشهدوا بتلك الشهادة التي ردوا عند ذلك الحاكم أو عند غيره قبلت بعد تقدم الرد.
وقال مالك: لا أقبلها بعد ردها.
والفصل الثاني: ترد شهادة الفاسق ويشهد بها بعد زوال الفسق.
أن يشهد بالغ حر مسلم بشهادة فيردها الحاكم بالفسق، ثم تحسن حاله ويصير عدلاً فيشهد بتلك عند ذلك الحاكم أو عند غيره ردت ولم تقبل: وقال أبو ثور وأبو إبراهيم المزني: تقبل ولا ترد.
فسوى مالك بين الفصلين في الرد وسوى أبو ثور والمزني بينهما في القبول.
ومذهب الشافعي أنها تقبل إذا ردت بالصغر والرق والكفر ولا تقبل إذا ردت بالفسق
الجزء: 14 - الصفحة: 328
لوقوع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن حدوث البلوغ والعتق والإسلام يقين وحدوث العدالة مظنون،
والثاني: أن الصغر والرق والكفر ظاهر يمنع من سماع الشهادة فصارت مردودة بغير حكم.
والفسق باطنا فصار ردها فيه بحكم
ولو فرق على هذا الفرق بين ردها بالفسق الظاهر فتقبل، وبين ردها بالفسق الباطن، فلا تقبل لكان وجهاً لأن الفسق الظاهر لا يحتاج إلى اجتهاد فصارا مردوداً بغير حكم كالكفر والرق والصغر والفسق الباطن يفتقر إلى اجتهاد مردوداً بالحكم وما نفذ فيه الحكم باجتهاد لم يجز أن ينقض باجتهاد.
فصل
ولو دعي العبد أو الكافر إلى تحمل الشهادة لم يلزمها تحملها، ولو دعيا إلى أداء شهادة قد تحملاها، لم يلزمهما أداؤها، لأن التحمل يراد به الأداء والأداء غير مقبول فلم يلزما.
ولو دعي الفاسق إلى تحمل الشهادة فإن كان فسقه ظاهراً لم يلزمه تحملها.
وإن كان فسقه باطناً لزمه تحملها وهكذا، لو دعي إلى أداء ما قد تحمله من الشهادة ولم يلزمه أداؤه إن كان ظاهر الفسق.
ولزمه أداؤها أن كان باطن الفسق لأن رد شهادته بالفسق الظاهر متفق عليه.
وبالفسق الباطن مختلف فيه.
وإذا رد الحاكم شهادة رجل بفسق، ثم دعي ليشهد بها عند غيره لم يلزمه الإجابة لأن ردها بالحكم قد أبطلها، ولو توقف الحاكم عن قبولها للكشف عن عدالته حتى مات أو عزل ثم دعي ليشهد بها عند غيره، ولزمته الإجابة لأنها لم ترد فلم تبطل.
فصل
وإذا دعي المتحمل للشهادة، إلى أدائها عند الحاكم وهو ممن يصح منه الأداء فامتنع وقال: إني أخاف أن لا يقبل الحاكم شهادتي.
لم يكن ذلك عذراً في امتناعه ولزمه الأداء وللحاكم اجتهاده في القبول أو الرد.
ولو امتنع عن الأداء وقال: ليس للحاكم عندي مستحقاً للحكم، إما لفسق أو جهل، لزمه الأداء وليس للشاهد اجتهاد في صحة التقليد وفساده.
وقال أحمد بن حنبل: لا يلزمه أداء الشهادة إذا اعتقد فساد تقليده بفسق أو جهل، وإنما تلزمه الشهادة عند من يرتضي من الحكام كما يلزم الحاكم قبول شهادة من يرتضي من الشهود.
وحكي أن أحمد لزمته الشهادة فدعي إلى أدائها عند بعض الحكام فامتنع.
وقال: إن القاضي ليس برضي فقال الداعي: يتلف على مالي.
فقال أحمد: ما أتلف عليك مالك، الذي ولى هذا القاضي أتلف عليك مالك.
الجزء: 14 - الصفحة: 329
وليس لهذا القول وجه، لأن المقصود بالشهادة وصول ذي الحق إلى حقه فلم يفترق في وصوله إليه حقه بين صحة التقليد وفساده
فإن دعي الشاهد إلى أداء شهادة عند أمير أو ذي يد، فإن كان ممن يجوز له إلزام الحقوق والإجبار عليها، لزم أداء الشهادة عنده، وإن كان ممن لا يجوز له ذلك ولا يصح منه، لم يلزمه أداؤها عنده والله اعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو ترك الميت ابنين فشهد أحدهما على أبيه بدين فإن كان عدلاً حلف المدعي وأخذ الذين من الاثنين وإن لم يكن عدلاً أخذ من يدي الشاهد بقدر ما كان يأخذه منه لو جازت شهادته لأن موجوداً في شهادته أن له في يديه حقا وفي يدي الجاحد حقا فأعطيته من المقر ولم أعطه من المنكر"
قال في الحاوي: وصورتها في رجل ادعى ديناً على ميت وورثه ابنان له فصدقه أحدهما وكذبه الآخر، فالمصدق مقر والمكذب منكر وللمقر حالتان:
إحداهما: أن يكون عدلا، فيجوز أن يشهد للمدعي بدينه في حق أخيه المنكر مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي، ولا يكون الإقرار شهادة حتى يستأنفها بلفظ الشهادة، لأن لفظ الإقرار لا يكون شهادة، وشهادته تكون على أبيه دون أخيه لوجوب الدين على الأب ومنع الحسن بن زياد اللؤلؤي من قبول شهادته لما يتوجه إليه من التهمة في استدراك إقراره.
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء: أن شهادته مقبولة، لأنها موافقة لإقراره فانتفت التهمة عنه، فلم تمنع من الشهادة على أبيه وإن منع من الشهادة له.
فإذا صحت الشهادة استحق صاحب الدين جمع دينه من أصل التركة نصفه يستحقه بالإقرار في حق المصدق ونصفه يستحقه بالشهادة في حق المنكر.
والثانية: أن يكون المقر غير عدل أو يكون عدلاً لم تكمل به الشهادة لعدم غيره، أو لأن الحاكم لا يرى الحكم باليمين والشاهد أو يراه فلا يحلف معه المدعي فالحكم في هذه الأحوال الثلاثة على سواء
ومذهب الشافعي المنصوص عليه في جميع كتبه، وهو قول أهل الحجاز أنه يأخذ من المقر من الدين بقدر حقه، وهو النصف ويحلف المنكر على النصف الآخر ويبرأ، ويمينه على العلم دون البت ويقول: والله لا أعلم أن له على أبي ما ادعاه أو شيئاً منه
وقال أبو حنيفة وأكثر أهل العراق: يلزم المقر جميع الدين
وكان أبو عبيد بن حرث وأبوة جعفر الاستراباذي وهما من (متأخري) أصحاب
الجزء: 14 - الصفحة: 330
الشافعي: يخرجان هذا قولاً ثانياً للشافعي.
فخالفهما من أصحاب الشافعي أكثرهم ووافقهما أقلهم، وجعلوه تخريجاً من مقتضى نص وليس بتخريج من نص وهو أن الشافعي يقول: إذا حلف أحد الابنين في القسامة فاستحق بأيمانه نصف الدية وكان على المقتول دين، قضى جميعه من حصة الابن الحالف، كذلك في هذه المسألة، فخرجوها لأجل ذلك على قولين:
واختلف من أنكر تخريج هذا القول في ما قاله في القسامة على وجهين:
أحدهما: أنه محمول على أن الذي استحقه أحد الابنين بأيمانه، كان جميع التركة، فأخذ جميع الدين منه، ولو ترك الميت غيره ما لزمه من الدين إلا نصفه.
والثاني: أنه محمول على أن أخاه معترف بالدين، فاستحق باعترافهما جميع الدين، وعجل قضاؤه من الذمة لتأخير غيره ليرجع على أخيه بقدر حقه، ولو كان الأخ منكراً لم يؤخذ من المقر إلا قدر حقه.
واستدل أبو حنيفة ومن وافقه على وجوب الدين كله على المقر بقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾
فجعل للوارث ما فضل عن الدين والوصية، فوجب أن لا يرث إلا بعد قضاء جمعيه؛ لأن صاحب الدين مقدم وليس بمشارك.
ولأن ما يأخذه المنكر من التركة كالمغصوب في حق الدين، وغصب بعض التركة موجب لقضاء الدين من باقيها، فلزم أخذ جميعه منه.
والدليل على أن على المقر منهما نصف الدين دون جميعه، هو أن الدين مستحق في جميع التركة غير معين في بعضها، وليس مع المقر إلا نصفها، فلم يلزمه من الدين إلا نصفه كالمقرين.
ولو أنه لو لزم المقر جميع الدين، لم تقبل شهادته على أخيه، لأنه يدفع بها عن نفسه تحمل جميع الدين وفي موافقة أبي حنيفة على قبول شهادته، وإن خالفه الحسن بن زياد اللؤلؤي في قبولها، دليل على أن لا يلزمه في الدين إلا قدر حقه لتسلم شهادته عن جر نفع ودفع ضرر.
ولأن أحد الابنين لو ادعى ديناً لأبيه على منكر، فرد اليمين عليه وحلف، لم يستحق من الدين إلا نصفه، وكذلك إذا أقر بدين على أبيه لم يلزمه إلا نصفه، لأن ما للأب من الدين في مقابلة ما عليه من الدين.
والأصح من إطلاقها عندي، أن ينظر في التركة.
فإن لم يقتسم لها الابنان حتى أقر أحدهما بالدين، قضى جميعه منها، فكان محسوباً من حق المقر دون المنكر.
وإن اقتسم الابنان التركة.
ثم أقر أحدهما بالدين، لم يلزمه منه إلا نصفه؛ لأن المقر معترف باستحقاق جميع الدين في جميع التركة.
فصار قبل القسمة مقراً بجمعه وبعد أخذ النصف بالقسمة مقراً بنصفه والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 331
فصل
فإذا تقررت هذه الجملة، وقيل: إنه لا يلزم المقر من الدين إلا بقدر حصته وهو النصف، فلا خصومة بين الأخوين في الدين.
ويكون صاحب الدين مخاصماً للمنكر في بقية دينه.
فإن قيل: إنه يلزم المقر جميع الدين، لم يؤخذ بدفع جميعه إلا بعد إحلاف أخيه لصاحب الدين، فإذا حلف أخذ من المقر حينئذ جميع الدين، وصار المقر خصماً لأخيه المنكر ليستأنف الدعوى عليه، ويحلف عليها إن استدام اإنكار، ولا تسقط عنه اليمين في حق أخيه باليمين التي حلفها لصاحب الدين، لاختلاف مستحقيها، كما لو أدى أحد الأخوين ديناً على منكر وأحلفه عليه لم يسقط حق الأخ الآخر من إحلافه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وكذلك لو شهد أن أباه أوصى له بثلث ماله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا كانت الدعوى في وصية اعترف بها أحد الابنين، وأنكرها الآخر.
فهي على ضربين:
أحدهما: أن تكون غير معينة كالوصية بالثلث، فلا يلزم المقر بها إلا قدر حصته وهو نصف الثلث، بوفاق أبي حنيفة وجميع أصحابنا بخلاف الدين المختلف فيه، لوقوع الفرق بينهما، فإن جميع الدين مستحق فيما يوجد من قليلا لتركة وكثيرها.
والوصية بثلث التركة لا يستحق إلا من جميعها.
والثاني: أن تكون الوصية معينة في ثلثي شيء من التركة، كالوصية بدار اعترف بها أحدهما، وأنكرها الآخر: فلا تخلو الدار من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن تكون باقية في التركة لم يقتسماها، فلا يلزم المقر إلا نصفها على المذهبين، لأنه لا يملك منها إلا النصف، وعلى المنكر اليمين، فإذا حلف، حسب على المقر قيمة النصف من حصته.
فلو أقر أحدهما أن أباه وصى بجميع هذه الدار لزيد، وأقر الآخر أنه وصى بجميعها لعمرو، كان نصف الدار لزيد فمن حصته من صدقة ولا يمين عليه لعمرو.
ونصف الدار لعمرو، وهو حصة من صدقة، ولا يمين عليه لزيد؛ لأنه لو تصادق الأخوان على الوصيتين لكانت الدار بين زيد وعمرو نصفين، وقد صارت بينهما كذلك فلم يكن التكذيب مضراً، وانتقلت المنازعة بين زيد وعمرو، لأن كل واحد منهما يدعي أنه أحق بجميعها من صاحبه، فيتحالفان عليها وتقر بعد أيمانهما بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فضي بجميعها للحالف دون الناكل.
الجزء: 14 - الصفحة: 332
والثانية: أن تكون الدار قد حصلت في سهم المقر بعد القسمة، فيلزمه تسليم جميعها، لأنه معترف بهما للموصى له، ويصير خصماً لأخيه في نصفها، وليس بين الموصى له، والمنكر مخاصمة، لوصوله إلى حقه من المقر.
والثالثة: أن تكون الدار قد حصلت في سهم المنكر، فلا شيء على المقر بها لأنه لا يملكها، ولا مطالبة عليه بها ولا بقيمتها، فإذا حلف المنكر برئ من المطالبة وحصلت له الدار وبطلت الوصية بها.
فإذا كان المقر عدلاً فشهد على أخيه بالوصية بالدار سمعت شهادته وحك بها على أخيه مع شاهد آخر أو معين الموصى له، وانتزعت الدار من يده بالوصية، ولم يرجع على أخيه ببدلها من تركة أبيه وإن اعترف له بذلك، لأنه بالإنكار جاحد لاستحقاق غيره والله أعلم بالصواب.
باب الشهادة على الشهادة
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وتجوز الشهادة على الشهادة بكتاب القاضي في كل حق للآدميين مالاً أو حدا أو قصاصاً وفي كل حد لله قولان أحدهما أنه تجوز، والآخر لا تجوز من قبل درء الحدود بالشبهات ".
قال في الحاوي: أما الشهادة على الشهادة فجائزة مع الاتفاق على جوازها لأمرين:
أحدهما: أن الشهادة وثيقة مستدامة وقد يطرأ على الشاهد من احتدام المنية، والعجز عن الشهادة لغيبة أو مرض ما تدعو الضرورة فيه إلى الإرشاد على شهادته ليستديم بها الوثيقة ولا يقوى به الحق.
والثاني: أن الشهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة، فلما جاز نقل الخبر لاستدامة العلم به، جاز نقل الشهادة لاستدامة التوثيق بها.
فإذا ثبت جوازها، فالكلام فيها يشتمل على أربعة فصول:
أحدهما: في وجوب الشهادة على الشهادة.
وهو معتبر بحال شاهد الأصل إذا دعاه صاحب الحق أن يشهد على شهادته، وله حالتان:
أحدهما: أن يجيب إليها، فيكون بالإجابة محسناً، سواء قدر على الأداء أو عجز عنه.
والثانية: أن يمتنع عنها، فله حالتان:
الجزء: 14 - الصفحة: 333
إحداهما: أن يكون قادراً على أدائها عند الحاكم، فلا تلزمه الشهادة على شهادته، لأن تحمل الشهادة موجب لأدائها عند الحاكم، وليس بموجب الإشهاد عليها، فلم تلزمه غير المقصود بتحملها.
والثالثة: أن يعجز عن أدائها عند الحاكم إما لمرض، أو زمانة، أو لسفر ونقلة.
فقد اختلف في وجوب الإشهاد على شهادته.
فذهب بعض فقهاء العراق إلى وجوب إشهاده على شهادته كما يجب عليه أداؤها عند الحكام، لما فيه من حفظ الحق على صاحبه في الحالين.
ومذهب الشافعي، يجب عليه أداء شهادته ولا يجب عليه الإشهاد على شهادته لثلاث معان:
أحدها: أن المقصود بتحمل الشهادة أداؤها دون الإشهاد عليها، فلم يلزمه في التحمل غير المقصود به.
والثاني: الإشهاد عليها لا يسقط فرض أدائها فلم يلزمه بالتحمل فرضان.
والثالث: أن المقر، لما لم يلزمه الإشهاد على إقراره لم يلزم الشاهد الإشهاد على شهادته.
والذي رواه أولى المذهبين عندي أن يعتبر الحق المشهود فيه، فإن كان مما ينتقل إلى الأعيان كالوقف المؤبد الذي ينتقل إلى بطن بعد بطن، لزمه الإشهاد على شهادته لأن البطن الموجود يصل إلى حقه بالأداء، فلم يلزمه غيره.
والبطن المفقود قد لا يصل إلى حقه إلا بالإشهاد على شهادته، فلزمه الإشهاد عليها في حقه.
وكذلك الإجارة المعقودة إلى مدة قد لا يعيش الشهود إلى انقضائها في الأغلب، فهي بمثابة المنتقل في وجوب الإشهاد على شهادته.
وكذلك الديون المؤجلة بالأجل البعيد.
فأما في الحقوق المعجلة، أو في البياعات المقبوضة الناجزة، فلا يلزمه فيها الأداء عند التنازع، لأن التوثيق بها غير مستدام وأما إذا ابتدأ الشاهد بالإشهاد على شهادته من غير طلب جاز، وكان بها متطوعاً؛ لأنها استظهار في التوقيق لصاحب الحق كالمحتمل للخبر إذا ابتدأ بروايته من غير طلب جاز وكان بها متطوعاً.
ولا يسقط عن الشاهد فرض الأداء بهذا الإشهاد إذا حدث التنازع من إمكان الشهادة، فإن انقطع التنازع، سقط عنه فرض الأداء والإشهاد معاً.
والفصل الثاني: ما تجوز فيه الشهادة على الشهادة.
وهو معتبر بالحق الشهود فيه وهو ضربان:
أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين.
والثاني: ما كان من حقوق الله تعالى.
الجزء: 14 - الصفحة: 334
فأما حقوق الآدميين فتجوز فيها الإشهاد على الشهادة، سواء كان مما لا يثبت بشاهدين كالنكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، والقصاص، والقذف، أو كان يثبت بشاهدين كالنكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، والقصاص، والقذف، أو كان يثبت بشاهد وامرأتين كالأموال، أو كان يثبت بالنساء منفردات كالولادة وعيوب النساء.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز الشهادة على الشهادة فيما يسقط بالشبهة كحد القذف والقصاص، ويجوز فيما عداه من حقوق الآدميين المحضة.
وبه قال بعض أصحاب الشافعي استدلالاً بأن ما سقط بالشبهة كان محمولاً على التخفيف، والشهادة على الشهادة تغليظ فتنافيا.
وهذا فساد، لأن حقوق الآدميين موضوعة على التغليظ وفيما عدا الأموال التي يجوز أن يستباح بالإباحة، فلما صحت الشهادة على الشهادة في الأموال التي هي أخف، كان جوازها في المغلظ أحق.
وأما حقوق الله تعالى المحضة، كحد الزنى وشرب الخمر والقطع في السرقة، ففي جواز الشهادة فيها على الشهادة قولان منصوصان:
أحدهما: تجوز الشهادة فيها على الشهادة، وتثبت بشهود الفرع كثبوتها بشهود الأصل، اعتباراً بحقوق الآدميين؛ لأن حقوق الله تعالى التي لا تسقط بالعفو أحق بالاستيفاء مما يجوز أن يسقط بالعفو.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة أنه لا تجوز فيها الشهادة، ولا تثبت إلا بشهود الأصل دون شهود الفرع، لأنها موضوعة على سترها وكتمانها ودرئها بالشبهات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم".
وقوله عليه السلام: "من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله" فكانت لأجل ذلك منافية لتأكيدها بالشهادة على الشهادة.
وكذلك القول في كتاب القاضي إلى القاضي، كالقول في الشهادة على الشهادة.
تجوز في حقوق الآدميين، وفي جوازها في حقوق الله تعالى قولان.
والفصل الثالث: في صفة الإشهاد على الشهادة.
وهو معتبر بما تحمله شاهد الأصل.
وله في صحة تحمله حالتان:
إحداهما: أن يشاهد السبب الموجب للحق من حضوره عقد بيع أو إجازة أو نكاح يسمع فيه البذل والقبول، أو مشاهدته لقتل أو إتلاف مال، أو سماعه للفظ القذف، فيصح تحمله من غير إقرار ولا استرعاء.
ويجوز أن يشهد به، ويشهد على نفسه بمثل ما تحمله.
والثانية: أن يشهد على الإقرار بالحق، فهو على ضريين:
أحدهما: أن يسمع إقرار المقر عند الحاكم وهو يقول: "الفلان علي كذا درهم".
فيصح تحمل الشاهد لهذا الإقرار من غير أن يسترعيه المقر للشهادة، ويقول: "أشهد علي بهذا"؛ لأن العرف في الإقرار عند الحكام أن لا يكون إلا بالحقوق الواجبة فاستغنى بالعرف عن الاسترعاء.
الجزء: 14 - الصفحة: 335
والثاني: أن لا يسمع إقراره عند غير الحاكم.
إما عند الشاهد أو عند غير الشاهد، فقد اختلف أصحابنا في صفة التحمل للشهادة، بهذا الإقرار، هل يفتقر إلى استرعاء المقر؟ والاسترعاء أن يقول: أشهد على أن لفلان علي كذا فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي وطائفة، أن التحمل للشهادة لا يصح إلا بالاسترعاء بها، فإن سمع الشاهد الإقرار من غير استرعاء لم يصح تحمله، ولم يجز أن يشهد به، لاحتمال أن يرد بذلك: علي ألف درهم أقرضك إياها، أو أهبها لك، فلا يلزمه ما أقر به، فلذلك لم يصح التحمل.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أن تحمل الإقرار صحيح وإن تجرد عن الاسترعاء، والشهادة به جائزة لتعلق الحكم بالظاهر دون السرائر.
ويجوز على هذا الوجه إذا اختبأ الشاهد حتى سمع إقرار المقر: أن لزيد علي ألفاً والمقر غير عالم بحضور الشاهد وسماعه، أن يحتمل هذه الشهادة ويشهد بها على المقر، إلا أن يكون في المقر غفلة تتم بها الحيلة عليه والخداع، فلا يصح تحمل الشهادة من المختبئ حتى يراه المقر أو يعلم به.
وسوى أبو حنيفة بين ذي الغفلة وغيره في صحة تحمل المختبئ.
والفرق بينهما أولى لتمام الحيلة على الغافل وانتفائها عن الضابط فهذان الوجهان في وجوب الاسترعاء.
والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يعتبر حال الإقرار، إن اقتران به قول أو أمارة تدل على الوجوب استغنى تحمله على الاسترعاء، والقول مثل أن يقول: " له علي ألف درهم بحق واجب".
والأمارة أن يحضر المقر عند الشاهد ليشهد على نفسه فيعلم شاهد الحال أنه إقرار بواجب.
وإن تجرد الإقرار عما يدل على الوجوب من قول أو أمارة، افتقر إلى الاسترعاء ولم يصح تحمل الشهادة على إطلاقه.
فإن أراد الشاهد أن يشهد بهذا الإقرار عند الحاكم، لزمه أن يذكر في شهادته صفة الإقرار، فإن كان بالاسترعاء قال في شهادته: أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه، فإن لم يقل: أشهد، وقال: أقر عندي، وأشهدني على نفسه كان إخباراً ولم تكن شهادة.
فلم يجز للحاكم أن يحكم بها حتى يقول: أشهد أنه أقر عندي وأشهدني على نفسه؛ لأن الحكم يكون بالشهادة دون الخبر.
وإن كان الشاهد قد حضر المقر وأقر عنده من غير استرعاء قال في شهادته: "أشهد إنه أقر عندي بكذا"، ولا يقول: "وأشهدني على نفسه"، ليجتهد الحاكم رأيه في صحة هذا التحمل وفساده.
وإن كان الشاهد قد سمع إقرار المقر من غير حضور عنده قال في شهادته: "أشهد
الجزء: 14 - الصفحة: 336
إني سمعته يقر بكذا " ولا يقول: أقر "عندي" ليكون الحاكم هو المجتهد دون الشاهد.
فإن أراد الشاهد أن يجتهد رأيه في صحة هذا التحمل وفساده نظر:
فإن أراد الشاهد أن يجتهد رأيه في صحة الإقرار وفساده لم يجز، وكان الحاكم أحق بهذا الاجتهاد.
وإن أراد أن يجتهد رأيه في لزوم الأداء وسقوطه عنه ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لاختصاصه بوجوب الأداء.
والثاني: لا يجوز، لأن في الإقرار حقاً لغيره.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من شاهد الأصل في صحة تحمله الشهادة، انتقل الكلام إلى شاهد الفرع في صحة تحمله وصحة أدائه.
فأما تحمله فمعتبر في شاهد الأصل وله فيتحمل شاهد الفرع عنه ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يذكر شاهد الأصل السبب الموجب للحق بلفظ الشهادة، فيقول: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً من ثمن أو غصب أو صداق، فإذا سمعه شاهد الفرع صح تحمله للشهادة عنه وإن لم يسترعه إياها، وفيه لبعض أصحابنا البصريين وجه آخر أنه لا يصح تحمله إلا بالاسترعاء لما فيه من الاحتمال بالوعد، وليس بصحيح؛ لأن ذكر السبب تعيين من الاحتمال.
والثانية: أن يشهد شاهد الأصل بالشهادة عند الحاكم، فإن سمعه شاهد الفرع صح تحمله لها وإن لم يسترعه إياها، لأن الحاكم ملزم، فلم تكن الشهادة عنده إلا بما لزم
والثالثة: أن يقول شاهد الأصل: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً: فإذا سمعه شاهد الفرع لم يصح تحمله إلا بالاسترعاء وجهاً واحداً، وإن كان في المقر على وجهين:
والفرق بين المقر والشاهد من وجهين:
أحدهما: أن الحق في الشاهد لازم لغير الشاهد، فوجب أن يغلظ حكمه بالاسترعاء ليتحقق صحة الإلزام بنفس الاحتمال.
والحق في الإقرار لازم للمقر لا يتعداه فيتحقق حكمه في صحة الإلزام، لأنه لو كان فيه احتمال لما استظهر به لنفسه.
والثاني: أن الإقرار خبر وشروط الشهادة أغلط من شروط الخبر لصحة إخبار من لا يصح شهادته من العبيد والنساء، ولذلك اعتبر الاسترعاء في الشهادة وإن لم يعتبر في الإقرار، ولذلك قبل ورجوع الشاهد ولم يقبل رجوع المقر.
وإذا كان الاسترعاء معتبراً في الشهادة معتبراً في الشهادة، فالاسترعاء أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع:
"أشهد أن لفلان على فلان ألفاً فأشهد على شهادتي وعن شهادتي".
الجزء: 14 - الصفحة: 337
فأما قوله: " فأشهد على شهادتي" استرعاء لا يصح التحمل إلا به.
"فلو قال فأشهد أنت بها" لم يكن استرعاء حتى يقول: " فأشهد على شهادتي نص عليه الشافعي.
وأما قوله: " وعن شهادتي" فهو إذن له في النيابة عنه في الأداء
واختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة التحمل ومعتبر في جواز الأداء أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه شرط معتبر في صحة التحمل والأداء لأن شاهد الفرع نائب عن شاهد الأصل في الأداء فاعتبر فيه الإذن بالنيابة كالوكيل والوصي، وهذا قول البصريين.
والثاني: يصح التحمل والأداء مع تركه لأن الشهادة على شهادته ليست من حقوقه فلم يعتبر إذنه، وهذا قول البغداديين.
فصل
وأما صحة الأداء فمعتبرة بشاهد الأصل وصحة أدائه معتبرة بخمسة شروط:
أحدها: أن يصح تحمله على الشروط المعتبرة فيه فإذا أخل بشرط منها لم يصح أداؤه
والثاني: أن يكون مقيماً على شهادته غير راجع عنها، فإن رجع عنها قبل الأداء لم يصح أداؤه، ولو رجع بعد الأداء وقبل الحكم بطل الأداء ولو رجع بعد الحكم بالأداء لم يبطل الحكم برجوعه.
والثالث: أن يكون شاهد الأصل غير قادر على أداء الشهادة إما لغيبة أزمانه أو موت، فإن كان قادرا على أداء الشهادة لم يكن لشاهد الفرع أن يؤديها عنه، لأن الأصل أقوى من الفرع وإذا وجدت القوة في الشهادة لم يجز إسقاطها وخالفت الوكالة في جوازها عن الحاضر لأن الحاضر قد يضعف عن استيفاء حجته كالغائب
وخالفت الخبر في جواز قبولها من المخبر مع وجود المخبر عنه لأن الخبر يلزم المخبر والمستخبر والشهادة تلزم المشهود عليه دون الشاهد.
فلو شهد شاهد الفرع لغيبة شاهد الأصل أو مرضه ثم قدم شاهد الأصل من سفره أو صح مت مرضه نظر:
فإن كان بعد نفوذ الحكم بشهادة الفرع لم تسمع شهادة الأصل.
وإن كان بعد نفوذ الحكم بها سمعت شهادة الأصل ولم ينفذ الحكم بشهادة الفرع
فإما الغيبة التي تجوز معها شهادة الفرع، فقد اعتبرها أبو حنيفة بمدة القصر وهي مسافة ثلاثة أيام عنده
وأعتبرها أبو يوسف بأن يكون أذا رجع إليها في أول النهار لم يقدر على العود منها قبل الليل إلى وطنه.
الجزء: 14 - الصفحة: 338
وعلى الظاهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها معتبرة بلحاق المشقة في عوده، لأن دخول المشقة على الشاهد يسقط عنه فرض الأداء.
الرابع: أن يسمى شاهد الأصل في أدائه بما يعرف به فإن أغفل ذكره لم يصح أداؤه لأنه فرعه وقد يكون الأصل غير مرضي فتكون الشهادة مردودة وإن كان الفرع مرضياً فقبولها معتبر بعدالة الأصل والفرع، وإن قال شاهد الفرع: " أشهدني شاهد على رضي" لم تقبل شهادته حتى يسميه لأن تزكية الشهود إلى الحاكم دون غيره.
والخامس: أن يؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها، فإن كان قد تحمل عن شاهد الأصل لذكره لسبب وجوب الحق من بيع أو قرض، ذكره في أدائه عنه.
فقال: " أشهد أن فلان ابن فلان الشاهد أشهدن على شهادته وعن شهادته أن فلان ابن فلان أقر عنده وأشهد على نفسه أن عله لفلان ابن فلان ألف درهم" فتصح الشهادة بهذا الأداء
فإن قال: " أشهدني على شهادته" ولم يقل: " وعن شهادته" ففي صحة أدائه وجهان تعليلاً بما قدمناه.
وهذا أصح ما قيل في أداء الشهادة على الشهادة.
فإن قال شاهد الفرع: أشهد عن فلان ابن فلان الشاهد جاز.
ولو قال: " أشهد عليه" لم يجز لأن الحق على المقر لا على الشاهد.
والفصل الرابع: من يصح أن يكون مؤديا للشهادة على الشهادة.
مذهب الشافعي أنهم الرجال دون النشاء سواء كانت شهادة الأصل مما تقبل فيها النساء أو لا تقبل
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: تقبل شهادة النساء في الفروع إذا قبلت شهادتهن في الأصل، لأن حكم الفرع يعتبر بالأصل.
وهذا فاسد، لأن المقصود بشهادة الفرع إثبات شهادة الأصل والمقصود بشهادة الأصل إثبات الحق، فصارت صفة الحق معتبرة في شهادة الأصل وصفته غير معتبرة في شهادة الفرع، وإذا سقط اعتبار الحق سقطت شهادة النساء.
فإن كانت شهادة الأصل مما يحكم فيه بالشاهد واليمين، فيحملها في الفرع شاهد واحد وأراد صاحب الحق أن يحلف مع الشاهد الواحد، كما كان له أن يحلف مع الشاهد الواحد في الأصل لم يجز، لأن شهادة الأصل لا تثبت بشاهد ويمين وإن جاز أن يقنت الحق بشاهد ويمين.
فإن شهد شاهدان في الفرع عن شاهد واحد في الأصل، وأراد صاحب الحق أن يحلف معها جاز، لأنه قد ثبت بهما شهادة الواحد فجاز أن يحلف معه، لأنه له أن يحلف مع الشاهد الواحد، لأن يمينه لإثبات وليست لإثبات الشهادة، والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 339
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا سمع الرجلان الرجل يقول أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ولم يقل لهما أشهدا على شهادتي فليس لهما أن يشهدا بها ولا للحاكم أن يقبلها لأنه يسترعيها إياها وقد يمكن أن يقول له على فلان ألف درهم وعده بها وإذا استرعاها إياها لم يفعل إلا وهي عنده واجبة"
قال في الحاوي: هذا مما قد مضى فيه الفصول الأربعة لأن الشهادة على الشهادة تكون من أحد ثلاثة أوجه
أحدها: أن يذكر شاهد الأصل في شهادته السبب الموجب للحق أن لفلان على فلان ألف درهم من ثمن بيع أو أجرة أرض أو قرض فيصبح أن يتحمله شاهد الأصل من غير استرعاء، وفيه لبعض البصريين وجه آخر أنه لا يصح التحمل إلا بالاسترعاء.
والثاني: أن يشهد الأصل عند الحاكم بالحق فإذا سمعه شاهد الفرع صح تحمله وإن لم يسترعه.
والثالث: أن يشهد شاهد الأصل عند شاهدي الفرع، أو سماعهما من غير قصد الشهادة يقولان: " نشهد أن لفلان على فلان ألف درهم" ولم يذكرا سبب وجوبها لم يصح تحمل شاهدي الفرع إلا بالاسترعاء، لأنه يحتمل أن تكون عليه ألف درهم وعده بها، فإذا استرعاهما إياها لم يفعل إلا وهي واجبة.
وهذا صحيح، لأن الاسترعاء وثيقة، والوثائق تستهل في الواجبات، فصار الاحتمال بالاسترعاء منتفياً.
فأما تحمل الإقرار ففي اعتبار الاسترعاء ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: يعتبر فيه كما يعتبر في تحمل الشهادة على الشهادة لما فيها من الاحتمال.
والثاني: لا يعتبر الاسترعاء في الإقرار وإن كان معتبرا في الشهادة لأن الإقرار أوكد من الشهادة ولذلك لو رجع المقر لم يقبل رجوعه ولو رجع الشاهد قبل رجوعه
فصل
فإذا كان الاسترعاء في الإقرار معتبرا فقال الشاهد للمقر: " أشهد عليك بذلك"؟
فقال: نعم كان هذا استرعاء صحيحاً ولو قال: أشهد فقد اختلف أصحابنا في صحة الاسترعاء بذلك على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن قوله" أشهد" استرعاء صحيح كقوله: "نعم" بل هو أكد لما فيه من لفظ الأمر.
والثاني: أن لا يكون قوله " أشهد" استرعاء لما فيه من الاحتمال أن يشهد بها على
الجزء: 14 - الصفحة: 340
غيره، أو يشهد على بعضها.
والثالث: أن قال له " أشهد" لم يكن استرعاء ولو قال: أشهد على كان استرعاء لنفي الاحتمال بقوله"علي" ولو قال له أشهد علي بذلك كان استرعاء صحيحاً على الوجوه الثلاثة لانتفاء وجوه الاحتمال.
وهذا أبلغ في التأكيد من قوله نعم.
وإن قيل: إن الاسترعاء في الإقرار ليس بمعتبر، فقال الشاهد للمقر أشهد عليك بذلك؟ فقال: لا، ففي بطلان الشهادة به وجهان:
أحدهما: قد بطلت بقوله: لا
والثاني: لا تبطل، لأن الرجوع عن الإقرار غير مقبول
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وأحب للقاضي أن لا يقبل هذا منه وإن كان على الصحة حتى يسأله من أين هي؟ فإن قال بإقرار منه أو بيع حضرته أو سلف أجازه ولو لم يس؟ أله رأيته جائزاً"
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ينبغي للشاهد إذا شهد عند الحاكم بحق على رجل أن يستوفي والشهادة بذكر السبب الموجب للحق، وحتى لا يحوج الحاكم أن يسأل عن سبب وجوبه
فيقول: " أشهد أنه أقر عندي أو حضرت عقد بيع وجب به، فإن أغفل الشاهد ذكر السبب فقال: أشهد إن له عليه ألف درهم ينبغي للحاكم أن يقول له: " من أين شهد عليه؟ ولا يقول: كيف شهدت عليه، لأن قوله: كيف شهدت عليه؟ قدح، وقوله: من أين شهدت عليه؟ استخبار وللحاكم أن يستخبر الشاهد ولي له أن يبتدئ بالقدح فيه.
فإذا سأله الحاكم: من أين شهدت عليه؟ فينبغي للشاهد أن يبين له، وهل شهد على إقراره بالحق، أو عن حضور السبب الموجب للحق ليزول به الاحتمال عن شهادته.
فإن سأله الحاكم وأجابه الشاهد، فقد قام كل واحد منهما بما عليه ولزم الحكم بالشهادة إذا صحت.
وإن سأله فلم يحبه الشاهد فقد قام الحاكم بما عليه من السؤال وقصر الشاهد فيما إليه من الجواب، فينظر الحاكم في حال الشاهد، فإن كانت فيه غفلة لم يحكم بشهادته لاحتمالها مع الغفلة وإن كان ضابطاً متيقظاً حكم بشهادته لانتفاء الاحتمال بالضبط والتيقظ.
وإن لم يسأله الحاكم، فالحاكم هو المقصر وحكمه إن حكم بالشهادة نافذ لأن سؤاله استظهار وتحمل الشهادة على ظاهر الصحة إلى أن يثبت ما ينافيها، والله أعلم
الجزء: 14 - الصفحة: 341
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن شهدا على شهادة رجل ولم يعدلاه قبلهما وسأل عنه فإن عدل قضى به"
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا شهد شاهد الفرع عند الحاكم على الشهادة شاهد الأصل لم يخل حالهما من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يسمياه ويعدلاه فيحكم بشهادتهما عليه بما تحملاه عنه وبتعديلهما له.
وقال مالك: لا أحكم بشهادتهما في تعديله لأنهما متهمان فيه لما يتضمنهما من إمضاء الحكم بشهادتهما حتى يشهد غيرهما بعدالته، فإن لم يشهد غيرهما كان الحكم بشهادتهما مردوداً.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن عدالتهما تنفي عنها هذه التهمة.
والثاني: أنه لو كانت هذه التهمة في إمضاء شهادتهما عنه يوجب رد شهادتهما بعدالته ولوجب لأجلها رد جميع شهادتهما.
لأن الشاهد إنما يشهد لإمضاء الحكم بشهادته وهذا مدفوع بالإجماع فكان ذلك مدفوعاً بالحجاج.
والقسم الثاني: أن لا يسمياه ولا يعدلاه.
فلا يصح هذا الأداء ولا يحكم بهذه الشهادة لأن الحكم بها معتبر بعدالة شهود الفرع وشهود الأصل ولا يعرف عدالة من لم يسم.
ويجوز على قياس قول أبي حنيفة في قبول الخبر المرسل أن تقبل هذه الشهادة فإن التزم جرى على القياس وإن خالف فيه ناقض.
ونحن نجري على القياس في ردهما.
والقسم الثالث: أن يسمياه ولا يعدلاه.
فيسمع الحاكم شهادتهما ويكشف عن عدالة شاهد الأصل من غيرهما.
وحكي عن عبيد الله بن عباس العنبري وسفيان الثوري وأبي يوسف أن الحاكم لا يسمع هذه الشهادة حتى يعدل شهود الفرع شاهد الأصل، فإن عدالة غيرهما لم يحكم بشهادتهما.
وهو مذهب مالك: لأن ترك تزكية شاهدي الفرع لشاهد الأصل ريبة: والشهادة مع الاسترابة مردودة.
وهذا فاسد من وجهين:
الجزء: 14 - الصفحة: 342
أحدهما: أن التزكية لا يعين فيها المزكي وقد عينوها.
والثاني: أن الشهادة كالخبر ولما كان ناقل الخبر عن رواية يجوز تزكيته من غير ناقله، كذلك الشهادة يجوز فيها تزكية شاهدي الأصل من غير شهود الفرع.
والقسم الرابع: أن يعدلاه ولا يسمياه.
فلا يحكم بشهادتهما حتى يسمياه.
وحكي عن محمد بن جرير الطبري أنه قال: يجوز الحكم بها إذا زكى شاهد الأصل ولم يسميه لأن العدالة هي المعتبرة دون الاسم.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه قد يجوز أن يكون عدلاً عندهما فاسقاً عند غيرهما، فصار مجهول الحال بإعفاء تسميته
والثاني: أن للحاكم أن يطرد جرح الشهود، ولا يمكنه أطراد جرح من لم يسم والله اعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهد رجلان على شهادة رجلين فقد رأيت كثيراً من الحكام والمفتين يجيزونه، قال المزني: وخرجه على قولين وقطع في موضع آخر بأنه لا تجوز شهادتهما إلا على واحد ممن شهد عليه وأمره بطلب شاهدين على الشاهد الآخر قال المزني: رحمه الله ومن قطع بشيء كان أولى به من حكايته له"
قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن العدد معتبر في شهود الفرع لاعتباره في شهود الأصل، لأن الشهادة لا تخلو من اعتبار العدد فيها، أصلاً كانت أو فرعاً فإذا كانت شهادة الأصل معتبرة بشاهدين فلشهادة الفرع ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشهد في الفرع شاهدان على شهادة أحد شاهدي الأصل ويشهد آخران على الشاهد الآخر فيصير شهود الفرع أربعة يتحمل عن كل واحد من الاثنين اثنان فهذا متفق جوازه، وهو أولى ما استعمل فيه.
والثانية: أن يشهد في الفرع واحد على شهادة أحدهما أو يشهد آخر على شهادة الآخر فهذا غير مجزئ لا يختلف فيه مذهبنا.
وهو قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وأحمد وإسحاق جوازه استدلالا بأن أصل الحق لما ثبت بشاهدين جاز أن ينوب عن كل واحد واحد فتصير نيابتها بشاهدين وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه مفض إلى أن يصير العدد معتبراً في الأصل دون الفرع، وحكم الفرع
الجزء: 14 - الصفحة: 343
أغلظ من حكم الأصل.
والثاني: أن شهادة الفرع موجبة لثبوت شهادة الأصل ولا تثبت بالواحد شهادة الواحد.
والثالثة: أن يشهد في الفرع شاهدان على أحد شاهدي الأصل ثم يشهدان معاً على الشاهد الآخر فيتحمل شاهد الفرع عن كل واحد من شاهدي الأصل ففيه قولان:
أحدهما: يجوز، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأكثر فقهاء الحجاز والعراق.
والثاني: لا يجوز وهذا اختيار المزني
وهذا القولان محمولان على أصل وهو أن ثبوت الحق، هل يكون بشهود الأصل أو بشهود الفرع؟ وفيه قولان:
أحدهما: إنه يثبت بشهود الأصل، ويتحمله عنهم شهود الفرع، لأنه يعتبر شرط الشهادة إذا كان مما يعاين في شهود الأصل دون شهود الفرع ويتحمله عنهم شهود الفرع، فعلى هذا يصح أن يشهد شاهدا الفرع عن كل واحد من شهود الأصل.
والثاني: أن الحق يثبت بشهود الفرع، وهم يتحملون الشهادة عن شهود الأصل لجواز شهادتهم بعد موت شهود الأصل فعلى هذا إذا تحمل الشاهد الفرع عن أحد شاهدي الأصل لم يكن لهما أن يتحملا عن الشاهد الآخر.
ووهم أبو حامد الإسفراييني فعكسه، وجعل ثبوت الحق بشهود الأصل مانعاً من أن يشهد شاهد الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل، وجعل ثبوته بشهود الأصل تجوز أن يشهد كل واحد من شاهدي الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل.
وهذا عكس الصواب، لأن الحق إذا ثبت بشهود الأصل فهو تحمل بحق كل واحد، ويجوز ثبوته بشاهدين فإذا بشهود الفرع فهو تحمل للشهادة بشاهدين فلم يجز أن يتحملاها عنهما، لأنهما يصيران فيها كأحد الشاهدين وهذا دليل على الوهم وفرق ما بينهما في الحكم.
ثم الدليل على توجيه القولين في غير المسألة أنه إن قيل: يجوز لشاهدي الفرع أن يشهدا عن كل واحد من شاهدي الأصل فدليله من وجهين:
أحدهما: أنها شهادة على شخصين فجاز أن يجتمعا عليها في حق واحد، كما جاز أن يجتمعا عليها في حقين.
والثاني: أن اجتماعهما عليها في الحق الواحد أوكد من اجتماعها عليها في حقين، لأنه في الحق الواحد موافق وفي الحقين غير موافق.
وإن قيل: إنه لا يجوز لشاهدي الفرع إذا شهدا على أحد الشاهدين أن يشهدا على الآخر حتى يشهد عليه غيرهما، فدليله من وجهين:
أحدهما: أنهما قد قاما في التحمل عن أحدهما مقام شاهد واحد وذلك الحق فإذا شهد فيه على الشاهد الآخر صارا كالشاهد إذا شهد بذلك الحق مرتين ولا تتم
الجزء: 14 - الصفحة: 344
الشهادة بهذا كذلك بالشاهدين.
والثاني: أنه لما لم يقبل من شاهد الأصل حتى يشهد معه غيره ولم يقبل من شاهدي الفرع حتى يشهد معهما غيرهما.
فصل
فإذا تقرر توجيه القولين، انتقل الكلام إلى اعتبار العدد في شهود الفرع، وهو معتبر بالعدد في شهود الأصل، والعدد المعتبر في الشهادة غلى أربعة أضرب:
أحدها: أن يكون مما لا يثبت إلا بشاهدين.
كالنكاح والطلاق والقصاص والعتق والنسب.
ففي العدد المعتبر في شهود الفرع قولان:
أحدهما: شاهدان يتحملان على كل واحد من شاهدي الأصل، إذا جعل ثبوت الحق بشهادة الأصل
والثاني: أربعة يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل اثنان إذا جعل ثبوت الحق بشهود كالفرع
والثاني: أن يكون مما يثبت بشاهد وامرأتين كالأموال.
ففي العدد المعتبر في شهود الفرع قولان:
أحدهما: شاهدان يتحملان عن كل واحد من الرجل والمرأتين إذا جعل ثبوت الحق بشهود الأصل.
والثاني: ستة يتحملون كل اثنين منهم عن واحد من الثلاثة، إذا جعل ثبوت الحق بشهود الفرع.
والثالث: أن يكون مما لا يثبت إلا بأربعة كالشهادة على الزنا فإن قيل: إن الشهادة على الشهادة في حقوق الله تعالى لا تجوز لم يجز تحمل الشهادة فيها.
وإن قيل بجوازها في حقوق الله تعالى كجوازها في حقوق الآدميين كان عدد الشهود معتبراً بأصلين في كل واحد من الأصلين قولان:
أحد الأصلين: في شاهدي الفرع إذا شهدا على كل واحد من شهود الأصل هل يجوز أن يشهدا على غير منهم؟ وفيه قولان:
والثاني: أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أولا يثبت إلا بأربعة كالشهادة على فعل الزنا؟ وفيه قولان لأن تحمل الشهادة كالإقرار فصار باجتماع هذين الأصلين في عدد شهود الفرع أربعة أقاويل:
أحدهما: اثنان يتحملان عن كل واحد من الأربعة: إذا جعل شاهدي الفرع أن يتحملا عن كل واحد من شهود الأصل، وجعل ثبوت الإقرار بالزنا بشاهدين.
والثاني: أن شهود الفرع فيه أربعة أقاويل إذا قيل: إن الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة وجعل لشهود الفرع أن يتحملوا عن كل واحد من شهود الأصل.
الجزء: 14 - الصفحة: 345
والثالث: أن شهود الفرع فيه ثمانية، إذا قيل: إنه لا يحتمل شهود الفرع إلا عن واحد من شهود الأصل وقيل: إن الإقرار بالزنا يثبت بشاهدين
والرابع: أن شهود الفرع فيه ستة عشرة إذا منع شهود الفرع من أن يشهدوا إلا عن واحد، وقيل: إن الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة ليشهد كل أربعة عن كل واحد من الأربعة.
والضرب الرابع: ما يكون ثبوته بأربع نسوة كالولادة والاستهلال والرضاع وعيوب النساء الباطنة ففي عدد الشهود في الفرع قولان:
أحدهما: اثنان يتحملان عن كل واحد من النسوة أربع.
والثاني: ثمانية يتحمل كل اثنين منهم عن واحدة من النساء الأربعة والله اعلم بالصواب.
باب الشهادة على الحدود وجرح الشهود
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: " وإذا شهدوا على رجل بالزنا سألهم الإمام أزنى بامرأة؟ لأنهم قد يعدون الزنا وقوعاً على بهيمة ولعلهم يعدون الاستمناء زنا فلا يجد حتى يثبتوا رؤية الزنا وتغيب الفرج في الفرج.
قال المزني رحمه الله وقد أجاز في كتاب الحدود أن إتيان البهيمة كالزنا يحد فيه، قال: ولو شهد أربعة: اثنان منهم أنه زنى بها في بيت واثنان منهم في بيت غيره فلا حد عليهما ومن حد الشهود إذا لم يتمنوا أربعة حدهم قال المزني رحمه الله في غير موضوع بحدهم"
قال الحاوي: وهذا صحيح لأن حد الزنا مغلظ على سائر الحدود لثلاثة أمور:
أحدهما: أنه يفضي إلى إتلاف النفوس.
والثاني: أنه يدخل به تعدي المعرة الفاضحة.
والثالث: أنه يفسد به النسب اللاحق.
ولذلك وجب الحد على القاذف به صيانة للأعراض وحفظاً للأنساب وتغليظه من وجهين:
أحدهما: في عدد الشهود وهم أربعة خص بهم الزنا من جميع الحدود لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
ولا يوجب الحد بأقل من أربعة عدول لا امرأة فيهم.
والثاني: تغليظه بالكشف عن حال الشهادة حتى تنتقي عنها الاحتمال من كل وجه
الجزء: 14 - الصفحة: 346
ويشمل هذا الكشف عن ثلاثة فصول:
أحدها: عن حال الزنا.
والثاني: عن صفته.
والثالث: عن مكانه.
فأما الفصل الأول في السؤال عن حال الزنا.
فيسأل الحاكم شهود الزنا: عن الزنا؟
لأن استدعاء الشهود بالإنزال المحظور قد يكون من أربعة أحوال:
أحدهما: الزنا بامرأة وهو صريح الزنا اسماً وحكماً فإذا قالوا: " زنى بامرأة" لم يسمع الحاكم هذا منه، حتى يقولوا من المرأة لأنها ربما كانت زوجته أو أمته كان وطؤها حلالاً وإن كانت ذات شبهة كان وطؤها مشتبها يسقط فيه الحد ولزم بيانها ليعلم أن وطأها زنا.
وبيانها يكون من أحد الوجهين.
أحدهما: إما أن تعين بالتسمية لها، أو بالإشارة إليها، فيصيروا شاهدين عليها بالزنا
وإما أن يطلقوا ويقولوا: زنا بأجنبية منه، غير مسماة ولا معينة فتصبح الشهادة عليه دونها، ولا يلزم في الشهادة أن يقولوا: وطئها بغير شبهة لأنها معتقدة غير مشاهدة، لاختصاصها بمعتقد الواطئ فإن أعادها قبلت إذا أمكنت ولا يكون الشهود معها قذفه.
وهكذا لو شهدوا على أمرآة بالزنا لم تقبل شهادتهم حتى يذكروا الزاني بها من أحد الوجهين: إما التسمية أو بالإضارة فيصيروا شاهدين عليهما بالزنا وإما أن يطلقوا فيقولوا: زنى بها أجنبي منها، فيصيروا شاهدين عليها دونه
والثانية: اللواط.
فيقولوا: تلوط بغلام فعند أبي حنيفة لا حد فيه:
وعندنا أن الحد فيه واجب وفيه قولان:
أحدهما: أنه كحد الزنا، وهو جلد مائة إن يكون بكرين والرجم إن كانا ثيبين.
والثاني: أن يقتل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين أو ثيبين.
والتلوط بالمرأة كالتلوط بالغلام، ويكون في أحد القولين موجباً لحد الزنا وفي القول الثاني موجباً للقتل.
والثالثة: إتيان البهيمة وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه موجب للقتل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اقتلوا البهيمة ومن أتاها"
والثاني: أنه موجب لحد الزنا وهو اختيار المزني.
الجزء: 14 - الصفحة: 347
والثالث: أنه موجب للتعزيز وهو اختيار أبي العباس بن سريج وأبي سعيد الاصطخري.
فإن قيل: إنه موجب للقتل أو لحد الزنا لم يثبت بأقل من أربعة.
وإن قيل: إنه موجب للتعزيز ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يثبت بشاهدين لأنه لما خرج عن حكم الزنا نقص عن شهود الزنا.
والثاني: لا يثبت بأقل من أربعة لأن اختلاف الحد في الجنس لا يوجب اختلاف العدد في الشهادة كما أن الزنا العبد موجب لنص الحد وزنا البكر موجب للجلد وزنا الثيب موجب للرجم ولا يختلف عدد الشهود لاختلاف الحدود.
فإن قيل: إنه موجب للقتل، فتلت البهيمة التي أتاها لآمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وقتلهما وقتلها ليس حداً عليهما لسقوط التكليف عنها.
واختلف في معنى الأمر بقتلها.
وقيل: لئلا تأتي بخلق مشوه
وقيل: لئلا تذكر بمشاهدتهما فعل من أتاها.
فإذا قتلت البهيمة وكانت لغير من أتاها ففي وجوب غرم قيمتها لمالكها وجهان:
أحدهما: لا غرم له لوجوب قتلها بالشرع.
والثاني: له قيمتها لاستهلاكها عليه بعدوان.
فعلى هذا في ملتزم قيمتها وجهان:
أحدهما: على من أتاها.
والثاني: في بيت المال.
فلو كانت هذه البهيمة مأكولة فقد اختلف في إباحة أكلها على وجهين:
أحدهما: أنها مستباحة الأكل، فعلى هذا تذبح وتؤكل ولا تغرم ويكون ذبحها واجباً
والثاني: لا تؤكل وتقتل، وفي وجوب غرمها وجهان:
وإن قيل: إن إتيان البهيمة موجب لحد الزنا، ولم تقتل البهيمة ووجب في القذف بها الحد.
وإن قيل: إنه موجب للتعزير لم يجب القذف بها حد وعزر القاذف كما يعزر الفاعل.
وقال أبو العباس بن سريج: يحد القاذف وإن عزر الفاعل.
وهذا فاسد لأن حد القذف بالفعل أخف من حد الفعل فلما لم يجز الفعل حد، فأولى أن لا يجب في القذف به.
والرابعة: الاستمناء بالكف، وهو حرام.
الجزء: 14 - الصفحة: 348
وذهب بعض (فقهاء) البصرة إلى إباحته في السفر دون الحضر لأنه يمنع من الفجور، ويبعث على غض الطرف.
وهذا فاسدا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾.
فصار المستمني منسوباً إلى العدوان ولأن النكاح مندوب إليه لأجل التناسل والتكاثر قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط".
وقال عمر رضي الله عنه: لولا الاستيلاد لما تزوجت.
والاستمناء بعيد عن النكاح ويمنع من التناسل فكان محظوراً لكنه من صغائر المعاصي، فينهي عنه الفاعل وإن عاد بعد النهي عزر، ولا يعتبر فيه شهود الزنا ويقبل فيه شاهدين وإن استحق فيه التعزير بعد النهي ولا يجب في القذف به حد ولا تعزير إن لم يعزر الفاعل.
وأما الفصل الثاني: في صفة الزنا.
فلا يقتنع من الشهود أن يشهدوا بالزنا حتى يصفوه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " العينان تزينان وزناهما النظر واليدان تزينان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي ويصدق ذلك ويكذبه الفرج"
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استثبت ماعزاً إقراره بالزنا فقال: " لعلك قبلت لعلك لمست" قال: فعلت، بصريح اللفظ دون كنايته.
فإذا لزم ذلك في المقر كان في الشاهد أحق.
فإذا شهد أربعة على رجل بالزنا سألهم الحاكم: كيف زنى؟ ولم يحده قبل صفة الزنا.
ولأن عمر رضي الله عنه سأل من شهد على المغيرة بالزنا: كيف زنى؟
فقال أبو بكرة مع شبل بن معبد ونافع: رأينا ذكره يدخل في فرجها كدخول المردود في المكحلة.
وعرض زياد، وهو الرابع فقال: رأيت بطنه على بطنها، ورأيت أرجلاً مختلفة ونفساً يعلو واستاً تنبو فقال عمرة رأيت ذكره في فرجها؟ فقال لا، فقال عمر: الحمد لله قم يا أخي أجلد هؤلاء الثلاثة.
فجلدهم حد القذف فلم يجلد المغيرة، لأن الشهادة عليه لم تكمل ولم يجلد زياداً للقذف أنه عرض لم يصرح به.
الجزء: 14 - الصفحة: 349
فإذا كان كذلك، اعتبر ما وصفه الشهود.
فإن كان صرحوا بدخول ذكره في فرجها كملت بهم الشهادة وحد الشهود عليه حد الزنا، وسلم الشهود من حد القذف.
وإن لم يصرحوا جميعا بدخول ذكره في فرجها فلا حد على المشهود عليه، فأما الشهود فإن قالوا في أول شهادة، أنه زنى ووصفوا ما ليس بزنا واحداً واحداً.
لأنهم قد صرحوا بالقذف ولم يشهدوا بالزنا، وإن لم يقولوا في أول شهادة أنه زنى وشهدوا عليه بما ليس بزنا، لم يجدوا قولاً واحداً
إن وصف ثلاثة منهم الزنا، ووصف الرابع ما ليس بزنا، لم يجد الشهود عليه لأن البينة بالزنا لم تكمل، في حد الثلاثة اللذين وصفوا الزنا قولان:
أحدهما: يحدون لأن عمر رضي الله عنه حدهم لأنهم صاروا قذفه.
والثاني: لا يحدون، لأنهم قصدوا الشهادة بالزنا ولم يقصدوا المعرة بالقذف.
فإن قيل بوجوب الحد عليهم لم تقبل شهادتهم حتى يتوبوا وقبل خبرهم قبل التوبة، لأن أبا بكر حين قال له عمر: تب أقبل شهادتك، فامتنع وقال: والله لقد زنى المغيرة فهم بجلده مرة ثانية، فقال له عليه السلام: إنك إن جلدته رجمت صاحبك، يعني أنك إن جعلت هذا غير الأول، فقد كملت به الشهادة فارجم المغيرة وإن كان هو الأول فقد جلدته.
وكان أبو بكر بعد ذلك يقبل خبره ولا تقبل شهادته.
وأما الرابع الذي وصف ما ليس بزنا فينظر في شهادته، فإن قال: إنه زنا، ثم وصف ما ليس بالزنا حد قولاً واحداً.
وإن لم يقل زنا، ووصف ما ليس بالزنا فلا حد عليه قولاً واحداً
وأما الفصل الثالث: في ذكر الشهود مكان الزنا.
فهو شرط في الشهادة على الزنا على ما ذكره أصحابنا وإن لم يكن شرطاً في الإقرار بالزنا، فيجب على الحاكم أن يسألهم عنه، لأنهم قد يقذفون على زناة في مكان واحد فيجب عليه الحد وقد يختلفون في المكان فلا يجب عليه الحد، فلذلك وجب سؤالهم عن مكان الزنا فإذا اتفقوا عليه حد الشهود عليه وإن اختلفوا فاختلافهم على ضربين:
أحدهما: أن يكون اختلافهم ب في بيتين فيقول بعضهم: زنى في هذا البيت ويقول آخرون: زنى في البيت الآخر فلا حد عل المشهود عليه وفي حد الشهود قولان
والثاني: أن يختلفوا في زاوية البيت فيقول بعضهم: زنى بها في هذه الزاوية من هذا البيت ويقول آخرون: زنى بها في الزاوية الأخرى من هذا البيت.
فعند أبي حنيفة يجب عليهما الحد استحساناً لا قياساً، لأنهما قد يتعاركان فينتقلان بالزحف من زاوية إلى أخرى.
الجزء: 14 - الصفحة: 350
ولا حد عليه على مذهب الشافعي لعدم الاتفاق على المكان كالبيتين، ولا وجه لهذا، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ولا يحد بها.
وعلى قياس سؤالهم عن مكان الزنا، يجب سؤالهم عن زمان الزنا، لأن اختلاف الزمان كاختلاف المكان في وجوب الحد إن اتفق وسقوطه إن اختلف.
وليس إطلاق هذا القول عندي صحيحًا، والواجب أن ينظر فإن صرح بعض الشهود بذكر المكان والزمان، وجب سؤال الباقين عنه، وإن لم يصرح بعضهم به لم يسألوا عنه، لأنه لو وجب سؤالهم عن المكان والزمان إذا لم يذكروه، لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من سواد أو بياض، وعن سنها من صغيرة أو كبيرة وعن قدها من طول أو قصر، لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، قيتناها إلى ما لا يحصى، وهذا غير معتبر في السؤال، وكذلك في الزمان والمكان، إلا أن يبتدئ بعض الشهود بذكره، فيسأل الباقون عنه ليعلم ما هم عليه من موافقة واختلاف.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو مات الشهود قبل أن يعدلوا ثم عدلوا أقيم الحد".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا مات الشهود قبل ثبوت عدالتهم ثم عدلوا بعد موتهم حكم بشهادتهم في الحد وغيره.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: أحكم بشهادتهم في غير الحد ولا أحكم بها في الحد.
لأن من مذهبه أن أول من يبدأ بإقامة الحد الشهود.
ومذهبنا أن شهود الحد كغيرهم، فإن الحد كغيره من الحقوق، ولا يكون موت الشهود قبل التعديل مانعًا من الحكم بشهادتهم بعد التعديل لأن العدالة توجب الأداء وليس موتهم مسقطًا لها فسقًا طرأ ولو وجب سقوط شهادتهم لوجب سقوطهما في غير الحد فأما حدوث الفسق بعد الشهادة وقبل الحكم فموجب لسقوط الشهادة في الحد وغيره، لن الناس يتظاهرون بفعل الطاعات وينسون فعل المعاصي، فإذا ظهرت دل ظهورها على تقدم كمونها.
وأما حدوث الخرس والعمى بعد الشهادة وقبل الحكم بها فغير مانع من الحكم بها، لأن العلم بحدوثه وعدم تقدمه مقطوع به.
ومنع أبو حنيفة من إمضاء الحكم بشهادة من حدث به العمى، ولم يمنع من إمضائه من حدث به الخرس، وقد تقدم الكلام معه فيه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ويطرد المشهود عليه وجرج من يشهد عليه".
الجزء: 14 - الصفحة: 351
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهد الشهود وقد عرف الحاكم عد التهم على رجل بحق من حد أو غير حد، وقدح المشهود عليه في عدالتهم مكنه الحاكم من إقامة البينة بجرحهم، لأن المشهود عليه من الاهتمام بقصد الكشف عن جرحهم ما يقصر زمان الحاكم عن التشاغل به، فإن أقام البينة بجرحهم أسقط الحكم بشهادتهم، وإن عجز الحاكم عن التشاغل به، فإن أقام البينة بجرحهم أسقط الحكم بشهادتهم، وإن عجز عنها أمضى الحاكم بما عليه، ولا يضيق عليه الزمان في طلب الجرح فيتعذر عليه، ولا يوسع له الزمان فيؤخر الحكم، وتكون مدة إمهاله ثلاثة أيام، لأنها أكثر القليل وأقل الكثير.
فأما قول الشافعي رضي الله عنه: ويطرد المشهود عليه جرحهم ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه يمكنه من جرحهم، ولا يمنعه منه.
والثاني: معناه يوسع له الزمان ولا يضيقه عليه.
فأما إن أمسك المشهود عليه في طلب يمكنه من جرحهم، فإن كان فيما لا يدرأ بالشبهة من حقوق الآدميين، أمسك الحاكم عن إطراد جرحهم، وإن كان في حد الله تعالى يسقط بالشبهة نظرة.
فإن توجه الحد على من لا يعرف جواز إطراده، ولم يشعر به ولم يذكره له.
وإن توجه إلى من لا يعرفه، أعلمه ما يستحقه من إطراد الجرح، فغن شرع فيه مكنه منه، وإن أمسك عنه أقام عليه الحد، لأنه حق له وليس بحق عليه.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أقبل الجرح من الجارح إلا بتفسير ما يجرح به للاختلاف في الأهواء وتكفير بعضهم بعضًا ويجرحون بالتأويل".
قال في الحاوي: وهو كذلك في دعوى المشهود عليه جرح الشهود، لم تقبل دعواه على الإطلاق حتى يفسرها بما يكون جرحًا يفسق به، لاختلاف الناس في الجرح والتعديل، كما قال: هذا وارث.
لم يقبل منه حتى يذكر ما صار به وارثًا لاختلاف الناس في المواريث.
فإذا قال: هذا الشاهد فاسق أو غير مرضي، أو ليس بمقبول الشهادة.
قيل له: فسر ما صار به فاسقًا غير مقبول الشهادة.
فإن فسرها بما لا يكون فسقًا، ردت دعواه وحكم بالشهادة عليه، وإن فسرها بما يكون فسقًا، كلف بإقامة البينة بالفسق الذي ادعاه، ليكون الفسق مفسًرا في الدعوى والشهادة فإن فسرها المدعي بنوع من الفسق، وفسرها المشهود بنوع آخر، حكم بالفسق مع اختلاف في الدعوى والشهادة، لأن المقصود ثبوت الفسق، فلم يؤثر فيه اختلاف
الجزء: 14 - الصفحة: 352
أنوعه إذا فسق بكل واحد منهما، وقد يعلم الشهود ما لا يعلمه المدعي.
فأما الشهادة بالتعديل فلا تحتاج إلى تفسير، وإن كان التفسيق محتاجًا إلى تفسير، لما قدمناه على الصحيح من المذهب، للفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن العدالة موافقة أصل فاستغنى عن تفسير، والتفسيق مخالف للظاهر فاحتاج غلى تفسير.
والثاني: أن العدالة أصل، والفسق حادث، والحادث يحتاج إلى تفسير.
والمعدوم لا يحتاج إلى تفسير.
كمن قال: هذا الماء طاهر، لم يستفسر عن طهارته، ولو قال: هو نجس، لتفسر عن نجاسته، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ادعى على رجٍل من أهل الجهالة بحد لم أر بأسًا أن يعرض له بأن يقول لعله لم يسرق".
قال في الحاوي: الحقوق ضربان:
أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين، فلا يجوز للحاكم أن يعرض للمقر بالإنكار، ولا يعرض للشهود بالتوقف، سواء كان الحق في مال أو حد، لأن حقوق الآدميين موضوعة على الحفظ والاحتياط، ولأن المقر بما لو أنكرها لم يقبل إنكاره.
والثاني: ما كان من حقوق الله تعالى المحضة، كالحد في الزنا والقطع في السرقة.
والجلد في الخمر، فلا يخلو حال المدعى عليه من أمرين:
أحدهما: أن يكون عالمًا بوجوب الحد عليه إن أقر فيمسك الحاكم عن التعريض له بالإنكار، حتى يبتدئ فيقر أو ينكر، لأن التعريض لا يزيده إلا علمًا بوجوب الحد إن أقر وسقوطه إن أنكر.
والثاني: أن يكون من أهل الجهالة بوجوب الحد، إما لأنه أسلم قريبًا، أو لأنه من أهل بادية نائية من جفاة الأعراب فيجوز للحاكم أن يعرض للمدعي عليه بالإنكار من غير تصريح، فإن كان في الزنا قال له: لعلك قبلت، أو لمست كما عرض النبي صلي الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا فقال: لعلك قبلت لعلك لمست".
وغن كان في حد السرقة قال: لعلك سرقت من غير حرز.
فإن عرض له بأن قال: لعلك لم تسرق، وكانت الدعوى من صاحب المال، لم يجز أن يعرض له بهذا، لأن في تعريضه به إسقاطًا لحقه، وإن كانت من غير صاحب المال، جاز أن يعرض له به.
وروي أن النبي صلي الله عليه وسلم أتى بسارق فقال له: "أسرقت أم لا".
وإن كان في شرب الخمر
الجزء: 14 - الصفحة: 353
قال: لعلك لم تشرب، أو قال: لعلك لم تعلم أنه مسكر أو لعلك أكرهت على شرب المسكر.
وإنما جاز التعريض للمقر بما يتنبه به على الإنكار، لأنه مندوب إلى الستر على نفسه فيما ارتكبه، وأنه يستغفر ربه لقوله صلي الله عليه وسلم: "من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه حد الله".
ولا يجوز للحاكم أن يصرح له بالإنكار فيقول له: قل ما زنيت، ولا سرقت، ولا شربت، أو يقول له: أنكر ولا تقر، لحظر التصريح في إسقاط الحدود، لأنه قد يلقنه الكذب، ويأمره به.
فأما تعريض الحاكم للشهود بالتوقف عن الشهادة فقد اختلف أصحابنا في جوازه على وجهين:
أحدهما: لا يجوز لأنه يقدح في شهادتهم.
والثاني: يجوز لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "هلا سترته بثوبك يا هزال".
وقال عمر لزياد حين حضر لشهادته على المغيرة بالزنا: أيهما يا سلع العقاب أرجو أن يفضح الله على يدك أحدًا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فنبه على تعريضه فلم يصرح في شهادته بدخول الذكر في الفرج، فلم تكمل به الشهادة في الزنا.
وهذا التعريض بالإنكار جائز مباح، وليس بواجب، ولا استحباب، وهو حسب رأي الحاكم واجتهاده.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: لم أر بأسًا به، لأن النبي صلي الله عليه وسلم عرض لماعز ولم يعرض للغامدية، وقال: "اغد يا أنيس غلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فعرض في الأقل ولم يعرض في الأكثر.
فإن نبه بالتعريض على الإنكار فأنكر، فإن لم يتقدمه إقرار، قبل إنكاره في جميع الحدود ولم يستخلف على الإنكار، فإن تقدم منه الإقرار قبل الإنكار سقط حد الزنا، ولم يسقط عنه غرم المال المسروق، وفي سقوط قطع اليد وحد الخمر قولان، يسقط في أصحهما، ولا يسقط في الآخر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهدا بأنه سرق من هذا البيت كبشًا لفلاٍن فقال أحدهما غدوةً وقال الآخر عشيةً أو قال أحدهما الكبش أبيض وقال الآخر أسود لم يقطع حتى يجتمعا ويحلف مع شاهده أيهما شاء".
الجزء: 14 - الصفحة: 354
قال في الحاوي: اختلفت الرواية في صورة الشهادة، فرواها بعض أصحابنا أنهما شهدا أنه سرق منه كيسًا، إشارة إلى كيس الدراهم والدنانير.
ورواها أكثرهم أنهما شهدا أنه سرق منه كبشًا، إشارة إلى كبش الغنم.
وهذه الرواية أصح لأمرين:
أحدهما: أن كيس الدراهم والدنانير شهادة بمجهول، وكبش الغنم شهادة بمعلوم.
والثاني: أن الشافعي قال في الأم: ولو قال أحدهما: إنه أقرن، وقال الآخر أنه أجم، وقال أحدهما إنه كبش، وقال الآخرة نعجة وهذا من أوصاف الغنم.
فإذا شهد الشاهدان بسرقة الكبش، فقال أحدهما: سرقة غدوة، وقال الآخر: سرقه عشية، أو قال أحدهما: هو أبيض، وقال الآخر: هو أسود، لم تتفق شهادتهما على سرقة واحدة، لأن السرقة غدوة غير السرقة عشية، والمسروق الأبيض غير المسروق الأسود.
وحكي عن أبي حنيفة: أن الشهادة بالبياض والسواد غير مختلفة، لأنه يجوز أن يكون أحد جانبي الكبش أبيض وجانبه الآخر أسود، فيرى كل واحد منهما ما إلى جانبه فيصفه به.
وهذا ليس بصحيح لأمرين:
أحدهما: أن كل واحد منهما يشهد بصفة جميعه، وهذا التأويل ينافيها.
والثاني: أنه تأويل شهادة محتملة بما بعد تأويلها، والشهادة لا يحكم بها إلا مع انتفاء التأويل عنها.
فثبت أن شهادتهما غير متفقة على سرقة واحدة، فلم تكمل بهما بينة توجب غرمًا ولا قطعًا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من اختلاف هذه الشهادة، فاختلافهما على أربعة أقسام:
أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين:
أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين:
أحدهما: أن يختلف المسروق مع الإطلاق.
والثاني: أن يختلف الزمان مع الاتفاق.
فأما اختلاف المسروق مع إطلاق، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه كبشًا أسود، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أحدهما أبيض بالشهادة الأولى، والثاني أسود بشهادة الآخرين، وليس فيهما تعارض.
وأما اختلاف الزمان مع الاتفاق، وهو أن يشهد شاهدان آخران أنه سرق منه في آخر النهار كبشًا أبيض، فيحكم له بالشهادتين أنه سرق منه كبشين أبيضين، لأن السرقة في
الجزء: 14 - الصفحة: 355
أول النهار غير السرقة في آخر النهار فلم تكن فيهما تعارض.
وأما القسم الثاني: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما وهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون السرقة واحدة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان واحدًا في السرقتين.
وأما السرقة الواحدة في زمانين فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه ذلك الكبش الأبيض في النهار، فهما شهادتان متعارضتان، لأن المسروق في أول النهار غير المسروق في آخره، والمسروق في آخره غير المسروق في أوله، فأوجب هذا التعارض إسقاط الشهادتين ولم تثبت السرقة بواحدة منهما.
وأما الزمان الواحد في سرقتين، فهو أن يشهد شاهدان أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض، ويشهد شاهدان آخران أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود، فهما شهادتان متعارضتان، لأن الأبيض غير الأسود، فصارت الشهادتان مع اتفاق الزمان متعارضتين فسقطتا، ولم يحكم واحدة منهما.
والقسم الثالث: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع عدم التعارض فيهما، وهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون السرقة مطلقة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان مطلقًا في سرقتين.
وأما السرقة المطلقة في زمانين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه كبشًا في آخر النهار.
فلم تكمل بهما الشهادة لاختلاف الزمانين، ولا تعارضت لإمكان السرقتين"، ويقال للمسروق منه لك أن تحلف مع كل واحدة من الشاهدين ويحكم لك بسرقة كبشين، إن كنت مدعيًا لهما، ولا قطع على السارق، لأن القطع حد لا يجب بالشاهد واليمين وإن وجب به الغرم.
والقسم الرابع: أن تنقضي كل واحدة من الشهادتين مع وجود التعارض فيهما.
وهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون السرقة معينة في زمانين.
والثاني: أن يكون الزمان معينًا في سرقتين.
فأما السرقة المعينة في زمانين، فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه كبشًا أبيض في أول النهار، ويشهد شاهد آخر أنه سرق هذا الكبش الأبيض في آخر النهار.
وأما الزمان المعين في سرقتين فهو أن يشهد شاهد واحد أنه سرق منه مع طلوع الشمس كبشًا أسود ويشهد شاهد آخر أنه سرق منه في ذلك الزمان بعينه مع طلوع الشمس كبشًا أبيض.
فقد اختلفت شهادة الشاهدين في كلا الضربين، وقد اختلف أصحابنا في هذا الاختلاف
الجزء: 14 - الصفحة: 356
هل يكون تعارضًا يوجب سقوط الشهادتين أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو الأظهر عندي، أنه يكون تعارضًا فيما يوجب سقوطهما، كما يتعارض كمال الشهادتين، فعلى هذا ليس للمسروق منه أن يحلف مع كل واحد من الشاهدين لسقوط شهادتهما بالتعارض.
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني بأنه لا تعارض فيهما، لأن التعارض يكون في البينة الكاملة دون الناقصة، لأن الكاملة حجة بذاتها والناقصة حجة مع غيرها، فترجحت ذات اليمين.
فعلى هذا إن كان الاختلاف في السرقة المعينة في زمانين، حلف مع أيهما شاؤوا استحق كبشًا واحدًا، وإن كان الاختلاف في الزمان المعين في سرقتين كان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحق كبشين.
فصل:
وإذا شهد له شاهد أنه سرق منه كبشًا، وشهد له ثان أنه سرق منه كبشين، وشهد له ثالث أنه سرق منه ثلاث كباشي، كملت له البينة بسرقة كبشين أحدهما بشهادة الأول والثاني لاتفاقهما عليه، والثاني: بشهادة الثاني، والثلث لاتفاقهما عليه ويفرد الثالث بسرقة كبش ثالث، فإن حلف معه، استحق الكبش الثالث، ووجب قطع السارق لكمال البينة بسرقة الكبشين.
فصل:
ولو شهد له شاهدان بالقذف واختلفا في صفته، فقال أحدهما: قذفه عدوة، وقال الآخر قذفه عشية، أو قال أحدهما: قذفه بالبصرة، وقال الآخر: قذفه بالكوفة لم تكمل بهما شهادة القذد، لأنهما قذفان لم يشهد بواحد منهما شاهدان، وليس للمقذوف أن يحلف مع واحد منهما، لأن القذف حد لا يثبت بالشاهد واليمين.
ولو قال أحدهما: قذفه بالعربية، وقال الآخر: قذفه بالفارسية، فإن كانت الشهادة على سماع القذف، فهي شهادة على قذفين لم تكمل البينة بواحدة منهما، وإن كانت الشهادة على إقرار القاذف، أنه أقر عند أحدهما أنه قذفه بالعربية، وأقر عند الآخر أنه قذفه بالفارسية، فتذكر أبو السعيد الإصطخري فيه وجهين:
أحدهما: أنهما قذفان لا تتم الشهادة بواحد منهما كما قال أحدهما: اقر عندي أنه قذفهما بالبصرة، وقال الآخر: أنه أقر عندي أنه قذفهما بالكوفة.
والثاني: أن الشهادة كاملة مع اختلاف اللفظين وإن لم تكمل مع اختلاف البلدين واختلاف الزمانين.
ولا أجد لهذا الوجه في الفرق بينهما وجهًا.
ولو كانت الشهادة في المثل، فشهد أحدهما أنه قتله بالبصرة، وشهد الآخر أنه قتله
الجزء: 14 - الصفحة: 357
بالكوفة، فإن كان قتل عمدًا فالشهادة مطروحة، وإن كان قتل خطأ ففي تعارضهما وجهان.
أحدهما: يتعارضان ويسقطان.
والثاني: يخلف مع أيهما شاء.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا وقيمته ربع دينار وشهد آخران أنه سرق ذلك الثوب بعينه وأن قيمته أقل من ربع دينار فلا قطع وهذا من أقوى ما تدرأ به الحدود وتأخذه بأقل القيمتين في الغرم".
قال في الحاوي: وهاتان بينتان اتفقنا على سرقة ثوب بعينه واختلفتا في قيمته، فشهد اثنان أن قيمته ربع دينار تقطع فيه اليد، ويشهد اثنان أن قيمته سدس دينار لا تقطع فيه اليد، فلا تعارض في الشهادتين وإن اختلفت فيه البينتان، ولاختلافهما وجه محتمل لا يوجب ردهما به.
فاختلف الفقهاء في اختلافهما، هل يوجب العمل بأكثرهما أو بأقلهما في الغرم والقطع؟ مذهب الشافعي أنه يؤخذ بأقلهما في الغرم وسقوط القطع، استعمالًا للبينة الشاهدة أن قيمته سدسي دينار، فيسقط عنه القطع ولا يغرم الزيادة على السدسي.
وقال أبو حنيفة: آخذ بالبينة الزائدة في الغرم ووجوب القطع.
وأحسب أن مالكًا يأخذ بالبينة الزائدة في الغرم، والناقصة في سقوط الحد.
واستدل من عمل بالبينة الزائدة بأمرين:
أحدهما: أنه لما عمل في الأخبار المختلفة بالزيادة دون النقصان وجب أن يكون مثله في البنيان، لأن الشهادة خبر.
والثاني: أن النقصان داخل في الزيادة فلم ينافيها فوجب العمل بها كما لو شهد شاهدان على إقراره بألف وشهد شاهدان على إقراره بألفين دون الألف بألف لدخول الألف في الألفين، ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن النقصان متفق عليه، والزيادة مختلف فيها، لأن من قومه بالربع أثبتهما ومن قومه بالسدس نفاها، فكان العمل بالزيادة في الأخبار لأن من روى الناقص لم ينف الزيادة.
لأن بلالًا لما روى أن النبي صلي الله عليه وسلم دخل البيت.
وروى أسامة أنه دخل البيت وصلي عمل بالزيادة في صلاته وبعد دخوله لأن بلالًا لم يقل دخل البيت ولم يصل، فكذلك في الشهادة بالنقصان دون الزيادة، وعمل في الأخبار بالزيادة دون النقصان.
والثاني: أن النقصان يقين، والزيادة شك: وقد أثبتت في إحدى الشهادتين وبقيت
الجزء: 14 - الصفحة: 358
في الأخرى فوجب العمل باليقين دون الشك، لأن الأصل براءة الذمة، فخالف الشهادة بألف والشهادة بألفين، لأن من أثبت الألف لم ينف الألفين.
فصل:
إذا اختلف شاهدان في قيمة الثوب المسروق، فشهد أحدهما أن قيمته ربع دينار وشهد الآخر أن قيمته سدس دينار، فقد اتفقا على السدس وتمت الشهادة به.
واختلفا في الزيادة عليه، فأثبتها أحدهما ونفاها الآخر، فاختلف أصحابنا فيها على وجهين:
أحدهما: أنه يسقط فيها قول من أثبتها بقول من نفاها، ويمنع صاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، كما لو أثبتها شاهدان ونفاها شاهدان.
والثاني: أنه لا يسقط قول من أثبتها بقول من نفاها بخلاف إثباتها بشاهدين ونفيها بشاهدين، ويجوز لصاحب السرقة أن يحلف مع الشاهد بها ويستحقها، ولا يقطع السارق بها خلاف الشاهدين، لأن الشاهدين حجة كاملة فتعارض فيها قول المثبت والنافي، والشاهد الواحد ليس حجة إلا مع اليمين، فإذا انضمت إلى أحدهما كملت الحجة ونقصت عنها الأخرى، فحكم بالحجة على ما ليس بحجة.
فصل:
وإذا كان هذا الاختلاف في ثمن مبيع، فشهد شاهدان أنه باعه هذا العبد بألف، وشهد شاهدان آخران أنه باعه ذلك العبد في ذلك الزمان بألفين تعارضت الشهادتان وردتا.
ولو شهد أحد الشاهدين أنه باعه هذا العبد بألف وشهد الآخر أنه باعه إياه في ذلك الزمان بألفين، ففي تعارضهما وجهان على ما مضى:
أحدهما: قد تعارضتا وسقطتا.
والثاني: لا تعارض فيهما، وللمدعي أن يحلف مع الشاهد بالألفين.
ولو شهد شاهدان أنه باعه عبدًا تركيًا بألف، وشهد آخران أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض في الشهادتين فيحكم له ببيع التركي بألف وبيع الرومي بألفين.
ولو اختلف شاهدان، فشهد أحدهما أنه باعه عبدًا تركيًا بألف وشهد الآخر أنه باعه عبدًا روميًا بألفين، فلا تعارض فيهما وله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له بعد اليمين بيع التركي بألف والرومي بألفين.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا لم يحكم بشهادة من شهد عنده حتى يحدث
الجزء: 14 - الصفحة: 359
منه ترد به شهادته ردها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شهد عدلان بحق ثم فسقا قبل الحكم بشهادتهما ردت الشهادة ولم يحكم بها، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن أبي ثور والمزني أنهما قالا: يحكم بشهادتهما ولا ترد اعتبارًا بحال الأداء.
وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6 [.
فاقتضى الظاهر أن تعتبر العدالة عند الأداء وعند الحاكم.
ولأن عدالة الباطن مظنونة، فإذا ظهر الفسق دفع ما ظن بباطنه من العدالة، ودل على تقدمه وقت الشهادة، ولاسيما ويتحفظ الإنسان بعد شهادته أكثر من تحفظه قبلها.
ولأن من لطف الله تعالى بعباده أن لا يهتكهم بأول الذنب، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إن الله أكرم من أن يهتك عبده بأول خطيئة، فإذا أظهرها دلت على تقدمها عليه.
ولأن ظهورها يوجب الاسترابة بما تقدمها وظهور الريبة في الشهادة يمنع من قبولها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن حكم بها وهو عدل ثم تغيرت حاله بعد الحكم لم نرده لأني إنما أنظر يوم يقطع الحاكم بشهادته".
قال في الحاوي: وحدوث فسقهما بعد نفوذ الحكم بشهادتهما على ضربين:
أحدهما: أن يحدث الفسق بعد استيفاء الحق، فلا يجوز نقض الحكم بشهادتهما سواء كان في حقوق الله تعالى أو الآدميين، وبخلاف حدوث الفسق قبل الحكم، لوقوع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الشك والاحتمال موجود في الحالين، فلما لم يجز أن يثبت الحكم بالشك، لم يجز أن ينقض حكمه بالشك والاحتمال، فيكون المعنى الذي منع من الحكم بشهادتهما المانع من نقض الحكم النافذ بشهادتهما.
والثاني: أن تخبر الحال قبل نفوذ الحكم مخالف لتغيرها بعد نفوذ الحكم، لأن الحاكم إذا اجتهد رأيه في الحكم فأداه اجتهاده إلى حكم ثم بان أن الحق في غيره، نقضه قبل نفوذ حكمه، فأوجب هذا الفرق في تغير الاجتهاد قبل نفوذ الحكم وبعده.
وقوع الفرق في الفسق بحدوثه قبل نفوذ الحكم وبعده.
فهذا حكم أحد الضربين في حدوث الفسق بعد استيفاء الحق أنه معمول على عموم
الجزء: 14 - الصفحة: 360
إمضائه في جميع الحقوق.
والثاني: أن يحدث الفسق بعد نفوذ الحكم وقبل استيفاء الحق، فهذا علي ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الحق مالا أو في معني المال، فيجب استيفاؤه بعد الفسق لنفوذ الحكم قبل الفسق تعليلا بالمعنيين المتقدمين.
والثاني: أن يكون الحق حدا وجب لله خاصة، كحد الزنا وجلد الخمر وقطع السرقة، مما يدرأ بالشبهة، فيسقط بحدوث الفسق ولا يستوفي لأن حدوثه شبهة.
والثالث: أن يكون حدا قد وجب لآدمي كالقصاص وجد القذف ففي سقوطه بحدوث الفسق قبل استيفائه وجهان:
أحدهما: يسقط لكونه حدا يدرأ بالشبهة.
والثاني: لا يسقط لأنه من حقوق الآدميين كالأموال.
فصل:
وإذا بان للحاكم بعد حكمه أن فسق الشاهدين حدث قبل شهادتهما، نقض حكمه كما لو بان له مخالفه النص، واسترجع ما استوفاه بحكم إن أمكن، وإن كان قصاصا لا يمكن استرجاعه ضمن الحاكم بالدية والكفارة، وفي محلة الدية قولان:
أحدهما: علي عاقلته، فعلي هذا تكون الكفارة في ماله.
والثاني: في بيت المال، فعلي هذا ففي الكفارة وجهان:
أحدهما: في بيت المال.
والثاني: في مال.
وقد مضي هذا في تعزير الإمام إذا أفضي إلي التلف.
باب الرجوع عن الشهادة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: ((الرجوع عن الشهادة ضربان فإن كانت علي رجل بشيء يتلف من بدنه أو ينال بقطع أو قصاص فأخذ منه ذلك ثم رجعوا فقالوا عمدناه بذلك فهي كالجناية فيها القصاص واحتج في ذلك بعلي وما لم يكن من ذلك فيه القصاص أعدموه وعزروا دون الحد وإن قالوا لم نعلم أن هذا يجب عليه عذروا وأخذ منهم العقل ولو قالوا أخطأنا كان عليهم الأرش)).
قال في الحاوي: وجملته أنه لا يخلو رجوع الشهود في الشهادة بعد أدائها من ثلاثة أحوال:
الجزء: 14 - الصفحة: 361
أحدهما: أن يرجعوا قبل نفوذ الحكم بها.
والثاني: أن يرجعوا بعد الحكم قبل الاستيفاء.
والثالث: أن يرجعوا بعد الاستيفاء.
فأما الحالة الأولي: وهو أن يرجعوا قبل الحكم بشهادتهم، فلا يجوز الحكم بها بعد رجوعهم، سواء كانت الشهادة في حد الله تعالي، أو مال لآدمي، وهو قول جمهور الفقهاء إلا أبا ثور فإنه تفرد بإمضاء الحكم بعد رجوعهم.
وبناه علي مذهبه في إمضاء الحكم بعد حدوث فسقهم، وهذا خطأ في المذهب والبناء.
وأما خطؤه في المذهب، فهو أنه لا يخلو حالهم في الشهادة والرجوع من أحد أمرين:
إما أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، أو كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع فوجب ردها لأمرين:
أحدهما: الجهالة بصدق شهادتهم، فصار كالجهالة بعدالتهم.
والثاني: أنهم لم ينكفوا من الكذب في أحد قوليهم.
وأما خطؤه في البناء: فهو أن الفاسق مقيم علي شهادته ويجوز أن يكون فيها صادقا.
والراجع مقر أنه لم يكن في الشهادة صادقا، فافترقا.
فإذا ثبت أنه لا يحكم بشهادتهم، نظر في الشهادة بعد رجوعهم عنها.
فإنهم فيها علي ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعمدوها، فيكون قدحا في عدالتهم وموجبا لفسقهم، ويعزروا، لأنهم عمدوا الشهادة بالزور.
والثاني: أن لا يتعمدوها، ولكن سهوا فيها، فيكون ذلك قدحا في ضبطهم لا في عدالتهم، فوجب التوقف في شهادتهم إلا فيما تحققوه وأحاطوا به علما.
والثالث: أن لا يكون ذلك بعمد لا يسهو ولكن بشبهة اعترضتهم يجوز مثلها علي أهل التيقظ والعدالة فهم علي عدالتهم وضبطهم، لا يقدح ذلك في واحد منهم فتقبل شهادتهم في غير ما رجعوا عنه، فإن التمس المشهود علي صحة رجوعهم لم يكن له إحلافهم، لأن حقه علي غيرهم، ولو ادعي المشهود له أن الشهود قد رجعوا وأنكروا الرجوع، لم يكن له إحلافهم، لأنه لا خصومة بينه وبينهم.
وهكذا لو ادعي عليهم علموا أني برئت مما شهدوا به، وقد شهدوا مع علمهم أنه برئ منه وطلب يمينهم لم يحلفوا عليه.
ولو أحضر المشهود عليه بينه تشهد علي المشهود برجوعهم، قبلت، وحكم عليهم بالرجوع، وبطلت شهادتهم علي المشهود عليه، ولا ضمان عليهم للمشهود له.
وقال الحسن باق علي المشهود عليه.
الجزء: 14 - الصفحة: 362
وأما الحالة الثانية: وهو أن يرجعوا بعد نفوذ الحكم بشهادتهم وقبل استيفاء الحق، فلا يخلو أن يكون ما شهدوا به من أن يكون مالا أو غير مالا، فإن كان مالا، لم ينقض حكمه به وأمضاه، وهذا قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: ينقضي الحكم برجوعهم لإبطال هذه الشهادة بالرجوع.
وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الحكم إذا نفذ بالاجتهاد، لم ينقض بالاحتمال والاجتهاد تغليب صدقهم في الشهادة والاحتمال جواز كذبهم في الرجوع.
والثاني: أن في شهادتهم إثبات حق يجري مجري الإقرار، وفي رجوعهم نفي ذلك الحق الجاري مجري الإنكار فلما يبطل الحكم بالإقرار لحدوث الإنكار لم يبطل الحكم بالشهادة لحدوث الرجوع.
وإن كان ما شهدوا به ليس بمال، فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون مما لا يبطل بالشبهة كالنكاح والطلاق، فهو كالمال في نفوذ الحكم به.
فلا يبطل برجوع الشهود.
والثاني: أن يكون مما يسقط بالشبهة كالحدود، وهو علي ضربين:
أحدهما: أن يكون من حقوق الله تعالي المحضة كالزنا وجلد الخمر وقطع السرقة فيسقط برجوع الشهود كما يسقط برجوع المقر، لأن رجوع المشهود شبهة تدرأ بمثلها الحدود.
والثاني: أن يكون من حقوق الآدميين المحضة كالقصاص.
وحد القذف فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون مما إذا سقط بالشبهة رجع إلي الدية التي لا تسقط بالشبهة، فليسقط برجوع الشهود، القصاص، ولا تسقط الدية.
والثاني أن يكون مما إذا سقط بالشبهة لم يرجع إلي بدل، كحد القذف، ففي سقوطه برجوع شهوده وجهان:
أحدهما: تسقط بالرجوع، لأنها شبهة تدرأ بمثلها الحدود.
والثاني: تسقط بالرجوع لأنه من حقوق الآدميين المغلظة.
وأما الحالة الثالثة: وهو أن يرجع الشهود بعد نفوذ الحكم واستيفاء الحق، فالحكم علي نفاذه لا ينقض برجوع شهوده، بعد استيفاء الحق، وهو قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي أن الحكم ينقض برجوعهم، لأنهم بالرجوع غير شهود.
وهذا فاسد من وجهين.
أحدهما: أن الرجوع مخالف للشهادة فلا يخلو أحدهما من الكذب، فصار كل
الجزء: 14 - الصفحة: 363
واحد من الشهادة وبالرجوع محتملا للصدق والكذب، وقد اقترن بالشهادة حكم واستيفاء فلم يجز نقضها برجوع محتمل.
والثاني: أن الشهادة إلزام والرجوع إقرار بدليل أنه وارد بغير لفظ الشهادة والإقرار لازم في حق المقر دون غيره، فلم يجز أن ينقض به الحكم، لأنه يصير إقراره إلزاما لغيره.
وهو موجب أن يعود عليه لا علي غيره.
فإذا ثبت أنه لا ينقض به الحكم بعد استيفاء الحق، انتقل الكلام إلي ما يلزم الشهود برجوعهم، وهو مختلف الحق المستوفي، وينقسم إلي ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون إتلافا يختص بالأبدان.
والثاني: أن يكون إتلافا يختص بالأحكام.
والثالث: أن يكون إتلافا يختص بالأموال.
فأما القسم الأول: فيما اختص بالأبدان.
فهل قتل نفس أو قطع طرف بشهادتهم علي رجل أنه قتل فقتل، أو قطع فقطع ثم رجعوا علي شهادتهم بعد أن قتل أن قتل أو قطع فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمهم برجوعهم إذا عمدوا:
فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن عليهم القود، وهذا قول ابن شبرمة وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن عليهم الدية دون القود وقال مالك، لا قود عليهم ولا دية.
واستدل أصحاب أبي حنيفة علي سقوط القود بأن الشهادة سبب أفضي إلي القتل موجب أن يتعلق به الحكم الغرم دون القود، كحفر البئر ووضع الحجر.
واستدل أصحاب مالك علي سقوط الدية بأن الشهادة سبب اقترن به مباشرة الحاكم، فلما سقطت الدية عن الحاكم بالمباشرة كان أولي أن تسقط عن الشهود بالسبب، لأن السبب سقط بالمباشرة.
والدليل علي وجوب القود: اجتماع الصحابة في قصتين مشهورتين عن إمامين منهم لم يختلف عليهما أحد منهم.
إحداهما: عن أبي بكر رضي الله عنه أن شاهدين شهدا عنده بالقتل وقيل بالقطع فاقتص به، ثم رجع الشاهدان وقالا: أخطأنا الأول، وهذا هو القاتل أو القاطع.
فقال: لو علمت أنكم تعمدتما لأقلكما.
والثانية: وهي أثبت رواها الشافعي عن سفيان عن مطرف عن الشعبي أن رجلين شهدا عند علي عليه السلام علي رجل أنه سرق فقطعه، ثم أتياه بعد برجل آخر وقالا: أخطأنا في الأول وهذا هو السارق، فأبطل شهادتهما علي الآخر ثم ضمنهما دية الأول، وقال لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما.
وقال أحمد بن حنبل عن مطرف، عن الشعبي عن علي عليه السلام غير مرفوع أن رجلين شهدا عن علي رضي الله عنه بخبر مرفوع.
الجزء: 14 - الصفحة: 364
وقد رواه مع سفيان أسباط عن مطرف هذا وليس لهذين الإمامين مخالف في الصحابة فثبت بهما الإجماع.
ويدل علي من الاعتبار، أن كل إتلاف ضمن بالمباشرة ضمن بالشهادة كالأموال، ولأن الشهادة إلجاء، فوجب أن يضمن به النفوس بالقود كالإكراه.
فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن الشهادة سبب يسقط به القود كحفر البئر، ففاسد بالإكراه، ثم حفر البئر لم يقصد به القتل فسقط به القود، والشهادة مقصود بهما القتل.
وأما الجواب عن استدلال مالك بالحاكم، فهو أن الحاكم لزمه الحكم بالشهادة فلم يضمن، والشاهد متبرع بالشهادة فضمن بها.
فصل:
فإذا تقرر أن الشهود بالقتل، لم يخل حالهم في الشهادة به إذا تغيرت من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يشكو فيهما بعد استيفاء الحق بهما، أو يقولوا: لعلنا أخطأنا فيها فهذا قدح في الضبط لا يتغير به حكم الشهادة بعد نفوذ الحكم بها، ولا ضمان عليهم به، لأن الضمان لا يجب بالشك.
والثاني: أن يرجعوا جميعا عنها، فيسألهم الحاكم عن شهادتهم هل تعمدوها أو أخطأوا فيها؟ لاختلاف حكم العمد والخطأ في القتل، ولهم في الجواب عنه ثمانية أحوال:
أحدهما: أن يقولوا: عمدنا كلنا ليقتل بشهادتنا، فالقود علي جميعهم واجب لأنهم قتلة عمد.
والثانية: أن يقولوا: عمدنا كلنا وما علمنا أن الحاكم يقتله بشهادتنا، فهم أهل جهالة بمثله، فهذا منهم قتل عمد شبه الخطأ، ولا قود عليهم، ويؤخذ الدية منهم مغلظة لما فيه من العمد، ومؤجلة لما فيه من الخطأ.
والثالثة: أن يقولوا: أخطأنا كلنا، فعليهم دية الخطأ مخففة ومؤجلة، ويؤخذون بها دون عواقلهم، لوجوبها باعترافهم، والعاقلة لا تتحمل عنهم ما وجب باعترافهم إن لم يصدقوهم، فإن صدقوهم تحملوها عنهم.
والرابعة: أن يتفقوا علي أنه عمد بعضهم وأخطأ بعضهم، فلا قود علي العامد لمشاركته الخاطئ، وعلي العامد قسطه من الدية مغلظة حاله، وعلي الخاطئ قسطه من الدية مخففة مؤجلة.
والخامسة: أن يختلفوا فيقول بعضهم عمدنا كلنا، ويقول بعضهم: أخطأنا كلنا، فعلي من أقر بعمد جميعهم القود، وعلي من أقر بخطأ جميعهم قسطه من الدية مخففة ومؤجلة.
الجزء: 14 - الصفحة: 365
والسادسة: أن يختلفوا، فيقول اثنان منهم: عمدنا وأخطأ هذان الآخران، ويقول الآخران: بل عمدنا وأخطأ هذان الأولان: ففي وجوب القود عليهم قولان:
أحدهما: عليهم القود جميعا، لأن كل واحد منهم قد اعترف بالقتل بالعمد في حقه، وأضاف الخطأ إلي من قد اعترف بعمده، فصاروا كالمعترفين جميعا بالعمد.
والثاني: وهو أصح، لا قود علي واحد منهم، لأن كل واحد منهم مقر بمشاركته للخاطئ، فلم يلزمه إقرار الخاطئ بعمده، ولأن أحدا لا يؤخذ بإقرار غيره، ويكون علي كل واحد منهم قسطه من دية العمد مغلظة حالة.
والسابعة: أن يقول اثنان منهم: عمدنا كلنا، ويقول الآخران: عمدنا وأخطأ الأولان، فعلي المقر بعمد جميعهم القود، وفيما علي المقر بعمده وخطأ وغيره قولان:
أحدهما: القود.
والثاني: قسطه من دية العمد مغلظة حالة.
والثامنة: أن يقول أحدهم: عمدت وما أدري ما فعل أصحابي سألنا أصحابه، فإن قالوا: عمدنا.
وجب القود علي الكل، وإن قالوا: أخطأنا، سقوط القود عن الكل.
فهذا حكمهم إذا رجعوا جميعا.
والقسم الثالث: أن يقيم بعضهم عن شهادته، ويرجع بعضهم عن شهادته فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن لا يزيد الشهود علي عدد البينة.
كاثنين شهدا علي رجل بالقتل فقتل، ثم رجع أحدهما أو أربعة شهدوا علي رجل بالزنا فرجم ثم رجع أحدهما، فلا ضمان علي المقيم علي شهادته، والراجع عنها ضامن يسأل عن حاله، فإن قال: أخطأت ضمن قسطه من الدية، فإن كان واحدا من اثنين في قتل ضمن نصف الدية.
وإن كان واحدا من أربعة في الزني ضمن ربع الدية.
وإن قال: عمدت، سئل عن من لم يرجع من شركائه في الشهادة، فإن قال الخطأ فعليه قسطه من الدية، وإن قال: عمدوا فعليه القود.
والثاني: أن يزيد الشهود علي عدد البينة، كثلاثة شهدوا علي رجل بالقتل فقتل، أو خمسة شهدوا علي رجل بالزني فرجم، فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يرجع من زاد علي عدد البينة، لرجوع الثالث في الشهادة القتل.
والخامس في شهادة الزنا، فلا قود عليه لوجوب القتل، والرجم بشهادة الباقين، ولا يجوز أن يستحق القود في قتل قد وجب، وأما الدية ففيها وجهان:
أحدهما: لا شيء عليه منها تعليلا بهذا المعني.
والثاني: عليه فسقط من الدية، لأنه مقر بعد، وأن يوجب الضمان، فإن كان واحدًا
الجزء: 14 - الصفحة: 366
من ثلاثة في القتل ضمن ثلث الدية، وإن كان واحدا من خمسة في الزني ضمن خمس الدية، ويكون ذلك مغلظا حالا إن عمد، ومخففا مؤجلا إن أخطأ.
والثاني: أن يرجع في الشهادة من ينقص به عدد الباقين عن البينة.
كثلاث شهودا علي رجل بالقتل فرجع منهم اثنان، أو خمسة شهدوا علي رجل بالزني فرجع منهم اثنان، فما هنا يجب القود علي الراجعين إن عمدوا وأقروا بعمد من لم يرجع ولا شيء علي من لم يرجع لأن القتل لم يجب إلا بشهادة جميعهم وإن أخطأ الراجعان ضمنا الدية، وفي قدر ما يضمنان منها وجهان:
أحدهما: يضمن الاثنان من الثلاثة في القتل ثلثا الدية، لأنهما اثنان من ثلاثة ويضمن الاثنان من الخمسة في الزنا خمسا الدية، لأنهما اثنان من خمسة اعتبارا بأعدادهم.
والثاني: يضمن الاثنان من الثلاثة في القتل نصف الدية، لبقاء الواحد الذي هو نصف البينة، ويضمن الاثنان من الخمسة في الزنا ربع الدية لبقاء الثلاثة الذين هم ثلاثة أرباع البينة، اعتبارا بعدد البينة.
فصل:
وإذا شهد أربعة علي رجل بالزني ولم يثبت حصانته، فشهد بها اثنان ثم رجل شحود الحصانة ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: لا ضمان عليهم، لأنهم لم يشهدوا بالفعل الموجب للرجم.
والثاني: عليهم الضمان لأنه رجم بما شهدوا عليه من الإحصان، وفي قدر ما يضمنه شاهدا الحصانة وجهان:
أحدهما: أنه نصف الدية، لأنهم رجم بنوعين، الإحصان والزنا فتقسطت الدية عليهما.
والثاني: عليهما ثلث الدية، لأنه رجم بشهادة ستة فتقسطت الدية علي عددهم.
ولو رجع شهود الزنا، فإن أخطأوا وجبت عليهم الدية دون القود، وفي قدر ما يلزمهم منها وجهان:
أحدهما: جميع الدية إذا قيل: إن شهود الحصانة لا يضمنون.
والثاني: ثلث الدية إذا قيل إن شهود الحصانة يضمنون نصف الدية.
ولو عمد شهود الزني كان وجوب القود عليهم معتبرا بعلمهم بحصانته، فإن علموا بما عند شهادتهم وجب عليهم القود، لأنهم شهدوا بما تعمدوا به لقتل وإن جهلوا حصانته لم يجب عليهم القود لأنهم لم يتعمدوا قتله.
ولو رجع واحد من شهود الزني وواحد من شاهدي الحصانة إذا قيل: إن شهود الحصانة لا يضمنون.
الجزء: 14 - الصفحة: 367
والثاني: أن (على) شاهد الزني سدس الدية، وعلي شاهد الحصانة سدس الدية.
إذا قيل بضمان شهدوا الحصانة علي العدد.
والثالث: إذا قيل بضمان شهود الحصانة علي العدد.
والثالث: علي شاهد الزني ثمن الدية وعلي شاهد الحصانة ربع الدية، إذا قبل بضمان شهود الحصانة علي النوع.
وأما القود فلا يجب علي شاهد الحصانة، ووجوبه علي شاهد الزني معتبر بما ذكرناه من وجوبه عليه إن علم بحصانته، وسقوطه غن جهلها.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو كان هذا في طلاق ثلاث أغرمتهم للزوج صداق مثلها دخل بها أو لم يدخل بها لأنهم حرموها عليه فلم يكن لها قيمة إلا مهر مثلها ولا ألتفت إلي ما أعطاها.
قال المزني رحمه الله: ينبغي أن يكون هذا غلطا من غير الشافعي ومعني قوله المعروف أن يطرح عنهم ذلك بنصف مهر مثلها إذا لم يكن دخل بها)).
قال في الحاوي: قد مضي الكلام في رجوع الشهود عما اختص بالأبدان من الأقسام الثلاثة وهذه المسألة هي القسم الثاني في رجوعهم عما اختص بالأحكام وهو شيئان: الطلاق والعتق.
فأما الطلاق: فهو أن يشهدوا علي رجل بطلاق الثلاث، فيفرق الحاكم بينهما ثم يرجع الشهود، فهي ممنوعة من الزوج بعد نفوذ الحكم بطلاقها وعلي شهود مهر مثلها للزوج.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا ضمان علي الشهود.
استدلالا: بأنه ليس لخروج البضع عن ملك الزوج قيمة، ولو كان مقوما بمهر المثل في ملكه، لوجب إذا طلق زوجته في مرض موتها، وأن يكون مهر مثلها محسوبا من ثلثه، كما لو أعتق عبده في مرضه، ولوجب إذا طلقها وقد أحاط دينه بتركته أن لا يقع طلاقه، كما لم ينفذ عتقه وهذا مدفوع فدل علي أنه لا قيمة له في خروجه من ملكه كما لا قيمة له فيما استهلكه عليه من غير ذي قيمة.
والدليل علي وجوب ضمانه، أن عقد النكاح بعد الدخول أقوي وقبله أضعف، لارتفاع العقد بالردة قبل الدخول، ووقوفه علي انقضاء العدة بعد الدخول، ووافقونا علي تضمين الشهود إذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول، فكان أولي أن يضمنوا إذا شهدوا بعد الدخول.
الجزء: 14 - الصفحة: 368
وتحرير هذا الاستدلال قياسا، لأنها شهادة بطلاق فرق بين الزوجين فاقتضي أن يكون الرجوع عنها موجبا للضمان كالشهادة قبل الدخول.
فإن قيل: فالمال قبل الدخول معرض للسقوط بردتها، وبالفسخ إذا كان من قبلها، وهو بعد الدخول مستقر لا يسقط بحال، فإن شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أثبتوا به صفة المعرض للسقوط وضمنوا، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يكن معه معرضا للسقوط فلم يضمنوا.
قيل: عكس هذا أولي، لأن الصداق واجب بالعقد، فإذا شهدوا بالطلاق قبل الدخول فقد أسقطوا بها نصف الصداق، وإذا شهدوا به بعد الدخول لم يسقطوا به شيئا من الصداق، فكان ضمانهم بعد الدخول أقوي من ضمانهم قبله.
فإن قيل: فهو بعد الدخول فقد استوفي حقه من الاستمتاع، فلم يضمنوا وقبل الدخول لم يستوفه فضمنوا.
قيل: حقه في الاستمتاع باق ببقاء النكاح، وقد أبطلوه بشهادتهم في الخالتين فضمنوه فيها.
ودليل ثان: أن الإحالة بين الزوج وبضع امرأته إذا لم يفتقر إلي خلو العقد من مهر، فهو موجب لضمان المهر، كما لم أرضعت زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة.
وقد وافقوا علي ذلك إذا قصدت الكبيرة تحريم الصغيرة.
فإن قيل: فبقتل الكبيرة قد حرمت عليه نفسها، ولا يلزمها مهرها.
قيل: لأنه لو لزمها مهرها، لأفضي إلي خلو العقد من مهرها، ولا يفضي هذا إلي خلو عقد الصغيرة من مهرها، فلذلك ضمنت الكبيرة مهر الصغيرة، ولم تضمن مهر نفسها.
فإن قيل بعد هذا: لو قتلها لضمنت ديتها ولا تضمن مهرها.
قيل: ضمان المنافع تسقط بضمان أعيانها، فأوجب ضمان ديتها سقوط مهرها.
ودليل ثالث: أنه لما كان لدخول البضع في مالك الزوج قيمة وجب أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة اعتبارا بسائر الأموال فإن منعوا أن يكون لخروجه عن ملكه قيمة بما ذكروه دللنا عليه بجواز الخلع علي البضع، فإن تملك بع العوض، ولا يجوز أن يملك العوض في مقابلة ما ليس له عوض.
ثم نجيب عما استدلوا به من أنه لا قيمة لخروجه عن ملكه.
وأما قولهم: أنه طلقها في مرضه لم يكن من ثلاثة، ولو كانت مالا لكانت من ثلثه لعتقه، فهو أننا نعتبر ما كان منتقلا إلي ورثته بعد موته، والزوجة لا تنتقل إليهم بعد الموت.
فلذلك لم تعتبر من الثلث، وإن كان بعضها ملكا له كأم الولد أو أعتقها في مرضه لم تكن من ثلثه وإن كانت ملكا، لأنها لا تنتقل بعد الموت إلي ورثته، وهكذا لو طلقها
الجزء: 14 - الصفحة: 369
في مرضه فقد أحاط دينه بتركته بهد طلاقه وإن لم ينفذ عتقه، لأنها لا تنتقل إلي القدماء كعتق أم الولد، خالف عتق العبد القن الذي يصرف في ديونه لو لم يعتق.
فصل:
وإذا قد ذكرنا دلائل من أثبت الغرم فنفاه، فالذي أراه أولي من إطلاق هذين المذهبين أن الشهادة بهذا الطلاق الكاذب يوجب تحريمها في الظاهر دون الباطن.
ويجوز لهما الاجتماع بعدها فيما بينهما وبين الله تعالي.
علي أصل مذهبنا في أن الحكم الحاكم في الظاهر لا يحيل الأمور عما هي عليه في الباطن، وإن خالفنا أبو حنيفة.
فاقتضي من مذهبنا أن ينظر في حال الزوج، فإن وصل إلي الاستمتاع بزوجته بمساعدتها علي ما أباحها الله تعالي في الباطن، فلا رجوع للزوج بمهرها علي الشهود إذا رجعوا، لئلا يجمع بين الاستباحة والرجوع بالمهر.
وإن لم يصل إلي الاستمتاع بها، لامتناعها عليه تمسكا بظاهر التحريم، رجع علي الشهود بمهرها لتفويتهم علي بعضها.
ويتفرع علي هذا أن يشهد شاهدان علي رجل بقذف امرأته بالزنا فيلا عن الحاكم بينهما، ثم يرجع الشاهدان، واللعان في الظاهر علي نفاذه في وقوع الفرقة وتحريم الأبد، فأما نفوذه في الباطن فمعتبر بحال الزوج، فإن حد القذف حين لاعن باختياره، فلا رجوع له علي الشهود لوقوع الفرقة بلعانة.
وإن خاف من حد القذف، لم تقع الفرقة في الباطن، ولا رجوع له علي الشهود إن أمكنته من نفسها، ويرجع عليهم إن منعته، والله أعلم.
فصل:
فإذا ثبت وجوب الغرم علي الشهود إذا رجعوا في الطلاق، فهو علي ضربين:
أحدهما: أن يكون الطلاق ثلاثا.
والثاني: دون الثلاث.
فإن كان ما شهدوا به من الطلاق فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون بعد الدخول: فعليهم ضمان جميع المهر يقسط بينهم علي أعدادهم، فإن شهد به اثنان، كان علي واحد منهما نصفه، وإن شهد به ثلاثة، كان علي كل واحد منهم ثلثه.
والثاني: أن تكون شهادتهم بالطلاق قبل الدخول، فقد اختلفت الرواية عن الشافعي في قدر ما يلزم الشهود.
فروي عنه المزني: أن عليهم ضمان جميع المهر.
وروي عنه الربيع: أن عليهم ضمان نصفه، واختاره المزني.
فاختلف أصحابنا في اختلاف ما نقلاه، فخرجه أكثرهم علي قولين:
الجزء: 14 - الصفحة: 370
أحدهما: عليهم نصف المهر، وهو مذهب أبي حنيفة لأمرين:
أحدهما: لأنه قدر ما التزم.
والثاني: أنه قد رجع على الزوجة بنصفه، فلو رجع على الشهود بجميعه لصار إليه مهر ونصف، وهو لا يستحق أكثر من المهر فعلى هذا عليهم نصف مهر المثل لأنه قيمة المتلف.
قال أبو حنيفة: نصف المهر المسمى اعتباراً بما غرم.
والثاني: يلزمهم جميع مهر المثل لأمرين:
أحدهما: أنهم قد أحالوا بينه وبين ما ملكه من جميع البضع، فوجب أن يرجع عليهم بجميع مهرها كما يرجع به لو دخل بها.
والثاني: أنه لما رجع بجميع المهر إذا استمتع بها، كان أولى أن يرجع بجميعه غذا لم يستمتع بها.
فعلى هذا، إن كان الصداق قد ساقه إليها لم يرجع عليها بنصفه، لأنه لا يدعيه.
وإن لم يسقه إليها لم يلزمه إلا نصفه، وإن اعترف لها بجميعه لأجل منعه منها.
وامتنع بعض أصحابنا من تخريج الرجوع على قولين، وحملوا ما رواه من أوجب جميع المهر على الزوج إذا ساق جميع المهر إليها، لأنه خرج عن يده جميع المهر فرجع عليهم بجميع المهر.
وهذه الطريقة عندي أولى عندي من تخريج القولين، لأن ما أمكن حمله على الاتفاق كان أولى من حمله على الاختلاف.
فصل:
وإن كان ما شهدوا به من الطلاق أقل من الثلاث فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل الدخول، فيوجب الضمان على الشهود إذا رجعوا كما يوجبه طلاق الثلاث، لأنها تبين بالواحدة كما تبين بالثلاث.
والثاني: أن يكون بعد الدخول، فهو على ضربين:
أحدهما: أن لا تبين بالواحدة لأنه لم يتقدم منه طلاق فلا شيء على الشهود إذا رجعوا، لأن الزواج يقدر على استباحتها بالرجعة.
والثاني: أن تبين بالواحد التي شهدوا بها وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك في خلع تبين فيه بالواحدة ورجع الشهود عنه فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون الشهادة على الزوجة لإنكارها عقد الخلع، فقد ألزموها العوض، ولا يكون الطلاق بدلاً منه في حقها، فلها الرجوع عليهم بما أغرموها.
والثاني: أن تكون الشهادة على الزوج لإنكارها عقد الخلع، فقد كانوا ألزموه بالطلاق بما أوجبوه له من العوض، وهو مستحق له، وإن لم يدعه، لحقه في بضعها،
الجزء: 14 - الصفحة: 371
فإذا لم يصل إليه، كان له الوصول إلى بدله، وإذا كان كذلك نظر.
فإن كان العوض بقدر مهر المثل لم يرجع على الشهود بشيء لوصوله إلى المهر من جهة الزوجة.
وإن كان العرض أقل من مهر المثل، ويرجع على الشهود بالباقي من مهر المثل ليستكمله من الشهود والزوجة.
ومثله أن يشهدوا بشفعته في مبيع وينتزع من مشتريه بثمنه ثم يرجع الشهود عما شهدوا به من ملك الشفيع، فإن كان الثمن مثل قيمة المالك لم يضمنوا، وإن كان أقل من قيمته ضمنوا فاضل القيمة.
وهكذا لو شهدوا على رجل أنه باع فانتزع منه ما شهدوا به من الثمن ثم رجعوا إن كان الثمن مثل قيمته لا يضمنوا، وإن كان أقل من القيمة ضمنوا فاضل القيمة.
ولو شهدوا بهبة ثم رجعوا.
فإن قيل بوجوب المكافأة لم يضمنوا، وإن قيل بسقوطها ضمنوا.
والثاني: أن تبين الواحدة، لأن الزوج قد طلقها قبل الشهادة طلقتين فصارت بائنة بالثالثة، فقد أحال الشهود بها بينه وبين بضعها، فلزمهم الغرم بحكم الإحالة وقد قدر ما يلزمهم وجهان:
أحدهما: جميع المهر، لأنهم منعوه منها من جميع البضع.
والثاني: يلزمهم ثلث المهر، لأنه ممنوع من بعضهم بثلاث طلقات اختص الشهود بواحدة منها، فكان ثلث المنع منهم فوجب ثلث المهر، فعلى هذا لو كان الزوج قد طلقها واحدة، وشهدوا بطلقتين رجع عليهم بثلثي المهر.
فهذا حكم شهادتهم بالطلاق إذا رجعوا عنه.
فصل:
وأما شهادتهم بالعتق إذا رجعوا عنها في عبد كان قناً، فعليهم غرم قيمته بوفاق أبي حنيفة، وإن خالف في الطلاق.
ويعتبر قيمته عند نفوذ الحكم بشهادتهم، لا وقت رجوعهم، لأنه بالحكم صار مستهلكاً بالرجوع.
فإن شهدوا عليه بعتق مدبر ثم رجعوا عنه لزمهم غرم قيمته أيضاً، لأنه قد كان على الرق وجواز البيع، فإن شهدوا عليه بعتق أم الولد رجع عليهم بقيمتها وإن منع من بيعها كما يرجع بالقيمة على قاتلها.
وإن شهدوا عليه بكتابة عبده، لم يغرموا عند الرجوع، وينظر ما يكون من مال المكاتب: فإن عجزوا عاد إلى الرق فلا غرم على الشهود بعوده إلى الرق الذي كان عليه قبل الشهادة.
وإن ادعى عتق نظر في ما أداه من كتابته، فإن كان بقدر قيمته، ففي وجوب
الجزء: 14 - الصفحة: 372
غرمها على الشهود وجهان:
أحدهما: لا غرم عليهم، لأن السيد قد وصل إلى القيمة من مكاتبه فصار كوصوله إلى المهر من خلع زوجته.
والثاني: يرجع عليهم بغرم قيمته وإن وصل غليها من مكاتبه، لأن أداها من اكتتابه التي قد كان يملكها بغير كتابة، وبهذا خالف ما أدته المرأة في الخلع، لأن المؤدي، لا يملكه الزوج إلا بالخلع.
وإن كان ما أداه المكاتب فيعتق به أقل من قيمته، رجع السيد على الشهود بالباقي من قيمته، وفي رجوعه عليهم بما أداه المكاتب وجهان تعليلاً بما قدمناه فيها.
فإن شهدوا بإبراء مكاتبة ما مال كتابته فحكم عليه بعتقه، ثم رجع الشهود غرموا له أقل الأمرين من قيمته أو مال كتابته، لأن القيمة إذا كانت أقل، فليس بأغلظ من العبد القن، فلا يلزمه أكثر منها، وإن كان مال الكتابة أقل، فليس له على المكاتب أكثر منه فلم يرجع بالزيادة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإن كان في دار فأخرجت من يديه إلى غيره غرروا على شهادة الزور ولم يعاقبوا على الخطأ ولم أغرمهم من قبل أني جعلتهم عدولاً بالأول فأمضينا بهم الحكم ولم يكونوا عدولاً بالآخر فترد الدار ولم يفيؤوا شيئاً لا يؤخذ ولم يأخذوا شيئاً لأنفسهم فأنتزعه منهم وهم كمبتدئين شهادة لا تقبل منهم فلا أغرمهم ما أقروه في أيدي غيرهم ".
قال في الحاوي: وهذه المسألة هي القسم الثالث في رجوعهم عما اختص بالأموال، وهو ضربان: عين ودين.
فأما العين فكالدار والدابة إذا كان في يد رجل يتصرف فيها تصرف المالكين الحائزين، فشهد الشهود بها لغيره فانتزعها الحاكم من يده بشهادتهم وسلمها إلى المشهود له، ثم رجع الشهود، لم يجز أن ينتزعها من المشهود له النفوذ الحكم بها.
والحكم لا ينقضي برجوعهم.
فأما وجوب غرمها على الشهود، فالذي نص عليه الشافعي فيها وذكره هنا في غيره من الكتب لا رجع على الشهود بغرمها.
وقال فيمن اقر بدار في يده أنه غصبها من زيد ثم قال: لا بل غصبتها من عمرو: إنها تكون لزيد لتقدم الإقرار بها له، وهل يجب قيمتها لعمرو أم لا؟ على قولين: وكذا قال في عبد أعتقه من هو في يده ثم أقر بغصبه من عمرو، هل يغرم
الجزء: 14 - الصفحة: 373
قيمته لعمرو أم لا؟ على القولين.
ورجوع الشهود كرجوع المقر بالغصب فاختلف أصحابنا في الجمع بينهما على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وطائفة: أنهما سيان، وفي غرم الشهود إذا رجعوا قولان:
أحدهما: عليهم غرم قيمة العين، وهو المخرج، وبه قال أبو حنيفة لاستهلاكهما على مالكها حكماً، فصار كاستهلاكها عليه، فعلى هذا في قيمتها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج عليهم قيمتها يوم الحكم بشهادتهم.
والوجه الثاني: عليهم أكثر قيمتها من اليوم الحكم بشهادتهم إلى وقت رجوعهم فهذا حكم القول الأول.
والقول الثاني: وهو المنصوص عليه: لا غرم عليهم، لأن الأعيان تضمن بواحد من أمرين: إما بإتلاف أو بيد، ولم يكن من الشهود إتلاف العين لبقائها، ولا يد لعدم تصرفهم فيها، فسقط غرمها عنهم.
والوجه الثاني: من مذهب أصحابنا: وهو قول أكثرهم، أنه لا غرم على الشهود قولاً واحداً.
وإن كان في غرم المقر بالغصب قولان لوقوع الفرق بينهما بأن للغاصب يداً صار بها ضامناً، وليس للشهود يد يضمنون بها فافترق حكمها.
فصل:
فأما الذين إذا شهدوا به على رجل أن عليه لزيد ألف درهم من قرض أو غصب فألزمه الحاكم دفعها إليه بشهادتهم فدفعها، ثم رجعوا عن شهادتهم، وللدين المقبوض حالتان:
أحداهما: أن يكون قد استهلكه المشهود له، فعلى الشهود غرمه لتلف العين بالاستهلاك، ولا يجوز للشهود أن يرجعوا به على المشهود له إذا غرموا، ولا تسمع دعواهم عليه لما سبق من اعترافهم له بالحق.
والثانية: أن يكون الدين المقبوض باقياً في يد المشهود له، فقد اختلف أصحابنا هل يكون في حكم الدين أم في حكم العين؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون في حكم العين لبقاء عينه، ولا يرجع على الشهود بغرمه على الصحيح من المذهب.
والثاني: أن يكون في حكم المستهلك من الدين لتعلقه بالذمة فيرجع على الشهود بغرمه.
فصل:
وإذا ثبت الرجوع على الشهود بغرم الدين، لم يخل رجوعهم من أن يكون
الجزء: 14 - الصفحة: 374
من جميعهم أو بعضهم.
فإن رجعوا جميعاً وكانوا شاهدين كان على كل واحد منهما نصف الدين، وإن كانوا شاهداً وامرأتين، كان على الرجع نصف الدين، لأنه نصف البينة، وكان على كل واحدة من المرأتين ربع الدين لأنها ربع البينة.
ولو كان المشهود ثلاثة رجال، كان على كل واحدٍ منهم ثلث الدين، لأنه ثلث البينة ولو كانوا عشرة كل على كل واحد منهم عشر الدين، لأنه عشر البينة.
ولو كانوا رجلاً وعشر نسوة، كان على الرجل سدس الدين وعلى كل واحدة من النسوة نصف السدس الدين، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل نصف الدين، لأنه نصف البينة وعلى كل واحدة من النساء نصف عشر، لأنها نصف عشر البينة وبه قال أبو العباس بن سريج.
وهذا خطأ، لأن كل امرأتين تقومان مقام الرجل، فصار النساء العشر كخمسة رجال، فإذا اقترن بهم رجل صاروا معه كستة رجال، يلزم كل واحد منهم سدس الدين، فاقتضى أن يلزم الرجل السدس الدين ويلزم كل امرأتين بسدسه، فتختص كل واحد بنصفه.
وإن رجع بعض الشهود دون جميعهم، فعلى ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن لا يزيدوا على عدد البينة، ويكونوا رجلين فيرجع أحدهما، فعليه نصف الدين، لأنه نصف البينة، وإن كانوا رجلاً وامرأتين ولو رجعت واحدة من المرأتين، فعليها ربع الدين، لأنها ربع البينة.
والثاني: أن لا يزيدوا على عدد البينة، ويرجع من زاد عليها كأربعة رجال يرجع منهم اثنان، ففي الرجوع على الراجعين وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: لا رجوع عليهما لكمال البينة بغيرهما.
والثاني: وهو قول المزني حكاه عنه أصحابه: يرجع عليهما، لأن الحق لم يتعين بشهادة غيرهما فلزمهما نصف الدين، لأنهما نصف البينة.
فلو شهدت مع الأربعة امرأة واحدة ثم رجعت المرأة من الرجلين فلا شيء على المرأة لأنها إذا انفردت لم يدخل في جملة البينة.
والثالث: أن يزيدوا على عدد البينة ويرجع الزائد على البينة وبعض البينة كالثلاثة إذا رجع منهم اثنان وجب الرجوع عليهما وفي قدره وجهان:
أحدهما: يرجع عليهما بنصف الدين، لأنه قد بقي نصف البينة وهذا على الوجه الذي يسقط الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وهو قول أبي عباس بن سريج.
والثاني: أن يرجع عليهما بثلثي الدين، لأنهما ثلثا البينة، وهذا على الوجه الذي يوجب الرجوع عليهم إذا بقي بعدهم عدد البينة، وهو قول أبي إبراهيم المزني.
الجزء: 14 - الصفحة: 375
فلو كانوا رجلين وامرأتين فرجع منهم رجل وامرأة، ففي قدر الرجوع عليهم وجهان:
أحدهما: يرجع عليهما بربع الدين، لأنه قد بقي بالرجل والمرأة ثلاثة أرباع البينة، ويتحمل الرجل من الرجع ثلثيه وهو سدس الدين وتتحمل المرأة ثلثه وهو السدس من الدين، وهو قياس ابن سريج.
والثاني: أن يرجع عليها بنصف الدين، لأنها نصف البينة، فيتحمل الرجل ثلثي النصف وهو ثلث الدين، وتتحمل المرأة ثلثه، وهو سدس الدين، وهو قياس قول المزني.
فصل:
وإذا ادعى رجل على رجل مالاً يشهد له شاهد بمائة درهم، وشهد له شاهدتان بمائتي درهم، وشهد له شاهد ثالث بثلاثمائة درهم، وشهد له رابع بأربعمائة درهم، فقد قامت البينة على المشهود عليه بثلاثمائة درهم، لأن المائة الرابع شهد بها شاهد واحد فلم تثبت، فإن رجع الشهود الأربعة بعد الغرم، رجع المشهود عليه بما غرمه وهو ثلاثمائة، ويختلف قدر ما يرجع به على كل واحد منهم باختلاف ما شهدوا به فالمائة الأولى قد شهد بها الأربعة، فيكون على كل واحد منهم ربعها وهو خمس وعشرون درهماً، والمائة الثانية قد شهد بها ثلاثة سوى الأول، فيكون لكل واحد منهم ثلثه ثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم، والمائة الثالثة قد شهد بها اثنان سوى الأول والثاني، فيكون على كل واحد منها نصفها، خمسون درهماً، فيصير الجميع ثلاثمائة درهم.
على الأول منها خمسة وعشرون درهماً، وعلى الثاني منها ثمانية وخمسون درهماً وثلث، وعلى الثالثة مائة وثمانية وثلث وعلى الرابع مائة وثمانية وثلث.
فصل:
وإذا شهد ثلاثة على رجل بثلاثين درهماً ثم رجعٍ أحدهم عن عشرة دراهم، ورجع ثان عن عشرين درهماً، ورجع الثالث عن ثلاثين درهماً، فللمشهود عليه إذا غرم الثلاثين أن يرجع منها بعشرين، لأن العشرة الثانية قد بقي منها بعد الراجع شاهدان، فتكون العشرة الأولى عليهم أثلاثاً، لأنه قد رجع عنها الثلاثة فيلزم كل واحد منهم ثلاثة دراهم وثلث درهم.
والعشرة الثانية قد رجع عنها اثنان، فهي عليهما نصفان، على كل واحد منهما خمسة دراهم، يصير الجميع عشرين درهماً، منها على الراجع عن العشرة ثلاثة دراهم وثلث، وعلى الراجع من العشرين ثمانية دراهم وثلث، وعلى الراجع عن الثلاثين ثمانية دراهم وثلث.
فأما العشرة الرابعة فلا رجوع عنها بشيء على أصح الوجهين:
وعلى الوجه الثاني: يرجع على الراجع عنها بثلثها وهي ثلاثة دراهم وثلث.
والعشرة الثانية: تثبت بثلاثة ورجع عليها اثنان، فعلى أحد الوجهين يلزمهما نصفها لأنه
الجزء: 14 - الصفحة: 376
بقي شاهد واحد، وعلى الوجه الثاني: ثلثاها، فأما جميعها فلا.
فصل:
فإذا ثبت الرجوع على الشهود بغرم الدين الذي رجعوا عنه على ما وصفنا من التقرير والتفريج، فلا فرق في الرجوع بين عمدهم وخطئهم بخلاف الدماء، لأن ضمان الأموال يستوي فيه العمد والخطأ والدماء يفترق فيها حكم العمد، والخطأ، ويفسقون فيها بالعمد دون الخطأ ويعزرون في عمد الأموال وعمد الدماء إذا لم يجب فيها القود فإن وجب فيها القود فأقيدوا في نفس أو طرف، سقط التعزير لدخوله على القود فإن عدل ولي الدم فيه عن القود إلى الدية ففي تعزير الشهود وجهان:
أحدهما: لا تعزير عليهما، لأن الدية تدل على القود الذي يسقط به التعزير.
والثاني: يعزرون، لأن التعزير ثابت يختص بالأبدان.
باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "وإذا علم القاضي أنه قضى بشهادة عبدين أو مشركين أو غير عدلين من جرحٍ بين أو أحدهما رد الحكم على نفسه ورده عليه غيره ".
قال في الحاوي: قد مضي القول في أن شهادة العبد والكافر غير مقبولة بما قدمناه من الدليل، فإذا ثبت حكم الحاكم بشهادة شاهدين في حد أو قصاص، أو عتق، أو طلاق، أو ملك، أو مال، ثم بان له بعد نفوذ حكمه بهما، أنهما عبدان أو أحدهما أو كافران أو أحدهما بعد والآخر كافر، فإن الحكم بشهادتهما مردود، لأنه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بها فصار كحكمه بها مع علمه وجرى مجرى من حكم بالاجتهاد ثم بان له مخالفة النص، كان حكمه مردوداً قبل الحكم وبعده.
فإن قيل: فقد اختلف في شهادة العبد، فأجازها سريج والنخعي، وداود وأجاز أبو حنيفة شهادة الكافرين موضع، واختلاف فيها دليل على جواز الاجتهاد فيها، ولا يجوز أن ينقضي بالاجتهاد حكماً نفذ بالاجتهاد.
قيل: قد اختلف فيما ردت به شهادة العبد على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: بظاهر نص لم يدفعه دليل، فصار كالدليل، وهو قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وليس العبد ممن يرضى.
فعلى هذا يكون الحكم بشهادته مخالفاً للنص فكان مردوداً.
والثاني: أنها مردودة بقياس على الشواهد غير محتمل، انعقد عليه إجماع
الجزء: 14 - الصفحة: 377
المتأخرين بعد شذوذ الخلاف من المتقدمين، فصار مردوداً بإجماع انعقد على قياس جلي.
والثالث: انها ردت باجتهاد ظاهر الشواهد فلم يجز أن ينقض باجتهاد خفي الشواهد، لأن الأقوى أمضى من الأضعف، وإنما يتعارضان إذا تساويا في القوة والضعف، على أن الاجتهاد لم يكن في الحكم بشهادته، وإنما حكم بها، لأنه لم يعلم انه عبدتم علم بعبوديته قطعاً فوجب أن يقضي بعلمه على ما اشتبه وأشكل.
فثبت أن الحكم بشهادة العبد والكافر مردود، وقد وافق عليه أبو حنيفة، ومالك، وجمهور الفقهاء.
فصل:
فإذا ثبت أن الحكم بها مردود، فقد أختلف أصحابنا، هل يقع باطلاً لا يفتقر إلى الحكم بنقضه، أو يكون موقوفاً على وجوب الحكم بنقضه؟ بحسب اختلافهم في المانع من الحكم به.
فمن جعل دليل رده نصاً أو إجماعاً، جعله باطلاً لا يفتقر إلى الحكم بنقضه، لكن على الحاكم أن يظهر بطلانه لما قدمه من ظهور نفوذه.
ومن جعل ردة قوة الاجتهاد في شواهده، جعله موقوفاً على وجوب الحكم لا ينقضه لأن غيره شواهده معلومة بالاجتهاد فصار موقوفاً على الحكم بنقضه وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه لأن قال من بعد: ورد شهادة العبد إنما هو بتأويل.
وليس بتحريف السجل نقضاً للحكم حتى ينقضه بالحكم قولاً، ووجب عليه أن يسجل بالنقض كما أسجل بالحكم ليكون السجل الثاني مبطلاً للسجل الأول، كما صار الحكم الثاني ناقصاً للحكم الأول، فإذا لم يكن قد أسجل الحكم لم يلزمه الإسجال بالنقض، وإن كان الإسجال به أولى.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "بل القاضي بشهادة الفاسق أبين خطأ منه بشهادة العبد وذلك أن الله جل ثناؤه قال: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وليس الفاسق بواحدٍ من هذين فمن قضى بشهادته فقد خالف حكم الله ورد شهادة العبد إنما هو تأويل وقال في موضع آخر إن طلب الخصم الجرحة أجله بالمصر وما قاربه فإن لم يجئ بها أنفذ الحكم عليه ثم إن جرحهم بعد لم يرد عنه الحكم.
قال المزني: قياس قوله الأول أن يقبل الشهود العدول
الجزء: 14 - الصفحة: 378
أنهما فاسقان كما يقبل أنهما عبدان ومشركان ويرد الحكم ".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا خلاف في شهادة الفاسق بالنص، فإذا حكم شهادة شاهدين ثم بأن له فسقهما، فإن كان الفاسق طارئاً أمضى الحكم بشهادتهما فهو على صحته ونفاذه.
وإن كان الفاسق متقدماً قبل إمضاء الحكم بشهادتهما، فمذهب الشافعي المنصوص عليه في جميع كتبه، أن الحكم بشهادتهما مردود وأن الفسق أسوأ حالاً من الرق، لأن خبر العبد مقبول وخبر الفاسق مردود.
ونقل المزني في هذا الموضوع عن الشافعي: أن الحاكم إذا أطرد المشهود عليه جرح الشهود مدة إطراده، فلم يأت بالجرح، فأمضى الحكم عليه بشهادتهما، ثم أتى بعد إمضاء الحكم ببينة الجرح ثم كان حكمه عليه ماضياً، وظاهر هذا أنه قول بأن الحكم لا ينقضي بشهادة الفاسق.
واختلف أصحابنا في صحة تخريجه:
فمذهب المزني وأبو العباس سريج تخريجه قولاً ثانياً، وجعلوا نقض الحكم بشهادة الفاسق على قولين:
أحدهما: ينقضه، وهو النص:
والثاني: لا ينقضه، وهو المخرج وبه قال أبو حنيفة.
وذهب أبو إسحاق المروزي وجمهور أصحاب الشافعي إلى المنع من تخريجه قولاً ثانياً وأنه لا يجب على مذهب الشافعي إلا ما نص عليه وصرح به من نقض الحكم بشهادته قولاً واحداً.
فأجابوا عما نقله المزني، فيمن أطرده الحاكم بجرح شهوده فأحضره بينة الجرح بعد انقضاء زمانه ونفوذ حكمه بجوابين:
أحدهما: أنه لم ينقضه، لأن الخصم أقام بينة بفسق الشهود مطلقاً، ولم يشهدوا بفسق الشهود قبل الحكم، فلم ينقضه لجواز حدوثه بعد نفوذ الحكم بها حتى يعينوا أنه كان فاسقاً قبل الشهادة أو بعدها وقبل نفوذ الحكم بها فينقضها.
والثاني: أنه محمول على أن الخصم عجز عن بينة الجرح عند اطراده فحكم عليه، ثم عاد يسأل الحاكم إطراده ثانية، ولا يجوز أن يطرده الجرح بعد إبطال الإطراد، لأن الإطراد يوجب نقض الحكم عليه، والحكم قد نفذ، فلا يجوز ان يعاد إلى الوقف على الإطراد.
فإن بان للحاكم الفسق من غير إطراد الخصم، بأن قامت عنده البينة بأنه شرب خمراً أو قذف محصناً قبل شهادته، نقض الحكم بها، فبان أن مذهب الشافعي رحمه الله نقض الحكم بشهادة الفاسق من غير أن يختلف قوله فيه كما ينقضه بشهادة العبد والكافر.
وقال أبو حنيفة: لا ينقض الحكم بشهادة الفاسق، وإن نقضه بشهادة العبد والكافر استدلالاً بأن الرق والكفر مقطوع بهما والفسق مجتهد فيه، فجاز نقض بالمقطوع به كما
الجزء: 14 - الصفحة: 379
ينقضي بمخالفة النص، ولم يجز أن ينقضي بمجتهد فيه، لأن الحكم إذا نفذ بالاجتهاد لم ينقض بالاجتهاد.
والدليل على نقص الحكم بفسقه كما ينقض برقه شيئان:
أحدهما: أن اشتراط العدالة نص، واشتراط الحرية اجتهاد، فإن نقض الحكم بمخالفة المشروط بالنص لاجتهاد، كان أولى أن ينقض لمخالفة المشروط بالنص.
والثاني: أن العبد مقبول الخبر، والفاسق مردود الخبر، والشهادة كالخبر، فلما نقص الحكم بشهادة من يقبل خبره، كان أولى أن ينقض بشهادة من يرد خبره.
وأما الجواب عن قوله: إن الرق مقطوع به والفسق مجتهد فيه، فهو أنهما إذا صار معلومين، صار الرد بالفسق مقطوعاً به، والرد بالرق مجتهداً فيه فكان العكس أحق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا أنفذ القاضي بشهادتهما قطعاً ثم بان له ذلك لم يكن عليهما شيء لأنهما صادقان في الظاهر وكان عليه أن لا يقبل منهما فهذا خطأ نحمله عاقلته ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجب نقض الحكم برد الشهادة غما لفسق أو لرق أو كفر، فسواء.
ولا يخلو الحكم من أن يفضي إلى استهلاك أو لا يفضي.
فإن لم يفض إلى استهلاك لم يتعلق بنقضه ضمان، وكان نقضه معتبراً بالحكم فإن كان عقد نكاح عقد بشهادتين فبان عبدين، أو كافرين، أو فاسقين افتقر إلى حكم الحاكم بنقضه، لأن مالكاً يجيز عقد النكاح بغير شهود إذا أعلن.
وإن كان في إتيان نكاح اختلف فيه الزوجان، فإن بان فسق الشاهدين حكم بنقضه ولم ينقض بظهور فسقهما إلا أن يحكم به لخلاف أبي حنيفة فيه وفرق بين الزوجين فيه بعد يمين الزوجة المنكرة.
وإن بان كفر الشاهدين أظهر نقض الحكم ولم يفتقر نقضه إلى حكم لوقوفه منتقضاً لرد شهادتهما بالنص المجتمع عليه.
وإن كان رق الشاهدين، فهل يفتقر نقضه إلى الحكم به أم لا؟ على وجهين مبينين على الاختلاف في شهادته هل ردت بظاهر نص، أو إجماع عن ظاهر اجتهاد ظاهر أو على ما قدمنا.
وهكذا في كل حكم نفذ بشهادتهم يكون الحكم بنقضه معتبراً بأحوال شهوده في اختلافهم في الوجوه الثلاثة في الرق والكفر والفسق فيحتاج إلى الحكم بنقضه في الفسق، ولا يحتاج إلى الحكم بنقضه في الكفر، وفي احتياجه إلى الحكم لنفسه بنقضه في الرق وجهان.
الجزء: 14 - الصفحة: 380
وإن كانت الشهادة بنقضه في طلاق فرق بين الزوجين، وقع ما أوقعه من الطلاق وجمع بين الزوجين بعد يمين الزوج المنكر.
وإن كانت الشهادة في عتق أنفذ بها حرية العبد، حكم برقة وبقائه على ملك سيده ويملك اكتتابه بعد يمين السيد في إنكار عتقه.
وإن كانت الشهادة على نقل ملك من دار أو عقار، حكم بإعادته على المشهود عليه مع أجرة مثله بعد يمينه على إنكاره، فإن طلب إعادة الدار إلي يده ليحلف بعد ردها عليه، وجب على الحاكم أن يرفع عنها يد المشهود له، لبطلان بينته ولا يأمر بردها على المشهود عليه، لأن أمره بالرد حكم له بالاستحقاق ولا يمينه منهما، لأنه منعه حكم عليه بإبطال الاستحقاق، ويخلى بينه وبينهما من غير حكم بات، وهذا بخلاف الطلاق والعتق الذي لا يجوز التمكين منهما إلا بعد اليمين لما فيها من حقوق الله تعالى.
وإن كانت الشهادة في دين حكم بقضائه، فإن كان ماله بعد قضائه باقيًا في يد المشهود له، فأخذ برد مثله، فإن أعسر به أقرضه الحاكم عليه من بيت المال ليكون دينًا عليه في ذمته يؤديه إذا أيسر به ويدفعه إلي المشهود عليه بدلًا من المأخوذ منه.
فصل:
فأما إذا كان الحكم مفضيًا إلي الاستهلاك والإتلاف، كالقصاص في نفس أو طرف، فهو موجب لضمان الدية دون القود، لأنه خرج عن حكم العمد إلي الخطأ والحكم به ثم الشهود والحاكم والمشهود له، فأما الشهود فلا ضمان عليهم لظهور رقهم، فلا يمنع وجود ذلك فيهم من أن يكونوا صادقين في شهادتهم، وخالف حال المشهود إذا رجعوا لاعترافهم بكذبهم، فلذلك ضمنوا بالرجوع، ولم يضمنوا بالفسق والرق، وأما المشهود له فلا ضمان عليه، لأنه يمنع الفسق شهوده من استحقاقه لما شهدوا به.
وإذا سقط الضمان عن هؤلاء، وجب الضمان على الحاكم.
وقال أبو حنيفة: إن الضمان على المزكين للشهود عند الحاكم دون الحاكم، لأنهم ألجاؤه إلي الحكم بهذه الشهادة.
وهذا فاسد، لأن المزكين شهدوا بالعدالة دون القتل، فلم يجز أن يضمنوا ما الم يشهدوا به من القتل ووجب الضمان على من حكم بالقتل، لأنه قد تعين منه في فعله.
وإذا كان كذلك وجب ضمان الدية على الحاكم، سواء تقدم بالقصاص إلي ولي الدم أو إلي غيره.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إن تقدم به الحاكم إلي ولي الدم كان ضمان الدية على الولي، وإن تقدم به إلي غيره كان الضمان على الحاكم.
وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أنه عن أمره في الحالين.
والثاني: أنه لما لم يضمنه مباشرة إذا كان ولي الدم مع عدم استحقاقه، فأولى أن
الجزء: 14 - الصفحة: 381
لا يضمنه وليه مع جواز استحقاقه.
فإذا تقرر ضمان الدية على الحاكم لم يضمنهما في ماله، وفي محل ضمانها وجهان:
أحدهما: على عاقلته، لأنها دية خطأ به وتكون كفارة القتل في ماله.
والثاني: يضمنها في بيت مال المسلمين لنيابته عنهم، وفي الكفارة على هذا وجهان:
أحدهما: في بيت المال كالدية.
والثاني: في ماله، لأن الكفارة مختصة بالمكفر، والله أعلم بالصواب.
باب الشهادة في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو شهد أجبنيان لعبِد أن فلانًا المتوفى أعتقه وهو الثلث في وصيته وشهد وارثان لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في الاثنين فسواٌء ويعتق من كل واحٍد منهما نصفه.
قال المزني قياس قوله أن يقرع بينهما وقد قاله في غير هذا الباب".
قال في الحاوي: واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة هل هي في العتق الناجز في المرضى، أو الوصية بالعتق بعد الموت؟
وكلام الشافعي يحتمل كلا الأمرين، لأنه قال: لو شهد أجنبيان أن أعتقه وهو الثلث في وصيته، ويشهد وارثان لعبد غيره أنه اعتقد وهو الثلث في وصيته، فلهم في مراد الشافعي تأويلان تختلف أحكامها باختلاف المراد بها:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة أنها مقصورة في الوصية بالعتق بعد الموت.
فيشهد أجنبيان أن المتوفى وصى بعتق عبده سالم بعد الموت وهو ثلث.
ويشهد وارثان أنه وصى بعتق عبده غانم وهو الثلث، فعبر عن العتق بالوصية، لأنها وصية بالعتق.
فتقبل شهادة الوارثين كما تقبل شهادة الأجنبيين، لأنهما لا يجران بهما نفعًا ولا يدفعان بها ضررًا، فصار بالشهادتين موجبًا بعتق عبدين قيمة كل واحد منهما ثلث التركة، وسواء كانت الوصية بعتقهما في الصحة أو في المرض أو أحدهما في الصحة والآخر في المرض، لاستواء الوصايا في الصحة والمرض والمتقدم والمتأخر وإذا كان كذلك فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون في الوصية بعتقها دليل على تبعيض العتق كأنه قال: أعتقوا
الجزء: 14 - الصفحة: 382
سالمًا إن احتمله الثلث، وإلا فأعتقوا منه قدر ما احتمله، وأعتقوا غانمًا إن احتملوا الثلث، وإلا فأعتقوا منه قدر ما يخرج منه، فإذا كانت قيمة كل واحد منهما سواء صار كأنه قد وصى بعتق النصف من كل واحد منهما، فما هنا يعتق من كل واحد منهما نصفه ولا يقرع بينهما لأن من أوصى بعتق النصف من كل واحد من عبدين عتق من كل واحد منهما نصفه ولم يكمل العتق في أحدهما بالقرعة كذلك ها هنا.
فإن أراد المزني القرعة بينهما في هذا الموضع كان خطأ منه لما بيناه، والجواب عنه متفق عليه.
والثاني: أن تكون الوصية بعتقها مطلقة، ليس فيها ما يدل على تبعيض العتق في كل واحد منهما فيكون كالموصى بعتقهما معًا، والثلث لا يحتملها لأنه لا فرق في الوصية بعتقهما بين الجمع والتفريق، فوجب أن يقرع بينهما ليكمل العتق في أحدهما كما أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ستة أعبد أعتقوا في المرض فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة، لأنه لا يجوز أن يعتقا معًا مع زيادتهما على الثلث الذي منع الشرع منه إلا بإجازة الورثة، ولا يجوز أن يقصد عتق أحدهما من غير قرعة لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، ولا يجوز تبعيض العتق فيهما، لأن المقصود من العتق تكميل المنافع بالحرية، ولذلك إذا أعتق شركًا له في عبد، قوم عليه باقية لتكميل منافعه بعتق جميعه.
فلم تبق امتناع هذه الوجوه إلا دخول القرعة بينهما، لتكميل العتق فيمن قرع منهما.
فإن استوت قيمة العبدين وكان قيمة كل واحد منهما ثلث التركة فأيهما قرع عتق جميعه ورق الآخر، وإن اختلفت قيمة العبدين فكانت قيمة ثلث التركة وقيمة الآخر سدسها، فإن قرع من قيمته الثلث عتق جميعه ورق من قيمته السدس عتق جميعه ونصف الآخر ورق باقية.
وإن أراد المزني الإقراع بينهما في هذا الموضع فقد أصاب في الجواب، وأخطأ في العبارة، لأنه مذهب الشافعي وليس بمقيس على مذهب، فكان الأصح في عبارته أن يقول: هذا مقتضى قوله، ولا يقول: هذا قياس قوله: "وإن كان الخطأ في العبارة مع الصواب في المعنى مغفورًا"، فإنما أراد الشافعي بقوله: [عتق] من كل واحد منهما نصفه، يعني في الحكم، ويكمل في أحدهما بالقرعة، تعويلًا على ما أبانه من مذهب في غير هذا الموضع.
وهذا الجواب متفق عليه إذا ثبتت عدالة الوارثين وعدالة الأجنبيين، فإن ثبتت عدالة الوارثين وفسق الأجنبيين بطلت الوصية بعتق من شهد بها الأجنبيان، ورق جميعه.
وصحت بعتق من شهد بها الوارثان وعتق جميعه.
وإن ثبتت عدالة الأجنبيين وفسق الوارثين، بطلت الوصية بعتق من شهد له الوارثان ورق جميعه، وصحت بعتق من شهد له أجنبيان وعتق جميعه ولا يلزمها بالإقرار بعد رد الشهادة أن يعتق من شهدا له بالوصية، لأنه لا ينفذ العتق بالوصية حتى يعتق بعد الوصية، وليس يلزم أن يعتق بالوصية إلا من احتمله الثلث، وقد استوعب الثلث يعتق من شهد له الأجنبيان فبطلت في غيره وإن أقر بها الوارثان.
الجزء: 14 - الصفحة: 383
فصل:
والثاني من تأويل أصحابنا: أن المسألة مصورة في عتق ناجز في حياة المعتق.
فشهد أجنبيان أنه أعتق عبده سالمًا وهو الثلث، ويشهد وارثان أنه أعتق عبده غانمًا، وهو الثلث، وقولهم: وفيه أي في المرض الذي يكون العتق فيه معتبرًا بالثلث كالوصية، فعبر عن المرض بالوصية، لأنه العتق لو كان في الصحة لأوجبت الشهادتان عتق العبدين، وإن زادا على الثلث، لأن عطايا الصحة لا تعتبر بالثلث فإذا كان كذلك فالشهادتان على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يدل على ما تقدم عتق أحدهما على الآخر فيتحدد بها عتق المتقدم ورق المتأخر إذا تساويا في تقويم كل واحد منهما بالثلث ولا يقرع بينهما لتحري العتق المتقدم المزيل للإشكال، فامتنعت فيه القرعة المستعملة مع الإشكال فإن أراد المزني للإقراع بينهما في هذا الموضع فقد أخطأ لما بيناه.
والثاني: أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما في حالة واحدة، وهذا يكون في تعليق عتقهما بصفة واحدة، كقوله: إذا أهل رمضان فسالم حر، وإذا أهل رمضان فغانم حر فإن أهل رمضان عتقا واستوي في عتقهما حكم الجمع والتفريق.
فيجب الإقراع بينهما لامتناع عتقهما معًا، وأعتق منهما من قرع ورق الآخر.
وإن أراد المزني بالقرعة بينهما في هذا الموضع فقد أصاب في الحكم وإن أخطأ في العبارة، والجواب في هذين الضربين متفق عليه.
والثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم عتق أحدهما على الآخر ولا يكون فيها بيان المتقدم والمتأخر، ففيه قولان:
أحدهما: يقرع بينهما ويعتق من قرع منهما.
نص عليه الشافعي في كتاب "الأم".
ويكون المزني في هذا القول مصيبًا في اعتراضه، وإنما استعملت القرعة بينهما، لامتناع الجميع بينهما وعدم المزية في أحدهما، فكان تكميل الحرية في أحدهما أولى من تبعيضها فيهما.
والثاني: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع، أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولا يقرع بينهما، لأنه ربما عتق بالقرعة مستحق الرق لتأخره ورق بها مستحق العتق لتقدمه فإذا عتق نصفهما، عتق نصف المتقدم وعتقه مستحق، ورق نصف المتأخر ورقه مستحق، فصارت أقرب إلي الاستحقاق من الإقراع.
ويكون المزني على هذا القول مخطئًا في اعتراضه.
فصل:
ويتفرع عن هذين القولين: إذا اختلفت قيمة العبدية فكانت قيمة أحدهما الثلث وقيمة الآخر السدس، فإن قيل بالقول الأول أنه يقرع بينهما، نظر في القارع من هذين،
الجزء: 14 - الصفحة: 384
فإن كان صاحب الثلث عتق جميعه ورق جميع الآخر، وإن كان القارع منها صاحب السدس عتق جميعه، ونصف الآخر ورق باقية.
وإن قيل بالثاني: أنه يعتق النصف من كل واحد منهما إذا تساويا عتق من كل واحد من هذين ثلثاه، لأن ثلثي الثلث وثلثي السدي، ثلث جميع المال، ويصح من ثمانية عشر سهمًا هي مخرج "ثلثي السدس" ثلثا ثلثها أربعة، وثلثا سدسهما سهمان، وهي مع الأربعة ستة، وهي ثلث جميع المال المشتمل على ثمانية عشر سهمًا.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من جواز الشهادة بالعتق الناجز عن الإضراب الثلاثة فهو إذا ثبتت عدالة الأجنبيين وعدالة الوارثين.
فإن ثبتت عدالة الوارثين وفسق الأجنبيين بطل عتق من شهد له الأجنبيان ورق جميعه، ونفذ عتق من شهد له الوارثان وتحرر جميعه.
وإن ثبتت عدالة الأجنبيين وفسق الوارثين عتق جميع من شهد له الأجنبيان، فبطلت شهادة الوارثين وصارا بعد رد الشهادة مقرين وإقراراهما بالعتق الناجز مخالف لإقرارهما بالوصية بالعتق؛ لأن الإقرار بالعتق الناجز موجب لزوال الملك، والإقرار بالوصية بالعتق غير موجب لزوال الملك فلذلك لم يلزمها في الوصية بالعتق غير ما أجوبته الشهادة لدخوله في ميراثهما بعد إقرارهما ولزمها في العتق الناجز غير ما أوجبته الشهادة لإقرارهما بخروجه عن ميراثهما بعد إقرارهما وإذا كان كذلك لم يخل خالهما بعد أن صار برد الشهادة مقرين من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصدقا الأجنبيين على شهادتهما، فيلزمهما بعد استيعاب الثلث بشهادة الأجنبيين ما كان يلزم في التركة لو أمضيت شهادتهما مع الأجنبيين ويختلف ذلك باختلاف الأضرب الثلاثة:
فإن كان في الضرب الأول: أن تدل الشهادتان على تقدم عتق أحدهما على الآخر وتعيين المتقدم على المتأخر ينظر:
فإن كان عتق المتأخر بشهادة الأجنبييين، عتق في التركة بشهادتهما وعتق المتقدم عن الوارثين بإقرارهما.
وإن كان عتق المتقدم بشهادة الأجنبيي، عتق في التركة بشهادتهما ولم يعتق المتأخر على الوارثين مع إقرارهما، لأنه يرق ولو قبلت شهادتهما، لأن المستحق في الشهادتين عتق المتقدم دون المتأخر.
وإذا كان ذلك في الضرب الثاني أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما معًا في حالة واحدة يقرع بينهما عتق في التركة من شهد بعتقه الأجنبيان، ولو يعتق على الوارثين من شهدا بعتقه، لأن شهادتهما لو قبلت لأوجبت الإقراع بين العبدين، ولو أقرع بينهما جاز
الجزء: 14 - الصفحة: 385
أن تقع القرعة على من شهد له الأجنبيان ويرق من شهد له الوارثان، فترددت حاله مع صحة الشهادتين بين الرق والعتق، فلم يلزم أن يتعين فيه العتق مع الرق.
وإذا كان ذلك في الضرب الثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم أحدهما على الآخر ويشكل المتقدم والمتأخر، وهو مبني على ما ذكرنا فيهما من القولين: فإن قيل: إنه يقرع بينهما مع صحة الشهادتين، لم يعتق على الوارثين من شهدا بعتقه وعتق في التركة من شهد الأجنبيان بعتقه، لأن دخول القرعة بينهما مع صحة الشهادتين لا توجب تعيين العتق في شهادة الوارثين.
وإن قيل بالقول الثاني: إنه يعتق من كل واحد منهما نصفه مع صحة الشهادتين عتق في التركة جميع من شهد له الأجنبيان، وعتق على الوارثين نصف من شهدا له لأنه قد كان يعتق ونصفه مع صحة شهادتهما فوجب أن يعتق مع ردها بإقرارهما.
والثانية: أن يقدح الوارثان في شهادة الأجنبيين بتكذيبهما، فيعتق جميع العبدين أحدهما بشهادة الأجنبيين والآخر بإقرار الوارثين في الأضرب الثلاثة، لأن الوارثين مقران أنه لم يعتق غير من شهدا بعتقه، فألزمناهما عتقه بإقرارهما، وقد شهد الأجنبيان بعتق غيره فأعتقناه بشهادتهما.
والثالثة: أن يختلف الوارثان في تصديق الأجنبيين فيصدقهما أحد الوارثين ويكذبهما الآخر، فيلزم المصدق ما كان يلزمه مع أخيه لو صدق، ويلزم المكذب ما كان يلزمه مع أخيه لو كذب.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد الوارثان أنه رجع عن عتق الأول أعتق الآخر أجزت شهادتهما وإنما أرد شهادتهما فيما جرا إلي أنفسهما فإذا لم يجرا فلا فأما الولاء فلا يملك ملك الأموال وقد لا يصير في أيديهما بالولاء شيٌء ولو أبطلتهما بأنهما يرثان الولاء إن مات لا وارث له غيرهما أبطلتها لذوي أرحامهما".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في الوصية بالعتق وفيها دليل على أن المراد بالأولى الوصية بالعتق.
ولا يمنع ذلك أن يذكر حكم العتق الناجز والموصى به جميعًا.
والزيادة في هذه المسألة أن يشهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبده سالمًا قيمته الثلث، ويشهد وارثان أنه رجع عن الوصية بعتق سالم وأوصى بعتق غانم ردت شهادتهما وإن كان عدلين، ولا ترد فيه شهادة الأجنبيين للحوق التهمة بالوارثين لعوده إلي ميراثهما.
فأما إذا شهدا أنه رجع عن الوصية بعتق سالم أوصى بعتق غانم وهي في القيمة
الجزء: 14 - الصفحة: 386
سواء قبلت شهادتهما في الرجوع عن الوصية بعتق سالم وفي الوصية بعتق غانم.
وزعم بعض العراقيين أنها تقبل في الوصية بعتق غانم ولا تقبل في الرجوع عن عتق سالم لأمرين:
أحدهما: أنها لما ردت في الرجوع لو انفردت ردت فيه إذا اقترنت بغيره.
والثاني: لدخول التهمة عليه من وجهين:
أحدهما: أن يكون سالم أكثر كسبًا فيمتلكاه.
والثاني: أن يكون غانم لا وارث له غيرهما فيرثاه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنهما لو شهدا بالوصية ولم يشهدا بالرجوع صحت شهادتهما وتعين العتق بالقرعة في أحدهما، فجاز أن يتعين فيه بشهادتهما.
والثاني: أن الواجب بالوصية إخراج الثلث من العتق، وشهادتهما بالرجوع لا يمنع منه، لأن تعيينه في أحدهما ينفي التهمة عنهما من وجهين:
أحدهما: أن المعتبر هو القيمة وقد التزماها.
والثاني: أن ما ظن بهما من طلب الكسب والميراث ليس بموجود في الحال وقد يكون من بعد وقد لا يكون.
فلم يجز أن يعتبر به التهمة في الحال، وقال الشافعي: "لو أبطلت شهادتهما لذلك لأبطلتها لذوي أرحامهما".
فصل:
ويتفرع على هذا أن يشهد أجنبيان بعتق سالم وغانم وقيمة كل واحد منهما الثلث، ويشهد وارثان أنه رجع عن عتق سالم إلي عتق غانم، قبلت شهادتهما، لأن الواجب بالشهادة عتق أحدهما، فلما جاز تعيينه بالقرعة، جاز تعيينه بشهادة الورثة لانتفاء التهمة، وعتق غانم ورق سالم بغير قرعة، كما جاز أن يكون كذلك بالقرعة.
ويتفرع على كل هذا، إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو الثلث، وشهد وارثان أنه رجع عن عتق سالم وأوصى بعتق غانم وهو الثلث، وشهد أجنبيان أنه رجع عن عتق أحدهما وأوصى بعتق نافع بطلت الوصية بعتق سالم بشهادة الوارثين، ولم تبطل في غانم بشهادة الأجنبيين، لأنهما أطلقا الرجوع ولم يعيناه في غانم وثبت بهما الوصية بعتق نافع، وقد ثبتت بشهادة الوارثين الوصية بعتق غانم وإبطال الوصية بعتق سالم، فيرق سالم، ويقرع بين غانم ونافع ويعتق منهما من قرع ويرق الآخر.
فإن شهد الوارثان برجوعه عن عتق نافع، جاز وتعينت الوصية بعتق غانم.
ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم، وشهد وارثان أنه أوصى بعتق غانم، وشهد أجنبيان أنه رجع عن عتق أحدهما، لم يكن للشهادة بالرجوع تأثير، لأنه لو لم يرجع أقرع بينهما، والرجوع إذا لم يعين يقتضي الإقراع، فبطل تأثير الشهادة بالرجوع.
الجزء: 14 - الصفحة: 387
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد أجنبيين أنه أعتق عبدًا هو الثلث وصيًة وشهد وارثان أنه رجع فيه وأعتق عبدًا هو السدس عتق الأول بغير قرعٍة للجر إلي أنفسهما وأبطلت حقهما من الآخر بالإقرار".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في قبول شهادة الورثة بالرجوع في الوصية إذا لم يتهما، وردها إذا اتهموا، وصورة مسألتنا هذه أن يشهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وقيمته الثلث، ويشهد وارثان أنه رجوع عن الوصية بعتق سالم وأعتق غانمًا وقيمته السدس، فقد صارا بشهادتهما متهمين، لأنهما جرا بها بسدس التركة إلي أنفسهما، فتوجهت التهمة إليهما في نصف الرجوع وهو السدس.
وللشافعي في تبعيض الشهادة إذا ردت بالتهمة في بعض المشهود فيه، هل يوجب ردها في باقية؟ قولان:
فاختلف أصحابنا في تخريج هذين القولين في هذا الموضع.
فذهب أبو العباس بن سريج وجمهور البغداديين إلي أن تبعيض الشهادة في هذه المسألة على قولين:
أحدهما: أنها ترد في الجميع ولا تبعيض على ما رضي عليه الشافعي في هذا الموضع، فعلى هذا تبطل شهادة الوارثين في كل الرجوع، ويعتق في التركة سالم بشهادة الأجنبيين وهو الثلث، ويعتق غانم على الوارثين بإقرارهما.
والثاني: يبعض الشهادة ها هنا كما بعضها الشافعي رضي الله عنه في القذف على أحد القولين، فعلى هذا ترد شهادة الوارثين بالرجوع في نصف سالم"وتقبل في الرجوع بنصفه" ويعتق نصفه بالوصية بشهادة الأجنبيين، ويرق نصفه بشهادة الوارثين، ويعتق جميع غانم بشهادة الوارثين وقد استوعب ثلث التركة بالشهادتين.
وذهب جمهور البصريين من أصحابنا إلي منع من تبعيض الشهادة في هذا الموضع، وإن كان تبعيضها في الشهادة بالقذف على قولين، وجعلوا الفرق بينهما معتبرًا بأن التهمة إذا توجهت إلي صفة الشاهد ردت، ولم يجز تبعيضها كالعدواة، وإذا توجهت إلي صفة المشهود فيه جاز تبعيضها على أحد القولين، والتهمة ها هنا في صفة الشاهد دون المشهود فيه، فردت جميعها ولم يبعض.
ويتفرع على هذا، إذا شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبد قيمة نصف التركة، وقبلت شهادة الوارثين في الرجوع عن الأول وفي عتق الثاني في الثلث وتنتفي عنهما التهمة في الرجوع بالزيادة لأنها مردودة الشرع، فقبلت شهادتهما في الرجوع بالكل.
الجزء: 14 - الصفحة: 388
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو لم يقولا أنه رجع في الأول أقرعت بينهما حتى يستوطن الثلث وهو قول أكثر المفتين إن شهادة الأجنبيين والورثة سواءٌ ما لم يجر إلي أنفسهما".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أن شهادة الورثة بالعتق والوصية مقبولة كالأجانب إذا لم يجروا بهما نفعًا، فإذا شهد الأجانب بعتق عبد قيمته الثلث، وشهد الورثة بعتق عبد قيمته السدس، ولم يقولوا: إنه رجع عن عتق صاحب الثلث، فالشهادتان ثابتتان بعتق عبدين يستوعبان نصف التركة، فيعتبر في تجرير العبد حال الشهادتين، فإنهما على أربعة أضرب:
أحدهما: أن تكون شهادة الأجنبيين لصاحب الثلث بعتق بات في الحياة وشهادة الورثة لصاحب السدس بالوصية بعتقه بعد الوفاة فيستوعب الثلث بالعتق البات في صاحب الثلث، وتبطل الوصية بعتق صاحب السدس لتقدم الناجز في الحياة على الوصية بعد الوفاة.
والثاني: أن يكون شهادة الأجنبيين لصاحب الثلث بالوصية بعتقه بعد الوفاة، وشهادة الوارثين لصاحب السدس بعتقه بات في الحياة فيعتق [جميع] صاحب السدس، ويعتق من صاحب الثلث نصفه استكمالًا للثلث، ويرق باقية وهو النصف.
والثالث: أن يكون الشهادتان بالوصية بعتق العبدين بعد الوفاة، فيستوي فيهما من تقدمت فيه الوصية ومن تأخرت، وتقرع بينهما ليستوطن الثلث من قرع منهما، فإن قرع صاحب الثلث عتق جميعه ورق جميع الآخر، وإن قرع صاحب السدس، عتق جميعه وبعض صاحب الثلث استكمالًا للثلث، ورق باقية وهو نصفه.
والرابع: أن تكون الشهادتان بالعتق البات في الحياة، فهو على ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن تدل الشهادتان على وقوع عتقهما في حالة واحدة فيقرع بينهما فيتحرر بالقرعة ليستكمل الثلث بعتق القارع ورق المقروع على ما بيناه.
والثاني: أن تدل الشهادتان على عتق أحدهما قبل الآخر، ويعلم بها المتقدم من المتأخر فيستوطن الثلث بالأول، فإن كان الأول صاحب الثلث عتق جميعه ورق صاحب السدس، وإن كان الأول هو صاحب السدس، عتق جميعه ونصف صاحب الثلث، استكمالًا للثلث ويرق نصفه الباقي.
والثالث: أن تدل الشهادتان على تقدم أحدهما على الآخر، ولا تدل على المتقدم من المتأخر، فقد ذكرنا فيها قولين:
أحدهما: يقرع بينهما ليستوظف الثلث بعتق القارع ورق المقروع على ما بيناه.
والثاني: أنه يعتق من كل واحد منهما يقدر ما احتمله الثلث بغير قرعة.
فيعتق من
الجزء: 14 - الصفحة: 389
صاحب الثلث ثلاثة أرباعها، ويعتق من صاحب السدس ربعة.
وبيانه: أن تنزلها تنزيلين:
أحدهما: أن يكون الأول صاحب الثلث فيعتق حمعيه ويرق صاحب السدس كله.
والثاني: أنه يكون الأول صاحب السدس فيعتق جميعه ونصف صاحب الثلث، فيتحرر في التنزيلين أنه عتق نصف صاحب الثلث يقينًا.
وتعارض التنزيلان في صاحب السدس ونصف صاحب الثلث وهما في القيمة متساويان فاقتضى أن يكون السدس الباقي من الثلث بينهما نصفين، فيعتق من صاحب الثلث نصفه يعتق من كل واحد منهما بقدر ما احتمله الثلث بغير قرعة.
فيعتق من صاحب الثلث نصفه ومن صاحب السدس نصفه، فيصير النصف من صاحب الثلث ثلاثة أرباعه، ومن صاحب السدس نصفه.
ومثاله: أن يكون صاحب الثلث قيمته عشرة دنانير، وقيمة صاحب السدس خمسة دنانير، وقد خلف المعتق سواهما خمسة عشر دينارًا، فتصير التركة مع قيمتها ثلاثين دينارًا، ثلثها عشرة دنانير، فيعتق من صاحب الثلث ثلاثة أرباعه سبعة دنانير ونصف ويعتق من صاحب السدس نصفه بدينارين ونصف، فتصير قيمة المعتق منهما عشرة دنانير هي الثلث، ويبقى للورقة ربع صاحب الثلث بدينارين ونصف صاحب السدس بدينارين ونصف يضافان إلي خمسة عشرة دينارًا يصير عشرين دينارًا هي مثلًا ما خرج بالعتق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد رجلان لرجٍل بالثلث وآخران لآخر بالثلث وشهد آخران أنه رجع عن أحدهما فالثلث بينهما نصفان".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد آخران أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، صحت الشهادتان بثلث المال لزيد وعمرو نصفين فإن أجاز الورثة الوصية بما زاد على الثلث أمضيت الوصيتان بثلثي المال لزيد وعمرو فإن امتنعوا عن إجازة ما زاد على الثلث جعل الثلث بين زيد وعمرو نصفين، ولم يقرع بينهما وإن قرع بين العبدين لوقوع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الشرع أثبت دخول القرعة في العتق دون التمليك.
والثاني: أن المقصود بالعتق كمال أحكام المعتق ولا يكمل تبعيض العتق فيه، فأقرع لكمال أحكامه، والمقصود بالوصية نفع الموصى له، وهو ينتفع بتبعيض الوصية، فلم يقرع مع وجود المنفعة.
فلو شهد وارثان أو أجنبيان أنه رجع عن الوصية بالثلث لزيد إلي الوصية بالثلث لعمرو، قلبت شهادتهما وصار الثلث كله لعمرو.
الجزء: 14 - الصفحة: 390
فإن شهد شاهدان بعد ذلك أنه رجع عن الوصية بالثلث لعمرو وصى بالثلث لبكر، صار الثلث كله بكر، وبطلت في حق زيد وعمرو، سواء كانت الشهادة من ورثة أو أجانب.
ولو شهد شاهدان لزيد بالثلث وشهد آخران لعمرو بالثلث، وشهد آخران، برجوعه عن إحدى الوصيتين من غير تعيين، وهي مسألة الكتاب، لم تكن للشهادة بالرجوع تأثير، وبطل حكمهما.
وجعل الثلث بين زيد وعمرو.
فصل:
ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو الثلث، وشهد وارثان أنه أوصى بثلث ماله لزيد لم يجز أن يقرع بينهما عند امتناع من إجازتها، لأن القرعة لا تدخل في المال، وإن دخلت في العتق، فوجب إذا اجتمعا أن يغلب ما لا تدخله القرعة، لأن دخولها رخصة، فإذا امتنعت القرعة في اجتماعها، ففيها قولان:
أحدهما: أن يشرك بينهما في الثلث فيعتق نصف العبد ويدفع إلي زيد السدس.
والثاني: أن يغلب العتق على الوصية فيعتق جميع العبد وترد جميع الوصية، لأن للعتق مزية بالسراية إلي غير الملك فقدم على الوصايا.
فلو شهد وارثان أنه رجع عن الوصية بالعتق، قبلت شهادتهما في رد العتق.
وأمضيت الوصية بالثلث، ولو شهدا بالرجوع في الثلث، قبلت شهادتهما وأمضيت الوصية بالعتق لانتفاء التهمة عنهما في الشهادة بهذا الرجوع.
فصل:
وإذا شهد شاهدان أنه دبر عبده سالمًا وهو الثلث، وشهد شاهدان أنه أوصى بعتق عبده غانمًا وهو الثلث ففيه قولان:
أحدهما: أنهما سواء ويقرع بينهما ويعتق من قرع منهما.
والثاني: أن التدبير مقدم على الوصية بالعتق، لوقوع العتق في بالموت، فيعتق المدبر، ويرق الموصي بعتقه.
ولو شهد شاهدان أنه دبر عبده سالمًا وهو ثلث، وشهد آخران أنه أوصى بعتق عبده غانمًا وهو الثلث، وشهد آخران أنه أوصى بثلثه لزيد ففيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه يقدم التدبير فيستوظف به الثلث، ويرق الموصي بعتقه وتبطل الوصية بثلثه.
والثاني: أنه يشرك بين المدبر والموصي بعتقه ويقرع بينهما ويعتق من قرع منهما، وتبطل الوصية بثلثه.
والثالث: أنه يشرك بين الجميع في الثلث فيدفع ثلث الثلث إلي الموصى له ويقرع
الجزء: 14 - الصفحة: 391
بين المدبر والموصي بعتقه في ثلثي الثلث، فإذا أقرع أحدهما عتق ثلثاه ورق ثلثه وجميع الآخر.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "وقال في الشهادات في العتق والحدود إملاء وإذا شهدا أن سيده أعتقه فلم يعدلا فسال العبد أن يحال بينه وبين سيده وأجٌر ووقفت إجازته فإن تم عقته أخذها وإن رق أخذها السيد".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد ادعى على سيده أنه أعتقه وأنكر السيد عتقه، فأقام العبد بعتقه شاهدان مجهولي العدالة، فسأل العبد أن يحال بينه وبين سيده حتى تظهر العدالة ليحم بعتقه، أجيب إلي الإحالة بين العبد وبين السيد حتى تظهر العدالة لأمرين:
أحدهما: أنه قد قام بما عليه من الشهادة، وبقي ما على الحاكم من كشف العدالة.
والثاني: أن الظاهر من الشهادة صحتها، ولا يؤمن على العبد أن يباع، ولا على الأمة أن توطأ.
فإذا أحيل بينهما لزم الحاكم أن يستظهر للسيد بأمرين كما استظهر للعبد بالمنع:
أحدهما: أن يضعه على يد أمين نيابة عن يد السيد.
والثاني: أن يؤجره بأجرة ينفق عليه منها، ويوقف باقيها على عدالة الشاهدين فإن ثبتت عدالتهما حكم بعتقه ورد عليه باقي أجرته، وإن ثبت فسقهما حكم برقة وإعادته إلي سيده مع بقية أجرته، وإن لم يثبت لهما عدالة ولا فسق كان باقيًا على الوقف ما بقي حال الشاهدين على الشهادة والجهالة.
ولو كانت هذه الدعوى في غير العتق من دين مدعي، وأقام مدعيه شاهدين مجهولي العدالة والجرح، فوقفت شهادتهما على الكشف، وسأل المدعي حبس خصمه على الكشف على العدالة أجيب إليها اعتبارًا بعدالة الظاهر، ولم يحكم عليه بها حتى تثبت عدالة الباطن، ولو يكن لحبسه غاية إلا أن تثبت العدالة ليستوفي منه الحق أو يثبت الفسق ويطلق.
مسألة:
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو شهد له شاهٌد وادعى شاهدًا قريبًا فالقول فيها واحٌد من قولين: أحدهما ما وصفت في الوقف، والثاني لا يمنع منه سيده ويحلف له".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يقيم المدعي للعتق شاهدًا على عتقه، ويسأل أن
الجزء: 14 - الصفحة: 392
يحال بينه وبين سيده على إقامة الشاهد الآخر، ففي إجابته إلي ذلك قولان منصوصان:
أحدهما: يجاب إلي ذلك، لأن بقية العدد كبينة العدالة.
والثاني: لا يجاب إليه لأنه قد أتى في كمال العدد بما عليه، وبقي ما على الحاكم من ظهور العدالة، ولم يأت في نقصان العدد بما عليه فلم يحكم له بما سأل.
فإن قيل: بأنه لا يجاب ولا فرق بين أن يكون الشاهد الذي أقامه معروف العدالة أو مجهولها، ويحلف السيد على إنكار العتق فيكون العبد في يده على الرق.
وإن قيل: بأنه يجاب في الإحالة بينه وبين سيده لم يخل حال الشاهد من أن يكون معروف العدالة أو مجهولها، فإن كان معروف العدالة، حيل بينه وبين سيده إلي مدة ثلاثة أيام، فإن أقام الشاهد الآخر حكم له بالعتق، وإن لم يقمه أحلف السيد على إنكار العتق، وأعيد العبد إلي يده على الرق، وإن كان الشاهد الذي أقامه مجهول العدالة فقد اختلف أصحابنا على هذا القول في جواز الإحالة بينه وبين سيده على وجهين:
أحدهما: يحال بينهما كما لو كان الشاهد عدلًا اعتبارًا بعدالة ظاهره.
والثاني: أن لا يحال، لأن الباقي من العدالة والعدد أكثر من الماضي فيسقط باعتبار الأقل.
فصل:
ولو كانت الدعوى في حق أيتام فأقام مدعيه شاهدًا واحدًا وسأل حبس خصمه على إقامة شاهد آخر، فإن كان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص والنكاح، ففي جواز حبسه على إقامة الشاهد الآخر قولان كما ذكرنا في دعوى العتق.
أحدهما: لا يحبس به.
والثاني: يحبس إلي مدة ثلاث أيام ثم يطلق إن لم يقم الآخر.
وإن كان الحق مما يثبت بالشاهد واليمين فقد اختلف أصحابنا في حبس الخصم فيه بالشاهد الواحد: فذهب بعضهم إلي جوازه قولًا واحدًا، لأن له أن يحلف معه ويستحق، وذهب آخرون منهم إلي أنه على قولين أيضًا كغيره، لأنه لو أراد اليمين لعجله، والله أعلم بالصواب.
فصل:
ولو شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد شاهد واحد أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، وليحلف معه عمرو، فالشاهد واليمين بينة في الوصية بالمال، فإذا قابلت شاهدين ففي مزاحمتهما له قولان:
أحدهما: يزاحمهما، لأنه بينة في إثبات الوصية كالشاهدين، ويكون الثلث بين عمرو وزيد نصفين.
الجزء: 14 - الصفحة: 393
والثاني: أن الشاهد واليمين لا يزاحم الشاهدين لكمال الشاهدين وقصور الشاهد واليمين.
ولو شهد شاهد عمرو أنه رجع عن الوصية لزيد، وأوصى بثلثه لعمرو وحلف معه عمرو، صح الرجوع والوصية لعمرو بالشاهد واليمين قولًا واحدًا، لأنه ليس في الشاهد واليمين ها هنا مزاحمة للشاهدين، وإنما هي بينة برجوع لم يتضمنه شهادة الشاهدين.
وهاتان المسألتان نص عليهما الشافعي في كتاب الأم.
والله أعلم.
فصل:
وإذا قال: إن قتلت فعبدي حر وشهد شاهدان أنه قتل وشهد آخران أنه مات ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحكم بشهادة القتل وتسقط شهادة الموت.
لأنهما أزيد علمًا فيستحق القود ويعتق العبد.
والثاني: قد تعارضت البينتان فيما شهد لأنه لا استحالة أن يموت مقتول أو يقتل ميت، فلا يستحق القود ولا يعتق العبد لأجل الاستحالة فلو قال لعبده: إن مت في رمضان فسالم حر، وإن مت في شوال فغانم حر ثم شهد شاهدان أنه مات في رمضان وشهد آخران أنه مات في شوال ففيه قولان:
أحدهما: قد تعارضت الشهادتان بتنافيهما ويعلم في العتق على تصديق الورثة.
والثاني: يحكم بقول من شهد بموته في رمضان، لأنه أزيد علمًا، ويعتق العبد الأول، فإن صدق الورثة الثاني عتق عليهم بموته، ولو قال: إن مت في مرضي هذا فعبدي سالم حر، وإن مت في غيره فعبدي غانم حر فشهد شاهدان أنه مات في مرضه ذلك، وشهد آخران أنه مات في غيره، ففيه قولان:
أحدهما: قد تعارضت البينتان وسقطتا، وعتق أحدهما لم يتعين فيرجع إلي بيان الورثة في ذلك، فإن أثبتوا عتق أحدهما عمل في ذلك على بيانهم وحكم برق الآخر، وله إحلافهم، وإن عدم بيان الورثة أقرع بينهما وعتق القارع ورق المقروع.
والثاني: لا تعارض بين البينتين، ويحكم بأسبق الشهادتين، ويعتق أول العبدين.
الجزء: 14 - الصفحة: 394